{"ً":{"ٌ":18332,"ٍ":"الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["18332/asassera.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية\nالمؤلف: سعيد حوّى [ت ١٤٠٩ هـ]\nالناشر: دار السلام، القاهرة - مصر\nالطبعة: الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م\nعدد الأجزاء: ٤ (متسلسلة الترقيم)\nأعده للشاملة: أبو ياسر الجزائري\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية\nتسع السيرة النبوية الزمان والمكان والأشخاص؛ فهي منهج متكامل متجدد. فما من وضع للإنسان وللمكلفين إلا والسيرة النبوية تسعه قدوة وعملا، ملاحظا في ذلك أحوال الناس جميعا من ضعف إلى قوة؛ فقد تجمعت فيها كل شروط القدوة والهداية التي ينبغي أن تهتدي بها الأمم جميعا وهي: التاريخية والشمول والكمال والواقعية العملية. فيا شعوب العالم، ويا أبناء الأمم ليس أمامكم للإصلاح والسعادة إلا السير على خطا النبي الخاتم محمد ﷺ …","ٓ":"1.1","ٔ":2835,"ٕ":24,"ٖ":1770156138,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"[بين يدي الكتاب]","level":1,"page":4},{"title":"مقدمة الناشر","level":2,"page":4},{"title":"مقدمة الأساس في السنة وفقهها","level":2,"page":7},{"title":"أولا: تعريف بهذا الكتاب","level":2,"page":8},{"title":"تمهيد","level":3,"page":8},{"title":"ضخامة المكتبة الحديثية","level":3,"page":14},{"title":"منهج تأليف هذا الكتاب","level":3,"page":22},{"title":"أقسام الكتاب","level":3,"page":29},{"title":"ثانيا: تعريف بأصول هذا الكتاب ومصنفيها","level":2,"page":31},{"title":"١ - الإمام البخاري وصحيحه","level":3,"page":32},{"title":"الجامع الصحيح","level":4,"page":33},{"title":"الحامل له على تأليف الصحيح","level":4,"page":34},{"title":"منهج البخاري في جمع الصحيح","level":4,"page":34},{"title":"براعة البخاري في النقد","level":4,"page":35},{"title":"شروط البخاري في التصحيح في القمة","level":4,"page":36},{"title":"٢ - الإمام مسلم وصحيحه","level":3,"page":38},{"title":"صحيح الإمام مسلم","level":4,"page":39},{"title":"سماحة الإمام في البحث","level":4,"page":40},{"title":"منهج مسلم في صحيحه","level":4,"page":40},{"title":"خصائص صحيح مسلم","level":4,"page":41},{"title":"٣ - الإمام أبو داود وسننه","level":3,"page":43},{"title":"٤ - الإمام الترمذي وسننه","level":3,"page":46},{"title":"٥ - الإمام النسائي وسننه","level":3,"page":47},{"title":"٦ - ابن ماجه وسننه","level":3,"page":49},{"title":"٧ - الدارمي وسننه","level":3,"page":52},{"title":"شيوخه","level":4,"page":53},{"title":"من روى عنه","level":4,"page":53},{"title":"ثناء الأئمة عليه","level":4,"page":53},{"title":"مرتبة هذه السنن عند المحدثين","level":4,"page":55},{"title":"٨ - الإمام مالك وموطؤه","level":3,"page":57},{"title":"٩ - الإمام أحمد ومسنده","level":3,"page":60},{"title":"١٠ - ١١ - ١٢ - معاجم الطبراني الثلاثة","level":3,"page":64},{"title":"١٣ - ابن حبان وصحيحه","level":3,"page":66},{"title":"١٤ - ابن خزيمة وصحيحه","level":3,"page":68},{"title":"١٥ - أبو يعلي ومسنده","level":3,"page":71},{"title":"١٦ - أبو بكر البزار ومسنده","level":3,"page":72},{"title":"١٧ - الحاكم ومستدركه","level":3,"page":73},{"title":"١٨ - رزين وابن الأثير وابن الديبع الشيباني والأصول الستة","level":3,"page":76},{"title":"١٩ - نور الدين الهيثمي ومجمع الزوائد","level":3,"page":81},{"title":"٢٠ - محمد بن محمد بن سليمان المغربي وكتابه جمع الفوائد","level":3,"page":84},{"title":"المقدمة","level":1,"page":87},{"title":"تصحيح مفاهيم حول السيرة","level":2,"page":91},{"title":"(١) حاجة البشرية إلى الدين","level":3,"page":93},{"title":"(٢) محمد الرسول الأكمل ﷺ","level":3,"page":95},{"title":"(٣) شرط التاريخية","level":3,"page":99},{"title":"(٤) شرط الكمال المطلق","level":3,"page":106},{"title":"(٥) شرط الشمولية","level":3,"page":110},{"title":"(٦) واقعية السيرة المحمدية","level":3,"page":115},{"title":"(٧) عالمية السيرة المحمدية","level":3,"page":117},{"title":"(٨) حقية الرسالة المحمدية وأياديها على البشرية","level":3,"page":119},{"title":"الباب الأول من سيرته ﷺ وهو من البدء حتى النبوة الشريفة","level":1,"page":125},{"title":"هذه المرحلة في سطور","level":2,"page":126},{"title":"فصل: في فضل النسب وفي فضل الجيل","level":2,"page":129},{"title":"نسب الرسول ﷺ","level":3,"page":129},{"title":"اصطفاء نبينا من خير بني آدم ومن خير الأجيال","level":3,"page":129},{"title":"تزكية الله لنبيه ﷺ وللصحابة","level":3,"page":131},{"title":"فائدة","level":3,"page":131},{"title":"[هاجر] جدة رسولنا- عليهما الصلاة والسلام -","level":3,"page":132},{"title":"تعليق حول صدق إبراهيم - ﵇-","level":3,"page":133},{"title":"قصة إسماعيل الذبيح﵇- وبناء البيت","level":3,"page":134},{"title":"فائدة في التعريف بالقبائل العربية","level":3,"page":138},{"title":"فصل: في بعض البشارات بنبينا ﷺ","level":2,"page":142},{"title":"بشارات في الكتب السابقة","level":3,"page":142},{"title":"تعليق","level":3,"page":144},{"title":"في قصة بحيرا شاهد على أنه ﵊ مبشر به","level":3,"page":145},{"title":"فائدة حول موضوع الكشف للأولياء","level":3,"page":146},{"title":"فصل: في الميلاد","level":2,"page":147},{"title":"متى ولد رسول الله ﷺ؟","level":3,"page":147},{"title":"فائدة","level":3,"page":147},{"title":"ولد يتيما ﷺ","level":3,"page":148},{"title":"تعليق حول الحكمة من هذا اليتم وذاك الفقر","level":3,"page":149},{"title":"فصل: في أسمائه ﷺ","level":2,"page":150},{"title":"تعليق","level":3,"page":151},{"title":"ما جاء عن رضاعه وتنشئته في البادية","level":3,"page":152},{"title":"فائدة حول تنشئته ﷺ في البادية","level":3,"page":154},{"title":"فصل: في شق صدر النبي ﷺ وتكرار هذه الحادثة","level":2,"page":155},{"title":"فوائد حول حادثة شق الصدر","level":3,"page":157},{"title":"فصل: في رعيه ﷺ الغنم والحكمة من ذلك","level":2,"page":158},{"title":"فوائد","level":3,"page":158},{"title":"فصل: في عصمته ﷺ مما يشينه حتى قبل البعثة","level":2,"page":160},{"title":"بناء البيت وعصمته من كشف العورة","level":3,"page":160},{"title":"عصمته من فعل الجاهلية","level":3,"page":160},{"title":"تعليق","level":3,"page":161},{"title":"فصل: في حضوره ﷺ حلف الفضول","level":2,"page":162},{"title":"فوائد حول حادث حلف الفضول","level":3,"page":162},{"title":"فصل: في الإجارة عند خديجة ثم زواجه ﷺ منها","level":2,"page":164},{"title":"تعليق حول الروايات السابقة","level":3,"page":165},{"title":"فصل: في رجاحة عقله صلى الله عليه سلم وتلقيبه بالأمين قبل البعثة","level":2,"page":166},{"title":"فائدة حول تحكيمه ﷺ في وضع الحجر الأسود","level":3,"page":166},{"title":"بركته ومحبة الناس له وثقتهم به","level":3,"page":167},{"title":"فصل: في مقدمات بعثته ﷺ","level":2,"page":168},{"title":"تطلعات إلى دين جديد صحيح","level":3,"page":168},{"title":"نقل حول ما وصل إليه العرب من سوء الأحوال وحاجتهم إلى الدين الجديد","level":3,"page":171},{"title":"الفترة التي بين عيسى ونبينا - عليهما الصلاة والسلام-","level":3,"page":172},{"title":"إرهاصات بنبوته ﷺ","level":3,"page":173},{"title":"فائدة","level":3,"page":173},{"title":"خاتمة الباب","level":2,"page":174},{"title":"الباب الثاني من البعثة حتى الاستقرار في المدينة","level":1,"page":176},{"title":"هذه المرحلة في سطور","level":2,"page":177},{"title":"من ملامح هذه المرحلة","level":2,"page":180},{"title":"فصل: في بدء الوحي وفترته واستئنافه","level":2,"page":183},{"title":"السر في الخلوة","level":3,"page":185},{"title":"حياته قبل النبوة","level":3,"page":185},{"title":"المراحل الأولى للوحي","level":3,"page":186},{"title":"فصل: في ظاهرة الوحي","level":2,"page":192},{"title":"أقسام الوحي","level":3,"page":197},{"title":"حفظ أمر السماء بعد النبوة","level":3,"page":198},{"title":"القرآن معجزة الرسول ﷺ الخالدة","level":3,"page":201},{"title":"متى وكيف نزل القرآن","level":3,"page":202},{"title":"فصل: في الدعوة السرية","level":2,"page":204},{"title":"بداية الدعوة في سريتها وفرديتها","level":3,"page":223},{"title":"فصل: في الدعوة الجهرية","level":2,"page":225},{"title":"أصناف خصوم الدعوة الجهرية","level":3,"page":229},{"title":"فصل ووصل","level":2,"page":236},{"title":"فصل: في هجرتي الحبشة","level":2,"page":238},{"title":"دروس من الهجرة إلى الحبشة","level":3,"page":245},{"title":"فصل: في إسلام عمر وحمزة","level":2,"page":248},{"title":"دروس من إسلام عمر وحمزة","level":3,"page":250},{"title":"فصل: في حصار الشعب","level":2,"page":252},{"title":"درس من الحصار","level":3,"page":254},{"title":"جزاء المقاطعة","level":3,"page":255},{"title":"فصل: في انشقاق القمر","level":2,"page":257},{"title":"فصل: الإيذاء مستمر والدعوة مستمرة","level":2,"page":261},{"title":"فصل: عام الحزن والشدة","level":2,"page":263},{"title":"فصل: في رحلة الطائف","level":2,"page":269},{"title":"فصل: في تبليغ الجن","level":2,"page":273},{"title":"الفرج بعد الشدة","level":3,"page":278},{"title":"فصل: في تكسير بعض الأصنام","level":2,"page":279},{"title":"فصل: في الإسراء والمعراج","level":2,"page":281},{"title":"زمن الإسراء والمعراج","level":3,"page":283},{"title":"الإيمان بالإسراء والمعراج","level":3,"page":283},{"title":"الإسراء بالروح وبالجسد","level":3,"page":284},{"title":"فصل: في بداية دخول الإسلام المدينة المنورة وفي بيعتي العقبة","level":2,"page":304},{"title":"فصل: في الهجرة إلى المدينة المنورة","level":2,"page":318},{"title":"مقدمة","level":3,"page":318},{"title":"الهجرة من دار الحرب إلى دار السلام","level":3,"page":319},{"title":"فوائد من فتح الباري","level":3,"page":335},{"title":"تعليق","level":3,"page":347},{"title":"فوائد من كتاب الهجرة للدكتور محمد أبو فارس","level":3,"page":348},{"title":"تأملات في العهد المكي وتصويبات","level":3,"page":350},{"title":"الباب الثالث من الاستقرار في المدينة حتى الوفاة","level":1,"page":353},{"title":"هذه المرحلة في سطور","level":2,"page":354},{"title":"من ملامح هذه المرحلة","level":2,"page":354},{"title":"السنة الأولى للهجرة","level":2,"page":356},{"title":"أحادث السنة الأولى في سطور","level":3,"page":357},{"title":"فصل: المدينة عند الهجرة","level":3,"page":360},{"title":"اليهود","level":4,"page":360},{"title":"الأوس والخزرج","level":4,"page":364},{"title":"الوضع الطبيعي","level":4,"page":366},{"title":"الحالة الدينية والمكانة الاجتماعية","level":4,"page":367},{"title":"الحالة الاقتصادية والحضارية","level":4,"page":369},{"title":"فصل: التأريخ بالهجرة","level":3,"page":373},{"title":"للبداءة بالمحرم سببان","level":4,"page":374},{"title":"فصل: في حسن الاستقبال وقوة الإقبال","level":3,"page":375},{"title":"فصل: المسجد أولا","level":3,"page":379},{"title":"فصل: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار","level":3,"page":385},{"title":"أهداف المؤاخاة","level":3,"page":389},{"title":"فصل: في الترتيبات الدستورية","level":3,"page":391},{"title":"دروس من الصحيفة","level":4,"page":395},{"title":"فصل: في البيعة","level":3,"page":399},{"title":"فصل: في الإذن بالقتال وبدء الحركة القتالية","level":3,"page":401},{"title":"فصل: في أمور متفرقة حدثت في السنة الأولى","level":3,"page":405},{"title":"١ - إسلام عبد الله بن سلام","level":4,"page":405},{"title":"٢ - خروج وباء المدينة منها","level":4,"page":407},{"title":"٣ - دخوله ﵊ بعائشة","level":4,"page":407},{"title":"٤ - تشريع الأذان وإكمال الصلاة","level":4,"page":408},{"title":"٥ - حراسة الصحابة لرسول الله ﷺ","level":4,"page":410},{"title":"تقويم الموقف في نهاية السنة الأولى","level":3,"page":412},{"title":"السنة الثانية للهجرة","level":2,"page":413},{"title":"هذه السنة في سطور","level":3,"page":414},{"title":"١ - في تحالفات هذا العام","level":3,"page":414},{"title":"٢ - في الحركة العسكرية","level":3,"page":415},{"title":"فصل: في سرية عبد الله بن جحش","level":3,"page":420},{"title":"دروس من هذه السرية","level":4,"page":421},{"title":"الحكمة في السرايا","level":4,"page":423},{"title":"فصل: في تحويل القبلة","level":3,"page":425},{"title":"دروس في تحويل القبلة","level":4,"page":427},{"title":"عدد غزواته ﷺ","level":4,"page":428},{"title":"فصل: في غزوة بدر","level":3,"page":430},{"title":"تمهيد","level":4,"page":430},{"title":"١ - مقدمات الغزوة","level":4,"page":432},{"title":"٢ - صور ومشاهد","level":4,"page":437},{"title":"عوامل النصر","level":4,"page":456},{"title":"٣ - الأنفال","level":4,"page":468},{"title":"فوائد","level":4,"page":473},{"title":"٤ - فضل أهل بدر","level":4,"page":474},{"title":"٥ - الأسارى","level":4,"page":477},{"title":"٦ - آيات بدرية","level":4,"page":484},{"title":"٧ - من فقه غزوة بدر","level":4,"page":486},{"title":"٨ - في أعقاب بدر","level":4,"page":488},{"title":"من نعم الله على المسلمين في غزوة بدر","level":4,"page":494},{"title":"فصل: في إجراء يهود بني قينقاع","level":3,"page":496},{"title":"تقويم الموقف في نهاية السنة الثانية للهجرة","level":4,"page":499},{"title":"السنة الثالثة للهجرة","level":2,"page":500},{"title":"هذه السنة في سطور","level":3,"page":501},{"title":"غزوة ذي أمر (بنجد)","level":3,"page":501},{"title":"غزوة بحران","level":3,"page":502},{"title":"سرية زيد بن حارثة (إلى القردة)","level":3,"page":502},{"title":"فصل: في قتل كعب بن الأشرف في ربيع الأول من السنة الثالثة","level":3,"page":506},{"title":"دروس من قتل كعب بن الأشرف","level":4,"page":512},{"title":"فصل: في غزوة أحد","level":3,"page":515},{"title":"عرض عام","level":4,"page":516},{"title":"موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق","level":4,"page":522},{"title":"تبدد المسلمين في الموقف","level":4,"page":523},{"title":"احتدام القتال حول رسول الله ﷺ","level":4,"page":523},{"title":"تضاعف ضغط المشركين","level":4,"page":524},{"title":"الرسول ﷺ يواصل المعركة وينقذ الموقف","level":4,"page":525},{"title":"آخر هجوم قام به المشركون","level":4,"page":525},{"title":"التثبت من موقف المشركين","level":4,"page":526},{"title":"١ - بين يدي الالتحام","level":4,"page":529},{"title":"٢ - الالتحام","level":4,"page":536},{"title":"٣ - بعد المعركة","level":4,"page":559},{"title":"تعليق","level":5,"page":559},{"title":"٤ - عبر أحد وبعض دروسها","level":4,"page":567},{"title":"٥ - فقهيات","level":4,"page":573},{"title":"فصل: في غزة حمراء الأسد","level":3,"page":576},{"title":"هوامش على غزوة أحد","level":4,"page":579},{"title":"تقدير الموقف في نهاية السنة الثالثة","level":3,"page":581},{"title":"السنة الرابعة للهجرة","level":2,"page":583},{"title":"السنة الرابعة في سطور","level":3,"page":584},{"title":"فصل: في سرية أبي سلمة لبني أسد","level":3,"page":588},{"title":"فصل: في سرية عبد الله بن أنيس لخالد بن سفيان الهذلي","level":3,"page":589},{"title":"فوائد","level":4,"page":589},{"title":"فصل: في بعث الرجيع","level":3,"page":591},{"title":"فوائد","level":4,"page":596},{"title":"فصل: في مأساة بئر معونة","level":3,"page":598},{"title":"فصل: في إجلاء بني النضير","level":3,"page":608},{"title":"تعليقات على حادثة النضير","level":4,"page":615},{"title":"فصل: في غزوتي الرد","level":3,"page":619},{"title":"١ - غزوة بني لحيان","level":4,"page":619},{"title":"٢ - غزوة ذات الرقاع","level":4,"page":619},{"title":"تعليقات","level":4,"page":625},{"title":"فصل: في غزوة بدر الآخرة","level":3,"page":627},{"title":"دروس بدر الآخرة","level":4,"page":628},{"title":"فوائد عامة من أحداث السنة الرابعة","level":3,"page":630},{"title":"تقويم الموقف في نهاية السنة الرابعة","level":3,"page":632},{"title":"السنة الخامسة للهجرة","level":2,"page":633},{"title":"السنة الخامسة في سطور","level":3,"page":634},{"title":"فصل: في غزوة دومة الجندل","level":3,"page":637},{"title":"فصل: في غزوتي الأحزاب وقريظة","level":3,"page":639},{"title":"١ - من تحقيقات كتاب السير","level":4,"page":639},{"title":"٢ - روايات في غزوة الأحزاب","level":4,"page":644},{"title":"فوائد","level":5,"page":648},{"title":"روايات في يوم الخندق","level":5,"page":651},{"title":"فقه هذه الروايات","level":5,"page":655},{"title":"هزيمة الله ﷿ للأحزاب","level":5,"page":660},{"title":"فوائد من غزوتي الأحزاب وقريظة","level":5,"page":672},{"title":"فصل: في قتل أبي رافع","level":3,"page":678},{"title":"فصل: في زواجه ﵊ بزينب بنت جحش","level":3,"page":682},{"title":"جوانب من كمال شخصيته ﵇","level":4,"page":683},{"title":"فوائد عامة من أحداث السنة الخامسة","level":4,"page":685},{"title":"تقويم الموقف في نهاية السنة الخامسة","level":4,"page":687},{"title":"السنة السادسة للهجرة","level":2,"page":689},{"title":"أحدث السنة السادسة في سطور","level":3,"page":690},{"title":"أهم أحداث هذه السنة في سطور","level":3,"page":691},{"title":"فصل: في غزوة نجد وإسلام ثمامة بن أثال","level":3,"page":696},{"title":"فصل: في غزوة المريسيع","level":3,"page":697},{"title":"١ - وفي هذه الغزوة حدثت حادثة الإفك","level":4,"page":698},{"title":"فوائد من حديث الإفك","level":4,"page":709},{"title":"تحقيق حول وجود سعد بن معاذ في قصة الإفك","level":4,"page":712},{"title":"٢ - وفي هذه الغزوة قامت فتنة بين المهاجرين والأنصار","level":4,"page":715},{"title":"فصل: في غزوة فزارة","level":3,"page":718},{"title":"فصل: في سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين","level":3,"page":719},{"title":"فصل: في صلح الحديبية","level":3,"page":721},{"title":"١ - النصوص","level":4,"page":721},{"title":"٢ - في الصلح: بنوده وحكمه","level":4,"page":754},{"title":"٣ - فقهيات","level":4,"page":755},{"title":"تعليقات على قصة الحديبية","level":4,"page":759},{"title":"وصل هجوم عبد الرحمن الفزاري على المدينة المنورة","level":3,"page":761},{"title":"فصل في: مكاتبته ﵊ الملوك والأمراء","level":3,"page":766},{"title":"فوائد عامة من أحداث السنة السادسة","level":3,"page":772},{"title":"تقويم الموقف في نهاية السنة السادسة","level":3,"page":777},{"title":"السنة السابعة للهجرة","level":2,"page":778},{"title":"أهم أحداث هذه السنة في سطور","level":3,"page":779},{"title":"لنلق قبل البدء نظرة كلية على أحداث هذه السنة","level":3,"page":782},{"title":"فصل: في سرية أبان بن سعيد إلى خيبر","level":3,"page":783},{"title":"فصل: في غزوة خيبر ووادي القرى","level":3,"page":785},{"title":"تقديم","level":4,"page":785},{"title":"فقهيات","level":4,"page":809},{"title":"وصل: قصة الحجاج بن علاط","level":3,"page":811},{"title":"فصل: في غزوة الرقاع","level":3,"page":813},{"title":"فصل: في سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح","level":3,"page":814},{"title":"سرية غالب الليثي إلى الحرقات من جهينة وهي معروفة ببعث أسامة بن زيد","level":4,"page":815},{"title":"فصل: في عمرة القضاء","level":3,"page":819},{"title":"تعليقات على عمرة القضاء","level":4,"page":823},{"title":"نظرة على أحداث السنة السابعة","level":3,"page":825},{"title":"السنة الثامنة للهجرة","level":2,"page":826},{"title":"أحداث السنة الثامنة في سطور","level":3,"page":827},{"title":"فصل: في إسلام خالد وعمرو وعثمان بن طلحة","level":3,"page":832},{"title":"فصل: في سرية شجاع بن وهب","level":3,"page":833},{"title":"فصل: في غزوة مؤتة من أرض الشام","level":3,"page":834},{"title":"فصل: في غزوة ذات السلاسل","level":3,"page":844},{"title":"فصل: في فتح مكة","level":3,"page":847},{"title":"تقديم","level":4,"page":847},{"title":"دروس من فتح مكة","level":4,"page":883},{"title":"فصل: في سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة","level":3,"page":884},{"title":"تعليق","level":4,"page":886},{"title":"فصل: في غزوة حنين","level":3,"page":887},{"title":"فصل: في غزوة أوطاس","level":3,"page":915},{"title":"فصل: في غزوة الطائف","level":3,"page":917},{"title":"فصل: في إسلام كعب بن زهير","level":3,"page":919},{"title":"فوائد عامة من أحداث السنة الثامنة","level":3,"page":929},{"title":"السنة التاسعة للهجرة","level":2,"page":931},{"title":"أحداث السنة التاسعة في سطور","level":3,"page":932},{"title":"من أهم أحداث السنة التاسعة","level":3,"page":933},{"title":"فصل: في غزوة تبوك","level":3,"page":937},{"title":"فصل: في أسر أكيدر دومة الجندل","level":3,"page":955},{"title":"فصل: في الحج سنة تسع","level":3,"page":956},{"title":"فصل: في تهديم ذي الخلصة","level":3,"page":957},{"title":"تقويم الموقف في نهاية السنة التاسعة","level":3,"page":961},{"title":"السنتان العاشرة والحادية عشرة","level":2,"page":963},{"title":"أحداث هاتين السنتين في سطور","level":3,"page":964},{"title":"سنة عشر","level":3,"page":964},{"title":"سنة إحدى عشرة","level":3,"page":965},{"title":"فصل: في نماذج من البعوث","level":3,"page":966},{"title":"١ - بعث خالد وعلي إلى اليمن قبل حجة الوداع","level":4,"page":966},{"title":"٢ - بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن","level":4,"page":967},{"title":"٣ - بعث أبي عبيدة إلى اليمن","level":4,"page":970},{"title":"فصل: في نماذج من الوفود","level":3,"page":973},{"title":"١ - وفد بني تميم","level":4,"page":973},{"title":"٢ - قدوم الأشعريين وأهل اليمن","level":4,"page":973},{"title":"٣ - وفد عبد القيس","level":4,"page":974},{"title":"٤ - وفد طيء","level":4,"page":976},{"title":"٥ - وفد بني حنيفة","level":4,"page":977},{"title":"فائدة","level":4,"page":978},{"title":"فصل: في حجة الوداع","level":3,"page":980},{"title":"فصل: في وفاته ﵊","level":3,"page":992},{"title":"تعليق","level":4,"page":1011},{"title":"نظرة عامة على أحداث السنتين العاشرة والحادية عشرة","level":3,"page":1019},{"title":"الباب الرابع في الصفات والخصائص والشمائل","level":1,"page":1023},{"title":"تقديم","level":2,"page":1024},{"title":"أولا: نصوص قرآنية في بعض الخصائص والشمائل النبوية","level":2,"page":1026},{"title":"ثانيا: نصوص حديثية في الخصائص والشمائل النبوية","level":2,"page":1033},{"title":"الباب الخامس في معجزات الرسول ﷺ","level":1,"page":1085},{"title":"بين يدي هذا الباب","level":2,"page":1086},{"title":"فوائد حول قصة أم حرام بنت ملحان","level":2,"page":1150},{"title":"الباب السادس دوائر شرف حول الرسول ﷺ","level":1,"page":1171},{"title":"تقديم","level":2,"page":1172},{"title":"فصل في فضل أمته","level":2,"page":1173},{"title":"فصل في فضل العرب وقريش وبعض القبائل","level":2,"page":1185},{"title":"فصل في آل بيته","level":2,"page":1196},{"title":"الوصل الأول في أزواجه ﵊","level":3,"page":1205},{"title":"توطئة","level":4,"page":1206},{"title":"المقدمة الأولى لمحة عامة عن أزواجه وسراريه ﵇","level":4,"page":1207},{"title":"المقدمة الثانية: في التفضيل","level":4,"page":1209},{"title":"١ - خديجة بنت خويلد ﵂","level":4,"page":1211},{"title":"نصوص تتحدث عنها","level":5,"page":1212},{"title":"٢ - سودة أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1218},{"title":"بعض نصوص في أصول الكتاب عنها","level":5,"page":1219},{"title":"٣ - عائشة أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1221},{"title":"بعض نصوص في أصول هذا الكتاب عنها ﵂","level":5,"page":1224},{"title":"٤ - حفصة أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1268},{"title":"٥ - زينب بنت خزيمة أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1273},{"title":"٦ - أم سلمة أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1274},{"title":"٧ - زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1278},{"title":"٨ - جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1285},{"title":"٩ - أم حبيبة أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1289},{"title":"١٠ - صفية أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1292},{"title":"١١ - ميمونة أم المؤمنين ﵂","level":4,"page":1299},{"title":"عطف: فيمن عقد عليهن ولم يدخل بهن","level":4,"page":1303},{"title":"عطف على وصل","level":4,"page":1304},{"title":"الوصل الثاني في بناته وأبنائه وأحفاده ﵊","level":3,"page":1320},{"title":"أبناؤه ﵊","level":4,"page":1322},{"title":"بناته ﵊","level":4,"page":1325},{"title":"١ - رقية بنت رسول الله ﷺ","level":5,"page":1325},{"title":"٢ - زينب بنت رسول الله ﷺ","level":5,"page":1326},{"title":"٣ - أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ","level":5,"page":1331},{"title":"٤ - فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها","level":5,"page":1332},{"title":"عطف: فيما ورد بفاطمة وزوجها وابنيهما مشتركا","level":5,"page":1349},{"title":"أحفاده ﵊","level":4,"page":1356},{"title":"١ - الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄","level":5,"page":1356},{"title":"٢ - الحسين الشهيد بن علي ﵄","level":5,"page":1371},{"title":"الوصل الثالث في بعض أقاربه الأدنين ممن يدخل في لفظة أهل البيت بالمعنى العام","level":3,"page":1392},{"title":"مقدمة","level":4,"page":1393},{"title":"١ - من أعمامه وعماته ﵊","level":4,"page":1395},{"title":"حمزة بن عبد المطلب","level":5,"page":1395},{"title":"العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ","level":5,"page":1398},{"title":"صفية عمة رسول الله ﷺ","level":5,"page":1406},{"title":"تعليقات","level":5,"page":1407},{"title":"٢ - بعض أبناء وبنات أعمامه ﵊","level":4,"page":1408},{"title":"جعفر بن أبي طالب","level":5,"page":1408},{"title":"عقيل بن أبي طالب الهاشمي","level":5,"page":1413},{"title":"أم هانئ","level":5,"page":1414},{"title":"عبد الله بن عباس البحر","level":5,"page":1417},{"title":"عبيد الله بن العباس","level":5,"page":1432},{"title":"قثم بن العباس الهاشمي","level":5,"page":1433},{"title":"معبد بن العباس","level":5,"page":1434},{"title":"كثير بن العباس","level":5,"page":1434},{"title":"تمام بن العباس","level":5,"page":1435},{"title":"الفضل بن العباس","level":5,"page":1435},{"title":"ربيعة بن الحارث","level":5,"page":1435},{"title":"عبد الله بن الحارث","level":5,"page":1436},{"title":"عبيدة بن الحارث","level":5,"page":1437},{"title":"نوفل بن الحارث","level":5,"page":1437},{"title":"سعيد بن الحارث","level":5,"page":1438},{"title":"أبو سفيان بن الحارث","level":5,"page":1438},{"title":"درة بنت أبي لهب","level":5,"page":1440},{"title":"ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب","level":5,"page":1441},{"title":"عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب","level":5,"page":1441},{"title":"٣ - من أحفاد أعمامه ﷺ","level":4,"page":1442},{"title":"عبد الله بن جعفر","level":5,"page":1442},{"title":"عبد المطلب بن ربيعة","level":5,"page":1448},{"title":"تصويبات وتوصيات","level":4,"page":1452},{"title":"فصل في أصحابه ﵊","level":2,"page":1453},{"title":"الوصل الأول فيما ورد في فضل الصحابة أو في بعضهم إجمالا وتفصيلا","level":3,"page":1457},{"title":"تمهيد","level":4,"page":1458},{"title":"عطف: في المهاجرين والأنصار","level":4,"page":1474},{"title":"عطف: في أصحاب الصفة","level":4,"page":1482},{"title":"الوصل الثاني في خلفائه الراشدين","level":3,"page":1483},{"title":"المقدمة","level":4,"page":1484},{"title":"أبو بكر الصديق ﵁","level":4,"page":1487},{"title":"مولده ﵁","level":5,"page":1487},{"title":"صفاته وسجاياه","level":5,"page":1487},{"title":"مبايعته بالخلافة","level":5,"page":1488},{"title":"أعماله ﵁ أثناء فترة خلافته","level":5,"page":1488},{"title":"أولا: إنفاذ جيش أسامة بن زيد ﵁ لقتال الروم","level":6,"page":1488},{"title":"ثانيا: قتال المرتدين","level":6,"page":1490},{"title":"قتال مسيلمة الكذاب","level":7,"page":1490},{"title":"قتال طليحة الأسدي","level":7,"page":1491},{"title":"ارتداد أهل البحرين وعودتهم إلى الإسلام","level":7,"page":1492},{"title":"ردة أهل عمان ومهرة اليمن","level":7,"page":1492},{"title":"ثالثا: الفتوح","level":6,"page":1494},{"title":"فتوح الشام في خلافة أبي بكر ﵁","level":7,"page":1495},{"title":"وقعة اليرموك","level":7,"page":1496},{"title":"تعليقات","level":5,"page":1518},{"title":"عمر بن الخطاب ﵁","level":4,"page":1520},{"title":"ميلاده ووفاته","level":5,"page":1520},{"title":"بيعته في الخلافة","level":5,"page":1520},{"title":"سيرته قبل الخلافة","level":5,"page":1520},{"title":"سيرته أثناء الخلافة","level":5,"page":1521},{"title":"١ - فتح دمشق","level":6,"page":1521},{"title":"٢ - فتح الأردن","level":6,"page":1522},{"title":"٣ - وقعة فحل","level":6,"page":1522},{"title":"فتوح العراق","level":6,"page":1523},{"title":"١ - وقعة الجسر","level":6,"page":1523},{"title":"٢ - وقعة البويب","level":6,"page":1523},{"title":"٣ - غزوة القادسية","level":6,"page":1524},{"title":"٤ - فتح المدائن","level":6,"page":1525},{"title":"٥ - وقعة جلولاء","level":6,"page":1525},{"title":"٦ - فتح حلوان","level":6,"page":1526},{"title":"٧ - فتح تكريت والموصل","level":6,"page":1526},{"title":"ما وقع سنة ثلاث عشرة من الحوادث","level":6,"page":1527},{"title":"سنة أربع عشرة من الهجرة","level":6,"page":1528},{"title":"ثم دخلت سنة خمس عشرة","level":6,"page":1529},{"title":"ثم دخلت سنة ست عشرة","level":6,"page":1530},{"title":"ثم دخلت سنة سبع عشرة","level":6,"page":1530},{"title":"ثم دخلت سنة ثماني عشرة","level":6,"page":1531},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وعشرين","level":6,"page":1533},{"title":"ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين","level":6,"page":1533},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وفيها وفاة عمر بن الخطاب","level":6,"page":1533},{"title":"صفته ﵁","level":5,"page":1536},{"title":"تعليقات","level":5,"page":1560},{"title":"عثمان بن عفان ﵁","level":4,"page":1563},{"title":"قصة استخلافه","level":5,"page":1566},{"title":"ذكر زوجاته وبنيه وبناته ﵃","level":5,"page":1572},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وعشرين","level":5,"page":1573},{"title":"ثم دخلت سنة ست وعشرين","level":5,"page":1573},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وعشرين","level":5,"page":1573},{"title":"غزوة الأندلس","level":5,"page":1574},{"title":"وقعة جرير والبربر مع المسلمين","level":5,"page":1574},{"title":"فتح قبرص","level":5,"page":1575},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وعشرين","level":5,"page":1575},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاثين من الهجرة النبوية","level":5,"page":1576},{"title":"ثم خلت سنة إحدى وثلاثين","level":5,"page":1576},{"title":"ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين","level":5,"page":1577},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين","level":5,"page":1577},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثلاثين","level":5,"page":1578},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان","level":5,"page":1578},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان","level":5,"page":1579},{"title":"ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان للمرة الثانية في مصر","level":5,"page":1581},{"title":"ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان","level":5,"page":1583},{"title":"تعليقات","level":5,"page":1607},{"title":"شرح مختصر لأسباب الفتنة في اجتهادي","level":5,"page":1608},{"title":"١ - ظهور الورع الجاهل","level":6,"page":1608},{"title":"٢ - تآمر الحاقدين","level":6,"page":1608},{"title":"٣ - طموح الطامحين","level":6,"page":1608},{"title":"٤ - العفوية","level":6,"page":1608},{"title":"٥ - عدم مراعاة الرأي العام السائد","level":6,"page":1609},{"title":"على بن أبي طالب ﵁","level":4,"page":1610},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة","level":5,"page":1616},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثلاثين","level":5,"page":1620},{"title":"ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب","level":5,"page":1621},{"title":"صفة مقتله ﵁","level":5,"page":1621},{"title":"تعليقات","level":5,"page":1643},{"title":"عبد الله بن الزبير ﵁","level":4,"page":1646},{"title":"تعليقات","level":5,"page":1657},{"title":"الوصل الثالث في نماذج من أصحابه","level":3,"page":1658},{"title":"تمهيد","level":4,"page":1659},{"title":"١ - أبو عبيدة بن الجراح ﵁","level":4,"page":1660},{"title":"٢ - طلحة بن عبيد الله ﵁","level":4,"page":1666},{"title":"٣ - الزبير بن العوام ﵁","level":4,"page":1671},{"title":"٤ - عبد الرحمن ابن عوف ﵁","level":4,"page":1680},{"title":"٥ - سعد بن أبي وقاص ﵁","level":4,"page":1685},{"title":"٦ - سعيد بن زيد ﵁","level":4,"page":1694},{"title":"٧ - زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ ومولاه ﵁","level":4,"page":1698},{"title":"٨ - أسامة بن زيد الحب بن الحب ﵁","level":4,"page":1702},{"title":"٩ - عمار بن ياسر ﵁","level":4,"page":1707},{"title":"١٠ - عبد الله بن مسعود ﵁","level":4,"page":1716},{"title":"١١ - أبو ذر الغفاري ﵁","level":4,"page":1725},{"title":"١٢ - حذيفة بن اليمان ﵄","level":4,"page":1738},{"title":"١٣ - سعد بن معاذ ﵁","level":4,"page":1742},{"title":"١٤ - عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄","level":4,"page":1751},{"title":"١٥ - بلال بن رباح ﵁","level":4,"page":1765},{"title":"١٦ - أبي بن كعب ﵁","level":4,"page":1769},{"title":"١٧ - أبو طلحة الأنصاري ﵁","level":4,"page":1774},{"title":"١٨ - المقداد بن عمرو (المشهور بابن الأسود) ﵁","level":4,"page":1778},{"title":"١٩ - أبو قتادة الأنصاري السلمي ﵁","level":4,"page":1782},{"title":"٢٠ - سلمان الفارسي ﵁","level":4,"page":1785},{"title":"٢١ - عبد الله بن قيس (المشهور بأبي موسى الأشعري) ﵁","level":4,"page":1794},{"title":"٢٢ - عبد الله بن سلام ﵁","level":4,"page":1805},{"title":"٢٣ - جرير بن عبد الله البجلي ﵁","level":4,"page":1814},{"title":"٢٤ - ٢٥ - جابر بن عبد الله وأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام","level":4,"page":1818},{"title":"٢٦ - البراء بن مالك ﵁","level":4,"page":1826},{"title":"٢٧ - أنس بن مالك ﵁","level":4,"page":1830},{"title":"٢٨ - ثابت بن قيس بن شماس ﵁ خطيب رسول الله ﷺ وخطيب الأنصار","level":4,"page":1839},{"title":"٢٩ - أبو هريرة ﵁","level":4,"page":1844},{"title":"٣٠ - حاطب بن أبي بلتعة ﵁","level":4,"page":1862},{"title":"٣١ - جليبيب ﵁","level":4,"page":1865},{"title":"٣٢ - حارثة بن سراقة ﵁","level":4,"page":1867},{"title":"٣٣ - قيس بن سعد بن عبادة ﵄","level":4,"page":1868},{"title":"٣٤ - خالد بن الوليد ﵁","level":4,"page":1877},{"title":"٣٥ - عمرو بن العاص ﵁","level":4,"page":1888},{"title":"٣٦ - أبو سفيان بن حرب ﵁","level":4,"page":1896},{"title":"٣٧ - معاوية بن أبي سفيان ﵄","level":4,"page":1899},{"title":"٣٨ - عباد بن بشر ﵁","level":4,"page":1912},{"title":"٣٩ - ضماد ﵁","level":4,"page":1914},{"title":"٤٠ - عدي بن حاتم ﵁","level":4,"page":1915},{"title":"٤١ - ثمامة بن أثال ﵁","level":4,"page":1919},{"title":"٤٢ - عمرو بن عبسة السلمي ﵁","level":4,"page":1922},{"title":"٤٣ - خباب بن الأرت ﵁","level":4,"page":1926},{"title":"٤٤ - سالم مولى أبي حذيفة ﵄","level":4,"page":1929},{"title":"٤٥ - عامر بن ربيعة ﵁","level":4,"page":1932},{"title":"٤٦ - عبد الله بن جحش ﵁","level":4,"page":1934},{"title":"٤٧ - صهيب بن سنان ﵁","level":4,"page":1936},{"title":"٤٨ - عثمان بن مظعون ﵁","level":4,"page":1940},{"title":"٤٩ - معاذ بن جبل ﵁","level":4,"page":1943},{"title":"٥٠ - عمرو بن الجموح ﵁","level":4,"page":1951},{"title":"٥١ - حارثة بن النعمان ﵁","level":4,"page":1954},{"title":"٥٢ - عبد الله بن رواحة ﵁","level":4,"page":1956},{"title":"٥٣ - عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁","level":4,"page":1964},{"title":"٥٤ - قتادة بن النعمان ﵁","level":4,"page":1966},{"title":"٥٥ - عبادة بن الصامت ﵁","level":4,"page":1968},{"title":"٥٦ - خزيمة بن ثابت ﵁","level":4,"page":1972},{"title":"٥٧ - خالد بن زيد المشهور بأبي أيوب الأنصاري ﵁","level":4,"page":1974},{"title":"٥٨ - زيد بن ثابت ﵁","level":4,"page":1980},{"title":"٥٩ - سلمة بن الأكوع ﵁","level":4,"page":1989},{"title":"٦٠ - أبو الدرداء ﵁","level":4,"page":1994},{"title":"٦١ - عبد الله بن الأرقم ﵁","level":4,"page":2003},{"title":"٦٢ - عثمان بن أبي العاص ﵁","level":4,"page":2005},{"title":"٦٣ - أبو زيد عمر بن أخطب ﵁","level":4,"page":2008},{"title":"٦٤ - أبو أمامة الباهلي ﵁","level":4,"page":2009},{"title":"٦٥ - عبد الله بن بسر ﵁","level":4,"page":2011},{"title":"٦٦ - السائب بن يزيد ﵁","level":4,"page":2013},{"title":"٦٧ - ورقة بن نوفل ﵁","level":4,"page":2015},{"title":"٦٨ - حكيم بن حزام ﵁","level":4,"page":2018},{"title":"٦٩ - قيس بن عاصم المنقري ﵁","level":4,"page":2023},{"title":"٧٠ - عكرمة بن أبي جهل ﵁","level":4,"page":2026},{"title":"٧١ - عبد الله بن حذافة السهمي","level":4,"page":2028},{"title":"٧٢ - عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁","level":4,"page":2033},{"title":"٧٣ - محمد بن مسلمة ﵁","level":4,"page":2042},{"title":"٧٤ - حسان بن ثابت","level":4,"page":2046},{"title":"٧٥ - حجر بن عدي ﵁","level":4,"page":2055},{"title":"٧٦ - عمران بن حصين ﵁","level":4,"page":2058},{"title":"٧٧ - سهيل بن عمرو ﵁","level":4,"page":2062},{"title":"٧٨ - أبو سعيد الخدري ﵁","level":4,"page":2064},{"title":"٧٩ - المغيرة بن شعبة ﵁","level":4,"page":2067},{"title":"٨٠ - النجاشي ﵁","level":4,"page":2072},{"title":"٨١ - أسيد بن حضير ﵁","level":4,"page":2079},{"title":"٨٢ - عبد الله بن أم مكتوم ﵁","level":4,"page":2083},{"title":"٨٣ - أسعد بن زرارة ﵁","level":4,"page":2088},{"title":"٨٤ - أبو دجانة سماك بن خرشة الخزرجي ﵁","level":4,"page":2092},{"title":"٨٥ - أسماء بنت أبي بكر ﵄","level":4,"page":2094},{"title":"٨٦ - أم حرام ﵂","level":4,"page":2099},{"title":"٨٧ - أم سليم ﵂","level":4,"page":2101},{"title":"٨٨ - هند بنت عتبة ﵂","level":4,"page":2106},{"title":"٨٩ - نسيبة بنت كعب ﵂","level":4,"page":2109},{"title":"٩٠ - أم أيمن بركة بنت ثعلبة ﵂","level":4,"page":2112},{"title":"٩١ - أم عطية الأنصارية ﵂","level":4,"page":2116},{"title":"٩٢ - أم سليط ﵂","level":4,"page":2118},{"title":"٩٣ - بريرة مولاة أم المؤمنين عائشة ﵂","level":4,"page":2119},{"title":"٩٤ - الربيع بنت معوذ ﵂","level":4,"page":2122},{"title":"٩٥ - أسماء بنت عميس ﵂","level":4,"page":2124},{"title":"تعليقات على هذا الباب","level":2,"page":2128},{"title":"خاتمة القسم الأول","level":1,"page":2129}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,9":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,91":86,"1,93":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,133":125,"1,135":126,"1,136":127,"1,137":128,"1,138":129,"1,139":130,"1,140":131,"1,141":132,"1,142":133,"1,143":134,"1,144":135,"1,145":136,"1,146":137,"1,147":138,"1,148":139,"1,149":140,"1,150":141,"1,151":142,"1,152":143,"1,153":144,"1,154":145,"1,155":146,"1,156":147,"1,157":148,"1,158":149,"1,159":150,"1,160":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,176":167,"1,177":168,"1,178":169,"1,179":170,"1,180":171,"1,181":172,"1,182":173,"1,183":174,"1,184":175,"1,185":176,"1,187":177,"1,188":178,"1,189":179,"1,190":180,"1,191":181,"1,192":182,"1,193":183,"1,194":184,"1,195":185,"1,196":186,"1,197":187,"1,198":188,"1,199":189,"1,200":190,"1,201":191,"1,202":192,"1,203":193,"1,204":194,"1,205":195,"1,206":196,"1,207":197,"1,208":198,"1,209":199,"1,210":200,"1,211":201,"1,212":202,"1,213":203,"1,214":204,"1,215":205,"1,216":206,"1,217":207,"1,218":208,"1,219":209,"1,220":210,"1,221":211,"1,222":212,"1,223":213,"1,224":214,"1,225":215,"1,226":216,"1,227":217,"1,228":218,"1,229":219,"1,230":220,"1,231":221,"1,232":222,"1,233":223,"1,234":224,"1,235":225,"1,236":226,"1,237":227,"1,238":228,"1,239":229,"1,240":230,"1,241":231,"1,242":232,"1,243":233,"1,244":234,"1,245":235,"1,246":236,"1,247":237,"1,248":238,"1,249":239,"1,250":240,"1,251":241,"1,252":242,"1,253":243,"1,254":244,"1,255":245,"1,256":246,"1,257":247,"1,258":248,"1,259":249,"1,260":250,"1,261":251,"1,262":252,"1,263":253,"1,264":254,"1,265":255,"1,266":256,"1,267":257,"1,268":258,"1,269":259,"1,270":260,"1,271":261,"1,272":262,"1,273":263,"1,274":264,"1,275":265,"1,276":266,"1,277":267,"1,278":268,"1,279":269,"1,280":270,"1,281":271,"1,282":272,"1,283":273,"1,284":274,"1,285":275,"1,286":276,"1,287":277,"1,288":278,"1,289":279,"1,290":280,"1,291":281,"1,292":282,"1,293":283,"1,294":284,"1,295":285,"1,296":286,"1,297":287,"1,298":288,"1,299":289,"1,300":290,"1,301":291,"1,302":292,"1,303":293,"1,304":294,"1,305":295,"1,306":296,"1,307":297,"1,308":298,"1,309":299,"1,310":300,"1,311":301,"1,312":302,"1,313":303,"1,314":304,"1,315":305,"1,316":306,"1,317":307,"1,318":308,"1,319":309,"1,320":310,"1,321":311,"1,322":312,"1,323":313,"1,324":314,"1,325":315,"1,326":316,"1,327":317,"1,328":318,"1,329":319,"1,330":320,"1,331":321,"1,332":322,"1,333":323,"1,334":324,"1,335":325,"1,336":326,"1,337":327,"1,338":328,"1,339":329,"1,340":330,"1,341":331,"1,342":332,"1,343":333,"1,344":334,"1,345":335,"1,346":336,"1,347":337,"1,348":338,"1,349":339,"1,350":340,"1,351":341,"1,352":342,"1,353":343,"1,354":344,"1,355":345,"1,356":346,"1,357":347,"1,358":348,"1,359":349,"1,360":350,"1,361":351,"1,362":352,"1,363":353,"1,365":354,"1,366":355,"1,367":356,"1,369":357,"1,370":358,"1,371":359,"1,372":360,"1,373":361,"1,374":362,"1,375":363,"1,376":364,"1,377":365,"1,378":366,"1,379":367,"1,380":368,"1,381":369,"1,382":370,"1,383":371,"1,384":372,"1,385":373,"1,386":374,"1,387":375,"1,388":376,"1,389":377,"1,390":378,"1,391":379,"1,392":380,"1,393":381,"1,394":382,"1,395":383,"1,396":384,"1,397":385,"1,398":386,"1,399":387,"1,400":388,"1,401":389,"1,402":390,"1,403":391,"1,404":392,"1,405":393,"1,406":394,"1,407":395,"1,408":396,"1,409":397,"1,410":398,"1,411":399,"1,412":400,"1,413":401,"1,414":402,"1,415":403,"1,416":404,"1,417":405,"1,418":406,"1,419":407,"1,420":408,"1,421":409,"1,422":410,"1,423":411,"1,424":412,"1,425":413,"1,427":414,"1,428":415,"1,429":416,"1,430":417,"1,431":418,"1,432":419,"1,433":420,"1,434":421,"1,435":422,"1,436":423,"1,437":424,"1,438":425,"1,439":426,"1,440":427,"1,441":428,"1,442":429,"1,443":430,"1,444":431,"1,445":432,"1,446":433,"1,447":434,"1,448":435,"1,449":436,"1,450":437,"1,451":438,"1,452":439,"1,453":440,"1,454":441,"1,455":442,"1,456":443,"1,457":444,"1,458":445,"1,459":446,"1,460":447,"1,461":448,"1,462":449,"1,463":450,"1,464":451,"1,465":452,"1,466":453,"1,467":454,"1,468":455,"1,469":456,"1,470":457,"1,471":458,"1,472":459,"1,473":460,"1,474":461,"1,475":462,"1,476":463,"1,477":464,"1,478":465,"1,479":466,"1,480":467,"1,481":468,"1,482":469,"1,483":470,"1,484":471,"1,485":472,"1,486":473,"1,487":474,"1,488":475,"1,489":476,"1,490":477,"1,491":478,"1,492":479,"1,493":480,"1,494":481,"1,495":482,"1,496":483,"1,497":484,"1,498":485,"1,499":486,"1,500":487,"1,501":488,"1,502":489,"1,503":490,"1,504":491,"1,505":492,"1,506":493,"1,507":494,"1,508":495,"1,509":496,"1,510":497,"1,511":498,"1,512":499,"2,523":500,"2,525":501,"2,526":502,"2,527":503,"2,528":504,"2,529":505,"2,530":506,"2,531":507,"2,532":508,"2,533":509,"2,534":510,"2,535":511,"2,536":512,"2,537":513,"2,538":514,"2,539":515,"2,540":516,"2,541":517,"2,542":518,"2,543":519,"2,544":520,"2,545":521,"2,546":522,"2,547":523,"2,548":524,"2,549":525,"2,550":526,"2,551":527,"2,552":528,"2,553":529,"2,554":530,"2,555":531,"2,556":532,"2,557":533,"2,558":534,"2,559":535,"2,560":536,"2,561":537,"2,562":538,"2,563":539,"2,564":540,"2,565":541,"2,566":542,"2,567":543,"2,568":544,"2,569":545,"2,570":546,"2,571":547,"2,572":548,"2,573":549,"2,574":550,"2,575":551,"2,576":552,"2,577":553,"2,578":554,"2,579":555,"2,580":556,"2,581":557,"2,582":558,"2,583":559,"2,584":560,"2,585":561,"2,586":562,"2,587":563,"2,588":564,"2,589":565,"2,590":566,"2,591":567,"2,592":568,"2,593":569,"2,594":570,"2,595":571,"2,596":572,"2,597":573,"2,598":574,"2,599":575,"2,600":576,"2,601":577,"2,602":578,"2,603":579,"2,604":580,"2,605":581,"2,606":582,"2,607":583,"2,609":584,"2,610":585,"2,611":586,"2,612":587,"2,613":588,"2,614":589,"2,615":590,"2,616":591,"2,617":592,"2,618":593,"2,619":594,"2,620":595,"2,621":596,"2,622":597,"2,623":598,"2,624":599,"2,625":600,"2,626":601,"2,627":602,"2,628":603,"2,629":604,"2,630":605,"2,631":606,"2,632":607,"2,633":608,"2,634":609,"2,635":610,"2,636":611,"2,637":612,"2,638":613,"2,639":614,"2,640":615,"2,641":616,"2,642":617,"2,643":618,"2,644":619,"2,645":620,"2,646":621,"2,647":622,"2,648":623,"2,649":624,"2,650":625,"2,651":626,"2,652":627,"2,653":628,"2,654":629,"2,655":630,"2,656":631,"2,657":632,"2,659":633,"2,661":634,"2,662":635,"2,663":636,"2,664":637,"2,665":638,"2,666":639,"2,667":640,"2,668":641,"2,669":642,"2,670":643,"2,671":644,"2,672":645,"2,673":646,"2,674":647,"2,675":648,"2,676":649,"2,677":650,"2,678":651,"2,679":652,"2,680":653,"2,681":654,"2,682":655,"2,683":656,"2,684":657,"2,685":658,"2,686":659,"2,687":660,"2,688":661,"2,689":662,"2,690":663,"2,691":664,"2,692":665,"2,693":666,"2,694":667,"2,695":668,"2,696":669,"2,697":670,"2,698":671,"2,699":672,"2,700":673,"2,701":674,"2,702":675,"2,703":676,"2,704":677,"2,705":678,"2,706":679,"2,707":680,"2,708":681,"2,709":682,"2,710":683,"2,711":684,"2,712":685,"2,713":686,"2,714":687,"2,715":688,"2,717":689,"2,719":690,"2,720":691,"2,721":692,"2,722":693,"2,723":694,"2,724":695,"2,725":696,"2,726":697,"2,727":698,"2,728":699,"2,729":700,"2,730":701,"2,731":702,"2,732":703,"2,733":704,"2,734":705,"2,735":706,"2,736":707,"2,737":708,"2,738":709,"2,739":710,"2,740":711,"2,741":712,"2,742":713,"2,743":714,"2,744":715,"2,745":716,"2,746":717,"2,747":718,"2,748":719,"2,749":720,"2,750":721,"2,751":722,"2,752":723,"2,753":724,"2,754":725,"2,755":726,"2,756":727,"2,757":728,"2,758":729,"2,759":730,"2,760":731,"2,761":732,"2,762":733,"2,763":734,"2,764":735,"2,765":736,"2,766":737,"2,767":738,"2,768":739,"2,769":740,"2,770":741,"2,771":742,"2,772":743,"2,773":744,"2,774":745,"2,775":746,"2,776":747,"2,777":748,"2,778":749,"2,779":750,"2,780":751,"2,781":752,"2,782":753,"2,783":754,"2,784":755,"2,785":756,"2,786":757,"2,787":758,"2,788":759,"2,789":760,"2,790":761,"2,791":762,"2,792":763,"2,793":764,"2,794":765,"2,795":766,"2,796":767,"2,797":768,"2,798":769,"2,799":770,"2,800":771,"2,801":772,"2,802":773,"2,803":774,"2,804":775,"2,805":776,"2,806":777,"2,807":778,"2,809":779,"2,810":780,"2,811":781,"2,812":782,"2,813":783,"2,814":784,"2,815":785,"2,816":786,"2,817":787,"2,818":788,"2,819":789,"2,820":790,"2,821":791,"2,822":792,"2,823":793,"2,824":794,"2,825":795,"2,826":796,"2,827":797,"2,828":798,"2,829":799,"2,830":800,"2,831":801,"2,832":802,"2,833":803,"2,834":804,"2,835":805,"2,836":806,"2,837":807,"2,838":808,"2,839":809,"2,840":810,"2,841":811,"2,842":812,"2,843":813,"2,844":814,"2,845":815,"2,846":816,"2,847":817,"2,848":818,"2,849":819,"2,850":820,"2,851":821,"2,852":822,"2,853":823,"2,854":824,"2,855":825,"2,857":826,"2,859":827,"2,860":828,"2,861":829,"2,862":830,"2,863":831,"2,864":832,"2,865":833,"2,866":834,"2,867":835,"2,868":836,"2,869":837,"2,870":838,"2,871":839,"2,872":840,"2,873":841,"2,874":842,"2,875":843,"2,876":844,"2,877":845,"2,878":846,"2,879":847,"2,880":848,"2,881":849,"2,882":850,"2,883":851,"2,884":852,"2,885":853,"2,886":854,"2,887":855,"2,888":856,"2,889":857,"2,890":858,"2,891":859,"2,892":860,"2,893":861,"2,894":862,"2,895":863,"2,896":864,"2,897":865,"2,898":866,"2,899":867,"2,900":868,"2,901":869,"2,902":870,"2,903":871,"2,904":872,"2,905":873,"2,906":874,"2,907":875,"2,908":876,"2,909":877,"2,910":878,"2,911":879,"2,912":880,"2,913":881,"2,914":882,"2,915":883,"2,916":884,"2,917":885,"2,918":886,"2,919":887,"2,920":888,"2,921":889,"2,922":890,"2,923":891,"2,924":892,"2,925":893,"2,926":894,"2,927":895,"2,928":896,"2,929":897,"2,930":898,"2,931":899,"2,932":900,"2,933":901,"2,934":902,"2,935":903,"2,936":904,"2,937":905,"2,938":906,"2,939":907,"2,940":908,"2,941":909,"2,942":910,"2,943":911,"2,944":912,"2,945":913,"2,946":914,"2,947":915,"2,948":916,"2,949":917,"2,950":918,"2,951":919,"2,952":920,"2,953":921,"2,954":922,"2,955":923,"2,956":924,"2,957":925,"2,958":926,"2,959":927,"2,960":928,"2,961":929,"2,962":930,"2,963":931,"2,965":932,"2,966":933,"2,967":934,"2,968":935,"2,969":936,"2,970":937,"2,971":938,"2,972":939,"2,973":940,"2,974":941,"2,975":942,"2,976":943,"2,977":944,"2,978":945,"2,979":946,"2,980":947,"2,981":948,"2,982":949,"2,983":950,"2,984":951,"2,985":952,"2,986":953,"2,987":954,"2,988":955,"2,989":956,"2,990":957,"2,991":958,"2,992":959,"2,993":960,"2,994":961,"2,995":962,"2,997":963,"2,999":964,"2,1000":965,"2,1001":966,"2,1002":967,"2,1003":968,"2,1004":969,"2,1005":970,"2,1006":971,"2,1007":972,"2,1008":973,"2,1009":974,"2,1010":975,"2,1011":976,"2,1012":977,"2,1013":978,"2,1014":979,"2,1015":980,"2,1016":981,"2,1017":982,"2,1018":983,"2,1019":984,"2,1020":985,"2,1021":986,"2,1022":987,"2,1023":988,"2,1024":989,"2,1025":990,"2,1026":991,"2,1027":992,"2,1028":993,"2,1029":994,"2,1030":995,"2,1031":996,"2,1032":997,"2,1033":998,"2,1034":999,"2,1035":1000,"2,1036":1001,"2,1037":1002,"2,1038":1003,"2,1039":1004,"2,1040":1005,"2,1041":1006,"2,1042":1007,"2,1043":1008,"2,1044":1009,"2,1045":1010,"2,1046":1011,"2,1047":1012,"2,1048":1013,"2,1049":1014,"2,1050":1015,"2,1051":1016,"2,1052":1017,"2,1053":1018,"2,1054":1019,"2,1055":1020,"2,1056":1021,"2,1063":1022,"3,1066":1023,"3,1067":1024,"3,1068":1025,"3,1069":1026,"3,1070":1027,"3,1071":1028,"3,1072":1029,"3,1073":1030,"3,1074":1031,"3,1075":1032,"3,1076":1033,"3,1077":1034,"3,1078":1035,"3,1079":1036,"3,1080":1037,"3,1081":1038,"3,1082":1039,"3,1083":1040,"3,1084":1041,"3,1085":1042,"3,1086":1043,"3,1087":1044,"3,1088":1045,"3,1089":1046,"3,1090":1047,"3,1091":1048,"3,1092":1049,"3,1093":1050,"3,1094":1051,"3,1095":1052,"3,1096":1053,"3,1097":1054,"3,1098":1055,"3,1099":1056,"3,1100":1057,"3,1101":1058,"3,1102":1059,"3,1103":1060,"3,1104":1061,"3,1105":1062,"3,1106":1063,"3,1107":1064,"3,1108":1065,"3,1109":1066,"3,1110":1067,"3,1111":1068,"3,1112":1069,"3,1113":1070,"3,1114":1071,"3,1115":1072,"3,1116":1073,"3,1117":1074,"3,1118":1075,"3,1119":1076,"3,1120":1077,"3,1121":1078,"3,1122":1079,"3,1123":1080,"3,1124":1081,"3,1125":1082,"3,1126":1083,"3,1127":1084,"3,1129":1085,"3,1131":1086,"3,1132":1087,"3,1133":1088,"3,1134":1089,"3,1135":1090,"3,1136":1091,"3,1137":1092,"3,1138":1093,"3,1139":1094,"3,1140":1095,"3,1141":1096,"3,1142":1097,"3,1143":1098,"3,1144":1099,"3,1145":1100,"3,1146":1101,"3,1147":1102,"3,1148":1103,"3,1149":1104,"3,1150":1105,"3,1151":1106,"3,1152":1107,"3,1153":1108,"3,1154":1109,"3,1155":1110,"3,1156":1111,"3,1157":1112,"3,1158":1113,"3,1159":1114,"3,1160":1115,"3,1161":1116,"3,1162":1117,"3,1163":1118,"3,1164":1119,"3,1165":1120,"3,1166":1121,"3,1167":1122,"3,1168":1123,"3,1169":1124,"3,1170":1125,"3,1171":1126,"3,1172":1127,"3,1173":1128,"3,1174":1129,"3,1175":1130,"3,1176":1131,"3,1177":1132,"3,1178":1133,"3,1179":1134,"3,1180":1135,"3,1181":1136,"3,1182":1137,"3,1183":1138,"3,1184":1139,"3,1185":1140,"3,1186":1141,"3,1187":1142,"3,1188":1143,"3,1189":1144,"3,1190":1145,"3,1191":1146,"3,1192":1147,"3,1193":1148,"3,1194":1149,"3,1195":1150,"3,1196":1151,"3,1197":1152,"3,1198":1153,"3,1199":1154,"3,1200":1155,"3,1201":1156,"3,1202":1157,"3,1203":1158,"3,1204":1159,"3,1205":1160,"3,1206":1161,"3,1207":1162,"3,1208":1163,"3,1209":1164,"3,1210":1165,"3,1211":1166,"3,1212":1167,"3,1213":1168,"3,1214":1169,"3,1215":1170,"3,1217":1171,"3,1219":1172,"3,1221":1173,"3,1223":1174,"3,1224":1175,"3,1225":1176,"3,1226":1177,"3,1227":1178,"3,1228":1179,"3,1229":1180,"3,1230":1181,"3,1231":1182,"3,1232":1183,"3,1233":1184,"3,1235":1185,"3,1237":1186,"3,1238":1187,"3,1239":1188,"3,1240":1189,"3,1241":1190,"3,1242":1191,"3,1243":1192,"3,1244":1193,"3,1245":1194,"3,1246":1195,"3,1247":1196,"3,1249":1197,"3,1250":1198,"3,1251":1199,"3,1252":1200,"3,1253":1201,"3,1254":1202,"3,1255":1203,"3,1256":1204,"3,1257":1205,"3,1259":1206,"3,1260":1207,"3,1261":1208,"3,1262":1209,"3,1263":1210,"3,1264":1211,"3,1265":1212,"3,1266":1213,"3,1267":1214,"3,1268":1215,"3,1269":1216,"3,1270":1217,"3,1271":1218,"3,1272":1219,"3,1273":1220,"3,1274":1221,"3,1275":1222,"3,1276":1223,"3,1277":1224,"3,1278":1225,"3,1279":1226,"3,1280":1227,"3,1281":1228,"3,1282":1229,"3,1283":1230,"3,1284":1231,"3,1285":1232,"3,1286":1233,"3,1287":1234,"3,1288":1235,"3,1289":1236,"3,1290":1237,"3,1291":1238,"3,1292":1239,"3,1293":1240,"3,1294":1241,"3,1295":1242,"3,1296":1243,"3,1297":1244,"3,1298":1245,"3,1299":1246,"3,1300":1247,"3,1301":1248,"3,1302":1249,"3,1303":1250,"3,1304":1251,"3,1305":1252,"3,1306":1253,"3,1307":1254,"3,1308":1255,"3,1309":1256,"3,1310":1257,"3,1311":1258,"3,1312":1259,"3,1313":1260,"3,1314":1261,"3,1315":1262,"3,1316":1263,"3,1317":1264,"3,1318":1265,"3,1319":1266,"3,1320":1267,"3,1321":1268,"3,1322":1269,"3,1323":1270,"3,1324":1271,"3,1325":1272,"3,1326":1273,"3,1327":1274,"3,1328":1275,"3,1329":1276,"3,1330":1277,"3,1331":1278,"3,1332":1279,"3,1333":1280,"3,1334":1281,"3,1335":1282,"3,1336":1283,"3,1337":1284,"3,1338":1285,"3,1339":1286,"3,1340":1287,"3,1341":1288,"3,1342":1289,"3,1343":1290,"3,1344":1291,"3,1345":1292,"3,1346":1293,"3,1347":1294,"3,1348":1295,"3,1349":1296,"3,1350":1297,"3,1351":1298,"3,1352":1299,"3,1353":1300,"3,1354":1301,"3,1355":1302,"3,1356":1303,"3,1357":1304,"3,1358":1305,"3,1359":1306,"3,1360":1307,"3,1361":1308,"3,1362":1309,"3,1363":1310,"3,1364":1311,"3,1365":1312,"3,1366":1313,"3,1367":1314,"3,1368":1315,"3,1369":1316,"3,1370":1317,"3,1371":1318,"3,1372":1319,"3,1373":1320,"3,1375":1321,"3,1376":1322,"3,1377":1323,"3,1378":1324,"3,1379":1325,"3,1380":1326,"3,1381":1327,"3,1382":1328,"3,1383":1329,"3,1384":1330,"3,1385":1331,"3,1386":1332,"3,1387":1333,"3,1388":1334,"3,1389":1335,"3,1390":1336,"3,1391":1337,"3,1392":1338,"3,1393":1339,"3,1394":1340,"3,1395":1341,"3,1396":1342,"3,1397":1343,"3,1398":1344,"3,1399":1345,"3,1400":1346,"3,1401":1347,"3,1402":1348,"3,1403":1349,"3,1404":1350,"3,1405":1351,"3,1406":1352,"3,1407":1353,"3,1408":1354,"3,1409":1355,"3,1410":1356,"3,1411":1357,"3,1412":1358,"3,1413":1359,"3,1414":1360,"3,1415":1361,"3,1416":1362,"3,1417":1363,"3,1418":1364,"3,1419":1365,"3,1420":1366,"3,1421":1367,"3,1422":1368,"3,1423":1369,"3,1424":1370,"3,1425":1371,"3,1426":1372,"3,1427":1373,"3,1428":1374,"3,1429":1375,"3,1430":1376,"3,1431":1377,"3,1432":1378,"3,1433":1379,"3,1434":1380,"3,1435":1381,"3,1436":1382,"3,1437":1383,"3,1438":1384,"3,1439":1385,"3,1440":1386,"3,1441":1387,"3,1442":1388,"3,1443":1389,"3,1444":1390,"3,1445":1391,"3,1447":1392,"3,1449":1393,"3,1450":1394,"3,1451":1395,"3,1452":1396,"3,1453":1397,"3,1454":1398,"3,1455":1399,"3,1456":1400,"3,1457":1401,"3,1458":1402,"3,1459":1403,"3,1460":1404,"3,1461":1405,"3,1462":1406,"3,1463":1407,"3,1464":1408,"3,1465":1409,"3,1466":1410,"3,1467":1411,"3,1468":1412,"3,1469":1413,"3,1470":1414,"3,1471":1415,"3,1472":1416,"3,1473":1417,"3,1474":1418,"3,1475":1419,"3,1476":1420,"3,1477":1421,"3,1478":1422,"3,1479":1423,"3,1480":1424,"3,1481":1425,"3,1482":1426,"3,1483":1427,"3,1484":1428,"3,1485":1429,"3,1486":1430,"3,1487":1431,"3,1488":1432,"3,1489":1433,"3,1490":1434,"3,1491":1435,"3,1492":1436,"3,1493":1437,"3,1494":1438,"3,1495":1439,"3,1496":1440,"3,1497":1441,"3,1498":1442,"3,1499":1443,"3,1500":1444,"3,1501":1445,"3,1502":1446,"3,1503":1447,"3,1504":1448,"3,1505":1449,"3,1506":1450,"3,1507":1451,"3,1508":1452,"3,1509":1453,"3,1511":1454,"3,1512":1455,"3,1513":1456,"3,1515":1457,"3,1517":1458,"3,1518":1459,"3,1519":1460,"3,1520":1461,"3,1521":1462,"3,1522":1463,"3,1523":1464,"3,1524":1465,"3,1525":1466,"3,1526":1467,"3,1527":1468,"3,1528":1469,"3,1529":1470,"3,1530":1471,"3,1531":1472,"3,1532":1473,"3,1533":1474,"3,1534":1475,"3,1535":1476,"3,1536":1477,"3,1537":1478,"3,1538":1479,"3,1539":1480,"3,1540":1481,"3,1541":1482,"3,1543":1483,"3,1545":1484,"3,1546":1485,"3,1547":1486,"3,1548":1487,"3,1549":1488,"3,1550":1489,"3,1551":1490,"3,1552":1491,"3,1553":1492,"3,1554":1493,"3,1555":1494,"3,1556":1495,"3,1557":1496,"3,1558":1497,"3,1559":1498,"3,1560":1499,"3,1561":1500,"3,1562":1501,"3,1563":1502,"3,1564":1503,"3,1565":1504,"3,1566":1505,"3,1567":1506,"3,1568":1507,"3,1569":1508,"3,1570":1509,"3,1571":1510,"3,1572":1511,"3,1573":1512,"3,1574":1513,"3,1575":1514,"3,1576":1515,"3,1577":1516,"3,1578":1517,"3,1579":1518,"3,1580":1519,"3,1581":1520,"3,1582":1521,"3,1583":1522,"3,1584":1523,"3,1585":1524,"3,1586":1525,"3,1587":1526,"3,1588":1527,"3,1589":1528,"3,1590":1529,"3,1591":1530,"3,1592":1531,"3,1593":1532,"3,1594":1533,"3,1595":1534,"3,1596":1535,"3,1597":1536,"3,1598":1537,"3,1599":1538,"3,1600":1539,"3,1601":1540,"3,1602":1541,"3,1603":1542,"3,1604":1543,"3,1605":1544,"3,1606":1545,"3,1607":1546,"3,1608":1547,"3,1609":1548,"3,1610":1549,"3,1611":1550,"3,1612":1551,"3,1613":1552,"3,1614":1553,"3,1615":1554,"3,1616":1555,"3,1617":1556,"3,1618":1557,"3,1619":1558,"3,1620":1559,"3,1621":1560,"3,1622":1561,"3,1630":1562,"4,1631":1563,"4,1632":1564,"4,1633":1565,"4,1634":1566,"4,1635":1567,"4,1636":1568,"4,1637":1569,"4,1638":1570,"4,1639":1571,"4,1640":1572,"4,1641":1573,"4,1642":1574,"4,1643":1575,"4,1644":1576,"4,1645":1577,"4,1646":1578,"4,1647":1579,"4,1648":1580,"4,1649":1581,"4,1650":1582,"4,1651":1583,"4,1652":1584,"4,1653":1585,"4,1654":1586,"4,1655":1587,"4,1656":1588,"4,1657":1589,"4,1658":1590,"4,1659":1591,"4,1660":1592,"4,1661":1593,"4,1662":1594,"4,1663":1595,"4,1664":1596,"4,1665":1597,"4,1666":1598,"4,1667":1599,"4,1668":1600,"4,1669":1601,"4,1670":1602,"4,1671":1603,"4,1672":1604,"4,1673":1605,"4,1674":1606,"4,1675":1607,"4,1676":1608,"4,1677":1609,"4,1678":1610,"4,1679":1611,"4,1680":1612,"4,1681":1613,"4,1682":1614,"4,1683":1615,"4,1684":1616,"4,1685":1617,"4,1686":1618,"4,1687":1619,"4,1688":1620,"4,1689":1621,"4,1690":1622,"4,1691":1623,"4,1692":1624,"4,1693":1625,"4,1694":1626,"4,1695":1627,"4,1696":1628,"4,1697":1629,"4,1698":1630,"4,1699":1631,"4,1700":1632,"4,1701":1633,"4,1702":1634,"4,1703":1635,"4,1704":1636,"4,1705":1637,"4,1706":1638,"4,1707":1639,"4,1708":1640,"4,1709":1641,"4,1710":1642,"4,1711":1643,"4,1712":1644,"4,1713":1645,"4,1714":1646,"4,1715":1647,"4,1716":1648,"4,1717":1649,"4,1718":1650,"4,1719":1651,"4,1720":1652,"4,1721":1653,"4,1722":1654,"4,1723":1655,"4,1724":1656,"4,1725":1657,"4,1727":1658,"4,1729":1659,"4,1730":1660,"4,1731":1661,"4,1732":1662,"4,1733":1663,"4,1734":1664,"4,1735":1665,"4,1736":1666,"4,1737":1667,"4,1738":1668,"4,1739":1669,"4,1740":1670,"4,1741":1671,"4,1742":1672,"4,1743":1673,"4,1744":1674,"4,1745":1675,"4,1746":1676,"4,1747":1677,"4,1748":1678,"4,1749":1679,"4,1750":1680,"4,1751":1681,"4,1752":1682,"4,1753":1683,"4,1754":1684,"4,1755":1685,"4,1756":1686,"4,1757":1687,"4,1758":1688,"4,1759":1689,"4,1760":1690,"4,1761":1691,"4,1762":1692,"4,1763":1693,"4,1764":1694,"4,1765":1695,"4,1766":1696,"4,1767":1697,"4,1768":1698,"4,1769":1699,"4,1770":1700,"4,1771":1701,"4,1772":1702,"4,1773":1703,"4,1774":1704,"4,1775":1705,"4,1776":1706,"4,1777":1707,"4,1778":1708,"4,1779":1709,"4,1780":1710,"4,1781":1711,"4,1782":1712,"4,1783":1713,"4,1784":1714,"4,1785":1715,"4,1786":1716,"4,1787":1717,"4,1788":1718,"4,1789":1719,"4,1790":1720,"4,1791":1721,"4,1792":1722,"4,1793":1723,"4,1794":1724,"4,1795":1725,"4,1796":1726,"4,1797":1727,"4,1798":1728,"4,1799":1729,"4,1800":1730,"4,1801":1731,"4,1802":1732,"4,1803":1733,"4,1804":1734,"4,1805":1735,"4,1806":1736,"4,1807":1737,"4,1808":1738,"4,1809":1739,"4,1810":1740,"4,1811":1741,"4,1812":1742,"4,1813":1743,"4,1814":1744,"4,1815":1745,"4,1816":1746,"4,1817":1747,"4,1818":1748,"4,1819":1749,"4,1820":1750,"4,1821":1751,"4,1822":1752,"4,1823":1753,"4,1824":1754,"4,1825":1755,"4,1826":1756,"4,1827":1757,"4,1828":1758,"4,1829":1759,"4,1830":1760,"4,1831":1761,"4,1832":1762,"4,1833":1763,"4,1834":1764,"4,1835":1765,"4,1836":1766,"4,1837":1767,"4,1838":1768,"4,1839":1769,"4,1840":1770,"4,1841":1771,"4,1842":1772,"4,1843":1773,"4,1844":1774,"4,1845":1775,"4,1846":1776,"4,1847":1777,"4,1848":1778,"4,1849":1779,"4,1850":1780,"4,1851":1781,"4,1852":1782,"4,1853":1783,"4,1854":1784,"4,1855":1785,"4,1856":1786,"4,1857":1787,"4,1858":1788,"4,1859":1789,"4,1860":1790,"4,1861":1791,"4,1862":1792,"4,1863":1793,"4,1864":1794,"4,1865":1795,"4,1866":1796,"4,1867":1797,"4,1868":1798,"4,1869":1799,"4,1870":1800,"4,1871":1801,"4,1872":1802,"4,1873":1803,"4,1874":1804,"4,1875":1805,"4,1876":1806,"4,1877":1807,"4,1878":1808,"4,1879":1809,"4,1880":1810,"4,1881":1811,"4,1882":1812,"4,1883":1813,"4,1884":1814,"4,1885":1815,"4,1886":1816,"4,1887":1817,"4,1888":1818,"4,1889":1819,"4,1890":1820,"4,1891":1821,"4,1892":1822,"4,1893":1823,"4,1894":1824,"4,1895":1825,"4,1896":1826,"4,1897":1827,"4,1898":1828,"4,1899":1829,"4,1900":1830,"4,1901":1831,"4,1902":1832,"4,1903":1833,"4,1904":1834,"4,1905":1835,"4,1906":1836,"4,1907":1837,"4,1908":1838,"4,1909":1839,"4,1910":1840,"4,1911":1841,"4,1912":1842,"4,1913":1843,"4,1914":1844,"4,1915":1845,"4,1916":1846,"4,1917":1847,"4,1918":1848,"4,1919":1849,"4,1920":1850,"4,1921":1851,"4,1922":1852,"4,1923":1853,"4,1924":1854,"4,1925":1855,"4,1926":1856,"4,1927":1857,"4,1928":1858,"4,1929":1859,"4,1930":1860,"4,1931":1861,"4,1932":1862,"4,1933":1863,"4,1934":1864,"4,1935":1865,"4,1936":1866,"4,1937":1867,"4,1938":1868,"4,1939":1869,"4,1940":1870,"4,1941":1871,"4,1942":1872,"4,1943":1873,"4,1944":1874,"4,1945":1875,"4,1946":1876,"4,1947":1877,"4,1948":1878,"4,1949":1879,"4,1950":1880,"4,1951":1881,"4,1952":1882,"4,1953":1883,"4,1954":1884,"4,1955":1885,"4,1956":1886,"4,1957":1887,"4,1958":1888,"4,1959":1889,"4,1960":1890,"4,1961":1891,"4,1962":1892,"4,1963":1893,"4,1964":1894,"4,1965":1895,"4,1966":1896,"4,1967":1897,"4,1968":1898,"4,1969":1899,"4,1970":1900,"4,1971":1901,"4,1972":1902,"4,1973":1903,"4,1974":1904,"4,1975":1905,"4,1976":1906,"4,1977":1907,"4,1978":1908,"4,1979":1909,"4,1980":1910,"4,1981":1911,"4,1982":1912,"4,1983":1913,"4,1984":1914,"4,1985":1915,"4,1986":1916,"4,1987":1917,"4,1988":1918,"4,1989":1919,"4,1990":1920,"4,1991":1921,"4,1992":1922,"4,1993":1923,"4,1994":1924,"4,1995":1925,"4,1996":1926,"4,1997":1927,"4,1998":1928,"4,1999":1929,"4,2000":1930,"4,2001":1931,"4,2002":1932,"4,2003":1933,"4,2004":1934,"4,2005":1935,"4,2006":1936,"4,2007":1937,"4,2008":1938,"4,2009":1939,"4,2010":1940,"4,2011":1941,"4,2012":1942,"4,2013":1943,"4,2014":1944,"4,2015":1945,"4,2016":1946,"4,2017":1947,"4,2018":1948,"4,2019":1949,"4,2020":1950,"4,2021":1951,"4,2022":1952,"4,2023":1953,"4,2024":1954,"4,2025":1955,"4,2026":1956,"4,2027":1957,"4,2028":1958,"4,2029":1959,"4,2030":1960,"4,2031":1961,"4,2032":1962,"4,2033":1963,"4,2034":1964,"4,2035":1965,"4,2036":1966,"4,2037":1967,"4,2038":1968,"4,2039":1969,"4,2040":1970,"4,2041":1971,"4,2042":1972,"4,2043":1973,"4,2044":1974,"4,2045":1975,"4,2046":1976,"4,2047":1977,"4,2048":1978,"4,2049":1979,"4,2050":1980,"4,2051":1981,"4,2052":1982,"4,2053":1983,"4,2054":1984,"4,2055":1985,"4,2056":1986,"4,2057":1987,"4,2058":1988,"4,2059":1989,"4,2060":1990,"4,2061":1991,"4,2062":1992,"4,2063":1993,"4,2064":1994,"4,2065":1995,"4,2066":1996,"4,2067":1997,"4,2068":1998,"4,2069":1999,"4,2070":2000,"4,2071":2001,"4,2072":2002,"4,2073":2003,"4,2074":2004,"4,2075":2005,"4,2076":2006,"4,2077":2007,"4,2078":2008,"4,2079":2009,"4,2080":2010,"4,2081":2011,"4,2082":2012,"4,2083":2013,"4,2084":2014,"4,2085":2015,"4,2086":2016,"4,2087":2017,"4,2088":2018,"4,2089":2019,"4,2090":2020,"4,2091":2021,"4,2092":2022,"4,2093":2023,"4,2094":2024,"4,2095":2025,"4,2096":2026,"4,2097":2027,"4,2098":2028,"4,2099":2029,"4,2100":2030,"4,2101":2031,"4,2102":2032,"4,2103":2033,"4,2104":2034,"4,2105":2035,"4,2106":2036,"4,2107":2037,"4,2108":2038,"4,2109":2039,"4,2110":2040,"4,2111":2041,"4,2112":2042,"4,2113":2043,"4,2114":2044,"4,2115":2045,"4,2116":2046,"4,2117":2047,"4,2118":2048,"4,2119":2049,"4,2120":2050,"4,2121":2051,"4,2122":2052,"4,2123":2053,"4,2124":2054,"4,2125":2055,"4,2126":2056,"4,2127":2057,"4,2128":2058,"4,2129":2059,"4,2130":2060,"4,2131":2061,"4,2132":2062,"4,2133":2063,"4,2134":2064,"4,2135":2065,"4,2136":2066,"4,2137":2067,"4,2138":2068,"4,2139":2069,"4,2140":2070,"4,2141":2071,"4,2142":2072,"4,2143":2073,"4,2144":2074,"4,2145":2075,"4,2146":2076,"4,2147":2077,"4,2148":2078,"4,2149":2079,"4,2150":2080,"4,2151":2081,"4,2152":2082,"4,2153":2083,"4,2154":2084,"4,2155":2085,"4,2156":2086,"4,2157":2087,"4,2158":2088,"4,2159":2089,"4,2160":2090,"4,2161":2091,"4,2162":2092,"4,2163":2093,"4,2164":2094,"4,2165":2095,"4,2166":2096,"4,2167":2097,"4,2168":2098,"4,2169":2099,"4,2170":2100,"4,2171":2101,"4,2172":2102,"4,2173":2103,"4,2174":2104,"4,2175":2105,"4,2176":2106,"4,2177":2107,"4,2178":2108,"4,2179":2109,"4,2180":2110,"4,2181":2111,"4,2182":2112,"4,2183":2113,"4,2184":2114,"4,2185":2115,"4,2186":2116,"4,2187":2117,"4,2188":2118,"4,2189":2119,"4,2190":2120,"4,2191":2121,"4,2192":2122,"4,2193":2123,"4,2194":2124,"4,2195":2125,"4,2196":2126,"4,2197":2127,"4,2198":2128,"4,2199":2129},"ٜ":{"1":[1,512],"2":[523,1063],"3":[1066,1630],"4":[1631,2199]},"ٝ":["1,1","1,2","1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,93","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,133","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,365","1,366","1,367","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","2,523","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,659","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,717","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,857","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,997","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1063","3,1066","3,1067","3,1068","3,1069","3,1070","3,1071","3,1072","3,1073","3,1074","3,1075","3,1076","3,1077","3,1078","3,1079","3,1080","3,1081","3,1082","3,1083","3,1084","3,1085","3,1086","3,1087","3,1088","3,1089","3,1090","3,1091","3,1092","3,1093","3,1094","3,1095","3,1096","3,1097","3,1098","3,1099","3,1100","3,1101","3,1102","3,1103","3,1104","3,1105","3,1106","3,1107","3,1108","3,1109","3,1110","3,1111","3,1112","3,1113","3,1114","3,1115","3,1116","3,1117","3,1118","3,1119","3,1120","3,1121","3,1122","3,1123","3,1124","3,1125","3,1126","3,1127","3,1129","3,1131","3,1132","3,1133","3,1134","3,1135","3,1136","3,1137","3,1138","3,1139","3,1140","3,1141","3,1142","3,1143","3,1144","3,1145","3,1146","3,1147","3,1148","3,1149","3,1150","3,1151","3,1152","3,1153","3,1154","3,1155","3,1156","3,1157","3,1158","3,1159","3,1160","3,1161","3,1162","3,1163","3,1164","3,1165","3,1166","3,1167","3,1168","3,1169","3,1170","3,1171","3,1172","3,1173","3,1174","3,1175","3,1176","3,1177","3,1178","3,1179","3,1180","3,1181","3,1182","3,1183","3,1184","3,1185","3,1186","3,1187","3,1188","3,1189","3,1190","3,1191","3,1192","3,1193","3,1194","3,1195","3,1196","3,1197","3,1198","3,1199","3,1200","3,1201","3,1202","3,1203","3,1204","3,1205","3,1206","3,1207","3,1208","3,1209","3,1210","3,1211","3,1212","3,1213","3,1214","3,1215","3,1217","3,1219","3,1221","3,1223","3,1224","3,1225","3,1226","3,1227","3,1228","3,1229","3,1230","3,1231","3,1232","3,1233","3,1235","3,1237","3,1238","3,1239","3,1240","3,1241","3,1242","3,1243","3,1244","3,1245","3,1246","3,1247","3,1249","3,1250","3,1251","3,1252","3,1253","3,1254","3,1255","3,1256","3,1257","3,1259","3,1260","3,1261","3,1262","3,1263","3,1264","3,1265","3,1266","3,1267","3,1268","3,1269","3,1270","3,1271","3,1272","3,1273","3,1274","3,1275","3,1276","3,1277","3,1278","3,1279","3,1280","3,1281","3,1282","3,1283","3,1284","3,1285","3,1286","3,1287","3,1288","3,1289","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1294","3,1295","3,1296","3,1297","3,1298","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1306","3,1307","3,1308","3,1309","3,1310","3,1311","3,1312","3,1313","3,1314","3,1315","3,1316","3,1317","3,1318","3,1319","3,1320","3,1321","3,1322","3,1323","3,1324","3,1325","3,1326","3,1327","3,1328","3,1329","3,1330","3,1331","3,1332","3,1333","3,1334","3,1335","3,1336","3,1337","3,1338","3,1339","3,1340","3,1341","3,1342","3,1343","3,1344","3,1345","3,1346","3,1347","3,1348","3,1349","3,1350","3,1351","3,1352","3,1353","3,1354","3,1355","3,1356","3,1357","3,1358","3,1359","3,1360","3,1361","3,1362","3,1363","3,1364","3,1365","3,1366","3,1367","3,1368","3,1369","3,1370","3,1371","3,1372","3,1373","3,1375","3,1376","3,1377","3,1378","3,1379","3,1380","3,1381","3,1382","3,1383","3,1384","3,1385","3,1386","3,1387","3,1388","3,1389","3,1390","3,1391","3,1392","3,1393","3,1394","3,1395","3,1396","3,1397","3,1398","3,1399","3,1400","3,1401","3,1402","3,1403","3,1404","3,1405","3,1406","3,1407","3,1408","3,1409","3,1410","3,1411","3,1412","3,1413","3,1414","3,1415","3,1416","3,1417","3,1418","3,1419","3,1420","3,1421","3,1422","3,1423","3,1424","3,1425","3,1426","3,1427","3,1428","3,1429","3,1430","3,1431","3,1432","3,1433","3,1434","3,1435","3,1436","3,1437","3,1438","3,1439","3,1440","3,1441","3,1442","3,1443","3,1444","3,1445","3,1447","3,1449","3,1450","3,1451","3,1452","3,1453","3,1454","3,1455","3,1456","3,1457","3,1458","3,1459","3,1460","3,1461","3,1462","3,1463","3,1464","3,1465","3,1466","3,1467","3,1468","3,1469","3,1470","3,1471","3,1472","3,1473","3,1474","3,1475","3,1476","3,1477","3,1478","3,1479","3,1480","3,1481","3,1482","3,1483","3,1484","3,1485","3,1486","3,1487","3,1488","3,1489","3,1490","3,1491","3,1492","3,1493","3,1494","3,1495","3,1496","3,1497","3,1498","3,1499","3,1500","3,1501","3,1502","3,1503","3,1504","3,1505","3,1506","3,1507","3,1508","3,1509","3,1511","3,1512","3,1513","3,1515","3,1517","3,1518","3,1519","3,1520","3,1521","3,1522","3,1523","3,1524","3,1525","3,1526","3,1527","3,1528","3,1529","3,1530","3,1531","3,1532","3,1533","3,1534","3,1535","3,1536","3,1537","3,1538","3,1539","3,1540","3,1541","3,1543","3,1545","3,1546","3,1547","3,1548","3,1549","3,1550","3,1551","3,1552","3,1553","3,1554","3,1555","3,1556","3,1557","3,1558","3,1559","3,1560","3,1561","3,1562","3,1563","3,1564","3,1565","3,1566","3,1567","3,1568","3,1569","3,1570","3,1571","3,1572","3,1573","3,1574","3,1575","3,1576","3,1577","3,1578","3,1579","3,1580","3,1581","3,1582","3,1583","3,1584","3,1585","3,1586","3,1587","3,1588","3,1589","3,1590","3,1591","3,1592","3,1593","3,1594","3,1595","3,1596","3,1597","3,1598","3,1599","3,1600","3,1601","3,1602","3,1603","3,1604","3,1605","3,1606","3,1607","3,1608","3,1609","3,1610","3,1611","3,1612","3,1613","3,1614","3,1615","3,1616","3,1617","3,1618","3,1619","3,1620","3,1621","3,1622","3,1630","4,1631","4,1632","4,1633","4,1634","4,1635","4,1636","4,1637","4,1638","4,1639","4,1640","4,1641","4,1642","4,1643","4,1644","4,1645","4,1646","4,1647","4,1648","4,1649","4,1650","4,1651","4,1652","4,1653","4,1654","4,1655","4,1656","4,1657","4,1658","4,1659","4,1660","4,1661","4,1662","4,1663","4,1664","4,1665","4,1666","4,1667","4,1668","4,1669","4,1670","4,1671","4,1672","4,1673","4,1674","4,1675","4,1676","4,1677","4,1678","4,1679","4,1680","4,1681","4,1682","4,1683","4,1684","4,1685","4,1686","4,1687","4,1688","4,1689","4,1690","4,1691","4,1692","4,1693","4,1694","4,1695","4,1696","4,1697","4,1698","4,1699","4,1700","4,1701","4,1702","4,1703","4,1704","4,1705","4,1706","4,1707","4,1708","4,1709","4,1710","4,1711","4,1712","4,1713","4,1714","4,1715","4,1716","4,1717","4,1718","4,1719","4,1720","4,1721","4,1722","4,1723","4,1724","4,1725","4,1727","4,1729","4,1730","4,1731","4,1732","4,1733","4,1734","4,1735","4,1736","4,1737","4,1738","4,1739","4,1740","4,1741","4,1742","4,1743","4,1744","4,1745","4,1746","4,1747","4,1748","4,1749","4,1750","4,1751","4,1752","4,1753","4,1754","4,1755","4,1756","4,1757","4,1758","4,1759","4,1760","4,1761","4,1762","4,1763","4,1764","4,1765","4,1766","4,1767","4,1768","4,1769","4,1770","4,1771","4,1772","4,1773","4,1774","4,1775","4,1776","4,1777","4,1778","4,1779","4,1780","4,1781","4,1782","4,1783","4,1784","4,1785","4,1786","4,1787","4,1788","4,1789","4,1790","4,1791","4,1792","4,1793","4,1794","4,1795","4,1796","4,1797","4,1798","4,1799","4,1800","4,1801","4,1802","4,1803","4,1804","4,1805","4,1806","4,1807","4,1808","4,1809","4,1810","4,1811","4,1812","4,1813","4,1814","4,1815","4,1816","4,1817","4,1818","4,1819","4,1820","4,1821","4,1822","4,1823","4,1824","4,1825","4,1826","4,1827","4,1828","4,1829","4,1830","4,1831","4,1832","4,1833","4,1834","4,1835","4,1836","4,1837","4,1838","4,1839","4,1840","4,1841","4,1842","4,1843","4,1844","4,1845","4,1846","4,1847","4,1848","4,1849","4,1850","4,1851","4,1852","4,1853","4,1854","4,1855","4,1856","4,1857","4,1858","4,1859","4,1860","4,1861","4,1862","4,1863","4,1864","4,1865","4,1866","4,1867","4,1868","4,1869","4,1870","4,1871","4,1872","4,1873","4,1874","4,1875","4,1876","4,1877","4,1878","4,1879","4,1880","4,1881","4,1882","4,1883","4,1884","4,1885","4,1886","4,1887","4,1888","4,1889","4,1890","4,1891","4,1892","4,1893","4,1894","4,1895","4,1896","4,1897","4,1898","4,1899","4,1900","4,1901","4,1902","4,1903","4,1904","4,1905","4,1906","4,1907","4,1908","4,1909","4,1910","4,1911","4,1912","4,1913","4,1914","4,1915","4,1916","4,1917","4,1918","4,1919","4,1920","4,1921","4,1922","4,1923","4,1924","4,1925","4,1926","4,1927","4,1928","4,1929","4,1930","4,1931","4,1932","4,1933","4,1934","4,1935","4,1936","4,1937","4,1938","4,1939","4,1940","4,1941","4,1942","4,1943","4,1944","4,1945","4,1946","4,1947","4,1948","4,1949","4,1950","4,1951","4,1952","4,1953","4,1954","4,1955","4,1956","4,1957","4,1958","4,1959","4,1960","4,1961","4,1962","4,1963","4,1964","4,1965","4,1966","4,1967","4,1968","4,1969","4,1970","4,1971","4,1972","4,1973","4,1974","4,1975","4,1976","4,1977","4,1978","4,1979","4,1980","4,1981","4,1982","4,1983","4,1984","4,1985","4,1986","4,1987","4,1988","4,1989","4,1990","4,1991","4,1992","4,1993","4,1994","4,1995","4,1996","4,1997","4,1998","4,1999","4,2000","4,2001","4,2002","4,2003","4,2004","4,2005","4,2006","4,2007","4,2008","4,2009","4,2010","4,2011","4,2012","4,2013","4,2014","4,2015","4,2016","4,2017","4,2018","4,2019","4,2020","4,2021","4,2022","4,2023","4,2024","4,2025","4,2026","4,2027","4,2028","4,2029","4,2030","4,2031","4,2032","4,2033","4,2034","4,2035","4,2036","4,2037","4,2038","4,2039","4,2040","4,2041","4,2042","4,2043","4,2044","4,2045","4,2046","4,2047","4,2048","4,2049","4,2050","4,2051","4,2052","4,2053","4,2054","4,2055","4,2056","4,2057","4,2058","4,2059","4,2060","4,2061","4,2062","4,2063","4,2064","4,2065","4,2066","4,2067","4,2068","4,2069","4,2070","4,2071","4,2072","4,2073","4,2074","4,2075","4,2076","4,2077","4,2078","4,2079","4,2080","4,2081","4,2082","4,2083","4,2084","4,2085","4,2086","4,2087","4,2088","4,2089","4,2090","4,2091","4,2092","4,2093","4,2094","4,2095","4,2096","4,2097","4,2098","4,2099","4,2100","4,2101","4,2102","4,2103","4,2104","4,2105","4,2106","4,2107","4,2108","4,2109","4,2110","4,2111","4,2112","4,2113","4,2114","4,2115","4,2116","4,2117","4,2118","4,2119","4,2120","4,2121","4,2122","4,2123","4,2124","4,2125","4,2126","4,2127","4,2128","4,2129","4,2130","4,2131","4,2132","4,2133","4,2134","4,2135","4,2136","4,2137","4,2138","4,2139","4,2140","4,2141","4,2142","4,2143","4,2144","4,2145","4,2146","4,2147","4,2148","4,2149","4,2150","4,2151","4,2152","4,2153","4,2154","4,2155","4,2156","4,2157","4,2158","4,2159","4,2160","4,2161","4,2162","4,2163","4,2164","4,2165","4,2166","4,2167","4,2168","4,2169","4,2170","4,2171","4,2172","4,2173","4,2174","4,2175","4,2176","4,2177","4,2178","4,2179","4,2180","4,2181","4,2182","4,2183","4,2184","4,2185","4,2186","4,2187","4,2188","4,2189","4,2190","4,2191","4,2192","4,2193","4,2194","4,2195","4,2196","4,2197","4,2198","4,2199"],"ٞ":{"4":[1,2],"7":[3],"8":[4,5],"14":[6],"22":[7],"29":[8],"31":[9],"32":[10],"33":[11],"34":[12,13],"35":[14],"36":[15],"38":[16],"39":[17],"40":[18,19],"41":[20],"43":[21],"46":[22],"47":[23],"49":[24],"52":[25],"53":[26,27,28],"55":[29],"57":[30],"60":[31],"64":[32],"66":[33],"68":[34],"71":[35],"72":[36],"73":[37],"76":[38],"81":[39],"84":[40],"87":[41],"91":[42],"93":[43],"95":[44],"99":[45],"106":[46],"110":[47],"115":[48],"117":[49],"119":[50],"125":[51],"126":[52],"129":[53,54,55],"131":[56,57],"132":[58],"133":[59],"134":[60],"138":[61],"142":[62,63],"144":[64],"145":[65],"146":[66],"147":[67,68,69],"148":[70],"149":[71],"150":[72],"151":[73],"152":[74],"154":[75],"155":[76],"157":[77],"158":[78,79],"160":[80,81,82],"161":[83],"162":[84,85],"164":[86],"165":[87],"166":[88,89],"167":[90],"168":[91,92],"171":[93],"172":[94],"173":[95,96],"174":[97],"176":[98],"177":[99],"180":[100],"183":[101],"185":[102,103],"186":[104],"192":[105],"197":[106],"198":[107],"201":[108],"202":[109],"204":[110],"223":[111],"225":[112],"229":[113],"236":[114],"238":[115],"245":[116],"248":[117],"250":[118],"252":[119],"254":[120],"255":[121],"257":[122],"261":[123],"263":[124],"269":[125],"273":[126],"278":[127],"279":[128],"281":[129],"283":[130,131],"284":[132],"304":[133],"318":[134,135],"319":[136],"335":[137],"347":[138],"348":[139],"350":[140],"353":[141],"354":[142,143],"356":[144],"357":[145],"360":[146,147],"364":[148],"366":[149],"367":[150],"369":[151],"373":[152],"374":[153],"375":[154],"379":[155],"385":[156],"389":[157],"391":[158],"395":[159],"399":[160],"401":[161],"405":[162,163],"407":[164,165],"408":[166],"410":[167],"412":[168],"413":[169],"414":[170,171],"415":[172],"420":[173],"421":[174],"423":[175],"425":[176],"427":[177],"428":[178],"430":[179,180],"432":[181],"437":[182],"456":[183],"468":[184],"473":[185],"474":[186],"477":[187],"484":[188],"486":[189],"488":[190],"494":[191],"496":[192],"499":[193],"500":[194],"501":[195,196],"502":[197,198],"506":[199],"512":[200],"515":[201],"516":[202],"522":[203],"523":[204,205],"524":[206],"525":[207,208],"526":[209],"529":[210],"536":[211],"559":[212,213],"567":[214],"573":[215],"576":[216],"579":[217],"581":[218],"583":[219],"584":[220],"588":[221],"589":[222,223],"591":[224],"596":[225],"598":[226],"608":[227],"615":[228],"619":[229,230,231],"625":[232],"627":[233],"628":[234],"630":[235],"632":[236],"633":[237],"634":[238],"637":[239],"639":[240,241],"644":[242],"648":[243],"651":[244],"655":[245],"660":[246],"672":[247],"678":[248],"682":[249],"683":[250],"685":[251],"687":[252],"689":[253],"690":[254],"691":[255],"696":[256],"697":[257],"698":[258],"709":[259],"712":[260],"715":[261],"718":[262],"719":[263],"721":[264,265],"754":[266],"755":[267],"759":[268],"761":[269],"766":[270],"772":[271],"777":[272],"778":[273],"779":[274],"782":[275],"783":[276],"785":[277,278],"809":[279],"811":[280],"813":[281],"814":[282],"815":[283],"819":[284],"823":[285],"825":[286],"826":[287],"827":[288],"832":[289],"833":[290],"834":[291],"844":[292],"847":[293,294],"883":[295],"884":[296],"886":[297],"887":[298],"915":[299],"917":[300],"919":[301],"929":[302],"931":[303],"932":[304],"933":[305],"937":[306],"955":[307],"956":[308],"957":[309],"961":[310],"963":[311],"964":[312,313],"965":[314],"966":[315,316],"967":[317],"970":[318],"973":[319,320,321],"974":[322],"976":[323],"977":[324],"978":[325],"980":[326],"992":[327],"1011":[328],"1019":[329],"1023":[330],"1024":[331],"1026":[332],"1033":[333],"1085":[334],"1086":[335],"1150":[336],"1171":[337],"1172":[338],"1173":[339],"1185":[340],"1196":[341],"1205":[342],"1206":[343],"1207":[344],"1209":[345],"1211":[346],"1212":[347],"1218":[348],"1219":[349],"1221":[350],"1224":[351],"1268":[352],"1273":[353],"1274":[354],"1278":[355],"1285":[356],"1289":[357],"1292":[358],"1299":[359],"1303":[360],"1304":[361],"1320":[362],"1322":[363],"1325":[364,365],"1326":[366],"1331":[367],"1332":[368],"1349":[369],"1356":[370,371],"1371":[372],"1392":[373],"1393":[374],"1395":[375,376],"1398":[377],"1406":[378],"1407":[379],"1408":[380,381],"1413":[382],"1414":[383],"1417":[384],"1432":[385],"1433":[386],"1434":[387,388],"1435":[389,390,391],"1436":[392],"1437":[393,394],"1438":[395,396],"1440":[397],"1441":[398,399],"1442":[400,401],"1448":[402],"1452":[403],"1453":[404],"1457":[405],"1458":[406],"1474":[407],"1482":[408],"1483":[409],"1484":[410],"1487":[411,412,413],"1488":[414,415,416],"1490":[417,418],"1491":[419],"1492":[420,421],"1494":[422],"1495":[423],"1496":[424],"1518":[425],"1520":[426,427,428,429],"1521":[430,431],"1522":[432,433],"1523":[434,435,436],"1524":[437],"1525":[438,439],"1526":[440,441],"1527":[442],"1528":[443],"1529":[444],"1530":[445,446],"1531":[447],"1533":[448,449,450],"1536":[451],"1560":[452],"1563":[453],"1566":[454],"1572":[455],"1573":[456,457,458],"1574":[459,460],"1575":[461,462],"1576":[463,464],"1577":[465,466],"1578":[467,468],"1579":[469],"1581":[470],"1583":[471],"1607":[472],"1608":[473,474,475,476,477],"1609":[478],"1610":[479],"1616":[480],"1620":[481],"1621":[482,483],"1643":[484],"1646":[485],"1657":[486],"1658":[487],"1659":[488],"1660":[489],"1666":[490],"1671":[491],"1680":[492],"1685":[493],"1694":[494],"1698":[495],"1702":[496],"1707":[497],"1716":[498],"1725":[499],"1738":[500],"1742":[501],"1751":[502],"1765":[503],"1769":[504],"1774":[505],"1778":[506],"1782":[507],"1785":[508],"1794":[509],"1805":[510],"1814":[511],"1818":[512],"1826":[513],"1830":[514],"1839":[515],"1844":[516],"1862":[517],"1865":[518],"1867":[519],"1868":[520],"1877":[521],"1888":[522],"1896":[523],"1899":[524],"1912":[525],"1914":[526],"1915":[527],"1919":[528],"1922":[529],"1926":[530],"1929":[531],"1932":[532],"1934":[533],"1936":[534],"1940":[535],"1943":[536],"1951":[537],"1954":[538],"1956":[539],"1964":[540],"1966":[541],"1968":[542],"1972":[543],"1974":[544],"1980":[545],"1989":[546],"1994":[547],"2003":[548],"2005":[549],"2008":[550],"2009":[551],"2011":[552],"2013":[553],"2015":[554],"2018":[555],"2023":[556],"2026":[557],"2028":[558],"2033":[559],"2042":[560],"2046":[561],"2055":[562],"2058":[563],"2062":[564],"2064":[565],"2067":[566],"2072":[567],"2079":[568],"2083":[569],"2088":[570],"2092":[571],"2094":[572],"2099":[573],"2101":[574],"2106":[575],"2109":[576],"2112":[577],"2116":[578],"2118":[579],"2119":[580],"2122":[581],"2124":[582],"2128":[583],"2129":[584]},"ٟ":[],"numbers":{"1":129,"3":130,"2":129,"5":131,"4":130,"6":132,"7":134,"8":137,"9":142,"12":143,"10":142,"11":142,"13":145,"14":147,"17":148,"15":147,"16":147,"18":150,"21":151,"19":150,"20":150,"22":152,"23":155,"25":156,"24":155,"27":158,"28":160,"31":162,"32":164,"35":166,"37":167,"36":166,"39":168,"38":167,"42":169,"40":168,"41":168,"44":170,"43":169,"45":172,"46":173,"48":183,"49":187,"51":188,"50":187,"52":189,"53":192,"56":193,"54":192,"55":192,"58":194,"57":193,"59":198,"60":201,"61":208,"62":209,"64":210,"63":209,"68":211,"65":210,"66":210,"67":210,"69":212,"70":213,"71":214,"75":215,"72":214,"73":214,"74":214,"77":216,"76":215,"78":217,"79":219,"80":220,"81":221,"84":222,"82":221,"83":221,"87":225,"88":227,"90":229,"91":230,"92":231,"93":232,"97":233,"94":232,"95":232,"96":232,"98":234,"100":235,"99":234,"101":237,"102":238,"104":239,"103":238,"106":240,"105":239,"107":241,"108":242,"109":248,"113":249,"110":248,"111":248,"112":248,"116":250,"114":249,"115":249,"117":252,"118":255,"119":257,"121":258,"120":257,"124":261,"128":262,"125":261,"126":261,"127":261,"130":263,"129":262,"131":264,"134":265,"132":264,"133":264,"135":266,"136":267,"138":268,"137":267,"139":269,"140":271,"141":274,"142":275,"143":276,"145":279,"146":285,"147":286,"149":288,"152":289,"150":288,"151":288,"154":290,"153":289,"156":296,"157":298,"159":299,"158":298,"161":300,"160":299,"163":301,"162":300,"166":302,"164":301,"165":301,"168":307,"170":308,"169":307,"171":309,"173":311,"174":312,"175":315,"177":316,"176":315,"181":317,"178":316,"179":316,"180":316,"183":323,"184":324,"187":325,"185":324,"186":324,"190":326,"188":325,"189":325,"191":327,"195":328,"192":327,"193":327,"194":327,"198":329,"196":328,"197":328,"201":330,"199":329,"200":329,"202":337,"203":338,"204":339,"206":340,"205":339,"208":341,"207":340,"211":342,"209":341,"210":341,"216":343,"212":342,"213":342,"214":342,"215":342,"219":344,"217":343,"218":343,"220":345,"223":346,"221":345,"222":345,"228":347,"224":346,"225":346,"226":346,"227":346,"229":373,"231":375,"232":376,"236":377,"233":376,"234":376,"235":376,"238":378,"237":377,"239":379,"240":380,"242":381,"241":380,"243":385,"244":386,"247":387,"245":386,"246":386,"250":392,"251":393,"252":399,"253":400,"255":401,"254":400,"256":402,"258":403,"257":402,"259":405,"261":406,"260":405,"262":407,"264":408,"263":407,"265":409,"266":410,"267":420,"269":425,"270":426,"272":428,"274":432,"275":433,"276":434,"277":436,"278":437,"279":438,"280":440,"281":441,"283":442,"282":441,"286":443,"284":442,"285":442,"287":444,"288":446,"289":447,"290":448,"291":449,"293":451,"294":452,"297":453,"295":452,"296":452,"299":454,"298":453,"301":455,"300":454,"304":457,"307":459,"308":460,"310":461,"309":460,"313":462,"311":461,"312":461,"315":463,"314":462,"316":464,"318":465,"317":464,"319":466,"322":468,"323":469,"326":470,"324":469,"325":469,"328":471,"327":470,"330":472,"329":471,"331":474,"334":475,"332":474,"333":474,"338":476,"335":475,"336":475,"337":475,"339":477,"343":478,"340":477,"341":477,"342":477,"346":479,"344":478,"345":478,"347":480,"348":481,"349":483,"350":484,"352":485,"351":484,"356":488,"357":496,"358":506,"359":507,"360":511,"361":529,"363":530,"362":529,"364":531,"366":532,"365":531,"369":533,"367":532,"368":532,"370":534,"373":535,"371":534,"372":534,"375":536,"374":535,"376":539,"379":540,"377":539,"378":539,"380":542,"381":543,"382":544,"383":545,"386":546,"384":545,"385":545,"387":547,"389":548,"388":547,"391":549,"390":548,"393":551,"395":552,"394":551,"397":553,"396":552,"400":554,"398":553,"399":553,"402":555,"401":554,"403":556,"406":557,"404":556,"405":556,"408":558,"407":557,"409":559,"410":560,"412":561,"411":560,"415":562,"413":561,"414":561,"416":563,"418":564,"417":563,"421":565,"419":564,"420":564,"424":566,"422":565,"423":565,"427":567,"425":566,"426":566,"428":576,"429":577,"430":578,"431":589,"432":591,"433":592,"434":597,"435":599,"436":600,"437":601,"438":603,"439":611,"440":613,"443":614,"441":613,"442":613,"445":622,"446":623,"447":644,"448":645,"450":646,"449":645,"451":647,"453":651,"455":652,"454":651,"457":653,"456":652,"458":654,"461":657,"462":660,"464":661,"463":660,"466":662,"465":661,"467":663,"469":664,"468":663,"470":668,"472":669,"471":668,"474":671,"475":672,"477":678,"478":681,"479":682,"480":683,"481":696,"482":697,"485":698,"483":697,"484":697,"487":714,"489":715,"488":714,"492":718,"493":719,"494":721,"495":734,"496":735,"497":737,"498":738,"501":739,"499":738,"500":738,"504":740,"502":739,"503":739,"505":741,"507":742,"506":741,"509":744,"510":745,"511":746,"512":747,"513":748,"515":750,"517":751,"516":750,"520":752,"518":751,"519":751,"521":753,"523":761,"524":767,"527":783,"528":788,"529":790,"532":791,"530":790,"531":790,"534":792,"533":791,"535":794,"538":795,"536":794,"537":794,"540":796,"539":795,"542":797,"541":796,"546":798,"543":797,"544":797,"545":797,"549":799,"547":798,"548":798,"551":800,"550":799,"554":801,"552":800,"553":800,"556":802,"555":801,"557":804,"560":805,"558":804,"559":804,"565":806,"561":805,"562":805,"563":805,"564":805,"568":807,"566":806,"567":806,"572":808,"569":807,"570":807,"571":807,"574":811,"575":813,"577":814,"576":813,"578":815,"579":819,"580":822,"583":823,"581":822,"582":822,"584":833,"585":834,"586":836,"587":837,"588":838,"589":839,"590":840,"592":841,"591":840,"596":844,"597":849,"598":850,"602":853,"605":856,"607":864,"608":868,"610":869,"609":868,"611":870,"613":871,"612":870,"614":873,"616":874,"615":873,"618":875,"617":874,"619":876,"620":877,"622":878,"621":877,"624":879,"623":878,"625":880,"626":881,"630":882,"627":881,"628":881,"629":881,"632":884,"633":887,"635":888,"634":887,"637":889,"636":888,"638":891,"639":892,"641":893,"640":892,"645":894,"642":893,"643":893,"644":893,"647":895,"646":894,"648":896,"650":897,"649":896,"651":898,"653":899,"652":898,"658":902,"659":903,"661":904,"660":903,"664":905,"662":904,"663":904,"666":906,"665":905,"667":908,"668":910,"669":912,"670":913,"671":915,"672":917,"673":919,"674":920,"675":921,"676":937,"680":939,"681":940,"682":941,"684":942,"683":941,"685":943,"687":944,"686":943,"689":945,"688":944,"692":955,"694":956,"693":955,"697":957,"695":956,"696":956,"698":966,"700":967,"699":966,"702":968,"701":967,"704":969,"703":968,"707":970,"705":969,"706":969,"709":971,"708":970,"711":973,"713":974,"712":973,"718":976,"719":977,"722":980,"724":981,"723":980,"725":988,"728":989,"726":988,"727":988,"731":990,"729":989,"730":989,"735":991,"732":990,"733":990,"734":990,"736":992,"741":993,"737":992,"738":992,"739":992,"740":992,"744":994,"742":993,"743":993,"745":995,"747":996,"746":995,"749":997,"748":996,"751":998,"750":997,"752":999,"753":1000,"755":1001,"754":1000,"757":1002,"756":1001,"760":1003,"758":1002,"759":1002,"761":1004,"762":1005,"764":1006,"763":1005,"768":1007,"765":1006,"766":1006,"767":1006,"770":1008,"769":1007,"773":1009,"771":1008,"772":1008,"777":1011,"779":1012,"778":1011,"781":1013,"780":1012,"783":1014,"782":1013,"784":1015,"787":1016,"785":1015,"786":1015,"789":1017,"788":1016,"793":1018,"790":1017,"791":1017,"792":1017,"797":1033,"800":1034,"798":1033,"799":1033,"803":1035,"801":1034,"802":1034,"805":1036,"804":1035,"806":1037,"809":1038,"807":1037,"808":1037,"813":1039,"810":1038,"811":1038,"812":1038,"818":1040,"814":1039,"815":1039,"816":1039,"817":1039,"822":1041,"819":1040,"820":1040,"821":1040,"823":1042,"825":1043,"824":1042,"827":1044,"826":1043,"828":1045,"831":1046,"829":1045,"830":1045,"835":1048,"838":1049,"836":1048,"837":1048,"841":1050,"839":1049,"840":1049,"844":1051,"842":1050,"843":1050,"848":1052,"845":1051,"846":1051,"847":1051,"851":1053,"849":1052,"850":1052,"852":1054,"855":1055,"853":1054,"854":1054,"857":1056,"856":1055,"858":1058,"863":1059,"859":1058,"860":1058,"861":1058,"862":1058,"866":1060,"864":1059,"865":1059,"867":1061,"872":1062,"868":1061,"869":1061,"870":1061,"871":1061,"876":1063,"873":1062,"874":1062,"875":1062,"879":1064,"877":1063,"878":1063,"881":1065,"880":1064,"882":1066,"886":1067,"883":1066,"884":1066,"885":1066,"889":1068,"887":1067,"888":1067,"892":1069,"890":1068,"891":1068,"895":1071,"898":1072,"896":1071,"897":1071,"899":1073,"902":1074,"900":1073,"901":1073,"904":1075,"903":1074,"906":1076,"905":1075,"908":1077,"907":1076,"912":1078,"909":1077,"910":1077,"911":1077,"915":1079,"913":1078,"914":1078,"919":1080,"916":1079,"917":1079,"918":1079,"922":1081,"920":1080,"921":1080,"924":1082,"923":1081,"930":1083,"925":1082,"926":1082,"927":1082,"928":1082,"929":1082,"938":1084,"931":1083,"932":1083,"933":1083,"934":1083,"935":1083,"936":1083,"937":1083,"939":1088,"940":1090,"942":1091,"941":1090,"943":1093,"945":1094,"944":1093,"947":1095,"946":1094,"948":1096,"950":1097,"949":1096,"952":1098,"951":1097,"953":1099,"955":1100,"954":1099,"956":1103,"957":1106,"958":1107,"960":1108,"959":1107,"962":1109,"961":1108,"964":1110,"963":1109,"965":1111,"967":1113,"968":1114,"969":1121,"972":1122,"970":1121,"971":1121,"974":1123,"973":1122,"975":1126,"978":1127,"976":1126,"977":1126,"980":1128,"979":1127,"981":1129,"983":1130,"982":1129,"986":1131,"984":1130,"985":1130,"990":1132,"987":1131,"988":1131,"989":1131,"993":1133,"991":1132,"992":1132,"995":1134,"994":1133,"996":1135,"998":1136,"997":1135,"1002":1137,"999":1136,"1000":1136,"1001":1136,"1004":1138,"1003":1137,"1005":1140,"1006":1141,"1008":1143,"1009":1144,"1011":1145,"1010":1144,"1012":1146,"1013":1148,"1016":1151,"1017":1152,"1020":1153,"1018":1152,"1019":1152,"1023":1154,"1021":1153,"1022":1153,"1024":1155,"1026":1156,"1025":1155,"1027":1157,"1030":1158,"1028":1157,"1029":1157,"1032":1159,"1031":1158,"1035":1160,"1033":1159,"1034":1159,"1038":1161,"1036":1160,"1037":1160,"1040":1162,"1039":1161,"1041":1164,"1042":1165,"1043":1166,"1044":1168,"1046":1169,"1045":1168,"1050":1170,"1047":1169,"1048":1169,"1049":1169,"1052":1174,"1054":1175,"1053":1174,"1055":1176,"1056":1177,"1060":1178,"1057":1177,"1058":1177,"1059":1177,"1062":1179,"1061":1178,"1064":1180,"1063":1179,"1066":1181,"1065":1180,"1068":1182,"1067":1181,"1070":1183,"1069":1182,"1074":1184,"1071":1183,"1072":1183,"1073":1183,"1075":1186,"1077":1187,"1076":1186,"1082":1188,"1078":1187,"1079":1187,"1080":1187,"1081":1187,"1084":1189,"1083":1188,"1089":1190,"1085":1189,"1086":1189,"1087":1189,"1088":1189,"1093":1191,"1090":1190,"1091":1190,"1092":1190,"1096":1192,"1094":1191,"1095":1191,"1098":1193,"1097":1192,"1104":1194,"1099":1193,"1100":1193,"1101":1193,"1102":1193,"1103":1193,"1107":1195,"1105":1194,"1106":1194,"1108":1197,"1110":1198,"1109":1197,"1111":1199,"1112":1200,"1115":1201,"1113":1200,"1114":1200,"1116":1203,"1121":1204,"1117":1203,"1118":1203,"1119":1203,"1120":1203,"1122":1212,"1123":1213,"1126":1214,"1124":1213,"1125":1213,"1128":1215,"1127":1214,"1129":1217,"1133":1219,"1137":1220,"1134":1219,"1135":1219,"1136":1219,"1138":1224,"1139":1226,"1140":1227,"1141":1228,"1144":1230,"1145":1231,"1147":1232,"1146":1231,"1148":1234,"1150":1235,"1149":1234,"1154":1236,"1151":1235,"1152":1235,"1153":1235,"1159":1237,"1155":1236,"1156":1236,"1157":1236,"1158":1236,"1160":1238,"1163":1239,"1161":1238,"1162":1238,"1165":1242,"1166":1243,"1169":1244,"1167":1243,"1168":1243,"1173":1246,"1175":1247,"1174":1246,"1176":1248,"1179":1250,"1180":1251,"1181":1260,"1182":1264,"1184":1265,"1183":1264,"1186":1266,"1185":1265,"1188":1267,"1187":1266,"1189":1268,"1190":1271,"1191":1272,"1194":1275,"1196":1276,"1195":1275,"1198":1279,"1199":1281,"1204":1282,"1200":1281,"1201":1281,"1202":1281,"1203":1281,"1209":1285,"1211":1286,"1210":1285,"1212":1287,"1214":1288,"1213":1287,"1215":1290,"1216":1293,"1219":1294,"1217":1293,"1218":1293,"1223":1295,"1220":1294,"1221":1294,"1222":1294,"1224":1296,"1225":1297,"1226":1298,"1227":1299,"1228":1300,"1232":1301,"1229":1300,"1230":1300,"1231":1300,"1236":1302,"1233":1301,"1234":1301,"1235":1301,"1237":1304,"1238":1305,"1240":1310,"1242":1311,"1241":1310,"1243":1314,"1244":1315,"1245":1316,"1247":1317,"1246":1316,"1249":1318,"1248":1317,"1251":1319,"1250":1318,"1253":1322,"1256":1323,"1254":1322,"1255":1322,"1260":1324,"1257":1323,"1258":1323,"1259":1323,"1261":1325,"1262":1327,"1264":1328,"1263":1327,"1267":1329,"1265":1328,"1266":1328,"1270":1331,"1271":1335,"1272":1339,"1276":1340,"1273":1339,"1274":1339,"1275":1339,"1279":1342,"1284":1343,"1280":1342,"1281":1342,"1282":1342,"1283":1342,"1289":1344,"1285":1343,"1286":1343,"1287":1343,"1288":1343,"1292":1345,"1290":1344,"1291":1344,"1294":1346,"1293":1345,"1295":1347,"1296":1348,"1298":1349,"1297":1348,"1302":1350,"1299":1349,"1300":1349,"1301":1349,"1307":1351,"1303":1350,"1304":1350,"1305":1350,"1306":1350,"1311":1352,"1308":1351,"1309":1351,"1310":1351,"1314":1353,"1312":1352,"1313":1352,"1318":1354,"1315":1353,"1316":1353,"1317":1353,"1323":1355,"1319":1354,"1320":1354,"1321":1354,"1322":1354,"1326":1363,"1327":1364,"1330":1365,"1328":1364,"1329":1364,"1333":1366,"1331":1365,"1332":1365,"1337":1367,"1334":1366,"1335":1366,"1336":1366,"1339":1368,"1338":1367,"1341":1369,"1340":1368,"1343":1382,"1347":1383,"1344":1382,"1345":1382,"1346":1382,"1349":1384,"1348":1383,"1353":1385,"1350":1384,"1351":1384,"1352":1384,"1357":1386,"1354":1385,"1355":1385,"1356":1385,"1360":1387,"1358":1386,"1359":1386,"1363":1388,"1361":1387,"1362":1387,"1369":1389,"1364":1388,"1365":1388,"1366":1388,"1367":1388,"1368":1388,"1374":1390,"1370":1389,"1371":1389,"1372":1389,"1373":1389,"1379":1391,"1375":1390,"1376":1390,"1377":1390,"1378":1390,"1380":1395,"1382":1396,"1381":1395,"1386":1397,"1383":1396,"1384":1396,"1385":1396,"1388":1398,"1387":1397,"1389":1403,"1391":1404,"1390":1403,"1394":1405,"1392":1404,"1393":1404,"1398":1409,"1400":1410,"1399":1409,"1403":1411,"1401":1410,"1402":1410,"1409":1412,"1404":1411,"1405":1411,"1406":1411,"1407":1411,"1408":1411,"1412":1413,"1410":1412,"1411":1412,"1413":1414,"1414":1415,"1415":1416,"1417":1424,"1419":1425,"1418":1424,"1422":1426,"1420":1425,"1421":1425,"1425":1427,"1423":1426,"1424":1426,"1428":1428,"1426":1427,"1427":1427,"1430":1429,"1429":1428,"1432":1430,"1431":1429,"1434":1431,"1433":1430,"1435":1440,"1437":1445,"1438":1447,"1442":1448,"1439":1447,"1440":1447,"1441":1447,"1443":1459,"1444":1460,"1446":1461,"1445":1460,"1450":1462,"1447":1461,"1448":1461,"1449":1461,"1452":1463,"1451":1462,"1453":1464,"1455":1465,"1454":1464,"1459":1466,"1456":1465,"1457":1465,"1458":1465,"1463":1467,"1460":1466,"1461":1466,"1462":1466,"1467":1468,"1464":1467,"1465":1467,"1466":1467,"1469":1469,"1468":1468,"1472":1470,"1470":1469,"1471":1469,"1476":1471,"1473":1470,"1474":1470,"1475":1470,"1480":1472,"1477":1471,"1478":1471,"1479":1471,"1483":1473,"1481":1472,"1482":1472,"1485":1474,"1484":1473,"1488":1475,"1486":1474,"1487":1474,"1492":1476,"1489":1475,"1490":1475,"1491":1475,"1497":1477,"1493":1476,"1494":1476,"1495":1476,"1496":1476,"1499":1478,"1498":1477,"1504":1479,"1500":1478,"1501":1478,"1502":1478,"1503":1478,"1507":1480,"1505":1479,"1506":1479,"1509":1481,"1508":1480,"1512":1482,"1510":1481,"1511":1481,"1515":1500,"1518":1501,"1516":1500,"1517":1500,"1523":1502,"1519":1501,"1520":1501,"1521":1501,"1522":1501,"1525":1509,"1528":1510,"1526":1509,"1527":1509,"1532":1511,"1529":1510,"1530":1510,"1531":1510,"1534":1512,"1533":1511,"1535":1513,"1539":1514,"1536":1513,"1537":1513,"1538":1513,"1543":1515,"1540":1514,"1541":1514,"1542":1514,"1545":1516,"1544":1515,"1549":1517,"1546":1516,"1547":1516,"1548":1516,"1554":1536,"1555":1537,"1561":1538,"1556":1537,"1557":1537,"1558":1537,"1559":1537,"1560":1537,"1567":1539,"1562":1538,"1563":1538,"1564":1538,"1565":1538,"1566":1538,"1570":1540,"1568":1539,"1569":1539,"1573":1541,"1571":1540,"1572":1540,"1576":1542,"1574":1541,"1575":1541,"1578":1543,"1577":1542,"1581":1544,"1579":1543,"1580":1543,"1584":1545,"1582":1544,"1583":1544,"1588":1546,"1585":1545,"1586":1545,"1587":1545,"1592":1547,"1589":1546,"1590":1546,"1591":1546,"1593":1548,"1596":1550,"1598":1551,"1597":1550,"1601":1552,"1599":1551,"1600":1551,"1602":1556,"1603":1558,"1604":1559,"1612":1585,"1614":1586,"1613":1585,"1618":1587,"1615":1586,"1616":1586,"1617":1586,"1620":1588,"1619":1587,"1626":1589,"1621":1588,"1622":1588,"1623":1588,"1624":1588,"1625":1588,"1628":1590,"1627":1589,"1631":1591,"1629":1590,"1630":1590,"1634":1592,"1632":1591,"1633":1591,"1636":1593,"1635":1592,"1637":1594,"1639":1596,"1641":1597,"1640":1596,"1643":1599,"1648":1600,"1644":1599,"1645":1599,"1646":1599,"1647":1599,"1651":1601,"1649":1600,"1650":1600,"1654":1602,"1652":1601,"1653":1601,"1656":1603,"1655":1602,"1659":1604,"1657":1603,"1658":1603,"1661":1605,"1660":1604,"1663":1624,"1664":1625,"1668":1626,"1665":1625,"1666":1625,"1667":1625,"1675":1627,"1669":1626,"1670":1626,"1671":1626,"1672":1626,"1673":1626,"1674":1626,"1676":1628,"1678":1629,"1677":1628,"1683":1630,"1679":1629,"1680":1629,"1681":1629,"1682":1629,"1689":1631,"1684":1630,"1685":1630,"1686":1630,"1687":1630,"1688":1630,"1693":1632,"1690":1631,"1691":1631,"1692":1631,"1696":1633,"1694":1632,"1695":1632,"1697":1634,"1701":1635,"1698":1634,"1699":1634,"1700":1634,"1704":1636,"1702":1635,"1703":1635,"1707":1637,"1705":1636,"1706":1636,"1713":1638,"1708":1637,"1709":1637,"1710":1637,"1711":1637,"1712":1637,"1717":1639,"1714":1638,"1715":1638,"1716":1638,"1720":1640,"1718":1639,"1719":1639,"1724":1641,"1721":1640,"1722":1640,"1723":1640,"1729":1642,"1725":1641,"1726":1641,"1727":1641,"1728":1641,"1733":1652,"1734":1653,"1738":1655,"1740":1656,"1739":1655,"1741":1662,"1742":1663,"1745":1664,"1743":1663,"1744":1663,"1747":1665,"1746":1664,"1748":1667,"1752":1668,"1749":1667,"1750":1667,"1751":1667,"1756":1669,"1753":1668,"1754":1668,"1755":1668,"1759":1670,"1757":1669,"1758":1669,"1760":1672,"1761":1673,"1765":1674,"1762":1673,"1763":1673,"1764":1673,"1768":1675,"1766":1674,"1767":1674,"1774":1676,"1769":1675,"1770":1675,"1771":1675,"1772":1675,"1773":1675,"1777":1677,"1775":1676,"1776":1676,"1781":1678,"1778":1677,"1779":1677,"1780":1677,"1784":1682,"1789":1683,"1785":1682,"1786":1682,"1787":1682,"1788":1682,"1792":1686,"1795":1688,"1799":1689,"1796":1688,"1797":1688,"1798":1688,"1800":1690,"1802":1691,"1801":1690,"1806":1692,"1803":1691,"1804":1691,"1805":1691,"1810":1693,"1807":1692,"1808":1692,"1809":1692,"1814":1695,"1816":1696,"1815":1695,"1818":1699,"1820":1700,"1819":1699,"1824":1703,"1829":1704,"1825":1703,"1826":1703,"1827":1703,"1828":1703,"1832":1705,"1830":1704,"1831":1704,"1834":1706,"1833":1705,"1835":1708,"1840":1709,"1836":1708,"1837":1708,"1838":1708,"1839":1708,"1844":1710,"1841":1709,"1842":1709,"1843":1709,"1846":1711,"1845":1710,"1849":1712,"1847":1711,"1848":1711,"1855":1713,"1850":1712,"1851":1712,"1852":1712,"1853":1712,"1854":1712,"1857":1714,"1856":1713,"1860":1715,"1858":1714,"1859":1714,"1865":1717,"1870":1718,"1866":1717,"1867":1717,"1868":1717,"1869":1717,"1875":1719,"1871":1718,"1872":1718,"1873":1718,"1874":1718,"1877":1720,"1876":1719,"1882":1721,"1878":1720,"1879":1720,"1880":1720,"1881":1720,"1884":1722,"1883":1721,"1887":1723,"1885":1722,"1886":1722,"1891":1724,"1888":1723,"1889":1723,"1890":1723,"1893":1726,"1894":1729,"1895":1730,"1897":1732,"1901":1733,"1898":1732,"1899":1732,"1900":1732,"1904":1734,"1902":1733,"1903":1733,"1906":1735,"1905":1734,"1909":1736,"1907":1735,"1908":1735,"1911":1737,"1910":1736,"1912":1739,"1915":1740,"1913":1739,"1914":1739,"1919":1741,"1916":1740,"1917":1740,"1918":1740,"1920":1744,"1922":1745,"1921":1744,"1923":1746,"1926":1747,"1924":1746,"1925":1746,"1929":1748,"1927":1747,"1928":1747,"1932":1749,"1930":1748,"1931":1748,"1934":1753,"1936":1755,"1937":1756,"1939":1757,"1938":1756,"1940":1758,"1943":1759,"1941":1758,"1942":1758,"1947":1760,"1944":1759,"1945":1759,"1946":1759,"1952":1761,"1948":1760,"1949":1760,"1950":1760,"1951":1760,"1953":1762,"1955":1763,"1954":1762,"1956":1766,"1959":1767,"1957":1766,"1958":1766,"1961":1768,"1960":1767,"1964":1770,"1965":1771,"1968":1772,"1966":1771,"1967":1771,"1971":1773,"1969":1772,"1970":1772,"1977":1775,"1980":1776,"1978":1775,"1979":1775,"1982":1777,"1981":1776,"1985":1779,"1987":1780,"1986":1779,"1988":1782,"1990":1783,"1989":1782,"1991":1786,"1992":1787,"1995":1788,"1993":1787,"1994":1787,"1997":1789,"1996":1788,"2000":1790,"1998":1789,"1999":1789,"2002":1797,"2003":1798,"2006":1799,"2004":1798,"2005":1798,"2007":1800,"2009":1801,"2008":1800,"2012":1802,"2010":1801,"2011":1801,"2017":1803,"2013":1802,"2014":1802,"2015":1802,"2016":1802,"2021":1804,"2018":1803,"2019":1803,"2020":1803,"2022":1807,"2024":1808,"2023":1807,"2025":1809,"2027":1810,"2026":1809,"2028":1811,"2029":1812,"2030":1813,"2032":1815,"2033":1816,"2035":1819,"2036":1820,"2038":1821,"2037":1820,"2041":1822,"2039":1821,"2040":1821,"2042":1824,"2043":1825,"2045":1828,"2048":1829,"2046":1828,"2047":1828,"2051":1831,"2052":1832,"2055":1833,"2053":1832,"2054":1832,"2058":1837,"2062":1838,"2059":1837,"2060":1837,"2061":1837,"2063":1839,"2064":1840,"2066":1841,"2065":1840,"2069":1842,"2067":1841,"2068":1841,"2071":1846,"2073":1847,"2072":1846,"2074":1848,"2075":1849,"2076":1850,"2078":1852,"2079":1853,"2081":1854,"2080":1853,"2083":1855,"2082":1854,"2085":1856,"2084":1855,"2086":1857,"2088":1858,"2087":1857,"2089":1859,"2091":1860,"2090":1859,"2094":1861,"2092":1860,"2093":1860,"2095":1863,"2097":1865,"2099":1866,"2098":1865,"2100":1867,"2101":1876,"2102":1885,"2107":1886,"2103":1885,"2104":1885,"2105":1885,"2106":1885,"2110":1891,"2115":1892,"2111":1891,"2112":1891,"2113":1891,"2114":1891,"2117":1893,"2116":1892,"2119":1894,"2118":1893,"2120":1895,"2121":1904,"2122":1906,"2123":1907,"2124":1909,"2126":1911,"2131":1914,"2132":1917,"2133":1920,"2134":1923,"2135":1927,"2138":1930,"2140":1931,"2139":1930,"2142":1933,"2143":1941,"2145":1942,"2144":1941,"2147":1944,"2148":1945,"2152":1946,"2149":1945,"2150":1945,"2151":1945,"2154":1955,"2157":1958,"2160":1960,"2161":1961,"2163":1963,"2164":1965,"2165":1967,"2166":1970,"2169":1973,"2171":1975,"2173":1977,"2176":1978,"2174":1977,"2175":1977,"2179":1981,"2180":1982,"2184":1983,"2181":1982,"2182":1982,"2183":1982,"2186":1984,"2185":1983,"2187":1991,"2188":1992,"2192":2002,"2193":2006,"2195":2007,"2194":2006,"2197":2010,"2198":2012,"2199":2017,"2200":2019,"2201":2021,"2203":2028,"2205":2029,"2204":2028,"2208":2034,"2214":2037,"2216":2038,"2215":2037,"2218":2039,"2217":2038,"2220":2044,"2222":2045,"2221":2044,"2224":2061,"2227":2071,"2229":2077,"2233":2081,"2237":2085,"2240":2086,"2238":2085,"2239":2085,"2241":2090,"2242":2093,"2243":2094,"2246":2095,"2244":2094,"2245":2094,"2247":2097,"2248":2098,"2249":2099,"2250":2102,"2253":2103,"2251":2102,"2252":2102,"2255":2104,"2254":2103,"2256":2107,"2257":2113,"2259":2114,"2258":2113,"2261":2116,"2262":2117,"2263":2118,"2264":2119,"2265":2120,"2268":2122,"2270":2123,"2269":2122,"2271":2125,"2274":2126,"2272":2125,"2273":2125},"number_max":"2274","number_pages":{"129":"2","130":"4","131":"5","132":"6","134":"7","137":"8","142":"11","143":"12","145":"13","147":"16","148":"17","150":"20","151":"21","152":"22","155":"24","156":"25","158":"27","160":"28","162":"31","164":"32","166":"36","167":"38","168":"41","169":"43","170":"44","172":"45","173":"46","183":"48","187":"50","188":"51","189":"52","192":"55","193":"57","194":"58","198":"59","201":"60","208":"61","209":"63","210":"67","211":"68","212":"69","213":"70","214":"74","215":"76","216":"77","217":"78","219":"79","220":"80","221":"83","222":"84","225":"87","227":"88","229":"90","230":"91","231":"92","232":"96","233":"97","234":"99","235":"100","237":"101","238":"103","239":"105","240":"106","241":"107","242":"108","248":"112","249":"115","250":"116","252":"117","255":"118","257":"120","258":"121","261":"127","262":"129","263":"130","264":"133","265":"134","266":"135","267":"137","268":"138","269":"139","271":"140","274":"141","275":"142","276":"143","279":"145","285":"146","286":"147","288":"151","289":"153","290":"154","296":"156","298":"158","299":"160","300":"162","301":"165","302":"166","307":"169","308":"170","309":"171","311":"173","312":"174","315":"176","316":"180","317":"181","323":"183","324":"186","325":"189","326":"190","327":"194","328":"197","329":"200","330":"201","337":"202","338":"203","339":"205","340":"207","341":"210","342":"215","343":"218","344":"219","345":"222","346":"227","347":"228","373":"229","375":"231","376":"235","377":"237","378":"238","379":"239","380":"241","381":"242","385":"243","386":"246","387":"247","392":"250","393":"251","399":"252","400":"254","401":"255","402":"257","403":"258","405":"260","406":"261","407":"263","408":"264","409":"265","410":"266","420":"267","425":"269","426":"270","428":"272","432":"274","433":"275","434":"276","436":"277","437":"278","438":"279","440":"280","441":"282","442":"285","443":"286","444":"287","446":"288","447":"289","448":"290","449":"291","451":"293","452":"296","453":"298","454":"300","455":"301","457":"304","459":"307","460":"309","461":"312","462":"314","463":"315","464":"317","465":"318","466":"319","468":"322","469":"325","470":"327","471":"329","472":"330","474":"333","475":"337","476":"338","477":"342","478":"345","479":"346","480":"347","481":"348","483":"349","484":"351","485":"352","488":"356","496":"357","506":"358","507":"359","511":"360","529":"362","530":"363","531":"365","532":"368","533":"369","534":"372","535":"374","536":"375","539":"378","540":"379","542":"380","543":"381","544":"382","545":"385","546":"386","547":"388","548":"390","549":"391","551":"394","552":"396","553":"399","554":"401","555":"402","556":"405","557":"407","558":"408","559":"409","560":"411","561":"414","562":"415","563":"417","564":"420","565":"423","566":"426","567":"427","576":"428","577":"429","578":"430","589":"431","591":"432","592":"433","597":"434","599":"435","600":"436","601":"437","603":"438","611":"439","613":"442","614":"443","622":"445","623":"446","644":"447","645":"449","646":"450","647":"451","651":"454","652":"456","653":"457","654":"458","657":"461","660":"463","661":"465","662":"466","663":"468","664":"469","668":"471","669":"472","671":"474","672":"475","678":"477","681":"478","682":"479","683":"480","696":"481","697":"484","698":"485","714":"488","715":"489","718":"492","719":"493","721":"494","734":"495","735":"496","737":"497","738":"500","739":"503","740":"504","741":"506","742":"507","744":"509","745":"510","746":"511","747":"512","748":"513","750":"516","751":"519","752":"520","753":"521","761":"523","767":"524","783":"527","788":"528","790":"531","791":"533","792":"534","794":"537","795":"539","796":"541","797":"545","798":"548","799":"550","800":"553","801":"555","802":"556","804":"559","805":"564","806":"567","807":"571","808":"572","811":"574","813":"576","814":"577","815":"578","819":"579","822":"582","823":"583","833":"584","834":"585","836":"586","837":"587","838":"588","839":"589","840":"591","841":"592","844":"596","849":"597","850":"598","853":"602","856":"605","864":"607","868":"609","869":"610","870":"612","871":"613","873":"615","874":"617","875":"618","876":"619","877":"621","878":"623","879":"624","880":"625","881":"629","882":"630","884":"632","887":"634","888":"636","889":"637","891":"638","892":"640","893":"644","894":"646","895":"647","896":"649","897":"650","898":"652","899":"653","902":"658","903":"660","904":"663","905":"665","906":"666","908":"667","910":"668","912":"669","913":"670","915":"671","917":"672","919":"673","920":"674","921":"675","937":"676","939":"680","940":"681","941":"683","942":"684","943":"686","944":"688","945":"689","955":"693","956":"696","957":"697","966":"699","967":"701","968":"703","969":"706","970":"708","971":"709","973":"712","974":"713","976":"718","977":"719","980":"723","981":"724","988":"727","989":"730","990":"734","991":"735","992":"740","993":"743","994":"744","995":"746","996":"748","997":"750","998":"751","999":"752","1000":"754","1001":"756","1002":"759","1003":"760","1004":"761","1005":"763","1006":"767","1007":"769","1008":"772","1009":"773","1011":"778","1012":"780","1013":"782","1014":"783","1015":"786","1016":"788","1017":"792","1018":"793","1033":"799","1034":"802","1035":"804","1036":"805","1037":"808","1038":"812","1039":"817","1040":"821","1041":"822","1042":"824","1043":"826","1044":"827","1045":"830","1046":"831","1048":"837","1049":"840","1050":"843","1051":"847","1052":"850","1053":"851","1054":"854","1055":"856","1056":"857","1058":"862","1059":"865","1060":"866","1061":"871","1062":"875","1063":"878","1064":"880","1065":"881","1066":"885","1067":"888","1068":"891","1069":"892","1071":"897","1072":"898","1073":"901","1074":"903","1075":"905","1076":"907","1077":"911","1078":"914","1079":"918","1080":"921","1081":"923","1082":"929","1083":"937","1084":"938","1088":"939","1090":"941","1091":"942","1093":"944","1094":"946","1095":"947","1096":"949","1097":"951","1098":"952","1099":"954","1100":"955","1103":"956","1106":"957","1107":"959","1108":"961","1109":"963","1110":"964","1111":"965","1113":"967","1114":"968","1121":"971","1122":"973","1123":"974","1126":"977","1127":"979","1128":"980","1129":"982","1130":"985","1131":"989","1132":"992","1133":"994","1134":"995","1135":"997","1136":"1001","1137":"1003","1138":"1004","1140":"1005","1141":"1006","1143":"1008","1144":"1010","1145":"1011","1146":"1012","1148":"1013","1151":"1016","1152":"1019","1153":"1022","1154":"1023","1155":"1025","1156":"1026","1157":"1029","1158":"1031","1159":"1034","1160":"1037","1161":"1039","1162":"1040","1164":"1041","1165":"1042","1166":"1043","1168":"1045","1169":"1049","1170":"1050","1174":"1053","1175":"1054","1176":"1055","1177":"1059","1178":"1061","1179":"1063","1180":"1065","1181":"1067","1182":"1069","1183":"1073","1184":"1074","1186":"1076","1187":"1081","1188":"1083","1189":"1088","1190":"1092","1191":"1095","1192":"1097","1193":"1103","1194":"1106","1195":"1107","1197":"1109","1198":"1110","1199":"1111","1200":"1114","1201":"1115","1203":"1120","1204":"1121","1212":"1122","1213":"1125","1214":"1127","1215":"1128","1217":"1129","1219":"1136","1220":"1137","1224":"1138","1226":"1139","1227":"1140","1228":"1141","1230":"1144","1231":"1146","1232":"1147","1234":"1149","1235":"1153","1236":"1158","1237":"1159","1238":"1162","1239":"1163","1242":"1165","1243":"1168","1244":"1169","1246":"1174","1247":"1175","1248":"1176","1250":"1179","1251":"1180","1260":"1181","1264":"1183","1265":"1185","1266":"1187","1267":"1188","1268":"1189","1271":"1190","1272":"1191","1275":"1195","1276":"1196","1279":"1198","1281":"1203","1282":"1204","1285":"1210","1286":"1211","1287":"1213","1288":"1214","1290":"1215","1293":"1218","1294":"1222","1295":"1223","1296":"1224","1297":"1225","1298":"1226","1299":"1227","1300":"1231","1301":"1235","1302":"1236","1304":"1237","1305":"1238","1310":"1241","1311":"1242","1314":"1243","1315":"1244","1316":"1246","1317":"1248","1318":"1250","1319":"1251","1322":"1255","1323":"1259","1324":"1260","1325":"1261","1327":"1263","1328":"1266","1329":"1267","1331":"1270","1335":"1271","1339":"1275","1340":"1276","1342":"1283","1343":"1288","1344":"1291","1345":"1293","1346":"1294","1347":"1295","1348":"1297","1349":"1301","1350":"1306","1351":"1310","1352":"1313","1353":"1317","1354":"1322","1355":"1323","1363":"1326","1364":"1329","1365":"1332","1366":"1336","1367":"1338","1368":"1340","1369":"1341","1382":"1346","1383":"1348","1384":"1352","1385":"1356","1386":"1359","1387":"1362","1388":"1368","1389":"1373","1390":"1378","1391":"1379","1395":"1381","1396":"1385","1397":"1387","1398":"1388","1403":"1390","1404":"1393","1405":"1394","1409":"1399","1410":"1402","1411":"1408","1412":"1411","1413":"1412","1414":"1413","1415":"1414","1416":"1415","1424":"1418","1425":"1421","1426":"1424","1427":"1427","1428":"1429","1429":"1431","1430":"1433","1431":"1434","1440":"1435","1445":"1437","1447":"1441","1448":"1442","1459":"1443","1460":"1445","1461":"1449","1462":"1451","1463":"1452","1464":"1454","1465":"1458","1466":"1462","1467":"1466","1468":"1468","1469":"1471","1470":"1475","1471":"1479","1472":"1482","1473":"1484","1474":"1487","1475":"1491","1476":"1496","1477":"1498","1478":"1503","1479":"1506","1480":"1508","1481":"1511","1482":"1512","1500":"1517","1501":"1522","1502":"1523","1509":"1527","1510":"1531","1511":"1533","1512":"1534","1513":"1538","1514":"1542","1515":"1544","1516":"1548","1517":"1549","1536":"1554","1537":"1560","1538":"1566","1539":"1569","1540":"1572","1541":"1575","1542":"1577","1543":"1580","1544":"1583","1545":"1587","1546":"1591","1547":"1592","1548":"1593","1550":"1597","1551":"1600","1552":"1601","1556":"1602","1558":"1603","1559":"1604","1585":"1613","1586":"1617","1587":"1619","1588":"1625","1589":"1627","1590":"1630","1591":"1633","1592":"1635","1593":"1636","1594":"1637","1596":"1640","1597":"1641","1599":"1647","1600":"1650","1601":"1653","1602":"1655","1603":"1658","1604":"1660","1605":"1661","1624":"1663","1625":"1667","1626":"1674","1627":"1675","1628":"1677","1629":"1682","1630":"1688","1631":"1692","1632":"1695","1633":"1696","1634":"1700","1635":"1703","1636":"1706","1637":"1712","1638":"1716","1639":"1719","1640":"1723","1641":"1728","1642":"1729","1652":"1733","1653":"1734","1655":"1739","1656":"1740","1662":"1741","1663":"1744","1664":"1746","1665":"1747","1667":"1751","1668":"1755","1669":"1758","1670":"1759","1672":"1760","1673":"1764","1674":"1767","1675":"1773","1676":"1776","1677":"1780","1678":"1781","1682":"1788","1683":"1789","1686":"1792","1688":"1798","1689":"1799","1690":"1801","1691":"1805","1692":"1809","1693":"1810","1695":"1815","1696":"1816","1699":"1819","1700":"1820","1703":"1828","1704":"1831","1705":"1833","1706":"1834","1708":"1839","1709":"1843","1710":"1845","1711":"1848","1712":"1854","1713":"1856","1714":"1859","1715":"1860","1717":"1869","1718":"1874","1719":"1876","1720":"1881","1721":"1883","1722":"1886","1723":"1890","1724":"1891","1726":"1893","1729":"1894","1730":"1895","1732":"1900","1733":"1903","1734":"1905","1735":"1908","1736":"1910","1737":"1911","1739":"1914","1740":"1918","1741":"1919","1744":"1921","1745":"1922","1746":"1925","1747":"1928","1748":"1931","1749":"1932","1753":"1934","1755":"1936","1756":"1938","1757":"1939","1758":"1942","1759":"1946","1760":"1951","1761":"1952","1762":"1954","1763":"1955","1766":"1958","1767":"1960","1768":"1961","1770":"1964","1771":"1967","1772":"1970","1773":"1971","1775":"1979","1776":"1981","1777":"1982","1779":"1986","1780":"1987","1782":"1989","1783":"1990","1786":"1991","1787":"1994","1788":"1996","1789":"1999","1790":"2000","1797":"2002","1798":"2005","1799":"2006","1800":"2008","1801":"2011","1802":"2016","1803":"2020","1804":"2021","1807":"2023","1808":"2024","1809":"2026","1810":"2027","1811":"2028","1812":"2029","1813":"2030","1815":"2032","1816":"2033","1819":"2035","1820":"2037","1821":"2040","1822":"2041","1824":"2042","1825":"2043","1828":"2047","1829":"2048","1831":"2051","1832":"2054","1833":"2055","1837":"2061","1838":"2062","1839":"2063","1840":"2065","1841":"2068","1842":"2069","1846":"2072","1847":"2073","1848":"2074","1849":"2075","1850":"2076","1852":"2078","1853":"2080","1854":"2082","1855":"2084","1856":"2085","1857":"2087","1858":"2088","1859":"2090","1860":"2093","1861":"2094","1863":"2095","1865":"2098","1866":"2099","1867":"2100","1876":"2101","1885":"2106","1886":"2107","1891":"2114","1892":"2116","1893":"2118","1894":"2119","1895":"2120","1904":"2121","1906":"2122","1907":"2123","1909":"2124","1911":"2126","1914":"2131","1917":"2132","1920":"2133","1923":"2134","1927":"2135","1930":"2139","1931":"2140","1933":"2142","1941":"2144","1942":"2145","1944":"2147","1945":"2151","1946":"2152","1955":"2154","1958":"2157","1960":"2160","1961":"2161","1963":"2163","1965":"2164","1967":"2165","1970":"2166","1973":"2169","1975":"2171","1977":"2175","1978":"2176","1981":"2179","1982":"2183","1983":"2185","1984":"2186","1991":"2187","1992":"2188","2002":"2192","2006":"2194","2007":"2195","2010":"2197","2012":"2198","2017":"2199","2019":"2200","2021":"2201","2028":"2204","2029":"2205","2034":"2208","2037":"2215","2038":"2217","2039":"2218","2044":"2221","2045":"2222","2061":"2224","2071":"2227","2077":"2229","2081":"2233","2085":"2239","2086":"2240","2090":"2241","2093":"2242","2094":"2245","2095":"2246","2097":"2247","2098":"2248","2099":"2249","2102":"2252","2103":"2254","2104":"2255","2107":"2256","2113":"2258","2114":"2259","2116":"2261","2117":"2262","2118":"2263","2119":"2264","2120":"2265","2122":"2269","2123":"2270","2125":"2273","2126":"2274"}},"pages":[{"text":"سعيد حوى\nالأساس في السنة\nوفقهها\nالمجلد الأول\nالقسم الأول\nالسيرة النبوية\nدار السلام\nللطباعة والنشر والتوزيع والترجمة","vol":"1","page":1},{"text":"الأساس في السنة\nوفقهها\nالسيرة النبوية","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلاَةُ وَالسّلامُ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ\nرَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ\n\nراجع هذا القسم ودققه\nفضيلة الشيخ\nعبد الحميد الأحدب\nحفظه الله","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مُقَدِّمَةُ النَّاشِر</span>\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ومن تبع سنتهم وعمل بهديهم إلى يوم الدين.\nفقد روى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ: \"تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه\" فلقد يسر الله لنا أن قدمنا للأمة الإسلامية تفسير كتاب الله (الأساس في التفسير) وهو يعتبر القسم الأول من سلسلة الأساس في المنهج وأرجو أن نكون وقفنا في ذلك وها نحن والحمد لله نقدم لأمتنا الغالية (التي لم تعرف قدر نفسها) الكتاب الأول من القسم الثاني من سلسلة الأساس في المنهج والمكون من خمس كتب.\nوالتي تمثل الأساس في السنة وفقهها، وهذا القسم له ما للتفسير من الأهمية، وخاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه الصيحات للأخذ بالقرآن دون السنة وهذا عن جهل أحيانًا وعن علم وتخطيط ومكر أحيانًا أخرى وقد اتخذت هذه الدعوات أشكالًا شتى، تارة بالطعن فيها وتارة بطبع الكتب وتوزيعها وتارة بالتشكيك في حجيتها ونصوصها وتارة في صحة نقلها وتارة بالطعن في رواتها كما تفعل بعض الفرق الضالة. وهذا الاتجاه قديم يعود للقرن الهجري الأول فقد أخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبي فضالة المكي أن عمران بن حصين ﵁ ذكر الشفاعة فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلًا في القرآن فغضب عمران وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعًا وصلاة المغرب ثلاثًا والغداة - أي الصبح - ركعتين والظهر أربعًا والعصر أربعًا؟ قال لا. قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن رسول الله ﷺ ... إلخ الحديث، وفي نهاية الحديث يقول عمران بن حصين ﵁ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله أشياء ليس لكم بها علم.\nبل إن الرسول صلى لله عليه وسلم قد أخبرنا عن أمثال هؤلاء المشككين في السنة النبوية وحذر","vol":"1","page":5},{"text":"منهم فقد روى الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن المقدام بن معد يكرب (﵁) قال ﷺ: \"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله\". وصدق رسول الله ﷺ. ويقول الله ﵎ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.\nوأقول: الحمد لله الذي حفظ لنا القرآن الكريم وسنة نبيه صلى الله عيه وسلم، والشائع أن الآية الكريمة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ هي للقرآن فقط، وإن كان هذا على أرجح الأقوال إلا أن حفظ السنة النبوية من لوازم حفظ الشريعة، وقد اختارها الله تعالى دينًا لعباده إلى قيام الساعة، وختم بها الشرائع، فكان من لوازم التدبير الإلهي أن تحفظ هذه الشريعة الغراء ولن يتحقق ذلك الحفظ إلا بحفظ أصيلها العظيمين الكتاب والسنة.\nوقد انفرد هذه الأمة عن باقي الأمم بأنها حفظت نصوص دينها حفظًا دقيقًا كاملًا لا مثيل له لتبقى زاد الأمم ومصدر هدايتها إلى قيام الساعة.\nإلا أن فهم هذه النصوص هي التي محل اجتهاد وتقديمها للناس بأسلوب يناسب العصور على تتابعها، والتركيز على ما يهم كل جيل من الأجيال وتلمس حاجاته ومراعاة مدى استيعابه وفهمه، وحل مشاكله. فهذا هو الذي نحن بحاجة إليه في عصرنا، فكان هذا الكتاب، الذي نأمل من الله ﵎ أن يسد ثغرة في وجه المشككين بالسنة.\nوأكرر دعوة وجهتها للقارئ الكريم على صفحات المقدمة في الأساس في التفسير أن لا يألو جهدًا في توجيه النصح لنا لكي نتدارك ذلك في الطبعات القادمة إن شاء الله سواء ذلك للمؤلف حفظه الله أو للناشر فنكون له من الشاكرين، ورحم الله عملاق هذه الأمة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ حينما قال: رحم الله أمرأ أهدى إليَّ عيوبي.\nوفي الختام اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.\nالناشر\nعبد القادر البكار","vol":"1","page":6},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nتستطيع أن تقول إذا قرأت هذا الكتاب أنك كدت تحيط بمعاني السنة النبوية، لأنه حوى الهدي النبوي الذي روته أمهات كتب السنة: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة: لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد: الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومعاجم الطبراني الثلاثة ومستدرك الحاكم وما تيسر جمعه من يغر هذه الكتب من صحيح السنة وحسنها.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة\nالأساس في السنة وفقهها</span>\nوفيها\nأولًا: تعريف بهذا الكتاب.\nثانيًا: التعريف بأصول هذا الكتاب ومصنفيها.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا: تعريف بهذا الكتاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>تمهيد</span>\nأقبلت على الدعوة الإسلامية - بفضل الله - في سنِّ مبكرة من حياتي، وكانت المكتبة الإسلامية لحديثة فقيرة، وكان من أبرز الكُتَّاب الذين تصادفنا كتبهم في تلك الأيام الشيخ محمد الغزالي - أطال الله بقاءه - وكان مما قرأت له كتاب فقه السيرة، وكان مما قاله في هذا الكتاب:\nإن القرآن روح الإسلام ومادته، وفي آياته المحكمة شُرِحَ دستوره وبُسِطَتْ دعوته، وقد تكفل الله بحفظه فصِينت به حقيقة الدين، وكُتِبَ لها الخلود أبد الآبدين، وكان الرجل الذي اصطفاه الله لإبلاغ آياته وحمل رسالته (قرآنًا) حيًا يسعى بين الناس، كان مثالًا لما صوَّره القرآن من إيمان وإخبات، وسعي وجهاد، وحق وقوة، وفقه وبيان، فلا جرم أن قوله وفعله وتقريره وأخلاقه وأحكامه، ونواحي حياته كلها تعد ركنًا في الدين، وشريعة للمؤمنين.\nإن الله اختاره ليتحدث باسمه ويبلغ عنه، فمن أولى منه بفهم مراد الله فيما قال؟ ومن أولى منه بتحديد المسلك الذي يتواءم مع دلالات القرآن القريبة والبعيدة؟ إن تطبيق القانون لا يقل خطرًا عن صياغته، وللقانون نص وروح، وعند علاج الأحداث المختلفة لتسير وفق القانون العتيد، تجدُّ فتاوى وتدوّنُ نصائح، وتُحفظ تجارب وعِبر، وتثبت أحكام بعضها أقرب إلى حرفية النص وبعضها أدنى إلى روحه .. وهكذا.\nوالقرآن هو قانون الإسلام، والسنة هي تطبيقه، والمسلم مكلف باحترام هذا التطبيق تكليفه باحترام القانون نفسه، وقد أعطى الله نبيه ﷺ حق الاتباع فيما يأمر به وينهى عنه لأنه - في ذلك - لا يصدر عن نفسه بل عن توجيه ربه، فطاعته هي طاعة الله، قال الله ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ","vol":"1","page":11},{"text":"حَفِيظًا﴾ (١). وقال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).\nإن السير في ركاب المرسلين هو الخير كله، ومن ثَمَّ كانت سنة محمد - ﵊ - مصدرًا لشريعته مع الكتاب الذي شرفهُ الله به، إلا أن السنن المأثورة عرض لها ما يوجب اليقظة في تلقيها، فليس كل ما ينسب إلى الرسول - ﵊ - سنة تقبل، ولا كل ما صحت نسبته صح فهمهن أو وُضِعَ موضعه.\nوالمسلمون لم يؤذوا من الأحاديث الموضوعة - لسهولة تزييفها وفضحها - قدر ما أوذوا من الأحاديث التي أُسيءَ فهمها واضطربت أوضاعها، حتى جاء أخيرًا من ينظر إلى السنن جمعاء نظرة ريبة واتهام، ويتمنى لو تخلص المسلمون منها.\nوهذا خطأ من ناحيتين: إهمال الحقيقة التاريخية أولًا، فإن الدنيا لم تعرف بشرًا أحصيت آثاره ونقدت بحذر، ومُحِّصت بدقة، كما حدث ذلك في آثار محمد بن عبد الله ﷺ.\nوالناحية الأخرى أن في السنة كنوزًا من الحكمة العالية، لو نسب بعضها إلى أحد من الناس لكان من عظماء المصلحين، فلماذا تضيع ويحرم الناس خيرها؟!\nعندما درسنا تراث محمد - ﷺ - في (الأخلاق) وذاكرنا أحاديثه التي تربو على الألوف في شتى الفضائل، خيل إلينا: لو أن جيشًا من علماء النفس والتربية اجتمع ليسوق للعالم مثل هذا الأدب لعجز، والأخلاق شعبة واحدة من رسالة محمد - ﵊ - الضخمة أهـ.\nوهكذا استقر في ذهني منذ بدايات سيري إلى الله ضرورة التعرف على السنة الصحيحة والحسنة، وضرورة فهمها فهمًا صحيحًا. وبعد مطالعات كثيرة في كتب السنة وجدت أن الحاجة ملحة لوجود كتاب يجمع السنة الصحيحة والحسنة، ويقدم مع ذلك الفهم الصحيح للنصوص التي تحتاج إلى شرح أو توضيح. ومن ثم ولدت فكرة هذا الكتاب.\n_________\n(١) النساء: ٨٠.\n(٢) النحل: ٤٤.\n(٣) الحشر: ٧.","vol":"1","page":12},{"text":"وأثناء مطالعاتي في كتب السنة كنت أتردد في قراءة بعض الكلمات أو الأسماء بسبب من غياب الشكل والضبط، وإذا ما أردت التحقيق كان ذلك يستغرق قسمًا من الوقت ليس قليلًا، وكثيرًا ما كانت تفوتني معاني بعض الكلمات والتراكيب، وكان ذلك يقتضي مني بحثًا طويلًا إن أردت المعرفة، فشعرت أنه إذا كان من الضروري أن تجمع السنة المعتمدة في كتاب، وأن يعرض ي هذا الكتاب الفهم الصحيح لبعض النصوص، فلابد أن يكون هذا الكتاب مشكلًا مشروحًا فيه كل ما هو غامض في حق القارئ العادي.\nوأثناء مطالعاتي ف يكتب السنة كنت ألاحظ أن المؤلفين فيها ما تركوا شيئا إلا وعملوا على خدمة السنة النبوية فيه، ولكنه شيء عادي أن يتحكم في تأليف كل عصر اهتمامات ذلك العصر، فالتأليف في الأصل وليد الحاجة أو وليد الظرف، فمثلًا حيثما وجد صراع مذهبي أو وجدت فرقة ضالة أو جهل معين أو انحراف ما فلابد أن يراعى في تأليف أهل ذلك العصر مثل هذا، ومن ههنا تبرز عناوين ويركز على موضوعات، وقد يتغلب نوع من الترتيب في عصر على غيره، وقد وجدت أن موضوعات كثيرة مما تهم عصرنا لم تنل حظها من الإبراز، كما أني وجدت أن نوعًا من الترتيب يمكن أن يكون أكثر مناسبة للقارئ العادي، وأكثر تحقيقًا لبعض المعاني التربوية أو النفسية التي أحرص عليها.\nوكان مما استقر ف نفسي أن احتياجات القارئ العادي غير احتياجات القارئ المختص، فالقارئ العادي يهمه الجوهر دون ما احتاجه حفظ هذا الجوهر أو تمييزه عن غيره، ولما كانت أكثر كتب الحديث تهتم بما أحاط بالسنة أو لزم لتمحيصها اهتمامها بالسنة نفسها فقد وجدت أن كتابًا ينصبُّ الكلام فيه على السنة ذاتها دون ما أحاط بها من ضرورات التحقيق هو الذي يحتاجه القارئ غير المختص في عصرنا. وهذا الكتاب للقارئ المسلم مطلقًا.\nوإذ كنت أرى أن من واجبات دعاة الإسلام في عصرنا أن يقدموا للناس نصوص الكتاب والسنة بأسهل عرض وأجوده، وأقوم شرح وأعدله، خاصة وهم يريدون أن يقدموا للعالم هذا الإسلام، ويريدون أن يصوغوا الحياة عليه، فقد وجدت من الضرورة أن توجد","vol":"1","page":13},{"text":"سلسلة في هذا الشأن، وهكذا تأكد لديَّ إصدار سلسلة الأساس في المنهج بأقسامها الثلاثة: (الأساس في التفسير) و(الأساس في السنة) و(الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص).\nوإذ كنت أتصور أنه لا تنضج شخصية الداعية والقائد المسلم في عصرنا إلا باستكماله دراسة عدة أمور، منها السنة النبوية، فقد رأيت أنه لابد من كتاب جامع لنصوص السنة الصحيحة والحسنة يدرسه كل من يتصدر للدعوة إلى الله أو تؤهله مؤهلاته لذلك، أو يقدمه إخوانه للقيادة الإسلامية الراشدة.\nوكان هذا عاملًا من عوامل تأليف هذا الكتاب.\n* * *\nهذه بعض الدوافع التي دفعت إلى التفكير في إخراج هذا الكتاب. ودعني الآن أحدثك بعض الحديث عن بعض المباحث الحديثية وغيرها بين يدي ما فعلته؛ ليخرج هذا الكتاب بالشكل الذي تراه، والذي أطمع أن يكون قد حقق كل ما استهدفته منه.\n(١)\nانفردت الأمة الإسلامية عن جميع الأمم بأنها حفظت نصوص دينها حفظًا دقيقًا كاملًا، وذلك من معجزات الإسلام، وأن ما قاله كتابه هو الحق والصدق، يشهد لذلك تحقق قوله - ﷻ -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فلقد حفظ القرآن حفظًا لا ينتطح فيه عنزان، وحفظت السنة النبوية التي تشرح القرآن حفظًا هو وحده معجزة، فلقد وُقِّفَتْ هذه الأمة إلى اعتماد كل ما يلزم لحفظ النصوص، وقد قامت جهود هائلة من أجل ذلك، ومن عرف حقائق هذا الأمر أدرك معجزة الإسلام هذه.\n(٢)\nاعتمدت الأمة الإسلامية من أجل حفظ نصوص الوحي مبدأي الرواية والتثبت،\n_________\n(١) الحجر: ٩.","vol":"1","page":14},{"text":"وتوضَّعَتْ نتيجة لاعتماد هذين المبدأين مئات الاصطلاحات والقواعد والضوابط وعشرات العلوم وأنواع الدراسات، ونتج عن ذلك عشرات الألوف من الكتب، وكل ذلك للوصول في النهاية إلى ما يصح اعتماده من النصوص ومالا يصح.\n(٣)\nانصب جهد القراء على حفظ الشاردة والواردة مما له علاقة بالقرآن الكريم، أحرفه ورواياته، من الهمس فيه إلى تعدد اللهجات في النطق به، إلى استقراء طرائق الأداء التي أدى بها الرسول ﷺ هذا القرآن لشتى القبائل.\nوانصبَّ جهد المحدثين على حفظ الحديث وتبيان ما داخله أو خالطه أو أدخل عليه.\nوبهذا الجهد وذاك قدم القراء والمحدثون المادة الخام لكل علوم الإسلام التي انبثقت عن الكتاب والسنة، كعلم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم التفسير وعلم الأصول وعلوم العقائد والفقه والأخلاق والآداب والسلوك وعلوم السيرة والشمائل والخصائص إلى غير ذلك من علوم أمهات، ولقد وسِعَتْ هذه المادة الخام الحياة كلها؛ ولذلك فإن الدراسات والمعاني التي يمكن أن تنبثق عن الكتاب والسنة لا تتناهى.\nوإذا كانت المحصلة المرادة من النصوص هي الأحكام الشرعية فقد وجد علم أصول الفقه الذي يضبط كيفية الوصول إلى الأحكام الشرعية التي تسع الزمان والمكان والتي لا تتناهى كذلك.\nوهذا العلم - علم أصول الفقه - هو الذي وضع القواعد التي تضع السنة في محلها بالنسبة لأصول التشريع، والذي وضع قواعد الوصول إلى الحكم الشرعي من خلال استشراف النصوص وأصول الأحكام.\nوهكذا تعاون القراء والمحدثون والمجتهدون والأصوليون والراسخون في العلم بعامة على وضع كل نص في محله بالنسبة لبناء الإسلام.","vol":"1","page":15},{"text":"(٤)\nوقد اشتغل المحدثون للتثبت من المرويات على محورين: محور السند، ومحور المتن.\nفعلى محور السند: درسوا وضع الرواة: عدالتهم وصدقهم وضبطهم، واجتماعهم ببعضهم، وإمكانية أخذ بعضهم عن بعض، إلى غير ذلك.\nوعلى محور المتن: قارنوا بين المتون المروية فإذا خالف الثقة من هو أوثق منه أو إذا خالف الثقة الثقات لم يقبلوا المتن إلا إذا أمكن الجمع بين الحديثين.\nوهكذا من خلال سير السند ومقارنة المتون أحكموا أمر التثبت، ومع ذلك فإنهم لم يكتفوا بذلك بل أوجبوا على أنفسهم أن ينظروا نظرة شمولية إلى السند والمتن بعي الخبير بشأنها البصير بهما، لعلهم يكتشفون قادحًا خفيًا، ومن ثم أوجدوا ما يسمى بعلم العلل، ولم يعتبروا الحديث صحيحًا إلا إذا سلم من الشذوذ والعلة.\nوهذا كله كان جهد المحدثين، وأكمل عملهم الأئمة المجتهدون، فإذا كان المحدثون مهمتهم النظر في السند والمتن ومقارنة متون السنة النبوية ببعضها البعض لمعرفة الشذوذ في الرواية، فمهمة المجتهدين أن يستشرفوا نصوص الكتاب والسنة، وأن يلحظوا ما إذا كانت رواية من الروايات تخالف معنى قرآنيًا أو قاعدة تشريعية، وهكذا أكمل المجتهد عمل المحدث، ولذلك ترى بعض النصوص صححها المحدثون ولم يأخذ بها الأئمة المجتهدون إما لاعتبارها مخالفة لنص قرآني أو لقاعدة شرعية محكمة أو لاعتبارهم إياها سنة يومية فعلها رسول الله ﷺ بحكم قيادته السياسية للدولة الإسلامية، وإذ كانت هذه القضية من أخطر القضايا لما يترتب عليها من تعطيل السنن فإنها محرمة إلا على أهل الاجتهاد، ولذلك اعتبروا من يتصدر للاجتهاد وليس أهلًا له ضالًا مضلًا؛ لما يترتب على اجتهاده من تعطيل لبعض النصوص أو مس لهيكل الشريعة.\nوهكذا تضافرت جهود لا مثيل لها حتى بقيت نصوص الإسلام سليمة من الخلط أو التحريف أو التبديل أو الزيادة أو النقص، لتبقى زاد الأمم ومصدر هدايتها إلى قيام الساعة.\n* * *","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>ضخامة المكتبة الحديثية:</span>\nوائذن لي أن أحدثك من أقرب طريق - عن المكتبة الحديثية، وذلك من خلال استعراض كتاب مشهور عنوانه: (الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة) لمؤلفه السيد: محمد بن جعفر الكتاني - ﵀ - وذلك بين يدي ما فعلت لتحقيق ما استهدفته في هذا الكتاب.\nبدأ المؤلف الحديث عن المؤلفات الأولى في السنة النبوية، وذكر أعلام المؤلفين في القرنين الأول والثاني، ثم تحدث عن تتابع التأليف فقال:\nثم كثرت بعد ذلك التصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التآليف، حتى أربت على العد وارتقت من كثرتها عن التفصيل والحد، وهي مراتب متفاوتة وأنواع مختلفة، فمنها ما ينبغي لطالب الحديث البداءة به، وذكر الأصول الستة صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه.\nثم ذكر كتب السنة التي تعتبر أساسًا لمذاهب الأئمة الأربعة فذكر موطأ الإمام مالك ومسند الإمام أبي حنيفة وقد قال في الأخير منهما:\nومسند إمام الأئمة - أيضًا - ركن الإسلام أبي حنيفة النعمان بن ثابت القارئ الكوفي فقيه العراق، المتوفى ببغداد سنة خمسين أو إحدى وخمسين ومائة، وله خمسة عشر مسندًا، وأوصلها الإمام أبو الصبر أيوب الخلوتي في ثبته إلى سبعة عشر مسندًا، كلها تنسب إليه لكونها من حديثه وإن لم تكن من تأليفه، وقد جمع بين خمسة عشر منها أبو المؤيد محمد بن محمود بن محمد بن الحسن الخطيب الخوارزمي - نسبة إلى خُوارِزم بضم الخاء وكسر الراء ناحية معلومة - المتوفى سنة خمس وخمسين وستمائة، في كتاب سماه جامع المسانيد، رتبه على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد وترك تكرير الإسناد.\nثم ذكر مسند الإمام الشافعي وعرّف به ثم ذكر مسند الإمام أحمد وعرف به وبعد ذلك قال:\nفهذه كتب الأئمة الأربعة وبإضافتها إلى الستة الأول تكمل الكتب العشرة التي هي أصول","vol":"1","page":17},{"text":"الإسلام وعليها مدار الدين.\nثم قال: ومنها - أي ومن كتب السنة - كتب التزم أهلها فيها الصحة من غير ما تقدم. فذكر: صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان وصحيح الحاكم وكتاب الإلزامات للدارقطني كتاب المستدرك للحافظ أبي ذر الهروي وصحيح الحافظ أبي حامد النيسابوري المعروف بابن الشرفي وكتاب الأحاديث الجياد المختارة لضياء الدين المقدسي وكتاب المنتقى لابن الجارود وكتاب المنقى لابن أصبع الأندلسي وصحيح ابن السكن، والكتب المخرّجة على الصحيحين أو أحدهما: كمستخرج الإسماعيلي، ومستخرج الغطريفي ومستخرج أبي ذهل ومستخرج ابن مردويه الكبير ومستخرج أبي عوانة ومستخرج ابن أصبع ومستخرج أبي جعفر الحبري ومستخرج محمد بن محمد النيسابوري ومستخرج الجوزقي ومستخرج الشاركي ومستخرج أبي الوليد القزويني ومستخرج أبي عمران الجويني ومستخرج أبي النصر الطوسي ومستخرج أبي عثمان الحيري ومستخرج أحمد بن سلمة النيسابوري ومستخرج أحمد بن محمد الطوسي البلاذري ... إلى كثيرين آخرين ذكرهم، لهم مستخرجات بأسانيد أخرى للصحيحين أو لأحدهما، وكلها تفيد توثيق أحاديث الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم.\nثم تحدث عن الكتب المؤلفة في السنن، وهي الكتب المؤلفة على أبواب الفقه، فذكر زيادة على الكتب الأربعة المشهورة: سنن الإمام الشافعي للمزني وسنن النسائي الكبرى وسنن ابن جريج الرومي وسنن سعيد بن منصور وسنن الكشي وسنن محمد بن الصباح البزار وسنن أبي قرة موسى بن طارق وسنن الأشرم وسنن الخلال وسنن سهل بن أبي سهل وسنن الصفار وسنن الهمداني وسنن ابن لال وسنن النجاد وسنن بان إسحاق وسنن يوسف بن يعقوب الأزدي اللالكائي. ثم قال: فهذه هي مشاهير كتب السنة وبعضها أشهر من بعض وبإضافتها إلى السنن الأربعة السابقة تكمل كتب السنن خمسة وعشرين كتابًا.\nثم تحدث عن نوع آخر من التأليف، وهو في الحض على اتباع السنة وترك الأهواء والبدع، فذكر ستة عشر كتابًا.","vol":"1","page":18},{"text":"ثم ذكر نوعًا آخر من التآليف في السنة وهي كتب مرتبة على الأبواب الفقهية، مشتملة على السنن وما هو في حيزها أو له تعلق بها بعضها يسمى مصنفًا وبعضها جامعًا وغير ذلك سوى ما تقدم، فذكر اثنين وعشرين كتابًا.\nثم ذكر نوعًا آخر من التصانيف وهي الكتب المفردة في الآداب والأخلاق والترغيب والترهيب والفضائل ونحو ذلك فذكر حوالي مئة وأربعين كتابًا.\nثم ذكر نوعًا آخر من التصانيف وهي كتب المسانيد - جمع مسند - وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا، مرتبين على حروف الهجاء أو على القبائل أو على السابقة في الإسلام أو الشرف في النسب، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد أو أكثر.\nقال: (والمسانيد كثيرة جدًا) ثم عدد ما تيسر له ذكره منها فذكر اثنين وثمانين مسندًا\nثم ذكر كتبًا لم تؤلف في السنة قصدًا، ولكنها حوت الكثير من نصوصها، ككتب التفسير والكتب المؤلفة في المصاحف والقراءات وكتب الناسخ والمنسوخ وذكر أسماء العشرات منها.\nثم تحدث عما يُسمى بالأجزاء الحديثية وهي كتب مفردة في موضوع أو في روايات أو مرويات فذكر العشرات منها.\nثم ذكر كتبًا مؤلفة تحت عنوان (الفوائد) فذكر كثيرًا منها.\nثم ذكر ما يُسمَّى خصوصيات انفرد بها بعض الأئمة وألف فيها آخرون فذكر الكثير من ذلك.\nثم تحدث عن كتب الشمائل النبوية والسير المصطفوية والمغازي فذكر منها تسعة","vol":"1","page":19},{"text":"وعشرين كتابًا.\nثم تحدث عن نوع من الكتب يجمع أحاديث شيوخ بأعيانهم فذكر أحد عشر كتابًا.\nثم ذكر كتبًا تجمع طرق بعض الأحاديث فذكر عشرة كتب.\nثم تحدث عن نوع من الكتب فذكر رواية بعض الأئمة المشهورين فذكر اثني عشر كتابًا.\nثم ذكر الكتب التي تتحدث عن الأحاديث الأفراد فذكر أربعة كتب.\nثم تحدث عن الكتب التي تتحدث عن المتفق لفظًا وخطأ والمفترق معنى من الأسماء والألقاب والأنساب وعن المتفق خطا والمختلف لفظًا .. وذكر ثلاثة وثلاثين كتابًا مؤلفًا فيها.\nثم تحدث عن نوع آخر من التأليف وهو في مهمات الأسانيد والمتون فذكر ثلاثة عشر كتابًا.\nثم تحدث عن كتب الأنساب فذكر أحد عشر كتابًا.\nثم تحدث عن الكتب المؤلفة في معرفة الصحابة فذكر ثمانية عشر كتابًا.\nثم تحدث عن الكتب المؤلفة في تواريخ الرجال وأحوالهم فذكر ثلاثة عشر كتابًا.\nثم تحدث عن كتب المعاجم، وهي الكتب التي تذكر الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك فذكر ثلاثة وأربعين معجمًا.\nثم تحدث عن كتب الطبقات وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة وعصرًا بعد عصر إلى زمن المؤلف فذكر ثمانية عشر كتابًا.\nثم تحدث عن كتب المشيخات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم مؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم فذكر ثلاثة عشر كتابًا.","vol":"1","page":20},{"text":"ثم تحدث عن الكتب المؤلفة في علوم الحديث - أي مصطلحه -، ذكرت فيها أحاديث بأسانيد فذكر منها ثمانية كتب.\nثم تحدث عن الكتب التي تتحدث عن الضعفاء من الرواة، أو تتحدث عن الثقات، فذكر خمسة وعشرين كتابًا.\nثم ذكر الكتب التي تتحدث عن الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله - ﷺ - فذكر ثلاثة وعشرين كتابًا.\nثم ذكر الكتب المؤلفة في غريب الحديث - أي في شرح الكلمات الغامضة منه - فذكر سبعة عشر كتابًا.\nثم ذكر كتبًا تتحدث عن مشكل الحديث وهي كتب تجمع بن النصوص فترد المتشابه إلى المحكم او ترجح النسخ أو عدمه فذكر خمسة كتب.\nوهناك كتب الأمالي التي يملي فيها الشيخ على تلاميذه في جلسات عامة فتسجل، ذكر منها واحدًا وثلاثين كتابًا.\nثم ذكر الكتب التي تتحدث عن رواية الأكابر عن الأصاغر، ورواية الآباء عن الأبناء والعكس، فذكر ستة كتب مؤلفة فيها.\nثم تحدث عن الكتب التي يجمع فهيا الأسانيد العالية أي التي يقل فيها الرواية بين الشيخ وبين رسول الله ﷺ فذكر أربعة عشر كتابًا.\nثم ذكر كتبًا في التصوف فيها أحاديث بأسانيد فذكر ثلاثة عشر كتابًا.\nثم تحدث عن كتب الأطراف، وهي التي يقتصر فيها على ذرك طرف الحديث الدالِّ على بقيته، مع الجمع لأسانيده إما على طريق الاستيعاب أو على جهة التقيد بكتب مخصوصة، فذكر خمسة عشر كتابًا.\nثم تحدث عن كتب الزوائد، أي الأحاديث التي تزيد فيها بعض كتب الحديث على بعض آخر معين منها، كزوائد سنن ابن ماجه على كتب الحفاظ الخمسة للشهاب البوصيري،","vol":"1","page":21},{"text":"فذكر تسعة عشر كتابًا.\nثم ذكر الكتب التي تجمع بين بعض الكتب الحديثية فذكر سبعة عشر كتابًا.\nثم ذكر كتبًا مجردة من الأسانيد أو كتبًا فيها أحاديث منتقاة فذكر واحدًا وثلاثين كتابًا.\nثم ذكر كتبًا تختص بتخريج الأحاديث الواردة في كتب بعض المصنفين فذكر ثلاثة وأربعين كتابًا.\nثم ذكر بعض الكتب التي تتحدث عن الأحاديث المشتهرة على الألسنة فذكر أحد عشر كتابًا.\nثم تحدث عن الكتب التي جمعت فتاوى مبناها على النصوص، والتي تسمى الفتاوى الحديثية، فذكر منها ستة كتب.\nثم تحدث عن كتب تجمع نوعًا من الحديث كالحديث المتواتر، فذكر خمسة كتب.\nثم ذكر كتبًا في التفسير والشروح الحديثية لأهلها اعتناء بالحديث ومعرفة به وإكثار من رواياته، فذكر عشرة كتب.\nثم ذكر كتبًا في السيرة النبوية والخصائص المحمدية غير ما سبق، فتحدث عن ثلاثة وثلاثين كتابًا.\nثم تحدث عن كتب في أسماء الصحابة غير ما ذكر، فذكر ثلاثة عشر كتابًا.\nثم تحدث عن كتب تذكر أحوال الرواة وتضبط أسماءهم وأسماء بلدانهم غير ما ذكره من قبل، فذكر ثلاثة وخمسين كتابًا.\nثم تحدث عن كتب الوفيات فذكر أربعة عشر كتابًا.\nثم تحدث عن كتب مصطلح الحديث فذكر ستة وثلاثين كتابًا.\nثم ختم كتابه بالحض على الاشتغال بعلوم الحديث.\n* * *","vol":"1","page":22},{"text":"من هذا العرض المختصر ندرك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمة الإسلامية في خدمة سنة نبيها ﷺ حتى تبقى غضة طرية متميزة عما سواها، معلمًا للهداية الربانية، فإذا ما ألقيت نظرة على كتب مصطلح الحديث تجد الدقة العلمية في البحث بما لا تطال العقول أرفع منه، ولا تحكم العقول بأن هناك أكثر منهجية في الوصول إلى الحق الخالص منه، فهناك قواعد لجرح وتعديل الرواة، وهناك قواعد تُسيرُ بها المتون.\nوكأثر عن هذا كله ميز العلماء بين أكثر من خمسين نوعًا من أنواع الأحاديث كلها متفرعة عن دراسة السند والمتن، وكل ذلك في النهاية للوصول إلى ما تبنى عليه الأحكام من المرويات، كالأحاديث المتواترة لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، والأحاديث الصحيحة والحسنة، ومن أجل ذلك كتبوا كل رواية لأن الروايات الضعيفة يمكن أن يكون لها دخل في تحسين حديث أو في تصحيحه، واقتضى ذلك منهم جهودًا كبيرة، حتى إن الإمام أحمد كان يحفظ مليون حديث بأسانيدها ومتونها، وهذا يعني بالضرورة أنه دخل كثيرون من الرجال تحت أشعة رصده، فإذا ما عرفنا أن تشعب الروايات يكثر كلما تطاول الزمن أدركنا كم من الجهود بذلت في خدمة السنة النبوية. ومن أجل الوصول إلى هذا الجوهر كم وجدت من دراسات وتوضعت من قواعد، ويكفي أن تقرأ كتابًا في مصطلح الحديث حتى تدرك جلل ما تذكره لك.\nفمن أجل تمحيص الرواية وُجدتْ علوم كعلم الوفيات وسني الولادة، ووجدت دراسات مستوعبة عن كل راوٍ، عن عقيدته وسلوكه وصدقه وكذبه وعن عوامل الجرح أو التعديل في حياته، ومن أجل المتن وجدت علوم كعلم المقارنة بين المتون لمعرفة العلل والشذوذ، ولمعرفة الناسخ والمنسوخ، وتوضعت نتيجة لذلك مصطلحات.\nثم كان علم أصول الفقه هو العلم المكمل بالنسبة للسنة النبوية، إذ أنه هو العلم الذي تحدث عن محل السنة بالنسبة لأصول التشريع الأربعة الرئيسية وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وهو الذي تحدث عن قوة إلزامية السنة بحسب كونها متواترة أو صحيحة أو حسنة أو غير ذلك، وهو الذي وضع القواعد التي تجمع بين النصوص بعضها مع بعض وبين","vol":"1","page":23},{"text":"النصوص والأحكام العقلية والعادية، وهو الذي وضع القواعد لاستخراج الحكم الشرعي بناء على أن هناك رخصة وعزيمة وقواعد أصلية وأحوالًا استثنائية ...\nإن من ثمرات العلم بالكتاب والسنة وأصول الفقه الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي في كل قضية من قضايا المكلفين، وثمرة ذلك كله الاعتقاد الصحيح والعمل الصحيح، المقبولان عند الله تعالى، وإن ذلك لشيء عظيم وكبير، فهؤلاء الذين اجتمع لهم حسن الاعتقاد وحسن العمل هم وحدهم من بين أفراد هذا العالم الذين حققوا معنى العبودية لله - ﷿ -.\n* * *\nإذا عرفت ما مرَّ وثقت في تحقيقات الراسخين في العلم، وأدركت عظم الجهود التي قام بها علماؤنا في خدمة السنة النبوية، تثبتًا في شأنها وتخليصًا لها عن سواها، وفي الوقت نفسه تدرك استحالة جمع كل ما ورد في السنة النبوية في كتاب، بل استحالة أن يطلع إنسان ما على كل ما كتب في السنة، فضلًا عن جمع كل روايات السنة في كتاب.\nولكن إذا عرفت معاني أخرى فإن ذلك يرجعك إلى أن تطمئن إلى أنه بإمكانك أن تطلع بسرعة على معاني السنة دون أن تغرق في بحار التآليف.\nإنك إذا عرفت أن الكتب الستة المشهورة في السنة وهي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الأربعة لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، والمختلف في السادس منها: هل هو الموطأ أو سنن ابن ماجه - والتي تلقتها ألأمة بالقبول - ما فاتها إلا القليل من الأحاديث الصحيحة، وإذا عرفت أن هذه الكتب الستة تمت محاولات لجمع معانيها في مجلدين كما فعل ذلك ابن الديبع الشيباني في كتابه: (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) مثلًا؛ إذا عرفت ذلك أدركت أن بإمكانك أن تعرف معاني السنة النبوية عن طرق مختصرة.\nوقد اشتهرت بجانب الكتب الستة كتب أخرى، كمسند الإمام أحمد ومسند أبي بكر والبزار ومسند أبي يعلي الموصلي، ومعاجم الطبراني الثلاثة، فلو أنك قرأت زوائد هذه الكتب على الكتب الستة أو السبعة فإنك تستطيع أن تثق أنه ما فاتك إلا القليل، وإلا تحقيقات وكماليات، فإذا اطمأننت إلى كلامنا هذا فقد آن الأوان لنحدثك عن كتابنا هذا.\n* * *","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>منهج تأليف هذا الكتاب</span>\n١ - تستطيع أن تقول إذا قرأت هذا الكتاب أنك كدت أن تحيط بمعاني السنة النبوية، لأنه حوى الهدي النبوي الذي روته أمهات كتب السنة وهي سبعة عشر كتابًا هي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة: لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومعاجم الطبراني الثلاثة، ومستدرك الحاكم، وما تيسر جمعه من غير هذه الكتب من صحيح السنة وحسنها.\nفقد اتجه الهمة لأن تكون هذه الكتب السبعة عشر هي أصول هذا الكتاب، على أن أستفيد من الكتب التي جمعت بعضها أو أكثر من أمثال الجامع للأصول لابن الأثير أو مجمع الزوائد للهيثمي أو جمع الفوائد لحمد بن محمد بن سليمان المغربي.\n٢ - وقد ألزمت نفسي ألا آخذ من هذه الأصول إلا حديثًا صحيحًا أو حسنًا، وقد أدخلت في الكتاب بعض ما صادفني من الحديث الصحيح أو الحسن مما ليس في الكتب السبعة عشر، فتميز هذا الكتاب على كتب الجمع الأخرى بأنه ما حوى إلا الصحيح والحسن، وحاول أن يستقصي أصوله، مع ملاحظة أن هناك روايات في أصول هذا الكتاب لا تدخل بشكل مباشر في مقصوده، فأسقطتها، فهناك روايات كثيرة مثلًا تتحدث عن أنساب الصحابة وعن تاريخ وفياتهم مما يصلح لدراسات إحصائية استقرائية، ومما محله كتب التاريخ ومما لا تعلق مباشرًا له بالهدي النبوي الذي يحتاجه كل مسلم، أو بالمعرفة التي يُطالب بها كل مسلم، ولذلك فقد أسقطت مثل هذه الروايات في الغالب من كتابي.\nوقد أدخلت في هذا الكتاب بعض الأحاديث المرسلة مع ما يقال في الأحاديث المرسلة، لأن لها محلها في البناء الأصولي لمن يريد التحقيق، وأدخلت روايات أناس اختلف عليهم إذا حكم إمام لحديثهم بالصحة أو الحسن إذا وُجد ما يقوي الرواية.\n٣ - ولم أكتف بتصحيح أو تحسين من اشتهر عنهم أنهم يتساهلون في التصحيح والتحسين كالترمذي وابن حبان والحاكم إلا إذا أكد ذلك إمام آخر أو محقق ثبت، وكل ذلك ليطمئن","vol":"1","page":25},{"text":"القارئ والداعية أن ما يأخذه من هذا الكتاب حجة وبه تقوم الحجة بإذن الله، ونرجو أن يكون مأجورًا في علمه وعمله إذا بناه على هذا الكتاب.\nوإذا كنا أد\nخلنا روايات لأناس اختلف عليهم فذلك لأن التصحيح والتحسين والتضعيف يخضع في بعض حيثياته لعوامل ذوقية. وللتبحر في علم الحديث، وللخبرة دخلهما في ذلك، ومن ثم كان للاجتهاد دخل في التصحيح أو التحسين أو التضعيف، ألا ترى أن بعض قواعد الجرح والتعديل محل خلاف؟\nومع أننا أدخلنا بعض ما اختلف فيه إذا كان التحقيق يوصل إلى تصحيح أو تحسين، فقد حاولنا أن نذكر وجهات النظر الأخرى إذا عثرنا عليها احتياطًا لحرمة جناب السنة النبوية المطهرة.\nوإنما انصب جهدي على جمع الصحيح والحسن؛ لأنهما اللذان عليهما مدار الأحكام، وبهما تقوم الحجة، ولم أدخل الضعيف في متن هذا الكتاب - مع أن الضعيف لا يعتبر موضوعًا بالضرورة، وبالتالي فاحتمال أنه من كلام رسول الله ﷺ قائم - لأنني استهدفت بهذا الكتاب معاني متعددة ..\nمنها: أن يألف القارئ العبارة النبوية وأن يراها خالصة لا يخالطها غيرها.\nومنها: حفظ القارئ عن التشويش والاضطراب وتغير الخاطر وقلق الفكر.\nومنها: حفظ وقت القارئ.\nومنها: أن يندفع القارئ في العمل دون تردد.\n٤ - وقد كنت ذكرت في مقدمة كتاب الأساس في التفسير بعض احتياجات الأمة الإسلامية في عصرنا بالنسبة للسنة فقلت:\nأ - المسلم المعاصر عنده رغبة في أن يتعرف على السنة المتواترة والصحيحة والحسنة السند، ويحتاج إلى كتاب جامع لذلك كله، على أن يكون هذا الكتاب مضبوطًا شكله","vol":"1","page":26},{"text":"مشروحًا غريبه.\nب - والمسلم غير المتخصص في الحديث يهمه كذلك أن يأخذ الجوهر - دون ما احتاجه هذا الجوهر لحمايته - أي هو يحرص على أن يقرأ متون السنة دون أسانيدها.\nجـ - والمسلم المعاصر بحاجة إلى أني فهم السنة فهمًا صحيحًا وأن يأخذ الجواب الشافي على كثير من الإشكالات، وأن يعرف كثيرًا من الأمور التي يتلجلج في قلبه سؤال عنها.\nد - وهناك شبهات حول السنة يثيرها أعداء الله ﷿، وهناك مناقشات حادة حول الكثير من الأمور بين المسلمين أنفسهم في شأن فهم الكثير من متون السنة، وكل ذلك يحتاج المسلم المعاصر إلى أن يرتاح قلبه في شأنه.\nهذا ما ذكرته في مقدمة كتاب التفسير عما يحتاجه المسلم المعاصر بالنسبة للسنة وشيء عادي أن أراعي ذلك في هذا الكتاب.\n٥ - ولما كان هذا الكتاب ليس جمعًا للسنة فقط، بل جمع للسنة وحديث عن شيء من فقهها، وذلك من أهداف هذا الكتاب، فإنني أدخلت بعض تحقيقات أهل الاختصاص فيه، وذلك شيء لابد منه لمريد فهم السنة؛ فهناك نصوص في السنة فهمها بعض الناس فهمًا خاطئًا فضلوا وأضلوا، كتلك الفرق المنشقة عن جسم الأمة الإسلامية.\nوهناك نصوص يمكن أن يفهمها بعض الناس فهمًا خاطئًا كالنصوص التي تتحدث عن تسلسل الأحداث إلى قيام الساعة، وأقواله - ﵊ - من جوامع الكلم، وأفعاله كلها في غاية من الحكمة، وفي هذا وذاك يوجد الفقيه والأفقه، والاستفادة من فقه أهل الفقه مهمة.\nوهناك نصوص تعددت في فهمها أو في الموقف منها آراء أئمة الاجتهاد فكان لابد من تبيان أسباب ذلك لتبقى ثقة الأمة الإسلامية بأئمتها على أشدها فذلك هو الذي يعصم من السير وراء الأهواء، أو عن الاندفاع وراء الآراء الشاذة، أو عن الخطأ في المواقف.\nوهناك - أيضًا - قضايا كثيرة تحتاج إلى أن يذكر فيها تحقيق المحققين كل في","vol":"1","page":27},{"text":"اختصاصه، فمثلًا: تجد في السيرة كثيرًا من النصوص الصحيحة والحسنة تشير إلى حادثة بعينها، ولكنك لا تجد في النصوص الصحيحة والحسنة التفصيلات، فإذا ما وجدت تفصيلات عند أئمة السير والمغازي فهذه التحقيقات مهمة ومفيدة، فهي لا تخرج عن أن يكون مضمونها مذهبًا لصاحب التحقيق، فإذا كان إمامًا فلنا في هذه الحالة أن نتابعه في قضية ليس فيها نص مخالف، وفي قضايا العقائد أو السلوك أو الفقه أو الطب أو التفسير نجد تحقيقات مهمة ومفيدة، تعين على الفهم أو تجيب على تساؤلات.\nكل ذلك دعاني إلى إدخال تحقيق أهل التحقيق من أهل الاختصاص في هذا الكتاب، ولكن بأقصى ما أستطيع من الاختصار حتى لا يتوسع حجم الكتاب، وعلى هذا الهدي علقت وحشيت وهمشت وأدخلت كثيرًا من الفوائد ليحقق الكتاب مجموع أهدافه.\n٦ - وإذ كنت مولعًا بالبحث عن الكليات وربط أجزائها بها فقد راعيت في هذا الكتاب أن تأخذ موضوعات السنة محلها ضمن تسلسل يستشعر فيها القارئ وحدة السنة النبوية وكأنها في الأصل كتاب واحد.\n٧ - وقارئ هذا الكتاب يخرج بانطباع أنه أمام أعظم هدي بشري لنبي. وقد راعيت فيه أن لا يمل قارئه وأن يزداد رغبة في القراءة كلما أوغل فيه، كما راعيت فيه أن يخرج قارئه وقد فقه السنة حق الفقه، مركزًا على ما يغفل عنه أبناء العصر من موضوعات تفرضها وقائع ومناقشات.\n٨ - وقد بذلت جهدًا كبيرًا في تحقيق روايات بعض الكتب التي لم تنل من التحقيق ما يكفي، مما يعتبر وحده جهدًا تتوجه إليه مقاصد الراغبين في السنة، كمجمع الزوائد للهيثمي، وقمت بضبط وتحقيق وتشكيل ما يشكل على القارئ العادي، معتمدًا في ذلك على مصادر السنة الصحيحة المحققة وكتب اللغة المعتمدة.\n٩ - وقد كان لأعداء الإسلام دور كبير في محاولة التشكيك في السنة وفي بعض معانيها، مما جعلني ألحظ ذلك في تأليف هذا الكتاب بشكل غير مباشر، بحيث تعود الكرة إلى مرمى أهلها، فيصبح ما هو محل تشكيك في زعمهم محل إيمان كما هو في الواقع والحقيقة.","vol":"1","page":28},{"text":"١٠ - وإذا كانت بعض الموضوعات تحتاج إلى الاستفادة من معطيات عصرنا، وإذ كانت بعض معطيات عصرنا تُظهر من معجزات نبينا ﷺ الكثير، فقد كان هذا وهذا محل تركيز في هذا الكتاب.\n١١ - ثم إن المسلم في عصرنا يحتاج إلى أن تفتح أمامه آفاق جديدة على الحاضر والمستقبل التزامًا وتطبيقًا، وأملًا وتفاؤلًا، وإذ كانت النصوص تعطي هذا كله فقد كان هذا محل تركيز في الكتاب، خاصة وأن بعض الموضوعات قد فهمت فهمًا مغلوطًا انعكس على نفسية الأمة يأسًا وإحباطًا.\n١٢ - وكما أن بعض الموضوعات قد ركزت عليها شرحًا وتقديمًا وتعليقًا وتلخيصًا وإلحاقًا إياها بمسائل وفوائد، فإنني سردت أحاديث بعض الموضوعات سردًا؛ لرؤيتي أن حاجة المسلم هي تملي هذه النصوص صرفًا لم تُشبْ بتعليقات الرجال.\n١٣ - ومع هذا كله فإن هذا الكتاب لا يعتبر شرحًا تقليديًا للسنة ولا يعتبر تحقيقًا تقليديًا لها، ولكنه كتاب يعطيك السنة عن أقرب طريق ويعطيك فهمًا لها عن أيسر طريق، الحشو فيه مستبعد، والتعقيد فيه متروك، هذا مع المحاولة بألا يفوتك شيء من الهدي النبوي إن شاء الله.\n١٤ - والأصل عندي أن أختصر ما أمكن ليسهل على القارئ الاستيعاب السريع، ولذلك لم أكرر إلا حيث وجدت ملحظًا يقتضي التكرار: إما لإعلام أن أكثر من صحابي قد روى معنى من المعاني، وإما لضرورة أن يكرر حديث في أكثر من مكان إلى غير ذلك من الضرورات، ولقد أهملت بعض المعاني الفنية عمدًا رغبة في الاختصار، حيث أجد أن ما أذكره كاف ليثق المسلم فيعتقد ويعمل.\nومن باب الاختصار أيضًا أنني في بداية كل حديث أذكر من أخرجه، ثم أحذف السند، وأكتفي بالصحابي الذي رواه فأقول مثلًا: روى البخاري عن أبي هريرة ... وكان ينبغي أن يقال: روى البخاري بسنده عن أبي هريرة، ولكن حذفت الجار والمجرور تخفيفًا، اعتمادًا على أن هذا مفهوم من الكلام، ويستطيع القارئ الكريم أن يقدرهن بناء على معرفته بشرط هذا الكتاب.","vol":"1","page":29},{"text":"١٥ - وفي عملية جمع النصوص من أصول هذا الكتاب صادفني أن بعض الروايات موجودة في أكثر الأصول فلم أر أن أذكر الصول كلها في العزو لأن ذلك يضخم حجم الكتاب دون فائدة للقارئ العادي، ولذلك اختصرت في العزو بالقدر الذي يحقق الغرض، وإذ كانت أكثر روايات الأصول الزائدة على الكتب الستة تكرارًا لما في الكتب الستة، فإنك لا تجد كثيرًا من العزو إلى هذه الأصول، فلا تظنن أن هذا قصور في الكتاب.\n١٦ - وعلى عادتي فيما أؤلف فإنني لا أتوانى أن أنقل تحقيقات المحققين مما يحتاجه كتابي، دون أن أحاول إعادة صياغته، ولا حرج عليَّ في كل ما فعلته فلقد درج علماء المسلمين خلال العصور على أن يعتبروا مجرد الدمج بين كتابين أو أكثر هدفًا، وأن يعتبروا الانتقاء والاختيار من كتاب أو مجموعة كتب هدفًا، وأن يزيد اللاحق على فعل السابق آخذًا جهده مضيفًا إليه هدفًا، ومجرد تجميع الفوائد من كتب متعددة هدفًا.\nفإذا حاولت أن أوجد عقد جوهر من جواهر مبثوثة، فإني لا أجد حرجًا من أن أكثر النقل فقد لا يصل الكتاب المنقول عنه إلى قارئي فأكون وسيطًا، ثم إن كثيرين يعرضون بعض الأمور عرضًا موفقًا قد لا أطيقه لو أني أردته، فماذا لو أنني رصعت كتابي بفوائد أمثال هؤلاء؟!\n١٧ - وقد أفدت من تحقيقات البوصيري لزوائد ابن ماجه، وتحقيقات عبد الله اليماني لجمع الفوائد وتحقيقات عبد القادر أرناؤوط لجامع الأصول وتحقيقات الهيثمي لمجمع الزوائد وتحقيقات الذهبي للحاكم وتحقيقات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة وناصر الألباني وشعيب الأرناؤوط وغيرهم، فجزى الله الجميع خيرًا.\n١٨ - ولعل قصة الجهد الذي بذلناه في هذا الكتاب تجعل لنا عند أهل الإنصاف عُذرًا فيما يرونه من تقصير، فلكي أتجنب أخطاء النقل الكتابي، ولكي لا يفوتني حديث من أحاديث الكتب التي قررت أن أجمع منها هذا الكتاب، فقد جعلت كل حديث من أصول هذه الكتب في ورقة مستقلة تصويرًا أو أخذًا مباشرًا من نسخ هذه الكتب، حتى إذا انتهى","vol":"1","page":30},{"text":"هذا الجهد، وجدتني أمام عشرات الآلاف من أوراق، فبدأت بحذف الضعيف، وضم النظير إلى النظير، على ضوء نظرية جامعة في الترتيب والتبويب، ثم كانت مرحلة ثانية وثالثة ورابعة، وخامسة حتى استكمل هذا الكتاب شكله الذي أقدمه إليك.\nونرجو من أي إنسان عنده علم في السنة أن يقدم لنا ملاحظاته، فنحن بفضل الله نفرح إن أهدانا أحد هدية الدلالة على خطأ.\n* * *","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>أقسام الكتاب</span>\nوقد جعلت هذا الكتاب مقدمة وخمسة أقسام:\nالمقدمة: وفيها تعريف بهذا الكتاب ومنهج البحث فيه، وإلمامه بأصوله، وتعريف بالجهود الكبرى التي جمعت بين هذه الأصول وأفدت منها.\nوجعلت القسم الأول من الكتاب في السيرة النبوية، لأن التعريف بالرسول ﷺ مقدم على التعريف بالرسالة، ولأن الإيمان بالرسول ﷺ هو المقدمة العادية لتلقي هديه.\nوجعلت القسم الثاني في العقائد، لأنها هي الأساس، وعنها يصدر العمل وإذا صحت وجد القبول، ولأنها أول ما يخاطب به الإنسان، وهي المظهر الأول لدعوة رسول الله ﷺ فناسب أن يكون أول ما يطالعه الإنسان بعد سيرة رسول الله ﷺ العقائد، وقد جمعت في قسم العقائد بين الفهم الفطري للنصوص، ومباحث الأصوليين، وتحقيق المحققين.\nوجعلت القسم الثالث في العبادات الرئيسية وما هو ألصق بها.\nوجعلت القسم الرابع في الأخلاقيات وأحكام الحياتيات والعاديات.\nوجعلت القسم الخامس في الحكم وما أهو ألصق به وفي حقوق الإنسان.\nوسنرى أن الربط بين أبحاث كل قسم والتسلسل بين الأقسام كان قويًا لدرجة يجعل الكتاب بعضه أخذًا برقاب بعض، وقد لحظت في هذا الترتيب معاني تربوية ونفسية نرجو أن تكون ذا نفع.\n* * *\nوبعد: فهاك السنة النبوية تكاد تكون مجموعة من كتاب، وإني لأرجو لمن قرأ هذا الكتاب وكتاب الأساس في التفسير وكتاب الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم، أن يكون قد اجتمع له إبصار كامل بمواطن الحق والباطل والخطأ والصواب.\nولقد مرت على المسلمين أدوار، دور كانوا يأخذون فيه الكتاب والسنة وحدهما، ودور","vol":"1","page":32},{"text":"أخذوا فيه الكتاب والسنة مع أقوال العلماء كل بدليله، ودور أخذوا فيه أقوال العلماء بلا دليل وأهملوا دراسة الكتاب والسنة، مع أن أكثر أقوال العلماء تبحث في غير الأمور المشهورة في الكتاب والسنة، فحدث نتيجة لذلك أخطاء كثيرة، وجهل عريض، وغفلة كبيرة، ولا أزعم أنه ليست لهذا استثناءات ولكنه هو الغالب، ولعل جهدي في سلسلة (في المنهج) يشارك في إعادة الأمور إلى نصابها.\n* * *\nوها أنذا أكرر توجيه الدعوة لأهل العلم والفضل أن يوافوني بأي وجهة نظر - مباشرة أو عن طريق الناشر - أستكمل فيها ما فاتني، أو أحرر فيها ما ذكرته، أو أرصع بها هذا الكتاب، فكل ذلك أفتح له صدري بل أطلبه، وليس عندي من حرج أن يرُدُّ عليِّ من يردّ في كتاب أو مجلة سيارة أو في صحيفة، فإنني أرجو أن أستفيد من ذلك كله، لله وفي الله.\nوإذا وجد أحد أن هذا الكتاب لم يبلغ الكمال فأي جهد بشري بلغ الكمال؟! إنما هو خطوة في طريق جمع الأحاديث الصحيحة والحسنة لعلي أو لعل غيري يسير خطوات أخرى نحو الكمال والله الموفق، وما يجد القارئ في هذا الكتاب من خير وسداد فمن الله تعالى وما يجد فيه من نقص وخلل فمني وأستغفر الله.\nهذا وإني لأدعو الله - ﷿ - أن يتقبلني ويتقبل أعمالي وأن ينفع بها، كما أنني أدعو لنفسي ولكل من ساعدني في إنجاز هذا المشروع أو انتفع به أن يتغمدنا الله وأهلينا وذرياتنا برحمته، وأن يكرمنا برعايته، إنه سميع مجيب.\n(رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثانيًا: تعريف بأصول هذا الكتاب ومصنفيها</span>\nأصول هذا الكتاب الحديثية سبعة عشر كتابًا، هي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومستدرك الحاكم، ومعاجم الطبراني الثلاثة.\nوالجامع لهذه الكتب لا يستطيع إلا أن يستهدي بجمع من جمع منها، احتياطًا في البحث، واسترشادًا بجهود المتقدمين، وبعض كتب الجمع هي السبيل الوحيد المتوفر عندي للوصول إلى مروياتها لأنها لم تطبع حتى تأليف هذا الكتاب.\nوأهم ما انصبت عليه عملية الجمع قديمًا جمع الأصول الستة للبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي والموطأ، وجمع زيادات بعض الكتب على الأصول الستة ولكن بتبديل الموطأ بابن ماجه، وهي عملية الجمع التي قام بها نور الدين الهيثمي، ثم الجمع بين الجامع للأصول ومجمع الزوائد، مضافًا إليهما زيادات من ابن ماجه وسنن الدارمي، والتي قام بها محمد بن محمد بن سليمان المغربي في كتابه جمع الفوائد.\nونحن في هذا الكتاب مع استرشادنا بكتاب جمع الفوائد الذي هو أرقى عمليات الجمع فقد جمعنا الروايات كلها من الأصول الأقرب حتى لا تفوتنا رواية من روايات الكتب الأصول فكانت المحصلة هي ما جمعناه لك أو اعتمدناه في هذا الكتاب.\nوسنقدم لك في هذه الفقرة تعريفًا بأصول هذا الكتاب وأصحابها وتعريفًا ببعض من جمع الأصول الستة وبمجمع الزوائد وبجمع الفوائد.\n* * *","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>١ - الإمام البخاري وصحيحه</span>\nقال ابن الأثير - صاحب جامع الأصول - في ترجمة البخاري:\nهو أبو عبد الله: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعفي البخاري.\nوإنما قيل له: الجُعْفي لأن المغيرة - أبا جدِّه - كان مجوسيًا، أسلم على يد يمان البخاري، وهو الجعفي والي بُخارّى، فنُسب إليه حيث أسلم على يده.\nوجُعْفي: أبو قبيلة من اليمن، وهو جُعْفي بن سعد العشيرة بن مذحج، والنسبة إليه كذلك.\nولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلّتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة، إلا ثلاثة عشر يومًا، ولم يعقب ذكرًا.\nوالبخاري - الإمام في علم الحديث - رحل في طلب العلم إلى جميع محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال، والعراق والحجاز، والشام ومصر، وأخذ الحديث عن المشايخ الحفاظ.\nمنهم: مكي بن إبراهيم البلخي، وعبدان بن عثمان المروزي، وعبيد الله بن موسى العبسي، وأبو عاصم الشيباني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبي نُعيم الفضل بن دُكَيّن، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسماعيل بن أبي أويس المدني، وغير هؤلاء من الأئمة.\nوأخذ عنه الحديث خَلْقٌ كثير في كل بلدة حدث بها.\nقال الفِرَبْرِي: سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، وكذلك لا يروي اليوم - صحيح البخاري - عن أحد سواه.\nوردَّ على المشايخ وله إحدى عشرة سنة، وطلب العلم وله عشر سنين.","vol":"1","page":36},{"text":"قال البخاري: خرجت كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلا صليت ركعتين.\nوقدم البخاري بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوها على البخاري، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث. فلما اطمأن المجلس بأهله، وانتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. حتى فرغ من العشرة. والبخاري يقول: لا أعرفه. فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف، وأما غيرهم فلم يدركوا ذلك منه. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فكان حاله معه كذلك، ثم انتدب آخر بعد آخر، إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيد على قوله: لا أعرفه.\nفلما فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول، فهو كذا، والثاني كذا على النسق، إلى آخر العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الجامع الصحيح</span>\nقال الشيخ محمد أبو شهبة:\nكان الأئمة قبل البخاري لا يقصرون مؤلفاتهم على الأحاديث الصحيحة، بل كانوا يجمعون بين الصحيح والحسن والضعيف، تاركين التمييز بينها إلى معرفة القارئين والطالبين بنقد الأحاديث، والتمييز بين المقبول والمردد، إلى أن جاء البخاري فرأى أن يخص الصحيح بالتأليف، فألف كتابه الصحيح، وسماه:\n(الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه).\nوبذلك يكون الإمام البخاري قد خطا بالتأليف في الحديث خطوة موفقة يسرت","vol":"1","page":37},{"text":"معرفة الحديث والاحتجاج به على الطالبين، ولا سيما المتأخرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>الحامل له على تأليف الصحيح:</span>\nوقد وجهه إلى هذا العمل الجليل كلمة سمعها من أستاذه إسحاق بن راهويه. روي عن البخاري أنه قال: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ، قال: فوقع في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح، وقد قوّي عنده العزم رؤيا رآها فقد روي عنه أنه قال:\nرأيت النبي ﷺ وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي: أنت تذب الكذب عن حديث رسول الله ﷺ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>منهج البخاري في جمع الصحيح:</span>\nلقد نهج البخاري في جمع صحيحه منهجًا يدعو إلى الثقة والاطمئنان إلى صحة أحاديثه، وقد بالغ في التحري عن الرواة، والتوثق من صحة المرويات، وبذل في هذا أقصى ما وصل إليه الجهد الإنساني، وما زال يوازن بين المرويات، ويمحصها، ويتخير منها ما تركن إليه نفسه حتى صار كتابه إلى الحالة التي هو عليها تحريرًا وتنقيحًا، يدل على ذلك ما روي عنه أنه قال: صنفت هذا الجامع من ستمائة ألف حديث - في ست عشرة سنة.\nومع أن البخاري اتبع في جمع صحيحه قواعد البحث العلمي الصحيح فقد استلهم الجانب الروحي من نفسه، قال تلميذه الفربري. سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: صنفت كتاب الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا إلا استخرت الله، وصليت ركعتين، وتبينت صحته.\nومراده أنه بوب أبوابه، ووضع أساسه في المسجد الحرام، ثم بيض تراجمه، وأصوله في","vol":"1","page":38},{"text":"الروضة (١) بين قبر النبي ﷺ ومنبره، ثم صار يجمع ما يتيسر له من الأحاديث، ويضعها في أبوابها اللائقة بها في الحرمين وغيرهما من البلاد التي ارتحل إليها، وقد مكث في تأليف صحيحه ست عشرة سنة، وهو يحرر ويدقق، وينتقي ويتخير ما هو على شرطه حتى جاء كتابه على ما أحب، ويحبه طلاب الحقيقة، ورواد البحث.\nوبذلك اجتمع لهذا الكتاب الصحيح من دواعي التوفيق إلى الحق والصواب ما لم يجتمع لغيره، فلا عجب أن كانت له منزلة سامية في نفوس العلماء، وأن تلقته الأمة الإسلامية بالقبول والاطمئنان إلى ما فيه، وأن استحق أن يطلق عليه أنه أصح الكتب المدونة في الحديث النبوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>براعة البخاري في النقد:</span>\nوللإمام البخاري في تعديل الرجال وتجريحهم، ونقد المتون، ونقد الرواية شروط عالية دقيقة، وشفوف نظر، وملكة عجيبة اكتسبها من طول ما بحث، ونقد، ومن طول ما عرض له من علل الأسانيد والمتون وذلك: كالنطاسي البارع الذي يحصل له من طول ملازمته لمهنة الطب وكثرة ما عرض عليه من الأمراض، نوع من العلم، قد يصل إلى حد الإلهام، بالعلل والأمراض، والوقوف على حقيقتها ومكامنها مهما كانت خفية، أو كانت عوارضها غير واضحة. وكالصيرفي الماهر الذي اكتسب بطول ملازمته الصيرفة التمييز بين النقود الجيدة السليمة، والنقود الزائفة وربما تسأله عن السبب في الحكم عليها فلا يجيب.\nوهذه الملكة في التمييز بين الصحيح من الحديث والعليل تكاد تكون عند معظم أئمة الحديث وجهابذته، وإن كانوا يتفاوتون فيها على حسب الأصالة في النقد والاستعداد، وسعة الاطلاع ولعلك لمحت هذا التنظير بين المحدثين والأطباء في كلمة الإمام مسلم للبخاري: (يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله) وبين المحدثين والصيارفة في تعبيرهم عن نقاد الحديث: (صيارفته).\n_________\n(١) في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه: \"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة\".","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>شروط البخاري في التصحيح في القمة:</span>\nمن المعروف المقرر عند أئمة الحديث وعلمائه أن شروط الحديث الصحيح أن يكون: راويه مسلمًا، عاقلًا، صادقًا، غير مدلس ولا مختلط (١)، متصفًا بصفات العدالة (٢)، ضابطًا لما يرويه، متحفظًا عليه، سليم الذهن والحواس التي لابد منها في السماع والضبط، قليل الوهم - الغلط - سليم الاعتقاد.\nوأن يكون إسناده (٣) متصلًا، فلا إرسال فيه، ولا انقطاع، ولا إعضال (٤) وأن يكون متن الحديث غير شاذ، ولا معلل (٥).\nفإذا اجتمعت هذه الشروط في الحديث كان صحيحًا - يعني في نسبته إلى قائله - وترجح ترجحًا قويًا في صدق هذه النسبة يكاد يصل عند أهل هذا الفن المتمرسين فيه إلى حد العلم واليقين.\nومن ثم يتبين لنا أن الشروط التي وضعها المحدثون لصحة الحديث تقتضي الثقة والطمأنينة، وترجح جانب الصدق على الكذب، والصواب على الخطأ، ومما ينبغي أن يعلم أن البخاري لم ينقل عنه أنه قال: شرطي في صحيحي كذا وكذا على التفصيل والتصريح كما يصنع بعض المؤلفين، وإنما عرف ذلك من سبر (٦) كتابه، والبحث فيه.\n_________\n(١) المدلس: هو الذي يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، والمختلط: هو الذي طرأ عليه كثرة الغلط أو الخطأ بسبب كبر سن أو عمى أو ضياع كتبه مثلًا.\n(٢) العدالة: ملكة أي حالة نفسية راسخة تحمل على ملازمة التقوى، والمروءة. والتقوى: امتثال المأمورات واجتناب المنهيات فلا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة، ولا يكون مبتدعًا بدعة تخل بعدالته. والمروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات فيترفع عن صغائر الخسة، والمباحات التي تواضع العرف على إخلالها بالكرامة.\n(٣) السند والإسناد: هم الرواة الذين يروون الحديث.\n(٤) المرسل: من الحديث: ما حذف من سنده الصحابي، والمنقطع: ما حذف من سنده راو واحد غير الصحابي ولو في مواضع، والمعضل: ما حذف من سنده إثنان فأكثر على التوالي.\n(٥) الشاذ: هو الحديث الذي خالف فيه الثقة من هو أوثق منه، والمعلل: ما اطلع فيه على علة خفية غامضة تطعن في صحة الحديث.\n(٦) اختبرها وتعرف عليها.","vol":"1","page":40},{"text":"والذي استخلصه العلماء بعد البحث والتتبع أن الإمام البخاري في صحيحه التزم أعلى درجات الصحة، ولا ينزل عن هذه الدرجة إلا في بعض الأحاديث التي ليست من أصل موضوع الكتاب كالمتابعات والشواهد (١)، والأحاديث المروية عن الصحابة والتابعين.\nوليس من شك في أن الرواة يتفاوتون في الأخذ عن شيوخهم إتقانًا وضبطًا، وطول ملازمة ومصاحبة وقلة ذلك، كما يتفاوتون في العدالة والأمانة، والبخاري في صحيحه إنما يعتمد من الرواة من كانوا في أعلى الدرجات من هذه الصفات وسأوضح ذلك بمثال: ذلك أن تلامذة الإمام الزهري مثلًا على خمس طبقات ودرجات ولكل طبقة مزية على التي تليها:\nالطبقة الأولى: هم الذي امتازوا بالعدالة والحفظ والإتقان والأمانة، وطول الملازمة للزهري في السفر والحضر مثل: مالك وسفيان بن عيينة ورجال هذه الطبقة هم مقصد البخاري في صحيحه.\nالطبقة (٢) الثانية: وهم الذين شاركوا الأولى في التثبت والأمانة، إلا أن رجال الأولى امتازوا بطول المصاحبة للزهري سفرًا وحضرًا، أما رجال الثانية فلم يلازموا الزهري إلا مدة يسيرة فكانوا في الإتقان والمعرفة بحديثه دون الأولى، وذلك مثل: الأوزاعي والليث بن سعد ورجال هذه الدرجة الثانية يعتمد رواياتهم الإمام مسلم، أما البخاري فلا يخرج من أحاديثهم إلا قليلًا في غير أصول الكتاب كما ذكرنا آنفًا.\nالطبقة الثالثة: \" وه من دون الثانية مثل: جعفر بن برقان وزمعة بن صالح، فلا يخرج لهم البخاري أصلًا. وقد يخرج لهم في المتابعات والشواهد.\nأما رجال الطبقة الرابعة والخامسة: وهم المجروحون والضعفاء فلا يخرج لهم البخاري ومسلم.\nوهكذا يتبين لنا أن شرط البخاري في صحيحه في القمة.\n* * *\n_________\n(١) المتابعة: موافقة راو لراو آخر في رواية لفظ الحديث، والشاهد: الحديث الذي يوافق حديثًا آخر في معناه.\n(٢) الطبقة: هم الرواة الذين تقاربوا في السن ولقاء الشيوخ.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>٢ - الإمام مسلم وصحيحه</span>\nقال ابن الأثير في ترجمة مسلم:\nهو أبو الحسين: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة الحفاظ.\nولد سنة ست ومائتين، وتوفي عشية يوم الأحد لست بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين.\nرحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر.\nوأخذ الحديث عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، وشريح بن يونس، وعبد الله بن مسلمة القعْنبي، وجرملة بن يحيى، وخلف بن هشام، وغير هؤلاء من أئمة الحديث وعلمائه.\nوقدم بغداد بغير مرة وحدث بها.\nروى عنه خلق كثير؛ منهم: إبراهيم بن محمد بن سفيان، ومن طريقه روينا صحيحه، وكان آخر قُدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين.\nقال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زُرعة وأبا حاتم يُقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على أهل عصرهما.\nوقال الحسن بن محمد الماسِرُجِسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلمًا يقول: صنفت (المسند الصحيح) من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.\nوقال محمد بن إسحاق بن منده، سمعت أبا عليّ بن عليّ النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.\nوقال أبو عمرو بن محمد بن حمدان الحيري: سألت أبا العباس بن عُقْدة عن محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري أيهما أعلم؟\nفقال: كان البخاري عالمًا، وكان مسلم عالمًا، فكررت عليه مرارًا وهو يجيبني بمثل هذا","vol":"1","page":42},{"text":"الجواب، ثم قال: يا أبا عمرو: قد يقع للبخاري الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، ويتوهم أنهما اثنان، فأما مسلم، فقلما يقع له الغلط، لأنه كتب المقاطيع والمراسيل.\nوقال محمد بن يعقوب الأخرم - وذكر كلامًا معناه -: قلما يفوت البخاري ومسلمًا مما يثبت في الحديث حديث.\nقال الخطيب أبو بكر البغدادي: إنما قفا مسلم طريق البخاري، ونظر في علمه وحذا حذوه.\nولما ورد البخاري نيسابور في آخر مرة، لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه.\nوقال الدارقطني: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>صحيح الإمام مسلم</span>\nوهو أحد الكتابين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿، واللذين تلقتهما الأمة الإسلامية بالقبول.\nوقد بالغ الإمام مسلم في البحث والتحري عن الرجال، والتمحيص للمرويات، والموازنة بينهما، والتدقيق في تحرير الألفاظ، والإشارة إلى الفروق بينها، حتى جاء صحيحه على الهيئة الكاملة، التي ينشدها أهل البحث والمعرفة.\nوليس أدل على هذا من أنه انتقى كتابه من ألوف الروايات المسموعة، روى عنه أنه قال: (صنفت هذا الصحيح من ثلثمائة ألف حديث).\nوالكتاب ثمرة حياة مباركة استغلها صاحبها في السفر والارتحال والكد والجد، والجمع والحفظ، والكتابة والتنقيح، حتى كان كما ترى صحة وتهذيبًا وتنسيقًا، وقد مكث هو وبعض تلاميذه يكتبون ويحررون حتى تم تأليفه في خمس عشرة سنة.\nروي عن أحمد بن سلمة أنه قال: كتبت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديث.","vol":"1","page":43},{"text":"فلا تعجب إذا كان مسلم يشيد بذكر صحيحه فيقول - تحدثًا بنعمة ربه عليه -: لو أن أهل الأرض يكتبون الحديث مائتي سنة ما كان مدارهم إلا على هذا المسند.\nويدل على شدة تحريه، واستيثاقه من المرويات قوله: ما وضعت شيئًا في كتابي هذا إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئًا إلا بحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>سماحة الإمام في البحث:</span>\nولم يكن مسلم متعصبًا لرأيه بل كان يتسم بسمة العلماء الذين يبتغون الحق، ولا عليهم لو ظهر على لسان أي شخص كان، ولا يرون غضاضة في الرجوع إلى الحق إذا ظهر، بل يعتبرونه فضيلة.\nوبعد انتهائه من تدوين صحيحه عرضه على أئمة هذا العلم النبوي الشريف. روى الخطيب بإسناده عن مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور قال: سمعت مسلمًا يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي (١)، فكل ما أشار أنه له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة خرجته.\nوهذا غاية التواضع، وعدم الاغترار بالنفس، والإعجاب بالرأي، وهو أدب عال من آداب البحث في الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>منهج مسلم في صحيحه:</span>\nلم ينص الإمام مسلم على أن شرطه في صحيحه (٢) هو كذا، وإنما استخرج العلماء ذلك من النظر في كتابه؛ والذي استخلصوه أن شرطه في صحيحه أنه لا يخرج الأحاديث إلا عن العدول الضابطين، الموثوق بصدقهم وأمانتهم، وحفظهم ويقظتهم وعدم غفلتهم، كما يخرج عمن دون ذلك من الرواة وأنه لا يخرج في كتابه بالأصالة إلا الأحاديث المسندة المتصلة المرفوعة إلى النبي ﷺ.\n_________\n(١) هو حافظ عصره عبيد الله بن عبد الكريم، كان من أفراد الدهر حفظًا وذكاء ودينًا، وإخلاصًا، وعلمًا وعملًا، وكانت وفاته سنة أربع وستين ومائتين.\n(٢) وذلك فيما عدا العنعنة فقد ذكر في مقدمة صحيحه اكتفاءه في إفادتها الاتصال بالمعاصرة ولم يشترط الملقي وأنحى باللائمة على من اشترطه أيضًا.","vol":"1","page":44},{"text":"ومعنى هذا أنه لم يلزم نفسه بما التزم به البخاري من مراعاة مستوى خاص في الرواية والرواة، بل توسع في شرطه فروى عن رواة لم يرو لهم البخاري في صحيحه، ولعلك على ذكر من المثال الذي ذكرناه أثناء الكلام على شرط البخاري في صحيحه، وهو أن تلامذة الإمام ابن شهاب الزهري على خمس طبقات: الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ولكل طبقة مزية على التي تليها في الحفظ والإتقان وطول الملازمة والصحبة.\nوقد ذكرنا هناك أن البخاري يخرج أحاديث الطبقة الأولى، ويخرج من أحاديث الطبقة الثانية قليلًا وفي غير أصول الكتاب.\nأما مسلم فيخرج أحاديث رجال الطبقة الأولى والثانية استيعابًا، ويخرج من أحاديث الطبقة الثالثة قليلًا، وذلك في المتابعات والشواهد لا في أصل الكتاب، ولعل فيما ذكره مسلم في مقدمة صحيحه ما يلقي لنا ضوءًا نتعرف به شرطه في صحيحه ذلك أنه قسم الأحاديث ثلاثة أقسام:\nالأولى: ما رواه الحفاظ المتقنون.\nالثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان.\nالثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون وقد ذكر أنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني وأما الثالث فلا يعرج عليه (١) وهو يؤيد ما ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>خصائص صحيح مسلم:</span>\nوقد امتاز صحيح مسلم بأن مؤلفه سلك فيه طريقة حسنة، ذلك أنه يجمع المتون كلها بطرقها في موضع واحد، ولا يفرقها في الأبواب، ولا يكررها إلا في القليل النادر، إلا إذا كانت هناك ضرورة لهذا التكرار كفائدة زائدة في سند الحديث أو متنه.\nوقد سهل له هذا المنهج أنه لم يقصد أن يضم إلى جمع الأحاديث بيان فقهها واستنباط الأحكام والآداب منها.\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١ ص ٤٨.","vol":"1","page":45},{"text":"أما البخاري فقد قصد إلى ذلك فمن ثم اضطر إلى طريقته التي سلكها في صحيحه.\nومن هذه الخصائص: التدقيق في الألفاظ، والمحافظة على اللفظ ما وسعه الأمر حتى إذا خالف راوٍ راويا آخر في لفظه والمعنى واحد فرواها بعضهم بلفظ والآخر بلفظ آخر، بينهُ، وكذا إذا قال راوٍ (حدثنا) وقال آخر (أخبرنا) (١) بيّن الخلاف في ذلك، وكذلك إذا روى الحديث جماعة وكانت هناك مغايرة في بعض الألفاظ فإنه يبين أن اللفظ المذكور من رواية فلان، ولذا تجده يقول ي هذا النوع من الحديث: (واللفظ لفلان) وهذا غاية الدقة والأمانة في النقل اللتين امتاز بهما مثل الإمام مسلم.\nوأيضًا فقد حرص مسلم أن لا يذكر في كتابه إلا الأحاديث المسندة المرفوعة - أي المنسوبة إلى النبي ﷺ - فلذلك لم يذكر أقوال الصحابة ولا التابعين وليس فيه بعد المقدمة إلا الأحاديث المرفوعة.\nوكذلك لم يكثر مسلم في كتابه من الأحاديث المعلقة (٢) فليس فيه إلا اثنا عشر حديثًا وهي في المتابعات لا في أصول الكتاب ومقاصده، هذا وهناك - غير ما ذكرنا - خصائص تظهر لمن يدرس الكتاب حق الدرس.\n* * *\n_________\n(١) الذي عليه جمهور المحدثين - ومنهم مسلم - التفرقة بين حدثنا، وأخبرنا، فالأول: بما سمعه الراوي من لفظ شيخه، والثاني: لما قرأه التلميذ على شيخه.\n(٢) هي ما حذف من مبتدأ إسنادها واحد أو أكثر.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>٣ - الإمام أبو داود وسننه</span>\nقال ابن الأثير في ترجمة أبي داود:\nهو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني، أحد من رحل وطوف، وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين.\nولد سنة اثنين ومائتين، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين.\nوقدم بغداد مرارًا، ثم خرج منها آخر مراته سنة إحدى وسبعين.\nوأخذ الحديث عن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة وأبي الوليد الطيالسي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، ومُسدد بن مُسرْهد، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وقتيبة بن سعيد، وأحمد بن يونس، وغير هؤلاء من أئمة الحديث، ممن لا يحصى كثرة.\nوأخذ الحديث عنه: ابنه عبد الله، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأحمد بن محمد الخلال، وأبو علي محمد بن عمرو اللؤلؤي، ومن طريقه نروي كتابه.\nوكان أبو داود سكن البصرة.\nوقدم بغدد، وروى كتابه المصنَّف في (السنن) بها، ونقلها أهلها عنه، وصنفه قديمًا، وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاذه واستحسنه.\nقال أبو بكر بن دَاسة: قال أبو داود: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب السنن - جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح، وما يشبهه ويقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديثز","vol":"1","page":47},{"text":"أحدها: قوله ﵊: \"إنما الأعمال بالنيات\".\nوالثاني: قوله ﷺ: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\".\nوالثالث: قوله ﷺ: \"لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه\".\nوالرابع: قوله ﷺ: \"إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات ... الحديث.\nوقال أبو بكر الخلال: أبو داود: سليمان بن الأشعث: الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد في زمانه، رجل ورع مقدم.\nوكان إبراهيم الأصفهاني، وأبو بكر بن صدقة، يرفعان من قدره، ويذكرانه بما لا يذكران أحدًا في زمانه بمثله.\nوقال أحمد بن حنبل بن ياسين الهروي: كان سليمان بن الأشعث، أبو داود، أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﷺ، عِلْمِهِ وعِلَلِهِ وسَنَدِهِ، وكان في أعلى درجة من النسك والعفاف، والصلاح والورع، من فرسان الحديث.\nوقال محمد بن أبي بكر بن عبد الرزاق: كان لأبي داود كُمٍّ واسع وكُمٍّ ضيق، فقال له: يرحمك الله! ما هذا؟ قال: الواسع للكتب، والآخر لا نحتاج إليه.\nوقال أبو سليمان لخطابي: كتاب (السنن) لأبي داود، كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس، على اختلاف مذاهبهم، فصار حَكَمًا بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء، فلكل فيه ورد، ومنه شرب، وعليه معول أهل العراق ومصر وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض، فأما أهل خراسان، فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري، وكتاب مسلم بن الحجاج النيسابوري.\nوقال: قال أبو داود: ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه.\nوكان تصنف علماء الحديث قبل زمان أبي داود: (الجوامع) و(المسانيد) ونحوهما، فتجمع تلك الكتب - إلى ما فيها من (السنن) و(الأحكام) - أخبارًا وقصصًا، ومواعظ","vol":"1","page":48},{"text":"وأدبًا. فأما (السنن) المحضة، فلم يقصد أحد منهم إفراده واستخلاصها من أثناء تلك الأحاديث، ولا اتفق له ما اتفق لأبي داود، ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت إليه أكباد الإبل، ورامت إليه الرحل.\nقال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود هذا الكتاب، أُلين لأبي داود الحديث، كما أُلين لداود ﵇ الحديد.\nوقال ابن الأعرابي عن كتاب أبي داود: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله - ﷿ - ثم هذا الكتاب، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة.\n* * *","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>٤ - الإمام الترمذي وسننه</span>\nقال ابن الأثير في ترجمة الترمذي:\nهو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السُّلمي الترمذي، وُلد سنة تسع ومائتين.\nوتوفي بـ (ترمذ) ليلة الاثنين الثالث عشر من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة.\nأخذ الحديث عن جماعة من أئمة الحديث، ولقي الصدر الأول من المشايخ مثل: قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن موسى، ومحمود بن غيلان، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن بشار، وعلي بن حجر، وأحمد بن منيع، ومحمد بن المثنى، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وغير هؤلاء، وأخذ عن خلق كثير لا يحصون كثرة.\nوأخذ عنه خلق كثير: منهم محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي، ومن طريقه روينا كتابه (الجامع).\nوله تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه (الصحيح) أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره: من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب (العلل) قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها.\nقال الترمذي - رحمه الله تعالى -: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بته نبي يتكلم.\nوقال الترمذي: كان جدي مروزيًا انتقل من مرو، أيام الليث بن سيار.\n* * *","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>٥ - الإمام النسائي وسننه</span>\nقال ابن الأثير في ترجمة النسائي:\nهو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي، ولد سنة خمس وعشرين ومائتين.\nومات بمكة سنة ثلاثة وثلاثمائة، وهو مدفون بها.\nقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: سمعت أبا علي الحافظ غير مرة يذكر أربعة من أئمة المسلمين رآهم فيبدأ بأبي عبد الرحمن.\nوهو أحد الأئمة الحفاظ العلماء، لقي المشايخ الكبار.\nوأخذ الحديث عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وحميد بن مسعدة وعلي بن خشرم، ومحمد بن عبد الأعلى، والحاث بن مسكين، وهناد بن السري، ومحمد بن بشار، ومحمود بن غيلان، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وغير هؤلاء من المشايخ الحفاظ.\nوأخذ عنه الحديث خلق كثير، منهم: أبو بشر الدولابي - وكان من أقرانه - وأبو القاسم الطبراني، وأبو جعفر الطحاوي، ومحمد بن هارون بن شُعيب، وأبو الميمون بن راشد، وإبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان، وأبو بكر أحمد بن إسحاق السُّني الحافظ، ومن طريقه روينا كتابه (السنن).\nوله كتب كثيرة في الحديث والعلل، وغير ذلك.\nقال مأمون المصري الحافظ: خرجنا مع أبي عبد الرحمن إلى طرسوس سنة الفداء، فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام، واجتمع من الحفاظ عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد ابن إبراهيم مُريِّعُ، وأبو الآذان، وكِيْلَجَةَ وغيرهم، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فاجتمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم بانتخابه.","vol":"1","page":51},{"text":"وقال الحاكم النيسابوري: أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر، ومن نظر في كتاب السنن له تحير في حسن كلامه.\nوقال: سمعت علي بن عرم الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مُقدِّم على كل من يذكر بهذا العلم في زمانه.\nوكان شافعي المذهب، له مناسك، ألفها على مذهب الشافعي وكان ورعًا متحريًا، ألا تراه يقول في كتابه (الحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع) ولا يقول فيه: (حدثنا) ولا (أخبرنا) كما يقول عن باقي مشايخه.\nوذلك: أن الحارث كان يتولى القضاء بمصر، وكان بينه وبين أبي عبد الرحمن خشونة، لم يمكنه حضور مجلسه، فكان يستتر في موضع، ويسمع حيث لا يراه فلذلك تورع وتحرى فلم يقل: حدثنا وأخبرنا.\nوقيل: إن الحارث كان خائضًا في أمور تتعلق بالسلطان، فقدم أبو عبد الرحمن فدخل إليه في زي أنكره، قالوا: كان عليه قباء طويل، وقلنسوة طويلة فأنكر زيه، وخاف أن يكون من بعض جواسيس السلطان، فمنعه من الدخول إليه فكان يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع ما يقرؤه الناس عليه من خارج، فمن أجل ذلك لم يقل فيما يرويه عنه (حدثنا، وأخبرنا).\nوسأل بعض الأمراء أبا عبد الرحمن عن كتابه (السنن): أكله صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منهج مجردًا، فصنع المجتبي، فهو (المجتبي من السنن) ترك كل حديث أورده في (السنن) مما تكلم في إسناده بالتعليل، والله أعلم بالصواب.\n* * *","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>٦ - ابن ماجه وسننه</span>\nقال الشوكاني:\nوأما ابن ماجه فهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني مولى ربيعة بن عبد الله.\nولد سنة تسع ومائتين، ومات يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث أو خمس وسبعين ومائتين.\nوهو أحد الأعلام المشاهير، ألف سننه المشهورة، وهي إحدى السنن الأربع وإحدى الأمهات الست. وأول من عدها من الأمهات ابن طاهر في الأطراف ثم الحافظ عبد الغني، قال ابن كثير: إنها كتاب مفيد قوي التبويب في الفقه.\nرحل ابن ماجه وطوّف الأقطار وسمع من جماعة منهم أصحاب مالك والليث، وروى عنه جماعة منهم أبو الحسن القطان.\nوقد تحدث صاحب الرسالة المستطرقة عن ابن ماجه وسننه بقوله:\nوسنن أبي عبد الله محمد بن يزيد المعروف بابن ماجه، وهو لقب أبيه لا جده، ولا أنه اسم لأمه خلافًا لمن زعم ذلك، وهاؤه ساكنة وصلًا ووقفًا لأنه اسم أعجمي، الربعي نسبة إلى ربيعة مولاهم، القزويني نسبة إلى قزوين مدينة مشهورة بعراق العجم، المتوفى سنة ثلاثة أو خمس وسبعين ومائتين.\nوهي التي كملت بها الكتب الستة والسنن الأربعة بعد الصحيحين، واعتنى بأطرافها الحافظ ابن عساكر ثم المزي مع رجالها، ولم يذكر ابن الصلاح والنووي وفاته، كما لم يذكرا كتابه في الأصول، بل جعلاها خمسة فقط تبعًا لمتقدمي أهل الأثر وكثير من محققي متأخريهم.\nولما رأى بعضهم كتابه كتابًا مفيدًا قوي النفع في الفقه ورأى من كثرة زوائده على الموطأ أدرجه على ما فيه في الأصول وجعلها ستة.","vol":"1","page":53},{"text":"وأول من أضافه إلى الخمسة مكملًا به الستة أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي في أطراف الكتب الستة له، وكذا في شروط الأئمة الستة له، ثم الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي في الكمال في أسماء الرجال، أي رجال الكتب الستة، الذي هذبه الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي - بكسر الميم وتشديد الزاي المكسورة، نسبة إلى المزة قرية بدمشق - فتبعهما على ذلك أصحاب الأطراف والرجال والناس، ومنهم من جعل السادس الموطأ كرزين بن معاوية العبدري في التجريد، وأثير الدين أبي السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي في جامع الأصول.\nوقال قوم من الحفاظ منهم ابن الصلاح والنووي وصلاح الدين العلائي والحافظ ابن حجر: لو جعل مسند الدارمي سادسًا كان أولى، ومنهم من جعل الأصول سبعة فعد منها زيادة على الخمسة كلأ من الموطأ وابن ماجه، ومنهم من أسقط الموطأ وجعل بدله سنن الدارمي، والله أعلم.\nوقد تحدث الدكتور محمد أديب الصالح في كتابه (لمحات في أصول الحديث) عن سنن بان ماجه فقال:\nأحد السنن الأربع، وأحد الكتب الستة والأمهات: الصحيحين والسنن الأربع، وإنه - بشهادة العلماء الأثبات - غزير الفقه والفوائد، وفيه الكثير من الزيادات على الموطأ، بل والزيادات على الكتب الخمسة، فقد روى عنه الحافظ الذهبي أنه قال: عرضت هذه السنن على أبي زرعة فنظر فيه وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعيف. ووصفه الحافظ ابن كثير بأنه كتاب مفيد قوي التبويب في الفقه.\nومع شهادة العلماء بجودة هذا الكتاب لم يغفلوا ذكر ما فيه من الضعيف، قال ابن حجر: كتابه في السنن - يعني ابن ماجه - جامع جيد كثير الأبواب والغرائب وفيه أحاديث ضعيفة جدًا، وقد نقل مثل هذا الكلام عن ابن الأثير أيضًا: وكل هذه الأحاديث معروف","vol":"1","page":54},{"text":"عند العلماء متميز عن غيره من الصحيح. ولكن عدد الضعيف قليل إذا قيس بعدد الأحاديث التي يشتمل عليها الكتاب، فقد ذكر أبو الحسن القطان - من أصحاب ابن ماجه - أن في السنن - يعني سنن ابن ماجه - ألفًا وخمسمائة باب، وجملة ما فيها أربعة آلاف حديث. وهذه الجملة دقق فيها أحد علماء العصر الحديث، محمد فؤاد عبد الباقي ﵀، فبلغت في تعداده (٤٣٤١) حديثًا. من هذه الأحاديث (٣٠٠٢) حديثًا أخرجها أصحاب الكتب الخمسة كلهم أو بعضهم، ولكنه هو رواها من طرق غير طرقهم، وباقي الأحاديث مما يحتج به عند العلماء. وتفصيل الزوائد - كما أثبتها محمد فؤاد عبد الباقي في آخر الجزء الثاني من (سنن ابن ماجه) كما يلي:\n(٤٣٨) أحاديث رجالها ثقات، وصحيحة الإسناد.\n(١٩٩) أحاديث حسنة الإسناد.\n(٦١٣) أحاديث ضعيفة الإسناد.\n(٩٩) أحاديث واهية الإسناد أو منكرة أو مكذوبة.\nوبعد هذا التقسيم قرر ﵀ أن من مزايا الكتاب: ... رواية أحاديث الكتب الخمسة من طرق أخرى يؤيد بعضها بعضًا مما يعطي الأحاديث قوة على قوة، ثم كون الأحاديث - صحيحة الإسناد وحسنة الإسناد - تشكل عددًا كبيرًا مما انفرد به، فإذا أضيف هذا إلى مزاياه الأخرى ظهرت لنا قيمة هذا الكتاب بشكل جلي.\n* * *","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>٧ - الدارمي وسننه</span>\nقال صاحب الرسالة المستطرقة:\nوسنن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي، نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم، المتوفى بمرو سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أسانيد عالية وثلاثياته (١) أكثر من ثلاثيات البخاري.\nقال الدكتور أديب الصالح:\nوذهب جماعة من العلماء منهم ابن الصلاح والنووي والحافظ ابن حجر إلى أنه لو جعل مسند الدارمي سادسًا (أي سادس كتب السنة المعتمدة) لكان أولى.\nوقد قدم محقق سنن الدارمي: محمد أحمد دهمان، للسنن معرفًا بالسنن وبمؤلفها فقال:\nهو الحافظ الكبير، شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام ابن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي - بكسر الراء - نسبة إلى دارم بن مالك بن حنظلة ابن زيد مناة بن تميم أحد بطونه.\nروى ابن عساكر بسنده إلى أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الوراق قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن يقول: ولدت سنة مات ابن المبارك سنة ١٨١ هـ.\nنشأ على غاية من العقل والديانة يضرب به المثل في الحلم والدراية والحفظ والعبادة والزهد. ورحل في طلب الحديث فدخل مصر والشام والعراق والحرمين، وأظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وذب عنها الكذب، وكان مفسرًا كاملًا، وفقيهًا عالمًا، طلب للقضاء على سمرقند فأبى، فألح عليه السلطان حتى تقلده فقضى مرة واحدة ثم استعفى فأعفي.\nتوفى سنة (٢٥٥ هـ) يوم التروية بعد العصر ودفن يوم عرفة يوم الجمعة وهو ابن (٧٥)\n_________\n(١) الثلاثية: السند الذي فيه ثلاثة رواة بين المؤلف والنبي ﷺ.","vol":"1","page":56},{"text":"سنة ودفن بمرو، وقيل إن وفاته سنة (٢٥٠ هـ) وهو وهم.\nقال إسحاق بن أحمد: كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري فورد عليه كتاب فيه نعي عبد الله بن عبد الرحمن فنكس رأسه ثم رفع واسترجع، وجعل يسيل دموعه على خديه ثم أنشد:\nإن تبق تفجع بالأحبة كلهم ... وفناء نفسك لا أبالك أفجع\nولم يكن ينشد شعرًا إلا ما ورد في الأحاديث.\nومن مؤلفاته: التفسير، والجامع، والمسند وهو هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>شيوخه:</span>\nسمع من أبي مسهر ومروان بن محمد، وعبد الوهاب بن سعيد المغني والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وسعيد بن عامر الضبعي وجعفر بن عون وزيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي ووهب بن جرير وخالد بن مخلد وطبقتهم بالحرمين وخراسان والشام والعراق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>من روى عنه:</span>\nروى عنه البخاري في غير جامعه، ومسلم في صحيحه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي خارج سننه، والحسن بن الصباح البزار، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبقي بن مخلد، وعمر بن محمد البجيري، وجعفر بن محمد القرباني، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعيسى بن عمر بن العباس السمرقندي، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>ثناء الأئمة عليه:</span>\nقال إسحاق سمعت محمد بن المبرد المحرمي ببغداد يقول: يا أهل خراسان! ما دام عبد الله بن عبد الرحمن بين أظهركم فلا تشتغلوا بغيره، قال إسحاق: وسمعت أبا سعيد الأشج يقول: عبد الله بن عبد الرحمن إمامنا. قال إسحاق: وسمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: إن عبد الله بن عبد الرحمن أعظم من ذاك فيما يقولون من البصر والحفظ وصيانة النفس عافاه الله.","vol":"1","page":57},{"text":"وقال إسحاق: سمعت شريح بن يونس البغدادي يقول: طوبى لكم يا أهل خراسان بعبد الله بن عبد الرحمن.\nوقال محمد بن عبد الله بن بكير: غلبنا عبد الله بن عبد الرحمن بالحفظ والورع.\nوقال عبد الرحمن بن أبي حتم سمعت أبي يقول: عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي إمام أهل زمانه.\nوقال زاهر الخطيب السمرقندي: كنت عند أحمد بن حنبل فذكر عبد الله بن عبد الرحمن فقال: هو ذاك السيد، ثم قال عُرض علي الكفر فلم أقبل وعرضت عليه الدنيا فلم يقبل.\nوقال أحمد بن حامد: سمعت رجاء بن مرجي يقول: رأيت أحمد بن حنبل وإسحاق وابن المديني والشاذكوني فما رأيت أحفظ من عبد الله.\nوقال أبو سعيد الجريري، عمر بن الحسن: كنت بمصر والشام - وذكر البلدان - ما رأيت أحدًا من أهل العلم إلا وهو يعرف عبد الله بن عبد الرحمن، ولا يعرفون رجاء بن المرجي ولا محمد بن إسماعيل.\nوقال أبو حامد بن الشرقي: إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة رجال محمد بن يحيى، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.\nوقال أبو محمد جعفر بن محمد الأمي سمعت رجاء الحافظ يقول: ما أعلم أحدًا أعلم بحديث النبي ﷺ من عبد الله بن عبد الرحمن.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبت ما الحفاظ؟\nقال: يا بني شباب كانوا عندنا من أهل خراسان وقد تفرقوا.\nقلت: من هم يا أبت؟","vol":"1","page":58},{"text":"قال: محمد بن إسماعيل ذاك البخاري، وعبد الله بن عبد الكريم ذاك الرازي - يعني أبا زرعة. وعبد الله بن عبد الرحمن ذاك السمرقندي، والحسن بن شجاع ذاك البلخي.\nقلت: فمن أحفظ هؤلاء؟\nقال: أما أبو زرعة فأسردهم، وأما محمد بن إسماعيل فأعرفهم، وأما عبد الله بن عبد الرحمن فأتقنهم، وأما الحسن بن شجاع فأجمعهم للأبواب.\nوقال بندار: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالرَّي، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخاري.\nوقال أبو حاتم الرازي: البخاري أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن سليم أورعهم، والدارمي أثبتهم.\nوقال النووي عنه: هو أحد حفاظ المسلمين في زمانه، قل من يدانيه في الفضيلة والحفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>مرتبة هذه السنن عند المحدثين:</span>\nاشتهرت هذه السنن عند المحدثين بالمسند، على خلاف اصطلاحهم. قال السيوطي في تدريب الراوي: ومسند الدارمي ليس بمسند، بل هو مرتب على الأبواب، وبعض المحدثين سموه بالصحيح.\nوقال الحافظ الذهبي عنه: صاحب المسند العالي الذي في طبقة منتخب مسند عبد بن حميد.\nقال الحافظ الذهبي: وسمي كتابه مسندًا وإن لم يكن على ترتيب المسانيد.\nوقال ملا علي القاري في المرقاة: ومسنده المشهور وهو على الأبواب دون الصحابة خلافًا لمن وهم فيه.\nوالذي وهم فيه هو ابن الصلاح فقد عده من المسانيد على وجه اليقين: قال السيوطي","vol":"1","page":59},{"text":"في تدريب الراوي: قيل ومسند الدارمي ليس بمسند بل هو مرتب على الأبواب وقد سماه بعضهم بالصحيح. قال شيخ الإسلام: ولم أر لمغلطاي سلفًا في تسميته الدارمي صحيحًا إلا قوله أنه رآه بخط المنذري.\nوقال شيخ الإسلام: إنه ليس دون السنن في الرتبة بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجه فإنه أمثل منه بكثير.\nوقال العراقي في النكت: اشتهر تسميته بالمسند كما سمى البخاري كتابه بالمسند لتكون أحاديثه مسندة.\n* * *","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>٨ - الإمام مالك وموطؤه</span>\nقال ابن الأثير:\nهو أبو عبد الله: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خُثَيْل بن عمرو بن الحارث - وهو ذو أصبح - بن سويد، من بني حمير بن سبأ الأكبر، ثم من بني يشجب بن قحطان، وفي نسبه خلاف غير هذا.\nولد سنة خمس وتسعين من الهجرة، ومات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة.\nوقال الواقدي: مات وله تسعون سنة، وله ولد اسمه يحيى، ولا يعلم له غيره.\nهو إمام أهل الحجاز، بل إمام الناس في الفقه والحديث، وكفاه فخرًا أن الشافعي من أصحابه.\nأخذ العلم عن: محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ونافع مولى عبد الله بن عمر - ﵄ - ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة بن الزبير، وإسماعيل بن أبي حكيم، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي سعيد المقْبَري، ومخْرَمة بن سليمان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأفتى معه، وعبد الرحمن بن القاسم، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر - وليس بالقاضي - وخلق كثير سواهم.\nوأخذ العلم عنه خلق كثير لا يحصون كثرة، وهم أئمة البلاد.\nمنهم: الشافعي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وأبو هشام المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي حازم، وعثمان بن عيسى بن كنانة؛ هؤلاء نظراؤه من أصحابه ومَعْن بن عيسى القَزَّاز، وأبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ومن طريقه روينا الموطأ - وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن وهب وأصْبغَ بن الفرج، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده.\nوهؤلاء مشايخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن","vol":"1","page":61},{"text":"معين، وغيرهم من أئمة الحديث.\nقال مالك - رحمه الله تعالى -: قل من كتبت عنه العلم، ما مات حتى يجيئني ويستفتيني.\nوقال بكر بن عبد الله الصُنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة بن عبد الرحمن وكنا نستزيده من حديثه. فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة، وهو نائم في ذلك الطاق؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم. قلنا: الذي يتحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟! قال: أما علمتم أن مثقالًا من دولةٍ خيرٌ من حِمل علم؟! (١).\nوكان مالك مبالغًا في تعظيم العلم والدين، حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ.\nومر يومًا على أبي حازم وهو جالس فجازه، فقيل له، فقال: إني لم أجد موضعًا أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم.\nقال يحيى بن سعيد القطان: ما في القوم أصح حديثًا من مالك.\nوقال الشافعي - ﵀ - إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنَّ علي من مالك - رحمة الله عليه -.\nوروي أن المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره، ثم دسَّ عليه من يسأله، فروى على ملأ من الناس: (ليس على مستكره طلاق) فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث.\nوروي أن الرشد سأل مالكًا فقال: هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشتر بها دارًا، فأخذها ولم ينفقها فلما أراد الرشيد الشخوص. قال لمالك: ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ، كما حمل عثمان الناس على\n_________\n(١) يعني: أن مالك بن أنس محظوظ، جعل الله له شهرة وسمعة وإقبالًا، بخلاف حالي.","vol":"1","page":62},{"text":"القرآن. فقال: أما حمل الناس على الموطأ فليس إلى ذلك سبيل، لأن أصحاب رسول الله صلى الله علي وسلم تفرقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند أهل كل مصر علم، وقد قال رسول الله ﷺ \"اختلاف أمتي رحمة\" (١) وأما الخروج معك فلا سبيل إليه. قال رسول الله ﷺ \"المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون\" وقال: \"المدينة تنفي خبثها\" وهذي دنانيركم كما هي، إن شئتم فخذوها، وإن شئتم فدعوها.\nيعني أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته إليَّ فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله ﷺ.\nوقال الشافعي - ﵀ - رأيت على باب مالك كراعًا من أفراس خراسان وبغال مصر، ما رأيت أحسن منه، فقلت له: ما أحسنه، فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أنا أستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابة.\nوكم مثل هذه المناقب لهذا الطود الأشم، والبحر الزاخر.\nقال صاحب الرسالة المستطرفة:\nولأبي عمر بن عبد البر .. كتاب في وصل ما في الموطأ، من المرسل والمنقطع والمفضَل. قال: وجميع ما فيها من قوله بلغني، ومن قوله عن الثقة عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثًا، كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة لا تعرف، ثم ذكرها.\nقال الشيخ صالح الفلاني: قد رأيت لابن الصلاح تأليفًا وصل هذه الأربعة فيه بأسانيده.\n* * *\n_________\n(١) حديث سنده ضعيف، وبعضهم قال: لا أصل له.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>٩ - الإمام أحمد ومسنده</span>\nقال الشوكاني:\nوأما أحمد بن حنبل فهو الإمام الكبير، المجمع على إمامته وجلالته، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيابني، رحل إلى الشام والحجاز واليمن وغيرها، وسمع من سفيان بن عيينة وطبقته، وروى عنه جماعة من شيوخه وخلائق آخرون لا يحصون، منهم البخاري ومسلم.\nقال أبو زرعة: كانت كتب أحمد بن حنبل اثني عشر حملًا وكان يحفظها عن ظهر قلبه وكان يحفظ ألف ألف حديث.\nولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين على الأصح، وله كرامات جليلة وامتحن المحنة المشهورة. وقد طول المؤرخون ترجمته وذكروا فيها عجائب وغرائب، وترجمة الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في مقدار خمسين ورقة وأفردت ترجمته بمصنفات مستقلة.\nوله - ﵀ - المسند الكبير انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث ولم يدخل فيه إلا ما يحتج به وبالغ بعضهم فأطلق على جميع ما فيه أنه صحيح، وأما ابن الجوزي فأدخل كثيرًا منه في موضوعاته، في كتاب الموضوعات لابن الجوزي، حيث أورد فيه أحاديث موضوعة مكذوبة.\nلكنه ﵀ كان يورد أحاديث ضعيفة، بل حسنة وصحيحة في كتابه - وتعقبه بعضهم في بعضها، وقد حقق الحافظ ابن حجر نفي الوضع عن جميع أحاديثه وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها كالموطأ والسنن الأربعة، وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين بأكثر ضعفًا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي، وقد ذكر العراقي أن فيه تسعة أحاديث موضوعة، وأضاف إليها خمسة عشر حديثًا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وهي فيه، وأجاب عنها حديثًا حديثًا. قال","vol":"1","page":64},{"text":"السيوطي: وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي وهي فيه وقد جمعها السيوطي في جزء سماه (الذيل الممهد) وذب عنها وعدتها أربعة عشر حديثًا. قال الحافظ ابن حجر في كتابه، (تعجيل المنفعة في رجال الأربعة) ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفًا، قال: والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوًا، قال الهيثمي في زوائد المسند: إن مسند أحمد أصح صحيحًا من غيره، لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته. قال السيوطي في خطبة كتابه (الجامع الكبير) ما لفظه: وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن.\nوقال صاحب الرسالة المستطرفة:\nومسند الإمام الأوحد محيي السنة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، ثم البغدادي المتوفى ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان يحفظ ألف ألف حديث، ومسنده هذا يشتمل على ثمانية عشر مسندًا أولها مسند العشرة، وما معه من زيادات ولده عبد الله ويسير من زيادات أبي بكر القطيعي الراوي عن عبد الله.\nوقد اشتهر عند كثير من الناس أنه أربعون ألف حديث. قال أبو موسى المديني: لم أزل أسمع ذلك من الناس حتى قرأته على أبي منصور بن زريق. وقد صرح بذلك الحافظ شمس الدين محمد بن الحسين في التذكرة فقال: عدة أحاديثه أربعون ألفًا بالمكرر. وقال ابن المنادي: إنه ثلاثون ألفًا، والاعتماد على قوله دون غيره. وقد انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث. ولم يدخل فيه إلا ما يحتج به عنده، وتفضيل ابن الصلاح كتب السنن عليه منتقد، وبالغ بعضهم فأطلق عليه اسم الصحة، والحق أن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة وبعضها أشد في الضعف من بعض، حتى إن ابن الجوزي أدخل كثيرًا منها في موضوعاته، ولكن تعقبه في بعضها الحافظ أبو الفضل العراقي، وفي سائرها الحافظ ابن حجر في (القول المسدد في الذب عن مسند أحمد) والسيوطي في ذيله المسمى: (الذيل الممهد على القول المسدد). وحقق الأول منهما نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم تلتزم الصحة في جمعها. قال: وليست الأحاديث الزائدة","vol":"1","page":65},{"text":"فيه على ما في الصحيحين بأكثر ضعفًا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي عليهما. وقال غيره: ما ضعف من أحاديثه أحسن حالًا مما يصححه كثير من المتأخرين.\nوقد رتبه على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين، وكذا الحافظ ناصر الدين بن زريق، وكذا بعض من تأخر عنه، ورتبه على حروف المعجم في أسماء المقلين الحافظ أبو بكر بن المحب، ولولده أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل البغدادي الحافظ المتوفى سنة تسعين ومائتين كتاب في زوائد مسنده هذا وهو نحو من ربعه في الحجم، قيل إنه مشتمل على عشرة آلاف حديث، وله أيضًا زوائد كتاب الزهد لأبيه، وللإمام الحافظ أبي بكر محمد بن الحافظ أبي محمد عبد الله المقدسي الحنبلي ترتيب مسند أحمد هذا على حروف المعجم.\nومن أجود الخدمات المعاصرة التي قدمت لمسند الإمام أحمد: خدمة الشيخ أحمد شاكر له على أنها خدمة لم تتم، وخدمة الشيخ عبد الرحمن البنا والد الشيخ حسن البنا - رحم الله الجميع - إذ رتب المسند على حسب الأبواب الفقهية والعلمية وشرحه.\nوقال المناوي في التعريف بالإمام أحمد وبكتابه:\nوالإمام أحمد هو ابن محمد بن حنبل، الناصر للسنة، الصابر على المحنة، الذي قال فيه الشافعي: ما ببغداد أفقه ولا أزهد منه. وقال إمام الحرمين: غسل وجه السنة من غبار البدعة وكشف الغمة عن عقيدة الأمة.\nولد ببغداد سنة أربع وخمسين ومائة، وروى عن الشافعي وابن مهدي وخلق وعنه الشيخان وغيرهما، ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وارتجت الدنيا لموته.\nقال ابن المديني: مسنده - وهو نحو أربعين ألفًا - أصل من أصول الإسلام، وقال ابن الصلاح: مسند أحمد ونحوه من المسانيد كأبي يعلي والبزار والدارمي وابن راهويه وعبد بن حميد لا يلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها - أي كسنن ابن ماجه - في الاحتجاج بها والركون إليها. وقال العراقي: وجود الضعيف في مسند أحمد محقق، بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء. وتعقبه تلميذه الحافظ ابن حجر بأنه ليس فيه حديث لا أصل له","vol":"1","page":66},{"text":"إلا أربعة منها خبر ابن عوف أنه يدخل الجنة زحفًا. قال (أعني ابن حجر في تجريد زوائد البزار): وإذا كان الحديث في مسند أحمد لا يعزى لغيره من المسانيد.\n* * *","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>١٠ - ١١ - ١٢ - معاجم الطبراني الثلاثة</span>\nقال صاحب الرسالة المستطرفة:\nكتب المعاجم جمع معجم، وهو في اصطلاحهم ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء، كمعجم الطبراني الكبير: المؤلف في أسماء الصحابة على حروف المعجم، عدا مسند أبي هريرة: فإنه أفرده في مصنف، يقال: إنه أورد فيه ستين ألف حديث ف اثني عشر مجلدًا، وفيه قال ابن دحية: هو أكبر معاجم الدنيا، وإذا أطلق في كلامهم (المعجم) فهو المراد وإذا أريد غيره قيد.\nوالأوسط: ألفه في أسماء شيوخه، وهم قريب من ألفي رجل، حتى إنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه، وأكثره من غرائب حديثهم، قال الذهبي: فهو ينظر الأفراد للدارقطني بين فيه فضيلة سعة روايته ويقال: إن فيه ثلاثين ألف حديث وهو في ست مجلدات كبار، وكان يقول فيه: هذا الكتاب روحي، لأنه تعب فيه. قال الذهبي: وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر.\nوالصغير: وهو في مجلد خرّج فيه عن ألف شيخ، يقتصر فيه غالبًا على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه، قيل: وهو عشرون ألف حديث ذكره غير واحد، لكن ذكر المقري في (فتح المتعال) نقلًا عن كتاب (إرشاد المهتدين لمشايخ ابن فهد تقي الدين) أن المعجم الصغير للطبراني في مجلد، يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها، قال: لأنه خرّج فيه عن ألف شيخ، كل شيخ حديثًا أو حديثين، وهو التحرير والصواب وخلافه سبق قلم، والله أعلم، أهـ.\nوقد عرف المناويُّ المؤلف بقوله:\nسليمان اللخمي أبو القاسم أحد الحفاظ المكثرين الجوالين، صاحب التصانيف الكثيرة أخذ عن أكثر من ألف شيخ منهم: أبو زرعة وطبقته، وعنه: أبو نعيم وغيره. قال","vol":"1","page":68},{"text":"الذهبي: ثقة صدوق، واسع الحفظ، يصير بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف، إليه المنتهى في كثرة الحديث وعلومه، تكلم ابن مردويه في أخيه فأوهم أنه فيه وليس به، بل هو حافظ ثبت، مات بأصبهان سنة ستين وثلاثمائة عن مائة سنة وعشرة، أهـ.\nوحظنا من معاجم الطبراني في هذا الكتاب هو ما أخرجه نور الدين الهيثمي منها في كتابه مجمع الزوائد، الذي يفترض فيه أنه جمع فيه زوائد الطبراني على الكتب الست، ولذلك تقول: إن من قرأ كتابنا هذا لم يفته معنى من العاني التي انفرد بها الطبراني من هديه - ﵊ -.\nوبعد أن سرت شوطًا بعيدًا في هذا الكتاب، وصلتني بعض الأجزاء المطبوعة من كتاب المعجم الكبير لكني لم أجد فيها ما يجعلني أعيد النظر فيما سرت فيه.\n* * *","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>١٣ - ابن حبان وصحيحه</span>\nقال محمد بن جعفر الكتاني:\nوصحيح أبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن معاذ اليمني الدارمي، البُستي - بضم الموحدة، وإسكان السين - نسبة إلى بست بلد كبير من بلاد الغور بطرق خراسان، الشافعي، أحد الحفاظ الكبار، صاحب التصانيف العديدة، المتوفى ببست سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو المسمى بالتقاسيم والأنواع في خمسة مجلدات، وترتيبه مخترع ليس على الأبواب ولا على المسانيد، والكشف منه عسر جدًا، وقد رتبه بعض المتأخرين على الأبواب ترتيبًا حسنًا، وهو الأمير علاء الدين أبو احسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الحنفي الفقيه النحوي، المتوفى بالقاهرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وسماه (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) كما أنه رتب معجم الطبراني الكبير على الأبواب أيضًا، وصحيح ابن حبان موجود الآن بتمامه، بخلاف صحيح ابن خزيمة فقد عدم أكثره كما قال السخاوي. وقد قيل إن أصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان.\nوقد تحدث الدكتور محمد أديب الصالح في كتابه (لمحات في أصول الحديث) عن ابن حبان وصحيحه بقوله:\nصاحب هذا الصحيح هو: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان البستي الشافع. سمع من كثير: أبو عبد الرحمن النسائي، وأبو بكر بن خزيمة، وجعفر بن أحمد الدمشقي، وغيرهم من مصر إلى خراسان، وممن حدث عنه: الحاكم، ومنصور، وعبد الله الخالدي وآخرون. وهو أحد الحفاظ الكبار. قال الخطيب: كان ثقة نبيلًا فهمًا، وله بجانب (صحيحه) العديد من التصانيف في الحديث والتاريخ، وله كتاب (الضعفاء) وقال عنه الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث. وقال ياقوت الحموي: أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره .. توفى سنة (٢٥٤).\nوقال المناوي في التعريف به:","vol":"1","page":70},{"text":"محمد بن حبان أبو حاتم التميمي الفقيه الشافعي البستي، أحد الحفاظ الكبار، روى عن النسائي وأبي يعلي وابن خزيمة وخلقٍ، وعنه الحاكم وغيره، وصنف كتبًا نفيسة منها: تاريخ الثقات وتاريخ الضعفاء.\nولي قضاء سمرقند، وكان رأسًا في الحديث، عالمًا بالفقه والكلام والطب والفلسفة والنجوم، ولهذا امتحن ونسب للزندقة وأمر بقتله، ثم مات بسمرقند سنة أربع وخمسين وثلثمائة في عشر الثمانين.\nوقال عن صحيحه: المسمى بالتقاسيم والأنواع المقدم عندهم على مستدرك الحاكم. قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، والحاكم أشد تساهلًا منه، غايته أن ابن حبان يسمى الحسن صحيحًا، وما اقتضاه كلام التقريب كأصله مما يخالف ذلك رده الزين العراقي بأن ابن حبان شرط تخريج مراويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه. ووفى بالتزامه، ولم يعرف للحاكم، قال: وصحيح ابن خزيمة أعلى رتبة من صحيح ابن حبان لشدة تحريه، فأصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم قال ابن حجر: وذكر ابن حبان في كتابه أنه إنما لم يرتبه ليحفظ، لأنه لو رتبه ترتيبًا سهلًا لاتّكل كل من يكون عنده على سهولة الكشف فلا يحفظه، وإذا توعر طريق الكشف كان أدعى لحفظه ليكون على ذكر من جمعه.\n* * *","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>١٤ - ابن خزيمة وصحيحه</span>\nقال صاحب الرسالة المستطرفة:\nومنها - أي كتب السنة - كتب التزم أهلها فيها الصحة من غير ما تقدم من الموطأ والصحيحين، منها صحيح أبي عبد الله وأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري الشافعي شيخ ابن حبان المتوفى سنة إحدى عشر وثلاثمائة، ويعرف عند المحدثين بإمام الأئمة.\nوقد تحدث الدكتور محمد أديب الصالح في كتابه (لمحات في أصول الحديث) عن ابن خزيمة وصحيحه بقوله:\nصاحب هذا الصحيح هو شيخ الإسلام الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق (ابن خزيمة) النيسابوري، سمع من كثيرين مثل: محمود بن غيلان، وعتبة بن عبد الله اليحمدي، وأحمد ابن منيع، وعبد الجبار بن العلاء وطبقتهم، وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان.\nوقد حدث عنه الكثيرون من العلماء، منهم: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أحد شيوخه، وأحمد بن المبارك المستملي، وأبو علي النيسابوري، وحدث عنه الشيخان البخاري ومسلم في غير صحيحهما.\nولد ﵀ سنة (٢٢٣ هـ) وتوفي سنة (٣١١ هـ).\nإلا أن الكتاب (صحيح ابن خزيمة) غير موجود بتمامه لأن أكثره قد عدم، علمًا بأنه قيل: إنه أصح ما صنف في الصحيح بعد البخاري ومسلم. وهذا الموجود هو في غاية القبول عند العلماء. وإنك واجد في نقول الثقات الكثير من رد أحاديثهم إليه.\nوقد تحدث محقق صحيح ابن خزيمة الدكتور: محمد مصطفى الأعظمي، في تقديمه لصحيح ابن خزيمة عن ابن خزيمة وصحيحه، وكان من كلامه:\nيعد القرنان الثالث والرابع الهجريان من أنضج قرون الثقافة الإسلامية إنتاجًا، وما","vol":"1","page":72},{"text":"غرس في القرن الأول على يد الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين - وسقي على أيدي التابعين وأتباع التابعين في القرن الثاني، بدأ يؤتي أكله ناضجًا شهيًا في القرنين الثالث والرابع.\nفي هذا العصر الذهبي ولد إمام الأئمة فقه الآفاق المجتهد المطلق أبو بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة النيسابوري مولى مجشر بن مزاحم، في شهر صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين بنيسابور.\nعني بالحديث منذ حداثته، ومع من إسحق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ هـ، ومحمد بن حميد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ ولم يحدث عنهما لكونه كتب عنهما في صغره وقبل فهمه وتبصره.\nرحلات لطلب العلم:\nوعلى سنة الزمان أراد أن يرتحل لسماع الحديث النبوي، وكان يرغب في الذهاب إلى قتيبة فاستأذن أباه، فأجابه: (اقرأ القرآن أولًا حتى آذن لك) يقول ابن خزيمة: فاستظهرت القرآن، فقال لي: امكث أولًا حتى تصلي بالختمة، ففعلت، فلما عيدنا أذن ي، فخرجت إلى مروٍ، وسمعت بمرو الروذ من محمد بن هشام - يعني صاحب هشيم - فنعى إلينا قتيبة. وكانت وفاة قتيبة في سنة أربعين ومائتين.\nفعلى هذا بدأ ابن خزيمة رحلاته العلمية وهو في السابعة عشرة من عمره، وقد اتسعت رحلاته حتى شملت الشرق الإسلامي حينذاك فسمع:\nبنيسابور: ابن راهويه وغيره.\nوبمرو: علي بن محمد وغيره.\nوبالري: محمد بن مهران وغيره.\nوبالشام: موسى بن سهل الرملي وغيره.\nوبالجزيرة: عبد الجبار بن العلاء وغيره.","vol":"1","page":73},{"text":"وبمصر: يونس بن عبد الأعلى وغيره.\nوبواسط: محمد بن حرب وغيره.\nوببغداد: محمد بن إسحق الصاغاتي وغيره.\nوبالبصرة: نصر بن علي الأزدي الجهضمي وغيره.\nوبالكوفة: أبا كريب محمد بن العلاء الهمداني وغيره.\nكما سمع من البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري والذهلي وخلق.\nوروى عنه جماعة من مشايخه منهم البخاري ومسلم خارج الصحيحين، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم شيخه، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبو علي النيسابوري وخلائق، وآخر من روى عنه بنيسابور حفيده أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحق بن خزيمة.\nشجاعته الأدبية:\nكان ابن خزيمة جريئًا لا يخاف قال أبو بكر بن بالويه: سمعت ابن خزيمة يقول: كنت عند الأمير إسماعيل بن أحمد فحدث عن أبيه. بحديث وهم في إسناده فرددته عليه، فلما خرجت من عنده قال أبو ذر القاضي: قد كنا نعرف أن هذا الحديث خطأ منذ عشرين سنة، فلم يقدر واحد منا أن يرده عليه، فقلت له: لا يحل لي أن أسمع حديث رسول الله صلى الله لعيه وسلم فيه خطأ أو تحريف فلا أرده.\n* * *","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>١٥ - أبو يعلي ومسنده</span>\nقال صاحب الرسالة المستطرفة:\nومسند أبي يعلي أحمد بن علي بن المثني التميمي الموصلي الحافظ المشهور الثقة المتوفى بالموصل سنة سبع وثلاثمائة، وقد زاد على المائة وعمر وتفرد ورحل الناس إليه، وله مسندان صغير وكبير. وفيه قال إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الحافظ: قرأت المسانيد كمسند العدني ومسند أبي منيع وهي كالأنهار، ومسند أبي يعلي كالبحر فيكون مجموع الأنهار.\nوقال المناوي في التعريف بأبي يعلي:\nالحافظ الثبت محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي، سمع ابن معين وطبقته، وعنه ابن حبان والإسماعيلي وغيرهما، أهل صدق وأمانة وعلم وحلم، وثقه ابن حبان والحاكم، ولد سنة عشر ومائتين ومات سنة سبع وثلاثمائة.\n* * *","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>١٦ - أبو بكر البزار ومسنده</span>\nقال محمد بن جعفر الكتاني:\nومسند أبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار البصري الحافظ الشهير المتوفى بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وله مسندان الكبير المعلل وهو المسمى (البحر الزاخر) يبين فيه الصحيح من غيره، قال العراقي: ولم يغفل ذلك إلا قليلًا، إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواة الحديث ومتابعة غيره عليه.\nوحظنا في هذا الكتاب من مسند البزار هو زوائده على الكتب الستة التي أخرجها الهيثمي في (مجمع الزوائد) أو في كتاب (كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة) فنحن في هذا الكتاب نختار منها ما اجتمع فيه شرط الحسن أو الصحة ووافق غرضنا من هذا الكتاب.\nقال الهيثمي في تقديمه لكشف الأستار:\nوبعد فقد رأيت مسند الإمام أبي بكر البزار المسمى بـ (البحر الزخار) قد حوى جملة من الفوائد الغزار، يصعب التواصل إليها على من التمسها، ويطول ذلك عليه قبل أن يخرجها، فأردت أن أتتبع ما زاد فيه على الكتب الستة، من حديث بتمامه، وحديث شاركهم .. وفيه زيادة.\n* * *","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>١٧ - الحاكم ومستدركه</span>\nقال صاحب الرسالة المستطرفة:\nوصحيح أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحاكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن الييّع - بوزن قيّم - صاحب التصانيف التي لم يسبق لمثلها ككتاب (الإكليل) وكتاب (المدخل إليه) (وتاريخ نيسابور) (وفضائل الشافعي) وغيرها، المتوفى بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وهو المعروف بـ (المستدرك على الصحيحين) مما لم يذكراه وهو على شرطهما، أو شرط أحدهما، أولا على شرط واحد منهما. وهو متساهل في التصحيح. واتفق الحفاظ على أن تلميذه البيهقي أشد تحريًا منه.\nوقد لخص مستدركه هذا الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز التركماني الفارقي الأصل الذهبي نسبة إلى اذهب كما في النصير الدمشقي الشافعي المتوفى بدمشق سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وتعقب كثيرًا منها بالضعف والنكارة أو الوضع، وقال في بعض كلامه: إن العلماء لا يعتدون بتصحيح الترمذي والحاكم. وذكر له ابن الجوزي في موضوعاته ستين حديثًا أو نحوها. ولكن انتصر له الحفاظ في أكثرها.\nوفي التعقيبات أنه جَرَّد بعض الحفاظ منه مائة حديث موضوعة في جزء، ولجلال الدين (توضيح المدرك في تصحيح المستدرك) لم يكمل ولخصه أيضًا - أعني المستدرك - برهان الدين الحلبي - وزعم أبو سعد الماليني أنه ليس فيه حديث على شرطهما، ورده الذهبي بأنه غلو وإسراف، بل فيه جملة وافرة على شرطهما، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وإن كان فيه علة، وما بقي فهو مناكير وواهيات لا تصح وفي بعض ذلك موضوعات، ويقال: إن السبب في التساهل الواقع فيه أنه صنفه أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدًا بالنسبة لباقيه، وقد قال الحافظ: وجدت قريبًا من نصف الجزء الثاني - من تجزئة ستة من المستدرك - إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة،","vol":"1","page":77},{"text":"والتساهل في القدر المملى قليل جدًا بالنسبة إلأى ما بعده. وقد قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم. وقال العماد ابن كثير: قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيد ومتونًا، وقال غيرهما: صحيح ابن خزيمة أعلى مزية من صحيح ابن حبان وصحيح ابن حبان أعلى من الحاكم، وهو مقارب للحاكم في التساهل، لأنه غير متقيد بالمعدِّلين، بل ربما يخرج للمجهولين لا سيما ومذهبه إدراج الحسن في الصحيح، ولكن هذا كله اصطلاح له ولا مُشاحة فيه، على أن في صحيح ابن خزيمة أيضًا أحاديث محكوم منه بصحتها وهي لا ترتقي عن درجة الحسن، بل وفيما صححه الترمذي من ذلك أيضًا جملة من أنه يفرق بين الصحيح والحسن وحينئذ فلابد من النظر في أحاديث كل ليحكم على كل واحد منه بما يليق به. والله أعلم.\nوفي تدريب الراوي:\nواعتنى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في المستدرك بضبط الزوائد عليهما، مما هو على شرطهما أو على شرط أحدهما، أو صحيح مصحح وإن لم يوجد شرط أحدهما، وربما أورد فيه ما لم يصح عنده منبهًا على ذلك وهو متساهل في التصحيح. وقد لخص الذهبي مستدركه وتعقب كثيرًا منه بالضعف والنكارة، وجمع جزءًا في الأحاديث التي فيه وهي موضوعة فذكر نحو مئة حديث. فما صححه الحاكم ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا تضعيفًا، حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه، أهـ ملخصًا.\nوقد أغنانا عن ذلك الذهبي، فما أقره عليه فهو صحيح، وما سكت عنه ولم يتعقبه بشيء فهو كما قال ابن الصالح: حسن. وقد رأيت العزيزي في (شرحه للجامع الصغير) يحتج كثيرًا بتقرير الذهبي للحاكم على التصحيح، فليعلم ذلك. والله أعلم. أهـ.\nوقد علق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على قول صاحب تدريب الراوي: (فما صححه الحاكم ولم تجد فيه لغيره من المعتمدين ..) بقوله:\nهذا كلام ابن الصلاح في (مقدمته) ووافقه النووي في (التقريب) وقد انتقده السيوطي في (التدريب) ص ٥٣ فقال عقبه: اله البدر بن جماعة: والصواب أنه يتتبع","vol":"1","page":78},{"text":"عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف، ووافقه العراقي وقال: إن حكمه أي: ابن الصلاح - عليه بالحسن فقط تحكم.\nقال إلا أن ابن الصلاح قال ذلك بناء على رأيه: أنه قد انقطع التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصحح، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه، والعجب من المصنف - أي النووي - كيف وافقه هنا؟ مع مخالفته له في المسألة المبني عليها.\n* * *","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>١٨ - رزين وابن الأثير وابن الديبع الشيباني\nوالأصول الستة</span>\nقال في الرسالة المستطرفة:\nوالجمع بين الأصول الستة أي: الصحاح الثلاثة التي هي البخاري ومسلم والموطأ، والسنن الثلاثة وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي، لأبي الحسن (رزين) بوزن أمير، ابن معاوية العبدري السرقسطي الأندلسي المالكي، المتوفى بمكة - بعد ما جاور بها أعوامًا - سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وهو المسمى بـ (التجريد للصحاح والسنن)، والجمع بينهما أيضًا لأبي السعادات مجد الدين المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف (بابن الأثير) الجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر لكونه ولد بها ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل وبه توفي سنة ست وستمائة ودفن برباطه، وهو المسمى (جامع الأصول من أحاديث الرسول) على وضع كتاب رزين إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، في عشرة أجزاء، واختصره أبو زيد وأبو الضياء حافظ العصر وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عمر الشهير (بابن الديْيَع) بدال مهملة مفتوحة فياء تحتية ساكنة فياء موحدة مفتوحة أيضًا فعين مهملة آخره، الشيباني الزبيدي اليمني الشافعي المولود بزبيد سنة ست وستين وثمانمائة، والمتوفى ضحى يوم الجمعة سادس عشر رجب سنة أربع وأربعين وقيل سنة خمسين وتسعمائة وهو أحسن مختصراته سماه (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) في مجلدين.\nوإذن فعندنا ثلاثة كتب:\n(تجريد الصحاح والسنن) لرَزِين، و(جامع الأصول من أحاديث الرسول) لابن الأثير و(تيسير الوصول إلى جامع الأصول) مبني على كتاب جامع الأصول محاولًا فيه صاحبه الخروج من التكرار وهو لابن الدييع الشيباني، وأصول هذه الكتب الثلاثة: صحيحا البخاري ومسلم وموطأ الإمام مالك وسنن أبي داود والترمذي والنسائي.\nقال ابن الأثير في مقدمة كتابه الجامع للأصول:","vol":"1","page":80},{"text":"لما وقفت على هذه الكتب أي الستة ورأيتُها في غاية من الوضع الحسن والترتيب الجميل، ورأيت كتاب (رَزِين) هو أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث، وأشهرها في أيدي الناس وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، وشادوا مباني الإسلام.\nومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظًا، وأعرفهم بمواضع الخطأ والصواب، وإليهم المنتهى، عندهم الموقف.\nفحينئذ أحببت أن أشتغل بهذا الكتاب الجامع لهذه الصحاح، وأعتني بأمره، ولو بقراءته ونسخه، فلما تتبعته وجدته - على ما قد تعب فيه - قد أودع أحاديث في أبواب، غير تلك الأبواب أولى بها، وكرر فيه أحاديث كثيرة، وترك أكثر منها.\nثم إنني جمعت بين كتابه وبين الأصول الستة التي ضمنها كتابه، فرأيت فيها أحاديث كثيرة لم يذكرها في كتابه، إما للاختصار، أو لغرض وقع له فأهملها، ورأيت في كتابه أحاديث كثيرة لم أجدها في الأصول التي قرأتها وسمعتها ونقلت منها، وذلك لاختلاف النسخ والطرق، ورأيته قد اعتمد في ترتيب كتابه على أبواب البخاري، فذكر بعضها وحذف بعضها.\nفناجتني نفسي أن أهذب كتابه، وأرتب أبوابه، وأوطيء مقصده، وأسهل مطلبه، وأضيف إليه ما أسقطه من الأصول، وأُتبعه شرح ما في الأحاديث من الغريب والإعراب والمعنى، وغير ذلك مما يزيده إيضاحًا وبيانًا، فاستصغرت نفسي عن ذلك، واستعجزتها، ولم يزل الباعث يقوى والهمة تنازع، والرغبة تتوفر، وأنا أُعللها بما في ذلك من التعرض للملام، والانتصاب للقدح، والأمن من ذلك جميعه مع الترك، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، فتحققت بلطف الله العزيمة، وصدقت بعونه النية، وخلصت بتوفيقه الطوية.\nفشرعت في الجمع بين هذه الكتب الستة التي أودعها (رزين) - ﵀ - كتابه، وصدفت عما فعله ورتبه، فاعتمدت على الأصول دون كتابه، واخترت له وضعًا يزيد بيانه حسبما أدى إليه اجتهادي، وانتهى إليه عرفاني.","vol":"1","page":81},{"text":"لكن ابن الأثير كرر الأحاديث على حسب احتياجات الأبواب إليها، فخرج كتابه كبيرًا واسعًا؛ لذلك اختصره ابن الديبع في مجلدين. وقد عرف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - محقق كتاب الجامع - على ابن الأثير وكان مما قال:\nهو الإمام البارع مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، ثم الموصلي المعروف بابن الأثير.\nولد في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة في جزيرة ابن عمر، وهي - على ما يقول ياقوت الحموي معاصر المؤلف - بلدة فوق الموصل: بينهما ثلاثة أيام، ونشأ بها وتلقى من علمائها معارفه الأولى، من تفسير وحديث ونحو ولغة وفقه، ثم تحول سنة (٥٦٥ هـ) إلى الموصل، وفيها بدأت معارفه تنضج وثقافته تزداد، وأقام بها إلى أن توفي.\nقرأ الأدب على ناصح الدين أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان البغدادي، وأبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي، وأبي الحزم مكي بن الريان بن شبة النحوي الضرير، وسمع الحديث بالموصل من جماعة منهم خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي، وقدم بغداد حاجًا فسمع بها من أبي القاسم صاحب ابن الخل، وعبد الوهاب بن سكينة، وعاد إلى الموصل فروى بها وحدث وانتفع به الناس.\nوصفه من أرخ له بأنه كان من محاسن الزمن، ذا دين متين، وطريقة مستقيمة، عارفًا، فاضلًا، ورعًا، عاقلًا، سيدًا، مطاعًا، رئيسًا، مشاورًا، ذا بِرَ وإحسان. قد جمع بين علم العربية والقرآن والنحو واللغة والحديث والفقه، وصنف تصانيف مشهورة وألف كتبًا مفيدة.\nمنها: (غريب الحديث) على حروف المعجم، وهو المعروف بالنهاية، و(الشافي في شرح مسند الشافي) و(الإنصاف بين الكشف والكشاف)، جمع فيه بين تفسيري الثعلبي والزمخشري، و(البديع) في النحو، و(الباهر في الفروق) في النحو أيضًا، و(تهذيب فصول ابن الدهان) و(المصطفى المختار من الأدعية والأذكار) و(كتاب لطيف في صناعة الكتابة) وله رسائل في الحساب مُجدّوْلات، وكتاب ديوان رسائله: كتاب البنين","vol":"1","page":82},{"text":"والبنات، والآباء والأمهات، والأذواء والذوات، و(جامع الأصول في أحاديث الرسول) وهو هذا الكتاب. إلى غير ذلك من المؤلفات القيمة والمصنفات النافعة.\nقال ياقوت الحموي في (معجم الأدباء): حدثني أخوه أبو الحسن قال: تولى أخي أبو السعادات الخزانة لسيف الدين الغازي بن مودود ب زنكي، ثم ولاه ديوان جزيرة ابن عمر وأعمالها، ثم عاد إلى الموصل، فناب في الديوان عند الوزير جلال الدين أبي الحسن علي بن جمال الدين محمد بن منصور الأصبهاني، ثم اتصل بمجاهد الدين بن قايماز - وكان نائب المملكة - بالموصل أيضًا، فنال عنده درجة رفيعة، فلما قُبض على مجاهد الدين سنة ٥٨٩ هـ اتصل بخدمة أتابك عز الدين مسعود بن مودود إلى أن توفي عز الدين وآل الأمر إلى ولده نور الدين شاه، فاتصل بخدمته حتى صار واحد دولته حقيقة، بحيث إن السلطان كان يقصده في منزله في مهام نفسه، لأنه أُقعد في آخر زمانه، فكانت الحركة تصعب عليه، فكان يجيئه بنفسه أو يرسل إليه بدر الدين لؤلؤًا.\nوكان قد عرض عليه غير مرة أن يستوزره، وهو يأبى، فركب السلطان إليه، فامتنع أيضًا، حتى غضب عليه، فاعتذر إليه وقال له: أنا رجل كبير، وقد خدمت العلم عمري واشتهر ذلك عني في البلاد، وأعلم أني لو اجتهدت في إقامة لعدل بغابة جهدي ما قدرت أن أؤدي حقه، ولو ظُلِم أكِّار (حرِّاث) في ضيعة من أقصى أعمال السلطان لنسب ظلمه إليَّ، ورجعت أنت وغيرك باللائمة عليِّ، والملك لا يستقيم إلا بشيء من العسف والظلم، وأخذ الخَلْق بالشدة، وأنا لا أقدر عليه، ولا يليق بي، فعذره وأعفاه.\nولما أقعد في آخر عمره، جاء رجل مغربي فعالجه بدهن صنعه، فبانت ثمرته، وتمكن من مدِّ رجليه، فقال لأخيه عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير: أعطه ما يرضيه، واصرفه، فقال أخوه: لماذا وقد ظهر النجح؟! قال: هو كما تقول، ولكني في راحة من صحبة هؤلاء القوم - يعني الأمراء والسلاطين، وقد سكنت نفسي إلى الانقطاع والدعة، وبالأمس كنت أذل نفسي بالسعي إليهم، وهنا في منزلي لا يأتون إليَّ إلا في مشورة مهمة، ولم يبق من العمر إلا القليل، فدعني أعش باقيه حرًا سليمًا من الذل، قال أخوه: فقبلت قوله وصرفت الرجل بإحسان.","vol":"1","page":83},{"text":"فلزم بيته صابرًا محتسبًا، يقصده العلماء، ويفد إليه السلاطين والأمراء، يقبسون من علمه، وينهلون من فيضه، حتى توفي ﵀ بالموصل سنة ٦٠٦ هـ.\n* * *","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>١٩ - نور الدين الهيثمي ومجمع الزوائد</span>\nهو علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح نور الدين أبو الحسن الهيثمي القاهري الشافعي الحافظ ويعرف بالهيثمي. كان أبوه صاحب حانوت بالصحراء، فولد له هذا في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، ونشأ فقرأ القرآن، ثم صحب الزين العراقي وهو بالغ، ولم يفارقه سفرًا وحضرًا، حتى مات بحيث حج معه جميع حجاته، ورحل معه سائر رحلاته، ورافقه في جميع مسموعه بمصر والقاهرة والحرمين وبيت المقدس ودمشق وبعلبك وحلب وحماة وطرابلس وغيرها، وربما سمع الزين بقراءته، ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن البابا، والتقي السبكي وابن شاهد الجيش. كما أن صاحب الترجمة لم ينفرد عنه بغير صحيح مسلم على ابن عبد الهادي.\nوممن سمع عليه سوى ابن عبد الهادي: الميدومي ومحمد بن إسماعيل بن الملوك ومحمد بن عبد الله النعماني وأحمد بن الرصدي وابن القطرواني والعرضي ومظفر الدين محمد بن محمد بن يحيى العطار وابن الخباز وابن الحموي وابن قيم الضيائية وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي، فمما سمعه على المظفر: صحيح البخاري، وعلى ابن الخباز: صحيح مسلم، وعليه وعلى العرضي: مسند أحمد، وعلى العرضي والميدومي: سنن أبي داود، وعلى الميدومي وابن الخباز: جزء ابن عرفة.\nوهو مكثر سماعًا وشيوخًا، ولم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه حتى إنه أرسله مع ولده الولي لما ارتحل بنفسه إلى دمشق، وزوجه ابنته خديجة، ورزق منها عدة أولاد.\nوكان عجبًا في الدين والتقوى والزهد والإقبال على العلم والعبادة والأوراد وخدمة الشيخ وعدم مخالطة الناس في شيء من الأمور، والمحبة في الحديث وأهله. وحدث بالكثير رفيقًا للزين بل قل أن حدث الزين بشيء إلا وهو معه، وكذلك قل أن حدث هو بمفرده، لكنهم بعد وفاة الشيخ أكثروا عنه، ومع ذلك فلم يغير حاله ولا تصدر ولا تمشيخ، وكان مع كونه شريكًا للشيخ يكتب عنه الأمالي بحيث كتب عنه جميعها وربما استملى عليه،","vol":"1","page":85},{"text":"ويحدث بذلك عن الشيخ لا عن نفسه إلا لمن ضايقه.\nولم يزل على طريقه حتى مات في ليلة الثلاثاء تاسع عشر من رمضان سنة سبع وثمانمائة، بالقاهرة ودفن من الغد، خارج باب البرقية منها، ﵀ وإيانا. أهـ.\nقال الهيثمي في مقدمته على مجمع الزوائد:\nوبعد فقد كنت جمعت زوائد مسند الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة - رضي الله تعالى عن مؤلفهم وأرضاهم وجعل الجنة مثواهم - كل واحد منها في تصنيف مستقل - ما خلا المعجم الأوسط والصغير فإنهما في تصنيف واحد - فقال لي سيدي وشيخي العلامة شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب ومفيد الكبار ومن دونهم الشيخ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي - ﵁ وأرضاه وجعل الجنة مثوانا ومثواه -: اجمع هذه التصانيف واحذف أسانيدها لكي يجتمع أحاديث كل باب منها في باب واحد من هذا، فلما رأيت إشارته إليَّ بذلك صرفت همتي إليه، وسألت الله تعالى تسهيله والإعانة عليه، وأسأل الله تعالى النفع به إنه قريب مجيب.\nقال صاحب الرسالة المستطرفة:\nو(غاية المقصد في زوائد المسند) - أي مسند أحمد - على الكتب الستة، للحافظ نور الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي بالثاء المثلثة، وأما أحمد بن حجر الهيثمي، فقال الأمير في ثبته \"بالمثناة الفوقية نسبة للهياتم من قرى مصر\" الشافعي المصري المتوفى بالقاهرة سنة سبع وثمانمائة وهو رفيق أبي الفضل العراقي في سماع الحديث وصهره وتلميذه، وهو الذي أشار عليه بجمع الزوائد المذكورة وهي في مجلدين، وله أيضًا زوائد مسند البزار على الكتب الستة وسماها \"البحر الزخار في زوائد مسند البزار\" في مجلد ضخم، وزوائد مسد أبي يعلي الموصلي عليها أيضًا في مجلد، وزوائد المعجم الكبير للطبراني عليها أيضًا، وسماها (البدر المنير في زوائد المعجم الكبير) في ثلاثة مجلدات، وزوائد المعجم الأوسط والصغير له عليها أيضًا وسماها (مجمع البحرين في زوائد المعجمين) في مجلدين، ثم جمع الزوائد الستة المذكورة كلها في كتاب واحد محذوف الأسانيد مع الكلام عليها بالصحة","vol":"1","page":86},{"text":"والحسن والضعف، وما في بعض رواتها من الجرح والتعديل، وسماه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) وهو في ست مجلدات كبار ويوجد في ثمان مجلدات وأكثر وهو من أنفع كتب الحديث، بل لم يوجد مثله كتاب، ولا صنف نظيره في هذا الباب.\n* * *","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>٢٠ - محمد بن محمد بن سليمان المغربي\nوكتابه جمع الفوائد</span>\nقال صاحب الرسالة المستطرفة:\nوللشيخ الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن محمد بن سليمان المغربي الروداني، صاحب (صلة الخلف بموصول السلف) المتوفى سنة أربع وتسعين وألف، ودفن بسفح جبل قاسيون من دمشق الشام، كتاب (جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد) اشتمل على الصحيحين والموطأ والسنن الأربعة ومسند الدارمي ومسند أحمد ومسند أبي يعلي ومسند البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة.\nوقد تحدث الشيخ محمد بن محمد في مقدمة كتابه عن كتابه فقال:\nفهذا (جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد).\n(الأول) للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري الموصلي - ﵀ - جمع فيه ما في تجريد رزين بن معاوية للأصول الستة، بإبدال ابن ماجه بالموطأ، وما نقصه رزين منها، وعزا كل حديث إلى مخرجه سوى ما زاده - أعني ما في تجريد رزين - ولم يجده ابن الأثير في الأصول الستة، فإنه بيض له مكانًا حتى إذا عثر على مخرجه عزاه إليه فيه، ورتبه على ترتيب بديع، لكن لغموض دقة وضعه واتساع حجمه في جمعه؛ قل أن ينتفع به إلا ذو فكرة ذاكية وحافظة واعية.\n(وأما الثاني) للحافظ نور الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر ابن سليمان الهيثمي - ﵀ - جمع فيه ما في مسند الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة من الأحاديث الزائدة على ما في الأصول الستة بجعل ابن ماجه ههنا دون الموطأ وعقب كل حديث بالكلام على رواته تعديلًا وتجريحًا، فجاء حجمه في ست مجلدات يتناهز بجامع الأصول، فتجشمت هذا الجمع منهما لضيق وسعي عن الإحاطة بكل ما فيهما، فاقتضى الجمع أن أضيف إليهما سنن ابن ماجه، لكن لكون جامع الأصول أخرجه من الستة فلم يذكر","vol":"1","page":88},{"text":"ما فيه، وكون مجمع الزوائد أدخله فلم يذكر زوائده، لم يحسن مني أن أضيف كله إلى الجامع أو زوائده إلى المجمع لأن ذلك كجبر لأحدهما على خلاف مراده، فلهذا أفردت زوائده وعزوتها إليه، ولما كان اختلاف القوم في سادس الستة أهو ابن ماجه أو الموطأ أو مسند الدارمي؟ راعيت هذا الخلاف، فأضفت لذلك أيضًا زوائد الدارمي مفردة، إلا أن يتفق مع ابن ماجه فأجمعهما، وتكلمت على رجالهما تجريحًا وتعديلًا بما في الكاشف للذهبي وتهذيب التهذيب والتقريب للحافظ ابن حجر وغيرها، ورتبته على ترتيب أصوله لكونه مألف طبعي دون ترتيب الجامع، وأينما عثرت على حديث مكرر عندهم في أبواب أثبته في أليق تلك الأبواب به وحذفته في غيرها، إلا لفائدة أو غفلة مني كما فعل مسلم - ﵀ - وأينما ورد في حكم أو معنى حديثان فأكثر أو روايتا حديث فأكثر، فإني أقتصر فيه على ما هو أكثر فائدة من تلك الأحاديث أو الروايات، وأحذف غيره إلا إن اشتمل على زيادة، فإني أخلص منه تلك الزيادة، أو أذكر كله، والحديث الذي تعدد من أخرجه أذكره بلفظ أحدهم وسياقه ثم تارة أذكر من له اللفظ وتارة لا أذكره.\nأقول: وقد جعلت كتاب محمد بن محمد بن سليمان أنيسًا لي، ودليلًا في عملي، فقد اجتمع فيه ما تفرق في غيره، بل وجدت فيه الكثير مما يحقق مقاصد كتابنا هذا، ولولا أني أستهدف أكثر مما استهدف، وأريد أكثر مما أراد لاكتفيت بخدمة كتابه، ولكن حاجة عصرنا أوسع، فتطلعت إلى التأليف المستقل فكان هذا الكتاب، الذي أرجو أن يكون قد انصبت فيه كل هذه الجهود التي خدمت السنة النبوية، كما أرجو أن أكون قد وفقت لاستخلاص جناها وعبيرها، ورصف جواهرها، وإحكام البناء والزخرفة من لبنات ذهبها. وها نحن أولاء نسلمك للقسم الأول من هذا الكتاب.\n* * *","vol":"1","page":89},{"text":"القسم الأول\nفي\nالسيرة النبوية\nويشتمل على:\nمقدمة وستة أبواب\nالباب الأول: من البدء حتى النبوة الشريفة\nالباب الثاني: من البعثة حتى الاستقرار في المدينة\nالباب الثالث: من الاستقرار في المدينة حتى الوفاة\nالباب الرابع: في الصفات والخصائص والشمائل\nالباب الخامس: في معجزات الرسول ﷺ\nالباب السادس: دوائر شرف حول الرسول ﷺ","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المقدمة</span>","vol":"1","page":93},{"text":"السيرة النبوية - في الأصل - هي الكتاب والسنة، إنك لا تعرف رسول الله ﷺ إلا إذا عرفت الكتاب الذي أنزل عليه، وعرفت مجموع أقواله وأفعاله وصفاته وتقريراته، وتلك هي سنته.\nلقد كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، ولقد كان القرآن نفسه سجلًا لأهم الأحداث في حياته - ﵊ - فمن هنا قلنا إن القرآن سيرته، وإن أقواله وأفعاله وصفاته وتقريراته هي سيرته، ومن ثم فإن هذا الكتاب وكتاب الأساس في التفسير من سلسلة في المنهج هما في سيرته.\nوبهذا المعنى تقول: إن السيرة النبوية تسع الزمان والمكان والأشخاص فهي منهج متكامل متجدد، فما من وضع للإنسان وللناس وللمكلفين إلا والسيرة النبوية تسعه قدوة وعملًا ملاحظًا في ذلك أحوال الناس جميعًا من ضعف إلى قوة، وما دام الإنسان على مقتضى الفتوى فإنه على نوع من القدوة.\nعلى أن كُتاب السيرة درجوا على أن يرسموا صورة لشخصه ومسرى لأحداث حياته - ﵊ - ومن ههنا أصبحت السيرة في الاصطلاح جزءًا من كلٍّ، وأصبحت علمًا على علم خاص أشبه بالتاريخ الشخصي وما يحيط به.\nولهذا جعلنا الكلام عن سيرته - ﵊ - قسمًا من أقسام هذا الكتاب.\nوقد أدخلنا في هذا القسم ما هو ألصق بالسيرة الذاتية، وما فاتنا ذكره هنا مما هو ألصق بموضوعات أخرى يجده القارئ في بقية الأقسام.\nوكما توضَّعت حول أي موضوع من موضوعات الكتاب والسنة دراسات وتحقيقات وأصبح لكثير من الموضوعات مختصون ومحققون، فكذلك هذا القسم من السنة النبوية، فكما وجد في الفقه وفي التوحيد وفي التفسير أئمة\" فقد وجد في السيرة أئمة، من أمثال ابن إسحق وموسى بن عقبة والواقدي، وغيرهم كثير.","vol":"1","page":95},{"text":"وهناك فارق بين المحدِّث وكاتب السيرة، كالفارق بين المحدث والفقيه، كالفارق بين المنقِّب عن الآثار والمؤرخ. فالمنقب عن الآثار مهمته: أن يعثر على الأثر وأن يُقدِّم دراسة عنه، ولكن مهمة المؤرخ: أن يستفيد من هذا الأثر وغيره ليقدم صورة متكاملة عن حدث أو مرحلة، أو يقدم نظرية متكاملة في مسرى الأمور. والفارق بين المحدث والفقيه: أن المحدث مهمته: جمع الروايات وتحقيقها، وهو لا يدخل في حسابه ما زاد على ذلك من التتبع للنصوص القرآنية، أو البحث في مَحِلِّ هذه الروايات بالنسبة لبناء الشريعة، أما الفقيه فمهمته: رؤية كل ما ورد من كتاب أو سنة في موضوع ما، وإذا كانت هناك مسائل تحتاج إلى جواب وليس في النصوص الصحيحة والقرآن جواب واضح عليها فعليه أن يبحث عن الجواب من خلال قياس أو إجماع أو روايات ضعيفة يسندها قياس أو استئناس بروح الشريعة إلى غير ذلك، قلْ مثل هذا في الفارق بين المحدث وكاتب السيرة، فكاتب السيرة محدث وزيادة، فهو من حيثية كونه محدثًا عليه أن يروي وأن يجمع الروايات وأن يمحصها وأن ينتقد الرواة وأن يقارن بين المرويات، ولكنه ككاتب سيرة له مهمة زائدة: أن ينظر في هذه الروايات على ضوء النصوص القرآنية، وما كان له أصل صحيح وليس فيه تفصيلات فعليه أن يبحث عن هذه التفصيلات، وإذا كان هناك تعارض بين الروايات فعليه أن يرجح، وإذا كانت هناك فجوة في تسلسل الأحداث فعليه أني بحث ليملأها، وقد يملؤها من خلال استقراء أو استنتاج أو من خلال روايات ضعيفة، وأحيانًا من خلال روايات وصلته دون إسناد، فهو من هذه الحيثية محقق ومؤرخ بل قد يكون مجتهدًا.\nوكما يختلف الفقهاء في النهاية فقد يختلف محققو السيرة في النهاية. وفي حالة الاتفاق أو الاختلاف فهناك صور لا يترتب عليها عمل، سواء اتفقوا أو اختلفوا كالقضايا التاريخية البحتة، فمثلًا: م هي مدة فترة الوحي التي حدثت بين نزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ..﴾ من سورة العلق، وبين نزول سورة (المدثر)؟ لا يترتب على المعرفة التفصيلية ههنا عمل، وإن كان بعض علماء التربية قد يستفيد منها نوع فائدة.\nوهناك قضايا يترتب عليها عمل، ولاتفاق المحققين أو اختلافهم تأثير، فمثلًا: المعاهدات التي عقدها رسول الله - ﷺ - أول استقراره في المدينة مع غير المسلمين، هذه","vol":"1","page":96},{"text":"المعاهدات تعتبر سوابق دستورية للحركة الإسلامية في تعاملها مع الآخرين إذا لم تكن منسوخة، نفرض أن هذه المعاهدات نقلت لنا على طريقة المحدثين، وسندها صحيح أو حسن، فالأمر في هذه الحالة واضح، إذ تأخذ هذه الروايات محلها من أصول الأحكام فحكمها حكم السنة النبوية المعتمدة. ولكن لنفرض أن هذه الروايات لم تبلغ هذا المستوى وأجمع عليها كُتَّابُ السير المعتمدون وأئمة هذه الشأن أو اختلفوا، فهل هذه الروايات لا قيمة لها أبدًا؟ الذي أذهب إليه أن هذه الروايات إذا لم يكن لها معارض، وكان لها أصل صحيح ترجع إليه، لا تنزل عن أن تكون مذهبًا لصاحبها، فإذا كان صاحبها إمامًا أو مرجعًا في هذه الشأن صح تقليده، وللمسلمين أن يبنوا على مثل هذه الروايات، والحجية في هذه الحالة لا من حيث إن ما ورد تقوم به الحجة سندًا، لكن من حيث إن من رواه يعتبره جزءًا من السيرة، ويعتبره أهلًا للبناء عليه.\nواحتراسًا أقول: ليس كل إنسان مرشحًا لأن يفتي بناء على ذلك.\nإنني أذهب إلى مثل هذا في كتب التراث، فمن كان من أئمة شأن من الشؤون، وقد وصل إلى أن يكون مرجعًا فيه، وليس متهمًا في عقيدته أو ورعه أو علمه، فإن للمسلم أن يعتمد تحقيقه، وأن يبني عليه، قل مثل هذا في كتب الحديث أو التفسير أو الفقه أو السيرة الصادرة عن الراسخين في العلم.\nوإنما أوردنا هذه المعاني حتى لا يظن ظان أن كتب السيرة وكتب الحديث يحرم النظر فيها إلا إذا كانت محققة على الأصول الفنية التي هي محل اجتهاد، فذلك باب لو أغلقناه ينسد به باب القراءة للتراث كله، وهذا مخالف للإجماع، فما أحد من أهل العلم في تاريخ هذه الأمة قال: يحرم على المسلم أن يقرأ سيرة ابن هشام أو مسند الإمام أحمد أو سنن الترمذي.\nوكذلك أوردنا هذه المعاني هنا للتقديم لعملنا في هذا القسم، فعملنا في هذا القسم أن نذكر الروايات الصحيحة والحسنة الواردة في سيرته - ﵊ - في أصول هذا الكتاب وقد نذكر ما صح أو حسن من يغر هذه الأصول مع الخدمة التي وعدنا بها، وتحقيق الأغراض التي استهدفناها، ولكنا في الوقت نفسه ننقل خلاصات من أقوال المحققين","vol":"1","page":97},{"text":"من أئمة أهل السير والمغازي، فما تنقله عن هؤلاء لا ينزل في رأينا عن أن يكون مذهبًا لصاحبه، ونحن مضطرون لذلك لأنه إذا لم نفعله فإن قارئ هذا القسم سيخرج بفوائد أقل، وقد التزمنا في كتابنا هذا أن ننقل في كل بحث تحقيقات أهل الاختصاص فيه، ولا نحب أن نخل بهذا الالتزام في هذا القسم أو غيره.\n* * *\nوإنما جعلنا هذا القسم مقدمة وستة أبواب، لأننا حريصون على تصحيح مفاهيم وترسيخ أخرى حول السيرة، فاخترنا أن يكون هذا في المقدمة، واعتمدنا الأبواب الستة - كما سنعرضها - كشيء لابد منه لتكامل العرض.\nفالمراحل الرئيسية في حياة رسول الله ﷺ ثلاثة: ما قبل البعثة، ثم ما بعد البعثة حتى الاستقرار في المدينة، ثم من الهجرة حتى الوفاة؛ فهذه ثلاثة أبواب.\nوهناك دائرتان لابد من الحديث عنهما لتتكامل الصورة: دائرة آل بيته وفيهم أزواجه، ودائرة أصحابه ومنهم خلفاؤه، فهؤلاء الذين حملوا الراية، وتابعوا مرحلة التأسيس فأصبحت الأبواب أربعة.\nومعرفة صفاته وشمائله وخصائصه جزء من سيرته، والتعرف على معجزاته طريق الإيمان به فتمت الأبواب بذلك ستة، وما سيأتي في بقية أقسام هذا الكتاب يكمل صورة ما فات، فهذه الموضوعات هي الألصق بالسيرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>تصحيح مفاهيم حول السيرة:</span>\nإن هذه المقدمة قد خصصناها لتصحيح مفاهيم ولترسيخ أخرى، والمفاهيم الخاطئة في موضوع السيرة نوعان: فمنها أخطاء عند بعض الإسلاميين، ومنها مفاهيم خاطئة أو قاصرة عند الكافرين. ألا إن هناك أغلاطًا في شأن السيرة النبوية، بعضها ناشئ عن جهل بكمالات السيرة النبوية، وبعضها ناشئ عن القصور في تصور أصول التشريع الإسلامي","vol":"1","page":98},{"text":"وكيفية انبثاق الأحكام عنها، ومحل السيرة النبوية - في الاصطلاح - منها.\nوقد وجدت أن كثيرًا من المفاهيم التي أحب تصحيحها أو ترسيخها، وكثيرًا من الأغلاط التي أرغب في تصويبها، قد تعرَّض لها الشيخ سليمان الندوي - ﵀ في محاضراته الثمان التي خرجت باسم (الرسالة المحمدية)، بل إن المعاني التي ذكرها لا يستغني عنها قارئ للسيرة النبوية في عصرنا، ولذلك فإنني سأعطيك تصورًا عن بعض ما ذكره في هذه المحاضرات، ثم أنطلق بعد ذلك في المقدمة مكملًا ما أردت لها من أغراض.\n* * *\nإن سيرة النبي ﷺ حلقة من سلسلة النبوات والرسالات، وللنبوة والرسالة خصائصها وميزاتها، وسيرة النبي ﷺ مع اشتراكها في خصائص النبوات والرسالات لها خصائصها وسماتها الخاصة، ومحاضرات الشيخ سليمان الندوي الثمان كانت في هذه الشؤون، فقد أبرز المؤلف في محاضرته الأولى أهمية رسالات الله في الحياة البشرية، وأن الرسل وحدهم - عليهم الصلاة والسلام - هم الهداة الحقيقيون بالدعوة والقدوة لكن هؤلاء الرسل باستثناء محمد ﷺ لم يصلنا عنه ما يغطي احتياجات البشر في الهداية والقدوة، ولذلك حكمته، فمحمد ﷺ هو الرسول الخاتم ورسالته هي الرسالة الخاتمة ولذلك اجتمع لها أربعة شروط لابد منها لسيرة القدوة والهادي: التاريخية، والشمول، والكمال، والواقعية العملية. وهذا هو محور المحاضرة الثانية. ثم جاءت المحاضرات الأربع التالية لتفصل في كل شرط من هذه الشروط وكيف أنه موجود على التمام في سيرة رسول الله ﷺ، حتى إذا وصل إلى المحاضرة السابعة تحدث عن أن سيرة النبي ﷺ التي تجمعت فيها كل شروط القدوة والهداية ينبغي أن تهتدي بها الأمم، لأنها موجهة إلى الأمم جميعها، ولأن الأمم كلها بحاجة إليها، ثم تأتي المحاضرة الثامنة لتذكر بعض أيادي الرسالة المحمدية على البشرية، وفيها تأكيد لضرورة اهتداء البشرية برسالة محمد ﷺ كما فيها تعداد لجوانب كثيرة في هذه الرسالة وأنها هي الدواء والبلسم لأصعب أمراض الأمم القديمة والمعاصرة.","vol":"1","page":99},{"text":"هذا هو الخط العريض لهذه المحاضرات، وكم فيها من معانٍ عظيمة، وكنوز راقية، وكم فندت فيها أخطاء وشبهات، لذلك أجدني أسير النقل عنها في هذه المقدمة شعورًا مني بأن ذلك يخدم أغراضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>(١)\nحاجة البشرية إلى الدين</span>\nإن أعظم احتياجات البشر على الإطلاق هي حاجتهم إلى دين، يعطيهم تصورات صحيحة، ويطلق طاقاتهم في طريق مستقيم وبسلوك قويم، والرسل من بين خلق الله تعالى هم الذين قدموا للبشرية ذلك من خلال الدعوة والقدوة، أما من سواهم من أمراء وملوك وشعراء وأدباء وغير ذلك ممن ليسوا على قدم الأنبياء فهؤلاء مهما أعطوا البشرية فإنهم يعطونها ما هو دون الاحتياج الأعظم، بل هم يضلونها ويعذبونها، وفي كل الأحوال فهم لا يشكلون القدوة الرفيعة للإنسانية الجديرة بالاحترام.\nهذا هو المحور الرئيسي للمحاضرة الأولى التي سار فيها المؤلف على الترتيب التالي:\nأ - الحديث عن مكانة الإنسان في هذا الكون، ومحله في تسلسل مراتب الكمال الحياتي، وأنه أُعطِيَ استعدادًا للكمالات فاقت ما أُعطيه كل مخلوق، وقد سخر الله له المخلوقات كلها.\nب - هذا الإنسان عنده استعداد للعدل والعلم كما أن عنده استعدادًا للظلم والجهل، وهو بدون هداية الأنبياء يغلب عليه الظلم والجهل، بينما تجعله هداية الأنبياء سائرًا في طريق العدل والعلم، والبشرية لم يزل مستقرًا في ضميرها حب العلم والعدل، ولذلك فقد استقر في ضميرها تقديس الأنبياء والرسل، وازدراء الظالمين والجاهلين.\nج - وإذا كان الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - هم الذين دعوا بالحال والمقال إلى العدل والعلم، فقد استقامت بهم الحياة، وتحقق بهم فلاح الإنسان وصلاحه وسعادته، بينما نجد غيرهم في تاريخ البشرية قد لمعت أسماؤهم، ولكن من منهم ترك لمن أتى بعده أسوة","vol":"1","page":100},{"text":"يتأسى بها في تعميم الخير؟ ومن منهم إذا اهتدى الناس بهديه ينجون من المهالك ويسلكون سبل السعادة والهناء؟ ومَن مِن هؤلاء مَن استعملوا سيوفهم البواتر في قطع حبائل العقائد الفاسدة، وتخليص العقول من الأوهام الواهية والأفكار الباطلة؟ ومَن منهم من وقف حياته على حل معضلات بني آدم، وكان حريصًا على عقد أواصل الإخاء بينهم على الحق والتواصي بالخير؟ وهل يوجد في حياة من ذكرنا من هؤلاء العظماء ما يستعين به بنو الإنسان على تخفيف ما يعانونه من الغمرات في حياتهم الاجتماعية؟ أم في أخلاقهم وأعمالهم ما ييسر للإنسانية الشفاء من أمراضها الخلقية وأوصابها النفسية؟ أم في دعوتهم ما يجلو صدأ القلوب ورينها، أو يرتق فتقًا في الحياة الاجتماعية؟\nوقد تحدث المؤلف حديثًا مستفيضًا عن أصناف من الأعلام شعراء وكتاب وقانونيين واجتماعيين وأمراء وملوك، وأقام الدليل على أن هؤلاء ليسوا في منصب الإصلاح الحقيقي، مهما كان شأنهم إذا قورنوا بالأنبياء.\nثم تحدث عن الأنبياء والمرسلين الذين لم يترك الله أمة إلا وقد أرسل لها طائفة منهم وأن كل لمعة خير في قلب أو في أمة إنما هي بقايا فطرة وأثر دعوة نبي.\nوبعد أن يقارن بين آثار الملوك والجبابرة وبين آثار الأنبياء، وبين ما تجيش به العواطف والقلوب نحو الأنبياء، وبين تأثيرات الملوك على القلوب والعواطف، يقول:\nأظنكم قد استمعتم لما ألقيت عليكم من الأدلة العقلية والبراهين التاريخية، وإخالها قد تركت فيكم أثرًا أورث في قلوبكم يقينًا بأنه لم تكن طائفة من الناس أصلحت من فساد الأخلاق، وقومت من عوجها، وهذبت النفوس، وهدتها من ضلال، مثل الذي قام به الأنبياء ﵈، فهم الذين أصلحوا الحياة الاجتماعية، وعلموا الناس الاقتصاد في المعيشة، والاعتدال في كل شيء، وهم الذين أقاموا العدل في الدنيا، وحكموا بالقسط بين الناس، وزكوا القلوب، وأخذوا بيد الإنسانية إلى الحق والخير وأنقذوها من حمأة الرذائل، وأن الله سبحانه قد بعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات - ظلمات العقائد، وظلمات الأخلاق، وظلمات الأعمال - إلى النور - نور الإيمان، ونور الخلق الكريم، ونور العمل","vol":"1","page":101},{"text":"الصالح -، وتركوا بعدهم سنة للناس يتبعها السوقة ويعمل بها الملوك، وينتفع بها صغار الناس وكبارهم، ويتمتع بخيراتها الأغنياء والبؤساء على السواء، وإن مثل الأسوة بهم كمثل عين ثرةٍ فياضة تروي البلاد وتسقي العباد، يشرب منها كل عطشان بقدر حاجته، ويرتوي بمائها العذب الزلال كل ظمآن فينقع غلته.\nوبعد ذلك يتحدث عن أعلام الأنبياء في القرآن، ويذكر المعالم الكبرى لشخصية كل نبي، وأن مجموع هذه المعالم هي التي تحتاجها الحياة البشرية.\nثم تحدث عن دور البناة جميعًا في الحياة البشرية من مهندسين وأطباء وحكماء وأنصف الجميع، ثم برهن على أن ذلك كله بالنسبة لاحتياجات البشرية هو الجانب الأدنى إذا قورن باحتياجات البشر إلى هداية الأنبياء.\nوبعد هذا خلص إلى الحديث عن الدعوة والقدوة في حياة الأنبياء، وكمالهما وتكاملهما، وذلك هو المظهر الأرقى للرشد والإرشاد في حياة البشرية.\nتلك هي بعض معالم المحاضرة الأولى التي بينت عظم الفضل وعظيم العمل الذي قام به الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فطوقوا جيد البشرية بالمنِّة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>(٢)\nمحمد الرسول الأكمل ﷺ</span>\nومن بين الرسل جميعًا يظهر محمد ﷺ كأكمل رسول، وهو من بين الرسل جميعًا تصلنا دعوته مفصلة وسيرته كاملة، ولذلك فهو الذي يمكن أن يُهتدى بهديه اهتداءً كاملًا، ويُقتدى بسيرته اقتداءً كاملًا، لأنه من بين الأنبياء كانت سيرته ورسالته تجتمع فيها: التاريخية والشمولية والكمال والعملية، عدا عن كون رسالته هي الرسالة الخاتمة والناسخة، وهي التكليف الرباني الذي لا يقبل الله غيره، ولكنها كذلك جعلها الله على ما ذكرنا.\nهذا هو محور المحاضرة الثانية:","vol":"1","page":102},{"text":"إن لكل رسول ميزة وخصيصة، ومحمد ﷺ من بين الرسل تجمعت فيه الميزات والخصائص جميعها على كمالها وتمامها، ولكل رسول إضاءته وتبشيره وإنذاره ودعوته، ومحمد ﷺ من بين الرسل الشمس المنيرة والبشير الأعظم والمنذر الأكبر والداعية الأجل، فهو النبي الجامع محمد ﷺ لأنه بعث ليختم الله به النبيين والنبوات، فأعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلى البشر كافة، فجاء بالشريعة الكاملة التي لا يحتاج البشر معها إلى غيرها، ولم تنزل من السماء إلى الأرض شريعة على قلب بشر بعد هذه الشريعة، لقد حظيت التعاليم المحمدية بالخلود، واختصت بالبقاء والدوام إلى يوم القيامة، فكانت نفس محمد ﷺ جامعة لجميع الأخلاق العالية والعادات السنية، وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق.\nثم يأتي بالأدلة والبراهين على ذلك، وأول برهان على ذلك: أن سيرته وشريعته باقيتان خالدتان معروفتان.\nثم يتحدث عن أشهر الديانات المعروفة: الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية والزرادشتية واليهودية والمسيحية، ليقيم الدليل على أن المنقول منها لا يغطي احتياجات البشرية في الهداية ولا في القدوة.\nيقول المؤلف:\nإنه ليس في مئات الألوف من المصلحين والنبيين من يشهد لهم التاريخ إلا ثلاثة أو أربعة، ومع ذلك فإن التاريخ لا يعرف من تفاصيل أحوالهم وشؤون حياتهم ودخائل سيرتهم إلا نزرًا يسيرًا وغير كامل، فكيف يتسنى للإنسان أن يتخذ من ذلك أسوة لحياته ذات النواحي المختلفة؟.\nوأخذ يضرب الأمثلة في البرهان على ذلك من خلال ما يعرفه الناس عن بوذا وزرادشت وموسى وعيسى، مع البرهان على أن هذه المعلومات - كما وردت عن أهلها - لا تشكل روايات ثابتة، ويخلص بالتالي إلى أن كل ما تعرفه البشرية عن الأنبياء السابقين عن طريق أتباعهم لا تجتمع فيه شروط التاريخية أو الواقعية أو الشمولية أو الجمع لكل ما يلزم الإنسان وهي شروط الاهتداء والاقتداء. ثم إن هذه الديانات نفسها على حسب ما","vol":"1","page":103},{"text":"نقلت لنا ليس فيها ما يتفق مع الفطرة البشرية، إنَّ في شأن الربوبية أو في شأن السلوك أو في شأن العمران، فعدا عن قصورها فإن فيها انحرافًا وضلالًا وخرابًا، فبعض هذه الديانات ليس لله فيها ذكر كالديانة البوذية والصينية، وبعضها ليس في أصولها المنقولة تفصيل عن طبيعة العلاقة مع الله كالديانة اليهودية والمسيحية، وفي التعامل بين بني الإنسان لا تجد تفصيلًا شاملًا بل نجد قصورًا وأخطاء فطرية، ولو طبقت هذه الأديان حرفيًا كما وصلت إلينا لترتب على ذلك خراب العالم وشقاء الإنسان.\nيقول المؤلف:\nلم تكن سيرة بوذا قط أسوة للهناء العائلي، ولا لأهل الصناعات والمتاجر، ولو اتخذ أتباع بوذا قدوة لهم من حياة بوذا لما قامت لهم هذه الدول في الصين واليابان وسيام وتبت وبرما، ولما عمرت للتجارة في بلادهم سوق، ولا دبت الحياة في صناعاتهم ومصانعهم، ولو اختار أهل تلك البلاد سيرة متبوعهم سيرة لهم وساروا عليها لأقفرت الأرض العامرة وتحولت إلى صحاري قاحلة، ولأصبحت المدن خرابًا أو أرضًا جرداء.\nولو أن الناس في أيامنا هذه آثروا التأسي بحياة عيسى - ﵇ - وأرادوا أن يعيشوا كما عاش، لخربت الدنيا واستحال عمرانها خرابًا يبابًا، ولأصبحت القرى مقابر تتردد في أنحائها أصوات البوم، أما الحضارة وتقدمها فسرعان ما يعتريهما الزوال ويمحى اسمهما، وأوروبا المسيحية لن تبقى بعد ذلك يومًا واحدًا.\nويخلص في نهاية المحاضرة إلى قوله:\nإن الإنسان ينشد مثالًا يقتدي به في كل عمل يقدم عليه، في غناه وفقره، وفي سلمه وحربه، ويتحرى السبيل الذي يسلكه إذا تزوج أو بقي عزبًا، ويريد أنموذجًا عاليًا يأتم به إذا عبد ربه، أو عاشر الناس، ويحاول أن يلم بالقوانين التي ينبغي العمل بها بالنسبة إلى الراعي والرعية والحكام والمحكومين.\nجميع هذه الأمور ينبغي للمرء أن يتخذ لنفسه القدوة فيه، لأن الأمم قد التوت عليها هذه المسألة، فأهمها التماس الطريق الموصل إلى حلِّ هذه المعضلات وتذليل هذه المصاعب،","vol":"1","page":104},{"text":"ومعظم الشعوب تشعر بالحاجة الشديدة إلى المثل العليا في ذلك لتخفف عن الإنسانية آلامها وتأسو جراحها، وهي متلهفة على مثال لذلك من الأعمال، لا على مثال عليه من الأقوال.\nولست بمبالغ إذا قلت: إن التاريخ أصدق شاهد على أنه ليس في الدنيا أحد يصح أن يكون للإنسانية أسوة من سيرته وحياته غير سيرة محمد ﷺ وحياته.\nوليكن على ذكر منكم ما تحدثت به إليكم من قبل، وهو أن حياة العظيم التي يجدر بالناس أن يتخذوا منها قدوة لهم في الحياة ينبغي أن تتوافر فيها أربع خصال:\n١ - أن تكون (تاريخية) أي أن التاريخ الصحيح المحض يصدقها ويشهد لها.\n٢ - أن تكون (جامعة) أي محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شئونها.\n٣ - أن تكون (كاملة) أي أن تكون متسلسلة لا تنقص شيئًا من حلقات الحياة.\n٤ - أن تكون (عملية) أي أن تكون الدعوة إلى المبادئ والفضائل والواجبات بعمل الداعي وأخلاقه، وأن يكون كل ما دعا إليه بلسانه قد حققه بسيرته وعمل به في حياته الشخصية والعائلية والاجتماعية، فأصبحت أعماله مثلًا عليا للناس يتأسون بها.\nوأنا لا أقول إن الأنبياء صفرت صحائف حياتهم من هذه الميزة مدة وجودهم في الحياة الدنيا، بل أقول إن سيرتهم التي توجد الآن بين أيدي الناس لا تنص على هذه الأمور، ويخيل إليَّ أن الحكمة الإلهية في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثِ الواحد منهم لزمن قصير نسبيًا فكان الموفقون للخير من شعوبهم يعرفون سيرتهم فيتأسون بها، ولم يكن هنالك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم؛ لأن النبؤات ستختم برسالة محمد ﷺ الكاملة إلى الناس كافة في كل زمان ومكان، فمست الحاجة إلى أن تكون سيرته ﷺ معلومة عل حقيقتها في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، ليتيسر التأسي بها لجميع أمم الأرض. وهذا من أصدق البراهين على كون محمد ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١).\n_________\n(١) الأحزاب: ٤٠.","vol":"1","page":105},{"text":"الشروط الصحيحة لسيرة الهادي القدوة\nثم جاءت المحاضرات الأربع اللاحقة تنصبُّ على الشروط التي يجب أن تتوافر فيها سيرة الهادي القدوة. فالأولى في شرط التاريخية، والثانية في شرط الكمال، والثالثة في شرط الشمول، والرابعة في شرط العملية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>(٣)\nشرط التاريخية</span>\nوها هو ذا يتحدث عن التاريخية في سيرة محمد ﷺ:\nلقد شهدت الدنيا أصدق شهادة، ثم ازداد ذلك ثبوتًا على الأيام، بأن المسلمين لم يقتصروا على حفظ سيرته ﷺ بل توسعوا في ذلك إلى ما يتعلق بها من كل النواحي، فصانوا هذه الأمانة القدسية فلم تلمسها يد الضياع، ولم تعبث بها عوامل الدهر، إلى درجة أن العالم كله يقف من ذلك موقف العجب والاستغراب. والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقوال النبي ﷺ ورواية أحاديثه، وكل ما يتعلق بحياته، أدوْها إلى من ضبطوها بعدهم، وكتبوها وصاروا يسمون (رواة الحديث) أو (المحدثين) و(أصحاب السير) وهم طبقات متسلسلة من (الصحابة) و(التابعين) و(تابعي التابعين).\nوقد بلغ عدد الصحابة - ﵃ - في آخر حياة النبي ﷺ الذين حجوا معه حجة الوداع [حوالي] مائة ألف، ومن هؤلاء [حوالي] عشرة آلاف صحابي مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في كتب التاريخ التي أفردت لتدوين أحوالهم خاصة، لأن كل واحد منهم حفظ شيئًا من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتصرفاته وهديه وسيرته.\nثم جال المؤلف جولات موفقة في عرض طبقات المشتغلين بنقل السنة النبوية وتعليمها، متحدثًا خلال ذلك عن تحري الصحابة والأئمة العدول صدق النقل عن رسول الله ﷺ ومتحدثًا عن قوة ذاكرة العرب خاصة، ثم المشتغلين بالسنة بشكل عام، وكيف أنهم كانوا يجمعون مع الحفظ الكتابة لزيادة التوثيق، وإنه مع هذا وهذا وجدت العلوم التي تُمحِّص","vol":"1","page":106},{"text":"وتقارن وتحقق، ووجد الجهابذة الذين يمتلكون القدرة على التمييز بين المرويات.\nوخلال ذلك ردْ على فرية بعض المستشرقين الذين يزعمون أن السنة النبوية تأخر تدوينها، فيقيم الأدلة التاريخية القاطعة على كذب هؤلاء، فلم ينقطع التدوين منذ عهد رسول الله ﷺ إلى أن وجدت كتب السنة المشهورة، ولعل هذه الصفحات من كتابه من أروع الصفحات. ومما قاله في هذه الصفحات:\nفأصحاب النبي ﷺ كتبوا بأيديهم في عهده ﷺ وجمعوا من أحاديثه في حياته، وتركوا ذلك لمن بعدهم، والذين جاءوا بعدهم أدخلوه في كتبهم، ولا أعدو الحقيقة إذا قلت: إن التابعين - ﵃ - جمعوا جميع المرويات في عهد الصحابة، وكتبوا في حياتهم ما وصل إلى علمهم من الأخبار والشؤون، وبحثوا عن ذلك بحثًا طويلًا، وبذلوا فيه جهودهم وسافروا له، وطرقوا أبواب العلماء والمحدثين، حتى لقد كانوا يطوون لأجل الحديث الواحد مسافة طويلة وشُقَّة بعيدة.\nوالحق أن جميع الأحاديث والأحكام والأخبار تم تدوينها عند المسلمين في ثلاثة أطار:\nالطور الأول هو الذي كان فيه الصحابة وكبار التابعين.\nالطور الثاني هو الذي كان فيه صغار التابعين وتابعو التابعين.\nوالطور الثالث هو عهد المحدثين وأئمة السنة كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري، والإمام مسلم صاحب الجامع الصحيح، والإمام الترمذي، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم من المحدثين.\nوما جمع في الطور دوِّن في كتب الطور الثاني، وما دوِّن في الطور الثاني جمع ونُظِّم في كتب الطور الثالث، ونرى أمامنا أكثر ما جمع في الطورين الثاني والثالث مدونًا في كتب كثيرة تشتمل على آلاف من الأوراق هي في الواقع من أثمن الذخائر العلمية في العالم، بل لا يوجد في جميع ذخائر الدنيا لعلمية أوثق منها سندًا وأصح تاريخًا ورواية.\nولقد صدق الأستاذ الكبير العلامة الشيخ شبلي النعماني حين قال:","vol":"1","page":107},{"text":"(لما أرادت الأمم الأخرى من غير المسلمين أن تجمع في أطوار نهضتها أقوال رجالها ورواياتهم، كان قد فات عليهم زمن طويل، وانقضى بينها وبينهم عهد بعيد، فحاولوا كتابة شئون أمة قد خلت، ولم يميزوا بين غثِّ ذلك الماضي وسمينه، وصحيحه وسقيمه، بل لم يعلموا أحوال رواة تلك الأخبار ولا أسماءهم ولا تواريخ ولادتهم فاكتفوا بأن اصطفوا من أخبار هؤلاء الرواة المجهولين ورواياتهم ما يوافق هواهم ويلائم بيئتهم وينطبق على مقاييسهم، ثم لمي مض غير زمن يسير حتى صارت تلك الخرافات معدودة كالحقائق التاريخية المدوَّنة في الكتب، وعلى هذا المنهاج السقيم صنفت أكثر الكتب الأوروبية مما يتعلق بالأمم الخوالي وشئونها، والأقوام القديمة وأخبارها، والأديان السالفة ومذاهبها ورجالها.\nأما المسلمون فقد جعلوا لرواية الأخبار والسير قواعد محكمة يرجعون إليها وأصولًا متقنة يتمسكون بها وأعلاها أن لا تُروى واقعة من الوقائع إلا عن الذي يشهدها، وكلما بعد العهد على هذه الواقعة فمن الواجب تسمية من نقل ذلك الخبر عن الذي نقله عمَّن شهد، وهكذا بالتسلسل من وقت الاستشهاد بالواقعة والتحدث عنها إلى زمن وقوعها. والتثبت من أمانة هؤلاء الرواة وفقههم وعدالتهم وحسن تحملهم للخبر الذي يروونه، وإذا كانوا على خلاف ذلك وجب تيينه أيضًا.\nوهذه المهمة من أشق الأمور، ومع ذلك فإن مئات من المحدثين تفرغوا لها، ووقفوا أعمارهم على تحري ذلك واستقصائه وتدوينه، وطافوا لأجله البلاد، ورحلوا بين الأقطار، باحثين دارسين لأحوال الرواة، وكانوا يلقون المعاصرين لهم من الرواة لينقدوا أحوالهم، وإذا اطمأنوا إلى سيرة فرق منهم سألوهم عما يعرفونه من أحوال الطبقة التي كانت قبلهم، وقد اجتمع من هذا المجهود العلمي العظيم علم مستقل من العلوم الإسلامية أطلق عليه فيما بعد عنوان (أسماء الرجال) فتيسر لمن أتى بعدهم أن يقفوا على أقدار مئات الألوف من الحفاظ والعلماء والرواة وغيرهم).\nهذا فيما يتعلق بالرواية وحملتها، وهنالك (عالم نقد الحديث) من جهة الدراية والفهم، وأن له أصولًا محكمة وقواعد متقنة اتخذوها لنقد المرويات وتمييز صحيحها من سقيمها وغثها من السمين والراجح من المرجوح، وقد تحرى علماء السنة في هذا الأمر الحق وحده، وتمسكوا","vol":"1","page":108},{"text":"فيه بالمحجة البيضاء، وكل ما يؤدي إليه الصدق، فكان عملهم هذا من مفاخر الإسلام.\nوبعد ذلك يجول المؤلف جولة موفقة فيما يؤكد التوثيق، في شأن نقل السنة النبوية وتمحيص رواياتها، ثم بعد ذلك يخص السيرة النبوية بالحديث، فيتحدث عن مصادرها فيقول:\nوأريد أن ألفت أنظاركم إلى المصادر التي أخذت عنها سيرة النبي ﷺ وهديه، وكيف دونت تلك المصادر وجمعت، وأن أهم ما في سيرته ﷺ وأوثقها وأكثرها صحة هو ما اقتبس من القرآن الحكيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وهو الذي لم يشك في صحته العدو اللدود، فضلًا عن الحبيب الودود.\nفالقرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر السيرة النبوية: والقرآن يقص علينا جميع مناحي السيرة النبوية وطرفًا من حياته ﷺ قبل النبوة، فيذكر لنا يتمه وفقره وتحنثه، كما يذكر لنا شئونه بعد النبوة من هبوط الوحي الإلهي عليه وتبليغه إياه والعروج به وعداوة الأعداء وهجرته وغزواته، وفي القرآن الكريم ذكر أخلاقه ﷺ.\nكل ذلك تراه مذكورًا في القرآن ببيان واضح وأسلوب متين رائق: ومن ذلك تعلمون أنه لم تطرق أذن التاريخ سيرة رجل بأحسن ولا أصح ولا أوثق من سيرة محمد ﷺ.\nوالمصدر الثاني من مصادر السيرة النبوية كتب الحديث: وهي كتب حفظت لنا من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله ما يبلغ مائة ألف حديث، وقد امتاز الصحيح منها عن الضعيف والموضوع، والقوي منها عن غير القوي.\nومن الكتب المصنفة في الحديث الكتب الستة التي محص العلماء كل ما ورد فيها، وذكروا شواهده ومتابعاته، حتى لم يتركوا في النفوس منزع ظفر لمحقق منصف، بل ولا لمدقق جائر، ويتلو الكتب الستة كتب المسانيد، وأعظمها مسند الإمام أحمد بن حنبل، في ستة مجلدات كبار، كل مجلد منها يحتوي على نحو خمسمائة صفحة من القطع الكبير بحروف دقيقة، وقد تضمن هذا المسند مرويات كل صحابي مجموعة ومذكورة على","vol":"1","page":109},{"text":"حدة، وفي هذه المجموعات جميع تعاليم الرسول ﷺ وأحواله وسيرته غير مرتبة على المواضيع.\nوالمصدر الثالث كتب المغازي: ومعظم ما فيها ذكر الغزوات النبوية، وقد تتضمن أمورًا أخرى، ومن المصنفات القديمة في المغازي: مغازي عروة بن الزبير المتوفى سنة ٩٤ هـ، ومغازي الزهري المتوفى سنة ١٢٤ هـ. ومغازي ابن إسحاق المتوفى سنة ١٥٠ هـ، ومغازي زياد البكائي المتوفى سنة ١٨٢ هـ، ومغازي الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ وغيرهم.\nوالمصدر الرابع كتب التاريخ الإسلامي العام: التي تبتدئ بالسيرة النبوية ومن أوثقها وأصحها وأطولها وأضخمها: طبقات ابن سعد، وتاريخ الرسل والملوك للإمام أبي جعفر الطبري، والتاريخ الصغير والتاريخ الكبير لمحمد بن إسماعيل البخاري، وتاريخ ابن حبان، وتاريخ ابن أبي خيثمة البغدادي المتوفى سنة ٢٩٩ هـ وغيرهم.\nوالمصدر الخامس الكتب التي ألفت في المعجزات: وتسمى بكتب الدلائل ومنها: دلائل النبوة لأبي إسحق الحربي المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، ودلائل النبوة لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، ودلائل النبوة للإمام البيهقي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ودلائل النبوة للمستغفري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ، ودلائل أبي القاسم إسماعيل الأصفهاني المتوفى سنة ٥٣٥ هـ، وأضخمها وأبسطها كتاب الخصائص الكبرى للجلال السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ.\nوالمصدر السادس كتب الشمائل: وهي مقصورة على ذكر أخلاق النبي ﷺ وعاداته وفضائله وما كان يعمل في يومه من الصباح إلى المساء، وفي ليله من المساء إلى الصباح. وأشهر هذه الكتب وأولها: كتاب الشمائل للحافظ المنذري. وقد كتب كبار العلماء زيادات عليه أهمها وأضخمه وأطولها: كتاب الشفا في حقوق المصطفى للقاضي عياض، وقد شرحه الشهاب الخفاجي وسماه نسيم الرياض، وصنف في هذا الموضوع علماء آخرون، منها: كتاب شمائل النبي ﷺ لأبي العباس المستغفري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ، والنور الساطع لابن المقري الغرناطي المتوفى سنة ٥٥٢ هـ، وسفر السعادة لمجد الدين الفيروزابادي المتوفى سنة ٨١٢ هـ.","vol":"1","page":110},{"text":"يضاف إلى ما ذكرناه الكتب التي صنفها بعض العلماء المتقدمين في أحوال مكة المعظمة والمدينة المكرمة، وذكروا فيه ما في هذين البلدين الطيبين من بقاع وأماكن وأودية وجبال وخطط، وذكروا من تولى إمارتهما، بادئين بكل ما له علاقة بالنبي ﷺ وأقدم كتاب في هذا الموضوع: أخبار مكة للأزرقي المتوفى سنة ٢٢٣ هـ، وأخبار المدينة لعمر بن شبة المتوفى سنة ٢٦٨ هـ، ثم أخبار مكة للفاكهي، وأخبار المدينة لابن زبالة.\nثم بعد ذلك يتحدث عن التأليف في السيرة النبوية وأنه تجاوز على مدى العصور كل تصور، وبعد أن يضرب أمثلة على سعة التأليف في السيرة النبوية ينقل نقلًا عن كاتب متحامل على الإسلام هو (ريوزورند باسورث سميث) من كتابه (محمد والمحمدية) يقول فيه هذا الكاتب:\nكل ما يقال في الدين يغلب فيه الجهل ببدايته، ومما يؤسف له أن هذا يصح إطلاقه على الديانات الثلاث (١) وعلى أصحابها الذين نعدهم تاريخيين، لأننا لا نعلم لهم وصفًا أحسن من هذا الوصف، فإننا قلما نعلم عن الذين كانوا في طلائع الدعوة، والذي نعلمه عن الذين جاءوا بعدهم واجتهدوا في نشر عقائدهم أكثر من الذي نعلمه عن أصحاب الدعوة الأولين، فالذي نعلمه من شئن زردشت وكونفوشيوس أقل من الذي نعلمه عن سولون وسقراط. والذي نعلمه عن موسى، وبوذا أقل مما نعلمه عن أمبرس  Ambrase  وقيصر، ولا نعلم من سيرة عيسى إلا شذرات تتناول شعبًا قليلةً من شُعَبِ حياته المتنوعة والكثيرة، ومن ذا الذي يستطيع أن يكشف لنا الستار عن شئون ثلاثين عامًا هي تمهيد واستعداد للثلاثة أعوام التي لنا علم بها من حياته، إنه بعث ثلث العالم من رقدته، ولعله يحيي أكثر مما أحيا، وحياته المثالية بعيدة عنا مع قربها منا، وإنها تتراوح بين الممكن والمستحيل، بيد أن كثيرًا من صفحاتها لا نعلم عنها شيئًا أبدًا، وما الذي نعلمه عن أم المسيح، وعن حياته في بيته؟ وعيشته العائلية؟ وما الذي نعلمه عن أصحابه الأولين وحوارييه؟ وكيف كان يعاملهم؟ وكيف تدرجت رسالته الروحية في الظهور؟ وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته؟ وكم وكم من السئلة تجيش في نفوسنا، ولن يستطيع أحد أن يجيب عليها إلى يوم القيامة؟!\n_________\n(١) يريد ديانات: بوذا وكونفوشيوس وزرادشت.","vol":"1","page":111},{"text":"أما الإسلام فأمره واضح كله، ليس فيه سر مكتوم عن أحد، لا غُمة ينْبَهِم أمرها على التاريخ. ففي أيدي الناس تاريخه الصحيح، وهم يعلمون من أمر محمد ﷺ كالذي يعلمونه من أمر لوثر وملتن، وإنك لا تجد فيما كتبه عنه المؤرخون الأولون أساطير ولا أوهامًا ولا مستحيلات، وإذا عرض لك طرف من ذلك أمكنك تمييزه عن الحقائق التاريخية الراهنة، فليس لأحد هنا أن يخدع نفسه ولا أن يخدع غيره، والأمر كله واضح وضوح النهار، كأنه الشمس رأد الضحى، يتبين تحت أشعة نورها كل شيء. أهـ.\nهذا كلام كاتب متحامل على الإسلام، لكنه لم يسعه إلا أن يقرر هذه الحقيقة التي كانت وراء محور هذه المحاضرة، إن سيرة محمد ﷺ تاريخية لا ريب في ذلك ولا لبس، وقد ختم المؤلف المحاضرة الثالثة بقوله:\nلقد ألف المسلمون في السيرة النبوية ألوف الكتب بل أكثر من ذلك، ولا يزالون ماضين في التأليف فيها، كل كتاب في السيرة المحمدية - مهما كان - لا ريب أنه أوضح بيانًا وأوثق رواية وأكثر صحة من كل ما كتبه الناس في قصص النبيين وسيرهم - ﵈ -.\nوالكتب الأولى في السيرة المحمدية تلقاها عن أصحابها مئون وآلاف من تلاميذهم، وأتقنوها فهمًا، وأحكموها فقهًا، ولم يتركوا فيها كلمة غامضة ولا عبارة معضلة إلا أوضحوا مبهمها وحلوا معضلها.\nوأول كتاب عندنا في الحديث النبوي كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، وقد سمعه من مؤلفه ستمائة من تلاميذه فيهم الخلفاء والولاة والعلماء والفقهاء والأدباء والزهاد والنساك، والجامع الصحيح لأبي عبد الله بن إسماعيل البخاري تلقاه ستون ألفًا من أهل العلم عن تلميذ واحد من تلاميذه وه الإمام الفِرَبْرِي، فهل في العالم دين احتاط أهله مثل هذا الاحتياط واهتموا مثل هذا الاهتمام بكل ما يتعلق بأمر نبيهم وهدايته؟ وهل ألف في هذا الباب تأليف أكثر صحة وأعظم ثقة وتثبتًا؟ وهل نال مثل هذه الصحة التاريخية دين غيره؟ وهل حفظ التاريخ من تفاصيل حياة نبي من الأنبياء - ﵈ - مثل الذي حفظه من سيرة محمد ﷺ؟.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>(٤)\nشرط الكمال المطلق</span>\nقد يوجد في تاريخ البشرية من سيرتُه تاريخية ولا يعتبر ذلك وحده كافيًا للهداية والاقتداء، بل قد تكون سيرة هؤلاء شرًا وخبثًا، فلابد أن يجتمع مع شرط التاريخية شرط آخر لتصلح السيرة للاقتداء والاهتداء، هذا الشرط هو أن يكون تصرف صاحب السيرة في الصغيرة والكبيرة هو الكمال المطلق، وهذا الذي نجده على الكمال والتمام في سيرة النبي ﷺ وهذا هو محور المحاضرة الرابعة، فلقد أخذ المؤلف يضرب على ذلك الأمثال في الصغيرة والكبيرة من تصرفاته ﷺ قبل النبوة وبعدها في حياته البيتية وغيرها مقيمًا الأدلة على ذلك.\nومن كلامه في هذه المحاضرة:\nإن أعظم الناس وأجلهم إذا انقلب إلى بيته كان فيه رجلًا من الرجال وواحدًا كآحاد الناس، ولقد صدق فولتير في كلمته المشهورة: (إن الرجل لا يكون عظيمًا في داخل بيته، ولا بطلًا في أسرته) يريد أن عظمة المرء لا يعترف بها من هو أقرب الناس إليه، لاطلاعه على دخيلته في مباذله.\nوهذا الحكم يشذ عن الرسول ﷺ فيقول باستور سميث: (إن ما قيل عن العظماء في مباذلهم لا يصح - على الأقل - في محمد رسول الإسلام) واستشهد بقول كين: (لم يمتحن رسول من الرسل أصحابه كما امتحن محمد صلى أصحابه\" إنه قبل أن يتقدم إلى الناس جميعًا، تقدم إلى الذين عرفوه إنسانًا، المعرفة الكاملة، فطلب من زوجته وغلامه وأخيه وأقرب أصدقائه إليه وأحب خلانه أن يؤمنوا به نبيًا مرسلًا، فكل منهم صدق دعواه وآمن بنبوته، وإن حليلة المرء أكثر الناس علمًا بباطن أمره ودخيلة نفسه وألصقهم به، فلا يوجد من هو أعرف منها بنهاته ونقائصه، أليس أول من آمن بمحمد رسول الله زوجه الكريمة التي عاشرته خمسة عشر عامًا، واطلعت على دخائله في جميع أموره وأحاطت به علمًا ومعرفة فلما ادعى النبوة كانت أول من صدقه في نبوته).","vol":"1","page":113},{"text":"إن أعظم الناس لا يأذن لزوجه - وإن كانت له زوج واحدة - بأن تحدث الناس عن جميع ما تراه من تحليلها، وأن تعلن كل ما شاهدته من أحواله. لكن رسول الله كانت له في وقت واحد تسع زوجات، وكانت كل منهن في إذن من الرسول بأن تقول عنه للناس كل ما تراه منه في خلواته، وهُن في حِلٍّ من أن يخبرن الناس في وضح النهار كل ما رأين منه في ظلمة الليل، وأن يتحدثن في الساحات والمجامع بما يشاهدن منه في الحجرات، فهل عرفت الدنيا رجلًا كهذا الرجل يثق بنفسه كل هذه الثقة، ولا يخاف قالة السوء عنه من أحد لأنه أبعد الناس عن السوء.\nإن النبي ﷺ أذن لأصحابه ولمن يحضر مجالسه أن يبلغوا عنه لمن غاب عنها، وهذا الإذن عام لما يكون عنه في بيته وبين أهله وعياله، أو ما يصدر عنه في حلقته مع أصحابه، أو ما يقفون عليه من أعماله وأقواله، عند تعبده في مسجده، أو قيامه على منبره خطيبًا، أو جهاده في ساحة الحرب تجاه أعدائه، وهو يسوِّي صفوف المجاهدين في سبيل الله، أو إذا خلا إلى ربه في حجرة منعزلة في بيته يعبد الله ويتضرع إليه فكان أزواجه وأصحابه يتحدثون جميعًا بكل ما يصدر عنه من قول أو عمل.\nثم إنه كان تجاه مسجده صُفَّة يأوي إليها فقراء الصحابة الذين لم تكن لهم بيوت يأوون إليها، فكانوا يتناوبون الخروج إلى ما بعد بنيان المدينة يحتطبون من أشجار الصحراء والجبل، ويبيعون مايأتون به ليقتاتوا جميعًا بثمنه، ولم يكن لسائرهم عمل غير صحبة النبي ﷺ ولزوم مجالسه ليحفظوا عنه ما يقول وما يعمل ثم يروونه للناس بعناية وأمانة، وقد بلغ عدد أهل الصَفَّة هؤلاء [في بعض الأحوال] سبعين رجلًا، كان منهم أبو هريرة الذي لم يكن صحابي أكثر منه حديثًا عن رسول الله ﷺ وهؤلاء السبعون يسرهم الله لحفظ كل ما يستطيعون حفظه مما يدخل في موضوع الحديث النبوي لا يفترون عن ذلك أناء الليل وأطراف النهار، وقد استمر الحال بهم على ذلك يوميًا، وإذا ارتحل الرسول ﷺ عن المدينة في غزوة أو حج كانوا معه، وكذلك غيرهم من الصحابة، حتى لم تخف عنهم خافية من أمره، ولم يغب عنهم معنى من معاني رسالته، ولما كان فتح مكة كان معه من أصحابه","vol":"1","page":114},{"text":"حوالي عشرة آلاف، ولما سار إلى تبوك كان في معسكره حوالي ثلاثين ألفًا، ولما حج حجة الوداع حج معه تلك السنة حوالي مائة ألف مسلم، ينطبق عليهم عنوان الصحابة، وما منهم إلا من يحرص على الوقوف على شيء من هداية نبيه ﷺ أو أي أمر من أموره فيتحدث عنه، بل هو الذي أمرهم أن يبلغوا عنه ما يسمعون منه أو يرون من تصرفاته، فما ظنكم به بعد ذلك هل يخفى عن التاريخ وجه من وجوه حياته أو ناحية من نواحيها.\nهذا من جهة أصحابه، وأما أعداؤه فإنهم أفرغوا جهدهم، واستنفدوا سعيهم ليقفوا على دخيلة من دخائله وليؤاخذوه بحقيقة يعلمونها عنه فلم يستطع أحد منهم أن يجد له ناحية ضعف ولا ما يندد به وأقصى ما استطاع أعداؤه في كل زمان ومكان أن يقولوه عنه إنه سلَّ سيفه للقتال وأنه كان كثير الزوجات.\nوقد تبين لكم أن حياته الطاهرة هي حياة العصمة من كل نقص، البريئة من كل عيب.\nإن الرسول ﷺ لم يقض حياته كلها بين أحبائه وأصحابه، بل قضى أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث، فكان بين أهلها مشركي قريش، وكان يتعاطى فيهم التجارة، ويعاملهم في أمور الحياة ليل نهار، وهي الحياة اليومية وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء، ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق للمرء فيتبين للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة وإخفار عهد وأكل مال بالباطل، وعقبات من الخديعة والخيانة وتطفيف الكيل وبخس الحقوق وإخلاف الوعد.\nوإن الرسول صلى الله لعيه وسلم اجتاز هذه السبيل الشائكة الوعرة وخلص منها سالمًا نقيًا لم يصبه شيء مما يصيب عامة الناس، حتى لقد دعوه (الأمين) وإن قريشًا بعد بعثته وادعائه النبوة كانوا يودعون عنده ودائعهم وأموالهم لعظيم ثقتهم به، وقد علمتم أنه ﷺ لمَّا هاجر من مكة خلفَ عليها عليًا ليردِّ ما كان لديه من الودائع إلى أهلها. فقريش خالفوه أشد الخلاف في دعوته ولم يتركوا سبيلًا إلى ذلك إلا سلكوه، فقاطعوه وعاندوه وصدوا عن","vol":"1","page":115},{"text":"سبيله، وألقوا عليه سلى جزور وهو يصلي، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم، وسموه ساحرًا ودعوه شاعرًا، وفندوا آراءه وسخفوا حلمه، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على أن يقول شيئًا في أخلاقه، ولا أن يرميه بالخيانة، أو ينسب إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد أو إخفار الذمة أو نقض العهد.\nوإن من ادعى النبوة وقال إن الله يوحي إليه فكأنه ادعى العصمة البراءة من جميع المفاسد ومساوئ الأعمال. ألم يكن يكفي قريشًا في ردهم على الرسول أن يذكروا أمورًا عمل فيها الرسول بغير الحق، وأن يشهدوا عليه بأنه أخلفهم وعدًا أو خانهم في أموالهم أو كذبهم في شيء مما قاله لهم؟ إن قريشًا أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسول، وضحوا بفلذات أكبادهم في قتاله حتى قتل منهم وجرح كثيرون، لكنهم لم يستطيعوا أن يُدنسوا ذيله الطاهر ولا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه. وكانت أحوال الرسول ﷺ وشئونه وهديه ظاهرة لجميع الناس معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه ولم يخف عليهم شيء من أمره.\nثم أفاض المؤلف في ذكر الأعجوبة الهائلة أن يقدم شخص للعالم كل ما يحتاجه هذا العالم، بحيث يزيد سعة وشمولًا ويفوق كمالًا - مع السلامة من النقص - على ما تبنيه الأمم خلال عصور، مما لا نجده في ما وصلنا عن أحد غيره، ألا أنها الرسالة والنبوة.\nويختتم محاضرته بقوله:\nنحن لا نزال نقدم للناس تلك السيرة الكاملة، التي هي لنا سراج وهاج في جميع شئون الحياة البشرية، فكأن السيرة المحمدية مرآة صافية للدنيا كلها، يرى فيها كل إنسان صورته وروحه، ظاهره وباطنه، قوله وعمله، خلقه وأدبه، هديه وسنته، وفي استطاعته أن يصلح أخلاقه ويثقف عوجه بحسب ما يراه في تلك المرآة الصافية.\nلأجل ذلك لا ترى أمة مسلمة تبحث - في خارج دينها وبمنأى عن سيرة نبيها - عن أصول وضوابط تقوم بها اعوجاجها وتثقف منآدها وتصلح زيفها. لأنها في غنى عما هو أجنبي عنها، وعندها في هدي سيرة نبيه ﷺ الميزان القويم والقسطاس المستقيم، الذي تبين","vol":"1","page":116},{"text":"به ما في العلم من خير وشر وتميز به الحق من الباطل.\nوفي الحق إن العالم كله لفي حاجة شديدة إلى سيرة بشر كامل تتخذ من حياته الأسوة العظمى، وليس في الدنيا إنسان كامل يعرف التاريخ سيرته على التفصيل كما يعرف تفاصيل حياة محمد ﷺ خاتم النبيين، فالناس كلهم في أمس الحاجة إلى أن يتخذوا من السيرة المحمدية منهاج حياتهم ففيها الأسوة الطاهرة، وهي الحياة المثالية للناس جميعًا، صلى الله عليه سلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>(٥)\nشرط الشمولية</span>\nقد توجد التاريخية في حياة بعض الناس، وقد يوجد شيء من الكمال في حياة هؤلاء، ولكن أن تكون حياتهم من الخصب والغنى بحيث تسع الناس زمانًا ومكانًا - حيث إن هذا هو المطلوب في سيرة القدوة والهادي - فليس ذلك لأحد إلا لرسول الله ﷺ فقد اجتمع في سيرته التاريخية والكمال في التصرفات، والشمولية، حتى لتسع سيرته الزمان والمكان والأشخاص، بالقدوة والهداية، وهذا هو محور المحاضرة الخامسة.\nيقول المؤلف:\nليس من الممكن أن يكون جميع الداخلين في دين من الأديان من طائفة بشرية واحدة، أو أن يكونوا من شعب إنساني واحد، لأن الدنيا قد قام بنيانها على التنوع في الأعمال والاختلاف في الأفعال، ولولا أن الناس مختلفون في مهنهم ومكاسبهم وأشغالهم ومعايشهم، وهم يتعاونون ويساعد بعضهم بعضًا، لخربت الدنيا.\nولابد للعالم من ملك أو رئيس جمهورية أو وال يتولى أمورهم العامة، وحاكم يحكم بينهم فيما يختلفون فيه. وكذلك لا تخلو الدنيا من رعية يرعى أمورهم رئيس، ومن محكومين يحكم فيهم حاكم، ومن خصوم يقضي بينهم قاض بالعدل، ليسود الأمان ويستتب","vol":"1","page":117},{"text":"السلام. وكذلك الأمم تحتاج إلى أن يكون لها جنود يدافعون عن كيانها، وأن يكون على الجنود ضباط وقادة، وتجد فيهم الفقراء الذين يعانون الشدة والبؤس، كما تجد فيهم الأغنياء من أهل الترف والسرف. وفيهم عباد لله يقومون بطاعته في جوف الليل، وزهاد تحرروا من متع الدنيا وزخرفها، ومجاهدون في سبيل الله يقارعون الباطل ويقيمون الحق في الأرض، وكذلك الدنيا لا تخلو من قادة الأمم وساسة الشعوب وزعماء الأحزاب.\nوعلى شتى الطوائف ومختلف الفرق قام نظام هذه الدنيا، وكل منهم يحتاج في عمله إلى حياة مثالية وأسوة كاملة يقتدي بها ليكون سعيدًا في الحياة. والإسلام دعا جميع هذه الفرق والطوائف والأحزاب لأن يتبعوا سنة محمد ﷺ ويقتفوا آثاره ويسلكوا طريقه.\nومن تتبع ذلك يتبين له أن السيرة المحمدية تكفي جميع شعوب البشر وطوائفهم وفرقهم، إذا اتخذوا منها الأسوة والقدوة، ففيها النور الذي يستضاء به في ظلمات الحياة الاجتماعية وكم من ظلمة حالكة في الحياة! ومن هنا تعلم أن سيرة محمد رسول الله ﷺ جامعة تجد فيها كل طائفة من طوائف البشر المثل الأعلى الذي تقتدي به، والأسوة التي يتأسى بها.\nومن الظاهر الواضح أن حياة المحكوم لا تصلح لأن تكون قدوة لحياة الحاكم، كما أن حياة الحاكم لا تلح لأن تكون قدوة لحياة المحكوم. وكذلك الفقير المعدم لا يتسنى له أن يسير في معيشته على ضوء من حياة الغني المثري\" ومن ثم مست الحاجة إلى أن تكون الحياة المحمدية جامعة يجد فيها الناس كلهم - على اختلاف طوائفهم - الأسوة الكاملة في جميع ألوان الحياة وأطوارها، وإن مثلها كمثل الياقة الجامعة لكل أصناف الزهور والورود بجميع ألوانها، ففيها الأحمر القاني والأبيض الناصع والأخضر الناضر والأصفر الفاقع.\nوفي البشر طوائف مختلفة وفرق شتى تحتاج كلها إلى حياة مثالية تكون نموذجًا لها في حياتها ومعيشتها. ولكل إنسان من هذه الطوائف أعمال وأحوال تتقلب عليه بتقلب الظروف، بين قيام وقعود ومشي وأكل وشرب ونوم ويقظة وضحك وبكاء وارتداء الملابس وخلعها وأخذ وعطاء وتعلم وتعليم، وقد يموت حتف أنفه أو يقتل، ويكون محسنًا لغيره أو محتاجًا لإحسان الآخرين إليه، وقد يكون في عبادة ربه أو في معاملة الناس","vol":"1","page":118},{"text":"ومعاشرتهم، وقد ينزل على غيره ضيفًا أو يستقبل الضيف ويقوم له بحق القِرَى. هذه الأحوال وغيرها تطرأ على الإنسان وتعرض له فيما يتعلق بجسمه وجوارحه فيحتاج في كل حال منها إلى هداية نافعة وأسوة كاملة.\nوأعظم من الأسوة في أعمال الإنسان الظاهرة، الأسوة فيما يتعلق بخطرات القلوب ومجالات الفكر ونزعات العواطف، فنحن نشعر بين كل حين وآخر بنزعات وعواطف تخالج قلوبنا وأفكارنا، فنرضي ونسخط، ونفرح ونحزن وتعترينا السكينة والطمأنينة أو القلق والضجر، وتترتب على هذه الأحوال عواطف مختلفة ونوازع متعددة، وليس الخلق الحسن إلا التعديل بين هذه الأحوال، وإقامة الوزن بالقسط بين العواطف القوية والنوازع الثائرة، ولا يحظى بنصيبه من مكارم الأخلاق إلا الذي يعرف كيف يكبح النفس عند جموحها، ويحسن التصرف فيها وقت ثورتها، ومع ذلك فلابد للإنسان من إمام تكون له فيه الأسوة التامة في هذه الأمور، فيأتم به في قهر هذه القوى الثائرة والعواطف المتوثبة، إلى أن تسكن ثورة نفسه، ويسلك في ذلك مسلك قدوته الأعظم، وهو النبي ﷺ الذي يحمل بين جنبيه قلبًا زكيًا ونفسًا طاهرة وروحًا عالية نزيهة.\nوهكذا المرء في كل خلة من خلال العزيمة والشجاعة والشكر والتوكل والرضا بالقدر والصبر على النوائب والتضحية والقناعة والاستغناء والإيثار والجود والتواضع والمسكنة، وسائر ما يطرأ على البشر في منفسح حياتهم ومدى عيشهم، وما ربما يعتري هذه الخصال في ساعات مختلفة من مضطرب حياة الإنسان، فإنه يحتاج في كل ذلك إلى أسوة وهداية ممن سبق له العمل بذلك، وأنى لنا هذه الأسوة الكاملة والهداية التامة إلا في حياة محمد رسول الله ﷺ.\nإذا كنت غنيًا مثريًا فاقتد بالرسول ﷺ عندما كان تاجرًا يسير بسلعه بين الحجاز والشام، وحين ملك خزائن البحرين.\nوإن كنت فقيرًا معدمًا فلتكن لك أسوة به وهو محصور في شعب أبي طالب، وحين قدم إلى المدينة مهاجرًا إليها من وطنه وهو لا يحمل من حطام الدنيا شيئًا.","vol":"1","page":119},{"text":"وإن كنت ملكًا فاقتد بسنه وأعماله حين ملك أمر العرب، وغلب على آفاقهم، ودان لطاعته عظماؤهم، وذوو أحلامهم، وإن كنت رعية ضعيفًا فلك في رسول الله أسوة حسنة أيام كان محكومًا بمكة في نظام المشركين.\nوإن كنت فاتحًا غالبًا فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوه في بدر وحنين ومكة، وإن كنت منهزمًا - لا قدر الله ذلك - فاعتبر به في يوم أحد وهو بين أصحابه القتلى ورفقائه المثخنين بالجراح.\nوإن كنت معلمًا فانظر إليه وهو يعلم أصحابه في صُفَّة المسجد، وإن كنت تلميذًا متعلمًا فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثيًا مسترشدًا. وإن كنت واعظًا ناصحًا ومرشدًا أمينًا فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد المسجد النبوي.\nوإن أردت أن تقيم الحق وتصدع بالمعروف وأنت لا ناصر لك ولا ميعن فانظر إليه وهو ضعيف بمكة لا ناصر ينصره ولا معين يعينه، ومع ذلك فهو يدعو إلى الحق ويعلن به. وإن هزمت عدوك، وخضدت شوكته، وقهرت عنده، فظهر الحق على يدك، وزهق الباطل، واستتب لك الأمر، فانظر إلى النبي صلى لله عليه وسلم يوم دخل مكة وفتحها.\nوإن أردت أن تصلح أمورك وتقوم على ضياعك فانظر إليه ﷺ وقد ملك ضياع بني النضير وخيبر وفدك كيف دبر أمورها وأصلح شئونها وفوضها إلى من أحسن القيام عليها.\nوإن كنت يتيمًا فانظر إلى فلذة كبد آمنة وزوجها عبد الله وقد توفيا وابنهما صغير رضيع. وإن كنت صغير السن فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية. وإن كنت شابًا فاقرأ سير راعي مكة. وإن كنت تاجرًا مسافرًا بالبضائع فلاحظ شئون سيد القافلة التي قصدت بُصرى.\nوإن كنت قاضيًا أو حكمًا فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوغ الشمس ليضع الحجر الأسود في محله وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرة أخرى وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين الناس بالعدل يستوي عنده منهم الفقير المعدم والغني المثري.","vol":"1","page":120},{"text":"وإن كنت زوجًا فاقرأ السيرة الطاهرة والحياة النزيهة لزوج خديجة وعائشة. وإن كنت أبا لأولاد فتعلم ما كان عليه والد فاطمة الزهراء وجد الحسن والحسين.\nوأيًا من كنت، وفي أي شأن كان شأنك، فإنك مهما أصبحت أو أمسيت وعلى أي حال بت أو أضحيت فلك في حياة محمد ﷺ هداية حسنة وقدوة صالحة تضيء لك بنورها دياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أودك، وتقوِّم بسنته عوجك.\nوإن السيرة الطيبة الجامعة لشتى الأمور هي ملاك الأخلاق وجماع التعاليم لشعوب الأرض وللناس كافة في أطوار الحياة كلها وأحوال الناس على اختلافها وتنوعها، فالسيرة المحمدية نور للمستنير، وهديها نبراس للمستهدي وإرشادها ملجأ لكل مسترشد.\nبمثل هذا البيان تحدث المؤلف عن الشمولية في السيرة النبوية، وقارن في هذه المحاضرة بين حياة محمد ﷺ وحياة غيره من الأنبياء، فأثبت أن سيرة غير سيرته لم يثقل لنا منها مثل هذه الشمولية، ومن ثم كلف الله ﷿ الإنسانية جميعًا - وإلى قيام الساعة - أن تقتدي به، وبيّن أن الاقتداء بغيره ليس كافيًا، عدا عن كونه لا يمثل التكليف الإلهي بعد بعثته - ﵊ -.\nوقدّم في جملة ما قدّم براهين على شمولية سيرته ﷺ أن دعوته منذ نشأتها كانت موجهة لكل الناس، ودخل فيها كل الناس، وكل الأصناف، وظهرت في أتباعه جميع الطبقات، وكلهم سواء كانوا سياسيين أو عسكريين أو زهادًا أو عبادًا أو علماء مربين وسعتهم سيرته وكان لهم القدوة الكاملة.\nوكما أنه في المحاضرة السابقة استطرد ليبعث على الإيمان بمحمد ﷺ ويستجلب التصديق، فههنا كذلك استطرد ليعمق الإيمان، فضرب الأمثلة على الانقلاب الهائل الذي حدث في حياة أصحاب رسول الله ﷺ فأصبحوا أكمل الخلق في كل شيء، كما تحملوا في سبيل هذه الدعوة ما لا يتحمله إل أصحاب الدعوات الربانية، وذلك وحده علامة من علامات الرسالة.","vol":"1","page":121},{"text":"وختم هذه المحاضرة بقوله:\nلقد بينت لكم في هذه المحاضرة ما كان في الرسول الأعظم ﷺ من خلالٍ جامعة. وقد أشرت إلى مظاهرها العديدة ونواحيها المختلفة، وإخالكم قد ألفتم مما درستم في طبيعة الكون من ألوان مختلفة، وما عرفتم في طبائع البشر من مواهب شتى وهذه الدنيا ليست إلا مظهرًا من مظاهر الحياة متنوعة الألوان - أن العالم لا يمكن أن تكون هدايته إلا بالمصلح الأخير للدنيا وهو خاتم رسل الله محمد ﷺ الذي اجتمعت فيه خلال الإرشاد كلها وخصال الإصلاح للنوع البشري بأجمعه، ولذلك قال له الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) فوجه الرسول ﷺ الدعوة إلى كل من يدعي محبة الله بأن يتبعه ويطيع أمره، ونادى الملوك في ممالكهم، والرعاع في شوارعهم، والمعلمين في مدارسهم، والتلاميذ في فصولهم، والفقراء في أكواخهم، والأغنياء في قصورهم، كما دعا المظلومين والمقهورين والمخذولين، بل أهاب بالعالم كله أن يتبعوا سبيله ويقتفوا أثره، لأن سيرته الشريفة هي المثل الأعلى، وفيها الأسوة الكاملة لكل من يحب الخير ويبتغي الصلح لنفسه.\nاللهم صل وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>(٦)\nواقعية السيرة المحمدية</span>\nوبعد أن أثبت تاريخية السيرة المحمدية وكمالها وشمولها، خشي أن يفهم فاهم أن هذه السيرة غير عملية أو غير واقعية أو غير ممكنة التطبيق فكانت المحاضرة السادسة في ذلك: فأثبت واقعيتها من خلال نقطتين، الأولى: أن رسول الله ما كان يأمر بشيء إلا فعله. الثانية: أنه ارتفع بأصحابه إلى تطبيق ما دعا إليه، فسيرته قائمة على التطبيق العملي في حياة\n_________\n(١) آل عمران: ٣١.","vol":"1","page":122},{"text":"القدوة، وفي حياة الجيل الذي رباه، والذي كان خيرًا على العالم لا يمكن أن يكون إلا عمليًا وواقعيًا وقابلًا للتطبيق، هذا مع الكمال والشمول والنقل التاريخي التفصيلي، إن ذلك لم يجتمع لأحد إلا لرسول الله ﷺ وذلك دليل من أدلة رسالته، وذلك يجعله القدوة الأولى لهذا العالم.\nاستعرض في هذه المحاضرة أعظم التكليفات الإسلامية وبرهن أنه ﵊ كان أكثر خلق الله التزامًا بها، وأعظمهم تطبيقًا لها، سواء في ذلك الأذكار والدعوات أو الصلوات والإنفاق أو الصوم والجهاد.\nكما استعرض كل الأخلاق التي استقر في ضمير البشرية تقديسها وتعظيم أهلها، من ثبات على الدعوة، إلى الرحمة والعفو، إلى العدل والحزم، إلى التوكل والصبر، إلى الرضا بالقضاء والتسليم لله في المحنة إلى الشجاعة والنجدة، إلى غير ذلك من أخلاق عظيمة وكيف أن رسول الله كان أكمل خلق الله فيها.\nهذا مع القدرة والاقتدار، فلم يكن حليمًا لأنه لا يستطيع إلا الحلم، بل كان حليمًا وهو قادر على البطش. ولم يكن رحيمًا وهو عاجز عن العقوبة، بل كان قادرًا على الاستئصال.\nوكما كان في نفسه كذلك فإنه كان يحمل أصحبه وأهله على ذلك، حتى سمَا بهم هذا السمو الذي لم يعرف في تاريخ البشرية إلا لمامًا.\nلقد تحدث المؤلف عن هذه الموضوعات فأطنب، وضرب كثير الأمثال حتى استوعب وأقام الحجة واستخرج من القلوب كوامن الفطرة، داعيًا إياها إلى الإيمان بمحمد ﷺ فكان معلمًا وداعية وواعظًا في محاضرته بآن واحد.\nوهكذا من خلال تطبيق رسول الله ﷺ لما دعا إليه، ومن خلال ارتقاء الجيل الذي رباه للتطبيق العملي رجالًا ونساء وأطفالًا وشيوخًا وحاكمين ومحكومين ومحاربين ومسالمين، أثبت المؤلف العملية والواقعية وإمكانية التطبيق في الرسالة المحمدية.\n* * *","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>(٧)\nعالمية السيرة المحمدية</span>\nبعد أن أقام المؤلف الحجة على أن سيرة محمد ﷺ هي السيرة المثلى التي لا يوجد في غيرها ما يوجد فيها، بيَّن في المحاضرة السابعة أن هذه السيرة وهذه الرسالة تُطالب بها الأمم جميعها، تطالب بالاهتداء بها والاقتداء بصاحبها، فهي رسالة للجميع ويطالب بها الجميع، ولا نجاة لأحد ولا فلح لإنسان إلا باتباعها، وقد سلك لإقامة الحجة في هذا مسالك شتى.\nتحدث عن التوقيت في حياة الرسل، وتحدث عن التخصيص في حياة الرسل، فكل رسول قبل محمد ﷺ كان لزمان، والدليل على ذلك ضياع هديهم، وكل رسول بعث لقومه خاصة والدليل على ذلك موجود في كتبهم، أما محمد ﷺ فقد بَشَّر به من سبقه، وهذه نصوص دعوته محفوظة، وقد دعا كل الأقوام، وأتى على كل ذلك بالأدلة الكثيرة.\nثم سلك في إقامة الحجة مسلكًا آخر، فذكر أن الدين الذي يحتاجه كل إنسان هو ما اجتمع في تفصيل في قضايا الإيمان والعبادة والمعاملات والآداب والأخلاق، ويدخل في المعاملات القوانين والمبادئ الدستورية، ويدخل في الأخلاق والآداب: أخلاق النفس وآداب السلوك وآداب التعامل الاجتماعي.\nثم تحدث عن أن هذه الأمور لا تجد تفصيلاتها إلا في الإسلام، ومع هذا فإن كل جزء منها معقول المعنى صحيح المضمون ممكن الفهم والتطبيق، أما الأديان الأخرى - كما هي عليه منذ الدعوة المحمدية - فلا تجد فيها شيئا صمن ذلك، فكم من خرافات في شأن الربوبية عند الأديان القائلة بها، وكم من أباطيل في التصورات، ثم إنك لا تجد أي تفصيل لقضية العبادات في أي من الكتب الدينية المنقولة إلينا، وفي المعاملات لا تجد تفصيلًا، وإذا وجدت تفصيلًا ففي الغالب يرافق التطبيق حرج، وأكثر الأخلاق التي فصلتها كتب الأديان أخلاق سلبية بعضها جيد تجده في الإسلام وبعضها تفنى به الحياة، لكن الإسلام كما فصل في الرذائل فصل في الفضائل، كبيرها وصغيرها.\nوبعد جولة موفقة في هذه الأمور كلها، قال:","vol":"1","page":124},{"text":"والذي يعنينا الآن من هذا الكلام على الرسالة المحمدية ناحية الكمال فيها، وإتمامه ما كان ناقصًا في الديانات السابقة مما يرجع إلى العقائد والأعمال، فأصلحت ما كان من قبل فاسدًا، وردَّت البدع الطارئة، وقمعت المفاسد العظيمة الفاشية التي شَوَّهَتْ وجه الإنسانية، وكانت بابًا لكل شر، وأصلًا لكل فسادن وبذلك سدت في أصول الدين جميع الثلمات التي تسربت منها المفاسد، التي كانت سببًا في انحطاط الإنسانية عن مستواها الكريم.\nثم سلك في إقامة الحجة على عالمية الإسلام، وأنه التكليف الوحيد للإنسان، وأن أي إنسان لا يكون منسجمًا مع فطرته وعقله إلا باتباعه الإسلام، عدة مسالك يطول شرحها ثم سلك في إقامة الحجة في ذلك مسلكًا آخر، هو مسلك التركيز على جوانب بعينها من الرسالة المحمدية تقوم بها الحجة على كل مخلوق.\nفتحدث عن التوحيد، وكيف أن الإسلام بواسطته نقل الإنسان من كونه أحط المخلوقات بسبب الشرك إلى أن أصبح سيد الوجود بسبب التوحيد، ثم تحدث عن نظرة الإسلام إلى الإنسان، وكيف أن فطرته بريئة في الأصل، بل كيف أن تكاليف الإسلام هي الفطرة، فالفطرة والدين توأمان بل متطابقان، وأن لإنسان ليس مسؤولًا إلا عن عمله ولا يتحمل وزر من تقدمه أو سبقه أو ولده، أين هذا من الأديان القائلة بالتناسخ، والتي تجعل الإنسان الحالي أثرًا عن مل من تقدمه؟ أين ذلك من الأديان التي تجعل الأصل في الإنسان الشر، وتجعله مسؤولًا عن خطيئة أبيه، وتنطلق في التكليف من مبدأ التناقض مع الفطرة؟\nإن هذه المعاني وحدها كافية لإقناع المنصف أن الإسلام هو دين الله، وأنه الدين الحق، وأنه ليس أمام الإنسان إلا طريق وحيد هو الإيمان به، والالتزام بتعاليمه، فهو تكليف الله إلى كل الأمم، وقد جعل الله فيه من مشرقات البراهين ما لا يسع المنصف إلا التسليم به.\nثم سلك المؤلف مسلكًا آخر للتدليل على عالمية الإسلام، وأن البشرية مطالبة به، ذلك أن الإسلام هو الذي طالب بالإيمان برسل الله جميعًا، فطالب بالإيمان بهم وعدم التفريق فيما","vol":"1","page":125},{"text":"بينهم وصحح النظرة إليهم، فالغلاة من أتباعهم أرجعهم إلى القصد، والمنتقصون لأقدارهم أرجعهم إلى الرشد.\nبهذا وأمثاله وبمسالك متعددة أقام المؤلف الحجة على عالمية الإسلام، وأنه لكل الأمم، وأن على الأمم جميعًا أن تؤمن به، وأن تقتدي بسيرة رسوله ﷺ وأن تهتدي بهداه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>(٨)\nحقية الرسالة المحمدية وأياديها على البشرية</span>\nوبعد أن برهن المؤلف على أن الرسالة المحمدية لكل الأمم، وأن على جميع الشعوب والأفراد أن يدخلوا فيها، ختم محاضراته بالمحاضرة الثامنة التي تحدث فيها عن حقية هذه الرسالة، وعن حقية مضموناتها، وعن بعض أياديها على البشرية، وعن احتياجات البشرية حالًا واستقبالًا لها.\nتحدث عن مظاهر متعددة من انحراف البشر قديمًا وحديثًا، وكيف أن الرسالة المحمدية صححت، وأنها وحدها أعطت الحلِّ الصحيح والجواب لمشكلات البشرية ولتساؤلاتها.\nتحدث بالنسبة للذات الإلهية عما وقعت فيه البشرية من تشبيه وتمثيل، وكيف أن الإسلام صحح ذلك.\nوأن نظريات الخير والشر وفلسفة الخير والشر وأسباب الخير والشر، كل ذلك قد وجدت فيه أخطاء، وجاء الإسلام فصحح ذلك.\nوأن فكرة تعذيب الأجسام أصبحت جزءًا من كل الديانات، فجاء الإسلام وحسم ذلك.\nوأن فكرة الانتحار تضحية لله في زعمهم أو فرارًا من ألم كانت ولا زالت جزءًا من تفكير","vol":"1","page":126},{"text":"الإنسان، وجاء الإسلام فأبطل ذلك وحرمه.\nوأن فكرة قتل الأولاد أو وأد البنات أو حرق المرأة نفسها بعد وفاة زوجها كانت في بعض الأديان، ولا زالت في بعضها بصور شتى، وجاء الإسلام فحرم ذلك وأبطله.\nومن أكبر الجرائم التي اقترفتها الأمم ولا تزال باقية في بلاد لم تبلغها دعوة الإسلام ولم تشرق أنواره في أرضها، أنهم جعلوا ثراء المال ونقاء الدم وشرف النسب وكرم المحتد ولون البشرة أساس الكرامة ورأس ما يتفاضلون به ويتفاخرون، فجاء الإسلام بأسس جديدة هي وحدها الأسس الحميدة في تقويم الإنسان.\nوكانت حياة الرقيق والمستعبدين والأسرى لا تطاق، فجاء الإسلام برحمته الشاملة، ففتح الباب لتحرير الرقيق، ووضع الأساس لحسن التعامل مع الأسير.\nولقد وجد من فرَّق بين الدين والدنيا، وجاء الإسلام فألغى هذا التناقض، ولقد جاء الإسلام وفي العالم رهبانية وعزلة رهيبة عن الحياة فوضع الأمور مواضعها، فهناك واجبات حياتية لا يسع أحدًا أن يفرط فيها.\nوفي شأن المرأة كانت ولا زالت أخطاء، وفي شأن الأسرة كانت ولا زالت أخطاء، وفي شأن السلم والحرب، وفي شأن الحياة الاقتصادية كانت ولا زالت أخطاء، وفي علاقات الشعوب مع بعضها البعض، وفي نظرة الإنسان إلى الإنسان، جاء الإسلام مصححًا وموجهًا ومعلمً ومربيًا وقاطعًا الطريق على الانحراف.\nكل ذلك بعض أيادي الإسلام على البشرية، وكل ذلك وغيره تحتاجه البشرية بلا استثناء، وكل ما في الإسلام حق وعدل.\nفيا شعوب هذا العالم ويا أبناءه ليس أمامكم إلا الإسلام فآمنوا به والتزموا هديه.\nوقد عرض المؤلف هذه المعاني كلها أجمل عرض وأقواه وضرب له من الأمثلة ما يشفي ويغني.\nوقد ترددت كثيرًا أن أجعل هذا التلخيص جزءًا من هذه المقدمة لطوله، ولكن غلبني أسره فأثبته.\n* * *","vol":"1","page":127},{"text":"وعلى كل حال فقد عرفنا من هذه المحاضرات القيمة الكبرى لدراسة كل ما له علاقة بالرسالة المحمدية، وعرفنا أن السيرة النبوية لا تعني فقط أن ندرس بعض أحداث هذه السيرة تاريخيًا، وقد أصاب الشيخ محمد الغزالي عندما ختم كتابه (فقه السيرة) بهذه الكلمات:\nقد تظن أنك درست حياة محمد ﷺ إذا تابعت تاريخه من المولد إلى الوفاة، وهذا خطأ بالغ، إنك لن تفقه السيرة حقًا إلا إذا درست القرآن الكريم والسنة المطهرة. وبقدر ما تنال من ذلك تكون صلتك بنبي الإسلام ﷺ. أهـ.\n* * *\nولقد صحح ما نقلناه عن الشيخ سليمان الندوي بعض المفاهيم والأغلاط ورسَّخ بعض المعاني، وقد آن الأوان لنكمل أغراض هذه المقدمة في التصحيح والترسيخ فأقول:\nالسيرة في الاصطلاح هي التأريخ لحياته - ﵊ - كما جرت عليه عادة كتاب السيرة. فالسيرة من هذه الحيثية يدخل فيها جزء من أفعاله وأقواله وتاريخه ﷺ وفي السيرة بالمعنى الاصطلاحي يقع بعض الناس في أغلاط.\nمن هذه الأغلاط أن بعضهم يعتبر السيرة النبوية بالمعنى الاصطلاحي وكأنها المصدر التشريعي الوحيد الذي تستخرج منه الأحكام، وبعضهم يستخرجون من السيرة قواعد وعموميات ويحاولون تطبيقها على جزئيات حياتية قد تدخل فيها وقد لا تدخل، وأحيانًا يفرضون على الأمة ألا تخرج على ما يستنبطون، ويحرمون على الأمة ألا تسير على ما يستخرجون، وهناك ناس يعتبرون أفعال رسول الله ﷺ كلها على حد سواء في فرضية الاقتداء، وهناك ناس يعطون أنفسهم حق التمييز بين أفعال الرسول ﷺ فهذا سنة وهذا مباح، وهذا فعَله بحكم رئاسته للدولة، وهذا فعله بحكم أنه مشرع للأمة، يعطون أنفسهم هذا الحق وهم ليسوا مؤهلين لذلك، وهذا كله يستدعي توضيحًا.\nإن أفعال الرسول ﷺ كلها جزء من سنته، وسنته هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، ومصادر التشريع الأصلية أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. أما المصادر","vol":"1","page":128},{"text":"الفرعية فمتعددة وهي محلُّ خلاف بين المذاهب الأربعة، ومنها: الاستحسان والاستصحاب والاستصلاح .. إلخ.\nوالمسلمون بمجموعهم مكلفون أن يسيروا على ضوء حكم الله في الواقعة التي تواجههم، والمسلم مكلف بالسير على ضوء حكم الله في الواقعة التي تواجهه، وحكم الله يؤخذ من المصادر الأصلية والفرعية، وتطرأ عليه طوارئ بسبب من ظروف خاصة زمانًا أو مكانًا أو شخصًا، فما دام المسلم ملتزمًا بحكم الله وبالفتوى المبصرة من أهلها فهو على إسلام، وهو على سنة، وهو مقتد برسول الله ﷺ ويدخل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) وهكذا لا تقيد الأمة الإسلامية ولا الفرد المسلم إلا بهذا القيد، وهو الفتوى البصيرة من أهلها.\nفإذا اتضح هذا نقول: إن من مصادر التشريع - التي تبني عليها الفتوى - السنة، وأفعال الرسول جزء من السنة النبوية وسيرته من أفعاله، وللأصوليين مباحث بخصوص هذا الشأن منها: هل إذا فعل رسول الله ﷺ فعلًا فذلك يفيد الوجوب إلا إذا وجدت قرينة، أم أنه لا يفيد الوجوب إلا إذا وجدت قرينة؟ هناك وجهتا نظر.\nقال أبو حامد الغزالي في (المنخول):\nوالمختار عندنا وهو مذهب الشافعي - ﵁ - أنه إن اقترن به قرينة الوجوب كقوله ﷺ: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" فهو للوجوب. وإن لم يقترن نظر، فإن وقع من جملة الأفعال المعتادة، من أكل، وشرب، وقيام وقعود، واتكاء، واضطجاع، فلا حكم له أصلًا. وظن بعض المحدثين أن التشبه به في كل أفعاله سنة، وهو غلط؛ وإن تردد بين الوجوب والندب، فإن اقترنت به قرينة القربة فهو محمول على الندب، لأنه أقل، والوجوب متوقف فيه. وإن تردد بين القربة والإباحة، فيتلقى منه رفع الحرج، وليس هذا متلقى من صيغة الفعل، إذ الفعل لا صيغة له، ومستنده مسلك الصحابة فإنا نعلم أن الممنوع من فعل فيما بينهم، لو نقل عن الرسول ﷺ فعله لفهموا منه رفع الحرج.\n_________\n(١) الأحزاب: ٢١.","vol":"1","page":129},{"text":"وأما الإباحة فلا نتلقاه، فإنه حكم يقتضي التخيير مع تساوي الطرفين، وهو يناقض الندب، والفعل متردد بينه وبين رفع الحرج، فأقل الدرجات رفع الحرج.\nفإن تمسك أبو حنيفة - ﵀ - بإجماع الأمة على كون النبي - ﵇ - أسوة وقدوة ومطاعًا، وشرطه الاقتداء به في كل ما يأتي ويذر.\nقلنا: معناه أن أمره ممتثل، كما يقال: الأمير مطاع في قومه، ولا يراد به أنهم يتربعون إذا تربع، أو ينامون إذا نام.\nفإن تمسك بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) فكل ذلك محمول على الأمر، وهو الذي أتانا به دون الفعل.\nوهل الأصل فيما لم يفعله الرسول ﷺ الحرمة أو الإباحة؟ الذي عليه جماهير الأمة سلفًا وخلفًا أن الأصل في الأشياء الإباحة، ومن هنا ندرك خطأ الذين يقولون: هات الدليل على أن هذا الشيء فعله رسول الله ﷺ لكي يعتبر جائزًا، الصواب أن يقال: هات الدليل على أن الرسول ﷺ حرّمه، فشيء لم يفعله ولم يأمر به ولم ينه عنه فالأصل فيه الجواز.\nإذا اتضحت هذه المعاني فإننا نستطيع أن ندرك كثيرًا من الأخطاء، خطأ الذين يحرمون شيئًا لأن رسول الله ﷺ لم يفعله، وخطأ الذين يعتبرون أن مجرد فعل الرسول ﷺ يفيد الفرضية.\nلقد وجد ناس قرأوا السيرة فاستخرجوا منها أن المنحى العام لرسول الله ﷺ في إقامة الدولة الإسلامية كان على طريقة معينة: دعوة دون قتال مع طلب النصرة ثم هجرة ثم ...، وبناء عليه فن الأمة الإسلامية يفترض عليها أن تسير على نفس المنحى، مع أن الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية تختلف، والأحكام قد اكتملت ولم يعد النسخ في الشريعة متصورًا، والعبرة لآخر ما استقر عليه التشريع، ومن ثم فالمسلم مكلف في ما\n_________\n(١) الحشر: ٧.\n(٢) النور: ٦٣.\n(٣) آل عمران: ٣١.","vol":"1","page":130},{"text":"يواجهه أن يبحث عن حكم الله، والأمة الإسلامية مقيدة في سيرها بحكم الله، فقد يكون حكم الله القتال ابتداء، وقد يكون غير ذلك.\nوأفعال الرسول ﷺ منها ما يفيد الإباحة، ومنها ما يفيد السنية، ومنها ما يفيد الوجوب، والقرائن هي التي تحدد، وحتى أوامره ونواهيه ﷺ للقرائن دخل في فهم الوجوب أو الحرمة منها، وفهم هذه القضية بالمكان الأعلى من فقه الحركة، صحيح أن من قلد رسول الله ﷺ في أفعاله غير المنسوخة فهو مأجور في كل حال، ولكن هذا شيء وادعاء الفرضية أو الحرمة شيء آخر.\nولاشك أن بعض أفعال رسول الله ﷺ ينطبق عليه وصف السياسة الشرعية، وبالتالي فبعض أفعاله جزء من السياسة اليومية التي كان يفعلها رسول الله ﷺ بحكم إدارته لشؤون المسلمين.\nولكن هل كل أحد مرشح لأن يقول عن أفعال رسول الله ﷺ إن هذا يفيد السنية، وهذا يفيد الوجوب؟ وهل كل إنسان مرشح لأن يقول: هذا من السياسة اليومية وهذا من التشريع الدائم؟\nإن هناك معلومات من الدين بالضرورة يستوي في معرفتها والفتوى بها العام والخاص ولكن ما سوى ذلك من أمور مشتبهات لا يستطيعها إلا مجتهد استشرف نصوص الكتاب والسنة واستوعب الكليات والجزئيات، أمثال هؤلاء هم المرشحون للبيان قال - ﵊ - في الحدث الصحيح: \"وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس\" وإذن فهناك م يعلمها وهم الأئمة المجتهدون، ولخطورة أن يتكلم في هذا الموضوع أحد لم يصل إلى رتبة الاجتهاد، حكم الأئمة على من يتصدر للاجتهاد وليس أهلًا له بأنه ضال مُضِل، لأنه في هذه الحالة يجعل الحرام حلالًا، والواجب مباحًا، أو المباح حرامًا، أو يعطل لنصوص بحجة أنها مؤقتة بوقت، أو كانت مرحلية، إلى غير ذلك من أقوال إن لم تكن صادقة فهي الضلال عينه.\n* * *\nوإلى الباب الأول من قسم السيرة النبوية.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الباب الأول\nمن\nسيرته ﷺ\nوهو\nمن البدء حتى النبوة الشريفة</span>","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>هذه المرحلة في سطور</span>\n* لم نقصد بكلمة (البدء) الميلاد، وإنما أردنا في هذا الباب أن نذكر بعض النصوص التي تعتبر معالم كبرى متعلقة به ﷺ قبل النبوة، سواء كانت قبل الميلاد أو بعده.\n* أخذ الله على الرسل جميعًا أن يؤمنوا بمحمد ﷺ إذا بعث وهم أحياء، وقد بشر به الرسل أقوامهم، ولا زالت في بقايا الوحي آثار كثيرة تبشر به ﷺ ففي كتب الهند الدينية، وفي كتب الفرس الدينية، وفي العهدين القديم والجديد، كثير من البشارات به، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا (الرسول ﷺ) وهو مع ذلك كله من ذرية إبراهيم عن طريق إسماعيل - ﵉ -.\n* ظهرت إرهاصات كثيرة تبشر ببعثته، وظهرت علامات تمهد لاستقبال الوحي.\n* ولد من أبوين قرشيين، يعتبران أكرم خلق الله نسبًا، هما: عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب الزهرية.\n* ولد عام الفيل، ونبئ على رأس الأربعين، توفي أبوه في المدينة المنورة وأمه حامل به - على القول الراجح -، ومن حواضنه: بركة أم أيمن، ومن مراضعه: ثويبة مولاة أبي لهب، وحليمة السعدية.\n* بقي في حضانة حليمة السعدية حتى السنة السادسة من عمره - في رواية - ثم أعادته إلى أمه بعد حادثة شق الصدر، وفي نفس السنة ذهبت أمه إلى المدينة المنورة لزيارة قبر زوجها، وفي العودة توفيت ودفنت بالأبواء بين مكة والمدينة.\n* وفي أوائل السنة التاسعة من عمره توفي كافله ومربيه: جده عبد المطلب، بعد أن عهد إلى ابنه أبي طالب بكفالته.\n* وفي أوائل السنة الثالثة عشرة من عمره خرج به أبو طالب إلى الشام، وأرجعه من الطريق بناء على وصية بَحِيرا الراهب.\n* وفي السنة العشرين من عمره - على قول - حضر حرب الفجار التي كانت بين قومه","vol":"1","page":135},{"text":"وكتانة وبين قيس، وكان يجهز فيها النبل لأعمامه.\n* وشارك بعد حرب الفجار في حلف الفضول في دار ابن جدعان، وهذا الحلف من مكارم قريش الكبرى، إذ كان حلفًا على نصرة المظلوم.\n* وقد رعى أثناء هذه المرحلة الغنم، وكان لا يألو جهدًا في العمل.\n* وأخيرًا أجر نفسه لخديجة، فذهب هو وغلامه ميسرة إلى الشام في تجارة لها، وتمخضت العلاقة التجارية عن زواج رسول الله ﷺ بها وهو ابن خمس وعشرين سنة وهي بنت أربعين، وولدت له جميع أولاده وبناته، ما عدا إبراهيم ﵇.\n* ووالى العمل التجاري بعد ذلك، وكان له في مرحة من المراحل شريك هو السائب ابن أبي السائب.\n* وشارك وهو في سن الخامسة والثلاثين في بناء الكعبة، وحكّمته قريش فيمن يضع الحجر الأسود.\n* وغلبت عليه العبادة في أخريات هذه المرحلة، وأصبحت رؤياه كفلق الصبح، ورأى خلال هذه المرحلة نورًا، وسمع صوتًا، وكلمته بعض الجمادات، وحدث له في صغره حادثة شق الصدر، ثم تكررت.\n* ولم يشارك طوال حيته في أعمال الجاهلية، ولا في عبادات أهلها، وكان قومه يطلقون عليه لقب الأمين.\n* تبنى زيد بن حارثة بعد أن أعتقه على إثر إيثار زيد له ﷺ على أهله، وبقائه معه.\n* وكانت له صداقاته القليلة، وعلاقاته النظيفة، وسمعته الطاهرة، واجتمع له الفقر والعمل مع مكارم الأخلاق كلها.\n* كفل في أخريات هذه المرحلة عليّ بن أبي طالب، ليخفف عن عمه أبي طالب.","vol":"1","page":136},{"text":"* وصفته خديجة بعد النبوة - ملخصة صفاته قبل النبوة بما معناه - بأنه: يحمل المنقطع، ويقري الضيف، ويغيث الملهوف، ويعين على نوائب الحق، مستدلة بهذه الصفات على السلامة من الآفات، ومثبتة له على أمر النبوة.\n* * *","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>فَصْلٌ: في فضل النَّسَبِ وفي فضل الجيل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>نسب الرسول ﷺ:</span>\n* ذكر البخاري (١) نسب رسول الله ﷺ فقال: (هو ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان).\nأقول: ثم يصل نسبه إلى إبراهيم - ﵇ - ويرى بعض النسابين أن بين عدنان وإبراهيم أربعين جدًا لرسول الله ﷺ، فهو من أبناء إسماعيل بن إبراهيم - ﵉ - ثم بعد ذلك يدخل في ينسب إبراهيم الذي تلمع فيه نبوات ورسالات كبرى إلى آدم - عليه السام - وإنما اتصل نسب إبراهيم - ﵇ - بالعرب من خلال ابنه إسماعيل، حيث أسكنه وأمه بوادٍ غير ذي زرع في مكة المكرمة، كما هو معلوم من القرآن والسنة الصحيحة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>اصطفاء نبينا من خير بني آدم ومن خير الأجيال </span>(٢):\n١ - * روى مسلم عن واثلة بن الأسقع - ﵁ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله اصطفى كنانة من ولدِ إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم\".\n٢ - * روى الترمذي عن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - قال: قلت:\n_________\n(١) ذكر رَزِينّ أنه عن ابن عباس.\n(٢) لهذه الفقرة تعلق بفصل النسب من حيث شرفه ﷺ.\n١ - مسلم (٤/ ١٧٨٢) ٤٣ - كتاب الفضائل - ١ - فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.\nوالترمذي (٥/ ٥٨٣) ٥٠ - كتاب المناقب - ١ - باب في فضل النبي ﷺ. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n٢ - الترمذي (٥/ ٥٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ١ - باب في فضل النبي ﷺ. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. كبوة: الكبوة ههنا محل تجمع الغبار والطمي.","vol":"1","page":138},{"text":"يا رسول الله إن قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض فقال ﷺ: \"إن الله خلق الخلق، فجعلني من خيرهم من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوتَ، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا\".\n٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: \"بُعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه\".\n٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس - ﵄ - في تفسير قوله تعالى: قال: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (١) \"من صلب نبي إلى صلب نبي حتى صرت نبيًا\".\nوقد علق الدكتور البوطي على ما ورد بخصوص نسبه الشريف ﷺ بقوله: فيما أوضحناه من نسبه الشريف ﷺ، دلالة واضحة على أن الله - ﷾ - ميَّزَ العرب على سائر الناس، وفضل قريشًا على سائر القبائل الأخرى.\nواعلم أن مقتضى محبة رسول الله ﷺ، محبة القوم الذين ظهر فيهم والقبيلة التي ولد فيها، لا من حيث الأفراد ... بل من حيث الحقيقة المجردة، ذلك لأن الحقيقة العربية القرشية، قد شرف كل منها - ولا ريب - بانتساب رسول الله ﷺ إليها.\nولا ينافي ذلك ما قد يلحق من سوء بكل من قد انحرف من العرب أو القرشيين، عن صراط الله - ﷿ - وانحط عن مستوى الكرامة الإسلامي التي اختارها الله لعباده، لأن هذا الانحراف أو الانحطاط من شأنه أن يودي بما كان من نسبة بينه وبين رسول الله صلى الله لعيه وسلم ويلغيها من الاعتبار.\n_________\n٣ - البخاري (٦/ ٥٦٦) ٦١ - كتاب المناقب - ٣٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nالقرون: جمع قرن، وهو الأمة في عصر من الأعصار، كلما انقضى عصر سمي أهله قرنًا، سواء طال أو قصر.\n٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٨٦) وقال: رواه البزار والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح، غير شبيب بن بشر، وهو ثقة.\n(١) الشعراء: ٢١٦.","vol":"1","page":139},{"text":"أقول:\nوفي الحديث قبل الأخير ما يفيد أن إيجابيات بعض النفوس البشرية في عصره كانت أرقى منها في أي عصر مضى أو سيأتي بعده، ومن عرف خصائص جيل الصحابة أدرك أنه جيل فريد لم يوجد مثله ولن يوجد جيل في مستواه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>تزكية الله لنبيه ﷺ وللصحابة </span>(١):\n٥ - * روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله نظر في قُلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوبِ العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالاته، ثم نظر في قولب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه. يقاتلون عن دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>فائدة:</span>\nهذا الحديث أصل من الأصول التي يستدل بها على حجية الإجماع. وفيه تعليل لاختيار الله محمدًا ﷺ. كما أن فيه تعليلًا لفضل الصحابة على غيرهم، ولفضل جيلهم على الأجيال. ومن الحديث تعرف سر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) فقلب من نوع معين هو الذي يستأهل أن يتلقى الوحي ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٣).\n* * *\n_________\n(١) تعلق هذه الفقرة بعنوان الفصل من حيث إنها حديث عن كرامة الجيل الذي وجد فيه رسول الله ﷺ.\n٥ - أحمد في مسنده (١/ ٣٧٩). وذكر البزار جزءًا منه، راجع: كشف الأستار (٢/ ١٦٤) كتاب علامات النبوة - باب في منزلته ﷺ. ورواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله موثقون، راجع: مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٢) - كتاب علامات النبوة - باب عظم قدره ﷺ.\n(٢) الأنعام: ١٧٤.\n(٣) الشعراء: ١٩٣، ١٩٤.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>[هاجر] جدة رسولنا - عليهما الصلاة والسلام </span>- (١):\n٦ - * روى البخار يعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: \"لم يكذبْ إبراهيم النبي - ﵇ - قط، إلا ثلاث كذباتٍ، ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٢)، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٣). وواحدة في شن سارة، فإنه قدم أرض جبارٍ ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار، إن يعلم أنك امرأتي، يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك.\nفلما دخل أرضهُ رآها بعض أهل الجبار، أتاهُ فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها. فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة.\nفلما دخلتْ عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضتْ يدهُ قبضةً شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك. ففعلتْ، فعاد، فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله أن لا أضرك، ففعلتْ، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتيتني\n_________\n(١) تعلق هذه الفقرة بفصل النسب واضح لأن فيها حديثًا من المجد الأشرف لرسولنا ﵊ وفي هذه الفقرة كلام عن جدته هاجر أم إسماعيل ﵉.\n٦ - البخاري: (٦/ ٣٨٨) ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٨ - باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا)، وقوله: (إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله). وأخرجه مسلم، واللفظ له: (٤/ ١٨٤٠) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤١ - باب من فضائل إبراهيم الخليل - ﵇ -.\nيغلبني عليك: يقتلني ليتزوجك. فذلك الله: أي شاهد وضام أن لا أضرك. مهيم: كلمة معناها: ما شأنك؟ وما خبرك؟. الخادم: يطلق على الذكر والأنثى. بنو ماء السماء: هم العرب، سموا بذلك لخلوص نسبهم وصفائه، وقيل: لأنهم يرعون العشب الذي ينبته ماء السماء.\n(٢) الصافات: ٨٩.\n(٣) الأنبياء: ٦٣.","vol":"1","page":141},{"text":"بشيطانٍ، ولم تأتني بإنسانٍ، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر.\nقال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم - ﵇ - انصرف، فقال لها: مهيمُ، قالت: خيرًا، كف الله يد الفاجرِ، وأخدم خادمًا\".\nقال أبو هريرة: فتلك أمكمْ يا بني ماء السماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>تعليق حول صدق إبراهيم - ﵇ </span>-:\nما ذكره إبراهيم - ﵇ - في المواقف الثلاثة إنما هو من التورية الجائزة، وإنما أطلق عليه الكذب مجازًا، قال النووي في شرحه لمسلم:\nوأما قوله ﷺ: \" .... ثنتين في ذات الله - تعالى - ....، وواحدة في شأن سارة .. \" فمعناه:\nأن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم الخاطب والسامع، وأما في نفس الأمر فليست كذبًا مذمومًا، لوجهين، أحدهما: أنه ورَّى بها، فقال في سارة: أختي في الإسلام، وهو صحيح في باطن الأمر، وسنذكر - إن شاء الله تعالى - تأويل اللفظين الآخرين (١). والوجه الثاني: أنه لو كان كذبًا لا تورية فيه لكان جائزًا في دفع الظالمين، وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانًا مختفيًا ليقتله، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصبًا، وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز بل واجب لكونه في دفع الظالم فنبه النبي ﷺ على أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم.\nولعله من أجل كمال صدق إبراهيم - ﵇ - سماه الله - تعالى - في التنزيل الشريف: ﴿.... صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (٢)، ولعل أيضًا من إنعامات الله عليه لهذا الصدق أن\n_________\n(١) قال النووي في موضع آخر: وذكروا في قله: إني سقيم، أي: سأسقم، لأن الإنسان عرضة للأسقام، وأراد بذلك الإعتذار عن الخروج معهم إلى عيدهم وشهود باطلهم وكفرهم. وقيل: سقيمبما قدر عليَّ من الموت. وقيل: كانت تأخذه الحي في ذلك الوقت. وأما قوله: بل فعله كبيرهم، فقال ابن قتيبة وطائفة: جعل النطق شرطًا لفعل كبيرهم، أي فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، وقال الكسائي: يوقف عند قوله: بل فعله، أي فعله فاعله فأضمر، ثم يبتديء فيقول: كبرهم هذا، فأسألوهم عن ذلك الفاعل.\n(٢) مريم: ٤١.","vol":"1","page":142},{"text":"جعل من نسله إمام الصديقين وخاتم المرسلين محمدًا ﷺ الذي ربى أمة على الصدق في القول والحال والعمل، فكانت خير أمة أخرجت للناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>قصة إسماعيل الذبيح - ﵇ - وبناء البيت </span>(١):\n٧ - * روى البخاري عن ابن عباس - ﵄ - قال: أول ما اتخذ النساءُ المنطق من قِبَلِ أم إسماعيل، اتخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل - وهي تُرضعه - حتى وضعها عند البيت، عند دوحةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم: قالت: إذًا لا يُضيعنا.\nثم رجعت، فانطلق إبراهيمُ حتى إذا كان عند التثنية - حيث لا يرونه - استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ (٢).\nوجعلت أمُّ إسماعيل تُرضعُ إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفدَ ما في السِّقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال: يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظرُ هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت\n_________\n(١) تعلق هذه الفقرة بفصل النسب من حيث إنها حديث عن إبراهيم وإسماعيل جدي رسول الله عليهم الصلاة والسلام وما أحاط بسرية السكنى في الحرم.\n٧ - البخاري (٦/ ٣٩٦) ٦٠ - كتاب الأنبياء - ١ - باب يزفون النسلان في المشي.\nالمِنْطق: هو ما تشد به المرأة وسطها من عمل الأشغال لترفع ثوبها. وهو أيضًا النطاق. لتعفي: لتخفي. الدوحة: الشجرة العظيمة. قَفِّي: ولاك قفاه رجعًا عنك. ألله أمرك بهذا: أي هل أمرك الله بهذا؟. الثنية: الطريق في العقبة، وقيل: هو المرتفع من الأرض فيها. (بواد غير ذي زرع): مكة، فلا ينبت فيها زرع. يتلبط: يضطرب ويتقلب ظهرًا لبطن. درعها: قميصها. الإنسان المجهود: الذي أصابه الجهد.\n(٢) إبراهيم: ٣٧.","vol":"1","page":143},{"text":"المروة، فقامت عليها فنظرت، هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مراتٍ قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: \"فذلك سعي الناس بينهما\".\nفلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صَهٍ - تريدُ نفسها - ثم تسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عند غِواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبهِ - أو قال: بجناحهِ - حتى ظهر الماء، فجعلت تخوضه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرفُ من الماء في سقائها، وهو يفورُ بعد ما تغرفُ. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: \"يرحمُ الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرفُ من الماء - لكانت زمزمُ عينًا معينًا\". قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملكُ: لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيعُ أهله.\nوكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذُ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رُفقة من جُرهُم - أو أهل بتٍ من جُرهم - مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدورُ على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًا أو جريِّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا - قال: وأم إسماعيل عند الماء - فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندكِ؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم.\nقال ابن عباس: قال النبي ﷺ: \"فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحبُّ الأنس\" فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بهما أهل أبياتِ منهم، وشبَّ الغلامُ، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم.\nوماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم، بعد ما تزوج إسماعيل، يطالعُ تركته، فلم يجد\n_________\n= صهِ: نسكت، وقوله: (تريد نفسها) معناه: لما سمعت الصوت سكتت نفسها لتتحققه. غواث: الغواث والغياث والغوث: المعونة، وإجابة المستغيث. تحوضه: أي: تجعل له حوضًا يجتمع فيه الماء. معينًا: الماء الظاهر الجاري الذي لا يتعذر أخذه. الضيعة: الضياع والحاجة. الرابية: ما ارتفع من الأرض. جَرْهُم: قبيلة من اليمن، تزوج منه إسماعيل - ﵇ -، كفاء: بالفتح والمد: الثنية من أعلى مكة مما يلي المقابر. وبالضم والقصر: من أسفلها مما يلي باب العمرة. عائفًا: العائف: المتردد حول الماء. الجري: الرسول والوكيل. أنفسهم: أي: صار عندهم نفيسًا مرغوبًا فيه. تركته: التركة بسكون الراء: ولد الإنسان، وهو في الأصل: بيضة النعام - والتركة: اسم للشيء المتروك.","vol":"1","page":144},{"text":"إسماعيل، فسأل امرأته عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بِشَرّ، نحن في ضيق وشدة، فشكتْ إليه، قال: فإذا جاء زوجُك فاقرئي ﵇، وقولي له: يُغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخٌ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني: كيف عيشُنا؟ فأخبرته أنا في جهدٍ وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيِّر عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقَكِ، الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى.\nفلبِثَ عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعدُ، فلم يجدْه، فدخل على امرأته، فسألها عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخيرٍ وسعة، وأثنتْ على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحمُ، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي ﷺ: \"ولم يكن لهم يومئذٍ حبٍّ. ولو كان لهم دعا لهم فيه\"، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاهَ.\nقال: فإذا جاء زوجُكِ فاقرئي ﵇، ومُريه يثبتُ عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخٌ حسنُ الهيئة - وأثنت عليه - فسألني عنك؟ فأخبرته، فسألني، كيف عيشُنا؟ فأخبرته أنا بخيرٍ، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرُك أن تُثبتَ عتبة بابك، قال: ذاك أب وأنتِ العتبة، أمرني أن أمِسكَكِ.\nثم لبِثَ عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيلُ يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولدُ بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنعْ ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا - وأشار إلى أكمة مرتفعةٍ على ما حولها -\n_________\nيبتغي لنا: يطلب لنا الرزق ويسعى فيه. اقرئي ﵇: بلغيه السلام. آنس شيئًا: أبصر شيئًا، وأراد: كأن رأى أثر أبيه وبركة قدومه. أفراقك: أي أطلقك. أكمة: الأكمة ما ارتفع من الأرض كالرابية. القواعد: مفردها قاعدة، وهي أساس البيت.","vol":"1","page":145},{"text":"فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيمُ يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١).\n٨ - * روى الحاكم عن ابن عباس - ﵄ - في قوله - ﷿ -:\nقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) من شيعة نوح إبراهيم على منهاجه وسنته.\n﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (٣): شب حتى بلغ سعيه سعى إبراهيم في العمل.\n﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾: ما أمرا به.\n﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٤): وضع وجهه إلى الأرض، فقال: لا تذبحني وأنت تنظر، عسى أن ترحمني فلا تجهز عليَّ، اربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي على الأرض، فلما أدخل يده ليذبحه، فلم يحك المدية حتى نودي:\n﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٥): فأمسك يده ورفع.\nقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٦): بكبش عظيم متقبل.\nوزعم ابن عباس أن الذبيح إسماعيل.\nأقول:\nما قاله ابن عباس يوافق دقائق فهم القرآن من أن الذبيح إسماعيل - ﵇ -، ولا\n_________\n(١) البقرة: ١٣٧.\n٨ - المستدرك (٢/ ٤٣٠) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. لا تجهز عليّ: معناه: ترحمني فلا تقتلني.\n(٢) الصافات: ٨٣.\n(٣) الصافات: ١٠٢.\n(٤) الصافات: ١٠٣.\n(٥) الصافات: ١٠٤، ١٠٥.\n(٦) الصافات: ١٠٧.","vol":"1","page":146},{"text":"أعلم في تاريخ العالم مثلًا أرقى على لاستسلام لله من هذا المثل، فلا عجب أن أكرم الله - ﵎ - إبراهيم وإسماعيل أن جعل من نسلهما محمدًا ﷺ أول المسلمين وخاتم المرسلين.\nوقد سارع إبراهيم وإسماعيل إلى تحقيق الرؤيا، لأن رؤيا الأنبياء وحيّ واجب الطاعة، وأما رؤيا غير الأنبياء فحملها النظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>فائدة في التعريف بالقبائل العربية </span>(١):\nيحسن بنا ونحن بصدد بعض النصوص التي تتحدث عن نسب رسول الله ﷺ، أن نتعرف في عجالة سريعة على قبائل العرب، خاصة العرب المستعربة، أو العدنانية المنحدرة من صلب إسماعيل، عليه وعلى نبينا أفضل الصلوات وأتم التسليمات.\nقال المباركفوري في الرحيق المختوم (٢):\nأقوام العرب قد قسمها المؤرخون إلى ثلاثة أقسام، بحسب السلالات التي ينحدرون منها:\n١ - العرب البائدة: وهم العرب القدامى الذين لم يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخهم، مثل: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وعملاق، وسواها.\n٢ - العرب العاربة: وهم العرب المنحدرة من صلب يَعْرُبْ بن يَشْجُبَ بن قحطان، وتسمى بالعرب القحطانية.\n٣ - العرب المستعربة وهم العرب المنحدرة من صلب إسماعيل، وتسمى بالعرب العدنانية. فأما العرب العاربة - وهي شعب قحطان - فمهدها بلاد اليمن، وقد تشعبت قبائلها\n_________\n(١) لهذه الفقرة صلة بفصل النسب لأنها تعرفنا على قبائل الشعب العربي وعلى محل قبيلته ﵊ من هذه القبائل.\n(٢) الرحيق المختوم: (٢٠ - ٣٧).","vol":"1","page":147},{"text":"وبطونها، فاشتهرت منها قبيلتان:\nأ - حِمْيَر، وأشهر بطونها: زيد الجمهور، وقضاعة، والسكاسك.\nب - كهْلان: وأشهر بطونها: هَمْدان، وأنمار، وطييء، ومَذْحج، وكِندة، ولخْم، وجُذام، والأزد، والأوس، والخزرج، وأولاد جفنة ملوك الشام (١).\nوأما العرب المستعربة، فأًل جدهم الأعلى - وهو سيدنا إبراهيم ﵇ - من بلاد العراق، من بلدة يقال لها (أور) على الشاطيء الغربي من نهر الفرات، بالقرب من الكوفة ... ومعلوم أن إبراهيم - ﵇ - هاجر منها إلى حاران - أو حران -، ومنها إلى فلسطين، فاتخذها قاعدته لدعوته، وكانت له جولات في أرجاء هذه البلاد وغيرها، وقدم مرة إلى مصر، وقد حاول فرعون مصر كيدًا وسوءًا بزوجته سارة، ولكن الله رد كيده في نحره، وعرف فرعون ما لسارة من الصلة القوية بالله، حتى أخدمها (هاجر) اعترافًا بفضلها، وزوجتها سارة إبراهيم (٢).\nورجع إبراهيم إلى فلسطين، ورزقه الله من هاجر إسماعيل، وغارت سارة حتى ألجأت إبراهيم إلى نفي هاجر مع ولدها الصغير - إسماعيل - فقدم بهما إلى الحجاز، وأسكنهما بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المحرم الذي لم يكن إذ ذاك إلا مرتفعًا من الأرض كالرابية .... والقصة معروفة بطولها (٣).\nوقد كان إبراهيم يرحل إلى مكة بين آونة وأخرى ليطالع تركته، ولا يعلم كم كانت هذه الرحلات، إلا أن المصادر التاريخية حفظت أربعة منها (٤).\nوقد رزق الله إسماعيل من ابنة مضاض (٥) اثني عشر ولدًا ذكرًا، وهم: نابت أو\n_________\n(١) وانظر: المصدر السابق (٢٠ - ٣٣) لتفصيل هذه القبائل وهجراتها.\n(٢) انظر: نص الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، لتفصيل قصة هاذ الكيد: ص ١٤١ من هذا الفصل.\n(٣) انظر: نص الحديث الذي رواه البخاري، لتطالع تفصيل هذه القصة: ص ١٤٣ إلى ص ١٤٦.\n(٤) انظر: النص السابق والذي بعده، ففيه تفصيل الرحلات الأربع التي ارتحلها إبراهيم - ﵇ - إلى مكة.\n(٥) وهي الزوجة الثانية التي أمر إبراهيم ولده إسماعيل أن يثبتها ولا يفارقها، راجع الحديث ص ١٤٥ وهي لمجنة مضاض كبير قبيلة جرهم وسيدهم.","vol":"1","page":148},{"text":"بنالوط، وقيدار، وأدبائيل، ومبشام، ومشماع، ودوما، وميشا، وحدد، ويتما، ويطور، ونفيس، وقديمان.\nوتشعبت من هؤلاء اثنتا عشرة قبيلة، سكنت كلها في مكة مدة، وكانت جُلُّ معيشتهم التجارة من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ومصر، ثم انتشرت هذه القبائل في أرجاء الجزيرة بل إلى خارجها، ثم أدرجت أحوالهم في غياهب الزمان، إلا أولاد نابت وقيدار.\nوازدهرت حضارة الأنباط في شمال الحجاز، وكونوا حكومة قوية دان لها من بأطرافها، واتخذوا البتراء عاصمة لهم، ولم يكن يستطيع مناوأتهم أحد حتى جاء الرومان فقضوا عليهم، وقد رجح السيد سليمان الندوي بعد البحث الأنيق والتحقيق الدقيق أن ملوك آل غسان وكذا الأنصار من الأوس والخزرج لم يكونوا من آل قحطان، وإنما كانوا من آل نابت بن إسماعيل، وبقاياهم في تلك الديار.\nوأما قيدار بن إسماعيل فلم يزل أبناؤه بمكة يتناسلون هناك حتى كان منه عدنان وولده معد، ومنه حفظت العرب العدنانية أنسابها، وعدنان هو الجد الحادي والعشرون في سلسلة النسب النبوي، وقد ورد أنه ﷺ كان إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ويقول: \"كذب النسابون\" فلا يتجاوزه. وذهب جمع من العلماء إلى جواز رفع النسب فوق عدنان، مضعفين للحديث المشار إليه، وقالوا: إن بين عدنان وبين إبراهيم - ﵇ - أربعين أبًا بالتحقيق الدقيق.\nوقد تفرقت بطون معد من ولده نزار - قيل: لم يكن لمعد ولد غيره - فكان لنزار أربعة أولاد، تشعبت منهم أربعة قبائل عظيمة: إياد وأنمار وربيعة ومضر، وهذان الأخران هما اللذان كثرت بطونهما واتسعت أفخاذهما، فكان من ربيعة: أسد بن ربيعة، وعنزة، وعبد القيس، وأبنا وائل - بكر وتغلب -، وحنيفة، وغيرها. وتشعبت قبائل مضر إلى شبعتين عظيمتين: قيس عيلان بن مضر، وبطون إلياس بن مضر، فمن قيس عيلان: بنو سليم، وبنو هوازن، وبنو غطفان - ومن غطفان: عبس وذبيان وأشجع وغني بن أعصر. ومن إلياس بن مضر: تميم بن مرة، وهذيل بن مدركة، وبنو أسد بن خزيمة، وبطون كنانة بن خزيمة.","vol":"1","page":149},{"text":"ومن كنانة قريش، وهم أولاد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وانقسمت قريش إلى قبائل شتى، من أشهرها: جمع وسهم وعدي ومخزوم وتيم وزهرة، وبطون قصي بن كلاب وهي عبد الدار بن قصي وأسد بن عبد العُزى بن قصي وعبد مناف بن قصي.\nوكان من عبد مناف أربع فصائل: عبد شمس، ونوفل، والمطلب، وهاشم. وبيت هاشم هو الذي اصطفى الله - تعالى - منه سيدنا محمدًا بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ﷺ (١).\nولما تكاثر أولاد عدنان تفرقوا في أنحاء شتى من بلاد العرب، متتبعين مواقع القطر ومنابت .. (٢).\nوبقي بتهامة بطون كنانة، وأقام بمكة وضواحيها بطون قريش، وكانوا متفرقين لا تجمعهم جامعة حتى نبغ فيهم قصي بن كلاب، فجمعهم، وكون لهم وحدة شرفتهم ورفع من أقدارهم.\n* * *\n_________\n(١) ذلك مصداقه ما رواه واثلة بن الأسقع والعباس بن عبد المطلب - ﵄ - عن النبي ﷺ، راجع: ص ١٣٨ من هذا الفصل.\n(٢) ولتفصيل ذلك، راجع: الرحيق المختوم ص ٣٦، ٣٧.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>فصل: في بعض البشارات بنبينا ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>بشارات في الكتب السابقة:</span>\n٩ - * روى البخاري عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵃ -: أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١). قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتُك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخابٍ بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعف ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا.\n١٠ - * روى الإمام أحمد عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، خرج منها نور، أضاءت له قصور الشام، وكذلك أمهات النبيين يرين\".\n١١ - * روى الطبراني عن أبي مريم ﵁ قال: أقبل أعرابي حتى أتى النبي ﷺ، وعنده خلق من الناس، فقال: ألا تعطيني شيئًا أتعلمه وأحمله وينفعني ولا يضرك؟\n_________\n٩ - البخاري (٨/ ٥٨٥) ٦٥ - كتاب التفسير - ٣ - باب (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا).\nحرزًا: أصل الحرز هو الوعاء الحصين الذي يحفظ فيه الشيء. الأميون: جمع الأمي، وهم العرب، وذلك أنهم لا يحسنون الكتابة، والذي لا يكتب يقال له: أمي. فظ: الفظ القاسي القلب، الغليظ الجانب. سَخَّاب: السخب بالسن والصاد: الصياح والجلبة، أي: ليس ممن ينافس في الدنيا وجمعها، فيحصر الأسواق لذلك. بالسيئة: لا يقابل الإساءة والشر بالمثل. آذانا صمًا: لا تسمع، أو أعرض أصحابها عن السماع، الغلف: جمع أغلف، وهو الذي عليه غلاف.\n(١) الأحزاب: ٤٥.\n١٠ - أحمد في مسنده (٤/ ١٣٧) وكشف الأستار (٣/ ١١٢) وللحاكم قريب منه، وقد حسنه بعضهم.\nمنجدل في طينته: أي ملقي على الجدالة وهي الأرض.\n١١ - المعجم الكبير (٢٣/ ٢٢٣) ورجاله وثقوا، وهو حسن.","vol":"1","page":151},{"text":"فقال الناس: مه، اجلس.\nفقال النبي ﷺ: \"دعوه، فإنما يسأل الرجل ليعلم\".\nفأفرجوا له حتى جلس.\nفقال: أيُّ شيء كان أول نبوتك؟\nقال: \"أخذ الله الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (١) وبشر بي المسيح ابن مريم.\nورأت أم رسول الله ﷺ في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام\".\nفقال الأعرابي: هاه، وأدنى منه رأسه، وكان في سمعه شيء.\nفقال النبي ﷺ: ووراء ذلك\".\nقصة تدل على أن الراسخين في العلم من أهل الكتاب كانوا يعرفون علامات في شأنه:\n١٢ - * روى ابن سعد عن عائشة - ﵂ - قالت: سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات، فلما كان ليلة وُلد رسول الله ﷺ، قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه، قال: أخطأت والله حيث كنت أكره، انظروا يا معشر قريش، واحصوا ما أقول لكم: وُلِدَ الليلة نبي هذه الأمة أحمد الآخر. فإن\n_________\nمه: اسكت.\nسراج: هو المصباح الزاهر. هاه: بمعنى: ماذا تقول؟ ووراء ذلك؛ أي وراء قصور الشام من البلاد.\n(١) الأحزاب: ٤٥.\n١٢ - أخرجه ابن سعد، قال: أخبرنا علي بن محمد عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، به. (الطبقات الكبرى: ١/ ١٦٢ - ١٦٣).\nالآخر: الخاتم، يبز أحبارهم: أي يغلبهم ويدحرهم ويبطل باطلهم. والبزر: الغلبة. ليسطون بكم: ليبطشن بكم وليقهرنكم.","vol":"1","page":152},{"text":"أخطأكم فبفلسطين. به شامةً بين كتفيه سوداء صفراء، فيها شعرات متواترات، فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في منازلهم ذكروا لأهاليهم، فقيل لبعضهم: وُلِدَ لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام فسماه محمدًا، فالتقوا بعد من يومهم فأتوا اليهودي في منزله فقالوا: أعلمت أنه ولد فينا مولود؟ قال: أبعد خبري أم قبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد، قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا معه حتى دخلوا على أُمِّه، فأخرجته إليهم، فرأى الشامة في ظهره، فغشي على اليهودي ثم أفاق، فقالوا: ويلك! مالك؟ قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل، وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب يقتلهم ويبزُّ أحبارهم، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش؟ أما والله ليسطُونَّ بكم سطوةً يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>تعليق:</span>\nتحدث العقاد في كتابه (مطلع النور) عن كتاب بعنوان (محمد في الأسفار الدينية العالمية) لمؤلفه (عبد الحق فدبارتي) ونقل منه نقولًا واضحة الدلالة على أن محمدًا ﷺ مذكور في كتب العهدين القديم والجديد، ومذكور في كتب الهند الدينية السامافيدا وغيرها، وفي كتب الديانة الفارسية القديمة المنسوبة لزرادشت.\nوقد نقلنا في كتابنا (الرسول ﷺ) الكثير من هذه النقول، سواء ما كان منها موجودًا في هذا الكتاب أو في غيره، ومن تتبع هذا الأمر في مصادره، ومن تأمل النصوص والحوادث والأحدث يجد أن الأمر كان على غاية الوضوح عند أصحاب الديانات أن رسولًا عربيًا اسمه محمد ﷺ سيبعث.\nوقد ذكرنا الحديث الأخير هنا ليعلم أنه كان عند أهل الكتاب علامات كثيرة يتعرفون بها على الحدث الجلل والنبأ العظيم، نبأ الرسالة الخاتمة، وهذا معنى سيتأكد لك مرة بعد مرة.\nأقول:\nوقد أشارت الأحاديث إلى التمهيدات الكبرى التي قدمت لبعثته ونبوته ﷺ. ولقد اختير لرسول الله ﷺ الزمان والمكان والنسب والبيئة، كما اختيرت له حتى الأسماء، فكان في ذلك توفيق على توفيق على توفيق، وذلك من أعلام نبوته ﷺ.","vol":"1","page":153},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-65>في قصة بحيرا شاهد على أنه ﵊ مبشر به:</span>\n١٣ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبط فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت.\nقال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عيه وسلم، قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما عِلْمُكَ؟\nفقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا ولا يسجدان إلى لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.\nثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به فكان هو في رعية الإبل فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.\nقال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعةٍ قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أُخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما اخترنا خيرة لك بطريقك هذا.\n_________\n١٣ - الترمذي: (٥/ ٥١٠) ٥٠ - كتاب المناقب - ١ - باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ. قال أبو عيسى: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه: وقد رواه البزار بنحوه.\nوقد أقر الترمذي على تحسينه، لكن العلماء قالوا: ذِكْرَ بلالٍ فيه غير محفوظ، وغده الأئمة وهما، فإن سِنُ النبي إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، وأبو بكر أصغر منه بسنتين، وبلال لعله لم يكن في ذلك الوقت.\nوفي رواية البزار: \"وأرسل معه عمه رجلًا\" ولعل ذكر أبي بكر وبلال مدرج في الحديث، ووهم من أحد الرواة، فإذا انتهى هذا الإشكال فقد صحح الحديث أكثر من محدث.\nأشرفوا: اقتربوا. حلوا رحالهم: كناية عن التوقف عن المسير والاستراحة. وإنزال حوائج الاستراحة عن الرواحل وهي الإبل، غضروف كتفه: رأس لوحة الكتف.","vol":"1","page":154},{"text":"قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس ردهُ؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه قال: أنشدكم بالله أيكم وليهُ؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالًا، وزودهُ الراهب من الكعك والزيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>فائدة حول موضوع الكشف للأولياء:</span>\nتحدثنا في كتابنا (تربيتنا الروحية) عما يسمى في اصطلاح العلماء بالكشف، وذكرنا هناك أدلة وجوده وإمكانية وقوعه، وههنا نقول:\nإن الكشف في حق الأنبياء معجزة، وهو في حق الأولياء كرامة، فقد يكشف للنبي من أمر الغيب، وقد يكشف للنبي الشيء ولا يُكشف لمن هم معه، وذلك يمكن أن يكون لأولياء هذه الأمة، ومن سياق قصة الراهب بحيرا نعلم أنه من بقايا أهل الكتاب الذين حافظوا على ديانة المسيح نقية، ومن ثم فإن تعليلنا لبعض ما ورد فيها أنه كشف كوشف به الراهب بحيران فلقد كوشف بأمر محمد ﷺ، وكوشف بسجود الشجر والحجر له ﵊.\n* * *\n_________\nمعه: يعني: بايعوا بحيرًا، ودخلوا معه في سلك الرهبنة.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>فصل: في الميلاد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>متى ولد رسول الله ﷺ</span>؟\n١٤ - * روى الحاكم عن أبي قتادة؛ أن أعرابيًا سأل النبي ﷺ عن صوم يوم الإثنين فقال: \"إن ذلك اليوم لذي وُلدتُّ فيه وأُنزل عليَّ فيه\".\n١٥ - * روى الترمذي عن قيس بن مخزمة قال: وُلدتُ أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم أخا بني يعمر بن ليثٍ: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبر مني، وأنا أقدم منه في الميلاد، قال: ورأيت حذق الطير أخضر محيلًا.\n١٦ - * روى الطبراني عن قيس بن مخزمة قال: وُلد النبي ﷺ عام الفيل، وبين الفِجار والفيل عشرون سنة، وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة، وبين بناء الكعبة ومبعثه ﷺ خمس سنين، فبُعث وهو ابن أربعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>فائدة:</span>\nقال الشيخ الغزالي في فقه السيرة:\nكانت حرب الفجار بالنسبة إلى قريش دفاعًا عن قداسة الأشهر الحرم، ومكانة أرض الحرم، وهذه الشعائر بقية مما احترمه العرب من دين إبراهيم، وكان احترامها مصدر نفع\n_________\n١٤ - المستدرك (٢/ ٦٠٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n١٥ - الترمذي (٥/ ٥٨٩) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢ - باب ما جاء في ميلاد النبي ﷺ، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق.\nحلق الطير: الحذُق والذرق والخره، كلها بمعنى واحد، وهو القذرة، أي: براز الطائر. وقد قيل: إن المراد هنا الفيل لا الطير، وهو يعني أن الراوي رأى براز الفيل أخضر محيلًا، أي: باليًا قد دثر، وذلك لأن ميلاد النبي ﷺ عام الفيل، وهو أسن من النبي ﷺ، كما ذكر وعلل ذلك بأنه رأى حذق الطير أو الفيل. ولأن رواية \"حذق الطير\" صحيحة، فلعله أراد الطير التي أرسلها الله على أصحاب الفيل، ترميهم بحجارة من سجيل، وذلك صحيح أيضًا.\n١٦ - قال في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٧): رواه الطبراني، وفيه جعفر بن مهران السباك، وقد وثق وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات.\nالفجار: اسم للحروب التي اندلعت في الجاهلية في الأشهر الحرم.","vol":"1","page":156},{"text":"كبير لهم، وضمانًا لانتظام مصالحهم وهدوء عداوتم. كان الرجل يلقى قاتل أبيه خلالها فيحجزه عن إدراك ثأره شعوره بهذه الحرمات.\nولكن أهل الجاهلية ما لبثوا أن ابتُلوا بمن استباحها، فظلموا أنفسهم فيها، وكانت حرب الفجار من آثار هذه الاستباحة الجائرة، وليس هنا تفصيل خبرها، وقد ظلت أربعة أعوام كان عُمْرُ (محمد ﷺ) في أثنائها بين الخمسة عشرة والتسعة عشر، قيل: قاتل فيها بنفسه. وقيل: بل أعان المقاتلين.\nأقول:\nاختير له - ﵊ - في جملة ما اختير له عام الميلاد، فكان ميلاده في عام الفيل، وهو العام الذي وقع فيه أعظم حدث في تاريخ الجزيرة العربية وقتذاك، مما مكن لقريش ولكعبتها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>ولد يتيمًا ﷺ:</span>\n١٧ - * روى الحاكم عن قيس بن مخرمة أنه ذكر ولادة رسول الله ﷺ، فقال: تُوفي أبوه وأمه حُبلى به.\nأقول:\nيذكر أهل السير أن أباه توفي في المدينة وأمه حُبلى به، وأن أمه توفيت بعد زيارة لقبر زوجها، وهو - ﵊ - في الستة السادسة من عمره، ودفنت بالأبواء، وتوفي جده عبد المطلب بعد السنة الثامنة من مولده فانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب الذي كان فقيرًا.\n_________\n١٧ - المستدرك (٢/ ٦٠٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>تعليق حول الحكمة من هذا اليتم وذاك الفقر:</span>\nيقول الدكتور سعيد رمضان البوطي في كتابه فقه السيرة:\nلقد اختار الله ﷿ لنبيه هذه النشأة لحكمٍ باهرةٍ، لعل من أهمها أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريب القلوب، أو إيهام للناس بأن محمد ﷺ إنما وضع لبان دعوته ورسالته التي نادى بها منذ صباه، بإرشادٍ وتوجيهٍ من أبيه وجده، ولم لا؟ وإنَّ جده عبد المطلب كان صدرًا في قومه، فلقد كانت إليه الرفادة (١) والسقاية.\nومن الطبيعي أن يُربي الجد حفيده أو الأب ابنه على ما يحفظ لديه هذا الميراث.\nلقد شاءت حكمة الله - ﷿ - أن لا يكون للمبطلين من سبيل إلى مثل هذه الريبة، فنشأ رسوله بعيدًا عن تربية أبيه وأمه وجده، وحتى فترة طفولته الأولى، فقد أرادت حكمة الله ﷿ أن يقضيها في بادية بني سعد بعيدًا عن أسرته كلها، ولما توفي جده وانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب الذي امتدت حياته إلى ما قبل الهجرة بثلاث سنوات كان من تتمة هذه الحكمة أن لا يُسلم عمه. حتى لا يُتوهم أن لعمه مدخلًا في دعوته، وأن المسألة مسألة قبيلةٍ وأسرةٍ وزعامةٍ ومنصب.\nوهكذا أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيمًا، تتولاه عناية الله وحدها، بعيدًا عن الذراع التي تمعن في تدليله، والمال الذي يزيد في تنعيمه، حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة، فتلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني.\n* * *\n_________\n(١) الرفادة: شيء كانت قريش تترافد به في الجاهلية، أي: تتعاون به، فيخرج كل إنسان بقدر طاقته فيجمعون مالًا عظيمًا، فيشترون به طعامًا وزبيبًا ونبيذًا، ويطعمون الناس ويسقونهم أيام موسم الحج حتى ينقضي.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>فصل: في أسمائه ﷺ</span>\n١٨ - * روى البخاري عن جُبير بن مُطعمٍ - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ:\n\"لي خمسةُ أسماءٍ: أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر النسا على قدمي، وأنا العاقبُ\"، والعاقب الذي: ليس بعده نبي. وقد سماه الله رؤوفًا رحيمًا.\n١٩ - * روى مسلم عن أبي موسى - ﵁ - قال: كان رسول الله ﷺ يُسمى لنا نفسه أسماء فقال:\n\"أنا محمدٌ، وأحمدُ، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة\" وفي رواية (١) \"ونبي الملاحم\"، وفي أخرى (٢): \"وإذا كان يوم القيامة كنتُ إمام المرسلين، وصاحب شفاعتهم\".\n٢٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ:\n\"ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مُذممًا، ويلعنون مذممًا، وأن محمد\".\n_________\n١٨ - البخاري: (٦/ ٥٥٤) ٦١ - كتاب المناقب - ١٧ - باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ.\nومسلم: (٤/ ١٨٢٨) ٤٢ - كتاب الفضائل - ٣٤ - باب في أسمائه ﷺ، وزاد فيه: \"وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد\".\n١٩ - أخرجه مسلم: (٤/ ١٨٢٨) ٤٣ - كتاب الفضائل ٣٤ - باب في أسمائه ﷺ.\n٢٠ - البخاري: (٦/ ٥٥٤) ٦١ - كتاب المناقب - ١٧ - باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ.\nوالنسائي: (٦/ ١٥٩) - كتاب الطلاق - باب الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظ بها إذا قصد بها لم لا يحمل معناها لم توجب شيئًا ولم تثبت حكمًا.\n(١) هذه الرواية عند أحمد في مسنده (٤/ ٣٩٥).\n(٢) هذه الرواية عند الطبراني في الكبير والأوسط عن جابر.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>تعليق:</span>\nأسماؤه ﷺ مشتقة من صفات قائمة به توجب له المدح والكمال.\nفمحمد: اسم مفعول، مشتق من الفعل المضعف حمد، فهو ﷺ يستجلب الحمد من الناس بصفاته وأقواله وأفعاله، وهو محل الحمد، ومن ههنا فهو محمد.\nوأحمد: اسم على زنة أفعل التفضيل، مشتق - أيضًا - من الحمد، فهو ﷺ أكثر خلق الله حمدًا لله، فمن ههنا كان أحمد.\nوالحاشر الذي يحشر الناس على قدمه: بمعنى أنه ﷺ أول من يُحشر من الخلق، ثم يحشر الناس على قدمه، أي: على أثره، وقيل: أراد ﷺ عهده وزمانه، يقال: كان ذلك على رِجْلِ فلان وعلى قدم فلان، أي: في عهده.\nوالمقفي: الذاهب المولي، لأنه ﷺ آخر الأنبياء، وإذا قفى فلا نبي بعده. وقيل: المقفي المُتبع، أراد أنه مُتبع النبيين.\nونبي الملاحم: الملاحم جمع ملحمة وهي من التلاحم في لحرب، أي: التقاء اللحم باللحم، أو التقاء السيف باللحم. وفي وصفه ﷺ لنفسه بأنه نبي الملاحم إشارة إلى المعارك الكبرى التي خاضتها أمته والتي ستخوضها، كما أنه يمكن أن يكون فيها إشارة إلى أن عهد نبوته الممتد إلى قيام الساعة ستكون فيه معارك ضخمة، وعلى هذا الفهم فالحربان العالميتان الأولى والثانية من جملة الملاحم.\n* * *\n٢١ - * روى الحاكم عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال:\n\"أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم\".\n_________\n٢١ - المستدرك (٢/ ٦٠٤) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي، وأخرج الطبراني نحو ذلك في حديث صحيح.","vol":"1","page":160},{"text":"أقول:\nيفيد الحديث أن من مهماته ﷺ القسمة، والقسمة تقتضي عدلًا، ولذلك كان ﷺ يقبل على أصحابه إقبالًا واحدًا في التربية والتعليم والتوجيه، حتى ليكاد يظن كل واحد من أصحابه أنه أحب إليه مما سواه ثم إن كل إنسان يأخذ على قدر استعداده، وذلك هو العطاء الرباني.\nوفي هذا الباب أدب للدعاة أن يقبلوا على المريدين إقبالًا واحدًا، كما أن في ذلك درسًا للذين يزهدون في بعض المريدين فمن يدري فقد يكون المزهود فيه خيرًا من كثير من المرغوب فيهم، وفي سورة (عبس) درس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ما جاء عن رضاعه وتنشئته في البادية:</span>\n٢٢ - * روى أبو يعلي عن حليمة بنت الحارث - أم رسول الله ﷺ السعدية التي أرضعته - قالت: خرجت في نسوة من بني سعد بن بكرٍ نلتمس الرُّضعاء بمكة على أتانٍ لي فمراء قد أذمت بالرُكب. قالت: وخرجنا في سنة شهباء لم تُبقِ لنا شيئًا، ومعي زوجي الحارث بن عبد العُزى. قالت: ومعنا شارفٌ لنا والله إن يبض علينا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي، إن تنام ليلتنا مع بكائه، ما في ثديي ما يمصه، وما في شارفنا من لبن نغذوه، إلا أنا\n_________\n٢٢ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢١): رواه أبو يعلي، والطبراني بنحوه، إلا أنه قال: حليمة بنت أبي ذؤيب، ورجالهما ثقات\nالأتان: أنثى الحمار، وجمعها: أتن، وأُتُن. قمراء: أي صاحبة لون قريب إلى الخضرة، أو بياض فيه كدرة، وأذمت الركب: حبستهم لضعفها انقطاع سيرها، سنة شهباء: لا خضرة فيها أو لا قطر. شارف: الشارف من السهام العتيق القديم، ومن النوق المسنة الهرمة. تبض: بض الماء يبض بضًا وبضوضًا وبضيضًا، سال قليلًا قليلًا. نظره: أي نفذيه. رواء: من الري وهو ضد العطش. كفي علينا: بمعنى انتظرينا. الحاضر: الحاضر والحضارة خلاف البادية، والحضارة الإقامة في الحضر، أي المدينة أو القرية التي يقيم الناس فيها إقامة دائمة دونما ترحال. بطانا: أي أن بطونها ملأى من الشبع، لبنًا: حافلة باللبن، حفلًا: ممتلأت الضروع باللبن. الشعب: الطريق بين حلين، غلام جفر: استجفر الصبي: بمعنى قوي على الأكل. ونحن أضن بشأنه: أصل الضن البخل، والمعنى هنا: أننا نحرص على أنه يبقى معنا، يرعيان أبهما: مفردها بهمة، وهي صغار الضأن، جاء أخوه يشتد: أي: جاء يعدو، والشد: العدو، شِهاب: شعلة من نار ساطعة.","vol":"1","page":161},{"text":"نرجو. فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عُرِض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرج كرامة رضاعهِ من والد المولود، وكان يتيمًا، فكنا نقول، ما عسى أن تصنع أمه. حتى لم يبق من صواحبي امرأةً إلا أخذت صبيًا غيري، وكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئًا وقد أخذ صواحبي فقلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك فلآخذنه.\nقالت: فأتيته فأخذته فرجعته إلى رحلي، فقال زوجي: قد أخذتيه؟ فقلت: نعم، والله ذاك أني لم أجد غيره. فقال: قد أصَبْتِ، فعسى الله أن يجعل فيه خيرًا. فقالت: والله ما هو إلا أن حملته في حجري، قالت: فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللبن. قالت: فشرب حتى روي، وشربه أخوه - تعني ابنها - حتى روي، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل فإذا هي حامل، فحلبت لنا ما شئنا، فشرب حتى روي، قالت: وشربت حتى رويت، فبتنا ليلتنا تلك بخيرٍ شباعًا رواء، وقد نام صبينا. قالت يقول أبوه - يعني زوجها -: والله يا حليمة ما أراك إلا أصبتِ نسمةً مباركةً، قد نام صبينا وروي. قالت: ثم خرجنا فوالله لخرجت أتاني أمام الركب قد قطعته، حتى ما يبلغونها، حتى أنهم ليقولون: ويحك يا بنت الحارث كفي علينا: أليست هذه بأتانك التي خرجت عليها، فأقول: بلى والله، وهي قدامنا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر.\nفقدمنا على أجدبِ أرض الله فوالذي نفسُ حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعي غنمي، فتروح غنمي بطانًا لبنًا حفلًا، وتروح أغنامهم جياعًا هالكةً ما بها من لبن. قال: فشربنا ما شئنا من لبن، وما في الحاضر أحد يحلب قطرة ولا يجدها. فيقولون لرعاتهم: ويلكم ألا تسْرحون حيث يسرح راعي حليمة. فيسرحون في الشعبِ الذي يسرح فيه راعينا.\nقالت: وكان ﷺ يشبُّ في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة، فبلغ ستًا وهو غلام جفر. قالت: فقدمنا أمه فقلنا لها، وقال لها أبوه: رُدوا علينا ابني فلنرجع به، فإنا نخشى عليه وباء مكة. قلت: ونحن أضن بشأنه لما رأينا من بركته قالت: \"فلم نزل بها حتى قالت: ارجعا به فرجعنا به.\nفمكث عندنا شهرين قالت: فبينما هو يلعب وأخوه يومًا خلف البيوت يرعيان بُهمًا","vol":"1","page":162},{"text":"لنا، إذ جاءنا أخوه يشتدُّ، فقال لي ولأبيه، أدرِكا أخي القرشي، قد جاءه رجلان فأضجعاه، فشقا بطنه. فخرجنا نحوه نشتدُّ، فانتهينا إليه وهو قائم منتقعٌ لونه فاعتنقه أبوه واعتنقته، ثم قلنا: مالك يا بُني؟ قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بياضٍ فأضجعاني، ثم شقا بطني، فوالله ما أدري ما صنعا. قالت: فاحتملناه فرجعنا به. قالت يقول أبوه: والله يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه. قالت فقلت: لا والله إنا كففناه وأدينا الحق الذي يجبُ علينا فيه. ثم تخوفتُ الأحداث عليه. فقلت: يكون في أهله. قالت فقالت أمه: والله ما ذاك بكما، فأخبراني خبركما وخبره، قالت: فوالله ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره. قالت: فتخوفتما عليه، كلا والله إن لابني هذا لشأنا، ألا أخبركما عنه، إني حملت به فلم أر حملًا قط كان أخفه ولا أعظم بركة منه، ثم رأيت نورًا كأنه شهاب خرج من حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببُصرى، ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعًا يده بالأرض رافعًا رأسه إلى السماء، دعاه والحقا بشأنكما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>فائدة حول تنشئته ﷺ في البادية:</span>\nقال الشيخ الغزالي في كتابه فقه السيرة:\nوتنشئة الأولاد في البادية، ليمرحوا في كنف الطبيعة، ويستمتعوا بجوها الطلق وشعاعها المرسل، أدنى إلى تزكية الفطرة وإنماء الأعضاء والمشاعر، وإطلاق الأفكار والعواطف.\nإنها لتعاسة أن يعيش أولادنا في شقق ضيقة من بيوت متلاصقة كأنها علب أغلقت على من فيها، وحرمتهم لذة التنفس العميق والهواء المنعش.\nولا شك أن اضطراب الأعصاب الذي قارن الحضارة الحديثة يعود - فيما يعود إليه - إلى البعد عن الطبيعة، والإغراق في التصنع. ونحن نقدر لأهل مكة اتجاههم إلى البادية لتكون عرصاتها الفساح مدارج طفولتهم. وكثير من علماء التربية يود لو تكون الطبيعة هي المعهد الأول للطفل حتى تتسق مداركه مع حقائق الكون الذي وجد فيه، ويبدو أن هذا حُلمٌ عَسِر التحقيق. أهـ.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>فصل: في شق صدر النبي ﷺ وتكرار هذه الحادثة</span>\n* سبق ذكر ما ورد عن حليمة السعدية في مسألة شق الصدر، في الفصل السابق.\n٢٣ - * روى الحاكم عن عتبة بن عبد السُّلمى أن رجلًا سأل رسول الله ﵌: كيف كان أول ِأنك يا رسول الله؟ قال: \"كانت حاضنتي من بني سعد ابن بكر، فانطلقتُ أنا وابن لها في بُهمٍ لنا، ولم نأخذ معنا زادًا فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزادٍ من عند أمنا فانطلق أخي، وكنت عند البهم، فأقبل طيرانِ أبيضانِ كأنهما نسرانِ فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفاء، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: حصهُ - يعني خِطهُ - واختم عليه بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخروا عليِّ، فقالا: لو أن أمته وُزنت به لمال بهم. ثم انطلقا وتركاني وفرقت فرقًا شديدًا، ثم انطلقتُ إلى أمي فأخبرتها بالذي رأيت، فأشفقتْ أن يكون قد التبس بي فقالت: أعيذُك بالله، فرحلت بعيرًا لها فجعلتني على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا أمي فقالت: أديتُ أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت. فلم يرُعها ذلك، فقالت: إني رأيت خرج مني نورًا أضاءت منه قصور الشام\".\n٢٤ - * روى مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ - وهو يلعب مع الغلمان - فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئرهُ - فقالوا: إن محمدًا قد قتل؛ فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.\n_________\n٢٣ - المستدرك (٢/ ٦١٦)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nحاضنتي: الحاضنة هي التي تقوم على تربية الصغير مقام الأم. بُهم: مفردها بهمة وهي الصغير من الشأن.\n٢٤ - مسلم (١/ ١٤٧) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات.\nالعلقة: القطعة من الدم، لأمه: جمعه وضم بعضه إلى بعض. ظئره: مرضعته: وهي حليمة، ويقال أيضًا لزوج المرضعة ظئر. منتقع: يقال: انتقع لونه وامتقع: إذا تغير.","vol":"1","page":164},{"text":"٢٥ - * روى النسائي عن أنس - أيضًا - قال: إن الصلوات فُرضت بمكة، وإن ملكين أتيا رسول الله ﷺ فذهبا به إلى زمزم، فشقا بطنه، وأخرجا حشوه في طستٍ منْ ذهبٍ، فغسلاه بماء زمزم، ثم كبسا جوفه حكمةً وعلمًا.\nأقول:\nالحادثة التي أخرجها مسلم غير الحادثة التي ذكرها النسائي، فتلك في الصحراء وهذه في مكة، وهذه متأخرة.\n٢٦ - * روى عبد الله بن أحمد عن أُبي بن كعب، أن أبا هريرة كان حريصًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله! ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسًا، وقال: \"لقد سألت أبا هريرة، إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهرٍ، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا برجلٍ يقول لرجلٍ: أهو هُوَ؟ قال: نعم\" فاستقبلاني بوجوهٍ لم أرها لخلق قط، وأرواحٍ لم أجدها من خلق قط، وثيابٍ لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحدٍ منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسًا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصرٍ، فقال أحدهما لصاحبه: أفلق صدرهُ. فهوى أحدهما إلى صدري ففلقها - فيما أرى - بلا دمٍ ولا وجعٍ. فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئًا كهيئةِ العلقةِ، ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرحمة والرأفة، فإذا مثلُ الذي أخرج شبيه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، فقال: أغدُ وأسلم فرجعتُ بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة على الكبير\".\n_________\n٢٥ - النسائي (١/ ٢٢٤) كتاب الصلاة - باب أين فرضت الصلاة.\n٢٦ - رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على أبيه ورجاله ثقات وثقتهم ابن حبان.\nلقد سألت أبا هريرة: أي: لقد سألت سؤالًا مهمًا يا أبا هريرة، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر: القصر الإجبار، والهصر: الجذب والإمالة والكسر والدفع، والمعنى أنهم شقاو صدره بكل لطف وحنان دون إجبار أو قسوة، إفلق: من الفلق وهو الشق، وفلقه: شقه.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>فوائد حول حادثة شق الصدر:</span>\n١ - قال الشيخ الغزالي:\nوهذه القصة التي روعت حليمة وزوجها، ومحمد مسترضع فيهم، نجدها قد تكررت مرة أخرى ومحمد - ﵊ - رسول جاوز الخمسين من عمره، فعن مالك بن صعصعة أن رسول الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال: بينا أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجع بين النائم واليقظان أتاني آتٍ، فشق ما بين هذه إلى هذه - يعني ثغرة نحره إلى شعرته - قال: فاستخرج قلبي: ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانًا، فغسل قلبي، ثم حُشيَ ثم أُعيد ... .\nوشيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الآثار، أن بشرًا ممتازًا كمحمد لا تدعه العناية غرضًا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، فإذا كانت للشر (موجات) تملأ الآفاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها فقلوب النبيين - بتولي الله لها - لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في (متابعة الترقي) لا في (مقاومة التدلي) وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته.\n* * *\n٢ - قال القسطلاني في المواهب:\nوهذا الشق روي أنه وقع له - ﵊ - مرات في حال طفولته إرهاصًا، وتقدم المعجزة على زمان البعثة جائز للإرهاص.\n* * *\n٣ - أقول:\nلقد ذكر العلماء أن هناك قلبًا حسيًا للإنسان يرتبط به - نوع ارتباط - القلب الذي هو محل الكفر والإيمان ومحل الرجاء والخوف والحب والبغض، ولا شك أن الشق الحسي","vol":"1","page":166},{"text":"استهدف القلب الثاني الذي هو غيب من الغيب، وإن كان بعض ما يجري فيه وعليه محسًا من الإنسان، هذا القلب يمرض، وتتراكم عليه تراكمات، وتطرأ عليه الحجب.\nتكرر حادثة الشق بل النبوة أي قبل التكليف فيه إشارة إلى إرادة الله - ﷿ - في أن يبقى قلب محمد على حالة خاصة استصلاحًا وإعدادًا، وهذا يفيد أنه حتى أطهر القلوب يحتاج إلى شيء من عالم الأسباب ليبقى على صفاء ونقاء، وتكرر حادثة شق الصدر قبيل الإسراء والمعراج فيه إشارة إلى أن بعض مقامات القلوب يحتاج إلى مزيد من الصفاء القلبي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>فصل: في رعيه ﷺ الغنم والحكمة من ذلك</span>\n٢٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ: \"ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم\" فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: \"نعم، كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>فوائد:</span>\n١ - عن حكمة رعي الغنم: قال الحافظ في الفتح: قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أني جعل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها، وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها،\n_________\n٢٧ - البخاري: (٤/ ٤٤١) ٣٧ - كتاب الإجارة - ٢ - باب رعي الغنم على قراريط.\nوأخرج نحوه ابن ماجه: (٣/ ٧٣٧) ١٢ - كتاب التجارات - ٥ - باب الصناعات مع خلاف يسير في اللفظ.\nبالقراريط: يعني كل شاة بقيراط، والقيراط هو من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وأهل الشام يعنونه جزءًا من أربعة وعشرين.","vol":"1","page":167},{"text":"ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة؛ لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل البقر، وبالإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادًا من غيرها، وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم أنه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمننه عليه وعلى إخوانه الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.\n٢ - وعن الأخذ بالأسباب للتكسب: أقول: يتحدث بعض العلماء عن الأخذ بالأسباب، وعن التجريد في موضوع كسب القوت، ويعتبرون كُلا منهما في محله هو الكمال. وهكذا كان شأن رسول الله ﷺ، فقد كانت حياته قبل النبوة عملًا متواصلًا لكسب القوت، فمن رعى غنم إلى رعي إبل إلى تجارة، ومن إجارة إلى شركة، وقد استمر هذا بعد النبوة ضمن حدد، حتى إذا اقتضت الدعوة الإسلامية تجريدًا لم يبق لمحاولة الكسب محل، فكان التجريد على أكمله، فحتى فتحت خيبر لم يكن له - ﵊ - معلوم في الرزق، بل هو الزهد والعفة والتوكل، وكلا المقامين من أعلام نبوته - ﵊ -.\n* * *","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>فصل: في عصمته ﷺ مما يشينه حتى قبل البعثة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>بناء البيت وعصمته من كشف العورة:</span>\n٢٨ - * روى الحاكم عن أبي الطفيل، قال: لما بُني البيت كان الناسُ ينقلون الحجارة والنبي ﷺ ينقل معهم، فأخذ الثوب ووضعه على عاتقه فنودي: لا تكشف عورتك، فألق الحجر ولبس ثوبه.\n٢٩ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: لما بُنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي ﷺ: اجعل إزارك على رقبتك يقك من الحجارة، فخر إلى الأرض، وطمحت عيناهُ إلى السماء، ثم أفاق فقال: \"إزاري إزاري\"، فشد عليه إزاره.\nقال في الفتح: وقد وردت رواية بنحوها وفيها: فما رئي بعد ذلك عريانًا ﷺ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>عصمته من فعل الجاهلية:</span>\n٣٠ - * روى الحاكم عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما هممت بما كان أهل الجاهلية يُهمون به إلا مرتين من الدهر، كلاهما يعصمني الله تعالى منهما، قلت ليلةً لفتى كان معي من قُريش في أعلى مكة في أغنام لأهلها ترعى: أبصر لي غنمي حتى أسْمُر هذه الليلة بمكة كما تسمر الفتيان قال: نعم، فخرجتُ فلما جئتُ أدنى دارٍ من دور مكة سمعتُ غناء وصوت دفوفٍ وزمرٍ فقلت: ما هذا؟ قالوا فلان تزوج فلانة لرجل من قريش تزوج امرأة، فلهوتُ\n_________\n٢٨ - المستدرك (٤/ ١٧٩)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، العاتق: التقاء الذراع بالكتف، ويسمى بالمنكب أيضًا.\n٢٩ - البخاري (٧/ ١٤٥) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٢٥ - باب بنيان الكعبة.\nومسلم (١/ ٢٦٨) ٣ - كتاب الحيض - ١٩ - باب ما يستتر به لقضاء الحاجة، باختلاف يسير.\nالإزار: ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن، طمحت: طمع بصري أي: امتد وعلا.\n٣٠ - المستدرك: (٢/ ٢٤٥)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وقد ضعف بعضهم هذا الحديث.","vol":"1","page":169},{"text":"بذلك الغناء والصوت حتى غلبتني عيني فنمتُ فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، فرجعتُ فسمعتُ مثل ذلك فقيل لي مثل ما قيل لي فلهوت بما سمعتُ وغلبتني عيني فما أيقظني إلا مس الشمس. ثم رجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت فقلت: ما فعلت شيئًا. قال رسول الله ﷺ: \"فوالله ما هممتُ بعدها أبدًا بسوءٍ مما يعملُ أهلُ الجاهلية حتى أكرمني الله تعالى بنبوته\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>تعليق:</span>\nفي هذه الأحاديث مظهر من مظاهر حفظ الله لرسوله ﷺ من كل ما يتنافى مع الهمة العلية والسيرة المرضية، فالمرشحون لجلائل الأعمال لا يليق بهممهم أن تتوجه إلى مثل هذه الأفعال.\n* * *","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>فصل: في حضوره ﷺ حلف الفضول</span>\n٣١ - * روى ابن سعد عن جُبير بن مُطعم قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أُحبُّ أن لي بحلفٍ حضرته بدار ابن جُدعان حُمر النعم وأني أغدر به، هاشمٌ وزُهرةُ وتيمٌ، تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بل بحر صوفةً، ولو دُعيت به لأجبتُ، وهو حلف الفضول\". قال محمد بن عمر: ولا نعلم أحدًا سبق بني هاشم بهذا الحلف.\nتعليق:\nقال ابن هشام: وكان حلف الفضول بعد الفجار، وذلك أن حرب الفجار كانت في شعبان، وكان حلف الفضول في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>فوائد حول حادث حلف الفضول:</span>\n١ - قال الشيخ الغزالي في حلف الفضول:\nأما حلف الفضول فهو دلالة على أن لحياة مهما اسودت صحائفها وكلحت شرورها، فلن تخلو من نفوس تهزها معاني النبل، وتستجيشها إلى النجدة والبر.\nففي الجاهلية الغافلة نهض رجال من أولي الخير، وتواثقوا بينهم على إقرار العدالة وحرب المظالم، وتجديد ما اندرس من هذه الفضائل في أرض الحرم. أهـ.\n٢ - هل يجوز لبعض المسلمين أن يتعاقدوا عقدًا كعقد حلف الفضول؟ وهل يجوز للمسلمين أن يتعاقدوا عقدًا مع غيرهم كعقد الفضول؟\nأقول:\nلقد أوجب الله على المسلمين التعاون على البر والتقوى بقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى\n_________\n٣١ - ابن سعد في الطبقات (١/ ١٢٨) من طريق محمد بن عمر عن محمد بن عبد الله الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف بن عبد الرحمن بن أزهر عن جبير بن مطعم.","vol":"1","page":171},{"text":"الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) فأن يتعاقد بعض المسلمين عقدًا في مثل هذا، فذلك جائز، لأنه ليس إلا مجرد تأكيد لشيء مطلوب شرعًا، على ألا يكون ذلك شبيهًا بمسجد الضرار، بحيث يتحول التعاقد إلى نوع الحزبية الموجهة ضد مسلمين آخرين ظلمًا وبغيًا، وأما تعاقد المسلمين مع غيرهم على دفع ظلم أو في مواجهة ظالم، فذلك جائز لهم، على أن تلحظ في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين في الحاضر وفي المستقبل، وفي هذا الحديث دليل، والدليل فيه هو استعداد الرسول ﷺ للاستجابة بعد الإسلام لمن ناداه بهذا الحلف.\n* * *\n_________\n(١) المائدة: ٢.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>فصل: في الإجارة عند خديجة ثم زواجه ﷺ منها</span>\n٣٢ - * روى الحاكم عن جابر، قال: استأجرت خديجة - رضوان الله عليها - رسول الله ﷺ سفرتين إلى جَرَشٍ، كل سفرة بقَلوصٍ.\n٣٣ - * روى الطبراني عن جابر بن سمرة - أو رجل من أصحاب النبي ﷺ - قال: كان النبي ﷺ يرعى غنمًا، فاستعلى الغنم فكان في الإبل، هو وشريكٌ له. فأكْريا أخت خديجة، فلما قضوا السفر بقي لهم عليها شيء، فجعل شريكهم يأتيها فيتقاضهم، ويقول لمحمد: انطلق فيقول: اذهب أنت فإني أستحي. فقالت مرة وأتاهم: فأين محمد؟ قال: قد قلت له، فزعم أنه يستحي. فقالت: ما رأيت رجلًا أشد حياء ولا أعف ولا ولا، فوقع في نفس أختها خديجة، فبعثت إليه فقالت: ائت أبي فاخطبني. قال: أبوكِ رجل كثيرُ المال، وهو لا يفعل. قالت: انطلق فألقه فكلمه فأنا أكفيك، وائتِ عند سُكْرِه. ففعل، فأتاه فزوجه، فلما أصبح جلس في المجلس، فقيل له: أحسنت زوجت محمدًا. فقال: أو قد فعلتُ. قالوا: نعم. فقام فدخل عليها فقال: إن الناس يقولون إني قد زوجت محمدًا وما فعلتُ. قالت: بلى فلا تسفهن رأيك فإن محمدًا كذا. فلم تزل به حتى رضي، ثم بعثت إلى محمد ﷺ بوقيتين من فضة، أو ذهبٍ وقالت: اشتر حلة وأهدها لي وكبشًا وكذا وكذا، ففعل.\n٣٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس - فيما يحسب حماد أن رسول الله ﷺ ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن أن يُزوجه، فصنعت طعامًا وشرابًا، فدعتْ أباها ونفرًا\n_________\n٣٢ - المستدرك (٣/ ١٨٢)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nجرش: لعلها جرش المدينة الواقعة في شمال الأردن حاليًا. قلوس: القلوس من الإبل الفتية المجتمعة الخلق، وذلك من حين تركب إلى التاسعة من عمرها ثم هي ناقة.\n٣٣ - قال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار - ورجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي خالد الوالي وهو ثقة، ورجال البزار أيضًا إلا شيخه أحمد بني حيى الصوفي: ثقة. انظر: مجمع الزوائد (٩/ ٣٢١) كتاب المناقب - باب فضل خديجة بنت خويلد.\nأكريا: الكراء معناه أجر المستأجر.\n٣٤ - قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد والطبراني رجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد (٩/ ٢٢٠) كتاب المناقب - باب: فضل خديجة بنت خويلد، وراجع نفس الحديث عند أحمد في مسنده (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":173},{"text":"من قريش، فطَعِمُوا وشربوا حتى ثمِلُوا. فقالت خديجة: إن محمد بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه. فزوجها إياه، فخلعته وألبسته حلةً، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء. فلما سري عنه سَكْرُه نظر فإذا هو مخلق وعليه حُلة. فقال: ما شأني؟ ما هذا؟ قالت: زوجتني محمد بن عبد الله. فقال أنا أزوج يتيم أبي طالب إلا لعمري. قالت خديجة: ألا تستحي، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخير الناس أنك كنت سكران. فلم تزل به حتى رضي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>تعليق حول الروايات السابقة:</span>\nقال الواقدي: والثابت عندنا المحفوظ عن أهل العلم، أن أباها (أي خديجة) خويلد ابن أسد مات قبل الفجار، وأن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله ﷺ.\nأقول:\nوفي زواج خديجة روايات كثيرة، وإنما أثبتنا هنا ما ذكر في الأصول التي اعتمدناها، وقد حمل بعضهم حملاتٍ منكرةً على هاتين الروايتين، لما ذكر فيهما من إسكار خديجة والدها، ولا أرى في ذلك شيئًا، بل هذا يدل على دهائها وحسن تأتيها للأمور، إذ الوقت وقت جاهلية ولا تحليل فيه ولا تحريم، وإذا انتفى المحظور، فبالإمكان الجمع بين هاتين الروايتين والمشهور، فقد تطلق العرب على العم أبًا، فيكون المراد بالأب في الروايتين عم خديجة، إذا ثبت أن أباها كان متوفى وقتذاك.\n* * *","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>فصل: في رجاحة عقله صلى الله عليه سلم وتلقيبه بالأمين قبل البعثة</span>\n٣٥ - * روى الإمام أحمد عن مجاهد عن مولاه أنه حدثه أنه كن فيمن يبني الكعبة في الجاهلية، قال: ولي حجر أنا أنحته بيدي أعبده من دون الله تعالى، فأجيء باللبن الخاثر الذي آنفه على نفسي فأصبه عليه فيجيء الكلب فيلحسه ثم يشفر فيبول، فبنينا حتى بلغنا موضع لحجر، وما يرى الحجر أحدٌ، فإذا هو وسط حجارتنا مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل، فقال بطن من قريش: نحن نضعه، وقال آخرون: نحن نضعه فقالوا: اجعلوا بينكم حكمًا، قالوا أول رجلٍ يطلع من الفج.\nفجاء النبي ﷺ فقالوا: أتاكم الأمين فقالوا له فوضعه في ثوبٍ، ثم دعا بطونهم فأخذوا بنواحيه معه فوضعه هو ﷺ.\n٣٦ - * روى الطبراني عن علي بن أبي طالبٍ - في بناء الكعبة - قال: لما رأوا النبي ﷺ قد دخل قالوا: قد جاء الأمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>فائدة حول تحكيمه ﷺ في وضع الحجر الأسود:</span>\nفي حادثة تجديد بناء الكعبة تجد كمال الحفظ الإلهي وكمال التوفيق الإلهي في سيرة رسول الله ﷺ، كما أنك تجد كيف أن الله أكرم رسوله بهذه القدرة الهائلة على حل المشكلات بأقرب طريق وأسهله، وذلك ما تراه في حياته كلها، وذلك معلم من معالم رسالته، فرسالته إيصال للحقائق بأقرب طريق، وحل للمشكلات بأسهل أسلوب وأكمله.\n* * *\n_________\n٣٥ - أحمد في مسنده (٣/ ٤٣٥) وقال الهيثمي في المجمع: وفيه هلال بن جنابٍ وهو ثقة وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح. اللبن الخاثر: الرائب. آنف: أنفًا وأنفه، استنكف واستكبر، يقال: فيهم أنف وأنفة. يشغر: أي يرفع الكلب إحدى رجليه ليبول. يتراءى منه وجه الرجل: أي كالمرأة. البطن: دون القبيلة ودون الفخذ. الفج: الطريق الواسع بين جبلين، وجمعه: فجاج وأفجة.\n٣٦ - قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير حفص بن عمر الضرير، وخالد بن عرعرة، وكلاهما ثقة. انظر: مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٦) كتاب علامات النبوة، باب: ما كان يدعى به ﷺ قبل البعثة.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>بركته ومحبة الناس له وثقتهم به:</span>\n٣٧ - * روى الحاكم عن كندر بن سعيد عن أبيه قال: حججتُ في الجاهلية فإذا أنا برجلٍ يطوفُ بالبيت وهو يرتجزُ ويقول:\nرب رُدَّ إلي راكبي محمدًا ... ردهُ إليَّ واصطنعْ عندي يدًا\nفقلت: من هذا؟ فقالوا: عبد المطلب بن هاشم، بعث بابن ابنه محمدٍ في طلب إبل له ولم يبعثه في حاجة إلا أنجح فيها، وقد أبطأ عليه، فلم يلبث أن جاء محمد والإبل فاعتنقه، وقال: يا بُني لقد جزعت عليك جزعًا لم أجزعه على شيء قط، والله لا أبعثك في حاجةٍ أبدًا، ولا تفارقني بعد هذا أبدًا.\nأقول:\nذكرت هذا الحديث هنا ليعلم كيف أن البركة والحب والشفقة كانت تحيط برسول الله ﷺ دائمًا وأبدًا، فبركته يحسها الجميع، وكل من يعرف يحبه أصفى الحب وأرقاه، وكل من يخالطه يمتلئ قلبه ثقة به في صغره وكبره، ولو أنك تتبعت الروايات التي سجلها كتاب سيرته ﷺ لوجدتها كلها تنصب فيما ذكرناه.\n٣٨ - * روى الحاكم عن صهيب قال: لقد صحبت رسول الله ﷺ قبل أن يوحي إليه.\nأقول:\nنذكر هذا الحديث تأسيسًا لموضوع سيطالعنا كثيرًان وهو أن كل من عرف رسول الله ﷺ وخالطه قبل النبوة آمن به بعد النبوة كأشد ما يكون الإيمان وأرقاه، وصهيب واحد من هؤلاء، وذلك من أعلام نبوته، فلولا أن حياته قبل النبوة تستدعي الإيمان به، ما كان مخالطوه ليؤمنوا به على مثل هذه الشاكلة، فهذه خديجة وزيد وأبو بكر ... وغيرهم\n_________\n٣٧ - المستدرك (٢/ ٦٠٣)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\n٣٨ - المستدرك: (٢/ ٤٠٠)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>فصل: في مقدمات بعثته ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>تطلعات إلى دين جديد صحيح:</span>\n٣٩ - * روى البخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نُفيلٍ بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي، فقُدمت إلى النبي ﷺ سُفرةً، فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إني لست آكل مما تبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسمُ الله عليه، وأن زيد بن عمروٍ كان يعيبُ على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له.\n٤٠ - * روى البخاري قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله - ولا أعلمهُ إل تحدث به عن ابن عمر - أن زيد بن عمرو بن نُفيلٍ خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيدٌ: ما أفرُّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأني أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دينُ إبراهيم؛ لم يكن يهوديًا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. فخرج زيدٌ فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحملُ من لعنةِ الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا، وأني أستطيع؟ فهل تدلُّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيدٌ قولهم في إبراهيم - ﵇ - خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهدُ أني على دين إبراهيم.\n٤١ - * روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: رأيتُ زيد بن\n_________\n٣٩ - ٤٠ - ٤١ - هذه الأحاديث الثلاثة أخرجها البخاري: (٧/ ١٤٢ - ١٤٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٢٤ - باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل.\nبلدح: هو مكان في طريق التدميم بمكة، ويقال: هو وادٍ. أنصابكم: الأنصاب جمع نَصب، وهي الحجارة التي كانوا","vol":"1","page":177},{"text":"عمرو بن نُفيل قائمًا مُسندًا ظهرهُ إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يحيى الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنتهُ: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها.\n٤٢ - * روى أبو يعلي عن سعيد بن زيدٍ، قال: سألتُ أنا وعمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن زيد بن عمرو، فقال: \"يأتي يوم القيامة أمةً وحده\".\nأقول:\nذكرت هذه الروايات عن زيد بن عمرو بن نفيل ههنا للإشعار بأنه كانت قبل البعثة تطلعات لدين يروي ظمأ القلوب العطشى إلى الحق، ولكن هذه التطلعات كانت ترتد خائبة، فتجتهد، وكل ما تصل إليه كان محدودًا، وهذا كله من أعلام نبوته ﷺ، فالناس بحاجة إلى دين صحيح، والاجتهادات لا تغني فتيلًا في هذا الشأن عن الوحي المعصوم، فأن يظهر رجل يروي الظمأ ويقيم صرح دينٍ كله حق يملأ الساحة البشرية إلى قيام الساعة فذلك وحده دليل على أن الرجل رسول الله وعلى أن دينه دين الله.\nضلال العرب في عقائدهم وفساد تصرفاتهم:\n٤٣ - * روى البخاري عن ابن عباس - ﵄ - قال: إذا سَرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ\n_________\n= ينصبونها ويذبحون عليها القرابين. وقول زيد: \"إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم\" يشعر بأنه توهُم أن هذا الذي دعي إليه قد ذبح على الأنصاب، ولم يكن الأمر كذلك\" فرسول الله ﷺ كان يتحاشى هذا وأمثاله من أمر الجاهلية، وما ورد من روايات تفيد ذلك فمرجعها إلى اختلاط بعض الرواة. الموءودة: هي الطفلة التي كانوا يدفنونها وهي حية، وذلك أنهم كانوا إذا ولد لهم بنت حفروا لها حفرة ودفنوها فيها وهي حية، يحملهم على ذلك الغيرة - في زعمهم - والبخل، فحرم الله ذلك.\n٤٢ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٧) - كتاب المناقب - باب ما جاء في زيد بن عمرو بن نفيل: رواه أبو يعلي، وإسناده حسن.\n٤٣ - البخاري (٦/ ٥٥١) ٦١ - كتاب المناقب - ١٢ - باب قصة زمزم وجهل العرب.","vol":"1","page":178},{"text":"سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿.... قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١).\nأقول:\nتذكر الآيات فيما بعد ذلك من سورة الأنعام أن العرب حرموا الإناث من الأنعام كما اعتبروا أن ما يفعلونه من كفر وشرك يمثل مشيئة الله، وتذكر هذه الآيات تكذيب العرب بالآيات واليوم الآخر، وإشراكهم بالله ﷿، ولو أنك تتبعت نصوص الكتاب والسنة التي تتحدث عما كان عليه العرب وغيرهم قبل البعثة النبوية لرأيت عجبًا، ولخلصت إلى أن من أعلام النبوة أن يبعث الله محمدًا ﷺ والحال على ما هي عليه، لأنه لا أمل في أي نوع من الهداية للبشرية إلا بهذه البعثة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢).\n٤٤ - * روى البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاحُ الناس اليوم يخطبُ الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدتُ، فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه،\n_________\n٤٤ - البخاري (٩/ ١٨٢ - ١٨٣) ٦٣ - كتاب النكاح - ٣٦ - باب من قال: لا نكاح إلا بولي.\nوأخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).\nالطمث: الحيض والدم. الاستبضاع: هو استفعال من البضع وهو الجماع، وذلك أن تطلب المرأة جماع الرجل لتنال منه الولد فقط، القافة: الذين يشبهون بين الناس، فيثبتون النسب بالشبه، فالتاط به: أي ألصقه بنفسه وجعله ولده.\n(١) الأنعام: ١٤٠.\n(٢) البينة: ١/ ٣.","vol":"1","page":179},{"text":"فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن راياتٍ تكن علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطتة به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بُعث محمدٌ ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم.\nأقول:\nهذا نموذج على ما كان عليه الحال في الجاهلية، فإذا ما عرفت أن بعض النساء كن يطفن بالكعبة عاريات أدركت أين وصل الإسفاف في العبادات وفي العلاقات، فإذا ما اجتمع لذلك عبادة الأصنام عرفت الرحمة الإلهية بالبشرية إذ بعث الله محمدًا ﷺ فأعطى أصفى أنواع التوحيد وأرقى أنواع العبادة وأطهر أنواع المعاملات والآداب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>نقل حول ما وصل إليه العرب من سوء الأحوال وحاجتهم إلى الدين الجديد:</span>\nلخص الأستاذ الندوي الحال التي كان عليها العرب وغيرهم وقتذاك بقوله:\nكانت الأوضاع الفاسدة، والدرجة التي وصل إليها الإنسان في منتصف القرن السادس المسيحي أكبر من أن يقوم لإصلاحها مصلحون ومعلمون في أفراد الناس، فلم تكن القضية قضية إصلاح عقيدة من العقائد، أو إزالة عادة من العادات، أو قبول عبادة من العبادات، أو إصلاح مجتمع من المجتمعات، فقد كان يكفي له المصلحون والمعلمون الذين لم يخل منهم عصر ولا مصر.\nولكن القضية كانت قضية إزالة أنقاض جاهلية، ووثنية تخريبية، تراكمت عبر القرون والأجيال، ودفنت تحتها تعاليم الأنبياء والمرسلين، وجهود المصلحين والمعلمين، وإقامة بناء شامخ مشيد البنيان، واسع الأرجاء، يسع العالم كله، ويؤوي الأمم كلها، قضية إنشاء إنسان جديد، يختلف عن الإنسان القديم في كل شيء، كأنه ولد من جديد، أو عاش من جديد ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي","vol":"1","page":180},{"text":"الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) قضية اقتلاع جرثومية الفساد واستئصال شأفة الوثنية، واجتثاثها من جذورها، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، وترسيخ عقيدة التوحيد في أعماق النفس الإنسانية ترسيخًا لا يتصور فوقه، وغرس ميل إلى إرضاء الله وعبادته، وخدمة الإنسانية، والانتصار للحق، يتغلب على كل رغبة، ويقهر كل شهوة، ويجرف بكل مقاومة، وبالجملة الأخذ بحجز الإنسانية المنتحرة التي استجمعت قواها للوثوب في جحيم الدنيا والآخرة، والسلوك بها على طرق أولها سعادة يحظى بها العارفون المؤمنون. وآخرها جنة الخلد التي وعد المتقون، ولا تصوير أبلغ وأصدق من قول الله - تعالى - في معرض المن يبعثه محمد ﷺ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الفترة التي بين عيسى ونبينا - عليهما الصلاة والسلام </span>-:\n٤٥ - * روى البخار يعن سلمان - ﵁ - قال فترة بين عيسى ومحمد - عليهم الصلاة والسلام - ستمائة سنةٍ.\nنقل:\nقال الحافظ في الفتح: المراد بالفترةِ المدة التي لا يبعث فيها رسول من الله، ولا يمتنع أن ينبأ فيها من يدعو إلى شريعة الرسول الأخير، ونقل ابن الجوزي الاتفاق على ما اقتضاه حديث سلمان هذا، وتعقب بأن الخلاف في ذلك منقول، فعن قتادة: .... خمسمائة وستين سنة أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه.\n_________\n٤٥ - البخاري: (٧/ ٢٣٧) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار - ٥٢ - باب إسلام سلمان الفارسي - ﵁.\n(١) الأنعام: ١٣٢.\n(٢) آل عمران: ١٠٣.","vol":"1","page":181},{"text":"أقول:\nقد يكون مرجع الخلاف بين روايتي سلمان وقتادة إلى أن أحدهما اعتبر الزمن الواقع بين البعثة والبعثة، وآخر اعتبر الزمن الواقع بين بعثة وميلاد، ولا يترتب على ذلك حكم، أو أن أحدهما أعتبر السنين الشمسية والآخر القمرية، والمشهور أن بين المولدين ٥٧٠ سنة شمسية، والقياس بالسنة الشمسية أو القمرية يترتب عليه فارق كبير.\nويلحظ من هذا الحديث طول فترة انقطاع الوحي، مما يؤكد حاجة الناس إلى من يصحح لهم المسار، ويربطهم من جديد بالسماء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>إرهاصات بنبوته ﷺ:</span>\n٤٦ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأعرف حجرًا بمكة، كان يُسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن\".\n٤٧ - * روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لخديجة: \"إني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا وإني أخشى أن يكون بي جنن\". قالت: لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله. ثم أتت ورقة بن نوفل فذكرت ذلك له فقال: إن يك صادقًا فإن هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث وأنا حي فسأعززه وأنصره وأومن به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>فائدة:</span>\nفي هذا الحديث والذي قبله مظهران من الإرهاصات والتمهيدات التي هيأت رسول الله ﷺ للأمر الجلل وهو استقبال الوحي\n_________\n٤٦ - مسلم: (٤/ ١٧٨٢) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ١ - باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.\nوالترمذي (٥/ ٥٩٣) ٥٠ - كتاب المناقب - ٥ - باب ما جاء في آيات نبوة النبي صلى الله عيه وسلم وما قد خصه الله به. وقال: حديث حسن غريب.\n٤٧ - رواه أحمد في مسنده (١/ ٣١٢)، والطبراني بنحوه وزاد: وأعينه.\nالناموس: صاحب السر المطلع على باطن أمرك، أو صاحب سر الخير. وجبريل - ﵇ - \" والظاهر أنه الوحي. عززه: شدده وقواه.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>خاتمة الباب</span>\nونختم هذا الباب بتعليق:\nهذه السيرة العامرة العطرة النظيفة قبل النبوة، كانت من أعظم التمهيدات للنبوة وللثقة بصاحبها، فإذا ما اجتمع إلى ذلك التمهيدات القديمة لهذه النبوة، فإن رصيدًا ضخمًا من المقدمات أوصل إلى أن يستقبل هذا العالم النبوة الخاتمة كاستقبال المطر، فلا غرو أن تنتشر رسالته هذا الانتشار.\nانظر إلى وصفه من قومه بالأمين قبل النبوة.\nانظر إلى وصف خديجة له - بما معناه - من أنه يصل الرحم، ويحمل المنقطع، ويقري الضيف، ويغيث الملهوف، ويعين على نوائب الحق.\nثم انظر إلى البشارات به في النبوات السابقة، واصطفائه من العرب الأمة الفطرية، واختياره من ذرية إبراهيم لتكون له عراقة النبوة.\nوانظر إلى ما اختار الله له من كمال الاسم والنسب والتركيب الخلقي والخُلقي، وإلى الإرهاصات التي رافقت حياته الأولى.\nثم انظر إلى ما سخره الله له وما هيأه له من علاقات نظيفة، وما كان فيه من فقر وعمل ويُتْمٍ وحلم وبُعد عن التطلعات الهابطة أو التطلعات الدنيوية.\nفإنك تجد في هذا كله قوة الأساس للمرحلة اللاحقة (مرحلة النبوة).\nإن هذا وغيره ليدل على أن قدر الله يسوق كل شيء لصالح هذه النبوة وهذه الرسالة، فلقد سبقت هذه الرسالة بمرحلة ممتدة في الزمان. وُجِدَت فيها كل المقدمات التي تخدم الدعوة الخاتمة من مكانة قريش بين العرب، والنسب إلى إبراهيم - ﵊ - وحفظ النسب من السفاح والضياع، وأخذ العهد على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أن يؤمنوا بمحمدٍ إذا بعث، وما سبق من تعميق قضية النبوة في الحياة البشرية.","vol":"1","page":183},{"text":"كل ذلك كان مقدمات خدمت الرسالة الخاتمة والدين الخاتم الذي ستطالب به البشرية كلها.\nولعل من أهم المقدمات التي تقدمت الدعوة الإسلامية فساد الدين والدنيا قبل البعثة؛ فالنصوص الدينية حُرفت، والتصورات خرفِت، والضمائر فسدت، والظلم كثر، والشهوات تحكمت، والفطرة البشرية السليمة بدأت تتطلع إلى نبوة جديدة ورسول، وجاءت النبوة والرسالة لمحمد بن عبد الله ﷺ.\nاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ\n* * *","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>الباب الثاني\nمن\nالبعثة حتى الاستقرار في المدينة</span>","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>هذه المرحلة في سطور</span>\n* بعد ثلاث سنوات من العزلة والخلوة، وبعد ستة شهر من الرؤيا الصادقة، وفي يوم الإثنين لإحدى وعشرين مضت من رمضان ليلًا - على ما رجحه المباركفوري في (الرحيق المختوم) - وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة قمرية وستة أشهر واثني عشر يومًا، أي تسعة وثلاثين سنة شمسية وثلاثة أشهر واثني عشر يومًا، نزل عليه الوحي.\n* أخبر الرسول ﷺ خديجة بما حدث فطمأنته، وأخبرت هي بدورها ورقة بن نوفل فطمأنها وبشرها بأنها النبوة.\n* فتر الوحي بعد ذلك أيامًا لتذهب حرة المفاجأة وليحدث التشوق، ثم ظهر له جبريل مرة ثانية جالسًا على كرسي بين السماء والأرض، فعاد إلى أهله طالبًا التزمل والتدثر فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ....﴾ و﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * ....﴾، وكان في ذلك الأمر بالتبليغ والدعوة.\n* بدأ الرسول ﷺ يدعو سرًا، واستمرت الدعوة السرية ثلاث سنين، ثم دعا جهرًا في مكة، فلم يتحرك أحد من أهلها أو ممن حولها أو ممن يأتي إليها حاجًا أو معتمرًا إل وقد حاول إيصال الدعوة إليه، على مدى سبع سنين بعد الدعوة السرية، ثم حاول أن يخرج بالدعوة إلى الطائف في السنة العاشرة، ولكن أهل الطائف لم يستجيبوا له، فعاد إلى مكة ودخلها في حماية المطعم بن عدي، ثم بعد ذلك وعلى مدار ثلاث سنوات دخل الإسلام إلى المدينة المنورة، وتمت في اسنتين الأخيرتين بيعتا العقبة الأولى والثانية، ثم كان الإذن بالهجرة والاستقرار في المدينة.\n* استجاب للدعوة خلال المرحلة السرية حوالي أربعين نفرًا - ويرى بعضهم أن هذا العدد لم يكتمل إلا في السنة السادسة أي بعد ثلاث سنين من الجهر على رأي ابن هشام - وكانت الصلاة المفروضة عليهم وقتذاك - وبقي هذا حتى حادثة الإسراء - ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي - على قولٍ -، وقد فرض عليهم في المرحلة الأولى قيام الليل.\n* بدأت الدعوة الجهرية بدعوة عشيرته الأقربين جهرًا، دعوة جماعية، ثم دعا قريشًا","vol":"1","page":187},{"text":"جميعها دعوةً جماعيةً، ثم بدأ ينقض البنيان الديني للناس نقضًا مباشرًا وصريحًا؛ وههنا بدأ أصعب صراع وأشده، ومنذ المرحلة السرية بدأ الكيد يأخذ أبعاده الكثيرة المتعددة، والإيذاء ينصب على المسلمين الذين لا يجدون حماية.\n* ثم زاد الأمر شدة فتمخض ذلك عن الهجرة الأولى إلى الحبشةن وانطلق أول فوج في رجب من السنة الخامسة للبعثة وكان مكونًا من اثني عشر رجلًا وأربع نسوة.\n* ثم حدثت حادثة مشاركة المشركين لرسول الله ﷺ في سجوده إثر تلاوة سورة (النجم)، فبلغ ذلك مهاجري الحبشة فظنوا أن قريشًا أسلمت فرجعوا، ثم تبين لهم كذب الشائعة فرجع بعضهم إلى الحبشة، ودخل بعضهم مكة مستخفيًا أو في جوار، واشتد البلاء على المسلمين، فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وفي هذه المرة هاجر ثلاثة وثمانون رجلًا وثماني عشرة امرأة أو تسع عشرة امرأة، وكادت قريش للمسلمين عند النجاشي ولكنها لم تفلح.\n* ثم لجأت قريش إلى تهديد أبي طالب وإغرائه ليتخلى عن محمد ﷺ أو يُسلمه إياها، فباءت محاولاتها بالفشل.\n* وأسلم في السنة السادسة للبعثة حمزة وعمر بن الخطاب وكان إسلامهما نصرًا وفتحًا، وههنا مالت قريش للمفاوضة والمسالمة فلم تنجح، وجد أبو طالب في الحماية فعبأ بني هاشم وبني المطلب لذلك. فاجتمعوا على ذلك ما عدا أبا لهب.\n* وعلى إثر هذا كله تعقدت قريش في السنة السابعة للبعثة على مقاطعة المسلمين ومقاطعة بني هاشم وبني المطلب، ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم، حتى يُسلموا إليهم رسول الله صلى الله لعيه وسلم. وكانت محنةً عظيمة استمرت ثلاث سنين.\n* وفي المحرم سنة عشر من النبوة حدث نقض الصحيفة وفك الميثاق بتوفيق من الله، تم بترتيب من بعض المتعاطفين وأصحاب الأريحية.\n* ثم حاولت قريش المحاولة الأخيرة مع أبي طالب ليثنوا محمدًا ﷺ عن دعوته، وهو","vol":"1","page":188},{"text":"على فراش المرض، فلم تنجح.\n* وكان العام العاشر للبعثة عام حزن، فقد توفي فيه أبو طالب في رجب سنة عشر للبعثة بعد الخروج من الشعب بستة أشهر، وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين - على قولٍ - توفيت أم المؤمنين خديجة - ﵂ - وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة ولها خمس وستون سنة ورسول الله ﷺ في الخمسين من عمره، وفقد بذلك الدعم البيتي والدعم الخارجي، ولله في ذلك حكمة، وتجرأ المشركون على رسول الله ﷺ وزادوا في أذاه، فخرج إلى الطائف لعله يجد أرضًا أكثر خصبًا، ولكن لم يجد استجابة.\n* وفي شوال من السنة العاشرة تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة - ﵂ - على إثر وفاة خديجة، وكانت ممن أسلم قديمًا وهاجرت الهجرة الثانية إلى الحبشة مع زوجها السكران بن عمرو الذي توفي بأرض الحبشة أو بعد العودة إلى مكة.\n* وفي موسم الحج في السنة الحادية عشرة من النبوة دخلت الكوكبة الأولى من خزرج المدينة في الإسلام وكانوا ستة وعادوا دعاة مبشرين، ففشا ذكر الرسول ﷺ في المدينة، وفي شوال من نفس السنة عقد رسول الله ﷺ على عائشة - ﵂ - وكانت صغيرة السن؛ لذلك لم يدخل بها إلا بعد الهجرة.\n* وفي هذه المرحلة حدثت حادثة الإسراء - على خلاف كبير في تعيين زمنها، هل هو في السابع والعشرين من رجب في السنة العاشرة للبعثة؟ أم في رمضان في السنة الثانية عشرة للبعثة؟ أو المحرم في السنة الثالثة عشرة للبعثة؟ أو ربيع الأول في السنة الثالثة عشرة؟ وهناك أقوال أخرى. وأشهر الأقوال وأقواها القول الأول.\n* وفي السنة الثانية عشر للبعثة وافى موسم الحج اثنا عشر نفرًا من المدينة منهم خمسة سبقوا في العام السابق وسبعة جدد وكانت بيعة، وأرسل رسول الله ﷺ مع هؤلاء مصعب ابن عمير ليعلمهم ويفقههم ويقرئهم القرآن ويدعو إلى الله، وانتشر الإسلام في المدينة.\n* وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة تمت بيعة العقبة الثانية مع بضع وسبعين نفرًا من أهل المدينة المنورة، واختاروا بأمر النبي ﷺ اثني عشر نقيبًا منهم.","vol":"1","page":189},{"text":"* جاء بعد ذلك الإذن بالهجرة، وتآمرت قريش على رسول الله ﷺ ليقتلوه وأنجاه الله منهم، وكانت الهجرة، وتم الاستقرار في المدينة، وكانت مرحلة جديدة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>من ملامح هذه المرحلة</span>\n١ - إنها مرحلة تبليغ ودعوة مستمرين، فلقد سمع بالدعوة كل العرب تقريبًا، ولقد استفاد رسول الله ﷺ من موسم الحج، فبلغ تبليغًا مباشرًا على مدى سنوات كل من استطاع الوصول إليهم.\nقال المقريزي:\nثم عرض نفسه على القبائل أيام الحج، ودعاهم إلى الإسلام وهم: بنو عامر وغسان وبنو فزارة وبنو مرة وبنو حنيفة وبنو سليم وبنو عبس وبنو نصر وثعلبة بن عكاية وكندة وكلب وبنو الحارث بن كعب وبنو عُذرة وقيس بن الخطيم وأبو الحيسر أنس بن أبي رافع وبنو شيبان وبنو مجاشع وسويد بن الصامت والطفيل بن عمرو الدوسي وصمام بن ثعلبة.\nوقد اقتص الواقدي أخبار هذه القبائل قبيلة قبيلة.\nويقال: إنه ﷺ بدأ بكِندة فدعاهم إلى الإسلام ثم أتى كلبًا ثم بنى حنيفة ثم بني عامر، وجعل يقول: مَنْ رجلٌ يحملني إلى قومه فينعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟ هذا؛ وعمُّه أبو لهب وراءه يقول للناس: إنه كاذب، إنه ساحر، إنه كاهن، إنه شاعر، أكاذيب يقترفونه بها حسدًا من عند أنفسهم وبغيًا؛ فيُصغي إليهم من لا تمييز له من أحياء العرب، وأما الألباء فإنهم إذا سمعوا كلامه ﷺ وتفهموه شهدوا بأن ما يقوله حق وصدق، وأن قومه يفترون عليه الكذب، فيسلمون.\n٢ - إنها مرحلة تكوين رفيع المستوى للجيل الأول، فقد انصهر فيها ذلك الجيل بالمعاني القرآنية واحترق بمعاني العبادة، وخرج ذهبًا من محنة الاضطهاد والإيذاء","vol":"1","page":190},{"text":"والتشكيك، وتجرد للآخرة حق التجرد، وانسلخ عن الجاهلية انسلاخًا تامًا، وبذلك وُجِدَ الجيل القادر على حمل الدعوة وصهرِ الناس فيها حتى إذا جاءت مرحلة الدولة في المدينة المنورة كان الملاك القيادي معدًا.\nلقد كانت المرحلة المكية مرحلة تعريف وتكوين، وضع فيها الأساس للعمل الدعوي والتكويني إلى قيام الساعة، كما أنها المرحلة التي تعد لأعباء المرحلة اللاحقة مرحلة الجهاد المتواصل، على أعلى وأرقى ما يكون.\nلقد كانت مرحلة مران على ضبط النفس والطاعة المطلقة، وكانت مرحلة تعلق بالمثل العليا - وهم رسل الله ﷺ جميعًا - ولذلك نزلت أكثر قصص الأنبياء في هذه المرحلة.\nوقد أخذ الأستاذ البنا - ﵀ - من هذه المرحلة والمرحلة اللاحقة فكرته الرئيسية: أن الدعوة الإسلامية مر بثلاث مراحل: مرحلة التعريف ومرحلة التكوين ومرحلة التنفيذ. ولقد صاغ نظريته هذه متأسيًا بالسيرة، ومنسجمًا مع اكتمال الوحي واستقرار التشريع، وملاحظًا الأوضاع المعاصرة للمسلمين، فكانت نظرية لا أجمل منها ولا أكمل.\n٣ - وتجد في هذه المرحلة أن الرسول ﷺ كان يتجنب الصراع السياسي والصراع العسكري، ويكرس كل جهوده للوصول بالدعوة إلى قلوب الناس وعقولهم، دون أن يعطي لعدوه فرصة الاستئصال للدعوة والداعية، بل كان كثير الحرص على تأمين الحماية للدعوة والداعية والمستجيبين، ولقد عدّد الطرق التي تتأمن بها الحماية: فمن دخول في حماية، إلى أمر بهجرة، إلى طلب لبعضهم أن يعيشوا في أكناف قبائلهم مستفيدًا من الأعراف والعادات والتقاليد.\nوهذا وضع يجب أن يفطن له الدعاة فلا يعطوا فرصًا لخصومهم كي يستأصلوهم، وعليهم أن يستفيدوا من الأعراف الدولية والقوانين المحلية ليعطوا لدعوتهم فرصة السير.\n٤ - كما أنه من الواضح في هذه المرحلة أن الرسول ﷺ كان دائب البحث عن الجهة القادرة على حماية هذا الدين ونصرته والقيام بنشره، وفي اصطلاح عصرنا كان دائم","vol":"1","page":191},{"text":"البحث عما تقوم به دولة الإسلام يعيش المسلمون في ظلها أحرارًا آمنين، وتقوم هذه الدولة بحمل الإسلام والتبشير به والانتصار له ولأهله، وجاءت الفرصة بقبول الأوس والخزرج القيام بهذا الدور، وبذلك قامت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة، وهذا درس للدعاة ألا تقف هممهم دون الوصول إلى دولة للإسلام تقيمه في واقع الحياة وتحمي حماه.\n٥ - إنها مرحلة بطيئة من حيث الكم كبيرة من حيث الكيف؛ لأنها المرحلة التي تمهد لكل المراحل اللاحقة إلى قيام الساعة.\n* * *","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>فصل: في بدء الوحي وفترته واستئنافه</span>\n٤٨ - * روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ - أنها قالت: أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاءُ، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنثُ فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لِمُثُلِهَا.\nحتى جاءه الحق - وفي رواية: حتى فجأه الحق - وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئٍ، قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأن قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهدُ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ!؟ فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني،\n_________\n٤٨ - البخاري (١/ ٣٣) ١ - كتاب بدء الوحي.\n٢ - باب حدثنا يحيى بن بكير.\nمسلم (١/ ١٢٩) ١ - كتاب الإيمان - ٧٣ - باب: بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ.\nالتحنُّث: التعبد وهو أن يفعل فعلًا يخرج به من الحنث، وهو الإثم. نزعتُ إلى أهلي: أي رجعت. غطه: إذا حطه بشدة كما يغطه في الماء إذا بالغ في حطه فيه. الجهد: بفتح الجيم: المشقة، وبضمها: الطاقة، وقيل: هما لغتان. زملوني: التزميل والتدثير: واحد وهو التغطية والتلفف في الثوب. لقد خشيت على نفسي تكلم العلماء في معنى هذه الخشية بأقوال كثيرة: فذهب أبو بكر الإسماعيلي إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم بأن الذي جاءه ملك من عند الله، وكان أشق شيء عليه أن يقال عنه: مجنون. وقد قيل في قوله: \"لقد خشيت على نفسي\"، أي: خشيت ألا أنهض بأعباء النسوة، وأن أضعف عنها، ثم أزال الله خشيته، ورزقه الأيد والقوة والثبات والعصمة، وقد قيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، ولا غرو، فإنه بشر يخشى من القتل والإذاية الشديدة ما يخشاه البشر، ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية، ويجلب إلى قلبه كل شجاعة قوة. الكل: الأثقال والحوائج المهمة والعيال، وكل ما يتكلفه الإنسان من الأحوال، ويحمله عن غيره فهو كلّ. تكسب المعدوم: جعل الكسب لنفسه وأنه يصل إلى كل معدوم ويناله فلا يتعذر عليه لتعذره. وقيل: أي يعطي الشيء المعدوم غيره ويوصله إلى كل من هو معدوم عنده. ويقال كسبت مالًا: وكسبت زيدًا مالًا: أي أعنته على كسبه ومنهم من عداه بالهمزة، يقال: أكسبت زيدًا مالًا، أي جعلته يكسبه. والقول الثاني أولى القولين، لأنه أشبه بما قبله في باب التفضل والإنعام، إذ لا إنعام أن يكسب هو لنفسه مالًا كان معدومًا عنده، وباب الحظ السعادة في الاكتساب غير باب التفضل والإنعام، الناموس: صاحب سر الملك الذي لا يحضر إلا بخير، ولا يُظهر إل الجميل، وسمي جبريل ﵇ ناموسًا، لأنه مخصوص بالوحي والغيب الذي لا يطلع عليه أحد من الملائكة سواه. =","vol":"1","page":193},{"text":"فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (١).\nفرجع بها رسول الله ﷺ يرجُف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد - ﵂ - فقال: \"زملوني، زملوني، زملوني\" فزملوه حتى ذهب عنه الروعُ، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر -: \"لقد خشيت على نفسي\" فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.\nفانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسدٍ بن عبد العزى ابن عم خديجة - وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي - فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيه جذاعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: \"أو مخرجي هم؟ \" قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحي.\nقال البخاري: وتابعه هلال بن رداد عن الزهري، وقال يونس ومعمر: (ترجف بوادره).\nوفي حديث معمر عن الزهري عند مسلم (فوالله لا يحزنك الله أبدًا) بالحاء والنون.\nوزاد البخاري (٢) في رواية أخرى قال: (وفتر الوحي فترة، حتى حزن النبي ﷺ -\n_________\n= جذعًا: الجذع هاهنا: كناية عن الشباب، يقول: يا ليتني كنت شابًا عند ظهورك لأنصرك وأعينك. نصرًا مؤزرا: أي: مؤكدًا قويًا، ترجف: تخفق وبوادره جمع بادرة، وهي اللحمة تكون بين عتق الإنسان ومنكبه، وكذلك في غير الإنسان.\n(١) العلق: ١، ٢، ٣.\n(٢) البخاري (١٢/ ٣٥٢) ١١ - كتاب التعبير - ١ - باب أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة. يتردى: التردي: الوقوع من وضع عال، الشواهق: الجبال العالية، الواحد: شاهق، أوفى: أشرف على الشيء. وذروة كل شيء: أعلاه، الجأش: الجنان والقلب.","vol":"1","page":194},{"text":"فيما بلغنا - حُزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يُلقي نفسه منه: تبدى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك).\nوأخرج الترمذي (١) طرفًا من هذا الحديث عن عائشة قالت: (أول ما ابتُدئ به رسول الله صلى الله عيه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به: أن لا يرى شيئًا إلا مثل فلق الصبح فمكث على ذلك ما شاء الله أن يمكث، وحبب إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>السر في الخلوة:</span>\nعند قوله: (ثم حبب إليه الخلاء) قال صاحب الفتح:\nوالخلاء بالمد الخلوة، والسر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له.\nأقول: وقد أخذ بعض أهل السلوك إلى الله من ذلك فكرة الخلوة مع الذكر والعبادة في مرحلة من مراحل السلوك؛ لتنوير القلب وإزالة ظلمته وإخراجه من غفلته وشهوته وهفواته، وبعضهم يستحبها للسالك في أول سيره ويركز على الاعتكاف في رمضان وغيره، أخذًا من حال رسول الله ﷺ في الابتداء والانتهاء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>حياته قبل النبوة:</span>\nعند قول خديجة: (كلا والله لا يخزيك الله أبدًا. إنك .....).\nقال صاحب الفتح: استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدًا بأمر استقرائي،\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ٥٩٦) ٥٠ - كتاب المناقب، باب: ٦. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.","vol":"1","page":195},{"text":"وصفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو من لا يستقل، وذلك كله مجموع فيما وصفناه به.\nأقول: لعل أبلغ وصف توصف به حياته - ﵊ - قبل النبوة ما وصفته به خديجة - وهي أعرف الخلق به - لقد اجتمع له - ﵊ - أطهر قلبٍ وأكرمُ سلوكٍ، فكانت كرامة الله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المراحل الأولى للوحي:</span>\nقال في الفتح:\n(فائدة): وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان. وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين وهي ما بين نزول اقرأ ويا أيها المدثر عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط. ثم راجعت المنقول عن الشعبي من تاريخ الإمام أحمد، ولفظه من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه. فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة. أخرجه ابن أبي خيثمة من وجه آخر مختصرًا عن داود بلفظ: \"بعث لأربعين، ووكل به إسرافيل ثلاث سنين، ثم وكل به جبريل. فعلى هذا فيحسن - بهذا المرسل إن ثبت - الجمع بين القولين في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، فقد قيل ثلاث عشرة، وقيل عشر، ولا يتعلق ذلك بقدر مدة الفترة، والله أعلم. وقد حكى ابن التين هذه القصة، لكن وقع عنده ميكائيل بدل إسرافيل، وأنكر","vol":"1","page":196},{"text":"الواقدي هذه الرواية المرسلة وقال: لم يقرن به من الملائكة إلا جبريل، انتهى. ولا يخفى ما فيه، فإن المثبت مقدم على النافي إلا إن صحب النافي دليل نفيه فيقدم، والله أعلم. وأخذ السهيلي هذه الرواية فجمع بها المختلف في مكثه ﷺ بمكة، فإنه قال: جاء في بعض الروايات المسندة أن مدة الفترة سنتان ونصف، وفي رواية أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر. فمن قال مكث عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة، ومن قال ثلاث عشرة أضافهما. وهذا الذي اعتمده السهيلي من الاحتجاج بمرسل الشعبي لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أيامًا.\nأقول: على القول: إن فترة الوحي كانت ثلاث سنين فيكون نزول سورة المدثر والمزمل بعد بدء الوحي بثلاث سنين، وبسبب هذا القول ذهب من ذهب أن النبوة كانت على رأس الأربعين، وأن الرسالة كانت بعد ثلاث سنين، والراجح عندي أن الأمر بالدعوة لم يكن متأخرًا كثيرًا عن بدء الوحي، ولكن منذ بدء الوحي حتى انتهاء الفترة السرية كان ثلاث سنين، وعلى كل الأحوال فإن سورة ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ نزلت بعد فترة الوحي، وعلى هذا تحمل الرواية التي تذكر أن أول ما نزل سورة المدثر فهي أولية نسبية ذلك أنها أول ما نزل بعد فترة الوحي.\n٤٩ - * روى الحاكم عن جابر ﵁ قال: سعت رسول الله ﷺ وهو يُحدث عن فترة الوحي قال: \"فقلت زملوني فدثروني فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ \" قال هي الأوثان.\nيؤكد هذا الحديث أن سورة المدثر نزلت بعد فترة الحي فليس هي أول سورة نزلت بإطلاق، بل هي أول ما نزل بعد فترة الوحي.\n٥٠ - * روى البخاري عن جُندُب بن سفيان البجلي ﵁ قال: اشتكى رسولُ\n_________\n٤٩ - المستدرك (٢/ ٢٥١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه اللفظة.\nزملوني: أي لفوني بثيابي، والمزمل هو الملتف بثيابه، وكذلك دثروني. الأوثان: الأصنام، والوثن هو الصنم.\n٥٠ - البخاري (٨/ ٧١٠) ٦٥ - كتاب التفسير - ٩٣ - سورة الضحى - ١ - باب: ما ودعك ربك وما قلى. ومسلم (٣/ ١٤٢٢) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٩ - باب: ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين. =","vol":"1","page":197},{"text":"الله ﷺ، فلميقُم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءته امرأةٌ، فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١).\nوفي رواية قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ: فقال المشركون: قد ودع محمدٌ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.\n٥١ - * روى الترمذي عن جُندب البجلي قال: كنتُ مع النبي ﷺ في غارٍ، فدميتْ إصبعه، فقال النبي ﷺ:\nهل أنتِ إلا إصبع دميتِ ... وفي سبيل الله ما لقيتِ؟\nقال: فأبطأ عليه جبريل ﵇، فقال المشركون: قد ودع محمدٌ، فأنزل الله ﵎: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.\nذكرت هذه الرواية ههنا لأنه اختلط على بعض العلماء فترة الوحي هذه بفترة الوحي التي كانت بعد فجأة الوحي وليس ذلك صحيحًا. قال صاحب الفتح:\nوالحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول والضحى غير الفترة المذكورة في ابتداء الحي. فإن تلك دامت أيامًا وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا. وههنا إشكال: أن بعض الروايات تذكر: أن خديجة قالت رسول الله ﷺ: ما أرى ربك إلا قد قلاك، وقد قال صاحب الفتح في هذا:\nوقع في رواية أخرى عن الحاكم (فقالت خديجة) وأخرجه الطبري أيضًا من طريق عبد الله بن شداد (فقالت خديجة ولا أرى ربك) ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه\n_________\n= اشتكى: أي: مرض. والمرأة: هي أم جميل - بفتح الجيم - امرأة أبي لهب وأخت أبي سفيان، وقرب: بالضم لازم، يقال: قرب الشيء، أي: دنا، وبالكسر: متعد، يقال: قربته، أي: دنوت منه. شيطانك: أي أنها كانت تقول عن الوحي شيطان، قاتلها الله وتبت يداها ويدا زوجها. والليل إذا سجى: أي ثبت بظلامه وسكن بأهله. قلا: قلاه: إذا هجره، والاسم: القلي. ودع: أي فورق، ويقال ودع المسافر الناس أي فارقهم محييًا لهم.\n(١) الضحى: ١ - ٣.\n٥١ - الترمذي (٥/ ٤٢٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٨٢ باب: ومن سورة الضحى، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":198},{"text":"(فقالت خديجة لما ترى من جزعه)، وهذان طريقان مرسلان ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كلًا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل عبرت - لكونها كافرة - بلفظ شيطانك. وخديجة عبرت - لكونها مؤمنة - بلفظ ربك أو صاحبك، وقالت أم جميل شماتة وخديجة توجعًا.\nوفي الجمع بين سببي النزول لقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، أقول: إنه قد يتكرر نزول الآية مرة بعد مرة على إثر حوادث متعددة.\n٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال أبو سلمة سألت جابرًا، فقلت له مثل ما قلت لي، فقال لي جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله لعيه وسلم، قال: \"جاروتُ بحراءٍ شهرًا، فلما قضيت جواري، هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرتُ عن شمالي، فلم أر شيئًا، ونظرتُ أمامي فلم أر شيئًا، ونظرتُ خلفي، فلم أر شيئًا، فرفعتُ رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيتُ خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، وصبوا علي ماء باردًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١) \" وذلك قبل أن تفرض الصلاة.\nوفي رواية (٢) \"فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديتُ فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فلم أر أحدًا، ثم نوديتُ، فنظرت فلم أر أحدًا، ثم نوديتُ فرفعتُ رأسي، فإذا هو قاعدٌ على عرشٍ في\n_________\n٥٢ - والبخاري (٨/ ٦٧٦) ٦٥ - كتاب التفسير - ٧٤ - سورة المدثر.\nمسلم (١/ ١٤٤) ١ - كتاب الإيمان - ٧٣ - باب: بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ.\nفلما قضيت جواري: أي محاورتي واعتكافي في الغار. فاستبطنت الوادي: أي: صرت في باطنه، فأخذتني رجفة شديدة: الرجفة: الاضطراب.\n(١) المدثر: ١ - ٥.\n(٢) مسلم (١/ ١٤٤) ١ - كتاب الإيمان - ٧٣ - باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":199},{"text":"الهواء - يعني جبريل - فأخذتني رجفةً شديدةً، فأتيت خديجة فقلت: دثرُوني، فدثِّروني، وصبوا عليَّ ماءً باردًا، فأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ \".\nوفي رواية (١) \"فإذا هو جالسٌ على العرش بين السماء والأرضِ\".\nوفي رواية (٢) عن أبي سلمة عن جابرٍ قال: سمعتُ النبي ﷺ يُحدثُ عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه \"فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعتُ رأسي، فإذا الملكُ الذي جاءني بحراءٍ جالسٌ على كُرسيٌّ بين السماء والأرض فجُثِثْتُ منه رعبًا، فرجعت، فقلتُ: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ \" قبل أن تُفرض الصلاة، والرُّجزُ هي الأوثان.\nوفي أخرى \"فجُثِثْتُ منهُ حتى هويت إلى الأرضِ\" وفيه: قال أبو سلمة (والرُّجزُ: الأوثان) قال: \"ثم حمِيَ الوحيُ، وتتابع\".\nوأول هذه الرواية: أن رسول الله ﷺ قال: ثُمَّ فترَ الوحيُ عنِّي فترةً، فبينا أنا أمشي ... \" ثم ذكر نحوه.\nأقول: أولية نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أولية نسبية فهي أول ما نزل بعد فترة الوحي. فالصحيح أن أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وأما ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فكانت بعد ذلك. ويصدق في ذلك ما وقع في بعض روايات هذا الحديث \"فإذا الملك الذي جاءني بحراء\" وقوله \"ثم تتابع الوحي\" أي بعد فترته.\n_________\n(١) البخاري (٨/ ٦٧٨) ٦٥ - كتاب التفسير - ٧٤ - سورة المدثر - باب: (وثيابك فطهر).\n(٢) مسلم (١/ ١٤٥) ١ - كتاب الإيمان - ٧٣ - باب: بدء الوحي.\nفإذا هو على العرش: المراد بالعرش الكرسي. قال أهل اللغة: العرش هو السرير، وقيل سرير الملك. قال تعالى: (ولها عرش عظيم). فجُثثتُ منه: يقال: \"جُثِثْتُ\" بهمزة قبل ثاء، وبثاءين، وبياءٍ وتاءٍ: كلمة بمعنى فَزِعْتُ، والذي في الرواية: الأول: هويت: هوى إلى الأرض وأهوى إليها. أي: سقط. ثم حمى الوحي وتتابع: أي كثر نزوله وازداد من قولهم حميت الشمس والنار أي قويت حرارتها.","vol":"1","page":200},{"text":"وقبل كل ذلك الحديث الطويل الذي رواه الشيخان عن عائشة ﵂ في قصة أول بعثته ﷺ ونزول جبريل عليه بحراء.\nبدأ الوحي بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وبعد فترة نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .... ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فلنقف وقفة عند ذلك:\nعند قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال السهيلي:\nأي لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربك وإعانته، فهو يعلمك، كما خلقكم وكما نزعه عنك علق الدم وغمز الشيطان في الصغر، وعلم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمية.\nأقول: أخذ بعض أهل السلوك إلى الله ﷿ من هذا أن السالك إلى الله يبدأ بقراءة هذا الكون مستعينًا باسم الله، حتى إذا احترق بالذكر وأذن له شيوخه بالدعوة إلى الله قام بالدعوة، وعليه في هذا الحال أن يجتمع له دعوة وعبادة ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ولا ينجح بالدعوة إلا من اجتمع له تعظيم الله ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وطهارة الظاهر والباطن ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ والتباعد عن عبادات الجاهلية ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ والعمل مع رؤية التقصير ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ والصبر على مقتضيات الدعوة ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.\n* * *","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>فصل: في ظاهرة الوحي</span>\n٥٣ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشامٍ - ﵁ - سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول اللهِ، كيف يأتيك الوحيُ؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أحيانًا يأتيني مثل صلصلةِ الجرسِ - وهو أشَدُّه عليَّ - فيَفْصِمُ عني وقد وعيتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيُكلمني، فأعي ما يقولُ\".\nقالت عائشة - ﵂ -: ولقدْ رأيته ينزلُ عليه الوحيُ في اليوم الشديد البردِ فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصدُ عرقًا.\nوفي رواية النسائي (١) إلى قوله: \"فيفصمُ عني وقدْ وعيتُ عنهُ\" ثم قال: \"وهو أشدُّ عليَّ، وأحيانًا يأتيني في مثل صورة الفتى، فيبذُهُ إليِّ\".\n٥٤ - * روى الترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدويِّ النحلِ، فانزل عليه يومًا فمكثنا ساعةً فسُرِّي عنهُ فاستقبل القبلةَ ورفع يديهِ وقال: \"اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنا، وأعطنا ولا حرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا\"، ثم قال ﷺ: \"أُنزل علي عشر آياتٍ، من أقامهن دخل الجنة\" ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) حتى ختم عشر آيات.\n٥٥ - * روى أحمد عن عائشة قالت: إنْ كان ليُوحي إلى رسول الله ﷺ وهو على\n_________\n٥٢ - البخاري (١/ ١٨) ١ - كتاب بدء الوحي، باب: ٢.\nومسلم (٤/ ١٨١٧) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٢٢ - باب: عرق النبي ﷺ في البرد، وحين يأتيه الوحي.\nوالترمذي (٥/ ٥٩٧) ٥٠ - كتاب المناقب - ٧ - باب: ما جاء كيف كن ينزل الوحي على النبي ﷺ. قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح.\nالصلصلة: صوت الأشياء الصلبة اليابسة. قصم عني: انفصل عني وفارقني، وعيت الكلام: إذا حفظته وعرفته. ليتفصد عرقًا: أي: جرى عرقه كما يجري الدم من الفصاد. فينبذه إليَّ: أي يلقيه إليَّ.\n(١) النسائي (٢/ ١٤٦) كتاب الافتتاح باب: جامع ما جاء في القرآن.\n٥٤ - الترمذي (٥/ ٣٢٦) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٢٤ - باب: ومن تفسير سورة المؤمنين، وهو حديث حسن. كدوي النحل: صوتها وطنينها. آثرنا ولا تؤثر علينا: أي أكرمنا ولا تكرم غيرنا دون أن تكرمنا.\n(٢) المؤمنون: ١.\n٥٥ - أحمد في مسنده (٦/ ١١٨) وقال عنه الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٥٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":202},{"text":"راحلته فتضرب بجِرَانِهَا.\n٥٦ - * روى الطبراني عن زيد بن ثابت قال: كنُتُ أكتبُ الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه أخذتهُ برحاء شديدةً وعرقَ عرقًا شديدًا مثل الجانِ ثم سُرِّي عنهُ، فكنتُ ادخلُ عليه بقطعةِ العسبِ أو كسرهِ فأكتبُ وهو يملي عليَّ، فما أفرغُ حتى تكادُ رجلي تنكسرُ من ثقل القرآن حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدًا، فإذا فرغتُ قال اقرأهُ فإن كان فيه سقط أقامه، ثم أخرج به إلى الناس.\n٥٧ - * روى مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبيُّ الله ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي كُرِب لذلك، وتربَّدَ وجهه.\nوفي رواية: كان النبي ﷺ إذا أُنزل عيه الوحيُ نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما أبلَّ عنه رفع رأسهُ.\nوفي رواية (١): كان النبي ﷺ إذا أُنزل عليه كُرِبَ لذلك، وتربّد له وجهه، فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سُري عنه قال: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البِكرُ بالبِكرِ جلدُ مائةٍ، ونفيُ سنة، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مائة والرجمُ\".\n_________\n= فتضرب بجرانها: أي تمد عنقها على الأرض من التعب. قال الحافظ في الفتح: الجران بكسر الجيم وتخفيف الراء المفتوحة: باطن العنق والمعنى أنه ﷺ إذا أتاه الوحي وهو راكب على راحلته بركت من ثقل الوحي وضربت الأرض بباطن عنقها. أي مدت عنقها على الأرض لأن في ذلك راحة لها.\n٥٦ - الطبراني (٥/ ١٤٢) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٥٧): رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقلت.\nالوحي: الإشارة والكتابة والمكتوب والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك والصوت يكون في الناس وغيرهم والوحي ما يوحيه الله إلى أنبيائه. برحاء: البرحاء: الشدة. ومنه برحاء الحمى، الجمان: اللؤلؤ. سري: مضى وذهب. العسب: (العسيب) من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها والذي لم يثبت عليه الخص من السعف.\n٥٧ - مسلم (٤/ ١٨١٧) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٢٣ - باب عرق النبي ﷺ في البرد، وحين يأتيه الوحي.\nكرب الملك: أي أصابه الكرب وهو المشقة. تربد: أي تغير لون وجهه فأصبح قريبًا من لون السحاب. أبلٌ: المريض من مرضه: إذا زال عنه، وكذلك المغمى عليه، والمراد: زوال ما كان يعرض عند نزول الوحي، وكذلك سُري عنه، أي: كشف عنه ذلك.\n(١) مسلم (٣/ ١٣٦٦) ٢٦ - كتاب الحدود - ٣ - باب حد الزنى.","vol":"1","page":203},{"text":"سبب ورود قول النبي ﷺ: \"قد جعل الله لهن سبيلًا\" أن الله ﷿ قد أنزل في سورة النساء في الحكم بشأن من يزني من النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١). قال مكي بن أبي طالب في الإيضاح: كان الله جل ذكره قد فرض في الزانين المحصنين إذا شهد عليهما بالزنا أربعة شهود أن يحبسا في البيت حتى يموتا أو يجعل الله لهما سبيلًا، فجعل الله السبيل بالرجم، المتواتر نقله، الثابت حكمه للمنسوخ تلاوته.\n٥٨ - * روى البخاري عن صفوان بن يعلي بن أمية، أني يعلي كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي، فلما كان النبي ﷺ بالجعُرانة وعليه ثوب قد أظل عليه ومعه الناس من أصحابه، إذ جاءهُ رجل متضمخٌ بطيب فقال: يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب، فنظر النبي ﷺ ساعة فجاءه الوحي: فأشار عمر إلى يعلي أي تعال، فجاء يعلي فأدخل رأسه، فإذا هو محمرُّ الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سرى عنه فقال: أين الذي يسألني عن العمرة آنفًا؟ فلا تمس الرجل فجيء به إلى النبي ﷺ فقال: \"أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجُبة فأنزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك\".\nذكرنا هذه النصوص ههنا للتعريف على ظاهرة الوحي في حياة رسول الله ﷺ وهي ظاهرة لا تشبه أي ظاهرة من الظواهر التي علل بها الكافرون لحدوثها عند رسول الله ﷺ، إن تعليلاتهم حقد خالص، فمن يصدق أن ظاهرة مرضية من الظواهر التي يزعمون أن يخرج على أثرها نص كنصوص القرآن؟\nوقد ناقش الأستاذ البوطي في كتابه فقه السيرة المشككين في ظاهرة الوحي ثم قال:\n_________\n(١) النساء: ١٦.\n٥٨ - البخاري (٩/ ٩) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ٣ - باب نزول القرآن بلسان قريش والعرب.\nومسلم (٢/ ٨٣٧) ١٥٠ - كتاب الحج - ١ - باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه.","vol":"1","page":204},{"text":"إن هذه الحالة التي مر بها رسول الله ﷺ، تجعل مجرد التفكير في كون الوحي إلهامًا نفسيًا ضربًا من الجنون، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمله بمثل هذه الأحوال.\nوإذًا فإن حديث بدء الوحي على النحو الذي ورد في الحديث الثابت الصحيح، ينطوي على تهديم كل ما يحاول المشككون تخييله إلى الناس في أمر الوحي والنبوة التي أكرم الله بها محمدًا ﵊، وإذا تبين لك ذلك أدركت مدى الحكمة الإلهية العظيمة في أن تكون بداءة الوحي على النحو الذي أراده الله ﷿.\nوربما عاد بعد ذلك محترفو التشكيك، يسألون: فلماذا كان ينزل عليه ﷺ الوحي بعد ذلك وهو بين الكثير من أصحابه فلا يرى الملك أحدٌ منهم سواه؟\nوالجواب: أنه ليس من شرط وجود الموجودات أن تُرى بالأبصار، إذ إن وسيلة الإبصار فينا محدودة بحد معين، وإلا لاقتضى ذلك أن يصبح الشيء معدومًا إذا ابتعد عن البصر بعدًا يمنع من رؤيته. على أن من اليسير على الله ﷻ - وهو الخالق لهذه العيون المبصرة - أن يزيد في قوة ما شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى، يقول مالك بن نبي في هذا الصدد:\nإن عمي الألوان مثلًا يقدم لنا حالة نموذجية، لا يمكن أن ترى فيها بعض الألوان بالنسبة لكل العيون، وهناك أيضًا مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شيء يثبت علميًا أنها كذلك بالنسبة لجميع العيون. فلقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية.\nثم إن استمرار الوحي بعد ذلك يحمل نفس الدلالة على حقيقة الوحي وأنه ليس كما أراد المشككون: ظاهرة نفسية محضة. ونستطيع أن نجمل هذه الدلالة فيما يلي.\n١ - التمييز الواضح بين القرآن والحديث، إذ كان يأمر بتسجيل الأول فورًا، على حين يكتفي بأن يستودع الثاني ذاكرة أصحابه، لا لأن الحديث كلام من عنده لا علاقة للنبوة بله، بل لأن القرآن موحي به إليه بنفس اللفظ والحروف بواسطة جبريل ﵇. أما","vol":"1","page":205},{"text":"الحديث فمعناه وحي من الله ﷿، ولكن لفظه وتركيبه من عنده ﵊، فكان يحاذر أن يختلط كلام الله ﷿ الذي يتلقاه من جبريل بكلامه هو.\n٢ - كان النبي ﷺ يُسأل عن بعض الأمور فلا يجيب عليها، وربما مر على سكوته زمن طويل، حتى إذا نزلت آية من القرآن في شأن ذلك السؤال، طلب السائل وتلا عليه ما نزل من القرآن في شأن سؤاله. وربما تصرف الرسول في بعض الأمور على وجه معين، فتنزل آيات من القرآن تصرف عن ذلك الوجه، وربما انطوت على عتب أو لوم له.\n٣ - كان رسول الله ﷺ أميًا، وليس من الممكن أن يعلم إنسان بواسطة المكاشفة النفسية حقائق تاريخية، كقصة يوسف، وأم موسى حينما ألقت وليدها في اليم، وقصة فرعون، ولقد كان هذا من جملة الحِكَم في كونه ﷺ أميًا: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١).\n٤ - إن صدق النبي ﷺ أربعين سنة مع قومه واشتهاره فيهم بذلك، يستدعي أن يكون ﷺ من قبل ذلك صادقًا مع نفسه بما لا يمكن أن يشك في صدقه فيما بعد ذلك، أهـ.\nوقال الدكتور مصطفى السباعي:\nإن الله إذا أراد لعبد أن يوجهه لدعوة الخير والإصلاح ألقى في قلبه كره ما عليه مجتمعه من ضلال وفساد. إن محمدًا ﵊ لم يكن يستشرف للنبوة، ولا يحلم بها. وإنما كان يلهمه الله الخلوة للعبادة تطهيرًا، وإعدادًا روحيًا لتحمُّل أعباء الرسالة. ولو كان ﵊ يستشرف للنبوة، لما فزع من نزول الوحي عليه، ولما نزل إلى خديجة يستفسرها عن سر تلك الظاهرة التي رآها في غار حراء. ولم يتأكد من أنه رسول إلا بعد رؤية جبريل يقول له: يا محمد أنت رسول الله. وأنا جبريل، وإلا بعد أن أكد له ولخديجة وورقة بن نوفل أن ما رآه في الغار هو الوحي الذي كان ينزل على موسى ﵊.\n* * *\n_________\n(١) العنكبوت: ٤٨.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>أقسام الوحي:</span>\nذكر ابن القيم وغيره مراتب الوحي فأوصلوها إلى الثمانية:\nإحداها: الرؤيا الصادقة. وكانت مبدأ وحيه ﷺ.\nالثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ: \"إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها. فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته\".\nالثالثة: أنه ﷺ كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا.\nالرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه فيلتبس به الملك، حتى أن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى أن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها.\nالخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.\nالسادسة: ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.\nالسابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن. وثبوتها لنبينا ﷺ هو في حديث الإسراء.\nوقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي: تكليم الله له كفاحًا من غير حجاب، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف. [الرحيق المختوم].\n* * *","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>حفظ أمر السماء بعد النبوة:</span>\n٥٩ - * روى البخاري عن ابن عباس قال: انطلق رسول الله ﷺ في طائفةٍ من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظٍ، وقد حِيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبني خبر السماء، وأرسلت علينا الشهبُ. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث؟ فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء؟ قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخالة وهُو عامدٌ إلى سوق عكاظٍ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بنكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نُشرك بربنا أحدًا. وأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) وإنما أوحي إليه قول الجن.\nهذه رواية البخاري. وقد أخرجها مسلم مع زيادة فيها نفي ابن عباس لرؤية الجن\n_________\n٥٩ - البخاري (٨/ ٦٦٩) ٦٥ - كتاب التفسير باب - ١، سورة (قل أوحي إليَّ).\nومسلم (١/ ٣٢١) ٤ - كتاب الصلاة - ٣٣ - باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن.\nهامدين: عمدتُ إلى الشيء: قصدت نحوه. عكاظ: موسم معروف للعرب قال في الفتح، بل كان من أعظم مواسمهم، وهو نخل في واد بين مكة والطائف وهو إلى الطائف أقرب، بينهما عشرة أميال، وهو وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق صنعاء اليمن. وقال البكري: أول ما أحدثتْ قبل الفيل بخمس عشرة سنة، ولم تزل سوقًا إلى سنة تسع وعشرين ومائة، فخرج الخوارج الحرورية فنهبوها فتركت إلى الآن، وكانوا يقيمون به جميع شوال يتبايعون ويتفاخرون وتنشد الشعراء ما تجدد لهم، وقد كثر ذلك في أشعارهم كقول حسان:\nسأنشر إن حييت لكم كلامًا ... ينشر في المجامع من عكاظ\nوكان المكان الذي يجتمعون به منه يقال له الابتداء. وكانت هناك صخور يطوفون حولها، ثم يأتون بحنة فيقيمون بها عشرين ليلة من ذي القعدة. ثم يأتون ذا المجاز، وهو خلف عرفة فيقيمون به إلى وقت الحج.\nجيل: حلت بين الشيئين: فصلت بينهما، ومنعت أحدهما من الآخر. تِهامة: بكسر التاء: وهو اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، ومكة من تهامة. نخلة: بفتح النون وسكون المعجمة. موضع بين مكة والطائف، على ليلة من مكة، وهي التي ينسب إليها بطن نخل. وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر: المراد به ههنا صلاة الغداة في أول الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس لأن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء، أما قبل ذلك فقد كان الفرض صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها.","vol":"1","page":208},{"text":"وذلك محمول على ما كان في ابتداء النبوة وهو ما ذكره ابن عباس هنا، أما رواية ابن مسعود التي ذكر فيها اجتماع رسول الله ﷺ بالجن فتلك حادثة متأخرة سنراها، قال الحافظ في الفتح جامعًا بين نفي ابن عباس وإثبات ابن مسعود (ويمكن الجمع بالتعدد).\nقال في الفتح:\nوفي الحديث إثبات وجود الشياطين والجن وأنهما لمسمى واحد، وإنما صارا صنفين باعتبار الكفر والإيمان، فلا يقال لمن آمن منهم إنه شيطان. وفيه أن الصلاة في الجماعة شرعت قبل الهجرة. وفيه مشروعيتها في السفر. والجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وأن الاعتبار بما قضى الله للعبد من حسن الخاتمة لا بما يظهر منه من شر ولو بلغ ما بلغ، لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان بمجرد استماع القرآن لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشر ما اختارهم للتوجه إلى الجهة التي ظهر له أن الحدث الحادث من جهتها. ومع ذلك فغلب عليهم ما قضي لهم من السعادة بحسن الخاتمة. أهـ.\nوهناك روايات صحيحة تثبت أن الشهب كانت موجودة قبل البعث فلا تعارض بغيرها لذلك قال الزهري في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (١) غلظ أمرها وشدد.\nقال في الفتح: والشهب عند علماء الكون نيازك تشتعل إذا اصطدمت بالهواء من جراء الاحتكاك.\nوإثبات هذا المعنى لا ينفي أن يكون لبعضها آثار على عالم الجن فأن يكون لشيء واحد مظهر حسي وارتباط عيني فذلك جائز كالموت يكون له سبب حسي كالمرض وهو أثر عن نزع الروح كذلك.\nومن فكرة أن اشتعال النيازك إنما يكون بعد ملامستها الهواء، ومن تفسير المفسرين: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ أي قصدناها فُهِمَ أن مقاعد الجن في السماء إنما هي في جو الأرض.\nوالتشديد في حراسة السماء لا يمنع أن يستمر الجن في المحاولة وأن يسمعوا شيئًا.\n_________\n(١) الجن: ١.","vol":"1","page":209},{"text":"قال صاحب الفتح:\nفإن الشياطين مع شدة التغليظ عليهم في ذلك بعد المبعث لم ينقطع طمعهم في استراق السمع في زمن النبي ﷺ فكيف بما بعده، وقد قال عمر لغيلان بن سلمة لما طلق نساءه: إني أحسب أن الشياطين فيما تسترق السمع سمعت بأنك ستموت فألقت إليك ذلك الحديث، أخرجه عبد الرزاق وغيره. فهذا ظاهر في أن استراقهم السمع استمر بعد النبي ﷺ، فكانوا يقصدون استماع الشيء مما يحدث فلا يصلون إلى ذلك إلا أن اختطف أحدهم بخفة حركته خطفة فيتبعه الشهاب، فإن أصابه قبل أن يلقيه لصحبه فاتت وإلا سمعوها وتداولها. أهـ.\nومن الحديث نعلم أن السماء قد حفظت من بدء رسالته ﵊ حتى لا يشتبه أمر النبوة على الخلق.\n* * *","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>القرآن\nمعجزة الرسول ﷺ الخالدة</span>\n٦٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثلهُ آمن عليه البشرُ، وإنما كان الذي أوتيتهُ وحيًا أوحاهُ الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\".\nالمعجزة الرئيسية لرسول الله ﷺ هي القرآن، والقرآن معجزة فيها معجزات: ففي القرآن كله إعجاز مظهره عجز البشر أن يأتوا بسورة مثله مع أنه كلام يتألف من اسم وفعل وحرف، وزيادة على الإعجاز الموجود في القرآن كله فهناك معجزات كثيرة أخرى، من مثل إخباره عن غيوب سابقة ولاحقة، ومن مثل حديثه عن أسرار كونية لم تعرف إلا في عصور متأخرة لاحقة. وبالإعجاز القرآني والمعجزات القرآنية تقوم الحجة على الخلق إلى قيام الساعة أن محمدًا رسول الله ﷺ.\nولكن إذا كانت المعحزة الرئيسية لرسولنا هي القرآن فهناك معجزات أخرى لا تعد ولا تحصى تقوم بها الحجة، فهناك خوارق للعادات حدثت في عصره على يديه، وهناك نبوءات تحققت في عصره وفيما بعد ذلك، وهناك كرامات أولياء أمته.\nوبسبب من كون القرآن هو المعجزة الرئيسية لرسولنا ﵊، وبسببٍ من كون هذا القرآن باقيًا محفوظًا، فالمعجزة مستمرة في حق الأمم وهي محسوسة ملموسة، بينما معجزات الرسل انقضت بوقوعها فلم يصل إلى الأمم إلا خبرها، فمن هذه الحيثية فإن للتوقع أن يكون أتباع رسول الله ﷺ كثرًا\n_________\n٦٠ - البخاري (٩/ ٢) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ١ - باب كيفية نزول الوحي.\nمسلم (١/ ١٢٤) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٠ - باب: وجوب الإيمان برسالة محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملة بملة.\nآمن عليه البشر: أي: آمنوا عند معاينة ما آتاه الله من الآيات والمعجزات والدلائل الواضحات، أراد إعجاز القرآن الذي تحص به رسول الله ﷺ، وإن كان كل نبي من الأنبياء أوتي من المعجزات ما يوجب على البشر الإيمان به. وحيًا أوحاه الله: أراد القرآن، فإنه ليس شيء من كتب الله المنزلة كان معجزًا إلا القرآن.","vol":"1","page":211},{"text":"بهذا القرآن بدأ الرسول ﷺ دعوته، وبهذا القرآن ربي من استجاب له وعلمهم، وبهذا القرآن واجه وجابه، ولأمر أراده الله ﷿ لم تصلنا تفصيلات شاملة كاملة عن تسلسل الآيات في النزول، وقد تكون الحكمة قطع الطريق على التفكير في إعادة ترتيب القرآن لأن ترتيبه رباني ومعجز كما أثبتنا ذلك في كتاب (الأساس في التفسير)، وعلى كل فقد بقيت هناك معالم كبرى للقرآن الذي نزل في مكة قبل الهجرة، ومعالم كبرى لما نزل في المدينة، كما أن هناك معالم كبرى في تحديد زمن نزول بعض السور، فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) نزل بعد أربع سنين من البعثة، وسورة المزمل نزلت في أوائل البعثة.\nومن استعراض لهذه المعالم الكبرى نستطيع أن نتعرف على كيفية المواجهة والمجابهة بين الوحي والفكر الجاهلي، كما نتعرف على مجموع الأفكار التي واجهت بها الجاهلية هذه الدعوة، لكن الترتيب الرباني لسور القرآن تسلسلت فيه المعاني على نمط لا يتقيد بترتيب النزول، وقد كان هذا بصيغة خالدة تسع الزمان والمكان فالتسلسل ذاك ملاحظ به الجيل الأول، أما هذا فقد جاء بشكل آخر يسع احتياجات البشر بعد كمال التشريع، ولا يفوت قارئ القرآن حاليًا أن يستأنس بمكيتها أو مدنيتها ليتعرف على ما كان في المرحلة الأولى والثانية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>متى وكيف نزل القرآن:</span>\nقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣).\nفيستشهد بذلك على أن القرآن أنزل في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وهذا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون أراد بدء النزول وأوله، لأن القرآن نزل في أكثر من عشرين\n_________\n(١) الحديد: ١٦.\n(٢) البقرة: ١٨٥.\n(٣) القدر: ١.","vol":"1","page":212},{"text":"سنة في رمضان وغيره، والثاني: ما قاله ابن عباس: أنه نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا، فجُعل في بيت العزة مكنونًا في الصحف المكرمة، المرفوعة المطهرة، ثم نزلت منه الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة، في أجوبة السائلين، والنوازل الحادثة، إلى أن توفي ﷺ وهذا التأويل أشبه بالظاهر، وأصح في النقل والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>فصل: في الدعوة السرية</span>\nبعد نزول قوله تعالى ﴿اقْرَأْ﴾ عرض رسول الله ﷺ ما حدث على خديجة وورقة بن نوفل فآمنا ابتداء لمجرد العرض دون دعوة منه ﵊، وبنزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ....﴾ (١) أصبح الرسول ﷺ مكلفًا بالإنذار ومكلفًا بالصلاة والطهارة والتوحيد والصبر وتجنب الأوثان، وهي هي التكاليف التي جاءت بعد فترة الوحي، ولم يسبق ذلك إلا التكليف بالقراءة باسم الله وذلك في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ...﴾ (٢) وهكذا بدأ التكليف بالتوحيد والعبادة والدعوة والصبر. والعبادة في هذه المرحلة تتلخص في الصلاة وقراءة القرآن والذكر والفكر، فالصلاة رافقت نزول سورة المدثر، وعلى رواية المقريزي أنها رافقت نزول سورة اقرأ، ولذلك فسنرى روايات تذكر الصلاة من الابتداء، وقد دخل في تكليف الصلاة ابتداء صلاة في الصباح وصلاة في المساء على سعة في الوقتين، ثم تكليف بقيام الليل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ...﴾ (٣) وبعد سنة خفف الأمر بقيام الليل عن عامة المسلمين وبقي في حقه ﵊ فريضة، واستمر الحال على ذلك حتى حادثة الإسراء والمعراج إذ فرضت الصلوات الخمس، وقد بدأت الدعوة سرية وفردية حتى جاء الأمر بالجهر بالإنذار والصدع بالدعوة وذلك على القول الراجح بعد ثلاث سنين من البعثة، ويبدو أن الاضطهاد بدأ مبكرًا منذ هذه المرحلة، واشتد بعد الجهر بالدعوة مما ألجأ إلى الاختباء في دار الأرقم ثم أسفر عن الهجرتين إلى الحبشة، وقد شدد المشركون القبضة بفرض المقاطعة والحصار مما ألجأ المسلمين ومن تعاطف معهم إلى الانكماش في شعب أبي طالب ... كما سنراه.\nوإذ كنا لا نملك تأريخًا محققًا لكل حادثة في المرحلة المكية متى كانت إلا في حدود ضيقة، فإننا سنعرض الروايات على تسلسل معين مستأنسين لهذا التسلسل ببعض المعاني، لكنه في الكثير من الأحيان لا يصل إلى حد الجزم فليلاحظ القارئ ذلك، فبعض\n_________\n(١) المدثر: ١ - ٤.\n(٢) العلق: ١.\n(٣) المزمل: ١ - ٢.","vol":"1","page":214},{"text":"الروايات التي نذكرها قبل الهجرتين إلى الحبشة قد يكون زمنها بعد الهجرتين، وبعض الروايات التي نذكرها بعد الهجرتين قد تكون وقعت قبلهما.\nولنعد إلى استعراض الحال قبل نزول الأمر بالجهر بالدعوة، فالدعوة في هذه المرحلة سرية وفردية وقد قام بها رسول الله ﷺ بنفسه أو بمن استجاب له كأبي بكر ﵁.\nقال المقريزي:\nثم استجاب له عبادُ الله من كل قبيلةٍ، فكان حائز قصب السبق؛ أبو بكر عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن غالب القرشي التيمي ﵁ فآزره في دين الله وصدقه فيما جاء به، ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجاب لأبي بكر ﵁ جماعة منهم: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي القرشي الأموي، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي، وسعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، والزبير بن العوام بن خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصي الأسدي، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة بن كلاب القرشي الزهري، فجاءهم رسول الله ﷺ حتى استجابوا له بالإسلام وصلوا، فصار المسلمون ثمانية نفر، أول من أسلم وصلى الله تعالى.\nوأما عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي فلم يشرك بالله قط، وذلك أن الله تعالى أراد به الخير فجعله كفالة ابن عمه سيد المرسلين محمد ﷺ، فعندما أتى رسول الله ﷺ الوحي، وأخبر خديجة ﵂ وصدقت، كانت هي وعلي بن أبي طالبن وزيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العُزى بن امرئ القيس بن عامر ابن عبد وُد ابن كنانة بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة الكلبي، حِبُّ رسول الله صلى الله لعيه وسلم يصلون معه، وكان ﷺ يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصلي صلاة الضحى، وكانت صلاة لا تنكرها قريش. وكان إذا صلى في سائر اليوم بعد ذلك قعد عليٌّ أو زيدٌ ﵄ يرصُدانه.","vol":"1","page":215},{"text":"وكان ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشِّعاب فُرادى ومثنى، وكانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين قبل الهجرة. فلم يحتج علي ﵁ أن يُدعى، ولا كان مشركًا حتى يوحد فيقال أسلم، بل كان - عندما أوحى الله إلى رسول الله ﷺ - عمرهُ ثماني سنين؛ وقيل سبع سنين، وقيل إحدى عشرة سنة. وكان مع رسول الله ﷺ في منزله بين أهله كأحدِ أولاده يتبعه في جميع أحواله. وكان أبو بكر ﵁ أول من أسلم ممن له أهلية الذبُّ عن رسول الله ﷺ والحماية والمناصرة. هذا هو التحقيق في المسألة لمن أنصف وترك الهوى من الفريقين. أي: الذين يقدم أحدهما إسلام أبي بكر، والآخر إسلام علي ﵄.\nوقال صاحب الرحيق المختوم:\nومن أوائل المسلمين: بلال بن رباح الحبشي، ثم تلاهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر ابن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم المخزوميان، وعثمان بن مظعون وأخواه قُدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوي، وامرأته فاطمة بنت لاخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود الهُذلي وخلق سواهم، وأولئك هم السابقون الأولون، وهم من جميع بطون قريش وعدهم ابن هشام أكثر من أربعين نفرًا. وفي ذكر بعضهم في السابقين الأولين نظر.\nقال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالًا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتُحدث به.\nأسلم هؤلاء سرًا، وكان الرسول ﷺ يجتمع بهم ويرشدهم إلى الدين متخفيًا لن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية، وكان الوحي قد تتابع وحمي نزوله بعد نزول أوائل المدثر. وكانت الآيات وقطع السور التي تنزل في هذا الزمان آيات قصيرة، ذات فواصل رائعة منيعة، وإيقاعات هادئة خلابة تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق، تشتمل على تحسين تزكية النفوس، وتقبيح تلويثها برغائم الدنيا، تصف الجنة والنار كأنهما رأي عين، تسير","vol":"1","page":216},{"text":"بالمؤمنين في جو آخر غير الذي فيه المجتمع البشري آنذاك.\nوتعليقًا على سرية الدعوة في السنين الثلاثة الأولى للدعوة قال الدكتور البوطي:\nوبناءً على ذلك فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية في كل عصر أن يستعملوا المرونة في كيفية الدعوة - من حيث التكتم والجهر، أو اللين والقوة - حسبما يقتضيه الظرف وحال العصر الذي يعيشون فيه. وهي مرونة حددتها الشريعة الإسلامية اعتمادًا على واقع سيرته ﷺ ... على أن يكون النظر في كل ذلك إلى مصلحة المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية.\nومن أجل هذا أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم، إذا ما أجمعوا قتالهم، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لأن المصلحة المقابلة وهي مصلحة حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع.\nويقر العز بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا الجهاد قائلًا:\nفإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام، لما في الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة. ليس في طيها مصلحة.\nوتقديم مصلحة النفس هنا من حيث الظاهر فقط، أما من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد، فإنها في الواقع مصلحة دين، إذ المصلحة الدينية تقتضي - في مثل هذه الحال - أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى. وإلا فإن هلاكهم يعتبر إضرارًا بالدين نفسه وفسحًا للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدودًا أمامهم من السبل. أهـ.\nأقول: إن صاحب الدعوة لابد أن يعطيها فرصة لتتمكن في الأنفس فلا تؤثر فيها الأعاصير، قدر لو أن الرعيل الأول انشغل بغير التكوين النفسي فكيف سيكون قادرًا على الصبر والتحمل إذا جاءت المحنة؟ وكيف يستطيع مقارعة الباطل وشبهه؟ وهل يستطيع صهر المستجيبين وحمل الدعوة؟.","vol":"1","page":217},{"text":"٦١ - * روى الإمام أحمد بن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي عن أبيه عن جده قال: كنت امرءًا تاجرًا فقدمت الحج، فأتيتُ العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة وكان امرءًا تاجرًا، فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجلٌ من خباءٍ قريبٍ منه فنظر إلى الشمس فلما رآها مالت قام يُصلي، قال: ثم خرجت امرأةً من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه يصلي، قال: فقلت للعباس من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، قال فقلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة ابنة خويلد، قال قلت: من هذا الفتى؟ قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه، قال فقلت: فما هذا الذي يصنع؟ قل: يصلي وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه على أمره إل امرأته وابن عمه، هذا الفتى، وهو يزعم أنه يفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. قال: فكان عفيف وهو ابن عم الأشعث بن قيس يقول: - وأسلم بعد ذلك وحسُنَ إسلامه - لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثالثًا مع علي بن أبي طالب.\nقال صاحب الفتح الرباني:\nمالت الشمس: أي إلى جهة المغرب، وجاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ صلى بهما حين زالت الشمس فهي تفسر ما هنا، ولا يعارضه قول مقاتل كانت الصلاة أول فرهضا ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (١) فقد قيل العشي ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه قيل للظهر والعصر صلاتا العشي (قال الحافظ) كان ﷺ قبل الإسراء يصلي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا؟ فقيل إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى ﴿وَسَبِّحْ﴾ أي: صل حال كونك متلبسًا ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ\n_________\n٦١ - أحمد في مسنده (١/ ٣٠٩) والطبراني (١٨/ ١٠٠).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٣)، رواه أحمد وأبو يعلي بنحوه والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد ثقات.\n(١) غافر: ٥٥.","vol":"1","page":218},{"text":"قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١).\n٦٢ - * روى الطبراني عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ سُئِلَ عن ورقة بن نوفلٍ فقال: \"يُبعثُ يوم القيامة أمةً وحده\". وذلك لأنه آمن ونوى النصرة وتوفي قبل أن يدعى.\n٦٣ - * روى أحمد والترمذي عن زيدٍ بن أرقم قال: أول من صلى (وفي لفظ) أول من أسلم مع رسول الله ﷺ عليٍّ (قال عمرو أحد الرواة) فذكرت ذلك لإبراهيم (أي: النخعي) فأنكر ذلك، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق ﵁.\nقال في الفتح:\nوروى ابن إسحاق في السيرة قال: أول ذكر ٍآمن برسول الله ﷺ وصدقه علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين، وكان في حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام. وقال محمد بن كعب: أول من أسلم من هذه الأمة خديجة، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعليٍّ، وأسلم علي قبل أبي بكر وكان علي يكتم إيمانه خوفًا من أبيه حتى لقيه أبوه قال: أسلمت؟ قال: نعم. قال: آزر ابن عمك وانصره، قال: وكان أبو بكر الصديق أول من أظهر الإسلام، وروى الطبراني عن أبي رافع: صلى النبي ﷺ أول يوم الإثنين وصلت خديجة آخره، وصلى علي يوم الثلاثاء، وروى الحاكم في المستدرك من حديث بريدة الأسلمي قال: أوحى إلى رسول الله ﷺ يوم الإثنين وصلى عليٍّ يوم الثلاثاء. وصححه الحاكم وأقره الذهبي.\nوتوفيقًا بين النصوص التي تذكر أول من أسلم قال صاحب الفتح:\nولا منافاة، فإن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وعليًّا أول من أسلم من الصبيان، فقد روي أنه كان حينذاك بين تسع سنين وعشر، وكان إسلامه قبل إسلام أبي بكر رضي\n_________\n(١) طه: ١٣٠.\n٦٢ - المعجم الكبير (٢٤/ ٨٢) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٦) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n٦٣ - أحمد في مسنده (٤/ ٢٧١) والترمذي (٥/ ٦٤٢) ٥٠ - كتاب المناقب. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح مجمع الزوائد (٩/ ١٠٣) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح.","vol":"1","page":219},{"text":"الله عنهما.\n٦٤ - * روى أحمد والبزار عن حبَّة العُرني قال: رأيتُ عليًا ﵁ يضحكُ على المنبر لم أرهُ ضحِكَ ضحكًا أكثر منه حتى بدت نواجذُهُ، ثم قال: ذكرتُ قول أبي طالب: ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله ﷺ ونحن نُصلي ببطن نخلة فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: ما بالذي تصنعان بأس، ولكن لا تعلوني إستي أبدًا. فضحك تعجبًا لقولة أبيه ثم قال: اللهم لا أعترف عبدًا من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك - ثل ثمرات - لقد صليتُ قبل أن يصلي الناس سبعًا.\n٦٥ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال: أول من أسلم زيد بن حارثة.\nزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وقصة تبني رسول الله ﷺ لزيد بعد عتقه مشهورة، وإسلام زيد وأمثاله ممن هم أكثر الناس خلطة برسول الله ﷺ وأكثرهم معرفة به علم من أعلام نبوته.\n٦٦ - * روى الترمذي عن جَبَلة بن حارثة ﵁ قال: قَدِمْت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ابعثْ معي أخي زيدًا، قال: \"هو ذا، فإن انطلق معك لم أمنعه\". قال زيد: يا رسول الله، والله لا أختار عليك أحدًا، قال: فرأيت رأي أخي أفضل من رأيي.\n٦٧ - * روى أحمد عن ابن مسعود قال: كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي\n_________\n٦٤ - أحمد في مسنده (١/ ٩٩) والبزار: كشف الأستار (٣/ ١٨٢)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٢) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي باختصار، والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن.\nنواجذه: النواجذ هي الأسنان التي تبدو عند الضحك. بطن نخلة: اسم مكان، سبعا: تحتمل كثرًا وتحتمل سبع ليال. لا تعلوني استي أبدا: أي لا ترتفع مقعدتي عن رأسي كما يحدث للساجد.\n٦٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٤) وقال: رواه الطبراني مرسلًا وإسناده حسن.\n٦٦ - الترمذي (٥/ ٦٧١) ٥٠ - كتاب المناقب - ٤٠ - باب مناقب زيد بن حارثة ﵁. وقال عنه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن الرومي عن علي بن مُسْهِر. والحاكم (٣/ ٣١٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وذكره الحافظ في الفتح سكت عنه وذلك أمارة تحسينه.\n٦٧ - أحمد في مسنده (١/ ٤٦٢). قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلي ورجالهما رجال الصحيح.","vol":"1","page":220},{"text":"مُعيطٍ، فجاء النبي ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين، فقالا: يا غلام هل عندك من لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما.\nكان هذا أول الإسلام قبل إسلام عبد الله بن مسعود، وقد يكون المراد بالفرار في الرواية: ما كان يفعله رسول الله ﷺ وأصحابه من استخفاء إذا ما أرادوا الصلاة ولكن الظاهر أن الأمر غير ذلك، وهذا يفيد أن الاضطهاد بدأ مبكرًا، والرواية تدلنا على أمانة ابن مسعود مما يشير إلى أن هذه النوعية من الناس هي التي تملك الاستعداد الرفيع للدخول في الإسلام كما حدث لابن مسعود، وسؤاهما اللبن كان بناء على أن من حق ابن مسعود أن يسقيهما كأن يكون هو صاحب الغنم أو أنه مأذون بالضيافة.\n٦٨ - * روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد رأيتُني وأنا ثُلُثُ الإسلام. وفي رواية: ما أسلم أحدٌ إلا في أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيامٍ، وإني لثلث الإسلام.\nقال في الفتح شارحًا قوله: (وإني لثلث الإسلام) قال ذلك بحسب اطلاعه، والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه، ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي ﷺ وأبا بكر، وقد كانت خديجة أسلمت قطعًا فلعله خص الرجال، وقد تقدم في ترجمة الصديق حديث عمار (رأيت النبي ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر) وهو يعارض حديث سعد، والجمع بينهما ما أشرت إليه، أو يحمل قول سعد على الأحرار البالغين يخرج الأعبد المذكورون وعلي ﵁، أو لم يكن اطلع على أولئك، ويدل على هذا الأخير أنه وقع عند الإسماعيلي من رواية يحيى بن سعيد الأموي عن هاشم بلفظ (ما أسلم أحد قبلي) ومثله عند ابن سعد من وجه آخر عن عامر بن سعد عن أبيه، وهذا مقتضى رواية الأصيلي، وهي مشكلة لأنه قد أسلم قبله جماعة، لكن يحمل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ. وقد رأيت في (المعرفة لابن منده) من طريق أبي بدر عن هاشم بلفظ (ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه) وهذا\n_________\n٦٨ - البخاري (٧/ ٨٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ١٥ - باب مناقب سعد بن أبي وقاص الزهري.\nثلث الإسلام: أي ثالث رجل أسلم.","vol":"1","page":221},{"text":"لا إشكال فيه إذ لا مانع أن يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم، لكن أخرجه الخطيب من الوجه الذي أخرجه ابن منده فأثبت فيه (إلا) كبقية الروايات فتعين الحمل على ما قلته.\n٦٩ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إنه نزلت فيه آياتٌ من القرآن، قال: حلفت أمُّ سعدٍ أن لا تكلمهُ أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمتَ أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثًا حتى غُشي عليها من الجهد فقام ابن لها يُقال له: عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعدٍ، فأنزل الله ﷿ في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (١) ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢). قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمةٌ عظيمةٌ، فإذا فيها سيفٌ، فأخذتهُ فأتيتُ به رسول الله ﷺ، فقلت: نفَّلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حالهُ، فقال: \"رُده من حيث أخذته\" فانطلقت حتى إذا أردتُ أن ألقيهُ في القبض، لامتنى نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته: \"رُده من حيث أخذتهُ\"، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٣). ومرضتُ، فأرسلتُ إلى النبي ﷺ،\n_________\n٦٩ - مسلم (٤/ ١٨٧٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥ - باب في فضل سعد بن أبي وقاص.\nنفلني: نفلته كذا، أي: أعطيته نافلة وزيادة على سهمه من الغنيمة.\nالقبض: بسكون الباء: مصدر قبضت الشيء قبضًا: أخذته إليك فصار في قبضتك، أي: في يدك وتحت تصرفك، وبفتح الباء: الشيء المقبوض وأراد به: ما يجمع من الغنائم ويحرز، وهو المراد في الحديث. الجزُور: البعير، ذكرًا كان أو أنثى، وأصله: البعير يُنْحَرُ ويقطع لحمه، إلا أن اللقطة مؤنثة. الميسر: القمار. الأنصاب: الأصنام أو الحجارة التي كانوا يذبحون عليها لآلهتهم. والأزلام: القداح، وإحداها: زلم، وزلم - بفتح الزاي وضمها - وهي سهام بلا نصول ولا ريش، كانوا يضربون بها في القمار ليعرفوا نصيب كل واحد منهم، وكانوا يضربون بها أيضًا عند الشروع في الأمر يعرض لهم، من سفر أو زواج أو بيع أو نحو ذلك، يعرفون بها - في زعمهم - ما هو الأصلح لهم، فإن خرج لهم \"افعل\" فعلوا، وإن خرج \"لا تفعل\" لم يفعلوا. رجس: الرجس: النجس. شجروا فاها: أي: فتحوه كرهًا. أو جرت: الدواء في فيه: إنا ألقيت فيه، لفشبه إلقاء الطعام في فيها كرهًا بإلقاء الدواء عن غير اختيار. مفزورًا: أي: مشقوقًا.\n(١) سورة العنكبوت: ٨.\n(٢) سورة لقمان: ١٥.\n(٣) سورة الأنفال: ١.","vol":"1","page":222},{"text":"فأتاني، فقلتُ: دعْنِي أقسمُ مالي حيثُ شئتُ، قال: فأبي، قلتُ: فالنصفُ، قال: فأبي قلتُ: فالثلثُ، قال: فسكت، فكان بعدُ الثلثُ جائزًا، قال: وأتيتُ على نفرٍ من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعِمُكَ، ونُسقيك خمرًا - وذلك قبل أن تُحرم الخمرُ - قال: فأتيتُهم في حشٍّ - والحشُ: البُستانُ - فإذا رأس جزورٍ مشويٍّ عندهم، وزق من خمر فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصارُ والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خيرٌ من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحي الرأس، فضربني به، فجرح أنفي، فأتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرتهُ، فأنزل الله في - يعني نفسهُ - شأن الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١).\nوفي رواية في قصة أم سعد: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعمواه شجروا فاها بعصًا، ثم أوجروها.\nوفي آخرها: فضرب به أنف سعدٍ ففزرهُ، فكان أنف سعدٍ مفزورًا.\nواختصره الترمذي (٢) قال: أُنزلت في أربع آياتٍ، فذكر قصةً فقالت أم سعدٍ: أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا أطعم طعامًا، ولا أشربُ شرابًا حتى أموتُ، أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها شجروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ...﴾ (٣) الآية.\n٧٠ - * روى البخاري عن عمار بن ياسر ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبدٍ وامرأتان وأبو بكرٍ.\nنجد ههنا نوعية المستجيبين الأوائل لرسول الله ﷺ أصحاب الأصالة ومكارم الأخلاق والمضطهدين والنساء، وفي ذلك تذكير للدعاة ألا يهملوا المضطهدين والفقراء من عمال\n_________\n(١) المائدة: ٩٠.\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٤١) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٢٠ - باب ومن سورة العنكبوت. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) العنكبوت: ٨.\n٧٠ - البخاري (٧/ ١٨) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٥ - باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا\".","vol":"1","page":223},{"text":"وفلاحين، وألا يهملوا النساء، وأن يركزوا على المثقفين.\n٧١ - * روى أحمد عن سالم بن أبي العجد قال: دعا عثمان ناسًا من أصحاب النبي ﷺ فيهم عمار بن ياسر فقال: إني سائلكم وإني أحبُّ أن تصدقوني، نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان يؤثر قريشًا على سائر الناس ويؤثر بني هاشم على سائر قريش؟ فسكت القوم فقال عثمان: لو أن يبدئ مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم، فبعث إلى طلحة والزبير فقال عثمان: ألا أحدثكما عنه - يعني عمارًا - أقبلتُ مع رسول الله ﷺ آخذا بيدي نتمشى بالبطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وعليه يُعذبون، فقال أبو عمار: يا رسول الله الدهر هكذا؟ فقال له النبي ﷺ: \"اصبر\"، ثم قال: \"اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت\".\n٧٣ - * روى الحاكم عن جابر أن رسول الله ﷺ مر بعمارٍ وأهله وهم يعذبون فقال: \"أبشروا آل عمران وآل ياسر فإن موعدكم الجنةُ\".\n٧٣ - * روى الحاكم عن كردوس: أن خبابًا أسلم سادس ستة، كان سُدس الإسلام.\n٧٤ - * روى ابن ماجه عن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب إلى عمر فقال: ادن فما أحد أحقُّ بهذا المجلس منك إلا عمار، فجعل خباب يريه آثارًا بظهره مما عذبه المشركون\n_________\n٧١ - أحمد في مسنده (١/ ٦٣).\nوأورده الهيثمي في الزوائد (٩/ ٣٦٣)، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\nنشدتكم بالله: نشدتك بالله أي سألتك بالله. البطحاء: مسيل واسع فيه دقائق الحصى. يقصد عثمان - ﵁ - أنه كما أكرم رسول الله ﷺ قريشًا وبني هاشم وآثرهم لأنهم قرابته فهو يفعل ذلك ببني أمية لأنهم قرابته حتى لو استطاع أن يدخلهم الجنة لفعل، ومن السياق نعلم أن عمارًا - ﵁ - كان لا يرتاح لإيثار بني أمية، لأن الإيثار لم يقتصر على ما هو شخصي وخاص، ورضي الله عن الجميع. والنص يدل على ما تقدم إسلام عثمان - ﵁ -.\n٧٢ - المستدرك (٣/ ٣٨٩) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n٧٣ - المتسدرك (٢/ ٣٨٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٨) رواه الطبراني مرسلًا ورجاله إلى كردوس رجال الصحيح وكردوس ثقة.\n٧٤ - ابن ماجه (١/ ٥٤) المقدمة - ١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ في الزوائد: إسناده صحيح.","vol":"1","page":224},{"text":"٧٥ - * روى البخاري عن خبابِ بن الأرتِّ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسِّد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال: \"كان الرجلُ فيمن قبلكم يحفرُ له في الأرض فيُجعلُ فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضعُ على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصب وما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه. ولكنكم تستعجلون\".\n٧٦ - * روى مسلم عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنتُ، وأنا في الجاهلية، أظن أن الناس على ضلالةٍ. وأنهم لسوا على شيء. وهم يعبدون الأوثان. فسمعت برجلٍ بمكة يخبر أخبارًا. فقعدتُ على راحلتي. فقدمتُ عليه. فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا، جرءاءُ عليه قومه. فتلطفتُ حتى دخلت عليه بمكة. فقلت له: ما أنت؟ قال: \"أنا نبي\" فقلت: ما نبي؟ قال: \"أرسلني الله\" فقلت: وبأي شيءٍ أرسلك؟ قال: \"أ ﴿سلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يُوحد الله لا يشرك به شيء\" قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: \"حر وعبدٌ\" (قال ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فقلت: إني مُتبعُك. قال: \"إنك لا تستطيعُ ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك. فإذا سمعت بي قد ظهرتُ فأتني\" قال: فذهبت إلى أهلي. وقدم رسول الله ﷺ المدينة. وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار ...\nأقول: قوله ﵊: \"ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت\n_________\n٧٥ - البخاري (٦/ ٦١٩) ٦٩ - كتاب المناقب - ٣٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nوأبو داود (٣/ ٤٧) كتاب الجهاد، باب: الأسير يكره على الكفر.\n٧٦ - مسلم (١/ ٥٦٩) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - ٥٢ - باب إسلام عمرو بن عبسة.\nالأرحام: مفردها رحم وهو بيت منبت الولد ورعاؤه، والقرابة أصلها وأسبابها، والمقصود من قول الرسول ﷺ أنه يأمر الناس بأن يبتعدوا عن التشاحن والبغضاء والاقتتال والغدر والكيد بين بعضهم وخاصة الأقارب منهم وأن ينشروا بينهم الحب والإخاء والمعاملة لحسنة والوفاء. ظهرت: ظهر الشيء ظهورًا: تبين وبرز بعد الخفاء، وظهر على عدوه: غلبه.","vol":"1","page":225},{"text":"فأتني\"، نأخذ منه درسًا في الدعوة: أن تكديس المريدين والأعضاء حيث المحنة والإيذاء ليس هو الأصل، فهذا رسول الله ﷺ يوجه نحو الرجوع إلى الأقوام، وأمر كما سنرى بالهجرتين إلى الحبشة، فذلك تخفيف عن المسلمين وإبعاد عن مواطن الخطر وستر لقوة المسلمين، وإعطاء فرصة للقائد حتى لا يشغل، وضمان للسرية، وإفادة للمكان المرسل إليه، وإعداد للمستقبل، وملاحظة لضمان الاستمرار وتجنب الاستئصال.\n٧٧ - * روى الحاكم عن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبةُ بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرمٍ وولت حذاء، وإنما بقي منها صُبابة كصبابة الإناء يصطبُّها صاحِبُها، وإنكم منتقلون منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما يحضركم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يُلقى من شفير جهنم فيهوي بها سبعين عامًا وما يدرك لها قعرًا فوالله لتملأنهُ: أفعجبتُم وقد ذُكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما أربعون سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظٌ من الزحام. ولقد رأيتُني وإني لسابعُ سبعةٍ مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، وإني التقطتُ بردة فشققتها بيني وبين سعد بن أبي وقاص فارس الإسلام فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها، وما أصبح منا اليوم أحد حي إلا أصبح أمير مصر من الأمصار، وإنني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا، وإنها لم تكنْ نبوءة قط إل تناقصت حتى يكون عاقبتها ملكا، وستجربون أو ستبلون الأمراء بعدي.\nقوله: (وما أصبح منا اليوم أحد حيٌ إلا أصبح أمير مصر من الأمصار) فيه إشارة إلى ملاحظة السبق والقدم في التأمير دون أن يكون ذلك قاعدة مطلقة، ومن الملاحظ أن الخلفاء الراشدين الأربعة كلهم ممن تقدمت له سابقة إسلام وتقدم إسلام.\nقوله: (لم تكن نبوة قط إلا تناقصت حتى يكون عاقبتها ملكًا) هذا هو الواقع التاريخي قديمًا وهو ما حدث بعد محمد ﷺ، وعلى الأمة الإسلامية الآن أن تحكم أمرها\n_________\n٧٧ - المستدرك (٣/ ٣٦١) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nأذنت بصرم وولت حفاء: المراد انقطاع الدنيا، والحفاء: المقطوعة. صبابة: البقية من الماء واللبن في الإناء. شفير جهنم: أي جانبها وطرفها، كظيظ: ممتلئ من الازدحام. قرحت أشداقنا: أي تجرحت.","vol":"1","page":226},{"text":"للوصول إلى الخلافة الراشدة ووضع القواعد لضمان استمرارها.\n٧٨ - * روى مسلم عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفارٍ وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالُنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا: إنك إذا خرجت عن هلك خالف إليهم أُنيس، فجاء خالنا قنثا علينا الذي قيل له، فقلت: أما ما مضى من معروفك، فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد، فقربنا صُرمتنا، فاحتملنا عليها، وتغطي خالنا ثوبه، فجعل يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها. فأنيا الكاهن، فخير أنيسًا، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها قال: وقد صليتُ يا ابن أخي قبل أن ألقي رسول الله ﷺ بثلاث سنين، قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجهُ؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي. أصلي عشاءً، حتى إذا كان من آخر الليل ألقيتُ كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس، فقال أنيسٌ: إن لي حاجة بمكة، فاكفني، فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث عليِّ، ثم جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلًا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعرٌ، كاهنٌ، ساحرٌ، وكان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس:\n_________\n٧٨ - مسلم (٤/ ١٩١٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٢٨ - باب من فضائل أبي ذر.\nقثا: الحديث ينتوء نتوأ: إذا أظهره وأشاعه وأفشاه. لا جِمَاع: أي: لا مجامعة لنا معك ولا مُقام. صرمتنا: الصرمة: القطعة من الإبل نحو الثلاثين. فنافر: المنافرة: المحاكمة تكون في تفضيل أحد الشيئين على الآخر، يقال: نافرته، فنفرته، أي: حاكمته، فغلبته، ونفره الحاكم في المنافرة، أي: غلبه وحكم له. خفاء: الخفاء بالخاء المعجمة وكسرها، كساء يطرح على السقاء. فراث: رأت فلان علينا: أبطأ. أقراء الشعر: طرائقه وأنواعه، واحدها: قرء - بفتح القاف. فتضعفت: أي نظرت إلى أضعفهم فسألته لأن الضعيف مأمون الغائلة ومع ذلك فإنه لم يسلم من قبله. الصابئ: منصوب على الإفراء أي: انظروا وحذوا هذا الصابئ. والصابئ من غير دينه. مدرة: المدرة: الطينة المستحجرة. نصب: النُّصب: الحجر أو الصنم الذي كانوا ينصبونه في الجاهلية ويذبحون عليه، فيحمر من كثرة دم القربان والذبائح، أراد: أنهم ضربوه حتى أدموه، فصار كأنه نُصب أحمر. تكسرت عكن بطني: جمع عكنة وهو الطي من البطن من الممن، ومعنى تكسرت أي انثنت وانطوت طاقات لحم بطنه. سخفة جوع: سخفة الجوع: رقته وهزاله. ليلة إضحيان: وإضحيانه، أي: مضيئة لا غيم فيها، فقمرها ظاهر يضيئها. ضرب على أسمختهم: الأسمخة: جمع سماخ، وهو ثقب الأذن، والضرب هاهنا: المنع من الاستماع، وذلك كناية عن النوم المفرط. إسافًا ونائلة: إساف ونائلة: صنمان تزعم العرب أنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا. هن مثل الخشية: ألهن من الرجل ذكره. تولولان: الولولة: الاستغاثة والصياح. أو الدعاء بالويل. أنفارنا: الأنفار: الجماعة، أي: من أصحابنا وجماعتنا، وهو من النفر الذي هو من الثلاثة إلى العشرة. تملأ الفم: قولها: تملأ الفم، أي أنها عظيمة لا شيء أقبح منها، فمدعْتُه: أي: منعته. طعام طعمٍ: يقال: هذا طعامُ =","vol":"1","page":227},{"text":"لقد سَمعتُ قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعراء، فما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنه شعرُ، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون، قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فانظر، قال: فأتيت مكة فتضعفتُ رجلًا منهم، فقلتُ: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إليَّ، فقال: الصابئ؟ فمال عليَّ أهل الوادي بكل مدرةٍ وعظمٍ، حتى خررتُ مغشيًا عليِّ، قال: فارتفعت حين ارتفعتُ. كأني نُضُب أحمر، قال: فأتيتُ زمزم، فغسلتُ عني الدماء، وشربتُ من مائها، ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين، بين ليلةٍ ويومٍ، وما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنتُ حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدتُ على كبدي سخفة جوعٍ، قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، إذ ضُرب على أسمختهم فما يطوفُ بالبيت أحدٌ، وامرأتانِ منهم تدعوان إسافًا ونائلة، قال: فأتنا عليَّ في طوافهما، فقلت: هن مثل الخشبة - غير أني لا أكني - فانطلقنا تولولان، وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا؟ قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر، وهما هابطان، قال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم، وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى فلما قضى صلاته، قال أبو ذر: فكنتُ أنا أول من حياهُ بتحية الإسلام، قال فقلتُ: السلام عليك يا رسول الله. فقال: \"وعليك السلام ورحمة الله\"، ثم قال: \"من أنت؟ \" قلتُ: مِنْ غفارٍ، قال: فأهوى بيده، فوضع أصابعه على جبهته، فقلتُ في نفسي: كره أن انتميتُ إلى غفارٍ، فذهبتُ آخذُ بيده، فقعدني صاحبه، وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه، فقال: \"متى كنت هاهنا؟ \" قال: قلت: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين، بين ليلةٍ ويومٍ، قال: \"فمن كان يطعمك؟ \" قال: قلتُ: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جُوع، قال: \"إنها مباركةٌ، إنها طعامُ\n_________\n= طعمٍ، أي: طعام شبع، يعني أنه يشبع ويكف الجوع ويكفي منه. ظهرت: الغابر هاهنا: الباقي، وهو من الأضداد، أي بقيت ما بقيت. يثرب: المدينة المنورة طابة وطيبة. وقد جاء في حديث في النهي عن تسميتها يثرب. فنفوا له: أي: أبغضوه ونفروا منه، والشنف: البغض، تقول: شنفته. وشنفت له. تجهموا: تجهمت لفلان، أي: تنكرت له واستقبلته بما يكره، وفلان جهم المحيا، أي: كريه المنظر.","vol":"1","page":228},{"text":"طعمٍ\"، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابًا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها، ثم غبرتُ ما غبرت، ثم أتيت رسول الله ﷺ، فقال: \"إنه قد وُجهت لي أرض ذات نخلٍ، لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغٌ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم؟ \" فأتيت أنيسًا، فقال: ما صنعت؟ قلتُ: صنعت أني قد أسلمتُ وصدقتُ، قال: ما بي رغبةٌ عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارًا، فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الفغاري، وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إخواننا نُسلم على الذي أسلموا عليه، فقال رسول الله ﷺ: \"غِفار غفر الله لها، وأسلمُ سالمها الله\".\nزاد بعض الرواة - بعد قول أبي ذر لأخيه: (فاكفني حتى أذهب فأنظر) - (قال: نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا).\nوفي رواية قال: (فتنافرا إلى رجلٍ من الكهان، قال: فلم يزل أخي أنيس يمدحه حتى غلبه، فأخذنا صرمته فضممناها إلى صرمتنا).\nوفي رواية البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس قال: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قلنا: بلى، قال: قال أبو ذر: كنتُ رجلًا من غفار، فبلغنا أن رجلًا خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل فكلمه، وأتني بخبره.\n٧٩ - * روى البخار يعن ابن عباس قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي؛ فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر،\n_________\n٧٩ - البخاري (٧/ ١٧٢) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار - ٢٣ - باب إسلام أبي ذر الغفاري.\nومسلم (٤/ ١٩٢٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٢٨ - باب: من فضائل أبي ذر.\nالشنة: الزق البالي الذي يحمل فهي الماء","vol":"1","page":229},{"text":"فقال: رأيتُه يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر، فقال: ما شَفَيْتَني مما أردتُ، فتزود وحمل شَنَّةً له فيها ماء، حتى قَدِمَ مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ - ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه - حتى أدركه بعض الليل فرآه عليٍّن فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به عليٍّ، فقال: أما نال للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي مثل ذلك، فأقامه معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لتُرشدني فعلت، ففعل، فأخبره، قال: فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أُريق الماء، فإذا مضيتُ فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ: \"ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري\"، قال: والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا لله، وأن محمدًا رسول الله. ثم قام القوم فضربوه حتى أوجعوه، وأتى العباس، فأكب عليه، وقال: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تُجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد فضربوه، وثاروا إليه، فأكب العباس عليه.\nوفي الرواية الأخرى: أن النبي ﷺ قال له لما أسلم: \"يا أبا ذر، اكتُم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظُهورُنا فأقبِل\"، قال: فقلتُ: والذي بعثك بالحق، لأصرخن بها بين أظهرهم .. وذكر نحوه\".\nقال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر ﵁.\n٨٠ - * روى الحاكم عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: انطلق أبو ذر ونعيم ابن عم أبي\n_________\n٨٠ - المستدرك (٣/ ١١٢) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\nمكتتم: أي متخفف وهو اسم فاعل من الكتم: وكتم الشيء، كتمًا وكتمانًا: ستره وأخفاه. وفي هذا تصريح بأن إسلام أبي ذر كان في المرحلة السرية.","vol":"1","page":230},{"text":"ذر وأنا معهم نطلب رسول الله ﵌ وهو بالجبلِ مُكتتمٌ، فقال أبو ذر: يا محمد أتيناك نسمعُ ما تقول وإلى ما تدعو، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: \"أقول لا إله إلا الله وإني رسول الله\" فآمن به أبو ذر وصاحبه وآمنتُ به، وكان عليٍّ في حاجةٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله سلم أرسله فيها، وأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يوم الإثنين وصلى عليٍّ يوم الثلاثاء.\nوالجمع بين هذه الرواية والتي قبلها أنها حادثة لاحقة للحادثة الأولى، فبعد أن أسلم أبو ذر أتى بهذين معه متظاهرًا أنه لم يسبق له إسلام من أجل ان يسمع رفيقاه فيسلما.\n٨١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: لقد رأيتُني سادس ستةٍ ما على الأرض مسلم غيرنا.\n٨٢ - * روى الحاكم عن عروة قال: كانت نفحة من الشيطان أن محمدًا صلى الله عليه وآله سلم قد أُخِذَ، فسمع بذلك الزبير وهو ابن إحدى عشرة سنة فخرج بالسيف مسلولًا حتى وقف على النبي ﷺ فقال: \"ما شأنُكَ؟ \" فقال: أردتُ أن أضرب من أخذَكَ فدعا له النبي صلى الله عليه وآله سلم ولسيفهِ، وكان أول سيف سُلَّ في سبيل الله ﷿.\n٨٣ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقدام فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس. فما منهم من أحدٍ إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالًا فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوهُ\n_________\n٨١ - المستدرك (٣/ ٣١٣) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n٨٢ - المستدرك (٣/ ٣٦٠) وسكت عنه الذهبي في التلخيص. وإنما أردناه ههنا مع أن فيه ابن لهيعة لموافقته للمحفوظ من تقدم إسلام الزبير وهو صغير.\n٨٣ - ابن ماجه (١/ ٥٣) المقدمة ١١ - باب فضل سلمان وأبي ذر والمقداد. والحاكم (٣/ ٣٨٤)، وصححه ووافقه الذهبي. منعه: أي عصمه الله من أذاهم، صهروهم: من صهر كمنع أي عذبوهم. واتاهم: أي وافقتهم على ما أرادوا من ترك إظهار الإسلام. هانت: أي حقرت وصغرت عنده لأجله تعالى: الشعاب: جمع شعب وهو الطريق في الجبل.","vol":"1","page":231},{"text":"الولْدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقولُ أحدٌ أحدٌ.\n٨٤ - * روى الحاكم عن محمد بن عمار بن ياسرٍ عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وآله سلم وذكر آلهتهُم بخيرٍ ثم تركوهُ، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: \"ما وراءك؟ \" قال: شَرٍّ يا رسول الله ما تركت حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهُم بخيرٍ. قال: \"كيف تجدُ قلبك؟ \" قال: مُطمئن بالإيمان. قال: \"إن عادوا فعُد\".\n٨٥ - * روى مسلم عن سعد أبي وقاص ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفرٍ، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت: أنا وابن مسعود ورجل من هُذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١).\n٨٦ - * روى أحمد والطبراني عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ قال: مر الملأ من قريشٍ على رسول الله ﷺ وعنده خباب وصهيب وبلال وعمارٌ فقالوا: يا محمدُ أرضيت بهؤلاء فنزل فيهم القرآن ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾\n_________\n٨٤ - المستدرك (٢/ ٣٠٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nنلت منك: سببتك وشتمتك. كيف تجد قلبك: أي هل ما زال على الإيمان بالله واليوم الآخر، فالقول إذا كان من غير تصديق القلب فلا حرج فيه حال الإكراه وهذا مصداق قول الله ﷿: (إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان) (النحل: ١٠٦). وقد أجاز فقهاء الحنفية للمسلم أن يقول ما يخرج به من البلاء إذا كان هذا البلاء قتلًا أو قطعًا أو سجن ظالم.\n٨٥ - مسلم (٤/ ١٨٧٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥ - باب في فضل سعد بن أبي وقاص.\nلا يجترئون: من الجرأة وهو الإقدام على الشيء. والمعنى: أي أبعد هؤلاء عن مجلسنا معك حتى لا يتسلطوا علينا ولكي يحترمونا ويقدرونا حق قدرنا. فوقع في نفس رسول الله: أ] خطر في قلبه: وأصل الوقوع في اللغة السقوط.\n(١) الأنعام: ٥٢.\n٨٦ - أحمد في مسنده (١/ ٤٢٠) المعجم الكبير (١٠/ ٣١٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١)، رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير كردوس وهو لغة.","vol":"1","page":232},{"text":"إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وفي رواية الطبراني أنه قال: فقالوا: يا محمد أهؤلاء من الله عليهم من بيننا لو طردت هؤلاء لاتبعانك فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>بداية الدعوة في سريتها وفرديتها:</span>\nسيرة رسول الله ﷺ تسع الزمان والمكان والأشخاص، وهي بمجموعها يجد فيها كل عامل قدوة وأسوة، وأحكام الإسلام المنبثقة عن الكتاب والسنة تكمل الاستجابة لحاجات الإنسان وظروفه، ومن ههنا نقول:\nإن من واجه ظروفًا كالظروف التي واجهها رسول الله ﷺ في بداية الدعوة يسنّ له أن يدعو سرًا، وقد يتعين ذلك عليه إذا كان واجب الدعوة وتحقيق الهدف لا يتمان إلا بالسرية، فليست السرية مفروضة دائمًا أو مسنونة دومًا، بل الحكم فيها منوط بالظروف التي تواجهها الدعوة وأصحابها.\nورأينا في مرحلة الدعوة السرية كيف أن الدعوة كانت فردية يقوم بها رسول الله ﷺ أو أصحابه، وأن الإيذاء بدأ مبكرًا، والعروض والإغراءات والتزهيد بالمستجيبين من قِبل الكبراء كل ذلك كان واضحًا، وهي قضايا يجب أن يلتفت إليها الدعاة، وقد رأينا أكثر من نموذج أسلم فأرجعه رسول الله إلى قومه متربصًا منتظرًا داعيًا، مما يشير إلى أن هناك حالات يفضل فيها الانتشار على التجمع في المكان الواحد، وهذا كذلك موضوع يخضع لظروف الدعوة والداعية فليس التجمع في المكان الواحد مفروضًا في كل الأحوال، فلكل وضع أحكامه.\nولم نستقص فيما نقلناه كل الأحوال والأحداث التي حدثت في المرحلة السرية والفردية لتداخلها مع ما بعدها فكان ما ذكرناه نموذجًا يكفي لتوضيح الصورة.\n_________\n(١) الأنعام: ٥١، ٥٢.","vol":"1","page":233},{"text":"قال السباعي:\nإن دعوة الإصلاح إذا كانت غريبة على معتقدات الجمهور وعقليته، ينبغي أن لا يجهر بها الداعية حتى يؤمن بها عدد يضحون في سبيلها بالغالي والرخيص. حتى إذا نال صاحب الدعوى أذى. قام أتباعه المؤمنون بدعوته بواجب الدعوة، فيضمن بذلك استمرارها.\n* * *","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>فصل: في الدعوة الجهرية</span>\nاعتاد المؤلفون أن يعنونوا لهذه المرحلة بمثل العنوان الذي عنونا به، فوافقناهم عليه مع أنه ملتبس، فالمرحلة الثانية كان فيها دعوة جهرية جماعية، لكن قد بقيت الدعوة الفردية مستمرة، وبقيت السرية قائمة فالاستخفاء في دار الأرقم لازال موجودًا، وهناك روايات تصرح بذلك، المهم أن التكتم بقي مستمرًا مع الجهر بالدعوة، ولعل هذه المرحلة تشد لمن ينادون بجهرية الدعوة وسرية التنظيم، والظاهر أن هذه المرحلة استمرت حتى إسلام عمر فعندئذ وُجدت جهرية الدعوة على كمالها، وخلال ذلك كان كثيرًا ما ينكشف إسلام من أسلم، وعلى كل الأحوال فجهرية الدعوة وسرية التنظيم منوطان بالظروف والمصلحة والأوضاع التي تواجهها الدعوة أو يواجهها الدعاة.\nوبعد ثلاث سنين من البعثة على القول الراجح نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، وعندئذ بدأت الدعوة الجهرية فخص بها رسول الله ﷺ وعم تنفيذًا لأمره تعالى.\n٨٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: \"يا معشر قُريش - أو كلمةً نحوها - اشترو أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد منافٍ، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباسُ بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا صفيةُ عمةٌ رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمةُ بنت محمدٍ، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا\".\nوللبخاري أيضًا (٣) قال: يا بني عبد منافٍ، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني\n_________\n(١) الشعراء: ٢١٤.\n(٢) الحجر: ٩٤.\n٨٧ - البخاري (٨/ ٥٠١) ٦٥ - كتاب التفسير - باب - (وأنذر عشيرتك الأقربين).\n(٣) البخاري (٦/ ٥٥١) ٦١ - كتاب المناقب - ١٣ - باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية.","vol":"1","page":235},{"text":"عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله، يا فاطمةُ بنت محمدٍ، اشتريا أنفسكما من الله، لا أملكُ لكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما\".\nولمسلم أيضًا (١) قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا، فاجتمعوا، نعم وخص، فقال: \"يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعبٍ، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمسٍ، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد منافٍ، أنقذوا أنفسكم من النارٍ. يا بني هاشمٍ، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار. فإني لا أملكُ لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا، سأبلُّها ببلالها.\nوأخرجه الترمذي (٢) عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جمع رسول الله ﷺ قريشًا، فخص وعم، فقال: \"يا معشر قريشٍ، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا. يا معشر بني عبد منافٍ، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا. يا معشر بني قُصي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا. يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملكُ لكم ضرًا ولا نفعًا. يا فاطمة بنت محمدٍ، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضرًا ولا نفعًا، إن لك رحمًا، سأبُلُّها ببلالها\".\n_________\n(١) مسلم (١/ ١٩٢) ١ - كتاب الإيمان - ٨٩ - باب في قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين).\nأنقذوا: أنقذت فلانًا: إذا خلصته مما يكون قد وقع فيه، أو شارف أن يقع فيه.\nسأبلها: البلالُ: ما يُبل به، وإنما قالوا في صلة الرحم: بل رحمة، لأنهم لما رأوا بعض الأشياء يتصل ويختلط بالنداوة، ويحصل بينهما التجافي والتفرق باليبس، استعاروا البل لمعنى الوصل، واليبس لمعنى القطيعة، والمعنى: سأًل الرحم بصلتها، وقيل: البلال: جمع بلٍ.\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٣٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٣٧ - باب: ومن سورة الشعراء. قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.","vol":"1","page":236},{"text":"٨٨ - * روى مسلم عن قبيصة بن مُخارق وزهير بن عمرو ﵄ قالا: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ انطلق إلى روضة من جبلٍ فعلا أعلاها حجرًا، ثم نادى: \"يا بني عبد منافاه إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجلٍ رأى العدو، فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتفُ: يا صباحاه\".\nيغفل كثير من الدعاة عن تذكير أسرهم وأهليهم وعشيرتهم وأقاربهم، وهذا مجافٍ للفطرة ولفقه الدعوة ولسنة الدعوة فعلى الداعية إلى الله أن يخص أرحامه وأقاربه ببعض الوقت لدعوتهم وتعليمهم وتربيتهم.\nإن أصل الفطرة أن يحب الإنسان أقاربه وأرحامه، وأن يحرص على ما ينفعهم وأن يبعد عنهم ما يضرهم، والداعية إلى الله همه الأول أن ينقذ الناس من النار، فإذا ما أهمل أقرب الناس إليه، فكأنه يدلل على عدم صدقه في دعوته، فإن كان همه الإنقاذ فهؤلاء أولى الناس بالبداءة، أما إذا كان همه الزعامة والرئاسة وهؤلاء مطمئن لموقفهم منه فهذه كارثة، أو كان لا تحركه نحوهم عاطفة خاصة فهذا مجاف للفطرة، المهم أن كل داعية لابد أن يخص أهله وأقاربه بمزيد عناية ابتداءًا أو توسطًا أو انتهاءًا، والابتداء سنة رسول الله ﷺ.\nقال السباعي: إن على الداعية أن يهتم بأقربائه، فيبلغهم دعوة الإصلاح. فإذا أعرضوا، كان له عذر أمام الله والناس، عما هم عليه من فساد وضلال.\n٨٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: \"يا بني فهرٍ، يا بني عديٍ\" - لبطون قريش - حتى اجتمعوا. فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا، لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهبٍ وقريشٌ، فقال: \"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي،\n_________\n٨٨ - مسلم (١/ ١٩٢) ١ - كتاب الإيمان - ٨٩ - باب في قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين).\nرضة: الرُضة: واحدة الرضم: وهي الحجارة والصخور بعضها على بعض. يربأ: الربيئة: الذي يحرسُ القوم، ويتطلع لهم، خوفًا من أن يكبسهم العدو. يا صباحاه: كلمة يقولها الملهوف والمستغيث.\n٨٩ - البخاري (٨/ ٥٠١) ٦٥ - كتاب التفسير - ٢ - باب (وأنذر عشيرتك الأقربين). تبًا لك: التبُّ: الهلاك: أي هلاكًا لك، وهو منصوب بفعل مضمر. البطحاء: الأرض المستوية.","vol":"1","page":237},{"text":"تريد أن تُغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ \" قالوا: نعم، ما جرينا عليك إلا صدقًا، قال: \"فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد\" فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١).\nوفي بعض الروايات: (وقد تب) كذا قرأ الأعمش.\nوفي رواية (٢): أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء، فصعِدَ إلى الجبل، فنادى: \"صباحاه، يا صباحاه\" فاجتمعت إليه قريش فقال: \"أرأيتم إن حدثتكم: أن العدو مُصبحكم، أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟ \" قالوا: نعم، قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديدٍ\" وذكر نحوه.\nوللبخاري (٣) أيضًا قال: لما نزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جعل النبي ﷺ يدعوهم قبائل، قبائل.\nوفي رواية للبخاري (٤): لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: \"يا صباحاه\" فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: \"أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ \" قالوا: ما جربنا عليك كذبًا .. وذكر الحديث.\nقال في الفتح:\nوالسر في الأمر بإنذار الأقربين أولًا أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة فيحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نص له على إنذارهم. وفيه جواز تكنية الكافر، وفيه خلاف بين العلماء، كذا قيل.\n_________\n(١) سورة المسد: ١، ٢.\n(٢) البخاري (٨/ ٧٣٧) ٦٥ - كتاب التفسير - تفسير سورة (١١١) - ٢ - باب (وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب).\n(٣) البخاري (٦/ ٥٥١) ٦١ - كتاب المناقب - ١٣ - باب: من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية.\n(٤) البخاري (٨/ ٥٣٧) ٦٥ - كتاب التفسير - تعسير سورة (١١١)، باب: ١ - .\n(ورهطك منهم المخلصين): هذا مما نسخت تلاوته.","vol":"1","page":238},{"text":"٩٠ - * روى الإمام أحمد عن علي قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: جمع رسول الله ﷺ من أهل بيته فاجتمع له ثلاثون رجلًا فأكلوا وشربوا قال: فقال لهم: \"من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي\" فقال رجل لم يُسمه شريكٌ: يا رسول الله أنت كنت بحرًا من يقوم بهذا، قال: ثم قال: لآخر فعرض ذلك على أهل بيته فقال علي: أنا.\nنفهم من الحديث أدبًا وهو أن يكون للداعية إلى الله سواء كان شيخًا أو أمير جماعة أن يكون معه من يحفظ مواعيده ليذكر بها أو ليوفيها، وقد يكون منصب أمين السر في عصرنا يحقق الضبط لهذه الشؤون، وخلفاء القائد عليهم مراعاة ذلك، ومن فقه الدعوة في الحديث أن يخص الداعية الأخص من أهل بيته بمزيد عناية في الدعوة، وأن يصطنع المناسبات لتبليغ دعوته، والوليمة مناسبة من المناسبات عند الداعية لتحقيق هدف أو لتبليغ دعوة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>أصناف خصوم الدعوة الجهرية:</span>\nويبدو أن الدعوة الجهرية لقريش لم تلق استجابة مباشرة بل لقيت صدًا مباشرًا وكيدًا عنيفًا، وبهذه المناسبة تحدث الشيخ الغزالي في كتابه فقه السيرة عن أنواع الخصوم الذين واجهوا دعوة رسول الله ﷺ. قال: ومن أولئك الخصوم:\n* متعصبون تحجرت عقولهم. تزين لهم سطوتهم البطش بمن يخالفهم ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ...﴾ (١).\n* .. أو مترفون سرتهم ثروتهم يحبون الباطل لأنه على أرائك وثيرة ويكرهون الحق\n_________\n٩٠ - أحمد في مسنده (١/ ١١١) وإسناده جيد وتقدمت له طرق في علامات النبوة.\nمواعيدي: أي ما وعد به الرسول ﷺ أحدًا ولم يتم له أن يعطيه. بحرًا: أي كانت مواعيده وعطاؤه كثيرين كالبحر.\n(١) الحج: ٧٢.","vol":"1","page":239},{"text":"لأنه عاطل عن الحلي والمتاع ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ..﴾ (١)!!\n* .. أو متعنتون يحسبون هدايا الرحمن عبث صبية، أو أزياء غانية فهم يقولون: دع هذا وهات هذا ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (٢)!!\n* .. أو مهرجون يتواصون بينهم عال ضجة عالية وصياح منكر عندما تقرأ الآيات، حتى لا تسمع فتفهم فتترك أثرًا في عقل نقي وقلب طيب ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٣)!!\nلو أن أهل مكة ترددوا في تصديق محمد ﷺ حتى يبحثوا أمره ويمحصوا رسالته، ويزنوا - على مهل - ما لديهم وما جاء به، لما عليهم على هذا عاقل. ولكنهم نفروا من الإسلام نفور المذنب من ساحة القضاء بعدما انكشفت جريمته وثبتت إدانته. أهـ.\n٩١ - * روى الطبراني عن جُبيرٍ بن نُفيرٍ قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا ومر بنا رجل واستمعنا إليه فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت، فأقبل إليه فقال: ما يحملُ الرجل أن يتمنى محضرًا غيبة الله عنه لا يدري كيف يكون فيه، والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوامٌ كبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه، ألا يحمد الله تعالى أحدكم أن لا تعرفوا إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم، فقد كفيتم البلاء بغيركم، والله لقد بعث النبي ﷺ على أشد حالٍ بعث عليها نبي من الأنبياء في فترةٍ وجاهليةٍ لم يروا أن دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقانٍ فرق قه بين الحق والباطل وفرق بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه\n_________\n(١) مريم: ٧٣.\n(٢) يونس: ١٥.\n(٣) فصلت: ٢٦.\n٩١ - المعجم الكبير (٢٠/ ٣٥٩) وأحمد في مسنده (٦/ ٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٧): رواه الطبراني بأسانيد في أحدها يحيى بن صالح، وثقه الذهبي وقد تكلموا فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nطوبى: اسم للجنة. وقيل هي شجرة فيها وأصلها في اللغة فعلى من الطيب. لوددنا: من الود وهو الحب أي أحببنا. فترة وجاهلية: الفترة أي زمان انقطع فيه مجيء الأنبياء، وهي الفترة ما بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ، والجاهلية: ما كان عليه العرب قبل الإسلام من عبادة الأصنام والجهل والضلال، بفرقان: أي القرآن، حميمه: أي قريبه.","vol":"1","page":240},{"text":"كافرًا، وقد فتح الله تعالى قِفْلَ قلبهِ للإيمان ليعلم أنه قد هلك من دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلمُ أن حميمهُ في النار، وأنها التي قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (١).\n٩٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفرُ محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيتهُ يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرنَّ وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نارٍ وهؤلًا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ: \"لو دنا مني لاختطفته الملائكةُ عضوًا عضوًا\" قال: فأنزل الله ﷿، لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * ... أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ (٢) زاد عبيد الله في حديثه قال: وأمره بما أمره به. وزاد ابنُ عبد الأعلى فليدعُ ناديهُ: يعني قومه.\nقال في الفتح: وإنما شدد الأمر في حق أبي جهل، ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبي مُعيط حيث طرح سلى الجزور على ظهره ﷺ وهو يصلي، لأنهما وإن اشتركا في مطلق الأذية حالة صلاته، لكن زاد أبو جهل بالتهديد وبدعوى أهل طاعته وبإرادة وطء العنق الشريف، وفي ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك، ولأن سلى الجزور لم يتحقق نجاستها، وقد عوقب عقبة بدعائه ﷺ عليه وعلى من شاركه في فعله فقتلوا يوم بدر.\n_________\n(١) الفرقان: ٧٤.\n٩٢ - مسلم (٤/ ٣١٥٤) ٢٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - ٦ - باب قوله: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى.\nالتعفير: التمريغ في التراب. يعفر أي يسجد ويلصق وجهه بالغفر وهو التراب. فجئهم: بكسر الجيم ويقال أيضًا فجأمه. نكص على عقبيه: رجع إلى ورائه القهقري. الاختطاف: الاستلاب بسرعة. كذب وتولى: يعني أبا جهل.\n(٢) العلق: ٦ - ١٩.","vol":"1","page":241},{"text":"٩٣ - * روى الحاكم عن خال بن سعيد أن سعيد بن العاص بن أمية مرض فقال: لئن رفعني الله من مرضي هذا لا يُعبد إله ابن أبي كبشة ببطن مكة أبدًا فقال خالد بن سعيد عند ذلك: اللهم لا ترفعه، فتوفي في مرضه ذلك.\n٩٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (١) قال: نزلت في أبي طالبٍ، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ﷺ، ويتباعدُ عما جاء به.\n٩٥ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: سمعتُ سعيد بن زيد بن عمرو في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتني وإن عُمر لموثقي على الإسلام قبل أن يُسلم عمر، ولو أن أحدًا رفض للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقًا أن يرفض.\n٩٦ - * روى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد أخفتُ في الله وما يُخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحدٌ. ولقد أتت علي ثلاثون من بين يومٍ وليلةٍ وما لي ولبلالٍ طعامٌ يأكله ذو كبدٍ إلا شيء يواريه إبطُ بلال\".\nومعنى هذا الحديث: حين خرج النبي ﷺ هاربًا من مكة ومعه بلال إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمله تحت إبطه.\n_________\n٩٢ - المستدرك (٣/ ٢٤٩) وسكت عنه الحافظ الذهبي في التلخيص.\nلئن رفعني الله من مرضي: أي: لئن شفاني الله من مرضي\" ومثل هذا النذر من هذا الشرك يدل على مقدار ثقة المشركين أنهم على حق، وهذا يبين الصعوبة التي واجهها الرسول في التغيير. ابن أبي كبشة: أي: محمد ﷺ كانوا ينسبونه لأبيه من الرضاعة. وفي دعاء خالد: على أبيه مظهر من مظاهر الولاء الخالص الشديد عند أصحاب رسول الله ﷺ لهذا لدين.\n٩٤ - المستدرك (٢/ ٣١٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين وصححه الذهبي.\nينأون: يبتعدون. أي أنهم لا يستجيبون لدعوته.\n(١) الأنعام: ٢٦.\n٩٥ - البخاري (٧/ ١٧٦) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٣٤ - باب إسلام سعيد بن زيد.\nلموثقي علي الإسلام: أي أن عمر - ﵁ - ربطه بسبب إسلامه إهانة له وإلزامًا بالرجوع عن الإسلام.\nارفض: والارفضاض: التفرُّق.\n٩٦ - الترمذي (٤/ ٦٤٥) ٣٨ - كتاب صفة القيامة - ٢٤ - باب حدثنا هارون بن إسحاق ... وقل: حسن غريب. وابن ماجه (١/ ٥٤) ١ - المقدمة - ١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، وهو حديث حسن بشواهده، ورواه ابن حبان - الإحسان (٨/ ١٨٢).","vol":"1","page":242},{"text":"٩٧ - * روى أبو يعلي عن جابر بن عبد الله قال: اجتمعت قريش للنبي ﷺ يومًا، فقال: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأتِ هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ما يرد عليه، قالوا: ما نعلمُ أحدًا غير عتبة ابن ربيعة، قالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبةُ فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ قال: أنت خيرٌ أم بعد المطلبِ؟ فسكت رسول الله ﷺ قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خيرٌ منك قد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كُنت تزعمُ أنك خيرٌ منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخطة أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، ما يُنتظرُ إلا مثل صيحةِ الحبلى بأن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى تتفانى. أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريشٍ رجلًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشرًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"أفرغت؟ \" قال: نعم، قال: فقال رسول الله ﷺ: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢) فقال عتبة: حسبُك، ما عندك غير هذا؟ قال: لا، فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ فقال: ما تركتُ شيئًا أرى أنكم تكلمونهُ به إلا كلمته، قالوا: هل أجابك؟ قال: نعم، قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئًا مما قال غير أنه قال: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك رجل بالعربية فلا تدري ما قال، قال: لا والله ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة.\nأقول: إن فتح باب الحوار لمصلحة الإسلام والمسلمين إذا وجد الداعية الكامل هو\n_________\n٩٧ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٩): رواه أبو يعلي وفيه الأجلح الكندي وثقه ابن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات. وقال عنه الحافظ في التقريب (١/ ٤٩) (صدوق) لذا فالحديث حسن إن شاء الله تعالى، ويزيده ما رواه ابن إسحاق مرسلًا بإسناد جيد (١/ ٣١٣).\nالباء ة: النكاح\n(١) فصلت: ١، ٢.\n(٢) فصلت: ١٣.","vol":"1","page":243},{"text":"الأصل، فهذا رسول الله ﷺ ما كان يغلق باب الحوار مع أحد، ولكنه في أي حوار كان يدعو إلى الله ويحقق مصلحة للإسلام والمسلمين.\n٩٨ - * روى الترمذي عن عروة بن الزبير بن العوام، أن عائشة ﵂ قالت: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (١) في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ، فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني - وعند رسول الله ﷺ من عُظماء المشركين - فجعل رسول الله ﷺ يعرض عنه ويُقبل على الآخرين، ويقول: \"أترى بما أقول بأسًا؟ \" فيقول: لا، ففي هذا أنزل.\nهذه حادثة خالدة ولذلك سجلها القرآن الكريم، لأنها تشكل ظاهرة متجددة في الدعوة إلى الله، وهي من الخطورة بالمكان العظيم، فالدعاة دائمًا يتطلعون إلى كسب جديد للدعوة، وفي غمرة التطلع هذا قد يغفلون حقوق المستجيبين للدعوة، وفي كثير من الأحيان لا يستجيب الآخرون ويفقد الداعية صفته. وأول مبادئ العمل الإسلامي أن تحرص على رأس المال أكثر من حرصك على الكسب، ثم إن التطلع المبكر نحو رؤوس القوم ليس هو الأصل، فالعادة جرت أن هؤلاء تتأخر استجابتهم، فالتركيز على المستجيبين ليشكلوا القيادة الحقيقية للأمة هو الأساس، ثم إن الأولوية يجب أن تعطى دائمًا للمستجيبين وللصف لتبقى أرواحهم معلقة بالملأ الأعلى.\n٩٩ - * روى الطبراني وأبو يعلي عن عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك يأتينا في أفنيتنا وفي نادينا فيُسمعنا ما يؤذينا\n_________\n٩٨ - الترمذي (٥/ ٤٢٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٧٣ - باب ومن سورة عبس. وقال: حديث حسن غريب، والموطأ (١/ ٢٠٣) ١٥ - كتاب القرآن - ٤ - باب: ما جاء في القرآن، وصححه ابن حبان (موارد: ١٧٦٩). أرشدني - اهدني ودلني على الخير. والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. أترى بما نقول بأسًا: أي هل قلت شيئًا مذمومًا؟\n(١) عبس: ١.\n٩٩ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وأبو يعلي باختصار يسير من أوله، ورجال أبي يعلي رجال الصحيح المعجم الكبير (١٧/ ١٩٢).\nالكبس: بيت صغير، لمطاعًا: أي لمطواعًا أي لمطيعًا إما أنه ضمن اسم الفاعل معنى المفعول أو أنه بالنسبة لمحمد ﷺ مطاع. حلق: حلق ببصره: رفعه. راشدين: مهتدين.","vol":"1","page":244},{"text":"به، فإن رأيت أن تكفهُ عنا فافعل. فقال لي: يا عقيل التبس لي ابن عمك، فأخرجته من كبسٍ من أكباس أبي طالب، فأقبل يمشي معي يطلبُ الفيء يمشي فيه فلا يقدر عليه، حتى انتهى إلى أبي طالب فقال له: يا ابن أخي والله ما علمت أن كنت لي لمطاعًا، وقد جاء قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وفي ناديهم تُسمعهم ما يؤذيهم، فإن رأيت أن تكف عنهم، فحلق ببصره إلى السماء فقال: \"والله ما أنا بأقدر أدع ما بعثتُ به من أن يُشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار\"، فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط ارجعوا راشدين.\n١٠٠ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁، أن أبا جهل قال للنبي ﷺ: إنا لا نُكذبك ولكن نُكذب بما جئت به، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١).\n* * *\n_________\n١٠٠ - الترمذي (٥/ ٢٦١) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٧ - باب: ومن سورة الأنعام. والحديث صحيح، وهو عند\nالحاكم بلفظ: إنك تصل الرحم وتصدق الحديث ولا تكذبك، ولكن نكذب ... قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: ما خرجنا لتاجية شيئًا. قال ابن حجر: ناجية ثقة عن علي. يجحدون: جحد الأمر جحدًا أو جحودًا: أي أنكره مع علمه به.\n(١) الأنعام: ٣٣.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>فصل ووصل</span>\nالوحي، ففترة الوحي، فالأمر بالإنذار، فالدعوة الفردية السرية، فالدعوة الجماعية الجهرية، فالهجرة الأولى إلى الحبشة، وإسلام حمزة وعمر ﵄؛ هذه هي للعالم الكبرى لأحداث السنين الست بعد البعثة.\nدامت فترة الوحي على الأرجح أيامًا وستة شهور ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فبدأ رسول الله ﷺ الدعوة سرية وفردية واستمر على ذلك ثلاث سنين، ثم أمر بالجهر بالدعوة، فبدأ بعشيرته الأقربين فجهر ودعا فزاد المقاومة والاضطهاد مما اضطر رسول الله ﷺ لاتخاذ دار الأرقم مقرًا سريًا للدعوة والتربية والتعليم والعبادة، وكان ذلك في بداية السنة الخامسة، وفي رجب من السنة الخامسة، هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة وكان مكونًا من اثني عشر رجلًا وأربع نسوة، وفي شوال من نفس السنة عاد هؤلاء بعد أن بلغتهم شائعة أن قريشًا أسلمت فلما عرفوا جلية الأمر رجع بعضهم إلى الحبشة ودخل بعضهم مكة مستخفيًا أو في جوار، واشتد الاضطهاد فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة والتي شارك فيها ثلاثة وثمانون رجلًا وثمان عشر أو تسع عشر امرأة، والذي يبدو أن الهجرة الثانية كانت على دفعات، والراجح أن إسلام حمزة وعمر كان بعد الهجرة الثانية أواخر السنة السادسة من البعثة، والرايات تذكر أن عمر أسلم بعد تسعة وثلاثين رجلًا وثلاث وعشرين امرأة، أو بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، أو بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى وعشرين امرأة، أو بعد ثلاثة وثلاثين رجلًا، والتوفيق بين هذا العدد وبين أن الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا حوالي المئة، إما أن إسلام عمر كان بين الهجرتين فانتعشت الدعوة أو كان بعد الهجرتين، لكن الهجرة الثانية كانت على دفعات وكانت محصلتها العدد المذكور.\nوكان المسلمون لا يقدرون يصلون عند الكعبة، فلما أسلم عمر ﵁ قاتل قريشًا حتى صلى عندها وصلى معه المسلمون، وقد قووا بإسلامه وإسلام حمزة ﵄، وجهروا بالقرآن ولم يكونوا قبل ذلك يقدرون أن يجهروا به ففشا الإسلام وكثر المسلمون.","vol":"1","page":246},{"text":"١٠١ - * روى الحاكم عن عثمان بن الأرقم، أنه كان يقول: أنا ابن سبع الإسلام، أسلم أبي سابع سبعةٍ، وكانت داره على الصفا هي الدار التي كان النبي ﵌ يكون فيها في الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام فأسلم فيها قوم كثير، وقال رسول الله ﵌ ليلة الإثنين فيها: \"اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام\" فجاء عمر بن الخطاب من الغد بكرةً فأسلم في دار الأرقم وخرجوا منها وكبروا وطافوا بالبيت ظاهرين، ودُعيت دار الأرقم دار الإسلام.\nتشير هذه الرواية إلى تقدم اتخاذ دار الأرقم فإذا كان الأرقم سابع سبعة دخلوا الإسلام، وإذا شهدت دار الدعوة السرية الفردية فاتخاذ الدار إذن متقدم، وكونُ عمر بن الخطاب أسلم فيها فهذا يفيد أنها استمرت مركزًا للدعوة سنوات طويلة.\nيقول الدكتور مصطفى السباعي ﵀: إن على الداعية أن يجتمع بأنصاره على فترات في كل نهار أو أسبوع: ليزيدهم إيمانًا بدعوتهم، وليعلمهم طرقها وأساليبها وآدابها، وإذا خشي على نفسه جماعته من الإجتماع بهم علنًا وجب عليه أن يكون اجتماعه بهم سرًا لئلا يجمع المبطلون أمرهم فيقضوا عليهم جميعًا، أو يزدادوا في تعذيبهم واضطهادهم. أهـ.\nومن فكرة اتخاذ دار الأرقم نأخذ ضرورة وجود مراكز للدعوة على أن يتولى الدعوة فيها الدعاة الكبار.\n* * *\n_________\n١٠١ - المستدرك (٣/ ٥٠٢) وسكت عنه الذهبي.\nوآخر الحديث موجود عن الترمذي (٥/ ٦١٧) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٨ - باب: في مناقب عمر بن الخطاب ﵁. وقال: حسن صحيح غريب. وصححه ابن حبان.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>فصل: في هجرتي الحبشة</span>\nاشتد البلاء على المسلمين فوجد بعهم حماية وبعضهم لم يجد، ووجد هناك تطلع لحرية العبادة فكانت فكرة الهجرة إلى الحبشة حيث كان يحكمها ملك عادل.\nكان عمر في تلك الأثناء مشركًا هو وحمزة، وقد دخلا في الإسلام في هذه المرحلة بعد ابتداء الهجرة إلى الحبشة وقبل حصار الشعب في السنة السابعة، وترتب على إسلامهما وضع جديد مما جعل قريشًا تفكر بوسائل جديدة، فاخترعت فكرة حصار الشعب، وهكذا تعددت أنواع الإيذاء، ورسول الله ﷺ ماض يبلغ الناس في المواسم وحيثما لقيهم، أفرادًا وجماعات.\nوالهجرة الأولى إلى الحبشة كانت في السنة الخامسة للبعثة وكان عدد الذين هاجروا فيها اثني عشر رجلًا وأربع نسوة، ورجع بعض هؤلاء على أثر سجود المشركين عند تلاوة سورة النجم، فوجدوا الأمر على أشده فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وتمت على دفعات، ومجموع من ذكرت أسماؤهم في الهجرة الثانية ثلاثة وثمانون رجلًا وثمان أو تسع عشرة امرأة.\n١٠٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أمه ليلى قالت: كان عمرُ ابن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة، فأتى عمر بن الخطاب وأنا على بعيري وأنا أريد أن أتوجه، فقال: أين يا أم عبد الله؟ فقلت: آذيتمونا في ديننا فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذي. فقال: صحبكم الله ثم ذهب، فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يُسلم، والله لا يسلم حتى يُسلم حمارُ الخطاب.\nوهذا يد لعلى أن إسلام عمر تأخر إلى ما بعد البدء بالهجرة الأولى إلى الحبشة.\n١٠٣ - * روى الطبراني عن عروة في تسمية الذين خرجوا إلى الحبشة المرة الأولى قبل\n_________\n١٠٢ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٢): رواه الطبراني وقد صرح ابن إسحاق بالسماع فهو صحيح.\n١٠٣ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٢): رواه الطبراني في الكبير بلين وإرسال. قلت: وإنما ذكرناه ليتعرف القارئ على أسماء بعض من خرج في الهجرة الأولى.","vol":"1","page":248},{"text":"خروج جعفر وأصحابه: الزبير بن العوام، سهل بن بيضاء، عامر بن ربيعة، عبد الله بن مسعود، عبد الرحمن بن عوف، عثمان بن عفان، مع امرأته رقية بنت النبي ﷺ، عثمان ابن مظعون، مصعب بن عمير، أبو حذيفة بن عتبة، مع امرأته سهلة بنت سهيل، وولدت بالحبشة محمد بن أبي حذيفة، أبو سبرة بن أبي رهم، مع امرأته أم كلثوم بنت سهيل، أبو سلمة بن عبد الأسد، مع امرأته أم سلمة.\n١٠٤ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: سجد النبي ﷺ بالنجمِ، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس.\nوراجت على أثر هذا السجود شائعة أن قرشًا ومن معها أسلم فرجع بعض الهاجرين فوجدوا الأمر على غير ما شاع فرجع بعضهم ودخل بعضهم مستخفيًا أو بجوار.\n١٠٥ - * روى الطبراني والبزار عن عمير بن إسحاق قال: قال جعفر: يا رسول الله ائذنُ لي أن أتي أرضًا يعبدُ الله فيها لا أخاف أحدًا، قال: فأذن له فيها، فأتى النجاشي.\nقال عمير: حدثني عمرو بن العاص قال: لما رأيتُ جعفرًا وأصحابه آمنين بأرض الحبشة حسدته قلت: لا تستقبلن لهذا وأصحابه فأتيتُ النجاشي فقلت: ائذن لعمرو بن العاص، فأذن لي، فدخلت فقلت: إن بأرضنا ابن عم لهذا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد وإنا والله إن لم تُرحنا منه وأصحابه لاقطعتُ إليك هذه النطفة ولا حد من أصحابي أبدًا، فقال: وأين هو؟ قلت: إنه يجيء مع رسولك إنه لا يجيء معي، فأرسل معي رسولا فوجدناه قاعدًا بين أصحابه، فدعاه فجاء، فلما أتيتُ الباب ناديتُ ائذن لعمرو بن العاص، ونادى خلفي ائذن لحزب الله ﷿ فسمع صوته فأذن له قبلي، فدخل ودخلت، وإذا النجاشي على السرير قال: فذهبت حتى قعدت بين يديه وجعلته خلفي وجعلت بين كل رجلين من أصحابه رجلًا من أصحابي\n_________\n١٠٤ - البخاري (٨/ ٦١٤) ٦٥ - كتاب التفسير (٥٣) سورة النجم - ٤ - باب (فاسجدوا لله واعبدوا).\n١٠٥ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٩): رواه الطبراني والبزار وصدر الحديث في أوله له، وزاد في آخره قال: ثم كنت بعد من الذين أقبلوا في السفن مسلمين. وعمير بن إسحق وثقه ابن حبان وغيره وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح، وروى أبو يعلي بعضه ثم قال: فذكر الحديث بطوله، وانظر كشف الأستار: ٢/ ٢٩٧.\nالنطفة: الماء الصافي قل أو أكثر، والمراد به هنا ماء بحر جدة. القشرة: اللباس.","vol":"1","page":249},{"text":"فقال النجاشيُّ: نجروا. قال عمرو: يعني تكلموا. قلت: إن بأرضك رجلًا ابن عمه بأرضنا ويزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إنْ لم تقطعه وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أنا ولا أحد من أصحابي أبدًا، قال جعفر: صدق ابن عمي وأنا على دينه، قال: فصاح صياحًا وقال: أوهِ، حتى قلت: ما لابن الحبشية لا يتكلم؟ وقال: أنامُوسٌ كناموس موسى؟.\nقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ قال: أقول هو روح الله وكلمته. قال: فتناول شيئا صمن الأرض، فقال: ما أخطأ في أمره مثل هذا، فوالله لولا مُلكي لاتبعتكم وقال لي: ما كنت أبالي أن لا تأتيني أنت ولا أحد من أصحابك أبدًا، أنت آمن بأرضي، من ضربك قتلته، ومن سبك غرمتهُ، وقال لآذنه: متى استأذنك هذا فائذن له إلا أن أكون عند أهلي فإن أبي إلا أن تأذن له فأذن له.\nقال: فتفرقنا ولم يكن أحد أحب إليّ أن ألقاهُ من جعفرٍ، قال: فاستقبلني من طريق مرة فنظرتُ خلفه فلم أر أحدًا، فنظرتُ خلفي فلم أر أحدًا فدنوت منه وقلت: أتعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: فقد هداك الله فأثبت، فتركني وذهب، فأتيتُ أصحابي فكأنما شهدوه معي، فأخذوا قطيفة أو ثوبًا فجعلوه علي حتى غموني بها قال، وجعلتُ أخرج رأسي من هذه الناحية مرة ومن هذه الناحية رمة حتى أفلتُ وما علي قشرة، فمررتُ على حبشية فأخذت قناعها فجعلته على عورتي، فأتيتُ جعفرًا فدخلت عليه فقال: مالك؟ فقلتُ: أخذ كل شيءٍ لي ما ترك علي قشرة فأتيتُ حبشية فأخذت قناعها فجعلته على عورتي، فانطلق وانطلقت معه حتى أتى إلى باب الملك، فقال جعفر لآذنه: استأذن لي، قال: إنه عند أهله فأذن له فقلت: إن عمرًا تابعني على ديني، قال: كلا، قلت: بلى، فقال لإنسان: اذهبْ معه فإن فعل فلا تقل شيئًا إلا كتبته، قال: فجاء فقال: نعم، فجعلتُ أقول وجعل يكتبُ حتى كتبتُ كل شيء حتى القدح، قال: ولو شئت آخذ شيئًا من أموالهم إلى مالي فعلتُ.\n١٠٦ - * (١) روى الطبراني عن ابن شهاب في تسمية من هاجر إلى أرض الحبشة فأقام بها\n_________\n١٠٦ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١): رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"1","page":250},{"text":"حتى قَدِم بعد بدرٍ: شرحبيل بن عبد الله بن حسنة وهي أمهُ.\n١٠٧ - * روى الطبراني عن أبي موسى، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي، فبلغ ذلك قريشًا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعا للنجاشي هدية، وقدِما على النجاشي فأتياه بالهدية فقبلها وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسًا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك، فقال لهم النجاشي: في أرضي؟ قالوا: نعم، فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: ل يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلس وعمرو بن العاص عن يمينه وعُمارة عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين وقد قال له عمرو وعمارة إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك.\nفقال جعفر: إنا لا نسجد إلا لله، قال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسولًا وهوا لرسول الذي بشر به عيسى ﵇ من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أنْ نعبد الله ولا نشرك به شيئًا وأمرنا أن نقيم الصلاة وأن نؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في ابن مريم، فقال النجاشي: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله هو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر ولم يفترضها ولد. فتناول النجاشي عودًا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من المُلك لأتيته حتى أُقبل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعامٍ وكسوة، وقال: رُدوا على هذين هديتهما.\nوكان عمرو بن العاص رجلًا قصيرًا وكان عُمارة رجلًا جميلًا وكانا أقبلا إلى النجاشي فشربوا يعني خمرًا ومع عمرو بن العاص امرأته، فلما شربوا من الخمر قال عمارة لعمرو:\n_________\n١٠٧ - قال الهيثمي في مجمع الزوئد (٦/ ٣٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nسماطين: السماط: الصف يقال مشى بين سماطين: أ] بين صفين. لم يفترضها: لم يؤثر فيها ولم يجزها أي قبل المسح ﵇، طار مع الوحش: جُن وبار مع الوحوش.","vol":"1","page":251},{"text":"مر امرأتك فلتقبلني. فقال له عمرو: ألا تستحي؟ فأخذ عمارة عمرًا فرمى به في البحر فجعل عمرو يناشد عمارة حتى أدخله السفينة، فحقد عمرو على ذلك، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عُمارة في أهلك. فدعا النجاشي عمارة. فنفخ في إحليله فطار مع الوحش.\n١٠٨ - * روى أحمد عن أم سلمة ابنة أمية بن المغيرة زوج النبي ﷺ، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جارٍ النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله، لا نؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قرشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يُهُدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.\nقالت: فخرجا فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دارٍ، وعند خير جارٍ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لتردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يُسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك قد صبا إلى بلدك منا غِلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدعٍ لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعماهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا وأعلمُ بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن\n_________\n١٠٨ - أحمد في مسنده (١/ ٢٠١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧)؛ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.\nالبطريق: الحاذق بالحرب وأمورها بلغة الروم وهو ذو منصب عندهم.","vol":"1","page":252},{"text":"العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم على بهم عينًا وأعلمُ بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فيرداهم إلى بلادهم وقومهم.\nفغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله أيم الله، إذًا لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قومًا جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على منْ سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذا في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.\nقال: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض، ما تقولون للرجل إذا جئتموه، قالوا: تقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحدٍ من هذه الأمة؟\nقالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية: نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحُسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وشهادة الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ﷿، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك.\nقالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيءٍ؟ قالت: فقال لهُ","vol":"1","page":253},{"text":"جعفر: نعَمْ، فقال له النجاشي: فاقرأه. فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾ قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضل لحيتهُ وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرجْ منْ مشكاةٍ واحدةٍ انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما بدًا ولا أكادُ.\nقالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنهم غدًا أيبهم عندهم ثم استأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم ﵇ عبدٌ.\nقالت: ثم غدا عليه الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسألهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه. قلت: ولم ينزل بنا مثلها واجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: تقول والله فيه ما قال الله ﷾ وما جاء به نبينا كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قال: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: ما غدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال.\nفقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سُيومٌ بأرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غَرِمَ، فما أحبُّ أن لي دبرًا ذهبًا وأني آذيت رجلًا منكم (والدبر بلسان الحبشة: الجعل)، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي مُلكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهُم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاء به وأقمنا عنده بخير دارٍ مع خير جارٍ فوالله إنا على ذلك إذ تنزل به من يُنازعه في مُلكه\n_________\nخضراءهم: أصلهم الذي منه تفرعوا. الناخرت: نخر ينخر نخيرًا: مد الصوت في خياشيمه، استوسق: اتسق وانتظم.","vol":"1","page":254},{"text":"قالت: فوالله ما علمنا حُزنًا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرفه منه. وقالت: وسار النجاشي وبينهما عرضُ النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ من رجلٌ يخرج حتى يحضر القوم ثم يأتينا بالخبر. قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا. قلت: وكان من أحدث القوم سنًا، قالت: فنفخوا له قرية فجعلوها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزلٍ حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>دروس من الهجرة إلى الحبشة:</span>\n١ - هناك ناس يعتبرون مجرد التفكير في أمن الدعوة ورجالها ونسائها علامة ضعف، ويعتبرون البحث عن الأمن والأمان جريمة، وهذا تفكير ناس قطع الله قلوبهم عن أن تستشعر حاجات الإنسان، نعم لا يصح أن يكون البحث عن الأمن والأمان على حساب الدعوة إلا في الحدود التي رخص فيها الإسلام، والرخصة في محلها طيبة، فهذا عمار بن ياسر قال كلمة الكفر تحت التعذيب، وهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ هاجروا إلى الحبشة بحثًا عن الأمن والأمان، والعبرة في النهاية لإذن القيادة الراشدة ولحسن تقديرها.\n٢ - لقد هاجر أصحاب رسول الله ﷺ إلى قطرٍ كافر فيه عدالة وحرية يستطيعون من خلالها أن يأمنوا وأن يقيموا شعائر الإسلام، وهذا يفتح أمامنا آفاقًا واسعة في العمل والحركة، فهناك بلدان في العالم تسمح للمسلم بأن يقيم شعائره الدينية وتعامله كما تعامل أبناءها في الحقوق والواجبات، مثل هذه البلدان تصلح للتفكير فيها إذا ما اضطهد المسلم في بلده بل تصلح للإقامة فيها، ولا حرج إذا ما ضمن المسلم إمكانية تربية أسرته بل قال فقهاء الشافعية: لو أن مسلمًا استطاع أن يظهر شعائر الإسلام في دار كفر، فالأولى له البقاء لأنه بذلك تصبح داره دار إسلام في أرض كفرن والمسألة تخضع في النهاية للموازنات بين المصالح","vol":"1","page":255},{"text":"والأضرار كما تخضع للفتوى البصيرة من أهلها.\n٣ - يلاحظ أن مهاجري الحبشة لم يكلفوا بأية مهام دعوية على أرض الحبشة، وهذا يفتح أمامنا بابًا واسعًا في آداب المسلم إذا ما اضطرته ظروفه إلى هجرة، فإنه في هذه الحالة يسعه أن يلاحظ قوانين البلد الآخر وألا يتدخل في شؤونه الداخلية إلا بالقدر الذي يسمح به البلد الآخر، والأمر واسع فهو يدور بين رخصة وعزيمة وللقيادة الراشدة دور في تحديد العمل المطلوب من المهاجرين على أن لا يقع غدر أو نكث أو خيانة من قِبَلِنا، ولئن كان رسول الله ﷺ لم يكلف جعفرًا وأصحابه بالدعوة فإن هناك روايات تفيد أن جعفرًا قد دعا واستجيب له.\n٤ - من قصة النجاشي ابتداء وانتهاء نصل إلى قضية على غاية من الأهمية في العمل الحركي، فالنجاشي أسلم في النهاية، وبقي على رأس نظام له قوانين غير إسلامية، وقبل الرسول ﷺ ذلك منه وصلى عليه لما مات، وهذا يفيد أن الحكم على نظام بالكفر لا يعني الحكم على كل فرد فيه بذلك، بل قد يوجد نظام كافر ويحكم للرأس المدبر لهذا النظام بالإسلام ظاهرًا وباطنًا، كما هو حال النجاشي.\n٥ - نذكر بمناسبة الكلام عن الهجرية الأولى للحبشة الأولى للحبشة حادثة سجود المشركين عندما سمعوا سورة \"النجم\" ويذكر في سياق ذلك حادثة الغرانيق من أن الشيطان أسمع المشركين تمجيدًا من رسول الله ﷺ لأصنامهم أثناء تلاوته ﵊، وتلك قصة باطلة لا أصل لها.\n٦ - وفي حكم الهجرة قال الدكتور البوطي: أما الهجرة من دار الإسلام فحكمها بين الوجوب والجواز والحرمة: أما الوجوب فيكون عند عدم تمكن المسلم من القيام بالشعائر الإسلامية فيها كالصلاة والصيام والأذان والحج ..، وأما الجواز فيكون عندما يصبه فيها بلاء يضيق به، فيجوز له أن يخرج منها إلى دار إسلامية أخرى، وأما الحرمة فتكون عندما تستلزم هجرته إهمال واجب من الواجبات الإسلامية لا يقوم به غيره.\n٧ - وقال الدكتور البوطي تلعيقًا على حادثة الهجرة إلى الحبشة:","vol":"1","page":256},{"text":"يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة إلى ذلك سواء كان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي - إذ كان نصرانيًا عندئذ ولكنه أسلم بعد ذلك -، أو كان مشركًا كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة في حمايتهم عندما رجعوا من الحبشة، وكأبي طالب عم الرسول ﷺ وكالمطعم بن عدي الذي دخل الرسول ﷺ مكة في حمايته عندما رجع من الطائف.\n٨ - قال الدكتور السباعي ﵀: إن على الداعية إذ وجد جماعته في خطر على حياتهم أو معتقداتهم من الفتنة، أن يهيئ لهم مكانًا يأمنون فيه من عدوان المبطلين، ولا ينافي ذلك ما يجب على دعاة الحق من تضحية، فإنهم إذا كانوا قلة استطاع المبطلون أن يقضوا عليهم قضاءًا مبرمًا، فيتخلصوا من دعوتهم، وفي وجودهم في مكان آمن ضمان لاستمرار الدعوة وانتشارها.\n٩ - وقال: إن في أمر الرسول أصحابه أولًا وثانيًا بالهجرة إلى الحبشة، ما يدل على أن رابطة الدين بين المتدينين - ولو اختلفت دياناتهم - هي أقوى وأوثق من رابطتهم مع الوثنيين والملحدين.\n١٠ - وقال: إن المبطلين لا يستسلمون أمام أهل الحق بسهولة ويسر، فهم كلما أخفقت لهم وسيلة من وسائل المقاومة والقضاء على دعوة الحق، ابتكروا وسائل أخرى، وهكذا حتى ينتصر الحق انتصاره النهائي ويلفظ الباطل أنفاسه الأخيرة.\n* * *","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>فصل: في إسلام عمر وحمزة</span>\n١٠٩ - * روى الطبراني عن محمد بن كعب القرظي قال: كان إسلام حمزة ﵁ حَمِيَّةَ وكان يخرج من الحرم فيصطادُ فإذا رجع مر بمجلس قريش، وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة فيمر بهم فيقول: رميت كذا وكذا وصنعت كذا وكذا ثم ينطلق إلى منزله، فأقبل من رميه ذات يوم فلقيته امرأة فقالت: يا أبا عُمارة ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل بن هشام؟ شتمه وتناوله وفعل وفعل، فقال: هل رآه أحد؟ قالت: أي والله لقد رآه ناس، فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم فاتكأ على قوسه وقال: رميتُ كذا وفعلت كذا وكذا، ثم جمع يديه بالقوس فضرب بها بين أذني أبي جهل فدق سيتها، ثم قال: خذها بالقوس وأخرى بالسيف، أشهد أنه رسول الله ﷺ وأنه جاء بالحق من عند الله، قالوا: يا أبا عمارة إنه سب آلهتنا، وإن كنت أنت وأنت أفضل منه ما أقررناك وذاك، وما كنت يا أبا عمارة فاحشًا.\n١١٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر\". قال: فأصبح، فغدا عمر على رسول الله ﷺ فأسلم.\n١١١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب. المراد بالجهر هنا التحدي، وإلا فقد جهر قبله غيره.\n١١٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزةً منذ أسلم عمر\n_________\n١٠٩ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٦٧)، رواه الطبراني مرسلًا ورجاله رجال الصحيح.\n١١٠ - الترمذي (٥/ ٦١٧ - ٦١٨) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب - ﵁ - وهذا الحديث غريب من هذا الوجه، وتشهد لهذه الرواية روايات أخرى صحيحة. فغدا: غد عليه غدوًا وغدوة - بالضم - واغتدى: بكر، أي ذهب إليه مبكرًا. والغدوة البكرة أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس.\n١١١ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٣): رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١١٢ - البخاري (٧/ ٤١) - ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب - ﵁ -.","vol":"1","page":258},{"text":"١١٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: إن كان إسلامُ عمر لفتحًا، وهجرته لنصرًا، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر.\n١١٤ - * روى الحاكم عن عثمان بن عبد الله بن الأرقم عن جده الأرقم، وكان بدريًا، وكان رسول الله ﷺ أوى في داره عند الصفا حتى تكاملوا أربعين رجلًا مسلمين وكان آخرهم إسلامًا عمر بن الخطاب ﵃، فلما كانوا أربعين خرجوا إلى المشركين. قال الأرقم: فجئتُ رسول الله ﵌ لأودعه وأردتُ الخروج إلى بيت المقدس، فقال لي رسول الله ﵌: \"أين تُريدُ؟ \" قلت: بيت المقدس. قال: \"وما يخرجك إليه أفي تجارةٍ؟ \" قلت: لا ولكن أصلي فيه، فقال رسول الله ﵌: \"صلاة ها هنا خيرٌ من ألف صلاةٍ\".\nذكر رقم الأربعين هنا يحتمل أنهم تكاملوا أربعين بعد هجرة من هاجر إلى الحبشة لأن الذين هاجروا إلى الحبشة الهجرة الثانية أكثر من ثمانين، أو نقول: إن الثمانين لم يهاجروا دفعة واحدة فالمسلمون تزايدوا بعد إسلام عمر وقسم منهم هاجر فزاد رقم المهاجرين على الثمانين وهذا الذي نرجحه، فيكون عمر هو الموفي على العدد الأربعين وهي حصيلة عمل خمس سنين من الدعوة، وفي هذا درس للمتعجلين.\n١١٥ - * روى البخاري عن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: بينما هو في الدار خائفًا، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو عليه حُلةُ حبرٍ وقميصُ مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمتُ، قال: لا سبيل إليك - بعد أن قالها أمنتُ - فخرج العاص، فلقيَ\n_________\n١١٣ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٢): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعود. المعجم الكبير (٩/ ١٧٨).\n١١٤ - المستدرك (٣/ ٥٠٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n١١٥ - البخاري (٧/ ١٧٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٣٥ - باب: إسلام عمر بن الخطاب - ﵁ -.\nالحسرة: بُرد يماني، والجمع: حسر وجيرات. الحلفاء: جمع حليف، وهو الذي يحلف لك وتحلف له على التعاضد والتناصر، لا سبيل إليك: أي لن يقربك أحد بسوء، صبأ: صبأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره. كر =","vol":"1","page":259},{"text":"الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريدُ هذا ابن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه. فكر الناسُ.\nوفي رواية قال: لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره، وقالوا: صبأ عمر - وأنا غلامٌ فوق ظهر بيتي - فجاء رجلٌ عليه قباء من ديباجٍ، فقال: قد صبأ عمر، فما ذاك؟ فأنا له جاز، فرأيتُ الناس تصدعوا عنه، فقلت: من هذا؟ قالوا: العاص بن وائلٍ.\n١١٦ - * روى الطبراني عن عمر أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لا أدعُ مجلسًا جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإسلام، فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة فجعل يعلن الإسلام ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فثار المشركون فجعلوا يضربونه ويضربهم. فلما تكاثروا عليه خلصه رجل فقلت لعمر: من الرجل الذي خلصك من المشركين؟ قال: ذاك العاص بن وائل السهمي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>دروس من إسلام عمر وحمزة:</span>\nإن معرفة الرجال وإدراك مزاياهم والاستفادة من كفاءاتهم شيء لا يلحق به أحد من الناس رسولنا ﵊ وفي قصة عمر نموذج، والقائد الذي لا يدرك مزية الرجال ويحسن الاستفادة من قوة القوي منهم قائد فاشل وضائع.\nولقد عز الإسلام بعمر من حيث إنه حمل هذا الدين جهرة وتحدى به وصارع من أجله - دون قتال - ومن هنا نعرف أن مجرد إظهار الدعوة والوقوف بقوة معها واثبات على ذلك يعتبر نصرًا للإسلام وأهله.\nوبإسلام حمزة وعمر وجد وضع جديد في مكة، وبخروج بعض الأصحاب إلى الحبشة\n_________\n= الناس: رجعوا. القباء: ثوب يبس فوق الثياب. الديباج: نوع من الثياب يصنع من الإبرسيم، وهو أحسن أصناف الحرير، جار: أنا لفلان جار، أي: حام، وفلان في جواري: في حِمَاي وحفطي، تصدعوا عنه: أي تفرقوا عنه.\n١١٦ - قال في المجمع (٩/ ٦٥): روا الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"1","page":260},{"text":"زادت أضغان المشركين، ولكن أبا طالب كان يحمي رسول الله ﷺ، وهذا كله دعا قريشًا لأن تفكر وتعمل الحيلة، فهداها شيطانها إلى فكرة المقاطعة لرسول الله ﷺ وأصحابه ومن يتعاطف معهم مما ألجأ رسول الله ﷺ وأصحابه وأبا طالب وبني هاشم وبني المطلب ما عدا أبا لهب إلى الدخول في شعب أبي طالب لمواجهة الحصار الاقتصادي والاجتماعي مجتمعين، وكانت محنة جديدة استمرت ثلاث سنين، أنهك فيها أبو طالب وخديجة فتوفيا على إثرها، وههنا ازدادت المحنة وبدأت قريش بالإيذاء المباشر لرسول الله ﷺ، فكان من آثار ذلك أن قرر رسول الله الرحلة إلى الطائف للدعوة هناك، فوقفت منه ثقيف موقفًا هو شر من موقف قريش فعاد إلى مكة ودخلها بحماية المطعم بن عدي.\nوخلال هذه الأحداث كلها كانت الدعوة مستمرة، والتبليغ قائمًا على قدم وساق، وفُتح آخر الأمر الطريق إلى المدينة بدخول الإسلام إلى أهلها على مدار ثلاث سنوات متوالية حدثت خلالها حادثة الإسراء والمعراج كمقدمة لميلاد الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم كان آخر الأمر الهجرة إلى المدينة.\n* * *","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>فصل: في حصار الشِّعْب</span>\nبدأ حصار الشعب في السنة السابعة للبعثة، واستمر ثلاث سنوات وانتهى على القول الراجح في المحرم من السنة العاشرة. تعاقدت قريش على بني هاشم وبني المطلب ألا ينكاحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، وكتبوا هذا في صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب إلى شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، واشتد الحصار وقطعت عنهم الميرة والمادة حتى بلغهم الجهد والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرًا ولا يشترون حوائج إلا في الأشهر الحرم أو مما يرد إلى مكة من خارجها، ومع ذلك كانت قريش تزيد عليهم في السعر، ثم تحركت عواطف أهل النخوة والأريحية فأبطلوا الصحيفة، ولما أرادوا تمزيقها وجدوا الأرضة أكلتها إلا قولهم (باسمك اللهم). وكان رسول الله ﷺ قد أخبر عمه بذلك فكانت معجزة، وقد ذكر البخاري حادثتين أشار فيهما رسول الله ﷺ إلى تقاسم المشركين على كفرهم هذا في خيف (١) بني كنانة مرة بمناسبة غزوة حنين ومرة بمناسبة الحج، وكتب السيرة طافحة بأخبار هذا الحصار ومأسيه، وقد ذكره البخاري في صحيحه مرتين وها نحن ننقل إحدى الروايتين وننقل ما ذكره ابن حر بمناسبة إحداهما:\n١١٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: من الغد يوم النحر وهو بمنى: \"نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر\" يعني بذلك المحصب، وذلك أن قُريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب - أو بني المطلب - أن لا يُنكاحوهم ولا يُبايعوهم حتى يُسلموا إليهم النبي ﷺ. وقال سلامةُ عن\n_________\n(١) خيف: الخيف: الناحية أو ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسب مسيل الماء وبها سمي مسجد الخيف أو لأنها ناحية من منى.\n١١٧ - البخاري (٢/ ٤٥٣) ٢٥ - كتاب الحج - ٤٥ - باب نزول النبي ﷺ مكة.\nالحصب: الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح، أو المحصب موضع رمي الجمار بمنى.","vol":"1","page":262},{"text":"عُقيل ويحيى بن الضحاك عن الأوزاعي: أخبرني ابنُ شهاب وقالا: بني هاشم وبني المطلب، قال أبو عبد الله بن يالمطلب أشبه.\nقال ابن حجر: قال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أصحاب المغازي: لما رأت قريش أن الصحابة قد نزلوا أرضًا أصابوا بها أمانًا وأن عمر أسلم وأن الإسلام فشا في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك أبا طالب فجمع بني هاشم وبني المطلب فأدخلوا رسول الله شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه إلى ذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك أجمعوا أن يكتبوا بينهم وبين بني هاشم والمطلب كتابًا أن لا يعاملوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ، ففعلوا ذلك، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فشلت أصابعه، ويقال إن الذي كتبها النضر ابن الحارث، وقيل طلحة بن أبي طلحة العبدي، قال ابن إسحاق: فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فكانوا معه كلهم إلا أبا لهب فكان مع قريش، وقيل كان ابتداء حصرهم في المحرم سنة سبع من البعثة، قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين حتى جهدوا ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات إلا خفية، حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على أنه أرسل إلى بعض أقاربه شيئًا من الصلات.\nإلى أن قام في نقض الصحيفة نفر من أشدهم في ذلك صنيعًا هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وكانت أم أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل أن يتزوجها جده، فكان يصلهم وهم في الشعب، ثم مشى إلى زهير بن أبي أمية وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فكلمه في ذلك فوافقه، ومشيا جميعًا إلى المطعم بن عدي وإلى زمعة بن الأسود فاجتمعوا على ذلك، فلما جلسوا بالحجر تكلموا في ذلك وأنكروه وتواطئوا عليه فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل. وفي آخر الأمر أخرجوا الصحيفة فمزقوها وأبطلوا حكمها. وذكر ابن هشام أنهم وجدوا الأرضة قد أكلت جميع ما فيها إلا اسم الله تعالى. وأما ابن إسحاق وموسى بن عقبة وعروة فذكروا عكس ذلك أن الأرضة لم تدع اسمًا لله تعالى إلا أكلته، وبقي ما فيها من الظلم والقطيعة، فالله أعلم.","vol":"1","page":263},{"text":"وذكر الواقدي أن خروجهم من الشعب كان في سنة عشر من المبعث، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات أبو طالب بعد أن خرجوا بقليل. قال ابن إسحاق ومات هو وخديجة في عام واحد، فنالت قريش من رسول الله ﷺ ما لم تكن تناله في حياة أبي طالب. ولما لم يثبت عند البخاري شيء من القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة لأن فيه دلالة على أصل القصة، لأن الذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث: \"تقاسموا على الكفر\".\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>درس من الحصار:</span>\nنلاحظ من خلال قصة الحصار أن مشركي بني هاشم وبني المطلب تضامنوا مع رسول الله ﷺ وحموه كأثر من أعراف الجاهلية، ومن ههنا ومن غيره نأخذ أنه يسع المسلم أن يستفيد من قوانين الكفر فيما يخدم الدعوة على أن يكون ذلك مبنيًا على فتوى صحيحة من أهلها.\nإن حقوق الإنسان في عصرنا ضمان للمسلم، والحرية الدينية في كثير من البلدان يستفاد منها، وقوانين كثير من أقطار العالم تعطي للمسلمين فرصًا، وعلى المسلمين أن يستفيدوا من ذلك وغيره من خلال موازنات دقيقة.\nقال الدكتور البوطي بمناسبة حادثة الحصار:\nوالمهم أن تعلم بأن حماية أقارب رسول الله ﷺ له، لم تكن حماية للرسالة التي بعث بها، وإنما كانت لشخصه من الغريب، وإذا أكن أن تستغل هذه الحماية من قِبَلِ المسلمين وسيلة من وسائل الجهاد والتغلب على الكافرين والرد لمكائدهم وعدوانهم فأنعم بذلك من جهد مشكور وسبيل ينتبهون إليها.\n* * *","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>جزاء المقاطعة:</span>\n١١٨ - * روى مسلم عن مسروق بن الأجدع ﵀ قال: كنا عند عبد الله جلوسًا - وهو مُضطجع بيننا - فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا عند أبواب كندة يقص، ويزعم: أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منها كهيئة الزكام، فقال عبد الله وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس، اتقوا الله، من علم منكم شيئًا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١) إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارًا قال: \"اللهم سبعٌ كسبع يوسف\".\nوفي راية للبخاري (٢): أن رسول الله ﷺ لما رأى قريشًا استعصوا عليه، فقال: \"اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف\" فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء. حتى أكلوا الجلود والميتة، وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان، فقال: أي محمد، إن قومك قد هلكوا، فادع الله أن يكشف عنهم فدعا، ثم قال: \"تعودوا بعد هذا\" ثم قرأ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (٣). قال عبد الله: أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ قال: والبطشة الكبرى يوم بدرٍ.\nوفي رواية للبخاري (٤) قال: قال عبد الله: إنما كان هذا، لأن قريشًا لما استعصوا على\n_________\n١١٨ - مسلم (٤/ ٢١٥٥) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - ٧ - باب الدخان.\nسبع كسبع: أراد بالسبع: سبع سنين التي كانت في زمن النبي يوسف ﵇ المجدبة التي ذكرها الله تعالى في القرآن. حصت: حلفت واستأصلت. قحط: لقحط: احتباس المطر. الجهد: بفتح الجيم - المشقة. لمضر: أي: أتأمرني أن أستسقي الله لمضر، مع ما هم عليه من المعصية والإشراك به؟!. الرفاهية. الدعة وسعة العيش.\n(١) ص: ٨٦.\n(٢) البخاري (٨/ ٥٧٣) ٦٥ - كتاب التفسير (٤٤) سورة الدخان - ٥ - باب (ثم تولوا عنه).\n(٣) الدخان: ١٥.\n(٤) البخاري (٨/ ٥٧١) ٦٥ - كتاب التفسير - ٢ - باب: يغشي الناس هذا عذاب أليم.","vol":"1","page":265},{"text":"النبي ﷺ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهدٌ، حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظرُ إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهدِ، فأنزل الله ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: فأتى رسول الله ﷺ، فقيل: يا رسول الله، استسق الله لِمُضَر، فإنها قد هلكت، قال: \"لمُضر؟ إنك لجريء\"، فاستقى لهم، فسقوا، فنزلت ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فلما أصابهم الرفاهيةُ، عادُوا إلى حالهم، حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله ﷿، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر.\nوفي رواية للبخاري (١): فقيل له: إن كشفنا عنهم، عادوا، فدعا ربه فكشف عنهم، فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾.\nوفي رواية الترمذي (٢) مثل الرواية الأولى إلى قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فهل يكشف عذاب الآخرة؟ قد مضى البطشة واللزامُ والدخانُ، وقال أحدهم: القمر، وقال الآخر: الروم واللزام يعني: يوم بدرٍ.\nوروى مسلم (٣) عن عبد الله قال: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر.\n* * *\n_________\n(١) البخاري (٨/ ٥٧٢) ٦٥ - كتاب التفسير (٤٤) سورة الدخان، باب: ٢.\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٧٩) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٤٦ - باب: ومن سورة الدخان. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) مسلم (٤/ ٢١٥٧) ٥٠ - كتاب المنافقين وأحكامهم - ٧ - باب الدخان.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>فصل: في انشقاق القمر</span>\nذكر البخاري انشقاق القمر بين إسلام عمر بن الخطاب وبين هجرة الحبشة، وقد فهم من ذلك ابن حجر إشارة إلى أن حادثة انشقاق القمر كانت في تلك المرحلة قال:\nجعل ابن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة، ولم يذكر انشقاق القمر فاقتضى صنيع المؤلف أنه وقع في تلك الأيام، وقد ذكر ابن إسحاق من وجه آخر أن إسلام عمر كان عقب هجرة لحبشة الأولى أهـ. وقد ذكر الألوسي في تفسيره بصيغة الجزم أن انشقاق القمر كان قبل الهجرة بنحو خمس سنين.\nوبناء على قول الألوسي فإن انشقاق القمر كان بعد الهجرة الثانية إلى الحبشة وخلال حصار الشعب وإني أرجح ذلك، فحصار الشعب كان أشد المحن، وفي المحن تأتي التثبيتات في الغالب، ومعجزة انشقاق القمر كانت من أشد التثبيتات.\n١١٩ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ: أن يُريهم آية، فأراهم انشقاق القمر.\nوفي أخرى: فأراهم القمر شقين (١).\nوزاد الترمذي (٢): فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ - إلى - ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٣) يقول: ذاهب.\n١٢٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشق القمرُ على عهد رسول الله ﷺ بشقين، فقال رسول الله ﷺ: \"اشهدوا\" وفي أخرى: ونحن معه، فقال\n_________\n١١٩ - البخاري (٦/ ٦٣١) ٦١ - كتاب المناقب - ٣٧ - باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر. ومسلم (٤/ ٢١٥٤) - ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - ٨ - باب: انشقاق القمر.\n(١) البخاري (٧/ ١٨٢) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار ٣٦ - باب انشقاق القمر.\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٩٧) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٥٥ - باب: ومن سورة القمر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) سورة القمر: ١، ٢.\n١٢٠ - ومسلم (٤/ ٢١٥٨) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - ٨ - باب: اشقاق القمر.","vol":"1","page":267},{"text":"\"اشهدُوا، اشهدُوا\"،\nوفي أخرى قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى، إذ انفلق القمر فلقتين، فلقة وراء الجبل، وفلقة دونهُ، فقال لنا رسول الله ﷺ: \"اشهدوا\".\nوللبخاري (١) قال: وقال مسروق عن عبد الله (بمكة) وأخرج الترمذي مثله.\n١٢١ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، مثل حديث قبلهُ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم اشهد\".\n١٢٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن القمر انشق في زمن النبي ﷺ.\n١٢٣ - * روى الترمذي عن جبير بن مطعم ﵁ قال: انشق القمر على عهد النبي ﷺ، صار فرقتين على ها الجبل، وعلى هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد فقال بعضهم: لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم.\nوزاد رُزين: فكانوا يتلقون الركبان، فيخبرونهم بأنهم قد رأوه فيكذبونهم.\nأقول: وفي رواية أبي نعيم في الدلائل: فما قدم عليهم أحد إلا أخبرهم بذلك، ذكره في الفتح.\nلقد روى هذه الحادثة ابن مسعود وجبير بن مطعم وحذيفة، قال ابن حجر: وهؤلاء شاهدوها. ورواها من صغار الصحابة عن كبارهم ابن عباس وأنس مما يدل على أن ذلك كان متداولًا يرويه الصغار عن الكبار.\n_________\n١٢١ - مسلم (٤/ ٢١٥٩) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - ٨ - باب انشقاق القمر.\n(١) البخاري: (٦/ ٦٣١) ٦١ - كتاب المناقب - ٢ - باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر.\nومسلم (٤/ ٣١٥٩) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - ٨ - باب: انشقاق القمر.\n١٢٢ - الترمذي (٥/ ٢٩٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٥٥ - باب: ومن سورة القمر. وقال: حديث حسن.","vol":"1","page":268},{"text":"قال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا، ويؤيد ذلك بالآية الكريمة، فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عذر.\nوقال صاحب الفتح الرباني:\nوهذا من المعجزات الكونية التي لم تسبق لنبي غير نبينا ﷺ. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة.\nقال: وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.\nوقال في التاريخ: وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك زمنه، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، وذكر كثيرًا من الأحاديث وطرقها في التفسير والتاريخ، أهـ.\nوقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجًا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر، وقد أنكر ذلك بعضهم فقال: لو وقع ذلك لم يجز أن يخفى أمره على عوام الناس لأنه أمر صدر عن حس مشاهدة، فالناس فيه شركاء والدواعي متوفرة على رؤية كل غريب ونقل ما لم يعهد، فلو كان لذلك أصل لخلد في كتب أهل التسيير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره. والجواب عن ذلك أن هذه القصة خرجت عن بقية الأمور التي ذكروها لأنه شيء طلبه خاص من الناس فوقع ليلًا لأن القمر لا سلطان به بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون أكثر الناس فيه نيامًا ومستكينين بالأبنية، والبارز بالصحراء منهم إذا كان يقظان يحتمل أنه كان في ذلك الوقت مشغولًا بما يلهيه من سمر وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراصد مركز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه،","vol":"1","page":269},{"text":"ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر. ثم أبدى حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ شيء منها مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه إلا القرآن بما حاصله: إن معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلاك من كذب به من قومه للاشتراك في إدراكها بالحس، والنبي ﷺ بعث رحمة فكانت معجزته التي تحدى بها عقلية، فاختص بها القوم الذين بعث منهم لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الأفهام، ولو كان إدراكها عامًا لعوجل من كذب به كما عوجل من قبلهم. أهـ من الفتح.\nأقول: لما كان هناك خلاف بين الأئمة في تواتر انشقاق القمر، ولما كانت الآية ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قابلة للتأويل الضعيف بمعنى أنه سينشق، فإننا لا نحكم بكفر من أنكر الانشقاق، لكنه إما ضال وإما فاسق لتكذيبه الأحاديث الصحيحة، وعلى العموم فمثل هذا الإنكار دليل على مرض القلب.\n* * *","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>فصل: الإيذاء مستمر والدعوة مستمرة</span>\n١٢٤ - * روى أحمد عن رجل من بني مالك بن كنانة قال: رأيتُ رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: \"يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا\" قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم ولتتركوا اللات والعُزى، وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ. قلنا: انعت لنا رسول الله ﷺ، قال: بين بُردين أحمرين، مربوعُ، كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر، أبيض شديد البياض، سابغ الشعر.\n١٢٥ - * روى أحمد عن ربيعة بن عباد من بني الديل، وكان جاهليًا قال: رأيتُ النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: \"يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا\" والناس مجتمعون عليه ووراءه رجلٌ وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابيء كاذب، يتتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فذكروا لي نسب رسول الله ﷺ وقالوا لي: هذا عمه أبو لهب، وفي رواية ورسول الله ﷺ يفر منه وهو يتبعه، وفي رواية والناس منقصفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا وهو لا يسكت.\n١٢٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: \"اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون\".\n١٢٧ - * روى الطبراني عن الحارث بن الحارث قال: قُلت لأبي ما هذه الجماعةُ قال:\n_________\n١٢٤ - أحمد في مسنده (٥/ ٢٧٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٢): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\nيحثي: حثى عليه التراب: حثا في وجهه التراب: هاله عليه. يغوينكم: غوي: أمعن في الضلال. أغواه: أضله وأغراه. مربوع: الربعة: الوسيط القامة. سابغ: سبغ الشيء سبوغًا: تم وطال واتسع.\n١٢٥ - أحمد في مسنده (٤/ ٣٤١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٢): رواه أحمد وأمنه والطبراني في الكبير بنحوه والأوسط باختصار بأسانيد وأحد أسانيد عبد الله بن أحمد ثقات. المعجم الكبير (٥/ ٦١).\nمنقصفون: أي متزاحمون حتى يقصف بعضهم بعضًا، من القصف: الكسر والدفع الشديد لفرط الزحام.\n١٢٦ - البخاري (٦/ ٥١٤) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء، باب: ٥٤.\nومسلم (٣/ ١٤١٧) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٧ - باب: غزوة أحد.\n١٢٧ - المعجم الكبير (٣/ ٢٦٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢١): رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"1","page":271},{"text":"هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فنزلنا فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله ﷿ والإيمان، وهم يرُدون عليه ويؤذونه حتى انتصف النهار وانصدع الناس عنه، أقبلت امرأة قد بدا نحرها تحمل قدحًا ومنديلًا فتتناوله منها فشرب وتوضأ ثم رفع رأسه فقال: \"يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك\" قلنا: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته.\n١٢٨ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله - ﵃ - قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموقف، فقال: \"ألا رجلٌ يحملني إلى قومه؟ فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي\".\n١٢٩ - * روى الطبراني عن مدركة بن الحارث قال: حججت مع أبي فلما نزلنا مني إذا نحن بجماعةٍ، فقلت لأبي: ما هذه الجماعة، قال: هذا الصابئ، فإذا رسول الله ﷺ يقول: \"يا أيها الناسُ قولوا لا إله إلا الله تفلحوا\".\nلم ينقطع رسول الله ﷺ عن الدعوة أبدًا منذ كُلف بها. وهذه نماذج: فلا الإيذاء شخصه ولا لأهله ولا لأصحابه ولا المقاطعة أوقفته عن الدعوة ﷺ، وقد وضعنا هذا الفصل بين فصل المقاطعة وفصل عام الحزن مع أنهما متتابعان حتى لا يقع في خلد أحد أن الدعوة توقفت.\n* * *\n_________\n= صابئ: صبأ الرجل: ترك دينه ودان بآخر. انصدع: انشق. وانصدع الصبح: أسفر. قدحًا: القدح: إناء يشرب به الماء أو النبيذ ونحوها. خمري: التخمير: التغطية. نحرك: نحر: الصدر أعلاه أو موضع القلادة.\n١٢٨ - أبو داود (٤/ ٢٢٤) كتاب السنة - باب في القرآن.\nوالترمذي (٥/ ١٨٤) ٤٦ - كتاب فضائل القرآن، ٢٤ - باب حدثنا محمد بن إسماعيل. وقال: حسن غريب صحيح.\nوابن ماجه (١/ ٧٣) - ١٢ - المقدمة - باب: فيما أنكرت الجهمة. وإسناده صحيح.\n١٣٩ - المعجم الكبير (٢٠/ ٢٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢١): رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>فصل: عام الحزن والشدّة</span>\nانتهى حصار الشعب في المحرم من السنة العاشرة للبعثة وتُوفي أبو طالب بعد ستة أشهر من ذلك أي في شهر رجب، وقد جاوز الثمانين من عمره، فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر معلومات حتى أصابه مرض الوفاة ثم تُوفي، وبعد وفاته بشهرين على قول توفيت أم المؤمنين خديجة في شهر رمضان من السنة العاشرة للبعثة ولها خمس وستون سنة ورسول الله ﷺ إذ ذاك في الخمسين من عمره، وحاولت قريش أن تأخذ من رسول الله شيئًا قبل وفاة أبي طالب فلم تفلح، فلما توفي آذت رسول الله ﷺ كل الإيذاء، ولعل أكثر روايات الإيذاء وقعت في هذه المرحلة مما اضطر رسول الله ﷺ للخروج إلى الطائف.\nويذهب الدكتور البوطي إلى أن حزن رسول الله ﷺ لم يكن على فراق عمه وزوجه بل لانسداد أبواب الدعوة أمامه، ومع التسليم بالثاني فإنني لا أنفي الأول، لأن رسول الله ﷺ كان أكمل الناس في كل شيء، ومن ذلك أنه كان أكملهم عواطف، وعاطفتا الوفاء والرحمة كانتا بارزتين عنده، فإذا ما حزن على عمه وفاءً، وعلى زوجته رحمة ووفاء، فلا حرج في ذلك بل هو الكمال بعينه، ونحن سنذكر في هذا الفصل بعض روايات الإيذاء لأنها مظنة أن تكون وقعت بعد وفاة أبي طالب ولكن ليس ذلك شرطًا فاقتضى التنويه:\n١٣٠ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: مَرِضَ أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ - وعند أبي طالب مجلس رجل - فقام أبو جهل كي يمنعه وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: \"أريدُ منهم كلمةً واحدةً، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجمُ الجزية\". قال: كلمة واحدة؟ قال: \"كلمة واحدة، قال: ياعم، يقولوا: لا إله إلا الله\". فقالوا: إلهًا واحدًا؟ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة. إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ *\n_________\n١٣٠ - الترمذي (٥/ ٣٦٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٣٩ - باب ومن سورة \"ص\". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن أهـ. والحاكم (٢/ ٤٣٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره وفي مسنده يحيى بن عمارة لم يوثقه غير ابن حبان فلعل تحسينه لشواهده.\nتدين: دان له بدين: إذا أطاعه ودخل تحت حكه. الملة الآخرة: النصرانية. اختلاق: الاختلاق: الكذب.","vol":"1","page":273},{"text":"وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (١).\n١٣١ - * روى البخاري ومسلم عن المسيب بن حزنٍ ﵁ قال: لما حضرتْ أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: \"يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهدُ لك بها عند الله\"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويُعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: \"أما والله، لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك\"، فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢). وأنزل الله ﷿ في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣).\n١٣٢ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂، عن النبي ﵌ قال: ما زالت قريش كاعةً حتى تُوفي أبو طالب.\n١٣٣ - * روى أحمد (٤) عن عُروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تُظهر من عداوته، قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر فذكروا رسول الله ﷺ، فقالوا: ما\n_________\n(١) ص: ١ - ٧.\n١٣١ - البخاري (٨/ ٣٤١) ٦٥ - كتاب التفسير ١٦ - باب (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) ومسلم (١/ ٥٤) ١ - كتاب الإيمان (٩) باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت. والنسائي (٤/ ٩٠)، كتاب الجنائز، باب - النهي عن الاستغفار للمشركين.\n(٢) التوبة: ١١٣.\n(٣) القصص: ٥٦،\n١٣٢ - المستدرك (٢/ ٦٢٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nكاعة: كع - يكع: وتكع: بالضم كعوعا جبن وضعف.\n١٣٣ - أحمد في مسنده (٢/ ٢١٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٦)؛ قلت: في الصحيح طرف منه، رواه أحمد وقد صرح ابن إسحاق بالسماع وبقية رجله رجال الصحيح.","vol":"1","page":274},{"text":"رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا.\nقال: فبينما كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى الركن ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض ما يقول قال: فعرفتُ ذلك في وجهه ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوهُ بمثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى، فلما مر الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: \"أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسُ محمدٍ بيده لقد جئتكم بالذبح\" فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم انصرف راشدًا فوالله ما كنت جهولًا، قال: فانصرف رسول الله ﷺ.\nحتى إذا كان الغدُ اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعضٍ: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجلٍ واحد، فأحاطوا به قولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا - لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم - قال: فيقول رسول الله ﷺ: \"نعم أنا الذي أقول ذلك\" قال: فلقد رأيتُ رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر دونه يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟، ثم انصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشًا بلغت منه قط.\n١٣٤ - * روى البخاري عن عروة بن الزبير ﵄ قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ؟ قال: رأيتُ عقبة بن أبي معيطٍ جاء إلى النبي ﷺ وهو يُصلي، فوضع رداءه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١).\n_________\n= سفه أحلامنا: جهل عقولنا. غمزوه: غمزه بيده يغمزه: نخسه. أشدهم فيه وصاة: يعني أشدهم له آذى ويهيأ عن أتباعه.\n١٣٤ - البخاري (٧/ ٢٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٥ - باب: قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا\". البينات: المعجزات الظاهرات. فناء الكعبة: الساحة التي حولها. والفناء: الساحة في الدار أو بجانبها وتجمع على أفنية. المنكب: المنكب مجتمع رأس الكتف والعضد أي. نقطة التقاء الذراع بالكتف.\n(١) غافر: ٢٨.","vol":"1","page":275},{"text":"وفي رواية: بينا رسول الله ﷺ بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ فلف ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبيه ودفعه عن رسول الله ﷺ .. وذكر الحديث.\n١٣٥ - * روى البزار والطبراني في الأوسط، عن عبد الله بن مسعود قال: بينا رسول الله ﷺ في المسجد، وأبو جهل بن هشام وشيبة وعتبة ابنا ربيعة وعقبة بن ابي معيط وأمية بن خلف ورجلان آخران كانوا سبعة وهم في الحجر ورسول الله ﷺ يصلي فلما سجد أطال السجود، فقال أبو جهل: أيكم يأتي سلا جزور بني فلان فيأتينا بغرثها فنكفئهُ على محمدٍ؟، فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي معيطٍ فأتى به فألقاه على كتفيه ورسول الله ﷺ ساجد.\nقال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم ليس عندي منعة تمنعني فأنا أذهبُ، إذ سمعت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأقبلت حتى ألقت ذلك عن عاتقه، ثم استقبلت قريشًا تسبهم فلم يرجعوا إليها شيئًا، ورفع رسول الله ﷺ رأسه كما كان يرفع عند تمام السجود، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: \"اللهم عليك بقريش - ثلاثًا - عليك بعتبة وعقبة وأبي جهل وشيبة\".\nثم خرج من المسجد فلقيه أبو البختري بسوطٍ يتخصرُ به، فلما رأى النبي ﷺ أنكر وجهه\n_________\n١٣٥ - البزار: كشف الأستار (٣/ ١٣٦). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨): قلت: حديث ابن مسعود في الصحيح باختصار قصة أبي البختري - رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه الأجلح بن عبد الله الكندي، وهو ثقة عند ابن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره، أهـ وبقية رجاله ثقات.\nقلت: الأجلح الكندي قال عنه الحافظ في التقريب (١/ ٤٩) \"صدوق\" وعلى ذلك فالحديث حسن إن شاء الله تعالى.\nالسلا: يفتح السين المهملة: قال في النهاية الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه، وقيل هو في الماشية السلا وفي الناس المشيمة والأول أشبه لأن المشيمة تخرج بعد الولد ولا يكون الولد فيها حين يخرج أهـ (وقال الحافظ ابن كثير) في تاريخه: السلا هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة، وفي بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل بعضهم يميل على بعض أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم الله. الجزور: ما يصلح لأن يذبح من الإبل. ولفظه أنثى، يقال للبعير: هذه جزور سمينة يجمع على جزائر وجزر. الفرث: الأوساخ في الكرش. نكفئه: (كفأ) الإناء - كفئا: كبه وقلبه. العاتق: ما بين المنكب والعنق. السوط: ما يضرب به من جلد\". يتخصر بالسوط: يلفه على خاصرته. خلى: خلى الأمر: تركه. ويقال خلى سبيله: تركه وأرسله. الملأ: أي: أشراف القوم وسراتهم.","vol":"1","page":276},{"text":"فقال مالك؟ فقال النبي ﷺ \"خل عني\" قال: عَلِمَ الله لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك فلقد أصابك شيء، فلما علم النبي ﷺ أنه غير مخلٍ عنه أخبره، فقال: \"إن أبا جهلٍ أمر فطُرح علي فرثٌ\" فقال أبو البختري: هلم إلى المسجد، فأتى النبي ﷺ وأبو البختري فدخلا المسجد، ثم أقبل أبو البختري إلى أبي جهل فقال: يا أبا الحكم أنت الذي أمرت بمحمدٍ ﷺ فطرح عليه الفرثُ؟ قال: نعم، قال: فرفع السوط فضرب به رأسه، قال: فثار الرجال بعضها إلى بعضٍ، قال: وصاح أبو جهلٍ: ويحكم هي له، إنما أراد محمد ﷺ أن يلقي بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه. وفي رواية فلما رفع رسول الله ﷺ رأسه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \"أما بعدُ، اللهم عليك بالملأ من قريشٍ\".\n١٣٦ - * روى أبو يعلي والطبراني عن عمرو بن العاص قال: ما رأيت قريشًا أرادوا قتل رسول الله ﷺ إلا يومًا ائتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة، ورسول الله ﷺ يصلي عند المقام، فقام إليه عقبة بن أبي مُعيط فجعل رداء في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه، وتصايح الناس وظنوا أنه مقتول، قال: وأقبل أبو بكر يشتدُّ حتى أخذ بضبع رسول الله ﷺ من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عن النبي ﷺ.\nفقام رسول الله ﷺ فلما قضى صلاته مر بهم وهم جلوسٌ في ظل الكعبة فقال: \"يا معشر قريش أنا والذي نفسي بيده ما أُرسلت إليكم إلا بالذبح\" وأشار بيده إلى الحلق، فقال له أبو جهل: يا محمد ما كنت جهولًا. فقال رسول الله ﷺ: \"أنت منهمْ\".\n١٣٧ - * روى أبو يعلي والبزار عن أنس بن مالك قال: لقد ضربوا رسول الله ﷺ مرة حتى غُشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي: ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، فقالوا: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر المجنونُ\n_________\n١٣٦ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٦): رواه أبو يعلي والطبراني وفيه محمد بن عمرو عن علقمة وحديثه حسن، وبقية رجال الطبراني رجال الصحيح.\nوجب: سقط. الضبع: وسط العضد. جهولًا: جهل فلان على غيره، جهلًا، وجهالة: جفا وتسافه.\n١٣٧ - البزار: كشف الأستار (٣/ ١٢٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧): رواه أبو يعلي والبزار. وراد فتركوه وأقبلوا على أبي بكر ورجاله رجال الصحيح.\nخشي عليه: أغمي عليه. ويلكم: من الويل وهو حلول الشر، أو هي كلمة عذاب، وقيل إنها واد في جهنم.","vol":"1","page":277},{"text":"١٣٨ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحِجْرِ فتعاهدوا باللات والعُزى ومناة الثالثة الأخرى، وقد رأينا محمدًا، قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى تقتله.\nفأقبلت فاطمة ﵂ بكي حتى دخلت على أبيها، فقالت: هؤلاء الملأ من قومك في الحجر قد تعاهدوا أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوكن فليس منهم رجل إلا وقد عرف نصيبه من دمك.\nقال: \"يا بنية أدني وضوءًا\" فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد فلما رأوه قالوا: هو هنا فخفضوا أبصارهم، وعُقروا في مجالسهم فلم يرفعوا إليه أبصارهم، ولمي قم منهم رجل فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: \"شاهت الوجوه\" قال: فما أصابت رجلًا منهم حصاة، إلا قتل يوم بدر كافرًا.\nأقول: ليس كل ما ذكرناه في هذا الفصل من الإيذاء قد وقع بالضرورة في عام الحزن، ولكن يحتمل إلى حد كبير أن يكون قد وقع في هذا المقام في هذا العام ولذلك أثبتناه ههنا، والظاهر أن هذا العام وصلت الدعوة إلى حد معين وقفت عنده فقد استقر الوضع في مكة بين مستجيب ومعارض، والقبائل العربية وقفت تنتظر، ولكن موقفها الرسمي هو موقف قريش، وقرر رسول الله ﷺ أن يحرك هذا السكون فتحرك نحو الطائف فكانت محنة جديدة.\n* * *\n_________\n١٣٨ - أحمد في مسنده (١/ ٣٦٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٨): رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>فصل: في رحلة الطائف</span>\n١٣٩ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قلتُ للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُدٍ؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها بجبريل، فناداني، فقال: إن الله ﷿ قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلم عليِّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملكُ الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا\".\nقال ابن حجر في شرح هذا لحديث: وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب أنه ﷺ لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه، فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم وهم إخوة عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو فعرض عليهم نفسه وشكى إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد، وكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد مطولًا، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر من المبعث وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة.\nوقد لخص الدكتور البوطي رحلة الطائف من سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد بقوله:\n_________\n١٣٩ - مسلم (٣/ ١٤٣٠) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٩ - باب: ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين والبخاري (٦/ ٣١٢). ٥٩ - كتاب بدء الخلق - باب: إذا قال أحدكم (آمين) والملائكة في السماء.\nعلى وجهي: أي على الجهة المواجهة لي. بقرن الثعالب: هو ميقات أهل نجد ويقال له قرن المنازل أيضًا، وهو على يوم وليلة من مكة، وقرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير، وحكى عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء قال: هو غلط، وحكى القابسي أن من سكن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي يقرب منه، وأفاد ابن سعد أن مدة إقامته ﷺ بالطائف كانت عشرة أيام. ملك الجبال: أي: الموكل بها، الأخشبان: جبلا مكة المحيطان بها، وكل جبل عظيم فهو أخشب.","vol":"1","page":279},{"text":"ولما نالت قريش من النبي ﷺ ما وصفناه من الأذى، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله ﷿.\nولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادته، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم من أجله فردوا عليه ردًا منكرًا، وفاجأوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول، فقام رسول الله من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذًا، فلم يجيبوه إلى ذلك أيضًا. ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلي رسول الله ﷺ لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه عدة شجاج، حتى وصل رسول الله ﷺ إلى بستان لعتبة بن ربيعة، فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه. فعمد ﵊، وقد أنهكه التعب والجراح إلى ظل شجرة عنب فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، فلما اطمأن النبي ﷺ في ذلك الظل رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء: \"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين أنت رب المستعضفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العُتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك\". ولا سند لهذا الدعاء، فلم ندخله في المتن.\nثم إن ابني ربيعة - صاحبي البستان - تحركت الشفقة في قلبيهما، فدعوا غلامًا نصرانيًا لهما يقال له (عداس) فأرسلا إليه قطفًا من العنب في طبق. فلما وضع عداس العنب بين يدي رسول الله ﷺ وقال له: كل. مد الرسول يده قائلًا: \"بسم الله\". ثم أكل. فقال عداس متعجبًا: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له الرسول ﷺ: \"ومن أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ \" قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوي (قرية بالموصل). فقال الرسول ﷺ: \"من قرية الرجل الصالح يونُس بن متي؟ \" فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ذلك أخي، كان نبيًا وأنا نبي\" فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. وسند هذه القصة مرسل، فلم ندخلها في المتن.","vol":"1","page":280},{"text":"قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمر به النفر (من الجن) من الذين ذكرهم الله ﵎، فاستمعوا له. فلما فرغ من صلته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا.\nوقد قص الله خبرهم عليه ﷺ في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) وقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٣) الآيات.\nثم عاد رسول الله ﷺ - ومعه زيد بن حارثة - يريد دخول مكة، فقال له زيد: كيف تخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فقال: \"يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه\" ثم أرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره أنه داخل مكة في جواره. فاستجاب مطعم لذلك، وعاد رسول الله ﷺ إلى مكة.\nأقول: دخول رسول الله ﷺ مكة بجوار المطعم بن عدي ثابت ومما يدل على ثبوت هذا:\n١٤٠ - * روى البخاري عن جُبير بن مُطعمٍ أن النبي ﷺ قال في أُسارى بدرٍ: \"لو كان المطعمُ بن عدي حيًا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له\".\nقال سفيان: وكانت له عند النبي ﷺ يد، وكان أجزى الناس باليد.\nوقال ابن حجر:\nوبيَّن ابن شاهين من وجه آخر السبب في ذلك، وأن المراد باليد المذكورة ما وقع منه حين رجع النبي ﷺ من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، وقد ذكر ابن إسحاق القصة في ذلك مبسوطة، وكذلك أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل. فإذا ثبت ذلك فيكون هذا أصلًا كبيرًا من أصول الحركة للدعوة الإسلامية، فللإسلاميين الحق أن يستفيدوا\n_________\n(١) الأحقاف: ٢٩.\n(٢) الأحقاف: ٣٠.\n(٣) الجن: ١.\n١٤٠ - البخاري (٦/ ٣٤٣) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ١٦ - باب ما منُ النبي ﷺ على الأسارى من غير أن يخمس.","vol":"1","page":281},{"text":"من الأعراف والقوانين التي تعطيهم أمنًا وحماية لأشخاصهم ولحرياتهم، كما أن هذا التصرف أصل يستند إليه في فعل كل ما هو من مصلحة الدعوة الإسلامية وحملتها ومن ذلك التحالفات والتعاقدات المرحلية.\nوبمناسبة ما ذكره كتاب السير أن الجن استمعوا قراءته مَقْفِلَه من الطائف فسيكون الفصل اللاحق في بعض الروايات التي تذكر سماع الجن منه ﵊.\n* * *","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>فصل: في تبليغ الجن</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، فرسالته ﵊ رحمة للخلق جميعهم، وهذه الرحمة مظهرها الأول أن المستجيبين لها مرحومون في الدنيا والآخرة، وبرحمتهم وبتطبيقهم لشريعة الله يرحم الخلق وترحم أنفسهم فتعطى طمأنينة قلب واستقامة سلوك، والمكلفون من الخلق هم من يملكون إدراكًا يستطيعون به فهم الخطاب، وهم مبتلون بالشر والخير ولهم إرادة يختارون بها طريق الخير من الشر وهذا ينطبق على الإنسان والجن.\nولقد حدث في سيرة رسول الله ﷺ الأولى أن تسمع الجن لقراءته ﵊، وقد قص القرآن علينا ذلك في سورتي الأحقاف والجن فكان ذلك نوع بلاغ، ولكن البلاغ المباشر المقصود تم كذلك، وإن كنا لا نستطيع تعيين الزمن الذي تم فيه هذا النوع من البلاغ بدقة، لكن الشيء الثابت أن سماع الجن من رسول الله ﷺ وتبليغهم المباشر قد حدث، وقد مر معنا فصل من قبل في حفظ أمر السماء، وههنا نذكر بعض الروايات بمناسبة أن كتاب السير ذكروا أنه قد حدث سماع الجن من رسول الله ﷺ بعد رحلة الطائف.\nقال الحافظ في الفتح:\nتقدم في أوائل البعث في (باب ذكر الجن) أن ابن إسحاق وابن سعد ذكرا أن ذلك كان في ذي القعدة سنة عشر من البعث لما خرج النبي ﷺ إلى الطائف ثم رجع منها، ويؤيده قوله في هذا الحديث: (إن الجن رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر) والصلاة المفروضة إنما شرعت ليلة الإسراء، والإسراء كان على الراجح قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث فتكون القصة بعد الإسراء، لكنه مشكل من جهة أخرى، لأن محصل ما في الصحيح كما تقدم في بدء الخلق وما ذكره ابن إسحاق أنه ﷺ لما خرج إلى الطائف لم يكن معه من أصحابه إلا زيد بن حارثة، وهنا قال إنه انطلق في طائفة من أًحابه، فلعلها كانت\n_________\n(١) الأنبياء: ١٠٧.","vol":"1","page":283},{"text":"وجهة أخرى. ويمكن الجمع بأنه لما رجع لاقاه بعض أصحابه في أثناء الطريق فرافقوه.\n١٤١ - * روى مسلم عن علقمة ﵀ قال: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم من رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناهُ في الأودية والشعاب، فقلنا استُطير، أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراءٍ، قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ، فقال: \"أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن\" قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: \"لكم كل عظمٍ ذُكر اسمُ الله عليه، يقعُ في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرةٍ علفٌ لدوابكم\" فقال رسول الله ﷺ: \"فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم\".\nوفي رواية بعد قوله: (وآثار نيرانهم) قال الشعبي: وسألوه الزاد؟ وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث، من قول الشعبي مفصلًا من حديث عبد الله.\nوفي رواية أن ابن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ، ووددتُ أني كنت معه.\nوأخرجه الترمذي (١)، وذكر فيه قول الشعبي، كما سبق في هذه الرواية الآخرة، وزاد فيه: أو روثةٍ.\nوأخرج أبو داود منه طرفًا (٢)، قال: قلت لعبد الله بن مسعود: مَنْ كان منكم ليلة الجن مع النبي ﷺ؟ فقال: ما كان معه منا أحدٌ.\n_________\n١٤١ - مسلم ١/ ٢٢٢) ٤ - كتاب الصلاة - ٣٣ - باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن.\nاستطير: استفعل من الطيران، كأنه أخذ شيء وطار به. اغتيل: أُخذ غيلة والاغتيال: الاحتيال.\n(١) الترمذي (٥/ ٣٨٢) ٤٨ - كتاب التفسير - ٤٧ - باب: ومن سورة الأحقاف. قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح.\n(٢) أبو داود (١/ ٢٢) كتاب الصلاة - باب - الوضوء بالنبيذ.","vol":"1","page":284},{"text":"قال الحافظ في الفتح:\nوقد روى ابن مردويه أيضًا من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: كانوا اثني عشر ألفًا من جزيرة الموصل، فقال النبي ﷺ لابن مسعود: \"انظرني حتى آتيك\" وخط عليه خطًا.؟ الحديث. والجمع بين الروايتين تعدد القصة، فإن الذين جاءوا أولًا كان سبب مجيئهم ما ذكر في الحديث من إرسال الشهب، وسبب مجيء الذين في قصة ابن مسعود أنهم جاءوا لقصد الإسلام وسماع القرآن والسؤال عن أحكام الدين وقد بينت ذلك في أوائل المبعث في الكلام على حديث أبي هريرة، وهو من أقوى الأدلة على تعدد القصة. فإن أبا هريرة إنما أسلم بعد الهجرة، والقصة الأولى كانت عقب المبعث، ولعل من ذكر في القصص المفرقة كانوا ممن وفد بعد، لأنه ليس في كل قصة منها إلا أنه كان ممن وفد، وقد ثبت تعدد وفودهم. وتقدم في بدء الخلق كثير مما يتعلق بأحكام الجن والله المستعان.\n١٤٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ العشاء، ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود، حتى خرج به إلى بطحاء مكة، فأجلسه، ثم خط عليه خطًا، ثم قال: \"لا تبرحن خطك، فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم، فإنهم لا يكلمونك\" ثم مضى رسول الله ﷺ حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي، إذ أتاني رجال كأنهم الزُّطُّ أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورةً، ولا أرى قشرًا، وينتهون إليَّ، لا يُجاوزون الخط، ثم يصدرون إلى رسول الله ﷺ، حتى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول الله ﷺ قد جاءني وأنا جالس، فقال: لقد أراني منذُ الليلة، ثم دخل عليِّ في خطي، فتوسد فخذي فرقد، وكان رسول الهل ﷺ إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعد ورسول الله ﷺ مُتوسد فخذي، إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم نم الجمال، فانتهوا إليِّ، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله ﷺ، وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبدًا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي، إن عينيه\n_________\n١٤٢ - الترمذي (٥/ ١٤٥) ٤٥ - كتاب الأمثال - ١ - باب ما جاء ف يمثل الله لعباده. وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وهو كما قال.\nالدارمي (١/ ٧) المقدمة باب صفة النبي ﷺ في الكتب قبل مبعثه.\nقشرًا: أراد بالقشر: الثوب، وذلك أنه قال: لا أرى عورة منكشفة منهم، ولا أرى عليهم ثيابًا تغطي عوراتهم، الزط: جيل من الناس.","vol":"1","page":285},{"text":"تنامانِ، وقلبه يقظان، اضربوا له مثلًا: مثل سيد بن يقصْرا ثم جعل مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه ألك من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يُجبه عاقبهُ - أو قال: عذبه - ثم ارتفعوا، واستيقظ رسول الله ﷺ عند ذلك، فقال: \"سمعت ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هؤلاء؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"هم الملائكةُ، فتدري ما المثل الذي ضربوا؟ \" قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: \"المثل الذي ضربوا: الرحمن ﵎ بني الجنة، ودعا إليها عباده، فمن أجابه دخل الجنة، ومن لم يحبه عاقبه وعذبهُ\".\n١٤٣ - * روى البخاري عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: سمعتُ أبي، قال: سألت مسروقًا: من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك - يعني: عبد الله - أنه آذتْ بهم شجرة.\n١٤٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: كان نفرٌ من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفرُ من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم، فزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (١).\nقال الحافظ: أي: استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وروى الطبري من وجه آخر عن ابن مسعود فزاد فيه: والإنس كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم وهذا هو المعتمد في تفسير الآية.\n_________\n١٤٣ - البخاري (٧/ ١٧١) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار - ٣٢ - باب: ذكر الجن وقول الله تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن).\nومسلم (٢٣٢) ٤ - كتاب الصلاة - ٣٢ - باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن.\nآذن: بالمد أي أعلم.\n١٤٤ - مسلم (٤/ ٢٣٢١) ٥٤ - كتاب التفسير - ٤ - باب: قوله تعالى: (أولئك الذين .... الوسيلة).\n(يبتغون إلى ربهم الوسيلة): الوسيلة: ما يتوسلُ به إلى الشيء، أ]: يطلبون القُربة إلى الله تعالى بطاعته.\nالنفر: دون العشرة من الرجال وتجمع على أنفار.\n(١) الإسراء: ٥٧.","vol":"1","page":286},{"text":"وقد علق الدكتور البوطي على سماع الجن من رسول الله ﷺ في عودت من الطائف فقال:\nوالذي يهمنا أن نعلمه بعد هذا كله هو أن على المسلم أن يؤمن بوجود الجن وبأنهم كائنات حية كلفها الله ﷿ بعبادته كما كلفنا بذلك، ولئن كانت حواسنا ومداركنا لا تشعر بهم فذلك لأن الله ﷿ جعل وجودهم غير خاضع للطاقة البصرية التي بثها في أعيننا، ومعلوم أن أعيننا إنما تبصر أنواعًا معينة من الموجودات بقدر معين وبشروط معينة.\nولما كان وجود هذه الخليقة مسندًا إلى أخبار يقينية متواترة وردت إلينا من الكتاب والسنة، وكان أمرها معلومًا من الدين بالضرورة، أجمع المسلمون على أن إنكار الجن أو الشك في وجودهم يستلزم الردة والخروج عن الإسلام. إذ إن إنكارهم إنكار لشيء عُلم أنه من الدين بالضرورة، عدا أنه يتضمن تكذيب الخبر الصادق المتواتر إلينا عن الله ﷿ وعن رسوله ﷺ.\nولا ينبغي أن يقع العاقل في أشد مظاهر الغفلة والجهل من حيث يزعم أنه لا يؤمن إلا بما يتفق مع العلم، فيمضي يتبجح بأنه لا يعتقد بوجود الجان، من أجل أنه لم ير الجان ولم يحس بهم.\nإن من البداهة بمكان أن مثل هذا الجهل للتعالم، يستدعي إنكار كثير من الموجودات اليقينية لسبب واحد هو عدم إمكان رؤيتها. والقاعدة العلمية المشهورة تقول: عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود. أي عدم رؤيتك لشيء تفتش عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقودًا أو غير موجود. أهـ.\nأقول: لم يزل بين المسلمين الثقات العدول من يحدثنا عن صلة له بالجن، وتاريخنا طافح بأخبار علماء كانت للجن بهم صلة تلمذة، وقد كتب الشيخ ابن عابدين الفقه الحنفي المشهور رسالة عن صلات أحد شيوخه بالجن وتلمذتهم عليه، ولا أذكر هذا كتدليل على وجود الجن فكفى بشهادة القرآن والسنة الثابتة، ولكن أقول هذا بين يدي الدعوة إلى","vol":"1","page":287},{"text":"تتبع هذه الروايات وجمعها في كتاب مع التحليل والتعليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>الفرج بعد الشدة:</span>\nوالى رسول الله ﷺ دعوته في مكة بعد رحلة الطائف، وفي أوائل السنة الحادية عشر للبعثة اجتمع مع وفد من الأوس، جاءوا يطلبون النصرة والحلف من قريش بعد وقعة بعاث التي كانت بينهم وبين أقاربهم من الخزرج، فتجاوب أحد أعضاء الوفد مع رسول الله ﷺ، وفي موسم الحج من السنة الحادية عشرة للبعثة استجاب ستة من الخزرج لرسول الله ﷺ، ولما رجع هؤلاء إلى المدينة المنورة حملوا إليها رسالة الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر لرسول الله، وفي السنة الثانية عشرة من النبوة وفي موسم الحج وفد اثنا عشر رجلًا من المدينة المنورة فيهم خمسة من الستة الذين استجابوا في عام سابق وكان منهم عشرة من الخزرج واثنان من الأوس وكانت بيعة العقبة الأولى، وأرسل الرسول مع هؤلاء مصعب بن عمير ليعلمهم ويقوم بالدعوة إلى الله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا وخاصة بعد أن أسلم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وقبل حلول موسم الحج التالي عاد مصعب بن عمير إلى مكة ليبلغ رسول الله ﷺ ما حدث وليهيئ لبيعة العقبة الثانية، وفي موسم الحج من السنة الثالثة عشرة للبعثة تمت بيعة العقبة الثانية وكانت بعدها الهجرة.\nوخلال هذه السنوات الثلاث بقي البلاغ مستمرًا، وحدثت أثناءها حادثة الإسراء.\nوهناك حادثة نرجح أنها حدثت في هذه المرحلة وهي حادثة تكسيره ﵊ لبعض الأصنام، ومن ثم سنعرض لكل هذا بالتفصيل.\n* * *","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>فصل: في تكسير بعض الأصنام</span>\n١٤٥ - * روى أحمد عن علي بن أبي طالب قال: انطلقت أنا والنبي ﷺ حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله ﷺ: \"اجلس\" وصعد على منكبين فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفًا فنزل، وجلس لي نبي الله ﷺ وقال: \"اصعد على منكبي\" قال: فصعدتُ على منكبيه، قال: فنهض بي، فإنه يخيلُ إلي أني لو شئت لنلتُ أفق السماء، حتى صعدتُ على البيت وعليه تمثال أصفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنتُ منه قال لي رسول الله ﷺ: \"اقذف به\" فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلتُ. فانطلقت أنا ورسول الله ﷺ نستبق، حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس. وفي روايةٍ: كان على الكعبة أصنام، فذهبت أحمل النبي ﷺ فلم أستطع، فحملني فجعلتُ أقطعها، ولو شئت لنلتُ السماء.\nهذه الحادثة الثابتة الوقوع يرويها الحاكم على أنه حدثت ليلة لهجرة، وقد وصف الذهبي رواية الحاكم بأن إسنادها نظيف ومتنها منكر، والظاهر أن نكارة متنها سببه أن هذه الرواية ذكرت أن الحادثة تمت ليلة الهجرة، وإلا فالرواية صحيحة كما رأينا، ولذلك اعتمدنا الرواية التي لم تذكر الهجرة، ورجحنا أن الحادثة تمت خلال السنوات الثلاث الأخيرة دون تحديد زمن فعقدان لها هذا الفصل.\nوبعد أن ذكر الله ﷿ عددًا من رسله في سورة الأنعام قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وممن ذكر هناك وممن أمر ﵊ بالاقتداء به إبراهيم ﵊، ولقد كسر إبراهيم ﵊ الأصنام، وهذا رسول الله ﷺ يفعل ذلك اقتداء به، وهذا يفتح أمامنا آفاقًا في التطبيق، ومن ثم فإننا نلفت النظر إلى ضرورة التأمل في قصص الأنبياء في القرآن، وأن يحاول المسلم الاقتداء فيما\n_________\n١٤٥ - أحمد في مسنده (١/ ٨٤)، والبزار: كشف الأستار، (٣/ ١٣٨)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٣) وقال: رواه أحمد وابنه وأبو يعلي والبزار ورجال الجميع ثقات.\nلنلت: (نلته) والنيل والنائل ما نلته وما أصابه منه نيلًا ولا نيلة ولا نولة. الصفر: النحاس مخلوط بغيره.\nأزاوله: (زاوله) مزاولة وزوالًا: عالجه وحوله وطلبه، القوارير: الزجاج. نستبق: (استبقا): تسابقا.","vol":"1","page":289},{"text":"يستطيعه من أخلاقهم. وغلب على بعض المسلمين تصور أن المرحلة المكية لم يحدث فيها تغيير للمنكر باليد، وهذه الحادثة تدل على عكس ذلك، ولكنا ننبه دائمًا على أن تغيير المنكر يحتاج إلى موازنات كثيرة، حتى لا يؤدي تغيير منكر إلى منكر أكبر.\n* * *","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>فصل: في الإسراء والمعراج</span>\n١ - تحدث القرآن عن الإسراء في سورة الإسراء وعن المعراج في سورة النجم، وذكر حكمة الإسراء في سورة الإسراء بقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (١) وقال في سورة النجم بعد ذكر ما حدث: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢). لقد كانت حكمة الإسراء والمعراج أن يري الله رسوله من آياته الكبرى توطئة لمرحلة المجابهة المسلحة، فمن حكمة الله أنه عندما كلف موسى بمواجهة فرعون أراه آياته الكبرى لأنها مواجهة تحتاج إلى مزيد من اليقين: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ (٣).\nلقد كانت رؤية الآيات الكبرى توطئة للأمر بمواجهة فرعون، وكان الإسراء والمعراج توطئة للهجرة ولأعظم مواجهة على مدى التاريخ للكفر والضلال والفسوق، والآيات التي رآها رسول الله ﷺ كثيرة:\nالذهاب إلى بيت المقدس، العروج إلى السماء، رؤية الغيب الذي دعا إليه: الأنبياء والمرسلين، الملائكة، السماوات، الجنة والنار، نماذج من النعيم والعذاب، ولقد رأى الله ﷿ ذاته بقلبه وبعينيّ بصره على قول.\nوبذلك يكون قد شاهد عيانًا ما دعا إليه الناس من الإيمان بالغيوب، وكان بذلك الشاهد المبصر على أمر الغيوب:\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤).\n٢ - هذا والإسراء والمعراج من معجزاته ﵊ التي تقوم بها الحجة على\n_________\n(١) الإسراء: ١.\n(٢) النجم: ١٨.\n(٣) طه: ١٧ - ٢٤.\n(٤) الأحزاب: ٤٥ - ٤٦.","vol":"1","page":291},{"text":"الخلق، لا من حيث أنهما خارقتان حدثتا له وأخبر الناس عنهما - وهو الصادق المصدوق - ثم أكد وقوعهما القرآن، فذلك حجة بالنسبة للمؤمن، ولكن بما رافق ذلك من مشاهد أخبر بها الناس ما كان ليستطيع الإخبار بها لولا أنه قد أسري به ﵊.\n٣ - ولقد حدث نوع آخر من المعراج لرسول الله ﷺ بالروح أو بالرؤيا، مما جعل الأمر يختلط على بعضهم، والأمر من النصوص واضح فالإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح، وهذا لاينفي أن يكون له ﵊ معراج آخر كان توطئة أو تأكيدًا، سابقًا أو لاحقًا على المعراج الذي تحدث عنه القرآن.\n٤ - وفي الإسراء والمعراج علوم وأسرار ودقائق ودروس وعبر، فهو يؤكد وجود السماوات السبع - وهي من أمر الغيب عندي بما فيه - وفي المعراج، فرضت الصلوات الخمس، وأوتي رسول الله ﷺ خواتيم سورة البقرة، فذلك إيمان وعمل ورمز على معان كثيرة، منها أن الصلاة معراج القلب.\nقال الأستاذ أبو الحسن الندوي:\nولم يكن الإسراء مجرد حادث فردي بسيط رأي فيه رسول الله ﷺ الآيات الكبرى، وتجلى له ملكوت السماوات والأرض مشاهدة وعيانًا - بل زيادة إلى ذلك - اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معان عميقة دقيقة كثيرة، وشارات حكيمة بعيدة المدى: فقد ضحت قصة الإسراء، وأعلنت السورتان الكريمتان اللتان نزلتا في شأنه وتسميان سورة (الإسراء) وسورة (النجم) أن محمدًا ﷺ هو نبي القبلتين، وإمام المشرقين والمغربين، ووارث الأنبياء قبله، وإمام الأجيال بعده، فقد التقت في شخصه وفي إسرائه مكة بالقدس، والبيت الحرام بالمسجد الأقصى، وصلى ألأنبياء خلفه، فكان هذا إيذانًا بعموم رسالته وخلود إمامته وإنسانية تعاليمه، وصلاحيتها لاختلاف المكان والزمان، وأفادت هذه السورة الكريمة تعيين شخصية النبي ﷺ ووصف إمامته وقيادته وتحديد مكانة الأمة التي بعث فيها وآمنت به، وبيان رسالتها ودورها الذي ستمثله في العالم، ومن بين الشعوب والأمم.","vol":"1","page":292},{"text":"وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلّم رسول الله ﷺ كيفية الصلاة وأوقاتها، وكان ﵊ وأصحابه يصلون ركعتين صباحًا ومثلهما مساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>زمن الإسراء والمعراج:</span>\nقال المباركفوري في الرحيق المختوم:\nواختلف في تعيين زمنه على أقوال شتى:\n١) فقيل: كان الإسراء في السنة التي أكرمه الله فيها بالنبوة، اختاره الطبري.\n٢) وقيل: كان بعد المبعث بخمس سنين، رجح ذلك النووي والقرطبي.\n٣) وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة ١٠ من النبوة، واختاره العلامة المنصورفوري.\n٤) وقيل: قبل الهجرة بستة عشر شهرًا، أي في رمضان سنة ١٢ من النبوة.\n٥) وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، أي في المحرم سنة ١٣ من النبوة.\n٦) وقيل: قبل الهجرة بسنة، أي في ربيع الأول سنة ١٣ من النبوة.\nورُدتْ الأقوال الثلاثة الأولى: بأن خديجة ﵂ توفيت في رمضان سنة عشر من النبوة، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ولا خلاف أن فرض الصلوات الخمس كانت ليلة الإسراء. أما الأقوال الثلاثة الباقية فلم أجد ما أرجح به واحدًا منها، غير أن سياق سورة الإسراء يدل على أن الإسراء متأخر جدًا.\nقال البوطي: والذي رواه ابن سعد في طبقاته أنها كانت قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>الإيمان بالإسراء والمعراج:</span>\nقال الشيخ أديب الكيلاني ﵀ في شرحه على جوهرة التوحيد:\nوأجزم بمعراج النبي ﷺ كما رووا: أي أعتقد جازمًا بعروج النبي ﷺ وصعوده إلى","vol":"1","page":293},{"text":"السماوات السبع إلى سدرة المنتهى إلى حيث شاء الله بعد الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حال كون العروج الذي جزمت به مثل الذي رواه أهل الحديث والتفسير والسير. وقد استغنى الناظم بذكر المعراج عن الإسراء لشهرة إطلاق أحد الاسمين على ما يعم مدلوليهما، وهو سيره ﷺ ليلًا إلى أمكنة مخصوصة على وجه خارق للعادة. والحق أنه كان يقظة روحًا وجسدًا خلافًا لمن قصره على المنام، والإسراء ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فمن أنكره كفر، وأما المعراج فثابت بالأحاديث المشهورة من المسجد الأقصى إلى السماوات السبع، ومنها إلى الجنة، ثم إلى المستوى أو العرش وبخير الواحد، لذا لا يكفر منكره بل يفسق. والتحقيق أنه لم يصل إلى العرش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>الإسراء بالروح وبالجسد:</span>\nوقال الدكتور البوطي:\nكان الإسراء والمعراج بكل من الروح والجسد معًا. على ذلك اتفق جمهور المسلمين من المتقدمين والمتأخرين. قال النووي في شرح مسلم ما نصه:\nوالحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أُسري بجسده ﷺ، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل.\nويقول ابن حجر في شرحه على البخاري: إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده وروحه، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل.\nومن الأدلة التي لا تقبل الاحتمال على أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح، ما ذكرنا من استعظام مشركي قريش لذلك، وتعجبهم للخبر وسرعة تكذيبهم له. إذ لو كانت المسألة مسألة رؤيا وكان إخباره إياها لذلك على هذا الوجه، لما استدعى الأمر منهم أي","vol":"1","page":294},{"text":"تعجب أو استعظام أو استنكار، لأن المرئيات في النوم لا حدود لها، بل ويجوز مثل هذه الرؤيا حينئذ على المسلم والكافر، ولو كان الأمر كذلك لما سألوه أيضًا عن صفات بيت المقدس وأبوابه وسواريه بقصد الإلزام والتحدي.\nأما كيف تمت هذه المعجزة وكيف يتصورها العقل فكما تتم كل معجزة غيرها من معجزات الكون والحياة! .. لقد قلنا آنفًا أن كل مظاهر هاذ الكون ليست في حقيقتها إلا معجزات، فكما تتصورها العقول في سهولة ويسر يمكن لها أن تتصور هذه أيضًا في سهولة ويسر. وقال الدكتور البوطي:\nاحذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى مايسمى بـ (معراج ابن عباس) فهو كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند. أهز\nقلت: وبعضها صحيح، إلا أن التمييز عسير على غير أهل العلم.\nوسنسرد هنا الروايات دون توقف؛ لأن الحادثة وما جرى فيها من أمر الغيب الذي يجب الإيمان به والتسليم. ومما يضيء لنا فهم بعض النصوص أن نعرف أن هناك اتجاهًا يقول: إن حادثة الإسراء قد تكررت وأن حادثة المعراج قد تكررت، وهناك اتجاه يقول: إنه دق كان بين يدي المعراج رؤيا مهدت له ووطأت، وبذلك يجمع بين النصوص.\nولقد كان الإسراء على البراق، أما المعراج فهناك قولان فيه فبعضهم ذهب أنه كان على البراق، وبعضهم ذهب إلى أنه نصب شيء فكان العروج عليه.\n١٤٦ - روى ابن حبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيتُ ليلة أُسري بي رجالًا تُقرضُ شفاههم بمقاريض من النار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون\"\n_________\n١٤٦ - ابن حبان: موارد الظمآن (٣٩) رقم ٢٥. وأخرجه البيهقي وهو صحيح.","vol":"1","page":295},{"text":"١٤٧ - * روى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما كان ليلة أُسري بي وأصبحتُ بمكة فَظِعْتُ بأمري، وعرفتُ أن الناس مُكذبيِّ، فقعدتُ معتزلًا حزينًا\"، فمر به عدو الله أبو جهلٍ، فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيءٍ؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\" قال: وما هو؟ قال: \"إنه أُسري بي الليلة\" قال: إلى أين؟ قال: \"إلى بيت المقدس\" قال: ثم أصبحت بين ظاهرنينا؟ قال: \"نعم\" فلم ر أنه يُكذبه، مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت قومك أتُحدثهم ما حدثتني؟ قال: \"نعم\" قال: هيا معشر بني كعب بن لؤي حتى قال: فانتقضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله ﷺ: \"إني أُسري بي الليلة\" قالوا: إلى أين؟ قال: \"إلى بيت المقدس\" قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: \"نعم\" قال: فمن بين مصفقٍ ومن بين واضعٍ يده على رأسه متعجبًا للكذب - زعم - قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله ﷺ: \"فذهبتُ أنعت فما زلت انعت حتى التبس عليَّ بعض النعت قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وُضِعَ دون دار عقاب أو عقيل فنعتهُ، وأنا أنظرُ إليه قال: وكان مع هذا نعتٌ لم أحفظهُ\" قال: فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب.\n١٤٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"ليلة\n_________\n١٤٧ - أحمد في مسنده (١/ ٣٠٩) والبزار: كشف الأستار (١/ ٤٦)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٥) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح.\nفظعت بأمري: أي: اشتد علي رهبته.\n١٤٨ - البخاري (٦/ ٤٧٦) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ٤٨ - باب: قول الله تعالى: (اذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها).\nومسلم (١/ ١٥٤)، ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب: الإسراء برسول الله إلى السماوات وفرض الصلاة.\nوالترمذي (٥/ ٣٠٠) ٤٠ - كتاب التفسير - ١٨ - باب: ومن سورة بني إسرائيل.\nمُضطربُ: رجل مضطرب الخلقة، يجوز أن يريد به: أنه غير متناسب الخلقة، وأن أعضاءه متباينة، لكنه قال في حديث آخر في صفة موسى ﵇: \"إنه ضربٌ من الرجال\" والضرب: الرفيق، فيجوز على هذا أن =","vol":"1","page":296},{"text":"أُسري به لقيتُ موسى، قال: فنعتهُ فإذا رجلٌ - حسبتهُ قال: مُضطربٌ - رَجِلُ الرأس، كأنه من رجال شنوءةَ، قال: ولقيتُ عيسى، فنعته النبي ﷺ، ربعةً أحمرُ كأنما خرج من ديماسٍ - يعني: الحمام - ورأيت إبراهيم، وأنا أشبهُ ولده به، قال: وأتيتُ بإناءين أحدهما لبنن والآخر فيه خمرٌ، فقيل لي: خُذ أيهما شئت، فأخذتُ اللبن فشربته، فقيل لي: هُديت الفطرة - أو أصبت الفطرة - أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمكت\".\nوفي رواية نحوه، وفيه: \"فإذا موسى، ضربٌ من الرجال، كأنه من رجال شنوءةَ\".\nفي رواية لمسلم (١) قال رسول الله ﷺ: \"لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي؟ فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكُربتُ كُربة ما كُربت مثلها قط، قال: فرفعه الله لي، أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا انبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضربٌ جعدٌ كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي، أقربُ الناس به شبهًا عروة بن مسعودٍ الثقفي، وإذا إبراهيم ﵇ قائم يُصلي، أشبه الناس به: صاحبُكم - يعني نفسه فحانت لصلاة فأممتُهُم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمدُ هذا مالك صاحب النار، فسلم عليه، فالتفت إليه، فبدأني بالسلام\".\n_________\n= يكون قوله: \"مضطرب\" أنه مُفتعل من الضرب، أي: أنه مستدق، والله أعلم. ديماس: الديماسُ في اللغة الظلمة، ويسمى الكن ديماسًا، والسرب ديماسًا، وقد جاء في بعض طرق الحديث مفسرًا بالحمام، ولم أره في اللغة، وقال الجوهري في كتاب (الصحاح) في تفسير الحديث: إنه أراد به: الكن، وكذلك قال الهروي: أراد به الكِن أو الشرب. الفطرة: الخلقة، والفطرة. الإسلام. غوت: الغيُّ: الضلال، وهو ضد الرشاد.\n(١) مسلم (١/ ١٥٦) ١ - كتاب الإيمان - ٧٦ - باب: ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال.","vol":"1","page":297},{"text":"١٤٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أتيتُ على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يُصلي في قبره\".\n١٥٠ - * روى عبد الله بن أحمد عن أبي بن كعب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: طفُرج سقفُ بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ﵇ ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب ممتلئٍ حكمة وإيمانًا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جاء السماء الدنيا فافتتح، قال: من هذا؟ قال: جبيل، قال: هل معك أحد: قال: نعم، معي محمدٌ: قال أُرسل إليه، قال: نعم فافتح، فلما علونا السماء الدنيا إذا رجلٌ عن يمينه أسودة، وعن يسارة أسودة، وإذا نظر قبل يمينه تبسمن وإذا نظر قبل يساره بكى، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلتُ لجبريل ﵇: م هذا؟ قال هذا آدم وهذه الأسودةُ عن يمينه وشماله نسمُ بنيه فأهل اليمين هم أهل الجنة والأسودةُ التي عن شماله أهل النار فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، قال: ثم عرج بي جبريل حتى جاء السماء الثانية فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنُها مثل ما قال خازن سماء الدنيا ففتح له\".\n١٥١ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: لما أُسري بالنبي ﵌ إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدثُ الناس بذل، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه وسعوا بذلك إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنهُ\n_________\n١٤٩ - مسلم (٤/ ١٨٤٥) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤٢ - باب من فضائل موسى ﵇.\nوالنسائي (٢/ ٢١٥)، كتاب قيام الليل، باب: ذكر صلاة نبي الله موسى ﵇.\nالكثيب: الرمل المرتفع المستطيل المحدودب.\n١٥٠ - المسند (٥/ ١٤٢). مجمع الزوائد (١/ ٦٦) وقال: رواه عبد الله من زياداته على أبيه ورجاله رجال الصحيح.\nأسودة: جمع قلة لسواد وهو الشخص لأنه يرى من بعيد أسود.\n١٥١ - المستدرك (٣/ ٦٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":298},{"text":"أُسري به الليلة إلى بيت المقدس وقال: أو قال ذلك قالوا: نعم. قال لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أو تُصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت لمقدس وجاء قبل أن يُصبح؟ قال. نعم إني لأصدقه فيما هو أبعدُ من ذلك أصدقهُ بخبر السماء في غدوةٍ أو روحةٍ فلذلك سُمي أبو بكر الصديق.\n١٥٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقيتُ إبراهيم ليلة أُسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم: أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر\".\n١٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما أُسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرجُ به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيُقبض منها - قال ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ (١) قال: فراشٌ من ذهبٍ، قال: فأُعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا: أُعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المقحماتُ.\nوفي رواية الترمذي (٢) قال: لما بلغ رسول الله ﷺ سدرة المنتهى، قال: انتهى إليها ما يعرجُ من الأرض وما ينزلُ من فوقٍ، فأعطاه الله عندها ثلاثًا، لم يعطهن نبيًا كان قبله: فُرضت عليه الصلاة خمسًا، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لأمته المقحمات\n_________\n١٥٢ - الترمذي (٥/ ٥١٠) ٤٩ - كتاب الدعوات - باب: ٥٩. وحسنه وهو كما قال (م).\nقيعان: جمع قاع، وهو المكان المستوي الواسع فيوطاءٍ من الأرض يعلوهُ ماء السماء فيمسكه ويستوي نباته، ويجمع القاعُ: قيعة، وقيعانًا. غراسها: الغراس: مصدر غرست الشجرة غرسًا وغراسًا: إذا نصبتها في الأرض.\n١٥٣ - مسلم (١/ ١٥٧) ١ - كتاب الإيمان (٧٦) - باب في ذكر سدرة المنتهى. والنسائي (١/ ٢٢٢).\nفراش من ذهب: الفراش: هذا الحيوان الذي يرمي نفسه في النار وضوء السراج. المقحمات: هي الذنوب التي تقحم صاحبها في النار، أي: تلقيه فيها.\n(١) النجم: ١٦.\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٩٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرن - ٥٤ - باب: ومن سورة النجم قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":299},{"text":"ما لم يشركوا بالله شيئًا. قال ابن مسعود: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: السدرة في السماء السادسة، قال سفيان: فراشُ من ذهبٍ، وأشار سفيان بيده فأرعدها.\nوفي رواية \"إليها ينتهي علمُ الخلق، لا علم لهم بما فوق ذلك\".\nجاء في هذه الرواية أن سدرة المنتهى في السماء السادسة، وهذا خلاف المشهور.\nقال الحافظ ابن حجر:\nوقال القرطبي في (المفهم): ظاهر حديث أنس أنها في السابعة لقوله بعد ذكر السماء السابعة \"ثم ذهب بي إلى السدرة\" وفي حديث ابن مسعود أنها في السادسة، وهذا تعارض لا شك فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل وكل ملك مقرب على ما قال كعب، قال: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله أو من أعلمه، وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد، وقال غيره: إليها منتهى أرواح الشهداء، قال: ويترجح حديث أنس بأنه مرفوع، وحديث ابن مسعود موقوف، كذا قال.\n١٥٤ - * روى البزار والطبراني عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل ﵇، فوكر بين كتفي فقُمتُ إلى شجرة فيه كوكري الطير فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر، فسمت وارتفعتْ حتى سدت الخافقين وأنا أقلب طرفي ولو شئت أن أمس السماء لمستُ، فالتفت إلى جبريل كأنه حلسُ لاطئ فعرفت فضل علمه بالله عليَّ وفُتح باب من أبواب السماء ورأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرفة الدُّر والياقوت فأوحي إلي ما شاء أن يُوحى\".\n١٥٥ - * روى البخار يعن قتادة بن دعامة: عن أنس عن مالك بن صعصعة: أن نبي\n_________\n١٥٤ - البزار: كشف الأستار (١/ ٤٧).\nمجمع لزوائد (١/ ٧٥) وقال: رواء البزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.\nلاطئ: لطأ بالشيء لطئًا: لزرق. الحلس: ما ولي ظهرًا لدابة والقتب والسرج، وما يبسط في البيت من حصيرة ونحوه، ويقال هو حلس بيته: لا يبرحه.\n١٥٥ - البخاري (٧/ ٢٠١) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٢ - باب المعراج.","vol":"1","page":300},{"text":"الله ﷺ حدثه عن ليلة أُسري، قال: \"بينما أنا في الحطيم - وربما قال: في الحِجر - مُضطجعًا - إذ أتاني آتٍ فقد - فقال: وسمعته يقول: فشق - ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود، وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول: من قصه إلى شعرته، فاستخرج قلبي، ثم أُتيتُ بطستٍ من ذهب مملوءةٍ إيمانًا، فغُسل قلبي، ثم حُشي، ثم أعيد، ثم أتيتُ بدابةٍ، دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ فقال أنس: نعم يضع خطوهُ عند أقصى طرفه، فحملتُ عليه، فانطلق بين جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، فقيل: منْ هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيءُ جاء، ففتح، فلما خلصتُ، فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فرد السلام، وقال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصتُ، فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت، فردًا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَنْ\n_________\n= إذ أتاني آت: هو جبريل ﵇. ثغرة النحر: الثغرة: النقرة التي بين الترقوتين. القص: رأس الصدر، وقيل: وسطه.\nقال الحافظ في الفتح: قوله \"إيمانًا\" زاد في بدء الخلق \"وحكمة\" وهما بالنصب على التمييز، قال النووي: معناه أن الطست كان فيها شيء يحصل به زيادة كمال الإيمان وكمال الحكمة وهذا الملء يحتمل أن يكون على حقيقته، وتجسيد المعاني جائز كما جاء أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة، والموت في صورة كبش، وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك من أحوال الغيب. وقال البيضاوي: لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا، كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وعائدته كشف المعنوي بالمحسوس. وقال ابن أبي حمرة: فيه أن الحكمة ليس بعد الإيمان أجل منها، ولذلك قرنت معه، ويؤيده قوله تعالى: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرا) وأصح ما قيل في الحكمة أنها وضع الشيء في محله، أو الفهم في كتاب الله، فعلى التفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان وقد لا توجد، وعلى الأول فقد يتلازمان لأن الإيمان يدل على الحكمة. أهـ.","vol":"1","page":301},{"text":"معكَ؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنِعْمَ المجيء جاء، فلما خلصتُ، إذا يوسفُ (١)، قال: هذا يوسفُ فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فردٌ، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصتُ، فإذا إدريسُ، قال: هذا إدريسُ فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي، حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصتُ، فإذا هارونُ، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصتُ، فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي، لأن غُلامًا بُعِثَ بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا\n_________\n(١) قال الحافظ في الفتح: قوله \"فلما خلصت إذا يوسف\" زاد مسلم في رواية ثابت عن أنس: \"فإذا هو قد أُعطى شطر الحسن\" وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي وأبي هريرة عند ابن عائذ والطبراني: \"فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب\" وهذا ظاهره أن يوسف ﵇ كان أحسن من جميع الناس، لكن روى الترمذي من حديث أنس: ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا، فعلى هذا يحمل حديث المعراج على أن المراد غير النبي ﷺ، ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، وأما حديث الباب فقد حمله ابن المنير على أن المراد: أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ، والله أعلم.","vol":"1","page":302},{"text":"به، ونعم المجيء جاء، فلما خلصتُ، فإذا إبراهيمُ، قال: هذا أبوك، فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رُفعتُ إلى سدرة المنتهى فإذا نبقُها مثل قِلال هَجَرَ، وإذا ورقُها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهارٍ: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلتُ: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان، فنهران في الجنة، وأما الظاهران، فالنيل والفرات (١)، ثم رُفع إلى البيت المعمورُ، ثم أتيتُ بإناء من خمر وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذتُ اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتكَ، قال: ثم فُرضت عليّ الصلاة، خمسين صلاة كل يوم، فرجعتُ فمررت على موسى، فقال: بم أُمرت؟ قلت: أمرتُ بخمسين صلاة كل يومٍ، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربتُ الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعتُ فوضع عني عشرًا، فرجعتُ إلى موسى، فقال مثله، فرجعتُ، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فأمرتُ بعشر صلواتٍ كل يومٍ، فرجعتُ فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يومٍ، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلواتٍ كل يومٍ، وإني قدْ جربت الناس قبلكن وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييتُ، ولكن أرضى وأُسلمُ، فلما جاوزتُ، نادى منادٍ: أمضيتُ فريضتي، وخففتُ عن عبادي\".\n_________\n= نبقها مثل قلال هجر: النبق: معروف، راد: ثمرة سدرة المنتهى، و\"القلال\" جمع قُلة، وهي الحُبَّ يسع مرادة من الماء، ونُسبت إلى \"هجر\" لأنها تعرف بها. سدرة المنتهى: السدر: شجر النبق، وأما سدرة المنتهى، فهي شجرة في أقصى الجنة، إليها ينتهي علم الأولين والآخرين.\n(١) قال القرطبي \"وقيل إنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهًا لها بأنهار الجنة لما فها من شدة العزوبة والحسن والبركة.","vol":"1","page":303},{"text":"وفي رواية (١): بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان\"، وفيه: \"ثُم غُسِلَ البطنُ بماء زمزم، ثم مُليء حكمة وإيمانًا\" وفيه: \"فرفع لي البيتُ المعمورُ، فسألتُ جبريل؟ فقال: هذا البيت المعمور، يُصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم\" وفي آخره \"وخففتُ عن عبادي، وأجزي بالحسنة عشرًا\".\nوفي أخرى (٢): \"بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة، بين الرجلين، فأتيتُ، فانطلق بي، فأتيت بطست من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرح صدري إلى كذا وكذا - يعني إلى أسفل بطنه\".\nوفي أخرى (٣): \" فأُتيت بطستٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فشق من النحر إلى مراق البطن، فغُسل بماء زمزم\".\nوأخرجه النسائي (٤) ينحوه بمعناه وأخصر منه، وهذا أتم وأطول.\nوأخرجه الترمذي (٥) إلى قوله: \"فغسله بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حُشي إيمانًا وحكمة\"، قال الترمذي: وفي الحديث قصة طويلة، ولم يذكرها.\nقال الحافظ في الفتح: وقد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) ولكل منهما حكمة فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس \"فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان\n_________\n(١) للبخاري (٦/ ٣٠٢) ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ٦ - باب: ذكر الملائكة.\n(٢) لمسلم (١/ ١٥٠) ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب: الإسراء برسول الله ﷺ.\n(٣) لمسلم (١/ ١٥١) ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات.\n(٤) النسائي (١/ ٢١٧) كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة.\n(٥) الترمذي (٥/ ٤٤٢) ٤٨ - كتاب التفسير - ٨٣ - باب: ومن سورة ألم نشرح، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":304},{"text":"منك\" وكان هذا في زمن الطفولة فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه؛ ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل؛ لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه ﷺ. ويحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شق صدره وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرر بها، وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك، قال القرطبي في (المفهم): لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء لأن رواته ثقات مشاهير.\nثم قال: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أن للسماء أبوابًا حقيقة وحفظة موكلين بها، وفيه إثبات الاستئذان، وأنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول: أنا فلان، ولا يقتصر على (أنا) لأنه ينافي مطلوب الاستفهام، وأن المار يسلم على القاعد وإن كان المار أفضل من القاعد، وفيه استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء، وجواز مدح الإنسان المأمون عليه الافتتان في وجهه، وفيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة، وفيه جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل، وقد سبق البحث فيه في أول الصلاة، وفيه فضل السير بالليل على السر بالنهار لما وقع من الإسراء بالليل، ولذلك كانت أكثر عبادته ﷺ بالليل، وكان أكثر سفره ﷺ بالليل، وقال ﷺ \"عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى باللي\" وفيه أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يستفاد ذلك من قول موسى ﵇ للنبي ﷺ أنه عالج الناس قبله وجربهم، ويستفاد منه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى أبدانًا من هذه الأمة، وقد قال موسى في كلامه إنه عالجهم على أقل من ذلك فما وافقوه، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة قال: ويستفاد منه أن مقام الخلة مقام الرضا والتسليم، ومقام التكليم مقام الإدلال والانبساط، ومن ثم استبد موسى بأمر النبي ﷺ بطلب التخفيف دون إبراهيم عليه","vol":"1","page":305},{"text":"السلام، مع أن للنبي ﷺ من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى لمقام الأبوة ورفعة المنزلة والاتباع في الملة، وقال غيره: الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الحديث من سبقه إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها وأنهم خالفوه وعصوه، وفيه أن الجنة والنار قد خلقنا، لقوله في بعض طرقه التي بينتها \"عرضت على الجنة والنار\" وفيه استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى وتكثير الشفاعة عنده، لما وقع منه في إجابته مشورة موسى في سؤال التخفيف، وفيه فضيلة الاستحياء، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها وإن لم يستشر الناصح في ذلك. أهـ.\n١٥٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر يحدث أنَّ رسول الله ﷺ: قال: \"فُرج سقفُ بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل ﵇ لخازن السماء الدنيا: افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحدٌ؟ قال: نعم، معي محمد ﷺ، قال: فأُرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح، قال، فلما علوْنا السماء الدنيا فإذا رجلٌ عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودةٌ، قال: فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، قال: فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قال: قلتُ: يا جبريلُ من هذا، قال: هذا آدمُ ﵇ وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شماله نسمُ بنيه، فأهلُ اليمين أهلُ الجنة، والأسودةُ التي عن شماله أهلُ النار، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحكَ، وإذا نظر\n_________\n١٥٦ - مسلم (١/ ١٤٨) ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات.\nوالبخاري (١/ ٤٥٨). ٨ - كتاب الصلاة - ١ - باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟\nالأسوِدة: جمع سواد، والسواد: الشخص، إنسانًا كان أو غيره، أراد: وحوله أشخاص، نسم بنيه: النسم جمع نسمة، وهي كل شيء فيه روح، وقيل: (النسمة) النفس والروح.\nظهرتُ لمستوى: أي: علوت وارتفعت، وصرتُ على ظهره، والمستوى: المكان المستوي، صريف الأقلام: الصريف: الصوت، ومنه: صريف البكرة، وصريف ناب البعير، الجنابذ: القصور.","vol":"1","page":306},{"text":"قِبَلَ شماله بكى، قال: ثم عرج بي جبريلٌ، حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتحْ، قال: فقال له خازنُها مثلَ ما قال خازنُ السماء الدنيا، ففتح\". فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين.\nولم يثبتْ كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم ﵇ في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة - قال: \"فلما مر جبريل ورسول الله بإدريس صلوات الله وسلامه عليه، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: ثم مر، فقلتُ: من هذا؟ قال: هذا إدريسُ، قال: ثم مررتُ بموسى ﵇، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: قلتُ: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: قلتُ من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، قال: ثم مررت بإبراهيم ﵇، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قال: قلتُ: من هذا؟ قال إبراهيمُ\".\nقال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم، أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله ﷺ: \"ثم عرج بي حتى ظهرتُ لمستوى أسمعُ فيه صريف الأقلام\".\nقال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ: \"ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك، حتى أمُرُّ بموسى، فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: فرض عليهم خمسين صلاة، قال لي موسى ﵇: فراجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي، فوضع شطرها، قال: فرجعتُ إلى موسى فأخبرته، قال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعتُ ربي، فقال: هي خمس، وهي خمسون لا يبدل القول لدي، قال: فرجعتُ إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلتُ: قد استحييت من ربي، قال: ثم انطلق بي جبريل حتى","vol":"1","page":307},{"text":"نأتي سدرة المنتهى، فغشيها ألوان، لا أدري ما هي؟ قال: ثم أدخلتُ الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا تُرابها المسك\".\n١٥٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١). قال: رأى جبريل ﵇.\n١٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٣)، وفي قله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٤).\nقال فيها كلها: رأى جبريل ﵇، له ستمائة جناح - زاد في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ أي: جبريل في صورته. كذا عند مسلم.\nوعند البخاري في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا\n_________\n١٥٧ - مسلم (١/ ١٥٨) ١ - كتب الإيمان - ٨٨ - باب: معنى قول الله ﷿: (ولقد رآه نزلة أخرى).\n١٥٨ - البخاري (٦/ ٣١٣) ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ٧ - باب: إذا قال أحدكم \"آمين\" والملائكة في السماء.\nومسلم (١/ ١٥٨) ١ - كتاب الإيمان - ٧٦ - باب: في ذكر سدرة المنتهى.\nقاب قوسين: قاب الشيء: قدره، والمعنى: فكان قُرب جبريل من محمد ﷺ قدر قوسين عربيتين، وقيل: قاب القوس: صدرها، حيث يشد عليه السير.\nقال الحافظ في الفتح: و(القاب): ما بين القبضة والسية من القوس، قال الواحدي: هذا قول جمهور المفسرين: أن المراد: القوس التي يرمي بها، قال: وقيل: المرد بها: الذراع، لأنه يقاس بها الشيء، قلت: (القائل ابن حجر): وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: (القاب: القدر، والقوسان: الذراعان) ويؤيده أنه لو كان المراد به القوس التي يرمي بها لم يمثل بذلك ليحتاج إلى التثنية، فكان يقال مثلًا: قاب رمح، ونحو ذلك. وقد قيل: إنه على القلب، والمراد: فكان قاب قوس، لأن القاب: ما بين المقبض إلى السية، ولكل قوس قابان بالنسبة إلى خالفته، وقوله: (أو أنثى): أي: أقرب. قال الزجاج: خاطب الله العرب بما ألفوا، والمعنى: فيما تقدرون أنتم عليه، والله تعالى عالم بالأشياء على ما هي عليه، لا تردد عنده، وقيل: \"أو\" بمعنى \"بل\" والتقدير: بل هو أقرب من القدر المذكور.\n(١) النجم: ١٣.\n(٢) النجم: ٩.\n(٣) النجم: ١١.\n(٤) النجم: ١٨.","vol":"1","page":308},{"text":"أَوْحَى﴾ (١) قال: رأى جبريل له ستمائة جناحٍ.\nوفي رواية الترمذي (٢) قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في حُلةٍ من رفرفٍ قد ملأ ما بين السماء والأرض.\nوللبخاري (٣) في قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قال: رفرفًا أخضر سد أفق السماء.\n١٥٩ - * روى أحمد والطبراني عن ابن عباس قال: سأل النبي ﷺ جبريل ﵇ أن يراه في صورته، قال: ادع ربك ﷿، فطلع عليه سوادٌ من قبل المشرق. قال فجعل يرتفع وينتشر فلما رآه النبي ﷺ صُعِقَ فأتاهُ فنعشه ومسح البُزاق عن شدقيه.\n١٦٠ - * روى مسلم عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٤) قال: رآه بفؤاده، مرتين، وفي روايةٍ قال: رآه بقلبه، ولقد رآه نزلة أخرى.\nوفي رواية الترمذي (٥) قال: رأى محمد ربهُ، قلتُ: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٦). قال: ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نورهُ، مرتين.\nوفي أخرى له (٧): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ\n_________\n(١) النجم: ٩، ١٠.\n(٢) الترمذي: (٥/ ٣٩٦) ٤٨ - كتاب تفسر القرآن ٥٤ - باب: ومن سورة النجم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) البخاري: (٦/ ٣١٢) ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ٧ - باب: إذا قالت الملائكة آمين والملائكة في السماء.\n١٥٩ - أحمد في مسنده (١/ ٣٢٢)، والطبراني (١١/ ٥٢)، قال الهيثمي (٨/ ٢٥٧): رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات.\n١٦٠ - مسلم (١/ ١٥٨) ١ - كتاب الإيمان - ٧٧ - باب معنى قول الله ﷿: (ولقد رآه نزلة أخرى) وهل رأى النبي ﷺ ليلة الإسراء.\n(٤) النجم: ١١ - ١٤.\n(٥) الترمذي: (٥/ ٢٩٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٥٤ - باب: ومن سورة النجم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\n(٦) الأنعام: ١٠٣.\n(٧) الترمذي في الموضع السابق.","vol":"1","page":309},{"text":"مَا أَوْحَى﴾ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال ابن عباس: قد رآه النبي ﷺ.\nوله في أخرى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رآه بقلبه.\n١٦١ - روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"عُرِضَ علي الأنبياء، فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا: عروةُ بن مسعودٍ، ورأيتُ إبراهيم ﵇، فإذا أقربُ من رأيتُ به شبهًا صاحبُكم - يعني نفسه - ورأيتُ جبريل ﵇، فإذا أقربُ من رأيتُ به شبهًا: دحيةُ بن خليفة\".\n١٦٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄: قال مجاهد: أنه سمع ابن عباس ﵄ وذكروا له الدجال مكتوب بين عينيه كافر، أو ك ف ر - قال: لم أسمعه ولكنه قال: \"أما إبراهيم، فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى: فجعد آدم، على جملٍ أحمر مخطومٍ بخُلبةٍ، كأني أنظر إليه انحدر في الوادي\".\nوفي رواية (١) قال: \"ذكر رسول الله ﷺ ليلة أُسري به فقال: موسى آدم طوال، كأنه من رجال شنوءة، وقال: عيسى جعدٌ مربوعٌ، وذكر مالكًا خازن النار، وذكر الدجال\".\nزاد في رواية: \"ورأيتُ عيسى بن مريم مربوع الخَلْقِ، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيتُ مالكًا خازن النار، والدجال في آياتٍ أراهُن الله إياه: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ (٢).\n_________\n١٦١ - مسلم (١/ ١٥٣) ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات.\nوالترمذي (٥/ ٦٠٤) ٥٠ - كتاب المناقب ٢١٢ - باب: في صفة النبي ﷺ.\n١٦٢ - البخاري (٦/ ٣٨٨) (٦٠) - كتاب الأنبياء (٨) - باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلًا).\nخلبة: الخلب: الليف، واحدته خُلبة طوال: رجل طوال: مثل طويل.\n(١) لمسلم (١/ ١٥٣) ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ.\n(٢) السجدة: ٢٣.","vol":"1","page":310},{"text":"١٦٣ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (١).قال: هي رؤيا عين، أُريها رسول الله ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ هي شجرة الزقوم.\nقال الحافظ:\nواختلف السلف هل رأى ربه في تلك الليلة أم لا؟ على قولين مشهورين، وأنكرت ذلك عائشة ﵂ وطائفة، وأثبتها ابن عباس وطائفة.\n١٦٤ - * روى مسلم عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٢) قال: رآه بفؤاده مرتين.\n١٦٥ - * روى البخاري عن مسروق قال: قلتُ لعائشة ﵂: يا أمتاهُ، هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاثٍ من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه، فقد كذب، ثم قرأت ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٤). ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٥). ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم\n_________\n١٦٣ - البخاري (٧/ ٢٠٣) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٢ - باب المعراج.\nالترمذي (٥/ ٣٠٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ١٨ - باب: ومن سورة بني إسرائيل إلا فتنة للناس: الفتنة: \" الاختبار والابتلاء، وقيل: أراد به الافتتان في الدين. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلما أُسري به. وحدث الناس بما رأى من العجائب. صدقه بعض الناس وكذبه بعضهم، فافتتنوا بها.\n(١) الإسراء: ٦٠.\n١٦٤ - مسلم (١/ ١٥٨) ١ - كتاب الإيمان - ٧٧ - باب معنى قول الله ﷿: (ولقد رآه نزلة أخرى) وهل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء.\nقف له شعري: إذا سمع الإنسان أمرًا عظيمًا هائلًا قام شعر رأسه وبدنه، فيقول: قد قف شعري لذلك.\n(٢) النجم: ١١، ١٣.\n١٦٥ - البخاري (٨/ ٦٠٦) ٦٥ - كتاب التفسير، باب: ١.\n(٣) الأنعام: ١٠٣.\n(٤) الشورى: ٥١.\n(٥) لقمان: ٣٤.","vol":"1","page":311},{"text":"قرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) الآية. ولكن رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين.\n١٦٦ - * روى الترمذي عن الشعبي ﵀ قال: لقي ابن عباس كعبًا بعرفة، فسأله عن شيء، فكبر، حتى جاوبته الجبالُ، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم، فقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمدٍ وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، قال مسروق: فدخلت على عائشة ﵂، فقلتُ: هل رأى محمد ربهُ؟ فقالت: لقدْ تكلمت بشيء قفَّ له شعري، قلت: رويدًا، ثم قرأت: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢) فقالت: أين يُذهبُ بك؟ إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمدًا رأى ربه، أو كتم شيئًا مما أُمر به، أو يعلمُ الخمس التي قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (٣) فقد أعظم الفرية، ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في جيادٍ له ستمائة جناح، قد سد الأفق.\n١٦٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لما كذبتني قريش قمت في الحِجْرِ، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقتُ أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه\".\nوزاد البخاري في رواية قال: \"لما كذبني قريش حين أُسري بي إلى بيت المقدس ... \" وذكر الحديث.\nقال ابن حجر: قال الشيخ ابن أبي جمرة:\nالحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إرادة إظهار الحق لمعاندة من\n_________\n(١) المائدة: ٦٧.\n١٦٦ - الترمذي (٥/ ٣٩٤) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٥٤ - باب: ومن سورة النجم. وسنده فيه ضعيف، لكن له طرق وألفاظ أخرى نحوه عند الشيخين. الفِرية: الكذب. جيادُ: موضع بمكة.\n(٢) النجم: ١٨.\n١٦٧ - مسلم (١/ ١٥٦) ١ - كتاب الإيمان - ٧٥ - باب: ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال.\nوالبخاري (٧/ ١٩٦) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤١ - باب: حديث الإسراء.\n(٣) لقمان: ٣٤.","vol":"1","page":312},{"text":"يريد إخماده؛ لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح، فلما ذكر أنه أسري به إلى بيت المقدس سألوه عن تعريفات جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة، وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكره، فكان ذلك زيادة في إيمان المؤمن وزيادة في شقاء الجاحد والمعاند. انتهى ملخصًا.\nأقول: ومن ههنا عدّ من المعجزات التي تقوم بها لحجة على الخلق، ولولا ذلك لكانت من الغيوب التي يجب الإيمان بها فقط، ولكن بإظهاره ﵊ معاني ما كانت لتكون لولا وقوع الخارق قامت الحجة على الناس بأنها معجزة وأن عليهم أن يسلموا لصاحبها بالرسالة، وأن يسلموا له بما نقله من أمرها.\n* * *","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>فصل: في بداية دخول الإسلام المدينة المنورة\nوفي بيعتي العقبة</span>\nدخل الإسلام إلى المدينة المنورة على مدار ثلاث سنين قبل الهجرة، وكان بداية ذلك مجيء وفد من الأوس إلى مكة باحثين عن تحالفات ضد أبناء عمهم الخزرج الذين كانوا في صراع معهم، فهؤلاء أول ناس طرق سمعهم الإسلام وقد أسلم واحد منهم، ثم جاء وفد من أهل المدينة معتمرين في رجب، فاجتمع بهم رسول الله ﷺ وعرض عليهم الدعوة فأسلموا ثم رجعوا إلى قومهم، فدعوهم فاستجاب لهم عدد، فقدم من استطاع منهم إلى الحج وبايعوا رسول الله ﷺ بيعة العقبة الأولى ثم عادوا، وأرسل معهم أو بعدهم رسول الله ﷺ مصعب ابن عمير ففشا الإسلام في المدينة حتى سيطر، ووافى ممن أسلم حوالي سبعين في موسم الحج وكانت بيعة العقبة الثانية، ثم أمر رسول الله ﷺ من بايعه أن يختاروا له اثني عشر نقيبًا، يكونون على أقوامهم كفلاء وبين أقوامهم وبين رسول الله ﷺ وسطاء، وعلى إثر ذلك أمر الرسول ﷺ بالهجرة.\nوبقبول أهل المدينة للإسلام من ناحية ولنصرة رسول الله ﷺ تحقق هدفان بآن واحد: هدف النصرة من أهلها وأن هؤلاء مسلمون، وهذا يقتضي تفصيلًا:\nلقد كان الهدف السياسي المرحلي لرسول الله ﷺ في مكة - فيما نعلم - أن يجد من يحميه وينصره ليبلغ دعوة ربه دون أن يقيد هذه النصرة بإسلام هؤلاء، وباصطلاح عصرنا فإن رسول الله ﷺ كان يبحث عن حرية الدعوة والعبادة في مجتمع قادر على أن يحمي هذه الحرية. قال ابن حجر في الفتح:\nوقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان في تلك السنين - أي التي قبل الهجرة - يعرض نفسه على القبائل، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول: \"لا أكره أحدًا منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي\" فلا يقبله أحد بل يقولون: قوم الرجل أعلم به. أهـ.\nولو أنه استجاب له من يستطيع المنعة والنصرة من العرب لسارت الدعوة غير المسار","vol":"1","page":314},{"text":"الذي سارت فيه باستجابة أهل المدينة للإسلام وللنصرة بآن واحد، إذ قد تسير الدعوة في الحالة الأولى على مسار تجميع للمستجيبين يعيشون به في ظل الحماة ثم تكون انطلاقة بعد ذلك نحو أرض أخرى، أما وقد قبل الأنصار الإسلام والنصرة بآن واحد فقد طويت مرحلتان في مرحلة واحدة، ومع ذلك فقد كان رسول الله ﷺ يتعامل مع الأنصار ابتداء على أن البيعة كانت على الدفاع، ولذلك نلحظ أنه لم يشرك في التحركات العسكرية قبل بدر إلا المهاجرين، ويوم بدر طلب شورى الأنصار خشية أن يكونوا فهموا من النصرة الدفاع فقط، مع أن الأنصار دخلوا في الإسلام وقبلا أحكامه فهم والمهاجرون سواء في التكليف، ومع ذلك كان رسول الله ﷺ يراعي تلك الظروف.\nومن ههنا نعرف أن أكبر نصر سياسي للإسلام كان في قبول أهل المدينة النصرة وما ترتب على ذلك من هجرة.\nومن ههنا نقول: إنه عندما يكون المسلمون في حالة ضعف ولست لهم دار إسلام يستطيعون الهجرة إليها، فلهم أن يضعوا هدفًا سياسيًا مرحليًا من مثل الوصول إلى حريتهم في الدعوة والعبادة، وإذا وجدوا في مجتمع يعطيهم ذلك فعليهم أن يعمقوا جذور الإسلام ويطوروا امتداده ويعملوا لانتصاره.\nوقد حلل الأستاذ الندوي الأسباب التي جعلت المدينة المنورة مؤهلة لقبول الإسلام فقال:\nوكان من صنع الله تعالى لرسوله وللإسلام، أن هيأ الله الأوس والخزرج - وهما قبيلتان عربيتان عظيمتان في مدينة يثرب - لتقدرا هذه النعمة التي لا نعمة أعظم منها، وتسبقا أهل عصرهما، وأبناء الجزيرة، إلى الترحيب بالإسلام والدخول فيه، حين تنكرت له قبائل العرب وفي مقدمتاه وعلى رأسها قريش ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقد ساعدت على ذلك عدة عوامل، هي من خلق الله تعالى وتيسيره وصنعه، كانت فارقة بين قريش وأهل مكة، وقبائل يثرب العربية، منها ما طبعها الله عليه من الرقة واللين وعدم المغالاة في الكبرياء وجحود الحق، وذلك يرجع إلى الخصائص الدموية","vol":"1","page":315},{"text":"والسلالية التي أشار إليها رسول الله ﷺ حين وفد وفْدُ من اليمن، بقوله: \"أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبًا\" وهما ترجعان أصلهما إلى اليمن، نزح أجدادهم منها في الزمن القديم، يقول القرآن مادحًا لهم:\n﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).\nومنها أنهما قد أنهكتهما الحروب الداخلية، وما يوم بعاث ببعيد، وقد اكتووا بنارها، وذاقوا مرارتها، وعافوها، ونشأت فيهم رغبة في اجتماع الكلمة، وانتظام الشمل، والتفادي من الحروب، وذلك ما عبروا عنه بقولهم: (إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فإن يجمعهم الله بك، فلا رجل أعز منك)، قالت عائشة ﵂: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله تعالى لرسوله.\nومنها أن قريشًا، وسائر العرب قد طال عهدهم بالنبوات والأنبياء، وأصبحوا يجهلون معانيها بطول العهد، وبحكم الأمية والإمعان في الوثنية، والبعد عن الأمم التي تنتسب إلى الأنبياء وتحمل الكتب السماوية - على ما دخل فيه من التحريف والعبث - وذلك ما يشير إليه القرآن بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (٢).\nأما الأوس والخزرج فكانوا يسمعون اليهود يتحدثون عن النبوءة والأنبياء ويتلون صحف التوراة ويفرونها، بل كانوا يتوعدونهم به، ويقولون إنه سيبعث نبي في آخر الزمان، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، وفي ذلك يقول الله تعالى:\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣).\nوبذلك لم تكن بين أبناء الأوس والخزرج وسكان المدينة من العرب المشركين تلك\n_________\n(١) الحشر: ٩.\n(٢) يس: ٦.\n(٣) البقرة: ٨٩.","vol":"1","page":316},{"text":"الفجوة العميقة الواسعة من الجهل والنفور من المفاهيم الدينية والسنن الإلهية التي كانت بينها وبين أهل مكة وجيرانهم من العرب، بل قد عرفوها وألفوها عن طريق اليهود، وأهل الكتاب الذي كانوا يختلطون بهم بحكم البلد والجوار والصلح والحرب والمحالفات، فلما تعرفوا برسول الله ﷺ وقد حضروا الموسم، ودعاهم إلى الإسلام، ارتفعت الغشاوة عن عيونهم، وكأنهم كانوا من هذه الدعوة على ميعاد.\n١٦٨ - * روى أحمد والطبراني عن محمود بن لبيدٍ أخي بني عبد الأشهل قال لما قدم أبو الجليس أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياسُ بن معاذ يلتمسون الحِلْف من قريش على قومهم من الخزرج سمع بهم رسول الله ﷺ فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: \"هل لكم إلى خيرٍ مما جئتم له؟ \" قالوا: وما ذاك؟ قال: \"أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يُشركوا به شيئًا، وأنزل علي الكتاب\" ثم ذكر الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ وكان غلامًا حدثًا: أي قوم هذا والله خير مما جئتم له. قال: فأخذ أبو جليس أنسُ بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها في وجه إياس بن معاذٍ وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بُعاثٍ بين الأوس والخزرج قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلمًا لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع.\nالمفروض أن تكون هذه الحادثة قبل خمس سنين من الهجرة لأن موقعة بعاث كانت كذلك على رأي ابن هشام.\n١٦٩ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان يوم بعاثٍ يومًا قدمه\n_________\n١٦٨ - أحمد في مسنده (٥/ ٤٢٧).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٦) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.\nبُعاث: بضم الباء وهو يوم كان بين الأوس والخزرج فيه قتال قبل الإسلام، وهو اسم حصن للأوس وبعضهم بقوله بالغين المعجمة وهو تصحيف.\n١٦٩ - البخاري (٧/ ١١٠) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار - ١ - باب مناقب الأنصار.\nالملأ: الأشراف والجماعة من الناس الذين يكونون رؤوس القوم، السروات: جمع سراة وسَراة: جمع سري، وهو =","vol":"1","page":317},{"text":"الله لرسوله ﷺ، فَقدِم رسول الله ﷺ وقد افترق ملاهم، وقُتلت سرواتهم، وجُرحوا، فقدمه الله لرسوله في دخولهم في الإسلام.\n١٧٠ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: \"هل من رجلٍ يحملني إلى قومه، فإن قُريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ﷿\"، فأتاه رجلٌ من همدانٍ فقال: \"ممن أنت؟ \" فقال الرجل من همدان. قال: \"فهل عند قومك من منعةٍ؟ \"، قال: نعم، ثم إن الرجل خشي أن يحقره قومه فأتى رسول الله ﷺ فقال: آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل، قال: \"نعم\" فانطلق وجاء وفدُ الأنصار في رجبٍ.\nقال ابن حجر في الفتح:\nوقد أخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي في (الدلائل) بإسناد حسن عن ابن عباس: حدثني علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله نبيه ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى، حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدم أب بكر وكان نسابة فقال: من القوم؟ فاقلوا: من ربيعة. فقال: من أي ربيعة أنتم؟ قالوا: من ذهل - فذكروا حديثًا طويلًا في مراجعتهم وتوقفهم أخيرًا عن الإجابة - قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، وهم الذين سماهم رسول الله ﷺ الأنصار لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره، قال: فما نهضوا حتى بايعوا رسول الله ﷺ انتهى. وذكر ابن إسحاق أن أهل العقبة الأولى كانوا ستة نفر وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة النجاري، ورافع بن مالك بن العجلان العجلاني، وقطبة بن عامر بن حديدة، وجابر بن عبد الله ابن رئاب، وعقبة بن عامر - وهؤلاء الثلاثة من بني سلمة - وعوف بن الحارث بن رفاعة من بني مالك بن النجار. وقال موسى بن عقبة عن الزهري وأبو الأسود عن عروة: هم أسعد بن زرارة ورافع بن مالك ومعاذ بن عفراء ويزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة، ويقال: كان فيهم عبادة بن الصامت وذكوان. قال ابن اسحاق:\n_________\n= الشريف الكبير من الناس، وسراة جمع عزيز، قال الجوهري: لا يعرف غيره، وهو أن يجمع فعيل على فعلة.\n١٧٠ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٩٠) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٥) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.","vol":"1","page":318},{"text":"حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قال: لما رآه النبي ﷺ قال: من أنتم؟ قالوا: من الخزرج. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: نعم. فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله لهم أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب، وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيًا سيبعث الآن قد أظل زمانه نتبعه، فنقتلكم معه، فلما كلمهم النبي ﷺ عرفوا النعت، فقال بعضهم لبعض: لا تسبقنا إليه اليهود. فآمنوا وصدقوا، وانصرفوا إلى بلادهم ليدعوا قومهم، فلما أخبروهم لم يبق دور من قومهم إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ، حتى إذا كان الموسم وافاه منهم اثنا عشر رجلًا.\n١٧١ - * روى الطبراني عن ابن إسحق قال: فلما أراد الله ﷿ إظهار دينه وإعزاز نبيه ﷺ وإنجاز وعده خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار وهم فيما يزعمون ستةٌ فيهم جابر بن عبد الله بن رئابٍ ..\n١٧٢ - * روى الطبراني عن عروة قال: لما حضر الموسم حج نفرٌ من الأنصار من بني مازن بن النجار منهم معاذٌ بن عفراء وأسعد بن زرارة، ومن بني زريق رافعُ بن مالك وذكوان بن عبد القيس، ومن بني عبد الأشهل أبو الهيثم بن التيهان، ومن بني عمرو بن عوف عويمُ بن ساعدة، وأتاهم رسول الله ﷺ وأخبرهم خبرهم الذي اصطفاه الله به من نبوته وكرامته، وقرأ عليهم القرآن، فلما سمعوا قوله أنصتوا واطمأنت أنفسهم إلى دعوته وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من ذكرهم إياه بصفته وما يدعوهم إليه، فصدقوه، وآمنوا به، وكانوا من أسباب الخير، ثم قالوا له قد علمت الذي بين الأوس والخزرج من الدماء ونحن نحب ما أرشد الله به أمرك، ونحن لله ولك مجتهدون، وإنا نُشير عليك بما ترى فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنخبرهم بشأنك وندعوهم إلى الله ورسوله، فلقل الله يُصلح بيننا ويجمعُ أمرنا فإنا اليوم متباعدون متباغضون، فإنْ تقدم علينا اليوم ولم نصطلح لم يكن لنا جماعة عليك، ونحن نواعدك الموسم من العام\n_________\n١٧١ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٢). رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٧٢ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٢): رواه الطبراني مرسلًا: وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وهو حسنُ الحديث، وبقية رجاله ثقات. أقول: وإنما يحسن حديث ابن لهيعة إذا وافق المشهور، وهو ههنا كذلك.","vol":"1","page":319},{"text":"القَابِل فرضي رسول الله ﷺ الذي قالوا، فرجعُوا إلى قومهم يدعونهم سرًا وأخبروهم برسول الله ﷺ والذي بعثه الله به ودعا عليه بالقرآن حتى قل دارٌ من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناسٌ لا محالة، ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا رجلًا من قبلك يدعو الناس بكتاب الله، فإنه أدنى أن يُتبع فبعث إليهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غنمٍ على أسعد بن زُرارة فجعل يدعُو الناس ويفشو الإسلامُ ويكثر أهله وهم في ذلك مستخفون بدعائهم، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا بئر مرقٍ أو قريبًا منها، فجلسوا هنالك، وبعثوا إلى رهطٍ من أهلِ الأرض فأتوهم مستخفين، فبينما مصعب بن عمير يحدثهم ويقص عليهم القرآن أُخبرَ بهم سعد بن معاذ فأتاهم ومعه الرمح حتى وقف عليه، فقال علام يأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب، يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم لا أراكما بعد هذا بشيءٍ من جوارنا فرجعُوا ثم إنهم عادُوا الثانية ببئر مرقٍ أو قريبًا منها، فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية، فواعدهم بوعيدٍ دون الوعيد الأول فلما رأى أسعد منه لينا قال: يا ابن خالةٍ اسمع من قوله فإن سمعت منه منكرًا فاردده يا هذا منه، وإن سمعت خيرًا فأجب الله فقال: ماذا يقول فقرأ عليهم مصعب بن عمير ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) فقال سعد وما أسمعُ إل ما أعرفُ فرجع وقد هداهُ الله تعالى ولم يظهر أمرُ الإسلام حتى رجع إلى قومه، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام وأظهر إسلامه وقال فيه: من شك من صغير أو كبير أو ذكرٍ أو أنثى فليأتنا بأهدى منه نأخذ به فوالله لقد جاء أمرٌ لتحزن فيه الرقاب فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد، ودعائه إلا من لا يُذكرُ فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرها، ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير، واشتدوا على أسعد بن زرارة فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ فلم يزل يدعو ويهدي على يديه حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة وأسلم أشرافهم وأسلم عمرو بن الجموح، وكُسرت أصنامهم؛ فكان المسلمون أعز أهلها وصلح أمرهم ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله ﷺ وكان يُدعى المقرئ.\n_________\n(١) الزخرف: ١ - ٣.","vol":"1","page":320},{"text":"قال ابن حجر في الفتح:\nوذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعث مع الإثنى عشر رجلًا مصعب بن عمير العبدري، وقيل بعثه إليهم بعد ذلك بطلبهم ليفقههم ويقرئهم، فنزل على أسعد بن زرارة، فروى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كان أبي إذا سمع الأذان للجمعة استغفر لأسعد بن زرارة، فسألته، فقال: كان أول من جمع بنا بالمدينة. وللدارقطني من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير أن أجمع بهم. أهـ، فأسلم خلق كثير من الأنصار على يد مصعب بن عمير بمعاونة أسعد بن زرارة حتى فشا الإسلام بالمدينة، فكان ذلك سبب رحلتهم في السنة المقبلة، حتى وافى منهم العقبة سبعون مسلمًا وزيادة، فبايعوا كما تقدم.\n١٧٣ - * روى الإمام أحمد عن جابر قال: مكث رسول الله ﷺ بمنكة عشر سنين يتبعُ الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي الموسم بمنى يقول: \"من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ \" حتى إن الرجل ليخرج من اليمن - أو من مضر كذا قال - قال: فيأتيه قومه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك. ويمشي بين رجالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناهُ، وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلبُ إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يُظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعًا فقلنا حتى متى نترك رسول الله ﷺ يُطردُ في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه سبعون رجلًا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدنا شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله نبايعك: قال: \"تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العُسر واليُسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائمٍ وعلى أنْ تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكمُ\n_________\n١٧٣ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٢٢، ٣٣٩)، البزار: في كشف الأستار (٢/ ٣٠٧)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٦) وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.","vol":"1","page":321},{"text":"الجنة\" قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغرهم فقال: رُويدًا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحنُ نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإما أنتم قومٌ تصبرون على ذلك وأجركم على الله وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خبيئة فتبينوا ذلك فهو عُذررٌ لكم عند الله قالوا أمط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا ولا نسلبها أبدا، فبايعناه فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة.\n١٧٤ - * روى أحمد والطبراني عن كعب بن مالك وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله ﷺ قال: خرجنا في حُجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء ابن معرور كبيرنا وسيدنا، فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا يا هؤلاء إني قد رأيت والله رأيًا وإني والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ قلنا له: وما ذاك قال: قد رأيتُ أن لا أدع هذه البنية مني بظهر يعني الكعبة، وأن أصلي إليها قال: فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلا إلى الشام، وما نُريد أن نخالفه فقال: إني أصلي إليها: فقلنا له: لكنا لا نفعل، فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة قال: وقد عبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة عليه، فلما قدمنا مكة قال: يا ابن أخي: انطلق إلى رسول الله ﷺ فاسأله عما صنعتُ في سفري هذا، فإنه والله قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيتُ من خلافكم إياي. قال: فخرجنا نسألُ عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلٌ من أهل مكة فسألناه عن رسول الله ﷺ، فقال: هل تعرفانه قلنا: لا فقال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه: قلنا: نعم، قال: كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا، قال فإذا دخلتما المسجد، فهو الرجل الجالس مع العباس قال: فدخلنا المسجد فإذا العباس جلس ورسول الله ﷺ معه جالسٌ فسلمان ثم جلسنا إليه فقال النبي ﷺ للعباس \"هل تعرفُ هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ \" قال: نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ \"الشاعر\". قال: نعم. قال: فقال\n_________\n١٧٤ - أحمد في مسنده (٣/ ٤٦٠، ٤٦١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٥): رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع.","vol":"1","page":322},{"text":"البراء بن معرورٍ يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا وهداني الله للإسلام، فرأيتُ أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر؛ فصليتُ إليها وقد خالفني أصحابي في لك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: \"لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها\"، قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ فصلى معنا إلى الشام قال، وأهلهُ يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس ذلك كما قالوا نحن أعلمُ به منهم. قال: وخرجنا إلى الحج فواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله ﷺ ومعن عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوته إلى الإسلام، وأخبرته بميعاد رسول الله ﷺ فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبًا، قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلًا ومعنا امرأتان من نسائهم نسيبةُ بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق، فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول من تكلم فقال يا معشر الخزرج - وكانت العرب مما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج أوسها وخزرجها - إن محمدًا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه وهو في عز من قومه ومنعةٍ في بلده. قال: فقلنا قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببتَ فتكلم رسول الله ﷺ فتلا ودعا إلى الله ﷿ ورغب في الإسلام. قال: \"أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم\"ن قال: فأخذ البراءُ بن معرورٍ بيده، ثم قال نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أُزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر، قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان حليفُ بني عبد الأشهل فقال يا رسول","vol":"1","page":323},{"text":"الله: إن بيننا وبين الرجال حبالًا وإنا قاطعوها يعني العهود فهل عسيت إنْ نحنُ فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أنْ ترجع إلى قومك وتدعنا، قال فتبسم رسول الله ﷺ فقال: \"بل الدمُ الدمُ والهدمُ الهدمُ، أنا منكم وأنتم مني، أحاربُ من حاربتم وأسالم من سالمتم\" وقد قال رسول الله ﷺ \"أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم\" فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا منهم تسعةٌ من الخزرج وثلاثةٌ من الأوس.\nوأما معبد بن كعب فحدثني في حديثه عن أخيه عن أبيه كعب بن مالك قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم تتابع القوم فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط يا أهل الجباجب - والجباجبُ المنازلُ - هل لكم في مُذَمَّمٍ والصبأة معه قد أجمعوا على حربكم قال علي - يعني ابن إسحاق -: ما يقول يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هذا أزبُّ العقبة هذا ابن أذيب، اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغن لك\"، ثم قال رسول الله ﷺ: \"ارفعوا إلى رحالكم\"، قال فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنملين على أهل مني غدًا بأسيافنا فقال رسول الله ﷺ: \"لم أؤمر بذلك\"، قال: فرجعنا، فنمنا حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، والله إنه ما من العرب أحدٌ أبغض إلينا أن تنشُبَ الحربُ بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث من هنالك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه وقد صدقوا لم يعلموا ما كان منا قال: فبعضنا ينظر إلى بعض قال: وقام القوم وفيهم الحرث بن هشام بن المغيرة، وعليه نعلان جديدان قال: فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: ما تستطيع يا أبا جابر، وأنت سيدٌ من ساداتنا أن تتخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش، فسمعها الحرث فخلعهما، ثم رمى بهما إليَّ فقال: والله لتنتعلنهُما، قال يقول أبو جابر: أحفظت والله الفتى فارْدد عليه نعليه قال: فقلتُ والله لا أردهما فألٌ: والله صالح لئن صدق الفأل لأسلبنهُ. فهذا\n_________\nأزب العقبة: الأرب. القصير الضخم البطن والآلية - واللئيم الداهية، والمراد به اسم شيطان العقبة. أحفظت: احفظه: أغضبه. الفأل: قول أو فعل يستبشر به.","vol":"1","page":324},{"text":"حديث ابن مالك عن العقبة ما حضر منها.\nوقال الطبراني (١) في حديثه فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ فلقينا رجلٌ بالأبطح فقلنا له تدلنا على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ قال: فهل تعرفانه إذا رأيتماه؟، وقال أيضًا وتكلم رسول الله ﷺ وتلا القرآن ورغب في الإسلام فأجبناه بالإيمان به والتصديق به، وقال أيضًا: فقال رسول الله ﷺ: \"أخرجُوا منكم اثني عشر نقيبًا\" فأخرجهم فكان نقيب بني النجار أسعد بن زرارة، وكان نقيب بني سلمة البراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حرام وكان نقيب بني ساعدة سعد بن عبادة والمنذر ابن عمرو، وكان نقيب بني زريقٍ رافع بن مالك بن العجلان، وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وكان نقيب بني عوف ابن الخزرج عبادة بن الصامت ونقيب بني عبد الأشهل أسيدُ بن حُضير وأبو الهيثم بن التيهان وكان نقيب بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة.\n١٧٥ - * روى أحمد عن الشعبي قال: انطلق النبي ﷺ ومعه العباسُ عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال ليتكلم متكلمكُم ولا يطيل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينًا وإن يعلموا بكم يفضحوكم، فقال قائلهم وهو أبو أمامة: سل يا محمدُ لربك ما شئت ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا مالنا من الثواب على الله ﷿ وعليكم إذا فعلنا ذلك فقال: \"أسألكم لربي ﷿ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأسألكم لنفس ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم\" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟، قال: \"لكم الجنة\" قالوا: فلك ذلك.\n١٧٦ - * روى أبو يعلي عن أنس بن ثابت بن قيس أنه خطب مقدم النبي ﷺ فقال: إنما نمنعُك مما نمنعُ منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا يا رسول الله؟ قال: \"لكم الجنةُ\" قالوا رضينا.\n_________\n(١) الطبراني (١٩/ ٨٨).\n١٧٥ - أحمد في مسنده (٤/ ١١٩، ١٢٠) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٨)، وقال: رواه أحمد مرسلًا ورجاله رجال الصحيح.\n١٧٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٨) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":325},{"text":"١٧٧ - * روى أبو يعلي والبزار عن جابر بن عبد الله، قال: لما لقي النبي ﷺ النقباء من الأنصار قال لهم: \"تؤووني وتمنعوني\"، قالوا فما لنا؟ قال: \"لكم الجنة\".\nونلاحظ أن الخطاب الذي وجه للنقباء هو نفسه الذي خوطب به الجميع، مما يشير إلى ضرورة التأكيد على الخاصة بما تطالب به العامة.\n١٧٨ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: شهد بي خالاي العقبة قال ابن عيينة: أحدهما: البراء بن معرورٍ.\nوفي رواية قال: أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة.\n١٧٩ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة قال جابر: وأخرجني خالاي وأنا لا أستطيع أن أرمي بحجرٍ.\nأقول: في هذا الحديث إشارة إلى جواز إشراك الصبيان في العمل الإسلامي بل حتى فيما يعتبر من الأسرار، ولكن هذا منوط بتربية الطفل، وضمانة أقاربه، وحياطتهم له.\n١٨٠ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: حملني خالي جدُ بن قيس في السبعين راكبا الذين وفدُوا على رسول الله ﷺ من قِبَلِ الأنصار ليلة العقبة، فخرج علينا رسول الله ﷺ ومعه عمهُ العباس بن عبد المطلب فقال: \"يا عم خُذ على أخوالك\" فقال له السبعون يا محمد سل لربك ولنفسك ما شئت فقال: \"أما الذي أسألكم لربي فتعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأما الذي أسألكم لنفسي منه فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم\" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك قال: \"الجنةُ\"\n_________\n١٧٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزائد (٦/ ٤٨)، وقال: رواه أبو يعلي والبزار بنحوه ورجال أبي يعلي رجال الصحيح.\n١٧٨ - البخاري (٧/ ٢١٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٢ - باب وفود الأنصار إلى النبي ﷺ وبيعة العقبة.\nالبراء بن معرور: من أقارب أم جابر، وأقارب الأم يسمون أخوالًا مجازًا.\n١٧٩ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٩): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٨٠ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٩): رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله ثقات.\n١٨١ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٥٠): رواها كلها الطبراني، وإسنادها إلى ابن شهاب واحد، ورجاله ثقات.","vol":"1","page":326},{"text":"١٨١ - * روى الطبراني عن ابن شهاب ف يتسمية من حضر العقبة من الأنصار ثم من بني النجار: أوس بنُ ثابت وأوسُ بن يزيد بن أصرم وأبو أمامة أسعد بن زرارة، ومن الأنصار ثم من بني سلمة البراء بن معرور وهو أولُ من أوصى بثلث ماله واستقبل الكعبة وهو ببلاده وكان نقيبًا، ومن الأنصار ثم من بني الحارث بن الخزرج بشير بن سعد بن النعمان، ومن الأنصار جابر بن عبد الله بن عمرو وجبارُ بن صخرٍ، ومن الأنصار ثم من بني زريقٍ الحارث بن قيس بن مالك وقد شهد بدرًا وذكوان بن عبد القيس بن خلدة، ورافع بن مالك وقد شهد بدرًا، ومن الأنصار ثم من بني الجبلي رفاعةُ بن عمرو، ومن الأنصار ثم من بني ساعدة بن كعب سعد بن عبادة وهو نقيب، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة وهو نقيبٌ، ومن الأنصار ثم من بني عبد الأشهل سلمة بن سلامة بن وقشٍ، ومن الأنصار ثم من بني حارثة بن الحرث ظهير بن رافع، ومن الأنصار ثم من بني حارثة أبو برُدة بن نيارٍ ..\n١٨٢ - * روى الحاكم عن سلمة بن سلامة بن وقش، قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يومًا من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل قال سلمة وأنا يومئذٍ حدث على بردة لي، مضطجع فيها بفناء أهلي، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار قال: فقال ذلك في أهل يثرب، والقوم أصحابُ أوثانٍ لا يرون بعثًا كائنًا عند الموت، فقالوا له: ويحك أترى هذا كائنًا يا فلان أن الناس يُبعثون بعد موتهم إلى جنةٍ ونارٍ ويُجزون فيها بأعمالهم قال: نعم والذي يحلف به، قالوا يا فلان ويحك وما آية ذلك؟ قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى كة. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إليَّ وأنا أصغرهم سنًا فقال: إنْ يستنفد هذا الغلام عمره يدركه قال سلمة، فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله ﵎ رسول الله ﵌ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به وكفر بغيًا وحسدًا، فقلنا له ويحك يا فلان ألست الذ قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكنه ليس به.\n* * *\n_________\n١٨٢ - الحاكم (٣/ ٤١٧) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>فصل: في الهجرة إلى المدينة المنورة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>مقدمة:</span>\n١ - كانت الهجرة هي الدرس الأخير في المرحلة المكية، وهي التصفية النهائية لأنفس الرعيل الأول، لقد طولب الرعيل الأول من أصحاب رسول الله ﷺ بالتوحيد والعبادة ففعلوا، وسلط عليهم الإيذاء، وأمروا بالصبر وكف اليد، والاستسلام لأمر الله ففعلوا، وحب الوطن أصيل في النفس فطولبوا بالهجرة فهاجروا، ثم قاتلوا مع الأنصار أهليهم وقبيلتهم فوجد بذلك كله جيل لم يعرف العالم له مثيلًا بالتجرد من أهواء النفوس وعصيانها.\n٢ - والهجرة بالنسبة للدعوة الإسلامية هي أعظم الأحداث الدعوية والحركية، لأن بها قامت دولة الإسلام ووجدت قاعدته التي حملت هذه الدعوة ابتداء وقدمتها للعالم انتهاء، ولذلك أرخ المسلمون بالهجرة.\n٣ - وقد أقبل المسلمون على الكتابة في الهجرة واستخراج دروسها وعبرها وخاصة في عصرنا فمن سابق ومن مقتصد، واستخرج بعضهم تعميامت تحتاج إلى تخصيص، وأراد بعضهم أن يستخرج نظرية محددة يقيد بها الحركة الإسلامية باعتماده فكرة الهجرة إلى جهة ما وهذا كله يحتاج إلى شيء من الإيضح، وستأتي الإيضاحات شيئًا فشيئًا، وقد اخترنا أن ننقل لك في هذه المقدمة ثلاثة نقول تفتح لك آفاقًا في الهجرة بين يدي الروايات:\nقال الشيخ الغزالي:\nليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناءٍ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة.\nإنها إكراه رجل آمن في سربه، ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه، وتضحية أمواله والنجاة بشخصه، وإشعاره - وهو يصفي مركزه - بأنه مستباح منهوب، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض","vol":"1","page":328},{"text":"عنه من قلاقل وأحزان، ولو كان الأمر مغامرة فرد بنفسه لقيل: مغامر طياش، فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضها، يحمل أهله وولده؟ وكيف وهو بذلك رضي الضمير، وضاء الوجه؟!\nإنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش! وإيمان بمن؟ بالله الذي له ما في السماوات والأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة، وهو الحكيم الخبير.\nهذه الصعاب لا يطيقها إلا مؤمن، أما الهيِّاب الخوَّار القلق، فما يستطيع شيئًا من ذلك، إنه من أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ...﴾ (١).\nأما الرجال الذين التقوا بمحمد ﷺ في مكة، وقبسوا منه أنوار الهدى، تواصوا بالحق والصبر. فإنهم نفروا - خفافًا - ساعة قيل لهم: هاجروا إلى حيث تعزون الإسلام وتؤمنون مستقبله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>الهجرة من دار الحرب إلى دار السلام:</span>\nوقال الأستاذ البوطي:\nيستنبط من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان:\n١ - وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، روى القرطبي عن ابن العربي: (أن هذه الهجرة كانت فرضًا في أيام النبي ﷺ، وهي باقية مفروضة إلى يوم القيامة. والتي انقطعت بالفتح، إنما هي القصد إلى النبي ﷺ، فإ بقي في دار الحرب عصى). ومثل دار الحرب في ذلك كل مكان لا يتسنى للمسلم فيه إقامة الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وجماعة وأذان، وغير ذلك من أحكامه الظاهرة.\n_________\n(١) النساء: ٦٦.","vol":"1","page":329},{"text":"ومما يستدل به على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (١).\n٢ - وجوب نصرة المسلمين لبعضهم، مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكنًا. فقد اتفق العلماء والأئمة على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضعفين أو المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين، في أي جهة من جهات الأرض، ثم لم يفعلوا ذلك، فقد باءوا بإثم كبير.\nيقول أبو بكر بن العربي: إذا كان في المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن، بأن لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كا عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم من ذلك، أهـ.\nأقول: ليست الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام واجبة في كل حال، وإن اشتهر من مذهب الحنفية ذلك كما اشتهر في مذهبهم وجوب الهجرة من دار البدعة إلى دار السنة فالأمر فيه تفصيل.\nفإذا كنت في دار كفر لكنك حر آمن تستطيع أن تعبد الله وتدعو إليه ولا تخشى على نفسك وأهلك وذريتك الفتنة، ولم يطلب منك أمير المؤمنين الشرعي الهجرة إلى دار الإسلام، فمقامك حيث أنت أجود وأطيب وأكثر أجرًا، بل اعتبر الشافعية أنه يندب لك البقاء لأنه ببقائك يصبح جزء من دار الكفر دار إسلام.\nأما حيث يخاف المسلم الفتنة على نفسه وأهله أو ذريته فعندئذ تجب عليه الهجرة إن كان قادرًا عليها ووجدت الجهة التي تستقبله ولا يخشى فيها الفتنة على نفسه وأهله وذريته، وفي عصرنا تجد الأمر في غاية التعقيد، فليس الخروج من بلد إلى بلد سهلًا، واحتمال الفتنة قائم\n_________\n(١) النساء: ٩٧، ٩٨.","vol":"1","page":330},{"text":"في كثير من البلدان، ولذلك فإنني أرى أن حكم الهجرة الآن منوط بالفتوى البصيرة من أهلها، ولا ينبغي أن يكون هناك تسرع فيه.\nقال ابن حجر في الفتح بمناسبة تعليل عائشة ﵂ للهجرة بقولها الذي ورد في صحيح البخاري:\n(كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه .. إلخ) أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت، ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام.\nوقال الخطابي: كانت الهجرة أي إلى النبي ﷺ في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (١) فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب. وقال البغوي في (شرح السة): يحتمل الجمع بينهما بطريق أخرى بقوله: \"لا هجرة بعد الفتح\" أي من مكة إلى المدينة، وقوله (لا تنقطع) أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإسلام، قال: ويحتمل وجهًا آخر وهو أن قوله لا هجرة أي: إلى النبي ﷺ حيث كان بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذن، وقوله: (لا تنقطع) أي: هجرة من هاجر على غير هذا الوصف من الأعراب ونحوهم. قلت: الذي يظهر أن المراد بالشق الأول هو النفي ما ذكره في الاحتمال الأخير، وبالشق الآخر المثبت ما ذكره في الاحتمال الذي قبله، وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلي بلفظ (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) أي: ما دام في الدنيا دار كفر،\n_________\n(١) الأنفال: ٧٢.","vol":"1","page":331},{"text":"فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن عن دينه، ومفهومه: أنه لو قدر أن لا يبقى في الدنيا دار كفر أن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها والله أعلم أهـ.\nلماذا اختيرت المدينة:\nولنُرصِّعْ جيد هذه المقدمة بذكر الحِكَم التي اختيرت من أجلها المدينة دارًا لهجرة رسول الله ﷺ تنقلها عن الشيخ أبي الحسن الندوي في كتابه (السيرة النبوية):\nوكان من حكمة الله تعالى في اختيار المدينة، دارًا للهجرة، ومركزًا للدعوة، هذا عدا ما أراده الله من إكراه أهلها، أسرار لا يعلمها إلا الله، أنها امتازت بتحصن طبيعي حربي، لا تزاحمها في ذلك مدينة قريبة في الجزيرة، فكانت حرة الوبرة، مطبقة على المدينة من الناحية الغريبة، وحرة واقم، مطبقة على المدينة من الناحية الشرقية، وكانت المنطقة الشمالية من المدينة، هي الناحية الوحيدة المكشوفة (وهي التي حصنها رسول الله ﷺ بالخندق سنة خمس في غزوة الأحزاب) وكانت الجهات الأخرى من أطراف المدينة محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة، لا يمر منها الجيش إلا في طرق ضيقة لا يتفق فيها النظام العسكري، وترتيب الصفوف.\nوكانت خفارات عسكرية صغيرة، كافية بإفساد النظام العسكري ومنعه من التقدم، يقول ابن إسحاق: (كان أحد جانبي المدينة عورة، وسائر جوانبها مشككة بالبنيان والنخيل، لا يتمكن العدو منها).\nولعل النبي ﷺ قد أشار إلى هذه الحكمة الإلهية في اختيار المدينة بقوله لأصحابه قبل الهجرة: \"إني رأيت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان\" فهاجر من هاجر قبل المدينة.\nوكان أهل المدينة من الأوس والخزرج أصحاب نخوة وإباء وفروسية وقوة وشكيمة، ألفوا الحرية، ولم يخضعوا لأحد، ولم يدفعوا إلى قبيلة أو حكومة إتاوة أو جباية، وقد جاء ذلك صريحًا في الكلمة التي قالها سعد بن معاذ - سيد الأوس - لرسول الله ﷺ: قد كن نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا","vol":"1","page":332},{"text":"يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعًا.\nيقول ابن خلدون: ولم يزل هذان الحيان قد غلبوا اليهود على يثرب، وكان الاعتزاز والمنعة تعرف لهم في ذلك، ويدخل في ملتهم من جاورهم من قبائل مضر.\nوجاء في (العقد الفريد): ومن الأزد الأنصار، وهم الأوس والخزرج وهما ابنا حارثة ابن عمرو بن عامر، وهم أعز الناس أنفسًا وأشرفهم هممًا، ولم يؤدوا إتاوة قط إلى أحد من الملوك.\nوكان بنو عدي بن النجار أخواله، فأم عبد المطلب بن هاشم إحدى نسائهم، فقد تزوج هاشم بسلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار، وولدت لهاشم عبد المطلب، وتركه هاشم عندها، حتى صار غلامًا دون المراهقة، فذهب إليه عمه المطلب، فجاء به إلى مكة، وكانت الأرحام يحسب لها حساب كبير في حياة العرب الاجتماعية، ومنهم أبو أيوب الأنصاري الذي نزل رسول الله ﷺ في داره في المدينة.\nوكان الأوس والخزرج من قحطان، والمهاجرون ومن سبق إلى الإسلام في مكة وما حولها من عدنان، ولما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقام الأنصار بنصره، اجتمعت بذلك عدنان وقحطان تحت لواء الإسلام، وكانوا كجسد واحد، وكانت بينهما مفاضلة ومسابقة في الجاهلية، وبذلك لم يجد الشيطان سبيلًا إلى قلوبهم، لإثارة الفتنة والتعزي بعزاء الجاهلية باسم الحمية القحطانية أو العدنانية.\nفكانت لكل ذلك مدينة يثرب أصلح مكان لهجرة الرسول ﷺ وأصحابه واتخاذهم لها دارًا وقرارًا، حتى يقوى الإسلام، ويشق طريقه إلى الأمام، ويفتح الجزيرة ثم يفتح العالم المتمدن. أهـ.\n١٨٣ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: مكث النب ﵌ بمكة ثلاث عشرة سنين نبيًا، فنزلت عليه: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (١) بفتح الميم، فهاجر.\n_________\n١٨٣ - المستدرك (٢/ ٢٤٣) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(١) الإسراء: ٨٠.","vol":"1","page":333},{"text":"١٨٤ - * روى الحاكم عن جرير أن النبي ﷺ قال: \"إن الله ﷿ أوحى إليَّ أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دارُ هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين\".\n١٨٥ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂، قالت: قال النبي ﵌ للمسلمين: \"قد أريتُ دار هجرتكم أريتُ سبخةً ذات نخلٍ بين لابتين\" وهما الحرتان.\n١٨٦ - * روى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، أو هجرُ، فإذا هي المدينة يثربُ، ورأيت في رؤياي هذه: أني هززتُ سيفًا، فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب به المؤمنون يوم أحدٍ، ثم هززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح، واجتماع المؤمنين، ورأيتُ فيها بقرًا والله خيرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحدٍ، وإذا ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدرٍ\".\nإلا أن عند البخاري عن أبي موسى: أراه عن النبي ﷺ - بالشك.\nوعند مسلم: عنه عن النبي ﷺ بغير شك\n_________\n١٨٤ - المستدرك (٣/ ٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nالبحرين: هي المنطقة الشرقية من السعودية اليوم بالإضافة إلى الكويت وقطر. قنسيرينك بلد بالشام قريب من حلب.\n١٨٥ - المستدرك: (٣/ ٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nسبخة: أرض ذات ملح، لا تكاد تنبت. اللابة: الحرة، والحرة: الأرض ذات الحجارة السود.\n١٨٦ - البخاري (٦/ ٦٢٧) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٥ - باب: علامات النبوة في الإسلام.\nومسلم (٤/ ١٧٧٩) ٤٣ - كتاب الرؤيا - ٤ - باب رؤيا النبي ﷺ.\nأهاجر: الهجرة عند العرب: خروج البدوي من البادية إلى المدن، ليقيم بها، يقال: هاجرت إلى مدينة كذا، أي قصدتها للإقامة فيها، والهجرة في الباب الانتقال إلى المدينة. وهلي: يقال: وهل إلى الشيء بالفتح: يهلُ، يوهل: بالكسر، وهلا بالسكون: إذا ذهب وهمه إليه. والله خير: قال النووي ١٥/ ٢٢: قال القاضي: قال أكثر شراح أ] صنع الله بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا: ثم قال والأولى قول من قال: =","vol":"1","page":334},{"text":"١٨٧ - * روى الحاكم عن قتادة: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ فأخرجه الله من مكة إلى المدينة مُخرج صدقٍ، وأدخله المدينة مُدخل صدقٍ، قال ونبي الله ﵌ قد علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله وحدود الله ولفرائض الله ولإقامة كتاب الله وإن السلطان عزة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم.\nأقول: في كلام قتادة هذا إشارة إلى ضرورة وجود السلطان السياسي للإسلام، وأنه لابد من تلاحم السلطان مع القرآن ليقوم افسلام.\nقدوم الهاجرين إلى المدينة:\n١٨٨ - * روى الطبراني عن البراء قال: كان أول من قدم علينا من المهاجرين مُصعب بن عمير أخو بني عبد الدار بن قُصي فقلتُ له: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قال: هو مكانه وأصحابه على أثري.\nأقول: جاء مصعب إلى المدينة عقب العقبة الولى ثم عاد ليقدم تقريره مع أصحاب العقبة الثانية، والنص ههنا يشير إلى عودته إلى المدينة بعد ذلك.\n١٨٩ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ: مُصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي ﷺ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) في سور مثلها.\n_________\n= والله خير من جملة الرؤيا وكلمة ألقيت إليه وسمعها في الرؤيا، أهـ.\n١٨٧ - الحاكم (٣/ ٣) وسكت عنه الذهبي.\n١٨٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٠) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n١٨٩ - البخاري (٨/ ٦٩٩) - ٦٥ - كتاب التفسير - ٨٧ - سورة سبح اسم ربك الأعلى.\n(١) الأعلى: ١.","vol":"1","page":335},{"text":"١٩٠ - * روى البزار عن عمر بن الخطاب قال: لما اجتمعنا للهجرة اتعدت أنا وعياشُ ابن أبي ربيعة وهشام بن العاص الميضأة ميضأة بني غفار فوق شرفٍ وقلنا: أيكم لم يصبح عندها فقد احتبس فليمضِ صاحباه فحُبس عنا هشام بن العاص فلما قدمنا المدينة نزلا في بني عمرو بن عوف وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا المدينة، فكلماهُ فقالا له: إن أمك نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك فرق لها، فقلت له: يا عياش والله إن يريدك القوم إلا عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت (١) ولو قد اشتد عليها حر مكة أحسبه قال لامتشطتْ، قال: إن لي هناك مالًا فآخذه قال قلت: والله إنك لتعلم أني من أكثر قريش مالًا، فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما. فأبى إلا يخرج معهما، فقلت له لما أبى علي؛ أما إذ فعلت ما فعلتْ فخذْ ناقة هذه فإنها ناقةٌ ذلولٌ، فألزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها فخرج معهما عليها حتى إذا كانوا ببعض الطرق قال أبو جهل بن هشام والله لقد استبطأت بعيري هذا أفلا تحملني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عديا عليه، وأوثقاه، ثم أدخلاه مكة وفتناه فافتتنَ، قال: فكنا نقول والله لا يقبل الله ممنْ افتتن صرفًا ولا عدلًا ولا يقبلُ توبة قومٍ عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابه قال وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله ﷺ أُنزل فيهم وفي قولنا لهم وقولهم لأنفسهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٣) قال عمر فكتبتها في صحيفةٍ وبعثتُ بها إلى هشام بن العاص قال هشام: فلم أزل أقرؤها بذي طوى أُصعدُ بها فيه حتى فهمتها. قال: فألقي في نفس أنما نزلت فينا وفيما كُنا نقول في أنفسنا وُقال فينا فرجعت فجلستُ على بعيري فلحقتُ برسول الله ﷺ بالمدينة.\n_________\n(١) في الأصل (لامتشطت) ولا يتم المعنى.\n١٩٠ - البزار: في كشف الأستار (٢/ ٣٠٢) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦١) وقال رواه البزار ورجاله ثقات.\n(٢) الزمر: ٥٣.\n(٣) الزمر: ٥٥.","vol":"1","page":336},{"text":"١٩١ - * روى البخاري عن أبي عثمان النهدي ﵀ قال: سمعت ابن عمر رض يالله عنهما إذا قيل له هاجر قبل أبيه يغضب. قال: وقدمت أنا وعمر على رسول الله ﷺ فوجدناه قائلًا، فرجعنا إلى المنزل، فأرسلني عمر وقال: اذهب فانظر هل استيقظ؟ فأتيته فدخلت عليه فبايعته، ثم انطلقت إلى عمر فأخبرته أنه قد استيقظ، فانطلقنا إليه نهرول هرولة حتى دخل عليه فبايعه، ثم بايعته.\n١٩٢ - * روى البخار يعن أم العلاء الأنصارية ﵂ قالت: إن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى حين أقرعت الأنصار سكن المهاجرين، قالت: فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى، فمرضناه، حتى إذا توفى وجعلناه في ثيابه - وذكرت لحديث - قالت: فنمت فأريت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: \"ذلك عمله\".\nهجرة الرسول ﷺ:\n١٩٣ - * روى الحاكم عن علي ﵁ أن النبي ﵌ قال لجبريل ﵊ \"منْ يهاجر معي؟ \" قال: أبو بكرٍ الصديقُ.\n١٩٤ - * روى أحمد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) الآية قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي ﷺ. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك فبات عليٍّ على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﷺ حتى لحق\n_________\n١٩١ - البخاري (٧/ ٣٥٥) - ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٥ - باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.\nالقائل: الذي أقام وقت شدة الحر، إما في مكان أو بيت، لينكسر الحر ويخرج أو يسير.\n١٩٢ - البخاري (٥/ ٢٩٣) ٥٢ - كتاب الشهادات - ٣٠ - باب: القرعة في المشكلات.\nطار لنا: كذا: أي حصل لنا، وجرى سهمنا أي كان من حصتنا بالقرعة. اشتكى: مرض. فمرضناه: تمريض العليل: معالجته تدبيره في مرضه.\n١٩٣ - المستدرك (٢/ ٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد والمتن ولم يخرجاه وقال الذهبي: صحيح غريب.\n١٩٤ - أحمد في مسنده (١/ ٣٤٨) قال الهيثمي (٧/ ٢٧): وفيه عثمان بن عمرو الجزري وثقه ابن حبان وضعفه غيره. وبقية رجاله رجال الصحيح. أهـ وقد حسن بعضهم الحديث.\n(١) الأنفال: ٣٠.","vol":"1","page":337},{"text":"بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًا يحسبونه النبي ﷺ، فلما أصبحوا ثاروا عليه فلما رأوا عليًا رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبُك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا لجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسجُ العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال\".\n١٩٥ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: شرى عليٍّ نفسهُ، ولبس ثوب النبي ﵌ ثم نام مكانه وكان المشركون يرومون رسول الله ﵌ وقد كان رسول الله ﵌ ألبسه بُردةً، وكانت قريش تريد أن تقتل النبي ﵌ فجعلوا يرقبون عليًا ويرونه النبي ﵌ وقد لبس بردة وجعل علي ﵁ يتضور فإذا هو عليٌّ فقالوا إنك للئيم إنك لتتضور، وكان صاحبك لا يتضورُ ولقد استنكرناهُ منك.\n١٩٦ - * روى أحمد والطبراني عن أسماء بنت أبي بكر قالت ملا خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر معه مالهُ كله خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم وانطلق بها معه قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراهُ قد فجعكم بمله مع نفسه قالت: قلت كلا يا أبت قد ترك لنا خيرًا كثيرًا قالت فأخذت أحجارًا فتركتها فوضعتها في كوة لبيت كان أبي يضع فيها مالهُ ثم وضعت عليها ثوبًا ثم أخذتُ بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال قالت فوضع يده عليه فقال لا بأس إن كان ترك لكم هذا لقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغٌ قالت ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن قد أردتُ أن أسَكِّنَ الشيخ بذلك.\n١٩٧ - * روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: صنعتُ سُفرةً\n_________\n١٩٥ - المستدرك (٣/ ٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nيتضور: أي يتلوى ويتقلب ظهرًا لبطن.\n١٩٦ - أحمد في مسنده (٦/ ٣٥٠) والطبراني (٢٤/ ٨٨) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٥٩) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.\nالكوة: ثقب في الحائط.\n١٩٧ - البخاري (٦/ ١٢٩) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١٣٣ - باب: حمل الزاد في الغزو.","vol":"1","page":338},{"text":"للنبي ﷺ في بيت أبي بكر، حين أراد أن يُهاجر إلى المدينة، فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربط به، إلا نطاقي، قال: فشقيه باثنين، فاربطيه بواحدٍ السقاء، وبالآخر السفرة، ففعلت، فلذلك سُميتُ: ذات النطاقين.\n١٩٨ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: لما أُخرج رسول الله ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، ليهلكن فأنزل الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١) فقال أبو بكر لقد علمت أنه سيكون قتالٌ.\nوفي رواية النسائي (٢) قال: لما أخرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكرٍ: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن، فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ....﴾ الآية. فعرفت أنه سيكون قتالٌ. قال ابن عباس: هي أول آية نزلت في القتال.\n١٩٩ - * روى أبو يعلي عن ابن عباس قال لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال: \"أما والله لأخرج منك، وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلي وأكرمه على الله ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت يا بني عبد مناف إن كنتم ولاة هذا الأمر من بعدي فلا تمنعوا طائفًا ببيت الله ساعة ما شاء من ليل ولا نهار ولولا أن تطغى قريش لأخبرتها ما لها عند الله اللهم إنك أذقت أولهُم وبالًا فأذق آخرهم نوالًا\".\n٢٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكر قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: \"يا أبا\n_________\nنطاقي: النطاق: شيء تشد به المرأة وسطها، وترفع به ثوبها أن يسال الأرض عند قضاء الأشغال. سِقاء: السقاء: إناء للماء من الجلود كالقربة.\n١٨٨ - الترمذي (٥/ ٣٢٥) (٤٨) - كتاب تفسير القرآ، (٢٢) باب \"من سورة الحج\". قال: هذا حديث حسن.\n(١) الحج: ٢٩.\n(٢) النسائي: (٦/ ٢) كتاب الجهاد - باب وجوب الجهاد. وإسناده صحيح.\n١٩٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٨٣). وقال: رواه أبو يعلي ورجاله ثقات.\n٢٠٠ - البخاري (٨/ ٣٢٥) ٦٥ - كتاب التفسير - ٩ - باب: ثاني اثنين إذ هما في الغار.","vol":"1","page":339},{"text":"بكر ما ظنُّكَ باثنين الله ثالثهما\".\n٢٠١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لم أعقِلْ أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار، بُكرةً وعشيةً، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغِماد، لقيه ابن الدُّغنة - وهو سيدُ القارة - فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدُّغُنِّة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج، إنك تكسبُ المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجعْ فاعبدْ ربك ببلدك، فرجع. وارتحل معه ابن الدُّغنة، فطاف ابن الدغنة في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا ُخرج، أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تُكذب قريش بجوار ابن الدُّغنة.\nوفي رواية: فانفذت قريش جوار ابن الدغنة - وآمنوا أبا بكر - وقالوا لابن الدغنة: مُرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليُصَلِّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يسْتَعْلِنْ به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في دره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن\n_________\n= ومسلم (٤/ ١٨٥٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ١ - باب فضائل أبي بكر الصديق ﵁.\n٢٠١ - البخاري (٧/ ٢٣٠) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٥ - باب: هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.\nيدينان الدين: مسلمين على دين الإسلام. برك الغماد: بفتح الباء وكسر الغين وفتحها: هو بلد يمان. القارة: بتخفيف الراء قبيلة من كنانة. تكسب المعدوم: تعطي الفقير المعدم مالا وفعل (كسب) متعدٍ. الكل: ما يثقل حمله، من صلات الأرحام، والقيام بالعيال، وقرى الأضياف، ونحو ذلك. نوائب الحق: النوائب: ما ينوب الإنسان من المغارم، وقضاء الحقوق لمن يقصده ويؤمله، فأنا لك جار: أي: حام وناصر ومدافع.\nتقصف: الناس عليه: أي: ازدحموا.","vol":"1","page":340},{"text":"الدُّغنة، فقدِمَ عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه ف يداره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قدخشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانههُ، فإن أحب أن يقتصر على أنْ يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يُعلن بذلك، فسلهُ أن يرد ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليِّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرتُ في رجل عقدتُ له، فقال له أبو بكر: فإني أردُّ إلأيك جوارك وأرضي بجوار الله - والنبي ﷺ يومئذ بمكة - فقال النبي ﷺ للمسلمين: \"إني أريتُ دار هجرتكم، ذات نخلٍ، بين لابتين\" وهما الحرتان - فهاجر منْ هاجر قِبَلَ المدينة، ورجع عامةُ من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهر أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال رسول الله ﷺ: \"على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي\" فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمُرِ - وهو الخبط - أربعة أشهرٍ.\nقال ابن شهاب: قال عروةُ: قالت عائشة: فبينا نحنُ يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسول الله ﷺ متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن لهُ، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: \"أخرج من عندك\" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك - بأبي أنت يا رسول الله - قال \"فإني قد أُذِنَ لي في الخروج\" قال أبو بكر: الصحابة، بأبي أنت يا رسول الله قال رسول الله ﷺ: \"نعم\". قال أبو بكر: فخذْ - بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله ﷺ: \"بالثمنِ\" قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سُفرةً في جرابٍ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعةً من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه\n_________\nالذمة: العهد والأمان، اخفرت الرجل: إذا نقضت عهده. سبخة: السبخ مالأرض: الموضع الذي لا يكاد ينبت الوحتة. وقلما يوافق إلا النخيل. على رسلك: بكسر الراء: على هينتك. الراحلة: البعير القوي على الأحمال والسير. الظهيرة: أشد الحر. و(نحرها): أوائلها. النطاق: أن تشد المرأة وسطها بحبل أو نحوه، وترفع ثوبها من تحته، =","vol":"1","page":341},{"text":"ثلاث ليالٍ يبيتُ عندهما عبدُ الله بن أبي بكر، وهو غلام شابٌ ثقِفٌ لقِنٌ، فيدلج من عندهما بسَحَر، فيُصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمعُ أمرًا يكتادان به إلا وعاهُ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر ابن فُهيرة - مولى أبي بكر - منحه من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل - وهو لبنُ منحتهما، ورضيفُهما -حتى ينعق بها عامر بن فُهيرة بغلسٍ، يفعلُ ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الديل - وهو من بني عبد بن عديِّ - هاديًا خريتًا - والخريتُ: الماهر بالهداية - قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كُفار قريش، فأمناهُ، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما، وانطلق معهما ابن فهيرة، والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل\" وفي رواية \"طريق الساحل\".\nقال ابن شهاب (١) وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي - وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم -أن أباه أخبره: أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رُسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحدٍ منهما من قتله أو أسره، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مُدلج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوسٌ، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسوِدة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفتُ أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثتُ في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلتُ، فأمرتُ جاريتي أنْ\n_________\n= فتعطف طرفًا من أعلاه على أسفله، لئلا ينال الأرض.\nثقف: ثقف الرجل ثقافة، أي: صار حاذقًا خفيفًا، فهو ثقف، مقال ضخم، فهو ضخم. لقن: اللقنُ: سريع الفهم. أدلج: يدلج: إذا سار من أول الليل، وادلج يدلج - بتشديد الدال - إذا سار من آخره. كدتُ: الرجل أكيده: إذا طلبت له الغوائل ومكرت به، منحة: الأصل في المنحة: أن يجعل الرجل لين ناقته أو شاته لآخر وقتا ما، ثم يقع ذلك في ل ما يرزقه المرء ويعطاه. فيريحها: الرُواح: ذهاب العشي، وهو من زوال الشمس إلى الليل، في رسل: الرسل، بكسر الراء وسكون السين: اللبن. الرضيف: اللبن المرصوف، وهو الذي جعل فيه الرصفة، وهي الحجارة المحياة، تعق الراعي بالغنم: أصل النعيق للغنم، يقال: نعق الراعي بالغنم: إذا دعاها لترجع إليه، بغلس: الغلس: ظلام آخر الليل. غمس: فلان حلفا في آل فلان، أي: أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم، والحلف: التحالف.\n(١) في البخاري (٧/ ٢٣٨) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٥ - باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.\nأسودة: جمع سواد، وهو الشخص، الأكمة: الرابية المرتفعة عن الأرض من جميع جوانبها.","vol":"1","page":342},{"text":"تخرج بفرسي وهي من وراء أكمةٍ، فتحبسها عليَّ، وأخذت رُمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزّجَّه الأرض، وخفضت عاليهُ، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تُقرب بي، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررتُ عنها، فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجتُ منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرهم، أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي - وعصيتُ الأزلام - تُقرِّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفتُ، وأبو بكر يُكثر الالتفات: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عْثَان ساطعٌ في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي - حين لقيتما لقيت من الحبس عنهم - أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية - وأخبرتهم أخبار ماي ريد الناس بهم - وعرضتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني إلا أن قال: \"أخفِ عنا\"، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب لي في رقعة من أدم، ومضى رسول الله ﷺ.\nقال ابن شهابٍ: \"فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين تُجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياضٍ، وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه، حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطُمٍ من آطامهم لأمرٍ ينظر إليه، فبصُر برسول الله\n_________\n= الرُبَ: الفرس يقرب تقريبًا، إذا غدا عدوًا دون الإسراع، وله تقريبان أدنى وأعلى. الكنانة: كيس من جلد تجعل فيها السهام، وهي الجعبة. الأزلام: القداح، واحدها: زُلم، وزَلم - بفتح الزاي وصمها، وفتح اللام فيهما - و(القِدْحُ): السهم الذي لا تصل له ولا ريش، وكان لهم في الجاهلية هذه الأزلام، مكتوب عليها الأمر والنهي، وكان الرجل منهم يضعها في كنانته أو في وعائه، ثمي خرج منها عند عزيمته على أمر ما اتفق له من غير قصد، فإن خرج الآمر مضى على عزمه، وإن خرج الناهي انصرف. الاستقسام: أصل الاستقسام: طلب ما قسم الله له من الأقسام. و(القسم): النصيب المغيب عنه عند طلبه، وذلك محمود إذا طلب من جهته سبحانه، وكان أهل الجاهلية يطلبون ما غيب عنهم من ذلك من جهة الأزلام، فما دلتهم عليه فعلوه. ساخت: قوائم الدابة في الأرض: غاصت فيها. عثان: العُثان: الغبار، وأصله الدخان، وجمعه عواثن، على غير قياس. الساطع: المرتفع في الجو منتشرًا، ما رزأت فلانًا شيئًا: أي: ما أصبت منه شيئًا، والمراد: أنهما لم يأخذا منه شيئًا. قافلين: القافل: الراجع من سفره.","vol":"1","page":343},{"text":"ﷺ وأصحابه مُبيضين، يزولُ بهم السرابُ، فلم يملك اليهوديُّ أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، قال: فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوفٍ، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناسُ رسول الله ﷺ عند ذلك، فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوفٍ بضع عشرة ليلةً، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ، ركب راحلتهُ، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة، وهو يُصلي فيه يومئذٍ رجال من المسلمين، وكان مريدًا للتمر، لسهل وسُهيل - غلامين يتيمين ف يحجر أسعد بن زُرارة - فقال رسول الله ﷺ حين بركت راحلته \"هذا إن شاء الله المنزلُ\" ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله ﷺ أن يقبلهُ منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدًا، وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللَّبِنَ في بُنيانه، ويوقل وهو ينقل اللبن:\nهذا الحِمَالُ لا حِمالُ خيبر ... هذا أبرُّ ربنا وأطهر\nويقول:\nاللهم إن الأجر أجرُ الآخره ... فارجمِ الأنصارَ والمهاجره\nفتمثل بشعرِ رجلٍ من المهاجرين، لم يُسم لي.\nقال ابن شهابٍ: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيتِ شعرٍ تام غير هذه الأبيات\n_________\nمبيضين: بكسر الياء، أي: هم ذوو ثياب بيض، ومنه السود بكسر الواو للابس السواد، ولذلك قيل لأصحاب الدعوة العباسية: المسودة. يزول بهم: زال بهم السراب، أي: ظهرت حركتهم فيه للعين، جدكم: حظكم. المربد: المكان الذي يوضع فيه التمر. الحِمال: بكسر الحاء: من الحمل، والذي يحمل من خيبر هو التمر، ولعله عني: أن هذا في الآخرة أفضل من ذلك ثوابًا وأحسن عاقبة.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>فوائد من فتح الباري:</span>\n١ - عن ابن شهاب قال: كان بين ليلة العقبة - يعني الأخيرة - وبين مهاجر النبي ﷺ ثلاثة أشهر أو قريب منها. قلت: هي ذو الحجة والمحرم وصفر، لكن كان مضى من ذي الحجة عشرة أيام، ودخل المدينة بعد أن استهل ربيع الأول فمهما كان الواقع أنه اليوم الذي دخل فيه من الشهر يعرف منه القدر على التحرير، فقد يكون ثلاثة سواء وقد ينقص وقد يزيد، لأن أقل ما قيل إنه دخل في اليوم الأول منه، وأكثر ما قيل إنه دخل الثاني عشر منه.\n٢ - بمناسبة قول ابن الدُّغنة عن أبي بكر (لا يخرج مثله) قال ابن حجر: أي: من وطنه باختياره على نية الإقامة في غيره مع ما فيه من النفع المتعدي لأهل بلده، (ولا يُخرج) أي: ولا يخرجه أحد بغير اختياره للمعنى المذكور، واستنبط بعض المالكية من هذا أن من كانت فيه منفعة متعدية لا يمكن من الانتقال عن البلد إلى غيره بغير ضرورة راجحة.\n٣ - بمناسبة أمر رسول الله ﷺ لعامر بن فهيرة أن يكتب عقد أمان لسراقة. قال ابن حجر:\nقوله: فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم وفي رواية بن إسحاق: (فكتب لي كتابًا في عظم - أو ورقة أو خرقة - ثم ألقاه إلي، فأخذته فجعلته في كنانتي ثم رجعت) وفي رواية موسى بن عقبة نحوه وعندهما (رجعت فسئلت فلم ذكر شيئًا مما كان، حتى إذا فرغ من حنين بعد فتح مكة خرجت لألقاه ومعي الكتاب، فلقيته بالجعرانة حتى دنوت منه فرفعت يدي بالكتاب فقلت: يا رسول الله هذا كتابك، فقال: يوم وفاء وبر، أدن، فأسلمت) وفي رواية صالح بن كيسان نحوه، وفي رواية الحسن عن سراقة قال: (فبلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي، فأتيته فقلت: أحب أن توادع قومي، فإن أسلم قومنك (أي: قريش) أسلموا وإلا أمنت منهم، ففعل ذلك، قال: ففيهم نزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) الآية) أهـ.\n_________\n(١) النساء: ٩٠.","vol":"1","page":345},{"text":"انظر إلى الوفاء كيف أن العقد لسراقة سرى على قومه بطلبه، مع العلم أن قومه لم يكونوا يقاتلون المسلمين ولولا ذاك ما سرى ذلك العقد إليهم.\n٤ - بمناسبة لحديث عن نزول رسول الله ﷺ ابتداء في قباء، قال ابن حجر:\nوهو في التحقيق أول مسجد صلى النبي ﷺ فيه بأصحابه جماعة ظاهرًا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة.\n٥ - وبمناسبة خروج رسول الله ﷺ من قباء إلى المدينة قال ابن حجر عند قوله:\n(ثم ركب راحلته) وقع عند ابن إسحاق وابن عائذ أنه ركب من قباء يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فقالوا: يا رسو لالله هلم إلى العَدّد والعُدّدْ والقوة، أنزل بين أظهرنا. وعند أبي الأسود عن عروة نحوه وزاد: وصاروا يتنازعون زمام ناقته. وسمى ممن سأله النزول عندهم: عتبان بن مالك في بني سالم، وفروة بن عمرو في بني بياضة، وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وغيرهما في بني ساعدة، وأبا سليط وغيره في بني عدي، يقول لكل منهم: \"دعوها فإنها مأمورة\" وعند الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس: (جاءت الأنصار فقالوا إلينا يا رسول الله، فقال: \"دعوا الناقة فإنها مأمورة\"، فبركت على باب أبي أيوب) قوله: (حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة) في حديث البراء عن أبي بكر (فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه فقال: إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك) وعند ابن عائذ عن الوليد بن مسلم وعند سعيد بن منصور كلاهما عن عطاف بن خالد: \"أنها استناخت به أولًا فجاءه ناس فقالوا: المنزل يا رسول الله، فقال: \"دعوها\"، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلحلت فنزل عنها، فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب المنازل فأذن لي أن أنقل رحلك، قال: \"نعم\"، فنقل وأناخ الناقة في منزله. وذكر ابن سعد أن أبا أيوب لما نقل رحل النبي ﷺ إلى منزله قال النبي ﷺ: \"المرء مع رحله\" وأنا أسعد بن زرارة جاء فأخذ ناقته فكانت عنده، قال: وهذا أثبت، وذكر أيضًا أن مدة إقامته عند أبي أيوب كانت سبعة أشهر.","vol":"1","page":346},{"text":"٢٠٢ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: جاء أبو بكر ﵁ إلى أبي في منزله، فاشترى منه رحْلًا، فقال لعازبٍ: ابعث ابنك يحمله معي، قال فحملته معي، وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكرٍ حدثني كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائمٌ الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عندها وسويت للنبي ﷺ مكانًا بيدي ينامُ عليه وبسطتُ عليه فروةٌ، وقلت له: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك، فنم، وخرجت أنفضُ ما حوله، فإذا أنا براعٍ مقبلٍ بغنمه إلى الصخرة، يريدُ منها الذي أردنا، فقلتُ: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة، فقلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلتُ: أفتحلبُ لي؟ قال: نعم، فأخذ شاة، فقلتُ: انفض الضرع من التراب والشعر والقذي - قال: فرأيت البراء يضربُ إحدى يديه على الأخرى ينفضُ - فحلب في قعبٍ كثبة من لبنٍ، قال: ومعي إداوةً حملتها للنبي ﷺ يرتوي منها ويشربُ ويتوضأ، فأتيت النبي ﷺ فكرهتُ أن أوقظه فوافقته حتى استيقظ - فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفلهُ، فقلت: يا رسول الله اشرب: فشربَ حتى رضيتُ، ثم قال: \"ألم يأن للرحيل؟ \" قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعدها مالت الشمسُ، وأتبعنا سُراقة بن مالك، فقلت: أُتينا يا رسول الله، فقال: \"لا تحزن، إن الله معنا\" فدعا عليه رسول الله ﷺ، فارتطمت به فرسه إلى بطنها: فقال: إني أراكما قد دعوتما عليِّ، فادعوا لي، فالله لكما أنْ أرد عنكما الطلب، فدعا له رسول الله ﷺ، فنجا، فجعل لا يلقى أحدًا إلا قال: كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدًا إلا رده قال: ووفى لنا\n_________\n٢٠٢ - البخاري (٦/ ٦٧٢) ٦١ - كتاب المناقب (٢٥) باب علامات النبوة في الإسلام.\nومسلم (٤/ ٢٣٠١) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق - ١٩ - باب: في حديث الهجرة.\nالرحل: سرج البعير - وهو الكور - وقد يراد به القتب والحداجة. قائم الظهيرة: أشد الحر وسط النهار، وقائمها: وقت استواء الشمس في وسط السماء (أنفض لك ما حولك) أي أحرسك وأطوف هل أرى أحدًا يطلبك.\nقصب: قدح ضخم غليظ. كثبة: الكثبة: القليل من اللبن. ألم يأن: ألم يقرب ويجيء وقت الرواح. الجلد. الأرض الغليظة الصلبة. أتينا: المراد: أنهم لحقونا وأدركونا. فارتطمت: ارتطمت في الوحل: إذا مشيت فيه ولم تكد تتخلص، وارتطم الرجل في أمره: إذا سدت عليه مذاهبه.","vol":"1","page":347},{"text":"٢٠٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: أقبل نبي الله ﷺ إلى المدينة وهو مُردفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعرفُ، ونبي الله ﷺ شابٌ لا يعرفُ، فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل فيحسبُ الحاسبُ: أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني به سبل الخير، فالتفت أبو بكر، فإذا هو بفارسي قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله ﷺ، فقال: \"اللهم اصرعهُ\"، فصرعته فرسه، ثم قامت تحمحِمُ، فقال: يا نبي الله، مُرني بما شئت، قال: \"فقف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا\"، فكان أول النهار جاهدًا على رسول الله ﷺ، وكان آخر النهار مسلحة له، فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤوا إلى نبي الله ﷺ وأبي بكر، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين، فركب نبيُّ الله ﷺ وأبو بكرٍ، وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله، فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبي الله فأقبل يسيرُ حتى نزل جانب دار أبي أيوب فإنه ليحدث أهله، إذ سمع به عبد الله بن سلام - وهو في نخل لأهله يخترفُ لهم - فعُجِل أنْ يضع الذي يخترفُ لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله ﷺ، ثم رجع إلى أهله، فقال رسول الله ﷺ: \"أيُّ بيوت أهلنا أقربُ؟ \" فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي، قال: \"فانطلق فهيئ لنا مقيلًا\"، قال: قوما على بركة الله، فلما جاء رسول الله ﷺ، جاء عبد الله بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بالحق، وقد علمت يهودُ أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم، فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمتُ، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمتُ قالوا في ما ليس فيِّ، فأرسل\n_________\n٢٠٣ - البخاري (٧/ ٣٤٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ.\n(وأبو بكر شيخ يعرف ورسول الله ﷺ شاب لا يعرف): لعل الراوي أنسا يعني أن أبا بكر حسب مظهره يبد أنه أسن من النبي ﷺ والمعلوم أن النبي ﷺ كان أسن من أبي بكر بنحو سنتين، وهذا ما ذكره ابن حجر في الفتح قال: يريد أن أبا بكر قد شاب.\nجاهدًا: الجاهد: المبالغ الباذل غاية ما يقدر عليه. مسلحة: المسلحة: قوم ذ سلح، والمسلحة أيضًا: كالثغر والمرقب وهو الموضع الذي يقيم فيه قوم يحفظون من وراءهم من العدو، لئلا يهجموا عليهم، ويدخلوا إليهم، وهو بالأعجمية: اليرك. الاختراف: اجتناء الثمر من الشجر.","vol":"1","page":348},{"text":"رسول الله ﷺ، فأقبلوا فدخلوا عليه فقال: \"يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمُون أني رسول الله حقًا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا\"، قالوا: ما نعلمه - قالها ثلاث مرارٍ - قال: \"فأيُّ رجلٍ فيكم ابنُ سلام؟ \" قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: \"أفرأيتم إن أسلم؟ \" قالوا: حاشى لله، ما كان ليُسلم - قالها ثلاث مرارٍ، وردوا عليه - فاقل: \"يا ابن سلام، اخرُج عليهم\" فخرج عليهم، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق، قالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ.\n٢٠٤ - * روى البزار عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ يستخفيان نزلا بأبي معبد فقال: والله ما لنا شاةً وإن شاءنا لحواملُ فما بقي لنا لبنٌ، فقال رسول الله ﷺ - أحسبه - \"فما تلك الشاة؟ \" فأتى بها، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة عليها ثم حلب عُسًا، فسقاه ثم شربوا، فقال: أنت الذي تزعُم قريش أنك صابئ، قال: \"إنهم ليقولون\" قال أشهدُ أن ما جئت به حق، ثم قال: أتبعك قال: \"لا حتى تسمع أنا قد ظهرنا\" فاتبعهُ بعدُ.\n٢٠٥ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: لما خرج رسول الله ﵌ من الغار مُهاجرًا ومعه أبو بكر وعامر بين فهيرة مردفه أبو بكر وخلفه عبد الله ابن أريقط الليثي، فسلك بهما أسفل من مكة ثم مضى بهما حتى هبط بهما على الساحل أسفل من عسفان، ثم استجار بهما على أسفل أمجٍ، ثم عارض الطريق بعد أن أجاز قديدًا ثم سلك بهما الحجاز، ثم أجاز بهما ثنية المرار، ثم سلك بهما الحفياء، ثم أجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة صحاح، ثم سلك بهما مذحج، ثم بطن مذحج من ذي الغصنِ\n_________\n٢٠٤ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٣٠١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٥٨) وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\nعُسا: القدح الكبير.\n٢٠٥ - الحاكم (٣/ ٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.\nذي الغصن: وادٍ من حرة بني سليم.\nالسنيه: في الجبل كالعقبة فيه وقيل هو الطريق العالي فيه.","vol":"1","page":349},{"text":"ثم يبطْنِ ذي كشدٍ، ثم أخذ الجباحِب ثم سلك ذي سلمٍ من بطن أعلى مدلجةٍ، ثم أخذ القاحة ثم هبط العرج، ثم سلك ثنية الغائر عن يمين ركوبةٍ ثم هبط بطن ريمٍ، فقدم قُباء على بني عمرو بن عوفٍ.\nفائدة: عبد الله هو دليل الرحلة وكان مشركًا من بني ليث من كنانة وقد استأجره أبو بكر وفي ذلك ما يدل على أنه إذا لم يوجد مسلم لمهمة لابد منها فبالإمكان الاستفادة من الكافر الثقة.\nيلاحظ أن الدليل سار بهم في طريق راعى فيه كل مقتضيات الأمن وكان رسول الله ﷺ مسلمًا في ذلك مما يدل على أن أخذ الاحتياط الأمني جزء من السنة النبوية.\n٢٠٦ - * روى الحاكم عن محمد بن سيرين قال: ذكر رجالٌ على عهد عمر ﵁ فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر ﵄ قال: فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال: والله لليلة من أبي بكرٍ خيرٌ من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله ﵌ لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى فطن له رسول الله ﷺ فقال: \"يا أبا بكرٍ مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي\" فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: \"يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أنْ يكون بك دوني\" قال: نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمةٍ إلا أن تكون بي دُونك، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل واستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحَرَة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبر الجِحَرَة، فدخل واستبرأ ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.\n٢٠٧ - * روى الحاكم عن عروة بن الزبير أنه سمع الزبير يذكر أنه لقي الركب من المسلمين\n_________\n٢٠٦ - المستدرك (٣/ ٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين لولا إرساله فيه ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nملمة: نازلة شديدة من شدائد الدهر. استبرئ: استبرأ الشيء: تقصى بحثه، الجِحرة: بكسر الجيم جمع جِحر.\n٢٠٧ - المستدرك (٣/ ١١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":350},{"text":"كانوا تجارًا بالشام قافلين من مكة عارضوا رسول الله ﷺ وأبا بكرٍ بثيابٍ بيضٍ حين سمعوا بخروجهم فلما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﵌ كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يؤذيهم خرُّ الظهيرة فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظاره فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود أطُما من آطامِهم لينظر إليه، فبصُر برسول الله ﵌ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا صاحبكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﵌ بظهرِ الحرةِ.\n٢٠٨ - * روى الطبراني عن ابن إسحق قال: نزل رسول الله ﷺ بقباء على كلثوم بن هِرمِ أخي بني عمرو بن عوفٍ يقال: بل نزل على سعد بن خيثمة فأقام في بني عمرو بن عغوفٍ يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم وخرج من بني عمرو بن عوف، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلى الجمعة في المسجد الذي يبطن الوادي قال ابن إسحاق: ثم نزل رسول الله ﷺ على أبي أيوب، وأمر رسول الله ﷺ ببناء مسجده في تلك السَنة.\n٢٠٩ - * روى الطبراني عن الشموس بنت النعمان قالت نظرت إلى رسول الله ﷺ حين قَدِمَ ونزل وأسس هذا المسجد مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره الحجرُ، وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سُرته فيأتي الرجلُ من أصحابه ويقول بأبي وأمي يا رسول الله أعطني أكفِك فيقول: \"لا، خُذ مثله\" حتى أسسه، ويقول: \"إن جبري لعليه السلام هو يؤم الكعبة\" قال فكان يقال إنه أقوم مسجد قِبلةً.\n٢١٠ - * روى الطبراني عن عاصم بن عدي قال قدم رسول الله ﷺ يوم الاثنين لاثنتي\n_________\nقافلين: راجعين - القافل الراع من سفره. أوفى. أشرف واطلع. مبيضين: بكسر الياء أي هم ذو ثياب بيض.\nآطامهم: الأطم: البناء المرتفع.\n٢٠٨ - المعجم الكبير (٦/ ٣٠) ومجمع الزائد (٦/ ٦٢)، قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n٢٠٩ - المعجم الكبير (٢٤/ ٢١٨) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٦١) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. يهصره: أي يميله.\n٢١٠ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٢)، رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"1","page":351},{"text":"عشرة ليلة خلت من ربيع الأول فأقام بالمدينة عشر سنين.\n٢١١ - * روى الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: شهدتُ يوم دخل النبي ﵌ المدينة فلم أر يومًا أحسن ولا أضوء منه.\n٢١٢ - * روى الحاكم عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: ومضى رسول الله ﵌ حتى قدم المدينة وخرج الناس حتى دخلنا في الطريق وصاح النساء والخدام والغلمان جاء رسول الله الله أكبر جاء محمدٌ جاء رسول الله، فلما أصبح انطلق فنزل حيث أُمِرَ.\nهذا لحديث أصل في جواز الهتاف الذي اعتاده أبناء الحركة الإسلامية في المناسبات.\n٢١٣ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة لقدومه، فرحًا بذلك، لعبُوا بحِرابهم\".\n٢١٤ - * روى الحاكم عن عكرمة قال لما خرج صهيبُ مهاجرًا تبعه أهلُ مكة فنثل كنانته فأخرج منها أربعين سهمًا فقال: لا تصلون إلي حتى أصنع ف كل رجل منكم سهمًا ثم أصيرُ بعد إلى السيف فتعلمون أني رجل وقد خلفتُ بمكة قينتين فهما لكم. قال (وحدُثَنَا) حماد بن سلمة عن ثابت عن أُنسِ نحوه ونزلت على النبي ﵌ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية فلما رآه النبي ﵌ قال \"أبا يحيى ربح البيع\" قال: وتلا عليه الآية.\n٢١٥ - * روى الحاكم عن سعيد بن المسيب عن صهيب قال: قال رسول الله ﵌: \"أُريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرة فإما أن تكونُ هجرا أو تكون يثرب\" قال: خرج رسول الله ﵌ إلى المدينة، وخرج معه\n_________\n٢١١ - المستدرك (٣/ ١٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n٢١٢ - الحاكم (٣/ ١٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n٢١٣ - أبو داود (٤/ ٢٨١) كتاب الأدب، باب في النهي عن الغناء، وإسناده صحيح. فنثل: نثل الشيء نثلا: استخرجه.\n٢١٤ - المستدرك (٣/ ٢٩٨) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.\n٢١٥ - المستدرك (٣/ ٤٠٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":352},{"text":"أبو بكر ﵁ وكنتُ قد هممتُ بالخروج معه فصدني فتيانُ من قريشٍ فجعلتُ ليلتي تلك أقوم ولا أقعد فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه ولم أكن شاكيًا فقاموا فلحقني منهم ناس بعد ما سرت بريدًا ليردوني فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتُخلون سبيلي وتفون لي فتبعتهم إلى مكة فقلتُ لهم: احفروا تحت أسكفةِ الباب فإن تحتها الأواق واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﵌ قبل أن يتحول منها يعني قباء فلما رآني قال: \"يا أبا يحيى ربح البيعُ\" ثلاثًا فقلتُ: يا رسول الله ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل ﵇.\n٢١٦ - * روى الحاكم عن صهيب، قال: قدمت على رسول الله ﵌ بالهجرة وهو يأكل تمرًا فأقبلتُ آكل من التمر وبعيني رمدٌ فقال: \"أتأكل التمر وبك رمدٌ\" فقلتُ إنما آكل على شقي الصحيح ليس به رمدٌ قال: فضحك رسول الله ﵌.\n٢١٧ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، أنها حملت بعبد الله ابن الزبير بمكة، قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت رسول الله ﷺ، فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له، وبرك عليه، وكان أول مولودٍ ولد في الإسلام\".\nوفي رواية: ففرحوا به فرحًا شديدًا لأنهم قيل لهم: إن اليهود سحرتكم فلا يولد لكم.\n٢١٨ - * روى مالك عن عائشة ﵂ قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة\n_________\n٢١٦ - المستدرك (٣/ ٢٩٩) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n٢١٧ - والبخاري (٧/ ٢٤٨) ٦٢ - كتاب امناقب الأنصار - ٤٥ - باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة. متمُّ: أتممت الحامل: دنا وقت ولادتها، وأتمت أيام حملها فهي متم.\nمسلم (٣/ ١٦٩١) ٣٨ - كتاب الآداب - ٥ - باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، وحمله إلى صالح يحنكه.\n٢١٨ - الموطأ (٢/ ٨٩٠) ٤٥ - كتاب الجامع (المدينة) ٤ - باب ما جاء في وباء المدينة.\nوالبخاري (٤/ ٩٩) ٢٩ - كتاب فضائل المدينة، باب ١٧.\nومسلم (٢/ ١٠٠٣) ١٥ - كتاب الحج - ٨٦ - باب: الترغيب في سكنى المدينة، والصبر على لأوائها.\nوعاك: وعك فلان أصابه ألم من شدة التعب، ووعك المرض فلانًا آذاه وأوجعه. أقلع: أٌلع الشيء: انجلى وانكشف. العقيرة: الصوت رفع عقيرته: رفع صوته من الألم.","vol":"1","page":353},{"text":"وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالً، قالت: فدخلتُ عليهما، فقلتُ: يا أبتِ، كيف تجدُكَ؟ ويا بلالُ، كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمي يقول:\nكل امرئ مصبحٌ في أهلهِ ... والموتُ أدنى من شراك نعلهِ\nوكان بلال إذا أقلع عنه، يرفع عقيرته فيقول:\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بوادٍ، وحولي إذخر وجليلُ؟\nوهل أردن يومًا مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةً وطفيلُ؟\nقالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: \"اللهم حبب إلينا المدينة كحُبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومُدها، وانقل حُماها فاجعلها بالجحفة\".\nوفي رواية نحوه، وزاد بعد بيتي بلالٍ من قوله: اللهم الغنُ شيبة بن ربيعة، وعُتبة ابن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. ثم قالت: قال رسول الله ﷺ: \"اللهم حبب إلينا المدينة ... \".\nوذكر باقي الدعاء. قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، قالت: وكان بُطحانُ يجري نجلًا، تعني ماء آجنا\".\nوأخرج الموطأ عقيب هذا الحديث عن يحيى بن سعيد أن عائشة قالت: وكان عامرُ ابن فهيرة يقول:\nلقد رأيتُ الموت قبل ذوقهِ ... إن الجبان حتفه من فوقهِ\n٢١٩ - * روى النسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا من المهاجرين، لأنهم هجروا المشركين، وكان من الأنصار مهاجرون، لأن المدينة كانت دار شركٍ، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ ليلة العقبةِ\n_________\n٢١٩ - النسائي (٧/ ١٤٤) كتاب البيعة - باب تفسير الهجرة. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":354},{"text":"٢٢٠ - * روى البزارُ عن حذيفة قال: خبرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة فاخترتُ الهجرة.\nوكان حذيفة بن اليمان من عبس وفد مع أبيه إلى المدينة قبل الهجرة النبوية.\n٢٢١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵌: \"أتعلم أول زُمرة تدخل الجنة من أمتي\" قال: الله ورسوله أعلم فقال: \"المهاجرون يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فيقول لهم الخزنة أو قد حوسبتم فيقولون بأي شيء نُحاسب وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك قال: فيُفتح لهم فيقيلون فيه أربعين عاما ًقبل أن يدخلها الناسُ\".\nوبقيت الهجرة مستمرة إلى المدينة المنورة في حياة الرسول ﷺ حتى فتح مكة عندئذ قال رسول الله ﷺ \"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية\" لكن بقيت الهجرة مشروعة حيث وجدت أسبابها: من خوف فتنة في دار الكفر أو البدعة إلى وجوب تجمع في دار الإسلام لصالح جهاد أو قوة للإسلام والمسلمين، ومن تأمل هذه المعاني عرف كيف يحمل النصوص اللاحقة على محاملها الصحيحة.\n٢٢٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس: كان قدومنا على رسول الله ﷺ لخمس من الهجرة خرجنا متواصلين مع قريش عام الأحزاب وأنا مع أخي الفضل ومعنا غلامُنا أبو رافع حتى انتهينا إلى العرْج ثم أخذنا في طريق حتى خرجنا على بني عمرو بن عوف فدخلنا المدينة فوجدناها ﷺ في الخندق وأنا يومئذ ابن ثمان سنين وأخي في ثلاث عشرة\n_________\n٢٢٠ - البزار \"كشف الأستار\" (٣/ ٢٦٥) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٥) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير علي بن زيد وهو حسن الحديث.\n٢٢١ - المستدرك (٢/ ٧٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n٢٢٢ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٤): رواه الطبراني في الأوسط من طريق عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري عن سليمان بن داود بن الحصين وكلاهما لم يوثق ولم يضعف، وبقية رجاله ثقات.","vol":"1","page":355},{"text":"٢٢٣ - * روى النسائي - عن يعلي بن أمية: جئت رسول الله ﷺ بأبي أمية يوم الفتح فقلت: يا رسول الله بايع أبي على الهجرة فقال: \"أبايعه على الجهاد وقد انقطعت الهجرة\".\n٢٢٤ - * روى النسائي عن عمر، قال: لا هجرة بعد وفاة رسول الله ﷺ.\n٢٢٥ - * روى النسائي عن ابن عمرو بن العاص: قال رجلٌ يا رسول الله أيُّ الهجرة أفضل؟ قال: \"أن تهجر ما كره ربك\" وقال: \"الهجرة هجرتان هجرة الحاضر وهجرة البادي فأما البادي فيُجيبُإذا دُعي ويطيع إذا أُمر وأما الحاضر فهو أعظمهما بلية وأعظمهما أجرا\".\nأما الأحاديث التي تدل على عدم انقطاع الهجرة إذا وجدت أسبابها فمنها:\n٢٢٦ - * روى النسائي عن عبد الله بن السعدي: قلت يا رسول الله يزعمون أن الهجرة قد انقطعت قال: \"لا تنقطعُ الهجرة ما قوتل الكفار\".\n٢٢٧ - * روى أبو داود عن معاوية ﵁ عن النبي ﵌ قال: \"لا تنقطعُ الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها\".\nقال ابن حجر: وروى الإسماعيلي عن ابن عمر ﵄ بلفظ: (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﵌، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار). أي ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن عن دينه، ومفهومه أنه لو قدر أن لا يبقى في الدينا دار كفر أن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها، والله أعلم\n_________\n٢٢٣ - النسائي (٧/ ١٤١) كتاب البيعة، باب - البيعة على الجهاد وسنده حسن.\n٢٢٤ - النسائي (٧/ ١٤٦) كتاب البيعة، باب - في ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة وسنده حسن.\n٢٢٥ - النسائي (٧/ ١٤٤) كتب البيعة، باب - في هجرة البادي وسنده حسن.\n٢٢٦ - النسائي (٧/ ١٤٦) كتاب البيعة، باب - في ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة وسنده حسن.\n٢٢٧ - أبو داود (٣/ ٣) كتاب الجهاد، باب - ما جاء في الهجرة وسكنى البدو، وسنده صالح.","vol":"1","page":356},{"text":"٢٢٨ - * وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله السعدي: أن النبي ﵌ قال: \"لا تنقطعُ الهجرة ما دام العدو يُقاتل\"، فقال معاوية، وعبد الرحمن ابن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن النبي ﷺ قال: \"إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله. ولا تنقطعُ الهجرة ما تُقُبِّلت التوبة، ولا تزالُ التوبةُ مقبولةً حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعتْ طُبع على كل قلبٍ بما فيه، وكُفي الناسُ العمل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>تعليق:</span>\nإن من تأمل حادثة الهجرة ورأى دقة التخطيط فيها ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله ﷺ كان قائمًا وأن التخطيط جزء من السنة النبوية وهو جز ءمن التكليف الإلهي في كل ما طولب به المسلم وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السنة أمثال هؤلاء مخطئون ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين\n_________\n٢٢٨ - أحمد في مسنده (١/ ١٩٣) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>فوائد من كتاب الهجرة للدكتور محمد أبو فارس:</span>\n- إن الهجرة أهم حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية، إذ بالهجرة تكون الكيان السياسي للأمة الإسلامية لنشر الإسلام والدفاع عن حرماته.\n- ولأهميتها كان التأريخ بالهجرة ولم يكن بغيرها من الأحداث الهامة كالميلاد والبعثة أو وقعة بدر أو ما شابه.\n- ولم يؤرخ المسلمون بتأريخ غيرهم حفاظًا على استقلالية الأمة وتميزها.\n- تعلمنا الهجرة كف أن على الدعاة أن يبحثوا دائمًا عن أماكن خصبة للدعوة تكون مركز انطلاق ونواة تأسيس.\nومن دروس الهجرة أيضًا:\n- أن في الهجرة رد على من يقول أن الأحداث مبعثها حاجات الإنسان المادية والدوافع الجنسية والبطنية. فهذه الهجرة فر أصحابها بدينهم وتركوا أموالهم وديارهم دون ربح مادي.\n- بروز عنصر التخطيط في هذه الهجرة وأهمية ذلك في حياة المسلمين، فكان الهدف محددًا والوسائل محددة والعقبات مأخوذة بالحسبان واختيار الطرق والمكان والتموين ومن يحمل الأخبار والدليل؛ كل ذلك مؤمن، مع إحاطة ذلك بالسرية والحيطة اولحذر وكل ذلك ينبئ عن تخطيط وتنظيم وترتيب لا مثيل له.\n- ينبغي على المسلم ألا يغفل أبدًا عن جانب الدعاء إلى الله والتوجه إليه وطلب العون والنصرة منه - مع الأخذ بالأسباب - إذ إن الأول هو الأهم في حياة المسلم وكان هذا واضحًا في هجرة الرسول ﷺ بل وفي كل حركاته وسكناته.\n- من معاملة أبي بكر لرسول الله ﷺ يتجلى الحب الصادق والتضحية بالنفس، وتجلى هذا في الغار وعند الخروج منه، وفي الطريق حينما كان يمشي تارة خلفه وتارة أمامه وتارة عن يمينه ..","vol":"1","page":358},{"text":"- نجد رسول الله ﷺ في طريقه يدعو من يراه إلى الإسلام، وكان من ذلك أن أسلم بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قوم، مما يدل على أن الداعية يجب أن لا يفتر عن الدعوة إلى الله بل يغتنم كل فرصة تلوح له ولا يزهد بشيء من ذلك (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر كتاب: في ظلال السيرة النبوية -الهجرة النبوية للدكتور محمد عبد القادر أبو فارس.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>تأملات في العهد المكي وتصويبات</span>\nأخذنا فيما مضى تصورًا إجماليًا عن المرحلة المكية، والتفصيل الكامل يحتاج إلى جهود كثيرة لا يطيقها فرد، واستكمال صورة العهد المكي يقتضي عرضًا للقرآن المكي ونقصد به القرآن الذي نزل قبل استقرار رسول الله ﷺ في المدينة وهذا القسم من القرآن يكاد يكون نصف القرآن، والصحابة الذين عاصروا تنزل القرآن كان عندهم علم بأمكنة النزول وتسلسل النزول وأسباب النزول.\nولو أن هذا العلم وصلنا كاملًا لأمكن من خلاله أن نعرف المسيرة العلمية والتربوية لرسول الله ﷺ وأصحابه، ولأمكننا أن نعرف كيف كان التدرج في بناء النفس والأمة بشكل تفصيلي، وزيادة على ذلك فإنه كان بالإمكان أن نعرف تفاصيل دقيقة عن سيرة رسول الله ﷺ، ولكن هذا العلم لم ينقل لنا بشكل تفصيلي كامل، وإذا نقل ففي حدود ضيقة، وذلك لأن الجيل الأول والأجيال اللاحقة لم يقدروا أن لذلك أهمية كبيرة ما دام ترتيب القرآن توقيفيًا والله ﷿ هو الذي تولى ترتيبه، وقد رأينا في كتابنا (الأساس في التفسير) الحكمة بل المعجزة في هذا الترتيب.\nونتيجة لعدم وصول دقائق تاريخ النزول؛ فإن العلماء اجتهدوا في تحديد ترتيب نزول السور القرآنية، فكان عملهم اجتهاديًا من ناحية وإجماليًا من ناحية أخرى، ولذلك فإذا ما تكلف متكلف أن يقدم عرضًا لأحداث السيرة من القرآن فالإجمال والاجتهاد هما عمله، نسجل هذا كأول ملاحظة على استحالة الفصل بين المرحلة المكية والمدنية من الناحية التشريعية البحتة، ومن ههنا ننطلق لنقول:\nإن الذين يعتبرون المرحلة المكية إمامهم في العمل الإسلامي بمعنى أنهم مطالبون به وحدها ومكلفون بالاقتداء برسول الله ﷺ في حدودها فقط، هؤلاء جاهلون بالإسلام.\nفالتشريع الإسلامي اكتمل والأمة الإسلامية مطالبة به كله، فهي مطالبة بالكتاب كله وبالسنة كلها، وبما استقر عليه التشريع في المرحلتين المكية والمدنية.","vol":"1","page":360},{"text":"إن الحج والصوم والحدود والقصاص والجهاد وغير ذلك، كل ذلك لم يكن مفروضًا في المرحلة المكية فمن اعتبر نفسه مكلفًا بالمرحلة المكية وحدها في بعض الشئون عليه أن يفطن لما يترتب على تفكيره من إلزامات توصله للكفر فإذا وضح هذا وهذا نقول:\nإننا منطالبون أن نقتدي برسول الله ﷺ في كل ما لم ينسخ ومالا يعتبر خاصًا به، وعلى هذا الساس فكل ما لم ينسخ من المرحلة المكية أو ما لا يعتبر خاصًا به ﵊ فهو محل الطلب منا، وهو محل التكليف فإذا ما اتضح هذا نقول:\nلقد ركز القرآن المكي على معان بعينها وجاء القرآن المدني فأكمل وتمم، وقد يكون من المناسب أن نلحظ في التربية الأولى للإنسان هذه المعاني مع ملاحظة أن ذلك تحصيل حاصل لمن يأخذ الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا، لقد ركز القرآن المكي على اليقين ونفي الريب وجاءت في ذلك سور كثيرة، كما ركز على الإيمان بالغيب والصلاة والإنفاق وعتق الرقاب والإحسان إلى الناس عامة والضعفاء والأيتام خاصة وجاءت في ذلك سور، وركز على أخلاق بعينها وعلى أعمال صالحة من مثل ما يدخل في تزكية النفوس، ومن مثل التواصي بالحق والصبر والتواضع وعدم الاختيال وعدم رد السيئة بمثلها وقيام الليل وعدم الإسراف، وإنصات القلب لآيات الله والحرص على صلاح الذرية وترك الزنا والسرقة وافقبال على الله بصلة الوالدين والأرحام، وركز على عبادة الله وحده والإخلاص فيها وعدم مشاركة الكافرين في عبادتهم.\nوركز على إقامة الحجة على الكافرين وتبيان الكفر وأخلاقه وأسبابه وشبهه وأقوال أهله.\nوركز على التذكير بالنعم لاستخراج الشكر.\nوركز على أن القدوة الحسنة في الحياة البشرية هم الرسل.\nوركز على تبيان أن الخلقين الرئيسيين الواجبي الاجتناب هما: الحسد والكبر، وهما خلقا الشيطان.\nوركز على اتباع الوحي وترك اتباع الشيطان وأئمة الضلال.","vol":"1","page":361},{"text":"هذه المعاني وغيرها تعرض لها القرآن المكي وركز عليها، ولكنها ليست خاصة به بل هي سمة القرآن كله.\nومن ههنا لا نجد مسوغًا للتمييز بين التكليف المكي والتكليف المدني، فنحن الآن مكلفون بالإسلام كله ومن جملته المرحلة المكية.\nفي العهد المكي وجدت مرحلة سرية، وللمسلمين إذا وجدت ظروف أن يلجأوا إلى الدعوة السرية، ولكن هل نحن مقيدون أن تكون هذه المرحلة السرية في حدود تلك المرحلة؟ ثم إذا خرجنا منها ألا نعود إليها، إن الذين يريدون أن يفهموا المرحلة المكية كذلك لا يدركون حقائق هذا الإسلام، فالفتوى تقدر زمانًا ومكانًا وشخصًا، ونادرًا ما تتكرر الظروف التي مرت في مرحلة بحيث تكن طبق الأصل، والشريعة الإسلامية جاءت لتلبي كل ظرف وكل وضع ولتعطيه الحكم المناسب المستخرج من الكتاب والسنة.\n* * *\nفإذا ما اتضح هذا الذي قدمناه وانتفى المحذور فإننا ننصح دارس القرآن الراغب في فهم المرحلة المكية أن يتأمل السور التي توصف بأنها مكية فإن ذلك يفتح عليه آفاقًا في الفهم والسلوك والدعوة، كما يعطيه كمالًا في فهم المرحلة من الناحية التاريخية والنفسية والعملية والتكليفية.\nفمن خلال ذلك يدرك كيف تدرج التكليف، ويدرك الأوليات والأساسيات في هذا التكليف، ويدرك كيف تكامل البناء على الزمن، ويدرك لماذا استطاع هؤلاء العدد القليل أن يصهروا بعد ذلك أضعاف أضعافهم ثم استطاعوا هم ومن صهروهم أن يصهروا الشعوب والأمم، كما يستطيع أن يدرك مَن مِن الناس مؤهلون ومرشحون لبناء الدول والمحافظة عليها والتوسع من خلالها، إن هذا كله يتأتى لنا من خلال دراسة متأنية للقرآن المكي، وهذا شيء وأن تعتبر المرحلة المكية وحدها هي مناط التكليف شيء آخر، فنحن نحذر من هذا وندعو إلى ذاك.\n* * *","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الباب الثالث\nمِن\nالاستقرار في المدينة حتى الوفاة</span>","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>هذه المرحلة في سطور</span>\nأرّخ المسلمون بالهجرة؛ لأهميتها كمعلم بارز في تاريخ الدعوة النبوية، لما للهجرة من آثار على انتصار الدعوة وظهورها، ولأنه بالهجرة ولدت دولة الإسلام.\nولم يبدأوا التأريخ من يوم وصول رسول الله ﷺ إلى المدينة، بل منذ بدأ الأصحاب يتوافدون على المدينة، ولذلك تبدأ السنة الهجرية بالمحرم مع أن الرسول ﷺ وصل إلى المدينة بعد ذلك.\nولأهمية الهجرة فقد اعتاد المسلمون أن يحيوا هذه الذكرى، وأن يجددوا لها فرحًا. وقد انتكس من أرخ بالوفاة لمخالفته للإجماع، وكأنه أراد أن يقطع على المسلمين طريق الفرح بالذكرى، فأرّخ بالوفاة ليقطع الدوافع التي تحييها ذكرى الهجرة ليستبدلها بالحزن.\nوقد قضى الرسول ﷺ في المدينة المنورة عشر سنين كانت مليئة بالأحداث، ثرَّة بجلائل الأعمال وعظيمها، فتحت الطريق أمام المسلمين للسيطرة على مقاليد هذا العالم إن أحسنوا العمل والتأسي، ونحن سنعرض هذه المرحلة حسب السنين مبتدئين بأحداث السنة الأولى ثم الثانية هكذا إلى السنة الحادية عشرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>من ملامح هذه المرحلة</span>\n١ - أنها مرحلة حركة مستمرة دعويًا وتربويًا واجتماعيًا واقتصاديًا وقانونيًا ودستوريًا وسياسيًا وعسكريًا، يتلاحم فيها العمل الدعوي والتربوي مع العمل السياسي والعسكري.\n٢ - أنها مرحلة عمل وجهاد متواصلين لتحقيق الأهداف، ومنها أخذ الأستاذ البنا فكرته عن التنفيذ.\n٣ - كما أنها مرحلة تجريد شامل للنفس فلا تبقى نزعة للنفس إلا وهذبت، ولا مظهر ارتخاء إلا وشد نحو المثل الأعلى، فوجد بذلك وغيره جيل ليس له مثيل \"خير القرون قرني\".","vol":"1","page":365},{"text":"٤ - وهي مرحلة إحكام للبناء الداخلي للمجتمع والأمة والدولة؛ يظهر ذلك في الإخاء والمؤاخاة بين المسلمين وفي التحالفات مع المواطنين من غير المسلمين، وفي الصيغ الدستورية والعملية لضبط العلاقات السياسية والاجتماعية.\n٥ - وهي مرحلة توسع فيها الصراع الفكري فشمل دوائر جديدة: أهل الكتاب، المنافقين، المجوس.\n٦ - وبهذه المرحلة قام البناء السياسي للإسلام وللمسلمين، ووجد اللواء الأول للسلطان السياسي للأمة الإسلامية في رحلتها الخاتمة.\n٧ - ومن ملامح الحركة السياسية في هذه المرحلة أنها كانت بحثًا عن الأحلاف وفصلًا بين الأطراف، ولذلك لم يستطيع الأعداء أن يلتقوا على حرب الإسلام في وقت واحد إلا مرة واحدة يوم الأحزاب، ومع ذلك فقد قصم الرسول ﷺ هذا التحالف.\n٨ - ومن ملامح الحركة العسكرية أنها كانت مطردة مستمرة، ويكفي أن نعرف أن بعضهم أوصل مجموع سراياه وبعوثه وغزواته العسكرية إلى المئة خلال عشر سنين لندرك مدى الحركية والفاعلية التي حفلت بها هذه المرحلة.\n* * *","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>السنة الأولى للهجرة</span>","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>أحادث السنة الأولى في سطور</span>\n١ - في يوم الإثنين ٨ ربيع الأول - على القول الراجح - سنة ١٤ من النبوة الموافق لسنة ٦٢٢ م، وصل الرسول ﷺ إلى قباء، وأقام بها أربعة أيام (الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس) - على القول الراجح - وأٍس فيها مسجد قباء، وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس، وفي يوم الجمعة انطلق إلى المدينة، فأدركته الجمعة في منازل بني سالم بن عوف، فأقام أول صلاة جمعة في الإسلام وخطب فيها، ودخل المدينة بعد صلاة الجمعة تاركًا لناقته العنان، وكان مسجده ومنزله حيث بركت ناقته، ونزل ريثما أسس مسجده وبنى بيوته في دار أبي أيوب الأنصاري.\n٢ - قام الرسول ﷺ في المدينة بخطوات ثلاث:\nأ - بناء المسجد النبوي، فأوجد بذلك مركزًا للعبادة، ومقرًا للتجمع، ومنطلقًا للحركة.\nب - آخى بين المهاجرين والأنصار، فحل مشكلة الهجرة عن أقرب طريق، وصهر بين المقيمين والوافدين أقوى صهر وأجوده.\nج - كتب وثيقة دستورية متفقًا عليها بين سكان المدينة جميعًا - مسلمين ومشركين ويهود -، وهكذا رتب أمور البيت الداخلية مباشرة.\n٣ - بدأت تهديدات قريش تتوالى، ونزل الإذن بالقتال، وأخذ الرسول ﷺ يرسل سراياه للاستطلاع، ولإيجاد التعبئة النفسية، ولعقد تحالفات مع القبائل القاطنة حول المدينة أو في الطرق التجارية لقريش.\n٤ - أرسل في السنة الأولى للهجرة ثلاث سرايا، لخص الحديث عنها صاحب الرحيق المختوم بما يلي:\n(١) سرية سيف البحر (أي: ساحل البحر) في رمضان سنة (١) هـ الموافق سنة ٦٢٣ م:","vol":"1","page":369},{"text":"أمّر رسول الله ﷺ على هذه السرية حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلًا من المهاجرين يعترض عيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص (١)، فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني - وكان حليفًا للفريقين جميعًا - بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم فلم يقتتلوا.\nوكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله ﷺ، وكان أبيض وكان حامله أبا مرثد كناز ابن حُصين الغنوي.\n(٢) سرية رابغ، في شوال سنة (١) من الهجرة - أبريل (نيسان) سنة ٦٢٣ م:\nبعث رسول الله صلى الله عليه ولم عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين راكبًا من المهاجرين، فلقي أبا سفيان - وهو في مائتين - على بطن رابغ، وقد ترامى الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال.\nوفي هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين، وهما المقداد بن عمرو البهراني، وعتبة بن غزوان المازني، وكانا مسلمين، خرجا مع الكفار ليكون ذلك وسيلة للوصول إلى المسلمين. وكان لواء عبيدة أبيض، وحامله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف.\n(٣) سرية الخرار (موضع بالقرب من الجُحْفَة) في ذي القعدة سنة (١) هـ الموافق مايو (آيار) سنة ٦٢٣ م:\nبعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في عشرين راكبًا يعترضون عيرًا لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز الخرار، فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل حتى بلغوا الخرار صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس.\nكان لواء سعد ﵁ أبيض، وحمله المقداد بن عمرو.\n_________\n(١) العيص: مكان بين ينبع والمروة من ناحية البحر الأحمر.","vol":"1","page":370},{"text":"٥ - عاقد في هذه السنة جهينة على ألا يعتدوا ولا يعينوا، وكانت مساكنهم على ثلاثة مراحل من المدينة المنورة.\n٦ - بنى في هذه السنة بالسيدة عائشة ﵂، وكان قد عقد عليها بمكة قبل الهجرة، وشرع في هذه السنة الأذان.\nوسنعقد عددًا من الفصول مماي حسن ذكره في مثل هذا الكتاب من أحداث السنة الأولى.\n* * *","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>فصل: المدينة عند الهجرة</span>\nرسم الأستاذ الندوي في كتابه (السيرة النبوية) صورة للمدينة عند الهجرة فقال:\n\nولكي نأخذ صورة إجمالية صحيحة عن مدينة يثرب - التي اختارها الله دار هجرة للرسول، ومنطلق الدعوة الإسلامية في العالم، ومهد أول مجتمع إسلامي يقوم بعد ظهور الإسلام - يجب أن نعرف وضعها المدني، والاجتماعي، والاقتصادي، وصلة القبائل المقيمة فيها، بعضها ببعض، ومركز<span data-type=\"title\" id=toc-147> اليهود </span>فيها، الاجتماعي، والاقتصادي، والحربي، والواقع الذي كانت تعيشه هذه المدينة الخصبة الغنية، التي التقت فيها ديانات، وثقافات، ومجتمعات مختلفة، بخلاف مكة ذات الطبيعة الواحدة، والطابع الموحد، والدين المشترك، وإلى القارئ بعض أضواء:\nاليهود:\nالمرجح في ضوء التاريخ أن غالبية اليهود حلوا بالجزيرة العربية بصفة عامة، ومدينة يثرب بصفة خاصة، في القرن الأول الميلادي، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:\nبعد حرب اليهود والرمان سنة ٧٠ م التي انتهت بخراب بلاد فلسطين، وتدمير هيكل بيت المقدس، وتشتت اليهود في أصقاع العالم، قصدت جموع كثيرة من اليهود بلاد العرب كما حدثنا عن ذلك المؤرخ اليهودي (يوسي فوس) الذي شهد تلك الحروب، وكان قائدًا لبعض وحداتها ... وتؤيد المصادر العربية كل هذا.\nوكانت في المدينة ثلاث قبائل من اليهود، بلغ عدد رجالها البالغين أكثر من ألفين، وهي: قينقاع، والنضير، وقُريظة، ويقدر أن رجال قينقاع المحاربين، بلغ عددهم سبعمائة، كما كان عدد رجال النضير مثل هذا العدد، وكان الرجال البالغون من قريظة ما بين سبعمائة وتسعمائة.\nوكانت العلاقة بين هذه القبائل الثلاث مضطربة متوترة، وقد يكون بعضهم حربًا على بعض، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:","vol":"1","page":372},{"text":"قد كانت هناك عدوة بين بني قينقاع وبقية اليهود، سببها أن بني قينقاع كانوا قد اشتركوا مع بني الخزرج في يوم (بعاث) وقد أثخن بنو النضير وبنو قريظة في بني قينقاع، ومزقوهم كل مُمزق، مع أنهم - أي بني النضير وبني قريظة - دفعوا الفدية عن كل من وقع في أيديهم من اليهود - من بني قينقاع -، وقد استمرت هذه العداوة بين البطون اليهودية بعد يوم (بعاث)، حتى وقعت الحرب بين المسلمين وبين بني قينقاع فلم ينهض معهم أحد من اليهود في محاربة المسلمين.\nوقد أشار القرآن إلى عداوة اليهود فيما بينهم بقوله:\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (١).\nوكانوا يعيشون في أحياء وقرى مختلفة خاصة بهم، فكانت بنو قينقاع يسكنون داخل المدينة في محلة خاصة بهم، بعد أن طردهم إخوانهم بنو النضير وقريظة من مساكنهم التي كانت خارج المدينة، وكانت مساكن بني النضير بالعالية -جنوب شرق المدينة - بوادي (بطحان) على بعد ميلين أو ثلاثة من المدينة، وكانت عامرة بالنخيل، والزروع، وكانت بنو قريظة يسكنون في منطقة مهْزُور التي تقع على بعد بضعة أميال من جنوب المدينة.\nوكانت لهم حصون، وآطام، وقرى، يعيشون فيه متكتلين مستقلين، لم يتمكنوا من إنشاء حكومات يحكمها اليهود، بل كانوا مستقلين في حماية سادات القبائل ورؤسائها، يؤدون لهم إتاوة في كل عام، مقابل حمايتهم لهم، ودفاعهم عنهم، ومنع الأعراب من التعدي عليهم، وقد لجأوا إلى عقد المحالفات معهم، وكان لكل زعيم يهودي حليف من الأعراب ومن رؤساء العرب.\nوكانوا ينعتون أنفسهم بأنهم أهل العلم بالأديان والشرائع، وكانت لهم مدارس يتدارسون\n_________\n(١) البقرة: ٨٤، ٨٥.","vol":"1","page":373},{"text":"فيها أمور دينهم، وأحكام شريعتهم، وأيامهم الماضية، وأخبارهم الخاصة برسلهم وأنبيائهم، كما كانت أماكن خاصة يقيمون فيها عباداتهم وشعائر دينهم، وكانت تسمى (المدارس) وكان المكان الذي يتجمع فيه اليهود لتبادل المشورة في سائر أحوالهم الدينية والدنيوية.\nوكانت لهم تشريعاتهم ونظمهم الخاصة بهم، أخذوا بعضها عن كتبهم، وبعضها وضعه لهم كهانهم وأحبارهم من عند أنفسهم، وكانت لهم أعيادهم الخاصة بهم، وأيام خاصة، يصومون فيها، كيوم عاشوراء.\nوكانت معظم معاملاتهم مع غيرهم تقوم على الرهون وتعاطي الربا، وكانت لهم من طبيعة منطقة المدينة الزراعية فرصة إلى ذلك، لأن الزراع عادة يحتاجون إلى اقتراض الأموال لحين الحصاد.\nوكانت المراهنة لا تقتصر على الرهائن المالية، بل تخطتها إلى مراهنة النساء والولدان وقد جاء في قصة قتل كعب بن الأشرف النضري التي رواها الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه، أنه قال له محمد بن سلمة: قد أردنا أن تُسلفنا وسقا أو سقين، فقال: نعم، أرهنوني. قالوا: أي شيء تريد؟! قال: أرهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، قال: فأرهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رُهِنَ بوسْق أو وسقين، هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللاّمَة (١).\nومن طبيعة هذه المراهنات خصوصًا إذا كانت في الأبناء والنساء نشوه الحقد والكراهة بين الراهنين والمرتهنين، لا سيما لأن العرب اشتهروا بالغيرة الشديدة على نسائهم وشدة الأنفة.\nوقد ترتب على سيطرة اليهود على الجوانب الاقتصادية في المدينة وضواحيها أن قوي نفوذهم المالي، وصاروا يتحكمون في الأسواق تحكمًا فاحشًا، ويحتكرونها لمصلحتهم\n_________\n(١) اللامة: الدرع.","vol":"1","page":374},{"text":"ومنفعتهم، فكرههم السواد الأعظم من الناس بسبب أنانيتهم واشتطاطهم في أخذ الربا، وحصولهم على غنى وثراء بطرق يأنف العربي عن سلوكها والتعامل بها، ولما طبعوا عليه من الجشع، ولسياستهم التوسعية.\nيقول  De - Lacy، O'Leary)  في كتابه (العرب قبل محمد):\nساءت العلاقات بين أولئك البدو (المدنيين) واليهود المستعمرين في القرن السابع الميلادي، فإنهم كانوا قد وسعوا مناطقهم المزروعة إلى مراعي هؤلاء البدو.\nوكانت علاقة اليهود بالأوس والخزرج - سكان المدينة العرب - خاضعة للمنفعة الشخصية والمكاسب المدية، فهم يعملون على إثارة الحرب بين الفريقين، متى وجدوا في إثارتها فائدة لهم، كما حصل ذلك في كثير من الحروب التي أنهكت الأوس والخزرج، وكان يهمهم فقط أن تكون لهم السيطرة المالية على المدينة، وحديثهم عن النبي المرتقب شجع الأوس والخزرج على الدخول في الإسلام.\nأما لغة اليهود في بلاد العرب، فقد كانت العربية بطبيعة الحال، ولكنها لم تكن خالصة، بل كانت تشوبها الرطانة العبرية، لأنهم لم يتركوا استعمال اللغة العبرية تركًا تامًا، بل كانوا يستعملونها في صلواتهم ودراساتهم. أهـ.\nأما الجانب الديني والدعوي فيقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:\nلا شك أنه كان في المقدرة اليهودية أن تزيد في بسط نفوذها الديني بين العرب، حتى تبلغ منزلة أرقى مما كانت عليه لو توافرت عند اليهود النية على نشر الدعوة الدينية بطريقة مباشرة، ولكن الذي يعلم تاريخ اليهود يشهد بأن الأمة الإسرائيلية لم تَمِل بوجه عام إلى دعوة الأمم على اعتناق دينها، وأن نشر الدعوة الدينية من بعض الوجوه محظور على اليهود. أهـ.\nولكن مما لا شك فيه أن عددًا من العرب المنتمين إلى الأوس والخزرج وغيرهما من القبائل العربية الأصيلة، دانوا باليهودية عن رغبة منهم، أو بتأثير المصاهرة والزواج، أو","vol":"1","page":375},{"text":"بحكم النشأة في البيئة اليهودية، وقد كان في يهود العرب جميع هذه الأنواع، وقد ثبت أن التاجر اليهودي الكبير والشاعر المشهور كعب بن الأشرف الذي يعرف بالنضري كان من قبيلة (طيءْ) تزوج أبوه في بني النضير، فنشأ كعب بن الأشرف يهوديًا متحمسًا.\nقال ابن هشام: كان رجلًا من طيئْ، ثم أحد بني نبهان، وكانت أمه من بني النضير، وكان بعض من لا يعيش له ولد من العرب ينذر، إذا ولد له ابن وعاش هودُوه، فكان في المدينة عدد من العرب الذين دخلوا في اليهودية عن هذا الطريق.\nروى الإمام أبو داود السجستاني (١) بسنده عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهودهُ، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>الأوس والخزرج:</span>\nتنتمي بطون الأوس والخزرج - سكان المدينة العرب - إلى القبائل الأزدية اليمنية، وكانت موجات هذه الهجرة من اليمن إلى يثرب متفرقة فيأوقات مختلفة، وكانت لعوامل متعددة؛ منها اضطراب أحوال اليمن وغزو الأحباش، وإهمال أمر الإرواء بخراب سد (مأرب)، وعلى هذا فالأوس والخزرج أحدث عهدًا في المدينة من اليهود.\nوقد سكنت بطون الأوس في المنطقة الجنوبية والشرقية، وهي منطقة العوالي من يثرب، بينما سكنت بطون الخزرج المنطقة الوسطى الشمالية، وهي سافلة المدينة، وليس وراءهم شيء في الغرب إلى خلاء حرة الوبرة.\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ٥٩) كتاب الجهاد - باب في الأسير يكره على الإسلام.\n(مقلاتا) المقلاة، هي التي لا يعيش لها ولد.\n(٢) البقرة: ٢٥٦.","vol":"1","page":376},{"text":"وكان من جملة بطون الخزرج أربعة أبطن، وهم: مالك، وعدي، ومازن، ودينار، كلها من بني النجار المعروف بـ (تيم اللات)، وقد سكنت بطون بني النجار في المنطقة الوسطى التي حول مسجد النبي ﷺ.\nوقد سكن الأوس المناطق الزراعية الغنية في المدينة، وجاوروا أهم قبائل اليهود وجموعهم، واستوطن الخزرج مناطق أقل خصبًا، وقد جاورهم قبيلة يهودية كبيرة واحدة، وهي القينقاع.\nليس من السهل الحصول الآن على إحصاء دقيق عن عدد رجال الأوس والخزرج، ولكن الباحث المتتبع للحوادث يستطيع تحديد قوتهم الحربية م المعارك التي خاضوها بعد الهجرة، فقد بلغ عدد محاربيهم في يوم فتح مكة أربعة آلاف مقاتل.\nوكان العرب في وقت الهجرة النبوية أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وبيدهم كان توجيه الأمور بها، ولم يستطع اليهود مقابل ذلك أن يجمعوا كلمتهم، ويقفوا صفًا واحدًا في وجه خصومهم، فتفرقت بطونهم، ودخل بعضها في محالفات مع الأوس، ودخل بعضها في محالفات مع الخزرج، وكانوا في القتال أقسى على بني جنسهم من العرب، واستحكم عداء بين بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، جعل بني قينقاع يتركون أرضهم وزرعهم، ويقتصرون على الصياغة.\nووقعت كذلك بين الأوس والخزرج حروب كثيرة، أولاها حرب (سمير) وآخرها حرب (بُعاث) قبل الهجرة بخمس سنوات، وقد عمل اليهود على الدس بين الأوس والخزرج، وتشجيع عوامل الفرقة، وإذكاء روح التحاسد، حتى يشغلوهم بأنفسهم عنهم، وقد أدرك العرب منهم ذلك فلقبوهم بـ (الثعالب).\n* * *","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>الوضع الطبيعي:</span>\nكانت يثرب عند الهجرة النبوية متقسمة إلى عدة دوائر تسكنها بطون عربية ويهودية، وكل دائرة تابعة لبطن من البطون، وكانت الدائرة تنقسم إلى قسمين: يشتمل القسم الأول على الأراضي الزراعية بمنازلها وسكانها، ويشتمل القسم الثاني على الأطم أو الآطام.\nوقد بلغ عدد آطام اليهد في يثرب تسعة وخمسين أطمًا، ويقول الدكتور ولفنسون في وصف هذه الآطام:\nكانت أهمية الآطام عظيمة في يثرب، فكان يفزع إليها أفراد البطن عند هجوم العدو، ويأوي إليها النساء والأطفال والعجزة حين يذهب الرجال لمقاتلة الأعداء، وقد كانت الآطام تستعمل كالمخازن تجمع فيا الغلال والثمار، ذلك أنها كانت معرضة في أماكنها المكشوفة للنهب والسلب، وكان الأطم مربعًا لكنز الأموال والسلاح، وكان للقوافل المثقلة بالبضائع أن تنزل بالقرب منه، كما كانت تقام على أبوابه الأسواق.\nوكانت الآطام تشتمل - كما يظن - على المعابد وبيوت المدارس، إذ كانت فاخرة الأثاث، كثيرة الأدوات، مملوءة بالأسفار، فكان يجتمع فيها الزعماء للبحث والمشاورة حيث يقسمون بالكتب المقدسة، حين يهمون بإبرام العقود والاتفاقات.\nويقول الدكتور في تفسير كلمة (أطم): أنها مأخوذة من اللغة العبرية، فيقال: أطم عينيه: أغمضها، وأطم أذنيه: سدهما، والأطم في الجدران والحيطان: هي النوافذ المغلقة من الخارج، والمفتوحة من الداخل، ويستعمل في السور أي الحائط الضخم، يقول الدكتور:\nوعلى ذلك يمكننا أن نفترض أن اليهود أطلقوا على الحصن اسم أطم، لأنه كان في إمكانهم أن يغلقوا أبوابه، وإن كانت له نوافذ من الخارج وتفتح من الداخل.\nومن هذه الأحياء والدوائر المحصنة كانت تتكون مدينة يثرب، فهي في الحقيقة مجموعة من القرى تقاربت وتجمعت، فتكونت منها المدينة، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله:","vol":"1","page":378},{"text":"﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (١)، وبقوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (٢).\nوحرة واقم التي تحد المدينة من الشرق، كانت أكثر عمرانًا من الوبرة، وحين هاجر النبي ﷺ إلى يثرب، كانت حرة واقم مسكونة بأهم قبائل اليهود من بني النضير وقريظة، وعدد من عشائر اليهود الأخرى، كما كانت تسكنها أهم البطون الأوسية: بنو عبد الأشهل وبنو ظفر وبنو حرثة، وبنو معاوية، وفي منازل بني عبد الأشهل كان يقوم حصنهم واقم، الذي سميت الحرة باسمه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>الحالة الدينية والمكانة الاجتماعية:</span>\nكان العرب تابعين لقريش وأهل مكة في العقيدة والديانة، ينظرون إلى قريش كسدنة للبيت، وقادة في الدين، وقدوة في الاعتقاد والعبادة، خاضعين للوثنية السائدة على جزيرة العرب، يعبدون من الأصنام ما تعبد قريش وأهل الحجاز، إلا أن علاقتهم ببعض الأصنام كانت أقوى من علاقتهم ببعضها، فكانت مناة لأهل المدينة، وكانت أقدم الأصنام، وكان الأوس والخزرج أشد إعظامًا لها من غيرهم، وكانوا يهلون لها شركًا بالله تعالى، وكانت حذو (قُدَيْد) الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل، كما كانت اللاتُ لأهل الطائف، والعُزى لأهل مكة، وكان أهل هذه المدن أكثر تعصبًا حمية لها من غيرها، وكان من اتخذ في داره صنمًا من أهل المدينة من خشب أو غيره يسميه \"مناة\" أيضًا، كما فعل ذلك عمرو بن الجموح سيد من سادات بني سلمة قبل أن يسلم.\nوقد جاء في حديث رواه الإمام أحمد عن عروة عن عائشة في تفسر قوله تعالى ﴿إِنَّ\n_________\n(١) الحشر: ٧.\n(٢) الحشر: ١٤.","vol":"1","page":379},{"text":"الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١).\nقالت: إن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلْل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. ولم نطلع على صنم لهم خاص في المدينة اشتهر كاللات ومناة، والعزى، أو كهُبل، يعكفون على عبادته، ويشد إليه الرحال من خارج المدينة، ويبدو أن الأصنام لم تنتشر في المدينة انتشارها في مكة، فقد كان لكل بيت في مكة صنم خاص، وكانت الأصنام يطاف بها وتباع، فكانوا في الوثنية عيالًا على أهل مكة وأتباعًا لهم.\nوكان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ المدينة قال لهم: \"قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما يوم الفطر والأضحى\"، وقد ذكر بعض شراح الحديث أنهما النيروز والمهرجان، وكأنهم أخذوهما من الفُرس.\nوكانت قريش تعترف بشرف الأوس والخزرج، وهم بنو قحطان العرب العاربة، وكانوا يصاهرونهم، ويتزوجون فيهم، وقد تزوج هاشم بن عبد مناف وهو سيد قريش في بني النجار، تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار وهم من الخزرج، إلا أنهم كانوا يرون لأنفسهم فضلًا عليهم، وقد قال عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة - الذين دعوا إلى المبارزة يوم بدر، فخرج إليهم فتية من الأنصار - فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم، يا محمد! أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله ﷺ: \"قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي\" فلما قاموا ودنوا منهم، وسموا أنفسهم، قالوا: نعم أكفاء كرام، وكانوا ينظرون إلى الفلاحة التي كان يمارسها أهل المدينة بحكم طبيعة أرضهم لاعتمادهم عليها في معاشهم نظرة\n_________\n(١) البقرة: ١٥٨.","vol":"1","page":380},{"text":"فيها شيء من الاحتقار، وقد تجلت هذه النظرة في الكلمة التي قالها أبو جهل وهو عقير، قد قتله ابنا عفراء وهما من الأنصار، وقد أدركه عبد الله بن مسعود وبه رمق (لو غير أكار قتلني).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>الحالة الاقتصادية والحضارية:</span>\nكانت مدينة يثرب بطبيعتها منطقة زراعية، وكان أكثر اعتماد أهلها على الزراعة والبساتين، وكان من أهم حاصلاتها التمر والعنب، فكانت فيها جنات النخيل والأعناب، وجنات معروشات وغير معروشات، وزروع ونخيل صنوان وغير صنوان، ومن الزروع الحبوب والبقول، وكان التمر وخاصة أيام الجدب، وتخلف الأمطار، يسد كثيرًا من حاجة السكان الغذائية، وكان كعملة يتبادل بها أهلها عند الحاجة، وكانت النخيل مصدر خيرات كثيرة في حياتهم، فكانوا يستخدمونه في الغذاء والبناء، والصناعة، والوقود، وعلف الدواب، ولتمر المدينة أنواع كثيرة وتفاصيل دقيقة تصعب الإحاطة بها، لأهل المدينة تجارب وطرق في تنمية حاصل النخيل وتحسينه استفادوها من طول المراس، منها تأبير النخل.\nهذا لا ينفي وجود حركة تجارية في المدينة، ولكنها لم تكن في القوة والانتشار بمكانة الحركة التجارية في مكة، إذ كان اعتماد أبناء الوادي (مكة) وهو غير ذي زرع ومياه وفيرة - على التجارة ورحلة الشتاء والصيف.\nوكانت في المدينة بعض الصناعات يمارس أكثرها اليهود، ولعلهم جلبوها من اليمن، فلم يزالوا فيه إلى أن غادروه في الزمن الأخير، حاذقين في الصناعات، وكان عامة بني قينقاع صاغة، وكانوا أغنى طوائف اليهود في مدينة يثرب، وكانت بيوتهم تحتوي على الأموال الطائلة، والحلي الكثيرة من الفضة والذهب، مع أن عددهم كان غير كثير.\nوقد منحت طبيعة يثرب، وهي بركانية التربة، أراضيها خصبًا زائدًا، وهي ذات وديان كثيرة، تفيض بمياه السيول، فتروي أرضها وتسقي النخل والزروع، اشتهر منها","vol":"1","page":381},{"text":"وادي العقيق الذي كان متنزه المدينة، وكان يتدفق بالماء، ويزهو بالبساتين، وكانت الأرض صالحة لحفر الآبار، وقد كثرت في البساتين، ومنها ما هو مسور ويسميه أهل المدينة (الحائط) واشتهرت آبار كثيرة بعذوبة الماء ووفرته، وكانت لهم شراج (١)، وكانوا يحولون الماء بالمساحي (٢) إلى حدائقهم.\nوكان من الحبوب الرئيسية الشعير، ثم القمح، وتكثر الخضراوات والبقول، وكانت لهم طرق في المزارعة والمؤاجرة والمزابنة، والمحاقلة، والمعاومة، منها ما أقره الإسلام ومنها ما منعه أو أصلحه.\nوكانت العملة في مكة والمدينة واحدة، وكانت المدينة تعتمد على المكاييل وتحتاج إليها أكثر من مكة، لاعتماد أهلها على الحبوب والثمار، وكانت الأكيال المستعملة في المدينة هي المد والصاع والفرق والعرق والوسق، أما الأوزان المستعملة فهي الدرهم والمثقال والدانق والقيراط والنواة والرطل والقنطار والأوقية.\nولم تكن المدينة - على خصبها - مكتفية غذائيًا، فكان أهلها يستوردون بعض المواد الغذائية من الخارج، وكانوا يجلبون دقيق الحوار والسمن والعسل، من الشام.\nقد جاء في حديث رواه الترمذي عن قتادة بن النعمان - ﵁ -: \" كان الناس إنما طعامهم بالمدينة، التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة (٣) من الشام من الدرمك (٤)، ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، والقصة تلقي ضوءًا على الحالة الغذائية في المدينة - التي لم تحدث بعد الهجرة فجأة - وعلى المستويات المختلفة في المعيشة.\nوكان اليهود - كما عرف من طبيعتهم وتاريخهم في كل بلد - أكثر غنى من العرب، وكان\n_________\n(١) الشراج: جمع شَرْج، وهو سيل الماء من الهضاب ونحوها إلى السهل.\n(٢) المساحي: هي المجارف، وهي على أشكال.\n(٣) (شافطة): قافلة الحيرة.\n(٤) (الدرمك): الدقيق الأبيض.","vol":"1","page":382},{"text":"العرب بطبيعتهم العربية البدوية، لا يفكرون في المستقبل كثيرًا، فيوفرون له المال، وكانوا أهل ضيافة وكرم، يضطرون إلى الاستدانة من اليهود، وكثيرًا ما تكون هذه الاستدانة بالربا والرهن.\nوكان لأهل المدينة ثروة من الإبل والبقر والأغنام، ويستخدمون الإبل في إرواء الأراضي ويسمونها بـ (الإبل النواضح) وكانت لهم مراعي اشتهرت منها: (زُغابة) و(الغابة)، يحتطب منها الناس، ويرعون فيها ماشيتهم وكانت لهم خيل يستخدمونها في الحروب وإن كانت قليلة بانلسبة إلى مكة، وكان بنو سُليم مشهورين باقتناء الخيل، يجلبونها من الخارج.\nوكانت في المدينة عدة أسواق، أهمها (سوق بني قينقاع) مركز بيع الحلي والمصوغات الذهبية، وكانت سوق البزازين، وتوجد في المدينة المنسوجات القطنية والحريرية، والنمارق الملونة والستور المرسومة، وكان عطارون يبيعون أنواع العطور والمسك، وكان يوجد من يتجر في العنبر والزنبق، وكانت أنواع من البيع منها ما أقره الإسلام ومنها ما منعه، من النجش والاحتكار، وتلقي الرُّكبان خارج المدينة، وبيع المصراة، البيع بالنسيئة، وبيع الحاضر للبادي، وبيع المجازفة، وبيع المزابنة، والمخاطرة (١). وكان من الأوس والخزرج من يتعامل بالربا، وإن كان ذلك نادرًا بالنسبة إلى اليهود - يعني فيما بينهم.\nوقد توسعت الحياة في المدينة بعض التوسع، ورقت بحكم طبيعة أهلها، فكانت البيوت ذات طبقات، وكانت لبعض البيوت حدائق، وكانوا يستعذبون الماء، وقد يأتون به من بعيد، وكانت توجد كراسي، وكانت تستعمل أقداح من زجاج وأقداح من الحجارة، وسُرج منوعة، وكانوا يستخدمون المكاتل والقفف في أعمال المنزل والزراعة، وكان للأغنياء شيء كثير من الأثاث لبيوتهم، خصوصًا اليهود، وكانت أنواع من الحلي كالأساور، والدمالج،\n_________\n(١) سيأتي شرح هذه البيوع في القسم الرابع من الكتاب بإذن الله تعالى.","vol":"1","page":383},{"text":"والخلاخيل، والأقرطة، والخواتم والعقود من الذهب أو من جزع ظفارٍ (١)، وكان الغزل والنسيج فاشيين في النساء، فكانت الخياطة الدباغة وعمل بناء البيوت، وضرب الطوب والنحت، من الصناعات التي عرفت في المدينة قبل الهجرة.\nالوضع المعقد الذي واجهه الرسول ﷺ في مدينة يثرب:\nوهكذا لم ينتقل رسول الله ﷺ والمهاجرون من مدينة - منكة - إلى قرية - يثرب - بل انتقل من مدينة إلى مدينة، وإن كانت هي الأخرى تختلف عن الأولى في مظاهر كثيرة للحياة، وكانت أصغر منها نسبيًا، ولكن الحياة فيها كانت أكثر تعقيدًا، والقضايا التي سيواجهها الرسول أكثر تنوعًا، لوجود ديانات وبيئات وثقافات مختلفة، لا يتغلب عليها ولا يصهر المدينة كلها في بوتقة عقيدة واحدة، ودعوة واحدة إلا الرسول المؤيد من الله، الذي أعطاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وقوة الجمع بين الأنماط البشرية الكثيرة، والقوى المتصارعة، والأهواء المتعاكسة، وألقى عليه محبة منه، وصدق الله العظيم:\n﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).\n* * *\n_________\n(١) ظفار: إقليم في غربي عمان على شاطئ البحر العربي.\n(٢) الأنفال: ٦٢، ٦٣.","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>فصل: التأريخ بالهجرة</span>\n٢٢٩ - * روى البخاري عن سهل بن سعد ﵄ قال: ما عدوا من مبعثِ النبي ﷺ ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة.\n٢٣٠ - * روى الحاكم، عن سعيد بن المسيب ﵁ قال: جمع عمر الناس فسألهم: مِنْ أي يوم يُكتبُ التاريخ؟ فقال علي بن أبي طالب: منْ يوم هاجر رسول الله ﵌ وترك أرض الشرك، ففعله عمر - ﵁.\nأقول: قال ابن كثير في البداية والنهاية: اتفق الصحابة ﵃ في سنة ست عشرة - وقيل سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة - في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر ﵁ رُفع إليه صك - أي حجة - لرجل على آخر وفيه؛ إنه يحل عليه في شعبان. فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها أو السنة الماضية، أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك. فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحدًا بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم، وكانوا يؤرخون بملك إسكندر بن فلبس المقدوني فكره ذلك. وقال آخرون: أرخوا بمولد رسول الله ﷺ. وقال آخرون: بل بمبعثه. وقال آخرون: بل بهجرته. وقال آخرون: بل بوفاته ﵇. فمال عمر ﵁ إلى التأريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره. واتفقوا معه على ذلك.\nوالمقصود أنهم جعلوا ابتداء التأريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهذا هو قول جمهور الأئمة، وذلك لأن أول شهور العرب المحرم فجعلوا السنة الأولى سنة الهجرة، وجعلوا أولها المحرم كما هو المعروف لئلا يختلط النظام والله أعلم\n_________\n٢٢٩ - البخاري (٧/ ٢٦٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٨ - باب: التأريخ من أين أرخوا التاريخ؟\n٢٣٠ - المستدرك (٣/ ١٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"1","page":385},{"text":"أقول:<span data-type=\"title\" id=toc-153> للبداءة بالمحرم سببان:</span>\nأولًا: لأنه بداية السنة عند العرب.\nثانيًا: لأن الأصحاب بدأوا هجرتهم من المحرم، فالمحرم وجدت فيه مقدمات الهجرة.\nوقال في الفتح: وقد أبدى بعضهم للبداءة بالهجرة مناسبة، فقال: كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربعة: مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه، فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم فناسب أن يجعل مبتدأ، وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم.\n* * *","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>فصل: في حسن الاستقبال وقوة الإقبال</span>\nشهد الله ﷿ للأنصار بالإيثار وحب الأضياف المهاجرين. فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) وبهذه الروح وبحسن التربية من رسول الله ﷺ وحسن التدبير حلت مشكلة الهجرة، وكأن ليس لها مشكلات مع أن مشكلات الهجرة من أعقد المشكلات في العالم.\nوهذه نصوص نذكرها توضح حسن الاستقبال من الأنصار للمهاجرين ومنهم لرسول الله ﷺ، وكثرة إقبالهم عليه ﷺ.\n٢٣١ - * روى البخاري عن خارجة بن زيد ﵁: أن أم العلاء - امرأة من الأنصار - بايعت النبي ﷺ، أخبرته: أنه اقتسم المهاجرون قرعة، فطار لنا عثمان بن مظعون، فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعهُ الذي توفي فيه، فلما توفي وغُسل وكُفن في أثوابه، دخل رسول الله ﷺ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ: \"وما يدريك أن الله أكرمُ؟ \" فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: \"أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري - وأنا رسول الله - ما يُفعلُ بي؟ \" قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا.\nزاد في رواية قالت: وأريت لعثمان في النوم عينًا تجري، فجئت رسول الله ﷺ، فذكرتُ ذلك له، فقال: \"ذاك عملهُ\".\nوفي رواية قالت: فأحزنني ذلك، فنمتُ، فرأيت لعثمان عينًا تجري.\n_________\n(١) الحشر: ٩.\n٢٣١ - البخاري (٢/ ١١٤) ٢٣ - كتاب الجنائز - ٢ - باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه. فطار لنا: أي وقع لنا في سهمنا، أي صار من حظنا.\nأبو السائب: تعني عثمان بن مظعون.","vol":"1","page":387},{"text":"٢٣٢ - روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال، لما قدِمَ النبي ﷺ المدينة آتاه الهاجرون فقالوا: يا رسول الله. ما رأينا قومًا أبذل من كثير، ولا أحسن مواساةً من قليل، من قوم نزلنا بين أظهرهم، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله فقال النبي ﷺ: \"لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم\".\nواختصره أبو داود (١) وقال: إن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، قال: لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم\".\n٢٣٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ: أقسم بيننا وبين إخواتنا النخيل. قال: \"لا\"، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككُم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا.\n٢٣٤ - * روى البخاري عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع. قال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين. ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلققها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقطٍ وسمن ... وذكر الحديث.\n٢٣٥ - * روى البخاري عن أنس ﵁ قال: قدم عبد الرحمن بن عوفٍ\n_________\n٢٣٢ - الترمذي (٤/ ٦٥٣) ٣٨ - كتاب صفة القيامة - باب: ٤٤. وقال: هذا حديث صحيح حسن غريب من هذا الوجه.\nالمهنأ: السرور - ما يأتيك فتسيفه وتقبله طبيعتك، جمعه مهانئ.\n(١) أبو داود (٤/ ٢٥٥) كتاب الأدب - باب: في شكر المعروف، وإسناده صحيح.\n٢٣٣ - البخاري (٥/ ٨) ٨١ - كتاب الحرث والمزارعة - ٥ - باب: إذا قال اكفني مؤونة النخل وغيره وتشركني في الثمر.\n٢٣٤ - البخاري (٧/ ١٦٢) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٣ - باب إخاء النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار.\nأقطا: الأقط: لبن جامد يابس.\n٢٣٥ - البخاري (٤/ ٢٨٨) ٣٤ - كتاب البويع ١ - باب ما جاء في قول الله تعال: (فإذا قضيت الصلاة ..). وضر من صفرة: الوضر: الأثر، والصفرة من الزعفران والخلوق.\nمهيم: كلمة استفهام أي ما حالك وما شأنك وما وراءك أو أحدث لك شيء.؟","vol":"1","page":388},{"text":"المدينة، فآخى النبي صلى الله عليه سلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غنى، فقال لعبد الرحمن: أقاسمُك مالي نصفين وأزوجُك. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فما رجع حتى استفضل أقطًا وسمنًا، فأتى به أهل منزله، فمكثنا يسيرًا - أو ما شاء الله - فجاء وعليه وضر من صفرةٍ فقال له النبي صلى الله عليه سلم: \"مهيم؟ \" قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار. قال: \"ما سُقت إليها؟ \" قال: نواة من ذهبٍ - أو وزن نواة من ذهب ٍ - قال: \"أوْلِم ولو بشاةٍ\".\nقال صاحب الفتح الرابني: قال النووي: الصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولا تعمد التزعفر، فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال، وكذا نهى الرجال عن الخلوق لأنه شعار النساء، وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء فهذا هو الصحيح في معنى الحديث، وهو الذي اختاره القاضي والمحققون، قال القاضي وقيل: إنه يرخص في ذلك للرجل العروس، وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه، قال: ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهذا مذهب ابن عمر وغيره، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يجوز ذلك للرجل. أهـ.\n٢٣٦ - روى أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ما يضر امرأة نزلت بين بيتين من الأنصار أو نزلت بين أبويها\".\n٢٣٧ - روى الحاكم عن أبي أيوب قال: لما نزل علي رسول الله ﵌ قلت: بأبي أنت وأمي أكرهُ أن أكون فوقك وتكون أسفل مني، فقال رسول الله ﵌: \"إني أرفقُ بي أن أكون في السفلى لما يغشانا من\n_________\n٢٣٦ - أحمد في مسنده (٦/ ٢٥٧) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠) وقال: رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال الصحيح.\nامرأة نزلت: أي نزولها بين بيتين من الأنصار كنزولها بين أبويها.\n٢٣٧ - المستدرك (٣/ ٤٦١) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nأهريق: أريق.\nالقطيفة: كساء له خمل وأهداب.\nفرقا: خوفًا من أن يصل إليه الماء.","vol":"1","page":389},{"text":"الناس\" قال فلقد رأيتُ جرةً لنا انكسرتْ فأهريق ماؤها، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفةٍ لنا ما لنا لحافٌ غيرها نُنَشِّفُ بها الماء، فرقًا أن تصل إلى رسول الله ﵌ شيء يؤذيه.\nأقول: إن كثيرًا من الناس يهملون قضية الذوق العام، ولا يعطون للتصرف الذوقي أهمية مع شدة أهميته في حياة المسلمين، وما أكثر ما نجد هذا في حياة رسول الله ﷺ وأصحابه، وتصرف أبي أيوب وأم أيوب المذكور في الحديث نموذج على هذا.\n٢٣٨ - * روى الحاكم عن جابر بن سمرة قال: نزل رسول الله ﵌ على أبي أيوب وكان إذا أكل طعامًا بعث إليه بفضله فينظُر إلى موضع يد رسول الله ﵌ فيأكل من حيث موضع يده، فصنع ذات يوم مطعامًا فيه ثوم فأرسل به إليه فردهُ رسولُ الله ﵌، فأتى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله لم أر أثر أًابعك، فقال: \"إنه كان فيه ثومٌ\" قال شعبةُ في حديثه: أحرم هو؟ فقال رسول الله ﵌: \"لا\" وقال حمادٌ في حديثه: يا رسول الله بعثت إلي بما لم تأكل، فقال: \"إنك لست مثلي إنه يأتيني الملكُ\".\n* * *\n_________\n٢٣٨ - المستدرك (٣/ ٤٦٠) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>فصل: المسجد أولًا</span>\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: ولما حل الركاب النبوي بالمدينة، وكان أول نزوله بها في در بني عمرو بن عوف وهي قُباء كما تقدم فأقام بها - أكثر ما قيل - ثنتين وعشرين ليلة، وقيل: ثماني عشرة ليلة، وقيل: بضع عشرة ليلة، وقال موسى بن عقبة: ثلاث ليال. والأشهر ما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه ﵇ أقام فيهم بقباء من يوم الإثنين إلى يوم الجمعة، وقد أسس في هذه المدة المختلف في مقدارها - على ما ذكرناه - مسجد قباء.\nولما ارتحل ﵇ من قباء وهو راكب ناقبته القصواء وذلك يوم الجمعة أدركه وقت الزوال وهو في دار بني سالم بن عوف، فصلي بالمسلمين الجمعة هنالك، في واد يقال له وادي رانواناء، فكانت أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ بالمسلمين بالمدينة، أو مطلقًا لأنه والله أعلم لم يكن يتمكن هو وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان بموعظة، وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه. أهـ.\nولما قدم المدينة كان منأوائل أعماله ﵊ بناء المسجد.\n٢٣٩ - * روى البخاري عن أنس بن مالك قال: قدم النبي ﷺ المدينة فنزل في أعلى المدينة في حي يُقال لهم بنو عمرو بن عوفٍ، فأقام فيهم أربع عشر ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا مُتقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته وأبو بكرٍ ردفه، وملا بني النجار حولهُ حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يحب أن يُصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وإنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال: \"يا بني النجار ثامنُوني بحائطكم هذا\" فقالوا: لا والله لا نطلبُ ثمنهُ إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنُبشتْ، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع: فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عصادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، والنبي ﷺ معهم وهو يقول \"اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة\"\n_________\n٢٣٩ - البخاري (١/ ٥٢٤) ٨ - كتاب الصلاة - ٤٨ - باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد؟. ومسلم (١/ ٣٧٣) - ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - ١ - باب ابتناء مسجد النبي ﷺ.","vol":"1","page":391},{"text":"٢٤٠ - * وقد ورد في صحيح البخاري عن الزهري عن عروة أن المسجد الذي كان مريدًا - وهو يبدرُ التمرِ - ليتيمين كانا في حِجْرِ أسعد بن زرارة، وهما سهل وسُهيلٌ، فساومهما فيه رسول الله ﷺ فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبي رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعهُ منهما ثم بناه مسجدًا وطفق رسول الله ﷺ ينْقُلُ معهم اللبن في بنيانه ويقول:\nهذا الحِمالُ لا حِمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر\nويقول:\nاللهم إن الأجر أجرُ الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره\n٢٤١ - * روى البخار يعن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًا باللبن، وسقفُه الجريد، وعمُدُه خَشَبُ النخلِ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناء على بنيانه في عهدِ رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عُمُدُه خشبًا. ثم غيرهُ عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبني جدارهُ بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده من حجارةٍ منقوشةٍ وسقفه بالساج.\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: زاده عثمان بن عفان ﵁ متأولًا قوله ﷺ: \"من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتًا في الجنة\" ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك ولم يغيروه بعده، فيستدل بذلك على الراجح من قول العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد، فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشد الرحال إليه، وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق زاده له بأمره عمر ابن عبد العزيز حين كان نائبه على المدينة، وأدخل الحجرة النبوية فيه كما سيأتي بيانه في\n_________\n٢٤٠ - البخاري (٧/ ٢٤٠) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٥ - باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.\n٢٤١ - البخاري (١/ ٥٤٠) ٨ - كتاب الصلاة - ٦٣ - باب: بنيان المسجد.\nوأبو داود (١/ ١٢٣) كتاب الصلاة - باب: في بناء المسجد.\nالقصة: الجصّ\nالساج: ضرب من الشجر.","vol":"1","page":392},{"text":"وقته، ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو المشاهد اليوم.\nوبني لرسول الله ﷺ حول مسجده الشريف حُجَر لتكون مساكن له ولأهله، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء. قال الحسن بن أبي الحسن البصري - وكان غلامًا مع أمه خيرة مولاة أم سلمة -: لقد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي ﷺ بيدي. قلت: إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلا (١) ضخمًا طُوالًا ﵀.\nوقال السُّهيلي في الروض: كانت مساكنه ﵇ مبنية من جريد عليه طين بعضها من حجارة مرضومة وسقوفها كلها من جريد، وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم، قال: وكانت حُجَره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. قال وفي تاريخ البخاري أن بابه ﵇ كان يقرع بالأظافير، فدل على أنه لم يكن لأبوابه حلق. أهـ.\n٢٤٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا ننقل اللبِن للمسجد لبِنة لبنةً وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فنفض رسول الله ﷺ عن رأسه وقال: \"ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغيةُ\".\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تتقله الفئة الباغية، قد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع علي وأهل العراق ما سأتي بيانه وتفصيله في موضعه، وقد كان عليِّ أحق بالأمر من معاوية، ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرُهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم؛ لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيبًا، بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحدث بعد تقتلك الفئة الباغية - لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة - فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل، والله\n_________\n(١) الشكِل: ما لونه أبيض خالطته حمرة.\n٢٤٢ - أورده الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٦) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.","vol":"1","page":393},{"text":"أعلم. وأما قوله يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فإن عمارًا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا (١) على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه، والله أعلم.\nونختم هذا الفصل بكلمة للشيخ الغزالي وأخرى للسباعي حول بدئه ﵊ أول استقراره في المدينة ببناء المسجد.\nقال الشيخ الغزالي حفظه الله:\nبادر الرسول ﵊ إلى بناء المسجد، لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حوريت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء برب العالمين، وتنقي القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا.\nوتم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح.\nهذا البناء المتواضع الساذج، هو الذي ربى ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة وملوك الدار الآخرة، في هذا المسجد أذن الرحمن لنبي يؤم بالقرآن خير من آمن به، يتعهدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل.\nإن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامين تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم؛ وندوة للأدب وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام.\nوالمسجد الذي وجه الرسول ﷺ همته إلى بنائه قبل أي عمل آخر بالمدينة، ليس أرضًا تحتكر العبادة فوقها؛ فالأرض كلها مسجد، والمسلم لا يتقيد في عبادته بمكان.\nإنما هو رمز لما يكتثر له الإسلام أعظم اكتراث، ويتشبث به أشد تشبث، وهو وصل\n_________\n(١) أوزاع: جماعات متفرقة.","vol":"1","page":394},{"text":"العباد بربهم وصلًا يتجدد مع الزمن، ويتكرر مع آناء الليل والنهار، فلا قيمة لحضارة تذهل عن الإله الواحد، وتجهل اليوم الآخر، وتخلط المعروف بالمنكر!.\nوالحضارة التي جاء بها الإسلام، تذكُّر أبدًا بالله وبلقائه وتمسك بالمعروف وتبغض في المنكر، وتقف على حدود الله ... أهـ.\nوقال الدكتور السباعي حول بناء المسجد: من وقائع الهجرة إلى المدينة تبين لنا أنه ﷺ ما أقام بمكا إلا كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها أربعة أيام، وبنى مسجدًا في منتصف الطريق بين قباء والمدينة لما أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن الوادي \"وادي رانوناء\".\nفلما أن وصل إلى المدينة، كان أول عمل عمله بناء مسجد فيها.\nوهذا يدلنا على أهمية المسجد في الإسلام، وعبادات الإسلام كله تطهير للنفس، وتزكية للأخلاق، وتقوية لأواصر التعاون بين المسلمين، وصلاة الجماعة والجمعة والعيدين، مظهر قوي من مظاهر اجتماع المسلمين، ووحدة كلمتهم، وأهدافهم، وتعاونهم على البر والتقوى، لا جرم أن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين، فهو الذي يوحد صفوفهم، ويهذب نفوسهم، ويوقظ قلوبهم وعقولهم، ويحل مشاكلهم، وتظهر فيه قوتهم وتماسكهم.\nولقد أثبت تاريخ المسجد في الإسلام أن منه انطلقت جحافل الجيوش الإسلامية لغمر الأرض بهداية الله، ومنه انبعثت أشعة النور والهداية للمسلمين وغيرهم، وفيه ترعرعت بذور الحضارة الإسلامية ونمت، وهل كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وخالد، وسعد، وأبو عبيدة، وأمثالهم من عظماء التاريخ الإسلامي إلا تلامذة المدرسة المحمدية التي كان مقرها المسجد النبويز\nوميزة أخرى للمسجد في الإسلام أنه تنبعث منه في كل أسبوع كلمة الحق مدوية مجلجلة على لسان خطيبه، في نكار منكر أو أمر بمعروف، أو دعوة إلى خير، أو إيقاظ من غفلة، أو دعوة إلى تجمع، أو احتجاج على ظالم، أو تحذير لطاغية، ولقد شاهدنا في عهد","vol":"1","page":395},{"text":"الطفولة كيف كانت المساجد مراكز الانطلاق للحركات الوطنية ضد المستعمرين يلجأ إليها زعماء الجهاد ضد الاستعمار وضد الصهيونية. أهـ.\n* * *","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>فصل: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار</span>\nأقام الرسول ﷺ بعد وجوده في المدينة نوعين من التعاقدات، تعاقد على الإخاء الخاص بين أًحابه، وتعاقد بين المسلمين وغيرهم من سكان المدينة.\nوهذه نصوص تشير أو تتحدث عن التعاقدات من النوع الأول:\n٢٤٣ - * روى مسلم عن جبير بن مطعم، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا حِلْفَ في الإسلام، وأيما حلفٍ كان في الجاهلية لم يزدهُ الإسلام إلا شدة\".\nقال ابن الأثير: (لا حِلْفَ في الإسلام) أصل الحِلْفِ: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفِتَنِ والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ: \"لا حِلْفَ في الإسلام\" وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام، كحِلْفِ المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه ﷺ: \"وأيما حلفٍ كان في الجاهلية لم يزدهُ الإسلام إلا شدة\" يريد: من المعاقدةِ على الخير، والنصر للحقن وبذلك يجتمع الحديثان، وقد حالف رسول الله ﷺ في الإسلام بين قريش والأنصار، يعني: آخى بينهم، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه: ما خالف حكم الإسلام، وكان رسول الله ﷺ وأبو بكر من المطيبين، وكان عمر من الأحلاف، والأحلاف ستُّ قبائل: عبد الدار، وجُمَح، ومخزوم، وعَديُّ، وكعب، وسهم، سُموا بذلك لأنهم لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار؛ من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأبتْ عبدُ الدار، قعد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا على أن لا يتخاذلوا، فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبًا، فوضعتها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار\n_________\n٢٤٣ - مسلم (٤/ ١٩٦١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥٠ - باب: مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه رضي الله تعالى عنهم.\nوأبو داود (٣/ ١٢٩) كتاب الفرائض - باب في الحلف.\nوقال أبو داود: يريد: حلف المطيبين.","vol":"1","page":397},{"text":"وحُلفاؤها حلفًا آخر مؤكدًا على أن لا يتخاذلوا، فسموها الأحلاف لذلك.\n٢٤٤ - * روى البخاري عن عاصم بن سليمان الأحول قال: قُلتُ لأنس بن مالك ﵁:\nأبلغك أن النبي ﷺ قال: \"لا حلف في الإسلام؟ \" فقال: قد حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري.\nوعند أبي داود (١) قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ: لا حلف في الإسلام؟ فقال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، مرتين أو ثلاثًا.\nأقول: يرى بعض الناس أنه لا تجوز التعاقدات السياسية بين المسلمين وغيرهم، ومن ثم بين الجماعة الإسلامية وغير المسلمين أو غير الإسلاميين، وذلك خطأ ووهم، فحيثما وجدت مصلحة حقيقية للإسلام ولجماعة المسلمين جاز التحالف على أن يكون ذلك بشورى المسلمين وبالفتوى الصحيحة من أهلها، ونحن سنرى في حياة الرسول ﷺ أن التحالفات كانت جزءًا من سيرته ﵊.\n٢٤٥ - * روى أبو يعلي عن زيد بن حارثة أنه قال: يا رسول الله آخيت بيني وبين حمزة بن عبد المطلب.\n٢٤٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: آخى رسول الله صلى الله عليه سلم بين\n_________\n٢٤٤ - البخاري (٤/ ٤٧٢ * ٣٩ - كتاب الكفالة - ٢ - باب: قول الله تعالى (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم).\nومسلم (٤/ ١٩٦٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥٠ - باب: مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه رضي الله تعالى عنهم.\n(١) أبو داود (٢/ ١٢٩) كتاب الفرائض - باب: في الحلف.\n٢٤٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٧١) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن صالح الأزدي وهو ثقة.\n٢٤٦ - مسلم (٤/ ١٩٦٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥٠ - باب: مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه رضي الله تعالى عنهم.","vol":"1","page":398},{"text":"أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة.\n٢٤٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ آخى بين الزبير وابن مسعود.\n٢٤٨ - * روى أبو يعلي عن أنس ﵁ قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، آخى بين سلمان وأبي الدرداء وبين عوف بن مالك وبين صعب بن جثامة.\n١٤٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄: قال في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (١) ورثة. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: كان المهاجرن لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له.\nوبعقد الإخاء بين المهاجرين والأنصار حل رسول الله ﷺ مشكلات الهجرة عن أقرب طريق وأسهله، وقد تحدث الشيخ الغزالي في كتابه فقه السيرة عن هذا الموضوع فقال:\nأما أمر صلة الأمة بعضها بالبعض الآخر، فقد أقامه الرسول ﷺ على الإخاء الكامل. الإخاء الذي تمحى فيه كلمة \"أنا\" ويتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كيانًا دونها، ولا امتدادًا إلا فيها.\nومعنى هذا الإخاء، أن تذوب عصبيات الاجهلية، فلا حمية إلا للإسلام. وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن. فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه.\nوقد جعل الرسول ﷺ هذه الأخوة عقدًا نافذًا، لا لفظًا فارغًا، وعملًا يرتبط بالدماء والأموال لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر.\n_________\n٢٤٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٧١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجال الأوسط ثقات.\n٢٤٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٧١) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح.\n٢٤٩ - البخاري (٨/ ٢٤٧) ٦٥ - كتاب التفسير - ٧ - باب (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ..).\n(١) النساء: ٣٣.","vol":"1","page":399},{"text":"وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال.\nوالإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والنقص والجبن والبخل والجشع، لا يمكن انْ يصح إخاء، أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله ﷺ جُبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا على مبادئ رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله.\nفسُمُوُّ الغاية التي التقوا عليها وجلال الأسوة التي قادتهم إليها، نميا فيهم خِلال الفضل والشرف، ولم يدعا مكانًا لنجوم خِلَّة رديئة.\nذلك، ثم إن محمدًا ﵊ كان إنسانًا، تجمع فيه ماتفرق في عالم الإنسان كله من أمجاد ومواهب وخيرات، فكان صورة لأعلى قمة من الكمال يمكن أن يبلغها بشر، فلا غرو إذا كان الذين قبسُوا منه، وداروا في فلكه، رجالًا يحيون بالنجدة والوفاء والسخاء.\nإن الحب كالنبع الدافق يسيل وحده، ولا يُتكلف استخراجه بالآلات والأثقال، والأخوة لا تُفرض بقوانين ومراسيم، وإنما هي أثر تخلص الناس من نوازع الأثرة والشُّح والضعة.\nوقد تُبودلت الأخوة بين المسلمين الأولين، لأنهم ارتقوا - بالإسلام - في نواحي حياتهم كلها، فكانوا عباد الله إخوانا، ولو كانوا عبيد أنفسهم ما أبقى بعضهم على بعض.\nوقد ظلت عقود الإخاء مقدمة على حقوق القرابة في توارث التركات إلى موقعة (بدر) حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) فألغى التوارث بعقد الأخوة، ورجع إلى ذوي الرحم.\n* * *\n_________\n(١) الأنفال: ٧٥.","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>أهداف المؤاخاة:</span>\nقال ابن حجر في الفتح: قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار، فهي المقصودة هنا.\nوقال السهيلي: آخى بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام واجتمع اشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث وجعل المؤمنين كلهم إخوة وأنزل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ يعني في التوادد وشمول الدعوة.\nوأنكر ابن تيمية في \"كتاب الرد على ابن المطهر الرافضي\" المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصًا مؤاخاة النبي ﷺ لعلي قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضًا ولتأليف قلوب بعضهم على بعض فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحد منهم ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري، وهذا رد للنص بالقياس وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى ويستعين الأعلى بالأدنى وبهذا تظهر مؤاخاته ﷺ لعلي، لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة لأن زيدًا مولاهم، فقد ثبت أختها وهما من المهاجرين، وسيأتي في عمرة القضاء قول زيد بن حارثة: إن بنت حمزة بنت أخي، وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن أبي الشعثاء عن ابن عباس: \"آخى النبي ﷺ بين الزبير وابن مسعود\" وهما من المهاجرين. قلت: وأخرجه الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني، وابن تيمية يصرح بأن أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك، وقصة المؤاخاة الأولى أخرجها الحاكم من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر: \"آخى رسول الله ﷺ بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان - وذكر جماعة قال - فقال علي: يا رسول الله إنك آخيت بين أصحابك فمن أخى؟ قال \"أنا أخوك\" وإذا انضم هذا إلى ما تقدم تقوى به.","vol":"1","page":401},{"text":"وحول المؤاخاة قال الدكتور مصطفى السباعي: في مؤاخاة الرسول بين المهاجرين والأنصار أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية الأخلاقية النباءة، فالمهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم، فجاؤوا المدينة لا يملكون من حطام الدنيا شيئًا، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعتهم. فليحمل الأخ أخاه، وليقتسم معه سراء الحياة وضراءها، ولينزله في بيته ما دام فيه متسع لهما، وليعطه نصف ماله ما دام غنيًا عنه، موفرًا له، فأية عدالة اجتماعية في الدنيا تعدل ههذ الأخوة؟\nإن الذين ينكرون أن يكون في الإسلام عدالة اجتماعية، قوم لا يريدون أن يبهر نور الإسلام أبصار الناس ويستولي على قلوبهم، أو قوم جامدون يكرهون كل لفظ جديد ولو أحبه الناس وكان في الإسلام مدلوله، وإلا فكيف تنكر العدالة الاجتماعية في الإسلام وفي تاريخه هذه المؤاخاة الفذة في التاريخ. وهي التي عقدها صاحب الشريعة محمد ﷺ بنفسه، وطبقها بإشرافه.\n* * *","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>فصل: في الترتيبات الدستورية</span>\nقال الأستاذ البوطي: روى ابن هشام أن النبي ﵊ لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، عدا أفرادًا من قبيلة الأوس. فكتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهو وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم.\nوقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد. وذكره ابن خيثمة فأسنده: حدثنا أحمد ابن جناب أبو الوليد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﵇ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق، وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار ... إلخ.\nوقال الشيخ الغزالي في معرض كلامه عن أهم أعمال الرسول ﷺ بعد مقدمه المدينة: أما عن صلة الأمة بالأجانب عنها، الذين لا يدينون بدينها، فإن الرسول ﵊ قد سن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تُعهد في عالم مليء بالتعصب والتغالي، والذي يظن أن الإسلام دين لا يقبل جوار دين آخر، وأن المسلمين قوم لا يستريحون إلا إذا انفردوا في العالم بالبقاء والتسلط، هو رجل مخطئ بل متحامل جرئ.\nأقول: هذه الوثيقة التي ذكرها الأستاذان الكريمان لم تكن تنظم الحياة بين المسلمين وغيرهم فحسب، بل كانت كذلك تنظم الحياة بين المسلمين أنفسهم، وهذه الحادثة بالذات تعتبر أهم معلم يجب أن تضعه الحركة الإسلامية نصب عينيها، بل هذه الوثيقة تعتبر من أعظم السوابق الدستورية في تاريخ البشرية، ففي مراحل متأخرة بدأت البشرية تفكر في كتابة الدساتير الناظمة لحياة الأمم في أطرها الكبرى، فأن نرى ذلك في حياة رسول الله ﷺ في السنة الأولى لإقامة الدولة فتلك من معجزات الإسلام، ولقد هل ناس حاربوا","vol":"1","page":403},{"text":"التقعيد الدستوري والقانوني لحياة شعوب الأمة الإسلامية، كما أفرط ناس في التصورات السياسية حتى دخلوا معارك ضد مصطلحات لا حرج في استعمالها، وكل ذلك أثر عن تشنجات سقيمة لم يعرف أصحابها الحدود بين ما يحرم أخذه وما يجوز وما يفترض، وبين مالا يسيغ إغفاله وما يجب إبطاله له.\nومع أن هذه الوثيقة قد أوردها ابن إسحاق بلا إسناد فإن لها قوة كبرى من حيث إن ابن خيثمة قد أوردها بإسناد كما ذكر ذلك ابن سيد الناس في عيون الأثر، ومن حث إن هناك نصوصًا ثابتة تشير إلى أن عقودًا ما قد تمت بين رسول الله ﷺ وبين اليهود، وأن تعاقدًا أبرمه رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار ولذلك فإن ابن كثير في البداية والنهاية قد لخص هذه الوثيقة وعنون لمضمونها وقدم لها بذكر بعض الأحاديث الصحيحة التي تشير إلى بعض مضموناتها، وعلى كل الأحوال فعلى مذهبنا الذي ذكرناه في مقدمة هذا القسم والذي اعتمدنا فيه أن إمامًا من الأئمة عندما يذكر شيئًا بلا نكير فذلك يدل على أن مذهبه اعتماد ما ذكره فإذا كان من أهل الاجتهاد في شأن فبإمكاننا اتباعه فيه، ولا أحد يشك أن ابن إسحاق إمام الأئمة في السيرة.\nوها نحن نذكر بعض ما ذكره ابن كثير عن هذه الوثيقة: فقد قال بعد ذكره عقد الرسول ﵇ الألفة بين المهاجرين والأنصار والمؤاخاة بينهم، وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة:\nوكان بها من أحياء اليهود بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وكان نزولهم بالحجاز قبل الأنصار أيام بخت نصر حين دوخ بلاد المقدس فيما ذكره الطبري، ثم لما كان سيل العرم وتفرقت شذر مذر، نزل الأوسُ والخزرج المدينة عند اليهود فحالفوهم وصاروا يتشبهون بهم لما يرون لهم عليهم من الفضل في العلم المأثور عن الأنبياء، لكن من الله على هؤلاء الذين كانوا مشركين بالهدى والإسلام وخذل أوئلك لحسدهم وبغيهم واستكابرهم عن اتباع الحق.\n٢٥٠ - * روى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ\n_________\n٢٥٠ - أحمد في مسنده (٢/ ٢٠٤).","vol":"1","page":404},{"text":"كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار على أن يعقلوا معاقلهُم، ويفْدُوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين.\n٢٥١ - * روى مسلم عن جابر. كتب رسول الله ﷺ: \"على كل بطنٍ عقوله\".\nوقال محمد بن إسحاق (١): كتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم: \"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي الأمي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمةٌ واحدةٌ من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط، وبنو عوفٍ على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفةٍ تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين\" ثم ذكر كل بطنٍ من بطونِ الأنصار، وأهل كل دارٍ: بني ساعدة، وبني جُشم، وبني النجار، وبني عمرو وبن عوفٍ، وبني النبيت، إلى أن قال: \"وإن المؤمنين لا يتركون مُفرحًا بينهُم أنْ يُعطوهُ بالمعروف في فداءٍ أو عقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونهُ، وإن المؤمنين المتقين على منْ بَفَى منهُم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عُدوانٍ أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتُلُ مؤمن مؤمنًا في كافرٍ، ولا يُنْصَرُ كافرٌعلى مؤمنٍ، وإن ذمة الله واحدةٌ يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس وإنه من تبعنا من يهُود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا مُتناصرٍ عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة لا يُسالم مؤمن دون\n_________\n٢٥١ - مسلم (٢/ ١١٤٦) ٣٠ - كتاب العتق - ٤ - باب: تحريم تولي العتيق غير مواليه.\n(١) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١١٩).\nيتعاقدون معاقلهم: يكونون على ما كانوا عليه من أخذ الديات عند قتل أحد وإعطائها. والمعاقل جمع معقلةٍ وهي الدة والعقول جمع عقلٍ وهي الدية أيضًا.\nعانيهم: أسيرهم.\nربعتهم: الحال التي جاء الإسلام وهم عليها.\nالمفرح: المثقل بالدين، الكثير العيال.\nدسيعة: عظيمة.","vol":"1","page":405},{"text":"مؤمن في قتالٍ في سبيل الله إلا على سواء وعدلٍ بينهم، وإن كل غازيةٍ غزتْ معن يعقبُ بعضها بعضًا، وإن المؤمنين يبئ بعضهم بعضًا بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومِهِ، وإنه لا يُجيرُ مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا ولا يحول دونهُ على مؤمنٍ، وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينةٍ فإنه قودٌ به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافةً ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أنْ ينصر مُحدثًا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواهُ فإن عليه لعنةُ الله وغضبهُ يوم القيامة ولا يؤخذُ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتُم فيه من شيء فإن مردهُ إلى الله ﷿ وإلى محمد ﷺ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين، ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوفٍ أمةٌ مع المؤمنين، لليهود دينهُم وللمسلمين دينُهُم مواليهم وأنفسهُم إلا من ظلم وأثِم فإنه لا يُوتغُ إل نفسهُ وأهلَ بيته، وإن ليهودِ بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جُشم وبني الأوس وبني ثعلبة وجفنة وبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوفٍ، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يُخرجُ منهم أحدٌ إلا بإذن محمد، ولا ينحجز على نارٍ جُرحٌ، وإنه من فتك فبنفسه إلا من ظُلِمْ، وإن الله على أبر هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهمُ النصر على من حارب أهل هذهِ الصحيفةِ، وإن بينهُم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفهِ. وإن النصر للمظلوم وإن يثرب حرام جوفُها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضارٍ ولا آثمٍ، وإنه لا تُجارُ حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما\n_________\nيبيء: بيء من السواء أي المساواة، يقال: با وأباء بمعنى ساوى.\nاعتبط: قتل بلا جناية.\nالود: القصاص.\nمحدثًا: جانيًا.\nصرف ولا عدل: نافلة ولا فرض أو توبة ولا فدية.\nلا يوقع: أي لا يوبق ويهلك.\nولا ينحجز على ثأرٍ جرحُ: لا يمنع صاحب حق من حقه في القصاص.\nوإن لله على أبر هذا: أي أن الله راض أو شاهد على أبر هذا العقد.\nأقول: قال أبو عبيد: إنما كتب رسول الله ﷺ هذا الكتاب قبل أن تفرض الجزية وإذ كان الإسلام ضعيفًا، وكان لليهود إذ ذاك نصيب في المغنم إذا قاتلوا مع المسلمين، كما شرط عليهم في هذا الكتاب النفقة معهم في الحروب.\nوالبر دون الإثم: أي أن البر والوفاء ينبغي أن يكون حاجزًا عن الإثم.\nلم يأثم امرؤ بحليفه: لا يحاسب الحليف على جُرْم حليفه. =","vol":"1","page":406},{"text":"كان بيِّنَ أهل هذه الصحيفة من حدثٍ أو اشتجارٍ يُخافُ فسادُهُ، فإن مردهُ إلى الله وإلى محمدٍ رسول الله، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرهُ، وإنه لا تُجارُ قريش ولا من نصرها وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دُعُوا إلى صُلح يُصالحونَهُ ويلبسونَهُ فإنهم يصالحونه ويلبسونه وإنهُم إذا دعُوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين على كل أناسٍ حصتُهم من جانبهم الذي قِبَلهم، وإنه لا يحُول هذا الكتاب دون ظالم أو آثمٍ، وإنهُ من خرج آمنٌ، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، إن الله جار لمن بر واتقى\". كذا أورده ابن إسحاق بنحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>دروس من الصحيفة:</span>\n١ - هذه الوثيقة ضبطت العلاقة بين أبناء المجتمع المدني جميعهم مؤمنهم ومشركهم ويهوديهم، ومن هنا نأخذ أن على الحركة الإسلامية حيثما وجدت أن تفكر في الصيغة الدستورية التي تحكم العلاقات بين المسلمين وبين غيرهم، والأمر في هذا الموضوع يختلف من وضع لوضع ومن قطر لقطر ومن ضعف لقوة، ومن كثرة لقلة، ومن استخلاف لسعي نحو الاستخلاف، والفتوى والشورى والمصلحة هي ضوابط هذا الأمر.\n٢ - من تعبيرات هذه الوثيقة (وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم) هذا التعبير يفيد في المصطلحات الحالية أن كل المواطنين شعب واحد، وف هذا أبلغ رد على بعض المتشنجين الذين تتسع دائرة المحرمات عندهم حتى تصل إلى كل شيء.\n٣ - إن على الحركة الإسلامية المعاصرة أن تأتي الناس من حيث يعرفون بما لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا ولا يناقض نصًا ولا فتوى ولا شورى، فتلك هي مصلحة الإسلام والمسلمين في عصرنا، وليس العكس كما يحلو لبعضهم أن يصور، فليس مطلوبًا منا أن\n_________\nلاتجار حرمة إلا بإذن أهلها: ليس لأحد أن يجير ذات حرمة لغيره إلا بإذن أهلها.\nعلى كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبلهُمْ: على كل قوم أن يدافعوا عن المدينة من جهتهم إذا دوهمت.","vol":"1","page":407},{"text":"نصارع كل شيء ولا أن نغيّر كل شيء والقدر الذي يجب ان نغيره لسنا مطالبين بتغيره طفرة واحدة، فهناك قضايا للإسلام فيها أكثر من حكم على حسب الضعف والقوة، وهناك رخصة وعزيمة، وأحكام أصلية استثنائية، وأنت مطالب بالممكن والمستطاع، على حسب المرحلة والقدرة، والفتوى والشورى من أهلهما هما اللذان يضبطان السير.\n٤ - إن فقه التحالفات وفقه الجهاد يشكلان الأساسين النظريين لاندفاعة الحركة الإسلامية فما لم تدرك الجماعة الإسلامية دقائق هذا الفقه فإن حركتها تكون تكون قاصرة أو عاجزة أو مبتورة.\n٥ - علق الدكتور السباعي حول الوثيقة فقال: وفي الكتاب الذي عقد فيه الرسول الأخوة بين المهاجرين والأنصار، والتعاون بين المسلمين وغيرهم جملة من الأدلة التي لا ترد على أن أساس الدولة الإسلامية قائم على العدالة الاجتماعية، وأن أساس العلائق بين المسلمين وغيرهم - من مواطني الدولة الإسلامية - هو السلم ما سالموا، وأن مبدأ الحق والعدل والتعاون على البر والتقوى والعمل لخير الناس، ودفع أذى الأشرار عن المجتمع، هو أبرز الشعارات التي تنادي بها دولة الإسلام، وبذلك تكون الدولة الإسلامية أينما قامت، وفي أي عصر نشأت قائمة على أقوم المبادئ وأعدلها، وهي تنطبق اليوم على أكرم المبادئ التي تقوم عليها الدول، وتعيش في ظلاه الشعوب، وإن العمل في عصرنا هذا لإقامة دول في مجتمعنا الإسلامي ترتكز قواعدها على مبادئ لإسلام عمل يتفق مع تطور الفكر الإنساني في مفهوم الدولة، عدا أنه يحقق للمسلمين بناء منجتمع من أقوى المجتمعات وأكملها وأسعدها وأرقاها.\nوأيًا ما كان فإن من مصلحتنا أن تبني الدولة عندنا على أساس الإسلام، وفي ترك ذلك خرابنا ودمارنا، والإسلام لا يؤذي غير المسلمين في الوطن الإسلامي، ولا يضطهد عقائدهم، ولا ينتقص من حقوقهم، ففيم الخوف من إلزام الدول في البلاد الإسلامية بتنفيذ شرائع الإسلام وإقامة أحكامه وهي كلها عدل وحق وقوة وإخاء وتكافل اجتماعي شامل على أساس من الإخاء والحب والتعاون الكريم؟ إننا لن نخلص من الاستعمار، إلا بالمناداة","vol":"1","page":408},{"text":"بالإسلام، وفي سبيل ذلك فليعمل العاملون ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٣) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٥).\n٦ - ومن تعليقات الدكتور سعيد رمضان البوطي على هذه الوثيقة ننقل ما يلي:\nإن كلمة (الدستور) هي أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث، على هذه الوثيقة، وهي إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يعني بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارجك أي فيما يتعلق بعلاقة أفراد الدولة مع بعض، وفيما يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين.\nوحسبنا هذا الدستور الذي وضعه رسول الله ﷺ بوحي من ربه واستكتبه أصحابه، ثمن جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود - حسبنا ذلك دليلًا على أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة، وأن الدولة الإسلامية قامت - منذ أول بزوغ فجرها - على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية.\nومن هنا تسقط دعاوى أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة البديهية، ثم يزعمون أن الإسلام ليس إلا دينًا قوامه ما بين الإنسان وربه، وليس له من مقومات الدولة والتنظيم الدستوري شيء، وهي أحبولة عتيقة، كاني قصد منها محترفو الغزو الفكري وأرقاء الاستعمار، أن يقيدوا بها الإسلام كي لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات\n_________\n(١) الأعراف: ٩٦.\n(٢) الأنعام: ١٥٣.\n(٣) الطلاق: ٢.\n(٤) الطلاق: ٤.\n(٥) الطلاق: ٥.","vol":"1","page":409},{"text":"الإسلامية، ولا يصبح له شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى، إذ الوسيلة إلى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام دينًا لا دولة، وعبادات مجردة، لا تشريعًا وقوانين. وحتى لو كان الإسلام دينًا ودولة في الواقع، فينبغي أن يتقلب فيصبح غير صالح لذلك، ولو بأكاذيب القول.\nإن هذه الوثيقة تدل على مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عيه وسلم لليهود، ولقد كان بالإمكان أن تؤتي هذه المسألة العادلة ثمارها فيما بين المسلمين واليهود، لو لم تتغلب على اليهود طبيعتهم من حب للمنكر والغدر والخديعة، فما هي إلا فترة وجيزة حتى ضاقوا ذرعًا بما تضمنته بنود هذه الوثيقة التي التزموا بها، فخرجوا على الرسول والمسلمين بألوان من الغدر والخيانة.\nوقد دلت هذه الوثيقة على أحكام هامة في الشريعة الإسلامية نذكر منها ما يلي:\n- يدلنا البند الأول منها على أن الإسلام هو وحده الذي يؤلف وحدة المسلمين وهو وحده الذي يجعل منهم أمة واحدة، وعلى أن جميع الفوارق والمميزات فيما بينهم تذوب وتضمحل ضمن نطاق هذه الوحدة الشاملة، تفهم هذا جليًا واضحًا من قوله ﵊ \"المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة من دون الناس\".\n- إنها تدل على مدى الدقة في المساواة بين المسلمين لا من حيث إنها شعار براق للدعاية والعرض، بل من حيث إنها ركن من الأركان الشرعية الهامة للمجتمع الإسلامي، يجب تطبيقه بأدق وجه وأتم صورة.\n- كما تدل أيضًا على أن الحكم العدل الذي لا ينبغي للمسلمين أن يهرعوا إلى غيره، في سائر خصوماتهم وخلافاتهم وشؤونهم إنما هو شريعة الله تعالى وحكمه، وهو ما تضمنه كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ومهما بحثوا عن الحلول لمشاكلهم في غير هذا المصدر فهم آثمون، معرضون أنفسهم للشقاء في الدنيا وعذاب الله تعالى في الآخرة.\n* * *","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>فصل: في البيعة</span>\n٢٥٢ - * روى أحمد عن أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، جمع نساء الأنصار في بيتٍ، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم عليهن، فرددن السلام فقال: \"أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن\" فقُلن مرحبًا برسول الله ﷺ وبرسول رسول الله ﷺ فقال: \"تُبايعن على أنْ لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكُن ولا تأتين ببهتان تفترينه ين أيديكن وأرجلكُن ولا تعصين في معروف\" قلن: نعم فمد عُمرُ يده من خارج الباب، ومددن هُن أيديهن من داخل، ثم قال \"اللهم اشهد\" وأمر أن نخرج في العيدين العُتق والحُيِّضَ ونُهينا عن اتباع الجنائز، ولا جُمعة علينا، فسألته عن البهتان، وعن قوهِ ولا يعصينك في معروف، قال: \"هي النياحةُ\".\nقال في عون المعبود في باب ما جاء في البيعة: (فأعطته) أي المرأة الميثاق للنبي ﷺ. وفي رواية البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (١) قالت: ما مست يد رسول الله ﷺ إلا امرأة يملكها.\n_________\n٢٥٢ - أحمد في مسنده (٦/ ٤٠٨).\nواورده الإما مالهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٨) وقال: رواه أبو داود باختصار شديد، ورواه أحمد وأبو يعلي والطبراني.\nأم عطية: اسمها نُسيبة بالتصغير، بنت الحارث الأنصارية صحابية مشهورة.\nأراد بقتل الأولاد: وأد البنات الذي كان يفعله (بعض العرب) في الجاهلية.\n(ولا يأتين ببهتان يفترينه ..) الآ] ة: المراد منه: من تلتقط مولودًا وتقول لزوجها: هذا ولدي منك.\n(ولا يعصينك في معروف ..) الآية: أي في كل أمر وافق طاعة الله وفي كل نهي عن معصية الله.\nالحيض: بوزن عتق جمع حائض وهي المرأة زمن الحيض. والمراد أنهن يشهدن الحبر ويكبرن مع المكبرين وإن كن لا يصلين.\nالعتق: بضم العين المهملة وفتح المثناة فوق مشددة. جمع عاتق: هي الشامة أول ما تدرك وقيل: التي لم تبن من والديها ولم تتزوج ود أدركت وشبت.\nالنوح: البكاء على الميت وتعديد محاسنه. وقيل: النوح بكاء مع الصوت ومنه ناح الحمام نوحًا.\n(١) الممتحنة: ١٢.","vol":"1","page":411},{"text":"قال النووي: فيه دليل على أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف وأن صوتها ليس بعورة وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة، كتطبب وفصد وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوهما مما لا توجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة.\n٢٥٣ - * روى أحمدُ عن محمد بن الأسود بن خلفٍ، أن أباه حضر النبي يبايعُ الناس عند قرن مسقلة، فجاءه الرجالُ والنساءُ والصغارُ والكبارُ فبايعوه على الإسلام والشهادة. قيل: وما الشهادةُ؟ فقال محمدُ بن الأسودِ: شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.\n٢٥٤ - * روى أحمد عن سلمى بنت قيس وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلَّتْ معه القبلتين وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار. قالت: جئتُ رسول الله ﷺ فبايعته في نسوة من الأنصار، فلماش رط علينا أن لا نُشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروفٍ قال: \"ولا تَغْشُشْنَ أزواجكُنَّ\" قالت: فبايعناهُ ثم انصرفنا، فقلت لامرأةٍ منهُن ارجعي فاسألي رسول الله ﷺ ما غشُّ أزواجنا؟ قالت، فسألته، فقال: \"تأخذ مالهُ فتُحابي به غيره\".\n* * *\n_________\n٢٥٣ - أحمد في مسنده (٢/ ٤١٥)، والمعجم الكبير (١/ ٢٨٠).\nمجمع الزوائد (٦/ ٣٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وأحمد باختصار ورجاله ثقات.\n٢٥٤ - أحمد في مسنده (٦/ ٣٧٩). بهتان: الكذب المفترى.\nولا تغششن: من الغش: وهو ضد النصح، غشه: لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمره.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>فصل: في الإذن بالقتال وبدء الحركة القتالية</span>\nالراجح عند علماء السير أن رسول الله ﷺ حرَّك ثلاث سرايا في السنة الأولى للهجرة وهي سرية سيف البحر وكان على رأسها حمزة بن عبد المطلب، وسرية رابغ وكان على رأسها عبيدة بن الحارث بن المطلبن وسرية الخرار وكان على رأسها سعد بن أبي وقاص.\nوهذا يؤكد أن الإذن بالقتال كان في السنة الأولى للهجرة:\n﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (١).\nومما يرجح أن الإذن بالقتال كان في السنة الأولى، أنه بالهجرة قامت دولة، ولا دولة إلا باستعداد لقتال، وفي أصول هذا الكتاب إشارات لهذه السرايا المذكورة وفيها ذكر لاستعداد قريش للحرب:\n٢٥٥ - * روى أحمدُ عن سعد بن أبي وقاص قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة جاءت جهينةُ فقالوا: إنك نزلت بين أظهُرنا فأوثق لنا حتى نأتيك وتؤمنا، فأوثق لهم فأسلموا، فبعثنا صلى الله عله وسلم في رجب ولم نكن مائة وأمرنا أن نُغير على حيٍّ من كنانة إلى جنب جُهينة فأغرنا عليهم وكانوا كثيرًا، فلجأنا إلى جهينة فمنعونا وقالوا: لِمَ تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقلنا: إنما نُقاتلُ من أخرجنا من البلد الحرام في الشهر الحرام، فقال بعضنا لبعضٍ: ما تروْنَ؟ فقال بعضنا: نأتي نبي الله ﷺ فنخبره، وقال قوم: لا بل نُقيمُ ههنا، وقلت أنا في أناس معي: لا بل نأتي عِير قريشٍ فنقطعُها فانطلقنا إلى العير وكان الفيء إذ ذلك من أخذ شيئًا فهو له فانطلقنا إلى العر، وانطلق أصحابنا إلى النبي ﷺ فأخبروه الخبر فقام غضبان محمرِّ الوجه، فقال: \"أذهبتم من عندي جميعًا وجئتم متفرقين؟ إنما أهلك من كان قبلك الفُرقةُ، لأبعثن عليكم رجلًا ليس بخيركم أصبرُكم على الجوع والعطش\" فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي فكان أول أميرٍ أُمِّرَ في الإسلام.\n_________\n(١) الحج: ٣٩، ٤٠.\n٢٥٥ - أحمد في مسنده (١/ ١٧٨) والحديث حسن على مذهب النسائي، وضعفه بعضهم.","vol":"1","page":413},{"text":"أقول: هذا نموذج آخر على التحالفات والتعاقدات التي كان يجريها رسول الله ﷺ، والتي كانت لها ثمارها المباركة، وآثارها الطيبة على المسلمين.\n٢٥٦ - * روى الطبراني عن جبير بن مُطعم، قال أبو جهل حين قَدِمَ مكة مُنْصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدًا قد نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يُصيب منكم شيئًا، فاحذروا أن تمروا طريقه وأن تُقاربوه فإنه كالأسد الضاري ... وزاد: بعث حمزة حين بعثه النبي ﷺ إلى سيف البحر في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، فلقي أبا جهل في ثلاث مائة راكب في عير لقريش جاءت من الشام فحجز بينهم مجديُّ بن عوفٍ الجُهني ولم يكن قتال.\nوهذه رواية جبير كاملة:\n٢٥٧ - * روى الطبراني في الكبير عن جُبير بن مُطعم قال: قال أبو جهل بن هشامٍ حين قدِم مكة منصرفَهُ عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدًا قد نزل يثرب وأرسل طلائعه: وإنما يريدُ أن يُصيبُ منكم شيئاص فاحذروا أن متُروا طُرقه وأنْ تُقاربوه فإنه كالأسد الضاري إنه حنق عليكم، نقيتموه نقي القِردان على المناسم، والله إن له لسحرة ما رأيته قط، ولا حدًا من أصحابه إلا رأيتَ معهُم الشياطين، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة فهو عدو استعان بعدوٍّ فقال له مطعِمُ بن عدي: يا أبا الحكم والله ما رأيت أحدًا\n_________\n٢٥٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٨) وقال: أخرجه الطبراني وجادة ورجاله ثقات.\n٢٥٧ - المعجم الكبير (٢/ ١٢٣) قال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون صحيحًا.\nنقيتموه نقي القردان على المناسم: أي نقيتموه كما ينقي القردان على المناسم. والقردان: حشرة تلصق بجسم البعير، والمناسم: مفردها منسم: خف البعير.\nابنا ليلة: يريد الأوس والخزرج قبيلتي الأنصار، وقيلة: اسم أم لهم قديمة، وهي قيلة بنت كاهل.\nالحمتموهم خبر كنانة: افعلوا بهم كما فعلتم بكنانة في الحرب.\nدهلك: جزيرة بين بر اليمن وبر الحبشة وأهلها مستذلون.\nإن لي أسماء: أراد بهذه الأسماء التي عدها ما هو مذكور في كتب الله تعالى المنزلة على الأمم التي كذبت بنبوته حجة عليهم.\nيحذر الناس على يدي: أي الذي يحشر الناس خلفي وعلى ملتي دون ملة غيري.\nالعاقب: الذي ليس بعده نبي.","vol":"1","page":414},{"text":"أصدق لسانًا ولا أصدق موعدًا من أخيكم الذي طَردْتُم، فإذا فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكفِّ الناس عنه. فقال أبو سفيان بن الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه فإن ابني قيلة إن ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، وإن أطعتموني ألحمتموهم خبر كنانة أو يخرجوا محمدًا من بين أظهرهم فيكون وحيدًا مطرودًا. وأما ابنا قيلةٍ فوالله ما هما وأهل دهلكٍ في المذلة إلا سواء وسأكفيكم حدهم وقال:\nسأمنح جانبًا مني غليظًا ... على ما كان من قُربٍ وبُعدِ\nرجالُ الخزرجية أهل ذلٍّ ... إذا ما كان هزلٌ بعد جدِّ\nفبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: \"والذي نفسي بيده لأقتلنهم ولأصلبنهم لأهدينهُم وهم كارهون إني رحمةٌ بعثني الله ﷿ ولا يتوفاني حتى يُظهر الله دينه. لي خمسةُ أسماء: أنا محمدُ وأحمدُ وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشرُ يحشر الناس على يدي وأنا العاقب\".\nأقول: المطعم بن عدي وأبو سفيان كلاهما من أسرة النبي ﷺ من بني عبد مناف، وكان المنطعم أوصل الرجلين لرحمه، وهو الذي أجار النبي ﷺ عند عودته من الطائف ودخوله مكة.\nوالشاهد من ذكره أسماءه ﷺ أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر، فهو واثق أنه لن يترك كافرًا من قومه إلا أن يسلم أو يقتل.\n٢٥٨ - * روى الحاكم عن جابر بن سمرة قال: أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله سعدُ بن أبي وقاص.\nقال في الفتح: وورد عن البخاري جزء من حديث سعد: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله) قال: وكان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث، وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين، وهي أول سرية بعثها رسول الله ﷺ في السنة الأولى\n_________\n٢٥٨ - المستدرك (٣/ ٤٩٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"1","page":415},{"text":"من الهجرة، بعث ناسًا من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيرًا لقريش فتراموا بالسهام ولم يكن بينهم سابقة، فكان سهمه أول ما رمى.\nذكر ذلك الزبير بن بكار بسند له وآخرون.\nأقول: هذا وهناك خلاف بين كتاب السير حول هذه السرايا الثلاث، هل كانت في السنة الأولى أو الثانية، وأيها كانت أولًا، وقد رجح ابن كثير أنها كانت في السنة الأولى، وقد نص كتاب السير على أن سرية حمزة وسرية عبيدة بن الحارث لم يكن فيهما أنصاري واحد، وذلك من حكمته ﵊. فمن خلال تحرك الرعيل الأول للجهاد تبدأ دائرة الحركة الجهادية تتوسع وتبدأ الروح الجهادية تعم، ثم إن المهاجرين كانوا معبئين نفسيًا للصراع مع قريش، كما أنهم بحاجة إلى أن يتحرروا من مظاهر الضعف وأسر الاضطهاد، وهذه قضايا يجب أن يفطن لها القادة، فنقل الأمة من طور السلم إلى طور الحرب، ونقل الجماعات من طور الاضطهاد إلى دور الجهاد ينبغي أن تصحبه تمهيدات تعين عليه، وبمثل هذا تظهر حكمة القيادات، وكل قيادة لا تراعي الجوانب النفسية تخفق.\nويلاحظ أنه بمجرد إذن الله بالقتال بدأت الحركة العسكرية، فلم ينظر الرسول ﷺ حتى يفرض القتال، وهذا شيء ينبغي أن تراعيه القيادات الإسلامية، فمتى أصبح الجهاد ممكنًا فليكن سير فيه، ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى موازنات كثيرة محلية وعالمية فما يصلح لمكان لا يصلح لمكان، وما يصلح في زمان لا يصلح في زمان آخر، وتقدير الموقف واتخاذ القرار المناسب هما علامتا جدية القيادات وكفاءتها.\nومن موقف أبي جهل ورد المطعم بن عدي عليه نعرف حكمة الرسول ﷺ السياسية، فأن تجعل من خصومك من يدافع عنك، وأن تلقي الرعب في قلب عدوك، تلك قمة من قمم النجاح السياسي والعسكري، وهكذا كانت البدايات ناجحة.\n* * *","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>فصل: في أمور متفرقة\nحدثت في السنة الأولى</span>\nهناك أحداث ذات دلالات حدثت في هذه السنة يحسن ذكرها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>١ - إسلام عبد الله بن سلام:</span>\n٢٥٩ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن سلام قال: لما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينة انجفل الناسُ إليه، وقيل: قَدِمَ رسول الله ﷺ، فجئتُ في النسا لأنظر إليه، فلما استبنتُ وجه رسول الله ﷺ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذابٍ، فكان أول شيء تكلم به، أن قال: \"يا أيها الناسُ أفشُواالسلام، وأطعِمُوا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلامٍ\".\n٢٦٠ - * روى البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس قال: فلما جاء النبي ﷺ جاء عبد الله بنُ سلام فقال؛ أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يُهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمُهم وابن أعْلمِهم فادعهُم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت فإنهم إنْ يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس فيِّ. فأرسل نبي الله ﷺ إلى اليهود فدخلوا عليه. فقال لهم رسول الله ﷺ: \"يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًا وأني جئتكم فأسلمُوا\" قالوا: ما نعلمه. قالوا ذلك للنبي ﷺ قالها ثلاث مِرار. قال \"فأيُّ رجُل فيكم عبد الله بنُ سلام\" قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابنُ أعلمنا. قال: \"أفرأيتم إن أسلم\" قالوا: حاش لله ما كان ليُسْلَم. قال \"يا ابن سلام أخرج عليهم\" فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله الذي لا\n_________\n٢٥٩ - ابن ماجه (١/ ٤٢٣) ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - ١٧٤ - باب ما جاء في قيام الليل.\nوالترمذي (٤/ ٦٥٢) ٣٨ - كتاب صفة القيامة - باب: ٤٢. وقال: حديث صحيح.\nالجفل الناس: أقبل النسا لرؤية رسول الله ﷺ.\nأفشوا: انشروا.\n٢٦٠ - البخاري (٧/ ٣٤٩) - ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وهذا جزء من الحديث.","vol":"1","page":417},{"text":"إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق فقالوا: كذبت فأخرجهُم رسول الله ﷺ.\n٢٦١ - * روى الإمام أحمدُ عن عبد الله بن سلام قال: لما قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أخبِرَ عبدُ الله بقدومه وهو في نخل فأتاه، فقال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي فإن أخبرتني بها آمنتُ بك وإن لم تعلمهن عرفتُ أنك لست نبي، قال: فسأله عن الشبه وعن أول شيء يأكله أهلُ الجنة وعن أول شيء يحشُر الناس؟ قال رسول الله ﷺ: \"أخبرني بهن جبريلُ آنفًا، قال: ذاك عدو اليهود، قال: أما الشبه إذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأةِ ذهب بالشبه وإذا سبق ماءُ المرأة ماء الرجل ذهبت بالشبه، وأما أول شيء يأكله أهل الجنة فزيادةُ كبدٍ الحوتِ، وأما أول شيء يحشُرُ الناس فنارٌ تخرجُ من قِبَلِ المشرق فتحشرهم إلى المغرب\" فآمن، وقال: أشهد إنك رسول الله. قال ابن سلام: يا رسول الله إن اليهود قومٌ بهتٌ وإنهم إن سمعوا بإسلامي يبهتوني فأخبئني عندك وابعث إليهم فتسألهم عني فخبأه رسول الله ﷺ وبعث إليهم فجاؤوا فقال: \"أيُّ رجل عبدُ الله بنُ سلامٍ فيكم\" قالوا: هو خيرُنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا. فقال: \"أرأيتم إنْ أسلم تُسلمون\" فقالوا: أعاذه الله من ذلك فقال: \"يا عبد الله بن سلام اخرج إليهم فأخبرهم\" فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله فقالوا: أشرُنا وابن أشرِنا وجاهلنا وابن جاهلنا فقال ابن سلام: قد أخبرتُك يا رسول الله إن اليهود قومُ بهتٌ.\nأقول: إن إسلام عبد الله بن سلام على علمه ومعرفته بعلامات النبوة، وبعد امتحانه لرسول الله ﷺ، حجة كاملة على يهود وعلى غيرهم، فهذا الموقف هو استجابة الفطرة السليمة والإنصاف الكامل، ومتى اجتمعنا عند فرد من أهل الكتاب فإنه لابد مسلم.\nومن النصوص التي يخطئ في فهمها بعض الناس قوله ﵊: طوأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع ... \" فالسبق ههنا - والله أعلم - سبق قوة فإذا\n_________\n٢٦١ - أحمد في مسنده (٢٧١).\nبهتوني: بهت فلانًا: قذفه بالباطل.","vol":"1","page":418},{"text":"كانت بويضة الأنثى أقوى من الحيوان المنوي تغلبت خصائص المرأة على خصائص الرجل فشابهها الولد والعكس صحيح.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>٢ - خروج وباء المدينة منها:</span>\n٢٦٢ - * وروى البخاري عن ابن عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة، حتى قامت بميهعة\" وهي الجُحفة، فأولتُ: أن وباء المدينة نقل إليها.\nأقول: انتقال وباء المدينة إلى الجحفة كان معجزة لرسول الله ﷺ، وأثرًا عن بركته ﵊، ولكنا نأخذ منه درسًا كبيرًا؛ لأنه كان من فعل الله لرسوله ﵊، ولذلك فإن على الحركة الإسلامية أن تعمل جاهدة من أجل إيجاد نظام صحي رفيع المستوى، فإن كانت لها سلطة فعليها ان تبذل الجهود الكثيرة في ذلك، وفي كل الأحوال عليها أن تساعد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>٣ - دخوله ﵊ بعائشة:</span>\n٢٦٣ - * روى مسلم عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في\n_________\n٢٦٣ - البخاري (١٢/ ٤٢٥) ٩١ - كتاب التعبير - ٤١ - باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوة وأسكنه موضعًا آخر، والترمذي (٤/ ٥٤١) ٣٠ - كتاب الرؤيا - ١٠ - باب ما جاء في رؤيا النبي ﷺ الميزان والدلو. قال: حديث حسن صحيح غريب.\nثائرة الرأس: أي شعثة الشعر، بعيدة العهد بالتسريح والغسل.\nالجحفة: موضع بالحجاز على ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة، وهي ميقات أهل الشام واكنت تسمى قديمًا مهيعة، وقد هجرت ولم يبق إلا آثارها، وقد بُني فيها مسجدُ حديثًا، والرسول ﷺ يقص علينا في هذا الحديث رؤيا منامية رآها ورؤيا الأنبياء وحي، ويبدو أن وباء المدينة كان مرض الملاريا الذي أصاب الصحابة أول هجرتهم ومنهم أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة وعائشة.\n٢٦٣ - مسلم (٢/ ١٠٢٩) ١٦ - كتاب النكاح - ١١ - باب: استحباب التزوج والتزويج في شوال، واستحباب الدخول فيه.","vol":"1","page":419},{"text":"شوال، فأيُّ نساء رسول الله صلى الله علي هوسلم كان أحظى عنده مني. قال: وكانت عائشة تستحبُّ أنْ تدخل نساءها في شوال.\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: فعلى هذا يكون دخوله به ﵇ بعد الهجرة بسبعة أشهر - أو ثمانية أشهر - وقد حكى القولين ابن جرير، وقد تقدم في تزويجه ﵇ بسودة كيفية تزويجه ودخوله بعائشة بعدما قدموا المدينة وأن دخوله بها كان بالسُّنْح نهارًا، وهذا خلاف ما يعتاده النسا اليوم، وفي دخوله ﵇ بها في شوال رد لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين اليعدين خشية المفارقة بين الزوجين، وهذا ليس بشيء لما قالته عائشة رادة على من توهمه من الناس في ذلك الوقت: تزوجني في شوال. وبنى بي في شوال - أي دخل بي - في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني؟ فدل هذا على أنها فهمت منه ﵇ أنها أحب نسائه إليه، وهذا الفهم منها صحيح لما دل على ذلك من الدلائل الواضحة، ولو لم يكن إل الحديث الثابت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص: قلتُ: يا رسول الله أي الناس أحبُّ إليك؟ قال: \"عائشة\" قلت مِنَ الرجال قال: \"أبوها\".\nأقول: والملاحظ أن الدعوة والجهاد والتربية وما يترتب على ذلك من تعب وأحزان لم يعطل الزواج في حياة الرسول ﷺ وأصحابه، بل الزواج والإكثار منه كان عاديًا جدًا في الزواج في حياة الرسول ﷺ وأصحابه لم يؤخرهم عن واجب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>٤ - تشريع الأذان وإكمال الصلاة:</span>\n٢٦٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: لما أمر رسول الله ﷺ\n_________\n٢٦٤ - أبو داود (١/ ١٣٥) كتاب الصلاة - باب: كيف الأذان.\nوابن ماجه (١/ ٢٣٢) ٣ - كتاب الأذان والسنة فيها - ١ - باب بدء الأذان. ... =","vol":"1","page":420},{"text":"بالاناقُوس يُعمل ليضرب به للناس لجمع للصلاة (وفي رواية وهو كاره لموافقته النصارى) طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يده فقلتُ: يا عبد الله أتبيعُ الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ فقلتُ: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدُلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال: تقول، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبرُ، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبرُ، أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاةُ، قد قامت الصلاةُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: \"إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك\" فقمت مع بلال، فجعلتُ ألقيه عليه ويؤذنُ به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجرُّ رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيتُ مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ: \"فلله الحمدُ\".\nوعنه من طريق ثان بنحوه وزاد: ثم أمر بالتأذين فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة قال، فجاءه فدعاهُ ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب فأُدخلتْ هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر (أدخل بأمر النبي ﷺ).\n٢٦٥ - * روى البخاري عن عائشة قالت: فُرضت الصلاة أول ما فُرضت ركعتينِ،\n_________\n= وأحمد في مسنده (٤/ ٤٣١) والبيهقي (١/ ٢٩٠).\nوابن خزيمة (١/ ١٨٩) كتاب الصلاة - ٣١ - باب في بدء الأذان والإقامة.\nأندى صوتًا: فيه دليل على اختيار المؤذن الحسن الصوت، وليس من الحكمة الأذان بالأصوات الرديئة المنفرة في بعض أقطار الإسلام وكان بلال قبل إسلامه مغنيًا حسن الصوت بالغناء.\n٢٦٥ - البخاري (١/ ٤٦٤) ٨ - كتاب الصلاة - ١ - ١ باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟ ... =","vol":"1","page":421},{"text":"فأقرت صلاة السفرِ، وزيد في صلاة الحضرِ.\nقال ابن جرير: (وفي هذه السنة - يعني السنة الأولى من الهجرة - زيد في صلاة الحضر - فيما قبل - ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، ذلك بعد مقدم النبي ﷺ المدينة بشهر في ربيع الآخر لمضي ثنتي عشرة ليلة مضت).\nأقول: إن دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعًا تقوم على العبادة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) والعبادة مظهرها الأول الصلاة، لذلك كان تشريع الصلاة وتنظيمها وإقامتها من أوائل ما وقع في الإسلام، ومما استمر به اهتمام رسول الله ﷺ، وهذا شيء يجب أن يفطن له الدعاة دائمًا وأبدًا، والصلاة لابد لها مع التأقيت من منظم، ولقد كان الأذان هو المنظم وقد رأينا قصته وستأتي معنا في باب الصلاة أحكامه.\nومن استقرار أمر الصلاة في السنة الأولى ندرك أن أول ما ينبغي أن تهتم به الحركة الإسلامية قبل النصر وبعد النصر هو إقامة الصلاة:\n﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>٥ - حراسة الصحابة لرسول الله ﷺ:</span>\n٢٦٦ - * روى مسلمعن عبد الله بن عامر ﵀ قال: سمعتُ عائشة تقول: سهر رسول الله ﷺ مقدمهُ المدينة ليلةً، فقال: \"ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني\n_________\n= ومسلم (١/ ٤٧٨) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - ١ - باب: صلاة المسافرين وقصرها.\n(١) الأنبياء: ٢٥.\n(٢) الحج: ٤١.\n٢٦٦ - مسلم (٤/ ١٨٧٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥ - باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁. والبخاري (١٣/ ٢١٩) ٩٤ - كتاب التمني - ٤ - باب قوله ﷺ \"ليت كذا وكذا\"\nخشخشة سلاح: صوت سلاح صدم بعضه بعضًا.\nغطيطه: هو بالغين المعجمة، وهو صوت النائم المرتفع.","vol":"1","page":422},{"text":"الليلة\" قالت: فبينا نحن كذلك، سمعنا خشخشة سلاح، فقال: \"مَنْ هذا؟ \" قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ: \"ما جاء بك؟ \" قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ، فجئتُ أحرسُه، فدعا له رسول الله ﷺ، ثم نام.\nوفي رواية نحوه، وفي آخره: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعتُ غطيطه.\nهذا الحديث فيه جواز الاحتراس من العدو والأخذ بالحزم وترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط. قال العلماء: وكان هذا الحيدث قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) لأنه ﷺ ترك الاحتراس حين نزلت هذه الآية وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته، وقد صرح بروايته الثانية بأن هذا الحديث الأول كان في أول قدومه المدينة ومعلوم أن الآية نزلت بعد ذلك بأزمان.\nوقد نقل الشيخ الشعراوي أن مستشرقًا أسلم بسبب هذا الموضوع وقال: إن اهتمام النبي ﷺ بحراسته ثم صرفه للحرس بعد ذلك بعد نزول الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أكبر دليل على صدقه في رسالته عن الله فأي عاقل يصرف حراسه وله آلاف الأعداء الموتورين إلا أن يكون واثقًا من حراسة الله ﷿ له.\nأقول: هذا وإن مما أمر الله ﷿ به المسلم أن يأخذ حذره قال تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢) فالمسلم مطالب بالتوكل ومطالب بأخذ الأسباب، وليس الكمال أن يفرط الإنسان في الأخذ بأسباب الأمن، هذا رسول الله صلى الله عيه وسلم أكمل الخلق يرغب في الحراسة. إن أمن القيادات يشكل جزءًا هامًا من أمن الشعوب والهيئات والحكومات وأفراد الجماعات نفسها، فكثيرًا ماي عني وجود جهة ما بقاء قيادتها، وعلى هذا فإن علينا أن نعطي لأمن القيادات دائمًا الكبير الكثير ووسائل ذلك متعددة، وبعض هذه الوسائل يصلح لما قبل الحكم وبعضها يصلح لما بعد الحكم، ويزداد الطلب لأمن القيادات بعد الحكم، لأن الحكم الإسلامي نفسه يُستهدف من خلال استهداف العناصر القيادية.\n_________\n(١) المائدة: ١٧.\n(٢) النساء: ١٠٢.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>تقويم الموقف في نهاية السنة الأولى</span>\nتنتهي السنة الأولى وقد نظم الرسول ﷺ أمور العبادة والاجتماع والصلة التوجيهية المباشرة بالأمة، كما صهر بين المهاجرين والأنصار وجعل المسلمين صفًا واحدًا وأوجد علاقات منضبطة بين المسلمين وغيرهم داخل المجتمع المدني، وبدأ تحركات واسعة خارج المدينة هدفها توسعة دائرة أمن المدينة، وفتح الطيق أمام انتشار الإسلام، والضغط على قريش، وأوجد لمناخ الكامل لتلقي الأحكام والخضوع لها، فأوجد بذلك كل مقومات الدولة النموذجية: أرض ودستور وقوانين وجيش ودعوة ورسالة وهدف. على رأس ذلك كله رئيس يسلم له الجميع، وبدأت بذلك علمية مدّ الرسالة من خلال أمة لم يعرف لها العالم مثيلًا.\n* * *","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>السنة الثانية للهجرة</span>","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>هذه السنة في سطور</span>\nحُوّلت في هذه السنة القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، ونزلت فريضة صيام شهر رمضان، وفرضت زكوات الأموال وزكاة الفطر، وتم تشريع المعاقل لتصفية آثار القتل الخطأ وتوفيت رُقية بنت رسول الله ﷺ زوج عثمان بن عفان عقب غزوة بدر، وقدمت زينب بنت رسول الله مهاجرة من مكة إلى المدينة، وتزوج علي ﵁ فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وكانت الحركة السياسية متمثلة في التحالفات، والحركة العسكرية متمثلة في البعوث والسرايا والغزوات على أشدهما؛ فتحقق من خلال ذلك كله: أن توسعت دائرة الأمن والنفوذ للدولة الإسلامية وأصبحت سيطرة المسلمين على الطريق بين مكة والشام كاملة، ولذلك حاولت قريش أن ترسل تجارتها بعد بدر عبر العراق ومع ذلك سقطت بيد المسلمين، وترتب على ذلك تلقائيًا أن تأخذ المعارك منحى أكثر شدة وأوعب تعبئة، وهذا عرض سريع للتحالفات، وللحركة العسكرية لهذا العام كما عرضهما كتاب السير، مع ملاحظة أن في تاريخ بعض السرايا والغزوات خلافًا بين كتاب السير، وهو خلاف لا يترتب عليه عمل؛ لذلك لم نشدد فيه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>١ - في تحالفات هذا العام:</span>\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: ثم خرج رسول الله ﷺ غازيًا في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مقدمه المدينة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق: حتى بلغ ودَّان وهي غزوة الأبواء، قال ابن جريرك ويقال لها غزوة وُدان أيضًا، يريد قريشًا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانةن فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمان ذلك. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدًا فأقام بها بقية صفر وصدرًا من شهر ربيع الأول. قال ابن هشام: وهي أول غزوة غزاها ﵇.\nوقال ابن كثير نقلًا عن ابن إسحاق: نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها جُمادى","vol":"1","page":427},{"text":"الأولى وليالي من جمادي الآخرة، ووداع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>٢ - في الحركة العسكرية:</span>\nحدث في هذا العام:\n١ - غزوة الأبواء أو ودان: في صفر سنة ٢ هـ - وودان بالفتح والتشديد - موضع بين مكة والمدينة بينه وبين رابغ مما يلي المدينة تسعة وعشرون ميلًا، والأبواء موضع بالقرب من ودان.\nقال في الرحيق المختوم: خرج رسول الله ﷺ بنفسه بعد أن استخلف على المدينة سعد ابن عبادة في سبعين رجلًا من المهاجرين خاصة يعترض عيرًا لقريش حتى بلغ ودان، فلم يلق كيدًا. أهـ.\nوفي هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع مَخْشِيٍّ بن عمرو الضمري، وكان سيد بني ضمرة في زمانه، وهاك نص المعاهدة:\nهذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله، مابَلِّ بحر صُوفة (١). وأن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه. (المواهب اللدنية وشرحه للزرقاني).\nوهذه أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، وكان اللواء أبيض وحامله حمزة بن عبد المطلب.\n٢ - غزوة بُواط: في شهر ربيع الأول سنة ٢ هـ الموافق سبتمبر سنة ٦٢٤ م، خرج رسول الله ﷺ في مائتين من أصحابه يعترض عيرًا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواطًا من ناحية رضوى (٢) ولم يلق كيدًا.\n_________\n(١) ما بل بحر صوفة: تعبير دارج عند العرب بمعنى على الدوام.\n(٢) بواط ورضوى: جبلان بينهما وبين المدينة أربعة برد.","vol":"1","page":428},{"text":"واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سعد بن معاذ، واللواء كان أبيض، وحامله سعد ابن أبي وقاص ﵁.\n٣ - غزوة سَفْوان: في شهر ربيع الأول سنة ٢ هـ الموافق سبتمبر (أيلول) سنة ٦٢٣ م، أغار كرز بن جابر الفهري في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشي، فخرج رسول الله ﷺ في سبعين رجلًا من أصحابه لمطاردته، حتى بلغ واديًا يقال له سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزًا وأصحابه، فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى.\nواستخلف في هذه الغزوة على المدينة زيد بن حارثة، وكان اللواء أبيض، وحامله على ابن أبي طالب.\n٤ - غزوة ذي العُشيرة: في جمادي الأولى، وجمادي الآخرة سنة ٢ هـ الموافق نوفمبر وديسمبر (تشرين الثاني وكانوا الأول) سنة ٦٢٣ م، خرج رسول الله ﷺ في خمسين ومائة ويقال: في مائتين من المهاجرين، ولم يكره أحدًا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرًا يعتقبونها، يعترضون عيرًا لقريش، ذاهبة إلى الشام، وقد جاء الخبر بفصولها من مكة فيها أموال لقريش، فبلغ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتته بأيام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سببًا لغزوة بدر الكبرى.\nوكان خروجه ﷺ في أواخر جمادي الأولى، ورجوعه في أوائل جمادي الآخرة على ما قاله ابن إسحاق، ولعل هذا هو سبب اختلاف أهل السير في تعيين شهر هذه الغزوة. (وبعضهم يرى أن هذه الغزوة هي نفسها غزوة وَدَّان).\nوفي هذه الغزوة عقد رسول الله ﷺ معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة.\nواستخلف على المدينة في هذه الغزوة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان اللواء في هذه الغزوة أبيض، وحامله حمزة بن عبد المطلب ﵁.\n٥ - سرية نخلة: في رجب سنة ٢ هـ الموافق يناير سنة ٦٢٤ م، بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في اثني عشر رجلًا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان","vol":"1","page":429},{"text":"على بعير.\n٦ - في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة حدثت واقعة بدر، وكان خروج الرسول ﷺ من المدينة في ٨ أو في ١٢ من الشهر.\n٧ - قال في الرحيق: نقلت استخبارات المدينة إلى النبي ﷺ بعد بدر أن بني سليم من قبائل غطفان تحشد قواتها للغزو على المدينة، فباغت النبي ﷺ في مائتي راكب هذه القبائل المتحشدة في عقر دارها، وبلغ إلى منازلهم في موضع يقال له الكَدْر (١). ففر بنو سليم وتركوا في الوادي خمسمائة بعير استولى عليها جيش المدينة، وقسمها رسول الله ﷺ بعد إخراج الخمس فأصاب كل رجل بعيرين، وأصاب غلامًا يقال له (يسار) فأعتقه.\nوأقام النبي ﷺ في ديارهم ثلاثة أيام، ثم رجع إلى المدينة وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ٢ هـ بعد الرجوع من بدر بسبعة أيام، واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سباع بن عرفطة. وقيل: ابن أم مكتوم.\n٨ - وفي شوال سنة ٢ هـ حاصر رسول الله ﷺ بني قينقاع بعد نقضهم للعهد، فنزلوا على حكمه فأجلاهم إلى الشام.\n٩ - وفي هذه السة حاول عمير بن وهب الجمحي اغتيال رسول الله ﷺ فكشف، وكاشفه الرسول ﷺ بأسراره فأسلم.\n١٠ - وفي ذي الحجة سنة ٢ هـ حدثت غزوة السويق كرد على محاولة قريش أخذ ثأرها من بدر فارتدت على أعقابها هاربة ملاحقة من رسول الله ﷺ.\nوقال في الرحيق: وقصة ذلك أنه بينما كان صفوان بن أمية واليهود والمنافقون يقومون بمؤامرتهم وعملياتهم كان أبو سفيان يفكر في عمل قليل للغارم ظاهر الأثر، يتعجل به، ليحفظ مكانة قومه، ويبرز ما لديهم من قوة، وكان قد نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا. فخرج في مائتي راكب ليبر يمينه، حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له نيب، من المدينة على بريد (٢) أو نحوه، ولكنه لم يجرؤ على مهاجمة المدينة جهارًا، فقام\n_________\n(١) الكدر: اسم ماء لبني سليم قبل نجد.\n(٢) البريد: اثنا عشر ميلًا.","vol":"1","page":430},{"text":"بعمل هو أشبه بأعمال القرصنة، فإنه دخل في ضواحي المدينة في الليل مستخفيًا تحت جنح الظلام، فأتى حُيي بن أخطب، فاستفتح بابه، فأبى وخاف فانصرف إلى سلام بن مشكم - سيد بني النضير، وصاحب كنزهم إذ ذاك - فاستأذن عليه فأذن. فقراه وسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، ثم خرج ابو سفيان في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث مفرزة منهم، فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها \"العُرَيْض\"، فقطعوا وأحرقوا هناك أسوارًا من النخل، ووجدوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له في حرث لهما فقتلوهما، وفروا راجعين إلى مكة.\nوبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فسارع لمطاردة أبي سفيان وأصحابه، ولكنهم فروا ببالغ السرعة، وطرحوا سويقًا (١) كثيرًا من أزوادهم وتمويناتهم يتخففون به، فتمكنوا من الإفلات، وبلغ رسول الله ﷺ إلى قرقرة الكدر (٢)، ثم انصرف راجعًا، وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم، وسموا هذه المناوشة بغزوة السويق. وقعت في ذي الحجة سنة ٢ هـ بعد بدر بشهرين، واستعمل على المدينة في هذه الغزوة أبا لبابة بن عبد المنذر. أهـ.\n* * *\n* وهكذا نجد في هذه السنة تلاحم عملية البناء للأمة مع الحركة السياسية والعسكرية على أشدها فالمسلمون في حركة عسكرية دائمة، ومع هذه الحركة حركة سياسية تظهر بالتحالفات وقطع الطريق على تألب الأعداء أو غدرهم مع تنزل التشريع شيئًا فشيئًا بما يعمق الوحدة وينير الطريق لتقوم صروح التشريع الإسلامي على أرضية الواقع والخلود.\n* وبسبب من الانتصارات في هذه السنة فقد دخل مشركو المدينة في الإسلام، فمنهم صادق ومنهم كاذب ومن ههنا بدأت ظاهرة النفاق في المدينة المنورة.\n* ومن خلال الحركة السياسية والعسكرية ندرك أن: الحكم والدولة والسياسة تحتاج إلى يقظة وسهر دائم وأخذ بالأسباب وقوة مبادرة وكل ذلك نجده في حياة رسول الله ﷺ على\n_________\n(١) السويق: أن تحمص الحنطة أو الشعير أو نحو ذلك ثم تطحن ثم يسافر بها وقد تمزج باللبن والعسل والسمن وإلا فبالماء.\n(٢) قرقرة: الكدر: موضع بناحية المعدن، بينها وبين المينة ثمانية فرد.","vol":"1","page":431},{"text":"أكمله، وهناك تصرفات فعلها رسول الله ﷺ قد تكون منسوخة، ولكن بقى المنحى العام الذي سار عليه رسول الله ﷺ سُنَّةً ينبغي أخذها بعين الاعتبار، فالحركة الدائمة والتحالفات المستمرة سمتان ينبغي أن تفطن لهما الحركة الإسلامية المعاصرة مع الأخذ بعين الاعتبار الشورى والفتوى والمصلحة الإسلامية العليا.\n* إن الذين يشتغلون بالعمل السياسي والعسكري يصبح في حكم البديهي عندهم أن النجاح في المعركة يقتضي أن تقطع طرق الإمداد عن عدوِّك، وأن تخذل عنه ما استطعت، وأن تبقي طرق إمندادك مفتوحة وتجمع حولك ما استطعت، ومن لم تستطع أن تحشده معك فلا أقل أن تُحيده ف يمعركتك مع خصمك الرئيسي، وبقدر نجاح القائد العسكري أو السياسي في مثل هذه الأمور تظهر عبقريته، وقليلون من الساسة والعسكريين هم الذين يستطيعون أن يحققوا هذه المعاني متكاملة دون أن يرتكبوا خطأ، وأقل من القليل الذين يستطيعون أن يفعلوا ذلك دون أن يتناقضوا مع دعواتهم ورسالتهم إن كان لهم دعوة أو رسالة، ولكن رسول الله ﷺ حقق هذه المعاني مجتمعة على كمالها وتمامها، فأي شرف لهذا العالم أن يكون فيه مثل رسول الله ﷺ؟ وأي قدوة للإنسان هذا الرسول؟.\n* وكل العسكريين والسياسيين يدركون أهمية الحركة الداخلية والخارجية في حياة الشعوب والجيوش كما يدركون أهمية التوعية والتربية والثقافة، ولكن القلة هي التي تقدر على أن توائم بين هذه المعاني فتحققها جميعًا، وأقل من القليل هم الذي تكون توعيتهم وتربيتهم وتثقيفهم حقًا وحركتهم ضمن الحدود التي لا تزيد ولا تنقص عن القدر المطلوب، ولكن رسول الله ﷺ حقق هذه المعاني كلها على غاية من الكمال ما كانت لتكن لولا أنه رسول الله ﷺ.\nوما حدث في هذه السنة نموذج، ولا يعرف أحد أبعاد هذه المعاني إلا إذا استوعب نصوص الكتاب والسنة واستوعب دروس السيرة.\n* ولما كان كثير من مواضيع السيرة تأتي في أمكنة متفرقة من كتب السنة، فنحن ههنا لن نتحدث عن الصغيرة والكبيرة من الحوادث والأحكام فلذلك مقاماته في هذا الكتاب، ولذلك سنقتصر ههنا على أبرز الأحداث.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>فصل: في سرية عبد الله بن جحش</span>\n٢٦٧ - * روى الطبراني عن جُندبِ بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه بعث رهطًا وبعث عليهم أبا عبيدة فلما ذهب لينطلق، بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فجلس، فبعث عليهم عبد الله بن جحش مكانهُ، وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى بيبلغ مكان كذا وكذا، وقال: \"لا تكرهن أحدًا من أصحابك على المسير معك\"، فلما قرأ الكتبا استرجع وقال: سمعٌ وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادي، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله ﷿ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية. فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر، فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\n٢٦٨ - * روى الطبراني عن زيد قال: أول رايةٍ رُفعت في الإسلام رايةُ عبد الله بن جحش، وأول مالٍ خُمس في الإسلام مالُ عبد الله بن جحش.\nلقد رأينا أن هناك سرايا سبقت سرية عبد الله بن جحش هذه، كما أن هناك غزوة قادها رسول الله ﷺ نفسه وهي غزوة العشيرة، وكانت قبل هذه السرية فالأولية بالنسبة لعلم الراوي، على كل الأحوال فلسرية عبد الله بن جحش هذه أهمية كبيرة في التاريخ؛ فهي التي مهدت لتجاوز فكرة تحريم القتال في الأشهر الحرم، فلقد انطلق الصحابة بعد ذلك وكل أيامهم جهاد، ولو بقيت فكرة تحريم القتال في الأشهر الحرم وهي تلك السنة لأصيب المسلمون بالحرج، ومع ذلك فقد بقي رسول الله ﷺ يلاحظ قدسية الأشهر الحرم\n_________\n٢٦٧ - المعجم الكبير (٢/ ١٦٢). مجمع الزوائد (٦/ ١٩٨) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\nالرهط: الجماعة من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة.\nصبابة: الشوق أو رقته وحرارته.\nاسترجع: عن مصيبة وفيها أرجع، وأرجع في المصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.\n(١) البقرة: ٢١٨.\n٢٦٨ - أورده الهيثمي (٦/ ٦٧) وقال رواه الطبراني بإسناد حسن.","vol":"1","page":433},{"text":"عند العرب وتجنبهم فيها القتال وذلك من مراعاة للرأي العام، وبعضهم يرى أن نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم جاء متأخرًا ولا أرى ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>دروس من هذه السرية:</span>\n١ - قال الشيخ الغزالي تعليقًا على هذه الحادثة: ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسمًا هذه الأقاويل ومؤيدًا مسلك عبد الله تجاه المشركين.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١)\nإن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسملين لا مساغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتُهكت كلها في محاربة الإسلام واضطهاد أهله! فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة؟\nألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر قتل نبيهم وسلب أموالهم؟ لكن بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته، فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضُها هدم القوانين والدساتير جميعًا.\nفالقانون المرعي - عنده في الحقيقة - هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب.\nوقد أوضح الله ﷿ أن المشركين لن يحجزهم شهر حرام أو بلد حرام عن المضي في خطتهم الأصلية، وهي سحق المسلمين، حتى لا تقوم لدينهم قائمة فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٢).\nثم حذر المسلمين من الهزيمة أمام هذه القوى الباغية والتفريط في الإيمان الذي شرفهم\n_________\n(١) البقرة: ٢١٧.\n(٢) البقر: ٢١٧.","vol":"1","page":434},{"text":"الله به، وناط سعادتهم في الدنيا والآخرة بالبقاء عليه فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).\nوزكى القرآن عمل \"عبد الله\" وصحبه، فقد نفذوا أوامر الرسول بأمانة وشجاعة وتوغلوا في أرض العدو مسافات شاسعة؛ متعرضين للقتل في سبيل الله متطوعين لذلك من غير مكره أو محرج.\nفكيف يُجزن على هذا بالتقريع والتخويف؟ قال الله فيهم:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).\nوالقرآن في فعال هذه السرية، لم يدع مجالًا للهوادة مع المشركين المعتمدين مما كان له أثره البعيد لدى المسلمين وخصومهم.\nفبعد أن كان أغلب المكتتبين في السرايا السابقة من المهاجرين، أخذت البعوث الخارجة تتألف من المهاجرين والأنصار معًا.\nوزاد الشعور بأن الكفاح المرتقب قد يطول مداه، وتكثر تبعاته، ولكنه كفاح مستحب، مقرون بالخير العاجل والآجل.\nوأدركت مكة أنها مؤاخذة بما جد أو يجد من سيئاتها، وأن تجارتها مع الشام أمست تحت رحمة المسلمين.\nوهكذا اتسعت الهوة، وزادت بين الفريقين الجفوة.\nوكأن هذه الأحاديث الشداد هي المقدمة لما أعده القدر بعد شهر واحد من وقوعها عندما جمع رجالات مكة. وخيرة أهل المدينة على موعد غير منظور في \"بدر\".\n_________\n(١) البقرة: ٢١٧.\n(٢) البقرة: ٢١٨.","vol":"1","page":435},{"text":"٣ - لقد جاء قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ قبيل الآية التي تحدثت عن سرية عبد الله بن جحش ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ وقد ربطنا في تفسيرنا بين آية القتال ههنا وبين سورة الأنفال ربطًا غير متعسف ولا متكلف، فههنا يأتي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (١) وفي سورة الأنفال يأتي قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (٢) فغزوة بدر كانت هي المصداقية لحكمة فرضية القتال، فهي التي صدقت أن القتال وإن كان مكروهًا للنفس البشرية لكن فيه خيرًا لأهل الإيمان، وبدر هي الدليل، فكم ترتب من خير على غزوة بدر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الحكمة في السرايا:</span>\nكان مما قاله الدكتور محمد أبو فارس حول فوائد إرسال السرايا والماوشات الأولى:\n- إحياء قضية المهاجرين في أنفسهم وعلى المستوى الخارجي: فهم مظلومون مطاردون قد صودرت أموالهم وضيق عليهم في حرية التفكير والقول والتعبد، وبالتالي كان لابد من إحيائها في نفوسهم ليسمعوها للآخرين، وأنه بدون السلاح لا يمكن أن يعطي الآخرون أذنًا صاغية للمستضعفين.\n- إنهاك الاقتصاد القرشي ومحاصرته، فقد كانت قريش تعتمد على التجارة وكذلك استعادة بعض الحقوق المسلوبة.\n- إضعاف قريش عسكريًا وتوجيه ضربة قاصمة لسمعة قريش لإلقاء الرعب في صفوف مقاتليها وإرباكهم.\n- رفع معنويات المهاجرين وجعلهم يحطمون الخوف، وإلقاء الرعب في نفوس المشركين\n_________\n(١) البقرة: ٢١٦.\n(٢) الأنفال: ٥.","vol":"1","page":436},{"text":"وتحطيم معنوياتهم ورصد تحركات قريش.\n- التعرف على طبيعة الأرض التي سيقاتلون عليها.\n- وهذه المناوشات استمرار للتدريب العملي وتريبة الكفاءة القتالية عند الجنود في التخطيط والتنفيذ، وفيها تعويد على السرية في التحرك والقتال، وفيها اختبار للرجال والتعرف على معادنهم.\n- وفي المناوشات إرهاب العدو الداخلي في المدينة، وإضعاف جبهة الأعداء الخارجية، مع اختبار قدرة العدو، وفوائد أخرى.\n* * *","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>فصل: في تحويل القبلة</span>\nقال صاحب الرحيق المختوم: في شعبان سنة ٢ هـ الموافق فبراير (شباط) ٦٢٤ هـ، أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وأفاد ذلك أن الضعفاء والمافقين من اليهود الذين كانوا قد دخلوا في صفوف المسلمين، لإثارة البلبلة انكشفوا عن المسلمين ورجعوا إلى ما كانوا عليه، وهكذا تطهرت صفوف المسلمين عن كثير من أهل الغدر والخيانة.\nوفي تحويل القبلة إشارة لطيفة إلى بداية دور جديد لا ينتهي إلا بعد احتلال المسلمين هذه القبلة، أو ليس من العجب أن تكون قبلة قوم بيد أعدائهم، وإن كانت بأيديهم فلابد من تخليصها يومًا ما.\n٢٦٩ - * روى البخاري عن البارء بن عازب ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس سنة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا وكان يُعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قومٌ، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ - قِبلَ مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت.\nقال: وفي رواية: وكان الذي مات على القبلة - قبل أن تُحول قِبَلَ البيت - رجالٌ قتلوا لم ندر ما نقول فيهم؟ فأنزل الله ﷿ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١).\nوفي أخرى (٢): وكان رسول الله ﷺ يحبُّ أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ﷿ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهودُ - ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣).\n_________\n٢٦٩ - البخاري (٨/ ١٧١) ٦٥ - كتاب التفسير - ١٢ - باب: (سيقول السفهاء من الناس ...).\n(١) البقرة: ١٤٣.\n(٢) البخاري (١/ ٥٠٢) - ٨ كتاب الصلاة - ٣١ - باب التوجه نحو القبلة حيث كان.\n(٣) البقرة: ١٤٢.","vol":"1","page":438},{"text":"وأخرجه الترمذي (١) قال: لما قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة، صلى نحو بيت المقدس سِتة، أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يُحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ﵎ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) فوجه نحو الكعبة، وكان يُحب ذلك، فصلى رجُل معه العصر، ثم مر على قومٍ من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس. فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ، وأنه قد وُجه إلى الكعبةِ، فانحرفوا وهم رُكوعٌ.\nوأخرجه النسائي (٣) قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم إنه وُجه إلى الكعبة، فمر رجلٌ قد كان صلى مع النبي ﷺ على قومٍ من الأنصار، فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قد وُجه إلى الكعبةِ، فانحرفُوا إلى الكعبة.\n٢٧٠ - * روى الطبراني عن تُويلة بنت أسلم وهي من المبايعات قالت: إنا لبمقامنا نُصلي في بني حاثة، فقال عبادُ بن بشر بن قبطي: إن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام والكعبة، فتحول الرجال مكان النساء والسناء مكان الرجال، فصلوا الركعتين الباقيتين نحو الكعبة.\n٢٧١ - * روى الطبراني عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ كان يُصلي قِبَلَ بيت المقدس، فلما حُوِّل انطلق رجل إلى أهل قُباء فوجدهم يصلون صلاة الغداة، فقال: إن رسول الله ﷺ أمر أن يُصلى إلى الكعبة فاستدار إمامهم حتى استقبل بهم القبلة.\n_________\n(١) الترمذي (٣/ ١٦٩) أبواب الصلاة - باب ما جاء في ابتداء القبلة وقال: حديث حسن صحيح وكذا في (٥/ ٢٠٧) كتاب تفسير القرآن - ١ - باب: ومن سورة لابقرة.\nقِبَل البيت: أي حذاءه، وجهته التي تقابله.\nشطر الشيء: جهته ونحوه.\n(٢) البقرة: ١٤٤.\n(٣) النسائي (١/ ٢٤٣) كتاب الصلاة - باب فرض القبلة.\n٢٧٠ - المعجم الكبير (٢٤/ ٢٠٧). أورده الهيثمي (٢/ ١٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون.\n٢٧١ - أورده الهيثمي (٢/ ١٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله موثقون.\nصلاة الغداة: هي صلاة الفجر.","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>دروس في تحويل القبلة:</span>\n١ - قال الأستاذ الندوي: وكان المسلمون العرب - وقد رضعوا بلبان حب الكعبة وتعظيمها، وامتزج ذلك بلحومهم ودمائهم - لا يعدلون بالكعبة بيتًا، ولا بقبلة إبراهيم وإسماعيل قبلة، وكانوا يحبون أن يصرف إلى الكعبة، وكان في جعل القبلة إلى بيت المقدس محنة للمسلمين، ولكنهم قالوا: سمعنا وأطعنا وقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، فلم يكونوا يعرفون إلا الطاعة لرسول الله ﷺ والخضوع لأوامر الله، وافقت هواهم أم لم توافقها، واتفقت مع عاداتهم أم لم تتفق.\nفلما امتحن الله قلوبهم للتقوى واستسلامهم لأمر الله، صرف رسوله والمسلمين إلى الكعبة يقول القرآن:\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (١).\n٢ - إن لحادثة تحويل القبلة أبعادًا كثيرة: منها السياسي، ومنها العسكري، ومنها الديني البحت، ومنها الترايخي ...\nفبعدها السياسي أنها جعلت الجزيرة العربية محور الأحداث، وبعدها التاريخي أنها ربطت هذا العالم بالإرث العربي لإبراهيم ﵊، وبعدها العسكري أنه مهدت لفتح مكة وإنهاء الوضع الشاذ في المسجد الحرام حيث أصبح مركز التوحيد مركزًا لعبادة الأصنام، وبعدها الديني أنها ربطت القلب بالحنيفية وميزت الأمة الإسلامية عن غيرها، والعبادة في الإسلام عن العبادة في بقية الأديان.\n* * *\n_________\n(١) البقرة: ١٤٣.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>عدد غزواته ﷺ:</span>\n٢٧٢ - * روى البخاري عن أبي إسحاق قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له: كم غزا النبي ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة قال: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهم كانت أول؟ قال: ذات العَشَير أو العُسيرة. فذكرت لقتادة فقال: العُشَيرة.\n٢٧٣ - * روى الشيخان عن بريدة قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمانٍ منهُن.\nقال ابن حجر: قوله (تسع عشرة) كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبي ﷺ فيها بنفسه سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلي من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح وأصله في مسلم، فعلى هذا فات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها ولعلهما الإبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ (قلت ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة) أهـ، والعشيرة كما تقدم هي الثالثة.\nوأما قول ابن التين: يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو، أي زيد ابن أرقم، والتقدير: فقلت ما أول غزوة غزاها أي وأنت معه؟ قال: العشير فهو محتمل أيضًا، ويكون قد خفي عليه ثنتان مما بعد ذلك. أو عد الغزوتين واحدة، فقد قال موسى ابن عقبة: \"قاتل رسول الله ﷺ بنفسه في مثان: بدر ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف، وأهمل غزوة قريظة؛ لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونها كانت في إثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عد\n_________\n٢٧٢ - البخاري (٧/ ٢٧٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ١ - باب غزوة العُشَيرة أو العُسيرة.\nومسلم (٢/ ١٤٤٧) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٩ - باب غزوات النبي ﷺ.\nوالترمذي (٤/ ١٩٤) ٣٤ - كتاب الجهاد - ٦ - باب ما جاء في غزوات النبي ﷺ وكم غزا.\n٢٧٣ - البخاري (٨/ ١٥٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٩ - باب كم غزا النبي ﷺ.\nومسلم (٣/ ١٤٤٨) ٣٣ - كتاب الجهاد والسير - ٤٩ - باب عدد غزوات النبي ﷺ.","vol":"1","page":441},{"text":"الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر.\nوقد توسع ابن سعد فبلغ عدة المغازي التي خرج فيها رسول الله ﷺ بنفسه سبعًا وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي، وهو مطابق لما عده ابن إسحاق إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهيلي، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: غزا رسول الله ﷺ أربعًا وعشرين، وأخرجه يعقوب بن سفيان عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق فزاد فيه أن سعيدًا قال أولًا: ثماني عشرة، ثم قال: أربعًا وعشرين، قال الزهري: فلا أدري أوهم أو كان شيئًا سمعه بعد. قلت: وحمله على ما ذكرته دفع الوهم ويجمع الأقوال، والله أعلم. وأما البعوث والسرايا فعد ابن إسحق ستًا وثلاثين وعد الواقدي ثمانيًا وأربعين. وحكى ابن الجوزي في (التلقيح) ستًا وخمسين، وعد المسعودي ستين، وبلغها شيخنا في \"نظم السيرة\" زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في \"الإكليل\" أنها تزيد على مائة، فلعله أراد ضم المغازي إليها. أهـ.\nلقد كانت مرحلة عجيبة في تاريخ البشرية برجالها وأعمالها وبمجموع ما تم ويكفي أنها وضعت الأمة الإسلامية على طريق الانطلاق في حيوية متجددة، وأنها أسلمت الإسلام لهذا العالم هاديًا قويًا دائم التوسع والانتشار، وجعلت العالم القديم كله أمام خيار وحيد إما أن يسلم للحق أو يستسلم لأهله.\n* * *","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>فصل: في غزوة بدر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>تمهيد:</span>\nلبدر أهمية كبيرة في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي، فلقد تركت بصماتها على كل معارك الإسلام، فلا تجد اندفاعًا نحو الجهاد إلا ودروس بدر وراءه، بل إن سورة الأنفال التي نزلت بسببها هي التي اعتاد المسلمون أن يقرؤها بين يدي القتال، وأن يدرسوها كلما أرادوا جهادًا، ولقد كانت بدر معلمًا بارزًا بين مرحلتين مرحلة الضعف ومرحلة القوة ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (١).\nولذلك فقد وجد بعدها النفاق ومن قبل كان كفر وإيمان فقط، ولقد حقق الله ﷿ بها وعودًا كثيرة وعدها رسوله ﷺ وللمسلمين وأنجز فيها وعيدًا كثيرًا كان تهدد به الكافرين، وعنها وبها وجدت كثير من أحكام القتال المستقرة وآدابه المستمرة، إن القتال يتفرع عنه الغنيمة والأسر، ولم تنج أمة من انحدار أخلاقي في شأن الغنائم والأسارى إلا هذه الأمة، ولقد كانت غزوة بدر هي الفاتحة لإقامة الصرح الأخلاقي الأعلى في هاتين القضيتين وغيرهما.\nكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا معهم فرسان وحوالي سبعين بعيرًا، وكان المشركون ألفًا وثلاثمائة ابتداء، تقلصوا إلى حوالي ٩٥٠ انتهاء، معهم حوالي مائة فرس وستمائة درع وأعداد كبيرة من الجمال، وهؤلاء عرب وهؤلاء عرب، ومع ذلك كانت النتيجة أن هُزِمَ المشركون وانتصر المسلمون، وكانت هزيمة عجيبة غير متوقعة على ضوء عالم الأسباب، قتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وفر الباقون بينما قتل من المسلمين أربعة عشر رجلًا، ستة من الأنصار وثمانية من المهاجرين، إنه في موازين المادة لأمر عجيب، ولكنه في الموازين الإمانية نتيجة عادية، إنها إرادة الله التي لا يقف أمامها شيء، وهذه هي عبرة بدر الكبرى.\n_________\n(١) آل عمران: ١٣٣.","vol":"1","page":443},{"text":"عندما تلتقي قوتان ماديتان، ففي ميزان الأسباب تتغلب الأوزان في قوانين الكون، فإذا تعادل السلاح والأرض والمقاتلون والقيادة والوسائل فلا انتصار لإحدى القوتين، وإذا حدث التفاضل فالميزان في النهاية لمن فضل، وإرادة الله غالبة، أما في الموازين الإيمانية فالنصر من عند الله ولو قلت الإمكانات أمام الإمكانات، ففي غزوة بدر كان المشركون متفوقين من بعض النواحي، وكان المسلمون متفوقين من بعض النواحي، ولك يبقى تفوق المشركين من الناحية المادية أوضح ولكن جند الله غلب بفضل الله ﷿.\nاجتمع على المشركين البطر والغرور والرياء والشقاق وعدم وحدة القيادة، واجتمع للمسلمين أن خذل الله بعض المشركين فانسحبوا، وأنزل الله مطرًا قبيل المعركة كان لصالح المسلمين، وأرى الله ﷿ المشركين المسلمين ضعفيهم أثناء القتال فوهنوا، وأنزل ملائكة وقذف رعبًا، وكان رسول الله ﷺ هو القائد وهو أحب قائد في التاريخ لجنده مع طاعة لا مثيل لها، واجتمع مع الحب والطاعة للقائد الدعاء والشورى والإقبال على الشهادة والتنافس على الآخرة، وبذل الجهد في القتال وإحكام الرأي وتجنب الظلم والبغي وحسن الترتيب والتنظيم والسبق إلى الأمكنة الاستراتيجية، وكلها توفيقات سياسية وتأييدات، وللمسلمين مثلها، ومن ثم كان لبدر هذا الشأن العظيم في التاريخ الإسلامي وعند المسلمين فهي كما قال الأستاذ الندوي:\nفكل ما حدث من فتوح وانتصارات، وكل ما قام من دول وحكومات، مدين للفتح المبين في ميدان بدر، ولذلك سمى الله هذه المعركة بـ\"يوم الفرقان\" فقال:\n﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (١)\nولأهمية بدر قد ذكرها الله في سورة آل عمران كما أنزل فيها سورة كاملة هي سورة الأنفال، وقد عرضنا ذلك في التفسير، وههنا نعرض بدرًا من خلال النصوص الحديثية.\n* * *\n_________\n(١) الأنفال: ٤١.","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>١ - مقدمات الغزوة</span>\n٢٧٤ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵄ عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ: أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي، ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر:\nإنكم أوْيتم صاحبنا - وإنا نُقسمُ بالله لتقاتلنه أو لتخرجن، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم - فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبي صلى الله لعيه وسلم فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: \"لقد بلغ وعيدُ قريش منكم المبلغ، ما كانت تكيدُكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم\" فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهلُ الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن صاحبنا، أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء - وهي الخلاخيل - فلما بلغ كتابُهم النبي ﷺ: اجتمعتْ بنو النضير، بالغدرِ، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ: أُخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك، ويخرجُ منا ثلاثون حبرًا، حتى نلتقي بمكا المنصف، فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك، آمنا بك، فقص خبرهم، فلما كان الغد عليهم رسول الله بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: \"إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تُعاهدوني عليه\"، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا الغد على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النضير، ودعاهُم إلى أن\n_________\n٢٧٤ - أبو داود (٣/ ١٥٦) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب في خبر النضير.\nاستبيح: استباحتهمك نهبُهم وسبيهم والتصرف فيهم.\nوعيد: الوعيد: التخويف والتهديد.\nتكيدكم: كاده يكيده: إذا مكر به وخدعه.\nالحلقه: بسكون اللام: الدرع، وقيل: اسم جامع السلاح.\nحبر: الحبر: العالم الفاضل.\nمنصف: المنصف بالفتح: نصف الطريق، أراد: أنهم يجتمعون في موضع لا يميل إلى جهته ولا جهتهم، ليكون أعدل وأقرب إلى الأمن.\nالكتائب: جمع كتيبة، وهي الجيش.","vol":"1","page":445},{"text":"يُعاهِدوه، فعَاهَدُوه، فانصرف عنهم، وغدا على بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلتْ بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبلُ من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبتها، فكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاهُ الله إياها، وخصهُ بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (١).\nيقول: بغير قتالٍ، فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم وقسم منها لرجُلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجةٍ، ولم يقسم لأحدٍ من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي هي في أيدي بني فاطمة ﵄.\n٢٧٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ حخدث ع سعد بن معاذٍ أنه قال: كان صديقًا لأمية بن خلفٍ، وكان أميةُ إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكا سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدِمَ رسول الله ﷺ المدينة: انطلق سعدُ معتمرًا، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوةٍ، لعليِّ أطوفُ بالبيت، فخرج به قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهلٍ، فقال: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا، وقد زعمتم آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله، لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعدُ - ورفع صوه عليه -: أما والله، لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشدُّ عليك منهُ: طريقك على المدينةِ، فقال له أميةُ: لا ترفعُ صوتَكَ يا سعدُ على أبي الحكم سيد\n_________\n= الجلاء: النفي عن الأوطان.\nأقلت الإبل: الأحمال، أي: حملتها.\nما أفاء الله: الفيء: ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا قتال.\nأوجعتم: الإيجاف: الإسراع والحث في السير، وأراد به: الإسراع في القتال.\nركاب: الركاب جماعة الإبل فوق العشرة.\n(١) الحشر: ٦.\n٢٧٥ - البخاري (٧/ ٢٨٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢ - باب: ذكر النبي ﷺ من يقتل ببدر.\nالصباةِ: جمع صابئ: وهو الذي فارق دينه إلى غيره.\nاستنفر: الاستنفار: طلب النصرة من الناس، لينفروا معه إلى مقصده.\nالسريخُ: الصائح، وهو الذي يستنجد الناس.","vol":"1","page":446},{"text":"أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول \"إنهم قاتِلُوكَ\"، قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلما رجع أمية إلى أهله، قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعدٌ؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم: أنهم قاتلي، فقلتُ له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرجُ من مكة، فلما كان يوم بدرٍ استنفر أبو جهلٍ الناس، فقال: أدرِكوا عِيرَكُم، فكرة أمية أن يخرج، فأتاهُ أبو جهلٍ، فقال: يا أبا صفوان، إنك متى ما يراك الناسُ قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي: تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني، فوالله، لأشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان، جهزيني، فقالت له: يا أب صفوان، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا، وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا، فلما خرج أميةُ أخذ لا ينزل منزلًا إلا عقل بعيرهُ، فلم يزل بذلك حتى قتله الله ﷿ ببدر.\nوفي رواية نحوه، إلا أن فيه: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يُمسكُهُ، فغضب سعد، فقال: دعنا منك، فإني سمعتُ محمدًا ﷺ: يزعُم أنه قاتِلُكَ، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: والله، ما يكذبُ محمدٌ إذا حدث، فرجع إلى امرأته، فقال: أتعلمين ما قال أخي اليثربي؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدًا يزعُم أنه قاتلي، قالت: فوالله، ما يكذبُ محمدٌ، قال: فلما خرجوا إلى بدرٍ وجاء الصريخُ، قالتْ له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهلٍ: إنك من أشراف الوادي، فسر يومًا أو يومين، فسار معهم، فقتله الله.\nقال في الفتح: وفي الحديث معجزات للنبي ﷺ ظاهرة، وما كان عليه سعد بن معاذ من قوة النفس واليقين، وفيه أن شأن العمرة كان قديمًا، وأن الصحابة كان مأذونًا لهم في الاعتمار من قبل أن يعتمر النبي ﷺ بخلاف الحج، والله أعلم.\n٢٧٦ - * روى الطبراني عن عروة قال: كانت عاتِكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله\n_________\n٢٧٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٧٠) وقال: رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وحديثه حسن.","vol":"1","page":447},{"text":"ﷺ ساكنةُ مع أخيها عباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا قبيل بدرٍ ففزعت، فأرسلت إلى أخيها عباس من ليلتها حين فزعت واستيقظت من نومها، فقالت: قد رأيت رؤيا وقد خشيتُ منها على قومك الهلكة، قال: وما رأيتِ؟ قالت: لم أحدثك حتى تُعاهدني أن لا تذكرها، فإنهم إن يسمعوها آذونا فأسمعونا ما لا نُحبُّ، فعاهدها عباسٌ، فقالت: رأيت راكبًا أقبل على راحلته من أعلى مكة يصيحُ بأعلى صوته: يا آل غُدّرٍ ويا آل فجرٍ اخرجوا من ليلتين أو ثلاثٍ، ثم دخل المسجد على راحلته فصرخ في المسجد ثلاث صرخات، ومال عليه من الرجال والنساء والصبيان وفزع الناسُ له أشد الفزع، ثم أراه مثل على ظهر الكعبة على راحلته فصرخ ثلاث صرخات يا آل غُدر ويا آل فُجر اخرجوا من ليلتين أو ثلاثٍ حتى أسمع من بين الأخشبين من أهل مكة، ثم عمد لصخرةٍ عظيمةٍ فنزعها من أصلها ثم أرسلها على أهل مكة، فأقبلت الصخرة لها دوي، حتى إذا كانت على أصل الجبل رمضت، فلا أعلم بمكة بيتًا ولا دارًا إلا قد دخلها فرقة من تلك الصخرة، فلقد خشيتُ على قومك أن ينزل بهم شر، ففزع عباس، وخرج من عندها، فلقي من ليلته الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان خليلًا للعباس فقص عليه رؤيا عاتكة وأمرهُ أن لا يذكرها لأحدٍ، فذكرها الوليد لأبيه، وذكرها عتبة لخيه شيبة، وارتفع حديثها حتى بلغ أبا جهل بن هشام واستفاضتْ، فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت حتى أصبح، فوجد أبا جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلفٍ وزمعة بن الأسود وأبا البختري في نفرٍ يتحدثون، فلما نظروا إلى عباس يطوفُ بالبيت؛ ناداه أبو جهل بن هشام: يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فائتنا، فلما قضى طوافه أتى فجلس. فقال أبو\n_________\nمثل به: قام به.\nغدر: جمع غدور.\nالأخشبان: الحيلان المطيقان بمكة وهما أبو قبيس والأحمر.\nرمضت: اشتدت.\nسجلًا: الكتاب يدون فيه ما يراد حفظه.\nيا مصفر استه: رماه بالأبنة وأنه كان يزعفر استه، وقيل هي كلمة تقال للمتنعم المترف الذي لم تحنكه التجارب والشدائد وقيل: أراد يا مضرط نفسه من الصفير وهو الصوت بالفم والشفتين، كأنه قال يا ضراط. نسبه إلى الجبن والخور، وقيل كان به برص فكان يردعه بالزعفران ... =","vol":"1","page":448},{"text":"جهلٍ: يا أبا الفضل، ما رؤيا رأتها عاتِكة؟ قال: ما رأت من شيءٍ. قال: بلى، أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء، إنا كنا وأنتم كفرسي رهانٍ فاستبقنا المجد منذُ حينٍ، فلما حاذت الركب قلتم: منا نبي، فما بقي إلا أن تقولوا منا نبية، ولا أعلم أهل بيت أكذب رجلًا ولا أكذب امرأة منكم. فآذوه يومئذٍ أشد الأذى، وقال أبو جهلٍ: زعمتُ عاتكة أن الراكب قال: اخرجوا في ليلتين أو ثالث، فلو قد مضت هذه الثلاث تبين لقريش كذبكم، وكتبنا سجلًا، ثم علقناه بالكعبة إنكم أكذبُ بيتٍ في العربِ رجلًا وامرأة، أما رضيتم يا بني قُصي أنكم ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء حتى جئتمونا زعمتم بنبي منكم، فآذوه يومئذ أشد الأذى، وقال له العباسُ: مهلًا يا مُصَفر استهِ هل أنت منتهِ، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك. فقال له ممن حضره: يا أبا الفضل ما كنت بجاهلٍ ولا خرف ونال عباسًا من عاتكة أذى شديدًا فيما أفشى من حخديثها. فلما كا مساء ليلة الثالثة من الليالي التي رأت فيها عاتكةُ الرؤيا جاءهم الراكب الذي بعث أبو سفيان ضمضمُ بن عمرو الغفاري فقال: يا آل غُدرٍ انفروا فقد خرج محمدٌ وأصحابه ليعرضوا لأبي سفيان فأحرزوا عيركم، ففزعت قريش أشد الفزع وأشفقوا من قِبلَ رؤيا عاتكة ونفروا على كل صعبٍ وذلولٍ.\n٢٧٧ - * روى الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بالأجراس أن تُقطع من أعناق الإبل يوم بدر.\nوهناك سببان لهذا الأمر:\nالسبب الأول: كراهة الأجراس لشبهها بالنواقيس، وكان رسول الله ﷺ حريصًا على ألا يبقي مظهرًا دينيًا غير إسلامي إلا وخالفه أو نقصه أو أدخله في غيره أو أوجد له صيغة استقلالية.\nالسبب الثاني: عسكري، فالأجراس تدل وتشعر الخصم فتنبهه.\n* * *\n_________\n٢٧٧ - أحمد في مسنده (٦/ ١٥٠). قال في المجمع (٥/ ١٧٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>٢ - صور ومشاهد</span>\n٢٧٨ - * روى الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: \"إني أُخبرتُ عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قِبَلَ هذا العير لعل الله يُغنمناها\" فقلنا: نعم فخرج وخرجنا، فلما سرنا يومًا أو يومين قال لنا: ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم: فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ولكن أردنا العير، ثم قال: ما ترون في قتال القوم؟ فقلنا مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: إذًا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. قال: فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكن لنا مال عظيم فأنزل الله ﷿ على رسوله ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (١) ثم أنزل الله ﷿: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٢) وقال ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (٣) والشوكة القومُ وغير ذات الشوكة العيرُ، فلما وعدنا إحدى الطائفتين إما القوم وإما العير طابت أنفسنا، ثم إن رسول الله ﷺ بعث رجلًا لينظر ما قبل القوم، فقال: رأيتُ سوادًا ولا أدري فقال رسول الله ﷺ: \"هُم همُ، هلموا أن نتعاد\" ففعلنا فإذا نحن ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فأخبرنا رسول الله ﷺ بعدتنا فسره ذلك فحمد الله وقال \"عدة رسول الله ﷺ إليهم فقال: \"معي معي\" ثم إن رسول الله ﷺ قال: \"اللهم إني\n_________\n٢٧٨ - المعجم الكبير (٤/ ١٧٤) وإسناده حسن.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٧٣) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\nحسد لنا: على أخذ الفدية.\n(١) الأنفال: ٥، ٦.\n(٢) الأنفال: ١٢.\n(٣) الأنفال: ٧.","vol":"1","page":450},{"text":"أنشُدك وعدك\" فقال ابن رواحة: يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك ورسول الله ﷺ أفضل مِنْ يشير عليه وإن الله أعظم من أن تنشده وعده فقال: \"يا ابن رواحة لأنشدن الله وعده فإن الله لا يُخلف الميعاد\" فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله وجوه القوم فانهزموا فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١) فقتلنا وأسرنا فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما أرى أن تكون لك أسرى فإنما نحن داعون مؤلفون فقلنا معشر الأنصار: إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ ثم قال: \"ادعوا لي عمر\" فدُعي له فقال: \"إن الله ﷿ قد أنزل علي\": ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).\nأقول: فيه ابن لهيعة، والملاحظ أن الهيثمي يحسن أحاديث ابن لهيعة ولو كانت عن غير العبادلة، وذلك فيما نعتقد لملحظ دقيق يلحظه الشيخ الهيثمي، ولذلك فإننا كثيرًا ما نتابعه على تحسينه في هذا الكتاب لقوة مدركه في الحديث.\n٢٧٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الهل عنه قال: بعث رسول الله ﷺ بُسيْسَة، عينًا ينظرُ ما صنعتْ عيرُ أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغيرُ رسول الله ﷺ - قال: لا أدري، ما استثنى بعض نسائه .. - قال: فحدثه الحديث، فخرج رسول الله ﷺ فتكلم، فقال: \"إن لنا طلبةً، فمن كان ظهره حاضرًا فليركبْ معنا\" فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في عُلو المدينة، فقال: \"إلا من كان ظهره حاضرًا\" فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ: \"لا يُقدمن أحدٌ منكم إلى شيءٍ حتى أكون أنا دونه\" فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ: \"قُومُوا إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرض\" قال: يقول عُمير بن الحُمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات\n_________\n(١) الأنفال: ١٧.\n(٢) الأنفال: ٦٧.\n٢٧٩ - مسلم (٣/ ١٥١٠) ٣٣ - كتاب الإمارة - ٤١ - باب: ثبوت الجنة الشهيد.","vol":"1","page":451},{"text":"والأرض؟ قال: \"نعم\" قال: بخٍ بخٍ يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: طما يحملك على قولك: بخٍ بخٍ؟ \" قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: \"فإنك من أهلها\" قال: فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتِلَ.\nقال النووي: قوله: (بعث رسول الله ﷺ بُسَيْسَة عينًا) هكذا هو في جميع النسخ بُسَيْسَة بباء موحدة مضمومة وبسينين مهملتين مفتوحتين بينهما ياء مثناة تحت ساكنة، قال القاضي: هكذا هو في جميع النسخ، قال: وكذا رواه أبو داود وأصحاب الحديث. قال: والمعروف في كتب السيرة بَسْبَس بياءين موحدتين مفتوحتين بينهما سين ساكنة وهو بسبس ابن عمرو، ويقال: ابن بشر من الأنصار من الخزرج، ويقال: حليف لهم، قلت: يجوز أن يكون أحد اللفظين اسمًا له والآخر لقبًا. وقوله (عينًا) أي: متجسسًا ورقيبًا. قوله (ما صنعت عير أبي سفيان) هي الدواب التي تحمل الطعام وغيره من الأمتعة، قال في المشارق: العير هي الإبل والدواب تحمل الطعام وغيره من التجارات، قال: ولا تسمى عيرًا إلا إذا كانت كذلك. وقال الجوهري في الصحاح: العير الإبل تحمل الميرة وجمعها عيرات بكسر العين وفتح الياء. قوله ﷺ: (إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب) هي بفتح الطاء وكسر اللام أي شيئًا نطلبه والظهر الدواب التي تركب. قوله: (فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم) هو بضم الظاء وإسكان الهاء أي مركوباتهم في هذا استحباب التورية في الحرب وأن لا يبين الإمام جهة إغارته وإغارة سراياه لئلا يشيع ذلك فيحذرهم العدو. قوله (في علو المدينة) بضم العين وكسرها. قوله ﷺ: (لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه) أي قدامه متقدمًا في ذلك الشيء لئلا يفوت شيء من المصالح التي لا تعلمونها. قوله: (عمير بن الحمام) بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم. قوله: (بخ بخ) فيه لغتان إسكان الخاء وكسرها منونًا وهي كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير. قوله: (لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها) هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة رجاءة بالمد ونصب التاء، وفي بعضها رجاء بلا تنوين وفي بعضها بالتنوين ممدودان","vol":"1","page":452},{"text":"بحذف التاء، وكله صحيح معروف في اللغة، ومعناه والله ما فعلته لشيء إلا لرجاء أن أكون من أهلها. قوله (فأخرج تمرات من قرنه) هو بقاف وراء مفتوحتين ثم نون أي جعبة النُّشاب (١) ووقع في بعض نسخ المغاربة فيه تصحيف. قوله: (لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي ههذ إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل) فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء. قوله: (وهو بحضرة العدو) هو بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث لغات، ويقال أيضًا بحضر بفتح الحاء والضاد بحذف الهاء. أهـ.\nوقال الأستاذ البوطي: يجوز للإمام أن يستعين في الجهاد وغيره بالعيون والمراقبين، يبثهم بين الأعداء ليكتشف المسلمون خططهم وأحوالهم وليتبينوا ما هم عليه من قوة في العدة والعدد. ويجوز اتخاذ مختلف الوسائل لذلك، بشرط أن لا تنطوي الوسيلة على الإضرار بمصلحة هي أهم من مصلحة الاطلاع على حال العدو، وربما استلزمت الوسيلة تكتمًا أو نوعًا من المخادعة أو التحايل، وكل ذلك مشروع وحسن من حيث إنه وسيلة لابد منها لمصلحة المسلمين وحفظهم.\n٢٨٠ - * روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: كُنا يوم بدرٍ ثلاثة على بعير كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله علي هوسلم قال: وكانت عقبة رسول الله ﷺ فقالا: نحن نمشي عنك فقال: \"ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما\".\nأقول: إن مواساة القائد جنده بقدر ما يستطيع تستخرج من الجندي أقصى الطاقات وأعلى الطاعات وأشد الحب، وحياة الرسول ﷺ مليئة بهذه المواساة والمساواة إلا إذا كان هناك عذر. أو كان هناك تقعيد لمبدأ.\n_________\n(١) النشاب: النيل.\n٢٨٠ - أحمد في مسنده (١/ ٤١١) وكذا في (١/ ٤٢٤).\nعقبة: نوبة، أي دور أو نوبة رسول الله صلى الله علي هوسلم في المشي.\nولا أنا بأنى عن الآجر منكما: لست بغني عن الثواب. شأني شأنكم في الحاجة إلى الثواب والأجر من الله تعالى.","vol":"1","page":453},{"text":"٢٨١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم إنهم حُفاة فاحملهم، اللهم إنهم عُراة فاكسهُم، اللهم إنهم جياعٌ فأشبعهم\" ففتح الله له يوم بدر، فانقلبوا - حين انقلبوا - وما منهم رجل إلا وقد رجع بجملٍ، أو جملين، واكتسوا وشبعوا.\nأقول: بعض الروايات تذكر أن عدد المسلمين يوم بدر كانوا (٣١٣) وبعضها تذكر أنهم كانوا (٣١٤)، وبعضها تذكر أنهم كانوا (٣١٥)، وبعضها تذكر انهم كانوا (٣١٧)، وبعضهما تذكر أنهم (٣١٩) وسبب الخلاف يعود إلى أن بعضهم أدخل ما لم يدخله الآخر، فمثلًا هناك روايات صحيحة تذكر حضور أنس وهو صغير، وهناك روايات تذكر أن بعض الناس ردهم الرسول ﷺ إلى المدينة للقيام بأمرها، فبسبب من الإدخال والإخراج تعددت الروايات، عد منهم عثمان بن عفان ولم يحضر، أمره النبي ﷺ أن يمرض امرأته رقية، وكذلك عد منهم قومًا كلفوا بمهمات ولم يحضروا المعركة، وقد وردت أسماء تسعة لم يحضروا وضرب لهم بسهم وأجر ذكروا في هذا الكتاب تحت عنوان من غاب عن بدر وكان كأهلها.\nوفي سنن أبي داود (١) عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرامٍ أنه قال: كنت أميحُ (٢) لأصحابي الماء يوم بدرٍ.\nوهذا الحديث لم يذكره البخاري ولا الضياء. كذا في البداية والنهاية.\n٢٨٢ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا أصحاب محمدٍ تتحدثُ: أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معهُ النهر - ولم يجاوز معه إلا مؤمن - بضعة (٣) وثلاثمائة، وفي رواية قال البراء: لا، والله ما جاوز معه\n_________\n٢٨١ - أبو داد (٣/ ٧٩) كتاب الجهاد - باب: في نفل السرية تخرج من العسكر.\n(١) أبو داود (٣/ ٧٥) كتاب الجهاد - باب: في المرأة والعبد يحذبان من الغنيمة.\n(٢) أصبح: أستقي.\n٢٨٢ - البخاري (٧/ ٢١٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦ - باب عدة أصحاب بدر.\n(٣) بضعة: البضع: ما بين الثلاثة إلى التسعة.","vol":"1","page":454},{"text":"النهر إلا مؤمن.\n٢٨٣ - * روى البخار يعن البراء بن عازب ﵁ قال: اسْتُصْفِرْتُ أنا وابن عُمر يوم بدرٍ، وكان المهاجرون يوم بدرٍ: نيفًا على ستين، والأنصار نيفًا وأ ﴿بعين ومائتين.\n٢٨٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ دفع الراية إلى علي ﵁ يوم بدرٍ وهو ابن عشرين سنة.\n٢٨٥ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ قِبَلَ بدر، فلما كان بحرةِ الوبرة أدركهُ رجُل قد كان يُذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب النبي ﷺ حين رأوه. فلما أدركهُ، قال لرسول الله ﷺ: جئتُ لأتبعُك وأًيب معك، قال له رسول الله ﷺ: \"تؤمن بالله ورسوله\"؟ قال: لا، قال \"فارجع، فلن أستعين بمشركٍ\" قالت ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجلُ، فقال له كما قال أول مرةٍ، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرةٍ قال: \"فارجع فلن أستعين بمشركٍ\" ثم رجع، قال، فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: \"تؤمن بالله ورسوله؟ \" قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ: \"فانطلقْ\".\nوأخرجه الترمذي (١) إلى قوله: \"فلن أستعين بمشركٍ\" قال: وفي الحديث كلام أكثر من هذا.\n_________\n٢٨٣ - البخاري (٧/ ٢٩٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦ - باب: عدة أصحاب بدر.\nنيف: بوزن الهين: الزيادة يخفف ويشدد، وكل ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني.\n٢٨٤ - المستدرك (٣/ ١١١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال: هذا نص في أنه أسلم وله أقل من عشر سنين، بل نص في أنه أسلم وهو ابن سبع سنين أو ثامن وهو قول عروة.\n٢٨٥ - مسلم (٣/ ١٤٤٩) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٥١ - باب: كراهة الاستعانة في الغزو بكافر.\nحرة الوبرة: موضع على بعد أربعة أميال من المدينة.\nنجدة: النجدة: القوة والشجاعة.\n(١) الترمذي (٤/ ١٢٧) ٢٢ - كتاب السير ١٠ - باب: ما جاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يسهم لهم، وقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"1","page":455},{"text":"وأخرجه أبو داود (١) مختصرًا أن رجلًا من المشركين لحق بالنبي ﷺ ليُقاتلَ معهُ، فقال: \"ارجعْ\"، ثم اتفقا فقال: \"إنا لا نستعينُ بمشركٍ\".\nقال النووي: قوله ﵊: (فارجع فلن أستعين بمشرك) وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له أي أعطاه قليلًا ولا يسهم له، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والجمهور، وقال الزهري والأوزاعي يسهم له والله أعلم.\n٢٨٦ - * روى مسلم عن أبي الطفيل ﵀ قال: حدثنا حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجتُ أنا وأبي، حُسيلٌ، فأخذنا كفارُ قريشٍ، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، وما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه: لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ، فأخبرناه الخبر، فقال: \"انصرفا نفي لهم بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم\".\nقال النووي: في هذا الحديث جواز الكذب في الحرب، وإذا أمكن التعريض في الحرب فهو أولى، ومع هذا يجوز الكذب في الحرب وفي الإصلاح بين الناس وكذب الزوج لامرأته كما صرح به الحديث الصحيح وفيه الوفاء بالعهد، وقد اختلف العلماء في الأسير يعاهد الكفار أن لا يهرب منهم، فقال الشافعي وأبو حنيفة والكوفيون: لا يلزمه ذلك بل متى أمكنه الهرب هرب، وقال مالك: يلزمه، واتفقوا على أنه لو أكرهوه فحلف لا يهرب لا يمين عليه لأنه مكره، وأما قضية حذيفة وأبيه فإن الكفار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبي ﷺ في غزاة بدر فأمرهما النبي ﷺ بالوفاء. وهذا ليس للإيجاب فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه ولكن أراد النبي ﷺ أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد وإن كان\n_________\n(١) أبو داود مختصرًا (٣/ ٧٥) كتاب الجهاد - باب: في المشرك يسهم له.\n٢٨٦ - مسلم (٣/ ١٤١٤) ٣٢ - كتاب الهجاد والسير - ٣٥ - باب: الوفاء بالعهد.","vol":"1","page":456},{"text":"لا يلزمهم ذلك لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلًا.\n٢٨٧ - * روى البخار يعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: شهدتُ من المقداد ابن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبهُ أحبُ إليَّ مما عُدِلَ به: أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا تقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (١) ولكنا نقاتلُ عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك. فرأيت النبي ﷺ أشرق وجههُ وسره، يعني قوله.\nوفي رواية (٢): قال المقداد يوم بدرٍ: يا رسول الله، إنا لا نقولُ لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن امضونحن معك. فكأنه سُري عن رسول الله ﷺ.\nقال ابن حجر: قوله (مما عدل به) بضم المهملة وكسر الدال المهملة أي وزن أي مِنْ كل شيء يُقابل ذلك من الدنيويات، وقيل من الثواب، أو المرادُ الأعمُّ من ذلك، والمراد المبالغة في عظمة ذلك المشهد، وأنه كان لو خُير بين أن يكون صاحبه وبين أني حصل له ما يقابل ذلك كائنًا ما كان لكان حصوله له أحب إليه، وقوله: (لأن أكون صاحبه) هو بالنصب، وفي رواية الكشميهني (لأن أكون أنا صاحبه) ويجوز فيه الرفعُ والنصب، قال ابن مالك: النصب أجود. قوله: (وهو يدعو على المشركين) زاد النسائي في روايته (جاء المقداد على فرسٍ يوم بدر فقال) وذكر ابن إسحاق أن هذا الكلام قاله المقدادُ لما وصل النبي ﷺ الصفراء وبلغهُ أن قريشًا قصدت بدرًا وأن أبا سفيان نجا بمن معه فاستشار الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر كذلك، ثم المقدادُ فذكر نحو ما في حديث الباب وزاد \"فقال: والذي بعثك بالحق لو سلكت بنا برك الغماد لجاهدنا معك من دونه. قال: فقال: (أشيروا علي) قال: فعرفوا أنه يريد الأنصار، وكان يتخوفُ أن لا يوافقوه لأنهم لم\n_________\n٢٨٧ - البخاري (٧/ ٢٨٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤ - باب: قول الله تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم).\n(١) المائدة: ٧٤.\n(٢) البخاري (٨/ ٢٧٣) ٦٥ - كتاب التفسير - ٤ - باب: فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون.\nسُري: عن المحزون وغيره: إذا كشف عنه ما به.","vol":"1","page":457},{"text":"يبايعوهُ إلا على نُصرته ممن يقصده لا أن يسير بهم إلى العدو، فقال له سعد بن معاذٍ: امض يا رسول الله لما أمرت به فنحنُ معك. قال فسره قوله ونشطه\" وكذا ذكره موسى ابن عقبة مبسوطًا، وأخرجه ابن عائذ منْ طريق أبي الأسود عن عروة، وعند ابن أبي شيبة من مرسل علقمة بن وقاص في نحو قصة المقداد (فقال سعد بن معاذ: لئن سرت حتى تأتي برك الغماد يمن من لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى - فذكره وفيه - لعلك خرجت لأمرٍ فأحدث الله غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت\" قال: وإنما خرج يريدُ غنيمة ما مع أبي سفيان فأحدث الله له القتال.\nوروى ابن أبي حاتم من حديث أبي أيوب قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحنُ بالمدينة: \"إني أخبرت عن عير أبي سفيان، فهل لكم أن تخرجوا إليها لعل الله يغنمناها؟ \" قلنا: نعم، فخرجنا. فلما سِرنا يومًا أو يومين قال: \"قد أخبروا خبرنا فاستعدوا للقتال\" فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، فأعادهُ، فقال له المقداد: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول: إنا معكما مقاتلون. قال: فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا كما قال المقداد. فأنزل الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (١) وأخرج ابن مردويه من طريق محمد ابن عمرو بن علقمة بن وقاص عن أبيه عن جده نحوه، لكن فيه أن سعد بن معاذٍ هو الذي قال ما قال المقداد، والمحفوظ أن الكلام المذكور للمقدا كما في حديث الباب، وان سعد بن معاذ إنما قال: (لو سِرت بنا حتى تبلغ برك الغماد لسرنا معك) كذلك ذكره موسى بن عقبة. وعند ابن عائذ في حديث عروة (فقال سعد بن معاذٍ: لو سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمنٍ) ووقع في مسلم أن سعد بن عبادة هو الذي قال ذلك، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة، وفيه نظر لأن سعد بن عُبادة لم يشهد بدرًان وإن كان يعد فيهم لكونه ممن ضرب له بسهمه كما سأذكره في آخر الغزوة، ويمكن الجمع بأن النبي ﷺ استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي\n_________\n(١) الأنفال: ٥.","vol":"1","page":458},{"text":"سفيان، وذلك بين في رواية مسلم ولفظه (أن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان) والثانية: كانت بعد أن خرج كما في حديث الباب؛ ووقع عند الطبراني أن سعد ابن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب، وقد تقدم في الهجرة شرح برك الغماد، ودلت رواية ابن عائذ هذه على أنها من جهة اليمن، وذكر السهيلي أنه رأى في بعض الكتب أنها أرض الحبشة، وكأنه أخذه من قصة أبي بكر مع ابن الدغنة، فإن فيها أنه لقيه ذاهبًا إلى الحبشة ببرك الغماد فأجاره ابن الدغنة كما تقدم في هذا الكتاب، ويجمع بأنها من جهة اليمن تقابل الحبشة وبينهما عرض البحر. أهـ.\n٢٨٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغهُ إقبالُ أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكرٍ، فأعض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد ابن عبادة، فقال: إيانا تُريدُ يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا، حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قُريش وفيهم غُلامٌ أسودُ لبني الحجاج، فأخذوهُ، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول. مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل، وعتبةُ، وشيبةُ، وأميةُ بن خلف فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوهُ قال: مالي بأبي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلفٍ في الناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يُصلي، فلما رأى ذلك انصرف، وقال: \"والذي نفسي بيده، لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوهُ إذا كذبكم\" قال: فقال رسول\n_________\n٢٨٨ - مسلم (٣/ ١٤٠٣) ٣٢ - كتاب الجهاد والير - ٣٠ - باب: غزوة بدر.\nتخيضها: الضمير يعود على الخيل.\nالكبد: أوسط الشيء ومعظمه.\nبرك الغماد: برك بفتح الباء وإسكان الراء، وقال بعضهم: صوابه كسر الراء والغماد بغين معجمة مكسورة ومضمومة لغتان مشهورتان، لكن الكسر أفصح والمشهور عند المحدثين، والضم هو المشهور في كتب اللغة.\n= روايا: جمع راوية، وهي المزادة، والمراد به هاهنا: الجمال التي تحمل المزاد، والجمل: راوية، وتممي به المزادة.","vol":"1","page":459},{"text":"الله ﷺ: \"هذا مصرع فلانس\" ويضعُ يدهُ على الأرض هاهنا وهاهنا - قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ.\nوأخرجه أبو داود (١)، وأول حديثه: أن رسول الله ﷺ ندب أصحابه، فانطلق إلى بدرٍ، فإذا هم بروايا قريش، فيها عبد أسودُ لبني الحجاج ... وذكر الحديث إلى آخره بتغيير شيءٍ من ألفاظه، ثم قال في آخره: والذي نفسي بيده، ما جاوز أحدٌ منهم عن موضع يد رسول الله ﷺ، فأمر بهم رسول الله ﷺ، فأخذوا بأرجُلهم فسُحبوا، فألقوا في قليب بدر.\n٢٨٩ - * روى الطبراني عن عبد الله يعني ابن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحبي الذي إلى جانبي أتراهُم سبعين؟ قال: أراهم مائة، حتى أخذنا منهم رجلًا فسألناه قال: كنا ألفًا.\nوقد ذكرنا الحديث مع أن فيه عنعنة ابن إسحاق لما يشهد له من ظاهر النصوص القرآنية كما ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية فقال:\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ (٢) فعندما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وليس هذا معارضًا لقوله تعالى في سورة آل عمران ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ\n_________\n= مصرع: المصرع: موضع القتل.\nماماط: أي: ما زال وما بعدُ، والميط: الميل والعدول.\n(١) أبو داود (٣/ ٥٨) كتاب الجهاد - باب: في الأسير يُنال منه ويضرب.\nندب: ندبت الرجل لهذا الأمر، أي: هيأته له، وبعثته فيه، فانتدب، أي: أجاب.\nالقليب: البئر لم تطو، وإنما هي حفيرة قلب ترابها، فسميت قليبًا.\n٢٨٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٤) وقال: رواه الطبراني، ولم يتكلم عليه في المجمع، وفيه عنعنة ابن إسحاق.\n(٢) الأنفال: ٤٤.","vol":"1","page":460},{"text":"يَشَاءُ﴾ (١) فإن المعنى في ذلك على أصح القولين أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضًا، وذلك عند التحام الحرب والسابقة أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا فاستدرجهم أولًا بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلًا، ثم أيد المؤمنين بنصره فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا. ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.\nأقول: كان هذا من فعل الله ﷿ لرسوله وللمؤمنين، ولو أخلص المسلمون وأحسنوا لوجدوا التوفيقات والتأييدات تحفهم من كل جانب.\nوقد علل الله ﷿ لإراءته المسلمين المشركين قلة بقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ (٢).\nإن هذا التعليل يوحي بأشياء كثيرة: منها: أولًا: أن المسلمين يحكمهم عالم الأسباب فعندما يرون أن القوى غير متكافئة لابد أن يختلفوا في أمر القتال هل يقاتلون أو لا يقاتلون؟ فالله ﷿ بحكمته جنبهم هذا الموقف يوم بدر، ولكن هذا الموقف يمكن أن يواجه المسلمين في كل لحظة فعلى قياداتهم أن تلاحظ ذلك أولًا في الموازنات التي تسبق القرار. ثانيًا: في القرار نفسه، ثالثًا: في الخطة المناسبة على ضوء تفاضل القوى، رابعًا: في الإعداد النفسي والتدريبي، خامسًا: في إدارة المعركة.\n٢٩٠ - * روى الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: \"من استطعتم أن تأسروه من بني عبد المطلب فإنهم خرجوا كرهًا\".\nمعنى الحديث: من استطعتم عليه من بني عبد المطلب فأسروه ولا تقتلوه.\nتعليق: لم تكن قريش كلها مقتنعة بههذ الحرب ولذلك خرج بعضهم ثم نكص وبعضهم\n_________\n(١) آل عمران: ١٣.\n(٢) الأنفال: ٤٣.\n٢٩٠ - أحمد في مسنده (١/ ٨٩)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٥) وقال: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد ثقات.","vol":"1","page":461},{"text":"لم يخرج أصلًا. وقد عرض ابن كثير صورة عن هذه الأمور في البداية والنهاية قال: وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي - وكان حليفًا لبني زهرة - وهم بالجحفة: يا بني زهرة قد نجي الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجا في غير ضيعة لا ما يقول هذا. قال: فرجعوا فلم يشهدها زُهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعًا ولم يكن بقي بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس إلا بني عدي لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس فلم يشهد بدرًا من هاتين القبيلتين أحد. قال: ومضى القوم وكان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة. فقالوا: والله لقد عرفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أن هواكم مع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع.\n٢٩١ - * روى البزار عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزل المسلمون بدرًا وأقبل المشركون نظر رسول الله ﷺ إلى عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر فقال: \"إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر، إن يُطيعوه يرشدوا\" وهو يقول: يا قوم أطيعُوني في هؤلاء القوم فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه فاجعلوا جبنها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، إنما محمدٌ وأصحابه كأكلة جزور لو قد التقينا، فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، اما ترون كأن رؤوسهم الأفاعي وكأن وجُوههم السيوفُ، ثم دعا أخاه وابنه فخرج يمشي بينهُما ودعا بالمبارزة.\n٢٩٢ - * روى الإمام أحمد عن علي قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها\n_________\n٢٩١ - أورده الهيثمي في مجمع الزائد (٦/ ٧٦) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات. كشف الأستار (٢ - ٣١٣). انتفخ سحره: السحر الرئة، والمعنى امتلأ خوفًا وجبنًا.\n٢٩٢ - أحمد في مسنده (١/ ١١٧). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٧٥) وقال: روى أبو داود منه طرفًا، ورواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مُضربِ وهو ثقة.","vol":"1","page":462},{"text":"فاجتويناها وأصابنا بها وعك وكان النبي ﷺ يتخبرُ عن بدرٍ، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله ﷺ إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركون إليها فوجدنا فيها رجُلين منهم رجلًا من قريش ومولى لعقبة بن أبي مُعيط، فأما القرشي فانفلت وأما مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثيرٌ عددهُم، شديدٌ بأسُهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى النبي ﷺ فقال له: \"كم القومُ\" قال: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجهد رسول الله ﷺ أن يُخبره كم هم فأبى، ثم إن النبي ﷺ سأله: \"كم ينحرُون من الجزور\" قال: عشرًا كل يوم. فقال رسول الله ﷺ: \"القوم ألفٌ كل جزور لمائة وتبعها\" ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظلُ تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: \"اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبدُ\" قال: فلما أن طلع الفجرُ، نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجفِ فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرض على القتال ثم قال: إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل\" فلما دنا القوم منا وصففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسيرُ في القوم فقال رسول الله ﷺ: \"يا علي ناد حمزة\" وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم، ثم قال رسول الله ﷺ: \"إن يكن في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر\" فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم: يا قوم إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبُن عتبة بن ربيعة وقد علمتم أني لستُ بأجبنكم فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقولُ\n_________\n= فاجتويناها: أي أصابهم الجوى وهو المرض وداء إذا تطاول وذلك لم يوافقهم هواؤها.\nواستوخموها: يقال اجتويت البلد إذاكرهت المقام فيه وإن كنت ف ينعمة.\nالوعك: أذى الحمى ووجعها.\nطش: هو الضعيف القليل.\nالجحفة: الترس جمعها: حجف.\nالضلع: جبيل منفرد صغير يشبه بالضلع.\nساقفناهم: أي واقفناهم وقمنا حذاءهم.","vol":"1","page":463},{"text":"ذلك والله لو غيرك يقول لأعضضته، قد ملئت رئتك رُعبًا فقال عتبة: إياي تعني يا مصفر إسته ستعلم اليوم أينا الجبان قال: فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنهُ الوليد حمية، فقالوا: من يبارز؟ فخرج فتيةُ من الأنصار ستة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من بني عمنا من بني عبد المطلب. فقال رسول الله صلى الله عليه سولم: \"قم يا عليٌّ وقم يا حمزةُ وقم يا عبيدة بن الحرث بن المطلب\" فقتل الله شيبة وعتبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة، فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني، أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله قال: \"سكت فقد أيدك الله بملك كريم\" قال علي ﵇ فأسرنا من بني عبد المطلب العباس عقيلًا ونوفل بن الحارث.\n٢٩٣ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: تقدم عتبةُ بن ربيعة، وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلتُ إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحدٍ منهما صاحبهُ ثم ملنا على الوليد، فقتلناه، واحتملنا عبيدة\n_________\nلأعضضته: عض هن أبيك (وهي كلمة شتم عند العرب).\nملئت رئتك رعبًا: تعبير يقال لمن خاف خوفًا عظيمًا.\nيا مصفر استه: الاست: المقعدة، والتصفير يكون بدهنها بالخلوق وهو طيب أصفر اللون، وهي شتيمة.\nأجلح: الذي انحسر شعره عن جانبي رأسه. حمية: الأتقة. أبلق: بلق الفرس: كان فيه سواد وبياض.\n٢٩٣ - أبو داود (٣/ ٥٢) كتاب الجهاد - باب: في المبارزة.\nيبارز: ينفرد عن جماعته ويظهر أمام عدوه.\nفانتدب: ندبه إلى الأمر: كنصره ودعاه وحثه.\nاختلفت ضربتان: ترددت الضربة خلف الضربة الأخرى.\nأثخن: بالغ في جراحة عدوه.","vol":"1","page":464},{"text":"وفي رواية ذكرها رزين: لما كان يومُ بدر تقدم عتبةُ بن ربيعة، وشيبة أخوه، والوليد بن عتبة ... وذكره، وفيها: إنما أردنا أكفاءنا من بني عمنا. وفيه قال علي: فما أنا وحمزة: فأنجزنا صاحبينا، وأما عبيدة والوليد: فأثخن كل واحد منهما صاحبه ... وذكره.\nأقول: أخرج النبي ﷺ للمبارزة ثلاثة هم أقرب الناس إليه نسبًا فلم يكن له ولد ذكر أو أخ أو أب وكان أقرب الناس منه حمزة عمه وعلي ابن عمه وعبيدة ابن عمه الأعلى وهذا يعلمنا ألا نبخل بأقرب الناس منا لنقدمهم للجهاد ونعرضهم للشهادة، وكان في هذا درس للصحابة والمسلمين بليغ.\n٢٩٤ - * روى البزار عن عبد الله يعني ابن سمعود قال: كان سعد يقاتل مع رسول الله صلى الله لعي هوسلم يوم بدر قتال الفارس والراجل.\n٢٩٥ - * روى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (١) قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ: عليٌّ، وحمزةُ، وعبيدةُ، وشيبةُ ابن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.\nوفي رواية أن عليًا قال: فينا نزلت هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.\n٢٩٦ - * روى البخاري عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال قيس بن عُبادٍ: سمعت أبا ذر يُقسم قسمًا أن هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في الذين برزوا يوم بدرٍ: حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.\n_________\n٢٩٤ - كشف الأستار (٢/ ٣١٥)\nمجمع الزوائد (٦/ ٨٣) وقال: رواه البزار بإسنادين أحدهما متصل والآخر مرسل ورجالهم ثقات.\n٢٩٥ - البخاري (٨/ ٤٤٣) ٦٥ - كتاب التفسير - ٢ - باب (هذان خصمان اختصموا في ربهم). يجثو: أي: يقعد على ركبتيه.\n(١) الحج: ١٩.\n٢٩٦ - البخاري (٧/ ٢٩٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨ - باب: قتل أبي جهل.\nومسلم (٤/ ٢٣٢٣) ٥٤ - كتاب التفسير - ٧ - باب: في قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم).","vol":"1","page":465},{"text":"٢٩٧ - * روى أحمد عن عتبة بن عبد السُّلمى أن النبي ﷺ قال لأصحابه: \"قوموا فقاتلوا\" قالوا: نعم يا رسول الله ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇ انطلق أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدن، ولكن انطلق أنت وربك يا محمد فقاتلا وإنا معكم نُقاتل.\n٢٩٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال - وهو في قبةٍ يوم بدر -: \"اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، الهلم إن تشأ لا تُبعدُ بعد اليوم\" فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، وهو يثبُ في الدرع، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (١).\nقال في الفتح: وعن سعيد بن منصور من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: \"لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وتكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله ﷺ وهو في صلاته: \"اللهم لا تودع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تترُني\".\nوعند الطبراني بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: \"ما سمعنا مناشدًا ينشد ضالة أشد مناشدة من محمد لربه يوم بدر: طاللهم إني أنشدك ما وعدتني\" قال السهيلي: سبب شدة اجتهاد النبي ﷺ ونصبه ف الدعاء لأنه رأى الملائكة تنصب في القتال، والأنصار يخوضون غمار الموت، والجهاد تارة يكون بالسلاح وتارة بالدعاء، ومن السنة أن يكون الإمام وراء الجيش لأنه لا يقاتل معهم فلم يكن ليريح نفسه، فتشاغل بأحد الأمرين وهو الدعاء. قوله: (اللهم إن شئت لم تعبد) في حديث عمر \"اللهم إن تهلك هذه العصابه من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض\". أما \"تهلك\" فبفتح أوله وكسر اللام، \"والعصابة\" بالرفع، وإنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك هو ومن معه حينئذ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، ولاستمر المشركون يعبدون غير الله، فالمعنى لا يعبد في الأرض\n_________\n٢٩٧ - أحمد في مسنده (٤/ ١٨٤)، ومجمع الزوائد (٦/ ٧٤) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n٢٩٨ - البخاري (٨/ ٦١٩) ٦٥ - كتاب التفسير - ٥ - باب: قوله تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر).\n(١) القمر: ٤٥.","vol":"1","page":466},{"text":"بهذه الشريعة، ووقع عند مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال هذا الكلام أيضًا يوم أحد، وروى النسائي والحاكم من حديث علي قال: \"قاتلت يوم بدر شيئًا من قتال، ثم جئت فإذا رسول الله ﷺ يقول في سجوده: \"يا حي يا قيوم\" فرجعت فقاتلت، ثم جئت فوجدته كذلك\".\nقال الخطابي: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي ﷺ في تلك الحال، بل الحامل للنبي ﷺ على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، لأنه كان أول مشهد شهده، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينةن فلهذا عقب بقوله \"سيهزم الجمع\" انتهى ملخصًا.\nقوله (فخرج وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر) وفي رواية أيوب عن عكرمة عن ابن عباس لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ قال عمر: أي جمع يهزم؟ قال: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع ويقول: (سيهزم الجمع) أخرجه الطبري وابن مردويه. وله من حديث أبي هريرة عن عمر: (لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أي جمع يهزم؟) فذكر نحوه وهذا مما يؤيد ما قدمته أن ابن عباس حمل هذا الحديث عن عمر ...) أهـ.\n٢٩٩ - * روى البخاري عن أبي أسيد ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر: \"إذا أكثبوكم\" يعني أكثروكم وفي أخرى يعني: أكثروكم - \"فارموهم، واستبقوا نبلكُم\".\nوفي أخرى لأبي داود (١) \"إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم\".\n_________\n٢٩٩ - البخاري (٧/ ٣٠٦) ٦٣ - كتاب المغازي - باب - ١٠.\n(١) أبو داود (٣/ ٥٢) كتاب الجهاد - باب: في سل السيوف عند اللقاء.\nأكثبوكم: قربوا منكم، والكثب: القُربُ. غشوكم: دنوا منكم أو ازدحموا عليكم وكثروا.","vol":"1","page":467},{"text":"طرفاها، قال عُروةُ: فسأله إياها رسول الله ﷺ، فأعطاهُ، فلما قُبِضَ رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر، فأعطاه، فلما قُبِضَ أبو بكر سألها إياه عمرُ، فأعطاهُ إياها، فلما قُبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه، فأعطاه إياها، فلما قُتل عثمان وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قُتِل.\nأقول: هذا الحديث يصلح أصلًا لفكرة المتاحف على أن يلحظ حدود الجائز في شأنها.\n٣٠١ - * روى أبو يعلي عن علي بن أبي طالب قال: كنتُ على قليبٍ فكنتُ يوم بدرٍ أميحُ وأمتح منه فجاءت ريح شديدة، ثم جاءت ريح شديدة شديدة فلم أر ريحًا أشد منها إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة، فكانت الأولى ميكائيل في ألف من الملائكة عن يمين النبي ﷺ، والثانية إسرافيل في ألف من الملائكة عن يسار النبي ﷺ، والثالثة جبريل في ألف من الملائكة وكان أبو بكر عن يمينه، وكنتُ عن يساره، فلما هزم الله الكفار حملني رسول الله ﷺ على فرسه، فلما استويت عليه حمل بي فصرتُ على عنقه فدعوتُ الله فثبتني عليه فطعنت برُمحي حتى بلغ الدم إبطي.\n٣٠٢ - * روى الطبراني عن عروة قال: نزل جبريل ﵇ يوم بدر على سيما الزبير، وهو معتجر بعمامة صفراء.\n٣٠٣ - * روى البزار عن علي قال: قال لي النبي ﷺ ولأبي بكر يوم بدرٍ: \"مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيلُ ملك عظيم يشهدُ القتال، أو\n_________\n٣٠١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٧٧) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله ثقات.\nمتح: متح الدلو يمتحها إذا جذبها مسقيًا لها، وماحها يميحها إذا ملأها.\nحمل بي: ظهر واشتد.\nاستويت عليه: صعدت عليه.\n٣٠٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٤) وقال: رواه الطبراني، وهو مرسل صحيح الإسناد.\nسيما: السيما: العلامة.\nمعتجر: اعتجر فلان بالعمامة: لفها على رأسه ورد طرفها على وجهه.\n٣٠٣ - كشف الأستار (٢/ ٣١٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٢) وقال: رواه أحمد بنحوه والبزار واللفظ له، ورجالها رجال الصحيح، ورواه أبو يعلي.","vol":"1","page":468},{"text":"قال في الفتح: والذي يظهر لي أن معنى قوله \"واستقبوا نبلكم\" لا يتعلق بقوله \"ارموهم\" وإنما هو كالبيان للمراد بالأمر بتأخير الرمي حتى يقربوا منهم، أي إنهم إذا كانوا بعيدًا لا تصيبهم غالبًا، فالمعنى استبقوا نبلكم في الحالة التي إذا رميتم بها لا تصيب غالبًا وإذا صاروا إلى الحالة التي يمكن فيها الإصابة غالبًا فارموا. أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>عوامل النصر</span>\nجرت عادة القادة في الحروب أنهم يتقدمون لجندهم بتوجيهات القتال بين يدي المعركة الملاحظ من خلال هذا الحديث وغيره مما مر معنا ويمر ما يلي:\n١ - أن توجيهات القتال كانت واضحة وحكيمة.\n٢ - أن التعبئة النفسية كانت على أرقاها وأعلاها.\n٣ - أن القناعة بالمعركة كانت كاملة.\nوكل ذلك كانت عوامل مناسبة للوصول إلى النصر وهي جزء من عالم الأسباب الذي يجب أن يلاحظه المسلمون في معاركهم.\n٣٠٠ - * روى البخاري عن الزبير بن العوام القرشي قال: لقيتُ يوم بدرٍ عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج، لا يُرى منه إلا عيناهُ، وكان يُكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملتُ عليه بالعنزة، فطعنته في عينه، فمات، قال فأخبرتُ أن الزبير قال: لقد وضعتُ رجلي عليه، ثم تمطأت فكان الجُهد: أن نزعتُها، وقد انثنى\n_________\n٣٠٠ - البخاري (٧/ ٢١٤) ٦٤ - كتاب المغازي - باب: ١٢.\nمدجج: المدجج: الغائص في سلاحه.\nالعنزة: شبه العكازة في رأسها سنان كسنان الرمح.\nتمطيت: تمطى: امتد وطال ومنه التمطي.\nالجهد: بضم الجيم. الوسع والطاقة وبفتحها: المشقة. وقيل: هما لغتان في المشقة.","vol":"1","page":469},{"text":"يكون في الصف\".\n٣٠٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم بدرٍ: \"هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب\".\n٣٠٥ - * روى الحاكم عن أبي أمامة بن سهل قال: قال لي أبي: يا بُني لقد رأيتُنا يوم بدرٍ وإن أحدنا ُشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه.\n٣٠٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدرٍ نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسع عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه سولم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه يقول: \"اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تُعبدُ في الأرض\" فما زال يهتف بربه مادًا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كذاك مُناشدتك ربك، فإنه سينجزُ لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) فأمده الله بالملائكة، قال سِماك: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجلٍ من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزُوم فنظر إلى المشرك أمامهُ خر مستلقيًا، فنظر إليه،\n_________\n٢٠٤ - البخاري (٧/ ٢١٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ١١ - باب شهود الملائكة بدرًا.\n٢٠٥ - المستدرك (٣/ ٤٠٩) كتاب معرفة الصحابة، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n٢٠٦ - (٣/ ١٣٨٣) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ١٨ - باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم.\nهتف به: إذا ناداه وصاح به، والمراد به: الدعاء والتضرع في السؤال.\nالعصابة: الجماعة من الناس.\nيناشده: المناشدة: المسألة والطلب، والابتهال إلى الله تعالى.\nمردفين: أي: متتابعين، يتبع بعضهم بعضًا.\n(١) الأنفال: ٩.\nيشتد: الشد: العدو.\nخيؤوم: اسم فرس من خيل الملائكة الذين أمد الله بهم المسلمين يوم بدر.","vol":"1","page":470},{"text":"فإذا هو قد خُطِمَ أنفه وشُق وجهه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ، فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: \"صدقت، ذلك منْ مددِ السماء الثالثة\" فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين، قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: \"ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ \" فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام فقال رسول الله ﷺ: \"ما ترى يا ابن الخطاب؟ \" قلتُ: لا والله، يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمكنا، فنضرب أعناقهم، فتُمكن عليًا من عقيلٍ فيضرب عنقه، وتمكني من فلان -نسيبًا لعمر - فأضربه عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئتُ، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكير أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ: \"أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة\" لشجرة قريبة من نبي الله ﷺ - وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١). فأحل الله الغنيمة لهم.\nوأخرج الترمذي (٢) منه إلى قوله: فأمده الله بالملائكة.\n_________\n= خطم أنفه: الخطم - بالحاء المهملة - الدق والكسر، وبالخاء المعجمة: الأثر على الأنف، كما يخطم البعير بالكي، يقال: خطمت البعير: إذا وسمته بكي في الأنف إلى أحد خديه، والخِطامُ: السمة في عرض الوجه إلى الخد.\nصناديدها: الصناديد جمع صنديد، وهو السيد الشجاع.\nفهوى: هويت الشيء أهواه: إذا ملت إليه، ورغبت فيه.\nيثخن: أي حتى يكثر فيها القتل، ويتمكن منها، وتقوى شوكته.\n(١) الأنفال: ٦٧، ٦٨.\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٦٩) كتاب تفسير القرآن - باب: ومن سورة الأنفال، قال: حديث حسن صحيح غريب.","vol":"1","page":471},{"text":"وأخرج أبو داود (١) منه طرفًا قال: حدثني عمرُ بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر، فأخذ - يعني النبي ﷺ - الفداء، فأنزل الله ﷿ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء، ثم أحل لهم الغنائم.\n٣٠٧ - * روى البخاري (٢) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهلٍ؟ قلت: نعم، ما حاجتُك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرتُ أنه يسُبُّ رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سوادهُ حتى يموت الأعجلُ منا، قال: فتعجبت لذلك، قال: فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله فأخبراه، فقال: \"أيكما قتله؟ \" قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: \"هل مسحتما سيفيكما؟ \" قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: \"كلاكما قتله سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح\"، وكانا معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء.\nوفي أخرى (٢) قال: إني لفي الصفة يوم بدر، إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ٦١) كتاب الجهاد - باب: في فداء الأسير بالمال.\n٣٠٧ - البخاري (٦/ ٣٤٦) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ١٨ - باب: من لم يخمس الأسلاب.\nومسلم (٣/ ١٣٧٢) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ١٣ - باب: استحقاق القاتل سلب القتيلز\nبين أضلع منهما أي: أقوى منهما وأشد: والضليعُ: القوي الشديد.\nسوادي سواده: أي شخصي شخصه.\nحتى يموت الأعجل منا: أي لا أفارقه حتى يموت أحدنا، وهو الأقرب أجلًا.\nلم أنشب: أي لم ألبث. أي لم يمض زمن كثير على سؤالهما إلا وأنا رأيته.\nكلاكما قتله: تطييبًا لقلب الآخر من حيث أن له مشاركة في قتله، وإلا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب، وهو الإثخان وإخراجه عن كونه ممتنعًا، إنما وُجد من معاذ بن عمرو بن الجموح، فلهذا قضي له بالسلب.\n(٢) البخاري (٧/ ٣٠٧) ٦٣ - كتاب المغازي - باب: ١٠.","vol":"1","page":472},{"text":"فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانها، إذ قال لي أحدهما سِرًا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي وماتصنعُ به؟ قال: عاهدت الله إن رأيتُه أن أقتله أو أمُوت دُونه، فقال لي الآخر سرًا من صاحبه مثله، قال: فماسرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إيه فشدا عليه مثل الصقرين، حتى ضرباه، وهُما ابنا عفراء.\n٣٠٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ يوم بدر \"مَنْ ينظر ما صنع أبو جهل\" فانطلق ابن مسعود فوجَدَهُ قد ضربه ابنا عفراء، حتى برد فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجُلٍ قتلتموه؟ أو قال: قتلهُ قومه؟\nوفي رواية: قال أبو جهلٍ: فلو غير أكار قتلني.\n٣٠٩ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: أدركتُ أبا جهلٍ يوم بدر صريعًا، فقلتُ: أي عدو الله قد أخزاك الله قال: وبما أخزاني من رجل قتلتموه. ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولايَحْتَكُّ فيه شيء ومعه سيف له جيد فضربت يده فوقع السيف من يده فأخذته، ثم كشفتُ المغفر عن رأسه فضربتُ عنقهُ، ثم أتيتُ النبي ﷺ فأخبرته فقال: \"الله الذي لا إله إلا هو\" قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: \"انطلق فاستثبتْ\" فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر ثم جئتُ وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرتُهُ، فقال رسول الله ﷺ: \"انطلق\" فانطلقتُ معه، فأريتُه فلما وقف عليه ﷺ قال: \"هذا فرعونُ هذه الأمةِ\"\n_________\n٢٠٨ - البخاري (٧/ ٢٩٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨ - باب: قتل أبي جهل. وكذا في (٧/ ٣٢١) ٦٤ - كتاب المغازي - ١١ - باب: شهود الملائكة بدرًا.\nومسلم (٣/ ١٤٢٤) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤١ - باب: قتل أبي جهل.\nأكار: الأكار: الفلاح، وأراد بقوله ذلك استصغارًا واستعظامًا، كيف مثله يقتل مثله.\nحتى برد: أي صار في حالة من مات ولم يبق منه إلا حركة المذبوح.\n٣٠٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٧٩) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن وهب بن أبي كريمة، وهو ثقة.\nالمغفر: زَرَدٌ ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة.","vol":"1","page":473},{"text":"٣١٠ - * روى الطبراني عن حَكِيمِ بن حِزامٍ قال: سمعنا صوتًا وقع من السماء إلى الأرضِ كأنه صوتُ حصاةٍ في طستٍ ورمَى رسولُ الله ﷺ بتلك الحصاة فانهزمنا.\n٣١١ - * روى البزارُ عن ابن عباسٍ، قال: أخذتْهم ريحٌ عقيمٌ يوم بدر.\n٣١٢ - * روى الطبراني عن ابن عباس، أن النبي قال لعلي: \"ناولني كفًا من حصى\" فناوله، فرمى به وجوه القوم فما بقي أحدٌ من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ...﴾ (١).\nأقول: وهكذا اجتمع في بدر الأخذ بالأسباب بالقدر الممكن مع التوفيق الرباني في تهيئة جميع أسباب النصر متعاونة متكافئة مع التأييدات الرباينة الخارقة والغيبية، ففي عالم الأسباب تشكل دراسة الأرض والطقس ووجود القيادة والثقة بها والروح المعنوية لبناتٍ أساسية في صحة القرار العسكري، ولقد كانت الأرض لصالح المسلمين وكان الطقس مناسبًا للمعركة، والقيادة الراقية موجودة والثقة بها عالية والروح المعنوية سابقة، وبعض من هذه المعاني كان من الله بشكل مباشر وتوفيقه وبعضها كان من فعل رسول الله ﷺ أخذًا بالأسباب المطلوبة فتضافر الأخذ بالأسباب مع توفيق الله وزيد على ذلك التأييدات الغيبية والخارقة فكان ما كان، وذلك نموذج على ما يعطاه المسلمون بفضل الله إذا ما صلحت النيات عند الجند والقادة ووجدت الاستقامة على أمر الله، وأخذ المسلمون بالأسباب.\n* * *\n_________\n٣١٠ - أورده الهيثمي في المجمع (٦/ ٨٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناده حسن.\n٣١١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٧٧) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\nالريح العقيم: هي التي لا تلقح.\n٣١٢ - المعجم الكبير (١١/ ٢٨٥) وأورده الهيثمي في المجمع (٦/ ٨٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(١) الأنفال: ١٧.","vol":"1","page":474},{"text":"٣١٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن أمْ الرُّبيع بنت البراء - وهي أم حارثة بن سُراقة - أتت النبي ﷺ، فقالت: يا نبي الله لا تحدثني عن حارثة - وكان قُتِلَ يوم بدر، أصابه سهم غرب - فإن كان في الجنة صبرتُ، وإن كان غيرُ ذلك اجتهدتُ عليه في البكاء؟ قال: \"يا أم حارثة، إنها جنانٌ في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى\".\nوفي رواية (١): قال أنس: أصيب حارثةُ يوم بدر وهو غلامٌ، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبرُ وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: \"ويْحَكِ - أو هَبِلْتِ - أو جنة واحدة هي؟ إنها جنانٌ كثيرةٌ، وإنه في جنة الفردوس\".\nوزاد رَزِين: \"وإنه في الفردوس الأعلى. وسقفُه عرشُ الرحمن، ومنه تفجر أنهارُ الجنةِ، وإن غدوةً في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوس أحدكم - أو موضع قِدِّه - من الأرض في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعتْ إلى الأرض لأضاءت الدنيا وما فيها، ولنصيفُها - يعني خمارها - خيرٌ من الدنيا وما فيها\".\n٣١٤ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس، ذكر حديث المبارزة وأن عُتْبة بن ربيعة قتل عُبيدة بن الحارث مبارزة ضربه عتبةُ على ساقه فقطعها فحمله رسول الله ﵌ فمات بالصفراء مُنصرفِهِ من بدرٍ فدفنه هنالك.\n_________\n٣١٣ - البخاري (٦/ ٢٦) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١٤ - باب: من أتاه سهم غرب فقتله.\nسهم غربٍ: يقال: أًابه سهم غرب، يضاف ولا يضاف، وتحرك الراء وتسكن إذا لم يدر من أين أتاه.\nولقاب قوس أحدكم. أو موضع قِده: ألقاب: القدر، والقد: السوط، يعني لقدر قوسه من الجنة خير من الدنيا وما فيها.\n(١) البخاري (١١/ ٤١٥) ٨١ - كتاب الرقاق - ٥١ - باب: صفة الجنة والنار.\n٣١٤ - المستدرك (٣/ ١٨٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nالصفراء: واد قرب المدينة كثير النخل والزرع والخير يجلب منه التمر إلى المدينة.","vol":"1","page":475},{"text":"٣١٥ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: كاتبتُ أمية بن خلفٍ كتابًا: بأن يحفظني في صاغيتي بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرتُ (الرحمن) قالك لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان لك في الجاهلية، فكاتبته (عبد عمرو) فلما كان يوم بدر خرجتُ إلى جيلٍ لأحرزه حين نام الناس فأبصره بلالٌ، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال: أمية بن خلفٍ، لا نجوتُ إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيتُ أن يلحقونا خلفت لهم ابنه، لأشغلهُم به، فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعُونا، وكان رجلًا ثقيلًا. فلما أدركونا قلتُ له: ابْرُك، فبَرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتجللوُه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن يُرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه.\nوفي رواية: فلما كان يوم بدر، حصللي درعان، فلقيني أمية فقال: خُذني وابني، فأنا خيرٌ لك من الدرعين، أفتدي منك، فرآه بلالٌ، فقال: أمية رأسُ الكفر، لا نجوتُ إن نجا أمية، فقتلهُما، فكان ابن عوفٍ يقول: يرحمُ الله بلالًا، فلا درعي ولا أسيري.\nقال في الفتح: قوله: (بأن يحفظني في صاغيتي) الصاغية بصاد مهملة وغين معجمة خاصة الرجل، مأخوذ من صغى إليه إذا مال. قال الأصمعي: صاغية الرجل كل من يميل إليه، ويطلق على الأهل والمال. وقال ابن التين: رواه الداودي ظاعنتي بالظاء المشالة المعجمة والعين المهملة بعدها نون، ثم فسره بأنه الشيء الذي يسفر إليه قال ولم أر هذا لغيره. قوله: (لا أعرف الرحمن) أي لا أعترف بتوحيده، وزاد ابن إسحق في حديثه أن أمية بن خلف كان يسميه عبد الإله. قوله: (حين نام الناس) أي رقدوا، وأراد بذلك اغتنام غفلتهم ليصون دمه. قوله (فقال: أمية بن خلف) بالنصب على الإغراء، أي عليكم أمية، وفي راية أبي ذر بالرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا أمية. قوله: (خلفت لهم\n_________\n٣١٥ - البخاري (٤/ ٤٨٠) ٤٠ - كتاب الوكالة - ٢ - باب: إذا وكل المسلم حربيًا في دار الحرب أو في دار الإسلام.\nلأحرزه: أي: لأحوطه وأحفظه من القتل، ومنه الحرزُ، وهو الموضع الذي يحفظ فيه الشيء.\nفتحللوه: تحللوه بالسيوف. أي: قتلوه بها طعنًا، جعل السيوف في هذه الحالة كالأخلة، حيث لم يقدروا أن يضربوه بها.","vol":"1","page":476},{"text":"ابنه) هو علي بن أمية، ووجه أخذ الترجمة من هذا الحديث أن عبد الرحمن بن عوف وهو مسلم في دار الإسلام فوض إلى أمية بن خلف وهو كافر في دار الحرب ما يتعلق بأموره، والظاهر اطلاع النبي ﷺ عليه ولم ينكره، قال ابن المنذر: توكيل المسلم حربيًا مستأمنًا وتوكيل الحربي المستأمن مسلمًا لا خلاف في جوازه. قوله (وكان رجلًا ثقيلًا) أي ضخم لجثة.\n٣١٦ - * روى الطبراني عن شقيق أن ابن مسعود حدثهُ: أن الثمانية عشر الذين قُتلوا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر جعل الله أرواحم في الجنة في طيرٍ خُضْرٍ تسرحَ في الجنة، فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربُّك اطلاعة، فقال: يا عبادي ماذا تشتهون؟ فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا شيء قال: فيقول عبادي ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة ترُدُّ أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قُتِلْنا.\nأقول: المشهور أن الذين استشهدوا من المسلمين يوم بدر أربعة عشر فلعل ذكر الثمانية عشر ههنا وهم، وقد ذكر أسماء الشهداء ابن كثير في البداية والنهاية فقال:\nوكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا: من المهاجرين ستة وهم: عُبيدة بن الحارث بن المطلب قطعت رجله فمات بالصفراء ﵀، وعُمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزُّهري قتله العاص بن سعيد وهو ابن ست عشرة سنة ويقال إنه كان قد أمره رسول الله ﷺ بالرجوع لصغره فبكى فأذن له في الذهاب فقتل ﵁، وحليفهم ذو الشمالين بن عبد عمرو الخُزاعي، وصفوان بن بيضاء، وعاقلُ بن البُكير الليثي حليف بني عدي، ومهجع مولى عمر بن الخطاب وكان أول قتيل قُتِلَ من المسلمين يومئذ، ومن الأنصار ثمانية وهم: حارثة بن سراقة رماه حِبان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فمات، ومُعوذ وعوف ابنا عفراء، ويزيد بن الحارث - ويقال ابن قُسْحُم - وعُمير بن الحمام، ورافع بن المعلي وسعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر رضي الله عن جمعيهم.\n٣١٧ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما فرغ رسول الله\n_________\n٣١٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٩٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n٣١٧ - الترمذي (٥/ ٢٩٩) كتاب التفسير - باب: ومن سورة الأنفال. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ... =","vol":"1","page":477},{"text":"ﷺ من بدرٍ قيل له: عليك العيرُ، ليس دُونها شيءٌ، قال: فناداه العباس وهو في وثاقِهِ: لا يصلحُ، وقال لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.\nقال صاحب الفتح الرباني: العير بكسر العين الإبل بأحمالها يعني عير أبي سفيان التي كان رسول الله ﷺ خرج بالمسلمين من المدينة يريدها فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا إليها وسبقت العير المسلمين، فلما فاتهم العدو نزل النبي ﷺ بالمسلمين بدرًا فوقع القتال، وهذه العير يقال كانت ألف بعير وكان المال خمسين ألف دينار وكان فيها ثلاثون رجلًا من قريش وقيل أربعون وقيل ستون، (ليس دونها شيء) أي ليس دون العير شيء يزاحمك، (فناداه العباس) يعني ابن عبد المطلب وكان إذ ذاك أسيرًا (في وثاقه) بكسر الواو وفتحها ما يشد به من قيد وحبل ونحوهما (لايصلح لك) أي لا ينبغي لك. المراد بالطائفتين العير والنفير فكان في العير أبو سفيان ومن معه كعمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل وما معه من الأموال، وكان في النفير أبو جهل وعتبة بن ربيعة وغيرهم من روساء قريش، زاد الترمذي قال: أي النبي ﷺ (صدقت) أي فيما قلت. أهـ.\n٣١٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ عن أبي طلحة قال: إن نبي الله ﷺ، أمر يوم بدرٍ بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قُريش، فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدرٍ خبيثٍ مُخبثٍ، وكان إذا ظهر على قومٍ أقام بالعرصة ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدر اليوم الثالث: أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى، واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطقُ إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الرِّكيِّ فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: \"يا فلانُ بن فلانٍ، ويا فلان بن فلانٍ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ \" فقال عمر: يا رسول الله ما تُكلم من أجسادٍ لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسُ محمدٍ\n_________\n= وأحمد في مسنده (١/ ٣٢٩).\n٣١٨ - البخاري (٧/ ٣٠٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨ - باب: قتل أبي جهل. ومسلم (٤/ ٣٢٠٤) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمه وأهلها - ١٧ - باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو انار عليه.\nعرصة الدار: ساحتها.\nالرحل: رحل البعير: ما يوضع على ظهره للركوب فكل شيء بعد الرحيل من وعاء للمتاع وغيره.","vol":"1","page":478},{"text":"بيده، ما أنتم بأسمع لما أقولُ منهم\" قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة، وندمًا.\nقال صاحب فتح الباري: وسيأتي من حديث البراء أن قتلى بدر من الكفار كانوا سبعين، وكأن الذين طرحوا في القليب كانوا الرؤساء منهم ثم من قريش، وخصوا بالمخاطبة المذكورة لما كان تقدم منهم من المعاندة، وطرح باقي القتلى في أمكنة أخرى. وأفاد الواقدي أن القليب المذكور كان حفره رجل من بني النار فناسب أن يلقي فيه هؤلاء الكفار. قوله: (على شفة الركي) أي طرف البئر، وفي رواية الكشميهني (على شفير الركي) والركي بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد آخره: البئر قبل أن تطوى. والإطواء جمع طوى وهي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار، ويجمع بين الروايتين بأنها كانت مطوية فاستهدمت فصارت كالركي. قوله: (فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان) في رواية حميد عن أنس (فنادى يا عتبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام) أخرجه ابن إسحق وأحمد وغيرهما، وكذا وقع عند أحمد ومسلم من طريق ثابت عن أنس، فسمى الأربعة، لكن قدم وأخر، وسياقه أتم. قال في أوله: (تركهم ثلاثة أيام حتى جيفوا) فذكره، وفيه من الزيادة: فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ أهـ.\n٣١٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: وقف رسول الله ﷺ على أهل القليب فقال: \"يا أهل القليبِ هل وجدتم ما وعد ربكُم حقًا فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقًا\" قالوا: يا رسول الله هل يسمعُونَ ما تقول؟ قال: \"ما أنتم بأسمع لما أقول مهم ولكنهم اليوم لا يجيبون\".\n٣٢٠ - روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدرٍ ثلاثًا، ثم أتاهم، فقام عليهم، فناداهم فقال: \"يا أبا جهل بن هشام، يا أميةُ بنُ\n_________\n٣١٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٩١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n٣٢٠ - مسلم (٤/ ٢٣٠٣) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - ١٧ - باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه.","vol":"1","page":479},{"text":"خلفٍ، يا عتبةُ بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا\" فسمع عمر قول النبي ﷺ، فقال: يارسول الله، كيف يسمعوا؟ وأني يُجيبوا وقد جيفُوا؟ قال: \"والذي نفسي بيده، ما أنتمُ بأسمع لما أقولُ منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يُجيبوا\"، ثم أُمِرَ بهم فسُحبوا، فأُلقُوا في قليب بدرٍ.\nقال النووي: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم): قال المازري: قال بعض الناس: الميت يسمع عملًا بظاهر الحديث ثم أنكره المازري وادعى أن هذا خاص في هؤلاء ورد عليه القاضي عياض وقال: يحمل سماعهم على ما يحمل عليه سماع الموتى في أحاديث عذاب القبر وفتنته التي لا مدفع لها وذلك بإحئايهم أو إحياء جزء منهم يعقلون به ويسمعون في الوقت الذي يريد الله. أهـ.\nهذا كلام القاضي وهو الظاهر المختار الذي تقتضيه أحاديث السلام على القبور والله أعلم. ولأن عائشة ﵂ كان لها تحفظ على بعض هذه الروايات فقد قال ابن حجر في الفتح:\nومن الغريب أن في المغازي لابن إسحق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه \"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم\" وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفظًا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة، قال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم مالا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن.\n٣٧١ - * روى الحاكم عن أمامة بن سهل قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله\n_________\nجيفوا: جاف القتيلُ وجيف: إذا أنتن.\nالقليبُ: البئر يذكر ويؤنث.\n٣٢١ - المستدرك (٣/ ٢١٨) وقال: هذا حديث صحيح علىش رط مسلم ولم يخرجاه: وسكت عنه الذهبي. ... =","vol":"1","page":480},{"text":"وسلم من بدرٍ بعث بشيرينِ إلى أهل المدينة، بعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وبعث عبد الله بن رُواحة إلى أهل العالية يبشرونهم بفتح الله على نبيه ﵌ فوافق زيد بن حارثة ابنه أسامة حين سوى التراب على رقية بنت رسول الله ﵌، فقيل له: ذاك أبوك حين قدم قال أسامة: فجئت وهو واقف للناس يقول: قُتِل عُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهلٍ بن هشام ونبية ومنبه وأمية بن خلف فقلت: يا أبتِ أحق هذا قال: نعم، والله يا بُني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>٣ - الأنفال</span>\n٣٢٢ - * روى أحمدُ عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي ﷺ فشهد معهُ بدرًا فالتقى الناسُ فهزم الله ﵎ العدو فانطلقت طائفةً في آثارهم يهزمُون ويقتُلون، فأكبت طائفة على العسكر يحوونَهُ ويجمعونه أحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يُصيبُ العدو منه غُرةُ حتى إذا كان الليل وفاء الناسُ بعضهم إلى بعضٍ قال الذين جمعوا الغنائم نحن جويناها وجمعناها فليس لأحدٍ فيها نصيبٌ، وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منا نحن نفينا عنها العدو، وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخِفنا أن يصيب العدوُ منه غرةً واشتغلنا به فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (١) فقسمها رسول الله ﷺ على فواق بين المسلمين وكان رسول الله صلى الله عيه وسلم إذا أغار في أرض العدو ونفل الربع، وإذ أقبل راجعًا وكل الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال ويقول: \"ليرد قويُّ المؤمنين على ضعيفهم\".\n_________\nالعالية: اسم لما كان من جهة نجد منالمدينة من قراها وعمائرها.\nسوى: سوى الشيء: قومه وعدله وجعله سويًا.\n٣٢٢ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٢٤).\nغرة: غفلة في اليقظة - جمع غِرر.\nفاء: رجع.\nالنفل: الغنيمة.\n(١) الأنفال: ١.","vol":"1","page":481},{"text":"روى الترمذي وابن ماجه منه: كان يُنفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث فقط. وفي رواية عندهُ سألت عبادة بن الصامت ﵀ عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواءٍ يقول على السواء.\nأقول: (في البداءة الربع): أراد بالبدأة ابتداء الغزو، وبالرجعة القفول منه. قال في النهاية باختصار: (أي إذا نهضت سرية من جملة العسكر المقبل على العدو فأوقعت بهم نفلها الربع، وإذا فعلت ذلك عند عود العسكر نفلها الثلث لأن الكرة الثانية أشق ولأنهم في الأول أنشط وأشهى وهي عند القفول أضعف وأفتر.\n٣٢٣ - * روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يومُ بدرٍ، جئتُ بسيفٍ، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري من المشركين - أو نحو هذا - هب لي هذا السيف، فقال: \"هذا ليس لي ولا لك\"، فقلتُ: عسى أن يُعطى هذا من لا يُبلى بلائي، فجاءني الرسولُ فقال: \"إنك سألتني وليست لي وقد صارت لي، وهو لك\" قال: فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ...﴾ الآية.\n٣٢٤ - * روى الترمذي عن عُبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ كان يُنَفِّل في ابدأةِ الربع وفي القفول الثلث.\n٣٢٥ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ تنفلَ سيفهُ ذا الفقارِ\n_________\n٣٢٣ - الترمذي (٥/ ٣٦٨) كتاب تفسير القرآن - باب: ومن سورة الأنفال. وقال: حديث حسن صحيح.\nوأبو داود (٣/ ٧٧) كتاب الجهاد - باب: في النفل.\nيبلى بلائي: أبليت بلاءًا حسنا، أي: صنعتُ، والأصل فيه: الابتلاء والاختبار، أي: فعلت فعلًا اختبرتُ فيه، ظهر به خيري وشري.\n٣٢٤ - الترمذي (٤/ ١٣٠) كتاب السير - باب: في النفل.\nوقال: وفي الباب عن ابن عباس وحبيب بن مسلمة ومعن بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع. وحديث عبادة حديث حسن.\n٣٢٥ - الترمذي (٤/ ١٣٠) كتاب السير - باب: في النفل. وقال: هذا حديث حسن غريب.\nتنفل: تنفل الشيء: إذا أخذه زيادة عن السهم.\nذا الفقار: اسم سيف النبي ﷺ، سمى بذلك لأنه كان فيه حُفر صغار حسان، فيقال للحفرة: فُقْرة.","vol":"1","page":482},{"text":"يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أُحُدٍ.\nقال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم في النفل من الخُمُسِ، فقال مالك بن أنس: لمْ يبلغني أن رسول الله ﷺ نفل في مغازيه كُلها.\nوقد بلغني أنه نفل في بعضها وإنما ذلك على وجه الاجتهاد من الإمام في أول المغنم وآخره، قال ابن منصور: قلتُ لأحمد: إن النبي ﷺ نفل إذا فصل بالربُع بعد الخمُس وإذا قفل بالثلث بعد الخمس؟ فقال: يُخرج الخمس ثم ينفل مما بقي ولا يُجاوز هذا.\nقال أبو عيسى: وهذا الحديثُ على ما قال المسيب النفل من الخُمس، قال إسحق كما قال.\n٣٢٦ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت أميحُ أصحابي الماء يوم بدر.\nوفي نسخة: أمنحُ أصحابي الماء يوم بدر.\nقال أبو داود: معناه: أنه لم يُسهم له.\n٣٢٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لم تحل الغنائم لأحدٍ سُودِ الرؤوس من قبلكُم كانت تنزلُ نار من السماء فتأكُلها\" قال سليمان الأعمش: فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن؟ فلما كان يوم بدرٍ، وقعوا في الغنائم قبل أن تحل لهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ\n_________\n= الرؤيا: التي رآها النبي ﷺ يوم أحُد: هي أنه رأى كأن في سيفه فلولا، فأولها: هزيمة، وكانت يوم أُحد.\n٣٢٦ - أبو داود (٣/ ٧٥)، كتاب الجهاد، باب: في المرأة والعبد يُحذيان من الغنيمة، وإسناده قوي.\nأمنح: أميح: المانح: المعطي، والمائحُ: الذي ينزل إلى أسفل البئر فيملأ الدلو، ويدفعها إلى المانح، وهو الذي يستقي الدلو.\n٣٢٧ - الترمذي (٥/ ٣٧١)، ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٩ - باب: \"ومن سورة الأنفال\" وقال: حديث حسن صحيح غريب.\nلأحد بسود الرءوس: للناس، فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن: أي لا يروي هذا عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة.","vol":"1","page":483},{"text":"عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).\nأقول: ورد في الحديث: وأحلت لي الغنائم. وكانت الغنائم لا تحل لبني إسرائيل وإحلالها للأمة الإسلامية من التيسير في دين الإسلام ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢).\n٣٢٨ - * روى الطبراني عن الأرقم بن أبي الأرقم قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدرٍ: \"رُدُّوا ما كان معكم من الأنفال\" فرفع أبو أسيد الساعدي سيف بني العابد المرزبان فعرفهُ الأرقم، فقال: هبةُ لي يا رسول الله فأعطاه إياه.\n٣٢٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: \"من فعل كذا وكذا، فله من النفل كذا وكذا\" قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخةُ الرايات، فلم يبرحوها، فلم فتح الله عليهم، قال المشيخة، كنا ردءًا لكم، لو أنهزمتُم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونُبقي، فأبى الفتيان، وقالوا: جعله رسول الله ﷺ لنا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ\n_________\n(١) الأنفال: ٦٨.\n(٢) الأعراف: ١٥٧.\n٣٢٨ - المعجم اكبير (١/ ٣٠٧) مختصرًا.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٩٢)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجاله ثقات.\nبنو عابد: من بني مخزوم، والأرقم: من بني مخزوم، والمرزبان: اسم السيف فقد طلب الأرقم ﵁ سيف أسرته المشهور.\n٣٢٩ - أبو داود (٣/ ٧٧)، كتاب الجهاد، باب في النفل.\nالنفل: بفتح الفاء: الغنيمة، وأصله الزيادة، وهو أيضًا: ما يُعطاه الإنسان زيادة على سهمه من الغنيمة، وتروي بسكون الفاء.\nردءًا لكم: الردء: المساعد والمعين.\nفئتم: فاء، يفيء: إذا رجع، يعني: إن خفتم أمرًا رجعتم إلينا.","vol":"1","page":484},{"text":"رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (١) يقول: فكان ذلك خيرًا لهم، فكذلك أيضًا فأطيعُوني، فإني أعلم بعاقبة هذا منكم.\nوفي رواية يقول: فكما كان خروجه خيرًا لكم، فكذلك فأطيعوا الله ربكم، فإنه أعلم بعاقبة أموركم ومصالحها، فاصطلحوا، ورضي كل بقسم الله فيهم.\nفي رواية بإسناده (٢) ومعناه، قال: فقسمها رسول الله ﷺ بالسواء.\n٣٣٠ - * روى البخاري عن الزبير بن العوام ﵁ قال: ضُربتْ يوم بدرٍ للمهاجرين بمائة سهمٍ.\nقال البخاري: فجميع من شهد بدرًا من قريش ممن ضُرِبَ له بسهمه: أحدٌ وثمانون رجلًا، وكان عروة بن الزبير يقول: قال الزبير: قُسمت سهمانُهم، فكانوا مائة. والله أعلم.\nقال الحافظ في الفتح: قوله (ضربت يوم بدر المهاجرين بمائة سهم) عند ابن عائذ من طريق أبي الأسود عن عروة (سألت الزبير على كم سهم جاء للمهاجرين يوم بدر؟ قال: على مائة سهم) قال الداودي هذا يغاير قوله (كانوا إحدى وثمانين) قال: فإن كان قوله بمائة سهم من كلام الزبير فلعله دخله شك في العدد، ويحتمل أن يكون من قول الراوي عنه، قال: وإنما كانوا على التحرير أربعة وثمانين، وكان معهم ثلاثة أفراس فأسهم لها سهمين سهمين، وضرب لرجال كان أرسلهم في بعض أمره بسهامهم فصح أنها كانت مائة بهذا الاعتبار. قلت: هذا الذي قاله أخيرًا لا بأس به، لكن ظهر أن إطلاق المائة إنما هو باعتبار الخمس، وذلك أنه عزل خمس الغنيمة ثم قسم ما عداه على الغانمين على ثمانين سهمًا عدد من شهدها ومن ألحق بهم، فإذا أضيف إليه الخمس كان ذلك من حساب مائة سهم، والله أعلم.\n_________\n(١) الأنفال: ١ - ٥.\n(٢) أبو داود (٣/ ٧٧) كتاب الجهاد، باب: في النفل.\n٣٣٠ - البخاري (٧/ ٣٢٤)، ٦٤ - كتاب المغازي. ١٣ - باب: حدثني خليفة.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>فوائد:</span>\n١ - قال ابن كثير في البداية والنهاية: قال ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة به فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقشٍ كما حدثني عاصم بن عمر ويزيد بن رومان ما الذي تهنؤننا به. والله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبُدن المعقلة فنحرناها، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: (أي ابن أخي أولئك الملأ) قال ابن هشام: يعني الأشراف والرؤساء.\n٢ - المسلم يقاتل لله وفي الله، والغنيمة لا تشكل بالنسبة له هدفًا يؤثر على نية القتال في سبيل الله، ولكنها في الوقت نفسه تعتبر حافزًا للبشرية، وقد أراح الله ﷿ هذه النفس فأعطاها من الغنائم حتى لا تفكر أصلًا.\nوقد نزلت سورة الأنفال تحدد استحقاق المقاتلين بأنه أربعة أخماس الغنيمة بعد أن يأخذ أهل البلاء ما وعدوه من الإمام وبعد أن يأخذ الإمام الخمس ليضعه في المصارف التي حددها الله ﷿.\n٣ - وأعطى الإسلام للإمام أو الأمير أن يعد أهل البلاء بأن لهم كذا وكذا، وقد يعطي مجموعة حصة من الغنيمة قبل التخميس، وذلك كذلك يشكل حافزًا ولا ينبغي أن يؤثر على أصل النية.\n٤ - بالنسبة لغنائم بدر فقد أعطى الرسول ﷺ ما وعد به أهل البلاء من نفل، ثم من خمس الغنيمة، ووزع أربعة أخماسها على المقاتلين أو من هم في حكمهم ورضخ لغير المقاتلين، وأعطى بعض المقاتلين من الخمس لأنه ﵊ كان له خمس الخمس.\n٥ - من هذه المعاني تدرك أنه ينبغي للأمير أن ينفل المقاتلين فيقول: من قتل قتيلًا فله سلبه، أي ما يحمله أثناء القتل، أو يقول: له سلبه وله ربع ما يملك أو ثلث ما يملك فكل ذلك من السنة، وما زاد على ذلك يخمس فتأخذ المجموعة المقاتلة أربعة أخماسه،","vol":"1","page":486},{"text":"والخمس يصرفه الإمام في مصارفه.\nوفقه هذا الأمر من أهم أنواع الفقه لمن يمارس شؤون القتال.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٤ - فضل أهل بدر</span>\n٣٣١ - * روى البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأرجُو أن لايدخُل النار من شهد بدرًا إن شاء الله\".\n٣٣٢ - * روى الطبراني عن أبي هريرة أن رجلاص من الأنصار عمي فبعث إلى رسول الله ﷺ اخطط لي في داري مسجدًا لأصلي فيه فجاء رسول الله ﷺ وقد اجتمع إليه قومه فتغيب رجل فقال رسول الله ﷺ: \"ما فعل فلان؟ \" فذكره بعض القوم فقال رسول الله ﷺ: \"أليس قد شهد بدرًا\" قالوا: نعم ولكنه كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ: \"فلعل الله اطلع إلى أهل بدرٍ فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم\".\n٣٣٣ - * روى البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي - وكان من أهل بدر - ﵁ قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ، فقال: ما تعدون أهل بدرٍ فيكم؟ قال: \"من أفضل المسلمين\" أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.\nوفي حديث حماد بن زيد: وكان رفاعة من أهل بدر، وكان رافع من أهل العقبة فكان يقول لابنه: ما يسرني أني شهدتُ بدرًا بالعقبة، قال: سأل جبريل النبي ﷺ يعني فقال: ما تعدون أهل بدرٍ فيكم؟ ... وذكر باقي الحديث نحوه\n_________\n٣٣١ - البزار (٣/ ٢٨٨)، كتاب علامات النبوة، باب: مناقب أهل بدر والحديبية.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٦١)، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\n٣٣٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٠٦)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد. فذكره بعض القوم: أي يسوء.\nالرجل الأعمى: هو عتبان بن مالك الأنصاري.\n٣٣٣ - البخاري (٧/ ٣١٢)، ٦٤ - كتاب المغازي، ١١ - باب: شهود الملائكة بدرًا.","vol":"1","page":487},{"text":"في رواية (١): أن ملكًا سأل النبي ﷺ.\n٣٣٤ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اطلع الله على أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم\".\n٣٣٥ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: أن عبدًا لحاطبٍ جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخُلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: \"كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية\".\nقال النووي في شرحه على مسلم: وفيه فضيلة أهل بدر والحديبية وفضيلة حاطب لكونه منهم وفيه أن لفظة الكذب هي الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه عمدًا كان أو سهوًا سواء كان الإخبار عن ماض أو مستقبل وخصته المعتزلة بالعمد وهذا يرد عليهم.\nوقال بعض أهل اللغة لا يستعمل الكذب إلا في الإخبار عن الماضي بخلاف ما هو مستقبل وهذا الحديث برد عليهم.\n٣٣٦ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) عن بدر والخارجون إلى بدر.\n٣٣٧ - * روى الترمذي: لما نزلت غزوة بدرٍ، قال عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؟ فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ و﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فهؤلاء القاعدون\n_________\n(١) البخاري (٧ - ٣١٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ١١ - باب: شهود الملائكة بدرًا.\n٣٣٤ - أبو داود (٤/ ٢١٣)، كتاب السنة، باب: في الخلفاء، وإسناده صحيح.\n٣٣٥ - مسلم (٤/ ١٩٤٢)، ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣٦ - باب: من فضائل أهل بدر، ﵃، وقعة حاطب بن أبي بلتعة.\n٣٣٦ - البخاري (٨/ ٢٦٠)، ٦٥ - كتاب التفسير، ١٨ - باب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبل الله.\n(٢) النساء: ٩٥.\n٣٣٧ - الترمذي مطولًا (٥/ ٣٤١)، ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٥ - باب: \"ومن سورة النساء\"، وقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"1","page":488},{"text":"غير أولي الضرر، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.\nقال صاحب الفتح: وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم كما تقدم في المغازي من حديث أنس (إن بالمدينة لأقوامًا ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم حبسهم العذر). ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ أي من أولي الضرر وغيرهم.\nمن غاب عن بدر وكان كأهلها:\n٣٣٨ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: إنما تغيب عثمان عن بدرٍ فإنه كان تحته بنتُ رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ \"إن لك أجر رجلٍ ممن شهد بدرًا وسهمه\".\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: وفي الذين عدهم ابن إسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وأنه لم يحضرها تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببها وكانوا ثمانية أو تسعة وهم، عثمان بن عفان تخلف على رقية بنت رسول الله ﷺ يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كان بالشام فضرب له بسهمه وأجره، وطلحة بن عبيد الله كان بالشام أيضًا فضرب له بسهمه وأجره، وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر رده رسول الله ﷺ من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة فاستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية رده رسول الله ﷺ أيضًا من الطريق وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن الصمة كسر بالروحاء فرجع فضرب له بسهمه، زاد الواقدي: وأجره، وخوات بن جُبير لم يحضر الوقعة وضرب له بسهمه وأجره، وأبو الصياح بن ثابت خرج مع رسول الله ﷺ فأصاب ساقه فَصِيل\n_________\n٣٣٨ - البخاري (٦/ ٣٣٥)، ٥٧ - كتاب فرض الخمس. ١٤ - باب: إذا بعث الإمام رسولًا في حاجة، أو أمره بالمقام، هل يسهم له؟.","vol":"1","page":489},{"text":"حجر (١) فرجع وضرب له بسهمه وأجره.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٥ - الأسارى</span>\n٣٣٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄، قال: فادى رسول الله ﷺ أساري بدرٍ وكان فداءُ كل رجلٍ منهم أربعة آلافٍ، وقُتِلَ عقبة بنُ أبي معيطٍ قبل الفداء، قام إليه علي بن أبي طالب فقتله صبرًا فقال من للصبية يا محمد؟ قال: \"النارُ\".\n٣٤٠ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ جعل فداء أهلِ الجاهلية يوم بدر أربع مائة.\nقال ابن كثير: وهذا كان أقل ما فُودي به أحدٌ من المال، وأكثر ما فُودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهم.\n٣٤١ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: كان ناسٌ من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يُعلموا أولاد الأنصار الكتابة، قال فجاء يومًا غلام يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني مُعلمي قال: الخبيثُ يطلب بذحل بدرٍ والله لا تأتيه أبدًا.\n٣٤٢ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن جبريل ﵇ هبط عليه، فقال له: خيرهُم - يعني أصحابك -، في\n_________\n(١) فصيل حجر: قطعة من حجر.\n٣٣٩ - المعجم الكبير (١١/ ٤٠٦).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٩)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح.\n٣٤٠ - المستدرك (٢/ ١٢٥)، كتاب الجهاد، وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n٣٤١ - أحمد في مسنده (١/ ٢٤٧)، وهو على شرط السنن.\nالذحل: الحقد والثأر، جمعها أذحال وذحول.\n٣٤٢ - الترمذي (٤/ ١٣٥)، ٣٣ - كتاب السير، ١٨ - باب: ما جاء في قتل الأسارى والفداء، وإسناده صحيح. ... =","vol":"1","page":490},{"text":"أسارى بدرٍ: القتلُ، أوالفداء، على أن يُقتل منهم قابل مثلُهُم\" قالوا: الفداء، ويُقتل منا.\n٣٤٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ، فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه فقال: \"لا تدعون منها درهمًا\".\n٣٤٤ - * روى الطبراني عن أبي عزير بن عمير أخي مُصعب بن عمير قال: كنت في الأسرى يوم بدر فقال رسول الله ﷺ: \"استوصوا بالأسارى خيرًا\" وكنتُ ف ينفر من الأنصار فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني البر لوصية رسول الله ﷺ.\n٣٤٥ - * روى البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: \"لو كان المطعمُ بنُ عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنَى، لتركتُهم له\" وفي بعض الروايات: \"لما له من يدٍ\".\nقال في الفتح: المراد باليد المذكورة ما وقع منه حين رجع النبي ﷺ من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، وقد ذكر ابن إسحق القصة في ذلك مبسوطة، وكذلك أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل وفيه (أن المطعم أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح، وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة، فبلغ ذلك قريشًا فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك) وقيل المراد باليد المذكورة أنه كان من أشد من قام في نقض الصحفة التي\n_________\n= من قابل: في العام التالي.\n٣٤٣ - البخاري (٦/ ١٦٧)، ٥٦ - كتاب الجهاد، ١٧٢ - باب: فداء المشركين.\n٣٤٤ - أوردهالهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٦)، وقال: رواه الطبراني في الصغير والكبير، وإسناده حسن.\nالبر: القمح، أي: الخبز، وقد كان الخبز خيرًا من التمر عند العرب.\n٣٤٥ - البخاري (٦/ ٣٤٣)، ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ١٦ - باب: ما من النبي ﷺ على الأسارى من غير أن يخمس.\nالنتنى: أراد بهم الأسرى، وجعلهم نتنى لأنهم كفار مشركون، والمشركون نجس، فاستعار لهم النتن مجازًا، وإطلاقهم له ليد كانت للمطعم.","vol":"1","page":491},{"text":"كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل السيرة، وروى الطبراني من طريق محمد بن صالح التمار عن الزهري عن محمد بن جبير عن أبيه قال: (قال المطعم بن عدي لقريش: إنكم قد فعلتم بمحمد ما فعلتم، فكونوا أكف الناس عنه) وذلك بعد الهجرة ثم مات المطعم بن عدي قبل وقعة بدر وله بضع وتسعون سنة وذكر الفاكهي بإسناد مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات مجازاة له على ما صنع للنبي ﷺ. وروى الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن علي قال: (جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسرى، إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عامًا مقبلًا مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا). وأخرج مسلم هذه القصة مطولة من حديث عمر ذكر فيها السبب، هو أنه ﷺ قال: \"ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ \" فقال أبو بكر: أرى أن نأخذ منهم قوة تكون لنا، وعسى الله أن يهديهم. فقال عمر: أرى أن تمكنا منهم فتضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر) الحديث، وفيه نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾.\nوقد اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر ولما استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم في الإسلام إما بنفسه إما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب كما ثبت ذلك عن الله في حق من كتب له الرحمة، وأما العتاب على الأخذ ففيه إشارة إلى ذم من آثر شيئًا من الدنيا على الآخرة ولو قل، والله أعلم.\n٣٤٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم بدر - وجيء بالأسارى - قال رسول الله ﷺ: \"ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ \" فذكر في الحديث قصة - فقال رسول الله ﷺ: طلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء، أو ضرب عنق\" قال عبد الله بن مسعود فقلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء فإني قد سمعته\n_________\n٣٤٦ - الترمذي (٥/ ٣٧١)، ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٨ - باب: \"ومن سورة الأنفال\"، وقال: هذا حديث حسن، وقد حسنه مع انقطاعه لكثرة شواهده.","vol":"1","page":492},{"text":"يذكر الإسلام، قال: فسكت رسول الله ﷺ قال: فما رأيتني في يومٍ أخوف أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، قال: حتى قال رسول الله ﷺ: \"إلا سهيل بن بيضاء\" قال: ونزل القرآن بقول عمر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ...﴾ (١) إلى آخر الآيات.\n٣٤٧ - * روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدرٍ نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثالثمائة وتسعة عشر رجلًا. فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة. ثم مد يديه فجعل يهتف بربه \"اللهم! أنجز لي ما وعدتني. اللهم! آت ما وعدتني. اللهم! إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبدُ في الأرض\" فما زال يهتف بربه، مادًا يديه، مُستقبل القِبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاهُ أبو بكر. فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه. وقال: يا نبي الله! كذاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله ﷿ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢) فأمده الله بالملائكة.\nقال أبو زُميلٍ: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامهُ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدِمْ حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم أنفه، وشُقَّ\n_________\n= يذكر الإسلام: أسلم سهيل بمكة وكتم إسلامه فأخرجته قريش إلى بدر فأسر وشهد له ابن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، كذا في الإصابة.\nيثخن: يبالغ في القتل.\n(١) الأنفال: ٩.\n٣٤٧ - مسلم (٣/ ١٣٨٣) - ٢٢ - كتاب الجهاد والسير - ١٨ - باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم.\nالعصابة: الجماعة.\nمناشدتك: طلبك من ربك\nممدكم: مرسل إليكم.\nمردفين: متتابعين بعضهم في إثر بعض.\n(٢) الأنفال: ٦٧ - ٧١.","vol":"1","page":493},{"text":"وجههُ كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: \"صدقت. ذلك من مددِ السماء الثالثة\" فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسروا سبعين.\nقال أبو زُميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: \"ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ \" فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة. أرى أن تأخذ منهم فدية. فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ: \"ما ترى؟ يا ابن الخطاب! \" قلتُ: لا، والله! يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم. فتُمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه. وتمكني من فلان (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلتُ. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك. فإن وجدتُ بكاء بكيتُ. وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ: \"أبكي للي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة\" (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ) وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١) فأحل الله الغنيمة لهم.\n٣٤٨ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لما كان يومُ بدرٍ قال لهم رسول الله ﵌: \"ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ \" فقال عبد الله بنُ رواحة: ايتٍ في وادٍ كثير الحطب فأضرم نارًا ثم ألقِهم فيها، فقال العباس ﵁:\n_________\n= لولا كتاب من الله سبق لمسكم: لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ - لمسكم: لنالكم وأصابكم.\nفيما أخذتم: من الفدء.\nيثخن: الإثخان في الشيء: المبالغة فيه والإكثار، يقال: أثخنه المرض: إذا أُقله وأوهنه، والمراد به هاهنا: المبالغة في قتل الكفار، والإكثار من ذلك.\n(١) الأنفال: ٦٧ - ٦٩.\n٣٤٨ - المستدرك (٣/ ٢١)، كتاب المغازي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"1","page":494},{"text":"قطع الله رحمك، فقال عمر ﵁: قادتهم ورؤساؤهم قاتلوُك وكذبوك فاضرب أعناقهم بعد، فقال أبو بكر ﵁: عشيرتُك وقومُك، ثم دخل رسول الله ﵌ لبعض حاجته فقالت طائفة: القولُ ما قال عمر، فخرج رسول الله ﵌ فقال: \"ما تقولون في هؤلاء؟ إن مثل هؤلاء كمثل إخوة لهم كانوا من قبلهم قال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (١) وقال موسى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٢) الآية قال إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) \"وأنتم قوم فيكم غيلةً فلا ينقلبن واحدٌ منهم إلا بفداء أو بضرب عنقٍ\" قال عبد الله: فقلت إلا سهيل بن بيضاء فإنه لا يُقتل وقد سمعته يتكلم بالإسلام. فسكت، فما كان يوم أخوف عندي أن يلقى علي حجارة من السماء من يومي ذلك حتى قال رسول الله ﵌ \"إلا سهيل بن بيضاء\".\nقال الرازي: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ معنى الآية ظاهر وفيه سؤال وهو إنه كيف جاز لعيسى ﵇ أن يقول وإن تغفر لهم والله لا يغفر الشرك، والجواب عنه من وجوه (الأول) أنه تعالى لما قال لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ علم أن قومًا من النصارى حكوا هذا الكلام عنه والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافرًا بل يكون مذنبًا حيث كذب في هذه الحكاية وغفران الذنب جائز فلهذا المعنى طلب المغفرة من الله تعالى (والثاني) أنه يجوز على مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزهاد والعباد النار؛ لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه فذكر عيسى هذا الكلام ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى الله، وترك التعرض والاعتراض بالكلية ولذلك ختم الكلام بقوله فإنك أنت العزيز\n_________\n(١) نوح: ٢٦.\n(٢) يونس: ٨٨.\n(٣) إبراهيم: ٣٦.\n(٤) المائدة: ١١٨.","vol":"1","page":495},{"text":"الحكيم يعني أنت قادر على ما تريد حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية وقوله: إن الله لا يغفر الشرك فنقول: إن غفرانه جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة قالوا: لان العقاب حق الله على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب وليس في إسقاطه على الله مضرة فوجب أن يكون حسنًا بل دل الدليل السمعي في شرعنا على أنه لاي قع فلعل هذا لدليل السمعي ما كان موجودًا في شرع عيسى ﵇ (الوجه الثالث في الجواب) أن القوم لما قالوا هذا الكفر فعيسى ﵇ جوز أن يكون بعضهم قد تاب عنه فقال إن تعذبهم علمت أن أولئك المعذبين ماتوا على الكفر فلك أن تعذبهم بسبب أنهم عبادك وأنت قد حكمت على كل من كفر من عبادك بالعقوبة وإن تغفر لهم علمت أنهم تابوا عن الكفر وأنت حكمت على من تاب عن الكفر بالمغفرة (الوجه الرابع) إنا ذكرنا أن من الناس من قال إن قول الله تعالى لعيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله إنما كان عند رفعه إلى السماء لا في يوم القيامة وعلى هذا القول فالجواب سهل لأن قوله إن تعذبهم فإنهم عبادك يعني إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضًا ذاك وعلى هذا التقدير فلا إشكال.\n٣٤٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: كانت قريش ناجت قتلاها ثم ندمتُ وقالوا: لا تنوحُوا عليهم فيبلغ ذلك محمد وأصحابه فيشتموا بكم. وكان في الأسرى أبو ودعة بن ضبيرة السهمي، فقال رسول الله ﷺ: \"إن له بمكة ابنًا تاجرًا كيسًا ذا مال كأنكم قد جاءكم في فداء أبيه\" فلما قالت قريش في الفداء ما قالت قال المطلب: صدقتم والله لئن صدقتم ليثارين عليكم، ثم انسل من الليل فقدم المدينة ففدى أباه بأربعة آلاف درهم.\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: وأولُ من أسروا عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث قتلًا صبرًا بين يدي رسول الله ﷺ من بين الأسارى، وقد اختلف في أيهما قُتِل\n_________\n٣٤٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٩٠)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\nما قالت: قالت قريش: لا تستعجلوا بفداء أسراكم، يثار بن: ثرب فلانا وعليه: لامه وعيره بذنبه.","vol":"1","page":496},{"text":"أولًا على قولين وأنه ﵇ أطلق جماعة من الأسارى مجانًا بلا فداءٍ، منهمُ: أبو العاص بن الربيع الأموي، والمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الشاعر، ووهب بن عمير بن وهب الجمحي، وفادي بقيتهم حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الأسرى لئلا يحابيه لكونه عمه، مع أنه قد سأله الذين أسروه من الأنصار أن يتركوا له فداءه فأبي عليهم ذلك، قال لا تتركوا منه درهمًا، وقد كان فداؤهم متفاوتًا فأقل ما أخذ أربعمائة، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب. قال موسى ابن عقبة وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب، ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>٦ - آيات بدرية</span>\n٣٥٠ - روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: كان المسلمون يُحبون أن تظهر الرُّوم على فارسٍ لأنهم أهلُ الكتابِ، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أهل أوثانٍ، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر ﵁، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﵌: فقال له النبي ﵌ \"أما أنهم سيُهْزمُون\" فذكر أبو بكر لهم ذلك، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا فإن ظهروا كان لك كذا وكذا وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا فجعل بينهم أجل خمس سنين فلم يظهرا فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﵌ فقال: \"ألا جعلته (أراه قال) دون، العشرة\"، قال: فظهرت الروم بعد ذلك فذلك قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: فغُلبت الروم ثم غلبت بعد ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (١) قال سفيان: وسمعت أنهم ظهروا يوم بدرٍ.\n٣٥١ - * وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿ ﴿وَيَقُولُونَ\n_________\n٣٥٠ - المستدرك (٢/ ٤١٠)، كتاب التفسير، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n(١) الروم: ١.\n٣٥١ - المستدرك (٢/ ٤١٤)، كتاب التفسير، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.","vol":"1","page":497},{"text":"مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (١) قال: يوم بدر فُتح للنبي ﵌ فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت.\n٣٥٢ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ (٢) يعني بالفرقان يوم بدرٍ يوم فرق الله بين الحق والباطل.\n٣٥٣ - * وروى الحاكم عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ (٣) قال: يوم بدر.\n٣٥٤ - * وروى الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ (٤) قال: نزلت فينا يوم بدرٍ.\n٣٥٥ - روى البخاري عن سعيد بن جبير ﵀ قال: قلتُ لابن عباس ﵄ سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدرٍ.\nقال صاحب الرحيق المختوم: حول موضوع هذه المعركة نزلت سورة الأنفال، وهذه السورة تعليق إلهي - إن صح هذا التعبير - على هذه المعركة، يختلف كثيرًا عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقواد بعد الفتح.\n_________\n(١) السجدة: ٢٨ - ٢٩.\n٣٥٢ - المستدرك (٣/ ٢٢)، كتاب المغازي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n(٢) الأفال: ٤١.\n٣٥٣ - المستدرك (٢/ ٤١٤)، كتاب التفسير، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n(٣) السجدة.\n٣٥٤ - المستدرك (٢/ ٢٢٧) كتاب التفسير، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n(٤) الأنفال: ١٦.\n٣٥٥ - البخاري (٨/ ٢٠٦) ٦٥ - كتاب التفسير - ١ - باب: قوله: \"يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأسلحوا ذات بينكم\"، من سورة الأنفال.\nومسلم نحوه مطولًا (٤/ ٢٣٢٢)، ٥٤ - كتاب التفسير ٥ -: باب: في سورة براءة والأنفال والحشر.","vol":"1","page":498},{"text":"إن الله تعالى لفت أنظار المسلمين - أولًا - إلى التقصيرات والتفريطات الأخلاقية التي كانت قد بقيت فيهم، وصدر بعضها منهم، ليسعوا في تكميل نفوسهم وتزكيتها عن هذه التفريطات.\nثم ثني بما كان في هذا الفتح من تأييد الله وعونه ونصره بالغيب للمسلمين. ذكر لهم ذلك لئلا يفتروا بشجاعتهم ويسألتهم، فتتسور نفوسهم الغطرسة والكبرياء بل ليتوكلوا على الله ويطيعوه ويطيعوا رسوله ﵊.\nثم بين لهم الأهداف والأغراض النبيلة التي خاض الرسول ﷺ لأجلها هذه المعركة الدامية الرهيبة، ودلهم على الصفات والأخلاق التي تسببت في الفتوح في المعارك.\nثم خاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة، ووعظهم موعظة بليغة، تهديهم إلى الاستسلام للحق والتقيد به.\nثم خاطب المسلمين حول موضوع الغنائم، وقنن لهم مبادئ وأسس هذه المسألة.\nثم بين وشرع لهم من قوانين الحرب والسلم ما كانت الحاجة تمس إليها بعد دخول الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة، حتى تمتاز حروب المسلمين عن حروب أهل الجاهلية، ويقوم لهم التفوق في الأخلاق والقيم والمثل، ويتأكد للدنيا أن الإسلام ليس مجرد وجهة نظرية، بل إنه يثقف أهله علميًا على الأسس والمبادئ التي يدعو إليها.\nثم قرر بنودًا من قوانين الدولة الإسلامية التي تقيم الفرق بين المسلمين الذين يسكنون داخل حدودها، والذين يسكنون خارجها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>٧ - من فقه غزوة بدر</span>\nقال الدكتور البوطي:\n١ - إن عامة ممتلكات الحربيين تعتبر بالنسبة للمسلمين أموالًا غير محترمة، فلهم أن يستولوا عليها ويأخذوا ما امتدت إليه أيديهم منها، وما وقع تحت يدهم من ذلك اعتبر","vol":"1","page":499},{"text":"ملكًا لهم. وهو حكم متفق عليه عند عامة الفقهاء، على أن للمهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأبنائهم في مكة عذرًا آخر في القصد إلى أخذ عير قريش والاستيلاء عليها، وهو محاولة التعويض - أو شيء من التعويض - عن ممتلكاتهم التي بقيت في مكة واستولى عليها المشركون من ورائهم.\nإنه بالرغم من مشروعية هذا القصد، فإن الله تعالى أراد لعباده المؤمنين قصدًا أرفع من ذلك وأليق بوظيفتهم التي خلقوا من أجلها، ألا وهي الدعوة إلى دين الله والجهاد في سبيل ذلك، والتضحية بالروح والمال في سبيل إعلاء كلمة الله، ومن هنا كان النصر العظيم حليف أبي سفيان في النجاة بتجارته، بمقدار ما كانت الهزيمة العظيمة حليف قرش في ميدان الجهاد بينهم وبين المسلمين، وإن هذه التربية الإلهية لنفوس المسلمين لتتجلى بأبرز صورها في قوله تعالى:\n﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (١)\n٢ - وعندما نتأمل كيف يجلس رسول الله ﷺ إلى أصحابه ليشاورهم في الأمر الذي فوجئوا به بعد أن أفلت منهم العير وطلع عليهم النفير العظيم المدجج بالسلاح الكامل، نقف على دلالتين شرعيتين لكل منهما أهمية بالغة.\nالدلالة الأولى: التزامه ﷺ مبدأ التشاور مع أصحابه، وإذا استعرضنا حياته ﷺ، وجدنا أنه كان يلتزم هذا المبدأ في كل أمر لا نص فيه من كلام الله تعالى، مما له علاقة بالتدبير والسياسة الشرعية، ومن أجل هذا أجمع المسلمون على أن الشورى في كل ما لم يثبت نص مُلزم فيه من كتاب أو سنة، أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله. أما ما ثبت فيه نص من الكتاب أو حديث من السنة أبرم به الرسول ﷺ حكمه، فلا شأن للشورى فيه ولا ينبغي أن يقضي عليه بأي سلطان.\nالدلالة الثانية: خضوع حالات الغزو أو المعاهدات أو الصلح بين المسلمين وغيرهم لما\n_________\n(١) الأنفال: ٧.","vol":"1","page":500},{"text":"يسمى بالسياسة الشرعية أو ما يسميه بعضهم بـ (حكم الإمامة). وبيان ذلك أن مشروعية فرض الجهاد من حيث الأصل، حكم تبليغي لا يخضع لأي نسخ أو تبديل، كما أن أصل مشروعية الصلح والمعاهدات ثابت لا يجوز إبطاله أو اجتثاثه من أحكام الشريعة الإسلامية، غير أن جزئيات الصور التطبيقية المختلفة لذلك، تخضع لظروف الزمان والمكان وحالة المسلمين وحالة أعدائهم، والميزان لحكم في ذلك إنما هو بصيرة الإمام المتدين العادل وسياسة الحاكم المتبحر في أحكام الدين مع إخلاص في الدين وتجرد في القصد، إلى جانب اعتماد دائم على مشاورة المسلمين والاستفادة من خبراتهم وآرائهم المختلفة.\nفإذا رأى الحاكم أن من الخير للمسلمين أن لا يجابهوا أعداءهم بالحرب والقوة، وتثبت من صلاحية رأيه بالتشاور والمذاكرة في ذلك، فله أن يجنح إلى سلم معهم لا يصادم نصًا من النصوص الشرعية الثابتة، ريثما يأتي الظرف المناسب والملائم للقتال والجهاد، وله أن يحمل رعيته على القتال والدفع إذا ما رأى المصلحة والسياسة الشرعية السليمة في ذلك الجانب.\nوهذا ما اتفق عليه عامة الفقهاء ودلت عليه مشاهد كثيرة من سيرته ﷺ اللهم إلا إذا داهم العدو المسلمين في عقر دورهم وبلادهم، فإن عليهم دفعه بالقوة مهما كانت الوسيلة والظروف، ويعم الواجب في ذلك المسلمين والمسلمات كافة بشرط توفر مقومات التكليف أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>٨ - في أعقاب بدر</span>\n٣٥٦ - * روى الحاكم عن أبي رافع مولى رسول الله ﵌ قال: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكنت قد أسلمت وأسلمت أم الفضل وأسلم العباس وكا يكتم إسلامه مخافة قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام وكان له عليه دين فقال له: اكفني هذا الغزو وأتركُ لك ما عليك، ففعل فلما جاء الخبرُ\n_________\n٣٥٦ - المستدرك (٣/ ٣٢١)، كتاب معرفة اصحابة، وسكت عنه الذهبي، وفي أحد رواته خلاف فالرواية حسنة على رأي بعضهم.\nاكفني: كفاء الشيء كفاية: استغني به عن غيره فهو كاف، وكفيء.","vol":"1","page":501},{"text":"وكبت الله أبا لهب وكنتُ رجلًا ضعيفًا أنحتُ هذه الأقداح في حُجرة فوالله إني لجالس في الحجرة أنحتُ أقداحي وعندي أم الفضل إذ أقبل الفاسق أبو لهبٍ يجر رجليه أراه قال عند طُنب الحجرة وكان ظهرهُ إلى ظهري فقال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث فقال أبو لهب: هلم إلى يا ابن أخي فجاء أبو سفيان حتى جلس عندهُ فجاء الناس فقاموا عليهما فقال: يا ابن أخي كيف كان أمر الناس فقال لا شيء فوالله إن لقيناهم فمنناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا وأيم الله ما لمت الناس قال: ولم؟ قال: رأيت رجالًا بيضًا على خيل بُلقٍ لا والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء قال فرفعت طُنب الحجرة فقلت: والله تلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي وثاورتُه فاحتملني فضرب بي الأرض حتى برك على صدري فقامت أم الفضل فاحتجزت ورفعت عمودًا من عمدُ الحجرة فضربته به فلعت في رأسه شجة منكرة وقالت: يا عدو الله استضعفته إن رأيت سيدهُ غائبًا عنه فقام ذليلًا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى ضربه الله بالعدسة فقتلته فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثة ما يدفنانه حتى أنتن، فقال رجل من قريش لابنيه: ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته فقالا: إنا نخشى هذه القرحة، وكانت قريش تتقي العدسة كما تتقي الطاعو فقال رجال: انطلقا فأنا معكما قال: فوالله ما غسلوهْ إلا قذفًا بالماء عليه من بعيد ثم احتملوه فقذفوه في أعلى مكة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة.\nقال الشيخ الغزالي: شُدة العرب قاطبة للنصر الحاسم الذي ناله المسلمون في بدر، بل إن\n_________\n= كبت: المكبوت: الممتلئ غمًا.\nكبته: يكبته: صرعه وأخزاه وضربه وكسره ورد العدو بقيظه.\nالأقداح: القدح: السهم قبل أن يراش وينصل، ونحثها: يربها، وتأتي القدح بمعنى: السهم الذي كانوا يستقسمون به في الجاهلية.\nالطنب: حبل طويل يشد به سرادق البيت أو الوتد.\nبلق: جمع أبلق، بلق الفرس ونحوه بلقا وبلقة كان فيه سواد وبياض فهو أبلق وهي بلقاء.\nوثاورته: ثاوره مثاورة وثوارا: واثبه.\nفلعت: شفت.\nالعدسة: بثرة تخرج بالبدن فتقتل، ربما الجدري.\nأنتن: نتن نتنًا: خبثت رائحته، فهو نتن.","vol":"1","page":502},{"text":"أهل مكة استنكروا الحبر أول ما جاءهم، وحسبوه هذيان مجنون، فلما استبان صدقه صُعق نفر منهم فهلك لتوه، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب لا يدري ما يفعل ..\nوكما استبعد أهل مكة الهزيمة على أنفسهم حتى جوبهوا بعارها، استبعد مشركو المدينة ويهودها ما قرع آذانهم من بشريات الفوز، وذهب بعضهم إلى حد اتهام المسلمين بأن ما يذاع عن نصرهم محض اختلاق، وظلوا يكابرون حتى رأوا الأسرى مقرنين في الأصفاد، فسقط في أيديهم.\nوقد اختلفت مسالك الأحزاب الكافرة بإزاء المسلمين بعد هذا الغلب الذي مكن للإسلام وأهله، وجعل سلطانهم مهيبًا في المدينة وما حولها، ومد نفوذهم على طريق القوافل في شمال الجزيرة، فأصبح لا يمر بها أحد إلا بإذنهم.\nفأما أهل مكة فقد انطووا على أنفسهم، يداوون جراحهم، ويستعيدون قواهم ويستعدون لنيل ثأرهم، ويعلنون أن يوم الانتقام قريب، ولم تزدهم الهزيمة إلا كرهًا للإسلام، ونقمة على محمد وصحبه، واضطهادًا لمن يدخل في دينه، فكان من ينشرح صدره للإسلام يختفي به أو يعيش ذليلًا مستضعفًا، ذلك في مكة، حيث كانت الدولة للكفر.\nأما في المدينة حيث المسلمون كثرة مكينة ظاهرة، فقد اتخذت العداوة للإسلام طريق الدس والنفاق والمخاتلة، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهرًا وقلوبهم تغلي حقدًا وكفرًا، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي.\nروى أسامة بن زيد قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب - كما أمرهم الله تعالى - ويصبرون على الأذى:\n﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١).\nفكان النبي ﷺ يتأول في العفو الذي أمره الله به - حتى أذن فيهم فلما غزا بدرًا، وقتل\n_________\n(١) البقرة: ١٠٩.","vol":"1","page":503},{"text":"الله فيها من قتل من صناديد قريش، وقفل رسول الله ﵊ وأصحابه منصورين غانمين معهم أساراهم. قال \"عبد الله بن أبي\" ومن معه من المشركين عبدة الأوثان هذا أمر قد توجه (أي استقر فلا مطمع في إزالته) فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام فأسلموا ..\nعلى أن هذا الخداع لاذ به فريق من الكفار في الوقت الذي عالن فيه فريق آخر من اليهود بسخطهم على محمد، وألمهم للهزيمة التي أصابت قريشًا في \"بدر\" بل إن كعب بن الأشرف - من رجالات اليهود - أرسل القصائد في رثاء قتلاهم والمطالبة بثأرهم.!\nولقد اتسعت شقة العداوة بين المسلمين واليهود إثر هذا الموقف النابي.\nثم حاول اليهود أن يحقروا من شأن النصر الذي حظي به الإسلام، مما مهد للأحداث العنيفة التي وقعت بعد، ودفع اليهود ثمنها من دمهم، أفرادًا وجماعات.\nوعلق الدكتور السباعي على غزوة بدر فقال ﵀: إن النصر في المعارك لا يكون فقط بكثرة العدد، ووفرة السلاح، وإنما يكون بقوة الروح المعنوية لدى الجيش. وقد كان الجيش الإسلامي في هذه المعارك يمثل العقيدة النقية والإيمان المتقد، والفرح بالاستشهاد، والرغبة في ثواب الله وجنته، كما يمثل الفرحة من الانعتاق من الضلال، والفرقة، والفساد، بينما كان جيش المشركين يمثل فساد العقيدة، وتفسخ الأخلاق، وتفكك الروابط الاجتماعية، والانغماس في الملذات، والعصبية العمياء للتقاليد البالية، والآباء الماضين، والآلهة المزيفة.\nانظر إلى ما كان يفعله الجيشان قبل بدء القتال، فقد حرص المشركون قبل بدء معركة بدر على أن يقيموا ثلاثة أيام، يشربون فيها الخمور، وتغني لهم القيان، وتضرب لهم الدفوف، وتشعل عندهم النيران لتسمع العرب بما فعلوا فتهابهم، وكانوا يظنون ذلك سبيلًا إلى النصر، بينما كان المسلمون قبل بدء المعركة يتجهون إلى الله بقلوبهم، يسألنه النصر، ويرجونه الشهادة، ويشمون روائح الجنة، ويخر الرسول ﷺ ساجدًا مبتهلًا يسأل الله أن ينصر عباده المؤمنين، وكانت النتيجة أن انتصر الأتقياء الخاشعون، وانزم اللاهون العابثون.","vol":"1","page":504},{"text":"والذي يقارن بين أرقام المسلمين المحاربين، وبين أرقام المشركين المحاربين في كل معركة. يجد أن المشركين أكثر من المسلمين أضعافًا مضاعفة. ومع ذلك فقد كان النصر للمسلمين، حتى في معركتي أُحد وحنين حيث انتصر فيهما المسلمون، ولولا ما وقع من أخطاء المسلمين في هاتين المعركتين ومخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله لعيه وسلم، لما لقي المسلمون هزيمة قط.\n- إن شدة عزائم الجيش واندفاعه في خوض المعركة، وفرحه بلقاء عدوه يزيد القائد إقدامًا في تفنيذ خطته، وثقته بالنجاح والنصر، كما حدث في معركة بدر.\n- إن على القائد ألا يكره جيشه على القتال، وخوض المعارك إذا كانوا غير راغبين ومتحمسين حتى يتأكد من رضاهم وتحمسهم، كما فعل الرسول ﷺ من استشارة أصحابه يوم بدر قبل خوض المعركة.\n- إن احتياط الجنود لياة قائدهم أمر تحتمه الرغبة في نجاح المعركة والدعوة، وعلى القائد أن يقبل ذلك، لأن في حياته حياة الدعوةن وفي فواتها خسارة المعركة.\nوقد رأينا في معركة بدر كيف رضي ﷺ بناء العريش له، ورأينا في بقية المعارك: \"أحد\" و\"حنينط، كيف كان المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات يلتفون جميعًا حول رسولهم، ويحمونه من سهام الأعداء، بتعريض أنفسهم لها، ولم يعرف عنه ﷺ أنه أنكر ذلك مع شجاعته وتأييد الله له، بل أثنى على هؤلاء الملتفين حوله، كما رأينا في ثنائه على نسبية أم عمارة، ودعائه لها بأن تكون هي وزوجها وأولادها رفقاءه في الجنة.\nإن الله ﵎ يحيط عباده المؤمنين الصادقين في معاركهم بجيش من عنده، كما أنزل الملائكة يوم بدر، وأرسل الريح يوم الأحزاب. وما دام هؤلاء المؤمنون يحاربون في سبيله، فكيف يتخلى عنهم وهو الذي قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).\n_________\n(١) الروم: ٤٧.","vol":"1","page":505},{"text":"وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١).\nإن من طبيعة الداعية الصادق أن يحرص على هداية أعدائه، وأن يفسح لهم المجال لعل الله يلقي في قلوبهم الهداية، ومن هنا نفهم سر ميل الرسول إلى فداء الأسرى يوم بدر، فقد كان يرجو أن يهديهم اللهم، وأن تكون لهم ذرية من بعدهم تعبد الله وتدعو إليه، وإذا كان القرآن الكريم قد عاتب الرسول على ذلك، فلأن ناك مصلحة أخرى للإسلام يومئذ، وهو إرهاب أعداء الله والقضاء على رؤوس الفتنة والضلالة، ولو قتل الأسرى يوم بدر لضعفت مقاومة قريش للقضاء على زعمائها ومؤججي نار الفتنة ضد المؤمنين.\nويلوح لي سر آخر في قبول الرسول أمر الفداء، وهو أن العباس عم الرسول ﷺ كان من بين الأسرى، وللعباس مواقف في نصرة الرسول قبل إعلان إسلامه، فقد شهد معه بيعة العقبة الثانية سرًا، وكان يخبر الرسول عن كل تحركات قريش، مما يؤكد عندي أنه كان مسلمًا يكتم إسلامه، فكيف يقتله الرسول وهذا شأنه معه؟ ولو استثناه الرسول من بين الأسرى لخالف شرعه في تحريم قتل المسلم إن كان العباس مسلمًا. وإن كان مشركًا، فشريعته لا تفرق بين قريب وبعيد في الوقوف موقف الحزم والعداء من كل من يحارب الله ورسوله، ولاغتنمها المشركون والمنافقون فرصة للتشهير به، ولإضعاف الثقة بعدالته وتجرده عن الهوى في كل ما يصدر عنه، وليس ذلك من مصلحة الدعوة في شيء.\nفوائد م كتاب غزوة بدر للدكتور محمد أبو فارس\nومما قاله الدكتور أبو فارس حول دروس بدر الكبرى:\n- أهمية الشورى في الإسلام وفي مجال الحرب خصوصًا، وإذا كان النبي ﷺ الموحي إليه من ربه يستشير أصحابه في القتال وغيره، أفلا تكون الشورى في حق غيره آكد وأوجب.\n- ضرورة تعرف القائد على مدى رغبة الجنود في القتال وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عيه وسلم في مشاورة أصحابه، إذ إن المكره على القتال لا يمكن أن يقدم نتيجة إيجابية.\n_________\n(١) الحج: ٣٨.","vol":"1","page":506},{"text":"- تتجلى في بدر صفات القائد الناجح ومن ذلك: التواضع وعدم التميز والسهر على راحة الجنود وبذل الحب لهم وتوثيق الصلة بالله والسرية في التحرك والإيثار ..\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-191>من نعم الله على المسلمين في غزوة بدر:</span>\n١ - النعاس والنوم: وفي ذلك راحة للجسم واطمئنان للنفوس وسكينة وهدوء وهمة متوثبة على عكس عدوهم الذي كان متواترًا هائجًا قلقًا مضطربًا.\n٢ - إنزال المطر: يأخذون منه حاجتهم وناحية أخرى أن المطر في جانب المسلمين كان معتدلًا حتى تماسكت الأرض تحتهم، أما ف يجانب المشركين فكان غزيرًا فأوحلت الأرض.\n٣ - إراءة الله المسلمين المشركين قلة.\n٤ - إنزال الله الملائكة تؤيد المؤمنين وتقاتل معهم.\n٥ - إلقاء الرعب في قلوب الكافرين.\n٦ - أوحى الله إلى النبي ﷺ أن يرمي الحصباء فاستقبل قريشًا ورماها قائلًا: شاهت الوجوه، فأوصل الله ذرات الرمل إلى أعين المقاتلين فانشغلوا بذلك ع القتال وكل ذلك بقدرة الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١). أهـ بتصرف من كتاب غزوة بدر.\nفائدة أخيرة: في كتاب فن الحرب لـ \"صن تزو\" - وهو مؤلف صيني قديم - ذكر أن قرار الحرب لا ينبغي أن يتخذ إلا إذا توافرت شروط:\n١ - ثقة الشعب بحكومته.\n٢ - ارتفاع معنويات الجنود.\n٣ - وجود القائد الكفء.\n٤ - معرفة الأرض.\n_________\n(١) الأنفال: ١٧.","vol":"1","page":507},{"text":"٥ - مراعاة الطقس وأن يتخذ قرار الحرب ينبغي أن يتخذ في المعبد ليباركه الله.\nوهو كلام حكيم ولو أنك تأملت غزوة بدر لوجدت توجهًا نحو الله ولرأيت ثقة لا مثيل لها ومعنويات لا مثيل لها وقيادة لا مثيل لها واختيار لأرض المعركة.\nولرأيت مع هذا كله طقسًا مواتيًا لأهل الحق وذلك كله من التوفيقات الإلهية التي تجعل أفعال رسول الله ﷺ على أعلى ما تصل إليه حكمة الحكماء مع احتمال خطئهم.\n* * *","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>فصل: في إجراء يهود بني قينُقاعٍ</span>\n٣٥٧ - روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشًا يوم بدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال: \"يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يُصيبكم مثل ما أصاب قريشًا\" قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ببدرٍ ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ (١).\nوقد فصل كتاب السير ما آل إليه أمر بني قينقاع فذكرها ابن هشام وابن سعد في طبقاته ويذكر المفسرون قصتهم عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وعند قوله تعالى:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٢).\nوهناك خلاف بين كتاب السير حول السنة التي حدثت فيها واقعة بني قينقاع، والواقدي يرى أنها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثنتين من الهجرة.\nقال ابن حجر العسقلاني في الفتح: ونون قينقاع مثلثة والأشهر فيها الضم، وكانوا أول من أخرج من المدينة كما تقدم في أول الباب. وروى ابن إسحاق في المغازي عن أبيه عن\n_________\n٣٥٧ - أبو داود (٣/ ١٥٤)، كتاب الخراج والإمارة والفيء: باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة، وهو حديث حسن بشواهده.\n(١) آل عمران: ١٢، ١٣.\n(٢) المائدة: ٥١، ٥٢.","vol":"1","page":509},{"text":"عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع قام بأمرهم عبد الله بن أبي فمشى عبادة بن الصامت وكان له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فتبرأ عبادة منهم. قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ وكان عبدالله بن أبي لما سأل النبي ﷺ أن يمن عليهم قال: يا محمد إنهم منعوني من الأسود والأحمر، وإني امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم له. وذكر الواقدي أن إجلاءهم كان في شوال نسة اثنتين، يعني بعد بدر بشهر، ويؤيده ما روى ابن إسحق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: \"لما أصاب رسول الله ﷺ قريشًا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال يا يهود: أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا يوم بدر، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لعرفت أنّا الرجال. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك. أهسـ.\nوقد قال ابن كثير في البداية والنهاية: قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدر وأُحد. قال ابن هشام فذكر عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال: كان أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلبٍ لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ هناك منهم، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًا فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أحسنْ في موالي فأعرض عنه، قال: فأدخل يده في حيب درع النبي ﷺ قال ابن هشام: وكان يُقالُ لها","vol":"1","page":510},{"text":"ذات الفضول فقال له رسول الله ﷺ: \"أرسلني\" وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا (١) ثم قال: ويحك أرسلني\" قال: لا والله لا أرسلك حتى تُحسن في موالي أربعمائة حاسرٍ وثلثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداةٍ واحدةٍ إني والله امرؤ أخشى الدوائر. قال فقال له رسول الله ﷺ: \"هُم لك\". قال ابن هشام واستعمل رسول الله ﷺ في محاصرته إياهم أبا لبابة بشير بن عبد المنذر وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة قال ابن إسحاق: وحدثني أبي عن عُبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ وكان من بني عوفٍ له من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي فجعلهم إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وقال: يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم قال وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات من المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآيات حتى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ يعني عبد الله بن أبي إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٢) يعني عبادة بن الصامت. أهـ.\nوقال ابن حجر: وكان الكفار بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع. وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش. وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرًا ومع عدوه باطنًا وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بني قينقاع فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم\n_________\n(١) ظللًا: جمع ظُلة، يعني تغير وجهه عند اشتداد الغضب.\n(٢) المائدة: ٥١ - ٥٦.","vol":"1","page":511},{"text":"فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات. اهـ.\nأقول: من أجل اعتداء على حجاب امرأة مسلمة واحدة فعل رسول الله ﷺ ما فعل، وهذه القصة ذات دلالات كثيرة على طبيعة اليهود وطبيعة النفاق، وكيف أن الحزم من ناحية وحسن السياسة من ناحية أخرى هما طريقا المسلمين في معالجة أمور الدولة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>تقويم الموقف في نهاية السنة الثانية للهجرة</span>\nفي نهاية السنة الثانية للهجرة أخذت الهيبة لعسكرية للمسلمين مداها الكبير في دائرة واسعة من الجزيرة العربية، وأحس ضعفاء المشركين بالخطر وشعر أقوياؤهم بغلبة الإسلام، وبدأت النفوس تتطلع إلى الإيمان، فتوسعت دائرة الدخول في الإسلام، ورأى الكثيرون أن يدخلوا في الإسلام نفاقًا ضعفًا أو خديعة، وبهذا كله أصبحت الدولة الجديدة أمام أوضاع جديدة من المكر والتآلب والتحالفات، ولكن عين رسول الله ﷺ الساهرة وحكمته الباهرة وتأييد الله له أولًا وآخرًا دفع الأمور في غير الطرق التي يخطط لها الأعداء:\n﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١)\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)\n* * *\n_________\n(١) الأنفال: ٣٠.\n(٢) الصف: ٨.","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>السنة الثالثة للهجرة</span>","vol":"2","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>هذه السنة في سطور</span>\nأبرز أحداث هذه السنة غزوة ذي أمر، وقتل كعب بن الأشرف، وغزوة بَحْران، وسريّة زيد بن حارثة، ووقعة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، وفي هذه السنة: تزوّج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر، وزوّج عثمان بن عفان بنته أم كلثوم ﵂، أما الحياة الدعويّة والتربويّة والتعليمية والتشريعية فهي مستمرة بشكل دائم، والملاحظ أن حجم القوة التي خرجت يوم أحد تعدل نحو مثلي القوة التي خرجت يوم بدر، وصحيح أن بعض الصحابة لم يخرج يوم بدر ولكن ما كان الغائبون ليبلغوا هذا المبلغ، ولما كنا سنعقد ثلاثة فصول عن مقتل كعب بن الأشرف ووقعة أحد وغزوة حمراء الأسد، بسبب أن قتل كعب بن الأشرف يعتبر ظاهرة مهمة في الحركة العسكرية، وبسبب من أن وقعة أحد وغزوة حمراء الأسد نزل فيهما قرآن لأهميتهما؛ لذلك وجريًا على عادتنا سنرسم صورة مختصرة لمجريات الأمور في هذه السنة تاركين التوسع إلى حينه:\n* * *\nقال صاحب الرحيق المختوم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>غزوة ذي أمر (بِنَجْدٍ)</span>\nوهي أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله ﷺ قبل معركة أحد، قادها في المحرم سنة ٣ هـ. وسببها أن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول الله ﷺ أن جمعًا كبيرًا من بني ثعلبة ومحارب (من غطفان) تجمعوا، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فندب رسول الله ﷺ المسلمين، وخرج في أربعمائة وخمسين مقاتلًا ما بين راكب وراجل، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان.\nوفي أثناء الطريق قبضوا على رجل يقال له جبار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله ﷺ، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، فضمه إلى بلال، وصار دليلًا لجيش المسلمين إلى أرض العدو.","vol":"2","page":525},{"text":"وتفرق الأعداء في رءوس الجبال حين سمعوا بقدوم جيش المدينة. أما النبي ﷺ فقد وصل بجيشه إلى مكان تجمعهم، وهو الماء المسمى \"بذي أمر\" فأقام هناك صفرًا كله - من سنة ٣ هـ - أو قريبًا من ذلك، ليشعر الأعراب بقوة المسلمين، ويستولي عليهم الرعب والرهبة، ثم رجع إلى المدينة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>غزوة بَحران</span>\nوهي دورية قتال كبيرة، قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها الرسول ﷺ في شهر ربيع الآخر سنة ٣ هـ إلى أرض يقال لها بحران - وهي معدن بالحجاز في ناحية الفُرُع - فأقام بها شهر ربيع الآخر ثم جمادى الأولى - من السنة الثالثة من الهجرة - ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق حربًا.\nواختلف المصادر في تعيين سبب هذه الغزوة فقيل: إن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول الله ﷺ أن بني سليم يحشدون قوات كبيرة لغزو المدينة أو أطرافها، وقيل: بل خرج يريد قريشًا، وهذا الثاني هو الذي ذكره ابن هشام واختاره ابن القيم - حتى لم يذكر الأول رأسًا - وهو الموجه، وذلك لأن ديار بني سليم لم تكن بناحية الفرع، وإنما هي في نجد بعيدة عن ناحية الفرع.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>سرية زيد بن حارثة (إلى القردة)</span>\nوهي آخر وأنجح دورية للقتال قام بها المسلمون قبل أحد، وقعت في جمادى الآخرة سنة ٣ هـ.\nوتفصيلها أن قريشًا بقيت بعد بدر يساورها القلق والاضطراب، وجاء الصيف واقترب","vol":"2","page":526},{"text":"موسم رحلتها إلى الشام فأخذها هم آخر.\nقال صفوان بن أمية لقريش - وهو الذي انتخبته قريش في هذا العام لقيادة تجارتها إلى الشام -: إن محمدًا وصحبه عَوَّرُوا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء. وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء.\nودارت المناقشة حول هذا الموضوع. فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان: تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق - وهي طريق طويلة جدًا تخترق نجدًا إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل - فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فرات بن حيان - من بني بكر بن وائل - دليلًا له، يكون رائده في هذه الرحلة.\nوخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية، آخذة الطريق الجديدة، إلا أن أنباء هذه القافلة وخطة سيرها طارت إلى المدينة، وذلك أن سليط بن النعمان - وكان قد أسلم - اجتمع في مجلس شرب - وذلك قبل تحريم الخمر - مع نعيم بن مسعود الأشجعي - ولم يكن أسلم إذ ذاك - فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن العير وخطة سيرها، فأسرع سليط إلى النبي ﷺ يروي له القصة.\nوجهز رسول الله ﷺ لوقته حملة قوامها مائة راكب في قيادة زيد بن حارثة الكلبي، وأسرع زيد حتى دهم القافلة بغتةً - على حين غرة - وهي تنزل على ماء في أرض نجد يقال له قردة - بالفتح فالسكون - فاستولى عليها كلها ولم يكن من صفوان ومن معه من حرس القافلة إلا الفرار بدون أي مقاومة.\nوأسر المسلمون دليل القافلة - فرات بن حيان، وقيل: ورجلين غيره - وحملوا غنيمة كبيرة من الأواني والفضة كانت تحملها القافلة، قدرت قيمتها بمائة ألف.\nوقسم رسول الله ﷺ هذه الغنيمة على أفراد السرية بعد أخذ الخمس، وأسلم فرات بن","vol":"2","page":527},{"text":"حيان على يديه ﷺ. ا. هـ.\nوفي ٧ شوال من السنة الثالثة للهجرة حدثت وقعة أحد، وكان فيها ما كان وفي الثامن من شوال سار رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد فكانت حركته هذه غسلًا لآثار أحد وتحويلًا للموقف.\nهذه هي أهم أحداث السنة الثالثة العسكرية.\nوالملاحظ أنه من بدر حتى أحد كان الخط البياني للانتصارات العسكرية في تصاعد ونتيجة لذلك فإن هيبة الرسول ﷺ العسكرية بلغت كل مبلغ. لقد سيطر على الطريق إلى الشام، ثم سيطر على طريق الشام عبر طريق العراق، وأحكم الحصار الاقتصادي على قريش، وكان ذروة هذا الإحكام عندما استطاع زيد بن حارثة أن يستولي على قافلة قريش التجارية السائرة إلى الشام عبر طريق العراق، ثم إن سراياه وغزواته ﵊ صارت تذهب بعيدًا عن المدينة المنورة ونحو كل الاتجاهات تقريبًا، وبهذا قطع الطريق على أي تفكير داخلي بالتمرد أو خارجي بالغزو إلا إذا كان غزوًا منظمًا كبيرًا وهذا الذي حدث يوم أحد، ولقد وصل رسول الله ﷺ إلى هذا كله بأقل الخسائر وبأسهل طريق، فلقد كان يفوت على خصومه أهدافهم ولما يبدأوا التحضير لها فما يكاد يسمع أن تعبئة تعد حتى يعبئ ويسارع ويضرب، وما يكاد يحس بخطر أحد إلا ويسارع بتصفيته كما فعل بكعب، وكثيرًا ما كان يصيب أكثر من عصفور بحجر واحد؛ فلقد أحبط بمقتل كعب ما كان يمكن أن يفعله كعب لصالح قريش يوم أحد، وأجبر كل من في دائرة المدينة على الموادعة، ولو أنك جمعت خسائر المسلمين حتى وقعة أحد فإنك تجدها أفرادًا، بينما تجد خسائر الآخرين أكبر من ذلك بكثير.\nإنك عندما تدرس مبادئ الحرب من مفاجأة إلى مبادأة إلى اقتصاد بالقوات فإنك لا تجدها على كمالها وتمامها كما تجدها عند رسول الله ﷺ، بل إن كثيرًا من القادة العظام ينجحون في وضع ويفشلون في وضع آخر، وقد يفقدون السيطرة على أمور إذا لم تجر على","vol":"2","page":528},{"text":"ضوء توقعاتهم، أما رسول الله ﷺ فإنك تجده يواجه كل الأوضاع على أكمل ما يكون، فلقد خطط يوم أحد أعظم تخطيط وأجوده، ولما أفسد عليه تخطيطه من خالفوه قاد المعركة كأرقى ما تكون القيادة ثم غسل الكثير من آثار أحد بعملية خاطفة.\nوإلى الفصول الثلاثة التي تحتاج إلى التفصيل:\nالفصل الأول: في قتل كعب بن الأشرف.\nالفصل الثاني: في غزوة أحد.\nالفصل الثالث: في غزوة حمراء الأسد.\nثم نختم الحديث عن السنة الثالثة بذكر حواش على غزوتي أحد وحمراء الأسد، وبذكر تقييم عام للموقف في نهاية السنة الثالثة.\n* * *","vol":"2","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>فصل: في قتل كعب بن الأشرف في ربيع الأول من السنة الثالثة</span>\nقال ابن حجر: قال ابن إسحاق وغيره: كان عربيًا من بني نبهان وهم بطن من طيء، وكان أبوه أصاب دمًا في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعبًا، وكان طويلًا جسيمًا ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة فنزل على ابن أبي وداعة السهمي والد المطلب. فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية فطردته، فرجع كعب إلى المدينة وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه (إن كعب بن الأشرف كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط. فأراد رسول الله ﷺ استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر. فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا ليقتلوه. وذكر ابن سعد أن قتله كان في ربيع الأول من السنة الثالثة. أ. هـ.\n٣٥٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟ \" فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: \"نعم\" قال: ائذن لي فلأقل، قال: \"قل\"، قال: فأتاه، فقال له، وذكر ما بينهما، وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضًا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه، حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره؟ قال: وقد أردت أن تسلفني سلفًا، قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد، قال: ترهنني نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم؟ قال: يسب ابن أحدنا، فيقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن\n_________\n٣٥٨ - مسلم (٣/ ١٤٢٥) - ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٢ - باب: قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود. وَسْقًا: الوسْق مفتوح الواو: ستون صاعًا.","vol":"2","page":530},{"text":"نرهنك اللأمة - يعني: السلاح - قال: فنعم، وواعده أن يأتيه بالحارث، وأبي عبس بن جبر، وعباد بن بشر، قال: فجاؤوا، فدعوه ليلًا، فنزل إليهم، قال سفيان: قال غير عمرو، قالت له امرأته: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلًا لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل، نزل وهو متوشح، فقالوا: نجد منك ريح الطيب؟ قال: نعم، تحتي فلانة، هي أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم، فشم، فتناول فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال فاستمكن من رأسه، ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه.\n٣٥٩ - * وروى البخاري نحوه، وفيه: قد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين وحدثنا عمرو بن دينار غير مرة، فلم يذكر وسقًا أو وسقين، فقلت له: فيه وسقًا أو وسقين؟ فقال: أرى فيه وسقًا أو وسقين. وفيه: فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، وفيه فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلًا، ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، وفيه: ولو وجداني نائمًا ما أنبهاني، وقال، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بالليل لأجاب. وفيه: قال لهما: إذا ما جاء، فإني قائل بشعره، فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه، فدونكم فاضربوه - وقال مرة: أشم ثم أشمكم - فنزل إليهم متوشحا، وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا - أي أطيب - قال كعب: وكيف لا؟ وعندي أعطر نساء العرب، وأجمل العرب، وقال في آخره: ثم أتوا النبي ﷺ، فأخبروه. وفيه: فجاء محمد بن مسلمة معه برجلين. قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس، وعباد بن بشر.\n_________\n= اللامة: مخففة: الدرع، وجمعها لأم، وقيل: هي آلة الحرب.\nمتوشح: التوشح بالرداء: هو أن تجعله كالوشاح، وهو شيء مضفور من سيور مرصع، تجعله المرأة على خصرها، فإذا جعل الرداء في ذلك الموضع كان متوشحًا به.\n٣٥٩ - البخاري (٧/ ٣٣٦)، ٦٤ - كتاب المغازي - ١٥ - باب: قتل كعب بن الأشرف.\nنفح: الطيب: إذا فاحت رائحته، وكذلك نضح طيبًا، أي: فاح، وأصله من العرق، أي: عرق ففاحت ريحه.","vol":"2","page":531},{"text":"قال صاحب الرحيق المختوم: كان كعب بن الأشرف من أشد اليهود حنقًا على الإسلام والمسلمين، وإيذاء لرسول الله ﷺ. وتظاهرًا بالدعوة إلى حربه.\nكان من قبيلة طيء - من بني نبهان - وأمه من بني النضير، وكان غنيًا مترفًا معروفًا بجماله في العرب، شاعرًا من شعرائها. وكان حصنه في شرق جنوب المدينة في خلفيات ديار بني النضير.\nولما بلغه أول خبر عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدر قال: أحق هذا؟ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.\nولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله ﷺ والمسلمين، ويمدح عدوهم، ويحرضهم عليهم، ولم يرضى بهذا القدر حتى ركب إلى قريش فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يثير بذلك حفائظهم، ويذكي حقدهم على النبي ﷺ، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلًا؟ فقال: أنتم أهدى منهم سبيلًا، وأفضل، وفي ذلك أنزل الله تعالى:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١).\nثم رجع كعب إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بسلاطة لسانه أشد الإيذاء.\nوحينئذ قال رسول الله ﷺ: \"من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله، ورسوله\"، فانتدب له محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة - واسمه سلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاعة - والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، وكان قائد هذه المفرزة محمد ابن مسلمة. اهـ.\n_________\n(١) النساء: ٥١.","vol":"2","page":532},{"text":"قال صاحب الفتح: قوله (آذى الله ورسوله) في رواية محمد بن محمود بن محمد بن مسلمة عن جابر عند الحاكم في الإكليل \"فقد آذاناه بشعره وقوى المشركين\" وأخرج ابن عائذ من طريق الكلبي أن كعب بن الأشرف قدم على مشركي قريش فخالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين، ومن طريق أبي الأسود عن عروة (أنه كان يهجو النبي ﷺ والمسلمين ويحرض قريشًا عليهم، وأنه لما قدم على قريش قالوا له: أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال: دينكم. فقال النبي ﷺ: \"من لنا بابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا\" اهـ.\nأقول: هذه هي الأسباب التي أدت للحكم عليه بالقتل، وعلى كل الأحوال فهو: إما محارب فدمه هدر وإما معاهد فقد نقض بهذا عهده.\nقال في الفتح: قوله: (فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله)؟ في مرسل عكرمة (فقال محمد بن مسلمة هو خالي). قوله: (قال نعم) في رواية محمد بن محمود (فقال أنت له) وفي رواية ابن إسحاق (قال فافعل إن قدرت على ذلك) وفي رواية عروة (فسكت رسول الله ﷺ، فقال محمد بن مسلمة: أقر صامتًا) ومثله عند سمويه في فوائده، فإن ثبت احتمل أن يكون سكت أولًا ثم أذن له، فإن في رواية عروة أيضًا أنه قال له: (إن كنت فاعلًا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، قال فشاوره فقال له: توجه إليه وإشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعامًا) قوله (فائذن لي أن أقول شيئًا، قال: قل) كأنه استأذنه أن يفتعل شيئًا يحتال به، ومن ثم بوب عليه المصنف: (الكذب في الحرب) وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه، ولفظه (فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة) وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس (أن النبي ﷺ مشى معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم فقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم). قوله: (إن هذا الرجل) يعني النبي ﷺ. قوله: (قد سألنا صدقة) في رواية الواقدي (سألنا الصدقة، ونحن لا نجد ما نأكل) وفي مرسل عكرمة (فقالوا: يا أبا سعيد، إن نبينا أراد منا الصدقة، وليس لنا مال نصدقه). قوله: (قد عنانا) بالمهملة وتشديد النون الأولى من العناء وهو التعب. قوله: (قال وأيضًا) أي وزيادة على ذلك، وقد فسره بعد ذلك","vol":"2","page":533},{"text":"قوله: (والله لتملنه) بفتح المثناة والميم وتشديد اللام والنون من الملال، وعند الواقدي (إن كعبًا قال لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتخلي عنه، قال: سررتني). قوله: (وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين، وحدثنا عمرو غير مرة فلم يذكر وسقًا أو سقين) قائل ذلك على بن المديني، ولم يقع ذلك في رواية الحميدي، ووقع في رواية عروة (وأحب أن تسلفنا طعامًا. قال: أين طعامكم؟ قالوا: أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه. قال: ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل). (تنبيه): وقع في هذا الرواية الصحيحة أن الذي خاطب كعبًا بذلك هو محمد ابن مسلمة، والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنه أبو نائلة، وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، ويحتمل أن يكون كل منهما كلمه في ذلك، لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته. وفي مرسل عكرمة في الكل بصيغة الجمع (قالوا)، وفي مرسل عكرمة (وائذن لنا أن نصيب منك فيطمئن إلينا، قال: قولوا ما شئتم) وعنده (أما مالي فليس عندي اليوم، ولكن عندي التمر) وذكر ابن عائذ أن سعد بن معاذ بعث محمدًا ابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ. قوله: (أرهنوني) أي ادفعوا لي شيئًا يكون رهنًا على التمر الذي تريدونه. قوله: (وأنت أجمل العرب) لعلهم قالوا له ذلك تهكمًا، وإن كان هو في نفسه كان جميلًا. زاد ابن سعد من مرسل عكرمة (ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك) وفي المرسل الآخر الذي أشرت إليه (وأنت رجل حسان تعجب النساء) وحسان بضم الحاء وتشديد السين المهملتين.\nقوله (دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه) في رواية عروة (وضربه محمد بن مسلمة فقتله وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس، وأقبلوا حتى إذا كانوا بجرف بعاث تخلف الحارث ونزف، فلما افتقده أصحابه رجعوا فاحتملوه، ثم أقبلوا سراعًا حتى دخلوا المدينة) وفي رواية الواقدي (إن النبي ﷺ تفل على جرح الحارث بن أوس فلم يؤذه). وفي مرسل عكرمة (فبزق فيها ثم ألصقها فالتحمت) وفي رواية ابن الكلبي (فضربوه حتى برد، وصاح عند أول ضربة، واجتمعت اليهود فأخذوا على غير طريق أصحاب رسول الله ﷺ ففاتوهم) وفي رواية ابن سعد (أن محمد بن مسلمة لما أخذ بقرون شعره قال لأصحابه:","vol":"2","page":534},{"text":"اقتلوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه فلم تغن شيئًا. قال محمد: فذكرت مغولًا (١) كان في سيفي فوضعته في سرته، ثم تحاملت عليه فغططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير مرتين). قوله: (فأخبروه) في رواية عروة (فأخبروا النبي ﷺ، فحمد الله تعالى) وفي رواية ابن سعد (فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال: أفلحت الوجوه، فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا رأسه بين يديه، فحمد الله على قتله، وفي مرسل عكرمة (فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكرهم النبي ﷺ صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين) زاد ابن سعد (فخافوا فلم ينطقوا). قال السهيلي: في قصة كعب بن الأشرف قتل المعاهد إذا سب الشارع، خلافًا لأبي حنيفة. قلت: وفيه نظر، وصنيع المصنف في الجهاد يعطي أن كعبًا كان محاربًا حيث ترجم لهذا الحديث \"الفتك بأهل الحرب\" وترجم له أيضًا \"الكذب في الحرب\" وفيه جواز قتل المشرك بغير دعوة إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته، وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته اهـ.\n٣٦٠ - *روى أبو داود عن كعب بن مالك ﵁ وكان كعب بن الأشرف، يهجو رسول الله ﷺ، ويحرِّض عليه كفار قريش، وكان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود وكانوا يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه، فأمر الله ﷿ نبيه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا) (٣) فأبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ، فأمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن\n_________\n(١) مغولًا: شبه خنجر أو السكين التي تكون في السوط.\n٣٦٠ - أبو داود (٣/ ١٥٤)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة، ورجاله ثقات.\nطرق: طرقت الرجل: إذا أتيته ليلًا.\n(٢) آل عمران، الآية (١٨٦).","vol":"2","page":535},{"text":"يبعث رهطًا يقتلونه فبعث محمد بن مسلمة - وذكر قصة قتله - فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون، فغدوا على رسول الله ﷺ، فقالوا: طرق صاحبنا فقتل، فذكر لهم رسول الله ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا، ينتهون على ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة.\nقال صاحب الرحيق المختوم: وفي ليلة مقمرة - ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ٣ هـ، اجتمعت هذه المفرزة إلى رسول الله ﷺ، فشيعهم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم قائلًا: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم، ثم رجع إلى بيته، وطفق يصلي ويناجي ربه.\nولقد نجحت المجموعة بقتل كعب بن الأشرف.\nورجعت المفرزة وقد أصيب الحارث بن أوس بذباب بعض سيوف أصحابه فجرح ونزف الدم، فلما بلغت المفرزة حرة العريض، رأت أن الحارث ليس معهم فوقفت ساعة حتى أتاهم يتبع آثارهم، فاحتملوه حتى إذا بلغوا بقيع الغرقد كبروا وسمع رسول الله ﷺ تكبيرهم، فعرف أنهم قد قتلوه، فكبر، فلما انتهوا إليه قال: أفلحت الوجوه، قالوا: ووجهك يا رسول الله. ورموا برأس الطاغية بين يديه، فحمد الله على قتله، وتفل على جرح الحارث فبرأ، ولم يؤذ بعده. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>دروس من قتل كعب بن الأشرف</span>\n١ - بهذه العملية حقق رسول الله ﷺ أهدافًا:\nأ - قطع الطريق على أمثال كعب أن يفعلوا فعله.\nب - أجبر اليهود على أن يجددوا عهدًا أو يكتبوا عهدًا جديدًا وبذلك أكد وحدة المجتمع المدني.\nج - قطع الطريق على أي تعاون بين الداخل والخارج.\nد - أكد سيادته على دائرة دولته ﵊.","vol":"2","page":536},{"text":"٢ - قوله في رواية أبي داود (فكتب بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة) يقطع أن وثيقة دستورية بين المسلمين واليهود كانت موجودة، ولكن هذه الصحيفة المذكورة ههنا هل هي الصحيفة التي ذكرها ابن إسحاق في أحداث السنة الأولى؟ أم هذه الصحيفة تأكيد للصحيفة الأولى؟ أو هي مع اليهود الذين لم يدخلوا في الصحيفة الأولى.\n٣ - هناك جدل كبير في هذا العالم يدور حول فكرة الاغتيال السياسي؟ حول جدواها وحول مشروعيتها والذي أقوله ههنا هو ما كررته دائمًا العبرة للفتوى الصحيحة من أهلها ثم الشورى والمصلحة، فحيثما جاز القتل وكانت مصلحة المسلمين فيه فليكن، ولكن معرفة المصلحة ليست سهلة في عصرنا حيث تتشابك لمصالح، وحيث للرأي العام العالمي دوره الكبير في قرارات الدول، وحيث احتمالات توسع الأضرار.\n٤ - أهم ما في حادثة قتل ابن الأشرف إجازة الرسول ﷺ لقاتليه أن يقولوا، ولقد قالوا كلامًا هو في الأحوال العادية كفر، ومن ههنا تعرف أنه من أجل تحقيق المهام العسكرية فلا حدود للكلام الذي يقال، ولكن تأتي هنا مسألة أخرى وهي ما إذا كان النجاح في المهام العسكرية يقتضي أفعالًا لا تجوز أو يقتضي ترك فرائض فما العمل؟ المعروف أنه ليس أفظع من الكفر فإذا جاز التظاهر بالكفر لذلك فمن باب أولى جواز غيره، على أن يتأكد طريقًا للوصول إلى الهدف أو يغلب على الظن ذلك، وعلى أن يقتصر فيه على الحد الذي لابد منه، سواء كانت الوسيلة تأخير فريضة أو ارتكاب محظور، على أن هذا وهذا مقيدان بالفتوى فهناك محظورات لا يصح فعلها بحال. كالزنا واللواط.\n٥ - بعض جيوش البلدان الكافرة تحظر على المسلم أن يصلي، أو أنهم في الظاهر لا يحظرون ولكنهم لو وجدوه يفعل فإنهم يفصلونه أو يتربصون به ليقتلوه، وإذا وجدوه يتعفف عن معان جعلوه ضمن دائرة الرصد، فهل له رخصة في بعض الأمور؟ وما هي حدود هذه الرخصة؟ هذا شيء يقدره أهل الفتوى المؤهلون لأن يفتوا في مثل هذه الأمور.","vol":"2","page":537},{"text":"٦ - من حادثة كعب وأمثالها ومن نصوص الشريعة وروحها وقواعدها نستخرج القاعدة التالية:\nأنه متى وجدت ظروف استثنائية أو حالات اضطرارية ومتى انتقل الدعاة إلى العمل السياسي والعسكري، فإنهم سيدخلون بذلك باب الموازنات والفتاوى الاستثنائية التي لا يستطيعها كل إنسان. ومن ههنا جاءت الحاجة إلى المجتهدين والمفتين، وكما قال سفيان الثوري: (العلم رخصة من ثقة وأما التشدد فيعرفه كل الناس)، فالأحكام الأصلية ليست مجهولة، وإنما الأحكام الاستثنائية التي تقتضيها الظروف الاستثنائية هي التي تحتاجها الحركة اليومية.\n* * *","vol":"2","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>فصل: في غزوة أحد</span>\nوسنذكر في هذا الفصل عرضًا عامًا بين يدي النصوص ثم نذكر النصوص على فقرات:\n١ - بين يدي الالتحام.\n٢ - الالتحام.\n٣ - في أعقاب المعركة.\n٤ - عبر أحد وبعض دروسها.\n٥ - فقهيات.\n* * *","vol":"2","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>عرض عام</span>\nحدثت هذه الغزوة في ٧ شوال في رأي ابن القيم، وفي ١٥ شوال عند ابن إسحاق.\nقال ابن كثير: سمي أحد أحدًا لتوحده من بين تلك الجبال، وفي الصحيح \"أحد جبل يحبنا ونحبه\" (١) قيل معناه أهله، وقيل لأنه كان يبشره بقرب أهله إذا رجع من سفره كما يفعل المحب، وقيل على ظاهره كقوله: (وإن منها لما يهبط من خشية الله) (٢).\nقال ابن حجر: قوله: (هذا جبل يحبنا ونحبه) ظهر من الرواية التي بعدها أنه ﷺ قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من الحج. ووقع في رواية أبي حميد أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على المدينة قال: \"هذه طابة\" فلما رأى أحدًا قال: \"هذا جبل يحبنا ونحبه\" فكأنه ﷺ تكرر منه ذلك القول. وللعلماء في معنى ذلك أقوال: أحدها: أنه على حذف مضاف والتقدير أهل أحد، والمراد بهم الأنصار لأنهم جيرانه. ثانيها: أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قم من سفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب ثالثها: أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره لكون أحد من جبال الجنة كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعًا \"جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة\" أخرجه أحمد. ولا مانع في جانب البلد من إمكان المحبة منه كما جاز التسبيح منها، وقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب \"اسكن أحد\" الحديث. وقال السهيلي: كان ﷺ يحب الفأل الحسن والاسم الحسن، ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية. قال: ومع كونه مشتقًا من الأحدية فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب من النبي ﷺ به لفظًا ومعنى فخص من بين الجبال بذلك، والله أعلم. أ. هـ.\nأقول: من الحكم في ذكر محبة رسول الله ﷺ لجبل أحد نفي التشاؤم بأحد بعد ما\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٨٣) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٧١ - باب: فضل الخدمة في الغزو، عن أنس بن مالك.\nومسلم (٢/ ٩٩٣) ١٥ - كتاب الحج - ٨٥ - باب: فضل المدينة، ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة، وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها، وبيان حدود حرمها، عن أنس بن مالك.\n(٢) البقرة: ٧٤.","vol":"2","page":540},{"text":"حدث عنده ما حدث ومن أجل ذلك قدمنا هذين النقلين ههنا بين يدي العرض العام ولنبدأ العرض:\nقال المباركفوري: على إثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين تشفي غيظها وتروي غلة حقدها، وأخذت في الاستعداد للخوض في مثل هذه المعركة وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن أبي ربيعة أكثر زعماء قريش نشاطًا وتحمسًا لخوض المعركة، وأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم احتجزوا العير التي كان قد نجا بها أبو سفيان والتي كانت سببًا لمعركة بدر، ثم فتحوا باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الأحابيش وكنانة وأهل تهامة.\nولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها، واجتمع إليها من المشركين ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش، ورأى قادة قريش أن يستصحبوا معهم النساء حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم، وكان عدد هذه النسوة خمس عشرة امرأة.\nوكان سلاح النقليات في هذا الجيش ثلاثة آلاف بعير، ومن سلاح الفرسان مائتا فرس، جنبوها (١) طول الطريق وكان من سلاح الوقاية سبعمائة درع، وكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان بن حرب، وقيادة الفرسان إلى خالد بن الوليد يعاونه عكرمة بن أبي جهل، أما اللواء فكان إلى بني عبد الدار، تحرك الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام نحو المدينة، وكانت التارات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب، ويشف عما سوف يقع من قتال مرير.\nوكان العباب بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية، فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة إلى النبي ﷺ ضمنها جميع تفاصيل الجيش.\nوأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة، وجد في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة\n_________\n(١) جنبوها: قادوها إلى جنوبهم ولم يركبوها.","vol":"2","page":541},{"text":"والمدينة - التي تبلغ مسافتها إلى خمسمائة كيلو مترًا - في ثلاثة أيام، وسلم الرسالة إلى النبي ﷺ وهو في مسجد قباء.\nقرأ الرسالة على النبي ﷺ أبي بن كعب فأمره بالكتمان، وعاد مسرعًا إلى المدينة، وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار.\nوظلت المدينة في حالة استنفار عام لا يفارق رجالها السلاح، استعدادًا للطوارئ.\nوقامت مفرزة من الأنصار - فيهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة - بحراسة رسول الله ﷺ، فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح، وقامت على مداخل المدينة وأنقابها مفرزات تحرسها خوفًا من أن يؤخذوا على غرة، وقامت دوريات من المسلمين - لاكتشاف تحركات العدو - تتجول حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين.\nواصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة، فسلك وادي العقيق، ثم انحرف منه إلى ذات اليمين حتى نزل قريبًا بجبل أحد في مكان يقال له عينين في بطن السبخة من قناة على شفير الوادي - الذي يقع شمالي المدينة - فعسكر هناك يوم الجمعة السادس من شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة.\nعقد رسول الله ﷺ مجلسًا استشاريًا عسكريًا أعلى، تبادل فيه الرأي لاختيار الموقف، وأخبرهم عن رؤيا رآها، ثم قدم رأيه إلى صحابته أن لا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بشر مقام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، وكان هذا هو الرأي ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول - رأس المنافقين.\nبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، فأشاروا على النبي ﷺ بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ - الذي كان قد أرى فرند سيفه في معركة بدر - فقد قال للنبي ﷺ: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة، ورفض","vol":"2","page":542},{"text":"رسول الله ﷺ رأيه أمام رأي الأغلبية واستقر الرأي على الخروج من المدينة واللقاء في الميدان السافر.\nصلى النبي ﷺ بالناس يوم الجمعة فوعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد وأخبر أن لهم النصر بما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك، ثم صلى بالناس العصر، وقد حشدوا وحضر أهل العوالي، ثم دخل بيته، ومعه صاحباه أبو بكر وعمر، فعمماه وألبساه، فتدجج بسلاحه وظاهر بين درعين (أي لبس درعًا فوق درع) وتقلد السيف، ثم خرج على الناس. فلما خرج قالوا له: يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل. فقال رسول الله ﷺ: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته - وهي الدرع - أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه (١).\nوقسم النبي ﷺ جيشه إلى ثلاث كتائب:\n(١) كتيبة المهاجرين وأعطى لواءها مصعب بن عمير العبدري.\n(٢) كتيبة الأوس من الأنصار. وأعطى لواءها أسيد بن حضير.\n(٣) كتيبة الخزرج من الأنصار. وأعطى لواءها الحباب بن المنذر.\nوكان الجيش متألفًا من ألف مقاتل فيهم مائة دارع وخمسون فارس، وقيل لم يكن من الفرسان أحد، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة، وأذن بالرحيل فتحرك الجيش نحو الشمال، وخرج السعدان أمام النبي ﷺ يعدوان دارعين وعندما وصل إلى مقام يقال له (الشيخان) استعرض جيشه، فرد من استصغره ولم يره مطيقًا للقتال، وفي هذا المكان أدركهم المساء، فصلى المغرب، ثم صلى العشاء، وبات هنالك، وانتخب خمسين رجلًا لحراسة المعسكر يتجولون حوله، وكان قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري، بطل سرية كعب بن الأشرف، وتولى ذكوان بن عبد قيس حراسة النبي ﷺ خاصة.\n_________\n(١) البخاري تعليقًا (١٣/ ٣٣٩)، ٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - ٢٨ - باب: قول الله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، (وشاورهم في الأمر).","vol":"2","page":543},{"text":"وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج حتى إذا كان بالشوط صلى الفجر، وكان بمقربة جدًا من العدو، فقد كان يراهم ويرونه، وهناك تمرد عبد الله بن أبي المنافق، فانسحب بنحو ثلث العسكر - ثلاثمائة مقاتل.\nوبعد هذا التمرد والانسحاب قام النبي ﷺ ببقية الجيش - وهم سبعمائة مقاتل - ليواصل سيره نحو العدو، وكان معسكر المشركين يحول بينه وبين أحد في مناطق كثيرة، فقال: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قريب) من طريق لا يمر بنا عليهم؟\nفقال أبو خيثمة: أنا يا رسول الله، ثم اختار طريقًا قصيرًا إلى أحد يمر بحرة بني حارثة وبمزارعهم، تاركًا جيش المشركين إلى الغرب، ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي، فعسكر بجيشه مستقبلًا المدينة، وجاعلًا ظهره إلى هضاب جبل أحد، وعلى هذا صار جيش العدو فاصلًا بين المسلمين وبين المدينة.\nوهناك عبأ رسول الله ﷺ جيشه، وهيأهم صفوفًا للقتال، فانتخب منهم فصيلة من الرماة الماهرين، قوامها خمسون مقاتلًا، وأعطى قيادتها لعبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري الأوسي البدري، وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الجنوبية من وادي قناة - وعرف فيما بعد بجبل الرماة - جنوب شرق معسكر المسلمين، على بعد حوالي مائة وخمسين مترًا من مقر الجيش الإسلامي.\nوبتعيين هذه الفصيلة في الجبل مع هذه الأوامر العسكرية الشديدة سد رسول الله ﷺ الثلمة الوحيدة التي كان يمكن لفرسان المشركين أن يتسللوا من ورائها إلى صفوف المسلمين، ويقوموا بحركات الالتفاف وعملية التطويق، أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو، وجعل على الميسرة الزبير بن العوام، يسانده المقداد بن الأسود، وكان إلى الزبير مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد، وجعل في مقدمة الصفوف نخبة ممتازة من شجعان المسلمين ورجالاتهم المشهورين بالنجدة والبسالة، والذين يوزنون بالآلاف، وهكذا تمت تعبئة الجيش النبوي صباح يوم السبت السابع من شهر شوال سنة ٣ هـ.\nأما المشركون فعبأوا جيشهم حسب نظام الصفوف، فكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان","vol":"2","page":544},{"text":"صخر بن حرب الذي تمركز في قلب الجيش. وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وعلى المشاة صفوان بن أمية، وعلى رماة النبل عبد الله بن أبي ربيعة، أما اللواء فكان إلى مفرزة من بني عبد الدار.\nوقبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين وتقارب الجمعان، وتدانت الفئتان، وبدأت مراحل القتال، وكان أول وقود المعركة حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان من أشجع فرسان قريش، يسميه المسلمون كبش الكتيبة، خرج وهو راكب على جمل، يدعو إلى المبارزة، فأحجم عنه الناس لفرط شجاعته، ولكن تقدم إليه الزبير، ولم يمهله بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض، فألقاه عنه وذبحه بسيفه، ثم اندلعت نيران المعركة، واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان، وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين. فقد تعاقب بنو عبد الدار لحمل اللواء، عشرة من بني عبد الدار - من حملة اللواء - أبيدوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد يحمل اللواء، فتقدم غلام لهم حبشي - اسمه صواب - فحمل اللواء وأبدى من صنوف الشجاعة والثبات ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا قبله فقد قاتل حتى قطعت يداه، فبرك على اللواء بصدره وعنقه؛ لئلا يسقط حتى قتل وهو يقول: اللهم أعزرت (١)؟ يعني هل أعزرت. وبعد أن قتل هذا الغلام - صواب - سقط اللواء على الأرض، ولم يبق أحد يحمله، فبقي ساقطًا.\nقال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها.\nوبينما كان الجيش الإسلامي الصغير، يسجل مرة أخرى نصرًا ساحقًا على مكة لم يكن أقل روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة، قلبت الوضع تمامًا، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين وكادت تكون سببًا في مقتل\n_________\n(١) أعزرت: أصلها: أعذرت، بلسان الحبشة لا يعضون على الأحرف اللثوية: الثاء والذال والظاء.","vol":"2","page":545},{"text":"النبي ﷺ، وقد تركت أسوأ أثر على سمعتهم، والهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر.\nلقد أسلفنا نصوص الأوامر الشديدة التي أصدرها رسول الله ﷺ إلى هؤلاء الرماة، بلزومهم موقفهم من الجبل في كل حال من النصر أو الهزيمة لكن على رغم هذه الأوامر المشددة؛ لما رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين ينتهبون غنائم العدو، غلبت عليهم أثارة من حب الدنيا، فقال بعضهم لبعض: الغنيمة، الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون؟ أما قائدهم عبد الله بن جبير، فقد ذكرهم أوامر الرسول ﷺ وقال: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ ولكن الأغلبية الساحقة لم تلق لهذا التذكير بالًا، وقالت: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، ثم غادر أربعون رجلًا من هؤلاء الرماة مواقعهم من الجبل والتحقوا بسواد الجيش ليشاركوه في جمع الغنائم، وهكذا خلت ظهور المسلمين ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعة من أصحابه، التزموا مواقفهم مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا.\nوانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية، فاستدار بسرعة خاطفة حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي، فلم يلبث أن أباد عبد الله بن جبير وأصحابه، ثم انقض على المسلمين من خلفهم، وصاح فرسانه صيحة عرف المشركون المنهزمون بالتطور الجديد فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت امرأة منهم - وهي عمرة بنت علقمة الحارثية - فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب، فالتف حوله المشركون ولاثوا به، وتنادى بعضهم بعضًا، حتى اجتمعوا على المسلمين وثبتوا للقتال، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف، ووقعوا بين شقي الرحى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق:</span>\nوكان رسول الله ﷺ حينئذ في مفرزة صغيرة - تسعة نفر من أصحابه - في مؤخرة المسلمين، وكان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة، فكان أمامه طريقان، إما أن ينجو - بالسرعة - بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون، ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد.","vol":"2","page":546},{"text":"وهناك تجلت عبقرية الرسول ﷺ وشجاعته المنقطعة النظير، فقد رفع صوته ينادي أصحابه: عباد الله، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون، ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطرًا بنفسه في هذا الظرف الدقيق، وفعلًا فقد علم به المشركون فخلصوا إليه، قبل أن يصل إليه المسلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>تبدد المسلمين في الموقف:</span>\nأما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم، فلم تكن تهمها إلا أنفسها، فقد أخذت طريق الفرار، وتركت ساحة القتال، وهي لا تدري ماذا وراءها؟ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها، وانطلق بعضهم إلى فوق الجبل، ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين، والتبس العسكران، فلم يتميزوا، فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض.\nوهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد، وعمتها الفوضى، وتاه منها الكثيرون، لا يدرون أين يتوجهون، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحًا يصيح إن محمدًا قد قتل، فطارت بقية صوابهم، وانهارت الروح المعنوية أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها، فتوقف من توقف منهم عن القتال، وألقى بأسلحته مستكينًا، وفكر آخرون في الاتصال بعبد الله بن أبي - رأس المنافقين - ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان.\nوكانت هناك طائفة ثالثة لم يكن يهمهم إلا رسول الله ﷺ، فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول الله ﷺ، وعمل التطويق في بدايته وفي مقدمة هؤلاء أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب وغيرهم ﵃، كانوا في مقدمة المقاتلين، فلما أحسوا بالخطر على ذاته الشريفة - ﵊ والتحية - صاروا في مقدمة المدافعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>احتدام القتال حول رسول الله ﷺ:</span>\nوبينما كانت تلك الطوائف تتلقى أواصر التطويق، تطحن بين شقي رحى المشركين، كان العراك محتدمًا حول رسول الله ﷺ، وقد ذكرنا أن المشركين لما بدأوا عمل التطويق لم","vol":"2","page":547},{"text":"يكن مع رسول الله ﷺ إلا تسعة نفر، فلما نادى المسلمين: هلم إلي، أنا رسول الله، سمع صوته المشركون وعرفوه فكروا إليه وهاجموه، ومالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين فجرى بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني والبسالة والبطولة.\nوقعت هذه كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة، وإلا فالمصطفون الأخيار من صحابته ﷺ - الذين كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال - لم يكادوا يرون تطور الموقف، أو يسمعون صوته ﷺ، حتى أسرعوا إليه؛ لئلا يصل إليه شيء يكرهونه، إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول الله ﷺ ما لقي من الجراحات - وستة من الأنصار قد قتلوا والسابع قد أثبتته الجراحات، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح - فلما وصلوا أقاموا حوله سياجًا من أجسادهم وسلاحهم، وبالغوا في وقايته من ضربات العدو، ورد هجماتهم. وكان أول من رجع إليه هو ثانيه في الغار أبو بكر الصديق ﵁.\nوخلال هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي ﷺ عصابة من أبطال المسلمين منهم: أبو دجانة، ومصعب بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وسهل بن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية، وقتادة بن النعمان، وعمر بن الخطاب، وحاطب بن أبي بلتعة، وأبو طلحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>تضاعف ضغط المشركين:</span>\nكما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن، وبالطبع فقد اشتدت حملاتهم وزاد ضغطهم على المسلمين، حتى سقط رسول الله ﷺ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فجحشت ركبته وأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا.\nوشاع مقتل النبي ﷺ أشاعه ابن قمئة بعد مقتل مصعب بن عمير ﵁.\nوهذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين، الذين لم يكونوا مع رسول الله ﷺ، وانهارت معنوياتهم، حتى وقع داخل صفوفهم ارتباك شديد، وعمتها الفوضى والاضطراب، إلا أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة","vol":"2","page":548},{"text":"هجمات المشركين؛ لظنهم أنهم نجحوا في غاية مرامهم، فاشتغل الكثير منهم بتمثيل قتلى المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>الرسول ﷺ يواصل المعركة وينقذ الموقف:</span>\nولما قتل مصعب أعطى رسول الله ﷺ اللواء علي بن أبي طالب، فقاتل قتالًا شديدًا، وقامت بقية الصحابة الموجودين هناك ببطولاتهم النادرة يقاتلون ويدافعون، وحينئذ استطاع رسول الله ﷺ أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق، فأقبل إليهم، فعرفه كعب ابن مالك - وكان أول من عرفه - فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ، فأشار إليه أن اصمت - وذلك لئلا يعرف موضعه المشركون - إلا أن هذا الصوت بلغ إلى آذان المسلمين، فلاذ إليه المسلمون حتى تجمع حوله حوالي ثلاثين رجلًا من الصحابة.\nوبعد هذا التجمع أخذ رسول الله ﷺ في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل، وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين، واشتد المشركون في هجومهم؛ لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام، وفي أثناء انسحاب رسول الله ﷺ إلى الجبل عرضت له صخرة من الجبل، فنهض إليها ليعلوها، فلم يستطع، لأنه كان قد بدن وظاهر بين الدرعين وقد أصابه جرح شديد. فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها وقال: أوجب طلحة، أي: الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>آخر هجوم قام به المشركون:</span>\nولما تمكن رسول الله ﷺ من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من المسلمين. قال ابن إسحاق: بينا رسول الله ﷺ في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل - يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد - فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا\"، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.\nوكان هذا آخر هجوم قام به المشركون ضد النبي ﷺ، ولما لم يكونوا يعرفون من","vol":"2","page":549},{"text":"مصيره شيئًا - بل كانوا على شبه اليقين من قتله - رجعوا إلى مقرهم، وأخذوا يتهيأون للرجوع إلى مكة، واشتغل من اشتغل منهم - وكذا اشتغلت نساؤهم - بقتلى المسلمين، يمثلون بهم، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج، ويبقرون البطون. بقرت هند بنت عتبة كبد حمزة، فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، واتخذت من الآذان والأنوف خدمًا - خلاخيل - وقلائد.\nقال ابن إسحاق: ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: \"قل: نعم هو بيننا وبينك موعد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>التثبت من موقف المشركين:</span>\nثم بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فقال: \"اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وما يريدون؟ فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم\" قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة.\nاتفقت جل الروايات على أن قتلى المسلمين كانوا سبعين، وكانت الأغلبية الساحقة من الأنصار، فقد قتل منهم خمسة وستون رجلًا، واحد وأربعون من الخزرج وأربع وعشرون من الأوس، وقتل رجل من اليهود. وأما شهداء المهاجرين فكانوا أربعة فقط، وأما قتلى المشركين فقد ذكر ابن إسحاق أنهم اثنان وعشرون قتيلًا، ولكن الإحصاء الدقيق - بعد تعميق النظر في جميع تفاصيل المعركة التي ذكرها أهل المغازي والسير، والتي تتضمن ذكر قتلى المشركين في مختلف مراحل القتال - يفيد أن عدد قتلى المشركين سبعة وثلاثون، لا اثنان وعشرون. والله أعلم.\nبات المسلمون في المدينة - ليلة الأحد الثامن من شهر شوال سنة ٣ هـ بعد الرجوع عن معركة أحد - وهم في حالة الطوارئ، باتوا - وقد أنهكهم التعب، ونال منهم أي منال - يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها، ويحرسون قائدهم الأعلى رسول الله ﷺ خاصة، إذ كانت","vol":"2","page":550},{"text":"تتلاحقهم الشبهات من كل جانب. اهـ المباركفوري.\nهذه هي قصة أحد في خطوطها الكبرى، وقد لخصها ابن حجر في الفتح وعلق عليها فقال:\nوكان السبب فيها ما ذكر ابن إسحاق عن شيوخه وموسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبو الأسود عن عروة قالوا، وهذا ملخص ما ذكره موسى بن عقبة في سياق القصة كلها قال: لما رجعت قريش استجلبوا من استطاعوا من العرب وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد، وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر وتمنوا لقاء العدو، ورأى رسول الله ﷺ ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: \"رأيت البارحة في منامي بقرأ تذبح، والله خير وأبقى، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته أو قال به فلول فكرهته وهما مصيبتان، ورأيت أني في درع حصينة وأني مردف كبشًا\" قالوا: وما أولتها؟ قال: \"أولت البقر بقرًا يكون فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا، فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت\" فقال أولئك القوم: يا نبي الله كنا نتمنى هذا اليوم، وأبى كثير من الناس إلا الخروج فلما صلى الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فندم ذوو الرأي منهم فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا، فقال: \"ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل\" نزل فخرج بهم وهم ألف رجل وكان المشركون ثلاثة آلاف حتى نزل بأحد، ورجع عنه عبد الله ابن أبي بن سلول في ثلثمائة فبقي في سبعمائة، فلما رجع عبد الله سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين وهما بنو حارثة وبنو سلمة، وصف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة وتعبؤوا للقتال، وعلى خيل المشركين - وهي مائة فرس - خالد بن الوليد، وليس مع المسلمين فرس وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان، وأمر رسول الله ﷺ عبد الله بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلًا وعهد إليهم أن لا يتركوا منازلهم، وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير، فبارز طلحة بن عثمان فقتله، وحمل المسلمون على المشركين حتى أجهضوهم عن أثقالهم، وحملت خيل المشركين فنضحتهم الرماة بالنبل ثلاث مرات، فدخل المسلمون عسكر المشركين فانتهبوهم، فرأى ذلك الرماة فتركوا","vol":"2","page":551},{"text":"مكانهم، ودخلوا العسكر، فأبصر ذلك خالد بن الوليد ومن معه فحملوا على المسلمين في الخيل فمزقوهم، وصرخ صارخ: قتل محمد أخزاكم، فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضًا وهم لا يشعرون، وانهزم طائفة منهم إلى جهة المدينة وتفرق سائرهم ووقع فيهم القتل، وثبت نبي الله حين انكشفوا عنه وهو يدعوهم في أخراهم، حتى رجع إليه بعضهم وهو عند المهراس في الشعب، وتوجه النبي ﷺ يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته، فمر مصعدًا في الشعب ومعه طلحة والزبير، وقيل معه طائفة من الأنصار منهم الحارث بن الصمة، وشغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنها أصابوا النبي ﷺ وأشراف أصحابه، فقال أبو سفيان يفتخر بآلهته: اعل هبل، فناداه عمر: الله أعلى وأجل. ورجع المشركون إلى أثقالهم فقال النبي ﷺ لأصحابه: \"إن ركبوا وجعلوا الأثقال - أي الإبل - تتبع آثار الخيل، فهم يريدون البيوت، وإن ركبوا الأنفال وتجنبوا الخيل فهم يريدون الرجوع\" فتبعهم سعد بن أبي وقاص، ثم رجع فقال: رأيت الخيل مجنوبة، فطابت أنفس المسلمين ورجعوا إلى قتلاهم فدفنوهم في ثيابهم ولم يغسلوهم ولم يصلوا عليهم، وبكى المسلمون على قتلاهم، فسر المنافقون وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق، فقالت اليهود: لو كان نبيًا ما ظهروا عليه، وقالت المنافقون: لو أطاعونا ما أصابهم هذا.\nقال العلماء: وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة:\nمنها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول أن لا يبرحوا منه. ومنها أن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة كما تقدم في قصة هرقل مع أبي سفيان، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائمًا دخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدوًا في دورهم فاستعدوا لهم","vol":"2","page":552},{"text":"وتحرزوا منهم، ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون. ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم. ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق بذلك الكافرين. ثم ذكر المصنف آيات من آل عمران في هذا الباب وفيما بعده كلها تتعلق بوقعة أحد، وقد قال ابن إسحاق: أنزل الله في شأن أحد ستين آية من آل عمران، وروى ابن أبي حاتم من طريق المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف أخبرني عن قصتكم يوم أحد، قال اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال) إلى قوله (أمنة نعاسًا) (١) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>١ - بين يدي الالتحام</span>\n٣٦١ - *روى الطبراني عن عمر بن الخطاب قال: فلما كان عام أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ فكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم وأنزل الله ﷿: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير) (٢) بأخذكم الفداء.\n٣٦٢ - *روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: وخرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة\n_________\n(١) آل عمران: ١٢١ - ١٥٤.\n٣٦١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٥)، وقال: رواه الطبراني في آخر حديث عمر الذي في الصحيح في مسنده الكبير.\nمصيبة: هي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين من المسلمين.\nقد أصبتم مثليها: يعني يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين أسيرًا.\n(٢) آل عمران: ١٦٥.\n٣٦٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٤)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.","vol":"2","page":553},{"text":"حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد فالتقوا يوم السبت في النصف من شوال.\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق ومالك، قال ابن إسحاق للنصف من شوال، وقال قتادة يوم السبت الحادي عشر منه قال مالك وكانت الوقعة في أول النهار وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ الممنين مقاعد للقتال والله سميع عليم* إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون* ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون* إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين* بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) الآيات وما بعدها إلى قوله: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب) (١).\n٣٦٣ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: اصطبح ناس الخمر يوم أحد ثم قتلوا شهداء.\nقال ابن كثير: (تنبيه): ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد والصواب إيرادها بعد ذلك، كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير وثبت في الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدًا، فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالًا وإنما حرمت بعد ذلك، فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد. والله أعلم.\n(تنبيه آخر): خبر يهود بني قينقاع بعد وقعة بدر كما تقدم، وكذلك قتل كعب بن الأشرف اليهودي على يدي الأوس، وخبر بني النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي، وكذلك\n_________\n(١) آل عمران: ١٢١ - ١٧٩.\n٣٦٣ - البخاري (٦/ ٣١)، ٥٦ - كتاب الجهاد ١٩ - باب فضل قول الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا).","vol":"2","page":554},{"text":"مقتل أبي رافع اليهودي تاجر أهل الحجاز على يدي الخزرج وخبر يهود بني قريظة بعد يوم الأحزاب وقصة الخندق كما سيأتي.\n٣٦٤ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرًا منحرة، فأولت أن الدرع الحصينة المدينة، وأن البقر هو والله خير\" قال فقال لأصحابه: \"لو أنا أقمنا بالمدينة فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم\" فقالوا: يا رسول الله، والله ما دخل علينا فيها في الجاهلية فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام قال عفان في حديثه فقال: \"شأنك إذًا\" قال: فلبس لأمته قال فقالت الأنصار: رددنا على رسول الله ﷺ رأيه، فجاؤوا فقالوا: يا نبي الله شأنك إذًا فقال: \"إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل\".\n٣٦٥ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: تنفل رسول الله ﵌ سيفه ذا الفقار يوم بدر، قال ابن عباس: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك أن رسول الله ﵌ لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأي رسول الله ﵌ أن يقيم بالمدينة يقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرًا: تخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر، فما زالوا برسول الله ﵌ حتى لبس أداته فندموا وقالوا: يا رسول الله أقم فالرأي رأيك. فقال رسول الله وىله وسلم: \"ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه\" قال: وكان لما قال لهم رسول الله ﵌ يومئذ قبل أن يلبس الأداة: \"إني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة، وأني مردف كبشًا فأولته كبش الكتيبة ورأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم ورأيت بقرًا تذبح فبقر والله خير فبقر والله خير\".\n_________\n٣٦٤ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٥١). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٠٧)، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\nاللأمة: مهموزة: الدرع، وقيل: السلاح، وقد يترك الهمز تخفيفًا.\n٣٦٥ - المستدرك (٢/ ١٢٨)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.","vol":"2","page":555},{"text":"٣٦٦ - * روى أبو داود عن السائب بن يزيد ﵁ عن رجل قد سماه أن رسول الله ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين أو لبس درعين.\n٣٦٧ - * روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: عرضت يوم أحد على النبي ﵌ ولي ثلاث عشرة فجعل أبي يأخذ بيدي فيقول: يا رسول إنه عبل العظام. قال: وجعل النبي ﵌ يصعد في البصر ويصوبه ثم قال رده فردني.\n٣٦٨ - * روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁: لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد رجع ناس من أصحابه فقالت فرقة: نقتلهم، وقالت فرقة: لا نقتلهم، فنزلت: (فما لكم في المنافقين فئتين) (٤) وقال النبي ﷺ: \"إنها تنفي الرجال، كما تنفي النار خبث الحديد\".\nقال في الفتح: قوله: (رجع ناس ممن خرج معه) يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقد ورد ذلك صريحًا في رواية موسى بن عقبة في المغازي وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي ﷺ على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي ﷺ فخرج\n_________\n= مردف: ردفه ردفًا: ركب خلفه.\nفل: السيف فلًا: ثلمه وكسره في حده.\n٣٦٦ - أبو داود (٣/ ٣٢)، كتاب الجهاد، وباب في لبس الدروع.\nوأحمد نحوه في مسنده (٣/ ٤٤٩).\nظاهر بين درعين: أي لبس إحداهما فوق الأخرى.\nوكأنه من التظاهر بمعنى التعاون والتساعد كأن جعل إحداهما ظهارة والأخرى بطانة، ومنه يعلم أن مباشرة الأسباب لا تنافي التوكل.\n٣٦٧ - المستدرك (٣/ ٥٦٣)، وسكت عنه الذهبي، وهو صحيح.\nالعبل: الضخم في كل شيء.\n٣٦٨ - البخاري (٤/ ٩٦) ٢٩ - كتاب فضائل المدينة - ١٠ - باب المدينة تنفي الخبث.\nوأيضًا نحوه (٧/ ٣٥٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٧ - باب غزوة أحد.\n- ومسلم بعضه (٤/ ٢١٤٢) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم.\n(١) النساء: ٨٨.","vol":"2","page":556},{"text":"قال عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس. قال ابن إسحق في روايته: فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجيًا كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا فقال: أبعدكم الله.\nوقال ابن كثير في البداية والنهاية: قال ابن إسحاق حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال: أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد الله فقال: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وابوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه ﷺ. قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى: (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالًا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) (١) يعني أنهم كاذبون في قولهم لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، وذلك لأن وقوع القتال أمره ظاهر بيِّن واضح لا خفاء ولا شك فيه، وهم الذين أنزل الله فيهم: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) الآية وذلك أن طائفة قالت: نقاتلهم، وقال آخرون: لا نقاتلهم كما ثبت وبين في الصحيح. أ. هـ.\n٣٦٩ - * روى البزار عن الزبير بن العوام قال: عرض رسول الله ﷺ سيفًا يوم أحد، فقال: \"من يأخذ هذا السيف بحقه\" فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: يا رسول الله: أنا آخذه بحقه فما حقه؟ قال: فأعطاه إياه وخرج واتبعته فجعل لا يمر بشيء إلا أفراه\n_________\n(١) آل عمران: ١٦٧.\n٣٦٩ - كشف الأستار (٢/ ٣٢٢)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة أحد.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٠٩)، وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات.\nوهكذا ورد في الرواية السؤال: \"فما حقه\" دون الإجابة وقد جاءت الإجابة في بعض الروايات: \"حقه أن تضرب به العدو حتى ينحني\".\nأفراه: فرى الشيء فريًا: شقه وفتته.","vol":"2","page":557},{"text":"وهتكه حتى أتى نسوة في سفح الجبل ومعهن هند وهي تقول:\nنحن بنات طارق ... نمشي على النمارق\nوالمسك في المفارق ... إن تقبلوا نعانق\nأو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق\nفحملت عليها فنادت بالصحراء فلم يجبها أحد، فانصرف فقلت له: كل صنيعك قد رأيته فأعجبني، غير أنك لم تقتل المرأة. قال: إنها نادت فلم يجبها أحد، فكرهت أن أضرب بسيف رسول الله ﷺ امرأة لا ناصر لها.\n٣٧٠ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد، فقال: \"من يأخذ مني هذا؟ \" فبسطوا أيديهم - كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا - فقال: \"فمن يأخذه بحقه؟ \" فأحجم القوم، فقال سماك بن خرشة، أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين.\n٣٧١ - * روى الحاكم عن جابر ﵁ قال: قال لي أبي: يا بني لا أدري لعلي أن أكون في أول من يصاب غدًا وذلك يوم أحد، فأوصيك ببنيات عبد الله خيرًا، فالتقوا فأصيب ذلك اليوم.\n٣٧٢ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أحد: \"اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض\".\n_________\n(١) هتكه: هتك الستر هتكًا: جذبه فأزاله من موضع أو شق جزءًا منه فبدا ما وراءه.\nطارق: نجم الصبح وقولها في البيت تعني أن أبانا في الشرف كالنجم المضيء قاله الجوهري.\nوقال الواقدي: عنت أنها من المخدرات اللاتي لا يبرزن إلا ليلًا كالنجم.\nالنمارق: النمرق والنمرقة - مثلثة -: الوسادة الصغيرة.\nوامق: ومقه أحبه فهو وامق.\n٣٧٠ - مسلم (٤/ ١٩١٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٢٥ - باب من فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة ﵁. ففلق به هام المشركين: أي: شق رؤوسهم.\n٣٧١ - المستدرك (٣/ ٢٠٣)، كتاب معرفة الصحابة، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n٣٧٢ - مسلم (٣/ ١٣٦٣) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير. ٧ - استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.","vol":"2","page":558},{"text":"قال النووي: قوله: (إن تشأ لا تعبد في الأرض) قال العلماء: فيه التسليم لقدر الله تعالى والرد على غلاة القدرية الزاعمين أن الشر غير مراد ولا مقدر. تعالى الله عن قولهم. وهذا الكلام متطلب أيضًا النصر. وجاء في هذه الرواية أنه ﷺ قال هذا يوم أحد، وجاء بعده أنه قاله يوم بدر، وهو المشهور في كتب السيرة والمغازي، ولا معارضة بينهما. فقاله في اليومين.\n٣٧٣ - * روى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تدعو الله؟ فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو فلقني رجلًا شديدًا بأسه شديدًا حرده أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه فأمن عبد الله ابن جحش ثم قال: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده شديدًا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غدًا: قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك ﷺ فتقول: صدقت قال سعد: يا بني كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط.\n٣٧٤ - * روى البخاري عن أبي طلحة ﵁ قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه.\nوفي رواية الترمذي (٣) قال: غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد، حدث أنه كان فيمن غشيه النعاس يومئذ، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط من يدي وآخره، والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحق.\n_________\n٣٧٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠١)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\nحرده: حرد عليه حردًا: غضب واغتاظ فتحرش بالذي غاظه وهم به فهو حرد وحردان.\nسلبه: السلب: ما يسلب من القتيل، وفي الحديث: من قتل قتيلًا فله سلبه.\n٣٧٤ - البخاري (٧/ ٣٦٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢١ - باب قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا ...) الآية.\n(٣) الترمذي (٥/ ٢٢٩) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٤ - باب \"ومن سورة آل عمران\". عن أبي طلحة. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":559},{"text":"وفي أخرى له (١) قال: رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس، فذلك قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا) (٢).\nفائدة: الذي يبدو لي أن النعاس أصابهم مرتين يوم أحد: مرة قبل المعركة ومرة بعد المعركة، والروايات هذه تشير إلى الاثنتين فلا شك أن النعاس الذي أشارت إليه الآية كان بعد المعركة.\n(ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا) (٣).\nوالنعاس الذي أشار إليه النص (ونحن في مصافنا) كان قبل المعركة واختلط الأمر على بعض الرواة فدمجوا الروايتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>٢ - الالتحام</span>\n٣٧٥ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما نصر النبي ﵌ في موطن كما نصر يوم أحد، قال: فأنكرنا ذلك فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ﷿، إن الله ﷿ يقول في يوم أحد (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) يقول ابن عباس: والحس القتل (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من\n_________\n(١) الترمذي في نفس الموضع السابق، عن أبي طلحة أيضًا. وقال: حديث حسن صحيح.\nحجفته: الترس من جلود بلا خشب ولا رباط من عصب.\nتميد: ماد الشيء يميد: إذا تحرك، ومال من جانب إلى جانب.\nأمنة: الأمنة والأمن واحد.\n(٢) آل عمران: ١٥٤.\n(٣) آل عمران: ١٥٤.\n٣٧٥ - المستدرك (٢/ ٢٩٦)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي، وأحمد في مسنده (١/ ٢٨٧).","vol":"2","page":560},{"text":"يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) (١) وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﵌ أقامهم في موضع، ثم قال: \"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا\" فلما غنم رسول الله ﵌، وأباحوا عسكر المشركين انكشف الرماة جميعًا (٢) فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي ﵌، فهم هكذا، وشبك بين أصابع يديه، والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخل الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي ﷺ فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان الرسول ﷺ وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغاب، إنما كان تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد، فلم يشكوا فيه أنه حق فما زلنا كذلك ما نشك أنه قد قتل، حتى طلع رسول الله ﵌ بين السعدين، فعرفناه بتكفؤه إذا مشى، قال: ففرحنا، حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا. قال: فرقى نحونا وهو يقول \"اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم\" قال ويقول مرة أخرى: \"اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا\" حتى انتهى إلينا قال: فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل، اعل هبل اعل هبل - يعني آلهته أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: يا رسول الله! ألا أجيبه قال: \"بلى\" فلما قال اعل هبل قال عمر: الله أعلى وأجل فقال أبو\n_________\n(١) آل عمران: ١٥٢.\n(٢) قوله: انكشف الرماة جميعًا: فيه نظر حيث ذكر ابن هشام ستة لم ينكشفوا من الرماة، واستشهدوا، منهم أميرهم عبد الله بن جبير.\nأخل: أخل بالشيء: أجحف وقصر فيه - وأخل الوالي بالثغور - وقلل الجند بها.\nجولة: جال القوم في الحرب جولة: فروا ثم كروا.\nمهراس: المهراس بكسر أوله وسكون ثانيه وآخره سين مهملة - ماء بجبل أحد، وفي الحديث: إن النبي ﷺ عطش يوم أحد فجاءه علي ﵁ في درقته بماء من المهراس.\nتكفأ في مشيته: انصب فيها انصبابًا.\nدموا: بمعنى أدموا، أي: أسالوا الدم.","vol":"2","page":561},{"text":"سفيان: يا ابن الخطاب إنه يوم الصمت فعاد فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﵌، وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنكم لتزعمون ذلك لقد خبنا إذًا وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا، ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إذ كان ذلك لم نكرهه.\nقال الدكتور البوطي: ما الحكمة في أن يشيع خبر مقتل رسول الله ﷺ في صفوف المسلمين؟! ..\nالجواب: أن ارتباط المسلمين برسول الله ﷺ ووجوده فيما بينهم كان من القوة بحيث لم يكونوا يتصورون فراقه ولم يكونوا يتخيلون قدرة لهم على التماسك من بعده، فكان أمر وفاة رسول الله ﷺ شيئًا لا يخطر لهم في بال، وكأنهم كانوا يسقطون حساب ذلك من أذهانهم، ولا ريب أنهم لو استيقظوا من غفلتهم هذه على خبر وفاته الحقيقية، لصدع الخبر أفئدتهم، ولزعزع كيانهم الإيماني بل ولقوضه في نفوس كثير منهم.\nفكان من الحكمة الباهرة أن تشيع هذه الشائعة، تجربة درسية بين تلك الدروس العسكرية العظيمة، كي يستفيق المسلمون من ورائها إلى الحقيقة التي ينبغي أن يوطنوا أنفسهم لها منذ الساعة، وأن لا يرتدوا على أعقابهم إذا وجدوا أن رسول الله ﷺ قد اختفى من بينهم.\nومن أجل بيان هذا الدرس الجليل نزلت الآية تعليقًا على ما أصاب كثيرًا من المسلمين من ضعف وتراجع لدى سماعهم نبأ مقتل رسول الله ﷺ، وذلك إذ يقول الله تعالى:\n(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم\n_________\n= دول: جمع دولة: والدولة في الحرب بين الفئتين: أن تهزم هذه مرة وهذه مرة ..\nالحرب سجال: أي تكون مرة لنا ومرة لكم، وأصله من المستقين بالدلو، وهو السجل، يكون لهذا دلو ولهذا دلو.\nالمثلة: العقوبة والتنكيل، وجمعها مثلات.\nسراة: أشراف، فهو سرى وهم سراة.","vol":"2","page":562},{"text":"ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين) (١).\nولقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس، يوم أن لحق رسول الله ﷺ فعلًا بالرفيق الأعلى، فقد كانت شائعة أحد هذه، مع ما نزل بسببها من القرآن، هي التي أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى الحقيقة، فودعوا رسول الله ﷺ بقلوبهم الحزينة، ثم رجعوا إلى الأمانة التي تركها بين أيديهم، أمانة الدعوة والجهاد في سبيل الله، فنهضوا بها أقوياء بإيمانهم أشداء في عقيدتهم وتوكلهم على الله تعالى.\n٣٧٦ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: \"في الجنة\" فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل.\nقال في الفتح: لكن وقع التصريح في حديث أنس أن ذلك كان يوم بدر، والقصة التي في الباب وقع التصريح في حديث جابر أنها كانت يوم أحد، فالذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لرجلين، والله أعلم. وفيه ما كان الصحابة عليه من حب نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة ابتغاء مرضاة الله.\n٣٧٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: دخل علي بن أبي طالب على فاطمة يوم أحد فقال: خذي هذا السيف غير ذميم. فقال النبي ﷺ: \"لئن كنت أحسنت القتال لقد أحسنه سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة\".\n٣٧٨ - * وروى أبو يعلى عن عقبة مولى جبر بن عتيك ﵄، قال: شهدت أحدًا مع موالي فضربت رجلًا من المشركين، فلما قتلته قلت: خذها مني وأنا الرجل الفارسي،\n_________\n(١) آل عمران: ١٤٤.\n٣٧٦ - البخاري (٧/ ٣٥٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٧ - باب غزوة أحد.\nومسلم نحوه (٣ - ١٥٠٩) ٣٣ - كتاب الإمارة - ٤١ - باب ثبوت الجنة للشهيد.\n٣٧٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٣)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n٣٧٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٥)، وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات.","vol":"2","page":563},{"text":"فلما بلغت رسول الله ﷺ قال: \"ألا قلت خذها وأنا الغلام الأنصاري فإن مولى القوم من أنفسهم\".\n٣٧٩ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵄ قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرماة، وأمر عليهم عبد الله وقال: \"لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا\" فلما لقينا هربوا، حتى رأيت النساء يتشددن في الجبل، رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخيلهن فأخذوا يقولون: الغنيمة، الغنيمة، فقال عبد الله عهد إلي النبي ﷺ: أن لا تبرحوا، فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا، وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: \"لا تجيبوه\" قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: \"لا تجيبوه\" فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخريك، قال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي ﷺ \"أجيبوه\" قالوا: ما نقول؟ قال: \"قولوا: الله أعلى وأجل\" قال أبو سفيان: لنا العزى، ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ: \"أجيبوه\". قالوا: ما نقول؟ قال: \"قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم\" قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة، لم آمر بها، ولم تسؤني.\n- وأخرج أبو داود (١) الرواية الثانية إلى قوله: صرفت وجوههم، ثم قال: وأقبلوا منهزمين وفي رواية: فأنا والله رأيت النساء يسندن في الجبل.\n_________\n٣٧٩ - البخاري (٧/ ٣٤٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٧ - باب غزوة أحد.\nيشتددن: الشد: العدو.\nسوقهن: السوق: جمع ساق الإنسان.\nاعل هبل هبل: اسم صنم، وقوله: (اعل) أمر بالعلو.\nالعزى: اسم صنم، وهو تأنيث الأعز.\n(١) أبو داود (٣/ ٥١)، كتاب الجهاد، باب في الكمناء.\nصرف وجوههم: كنى بصرف الوجوه عن الهزيمة، فإن المنهزم يلوي وجهه عن الجهة التي كان يطلبها إلى ورائه. يسندن: يصعدن.","vol":"2","page":564},{"text":"وقال في الفتح: قوله (رفعن عن سوقهن) جمع ساق أي ليعينهن ذلك على سرعة الهرب. وفي حديث الزبير بن العوام عند ابن إسحاق قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم (١) هند بنت عتبة وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أحدهن قليل ولا كثير. إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهرنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب لوائهم حتى ما يدنو منه أحد من القوم.\nوقال: وفي هذا الحديث من الفوائد منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ وخصوصيتهما به بحيث كان أعداؤه لا يعرفون بذلك غيرهما، إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما. وأنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعمة الله ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها. وفيه شؤم ارتكاب النهي، وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (٢) وأن من آثر دنياه، أضر بأمر آخرته ولم تحصل له دنياه. واستفيد من هذه الكائنة أخذ الصحابة الحذر من العود إلى مثلها، والمبالغة في الطاعة، والتحرز من العدو الذين كانوا يظهرون أنهم منهم وليسوا منهم، وإلى ذلك أشار ﷾ في سورة آل عمران أيضًا: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) إلى أن قال - (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) (٣) وقال: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) (٤).\nوقد تحدث في الفتح عما آل إليه الأمر بعد الفشل:\nصاروا ثلاث فرق: فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة فما رجعوا حتى انفض القتال وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان) (٥)، وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قتل فصار غاية الواحد منهم\n_________\n(١) خدم: خلاخيل، ومفردها: خدمة.\n(٢) الأنفال: ٢٥.\n(٣) آل عمران: ١٤٠ - ١٤١.\n(٤) آل عمران: ١٧٩.\n(٥) آل عمران: ١٥٥.","vol":"2","page":565},{"text":"أن يذب عن نفسه أو يستمر على بصيرته في القتال إلى أن يقتل، وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئًا فشيئًا لما عرفوا أنه حي، وبهذا يجمع بين مختلف الأخبار في عدة من بقي مع النبي ﷺ، فعند محمد بن عائذ من مرسل المطلب بن حنطب: لم يبق معه سوى اثني عشر رجلًا، وعند ابن سعد ثبت معه سبعة من الأنصار وسبعة من قريش، وفي مسلم من حديث أنس، أفرد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش طلحة وسعد، وقد سرد أسماءهم الواقدي، واقتصر أبو عثمان النهدي على ذكر طلحة وسعد وهو في الصحيح \"وأخرج الطبري من طريق السدي أن ابن قمئة لما رمى النبي ﷺ وكسر رباعيته وشجه في وجهه وتفرق الصحابة منهزمين وجعل يدعوهم فاجتمع إليه منهم ثلاثون رجلًا، فذكر بقية القصة اهـ.\n٣٨٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى - أو نظن - أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) (١).\n_________\n٣٨٠ - البخاري (٦/ ٢١) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١٢ - باب قول الله ﷿: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ...) الآية.\nالبضع: ما بين الثلاث إلى التسع.\nببنانه: البنان: الأصابع، واحدها: بنانة.\n(١) الأحزاب: ٢٣.","vol":"2","page":566},{"text":"وعند مسلم (١)، قال أنس: عمي الذي سميت به: لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدرًا قال: فشق عليه، قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيبت عنه وإن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليراني الله ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها، قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال: فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو: أين؟ فقال: واهًا لريح الجنة، أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون، من بين ضربة ورمية وطعنة، ثم ذكر نحو ما تقدم.\nقال في الفتح: قوله: (إني أجد ريح الجنة دون أحد) يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شم رائحة طيبة زائدة عما يعهد فعرف أنها ريح الجنة، ويحتمل أن يكون أطلق ذلك باعتبار ما عنده من اليقين حتى كأن الغائب عنه صار محسوسًا عنده، والمعنى أن الموضع الذي أقاتل فيه يئول بصاحبه إلى الجنة.\nقوله: (فمضى فقتل) في رواية عبد الأعلى (قال سعد بن معاذ: فما استطعت يا رسول الله ما صنع). قلت: وهذا يشعر بأن أنس بن مالك إنما سمع هذا الحديث من سعد بن معاذ لأنه لم يحضر قتل أنس بن النضر، ودل ذلك على شجاعة مفرطة في أنس بن النضر بحيث أن سعد بن معاذ مع ثباته يوم أحد وكمال شجاعته ما جسر على ما صنع أنس بن النضر. اهـ.\n- وفي الحديث جواز الأخذ بالشدة في الجهاد، وبذل المرء نفسه في طلب الشهادة، والوفاء بالعهد.\n٣٨١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: \"من يردهم عنا وله\n_________\n(١) مسلم (٣/ ١٥١٢) ٣٣ - كتاب الإمارة - ٤١ - باب: ثبوت الجنة للشهيد.\n٣٨١ - مسلم (٣/ ١٤١٥). ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٧ - باب غزوة أحد.\nرهقوه: رهقه يرهقه رهقًا، أي: غشيه، والإرهاق: الإعجال. وقيل: رهقوه، أي قربوا منه، ومنه المراهق، وهو الغلام الذي قارب الاحتلام.","vol":"2","page":567},{"text":"الجنة؟ \" أو \"هو رفيقي في الجنة\" - فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا، فقال: \"من يردهم عنا وله الجنة؟ \" أو \"هو رفيقي في الجنة\" فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: \"ما أنصفنا أصحابنا\".\nوفي قوله: \"ما أنصفنا أصحابنا\". قال ابن القيم: وهذا يروى على وجهين: بسكون الفاء ونصب أصحابنا على المفعولية، وفتح الفاء ورفع أصحابنا على الفاعلية، ووجه النصب أن الأنصار لما خرجوا للقتال واحد بعد واحد حتى قتلوا ولم يخرج القرشيان، قال ذلك أي ما أنصفت قريش الأنصار، ووجه الرفع أن يكون المراد بالأصحاب الذين فروا عن رسول الله ﷺ حتى أفردوه في النفر القليل فقتلوا واحد بعد واحد فلم ينصفوا رسول الله ﷺ ولا من ثبت معه اهـ.\nقال ابن حجر في الفتح: عن جابر قال: (تفرق الناس عن النبي ﷺ يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار وطلحة) وإسناده جيد، وهو كحديث أنس، إلا أن فيه زيادة أربعة فلعلهم جاءوا بعد ذلك. اهـ.\nأقول: لقد كانت المواقف متلاحقة والمشاهد متعددة متجددة، وكل تحدث عن مشهد أو موقف فلا منافاة بين الأقوال.\n٣٨٢ - * روى مسلم عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبي ﷺ، وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة. قال: وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد النزع، وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثًا. قال: فكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل. فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال: ويشرف نبي الله ﷺ ينظر\n_________\n٣٨٢ - مسلم (٣/ ١٤٤٣) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٧ - باب غزوة النساء مع الرجال.\nوالبخاري نحوه (٧/ ١٢٨) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ١٨ - باب مناقب أبي طلحة ﵁.\nمجوب عليه: أي ساتر له، قاطع بينه وبين الناس، وهو من الجوب: القطع، وبتجوب: يتفعل منه.\nشديد النزع: النزع: مد القوس، وشدته: كناية عن استيفاء السهم جميعه في جذبه.\nالجعبة: التي تكون فيها السهام، تتخذ من الجلود.","vol":"2","page":568},{"text":"إلى القوم. فيقول أبو طلحة: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي! لا تشرف لا يصبك سهم من سهام القوم. نحري دون نحرك. قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان. أرى خدم سوقهما. تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواههم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم. ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثًا، من النعاس.\nوللبخاري (١) قال: كان أبو طلحة يتترس مع النبي ﷺ بترس واحد، وكان أبو طلحة حسن الرمي، فكان إذا رمى يشرف النبي ﷺ، فينظر إلى موضع نبله.\n٣٨٣ - * وروى الحاكم عن موسى بن طلحة أن طلحة رجع بسبع وثلاثين أو خمس وثلاثين بين ضربة وطعنة ورمية ترصع جبينه وقطعت سبابته وشلت الإصبع التي تليها.\n٣٨٤ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ قد شلت.\nوفي رواية (٢): \"رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد.\n٣٨٥ - * وروى النسائي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما كان يوم أحد وولى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية في اثني عشر رجلًا من الأنصار، وفيهم طلحة بن عبيد الله، فأدركهم المشركون، فالتفت رسول الله ﷺ، وقال: \"من للقوم؟ \" فقال طلحة: أنا، قال رسول الله ﷺ: \"كما أنت\" فقال رجل من الأنصار: أنا\n_________\n= يشرف: الإشراف: الاطلاع على الشيء.\nخدم سوقهما: الخدمة: الخلخال.\n(١) البخاري (٦/ ٩٣) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٨٠ - باب المجن ومن يترس بترس صاحبه.\n٣٨٣ - المستدرك (٣/ ٢٥)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nترصع جبينه: أي ضرب ضربًا شديدًا.\n٣٨٤ - البخاري (٧/ ٨٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ١٤ - باب ذكر طلحة بن عبيد الله.\nشلت: الشلل فساد اليد بمرض أو قطع، ورجل أشل، ويد شلاء، وشلت يده، فهي مشلولة.\n(٢) البخاري (٧/ ٣٥٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٨ - باب \"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما .. \".\n٣٨٥ - النسائي (٦/ ٢٩) كتاب الجهاد، باب ما يقول من يطعنه العدو. وجود إسناده الحافظ في الفتح.","vol":"2","page":569},{"text":"يا رسول الله، فقال: \"أنت\" فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: \"من للقوم؟ \" فقال طلحة: أنا، قال: \"كما أنت\" فقال رجل من الأنصار: أنا، فقال: \"أنت\" فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقول ذلك، ويخرج إليهم رجل من الأنصار، فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل حتى بقي رسول الله ﷺ وطلحة بن عبيد الله، فقال رسول الله ﷺ: \"من للقوم؟ \" فقال طلحة: أنا فقاتل طلحة قتال الأحد عشر، حتى ضربت يده، فقطعت أصابعه، فقال: حس، فقال رسول الله ﷺ: \"لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون\" ثم رد الله المشركين.\n٣٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي ﵀ قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام - التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ - غير طلحة وسعد، عن حديثهما.\nقال في الفتح: ووقع عند أبي نعيم في \"المستخرج\" من طريق عبد الله بن معاذ عن معتمر في هذا الحديث \"قال سليمان فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما\" وهذا قد يعكر عليه أن المقداد كان ممن بقي معه، لكن يحتمل أن المقداد إنما حضر بعد تلك الجولة، ويحتمل أن يكون انفرادهما عنه في بعض المقامات، فقد روى مسلم من طريق ثابت عن أنس قال: \"أفرد رسول الله ﷺ يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش\" وكأنه المراد بالرجلين طلحة وسعد، وكأن المراد بالحصر المذكور في حديث الباب تخصيصه بالمهاجرين، فكأنه قال: لم يبق معه من المهاجرين غير هذين، وتعين حمله على ما أولته وأن ذلك باعتبار اختلاف الأحوال وأنهم تفرقوا في القتال، فلما وقعت الهزيمة فيمن انهزم وصاح الشيطان: قتل محمد، اشتغل كل واحد منهم بهمه والذب عن نفسه كما في حديث سعد، ثم عرفوا عن قرب ببقائه فتراجعوا إليه أولًا فأولًا، ثم بعد ذلك كان يندبهم إلى القتال فيشتغلون به. وروى ابن إسحاق بإسناد حسن عن الزبير بن\n_________\n= حس: كلمة تقال عند التوجع.\n٣٨٦ - البخاري (٧/ ٨٢)، واللفظ له، ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ١٤ - باب ذكر طلحة بن عبيد الله.\nومسلم (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٦ - باب من فضائل طلحة والزبير، رضي الله تعالى عنهما.","vol":"2","page":570},{"text":"العوام قال: \"مال الرماة يوم أحد يريدون النهب، فأتينا من ورائنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا راجعين، وانكفأ القوم علينا\". أ. هـ.\n٣٨٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ إبليس لعنة الله عليه أي عباد الله، أخراكم، فرجعت أولاهم، فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله، أبي، أبي، قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة منها بقية خير، حتى لحق بالله.\nفي رواية أن النبي ﷺ قدم لحذيفة دية أبيه فرفضها وتصدق بديته على المسلمين فزاده ذلك عند النبي ﷺ خيرًا.\n٣٨٨ - * روى البزار عن أبي بكر، ﵁: لما انصرف الناس عن النبي ﷺ كنت أول من فاء إلى رسول الله ﷺ فجعلت أنظر إلى رجل يقاتل بين يديه فقلت: كن طلحة، ثم نظرت فإذا أنا بإنسان خلفي كأنه طائر فلم أشعر أن أدركني، فإذا هو أبو عبيدة ابن الجراح، وإذا طلحة بين يديه صريعًا، قال: دونكم أخوكم فقد أوجب، فتركناه، وأقبلنا على رسول الله ﷺ وإذا قد أصاب رسول الله ﷺ في وجهه سهمان فأردت أن أنزعهما فما زال أبو عبيدة يسألني ويطلب إلي حتى تركته فنزع أحد السهمين وأزم عليه بأسنانه فقلعه، وابتدرت إحدى، ثنيتيه، ثم لم يزل يسألني ويطلب إلي أن أدعه ينزع الآخر، فوضع ثنيته على السهم وأزم عليه كراهية أن يؤذي النبي ﷺ إن تحول فنزعه وابتدرت ثنيته أو إحدى ثنيته فكان أبو عبيدة أهتم الثنايا.\n_________\n٣٨٧ - البخاري (٧/ ٣٦١) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٨ - باب: \"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ... \".\nاجتلدت: الاجتلاد: افتعال من الجلد، وهو الضرب.\nاحتجزوا: الاحتجاز والانحجاز: الكف عن الشيء.\n٣٨٨ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٣٢٤)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة أحد، وقال: لا نعلم أحدًا رفعه إلا أبو بكر الصديق، ولا نعلم له إسنادًا غير هذا، وإسحاق - يعني ابن يحيى بن طلحة - قد روى عنه عبد الله بن المبارك وجماعة، وإن كان فيه، ولا نعلم أحدًا شاركه في هذا. اهـ - وللحديث طرق يرتقي بها إلى رتبة الحسن.\nالثنية: إحدى الأسنان الأربعة التي في مقدم الفم. ... أهتم: منزوع الثنايا.","vol":"2","page":571},{"text":"٣٨٩ - * روى الحاكم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أخذ إلى النبي ﵌ يريده فاعترض رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله ﵌ فخلوا سبيله فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، ورأى رسول الله ﵌ ترقوة أبي من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه بحربته، فسقط أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فكسر ضلعًا من أضلاعه فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش، فذكر لهم قول رسول الله ﵌ \"بل أنا أقتل أبيًا\" ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين، فمات أبي إلى النار فسحقًا لأصحاب السعير قبل أن يقدم مكة فأنزل الله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (١) الآية.\n٣٩٠ - * روى الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما جال الناس عن رسول الله ﵌ تلك الجولة يوم أحد تنحيت فقلت: أذود عن نفسي فإما أن أستشهد وإما أن أنجو حتى ألقى رسول الله ﵌، فبينا أنا كذلك إذا برجل مخمر وجهه ما أدري من هو؟ فأقبل المشركون، حتى قلت: قد ركبوه ملأ يده من الحصى، ثم رمى به في وجوههم، فنكبوا على أعقابهم القهقرى، حتى يأتوا الجبل، ففعل ذلك مرارًا ولا أدري من هو؟ وبيني وبينه المقداد بن الأسود فبينا أنا أريد أن أسأل المقداد عنه، إذ قال المقداد: يا سعد هذا رسول الله ﵌\n_________\n٣٨٩ - المستدرك (٢/ ٣٢٧)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nترقوة: أعلى الصدر - عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان.\nسابغة: درع سابغة: تامة طويلة.\n(١) الأنفال: ١٧.\n٣٩٠ - المستدرك (٣/ ٢٦)، كتاب المغازي، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\nجال: جال القوم جولة: انكشفوا ثم كروا.\nتنحيت: تنحى. الناحية: الجانب.\nأذود: الذود: السوق والطرد والدفع.\nمخمر: خمر: توارى. التخمير: التغطية.\nركبوه: ركبه: علاه. ... نكبوا: نكب عنه عدل وتنحى. والشيء نحاه.","vol":"2","page":572},{"text":"يدعوك فقلت: وأين هو؟ فأشار لي المقداد إليه فقمت، ولكأنه لم يصبني شيء من الأذى، فقال رسول الله ﵌: \"أين كنت اليوم يا سعد؟ \" فقلت: حيث رأيت يا رسول الله، فأجلسني أمامه، فجعلت أرمي وأقول: اللهم سهمك فارم به عدوك، ورسول الله ﵌ يقول: \"اللهم استجب لسعد اللهم سدد لسعد رميته إيهًا سعد فداك أبي وأمي\" فما من سهم أرمي به إلا قال رسول الله ﵌: \"اللهم سدد رميته وأجب دعوته إيهًا سعد\" حتى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول الله ﵌ ما في كنانته فنبلني سهمًا نضيا وكان أشد من غيره. قال الزهري إن السهام التي رمى بها سعد يومئذ كانت ألف سهم.\n٣٩١ - * روى الحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﵌ ويقول: أنا أسد الله.\n٣٩٢ - * روى البخاري عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري ﵀ قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلما قدمنا حمص، قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره، كأنه حميت (٣)، قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير، فسلمنا، فرد السلام، قال: وعبيد الله معتجر (٤) بعمامته، ما يرى وحشي إلا عينيه\n_________\nإيهًا: بالتنوين للاستزادة من حديث أو عمل ما.\nالنضي: سهم فسد من كثرة ما رمى به، والنضي كغني: السهم بلا نصل ولا ريش.\n٣٩١ - المستدرك (٣/ ١٩٤)، كتاب معرفة الصحابة، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وصححه الذهبي.\n٣٩٢ - البخاري (٧/ ٣٦٧) ٦٤ - كتاب الغازي ٢٣ - باب قتل حمزة بن عبد المطلب، ﵁.\n(١) قال في الفتح: قوله (كأنه حميت) بمهملة وزن رغيف، أي زق كبير، وأكثر ما يقال ذلك إذا كان مملوءًا، وفي رواية لابن عائذ \"فوجدناه رجلًا سمينًا محمرة عيناه\" وفي رواية الطيالسي \"فإذا به قد القي له شيء على بابه وهو جالس صاح وفي رواية ابن إسحاق (على طنفسة له) وزاد (فإذا شيخ كبير مثل البغاث) يعني بفتح الموحدة والمعجمة الخفيفة وآخر مثلثه وهو طائر ضعيف الجثة كالرخمة ونحوها مما لا يصيد ولا يصاد.\n(٢) قوله (متجر) أي لاف عمامته على رأسه من غير تحنك.\nقال الحميدي: وقد جاء في هذا الحديث (وما يرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه) فلعله كان قد غطى وجهه بعد الاعتجار.","vol":"2","page":573},{"text":"ورجليه، فقال عبيد الله: يا وحشي، أتعرفني؟ قال: فنظر إليه، ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها: أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلامًا بمكة، فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه، فناولتها إياه، فكأني نظرت إلى قدميك، قال: فكشف عبيد الله عن وجهه، ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم، إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، قال: فلما أن خرج الناس عام عينين - وعينين جبل بحيال أحد، بينه وبينه واد - خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع، فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباغ، يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله ورسوله ﷺ؟ قال: ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب، قال؛ وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي، فأضعها في ثنته، حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذلك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسلًا فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم، حتى قدمت على رسول الله ﷺ، فلما رآني قال: \"آنت وحشي\" قلت: نعم، قال: \"أنت قتلت حمزة؟ \" قلت: قد كان من الأمر ما بلغك، قال: \"فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟ \" قال: فخرجت، فلما قبض رسول الله ﷺ، فخرج مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله، فأكافئ به حمزة، قال: فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته قال: قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان بن\n_________\n= بحيال: حيال الشيء: مقابله.\nمقطعة البظور: بظور النساء: اللاتي تختن منهن، والمقطعة: التي تختن النساء.\nأتحاد؟: المحادة: المخالفة، ومنع الواجب عليه.\nلا يهيج: هاج الإنسان يهيجه: إذا أفزعه وآذاه.\nأورق: الورقة في ألوان الإبل: كالسمرة في الإنسان.\nعلى هامته: الهامة: وسط الرأس.","vol":"2","page":574},{"text":"يسار: أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر بيت: وا أمير المؤمنين، قتله العبد الأسود.\nقال في الفتح: وفي حديث وحشي من الفوائد غير ما تقدم ما كان عليه من الذكاء المفرط، ومناقب كثيرة لحمزة، وفيه أن المرء يكره أن يرى من أوصل إلى قريبه أو صديقه أذى، ولا يلزم من ذلك وقوع الهجرة المنهية بينهما، وفيه أن الإسلام يهدم ما قبله، والحذر في الحرب، وأن لا يحتقر المرء فيها أحدًا، فإن حمزة لابد أن يكون رأى وحشيًا في ذلك اليوم لكنه لم يحترز منه احتقارًا منه إلى أن أتي من قبله.\n٣٩٣ - * روى الطبراني عن وحشي قال: أتيت النبي ﷺ فقال لي: \"وحشي؟ \" قلت: نعم، قال: \"قتلت حمزة؟ \" قلت: نعم، والحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يهني بيديه قالت له قريش: أتحبه وهو قاتل حمزة؟ فقلت: يا رسول الله فاستغفر لي، فتفل في الأرض ثلاثة، ودفع في صدري ثلاثة، وقال: \"يا وحشي اخرج فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصد عن سبيل الله\".\n٣٩٤ - * وروى الطبراني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ لما نظر إلى حمزة قال: \"أما والله لأمثلن بسبعين كمثلك\" فنزل القرآن: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (١) الآية، فكفر ﷺ وأمسك عن ذلك.\nقال في الفتح: وروى البزار والطبراني بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة أن النبي ﷺ لما رأى حمزة قد مثل به قال: \"رحمة الله عليك، لقد كنت وصولًا للرحم، فعولًا للخير، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى\" ثم حلف وهو بمكانه\n_________\n٣٩٣ - المعجم الكبير (٢٢/ ١٣٩) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢١)، وقال: رواه الطبراني، وإسناده حسن.\n٣٩٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٩)، وقال: رواه البزار والطبراني، وفيه صالح بن بشير المري، وهو ضعيف.\nوالبزار نحوه مطولًا كشف الأستار (٢/ ٣٢٧)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة أحد. وللحديث طرق تقوى بها.\n(١) النحل: ١٢٦.","vol":"2","page":575},{"text":"لأمثلن بسبعين منهم، فنزل القرآن (وإن عاقبتم) الآية وعند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني من حديث أبي بن كعب قال: مثل المشركون بقتلى المسلمين، فقال الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا من الدهر لنزيدن عليهم، فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل: لا قريش بعد اليوم، فأنزل الله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) فقال رسول الله ﷺ: \"كفوا عن القوم\" وفي رواية: فقال: \"بل نصبر يا رب\" وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا. أ. هـ.\n٣٩٥ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد. قال: كان رجل من المشركين قد احرق المسلمين. فقال له النبي ﷺ: \"ارم. فداك أبي وأمي! \" قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه، فسقط. فانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ، حتى نظرت إلى نواجذه.\nوتفصيل هذه الرواية في المغازي للواقدي: أن المشرك رمى أم أيمن التي كانت تسقي المسلمين بنبل فأصاب ذيلها فسقطت وانكشفت فغضب النبي ﷺ وقال لسعد: \"ارم الرجل\" وأعطاه نبلًا لا نصل له فأصابه في نحره فسقط وانكشفت عورته فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه ولم يذكر الواقدي أنه قتل. والواقدي أوسع كتاب أعلمه في المغازي وهو ٤ مجلدات، وسمي الرجل حبان بن العرقة.\n٣٩٦ - * روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي النبي ﷺ كنانته يوم أحد فقال: \"ارم فداك أبي وأمي\".\n_________\n٣٩٥ - مسلم (٤/ ١٨٧٦). ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥ - باب فضل سعد بن أبي وقاص ..\nأحرق المسلمين: أثخن فيهم، وعمل فيهم عمل النار.\nفنزعت له بسهم: فرميته بسهم.\nليس له نصل: أي: ليس فيه زج.\nفأصبت جنبه: هكذا في معظم النسخ.\nنواجذه: أي: أنيابه، وقيل: أضراسه.\n٣٩٦ - البخاري (٧/ ٣٥٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٨ - باب: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون).\nنثل: نثل الكنانة: استخرج نبلها فنثرها.\nالكنانة: جعبة صغيرة من أدم للنبل.","vol":"2","page":576},{"text":"٣٩٧ - * روى الطبراني عن كعب بن مالك قال: لما كان يوم أحد وصرنا إلى الشعب، كنت أول من عرفته، فقلت: هذا رسول الله ﷺ: فأشار إلي بيده أن اسكت ثم ألبسني لأمته ولبس لأمتي فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة، أو قال بضعة وعشرين جرحًا، كل من يضربني يحسبني رسول الله ﷺ.\nفعل ذلك لأن المشركين عرفوه رغم المغفر وعلموه بدرعه، فقصد أن يعمي عليهم وهذا من الأخذ بالأسباب ويعلمنا هذا أن حفظ القيادات في المعارك مراعى في الإسلام.\n٣٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير إلى رباعيته - واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله\".\n٣٩٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: \"كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله\" فأنزل الله ﷿: (ليس لك من الأمر شيء) (١).\n_________\n٣٩٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٢)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجال الأوسط ثقات.\nاللأمة: الدرع.\nالبضعة: البضع: ما بين الثلاث إلى التسع.\n٣٩٨ - البخاري (٧/ ٣٧٢) واللفظ له، ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٤ - باب ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أحد.\nومسلم (٣/ ١٤١٧) بنحوه، ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٨ - باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ.\nالرباعية: على وزن ثمانية السن بين الثنية والناب.\nوقد كسرت في أحد رباعية النبي ﷺ اليمنى السفلى وهي التي تلي نابه الأيمن السفلي من الأمام.\nالذي رمى رسول الله ﷺ في وجنتيه هو ابن قمئة. والذي رماه في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص. فأما الأول فقتله تيس الجبل وأما الثاني فدعا عليه ﷺ بأن لا يحول عليه الحول ويموت كافرًا فكان ذلك. (الفتح الرباني بتصرف).\n٣٩٩ - مسلم (٣/ ١٤١٧) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٧ - باب غزوة أحد.\nشج رأسه: إذا شق جلده وأجرى دمه.\nيسلت: سلت الدم عن الجرح: إذا مسحه.\n(١) آل عمران: ١٢٨.","vol":"2","page":577},{"text":"قال في الفتح: \"لما كان يوم أحد وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما رأت النبي ﷺ اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم\" فلما رأت ذلك أخذت شيئًا من حصير فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم، وله من طريق زهير بن محمد عن أبي حازم \"فأحرقت حصيرًا حتى صارت رمادًا، فأخذت من ذلك الرماد فوضعته فيه حتى رقأ الدم\" وقال في آخر الحديث: ثم قال يومئذ: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله. ثم مكث ساعة ثم قال: \"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون\" وقال ابن عائذ: أخبرنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن الذي رمى رسول الله ﷺ بأحد فجرحه في وجهه قال: خذها مني وأنا ابن قمئة فقال: \"أقماك الله\" قال: فانصرف إلى أهله فخرج إلى غنمه فوافاها على ذروة جبل، فدخل فيها فشد عليه تيسها فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل فتقطع، وفي الحديث جواز التداوي، وأن الأنبياء قد يصابون ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر وتزداد درجاتهم رفعة، وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره، والعاقبة للمتقين. أ. هـ.\n٤٠٠ - * روى الطبراني عن أبي سعيد أنه قال: أصيب وجه رسول الله ﷺ يوم أحد، فاستقبله مالك بن سنان فمص جرح رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"من أحب أن ينظر إلى من خالط دمي دمه، فلينظر إلى مالك بن سنان\".\n٤٠١ - * روى أحمد عن أبي قتادة قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\" فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهما، فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: \"كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة\" فأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد.\n_________\n٤٠٠ - المعجم الكبير (٦/ ٣٤) ومالك بن سنان: هو والد الراوي أبي سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان.\n٤٠١ - أحمد في مسنده (٥/ ٢٩٩).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١)، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير يحيى بن نصر الأنصاري، وهو ثقة.","vol":"2","page":578},{"text":"قال في الفتح الرباني: قال جابر: حولت أبي بعد ستة أشهر فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض، يروي معناه البخاري عن جابر ولفظه فأصبحنا فكان - أي والده - أول قتيل ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته كهيئته غير أذنه وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل عن قبرهما وكانا في قبر واحد مما يلي السيل فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما - أي لينقلا منه - فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة والمراد بقوله كانا في قبر واحد أي كانا متجاورين كأنهما في قبل واحد أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد ويتبين مما ذكر أن النقل كان مرتين الأولى لأفراد كل منهما بقبر وكان بعد ستة أشهر والثانية كانت لأن السيل كان قد حفر عن قبريهما وذلك بعد ست وأربعين سنة وقد ذكر ابن إسحاق قصة حفر السيل في المغازي فقال حدثني أبي عن اشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما يعني عمرًا وعبد الله وعليهما بردتان قد غطى بهما وجوههما وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض فأخرجناهما يتثنيان تثنيًا كأنهما دفنا بالأمس. اهـ.\n٤٠٢ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: \"لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا في الحرب، فقال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله ﷿: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) (١) الآية.\n_________\n٤٠٢ - المستدرك (٢/ ٨٨)، كتاب الجهاد، وأيضًا في (٢/ ٢٩٧)، كتاب التفسير، وقال في كلا الموضعين: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأقره الذهبي فيهما.\nمقيلهم: قال قيلًا: نام وسط النهار. والمقيل: نومة النهار أو الاستراحة فيه وإن لم يكن نوم.\nنكل: نكولًا: نكص وجبن.\n(١) آل عمران: ١٦٩.","vol":"2","page":579},{"text":"٤٠٣ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال: لقد رأيت يوم أحد، عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره، رجلين عليهما ثياب بيض. يقاتلان عنه كأشد القتال. ما رأيتهما قبل ولا بعد.\n٤٠٤ - * روى البزار عن بريدة أن رجلًا قال يوم أحد: اللهم إن كان محمد على الحق فاخسف بي قال: فخسف به.\nقال ابن حجر في الفتح: (تنبيه): وقع في رواية أبي الوقت والأصيلي قبل حديث عقبة بن عامر حديث ابن عباس؛ قال النبي ﷺ يوم أحد: \"هذا جبريل آخذ برأس فرسه\" الحديث، وهو وهم من وجهين: أحدهما أن هذا الحديث تقدم بسنده ومتنه في \"باب شهود الملائكة بدرًا\" ولهذا لم يذكره هنا أبو ذر ولا غيره من متقني رواة البخاري، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم. ثانيهما: أن المعروف في هذا المتن يوم بدر كما تقدم لا يوم أحد، والله المستعان. أ. هـ.\n٤٠٥ - * روى البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام - وكان صائمًا - فقال -: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه. وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني. ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا - وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.\n_________\n٤٠٣ - مسلم (٤/ ١٨٠٢) ٤٣ - كتاب الفضائل ١٠ - باب قتال جبريل وميكائيل عن النبي ﷺ يوم أحد. وزاد في رواية في نفس الموضع: \"يعني جبريل وميكائيل ﵉\".\nوالبخاري (٧/ ٣٥٨) بنحوه، ٦٤ - كتاب المغازي - ١٨ - باب: \"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما .. \" الآية.\n٤٠٤ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٣٣٩)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة أحد.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٢)، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\nوبريدة بن الحصيب - الراوي - صحابي أسلم قبل بدر، ومات سنة ٦٣ هـ.\n٤٠٥ - البخاري (٧/ ٣٥٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٧ - باب غزوة أحد.","vol":"2","page":580},{"text":"قال في الفتح: وفي الحديث فضل الزهد، وأن الفاضل في الدين ينبغي له أن يمتنع من التوسع في الدنيا لئلا تنقص حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله: (خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت) وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. قال ابن بطال: وفيه أنه ينبغي ذكر سير الصالحين وتقللهم في الدنيا لقتل رغبته فيها. أ. هـ.\n٤٠٦ - * روى البخاري عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطًا بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيد، فقال له بعض من عنده، يا أمير المؤمنين، أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك - يريدون أم كلثوم بنت علي - فقال عمر: أم سليط أحق به. وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ. قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد.\n٤٠٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش، فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم أحد، وخرج رسول الله ﷺ إلى أحد بدا له الإسلام فأسلم، فأخذ سيفه فغدا حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. قال: فبينا رجال بني عبد الأشهل، يلتمسون قتلاهم في المعركة، إذا هم به فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، وما جاء، لقد تركناه وإنه لمنكر هذا الحديث فسألوه ما جاء به؟ فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحربًا على قومك أو رغبة في الإسلام؟ قال: بل\n_________\n٤٠٦ - البخاري (٧/ ٣٦٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٢ - باب ذكر أم سليط.\nتزفر القرب: تحملها.\nقال في الفتح (باب ذكر أم سليط) بفتح المهملة وكسر اللام، ذكر فيه حديث عمر في قصة المروط، وأم سليط المذكورة هي والدة أبي سعيد الخدري كانت زوجًا لأبي سليط فمات عنها قبل الهجرة فتزوجها مالك بن سنان الخدري فولدت له أبا سعيد.\n٤٠٧ - أحمد في مسنده (٥/ ٤٢٨).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٢)، وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات.\nعرض الناس: معظمهم.\nأثبتته الجراحة: أي حبسته وسكنته.","vol":"2","page":581},{"text":"رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتلت حتى أصابني ما أصابني قال: ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: \"إنه لمن أهل الجنة\".\n٤٠٨ - * روى أبو يعلى عن سهل بن سعد ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ يوم أحد فقال: ما رأينا مثل ما أتى فلان، أتاه رجل لقد فر الناس، وما فر، وما ترك للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه قال: \"ومن هو؟ \" فنسب لرسول الله ﷺ نسبه، فلم يعرفه ثم وصف له بصفته فلم يعرفه، حتى طلع الرجل بعينه فقال، ذا يا رسول الله الذي أخبرناك عنه فقال: \"هذا؟ \" فقالوا: نعم فقال: \"إنه من أهل النار\" فاشتد ذلك على المسلمين، قالوا: أينا من أهل الجنة إذا كان فلان من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: يا قوم أنظروني، فو الذي نفسي بيده لا يموت إلا مثل الذي أصبح عليه ولأكونن صاحبه من بينكم، ثم راح على حدة في العدو، فجعل الرجل يشد معه إذا شد، ويرجع معه إذا رجع، فينظر ما يصير إليه أمره، حتى أصابه جرح أذلقه، فاستعجل الموت فوضع قائم سيفه بالأرض، ثم وضع ذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، حتى خرج من ظهره، وخرج الرجل يعدو يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، حتى وقف بين يدي رسول الله ﷺ فقال: \"وذاك ماذا؟ \" فقال: يا رسول الله الرجل الذي ذكر لك، فقلت: إنه من أهل النار فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا من أهل الجنة إذا كان فلان من أهل النار، فقلت: يا قوم أنظروني، فوالذي نفسي بيده لا يموت إلا مثل الذي أصبح عليه، ولأكونن صاحبه من بينكم فجعلت أشد معه إذا شد وأرجع معه إذا رجع، أنظر إلى ما يصير أمره، حتى أصابه جرح أذلقه، فاستعجل الموت، فوضع قائم سيفه بالأرض، ووضع ذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه حتى خرج من بين ظهره، فهو ذاك يا رسول الله يضطرب بين أضغاثه فقال رسول الله\n_________\n٤٠٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٦)، وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح.\nالحدة: النشاط.\nأذلقه: أضعفه.\nذباب السيف: طرفه الذي يضرب به، يريد هنا رأسه.\nالأضغاث: الأخلاط.","vol":"2","page":582},{"text":"ﷺ: \"إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وإنه من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وإنه لمن أهل الجنة\". قال الهيثمي: هو في الصحيح باختصار.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>٣ - بعد المعركة</span>\nقال ابن كثير: ثم شرع ابن إسحاق في ذكر شهداء أحد وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم كما جرت عادته فذكر من المهاجرين أربعة: حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله ابن جحش وشماس بن عثمان ﵃، ومن الأنصار إلى تمام خمسة وستين رجلًا واستدرك عليه هشام خمسة آخرين فصاروا سبعين على قول ابن هشام ثم سمى ابن إسحاق من قتل من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلًا على قبائلهم أيضًا. قلت: ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي كما ذكره الشافعي وغيره وقتله رسول الله ﷺ صبرًا بين يديه. أمر الزبير - ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح - فضرب عنقه.\nوقد حقق صاحب الرحيق المختوم (وهناك مبررات قوية له في ذلك) أن قتلى المشركين بلغوا سبعة وثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>تعليق: </span>وقتل رجل من اليهود اسلم وهو مخيريق.\n٤٠٩ - * روى الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: رجع رسول الله ﵌ يوم أحد فسمع نساء بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن فقال: \"لكن حمزة لا بواكي له\" فجئن نساء الأنصار، فبكين على حمزة عنده، ورقد فاستيقظ وهن يبكين فقال \"يا ويلهن إنهن لها هنا حتى الآن، مروهن فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم\".\n_________\n٤٠٩ - المستدرك (٣/ ١٩٥)، كتاب معرفة الصحابة، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.","vol":"2","page":583},{"text":"٤١٠ - * روى الطبراني عن كعب بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: \"من رأى مقتل حمزة؟ \" فقال رجل: أعزك الله أنا رأيت مقتله. فانطلق، فوقف على حمزة، فرآه قد شق بطنه، وقد مثل به، فقال: يا رسول الله قد مثل به، فكره رسول الله ﷺ أن ينظر إليه، ووقف بين ظهراني القتلى، وقال: \"أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم بدمائهم، فإنه ليس مجروح يجرح في سبيل الله، إلا جاء جرحه يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك، قدموا أكثرهم قرآنًا واجعلوه في اللحد\".\n٤١١ - * روى الترمذي عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما كان يوم أحد: أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة - فيهم حمزة - فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنربين عليهم قال: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (١) فقال رجل لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ: \"كفوا عن القوم إلا أربعة\".\nقال محقق جامع الأصول: والأربعة الذين أباح رسول الله ﷺ دماءهم هم: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، أما عكرمة بن أبي جهل: فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له من رسول الله ﷺ فأمنه. فخرجت في طلبه إلى اليمن، حتى أتت به رسول الله ﷺ، فأسلم وحسن إسلامه.\n_________\n٤١٠ - المعجم الكبير ١٦٨/ ٨٢).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٩)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\nمقتله: المقتل: الموضع الذي أصيب فيه الإنسان.\n٤١١ - الترمذي (٥/ ٢٩٩) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ١٧ - باب: \"ومن سورة النحل\"، وقال: هذا حديث حسن غريب.\nمثلوا بهم: مثل به يمثل: إذا نكل به، ومثل بالقتيل: إذا جدعه، وشوه خلقته، والاسم: المثلة.\nلنربين أي: لنزيدن.\n(١) النحل: ١٢٦.","vol":"2","page":584},{"text":"وأما عبد الله بن خطل: فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، اشتركا في دمه. وابن خطل: رجل من بني تيم بن غالب. وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله، لأنه كان مسلمًا - فبعثه رسول الله ﷺ مصدقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى من المسلمين يخدمه فنزلا منزلًا، وأمر ابن خطل المولى أن يذبح له تيسًا فيصنع له طعامًا، فنام فاستيقظ ولم يصنع المولى له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا.\nوكانت له قينتان - فرتنى وسارة - وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ. فأمر رسول الله ﷺ بقتلهما معه، فقتلت فرتنى، وهربت صاحبتها، وبقيت حتى أوطأها رجل فرسه فقتلها في زمن عمر.\nويقال: إن فرتنى أسلمت، وإن سارة أمنها رسول الله ﷺ.\nوأما مقيس بن صبابة: فقتله نميلة بن عبد الله، رجل من قومه بني ليث، حي من بني كعب.\n٤١٢ - * روى الحاكم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ مر بحمزة يوم أحد، وقد جدع ومثل به، وقال: \"لولا أن صفية تجد لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع\" فكفنه في نمرة.\n٤١٣ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قتل حمزة يوم أحد وقتل معه رجل من الأنصار، فجاءته صفية بنت عبد المطلب بثوبين ليكفن فيهما حمزة، فلم يكن للأنصاري كفن، فأسهم النبي ﷺ بين الثوبين ثم كفن كل واحد منهما في ثوب.\n٤١٤ - * وروى الطبراني عن أبي أسيد الساعدي قال: أنا مع رسول الله ﷺ على قبر\n_________\n٤١٢ - المستدرك (٣/ ١٩٦)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\nجدع: الجدع: كالمنع: قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة.\nتجد: من الوجد، وهو الحزن.\n٤١٣ - المعجم الكبير (١١/ ٤٠٦).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٠)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n٤١٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٩)، وقال: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن.","vol":"2","page":585},{"text":"حمزة بن عبد المطلب فجعلوا يجرون النمرة على وجهه فتكشف قدماه، ويجرونها على قدميه فينكشف وجهه، قال رسول الله ﷺ: \"اجعلوها على وجهه واجعلوا على قدميه من هذا الشجر\" قال: فرفع رسول الله ﷺ رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال رسول الله ﷺ: \"إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف فيصيبون منها مطعمًا وملبسًا ومركبًا، أو قال: مراكب فيكتبون إلى أهليهم هلم إلينا فإنك بأرض مجاز جدوبة، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون\".\n٤١٥ - * روى البخاري عن خباب بن الأرت ﵁ قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، ومنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئًا، كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه. فقال لنا النبي ﷺ: \"غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجله الإذخر، أو قال: ألقوا على رجله من الإذخر\" ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها.\nأشار الحديث إلى عظم أجر من لم يحصل شيئًا من الدنيا مع عظيم جهاده وبمناسبة الحديث تحدث صاحب الفتح عن الصحابة فقال:\nمنهم من مات قبل الفتوح كمصعب بن عمير ومنهم من عاش إلى أن فتح عليهم، ثم انقسموا فمنهم من أعرض عنه وواسى به المحاويج أولًا فأولًا بحيث بقي على تلك الحالة الأولى وهم قليل منهم أبو ذر، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول، ومنهم من تبسط في بعض المباح فيما يتعلق بكثرة النساء والسراري أو الخدم والملابس ونحو ذلك ولم يستكثر وهم كثير ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة وهم كثير أيضًا، منهم عبد الرحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين أشار خباب، فالقسم الأول وما التحق به توفر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر أنه يحسب عليهم ما\n_________\n= الأرض المجاز: هي التي ليست دار إقامة.\nالجدوبة: هي الجدبة.\n٤١٥ - البخاري (٧/ ٣٥٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٧ - باب غزوة أحد.\nومسلم (٢/ ٦٤٩) بنحوه. ١١ - كتاب الجنائز - ١٣ - باب في كفن الميت.\nأينعت: أينع الثمر: إذا نضج وأدرك. ... يهدبها: هدب الثمرة يهدبها: إذا اجتناها.","vol":"2","page":586},{"text":"وصل إليهم من مال الدنيا من ثوابهم في الآخرة، ويؤيده ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه \"ما من غازية تغزو فتغنم وتسلم إلا تعجلوا ثلثي أجرهم\" الحديث، ومن ثم آثر كثير من السلف قلة المال وقنعوا به إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة وإما ليكون أقل لحسابهم عليه.\n٤١٦ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعلوا ينهونني ورسول الله ﷺ لا ينهاني، قال: وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال رسول الله ﷺ: \"تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه\".\nوفي رواية (١): لما كان يوم أحد جيء مسجي، وقد مثل به.\nوفي أخرى (٢): جيء بأبي يوم أحد مجدعا - فوضع بين يدي النبي ﷺ ... بنحوه.\n٤١٧ - * روى الحاكم عن زيد بن ثابت ﵁ قال: بعثني رسول الله ﵌ يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال لي: \"إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله كيف تجدك؟ \" قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة فقلت له: يا سعد إن رسول الله ﵌ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: خبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله السلام وعليك السلام، قل له: أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول ﵌ وفيكم شغر يطرف قال: وفاضت نفسه.\n_________\n٤١٦ - مسلم (٤/ ١٩١٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٢٦ - باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر رضي الله تعالى عنهما.\nوالبخاري (٣/ ١١٤) بنحوه. ٢٣ - كتاب الجنائز - ٣ - باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه.\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق (٤/ ١٩١٧).\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق (٤/ ١٩١٨).\nالمسجى: المغطي. ... مثل به: التمثيل بالقتيل: تشويه خلقته بجدع أو قطع عضو من أعضائه.\nمجدعًا: الجدع: قطع الأنف ونحوه من الأعضاء.\n٤١٧ - المستدرك (٣/ ٢٠١)، كتاب معرفة الصحابة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\nالشغر: حرف كل شيء، وشغر الجفن: حرفه الذي ينبت عليه الهدب. وجمعه: أشغار.","vol":"2","page":587},{"text":"٤١٨ - * روى الطبراني عن أنيسة بنت عدي أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ابني عبد الله بن سلمة وكان بدريًا قتل يوم أحد أحببت أن أنقله فآنس بقربه، فأذن لها رسول الله ﷺ، فعدلته بالمجذر بن زياد على ناضح له في عباءة، فمرت بهما فعجب لهما الناس فنظر إليهما رسول الله ﷺ فقال: \"سوى بينهما عملهما\" وكان عبد الله رجلًا جسيمًا ثقيلًا وكان المجذر قليل اللحم وهو الذي يقول:\nأنا الذي أصلي من بلى ... أطعن بالصعدة حتى تنثني\nولا نرى مجذرًا يفري فري\n٤١٩ - * روى الحاكم عن أبي ذر ﵁ قال: لما فرغ رسول الله ﵌ يوم أحد مر على مصعب مقتولًا على طريقه فقرأ: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) (١) الآية.\n٤٢٠ - * روى أحمد عن عبيد الله بن رفاعة الزرقي قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ: \"استووا حتى أثني على ربي\" فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: \"اللهم لك الحمد كله. اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لما أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ\n_________\n٤١٨ - المعجم الكبير (٢٤/ ١٩٢) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٠٦)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\nالناضح: جمل يتخذ للسقي غالبًا.\n٤١٩ - المستدرك (٣/ ٢٠٠)، كتاب معرفة الصحابة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه واقره الذهبي.\n(١) الأحزاب: ٢٣.\n٤٢٠ - أحمد في مسنده (٣/ ٤٢٤) والبزار بنحوه: كشف الأستار (٢/ ٣٣٠)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢١).\nوقال: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.\nانكفأ: صرف وكب.","vol":"2","page":588},{"text":"بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق\".\nيبدو أن هذا قد تم بعد أن انتهت المعركة وانسحب المشركون وتفقد المسلمون القتلى والجرحى قبيل اتجاه المسلمين نحو المدينة.\n٤٢١ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: أتي بهم رسول الله ﷺ يوم أحد فجعل يصلي على عشرة عشرة وحمزة هو كما هو، يرفعون وهو كما هو موضوع.\n٤٢٢ - * روى البخاري عن عقبة بن عامر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: \"إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها\" قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ.\n٤٢٣ - * روى أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له عن جابر بن عبد الله (رضي\n_________\n٤٢١ - ابن ماجه (١/ ٤٨٥) ٦ - كتاب الجنائز - ٢٨ - باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم.\nقال المعلق على ابن ماجه: قال السندي: يظهر من الزوائد أن إسناده حسن.\n٤٢٢ - البخاري (٧/ ٣٤٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٧ - باب غزوة أحد.\nومسلم نحوه (٤/ ١٧٩٥) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\nالفرط: في الأصل: السابق إلى الماء يرتاده لقومه. ويستعمل للسابق إلى الجنة، وهنا كذلك.\n٤٢٣ - أبو داود (٣/ ٢٠٢)، كتاب الجنائز، باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض وكراهة ذلك.\nوالنسائي (٤/ ٧٩)، كتاب الجنائز، باب أين يدفن الشهيد.\nوابن ماجه (١/ ٤٨٦) ٦ - كتاب الجنائز. ٢٨ - باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم، وهو صحيح.","vol":"2","page":589},{"text":"الله عنهما) قال: إن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم وكانوا نقلوا إلى المدينة.\n٤٢٤ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم.\n٤٢٥ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر أصحاب أحد: \"أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نحص الجبل\" يعني سفح الجبل.\n٤٢٦ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: (ليس لك من الأمر شيء) إلى قوله (فإنهم ظالمون) (١).\nوفي رواية الترمذي (٢) قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: \"اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية\" قال: فنزلت: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم) فتاب الله عليهم، فأسلموا، فحسن إسلامهم.\n_________\nإلى مصارعهم: أي إلى المحل الذي قتلوا فيه، وهذه هي السنة وقد دفن بعضهم في المدينة قبل الأمر.\n٤٢٤ - ابن ماجه (١/ ٤٨٥) ٦ - كتاب الجنائز - ٢٨ - باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم. ولا بأس بإسناده. الحديد: السلاح والدروع.\n٤٢٥ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٧٥) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٣)، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.\nغودرت: أي تركت الدنيا معهم ويعني الحديث: أي يا ليتني استشهدت معهم.\nأصحاب نحص الجبل: قتلى أحد وغيرهم من الشهداء.\n٤٢٦ - البخاري (٧/ ٣٦٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢١ - باب (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون).\n(١) آل عمران: ١٢٨.\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٢٧) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٤ - باب \"ومن سورة آل عمران\" وقال: حديث حسن غريب.","vol":"2","page":590},{"text":"وفي رواية النسائي (١): أنه سمع رسول الله ﷺ - حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة - قال: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا، يدعو على أناس من المنافقين\" فأنزل الله ﷿: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون).\nوقد ذكر الترمذي (٢) بسند حسن أن الرسول ﷺ كان يدعو على أربعة وأن الله هداهم.\n٤٢٧ - * روى الحاكم عن عبد الله بن أبي فروة أن النبي ﵌ زار قبور الشهداء بأحد فقتال: \"اللهم إن عبدك ونبيك يشهد أن هؤلاء شهداء، وأنه من زارهم وسلم عليهم إلى يوم القيامة ردوا عليه\" (قال العطاف) وحدثتني خالتي أنها زارت قبور الشهداء، قالت: وليس معي إلا غلامان يحفظان علي الدابة، قالت: فسمعت رد السلام، قالوا: والله إنا نعرفكم كما يعرف بعضنا بعضًا، قالت: فاقشعررت، فقلت: يا غلام أدن بغلتي فركبت.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>٤ - عبر أحد وبعض دروسها</span>\nتكلم العلماء كثيرًا في عبر أحد ودروسها، ونحن ههنا ننقل بعض كلام الغزالي المعاصر وابن القيم والسباعي رحمهما الله:\n١ - قال الغزالي حفظه الله:\nموقعة \"أحد\" فياضة بالعظات الغوالي والدروس القيمة، وقد نزلت في أدوارها وحوادثها ونتائجها آيات طوال، وكان لها في نفس الرسول ﵊ أثر عميق\n_________\n(١) النسائي (٢/ ٢٠٣)، كتاب الافتتاح (التطبيق)، باب لعن المنافقين في القنوت.\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٢٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن. ٤ - باب \"ومن سورة آل عمران\".\n٤٢٧ - المستدرك (٣/ ٢٩)، كتاب المغازي، وقال: هذا إسناد مدني صحيح ولم يخرجاه قال الذهبي عنه: مرسل.","vol":"2","page":591},{"text":"ظل يذكره إلى قبيل وفاته، كانت امتحانًا ثقيل الوطأة محض السرائر ومزق النقاب عن مخبوئها، فامتاز النفاق عن الإيمان، بل تميزت مراتب الإيمان نفسه فعرف الذين ركلوا الدنيا بنعالهم فلم يعرجوا على مطمع من مطامعها والذين مالوا إليها بعض الميل فنشأ عن أطماعهم التافهة ما ينشأ عن الشرر المستصغر من حرائق مروعة.\nبدأت المعركة بانسحاب ابن أبي، وهو عمل ينطوي على استهانة بمستقبل الإسلام وغدر به في أحرج الظروف، وتلك أبرز خسائس النفاق.\nوالدعوات - إبان امتدادها وانتصارها - تغري الكثير بالانضواء تحت لوائها، فيختلط المخلص بالمغرض، والأصيل بالدخيل. وهذا الاختلاط مضر أكبر الضرر بسير الرسالات الكبيرة وإنتاجها.\nومن مصلحتها الأولى أن تصاب برجات عنيفة تعزل الخبث عنها، وقد اقتضت حكمة الله أن يقع هذا التمحيص في أحد.\nولئن أفادت وقعة \"بدر\" في خذل الكافرين، إن وقعة \"أحد\" أفادت مثلها في فضح المنافقين، ورب ضارة نافعة، وربما صحت الأجسام بالعلل.\nولعل ما ترتب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة، درس عميق يتعلم منه المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل لا تشرف نفسها في حرب أو سلام.\nوالأمم كلها، مؤمنها وكافرها، تعرف هذه الحقيقة، ولذلك قامت الجندية على الطاعة التامة، وعندما تشتبك أمة في حرب، تجعل أحزابها جبهة واحدة وأهواءها رغبة واحدة، وتخمد كل تمرد أو شذوذ ينجم في صفوفها.\nولذلك لما دهش المسلمون للكارثة التي قلبت عليهم الأمور، بيَّن لهم أنهم هم مصدرها: فما أخلفهم موعدًا، ولا ظلمهم حقًا:\n(أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن","vol":"2","page":592},{"text":"الله على كل شيء قدير) (١).\nإن الإسلام يشترط لكمال العمل وقبوله الإيمان والاحتساب، والتجرد. اهـ.\n٢ - قال ابن القيم:\n(فصل في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد) وقد أشار الله ﷾ إلى أمهاتها وأصولها في سورة آل عمران حيث افتتح القصة بقوله (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال) (٢) إلى تمام ستين آية فمنها تعريفهم بسوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك كما قال تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم) (٣) فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول وتنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظة وتحرزًا من أسباب الخذلان.\nومنها أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المسلمون وغيرهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انتصر عليهم دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاؤا به ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة ومنها أن هذا من أعلام الرسل، كما قال هرقل لأبي سفيان هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال ندال عليه ويدال علينا الأخرى، قال كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة.\nومنها أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، ومنها استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء وفيما يحبون وما يكرهون وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم فإذا\n_________\n(١) آل عمران: ١٦٥.\n(٢) آل عمران: ١٢١.\n(٣) آل عمران: ١٥٢.","vol":"2","page":593},{"text":"ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًا وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.\nومنها أنه سبحانه لو نصرهم دائمًا وأظفرهم بعدوهم في كل موطن وجعل لهم التمكن والقهر لأعدائهم أبدًا لطغت نفوسهم وشمخت وارتفعت فلو بسط النصر والظفر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء والشدة والرخاء والقبض والبسط فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته إنه بهم خبير بصير.\nومنها أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا فاستوجبوا منه العز والنصر فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) (١) وقال: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا) (٢) فهو سبحانه إذا أراد أن يعز عبده ويجبره وينصره كسره أولًا ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره.\nومنها أنه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها.\nومنها أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغناء طغيانًا وركونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه ومنها أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب أن يتخذ\n_________\n(١) آل عمران: ١٢٣.\n(٢) التوبة: ٢٥.","vol":"2","page":594},{"text":"من عباده شهداء يراق دماؤهم في محبته ومرضاته ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو.\nومنها أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم وقد ذكر ﷾ ذلك في قوله (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) (١).\nومنها أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصًا بين يدي موت رسول الله ﷺ، فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله ﷺ أو قتل بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أو يقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حي لا يموت، فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت.\n٣ - علق الدكتور السباعي على غزوة أحد فقال:\nإن مخالفة أمر القائد الحازم البصير يؤدي إلى خسارة المعركة، كما حصل في وقعة أحد، فلو أن رماة النبل الذين أقامهم رسول الله ﷺ خلف جيشه ثبتوا في مكانهم كما أمرهم الرسول ﷺ لما استطاع المشركون أن يلتفوا من حولهم ويقلبوا هزيمتهم أول المعركة إلى النصر في آخرها، وكذلك يفعل العصيان في ضياع الفرص ونصر الأعداء، وقد أنذر الله المؤمنين بالعذاب إن خالفوا أمر رسولهم. فقال: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (٢).\n_________\n(١) آل عمران: ١٣٩ - ١٤١.\n(٢) النور: ٦٣.","vol":"2","page":595},{"text":"وفي ثبات نسيبة أم عمارة، ووقوفها وزوجها وأولادها حول رسول الله ﷺ حين انكشف المسلمون يوم أحد، دليل من الأدلة المتعددة على إسهام المرأة المسلمة بقسط كبير من الكفاح في سبيل دعوة الإسلام، وهو دليل على حاجتنا اليوم إلى أن تحمل المرأة المسلمة عبء الدعوة إلى الله من جديد، لتدعو إلى الله في أوساط الفتيات والزوجات والأمهات، ولتنشئ في أطفالها حب الله ورسوله، والاستمساك بالإسلام وتعاليمه، والعمل لخير المجتمع وصلاحه.\nوما دام ميدان الدعوة شاغرًا من المرأة المسلمة الداعية، أو غير ممتلئ بالعدد الكافي منهن. فستظل الدعوة مقصرة في خطاها، وستظل حركة الإصلاح عرجاء حتى يسمع نصف الأمة وهن النساء - دعوة الخير، ويستيقظ في ضمائرهن وقلوبهن حب الخير والإقدام على الدين، والإسراع إلى الاستمساك بعروته الوثقى.\nوفي إصابة رسول الله ﷺ بالجراح يوم أحد عزاء للدعاة فيما ينالهم في سبيل الله من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم بالسجن والاعتقال، أو قضاء على حياتهم بالإعدام والاغتيال، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: (الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (١).\nوفيما فعله المشركون يوم أحد من التمثيل بقتلى المسلمين، وبخاصة حمزة عم الرسول ﷺ، دليل واضح على خلو أعداء الإسلام من كل إنسانية وضمير، فالتمثيل بالقتيل لا يؤلم القتيل نفسه، إذ الشاة المذبوحة لا تتألم من السلخ، ولكنه دليل على الحقد الأسود الذي يملأ نفوسهم، فيتجلى في تلك الأعمال الوحشية التي يتألم منها كل ذي وجدان حي، وضمير إنساني.\nوفي تقدمه [﵊] الصفوف في كل معركة وخوضه غمارها معهم إلا فيما يشير به أصحابه، دليل على أن مكان القيادة لا يحتله إلا الشجاع المتثبت، وأن الجبناء\n_________\n(١) العنكبوت: ١ - ٣.","vol":"2","page":596},{"text":"خائري القوى لا يصلحون لرئاسة الشعوب، ولا لقيادة الجيوش، ولا لزعامة حركات الإصلاح ودعوات الخير، فشجاعة القائد والداعية بفعله وعمله يفيد في جنوده وأنصاره في إثارة حماسهم واندفاعهم ما لا يفيده ألف خطاب حماسي يلقونه على الجماهير، ومن عادة الجنود والأنصار أن يستمدوا قوتهم من قوة قائدهم ورائدهم، فإذا جبن في مواقف اللقاء، وضعف في مواطن الشدة، أضر بالقضية التي يحمل لواءها ضررًا بالغًا. اهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>٥ - فقهيات</span>\nذكر ابن القيم عددًا من الأحكام والمسائل الفقهية التي تؤخذ من غزوة أحد، وها نحن ننقل بعضًا مما ذكره: منها أنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه بل يجوز لهم أن يلزموا ديارهم ويقاتلوهم فيها إذا كان ذلك أنصر لهم على عدوهم كما أشار به رسول الله ﷺ يوم أحد.\nومنها جواز سلوك الإمام بالعسكر في بعض أملاك رعيته إذا صادف ذلك طريقه وإن لم يرض المالك.\nومنها أنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان غير البالغين بل يردهم إذا خرجوا كما رد رسول الله ﷺ ابن عمر ومن معه.\nومنها جواز الغزو بالنساء والاستعانة في الجهاد بهن ومنها جواز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر وغيره.\nومنها أن الإمام إذا أصابته جراحة صلى بهم قاعدًا وصلوا وراءه قعودًا كما فعل رسول الله ﷺ في هذه الغزوة واستمرت على ذلك سنته إلى حين وفاته.\nومنها جواز دعاء الرجل أن يقتل في سبيل الله وتمنيه ذلك وليس هذا من تمني الموت المنهي عنه.\nومنها أن المسلم إذا قتل نفسه فهو من أهل النار لقوله ﷺ في قزمان الذي أبلى يوم","vol":"2","page":597},{"text":"أحد بلاء شديدًا فلما اشتد به الجراح نحر نفسه فقال ﷺ هو من أهل النار.\nومنها أن السنة في الشهيد أن لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن في غير ثيابه بل يدفن فيها بدمه وكلومه إلا أن يسلبها فيكفن في غيرها.\nومنها أنه إذا كان جنبًا عسل كما غسلت الملائكة حنظلة بن أبي عامر ومنها أن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا إلى مكان آخر.\nومنها جواز دفن الرجلين أو الثلاثة في القبر الواحد فإن رسول الله ﷺ كان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر ويقول: أيهم أكثر أخذًا في القرآن؟ فإذا أشاروا إلى رجل قدمه في اللحد، ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة فقال: \"ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد\" ثم حفر عنهما بعد زمن طويل ويد عبد الله بن عمرو بن حرام على جراحته كما وضعها حين جرح، فأميطت يده عن جراحته فانبعث الدم فردت إلى مكانها فسكن الدم، وقال جابر: رأيت أبي في حفرته حين حفر عليه كأنه نائم وما تغير من حاله قليل ولا كثير قيل له: أفرأيت أكفانه فقال إنما دفن في نمرة خمر بها وجهه وعلى رجليه الحرمل (١) فوجدنا النمرة كما هي وعلى رجليه الحرمل على هيأته وبين ذلك ستة وأربعون سنة.\nوقد اختلف الفقهاء في أمر النبي ﷺ أن يدفن شهداء أحد في ثيابهم هل هو على وجه الاستحباب والأولوية أو على وجه الوجوب على قولين الثاني أظهرهما، وهو المعروف عن أبي حنيفة ﵀ والأول هو المعروف عن أصحاب الشافعي وأحمد رحمهما الله، فإن قيل فقد روى يعقوب بن شيبة وغيره بإسناد جيد أن صفية أرسلت إلى النبي ﷺ ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلًا آخر، قيل حمزة كان الكفار قد سلبوه ومثلوا به وبقروا عن بطنه واستخرجوا كبده فلذلك كفن في كفن آخر، وهذا القول في الضعف نظير قول من قال يغسل الشهيد وسنة رسول الله ﷺ أولى بالاتباع.\n_________\n(١) (الحرمل): نبت له حب أسود كالخردل.","vol":"2","page":598},{"text":"ومنها أن من عذره الله في التخلف عن الجهاد لمرض أو عرج يجوز له الخروج إليه وإن لم يجب عليه كما خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج.\nومنها أن المسلمين إذا قتلوا واحدًا منهم في الجهاد يظنونه كافرًا فعلى الإمام ديته من بيت المال لن رسول الله ﷺ أراد أن يدي اليمان أبا حذيفة فامتنع حذيفة من أخذ الدية وتصدق بها على المسلمين. اهـ كلام ابن القيم.\n* * *","vol":"2","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>فصل: في غزة حمراء الأسد</span>\nقال في الرحيق المختوم: وبات الرسول ﷺ وهو يفكر في الموقف، فقد كان يخاف أن المشركين إن فكروا في أنهم لم يستفيدوا شيئًا من النصر والغلبة التي كسبوها في ساحة القتال، فلابد من أن يندموا على ذلك، ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة مرة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة الجيش المكي.\nوسار رسول الله ﷺ والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة فعسكروا هناك.\n(وكان من آثار ذلك أن عدل المشركون عن قرارهم في مهاجمة المدينة، وانطلقوا نحو مكة أشبه بالهاربين).\nأقام رسول الله ﷺ بحمراء الأسد بعد - مقدمة يوم الأحد - الاثنين والثلاثاء والأربعاء.\nلا شك أن غزوة حمراء الأسد ليست بغزوة مستقلة، إنما هي جزء من غزوة أحد وتتمة لها، وصفحة من صفحاتها.\n٤٢٨ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أحد، وبلغوا الروحاء قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شر ما صنعتم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد أو بئر بني عيينة فأنزل الله عز\n_________\n٤٢٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢١)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الجواز، وهو ثقة.\nالروحاء: تبعد عن المدينة جنوبًا حوالي أربعين ميلًا.\nالكواعب: جمع كاعب وهي الفتاة التي نهد ثديها.\nأردفتم: أركبتم وراءكم على الإبل والمعنى أسرتم.\nندب الناس فانتدبوا: دعاهم للخروج فخرجوا.\nحمراء الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة.","vol":"2","page":600},{"text":"وجل (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) (١) وذلك أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ: موعدك موسم بدر، حيث قتلتم أصحابنا فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة فأتوه فلم يجدوا به أحدًا وتسوقوا فأنزل الله جل ذكره (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) (٢).\n٤٢٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄: (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (٣).\nوالملاحظ أن الحرب النفسية كانت جزءًا من مخططات الرسول ﷺ ومخططات المشركين، فليست إذن هي وليدة الفكر المعاصر بل نقول: إن كثيرًا مما يظن أنه وليد الفكر المعاصر ليس هو كذلك فهناك منطق البداهة والغريزة ينطلق الناس عنه دائمًا أبدًا وإنما التعقيد والتنظيم يتضخمان على مدى العصور.\nوالملاحظ أن الحرب النفسية لم تؤثر في رسول الله ﷺ وأصحابه وإنما أثرت بالمشركين فقط وذلك هو الوضع الطبيعي الذي ينبغي أن يكون عليه الحال، فإذا ما حدث غير ذلك - فالسبب - المرض عند المسلمين.\nبل نقول: إن قوله ﵊: \"نصرت بالرعب مسيرة شهر\" (٤) يدل على أن الغلبة في الحرب النفسية هي الأساس وهي النصر، ولكن ذلك لا يكون للمسلمين إلا إذا تأسوا برسول الله ﷺ وأصحابه في طلب الموت وإحسان الحركة السياسية والعسكرية.\n_________\n= القرح: عض السلاح وجروحه.\nوتسوقوا: اشتروا من السوق.\n(١) آل عمران: ١٧٢.\n(٢) آل عمران: ١٧٤.\n٤٢٩ - البخاري (٨/ ٢٢٩) ٦٥ - كتاب التفسير - ١٣ - باب (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) الآية.\n(٣) آل عمران: ١٧٣.\n(٤) البخاري (١/ ٤٣٥).","vol":"2","page":601},{"text":"٤٣٠ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) (١). قالت لعروة: \"يا ابن أختي، كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في إثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.\nوفي رواية (٢) قال عروة: قالت لي عائشة: أبواك والله من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح - زاد في رواية - تعني أبا بكر والزبير.\nقال ابن كثير: المشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد كل من شهد أحدًا وكانوا سبعمائة كما تقدم، قتل منهم سبعون وبقي الباقون، وقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه فرجع إلى مكة.\nقال ابن إسحاق: كان أحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد يوم الأحد سادس عشر من شوال أذن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس يطلب العدو، وأن لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس، فاستأذنه جابر بن عبد الله في الخروج معه فأذن له، وإنما خرج موهبًا للعدو وليظنوا أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدوهم.\nأقول: يبدو أن السبعين الذين ذكرتهم عائشة ﵂ كانوا طليعة القوم، وإلا فالنصوص واضحة بأنه حتى الجرحى لم يتخلفوا عن غزوة حمراء الأسد.\n* * *\n_________\n٤٣٠ - البخاري (٧/ ٣٧٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٥ - باب (الذين استجابوا لله والرسول).\nالبخاري مطولًا (١/ ٤٣٥) ٧ - كتاب التيمم - ١ - باب حدثنا عبد الله بن يوسف عن جابر بن عبد الله.\n(١) آل عمران: ١٧٢.\n(٢) مسلم (٤/ ١٨٨١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٦ - باب من فضائل طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما والزيادة في نفس الموضع.","vol":"2","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>هوامش على غزوة أحد</span>\n١ - يبدو لي أن غزوة أحد جمعت هزيمتين للطرفين بآن واحد واستمرت الهزيمتان إلى آخر الغزوة، فلقد هرب المشركون ابتداء، ثم وجد خالد الفرصة فهاجم وهرب بعض المسلمين، واستمر الهروب عند الطرفين فنحن لا نعثر بعد هجمة خالد على تجمع كبير للمسلمين، كما أننا لا نعثر على تجمع كبير للمشركين وإنما بقيت مجموعات في أرض المعركة، حتى إن خالدًا نفسه وهو الذي أوقع الهزيمة بالمسلمين لا نسمع له حسًا بعد ذلك فكأنه تصرف هذا التصرف الخاطف وهو في موقع اليائس، والذين بقوا على أرض المعركة لم يكونوا متكافئين، ومع ذلك فالإدارة الحازمة الحكيمة الرائعة للمعركة من قبل رسول الله ﷺ أوقفت المشركين عند حدهم واكتفوا بما حققوا، ولولا أنهم شعروا بالعجز أو أن خسائرهم ستكون أكثر من أرباحهم ما انسحبوا وهم يرون رسول الله ﷺ ومجموعة قليلة من أصحابه حوله أمامهم، ولذلك فالمعركة في مجموعها كانت متعادلة من ناحية النصر والهزيمة وإن كانت ضحايا المسلمين أكثر لأن عدد العدو أكبر.\n٢ - لا أعرف في تاريخ العالم ملحمة هي أعظم في البطولة والشجاعة والكفاءة العسكرية والقيادية كملحمة أحد، فأي قائد في تاريخ العالم يبقى في أفراد من جنده يتابع القتال ويدير المعركة حتى يكف العدو يده، ثم أي قائد يصاب بما أصيب به رسول الله ﷺ يومذاك ويبقى على غاية من اليقظة في إدارة الأمور فيرسل من يستكشف له وجهة قريش، ويعلن عن تصميمه على المعركة إلى النهاية، ثم يغسل آثار هزيمة المشركين بعملية خاطفة هي عملية حمراء الأسد التي أرجعت إلى الصف الإسلامي روحه المعنوية وأعادت هيبة المسلمين إلى المجتمع الذي يعيشون فيه، وأعادت قريشًا إلى صوابها وقذفت في قلوب رجالها الرعب.\n٣ - لقد تلافت قريش الكثير من نواقصها يوم بدر، فلقد كان ينقصها يوم بدر وحدة القيادة وجودة التعبئة والتصميم الشامل على القتال والدوافع القوية نحو النصر، أما في أحد فلقد توحدوا تحت إمرة أبي سفيان وكانت تعبئتهم جيدة، وكان لهم ثأر يحركهم ومصالح","vol":"2","page":603},{"text":"يفتقدونها، وكان تصميمهم على المعركة شاملًا وكفاءتهم القيادية والقتالية عالية جدًا يظهر ذلك من تصرفات أبي سفيان وخالد وبني عبد الدار حملة اللواء، ومع ذلك هزموا ابتداء وتكافؤوا انتهاء، ولولا غلطة الرماة لم تكن إلا الهزيمة، هذا مع أن العدو أربعة أضعاف ونيف، والخيل كانت عندهم كلها على قول وكانت أربعة أضعاف على قول آخر وهكذا، ولقد عوض رسول الله ﷺ عن النقص في العدد والعدة بحسن التخطيط والاستفادة من الأرض ولكنه في النهاية لا تعليل إلا الإيمان وإلا التأييد الرباني وفعل الله لرسوله ﷺ والمؤمنين.\n٤ - بعد سنتين ونيف من قيام الدولة الإسلامية في المدينة تبين أن ثلث الجيش الإسلامي لا يزال خارجًا عن طاعة رسول الله ﷺ، وذلك في الحقيقة أكبر سبر لوضع المجتمع المدني، إذ به عرف بالضبط المؤمن من غيره والمحصلة كانت ضخمة، فأن يستطيع رسول الله ﷺ أن يستخلص من زعامة عبد الله بن أبي الأكثرية المطلقة فذلك وحده كبير، والذي حدث بعد ذلك أكبر، فلقد توفي رسول الله ﷺ والمنافقين قلة، فأن يستخلص رسول الله ﷺ أكثرية المنافقين من النفاق، والبقية الباقية لا تجرؤ إلا أن تعلن طاعتها فذلك نجاح ما بعده نجاح، وبمثل ذلك يقتدي المقتدون.\n٥ - لقد كان عمر رسول الله ﷺ يوم أحد خمسة وخمسين عامًا ونيفًا، ولو أنك استعرضت الجهد الذي بذله ﵊ الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء من شوال ذاك لرأيت عجبًا فأي جسم هذا الجسم؟ وأي عقل هذا العقل؟ وأي روح هذه الروح؟ وأي نفس هذه النفس؟ إنه لا تعليل لاستمرار رسول الله ﷺ على وتيرة واحدة دون عجز أو قصور أو تقصير أو وهن أو ضعف إلا أنها الرسالة عن الله رب العالمين وإلا صنع الله لرسوله ﷺ على عينه.\n٦ - لقد نزلت في أحد حوالي ستين آية من سورة آل عمران من قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ...) إلى قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه .......) (١) ونزل فيها بعض آيات من سورة النساء منها\n_________\n(١) آل عمران: ١٢١ - ١٧٩.","vol":"2","page":604},{"text":"قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين) (١)، وإذ كان من البدهيات أن القرآن لا يتحدث إلا عن المعاني الخوالد التي تسع الزمان والمكان، ويحتاجها الإنسان في كل زمان ومكان ندرك كم في غزوة أحد من دروس تحتاجها الأمة الإسلامية.\n٧ - من المعاني المهمة في الحياة ما ذكره بعضهم أن عليك أن تنظر إلى الأمور كلها بعين الشريعة وبعين الحقيقة وأن تتعرف على الحكمة الربانية في كل حركة وسكون في هذا الكون، ولقد رأينا حكمًا كثيرة وراء ما حدث في أحد ولكن حكمة ينبغي أن نضعها في حسابنا وهي: أن لقريش فضلها وستحمل الإسلام فيما بعد، فأن تكون أخذت ثأرها أدعى لأن تتعقل.\n٨ - أهم دروس أحد أنها الدرس المقابل الذي لابد منه لبدر، فلو كانت بدر هي الدرس الوحيد للمسلمين لدفعهم ذلك إلى المغامرة دون حدود، وإلى اليأس إذا حدث فشل، ولكن أن تقع أحد بعد بدر فذلك هو الذي أوجد التوازن في التفكير الإسلامي العسكري على مدى العصور، فالله ينصر جنده ولكن لهذا النصر شروطًا منه المادي ومنها المعنوي، وربنا يفعل ما يشاء.\nبعبرة بدر وبعبرة أحد انطلق المسلمون ولا زالوا ينطلقون، وبروحانية بدر وبروحانية أحد يجب أن يتحرك المسلمون.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>تقدير الموقف في نهاية السنة الثالثة</span>\nفي الأصل كانت عواطف العرب مع قريش ومع مكة، لأسباب متعددة:\nلأن ذلك يمثل الاستمرار، وللاستمرار قوته، ولأن دين قريش هو دين العرب، وأكثر العرب لم يستوعبوا الرسالة الجديدة، وكان من عوامل التلاحم مع قريش أسواق العرب وحجها، وقد تجمدت المواقف بالحركة النبوية العسكرية والسياسية حتى غزوة أحد،\n_________\n(١) النساء: ٨٨.","vol":"2","page":605},{"text":"وغلب على أكثر العرب التربص حتى يروا إلى أي شيء تصير الأمور، هذا مع استقرار الوضع الداخلي في المجتمع الإسلامي فهيبة الدولة أخذت مداها، ولكن حادثة أحد مع كل ما فعله رسول الله ﷺ لتلافي آثارها قد أعادت بعض الأمور إلى أصولها، وأوجدت موازنات خطرة، فقد شعر العرب أن قريشًا لا زال بيدها زمام الأمور وأنها قادرة على التعبئة والحشد المتفوقين، وأنها قادرة على تحقيق النصر وكل ذلك ترك آثاره وبصماته على التفكير داخل المجتمع المكي وداخل المجتمع المدني وفي المحيط العربي كله، فما انتقاض بني النضير في السنة الرابعة ومأساة بئر معونة وكارثة الرجيع إلا أثرًا عن أحد بل إن غزوة الأحزاب كانت أثرًا عن أحد، ولذلك فلقد كان على رسول الله ﷺ في السنتين الرابعة والخامسة أن يعفي على آثار أحد وأن يعيد الانطلاقة إلى ما كانت عليه وسنرى ما فعله ﵊ من أجل هذا وغيره.\n* * *","vol":"2","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>السنة الرابعة للهجرة</span>","vol":"2","page":607},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>السنة الرابعة في سطور</span>\n* في بداية المحرم من السنة الرابعة أرسل رسول الله ﷺ أبا سلمة على رأس سرية قوامها مائة وخمسون مقاتلًا إلى بني أسد على إثر ما بلغه أنهم يعدون العدة لحربه، فباغتهم أبو سلمة وهزمهم وعاد غانمًا، لكنه نفر عليه جرح - أي انفجر - كان قد اصابه يوم أحد فتوفي عليه رضوان الله.\n* وفي اليوم الخامس من المحرم أرسل رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس في مهمة هي أن يقتل له خالد بن سفيان الهذلي الذي كان يحشد لرسول الله ﷺ فقتله عبد الله وجاء برأسه إلى رسول الله ﷺ وقد استغرقت هذه المهمة ثمانية عشر يومًا، وبهذه العملية أنهى رسول الله ﷺ خطرًا محتملًا.\n* وفي شهر صفر من السنة الرابعة حدثت فاجعة الرجيع التي غدر فيها قوم من عضل وقارة وترتب عليها مقتل عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم خبيب وزيد بن الدثنة ومرثد بن أبي مرثد الغنوي.\n* وفي شهر صفر كذلك وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى وهي فاجعة بئر معونة التي قتل فيها حوالي سبعين من قراء الصحابة.\n* وفي ربيع الأول غزا رسول الله ﷺ بني النضير على إثر محاولتهم قتله ﵊ فاستسلموا بعد حصار، وجلوا عن أرض الحجاز إلى الشام بعد أن تم الصلح على أن يخرجوا من أراضيهم بنفوسهم وذراريهم وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح.\n* وفي شهر ربيع الثاني أو جمادى الأولى سنة ٤ هـ غزا رسول الله ﷺ نجدا في حملة تأديبية ضد الذين أساؤوا لأصحابه وغدروا بهم، ففرض في هذه الغزوة هيبة المسلمين ومكن لها، ومن قبل ذلك قام بحملة استهدف بها بني لحيان الذين قتلوا وأسروا أصحابه في حادثة الرجيع.\n* وفي شعبان من السنة الرابعة خرج رسول الله ﷺ في جيش قوامه ألف وخمسمائة لملاقاة قريش في الموعد المضروب يوم أحد، وإلى المكان المتفق عليه وهو بدر ولكن","vol":"2","page":609},{"text":"المشركين جبنوا عن اللقاء ورجعوا بعد أن خرجوا فكان في ذلك نصر أي نصر، وتعرف هذه الغزوة ببدر الموعد وبدر الثانية وبدر الآخرة وبدر الصغرى.\n* ومن أحداث هذه السنة زواجه ﵊ من زينب بنت خزيمة. وزواجه من أم سلمة بنت أبي أمية.\nقال ابن كثير في تاريخه: قال ابن جرير: وفي جمادى الأولى من هذه السنة مات عبد الله بن عثمان بن عفان ﵁ - يعني من رقية بنت رسول الله ﷺ وهو ابن ست سنين فصلى عليه رسول الله ﷺ ونزل في حفرته والده عثمان بن عفان ﵁.\nوقال الواقدي: وفي هذه السنة - يعني سنة أربع - أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود. قلت: فثبت عنه في الصحيح أنه قال: تعلمته في خمسة عشر يومًا والله أعلم.\n* كانت مأساة الرجيع، وفاجعة بئر معونة، وتحرك بني النضير، ومن قبل تحرك بني أسد وبني هذيل، كل ذلك من آثار ما حدث يوم أحد، ولقد بادر رسول الله ﷺ مبادرات كثيرة ليضع الأمور في نصابها، فقضى على تحرك بني أسد قبل أن يبدأ، وقضى على تجمع هذيل فقضى على التحرك من أساسه، وأجلى بني النضير، وهاجم الذين تسببوا بحادثة بئر معونة، وخرج لبدر الآخرة بكامل تعبئته وبكل ما استطاع حشده فأعاد الهيبة الداخلية والخارجية إلى نصابها، ولكن المشركين لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد وسيقولونها في السنة الخامسة كما سنرى.\nوالجديد في هذه السنة أن رسول الله ﷺ حاول أن ينشر الدعوة الإسلامية من خلال التبليغ دون قتال، فسبب ذلك كارثتي الرجيع وبئر معونة مما يدل على أن العرب ما كانوا ليعطوا حرية للدعوة الإسلامية إلا حيث يسيطر السلاح، ومع أن هاتين المبادرتين كلفتا كثيرًا في هذه السنة، فلقد فتحتا للدعوة الإسلامية بابًا عريضًا، وسجلتا سابقة تستفيد منها الدعوة الإسلامية على مدى العصور، كما سنرى ذلك أثناء استعراضنا لمجريات الأمور.\nونحن سنعقد سبعة فصول لأهم أحداث هذا العام:","vol":"2","page":610},{"text":"فصل: في سرية أبي سلمة لبني أسد.\nفصل: في سرية عبد الله بن أنيس لخالد بن سفيان الهذلي.\nفصل: في فاجعة الرجيع.\nفصل: في فاجعة بئر معونة.\nفصل: في إجلاء بني النضير.\nفصل: في غزوتي الرد على حادثتي الرجيع وبئر معونة.\nفصل: في بدر الموعد.\n* * *","vol":"2","page":611},{"text":"وقبل أن نبدأ فصول هذا العام نعرض عليك خريطة توزع القبائل العربية في جزيرة العرب ننقلها عن الرحيق المختوم لتكون على بصيرة وأنت تقرأ تحركات رسول الله ﷺ.\n[خريطة قبائل العرب في العهد النبوي]","vol":"2","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>فصل: في سرية أبي سلمة لبني أسد</span>\nقال ابن القيم في زاد المعاد:\nوكانت وقعة أحد يوم السبت في سابع شوال - على رأي ابن القيم - سنة ثلاث كما تقدم، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، فلما استهل هلال المحرم بلغه أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله ﷺ، فبعث أبا سلمة وعقد له لواء وبعث معه مائة وخمسين رجلًا من الأنصار والمهاجرين فأصابوا إبلًا وشاءً ولم يلقوا كيدًا فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.\nقال الشيخ الغزالي حفظه الله:\n\"ولم يلق أبو سلمة عناء في تشتيت أعدائه واستياق نعمهم أمامه، حتى عاد إلى المدينة مظفرًا، وأبو سلمة يعد من خيرة القادة الذين صحبوا رسول الله وسبقوا إلى الإيمان والجهاد معه، وقد عاد من هذه الغزاة مجهودًا، إذ نفر جرحه الذي أصابه في \"أحد\" فلم يلبث حتى مات.\nوقد ذكر هذه السرية ابن كثير في البداية والنهاية عن الواقدي الذي يعتبره ابن كثير من أهل التحقيق في باب المغازي والسير على كلام كثير للمحدثين فيه.\n* * *","vol":"2","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>فصل: في سرية عبد الله بن أنيس لخالد بن سفيان الهذلي</span>\nقال ابن القيم في زاد المعاد:\nولما كان خامس المحرم بلغه أن خالد بن سفيان الهذلي قد جمع له الجموع فبعث إليه عبد الله بن أنيس فقتله: قال عبد المؤمن بن خلف وجاءه برأسه فوضعه بين يديه، فأعطاه عصًا فقال: \"هذه آية بيني وبينك يوم القيامة\" فلما حضرته الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه، وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم.\n- وهذه رواية بطل القصة:\n٤٣١ - * روى الطبراني عن محمد بن كعب القرظي قال: قال عبد الله بن أنيس: قال رسول الله ﷺ: \"من لي من خالد بن نبيح رجل من هذيل\" وهو يومئذ بعرنة، قال عبد الله: قلت: أنا يا رسول الله انعته لي؟ قال: \"لو رأيته هبته\" قلت: والذي أكرمك ما هبت شيئًا قط، فخرجت حتى لقيته بحيال عرنة قبل أن تغيب الشمس، فلقيته فرعبت منه، فعرفت حين رعبت منه الذي قال رسول الله ﷺ. فقال: من الرجل؟ قلت باغي حاجة فهل من مبيت؟ قال: نعم فالحق بي. قال: فخرجت في أثره فصليت العصر ركعتين حفيفتين، ثم خرجت فأشفقت أن يراني، ثم لحقته فضربته بالسيف، ثم غشيت الجبل، وكمنت حتى إذا ذهب الناس خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة فأخبرته الخبر. قال محمد بن كعب فأعطاه النبي ﷺ مخصرة، فقال: \"تخصر بهذه حتى تلقاني بها يوم القيامة وأقل الناس يومئذ المتخصرون\" قال محمد بن كعب: فلما توفي عبد الله بن أنيس أمر بها فوضعت على بطنه وكفن عليها ودفنت معه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>فوائد:</span>\n١ - لقد ثأرت هذيل لمقتل صاحبها فأعانت على أصحاب رسول الله ﷺ في حادثة\n_________\n٤٣١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٠٤)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\nالخصرة: ما يتوكأ عليها كالعصا ونحوها. تخصر بالخصرة: أخذها بيده وأمسكها.","vol":"2","page":614},{"text":"الرجيع، وكل عملية عسكرية لها عقابيلها والعبرة بالمحصلة النهائية لأي عملية على المستوى المرحلي أو المستقبلي، لقد كان إجهاض التحرك العسكري الذي كان يقوده خالد بن سفيان الهذلي أهم بكثير من أية عملية ثأرية.\n٢ - في كثير من الأحيان يكون قتل إنسان وأدًا لفتنة أو إنهاء لحرب أو قضاء على فكرة، وكثيرًا ما تحيا أمم وشعوب وقبائل برجال، وأنت في صراعك مع أعدائك قد تخفف الكثير عن أمتك ودعوتك إذا استطعت أن تقضي على رجل، ورسول الله ﷺ في هذا الشأن لا يجارى مع ملاحظة أن ضرباته كلها كانت عادلة ومع محاربين فهو ﵊ أبعد الناس عن غدر بمعاهد، وأبعد الناس عن اعتداء على موطن غير مدين شرعًا، فها هو ﵊ لم يمس المنافقين على معرفته بهم وعلى شدة ما فعلوه به، كما أنه لم ينكث عهدًا مع أحد، ولكن المحاربين كان له معهم شأن آخر وخاصة أولئكم الذين بقتلهم يجهض تحرك عسكري، كما فعل بكعب بن الأشرف وكما فعل بخالد بن سفيان وكما سيفعل بآخرين ممن سيأتي الحديث عنهم.\n٣ - ولم يكن خصومه ﵊ غافلين كذلك عن محاولتهم قتله ولكن الله سلم، ففي حوادث سنة أربع من الهجرة ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أكثر من محاولة اغتيال، فقد ذكر محاولة دفع إليها أبو سفيان، وكلف رسول الله ﷺ على أثر اكتشافها عمرو بن أمية الضمري وآخر باغتيال أبي سفيان ولم ينجحا، كما ذكر ابن كثير محاولة غورث ابن الحارث اغتياله أثناء قفوله من غزوة نجد التي حاول فيها تأديب من قتلوا أصحابه يوم الرجيع.\n٤ - وبهذه المناسبة أقول: لقد كان رسول الله ﷺ معصومًا أن يسلط عليه أحد فيقتله. وهذا مقتضى قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) (١) ولقد رأينا أنه قبل نزول هذه الآية كان يجب أن يحرس، ولذلك فلا عليه - ﵊ - ألا يحتاط كثيرًا في أمر نفسه، ولكن هذا لا يعني أن تتساهل قيادات المسلمين في أمنها فذلك من التفريط الخطير، كيف والله ﷿ يقول: (وخذوا حذركم) (٢).\n_________\n(١) المائدة: ٦٧.\n(٢) النساء: ١٠٢.","vol":"2","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>فصل: في بعث الرجيع</span>\nقال المباركفوري:\nوفي شهر صفر من السنة نفسها - أي الرابعة من الهجرة - قدم على رسول الله ﷺ قوم من عضل وقارة، وذكروا أن فيهم إسلامًا، وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر - في قول ابن إسحاق وفي رواية البخاري أنهم كانوا عشرة - وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي - في قول ابن إسحاق وعند البخاري أنه عاصم ابن ثابت جد عاصم بن عمر بن الخطاب.\nوهذه بعض روايات الحادثة:\n٤٣٢ - * روى الطبراني عن عاصم بن عمر بن قتادة قال قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد نفر من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك، يفقهونا في الدين، ويقرئونا القرآن، ويعلمونا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله ﷺ نفرًا من أصحابه ستة مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، قال فذكر القصة، قال وأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن أبي الأقلح، فقالوا: والله لا نقبل عهدًا من مشرك، ولا عقدًا أبدا، فقاتلوهم، حتى قتلوهم.\nأقول: الذي يظهر من هذه الرواية والتي بعدها أن السرية كانت مكلفة بمهمتين: الأولى: تعليمية دعوية، والثانية: استطلاعية عسكرية.\n_________\n٤٣٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٩٩)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\nوالرجيع: بفتح الراء وكسر الجيم هو في الأصل اسم للروث، سمي بذلك لاستحالته، والمراد هنا اسم موضع من بلاد هذيل كانت الموقعة بقرب منه فسميت به.\nأما عضل: فبفتح المهملة ثم المعجمة بعدها لام: بطن من بني الهول بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ينسبون إلى عضل بن الديش بن محكم، وأما القارة فبالقاف وتخفيف الراء بطن من الهول أيضًا ينسبون إلى الديش المذكور، وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء فيها حجارة كأنهم نزلوا عندها فسموا بها، ويضرب بهم المثل في إصابة الرمي.\nوقال الشاعر: قد أنصف القارة من راماها.","vol":"2","page":616},{"text":"٤٣٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ سرية عينًا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت - وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب - فانطلقوا، حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلًا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه، لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم، فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق: إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم، حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد، ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم، حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما وهذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد، حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحارث ابن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا، حتى إذا أجمعوا قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث، ليستحد بها، فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو ثم قال: اللهم أحصهم عددًا.\n_________\n٤٣٣ - البخاري (٧/ ٣٧٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٨ - باب غزوة الرجيع، ورعل وذكوان وبئر معونة.\nفدفد: الفدفد: الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع.\nعالجوه: أي: مارسوه، وأراد به: أنهم خدعوه ليتبعهم، فأبى.\nليستحد: الاستحداد: حلق العانة.\nقطف: القطف: العنقود، وهو اسم لكل ما يقطف.","vol":"2","page":617},{"text":"ثم قال:\nما إن أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإله، وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\nثم قام إليه عقبة بن الحارث، فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم، ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه - وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر - فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء.\nوفي رواية (١) قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عينًا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري - جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة، بين عسفان ومكة ... وذكر الحديث.\nوفي رواية (٢): بقريب من مائتي رجل، كلهم رام وفيه: لجؤوا إلى موضع، وفيه فقال عاصم: أيها القوم، أما أنا، وفيه: منهم خبيب وزيد بن الدثنة، وفيه حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن عبد مناف خبيبًا، وفيه فلما أخرجوه من الحرم ليقتلوه في الحل، وفيه قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا.\nوقال:\nولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي\nوذلك في ذات الإله، وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\nثم قام إليه أبو سروعة، عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٣٠٨) ٦٤ - كتاب المغازي ١٠ - باب حدثني عبد الله بن محمد الجعفي.\n(٢) البخاري في نفس الموضع السابق.\nبددًا: البدد: المتفرقون أشتاتًا.\nشلو: الشلو: العضو من أعضاء الإنسان.\nممزع: الممزع: المفرق.","vol":"2","page":618},{"text":"صبرًا: الصلاة، وأخبر - يعني النبي ﷺ - أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت، حين حدثوا: أنه قتل - أن يؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قتل رجلًا من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئًا.\nوأخرجه أبو داود (١) إلى قوله: يستحد بها، ثم قال: فلما خرجوا به ليقتلوه، قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين، ثم قال: والله، لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت.\nوأخرجه في موضع آخر قال: ابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبًا - وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر - فلبث خبيب عندهم أسيرًا، حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها، فأعارته ... وذكر الحديث ... إلى قوله: ما كنت لأفعل ذلك، قال أبو داود: وروى الزهري هذه القصة، قال: أخبرني عبيد الله بن عياض: أن بنت الحارث أخبرته: أنهم حين اجتمعوا - يعني لقتله - استعار منها موسى ليستحد بها، فأعارته.\nوفي رواية رزين زيادة: قال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا رسولك، فجعل يرميهم ويقول:\nما علتي وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل\nقال في الفتح:\nوذكر ابن إسحاق بإسناد صحيح عن عقبة بن الحارث قال: ما أنا قتلت خبيبًا لأني\n_________\n= صبرًا: قتل الصبر: هو أن يقتل بأي أنواع القتل كان، من غير أن يكون في حرب ولا قتال.\nالظلة: الشيء الذي يظلل من فوق.\nالدبر: جماعة النحل.\n(١) أبو داود (٣/ ٥١)، كتاب الجهاد، باب في الرجل يستأسر.\nنابل: النابل: الذي معه النبل.\nعنابل: العنابل: الغليظ.","vol":"2","page":619},{"text":"كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله.\nقال في الفتح: قوله: (فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلًا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر) في رواية أبي معشر في مغازيه فنزلوا بالرجيع سحرًا فأكلوا تمر عجوة فسقطت نواة بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا فرأت النواة فأنكرت صغرها وقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: أتيتم، فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد كمنوا في الجبل.\nأقول: رواية أبي معشر تدل على أنهم كانوا يحتاطون ألا يتركوا أثرًا بما في ذلك نوى تمرهم الذي يأكلونه، وهذا يفيد أنهم كانوا في أعلى درجات الحس الأمني، وعلى كل الأحوال فإن أدب المسلم أن يرهف حسه الأمني دائمًا حتى تكون تصرفاته على غاية من الحكمة فلا يكون إهماله سببًا في تدمير نفسه أو تدمير جماعة من المسلمين فضلًا عن أن يكون إهماله سببًا في تدمير جماعة المسلمين. وفي قوله في الرواية (وما كان إلا رزق رزقه الله) عن قطف العنب.\nقال في الفتح: والمشهور عن أهل السنة إثبات الكرامات مطلقًا، لكن استثنى بعض المحققين منهم كأبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال، ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك، وهذا أعدل المذاهب في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال وتكثير الطعام والماء والمكاشفة بما يغيب عن العين والأخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جدًا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخارق الآن فيما قاله القشيري، وتعين تقييد قول من أطلق أن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي، ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقول، فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك فإن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي كان ذلك علامة ولايته ومن لا فلا وبالله التوفيق.","vol":"2","page":620},{"text":"وقال في الفتح بمناسبة حماية الله عاصمًا بالدبر.\nقوله (فلم يقدروا منه على شيء) في رواية شعبة فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئًا، وفي رواية أبي الأسود عن عروة \"فبعث الله عليهم الدبر تطير في وجوههم وتلدغهم، فحالت بينهم وبين أن يقطعوا\" وفي رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن قتادة قال: كان عاصم بن ثابت أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا، فكان عمر يقول لما بلغه خبره: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في حياته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>فوائد:</span>\nقال ابن حجر معلقًا على الحديث السابق:\nوفي الحديث أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك. وقال سفيان الثوري: أكره ذلك. وفيه الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل أولادهم، والتلطف بمن أريد قتله، وإثبات كرامة الأولياء، والدعاء على المشركين بالتعميم، والصلاة عند القتل، وفيه إنشاء الشعر وإنشاده عند القتل ودلالة على قوة يقين خبيب وشدته في دينه، وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ولو شاء ربك ما فعلوه. وفيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيًا وميتًا، وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل. وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه. وفيه ما كان عليه مشركو قريش من تعظيم الحرم والأشهر الحرم.\nوقال الدكتور البوطي معلقًا على رفض عاصم الأسر واستئسار خبيب:\nيستدل مما سبق أن للأسير في يد العدو أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكن من نفسه ولو قتل، ترفعًا عن أن يجري عليه حكم كافر، كما فعل عاصم.\nفإن أراد الترخص، فله أن يستأمن، مترقبًا الفرصة مؤملًا الخلاص كما فعل خبيب وزيد.","vol":"2","page":621},{"text":"ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك في الأصح، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم، لأن الأسير في يد الكفار مقهور مهان، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر ورقه.\nأقول: إن من حق المسلم ألا يستأسر للسلطة الكافرة سواء كانت كافرة كفرًا أصليًا أو عارضًا إذا كان الطلب بظلم، بل إن من حق المسلم ألا يستأسر وأن يقاتل إذا كان الطلب من ظالم بظلم، وهذا الذي فعله الحسين ﵁ وهذا يفتح أمام الحركات الإسلامية بابًا واسعًا في التعامل مع الأحداث فمن حق أبناء هذه الحركة أن يستأسروا إذا طلبوا مظلومين ومن حقهم أن يقاتلوا حتى الموت ما دام الطالب لا يطلبهم بعدل وما دامت السلطة غير إسلامية.\n٤٣٤ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا إلى بني لحيان من هذيل، فقال: \"لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما\".\nوفي رواية (٢) \"ليخرج من كل رجلين رجل\" ثم قال للقاعد: \"أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج\".\nأقول: هذا مظهر من مظاهر الترتيب والتدبير في حياة رسول الله ﷺ وهو القدوة وبمثل هذا أدار الأمور عن أقرب طريق، وههنا نجد صورتين، صورة التخيير في الجهاد عندما يكون في الأمر سعة، وصورة كفالة الخارج في أهله من شخص بعينه، ومن هنا تعرف أن من خرج مجاهدًا لا ينبغي أن يضيع ولا أن يضيع أهله.\n* * *\n_________\n٤٣٤ - مسلم (٣/ ١٥٠٧) ٣٣ - كتاب الإمارة - ٣٨ - باب إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، وخلافته في أهله بخير.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.\nوأبو داود (٣/ ١٢)، كتاب الجهاد، باب ما يجزئ من الغزو.","vol":"2","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>فصل: في مأساة بئر معونة</span>\nقال المباركفوري:\nوفي الشهر نفسه الذي وقعت فيه مأساة الرجيع صفر ٤ هـ، وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى، وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة.\nوملخصها: أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، فقال: يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك؛ لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا جار لهم، فبعث معه أربعين رجلًا - في قول ابن إسحاق، وفي الصحيح أنهم كانوا سبعين، والذي في الصحيح هو الصحيح - وأمر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة الملقب بالمعنق ليموت، وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم، وكانوا يحتطبون بالنهار، يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن، ويصلون بالليل ساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي أرض بين بني عامر وحرة بني سليم - فنزلوا هناك، ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلًا فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام: الله أكبر، فزت ورب الكعبة.\nثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عصية ورعل وذكوان، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله ﷺ، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد من بني النجار، فإنه ارتث (١) من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق.\nوكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر، فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه، وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه.\n_________\n(١) (ارتث) فلان: ضرب في الحرب فأثخن وحمل به رمق.","vol":"2","page":623},{"text":"ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي ﷺ حاملًا معه أنباء المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين. تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد؛ إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح؛ وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة.\nولما كان عمرو بن أمية في الطريق بالقرقرة من صدر قناة، نزل في ظل شجرة وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو، وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول الله ﷺ بما فعل، فقال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما وانشغل بجمع دياتهم من المسلمين وحلفائهم اليهود وهذا الذي يصار سببًا لغزو بني النضير كما سيذكر.\nوقد تألم النبي ﷺ لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألمًا شديدًا وتغلب عليه الحزن والقلق حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه.\nقال في الفتح بمناسبة الكلام عن بئر معونة:\n(ورعل وذكوان) أي وغزوة رعل وذكوان، فأما رعل فبكسر الراء وسكون المهملة بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن لهيعة بن سليم، وأما ذكوان فبطن من بني سليم أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم فنسبت الغزوة غليهما.\n٤٣٥ - * روى البخاري عن أنس بن مالك: إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا أنه كان بعث ناسًا يقال لهم القراء - وهم سبعون رجلًا - إلى ناس من المشركين وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد قبلهم، فظهر، هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا يدعو عليهم\".\nقال في الفتح: قوله (إلى ناس من المشركين وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد قبلهم،\n_________\n٤٣٥ - البخاري (٢/ ٤٩٠) ١٤ - كتاب الوتر - ٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده.","vol":"2","page":624},{"text":"فظهر هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد) وهكذا ساقه هنا، وقوله قبلهم بكسر القاف وفتح الموحدة واللام أي من جهتهم، وأورده في آخر كتاب الوتر عن مسدد عن عبد الواحد بلفظ \"إلى قوم من المشركين دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد\" وليس المراد من ذلك أيضًا بواضح، وقد ساقه الإسماعيلي مبينًا فأورده يوسف القاضي عن مسدد شيخ البخاري فيه ولفظه \"إلى قوم من المشركين فقتلهم قوم مشركون دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فظهر أن الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ العهد غير الذين قتلوا المسلمين، وقد بين ابن إسحاق في المغازي عن مشايخه وكذلك موسى بن عقبة عن ابن شهاب أصحاب العهد بنو عامر ورأسهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة وأن الطائفة الأخرى من بني سليم، وأن عامر بن الطفيل وهو ابن أخي ملاعب الأسنة أراد الغدر بأصحاب النبي ﷺ فدعا بني عامر إلى قتالهم، فامتنعوا وقالوا: لا نخفر ذمة أبي براء، فاستصرخ عليهم عصية وذكوان من بني سليم فأطاعوه وقتلوهم، وذكر لحسان شعرًا يعيب فيه أبا براء ويحرضه على قتال عامر بن الطفيل فيما صنع فيه، فعمد ربيعة بن أبي براء إلى عامر بن الطفيل فطعنه فأرداه، فقال له عامر بن الطفيل: إن عشت نظرت في أمري، وإن مت فدمي لعمي، قالوا؛ ومات أبو براء عقب ذلك أسفًا على ما صنع به عامر بن الطفيل، وعاش عامر بن الطفيل بعد ذلك ومات بدعاء النبي ﷺ.\nأقول: نلاحظ أن التعاقدات والتحالفات والمعاهدات كانت جزءًا لا يتجزأ من سياسة الرسول ﷺ وحركته الدائبة، وقد حققت له مصالح وكانت أحيانًا سببًا في مآس، والمسلم مكلف أن يجتهد في الموقع الذي هو فيه وليس عليه أن يعرف الغيب. والحذر والاحتياط مطلوبان.\n٤٣٦ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وغيره أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، وقال رسول الله ﷺ \"إني لا أقبل هدية مشرك\" فقال عامر بن\n_________\n٤٣٦ - المعجم الكبير (١٦/ ٧١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٧)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":625},{"text":"مالك: ابعث يا رسول الله من رسلك من شئت، فأنا لهم جار، فبعث رسول الله ﷺ رهطًا فيهم المنذر بن عمرو الساعدي وهو الذي يقال له: أعتق ليموت عينًا في أهل نجد فسمع بهم عامر بن الطفيل فاستنفر لهم من بني سليم فنفروا معه فقتلهم ببئر معونة غير عمرو بن أمية الضمري أخذه عامر بن الطفيل فأرسله، فلما قدم على رسول الله ﷺ من بينهم، وكان فيهم عامر بن فهيرة، فزعم لي عروة أنه قتل يومئذ فلم يوجد جسده حين دفنوه يقول عروة: كانوا يرون الملائكة هي دفنته فقال حسان يحرض بعامر بن الطفيل:\nبني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد\nتهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطا كعمد\nفطعن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن مالك عامر بن الطفيل في فخذه طعنة فقده.\n٤٣٧ - * روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: أقام رسول الله ﷺ بعد أحد بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة، وولى تلك الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد، فكان من حديثهم، كما حدثني إسحاق عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله ﷺ فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم، ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجالًا من أصحابك فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا\n_________\n= جار: أي: حام.\nرهطًا: الرهط: قوم الرجل وقبيلته. والرهط: ثلاثة أو سبعة أو عشرة أو ما دون العشرة.\nعينا: العين: الجاسوس.\nذوائب: (الذؤابة) من كل شيء أعلاه.\nليخفره: خفره: نقص عهده، وغدره.\nيرعكم: يعز عليكم.\nقد: أي شقه طولًا، قد اللحم: قطعه طولًا.\n٤٣٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٨)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات إلى ابن إسحاق وقد صرح بالسماع، والحديث مرسل.","vol":"2","page":626},{"text":"لك، فقال رسول الله ﷺ: \"إني أخشى عليهم أهل نجد\" فقال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم، فليدعوا الناس إلى أمرك، فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن الخزرج المعتق ليموت في أربعين رجلًا من المسلمين من خيارهم، منهم الحرث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة - مولى أبي بكر - ورجالا مسمين من خيار المسلمين، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي من بني سليم أقرب، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه، لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ بني عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية ورعل وذكوان، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بني دينار ابن النجار، فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق، وكان في السرح عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار أخو بني عمرو بن عوف، فلم ينبئهما بمصاب إخوانهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري: لعمرو بن أمية: ما ترى قال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ، فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرني عنه الرجال، فقاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر، أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة، زعم أنها كانت على أمه، فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أتاه رجلان\n_________\n= ارتث: الارتثاث: أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح.\nلأرغب: رغب عن الشيء: تركه متعمدًا، وزهد فيه.\nما كنت لتخبرني عنه الرجال: لا أرضى العيش بعده.\nجز: جز الشعر: قطعه.\nناصيته: الناصية: شعر مقدم الرأس إذا طال.","vol":"2","page":627},{"text":"من بني عامر نزلا في ظل هو فيه، وكان للعامريين عقد من رسول الله ﷺ وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا، ممن أنتما؟ قالا: من بني عامر فأمهلهما، حتى ناما فغدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثأره من بني عامر، لما أصابوا من أصحاب رسول الله ﷺ، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله ﷺ أخبره الخبر، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد قتلت قتيلين لأدينهما\" ثم قال رسول الله ﷺ: \"هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا\" فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصيب من أصحاب رسول الله ﷺ بسببه وجواره فقال حسان بن ثابت، يحرض ابن أبي براء على عامر بن الطفيل:\nبني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد\nتهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد\nألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... بما أحدثت في الحدثان بعدي\nأبوك أبو الحروب أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد\nفحمل ربيعة بن عامر على عامر بن الطفيل، فطعنه بالرمح، فوقع في فخذه، فأشواه ووقع عن فرسه، فقال: هذا عمل أبي براء، فإن أمت فدمي لعمي، لا يتبع به، وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتى إلي.\n٤٣٨ - * روى البخاري عن أنس قال: بعث النبي ﷺ أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن آمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله ﷺ، وإلا كنتم مني قريبًا، فتقدم، فآمنوه، فبينما يحدثهم عن رسول الله ﷺ، إذ أومؤوا إلى رجل منهم، فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، ثم مالوا\n_________\n= لأدينهما: سأدفع ديتهما.\nالحدثان: حدثان الدهر: نوائبه وحوادثه.\nأشوى: يقال: رمى فأشوى، إذا لم يصب المقتل.\n٤٣٨ - البخاري (٦/ ١٨) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٩ - باب من ينكب في سبيل الله.\nآمنوني: أعطوني أمنًا.\nأومؤوا: أشاروا.\nفزت: المراد بالفوز حصوله على الشهادة.","vol":"2","page":628},{"text":"على بقية أصحابه، فقتلوهم، إلا رجلًا أعرج صعد الجبل. قال همام: وأراه آخر معه، فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم، فرضي عنهم وأرضاهم؛ فكنا نقرأ: \"أن بلغوا قمنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا\" ثم نسخ بعد، فدعا عليهم أربعين صباحًا على رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصية الذين عصوا الله ورسوله.\nوفي رواية (١) \"أن رعلًا وذكوان وبني لحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم: القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم، وغدروهم بهم، فبلغ النبي ﷺ، فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنًا، ثم إن ذلك رفع: بلغوا عنا قومنا ... وذكره\".\nوللبخاري ومسلم في رواية (٢) قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة: ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل وذكوان ولحيان وعصية، عصت الله ورسوله. قال أنس: أنزل الله ﷿ لنبيه في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنًا قرأناه، حتى نسخ بعد: أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه.\nوللبخاري (٣) عن أنس قال: لما طعن حرام بن ملحان - وكان خاله - يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت ورب الكعبة.\nولمسلم (٤) قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ، فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٣٨٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٨ - باب غزوة الرجيع، ورعل وذكوان، وبئر معونة وحديث عضل والقارة وعاصم بن ثابت وخبيب وأصحابه.\n(٢) البخاري (٧/ ٣٨٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٨ - باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان.\nومسلم واللفظ له (١/ ٤٦٨) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - ٥٤ - باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة.\n(٣) البخاري في الموضع السابق (٧/ ٣٨٦).\nطعن: طعن الرجل: إذا رمي بالطاعون.\n(٤) مسلم (٣/ ١٥١١) ٣٣ - كتاب الإمارة - ٤١ - باب ثبوت الجنة للشهيد.","vol":"2","page":629},{"text":"المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي ﷺ إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم أبلغ عنا نبينا: أنا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حرامًا - خال أنس - من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا: أنا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا\".\nوفي رواية للبخاري (١) أن رسول الله ﷺ بعث خاله - أخًا لأم سليم - في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف، فطعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غدة كغدة البكر، في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم - وهو رجل أعرج - ورجل من بني فلان، قال: كونا قريبًا حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم قريبًا، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله ﷺ وذكر الحديث مثل الأولى\".\nأقول: وما أشار إليه أنس من آيات تتلى ثم نسخت نموذج على منسوخ التلاوة من القرآن، وهو أحد أنواع النسخ الحاصل.\nولابن حجر بعض تفصيلات وتصويبات في الفتح بمناسبة الحديث قال:\nقوله (في بيت امرأة من آل بني فلان) بينها الطبراني من حديث سهل بن سعد فقال \"امرأة من آل سلول\" وبين فيه قدوم عامر بن الطفيل على النبي ﷺ وأنه قال فيه \"لأغزونك بألف أشقر (٢) وألف شقراء\" (٣) وأن النبي ﷺ أرسل أصحاب بئر معونة بعد\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٣٨٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٨ - باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان.\nأهل السهل: أراد بأهل السهل: أهل البادية، فإنه جعل في مقابلها أهل المدر، وأهل المدر: هم أهل المدن والقرى.\nغدة: صار ذاغدة فهو مغدود جمع غداد، والغدد: طاعون الإبل.\n(٢) أشقر: المراد الحصان.\n(٣) شقراء: المراد بها الفرس.","vol":"2","page":630},{"text":"أن رجع عامر، وأنه غدر بهم وأخفر ذمة عمه أبي براء وأن النبي ﷺ دعا عليه فقال: \"اللهم اكفني عامرًا\" قال فجاء إلى بيت امرأة من بني سلول. قلت: سلول امرأة، وهي بنت ذهل بن شيبان، وزوجها مرة بن صعصعة أخو عامر بن صعصعة فنسب بنوه إليها قوله (فانطلق حرام أخو أم سليم وهو رجل أعرج) كذا هنا على أنها صفة حرام، وليس كذلك بل الأعرج غيره، وقد وقع في رواية عثمان بن سعيد فانطلق حرام ورجلان معه رجل أعرج ورجل من بني فلان، فالذي يظهر أن الواو في قوله \"وهو\" قدمت سهوًا من الكاتب، والصواب تأخيرها، وصواب الكلام: فانطلق حرام هو ورجل أعرج، فأما الأعرج فاسمه كعب بن زيد، وهو من بني دينار بن النجار، وأما الآخر فاسمه المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح الخزرجي سماها ابن هشام في زيادات السيرة. ووقع في بعض النسخ \"وهو رجل أعرج\" وهو الصواب اهـ ابن حجر.\nقال في الفتح بمناسبة ذكر بني لحيان في بعض الروايات: لحيان بكسر اللام وفتحها وهذا يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك: وإنما أصاب هؤلاء القراء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع، وإنما أتى الخبر إلى رسول الله ﷺ عنهم كلهم في وقت واحد فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدًا والله أعلم، قاله القسطلاني في المواهب. اهـ.\nوقال في الفتح: قوله: (بعث النبي ﷺ سبعين رجلًا لحاجة) فسر قتادة الحاجة بقوله \"إن رعلا وغيرهم استمدوا رسول الله ﷺ على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار\" وقد تقدم في الجهاد من وجه آخر عن سعيد عن قتادة بلفظ \"أن النبي ﷺ أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان فزعموا أنهم أسلموا واستمدوا على قومهم، وفي هذا رد على من قال رواية قتادة وهم، وأنهم لم يستمدوا رسول الله ﷺ وإنما الذي استمدهم عامر بن الطفيل على أصحاب رسول الله ﷺ انتهى. ولا مانع أن يستمدوا رسول الله صلى الله عليهم وسلم في الظاهر ويكون قصدهم الغدر بهم، ويحتمل أن يكون الذين استمدوا غير الذين استمدهم عامر بن الطفيل وإن كان الكل من بني سليم، وفي رواية عاصم آخر الباب عن أنس \"أن النبي ﷺ بعث أقوامًا إلى ناس من المشركين بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم","vol":"2","page":631},{"text":"لقتال عدو، وإنما هو للدعاء إلى الإسلام. وقد أوضح ذلك ابن إسحاق قال: حدثني أبي عن المغيرة بن عبد الرحمن وغيره قال: قدم أبو براء عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنة على رسول الله ﷺ فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال: يا محمد، لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك وأنا جار لهم. اهـ.\nأقول: وقد ابتلى الله ﷿ عامر بن الطفيل بما يشبه السرطان أو الجدري ومات في بيت امرأة من بني سلول وهي قبيلة مزدراة فكان ذلك أبلغ في الإهانة، وقد كان تهدد رسول الله ﷺ أن يغزوه بألف أشقر وألف شقراء ثم تسبب بقتل القراء فعاقبه الله ﷿.\nومن أهم ما نأخذه من حادثة بئر معونة أنه إذا فتح لنا باب الدعوة إلى الله سلمًا فعلينا أن نلجه، وأن نرسل الوفود والبعوث لذلك، وهذا يفتح أمامنا آفاقًا واسعة في العمل الإسلامي على الأرض الإسلامية أو خارجها، فحيثما أعطينا حرية الدعوة إلى الله فعلينا أن ندعو مستفيدين من الأعراف والقوانين، ويسعنا في هذه الحالة أن ننصح وأن نعمل من خلال القانون للتغيير الإسلامي الشامل، ولكن الاكتفاء بهذا القدر من العمل منوط بالفتوى من أهلها.\n* * *","vol":"2","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>فصل: في إجلاء بني النضير</span>\nهناك خلاف حول غزوة بني النضير متى كانت، وعامة كتاب السير أنها في السنة الرابعة وهذه الرواية تدل على أنها كانت في السنة الثالثة، ولا يترتب على الخلاف عمل، وقد جرينا على رأي الجمهور في هذه الغزوة.\nقال ابن القيم في زاد المعاد عن ما جرى في أخريات بئر معونة ثم عن غزوة النضير:\nوكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر بن محمد فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه، ورجع عمرو بن أمية فلما كانت بالقرقرة من صدر قناة نزل في ظل شجرة، وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول الله ﷺ بما فعل فقال لقد قتلت قتيلين لأدينهما، فكان هذا سبب غزوة بني النضير، فإنه خرج غليهم ليعينوه في ديتهما لما بينه وبينهم من الحلف، فقالوا: نعم وجلس هو وأبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه، فاجتمع اليهود وتشاوروا وقالوا: من رجل يلقي على محمد هذه فيقتله؟ فانبعث أشقاها عمرو بن جحاش لعنه الله، ونزل جبريل من عند رب العالمين على رسوله يعلمه بما هموا به فنهض رسول الله ﷺ من وقته راجعًا إلى المدينة، ثم تجهز وخرج بنفسه لحربهم، فحاصرهم ست ليال، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وذلك في ربيع الأول، قال ابن حزم: وحينئذ حرمت الخمر، فنزلوا على أن لهم ما حملت إبلهم غير السلاح ويرحلون من ديارهم فترحل أكابرهم كحيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم رجلان فقط يامين بن عمرو وأبو سعيد بن وهب فأحرزا أموالهما وقسم رسول الله ﷺ أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين خاصة، لأنها كانت مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، إلا أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف الأنصاريين لفقرهما. وفي هذه الغزوة نزلت سورة الحشر هذا الذي ذكرناه هو الصحيح عند أهل المغازي والسير، وزعم محمد بن شهاب الزهري أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر","vol":"2","page":633},{"text":"بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد احد والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بني قينقاع وقريظة بعد الخندق وخيبر بعد الحديبية. فكان له مع اليهود أربع غزوات: أولها غزوة بني قينقاع بعد بدر، والثانية بني النضير بعد أحد، والثالثة قريظة بعد الخندق، والرابعة خيبر بعد الحديبية.\nقال ابن كثير في البداية والنهاية:\nقال ابن إسحاق فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب فلما نزلوها دان لهم أهلها. فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أنهم استقلوا بالنساء والأبناء والأموال معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم بزهاء وفخر ما رؤي مثله لحي من الناس في زمانهم اهـ.\nقال ابن حجر ﵀ في الفتح:\nقال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم يستعينهم قالوا: نعم. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال. قال: وكان جالسًا إلى جانب جدار لهم، فقالوا من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة لعيه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرًا أنه يقضي حاجته وقال لصحابه: لا تبرحوا، ورجع مسرعًا إلى المدينة، واستبطأه أصحابه فأخبروا أنه توجه إلى المدينة، فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم، فتحصنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق، وذكر ابن إسحاق أنه حاصرهم ست ليال، وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب فلم ينصروهم، فسألوا أن يجلوا عن أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل فصولحوا على ذلك، وروى البيهقي في \"الدلائل\" من حديث محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام، قال ابن إسحاق: فاحتملوا","vol":"2","page":634},{"text":"إلى خيبر وإلى الشام، قال فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنهم حلوا الأموال من النخيل والمزارع فكانت لرسول الله ﷺ خاصة. قال ابن إسحاق: ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعيد بن وهب فأحرزا أموالهما. وروى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر عن الزهري \"أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي ﷺ وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهم ابن أبي ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي ﷺ فقال: ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تلقوا بأسكم بينكم، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرقوا. فلما كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، يتهددونهم، فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ: اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك. ففعل، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي ﷺ قبل أن يصل إليهم، فرجع، وصبحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكذا أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق، وفي ذلك رد على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد، قلت: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله أعلم. وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به ﷺ، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قال ابن إسحاق، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق. اهـ.\nوقال الشيخ الغزالي:\nوفي هذه المعركة نزلت سورة الحشر بأكملها، فوصفت طرد اليهود في صدرها.","vol":"2","page":635},{"text":"(هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار) (١).\nثم فضح القرآن مسلك منافقي المدينة الذين حاولوا إعانة يهود في غدرها وحربها، وحرضوها على مقاتلة المسلمين بما وعدوها من أمداد وعتاد فقال:\n(ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) (٢).\nوبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون دون تضحيات، توطد سلطانهم في المدينة، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم، وأمكن رسول الله أن يتفرغ لقمع الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذالة وكفران. اهـ.\n٤٣٩ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجن أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبي ﷺ، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: \"لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت\n_________\n(١) الحشر: ٢.\n(٢) الحشر: ١١، ١٢.\n٤٣٩ - أبو داود (٣/ ١٥٦)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في خبر النضير، بسند صحيح.\nالأوثان: جمع وثن، وهو الصنم.\nنستبيح: استباحتهم: نهبهم وسبيهم والتصرف فيهم.\nوعيد: الوعيد: التخويف والتهديد.","vol":"2","page":636},{"text":"تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم\" فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء، وهي الخلاخيل، فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ اجتمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ: اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرًا، حتى نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك فقص خبرهم فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: \"إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه\" فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا الغد على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم على أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا على بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، فكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاه الله إياها وخصه بها، فقال: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) (١) يقول: بغير قتال، فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة، ولم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما.\n_________\n= يكيدكم: كاده يكيده: إذا مكر به وخدعه.\nالحلقة: بسكون اللام: الدرع، وقيل: اسم جامع للسلاح.\nحبر: الحبر: العالم الفاضل.\nمنصف: المنصف بالفتح: نصف الطريق، أراد: أنهم يجتمعون في موضع لا يميل إلى جهته ولا جهتهم، ليكون أعدل وأقرب إلى الأمن.\nالجلاء: النفي عن الأوطان.\nأقلت الإبل: الأحمال، أي: حملتها.\nما أفاء الله: الفيء: ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا قتال.\nأوجفتم: الإيجاف: الإسراف والحث في السير، وأراد به: الإسراع في القتال.\nركاب: الركاب جماعة الإبل فوق العشرة.\n(١) الحشر: ٦.","vol":"2","page":637},{"text":"- (وفي رواية ابن هشام (١): أنهما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة) - وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي هي في أيدي بني فاطمة.\n٤٤٠ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا النبي ﷺ، فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فأمنهم وأسلموا وأجلى رسول الله يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم قوم عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهودي كان بالمدينة.\n٤٤١ - * وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: انطلقوا إلى يهود. فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس، فقام النبي ﷺ فناداهم: \"يا معشر يهود، أسلموا تسلموا\" فقالوا: بلغت يا أبا القاسم. فقال: \"ذلك أريد\" ثم قالها الثانية، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. ثم قال الثالثة فقال: \"اعلموا أن الأرض لله ورسوله وأني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله\".\nلكنهم رفضوا الجلاء الطوعي فكان ما رأينا.\n٤٤٢ - * وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها) قال: اللينة: النخلة، (وليخزي\n_________\n(١) السيرة النبوية (٣/ ١٩٤).\n٤٤٠ - البخاري (٧/ ٣٢٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٤ - باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله ﷺ في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله ﷺ.\nومسلم واللفظ له (٣/ ١٣٨٧)، ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٠ - باب إجلاء اليهود من الحجاز.\n٤٤١ - البخاري (١٢/ ٣١٧) ٨٩ - كتاب الإكراه - ٢ - باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره.\nومسلم في نفس الموضع السابق.\nبيت المدراس: بكسر الميم، مفعال من الدرس، والمراد به كبير اليهود، ونسب البيت إليه؛ لأنه هو الذي كان صاحب دراسة كتبهم، أي قراءتها.\n٤٤٢ - الترمذي (٥/ ٤٠٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٦٠ باب \"ومن سورة الحشر\" وإسناده حسن.\nلينة: اللينة: ما دون العجوة من النخل، والعجوة: نوع من التمر معروف بالمدينة.","vol":"2","page":638},{"text":"الفاسقين) وقال: استنزلوهم من حصونهم، قال: وأمروا بقطع النخل فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضًا، وتركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله ﷺ: هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركناه من وزر؟ فأنزل الله تعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ..) (١).\n٤٤٣ - * وروى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﵌، حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم (سبح لله ما في السموات وما في الأرض) إلى قوله (لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا) (٢) فقاتلهم النبي ﵌ حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأما قوله (لأول الحشر) فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام.\nونشهد في زماننا حشرًا آخر لليهود إلى بلاد الشام وسيتبعه حشر آخر في عهد الدجال عند نهر الأردن، وقد بشرنا الكتاب والحديث أن النصر للإسلام.\n٤٤٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله ﷿:\n(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) (١).\n_________\nفحك: يقال: حك الشيء في نفسه: إذا لم يكن منشرح الصدر به، وكان في قلبه شيء منه من الشك والريب، لتوهمه أنه ذنب أو خطيئة.\nوزر: الوزر: الحمل والثقل والإثم.\n(١) الحشر: ٥.\n٤٤٣ - المستدرك (٢/ ٤٨٣)، كتاب التفسير، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n(٢) الحشر: ١، ٢.\n٤٤٤ - البخاري (٥/ ٩) ٤١ - كتاب الحرث والمزارعة - ٦ - باب قطع الشجر والنخل.","vol":"2","page":639},{"text":"وفي رواية صحيحة (١) قال ابن عمر: ولها يقول حسان بن ثابت:\nوهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير\nزاد في رواية (٢) قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث:\nأدام الله ذلك من صنيع ... وحرق في نواحيها السعير\nستعلم أينا منها بنزه ... وتعلم أي أرضينا تضير\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>تعليقات على حادثة النضير:</span>\nسجل الله حادثة النضير في كتابه فأنزل فيها سورة كاملة، هي سورة الحشر التي أسماها ابن عباس سورة النضير، ومن ثم فإن النضير من الحوادث الخالدات التي يحتاج المسلمون على مدى العصور إلى معرفة دروسها وأخذ عبرها، فهي حادثة تمرد وغدر داخليين تقوم بهما فئة معاهدة من غير المسلمين، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يؤدبها تعاطف معها منافقون، ظاهرهم مسلمون، إن هذا الوضع يمكن أن يحدث في كل زمان وفي كل مكان، فكيف تصرف رسول الله ﷺ؟ وما هي السنة التي تحكم ذلك؟ وما حكم أموال المتمردين الغادرين ونسائهم؟ وماذا يجوز لنا في هذا الشأن؟ كل ذلك بعض ما في سورة النضير التي تحدثت عن غزوتها، وهذه بعض دروس الغزوة والسورة:\n١ - إن تلاحم الكافرين والمنافقين على الأرض الإسلامية لا شك فيه، وأنت عليك أن تستهدف الكفر فإذا ما استطعت أن تنتصر عليه فقد انتهت قيمة المنافقين السياسية والعسكرية، ولذلك يجب أن تضع نصب عينيك أن السيطرة على الكفر هي الهدف، وفي الغالب فإن المنافقين لن ينتقلوا من القول إلى الفعل إلا في حالة واحدة هي أن تضمهم جميعًا\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٣٢٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٤ - باب حديث بني النضير.\nسراة: السراة جمع سري، وهو النفيس الشريف على غير قياس.\nمستطير: استطار الضوء وغيره: إذا تفرق واتسع.\n(٢) البخاري في نفس الرواية السابقة.\nبنزه: أي: ببعد، وفلان يتنزه عن الفحش، أي: يبعد عنه.\nتضير: ضارة يضيره ضيرًا، مثل: ضره يضره ضرًا.","vol":"2","page":640},{"text":"حصون يقاتلون من خلالها. وإذن فلا ينبغي أن تعطيهم فرصة التجمع والتحصن.\n٢ - ومما حدث في إجلاء بني النضير وبما نزل من آيات الله في ذلك نعرف صورة مما يمكن أن تفعله الدولة الإسلامية الراشدة في المواطنين غير المسلمين إذا تأكد لنا غدرهم.\n٣ - ومن تعليقات الدكتور البوطي على حادثة النضير ما يلي:\nقطع نخيل بني النضير وإحراقها، ثبت بالاتفاق. والذي أتلفه الرسول ﷺ من ذلك غنما هو البعض ثم ترك الباقي. وقد نزل القرآن تصويبًا لما أقدم عليه النبي ﷺ من ذلك: قطعًا وإبقاء، وذلك في قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ..) (١).\nوقد استدل عامة العلماء بذلك، على أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإتلافها منوط بما يراه الإمام أو القائد من مصلحة النكاية بأعدائهم، فالمسألة إذًا من قبيل ما يدخل تحت اسم السياسة الشرعية. قال العلماء: وإنما كان قصد الرسول ﷺ بتصرفه هذا في النخيل - قطعًا أو كفًا - تحقيق المصلحة وتلمس السبيل إليها، إرشادًا وتعليمًا للأئمة من بعده.\nوبهذا أيضًا علل الشافعي ﵀، أمر أبي بكر ﵁ بالإحراق والقطع، حينما أرسل خالدًا إلى طليحة وبني تميم، مع أنه نهى هو نفسه عن ذلك في حروب الشام. ويقول ﵀ في هذا: \"ولعل أمر أبي بكر بأن يكفوا عن أن يقطعوا شجرًا مثمرًا، إنما هو لأنه سمع رسول الله ﷺ يخبر أن بلاد الشام تفتح على المسلمين. فلما كان مباحًا له أن يقطع ويترك، اختار الترك نظرًا للمسلمين\".\nوهذا الذي قلناه من إباحة قطع شجر الكفار وإحراقه إذا اقتضت المصلحة هو مذهب نافع مولى ابن عمر ومالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء. وروي عن الليث بن سعد وأبي ثور والأوزاعي القول بعدم جوازه.\nواتفق الأئمة على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال - وهو الفيء - يعود النظر\n_________\n(١) الحشر: ٥.","vol":"2","page":641},{"text":"والتصرف فيه إلى ما يراه الإمام من المصلحة، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب، مستدلين على ذلك بسياسته ﷺ في تقسيم فيء بني النضير، فقد خص به - كما رأيت - المهاجرين وحدهم، وقد نزل القرآن تصويبًا لذلك، في الآيتين اللتين ذكرناهما.\nثم اختلفوا في الأراضي التي غنمها المسلمون بواسطة الحرب: فذهب مالك إلى أن الأرض لا تقسم مطلقًا، وإنما يكون خراجها وقفًا لمصالح المسلمين إلا أن يرى الإمام أن المصلحة تقضي القسمة فإن له ذلك، ويذهب الحنفية قريبًا من هذا المذهب.\nأما الشافعي فذهب إلى أن الأرض المأخوذة عنوة تجب قسمتها كما تجب قسمة غيرها من الغنائم، وهو الظاهر من مذهب الإمام أحمد أيضًا.\nودليل ما ذهب إليه الشافعي، أن تصرف النبي ﷺ بأموال بني النضير، على خلاف ما تقتضيه القسمة بين الغانمين في الحرب، إنما كان بسبب عدم وجود أي قتال تسبب عنه الحصول على تلك الغنائم. وقد نصت الآية على ذلك في معرض تعليل حكمه ﷺ، في فيء بني النضير، وهي قوله تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم، فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) (١) وإذا كان هذا هو مناط جواز عدم القسمة لأراضي الفيء فمن الواضح أنه إذا ارتفع مناط الحكم، ارتفع الحكم معه، وعاد الحكم المنصوص عليه في حق الغنائم، سواء في ذلك الأراضي وغيرها.\nودليل ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة أمور كثيرة، من أهمها عمل عمر ﵁ حينما امتنع عن تقسيم سواد العراق، وجعلها وقفًا يجري خراجها ريعًا للمسلمين وليس المجال هنا متسعًا لأكثر من هذا العرض المجمل في الموضوع.\nإنما الذي ينبغي أن ننتبه إليه من هذا البحث هنا، هو التعليل الذي ذكره الله تعالى في الآيتين اللتين أوضحتا سياسته ﵊ في تقسيم فيء بني النضير إذ اختص به أناسًا دون آخرين. فقد ذكر الله تعالى في تعليل ذلك قوله: (لكي لا يكون دولة بين\n_________\n(١) الحشر: ٦.","vol":"2","page":642},{"text":"الأغنياء منكم) (١) أي لكي لا يكون تداول المال محصورًا فيما بين طبقة الأغنياء منكم فقط.\nوالتعليل بهذه الغاية يؤذن بأن سياسة الشريعة الإسلامية في شؤون المال، قائمة في جملتها على تحقيق هذا المبدأ. وأن كل ما تفيض به كتب الشريعة الإسلامية من الأحكام المتعلقة بمختلف شؤون الاقتصاد والمال يبتغى من ورائه إقامة مجتمع عادل تتقارب فيه طبقات الناس وفئاتهم ويقضى فيه على أسباب الثغرات التي قد تظهر فيما بينها، والتي قد تؤثر على سير العدالة وتطبيقها.\nولو طبقت أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمتها الخاصة بشؤون المال من إحياء لشريعة الزكاة ومنع للربا وقضاء على مختلف مظاهر الاحتكارات لعاش الناس كلهم في بحبوحة من العيش، قد يتفاوتون في الرزق ولكنهم جميعًا مكتفون، وليس فيهم كل على آخر وإن كانوا جميعًا يتعاونون.\nوالمهم أن تعلم أن الله تعالى لما جعل غاية شريعته في الدنيا إقامة هذا المجتمع، شرع لذلك وسائل وأسبابًا معينة ألزمنا باتباعها وعدم الخروج عليها. أي أن الله تعالى تعبدنا بكل من الغاية والوسيلة معًا. فلا يجوز أن يقال: إن الغاية من الإسلام إقامة العدالة الاجتماعية. فلنسلك إلى ذلك ما نراه من السبل والأسباب، بل إن هذا يعد خروجًا على كل من الغاية والوسيلة معًا، فلن تتحقق الغاية التي أمرنا الله تعالى بتحقيقها إلا باتباع الوسيلة التي شرعها لنا سبيلًا إلى تلك الغاية. والتاريخ أعظم دليل والوقائع أكبر شاهد.\nهذا وجدير بك أن تعود إلى سورة الحشر بكاملها، لتتأمل تعليق البيان الإلهي العظيم على هذه الحادثة بمجموعها وعامة ملابساتها: اليهود، المنافقون، سياسة الرسول في المال والحرب، وغير ذلك ... فهذه السورة من أهم ما يمكنك من الوقوف على دروس هذه القصة وعظاتها. اهـ.\n* * *\n_________\n(١) الحشر: ٧.","vol":"2","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>فصل: في غزوتي الرد</span>\nذكر ابن كثير في أحداث السنة الرابعة غزوتين لرسول الله ﷺ، غزوة بني لحيان وغزوة نحو نجد أسماها غزوة ذات الرقاع، ومن عرف سنته ﵊ في رده على الاعتداء من قبل المحاربين رجح أن الغزوتين كانتا في هذه السنة، لكن اختلط الأمر على بعض المحققين بين غزوة ذات الرقاع، وغزوة أخرى حدثت في السنة السابعة شارك فيها أبو موسى الأشعري وربط بها هو وأصحابه رقاعًا على أرجلهم فظنوا أن هذه الغزوة هي غزوة ذات الرقاع المشهورة التي كانت ردًا على حادثة بئر معونة، والذي أرجحه أن غزوة بني لحيان وغزوة ذات الرقاع كانتا في السنة الرابعة، واسم ذات الرقاع هنا لم يأت من الرقاع المربوطة على الأرجل بل كان لأسباب أخرى سنراها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>١ - غزوة بني لحيان:</span>\nقال ابن كثير: وقال الحافظ البيهقي: لما أصيب خبيب وأصحابه خرج رسول الله ﷺ طالبًا بدمائهم ليصيب من بني لحيان غرة، فسلك طريق الشام ليرى أنه لا يريد بني لحيان، حتى نزل بأرضهم فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فقال رسول الله ﷺ \"لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة\" فخرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم ثم انصرفا. اهـ.\nأقول: هذه الغزوة وإن لم تحقق هدفها الأساسي وهو الثأر لحادثة الرجيع، لكنها أوقعت الرعب في قلوب أهل المنطقة وأرتهم أن محمدًا ﷺ لا ينام على ثأر، وأنه وراء المسيئين لن يتركهم حتى يعاقبهم أو يسلموا أو يعاهدوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>٢ - غزوة ذات الرقاع:</span>\nتختلط روايات هذه الغزوة بأكثر من روايات غزوات أخرى فهي تختلط بغزوة لف فيها أصحاب رسول الله ﷺ الخرق على أرجلهم فتوهم بعضهم أن هذه الغزوة هي غزوة ذات الرقاع، وتختلط بغزوتي عسفان وأنمار؛ بسبب أن في الجميع روايات لجابر، وبسبب","vol":"2","page":644},{"text":"أن بعض الروايات فيها ذكر لصلاة الخوف، مع اتفاق الجميع أن صلاة الخوف نزلت بعد غزوة الأحزاب، فقد رأى بعضهم أن غزوة ذات الرقاع هذه، لم تكن في السنة الرابعة، ولكن المحققين من كتاب السير يرون أنها في السنة الرابعة وعلى هذا فلابد من التمييز بين رواياتها وروايات الغزوات الأخرى وإعطاء كل غزوة اسمها المناسب، ونحن سنتخير من الروايات والتحقيقات ما لا يكون فيه تناقض مع ما ذهب إليه المحققون في كل.\nوننقل بين يدي ذلك ما قاله ابن حجر في الفتح كدليل على أن هذه الغزوة تختلط بغيرها ولذلك وقع اللبس:\nقال ابن حجر:\n(باب غزوة ذات الرقاع) هذه الغزوة اختلف فيها متى كانت، واختلف في سبب تسميتها بذلك. وقد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واستدل لذلك في هذا الباب بأمور سيأتي الكلام عليها مفصلًا، ومع ذلك ذكرها قبل خيبر فلا أدري هل تعمد ذلك تسليمًا لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها كما سيأتي، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين كما أشار إليه البيهقي، على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بعد غزوة بني النضير شهر ربيع وبعض جمادى - يعني من سنته - وغزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع. اهـ.\nوبمناسبة رواية البخاري عن جابر (كنا مع النبي ﷺ بنخل فذكر صلاة الخوف) قال ابن حجر:\nأورده مختصرًا معلقًا لأن غرضه الإشارة إلى أن روايات جابر متفقة على أن الغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة ذات الرقاع، لكن فيه نظر لأن سياق رواية هشام عن أبي الزبير هذه تدل على أنه حديث آخر في غزوة أخرى، وبيان ذلك أن في الحديث عند الطيالسي وغيره أن المشركين قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم، قال فنزل جبريل فأخبره؛ فصلى بأصحابه العصر، وصفهم صفين، فذكر صفة صلاة الخوف،","vol":"2","page":645},{"text":"وهذه القصة إنما هي في غزوة عسفان، وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير بلفظ يدل على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع، ولفظه عن جابر قال: (غزونا مع النبي ﷺ قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما أن صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة واحدة لأفظعناهم، فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك، قال وقالوا: ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فذكر الحديث. وروى أحمد والترمذي وصححه النسائي من طريق عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم، فذكر الحديث في نزول جبريل لصلاة الخوف، وروى أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان من حديث أبي عياش الزرقي قال: كنا مع النبي ﷺ بعسفان، فصلى بنا الظهر وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة، ثم قال: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر ففرقنا فرقتين. الحديث وسياقه نحو رواية زهير عن أبي الزبير عن جابر، وهو ظاهر في اتحاد القصة، وقد روى الواقدي من حديث خالد بن الوليد قال: لما خرج النبي ﷺ إلى الحديبية لقيته بعسفان فوقفت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر، فهممنا أن نغير عليهم فلم يعزم لنا، فأطلع الله نبيه على ذلك فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف. الحديث، وهو ظاهر فيما قررته أن صلاة الخوف بعسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وأن جابرًا روى القصتين معًا. اهـ.\nوقد ذكر ابن حجر أدلة القائلين بالتعدد فقال:\nوقد قيل إن الغزوة التي شهدها أبو موسى وسميت ذات الرقاع غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف، لأن أبا موسى قال في روايته إنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان المسلمون فيها أضعاف ذلك.\nواستدل على التعدد أيضًا بقول أبي موسى إنها سميت ذات الرقاع لما لفوا في أرجلهم من الخرق، وأهل المغازي ذكروا في تسميتها بذلك أمورًا غير هذا، قال ابن هشام وغيره: سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل بشجر بذلك الموضع يقال له ذات الرقاع،","vol":"2","page":646},{"text":"وقيل بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل لأن خيلهم كان بها سواد وبياض قاله ابن حبان، وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان ويكون قد تصحف جبل بخيل، ومما يدل على التعدد أنه لم يتعرض أبو موسى في حديثه إلى أنهم صلوا صلاة الخوف ولا أنهم لقوا عدوًا، ولكن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع. اهـ.\nمما مر ندرك اختلاط الروايات ما بين غزوة نجد وغزوة ذات الرقاع وغزوة عسفان ونضيف غزوة أنمار.\nقال صاحب الفتح: فظهر لي من هذا وجه المتابعة. وهو أن حديث سهل بن أبي حثمة في غزوة ذات الرقاع متحد مع حديث جابر، لكن لا يلزم من اتحاد كيفية الصلاة في هذه وفي هذه أن تتحد الغزوة، وقد أفرد البخاري غزوة بني أنمار بالذكر كما سيأتي بعد باب. ا. هـ.\nلذلك أذهب أن غزوة ذات الرقاع حدثت في السنة الرابعة ولم يكن فيها صلاة الخوف، وأن الروايات التي تذكر صلاة الخوف ينبغي أن تحمل على غزوات أخرى وأن يفتش لها عن مخارج يخرج بها من التعارض.\nقال ابن كثير: قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع وبعض جمادى، ثم غزا نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر. قال ابن هشام: ويقال عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق فسار حتى نزل نخلًا وهي غزوة ذات الرقاع. قال ابن هشام لأنهم رقعوا راياتهم، ويقال لشجرة هناك اسمها ذات الرقاع، وقال الواقدي: بجبل فيه بقع حمر وسود وبيض.\n٤٤٥ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرجنا مع\n_________\n٤٤٥ - أبو داود (١/ ٥٠)، كتاب الطهارة، باب الوضوء من الدم.\nوأورده ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٨٥) عن ابن إسحاق واللفظ له.\nوأخرجه ابن إسحاق مصرحًا بالتحديث وفي سنده عقيل بن جابر بن عبد الله الأنصاري لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وقد صحح الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.","vol":"2","page":647},{"text":"رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلًا، أتى زوجها وكان غائبًا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما، فخرج يتبع أثر رسول الله ﷺ فنزل رسول الله ﷺ منزلًا فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار. فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب من الوادي، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر، فلما خرجا إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي، قال: وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم فرمى بسهم فوضعه فيه، فانتزعه ووضعه وثبت قائمًا قال: ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائمًا، قال: ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت قال: فوثب الرجل، فلما رآهما عرف أنه قد نذرا به فهرب قال: ولما رأى المهاجري ملمًا بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله أفلا أهبتني أول ما رماك قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها.\n٤٤٦ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل ضعيف فلما قفل رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله ﷺ فقال: \"مالك يا جابر؟ \" قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال: \"أنخه\" قال: فأنخته وأناخ رسول الله ﷺ ثم قال: \"أعطني هذه العصا من يدك أو اقطع عصا من شجرة\" ففعلت فأخذها رسول الله ﷺ فنخسه بها نخسات ثم قال: \"اركب\" فركبت فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة. قال: وتحدثت مع رسول الله ﷺ فقال: \"أتبيعني جملك هذا\n_________\n= الربيئة: الربيء جمع ربابا: الطليعة الذي يرقب العدو من مكان عال، يستطلع.\n٤٤٦ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٧٦).\nوالبخاري بعضه (٤/ ٣٢٠) ٣٤ - كتاب البيوع - ٣٤ - باب شراء الدواب والحمير.\nيواهق: يعارض ناقة رسول الله ﷺ في المشي، والمواهقة: المباراة.","vol":"2","page":648},{"text":"يا جابر؟ \" قال: قلت، بل أهبه لك قال: \"لا، ولكن بعنيه\"، قال: قلت: فسمنيه، قال: \"أخذته بدرهم\"، قال: قلت: لا، إذا تغبنني يا رسول الله، قال: \"فبدرهمين\"، قال: قلت: لا قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله ﷺ حتى بلغ الأوقية، قالت فقلت: أفقد رضيت؟ قال: \"نعم\"، قلت: فهو لك، قال: \"قد أخذته\" ثم قال: \"يا جابر هل تزوجت بعد؟ \" قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: \"أثيبا أم بكرًا؟ \" قال: قلت بل ثيبًا، قال: \"أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك\" قال: قلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعًا فنكحت امرأة جامعة تجمع رووسهن فتقوم عليهن قال: \"أصبت إن شاء الله، أما إنا لو جئنا صرارًا أمرنا بجزور فنحرت، فأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها\" قال: فقلت: والله يا رسول الله ما لنا نمارق، قال: \"إنها ستكون فإذا أنت قدمت فاعمل عملًا كيسا\" قال: فلما جئنا صرارًا أمر رسول الله ﷺ بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله ﷺ دخل ودخلنا. قال: فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله ﷺ، قالت: فدونك فسمع وطاعة فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله ﷺ، ثم جلست في المسجد قريبًا منه، قال: وخرج رسول الله ﷺ فرأى الجمل فقال: \"ما هذا؟ \" قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: \"فأين جابر\" فدعيت له، قال فقال: \"يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك\" قال: ودعا بلالًا فقال: \"اذهب بجابر فأعطه أوقية\" قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئًا يسيرًا، قال: فوالله ما زال ينمى عندي ويرى مكانه من بيننا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا. يعني يوم الحرة.\n_________\n= الأوقية: أربعون درهمًا.\nجامعة تجمع رؤوسهن: قادرة على العناية بأخوات جابر الصغيرات وحفظهن.\nصرار: موضع على ثلاثة أميال من المدينة.\nنمارق: وسائد صغار.\nدونك: افعل ما تريد.","vol":"2","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>تعليقات:</span>\n١ - علق الشيخ البوطي على حادثة عباد بن بشر في استغراقه بصلاته والسهام تنصب عليه بقوله: إنما الجهاد - كما علمه الرسول أصحابه وكما فهمه الصحابة منه - عبادة كبرى يتعلق فيها كيان المسلم كله بخالقه ﷻ خاشعًا متبتلًا. وما ساعة يكون فيها المؤمن أقرب إلى ربه ﷻ من تلك الساعة التي يستدبر فيها الدنيا ويستقبل بوجهه شطر الموت والاستشهاد.\nولذلك، كان من الطبيعي جدًا بالنسبة لذلك الأنصاري، (عباد بن بشر) ﵁، أن يشغل شطر حراسته من الليل بركعات خاشعة يقف فيها بين يدي ربه ﷻ. وقد انصرفت مشاعره كلها إلى مناجاته بآيات من كتابه الكريم.\nوكان من الطبيعي جدًا أن لا يبالي بذلك السهم الذي أسرع فانحط في جسمه، ولا بالسهم الثاني الذي تبعه، لأن بشريته كلها إنما كانت في تلك الساعة مطوية ضمن مشاعره المنصرفة إلى ربه ﷻ وقد غمرتها لذة المناجاة بين العبد وخالقه.\nولما ارتد شعوره إليه وأخذ يهتم بما قد أصابه، لم يكن ذلك لمزيد من الألم بدأ يشعر به. وإنما للمسؤولية المنوطة به مخافة أن يضيعها بضياع حياته واستمرار سكوته. فكان ذلك هو الذي اضطره إلى أن يلتفت فيوقظ صاحبه ليستلم منه أمانة الثغر الذي أنيط بهما حفظه.\nوتأمل يا أخي المسلم في قوله ﵁: وايم الله، لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (أي الصلاة) اهـ.\n٢ - وعلق كذلك على محادثته ﵊ لجابر في الطريق بقوله: إنما ذكرنا قصة جابر بن عبد الله وما كان بينه وبين رسول الله ﷺ من المحادثة في طريق عودتهما إلى المدينة، مع أنها لا تتعلق بشيء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول الله ﷺ مع أصحابه، وما انطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف في المعاشرة ورقة في الحديث وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه.","vol":"2","page":650},{"text":"فأنت إذا تأملت جيدًا في هذه القصة التي سردناها. علمت أن النبي ﷺ كان متأثرًا بالمحنة التي طافت على بيت جابر بن عبد الله. فقد استشهد والده في أحد. فقام هو - وهو أكبر أولاد أبيه - على شأن الأسرة ورعاية الأطفال الكثيرين الذين خلفهم له والده من ورائه. وهو على ذلك رقيق الحال ليس له نصيب وافر من الدنيا.\nوكأنما استشعر رسول الله ﷺ في تأخر جابر عن القوم بسبب جمله الضعيف الذي لا يمتلك غيره. مظهرًا لحالته العامة هذه .. (وقد كان من عادته ﷺ إذا سار مع صحبه في طريق. أن يتفقد أصحابه كلهم ويطمئن عليهم بين كل فترة وأخرى). فانتهزها فرصة وتخلف حتى التقى معه وراح يواسيه بأسلوبه الرقيق الفكه الذي رأيت، في طريق ليس معهما فيه ثالث.\nعرض عليه ﷺ شراء بعيره، وهو إنما يريد أن يجعل من ذلك ذريعة ومناسبة لإكرامه ومساعدته على وضعه الذي هو فيه. ثم سأله عن الزوجة والبيت. في أسلوب فكه رقيق، وراح يطمئن الزوج الجديد، أنهم إذا وصلوا قريبًا من المدينة أقاموا ساعات هناك، حتى يتسامع أهل المدينة بمقدمهم، فتسمع زوجته، فتصلح له من شأنها، وتهيء له البيت بزينته ونمارقه. وينساق معه جابر في الأسلوب نفسه فيقول: والله يا رسول الله ما لنا من نمارق! ... فيجيبه ﵊ قائلًا: إنها ستكون.\nصورة رائعة، عن لطف معشره، وأنس حديثه، والفكاهة الحلوة في محاورته لأصحابه. ا. هـ.\n* * *","vol":"2","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>فصل: في غزوة بدر الآخرة</span>\nقال ابن كثير في البداية والنهاية:\nوهي بدر الموعد التي تواعدوا إليها من أحد كما تقدم. قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبًا، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول. قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله ﷺ بدرًا وأقام عليه ثمانيًا ينتظر أبا سفيان. وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران. وبعض الناس يقول: قد بلغ عسفان ثم بدا له في الرجوع فقال: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن. فإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا. فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق (١) يقولون إنما خرجتم تشربون السويق. قال وأتى مخشي بن عمرو الضمري وقد كان وادع النبي ﷺ في غزوة ودان على بني ضمرة فقال: يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: \"نعم يا أخا بني ضمرة وإن شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك وجالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك\" قال: لا والله يا محمد ما لنا بذلك من حاجة. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدًا.\nوقد ذكر موسى بن عقبة عن الزهري وابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ استنفر الناس لموعد أبي سفيان، وانبعث المنافقون في الناس يثبطونهم فسلم الله أولياءه، وخرج المسلمون صحبة رسول الله ﷺ إلى بدر وأخذوا معهم بضائع، وقالوا: إن وجدنا أبا سفيان وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر ثم ذكر نحو سياق ابن إسحاق في خروج أبي سفيان إلى مجنة ورجوعه وفي مقولة الضمري، وعرض النبي ﷺ المنابذة فأبى ذلك. قال الواقدي: خرج رسول الله ﷺ إليها في ألف وخمسمائة من أصحابه واستخلف\n_________\n(١) السويق: أن تمحص الحنطة أو الشعير أو نحو ذلك، ثم تطحن ثم يسافر بها، وقد تمزج باللبن والعسل والسمن، وتلت، فإن لم يكن شيء من ذلك مزجت بالماء.","vol":"2","page":652},{"text":"على المدينة عبد الله بن رواحة. وكان خروجه إليها في مستهل ذي القعدة يعني سنة أربع، والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة.\nقال الواقدي: فأقاموا ببدر مدة الموسم الذي كان يعقد فيها ثمانية أيام، فرجعوا وقد ربحوا من الدرهم درهمين. وقال غيره: فانقلبوا كما قال الله ﷿: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) (١) أهـ.\nأقول: قد مرت معنا رواية حسنة السند عند الكلام عن غزوة (٢) حمراء الأسد تشير إلى بدر الموعد فلم نر أن نذكرها واكتفينا بما قاله كتاب السير عنها لكي لا يكون في السياق ثغر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>دروس بدر الآخرة:</span>\nإن أهم دروس بدر الآخرة قوة التصميم والسهر على القضية، فمن المعروف أنه في كل قضية من القضايا تجد الناس بين متردد ومقدم، وههنا تأتي مهمة القيادة في اتخاذ القرار لتحسم التردد، وبعد اتخاذ القرار تجد ناسا يثبطون الهمم وههنا تأتي مهمة القيادة في الحسم والتصميم ورد كل التردد والقضاء عليه، فلا تعطي فرصة لمؤجل أو مسوف أن يفسد الموقف.\nوإنك لترى هذا كله مجسدًا برسول الله ﷺ في كل موقف وأظهر ما يظهر ذلك في غزوة بدر الآخرة، قارن بين موقفه ﵊ وموقف أبي سفيان لتدرك الفارق بين القيادة المصممة والقيادة المترددة.\nومن بدر الآخرة تأخذ الدرس الآخر درس السهر على القضية لقد عقد الموعد للمواجهة أبو سفيان يوم أحد، ولقد عقده من موقع القوة في زعمه، وهو بذلك يتحدى، ولكن كيف تصرف عندما حان الموعد، وكيف تصرف رسول الله ﷺ؟.\n_________\n(١) آل عمران: ١٧٤.\n(٢) انظر (٦٠٠) من هذا الجزء.","vol":"2","page":653},{"text":"ههنا سهر وهناك بطر، والعجيب أنك لا تجد في جيش أبي سفيان من عارض، ولا تجد أن أبا سفيان قد استشار، تلك علل الشرك في ذلك الدهر، قارن هذا كله ببعض ما نحن فيه: إن الكفر الآن ساهر على قضاياه، وله مؤسساته، وعنده تصميم على أمور كثيرة وهذا يقتضي منا سهرًا وتصميمًا، وعلى القيادات الإسلامية أن ترتقي في القدوة إلى أعلى قمة مستطاعة.\n* * *","vol":"2","page":654},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>فوائد عامة\nمن أحداث السنة الرابعة</span>\n١ - إن الحكم ليس لعبة ولا تسلية ولا متعة، وإن بناء الدول ليس ألهية ولا عبثًا، فكيف إذا كان الحكم إسلاميًا، والبناء يراد به ساحتا الدنيا والآخرة والحاضر والمستقبل، إن من يرى هذه السلسلة من العمليات المتلاحقة والتضحيات الكثيرة يدرك ماهية الطريق لحفظ الحكم وإقامة البناء، إنك ترى في حياة رسول الله ﷺ اليقظة الدائمة والحذر الدائم والجدية في الصغيرة والكبيرة وعلى المسلمين جميعًا أن يدركوا هذا الدرس، إن العرض والدين والمال والحكم لا يصح أن تطرف عين الإنسان فيها إلا على وعي وحذر، فإذا ما نامت العيون على واحدة من هذه الشؤون فما أسرع أن تصاب ولات ساعة مندم.\n٢ - الناس قسمان فمنهم عاملون ومنهم قاعدون، فالقاعدون لا يرتكبون خطأ القعود فقط ولكنهم يعطون أنفسهم فرصة نقد لهذا العالم، فهؤلاء هم الأخس في التاريخ، والعاملون نوعان: فمنهم من يمتلك روح المبادأة والمبادرة ومنهم من يعمل ضمن حدود المكرر والمعاد، فالآخرون عاجزون عن التطوير والتنفيذ، وليس لهم مكان في عملية البناء، والذين يمتلكون روح المبادأة والمبادرة قسمان: فمنهم المتهورون المغامرون، ومنهم الحكماء المتأنون، فهؤلاء وحدهم هم البناة، ومع ذلك فالخسائر لابد منها، هذا رسول الله ﷺ وهو أعظم البناة في تاريخ البشرية أصيب في الرجيع وفي بئر معونة ترى ماذا يقول القاعدون في قيادة حالية تخسر مثل هذه الخسارة؟! ألا إن درسي الرجيع وبئر معونة عزاء للقادة ورد أي رد على القاعدين.\n٣ - وفي أمره ﵊ لزيد بن ثابت أن يتعلم اللسان العبراني إشارة إلى أنه ﵊ ما كان يشغله شيء عن شيء، فبناء الأمة لابد أن يكون على ضوء خريطة شاملة، وهذه الخريطة ينبغي أن يلاحظ فيها احتياجات الأمة فإذا كان المهندس مكلفًا أن يوجد خريطة تسع الزمان والمكان فما أصعب مهمته، وإنك لتجد رسول الله ﷺ هو ذلك المهندس، الذي لا يغفل عن احتياج من احتياجات البناء بما يسع الحاضر وبما يستوعب المستقبل.","vol":"2","page":655},{"text":"٤ - عرضت لنا أثناء أحداث هذه السنة وعرض لنا من قبل وسيعرض لنا من بعد أبيات من الشعر تقال بمناسبة ما، وهذا الموضوع لم نشأ أن نتوسع فيه لقلة ما يرد منه في الروايات الصحيحة، مع أنه من أخطر المواضيع على الإطلاق ولذلك نكتفي بالتنبيه إليه ليضعه العاملون على ذكر منهم: إن الجهاد باللسان هو شطر الجهاد، وإن كان شطره الأقل كلفة، ولكنه في بعض الأحيان يكون أكثر نجاعة ولذلك ذكره الرسول ﷺ في أكثر من حديث: \"ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن\" (١)، \"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم\" (٢).\nوهذا الجهاد باللسان له صور متعددة فقد يكون خطبة وقد يكون قصيدة وقد يكون كتابًا أو رسالة أو مقالة ...\nوالشعر قديمًا في حياة العرب هو الإعلام كله فهو الحرب النفسية، وهو الدعوة والدعاية، وهو التعبير عن الذات، وهو الدفاع عن الحق فمن غلب فيه غلب، وقد أعطى الرسول ﷺ هذه المعاني كلها مداها، وبالنسبة للشعر فقد كان له أكثر من شاعر: حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة ... وكل أحداث السيرة كانت تغطى شعرًا، وكل قصيدة للكافرين كانت تقابل بقصيدة أو قصائد، وكان لغلبة شعرائه في معاركهم الشعرية أثر قوي على أعدائه، لقد طرد كعب بن الأشرف بسبب هجاء من حسان لمن أنزله عنده، وكان ﵊ يقول لحسان عن شعره: (لهو أشد عليهم من نضح النبل) (٣) ولقد كانت العرب في الماضي إذا نبغ فيهم الشاعر تعاهدوه، وكان هذا من شأن رسول الله ﷺ، وعلى الحركة الإسلامية المعاصرة أن تفطن لهذا وما يحيط به فترعى شعراءها وتشجعهم، وترعى منشديها وكتابها وعلماءها ودعاتها وتشجعهم، وجماعة على أرض العرب\n_________\n(١) مسلم مطولًا (١/ ٧٠) عن ابن مسعود ١ - كتاب الإيمان - ٢٠ - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.\n(٢) أحمد في مسنده (٣/ ٢٤، ١٥٣، ٢٥١) عن أنس. وإسناده صحيح.\nوأبو دواد (٣/ ١٠) عن أنس في كتاب الجهاد، باب كراهية ترك الغزو.\nوالنسائي (٦/ ٧) عن أنس في كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد.\nوالدارمي (٢/ ٢١٣) عن أنس في كتاب الجهاد، باب في جهاد المشركين. باللسان واليد.\n(٣) النسائي (٥/ ٢١١) عن أنس في كتاب مناسك الحج، باب استقبال الحج، بلفظ: \"لكلامه أشد عليهم من وقع النبل\".","vol":"2","page":656},{"text":"لا ترعى شاعرًا ولا تشجع منشدًا لا تصلح أن تسوس العرب ولا أن تقودهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>تقويم الموقف في نهاية السنة الرابعة</span>\nلقد كانت خسائر أحد كبيرة وجاءت خسارة الرجيع وبئر معونة فزادت الطين بلة، ومع أن رسول الله ﷺ حاول تلافي آثار ذلك كله مباشرة، ولكن الآثار أكبر، فلا قريش أصيبت ولا الذين أساءوا في الرجيع وبئر معونة نالهم القصاص، وأصبح لليهود أكثر من ثأر، وعواطف المشركين متأججة، وما حدث في أحد وما بعدها شجعهم، وهذا كله جعل الأيام حبلى بالعواصف، وجاءت ذروة العواصف في السنة الخامسة حيث كانت غزوة الأحزاب، فغزوة الأحزاب كانت ذروة تصاعد الخط البياني للمشركين ثم بدأ الانحدار، وهي بالنسبة للمسلمين كانت ذروة الشدة ثم بدأ الانفراج. ونستطيع أن نقول إن الخط البياني بالنسبة للمسلمين كان يرتفع بصعوبة منذ أحد، ولكنه ما توقف أبدًا عن الارتفاع فالمسلمون يتكاثرون بدليل أن مقاتليهم يوم أحد كانوا سبعمائة بينما عبأ الرسول ﷺ لبدر الآخرة ألفا وخمسمائة، فلنر كيف ستسير الخطوط البيانية في السنة الخامسة.\n* * *","vol":"2","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>السنة الخامسة للهجرة</span>","vol":"2","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>السنة الخامسة في سطور</span>\n* قبل خمسة أيام من نهاية شهر ربيع الأول خرج رسول الله ﷺ في ألف من المسلمين نحو دومة الجندل القريبة من بلاد الشام، بعد أن بلغه أن القبائل حولها تنهب ما يمر، وأنها قد حشدت جمعًا كثيرًا تريد أن تهاجم به المدينة، ففاجأهم وأصاب من أصاب منهم وفر الباقون. وأقام هناك أيامًا يبث السرايا ويرسل الجيوش ههنا وهناك ثم رجع إلى المدينة بعد أن وادع عيينة ابن حصن.\n* وفي شوال من السنة الخامسة غزا أكبر جيش أفرزته الجزيرة العربية حتى ذلك الحين المدينة بزعامة قريش وبتواطؤ مع يهود المدينة، واستطاعت قريش أن تحشد حوالي عشرة آلاف مقاتل حاصرت بها المدينة، وأحكم الطوق على المدينة بخيانة بني قريظة واستمر الحصار أكثر من شهر - إلى نهاية ذي القعدة إلى سبع بقين منه على رواية ابن سعد - وقد رد الله كيدهم في نحورهم.\n* وفي اليوم الذي رجع فيه رسول الله ﷺ إلى المدينة من الحصار عبأ لبني قريظة وحاصرهم بثلاثة آلاف مسلم حتى نزلوا على حكمه بعد حصار دام خمسًا وعشرين ليلة.\n* وفي ذي الحجة من هذه السنة أرسل رسول الله ﷺ مفرزة إلى خيبر فقتلت سلام بن أبي الحقيق الذي كان له دور في تأليب الأحزاب وإمدادهم، وكان كثير الأذى لرسول الله ﷺ.\n* وفي هذه السنة تم زواج رسول الله ﷺ من أم حبيبة بنت أبي سفيان ومن زينب بنت جحش ﵄ ونزل الحجاب صبيحة عرس زينب، فكان ذلك خطوة اجتماعية كبيرة تؤكد نوعًا من الحجز بين الرجال والنساء.\n* * *\nوكانت غزوة دومة الجندل استمرارًا للحركة العسكرية في السنة الرابعة فاستكملت بذلك الحركة العسكرية كل الجهات المحيطة بالمدينة فلم تبق جهة إلا وأحست بحركة المسلمين","vol":"2","page":661},{"text":"العسكرية، وبموادعة عيينة بن حصن في هذه الغزوة اجتمع مع الحركة العسكرية العمل السياسي، ولكن ما حدث يوم أحد ويوم الرجيع ويوم بئر معونة من ناحية، وهذه التحركات من ناحية أخرى، والتفكير الذي أورثته الأوضاع الجديدة أوجد حركة مناوئة قوية، هذه الحركة استهدفت تجميع غير المسلمين على هدف واحد هو استئصال الإسلام والمسلمين، وكان الذي قاد هذا التحرك هم اليهود، وصادف ذلك استعدادًا عند كل الأطراف، فقريش لم تخرج إلى موعدها في بدر السنة الرابعة، وغطفان وغيرها من قبائل العرب استهدفتها حملات الرسول ﷺ أكثر من مرة، واليهود أصبحت لهم تارات، وهكذا وفجأة تتحد قوى الشرك والكفر ضد رسول الله ﷺ وتسير نحوه في أعظم حشد صادفه رسول الله ﷺ، وههنا يبلغ الخط البياني للكافرين ذروته، وتبلغ المحنة بالنسبة للمسلمين ذروتها. ولقد كان رسول الله ﷺ حريصًا ألا يعطي لأعدائه فرصة للتجمع ضده، وها هم هؤلاء يجتمعون، فحاول تفريقهم من خلال إغراء بعضهم، ثم فرقهم خلال خدعة، وجاء الله بالفرج، وههنا نجد جديدًا في السياسة العسكرية لرسول الله ﷺ فقد تجنب رسول الله ﷺ القتال التصادمي لقلة جنده وكثرة العدو، وهذا الموقف يثير أمامنا مجموعة من المسائل، وبعد أن فشلت حملة الأحزاب توجه رسول الله ﷺ إلى قريظة التي نقضت عهدها في أحرج لحظة وكان من أمرها ما سنراه، وكذلك فإن هذه الحادثة تضعنا أمام مجموعة من المسائل.\n* * *\nوقد سجل القرآن غزوتي الأحزاب وقريظة، والقرآن كعهدنا به يسجل الخالدات التي تسع الزمان والمكان، فأن يسجل غزوتي الأحزاب وقريظة فذلك شأنه، فالمسلمون معرضون دائمًا لأن يغزوا في عقر دارهم وفي عواصم بلدانهم، ومعرضون لأن يتكالب عليهم الأعداء جميعًا، والأعداء دائمًا يعتبرون غير المسلمين على الأرض الإسلامية مظنة طمع وغدر، فأن يسجل القرآن حادثتي الأحزاب وقريظة فذلك كما قلنا في هاتين الحادثتين من سمة القابلية للتكرار على مدى العصور.\n* * *","vol":"2","page":662},{"text":"وبجانب هذا نجد حركة البناء التشريعي والاجتماعي للأمة الإسلامية تتكامل فنظام التبني يهدم، والحجاب يفرض.\nهذه هي أهم أحداث السنة الخامسة ونحن سنعقد لأهم أحداثها فصولًا:\nفصل: في غزوة دومة الجندل.\nفصل: في غزوتي الأحزاب وقريظة.\nفصل: في سرية عبد الله بن عتيك ﵁ لقتل أبي رافع.\nفصل: في زواجه ﵊ من زينب بنت جحش ﵂.\n* * *","vol":"2","page":663},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>فصل: في غزوة دومة الجندل</span>\nقال ابن القيم في زاد المعاد:\nوهي بضم الدال، وأما دومة بالفتح، فمكان آخر. خرج إليها رسول الله ﷺ في ربيع الأول سنة خمس. وذلك أنه بلغه أن بها جمعًا كثيرًا يريدون أن يدنوا من المدينة، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة. وهي من دمشق على خمس ليال، فاستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين، ومعه دليل من بني عذرة، يقال له: مذكور، فلما دنا منهم، إذا هم مغربون. وإذا آثار النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب، وجاء الخبر أهل دومة الجندل، فتفرقوا، ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد فيها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبث السرايا، وفرق الجيوش. فلم يصب منهم أحدًا، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ووادع في تلك الغزوة عيينة بن حصن. أهـ.\nوقال ابن كثير في البداية والنهاية:\nفلما دنا من دومة الجندل أخبره دليله بسوائم بني تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا، فنزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد فيها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبث السرايا ثم رجعوا وأخذ محمد بن مسلمة رجلًا منهم فأتى به رسول الله ﷺ، فسأله عن أصحابه فقال هربوا أمس، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة. قال الواقدي: وكان خروجه ﵇ إلى دومة الجندل في ربيع الآخر سنة خمس. قال: وفيه توفيت أم سعد بن عبادة، وابنها مع رسول الله ﷺ في هذه الغزوة، وقد قال أبو عيسى الترمذي في جامعه (١): حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب،\n_________\n(١) الترمذي (٣/ ٣٤٧) ٨ - كتاب الجنائز - ٤٧ - باب ما جاء في الصلاة على القبر.","vol":"2","page":664},{"text":"فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر وهذا مرسل جيد، وهو يقتضي أنه ﵇ غاب في هذه الغزوة شهرًا فما فوقه على ما ذكره الواقدي ﵀. أهـ.\n* * *","vol":"2","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>فصل: في غزوتي الأحزاب وقريظة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>١ - من تحقيقات كتاب السير:</span>\nقال ابن القيم في زاد المعاد:\nوكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أحد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين، فخرج لذلك، ثم رجع للعام المقبل؛ خرج أشرافهم، كسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع وغيرهم إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو رسول الله ﷺ، ويؤلبونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم، فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب، يدعونهم إلى ذلك، فاستجاب لهم من استجاب، فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، ووافتهم بنو سليم بمر الظهران، وخرجت بنو أسد وفزارة، وأشجع، وبنو مرة، وجاءت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن. وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف.\nفلما سمع رسول الله ﷺ بمسيرهم إليه، استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة، فأمر به رسول الله ﷺ، فبادر إليه المسلمون، وعمل بنفسه فيه، وبادروا هجوم الكفار عليهم، وكان في حفره من آيات نبوته، وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به، وكان حفر الخندق أمام سلع، وسلع: جبل خلف ظهور المسلمين، والخندق بينهم وبين الكفار.\nوقال الشيخ أبو الحسن الندوي:\nوقد تم حفر الخندق من شمالي المدينة الشرقي إلى غربيها، وكان حده الشرقي طرف حرة واقم، وحده الغربي غربي وادي بطحان، حيث طرف الحرة الغربية (حرة الوبرة) - انظر الخارطة بعد صفحات.\nوقسم رسول الله - ﷺ - الخندق بين أصحابه، لكل عشرة منهم أربعين ذراعًا، وقد","vol":"2","page":666},{"text":"بلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة، والعرض من تسعة إلى ما فوقها. أهـ.\nقال ابن القيم: \"ونقضت قريظة العهد واشتد الأمر على المسلمين. وخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصن بالجبل من خلفه، وبالخندق أمامهم.\nوأقام المشركون محاصرين رسول الله ﷺ شهرًا، ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود وجماعة معه أقبلوا نحو الخندق، فلما وقفوا عليه، قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها، ثم تيمموا مكانًا ضيقًا من الخندق، فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز، فانتدب لعمرو علي بن أبي طالب ﵁، فبارزه، فقتله الله على يديه، وكان من شجعان المشركين وأبطالهم، وانهزم الباقون إلى أصحابهم، وكان شعار المسلمين يومئذ (حم لا ينصرون). أهـ.\nقال الغزالي في فقه السيرة: قال موسى بن عقبة: وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم. فحاصروهم قريبًا من عشرين ليلة، وأخذوا بكل ناحية حتى لا يدرى: أثم هم أم لا؟ - هل احتلوا البلد أم لا؟ قال: ووجهوا نحو منزل (١) رسول الله ﷺ كتيبة غليظة فقاتلها المسلمون يومًا إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة - من المنزل - فلم يقدر النبي ﵊ ولا أحد من أصحابه، أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا.\nوانكفأت الكتيبة المشركة مع الليل، وقال رسول الله ﷺ: \"شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم نارًا (٢). أهـ.\n_________\n(١) منزل رسول الله ﷺ: المراد به: مكان نزوله.\n(٢) البخاري (٨/ ١٩٥) - ٦٥ - كتاب تفسير ٤٢ - باب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) عن علي ﵁.\nومسلم (١/ ٤٣٧) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - ٣٦ - باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. عن علي أيضًا.","vol":"2","page":667},{"text":"قال ابن القيم: ولما طالت هذه الحال على المسلمين، أراد رسول الله ﷺ أن يصالح عيينة بن حصن، والحارث بن عوف رئيسي غطفان، على ثلث ثمار المدينة، وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك، فاستشار السعدين في ذلك، فقالا: يا رسول الله! إن كان الله أمرك بهذا، فسمعًا وطاعة، وإن كان شيئًا تصنعه لنا، فلا حاجة لنا فيه. أهـ.\nثم إن الله ﷿ أنهى هذا الابتلاء العظيم بخدعة من نعيم بن مسعود وبإلقاء الرعب وتسليط الريح فانسحبت الأحزاب.\nقال ابن القيم: وأرسل الله على المشركين جندًا من الريح، فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرًا إلا كفأتها، ولا طنبًا، إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار، وجند الله من الملائكة يزلزلونهم. ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف، وأرسل رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيؤوا للرحيل. فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره برحيل القوم. فأصبح رسول الله ﷺ، وقد رد الله عدوه بغيظه، لم ينالوا خيرًا، وكفاه الله قتالهم، فصدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فدخل المدينة ووضع السلاح، فجاءه جبريل ﵇، وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال: أوضعتم السلاح؟! إن الملائكة لم تضع بعد أسلحتها، انهض إلى غزوة هؤلاء، يعني بني قريظة، فنادى رسول الله ﷺ: \"من كان سامعًا مطيعًا، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة\"، فخرج المسلمون سراعًا، واستشهد يوم الخندق ويوم قريظة نحو عشرة من المسلمين.\nوأما قريظة، فكانت أشد اليهود عداوة لرسول الله ﷺ، وأغلظهم كفرًا ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم.\nوكان سبب غزوهم أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صلح، جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم، فقال: قد جئتكم بعز الدهر، جئتكم بقريش على سادتها، وغطفان على قادتها، وأنتم أهل الشوكة والسلاح، فهلم حتى نناجز محمدًا ونفرغ منه. فقال له رئيسهم: بل جئتني والله بذل الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءه. فهو","vol":"2","page":668},{"text":"يرعد ويبرق، فلم يزل حيي يخادعه ويعده ويمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حصنه، يصيبه ما أصابهم، ففعل، ونقضوا عهد رسول الله ﷺ، وأظهروا سبه، فبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فأرسل يستعلم الأمر، فوجدهم قد نقضوا العهد، فكبر وقال: \"أبشروا يا معشر المسلمين\" أهـ.\nتم جلا الأحزاب كما مر، وحاصر رسول الله ﷺ قريظة حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فحكم فيهم رسول الله ﷺ سعد بن معاذ مراعاة للأوس حلفائهم في الجاهلية فحكم أن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال ونفذ رسول الله ﷺ الحكم.\nوبمناسبة الكلام عن غزوة قريظة ذكر الشيخ أبو الحسن الندوي بالعهود التي كانت بين يدي رسول الله ﷺ وبين بني قريظة، كما ذكر أن أحكام التوراة الحالية لا تخرج عما فعله رسول الله ﷺ بهم وإنما يذكر بذلك - حفظه الله - من باب الرد على احتمالات النقد التي يمكن أن يشنها اليهود أو من يتأثر بهم. قال:\nكان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة، كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم، وجاء فيه: \"أنه من تبعنا من يهود، فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وأنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن قبائل يهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم\".\nوجاء فيه: \"أن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب\".\nولكن حيي بن أخطب اليهودي - سيد بني النضير - نجح في حمل بني قريظة على نقض العهد، وممالأة قريش، بعد ما قال سيدهم كعب بن أسد القرظي: لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاء ونقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله - ﷺ.\nوكان ما عامل به رسول الله - ﷺ - بني قريظة مما اقتضته سياسة الحرب وطبيعة","vol":"2","page":669},{"text":"القبائل العربية واليهودية، وكان لابد من عقوبة صارمة تكون درسًا للعابثين بالعهود والمحالفات ونكالًا لما بين يديها وما خلفها، يقول  R. V. C، Bodley  في كتابه \"حياة محمد الرسول\":\n\"كان محمد وحيدًا في بلاد العرب وكانت هذه البلاد نم حيث المساحة ثلث الولايات المتحدة الأمريكية، وكان عدد النفوس فيها يبلغ خمسة ملايين نفس ... ولم يكن عنده من الجيوش التي تحمل الناس على امتثال أمره إلا الجيش الذي لا يزيد على ثلاثة آلاف جندي، ولم يكن هذا الجيش مسلحًا تسليحًا كاملًا، فإذا وهن محمد في هذه القضية أو ترك جريمة غدر بني قريظة من غير أن يعاقبهم عليها، لم يكن للإسلام في جزيرة العرب بقاء، غنه لا شك أن عملية قتل اليهود كانت عنيفة، ولكن لم يكن ذلك حادثًا فريدًا من نوعه في تاريخ الديانات، وقد كان لهذا العمل مبرر من وجهة نظر المسلمين، وقد تحتم الآن على القبائل العربية واليهود أن يتأملوا مرة بعد مرة قبل أن يقدموا إلى غدر أو نقض عهد، لأنهم قد عرفوا عواقبه الوخيمة وشاهدوا أن محمدًا يستطيع أن ينفذ ما يريده.\nوقد كان من فوائد القضاء على آخر حصن من حصون اليهود في المدينة الضعف الذي طرأ على معسكر النفاق، ونشاط المنافقين، فقد اثر ذلك في معنويتهم، وأفقدهم الشيء الكثير من الثقة، والآمال الواسعة، فقد كانوا آخر معقل من معاقلهم الكبيرة، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون معلقًا على غزوة بني قريظة:\n\"وأما المنافقون فقد خفت صوتهم بعد يوم قريظة، ولم نعد نسمع لهم أعمالًا أو أقوالًا تناقض إرادة النبي وأصحابه، كما كان يفهم ذلك من قبل\".\nوقد وافق ذلك قانون الحرب في شريعة بني إسرائيل، فقد جاء في سفر التثنية (الإصحاح العشرون ١٠ - ١١ - ١٢ - ١٣):\n\"حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربًا، فحاصرها، وإذا دفع الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع","vol":"2","page":670},{"text":"ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك\".\nوهذه كانت العادة المتبعة في بني إسرائيل في عهد أنبيائهم، فقد جاء في التوراة:\n\"فتجندوا على مديان كما أمر الرب، وقتلوا كل ذكر وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم، أوى وراقم، وصور، وحور، ورابع خمسة ملوك مديان،، وبلعام بن باعور قتلوه بالسيف وسبى بنو إسرائيل نساء كل مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار\". سفر العدد، الإصحاح الحادى والثلاثون ٧ - ٨ - ٩ - ١٠.\nوذلك في عهد موسى - ﵇ - وبموافقة منه، وقد جاء في التوراة:\n\"فخرج موسى والعازار الكاهن وكل رؤساء الجماعة لاستقبالهم إلى خارج المحلة، فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب، وقال لهم موسى: هل أبقيتم كل أنثى حية\" سفر العدد، الإصحاح الحادي والثلاثون ١٣ - ١٦. أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٢ - روايات في غزوة الأحزاب:</span>\n٤٤٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: احتفر رسول الله ﷺ الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: \"هل دللتم على أحد يطعمنا أكلة\" قال رجل: نعم قال: \"أما لا فتقدم فدلنا عليه\" فانطلقوا إلى الرجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ فإن رسول الله ﷺ قد أتانا، فجاء الرجل يسعى فقال: بأبي وأمي، وله معزة ومعها جديها فوثب إليها، فقال النبي ﷺ: \"الجدي من ورائنا\" فذبح الجدي وعمدت امرأته على طحينة\n_________\n٤٤٧ - المعجم الكبير (١١/ ٣٧٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣١): ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ابن حنبل ونعيم العنبري، وهما ثقتان.","vol":"2","page":671},{"text":"لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها فقربتها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فوضع النبي ﷺ أصبعه فيها فقال: \"بسم الله اللهم بارك فيها، اطعموا\" فأكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقي ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه \"أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم\"، فذهبوا وجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها ثم تمشوا إلى الخندق فقال: \"اذهبوا بنا إلى سلمان\" فإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال النبي ﷺ لأصحابه: \"دعوني فأكون أول من ضربها، فقال: بسم الله\" فضربها فوقعت فلقة ثلثهما فقال: \"الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة\" ثم ضرب بأخرى فوقعت فلقة فقال: \"الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة\" فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم.\n٤٤٨ - * وروى الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال: أمر رسول الله ﷺ بالخندق فخندق على المدينة فقالوا: يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها، فقام النبي ﷺ وقمنا معه فلما أتى أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: \"فتحت فارس\" ثم ضرب أخرى وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، قال: \"فتحت الروم\" ثم ضرب أخرى وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: \"وجاء الله بحمير أعوانًا وأنصارا\".\n٤٤٩ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أخبرني من هو خير\n_________\n= فثردت: ثرد الخبز ثردًا: فته ثم بله بمرق.\nسمت عليها: التسميت والتشميت: الدعاء.\nالفلقة: القطعة.\n٤٤٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣١)، وقال: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما حيي بن عبد الله، وثقه ابن معين وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nالصفاة: الصخرة.\nالهدة: الصوت والخسف.\n٤٤٩ - مسلم (٤/ ٢٢٣٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة - ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.","vol":"2","page":672},{"text":"مني - أبو قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، وجعل يمسح رأسه، ويقول: \"بؤس ابن سمية، تقتلك فئة باغية\" وفي رواية (١): من هو خير مني، ولم يسمه، وفي أخرى ويقول: \"ويس، أو يا ويس ابن سمية\".\nلقد وقع عدد من المعجزات في غزوة الخندق منها الذي ظهرت المعجزات فيه فيما بعد، ومنه ما كان معجزة مرئية شاهدها أصحاب رسول الله ﷺ، وهذه المعجزات كانت تثبيتًا للمؤمنين وقتذاك، وهي تثبيت للمؤمنين إلى قيام الساعة، ومن معجزات الخندق تكثير الطعام عند جابر وسنراه في باب المعجزات، ومنها فلقه ﵊ الصخرة وما قاله أثناءها ومنها الإخبار عمن يقتل عمارًا ومنها إخباره أن قريشًا لن تغزوهم مرة أخرى.\n٤٥٠ - * روى البخاري عن أنس ﵁ قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم ويقولون.\nنحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا\nقال: يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم ويقول: \"اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة\".\nوروى البخاري (٢) أيضًا عن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: \"اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة\" فقالوا مجيبين له:\nنحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا\n_________\n= بؤس: ترحم لعمار من الشدة التي يقع فيها.\nويس: كلمة تقال لمن يترحم عليه، مثل: ويح، وكذلك في حال الشفقة والتعطف.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٣٦).\n٤٥٠ - البخاري (٧/ ٣٩٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٩ - باب غزوة الخندق وهي الأحزاب.\n(٢) البخاري في نفس الموضع السابق.\nالمتن: الظهر. الغداة: هنا الصباح. النصب: التعب.","vol":"2","page":673},{"text":"٤٥١ - * روى البخاري عن أنس ﵁ قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون:\nنحن الذين بايعوا محمدًا ... على الإسلام ما بقينا أبدًا\nقال يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم: \"اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة\" قال: يؤتون بملء كفين من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن\".\n٤٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يوم الخندق ينقل معنا التراب، وهو يقول:\nوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا صمنا ولا صلينا\nفأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nوالمشركين قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة ابينا\nويرفع بها صوته.\n- وفي رواية (١): ولقد وارى التراب بياض بطنه.\n- وللبخاري (٢) قال: كان رسول الله ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه - زاد في رواية (٣): حتى وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، ثم اتفقا - ويقول: \"والله لولا الله ما اهتدينا\" وذكر الحديث.\n_________\n٤٥١ - البخاري (٧/ ٣٩٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٩ - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب.\nالإهالة: الشحم والزيت وكل ما ائتدم به.\nسنخ: زنخ.\n٤٥٢ - البخاري (١١/ ٥١٥) ٨٢ - كتاب القدر - ١٦ - باب (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله).\nومسلم نحوه (٣/ ١٤٣١) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٤ - باب غزوة الأحزاب وهي الخندق.\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\n(٢) البخاري (٧/ ٣٩٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٩ - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب.\n(٣) البخاري في نفس الموضع السابق.","vol":"2","page":674},{"text":"قال: ويرفع بها صوته: \"أبَيْنا، أبينا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>فوائد:</span>\n١ - إن مواساة القادة جندهم بمشاركتهم إياهم مهامهم، ومعاونتهم فيما هم مكلفون به لم يزل من أخلاق القادة العظام الواثقين بأنفسهم، على أن هؤلاء القادة لهم ملاحظ من هذه المشاركات أما محمد ﷺ فلقد كان هذا هديه وسنته ﵊ مع أن تاريخ العالم لم يشهد حبًا ولا ثقة كالحب والثقة اللذين أعطاهما أصحاب محمد ﷺ لمحمد مما كان يغنيه أن يفعل شيئًا تكلفًا، لكنها العبودية لله والإخلاص له والطبع الصافي، والفطرة المستقيمة التي تأبى التمييز وتكره التصنع.\n٢ - ومن حسن الإدارة توزيع العمل، وتنشيط العاملين، وترويحهم بحيث يقومون بأعلى الجهد وهم لا يشعرون بمشقة ذلك، وإنك لترى هذا كله في حفر الخندق، فالتوزيع حاصل، والإنشاد يخفف أعباء العمل، فكيف إذا كان رسول الله ﷺ يشارك في العمل والنشيد وهذا درس للقادة.\n٣ - ولكن قل لي: كم من الرؤساء لو شاركوا جندهم العمل والنشيد وأكثروا من مخالطتهم تزداد محبتهم ويبقى احترامهم، إن أكثر الخلق لو خالطتهم تنزل رتبتك عندهم، ويقل احترامهم لك، ولقد فطنت العرب لذلك فقالت (وجدت الناس: اخبره تقله (١» لكن رسول الله ﷺ كلما ازداد خلطة زادت محبته وعظم احترامه، إنها النبوة وإنه الكمال فهو كما وصفه علي ﵁ من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه (٢».\n٤ - ما الهدف الاستراتيجي من الخندق؟.\nعندما ندرس مخطط المدينة المنورة - والخريطة اللاحقة تعطيك صورة عنه - فإنك تجد أن جهة وحيدة هي التي يمكن أن يدخل فيها جيش المشركين معركة مواجهة كاملة هي\n_________\n(١) قال في لسان العرب: القلى البغض، يقول: جرب الناس، فإنك إذا جربتهم قليتهم وتركتهم لما يظهر لك. من بوطن سرائرهم، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر (مادة ق ل ي).\n(٢) الترمذي مطولًا (٥/ ٥٩٩) ٥٠ - كتاب المناقب - ٨ - باب ما جاء في صفة النبي ﷺ.","vol":"2","page":675},{"text":"جهة الشمال من المدينة المنورة أما المناطق الأخرى فإن بعض هذا الجيش أو أفرادًا منه يمكن أن يهاجموا ويدخلوا معركة مواجهة على شيء من المشقة وهذا وحده لا يشكل إشكالًا في المعركة، فبحفره ﵊ الخندق أخرج جيش المشركين من المعركة في الحقيقة لأن أي محاولة جزئية للهجوم يمكن ردها من خلال السهام وسرعة الحركة. تصور الآن مجموعات سريعة الحركة مع جيش منتشر على أطراف المدينة، إن هذا وحده كاف لأن يجهض أي محاولة اقتحام مع وجود الخندق، وهذا الذي حدث يوم الأحزاب، هجوم الجيش كله مستحيل، هجوم أفراد منه يسهل صدهم، ولذلك فمع كثرة المحاولات لاقتحام الخندق أو لاقتحام جزء منه أو للهجوم على المدينة فإن ذلك كله باء بالفشل بسبب الخندق وسهر القيادة ومرونة الحركة، ولكن هذا كله أصبح معرضًا للخطر بسبب غدر قريظة فعندما تصبح أرض قريظة مرتكز انطلاق، أو عندما تهاجم قريظة من الخلف فكل الوضع الاستراتيجي سيتغير، لن هذا يعطي جيش المشركين كله فرصة عبور الخندق وفرصة القتال ويصبح المسلمون مطوقين من كل جانب بأعداد هائلة، ولذلك كانت غدرة قريظة بالمكان الأفظع، فلقد عرضت الإسلام والمسلمين لخطر الاستئصال، ولعلك من خلال هذه الصورة تدرك دقة الأمر وخطورة الموقف، وتعرف مع ذلك أنها النبوة والرسالة في كفاءتها العالية وتأييد الله لرسوله ﷺ وللمسلمين، فلقد ربح المسلمون المعركة.\n* * *","vol":"2","page":676},{"text":"[خريطة غزوة الأحزاب]","vol":"2","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>روايات في يوم الخندق</span>\n٤٥٣ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: كان يوم الخندق ورجل يترس جعل يقول بالترس هكذا فوضعه فوق أنفه، ثم يقول هكذا يسفله بعد قال: فأهويت إلى كنانتي فأخرجت منها سهمًا مدمى فوضعته في كبد القوس، فلما قال هكذا يسفل الترس رميت، فما نسيت وقع القدح على كذا وكذا من الترس، قال: وسقط فقال برجله فضحك نبي الله ﷺ، أحسبه قال: حتى بدت نواجذه قال: قلت: لم؟ قال: لفعل الرجل.\n- وفي رواية البزار (١) قال: كان رجل معه ترسان وكان سعد راميًا فكان يقول كذا وكذا بالترسين يغطي جبهته فنزع له سعد بسهم فلما رفع رأسه رماه فلم يخط هذه منه يعني جبهته. والباقي بنحو رواية أحمد.\n٤٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء فنظرت، فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثًا، فلما رجعت قلت: يا أبت، رأيتك تختلف؟ قال: أو هل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم، قال: كان رسول الله ﷺ قال: \"من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ \" فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه\n_________\n٤٥٣ - أحمد في مسنده (١/ ١٨٦).\nيترس: يعني يتوقى بالترس بضم التاء المثناة فوق وهو من آلات الحرب التي يتقى بها.\nمدمى: بضم الميم الأولى وفتح المهملة وتشديد الميم الثانية مفتوحة قال في النهاية: المدمى من السهام الذي أصابه الدم فحصل في لونه سواد وحمرة مما رمي بها العدو ويطلق على ما تكرر الرمي به والرماة يتبركون به.\nالقدح: القاف وسكون المهملة، عود السهم.\nفقال برجله: أي صار يحرك برجله.\n(١) البزار: كشف الأستار (٣/ ٣٣٤، ٣٣٥).\nوقال الهيثمي عنه وعن سابق في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٥، ١٣٦) ورجالهما رجال الصحيح غير محمد بن الأسود، وهو ثقة.\n٤٥٤ - البخاري (٧/ ٨٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ١٣ - باب مناقب الزبير بن العوام.\n- ومسلم نحوه (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٦ - باب من فضائل طلحة والزبير، ﵄. يختلف: يتردد.","vol":"2","page":678},{"text":"وسلم أبويه. فقال: \"فداك أبي وأمي\".\n- ولمسلم (١) في رواية: أطم حسان، فكان يطأطئ لي مرة فأنظر، وأطأطئ له مرة فينظر .. وذكره.\nوأخرج منه الترمذي (٢): قال جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم قريظة، فقال: \"بأبي وأمي\".\n٤٥٥ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: \"من يأتينا بخبر القوم؟ \" فقال الزبير: أنا، ثم قال: \"من يأتينا بخبر القوم\" فقال الزبير: أنا ثم قال: \"إن لكل نبي حواريًا، وإن حواري الزبير\".\nوللبخاري ومسلم (٤) في رواية قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير ... \" وذكره.\n٤٥٦ - * روى الحاكم عن صفية بنت عبد المطلب أن رسول الله ﵌ لما خرج إلى الخندق جعل نساءه في أطم يقال له: فارع وجعل معهن حسان بن ثابت،\n_________\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\nأطم: بناء مرتفع وجمعه آطام.\nيطأطئ لي: المقصود أن أحدنا يحمل رفيقه على ظهره أو كتفيه ليعلو وينظر - حيث كانا صغيرين -.\n(٢) الترمذي (٥/ ٦٤٦) ٥٠ - كتاب المناقب ٢٣ - باب مناقب الزبير بن العوام ﵁.\n٤٥٥ - البخاري (٧/ ٤٠٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٩ - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب.\nومسلم نحوه (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٦ - باب من فضائل طلحة والزبير، ﵄.\nمن يأتينا بخبر بالقوم؟: المراد بالقوم هنا قريظة، كما وضحت ذلك الرواية السابقة.\nندب: بعث ووجه.\n(٣) البخاري (٦/ ٥٣) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٤١ - باب هل يبعث الطليعة وحده ومسلم (٤/ ١٨٧٩).\n٤٥٦ - المستدرك (٤/ ٥٠)، كتاب معرفة الصحابة، وقال: هذا حديث كبير غريب بهذا الإسناد، وقد روي بإسناد صحيح. وأقره الذهبي. المعجم الكبير (٢٤/ ٣٢٢)، دون ذكر قول عائشة.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٤)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها، ولم أعرفها، وبقية رجاله ثقات.\nالأطم: البناء المرتفع.","vol":"2","page":679},{"text":"فجاء اليهود إلى الأطم يلتمسون غرة نساء النبي ﵌، فترقى إنسان من الأطم علينا، فقلت له: يا حسان قم إليه فاقتله، فقال: والله ما كان ذلك في ولو كان ذلك في لكنت مع النبي ﷺ فقلت له: اربط هذا السيف على ذراعي فربطه فقمت إليه، فضربت رأسه حتى قطعته، فقلت له: خذ بأذنيه فارم به عليهم فقال: والله ما ذلك في فأخذت برأسه فرميت به عليهم فتضعضعوا وهم يقولون: قد علمنا أن محمدًا لم يكن ليترك أهله خلوفًا ليس معهن أحد. قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا اشتد على المشركين شد حسان مع رسول الله ﷺ وهو معنا في الحصن. فإذا رجع رجع وراءه كما يرجع رسول الله ﷺ وهو ثم فمر بنا سعد بن معاذ وقد أخذ صفرة وهو معرس قبل ذلك بأيام وهو يرتجز:\nمهلًا قليلًا يلحق الهيجا جمل ... لا بأس بالموت إذا حل الأجل\nقالت عائشة ﵂: فما رأيت رجلًا أجمل منه في ذلك اليوم.\nأقول: ومع تصحيح الحاكم للحديث، وإقرار الذهبي، وحفاظًا على حرمة الصحابة أنقل ما قال السهيلي في الروض الأنف:\nوذكر حديث حسان حين جعل في الآطام مع النساء والصبيان، وما قالت له صفية في أمر اليهودي حين قتلته، وما قال لها؛ ومحمل هذا الحديث عند الناس على أن حسانًا كان جبانًا شديد الجبن، وقد دفع هذا بعض العلماء، وأنكره، وذلك أنه حديث منقطع الإسناد، وقال: لو صح هذا لهجي به حسان، فإنه كان يهاجي الشعراء كضرار وابن الزبعري، وغيرهما، وكانوا يناقضونه ويردون عليه، فما عيره أحد منهم بجبن، ولا وسمه به، فدل هذا على ضعف حديث ابن إسحاق، وإن صح فلعل حسان أن يكون معتلًا في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال، وهذا أولى ما تأول وممن أنكر أن يكون هذا صحيحًا أبو عمر ﵀ في كتاب الدرر له أهـ.\n٤٥٧ - * روى الطبراني عن رافع بن خديج: لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارث\n_________\n٤٥٧ - المعجم الكبير (٤/ ٢٦٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٣): ورجاله ثقات.","vol":"2","page":680},{"text":"فجعل النبي ﷺ النساء والصبيان والذراري فيه فقال: إن ألم بكن أحد فألمعن بالسيف، فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له بجدان أحد بني جحاش على فرس حتى كان في أصل الحصن، ثم جعل يقول للنساء: انزلن إلى خير لكن فحركن السيف فأبصره أصحاب النبي ﷺ فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له: ظهير بن رافع، فقال: يا بجدان ابرز فبرز إليه، فحمل عليه فرسه فقتله، وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي ﷺ.\n٤٥٨ - * روى الطبراني عن نافع قال: قيل لابن عمر: أين كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الأحزاب؟ قال: كان يصلي في بطن الشعب عند خربة هناك، ولقد أذن رسول الله ﷺ في الانصراف للناس ثم أمرني أن أدعوهم فدعوتهم.\n٤٥٩ - * روى البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي ﷺ: \"والله ما صليتها\" فنزلنا مع رسول الله ﷺ بطحان فتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.\n٤٦٠ - * روى الدارمي وابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قوله (وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا) (١) قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالًا فأمره فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في\n_________\n= ألم: ألم بالقوم: أتاهم فنزل بهم.\nألمعن: أشرن وحركن.\n٤٥٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٥)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n٤٥٩ - البخاري (٧/ ٤٠٥)، ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٩ - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب. ومسلم (١/ ٤٣٨) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - ٣٦ - باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.\n٤٦٠ - الدارمي في مسنده (١/ ٣٥٨)، كتاب الصلاة، باب الحبس عن الصلاة وابن خزيمة في صحيحة (٣/ ١٠٠)، كتاب الصلاة، باب الصلاة جماعة بعد ذهاب وقتها. وأحمد نحوه في مسنده (٣/ ٢٥).\n- والنسائي نحوه (٢/ ١٨) عن ابن مسعود، كتاب الأذان، باب الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة.\nالهوي: الساعة من الليل.\n(١) الأحزاب: ٢٥.","vol":"2","page":681},{"text":"وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل (فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا) (١).\nوالجمع بين الروايات القائلة بتأخير العصر وحدها والروايات القائلة بتأخير الظهر والعصر والمغرب، أن هذا كان في يوم، وهذا كان في يوم، على رأي النووي ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>فقه هذه الروايات:</span>\nوفي فقه هذه الروايات يقول ابن كثير في البداية والنهاية:\nوقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث وقد حررنا ذلك نقلًا واستدلالًا عند قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) (٢)، وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والأوزاعي وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث وبقوله ﷺ يوم أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة - كما سيأتي - \"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة\" (٣) وكان من الناس من صلى العصر في الطريق ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب ولم يعنف واحدًا من الفريقين، واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر حين صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن.\nوقال الدكتور البوطي: لقد فاتت النبي ﷺ صلاة العصر كما قد رأيت في هذه الموقعة،\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٩.\n(٢) البقرة: ٢٣٨.\n(٣) أخرجه البخاري (٧/ ٤٠٧)، ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٠ - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب.\nومسلم (٣/ ١٣٩١) ٢٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٣ باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين. ولكن بلفظ: \"أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة ... \".","vol":"2","page":682},{"text":"لشدة انشغاله، حتى صلاها قضاء بعد ما غربت الشمس، وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته، أكثر من صلاة واحدة، صلاها تباعًا بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها.\nوهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة. ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزًا إذ ذاك ثم نسخ حينما شرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالًا وركبانًا عند التحام القتال بينهم وبين المشركين، إذ النسخ - على فرض صحته - ليس واردًا على مشروعية القضاء، وإنما هو وارد على صحة تأخير الصلاة بسبب الانشغال. أي أن نسخ صحة التأخير ليس نسخًا لما كان قد ثبت من مشروعية القضاء أيضًا، بل هي مسكوت عنها، فتبقى على مشروعيتها السابقة.\nومن أدلة هذه المشروعية أيضًا ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال عند منصرفه إلى المدينة من غزوة الأحزاب \"لا يصلين أحد العصر - أو الظهر - إلا في بني قريظة\" فأدرك بعضهم وقت الصلاة في الطريق فقال البعض: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فصلاها الفريق الأول بعد وصولهم إلى بني قريظة قضاء.\nإذا ثبت وجوب قضاء المكتوبة بعد فواتها، فسيان أن يكون سبب الفوات نومًا أو إهمالًا وتركًا متعمدًا، إذ لم يرد - بعد ثبوت الدليل العام على وجوب قضاء الفائتة عمومًا - أي دليل يخصص مشروعية القضاء ببعض أسباب التفويت دون بعضها الآخر، والذين تركوها في طريقهم إلى بني قريظة، لم يكونوا نائمين ولا ناسين. فمن الخطأ إذًا أن تخصص مشروعية قضاء الفائتة المكتوبة - مع ذلك - بما عدا التفويت المتعمد. وهو أشبه ما يكون بمن يخصصها ببعض المكتوبات دون بعض، بدون أي مخصص شرعي.\nوربما توهم البعض أنه قد ثبت دليل يخصص عموم أدلة مشروعية القضاء، وهو المفهوم المخالف لحديث: \"من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، ولكن هذا وهم لا ينبغي أن يدخل على طالب علم متبصر. فالمقصود بالحديث ليس هو أمر الناسي والنائم بقضاء الصلاة، دون غيرهما، ولكن المقصود التركيز على القيد، وهو \"إذا ذكرها\" وذلك","vol":"2","page":683},{"text":"للتنبيه إلى أنه لا يشترط لمن فاتته صلاة وأراد تداركها أن ينتظر حلول وقتها من اليوم الثاني ثم يؤديها إذ ذاك. بل عليه أن يبادر إلى قضائها بمجرد التذكر، في أي وقت كان. فإذا عرفت أن هذا هو مقصود رسول الله ﷺ كما تدل على ذلك صيغة الحديث نفسها وكما ذكر ذلك علماء الحديث وشراحه عرفت أنه لا دلالة تشريعية تتعلق بالمفهوم المخالف للنوم أو النسيان في الحديث. أهـ.\nأقول: ثم إن المذاهب الأربعة اتفقت على وجوب القضاء على الناسي والنائم والمتعمد.\n٤٦١ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلًا ورجالًا فقال: \"حتى أستأمر السعود\" - سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يعني يشاورهما -، فقالا: لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام؟ فرجع إليه الحارث فأخبره، فقال: غدرت يا محمد قال: فقال حسان:\nيا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمدًا لا يغدر\nإن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر\nوأمانة النهدي حيث لقيتها ... مثل الزجاجة صدعها لا يجبر\nقال: فقال الحارث: كف عنا يا محمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه.\nورواه الطبراني (٢) ولفظه عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد شاطرنا تمر المدينة فقال: \"حتى أستأمر السعود\" فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة وسعد بن مسعود، فقال: \"إني قد\n_________\n٤٦١ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٣٣١)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الخندق. الدنية: الخصلة المذمومة.\nالسخبر: شجر تألفه الحيات فتسكن في أصوله.\n(٢) مجمع الزوائد (٦/ ١٣٢)، وقال عنه وعن رواية البزار السابقة: رواه البزار والطبراني ... ورجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات.\nأقول: ذكر سعد بن خيثمة وسعد بن الربيع وهم من الراوي لأن خيثمة استشهد في بدر وابن الربيع استشهد يوم أحد قبل الخندق.","vol":"2","page":684},{"text":"علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وإن الحارث سألكم تشاطروه تمر المدينة فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا ثم تنظروا في أمركم بعد\".\nفقالوا: يا رسول الله أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك وهواك فرأينا تبع لهواك ورأيك وإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى. فقال رسول الله ﷺ: \"هو ذا تسمعون ما يقولون\" قالوا: غدرت يا محمد. فقال حسان بن ثابت ﵁:\nيا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمدًا لا يغدر\nوأمانة المري حين لقيتها ... كسر الزجاجة صدعها لا يجبر\nإن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر\nهذا الحديث يطرح ثلاثًا من أخطر القضايا التي تواجه الأمة الإسلامية دائمًا:\nالقضية الأولى: قضية المصالحة على مال.\nوالقضية الثانية: قضية الشورى.\nوالقضية الثالثة: تفتيت الصف المعادي.\n(١)\nفلو أن كيان المسلمين في قطر أو في العالم تعرض لخطر الاستئصال، أو أن أمنهم أصبح في خطر فهل لهم في هذه الحالة أن يعطوا تنازلات مادية ولو بأن يدفعوا مالًا؟ الظاهر من الحديث أن ذلك جائز ولكنه ليس مفروضًا، وقد نص فقهاء الحنفية على هذه المسألة فأجازوا دفع المال للعدو إذا أصبح يهدد الوجود الإسلامي.\nوالمسألة في عصرنا قد تأخذ طابعًا أكثر تعقيدًا فقد تصبح في خطر خفي أو تتعرض لخطر خفي وجهة ما هي القادرة على الإنقاذ، وهي لا تفعل إلا بشروط، فإذا كانت الشروط مادية بحتة فللمسلمين ذلك، ولهم ألا يفعلوا والفتوى من أهلها، والشورى والمصلحة هي التي تحكم هذه الأمور، وقد تشتبك المصالح وتتعارض مصالح الأمة","vol":"2","page":685},{"text":"والأفراد. والحاكم والمحكوم، وكل ذلك ينبغي أن يخضع إلى موازنات عند أهل التقوى لتقرير ما هو المصلحة في النهاية.\n(٢)\nوالقضية الثانية هي إلزامية الشورى، فههنا نرى أن رسول الله ﷺ نزل على رأي السعدين وهما ممثلا الأنصار، وبعض الروايات تذكر أن هذا النزول كان بعد أن كتب رسول الله ﷺ العقد ولكنه لم يمضه، وكذلك نزل ﵊ على رأي الأكثرية يوم أحد، هذا النزول على رأي ممثلين لجهة أو على رأي الأكثرية يجعلنا نقول بإلزامية الشورى للأمير ولكنها إلزامية تخضع لقواعد فصلناها في أكثر من مكان في كتبنا، فالشورى ينبغي أن تعطى لأهلها وإذا أعطيت لأهلها فرأي أكثريتهم ملزم في نفي الضرر أو في استجلاب المصلحة، ومع ذلك يعطي الأمير فرصة تعميم الشورى على دائرة أدنى أو أعلى، ولكن يبقى رأي الأكثرية هو الملزم، وكل ذلك على ضوء القواعد الدستورية أو النظامية المتفق عليها بين المسلمين، وإنما نشترط هذا لأن بعض العلماء لا يرى إلزامية الشورى للأمير، فإذا ما وجد شرط الإلزامية لم يعد لأحد متكأ في رفض شورى الأكثرية من أهلها (فالمسلمون عند شروطهم) (١)، وعندئذ فللمرشح للإمرة الحق في أن يقبل الإلزامية فيكون أميرًا أو يرفض فلا يكون، وللذين يرفضون إلزامية الشورى نقول: إن رسول الله ﷺ نزل على رأي الأكثرية يوم أحد وهو يعلم أن رأيهم خطأ، وها هو هنا نزل على رأي ممثلي الأنصار وهم أصحاب العلاقة مع أنه كان مقتنعًا بوجهة النظر الأخرى، أليس هذا يدل في حده الأدنى على سنية النزول على رأي الأكثرية صاحبة العلاقة، فإذا كانت المسألة في حدها الأدنى سنة، ألا يحق للمسلمين أن يعتمدوها؟ ألم يشترط الخضر على موسى وهو - أي الخضر - دونه؟ والتزم موسى، ألا يكفي هذا للقول: بأن المسلمين إذا اشترطوا على أميرهم أن ينزل على شوراهم فلهم ذلك! أليس مصلحة المسلمين في عصرنا تستدعي ذلك؟ وهل يسع عصرنا\n_________\n(١) ذكره البخاري معلقًا (٤/ ٤٥١) ٣٧ - كتاب الإجارة - ١٤ - باب أجر السمسرة.\n- وأبو داود مطولًا (٣/ ٣٠٤)، كتاب الأقضية، باب في الصلح. عن أبي هريرة بلفظ (على شروطهم).","vol":"2","page":686},{"text":"إلا هذا؟ على أنه لا مانع أن يفوض المسلمون من شاؤوا في أمر أو حكم فضلًا عن أن يفوضوا أميرهم، وفي حادثة حكم سعد في بني قريظة مأنس لمن يرى ذلك.\n(٣)\nقوله ﵊ في تعليل مفاوضته لغطفان على ثلث ثمار المدينة (إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة) دليل لما ذكر من قبل أن رسول الله ﷺ كان يستهدف في عمله السياسي ألا يجتمع الأعداء عليه صفًا واحدًا وموقفه ههنا دليل على أن هذا كان هدفًا له، وهذا يصل بنا إلى عدد من الأمور:\n١ - أن تحاول الحركة الإسلامية التفتيش عن ثغرات القوى المعادية.\n٢ - أن محاولة التحالفات مع بعض الأطراف لا حرج منها، فالهدف الاستراتيجي حيد من تستطيع تحييده، اجعل في جانبك من تستطيع كسبه، فتش عن المتعاطفين معك مهما كانت الأسباب، واجعل ثقتك في هذا بالله أولًا واحكم التوكل عليه، ولا تنس الفتوى والشورى والمصلحة الآنية والمستقبلية للإسلام والمسلمين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>هزيمة الله ﷿ للأحزاب:</span>\n٤٦٢ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: \"نعم: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا\". قال فضرب الله ﷿ وجوه أعدائه بالريح.\n٤٦٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: \"اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم\n_________\n٤٦٢ - أحمد في مسنده (٣/ ٣).\n٤٦٣ - البخاري (٦/ ١٠٦) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٩٨ - باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة.\nومسلم (٣/ ١٣٦٣) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٧ - باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.","vol":"2","page":687},{"text":"وزلزلهم\" وفي (١) رواية: \"اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم\".\n٤٦٤ - * روى البزار عن حذيفة أن الناس تفرقوا عن رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فأتاني رسول الله ﷺ وأنا جاثم من النوم، فقال: \"يا ابن اليمان! قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب. فانظر إلى حالهم\" قلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما قمت إليك إلا حياء من البرد. قال: \"انطلق يا ابن اليمان، فلا بأس عليك من برد ولا حر، حتى ترجع إلي\" فانطلقت حتى آتي عسكرهم. فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله، وقد تفرق الأحزاب عنه، فجئت حتى أجلس فيهم، فأحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم من غيرهم، فقال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، قال: فضربت بيدي على الذي عن يميني فأخذت بيده، ثم ضربت بيدي على الذي عن يساري فأخذت بيده. فلبثت فيهم هنيهة، ثم قمت، فأتيت النبي ﷺ وهو قائم يصلي، فأومأ إلي أن أدنو. فدنوت حتى أرسل علي من الثوب الذي كان عليه ليدفئني، فلما فرغ من صلاته قال: \"يا ابن اليمان! اقعد، ما خبر الناس؟ \" قلت: يا رسول الله! تفرق الناس عن أبي سفيان فلم يبق إلا في عصبة يوقد النار، وقد صب الله عليهم من البرد مثل الذي صب علينا، ولكنا نرجو من الله ما لا يرجون.\n٤٦٥ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: بعثني خالي عثمان بن مظعون لآتيه بلحاف فأتيت النبي ﷺ فاستأذنته وهو بالخندق فأذن لي، وقال: \"من لقيت، فقل لهم إن\n_________\n(١) البخاري (٦/ ١٢٠) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١١٢ - باب كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس.\n٤٦٤ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٣٣٥)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الخندق.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٦)، وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات.\nجاثم: من النوم: جثم: لزم مكانه.\nإلا حياء من البرد: أي: إلا حياء منك بسبب شدة البرد.\n٤٦٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٥)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح. فاستأذنته: أي في الرجوع إلى بيتي من شدة البرد.","vol":"2","page":688},{"text":"رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا\" وكان ذلك في برد شديد فخرجت ولقيت الناس فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا، قال، فلا والله ما عطف علي منهم اثنان أو واحد.\nالظاهر أن الناس لم يلتفتوا لكلمة ابن عمر لصغره؛ ولأن الإذن كان قد حصل مباشرة قبل ذلك، والبرد شديد.\n٤٦٦ - * روى مسلم عن يزيد بن شريك ﵀ قال: كنا عند حذيفة، فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ، قاتلت معه وأبليت، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ: \"ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ \" فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، ثم قال: \"ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ \" فسكتنا، فلم يجبه منا أحد ثم قال: \"ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ \" فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال: \"ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ \" فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، فقال: \"قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم\" فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال: \"اذهب، فائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي\"، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ: ولا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت،\n_________\n= عطف: رجع وانصرف.\n٤٦٦ - مسلم (٣/ ١٤١٤) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٦ - باب غزوة الأحزاب.\nلا تذعرهم: أي: لا تفزعهم ولا تحركهم علي.\nيصلي ظهره: صليت اللحم أصليه صليا: إذا شويته، وصليت الرجل نارًا: إذا أدخلته فيه، فجعلته يصلاها، والمراد به هاهنا: إدفاء ظهره بالنار.\nكبد القوس: وسطها.\nقررت: أقر: أي أصابني القر، وهو البرد.","vol":"2","page":689},{"text":"فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت علي يصلي فيها. فلم أزل نائمًا حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: \"قم يا نومان\".\n٤٦٧ - * روى البخاري عن سليمان بن صرد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: - حين أجلى الأحزاب عنه - \"الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم\".\nقال الحافظ في \"الفتح\": وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه ﷺ اعتمر في السنة المقبلة، فصدته قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها، فكان ذلك سبب فتح مكة، فوقع الأمر كما قال ﷺ.\nوروي (١) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال يوم الأحزاب، وقد جمعوا له جموعًا كثيرة فقال رسول الله ﷺ: \"ولا يغزوكم بعدها أبدًا، ولكن تغزوهم\".\n٤٦٨ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال: استشهد يوم الخندق من الأنصار أنس بن معاذ بن أوس بن عبد عمرو. ومن الأنصار ثم من بني سلمة: ثعلبة بن غنمة.\nقال ابن كثير في البداية والنهاية:\nقال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بني عبد الأشهل، وهم: سعد بن معاذ وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل. والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة الجشيمان السلميان وكعب بن زيد النجاري أصابه سهم غرب فقتله قال: وقتل من المشركين ثلاثة وهم: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق بفرسه فتورط فقتل هناك وطلبوا جسده بثمن كبير وعمرو بن عبد ود العامري قتله علي بن أبي طالب\n_________\n= يا نومان: النومان: كثير النوم، قال الجوهري: وهو مختص بالنداء.\n٤٦٧ - البخاري (٧/ ٤٠٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٩ - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب.\n(١) البزار: كشف الأستار (٣/ ٣٣٦) كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الخندق.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٩) رواه البزار، ورجاله ثقات.\n٤٦٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٣)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":690},{"text":"قال ابن هشام: وحدثني الثقة أنه حدث عن الزهري أنه قال: قتل علي يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو. قال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبد ود ويقال: عمرو بن عبد أهـ.\n٤٦٩ - * روى أحمد عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي - يعني حس الأرض - قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة قالت: فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:\nلبث قليلًا يدرك الهيجا جمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل\nقالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة له يعني مغفرًا، فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها، قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر ويحك، إنك قد أكثرت منذ اليوم: وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله ﷿، قالت ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله ﷿\n_________\n٤٦٩ - أحمد في مسنده (٦/ ١٤١). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٦): رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات.\n- وأورده الحافظ ابن الكثير في تاريخه (٤/ ٢١٤) ثم قال: وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة. وفيه التصريح بدعاء سعد مرتين مرة قبل حكمه في بني قريظة ومرة بعد ذلك كما قلنا أولًا ولله الحمد والمنة.\nالمجنة: بكسر الميم وفتح الجيم، هو الترس؛ لأنه يواري حامله أي يستره والميم زائدة.\nالمغفر: بوزن المنبر، هو ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد ونحوه.\nالسبغة: شيء من حلق الدروع، والزرد يعلق بالمغفر دائرًا معه يستر الرقبة وجيب الدرع.\nالتحوز: المراد بالتحوز: الإشارة إلى قوله تعالى: (أو متحيزًا إلى فئة).\nالأكحل: عرق في وسط الذراع في كل عضو منه شعبة.","vol":"2","page":691},{"text":"سعد فقال اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت فرقأ كلمه وبعث الله ﷿ الريح على المشركين فكفى الله ﷿ المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فوضع السلاح، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أقد وضعت السلاح؟ والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فخرج رسول الله ﷺ فمر على بني غنم وهم جيران المسجد حوله، فقال: \"من مر بكم؟ \" فقالوا: مر بنا دحية الكلبي. وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵇، فقالت: فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم واشتد البلاد قيل لهم. انزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال رسول الله ﷺ \"انزلوا على حكم سعد بن معاذ\" فنزلوا وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، قالت: وإنه لا يرجع إليهم شيئًا ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد أنى لي أن لا أبالي في الله لومة لائم، قال: قال أبو سعيد: فلما طلع على (١)\n_________\n= رقأ: الدمع والدم: جف وسكن وانقطع.\nكلمة: بفتح الكاف وسكون اللام، أصل الكلم: الجرح، والكليم: الجريح.\nصياصيهم: أي حصونهم، جمع صيصية، وكل شيء امتنع به وتحصن به فهو صيصية.\nأدم: الأدم: الجلود.\nثناياه: الثنايا: الأسنان المتقدمة.\nالنقع: هو الغبار كما فسره الراوي، والمعنى أن أثر غبار الحرب باق عليه.\nالإكاف: هو ما يشد على ظهره الحمار، كالرجل للبعير والسرج للفرس.\nأنى: معناه: آن لي أن لا أبالي، بمعنى آن، قال في النهاية: هل أنى الرحيل؟ أي: حان وقته، تقول: أنى يأنى، وفي رواية هل آن؟.","vol":"2","page":692},{"text":"رسول الله ﷺ قال: \"قوموا إلى سيدكم فأنزلوه\" فقال عمر: سيدنا الله ﷿، قال: أنزلوه فأنزلوه قال رسول الله ﷺ: \"احكم فيهم\" قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم. وقال يزيد ببغداد: ويقسم: فقال رسول الله ﷺ: \"لقد حكمت فيهم بحكم الله ﷿ وحكم رسوله\" قالت: ثم دعا سعد قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك ﷺ من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قالت: فانفجر كلمه وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله ﷿ (رحماء بينهم) قال علقمة قلت: أي أمة فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.\nقال في فتح الباري:\nواختلف في عدة مقاتلي بني قريظة: فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة، كانوا سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة. وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعًا، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل إنهم كانوا تسعمائة.\nوفي قصة بني قريظة من الفوائد وخبر سعد بن معاذ جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت. وفيها تحكيم الأفضل من هو مفضول. وفيها جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ، وهي خلافية في أصول الفقه. والمختار الجواز سواء كان بحضور النبي (١)\n_________\n= قال يزيد ببغداد: معناه أن شيخ الإمام أحمد حدثه مرة أخرى ببغداد بلفظ (ويقسم) بالياء والتحتية بدل التاء الفوقية.\nالخرص: بضم الخاء المعجمة وسكون الراء: الحلقة الصغيرة من الحلي، وهو حلي الأذن، أنه لم يبق من جرح سعد إلا مثل حلقة الخرص من قلة ما بقي منه.","vol":"2","page":693},{"text":"ﷺ أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك، لأنه بالتقرير يصير قطعيًا، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته ﷺ كما في هذه القصة وقصة أبي بكر الصديق ﵁ في قتيل أبي قتادة كما سيأتي في غزوة حنين وغير ذلك.\nومن فوائد هذه القصة ما ذكره البوطي: القيام إكرامًا للقادم، أمر النبي ﷺ الأنصار حينما أقبل نحوهم سعد بن معاذ راكبًا دابته أن يقوموا إليه تكريمًا له، ودل على هذا التعليل قوله: لسيدكم أو خيركم، وقد استدل عامة العلماء بهذا وغيره على مشروعية إكرام الصالحين والعلماء بالقيام إليهم في المناسبات الداعية إلى ذلك عرفًا.\nيقول الإمام النووي تعليقًا على هذا الحديث: فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قيامًا طول جلوسه. قلت: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح.\nومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضًا على ذلك، ما جاء في حديث كعب بن مالك المتفق عليه، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك، قال: فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ، فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام غلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة -.\nومن ذلك أيضًا ما رواه الترمذي وأبو داود (١) والبخاري في الأدب المفرد عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت أحدًا من الناس كان أشبه بالنبي ﷺ كلامًا ولا حديثًا ولا جلسة من فاطمة، قالت: وكان النبي ﷺ إذا رآها أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها، ثم\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ٧٠٠)، ٥٠ - كتاب المناقب - ٦١ - باب فضل فاطمة بنت محمد ﷺ.\n- وأبو داود (٤/ ٣٥٥)، كتاب الأدب، باب ما جاء في القيام.","vol":"2","page":694},{"text":"أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي ﷺ رحبت به ثم قامت غليه فقبلته.\nواعلم أن هذا كله لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار\" لأن مشروعية إكرام الفضلاء وتوقيرهم لا تستدعي السعي منهم إلى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته، بل إن من أبرز صفات الصالحين والفضلاء أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زهادًا في طلب هذا الشيء. أرأيت إلى الفقير المحتاج؟ إن الأدب الإسلامي يوصيه ويعلمه الترفع عن المسألة وإظهار الفاقة والحاجة للناس، ولكن هذا الأدب الإسلامي نفسه يوصي الأغنياء بالبحث عن هؤلاء الفقراء المتعففين ويأمرهم بإكرامهم وإعطائهم من فضول أموالهم. أهـ.\n٤٧٠ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله - أو أبجله - فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه فحكم: أن يقتل رجالهم، ويستحيا نساؤهم، يستعين بهن المسلمون، فقال رسول الله ﷺ: \"أصبت حكم الله فيهم\". وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه، فمات.\n٤٧١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: حاربت\n_________\n٤٧٠ - الترمذي (٤/ ١٤٤)، ٢٢ - كتاب السير - ٢٩ - باب ما جاء في النزول على الحكم، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nأبجله: الأبجل: عرق، وهو من الفرس والبعير بمنزلة الأكحل من الإنسان.\nفحسمه: الحسم: الكي لينقطع الدم.\nتستحيا: الاستحياء: الإبقاء، وهو استفعال من الحياة.\n٤٧١ - البخاري (٧/ ٣٢٩) - ٦٤ - كتاب المغازي - ١٤ - حديث بني النضير.\nومسلم نحوه (٣/ ١٣٨٧)، ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٠ - باب إجلاء اليهود من الحجاز.","vol":"2","page":695},{"text":"قريظة والنضير، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم، لحقوا بالنبي ﷺ، فآمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.\n٤٧٢ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل، حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة.\n٤٧٣ - * روى الطبراني عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب نزع لمته واغتسل واستجمر، زاد دحيم في حديثه: قال رسول الله ﷺ: \"فتبدا لي جبريل ﵇، فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد\" فوثب رسول الله ﷺ فزعًا، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فلبس السلاح وخرجوا، فلم يأتوا بني قريظة حتى غابت الشمس، فاختصم الناس في غزوتها في صلاة العصر، فقال بعضهم: قد عزم علينا أن لا نصلي العصر حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزمة من رسول الله ﷺ فليس علينا إثم، فصلت طائفة منهم العصر إيمانًا واحتسابًا، وطائفة أخرى لم تصل حتى أتوا بني قريظة بعد ما غابت الشمس فصلوها إيمانًا واحتسابًا، فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدة من الطائفتين.\nوروي (١) عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم الأ؛ زاب: \"لا\n_________\n٤٧٢ - البخاري (٧/ ٤٠٧)، ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٠ - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة، ومحاصرته إياهم.\nساطعا: أي: مرتفعًا.\n٤٧٣ - المعجم الكبير (١٦/ ٨٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٠): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير ابن أبي الهذيل وهو ثقة.\nاستجمر: تبخر بعود الطيب.\nعذيرك: المراد: من يعذرك كمحارب إذا وضعت السلاح.\nعزمة من رسول الله ﷺ: أي: في طاعته التي عزم علينا بها.\n(١) البخاري (٧/ ٤٠٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٠ - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب.","vol":"2","page":696},{"text":"يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة\" فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم.\nقال في الفتح:\nقوله (لا يصلين أحد العصر) كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم \"الظهر\" مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلمًا أبو يعلى وآخرون.\nوقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلها فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر. وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة فقيل للطائفة الأولى الظهر، وقيل للطائفة التي بعدها العصر، وكلاهما جمع لا بأس به.\nقال السهيلي وغيره: في هذا الحديث من الفقه: أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه.\nوفيه: أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب. قال السهيلي: ولا يستحيل أن يكون الشيء صوابًا في حق إنسان وخطأ في حق غيره، وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، قال: والأصل في ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان قال: فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهًا من التأويل فهو مصيب انتهى. والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد، وخالف الجاحظ والعنبري. وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضًا: المصيب واحد، وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره، ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب وأن حكم الله تابع لظن المجتهد. وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده، وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ وله أجر واحد. ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه.","vol":"2","page":697},{"text":"وحاصل ما وقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحًا للنهي الثاني على النهي الأول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق فقد تقدم حديث جابر المصرح بأنهم صلوا العصر بعد ما غربت الشمس وذلك لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا أن يكون ذلك عامًا في كل شغل يتعلق بأمر الحرب ولاسيما والزمان زمان التشريع، والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة، وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه ﷺ لم يعنف أحدًا من الطائفتين، فلو كان هناك من إثم لعنف من أثم، أهـ.\n٤٧٤ - * روى أبو داود والترمذي عن عطية القرظي ﵁ قال: عرضنا على رسول الله ﷺ يوم قريظة فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت، فخلي سبيلي.\nوللنسائي (١) قال: كنت يوم حكم سعد في بني قريظة غلامًا، فشكوا في، فلم يجدوني أنبت، فاستبقيت، فها أنا ذا بين أظهركم.\n(أنبت) أراد بالإنبات: نبات شعر العانة، فجعله علامة على البلوغ، وليس ذلك حدًا إلا في أهل الشرك عند الأكثرين، وقال أحمد بن حنبل ﵀: الإنبات حد يقام به الحد على من أنبت، ويحكى مثل ذلك عن مالك ﵀، فأما من جعله مخصوصًا بأهل الشرك فيشبه أن يكون أن أهل الشرك لا يوقف على بلوغهم من جهة السن، ولا يمكن الرجوع إلى قولهم لأنهم متهمون في ذلك لدفع القتل عنهم، وأداء الجزية، وغير ذلك من الأحكام، بخلاف المسلمين، فإنهم يمكن أن تعرف أوقات بلوغهم وولادتهم.\n_________\n٤٧٤ - أبو داود (٤/ ١٤١)، كتاب الحدود، باب الغلام يصيب الحد.\nوالترمذي واللفظ له (٤/ ١٤٥)، ٢٢ - كتاب السير - ٢٩ - باب ما جاء في النزول على الحكم.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.\n(١) النسائي: (٦/ ١٥٥) كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي.","vol":"2","page":698},{"text":"٤٧٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لم يقتل من نسائهم - تعني بني قريظة إلا امرأة، إنها لعندي تحدث، تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسيوف، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته، قالت فانطلق بها فضربت عنقها، فما أنسى عجبًا منها: أنها تضحك ظهرًا وبطنًا، وقد علمت أنها تقتل.\n٤٧٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر) (١) قالت: كان ذلك يوم الخندق.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>فوائد من غزوتي الأحزاب وقريظة</span>\n١ - في هاتين الغزوتين تظهر لك الكفاءة النبوية العالية، وتظهر المعجزات الخارقات، والمعجزات والكمالات هما النبوة والرسالة، وكثيرون من الناس وهم يتحدثون عن محمد ﵊ لا يحسنون العرض المتكامل فهم إما يبرزون الكفاءة على حساب المعجزة، وإما يظهرون المعجزة على حساب الكفاءة، مع أن الكفاءة والمعجزة توأمان في حق الأنبياء جميعًا، وذلك كله مظهر الحكمة الربانية في اختيار الرسل، ومظهر التأييد الرباني للرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم بين توفيق وتأييد معجز أو سببي، ولكن يبقى لعالم الأسباب في حياة الرسل عليهم الصلاة والسلام محله العريض لأن الأصل في\n_________\n٤٧٥ - أبو داود (٣/ ٥٤)، كتاب الجهاد، باب في قتل النساء، وإسناده حسن.\nحدث: قال الخطابي: يقال إن الحدث الذي أحدثته: أنها شتمت النبي ﷺ، وذكر ابن هشام في الحديث الذي أحدثته: أنها قتلت صحابيًا هو خلاد بن سويد طرحت عليه الرحا.\n٤٧٦ - البخاري (٧/ ٣٩٩)، ٦٤ - كتاب المغازي ٢٩ - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب.\nومسلم (٤/ ٢٣١٦)، ٥٤ - كتاب التفسير، حديث (٣٠٣٠).\nزاغت الأبصار: مالت عن مكانها، وذلك كما يعرض للإنسان عند الخوف.\nالحناجر: جمع الحنجرة، وهي الحلقوم.\n(١) الأحزاب: ١٠.","vol":"2","page":699},{"text":"التكليف ليس الخارق وإنما هو عالم الأسباب، والرسل هم القدوة، والناس عامة محكومون بعالم الأسباب، ولذلك فأنت عندما تدرس المعجزات التي حدثت في هذه المرحلة لا تجدها تؤثر على قضايا الاقتداء المرتبطة بعالم الأسباب، بمعنى أن ما حدث في هاتين الغزوتين يمكن إدخاله في دائرة التفكير والتدبير والاستعانة بالله أولًا وأخيرًا، وبعضه لرسول الله ﷺ معجزة خاصة، وبعضه معجزة لرسول الله ﷺ ويمكن أن تطلبه من الله، وفضل الله واسع، مثال ذلك: تكثير الطعام القليل هو لرسول الله ﷺ معجزة ونحن علينا أن ندبر الطعام لجندنا وهذا جزء من القدوة، والريح كانت معجزة لرسول الله ﷺ ونحن ندعو الله أن يؤيدنا بما لا نحتسب، وفضل الله واسع.\n٢ - وحول الخندق قال السباعي ﵀:\nوفي قبوله ﷺ إشارة سلمان بحفر الخندق، وهو أمر لم تكن تعرفه العرب من قبل، دليل على أن الإسلام لا يضيق ذرعًا بالاستفادة مما عند الأمم الأخرى من تجارب تفيد الأمة وتنفع المجتمع، فلا شك أن حفر الخندق أفاد إفادة كبرى في دفع خطر الأحزاب عن المدينة، وقبول رسول الله هذه المشورة، دليل على مرونته ﷺ. واستعداده لقبول ما يكون عند الأمم الأخرى من أمور حسنة، وقد فعل الرسول مثل ذلك أكثر من مرة، فلما أراد إنفاذ كتبه إلى الملوك والأمراء والرؤساء قيل له: إن من عادة الملوك ألا يقبلوا كتابًا إلا إذا كان مختومًا باسم مرسله، فأمر على الفور بنقش خاتم له كتب عليه: محمد رسول الله، وصار يختم به كتبه، ولما جاءته الوفود من أنحاء العرب فتح مكة تعلن إسلامها، قيل له: يا رسول الله إن من عادة الملوك والرؤساء أن يستقبلوا الوفود بثياب جميلة فخمة، فأمر رسول الله ﷺ أن تشترى له حلة يستقبل بها الوفود، وهذا هو صنيع الرسول الذي أرسل بآخر الأديان وأبقاها إلى أبد الدهر، فإن مما تحتمه مصلحة أتباعه في كل زمان وفي كل بيئة أن يأخذوا بأحسن ما عند الأمم الأخرى، مما يفيدهم، ولا يتعارض مع أحكام شريعتهم وقواعدها العامة، والامتناع عن ذلك جمود لا تقبله طبيعة الإسلام الذي يقول في دستوره الخالد: (فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (١) ولا طبيعة\n_________\n(١) الزمر: ١٧، ١٨.","vol":"2","page":700},{"text":"رسوله الذي رأينا أمثلة عما أخذ من الأمم الأخرى، ولهذا قيل: (الحكمة ضالة المؤمن يلتمسها أنى وجدها) (١) ويوم غفل المسلمون في العصور الأخيرة، وخاصة بعد عصر النهضة الأوربية عن هذا المبدأ العظيم في الإسلام، وقاوموا كل إصلاح مأخوذ عن غيرهم مما هم في أشد الحاجة إليه، أصيبوا بالانهيار، وتأخروا من حيث تقدم غيرهم (ولله عاقبة الأمور) (٢). أهـ.\n٣ - قال الشيخ الغزالي حفظه الله:\nإن معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر بل معركة أعصاب فقتلى الفريقين من المؤمنين والكفار يعدون على الأصابع. ومع تلك الحقيقة فهي من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام إذ إن مصير هذه الرسالة العظمى كان فيها أشبه بمصير رجل يمشي على حافة قمة سامقة، أو حبل ممدود، فلو اختل توازنه لحظة وفقد السيطرة على موقفه، لهوى من مرتفعه إلى واد سحيق، ممزق الأعضاء، ممزع الأشلاء! ولقد أمسى المسلمون وأصبحوا فإذا هم كالجزيرة المنقطعة وسط طوفان يتهددها بالغرق ليلًا أو نهارًا. وبين الحين والحين يتطلع المدافعون: هل اقتحمت خطوطهم في ناحية ما من منطقة الدفاع؟ وكان المشركون يدورون حول المدينة غضابًا يتحسسون نقطة ضعيفة لينحدروا منها فينفسوا عن حنقهم المكتوم، ويقطعوا أوصال هذا الدين الثائر.\nوعرف المسلمون ما يتربص بهم وراء هذا الحصار، فقرروا أن يرابطوا في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب، ويتحملون لأواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والجبل، وتتسع ثغورها يومًا بعد يوم وهم كما وصف الله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي\n_________\n(١) الترمذي نحوه (٥/ ٥١) ٤٢ - كتاب العلم - ١٩ - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، بلفظ: \"الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها\". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المدني المخزومي، يضعف في الحديث من قبل حفظه.\nوابن ماجه مثل رواية الترمذي (٢/ ١٣٩٥) ٣٧ - كتاب الزهد - ١٥ - باب الحكمة.\n(٢) الحج: ٤١.","vol":"2","page":701},{"text":"المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا) (١) أهـ.\n٤ - وقال الدكتور البوطي:\nلقد كان من جملة الوسائل الحربية التي استعملها المسلمون في هذه الغزوة حفر الخندق، ولقد كانت غزوة الأحزاب أول غزوة في التاريخ العربي والإسلامي يحفر فيها الخنادق، إذ هو مما كان متعارفًا بين الأعاجم فقط، وقد رأيت أن الذي اقترح ذلك في غزوة الأحزاب إنما هو سلمان الفارسي، وقد رأيت أن النبي ﷺ أعجب بهذه الوسيلة الحربية وسرعان ما دعا أصحابه إلى القيام بتحقيقها.\nوهذا من جملة الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الحكمة هي ضالة المؤمن، فحيثما وجدها التقطها بل هو أولى بها من غيره، وأن الشريعة الإسلامية بمقدار ما تكره للمسلمين اتباع غيرهم وتقليدهم على غير بصيرة، تحب لهم أن يجمعوا لأنفسهم أطراف الخير كله والمبادئ المفيدة جميعها، أينما لاح لهم ذلك، وحيثما وجد. فالقاعدة الإسلامية العامة في هذا الصدد، هي أن لا يعطل المسلم عقله الحر وتفكيره الدقيق في سلوكه وعامة شؤونه وأحواله، وإذا كان المسلم كذلك، فهو ولا ريب، لا يمكن أن يربط في عنقه زمامًا يسلم طرفه للآخرين فيقودوه حيثما أرادوا بدون وعي ولا بصيرة، وهو أيضًا لا يمكن أن يتجاهل أي مبدأ أو عمل أو نظام يسلم به العقل النير والفكر الحر وينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ليتجاوزه ولا يتعب نفسه بأخذه والاستفادة منه.\nوقد استنبط علماء الحديث والسيرة من قصة بني قريظة هذه أحكامًا هامة نجملها فيما يلي:\nأولًا - (جواز قتال من نقض العهد)، وقد جعل الإمام مسلم ﵀ هذا الحكم عنوانًا لغزوة بني قريظة، فالصلح والمعاهدة والاستئمان بين المسلمين وغيرهم، كل ذلك ينبغي احترامه والتزامه على المسلمين، ما لم ينقض الآخرون العهد أو الصلح أو الأمان\n_________\n(١) الأحزاب: ١٠، ١١.","vol":"2","page":702},{"text":"وحينئذ يجوز للمسلمين قتالهم إن رأوا المصلحة في ذلك.\nثانيًا - (جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهامهم)، قال النووي ﵀: فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهامهم العظام والرجوع في ذلك إلى حكم مسلم عادل صالح للحكم، وقد أجمع العلماء عليه في شأن الخوارج، فإنهم أنكروا على علي التحكيم، وأقام الحجة عليهم.\nوفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم أمين على هذا الأمر، وعليه الحكم بما فيه مصلحة للمسلمين، وإذا حكم بشيء لزم حكمه، ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع، ولهم الرجوع قبل الحكم.\nثالثًا - (مشروعية الاجتهاد في الفروع وضرورة وقوع الخلاف فيها)، وفي اختلاف الصحابة في فهم كلام رسول الله ﷺ: \"ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة (١) \" على النحو الذي روينا، مع عدم تعنيف النبي ﷺ أحدًا نهم أو معاتبته - دلالة هامة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى، وهو تقرير مبدأ الخلاف في مسائل الفروع، واعتبار كل من المتخالفين معذورًا ومثابًا، سواء قلنا إن المصيب واحد أو متعدد كما أن فيه تقريرًا لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية. وفيه ما يدل على أن استئصال الخلاف في مسائل الفروع التي تنبع من دلالات ظنية، أمر لا يمكن أن يتصور أو يتم، فالله ﷾ تعبد عباده بنوعين من التكاليف:\nأحدهما: تطبيق أوامر معينة واضحة تتعلق بالعقيدة أو السلوك.\nثانيهما: البحث وبذل الجهد ابتغاء فهم المبادئ والأحكام الفرعية من أدلتها العامة المختلفة، فليس المطلوب ممن أدركته الصلاة في بادية التبست عليه جهة القبلة فيها، أكثر من أن تتجلى عبوديته لله تعالى في أن يبذل كل ما لديه من وسع لمعرفة جهة القبلة حسب فهمه وما يبدو له من أدلة، حتى إذا سكنت نفسه إلى جهة ما، استقبلها فصلى إليها.\n_________\n(١) سبق تخريجه في صفحة (٩٠) من هذا الجزء.","vol":"2","page":703},{"text":"ثم إن هنالك حكمًا باهرة لمجيء كثير من الأدلة والنصوص الشرعية ظنية الدلالة غير قطعية. من أبرزها، أن تكون الاجتهادات المختلفة في مسألة ما، كلها وثيقة الصلة بالأدلة المعتبرة شرعًا، حتى يكون للمسلمين متسع في الأخذ بأيها شاءوا حسبما تقتضيه ظروفهم ومصالحهم المعتبرة وتلك من أجلى مظاهر رحمة الله بعباده، في كل عصر وزمن.\nوإذا تأملت هذا، علمت أن السعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع، معاندة للحكمة الربانية والتدبير الإلهي في تشريعه، عدا أنه ضرب من العبث الباطل. إذ كيف تضمن انتزاع الخلاف في مسألة ما ما دام دليلها ظنيًا محتملًا؟ لو أمكن ذلك أن يتم في عصر ما، لكان أولى العصور به عصر رسول الله ﷺ، ولكان أولى الناس بأن لا يختلفوا هم أصحابه، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما قد رأيت؟! أهـ.\n* * *","vol":"2","page":704},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>فصل: في قتل أبي رافع</span>\nهو زعيم يهودي اسمه سلام بن أبي الحقيق رحل من المدينة مع بني النضير وأقام بخيبر.\nقال ابن القيم: قدمنا أن أبا رافع كان ممن ألب الأحزاب على رسول الله ﷺ، ولم يقتل مع بني قريظة كما قتل صاحبه حيي بن أخطب، ورغبت الخزرج في قتله مساواة للأوس في قتل كعب بن الأشرف، وكان الله - ﷾ - قد جعل هذين الحيين يتصاولان بين يدي رسول الله ﷺ في الخيرات، فأستأذنوه في قتله، فأذن لهم، فانتدب له رجال كلهم من بني سلمة، وهم عبد الله بن عتيك، وهو أمير القوم، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر فقتلوه.\n٤٧٧ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلًا وهو نائم، فقتله.\nوفي رواية (١) قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه - وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم - فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه، كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على ود، قال: فقمت\n_________\n٤٧٧ - البخاري (٧/ ٣٤٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٦ - باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق.\nرهطا: الرهط: الجماعة من الناس دون العشرة.\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق.\nبسرحهم: السرح: المواشي، لأنها تسرح نهارًا في المرعى.\nالأقاليد: والأغاليق: المفاتيح.","vol":"2","page":705},{"text":"إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب - وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له - فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت علي من داخل، قلت: إن القوم نذروا بي، لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ فقلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش، فما أغنيت شيئًا، وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، عن رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته، ولم أقتله، ثم وضعت صبيب السيف في بطنه، حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجة له،. فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم: أقتلته؟ فلما صاح الديك: قام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي ﷺ، فحدثته، فقال: لي: \"ابسط رجلك\" فبسطت رجلي، فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط.\nوفي رواية (١) قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم، فانطلقوا حتى دنوا من الحصن، فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا\n_________\n= ود: الود: الوتد في لغة تميم.\nيسمر: السمر: الحديث في الليل.\nنذروا: نذر القوم بفلان: إذا علموا به.\nفأهويت إلى الشيء: إذا مددت يدك إليه.\nظبة السيف: طرفه، وجمعها ظبى، وصبيب السيف قد اختلفوا فيه، فقيل: هو بالصاد المهملة، وهو طرفه، قال الحربي: هو آخر ما بلغ سيلانه حين ضرب وعمل، وقيل: هو بالظاء المعجمة، ولا أرى له معنى، وأما ظبة السيف: فطرفه، وقد ذكرت، وأما بالضاد المعجمة: فلا مدخل له ها هنا، والصحيح: أنه بالصاد المهملة كما قلنا، والله أعلم.\nالنجاء: أي اطلبوا النجاة، وهي الخلاص من طلب العدو.\n(١) البخاري (٧/ ٣٤١) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٦ - باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق.","vol":"2","page":706},{"text":"أنتم، حتى أنطلق أنا فأنظر، قال: فتلطفت أن أدخل الحصن، ففقدوا حمارًا لهم، قال: فخرجوا بقبس يطلبونه، قال: فخشيت أن أعرف قال: فغطيت رأسي كأني أقضى حاجة، ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت، ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فتعشوا عند أبي رافع، وتحدثوا حتى ذهب ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات، ولا أسمع حركة خرجت، قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته، ففتحت به باب الحصن، قال: قلت: إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم، فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم، فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه، فلم أدر أين الرجل؟ فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئًا. قال: ثم جئت كأني أغيثه، فقلت: مالك يا أبا رافع، وغيرت صوتي، فقال: ألا أعجبك؟ لأمك الويل، دخل علي رجل فضربني بالسيف، قال: فعمدت له أيضًا فأضربه أخرى فلم تغن شيئًا، فصاح، وقام أهله قال: ثم جئت، وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق على ظهره، فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفئ عليه، حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشًا، حتى أتيت السلم، أريد أن أنزل، فأسقط منه، فانخلعت رجلي، فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا، فبشروا رسول الله ﷺ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية، فقال: أنعى أبا رافع، قال: فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته.\nوفي رواية (١): بعث رسول الله ﷺ رهطًا من الأنصار إلى أبي رافع ليقتلوه .......\n_________\n= بقبس: القبس: الشعلة من النار.\nهدأت: الأصوات، أي: سكنت.\nكوة: الكوة: الثقبة النافذة في الحائط يدخل منها الهواء والضوء.\nانكفأ: ينكفئ انكفاء: إذا رجع من حيث جاء.\nأحجل: الحجل مشي قريب الخطو كمشي المقيد.\n(١) البخاري (٦/ ١٥٥) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١٥٥ - باب قتل النائم المشرك.","vol":"2","page":707},{"text":"فخرجت فيمن خرج، أريهم أنني أطلبه معهم، فوجدوا الحمار، فدخلوا ودخلت، فأغلقوا باب الحصن ليلًا، فوضعوا المفاتيح في كوة حيث أراها، فلما ناموا أخذت المفاتيح، ففتحت باب الحصن، ثم دخلت عليه ... ثم ذكر نحوه في قتل أبي رافع ووقوعه من السلم، قال: فوثئت رجلي، فخرجت إلى أصحابي، فقلت: ما أنا ببارح حتى أسمع الناعية، فما برحت حتى سمعت نعايا أبي رافع تاجر أهل الحجاز، قال: فقمت وما بي قلبة، حتى أتينا النبي ﷺ فأخبرناه.\nقال ابن حجر: وفي هذا الحديث من الفوائد جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر، وقتل من أعان على رسول الله ﷺ بيده أو ماله أو لسانه، وجواز التجسيس (١) على أهل الحرب وتطلب غرتهم، والأخذ بالشدة في محاربة المشركين، وجواز إبهام القول للمصلحة، وتعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين؛ والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته، والله أعلم.\n٤٧٨ - * روى مالك عن عبد الرحمن بن كعب ﵄ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ الذين قتلوا ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان؟ قال: فكان رجل منهم يقول: برحت بنا امرأة ابن أبي الحقيق بالصياح، فأرفع السيف عليها، ثم أذكر نهي رسول الله ﷺ، فأكف ولولا ذلك استرحنا منها.\n* * *\n_________\n=وثئت: قدمه فهي موثوءة - تهمز ولا تهمز -: إذا توجعت وتألمت، والمراد به ها هنا: أنها انخلعت وكادت.\nالناعية: النادبة والنائحة، والجمع: النعايا، ويكون للرجل، والهاء فيه زائدة للمبالغة، لا للتأنيث.\nبرحت: برح به الأمر، أي أضر به ولقي منه شدة.\nقلبة: يقال ما به قلبة: أي ما به من ألم يحتاج أن ينقلب ليبصر، وقيل هو من القلبة، وهو داء يأخذ البعير في قلبه فيقتله.\n(١) التجسيس: تجسس الخبر: جسه، ومنه الجاسوس، من يتجسس الأخبار.\n٤٧٨ - مالك في الموطأ (٢/ ٤٤٧) ٢١ - كتاب الجهاد - ٣ - باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو. قال ابن عبد البر: اتفق رواة الموطأ على إرساله.\nبرحت: برح به الأمر: أضر به ولقي منه شدة.","vol":"2","page":708},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>فصل: في زواجه ﵊ بزينب بنت جحش</span>\nزينب بنت جحش بن رئاب الأسدية بنت عمة رسول الله ﷺ، أمها أميمة بنت عبد المطلب وهي التي زوجها الله ﷾ بنبيه لمصلحة تشريع، بينه في سورة الأحزاب.\n٤٧٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: \"اذكرها علي\" قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها: أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول ﷺ فدخل عليها بغير إذن قال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه، يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري، أنا أخبرته: أن القوم قد\n_________\n٤٧٩ - مسلم (٢/ ١٠٤٨) ١٦ - كتاب النكاح - ١٥ - باب زواج زينب بنت جحش، ونزول الحجاب، وإثبات وليمة العرس.\nلزيد: هو زيد بن حارثة الذي سماه الله سبحانه في تلك السورة من كتابه.\nفاذكرها علي: أي فاخطبها لي من نفسها.\nتخمر عجينها: أي تجعل في عجينها الخمير. قال المجد: وتخمير العجين تركه ليجود.\nفلما رأيتها عظمت في صدري ..: معناه أنها هابها واستجلها من أجل إرادة النبي ﷺ تزوجها. فعاملها معاملة من تزوجها ﷺ، في الإعظام والإجلال والمهابة. وقوله: أن رسول الله .. هو بفتح الهمزة من أن أي من أجل ذلك. وقوله: نكصت، أي رجعت. وكان جاء إليها ليخطبها وهو ينظر إليها، على ما كان من عادتهم. وهذا قبل نزول الحجاب. فلما غلب عليه الإجلال تأخر. وخطبها وظهره إليها، لئلا يسبقه النظر إليها.\nإلى مسجدها: أي موضع صلاتها من بيتها.\nونزل القرآن: يعني نزل قوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطرأ زوجناكها) فدخل عليها بغير إذن.\nولقد رأيتنا: أي رأيت أنفسنا.\nحين امتد النهار: أي ارتفع. هكذا هو في النسخ: حين، بالنون.","vol":"2","page":709},{"text":"خرجوا، أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه فنزل الحجاب، قال: ووعظ القوم بما وعظوا به.\nزاد في رواية: ذكر الآية (لا تدخلوا بيوت النبي) إلى قوله - (لا يستحيي من الحق) (١).\nولمسلم في رواية (٢) أبي كامل، قال: سمعت أنسا يقول: ما رأيت رسول الله ﷺ أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، فإنه ذبح شاة.\n٤٨٠ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج النبي ﵌ زينب بعثت أم سليم حيسًا في تور من حجارة، قال أنس: فقال لي النبي ﷺ: \"اذهب فادع من لقيت من المسلمين\" فذهبت فما رأيت أحدًا إلا دعوته قال: ووضع النبي ﵌ يده في الطعام ودعا فيه، وقال: \"ما شاء الله\" قال فجعلوا يأكلون ويخرجون، وبقيت طائفة في البيت فجعل النبي ﵌ يستحيي منهم وأطالوا الحديث فخرج رسول الله ﷺ، وتركهم في البيت، فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) يعني غير متحينين، حتى بلغ (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>جوانب من كمال شخصيته ﵇:</span>\nذكرنا قصة زواجه ﵊ من زينب ﵂ ههنا لإدراك جانب\n_________\n(١) الأحزاب: ٥٣.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق (٢/ ١٠٤٩).\nغير ناظرين إناه: أي غير منتظرين لإدراكه. والإنى كإلى، مصدر أنى يأني، إذا أدرك ونضج. ويقال: بلغ هذا إناه، أي غايته، ومنه حميم آن، وعين آنية، وبابه رمى.\n٤٨٠ - المستدرك (٢/ ٤١٧)، كتاب التفسير، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nالحيس: تمر وأقط وسمن تخلط وتعجن وتسوى كالثريد.\nتور: إناء يشرب فيه، وجمعه أتوار.\n(٣) الأحزاب: ٥٣.","vol":"2","page":710},{"text":"من شخصيته ﵊ وكمالاتها، فهذا الرسول الأعظم ﷺ الذي رأيته في الغزوات والعمل السياسي أعظم ما يمكن أن يكون إنسان تجده في قضاياه الشخصية على مثل هذا الحياء والتحمل لأصحابه، حتى إنه لا يواجههم بطلب شخصي يذكرهم بواجب ذوقي ما دام هذا الأمر مرتبطًا به.\nبل إنك لتجد أن حسن الأدب معه ﵊ وأدب التعامل يتنزل به القرآن. فيخرج بذلك رسول الله ﷺ من الإحراجات في شؤون كانت تضايقه ويحرج بالتنبيه عليها.\nكما أنه في قصة زينب نجد مظهرًا من مظاهر الكمال ودليلًا من أدلة الرسالة فكثيرًا ما يحدث أن تغيير تشريع أو سن قانون أو إنهاء عادة يحتاج إلى مقدمات وتمهيدات، وقد يوافق الغرض وقد لا يوافق، وقد ينجح وقد لا ينجح، وههنا تجد أن نظام التبني وهو نظام عميق الجذور في حياة العرب وفي حياة البشر يهدم بضربة واحدة بنزول آيات فيه، وبزواج محمد ﷺ ممن كانت زوجة لمتبناه، فينتهي بذلك نظام التبني من المجتمع الإسلامي الحق، إلى الأبد.\n* * *","vol":"2","page":711},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>فوائد عامة من أحداث السنة الخامسة</span>\n١ - لقد برز لنا في أحداث هذه السنة ومن قبل كان بارزًا وسنرى ذلك دائمًا أن رسول الله ﷺ كانت تأتيه أخبار تحشدات الأعداء في أوائلها فلم يكن يفاجأ بحادثة ولا تدبير يدبره الأعداء، وهذا يجعلنا أمام أهم قضية في الحرب والسلم، وهي قضية أجهزة المخابرات، إن العالم كله قد أدرك اليوم أنه بقدر ما يكون جهاز المخابرات قويًا فإن ذلك يعوض عليك أشياء كثيرة ويجنبك أشياء خطيرة، صحيح أن ذلك قد يكلف ولكن مهما كانت التكلفة فالربح أكبر، إنه بالنسبة لأي نظام يشكل جهاز المخابرات عينه التي تكشف الخطأ والخطر فتتلافى الأخطاء وتستأصل الأخطار قبل وقوعها، ومهما يقال بالنسبة لأجهزة المخابرات فالمسألة أخطر وأكبر، وكل ما يمكن أن تحققه أجهزة المخابرات في العالم كان يتحقق لرسول الله أحيانًا عن طريق عالم الأسباب وأحيانًا عن طريق الغيب، فكم من مؤامرة كشفها جبريل، ولكن رسول الله ﷺ مع هذا لم يكن ليغفل فذلك تكليفه ولقد كانت تتجمع عند رسول الله ﷺ المعلومات من مصادر متعددة، سراياه الاستطلاعية، المسلمون المتخفون، المتعاطفون مع المسلمين، المعاهدون، الفراسة واستكشاف ما وراء السطور، المهم أن رسول الله ﷺ ما كان يفاجأ بتآمر داخلي أو تهديد خارجي وهذا يجعل المسلمين في عصرنا أمام قضية يجب أن يعطوها كامل الاعتبار، مع ملاحظة الضوابط الشرعية.\n٢ - لقد قرر رسول الله ﷺ أن يدافع عن عاصمته، فهي معقله الأول والأخير على قلة العدد وكثرة العدو، وهذا يجعلنا أمام قاعدة مهمة أنه لا خيار في القتال عندما يصل العدو إلى العاصمة أو المعقل الأخير، أما إذا كان الانسحاب إلى معقل أو قيادة فهذا يدخل في التحيز إلى فئة. ولكن مع هذا فقد حرص الرسول ﷺ ألا يدخل في قتال تصادمي مع جيوش تفوق جيشه، وهذا يوصلنا إلى فكرة البحث عن أجدى الوسائل لتجنب الاستئصال، فليست مهمات القيادة أن تقاتل أو تجهز للقتال فقط بل من مهماتها أن تفكر في أن تكون خسائرها أقل إن فاتها أن تجعل خسائرها معدومة. فإذا عرفنا أنه لم يقتل من المسلمين في غزوة الأحزاب إلا ستة أدركنا كيف أن مبدأ الاقتصاد في القوى كان مطبقًا على أرقاه عند رسول الله ﷺ وفي ذلك درس للقيادات التي لا تبالي بعدد الضحايا","vol":"2","page":712},{"text":"في المعارك الرئيسية أو الجانبية.\n٣ - أسوأ القادة هم الذين لا يستطيعون أن يسيطروا على العصبيات، فضلًا عن أن ينزلوا في حمأتها، وأفضل القادة هم الذين يعرفون خصائص الناس ويعرفون لكل حقه ويستطيعون أن يضعوا الإنسان المناسب في المكان المناسب ويحسنون توجيه الطاقات، ولقد كان رسول الله ﷺ في كل شيء هو الأرقى، ومن ذلك هذا الجانب، فالجزيرة العربية مهد العصبيات، العصبية للأسرة وللشعب وللقبيلة، ورسول الله ﷺ محل قيادته المباشرة هم العرب، فكان لابد أن يسيطر على العصبيات، وأن يصهرها بعصبية واحدة هي العصبية للإسلام وأهله، وأن يستفيد بعد ذلك من خصائص الناس ومن تنافسهم، وإنك لتجد كيف أن هذا كله قد تهيأ لرسول الله ﷺ فلم يفلت الزمام من يده مرة واحدة على كثرة المحاولات من يهود ومن المنافقين لإركاس الناس في هذه الحمأة، تجد ذلك في مواقف كثيرة وسنرى في أحداث السنة السادسة نموذجًا على ذلك، وفي تنافس الأوس والخزرج على الفضائل بما يخدم الإسلام نموذج على الجانب الآخر، ومقتل أبي رافع الذي فعلته الخزرج لتكافئ الأوس في قتلها لكعب بن الأشرف بيان لهذا الجانب من حياته ﵊ في الاستفادة من العصبية بما يخدم الإسلام.\n٤ - المبادرة في العمل السياسي تشكل جانبًا مهمًا منه أو ركنًا من أركانه، والسياسي الناجح هو الذي يبادر في الوقت المناسب إذا وجد استعدادًا، ويفسد مبادرة خصمه إذا بادر الخصم إلى ما يضره، والسياسي المسلم مقيد دائمًا بالحق والعدل والحكم الشرعي والمصلحة، ولكن لابد أن يمتلك في حدود ذلك قوة المبادرة وقوة تجنب مبادرة الخصوم الضارة وما أصعب ذلك، والملاحظ أن حياة رسول الله ﷺ مليئة بالمبادرات، فمبادرته بكتابة العهود بينه وبين سكان المدينة، ومبادراته بالعقود، ومبادرته ضد استعدادات الآخرين نماذج، وفي قصة الأحزاب تجد الذين أقدموا على مبادرة التجميع ضد رسول الله ﷺ هم اليهود، واليهود في كل زمان ومكان يمتلكون الجرأة على المبادرات، ولكن مبادرتهم تلك ضد رسول الله ﷺ كانت كارثة عليهم، وهذا من توفيق الله له ﵊ ثم من كمالاته، على كل الأحوال فإن على الحركة الإسلامية أن تبادر. وأن تمتلك القدرة على التصرف أمام","vol":"2","page":713},{"text":"مبادرات الخصوم.\n٥ - في كثير من الأحيان تضطر القيادات السياسية والعسكرية لمواقف لابد منها، وفي مثل هذه المواقف لا يفرق بين الخائن والأمين إلا الثقة، فمن وثق قال عن قائده أمين ومن لم يثق قال عنه خائن، ولذلك لا يصح بالنسبة للقيادات الإسلامية أن تخدش الثقة، والقيادات الإسلامية في هذه الحالة بين أمرين: إما أن تستقيل، أو تتنزه عن مواطن الشبهات، وما عدا ذلك فإنه خيار صعب وقد يكون فاسدًا، وعلى كل الأحوال فهذا يجعلنا نؤكد على أنه يجب أن تبذل كافة الجهود لتبنى الثقة في القيادات على أرقاها، فذلك هو الطريق الوحيد للوصول إلى القرار الحكيم، نقول هذا بمناسبة أن رسول الله ﷺ عرض على غطفان ثلث ثمار المدينة في مقابل أن يتميزوا عن قريش. صحيح أن ذلك لم يبرم، ولكن هل أثر عرض رسول الله على الثقة فيه؟ ترى من يستطيع الآن من القيادات الإسلامية أن يعرض عروضًا ما على الكافرين بسبب ظروف صعبة ثم لا يكون محل تهمة لدى إخوانه؟ هذا الوضع يجب أن تتحرر الحركة الإسلامية منه، يجب أن يكون تقديرها للموقف سليمًا وعلى ضوء ذلك تتخذ قرارها المناسب، كائنًا ما كان ما دام شرعيًا وفيه مصلحة، وعليها أن تربي الصف على الثقة، وعلى القيادات أن تكون جديرة بهذه الثقة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>تقويم الموقف في نهاية السنة الخامسة</span>\nلقد انتهت غزوة الأحزاب في الظاهر بسلامة الفريقين وتكافئهما، ولكن الأمر في حقيقته كان غير ذلك، فلقد سجل رسول الله ﷺ في هذه الغزوة انتصارًا من أعظم انتصاراته، لقد كان هو المنتصر الأكبر على الساحة جميعها سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا ونفسيًا، فعندما يرجع جيش مقداره عشرة آلاف وهو أضخم جيش عرفته الجزيرة العربية حتى يومها، دون أن يحقق شيئًا ضد جيش قوامه ثلاثة آلاف فذلك وحده خسارة لهذا الجيش، فإذا ما أضيف إلى ذلك أن هذه أول تجربة لتجميع العرب المشركين ضد محمد ﷺ وكانت تجربة فاشلة فهذا يعني أنها لن تتكرر وذلك ربح آخر، ولئن ترتب على هذه الغزوة استئصال قريظة بسبب غدرها فذلك يعني أن المسلمين لن يؤتوا مرة أخرى من","vol":"2","page":714},{"text":"داخلهم وذلك ربح، فإذا ما اجتمع مع ذلك أن قريشًا رجعت يائسة لأنها مع غيرها لن تستطيع أن تفعل شيئًا فكيف بها وحدها؟ وإذن فقريش لن تعيد الكرة وذلك كذلك ربح وهكذا نجد رسول الله ﷺ وهو يدلف إلى السنة السادسة في أفضل وضع سياسيًا وعسكريًا وسنرى كيف أنه استفاد من هذه الظروف كلها أيما استفادة فحقق في السنة السادسة أعظم انتصار في تاريخ الدولة الإسلامية الناشئة.\n* * *","vol":"2","page":715},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>السنة السادسة للهجرة</span>","vol":"2","page":717},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>أحدث السنة السادسة في سطور</span>\nكان الموقف الذي تمخضت عنه أحداث السنة الخامسة يحتاج إلى استثمار، ولا أعرف في تاريخ العالم أحدًا يستطيع أن يستثمر وضعًا كما يفعل رسول الله ﷺ وما جرى في السنة السادسة نموذج على ذلك، فلقد صعد رسول الله ﷺ زخم (١) السرايا والبعوث كما لم يفعل من قبل وبذلك ثبت القبائل كلها، كل في مكانه، وفي هذا الجو أعلن أنه يريد العمرة وبهذا بلغ ﷺ قمة الموقف، فالقبائل مثبتة، وشعار العمرة لا يرفضه أحد، وبهذا دخلت قريش في أكبر إحراج سياسي وعسكري، فلو شاءت أن تستنفر العرب لقتال لا تجد من يستجيب، فمن يقاتل من يريد العمرة؟! ولو أرادت أن تتحد لقتال فإنها لا تستطيع لأنه لا يمكن أن يجتمع أهل مكة على قتال العمار فلم يكن أمامها إلا أن تصالح، وبهذا الصلح حقق رسول الله ﷺ أكبر انتصار سياسي، فبهذا الصلح ترك الشرك بلا رأس ولا قيادة، وبهذا أصبح وحده سيد الموقف، وأصبح بإمكانه أن يضرب حيث شاء دون أن يخشى تجمع الأطراف ضده، فقد أصبح أبناء الجزيرة أمامه أفرادًا أو فئات قليلة، وهذا أعطاه فرصًا كبيرة منها: فتح خيبر وغيرها كما سنرى في أحداث السنة السابعة، وفي خضم هذه الإنجازات الهائلة نجد مشكلات في غاية الضخامة، ومتاعب كثيرة، وكل ذلك كان رسول الله ﷺ يتعامل معه على أقوى ما يكون التعامل ولا نستبق الأحداث.\nفلنبدأ بما اعتدنا أن نبدأ به من ذكر أحداث السنة في سطور، ولعلك من هذه السطور تتعرف على بعض ما ذكرناه.\n* * *\n_________\n(١) زخم: زخمه زخمًا: دفعه دفعًا شديدًا.","vol":"2","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>أهم أحداث هذه السنة في سطور</span>\n* في عشر من المحرم سنة ست للهجرة أرسل الرسول ﷺ سرية على رأسها محمد بن مسلمة في ثلاثين راكبًا قبل نجد فسارت بناحية القرطاء بناحية ضرية (١) بالبكرات من أرض نجد، وداهمت بطنًا من بني بكر بن كلاب، فلما أغارت عليهم هربوا واستاق المسلمون نعمهم وشاءهم وأسروا ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة الذي كان قادمًا لاغتيال رسول الله ﷺ ثم كان عاقبة أمره أن أسلم.\n* وفي ربيع الأول أو الآخر سنة ٦ هـ، أرسل رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن في أربعين رجلًا إلى الغمر ماء لبني أسد! ففر القوم وأصاب المسلمون مائتي بعير ساقوها إلى المدينة، ثم كانت السرايا التالية:\nقال المباركفوري:\n* سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة في ربيع الأول أو الآخر سنة ٦ هجرية خرج ابن مسلمة في عشرة رجال إلى القصة في ديار بني ثعلبة، فكمن القوم لهم - وهم مائة فلما ناموا قتلوهم إلا ابن مسلمة فإنه أفلت منهم جريحًا.\n* سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في ربيع الآخر سنة ٦ هـ، وقد بعثه النبي ﷺ على إثر مقتل أصحاب محمد بن مسلمة، فخرج ومعه أربعون رجلًا إلى مصارعهم، فساروا ليلتهم مشاة، ووافوا بني ثعلبة مع الصبح فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هربًا في الجبال، وأصابوا رجلًا واحدًا فأسلم. وغنموا نعمًا وشاء.\n* سرية زيد بن حارثة إلى الجموم في ربيع الآخر سنة ٦ هـ. والجموم ماء لبني سليم في مر الظهران، خرج إليهم زيد فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة، فدلتهم على محلة من بني سليم أصابوا فيها نعمًا وشاء وأسرى، فلما قفل بما أصاب، وهب رسول الله ﷺ للمزينية نفسها وزوجها.\n_________\n(١) ضرية: قرية بين البصرة ومكة.","vol":"2","page":720},{"text":"* سرية زيد أيضًا إلى العيض في جمادى الأولى سنة ٦ هـ في سبعين ومائة راكب، وفيها أخذت أموال عير لقريش كان قائدها أبو العاص ختن (١) رسول الله ﷺ. وأفلت أبو العاص، فأتى زينب فاستجار بها، وسألها أن تطلب من رسول الله ﷺ رد أموال العير عليه، ففعلت، وأشار رسول الله ﷺ على الناس برد الأموال من غير أن يكرههم، فردوا الكثير والقليل والكبير والصغير حتى رجع أبو العاص إلى مكة، وأدى الودائع إلى أهلها، ثم أسلم وهاجر فرد عليه رسول الله ﷺ زينب بالنكاح الأول بعد ثلاث سنين ونيف كما ثبت في الحديث الصحيح ردها بالنكاح الأول لأن آية تحريم المسلمات على الكفار لم تكن نزلت إذ ذاك (٢).\n* سرية زيد أيضًا إلى الطرف أو الطرق في جمادى الآخرة سنة ٦ هـ خرج زيد في خمسة عشر رجلًا إلى بني ثعلبة فهربت الأعراب، وخافوا أن يكون رسول الله ﷺ سار إليهم، فأصاب من نعمهم عشرين بعيرًا، وغاب أربع ليال.\n* سرية زيد أيضًا إلى وادي القرى في رجب سنة ٦ هـ خرج زيد في اثني عشر رجلًا إلى وادي القرى لاستكشاف حركات العدو إن كانت هناك، فهجم عليهم سكان وادي القرى. فقتلوا تسعة وأفلت ثلاثة فيهم زيد بن حارثة.\n* سرية الخبط (٣) - تذكر هذه السرية في رجب سنة ٨ هـ. ولكن السياق يدل على أنها كانت قبل الحديبية، قال جابر: بعثنا النبي ﷺ في ثلاثمائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيرًا لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمى جيش الخبط، فنحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقى إلينا البحر دابة يقال لها: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر. وادهنا (٤) منه حتى\n_________\n(١) الختن: المراد زوج ابنته زينب ﵂.\n(٢) وأما ما ورد من الحديث من أنه رد عليه بنكاح جديد، أو رد عليه بعد ست سنين فلا يصح معنى، كما أنه ليس بصحيح سندًا.\n(٣) الخبط: ما سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض.\n(٤) ادهنا منه: انتفعنا من دهنه.","vol":"2","page":721},{"text":"ثابت منه أجسامنا، وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه، فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل، فحمل عليه، ومر تحته، وتزودنا من لحمه وشائق (١)، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا له ذلك فقال: \"هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء، تطعمونا\" فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ (٢) منه.\nوإنما قلنا: إن سياق هذه السرية يدل على أنها كانت قبل الحديبية لأن المسلمين لم يكونوا يتعرضون لعير قريش بعد صلح الحديبية.\n* وفي ٢ شعبان سنة ٦ للهجرة خرج رسول الله ﷺ نحو بني المصطلق، بعد أن بلغه أن الحارث بن أبي ضرار يحشد له يريد غزو المدينة، وكانت معركة قصيرة هرب فيها المشركون وانتصر المسلمون، وفي هذه الغزوة حدثت حادثة الإفك، كما حاول المنافقون أن يحدثوا فتنة بين المسلمين ولكن الله سلم، وتمخضت هذه الغزوة عن زواج رسول الله ﷺ بجويرية بنت الحارث ﵂.\nثم والى رسول الله ﷺ إرسال السرايا: قال المباركفوري:\n* سرية عبد الرحمن بن عوف إلى ديار بني كلب بدومة الجندل، في شعبان سنة ٦ هـ. أقعده رسول الله ﷺ بين يديه، وعممه بيده، وأوصاه بأحسن الأمور في الحرب، وقال له: \"إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم\" فمكث عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبع، وهي أم أبي سلمة، وكان أبوها رأسهم وملكهم.\n* سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان سنة ٦ هـ وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن بها جمعًا يريدون أن يمدوا اليهود. فبعث إليهم عليًا في مائتي رجل،\n_________\n(١) وشائق: وشق اللحم: شرحه وقدده وجففه.\n(٢) أخرجه البخاري بنحوه (٩/ ٦١٥). ٧٢ - كتاب الذبائح والصيد. ١٢ - باب قول الله تعالى: (أحل لكم صيد البحر).\n- ومسلم واللفظ له (٣/ ١٥٣٦). ٣٤ - كتاب الصيد والذبائح ٤ - باب إباحة ميتات البحر.","vol":"2","page":722},{"text":"وكان يسير الليل ويكمن النهار، فأصاب عينًا لهم فأقر أنهم بعثوه إلى خيبر يعرضون عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر. ودل العين على موضع تجمع بني سعد، فأغار عليهم علي، فأخذ خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد بالظعن، وكان رئيسهم وبر بن عليم.\n* سرية أبي بكر الصديق أو زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رمضان سنة ٦ هـ. كان بطن فزارة يريد اغتيال النبي ﷺ، فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق فأغار عليهم وقتل وأسر وسبى وكان من شياطينهم أم قرفة التي جهزت ثلاثين فارسًا من أهل بيتها لاغتيال رسول الله ﷺ، فقتلوا وسبيت ابنتها ففدى بها رسول الله ﷺ بعض أسارى المسلمين في مكة.\n* سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوال سنة ٦ هـ وذلك أن رهطًا من عكل وعرينة أظهروا الإسلام، وأقاموا بالمدينة فاستوخموها، فبعثهم رسول الله ﷺ في ذود في المرعى، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ، واستاقوا الإبل وكفروا بعد غسلامهم، فبعث في طلبهم كرزًا الفهري في عشرين من الصحابة، ودعا على العرنيين: \"اللهم اعم عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مسك\" فعمى الله عليهم السبيل فأدركوا، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، جزاء وقصاصًا بما فعلوا فقد جمعوا بين قتل الراعي وسمل عينيه، ثم تركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا. وحديثهم في الصحيح عن أنس (١).\nوبعد هذا الزخم من العمليات المتواصلة، قام رسول الله ﷺ بأعظم ضربة سياسية إذ أعلن أنه يريد العمرة إلى بيت الله الحرام غرة ذي القعدة، وقد تمخض ذلك عن صلح الحديبية الذي يعتبر نصرًا ساحقًا من وجهة النظر السياسية كما سنرى.\n_________\n= مسك: الموضع الذي يمسك الماء من الجريان.\n(١) أخرجه البخاري (٧/ ٤٥٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٦ - باب قصة عكل وعرينة.\n- ومسلم نحوه (٣/ ١٢٩٦) ٢٨ - كتاب القسامة - ٢ - باب حكم المحاربين والمرتدين.","vol":"2","page":723},{"text":"وبعد أن آب إلى مدينته المباركة وجه مباشرة رسائل إلى الملوك المعروفين في عصره يدعوهم فيها إلى الله، ثم توجه في بداية السنة السابعة نحو تصفية السلطان السياسي لليهود في جزيرة العرب فكانت غزوة خيبر في أوائل السنة السابعة، وذكر ابن كثير أنه في سنة ست هذه فرض الحج على رأي الشافعي ﵀.\nولقد درجنا في هذا القسم على أن نعقد فصولًا لأهم الأحداث أو لأحداث نريد أن نعلق عليها تاركين بعض الموضوعات إلى محالها من هذه السلسلة، كما درجنا أن نقف وقفات خاصة عند أحداث السيرة التي نزل بسببها أو فيها قرآن، ولقد نزل قرآن في حادثتين وقعتا في غزوة بني المصطلق ونزل قرآن في حادثة الحديبية ومراعاة لهذا كله فسنعقد خمسة فصول لهذه السنة:\nفصل: في غزوة نجد وإسلام ثمامة بن أثال.\nفصل: في غزوة المريسيع وبني المصطلق.\nفصل: في العرنيين.\nفصل: في صلح الحديبية.\nفصل: في مراسلات رسول الله ﷺ إلى الملوك والرؤساء والأمراء.\n* * *","vol":"2","page":724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>فصل: في غزوة نجد وإسلام ثمامة بن أثال</span>\n٤٨١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: \"بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: \"ماذا عندك يا ثمامة؟ \" فقال: عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فترك حتى كان الغد ثم قال له: \"ما عندك يا ثمامة؟ \" فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان بعد الغد فقال: \"ما عندك يا ثمامة؟ \" فقال: عندي ما قلت لك. فقال: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي. والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي. وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ، وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع رسول الله، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ.\n* * *\n_________\n٤٨١ - البخاري (٨/ ٨٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧ - باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال.\nومسلم (٣/ ١٣٨٦) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ١٩ - باب ربط الأسير وحبسه، وجواز المن عليه.\nتقتل ذا دم: تقتل صاحب دم له به موقع يشتفي بقتله قاتله ويدرك قاتله به ثأره لرياسته وفضيلته وقيل تقتل من عليه دم مطلوب به وهو مستحق لذلك فلا عتب عليك في قتله (عن القاضي عياض في شرح صحيح مسلم).\nصبوت: أي: خرجت من دينك؟.","vol":"2","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>فصل: في غزوة المريسيع</span>\n٤٨٢ - * روى الطبراني عن سنان بن وبرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق، فكان شعارهم يا منصور أمت أمت.\n٤٨٣ - * روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حيان كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلح قال: بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق، يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله ﷺ فلما سمع بهم رسول الله ﷺ خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحم الناس، واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقتل الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية، وقتل من قتل منهم، ونفل الله رسوله ﷺ أبناءهم ونساءهم، وكان رسول الله ﷺ أصاب منهم سبيًا كثيرًا، قسمه في المسلمين وكان فيما أصاب يومئذ من النساء جويرية بنت أبي ضرار سيدة نساء قومها.\n٤٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عون ﵀ قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلي: إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى\n_________\n٤٨٢ - المعجم الكبير (٧/ ١٠١)،.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٢): رواه الطبراني في الأوسط الكبير، وإسناد الكبير حسن.\nالمريسيع: اسم ماء من ناحية قديد إلى الساحل.\n٤٨٣ - المعجم الكبير (٢٤/ ٦٠).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٢): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، إسناد الكبير حسن.\nنفل القالد الجند: أعطاهم ما غنموا.\n٤٨٤ - البخاري (٥/ ١٧٠) ٤٩ - كتاب العتق - ١٣ - باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية.\nومسلم (٣/ ١٣٥٦) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، من غير تقدم الإعلام بالإغارة.\nالدعاء قبل القتال: أراد بالدعاء: الإنذار، وأن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم.","vol":"2","page":726},{"text":"سبيهم وأصاب يومئذ جويرية. وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش.\nقال النووي في شرح مسلم:\nوفي هذا الحديث: جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار بالإغارة، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب حكاها المازري والقاضي، أحدها: يجب الإنذار مطلقًا، قاله مالك وغيره، وهذا ضعيف. والثاني: لا يجب مطلقًا، وهذا أضعف منه أو باطل. والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحب، وهذا هو الصحيح، وبه قال نافع مولى ابن عمر والحسن البصري والثوري والليث والشافعي وأبو ثور وابن المنذر والجمهور. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>١ - وفي هذه الغزوة حدثت حادثة الإفك:</span>\n٤٨٥ - * روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: كانت غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست وفي تلك الغزوة خرج رسول الله ﷺ بعائشة معه، أقرع بين نسائه فخرج سهمها. وفي تلك الغزوة قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فأنزل الله ﷿ براءتها.\nقال البخاري (١): وهي غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست، وقال النعمان بن راشد عن الزهري: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع.\n٤٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير\n_________\n= غارون: الغرة: الغفلة، ورجل غار، وقوم غارون.\nسبيهم: سبيت العدو سبيًا: إذا أسرته، واستوليت عليه.\nجويرية: تصغير جارية، هي زوج النبي ﷺ، وهي جويرية بنت الحارث.\n٤٨٥ - المعجم الكبير (٢٣/ ١٦٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٢): رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n(١) البخاري (٧/ ٤٢٨) ٦٤ - كتاب المغازي ٣٢ - باب غزوة بني المصطلق.\n٤٨٦ - البخاري (٧/ ٤٣١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٤ - باب حديث الإفك.","vol":"2","page":727},{"text":"وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة، زوج النبي ﷺ. ين قال لها أهل الإفك ما قالوا. فبرأها الله مما قالوا. وكلهم حدثني طائفة من حديثها. وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض. وأثبت اقتصاصًا. وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث. الذي حدثني. وبعض حديثهم يصدق بعضًا. ذكروا؛ أن عائشة، زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا، أقرع بين نسائه. فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه.\nقالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها. فخرج فيها سهمي. فخرجت مع رسول الله ﷺ. وذلك بعدما أنزل الحجاب. فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه، مسيرنا. حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل. فقمت حين آذنوا بالرحيل. فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل. فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع. فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب. وهم يحسبون أني فيه.\nقالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافًا. لم يهبلن ولم يغشهن اللحم. إنما يأكلن العلقة من الطعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه. وكنت جارية حديثة (١)\n_________\n= وأيضًا البخاري (٨/ ٤٥٢) ٦٥ - كتاب التفسير - ٦ - باب لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم\".\nومسلم (٤/ ٢١٢٩) ٤٩ - كتاب التوبة - ١٠ - باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف.\nالإفك: الكذب، وأراد به: قذف عائشة ﵂.\nأوعى: أحفظ.\nآذن: أي أعلم، يعني: نادى بالرحيل.\nجزع أظفار: الجزع هنا: الحجر اليماني المعروف، وإضافته إلى أظفار: تخصيص له، وفي اليمن موضع يقال له: ظفار، والرواية في الحديث \"أظفار - وظفار\".\nلم يهبلن: أي لم يكثر لحمهن من السمن فيثقلن، والمهبل: الكثير اللحم، الثقيل الحركة من السمن، وقد روي \"لم يهبلن.\nالعلقة: بضم العين: البلغة من الطعام قدر ما يمسك الرمق، تريد: القليل.","vol":"2","page":728},{"text":"السن فبعثوا الجمل وساروا. ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فتيممت منزلي الذي كنت فيه. وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، قد عرس من وراء الجيش فادلج. فأصبح عند منزلي. فرأى سواد إنسان نائم. فأتاني فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أني ضرب الحجاب علي. فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني. فخمرت وجهي بجلبابي. ووالله! ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه. حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها. فانطلق يقود بي الراحلة. حتى أتينا الجيش. بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة. فهلك من هلك في شأني. وكان الذي تولى كبره. عبد الله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة. فاشتكيت، حين قدمنا المدينة، شهرًا. والناس يفيضون في قول أهل الإفك. ولا أشعر بشيء من ذلك. وهو يربني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول (١)\n_________\n= داع ولا مجيب: أي ليس بها أحد، لا من يدعو، ولا من يرد جوابا.\nعرس فادلج: التعريس: نزول آخر الليل نزلة الاستراحة، والإدلاج - بالتشديد -: سير آخر الليل.\nعرس من وراء الجيش: قال الحافظ في الفتح: قال أبو زيد: التعريس. النزول في السفر في أي وقت كان. وقال غيره: أصله: النزول من آخر الليل في السفر للراحة.\nووقع في حديث ابن عمر: بيان سبب تأخر صفوان، وكان صفوان سأل النبي ﷺ: أن يجعله على الساقة، فكان إذا رحل الناس قام يصلي، ثم اتبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به. وفي حديث أبي هريرة وكان صفوان يتخلف عن الناس، فيصيب القدح والجراب والإداوة وفي مرسل مقاتل بن حيان فيحمله فيقدم به فيعرفه أصحابه\" وكذا في مرسل سعيد بن جبير نحوه.\nالاسترجاع: هو قول القائل: (إنا لله وإنا إليه راجعون).\nبجلبابي: الجلباب: ما يتغطى به الإنسان من ثوب أو إزار.\nموغرين: الوغرة: شدة الحر، ومنه يقال: وغر صدره يوغر: إذا اغتاظ وحمي، وأوغره غيره، فيكون قوله: موغرين، أي: داخلين في شدة الحر.\nنحر الظهيرة: الظهيرة: شدة الحر، ونحرها: أولها، ونحر كل شيء: أوله.\nكبر الإفك: الكبر - بكسر الكاف وضمها ها هنا - معظم الإفك.\nيفيضون: الإفاضة في الحديث: التحدث به والخوض فيه بين الناس.\nيريبني: رابني الشيء يريبني: شككت فيه، ولا يكون ريبا إلا في شك مع تهمة.","vol":"2","page":729},{"text":"\"كيف تيكم؟ \" فذاك يريبني.\nولا أشعر بالشر. حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع. وهو متبرزنا. ولا نخرج إلا إلى ليل. وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه. وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف. وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق. وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب. فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي. حين فرغنا من شأننا. فعثرت أم مسطح في مرطها. فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبين رجلًا قد شهد بدرًا. قالت: أي هنتاه! أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت، فأخبرتني بقول أهل الإفك. فازددت مرضًا إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول الله ﷺ: فسلم ثم قال \"كيف تيكم؟ \" قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت، وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ. فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه! ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية! هوني عليك. فوالله! لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا كثرن عليها. قالت قلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس (١)\n_________\n= تيكم: بالمثناه المكسورة، وهي إشارة للمؤنث مثل ذاكم للذكر.\nواستدلت عائشة بهذه الحالة على أنها استشعرت منه بعض جفاء، ولكنها لما لم تكن تدري السبب ولم تبالغ في التنقيب عن ذلك حتى عرفته.\nالمناصع: المواضع الخالية تقضى فيها الحاجة من الغائط والبول، وأصله: مكان فسيح خارج البيوت، واحدها: منصع.\nالكنف: جمع كنيف. وهو الساتر، والمراد به هنا: المكان المتخذ لقضاء الحاجة.\nمرطها: المرط: كساء من صوف أو خز يؤتزر به، وجمعه مروط.\nتعس: الإنسان: إذا عثر، ويقال في الدعاء على الإنسان: تعس فلان، أي: سقط لوجهه.\nهنتاه: يقال: امرأة هنتاه، أي: بلهاء، كأنها منسوبة إلى البله وقلة المعرفة بمكائد الناس وفسادهم.\nوضيئة: الوضاءة: الحسن، ووضيئة: فعيلة بمعنى: فاعلة.\nقلت سبحان الله: قال الحافظ في الفتح قوله: فقلت: سبحان الله استغاثت بالله متعجبة من وقوع مثل ذلك في حقها مع براءتها المحققة عندها.","vol":"2","page":730},{"text":"بهذا؟ قالت، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي. ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي. يستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال: يا رسول الله! هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك. والنساء سواها كثير. وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال \"أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ \" قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ على المنبر. فاستعذر من عبد الله بن أبي، ابن سلول. قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: (١)\n_________\n= فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة ..: قال الحافظ: ظاهره: أن السؤال وقع بعد ما علمت بالقصة، لأنها عقبت بكاءها تلك الليلة بهذا، ثم عقبت هذا بالخطبة. ورواية هشام بن عروة تشعر بأن السؤال والخطبة وقعا قبل أن تعلم عائشة بالأمر، فإن في رواية هشام عن أبيه عن عائشة لما ذكر من شأني الذي ذكر، وما علمت به، قام رسول الله ﷺ\" فذكر قصة الخطبة الآتية، ويمكن الجمع بأن الفاء في قولها (فدعا) عاطفة على شيء محذوف، تقديره: وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد سمع ما قيل، فدعا عليا.\nاستلبث الوحي: قال الحافظ في الفتح: قوله استلبث الوحي بالرفع: أي طال لبث نزوله، وبالنصب: أي استبطأ النبي ﷺ نزول الوحي.\nهم أهلك: قال الحافظ في الفتح: \"هم أهلك\" أي العفيفة اللائقة بك، ويحتمل أن يكون قال ذلك متبرئًا من المشورة، ووكل الأمر إلى رأي النبي ﷺ، ثم لم يكتف بذلك، حتى أخبر بما عنده، فقال (ولا نعلم إلا خيرًا) وإطلاق (الأهل) على الزوجة شائع، قال ابن التين أطلق عليها أهلًا، وذكرها بصيغة الجمع، حيث قال: (هم أهلك) إشارة إلى تعميم الأزواج بالوصف المذكور. ا. هـ، ويحتمل أن يكون جمع لإرادة تعظيمها.\nقال الكرماني حول قول علي: (لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير): وإنما قال علي ﵁ ذلك: تسهيلًا للأمر على رسول الله ﷺ، وإزالة لما هو متلبس به، تخفيفًا لما شاهده فيه، لا عداوة لها، حاشاهم عن ذلك.\nإن رأيت: ما رأيت فيها مما تسالون عنه شيئًا أصلًا، وأما من غيره: ففيها ما ذكرت من غلبة النوم لصغر سنها، ورطوبة بدنها، قاله الحافظ في (الفتح).\nأغمصه: الغمص: العيب.\nالداجن: الشاة التي تالف البيت وتقيم به، يقال: دجن بالمكان إذا أقام به.\nفاستعذر: يقال: من يعذرني من فلان، أي: من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه، فلا يلومني، واستعذر:","vol":"2","page":731},{"text":"\"يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي. فوالله! ما علمت على أهلي إلا خيرًا. ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا. وما كان يدخل على أهلي إلا معي\" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه. يا رسول الله! إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا. ولكن اجتهلته الحمية. فقال لسعد بن معاذ: كذبت. لعمر الله! لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت. لعمر الله! لنقتلنه. فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس والخنزرج. حتى هموا أن يقتتلوا. ورسول الله ﷺ قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها. فجلست تبكي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ. فسلم ثم جلس: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل. وقد لبث شهرًا لا (١)\n_________\n= استفعل من ذلك، أي قال: من يعذرني؟ فقال له سعد بن معاذ: أنا أعذرك، أي أقوم بعذرك.\nوكان قبل ذلك رجلًا صالحًا: أي كامل الإصلاح.\nقال الحافظ في الفتح حول قول أسيد لسعد بن عبادة فإنك منافق تجادل عن المنافقين:\nأطلق أسيد ذلك مبالغة في زجره عن القول الذي قاله. وأراد بقوله: (فإنك منافق) أي: تصنع صنيع المنافقين. وفسره بقوله (تجادل عن المنافقين) وقابل قول سعد بن معاذ (كذبت لا تقتله) بقوله هو (كذبت لنقتلنه) وقال المازري: إطلاق أسيد لم يرد به نفاق الكفر. وإنما أراد: أنه كان يظهر المودة لقومه الأوس. ثم ظهر منه في هذه القصة ضد ذلك. فأشبه حال المنافق، لأن حقيقة النفاق: إظهار شيء وإخفاء غيره. ولعل هذا هو السبب في ترك إنكار النبي ﷺ.\nاجتهلته الحمية: الاجتهال: افتعال من الجهل، أي: حملته الحمية، وهي الأنفة والغضب على الجهل، واحتملته: افتعلته من الحمل.\nيخفضهم: يهون عليهم ويسكنهم.\nفأصبح عندي أبواي: قال الحافظ في \"الفتح\": أي، أنهما جاءا إلى المكان الذي كنت به من بيتهما، لا أنها رجعت من عندهم إلى بيتها، ووقع في رواية محمد بن ثور عن معمر \"وأنا في بيت أبوي\".\nفالق: فاعل، من فلق الشيء: إذا شقه.","vol":"2","page":732},{"text":"يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: \"أما بعد. يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله. وإن كنت ألممت بذنب. فاستغفري الله وتوبي إليه. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه\" قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال. فقال: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ. فقالت: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلت، وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إني، والله! لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به. فإن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقونني. وإني، والله! ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.\nقالت: ثم تحولت فاضجعت على فراشي. قالت وأنا، والله! حينئذ أعلم أني بريئة. وأن الله مبرئي ببراءتي. ولكن، والله! ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي (١)\n_________\n= ألممت: الإلمام: المقاربة، وهو من اللمم: صغار الذنوب وقيل: اللمم: مقاربة: المعصية من غير إيقاع فعل.\nقال في اللسان: الإلمام في اللغة، يوجب أنك تأتي في الوقت. ولا تقيم على الشيء. فهذا معنى اللمم قال أبو منصور: ويدل على صواب قوله قول العرب: ألممت بفلان إلمامًا، وما تزورنا إلا لمامًا.\nقال أبو عبيد: معناه: في الأحيان، على غير مواظبة.\n(وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه):\nقال الداودي: أمرها بالاعتراف، ولم يندبها إلى الكتمان، للفرق بين أزواج النبي ﷺ وغيرهن. فيجب على أزواجه الاعتراف بما يقع منهن، ولا يكتمنه إياه، لأنه لا يحل لنبي إمساك من يقع منها ذلك. بخلاف نساء الناس، فإنهن يندبن إلى الستر. وتعقبه عياض بأنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك، ولا فيه أنه أمرها بالاعتراف، وإنما أمرها أن تستغفر الله، وتتوب إليه، أي فيما بينها وبين ربها. فليس صريحًا في الأمر لها بأن تعترف عند الناس بذلك، قال الحافظ: وسياق جواب عائشة يشعر بما قال الداودي، ولكن المعترف عنده ليس على إطلاقه، فليتأمل. ويؤيد ما قال عياض: أن في رواية ابن حاطب، قالت \"فقال لي أبي: إن كنت صنعت شيئًا، فاستغفري الله، وإلا فأخبري رسول الله ﷺ بعذرك\".\nقلص: قلص الدمع: انقطع جريانه.\nلا أقرأ كثيرًا من القرآن: قالت هذا، توطئة لعذرها، لكونها لم تستحضر اسم يعقوب ﵇.","vol":"2","page":733},{"text":"يتلى. ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله ﷿ في بأمر يتلى. ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رويا يبرئني الله بها. قالت: فوالله: ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ. فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي. حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، في اليوم الشات، من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول الله ﷺ، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: \"أبشري يا عائشة! أما الله فقد برأك\" فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله! لا أقوم إليه. ولا أحمد إلا الله. هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله ﷿ (إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم) (١) عشر آيات. فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات براءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله! لا أنفق عليه شيئًا أبدًا. بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله ﷿ (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى) (٢) على قوله (ألا تحبون أن يغفر الله لكم).\n_________\n= ما رام: أي ما برح من مكانه، يقال: رام يريم: إذا برح وزال، وقلما يستعمل إلا في النفي.\nالبرحاء: الشدة.\n(١) النور: ١١.\n(٢) النور: ٢٢.\nالجمان: جمع جمانة: وهي الدرة، وقيل: هي خرزة تعمل من الفضة مثل الدرة.\nسري عنه: أي كشف عنه.\n(إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) العشر الآيات:\nقال الحافظ في \"الفتح\": آخر العشر قوله (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) لكن وقع في رواية عطاء الخراساني عن الزهري فأنزل الله (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم - إلى قوله - أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) وعدد الآي إلى هذا الموضع: ثلاث عشرة آية فلعل في قولها: العشر الآيات، مجازًا بطريق إلغاء الكسر.\nوفي رواية الحكم بن عيينة مرسلًا عند الطبري \"لما خاض الناس في أمر عائشة\" فذكر الحديث مختصرًا، وفي آخره: فأنزل الله خمس عشرة آية من سورة النور - حتى بلغ - (الخبيثات للخبيثين) [النور: ٢٦] وهذا منه تجوز. فعدد الآي إلى هذا الموضع ست عشرة وفي مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم والحاكم في الإكيليل: فنزل ثماني عشر آية متوالية كذبت من قذف عائشة * إن الذين جاءوا - إلى قوله - رزق كريم* وفيه ما فيه أيضًا. وتحرير العدة: سبع عشرة آية.\nولا يأتل يأتل: يفتعل، من الألية: وهي القسم، يقال: ألى وائتلى وتألى.","vol":"2","page":734},{"text":"قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله.\nفقال أبو بكر: والله! إني لأحب أني غفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه. وقال: لا أنزعها منه أبدًا.\nقالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري: \"ما علمت؟ أو ما رأيت؟ \" فقالت: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري. والله! ما علمت إلا خيرًا.\nقالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ. فعصمها الله بالورع. وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها. فهلكت فيمن هلك.\nقال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط.\nومن رواياته (١): قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله.\nومنها (٢): قام رسول الله ﷺ في خطيبًا فتشهد ثم قال: \"أما بعد فأشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء قط، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه\n_________\n= أحمي سمعي: حميت سمعي وبصري: إذا منعتهما من أن أنسب إليهما ما لم يدركاه.\nتساميني: المساماة: مفاعلة من السمو والعلو: أي أنها تطلب من السمو والعلو مثل الذي أطلب.\nفعصمها الله بالورع: أي منعها بالمعدلة، ومجانبة ما لا يحل.\nطفقت: بكسر الفاء، وحكي فتحها أي: جعلت أو شرعت.\nتحارب لها: أي: تجادل لها وتتعصب، وتحكي ما قال أهل الإفك أي: لتنخفض منزلة عائشة، وتعلو منزلة أختها زينب.\n(١) البخاري مطولًا (٧/ ٤٣٥)، ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٤ - باب حديث الإفك.\nومسلم في نفس الموضع السابق (٤/ ٢١٣٨).\nكنف: الكنف: الجانب، والمراد: ما كشفت على امرأة ما سترته من نفسها، إشارة إلى التعفف.\n(٢) البخاري (٨/ ٤٨٧)، ٦٥ - كتاب التفسير - ١١ - باب (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا - إلى قوله - والله غفور رحيم).\nأبنوا أهلي: التأبين على وجهين: فتأبين الحي: ذكره بالقبيح، ومنه قوله: أبنوا أهلي: أي ذكروهم بسوء. والثاني","vol":"2","page":735},{"text":"من سوء قط ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي\".\nفقام سعد بن معاذ بنحوه* وفيه: فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت، وقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم أتسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم أتسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح، فانتهرتها، فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت: في أي شأني؟ فبقرت لي الحديث فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلًا ولا كثيرًا ووعكت* وفيه: وبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، وقال: أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت، ولقد جاء رسول الله ﷺ بيتي، فسأل عني خادمي، فقالت: لا والله ما علمت عليها عيبًا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خبزها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر* وفيه فأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل رسول الله ﷺ بنحوه* وفيه: والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف * وفيه: أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك، قالت: وكنت أشد ما كنت غضبًا، فقال لي أبواي: قومي إليه فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا\n_________\n= تأبين الميت: وهو مدحه بعد موته.\nفبقرت: البقر: الفتح والتوسعة والشق، والمعنى: ففتحت لي الحديث وكشفته وأوضحته.\nوايم الله: من ألفاظ القسم، وفيها لغات كثيرة.\nوأسقطوا لها به: أسقطوا به: أي: قالوا لها السقط من القول، وهو الرديء، يريد: أنهم سبوها، وقوله \"به\" أي بسبب هذا المعنى: وهو الذي سئلت عنه من أمر عائشة ﵂. فيكون المعنى: سبوها بهذا السبب. وقد روي هذا اللفظ على غير ما قلناه، والصحيح المحفوظ: إنما هو ما ذكرناه. والله أعلم.\nوالله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على قبر الذهب الأحمر.\nقال الحافظ: أي كما لا يعلم الصائغ من الذهب الأحمر إلا الخلوص من العيب، فكذلك أنا: لا أعلم منها إلا الخلوص من العيب.\nوفي رواية ابن أبي حاطب عن علقمة \"فقالت الجارية الحبشية: والله لعائشة أطيب من الذهب ولئن كانت صنعت ما قال الناس، ليخبرنك الله. قالت: فعجب الناس من فقهها.","vol":"2","page":736},{"text":"أحمدكما ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه.\nومنها (١): قال الزهري: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليًا كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث أن عائشة قالت لهما: كان علي مسلمًا في شأنها.\nومنها (٢): أنه لم يسم من أهل الإفك إلا ابن أبي، وحسان ومسطح وحمنة وأن عائشة كانت تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:\nفإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\nومنها (٣): قال مسروق: دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرًا يشبب بأبيات له، فقال: حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثي من لحوم الغوفل فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك، قال مسروق: فقلت: لم تأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله تعالى: (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) (٤) فقالت: فأي عذاب أشد من العمى؟ إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٤٣٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٤ - باب حديث الإفك.\nكان علي مسلمًا في شأنها: بكسر اللام، كذا رواه القابسي، من التسليم وترك الكلام في إنكاره، وفتحها الحموي من الخوض فيه. رواه بن أبي شيبة، وعليه يدل فصول الحديث في غير من السلامة موضع، وهو ﵁ منزه أن يقول ما قال أهل الإفك. كما نص عليه في الحديث، ولكن أشار بفراقها، وشدد على بريرة في أمرها، قاله الزركشي.\n(٢) مسلم (٤/ ١٢٣٧) ٤٩ - كتاب التوبة - ١٠ - باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف.\n(٣) البخاري (٧/ ٤٣٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٤ - باب حديث الإفك.\nومسلم (٤/ ١٩٣٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت، ﵁.\nحصان رزان: امرأة حصان: بينة الحصانة، أي عفيفة حيية، وامرأة رزان: ثقيلة ثابتة.\nتزن: ترمى وتقذف.\nبريبة: أي بأمر يريب الناس، كالرنا ونحوه.\nغرثى: أي: جائعة، والمذكر: غرثان.\nالغوافل: جمع غافلة، والمراد بها: الغفلة المحمودة، وهي ما لا يقدح في دين أو مروءة.\nينافح: المنافحة: المناضلة والمخاصمة.\n(٤) النور: ١١.","vol":"2","page":737},{"text":"وللبخاري (١) عن أم رومان: بينا أنا قاعدة وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بفلان وفعل بفلان، فقالت أم رومان: وما ذاك؟ قالت: ابني فيمن حدث الحديث، قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا، قالت عائشة: سمع رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم، فخرت مغشيًا عليها، فما أفاقت إلا عليها حمى بنافض، فطرحت عليها ثيابها فغطيتها، فجاء رسول الله ﷺ فقال \"ما شأن هذه\" قلت: يا رسول الله، أخذتها الحمى بنافض، قال: \"فلعل في حديث تحدث به؟ \" قالت: نعم، فقعدت عائشة فقالت: والله لئن حلفت لا تصدقوني، ولئن قلت لا تعذروني، مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه، والله المستعان على ما تصفون، بنحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>فوائد من حديث الإفك</span>\nقال محقق الجامع: قال العلماء: في هذا الحديث من الفوائد:\nجواز الحديث عن جماعة ملفقًا مجملًا. وفيه مشروعية القرعة حتى بين النساء، وفي المسافرة بهن، والسفر بالنساء حتى في الغزو. وجواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل ولو كان فيه مدح ناس وذم ناس إذا تضمن ذلك إزالة توهم النقص عن الحاكي إذا كان بريئًا عند قصد نصح من يبلغه ذلك لئلا يقع فيما وقع فيه من سبق، وأن الاعتناء بالسلامة من وقوع الغير في الإثم أولى من تركه يقع في الإثم، وتحصيل الأجر للموقوع فيه، وفيه استعمال التوطئة فيما يحتاج إليه من الكلام، وأن الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة وجواز ركوب المرأة الهودج على ظهر البعير، ولو كان ذلك مما يشق عليه حيث يكون مطيقًا لذلك. وفيه خدمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب، وجواز تستر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن، وتوجه المرأة لقضاء حاجتها وحدها وبغير إذن خاص من زوجها، بل اعتمادًا على الإذن العام المستند إلى العرف العام، وجواز تحلي المرأة في السفر بالقلادة ونحوها، وصيانة المال ولو قل للنهي عن إضاعة المال، فإن عقد عائشة لم يكن من ذهب ولا\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٤٣٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٤ - باب حديث الإفك.\nحمى بنافض: أي برعدة شديدة كأنها نفضتها أي: حركتها.","vol":"2","page":738},{"text":"جوهر، وفيه شؤم الحرص على المال لأنها لو لم تظل في التفتيش لرجعت بسرعة. فلما زاد على قدر الحاجة أثر ما جرى. وتوقف رحيل الجند على إذن الأمير، والاسترجاع عند المصيبة، وتغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي، وإغاثة الملهوف، وعون المنقطع، وإنقاذ الضائع، وإكرام ذوي القدر وإيثارهم بالركوب، وتجشم المشقة لأجل ذلك، وحسن الأدب مع الأجانب خصوصًا النساء، ولا سيما في الخلوة، والمشي أمام المرأة ليستقر خاطرها وتأمن مما يتوهم من نظره لما عساه ينكشف منها في حركة المشي، وفيه ملاطفة الزوجة وحسن معاشرتها، والتقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي النقص وإن لم يتحقق، وفائدة ذلك أن تتفطن لتغير الحال فتعتذر أو تعترف، وأنه لا ينبغي لهل المريض أن يعلموه بما يؤذي باطنه لئلا يزيد ذلك في مرضه، وفيه السؤال عن المريض والإشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، وفيه أن المرأة إذا خرجت لحاجة تستصحب من يؤنسها أو يخدمها ممن يؤمن عليها، وفيه ذب المسلم عن المسلم خصوصًا من كان من أهل الفضل، وردع من يؤذيهم ولو كان منهم بسبيل، وبيان مزيد فضيلة أهل بدر. وفيه البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع، وتعرف صحته وفساده بالتنقيب على من قيل منه، واستصحاب حال من اتهم بسوء إذا كان قبل ذلك معروفًا بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك، وفيه فضيلة قوية لأم مسطح لأنها لم تحاب ولدها في وقوعه في حق عائشة، بل تعمدت سبه على ذلك، وفيه مشروعية التسبيح عند سماع ما يعتقد السامع أنه كذب، وفيه توقف خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها ولو كانت إلى أبويها، وفيه البحث عن الأمر المقول ممن يدل عليه المقول فيه، والتوقف في خبر الواحد ولو كان صادقًا، وطلب الارتقاء من مرتبة الظن إلى مرتبة اليقين، وأن خبر الواحد إذا جاء شيئًا بعد شيء أفاد القطع، لقول عائشة: لأستيقن الخبر من قبلهما، وأن ذلك لا يتوقف على عدد معين، وفيه استشارة المرء أهل بطانته ممن يلوذ به بقرابة وغيرها، وتخصيص من جربت صحة رأيه منهم بذلك ولو كان غيره أقرب، والبحث عن حال من اتهم بشيء، وحكاية ذلك للكشف عن أمره، ولا يعد ذلك غيبة، وفيه استعمال \"لا نعلم إلا خيرًا\" في التزكية، وأن ذلك كاف في حق من سبقت عدالته ممن يطلع على خفي أمره، وفيه التثبت في الشهادة، وفطنة الإمام عند الحادث المهم، والاستنصار بالأخصاء على الأجانب، وتوطئة العذر لمن يراد إيقاع العقاب","vol":"2","page":739},{"text":"به أو العتاب له، واستشارة الأعلى لمن هو دونه، وأن من استفسر عن حال شخص فأراد بيان ما فيه من عيب فليقدم ذكر عذره في ذلك إن كان يعلم، كما قالت بريرة في عائشة حيث عابتها بالنوم عن العجين فقدمت قبل ذلك أنها جارية حديثة السن، وفيه أن النبي ﷺ كان لا يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي، لأنه ﷺ لم يجزم في القصة بشيء قبل نزول الوحي، وأن الحمية لله ورسوله لا تذم، وفيه فضائل جمة لعائشة ولأبويها ولصفوان ولعلي ابن أبي طالب وأسامة وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وفيه أن التعصب لأهل الباطل يخرج عن اسم الصلاح، وجواز سب من يتعرض للباطل، ونسبته إلى ما يسوؤه وإن لم يكن ذلك في الحقيقة فيه، وإطلاق الكذب على الخطأ، والقسم بلفظ (لعمر الله) وفيه الندب إلى قطع الخصومة وتسكين ثائرة الفتنة، وسد ذريعة ذلك. واحتمال أخف الضررين بزوال أغلظهما، وفضل احتمال الأذى، وفيه مباعدة من خالف الرسول ولو كان قريبًا حميمًا، وفيه أن من آذى النبي ﷺ بقول أو فعل يقتل، لأن سعد بن معاذ أطلق ذلك ولم ينكره النبي ﷺ، وفيه مساعدة من نزلت فيه بلية بالتوجع والبكاء والحزن، وفيه تثبت أبي بكر الصديق في الأمور لأنه لم ينقل عنه في هذه القصة مع تمادي الحال فيها شهرًا كلمة فما فوقها، وفيه ابتداء الكلام في الأمر المهم بالتشهد والحمد والثناء وقول: (أما بعد)، وتوقيف من نقل عنه ذنب على ما قيل فيه بعد البحث عنه، وأن قول: (كذا وكذا) يكنى بها عن الأحوال كما يكنى بها عن الأعداد ولا تختص بالأعداد، وفيه مشروعية التوبة، وأنها تقبل من المعترف المقلع المخلص، وأن مجرد الاعتراف لا يجزئ فيها، وأن الاعتراف بما لم يقع لا يجوز ولو عرف أنه يصدق في ذلك، ولا يؤاخذ على ما يترتب على اعترافه، بل عليه أن يقول الحق أو يسكت، وأن الصبر تحمد عاقبته ويغبط صاحبه، وفيه تقديم الكبير في الكلام، وتوقف من اشتبه عليه الأمر في الكلام، وفيه تبشير من تجددت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة، وفيه الضحك والفرح والاستبشار عند ذلك، ومعذرة من انزعج عند وقوع الشدة لصغر سن ونحوه وإدلال المرأة على زوجها وأبويها، وتدريج من وقع في مصيبة فزالت عنه لئلا يهجم على قلبه الفرح من أول وهلة فيهلكه، وفيه أن الشدة إذا اشتدت أعقبها الفرج، وفضل من يفوض الأمر لربه، وأن من قوي على ذلك خف عنه الهم والغم، وفيه الحث على الإنفاق في سبيل الخير خصوصًا في صلة الرحم، ووقوع المغفرة","vol":"2","page":740},{"text":"لمن أحسن إلى من أساء إليه أو صفح عنه، وأن من حلف أن لا يفعل شيئًا من الخير استحب له الحنث، وجواز الاستشهاد بآي القرآن في النوازل، والتأسي بما وقع للأكابر من الأنبياء وغيرهم، وفيه التسبيح عند التعجب واستعظام الأمر، وذم الغيبة وذم سماعها، وزجر من يتعاطاها لاسيما إن تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه، وذم إشاعة الفاحشة وتحريم الشك في براءة عائشة ﵂.\nوقال الزمخشري: لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة وأشبعها، لاشتماله على الوعيد الشديد، والعقاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام القول في ذلك، واستشناعه بطرق مختلفة، وأساليب متقنة، كل واحد منها كاف في بابه، بل ما وقع من وعيد عبدة الأوثان، إلا بما هو دون ذلك، وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ وتطهير من هو منه بسبيل. أهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>تحقيق حول وجود سعد بن معاذ في قصة الإفك:</span>\nوحول ورود ذكر سعد بن معاذ في حادثة الإفك قال ابن حجر في الفتح:\nقوله (فقال سعد بن معاذ الأنصاري) كذا هنا وفي رواية معمر وأكثر أصحاب الزهري، ووقع في رواية صالح بن كيسان \"فقام سعد أخو بني عبد الأشهل\" وفي رواية فليح \"فقام سعد\" ولم ينسبه، وقد تعين أنه سعد بن معاذ لما وقع في رواية الباب وغيره. وأما قول شيخ شيوخنا القطب الحلبي: وقع في نسخة سماعنا \"فقام سعد بن معاذ\" وفي موضع آخر \"فقام سعد أخو بني عبد الأشهل\" فيحتمل أن يكون آخر غير سعد بن معاذ، فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة يسمى كل منهم سعدًا، منهم سعد بن زيد الأشهلي شهد بدرًا وكان على سبايا قريظة الذين بيعوا بنجد، وله ذكر في عدة أخبار منها في خطبة النبي ﷺ في مرض وفاته، قال فيحتمل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك. قلت: وحمله على ذلك ما حكاه عياض وغيره من الإشكال في ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة، والذي جوزه مردود بالتصريح بسعد بن معاذ في هذه الرواية الثالثة، فأذكر كلام عياض وما تيسر من الجواب عنه، قال عياض: في ذكر سعد بن معاذ في هذا الحديث","vol":"2","page":741},{"text":"إشكال لم يتكلم الناس عليه ونبهنا عليه بعض شيوخنا، وذلك أن الإفك كان في المريسيع وكانت سنة ست فيما ذكر ابن إسحاق؛ وسعد بن معاذ مات من الرمية التي رميها بالخندق فدعا الله فأبقاه حتى حكم في بني قريظة ثم انفجر جرحه فمات منها، وكان ذلك سنة أربع عند الجميع إلا ما زعم الواقدي أن ذلك كان سنة خمس، قال: وعلى كل تقدير فلا يصح ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة، والأشبه أنه غيره، ولهذا لم يذكره ابن إسحاق في روايته، وجعل المراجعة أولًا وثانيًا بين أسيد بن حضير وبين سعد بن عبادة، قال: وقال لي بعض شيوخنا: يصح أن يكون سعد موجودًا في المريسيع بناء على الاختلاف في تاريخ غزوة المريسيع، وقد حكى البخاري عن موسى بن عقبة أنها كانت سنة أربع، وكذلك الخندق كانت سنة أربع، فيصح أن تكون المريسيع قبلها لأن ابن إسحاق جزم بأن المريسيع كانت في شعبان وأن الخندق كانت في شوال، فإن كانا من سنة واحدة استقام أن تكون المريسيع قبل الخندق فلا يمتنع أن يشهدها سعد بن معاذ انتهى.\nوقد قدمنا في المغازي أن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة أن المريسيع كانت سنة خمس وأن الذي نقله عنه البخاري من أنها سنة أربع سبق قلم، نعم والراجح أن الخندق أيضًا كانت في سنة خمس خلافًا لابن إسحاق فيصح الجواب المذكور. وممن جزم بأن المريسيع سنة خمس الطبري، لكن يعكر على هذا شيء لم يتعرضوا له أصلًا، وذلك أن ابن عمر ذكر أنه كان معهم في غزوة بني المصطلق وهو المريسيع كما تقدم من حديثه في المغازي، وثبت في الصحيحين أيضًا أنه عرض في يوم أحد فلم يجزه النبي ﷺ وعرض في الخندق فأجازه، فإذا كان أول مشاهده الخندق وقد ثبت أنه شهد المريسيع لزم أن تكون المريسيع بعد الخندق فيعود الإشكال، ويمكن الجواب بأنه لا يلزم من كون ابن عمر كان معهم في غزوة بني المصطلق أن يكون أجيز في القتال، فقد يكون صحب أباه ولم يباشر القتال كما ثبت عن جابر أنه كان يمنح الماء لأصحابه يوم بدر وهو لم يشهد بدرًا باتفاق. وقد سلك البيهقي في أصل الإشكال جوابًا آخر بناءً على أن الخندق قبل المريسيع فقال: يجوز أن يكون جرح سعد بن معاذ لم ينفجر عقب الفراغ من بني قريظة بل تأخر زمانًا ثم انفجر بعد ذلك وتكون مراجعته في قصة الإفك في أثناء ذلك، ولعله لم يشهد غزوة المريسيع","vol":"2","page":742},{"text":"لمرضه، وليس ذلك مانعًا له أن يجيب النبي ﷺ في قصة الإفك بما أجابه، وأما دعوى عياض أن الذين تقدموا لم يتكلموا على الإشكال المذكور فما أدري من الذين عناهم، فقد تعرض له من القدماء إسماعيل القاضي فقال: الأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق للحديث الصحيح عن عائشة، واستشكله ابن حزم لاعتقاده أن الخندق قبل المريسيع، وتعرض له ابن عبد البر فقال: رواية من روى أن سعد بن معاذ راجع في قصة الإفك سعد ابن عبادة وهم وخطأ، وإنما راجع سعد بن عبادة أسيد بن حضير كما ذكره ابن إسحاق، وهو الصحيح فإن سعد بن معاذ مات في منصرفهم من غزوة بني قريظة لا يختلفون في ذلك، فلم يدرك المريسيع ولا حضرها. وبالغ ابن العربي على عادته فقال: اتفق الرواة على أن ذكر ابن معاذ في قصة الإفك وهم، وتبعه على هذا الإطلاق القرطبي. أهـ.\n٤٨٧ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسان بن ثابت بالسيف فضربه ضربة، فقال صفوان لحسان في الشعر حين ضربه:\nتلق ذباب السيف مني فإنني ... غلام إذا هوجيت ليس بشاعر\nولكنني أحمي حماي وأنتقم ... من الباهت الرامي البراة الطواهر\nثم صاح حسان، فاستغاث الناس على صفوان، فلما جاء الناس فر صفوان، فجاء حسان إلى النبي ﷺ فاستعداه على صفوان في ضربته إياه، فسأله النبي ﷺ أن يهب له ضربة صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ، فعاضه ﷺ حائطًا من نخل عظيم وجارية رومية، ويقال قبطية تدعى سيرين فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن الشاعر.\n٤٨٨ - * روى البزار عن عائشة أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رأسها فقالت: ألا عذرتني؟ فقال: أي سماء تظلني أو أي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم.\n_________\n٤٨٧ - المعجم الكبير مطولًا (٢٣/ ١١٣).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣٤): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n٤٨٨ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٤٢)، كتاب علامات النبوة، باب مناقب عائشة زوج رسول الله ﷺ.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٠): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\nألا عذرتني: تعني: قبل نزول القرآن.","vol":"2","page":743},{"text":"٤٨٩ - * روى البزار والطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: لما رميت به بما رميت به، أردت أن ألقي نفسي في قليب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>٢ - وفي هذه الغزوة قامت فتنة بين المهاجرين والأنصار:</span>\n٤٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: غزونا مع النبي ﷺ، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا. وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصاريًا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي ﷺ فقال: \"ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ \" ثم قال: \"ما شأنهم؟ \" فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري قال فقال النبي ﷺ: \"دعوها فإنها خبيثة\" وقال عبد الله بن أبي بن سلول: أقد تداعوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدين ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث؟ لعبد الله. فقال النبي ﷺ: \"لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه\".\nوفي رواية (٣): فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل، ورسول الله ﷺ العزيز. ففعل.\n٤٩١ - * روى البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم: خرجنا مع النبي ﷺ في\n_________\n٤٨٩ - البزار كشف الأستار (٣/ ٢٤١)، كتاب علامات النبوة، باب مناقب عائشة زوج رسول الله ﷺ.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٠): رواه الطبراني في الأوسط والبزار، ورجالهما ثقات.\nقليب: بئر، يذكر ويؤنث جمعه قلب وأقلبة.\nأقول: قد تكون فكرت بالانتحار قبل أن يبلغها تحريمه لشدة ما رميت به على نفسها.\n٤٩٠ - البخاري (٦/ ٥٤٦) ٦١ - كتاب المناقب - ٨ - باب ما ينهى من دعوى الجاهلية.\nومسلم نحوه (٤/ ١٩٩٨) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب - ١٦ - باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا.\n(٣) الترمذي (٥/ ٤١٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٦٤ - باب \"ومن سورة المنافقين\"، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٤٩١ - البخاري (٨/ ٦٤٧) ٦٥ - كتاب تفسير القرآن - ٣ - باب (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم - إلى قوله - قاتلهم الله أنى يؤفكون).\nومسلم (٤/ ٢١٤٠) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - حديث (١).","vol":"2","page":744},{"text":"سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه. لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة، حتى أنزل الله ﷿ تصديقى في: (إذا جاءك المنافقون) (١) فدعاهم ﷺ ليستغفر لهم فلووا رءوسهم، وقوله: (خشب مسندة) (٢) قال: كانوا رجالًا أجمل شيء.\nوفي رواية (٣): غزونا مع النبي ﷺ، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه، فسبق أعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه، حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيًا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع قباض الماء فرفع الأعرابي خشبته فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره، فغضب، عبد الله بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني الأعراب، وكانوا يحضرون النبي ﷺ عند الطعام، فقال عبد الله: إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدًا بالطعام فليأكل هو ومن معه، ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ردف رسول الله ﷺ قال: فسمعت عبد الله بن أبي، فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله ﷺ،\n_________\n(١) المنافقون: ١.\n(٢) المنافقون: ٤.\n(٣) الترمذي (٥/ ٤١٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٦٤ - باب \"ومن سورة المنافقين\"، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nنبتدر: نتسابق ونسرع إليه.\nالنطع: بساط من الجلد.\nقباض الماء: ما يقبض به الماء ويمسك من الحجارة وغيرها. والمعنى أن الرجل الأنصاري الذي أرخى زمام ناقته لتشرب الماء من الحوض نزع الحجارة التي جعلها الأعرابي حول الحوض ليمسك به الماء.\nشجه: شجًا: شق لد رأسه أو وجهه.","vol":"2","page":745},{"text":"فأرسل إليه رسول الله ﷺ، فحلف وجحد، فصدقه رسول الله ﷺ، وكذبني، فجاء عمي إلي، فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله ﷺ، وكذبك المسلمون، قال: فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد، قال: فبينا أنا أسير مع النبي ﷺ في سفر قد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني النبي ﷺ فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني، فقال: ما قال لك النبي ﷺ؟ قلت: ما قال شيئًا إلا أنه عرك أذني، وضحك في وجهي، فقال: أبشر ثم لحقني عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين.\nوفي رواية (١): أن ذلك في غزوة بني المصطلق.\n* * *\n_________\n= عرك: الجلد عركًا: دلكه.\n(١) الترمذي في نفس الموضع السابق (٥/ ٤١٨). وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":746},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>فصل: في غزوة فزارة</span>\n٤٩٢ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر أمره رسول الله ﷺ فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه وسبا، وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم (قال: القشع النطع)، معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا، فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال: \"يا سلمة هب لي المرأة\" فقلت: يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا، ثم لقيني من الغد في السوق، فقال لي: \"يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك\" فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفت لها ثوبًا، فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسروا بمكة.\nقال النووي: فيه جواز المفاداة وجواز فداء الرجال بالنساء الكافرات، وفيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا، وفيه جواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه ليفادي به مسلمًا أو يصرفه في مصالح المسلمين أو يتألف به من في تألفه مصلحة كما فعل ﷺ هنا وفي غنائم حنين وفيه جواز قول الإنسان للآخر لله أبوك ولله درك.\nوسبب هذه الغزوة أنه كان بطن فزارة يريد اغتيال النبي ﷺ فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر فأغار عليهم وقتل واسر وسبى، وكان من شياطينهم أم قرفة التي جهزت ثلاثين فارسًا من أهل بيتها لاغتيال رسول الله ﷺ فقتلوا وسبيت ابنتها، (راجع الرحيق المختوم)\n_________\n٤٩٢ - مسلم (٣/ ١٣٧٥) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ١٤ - باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى.\nشن الغارة: الغارة: النهب، وشنها: تفريقها في كل ناحية.\nعنق: من الناس: أي جماعة (المرأة: هي أم قرفة واسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر).\nقشع: القشع: الجلد اليابس، وجمعه قشع، على غير قياس، لأن واحد قشع قشعة، مثل بدرة وبدر.\nالنطع: نفس القشع.","vol":"2","page":747},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>فصل: في سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين</span>\nقال ابن كثير في البداية والنهاية:\nقال الواقدي: في شوال سنة ست كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا النعم، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم كرز بن جابر في عشرين فارسًا فردوهم.\n٤٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ حدثهم أن ناسًا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي ﷺ وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة. فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فانطلقوا، حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ﷺ، واستاقوا الذود. فبلغ النبي ﷺ، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم.\nوفي رواية للبخاري (١): فأتى النبي ﷺ الصريخ، فبعث الطلب في آثارهم، فما ترجل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير، فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم ثم ألقوا في الحرة يستسقون، فما سقوا حتى ماتوا.\nوفي رواية (٢) عن أنس قال: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا.\n_________\n٤٩٣ - البخاري (٧/ ٤٥٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٦ - باب قصة عكل وعرينة.\nومسلم (٣/ ١٢٩٧) ٢٨ - كتاب القسامة - ٢ - باب حكم المحاربين والمرتدين.\nاستوخموا: أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم وفي سيرة ابن هشام: أنهم طحلوا، أي: أصابهم وجع الطحال.\nفسمروا أعينهم: سمر: أي: كحلها بمسامير محمية.\nالحرة: هي أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة.\n(١) البخاري (١٢/ ١١١) ٨٦ - كتاب الحدود - ١٧ - باب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا.\nترجل: ارتفع.\nوما حسمهم: حسم العرق: قطعه وكواه لئلا يسيل دمه.\n(٢) البخاري (١٠/ ١٤١) ٨٦ - كتاب الطب - ٥ - باب الدواء بألبان الإبل.\nوأبو داود واللفظ له (٤/ ١٣١)، كتاب الحدود، باب ما جاء في المحاربة.","vol":"2","page":748},{"text":"قال أبو قلابة (١): فهؤلاء قتلوا وسرقوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله ﷺ.\nوفي صحيح مسلم (٢) إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء.\n* * *\n_________\n= يكدم: كدمًا: أحدث فيه أثرًا بعض ونحوه.\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٣٣٥)، ٤ - كتاب الوضوء - ٦٦ - باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها.\nومرابضها.\n(٢) مسلم (٣/ ١٢٩٨) ٢٨ - كتاب القسامة - ٢ - باب حكم المحاربين والمرتدين.","vol":"2","page":749},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>فصل: في صلح الحديبية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>١ - النصوص:</span>\n٤٩٤ - * روى البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ: \"إن خالد بن الوليد بالنميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين\" فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل. فألحت. فقالوا خلات القصواء. فقال النبي ﷺ: \"ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل\" ثم قال: \"والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها\" ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته،\n_________\n٤٩٤ - البخاري (٥/ ٣٣٩) ٥٤ - كتاب الشروط - ١٥ - باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط.\nقترة الجيش: هو الغبار الساطع منه، ولا تكون القترة إلا مع سواد في اللون.\nنذير: النذير: الذي يعلم القوم بالأمر الحادث.\nبالثنية: الثنية: الطريق المرتفع في الجبل.\nحل حل: زجر للناقة، و\"حوب\" زجر للجمل.\nفألحت: ألح البعير: إذا حرن، وقيل: إنما يقال ذلك للجمل، فأما الناقة فإنما يقال لها: خلأت.\nالقصواء: القصواء: اسم ناقة النبي ﷺ، ولم تكن قصواء، أي مشقوقة الأذن، وإنما كان هذا لقبًا لها.\nحابس الفيل: الفيل: هو فيل أبرهة الذي جاء يقصد البيت ليخربه، فحبس الله الفيل، فلم يتقدم إلى مكة، ورد رأسه راجعًا من حيث جاء، فأرسل الله عليهم كما قال: (طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل) والقصة مشهورة.\nخطة: الخطة: الحال والقضية والطريقة.\nحرمات الله: جمع حرمة، يريد بها: حرمة الحرم، وحرمة الإحرام، وحرمة الشهر الحرام.\nيتبرض: التبرض: أخذ الشيء قليلًا قليلًا، وهو أيضًا التبلغ بالشيء القليل.\nثمد: الثمد: الماء القليل الذي لا مادة له.","vol":"2","page":750},{"text":"ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال رسول الله ﷺ: \"إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا. وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره\" فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. قال فانطلق حتى أتى قريشًا قال: إنا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي ﷺ. فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا بلى. قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي\n_________\n= يجيش: جاشت البئر بالماء: إذا ارتفعت وفاضت، وجاشت القدر: إذا غلت.\nبالري: الري: ضد العطش.\nصدروا: الصدر: الرجوع بعد الورود.\nعيبة نصح: يقال: فلان عيبة نصح فلان: إذا كان موضع سره وثقته في ذلك.\nأعداد مياه: الماء العد: الكثير الذي لا انقطاع لمادته، كماء العيون، وجمعه: أعداد.\nالعوذ: جمع عائذ: وهي الناقة إذا وضعت إلى أن يقوى ولدها.\nالمطافيل: جمع مطفل، وهي الناقة معها فصيلها، فاستعار ذلك للناس، أراد به النساء والصبيان.\nنهكتهم الحرب: يقول: نهكته الحرب تنهكه، أي: أضرت به وأثرت فيه، من نهك الحمى، وهو ألمها وضررها.\nماددتهم: ماددت القوم، أي: جعلت بينك وبينهم مدة.\nجموا: استراحوا، والجمام: الراحة بعد التعب.\nسالفتي: السالفة: صفحة العنق، وانفرادها كناية عن الموت، لأنها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت.\nاستنفرت القوم: دعوتهم إلى قتال العدو.\nبلحوا: أصلح التبليح: الإعياء والفتور، والمراد: امتناعهم من إجابته وتقاعدهم به، وفيه لغة أخرى (بلحوا) بالتخفيف.=","vol":"2","page":751},{"text":"جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آته. قالوا ائته. فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم. فقال النبي ﷺ: \"أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء\" ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه. قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا (١)\n_________\n= قد قلدت: تقليد البدن: هو أن يجعل في رقابها شيء كالقلائد من لحاء الشجر، أو غيره، ليعلم أنها هدي.\nاجتاح: الاجتياح: إيقاع المكروه بالإنسان، ومنه الجائحة، والاجتياح والاستئصال متقاربان في مبالغة الأذى.\nأشوابًا: الأشواب والأوباش والأوشاب: سواء، وهم الأخلاط من الناس والرعاع.\nخطة: يقال: خطة رشد، وخطة غي، والرشد: خلاف الغي والضلال، والمراد: أنه قد طلب منكم طريقًا واضحًا في الهدى والاستقامة.\nخليقًا: يقال: فلان خليق بكذا، أي: جدير، لا يبعد ذلك من خلقه.\nامصص بظر اللات: صنم كانوا يعبدونه والعبارة شتم يدور على ألسنتهم.\nفاجر: أصل الفجور: الميل عن الحق والتكذيب به، وكل انبعاث في شر فهو فجور.\nلولا يد: اليد: النعمة، وما يمتن الإنسان به على غيره.\nالمغفر: ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد.\nغدر: معدول عن غادر، وهو بناء للمبالغة.\nنخامة: النخامة البصقة من أقصى الحلق.","vol":"2","page":752},{"text":"خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له. وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ: \"هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له\" فبعثت له، واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آتهز فقالوا: ائته فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: \"هذا مكرز، وهو رجل فاجر\" فجعل يكلم النبي ﷺ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: \"قد سهل لكم من أمركم\" قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، فقال سهيل: أما \"الرحمن\" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، فقال النبي ﷺ: اكتب: \"باسمك اللهم\". ثم قال: \"هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله\" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب \"محمد بن عبد الله\"،\n_________\n= يحدون: أحددت إليه النظر: إذا ملأت عينك منه ولم تهبه، ولا استحييت منه.\nفقال رجل من بني كنانة: سمي: الحليس بن علقمة أو ابن زبان.\nالبدن: الإبل التي تهدى إلى البيت في حج أو عمرة.\nهذا مكرز، وهو رجل فاجر: كان قبل ذلك قتل رجلًا من بني بكر غيلة.\nقاضي: فاعل، من القضاء، وهو إحكام الأمر وإمضاؤه، قال الأزهري: \"قضى\" في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه.=","vol":"2","page":753},{"text":"فقال النبي ﷺ: \"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله\" قال الزهري: وذلك لقوله: \"لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها\" فقال له النبي ﷺ: \"على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به\" فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي ﷺ: \"إنا لم نقض الكتاب بعد\" قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا. قال النبي ﷺ: \"فأجزه لي\" قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد على المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله. قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: \"بلى\" قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: \"بلى\" قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: \"إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري\" قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: \"بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ \" قال قلت: لا. قال: \"فإنك آتيه ومطوف به\". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان\n_________\n= ضغطة: الضغطة: القهر والضيق.\nيرسف: رسف المقيد في قيده: إذا مشى فيه.\nفأجزه لي: يجوز أن يكون بالزاي والراء، فأما بالزاي: فمعناه من الإجازة، أي: اجعله جائزًا غير ممنوع، ولا محرم أو غيره، وأطلقه، وإن كان بالراء المهملة: فمعناه من الإجارة: الحماية والحفظ، وكلاهما صالح في هذا الموضع.\nالدنية: القضية التي لا يرضى بها ولا تراد.\nبغرزه: الغرز: الكور للناقة، كالركاب لسرج الفرس، إلا أنه من جلد، فإذا كان من حديد أو خشب: فهو ركاب.","vol":"2","page":754},{"text":"يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"قوموا فانحروا ثم احلقوا\" قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا. ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن) - حتى بلغ - (بعصم الكوافر) (١) فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: \"لقد رأى هذا ذعرًا\" فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. قال النبي ﷺ: \"ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد\" فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم؛ فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا\n_________\n= فعملت لذلك أعمالًا: تقربت على الله قربات حتى يغفر لي فعلي.\n(١) الممتحنة: ١٠.\nويل أمه مسعر حرب: مسعر الحرب: موقدها، يقال: سعرت النار وأسعرتها: إذا أوقدتها، والمسعر: الخشب الذي توقد به النار، وقوله: \"ويل أمه\" كلمة يتعجب بها.\nسيف البحر: جانبه وساحله. ... قال البخاري: معرة: العر: الجرب.","vol":"2","page":755},{"text":"يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها. فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) حتى بلغ (الحمية حمية الجاهلية) (١) وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.\nوقال عقيل عن الزهري: (٢) \"قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن. وبلغنا أنه لما أنزل الله تعالى أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر، أن عمر طلق امرأتين - قريبة بنت أبي أمية. وابنة جرول الخزاعي فتزوج قريبة معاوية وتزوج الأخرى أبو جهم. فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم أنزل الله تعالى: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم) (٣) والعقب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يعطى من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللائي هاجرن، وما نعلم أحدًا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها. وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي قدم على النبي ﷺ مؤمنًا مهاجرًا في المدة، فكتب الأخنس بن شريق إلى النبي ﷺ يسأله أبا بصير\" فذكر الحديث.\nوأخرج أبو داود (٤) أيضًا عن المسور ومروان: \"أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال\".\n_________\n= تزيلوا: انمازوا.\nوحميت القوم: منعتهم حماية. وأحميت الحمى: جعلته حمى لا يدخل. وأحميت الرجل: إذا أغضبته إحماء.\n(١) الفتح: ٢٤ - ٢٥ - ٢٦.\n(٢) البخاري في نفس الموضع السابق (٥/ ٣٣٣).\nبعصم الكوافر: العصم: جمع عصمة، وهو ما يتمسك به، والكوافر: جمع كافرة، وأراد بعصمها: عقد نكاحها.\n(٣) الممتحنة: ١١.\n(٤) أبو داود (٣/ ٨٦)، كتاب الجهاد، باب في صلح العدو.\nعيبة مكفوفة: أصل العيبة: ما يجعل فيه الثياب، و(مكفوفة): أي مشدودة ممنوعة، والمراد أن بينهم أمرًا.","vol":"2","page":756},{"text":"وذكر رزين في رواية زيادة في حديث البخاري بعد قوله: اكتب: باسمك اللهم\" قال: وفي رواية قال رسول الله ﷺ: \"اكتب الشرط بيننا وبينهم: بسم الله الرحمن الرحيم .. \" وذكر مثل ما تقدم. وزاد بعد قوله: \"كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ \" قال: وفي رواية زيادة \"فكيف نكتب هذا؟ قال: رسول الله ﷺ: \"نعم، من ذهب منا إليهم أبعده الله، ومن جاءنا منهم ورددناه: سيجعل الله له فرجًا\" وزاد بعد قوله: \"وقد كان عذب عذابًا شديدًا في الله\" قال: \"فقال عمر بن الخطاب: فأمكنت يده من السيف ليضرب به أباه، فضن به، وعلم بذلك رسول الله ﷺ، فقال لي: يا عمر، لعله أن يقوم في الله مقامًا يحمده عليه\".\nقال في الفتح:\nقال المحب الطبري: الحديبية: قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم، ووقع في رواية ابن إسحاق في المغازي عن الزهري \"خرج عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا\" ووقع عند ابن سعد \"أنه ﷺ خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة\"، زاد سفيان عن الزهري في الرواية الآتية في المغازي وكذا في رواية أحمد عن عبد الرزاق \"في بضع عشرة مائة، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينا له من خزاعة\" وروى عبد العزيز الإمامي عن الزهري في هذا الحديث عند ابن أبي شيبة \"خرج ﷺ في ألف وثمانمائة، وبعث عينا له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر قريش\" كذا سماه ناجية، والمعروف أن ناجية اسم الذي بعث معه الهدى كما صرح به ابن إسحق وغيره، وأما الذي بعثه عينا لخبر قريش فاسمه بسر بن سفيان كذا سماه ابن إسحق، وهو بضم الموحدة وسكون المهملة على الصحيح، وسأذكر الخلاف في عدد أهل الحديبية في المغازي إن شاء الله تعالى. قوله: (حتى إذا كانوا ببعض الطريق) اختصر المصنف صدر هذا الحديث\n_________\n= مطويًا في صدور سليمة، وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة بما تقدم بينهم من أسباب الحرب.\nلا إسلال ولا إغلال: الإسلال: من السلة، وهي السرقة، والإغلال: الخيانة، يقال: أغل الرجل إغلالًا: إذا خان، وغل من الغنيمة غلولًا، وقال بعضهم: إن الإسلال من سل السيوف في الحرب، والإغلال: لبس الدروع، وليس بمرض.\nمقامًا يحمده عليه: هذا القول من النبي ﷺ في حق سهيل بن عمرو: إشارة إلى ما كان عند وفاة النبي ﷺ، وارتداد الناس بمكة، فقام خطيبًا ووعظهم، وثبتهم على الإسلام، فكان هذا هو المقام الذي يحمده عليه.","vol":"2","page":757},{"text":"الطويل مع أنه لم يسقه بطوله إلا في هذا الموضع، وبقيته عنده في المغازي من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري قال: \"ونبأنيه معمر عن الزهري: وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: إن قريشًا جمعوا جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك. فقال: \"أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين\" قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: \"امضوا على اسم الله\" إلى ههنا ساق البخاري في المغازي من هذا الوجه، وزاد أحمد عن عبد الرزاق وساقه ابن حبان من طريقه قال: \"قال معمر قال الزهري: وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ اهـ\" وهذا القدر حذفه البخاري لإرساله لأن الزهري لم يسمع من أبي هريرة، وفي رواية أحمد المذكورة \"حتى إذا كانوا بغدير الأشطاط قريبًا من عسفان اهـ\" وغدير بفتح الغين المعجمة والأشطاط بشين معجمة وطاءين مهملتين جمع شط وهو جانب الوادي كذا جزم به صاحب \"المشارق\"، ووقع في بعض نسخ أبي ذر بالظاء المعجمة فيهما، وفي رواية أحمد أيضًا: \"أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين، وإن يجيئوا تكن عنقًا قطعها الله\" ونحوه لابن إسحاق في روايته في المغازي عن الزهري، والمراد أنه ﷺ استشار أصحابه هل يخالف الذين نصروا قريشًا إلى مواضعهم فيسبي أهلهم، فإن جاءوا إلى نصرهم اشتغلوا بهم وانفرد هو وأصحابه بقريش، وذلك المراد بقوله \"تكن عنقًا قطعها الله\" فأشار عليه أبو بكر الصديق بترك القتال والاستمرار على ما خرج له من العمرة حتى يكون بدء القتال منهم فرجع إلى رأيه. وزاد أحمد في روايته \"فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم. يا نبي الله، إنما جئنا معتمرين إلخ\" والأحابيش بالحاء المهملة والموحدة وآخره معجمة واحدها أحبوش بضمتين. وهم بنو الهون ابن خزيمة بن مدركة وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، كانوا تحالفوا مع قريش قيل تحت جبل يقال له الحبشي أسفل مكة، وقيل سموا بذلك لتحبشهم أي تجمعهم والتحبش التجمع والحباشة الجماعة.","vol":"2","page":758},{"text":"وقوله (وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية) وفي رواية ابن إسحاق \"فقال ﷺ: من يخرجنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ \" قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رجلًا من أسلم قال: أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقًا وعرًا فأخرجوا منها بعد أن شق عليهم، وأفضوا إلى أرض سهلة، فقال لهم: استغفروا الله، ففعلوا. فقال: والذي نفسي بيده إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فامتنعوا، قال ابن إسحاق عن الزهري في حديثه \"فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمص في طريق تخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية أهـ.\nقوله (وما ذاك لها بخلق) أي بعادة، قال ابن بطال وغيره: في هذا الفصل جواز الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش طلبًا لغرتهم، وجواز السفر وحده للحاجة وجواز التنكيب عن الطريق السهلة إلى الوعرة للمصلحة. وجواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها ويرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله، لأن خلاء القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحًا ولم يعاتبهم النبي ﷺ على ذلك لعذرهم في ظنهم، قال: وفيه جواز التصرف في ملك الغير بالمصلحة بغير إذنه الصريح إذا كان سبق منه ما يدل على الرضا بذلك، لأنهم قالوا حل حل فزجروها بغير إذن، ولم يعاتبهم عليه.\nوفي المغازي من حديث البراء بن عازب في قصة الحديبية \"أنه ﷺ جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا الله ثم صبه فيها ثم قال: \"دعوها ساعة ثم إنهم ارتووا بعد ذلك\" ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معًا وقعا. وقد روى الواقدي من طريق أوس بن خولي \"أنه ﷺ توضأ في الدلو ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها\" وهكذا ذكر أبو الأسود في روايته عن عروة: أنه ﷺ تمضمض في دلو وصبه في البئر ونزع سهمًا من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت\" وهذه القصة غير القصة الآتية في المغازي أيضًا من حديث جابر قال \"عطش الناس بالحديبية وبين يدي رسول الله ﷺ ركوة فتوضأ منها فوضع يده فيها. فجعل الماء يفور من بين أصابعه\" الحديث، وكأن ذلك كان قبل قصة البئر والله أعلم. وفي","vol":"2","page":759},{"text":"هذا الفصل معجزات ظاهرة، وفيه بركة سلاحه وما ينسب إليه. وقد وقع نبع الماء من بين أصابعه في عدة مواطن غير هذه، سيأتي في أول غزوة الحديبية حديث زيد بن خالد \"أنهم أصابهم مطر بالحديبية\" الحديث، وكأن ذلك وقع بعد القصتين المذكورتين والله أعلم.\nزاد ابن إسحاق في روايته \"وكانت خزاعة عيبة (١) رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئًا كان بمكة\" ووقع عند الواقدي (أن بديلًا قال للنبي ﷺ: لقد غزوت ولا سلاح معك، فقال: \"لم نجئ لقتال\" فتكلم أبو بكر، فقال له بديل: أنا لا أتهم ولا قومى أهـ\" وكان الأصل في موالاة خزاعة للنبي ﷺ أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمروا على ذلك في الإسلام. وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم وشهدت التجربة بإيثارهم أهل الإسلام على غيرهم ولو كانوا من أهل دينهم، ويستفاد منه جواز استنصاح بعض ملوك العدو استظهارًا على غيرهم، ولا يعد ذلك من موالاة الكفار ولا موادة أعداء الله بل من قبيل استخدامهم وتقليل شوكة جمعهم وإنكاء بعضهم ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق.\nقوله (قائم على رأس النبي ﷺ بالسيف) فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسيف بقصد الحراسة ونحوها من ترهيب العدو، ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس لأن محله ما إذا كان على وجه العظمة والكبر.\nوقد اختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين: فقيل: لا تجاوز عشر سنين على ما في هذا الحديث وهو قول الشافعي والجمهور. وقيل تجوز الزيادة، وقيل لا تجاوز أربع سنين، وقيل ثلاثًا، وقيل سنتين، والأول هو الراجح والله أعلم.\nقال الخطابي: تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين: أحدهما: أن الله قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم يمكنه التورية، فلم يكن رده إليهم إسلامًا لأبي جندل إلى الهلاك مع وجوده السبيل إلى\n_________\n(١) عيبة: عيبة الرجل: خاصته، والمقصود هنا أن خزاعة كان هواها مع رسول الله ﷺ، فهي خاصته بسبب ذلك.","vol":"2","page":760},{"text":"الخلاص من الموت بالتقية. والوجه الثاني: إنه إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به الهلاك، وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضًا، وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به صبر عباده المؤمنين. واختلف العلماء هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلمًا من عندهم على بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير، وقيل لا، وأن الذي وقع في القصة منسوخ، وأن ناسخه حديث \"أنا بريء من مسلم بين مشركين\" وهو قول الحنفية. وعند الشافعية تفصيل بين العاقل والمجنون والصبي فلا يردان. وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب والله أعلم ...\nقال الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس، ولما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس، كلم بعضهم بعضًا والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة ولم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا في تلك المدة إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. يعني من صناديد قريش، ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزهري أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجًا، وكانت الهدنة مفتاحًا لذلك. ولما كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميت فتحًا كما سيأتي في المغازي، فإن الفتح في اللغة فتح المغلق، والصلح كان مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد المسلمين عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا للمسلمين وفي الصورة الباطنة عزًا لهم. فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية، وظهر من كان يخفي إسلامه فذل المشركون من حيث أرادوا العزة وأفهروا (١) من حيث أرادوا الغلبة.\nقوله (حتى اجتمعت منهم عصابة) أي جماعة ولا واحد لها من لفظها، وهي تطلق على الأربعين فما دونها. وهذا الحديث يدل على أنها تطلق على أكثر من ذلك، ففي رواية ابن\n_________\n(١) أفهروا: أي: ألقموا حجرًا، والفهر: الحجر يملأ الكف.","vol":"2","page":761},{"text":"إسحاق أنهم بلغوا نحوًا من سبعين نفسًا، وفي رواية أبي المليح: بلغوا أربعين أو سبعين. وجزم عروة في المغازي بأنهم بلغوا سبعين، وزعم السهيلي أنهم بلغوا ثلثمائة رجل، وزاد عروة \"فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا المدينة في مدة الهدنة خشية أن يعادوا إلى المشركين\" وسمى الواقدي منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة. وفي رواية موسى بن عقبة عن الزهري \"فكتب رسول الله ﷺ إلى أبي بصير يستقدمه وأصحابه إلى المدينة بطلب قريش، فقدم كتابه وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدًا. قال: وقدم أبو جندل ومن معه إلى المدينة فلم يزل بها إلى أن خرج إلى الشام مجاهدًا فاستشهد في خلافة عمر، قال: فعلم الذين كانوا أشاروا بأن لا يسلم أبا جندل إلى أبيه أن طاعة رسول الله ﷺ خير مما كرهوا، وفي قصة أبي بصير من الفوائد جواز قتل المشرك المعتدي غيلة، ولا يعد ما وقع من أبي بصير غدرًا لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي ﷺ وبين قريش. لأنه إذ ذاك كان محبوسًا بمكة، لكنه لما خشي أن المشرك يعيده على المشركين درأ عن نفسه بقتله، ودافع عن دينه بذلك، ولم ينكر النبي قوله ذلك. وفيه أن من فعل مثل فعل أبي بصير لم يكن عليه قود ولا دية، وقد وقع عند ابن إسحاق \"أن سهيل بن عمرو لما بلغه قتل العامري طالب بديته لأنه من رهطه، فقال له أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك لأنه وفى بما عليه وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره. ولا على آل أبي بصير أيضًا شيء لأنه ليس على دينهم\". وفيه أنه كان لا يرد على المشركين من جاء منهم إلا بطلب منهم، لأنهم لما طلبوا أبا بصير أول مرة أسلمه لهم، ولما حضر إليه ثانيًا لم يرسله لهم، بل لو أرسلوا إليه وهو عنده لأرسله، فلما خشي أبو بصير من ذلك نجا بنفسه. وفيه أن شرط الرد أن يكون الذي حضر من دار الشرك باقيًا في بلد الإمام. ولا يتناول من لم يكن تحت يد الإمام ولا متحيزًا إليه. واستنبط منه بعض المتأخرين أن بعض ملوك المسلمين مثلًا لو هادن بعض ملوك الشرك فغزاهم ملك آخر من المسلمين فقتلهم وغنم أموالهم جاز له ذلك، لأن عهد الذي هادنهم لم يتناول من لم يهادنهم، ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يكن هناك قرينة تعميم.\nوفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم أشياء تتعلق بالمناسك: منها أن تقليد الهدي","vol":"2","page":762},{"text":"وسوقه سنة للحاج والمعتمر فرضًا كان أو سنة، وأن الإشعار سنة لا مثلة، وأن الحلق أفضل من التقصير، وأنه نسك في حق المعتمر محصورًا كان أو غير محصور، وأن المحصر ينحر هديه حيث أحصر ولو لم يصل إلى الحرم، ويقاتل من صده عن البيت، وأن الأولى في حقه ترك المقاتلة إذا وجد إلى المسالمة طريقًا، وغير ذلك مما تقدم بسط أكثره في كتاب الحج وفيه أشياء تتعلق بالجهاد: منها جواز سبي ذراري الكفار إذا انفردوا عن المقاتلة ولو كان قبل القتال. وفيه الاستتار عن طلائع المشركين، ومفاجأتهم بالجيش لطلب غرتهم، وجواز التنكب عن الطريق السهل إلى الطريق الوعر لدفع المفسدة وتحصيل المصلحة، واستحباب تقديم الطلائع والعيون بين يدي الجيش، والأخذ بالحزم في أمر العدو لئلا ينالوا غرة المسلمين، وجواز الخداع في الحرب، والتعريض بذلك من النبي ﷺ وإن كان من خصائصه أنه منهي عن خائنة الأعين - وفي الحديث أيضًا فضل الاستشارة لاستخراج وجه الرأي واستطابة قلوب الأتباع، وجواز بعض المسامحة في أمر الدين، واحتمال الضيم فيه ما لم يكن قادحًا في أصله إذا تعين ذلك طريقًا للسلامة في الحال والصلاح في المآل، سواء كان ذلك في حال ضعف المسلمين أو قوتهم، وأن التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال بل عليه التسليم لأن المتبوع أعرف بمآل الأمور غالبًا بكثرة التجربة، ولا سيما مع من هو مؤيد بالوحي. وفيه جواز الاعتماد على خبر الكافر إذا قامت القرينة على صدقه، قاله الخطابي مستدلًا بأن الخزاعي الذي بعثه النبي ﷺ عينًا له ليأتيه بخبر قريش كان حينئذ كافرًا، قال: وغنما اختاره لذلك مع كفره ليكون أمكن له في الدخول فيهم والاختلاط بهم والاطلاع على أسرارهم، قال: ويستفاد من ذلك جواز قبول قول الطبيب الكافر. قلت: ويحتمل أن يكون الخزاعي المذكور كان قد أسلم ولم يشهر إسلامه حينئذ، فليس ما قاله دليلًا على ما ادعاه، والله ﷾ أعلم بالصواب أ. هـ الفتح.\n٤٩٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن ثمانين رجلًا من أهل مكة، هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين - يريدون غرة رسول الله ﷺ وأصحابه فأخذهم سلمًا، فاستحياهم، فأنزل الله ﷿: (وهو الذي كف أيديهم عنكم\n_________\n٤٩٥ - مسلم (٣/ ١٤٤٢) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٦ - باب في قوله تعالى (وهو الذي كف أيديهم عنكم). الآية. استحياهم: استبقاهم ولم يقتلهم.","vol":"2","page":763},{"text":"وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) (١).\nوفي رواية الترمذي (٢)، أن ثمانين هبطوا على رسول الله ﷺ وأصحابه من جبل التنعيم، عند صلاة الصبح، يريدون أن يقتلوه، فأخذوا أخذًا، فأعتقهم رسول الله ﷺ فأنزل الله (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ...) الآية.\n٤٩٦ - * وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ. ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية. فإما دعا وإما بسق فيها. قال: فجاشت. فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال: فبايعته أول الناس. ثم بايع وبايع. حتى إذا كان في وسط من الناس قال: \"بايع. يا سلمة! \" قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله! في أول الناس. قال: \"وأيضًا\" قال: ورآني رسول الله ﷺ عزلًا (يعني ليس معه سلاح). قال: فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة أو درقة. ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال: \"ألا تبايعني؟ يا سلمة! \" قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس. قال: \"وأيضًا\" قال: فبايعته الثالثة. ثم قال لي: \"يا سلمة أين جحفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ \" قال قلت: يا رسول الله! لقيني عمي عامر عزلًا. فأعطيته إياها قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: \"إنك كالذي\n_________\n(١) الفتح: ٢٤.\n(٢) الترمذي (٥/ ٣٨٦) ٤٨ - كتاب تفسير سير القرآن - ٤٩ - باب \"ومن سورة الفتح\". وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٤٩٦ - مسلم (٣/ ١٤٣٣) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٥ - باب غزوة ذي قرد وغيرها.\nعليها خمسون شاة لا ترويها: يعني وبئرها ضعيفة لا تروي خمسين شاة.\nجبا الركية: الجبا ما حول البئر. والركي البئر. والمشهور في اللغة ركي، بغير هاء، ووقع هنا الركية بالهاء وهي لغة حكاها الأصمعي وغيره.\nوإما بسق: هكذا هو في النسخ: بسق. وهي صحيحة. يقال: بزق وبصق وبسق. ثلاث لغات بمعنى. والسين قليلة الاستعمال.\nفجاشت: أي ارتفعت وفاضت. يقال: جاش الشيء يجيش جيشانا، إذا ارتفع.\nعزلا: ضبطوه بوجهين: أحدهما فتح العين مع كسر الزاي. والثاني ضمهما. وقد فسره في الكتاب بالذي لا سلاح معه. ويقال أيضًا: أعزل، وهو الأشهر استعمالًا.\nحجفة أو درقة: هما شبيهتان بالترس.=","vol":"2","page":764},{"text":"قال الأول: اللهم أبغنى حبيبًا هو أحب إلي من نفسي\" ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا. قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله. أسقي فرسه، وأحسه. وأخدمه. وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي، مهاجرًا إلى الله ورسوله ﷺ. قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها. فاضطجعت في أصلها. قال فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة. فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ. فأبغضتهم. فتحولت إلى شجرة أخرى. وعلقوا سلاحهم. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زنيم قال: فاخترطت سيفي. ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود. فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثًا في يدي. قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمد! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ: قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات - يقال له مكرز - يقوده على رسول الله ﷺ. على فرس مجفف. في سبعين من المشركين. فنظر غليهم رسول الله ﷺ فقال: (١)\n_________\n= إنك كالذي قال الأول: الذي صفة المحذوف. أي أنك كالقول الذي قاله الأول. فالأول، بالرفع، فاعل. والمراد به، هنا، المتقدم بالزمان. يعني أن شأنك هذا مع عمك يشبه فحوى القول الذي قاله الرجل المتقدم زمانه.\nأبغني: أي أعطني.\nراسلونا: هكذا هو في أكثر النسخ: راسلونا، من المراسلة. أي أرسلنا إليهم وأرسلوا إلينا في أمر الصلح.\nمشى بعضنا في بعض: في هنا بمعنى إلى. أي مشي بعضنا إلى بعض. وربما كانت بمعنى مع. فيكون مشى بعضنا مع بعضنا.\nكنت تبيعًا لطلحة: أي خادمًا أتبعه.\nوأحسه: أي أحك ظهره بالمحسة لأزيل عنه الغبار ونحوه.\nفكسحت شوكها: أي كنست ما تحتها من الشوك.\nفاخترطت سيفي: أي سللته.\nشددت: حملت وكررت.\nضغثًا: الضغث الحزمة. يريد أنه أخذ سلاحهم وجمع بعضه إلى بعض حتى جعله في يده حزمة. قال في المصباح الأصل في الضغث أن يكون له قضبان يجمعها أصل واحد، ثم كثر حتى استعمل فيما يجمع.\nالذي فيه عيناه: يريد رأسه.\nالعبلات: قال الجوهري في الصحاح: العبلات من قريش، وهم أمية الصغرى والنسبة إليهم عبلي. ترده إلى الواحد.\nمجفف: أي عليه تجفاف وهو ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه السلاح. وجمعه تجافيف.=","vol":"2","page":765},{"text":"\"دعوهم. يكن لهم بدء الفجور وثناه\" فعفا عنهم رسول الله ﷺ. وأنزل الله (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) (١) الآية كلها.\nقال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة. فنزلنا منزلًا. بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة. كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه، قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا. ثم قدمنا المدينة. فبعث رسول الله ﷺ بظهره مع رباح غلام رسول الله ﷺ. وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة. أنديه مع الظهر. فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ. فاستاقه أجمع. وقتل راعيه.\nوهذه القصة الطويلة، سنذكر قسمًا منها في الفصل اللاحق وقسمًا في غزوة خيبر من السنة السابعة.\n٤٩٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله فسألنا نافعًا: على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا. بل بايعهم على الصبر.\nقال في الفتح: وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهدًا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله \"كانت رحمة من الله\" أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى. ويحتمل أن يكون معنى\n_________\n= يكن لهم بدء الفجور وثناه: البدء هو الابتداء. وأما ثناه فمعناه عودة ثانية. قال في النهاية: أي أوله وآخره والثني الأمر يعاد مرتين.\nوهم المشركون: هذه اللفظة ضبطوها بوجهين ذكرهما القاضي وغيره. أحدهما وهم المشركون على الابتداء والخبر. والثاني وهم المشركون، أي هموا النبي ﷺ وأصحابه وخافوا غائلتهم. يقال: همني الأمر وأهمني. وقيل: همني: أذابني. واهمني: أغمني. وقيل: معناه هم أمر المشركين النبي خوف أن يبيتوهم لقربهم منهم.\nبظهره: الظهر الإبل تعد للركوب وحمل الأثقال.\n(١) الفتح: ٢٤.\n٤٩٧ - البخاري (٦/ ١١٧) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١٠ - باب البيعة في الحرب أن لا يفرو، وقال بعضهم: على الموت.","vol":"2","page":766},{"text":"قوله رحمة من الله أي كانت الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها.\n٤٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت.\nوفي رواية (٢) قال: بايعنا النبي ﷺ تحت الشجرة، فقال لي: \"يا سلمة: ألا تبايع؟ \" قلت: يا رسول الله، قد بايعت في الأول، قال: \"وفي الثاني\".\nوفي أخرى (٣) قال: بايعت النبي ﷺ، ثم عدلت إلى ظل شجرة، فلما خف الناس قال: \"يا ابن الأكوع: ألا تبايع\" قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله قال: \"وأيضًا\" فبايعته الثانية، فقلت له: يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت.\n٤٩٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس، محدقون بالنبي ﷺ، فقال عمر: يا عبد الله، انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ؟ فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع.\n٥٠٠ - * روى البخاري عن نافع - مولى ابن عمر - ﵀ قال: إن الناس يتحدثون\n_________\n٤٩٨ - البخاري (٧/ ٤٤٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية، وقول الله تعالى [١٨ الفتح]: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة).\nومسلم (٣/ ١٤٨٦) ٣٣ - كتاب الإمارة - ١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة.\n(٢) البخاري (٣/ ١٩٩) ٩٣ - كتاب الأحكام - ٤٤ - باب من بايع مرتين.\n(٣) البخاري (٦/ ١١٧) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١١٠ - باب البيعة في الحرب أن لا يفروا.\n٤٩٩ - البخاري (٧/ ٤٥٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية، وقول الله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة).\nأحدق: أحاط.\nالشأن: الحال والأمر.\n٥٠٠ - البخاري (٧/ ٤٥٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.=","vol":"2","page":767},{"text":"أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر عام الحديبية أرسل عمر عام الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر.\n٥٠١ - * روى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره.\nزاد في رواية (١): وقال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت.\n(قال العلماء): هذه الرواية تجمع المعاني كلها وتبين مقصود كل الروايات فالبيعة على أن لا نفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل، وهو معنى البيعة على الموت، أي نصبر وإن آل منا ذلك إلى الموت لا أن الموت مقصود في نفسه وكذا البيعة على الجهاد أي والصبر فيه، والله أعلم.\n٥٠٢ - * وروى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا يسأل: هل بايع النبي ﷺ بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها، ولم يبايع عند شجرة، إلا الشجرة التي بالحديبية.\nقال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: دعا النبي ﷺ على بئر الحديبية.\n٥٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجًا، فمررت\n_________\n= استلام المحارب: إذا لبس لأمته، وهي الدرع وآلة الحرب.\n٥٠١ - مسلم (٣/ ١٤٨٣) ٣٣ - كتاب الإمارة - ١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة.\n(١) مسلم (٣/ ١٤٨٣) ٣٣ - كتاب الإمارة - ١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.\n٥٠٢ - مسلم (٣/ ١٤٨٣) ٣٣ - كتاب الإمارة - ١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.\n٥٠٣ - البخاري (٧/ ٤٤٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.","vol":"2","page":768},{"text":"بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم تقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم!.\nوفي رواية (١) قال: ذكرت عند سعيد بن المسيب الشجرة فضحك فقال: أخبرني أبي، وكان شهدها.\nوفي رواية (٢) عن ابن المسيب عن أبيه قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها.\n٥٠٤ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان، كان عثمان بن عفان رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، قال: فبايع الناس، قال فقال رسول الله ﷺ: \"إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله\" فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم.\nذكر ابن إسحاق: أن النبي ﷺ أرسل عثمان بن عفان إلى مكة ليبلغ أبا سفيان وأشراف قريش أن رسول الله ﷺ لم يأت لحرب وإنما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظمًا لحرمته. ففعل ذلك عثمان ﵁، فقال له أهل مكة: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله\n_________\n= ومسلم نحوه مختصرًا (٣/ ١٤٨٥) ٣٣ - كتاب الإمارة - ١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة.\nبيعة الرضوان: الرضوان: الرضى، وسميت بيعة الحديبية [بيعة] الرضوان، لقوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة).\nفأنتم أعلم!: استفهام تعجبي، يتعجب سعيد بن المسيب من زعم بعض التابعين معرفة الشجرة.\n(١) البخاري (٧/ ٤٤٧) ٦٤ - كتاب المغازي ٣٥ - باب غزوة الحديبية.\n(٢) مسلم (٣/ ١٤٨٦) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.\n٥٠٤ - الترمذي (٥/ ٦٢٦) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٩ - باب في مناقب عثمان بن عفان ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وهو كما قال فشاهده في الصحيح.","vol":"2","page":769},{"text":"ﷺ أن عثمان قد قتل فقال رسول الله ﷺ \"لا نبرح حتى نناجز القوم فدعا إلى البيعة\".\n٥٠٥ - * روى البخاري عن عباد بن تميم قال: لما كان يوم الحرة، والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، فقال ابن زيد على ما يبايع ابن حنظلة الناس؟ قيل له: على الموت، قال: لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله ﷺ، وكان شهد معه الحديبية.\n٥٠٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن قريشًا صالحوا النبي ﷺ، وفيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعلي: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\" قال سهيل: أما بسم الله، فما ندري ما \"بسم الله الرحمن الرحيم؟ \" ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فقال: اكتب: \"من محمد رسول الله\" قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ اكتب: \"من محمد بن عبد الله\" فاشترطوا على النبي ﷺ: أن من جاء منكم، لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: \"نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم، سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا\".\nقال العلماء في شرح هذا الحديث: وافقهم النبي ﷺ في ترك كتابة بسم الله الرحمن الرحيم وأنه كتب باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله وترك كتابة رسول الله ﷺ، وكذا وافقهم في رد من جاء منهم إلينا دون من ذهب منا إليهم، وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصالح المهمة الحاصلة بالصلح مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور.\n_________\n٥٠٥ - البخاري (٧/ ٤٤٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.\nومسلم نحوه (٣/ ١٤٨٦) ٣٣ - كتاب الإمارة - ١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة. ولكن عن عبد الله بن زيد.\nقال ابن الأثير: يوم الحرة: الحرة: أرض ذات حجارة سود، وأراد بها: حرة من حرار المدينة، ويومها: هو اليوم المشهور الذي جرى من أهل الشام فيه ما جرى من قتل أهل المدينة ونهبها، وسبي النساء والولدان في زمن يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان.\nأقول: والمقصود بقوله: حرة من حرار المدينة: هي هنا الحرة الشرقية حرة واقم.\n٥٠٦ - مسلم (٣/ ١٤١١) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٤ - باب صلح الحديبية في الحديبية.","vol":"2","page":770},{"text":"٥٠٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن السائب أن النبي ﷺ عام الحديبية حين أخبره عثمان أن سهيلًا أرسله إليه قومه فصالحوه على أن يرجع عنهم هذا العام ويخلوها قابلًا ثلاثًا فقال النبي ﷺ: \"سهيل سهل عليكم الأمر\".\n٥٠٨ - * روى البخاري عن البراء ﵁ قال: لما اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر لك بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله. فقال: \"أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله\" ثم قال لعلي: \"امح رسول الله\" قال علي: لا والله لا أمحوك أبدًا. فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: هذا ما قاضى محمد ابن عبد الله، لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وان لا يمنع من أصحابه أحدًا إذا أراد أن يقيم بها. فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل. فخرج النبي ﷺ، فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵍: دونك ابنة عمك حمليها. فاختصم فيها علي وزيد وجعفر: قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: \"الخالة بمنزلة الأم\" وقال لعلي: \"أنت مني وأنا منك\" وقال: لجعفر: \"أشبهت خلقي وخلقي\" وقال لزيد: \"أنت أخونا ومولانا\" وقال علي: ألا تتزوج بنت حمزة؟ قال: \"إنها ابنة أخي من الرضاعة\".\nقال في الفتح حول \"فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب ... فكتب\":\nقوله (فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب. هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله) تقدم هذا الحديث في الصلح عن عبيد الله بن موسى بهذا الإسناد وليست\n_________\n٥٠٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٦)، وقال: رواه الطبراني، وفيه مؤمل بن وهب المخزومي، تفرد عنه ابنه عبد الله، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n٥٠٨ - البخاري (٧/ ٤٩٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٣ - باب عمرة القضاء.\nقاضاهم: مشتقة من القضاء، والمراد هنا: إحكام الأمر وإمضاؤه.","vol":"2","page":771},{"text":"فيه هذه اللفظة \"ليس يحسن يكتب\" ولهذا أنكر بعض المتأخرين على أبي مسعود نسبتها إلى تخريج البخاري وقال: ليس في البخاري هذه اللفظ ولا في مسلم، وهو كما قال عن مسلم فإنه أخرجه من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق بلفظ \"فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله\" انتهى وقد عرفت ثبوتها في البخاري في مظنة الحديث، وكذلك أخرجها النسائي عن أحمد بن سليمان عن عبيد الله بن موسى مثل ما هنا سواء، وكذا أخرجها أحمد عن حجين بن المثنى عن إسرائيل ولفظه (فأخذ الكتاب - وليس يحسن أن يكتب - فكتب مكان رسول الله ﷺ: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله) وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي فادعى أن النبي ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب. فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله مخالف القرآن حتى قال قائلهم:\nبرئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال إن رسول الله قد كتبا\nفجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) وبعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى. وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله قال: \"ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ\" قال مجاهد: فذكرته للشعبي فقال: صدق قد سمعت من يذكر ذلك. ومن طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن سهل ابن الحنظلية \"أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس؟ فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها فقال: \"قد كتب لك بما أمر لك\" قال يونس فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعد ما أنزل عليه. قال عياض: وردت آثار تدل على معرفة حروف الخط وحسن تصويرها كقوله لكاتبه \"ضع القلم على","vol":"2","page":772},{"text":"أذنك فإنه أذكر لك\" وقوله لمعاوية \"ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم\" وقوله \"لا يمد بسم الله\" قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث. وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي وقد صرح في حديث المسور بأن عليا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله (فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب) لبيان أن قوله (أرني إياها) أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك (فكتب) فيه حذف تقديره فمحاها فأعادها لعلي فكتب. وبهذا جزم ابن التين وأطلق كتب بمعنى أمر بالكتابة، وهو كثير كقوله: كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى، وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة ويخرج عن كونه أميًا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات ويحسن وضعها بيده وخصوصًا الأسماء ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا ككثير من الملوك. ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا. وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي وتعقب ذلك السهيلي وغيره بأن هذا وإن كان ممكنًا ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميًا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتم ذلك، قال السهيلي: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، والحق أن معنى قوله (فكتب) أي أمر عليا أن يكتب انتهى. وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة وتثبت كونه غير أمي نظر كبير، والله أعلم. أهـ من الفتح.\n٥٠٩ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵄ قال: لما صالح\n_________\n٥٠٩ - البخاري (٥/ ٣٠٣) ٥٣ - كتاب الصلح - ٦ - باب كيف يكتب \"هذا ما صالح فلان بن فلان فلان بن فلان\" وإن لم ينسبه إلى قبيلته أو نسبه.\nومسلم (٣/ ١٤١٠) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٤ - باب صلح الحديبية في الحديبية.","vol":"2","page":773},{"text":"رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه بينهم كتابًا، فكتب \"محمد رسول الله\" فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولًا لم نقاتلك. فقال لعلي: \"امحه\" فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، فسألوه: ما جلبان السلاح؟ فقال: \"القراب بما فيه\".\n٥١٠ - * روى البخاري عن عروة أنه سمع مروان والمسور يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: \"لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ: أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا، وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) (١).\n- قال عروة: فأخبرتني عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم\n_________\n= جلبان: السلاح القراب بما فيه، وقيل القراب: الغمد، والجلبان شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغمودًا، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته، ويعلقه من آخرة الرحل وواسطته، وقد روي بضم الجيم واللام وتشديد الباء، وهو أوعية السلاح.\n٥١٠ - البخاري (٥/ ٣١٣) ٥٤ - كتاب الشروط - ١ - باب ما يجوز من الشروط في الإسلام، والأحكام، والمبايعة. امتعضوا: كرهوا.\n(١) الممتحنة: ١٠.","vol":"2","page":774},{"text":"الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم * وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون * يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم) (١).\nقال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط منهن، قال لها رسول الله ﷺ: قد بايعتك كلامًا يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله.\n٥١١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﵌ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال تعالى في القرآن وكان غصن من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﵌، فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو جالسان بين يدي رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﵌ لعلي: \"اكتب\" فذكر من الحديث أسطرًا مخرجة في الكتابين من ذكر سهيل بن عمرو: قال عبد الله بن مغفل: فبينا نحن كذلك، إذ خرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي ﵌، فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم، فأخذناهم فقال لهم رسول الله ﵌: \"هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانا\" فقالوا: اللهم لا. فخلى سبيلهم فأنزل الله ﷿ (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا) (٣).\n_________\n(١) الممتحنة: ١٠ - ١٢.\n٥١١ - المستدرك (٢/ ٤٦١)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين؛ إذ لا يبعد سماع ثابت من عبد الله بن مغفل، وقد اتفقا على إخراج حديث معاوية بن قرة، وعلى حديث حميد بن هلال عنه، وثابت أسن منهما جميعًا وقد أقره الذهبي.\nثار: هاج وانتشر.\n(٣) الفتح: ٢٤.","vol":"2","page":775},{"text":"٥١٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي وائل قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين، فقال: أيها الناس، اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالًا لقاتلنا. وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين فجاء عمر بن الخطاب، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: \"بلى\" قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: \"بلى\" قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: \"يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا\" قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظًا، فأتى أبا بكر، فقال: \"يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال فعلام نعطي الدنية، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ \" فقال: \"يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا وقال: فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسل إلى عمر، فأقرأه، إياه، فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: \"نعم\" فطابت نفسه ورجع.\nوفي رواية (١): فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله ﷺ على عمر.\nوفي أخرى (٢) أنه سمع سهل بن حنيف يقول: يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته، وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، غير هذا الأمر. قال: وقال أبو وائل: شهدت صفين وبئست صفين.\n_________\n٥١٢ - البخاري (٦/ ٢٨١) ٥٨ - كتاب الجزية والموادعة - ١٨ - باب حدثنا عبدان.\nومسلم واللفظ له (٣/ ١٤١١) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٤ - باب صلح الحديبية في الحديبية.\nالدنية: القضية التي لا يرضى بها ولا تراد.\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق.\n(٢) البخاري في نفس الموضع السابق، وأيضًا في: (١٣/ ٣٨٢) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالسنة والكتاب - ٧ - باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس.\nومسلم في الموضع السابق.\nإلى أمر يفظعنا: الأمر الفظيع: الشنيع الشديد، وقوله \"يفظعنا\" أي: يوقعنا في أمر فظيع شديد علينا.","vol":"2","page":776},{"text":"زاد في رواية (١): ما نسد منه خصمًا إلا تفجر علينا خصم، ما ندري كيف نأتي له؟\nوفي أخرى (٢): لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأي ... وذكر نحوه.\nوفي أخرى (٣): أتيت أبا وائل أسأله؟ فقال: كنا بصفين، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله؟ فقال علي: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم ... وذكر الحديث.\n٥١٣ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ لما كان يوم الحديبية، قال: \"لا توقدوا نارًا بليل\" فلما كان بعد ذلك، قال: \"أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم\".\n٥١٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية،\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٤٥٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.\nخصمًا: الخصم: الطرف، وخصم كل شيء: طرفه، وأراد بقوله: (ما نسد خصمًا إلا تفجر علينا خصم): الإخبار عن انتشار الأمر وشدته، وأنه لا يتهيأ إصلاحه وتلافيه، لأنه بخلاف ما كانوا عليه من الاتفاق، ولذلك قال: (إلا أسهلن) أي رأينا في عاقبة السلوك فيه سهولة، كأنه ركب السهل في طريقه، ولم ير فيه مكروهًا.\n(٢) البخاري في نفس الموضع السابق.\n(٣) البخاري (٨/ ٥٨٧) ٦٥ - كتاب التفسير - ٥ - باب \"إذ يبايعونك تحت الشجرة\".\nاتهموا أنفسكم: يعني: لا تنكروا على أمير المؤمنين علي قبوله التحكيم واتهموا رأيكم.\n٥١٣ - أحمد في مسنده (٣/ ٢٦).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٥): رواه أحمد، ورجاله ثقات.\nلا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم: أي لا يدرك أحد أجر صاعكم ولا مدكم.\nوالصاع والمد: من المكاييل.\nتعليق: الظاهر أن رسول الله ﷺ منعهم من إيقاد النار في اليوم الأول من أجل مصلحة عسكرية أمنية، وسماحه لهم في اليوم الثاني لعله كان رخصة بسبب برد أو لأنه أحكم الجانب الأمني أو عرف أنه لا خطر عليهم من إيقاد النار.\n٥١٤ - البخاري (٥/ ٣٠٥) ٥٣ - كتاب الصلح - ٧ - باب الصلح مع المشركين.\nوأيضًا البخاري (٧/ ٤٩٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٣ - باب عمرة القضاء.","vol":"2","page":777},{"text":"وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثًا، أمروه أن يخرج، فخرج.\nقال في الفتح تعليقًا على قول البخاري: (باب النحر قبل الحلق في الحصر):\nذكر فيه حديث المسور \"أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك\" وهذا طرف من الحديث الطويل الذي أخرجه المصنف في الشروط من الوجه المذكور هنا، ولفظه في أواخر الحديث (فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا) فذكر بقية الحديث وفيه قول أم سلمة للنبي ﷺ (اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، فخرج فنحر بدنه ودعا حالقه فحلقه) وعرف بهذا أن المصنف أورد القدر المذكور هنا بالمعنى، وأشار بقوله في الترجمة \"في الحصر\" إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من أحصر، وقد تقدم أنه لا يجب في حال الاختيار في (باب إذا رمى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح\" ولم يتعرض المصنف لما يجب على من حلق قبل أن ينحر، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: عليه دم. قال إبراهيم: وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. ثم أورد المصنف حديث ابن عمر الماضي قبل بباب مختصرًا وفيه (فنحر بدنه وحلق رأسه)، وقد أورده البيهقي من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد - وهو الذي أخرجه البخاري من طريقه بإسناده المذكور - ولفظه (أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلما عبد الله ابن عمر ليالي نزل الحجاج بابن الزبير وقالا: لا يضرك أن لا تحج العام، إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت. فقال: خرجنا فذكر مثل سياق البخاري وزاد في آخره (ثم رجع)، وكذا ساقه الإسماعيلي من طريق أبي بدر إلا أنه لم يذكر القصة التي في أوله، وساقه من طريق أخرى عن أبي بدر أيضًا فقال فيها عن ابن عمر أنه قال (إن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه، فأهل بالعمرة) الحديث. قال ابن التيمي: ذهب مالك إلى أنه لا هدي على المحصر، والحجة عليه هذا الحديث لأنه نقل فيه حكم وسبب، فالسبب الحصر والحكم النحر، فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب. والله أعلم.","vol":"2","page":778},{"text":"٥١٥ - * روى أبو داود والترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ يعني يوم الحديبية - قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ وقال: \"ما أراكم تنتهون يا معشر قريش، حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا\" وأبى أن يردهم، وقال: \"هم عتقاء الله ﷿\".\nقال في الفتح الرباني: إنما تغير وجه رسول الله ﷺ لكونهما لم يوافقا الطواب، ويستفاد من ذلك أن من ادعى الإسلام يقبل منه مطلقًا كما يدل على ذلك القرآن والسنة، وأنه لا يجوز البحث عن الدوافع التي دفعته إلى الإسلام سواء أسلم مخلصًا أو متعوذًا أو طامعًا، وقد جاء عند أبي داود بدل قوله فتغير وجه رسول الله ﷺ (قال فغضب رسول الله ﷺ وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا، وأبى أن يردهم وقال هم عتقاء الله ﷿) قال الخطابي. هذا أصل في أن من خرج من دار الكفر مسلمًا وليس لأحد عليه يد قدرة فإنه حر، وإنما يعتبر أمره بوقت الخروج منها إلى دار الإسلام.\n٥١٦ - * روى البخاري ومسلم عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: \"أنتم خير أهل الأرض\" وكنا ألفًا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم، لأريتكم مكان الشجرة.\n_________\n٥١٥ - أبو داود (٣/ ٦٥) كتاب الجهد، باب في عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون.\nوالترمذي نحوه (٥/ ٦٣٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٠ - باب مناقب علي بن أبي طالب، ﵁، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ربعي عن علي.\nوالحاكم نحوه في المستدرك (٢/ ١٢٥)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\nعلى هذا: أي ما ذكر من التعصب أو الحكم بالرد.\n٥١٦ - البخاري (٧/ ٤٤٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.\nومسلم نحوه (٣/ ١٤٨٤) ٣٣ - كتاب الإمارة - ١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة.\nلو كنت أبصر: يدل قوله على أن كلامه هذا كان حين عمي، والمعروف أن جابرًا عمي آخر حياته.","vol":"2","page":779},{"text":"٥١٧ - * روى مسلم عن أم مبشر الأنصارية ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: \"لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد. الذين بايعوا تحتها\" قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت حفصة: (وإن منكم إلا واردها) (١) فقال النبي ﷺ: قد قال الله تعالى: (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًا) (٢).\nقال النووي: قوله: \"لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد\". الخ قال العلماء: معناه: لا يدخلها أحد منهم قطعًا: كما صرح به في غير هذا الحديث، وإنما قال: \"إن شاء الله\" للتبرك، لا للشك، وأما قول حفصة \"بلى\" وانتهار النبي ﷺ لها، فقالت: (وإن منكم إلا واردها) فقال ﵊: وقد قال: \" (ثم ننجي الذين اتقوا) \" ففيه دليل للمناظرة والاعتراض، والجواب على وجه الاسترشاد، وهو مقصود حفصة، لا أنها أرادت رد مقالته ﷺ. والصحيح: أن المراد بالورود في الآية: المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون. أ. هـ\n٥١٨ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة، إلا صاحب الجمل الأحمر\".\n٥١٩ - * روى مالك والبخاري عن أسلم مولى عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا فسأله عمر عن شيء فلم يجبه،\n_________\n٥١٧ - مسلم (٤/ ١٩٤٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٧ - باب من فضائل أصحاب الشجرة، أهل بيعة الرضوان، ﵃.\nأصحاب الشجرة: هم الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة الرضوان في الحديبية، وكانت الشجرة سمرة.\nجثيًا: جمع جاث: وهو الذي يقعد على ركبتيه.\n(١) مريم: ٧١.\n(٢) مريم: ٧٢.\n٥١٨ - الترمذي (٥/ ٦٩٦) ٥٠ - كتاب المناقب - ٥٩ - باب حدثنا محمود بن غيلان، وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو كما قال.\n٥١٩ - الموطأ (١/ ٢٠٣) ١٥ - كتاب القرآن - ٤ - باب ما جاء في القرآن.\nوالبخاري (٧/ ٤٥٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.","vol":"2","page":780},{"text":"ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك عمر، نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري، حتى إذا كنت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، قال: فجئت رسول الله ﷺ، فسلمت عليه، فقال: \"لقد أنزلت علي هذه الليلة سورة، لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) \" (١).\nوأخرجه الترمذي (٢) عن أسلم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره ... الحديث.\n٥٢٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) قال: الحديبية. قال أصحابه: هنيئًا مريئًا، فما لنا؟ فأنزل الله: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار) (٤) قال شعبة: فقدمت الكوفة، فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، فقال: أما (إنا فتحنا لك) فعن أنس، وأما \"هنيئًا مريئًا\" فعن عكرمة.\nوأخرجه مسلم (٥) عن قتادة عن أنس قال: لما نزلت (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله) إلى قوله (فوزًا عظيمًا) (٦) مرجعه من الحديبية - وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: \"لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من\n_________\n= نزرت: فلانًا: إذا ألححت عليه في السؤال.\nفما نشبت: أي: ما لبثت.\n(١) الفتح: ١.\n(٢) الترمذي (٥/ ٣٨٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٤٩ - باب \"ومن سورة الفتح\" وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، ورواه بعضهم عن مالك مرسلًا.\n٥٢٠ - البخاري (٧/ ٤٥٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.\n(٤) الفتح: ٥.\n(٥) مسلم (٣/ ١٤١٣) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٤ - باب صلح الحديبية في الحديبية.\nالهدي: ما يهديه الحاج أو المعتمر إلى البيت من النعم لينحره بالحرم.\n(٦) الفتح: ١ - ٥.","vol":"2","page":781},{"text":"الدنيا جميعًا\".\nوأخرجه الترمذي (١) عن قتادة عن أنس ﵁ قال: نزلت على النبي ﷺ (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﷺ: \"لقد نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض\" ثم قرأها النبي ﷺ عليهم فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبي الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار) حتى بلغ: (فوزًا عظيمًا).\n٥٢١ - * روى الحاكم عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: أنزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها.\n٥٢٢ - * روى الحاكم عن مجمع بن جارية الأنصاري وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﵌ فلما انصرفنا نها إذ الناس يهزون بالأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﵌، فخرجنا مع الناس نوجف فوجدنا النبي ﵌ واقفًا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: \"نعم والذي نفس محمد بيده إنه لفتح\" فقسمت خيبر على اهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﵌ على ثلاثة عشر سهمًا وكان الجيش ألفًا وخمس مائة فيهم ثلاث مائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهمًا.\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ٣٨٦) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٤٩ - باب \"ومن سورة الفتح\"، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٥٢١ - المستدرك (٢/ ٤٥٩)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n٥٢٢ - المستدرك (٢/ ١٣١)، وقال: هذا حديث كبير صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي: صحيح.\nنوجف: نسرع.\nكراع الغميم: مكان بين مكة والمدينة.","vol":"2","page":782},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>٢ - في الصلح: بنوده وحكمه:</span>\nقال في الرحيق المختوم ذاكرًا بنود الصلح:\n١ - الرسول - ﷺ - يرجع من عامه، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثًا، معهم سلاح الراكب، السيوف في القرب، ولا نتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض.\n٢ - وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض.\n٣ - من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءًا من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانًا على ذلك الفريق.\n٤ - من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وليه - أي هاربًا منهم - رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد - أي هاربًا منه - لم يرد عليه.\nوقد علق صاحب الرحيق المختوم على هذه البنود وهذا بعض كلامه:\nهذه هي هدنة الحديبية، ومن سبر أغوار بنودها مع خلفياتها لا يشك أنها فتح عظيم للمسلمين، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف، بل كانت تهدف استئصال شأفتهم، وتنتظر أن تشهد يومًا ما نهايتهم، وكانت تحاول بأقصى قوتها الحيلولة بين الدعوة الإسلامية، وبين الناس، بصفتها ممثلة الزعامة الدينية والصدارة الدنيوية في جزيرة العرب، ومجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوة المسلمين، وأن قريشًا لا تقدر على مقاومتهم، ثم البند الثالث يدل بفحواه على أن قريشًا نسيت صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية، وأنها لا تهمها الآن إلا نفسها، أما سائر الناس وبقية جزيرة العرب فلو دخلت في الإسلام بأجمعها، فلا يهم ذلك قريشًا، ولا تتدخل في ذلك بأي نوع من أنواع التدخل. أليس هذا فشلًا ذريعًا بالنسبة إلى قريش؟ وفتحًا مبينًا بالنسبة إلى المسلمين؟، وقد كسب المسلمون لأجل هذه الحرية نجاحًا كبيرًا في الدعوة، فبينما كان عدد المسلمين لا يزيد","vol":"2","page":783},{"text":"على ثلاثة آلاف قبل الهدنة صار عدد الجيش الإسلامي في سنتين عند فتح مكة عشرة آلاف.\nأما البند الثاني فهو جزء ثان لهذا الفتح المبين، فالمسلمون لم يكونوا بادئين بالحروب، وإنما بدأتها قريش، يقول الله تعالى (وهم بدءوكم أول مرة) (١).\nأما البند الأول فهو حد لصد قريش عن المسجد الحرام، فهو أيضًا فشل لقريش، وليه فيه ما يشفي سوى أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط.\nأعطت قريش هذه الخلال الثلاث للمسلمين، وحصلت بإزائها خلة واحدة فقط، وهي ما في البند الرابع، ولكن تلك الخلة تافهة جدًا، ليس فيها شيء يضر بالمسلمين، فمعلوم أن المسلم ما دام مسلمًا لا يفر عن الله ورسوله، وعن مدينة الإسلام، ولا يفر إلا إذا ارتد عن الإسلام ظاهرًا أو باطنًا، فإذا ارتد فلا حاجة إليه للمسلمين وانفصاله من المجتمع الإسلامي خير من بقائه فيه. أهـ.\nقال ابن القيم بمناسبة ذكره لبعض حكم صلح الحديبية:\nفمنها: أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له. ومفتاحًا. ومؤذنًا بين يديه، وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا، أن يوطئ لها بين يديها مقدمات وتوطئات، تؤذن بها، وتدل عليها.\nومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام مهرة آمنين وظهر من كان مختفيًا بالإسلام ودخل في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل ولهذا سماه الله فتحًا مبينًا. أهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>٣ - فقهيات</span>\nقال ابن القيم بمناسبة ذكره لبعض الفوائد الفقهية المستخرجة من حادثة الحديبية:\n_________\n(١) التوبة: ١٣.","vol":"2","page":784},{"text":"ومنها: استحباب مغايظة أعداء الله، فإن النبي ﷺ أهدى في جملة هديه جملًا لأبي جهل في أنفه برة من فضة يغيظ به المشركين. وقد قال تعالى في صفة النبي ﷺ وأصحابه: (ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) (١)، وقال ﷿: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) (٢).\nومنها: أن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو.\nومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافرًا إذا ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو، وأخذه أخبارهم.\nومنها: استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه، استخراجًا لوجه الرأي، واستطابة لنفوسهم، وأمنًا لعتبهم، وتعرفًا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، وامتثالًا لأمر الرب في قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) (٣)، وقد مدح ﷾ عباده بقوله: (وأمرهم شورى بينهم) (٤).\nومنها: جواز سبي ذراري المشركين إذا انفردوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال.\nومنها: أن تسمية ما يلابسه الرجل من مراكبه ونحوها سنة.\nومنها: جواز الحلف، بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حفظ عن النبي ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا وأمره الله تعالى بالحلف على تصديق ما أخبر به في ثلاثة مواضع: في (سورة يونس)، و(سبأ)، و(التغابن).\nومنها: أن المشركين، وأهل البدع والفجور، والبغاة، والظلمة، إذا طلبوا أمرًا\n_________\n(١) الفتح: ٢٩.\n(٢) التوبة: ١٢٠.\n(٣) آل عمران: ١٥٩.\n(٤) الشورى: ٣٨.","vol":"2","page":785},{"text":"يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى. أجيبوا إليه وأعطوه، وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرض له، أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها. وأشقها على النفوس.\nومنها: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه. ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم.\nومنها: استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطيرة المكروهة. لقوله لما جاء سهيل: \"سهل أمركم\".\nومنها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما.\nومنها: جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم إلى المسلمين وألا يرد من ذهب من المسلمين غليهم. هذا في غير النساء. وأما النساء. فلا يجوز اشتراط ردهن إلى الكفار. وهذا موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن، ولا سبيل إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب.\nومنها: أن رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلمًا إلى غير بلد الإمام. وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام. لا يجب عليه رده بدون الطلب. فإن النبي ﷺ لم يرد أبا بصير حين جاءه. ولا أكرهه على الرجوع. ولكن لما جاؤوا في طلبه. مكنهم من أخذه ولم يكرهه على الرجوع.\nومنها: أن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه فقتل أحدًا منهم لم يضمنه بدية ولا قود. ولم يضمنه الإمام. بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإمام عليهم. فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة. وهي من حكم المدينة. ولكن كان قد تسلموه.","vol":"2","page":786},{"text":"ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام. فخرجت منهم طائفة، فحاربتهم، وغنمت أموالهم. ولم يتحيزوا إلى الإمام. لم يجب على الإمام دفعهم عنهم. ومنعهم منهم. وسواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه. أو لم يدخلوا. والعهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين المشركين، لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد، جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم، ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد. كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم، مستدلًا بقصة أبي بصير مع المشركين. اهـ.\nومن الأحكام الفقهية كذلك المستنبطة من حادثة الحديبية ما ذكره الدكتور البوطي بقوله:\n(الاستعانة بغير المسلمين فيما دون القتال)، قلنا أن النبي ﷺ أرسل بسر بن سفيان عينًا إلى قريش ليأتيه بأخبارهم، وبسر بن سفيان كان مشركًا من قبيلة خزاعة. وفي هذا تأكيد لما كنا قد ذكرناه سابقًا من أن أمر الاستعانة بغير المسلم يتبع الظرف وحالة الشخص الذي يستعان به. فإن كان ممن يطمأن إليه ولا تخشى منه بادرة غدر أو خديعة، جازت وإلا فلا. وعلى كل فإن النبي ﷺ، في كل الحالات، إنما استعان بغير المسلمين بما دون القتال، كإرساله عينًا على الأعداء أو استعارة أسلحة منهم وما شابه ذلك. والذي يبدو أن الاستعانة بغير المسلمين في القضايا السلمية أشبه بالجواز منها في أعمال القتال والحرب.\n(التبرك بآثار النبي ﷺ)، قلنا، إن عروة بن مسعود، جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ما يحدون النظر إليه تعظيمًا له.\nإنها لصورة بارزة حية، وأوضحها عروة بن مسعود لمدى محبة أصحاب رسول الله ﷺ له. وإن فيها لدلالات هامة يجب أن يقف عليها كل مسلم.\nإنها تدل أولًا على أنه لا إيمان برسول الله ﷺ بدون محبة له، وليست المحبة له معنى","vol":"2","page":787},{"text":"عقلانيًا مجردًا، وإنما هي الأثر الذي يستحوذ على القلب فيطبع صاحبه بمثل الطابع الذي وصف به عروة بن مسعود أصحاب رسول الله ﷺ.\nوهي تدل ثانيًا، على أن التبرك بآثار رسول الله ﷺ أمر مندوب إليه ومشروع. ولقد وردت أحاديث صحيحة ثابتة عن تبرك الصحابة ﵃ بشعر النبي ﷺ، وعرقه ووضوئه، وبصاقه، والقدح الذي كان يشرب فيه. أهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>تعليقات على قصة الحديبية:</span>\n١ - من أول ما يطالعك في قصة الحديبية إحكام التدبير، أولًا: في الشعار الذي رفع. وثانيًا: في الطريق الذي سلك. وثالثًا: في الحوار الذي تم والمفاوضات التي جرت والحجج التي قيلت. ورابعًا: في أخذ البيعة على عدم الفرار أو الموت. وخامسًا: في ضبط النفس عن القتال مع وجود أسبابه. وسادسًا: في الاحتياطات الأمنية التي اتخذت. وسابعًا: في الجو الذي أحيطت به المفاوضات. وثامنًا: في بنود الصلح.\n٢ - هناك صورتان متكاملتان في هذه القصة: فمن أجل الثأر لعثمان عندما أشيع نبأ قتله أخذت البيعة على الموت، ومن أجل مجموعة من المؤمنين والمؤمنات المستضعفين في مكة صرف الله المسلمين عن القتال (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم .......) (١).\nومن هاتين الصورتين ندرك كم للمسلم من قيمة عند الله وعند إخوانه، فلا تفريط فيه بل حرص عليه، بل قد يتخذ قرار حرب من أجله، وهذا يعطينا عبرًا كثيرة، أبسطها: أن نعرف للمسلم حرمته، وأن نعرف له قيمته فلا نضيعه بل نحاول القيام بحقوقه كاملة.\n٣ - في هذه القصة موقف لم يستطع أصحاب رسول الله ﷺ إدراك أبعاده، وهذا يعطينا درسًا في العمل الإسلامي: أن نستشرف دائمًا أبعاد معركتنا، وأن نتفهم الآراء المطروحة أمامنا، وأن نتأنى في الحكم على تصرفات القادة الذين يكرمهم الله ﷿ بتحمل المسؤولية، فكثيرًا ما نصدر أحكامًا مستعجلة، ظاهرها الصواب وباطنها الخطأ.\n_________\n(١) الفتح: ٢٥.","vol":"2","page":788},{"text":"٤ - ومن أعظم دروس الحديبية أن على القائد أن يمتلك القدرة على الحرب والسلام، وكثيرًا ما يحدث أن القائد يستطيع السيطرة في الحرب فإذا ما أراد السلام ظهرت أمامه عقبات، فالمتحمسون، والمتشددون، وبالنسبة لغير الصحابة المزايدون، وههنا تحدث أزمات ومآس إن علينا أن ندرك أنه ليس الهدف هو الحرب أو السلم، إنما الهدف أن يتقدم هذا الدين، فحيثما رأت القيادات الرشيدة والشورى المبصرة أن المصلحة في شيء فههنا محط الرحال، ولا يصلح أحد للقيادة إذا لم يكن قادرًا على قراري السلم والحرب بآن واحد، ولقد كان رسول الله ﷺ هو النموذج الأرقى في هذا وفي غيره.\n٥ - وفي قصة الحديبية تجد المستوى الرفيع من الأدب والانضباط اللذين وصل إليهما أصحاب رسول الله ﷺ بفضل تربيته: فعثمان لا يطوف بالبيت على حبه لذلك ما دام رسول الله ﷺ لم يطف، والصحابة كانا كالسكارى عند توقيع الصلح وتأخير العمرة، ولكن لم يقولوا هجرًا ولم يخرجوا عن انضباط. ومن مظاهر ما ذكرناه ههنا ما أشار إليه الشيخ الغزالي في كتابه فقه السيرة: (ومن السكينة التي تنزلت على المسلمين أن رسل قريش كانت تغدو على رسول الله ﷺ وتروح، فلا يعترضهما أحد، أما رسل المسلمين إلى قريش فقد تعرضت للهلاك، كاد خراش بن أمية الخزاعي يقتل، لولا أن أنقذه الأحابيش، فرجع وقد عقر جمله وكان النبي ﵊ أرسله ليبلغ أهل مكة حقيقة مجيئه، وانه يريد العبادة لا الحرب ... والرسل لا تقتل، بيد أن غليان قريش أفقدها الوعي.\n* * *","vol":"2","page":789},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>وصل\nهجوم عبد الرحمن الفزاري على المدينة المنورة</span>\nسمى ابن هشام هذا الهجوم بغزوة ذي قرد.\nوكان ذلك مقفله ﵊ من الحديبية كما ذكر سلمة بن الأكوع في رواية مسلم - وقد ذكرنا قسمًا من رواية سلمة من قبل وأخرنا بعضها إلى هنا، والسطور الأوائل مذكورة هنا وهناك لربط ما له علاقة بهذه الغزوة بسياقها الذي مر معنا من قبل.\n٥٢٣ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ فاستاقه أجمع وقتل راعيه قال فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه، قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثًا: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول:\nأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع\nفألحق رجلًا منهم. فأصك سهمًا في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه. قال قلت:\nخذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع\nقال! فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم. فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به. حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل،\n_________\n٥٢٣ - مسلم مطولًا (٣/ ١٤٣٣) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٥ - باب غزوة ذي قرد وغيرها.\nعبد الرحمن الفزاري: هو عبد الرحمن بن عيينة الفزاري وقيل عيينة بن حصن أبوه.\nفأصك سهمًا في رحله: أي أضرب.\nأرميهم وأعقر بهم: أي أرميهم بالنبل وأعقر خيلهم. وأصل العقل ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف. ثم اتسع حتى استعمل في القتل كما وقع هنا. وحتى صار يقال: عقرت البعير أي نحرته.\nحتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه: التضايق ضد الاتساع. أي تدانى. فدخلوا في تضايقه أي المحل المتضايق","vol":"2","page":790},{"text":"فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحًا يستخفون، ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من الحجارة، يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه. حتى أتوا متضايقًا من ثنية. فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون (يعني يتغدون). وجلست على رأس قرن. قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا، من هذا، البرح. والله! ما فارقنا منذ غلس يرمينا، حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام قال قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال قلت: أنا سلمة بن الأكوع. والذي كرم وجه محمد ﷺ! لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم\n_________\n= منه بحيث استتروا به عنه، فصار لا يبلغهم ما يرميهم به من السهام.\nفجعلت أرديهم بالحجارة: يعني لما امتنع علي رميهم بالسهام عدلت عن ذلك إلى رميهم من أعلى الجبل بالحجارة التي تسقطهم وتهورهم. يقال: ردى الفرس راكبه إذا أسقطه وهوره.\nحتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ: من، هنا زائدة. أتى بها لتأكيد العموم. وإنما سميت زائدة لأن الكلام يستقيم بدونها فيصح أن يقال: ما خلق الله بعيرًا. ومن، في قوله: من ظهر، بيانية، والمعنى أنه ما زال بهم إلى أن استخلص منهم كل بعير أخذوه من إبل رسول الله ﷺ.\nإلا خلفته وراء ظهري: خلفته أي تركته. يريد أنه جعل في حوزته وحال بينهم وبينه.\nثم اتبعتهم: هكذا هو في أكثر النسخ: اتبعتهم. وفي نسخة: أتبعتهم، بهمزة القطع. وهي أشبه بالكلام وأجود موقعًا فيه. وذلك أن تبع المجرد واتبع بمعنى مشى خلفه على الإطلاق وأما أتبع الرباعي فمعناه لحق به بعد أن سبقه ومنه قوله تعالى (فأتبعهم فرعون بجنوده) أي لحقهم مع جنوده بعد أن سبقوه. وتعبيره هنا بثم المفيدة للتراخي يشعر أنه بعد أن استخلص منهم جميع الإبل توقف عن اتباعهم ولعل ذلك ريثما جمع الإبل وأقامها على طريق يأمن عليها فيه. والمعنى على هذا الوجه: وبعد أن توقفت عن اتباعهم حتى سبقوني، تبعتهم حتى لحقت بهم.\nيستخفون: أي يطلبون بإلقائها الخفة ليكونوا أقدر على الفرار.\nآراما من الحجارة: الآرام هي الأعلام. وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة ليهتدى بها. واحدها إرم كعنب وأعناب.\nحتى أتوا متضايقًا من ثنية: الثنية العقبة والطريق في الجبل. أي حتى أتوا طريقًا في الجبل ضيقة.\nعلى رأس قرن: هو كل جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير.\nالبرح: أي الشدة.\nغلس: الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.","vol":"2","page":791},{"text":"فيدركني قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر. قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي. على إثره أبو قتادة الأنصاري. وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن. قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه. وطعنه عبد الرحمن فقتله. وتحول على فرسه.\nولحق أبو قتادة، فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن. فطعنه فقتله. فوالذي كرم وجه محمد ﷺ! لتبعتهم أعدو على رجلي. حتى ما أرى ورائي، من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم، شيئًا. حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء. يقال له ذا قرد. ليشربوا منه وهم عطاش. قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم. فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم. فأصكه بسهم في نغض كتفه. قال قلت: خذها وأنا ابن الأكوع. واليوم يوم الرضع. قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة. قال قلت: نعم. يا عدو نفسه! أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله\n_________\n= قال أحدهم: أنا أظن: يعني: صدقت.\nيتخللون الشجر: أي يدخلون من خلالها، أي بينها.\nذا قرد: هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة: ذا قرد، وفي بعضها: ذو قرد، وهو الوجه.\nفحليتهم عنه: أي طردتهم عنه. وقد فسرها في الحديث بقوله: يعني أجليتهم عنه. قال القاضي: كذا روايتنا فيه هنا غير مهموز. قال وأصله الهمز، فسهله. وقد جاء مهموزًا بعد هذا في الحديث.\nنغض: هو العظم الرقيق على طرف الكتف. سمي بذلك لكثرة تحركه. وهو الناغض أيضًا.\nقال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة: معنى ثكلته أمه، فقدته أمه، وقوله: أكوعه، هو برفع العين، أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار؟ ولهذا قال: نعم. وبكرة منصوب غير منون. قال أهل العربية: يقال أتيته بكرة بالتنوين، إذا أردت لقيته باكرًا في يوم غير معين، قالوا: وإن أردت بكرة يوم بعينه، قلت أتيته بكرة، غير مصروف لأنها من الظروف المتمكنة.\nوأردوا: قال القاضي: رواية الجمهور بالدال المهملة ورواه بعضهم بالمعجمة. قال: وكلاهما متقارب المعنى. فبالمعجمة معناه خلفوهما. والرذي الضعيف من كل شيء. وبالمهملة معناه أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما وتركوهما ومنه التردية. وأردت الفرس الفارس أسقطته. لحقني عامر: أي عمه وقد استشهد في خيبر.=","vol":"2","page":792},{"text":"ﷺ. قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء. فتوضأت وشربت. ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم. عنه. فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استقذته من المشركين وكل رمح وبردة وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم إذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قال قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مائة رجل، فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه في ضوء النار. فقال: \"يا سلمة! أتراك كنت فاعلًا؟ \" قلت: نعم. والذي أكرمك! فقال: \"إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان\" قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا. فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ: \"كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجالتنا سلمة\" قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل. فجمعهما لي جميعًا. ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًا، قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا إلا أن يكون رسول الله ﷺ. قال قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي! ذرني فلأسابق الرجل. قال: \"إن\n_________\n= بسطيحة فيها مذقة من لبن: السطيحة إناء من جلود سطح بعضها على بعض. والمذقة قليل من لين ممزوج بماء.\nحلأتهم: كذا هو في أكثر النسخ: حلأتهم. وفي بعضها حليتهم. وقد سبق بيانه قريبًا.\nمن الإبل الذي: كذا في أكثر النسخ: الذي. وفي بعضها: التي. وهو أوجه. لأن الإبل مؤنثة، وكذا أسماء الجموع من غير الآدميين. والأول صحيح أيضًا. وأعاد الضمير إلى الغنيمة، لا إلى لفظ الإبل.\nنواجذه: أي أثيابه.\nليقرؤن: أي يضافون، والقرى الضيافة.\nجزورا: الجزور: البعير ذكرًا كان أو أنثى.\nالعضباء: هو لقب ناقة النبي ﷺ. والعضباء مشقوقة الأذن، ولم تكن ناقته ﷺ كذلك وإنما هو لقب لزمها.\nشدًا: أي عدوًا على الرجلين.","vol":"2","page":793},{"text":"شئت\" قال. قلت: اذهب إليك. وثنيت رجلي فظفرت فعدوت. قال: فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي. ثم عدوت في إثره. فربطت عليه شرفًا أو شرفين. ثم رفعت حتى ألحقه.\nقال: فأصكه بين كتفيه. قال قلت: قد سبقت والله! قال: أنا أظن. قال: فسبقته إلى المدينة.\nوللحديث تتمة متعلقة بخيبر سنذكرها في أحداث السنة السابعة.\n* * *\n_________\n= فطفرت: أي وثبت وقفزت.\nفربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي: معنى ربطت حبست نفسي عن الجري الشديد، والشرف ما ارتفع من الأرض. وقوله: أستبقي نفسي، أي لئلا يقطعني البهر.\nرفعت حتى ألحقه: أي أسرعت. قوله: حتى ألحقه. حتى، هنا، للتعليل بمعنى كي. وألحق منصوب بأن مضمرة بعدها.\nأظن: أي أظن ذلك، حذف مفعوله للعلم به.","vol":"2","page":794},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>فصل في: مكاتبته ﵊ الملوك والأمراء</span>\nقال المباركفوري:\nفي أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام.\nولما أراد أن يكتب إلى هؤلاء الملوك قيل له: إنهم لا يقبلون إلا وعليه خاتم، فاتخذ النبي ﷺ خاتمًا من فضة، نقشه: محمد رسول الله، وكان هذا النقش ثلاثة أسطر: محمد سطر، رسول سطر، والله سطر، هكذا: الله ... رسول ... محمد.\nواختار من أصحابه رسلًا لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك، وقد جزم العلامة المنصور فوري أن النبي ﷺ أرسل هؤلاء الرسل غرة المحرم سنة سبع من الهجرة قبل الخروج إلى خيبر بأيام.\nأقول: الذي يبدو لي أن المكاتبة بدأت في أواخر السنة السادسة واستمرت بعد ذلك فمنها ما وقع في السنة السادسة ومنها ما وقع بعدها، ويصعب تحديد الزمن لكل مراسلة، وأصل المراسلة ثابت في الصحيحين وغيرهما، أما نصوص هذه الرسائل فبعضها موجود في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة وبعضها موجود في كتب السير وهناك مراسلات لا شك فيها كرسالته ﵊ إلى المقوقس لكن تفصيلاتها موجودة في كتب السيرة، ومن أجود ما استوعب هذا الموضوع من المحققين قديمًا ابن القيم ﵀، وممن استوعبه حديثًا المباركفوري في الرحيق المختوم مستفيدًا من تحقيقات المحدثين ونحن سننقل من التحقيقين لتكمل صورة الحركة في السنة السادسة.\nذكر ابن القيم رسائله ﵊ إلى هرقل، والكتاب معروف محفوظ حتى الآن، وإلى كسرى وقد أشار إليه البخاري ومسلم، وإلى النجاشي وهو غير الأول الذي توفي في حياته ﵊ وصلى عليه صلاة الغائب، وقد أشار إلى هذه الرسالة مسلم، وإلى المقوقس عظيم مصر والإسكندرية، وإلى المنذر بن ساوى عظيم البحرين، وإلى ابني الجلندي عظيمي عمان، وإلى هوذة بن علي عظيم اليمامة، وإلى الحارث بن أبي شمر","vol":"2","page":795},{"text":"الغساني عظيم دمشق. قال المباركفوري:\nوبهذه الكتب كان النبي ﷺ قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض. فمنهم من آمن به ومنهم من كفر. ولكن شغل فكر هؤلاء الكافرين، وعرف لديهم باسمه ودينه.\nوقد عثر على أكثر من رسالة من رسائله ﵊ وألفت في ذلك كتب، وهذا جهد مشكور مأجور إن شاء الله تعالى، ونحن هنا نذكر ما ورد في أصول كتابنا على شرطنا:\n٥٢٤ - * روى مسلم عن أنس أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ.\n٥٢٥ - * روى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه، مزقه، فحسبت (القائل: هو الزهري) أن ابن المسيب قال: فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق.\n٥٢٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى في، قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ، قال: فبينا أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من النبي إلى هرقل، قال: وكان دحية الكلبي جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، قال فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقالوا: نعم، قال فدعيت في نفر\n_________\n٥٢٤ - مسلم (٢/ ١٣٩٧) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٧ - باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله ﷿.\n٥٢٥ - البخاري (٨/ ١٢٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٢ - باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر.\n٥٢٦ - البخاري (٨/ ٢١٤) ٦٥ - كتاب التفسير - ٤ - باب \"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله.\nومسلم (٣/ ١٣٩٣) / ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٧ - باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام ولكن دون قول الزهري.","vol":"2","page":796},{"text":"من قريش، فدخلنا على هرقل، فأجلسنا بين يديه، فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه، فقال: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه، قال أبو سفيان: وايم الله، لولا أن يؤثروا علي الكذب لكذبت، ثم قال لترجمانه، سله: كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قال قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: لا بل ضعفاؤهم، قال: يزيدون أو ينقصون؟ قلت: لا، بل يزيدون، قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟ قال قلت نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالًا، يصيب منا ونصيب منه، قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في هذه المدة، لا ندري ما هو صانع فيها؟ - قال: والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه - قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا، ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها، وسألتك: هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم، أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: فزعمت: أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله، وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت: أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت: أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل قاتلتموه؟\n_________\n= يؤثروا علي الكذب: أي: يرووا عني وينسبون إلي.\nالحرب سجال: متماثلة: تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، وهو من المساجلة: المفاخرة، وهي أن تصنع مثل صنيع قرنك، وأصله من السجل، وهو الدلو لأن لكل واحد من الواردين دلوًا مثل ما للآخر، أو لكل واحد منهم يوم في الاستقاء.\nالبشاشة: انشراح القلب بالشيء، والفرح بقبوله، وأصله في اللقاء، وهو الملاطفة في الملقى.","vol":"2","page":797},{"text":"فزعمت: أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالًا، ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت: أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك: هل قال أحد هذا القول قبله؟ فزعمت: أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، قال: ثم قال: بم يأمركم؟ قال: قلت: يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصلة، والعفاف، قال: إن يك ما تقول حقًا، فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أك أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و(يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون) (١).\nفلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا، قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِر أمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه\n_________\n= الغدر: ضد الوفاء، وهو نقض العهد.\nصلة الأرحام: كل ما أمر الله به أن يوصل إلى الأقارب، من أنواع البر والإحسان.\nالعفة والعفاف: الكف عما لا يحل لك.\nالأريسيين: اختلفوا في المراد بهم على أقوال: أصحها وأشهرها أنهم الأكارون، أي الفلاحون والزارعون، ومعناه: إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك.\nاللغط: اختلاف الأصوات، واختلاطها، والهذر من القول.\nلقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشة: أي: كبر شأنه وعظم واتسع، وكان المشركون ينسبون النبي ﷺ إلى أبي كبشة، لأن أبا كبشة الخزاعي، واسمه وجز، كان خالف قريشًا في عبادة الأوثان، وعبد الشعرى العبور، وهو النجم المعروف في نجوم السماء فلما خالفهم النبي ﷺ في عبادة الأصنام شبهوه به، وقيل: كان جد جد النبي ﷺ لأمه، أرادوا: أنه نزع إليه في الشبه.\n(١) آل عمران: ٦٤.","vol":"2","page":798},{"text":"ملك بني الأصفر، فما زلت موقنًا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام.\nقال الزهري: فدعا هرقل عظماء الروم، فجمعهم في دار له، فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد، وأن يثبت لكم ملككم؟ قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فقال: علي بهم، فدعا بهم، فقال: إني إنما اختبرت شدتكم على دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحببت، فسجدوا له ورضوا عنه.\nوللبخاري في رواية (١) أخرى نحو حديث معمر، وفيه: قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة. وقال في الجواب أيضًا إعادة هذا الحديث.\nوفي أخرى (٢): والله فما زلت ذليلًا مستيقنًا بأن أمره سيظهر، حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره.\nوقال في رواية (٣): وكان ابن الناطور - صاحب إيلياء وهرقل - سقفًا على نصارى الشام يحدث: أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء، ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله ﷺ، فلما استخبره هرقل، قال: اذهبوا،\n_________\n= بني الأصفر: بنو الأصفر: هم الروم، سموا بذلك لما يعرض لألوانهم في الغالب من الصفرة.\nحاصوا حيصة: أي: نفروا نفرة، وجالوا جولة، وهو من المحيص: المهرب، والملجأ، والميل من جهة إلى أخرى.\nالحزاء والحازي: الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه، ويقال لخارص النخل: الحازي، تقول منه: حزوت الشيء أحزوه وأحزيه، لغتان، ويقال للذي ينظر في النجوم: حزاء، من قبل هذا، لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره، فربما أصاب.\n(١) البخاري (١/ ٣٢) ١ - كتاب بدء الوحي - ٦ - باب حدثنا أبو اليمان ...\n(٢) البخاري (٦/ ١١١) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١٠٢ - باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة.\n(٣) البخاري (١/ ٣٢) ١ - كتاب بدء الوحي - ٦ - باب حدثنا أبو اليمان ....","vol":"2","page":799},{"text":"فانظروا: أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب؟ فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى - حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ، وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت ... ثم ذكر نحو ما في حديث معمر إلى آخر هذا الفصل - ثم قال: فكان ذلك آخر شأن هرقل.\nتعليقًا على ما ذكره ابن سعد في طبقاته أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتمًا لمراسلة الملوك عندما أبلغ أن الملوك لا يقبلون رسالة غير مختومة. قال البوطي:\nدل عمل رسول الله ﷺ هذا على مشروعية اتخاذ الخاتم، وكان خاتمه ﷺ من فضة، كما دل على مشروعية نقش اسم صاحبه عليه. وقد استدل كثير من العلماء بذلك على استحباب وضع خاتم من فضة في الأصبع التي كان ﷺ يضع خاتمه فيها، وهي أصبع الخنصر.\nأقول: وهذا أصل في مراعاة البروتوكول العالمي.\n* * *\n_________\n= فلم يرم: رام يريم: إذا زال من مكانه، ولم يرم من مكانه، أي: لم يبرح.\nالدسكرة: واحدة الدساكر، وهي القصور.","vol":"2","page":800},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>فوائد عامة من أحداث السنة السادسة</span>\n١ - حسن التعامل مع النفس البشرية شرط النجاح في العمل السياسي أو العسكري أو التربوي أو التعليمي أو الإداري أو الإعلامي، بل عمم ذلك على كل شيء في الحياة البشرية فمن لا يحسن التعامل مع النفس البشرية ساقط حكمًا في القيادة. والذين يحسنون التعامل مع النفس البشرية نوعان: فنوع يتعامل معها من خلال أهوائها وغرائزها وشهواتها وهؤلاء هم الأخس من القادة، ونوع يحسن التعامل معها من خلال معرفتها وإدراك جوانب الخير فيها والارتقاء بهذه الجوانب، ومحمد ﷺ من بين هؤلاء هو المثل الأعلى، فهو أكثر خلق الله إدراكًا للنفوس ومعرفة بها، وهو أكثر خلق الله معرفة بالتعامل مع النفوس في أي موطن، وبذلك نجح في إيصال دعوته إلى القلوب ونجح في الانتقال بالأنفس من طور إلى طور على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأمة، وهذا شيء تلحظه في الصغيرة والكبيرة من تصرفاته، ولقد مرت معنا في أحداث هذه السنة أكثر من حادثة تعتبر نموذجًا على ما ذكرناه، فحادثة ثمامة بن أثال واستخراج الإيمان منه، وحادثة إثارة الإبل في وجه سيد الأحابيش تعتبران نموذجين كاملين على ما ذكرناه، ففي حادثة ثمامة تجد طريقة من التعامل مع عدو شديد العداوة وتتمخض عن إيمان وحب، ومع أنه ﵊ في الظاهر لم يدعه ولم يناقشه، وحادثة إثارة البدن في وجه سيد الأحابيش نقلت الأحابيش كلهم من الضدية إلى المعية دون أن يجري أي حوار، إنك عندما تتأمل حياته ﵊ تجد من أبرز معانيها القدرة العليا على التعامل مع النفس البشرية ومن ثم نجح رسول الله ﷺ النجاح الذي لم يعرفه غيره إلا لماما، ولا غرابة فمن جملة مهماته ﵊ كما حددها القرآن:\n﴿ويزكيكم﴾ وكيف يستطيع التزكية من لا يعرف النفس البشرية ويحسن التعامل معها، انظر كيف تعامل مع فتنة المنافقين يوم قال قائل يا للأنصار وقال الآخر يا للمهاجرين، وكيف أنه أنهى هذه الفتنة الكبيرة من خلال الحركة السريعة المباشرة المتقنة فصرف الأذهان عما حدث.\nإن حسن التعامل مع النفس البشرية يقتضي من صاحبه أن يتصرف مع كل نفس بما","vol":"2","page":801},{"text":"يناسب وضعها وبما يحقق مردودًا على الجماعة وبما ترتقي به هذه النفس وأن يتصرف القائد مع كل الناس التصرف المناسب للمقام بما يلائم الحال وبما تتقبله النفوس وبما يحقق مردودًا للأمة وبما يقرب من الهدف القريب والبعيد دنيا وأخرى فهذا شيء فوق الطلاقة، ولا أعرف أحدًا في تاريخ هذا العالم وصل في هذا كله إلى بعض ما وصل فيه محمد رسول الله ﷺ وذلك من توفيق الله.\n٢ - القادة قسمان: فقسم لا يستشير وهذا مآله إلى الدمار أو التدمير، وقسم يستشير وهؤلاء نوعان: نوع يستفيد من الشورى، ونوع تضيعه الشورى، فالذي يستفيد من الشورى هو الذي يستطيع أن يدرك بسرعة الرأي الصحيح فيأخذ به ويرجحه من أين أتى هذا الرأي، أما النوع الآخر فهؤلاء تتجاذبهم الآراء ذات اليمين وذات الشمال، وكثيرًا ما يفرطون وكثيرًا ما تذهب أوقاتهم سدى وكثيرًا ما يتبنون الرأي الأضعف. أما رسول الله ﷺ فلقد كان أكثر الناس استشارة - هذا مع أنه يوحى إليه - وفي الوقت نفسه كان أكثر خلق الله إدراكًا لسلامة الرأي، وأكثر خلق الله مسارعة للأخذ بالرأي الراجح ولعل موقفه من رأى أم سلمة يوم الحديبية يمثل هذا الجانب الذي ذكرناه، ولكنه ليس موقفًا يتيمًا، فموقفه من رأي الحباب بن المنذر يوم بدر، وموقفه من اقتراح سلمان يوم الخندق كل ذلك نماذج على ما ذكرناه.\n٣ - يكثر الكلام في عصرنا على الاستراتيجية والتكتيك، والمراد بالاستراتيجية الموقف الأحكم في قضية ما على ضوء النظرة الشاملة والبعيدة المدى، والمراد بالتكتيك الحركة الآنية التي تناسب المقام، والقائد الناجح هو الذي يدرك الموقف الاستراتيجي الأجود ويتحرك حركة آنية مناسبة على ضوء ذلك ومن فاته إدراك الموقف الاستراتيجي الأحكم أو التكتيك المناسب الأسلم في موقف ما خسر أو فشل، وكثيرًا ما يسقط قادة في التكتيك، أو في الاستراتيجية، وبعض القادة تطريهم النجاحات الجزئية فيسقطون في النهاية لتفضيلهم ما هو تكتيكي على ما هو استراتيجي، ومحمد ﷺ - من بين القادة - كان أعظم الخلق على الإطلاق في الرؤية الشاملة البعيدة المدى وكان أعظم خلق الله في الإدارة الناجحة والحركة الصحيحة في كل موقف، وصلح الحديبية والتحرك قبله وبعده يعطيك نموذجًا على ذلك، فلقد مهد","vol":"2","page":802},{"text":"لهذا الصلح وتجنب الصدام المباشر مع خالد وغيره قبله وتنازل لقريش حتى أرضاها فيما ظاهره ضعف وباطنه قوة، وبما أنهى قريشًا من الناحية الاستراتيجية وأعطاه مركز القيادة إلى الأبد، ذلك بعض مظاهر الكمال في شخصيته ﵊ وكيف لا يكون كذلك وهو رسول الله ﷺ الخاتم.\n٤ - نلاحظ أن رسول الله ﷺ قد أمضى صلح الحديبية على كره من أصحابه فهل هذا دليل لمن يقول بعدم إلزامية الشورى؟ والذي نقوله في هذا المقام ما يلي:\nلقد استشار رسول الله ﷺ أصحابه في الطريق في تثبيت الأحابيش فلما أشار أبو بكر عليه بألا يفعل ترك ذلك، فهناك طرح الأمر على الشورى ونزل على رأي مستشاره الأول، لكن نلاحظ أنه في صلح الحديبية فاوض وأمضى الأمر ولم يطرح المسألة على الشورى أصلًا فما السبب في ذلك؟ الأمر يدور عندنا على ثلاثة محامل:\nالمحمل الأول: أن ذلك كان بوحي وعندئذ فلا محل للشورى. وفي النصوص ما يشير إلى هذا من مثل (إني عبد الله لن أعصيه ...). وقد تكون المسألة من باب الفهم عن الله دون وحي، ويشير إلى مثل هذا فهمه ﵊ لبروك ناقته وأنه حبسها حابس الفيل، وتعليقه على ذلك أنه لن تدعوه قريش إلى أمر تعظم فيه حرمات الله إلا فعل.\nالمحمل الثاني: أنه أراد رسول الله ﷺ أن يفهم الأمة أن هناك حالات ينبغي أن يعطى الإمام فيها فرصة البت في الأمور، وعلى هذا فعلى الأمة أن تستخرج من مجموع أفعاله وأقواله ﵊ صلاحيات الإمام، ومتى تلزمه الشورى ومتى لا تلزمه، إن التفاوض مع العدو له أحكامه، فإن يظهر القائد التردد، أو أن يظهر في كل لحظة أنه بحاجة إلى استشارة خاصة والقائد هو رسول الله الذي يدعوهم إلى الإيمان بنبوته، كل ذلك له وزنه في فهم هذه الحادثة.\nالمحمل الثالث: أن الأمة الإسلامية وقتذاك في طور التأسيس والصحابة كلهم في حجر التربية ونحن نرى أنه ما دامت الجماعات الإسلامية في طور التأسيس، والأفراد في حجر","vol":"2","page":803},{"text":"التربية؛ فالشورى وقتذاك معلمة لا ملزمة كما ذكرنا ذلك في كتابنا: (دروس في العمل الإسلامي) وبعد هذا نقول:\nلا أرى أخطر على حاضر الإسلام ومستقبله من الفكرة التي تقول بعدم إلزامية الشورى دون تفصيل، بل إني أقول: إن المسلمين لم يؤتوا خلال تاريخهم إلا من هذه الفكرة، فبسبب هذه الفكرة انتقلت الأمة الإسلامية من خلافة راشدة إلى ملك عضوض، ومن توزيع عادل للأموال إلى تبديد للثروات في غير ما حق، ومن أنظمة ترضي الله ورسوله والمؤمنين إلى أنظمة يلعنها الله ورسوله والمؤمنون. إنه لابد من تقعيد لتنفيذ أمر الله ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (١) ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (٢) سواء لمرحلة ما قبل الحكم أو للحكم، وعلى ضوء ما يتفق عليه أهل الإسلام يكون السير.\nإن هذا وحده هو الذي يسع عصرنا، ويسع العاملين للإسلام، نجد عشرة من الناس يلتقون على أمير، وشوراهم لأميرهم غير ملزمة، وآراء هؤلاء الأمراء متناقضة، فكيف يتحد المسلمون؟ وإذا اتحد المسلمون فهل يتحدون على مبادئ وقواعد؟ أو يتحدون على شخص؟ وإذا اتحدوا على شخص وليس بيده سلطة تنفيذية فهل آراؤه وحدها تسعهم إذا كانت الشورى غير ملزمة؟ وإذا وصل الإسلاميون إلى الحكم فهل الأمر يناط بشخص بلا قيد ولا شرط؟ أو أن الأمر يحتاج إلى ضوابط وقواعد؟ إن الذين يقولون بعدم إلزامية الشورى يضعون الأمة الإسلامية - وهي الآن في أخطر مرحلة - في إطار قدرات الأفراد وأمزجتهم؟ فأي سير للإسلام والمسلمين في عصرنا المعقد إذا ما سير على مثل هذا الاجتهاد؟!.\nترى هل يصل واحد من الناس الآن إلى مثل فضل معاوية بن أبي سفيان وهو صحابي؟ ومع ذلك جعل ابنه يزيد خليفة للمسلمين، من الذي يضمن ما دامت الشورى غير ملزمة أن يتصرف أمير مثل هذه التصرفات؟ ويا مسلمون اسمعوا وأطيعوا.\n٥ - عندما يتهادن فريقان فهناك ثلاث صور:\n_________\n(١) آل عمران: ١٥٩.\n(٢) الشورى: ٣٨.","vol":"2","page":804},{"text":"الصورة الأولى: أن يكون لكل من الفريقين دعوة ورسالة.\nالصورة الثانية: أن يكون لأحد الفريقين دعوة ورسالة وفكرة.\nالصورة الثالثة: ألا يكون لكل من الفريقين دعوة ورسالة.\nفي الصورة الأولى: الفكر الأقوى هو الذي سينتصر إذا أتيح له دعاة متحمسون أقوياء، وفي الصورة الثانية: أصحاب الدعوة هم الرابحون إذا عملوا، وفي الصورة الثالثة: يتساوى الربح والخسارة عند الطرفين إذا تعادلوا باليقظة والسهر. من هنا نقول: إن يوم الحديبية كان ربحًا كله؛ لأنه كان هدنة بين أصحاب دعوة ورسالة وبين ناس ورثوا معاني وألفوها، ولذلك فإن الصف الإسلامي كان يتنامى على حساب الصف الآخر ومن هنا نرى أن أعداد المسلمين تضاعفت مرات بعد صلح الحديبية، وكل ذلك كان على حساب الصف الآخر، وهذه قضية ندر من يفطن لها، بل الغفلة عنها كانت عاملًا من عوامل انحسار الإسلام في عصرنا، فلقد وجدت على الأرض الإسلامية دعوات باطلة، في وقت خبت فيه روح الدعوة عند المسلمين وسكت المسلمون على هذه الدعوات وهادنتها حكومات فكان أن سجلت كثير من هذه الدعوات انتصارات على الأرض الإسلامية وقد ورثنا نحن ذلك والله المستعان.\nأما رسول الله ﷺ فذلك شأن آخر بأبي هو وأمي.\n٦ - من وجهة النظر السياسية كان صلح الحديبية اعترافًا من مكة بدولة المدينة، واعترافًا من قريش بسلطان رسول الله ﷺ، وقد أتبع رسول الله ﷺ هذا الأمر مباشرة إرساله الرسائل للملوك والأمراء فحقق بهذا أكثر من هدف: دعا هؤلاء إلى الله وهذا هو الهدف الأكبر، أشعر من لم يشعر من هؤلاء بوجوده، ليفكروا بتحديد موقف من الدين الجديد والدولة الناشئة، وضع أساسًا للحركة السياسية والعسكرية المقبلتين في حياته أو بعد وفاته ﵊، أخرج الدعوة من إطارها العربي إلى إطارها العالمي.\n٧ - ليس هناك من واجب على الحاكم يعدل واجب توفير الأمن للمواطن على عرضه وماله وحياته، ومن عرف جزيرة العرب في الجاهلية وطبيعة بداوتها وقسوة الحياة فيها","vol":"2","page":805},{"text":"أدرك أن فكرة الأمن المعروفة تكاد تكون معدومة، ولكن انظر إلى الدولة التي أقامها رسول الله ﷺ كيف أنها استطاعت أن تحقق أكبر قدر ممكن من الأمن بأقصر فترة متصورة فأصبحت حوادث القتل داخل المجتمع الإسلامي قليلة، والمعاهدون محميين ما داموا لا يخلون بعهدهم ثم إن أي خطر خارجي كان يرد عليه بسرعة وأي إخلال داخلي بالأمن كان يعامل بحزم وكان لا يسكت على غدر، وفي أحداث هذه السنة نجد حادثتين بارزتين تعتبران نموذجًا على بعض ما ذكرناه، معاملته ﵊ للعرنيين الذين قتلوا راعيه وسملوا عينيه وسلبوا الأموال، واسترجاع ما أخذته بنو فزارة في هجومها على سرح المدينة. لقد كان المجتمع المدني يتوسع كثيرًا؛ لأن الهجرة كانت مفروضة على كل من أسلم، ومع ذلك فكم هي حوادث الإخلال بالأمن التي حدثت داخل هذا المجتمع؟ إنها لقليلة جدًا وذلك كله أثر من آثار السياسة النبوية التي قللت دوافع الجريمة ووسعت حوافز الفضيلة واجتمع فيها حزم القانون وعدالة القضاء، وحزم الحاكم وهدي النبوة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>تقويم الموقف في نهاية السنة السادسة</span>\nبالصلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش لم يعد هناك رأس يتجمع حوله المشركون جميعًا وبذلك ماتت إلى الأبد فكرة أن تتجمع الجزيرة العربية ضد رسول الله ﷺ، وهكذا أصبح رسول الله ﷺ أمام وضع يعطيه فرصًا في الحرب وفي السلم، في الدعوة داخل الجزيرة العربية وخارجها، ولم يكن الأمر يحتاج إلى تفكير كثير لاستثمار هذا الوضع فالوحي يتنزل ويسدد ويرشد، ورسول الله ﷺ هو القائد ولقد تحرك رسول الله ﷺ سلمًا وحربًا، وكان من آثار ذلك العجب الكبير:\nخلال فترة وجيزة كسبت الدعوة أضعافًا مضاعفة، فقد خرج رسول الله ﷺ يوم الحديبية بألف وخمسمائة بينما انطلق إلى مكة عام الفتح بعشرة آلاف، وفي السنة السابعة أنهى الكيان السياسي لليهود إنهاءً تامًا في جزيرة العرب. ليست هناك لحظة تمر إلا بعمل هادف.\nفإلى أحداث السنة السابعة.\n* * *","vol":"2","page":806},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>السنة السابعة للهجرة</span>","vol":"2","page":807},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>أهم أحداث هذه السنة في سطور</span>\n* في المحرم وصفر من السنة السابعة تمت غزوتا خيبر ووادي القرى، فسقطت بذلك آخر معاقل يهود في الجزيرة العربية بعد أن استسلم يهود تيماء ودخلوا في صلح مع رسول الله ﷺ.\n* وفي هذه السنة قدم جعفر بن أبي طالب ﵁ ومن معه من مهاجري الحبشة وبعض الأشعريين الذين كانوا معه وكان ذلك على إثر فتح خيبر كما تزوج رسول الله ﷺ من صفية بنت حيي ﵂، وعلى إثر خيبر حاولت اليهودية زينب بنت الحارث أن تسمه ﷺ ولكن الله عصمه.\n* وفي صفر سنة سبع للهجرة أرسل رسول الله ﷺ أبان بن سعيد بن العاص في سرية إلى نجد لإرهاب أعرابها فلا يفكرون في غزو المدينة وهو يصارع اليهود في خيبر ووادي القرى.\n* وفي شهر ربيع الأول غزا رسول الله ﷺ نجدا ولقي جمعًا من غطفان فتوافقوا ولم يكن بينهم قتال، وهي الغزوة التي لف بها بعض الصحابة على أرجلهم الخرق عندما نقبت فاختلطت بغزوة ذات الرقاع التي كانت سنة أربع، فلنسم هذه غزوة الرقاع وتلك غزوة ذات الرقاع.\n* وفي صفر أو ربيع الأول أرسل رسول الله ﷺ سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بقديد.\n* وفي جمادى الأولى لسنة سبع أسلم باذان عامل كسرى على اليمن بعد أن قتل شيرويه ابن كسرى أباه وأخبر بذلك رسول الله ﷺ رسولي باذان في اليوم التالي فكانت معجزة أسلم بسببها باذان ومن معه من أهل فارس في اليمن.\n* وفي هذه السنة أرسل رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى حسمى وراء وادي القرى في خمسمائة رجل فشن زيد الغارة على جذام التي سلبت دحية بن خليفة الكلبي رسول رسول","vol":"2","page":809},{"text":"الله ﷺ إلى هرقل فقتل فيهم زيد قتلًا ذريعًا .....\n* ومن سرايا هذا العام:\n- سرية عمر بن الخطاب إلى تربة في شعبان سنة ٧ هـ. ومعه ثلاثون رجلًا كانوا يسيرون الليل ويستخفون في النهار، وأتى الخبر إلى هوازن فهربوا، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق أحدًا فانصرف راجعًا إلى المدينة.\n- سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بناحية فدك في شعبان سنة ٧ هـ في ثلاثين رجلًا. خرج إليهم واستاق الشاء والنعم، ثم رجع فأدركه الطلب عند الليل، فرموهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه، فقتلوا جميعًا إلا بشير فإنه ارتث إلى فدك، فأقام عند يهود، حتى برأت جراحه، فرجع إلى المدينة.\n- سرية غالب بن عبد الله الليثي في رمضان سنة ٧ هـ إلى بني عوال، وبني عبد بن ثعلبة بالميفعة، وقيل إلى الحرقات من جهينة في مائة وثلاثين رجلًا، فهجموا عليهم جميعًا، وقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعمًا وشاء، وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد نهيك بن مرادس بعد أن قال: لا إله إلا الله. فقال النبي ﷺ \"هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟ \".\n- سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر في شوال سنة ٧ هـ في ثلاثين راكبًا. وذلك أن أسير أو بشير بن زارم كان يجمع غطفان لغزو المسلمين، فأخرجوا أسيرًا في ثلاثين من أصحابه، وأطمعوه أن الرسول ﷺ يستعمله على خيبر، فلما كانوا بقرقرة ثبار وقع بين الفريقين سوء ظن أفضى إلى قتل أسير وأصحابه الثلاثين.\n- سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار (بالفتح، أرض لغطفان وقيل لفزارة وعذرة) في شوال سنة ٧ هـ في ثلاثمائة من المسلمين، للقاء جمع كبير تجمعوا للإغارة على أطراف المدينة، فساروا الليل وكمنوا النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا، وأصاب بشير نعمًا كثيرة، وأسر رجلين، فقدم بهما إلى المدينة، إلى رسول الله ﷺ فأسلما.\n- سرية أبي حدرد الأسلمي إلى الغابة، ذكرها ابن القيم في سرايا السنة السابعة قبل عمرة","vol":"2","page":810},{"text":"القضاء، وملخصها أن رجلًا من جشم بن معاوية أقبل في عدد كبير إلى الغابة، يريد أن يجمع قيسًا على محاربة المسلمين. فبعث رسول الله ﷺ أبا حدرد مع رجلين فاختار أبو حدرد خطة حربية حكيمة، وهزم العدو هزيمة منكرة، واستاق الكثير من الإبل والغنم.\n* ولما أهل هلال ذي القعدة خرج رسول الله ﷺ لعمرة القضاء في ألفين من أصحابه سوى النساء والصبيان، وقد خرج معه كل من شهد الحديبية إلا من استشهد، وفي هذه العمرة تزوج رسول الله ﷺ بميمونة بنت الحارث العامرية ﵂.\n* وفي ذي الحجة من سنة سبع أرسل رسول الله ﷺ ابن أبي العوجاء في سرية قوامها خمسون رجلًا إلى بني سليم ليدعوهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا ثم قاتلوا قتالًا شديدًا جرح فيه ابن أبي العوجاء وأسر رجلان من العدو.\n* ومن أحداث هذه السنة رده ﵊ ابنته زينب على زوجها أبي العاص ابن الربيع بعدما أسلم.\nوكعادتنا في هذا القسم نذكر فيه ما هو ألصق بما اصطلح على تسميته بالسيرة النبوية ونركز على ما ورد فيه قرآن أو ما ورد له ذكر في أصول هذا الكتاب أو ما اشتهر من أحداث السيرة بحيث لا يليق بالكتاب ألا يعرج عليه، ولقد أشير في القرآن إلى غزوة خيبر وعمرة القضاء وإلى حادثة أسامة فنحن عاقدون لهذه ثلاثة فصول، وقد ذكرت في أصولنا غزوة الرقاع وقدوم جعفر وسرية أبان بن سعيد ونحن عاقدون لكل منها فصلًا على تسلسل وقوعها:\nفصل: في سرية أبان بن سعيد إلى خيبر.\nفصل: في غزوة خيبر.\nفصل: في غزوة الرقاع.\nفصل: في سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح.\nفصل: في عمرة القضاء.","vol":"2","page":811},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-275>لنلق قبل البدء نظرة كلية على أحداث هذه السنة:</span>\nبعد صلح الحديبية أمن الرسول ﷺ أمنًا مباشرًا من قريش ومن دخل معها في هذا الصلح، وأمن بالتالي من أن تجتمع عليه الجزيرة العربية كلها مرة ثانية، ولم يعد هناك ما يمكن أن يشكل تهديدًا مباشرًا للدولة إلا جهة واحدة وهي جهة الشمال، ففي هذه الجهة أربع تجمعات لليهود في خيبر ووادي القرى وفدك وتيماء، وهذه التجمعات متصلة اتصالًا مباشرًا بعدد من القبائل العربية أهمها غطفان، فلو أنها اتحدت لشكلت خطرًا أما من عدا هؤلاء وإلى دائرة واسعة حول المدينة المنورة فلا خطر فهناك قبائل متفرقة لا تفكر إلا في السلب والنهب وكانت سياسة الرسول مع هذه القبائل تقوم على إشعارها بالحركة المستمرة من خلال البعوث والسرايا، وهذه البعوث والسرايا كانت تحقق هدفين: إشعار هؤلاء بالإسلام ليفكروا، وتثبيتهم حتى لا يهاجموا، وتحركات رسول الله ﷺ وصلت في هذا العام إلى الطائف (تربة) وإلى نجد (غزوة الرقاع)، أما خيبر ووادي القرى وفدك وتيماء فقد قرر السيطرة عليها وكانت خطته ألا يعطيها فرصة التجمع مع غطفان وقد نجح في إنهاء خيبر ولم تستطع غطفان أن تفعل شيئًا ثم ذابت بعد ذلك في الإسلام.\nوهكذا أصبحت دائرة أمن المدينة ممتدة غربًا حتى الساحل وجنوبًا حتى الطائف وشمالًا حتى حدود الشام وشرقًا حتى حدود نجد، وأما الدائرة التي تلي هذا فقد اخترقتها الدعوة الإسلامية السلمية بواسطة الرسائل والدعاة فأصبح قسم كبير من الخليج مسلمًا وقسم كبير من اليمن مسلمًا، وبقيت جهات كثيرة تفكر وتنتظر، وكل يوم يأتي كان يدنيها من الإسلام والطاعة والانقياد، وجاءت ضربة خيبر فأزالت الكثير من التردد، ثم جاء فتح مكة في السنة الثامنة منه فكانت الضربة النهائية.\n* * *","vol":"2","page":812},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>فصل: في سرية أبان بن سعيد إلى خيبر</span>\n٥٢٧ - * روى البخاري وأبو داود عن عنبسة بن سعيد أن أبا هريرة ﵁ أتى النبي ﷺ فسأله، قال له بعض بني سعيد بن العاص: لا تعطه، فقال أبو هريرة: هذا قاتل ابن قوقل، فقال: واعجبًا لوبر تدلى من قدوم الضأن.\nوفي رواية (١): \"أن أبان بن سعيد أقبل إلى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، هذا قاتل ابن قوقل. وقال أبان لأبي هريرة: واعجبًا لك وبر تدأدأ من قدوم ضأن، ينعى علي امرءًا أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يهينني بيده.\nقال البخاري (٢) ويذكر عن الزبيدي عن الزهري قال: أخبرني عنبسة بن سعيد أنه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص قال: بعث رسول الله ﷺ أبان على سرية من المدينة قبل نجد، قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعدما افتتحها وإن حزم خيلهم لليف. قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله، لا تقسم لهم. قال أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأن. فقال النبي ﷺ: \"يا أبان أجلس\" فلم يقسم لهم.\nقال في الفتح: وأما أبان فهو ابن سعيد بن العاص بن أمية، وهو عم سعيد بن العاص الذي حدثه أبو هريرة، وكان إسلام أبان بعد غزوة الحديبية، وقد ذكرنا أولًا في قصة\n_________\n٥٢٧ - البخاري (٧/ ٤٩١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر.\nوأبو داود (٣/ ٧٣) كتاب الجهاد - باب فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له.\nهذه رواية البخاري وأبي داود، إلا أن أبا داود قال في الروايتين: \"قدوم ضال\".\nلوبر تدلي من قدوم ضال: تدلى: تعلق من فوق إلى أسفل، والقدوم: ما تقدم من الشاة، وهو رأسها، وقادمة الرجل: خلاف آخرته، وإنما أراد احتقاره، وصغر قدره عنده، وأنه مثل الوبر الذي يتدلى من رأس الضأن، يعني: الشاء، في قلة المنفعة والمبالاة.\n(١) البخاري (٧/ ٤٩١).\nفي الرواية الأخرى \"تدأدأ\" إن كانت صحيحة، فنرى: أنها من الديداء: وهو أشد عدو البعير، يقال: دأدأ وتدأدأ دأدأة وديداء.\nوقال الخطابي: (الوبر): جمع وبرة، وهي دويبة في مقدار السنور أو نحوه.\n(٢) البخاري (٧/ ٤٩١).\nقوله: \"وأنت بهذا\" كلام فيه اختصار وإضمار، معناه: وأنت المتكلم بهذه الكلمة.\nو\"ضال\" باللام: جبل أو موضع فيما يقال، يريد بهذا الكلام: تصغير شأنه، وتوهين أمره.","vol":"2","page":813},{"text":"الحديبية في الشروط وغيرها أن أبان هذا أجاز عثمان بن عفان في الحديبية حتى دخل مكة وبلغ رسالة رسول الله ﷺ، وتقدم في هذه الغزوة أن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية، فيشعر ذلك بأن أبان أسلم عقب الحديبية حتى أمكن أن يبعثه النبي ﷺ في سرية، وقد ذكر الهيثم بن علي في الأخبار سبب إسلام أبان، فروى من طريق سعيد بن العاص قال: قتل أبي يوم بدر، فرباني عمي أبان، وكان شديدًا على النبي ﷺ يسبه إذا ذكر، فخرج إلى الشام فرجع فلم يسبه، فسئل عن ذلك، فذكر أنه لقي راهبًا فأخبره بصفته ونعته، فوقع في قلبه تصديقه، فلم يلبث أن خرج إلى المدينة فأسلم، فإن كان هذا ثابتًا احتمل أن يكون خروج أبان إلى الشام كان قبل الحديبية.\nقيل وقع في إحدى الطريقين ما يدخل في قسم المقلوب، فإن في رواية ابن عيينة أن أبا هريرة السائل أن يقسم له، وأن أبان هو الذي أشار بمنعه. وفي رواية الزبيدي أن أبان هو الذي سأل، وأن أبا هريرة هو الذي أشار بمنعه، وقد رجح الذهلي رواية الزبيدي. ويؤيد ذلك وقوع التصريح في روايته بقول النبي ﷺ يا أبا اجلس. ولم يقسم لهم، ويحتمل أن يجمع بينهما بأن يكون كل من أبان وأبي هريرة أشار أن لا يقسم للآخر، ويدل عليه أن أبا هريرة احتج على أبان بأنه قاتل ابن قوقل، وأبان احتج على أبي هريرة بأنه ليس ممن له في الحرب يد يستحق بها النفل، فلا يكون فيه قلب، وقد سلمت رواية السعيدي من هذا الاختلاف، فإنه لم يتعرض في حديثه لسؤال القسمة أصلًا. والله أعلم. ا. هـ فتح.\nفائدة: الذي يبدو لي أن هذه السرية كانت للفت الأنظار عن غزوة خيبر، وتثبيت بعض القبائل التي يحتمل أن تمد خيبر، فقد ورد في ابن هشام عن ابن إسحاق:\nفبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة - مرحلة - سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا، وظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر.\n* * *","vol":"2","page":814},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>فصل: في غزوة خيبر ووادي القرى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>تقديم:</span>\n- في شمال المدينة المنورة وفي الطريق إلى الشام تقع خيبر وفدك ووادي القرى وتيماء وهي مناطق خصبة وتتشابك هذه المناطق الأربعة بصلات واسعة مع بدو المنطقة غطفان.\n- ولو أن الرسول ﷺ سيطر على هذه المنطقة لترتب على ذلك أن تتوسع دائرة نفوذ الدولة ويصبح الطريق إلى الشام مفتوحًا ويقوى اقتصاد الدولة الناشئة ويسقط السلطان السياسي لمركز من مراكز التجمع، وينتهي احتمال من احتمالات خطر التألب.\n- ولكن الخصوم أقوياء والحصون كثيرة فهناك ثمانية حصون رئيسية في منطقة خيبر وحدها ومع ذلك فقد سيطر رسول الله ﷺ على خيبر وفدك ووادي القرى وتيماء وأنهى أي تطلع عند القبائل للإمداد فدخلت في سلطانه بعد ذلك. وكانت خسائره في هذا كله على أعلى تقدير ثلاثة وعشرين شهيدًا، وكانت وسائله في ذلك إحكام الخطة والسرية والمفاجأة، فلقد ثبت القبائل فلا تمد خيبر من خلال عمليات بسيطة أشعر بها هذه القبائل أنها مستهدفة وأن غزوة متجهة إليها فقطع بذلك الإمداد وفاجأ خيبر دون أن يعطيها فرصة فلما انتهت انتهى كل شيء تقريبًا، وخيبر هذه سمها منطقة أو مقاطعة أو بلدًا، لكنها في كل الأحوال تتألف من مجموعة حصون وقلاع.\nقال المباركفوري:\nوكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيها خمسة حصون:\n١ - حصن ناعم.\n٢ - حصن الصعب بن معاذ.\n٣ - حصن قلعة الزبير.\n٤ - حصن أبي.\n٥ - حصن النزار.","vol":"2","page":815},{"text":"والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها النطاة، وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى بالشق.\nأما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة. ففيه ثلاثة حصون فقط:\n١ - حصن القموص (كان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير).\n٢ - حصن الوطيح.\n٣ - حصن السلالم.\nوفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها. أهـ.\nوقد افتتح رسول الله ﷺ هذه المنطقة كلها مع وادي القرى بأبسط جهد وأقل خسارة. قال المباركفوري:\nوجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلًا، أربعة منق ريش وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر، والباقون من الأنصار.\nويقال: إن شهداء المسلمين في المعارك ١٨ رجلًا وذكر العلامة المباركفوري ١٩ رجلًا ثم قال: إني وجدت بعد التفحص ٢٣ اسمًا، واحد منها في الطبري فقط، وواحد عند الواقدي فقط، وواحد مات لأجل أكل الشاة المسمومة وواحد اختلفوا هل قتل في بدر أو خيبر، والصحيح أنه قتل في بدر.\nأما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلًا. أهـ.\nوفي ذلك درس للذين يقودون العمل الإسلامي أن يعرفوا كيف يحققون أعظم الأهداف من أقرب طريق وهاك خريطة تعينك على الرؤية البصيرة للحركة العسكرية بما فيها التحرك نحو خيبر ووادي القرى نقلًا عن السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي.","vol":"2","page":816},{"text":"[خريطة مساكن القبائل الهامة ومواقع الغزوات الإسلامية]","vol":"2","page":817},{"text":"٥٢٨ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع بعد أن تحدث عن مطاردته لعبد الرحمن الفزاري قال: فوالله! ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:\nتالله! لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\nونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا\nوأنزلن سكينة علينا\nفقال رسول الله ﷺ \"من هذا؟ \" قال: أنا عامر. قال: \"غفر لك ربك\" قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمل له: يا نبي الله! لولا ما متعتنا بعامر. قال: فلما قدمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:\nقد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب\nإذ الحروب أقبلت تلهب\nقال: وبرز له عمي عامر، فقال:\nقد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر\nقال: فاختلفا ضربتين. فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له. فرجع سيفه على نفسه. فقطع أكحله. فكانت فيها نفسه.\n_________\n٥٢٨ - مسلم (٣/ ١٤٤٠) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٥ - باب غزوة ذي قرد وغيرها.\nفجعل عمي: هكذا قال: هنا: عمي. وقد سبق في حديث أبي الطاهر عن ابن وهب أنه قال: أخي. فلعله كان أخاه من الرضاعة، وكان عمه من النسب.\nيخطر بسيفه: أي يرفعه مرة ويضعه أخرى. ومثله: خطر البعير بذنبه يخطر، إذا رفعه مرة ووضعه أخرى.\nشاكي السلاح: أي تام السلاح: يقال: شاكي السلاح، وشاك السلاح، وشاك في السلاح، من الشوكة وهي القوة. والشوكة أيضًا السلاح. ومنه قوله تعالى (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم).\nبطل مجرب: أي مجرب بالشجاعة وقهر الفرسان، والبطل الشجاع، يقال بطل الرجل يبطل وبطولة إذا صار شجاعًا.\nيسفل له: أي يضربه من أسفله.","vol":"2","page":818},{"text":"قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر. قتل نفسه. قال: فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي. فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟. قال رسول الله ﷺ \"من قال ذلك؟ \" قال قلت: ناس من أصحابك. قال: \"كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين\". ثم أرسلني إلى علي، وهو أرمد. فقال: \"لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله\" قال: فأتيت عليًا فجئت به أقوده، وهو أرمد. حتى أتيت به رسول الله ﷺ. فبسق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية. وخرج مرحب فقال:\nقد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب\nإذا الحروب أقبلت تلهب\nفقال علي:\nأنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره\nأوفيهم بالصاع كيل السندره\nقال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه.\nقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات:\nاختلفوا في قاتل مرحب فقيل علي بن أبي طالب، وقال ابن عبد البر في كتابه مختصر السيرة قال محمد بن إسحاق: إن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبا اليهودي بخيبر، قال وخالفه غيره فقال بل قتله علي بن أبي طالب (قال ابن عبد البر) هذا هو الصحيح عندنا. ثم روى ذلك بإسناده عن بريدة وسلمة بن الأكوع، (قال الشافعي) في المختصر: نفل النبي\n_________\n= كذب من قال: كذب، هنا بمعنى أخطأ.\nوهو أرمد: قال أهل اللغة: يقال رمد الإنسان يرمد رمدًا فهو رمد وأرمد. إذا هاجت عينه.\nأنا الذي سمتني أمي حيدرة: حيدرة اسم للأسد. وكان علي ﵁ قد سمي أسدًا في أول ولادته. وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسدًا يقتله. فذكره علي ﵁ بذلك ليخيفه ويضعف نفسه. وسمي الأسد حيدرة لغلظه. والحادر الغليظ القوي. ومراده: أنا الأسد في جراءته وإقدامه وقوته.\nأوفيهم بالصاع كيل السندرة: معناه أقتل الأعداء قتلًا واسعًا ذريعًا. والسندة مكيال واسع. وقيل: هي العجلة. أي أقتلهم عاجلًا. وقيل: مأخوذ من السندرة: وهي شجرة الصنوبر يعمل منها النبل والقسي.","vol":"2","page":819},{"text":"ﷺ يوم خيبر محمد بن مسلمة سلب مرحبا ذكره في أول باب جامع السير، وهذا تصريح منه بأن قاتله محمد بن مسلمة، (وقال ابن الأثير) الصحيح الذي عليه أكثر أهل السير والحديث أن عليًا هو قاتله، قال المصنف ﵀: قلت: وفي صحيح مسلم بإسناده عن مسلمة بن الأكوع التصريح بأن عليًا هو الذي قتله انتهى ما ذكره النووي في التهذيب. أهـ.\n٥٢٩ - * روى البخاري عن سويد بن النعمان ﵁ أنه خرج مع النبي ﷺ عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء - وهي أدنى خيبر - صلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به، فثري فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ.\n٥٣٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلًا، وكان إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبي ﷺ: \"خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\".\n٥٣١ - * روى الإمام أحمد عن أبي طلحة قال: صبح نبي الله ﷺ خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم فلما رأوا نبي الله ﷺ معه الجيش نكصوا مدبرين. فقال نبي الله\n_________\n٥٢٩ - البخاري (٧/ ٤٦٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب: غزوة خيبر.\nوالنسائي (١/ ١٠٨) كتاب الطهارة - المضمضة من السويق، والموطأ (١/ ٢٦).\nفثرى: من ثرى: التربة تثرية بلها. وصب عليه ماء ثم لته أي دقه وسحقه.\n٥٣٠ - البخاري (٧/ ٤٦٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر.\nومسلم (٣/ ١٤٢٧) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٣ - باب غزوة خيبر.\nالخميس: الجيش الكبير.\n٥٣١ - أحمد (٤/ ٢٨).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٩) وقال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد رجال الصحيح.\nالمسحاة: المجرفة من الحديد، والمكتل كالزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا.\nنكص: أحجم ورجع.\nوالحديث يدل على أن المفاجأة كانت كاملة.","vol":"2","page":820},{"text":"ﷺ: \"الله أكبر الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\".\n٥٣٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: كنا محاصري خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه، فالتفت، فإذا النبي ﷺ، فاستحييت.\nولمسلم (١) قال: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمته، فقلت، لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ متبسمًا.\nوفي رواية أبي داود والنسائي (٢) قال: دلي جراب من شحم عمرو يوم خيبر، فأتيته فالتزمته، قال: ثم قلت ... وذكر رواية مسلم - وقال: يتبسم إلي.\n٥٣٣ - * روى الإمام أحمد عن أبي اليسر كعب بن عمرو قال: والله إنا لمع رسول الله ﷺ عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم، ونحن محاصروهم، إذ قال رسول الله ﷺ \"من رجل يطعمنا من هذه الغنم\" قلت: أنا يا رسول الله، قال: \"فافعل\": فخرجت اشتد مثل الظليم، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ موليًا، قال: \"اللهم أمتعنا به\" قال فأدركت الغنم وقد دخلت أوائلها الحصن، فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت بهما أشتد، كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ فذبحوهما وأكلوهما، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله ﷺ هلاكًا، فكان إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم يقول: أمتعوا بي لعمري كنت آخرهم.\n_________\n٥٣٢ - البخاري (٧/ ٤٨١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب: غزوة خيبر.\nفنزوت: النزو: الوثوب على الشيء.\n(١) مسلم (٣/ ١٣٩٣) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٥ - باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب.\n(٢) أبو داود (٣/ ٦٥) كتاب الجهاد - باب في إباحة الطعام في أرض العدو.\nوالنسائي (٧/ ٢٣٦) كتاب الضحايا باب ذبائح اليهود.\n٥٣٣ - أحمد (٣/ ٤٢٧)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٩).\nالظليم: ذكر النعام.","vol":"2","page":821},{"text":"توفي أبو اليسر بالمدينة سنة خمس وخمسين وقد زاد على المائة.\n٥٣٤ - * روى البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، فسرنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم، يقول:\nاللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\nفاغفر فداء لك ما اتقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nوألقين سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أبينا\nوبالصياح عولوا علينا\nفقال رسول الله ﷺ: \"من هذا السائق؟ \" قالوا: عامر بن الأكوع، قال: \"يرحمه الله\" قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله؛ لولا أمتعتنا به! قال: فأتينا خيبر، فحاصرناهم، حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال النبي ﷺ: \"ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ \" قالوا: على لحم، قال: \"على أي لحم؟ \" قالوا: لحم حمر الإنسية فقال النبي ﷺ: \"أهريقوها واكسروها\" فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: \"أو ذاك\" فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصرًا، فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي قال:\n_________\n٥٣٤ - البخاري (٧/ ٤٦٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر. ومسلم (٣/ ١٤٢٧) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٣ - باب غزوة خيبر.\nهنيهاتك: هنيهاتك وهنياتك، يعني: الأشياء التي تظهر منه مما يستغرب ويستظرف ويستحسن ويشتهى ونحو ذلك.\nوجبت: قوله: وجبت، أي وجبت الرحمة والمغفرة التي ترحم بها عليه، يعني: أنه باستغفاره له وجبت له المغفرة، وأنه يقتل شهيدًا.\nمخمصة: المخمصة: المجاعة.\nذباب: السيف: طرفه الذي يضرب به.\nقفلوا: قفل المسافر: إذا رجع من سفره.=","vol":"2","page":822},{"text":"\"مالك؟ \" قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرًا حبط عمله، قال رسول الله ﷺ: \"كذب من قاله، إن له لأجرين\" وجمع بين إصبعيه \"إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله\" وفي رواية: \"نشأ بها\".\nولم يقل مسلم: \"نشأ بها\".\nولمسلم (١) قال سلمة: لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا مع رسول الله ﷺ، فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك - وشكوا فيه - رجل مات في سلاحه وشكوا في بعض أمره قال سلمة: فقفل رسول الله ﷺ من خيبر، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي أن أرجز بك، فأذن له رسول الله ﷺ، فقال عمر بن الخطاب: أعلم ما تقول، فقلت:\nوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\nفقال رسول الله ﷺ: صدقت.\nفأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nوالمشركون قد بغوا علينا\nفلما قضيت رجزي، قال رسول الله ﷺ: \"من قال هذا؟ \" قلت: قاله أخي، فقال رسول الله ﷺ: \"يرحمه الله\" قال: فقلت: يا رسول الله إن ناسًا ليهابون الصلاة عليه، يقولون: رجل مات بسلاحه، فقال رسول الله ﷺ: \"كذبوا، مات جاهدًا مجاهدًا\".\nقال ابن شهاب: ثم سألت ابنًا لسلمة بن الأكوع؟ فحدثني عن أبيه مثل ذلك، غير أنه قال - حين قلت: إن ناسًا يهابون الصلاة عليه فقال رسول الله ﷺ: \"كذبوا، مات\n_________\n= حبط: عمله، أي: بطل، وضاع أجره.\n(١) مسلم (٣/ ١٤٢٩) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٣ - باب غزوة خيبر.\nوقاله أخي: لعله أخوه من الرضاعة وعمه من النسب.\nجاهدًا: الجاهد: المبالغ في الأمر الذي ينتهي إلى آخر ما يجد، والمجاهد: الغازي في سبيل الله تعالى.\nيهابون الصلاة عليه: يعني الترحم.","vol":"2","page":823},{"text":"جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرتين، وأشار بإصبعيه\".\nوأخرجه أبو داود (١) مختصرًا قال: لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا، فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك - وشكوا فيه: رجل مات بسلاحه، فقال رسول الله ﷺ: \"مات جاهدًا مجاهدًا\".\nقال ابن شهاب: ثم سألت ابنًا لسلمة بن الأكوع. وذكر باقي الحديث إلى آخره.\nوأخرجه النسائي (٢) مثل رواية مسلم المفردة بطولها، وزاد: واشار بإصبعيه.\n٥٣٥ - * روى البخاري عن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة فقال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ، فنفثت فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيت حتى الساعة.\n٥٣٦ - * روى الحاكم عن الأسود بن سريع ﵁، أن رسول الله ﵌ بعث سرية يوم خيبر فقاتلوا المشركين فأمضى بهم القتل إلى الذرية فلما جاءوا قال النبي ﵌: \"ما حملكم على قتل الذرية\" فقالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين قال: \"وهل خياركم إلا أولاد المشركين، والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة، حتى يعرب عنها لسانها\".\n٣٥٧ - * روى الإمام أحمد عن بريدة قال: حاصرنا خيبر، فأخذ اللواء أبو بكر، فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذه من الغد عمر، فخرج فرجع ولم يفتح له، وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد، فقال رسول الله ﷺ: \"إني دافع اللواء غدًا إلى رجل يحبه الله\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ٢٠) كتاب الجهاد، باب في الرجل يموت بسلاحه.\n(٢) النسائي (٦/ ٣٠) كتاب الجهاد، باب من قاتل في سبيل الله فارتد عليه سيفه فقتله.\n٥٣٥ - البخاري (٧/ ٤٧٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر.\nوأبو داود (٣/ ١٢) كتاب الجهاد، باب كيف الرقي؟\n٥٣٦ - الحاكم (٢/ ١٢٣) وسكت عنه، وأقره الذهبي وقال: تابعه يونس عن الحسن حدثنا الأسود بهذا.\n٥٣٧ - أحمد (٥/ ٣٥٣).وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٠) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":824},{"text":"ورسوله ويحب الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له\" فبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدًا، فلما أصبح رسول الله ﷺ صلى الغداة، ثم قام قائمًا، فدعا باللواء والناس على مصافهم، فدعا عليًا وهو أرمد، فتفل في عينيه، ودفع إليه اللواء، وفتح له قال بريدة. وأنا فيمن تطاول لها.\n٥٣٨ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: خرج علينا علي بن أبي طالب في الحر الشديد وعليه ثياب الشتاء وخرج علينا في الشتاء وعليه ثياب الصيف ثم دعا بما نشد به ثم مسح العرق عن جبهته، ثم رجع إلى بيته، فقلت لأبي: يا أبتاه، أما رأيت ما صنع أمير المؤمنين خرج علينا في الشتاء عليه ثياب الصيف، وخرج علينا في الصيف وعليه ثياب الشتاء فقال أبو ليلى: ما فطنت، فأخذ بيد ابنه، فأتى عليًا فقال له الذي صنع، فقال له علي: إن رسول الله ﷺ كان بعثني وأنا أرمد، فبزق في عيني، ثم قال: افتح عينيك، ففتحتها فما اشتكيتها حتى الساعة، ودعا لي فقال: \"اللهم أذهب عنه الحر والبرد\" فما وجدت حرًا ولا بردًا حتى يومي هذا.\nوفي رواية أخرى عنده عن سويد بن غفلة قال: لقينا عليًا وعليه ثوبان في الشتاء فقلنا لا تغتر بأرضنا هذه فإن أرضنا هذه مقرة ليست مثل أرضك. قال: فإني كنت مقرورًا، فلما بعثني رسول الله ﷺ إلى خيبر قلت إني أرمد فتفل في عيني فما وجدت حرًا ولا بردًا ولا رمدت عيناي.\n٥٣٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ أخذ الراية فهزها ثم قال: \"من: يأخذها بحقها؟ \" فجاء فلان فقال: أنا قال: \"أمط\"، ثم جاء رجل فقال: \"أمط\" ثم قال النبي ﷺ: \"والذي كرم وجه محمد لأعطينها رجلًا لا يفر، هاك يا علي\" فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتهما وقديدهما.\n_________\n٥٣٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢٢) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.\nعليه ثوبان: أي عليه ثياب خفيفة.\nمقرة: أي باردة.\n٥٣٩ - أحمد (٣/ ١٦)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥١) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\nأمط: كلمة زجر بمعنى: تنح.","vol":"2","page":825},{"text":"٥٤٠ - * روى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: \"لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله\" قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: \"أين علي بن أبي طالب؟ \" فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال: \"فأرسلوا إليه\" فأتي به فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: \"انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم\".\n٥٤١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: \"لأعطين هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه\" قال عمر ابن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها، وقال: \"امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك\"، قال: فسار علي شيئًا، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: \"قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله\".\n_________\n٥٤٠ - البخاري (٧/ ٤٧٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب: غزوة خيبر. وكذا في (٦/ ١٤٤) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١٤٣ - باب: فضل من أسلم على يديه رجل.\nومسلم (٤/ ١٨٧٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٤ - باب: من فضائل علي بن أبي طالب.\nيدوكون: بات القوم يدوكون دوكًا: إذا وقعوا في أخلاط ودوران وخاضوا في أمر.\nنفذ: في الأمر: إذا مضى فيه.\nوعلى رسلك: أي: على حالتك وهيئتك.\n٥٤١ - مسلم (٤/ ١٨٧١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٤ - باب: من فضائل علي بن أبي طالب ﵁.\nتساورت لها: أي: ثرت وانزعجت وتطلعت، والسورة: الثورة والحركة بحدة، يقال: سار الرجل يسور، وهو سوار، إذا ثار وزال عنه السكون الذي كان عليه، هذا أصله، ثم قد يكون عن غضب أو عن شيء يتبعه نفسه، فيريد أن يقف عليه.","vol":"2","page":826},{"text":"٥٤٢ - * روى الطبراني عن أم سلمة وكانت في غزوة خيبر قالت: سمعت وقع السيف في أسنان مرحب.\n٥٤٣ - * روى النسائي عن أنس أن النبي ﷺ غزا خيبر فصلينا عندها الغداة بغلس، فركب النبي ﷺ وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأخذ نبي الله ﷺ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ رسول الله ﷺ وإني لأرى بياض فخذ نبي الله ﷺ. فلما دخل القرية قال: \"الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\" قالها ثلاث مرات. وخرج القوم إلى أعمالهم. قال عبد العزيز: فقالوا: محمد والخميس وأصبناها عنوة، فجمع السبي، فجاء دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: \"اذهب فخذ جارية\" فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك قال: \"ادعوه بها\" فجاء بها، فلما نظر إليه ﷺ قال: \"خذ جارية من السبي غيرها\" وأن نبي الله ﷺ أعتقها وتزوجها.\n٥٤٤ - * روى الطبراني عن ابن شهاب في تسمية من استشهد يوم خيبر مع رسول الله ﷺ من الأنصار ثم بني حارثة: محمود بن مسلمة فذكروا أن رسول الله ﷺ قال لمحمد بن مسلمة: \"أخوك له أجر شهيدين\" ومن بني زريق: مسعود بن سعد بن قيس.\n٥٤٥ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فأصبناها عنوة، فجمع السبي.\n_________\n٥٤٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n٥٤٣ - النسائي (٦/ ١٣١) مطولًا - كتاب النكاح، باب البناء في السفر. وكذا في (١/ ٢٧١) كتاب المواقيت - باب التغليس في السفر.\nومسلم (٣/ ١٤٢٦) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٣ - باب: غزوة خيبر.\nعنوة: فتحت البلدة عنوة أي قهرًا بغير صلح.\nالسبي: سبى عدوه سبيًا وسباء: أسره. السبي: المأسور.\n٥٤٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n٥٤٥ - أبو داود (٣/ ١٥٩) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء من حكم أرض خيبر.\nالعنوة: القسر.\nالسبي: الأسارى. ويطلق على النساء والصبيان خاصة.","vol":"2","page":827},{"text":"٥٤٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ: \"كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها - أو عباءة\" - ثم قال رسول الله ﷺ: \"يا ابن الخطاب، اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون\" - قال: فخرجت، فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.\n٥٤٧ - * روى أبو داود عن زيد بن خالد الجهني ﵁؛ أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: \"صلوا على صاحبكم\" فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: \"إن صاحبكم غل في سبيل الله\" ففتشنا متعه، فوجدنا خرزًا من خرز يهود، لا يساوي درهمين.\nفائدة: اعتذر النبي ﷺ من الصلاة عليه وسمح لهم أن يصلوا عليه زجرًا للناس عن فعله.\n٥٤٨ - * روى الترمذي عن عمير، مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله ﷺ وكلموه أني مملوك قال: فأمرني فقلدت سيفًا، فإذا أنا أجره، فأمر لي بشيء من خرتي المتاع، وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها المجانين، فأمرني بطرح بعضها، وحبس بعضها.\nوالعمل على هذا عند بعض أهل العلم لا يسهم للمملوك ولكن يرضخ له بشيء وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.\n_________\n٥٤٦ - مسلم (١/ ١٠٧) ١ - كتاب الإيمان - ٤٨ - باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.\nغلها: سرقها وأخفاها.\n٥٤٧ - أبو داود (٣/ ٦٨) كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول.\nغل: خان في المغنم أو في مال الدولة.\n٥٤٨ - الترمذي (٤/ ١٢٧) كتاب السير - باب هل يسهم للعبد وأبو داود (٣/ ١٥٠) إلا أن رواية أبي داود انتهت قوله: المتاع. والحاكم (١/ ٣٢٧) وسكت عنه وأقره الذهبي.\nخرتي: المتاع: أثاث البيت.","vol":"2","page":828},{"text":"٥٤٩ - * روى أبو داود عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم، على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكًا لحيي بن أخطب، وقد كان قتل قبل خيبر، كان احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير، فيها حليهم، قال: فقال النبي ﷺ لسعية: \"أين مسك حيي بن أخطب؟ \" قال: أذهبته الحروب والنفقات، فوجدوا المسك، فقتل ابن الحقيق وسبى نساءهم وذراريهم، واراد أن يجليهم، فقالوا: يا محمد، دعنا نعمل في هذه الأرض ولنا الشطر ما بدا لك، ولكم الشطر، وكان رسول الله ﷺ يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر وعشرين وسقا من شعير.\nوفي أخرى لأبي داود (١) قال: إن عمر قال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شاء، فمن كان له مال فليلحق به، فإني مخرج يهود، فأخرجهم.\n٥٥٠ - * روى البخاري عن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر، قام عمر خطيبًا، فقال: إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: \"نقركم ما أقركم الله\" وإن عبد الله بن عمر: خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس له هناك عدو غيرهم، هم عدونا\n_________\n٥٤٩ - أبو داود (٣/ ١٥٧) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب ما جاء في حكم أرض خيبر.\nالصفراء والبيضاء: الصفراء: الذهب، والبيضاء: الفضة.\nالحلقة: قيل المراد بها السلاح، وقيل المراد بها الدروع؛ لأنها في حلق مسلسلة.\nمسكًا: المسك الجلد، والمراد به هنا: ذخيرة من صامت وحلي كانت لحيي بن أخطب وكانت يدعى مسك الجمل، ذكروا: أنها قومت عشرة آلاف دينار، وكانت لا تزف امرأة إلا استعير لها ذلك الحلي، قيل: إنها كانت في مسك جمل ثم في مسك ثور في مسك حمل.\n(١) أبو داود (٣/ ١٥٨) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب ما جاء في حكم أرض خيبر.\n٥٥٠ - البخاري (٥/ ٣٢٧) ٥٤ - كتاب الشروط - ١٤ - باب إذا اشترط في المزارعة \"إذا شئت أخرجك\".\nفدع: رجل أفدع: بين الفدع، وهو المعوج الرسغ من اليد أو الرجل، فيكون منقلب الكف أو القدم إلى ما يلي الإبهام، وذلك الموضع هو الفدعة.\nفعدي عليه: عدي عليه، أي: ظلم، والعدوان: الظلم المجاوز للحد.","vol":"2","page":829},{"text":"وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك، أتاه أحد بني أبي الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرنا محمد ﷺ وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ: \"كيف بك إذا أخرجت من خيبر، تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟ \" فقال: كان ذلك هزيلة من أبي القاسم، فقال: كذبت يا عدو الله فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر: مالًا وإبلًا، وعروضًا من أقتاب، وحبال، وغير ذلك.\n٥٥١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قيل له: هل كنتم تخمسون - يعني الطعام - في عهد رسول الله ﷺ؟ فقال أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء، فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف.\n٥٥٢ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن غنم قال: رابطنا مدينة قنسرين مع شرحبيل بن السمط، فلما فتحها أصاب فيها غنمًا وبقرًا، فقسم فينا طائفة منها، وجعل بقيتها في المغنم، فلقيت معاذ بن جبل، فحدثته فقال معاذ: غزونا مع رسول الله ﷺ خيبر، فأصبنا فيها غنمًا، فقسم فينا رسول الله ﷺ طائفة، وجعل بقيتها في المغنم.\n٥٥٣ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: قدمت على رسول الله ﷺ في\n_________\n= هزيلة: تصغير: هزلة، وهو المرة الواحدة من الهزل ضد الجد.\nأجلاهم: الإجلاء: الإخراج من الوطن كرهًا.\nقلوصك: القلوص: الناقة الشابة، وقيل: القوية على السير، ولا يسمى الذكر قلوصًا.\nأقتاب: جمع قتب وهو الرحل الصغير على قدر سنام البعير.\n٥٥١ - أبو داود (٣/ ٦٦) كتاب الجهاد - باب في النهي عن النهي إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ١٢٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بمحمد وعبد الله ابني أبي المجالد جميعًا ولم يخرجاه، وأقره الذهبي على تصحيحه.\nالتخميس: أي يرفع الخمس لأصحاب الخمس المعينين ويقسم الباقي على المقاتلين.\n٥٥٢ - أبو داود (٣/ ٦٧) كتاب الجهاد - باب في بيع الطعام إذا فضل عن الناس في أرض العدو.\nطائفة: أراد بالطائفة: قدر الحاجة للطعام، وترك الباقي.\nقسم فينا: فقسمه بينهم على قدر السهام، لكن ضرورة حاجتهم إلى الطعام والعلف أباحت لهم ذلك.\n٥٥٣ - الترمذي (٤/ ١٢٨) كتاب السير - باب ما جاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يسهم لهم. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.","vol":"2","page":830},{"text":"نفر من الأشعريين خيبر، فأسهم لنا مع الذين افتتحوها.\nوفي رواية أبي داود (١) قال: قدمنا فوافقنا رسول الله ﷺ، حين افتتحوا خيبر، فأسهم لنا - أو قال: فأعطانا منها - وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا: جعفر وأصحابه، فأسهم لهم معهم.\nوالعمل على هذا عند بعض أهل العلم. قال الأوزاعي، من لحق بالمسلمين قبل أن يسهم للجيش أسهم له.\n٥٥٤ - * روى أبو داود عن سهل بن أبي حثمة قال: قسم رسول الله خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته ونصفًا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا.\nقال ابن الأثير.\n(لنوائبه) النوائب: جمع نائبة، وهو ما ينوب الإنسان، أي ينزل به من المهمات والحوائج، والظاهر من أمر خيبر: أنها فتحت عنوة، إذا كانت عنوة فهي مغنومة، وحصة النبي ﷺ من الغنيمة خمس الخمس فكيف جعل نصيبه منها النصف حتى يصرفه في حوائجه ومهامه؟ ووجه ذلك عند من تتبع الأخبار المروية في فتح خيبر واضح.\n٥٥٥ - * روى مسلم عن ابن عمر. قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ماي خرج من ثمر أو زرع. فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق: ثمانين وسقًا من تمر، وعشرين وسقًا من شعير. فلما ولي عمر قسم خيبر. خير أزواج النبي ﷺ، أن يقطع لهن الأرض والماء، أو يضمن لهن الأوساق كل عام فاختلفن. فمنهن من اختار الأرض والماء. ومنهن من اختار الأوساق كل عام. فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء.\nوفي رواية (٢) أبي داود قال: لما: افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ: أن يقرهم\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ٧٣) كتاب الجهاد - باب فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له.\n٥٥٤ - أبو داود (٣/ ١٥٩) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب ما جاء في حكم أرض خيبر - وإسناده قوي.\n٥٥٥ - مسلم (٣/ ١١٨٦) ٢٢ - كتاب المساقاة - ١ - باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع.\nالأوساق: جمع وسق، وهي ستون صاعًا.\n(٢) أبو داود (٣/ ١٥٨) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في حكم أرض خيبر.","vol":"2","page":831},{"text":"على النصف مما خرج منها. فقال رسول الله ﷺ: \"أقركم فيها على ذلك ما شئنا\" فكانوا على ذلك، وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله ﷺ الخمس، وكان رسول الله ﷺ أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق تمرًا وعشرين وسقًا شعيرًا، فلما أراد عمر إخراج اليهود، أرسل إلى أزواج النبي ﷺ، فقال لهن: من أحب منكن أن أقسم لهن نخلًا بخرصها مائة وسق، فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها، ومن الزرع مزرعة خرص عشرين وسقًا فعلنا، ومن أحب أن نعزل الذي لها في الخمس كما هو، فعلنا.\nوذلك: أن خيبر كانت لها قرى. وضياع خارجة عنها، مثل: الوطيحة، والكتيبة، والشق. والنطاة، والسلاليم، فكان بعضها مغنومًا، وهو ما غلب عليه رسول الله ﷺ والناس. وسبيل ذلك القسمة، وكان بعضها فيئًا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. وذلك خاص لرسول الله ﷺ، يضعه حيث شاء، فنظروا إلى مبلغ ذلك كله، فكان نصفه بقدر ما يخص النبي ﷺ من الفيء، وسهمه من الغنيمة، فجعل النصف له، والنصف للغانمين، وقد بين ذلك ابن شهاب، قال: \"إن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحًا\".\n٥٥٦ - * روى أبو داود عن بشير بن يسار ﵀ قال: لما أفاء الله على نبيه ﷺ خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به: من الوطيحة والكتيبة، وما أحيز معهما، وعزل النصف الآخر، فقسمه بين المسلمين: الشق والنطاة، وما أحيز معهما، وكان سهم رسول الله ﷺ فيما أحيز معهما.\n_________\n= استدل بهذا الحديث، على جواز المساقاة والمزارعة مجتمعين، وجواز كل واحدة منها منفردة، وهو قول أحمد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وفقهاء الحديث. قال النووي: وهذا هو الظاهر المختار لحديث خيبر، ولا يقبل دعوى كون المزارعة في خيبر، إنما جازت تبعًا للمساقاة، بل جازت مستقلة ولأن المعنى المجوز للمساقاة موجود في المزارعة قياسًا على القراض، فإنه جائز بالإجماع، وهو كالمزارعة في كل شيء، ولأن المسلمين في جميع الأمصار والأعصار، مستمرون على العمل بالمزارعة.\n٥٥٦ - أبو داود (٣/ ١٥٩) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب ما جاء في حكم أرض خيبر.\nوالوطيح: بفتح الواو وكسر الطاء - حصن من حصون خيبر هو أمنعها وأحصنها وآخرها فتحًا.\nوالكتيبة: بضم الكاف، على صورة مصغرة، وقيل: بفتحها، وهي إحدى قرى خيبر.\nوالشق: بفتح الشين أو كسرها. والكسر أعرف وأشهر - حصن من حصون خيبر.\nوالنطاة: بفتح النون والطاء وآخره تاء تأنيث - حصن بخيبر، أو عين تسقي بعض نخيل قراها.","vol":"2","page":832},{"text":"وفي رواية (١): أنه سمع نفرًا من أصحاب النبي ﷺ، قالوا فذكر هذا الحديث - قال: فكان النصف سهام المسلمين، وسهم رسول الله ﷺ، وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب.\nوفي أخرى (٢) عن رجال من أصحاب النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ: لما ظهر على خيبر، قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس.\nوفي رواية (٣) أن رسول الله ﷺ لما أفاء الله عليه خيبر، قسمها ستة وثلاثين سهمًا جمع، فعزل للمسلمين الشطر: ثمانية عشر سهمًا، يجمع كل سهم مائة النبي ﷺ معهم، له سهم كسهم أحدهم، وعزل رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهمًا، وهو الشطر لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك: الوطيح، والكتيبة، والسلالم وتوابعها فلما صارت الأموال بيد النبي ﷺ والمسلمين، لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا رسول الله ﷺ اليهود، فعاملهم.\nقال ابن حجر: قوله (بشطر ما يخرج منها) هذا الحديث هو عمدة من أجاز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي ﷺ لذلك واستمراره على عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر كما سيأتي بعد أبواب. واستدل به على جواز المساقاة في النخل والكرم وجميع الشجر الذي من شأنه أن يثمر بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور. وخصه الشافعي في الجديد بالنخل والكرم، وألحق المقل (٤) بالنخل لشبهه به. وخصه داود بالنخل، وقال أبو حنيفة وزفر: لا يجوز بحال لأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة، وأجاب من جوزه بأنه عقد على عمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة، لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه وهو معدوم ومجهول، وقد صح عقد الإجارة مع أن المنافع معدومة فكذلك هنا. وأيضًا فالقياس في\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ١٥٩) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب ما جاء في حكم أرض خيبر.\n(٢) أبو داود (٣/ ١٥٩) الموضع السابق.\n(٣) أبو داود (٣/ ١٦٠) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب ما جاء في حكم أرض خيبر بإسناد صحيح، وفي الرواية الأولى والأخيرة إرسال.\n(٤) المقل: نوع من الشجر يشبه النخل وله ثمر أو هو صمغ شجرة.","vol":"2","page":833},{"text":"إبطال نص أو إجماع مردود. وأجاب بعضهم عن قصة خيبر بأنها فتحت صلحًا، وأقروا على أن الأرض ملكهم بشرط أن يعطوا نصف الثمرة، فكان ذلك يؤخذ بحق الجزية فلا يدل على جواز المساقاة. وتعقب بأن معظم خيبر فتح عنوة كما سيأتي في المغازي، وبأن كثيرًا منها قسم بين الغانمين ما سيأتي. وبأن عمر أجلاهم منها. فلو كانت الأرض ملكهم ما أجلاهم عنها. واستدل من أجازه في جميع الثمر بأن في بعض طرق حديث الباب \"بشطر ما يخرج منها من نخل وشجر\" وفي رواية حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر في حديث الباب \"على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشجر\" وهو عند البيهقي من هذا الوجه، واستدل بقوله على شطر ما يخرج منها لجواز المساقاة بجزء معلوم لا مجهول، واستدل به على جواز إخراج البذر من العامل أو المالك لعدم تقييده في الحديث بشيء من ذلك، واحتج من منع بأن العامل حينئذ كأنه باع البذر من صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئة وهو لا يجوز، وأجاب من أجازه بأنه مستثنى من النهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة جمعًا بين الحديثين وهو أولى من إلغاء أحدهما. قوله (فكان يعطي أزواجه مائة وسق: ثمانون وسق تمر وعشرون وسق شعير) كذا للأكثر بالرفع على القطع، والتقدير: منها ثمانون ومنها عشرون. وللكشمهيني \"ثمانين وعشرين\" على البدل، وإنما كان عمر يعطيهن ذلك لأنه ﷺ قال: \"ما تركت بعد نفقة نسائي فهو صدقة\" وسيأتي في بابه.\n٥٥٧ - * روى النسائي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول: ضرب رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم: سهمًا للزبير وسهمًا لذي القربى لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير وسهمين للفرس.\n٥٥٨ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ قسم لمائتي فرس يوم خيبر سهمين سهمين.\n٥٥٩ - * روى الطبراني عن زينب امرأة عبد الله الثقفية أن النبي ﷺ أعطاها بخيبر خمسين وسقًا تمرًا وعشرين وسقًا شعيرًا بالمدينة.\n_________\n٥٥٧ - النسائي (٦/ ٢٢٨) كتاب الخيل، باب سهمان الخيل. بإسناد حسن.\n٥٥٨ - الحاكم (٢/ ١٣٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وقد احتج البخاري بيحيى بن أيوب وكثير المخزومي.\n٥٥٩ - الطبراني (٢٤/ ٢٨٧) في مسند زينب امرأة عبد الله بن مسعود الثقفية.","vol":"2","page":834},{"text":"٥٦٠ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله، ﵌ يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم.\n٥٦١ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﵌ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن النساء الحبالى أن يوطئن حتى يضعن ما في بطونهن، وعن كل ذي ناب من السباع، وعن بيع الخمس حتى يقسم.\n٥٦٢ - * روى البخاري عن أسلم مولى عمر ﵁ أنه سمع عمر يقول: أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس ببانًا، ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها، كما قسم النبي ﷺ خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها.\nوفي رواية أخرى (١): قال عمر: لولا آخر المسلمين، ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خيبر.\n٥٦٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر.\n٥٦٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما فتحت خيبر، قلنا: الآن نشبع من التمر.\n_________\n٥٦٠ - المستدرك (٢/ ١٣٧) وقال: وقد روي بعض هذا المتن بإسناد صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n٥٦١ - المستدرك (٢/ ١٣٧) وصححه الذهبي.\nالنساء الحبالى: المقصود اللواتي وقعن في السبي، فبعد القسمة لا يوطئن حتى يضعن حملهن.\n٥٦٢ - البخاري (٧/ ٤٩٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر. وأحمد في مسنده (١/ ٤٠).\nببانًا: ببانًا: واحدًا: أي شيئًا واحدًا، مثل قوله: باجًا واحدًا، ومعنى الحديث: أنه قال: لولا أن أترك آخر الناس - وهم يجيئون بعده - شيئًا واحدًا متساويين في الفقر. وليس لهم شيء، لكنت كلما فتحت على المسلمين قرية قسمتها، كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، وذلك: أنه قسمها على الغانمين، فصار لكل واحد منهم حصة مفردة من أرض خيبر، يتصرف فيها. فقال عمر: لو قسمتها كقسمة خيبر، جاء آخر الناس وليس لهم حصة في البلاد المفتتحة، فيكون بيانًا واحدًا، ليس لهم شيء، فلذلك جعل عرم البلاد في أيدي المسلمين يتولونها لبيت المال، ولم يقسم على الغانمين إلا الغنائم وحدها دون البلاد.\n(١) البخاري (٧/ ٤٩٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر.\n٥٦٣ - البخاري (٧/ ٤٩٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر.\n٥٦٤ - البخاري (٧/ ٤٩٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر.","vol":"2","page":835},{"text":"٥٦٥ - * روى مالك عن سعيد بن المسبب ﵀ أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر - يوم افتتح خيبر - أقركم فيها ما أقركم الله ﷿ على أن الثمر بيننا وبينكم قال: فكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه.\n٥٦٦ - * روى مالك عن سليمان بن يسار: أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة ﵁ إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر قال: فجمعوا له حليًا من حلي نسائهم، فقالوا: هذا لك، وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.\n٥٦٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية، فانتحرناها. فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله ﷺ: أن أكفئوا القدور، ولا تأكلوا من لحم الحمر شيئًا فقال ناس: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ لأنهالم تخمس، وقال آخرون: نهى عنها ألبتة.\nوفي رواية النسائي (١) قال: أصبنا يوم خيبر حمرًا خارجًا من القرية، فطبخناها،\n_________\n٥٦٥ - مالك (٢/ ٧٠٣) ٣٣ - كتاب القسامة - ١ - باب ما جاء في المساقاة بإسناد صحيح، وهو مرسل.\nفيخرص: خرص الرطب: حزر ما فيه تخمينًا وتقديرًا.\n٥٦٦ - مالك (٢/ ٧٠٣) ٣٣ - كتاب القسامة - ١ - باب ما جاء في المساقاة. وهو حديث حسن.\nيخرص: خرص النخل: حزر ما عليه من الرطب والتمر، ومن العنب زبيبًا.\nحيف: الحيف: الظلم.\nالرشوة: البرطيل.\nسحت: السحت: الحرام.\n٥٦٧ - مسلم (٣/ ١٥٣٩) ٣٤ - كتاب الصيد والذبائح - ٥ - باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية.\nوالبخاري (٧/ ٤٨١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر.\nاكفئوا القدور: كفأت القدر: إذا قلبتها وكببتها، وكذلك أكفأتها.\nتخمس: الخمس: ما يجب إخراجه من الغنيمة، وتخميس الغنيمة أخذ خمسها.\nألبتة: تجوز بهمز الألف وبدونه.\n(١) النسائي (٧/ ٢٠٣) كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية.","vol":"2","page":836},{"text":"فنادى منادي النبي ﷺ: إن رسول الله ﷺ قد حرم لحوم الحمر، فأكفئوا القدور بما فيها، فأكفأناها.\n٥٦٨ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه ﵁ قال: شهدت فتح خيبر مع رسول الله عليه وآله وسلم فلما انهزم القوم وقعنا في رحالهم فأخذ الناس ما وجدوا من جزر قال زيد: وهي المواشي فلم يكن بأسرع من أن فارت القدور فلما رأى ذلك رسول الله ﵌ أمر بالقدور فأكفئت ثم قسم بيننا فجعل لكل عشرة شاة.\n٥٦٩ - * روى الطبراني عن الشعبي قال: لما أتى رسول الله ﷺ فتح خيبر قيل له: قد قدم جعفر من عند النجاشي، فقال النبي ﷺ: \"لا أدري بأيهما أنا أشد فرحًا بقدوم جعفر أو فتح خيبر\" فأتاه فقبل ما بين عينيه فقط.\n٥٧٠ - عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: قال لي النبي ﵌: \"للناس هجرة، ولكم هجرتان\".\n٥٧١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي - يعني: وادي القرى - ومع رسول الله ﷺ عبد له، وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد، من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله، فرمي بسهم، فكان فيه حتنه، فقلنا: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: \"كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارًا، أخذها\n_________\n٥٦٨ - المستدرك (٢/ ١٣٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nالجزر: ما يصلح أن يذبح من الشياه.\n٥٦٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٢) وقال: رواه الطبراني مرسلًا، ورجاله رجال الصحيح.\n٥٧٠ - الحاكم في المستدرك: وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n٥٧١ - مسلم (١/ ١٠٨) ١ - كتاب الإيمان - ٤٨ - باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون والبخاري (٧/ ٤٨٧) كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر.\nالشملة: إزار يتشح به.\nبشراك: الشراك: سير من سيور النعل التي على وجهها.","vol":"2","page":837},{"text":"من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم\" قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك، أو شراكين، فقال: أصبته يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ: \"شراك من نار، أو شراكان من نار\".\nوفي رواية (١) نحوه، وفيه: ومعه عبد يقال له: مدعم، أهداه له أحد بني الضباب، إذ جاءه سهم عائر.\n٥٧٢ - * روى الإمام أحمد عن عقبة بن سويد الأنصاري أنه سمع أباه وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قفلنا مع النبي ﷺ من غزوة خيبر فلما بدا له أحد قال النبي ﷺ: \"الله أكبر جبل يحبنا ونحبه\".\n٥٧٣ - * روى أبو داود عن العرباض بن سارية السلمي ﵁ قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ خيبر - ومعه من معه من أصحابه - وكان صاحب خيبر رجلًا ماردًا منكرًا، فأقبل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، ألكم أن تذبحوا حمرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا نساءنا؟ فغضب رسول الله ﷺ، وقال: \"يا ابن عوف، اركب فرسك، ثم ناد ألا إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن وأن اجتمعوا للصلاة\" قال: فاجتمعوا، ثم صلى بهم النبي ﷺ ثم قام فقال: \"أيحسب أحدكم - متكئًا على أريكته - قد يظن أن الله لم يحرم شيئًا إلا ما في هذا القرآن؟ ألا وإني والله، قد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله ﷿ لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم\".\n* * *\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٤٨٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٨ - باب غزوة خيبر.\nسهم عائر: إذا لم يدر من أين جاء.\n٥٧٢ - أحمد في مسنده (٣/ ٤٤٣) وعقبة ذكره ابن أبي حاتم، وقال: روى عنه عبد العزيز ولم يجرحه وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٥) وقال: وروى عنه الزهري عند أحمد، وبقية رجاله رجال الصحيح. قال ابن حجر عن عقبة: مجهول، وصحح ابن عبد البر حديثه.\n٥٧٣ - أبو داود (٣/ ١٧٠) كتاب الخراج - باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات، وفي سنده لين، لكن لبعضه شاهد بسند صحيح.\nماردًا: المارد من الرجال: العاتي الشديد. ... أريكته: السرير في الحجلة. والحجلة ساتر كالقبة.","vol":"2","page":838},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>فقهيات</span>\nمن تعليقات الدكتور البوطي على غزوة خيبر هذه المسائل:\n(جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية وحقيقتها، بدون إنذار مسبق أو دعوة مجددة)، وهو مذهب الشافعية وجمهور الفقهاء، فذلك ما فعله رسول الله ﷺ في إغارته على خيبر. وأما بلوغ الدعوة وتفهم الإسلام فهمًا صحيحًا على وجهه فهو شرط بالاتفاق.\n(جواز إشراك غير المقاتلين في الغنيمة ممن حضر مكان القتال)، وذلك بعد استئذان أصحاب الحق فيها. فقد أشرك النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب ومن معه في الغنائم، بإذن من الصحابة. حينما عادوا من الحبشة واليمن.\nواعلم أن رواية البخاري في هذا خالية عن التقييد باستئذان المسلمين، ولكن زاد البيهقي في روايته أن النبي ﷺ قبل أن يقسم لهم كلم المسلمين فأشركوهم، وزيادة العدل مقبولة والذي زاد من قيمة القيد الذي رواه البيهقي أن النبي ﷺ لم يسهم لأبان بن سعيد، وقد كان أرسله على سرية قبل نجد فعاد منها إلى خيبر بعد انتهاء القتال، وقال له ﷺ: اقسم لنا يا رسول الله. فلم يقسم له، وإنما يجمع بين الخبرين بحمل الأول منهما على إذن الجماعة في القسمة. والثاني على عدمه.\nولعلك تسأل: فما مصير حكم الغنائم هذا، مع ما تطورت إليه اليوم حالة الحروب والجند وسياسة عطاءاتهم ومرتباتهم؟\nوالجواب: أنك قد علمت مما سبق أن الأموال غير المنقولة من الغنائم لا توزع بين المحاربين عند مالك وأبي حنيفة على ما نحو ما مر بيانه إلا إذا دعت المصلحة أو الضرورة. أما الأموال المنقولة منها فيجب أن توزع على الغانمين بنفس الطريقة التي كان يسلكها رسول الله ﷺ مع ملاحظة ما تطورت إليه وسائل القتال وطرائقه في تفاوت درجات المقاتلين.\nولا مانع من أن توزع عليهم حصصهم على شكل علاوات أو مرتبات متلاحقة إنما المهم أن الدولة لا يجوز لها أن تستملك شيئًا من هذه الأموال لنفسها.\nأقول: لابد من التفريق بين ما إذا كان الجيش نظاميًا يأخذ الفرد فيه مرتبًا من","vol":"2","page":839},{"text":"الدولة فهذا حكمه حكم الأجير فليس ههنا إلزام على الدولة أن تدفع له سهمه من أربعة أخماس الغنيمة.\nوقال: (مشروعية تقبيل القادم والتزامه). وهو مما لا نعلم فيه خلافًا معتدًا به إذا كان قادمًا من سفر أو طال العهد به، واستدل العلماء في ذلك بتقبيل رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب بين عينيه والتزامه إياه عند قدومه من الحبشة. والحديث رواه أبو داود بسند صحيح. وروى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب. فقام إليه النبي ﷺ يجر ثوبه. فاعتنقه وقبله.\nويشكل عليه في الظاهر ما رواه الترمذي أيضًا عن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله. الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم.\nوجواب الإشكال أن سؤال الرجل في هذا الحديث عن اللقاءات العادية المتكررة بين الرجل وصاحبه. والتقبيل أو الالتزام أمر غير مرغوب فيه في مثل هذه الحال. أما ما فعله رسول الله ﷺ من ذلك بالنسبة لجعفر وزيد فإنما كان ذلك - كما قد علمت على أثر قدوم من سفر فالحالتان مختلفتان.\n* * *","vol":"2","page":840},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>وصل: قصة الحجاج بن علاط</span>\nأسلم سرًا ولم يعلم بإسلامه أهل مكة:\n٥٧٤ - * روى الإمام أحمد عن أنس قال: لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر قال الحجاج ابن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالًا وإن لي بها أهلًا وإني أريد أن آتيهم فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئًا؟ فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء فأتى امرأته حين قدم فقال اجمعي لي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم، قال: وفشا ذلك بمكة وانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا قال: وبلغ الخبر العباس بن عبد المطلب فعقر، وجعل لا يستطيع أن يقوم قال معمر: فأخبرني عثمان الجزري عن مقسم قال: فأخذ ابنًا له يقال له قثم فاستلقى فوضعه على صدره وهو يقول:\nحبي قثم شبيه ذي الأنف الأشم\nنبي ذي النعم، برغم من رغم\nقال ثابت عن الحجاج عن أنس ثم أرسل غلامًا إلى الحجاج بن علاط فقال: ويلك ما جئت به وماذا تقول فما وعد الله ﷿ خير مما جئت به، قال الحجاج بن علاط لغلامه: اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له فليخل لي في بعض بيوته لآتيه فإن الخبر على ما يسره فجاء غلامه فلما بلغ باب الدار قال: أبشر أبا الفضل فوثب العباس فرحًا حتى قبل بين عينيه فأخبره ما قال الحجاج فأعتقه قال: ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول الله ﷺ قد افتتح خيبر وغنم أموالهم وجرت سهام الله ﷿ في أموالهم واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي، فاتخذها لنفسه وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكني جئت لمال كان لي ههنا أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثًا ثم\n_________\n٥٧٤ - أحمد في مسنده (٣/ ١٣٨) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٤) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nعقر الرجل عقرًا بقي مكانه لم يتقدم ولم يتأخر لفزع أصابه كأنه مقطوع الرجل.","vol":"2","page":841},{"text":"اذكر ما بدا لك. قال فجمعت امرأته ماكان عندها من حلي أو متاع فدفعته إليه ثم استمر به فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك فأخبرته أنه قد ذهب يوم كذا وكذا وقالتك لا يخزيك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك، قال أجل لا يخزيني الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسوله ﷺ وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي لنفسه، فإن كان لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقًا. قال: فإني صادق، والأمر على ما أخبرتك فذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل. قال: لم يصبني إلا خير بحمد الله قد أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله وجرت فيها سهام الله، واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثًا وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شيء ها هنا ثم يذهب قال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئبًا حتى أتوا العباس، فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون ورد الله يعني ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين.\n* * *","vol":"2","page":842},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>فصل: في غزوة الرقاع</span>\n٥٧٥ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، فنقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت: غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال: وحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك، قال: ما كنت أصنع بأن أذكره؟ كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه.\nقال أبو أسامة: وزادني غير بريد: والله يجزي به.\nقال البخاري (١): وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة، من غطفان، فنزل نخلًا، وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر.\n٥٧٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة: صليت مع النبي ﷺ في غزوة نجد صلاة الخوف، وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي ﷺ أيام خيبر.\nمرت معنا غزوة ذات الرقاع وهي غير غزوة الرقاع هذه وأشرنا إلى اختلاف الرواة في هذا الشأن فليلاحظ القارئ ذلك.\n* * *\n_________\n٥٧٥ - مسلم (٣/ ١٤٤٩) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٥٠ - باب: غزوة ذات الرقاع.\nوالبخاري (٧/ ٤١٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣١ - باب: غزوة ذات الرقاع.\nنعتقبه: اعتقاب المركوب: هو أن يركبه واحد بعد واحد.\nنقب: البعير، بالكسر: إذا رقت أخفافه، والمراد به: تقرحت.\n(١) البخاري (٧/ ٤١٦) في الموضع السابق.\n٥٧٦ - البخاري (٧/ ٤٢٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣١ - باب غزوة ذات الرقاع.","vol":"2","page":843},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>فصل: في سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح</span>\n٥٧٧ - * روى الطبراني عن جندب بن عبد الله الجهني قال: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي، كلب عوف بن ليث في سرية كنت فيهم، فأمره أن يشن الغارة على بني الملوح بالكديد قال: فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن برصاء الليثي فأخذناه قال: إنما جئت لأسلم، إنما خرجت أريد رسول الله ﷺ. قال: قلنا إن تكن مسلمًا فلن يضرك رباط ليلة، وإن تكن غير ذلك فسنوثق منك، فأوثقناه رباطًان ثم خلفنا عليه رويجلًا لنا أسود كان معنا فقلنا له: إن نازعك فاحتز رأسه، ثم أتينا الكديد مع مغرب الشمس وكنا في ناحية من الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم إلى تلك مشرف على الحاضر قال: فأسندت فيه حتى إذا كنت على ظهره ونظرت إلى القوم انبطحت، فوالله إني لعليه أنظر إذ خرج رجل من خبائه فقال لامرأته: والله إني لأرى سوادًا ما رأيته في أول النهار، فانظري في أوعيتك لا يكون الكلاب اجترت بعضها. فنظرت قالت: فوالله ما أفقد من أوعيتي شيئًا. قال: أعطيني قوسي. فأعطته قوسًا وسهمين معها قال: فرمى بسهم فوالله ما أخطأ جنبي قال: فانتزعته وثبت، قال: ثم رمى بالآخر فوضعه في منكبي فانتزعته وثبت، فقال لامرأته: لو كانت زائلة لقد تحرك بعد لقد خالطه سهماي فإذا أنت أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا تضيعهما الكلاب. قال: ثم دخل حتى إذا راحت رائحة الناس من إبلهم غنمهم قد احتلبوا وغبطوا واطمأنوا شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا الغنم، ثم وجهناها وخرج صريخ القوم في قومهم، فجاءهم الدهم فجاءوا في طلبنا حتى مررنا بابن البرصاء\n_________\n٥٧٧ - المعجم الكبير (٢/ ١٧٨) بلفظه.\nوأحمد في مسنده (٣/ ٤٦٧).\nالربيئة: الطليعة.\nالحاضر: الجماعة النازلون على الماء.\nأسندت: ارتقيت.\nزاللة: أي لو كان ممن يزول.\nشننا عليهم الغارة: مزقنا عليهم الخيل المغيرة.\nصريخ القوم: مستغيثهم.\nالدهم: الجماعة الكثيرة.","vol":"2","page":844},{"text":"فانطلقنا به معنا بوصاحبنا الذي خلفناه قال: فأدركنا القوم حتى نظرنا إليهم ما بيننا وبينهم إلا الوادي على ناحيته موجهين ومن ناحية الأخرى في طلبنا إذ جاء الله به من حيث شاء ما رأينا قبل ذلك مطرًا ما يقدر أحد على أن يجيزه، لقد رأيتهم وقوفًا ينظرون إلينا ونحن نحدوها ما يقدر رجل منهم أن يصل إلينا حتى إذا عرجناها ما أنسى قول راجز من المسلمين وهو يحدوها في أعقابها:\nأبى أبو القاسم أن تعر بي ... في خطل نباته مغلولب\nصفر أعاليه كلون المذهب\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>سرية غالب الليثي إلى الحرقات من جهينة\nوهي معروفة ببعث أسامة بن زيد:</span>\n٥٧٨ - * روى البخاري عن أبي ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي، حتى قتلته، فلما قدمنا، بلغ النبي ﷺ، فقال: \"يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ \" قلت: كان متعوذًا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.\nوفي رواية (١) قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة،\n_________\n٥٧٨ - البخاري (٧/ ٥١٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٥ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة.\nالحرقة: بطن من جهينة. ... صبحنا القوم: هجمنا عليهم صباحًا.\nغشيناه: أدركناه ولحقناه، كأنهم أتوه من فوقه.\nمتعوذًا: المتعوذ الملتجئ خوفًا من القتل. وفي مسلم معتصمًا.\nحتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم: أي تمنى أن يكون ذلك الوقت أول دخوله في الإسلام، لأن الإسلام يجب ما قبله.\n(١) مسلم (١/ ٩٦) ١ - كتاب الإيمان - ٤١ - باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.","vol":"2","page":845},{"text":"فأدركت رجلًا، فقال: لا إله إلا الله. فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"أقال: لا إله إلا الله. وقتلته؟ \" قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: \"أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها، أم لا؟ \" فما زال يكررها علي، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ، قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين - يعني: أسامة - قال: قال رجل: ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله) (١).\nفقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.\nقال ابن الأثير:\nقلت: هذا سعد المذكور في الحديث هو سعد بن أبي وقاص، وسبب هذا القول من سعد، أن أسامة لما سمع هذا القول من رسول الله ﷺ لم يقاتل مسلمًا، ولا شهد شيئًا من الفتن الحادثة بين الصحابة، وكذلك سعد اعتزل عن الفتن، فلم يشهد منها شيئًا، وقال: إنني لا أقتل إلا من يقتله أسامة، وليس لقوله هذا في الحديث مدخل، ولا له به تعلق.\n* * *\nقال في الفتح: وهذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبد الله الليثي، وكانت في رمضان سنة سبع فيما ذكره ابن سعد عن شيخه، وكذا ذكره ابن إسحاق في المغازي (حثني شيخ من أسلم عن رجال من قومه قالوا: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي ثم الليثي إلى أرض بني مرة وبها مرداس بن نهيك حليف لهم من بني الحرقة فقتله أسامة) فهذا يبين السبب في قول أسامة (بعثنا إلى الحرقات من جهينة) والذي يظهر أن قصة الذي قتل ثم مات فدفن ولفظته الأرض غير قصة أسامة، لأن أسامة عاش بعد ذلك دهرًا طويلًا، وترجم البخاري في المغازي (بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة) فجرى الداودي في شرحه على ظاهره فقال فيه (تأمير من لم يبلغ) وتعقب من وجهين: أحدهما أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الأمير إذ يحتمل أن يكون جعل\n_________\n(١) الأنفال: ٣٩.","vol":"2","page":846},{"text":"الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الأمير، والثاني أنها إن كانت سنة سبع أو ثمان فما كان أسامة يومئذ إلا بالغًا لأنهم ذكروا أنه كان له لما مات النبي ﷺ ثمانية عشر عامًا.\nقوله (أقتلته بعد ما قال) في رواية الكشميهني (بعد أن قال) قال ابن التين: في هذا اللوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحد على قتل من تلفظ بالتوحيد، وقال القرطبي: في تكريره ذلك والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك. وقال الخطابي: لعل أسامة تأول قوله تعالى (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) (١) ولذلك عذره النبي ﷺ فلم يلزمه دية ولا غيرها. قلت: كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعًا مقيدًا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالصًا من قلبه أو خشية من القتل، وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة وهو المراد من الآية، وأما كونه لم يلزمه دية ولا كفارة فتوقف فيه الداودي وقال: لعله سكت عنه لعلم السامع أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة، وقال القرطبي: لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع، لكن فيه بعد لأن العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع، قال: فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء لأنه كان مأذونًا له في أصل القتل فلا يضمن ما أتلف من نفس ولا مال كالخاتن والطبيب، أو لأن المقتول كان من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته، قال: وهذا يتمشى على بعض الآراء، أو لأن أسامة أقر بذلك ولم تقم بذلك بينة فلم تلزم العاقلة الدية وفيه نظر. قال ابن بطال: كانت هذه القصة سبب حلف أسامة أن لا يقاتل مسلمًا بعد ذلك، ومن ثم تخلف عن علي في الجمل وصفين قلت: وكذا وقع في رواية الأعمش المذكورة أن سعد بن أبي وقاص كان يقول: لا أقاتل مسلمًا حتى يقاتله أسامة. واستدل به النووي على رد الفرع الذي ذكره الرافعي فيمن رأى كافرًا أسلم فأكرم إكرامًا كثيرًا، فقال: ليتني كنت كافرًا فأسلمت لأكرم، فقال الرافعي: يكفر بذلك، ورده\n_________\n(١) غافر: ٨٥.","vol":"2","page":847},{"text":"النووي بأنه لا يكفر لأنه جازم الإسلام في الحال والاستقبال وإنما تمنى ذلك في الحال الماضي مقيدًا له بالإيمان ليتم له الإكرام واستدل بقصة أسامة ثم قال: ويمكن الفرق. اهـ.\n* * *","vol":"2","page":848},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>فصل: في عمرة القضاء</span>\n٥٧٩ - * روى البخاري عن البراء ﵁ قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد الله. قال: \"أنا رسول الله، وأنا محمد ابن عبد الله\" ثم قال لعلي: \"امح رسول الله\" قال: لا والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها. فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل. فخرج النبي ﷺ، فتبعتهم ابنة حمزة - يا عم، يا عم - فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك احمليها. فاختصم فيها علي وزيد وجعفر. فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: \"الخالة بمنزلة الأم\" وقال لعلي: \"أنت مني وأنا منك\" وقال لجعفر: \"أشبهت خَلْقي وخُلقي\" وقال لزيد: \"أنت أخونا ومولانا\".\nوفي رواية (١) قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية: كتب علي بينهم كتابًا، فكتب: محمد رسول الله. فقال المشركون: لا تكتب: محمد رسول الله، لو كنت رسولًا لم نقاتلك. فقال لعلي: \"امحه\" فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه. فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، وأن لا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، فسالوه: ما جلبان السلاح؟ فقال: \"القراب بما فيه\".\n_________\n٥٧٩ - البخاري (٥/ ٣٠٣) ٥٣ - كتاب الصلح - ٦ - باب كيف يكتب: \"هذا ما صالح فلان بن فلان فلان ابن فلان\"، وإن لم ينسبه إلى قبيلته أو نسبه.\n(١) البخاري (٥/ ٣٠٣) ٥٣ - كتاب الصلح - ٦ - باب كيف يكتب: \"هذا ما صالح فلان بن فلان فلان بن فلان\". ومسلم نحوه (٣/ ١٤٠٩) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٣ - باب صلح الحديبية في الحديبية.\nجلبان السلاح: الجلبان أيضًا، يقال للقراب وما فيه: جلبان.\nالقراب: قراب السيف: ما يوضع فيه بغمده، شبيه بالجراب، وأرادوا في صلحهم أني ستروا السلاح ولا يظهروه.","vol":"2","page":849},{"text":"وفي رواية (١) قال: صالح النبي ﷺ المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح - السيف ولاقوس ونحوه - فجاء أبو جندل يحجل في قيوده، فرده غليهم.\n- وفي أخرى (٢): أن النبي ﷺ لما أراد أن يعتمر أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة، فاشترطوا عليه: أن لا يقيم بها إلا ثلاث ليال، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، ولا يدعو منهم أحدًا، قال: فأخذ يكتب الشرط بينهم علي بن أبي طالب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله، لم نمنعك، ولتابعناك. ولكن اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال: \"أنا والله محمد بن عبد الله، وأنا والله رسول الله\" قال: وكان لا يكتب قال، فقال لعلي: \"امح رسول الله\" فقال علي: والله لا أمحاه أبدًا، قال: \"فأرنيه\". قال: فأراه إياه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، فلما دخل ومضت الأيام أتوا عليًا، فقالوا: مر صاحبك فليرتحل، فذكر ذلك علي لرسول الله ﷺ، فقال: \"نعم\". فارتحل.\nوفي أخرى (٣): ثم قال لعلي: \"امح رسول الله\" قال: لا، والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ... الحديث. وفيه ذكر بنت حمزة، والأخذ لها، والخصومة فيها.\nقال في الفتح: قوله (ثم قال لعلي: امح رسول الله) أي امح هذه الكلمة المكتوبة من\n_________\n= وقال الأزهري: القراب: غمد السيف، والجلبان: شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودًا، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته، ويعلقه في آخرة الرحل، أو واسطته، وكأن اشتقاقه من الجلبة، وهي الجلدة التي تجعل على القتب، وهي كالغشاء للقراب، وكذلك الجلة التي تغشى بها التميمة تسمى جلبانًا، وقال ابن قتيبة \"جلبان\"، بضم الجيم واللام وتشديد الباء، قال: ولا أراه سمي بذلك إلا لجفائه، ولذلك قيل للمرأة الغليظة الجافية: جلبانة وفي بعض الروايات \"ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف، والقوس ونحوهما\" يريد: ما كان مغمدًا يحتاج في إظهاره إلى معاناة، لا بالرماح والقنا، لأنها أسلحة مظهرة يمكن تعجيل الأذى بها، قال الهروي: والقول ما قال الأزهري.\n(١) البخاري (٥/ ٣٠٤) ٥٣ - كتاب الصلح - ٧ - باب الصلح مع المشركين.\n(٢) البخاري (٦/ ٢٨٢) ٥٨ - كتاب الجزية والموادعة - ١٩ - باب المصالحة على ثلاثة أيام أو وقت معلوم.\n(٣) البخاري (٥/ ٣٠٣) ٥٣ - كتاب الصلح - ٦ - باب كيف يكتب \"هذا ما صالح فلان بن فلان فلان بن فلان\".","vol":"2","page":850},{"text":"الكتاب، فقال: لا والله لا أمحوك أبدًا، وللنسائي من طريق علقمة بن قيس عن علي قال: (كنت كاتب النبي ﷺ يوم الحديبية فكتبت: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه، امحها فقلت: هو والله رسول الله ﷺ وإن رغم أنفك، لا والله لا أمحوها) وكأن عليًا فهم أن أمره له بذلك ليس متحتمًا، فلذلك امتنع من امتثاله. ووقع في رواية يوسف بعد (فقال لعلي: امح رسول الله، فقال: لا والله لا أمحاه أبدًا. قال. فأرنيه، فأراه إياه فمحا النبي ﷺ بيده) ونحوه في رواية زكريا عند مسلم وفي حديث علي عند النسائي وزاد (وقال: أما إن لك مثلها، وستأتيها وأنت مضطر) يشير ﷺ إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين فكان كذلك.\nقوله (فخرج النبي ﷺ) في رواية يوسف (فذكر ذلك علي فقال: نعم فارتحل) وفي مغازي أبي الأسود عن عروة (فلما كان اليوم الرابع جاءه سهيل بن عمرو وحويطب بنعبد العزى فقالا: ننشدك الله والعهد إلا ما خرجت من أرضنا، فرد عليه سعد بن عبادة، فأسكته النبي ﷺ وآذن بالرحيل). وأخرج الحاكم في (المستدرك) من حديث ميمونة في هذه القصة (فأتاه حويطب بن عبد العزى) وكأنه كان دخل في أوائل النهار فلم يكمل الثلاث إلا في مثل ذلك الوقت من النهار الرابع الذي دخل فيه بالتلفيق، وكان مجيئهم في أول النهار قرب مجيء ذلك الوقت. ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء فهي مقدمة على غيرها، ويؤخذ منه تقديم أقارب الأم على أقارب الأب. وعن أحمد رواية أن العمة مقدمة في الحضانة على الخالة، وأجيب عن هذه القصة بأن العمة لم تطلب. فإن قيل: والخالة لم تطلب، قيل: قد طلب لها زوجها، فكما أن للقريب المحضون أن يمنع الحاضنة إذا تزوجت فللزوج أيضًا أن يمنعها من أخذه، فإذا وقع الرضا سقط الحرج. وفيه من الفوائد أيضًا تعظيم صلة الرحم بحيث تقع المخاصمة بين الكبار في التوصل إليها وأن الحاكم بين دليل الحكم للخصم، وأنالخصم يدلي بحجته، وأن الحاضنة إذا تزوجت بقريب المحضونة لا تسقط حضانتها إذا كانت المحضونة أنثى أخذًا بظاهر هذا الحديث قاله أحمد، وعنه لا فرق بين الأنثى والذكر، ولا يشترط كونه محرمًا لكن يشترط أن","vol":"2","page":851},{"text":"يكون فيه مأمونًا، وأن الصغيرة لا تشتهى، ولا تسقط إلا إذا تزوجت بأجنبي، والمعروف عن الشافعية والمالكية اشتراط كون الزوج جدًا للمحضون، وأجابوا عن هذه القصة بأن العمة لم تطلب وأن الزوج رضي بإقامتها عنده، وكل من طلبت حضانتها لها كانت متزوجة فرجح جانب جعفر بكونه تزوج الخالة.\n٥٨٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أقام في عمرة القضاء ثلاثًا.\n٥٨١ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال: لما اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء أمر أصحابه، فقال \"اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف\" ليري المشركين جلدهم وقوتهم، وكان يكيدهم بكل ما استطاع فانكفأ أهل مكة: والرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله ﷺ متوشحًا بالسيف يقول:\nخلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله\nفاليوم نضربكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله\nضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله\nوبعث رجالًا من أشراف المشركين كراهية أن ينظروا إلى رسول الله ﷺ غيظًا وحنقًا ونفاسة وحسدًا خرجوا إلى نواحي مكة فقضى رسول الله ﷺ نسكه وأقام ثلاثًا.\n٥٨٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ سمع ابن عباس\n_________\n٥٨٠ - أبو داود (٢/ ٢٠٦)، كتاب المناسك، باب المقام في العمرة. ومعناه في الصحيحين.\n٥٨١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤٦)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وهو مرسل.\nالهام: جمع هامة، وهي الرأس.\nمقيله: مقره.\nحنقًا: غيظًا.\n٥٨٢ - البخاري (٧/ ٥٠٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٣ - باب عمرة القضاء.","vol":"2","page":852},{"text":"يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يوذوا رسول الله ﷺ\".\n٥٨٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.\nوفي رواية أبي داود زيادة في لفظه (١) قال: والثانية: حين تواطؤوا على عمرة قابل، وقال في الرابعة: التي قرن مع حجته.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>تعليقات على عمرة القضاء:</span>\nقال الدكتور البوطي:\nهذه العمرة تعتبر تصديقًا إلهيًا لما وعد به النبي ﵊ أصحابه من دخولهم مكة وطوافهم بالبيت. وقد رأيت كيف سأل عمر رسول الله ﷺ أثناء صلح الحديبية: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ فأجابه: \"بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ \" قال: لا. قال: \"فإنك آتيه ومطوف به\".\nفهذا هو مصداق وعد رسول الله ﷺ. وقد نبه الله ﷿ عباده إلى هذا التصديق في قوله (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا) (٢).\n_________\n٥٨٣ - البخاري (٧/ ٤٣٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.\nومسلم (٢/ ٩١٦) ١٥ - كتاب الحج - ٣٥ - باب بيان عدد عمر النبي ﷺ.\n(١) أبو داود (٢/ ٢٠٦)، كتاب المناسك، باب العمرة.\nعمرة قابل: قال قتيبة: يعني: عمرة القضاء في ذي القعدة.\n(٢) الفتح: ٢٧.","vol":"2","page":853},{"text":"وقال: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز عقد النكاح حالة الإحرام بحج أو عمرة، اعتمادًا على الرواية التي نقلت أنه ﷺ، عقد على ميمونة أثناء إحرامه.\nوالذي عليه جماهير الفقهاء أنه لا يجوز للمحرم أن يعقد نكاحًا لا لنفسه ولا وكالة عن غيره مطلقًا. وذهبت الحنفية إلى أنه يحرم للمحرم أن يتولى عقد النكاح لغيره ممن لم يكن محرمًا.\nهذا وقد اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمرات وحج حجة واحدة. أ. هـ\nأقول:\nكانت عمرة القضاء مقدمة لفتح مكة فهي نفسها كانت من قريش استسلامًا وهي أشعرت قريشًا ومن معها بقوة المسلمين، والأهم من هذا أنها أسقطت أكبر حجج قريش لو أراد رسول الله ﷺ غزوها وهي حماية بيت الله الحرام، لقد كان بالإمكان أن تدعي أن محمدًا ﷺ عدو للبيت الحرام ولأهله وأنه لا يحترمه ولا يقدسه بل يريد إنهاءه وإبطال مناسكه، ومن خلال ذلك كان بإمكانها أن تحشد، ولكن بهذه العمرة انتهت هذه الحجج كلها؛ ولذلك فإن فتح مكة فيما بعد لم يرافقه أي تحشد خارجي بجانب قريش.\n* * *","vol":"2","page":854},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>نظرة على أحداث السنة السابعة</span>\nأي أفق ذلك الأفق الذي نطل عليه ونحن نقرأ سيرة رسول الله ﷺ، حيث الكفاءة من جهة والتأييد الإلهي أولًا وأخيرًا من جهة ثانية، لم يكن بين رسول الله ﷺ ويهود خيبر عهد ولا عقد، وكان المتوقع أن يثأروا لإخوانهم بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، كما كان من المتوقع أن يلعبوا دورهم في التأليب على رسول الله ﷺ وقد رأينا في أحداث السنة السادسة أن بني سعد راسلوا يهود خيبر للعمل المشترك على أن يعطيهم اليهود تمر خيبر، ولكن سرية علي بن أبي طالب ﵁ وقتذاك أجهضت الفكرة، وإذن لابد من عمل ضد خيبر، ولكن رسول الله ﷺ أجل ذلك عامًا كاملًا حتى وادع قريشًا وبذلك أسقط في أيدي أهل خيبر أن يجتمعوا حول قريش أو أن تأتيهم نصرة من قبلها وقبل أن يصل إلى ديارهم أرسل سرية إلى غطفان فحال بينها وبين إمداد خيبر، وأسقط في أيدي اليهود أن يأتيهم مدد من هذا الجانب، ومن قبل غزا بني سعد وأفقدهم قوتهم التي يمكن أن يتحركوا بها نحو خيبر وبهذا كله لم يعد أمام خيبر إلا التسليم، والتسليم وليس الاستئصال هو هدف رسول الله ﷺ الاستراتيجي إلا إذا كانت هناك أسباب تتطلب غير ذلك كما حدث في أول قيام الدولة، ومن خلال هذه النظرة البعيدة المدى وصل في النهاية فعلًا إلى أن سلمت له العرب جميعًا، وجاءته وفودها من كل حدب وصوب، وهكذا وبأقل الخسائر وحد الجزيرة العربية تحت سلطانه بالهيبة والرعب وبالتربية والحب وبالدعوة والعلم ولن نستبق الأحداث، فأحداث السنة الثامنة كانت هي القنطرة لهذا كله، وذلك بعد أن أزال سلطان قريش السياسي وسلطان اليهود السياسي فلم يبق أمامه شيء.\nتظهر لك في أحداث هذه السنة وغيرها حوادث تدلك على التأديب المستمر الذي كان رسول الله ﷺ يرتقي به بأصحابه، كحادثة قتل أسامة لمن أسلم تحت السيف. هذه الحوادث تدلك على ملاحقة رسول الله ﷺ أخطاء النفس البشرية حتى خلصت لله زاكية مزكاة.\n* * *","vol":"2","page":855},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>السنة الثامنة للهجرة</span>","vol":"2","page":857},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>أحداث السنة الثامنة في سطور</span>\nذكر ابن كثير في أحداث هذه السنة إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فنقل عن الواقدي أنهم قدموا لهلال صفر سنة ثمان، وسرية شجاع بن وهب الأسدي إلى هوازن، وسرية كعب بن عمير إلى قضاعة، ثم ذكر غزوة مؤتة، وفصل في رسائل رسول الله ﷺ ههنا مع أنه ذكر أن هذه الرسائل كانت في أواخر سنة ست، والراجح ذلك أو أنها في بداية سنة سبع، ثم ذكر سرية ذات السلاسل، وذكر سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، مع أن الراجح أنها كانت قبل صلح الحديبية، لذلك أوردناها في سنة ست، ثم ذكر غزوة الفتح، ثم ذكر بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، ثم بعثه لهدم العزى، ثم ذكر غزوة هوازن ويوم حنين، ثم سرية أوطاس، وحصار الطائف، ثم مرجعه منها وقسمة الغنائم، ثم عمرته ﵊ من الجعرانة، ثم ذكر عودته إلى المدينة المنورة، ومقدم كعب بن زهير وإسلامه، وذكر فيها هدم الكعبة اليمانية وهي سرية ذي الخلصة.\nومن كلام ابن كثير وهو يختم الكلام عن هذه السنة:\nقال الواقدي: وفي هذه السنة بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الأعراب، قال: وفيها تزوج رسول الله ﷺ فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة فاستعاذت منه ﵇ ففارقها. وقيل بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها. قال: وفي ذي الحجة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية وكانت قابلتها فيه سلمى مولاة رسول الله ﷺ فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته، فذهب فبشر به رسول الله ﷺ، فأعطاه مملوكًا ودفعه رسول الله ﷺ إلى أم برة بنت المنذر بن أسيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول، قال الواقدي: وفيها كان هدم سواع الذي كانت تعبده هذيل، هدمه عمرو بن العاص ﵁، وفيه هدم مناة بالمشلل، وكانت الأنصار أوسها وخزرجها يعظمونه، هدمه سعد بن","vol":"2","page":859},{"text":"زيد الأشهلي ﵁ ا. هـ.\nوقد تتبع المباركفوري أحداث هذه السنة من زاد المعاد، ورحمة للعالمين، وتلقيح فهوم أهل الأثر وكتب الحديث الشريف وبعض شروحها وابن هشام ومختصر سيرة الرسول فأعطانا خلاصة ذكرها متفرقة في سياقات مختلفة وها نحن نقدمها تارة بلفظه وتارة باختصار.\n* في صفر أرسل رسول الله ﷺ سرية غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في مائتي رجل، فأصابوا من العدو نعمًا، وقتلوا منهم قتلى.\n* وفي ربيع الأول كانت سرية ذات أطلاح إلى بني قضاعة فقد حشدت بنو قضاعة جموعًا كبيرة للإغارة على المسلمين، فبعث إليهم رسول الله ﷺ كعب بن عمير الأنصاري في خمسة عشر رجلًا، فلقوا العدو، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل حتى استشهدوا كلهم إلا رجلًا واحدًا، فقد ارتث (١) من بين القتلى.\n* وفي ربيع الأول كانت سرية ذات عرق إلى بني هوازن (وهي أشبه أن تكون سرية استطلاع) فقد كانت بنو هوازن أمدت الأعداء مرة بعد أخرى فأرسل إليهم شجاع بن وهب الأسدي في خمسة وعشرين رجلًا، فاستاقوا نعمًا من العدو ولم يلقوا كيدًا.\n* وفي جمادى الأولى سنة - ٨ - للهجرة حدثت معركة مؤتة وكان سببها قتل شرحبيل ابن عمرو الغساني لرسول رسول الله ﷺ الحارث بن عمرو الأزدي، فأرسل له رسول الله ﷺ جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وكانت هذه المعركة هي المقدمة والتمهيد لفتح بلاد الشام.\n* وفي جمادى الآخرة أرسل رسول الله ﷺ سرية على رأسها عمرو بن العاص وكان قوامها ثلاثمائة مقاتل، وقد أمره رسول الله ﷺ أن يجند في طريقه من يستطيع تجنيده من القبائل التي يمر بها، وكان هدفها فصل التلاحم بين بعض القبائل العربية والرومان، وقطع الطريق على غزو القبائل المتاخمة للشام للمدينة المنورة، وهذه السرية تسمى سرية\n_________\n(١) ارتث فلان: ضرب في الحرب فأثخن وحمل وبه رمق ثم مات.","vol":"2","page":860},{"text":"ذات السلاسل وقد أمد الرسول ﷺ عمرو بن العاص بمائتين على رأسهم أبو عبيدة بن الجراح، وقد سيطرت هذه السرايا على المناطق الشمالية للجزيرة العربية وأخضعتها.\n* وفي شعبان سنة - ٨ - أرسل رسول الله ﷺ أبا قتادة في خمسة عشر رجلًا في عملية خاطفة إلى بني غطفان في نجد الذين كانوا يتحشدون لرسول الله ﷺ في خضرة فقتل وسبا وغنم فأجهض بهذه العملية فكرة التحشد.\n* وفي رمضان سنة - ٨ - تم فتح مكة بعد أن غدرت قريش بحلفاء رسول الله ﷺ من بني خزاعة.\n* ومن مكة بعد فتحها أرسل رسول الله ﷺ عددًا من السرايا:\n١ - سرية خالد بن الوليد إلى العزى لخمس بقين من شهر رمضان سنة - ٨ - للهجرة ليهدمها، وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وهي أعظم أصنامهم. وكان سدنتها بني شيبان، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسًا حتى انتهى إليها، فهدمها. ولما رجع سأله رسول الله ﷺ: \"وهل رأيت شيئًا؟ \" قال: لا، قال: \"فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها\" فرجع خالد متغيظًا قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس، (١) فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: \"نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدًا\".\n٢ - ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل، على ثلاثة أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قال: لم؟ قال: تمنع. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك، فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئًا. ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.\n_________\n(١) امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس: الظاهر أنها شيطانة.","vol":"2","page":861},{"text":"٣ - وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسًا إلى مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك. فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئًا.\n٤ - ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول الله ﷺ في شوال من نفس السنة - ٨ هـ - إلى بني جذيمة داعيًا إلى الإسلام لا مقاتلًا. فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلًا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: \"صبأنا صبأنا\" فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم (١)، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيرًا، فأمر يومًا أن يقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبي ﷺ، فذكروا له، فرفع ﷺ يديه وقال: \"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد\" مرتين.\nوكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول الله ﷺ عليًا فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك، فبلغ النبي ﷺ فقال: \"مهلًا يا خالد، دع عنك اصحابي، فوالله لو كان أحد ذهبًا، ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته\".\n* وفي السادس من شوال سنة - ٨ هـ - توجه رسول الله ﷺ في اثني عشر ألف مقاتل نحو هوازن وثقيف ومن التف حولهم وكانت معركة حنين في ١٠ شوال وكانت عاقبتها للمسلمين ثم تابع فلولهم فكانت معركة أوطاس.\n* وبعد حنين توجه رسول الله ﷺ إلى الطائف في شوال كذلك مقدمًا خالد بن الوليد في ألف مقاتل، وقد حاصرها ﷺ ثم فك الحصار عنها، وكلف مالك بن عوف بعد أن أسلم أن يضغط عليها، وكان من ثمار ذلك أن أسلمت ثقيف بعد فترة.\n_________\n(١) فجعل خالدي قتلهم ويأسرهم: وذلك؛ لأنه لم يفهم من كلمتهم أنهم يعلنون إسلامهم، بل فهم أنهم يصرون على كفرهم.","vol":"2","page":862},{"text":"* وبعد عودة رسول الله ﷺ إلى المدينة وفد عليه كعب بن زهير، وقد كانت عودة رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة لست بقين من ذي القعدة وبعودته دخلت الدعوة الإسلامية في طور جديد، طور الدخول في دين الله أفواجًا، فبدأت الوفود تترى إلى المدينة المنورة داخلة في الإسلام، مقدمة الطاعة والولاء لرسول الله ﷺ. اهـ.\nوإذ لم يكن السرد التاريخي هدفًا لنا في هذا الكتاب إلا بالقدر الذي يلقي أضواء على الفهم العام للسيرة النبوية، فسنكتفي بأن نعقد فصولًا للأحداث التي يعتبر التفصيل فيها هدفًا من أهداف هذا القسم.\nكانت سياسة الرسول ﷺ ألا يسكت على اعتداء، فهناك فارق كبير بين الاعتداء الشخصي وبين الاعتداء على الدولة، لقد تحمل رسول الله ﷺ من الاعتداء على شخصه ما تنوء به الجبال وكل ذلك في الله وبالله، وما من عاقل إلا ويعلم أن رسول الله ﷺ لم تكن تصرفاته أثرًا عن هوى، ولكنها الحكمة التي تضع الأمور مواضعها، والسكوت على الاعتداء على الدولة يفقدها هيبتها ويزيد طمع الطامعين بها ويؤلب عليها أعداءها، كما أن من سياسة رسول الله ﷺ ألا ينتظر الاعتداء حتى يقع؛ لأن درهم وقاية خير من قنطار علاج، بل هو ﵊ كان يفجأ المعتدي قبل استكمال أدوات اعتدائه، ولقد كانت هذه المعاني وراء أهم أحداث السنة الثامنة.\n* * *","vol":"2","page":863},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>فصل: في إسلام خالد وعمرو وعثمان بن طلحة</span>\nأسلم هؤلاء الثلاثة قبل الفتح بإجماع، وهناك روايات تذكر أنهم أسلموا مع بعضهم، وعامة أهل السير يقولون: إنهم أسلموا في السنة الثامنة، وكل منهم له دور ما في الأحداث من قبل ومن بعد على تفاوت في ذلك، وليس لنا ما نقوله ههنا أو ننقله فستأتي تراجمهم فيما بعد ولكن نحب أن نذكر تعليقًا بسيطًا على إسلامهم لأن له دلالات هامة! فههنا ثلاث شخصيات كل منها له طابع مميز:\nأما عمرو فبعيد النظر يزن الأمور بميزان الأرباح والخسائر وهو ذو عقل استراتيجي دراك لماح وأما خالد فشجاع مقدام مقاتل حر النفس.\nوأما عثمان فمن آل بيت يتألهون، أليست لهم حجابة الكعبة، فعندما يأتي هؤلاء جميعًا إلى محمد ﷺ مسلمين فإنك تدرك تغير الميزان وتدرك أن تغيرات كبيرة قد طرأت على النفسيات كلها، وأن من لم يزل بعيدًا عن الإسلام إنما تحكمه عقد نفسية أو تمنعه قوة الاستمرار عن الانتقال إلى الوضع الجديد.\n* * *","vol":"2","page":864},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>فصل: في سرية شجاع بن وهب</span>\nذكر ابن كثير في البداية والنهاية رواية الواقدي عن سرية شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلًا إلى جمع من هوازن وأمره أن يغير عليهم فأمر أصحابه ألا يمعنوا في الطلب وأغار عليهم ... ثم قال ابن كثير: وقد تكون هذه السرية هي المذكورة فيما رواه الشافعي (١) عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سرية قبل نجد فكان فيهم عبد الله بن عمر، قال: فأصبنا إبلًا كثيرًا فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرًا ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا.\n٥٨٤ - * وروى أبو داود عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد فخرجت معها فأصبنا نعمًا كثيرة فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيرًا بعد الخمس وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيرًا بنفله.\n* * *\n_________\n(١) البخاري (٨/ ٥٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٧ - باب السرية التي قبل نجد.\nومسلم واللفظ له (٣/ ١٣٦٨) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ١٢ - باب الأنفال.\n٥٨٤ - أبو داود (٣/ ٧٨)، كتاب الجهاد، باب في نفل السرية تخرج من العسكر.","vol":"2","page":865},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>فصل: في غزوة مؤتة من أرض الشام</span>\nقال ابن حجر في الفتح: قال ابن إسحق: هي بالقرب من البلقاء، وقال غيره هي على مرحلتين من بيت المقدس. ويقال: إن السبب فيها أن شرحبيل بن عمرو الغساني - وهو من أمراء قيصر على الشام - قتل رسولًا أرسله النبي ﷺ إلى صاحب بصري، واسم الرسول الحارث بن عمير، فجهز إليهم النبي ﷺ عسكرًا في ثلاثة آلاف. وفي (مغازي أبي الأسود) عن عروة: بعث رسول الله ﷺ الجيش إلى مؤتة في جمادى من سنة ثمان وكذا قال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أهل المغازي لا يختلفون في ذلك، إلا ما ذكر خليفة في تاريخه أنها كانت سنة سبع. أ. هـ\n٥٨٥ - * روى الطبراني عن عروة بن الزبير قال: بعث النبي ﷺ بعثًا إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، فقال لهم: \"إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس\" فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى، فقيل له: ما يبكيك يا ابن رواحة فقال: والله ما بي حب الدنيا وصبابة ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيا) (١) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال لهم المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين فقال عبد الله بن رواحة:\nلكني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا\nأو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا\nحتى يقولوا إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا\n_________\n٥٨٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٧)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات إلى عروة. اهـ وهو مرسل.\n(١) مريم: ٧١.\nذات فرع: ذات سعة.\nالزبد: رغوة الدم.","vol":"2","page":866},{"text":"ثم إن القوم تيهئوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ يودعه فقال:\nيثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا\nإني تفرست فيك الخير نافله ... فراسة خالفتهم في الذي نظروا\nأنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر\nثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ يشيعم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله ابن رواحة:\nخلف السلام على امرئ ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل\nثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام فبلغهم أن هرقل في ماب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وقد اجتمعت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى في مائة ألف، عليهم رجل يلي أخذ رايتهم يقال له مالك بن زافلة فلما بلغ ذلك المسلمين قاموا بمعان ليلتين، ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجع عبد الله بن رواحة الناس. وقال: يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج في سفرته تلك مردفي على حقيبة راحلته ووالله إنا لنسير ليلة إذ سمعته يتمثل ببيته هذا:\nإذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء (١)\nفلما سمعته منه بكيت فخفقني بالدرة، وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة\n_________\n= أزرى: أدخل عليه عيبًا.\nحقيبة الرحل: هي الزيادة التي تجعل في مؤخرة القتب، والوعاء الذي يجمع فيه الرجل زاده.\nوالقتب: هو الرحل الصغير على قدر سنام البعير.\n(١) أقول في سيرة ابن هشام: أربعة أبيات بعد هذا البيت يتوقع فيها الشهادة.","vol":"2","page":867},{"text":"وترجع بين شعبتي الرحل ومضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها: ماب، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الناس عندها وتعبأ المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار يقال له عبادة بن مالك، ثم التقى الناس واقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألجمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها فقاتل القوم حتى قتل، وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام.\n٥٨٦ - * روى الطبراني عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزاة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه وتردد بعض التردد ثم قال:\nأقسمت يا نفسي لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه\nما لي أراك تكرهين الجنه ... إن أجلب الناس وشدوا الرنه\nلطالما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنه\n_________\n= شعبتي الرحل: طرفاه المقدم والمؤخر.\nتعبأ المسلمون: يقال: عبأت الجيش عبأ، وعبأتهم تعبئة وتعبيئًا، وقد يترك الهمز فيقال: عبيتهم تعبية: أي رتبتهم في مواضيعهم وهيأتهم للحرب.\nشاط الرجل: إذا سال دمه وهلك.\nألجمه القتال: أحاط به.\nعقر فرسه: ضرب قوائمها بالسيف. ويحتمل أنه قتلها والهدف من كلا التفسيرية ألا يستفيد منها العدو، وحتى لا تراوده نفسه على الهرب عليها.\n٥٨٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٩)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\nأجلب: صاح.\nالرنة: صوت فيه ترجيع شبيه بالبكاء.\nنطفة: الماء القليل.\nشنة: السقاء البالي. أي فيوشك أن تهراق النطفة أو ينخرق السقاء. ضرب ذلك مثلًا لنفسه في جسده.","vol":"2","page":868},{"text":"وقال عبد الله بن رواحة:\nيا نفس إن لا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت\nوما تمنيت فقد لقيت ... إن تفعلي فعلهما هديت\nثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعظم من لحم فقال: اشدد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما قد لقيت، فأخذه من يده، فانتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل فأخذ الراية ثابت بن أقرم أحد بني العجلان وقال: يا أيها الناس اصطلحوا على رجل منكم قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، ثم انحاز حتى انصرف فلما أصيبوا قال رسول الله ﷺ: \"أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدًا\" ثم صمت النبي ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه كان في عبد الله ابن رواحة بعض ما يكرهونه قال: \"ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها، حتى قتل شهيدًا، ثم قال: \"لقد رفعوا إلي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارًا عن سريري صاحبيه، فقلت: بم هذا فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ومضى\".\n٥٨٧ - * روى أحمد عن أبي قتادة الأنصاري فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء، فقال: \"عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري\" فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب، أن تستعمل علي زيدًا، قال: \"امض فإنك لا تدري أي ذلك خير\". فاننطلقوا فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله ﷺ\n_________\n= نهس: أخذ منه بفمه يسيرًا.\nالحطمة: زحام الناس وحطم بعضهم بعضًا.\n٥٨٧ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٠٠).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٦): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير خالد بن شمير، وهو ثقة.\nأرهب: بمعنى أخاف، والمراد: ما كنت أتوقع.","vol":"2","page":869},{"text":"صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فقال رسول الله ﷺ: \"ناب خيرًا - أو بات خيرًا أو ثاب خيرًا\" شك عبد الرحمن - أي الراوي - \"ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فأصيب زيد شهيدًا فاستغفروا له - فاستغفر له - الناس. ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيدًا، أشهد له بالشهادة فاستغفروا له ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا فاستغفروا له. ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه\" ثم رفع رسول الله ﷺ أصبعه فقال: \"اللهم هو سيف من سيوفك فانصرفه\" فمن يومئذ سمي خالد سيف الله ثم قال: \"انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد\". قال: فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانًا.\nوفي رواية للطبراني (١) عن ابنشهاب قال: ثم بعث النبي ﷺ جيشًا إلى مؤتة وأمر عليهم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم فانطلقوا حتى لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة، وبها جموع من نصارى العرب والروم، وبها تنوخ وبهراء فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم خرجوا فالتقوا على زرع أخضر فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وأخذ اللواء زيد بن حارثة، فقتل، ثم أخذه جعفر، فقتل، ثم أخذه ابن رواحة فقتل ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله ﷺ على خالد بن الوليد فهزم الله العدو وأظهر المسلمين وبعثهم رسول الله ﷺ في جمادى الأولى.\n٥٨٨ - * روى أحمد والطبراني عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا، استعمل عليهم زيد بن حارثة فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية\n_________\n(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٦٠)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وهو مرسل.\n٥٨٨ - أحمد في مسنده (١/ ٢٠٤).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥٦): رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح.","vol":"2","page":870},{"text":"خالد بن الوليد ففتح الله عليه وأتى خبرهم النبي ﷺ، فخرج إلي الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: \"إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدًا أخذ الراية فقاتل، حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد، ففتح الله عليه\" ثم أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: \"لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي بني أخي\" قال فجيء بنا كأننا أفرخ قال: \"ادعوا لي الحلاق\" فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا ثم قال: \"أما محمد فشبه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خَلْقي وخُلُقي\" ثم أخذ بيدي فأشالهما فقال: \"اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه\" قالها ثلاث مرات، قال: فجاءت أمنا فذكرت يتمنا فقال: \"العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة\".\nقال ابن حجر بمناسبة إشارته إلى هذه الرواية:\nوذكر ابن إسحاق بإسناد حسن وهو عند أبي داود من طريقه عن رجل من بني مرة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. قال ابن إسحاق وحدثني محمد بن جعفر عن عروة قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فالتوى بها بعض الالتواء ثم تقدم على فرسه ثم نزل فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم الأنصاري فقال: اصطلحوا على رجل، فقالوا: أنت لها، قال: لا، فاصطلحوا على خالد بن الوليد وروى الطبراني من حديث أبي اليسر الأنصاري قال: \"أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب عبد الله بن رواحة، فدفعها إلى خالد ابن الوليد وقال له: أنت أعلم بالقتال مني\".\n٥٨٩ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذها جعفر، فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن\n_________\n= فأشالهما: فرفعهما.\n٥٨٩ - البخاري (٦/ ١٦) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٧ - باب تمني الشهادة.","vol":"2","page":871},{"text":"رواحة، فأصيب\" - وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان - \"ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة، ففتح له\".\nوفي رواية (١) قال خطب النبي ﷺ، فقال: \"أخذ الراية زيد، فأصيب\" ... وذكر نحوه، وقال في آخره: \"وما يسرنا أنهم عندنا\" قال أيوب: أو قال: \"ما يسرهم أنهم عندنا\" وعيناه تذرفان.\nوفي أخرى: (٢) أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد ... فذكرهم، وقال في آخره: \"حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم\".\n٥٩٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ: \"إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة\" قال عبد الله فكنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية.\nوفي أخرى (٤): أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددت به خمسين، بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره - يعني في ظهره -.\n٥٩١ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية.\n_________\n= لتذرفان: ذرفت العين: سال دمعها.\n(١) البخاري (٦/ ١٦) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٧ - باب تمني الشهادة.\n(٢) البخاري (٧/ ٥١٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام.\n٥٩٠ - البخاري (٧/ ٥١٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام.\n(٤) البخاري (٧/ ٥١٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٤ باب غزوة مؤتة من الشام.\n٥٩١ - البخاري (٧/ ٥١٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام.\nالصفيحة: السيف العريض.","vol":"2","page":872},{"text":"٥٩٢ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: بارز عقيل بن أبي طالب رجلًا يوم مؤتة فقتله فنفله رسول الله ﷺ خاتمه وسلبه.\n٥٩٣ - * روى الحاكم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وىله وسلم قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﵌ الحزن.\n٥٩٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه رد السلام ثم قال: \"يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل صلى الله عليهما مروا فسلمواعلينا، فرددت ﵈ وأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا، فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثًا وسبعين بين طعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى، فقطعت، ثم أخذته باليسار فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة أنزل بهما حيث شئت وآكل من ثمارها ما شئت\" فقالت أسماء: هنيئًا لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكني أخاف أن لا يصدقني الناس، فاصعد المنبر فأخبر الناس يا رسول الله فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"أيها الناس إن جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه يطير بهما في الجنة حيث شاء، فسلم علي فأخبر كيف كان أمرهم حين لقي المشركين، فاستبان للناس بعد ذلك، أن جعفرًا لقيهم، فسمي جعفر الطيار في الجنة ذا جناحين، يطير بهما، حيث شاء مخضوبة قوادمه بالدماء\".\n٥٩٥ - * روى أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع زيد بن\n_________\n٥٩٢ - مجمع الزوائد (٥/ ٣٣١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو حسن الحديث وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\nوقد أسلم عقيل قبل الحديبية، وهاجر سنة ثمان، وشهد مؤتة: (تهذيب التهذيب).\n٥٩٣ - المستدرك (٣/ ٢٠٩)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\n٥٩٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٢)، وقال: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما حسن.\n٥٩٥ - أبو داود (٣/ ٧١)، كتاب الجهاد، باب في الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى، والفرس والسلاح من السلب.","vol":"2","page":873},{"text":"حارثة في غزوة مؤتة فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورًا، فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرق، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يغري بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر، وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله ﷿ للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته، قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ فأبى أن يرد عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه سولم \"يا خالد، ما حملك على ما صنعت\"؟ قال: يا رسول الله استكثرته، فقال رسول الله ﷺ: \"يا خالد رد عليه ما أخذت منه\" قال عوف: فقلت له دونك يا خالد ألم أف لك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"وما ذلك\"؟ فأخبرته، قال: فغضب رسول الله ﷺ فقال: \"يا خالد لا ترد عليه، ها أنتم تاركون لي أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره\".\nوفي رواية مسلم (١) قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن .. وساق الحديث عن النبي ﷺ بنحوه هكذا قال مسلم، ولم يذكر لفظه، ويعني بنحوه: الرواية التي تجيء له بعد هذه، فإنه ذكرها في كتابه قبل هذه، قال: غير أنه قال في الحديث: قال عوف: فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته.\n_________\n= مددي: أي رجل من المدد الذين جاءوا يمدون جيش مؤتة.\nلأعرفنكها: أي: لأجازينك بها، حتى تعرف صنيعك هذا.\nدونك، أي: خذ، كأنه وافقه على ما وعده.\nصفوة الشيء - بكسر الصاد -: خالصه وما صفا منه، إذا أثبت الهاء كسرت الصاد، وإذا حذفتها فتحتها، فقلت: صفو الشيء.\n(١) مسلم (٣/ ١٣٧٢) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ١٣ - باب استحقاق القاتل سلب القتيل.","vol":"2","page":874},{"text":"وله في رواية (١) قال عوف بن مالك: قتل رجل من حمير رجلًا من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد، وكان واليًا عليهم، فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد: \"ما منعك أن تعطيه سلبه؟ \" قال: استكثرته يا رسول الله، قال: \"ادفعه إليه\" فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ؟ فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب، فقال: \"لأا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم: كمثل رجل استرعي إبلًا أو غنمًا فرعاها، ثم تحين سقيها، فأوردها حوضًا، فشرعت فيه، فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم، وكدره عليهم\".\n* * *\n_________\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق (٣/ ١٣٧٣).\nتحين: تحينت وقت الشيء: إذا انتظرته وترقبته، وهو طلب الحين.\nفصفوه لكم، وكدره عليهم أي: لا تثقلوا على أمرائكم فكما عليهم واجبات لهم حقوق يجب مراعاتها ومنها احترامهم وطاعتهم.","vol":"2","page":875},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>فصل: في غزوة ذات السلاسل</span>\nقال البخاري: وهي غزوة لخم وجذام، قاله إسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن إسحاق: عن يزيد عن عروة: هي بلاد بلي وعذرة وبني القين وفي نسخة: بني العنبر.\n٥٩٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي: أن رسول الله ﷺ بعث عمرو ابن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: \"عائشة\" قلت: من الرجال؟ قال: \"أبوها\" قلت: ثم من؟ قال: \"عمر\" فعد رجالًا، فسكت، مخافة أن يجعلني في آخرهم.\nقال ابن حجر: وذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، قال: وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة. وأما القبائل التي ذكرها فالثلاثة بطون من قضاعة، أما بلي فبفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب: قبيلة كبيرة ينسبون إلى بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، أما عذرة فبضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: قبيلة كبيرة ينسبون على عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بضم اللام ابن الحاف بن قضاعة، وأما بنو القين فقبيلة كبيرة أيضًا ينسبون إلى القين ابن جسر، ويقال كان له عبد يسمى القين حضنه فنسب إليه، وكان اسمه النعمان ابن جسر ابن شيع الله بكسر المعجمة وسكون التحتانية بعدها عين مهملة ابن أسد بن وبرة ابن ثعلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ووهم ابن التين فقال: بنو القين قبيلة من بني تميم، وذكر ابن سعد أن جمعًا من قضاعة تجمعوا وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة، فدعا النبي ﷺ عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين، وأمره أن يلحق بعمرو وأن لا يختلفا\n_________\n٥٩٦ - البخاري (٨/ ٧٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٤ - باب غزوة ذات السلاسل.\nومسلم (٤/ ١٨٥٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق، ﵁.\nذات السلاسل: هو ماء لبني جذام بناحية الشام.\nقيل: سميت ذات السلاسل؛ لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا.\nوقيل: لأن بها ماء يقال له السلسل.","vol":"2","page":876},{"text":"فأراد أبو عبيدة أن يؤم بهم فمنعه عمرو وقال: إنما قدمت علي مددًا وأنا الأمير، فأطاع له أبو عبيدة فصلى بهم عمرو، وتقدم في التيمم أنه (احتلم في ليلة باردة فلم يغتسل وتيمم وصلى بهم) الحديث. وسار عمرو حتى وطئ بلاد بلي وعذرة، وكذا ذكر موسى بن عقبة نحو هذه القصة، وذكر ابن إسحاق أن أم عمرو بن العاص كانت من بلي فبعث النبي ﷺ عمرًا يستنفر الناس إلى الإسلام ويستألفهم بذلك، وروى إسحاق بن راهويه والحاكم من حديث بريدة أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا نارًا، فأنكر ذلك عمر، فقال أبو بكر: دعه فإن رسول الله ﷺ لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه. فهذا السبب أصح إسنادًا من الذي ذكره ابن إسحاق، لكن لا يمنع الجمع. وروى ابن حبان من طريق قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص (أن رسول الله ﷺ بعثه في ذات السلاسل، فسأله أصحابه أن يوقدوا نارًا فمنعهم، فكلموا أبا بكر فكلمه في ذلك فقال: لا يوقد أحد منهم نارًا إلا قذفته فيها قال فلقوا العدو فهزمهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم، فلما انصرفوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فساله فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد. فحمد أمره. فقال: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ الحديث. فاشتمل هذا السياق على فوائد زوائد، ويجمع بينه وبين حديث بريدة بأن أبا بكر سأله فلم يجبه فسلم له أمره، وألحوا على أبي بكر حتى يسأله فسأله فلم يجبه.\nقوله (فأتيته) في رواية معلى بن منصور المذكورة (قدمت من جيش ذات السلاسل، فأتيت النبي ﷺ) وعند البيهقي من طريق علي بن عاصم عن خالد الحذاء في هذه القصة قال عمرو: فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على قوم فيهم أبو بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده، فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله من أحب الناس إليك) الحديث. قوله (فعد رجالًا) في رواية علي بن عاصم قال قلت في نفسي لا أعود لمثلها أسأل عن هذا وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية ومزية أبي بكر على الرجال وبنته عائشة على النساء، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في المناقب، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر وإن كان ذلك لا يقتضي","vol":"2","page":877},{"text":"أفضليته عليهم لكن يقتضي أن له فضلًا في الجملة. وقد روينا في (فوائد أبي بكر بن أبي الهيثم) من حديث رافع الطائي قال (بعث النبي ﷺ جيشًا واستعمل عليهم عمرو بن العاص وفيهم أبو بكر) قال: وهي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام (١). وروى أحمد والبخاري في الأدب وصححه أبو عوانة وابن حبان والحاكم من طريق علي بن رباح عن عمرو بن العاص قال (بعث إلي النبي يأمرني أن آخذ ثيابي وسلاحي فقال: \"يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله ويسلمك\" قلت: إني لم أسلم رغبة في المال. قال: \"نعم المال الصالح للمرء الصالح\" وهذا فيه إشعار بأن بعثه عقب إسلامه.\n* * *\n_________\n(١) قوله: (وهي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام): أي: زمن معاوية حين وقعت الفتنة.","vol":"2","page":878},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>فصل: في فتح مكة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>تقديم:</span>\nتقوم - فيما يبدو لي - استراتيجية العمل عند رسول الله ﷺ حتى فتح مكة على نقطتين رئيسيتين:\nأولًا: تجميع كل المسلمين في المدينة المنورة، وبهذا كان المجتمع الإسلامي في تنام مستمر.\nثانيًا: الحركة السياسية والدعوية والعسكرية المستمرة نحو الخارج، وبهذا جعل المجتمع الإسلامي دائم التعبئة كامل الحشد قادرًا على الهجوم، متمركزة قواته وهي دائمًا على أعلى مستوى قتالي.\nوكانت القوى المعادية تحيط بالرسول ﷺ من كل جانب، وكان هناك طابور خامس داخل المدينة، هذه القوى الخارجية تتمثل بأربع، كل منها تشكل خطرًا مباشرًا، القبائل النجدية وقبائل الشمال وعلى رأسهم غطفان وقريش ومن يتلاحم معها واليهود وكانت الجزيرة العربية تشكل البعد الاستراتيجي لهذه القوى، ولقد حاول الرسول ﷺ ما استطاع ألا يجعل هذه القوى تتضافر ضده من خلال المعاهدات أو الحركة الخاطفة والدقيقة.\nوكانت سياسته مع القبائل ألا يعطيها فرصة التحشد والتجمع وأن يفاجئها قبل أن تفاجئه وقد استطاع تثبيتها بشكل مستمر سواء كانت شمالية أو نجدية شرقية. وأما سياسته مع قريش فكانت الاستهداف الدائم والتعرض الدائم، وكان أن انجلت هذه السياسة عن صلح الحديبية. وكانت سياسته مع اليهود المعاهدات والوفاء بها حتى يغدروا، فمن غدر أنهاه، وسكت عن يهود خيبر وأبقاهم محاربين حتى تفرغ لهم بعد صلح الحديبية فأنهى كيانهم السياسي، حتى إذا نقضت قريش عهدها بتواطئها مع بكر ضد بني خزاعة أحلافه ﵊، استطاع أن ينهي سلطان قريش السياسي والديني، وإذا به ﵊ فجأة أمام قطف ثمرات سياسته الحكيمة فلقد كانت كل القوى المباشرة قد استسلمت فلم يبق لبعدها الاستراتيجي إلا أن يستسلم، وهكذا جاءت الجزيرة العربية أفواجًا مؤيدة ومبايعة.","vol":"2","page":879},{"text":"(إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توباا) (١).\nلقد سيطر الرسول ﷺ استراتيجيًا على الجزيرة العربية منذ أنهى خيبر وفتح مكة. إن أحدًا في تاريخ هذا العالم لا يعدل محمدًا ﷺ في أنه حقق ما حقق ووضع الأساس راسخًا إلى الأبد دون أن يرتكب خطأ سياسيًا أو استراتيجيًا أو تكتيكيًا واحدًا، إنه التوفيق الإلهي، وإنها الرسالة والنبوة.\nإن القبائل في الجزيرة العربية كانت تشكل خطرًا عندما كان لها رأس يمكن أن تتجمع حوله، أو عندما يوجد مركز تنطلق منه، وقد فاتها ذلك بانتهاء خيبر وفتح مكة، واجتمعت الدعوة مع القوة فجعلتها تفكر في السير على الطريق المستقيم.\nوقد استثمر رسول الله ﷺ الفتح أيما استثمار، فأرسل البعوث والسرايا الكثيرة، وبلغه أن القبائل المحيطة بالطائف وأهل الطائف يحشدون له فسارع إليهم، وكانت معركة حنين، ولما انهزم أهلها تابعهم، فكان من آثار ذلك معركة أوطاس ثم توجه رسول الله ﷺ إلى الطائف عاصمة الحجاز الثالثة بعد مكة والمدينة، ولو أنها فتحت له لأصبح الحجاز كله صافيًا له داخلًا دخولًا مباشرًا في دولته، ولكن ذلك تأخر إلى السنة التاسعة كما سنرى.\nكانت رحلة الفتح مليئة بالأحداث، فقد استمرت أكثر من سبعين يومًا، فقد خرج رسول الله ﷺ من المدينة في ١٠ رمضان سنة ٨ هـ، ورجع إليها لست ليال بقين من ذي القعدة على قول.\nومن أهم أحداثها: فتح مكة، وغزوة حنين، ومعركة أوطاس، وحصار الطائف، وإرساله ﵊ السرايا والبعوث، فمن مكة أرسل سرايا على حسب تتبعات المباركفوري.\n* * *\n_________\n(١) النصر: ١ - ٣.","vol":"2","page":880},{"text":"٥٩٧ - * روى أحمد والطبراني عن ذي الجوشن الضبابي، قال: أتيت النبي ﷺ بعد أن فرغ من أهل بدر بابن فرس لي يقال لها: القرحاء: فقلت: يا محمد إني قد جئتك بابن القرحاء لتتخذه قال: \"لا حاجة لي فيه، وإن أردت أقيض كبها المختارة من دروع بدر فعلت؟ \" قال: ما كنت لأقيضه اليوم بغرة، قال: \"لا حاجة لي فيه\" ثم قال: \"يا ذا الجوشن ألا تسلم فتكون من أول أهل هذا الأمر؟ \" فقلت: لا قال: \"لم\" قلت: إني رأيت قومك ولعوا بك قال: \"فكيف بلغك عن مصارعهم ببدر؟ \" قلت: قد بلغني، قال: \"فأنى يهدي لك؟ \" قلت: إن تغلب على الكعبة وتقطنها. قال: \"لعلك إن عشت ترى ذلك\" ثم قال \"يا بلال خذ حقيبة الرجل فزوده من العجوة\". فلما أدبرت قال: \"أما إنه من خير فرسان بني عامر\" قال: فوالله إني بأهلي بالغور، إذ أقبل راكب، فقلت: ما فعل الناس؟ قال: والله قد غلب محمد على الكعبة وقطنها. فقلت: هبلتني أمي ولو اسلمت يومئذ ثم أسأله الحيرة لأقطعنيها.\nوفي رواية (١) فقال له النبي ﷺ: \"ما يمنعك من ذلك؟ \" قال: رأيت قومك قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك فأنظر ما تصنع فإن ظهرت عليهم آمنت بك واتبعتك، وإن ظهروا عليك لم أتبعك - وذكر الحديث بنحوه.\nذكرنا هذا الحديث هنا للإشعار بأن العرب كانوا ينتظرون نهاية الصراع بين رسول الله ﷺ وأهل مكة ليتخذوا قرارهم النهائي.\n_________\n٥٩٧ - أحمد في مسنده (٤/ ٦٧).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٦٢): رواه عبد الله بن أحمد وأبوه ولم يسق المتن، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح.\nالغرة: تأتي الغرة بمعنى الأمة او العبد والمراد هنا الفرس كما ذكر ابن الأثير في النهاية. قال: يريد أنه ما كان ليقيض به فرسًا فكيف يقيض به ما هو دونه وهو الدرع.\nأنى: بمعنى آن والتقدير أما آن أن تهتدي بهذا.\nالعجوة: ضرب من أجود التمر بالمدينة.\nهبلتني أمي: أي فقدتني.\n(١) أحمد في مسنده (٤/ ٦٨).","vol":"2","page":881},{"text":"٥٩٨ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (لرادك إلى معاد) (١) قال: إلى مكة.\n٥٩٩ - * روى البزار عن أبي هريرة أن قائد خزاعة قال:\nاللهم إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا\nفانصر هداك الله نصرًا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا\n٦٠٠ - * روى أبو يعلى عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان، وقال: \"لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب\" قالت: وقال لي: \"قولي لأبي بكر وعمر يتجهزا لهذا الغزو\" قال: فجاءا إلى عائشة، فقالا: أين يريد رسول الله ﷺ؟ قال: فقالت: لقد رأيته غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان من الدهر.\n٦٠١ - * روى البخاري ومسلم عن عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: \"انطلقوا حتى تأتوا روضة\n_________\n٥٩٨ - البخاري (٧/ ٥٠٩) ٦٥ - كتاب التفسير - ٢ - باب (إن الذي فرض عليك القرآن) الآية.\n(لرادك إلى معاد): أي: لراجعك إلى مكة، كذا جاء في التفسير في البخاري.\n(١) القصص: ٨٥.\n٥٩٩ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٣٤٢)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الفتح.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٦٢): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو، وحديثه حسن.\n٦٠٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٦١)، وقال: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه عنها، وقد وثقهما ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوقال صاحب الجرح والتعديل: حزام بن هشام بن حبيش: شيخ محله الصدق. وسكت عن أبيه.\nبنو كعب: خزاعة حلفاء النبي ﷺ، والأصل أن بني كعب هم أكبر بطون خزاعة فأطلق اسمهم على بني خزاعة جميعًا.\n٦٠١ - البخاري (٧/ ٥١٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٦ - باب غزوة الفتح، وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ١٩٤١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٦ - باب من فضائل أهل بدر، ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة.","vol":"2","page":882},{"text":"خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوا منها\" قال فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة - إلى ناس بمكة من المشركين - يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"يا حاطب ما هذا؟ \" قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش - يقول: كنت حليفًا - ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله ﷺ: \"أما إنه قد صدقكم\" فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال \"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" فأنزل الله السورة: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) إلى قوله (فقد ضل سواء السبيل) (١).\nكان حاطب كتب كتابًا إلى قريش يخبرهم بسير رسول الله ﷺ والمسلمين إليهم وأرسله مع جارية إلى مكة، وكان حاطب من المهاجرين وممن شهد بدرًا.\nوفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي (٢) عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد - والزبير - وكلنا فارس ... ثم ساقه بمعناه ولم يذكر نزول الآية.\n_________\n= خاخ: مكان بين مكة والمدينة، بقرب المدينة.\nالظعينة: في الأصل. المرأة ما دامت في الهودج، ثم جعلت المرأة إذا سافرت ظعينة، ثم نقل إلى المرأة نفسها، سافرت أو أقامت، وظعن يظعن: إذا سافر.\nعقاصها: العقاص: جمع عقصة أو عقيصة، وهي الضفيرة من الشعر إذا لويت وجعلت مثل الرمانة، أو لم تلو، والمعنى: أخرجت الكتاب من ضفائرها المعقوصة.\nملصقًا: الملصق: هو الرجل المقيم في الحي، وليس منهم بنسب.\n(١) الممتحنة: ١.\n(٢) البخاري (٧/ ٣٠٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٩ - باب فضل من شهد بدرًا.","vol":"2","page":883},{"text":"وفي رواية نحوه (١)، وفيه: قال فأدركناها تسير على جمل لها حيث قال لنا رسول الله ﷺ قال قلنا: أين الكتاب الذي معك؟ قالت: ما معي كتاب فأنخنا بها فابتغينا في رحلها، فما وجدنا شيئًا. قال صاحباي: ما نرى كتابًا. قال قلت: لقد علمت ما كذب رسول الله ﷺ، والذي يحلف به لنخرجن الكتاب أو لأجردنك. قال: فلما رأت الجد مني أهوت بيدها إلى حجزتها - وهي محتجزة بكساء - فأخرجت الكتاب. قال فانطلقنا به إلى رسول الله ﷺ .... وذكر الحديث.\nقال في الفتح:\nقوله (بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد) كذا في رواية عبيد الله بن أبي رافع، وفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كما تقدم في فضل من شهد بدرًا \"بعثني وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام، فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكره الآخر ولم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحدا، وساق الخبر بالتثنية. قال \"فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها إلخ\" فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعًا له.\nقوله (إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش) أي حليفًا، وقد فسره بقوله \"كنت حليفًا ولم أكن من أنفسها\" وعند ابن إسحاق \"وليس في القوم من أصل ولا عشيرة\" وعند أحمد \"وكنت غريبًا\" قال السهيلي: كان حاطب حليفًا لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى، واسم أبي بلتعة عمرو، وقيل كان حليفًا لقريش. قوله (يحمون بها قرابتي) في رواية ابن إسحاق \"وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه\" وسيأتي تكملة شرح هذا الحديث في سورة الممتحنة، وذكر بعض أهل المغازي وهو في \"تفسير يحيى بن سلام\" أن لفظ الكتاب \"أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل، يسير\n_________\n= ومسلم (٤/ ١٩٤٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٦ - باب من فضل أهل بدر، ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة.\n(١) البخاري (١١/ ٤٦) ٧٩ - كتاب الاستئذان - ٢٣ - باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره. ابتغينا: الابتغاء: الطلب.\nحجزة: احتجز الرجل: شد إزاره على وسطه، والحجزة: موضع الشد.","vol":"2","page":884},{"text":"كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده. فانظروا لأنفسكم والسلام\" كذا حكاه السهيلي. وروى الواقدي بسند له مرسل أن حاطبًا كتب إلى سهيل بن عمرو وصفوان ابن أمية وعكرمة \"أن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد\".\n٦٠٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ غزا غزوة الفتح في رمضان.\nقال الزهري: وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك.\n٦٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد - وهو ماء بين عسفان وقديد - أفطر وأفطروا.\nإلا أن لفظ البخاري أتم وأطول، وهو هذا.\n٦٠٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله ﷺ، واستعمل على المدينة ابا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد - ماء بين عسفان وأمج - أفطر ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، والف من مزينة وسليم وفي كل القبائل عدد وسلاح واوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار لم يتخلف منهم أحد\n_________\n٦٠٢ - البخاري (٨/ ٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٨ - باب غزوة الفتح في رمضان.\n٦٠٣ - البخاري في نفس الموضع السابق.\nومسلم نحوها (٢/ ٧٨٤) ١٣ - كتاب الصيام - ١٥ - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر.\n٦٠٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٦٤)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. والزيادة التي بين الأقواس من سيرة ابن هشام (٤/ ١٧).\nفي عشرة آلاف من المسلمين وألف من مزينة وسليم: الألف ضمن العشرة آلاف، وليس المراد أنها زائدة عليها.","vol":"2","page":885},{"text":"فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران وقد عميت الأخبار على قريش، فلم يأتهم عن رسول الله ﷺ خبر ولم يدروا ما هو فاعل، وخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم ابن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون، وينظرون، هل يجدون خبرًا، أو يسمعون به وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقى رسول الله ﷺ في بعض الطريق عند الجحفة وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ فيما بين المدينة ومكة بنيق العقاب، والتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك وصهرك. قال: \"لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي بمكة، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال\" فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بني له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن بالأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ: رق لهما، ثم أذن لهما، فدخلا فأسلما، فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال العباس: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش آخر الدهر. قال: فجلست على بلغة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك. فقلت: لعلي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة، يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانًا ولا عسكرًا قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب، قال يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، فقال: مالك فداك أبي وأمي؟ فقلت! ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ، فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه وحركت به، فكلما\n_________\n= حمشتها: أحرقتها.","vol":"2","page":886},{"text":"مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رأى أبو سفيان على عجز البغلة قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة، فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ، ودخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني، فلأضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله إني أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ، فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني. قال: فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلًا يا عمر، أما والله أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فقال: مهلًا يا عباس، والله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب أبي لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم فقال رسول الله ﷺ: \"اذهب به إلى رحلك يا عباس فإذا أصبحت فائتني به\" فذهبت به إلى رحلي، فبات عندي فلما أصبح غدوت به على رسول الله ﷺ فلما رآه رسول الله ﷺ قال: \"ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ \" قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأحلمك وأوصلك، لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا قال: \"ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ \" قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في النفس منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان. أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن يضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق وأسلم، قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب هذا الفخر فاجعل له شيئًا قال: \"نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن\" فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ \"يا عباس احبسه بالوادي عند حطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها\" قال: فخرجت به\n_________\n= الحطم من الجبل: مضيقه حيث يزدحم الناس بعضهم بعضًا.","vol":"2","page":887},{"text":"حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه. قال: ومرت به القبائل على راياتها، فكلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس فأقول: بنو سليم. فيقول: مالي ولسليم، قال: ثم تمر القبيلة، فيقول: من هؤلاء فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة حتى نفدت القبائل يعني جاوزت، لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان. فيقول: مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله ﷺ في الخضراء (أي في كتيبة خضراء) والأنصار لا يرى منهم سوى الحدق قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا. قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذًا، قلت: التجئ إلى قومك، قال: فخرج حتى جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشار به فقالت: اقتلوا الحميت (الدسم) الأحمس فبئس طليعة قوم. قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء بما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن قالوا: ويحك وما تغني عنا دارك قال: ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.\n٦٠٥ - * روى البزار عن أنس قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة، كان قيس (أي: ابن سعد) في مقدمته، فكلم سعد النبي ﷺ أن يصرفه عن الموضع الذي هو فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك.\n٦٠٦ - * روى البخاري عن عروة بن الزبير ﵄ قال: لما سار رسول الله\n_________\n= الحميت: زق السمن. في النهاية: \"الحميت الأحمس\" قالتها في معرض الذم.\nالدسم: الكثير الودك، والودك: دسم اللحم.\nالأحمس: الشديد اللحم. ... لا قبل: أي: لا طاقة.\n٦٠٥ - البزار في كشف الأستار (٢/ ٣٤٢)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الفتح.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧٥): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\n٦٠٦ - البخاري (٨/ ٥) ٦٤ - كتاب المغازي ٤٨ - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟","vol":"2","page":888},{"text":"ﷺ عام الفتح، فبلغ ذلك قريشًا، خرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون، حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيران، كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ، فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله ﷺ، فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: \"احبس أبا سفيان عند خطم الجبل، حتى ينظر إلى المسلمين\"، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ، تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة، فقال: يا عباس، من هذه؟ فقال: هذه غفار، قال: مالي ولغفار، ثم مرت جهينة، وقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك ومرت سليم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار، ثم جاءت كتيبة، وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النبي ﷺ مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: \"ما قال\" قال: قال كذا وكذا، فقال: \"كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة\" قال: وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون، قال عروة: وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: يا أبا عبد الله، ها هنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز الراية؟ \"قال: نعم\"، قال: وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن\n_________\n= خطم الجبل: أنفه، وهو شيء يخرج منه يضيق به الطريق.\nكتيبة: الكتيبة: واحدة الكتائب، وهي العساكر المرتبة.\nالملحمة: الحرب والقتال الذي لا مخلص منه.\nالذمار: ما لزمك حفظه، يقال: فلان حامي الذمار: يحمي ما يجب عليه حفظه. والمراد به هنا الدفاع عن الأرواح والأعراض والأموال.\nكذب سعد: أي أخطأ.\nبالحجون: الحجون: أحد جبلي مكة من جهة الغرب والشمال.","vol":"2","page":889},{"text":"يدخل من أعلى مكة من كداء، ودخل النبي ﷺ من كدى، فقتل من خيل خالد بن الوليد ﵁ يومئذ رجلان: حبيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري.\nقال الحافظ في الفتح: قوله: وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، أي: بالمد، ودخل النبي ﷺ من كدى، أي: بالقصر، قال الحافظ: وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة الآتية أن خالدًا دخل من أسفل مكة، والنبي ﷺ من أعلاها، وكذا جزم ابن إسحاق أن خالدًا دخل من أسفل مكة، ودخل النبي ﷺ من أعلاها، وضربت له هناك قبة، وقد ساق ذلك موسى بن عقبة سياقًا واضحًا، فقال: وبعث رسول الله ﷺ الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم، وأمره أن يدخل من كداء من أعلى مكة، وأمره أن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيره وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت، وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله ﷺ وأمرهم أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم. أهـ.\nوقال في الفتح: قوله (فبلغ ذلك قريشًا) ظاهره أنهم بلغوا مسيره قبل خروج أبي سفيان وحكيم بن حزام، والذي عند ابن إسحاق وعند ابن عائذ من مغازي عروة: ثم خرجوا وقادوا الخيول حتى نزلوا بمر الظهران ولم تعلم بهم قريش. وكذا في رواية أبي سلمة عند ابن أبي شيبة أن النبي ﷺ أمر بالطرق فحبست، ثم خرج، فغم على أهل مكة الأمر، فقال أبو سفيان لحكيم بن حزام: هل لك أن تركب إلى أمر لعلنا أن نلقى خبرًا؟ فقال له بديل بن ورقاء: وأنا معكم، قالا: وأنت إن شئت فركبوا. وفي رواية ابن عائذ من حديث ابن عمر ﵄ قال: لم يغز رسول الله ﷺ قريشًا حتى بعث إليهم ضمرة يخيرهم بين إحدى ثلاث: أن يودوا قتيل خزاعة (١)، وبين أن يبرأوا من حلف بكر، أو ينبذ إليهم على سواء. فأتاهم ضمرة فخيرهم، فقال قرظة بن عمرو: لا نودي ولا نبرأ، ولكنا ننبذ إليه على سواء. فانصرف ضمرة بذلك. فأرسلت قريش أبا سفيان يسأل رسول الله\n_________\n= من كداء: كداء بالفتح والمد: ثنية من أعلى مكة، مما يلي المقبرة، وكدى - بالضم والقصر - ثنية من أسفل مكة.\n(١) قوله: أن يودوا قتيل خزاعة: أي: يدفعوا ديته، وخزاعة: حلفاء النبي ﷺ، وقد قتلته بكر حليفة قريش.","vol":"2","page":890},{"text":"ﷺ في تجديد العهد وكذلك أخرجه مسدد من مرسل محمد بن عباد بن جعفر، فأنكره الواقدي وزعم أن أبا سفيان إنما توجه مبادرًا قبل أن يبلغ المسلمين الخبر، والله أعلم. وفي مرسل عكرمة عند ابن أبي شيبة ونحوه في مغازي عروة عند ابن إسحاق وابن عائذ \"فخافت قريش، فانطلق أبو سفيان إلى المدينة فقال لأبي بكر: جدد لنا الحلف، قال: ليس الأمر إلي. ثم أتى عمر فأغلظ له عمر. ثم أتى فاطمة فقالت له: ليس الأمر إلي. فأتي عليا فقال: ليس الأمر إلي. فقال: ما رأيت كاليوم رجلًا أضل - أي من أبي سفيان - أنت كبير الناس، فجدد الحلف. قال: فضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: قد أجرت بين الناس. ورجع إلى مكة فقالوا له: ما جئتنا بحرب فنحذر، ولا بصلح فنأمن\" لفظ عكرمة وفي رواية عروة \"فقالوا له: لعب بك علي وإن إخفار جوارك لهين عليهم\" فيحتمل أن يكون قوله \"بلغ قريش\" أي غلب على ظنهم ذلك لا أن مبلغًا بلغهم ذلك حقيقة.\nوقوله (نيران عرفة) إشارة إلى ما جرت به عادتهم من إيقاد النيران الكثيرة ليلة عرفة، وعند ابن سعد أن النبي ﷺ أمر أصحابه في تلك الليلة فأوقدوا عشرة آلاف نار.\nقوله (فقال بديل بن ورقاء: هذه نيران بني عمرو) يعني خزاعة، وعمرو يعني ابن لحي (فقال أبوس فيان: عمرو أقل من ذلك) ومثل هذا في مرسل أبي سلمة، وفي مغازي عروة عند ابن عائذ عكس ذلك وأنهم لما رأوا الفساطيط وسمعوا صهيل الخيل فراعهم ذلك فقالوا: هؤلاء بنو كعب - يعني خزاعة، وكعب أكبر بطون خزاعة - جاشت بهم الحرب. فقال بديل: هؤلاء أكثر من بني كعب ما بلغ تأليبها هذا. قالوا: فانتجعت هوازن أرضنا، والله ما نعرف هذا، أنه هذا المثل صاح الناس. قوله (فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم) في رواية ابن عائذ \"وكان رسول الله ﷺ بعث بين يديه خيلًا تقبض العيون، وخزاعة على الطريق لا يتركون أحدًا يمضي، فلما دخل أبو سفيان وأصحابه عسكر المسلمين أخذتهم الخيل تحت الليل\" وفي مرسل أبي سلمة (وكان حرس رسول الله ﷺ نفرًا من الأنصار، وكان عمر بن الخطاب عليهم تلك الليلة فجاءوا بهم إليه فقالوا: جئناك بنفر أخذناهم من أهل مكة، فقال عمر: والله لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم، قالوا قد أتيناك بأبي سفيان) وعند ابن إسحاق (أن العباس خرج ليلًا فلقي أبا سفيان وبديلًا، فحمل أبا","vol":"2","page":891},{"text":"سفيان معه على البغلة ورجع صاحباه) ويمكن الجمع بأن الحرس لما أخذوهم استنقذ العباس أبا سفيان. وفي رواية ابن إسحاق (فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران قال العباس: والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش، قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ حتى جئت الأراك (١) فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبا الفضل؟ قلت: نعم. قال: ما الحيلة؟ قلت: فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه) وهذا مخالف للرواية السابقة أنهم أخذوهم، ولكن عند ابن عائذ (فدخل بديل وحكيم على رسول الله ﷺ فأسلما) فيحمل قوله (ورجع صاحباه) أي بعد أن أسلما. واستمر أبو سفيان عند العباس لأمر رسول الله ﷺ له أن يحبسه حتى يرى العساكر. ويحتمل أن يكونا رجعا لما التقى العباس بأبي سفيان فأخذهما العسكر أيضًا. وفي مغازي موسى ابن عقبة ما يؤيد ذلك، وفيه (فلقيهم العباس فأجارهم وأدخلهم إلى رسول الله ﷺ، فأسلم بديل وحكيم، وتأخر أبو سفيان بإسلامه حتى أصبح) ويجمع بين ما عند ابن إسحاق ومرسل أبي سلمة بأن الحرس أخذوهم، فلما رأوا أبا سفيان مع العباس تركوه معه. وفي رواية عكرمة (فذهب به العباس إلى رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ في قبة له فقال: \"يا أبا سفيان أسلم تسلم\" قال: كيف أصنع باللات والعزى؟ قال فسمعه عمر فقال: لو كنت خارجًا من القبة ما قلتها أبدًا، فأسلم أبو سفيان، فذهب به العباس إلى منزله، فلما اصبح ورأى مبادرة الناس إلى الصلاة أسلم\". قوله (احبس أبا سفيان) في رواية موسى بن عقبة أن العباس قال لرسول الله ﷺ لا آمن أن يرجع أبو سفيان فيكفر، فاحبسه حتى تريه جنود الله، ففعل، فقال أبو سفيان: أغدرا يا بني هاشم؟ قال العباس. لا ولكن لي إليك حاجة فتصبح فتنظر جنود الله للمشركين وما أعد الله للمشركين، فحبسه بالمضيق دون الأراك حتى أصبحوا. قوله (عند خطم الجبل) في رواية النسفي والقابسي بفتح الخاء المعجمة وسكون المهملة وبالجيم والموحدة أي أنف الجبل، وهي رواية ابن إسحاق\n_________\n(١) حتى جئت الأراك: هي منطقة قرب مكة يكثر فيها شجر الأراك الذي يتخذ منه السواك.","vol":"2","page":892},{"text":"وغيره من أهل المغازي، وفي رواية الأكثر بفتح المهملة من اللفظة الأولى وبالخاء المعجمة وسكون التحتانية (أي عند حطم الخيل) أي ازدحامها، وإنما حبسه هناك لكونه مضيقًا ليرى الجميع ولا يفوته رؤية أحد منهم.\nهناك ثلاثة أقوال فيمن دفعت إليه الراية التي نزعت من سعد. والذي يظهر في الجمع أن عليا أرسل بنزعها، وأن يدخل بها، ثم خشي تغير خاطر سعد فأمر بدفعها لابنه قيس، ثم إن سعدًا خشي أن يقع من ابنه شيء ينكره النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ أن يأخذها منه فحينئذ أخذها الزبير. وهذه القصة الأخيرة قد ذكرها البزار من حديث أنس بإسناد على شرط البخاري ولفظه \"كان قيس في مقدمة النبي ﷺ لما قدم مكة، فكلم سعد النبي ﷺ أن يصرفه عن الموضع الذي فيه مخافة أن يقدم على شيء، فصرفه عن ذلك\".\nوعند البيهقي بإسناد حسن من حديث ابن عمر قال: لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر كيف قال حسان؟ فأنشده قوله:\nعدمت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع (١) موعدها كداء (٢)\nينازعن الأسنة مسرجات ... يلطمهن (٣) بالخمر (٤) النساء\nفقال (ادخلوها من حيث قال حسان). وذكر ابن إسحاق أن أصحاب خالد لقوا ناسًا من قريش، منهم سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية كانوا تجمعوا بالخندمة بالخاء المعجمة والنون مكان أسفل مكة ليقاتلوا المسلمين، فناوشوهم شيئًا من القتال، فقتل من خيل خالد سلمة بن الميلاء الجهني، وقتل من المشركين اثنا عشر رجلًا أو ثلاثة عشر وانهزموا، وفي ذلك يقول حماس بن قيس بن خالد البكري - قال ابن هشام: ويقال هي للمرعاش الهذلي - يخاطب امرأته حين لامته على الفرار من المسلمين:\n_________\n(١) النقع: الغبار.\n(٢) كداء: بوزن سحاب، ثنية بأعلى مكة.\n(٣) يلطمهن: تضرب النساء وجوه الخيل لتردهن.\n(٤) الخمر: جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها ووجهها. أي إن النساء كن يضربن وجوه الخيل بخمرهن يوم الفتح.","vol":"2","page":893},{"text":"إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه\nواستقبلتنا بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه\nضربا فلا يسمع إلا غمغمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه\nوعند موسى بن عقبة: واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، وقد تجمع بها بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناة وناس من هذيل ومن الأحابيش الذين استنصرت بهم قريش، فقاتلوا خالدًا، فقاتلهم، فانهزموا وقتل من بني بكر نحو عشرين رجلًا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة إلى باب المسجد حتى دخلوا في الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، وصاح أبو سفيان: من أغلق بابه وكف يده فهو آمن، قال: ونظر رسول الله ﷺ إلى البارقة فقال: \"ما هذا وقد نهيت عن القتال؟ \" فقالوا: نظن أن خالدًا قوتل وبدئ بالقتال فلم يكن له بد من أن يقاتل. ثم قال: وقال رسول الله ﷺ بعد أن اطمأن لخالد بن الوليد: \"لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ \" فقال: هم بدءونا بالقتال ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت يدي ما استطعت. فقال: \"قضاء الله خير\" وذكر ابن سعد أن عدة من أصيب من الكفار أربعة وعشرون رجلًا، ومن هذيل خاصة أربعة، وقيل مجموع من قتل منهم ثلاثة عشر رجلًا. وروى الطبراني من حديث ابن عباس قال خطب رسول الله ﷺ فقال: \"إن الله حرم مكة\" الحديث، فقيل له: هذا خالد بن الوليد يقتل، فقال: \"قم يا فلان فقل له فليرفع القتل\" فأتاه الرجل فقال: إن نبي الله يقول لك اقتل من قدرت عليه، فقتل سبعين ثم اعتذر الرجل إليه، فسكت\" قال: وقد كان رسول الله ﷺ أمر أمراءه أن لا يقتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دم نفر سماهم. وقد جمعت أسماءهم من مفرقات الأخبار وهم: عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحويرث بن نقيد بنون وقاف مصغرًا، ومقيس بن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة، وهبار بن الأسود. وقينتان كانتا لابن خطل كانتا تغنيان بهجو النبي، وسارة مولاة بني المطلب وهي التي وجد معها كتاب حاطب. فأما ابن أبي سرح فكان أسلم ثم ارتد ثم شفع فيه عثمان يوم الفتح إلى النبي ﷺ فحقن دمه وقبل إسلامه. وأما عكرمة ففر إلى اليمن","vol":"2","page":894},{"text":"فتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فرجع معها بأمان من رسول الله ﷺ. وأما الحويرث فكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ بمكة فقتله علي يوم الفتح. وأما مقيس بن صبابة فكان أسلم ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله، وكان الأنصاري قتل أخاه هشامًا خطأ، فجاء مقيس فأخذ الدية ثم قتل الأنصاري ثم ارتد، فقتله نميلة بن عبد الله يوم الفتح. وأما هبار فكان شديد الأذى للمسلمين وعرض لزينب بنت رسول الله ﷺ لما هاجرت فنخس (١) بعيرها فأسقطت، ولم يزل ذلك المرض بها حتى ماتت، فلما كان يوم الفتح بعد أن أهدر النبي ﷺ دمه أعلن بالإسلام فقبل منه فعفا عنه. وأما القينتان فاسمهما فرتني وقرينة، فاستؤمن لإحداهما فأسلمت وقتلت الأخرى. وأما سارة فأسلمت وعاشت إلى خلافة عمر. وقال الحميدي: بل قتلت. وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلاطل الخزاعي قتله علي. وذكر غير ابن إسحاق أن فرتني هي التي أسلمت وأن قرينة قتلت وذكر الحاكم أيضًا ممن أهدر دمه كعب بن زهير وقصته مشهورة، وقد جاء بعد ذلك وأسلم ومدح. ووحشي بن حرب وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وقد أسلمت. وارنب مولاة ابن خطل أيضًا قتلت فيما ذكر ابن إسحاق فكملت العدة ثمانية رجال وست نسوة ويحتمل أن تكون أرنب. وأم سعد هما القينتان اختلف في اسمهما أو باعتبار الكنية واللقب.\nوعند موسى بن عقبة في المغازي - وهي أصح ما صنف في ذلك عند الجماعة - ما نصه \"أن أبا سفيان وحكيم بن حزام قالا: يا رسول الله كنت حقيقًا أن تجعل عدتك وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحمًا وأشد عداوة، فقال: \"إني لأرجو أن يجمعهما الله لي: فتح مكة وإعزاز الإسلام بها، وهزيمة هوازن وغنيمة أموالهم\". فقال أبو سفيان وحكيم: فادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها أآمنون هم؟ قال: \"من كف يده وأغلق داره فهو آمن\" قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم: قال: \"انطلقوا، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم فهو آمن\" ودار أبي سفيان بأعلى مكة ودار حكيم بأسفلها. فلما توجها قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرتد، فرده حتى تريه جنود الله. قال: \"أفعل\" فذكر القصة، وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان\n_________\n(١) نخس الدابة: طعن مؤخرها أو جنبها بالمنخاس لتنشط.","vol":"2","page":895},{"text":"هذا أمانًا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة، فمن ثم قال الشافعي: كانت مكة مأمونة ولم يكن فتحها عنوة، والأمان كالصلح. وأما الذين تعرضوا للقتال أو الذين استثنوا من الأمان وأمر أن يقتلوا ولو تعلقوا بأستار الكعبة فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة. ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره ﷺ بالقتال وبين حديث الباب في تأمينه ﷺ لهم بأني كون التأمين علق بشرط وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرقوا إلى دورهم ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك وقاتلوا خالد بن الوليد ومن معه فقاتلهم حتى قتلهم وهزمهم أن تكون البلد فتحت عنوة، لأن العبرة بالأصول لا بالأتباع وبالأكثر لا بالأقل، ولا خلاف مع ذلك أنه لم يجر فيها قسم غنيمة ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو ما يؤيد قول من قال لم يكن فتحها عنوة. وعند أبي داود بإسناد حسن \"عن جابر أنه سئل: هل غنمتم يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا\" وجنحت طائفة - منهم الماوردي - إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في \"الإكليل\". والحق أن صورة فتحها كان عنوة معاملة أهلها معاملة من دخلت بأمان، ومنع جمع منهم السهيلي ترتب عدم قسمتها وجواز بيع دورها وإجارتها على أنها فتحت صلحًا، أما أولًا لفلأن الإمام محير في قسمة الأرض بين الغانمين إذا انتزعت من الكفار وبين إبقائها وقفًا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور وإجارتها. وأما ثانيًا فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال، لأن من مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار فتأكلها وتصير الأرض عمومًا لهم كما قال الله تعالى (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) (١) الآية. وقال (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) (٢) الآية. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها هنا. اهـ.\n٦٠٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة قال: وفدت وفود إلى\n_________\n(١) المائدة ٢١.\n(٢) الأعراف ١٣٧.\n٦٠٧ - مسلم (٣/ ١٤٠٥) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣١ - باب فتح مكة.","vol":"2","page":896},{"text":"معاوية - وذلك في رمضان - فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعامًا فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة، فقال: سبقتني؟ قلت: نعم، فدعوتهم، فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ ... ثم ذكر فتح مكة، فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين بعث خالدًا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبة، قال: فنظر فرآني، فقال: \"أبو هريرة؟ \" قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: \"لا يأتيني إلا أنصاري\" زاد غير شيبان - (أي الراوي) - فقال: \"اهتف لي بالأنصار\" قال: فأطافوا به، ووبشت قريش أوباشًا لها وأتباعًا - فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله ﷺ: \"ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ \" ثم قال بيديه - إحداهما على الأخرى - ثم قال: \"حتى توافوني بالصفا\" قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئًا، قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن\" فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي - وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي - فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ: \"يا معشر الأنصار\" قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: \"قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته؟ \" قالوا: قد كان ذلك، قال: (١)\n_________\n= المجنبتين: المجنبة: جانب العسكر، وله مجنبتان: ميمنة وميسرة.\nعلى الحسر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه ولا مغفر.\nأطافوا به: أحاطوا، وإنما خصهم لثقته بهم ورفعًا لمراتبهم وإظهارًا لجلالتهم وخصوصيتهم.\nوبشت أوباشًا لها: الأوباش: الجموع من قبائل شتى، والتوبيش: الجمع، أي: جمعت لها جموعًا من أقوام متفرقين في الأنساب والأماكن.\nأبيحت خضراء قريش: أي: استؤصلت وأهلكت، وخضراؤها: سوادها ومعظمها، والعرب تعبر بالخضرة عن السواد، وبالسواد عن الكثرة.=","vol":"2","page":897},{"text":"\"كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم\" فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله، فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله ورسوله يصدقانكم، ويعذرانكم\" قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناس أبوابهم، قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جانب البيت كانوا يعبدونه: قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس، وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعن في عينه، ويقول: \"جاء الحق، وزهق الباطل\" فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو ..\nوفي رواية (١) بهذا الحديث، وزاد في الحديث: ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى: \"احصدوهم حصدًا\" وقال في الحديث: قالوا: قلنا: ذاك يا رسول الله، قال: \"فما اسمي إذًا؟ كلا، إني عبد الله ورسوله\".\nوفي أخرى (٢) قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، فكان كل رجل منا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه، فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة، اليوم نوبتي، فجاؤوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا، فقلت: يا أبا هريرة، لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا؟ فقال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى. وجعل الزبير على المجنبة اليسرى وجعل أبا عبيدة على البياذقة\n_________\n= هاجرت إلى الله وإليكم: أي هاجرت إلى الله تعالى وإلى دياركم لاستيطانها فلا أتركها ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى.\nالضن: البخل والشح، ضننت أضن، وضننت أضن.\nفاستلمه: استلام الحجر الأسود: لمسه باليد.\nسية القوس: مخففًا: طرفها إلى موضع الوتر.\nزهق الباطل: أي اضمحل وذهب ضائعًا.\n(١) مسلم (٣/ ١٤٠٧) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣١ - باب فتح مكة.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.\nالبياذقة: الرجالة، سموا بذلك لخفة حركتهم وأنهم ليس معهم ما يثقلهم.","vol":"2","page":898},{"text":"وبطن الوادي، فقال: \"يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار\" فدعوتهم، فجاؤوا يهرولون، فقال: \"يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ \" قالوا: نعم قال: \"انظروا إذا لقيتموهم غدًا: أن تحصدوهم حصدًا\" وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله - وقال: \"موعدكم الصفا\"، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن\" فقالت الأنصار: أما الرجل، فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله ﷺ قال: \"قلتم: أما الرجل: فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته؟ ألا فما اسمي إذًا؟! - ثلاث مرات - أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم\" قالوا: والله، ما قلنا إلا ضنًا بالله ورسوله، قال: \"فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم\".\nوفي رواية أبي داود (١) عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ لما دخل مكة سرح الزبير بن العوام، وأبا عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد على الخيل، وقال: \"يا أبا هريرة، اهتف بالأنصار\" قال: \"اسلكوا هذا الطريق، فلا يشرفن لكم أحد إلا أنمتموه\" فنادى مناد: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ: \"من دخل دارًا فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن\" وعمد صناديد قريش فدخلوا الكعبة، فغص بهم، وطاف النبي ﷺ وصلى خلف المقام، ثم أخذ بجنبتي الباب، فخرجوا، فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام.\n_________\n= احصدوهم: الحصد: كناية عن الاستئصال والمبالغة في القتل.\nأحفى: قال الحميدي: أحفى بيده: أشار بحافتها، وصفًا للحصد والقتل.\nأناموه: أي قتلوه، ومنه سمي السيف منيمًا، أي: مهلكًا.\n(١) أبو داود (٣/ ١٦٣)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر مكة.","vol":"2","page":899},{"text":"٦٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ - يوم فتح مكة على ناقته - يقرأ سورة الفتح قال: فقرأ ابن مغفل ورجع فقال معاوية: لولا الناس لأخذت لكم بذلك الذي ذكره ابن مغفل عن النبي ﷺ.\nوفي رواية أبي داود (١) قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة - وهو على ناقة - يقرأ بسورة الفتح، وهو يرجع.\n٦٠٩ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عام الفتح من داء التي بأعلى مكة.\nوفي رواية (٢): أن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها.\n_________\n٦٠٨ - البخاري بنحوه (٨/ ١٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٨ - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟\nومسلم بلفظه (١/ ٥٤٧) ٦ - كتاب صلاة السمافرين وقصرها - ٣٥ - باب ذكر قراءة النبي ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة.\nالترجيع: هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله: الترديد، وترجيع الصوت: ترديده في الحلق، وقد جاء تفسيره في حديث عبد الله بن مغفل في كتاب التوحيد من صحيح البخاري \"أاأ\" بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى، كذا ضبطه الحافظ وغيره، وقال العلامة علي القاري: الأظهر أنها ثلاث ألفات ممدودات. ثم قالوا: يحتمل أمرين.\nأحدهما: أن ذلك حدث من هز الناقة.\nوالآخر: أنه أشبع المد في موضعه، فحدث ذلك، قال الحافظ: وهذا الثاني أشبه بالسياق، فإن في بعض طرقه \"لولا أن يجتمع الناس، لقرأت لكم بذلك \"اللحن\" أي: النغم، وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع، فأخرج الترمذي في \"الشمائل\" والنسائي وابن ماجه وأبو داود واللفظ له من حديث أم هانئ \"كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ. وأنا نائمة على فراشي - يرجع القرآن\"، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة، معنى الترجيع: تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء، تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.\n(١) أبو داود (٢/ ٧٤)، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة.\n٦٠٩ - البخاري (٨/ ١٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٩ - باب دخول النبي ﷺ من أعلى مكة.\nومسلم نحوه (٢/ ٩١٨) ١٥ - كتاب الحج - ٣٧ - باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى.\n(٢) البخاري بنحوه (٣/ ٤٣٧) ٢٥ - كتاب الحج - ٤١ - باب من أين يخرج من مكة؟\nومسلم بلفظه (٢/ ٩١٨) ١٥ - كتاب الحج - ٣٧ - باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى.","vol":"2","page":900},{"text":"زاد في رواية (١): قال هشام (أي ابن عروة بن الزبير): فكان أبي يدخل منهما كليهما، وكان أكثر ما يدخل من كداء.\nوفي رواية أبي داود (٢): دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من كداء من أعلى مكة، ودخل في العمرة من كدى، قال: وكان عروة يدخل منهما جميعًا، وكان أكثر ما كان يدخل من كدى، وكان أقربهما إلى منزله.\n٦١٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. وفي رواية قتيبة. قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر.\nوزاد النسائي في أخرى (٣): أرخى طرفها بين كتفيه.\nقوله: (وعليه عمامة سوداء) فيه جواز لبس الثياب السود وفي الرواية (الأخرى خطب الناس وعليه عمامة سوداء) فيه جواز لباس الأسود في الخطبة وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح \"خير ثيابكم البياض\" (٤). وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز ولكن الأفضل البياض كما ذكرناه وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز والله أعلم. اهـ (شرح صحيح مسلم).\nوفي رواية للبخاري ومسلم (٥) عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر.\n_________\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق (٢/ ٩١٩).\n(٢) أبو داود (٢/ ١٧٤)، كتاب المناسك، باب دخول مكة.\n٦١٠ - مسلم (٢/ ٩٩٠) ١٥ - كتاب الحج - ٨٤ - باب جواز دخول مكة بغير إحرام.\n(٣) النسائي (٨/ ٢١١)، كتاب الزينة، باب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين.\n(٤) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٣) ٦ - كتاب الجنائز - ١٢ - باب ما جاء فيما يستحب من الكفن.\nوأخرج الترمذي نحوه (٥/ ١١٧) ٤٤ - كتاب الأدب - ٤٦ - باب ما جاء في لبس البياض. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٥) البخاري (١٠/ ٢٧٥) ٧٧ - كتاب اللباس - ١٧ - باب المغفر.\nومسلم (٢/ ٩٩٠) ١٥ - كتاب الحج - ٨٤ - باب جواز دخول مكة بغير إحرام.","vol":"2","page":901},{"text":"٦١١ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: \"كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر\" فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال: \"كفوا السلاح\" فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر من غد بالمزدلفة، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا فقال، ورأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة: \"إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية\" فقام رجل فقال: إن فلانًا ابني، فقال رسول الله ﷺ: \"لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الأثلب\" قالوا: وما الأثلب؟ قال \"الحجر\" وقال: \"لا صلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس\" قال: \"ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها\".\n٦١٢ - * روى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح بمكة فكبر ثلاثًا، ثم قال: \"لا إله إلا الله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده: ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم، أو مال تحت قدمي، إلا ما كان من سقاية الحاج، وسدانة البيت\" ثم قال: \"ألا إن دية الخطأ شبه العمد - ما كان بالسوط والعصا -: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها\".\n_________\n= قوله (وعلى رأسه المغفر): بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، وهو المنسوج من الدرع على قدر رأسه. ولا تعارض بينه وبين حديث: (وعليه عمامة سوداء) إذ يحتمل أن تكون العمامة فوق المغفر أو العكس أو كان أول دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك أ. هـ وقاله السندي.\n٦١١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧٧)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\nذحول: جمع ذحل، والذحل الحقد والعداوة، يقال: طلب بذحله: أي طلب بثأره.\nدعوة: في النسب بالكسر وهو أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته وقد كانوا يفعلونه. فنهى عنه وجعل الولد للفراش.\nالأثلب: الحجارة.\n٦١٢ - أبو داود (٤/ ١٨٥)، كتاب الديات، باب في الخطأ شبه العمد.\nوالنسائي بعضه (٨/ ٤٠)، كتاب القسامة، باب كم دية شبه العمد؟\nمأثرة المأثرة: واحدة المآثر المروية عن العرب، وهي مكارم أخلاقها، التي يحدث بها عنها.\nسقاية الحاج: ما كانوا يسقونه الحجيج من الزبيب المنبوذ في الماء.\nسدانة البيت: خدمته، والبيت: بيت الله الحرام.","vol":"2","page":902},{"text":"- وفي أخرى لأبي داود (١)، قال: \"عقل شبه العمد مغلظة مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه\".\nزاد في رواية (٢) \"وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون دماء في عميا في غير ضغينة، ولا حمل سلاح\".\n٦١٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد من بعدي فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد. ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقيد\" فقال العباس: إلا الإذخر، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا. فقال رسول الله ﷺ: \"إلا الإذخر\" فقام أبو شاه - رجل من أهل\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ١٩٠)، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء.\nالعقل: الدية، وأصلها: أن القاتل كان إذا قتل قتيلًا جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول ليقبلوها منه، فسميت، الدية عقلًا، وأصل الدية: الإبل، ثم قومت بعد ذلك بالذهب والورق وغيرهما. والعاقلة: هم العصبة والأرقاب من قبل الأب، الذين يعطون دية قتيل الخطأ.\n(٢) أبو داود (٤/ ١٩٠)، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء.\nينزو: النزو: الوثوب.\nعميًا: أي: جهالة. والمراد به: الخطأ. والمعنى: أن يترامى القوم فيوجد بينهم قتيل لا يدرى من قتله، ويعمى أمره فلا يتبين، ففيه الدية.\nضغينة: الضغينة: الحقد.\n٦١٣ - البخاري (٥/ ٨٧) ٤٥ - كتاب اللقطة - ٧ - باب كيف تعرف لقطة أهل مكة؟\nومسلم (٢/ ٩٨٨) ١٥ - كتاب الحج - ٨٢ - باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد، على الدوام.\nولا يختلى: الخلا: العشب، واختلاؤه: قطعه.\nساقطتها إلا لمنشد: الساقطة: هي اللقطة، وهو الشيء الذي يلقى على الأرض لا صاحب له يعرف، وقوله: \"لا تحل إلا لمنشد\" يعني: لمعرف، وهو من نشدت الضالة: إذا طلبتها، فأنت ناشد، وأنشدتها: إذا عرفتها، فأنت منشد، واللقطة في جميع البلاد لا تحل إلا لمن أنشدها سنة، ثم يتملكها بعد السنة، بشرط الضمان لصاحبه إذا وجده، فأما مكة، فإن في لقطتها وجهين، أحدهما: أنها كسائر البلاد، والثاني: لا تحل، لقوله ﷺ: \"لا تحل لقطتها إلا لمنشد\" ولامراد به: منشد على الدوام، وإلا فأي فائدة لتخصيص مكة بالإنشاد؟.","vol":"2","page":903},{"text":"اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: \"اكتبوا لأبي شاه\". قلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ\".\nقال في الفتح: واستدل بحديثي ابن عباس وأبي هريرة المذكورين في هذا الباب على أن لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة، وهو قول الجمهور، وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها، لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف. واحتج ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء، لأنه نفى الحل واستثنى المنشد فدل على أن الحل ثابت للمنشد لأن الاستثناء من النفي إثبات، قال: ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء، والقياس يقتضي تخصيصها. والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها وصاحبها من وجدانها لتفرق الخلق إلى الآفاق البعيدة، فربما داخل الملتقط الطمع في تملكها من أول وهلة فلا يعرفها فنهى الشارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلا من عرفها، وفارقت في ذلك لقطة العسكر ببلاد الحرب بعد تفرقهم فإنها لا تعرف في غيرهم باتفاق، بخلاف لقطة مكة فيشرع تعريفها لإمكان عود اهل أفق صاحب اللقطة إلى مكة فيحصل متوصل إلى معرفة صاحبها وقال إسحاق بن راهويه: قوله \"إلا لمنشد\" أي لمن سمع ناشدًا يقول: من رأى لي كذا؟ فحينئذ يجوز لواجد اللقطة أن يعرفها ليردها على صاحبها، وهو أضيق من قول الجمهور لأنه قيده بحالة للمعرف دون حالة، وقيل: المراد بالمنشد الطالب حكاه أبو عبيد، وتعقبه بأنه لا يجوز في اللغة تسمية الطالب منشدًا. قلت: ويكفي في رد ذلك قوله في حديث ابن عباس: \"لا يلتقط لقطتها إلا معرف\" والحديث يفسر بعضه بعضًا، وكأن هذا (١)\n_________\n= بخير النظرين: خير النظرين: أوفق الأمرين له، فإما أن يدوا، أي: يعطوا الدية، وهي العقل، وإما أن يقاد، أي: يقتل قصاصًا، فأي الأمرين اختار ولي الدم كان له، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: من وجب له القصاص لم يجز له تركه وأخذ الدية.","vol":"2","page":904},{"text":"هو النكتة في تصدير البخاري الباب بحديث ابن عباس، وأما اللغة فقد أثبت الحربي جواز تسمية الطالب منشدًا وحكاه عياض أيضًا واستدل به على أن لقطة عرفة والمدينة النبوية كسائر البلاد لاختصاص مكة بذلك، وحكى الماوردي في \"الحاوي\" وجهًا في عرفة أنها تلتحق بحكم مكة لأنها تجمع الحاج كمكة ولم يرجح شيئًا، وليس الوجه المذكور في \"الروضة\" ولا أصلها، واستدل به على جواز تعريف الضالة في المسجد الحرام بخلاف غيره من المساجد، وهو أصح الوجهين عند الشافعية. والله أعلم. ا. هـ.\nقال النووي: قوله ﷺ (اكتبوا لأبي شاه) هذا تصريح بجواز كتابة العلم غير القرآن ومثله حديث علي ﵁ ما عنده إلا ما في هذه الصحيفة ومثله حديث أبي هريرة: كان عبد الله بن عمرو يكتب ولا أكتب وجاءت أحاديث بالنهي عن كتابة غير القرآن فمن السلف من منع كتابة العلم وقال جمهور السلف بجوازه ثم أجمعت الأمة بعدهم على استحبابه، وأجابوا عن أحاديث النهي بجوابين: أحدهما: أنها منسوخة وكان النهي في أول الأمر قبل اشتهار القرآن لكل أحد، فنهى عن كتابة غيره خوفًا من اختلاطه واشتباهه، فلما اشتهر وأنمت تلك المفسدة أذن فيه. والثاني: أن النهي تنزيه لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة والإذن لمن لم يوثق بحفظه، والله أعلم. أ. هـ\n٦١٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: \"يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله ﷿، وفاجر شقي هين على الله ﷿ والناس كلهم بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) إلى (إن الله عليم خبير) \" (٢).\n٦١٥ - وعن عبد الله بن زرير قال: قال علي للعباس: قل للنبي يعطيك الخزانة\n_________\n٦١٤ - الترمذي (٥/ ٣٨٩) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٥٠ - باب \"من سورة الحجرات\". وإسناده حسن.\nعبية: العبية: بضم العين وكسرها، وتشديد الباء والياء، مأخوذ من العبء: الثقل.\n(٢) الحجرات ١٣.\n٦١٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه أبو يعلى وهو مرسل، عبد الله بن زرير لم يدرك القصة.=","vol":"2","page":905},{"text":"فسأله العباس فقال له النبي ﷺ: \"أعطيكم ما هو خير لكم من ذلك ما يرزؤكم ولا ترزؤنها فأعطاهم السقاية\".\nوفي رواية (١) عن عبد الله بن أبي زرير عن علي عن أبيه قال: قلت للعباس: سل لنا رسول الله ﷺ الحجابة، فسأله فقال: \"أعطيكم السقاية ترزؤكم ولا ترزؤنها\" وقلت للعباس: سل رسول الله ﷺ يستعملك على الصدقات فقال: \"ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس\".\n٦١٦ - * روى النسائي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح ولواؤه أبيض.\n٦١٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، مردفًا أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت فدخل رسول الله ﷺ، ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فمكث فيه نهارًا طويلًا ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا، فسأله: أين صلى النبي ﷺ؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله: فنسيت أن أسأله: كم صلى سجدة؟ \".\nقال في الفتح: وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن صفية بنت شيبة قالت: \"لما نزل رسول الله ﷺ واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به، فلما قضى طوافه دعا عثمان ابن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتح له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة فخطب\"\n_________\n= الخزانة: السدانة والحجابة.\nالرزء: المصيبة.\n(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات.\n٦١٦ - النسائي (٥/ ٢٠٠)، كتاب المناسك، باب دخول مكة باللواء. ولكن دون قوله: \"يوم الفتح\".\nوابن ماجه (٢/ ٩٤١) ٢٤ - كتاب الجهاد. ٢٠ - باب الرايات والألوية.\n٦١٧ - البخاري (٨/ ١٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٩ - باب دخول النبي ﷺ من أعلى مكة.\nالحجبة: جمع حاجب، وهو سادن البيت.","vol":"2","page":906},{"text":"قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أنه ﷺ قام على باب الكعبة، فذكر الحديث، وفيه: ثم قال \"يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ \" قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء\" ثم جلس فقام علي فقال: اجمع لنا الحجابة والسقاية، فذكره. وروى ابن عائذ من مرسل عبد الرحمن بن سابط أن النبي ﷺ دفع مفتاح الكعبة إلى عثمان فقال: \"خذها خالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم ولكن الله دفعها إليكم، ولا ينزعها منكم إلا ظالم\" ومن طريق ابن جريج أن عليًا قال للنبي ﷺ: اجمع لنا الحجابة والسقاية، فنزلت: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) (١) فدعا عثمان فقال: \"خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم\" ومن طريق علي بن أبي طلحة أن النبي ﷺ قال: \"يا بني شيبة، كلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف\" وروى الفاكهي من طريق محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي ﷺ لما ناول عثمان المفتاح قال له: \"غيبه\" قال الزهري: فلذلك يغيب المفتاح. ومن حديث ابن عمر أن بني أبي طلحة كانوا يقولون: لا يفتح الكعبة إلا هم، فتناول النبي ﷺ المفتاح ففتحها بيده. ا. هـ\n٦١٨ - روي البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كداء، من الثنية العليا التي عند البطحاء، وخرج من الثنية السفلى.\nوفي رواية له ولمسلم (٢): أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس.\nزاد البخاري (٣): وأن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، فإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح.\n_________\n(١) النساء: ٥٨.\n٦١٨ - البخاري (٣/ ٤٣٦) ٢٥ - كتاب الحج - ٤٠ - باب من أين يدخل مكة؟.\nالثنية: موضع مرتفع من الأرض.\nكداء: بفتح الكاف ممدودًا: من أعلى مكة، وبضمها مقصورًا: من أسفلها.\n(٢) البخاري (٣/ ٣٩١) ٢٥ - كتاب الحج - ١٥ - باب خروج النبي ﷺ على طريق الشجرة.\nومسلم (٢/ ٩١٨) ١٥ - كتاب الحج - ٣٧ - باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى.\n(٣) البخاري في نفس الموضع السابق.","vol":"2","page":907},{"text":"وعند مسلم (١): وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى.\nقال النووي: قيل إنما فعل النبي ﷺ هذه المخالفة في طريقه داخلًا وخارجًا تفاؤلًا بتغير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان وليتبرك به أهلهما ومذهبنا أنه يستحب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من السفلى لهذا الحديث ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقه كالمدني والشامي أو لا تكون كاليمني فيستحب لليمني وغيره أن يستدير ويدخل مكة من الثنية العليا وقال بعض أصحابنا: إنما فعلها النبي ﷺ لنها كانت على طريقه ولا يستحب لمن ليست على طريقه كاليمني وهذا ضعيف والصواب الأول وهكذا يستحب له أن يخرج من بلده من طريق ويرجع من أخرى لهذا الحديث.\n٦١٩ - * روى الطبراني عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال لعثمان يوم الفتح: \"ائتني بمفتاح الكعبة\" فأبطأ عليه، ورسول الله ﷺ قائم ينتظره حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، ويقول: \"ما يحبسه؟ \" فسعى إليه رجل، وجعلت المرأة التي عندها المفتاح - حسبت أنه قال أم عثمان - تقول: إن أخذه منكم لم يعطيكموه أبدًا فلم يزل بها عثمان، حتى أعطته المفتاح فانطلق به إلى رسول الله ﷺ ففتح الباب، ثم دخل البيت، ثم خرج والناس معه فجلس عند السقاية فقال علي بن أبي طالب: يا رسول الله لئن كنا أوتينا النبوة، وأعطينا السقاية، وأعطينا الحجابة ما قوم بأعظم نصيبًا منا فكأن النبي ﷺ كره مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: \"غيبوه\" قال عبد الرزاق: فحدثت به ابن عيينة فقال: أخبرني ابن جريج أحسبه قال عن ابن أبي مليكة أن النبي ﷺ قال لعلي يومئذ حين كلمه في المفتاح: \"إنما أعطيكم ما ترزؤون ولم أعطكم ما ترزؤون\" يقول أعطيكم السقاية لأنكم تغرمون فيها ولم أعطكم البيت أي إنهم يأخذون من هديته، هذا قول عبد الرزاق.\n_________\n(١) مسلم في الموضع السابق.\n٦١٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧٦)، وقال: رواه الطبراني مرسلًا، ورجاله رجال الصحيح.\nترزؤون: تصابون. أعطيكم ما ترزؤون لا ما ترزؤون: أعطيكم ما هو نقص لكم ولا ينقصني.","vol":"2","page":908},{"text":"٦٢٠ - * وروى الطبراني عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنمًا وقد شد لهم إبليس أقدامهم بالرصاص، فجاء ومعه قضيبه فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه ويقول: \"جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا\" حتى مر عليها كلها.\nوفي رواية البخاري ومسلم (١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخل رسول الله مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: \"جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد\".\nقال ابن حجر: قوله (بعود في يده ويقول: جاء الحق) في حديث أبي هريرة عند مسلم (يطعن في عينيه بسية القوس) وفي حديث ابن عمر عند الفاكهي وصححه ابن حبان (فيسقط الصنم ولا يمسه)، وللفاكهي والطبراني من حديث ابن عباس (فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه، مع أنها كانت ثابتة بالأرض، وقد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص) وفعل النبي ﷺ ذلك لإذلال الأصنام وعابديها، ولإظهار أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تدفع عن نفسها شيئًا. ا. هـ.\n٦٢١ - * روى أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي حتى محيت كل صورة فيها.\nقال في بذل المجهود: والظاهر أن ما أمره ﷺ عمر بن الخطاب كان مختصًا بما نقش من\n_________\n٦٢٠ - المعجم الكبير (١٠/ ٣٣٩).\nوالبزار مختصرًا: كشف الأستار (٢/ ٣٤٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧٦): رواه الطبراني، ورجاله ثقات، ورواه البزار باختصار.\n(١) البخاري (٨/ ١٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٨ - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟.\nومسلم (٣/ ١٤٠٨) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٢ - باب إزالة الأصنام من حول الكعبة.\nنصب: النصب: بضم الصاد وسكونها: الصنم، وجمعها أنصاب.\n٦٢١ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٣٥).\nوأبو داود (٤/ ٧٤)، كتاب اللباس، باب في الصور. وإسناده حسن.","vol":"2","page":909},{"text":"الصور على الجدران، فأمره بمحوها، وأما الأصنام وذي الأجرام منها فبقيت فيها حتى دخل رسول الله ﷺ الكعبة فأزالها بنفسه كما ثبت أن رسول الله ﷺ دخلها وفيها ثلاثمائة وستون نصبًا، فيطعن فيها ويقول: \"جاء الحق وزهق الباطل\".\n٦٢٢ - * روى أبو داود عن وهب بن منبه قال: سألت جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا.\n٦٢٣ - * روى الطبراني عن سعيد بن يربوع وكان يسمى الصرم أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: \"أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم: الحويرث بن نفيل، ومقيس ابن صبابة، وهلال بن خطل، وعبد الله بن أبي سرح\" فأما حويرث فقتله علي ﵁، وأما مقيس بن صبابة فقتله ابن عم له بلحاء، وأما هلال بن خطل فقتله الزبير، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فاستأمن له عثمان بن عفان ﵁ وكان أخاه من الرضاعة. وقينتين كانتا لمقيس تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ قتلت إحداهما وأفلتت الأخرى فأسلمت.\nوفي رواية للحاكم (١) عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله ﵌ الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين، وقال: \"اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح\".\n* وفي رواية لأبي داود (٢) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين، وسماهم، وابن أبي سرح. فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ، فقال: يا نبي الله، بايع\n_________\n٦٢٢ - أبو داود (٣/ ١٦٣)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر مكة. وإسناده حسن.\n٦٢٣ - المعجم الكبير (٦/ ٦٦).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧٣): رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n(١) المستدرك (٢/ ٥٤)، وسكت عنه. وأقره الذهبي.\n(٢) أبو داود (٣/ ٥٩)، كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام.","vol":"2","page":910},{"text":"عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: \"أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ \" قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: \"إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين\".\nقال أبو داود: وكان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة.\nوفي رواية للنسائي (١) قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة، وامرأتين، وقال: \"اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي السرح\" فأما عبد الله بن خطل، فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارًا - وكان أشب الرجلين - فقتله. وأما مقيس بن صبابة، فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ها هنا، فقال عكرمة: والله، لئن لم ينجني من البحر إلا الإلخاص، لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا ﷺ حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوًا كريمًا. فجاء فأسلم. وأما عبد الله بن أبي السرح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ، قال يا رسول الله ... وذكر الحديث إلى آخره مثل أبي داود.\n٦٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار\n_________\n= رشيد: رجل رشيد، أي: لبيب عاقل، له فطنة.\nخائنة الأعين: كناية عن الرمز والإشارة، كأنها مما تخونه العين، أي: تسرقه، لأنها كالسرقة من الحاضرين.\n(١) النسائي (٧/ ١٠٥)، كتاب تحريم الدم، باب الحكم في المرتد. وهو حديث حسن.\nعاصف: ريح عاصف، أي: شديد الهبوب.\n٦٢٤ - البخاري (٨/ ١٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٨ - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟.\nومسلم (٢/ ٩٨٩) ١٥ - كتاب الحج - ٨٤ - باب جواز دخول مكة بغير إحرام.","vol":"2","page":911},{"text":"الكعبة، فقال رسول الله ﷺ: \"اقتلوه\".\nوفي الموطأ (١): ولم يكن النبي ﷺ فيما نرى يومئذ - والله أعلم - محرمًا.\nوقال أبو داود (٢): اسم ابن خطل: عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قتله.\n٦٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن أم هانئ ﵂ أخت علي بن أبي طالب ﵁ قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: \"من هذه؟ \" فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: \"مرحبًا بأم هانئ\" فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي علي: أنه قاتل رجلًا قد أجرته - فلان ابن هبيرة - فقال رسول الله ﷺ: \"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ\"، قالت أم هانئ: وذلك ضحى.\nوفي رواية الترمذي (٣): أن أم هانئ قالت: أجرت رجلين من أحمائي، فقال رسول الله ﷺ: \"قد آمنا من آمنت\".\nوفي رواية أبي داود (٤): أنها أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح، فأتت النبي ﷺ، فذكرت له ذلك، فقال: \"قد أجرنا من أجرت، وآمنا من آمنت\".\nقال الحافظ في الفتح: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئًا ذكره عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة.\n_________\n= مالك في الموطأ (١/ ٤٢٣) ٢٠ - كتاب الحج - ٨١ - باب جامع الحج.\n(١) أبو داود (٣/ ٥٩)، كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام.\n٦٢٥ - البخاري (١/ ٤٦٩) ٨ - كتاب الصلاة - ٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به.\nومسلم (١/ ٤٩٦) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - ١٣ - باب استحباب صلاة الضحى.\nأجرنا: أجرت الرجل: منعت من يريده بسوء، وآمنته شره وأذاه.\n(٢) الترمذي (٤/ ١٤٢) ٢٢ - كتاب السير - ٢٦ - باب ما جاء في أمان العبد والمرأة.\n(٣) أبو داود (٣/ ٨٤)، كتاب الجهاد، باب في أمان المرأة.","vol":"2","page":912},{"text":"٦٢٦ - * روى أحمد عن مطيع بن الأسود، وكان اسمه العاصي فسماه رسول الله ﷺ مطيعًا قال: سمعت رسول الله ﷺ حين أمر بقتل هؤلاء الرهط بمكة يقول: \"لا تغزى مكة بعد هذا العام أبدًا\".\nوفي رواية (١) (يوم فتح مكة)، \"ولا يقتل رجل من قريش بعد العام صبرًا أبدًا\" هذا الحديث محمول على ألا تغزى مكة على الكفر، وهو من معجزاته ﵊، فقد ارتدت العرب بعد وفاته إلا قليلًا، وكان ممن لم يرتد مكة.\n٦٢٧ - * روى النسائي عن يعلى بن أمية ﵁ قال: جئت رسول الله ﷺ بأبي أمية يوم الفتح، فقلت: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرة، فقال رسول الله ﷺ: \"أبايعه على الجهاد، وقد انقطعت الهجرة\".\n٦٢٨ - * روى الحاكم عن أنس، قال: جاء أبو بكر ﵁ يوم فتح مكة بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﵌: \"لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه\".\n٦٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: \"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا\".\n_________\n٦٢٦ - أحمد في مسنده (٣/ ٤١٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد، ورجاله ثقات.\n(١) أحمد في مسنده (٣/ ٤١٢).\n٦٢٧ - النسائي (٧/ ١٤١)، كتاب البيعة، باب البيعة على الجهاد.\nوأبو داود بمعناه (٣/ ٣) كتاب الجهاد، باب في الهجرة، هل انقطعت؟ وللحديث شواهد تحسنه.\n٦٢٨ - المستدرك (٣/ ٢٤٤)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقال الذهبي: على شرط البخاري.\n٦٢٩ - البخاري (٦/ ٣) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٣١ - باب فضل الجهاد والسير.\nومسلم (٢/ ٩٨٦) ١٥ - كتاب الحج - ٨٢ - باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطاها، إلا لمنشد على الدوام.","vol":"2","page":913},{"text":"٦٣٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: شهد مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة أو حنين ألف من بني سليم.\n٦٣١ - * وروى الطبراني عن العداء بن خالد بن هوذة قال: قاتلنا رسول الله ﷺ فلم ينصرنا الله ولم يظهرنا.\n* * *\n_________\n= الهجرة: مفارقة الوطن إلى جهة أخرى بنية المقام فيها، وكان المهاجر في الشريعة: من فارق أهله ووطنه متوجهًا إلى النبي ﷺ رغبة في الإسلام.\nجهاد: الجهاد: محاربة الكفار.\nنية: النية: إخلاص الجهاد لله تعالى، يعني أنه لم يبق بعد الفتح هجرة، إنما الإخلاص في الجهاد وقتال الكفار استنفرتم فانفروا: الاستنفار: الاستنجاد والاستنصار، أي: إذا طلب منكم النصرة فأجيبوه. أو انفروا خارجين إلى نصرته.\n٦٣٠ - المعجم الكبير (١١/ ٣٧١).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧٧): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير زائد النحوي وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وكلاهما ثقة.\n٦٣١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨٦)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.","vol":"2","page":914},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>دروس من فتح مكة</span>\nقال الدكتور السباعي:\n* أما فتح مكة، ففيها من الدروس والعظات ما تضيق عن شرحه هذه الصفحات القلائل، ففيها نجد طبيعة الرسول ﷺ الداعية الذي لا يجد الحقد على مقاوميه إلى نفسه سبيلًا، فقد من عليهم بعد كفاح استمر بينه وبينهم إحدى وعشرين سنة لم يتركوا فيها طريقًا للقضاء عليه وعلى أتباعه وعلى دعوته إلا سلكوها، فلما تم له النصر عليهم، وفتح عاصمة وثنيتهم، لم يزد على أن استغفر لهم، وأطلق لهم حريتهم، وما يفعل مثل هذا في التاريخ ولكن ما يفعله رسول كريم لم يرد بدعوته ملكًا ولا سيطرة، وإنما أراد له الله أن يكون هاديًا وفاتحًا للقلوب والعقول، ولهذا دخل مكة خاشعًا شاكرًا لله، لا بزهو كما يفعل عظماء الفاتحين.\n* وفيما فعله الرسول ﷺ مع أهل مكة حكمة أخرى، فقد علم الله أن العرب سيكونون حملة رسالته إلى العالم، فأبقى على حياة أهل مكة وهم زعماء العرب ليدخلوا في دين الله، ولينطلقوا بعد ذلك إلى حمل رسالة الهدى والنور إلى الشعوب، يبذلون من أرواحهم وراحتهم ونفوسهم ما أنقذ تلك الشعوب من عمايتها، وأخرجها من الظلمات إلى النور.\n- ومما نذكره من دروسها ودروس معاركه الحربية ﷺ، هي العبرة البالغة بما انتهت إليه دعوة الله من نصر في أمد لا يتصوره العقل، وهذا من أكبر الأدلة على أن محمدًا رسول الله ﷺ، وعلى أن الإسلام دعوة الله التي تكفل بنصرها ونصر دعاتها والمؤمنين بها والحاملين للوائها والله لا يتخلى عن دعوته وهي حق ورحمة ونور، والله هو الحق وهو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، والله نور السماوات والأرض، فمن يستطيع أن يطفئ نور الله!. وكيف يرضى للباطل أن ينتصر النصر الأخير على الحق، وللهمجية والقسوة والفساد أن تكون لها الغلبة النهائية على الرحمة والصلاح.\nولقد أصاب رسول الله ﷺ والمسلمين جراح في معركتي أحد وحنين، ولابد في الدعوة من ابتلاء وجراح وضحايا (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) اهـ بتصرف.","vol":"2","page":915},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>فصل: في سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة</span>\n٦٣٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. ودفع إلى كل رجل منا أسيره. حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيرهن فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: \"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد\" مرتين.\nقال ابن حجر:\nقوله: (باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة) بفتح الجيم وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة، أي ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة. ووهم الكرماني فظن أنه من بني جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف قبيلة من عبد قيس، وهذا البعث كان عقب فتح مكة في شوال قبل الخروج إلى حنين عند جميع أهل المغازي، وكانوا بأسفل مكة من ناحية يلملم، قال ابن سعد: بعث النبي ﷺ إليهم خالد بن الوليد في ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين والأنصار داعيًا إلى الإسلام لا مقاتلًا.\nقوله (فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا) هذا من ابن عمر راوي الحديث يدل على أنه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة. ويؤيده فهمه أن قريشًا كانوا يقولون لكل من أسلم صبأ حتى اشتهرت هذه اللفظة وصاروا يطلقونها في مقام الذم، ومن ثم لما أسلم ثمامة بن أثال وقدم مكة معتمرًا قالوا له: صبأت؟ قال: لا بل أسلمت. فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع أسلمت استعملها هؤلاء، وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها لأن قولهم صبأنا أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ\n_________\n٦٣٢ - البخاري (٨/ ٥٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٨ - باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة.\nصبأنا: صبأ: إذا خرج من دين إلى دين غيره.","vol":"2","page":916},{"text":"الإسلام لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولًا قولهم.\nقوله (فجعل خالد يقتل منهم ويأسر) في كلام ابن سعد أنه أمرهم أن يستأسروا فاستأسروا فكتف بعضهم بعضًا، وفرقهم في أصحابه، فيجمع بأنهم أعطوا بأيديهم بعد المحاربة.\nقوله (فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره)، وعند ابن سعد \"فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم\" وفيه جواز الحلف على نفي فعل الغير إذا وثق بطواعيته. قوله (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا. قوله (مرتين) زاد ابن عساكر عن عبد الرزاق \"أو ثلاثة\" أخرجه الإسماعيلي، وفي رواية الباقين \"ثلاث مرات\" وزاد الباقر في روايته \"ثم دعا رسول الله ﷺ عليا فقال: \"اخرج إلى هؤلاء القوم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك\" فخرج حتى جاءهم ومعه مال فلم يبق لهم أحد إلا وداه\" وذكر ابن هشام في زياداته أنه انفلت منهم رجل فأتى النبي ﷺ بالخبر، فقال: \"هل أنكر عليه أحد؟ \" فوصف له صفة ابن عمر وسالم مولى أبي حذيفة. وذكر ابن إسحاق من حديث ابن أبي حدرد الأسلمي قال: \"كنت في خيل خالد فقال لي فتى من بني جذيمة قد جمعت يداه في عنقه برمة: يا فتى هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة؟ فقلت: نعم، فقدته بها فقال: اسلمي حبيش، قبل نفاد العيش.\nأريتك إن طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو أدركتكم بالخوانق\nالأبيات، قال فقالت له امرأة منهن: وأنت نجيت عشرًا، وتسعًا ووترًا، وثمانيًا تترى. قال: ثم ضربت عنق الفتى، فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت\" وقد روى النسائي والبيهقي في \"الدلائل\" بإسناد صحيح من حديث ابن عباس نحو هذه القصة وقال فيها \"فقال إني لست منهم، إني عشقت امرأة منهم فدعوني أنظر إليها نظرة - قال فيه - فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فذكروا","vol":"2","page":917},{"text":"ذلك للنبي ﷺ فقال: \"أما كان فيكم رجل رحيم\"؟ وأخرجه البيهقي من طريق ابن عاصم عن أبيه نحو هذه القصة وقال في آخرها \"فانحدرت إليه من هودجها فحنت عليه حتى ماتت\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>تعليق:</span>\nرغم أن خالدًا ﵁ قد أخطأ في قتل ناس لم يحسنوا أني قولوا: أسلمنا، فإن النبي ﷺ لم يشتد عليه وأصلح خطأه بالتعويض عن القتلى والأموال. وفي هذا درس لنا أن الذي يعمل معرض للخطأ فعلينا أن نترفق به وعلى الأقل ألا نحمله إثم ما جرى بسبب خطئه ما دام محلًا للاجتهاد وقد أنيط به أن يجتهد.\n* * *","vol":"2","page":918},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>فصل: في غزوة حنين</span>\nقال ابن حجر في الفتح:\nقال أهل المغازي: خرج النبي ﷺ إلى حنين لست خلت من شوال: وقيل لليلتين بقيتا من رمضان. وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال؛ وكان وصوله إليها في عاشره، وكان السبب في ذلك أن مالك بن عوف النصري جمع القبائل من هوازن ووافقه على ذلك الثقفيون، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخرج إليهم. قال عمر بن شبة في \"كتاب مكة\": حدثنا الحزامي يعني إبراهيم بن المنذر حدثنا ابن وهب عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة أنه كتب إلى الوليد: أما بعد: فإنك تكتب إلي تسألني عن قصة الفتح، فذكر له وقتها، فأقام عامئذ بمكة نصف شهر، ولم يزد على ذلك حتى أتاه أن هوازن وثقيفا قد نزلوا حنينا يريدون قتال رسول الله ﷺ وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم مالك بن عوف.\n٦٣٣ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﵌، استعار من صفوان بن أمية أدرعًا وسلاحًا في غزوة حنين فقال: يا رسول الله أعارية مؤداة؟ قال: \"عارية مؤداة\".\n٦٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حين - أراد حنينًا -: \"منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر\".\nفي رواية (١) \"منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف، حيث تقاسموا على الكفر\".\n_________\n٦٣٣ - المستدرك (٢/ ٤٧)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\n٦٣٤ - البخاري (٨/ ١٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٨ - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح.\nومسلم (٢/ ٩٥٢) ١٥ - كتاب الحج - ٥٩ - باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر.\n(١) البخاري (٨/ ١٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٨ - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح.\nقال رسول الله ﷺ حين أراد حنينًا: أي في غزوة الفتح؛ لأن غزوة حنين عقب غزوة الفتح.\nبخيف: الخيف: ما انحدر عن غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء.\nحيث تقاسموا: يعني قريشًا.\nعلى الكفر: أي لما تحالفت قريش ألا يبايعوا بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يؤوهم وحصروهم في الشعب.","vol":"2","page":919},{"text":"٦٣٥ - * روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية ﵁ قال: إنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فأطنبوا السير، حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة عند رسول الله ﷺ، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت على جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: \"تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله تعالى\" ثم قال: \"من يحرسنا الليلة؟ \" قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله، قال: \"فاركب\"، فركب فرسًا له، فجاء إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ \"استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة\"، فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه، فركع ركعتين، ثم قال: \"هل أحسستم فارسكم؟ \" قال: قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته وسلم قال: \"أبشروا فقد جاءكم فارسكم\" فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول الله ﷺ، فسلم فقال: إني انطلقت، حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حَيْثُ أمرني رسول الله ﷺ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت، فلم أر أَحَدًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"هل نزلت الليلة؟ \" قال: لا، إلا مصليًا، أو قَاضِيَ حاجة، فقال له رسول الله ﷺ: \"قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بَعْدَهَا\".\n٦٣٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك قال: افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينًا،\n_________\n٦٣٥ - أبو داود (٣/ ٩)، كتاب الجهاد، باب في فضل الحرس في سبيل الله تعالى.\nبإسناد حسنه الحافظ في الفتح.\nعن بكرة أبيهم: يقال: جاء القوم على بكرة أبيهم: إذا جاؤوا بأسرهم ولم يتخلف منهم أحد.\nونعمهم: والنعم في الأصل: الإبل، وقد تقع على البقر والغنم.\nهل نزلت الليلة؟: أي: من ظهر حصانك.\nقد أوجبت: يقال: أوجب فلان: إذا فعل فعلًا وجبت له به الجنة أو النار، والمراد به ها هنا الجنة.\n٦٣٦ - مسلم (٢/ ٧٣٦) ١٢ - كتاب الزكاة - ٤٦ - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إسلامه.\nقد بلغنا ستة آلاف: قال القاضي: هذا وهم من الراوي عن أنس. والصحيح ما جاء في رواية أخرى أنهم عشرة آلاف","vol":"2","page":920},{"text":"قال: فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله ﷺ: \"يا للمهاجرين، يا للمهاجرين\" ثم قال: \"يا للأنصار، يا للأنصار\" - قال: قال أنس: هذا حديث عمية - قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول الله ﷺ، قال: وايم الله، ما أتيناهم حتى هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، فنزلنا، قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة من الإبل.\n٦٣٧ - * روى أحمد وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين قال:\n_________\n= ومعه الطلقاء؛ لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفًا: عشرة آلاف شهدوا الفتح وألفان من أهل مكة، ومن انضاف إليهم.\nتلوي: تعطف وترجع.\nعمية: قال النووي في شرح مسلم: هذه اللفظة ضبطوها في صحيح مسلم على أوجه.\nأحدهما: عمية، بكسر العين والميم وتشديد الميم والياء، قال القاضي: كذا روينا هذا الحرف عن عامة شيوخنا، قال: وفسره بالشدة.\nوالثاني: عمية، كذلك إلا أنه بضم العين.\nوالثالث: عميه، بفتح العين وكسر الميم المشددة وتخفيف الياء، وبعدها هاء السكت، أي: حدثني به عمي، قال القاضي على هذا الوجه معناه عندي: جماعتي، أي: هذا حديثهم، قال صاحب العين: العم هنا: الجماعة، وأنشد عليه ابن دريد في (الجمهرة):\nأفنيت عمًا وجبرت عمًا.\nقال القاضي: وهذا أشبه بالحديث، والوجه الرابع: كذلك إلا أنه بتشديد الياء، وهو الذي ذكره الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين، وفسره بعمومتي، أي: هذا حديث فضل أعمامي، أو هذا الحديث الذي حدثني به أعمامي، كأنه حدث بأول الحديث عن مشاهدة، ثم لعله لم يضبط هذا الموضع لتفرق الناس، فحدثه به من شهده من أعمامه أو جماعته الذين شاهدوه.\nوايم الله: هذا من جملة ألفاظ القسم ومعناه فيما يقوله النحويون: أنه جمع يمين، وأصله: أيمن، ثم حذفت النون في القسم تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وفيه لغات كثيرة تذكر في كتب النحو.\n٦٣٧ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٧٦).\nوالبزار مختصرًا في كشف الأستار (٢/ ٣٥١)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الفتح.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧٩)، وقال: رواه أحمد وابو يعلى، ورواه البزار مختصرًا، وفيه ابن إسحق","vol":"2","page":921},{"text":"انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه انحدارًا قال: وفي عماية الصبح وقد كان القوم كمنوا لنا في شعابه وفي أجنابه ومضائقه قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا قال: فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد وانهزم الناس راجعين فانشمروا لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم قال: \"إلي أيها الناس هلم إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله\" قال: فلا شيء احتملت الإبل، بعضها بعضًا، فانطلق الناس، إلا أن مع رسول الله ﷺ رهطًا من المهاجرين والأنصار وأهل بيته غير كثير، وفيمن ثبت معه أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وابنه الفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن وأسامة بن زيد. قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر في يده راية له سوداء، في رأس رمح طويل له أمام الناس وهوازن خلفه، فإذا أدرك طعن برمحه، فإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه، فاتبعوه. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: بينما ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع، إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه علي من خلفه فيضرب عرقوبي الجمل فيوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأساري مكتفين عند رسول الله ﷺ. وزاد أبو يعلى: وصرخ حين كانت الهزيمة كلدة وكان أخا صفوان ابن أمية يومئذ مشركًا في المدة\n_________\n= وقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.\nأجوف: متسع.\nحطوط: منحدر.\nغماية الصبح: ظلامه قبل أن يتبين.\nكمنوا: استخفوا متربصين.\nانشمروا: انفضوا وانهزموا.\nفلا شيء حملت الإبل، بعضها على بعض: أي أن الإبل لم تركب وأنها كانت متزاحمة.\nأطن قدمه: قطعها.\nانجعف: سقط صريعًا.","vol":"2","page":922},{"text":"التي ضرب له رسول الله ﷺ: ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.\n٦٣٨ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقًا من حقبه، فقيد به الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة، ورقة من الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه، وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال سلمة: وخرجت أشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى اخذت بخطام الجمل، فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي، فضربت رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه، فقال: \"من قتل الرجل؟ \" قالوا: ابن الأكوع، قال: \"له سلبه أجمع\".\nوفي رواية (١) قال: أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ: \"اطلبوه واقتلوه\" فقتلته، فنفلني سلبه.\n_________\n= فض الله فاك: أسقط أسنانك.\nيربني: يسودني.\n٦٣٨ - مسلم (٣/ ١٣٧٤) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ١٣ - باب استحقاق القاتل سلب القتيل.\nنتضحى: أي: نتغدى وقت الضحى.\nطلقًا: الطلق: قيد يتخذ من الجلود.\nمن حقبه: الحقب: حبل يشد على بطن البعير مما يلي مؤخره.\nورقة من الظهر: الظهر: المركوب، والرقة في حال الضعف.\nورقاء: ناقة ورقاء: ذات لون أسمر، والورقة: السمرة.\nأشتد: أعدو بشدة.\nفندر: ندر رأسه، أي: طار عن بدنه.\n(١) البخاري (٦/ ١٦٨) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٧٣ - باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان.","vol":"2","page":923},{"text":"٦٣٩ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينًا فلما واجهنا العدو تقدمت، فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو، فأرميه بسهم، فتوارى عني، فما دريت ما صنع ونظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي ﷺ، فولى صحابة النبي ﷺ، وأرجع منهزمًا وعلي بردتان، متزر بإحداهما، مرتد بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعًا، ومررت على رسول الله ﷺ منهزمًا، وهو على بغلته الشهباء فقال رسول الله ﷺ: \"لقد رأى ابن الأكوع فزعًا\" فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: \"شاهت الوجوه\" فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله ﷿، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين.\n٦٤٠ - روي البزار عن بريدة قال: تفرق الناس عن رسول الله ﷺ يوم حنين فلم يبق معه إلا رجل يقال له زيد وهو آخذ بعنان بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، فقال له رسول الله ﷺ: \"ويحك ادع الناس\" فنادى زيد يا أيها الناس هذا رسول الله ﷺ يدعوكم، فلم يجئ أحد فقال: \"ادع الأنصار\" فقال: يا معشر الأنصار رسول الله ﷺ يدعوكم، فلم يجئ أحد فقال: \"ويحك خص الأوس والخزرج\". فنادى: يا معشر\n_________\n٦٣٩ - مسلم (٣/ ١٤٠٢) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٨ - باب في غزوة حنين.\nمنهزمًا: قال العلماء: قوله منهزمًا، حال من ابن الأكوع، كما صرح أولًا بانهزامه، ولم يرد أن النبي ﷺ انهزم. وقد قالت الصحابة كلهم ﵃: أنه ﷺ ما انهزم. ولم ينقل أحد قط أنه انهزم ﷺ في موطن من المواطن. وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه ﷺ ولا يجوز ذلك عليه.\nفاستطلق إزاري: أي انحل لاستعجالي.\nفلما غشوا رسول الله ﷺ: أي أتوه من كل جانب.\nشاهت الوجوه: أي قبحت.\n٦٤٠ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٣٤٧)، كتاب الهجرة والمغازي، باب غزوة الفتح.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨١): رواه البزار، ورجاله ثقات. أقول: يروي ابن إسحاق عن العباس ابن عبد المطلب أنه هو الداعي للمنهزمين بأمر النبي ﷺ وأنه صرخ يا للأنصار، يا أصحاب السمرة. وروى مسلم مثله عن العباس.\nكما ذكر أنه رجع من الأنصار مائة هم الذين خاضوا المعركة مع الذين ثبتوا معه وانتصروا.\nوالظاهر أن في رواية البزار فجوة يملؤها ما ذكره ابن إسحاق ومسلم عن العباس.","vol":"2","page":924},{"text":"الأوس والخزرج هذا رسول الله ﷺ يدعوكم، فلم يجئ أحد فقال: \"ويحك خص المهاجرين، فإن لي في أعناقهم بيعة\" قال فحدثني بريدة أنه أقبل منهم ألف قد طرحوا الجفون حتى أتوا رسول الله ﷺ فمشوا قدمًا حتى فتح الله عليهم.\n٦٤١ - * روى الطبراني عن الحارث بن بدل قال: شهدت رسول الله ﷺ يوم حنين فانهزم أصحابه أجمعون إلا العباس بن عبد المطلب وأبا سفيان بن الحارث، فرمى رسول الله ﷺ وجوهنا بقبضة من الأرض، فانهزمنا فما يخيل إلي أن شجرة ولا حجرًا إلا وهو في آثارنا.\n٦٤٢ - * روى البخاري عن أبي إسحاق أنه سمع البراء - وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ - فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام. ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: \"أنا النبي لا كذب\" قال إسرائيل وزهير: نزل النبي ﷺ عن بغلته.\n٦٤٣ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة واشتد القتال فولوا مدبرين فندب رسول الله ﵌ الأنصار، فقال: \"يا معشر المسلمين أنا رسول الله\" فقالوا: إليك والله جئنا فنكسوا رؤوسهم ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم.\n٦٤٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لقد رأيتنا يوم\n_________\n٦٤١ - المعجم الكبير (٣/ ٢٦٧).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨١): رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n٦٤٢ - البخاري (٨/ ٢٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٤ - باب قول الله تعالى (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا) - إلى قوله - (غفور رحيم).\n٦٤٣ - المستدرك (٣/ ٤٨)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\n٦٤٤ - الترمذي (٤/ ٢٠٠) ٢٤ - كتاب الجهاد - ١٥ - باب ما جاء في الثبات عند القتال.\nوقال: هذا حديث حسن غريب من حديث عبيد الله، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحسن إسناده الحافظ في (الفتح) وقال: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم أحد، قال: وروى أحمد والحاكم من حديث","vol":"2","page":925},{"text":"حنين، وإن الفئتين لموليتان - يعني: المهاجرين والأنصار - وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل.\n٦٤٥ - * روى أبو داود عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما لقي النبي ﷺ المشركين يوم حنين، فانكشفوا، نزل عن بغلته فترجل.\n٦٤٦ - * روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ، فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"أي عباس، ناد أصحاب السمرة\" فقال عباس - وكان رجلًا صيتًا - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله، لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث ابن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر النبي ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ﷺ: \"هذا حين حمي الوطيس\" قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات، فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: \"انهزموا ورب محمد\"\n_________\n= عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ يوم حنين، فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: وهذا لا يخالف حديث ابن عمر، فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين.\n٦٤٥ - أبو داود (٣/ ٥٠) كتاب الجهاد، باب في الرجل يترجل عند اللقاء. وإسناده حسن.\n٦٤٦ - مسلم (٣/ ١٣٩٨) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٨ - باب في غزوة حنين.\nأصحاب السمرة: السمرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان يوم الحديبية.\nصيتًا: رجل صيت رفيع الصوت عاليه.\nحمي الوطيس: اشتد الحرب والأمر، قال الخطابي: هذه الكلمة لم تسمع قبل أن يقولها النبي ﷺ من العرب، وهي مما اقتضبه وأنشأه، والوطيس في اللغة: التنور.\nحدهم كليلًا: حد كليل: لا يقطع، وطرف كليل: لا يحقق النظر.","vol":"2","page":926},{"text":"قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله، ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلًا، وأمرهم مدبرًا.\nفوالله، ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلًا، وأمرهم مدبرًا.\nوفي رواية نحوه (١)، غير أنه قال: فروة بن نعامة الجذامي. وقال: \"انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة\" وزاد في الحديث: حتى هزمهم الله، قال: وكأني أنظر إلى النبي ﷺ يركض خلفهم على بغلته.\nقال النووي: حنين واد بين مكة والطائف وراء عرفات بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا وهو مصروف كما جاء به القرآن العزيز.\nوقال: قال العلماء: وركوبه ﷺ البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات.\nولأنه أيضًا يكون معتمدًا، يرجع المسلمون إليه وتطمئن قلوبهم به وبمكانه. وإنما فعل هذا عمدًا، وإلا فقد كانت له ﷺ أفراس معروفة ومما ذكره في هذا الحديث من شجاعته ﷺ تقدمه يركض بغلته إلى جمع المشركين وقد فر الناس عنه. وفي الرواية الأخرى أنه نزل إلى الأرض حين غشوه وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر. وقيل فعل ذلك مواساة لمن كان نازلًا على الأرض من المسلمين وقد أخبرت الصحابة رضي الله تعالى عنهم بشجاعته ﷺ في جميع المواطن. وفي صحيح مسلم قال: إن الشجاع منا الذي يحاذي به وإنهم كانوا يتقون به أ. هـ.\n٦٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع النبي ﷺ عشرة آلاف ومن الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما: التفت عن يمينه\n_________\n(١) أخرجها مسلم (٣/ ١٣٩٨) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٨ - باب في غزوة حنين.\n٦٤٧ - البخاري (٨/ ٥٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٦ - باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان.\nومسلم (٢/ ٧٣٣) ١٢ - كتاب الزكاة - ٤٦ - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه.\nالطلقاء: جمع طليق. وهو الذي خلي، وأطلق سبيله، وهم أهل مكة الذين أسلموا بعد الفتح.","vol":"2","page":927},{"text":"فقال: \"يا معشر الأنصار\" قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك. ثم التفت عن يساره فقال: \"يا معشر الأنصار\" قالوا لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك. وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: \"أنا عبد الله ورسوله\" فانهزم المشركون، فأصاب يومئذ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئًا، فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا. فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة فقال: \"يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟ \" فسكتوا. فقال: \"يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله ﷺ تحوزونه إلى بيوتكم؟ \" قالوا: بلى. فقال النبي ﷺ: \"لو سلك الناس واديًا: وسلكت الأنصار شعبًا، لأخذت شعب الأنصار\" وقال هشام: قلت يا أبا حمزة، وأنت شاهد ذلك؟ قال: وأين أغيب عنه؟.\n٦٤٨ - * روى الحاكم عن عياض بن الحارث الأنصاري: أن رسول الله ﵌ أتى هوازن في اثني عشر ألفًا، فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، فأخذ رسول الله ﵌ كفًا من حصى، فرمى بها وجوهنا، فانهزمنا.\n٦٤٩ - * وروى الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فصفوهم صفوفًا ليكثروا على رسول الله ﵌ فالتقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى. فقال رسول الله ﵌: \"أنا عبد الله ورسوله\". وقال: \"يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله\" فهزم الله المشركين ولم يطعن برمح ولم يضرب بسيف فقال النبي ﵌ يومئذ: \"من قتل كافرًا فله سلبه\" فقتل أبو قتادة يومئذ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم، فقال أبو قتادة: يا رسول الله ضربت رجلًا على حبل العاتق\n_________\n٦٤٨ - المستدرك (٢/ ١٢١)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nأقول: عياض بن الحارث الأنصاري راوي هذه الرواية يقال له: الثقفي، وقد تأخر إسلامه، وظاهر كلامه أنه كان في صف المشركين يوم حنين.\n٦٤٩ - المستدرك (٢/ ١٣٠)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.","vol":"2","page":928},{"text":"وعليه درع له فأعجلت عنه أن آخذ سلبه، فانظر من هو يا رسول الله، فقال رجل: يا رسول الله أنا أخذتها فأرضه منها فأعطنيها. فسكت النبي ﵌، وكان لا يسأل شيئًا إلا أعطاه أو سكت فقال عمر: لا والله لا يفيء الله على أسد من أسده ويعطيكها، فضحك رسول الله ﵌.\n٦٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه، وأقبل علي، فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر ابن الخطاب، فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ، فقال: \"من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه\" قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله ﷺ: \"مالك يا أبا قتادة؟ \" فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، سلب ذلك القتيل عندي، فأرضه من حقه، وقال أبو بكر الصديق: لاها الله إذًا، لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق، فأعطه إياه\" فأعطاني، فبعت الدرع، فابتعت به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.\n_________\n٦٥٠ - البخاري (٨/ ٣٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٤ - باب قول الله تعالى: [٢٥: التوبة] (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا) - إلى قوله - (غفور رحيم).\nومسلم (٣/ ١٣٧٠) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ١٣ - باب استحقاق القاتل سلب القتيل.\nحبل عاتقه: حبل العاتق: عصبه، والعاتق: موضع الرداء من المنكب.\nلاها الله إذًا: قال الخطابي ﵀: هكذا جاء الحديث: \"لاها الله إذًا\" والصواب (لاها الله ذا) بغير ألف قبل الذال، ومعناه في كلامهم: (لا والله لا يكون ذا) يجعلون الهاء مكان الواو.\nمخرفًا: المخرف بفتح الميم البستان الذي تخترف ثماره، أي: تجتنى وتقطف، وأراد به ها هنا: حائط نخل، والمخرف بكسر الميم: الظرف الذي تجنى فيه الثمار، والخراف، يشبه أن يكون جمع خرفة - بالضم - وهو ما يجتني من الفواكه، وأراد به أيضًا البستان، فسمى الشجر باسم ثمره.\nتأثلته: تأثلت المال، أي: اكتسبته وجمعته وادخرته.","vol":"2","page":929},{"text":"وفي رواية (١) قال: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلًا من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني، وأضرب يده، فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضمًا شديدًا حتى تخوفت ثم ترك فتحلل، ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ فقال: أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه\" فقمت لألتمس بينة على قتيلي، فلم أر أحدًا يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله ﷺ، فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر: كلا، لا يعطه أصيبغ من قريش، ويدع أسدًا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، قال: فقام رسول الله ﷺ، فأداه إلي، فاشتريت منه خرافًا، فكان أول مال تأثلته في الإسلام.\n٦٥١ - * روى البزار عن أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: \"جزوهم جزًا\" وأومأ بيده إلى الحلق.\n٦٥٢ - * روى الطبراني عن يزيد بن عامر السوائي أنه قال: عند انكشافة انكشفها\n_________\n(١) البخاري في الموضع السابق.\nنختله: الختل: المكر والخداع.\nأصيبغ: قال القاضي: اختلف رواة كتاب مسلم في هذا الحرف على وجهين: أحدهما رواية السمرقندي: أصيبغ، بالصاد المهملة والغين المعجمة. والثاني رواية سائر الرواة: أضيبع. بالضاد المعجمة والعين المهملة. فعلى الثاني هو تصغير ضبع على غير قياس. كأنه لما وصف أبا قتادة بأنه أسد، صغر هذا بالإضافة إليه. وشبه بالضبيع، لضعف افتراسها وما توصف به من العجز والحمق. وأما على الوجه الأول، فوصفه به لتغير لونه. وقيل: حقره وذمه بسواد لونه. وقيل: معناه أنه صاحب لون غير محمود، وقيل: وصفه بالمهانة والضعف. قال الخطابي: الأصيبغ نوع من الطير. قال: ويجوز أنه شبهه بنبات ضعيف يقال له الصيبغا، أول ما يطلع في الأرض يكون مما يلي الشمس منه أصفر.\n٦٥١ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٣٤٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨١): رواه البزار، ورجاله ثقات.\nجزوهم: اذبحوهم وقطعوهم.\n٦٥٢ - المعجم الكبير (٢٢/ ٢٣٧).","vol":"2","page":930},{"text":"المسلمون يوم حنين فتبعتهم الكفار، فأخذ رسول الله ﷺ قبضة من الأرض، فرمى بها وجوههم، وقال \"ارجعوا شاهت الوجوه\" فما منا من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو القذى ويمسح عينيه.\n٦٥٣ - * وروى الطبراني عن يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنينًا مع المشركين ثم أسلم قال: سألناه عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم يوم حنين، كيف كان؟ فأخذ حصاة، فرمى بها طستًا فطن قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.\n٦٥٤ - * روى الطبراني عن عمرو بن دينار قال: لا أعلمه إلا عن جابر أن رسول الله ﷺ، قال يوم حنين: \"الآن حمي الوطيس\" ثم قال: \"هزموا ورب الكعبة\".\n٦٥٥ - * روى الحاكم عن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله ﵌ يوم حنين فلقد رأيته وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله ﵌ وهو راكبها وأبو سفيان لا يألو أن يسرع نحو المشركين.\n٦٥٦ - * روى الطبراني عن زيد بن أرقم قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم حنين فقال:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\n٦٥٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي إسحاق السبيعي قال: جاء رجل إلى البراء، فقال\n_________\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨٢): رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n٦٥٣ - المعجم الكبير (٢٢/ ٢٣٧).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨٣): رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n٦٥٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨٢)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.\n٦٥٥ - المستدرك (٣/ ٢٥٥)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nلا يألو: لا يقصر.\n٦٥٦ - المعجم الكبير (٥/ ١٩٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨٢): رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n٦٥٧ - البخاري (٨/ ٢٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٤ - باب قول الله تعالى [٢٥: التوبة]: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا) - إلى قوله - (غفور رحيم).","vol":"2","page":931},{"text":"أكنتم وليتم يوم حنين، يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذه الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل، كأنها رجل من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ، وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\n\"اللهم نزل نصرك\" - زاد أبو خيثمة: ثم صفهم - قال البراء: كنا والله إذا حمر البأس نتقي به، وإن الشجاع الذي يحاذي به - يعني النبي ﷺ.\nولمسلم قال: (١) قال رجل للبراء: يا أبا عمارة، فررتم يوم حنين؟ قال: لا والله، ما ولى رسول الله ﷺ، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرًا، ليس عليهم سلاح - أو كثير سلاح - فلقوا قومًا رماة، لا يكاد يسقط لهم سهم - جمع هوازن وبني نصر - فرشقوهم رشقًا، ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر وقال:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\nثم صفهم.\nوفي رواية نحوه (٢)، وفيه: وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم،\n_________\n= ومسلم واللفظ له (٣/ ١٤٠١) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٨ - باب في غزوة حنين.\nأخفاء: الأخفاء: جمع خفيف: وهم المسرعون من الناس الذين ليس لهم ما يعوقهم.\nحسر: الحسر، جمع حاسر، وهو من لا درع عليه، وقد ذكرناه.\nيرشق: رشق يرشق رشقًا: بفتح الراء - إذا رمى، وبكسر الراء، وهو الاسم من الرمي، وهو المراد في الحديث، يقال: إذا رمى القوم بأسرهم في جهة واحدة: رمينا رشقًا.\nرجل: الرجل من الجراد: القطعة الكبيرة منه.\nانكشفوا: أي: انهزموا، ومنه رجل أكشف: وهو الذي لا ترس معه.\nاحمر البأس: البأس: الشدة والخوف، ومعنى (أحمر البأس) اشتد الحرب، لأنهم يقولون: موت أحمر، للقتل.\nسرعان: سرعان القوم: أولهم.\nنتقي به: أي: نتخذه جنة ندفع به الأذى.\n(١) مسلم (٣/ ١٤٠٠) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٨ - باب في غزوة حنين.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.","vol":"2","page":932},{"text":"فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت النبي ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها، وهو - أي النبي ﷺ - يقول:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\nوفي رواية لهما وللترمذي (١) قال: قال له رجل: أفررتم عن رسول الله ﷺ يا أبا عمارة؟ قال: لا والله، ما ولى رسول الله ﷺ، ولكن ولى سرعان الناس؟ تلقتهم هوازن بالنبل، ورسول الله ﷺ على بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها، ورسول الله ﷺ يقول:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\nقال في الفتح: قوله (أما أنا فأشهد على النبي ﷺ أنه لم يول) تضمن جواب البراء إثبات الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أن إطلاق السائل يشمل الجميع حتى النبي ﷺ لظاهر الرواية الثانية، ويمكن الجمع بين الثانية والثالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه ثم أوضح ذلك، وختم حديثه بأنه لم يكن أحدي ومئذ أشد منه ﷺ. قال النووي: هذا الجواب من بديع الأدب، لأن تقدير الكلام فررتم كلكم، فيدخل فيهم النبي ﷺ، فقال البراء: لا والله ما فر رسول الله ﷺ، ولكن جرى كيت وكيت، فأوضح أن فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام.\nوأما نسبته إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شابًا، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضمان بن ثعلبة لما قدم: أيكم ابن عبد المطلب؟ وقيل لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله الخلق على يديه ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه ليتذكر ذلك من كان\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٧٥) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٦١ - باب بغلة النبي ﷺ البيضاء.\nومسلم نحوها في نفس الموضع السابق.\nوالترمذي (٤/ ١٩٩) ٢٤ - كتاب الجهاد - ١٥ - باب ما جاء في الثبات عند القتال. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.","vol":"2","page":933},{"text":"يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديمًا لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة وأراد النبي ﷺ تنبيه أصحابه بأنه لابد من ظهوره وأن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم، وأما قوله \"لا كذب\" ففيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر حق، فلا يجوز علي الفرار. وقيل: معنى قوله \"لا كذب\" أي أنا النبي حقًا لا كذب في ذلك.\nوفي الحديث من الفوائد حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب. وذم الإعجاب. وفيه جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب. ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها. وجواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله. ولا يقال كان النبي ﷺ متيقنًا للنصر لوعد الله تعالى له بذلك وهو حق، لأن أبا سفيان بن الحارث قد ثبت معه آخذًا بلجام بغلته وليس هو في اليقين مثل النبي ﷺ. وقد استشهد في تلك الحالة أيمن بن أم أيمن. وفيه ركوب البغلة إشارة إلى مزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لأتباعه على الثبات. وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو أ. هـ.\nقال النووي: ومعنى قوله ﷺ أنا النبي لا كذب أي أنا النبي حقًا فلا أفر ولا أزول وفي هذا دليل على جواز قول الإنسان في الحرب أنا فلان وأنا ابن فلان ومثله قول سلمة أنا ابن الأكوع وقول علي ﵁: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، وأشباه ذلك. وقد صرح بجوازه علماء السلف، وفيه حديث صحيح قالوا: وإنما يكره قول ذلك على وجه الافتخار؛ كفعل الجاهلية. والله أعلم أ. هـ\n٦٥٨ - * روى الحاكم عن جابر ﵁ قال: ندب رسول الله ﵌، يوم حنين الأنصار فقال: \"يا معشر الأنصار\" فأجابوه لبيك أبينا أنت وأمنا\n_________\n٦٥٨ - المستدرك (٣/ ٤٨)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.","vol":"2","page":934},{"text":"يا رسول الله قال: \"أقبلوا بوجوهكم إلى الله وإلى رسوله، يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار\" فأقبلوا ولهم حنين، حتى أحدقوا به كبكبة تحاك مناكبهم يقاتلون حتى هزم الله المشركين.\n٦٥٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر. فقال لها رسول الله ﷺ: \"ما هذا الخنجر؟ \" قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك. فقال رسول الله ﷺ: \"يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن\".\nوفي رواية أبي داود (٢) قال رسول الله ﷺ يومئذ - يعني يوم حنين -: \"من قتل كافرًا فله سلبه\" فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم، ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر، فقال: يا أم سليم، ما هذا معك؟ قالت: أردت والله إن دنا مني بعضهم أبع جبه بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله ﷺ.\n٦٦٠ - * روى أحمد والبزار عن عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي ﷺ يوم حنين قال: فولى الناس وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار فنكصنا على أقدامنا نحوًا من ثمانين قدمًا، ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله ﷿ عليهم السكينة، قال: ورسول الله ﷺ على بغلته يمضي قدمًا، فحادت به بغلته فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله. فقال: \"ناولني كفًا من تراب\" فضرب به\n_________\n= كبكبة: الجماعة الملتفة.\n٦٥٩ - مسلم (٣/ ١٤٤٢) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٧ - باب غزوة النساء مع الرجال.\nبقرت بطنه: إذا شققتها، والبقر: الشق.\n(١) أبو داود (٣/ ٧١)، كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى القاتل.\nأبعج: بعج بطنه بالسكين يبعجها بعجًا: إذا شقها، فهو مبعوج.\n٦٦٠ - أحمد في مسنده (١/ ٤٥٣).\nوالبزار نحوه في كشف الأستار (٢/ ٣٤٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨٠): رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحارث ابن حصيرة، وهو ثقة.","vol":"2","page":935},{"text":"وجوههم فامتلأت أعينهم ترابًا، قال: \"أين المهاجرون والأنصار؟ \" قلت: هم أولاء، قال: \"اهتف بهم\" فهتفت بهم فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم.\n٦٦١ - * روى النسائي عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ يوم حنين وبرة من جنب بعير. فقال: \"يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه، إلا الخمس والخمس مردود عليكم\".\n٦٦٢ - * روى البخاري عن جبير بن مطعم ﵁: أنه بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ، ومعه الناس، مقفله من حنين، فعلقت الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف النبي ﷺ فقال: \"أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا\".\n٦٦٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم، فقال: \"يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي\". كلما قال شيئًا، قالوا: الله ورسوله أمن، قال: \"ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ؟ \". قال: كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن، قال: \"لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي\n_________\n٦٦١ - النسائي (٧/ ١٣١)، كتاب قسم الفيء. وإسناده حسن.\n٦٦٢ - البخاري (٦/ ٣٥) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٢٤ - باب الشجاعة في الحرب والجبن.\nمقفله: أي: مرجعه من الغزو، والقفول: الرجوع من السفر.\nخطفت: الخطف: الأخذ بسرعة.\nالعضاه: كل شجر ذي شوك كالطلح والسمر.\n٦٦٣ - البخاري (٨/ ٤٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٦ - باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان.\nومسلم نحوه (٢/ ٧٣٨) ١٢ - كتاب الزكاة - ٤٦ - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه.\nوجدوا: تأثروا في أنفسهم.\nعالة: العالة: الفقراء.","vol":"2","page":936},{"text":"إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض\".\nوذكر في رواية (١): فقال: \"أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: جئتنا طريدًا فآويناك، وشريدًا فنصرناك، وكذا وكذا\".\n٦٦٤ - * روى مسلم عن رافع بن خديج ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:\nأتجعل نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع؟\nفما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع\nوما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع\nقال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة.\n٦٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناسًا في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل. وأعطى عيينة مثل ذلك. وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة. قال رجل:\n_________\n= الشعار: الثوب الذي يلي الجسد.\nالدثار: الثوب الذي يكون فوقه، يعني: أن الأنصار خاصته الذين يلونه، والناس بعدهم.\n(١) أحمد في مسنده (٣/ ٥٧، ٧٦، ٨٩) عن أبي سعيد الخدري.\n٦٦٤ - مسلم (٢/ ٧٣٨) ١٢ - كتاب الزكاة - ٤٦ - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه.\nالعبيد: بضم العين وفتح الباء الموحدة: اسم فرس العباس بن مرداس السلمي.\n٦٦٥ - البخاري (٦/ ٢٥١) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ١٩ - باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه.\nومسلم نحوه (٢/ ٧٣٩) ١٢ - كتاب الزكاة - ٤٦ - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه.","vol":"2","page":937},{"text":"والله إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله. فقلت والله لأخبرن النبي ﷺ. فأتيته فأخبرته. فقال: \"فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى. قد أوذي بأكثر من هذا فصبر\".\n٦٦٦ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم لقي رسول الله ﷺ قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء قال: \"فأين أنت من ذلك يا سعد\" قال: يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي وما أنا. قال: \"فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة\" قال: فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار قال فأتاهم رسول الله ﷺ، فحمد الله واثنى عليه بالذي هو له أهل ثم قال: \"يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم؟ \" قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل. قال: \"ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ \" قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله ولرسوله المن والفضل؟ قال: \"أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم أتيتنا مكذبًا فصدقناك ومخذولًا فنصرناك وطريدًا فآويناك وعائلًا فأغنيناك أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أفلا ترضون يا معشر\n_________\n٦٦٦ - أحمد في مسنده (٣/ ٧٦).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق، وقد صرح بالسماع.\nلعاعة: نبت ناعم في أول ما ينبت يعني أن الدنيا كالنبات الأخضر قليل البقاء.","vol":"2","page":938},{"text":"الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله ﷺ في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار\" قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسمًا وحظًا، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقنا.\nوفي رواية (١) عن أبي سعيد أيضًا قال: قال رجل من الأنصار لأصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو قد استقامت الأمور قد آثر عليكم، قال: فردوا عليه ردًا عنيفًا، قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ قال فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها، قالوا: بلى يا رسول الله قال: \"فكنتم لا تركبون الخيل\". قال: فكلما قال لهم شيئًا قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فلما رآهم لا يردون عليه شيئًا. قلت: فذكر نحوه وقال في آخره: \"الأنصار كرشي وأهل بيتي وعيبتي التي أويت إليها فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم\". قال أبو سعيد: قلت لمعاوية: أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أننا سنرى بعده أثرة، قال معاوية: فما أمركم؟ قلت: أمرنا أن نصبر. قال: فاصبروا إذًا.\nأقول: تعليقًا على قول سعبد بن عبادة:\n(ما أنا إلا امرؤ من قومي): إن على القادة الذين يسوسون الشعوب والأقوام أن يعرفوا نفسيات هذه الشعوب وهذه الأقوام وأن يسوسوها على ضوء هذه المعرفة فأحيانًا يكون لكل قوم أو شعب أو قرية أو بلد خصيصة تجعلهم في بعض الحالات يقفون موقفًا موحدًا أمام قضية ما، فلابد من ملاحظة ذلك قبل وقوعه وحسن معالجته بعد وقوعه فإذا كان مثل سعد بن عبادة يقول: (ما أنا إلا امرؤ من قومي) فما بال من دونه، وفي كلمة سعد - إذ يعلن اتحاد موقفه مع موقف قومه في قضية يرى قومه فيها يقولون ما يعتقد\n_________\n(١) أحمد في مسنده (٣/ ٨٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٩): رواه أحمد وأبو يعلى.\nفكنتم لا تركبون الخيل: ذلك بأنه لم يكن عند الأنصار كثرة خيل في الجاهلية، ثم رزقهم الله الكثير على عهد النبي ﷺ.\nكرشي وعيبت: أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته والذين يعتمد عليهم في أموره، واستعار الكرش؛ لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، واستعار العيبة؛ لأن الرجل يضع ثيابه في عيبته.","vol":"2","page":939},{"text":"أنه اجتهاد في محله وعدم إنكار الرسول ﷺ - ما يشير إلى نصرة الإنسان قومه بالطريق المشروع فيما يراه الإنسان حقًا لا حرج فيه.\n٦٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁: أن أناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ، يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ من قولهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ، فقال: \"ما حديث بلغني عنكم؟ \" فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم، قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ: \"فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به\" قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، قال: \"فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض\" قالوا: سنصبر.\nوفي رواية (١): قال أنس: فلم نصبر.\nوفي رواية: (٢) قال: جمع رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: \"أفيكم أحد من غيركم؟ \" فقالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ: \"إن ابن أخت القوم\n_________\n٦٦٧ - البخاري (٦/ ٢٥١) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ١٩ - باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه.\nومسلم واللفظ له (٢/ ٧٣٢) ١٢ - كتاب الزكاة - ٤٦ - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه.\n(١) البخاري (٦/ ٢٥١) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ١٩ - باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه.\n(٢) البخاري في نفس الموضع السابق.\nومسلم (٢/ ٧٣٣) ١٢ - كتاب الزكاة - ٤٦ - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه.","vol":"2","page":940},{"text":"منهم\" فقال: \"إن قريشًا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس واديًا، وسلك الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار\".\nوفي رواية للنسائي (١) بإسناد حسن: فإنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ أتته وفد هوازن، فقالوا: يا محمد، إنا أصل وعشيرة، وقد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا، من الله عليك، فقال: \"اختاروا من أموالكم أو من نسائكم وأبنائكم\"، فقالوا: قد خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، بل نختار نساءنا وأبناءنا فقال رسول الله ﷺ: \"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا صليت الظهر، فقوموا فقولوا: إنا نستعين برسول الله على المؤمنين - أو المسلمين - في نسائنا وأموالنا\" فلما صلوا الظهر، قاموا فقالوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ: \"فما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم\" فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقامت بنو سليم: فقالوا: كذبت، ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس، ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك من هذا الفيء بشيء فله ست فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا\" وركب راحلته، وركب الناس: اقسم علينا فيئنا، فألجؤوه إلى شجرة، فخطفت رداءه، فقال: \"يا أيها الناس، ردوا علي ردائي، فوالله لو أن لكم شجر تهامة نعمًا قسمته عليكم ثم لم تلقوني بخيلًا، ولا جبانًا، ولا كذوبًا\" ثم أتى بعيرًا، فأخذ من سنامه وبرة بين أصبعيه، ثم قال: \"ها، إنه ليس من الفيء شيء ولا هذه، إلا خمس، والخمس مردود عليكم\" فقام إليه رجل بكبة من شعر، فقال يا رسول الله، أخذت هذه لأصلح بها برذعة بعير لي، فقال: \"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو\n_________\n(١) النسائي (٦/ ٢٦٢)، كتاب الهبة، باب هبة المشاع.","vol":"2","page":941},{"text":"لك\" فقال: أو بلغت هذه؟ فلا أرب لي فيها، فنبذها، وقال: \"يا أيها الناس، أدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارًا وشنارًا يوم القيامة\".\n٦٦٨ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو أن وفد هوازن لما أتوا رسول الله ﷺ بالجعرانة وقد أسلموا قالوا: إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك، وقال رجل من هوازن من بني سعد بن بكر يقال له زهير ويكنى بأبي صرد فقال: يا رسول الله نساؤنا عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كفلنك، ولو أنا لحقنا الحارث بن أبي شمر والنعمان بن المنذر، ثم نزل بنا منه مثل الذي أنزلت بنا لرجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين، ثم أنشد رسول الله ﷺ شعرًا، قاله وذكر فيه قرابته وما كفلوا منه فقال:\nامنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر\nامنن على بيضة قد عاقها قدر ... مفرق شملها في دهرها غير\nأبقت لنا الدهر هتافًا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر\nإن لم تداركهمو نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلمًا حين يختبر\nامنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملؤه من مخضها درر\nإذ كنت طفلًا صغيرًا كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر\nلا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر\n_________\n٦٦٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨٧)، وقال: رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس، ولكنه ثقة، وبقية رجاله ثقات.\nأقول: وقد صرح ابن إسحاق بالسماع عند ابن هشام في سيرته، وللحديث شواهد.\nإنا أصل وعشيرة: يشيرون بذلك إلى أنه كان مسترضعًا فيهم، ولذلك فإنه تربطه بهم رابطة قرابة.\nلحقنا به: يعني أننا أرضعناه فصرنا له لاحقين بسبب ذلك ويشهد له لذلك رواية ابن هشام (ملحنا).\nالحارث بن أبي شمر: ملك الشام من العرب.\nالنعمان بن المنذر: ملك العراق من العرب.\nالبيضة: الأصل والعشير. ويقال يستبيح بيضتهم: أي مجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم.\nغير: تغير الحال وانتقالها عن الصلاح إلى الفساد.\nشالت نعامته: إذا ماتوا وتفرقوا كأنهم لم يبق منهم إلا بقية، والنعامة: الجماعة.","vol":"2","page":942},{"text":"قال فذكر الحديث.\nوفي رواية لأحمد (١) عن عبد الله بن عمرو قال: شهدت رسول الله ﷺ وجاءته وفود هوازن فقالوا: يا محمد إنا أصل وعشيرة فمن علينا من الله عليك، فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك فقالك \"اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم\" قالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ نختار أبناءنا فقال: \"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا صليت الظهر فقولوا إنا نستشفع برسول الله ﷺ المؤمنين وبالمؤمنين على رسول الله ﷺ في نسائنا وأبنائنا\" قال: ففعلوا. فقال رسول الله ﷺ: \"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم\" وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ وقالت الأنصار مثل ذلك وقال عيينة بن بدر أما ما كان لي ولبني فزارة فلا. وقال الأقرع ابن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا فقالت الحيان: كذبت بل هو لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك بشيء من الفيء فله علينا ست فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا\" ثم ركب راحلته، وتعلق به الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتى ألجؤوه إلى سمرة فخطفت رداءه، فقال: \"يا أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم، ثم لا تلقوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذوبًا\" ثم دنا من بعيره فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه السبابة والوسطى، ثم رفعها فقال: \"يا أيها الناس ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلا الخمس والخمس\n_________\n(١) أحمد في مسنده (٢/ ١٨٤). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨٧): رواه أحمد، ورجال أحد إسناديه ثقات.\nفقال الحيان: الظاهر أنهما بنو فزارة وبنو تميم. وستأتي في رواية أخرى أن بني سليم قالوا مثل قولهم فقد أنكرت الأحياء الثلاثة على زعمائهم.\nمن تمسك بشيء: في الكلام إضمار، وتقديره: من أصاب شيئًا من هذا الفيء فأمسكه ثم رده.\nست فرائض: الفرائض، جمع فريضة، يريد به: البعير المأخوذ في الزكاة، وسمي بسبب ذلك فريضة، لأنه الواجب على رب المال، ثم سمي البعير فريضة في غير الزكاة.\nيفيئه الله علينا: أراد: بما يفيئه الله علينا: الخمس الذي جعله الله له من الفيء خاصة دون الناس، فإنه يعطي كل من أخذ منه شيئًا عوضه من ذلك.","vol":"2","page":943},{"text":"مردود عليكم، فردوا الخياط والمخيط\" (أي ردوا الخيط والإبرة، وما خيط بها) \"فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارًا ونارًا وشنارًا\" فقام رجل معه كبة من شعر، فقال: إني أخذت هذه أصلح بها برذعة بعير لي دبر قال: \"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك\" فقال الرجل: يا رسول الله أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي بها، ونبذها.\n٦٦٩ - * روى البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم\" - وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف - فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: \"أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، من أحب أن يطيب فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل\" فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم\" فرجع الناس. فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا فأذنوا. فهذا الذي بلغنا عن سبي هوازن.\nقال في الفتح: قوله (قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين) ساق الزهري هذه القصة من هذا الوجه مختصرة، وقد ساقها موسى بن عقبة في المغازي مطولة ولفظه: (ثم انصرف\n_________\n= الخياط: الخيط، والمخيط: الإبرة.\nالغلول: الخيانة في الغنيمة قبل إخراج الخمس والقسمة.\nالشنار: العيب والعار.\n٦٦٩ - البخاري (٦/ ٢٣٦) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ١٥ - باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازن النبي ﷺ برضاعه فيهم، فتحلل من المسلمين.","vol":"2","page":944},{"text":"رسول الله ﷺ من الطائف في شوال إلى الجعرانة وبها السبي يعني سبي هوازن، وقدم عليه وفد هوازن مسلمين فيهم تسعة نفر من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات وهن مخازي الأقوام، فقال: \"سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم فأي الأمرين أحب إليكم: آلسبي أم المال؟ \" قالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير. فقال: \"أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين، فكلموهم وأظهروا إسلامكم\" فلما صلى رسول الله ﷺ الهاجرة قاموا فتكلم خطباؤهم فأبلغوا ورغبوا إلى المسلمين في رد سبيهم، ثم قام رسول الله ﷺ حين فرغوا فشفع لهم وحض المسلمين عليه وقال: \"قد رددت الذي لبني هاشم عليهم\" فاستفيد من هذه القصة عدد الوفد وغير ذلك مما لا يخفى. وقد أغفل محمد بن سعد لما ذكر الوفود وفد هوازن هؤلاء مع أنه لم يجمع أحد في الوفود أكثر مما جمع، وممن سمي من وفد هوازن زهير بن صرد كما سيأتي، وأبو مروان - ويقال أبو ثروان أوله مثلثة بدل الميم ويقال بموحدة وقاف - وهو عم النبي ﷺ من الرضاعة، ذكره ابن سعد. ومعنى استأنيت: استنظرت، أي أخرت قسم السبي لتحضروا فأبطأتم، وكان ترك السبي بغير قسمة وتوجه إلى الطائف فحاصرها كما سيأتي، ثم رجع عنها إلى الجعرانة ثم قسم الغنائم هناك، فجاءه وفد هوازن بعد ذلك، فبين لهم أنه أخر القسم ليحضروا فأبطؤا، وقوله (بضع عشرة ليلة) فيه بيان مدة التأخير. أ. هـ.\n٦٧٠ - * روى أبو داود عن أبي غالب نافع ﵀ قال: قلت لأنس: يا أبا حمزة، غزوت مع رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، غزوت معه حنينًا، فخرج المشركون، فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي القوم رجل يحمل علينا، فيدقنا ويحطمنا فهزمهم الله، وجعل يجاء بهم فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: إن علي نذرًا إن جاء الله بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه،\n_________\n= استأنيت: أي: تأنيت وتوقفت وانتظرت.\n٦٧٠ - أبو داود مطولًا (٣/ ٢٠٨)، كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه. وهو حديث صحيح، أومضت: الإيماض: الإشارة، من أومض البرق: إذا لمع، وهو كما سبق في خائنة الأعين.","vol":"2","page":945},{"text":"فسكت رسول الله ﷺ، وجيء بالرجل، فلما رأى رسول الله ﷺ، قال: يا رسول الله تبت إلى الله، فأمسك رسول الله ﷺ لا يبايعه ليفي الآخر بنذره، قال: فجعل الرجل يتصدى لرسول الله ﷺ ليأمره بقتله، وجعل يهاب رسول الله ﷺ أن يقتله، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه لا يصنع شيئًا بايعه، فقال الرجل: يا رسول الله، نذري، فقال: \"إني لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي بنذرك\"، فقال: يا رسول الله، ألا أومضت إلي؟ فقال النبي ﷺ: \"إنه ليس لنبي أن يومض\".\n* * *","vol":"2","page":946},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>فصل: في غزوة أوطاس</span>\n٦٧١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه، فقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم، فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا ثثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء، قال: يا ابن أخي، أقرئ النبي ﷺ السلام، وقل له: استغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت، فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفر لي، فدعا بماء، فتوضأ، ثم رفع يديه، وقال: \"اللهم اغفر لعبيد، أبي عامر\" ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: \"اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس\" فقلت: ولي فاستغفر فقال: \"اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا\" قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى.\n_________\n٦٧١ - البخاري (٨/ ٤١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٥ - باب غزاة أوطاس.\nومسلم بنحوه (٤/ ١٩٤٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٨ - باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين، ﵄.\nفأثبته: أي: حبسه بالطعنة التي طعنها، أو الرمية.\nفنزا: نزا منه الماء، أي: وثب، يعني: خرج الماء من جرحه.\nعلى سرير مرمل: قد نسج وجهه بالسعف، يقال: أرملت النسيج أرمله: إذا باعدت بين الأشياء المنسوج بها، فهو مرمل، ورماله: ما نسج في وجهه من ذلك، ويقال: رملته لغة في أرملته.\n، ورملته: شدد للكثرة، والرمال - بكسر الراء - بمعنى مرمول، وهو جمع رمل، كقوله تعالى: (هذا خلق الله) أي، مخلوقه.","vol":"2","page":947},{"text":"وفي لفظ مسلم (١) ورماه رجل من بني جشم وفيه: فلما رآني ولى عني ذاهبًا، فلحقته، فجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًا؟ ألا تثبت؟ وفيه: انطلق إلى رسول الله، فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك: استغفر لي.\nقال ابن حجر: (غزوة أوطاس) قال عياض: هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين انتهى. وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف وطائفة إلى بجيلة وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكرًا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس كما يدل عليه حديث الباب، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف.\nوروى البزار في مسند أنس بإسناد حسن ما يشعر بأن قاتل دريد بن الصمة هو الزبير ابن العوام ولفظه (لما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة فرأوا كتيبة، فقال حلوهم لي، فحلوهم فقال: هذه قضاعة ولا بأس عليكم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك، فقال: هذه سليم، ثم رأوا فارسًا وحده فقال: حلوه لي، فقالوا معتجر بعمامة سوداء، فقال: هذا الزبير بن العوام وهو قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال فالتفت الزبير فرآهم فقال: علام هؤلاء ههنا؟ فمضى إليهم، وتبعه جماعة فقتلوا منهم ثلاثمائة، فحز رأس دريد بن الصمة فجعله بين يديه) ويحتمل أن يكون ابن الدغنة كان في جماعة الزبير فباشر قتله فنسب إلى الزبير مجازًا، وكان دريد من الشعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية، ويقال إنه كان لما قتل ابن عشرين - ويقال ابن ستين - ومائة سنة.\nوعند ابن عائذ والطبراني في (الأوسط) من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري بإسناد حسن (لما هزم الله المشركين يوم حنين بعث رسول الله ﷺ على خيل الطلب أبا عامر الأشعري وأنا معه فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته وأخذت اللواء) الحديث.\n* * *\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٩٤٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٨ - باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين ﵄.","vol":"2","page":948},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>فصل: في غزوة الطائف</span>\nقال البخاري: في شوال سنة ثمان، قاله موسى بن عقبة.\n٦٧٢ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف فلم ينل منهم شيئًا، قال: \"إنا قافلون إن شاء الله\" فثقل عليهم، وقالوا: نذهب ولا نفتحه، وقال مرة: \"نقفل\"، فقال: \"اغدوا على القتال\" فغدوا، فأصابهم جراح، فقال: \"إنا قافلون غدًا إن شاء الله\" فأعجبهم، فضحك النبي ﷺ وقال سفيان مرة: فتبسم.\nوفي رواية نحوه (٢)، وفيه فقالوا: لا نبرح أو نفتحها. وفيه فقاتلوهم قتالًا شديدًا، وكثر فيهم الجراحات ... الحديث.\nقال ابن حجر في الفتح: في مرسل ابن الزبير عند ابن أبي شيبة قال (لما حاصر النبي ﷺ الطائف قال أصحابه: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال: \"اللهم اهد ثقيفا\") وذكر أهل المغازي أن النبي ﷺ لما استعصى عليه الحصن وكانوا قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة ورموا على المسلمين سكك الحديد المحماة ورموهم بالنبل فأصابوا قومًا، فاستشار نوفل بن معاوية الديلي فقال: هم ثعلب في جحر إن اقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك، فرحل عنهم وذكر أنس في حديثه عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يومًا، وعند أهل السير اختلاف قيل عشرين يومًا وقيل بضع عشرة وقيل ثمانية عشر وقيل خمسة عشر. قوله (إنا قافلون) أي راجعون إلى المدينة. قوله (فثقل عليهم) بين سبب ذلك بقولهم (نذهب ولا نفتحه) وحاصل الخبر أنهم لما أخبرهم بالرجوع بغير فتح لم يعجبهم، فلما رأى ذلك أمرهم بالقتال فلم يفتح لهم فأصيبوا بالجراح لأنهم رموا عليهم من أعلى السور فكانوا ينالون منهم بسهامهم ولا تصل السهام إلى من على السور، فلما\n_________\n٦٧٢ - البخاري (٨/ ٤٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٦ - باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان.\nومسلم نحوه (٣/ ١٤٠٢) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٩ - باب غزوة الطائف.\n(٢) البخاري (١٠/ ٥٠٣) ٧٨ - كتاب الأدب - ٦٨ - باب التبسم والضحك.","vol":"2","page":949},{"text":"رأوا ذلك تبين لهم تصويب الرجوع، فلما أعاد عليهم القول بالرجوع أعجبهم حينئذ، ولهذا قال: فضحك\" وقوله (وقال سفيان مرة: فتبسم) هو ترديد من الراوي.\nوقد ذكر ابن هشام أن عدد من استشهد في حصار الطائف اثنا عشر رجلًا.\n* * *","vol":"2","page":950},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>فصل: في إسلام كعب بن زهير</span>\n٦٧٣ - * روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة منصرفه من الطائف، كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير بن أبي سلمى، يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالًا بمكة ممن كانوا يهجوه ويؤذيه، وأنه بقي من شعراء قريش ابن الزعبرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة ففر إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا وإن أنت لم تفعل فانج ولا نجاة لك. وقد كان كعب قال أبياتًا نال فيها من رسول الله ﷺ فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان حاضره من عدوه، فلما لم يجد من شيء بدًا، قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ يذكر خوفه وإرجاف الوشاة به، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة - كما ذكر لي فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح، فصلى مع الناس ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ، وقال: هذا رسول الله ﷺ فقم إليه، فاستأمنه فذكر لي أنه قام إلى رسول الله ﷺ، حتى وضع يَدَه في يَدِهِ، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير جاء ليستأمن منك تائبًا مسلمًا فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ: \"نعم\" فقال: يا رسول الله، أنا كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ \"دعه عنك فإنه قد جاء تائبًا نازعًا\" فغضب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير فقال قصيدته التي قالها حين قدم على رسول الله ﷺ. (وذكر أبياتًا: سترد برواية الحاكم). قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فلما قال: (السود التنابيل) وإنما أراد معشر الأنصار لما كان صاحبهم\n_________\n٦٧٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٩٢)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله إلى ابن إسحاق ثقات.\nأقول: فالحديث منقطع لكن له شواهد، ومن شواهده ما أخرجه الحاكم بأسانيد صحح بعضها وسكت عنها الذهبي. سنذكرها فيما بعد إن شاء الله.","vol":"2","page":951},{"text":"صنع، وخص المهاجرين من قريش من أصحاب رسول الله ﷺ بمدحته، غضبت عليه الأنصار فبعد أن أسلم أخذ يمدح الأنصار ويذكر بلاءهم مع رسول الله ﷺ وموضعهم من النبي ﷺ:\nمن سرة كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار\nورثوا المكارم كابرًا عن كابر ... إن الخيار هم بنو الأخيار\nالمكرهين السمهري بأذرع ... كسوالف الهندي غير قصار\nوالناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الإبصار\nيتطهرون يرونه نسكًا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار\nدربوا كما دربت ببطن خفية ... غلب الرقاب من الأسود ضواري\nروايات الحاكم:\n٦٧٤ - * روى الحاكم عن موسى بن عقبة قال: أنشد النبي ﵌ كعب بن زهير (بانت سعاد) في مسجده بالمدينة فلما بلغ قوله:\nإن الرسول لسيف يستضاء به ... وصارم من سيوف الله مسلول\nفي فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا\nأشار رسول الله ﵌ بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه قال: وقد كان\n_________\n= المقنب: الجماعة من الخيل. يريد به القوم على ظهور جيادهم.\nالسمهري: الرمح.\nوسوالف الهندي: يريد حواشي السيوف؛ وقد يراد به الرماح أيضًا لأنها قد تنسب إلى الهند.\nدربوا: تعودوا.\nوخفية: اسم مأسدة.\nوغلب الرقاب: غلاظ الأعناق.\nوضواري: متعودات الصيد والافتراس.\n٦٧٤ - المستدرك (٣/ ٥٨٢)، وقال: هذا حديث له أسانيد قد جمعها إبراهيم بن المنذر الحزامي، فأما حديث محمد بن فليح عن موسى بن عقبة، وحديث الحجاج بن ذي الرقيبة، فإنهما صحيحان.","vol":"2","page":952},{"text":"بجير بن زهير كتب إلى أخيه كعب بن زهير بن أبي سلمى يخوفه ويدعوه إلى الإسلام وقال فيها أبياتًا:\nمن مبلغ كعبًا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلًا وهي أحزم\nإلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم\nلدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من النار إلا طاهر القلب مسلم\nفدين زهير وهو لا شيء باطل ... ودين أبي سلمى علي محرم\n٦٧٥ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن كعب بن زهير قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير، حتى أتيا أبرق العزاف فقال بجير لكعب: اثبت في عجل هذا المكان حتى آتي هذا الرجل يعني رسول الله ﵌ فأسمع ما يقول، فثبت كعب، وخرج بجير فجاء رسول الله ﵌ فعرض عليه الإسلام فأسلم فبلغ ذلك كعبًا فقال:\nألا أبلغا عني بجيرًا رسالة ... على أي شيئ ويب غيرك دلكا\nعلى خلق لم تلف أمًا ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخًا لكا\nسقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمون منها وعلكا\nفلما بلغت الأبيات رسول الله ﵌، أهدر دمه فقال: \"من لقي كعبًا فليقتله\" فكتب بذلك بجير إلى أخيه يذكر له أن رسول الله ﵌ قد أهدر دمه ويقول له: النجا وما أراك تفلت. ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله ﵌ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل. فأسلم كعب، وقال القصيدة التي يمدح فيها رسول الله ﵌، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله ﵌، ثم دخل المسجد ورسول الله ﵌ مع أصحابه مكان المائدة من القوم، متحلقون معه حلقة دون حلقة يلتفت إلى هؤلاء مرة\n_________\n٦٧٥ - المستدرك (٣/ ٥٧٩) بأسانيد متعددة، صحح بعضها، وسكت الذهبي عنها.","vol":"2","page":953},{"text":"فيحدثهم وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد فعرفت رسول الله ﵌ بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله الأمان يا رسول الله. قال: \"ومن أنت؟ \" قلت: أنا كعب بن زهير، قال: \"أنت الذي تقول\" ثم التفت إلى أبي بكر فقال: \"كيف قال يا أبا بكر؟ \" فأنشده أبو بكر رض يالله عنه:\nسقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمور منها وعلكا\nقال: يا رسول الله ما قلت هكذا قال: \"وكيف قلت؟ \" قال: إنما قلت:\nسقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمون منها وعلكا\nفقال رسول الله ﵌: \"مأمون والله\" ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها وأملأها على الحجاج بن ذي الرقيبة حتى أتى على آخرها، وهي هذه القصيدة:\n١ - بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول\n٢ - وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول\n٣ - تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول\n٤ - شجت بذي شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول\n_________\n(١) بانت: فارقت فراقًا بعيدًا. وسعاد: اسم امرأة. وقيل (كما في الزرقاني): هي امرأته وبنت عمه، خصها بالذكر لطول غيبته عنها، لهروبه من النبي ﷺ. ومتبول: أسقمه الحب وأضناه. ومتيم: ذليل مستعبد. ولم يفد: لم يخلص من الأسر.\n(٢) الأغن: (هنا): الظبي الصغير الذي في صوته غنة، وهي صوت يخرج من الخياشيم، وغضيض الطرف: فاتره. ومكحول: من الكحل وهو سواد يعلو جفون العين من غير اكتحال.\n(٣) تجلو: تصقل وتكشف. والعوارض: جمع عارض أو عارضة، وهي الأسنان كلها، أو الضواحك خاصة، أو هي من الأنياب. والظلم: ماء الأسنان وبريقها، أو رقتها وبياضها. والمنهل: المسقى، من أنهله، إذا سقاه النهل وهو الشرب الأول. والراح: الخمر: ومعلول: من العلل وهو الشرب الثاني.\n(٤) شجت: مزجت حتى انكسرت سورتها وذو شبم: ماء شديد البرد. والمحنية: منعطف الوادي وخصه لأن ماءه أصفى وأبرد. والأبطح: المسيل الواسع الذي فيه دقاق الحصى، وماء الأباطح عندهم معروف بصفائه. وأضحى:","vol":"2","page":954},{"text":"٥ - تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه ... من صوب غادية بيض يعاليل\n٦ - فيالها خلة لو أنها صدقت ... بوعدها أولو أن النصح مقبول\n٧ - لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل\n٨ - فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول\n٩ - وما تمسك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما يمسسك الماء الغرابيل\n١٠ - فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأماني والأحلام تضليل\n١١ - كانت مواعيد عرقوب لها مثلًا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل\n١٢ - أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل\n١٣ - أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل\n١٤ - ولن يبلغها إلا عذافرة ... لها على الأين إرقاق وتبغيل\n١٥ - من كل نضاخة الذفري إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهول\n_________\n= أخذ في وقت الضحى قبل أن يشتد حر الشمس. والمشمول: الذي ضربته ريح الشمال حتى برد، وهي أشد تبريدًا للماء من غيرها.\n(٥) القذي: ما يقع في الماء من تبن أو عود أو غيره مما يشوبه ويكدره. وأفرطه: سبق إليه وملأه. والصوب: المطر. والغادية: السحابة تمطر غدوة، ويروى \"سارية\" وهي السحابة تأتي ليلًا. واليعاليل: الحباب الذي يعلو وجه الماء. وقيل المراد بالبيض اليعاليل: الجبال الشديدة البياض ينحدر عليها ماء المطر، ثم يسيل إلى الأباطح.\n(٧) سيط: أي خلط بلحمها ودمها هذه الصفات المذكورة في البيت.\nوالفجع: الإصابة بالمكروه كالهجر ونحوه. والولع والولعان: الكذب. والإخلاف: خلف الوعد.\n(٨) الغول: ساحرة الجن، في زعمهم. يزعمون أن الغول ترى في الفلاة بألوان شتى، فتأخذ جانبًا عن الطريق، فيتبعها من يراها، فيضل عن الطريق فيهلك.\n(٩) ولا تمسك: يشبه تمسكها بالعهد بإمساك الغرابيل للماء، مبالغة في النقض والنكث وعدم الوفاء بالعهد، لأن الماء بمجرد وضعه في الغربال يسقط منه.\n(١١) عرقوب: رجل اشتهر عند العرب بإخلاف الوعد، فضرب به المثل في الخلف.\n(١٢) التنويل: العطاء، والمراد به (هنا): الوصل.\n(١٣) العتاق: الكرام؛ الواحد: عتيق والنجيبات: جمع نجيبة، وهي القوية الخفيفة. المراسيل: السريعة.\n(١٤) العذافرة: الناقة الصلبة العظيمة. والأين: الإعياء والتعب. والإرقال: والتبغيل: ضربان من السير السريع: يقول: لا يبلغ تلك الأرض إلا ناقة عظيمة قوية على السير.\n(١٥) النضاخة: الكثيرة رشح العرق. والذفري: النقرة التي خلف أذن الناقة، وهي أول ما يعرق منها. وعرضتها: همتها. وطامس الأعلام: الدارس المتغير من العلامات التي تكون في الطريق ليهتدى بها.","vol":"2","page":955},{"text":"١٦ - ترمي النجاد بعيني مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميل\n١٧ - حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل\n١٨ - يمشي القراد عليها ثم يزلقه ... منها لبان وأقراب زهاليل\n١٩ - عيرانة قذفت بالنحض عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتول\n٢٠ - كأنما فات عينيها ومذبحها ... من خطمها ومن اللحيين برطيل\n٢١ - تمر مثل عسيب النخل ذا خصل .. في غارز لم تخونه الأحاليل\n٢٢ - قنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل\n٢٣ - تخدي على يسرات وهي لاحقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليل\n_________\n(١٦) اللهق: الأبيض، والحزان: الأمكنة الغليظة الصلبة تكثر فيها الحصباء، وهي جمع حزيز. والميل (بالكسر): جمع (ميلاء) بالفتح، وهي العقدة الضخمة من الرمل.\n(١٧) الحرف: (في الأصل): القطعة الخارجة من الجبل، شبه الناقة بها في القوة والصلابة والحرف (أيضًا) الناقة الضامرة. وأخوها أبوها والمهجنة: الكريمة الأبوين من الإبل، والقوداء: الطويلة الظهر والعنق. وهي من صفات الإبل التي تمدح بها. والشمليل: الخفيفة السريعة.\n(١٨) يزلقه: من الانزلاق، أي يسقطه. ومنها: أي عنها. واللبان (بالفتح): الصدر وقيل: وسطه. والأقراب بالفتح الخواصر. والزهاليل: الملس، جمع زهلول.\n(١٩) العيرانة: الناقة المشبهة عير الوحش في سرعته ونشاطه وصلابته، وهذا مما يستحسن في أوصاف الإبل. والنحض: اللحم وعن: بمعنى من. وعرض (بضمتين أو بضم فسكون): جانب. والمراد هنا العموم. يريد أنها رميت باللحم من كل جانب من جوانبها. والمرفق: يريد المرفقين. والزور: الصدر، وقيل: وسطه. وبنات الزور: ما يتصل به مما حوله من الأضلاع وغيرها.\n(٢٠) الخطم: الأنف وما حوله. واللحيان: العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفىل من الإنسان وغيره. والبرطيل: حجر مستطيل. والقاب المقدار.\n(٢١) عسيب النخل: جريده الذي لم ينبت عليه الخوص، فإن نبت عليه سمي سعفًا. وذا خصل: يريد ذيلًا له لفائف من الشعر. وفي غارز: أي على ضرع. ولم تخونه: لم تنقصه والأحاليل: مخارج اللبن، جمع إحليل (بالكسر).\n(٢٢) القنواء: المحدودبة الأنف.\nوالحرتان: الأذنان.\nوالعتق: الكرم.\nوالمبين: الظاهر.\nوتسهيل: سهولة ولين، لا خشونة ولا حزونة وتجابة في خديها: سهولة وليونة.\n(٢٣) تخدي: تسرع ولايسرات: القوائم الخفاف. وهي لاحقة: أي والحال أنها لاحقة بالنوق السابقة عليها، أو بالديار البعيدة عنها. والذوابل: جمع ذابل، وهي الرمح الصلب اليابس شبه قوائمها بها في الصلابة والشدة. ومسهن: أي مس تلك اليسرات للأرض أو وقعهن عليها. وتحليل: أي قليل لم يبالغ فيه، يريد أن هذه الناقة سريعة في السير","vol":"2","page":956},{"text":"٢٤ - سمر العجايات يتركن الحصى زيمًا ... لم يقهن رءوس الأكم تنعيل\n٢٥ - كأن أوب ذراعيها وقد عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل\n٢٦ - يومًا يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول\n٢٧ - وقال للقوم جاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا\n٢٨ - شد النهار ذراعًا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل\n٢٩ - نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول\n٣٠ - تسعى الغواة جنابيها وقولهم ... إنك يابن أبي سلمى لمقتول\n٣١ - فقلت خلوا سبيلي لا أبالكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول\n٣٢ - كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلة حدباء محمول\n٣٣ - نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول\n_________\n= بقوائمها. سريعة الرفع عن الأرض. كأنها لا تمسها إلا تحلة القسم، فهي في غاية الإسراع في سيرها.\n(٢٤) العجايات: الأعصاب المتصلة بالحافر؛ وقيل اللحمة المتصلة بالعصب المنحدر من ركبة البعير إلى الفرسن، يشبه عصبها أو لحم قوائمها بالرماح السمر لقوته وصلابته. وزيما: متفرقا. والأكم: هي الأراضي المرتفعة. والتنعيل: شد النعل على ظفر الدابة ليقيها الحجارة.\n(٢٥) الأوب (بالفتح): سرعة التقلب والرجوع. وعرقت: أي وقت عرقهالا لتعب ولا لإعياء، لما تقدم من وصفها بالقوة والصلابة، بل لشدة الحر. وتلفح: اشتمل والتحف. والقور (بضم القاف). جمع قارة، وهي الجبل الصغير. والعساقيل: السراب يصف سرعة ذراعي ناقته في وقت الهاجرة وانتشار السراب فوق صغار الجبال.\n(٢٦) الحرباء (بالكسر): ضرب من العظاء، يستقبل الشمس حيثما دارت، ويتلون بألوان الأمكنة التي يحل فيها. ومصطخدا: محترقًا بحر الشمس. وضاحيه: ما برز للشمس منه ومملول: موضوع في الملة، وهي الرماد الحار.\n(٢٧) الحادي: السائق للإبل. والورق: جمع أورق أو ورقاء، وهو الأخضر الذي يضرب إلى السواد؛ وقيل: الورقة: لون يشبه لون الرماد. والجنادب: جمع جندب: ضرب من الجراد. ويركضن الحصى: يحركنه بأرجلهن لقصد النزول، بسبب الإعياء عن الطيران، من شدة الحر. وقيلوا: أمر من قال يقيل قيلولة، وهي الاستراحة في وقت شدة الحر.\n(٢٨) شد النهار: وقت ارتفاعه، وهو مبالغة في شدة الحر. والعيطل: الطويلة. والنصف: المتوسطة في السن، والنكد: جمع نكداء، وهي التي لا يعيش لها ولد. والمثاكيل: جمع مثكال بالكسر، وهي الكثيرة الثكل.\n(٢٩) النواحة: الكثيرة النوح على ميتها. ورخوة الضبعين: مسترخية العضدين. والبكر بالكسر: أول الأولاد. والناعون: المخبرون بالموت، النادبون له، والمعقول (هنا): العقل.\n(٣٠) الغواة: المفسدون، جمع غاو. جنابيها: حواليها، تثنية جناب (بفتح الجيم) ومقتول: أي متوعد بالقتل، لأن النبي ﷺ كان قد أهدر دمه.\n(٣٣) نبئت: أخبرت. ويروى: (أنبئت). وأوعدني: تهددني بالقتل. ومأمول: مرجو ومطموع فيه.","vol":"2","page":957},{"text":"٣٤ - فقد أتيت رسول الله معتذرًا ... والعذر عند رسول الله مقبول\n٣٥ - مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـقرآن فيها مواعيظ وتفصيل\n٣٦ - لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل\n٣٧ - لقد أقوم مقامًا لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل\n٣٨ - لظل يرعد إلا أن يكون له ... من الرسول بإذن الله تنويل\n٣٩ - حتى وضعت يميني ما أنازعه ... في كف ذي نقما تقيله القيل\n٤٠ - فلهو أخوف عندي إذ أكلمه ... وقيل إنك منسوب ومسئول\n٤١ - من ضيغم بضراء الأرض مخدره ... في بطن عثرغيل دونه غيل\n٤٢ - يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحم من الناس معفور خراديل\n_________\n(٣٥) هداك: زادك هدى، أو هداك الله للصفح والعفو عني، فيكون على هذا داعيًا لنفسه. والنافلة: الزيادة، وسمي القرآن نافلة لأنه عطية زائدة على النبوة.\n(٣٧) لقد أقوم: معناه: والله لقد أقوم مقامًا، فهو جواب قسم محذوف.\n(٣٨) يرعد: تأخذه الرعدة، ويصح بناؤه للمفعول. والتنويل: التأمين. والمعنى: لصار الفيل يضطرب ويتحرك من الفزع، وإنما خصه بذلك لأنه أراد التعظيم والتهويل، والفيل أعظم الدواب جثة وشأنًا. إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله تأمين يسكن به روعه، وتثبت به نفسه.\n(٣٩) حتى وضعت: أي فوضعت ولا أنازعه: أي حال كوني طائعًا له، راضيًا بحكمه في، غير منازع له ولا مخالف. والنقمات (بفتح فكسر) جمع نقمة، والمراد بصاحب النقمات: النبي ﷺ، لأنه كان ينتقم من الكفار، فكان شديد السطوة والإغلاظ فيهم. وقيله: قوله. والمراد أن قوله معتد به لكونه نافذًا ماضيًا. يشير بالبيت إلى حاله مع النبي ﷺ حين قدم عليه وهو في المسجد، ووضع يده في يده يستأمنه.\n(٤٠) أخوف: أشد إخافة وغرهابًا. ومنسوب: أي إلى أمور صدرت منك.\n(٤١) ضيغم: أسد. وضراء الأرض: الأرض التي فيها شجر.\nوالمخدر: غابة الأسد. وعثر: اسم مكان مشهور بكثرة السباع.\nوالغيل: الشجر الكثير الملتف.\nوغيل دونه غيل: أي أجمة تقربها أجمة أخرى، فتكون أسدها أشد توحشًا، وأقوى ضراوة. يريد أن الرسول ﷺ أكثر هيبة من الأسود في عثر آجامها.\n(٤٢) يغدو: يخرج في أول النهار يتطلب صيدًا لشبليه.\nأي يطعم. ويلحم: يطعمهما اللحم.\nوالضرغام: الأسد ويريد بالضرغامين شبليه.\nومعفور: ملقى في العفر، وهو التراب. ووصفه بذلك لكثرته وعدم اكتراثه به لشبعه. وخراديل: قطع صغار. يصف هذا الأسد بكثرة الافتراس، وعظم الاصطياد.","vol":"2","page":958},{"text":"٤٣ - إذا يساور قرنًا لا يحل له ... أن يترك القرن إلا وهو مفلول\n٤٤ - منه تظل سباع الجو نافرة ... ولا تمشي بواديه الأراجيل\n٤٥ - ولا يزال بواديه أخو ثقة ... مصرج البز والدرسان مأكول\n٤٦ - إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول\n٤٧ - في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا\n٤٨ - زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل\n_________\n(٤٣) يساور: يواثب.\nوالقرن: المقاوم في الشجاعة. وفي ذكر القرن إشارة في القوة إلى أن هذا الأسد لا يساور ضعيفًا ولا جبانًا وإنما يساور مقاومه في الشجاعة ومساويه.\nوالمفلول: المكسور المهزوم.\n(٤٤) الجو: اسم موضع، أو هو ما اتسع من الأودية، أو ما بين السماء والأرض.\nونافرة: بعيدة، ويروى: (ضامزة) والضامز: الذي يمسك جرته بفيه ولا يجتر. ويروى: (ضامرة) أي جياعًا لعدم قدرتها على الاصطياد.\nوالأراجيل: الجماعات من الرجال، وهو جمع أرجال، وأرجال: جمع رجل، ورجل: اسم جمع لراجل، يصف هذا الأسد بالقوة، حتى خافته السباع والناس.\n(٤٥) أخو ثقة: الشجاع الواثق بشجاعته.\nومضرج: مخضب بالدماء.\nوالبز: السلاح.\nوالدرسان (بضم الدال): أخلاق الثياب.\nالواحد دريس. ومأكول: أي طعام لذلك الأسد. يريد أنه لا يمر بوادي هذا الأسد شجاع إلا أكله وطرح ثيابه التي مزقها، فلا يولع إلا بالشجعان، ولا يلتفت لغيرهم.\n(٤٦) يستضاء به: يهتدى به إلى الحق.\nوالمهند: السيف المطبوع في الهند، وسيوف الهند قديمًا أحسن السيوف.\nومن سيوف الله: أي من سيوف عظمها الله بنيل الظفر والانتقام.\nوالمسلول: المخرج من غمده.\n(٤٧) العصبة: الجماعة.\nويروى: \"في فتية\" جمع فتى، وهو السخي الكريم.\nوزولوا: فعل أمر من زال التامة، أي تحولوا وانتقلوا من مكة إلى المدينة.\n(٤٨) الأنكاس: جمع نكس (بالكسر) وهو الرجل الضعيف. والكشف (بضم فسكون وحرك للشعر): جمع اكشف، هو الذي لا ترس معه، أو هم الشجعان الذين لا ينكشفون في الحرب، أي لا ينهزمون.\nوالميل: جمع أميل، وهو الذي لا سيف له، أو هو الذي لا يحسن الركوب، فيميل عن السرج.\nوالمعازيل: الذين لا سلاح معهم، واحدهم معزال (بكسر الميم).","vol":"2","page":959},{"text":"٤٩ - شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل\n٥٠ - بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول\n٥١ - ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قومًا وليسوا مجازيعًا إذا نيلوا\n٥٢ - يمشوا مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل\n٥٣ - لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل\n* * *\n_________\n(٤٩) شم: جمع أشم، وهو الذي في قصبة أنفه علو، مع استواء أعلاه.\nوالعرانين: جمع عرنين، وهو الأنف. وصفهم بهذا الوصف إما على الحقيقة لأن ارتفاع الأنف من الصفات المحمودة في خلق الإنسان، وإما على المجاز، يريد ارتفاع أقدارهم، وعلو شأنهم.\nواللبوس: ما يلبس من السلاح.\nونسج داود: أي منسوجه، وهو الدروع.\nوالهيجا (بالقصر هنا): الحرب.\nوالسرابيل: جمع سربال، وهو القميص أو الدرع. ووصفها بأنها من نسج داود دليل على مناعتها.\n(٥٠) بيض: مجلوة صافية مصقولة، لأن الحديد إذا استعمل لم يركبه الصدأ.\nوالسوابغ: الطوال السوابل، ويلزم من طول الدروع قوة لابسيها، إذ حملها مع طولها يدل على القوة والشدة.\nوشكت: أدخل بعضها في بعض.\nويروى: (سكت) بمعنى ضيقت.\nوالقفعاء: ضرب من الحسك، وهو نبات له شوك ينبسط على وجه الأرض، تشبه به حلق الدروع.\nومجدول: محكم الصنعة.\n(٥١) مفاريح: كثيرو الفرح.\nونالوا: أصابوا.\nومجازيع: كثيرو الجزع.\n(٥٢) الزهر: البيض. يصفهم بامتداد القامة، وعظم الخلق، والرفق في المشي، وبياض البشرة، وذلك دليل على الوقار والسؤود.\nويعصمهم: يمنعهم.\nوعرد: فر وأعرض عن قرنه وهرب عنه.\nوالتنابيل: جمع تنبال، وهو القصير.\n(٥٣) وقوع الطعن في نحورهم: دليل على أنهم لا ينهزمون حتى يقع الطعن في ظهورهم.\nوحياض الموت: موارد الحتف، يريد بها ساحات القتال.\nوتهليل: تأخر.","vol":"2","page":960},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>فوائد عامة من أحداث السنة الثامنة</span>\n١ - قبل فتح مكة كانت الدولة الإسلامية هي المدينة المنورة فقط، هذه الدولة لها نفوذ حيث وجد إسلام، ولها عيون حيث وجد إسلام، تربطها مع بعض القبائل شيء من المعاهدات، وكان المطلوب من كل مسلم غير عاجز أو غير مكلف بمهمة تقتضي مقامه حيث هو أن يهاجر إلى المدينة المنورة وبفتح مكة تغيرت الصورة، فالدولة الإسلامية توسعت حدودها، وستصل هذه الحدود إلى حيث يخضع الناس لأمير مسلم ولأحكام الإسلام ومن خلال هذا ستأخذ الدولة أبعادها، وكان رمز ذلك كله أن يدفع الناس الزكاة لمن يوليهم رسول الله ﷺ عليها، فمنطقة أميرها مقر من رسول الله ﷺ وتدفع الزكاة لمن ولاه رسول الله ﷺ هي جزء من الدولة الإسلامية وسنرى في أحداث السنة التاسعة أن هذه القضية كانت من أهم ما ركز عليه رسول الله ﷺ بعد الفتح.\n٢ - كانت الحركة العسكرية قبل الفتح هي السبيل الوحيد لإيصال الدعوة، وتجربتا الرجيع وبئر معونة أثبتتا ذلك. أما بعد الفتح فقد تغيرت المعالم إذ أصبح بالإمكان الدعوة من غير حركة عسكرية ولذلك نجد بعوث الدعوة ووفود المستجيبين أو السائلين والتأمير على الناس وجمع الزكوات أو الجزية أو الخراج أو ما اتفق عليه بصلح، كل هذه المعاني أصبحت تشكل مظاهر الحركة بعد الفتح.\n٣ - من مفاتيح الفهم لحركة السنة الثامنة فما بعد أنها أصبحت تستهدف الأوثان والأصنام بشكل مباشر كان تهديم وثن يكلف كثيرًا، ولكن بعد تطهير مكة من الأوثان والأنصاب أصبح استئصال الوثنية سهلًا.\nلذلك نجد في أحداث السنة الثامنة والتاسعة والعاشرة التركيز على تهديم هذه الأصنام حيث كانت ولم يتوف رسول الله ﷺ إلا وقد زالت الوثنية من أرض العرب من خلال عدد من الإجراءات التي قام بها رسول الله ﷺ.\n٤ - قلة من القادة الذين يستطيعون إدراك طاقات الرجال والاستفادة منها وتدريبها وتنميتها وصقلها، والناجحون هم الذين يضعون الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي","vol":"2","page":961},{"text":"الدعوات التي تقوم على أساس عقدي أو فكري يعتبر الزمن عاملًا من عوامل التقسيم، وندر من يستطيع التقدم بمجرد الدخول في الدعوة، ولا شك أن الاحتياط ضروري، ولكن هناك حالات لا مبرر فيها للاحتياط إذا دلت ظواهر قاطعة على النضج والصدق، والوحي في حياة رسول الله ﷺ والأمارات وفراسة رسول الله ﷺ الصادقة كل ذلك لا يمر معه كذب الكاذبين، وبالتالي فبالإمكان أن يستفاد من صدق الصادقين مباشرة والملاحظ أنه لم يمر على إسلام خالد وعمرو بن العاص إلا فترة قريبة حتى بدأ رسول الله ﷺ يكلفهما بمهمات ويؤمرهما على من هم أقدم إسلامًا منهما، وفي ذلك درس للحركة الإسلامية.\n٥ - من أحداث السنة الثامنة أن بعض عبدان الطائف فروا إلى رسول الله ﷺ فحررهم، ثم لم يرجعهم إلى العبودية حتى بعد إسلام سادتهم ولقد دفع كل واحد من هؤلاء إلى رجل يطعمه ويؤويه ويعلمه، وفي هذه الحادثة درس من أعظم دروس السيرة النبوية: من ذلك أن نقل العبيد إلى الحرية يقتضي إجراءات مناسبة حتى لا يضيع هؤلاء ومن هذه الدروس وهي أهمها نقل التكاليف العامة إلى تكاليف خاصة، وهذه من أوائل مهام القيادات والأمراء.\nفمهما كانت الجماعات راقية، والمجتمعات متكاتفة عارفة بواجباتها فإن إمكانية ضياع الحقوق والتكاليف العامة موجودة ما لم تتحول هذه التكاليف العامة إلى تكليف محدد لشخص محدد، ومن هنا أوجدت المؤسسات والوظائف والجهات المختصة، وهذا المعنى نجده بارزًا في حياة رسول الله ﷺ، فما من تكليف عام إلا وينقله إلى تكليف شخصي، فههنا عبيد أسلموا فحررهم وكلف بكل واحد منهم من يقوم بأوده، وهذا دأبه ﵊ في الواجبات العامة من جهاد إلى تعليم إلى ضيافة إلى غير ذلك من مهام.\n* * *","vol":"2","page":962},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>السنة التاسعة للهجرة</span>","vol":"2","page":963},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>أحداث السنة التاسعة في سطور</span>\nتتميز مرحلة ما بعد الفتح بأنها مرحلة إقبال على الإسلام، دخل الناس فيها أفواجًا فهي من ناحية استمرار لما قبلها في الدعوة والتربية والعلم والقتال، ومن ناحية أخرى فقد تميزت بكثرة الوفود وببعوث الدعوة وبعوث جمع الزكاة وتوزيعها وكثيرًا ما يختلف كتاب السير حول وفد أو جامع زكاة متى قدم الأول، ومتى أرسل الثاني، ولا يترتب في الغالب على ذلك عمل وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية الأحداث المشهورة في سنة تسع، كغزوة تبوك، وهدم مسجد الضرار. وذكر بمناسبة أن السنة التاسعة هي سنة الوفود ما تيسر له جمعه عن الوفود، فذكر وفودًا وفدت قبل سنة تسع، ووفودًا جاءت سنة تسع. وتتبع في الرحيق المختوم ما ذكره كتاب السير من أسماء المصدقين الذين أرسلهم رسول الله ﷺ لجمع الزكوات وتوزيعها. كما ذكر أهم أحداث السنة التاسعة، وعقد للوفود بابًا تحدث فيه عن أهمها. ونحن هنا نقدم لك ثبتًا بأسماء المصدقين كما أوردهان وخلاصة بأحداث هذه السنة أحيانًا بعبارته وأحيانًا باستخلاص من سياقاته، ثم نقدم لك ثبتًا بأسماء الوفود التي وفدت على رسول الله ﷺ في السنة التاسعة أخذًا من ابن كثير، وكل ذلك بين يدي الفصول التي نعقدها لبعض أحداث هذا العام:\n- قائمة بأسماء المصدقين إلى القبائل:\n(١) عيينة بن حصن إلى بني تميم.\n(٢) يزيد بن الحصين إلى أسلم وغفار.\n(٣) عباد بن بشر الأشهلي إلى سليم ومزينة.\n(٤) رافع بن مكيث إلى جهينة.\n(٥) عمرو بن العاص إلى بني فزارة.\n(٦) الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب.","vol":"2","page":965},{"text":"(٧) بشير بن سفيان إلى بني كعب.\n(٨) ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان.\n(٩) المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء (وخرج عليه الأسود العنسي وهو بها).\n(١٠) زياد بن لبيد إلى حضر موت.\n(١١) عدي بن حاتم إلى طيء وبني أسد.\n(١٢) مالك بن نويرة إلى بني حنظلة.\n(١٣) الزبرقان بن بدر إلى بني سعد. (إلى قسم منهم).\n(١٤) قيس بن عاصم إلى بني سعد (إلى قسم آخر منهم).\n(١٥) العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.\n(١٦) علي بن أبي طالب إلى نجران (لجمع الصدقة والجزية كليهما).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>من أهم أحداث السنة التاسعة</span>\n* سرية عيينة بن حصن الفزاري - في المحرم سنة ٩ هـ إلى بني تميم، في خمسين فارسًا، لم يكن فيهم مهاجري ولا أنصاري. وسببها أن بني تميم كانوا قد أغروا القبائل، ومنعوهم عن أداء ما يستحق عليهم.\nوخرج عيينة بن حصن يسير الليل ويكمن النهار حتى هجم عليهم في الصحراء فولى القوم مدبرين، وأخذ منهم أحد عشر رجلًا وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيًا، وساقهم إلى المدينة، فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث. وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم، ثم اسلموا فأجازهم رسول الله ﷺ، فأحسن جوائزهم، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم.\n* سرية قطبة بن عامر إلى حي من خثعم بناحية تبالة، بالقرب من تربة، في صفر","vol":"2","page":966},{"text":"سنة ٩ هـ خرج قطبة في عشرين رجلًا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فشن الغارة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعًا، وقتل قطبة مع من قتل، وساق المسلمون النعم والنساء والشاء إلى المدينة.\n* سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة ٩ هـ بعثت هذه السرية إلى بني كلاب لدعوتهم إلى الإسلام، فأبوا وقاتلوا فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم رجلًا.\n* سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى سواحل جدة في شهر ربيع الآخر سنة ٩ هـ في ثلاثمائة. بعثهم إلى رجال من الحبشة كانوا قد اجتمعوا بالقرب من سواحل جدة للقيام بأعمال القرصنة ضد أهل مكة، فخاض علقمة البحر حتى انتهى إلى جزيرة، فلما سمعوا بمسير المسلمين إليهم هربوا.\n* سرية علي بن أبي طالب إلى صنم لطيء يقال له الفلس - ليهدمه - في شهر ربيع الأول سنة ٩ هـ. بعثه رسول الله ﷺ في خمسين ومائة على مائة بعير وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة حاتم مع الفجر، فهدموه وغنموا. اهـ من الرحيق.\n* وفي رجب من سنة ٩ هـ حدثت غزوة تبوك، وسببها أن رسول الله ﷺ بلغه أن قيصر يعد العدة لحرب المسلمين، وقد جاء المسلمون إلى تبوك على حدود الشام ولم يأت الروم للحرب، فكان ذلك إثباتًا لقوة الإسلام على حدود الدولة البيزنطية ومحوًا لأثر التراجع الذي تراجع به المسلمون يوم مؤتة. وكانت هذه الغزوة فتحًا كبيرًا في مجموع ما انبثق عنها، فلقد كانت تبوك في هذه الغزوة قاعدة عمليات لرسول الله ﷺ تمخض عنها عهود وموادعات وسيطرة واستسلام. وقد ذكر ابن إسحاق مجيء صاحب أيلة وصلحه معر سول الله ﷺ وإعطاءه الجزية، ومجيء أهل جرباء وأذرح ومصالحتهم وإعطاءهم الجزية، وبعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وأسره ومصالحته على دفع الجزية، وفي تبوك جاء رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ فرأى من الآيات ولم يكن هرقل متحمسًا للصراع مع رسول الله","vol":"2","page":967},{"text":"ﷺ فكانت غزوة تبوك فتحًا أشعرت عرب الشام أن رسول الله ﷺ هو سيد الموقف.\n* وفي هذه السنة آلى رسول الله ﷺ من أزواجه شهرًا.\n* وفي هذه السنة وقعت عدة وقائع لها أهمية:\n- بعد قدوم رسول الله ﷺ من تبوك وقع اللعان بين عويمر العجلاني وامرأته.\n- رجمت المرأة الغامدية التي جاءت فاعترفت على نفسها بالفاحشة رجمت بعد ما فطمت ابنها.\n- توفي النجاشي أصحمة، ملك الحبشة. وصلى عليه رسول الله ﷺ صلاة الغائب.\n- توفيت أم كلثوم بنت النبي ﷺ، فحزن عليها حزنًا شديدًا وقال لعثمان: لو كانت عندي ثالثة لزوجتكها.\n- مات رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بعد مرجع رسول الله ﷺ من تبوك، فاستغفر له رسول الله ﷺ، وصلى عليه بعد ان حاول عمر منعه عن الصلاة عليه، وقد نزل القرآن بعد ذلك بموافقة عمر.\n* هدم رسول الله ﷺ مسجد الضرار عند عودته من غزوة تبوك.\n* وفي ذي القعدة أو ذي الحجة من السنة التاسعة بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ أميرًا على الحج ليقيم بالمسلمين المناسك، ثم نزلت أوائل سورة براءة التي منعت حج المشركين، وبعث أبو بكر ﵁ رجالًا ينادون في الناس ألا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.\n* في هذا العام تتابعت الوفود على رسول الله ﷺ، ولقد بلغ عدد الوفود التي جاءت إلى رسول الله ﷺ سبعين وفدًا. وكان حظ هذه السنة من هذه الوفود الحظ الأوفر، ولم تمض هذه السنة حتى سيطر الإسلام على الجزيرة العربية كلها تقريبًا وهي ما هي مساحة، وأهلها أكثر خلق الله استعصاء على الانقياد والوحدة، حتى إنه لم يسيطر على جزيرة العرب ولم يوحدها أحد قبل محمد ﷺ، وهاك قائمة ببعض وفود السنة التاسعة:","vol":"2","page":968},{"text":"وفد بني أسد - وفد بني عبس - وفد بني فزارة - وفد بني مرة - وفد بني ثعلبة - وفد بني محارب - وفد بني كلاب - وفد بني رؤاس من كلاب - وفد بني عقيل بن كعب - وفد بني قشير بن كعب - وفد بني البكاء - وفد كنانة - وفد أشجع - وفد باهلة - وفد بني سليم - وفد بني هلال بن عامر - وفد بني بكر بن وائل - وفد بني تغلب - وفد ثقيل - وفد تجيب - وفد خولان - وفد جعفى - وفد الأزد - وفد كندة - وفد الصدف - وفد خشين - وفد بني سعد - وفد بني حنيفة - وفد همدان - وفد بلي - وفد عذرة - وفد عبد القيس.\n* * *\nتكاد السنوات الأخيرة في حياة رسول الله ﷺ تكون متشابهة: السنة التاسعة والعاشرة وجزء من الحادية عشر سنة الوفاة، فلا زالت السرايا تجول، وحدث في السنة التاسعة غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، ومع السرايا هناك بعوث الدعوة، وهناك الوفود، وهناك جمع الصدقات وتوزيعها، وصهر الناس وتربيتهم قائم على قدم وساق، وقد توج هذا الصهر بحجة الوداع في السنة العاشرة.\n* * *","vol":"2","page":969},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>فصل: في غزوة تبوك</span>\n٦٧٦ - * روى الحاكم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: غزا رسول الله ﵌ إحدى وعشرين غزوة، وشهدت معه تسع عشرة غزوة، وكان آخر غزوة غزاها رسول الله ﵌ تبوك.\n٦٧٧ - * روى الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة ﵄ قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة، فينشرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره، ويقول: \"ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم\" مرتين.\n٦٧٨ - * روى البزار عن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن العسرة فقال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويضعه على بطنه، فقال أبو بكر الصديق؛ يا رسول الله، إن الله عودك في الدعاء خيرًا، فادع فقال النبي ﷺ \"أتحب ذلك يا أبا بكر\" قال: نعم. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت عن العسكر.\n٦٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري، ﵁ قال: أرسلني\n_________\n٦٧٦ - المستدرك (٣/ ٥٦٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\n٦٧٧ - الترمذي (٥/ ٦٢٦) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٩ - باب في مناقب عثمان بن عفان، ﵁. وإسناده حسن.\n٦٧٨ - كشف الأستار (٢/ ٣٥٤).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٩٤): رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار ثقات.\nالفرث: هو ما في الكرش من سرجين.\n٦٧٩ - البخاري (٨/ ١١٠). ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٨ - باب غزوة تبوك، وهي غزوة العسرة.\nومسلم واللفظ له (٣/ ١٢٦٩) ٢٧ - كتاب الأيمان - ٣ - باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها، أن=","vol":"2","page":970},{"text":"أصحابي إلى رسول الله ﷺ، أسأله لهم الحملان، إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: \"والله لا أحملكم على شيء\" ووافقته وهو غضبان، ولا أشعر، فرجعت حزينًا من منع رسول الله ﷺ، ومن مخافة أن يكون رسول الله ﷺ قد وجد في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي، فأخبرتهم الذي قال النبي ﷺ، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالًا ينادي: أي عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك، فلما أتيت رسول الله ﷺ قال: \"خذ هذين القرينين، وهذين القرينين وهذين القرينين - لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد - فانطلق بهن إلى أصحابك، فقل: إن الله - أو قال: إن رسول الله - يحملكم على هؤلاء، فاركبوهن\" قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي بهن، فقلت: إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء، ولكن والله، لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ، حين سألته لكم، ومنعه في أول مرة، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك، لا تظنوا أني حدثتكم شيئًا لم يقله، فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ ومنعه إياهم، ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء.\nقال ابن حجر في الفتح: فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفًا لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور؟ لأنه ﷺ قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة. وتبوك مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال بين المدينة وبينه أربع عشرة مرحلة.\nوكان السبب فيما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين\n_________\n= يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه.\nالحملان: الحمل، حملته على الدابة، أحمله حملًا وحملانًا، وذلك أنه جاء يطلب منه شيئًا يركبون عليه.\nالقرينين: القرين الجمل يقرن بجمل آخر، فكلاهما قرينان.","vol":"2","page":971},{"text":"يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعًا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء، فندب النبي ﷺ الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك. وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال: (كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: أن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلًا من عظمائهم يقال له قباذ وجهز معه أربعين ألفًا، فبلغ النبي ﷺ ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيرًا إلى الشام فقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال فسمعته يقول: \"لا يضر عثمان ما عمل بعدها\" وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حيان نحوه، وذكر أبو سعيد في \"شرف المصطفى\" والبيهقي في \"الدلائل\" من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم (أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها) (١) الآية، انتهى، وإسناده حسن مع كونه مرسلًا. أ. هـ.\n٦٨٠ - * روى أبو داود عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: نادى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فخرجت إلى أهلي، فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله ﷺ - فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلًا له سهمه، فنادى شيخ من الأنصار، قال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة، وطعامه معنا؟ قلت: نعم، قال: فسر على بركة الله، قال: فخرجت مع خير صاحب، حتى أفاء الله علينا، فأصابني قلائص، فسقتهن حتى أتيته، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات، ثم قال:\n_________\n(١) الإسراء: ٧٦.\n٦٨٠ - أبو داود (٣/ ٥٥)، كتاب الجهاد، باب في الرجل يكري دابته على النصف أو السهم. بسند حسنه بعضهم.\nعقبة: حملت فلانًا عقبة: إذا أركبته وقتًا، وأنزلته وقتًا، فهو يعقب غيره في الركوب، أي يجيء بعده.\nقلائص: القلائص: جمع قلوص، وهي الناقة.","vol":"2","page":972},{"text":"سقهن مقبلات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كرامًا، قال: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك أردنا.\n٦٨١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما سار رسول الله ﵌ إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان. فيقول رسول الله ﵌: \"دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه\" حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره. فقال رسول الله ﵌: \"دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه\". فتلوم أبو ذر ﵁ على بعيره فأبطأ عليه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه، فجعله على ظهره، فخرج يتبع رسول الله ﵌ ماشيًا، ونزل رسول الله ﵌ في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق. فقال رسول الله ﵌: \"كن أبا ذر\" فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله ﵌: \"رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده\" فضرب الدهر من ضربته وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت، أوصى امرأته وغلامه إذا مت فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك، فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقالوا ما هذا؟ فقيل جنازة أبي ذر فاستهل ابن مسعود ﵁ يبكي، فقال: صدق رسول الله ﵌ يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه، فلما قدموا المدينة ذكر لعثمان قول عبد الله وما ولي منه.\n_________\n٦٨١ - المستدرك (٣/ ٥٠)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: فيه إرسال.\nتلوم في الأمر: تمكث.\nالربذة: قرية قرب المدينة.\nأجنه: ستره ودفنه.","vol":"2","page":973},{"text":"٦٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: \"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي؟ \".\nوفي رواية مثله (١)، ولم يقل فيه: \"غير أنه لا نبي بعدي\".\nولمسلم (٢): أن رسول الله ﷺ قال لعلي: \"أنت مني بمنزلة هارون منموسى، إلا أنه لا نبي بعدي\".\nقال ابن المسيب: فأحببت أن أشافه بها سعدًا. فلقيت سعدًا فحدثته بما حدثني عامر. فقال: أنا سمعته. فقلت: أنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم. وإلا فاستكتا.\nوفي رواية الترمذي مختصرًا (٣): أنه قال لعلي: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى\".\n٦٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله ﷺ: \"اخرصوها\" فخرصناها، وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال: \"أحصيها، حتى نرجع إليك إن شاء الله\" وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ: \"ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان\n_________\n٦٨٢ - البخاري (٨/ ١١٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٨ - باب غزوة تبوك.\nومسلم واللفظ له (٤/ ١٨٧٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٤ - باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁.\n(١) مسلم (٤/ ١٨٧١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٤ - باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق (٤/ ١٨٧٠).\nاستكتا: أي: صمتا.\n(٣) الترمذي (٥/ ٦٤١) ٥٠ - كتاب المناقب - باب (٢١).\n٦٨٣ - البخاري (٣/ ٣٤٣) ٢٤ - كتاب الزكاة - ٥٤ - باب خرص التمر.\nومسلم واللفظ له (٤/ ١٧٨٥) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٣ - باب في معجزات النبي ﷺ.=","vol":"2","page":974},{"text":"له بعير فليشد عقاله\" فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ، وأهدى له بردًا، ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله ﷺ المرأة عن حديقتها: \"كم بلغ ثمرها\"؟ فقالت: عشرة أوسق، فقال رسول الله ﷺ: \"إني مسرع، فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث\" فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة، فقال: \"هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه\" ثم قال: \"إن خير دور الأنصار: دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير\" فلحقنا سعد بن عبادة، فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله ﷺ خير دور الأنصار، فجعلنا آخرًا، فأدرك سعد رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، خيرت دور الأنصار، فجعلتنا آخرًا؟ فقال: \"أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ \".\n٦٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما مر النبي ﷺ بالحجر قال: \"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما\n_________\n= وادي القرى: هو واد بين المدينة والشام وهو بين تيماء وخيبر، من أعمال المدينة، سمي وادي القرى؛ لأن في الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة. لكنها الآن خراب. ومياهها جارية تتدفق ضائعة لا ينتفع بها أحد. فتحها النبي ﷺ بعد فراغه من فتح خيبر سنة سبع.\nاخرصوا: خرص النخل: حزر مقدار ثمرها.\nأوسق: هو جمع وسق. قال في النهاية: الوسق: ستون صاعًا، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق. أي ما يعادل ١٥٠ كغ عند الشافعية، وما يعادل ٢٢٥ كغ عند الحنفية.\nبجبلي طيء: هما مشهوران. يقال لأحدهما: أجأ. والآخر سلمى. وطيء على وزن سيد، وهو أبو قبيلة.\nطابة: اسم المدينة، سماها به رسول الله ﷺ، وكذلك \"طيبة\" وهما من الطيب.\nفائدة: في الرجل الذي حملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء: إن هذا الرجل أهدته طيء إلى رسول الله ﷺ حين قدموا المدينة.\n٦٨٤ - البخاري (٨/ ١٢٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٠ - باب نزول النبي ﷺ الحجر.\nومسلم نحوه (٤/ ٢٢٨٥) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق - ١ - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين.","vol":"2","page":975},{"text":"أصابهم، إلا أن تكونوا باكين\" ثم قنع رأسه وأسرع السير، حتى أجاز الوادي.\nوفي أخرى للبخاري (١): أنه قال لأصحاب الحجر: \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم\".\nوفي أخرى لمسلم (٢): أنه قال لأصحاب الحجر: \"لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين .. \" ثم ذكر مثله.\n٦٨٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر - أرض ثمود - فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.\nوللبخاري (٤): أن رسول الله ﷺ، لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم: أن لا يشربوا من بئارها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم النبي ﷺ أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء.\n٦٨٦ - * روى أحمد والبزار عن جابر أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك، قامي خطب الناس، فقال: \"يا أيها الناس! لا تسألوا نبيكم عن الآيات، أو لا تسألوا نبيكم الآيات، فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية، فبعث الله ﵎ لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج، فتشرب ماءهم يوم وردها،\n_________\n(١) البخاري (٨/ ١٢٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٠ - باب نزول النبي ﷺ الحجر.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٨٥) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق - ١ - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم: إلا أن تكونوا باكين.\n٦٨٥ - البخاري (٦/ ٣٧٨) ٦٠ - كتاب الأنبياء - ١٧ - باب قول الله تعالى [٧٣: الأعراف]: (وإلى ثمود أخاهم شعيبًا) وقوله [٨٠: الحجر]: (كذب أصحاب الحجر).\nومسلم واللفظ له (٤/ ٢٢٨٦) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق - ١ - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن\n(٤) البخاري (٦/ ٣٧٨) ٦٠ - كتاب الأنبياء - ١٧ - باب قول الله تعالى [٧٣: الأعراف]: (وإلى ثمود أخاهم شعيبًا) وقوله [٨٠: الحجر]: (كذب أصحاب الحجر).\n٦٨٦ - كشف الأستار (٢/ ٣٥٦) ومسند أحمد (١/ ٢٩٦) نحوه.=","vol":"2","page":976},{"text":"وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، فعقروا الناقة، فقيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، أو قيل لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاثة أيام، ثم جاءتهم الصيحة، فأهلك الله من كان تحت مشارق الأرض ومغاربها منهم إلا رجلًا كان في حرم الله، فمنعه من عذاب الله\" قالوا: يا رسول الله! من هو؟ قال: \"أبو رغال\" قيل: ومن أبو رغال؟ قال: \"جد ثقيف\".\n٦٨٧ - * روى الحاكم عن معاذ بن جبل قال: كنا مع رسول الله ﵌ في غزوة تبوك، فقال لي: \"إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه\" قال: قلت: أجل يا رسول الله، قال: \"أما رأس الأمر فالإسلام وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد\".\n٦٨٨ - * روى أحمد عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديًا، فنادى أن رسول الله ﷺ آخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينا رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوق به عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة. \"قد قد\" حتى هبط رسول الله ﷺ، فلما هبط رسول الله ﷺ نزل، ورجع عمار فقال: \"يا عمار هل عرفت القوم\" فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: \"هل تدري ما أرادوا\"؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: \"أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه\" قال: فساب عمار ﵁ رجلًا من\n_________\n= قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٩٦): رواه الطبراني في الأوسط والبزار وأحمد بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح.\nعتوا: عتا عتو وعتيا: استكبرو وجاوز الحد. فهو عات.\nفعقروا: أي: نحروا.\n٦٨٧ - المستدرك (٢/ ٧٦)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره زوائد الذهبي.\n٦٨٨ - أحمد في مسنده (٥/ ٤٥٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٩٥): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\nقد قد: حسبي حسبي.\nينفروا برسول الله: أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله ﷺ ليقع عنها.=","vol":"2","page":977},{"text":"أصحاب رسول الله ﷺ فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة فقال: أربعة عشر. فقال: إن كنت فيهم كانوا خمسة عشر، فعد رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. قال الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله ﷺ قال للناس، ذكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله ﷺ مناديًا فنادى: \"أن لا يرد الماء أحد قبل رسول الله ﷺ\" فورده رسول الله ﷺ فوجد رهطًا قد وردوه قبله فلعنهم رسول الله ﷺ يومئذ.\n٦٨٩ - * روى أحمد والبزار عن حذيفة قال: خرج النبي ﷺ يوم غزوة تبوك فبلغه أن في الماء قلة فأمر مناديًا فنادى في الناس: \"أن لا يسبقني في الماء أحد\" فأتى الماء وقد سبقه قوم فلعنهم.\n٦٩٠ - * روى الطبراني عن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: خرج رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك وكنت على خدمته ذلك السفر، فنظرت على نحي السمن قد قل ما فيه، وهيأت للنبي ﷺ طعامًا فوضعت النحي في الشمس ونمت، فانتبهت بخرير النحي، فقمت فأخذت برأسه بيدي، فقال رسول الله ﷺ، ورآني: \"لو تركته لسال واديًا سمنًا\".\n٦٩١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب رضي الله\n_________\n= لا يرد الماء أحد قبل رسول الله ﷺ: ليبارك فيه قبل أن ينزحه الناس، وكان من عادته أن يدعو في الشيء القليل فيكثره الله.\n٦٨٩ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٩١).\nالبزار نحوه: كشف الأستار (٢/ ٣٥٧).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٩٥): رواه أحمد والبزار بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n٦٩٠ - المعجم الكبير (٣/ ١٦٠).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٩١).\nرواه الطبراني من طريقين، إحداهما في علامات النبوة، ورجالها وثقوا.\nالنحي: بالكسر: الزق، أو ما كان للسمن خاصة.\n٦٩١ - البخاري (٨/ ١١٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٩ - باب حديث كعب بن مالك، وقول الله ﷿: [١٨: التوبة]: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا).=","vol":"2","page":978},{"text":"عنه من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك ﵁ يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ، في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عدوًا كثيرًا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان، قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك (١)\n_________\n= ومسلم واللفظ له (٤/ ٢١٢٠) ٤٩ - كتاب التوبة - ٩ - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.\nعير: العير: الإبل والحمير تحمل الميرة والتجارة، ونحو ذلك.\nتواثقنا: التواثق: تفاعل من الميثاق، وهو العهد والحلف.\nراحلتين: الراحلة: الجمل والناقة القويان على الأسفار والأحمال، والهاء فيه للمبالغة، كداهية، وراوية، وقيل: إنما سميت راحلة، لأنها ترحل، أي: تحمل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كقوله تعالى (في عيشة راضية) [الحاقة: ٢١] أي: مرضية.\nورى عن الشيء: إذا أخفاه وذكر غيره.\nمفازًا: المفاز والمفازة البرية القفر، سميت بذلك تفاؤلًا بالفوز والنجاة، وقيل: بل هو من قولهم: فوز: إذا مات.\nفجلا: جلا الشيء: إذا كشفه، أي: أظهر للناس مقصده.\nبوجههم: جهتهم التي يستقبلونها ومقصدهم.=","vol":"2","page":979},{"text":"يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئًا. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو. فهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حت بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: \"ما فعل كعب بن مالك؟ \" فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله ﷺ. فبينا هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ: \"كن أبا خيثمة\" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلًا من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادمًا زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه (١)\n_________\n= أصعر: أميل.\nاستمر الجد: أي تتابع الاجتهاد في السير.\nيتمادى: التمادي: التطاول والتأخر.\nتفارط الغزو: تقدم وتباعد: أي. بعد ما بينه وبين النبي ﷺ وأصحابه من المسافة.\nطفقت: مثل جعلت.\nأسوة: الأسوة - بكسر الهمزة وضمها -: القدوة.\nمغموصًا: المغموص: المعيب المشار إليه بالعيب.\nوالنظر في عطفيه: يقال: فلان ينظر في عطفيه إذا كان معجبًا بنفسه.\nيزول به السراب: زال به السراب يزول: إذا ظهر شخصه خيالًا فيه.\nلمزه: اللمز: العيب.\nقافلًا: القافل: الراجع من سفره إلى وطنه.\nبثي: البث: أشد الحزن، كأنه من شدته يبثه صاحبه أي يظهره.","vol":"2","page":980},{"text":"ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعًا وثمانين رجلًا. فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم. ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت. فلما سلمت تَبَسمَ تَبسُّمَ المغضب ثم قال: \"تعال\" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: \"ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ \" قال قلت: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. لقد أعطيت جدلًا، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أني سخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله ﷿، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.\nقال رسول الله ﷺ: \"أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك\". وسار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال قلت: من هما؟ قالوا، مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي؟ قال: فذكروا\n_________\nأظل: الإظلال: الدنو، وأظلك فلان: أي دنا منك، كأنه ألقى عليك ظله.\nزاح عني الأمر: زال وذهب.\nفأجمعت: أجمعت على الشيء: إذا عزمت على فعله.\nالمخلفون: جمع مخلف، وهم المتأخرون عن الغزو، خلفهم أصحابهم بعدهم فتخلفوهم.\nبضعة: البضع: ما بين الثلاث إلى التسع من العدد.\nووكل سرائرهم: وكلت الشيء إليك: أي رددته إليك، وجعلته إليك. والمراد به: أنه صرف بواطنهم إلى علم الله تعالى.\nظهرك: الظهر هنا: عبارة عما يركب.\nليوشكن: أوشك يوشك: إذا أسرع.\nتجد: تجد من الموجدة: الغضب.\nيؤنبونني: التأنيب: الملامة والتوبيخ.=","vol":"2","page":981},{"text":"لي رجلين صالحين قد شهدًا بدرًا فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس - وقال: تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ﷺ؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت: فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابًا من ملك عسان، وكنت كاتبًا. فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي، إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله (١)\n_________\n= فاستكانا: الاستكانة: الخضوع.\nتسورت الجدار: إذا ارتفعت فوقه وعلوته.\nنبطي: واحد من قوم الأعاجم وهو الفلاح.\nالطعام: القمح.\nمضيعة: المضيعة: مفعلة من الضياع: الاطراح والهوان، كذا أصله، فلما كانت عين الكلمة ياء، وهي مكسورة، نقلت حركتها إلى الفاء وسكنت الياء، فصارت بوزن معيشة، والتقدير فيهما سواء، لأنهما من ضاع وعاش.\nنواسك: المواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق ونحو ذلك.\nفتيممت: التيمم: القصد.\nاستلبث: استفعل، من لبث: إذا أقام وأبطأ.","vol":"2","page":982},{"text":"ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: \"لا، ولكن لا يقربنك\" فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا.\nقال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله ﷿ علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسًا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتوبة ويقولون:\n_________\n= رحب: الرحب: السعة.\nأوفى: على الشيء: إذا أشرف عليه.\nسلع: جبل في أرض المدينة.\nركض: الركض: ضرب الراكب الفرس برجليه ليسرع في العدو.\nآذن: أعلم.\nأتأمم: بمعنى: أتيمم: أي أقصد.\nفوجًا: الفوج: الجماعة من الناس.","vol":"2","page":983},{"text":"لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله ﵁ يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ، قال، وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: \"أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك\" فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: \"لا، بل من عند الله ﷿\" وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك منه، قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك\" قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال: وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، قال: فوالله ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أني حفظني الله تعالى فيما بقي، قال: فأنزل الله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) حتى بلغ: (إنه بهم رؤوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) حتى بلغ: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (١) قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا؛ إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله تعالى: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم\n_________\n= يبرق: برق وجهه: إذا لمع وظهر عليه أمارات السرور والفرح.\nانخلع من مالي: أي أخرج من جميعه، كما يخلع الإنسان قميصه.\nساعة العسرة: سمي جيش تبوك جيش العسرة، لأن رسول الله ﷺ ندب الناس إلى الغزو في شدة الحر، فعسر عليهم، وكان وقت إدراك الثمار.\n(١) التوبة: ١١٧ - ١١٩.","vol":"2","page":984},{"text":"فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) (١).\nقال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه، فبذلك قال الله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.\nوفي رواية (٢): ونهى النبي ﷺ عن كلامي وكلام صاحبي، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا، فلبثت كذلك، حتى طال علي الأمر وما من شيء أهم إلي من أن أموت، فلا يصلي علي النبي ﷺ أو يموت رسول الله ﷺ، فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي علي، فأنزل الله توبتنا على نبيه ﷺ، حين بقي الثلث الآخر من الليل، ورسول الله ﷺ عند أم سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في أمري، فقال رسول الله ﷺ: \"يا أم سلمة، تيب على كعب\"، قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: \"إذا يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليلة\" حتى إذا صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر، آذن بتوبة الله علينا.\nوفي رواية (٣): أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.\n_________\n= رجس: الرجس: النجس.\n(١) التوبة: ٩٥ - ٩٦.\nإرجاء: الإرجاء: التأخير.\n(٢) البخاري (٨/ ٣٤٢) ٦٥ - كتاب التفسير - ١٨ - باب (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) - إلى قوله - (إن الله هو التواب الرحيم).\nيحطمكم الناس: أي يطؤؤنكم ويزدحمون عليكم، وأصل الحكم: الكسر.\n(٣) البخاري (٦/ ١١٣) ٥٦ - كتاب الجهاد - ١٠٣ - باب من أراد غزوة فورى بغيرها، ومن أحب الخروج يوم الخميس.","vol":"2","page":985},{"text":"وفي رواية (١): طرف من هذا الحديث، وفيها زيادة معنى: أن رسول الله ﷺ كان لا يقدم من سفر إلا نهارًا في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه.\nقال محقق الجامع: في هذا الحديث فوائد كثيرة، منها: إباحة الغنيمة لهذه الأمة، إذ قال: يريدون عيرًا لقريش، وفضيلة أهل بدر والعقبة، والمبايعة مع الإمام، وجواز الحلف من غير استحلاف، وتورية المقصد إذا دعت إليه ضرورة، والتأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف عليه، ورد الغيبة، وهجران أهل البدعة، وأن للإمام أن يؤدب بعض أصحابه بإمساك الكلام عنه، واستحباب صلاة القادم، ودخوله المسجد أولًا، وتوجه الناس إليه عند قدومه، والحكم بالظاهر وقبول المعاذير، واستحباب البكاء على نفسه، وأن مسارقة النظر في الصلاة لا تبطلها، وفضيلة الصدق، وأن السلام ورده كلام، وجواز دخول بستان صديقه بغير إذنه، وأن الكتابة لا يقع بها الطلاق ما لم ينوه. وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب، وخدمة المرأة لزوجها، والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه، إذ إن كعبًا لم يستأذن في خدمة امرأته لذلك، وجواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى إذا كان لمصلحة، واستحباب التبشير عند تجدد النعمة واندفاع الكربة، واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة، وسروره بما ينسر أصحابه، والتصدق بشيء عند ارتفاع الحزن، والنهي عن التصدق بكل المال عند خوف عدم الصبر، وإجازة التبشير بخلعة، وتخصيص اليمين بالنية، وجواز العارية ومصافحة القادم، والقيام له، واستحباب سجدة الشكر، والتزام مداومة الخير الذي انتفع به.\nفائدة: قال الدكتور السباعي:\nوفي غزوة تبوك أو العسرة آيات بينات على ما يفعله الإيمان الصادق في نفوس المؤمنين من إثارة عزائمهم للقتال واندفاع أيديهم في بذل المال ومن استعذابهم الحر والعناء والتعب\n_________\n(١) مسلم (١/ ٤٩٦) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - ١٢ - باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه.","vol":"2","page":986},{"text":"الشديد في سبيل الله ومرضاته، ولذلك لما تخلف ثلاثة من المؤمنين الصادقين في إيمانهم عن هذه الغزوة من غير عذر، أمر الرسول ﷺ بمقاطعتهم، فامتنع أزواجهم وآباؤهم عن مكالمتهم فضلًا عن جمهور المسلمين. وقد ربط بعضهم نفسه بعمد المسجد، واحتبس آخر نفسه في البيت، حتى تاب الله عليهم بعد أن أخذ المسلمون درسًا بليغًا فيمن يتخلف عن أداء الواجب لغير عذر، ويؤثر الراحة على التعب، والظل الظليل على حر الشمس وشدتها.\n* * *","vol":"2","page":987},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>فصل: في أسر أكيدر دومة الجندل</span>\n٦٩٢ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذ، فأتوه به، فحقن له دمه وصالحه على الجزية.\nوصل: إسلام عروة بن مسعود\n٦٩٣ - * روى الطبراني عن عروة يعني ابن الزبير قال: لما أنشأ الناس الحج سنة تسع، قدم عروة بن مسعود على رسول الله ﷺ مسلمًا فاستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ: \"إني أخاف أن يقتلوك\" قال لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني. فأذن له رسول الله ﷺ. فرجع إلى قومه مسلمًا. فرجع عشاء فجاء ثقيف يحيونه، فدعاهم إلى الإسلام فاتهموه وأغضبوه وأسمعوه فقتلوه. فقال رسول الله ﷺ: \"مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه\".\n* * *\n_________\n٦٩٢ - أبو داود (٣/ ١٦٦)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أخذ الجزية. بإسناد حسن.\nدومة الجندل: بفتح الدال وضمها: موضع.\nأكيدر: هو صاحبها، وهو أكيدر بن عبد الملك.\nحقن: حقنت دمه: إذا منعت من قتله، والحقن: الجمع.\nفي ابن هشام: أكيدر دومة: رجل من كندة كان ملكًا عليها وكان نصرانيًا. اهـ.\nويقال: إنه من غسان.\nوأكيدر هو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل - بفتح الدال وضمها - وهي على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول ﷺ، وهي قرى وحصن بين الشام والمدينة قرب جبلي طيء، كان ينزلها بنو كنانة من كلب، وبينها وبين وادي القرى أربع ليال إلى تيماء.\n٦٩٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٦)، وقال: رواه الطبراني، وروي عن الزهري نحوه، وكلاهما مرسل، وإسنادهما حسن.","vol":"2","page":988},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>فصل: في الحج سنة تسع</span>\n٦٩٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر، وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه عليًا، فبينا أبو بكر في بعض الطريق، إذ سمع رغاء ناقة رسول الله ﷺ القصواء، فخرج أبو بكر فزعًا فظن أنه رسول الله ﷺ، فإذا هو علي، فدفع إليه كتاب رسول الله ﷺ، وأمر عليًا أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا، فحجا، فقام علي أيام التشريق فنادى: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، وكان علي ينادي، فإذا عيي قام أبو بكر، فنادى بها.\n٦٩٥ - * وروى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث النبي ﷺ بـ (براءة) مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: \"لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي\".\nفدعا عليًا، فأعطاه إياه.\n٦٩٦ - * روى الحاكم عن أبي هريرة قال: كنت مع علي بن أبي طالب ﵁ حين بعثه رسول الله ﵌ إلى أهل مكة ببراءة. فقيل: ما كنتم تنادون فقال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﵌ عهد فأجله ومدة عهده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.\n* * *\n_________\n٦٩٤ - الترمذي (٥/ ٢٧٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ١٠ - باب \"ومن سورة التوبة\". وإسناده حسن.\nالرغاء: صوت البعير.\nالقصواء: بالمد: لقب ناقة رسول الله ﷺ، ولم تكن قصواء، فإن القصواء: هي المشقوقة الأذن من النوق.\nذمة الله: الذمة: العهد والأمان.\nساح: في الأرض: إذا ذهب منها حيث أراد.\n٦٩٥ - الترمذي في نفس الموضع السابق، وقال: هذا حديث حسن غريب.\n٦٩٦ - المستدرك (٤/ ١٧٩)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nصحل الصوت: إذا بح.","vol":"2","page":989},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>فصل: في تهديم ذي الخلصة</span>\n٦٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كان بيت في الجاهلية يقال له؛ ذو الخلصة، والكعبة اليمانية، والكعبة الشامية، فقال لي النبي ﷺ: \"ألا تريحني من ذي الخلصة؟ \" فنفرت في مائة وخمسين راكبًا، فكسرناه، وقتلنا من وجدنا عنده، فأتيت النبي ﷺ، فأخبرته، فدعا لنا ولأحمس.\nوفي رواية (٢) عن جرير قال لي رسول الله ﷺ: \"ألا تريحني من ذي الخلصة؟ \" فقلت: بلى. فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال: \"اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا\" قال: فما وقعت عن فرس بعد. قال: وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد، يقال له الكعبة. قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها. قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسولَ رسولِ الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك. قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك. قال: فكسرها وشهد. ثم بعث جرير رجلًا من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي ﷺ يبشره بذلك. فلما أتى النبي ﷺ قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال فبرك النبي ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.\n_________\n٦٩٧ - البخاري (٨/ ٧٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦٢ - باب غزوة ذي الخلصة.\nومسلم (٤/ ١٩٢٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٢٩ - باب ن فضائل جرير بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه.\n(٢) البخاري (٨/ ٧٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦٢ - باب غزوة ذي الخلصة.\nومسلم بعضه (٤/ ١٩٢٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٢٩ - باب من فضائل جرير بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه.\nذي الخلصة: الخلصة: قيل: كان اسم صنم لدوس، وكان في ذلك البيت، وقيل ذو الخلصة: هو البيت الذي كان لخثعم باليمن، يحجون إليه تشبيهًا ببيت الله الحرام.\nيستقسم بالأزلام: الأزلام: القداح، كانوا يتفاءلون بها عندما يعرض لهم من الحاجات، كالسفر والزواج وغير ذلك، وكان مكتوب عليها: افعل، لا تفعل، فما خرج له منها كان يتبعه: إما أمر وإما نهي، والاستقسام: طلب ما قسم لهم مما هو مغيب عنهم من خير أو شر وصلاح وفساد.\nجمل أجرب: شبه ما بها من آثار النار والإحراق بالجمل الأجرب.","vol":"2","page":990},{"text":"قال ابن حجر في الفتح:\nوقد وقع ذكر ذي الخلصة في حديث أبي هريرة عند الشيخين في كتاب الفتن مرفوعًا \"لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة وكان صنمًا تعبده دوس في الجالهية. والذي يظهر لي أنه غير المراد في حديث الباب، وإن كان السهيلي يشير إلى اتحادهما؛ لأن دوسا قبيلة أبي هريرة وهم ينتسبون إلى دوس بن عدثان بضم المهملة وبعد الدال الساكنة مثلثة ابن عبد الله بن زهران، ينتهي نسبهم إلى الأزد، فبينهم وبين خثعم تباين في النسب والبلد. وذكر ابن دحية أن ذا الخلصة المراد في حديث أبي هريرة كان عمرو بن لحي قد نصبه أسفل مكة، وكانوا يلبسونه القلائد ويجعلون عليه بيض النعام ويذبحون عنده، وأما الذي لخثعم فكانوا قد بنوا بيتًا يضاهون به الكعبة فظهر الافتراق وقوي التعدد. والله أعلم. قوله (والكعبة اليمانية والكعبة الشامية) كذا فيه، قيل وهو غلط والصواب اليمانية فقط، سموها بذلك مضاهاة للكعبة، والكعبة البيت الحرام بالنسبة لمن يكون جهة اليمن شامية فسموا التي بمكة شامية والتي عندهم يمانية تفريقًا بينهما. والذي يظهر لي أن الذي في الرواية صواب وأنها كان يقال لها اليمانية باعتبار كونها باليمن والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام.\nوقال تعليقًا على أن من كان مع جرير كانوا مائة وخمسين:\nوجدت في \"كتاب الصحابة لابن السكن\" أنهم كانوا أكثر من ذلك، فذكر عن قيس ابن غربة الأحمسي أنه وفد في خمسمائة، قال: وقدم جرير في قومه وقدم الحجاج بن ذي الأعين في مائتين، قال: وضم إلينا ثلاثمائة من الأنصار وغيرهم، فغزونا بني خثعم. فكأن المائة والخمسين هم قوم جرير وتكملة المائتين أتباعهم وكأن الرواية التي فيها سبعمائة من كان من رهط جرير وقيس بن غربة لأن الخمسين كانوا من قبيلة واحدة، وغربة بفتح المعجمة والراء المهملة بعدها موحدة ضبطه الأكثر.\nوقوله \"يستقسم\" أي يستخرج غيب ما يريد فعله من خير أو شر، وقد حرم الله ذلك بقوله تعالى (وأن تستقسموا بالأزلام) (١) وحكى أبو الفرج الأصبهاني أنهم كانوا\n_________\n(١) المائدة: ٣.","vol":"2","page":991},{"text":"يستقسمون عند ذي الخلصة، وأن أمرأ القيس لما خرج يطلب بثأر أبيه استقسم عنده فخرج له ما يكره، فسب الصنم ورماه بالحجارة وأنشد:\nلو كنت يا ذا الخلص الموتورا ... لم تنه عن قتل العداة زورا\nقال: فلم يستقسم عنده أحد بعد حتى جاء الإسلام. قلت: وحديث الباب يدل على أنهم استمروا يستقسمون عنده حتى نهاهم الإسلام، وكأن الذي استقسم عنده بعد ذلك لم يبلغه التحريم أو لم يكن أسلم حتى زجره جرير.\nوقوله (ألا تريحني) هو بتخفيف اللام طلب يتضمن الأمر، وخص جريرًا بذلك لأنها كانت في بلاد قومه وكان هو من أشرافهم، والمراد بالراحة راحة القلب، وما كان شيء أتعب لقلب النبي ﷺ من بقاء ما يشرك به من دون الله تعالى. وروى الحاكم في \"الإكليل\" من حديث البراء بن عازب قال: قدم على النبي ﷺ مائة رجل من بني بجيلة وبني قشير مع جرير بن عبد الله، فسأله عن بني خثعم فاخبره أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثمائة من الأنصار، وأمره أن يسير إلى خثعم، فيدعوهم ثلاثة أيام. فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم وهدم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وضع فيهم السيف.\nقوله (فدعا لنا ولأحمس) بمهملة وزن أحمر وهم إخوة بجيلة بفتح الموحدة وكسر الجيم رهط جرير، ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، وبجيلة امرأة نسبت إليها القبيلة المشهورة، ومدار نسبهم أيضًا على أنمار. وفي العرب قبيلة أخرى يقال لها: أحمس ليست مرادة هنا ينتسبون إلى أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار. ووقع في الرواية التي بعد هذه \"فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات\" أي دعا لهم بالبركة. ووقع عند الإسماعيلي من رواية ابن شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد \"فدعا لأحمس بالبركة\".\nوفي الحديث: مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس من بناء وغيره سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو جمادًا، وفيه اسمتالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم، والاستمالة بالدعاء والثناء والبشارة في الفتوح، وفضل ركوب الخيل في الحرب، وقبول خبر الواحد، والمبالغة في","vol":"2","page":992},{"text":"نكاية العدو، ومناقب لجرير ولقومه، وبركة يد النبي ﷺ ودعائه، وأنه كان يدعو وترًا وقد يجاوز الثلاث. وفيه تخصيص لعموم قول أنس (كان إذا دعا دعا ثلاثًا) فيحمل على الغالب، وكأن الزيادة لمعنى اقتضى ذلك، وهو ظاهر في أحمس لما اعتمدوه من دحض الكفر ونصر الإسلام ولاسيما مع القوم الذين هم منهم.\n* * *","vol":"2","page":993},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>تقويم الموقف في نهاية السنة التاسعة</span>\n* إذا سلم شعب لإنسان بأن يجبي منه مالًا ولم يجد له خيارًا في ذلك فقد سلم له بالسلطة، ومن ههنا كان إرسال المصدقين هذا العام وجبايتهم المال هو في الحقيقة رمز التسليم لسلطان رسول الله ﷺ واعتراف بالدولة الإسلامية، لذلك ارتبطت الردة بهذا الموضوع وارتبط منع مال الزكاة بعدم الاعتراف بالحكم فقال قائل المرتدين:\nأطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر\nأيخلفه بكر إذا قام بعده ... وتلك لعمر الله قاصمة الظهر\n* جمع المال من مكان وتوزيعه في نفس ذلك المكان فيه معان كبيرة، فيه إشعار للفقراء والمستضعفين والمساكين ببركة الخضوع لسلطان الإسلام، وفي ذلك ربط محكم لهؤلاء بالدولة الإسلامية وإظهار المانعين بأنهم أعداء لشعبهم الفقير وهكذا يؤخذ الاعتراف بالدولة عن طريق ليس لأحد فيه خيار آخر، وتلك من مظاهر الفطرية الإسلامية التي تصل إلى أعظم الأشياء من أقرب طريق.\n* إقبال الوفود بهذه الكثرة وبهذا التسليم هو أثر عن مجموعة أمور كلها تدل على إحكام العمل بتوفيق الله، فحرارة إيمان الدعاة، وعمليات التعرض، والانتصارات المتلاحقة، والمعجزات اليومية والسياسية الحكيمة، وحسن التعامل مع النفس البشرية، وإشعار الناس أن أرباحهم في الإسلام أكبر من خسائرهم كل ذلك أدى دوره في أن تصبح الجزيرة العربية وافدة ومسلّمة مسلمة.\n* الهيبة العسكرية كانت عاملًا حاسمًا، ومناطحة الرومان مرة بعد مرة أشعرت الجميع أنهم أمام سلطان لا يقهر، وكان ذلك هو الأساس للتحرك اللاحق بعد وفاة رسول الله ﷺ في الصدام مع الدولتين العظميين وقتذاك.\n* إن نجاح الصادقين يغري الكاذبين والطامحين بسلوك طريقهم، وطرح دعاوى يزعمون أنها تشابه الحقائق التي يدعو إليها الأنبياء. ومن ههنا نبتت نابتة دعاوى النبوة على أثر الانتصارات الكاسحة. ومن ههنا تأتي دعاوى الأسود العنسي ومسيلمة وطليحة وسجاح ...","vol":"2","page":994},{"text":"* كما أن فتح مكة كان من الناحية الاستراتيجية فتحًا للجزيرة العربية كلها، فإن الإعلان في حج هذا العام ألا يحج بعد العام مشرك، وألا يطوف به عريان كان من الناحية الاستراتيجية إنهاء للشرك في جزيرة العرب.\n* الملاحظ أن الوفود قبل الفتح كانت فردية في الغالب أما بعد الفتح فقد كانت جماعية.\n* بعد سير طويل لم يبق فيه لأحد حجة أصبح الحساب عسيرًا، فما لم يكن يحاسب عليه الصف لم يعد يتحمل من الصف ولم يعد يتساهل فيه، فيوم أحد انفصل ثلث الجيش ولم يحاسب رسول الله ﷺ أحدًا ولم يعاقبه، ولكنه ههنا حاسب وعاقب كما فعل بكعب وزميليه، ذلك أنه لم يعد لأحد حجة، فالمعجزات كثيرة، والقيادة على مستوى ليس له مثيل، ونجاحاتها متلاحقة وآفاقها أرقى من كل أفق، ومن ههنا نأخذ درسًا وهو أن الصف الإسلامي عندما يكون مريضًا أو ضعيفًا لا ينبغي أن يتشدد بالحساب وإنما عليه في هذه الحالة أن يعالج أزمة الثقة وأن يحسن التخطيط والانتقال من الطور الأدنى إلى ما هو أعلى.\n* من خلال غزوة تبوك ونزول سورة براءة فيها ندرك أن الجهاد هو المحك، فهو المحك لإيمان الأشخاص، وهو المحك لنضج الصف، وهو المحك للحالة التي وصلت إليها الأمة.\n* بغزوة تبوك نقل رسول الله ﷺ الصراع من داخل الجزيرة العربية إلى خارجها، وهي السياسة التي سيتابعها أبو بكر وعمر وعثمان حتى حدوث الفتنة. وهذه السياسة تحقق أكثر من هدف بآن واحد: شغل الناس بالعدو الخارجي، وفي الوقت نفسه تربية الصف وإنضاجه وتفتيح آفاقه من خلال الجهاد، فهناك رسالة لشعب يجب أن يؤديها.\n* توطد في السنة التاسعة سلطان الدولة الإسلامية وتأكد، وأصبحت سيطرة رسول الله ﷺ على الجزيرة العربية كاملة، وليس له من عدو إلا مطاردًا. وبعد أن كان المسلمون أفرادًا في بحار شرك أصبح المشركون جزرًا صغيرة في بحار الإسلام، وهم محكومون بحكمه، مطاردون مستهدفون ممنوعون من الحج إلا بالإسلام. مجبرون على الإسلام ودفع الزكاة. وكل ذلك كان مقدمة لحج رسول الله ﷺ في العام العاشر ليجتمع بأكبر قدر من الناس في جزيرة العرب فيعلمهم ويربيهم ويصهرهم.\n* * *","vol":"2","page":995},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>السنتان العاشرة والحادية عشرة</span>","vol":"2","page":997},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>أحداث هاتين السنتين في سطور</span>\nقلنا إن مرحلة ما بعد الفتح تكاد تكون واحدة متشابهة ومتشابكة: بعوث ووفود مع أحداث بارزة في كل من السنوات الثلاث التي أعقبت الفتح، فالمعلم البارز في السنة التاسعة هو غزوة تبوك، والمعلم البارز في السنة العاشرة هو حجة الوداع، والمعلم البارز في السنة الحادية عشرة هو وفاته ﵊ بأبي هو وأمي - لذلك جعلنا الحديث عن السنة العاشرة والحادية عشرة موصولًا؛ لأن العام العاشر للهجرة كان عام الترتيب لتسليم اللواء إلى من سيحملون راية الإسلام بعده ﵊.\n* * *\nوقد ذكر ابن كثير في أحداث السنة العاشرة بعض بعوث رسول الله ﷺ إلى اليمن: بعث خالد وعلي بن أبي طالب وأبي موسى ومعاذ بن جبل، كما ذكر حجته وبعض التمهيدات التي قدمت لوفاته ﵊، وذكر في أحداث السنة الحادية عشر وفاته وما صاحب ذلك من ترتيباته ﵊ للحاضر والمستقبل.\n\nوإذن ففي<span data-type=\"title\" id=toc-313> سنة عشر:</span>\n* تتابعت الوفود على رسول الله ﷺ، وتابع ﵊ إرسال البعوث للدعوة إلى الله وتعليم الناس، وخاصة إلى اليمن.\n* وحج رسول الله ﷺ في هذا العام حجة الوداع التي تسمى كذلك بحجة البلاغ وحجة الإسلام، وكانت أكبر ظاهرة في تاريخ جزيرة العرب، وأعظم تجمع للمسلمين وأكبر عملية صهر بالإسلام جماعية، وأروع عملية تعليم تتم من خلال الاختلاط والتوجيه والتعليم.\n* وكانت كثير من تصرفاته ﵊ في هذا العام تدل على أنه مودع، فقد اعتكف في رمضان هذا العام عشرين يومًا وكان من عادته أن يعتكف عشرًا فقط، ولقد دارسه جبريل القرآن في رمضان هذا مرتين، وكان من عادته أن يدارسه إياه مرة واحدة.","vol":"2","page":999},{"text":"وفي<span data-type=\"title\" id=toc-314> سنة إحدى عشرة:</span>\n* بعد العودة من الحج أخذ رسول الله ﷺ يرتب لما بعد وفاته، ومن ذلك إعداده جيش أسامة بن زيد لغزو الروم وقد كان ذلك في صفر، ومرض رسول الله ﷺ وهذا الجيش يتجمع حول المدينة، وقد جعل مرض رسول الله ﷺ الناس يتريثون بالانطلاق نحو الهدف، حتى إذا توفي رسول الله ﷺ كان هذا الجيش جاهزًا للحركة وكانت حركته عنوانًا على أن الدولة الإسلامية مستمرة.\n* وفي اليوم التاسع والعشرين من صفر سنة ١١ هـ بدأ المرض برسول الله ﷺ، واستمر المرض حتى حدثت الوفاة حين اشتد الضحى من يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ وله ﵊ ثلاث وستون سنة وأربعة أيام على أرجح الأقوال، وصلى الناس عليه أرسالًا ولا يؤمهم أحد، ودفن في بيت عائشة ﵂ الذي توفي فيه وصلى عليه أولًا عشيرته، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، وصلت عليه النساء بعد الرجال، ثم صلى عليه الصبيان، ومضى في ذلك يوم الثلاثاء كاملًا حتى دخلت ليلة الأربعاء فواروه فيها التراب بأبي هو وأمي.\nونحن ههنا عاقدون عدة فصول:\nفصل: في نماذج من بعوث السنة العاشرة والحادية عشرة.\nفصل: في نماذج من وفود هاتين السنتين.\nفصل: في حجة الوداع.\nفصل: في حادثة الوفاة.\nثم نقوم الوضع عند وفاة رسول الله ﷺ.\nوسنتكلم في الباب السادس عن أصحابه وخلفائه وأزواجه وآل بيته، وكيف أن الإسلام امتد واشتد ونما وترعرع وملأ الخافقين ببركة المؤسس وقوة التأسيس.\n* * *","vol":"2","page":1000},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>فصل: في نماذج من البعوث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>١ - بعث خالد وعلي إلى اليمن قبل حجة الوداع:</span>\n٦٩٨ - * روى البخاري عن أبي إسحاق السبيعي قال: سمعت البراء ﵁ يقول: بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن. قال: ثم بعث عليًا بعد ذلك مكانه فقال: مر أصحاب خالد: من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل، فكنت فيمن عقب معه، قال: فغنمت أواقي ذوات عدد.\n٦٦٩ - * روى البخاري عن بريدة قال: بعث النبي ﷺ عليًا إلى خالد ليقبض الخمس؛ وكنت أبغض عليًا وقد أغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: \"يا بريدة أتبغض عليًا؟ \" فقلت: نعم. قال: \"لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك\".\nقال ابن حجر في الفتح:\nقوله (فإن له في الخمس أكثر من ذلك) في رواية عبد الجليل \"فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل على في الخمس أفضل من وصيفة\" وزاد \"قال: فما كان أحد من الناس أحب إلي من علي\" وأخرج أحمد هذا الحديث من طريق أجلح الكندي عن عبد الله بن بريدة بطوله وزاد في آخره \"لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي، وأخرجه أحمد أيضًا والنسائي من طريق سعيد بن عبيدة عن عبد الله بن بريدة مختصرًا وفي آخره \"فإذا النبي ﷺ قد احمر وجهه يقول: من كنت وليه فعلي وليه\" وأخرجه الحاكم من هذا الوجه مطولًا وفيه قصة الجارية نحو رواية عبد الجليل، وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، قال أبو ذر الهروي: إنما أبغض الصحابي عليًا لأنه رآه أخذ من المغنم، فظن أنه غل، فلما أعلمه\n_________\n٦٩٨ - البخاري (٨/ ٦٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦١ - بعث علي بن أبي طالب ﵇ وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع.\nأن يعقب: إذا غزا الإنسان، ثم ثنى من سنته مرة أخرى، قيل: قد عقب، ويقال: تعقيبة خير من غزوة.\n٦٩٩ - البخاري (٨/ ٦٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦١ - بعث علي بن أبي طالب ﵇ وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع.","vol":"2","page":1001},{"text":"النبي ﷺ أنه أخذ أقل من حقه أحبه وهو تأويل حسن، لكن يبعده صدر الحديث الذي أخرجه أحمد فلعل سبب البغض كان لمعنى آخر وزال بنهي النبي ﷺ لهم عن بغضه. وقد استشكل وقوع علي على الجارية بغير استبراء، وكذلك قسمته لنفسه، فأما الأول فمحمول على أنها كانت بكرًا غير بالغ ورأى أن مثلها لا يستبرأ كما صار إليه غيره من الصحابة، ويجوز أن تكون حاضت عقب صيرورتها له ثم طهرت بعد يوم وليلة ثم وقع عليها وليس ما يدفعه، وأما القسمة فجائزة في مثل ذلك ممن هو شريك فيما يقسمه كالإمام إذا قسم بين الرعية وهو منهم، فكذلك من نصبه الإمام قام مقامه. وقد أجاب الخطابي بالثاني، وأجاب عن الأول لاحتمال أن تكون عذراء أو دون البلوغ أو أداه اجتهاده أن لا استبراء فيها، ويؤخذ من الحديث جواز التسري على بنت رسول الله ﷺ بخلاف التزويج عليها لما وقع في حديث المسور في كتاب النكاح. أ. هـ.\n٧٠٠ - * روى الترمذي عن البراء أن النبي ﷺ بعث جيشين وأمر على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد فقال: \"إذا كان القتال فعلي\" قال: فافتتح علي حصنًا فأخذ منه جارية، فكتب معي خالد بن الوليد إلى النبي ﷺ يشي به، فقدمت على النبي ﷺ فقرأ الكتاب فتغير لونه ثم قال: \"ما ترى في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله؟ \" قال: قلت: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله وإنما أنا رسول، فسكت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>٢ - بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن:</span>\n٧٠١ - * روى البخاري عن أبي بردة: قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: \"واليمن مخلافان\" ثم قال: \"يسِّرا ولا تعسِّرَا، وبشِّرا ولا تنفِّرا\". فانطلق كل واحد منهما إلى عمله،\n_________\n٧٠٠ - الترمذي (٤/ ٢٠٧) ٢٤ - كتاب الجهاد - ٢٦ - باب ما جاء من يستعمل على الحرب، وقال: هذا حديث حسن غريب. وهو كما قال.\n٧٠١ - البخاري (٨/ ٦٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع.\nالمخلاف: في اليمن: كالرستاق، ولكل مخلاف في اليمن: اسم يعرف به. وهو كالمديرية أو المحافظة في الاصطلاح الحديث أيم هذا: أي: أي شيء هذا؟ فحذف ألف (ما) تخفيفًا.=","vol":"2","page":1002},{"text":"وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه كان قريبًا من صاحبه أحدث به عهدًا، فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس: أيم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جيء به لذلك، فانزل، قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل، فقال: يا عبد الله، كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقًا، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.\n٧٠٢ - * روى البخاري ومسلم. عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ جده أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن فقال: \"يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا وتطاوعا\" فقال أبو موسى: يا نبي الله، إن أرضنا بها شراب من الشعير: المزر، وشراب من العسل: البتع. فقال: \"كل مسكر حرام\" فانطلقا. فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقًا. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي. وضرب فسطاطًا فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق. فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد. فقال معاذ: لأضربن عنقه.\n٧٠٣ - * روى الحاكم عن كعب بن مالك ﵁ قال: كان معاذ بن جبل شابًا حليمًا من أفضل شباب قومه، ولم يكن يمسك شيئًا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله، كله في الدين فأتى النبي ﷺ غرماؤه، فلو تركوا أحدًا من أجل أحد لتركوا معاذًا من أجل رسول الله ﵌، فباع لهم رسول الله ﵌\n_________\n= أتفوقه تفوقًا: أقرؤه شيئًا بعد شيء، ووقتًا بعد وقت، من فواق الناقة، وهو أن تحلبن ثم تترك ساعة حتى تدر، ثم تحلب.\n٧٠٢ - البخاري (٨/ ٦٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع.\nومسلم نحوه (٣/ ١٥٨٦) ٢٦ - كتاب الأشربة - ٧ - باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام.\n٧٠٣ - المستدرك (٣/ ٢٧٣)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.","vol":"2","page":1003},{"text":"ماله، حتى قام معاذ بغير شيء.\nوذلك سر إرسال معاذ إلى اليمن، وقد أرسله النبي ﷺ إلى اليمن لعل الله يرزقه بدل ماله رزقًا حسنًا.\n٧٠٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: \"إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فإن هم أطاعوا بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب\".\nوفي رواية لمسلم (١) عن ابن عباس عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ، فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ... وذكر الحديث بنحوه فيكون حينئذ من مسند معاذ.\n٧٠٥ - * روى البخاري عن عمرو بن ميمون ﵀ أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فقرأ معاذ في صلاة الصبح سورة النساء، فلما قال (واتخذ الله إبراهيم خليلًا) (٢) قال رجل خلفه: قرت عين أم إبراهيم.\n٧٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان\n_________\n٧٠٤ - البخاري (٨/ ٦٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع.\nومسلم (١/ ٥١) ١ - كتاب الإيمان - ٧ - باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.\nفإياك وكرائم أموالهم: اجتنب كرائم الأموال، وهي خيارها ونفائسها، وما يكرم على أصحابها ويعز عليهم، جمع كريمة، فلا تأخذه في الصدقة، وخذ الوسط، لا العالي ولا النازل الرديء.\n(١) مسلم (١/ ٥٠) ١ - كتاب الإيمان - ٧ - باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.\n٧٠٥ - البخاري (٨/ ٦٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع.\n(٢) النساء: ١٢٥.\n٧٠٦ - البخاري (١٢/ ٢٦٨) ٨٨ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتلهم - ٢ - باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم.","vol":"2","page":1004},{"text":"من الأشعريين، أحدهما عني ميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي ﷺ يستاك، فقال: \"ما تقول يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس -؟ \" قال: فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: \"لن - أو لا - نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس - \" فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل. ثم ذكر قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد، وزاد فيه: قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله\" ثم قولهما في قيام الليل، وليس فيه ذكر الأشربة.\n٧٠٧ - رو الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁. قال: لما قبض النبي ﵌ واستخلفوا أبا بكر ﵁، وكان رسول الله ﵌ بعث معاذًا إلى اليمن، فاستعمل أبو بكر ﵁ عمر على الموسم، فلقي معاذًا بمكة، ومعه رقيق، فقال، ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء أهدوا إلي، وهؤلاء لأبي بكر فقال له عمر: إني أرى لك أن تأتي بهم أبا بكر. قال: فلقيه من الغد. فقال: يابن الخطاب لقد رأيتني البارحة وأنا أنزو إلى النار، وأنت آخذ بحجزتي وما أراني إلا مطيعك، قال: فأتى بهم أبا بكر، فقال: هؤلاء أهدوا لي وهؤلاء لك. قال: فإنا قد سلمنا هديتك. فخرج معاذ إلى الصلاة فإذا هم يصلون خلفه، فقال معاذ: لمن تصلون. قالوا: لله ﷿. فقال: فأنتم له فأعتقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>٣ - بعث أبي عبيدة إلى اليمن:</span>\n٧٠٨ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء العاقب والسيد\n_________\n= ومسلم (٣/ ١٤٥٦) ٣٣ - كتاب الإمارة - ٣ - باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها.\nقلصت: انضمت وانزوت.\n٧٠٧ - المستدرك (٣/ ٢٧٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nأنزو: أثب.\nبحجزتي: الحجزة: بالضم معقد الإزار من السراويل.\n٧٠٨ - المستدرك (٣/ ٢٦٧)، وقال: قد اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث مختصرًا في الصحيحين من حديث الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة، وقد خالفهما إسرائيل فقال: عن صلة بن زفر عن عبد الله وساق الحديث أتم مما عند الثوري وشعبة، فأخرجته؛ لأنه على شرطيهما. صحيح. وأقره الذهبي.","vol":"2","page":1005},{"text":"صاحبا نجران إلى النبي ﵌ يريدان أن يلاعناه فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيًا فلعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. فقالا: بل نعطيك ما سألت وابعث معنا رجلًا أمينًا حق أمين. قال: فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﵌. فقال: \"قم يا أبا عبيدة بن الجراح\" فلما قفى، قال رسول الله ﵌: \"هذا أمين هذه الأمة\".\nوروى (١) عن أنس ﵁ أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﵌، فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا القرآن، فأخذ بيد أبي عبيدة، فأرسله معهم، وقال: \"هذا أمين هذه الأمة\".\n٧٠٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح\".\nولمسلم (٣): أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ، فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: \"هذا أمين هذه الأمة\".\n٧١٠ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، ابعث إلينا رجلًا أمينًا، فقال: \"لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين حق أمين\" فاستشرف لها الناس، قال فبعث أبا عبيدة بن الجراح.\nوفي رواية الترمذي (٥) قال: جاء العاقب والسيد إلى النبي ﷺ، فقالا: ابعث معنا\n_________\n(١) الحاكم في نفس الموضع السابق، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بذكر القرآن. وأقره الذهبي.\n٧٠٩ - البخاري (٧/ ٩٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٢١ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁.\nومسلم (٤/ ١٨٨١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٧ - باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح، ﵁.\n(٣) مسلم في الموضع السابق.\n٧١٠ - البخاري (٧/ ٩٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٢١ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح، ﵁.\nومسلم واللفظ له في الموضع السابق.\n(٥) الترمذي (٥/ ٦٦٧) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣٣ - باب مناقب معاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي، وأبي عبيدة ابن الجراح ﵃. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nالسيد: مقدم القوم وكبيرهم.\nوالعاقب: هو الذي يخلفه ويكون من بعده.","vol":"2","page":1006},{"text":"أمينك، قال: \"فإني سأبعث معكم ... وذكر الحديث.\nقال: وكان أبو إسحاق إذا حدث بهذا الحديث عن صلة بن زفر وهو الراوي عن حذيفة قال: سمعته منذ ستين سنة.","vol":"2","page":1007},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>فصل: في نماذج من الوفود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>١ - وفد بني تميم:</span>\n٧١١ - * روى البخاري عن عمران بن حصين ﵄ قال: جاء نفر من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال: \"يا بني تميم أبشروا\" فقالوا: بشرتنا فأعطنا. فتغير وجهه. فجاءه أهل اليمن، فقال: \"يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لمي قبلها بنو تميم\" قالوا: قبلنا.\nقال في الفتح:\nقوله (فتغير وجهه) إما للأسف عليهم كيف آثروا الدنيا، وإما لكونه لم يحضره ما يعطيهم فيتألفهم له، أو لكل منهما. قوله (فجاءه أهل اليمن) هم الأشعريون قوم أبي موسى، وقد أورد البخاري حديث عمران هذا وفيه ما يستأنس به لذلك. ثم ظهر لي أن المراد بأهل اليمن هنا نافع بن زيد الحميري مع وفد معه من أهل حمير، وقد ذكرت مستند ذلك في \"باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن\" وأن هذا هو السر في عطف أهل اليمن على الأشعريين مع أن الأشعريين من جملة أهل اليمن، لما كان زمان قدوم الطائفتين مختلفا ولكل منهما قصة غير قصة الآخرين وقع العطف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>٢ - قدوم الأشعريين وأهل اليمن:</span>\nقال البخاري (١): وقال أبو موسى عن النبي ﷺ \"هم مني وأنا منهم\".\n٧١٢ - * وروى أحمد والطبراني عن فيروز قال: إنهم أسلموا وكان فيمن أسلم، فبعثوا وفدهم إلى رسول الله ﷺ ببيعتهم وإسلامهم، فقبل ذلك منهم رسول الله ﷺ. فقالوا:\n_________\n٧١١ - البخاري (٦/ ٢٨٦) ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ١ - باب ما جاء في قوله تعالى [٢٧: الروم] (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه).\n(١) ذكره البخاري معلقًا (٨/ ٩٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٤ - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن.\n٧١٢ - أحمد في مسنده (٤/ ٢٣٢).\nوالطبراني نحوه في المعجم الكبير (١٨/ ٣٣١).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٦): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن فيروز، وهو ثقة.","vol":"2","page":1008},{"text":"يا رسول الله نحن من قد عرفت، وجئنا من حيث قد علمت وأسلمنا، فمن ولينا قال: \"الله ورسوله\" قالوا: حسبنا رضينا.\n٧١٣ - * روى البخاري عن أبي مسعود أن النبي ﷺ قال: \"الإيمان ها هنا - وأشار بيده إلى اليمن - والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر\".\n٧١٤ - * وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا. الإيمان يمان، والحكمة يمانية. والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم\".\n٧١٥ - * وروى البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"الإيمان يمان، والفتنة ها هنا؛ ها هنا يطلع قرن الشيطان.\n٧١٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبًا وأرق أفئدة. الفقه يمان، والحكمة يمانية\".\nقال في الفتح: قوله: (الإيمان ههنا وأشار بيده إلى اليمن) أي إلى جهة اليمن، وهذا يدل على أنه أراد أهل البلد لا من ينسب إلى اليمن ولو كان من غير أهلها.\nوقال: قوله: \"أتاكم أهل اليمن\" ترد قول من قال: إن المراد بقوله \"الإيمان يمان\" الأنصار وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>٣ - وفد عبد القيس:</span>\n٧١٧ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله\n_________\n٧١٣ - البخاري (٨/ ٩٨) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٤ - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن.\n٧١٤ - البخاري في نفس الموضع السابق.\n٧١٥ - البخاري في نفس الموضع السابق (٨/ ٩٩).\n٧١٦ - البخاري في نفس الموضع السابق.\n٧١٧ - البخاري (١/ ١٢٩) ٢ - كتاب الإيمان - ٤٠ - باب أداء الخمس من الإيمان.\nوأيضًا (١/ ١٨٣) ٣ - كتاب العلم - ٢٥ - باب تحريض النبي ﷺ وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان .... =","vol":"2","page":1009},{"text":"ﷺ: فقال رسول الله ﷺ \"من الوفد؟ - أو - من القوم؟ \" قالوا: ربيعة. قال: \"مرحبًا بالقوم - أو بالوفد - غير خزايا ولا الندامى\". قال: فقالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شقة بعيدة. وإن بيننا هذا الحي من كفار مضر. وإنا لا نستطيع ان نأتيك إلا في شهر الحرام. فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع. ونهاهم عن أربع. قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده. وقال: \"هل تدرون ما الإيمان بالله؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وصوم رمضان. وأن تؤدوا خمسًا من المغنم\" ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت. قال شعبة: وربما قال: النقير. قال شعبة: وربما قال: المقير. وقال: \"احفظوه وأخبروا به من ورائكم\". وقال أبو بكر في روايته: \"من وراءكم\" وليس في روايته المقير.\nوزاد مسلم في رواية عن ابن عباس (١): وقال رسول الله ﷺ للأشج أشج عبد القيس: \"إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة\".\nقال في الفتح: والذي تبين لنا أنه كان لعبد القيس وفادتان: إحداهما قبل الفتح، ولهذا قالوا للنبي ﷺ \"بيننا وبينك كفار مضر\" وكان ذلك قديمًا إما في سنة خمس أو\n_________\n= ومسلم واللفظ له (١/ ٤٧) ١ - كتاب الإيمان - ٦ - باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وشرائع الدين.\nغير خزايا ولا الندامى: أي أنه لم يكن منكم تأخر عن الإسلام ولا عناد ولا أصابكم أسار ولا سباء ولا ما أشبه ذلك مما تستحيون بسببه أو تذلون أو تهانون أو تندمون.\nالدباء: هو القرع اليابس، أي الوعاء منه.\nالحنتم: الواحدة حنتمة. وقد اختلف فيه. فأصح الأقوال وأقواها أنها جرار خضر.\nالنقير: جذع ينقر وسطه.\nالمقير: هو المزفت، وهو المطلي بالقار وهو الزفت. وقيل: الزفت نوع من القار. والصحيح الأول. وأما معنى النهي عن هذه الأربع فهو أنه نهى عن الانتباذ فيها، وهو أن يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويشرب وإنما خصت هذه بالنهي لأنه يسرع إليها الإسكار فيها. فيصير حرامًا نجسًا.\nأقول: وقد علق التحريم فيما بعد على الإسكار ونسخ ما سوى ذلك.\n(١) مسلم (١/ ٤٨) ١ - كتاب الإيمان - ٦ - باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وشرائع الدين.\nالحلم: العقل.\nالأناة: التثبت وترك العجلة.","vol":"2","page":1010},{"text":"قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين أول قرية أقيمت فيها الجمعة بعد المدينة، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلًا، وفيها سألوا عن الإيمان وعن الأشربة، وكان فيهم الأشج وقال له النبي ﷺ \"إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة\" كما أخرج ذلك مسلم من حديث أبي سعيد.\nوقال: وفي حديث هود بن عبد الله بن سعد العصري أنه سمع حده مزيدة العصري قال - بينما النبي ﷺ يحدث أصحابه إذ قال لهم: \"سيطلع عليكم من ههنا ركب هم خير أهل المشرق\" فقام عمر فتوجه نحوهم فلقي ثلاثة عشر راكبًا فبشرهم بقول النبي ﷺ، ثم مشى معهم حتى أتوا النبي ﷺ، فرموا بأنفسهم عن ركائبهم فأخذوا يده فقبلوها، وتأخر الأشج في الركاب حتى أناخها وجمع متاعهم ثم جاء يمشي، فقال النبي ﷺ: \"إن فيك خصلتين ... \" الحديث أخرجه البيهقي، وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" مطولًا من وجه آخر عن رجل من وفد عبد القيس لم يسمه. ثانيتهما كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذ أربعين رجلًا كما في حديث أبي حيوة الصناحي الذي أخرجه ابن منده، وكان فيهم الجارود العبدي، وقد ذكر ابن إسحاق قصته وأنه كان نصرانيًا فأسلم وحسن إسلامه. ويؤيد التعدد ما أخرجه ابن حبان من وجه آخر أن النبي ﷺ قال لهم \"ما لي أرى ألوانكم تغيرت\" ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير. أ. هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>٤ - وفد طيء:</span>\n٧١٨ - * روى البخاري عن عدي بن حاتم قال: أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلًا رجلًا ويسميهم. فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذًا.\nقال في الفتح: قوله (فقال عدي: فلا أبالي إذًا) أي إذا كنت تعرف قدري فلا أبالي إذا قدمت علي غيري.\n_________\n٧١٨ - البخاري (٨/ ١٠٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٦ - باب قصة وفد طيئ.","vol":"2","page":1011},{"text":"وأخرج مسلم (١) من وجه آخر عن عدي بن حاتم قال: أتيت عمر فقال: إن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>٥ - وفد بني حنيفة:</span>\n٧١٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته. وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس - وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريد - حتى وقف على مسليمة في أصحابه فقال: \"لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله. وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت يجيبك عني. ثم انصرف عنه\".\n٧٢٠ - * روى البخاري عن ابن عباس، قال: سألت عن قول رسول الله ﷺ: \"إنك أرى الذي أريت فيه ما أريت\" فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما فأوحي إلي في المنام أن انفخهما فنختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي: أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة\".\n٧٢١ - * وروى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا هو أخير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبناه، ثم طفنا به. فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ندع رمحًا فيه حديدة، ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعناه وألقيناه شهر رجب.\nوروى أيضًا عنه قال (٢): كنت يوم بعث النبي ﷺ غلامًا أرعى الإبل على أهلي،\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٩٥٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٤٧ - باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيئ.\n٧١٩ - البخاري (٨/ ٨٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٠ - باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال.\n٧٢٠ - البخاري في نفس الموضع السابق.\n٧٢١ - البخاري في نفس الموضع السابق (٨/ ٩٠).\n(٢) البخاري في نفس الموضع السابق.","vol":"2","page":1012},{"text":"فلما سمعنا بخروجه فرونا إلى النار، إلى مسيلمة الكذاب.\nقال في الفتح: قوله (كنت يوم بعث النبي ﷺ غلامًا أرعى الإبل على أهلين فلما سمعنا بخروجه فررنا إلى النار، إلى مسيلمة الكذاب) الذي يظهر أن مراده بقوله طبعث\" أي اشتهر أمره عندهم، ومراده بخروجه أي ظهوره على قومه من قريش بفتح مكة، وليس المراد مبدأ ظهوره بالنبوة ولا خروجه من مكة إلى المدينة لطول المدة بين ذلك وبين خروج مسيلمة، ودلت القصة على أن أبا رجاء كان من جملة من بايع مسيلمة من قومه بني عطارد ابن عوف بن كعب بطن من بني تميم، وكان السبب في ذلك أن سجاحا بفتح المهملة وتخفيف الجيم وآخره حاء مهملة وهي امرأة من بني تميم ادعت النبوة أيضًا فتابعها جماعة من قومها، ثم بلغها أمر مسيلمة فخادعها إلى أن تزوجها واجتمع قومها وقومه على طاعة مسيلمة. اهـ/ ثم أسلم أبو رجاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>فائدة: </span>ذكر ابن سعد في طبقاته أخبار اثنين وسبعين وفدًا وهي:\nوفد مزينة ... وفد سلامان ... وفد بارق\nوفد أسد ... وفد جهينة ... وفد دوس\nوفد بني عبد بن عدي ... وفد كلب ... وفد ثمالة والحدان\nوفد كندة ... وفد جرم ... وفد أسلم\nوفد تميم ... وفد تجيب ... وفد جذام\nوفد أشجع ... وفد خولان ... وفد مهرة\nوفد الصدف ... وفد جعفي ... وفد حمير\nوفد عبس ... وفد صداء ... وفد نجران\nوفد باهلة ... وفد مراد ... وفد جيشان\nوفد خشين ... وفد زبيد ... وفد السباع\nوفد فزارة ... وفد جعدة ... وفد الأزد\nوفد مرة ... وفد قشير بن كعب ... وفد غسان","vol":"2","page":1013},{"text":"وفد ثعلبة ... وفد بني البكاء ... وفد الحارث بن كعب\nوفد محارب ... وفد كنانة ... وفد همدان\nوفد سعد بن بكر ... وفد سليم ... وفد سعد العشيرة\nوفد كلاب ... وفد هلال بن عامر ... وفد عنس\nوفد رؤاس بن كلاب ... وفد عامر بن صعصعة ... وفد الداريين\nوفد عقيل بن كعب ... وفد ثقيف ... وفد الرهاويين حي من مذحج\nوفد شيبان ... وفود ربيعة: عبد القيس ... وفد غامد\nوفد طيء ... وفد بكر بن وائل ... وفد النخع\nوفد سعد هذيم ... وفد تغلب ... وفد بجيلة\nوفد بلي ... وفد حنيفة ... وفد خثعم\nوفد بهراء ... وفد أزد عمان ... وفد الأشعريين\nوفد عذرة ... وفد غافق ... وفد حضر موت\nإن قصص الوفود وأخبارها وكيفية تعامل رسول الله ﷺ معها من الأهمية بالمكان الكبير وكُتَّاب السير أشبعوها بحثًا وتحقيقًا غير أن كتابنا هذا قد التزم شروطًا لا يسعنا أن نذكر معها كل تحقيقات كتاب السير.\nولكنا نلفت النظر إلى أن تعامل رسول الله ﷺ مع الوفود هو من أعظم المظاهر لسياسات رسول الله ﷺ ودقته في الترتيب والتنظيم ومعرفة النفسية البشرية وحسن التعامل معها إلى غير ذلك مما يدخل في دوائر التعليم والتربية والتثقيف وبعد النظر وجمع القلوب على الغاية وربط أفراد بأعيانهم بالمركز بحيث تبقى في كل الظروف والأحوال مرتكزات قوية للإسلام إلى غير ذلك من مظاهر العظمة التي تعطي للعاملين في كل الحقول نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وإداريًا وسياسيًا وعسكريًا تعطي لكل عامل في جانب من هذه الجوانب دروسًا تكفيه وتغنيه.\nونلفت النظر إلى أهمية أن يتتبع القارئ أخبار هذه الوفود في كتب السير والمغازي.\n* * *","vol":"2","page":1014},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>فصل: في حجة الوداع</span>\n٧٢٢ - * روى الترمذي عن قتادة قال: سألت أنسًا ﵁: كم حج رسول الله ﷺ؟ قال: حج حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة، إذ قسم غنيمة حنين.\nوفي رواية البخاري ومسلم (١): أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر، كلها في ذي القعدة، إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية - أو زمن الحديبية - في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة في حجته.\n٧٢٣ - * روى البخاري عن زيد بن أرقم: أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وإنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها: حجة الوداع. قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى.\nقال ابن حجر في الفتح:\nقوله (قال أبو إسحاق (٢): وبمكة أخرى) هو موصول بالإسناد المذكور، وغرض أبي إسحاق أن لقوله \"بعد ما هاجر\" مفهومًا، وأنه قبل أن يهاجر كان قد حج، ولكن اقتصاره على قوله أخرى قد يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلا واحدة، وليس كذلك بل حج قبل أن يهاجر مرارًا، بل الذي لا أرتاب فيه أنه لم يترك الحج وهو بمكة قط، لأن قريشًا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج ويرونه من مفاخرهم التي\n_________\n٧٢٢ - الترمذي (٣/ ١٧٠) ٧ - كتاب الحج - ٦ - باب ما جاء: كم حج النبي ﷺ؟. وقد قدمنا رواية الترمذي على رواية البخاري ومسلم؛ لأنها أصرح في موضوع الباب.\n(١) البخاري (٣/ ٦٠٠) ٢٦ - كتاب العمرة - ٣ - باب كم اعتمر النبي ﷺ؟.\nومسلم (٢/ ٩١٦) ١٥ - كتاب الحج ٣٥ - باب بيان عدد عمر النبي ﷺ وزمانهن.\n٧٢٣ - البخاري (٨/ ١٠٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٧ - باب حجة الوداع.\n(٢) أقول: قد يكون معنى قول أبي إسحاق: (وبمكة أخرى) أي: وبمكة حججًا أخرى، فأخرى تكون صفة لمفرد وجمع.","vol":"2","page":1015},{"text":"امتازوا بها على غيرهم من العرب فكيف يظن بالنبي ﷺ أنه يتركه؟ وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفًا بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية كما بينته في الهجرة إلى المدينة. أهـ.\n٧٢٤ - * روى مسلم عن جابر: أن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ، كيف أصنع؟ قال: \"اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي\" فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد: \"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك\" وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم رسول الله ﷺ شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته - قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة - حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (١) فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول (أي والد جعفر بن محمد) - ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ - كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها\n_________\n٧٢٤ - مسلم (٢/ ٨٨٦) ١٥ - كتاب الحج - ١٩ - باب حجة النبي ﷺ.\nواستثفري: استثفار الحائض: هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة توثق طرفيها في شيء آخر قد شدته على وسطها، ليمتنع الدم أن يجري ويقطر.\nالقصواء: اسم ناقة رسول الله ﷺ، ولم تكن قصواء، لأن القصواء هي المقطوعة الأذن.\nوأهل الناس بهذا الذي يهلون به: يعني زاد بعضهم: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والفضل منك وإليك، لبيك لا شريك لك لبيك ... وأمثال ذلك.\n(١) البقرة: ١٢٥.","vol":"2","page":1016},{"text":"الكافرون) ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (١) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: \"لا إله إلا الله/ وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده\" ثم دعا بين ذلك - قال مثل هذا ثلاث مرات - ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه علا على المروة فقال: \"لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة\" فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: \"دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا، بل لأبد أبد\" وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ، فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثيابًا صبيغًا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي ﵁ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا على فاطمة للذي صنعت، مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته: أني أنكرت ذلك عليها فقال: \"صَدَقَتْ صَدَقتْ، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ \" قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: \"فإن معي الهدي فال تحل\" قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في\n_________\n(١) البقرة: ١٥٨.\nصبيغًا: ثوب صبيغ، أي: مصبوغ، فعيل بمعنى: مفعول.\nمحرشًا: التحريش: الإغراء، ووصف ما يوجب عتاب المنقول عنه وتوبيخه.","vol":"2","page":1017},{"text":"الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: \"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد، فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلبن فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ \". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: \"اللهم اشهد، اللهم اشهد\" ثلاث مرات، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ، وقد شنق\n_________\n= دم ابن ربيعة بن الحارث: أصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر.\nبكلمة الله: كلمة الله: هي قوله تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) [البقرة: ٢٢٩].\nلا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهون: معناه: أن لا يأذن لأحد من الرجال أن يتحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب، لا يرون ذلك عيبًا، ولا يعدونه ريبة، إلى أن نزلت آية الحجاب، وليس المراد بوطء الفراش: نفس الزنا، لأن ذلك محرم على الوجوه كلها، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه، ولو كان ذلك كذلك لم يكن الضرب فيه ضربًا غير مبرح، إنما كان فيه الحد، والضرب المبرح: هو الضرب الشديد.\nينكتها: نكت إصبعه: أمالها إلى الناس، يريد بذلك: أن يشهد الله عليهم.\nالصخرات: هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات.\nالحبال: التل اللطيف من الرمل الضخم.\nشنق زمام ناقته: إذا جمعه إليه، كفًا لها عن السرعة في المشي.","vol":"2","page":1018},{"text":"للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: \"أيها الناس، السكينة، السكينة\" كلما أتى جبلًا من الجبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وكبره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلًا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: \"انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم\" فناولوه دلوًا فشرب منه.\n_________\n= مورك الرحل: ما يكون بين يدي الرحل، يضع الراكب رحله عليه، يقال: ورك وورك، مخففًا ومثقلًا.\nولم يسبح بينهما: السبحة: الصلاة، وقيل: هي النافلة من الصلاة، أي: لم يصل بينهما سنة.\nوسيمًا: رجل وسيم: له منظر جميل.\nظعن: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج، والهودج أيضًا يسمى: ظعينة.\nحرك: سنة من سنن السير في ذلك الموضع، يسرع الماشي ويحرك الراكب قدر رمية حجر.\nالجمرة التي عند الشجرة: هي الجمرة الكبرى وهي جمرة العقبة.\nحصى الخذف: حصى صغار بحيث يمكن أن يرمى بإصبعين.\nما غبر: الغابر الباقي.\nالبضعة: القطعة من اللحم.\nانزعوا: النزع: الاستقاء.","vol":"2","page":1019},{"text":"وفي رواية: بنحو هذا، وزاد (١)، وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة على حمار عري، فلما أجاز رسول الله ﷺ من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثم، فأجاز ولم يعرض له، حتى أتى عرفات فنزل.\nوفي أخرى (٢): أن رسول الله ﷺ قال: \"نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا، وجمع كلها موقف\".\nولأبي داود (٣) عند قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال: فقرأ فيهما: بالتوحيد و(قل يا أيها الكافرون) وقال فيه: قال علي بالكوفة: قال أبي: هذا الحرف لم يذكره جابر، يعني: فذهبت محرشًا ... وذكر قصة فاطمة.\nوأخرج النسائي من الحديث أطرافًا متفرقة في كتابه (٤)، وقد ذكرناها. قال محمد: أتينا جابرًا فسألناه عن حجة النبي ﷺ؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة\" وقدم علي من اليمن بهدي، وساق رسول الله ﷺ من المدينة هديًا، وإذا فاطمة قد لبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، قال علي: فانطلقت محرشًا أستفتي رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إن فاطمة قد لبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، وقالت: أمرني أبي، قال: \"صدقت صدقت صدقت، أنا أمرتها\".\nوله في موضومع ىخر قال: إن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع حجج، ثم أذن في الناس، أن رسول الله ﷺ حاج هذا العام، فنزل المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ، ويفعل كما فعل، فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة،\n_________\n(١) مسلم (٢/ ٨٩٢) ١٥ - كتاب الحج - ١٩ - باب حجة النبي ﷺ.\n(٢) مسلم (٢/ ٨٩٣) ١٥ - كتاب الحج - ٢٠ - باب ما جاء أن عرفة كلها موقف.\nجمع: مزدلفة.\n(٣) أبو داود (٢/ ١٨٧)، كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي ﷺ.\n(٤) انظر النسائي (٥/ ١٤٧ وما بعدها)، كتاب المناسك.","vol":"2","page":1020},{"text":"وخرجنا معه، قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ينزل عليه القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فخرجنا لا ننوي إلا الحج.\nوله في موضع آخر قال: إن عليًا قدم من اليمن بهدي، وساق رسول الله ﷺ من المدينة هديًا، فقال لعلي: \"بم أهللت\"؟ قال: قلت: اللهم إني أهللت بما أهل به رسول الله، ومعي الهدي، قال: \"فلا تحل إذًا\".\nوله في موضع آخر: أن رسول الله ﷺ لما أتى ذا الحليفة صلى وهو صامت، حتى أتى البيداء.\nوفي موضع آخر: قال: أقام رسول الله ﷺ تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج، فلم يبق أحد يريد أن يأتي راكبًا أو راجلًا إلا قدم، فتدارك الناس ليخرجوا معه، حتى حاذى ذا الحليفة، وولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ، فقال: \"اغتسلي واستثفري بثوب ثم أهلي، ففعلت\".\nوفي موضع آخر قال: إن النبي ﷺ ساق هديًا في حجته.\nوفي موضع آخر قال: قدم رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد، فاستلم الحجر، ثم مضى عن يمينه، فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم أتى المقام، فقال: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فصلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى البيت بعد الركعتين فاستلم الحجر، ثم خرج إلى الصفا.\nوفي موضع آخر: أن رسول الله ﷺ خرج من المسجد وهو يريد الصفا، وهو يقول: نبدأ بما بدأ الله به، ثم قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله).\nوفي موضع آخر: قال: إن النبي ﷺ رقي على الصفا، حتى إذا نظر إلى البيت كبر.\nوفي موضع آخر: أن رسول الله ﷺ كان إذا وقف على الصفا يكبر ويقول: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير\" يصنع\n_________\n= تدارك الناس: الإدراك: اللحوق، تدارك القوم: تلاحقوا: لحق أولهم آخرهم.","vol":"2","page":1021},{"text":"ذلك ثلاث مرات ويدعو، ويصنع على المروة مثل ذلك.\nوفي موضع آخر: قال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت سبعًا: رمل منها ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم قام عند المقام، فصلى ركعتين، وقرأ: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ورفع صوته ليسمع الناس: ثم انصرف فاستلم، ثم ذهب، فقال: \"نبدأ بما بدأ الله به\" فبدأ بالصفا، رقي عليه حتى بدا له البيت، وقال ثلاث مرات: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير\". وكبر الله وحمده ثم دعا بما قدر له، ثم نزل ماشيًا حتى تصوبت قدماه في بطن المسيل، فسعى حتى صعدت قدماه، ثم مشى حتى أتى المروة، فصعد فيها، حتى بدا له البيت: فقال: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير\". قال: ثلاث مرات، ثم ذكر الله وسبحه وحمده، ودعا بما شاء، فعل هذا حتى فرغ من الطواف.\nوفي موضع آخر: قال: سار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، ووجد القبة قد ضربت له بنمرة، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا.\nوفي موضع آخر: أن نبي الله ﷺ قال: \"عرفة كلها موقف\".\nوفي موضع آخر قال: \"المزدلفة كلها موقف\".\nوفي موضع آخر: أن رسول الله ﷺ دفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، فأردف الفضل بن عباس، حتى أتى محسرًا، حرك قليلًا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، بمثل حصى الخذف، ورمى من بطن الوادي.\nوزاد في طرف آخر: ثم انصرف إلى المنحر فنحر.\nوفي موضع آخر: أن رسول الله ﷺ نحر بعض بدنه بيده، ونحر بعضه غيره.","vol":"2","page":1022},{"text":"٧٢٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: انطلق رسول الله ﷺ من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه، فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس، إلا المزعفرة التي تردع على الجلد. فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنته، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل من أجل بدنه، لأنه قلدها. ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون، وهو مهل بالحج، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة. وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال، والطيب والثياب.\n٧٢٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل مكة نهارًا.\n٧٢٧ - * وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: \"هذه عرفة، وهذا هو الموقف، وعرفة كلها موقف\" ثم أفاض حين غربت الشمس، وأردف أسامة بن زيد، وجعل يشير بيده على هينته والناس يضربون يمينًا وشمالًا يلتفت إليهم، ويقول: \"يا أيها الناس، عليكم السكينة\" ثم أتى جمعًا فصلى بهم الصلاتين جميعًا، فلما أصبح أتى قزح، فوقف عليه، وقال: \"هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلها موقف\"، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر، فقرع ناقته، فخبت حتى جاوز الوادي، فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر،\n_________\n٧٢٥ - البخاري (٣/ ٤٠٥) ٢٥ - كتاب الحج - ٢٣ - باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر.\nترجل: الترجيل: تسريح الشعر.\nتردع: ثوب رديع، أي صبيغ، وقد ردعته بالزعفران، والمراد: الذي يؤثر صبغه في الجسد، فيصبغه من لونه.\n٧٢٦ - الترمذي (٣/ ٢٠١) ٧ - كتاب الحج - ٣١ - باب ما جاء في دخول النبي ﷺ مكة نهارًا. وسنده صحيح.\n٧٢٧ - الترمذي (٣/ ٢٢٣) ٧ - كتاب الحج - ٥٤ - باب ما جاء أن عرفة كلها موقف. وقال: حديث علي حديث حسن صحيح.\nجمع: مزدلفة.\nالصلاتين جميعًا: المغرب والعشاء.\nقزح: موقف الإمام بمزدلفة.=","vol":"2","page":1023},{"text":"فقال: \"هذا المنحر، ومني كلها منحر\" واستفتته جارية شابة من خثعم، قالت: إن أبي شيخ كبير، قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: \"حجي عن أبيك\" قال: ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله، لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: \"رأيت شابًا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما\" ثم أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إني أفضت قبل أن أحلق؟ قال: \"احلق أو قصر ولا حرج\" قال: وجاء آخر فقال: يا رسول الله، إني ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: \"ارم ولا حرج\" قال: ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم، فقال: \"يا بني عبد المطلب، لولا أن يغلبكم الناس عليه لنزعت\".\n٧٢٨ - * روى البخاري عن ابن عمر كان يبعث بهديه من جمع من آخر الليل، حتى يدخل به منحر النبي ﷺ مع حجاج، فيهم الحر والمملوك.\n٧٢٩ - * روى أبو داود عن رافع بن عمرو المزني ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد.\n٧٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر - وهو بمنى -: \"نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر\" - يعني بذلك: المحصب - وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب (وهو صحيح) - أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ.\n_________\n= لنزعت: لاستقيت معكم، ولكنه خشي أن يستن به الناس فيغلبوا بني عبد المطلب على هذا الشرف.\n٧٢٨ - البخاري (٣/ ٥٥٢) ٢٥ - كتاب الحج - ١١٦ - باب النحر في منحر النبي ﷺ بمنى.\n٧٢٩ - أبو داود (٢/ ١٩٨)، كتاب المناسك، باب أي وقت يخطب يوم النحر، وإسناده قوي.\n٧٣٠ - البخاري (٣/ ٤٥٣) ٢٥ - كتاب الحج - ٤٥ - باب نزول النبي ﷺ مكة.\nومسلم نحوه (٢/ ٩٥٢) ١٥ - كتاب الحج - ٥٩ - باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر، والصلاة به.\nحيث تقاسموا على الكفر: يعني حصار الشعب.","vol":"2","page":1024},{"text":"وفي رواية (١): أنه قال - حين أراد قدوم مكة -: \"منزلنا غدًا إن شاء الله: بخيف بني كنانة.\" .. الحديث.\n٧٣١ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به.\n٧٣٢ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن النبي ﵌ قال له: \"أردف أختك عائشة فأعمرها من التنعيم فإذا هبطت الأكمة فمرها فلتحرم فإنها عمرة متقبلة\".\n٧٣٣ - * روى الترمذي عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم: شك شعبة - عن النبي ﷺ قال: \"من كنت مولاه فعلي مولاه\".\n٧٣٤ - * روى الطبراني والحاكم عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله ﷺ من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقمت، ثم قام فقال: \"كأني قد دعيت فأجبت، إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض\" ثم قال: \"إن الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن\" ثم أخذ بيد علي فقال: \"من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه\" فقلت لزيد: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا قد رآه بعينيه وسمعه بأذنيه.\n_________\n(١) البخاري (٣/ ٤٥٢) ٢٥ - كتاب الحج - ٤٥ - باب نزول النبي ﷺ مكة.\n٧٣١ - البخاري (٣/ ٥٩٠) ٢٥ - كتاب الحج - ١٤٤ - باب طواف الوداع.\n٧٣٢ - المستدرك (٣/ ٤٧٧). وقوى إسناده الذهبي.\n٧٣٣ - الترمذي (٥/ ٦٣٣) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٠ - باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٧٣٤ - الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ١٦٦).\nوالحاكم مطولًا في المستدرك (٣/ ١٠٩). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله. وسكت عنه الذهبي. وهو صحيح.","vol":"2","page":1025},{"text":"أقول: هذا هو الحديث المشهور بحديث غدير خم - وهو مكان بين مكة والمدينة - الذي بنى عليه الشيعة مذهبهم الباطل في أن الخلافة في علي وذريته بما لا يحتمله نص الحديث، وقد كان ذلك مرجعه ﵊ من الحج. وقوله ﵊ \"من كنت مولاه فعلي مولاه\" ثابت في نصوص كثيرة حتى ذهب السيوطي إلى تواتره.\n٧٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر كان إذا صدر من الحج والعمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان ينيخ بها رسول الله ﷺ.\nوفي أخرى للبخاري (١): أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة صلى في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات بها.\n* * *\n_________\n٧٣٥ - البخاري مطولًا (٣/ ٥٩٢) ٢٥ - كتاب الحج - ١٤٨ - باب النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة، والنزول بالبطحاء التي بذي الحليفة إذا رجع من مكة.\nومسلم (٢/ ٩٨١) ١٥ - كتاب الحج - ٧٧ - باب التعريس بذي الحليفة، والصلاة بها إذا صدر من الحج أو العمرة.\nالصدر: رجوع المسافر من مقصده.\n(١) البخاري (٣/ ٣٩١) ٢٥ - كتاب الحج - ١٥ - باب خروج النبي ﷺ على طريق الشجرة.","vol":"2","page":1026},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>فصل: في وفاته ﵊</span>\n٧٣٦ - * روى الدارمي عن عطاء قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب\".\n٧٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.\nوفي أخرى قال (٣): أنزل على النبي ﷺ وهو ابن أربعين، فمكث ثلاث عشرة، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي ﷺ.\n٧٣٨ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين.\nقال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المسيب بمثله.\n٧٣٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي عمر وهو ابن ثلاث وستين.\n٧٤٠ - * روى الدارمي عن العباس رضي الله تعالى عنه: لأعلمن ما بقاء رسول الله ﷺ فينا. فقال: يا رسول الله إني رأيتهم قد آذوك وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشًا تكلمهم منه، فقال: \"أزال بين أظهرهم يطؤون عقبي وينازعوني ردائي، حتى يكون الله\n_________\n٧٣٦ - الدارمي (١/ ٤٠)، المقدمة، باب في وفاة النبي ﷺ. وهو حديث حسن لشواهده.\n٧٣٧ - البخاري (٧/ ٢٢٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار. ٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.\nومسلم (٤/ ١٨٢٦) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٣٣ - باب كم أقام النبي ﷺ بمكة والمدينة.\n(٣) البخاري (٧/ ١٦٢) ٦٣ - كتاب فضائل الأنصار - ٢٨ - باب مبعث النبي ﷺ.\nومسلم نحوه (٤/ ١٨٢٦) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٣٣ - باب كم أقام النبي ﷺ بمكة والمدينة.\n٧٣٨ - البخاري (٨/ ١٥٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٥ - باب وفاة النبي ﷺ.\nومسلم نحوه (٤/ ١٨٢٦) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٣٣ - باب كم أقام النبي ﷺ بمكة والمدينة.\n٧٣٩ - مسلم في نفس الموضع السابق.\n٧٤٠ - الدارمي (١/ ٣٥)، المقدمة، باب في وفاة النبي ﷺ. ورجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":1027},{"text":"هو الذي يريحني منهم\" قال: فعلمت أن بقاءه فينا قليل.\n٧٤١ - * روى أحمد عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه رسول الله ﷺ يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته. فلما فرغ قال: \"يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري\" فبكى معاذ جشعًا لفراق رسول الله ﷺ ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: \"إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا\".\n٧٤٢ - * روى الطبراني والبزار عن العباس بن عبد المطلب قال: رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء بأشطان شداد، فقصصت ذلك على رسول الله ﷺ فقال: \"ذاك وفاة ابن أخيك\".\n٧٤٣ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: أتينا العرباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) فسلمنا، وقلنا: أتيناك زائرين، وعائدين، ومقتبسين، فقال العرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا. فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه\n_________\n٧٤١ - أحمد في مسنده (٥/ ٢٣٥) بإسنادين.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٢)، رواه أحمد بإسنادين، ورجال الإسنادين رجال الصحيح غير راشد بن سعد وعاصم بن حميد، وهما ثقتان.\n٧٤٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣)، وقال: رواه البزار والطبراني، ورجالهما ثقات.\nتنزع: النزع: الجذب والقلع.\nأشطان: جمع شطن، والشطن: الحبل، وقيل هو الطويل منه.\n٧٤٣ - أبو داود (٤/ ٢٠٠)، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، وإسناده صحيح.\nوالترمذي نحوه (٥/ ٤٤) ٤٢ - كتاب العلم - ١٦ - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ولكنه لم يذكر الصلاة، وفي آخره تقديم وتأخير.\nقال ابن الأثير شارحًا غريب الحديث:\nمقتبسين: الاقتباس في الأصل: أخذ القبس من النار، وأراد به: الأخذ من العلم والأدب.\nذرفت: العين تذرف: إذا دمعت.\nوجلت: وجل القلب يوجل: إذا خاف وفزع. والوجل: الفزع.","vol":"2","page":1028},{"text":"موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: \"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\".\n٧٤٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم، فأدخله معهم، قال: فما رئيت أنه دعاني يومئذ، إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح) (١) فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا،\n_________\n= تعهد: عهد إليه بكذا يعهد: إذا أوصى إليه.\nالراشدين: الراشد: اسم فاعل من رشد يرشد، ورشد يرشد رشدًا، وهو خلاف الغي، وأرشدته أنا: إذا هديته.\nالمهديين: المهدي: الذي قد هداه الله إلى الحق، هداه يهديه فهو مهدي، والله هاديه.\nوإن عبدًا حبشيًا: أي: أطع صاحب الأمر، واسمع له، وإن كان عبدًا حبشيًا، فحذف \"كان\" وهي مرادة.\nوعضوا عليها بالنواجذ: النواجذ: الأضراس التي بعد الناب، جمع ناجذ، وهذا مثل في شدة الاستمساك بالأمر، لأن العض بالناجذ عض بمعظم الأسنان التي قبلها والتي بعدها.\nالهدي: بفتح الهاء وسكون الدال: الطريقة والسيرة.\nمحدثات الأمور: ما لم يكن معروفًا في كتاب ولا سنة ولا إجماع.\nبدعة: الابتداع: إذا كان من الله وحده فهو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وهو تكوين الأشياء بعد أن لم تكن، وليس ذلك إلا إلى الله تعالى، فأما الابتداع من المخلوقين، فإن كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله، فهو في حيز الذم والإنكار، وإن كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض عليه أو رسوله، فهو في حيز المدح، وإن لم يكن مثاله موجودًا، كنوع من الجود والسخاء، وفعل المعروف، فهذا فعل من الأعمال المحمودة لم يكن الفاعل قد سبق إليه، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن رسول الله ﷺ، قد جعل له في ذلك ثوابًا فقال: \"من سن سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها\" وقال في ضده: من سن سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها\" (أخرجه مسلم ٢/ ٧٠٥) وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله، ويعضد ذلك قول عمر بن الخطاب ﵁ في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه، لما كانت من أفعال الخير، وداخلة في حيز المدح، سماها بدعة ومدحها، وهي - وإن كان النبي ﷺ قد صلاها - إلا أنه تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها، فمحافظة عمر عليها، وجمعه الناس لها، وندبهم إليها، بدعة، لكنها بدعة محمودة ممدوحة. قاله ابن الأثير.\n٧٤٤ - البخاري (٨/ ٧٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير - ٤ - باب قوله: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا).\n(١) النصر: ١.","vol":"2","page":1029},{"text":"وسكت بعضهم، فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: (إذا جاء نصر الله والفتح) وذلك علامة أجلك (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) (١) فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.\nوفي رواية (٢) أن عمر كان يدني ابن عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إن لنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية (إذا جاء نصر الله والفتح) قال: أجل رسول الله ﷺ أعلمه إياه، قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم.\nوفي أخرى (٣): أن عمر سألهم عن قوله: (إذا جاء نصر الله والفتح) قالوا: فتح المدائن والقصور، قال: يا ابن عباس، ما تقول؟ قال: أجل أو مثل ضرب لمحمد ﷺ، نعيت إليه نفسه.\n٧٤٥ - * روى الطبراني عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ قبل أن يموت يكثر أن يقول: \"سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك\" قال: إني أمرت فقرأ (إذا جاء نصر الله والفتح).\n٧٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن الله تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته، حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله ﷺ بعد.\nقال ابن حجر:\nقوله (إن الله تابع على رسوله ﷺ قبل وفاته) كذا للأكثر: وفي رواية أبي ذر \"إن\n_________\n(١) النصر: ٣.\n(٢) الترمذي (٥/ ٤٥٠) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ٩١ - باب \"ومن سورة النصر\".\n(٣) البخاري (٨/ ٧٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير - ٤ - باب قوله: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا).\n٧٤٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣)، وقال: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله رجال الصحيح.\n٧٤٦ - البخاري (٩/ ٣) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن. ١ - باب كيف نزل الوحي؟ وأول ما نزل.\nومسلم نحوه (٤/ ٢٣١٢) ٥٤ - كتاب التفسير.","vol":"2","page":1030},{"text":"الله تابع على رسوله الوحي قبل وفاته\" أي أكثر إنزاله قرب وفاته ﷺ، والسر في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كثروا وكثر سؤالهم عن الأحكام فكثر النزول بسبب ذلك. ووقع لي سبب تحديث أنس بذلك من رواية الدراوردي عن الإمامي عن الزهري \"سألت أنس ابن مالك: هل فتر الوحي عن النبي ﷺ قبل أن يموت؟ قال: أكثر ما كان وأجمه\" أورده ابن يونس في \"تاريخ مصر\" في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي مريم. قوله (حتى توفاه أكثر ما كان الوحي) أي الزمان الذي وقعت فيه وفاته كان نزول الوحي فيه أكثر من غيره من الأزمنة قوله (ثم توفي رسول الله ﷺ بعد) فيه إظهار ما تضمنته الغاية في قوله \"حتى توفاه الله\"، وهذا الذي وقع أخيرًا على خلاف ما وقع أولًا، فإن الوحي في أول البعثة فتر فترة ثم كثر، وفي أثناء النزول بمكة لم ينزل من السور الطوال إلا القليل، ثم بعد الهجرة نزلت السور الطوال المشتملة على غالب الأحكام، إلا أنه كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر الأزمنة نزولًا بالسبب المتقدم.\n٧٤٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفس محمد بيده، ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم\" فأولوه على أنه نعى نفسه إليهم، وعرفهم ما يحدث لهم بعده من تمني لقائه عند فقدهم ما كانوا يشاهدون من بركاته ﵇.\nقال النووي: وتقدير الكلام يأتي على أحدكم يوم لأن يراني فيه لحظة لا يراني بعدها أحب إليه من أهله وماله جميعًا. ومقصود الحديث حثهم على ملازمة مجلسه الكريم ومشاهدته حضرًا وسفرًا للتأدب بآدابه وتعلم الشرائع وحفظها ليبلغوها، وإعلامهم أنهم سيندمون على ما فرطوا فيه من الزيادة من مشاهدته وملازمته. ومنه قول عمر ﵁ ألهاني عنه الصفق بالأسواق أ. هـ.\n٧٤٨ - * روى البخاري عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج وهو بين الرجلين\n_________\n٧٤٧ - مسلم (٤/ ١٨٣٦) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٣٩ - باب فضل النظر إليه ﷺ وتمنيه.\n٧٤٨ - البخاري (٨/ ١٤١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.","vol":"2","page":1031},{"text":"تخط رجلاه في الأرض، بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد الله فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال، قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي. وكانت عائشة زوج النبي ﷺ تحدث أن رسول الله ﷺ لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال: \"هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس\" فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ، ثم طفقنا نصب عليه من تك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت: ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم.\nوفي رواية (١): قالت: أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له .. الحديث.\n٧٤٩ - * روى الدارمي عن عائشة قالت: رجع إلي النبي ﷺ ذات يوم من جنازة من البقيع فوجدني، وأنا أجد صداعًا، وأنا أقول: وا رأساه. قال: \"بل أنا يا عائشة وا رأساه\" قال: \"وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك\" فقلت: لكأني بك والله لو فعلت ذلك، لرجعت إلى بيتي فعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله ﷺ ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه.\n٧٥٠ - * روى أحمد عن أسماء بنت عميس قالت: أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في\n_________\n= أوكيتهن: الأوكية: الأربطة.\nالمخضب: وعاء كبير تغسل فيه الثياب ويسميه العامة في بلادنا اليوم طبقًا.\n(١) البخاري بنحوه (٦/ ٢١٠) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ٤ - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ، وما نسب من البيوت إليهن.\nمسلم واللفظ له (١/ ٣١٢) ٤ - كتاب الصلاة - ٢١ - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس.\nاشتكى: مرض.\n٧٤٩ - الدارمي (١/ ٣٧)، المقدمة، باب في وفاة النبي ﷺ.\nوابن ماجه بعضه (١/ ٤٧٠) ٦ - كتاب الجنائز - ٩ - باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها.\nوعلق المحقق لابن ماجه بقوله في الزوائد: رجاله ثقات، ورواه البخاري من وجه آخر مختصرًا.\n٧٥٠ - أحمد في مسنده (٦/ ٤٣٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٣)، رواه أحمد، ورجاله ثقات.","vol":"2","page":1032},{"text":"بيت ميمونة فاشتد مرضه حتى أغمي عليه، فتشاور نساؤه في لده فلدوه، فلما أفاق قال: \"ما هذا؟ \" فقلنا: هذا فعل نساء جئن من ههنا، وأشار إلى أرض الحبشة. وكانت أسماء بنت عميس فيهن، قالوا: كنا نتهم بك ذات الجنب يا رسول الله. قال: \"إن ذلك لداء ما كان الله ﷿ ليقذفني به، لا يبقين في البيت أحد لا يلد إلا عم رسول الله ﷺ\" يعني العباس: قالت لقد التدت ميمونة يومئذ وإنها لصائمة لعزيمة رسول الله ﷺ.\nوذكر رزين (١) عن أسامة بن زيد ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ قد عقد لي لواء في مرضه الذي مات فيه، وبرزت بالناس فلما ثقل رسول الله ﷺ أتيته يومًا، فجعل رسول الله ﷺ يضع يده علي ويرفعها، فعرفت أنه كان يدعو لي، فلما بويع لأبي بكر، كان أول ما صنع، أمر بإنفاذ تلك الراية التي كان عقدها لي رسول الله ﷺ، إلا أنه كان سألني في عمر: أن أتركه له، ففعلت.\nوفي رواية الترمذي (٢) قال: لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت، وهبط الناس المدينة، فدخلت على رسول الله ﷺ، وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل رسول الله ﷺ يضع يديه علي ويرفعهما، فأعرف أنه يدعو لي.\n٧٥١ - * روى البخاري ومسلم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ؟ قالت: بلى. ثقل النبي ﷺ فقال: \"أصلى الناس؟ \" قلنا: لا، هم ينتظرونك. قال: \"ضعوا لي ماء في المخضب\" قالت: ففعلنا: ففعلنا. فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال ﷺ:\n_________\n= اللدود: بالفتح: من الأدوية ما يسقاه المريض في أحدش قي الفم.\n(١) أوردها ابن الأثير في جامع الأصول (١٠/ ٢٦)، وقال: هذه الرواية ذكرها رزين.\nبرزت بالناس: البروز: الخروج.\n(٢) الترمذي (٥/ ٦٧٧) ٥٠ - كتاب المناقب - ٤١ - باب مناقب أسامة بن زيد، ﵁. وقال: هذا حديث حسن غريب.\n٧٥١ - البخاري (٢/ ١٧٢) ١٠ - كتاب الأذان - ٥١ - باب إنما جعل الإمام ليؤتم به.\nومسلم (١/ ٣١١) ٤ - كتاب الصلاة - ٢١ - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس.","vol":"2","page":1033},{"text":"\"أصلى الناس؟ \" قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: \"ضعوا لي ماء في المخضب\" قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه. ثم أفاق فقال: \"أصلى الناس؟ \" قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: \"ضعوا لي ماء في المخضب\" فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه. ثم أفاق فقال: \"أصلى الناس\" فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة - فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس. فقال أبو بكر - وكان رجلًا رقيقًا - يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك. فصلى أبو بكر تلك الأيام. ثم إن النبي ﷺ وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين - أحدهما العباس - لصلاة الظهر، وابو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر، قال: \"أجلساني إلى جنبه\" فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قال فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ والناس بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد، قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي ﷺ؟ قال: هات. فعرضت عليه حديثها. فما أنكر منه شيئًا، غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال: هو علي.\n٧٥٢ - * روى مالك والبخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: \"مروا أبا بكر يصلي بالناس\" قالت عائشة: قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس. فقالت عائشة: فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس. ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ: \"مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس\" فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا.\n_________\n٧٥٢ - مالك في الموطأ (١/ ١٧٠) ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر - ٢٤ - باب جامع الصلاة.\nوالبخاري (٢/ ١٦٤) ١٠ - كتاب الأذان - ٤٦ - باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة.","vol":"2","page":1034},{"text":"٧٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة: قالت: لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر.\n٧٥٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن زمعة ﵁ قال: لما استعز بالنبي ﷺ - وأنا عنده في نفر من المسلمين - دعاه بلال إلى الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: \"مروا من يصلي بالناس\" فخرج عبد الله بن زمعة، فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبًا، فقلت: يا عمر، قم فصل، فتقدم فكبر، فلما سمع النبي ﷺ صوته - وكان عمر رجلًا مجهرًا - قال: \"فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون\"، فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس.\nزاد في رواية (١) قال: لما سمع النبي ﷺ صوت عمر قال ابن زمعة: خرج النبي ﷺ حتى أطلع رأسه من حجرته، ثم قال: \"لا، لا، لا، ليصل بالناس ابن أبي قحافة\" قال ذلك مغضبًا.\n_________\n٧٥٣ - البخاري (٨/ ١٤٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.\nومسلم (١/ ٣١٣) ٤ - كتاب الصلاة - ٢١ - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس.\n٧٥٤ - أبو داود (٤/ ٢١٥)، كتاب السنة، باب في استخلاف أبي بكر ﵁. وهو حديث حسن.\nاستعز: بالمريض: إذا غلب على نفسه من شدة المرض، وأصله من العزة، وهي الغلبة والاستيلاء على الشيء.\nمجهرًا: رجل مجهر، أي: صاحب جهر ورفع لصوته، يقال: جهر الرجل صوته وأجهر: إذا عرف بالجهر، فهو جاهر ومجهر.\nيأبى الله ذلك والمسلمون: فيه نوع دلالة على خلافة أبي بكر ﵁، لأن هذا القول يعلم منه: أن المراد به ليس نفي جواز الصلاة خلف عمر، كيف وهي جائزة خلف غيره من آحاد المسلمين ممن هو دون عمر؟ وإنما أراد به الإمامة التي هي الخلافة والنيابة عن النبي ﷺ، فلذلك قال فيه:\n\"يأبى الله ذلك والمسلمون\". وعلى أنه يجوز أن يكون أراد بهذا القول: أن الله يأبى والمسلمون أن يتقدم في الصلاة أحد على جماعة فيهم أبو بكر، حيث هو أكبرهم قدرًا ومنزلة وعلمًا.\n(١) أبو داود (٤/ ٢١٥)، كتاب السنة، باب في استخلاف أبي بكر ﵁.","vol":"2","page":1035},{"text":"٧٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم\".\nوفي رواية للبخاري (١) قال: مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ، فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \"أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم\".\n٧٥٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: \"أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع: فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم\".\n_________\n٧٥٥ - البخاري (٧/ ١٢١) ٦٣ - كتاب مناقب لاأنصار - ١١ - باب قول النبي ﷺ: \"اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم\".\nومسلم واللفظ له (٤/ ١٩٤٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٤٣ - باب من فضائل الأنصار، رضي الله تعالى عنهم.\nكرشي وعيبتي: أراد بقوله: الأنصار كرشي وعيبتي، أي: موضع سري وأمانتي، فاستعار الكرش والعيبة، لأن المجتر يجمع غلفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في غيبته، قال الهروي: قال أبو عبيد: يقال: عليه كرش من الناس، أي: جماعة، كأنه أراد: جماعتي وصحابتي الذين بهم أثق، وعليهم أعتمد.\nيقلون: يعني الأنصار.\n(١) البخاري (٧/ ١٢٠) ٥٣ - كتاب مناقب الأنصار - ١١ - باب قول النبي ﷺ: \"اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم\".\n٧٥٦ - مسلم (١/ ٣٤٨) ٤ - كتاب الصلاة - ٤١ - باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.\nفقمن: قمن: جدير وخليق.","vol":"2","page":1036},{"text":"وفي رواية (١): كشف الستر، ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال \"اللهم هل بلغت؟ - ثلاث مرات - إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا، يراها العبد الصالح، أو ترى له ... \" ثم ذكر مثله.\n٧٥٧ - * روى البزار عن عبد الرحمن بن عوف قال: لما حضر النبي ﷺ الوفاة، قالوا: يا رسول الله: أوصنا، قال: \"أوصيكم بالسابقين الأولين، وبأبنائهم من بعدهم، وبأبنائهم من بعدهم، وبأبنائهم من بعدهم، إن لا تفعلوا، لا يقبل منكم صرف، ولا عدل\".\n٧٥٨ - * روى البزار عن أنس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه متوكئًا على أسامة مرتديًا بثوب قطن فصلى بالناس.\n٧٥٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب النبي ﷺ الناس وقال: \"إن الله ﷿ خير عبدًا بين الدنيا، وبين ما عنده. فاختار ذلك العبد ما عند الله\". قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله ﷺ \"إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر\".\nوعند الترمذي (٥): أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: \"إن عبدًا خيره الله\n_________\n(١) مسلم (١/ ٣٤٨) ٤ - كتاب الصلاة - ٤١ - باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.\n٧٥٧ - البزار كشف الأستار (٣/ ٢٩٢) مجمع الزوائد (١٠/ ١٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار إلا أنه قال: أوصيكم بالسابقين الأولين، وبأبنائهم من بعدهم، ثلاث مرات. ورجاله ثقات.\nصرف: التوبة أو النافلة.\nعدل: الفدية أو الفريضة.\n٧٥٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٤٩)، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\n٧٥٩ - البخاري (٧/ ١٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٣ - باب قول النبي ﷺ: \"سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر\". ومسلم نحوه (٤/ ١٨٥٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁.\n(٥) الترمذي (٥/ ٦٠٨) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٥ - باب حدثنا محمد بن عبد الملك. وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":1037},{"text":"بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده\". فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا. قال: فعجبنا، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أني ؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، وهو يقول، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان النبي ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، فقال النبي ﷺ: \"من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر\".\nوفي رواية مسلم (١): أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال: \"عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا، وبين ما عنده فاختار ما عنده\" فبكى أبو بكر وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال رسول الله ﷺ \"من أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر\".\nقال النووي: وفيه فضيلة وخصيصة ظاهرة لأبي بكر ﵁. وفيه أن المساجد تصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها إلا من أبوابها إلا لحاجة مهمة.\n٧٦٠ - * روى مسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: \"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، وإن الله قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك\".\n_________\n= زهرة الدنيا: زينتها ومتاعها، وما هو محبوب إلى النفوس من موجوداتها.\n(١) مسلم (٤/ ١٨٥٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق، ﵁.\nالخوخة: منفذ يكون بين منزلين يجعل عليه باب.\n٧٦٠ - مسلم (١/ ٣٧٧) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - ٣ - باب النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد.","vol":"2","page":1038},{"text":"وفي رواية (١) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار. سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر\".\n٧٦١ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال، فقال النبي ﷺ: \"هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده\" فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ: \"قوموا\" قال عبيد الله: فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم.\nوفي رواية قال (٢): \"قوموا عني، فلا ينبغي عندي التنازع\" فخرج ابن عباس وهو يقول: إن الرزية كل الرزية: ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه.\nوفي أخرى قال (٣): قال ابن عباس: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلت: يا ابن عباس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه. فقال: \"ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعدي\" فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع. وقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه. قال: \"دعوني. فالذي أنا فيه خير. أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم\". قال: وسكت عن الثالثة. أو قالها فأنسيتها.\n_________\n(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٢)، وقال: رواه عبد الله في زياداته على المسند ورجاله ثقات.\nاللغط: الشجة واختلاف الأصوات.\n٧٦١ - البخاري (٨/ ١٣٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.\nومسلم (٣/ ١٢٥٩) ٢٥ - كتاب الوصية - ٥ - باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه.\n(٢) البخاري (١/ ٢٠٨) ٣ - كتاب العلم - ٣٩ - باب كتابة العلم.\nالرزية: المصيبة التي تنزل بالإنسان من الشدائد.\n(٣) البخاري (٨/ ١٣٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.\nومسلم (٣/ ١٢٥٧) ٢٥ - كتاب الوصية - ٥ - باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه.","vol":"2","page":1039},{"text":"٧٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين - وهم صفوف في الصلاة - كشف النبي ﷺ ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ. فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر، فتوفي من يومه.\nوفي رواية (١) لهما عن أنس: قال: لم يخرج رسول الله ﷺ ثلاثًا فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فقال رسول الله ﷺ بالحجاب، فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ، ما نظرنا منظرًا كان أعجب إلينا من وجه رسول الله ﷺ حين وضح لنا، فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأرخى النبي ﷺ الحجاب، فلم يقدر عليه حتى مات.\n٧٦٣ - * روى أحمد وابن ماجه عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: \"الصلاة وما ملكت أيمانكم\" فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه.\n_________\n= أهجر: الهجر بالفتح نطق المريض بما لم يفهم.\nأجيزوا الوفد: الوفد: الذين يقصدون الملوك في طلب حوائجهم ويأتونهم في مهماتهم، وإجازتهم: إعطاؤهم الجائزة، وهي ما يعطون من العطاء والصلة.\n٧٦٢ - البخاري (٢/ ١٦٤) ١٠ - كتاب الأذان - ٤٦ - باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة.\nومسلم (١/ ٣١٥) ٤ - كتاب الصلاة - ٢١ - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس.\n(١) البخاري في الموضع السابق.\nومسلم نحوها في الموضع السابق.\n٧٦٣ - أحمد في مسنده (٦/ ٣١١).\nوابن ماجه (١/ ٥١٩) ٦ - كتاب الجنائز - ٦٤ - باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله ﷺ.\nوقال المعلق على ابن ماجه: في الزوائد: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\nقال السندي: قوله (الصلاة): أي الزموها واهتموا بشأنها ولا تغفلوا عنها (وما ملكت أيمانكم) من الأموال أي أدوا زكاتها ولا تسامحوا فيها وهذا هو الموافق لقران الصلاة، فإن المتعارف في عرف القرآن والشرع قرانهما ويحتمل أن يكون وصية بالعبيد والإماء أي أدوا حقوقهم وحسن ملكتهم، فإن المتبادر من لفظ ما ملكت الأيمان في عرف القرآن هم العبيد والإماء، قوله (حتى ما يفيض بها لسانه) أي ما يجري ولا يسيل بهذه الكلمة لسانه من فاض","vol":"2","page":1040},{"text":"٧٦٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: \"يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم\".\n٧٦٥ - * روى أحمد عن أم سلمة قالت: والذي أحلف به إن كان علي لأقرب الناس عهدًا برسول الله ﷺ: قالت: عدنا رسول الله ﷺ غداة بعد غداة يقول: \"جاء علي\" مرارًا، قالت: وأظنه كان بعثه في حاجة: قالت: فجاء بعد فظننت أن له إليه حاجة فخرجنا من البيت فقعدنا عند البيت، وكنت من أدناهم إلى الباب فأكب عليه علي فجعل يساره ويناجيه ثم قبض ﷺ من يومه ذلك، وكان أقرب الناس به عهدًا.\n٧٦٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند النبي ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا.\n٧٦٧ - * روى ابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه: \"وددت أن عندي بعض أصحابي\" قلنا: يا رسول الله ألا ندعو لك أبا بكر فسكت قلنا ألا\n_________\n= الماء إذا سال وجرى حتى لم يقدر على الإفصاح بهذه الكلمة.\n٧٦٤ - البخاري (٨/ ١٣١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.\nأبهري: الأبهر: عرق متصل بالقلب اتصالًا مباشرًا.\n٧٦٥ - أحمد في مسنده (٦/ ٣٠٠).\nوالطبراني مختصرًا في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٧٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٢): رواه أحمد وأبو يعلى، إلا أنه قال فيه: \"كان رسول الله ﷺ يوم قبض في بيت عائشة، والطبراني باختصار ورجالهم رجال الصحيح غير أم موسى، وهي ثقة.\nوالذي أحلف به: تعني الله ﷿، وغرضها بذلك أن ما ستذكره حصل يقينًا بغير شك.\nفأكب عليه علي: أي مال برأسه عليه ولازمه.\nفجعل يساره ويناجيه: أي يحدثه سرًا.\nأقرب الناس به عهدًا: تعني عليًا ﵁.\n٧٦٦ - البخاري (٨/ ١٤٢) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.\n٧٦٧ - ابن ماجه (١/ ٤٢) في المقدمة - ١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ.\nوقال المعلق على ابن ماجة: في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.","vol":"2","page":1041},{"text":"ندعو لك عمر؟ فسكت، قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال \"نعم\" فجاء فخلا به، فجعل النبي ﷺ يكلمه ووجه عثمان يتغير قال قيس: فحدثني أبو سهلة مولى عثمان أن عثمان بن عفان قال يوم الدار: إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا فأنا صائر إليه، وقال علي في حديثه: وأنا صابر عليه قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم.\nأقول: الظاهر أن قول علي إنما كان بعد ما أخبره الرسول ﷺ عما يجري عليه وهذا يفيد أن النبي ﷺ استدعاه وأسر إليه بما يجري عليه كما أخبر عثمان.\n٧٦٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما ثقل رسول الله ﷺ، جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه! فقال لها: \"ليس على أبيك كرب بعد اليوم\" فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت: يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟.\nوفي رواية النسائي (١): أن فاطمة بكت على رسول الله ﷺ حين مات، فقالت: يا أبتاه، من ربه ما أدناه؟ يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه؟.\n٧٦٩ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك. فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله! إنك لتوعك وعكًا شديدًا. فقال رسول الله ﷺ: \"أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم\" قال فقلت: ذلك، أن لك أجرين. فقال رسول الله ﷺ: \"أجل\" ثم قال رسول الله ﷺ: \"ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها\".\n_________\n٧٦٨ - البخاري (٨/ ١٤٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.\n(١) النسائي (٤/ ١٣)، كتاب الجنائز، باب في البكاء على الميت.\n٧٦٩ - البخاري (١٠/ ١١١) ٧٥ - كتاب المرضى. ٣ - باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.\nومسلم واللفظ له (٤/ ١٩٩١) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب - ١٤ - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض وحزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها.\nإنك لتوعك وعكًا شديدًا: الوعك: قيل هو الحمى، وقيل: ألمها ومغثها، وقد وعك الرجل يوعك فهو موعوك.","vol":"2","page":1042},{"text":"٧٧٠ - * وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ.\n٧٧١ - * وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى، ويقول: \"اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا\".\nوفي رواية (١): فلما مرض رسول الله ﷺ وثقل أخذت بيده، لأنصع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي، ثم قال: \"اللهم اغفر لي، واجعلني مع الرفيق الأعلى\" قالت: فذهبت أنظر: فإذا هو قد قضى.\nوفي رواية (٢): أن رسول الله ﷺ كان يرقي، يقول: \"امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت\".\n٧٧٢ - * روى مالك والبخاري عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها.\n_________\n٧٧٠ - البخاري (١٠/ ١١٠) ٧٥ - كتاب المرضى - ٢ - باب شدة المرض.\nومسلم نحوه (٤/ ١٩٩٠) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب - ١٤ - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض وحزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها.\n٧٧١ - البخاري (١٠/ ٢٠٦) ٧٦ - كتاب الطب - ٣٨ - باب رقية النبي ﷺ.\nومسلم نحوه (٤/ ١٧٢٢) ٣٩ - كتاب السلام - ١٩ - باب استحباب رقية المريض.\n(١) البخاري (١٠/ ٢٠٦).\nومسلم (٤/ ١٧٢٢).\nالرفيق الأعلى: أراد: الملائكة ومجاورتهم ومرافقتهم.\n(٢) البخاري في نفس الموضع السابق.\n٧٧٢ - مالك في الموطأ (٢/ ٩٤٢) ٥٠ - كتاب العين - ٤ - باب التعوذ والرقية من المرض.\nوالبخاري (٩/ ٦٢) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ١٤ - باب فضائل المعوذات.\nومسلم (٤/ ١٧٢٣) ٣٩ - كتاب السلام - ٢٠ - باب رقية المريض بالمعوذات والنفث.\nينفث: النفث: أقل ما يبزق الإنسان.","vol":"2","page":1043},{"text":"٧٧٣ - * وروى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: \"إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيا - أو يخير\" فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة، غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: \"اللهم في الرفيق الأعلى\" فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح.\n٧٧٤ - * وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من نبي يمرض إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة\" وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: \"مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين\" فعلمت أنه خُيِّر.\n٧٧٥ - * روى الحاكم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنه تلا قول الله ﷿: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) (١)، ثم قال: حدثتني عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: \"اللهم أعني على سكرات الموت\".\n٧٧٦ - * روى البخاري عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه، يقول: \"أين أنا غدًا\" - يريد يوم عائشة - فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت عائشة: فمات في اليوم\n_________\n٧٧٣ - البخاري (٨/ ١٣٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.\nومسلم (٤/ ١٨٩٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ١٣ - باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها.\nشخص بصره: شخوص البصر: ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر.\n٧٧٤ - البخاري (٨/ ٢٥٥) ٦٥ - كتاب التفسير - ١٣ - باب: (أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين).\nومسلم (٤/ ١٨٩٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ١٣ - باب في فضل عائشة، رضي الله تعالى عنها.\n٧٧٥ - المستدرك (٢/ ٤٦٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\n(١) ق: ١٩.\n٧٧٦ - البخاري (٨/ ١٤٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.","vol":"2","page":1044},{"text":"الذي كان يدور علي فيه في بيتي، فقبضه الله ﷿ وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر، ومعه سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله ﷺ، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن. فأعطانيه، فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به وهو مستند إلى صدري.\nوعنها في رواية (١): توفي النبي ﷺ في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري. وكانت إحدانا تعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: \"في الرفيق الأعلى\" ومر عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه النبي ﷺ، فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها، فدفعتها إليه، فاستن بها كأحسن ما كان مستنًا، ثم ناولنيها، فسقطت يده - أو سقطت من يده - فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة.\nوفي أخرى نحوه، إلا أنه قال (٢): قالت: دخل عبد الرحمن بسواك، فضعف النبي ﷺ عنه فأخذته، فمضغته، ثم سننته به.\nوفي رواية (٣): دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: \"أن نعم\" فتناوله، فاشتد عليه، قلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه: \"أن نعم\" فلينته، فأمره وبين يديه ركوة، أو علبة يشك عمر - فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيسمح بهما وجهه، يقول: \"لا إله إلا الله، إن للموت سكرات\" ثم نصب يده، فجعل يقول: \"في الرفيق الأعلى\" حتى قبض ﷺ، ومالت يده.\n_________\nسحر: السحر: الرئة، وأرادت: أنه مات عندها في حضنها.\nيستن: الاستنان: التسوك بالسواك.\n(١) البخاري (٨/ ١٤٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.\nجريدة: الأصل أن الجريدة هي سعفة من سعف النخل، والمراد بها هنا: قطعة من السعفة تستعمل كالسواك.\n(٢) البخاري (٦/ ٢١٠) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ٤ - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ، وما نسب من البيوت إليهن.\n(٣) البخاري (٨/ ١٤٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ، ووفاته.\nركوة: وعاء من جلد.\nوالعلبة: وعاء من جلد يحلب منه.","vol":"2","page":1045},{"text":"وفي أخرى (١): قالت: مات رسول الله ﷺ وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي ﷺ.\n٧٧٧ - * روى الترمذي وابن ماجه عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>تعليق:</span>\nقوله: (وما نفضناعن النبي ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا): فيه رد على من ادعى أن حال الصحابة ورقيهم الروحي وغيره لا يفسر بوجود رسول الله ﷺ على رأسهم، وهو قول انتشر في هذا العصر. ويكفي في رده قوله ﷻ في حق رسول الله ﷺ: (ويزكيهم) (٢) كما أن في هذا الحديث ما يدل على أن الرقي القلبي منوط بالاجتماع مع أهل الحق والارتباط الروحي فيهم ومن ههنا نؤكد على الانتساب للعلماء العاملين والربانيين المخلصين، ونؤكد على الأخذ منهم ومجالسة الصالحين من عباد الله.\n٧٧٨ - * روى الحاكم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما توفي رسول الله\n_________\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق.\nحاقنتي وذاقنتي: الحاقنة: ما سفل من البطن، والذاقنة: طرف الحلقوم الناتئ، وقيل: الحاقنة: المطمئن من الترقوة والحلق، والذاقنة: نقرة الذقن.\n٧٧٧ - الترمذي (٥/ ٥٨٨) ٥٠ - كتاب المناقب - ١ - باب في فضل النبي ﷺ. وقال: هذا حديث غريب صحيح.\nوابن ماجه واللفظ له (١/ ٥٢٢) ٦ - كتاب الجنائز - ٦٥ - باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ.\nوالحاكم نحوه مختصرًا في المستدرك (٣/ ٥٧)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وهو حديث حسن.\nقال السندي:\nقوله أضاء منها: أي من المدينة.\nوما نفضنا: أي ما خلصنا من دفنه.\nأنكرنا قلوبنا: أي ما وجدناها على الحالة السابقة. ومعلوم أن البيت يصير مظلمًا إذا أبعد عنه السراج.\n(٢) البقرة: ١٢٩. والجمعة: ٢.\n٧٧٨ - المستدرك (٣/ ٥٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.","vol":"2","page":1046},{"text":"﵌، عزتهم الملائكة يسمعون الحس ولا يرون الشخص، فقالت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\n٧٧٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو بكر - بعد وفاة رسول الله ﷺ - لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها. فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها.\nقال النووي:\nفيه زيارة الصالحين، وزيارة الصالح لمن هو دونه، وزيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره ولأهل ود صديقه، وزيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة وسماع كلامها، واستصحاب العالم والكبير صاحبًا له في الزيارة والعيادة ونحوهما، والبكاء حزنًا على فراق الصالحين والأصحاب، وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه. والله أعلم. أ. هـ.\n٧٨٠ - * روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵀ قال: قالت عائشة ﵂ في حديثها: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة ﵂، فتيمم النبي ﷺ وهو مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك، فقدمتها. قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس ﵄: أن أبا بكر ﵁ خرج وعمر ﵁ يكلم الناس، فقال: اجلس، فأبى، فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو\n_________\n٧٧٩ - مسلم (٤/ ١٩٠٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ١٨ - باب من فضائل أم أيمن، ﵂.\n٧٨٠ - البخاري (٣/ ١١٣) ٢٣ - كتاب الجنائز - ٣ - باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه.","vol":"2","page":1047},{"text":"بكر ﵁، فمال إليه الناس، وتركوا عمر، فقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا ﷺ قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) إلى (الشاكرين) (١) فوالله، لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر ﵁، فتلقاها منه الناس، فما بشر إلا يتلوها.\n٧٨١ - * روى الحاكم عن عمر بن الخطاب، قال: لما تلاها أبو بكر عقرت حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن رسول الله ﵌ قد مات.\n٧٨٢ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ مات، وأبو بكر بالسنح قال إسماعيل: - تعني بالعالية - فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وارجلهم. فجاء أبو بكر، فكشف عن رسول الله ﷺ، فقبله فقال: بأبي أنت طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده: لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج، فقال: أيها الحالفن على رسلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: (إنك ميت وإنهم ميتون) (٢) وقال: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن\n_________\n(١) آل عمران: ١٤٤.\n٧٨١ - المستدرك (٢/ ٢٩٥)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة. وأقره الذهبي. لما تلاها: أي آية: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل .....).\nعقرت: عقر الرجل عقرًا: بقي مكانه لم يتقدم أو يتأخر، لفزع أصابه، كأنه مقطوع الرجل.\n٧٨٢ - البخاري (٧/ ١٩) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٥ - باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا\".\nفنشج: النشيج: تردد صوت الباكي في صدره من غير انتحاب.\nسقيفة: صفة لها سقف والمراد بها هنا المحل الذي يجتمع فيه أهل دائرة ما، للسهر والسمر والمداولة، ويسمى أمثاله في بعض البلاد العربية - الديوانية -.\n(٢) الزمر: ٣٠.","vol":"2","page":1048},{"text":"يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾ (١).\nقال: فنشج الناس يبكون. قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة ابن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر، لا والله، لا نفعل، منا أمير، ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب دارًا، وأعزهم أحسابًا - فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله.\n٧٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه، حتى طال علي فكلته، ففني.\nوفي رواية الترمذي (٢)، قالت: توفي رسول الله ﷺ وعندنا شطر من شعير،\n_________\n(١) آل عمران: ١٤٤.\nقتلتم سعد بن عبادة: أي بالازدحام على البيعة وطئتم سعد بن عبادة ﵁ وكان مريضًا أتي به في فراشه حتى كدتم تقتلونه.\nقتله الله: يعني عمر ﵁ الدعاء عليه، لأن سعدًا يريد بطلبه الخلافة تفريق كلمة المسلمين الذين لا يجتمعون إلا على رجل من قريش فهو مخطئ خطأ عظيمًا في رأيه، يستحق معه الدعاء عليه.\nقال العيني: ليس المراد من قول عمر: اقتلوه حقيقة القتل بل المراد الإعراض عنه وخذلانه، وهو دعاء عليه لعدم نصرته للحق ومخالفته للجماعة، لأنه تخلف عن البيعة وخرج من المدينة ولم ينصرف إليها إلى أن مات بالشام.\n٧٨٣ - البخاري (٦/ ٢٠٩) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ٣ - باب نفقة نساء النبي ﷺ بعد وفاته.\nومسلم (٤/ ٢٢٨٣) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق - حديث ٢٧.\nشطر شعير: قال في الفتح: الشطر البعض ويطلق على النصف ويقال: أرادت نصف وسق، وفسره بعضهم شيئًا من شعير.\n(٢) الترمذي (٤/ ٦٤٣) ٣٨ - كتاب صفة القيامة - ٣١ - باب حدثنا هناد. قال: هذا حديث صحيح.","vol":"2","page":1049},{"text":"فأكلنا منه ما شاء الله، ثم قلت للجارية: كلية فكالته فلم يلبث أن فني، قالت: فلو كنا تركناه لأكلنا منه أكثر من ذلك.\n٧٨٤ - * روى الحاكم عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساء مبلدًا وإزارًا غليظًا، فقالت: قبض رسول الله ﵌ في هذين.\n٧٨٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لما أرادوا غسل النبي ﷺ، قالوا: والله لا ندري، أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه، كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله ﵎ عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت - لا يدرون من هو -: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه.\n٧٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة.\nوفي رواية (١): قالت: أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية، كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، وكفِّن في ثلاثة أثواب سحول يمانية ليس فيها عمامة، ولا قميص، فرفع عبد الله الحلة، فقال: أكفن فيها، ثم قال: لم يكفن فيها رسول الله ﷺ، وأكفن فيها، قال: فتصدق بها.\nوفي أخرى نحوه (٢)، وزاد: أما الحلة، فإنما شُبِّه على الناس فيها، إنها اشتريت ليكفن\n_________\n٧٨٤ - المستدرك (٢/ ٦٠٨)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\n٧٨٥ - أبو داود (٣/ ١٩٦)، كتاب الجنائز، باب في ستر الميت عند غسله. وإسناده صحيح.\n٧٨٦ - البخاري (٣/ ١٣٥) ٢٣ - كتاب الجنائز - ١٨ - باب الثياب البيض للكفن.\nومسلم مطولًا واللفظ له (٢/ ٦٤٩) ١١ - كتاب الجنائز - ١٣ - باب في كفن الميت.\nسحولية: سحول: قرية باليمن تنسب إليها الثياب. ... الكرسف: القطن.\n(١) مسلم (٢/ ٦٥٠) ١١ - كتاب الجنائز - ١٣ - باب في كفن الميت.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.","vol":"2","page":1050},{"text":"فيها، فتركت الحلة، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله ﷿ لنبيه ﷺ لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها.\nوفي أخرى لهما (١): أن رسول الله ﷺ - حين توفي - سجي ببرد حبرة.\nوفي رواية الترمذي (٢): فذكروا لعائشة قولهم، في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتي بالبرد ولكنهم ردوه، ولم يكفنوه فيه.\n٧٨٧ - * روى أبو داود عن عامر بن شراحيل الشعبي ﵀ قال: غسل رسول الله ﷺ علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه في قبره، قال: وحدثني مرحب - أو ابن أبي مرحب - أنهم أدخلوا عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي، قال: إنما يلي الرجل أهله.\nوفي رواية عن الشعبي عن أبي مرحب (٣): أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي ﷺ، قال: كأني أنظر إليهم أربعة.\nوفي رواية ذكرها رزين قال: غسل رسول الله ﷺ علي، والفضل ومعهما العباس، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه قبره، وكان معهم في الغسل ابن عوف ورجل من الأنصار، فلما فرغوا قال علي: إنما يلي الرجل أهله، قال عبد الرحمن: كأني أنظر إلى الذين نزلوا في قبر رسول الله ﷺ أربعة، أحدهم: أنصاري.\n٧٨٨ - * وروى مالك ﵀ أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ توفي يوم\n_________\n(١) البخاري (١٠/ ٢٦٧) ٧٧ - كتاب اللباس - ١٨ - باب البرود والحبر والشملة.\nومسلم نحوه (٢/ ٦٥١) ١١ - كتاب الجنائز - ١٤ - باب تسجية الميت.\n(٢) الترمذي (٣/ ٣١٢) ٨ - كتاب الجنائز - ٢٠ - باب ما جاء في كفن النبي ﷺ، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٧٨٧ - أبو داود (٣/ ٢١٣)، كتاب الجنائز، باب كم يدخل القبر.\n(٣) أبو داود (٣/ ٢١٣)، كتاب الجنائز، باب كم يدخل القبر، وهو مرسل صحيح.\n٧٨٨ - مالك في الموطأ (١/ ٢٣١) ١٦ - كتاب الجنائز - ١٠ - باب ما جاء في دفن الميت. وهو صحيح لغيره.\nقال ابن عبد البر: لا أعلمه يروى على هذا النسق بوجه من الوجوه غير بلاغ مالك هذا، ولكنه صحيح من وجوه مختلفة وأحاديث شتى.","vol":"2","page":1051},{"text":"الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وصلى الناس عليه أفذاذًا، لا يؤمهم أحد. فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق، فقال: سمعت رسول الله ﷺ: يقول: \"ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه\" فحفر له فيه. فلما كان عند غسله أرادوا نزع قميصه، فسمعوا صوتًا يقول: لا تنزعوا القميص، فلم ينزع القميص، وغسل وهو عليه ﷺ.\n٧٨٩ - * روى الترمذي عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما قبض رسول الله وغسل، اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا ما نسيته قال: \"ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه\" ادفنوه في موضع فراشه.\n٧٩٠ - * روى مالك عن عروة بن الزبير قال: كان بالمدينة رجلان: أحدهما يلحد، والآخر يشق، فقالوا: أيهما جاء أول عمل عمله، فجاء الذي يلحد، فلحد له.\n٧٩١ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال في مرضه الذي هلك فيه: الحدوا لي لحدًا، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله ﷺ.\n٧٩٢ - * روى الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: جعل تحت رسول الله ﷺ حين دفن قطيفة حمراء.\n_________\n= أفذاذًا: الأفذاذ: جمع فذ، وهو المنفرد.\n٧٨٩ - الترمذي (٣/ ٣٢٩) ٨ - كتاب الجنائز - ٣٣ - باب حدثنا أبو كريب. وهو حديث حسن لغيره.\n٧٩٠ - مالك في الموطأ (١/ ٢٣١) ١٦ - كتاب الجنائز - ١٠ - باب ما جاء في دفن الميت. وإسناده صحيح، ولكنه مرسل. وابن ماجه نحوه موصولًا عن أنس بن مالك (١/ ٤٩٦) ٦ - كتاب الجنائز - ٤٠ - باب ما جاء في الشق. قال المعلق على ابن ماجه: في الزوائد: في إسناده مبارك بن فضالة، وثقه الجمهور، وصرح بالتحديث، فزال تهمة تدليسه وباقي رجال الإسناد ثقات، فالإسناد صحيح.\n٧٩١ - مسلم (٢/ ٦٦٥) ١١ - كتاب الجنائز - ٢٩ - باب في اللحد ونصب اللبن على الميت.\n٧٩٢ - الترمذي (٣/ ٣٥٦) ٨ - كتاب الجنائز - ٥٥ - باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح، قد روي عن ابن عباس كراهة ذلك.\nوالنسائي واللفظ له (٤/ ٨١)، كتاب الجنائز، باب وضع الثوب في اللحد.","vol":"2","page":1052},{"text":"٧٩٣ - * روى البخاري عن أبي بكر بن عياش عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر رسول الله ﷺ مسنمًا.\n٧٩٤ - * روى الحاكم عن عروة أن أبا بكر ﵁ صلي عليه في المسجد، ودفن ليلًا إلى جنب رسول الله ﵌ في حجرة عائشة ﵂.\n٧٩٥ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قال: غسَّلت رسول الله ﵌، فجعلت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئًا، وكان طيبًا حيًا وميتًا ﵌.\n٧٩٦ - * روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي ﷺ ثلاثًا ولم يقم. ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد. وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ﷺ، فذكر معناه.\n* * *\n_________\n٧٩٣ - البخاري (٣/ ٢٥٥) ٢٣ - كتاب الجنائز - ٦٩ - باب ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، ﵄.\nمسنمًا: تسنيم القبر ضد تسطيحه، والسنم: المرتفع، وكل شيء علا شيئًا فقد تسنمه، ومنه سنام الجمل.\n٧٩٤ - المستدرك (٣/ ٦٥). وصححه الذهبي.\n٧٩٥ - المستدرك (٣/ ٥٩)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\n٧٩٦ - الدارمي (١/ ٤٤)، في المقدمة، باب ما أكرم الله تعالى نبيه ﷺ بعد موته، وسنده صحيح.\nيوم الحرة: هو اليوم الذي استبيحت فيه المدينة المنورة زمن يزيد بن أبي سفيان.\nهمهمة: ترديد الصوت في الصدر.","vol":"2","page":1053},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>نظرة عامة على أحداث السنتين العاشرة والحادية عشرة</span>\n١ - وصلت الأمة في هاتين السنتين إلى مرحلة النضج وكان ذلك يقتضي لمسات أخيرة، وكانت من علامة النضج أن ترك رسول الله ﷺ للأمة بعده أن تسير من خلال شوراها، ومن أهم اللمسات التي احتاجتها مرحلة الإنضاج إشارته إلى الرجل المؤهل بعده، وإزالة كل ما يمكن أن يستند إليه المغرضون، وإيجاد التطلع نحو العمل الخارجي من خلال بعث أسامة.\n٢ - وسع ﵊ في هاتين السنتين دائرة التلقي المباشر منه من خلال استقباله الوفود ومن خلال رحلة الحج، فأوجد قاعدة عريضة تحمل دعوته وقد تلقت عنه مباشرة، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رحى الإسلام دائرة وإلى الأبد.\n٣ - عندما تنجح الدعوات الصادقة يتوضع على هامشها دعوات كاذبة، ولقد بدأت دعاوى النبوة تظهر في أخريات حياته ﵊، فظهر مسيلمة الكذاب في اليمامة، والأسود العنسي في اليمن في السنة العاشرة، وقد أهم ذلك رسول الله ﷺ، ومن قبل كان رسول الله ﷺ يركز على اليمن، ولذلك فقد كفاه أهل اليمن في النهاية هذا الخبيث أما الخبيث الآخر فجاءته جند الله بعد وفاته ﵊ وأنهته، وهناك متنبآن آخران طليحة الأسدي وسجاح، وكلاهما مات على الإسلام بعد ذلك، ولكن بعد أن استطاع الجيل الذي رباه رسول الله ﷺ أن يقهر الردة وأهلها.\n٤ - وبقدر ما أعطى رسول الله ﷺ للإسلام حيوية في القلوب بفضل الله، فقد كان هناك تيار معاكس - هو تيار الردة - ينتظر الفرصة للظهور. وما أن توفي رسول الله ﷺ حتى ظهر هذا التيار على أشده، جامعًا كل أولئكم الذين لم يدخل الإسلام إلى قلوبهم والذين قطعت هيبة رسول الله ﷺ نياط قلوبهم، فأسلموا لأنه لم يكن أمامهم إلا أن يسلموا. فبدأ صراع جديد بين التيارين، تيار الإيمان الصادق وتيار الجهل الماحق، وتغلب تيار الإيمان. وهذا وحده كاف للدلالة على أن قوة التأسيس كانت أكبر من كل قوة أخرى، وذلك توفيق الله أولًا وأخيرًا، وفيه يظهر ما أكرم الله به رسوله ﷺ من خيرات وبركات.","vol":"2","page":1054},{"text":"٥ - في غزوات بدر وأحد والخندق وخيبر والفتح وحنين أنهى رسول الله ﷺ كل تخوف عند أصحابه ضد الجاهلية العربية أو ضد أي وجود على الأرض العربية. وفي غزوة تبوك أوجد ﵊ الجرأة عند أصحابه على اقتحام غمرات الصراع مع الدول الكبرى فكان أن حمل الراية الأصحاب بعده فأنهوا الردة بسرعة، ودخلوا في صراع مباشر ضد الدولتين العظميين وقتذاك فارس والروم.\n٦ - ولم يتوف رسول الله ﷺ إلا وقد أوجد سوابق حركية في كل جانب من الجوانب التي تتطلبها الحركة الإسلامية:\nدعويًا، وتربويًا، وثقافيًا، وتعليميًا، وجهاديًا. لقد كانت السوابق على منتهى الجلال، فسجلت أرفع التضحيات وأعلى أنواع القدوة، ولذلك كانت الحركة عند الجيل الذي رباه رسول الله ﷺ في أعصابه ودمه، ولذلك ذاب جيل الصحابة في هذا العالم وأعطى هذا الإسلام دفعة الحياة إلى قيام الساعة، لقد جدد جيل الصحابة عملية السيطرة على الجزيرة العربية ثم انساح في البلاد انسياحًا حقق غرضين بآن واحد:\nلم يعط فرصة للثأر الجاهلي أن يظهر، ولم يعط فرصة لخصم خارجي أن يتدبر أمره.\nومع هذا وهذا كانت حركة الصهر تستمر للعناصر الإسلامية الجديدة من خلال حركية الدعوة والقدوة والتعليم والجهاد، وكانت العملية من الضخامة بحيث أفلت منها بعض الأمور التي كانت عاملًا من عوامل الفتنة الكبرى ولكن يشفع لذلك عظم التوجه وضخامة الإنجاز. كانت العيون متوجهة كلها نحو معركة الإسلام، فأتي الصف من داخله، ولكن حيوية الانطلاق كانت أكبر من كل شيء فلم تعصف الفتنة بالإسلام ولكن أخرت مسيرته.\n٧ - إن حدوث الردة على هذه الضخامة بعده، ثم ضخامة الفتنة بعد ذلك في زمن عثمان ﵁ دليلان على تفرد قيادته ﵊، فالردة بعد وفاته تشير إلى أن هيبته ﵊ استحوذت على القلوب فأمسكتها، والفتنة بعده تشير إلى أن سياسته ﵊ هي أرقى السياسات، فمهما كانت عظمة السائسين بعده فالأمر ليس كما كان في زمنه ﵊، ثم انتقلت الخلافة الراشدة بعده إلى ملك","vol":"2","page":1055},{"text":"عضوض ومع ذلك بقي المسرى العام محفوظًا.\n٨ - انظر ماذا حدث أثناء نبوته، وماذا فتح الله على يد المسلمين بعده إلى يومنا هذا، دعويًا وسياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإداريًا وتشريعيًا وغير ذلك، نجد شيئًا هائلًا تعرف من خلاله أن الأمر رباني، وتعرف أنه ليس كرسول الله ﷺ في مجموع ما أعطاه الله ﷿.\nإن القيادة الناجحة هي التي تعرف أهدافها فتسير نحو تحقيق الأهداف سيرًا متلاحقًا متكاملًا وتصل إلى الهدف، وإذا كانت الأهداف بعيدة فهي تستطيع أن تعطي الراية لغيرها ليستمروا بها. وهذا يقتضي في الإطار الأضيق: تخطيطًا وتدريبًا ومتابعة وتنفيذًا ودفعًا نحو الأمام. فإذا ما كان الهدف ماديًا كان لذلك وسائله، فإذا كان الهدف يحتاج إلى تربية فالأمر أوسع، فإذا كان الهدف يشمل الدنيا والآخرة فالأمل أكبر من ذلك بكثير.\nحاول أن تتذكر ملامح التخطيط في حياة رسول الله ﷺ، ثم ملامح التدريب، ثم ملامح المتابعة، ثم ملامح التنفيذ، ثم ملامح الدفع نحو الأمام.\nثم انظر إلى الجانب التعليمي والتربوي. ثم انظر إلى ما يعتبره الناس انتصارًا سياسيًا مجردًا ثم انتصارًا عسكريًا مجردًا ثم وثم ...\nوانظر قوة البناء وكثرة المتمردين عليه والمتربصين به، وكيف استعصى هذا البناء عليهم واعرف لجيل البناة فضلهم، وإنا بعد البابين الرابع والخامس سنتحدث عن جيل البناة الذين رباهم رسول الله ﷺ وذلك في الباب الذي نتحدث فيه عن دوائر شرف حول الرسول ﷺ.\n* * *","vol":"2","page":1056},{"text":"رقم الإيداع: ٢٨٧٢/ ٨٩\nالترقيم الدولي: ٤ - ٢٤ - ١٤٧١ - ٩٧٧","vol":"2","page":1063},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>الباب الرابع\nفي\nالصفات والخصائص والشمائل</span>","vol":"3","page":1066},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>تقديم</span>\nألف في موضوع هذا الباب الكثيرن، بل كُتب في كل جانب فيه كتب، ونحن في هذا الباب سنتخير أمهت ماورد فيه، معتمدين على أن تفصيلات كثيرة سترد في هذا الكتاب؛ حيث الموضوع الأكثر لصوقًا بالنص. والسيرة النبوية هي المظهر التطبيقي لنصوص الكتاب والسنة، تحوي كل شيء، فما من موضوع حياتي يخطر بالبال إلا وتستطيع استخراج نصوص تتحدث عنه، وأي موضع تريد أن تكتب فيه بحثًا تستطيع أن تستخرج له من مجموع النصوص الكثير، الموزع في سياقات متعددة، ولذلك استطاع الباحثون أن يتوسعوا في كل موضوع طرقوه، أما ونحن نريد عرض السنة النبوية باختصار فلا يسعنا إلا أن نلحق كل نص في الموضوع الذي هو أكثر لصوقًا به وهذا الذي سنفعله في هذا الباب إن شاء الله.\nإنك لو أردت أن تستخرج صفات رسول الله ﷺ وخصائصه، من الكتاب والسنة، فإنك ستجد نصوصًا كثيرة تستخرج منها خصيصة أو صفة، وهذا ليس الهدف الوحيد لنا في هذا الكتاب، فمن ثم تركنا الاستقصاء، ولكن ما تركناه هنا سيأتي معنا في سياقات أخرى.\nومن تأمل صفاته، وخصائصه، وشمائله ﵊ لم يشك أنه رسول الله ﷺ. وقد توسعنا في هذا الموضوع في كتابنا (الرسول ﷺ) في باب الصفات، وكيف أن صفاته وحدها تدل على أنه رسول الله ﷺ حقًا؛ فلقد رزقه الله ﷿ الكمالات الجسمية، والنفسية، والخلقية، والسلوكية؛ فكان محمدًا ﷺ أي المتصف بصفة المحمودية في الأرض والسماء.\nفمحمّد اسم مفعول مشتق من الفعل المضعف (حمّد)، فمن حيث نظرت إليه وجدته محمدًا في الدنيا، والآخرة، في العقل أو في القيادة، في السياسة أو في الحرب، في الدين أو في الدنيا، في العزلة أو في المخالطة، في المعاملة أو في المفاصلة، في المجادلة أو المجاولة، في المداراة أو التأديب.","vol":"3","page":1067},{"text":"إنه الكمال مجسدًا، وليس الكمال المتوهّم، بل الكمال الحقيقي في كل شيء، فعواطفه كمالات كاملات، وتصرفته كمالات كاملات، وبيانه كمال كامل، وهو كلك زوج وأب، وقائد وقاضٍ، ومعلم ومؤدب ومبلغ وحكيم:\nمهما أشاد الواصفون بوصفه ... فسناه فوق مكانةِ الإمكان\nوعلى تفنن واصفيه بوصفه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف\n* * *","vol":"3","page":1068},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>أولًا: نصوص قرآنية في بعض الخصائص والشمائل النبوية</span>\n١ - منزلة رسول الله ﷺ عند الله سبحانه:\n﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).\n﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٢) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٣)\n﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤)\n﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (٥)\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٦)\n﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٧)\n٢ - شهادة الله لرسوله ﷺ:\n﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٨)\n﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٩)\n_________\n(١) الأحزاب: ٥٦.\n(٢) الضحى: ١ - ٥.\n(٣) الإسراء: ٧٩.\n(٤) الإسراء: ١.\n(٥) الفتح: ١ - ٣.\n(٦) الأنفال: ٣٣.\n(٧) النساء: ٧٩.\n(٨) الكوثر: ١.\n(٩) النساء: ١٦٦.","vol":"3","page":1069},{"text":"﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١).\n﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).\n﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣).\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ (٤).\n﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥).\n٣ - أخذ الميثاق على النبيين بالإيمان بمحمد ﷺ:\n﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٦).\nولهذا قال علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵃: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء- من لدن نوح- إلا أخذ ميثاقه، ليؤمنن بمحمد ﷺ - ولينصرنه - إن خرج وهم أحياء. ذكره الطبري في تفسيره.\n٤ - عالمية رسالة محمد ﷺ:\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٧).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٨).\n_________\n(١) الفتح: ٢٨.\n(٢) يس: ١ - ٤.\n(٣) الأحزاب: ٤٠.\n(٤) الأحزاب: ٤٥ - ٤٧.\n(٥) المائدة: ١٥، ١٦، وفسر بعضهم (النور) في الآية بأنه (محمد) ﷺ.\n(٦) آل عمران: ٨١.\n(٧) سبأ: ٢٨.\n(٨) الأنبياء: ١٠٧.","vol":"3","page":1070},{"text":"٥ - حتمية الإيمان برسول الله ﷺ وما يلزم ذلك وعاقبة المعاندين:\n﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (١).\n﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).\n﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٣).\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٤). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥).\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦). ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٧).\n﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٨).\n﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١٠).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١١).\n_________\n(١) الأعراف: ١٥٨.\n(٢) آل عمران: ٣٢.\n(٣) الحديد: ٧.\n(٤) لحجرات: ١٥.\n(٥) النساء: ١٢٦.\n(٦) آل عمران: ١٣٢.\n(٧) النساء: ٨٠.\n(٨) النساء: ١٤.\n(٩) آل عمران: ٣١.\n(١٠) الفتح: ١٠.\n(١١) الصف: ١٠، ١١.","vol":"3","page":1071},{"text":"٦ - إخلاصه ﷺ في عبادته لربه:\n﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).\n﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).\n﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).\n٧ - امتنان الله ﷿ على الأمة ببعثه رسول الله ﷺ:\n﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤).\n﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٥).\n﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦).\n٨ - رحمة الرسول ﷺ بالأمة:\n﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٧).\n﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٨).\n_________\n(١) الأنعام: ١٤.\n(٢) الأنعام: ١٦٢، ١٦٣.\n(٣) الزمر: ١١، ١٢.\n(٤) آل عمران: ١٦٤.\n(٥) الجمعة: ٢.\n(٦) الحجرات: ١٧.\n(٧) التوبة: ١٢٨.\n(٨) الأحزاب: ٦.","vol":"3","page":1072},{"text":"٩ - الأمر بتبليغ الدعوة وتكفل الله برعايته ﷺ:\n﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١).\n﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (٢).\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ (٣).\n﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤).\n﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٥).\n١٠ - أدب المسلم مع رسول الله ﷺ:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٧).\n﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٨).\n_________\n(١) المائدة: ٦٧.\n(٢) الأنفال: ٦٤.\n(٣) المائدة: ٤١.\n(٤) الطور: ٤٨.\n(٥) الحجر: ٩٤، ٩٥.\n(٦) الحجرات: ٢ - ٥.\n(٧) المجادلة: ١٢، ١٣.\n(٨) الأحزاب: ٥٣.","vol":"3","page":1073},{"text":"﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).\n١١ - شهادة الرسول ﷺ على الأمة يوم القيامة:\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢).\n﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣).\n١٢ - معرفة أهل الكتاب برسول الله ﷺ:\n﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).\n﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ...﴾ (٥).\n﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...﴾ (٦).\n_________\n(١) النور: ٦٣.\n(٢) النحل: ٨٩.\n(٣) الحج: ٧٨.\n(٤) الفتح: ٢٩.\n(٥) البقرة: ٨٩.\n(٦) الأعراف: ١٥٧.","vol":"3","page":1074},{"text":"﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١).\n١٣ - رد القرآن على بعض افتراءات خصوم الإسلام:\n﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢).\n﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).\n﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ (٤).\n﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥).\n﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٦).\n﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧).\n_________\n(١) البقرة: ١٤٦.\n(٢) النجم: ٢ - ١٨.\n(٣) الحاقة: ٣٨ - ٤١.\n(٤) الطور: ٢٩.\n(٥) القلم: ١ - ٤.\n(٦) يس: ٦٩.\n(٧) التوبة: ٦١.","vol":"3","page":1075},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>ثانيًا: نصوص حديثية في الخصائص والشمائل النبوية</span>\n٧٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك؛ أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآذم. ولا بالجعد القططِ ولا بالسبط. بعثه الله على رأس أربعين سنة. فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين. وتوفاه الله على رأس ستين سنة. وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.\nأقول: مر معنا أنه ﵊ توفي وهو في الثالثة والستين، فكلمة أنس ههنا أنه توفي عرى رأس ستين يمثل علمه وليس هو واقع الحال، وكذلك لبثه في مكة بعد النبوة عشر سنين، فمن المعلوم أنه بقي في مكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة.\n٧٩٨ - * روى البزار عن أبي هريرة أنه وصف رسول الله ﷺ فقال: كان رجلًا ربعةً وهو إلى الطول أقربُ، شديد البياض، أسود اللحية، حسن الشعر، أهدب أِفار العينين، بعيد مابين المنكبين، يطأ بقدمه جميعًا، ليس له أخمص، يُقبِل جميعًا، ويدبر جميعًا، لم أر مثلهً قبله ولا بعدهُ.\n٧٩٩ - * روى أحمد والبزار عن عائشة أنها تمثلت بهذا البيت وأبو بكرٍ ﵁ يقضي:\n_________\n٧٩٧ - البخاري (٦/ ٥٦٤) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nومسلم واللفظ له (٤/ ١٨٢٤) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٣١ - باب في صفة النبي ﷺ ومبعثه، وسنه.\nليس بالطويل البائن: أي المفرط الطول، أي هو بين زائد الطول والقصير.\nالأمهق: الكريه البياض كلون الجص. يريد أنه كان نير البياض.\nالآدم: الشديد السمرة.\nالقطط: الشديد الجعودة.\n٧٩٨ - كشف الأستار (٣/ ١٢٣).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨٠): رواه البزار، ورجاله وثقوا.\nرَبْعَة: الوسيط القامة، أشفار العينين: أي طويل شعر العينين، ليس له أخمص: الأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض عند الوطء.\n٧٩٩ - أحمد في مسنده (١/ ٧)\nوالبزار نحوه: كشف الأستار (٢/ ١٣٤)، وقال: إسناده حسن.","vol":"3","page":1076},{"text":"وأبيض يستسقي الغمامُ بوجهه ... ربيعُ اليتامى عصمة للأرامل\nفقال أبو بكر ﵁: ذاك والله رسول الله ﷺ.\n٨٠٠ - * روى أحمد عن يزيد الفارسي قال: رأيتُ النبي ﷺ في النوم زمن ابن عباس وكان يزيدُ يكتبُ المصاحف قال: فقلت لابن عباس: إني رأيتُ رسول الله ﷺ في النوم، قال ابن عباس: فإن النبي ﷺ كان يقول: \"إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني\" فهل تستطيع أنْ تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: نعم رأيت رجلًا بين الرجلين جسمهُ، ولحمه أسمرُ إلى البياض، حسنُ المضحك أكحلُ العينين، جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحرهُ. قال عوف: لا أدري ما كان مع هذا من النعت فقال ابن عباس: لو رأيتهُ في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا.\n٨٠١ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قال: لم يكن رسول الله ﷺ بالطويل ولا بالقصير، شَثْنُ الكفين والقدمين، ضخم الرأس واللحية، مُشربٌ حمرة، ضخم الكرادس طويل المسرُبة إذا مشى تكفأ تكفؤًا، كأنما يمشي ينحطُّ من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله ﵌.\n٨٠٢ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ضليعَ\n_________\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٧٢): رواه أحمد والبزار، ورجاله ثقات.\n٨٠٠ - أحمد في مسنده (١/ ٣٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٧٢): رواه أحمد، ورجاله رجال ثقات.\n٨٠١ - المستدرك (٢/ ٦٠٦)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه الألفاظ.\nشثن الكفين: الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين.\nالكراديس: جمع كُردَوس، وهو كل عظمين التقيا في مفصلٍ، نحو المنكبين والركبتين والورِكيْن.\nطويل المسربة: الشعر النابت على وسط الصدر نازلًا إلى آخر البطن.\nكأنما ينحط من صبب: كأنه ينحدر من موضع عال.\n٨٠٢ - مسلم (٤/ ١٨٢٠) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٣٧ - باب في صفة فم النبي ﷺ، وعينيه، وعقبه.\nضليع الفم: عظيمه.\nالشكله في العين: حمرة تكون في البياض، والشهلة: حمرة في سوادها.\nمنهوس العقبين: خفيف لحمهما، وأصله: أن النهس- بالسين المهملة - أخذ اللحم بأطراف الأسنان، وبالشين المعجمة - أخذه بالأضراس.","vol":"3","page":1077},{"text":"الفم، أشكل العينين، مَنْهوس العقبينِ.\n٨٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسنهُ خلقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير.\nوفي رواية (١) قال: كان مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغُ شحمة أذنيه، رأيتهُ في حُلةٍ حمراء، لم أر شيئًا قط أحسن منهُ.\nقال البخاري (٢): وقال بعض أصحابي عن مالك بن إسماعيل: إن جُمتَهُ لتضربُ قريبًا من منكبيه. قال أبو إسحاق: سمعتُه يُحدثه غير مرةٍ، ما حدَّث به قط إلا ضحك.\n٨٠٤ - * روى الترمذي عن إبراهيم بن مُحمدٍ من ولد علي بن أبي طالبٍ قال: كان عليُّ إذا وصف النبي ﷺ قال: ليس بالطويل المُمَّغِطِ، ولا بالقصير المترددِ، وكان ربعةً من القوم، ولم يكن بالجعد القططِ ولا بالسبطِ كان جعدًا رجلًا، ولم يكن بالمطهمِ ولا بالمكلثمِ، وكان في الوجه تدوير أبيضُ مشربُ، أدعج العينين، أهدب\n_________\n٨٠٣ - البخاري (٦/ ٥٦٤) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ١٨١٩) ٤٣ - كتاب الفضائل -٢٥ - باب صفة النبي ﷺ.\nالجُمة: الشعر الواصل إلى المنكبين.\nقيل في الجمع بين لبسه الأحمر ونهيه عنه: أن الحُلة هذه كانت مخططة ولم تكن خالصة الاحمرار.\n(١) البخاري (٦/ ٥٦٥) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\n(٢) البخاري (١٠/ ٣٥٦) ٧٧ - كتاب اللباس -٦٨ - باب الجعد.\n٨٠٤ - الترمذي (٥/ ٥٩٩) ٥٠ - كتاب المناقب، ٨ - باب ما جاء في صفة النبي ﷺ. وقال: هذا حديث حسن غريب، ليس إسناده بمتصل.\nالممغط: بتشديد الميم وبالغين المعجمة: هو الرجل البائن الطول، والمحدثون يقولونه بتشديد الغين.\nالمتردد- الذي تردد بعض خلقه على بعض، فهو مجتمع.\nرجل ربعة: معتدل القامة، بين الطويل والقصير.\nشعر قَطِط: شديد الجعودة شعر سبط: سائل ليس فيه شيء من الجعودة.\nشعر رجِل: إذا لم يكن شديد الجعودة: ولا شديد السبوطة، بل بينهما.\nالمطهم: الفاحش السمن، وقيل: المنتفخ الوجه الذي فيه جهامة، وقيل: هو النحيف الجسم الدقيقهُ، وقيل: الطهمة في اللون: أن تجاوز السمرة إلى السواد، ووجه مطهم إذا كان كذلك.\nالمكلثم: المستدير الوجه، ولا يكون إلا مع كثرة اللحم.","vol":"3","page":1078},{"text":"الأشفارِ، جليل المُشَاشِ والكتِدِ، أجردَ ذو مسربة، شثْنَ الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صببٍ، وإذا التفت التفتَ معًا، بين كتفيه خاتمُ النبوة وهو خاتمُ النبيين، أجود الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجةً، وألينهم عريكةً، وأكرمهم عشرةً، من رآه بديهة هابهُ، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعتُهُ لم أر قبله ولا بعده مثلهُ ﷺ.\nوللترمذي في رواية أخرى (١) عن عليٍّ قال: لم يكن النبي ﷺ بالطويل ولا بالقصير، شثْنَ الكفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويلُ المسرُبة، إذا مشى تكفأ تكفؤًا كأنما انحط من صبب، لم أر قبله ولا بعد مثله ﷺ.\n٨٠٥ - * روى الحاكم عن جابر بن سمُرة قال: رأيت خاتم النبوة على ظهر رسول الله ﵌ مثل بيضة الحمام.\n_________\n= الدعج في العين: شدة سوادها.\nأهدب: الي شعر أجفانه كثير مستطيل.\nأشفار العين: منابت الشعر المحيط بالعين.\nجليل المشاش: عظيم رؤوس العظام: كالركبتين والمرفقين والمنكبين ونحو ذلك، والمشاش: جمع مُشاشة، وهي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها.\nالكتد: الكاهل.\nالمسربة: الشعر النابت على وسط الصدر نازلًا إلى آخر البطن.\nالشثن الكف: الغليظ الكف، وهو مدح في الرجل لأنه أشد.\nتقلع في مشيه: كأنه يقلع رجله من وحلٍ وهي مشية تتغنى بها العرب لما فيها من سكينة ووقار.\nاللهجة: اللسان.\nفلان لين العريكة: سلس القياد، لين المقادة.\n(١) الترمذي (٥/ ٥٩٨) ٥٠ - كتاب المناقب-٨ - باب ماجاء في صفة النبي ﷺ. وقال هذا حديث حسن صحيح. الكراديس: كل عظمين التقيا في مفصل: فهو كردوس، والجمع الكراديس. نحو الركبتين والمنكبين والوركين. تكفأ تكفؤًا: التكفؤ: الميل في المشي إلى قُدام، كما تتكفأ السفينه في جريها، والأصل فيه الهمز، فترك، فيقال: تكفيًا.\nكأنما انحط من صبب: قريب من التكفؤ، أي: كأنه ينحدر من موضع عال، وفي رواية أبي داود (صبوب) قال الخطابي: إذا فتحت الصاد كان اسمًا لما يُصب على الإنسان من ماء ونحوه، كالطهور والغسول والقطور، ومن رواه بالضم: فعلى أنه جمع الصبب، وهو ما انحدر من الأرض؛ قال: وقد جاء في أكثر من الروايات (كأنما يمشي في صبب) قال: وهو المحفوظ.\n٨٠٥ - المستدرك (٢/ ٦٠٦)، وقال: هذا حديث صحيح علىش رط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1079},{"text":"٨٠٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ، وأكلتُ معه خبزًا ولحمًا - أو قال: ثريدًا - قال فقلتُ له: أستغفر لك رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، ولك، ثم تلا هذه الآية ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) قال: ثم دُرتُ خلفَهُ، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند ناغض كتفهِ اليُسرى جُمعًا، عليه خيلان، كأمثال الثأليلِ.\n٨٠٧ - * روى الإمام أحمدُ عن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا أبا زيد أدنُ مني وامسح ظهري\" وكشف ظهره، فمسحت ظهره وجعلت الخاتم بين أصبعي قال: فغمزتُها قال فقيل: وما الخاتم؟ قال: شعر مجتمع على كتفه.\n٨٠٨ - * روى الترمذي والحاكم عن جابر بن سمُرة ﵁ قال: كان في ساقي رسول الله ﷺ حُمَوشة، وكان لا يضحك إلا تبسمًا، وكنتُ إذا نظرتُ إليه فقلتُ: أكحَلُ العينين، وليس بأكحل، ﷺ.\n_________\n٨٠٦ - مسلم (٤/ ١٨٣٣) ٤٣ - كتاب الفضائل- ٣٠ - باب إثبات خاتم النبوة، وصفته، ومحله من جسده ﷺ.\nناغض الكتف: طرف العظم العريض، الذي في أعلى طرفه.\nجُمعًا: قال الحميدي: لعله عني جمع الكف. وهوأن يجمع الرجلُ أصابعه ويعطفها إلى باطن الكف.\nالخيلان: جعم خال، هو الشامة.\nالثآليل: جمع ثؤلول. وهي حبيبات تعلو الجسد.\nقال القاضي: وهذه الروايات متقاربة متفقة على أنها شخص في جسده قدر بيضة الحمام. وهو نحو بيضة الحجلة وزر الحجلة. وأما رواية جمع الكف فظاهرها المخالفة. فتؤول على وفق الروايات الكثيرة ويكون معناه على هيئة جمع الكف لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمام. (النووي على مسلم).\n(١) محمد: ١٩.\n٨٠٧ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٤١)\nوالمستدرك (٢/ ٦٠٦)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨١): رواه أحمد وأبو يعلي والطباني، وأحد أسانيده رجاله رجال الصحيح.\n٨٠٨ - الترمذي (٥/ ٦٠٣) ٥٠ - كتاب المناقب- ١٢ - باب في صفة النبي ﷺ وقال: حديث حسن صحيح غريب، وهو كما قال.\nوالمستدرك (٢/ ٦٠٦)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي إلا أنه قال: وفيه حجاج وهو لين الحديث.\nرجل أحمشُ الساقين: دقيقهما، وكذلك: حمش الساقين.\nالكحل في العينين: سواد يكون في مغارز الأجفان خلقة.","vol":"3","page":1080},{"text":"٨٠٩ - * روى الطبراني عن شداد قال: أتيتُ النبي ﷺ فأخذتُ بيده فإذا هي ألينُ من الحرير وأبردُ منا لثلجِ.\n٨١٠ - * روى مسلم عن الجُريري عن أبي الطفيل قال: قلت له: أرأيت رسول الله ﷺ؟ قال: نعمْ، كان أبيض مليح الوجه.\nوفي رواية قال (١): رأيت رسول الله ﷺ، وما على وجه الأرض رجلٌ رآهُ غيري، قال: فقلتُ له: فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض مليحًا مقصدًا.\nوفي رواية أبي داود مثلهُ وقال (٢): كان أبيض مليحًا، إذا مشى كأنه يهوي في صبوبٍ.\n٨١١ - * روى الدارمي والحاكم عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان وعليه حُلةٌ حمراءُ، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر. قال: فلهو كان أحسن في عيني من القمر.\n٨١٢ - * روى البخاري عن أبي إسحاق قال: سُئل البراء: أكان وجهُ النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.\n_________\n٨٠٩ - المعجمالكبير (٧/ ٢٧٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨٢): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجال الكبير رجال الصحيح غير موسى بن أيوب النصبي، وهو ثقة.\nوقال الحافظ في الإصابة (٤/ ٣٢٤): إسناده على شرط الصحيح.\n٨١٠ - مسلم (٤/ ١٨٢٠) ٤٢ - كتاب الفضائل- ٢٨ - باب كان النبي ﷺ أبيض، مليح الوجه.\nأبو الطفيل: هو عامر بن واثلة، آخر الصحابة وفاة على الإطلاق.\n(١) مسلم (٤/ ١٨٢٠) ٤٢ - كتاب الفضائل-٢٩ باب كان النبي ﷺ أبيض، مليح الوجه.\nالمقصد: الذي ليس بجسيم ولا قصير، وقيل: هو من الرجال نحو الربعة.\n(٢) أبو داود (٤/ ٢٦٧) كتاب الأدب، باب في هدي الرجل.\nيهوي: ينزل ويتدلى، وتلك مشية القوي من الرجال، يقال: هوى الشيء يهوى هويًا -بفت حالهاء - إذا نزل من فوق إلى أسفل، وهو يهوي هويًا- بضم الهاء - إذا صعد.\n٨١١ - الدارمي (١/ ٣٠) في المقدمة، باب في حسن النبي ﷺ.\nوالمستدرك (٤/ ١٨٦)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nإضحيان: يقال: ليلة إضحيان، وإضحيانة، أي: مضيئة مقمرة.\n٨١٢ - البخاري (٦/ ٥٦٥) ٦١ - كتاب النماقب - ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.","vol":"3","page":1081},{"text":"٨١٣ - *روى الطبراني عن أبي عبيدة بن مُحمد بن عُمار بن ياسر قال: قلتُ للربيع بنت معُوّذ بن عفراء: صِفِي لي رسول الله ﷺ فقالت: لو رأيته قلت: الشمسُ طالعةُ.\n٨١٤ - * روى الحاكم عن كعب بن مالك قول: لما سلمتُ على رسول الله ﵌ قال: وهو يبرُقُ وجههُ وكان رسول الله ﵌ إذا سُرَّ استنارَ وجههُ كأنه قطعة قمرٍ، وكان يُعرف ذلك منهُ.\n٨١٥ - * روى الحاكم عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قَدِمَ أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز واليها فبعث إليه عمر وقال للرسول: سلهُ هل خضب رسول الله ﵌؟ فإني رأيتُ شعرًا من شعره قد لون فقال أنس: إن رسول الله ﵌ كان قد مُتِّعَ بالسوادِ ولو عددتُ ما أقبل عليَّ من شيبهِ في رأسه ولحيته ما كنت أريدهن على إحدى عشرة شيبة، وإنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب شعر رسول الله ﵌.\n٨١٦ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ قد شمِطَ مُقدمُ رأسه ولحيته، وكان إذا ادهن لم يتبين، وإذ شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية، فقال رجل: وجههُ مثل السيفِ؟ قال: لا، بل كان مثل الشمس والقمر، وكان مستديرًا، ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده.\nوفي رواية النسائي (١) قال: سئل جابر بن سمرة عن شيب رسول الله ﷺ؟ فقال: كان إذا دهن رأسه لم ير منه، وإذا لم يدهن رُئيَ منهُ.\n٨١٧ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ إذا أردتُ أن أفرق رأس\n_________\n٨١٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨٠)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله وثقوا.\n٨١٤ - المستدرك (٢/ ٦٠٥)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وأقره الذهبي.\n٨١٥ - المستدرك (٢/ ٦٠٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسنادولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n٨١٦ - مسلم (٤/ ١٨٢٣) ٤٣ - كتاب الفضائل- ٢٩ - باب شيبه ﷺ.\nالشمطُ: الشيب. والمعروف أن رسول الله ﷺ قد شابت بعض شعراته.\n(١) النسائي (٨/ ١٥٠)، كتاب الزينة، باب الدهن.\n٨١٧ - أبو داود (٤/ ٨٢)، كتاب الترجل، باب ما جاء في الفَرْق، وإسناده صحيح.","vol":"3","page":1082},{"text":"رسول الله ﷺ، صدعْتُ الفرق من يافوخه، وأرسِلُ ناصيتهُ بين عينيهِ.\n٨١٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرُقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يُحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته، ثم فرق بعدُ.\n٨١٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ والحلاق يحلِقُهُ، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجلٍ.\n٨٢٠ - * روى البخاري عن محمد بن سيرين ﵀ قال: قلتُ لعبيدة: عندنا من شعر النبي ﷺ، أصبناه من قِبل أنس - أو من قِبَل أهل أنس - فقال: لأنْ يكون عندي شعرة منه أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها.\n٨٢١ - * روى البخاري عن حريز بن عثمان ﵀ قال: إنه سأل عبد الله بن بُسْر صاحب النبي ﷺ قال: أرأيت رسول الله ﷺ كان شيخًا؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض.\n_________\n= اليافوخ: وسط الرأس.\nالفرق: الفصل بين الشيئين. والفرق: هو الخط الذي يظهر بين شعر الرأس إذا قسم قسمين.\nالصدع: الشق.\n٨١٨ - البخاري (٦/ ٥٦٦) ٦١ - كتاب المناقب-٣٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nومسلم واللفظ له (٤/ ١٨١٨) ٤٣ - كتاب الفضائل-٢٤ - باب في سدل النبي ﷺ شعره، وفرْقه.\nسدل الشعر: إرساله. يفرُقون: مفرق الرأس: وسطه، وفرق الشعر: جعله فرقتين.\nالناصية: شعر مقدم الرأس.\n٨١٩ - مسلم (٤/ ١٨١٢) ٤٣ - كتاب الفضائل. ١٩ - باب قرب النبي ﷺ من الناس، وتبركهم به.\n٨٢٠ - البخاري (١/ ٢٧٣) ١٤ - كتاب الوضوء ٣٣ - باب الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان.\nلعبيدة: هو عبيدة بن عمرو السلماني تابعي كبير.\n٨٢١ - البخاري (٦/ ٥٦٤) ٦١ - كتاب المناقب، ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nوفي رواية مسلم (٤/ ١٨٢٢) ٤٣ - كتاب الفضائل -٢٩ - باب شيبه ﷺ.\nقوله: ما شانه الله ببيضاء: أي كان شيبه حلوًا جميلًا على قلته.\nفي رأسه نبذ من شيب: شيء يسير، هو مفتوح الأول، ساكن الباء.\nعنفقته: العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى. وقيل: الشعر الذي بينهما وبين الذقن وأصل العنفقة خفة الشيء وقلته.","vol":"3","page":1083},{"text":"وفي رواية عند مسلم (١) عن أنس بن مالك ﵁: سُئل عن شيب رسول الله ﷺ؟ فقال: ما شانه الله ببيضاء.\nوفي رواية له قال: يُكره أن يَنُتِفَ الرجل الشعرة البيضاء من رأسه أو لحيته قال: ولم يختضب رسول الله ﷺ، إنما كان البياض في عنفقته، وفي الصدغين، وفي الرأس نبذٌ.\n٨٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن قتادة ﵀ قال: سألت أنسًا ﵁ عن شعر رسول الله ﷺ؟ فقال: شعر بين شعرين، لا رجلُ ولا جعدُ قططُ، كان بين أذنيه وعاتقه.\nوفي رواية قال (٢): كان شعرًا رجلًا، ليس بالسبط ولا الجعد، بين أذنيه وعاتقه.\nوفي رواية قال (٣): كان يضرب شعره منكبيه.\nوفي أخرى (٤): إلى أنصاف أذنيه.\nوفي رواية أبي داود (٥): كان شعر رسول الله ﷺ إلى شحمة أذنيه. وفي رواية إلى أنصاف أذنيه.\nوفي أخرى (٦): له شعر يبلغ شحمة أذنيه.\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٨٢١) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٢٩ - باب شيبه ﷺ.\n٨٢٢ - البخاري (١٠/ ٣٥٦) ٧٧ - كتاب اللباس - ٦٨ - باب الجعد.\nومسلم (٤/ ١٨١٩) ٤٣ - كتاب الفضائل-٢٦ - باب صفة النبي ﷺ.\nرجلا: هو الذي بين الجعودة والسبوطة، قاله الأصمعي وغيره.\nولا بالسبط: قال ابن الأثير: السبط من الشعر المنبسط المسترسل.\nليس بالجعد: قال في المقاييس: الجيم والعين والدال أصل واحد. وهو تقبض في الشيء، يقال: شعر جعد وهو خلاف السبط.\n(٢) مسلم (١٨١٩) ٤٣ - كتاب الفضائل -٢٦ - باب صفة شعر النبي ﷺ.\n(٣) البخاري (١٠/ ٣٥٦) ٧٧ - كتاب اللباس- ٦٨ - باب الجعد.\nومسلم واللفظ وله (٤/ ١٨١٩) -٤٣ - كتاب الفضائل -٢٦ - باب صفة شعر النبي ﷺ.\n(٤) مسلم في نفس الموضع السابق.\n(٥) أبو داود (٤/ ٨١) كتاب الترجل، باب ما جاء في الشعر.\n(٦) أبو داود في نفس الموضع السابق.","vol":"3","page":1084},{"text":"٨٢٣ - * روى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان يصبُغُ لحيته بالصُّفُرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة، فقيل له: لِمَ تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبُغ بها، ولم يكن شيء أحب إليه منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها، حتى عِمامته.\nولأبي داود أيضًا (١): أن النبي ﷺ كان يلبسُ النعال السبتية، ويصفر لحيته بالورس والزعفران، وكان ابن عمر يفعل ذلك.\n٨٢٤ - * روى أبو داود عن أبي رمثة ﵁ قال: انطلقتُ مع أبي نحو رسول الله ﷺ، فإذا هو ذو وفرة، بها ردُعُ حناءٍ، وعليه بردان أخضران.\nزاد في رواية (٢): فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك، فإني رجل طبيب، قال: \"الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبُها الذي خلقها\".\nوفي رواية قال (٣): أتيت النبي ﷺ أنا وأبي\" فقال لرجل - أو لأبيه - \" من هذا\" قال: ابني. قال: \"لا تجني عليه\" وكان قد لطخ لحيته بالحناء.\nوفي رواية النسائي (٤)، قال: أتيت أنا وأبي النبي ﷺ، وكان قد لطخ لحيته بالحناء.\n_________\n٨٢٣ - أبو داود (٤/ ٥٢)، كتاب اللباس، باب في المصبوغ بالصفرة.\nوالنسائي نحوه (٨/ ١٤٠)، كتاب الزينة، باب الخضاب بالصفرة، وإسناده حسن.\n(١) أبو داود (٤/ ٨٦)، كتاب الترجل، باب ما جاء في الخضاب بالصفرة.\nالسبتية: جلود بقر مدبوغة بالقرظ، سميت سبتية: لأن شعرها قد سبت عنها وحلق، وقيل: لأنها انسبتت بالدباغ، أي: لانت.\nالورس: نبت أصفر يُصبغ به.\n٨٢٤ - أبو داود (٤/ ٨٦)، كتاب الترجل، باب في الخضاب.\nالوفرة: شعر الرأس إذا كان إلى شحمة الأذن.\nالردع: أثر الصبغ على الجسم وغيره.\n(٢) أبو داود (٤/ ٨٦)، كتاب الترجل، باب في الخضاب.\n(٣) أبو داود في نفس الموضع السابق.\nلاتجني عليه: لا يتحمل مسئولية جنايتك. فحرف لا نافية.\n(٤) النسائي (٨/ ١٤٠)، كتاب الزينة، باب الخضاب بالصفرة.","vol":"3","page":1085},{"text":"وفي رواية (١): ورأيته قد لطخ لحيته بالصفرة.\nوأخرج النسائي أيضًا: حديث سؤاله عنه.\n٨٢٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، كأن عرقهُ اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسستُ ديباجةً ولا حريرةً ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممْتُ مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي ﷺ.\nوفي أخرى قال (٢): ما شممتُ عنبرًا قط ولا مسكًا ولا شيئًا أطيب من ريح النبي صلى الله عليه وسلمن ولا مسست شيئًا قط ديباجًا ولا حريرًا ألين مسًا من رسول الله ﷺ.\nوفي رواية البخاري قال (٣): ما مسستُ حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممتُ ريحًا قط- أو عرقًا قط- أطيب من ريح - أو عرق - النبي ﷺ.\nوفي رواية الترمذي قال (٤): خدمتُ رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ قط، وما قال لشيءٍ صنعته: لِمَ صنعتهُ؟ ولا لشيء تركته: لم تركتهُ؟ وكان رسول الله ﷺ من أحسن النسا خُلُقًا، ولا مسستُ خزا قط ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممتُ مسكًا قط ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ.\n٨٢٦ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: صليتُ مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجتُ معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدي، ووجدتُ ليده بردًا أو ريحًا، كأنما\n_________\n(١) النسائي في نفس الموضع السابق.\n٨٢٥ - مسلم (٤/ ١٨١٥) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٢١ - باب طيب رائحة النبي ﷺ، ولين مه، والتبرُك بمسحه، والبخاري نحوه مختصرًا (٦/ ٥٦٦) ٦١ - كتاب المناقب -٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\n(٢) مسلم (٤/ ١٨١٤) ٤٣ - كتاب الفضائل- ٢١ - باب طيب رائحة النبي ﷺ، ولين مسه، والتبرك بمسحه.\n(٣) البخاري (٦/ ٥٦٦) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\n(٤) الترمذي (٤/ ٣٦٨) ٢٨ - كتاب البر والصلة-٢٩ - باب ما جاء في خلق النبي ﷺ. وقال: حديث حسن صحيح.\n٨٢٦ - مسلم في نفس الموضع السابق (٤/ ١٨١٤).\nصلاة الأولى: صلاة لاظهر.\nجؤلةُ العطار: هي التي يعدُّ فيها الطيب ويدخِرُه.","vol":"3","page":1086},{"text":"أخرجها من جؤنةِ عَطَّارٍ.\nوفي مسحة ﷺ الصبيان بيان حسن خُلُقه ورحمته بالأطفال وملاطفتهم، وفي الحديث بيان طيب رائحته، وهذا مما أكرمه الله به، وكان ذلك صفته دون أن يمس طيبًا ﷺ، ومع هذا فكان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات مبالغة في طيب رائحته لملاقاة الوحي والملائكة ومجالسة المسلمين.\n٨٢٧ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن أم سُليم كانت تبسطُ للنبي ﷺ نِطْعًا، فَيُقِيل عندها على ذلك النطع، قال: فإذا قام النبي ﷺ أخذتْ منْ عرقِه وشعره، فجمعته في قارورة، ثم جعلتهُ في سُكِّ وهو نائم، قال: فلما حضر أنس ابن مالك الوفاة أوصى إلى أن يُجعل في حنوطِه من ذلك السُّك، قال: فجُعِلَ في حنوطِهِ.\nولمسلم قال (١): كان النبي ﷺ يدخُلُ بيت أم سُليم، فينام على فراشها، وليستْ فيه، فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتيتْ، فقيل لها: هذا النبي ﷺ نائم في بيتك على فراشك. قال: فجاءت وقد عرِق، واستَنْقَع عرقُهُ على قطعةِ أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها، فجعلت تُنشف ذلك العرق، فتعصره في قواريرها، ففزع النبي ﷺ، فقال: \"ما تصنعين يا أم سُليْم؟ \" فقالت: يا رسول الله، نرجو بركتهَ لصبياننا، قال: \"أصبتِ\".\nولمسلم أيضًا قال (٢): دخل علينا النبي ﷺ، فقال عندنا، فعَرِقَ وجاءت أمي بقارورةٍ، فجعلتْ تسلتُ العرق فيها، فاستيقظ النبي ﷺ، فقال: \"أم سُليم، ما هذا\n_________\n٨٢٧ - البخاري (١١/ ٧٠) ٧٩ - كتاب الاستئذان - ٤١ - باب من زار قومًا فقال عندهم.\nالنطير: بساط من الجلد والجمع أنطاع ونطُوع وأنطُع.\nقال الإنسان يقيل: إذا سكن وأقام عند القائلة، وهي شدةً الحر وسط النهار.\nالسُّكُ: شيء يتطيب به.\nالحنوط: ما تطيبُ به أكفانُ الميت خاصة.\n(١) مسلم (٤/ ١٨١٥) ٤٢ - كتاب الفضائل -٢٢ - باب طيب عرق النبي ﷺ والتبرك به.\nعتيد المرأة: الإناء الذي تترك فيه ما يعزُّ عليها من متاعها.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.\nسلت الدم عن الجرح، والعَرَق عن الجسم: مسحه بيده وجمعَه.","vol":"3","page":1087},{"text":"الذي تصنعين؟ \" قالت: هذا عرقُك نجعله في طيبنا وهو أطيبُ الطيب.\nوقد روى مسلم هذا عن أنس عن أم سُليْم نحوهُ.\nوفي رواية النسائي (١): أن النبي ﷺ اضطجع على نطع فعرق فقامت أم سليم إلى عرقه، فنشفته، فجعلته في قارورة، فرآها النبي ﷺ، قال: \"ما هذا الذي تصنعين يا أم سليم؟ \" قالت: أجعل عرقك في طيبي، فضحك رسول الله ﷺ.\n٨٢٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناهُ في وجهه.\n٨٢٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن الحارث بن جزءٍ ﵁ قال: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ﷺ.\nوفي رواية قال (٢): ما ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسمًا.\n٨٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: \"إن من خياركمُ: أحسنكُمْ أخلاقًا\".\n_________\n(١) النسائي (٨/ ٢١٨) كتاب الزينة، باب ما جاء في الأنطاع.\n٨٢٨ - البخاري (١٠/ ٥١٣) ٧٨ - كتاب الأدب- ٧٢ باب من لم يواجه الناس بالعتاب.\nومسلم (٤/ ١٨٠٩) ٤٣ - كتاب الفضائل-١٦ - باب كثرة حيائه ﷺ.\nالعذراء في خدرها: العذراء: البكرُ، وهي أبدًا توصف بالحياء، وخِدرُ العروس: موضعها الذي تُصان فيه عن الأعين.\nخدرها: الخدر ستر- يجعل للبكر في جنب البيت.\nعرفناه في وجهه: أي لا يتكلم به لحيائه، بل يتغير وجهه. فتفهم نحن كراهته.\n٨٢٩ - الترمذي (٥/ ٦٠١) ٥٠ - كتاب المناقب -١٠ - في بشاشة النبي ﷺ. وقال هذا حديث حسن غريب.\n(٢) الترمذي في الموضع السابق، وقال: حسن صحيح.\n٨٣٠ - البخاري (٦/ ٥٦٦) ٦١ - كتاب المناقب-٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ١٨١٠) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٦ - باب كثرة حيائه ﷺ.\nفاحشا: الفاحشُ: ذُو الفحش في كلامه.\nمتفحشًا: والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمدُه.","vol":"3","page":1088},{"text":"٨٣١ - * روى الحاكم عن سعيد بن هشام أنه دخل مع حكيم بن أفلح على عائشة رضي الله عها فسألها فقال: يا أم المؤمنين انبئيني عن خُلُقِ رسول الله ﵌. قالت: أليس تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خُلُق نبي الله ﵌ القرآن.\n٨٣٢ - * روى أحمد والبزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما بُعِثْتُ لأتمم صالح الأخلاق\".\n٨٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنتُ أمشي مع النبي ﷺ وعليه رداء نجراني غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذهُ بردائه جبذةً شديدة، نظرتُ إلى صفحة عنقِ رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشيةُ الرداء، من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُرّ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء.\nوفي رواية نحوه، وفيه (١): حتى انشق البُرد، وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ.\n٨٣٤ - * روى الطبراني عن عبد الله بن سلام قال: إن الله لما أراد هُدى زيدٍ بن سُعْنَةَ\n_________\n٨٣١ - المستدرك (٢/ ٦١٣)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n٨٣٢ - أحمد في مسنده (٢/ ٣٨١) والبزار: كشف الأستار (٣/ ١٥٧)\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥)، رواه أحمد، ورجاله صحيح، ورواه البزار إلا أنه قال: لأتمم مكارم الأخلاق، ورجاله كذلك غير محمد بن رزق الله الكلوداني، وهو ثقة.\nأقول: وللحديث أكثر من رواية متقاربة فلذلك تعددت شواهده.\n٨٣٣ - البخاري (١٠/ ٥٠٣) ٧٨ - كتاب الأدب -٦٨ - باب التبسم والضحك.\nومسلم (٢/ ٧٣٠) ١٢ - كتاب الزكاة -٤٤ - باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة.\n(١) مسلم في الموضع السابق.\n٨٣٤ - المعجم الكبير (٥/ ٢٢٢).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٤٠)، رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\nوقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (٢/ ٦٠٧): رجال الإسناد موثقون.\nحائط: بستان. همياني: الهميان: كيس تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط.","vol":"3","page":1089},{"text":"قال زيد بن سُعْنَة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حِلْمَه جهله ولا تزيد شدةُ الجهل عليه إلا حلمًا، فكنت ألطف له لأن أخالطه، فأعرف حلمه من جهله. قال زيد بن سُعنة: فخرج رسول الله ﷺ يومًا من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب ﵁، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله إن بُصْرَى قرية بني فلان قد اسلموا، ودخلوا في الإسلام، وكنت حدثتهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدًا، وقد أصابتهم سِنَةٌ وشدة وقُحُوط من الغيث، فأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعًا كما دخلوا في طمعًا، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تُعينُهم به فعلت، فنظر إلى رجل جانبه أراه عليًا ﵁، فقال: يا رسول الله ما بقي منه شيء، فقال زيدُ بن سُعنة: فدنوت إليه فقلت: يا محمد هل كل أن تبيعني تمرًا معلومًا من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: \"لا يا يهودي، ولكني أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجل كذا وكذا، ولا تُسمي حائط بني فُلانٍ\" قلت: بلى، فبايعني فأطلقت هِمْيَاني، فأعطيته ثمانين مثقالًا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، فأعطاها الرجل، فقال: \"اغدُ عليهم فأعنهُمْ بها\" فقال زيدُ بن سُعنة: فلما كان محلٍ الأجل بيومين أو ثلاث، أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، فقلت له: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطْل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم؟ ونظرت إلى عمر وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، فقال: يا عدو الله أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتصنع به ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر قوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتؤدةٍ، ثم قال: \"يا عمر أنا وهو كُنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحُسْنِ الأداء، وتأمره بحُسْنِ التباعة، اذهب به يا عمر وأعطه حقهُ وزده عشرين صاعًا من تمر مكان ما رَعْتَهُ\" قال زيدٌ: فذهب بي عمر ﵁، فأعطاني حقي، وزاد عشرين صاعًا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ فقال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رُعْتُك. قلت: وتعرفني يا عمر؟ قال: لا، من أنت؟ قلت: أنا زيدُ بن سُعْنَ'، قال: الحَبْرُ؟ قلت: الحبر. قال: فما دعاك أن فعلت برسول الله ﷺ ما فعلت وقلت له ما قلت؟ قلتُ: يا عمرُ لم","vol":"3","page":1090},{"text":"تكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا انثتين لم أخبرهما منه، يسبق حلمُه جهله، ولا يزيده الجهل عليه إلا حلمًا، فقد أخبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا وأشهدك أن شطر مالي - وإني أكثرها مالًا - صدقة على أمة محمد، فقال عمر ﵁: أو على بعضهم فإنك لا تسعهم، قلت: أو على بعضهم، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله! \" وآمن به وصدقه وبايعه وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم تُوفي زيد في غزوة تبوك مقبلًا غير مدبر، رَحِم الله زيدًا.\n٨٣٥ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يعود المريض ويتبعُ الجنائز ويُجيبُ دعوة المملوك ويركب الحِمار، ولقد كان يوم خيبر ويوم قريظة على حمار خِطَامُهُ حبل من ليفٍ وتحته إكافٌ من ليف.\n٨٣٦ - * روى الطبراني عن أبي غالب قال: قلت لأبي أمامة: حدثنا حديثًا سمعتهُ من رسول الله ﷺ فقال: كان حديث رسول الله ﷺ القرآن ويكثر الذكر ويُقصر الخطبة ويُطيل الصلاة، ولا يأنفُ، ولا يستكبر أن يذهب مع المسكين والضعيف حتى يفرُغَ من حاجته.\nوفي رواية للنسائي بإسناد حسن عن عبد الله بن أبي أوفى (١): يكثر الذكر ويُقِل اللغو ... ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة.\n٨٣٧ - * روى الطبراني عن أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار ويلبس الصوف ويعتَقِل الشاة ويأتي مراعاه الضيف.\n_________\n٨٣٥ - المستدرك (٢/ ٤٦٦)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nالإكاف: البردَعة، والبردعة: ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليها كالسرج للفرس، والبردعة جمعها برادع.\n٨٣٦ - المعجم الكبير (٨/ ٢٤٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠): رواه الطبراني، وإسناده حسن.\n(١) النسائي (٣/ ١٠٩)، كتاب الجمعة، باب ما يستحب من تقصير الخطبة.\n٨٣٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\nيعتقل الشاة: عقْل الشاة: أن يضع رجلها بين ساقه وفخذه ثم يحلبها.","vol":"3","page":1091},{"text":"٨٣٨ - * روى البخاري عن أنس قال: كانت الأمةُ من إماء المدينة لتأخُذُ بيد رسول الله ﷺ، فتنطلقُ به حيثُ شاءت.\nوقد اشتمل هذا الحديث على أنواع من المبالغة في التواضع لذكر المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ الإماء أي أمة كانت، وبقوله في الرواية الأخرى (١): \"فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت\" أي من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست مساعدته في تلك الحالة لساعدها على ذلك، وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكِبْر ﷺ.\n٨٣٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجةً، فقال: \"يا أم فلان انظري أي السككِ شئت، حتى أقضي لك حاجتك\" فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها.\nوفي رواية أخرى لأبي داود قال (٢): جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال لها: \"يا أم فلان، اجلسي في أي نواحي السكك شئت حتى أجلس إليك\" قال: فجلست، فجلس النبي ﷺ إليها، حتى قضت حاجتها.\n٨٤٠ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: ما رأيتُ رجلًا التقم أذن النبي ﷺ فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رجلًا\n_________\n= يأتي مراعاة الضيف: يؤدي ما يلزم من رعاية للضيف.\n٨٣٨ - البخاري (١٠/ ٤٨٩) ٧٨ - كتاب الأدب- ٦١ - باب الكبر.\n(١) أحمد في مسنده (٣/ ٢١٦).\n٨٣٩ - مسلم (٤/ ١٨١٣) ٤٣ - كتاب الفضائل - ١٩ - باب قرب النبي ﷺ من الناس، وتبركهم به.\n(٢) أبو داود (٤/ ٣٥٧) كتاب الأدب -باب في الجلوس في الطرقات.\n٨٤٠ - أبو داود (٤/ ٢٥٢) كتاب الأدب - باب في حسن العشرة.\nالتقم أذنه: وضع فمه عند أذن رسول الله ﷺ يناجيه.","vol":"3","page":1092},{"text":"أخذ بيده فترك يده، حتى يكون الرجلُ هو الذي يدعُ يده.\nوفي رواية الترمذي قال (١): كان النبي ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يدهُ من يدهِ، حتى يكون الرجل الذي ينزع، ولا يصرفُ وجههُ عن وجهه، حتى يكون الرجل هو الذي يصرفُهُ، ولم يُرَ مقدمًا ركبتيهِ بين يدي جليس لهُ.\n٨٤١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء\" فما يؤتي بإناء إلا غمس يده فيها فربما جاؤوه في الغداةِ الباردة فيغمس يده فيها.\nقال النووي: بيان بروزه ﷺ للناس وقربه منهم ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أفعاله وحركاته فيقتدي بها، وهكذا ينبغي لولاة الأمور، وفيها صبره ﷺ على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين وإجابته من سأله حاجة أو تبريكًا بمس يده وإدخالها في الماء كما ذكروا. وفيه التبرك بآثار الصالحين وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره ﷺ وتبركهم بإدخال يده الكريمة في الآنية.\n٨٤٢ - * روى البخاري عن الأسود بن يزيد النخعي ﵀ قال: سألت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يصنعُ في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.\n٨٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ أجوَدَ الناس، وكان أجود ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاهُ\n_________\n(١) الترمذي (٤/ ٦٥٤) ٣٨ - كتاب صفة القيامة- ٤٦ - باب حدثنا سُويد بن نصر، وهو حديث حسن.\n٨٤١ - مسلم (٤/ ١٨١٢) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٩ - باب قرب النبي ﷺ من الناس، وتبركهم به.\n٨٤٢ - البخاري (٢/ ١٦٢) ١٠ - كتاب الأذان - ٤٤ - باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج.\nالمهنةُ: الصنعة، والمراد: شُغلُ أهله وحوائجهم.\n٨٤٣ - البخاري (١/ ٣٠) ١ - كتاب بدء الوحي -٥ - باب (٦).\nوأيضًا البخاري (٦/ ٥٦٥) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ١٨٠٣) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٢ - باب كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة. =","vol":"3","page":1093},{"text":"في كل ليلةٍ من رمضان، فيُدارِسُهُ القرآن، فلرسولُ الله ﷺ أجوَدُ بالخيرِ من الريح المرسلة.\nوفي رواية نحوه قال (١): وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان، حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن.\nوفي هذا الحديث فوائد، منها: بيان عظم جوده ﷺ. ومنها: استحباب إكثار الجود في رمضان. ومنها: زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم ومنها: استحباب مدارسة القرآن. (شرح صحيح مسلم للنووي ١٥/ ٦٩).\n٨٤٤ - * روى الدارمي عن جابر قال: ما سُئل النبي ﷺ شيئًا قط فقال لا.\nقال أبو محمد: قال ابن عيينة: إذا لم يكن عندهُ وعد.\n٨٤٥ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان لا يلتفت إذا مشى، وكان ربما تعلق رداؤه بالشجرة أو الشيء فلا يلتفت حتى يرفعوه؛ لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون، وكانوا قد أمِنُوا التفاته ﷺ.\n٨٤٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ في مشيته، كأنما الأرض تُطوى له، إنا لنهد أنفسنا وإنه لغير مُكْتَرِث.\n٨٤٧ - * روى الحاكم عن جابر بن عبد الله ﵄ وتلا قول لقمان لابنه:\n_________\n= الريح المرسلة: المراد كالريح في إسراعها وعمومها.\n(١) البخاري (٩/ ٤٣) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -٧ - باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ.\n٨٤٤ - الدارمي (١/ ٢٤)، في المقدمة، باب في سخاء النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ١٨٠٥) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٤ - باب ما سُئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا. ولم يذكر مسلم قول ابن عيينة.\n٨٤٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.\nفلا يلتفت: عدم التفاته: لأنه ﷺ قد جرت عادته ألا يلتفت إليهم حتى لا يحرجهم ويخجلهم إذا كانوا يتمازحون أو يتضاحكون.\n٨٤٦ - الترمذي (٥/ ٦٠٤) ٥٠ - كتاب المناقب -١٢ - باب في صقة النبي ﷺ، وهو حديث حسن لغيره.\n٨٤٧ - المستدرك (٣/ ٤١١)، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1094},{"text":"﴿واقصد في مشيك واغضض من صوتك﴾. قال: كان رسول الله ﵌ إذا خرج مشوا بين يديه وخلوا ظهرهُ للملائكة.\n٨٤٨ - * روى أحمد والبزار عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا مشى مشى مُجتمعًا ليس فيه كسل.\n٨٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يُعجبُهُ التيمن في تنعلهِ وترجلهِ وطهوره وفي شأنه كله.\nوفي رواية (١): كان يُحب التيمن ما استطاع.\nوفي رواية الترمذي (٢): كان يحبُّ التيمن في طهوره إذا تطهر وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل.\nوفي رواية للنسائي (٣): كان رسول الله ﷺ يُحِبُّ التيامن يأخذ بيمينه ويعطي بيمينه، ويحب التيمن في جميع أموره.\n٨٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا: لِمَ صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟.\n_________\n٨٤٨ - أحمد في مسنده (١/ ٣٢٨).\nوالبزار بنحوه: كشف الأستار (٣/ ١٢٤).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨١): رواه أحمد والبزار وزاد: \"لم يلتفت، يعرف في مشيه أنه غير كسل ولا وهن، ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن التابعي غير مسمى، وقد سماه البزار، وهو عكرمة، وهو من رجال الصحيح أيضًا.\n٨٤٩ - البخاري (١/ ٣٦٩) ٤ - كتاب الوضوء -٣١ - باب التيمن في الوضوء والغُسل.\nومسلم (١/ ٣٢٦) ٢ - كتاب الطهارة-١٩ - باب التيمن في الطهور وغيره.\nاليتمن: الابتداء: في الأفعال باليمين، مثل أني لبس نعله اليمنى قبل اليسرى.\nالتنعل: لبس النعل.\nالترجُّل: تسريح الشعر.\n(١) البخاري (١/ ٥٢٣) ٨ - كتاب الصلاة- ٤٧ - باب التيمن في دخول المسجد وغيره.\n(٢) الترمذي (٢/ ٥٠٦)، كتاب الصلاة، باب مايستحب من التيمن في الطهور. قال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) النسائي (٨/ ١٣٢)، كتاب الزينة، باب التيامن في الترجل.\n٨٥٠ - البخاري (١٠/ ٤٥٦) ٧٨ - كتاب الأدب-٣٩ - باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل. =","vol":"3","page":1095},{"text":"وفي رواية قال (١): لما قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن أنسًا غلام كيِّس، فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشيء صنعته: لِمَ صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا؟.\nوفي أخرى (٢): قَدِم رسولُ الله ﷺ المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ ... ثم ذكره.\nولمسلم قال (٣): خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، فما أعلمه قال لي قط: لِمَ فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب عليَّ شيئًا قط.\nوفي أخرى له (٤): كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ، فخرجت حتى أمُر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: \"يا أنيسُ، أذهبت حيثُ أمرتُكَ؟ \" قال: قفلت: نعم، أنا أذهبُ يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما عَلِمته قال لشيء صنعته: لم فعلتُ كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا.\n٨٥١ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: ما خُير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تُنْتَهَك حرمةُ الله فينقمُ لله بها.\n_________\n= ومسلم نحوه (٤/ ١٨٠٤) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٣ - باب كان رسول الله صلى الله عيله وسلم أحسن الناس خُلقًا.\n(١) البخاري (١٢/ ٣٥٣) ٨٧ - كتاب الديات -٣٧ - باب من استعان عبدًا أو صبيًا.\nومسلم (٤/ ١٨٠٤) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٣ - باب كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلقًا.\n(٢) البخاري (٥/ ٣٩٥) ٥٥ - كتاب الوصايا -٢٥ - باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صلاحًا له.\n(٣) مسلم (٤/ ١٨٠٥) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٢ - باب كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقًا.\n(٤) مسلم في نفس الموضع السابق.\n٨٥١ - البخاري (٦/ ٥٦٦) ٦١ - كتاب المناقب -٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ١٨١٣) ٤٣ - كتاب الفضائل -٢٠ - باب مباعدته ﷺ للآثام، واختياره من المباح أسهله، وانتقامه لله عند انتهاك حرماته.","vol":"3","page":1096},{"text":"قال النووي: قولها (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه) فيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حرامًا أو مكروهًا. قال القاضي: ويحتمل أن يكون تخييره ﷺ هنا من الله تعالى فيخيره فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية، أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصار، وكان يختار الأيسر في كل هذا، قال وأما قولها ما لم يكن إثمًا فيتصور إذا خيره الكفار والمنافقون فأما إن كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكو الاستثناء منقطعًا. قولها (وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله) وفي رواية ما قيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله تعالى. معنى نيل منه أصيب بأذى من قول أو فعل. وانتهاك حرمة الله تعالى هو ارتكاب ما حرمه. قولها (إلا أن تنتهك حرمة الله) استثناء معناه لكن إذا انتهكت حرمة الله انتصر له تعالى وانتقم ممن ارتكب ذلك. في هذا الحديث الحث على العفو والحلم واحتمال الأذى والانتصار لدين الله ممن فعل محرمًا أو نحوه. وفيه أنه يستحب للأئمة والقضاة وسائر ولاة الأمور التخلق بهذا الخلق الكريم فلا ينتقم لنفسه ولا يهمل حق الله تعالى وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا يقضي لنفسه ولا لمن لا يجوز شهادته له.\n٨٥٢ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قطُّ فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله ﷿.\n٨٥٣ - * روى الطبراني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"إني لأمزح ولا أقول إلا حقًا\" قالوا: إنك تداعبُنا يا رسول الله، قال: \"إني لا أقولُ إلا حقًا\".\n٨٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ\n_________\n٨٥٢ - مسلم (٤/ ١٨١٤) ٤٣ - كتاب الفضائل- ٢٠ - باب مباعدته ﷺ للآثام، واختياره من المباح أسهله، وانتقامه لله عند انتهاك حرماته.\n٨٥٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.\n٨٥٤ - البخاري (١٠/ ٥٨٢) ٧٨ - كتاب الأدب-١١٢ - باب الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل.","vol":"3","page":1097},{"text":"أحسن الناس خُلقًا، وكان لي أخ يقال له أبو عُمير- قال أحسبُهُ فطيمًا - وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير، ما فعل النُّفَير؟ \" نُفَرّ كان يلعبُ به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيُكنسُ وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا.\nوعند أبي داود قال (١): كان رسول الله ﷺ يدخل عليا ولي أخ صغير يُكنى أبا عُمير، وكان له نفرٌ يلعب به، فمات، فدخل عليه النبي ﷺ ذات يوم، فرآه حزينًا، فقال: \"ما شأنه؟ \" قالوا: مات نُغَرُه، فقال: \"يا أبا عمير، ما فعل النُّغَيّر؟ \".\nوللترمذي قال (٢): إن كان رسول الله ﷺ ليخالطُنا، حتى إن كان ليقول لأخ لي صغير: \"يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟ \".\n٨٥٥ - * روى أحمد عن عبد الله بن الحاث قال: كان رسول الله ﷺ يصفُّ عبد الله وعبيد الله وكثيرًا من بني العباس، ثم يقول: \"من سبق إليَّ فله كذا وكذا\" قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم.\n٨٥٦ - * روى الطبراني عن خِوات بن جبير قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ مَرُّ الظهران قال: فخرجت من خِبائي فإذا أنا بنسوة يتحدثن، فأعجبني، فرجعت فاستخرجت عيبتي، فاستخرجت منها حُلة فلبستها وجئت فجلست معهن، وخرج رسول الله\n_________\n= ومسلم (٣/ ١٦٩٢) ٣٨ - كتاب الآداب -٥ - باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته وحمله إلى صالح يحنكه، وجواز تسميته يوم ولادته.\nالنغير: تصغير النغر، وهو طائر صغير كالعصفور، والجمع نغران، مثل: صُردَ وصِردان.\nالنضح: الرشُّ.\n(١) أبو داود (٤/ ٢٩٣)، كتاب الأدب، باب ما جاء في الرجل يتكنى وليس له ولد.\n(٢) الترمذي (٤/ ٣٥٧) ٢٨ - كتاب البر والصلة-٥٧ - باب ما جاء في المزاح. قال: هذا حديث حسن صحيح.\n٨٥٥ - أحمد في مسنده (١/ ٢١٤).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧): رواه أحمد، وإسناده حسن.\n٨٥٦ - المعجم الكبير (٤/ ٢٠٣).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠١): رواه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير الجراح ابن مخلد، وهو ثقةز\nمر الظهران: مكان بقرب مكة.\nالعيبة: يما يجعل فيه الثياب.","vol":"3","page":1098},{"text":"ﷺ من قبته فقال: \"أبا عبدِ الله ما يُجلسُك معهن؟ \" فلما رأيت رسول الله ﷺ هِبْتُه واختلطت قلت: يا رسول الله جمل لي شَرَد، فأنا أبتغي له قيدًا فمضى واتبعته، فألقى إلي رداءه ودخل الأراك كأني أنظر إلى بياض متنه في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره أو قال يقطر من لحيته على صدره فقال: \"أبا عبد الله ما فعل شِرَادُ جَمَلِكَ؟ \" ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقُني في المسير إلا قال: \"السلامُ عليك أبا عبد الله ما فعل شِرادُ ذلك الجمل؟ \" فلما رأيت ذلك تعجلت إلى المدينة، واجتنبت المسجد والمجالسة إلى النبي ﷺ، فلما طال ذلك تحينت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فقمت أصلي، وخرج رسول الله ﷺ من بعض حجره فجأة فصلى ركعتين خفيفتين وطولت رجاء أن يذهب ويدعني فقال: \"طوِّلْ أبا عبد الله ما شئت أن تُطوِّل فلستُ قائمًا حتى تنصرف\" فقلت في نفسي: والله لأعتذرن إلى رسول الله ﷺ ولأبرئن صدره. فلما قال: \"السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شرادُ ذلك الجمل\" فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلم فقال: \"رحمك الله\" ثلاثًا ثم لم يعدْ لشيء مما كان.\n٨٥٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان فزعٌ بالمدينة فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة، يقال له: المندوب فركب، فلما رجع، قال: \"ما رأينا من شيءٍ، وإن وجدناهُ لبحرًا\".\nوفي رواية قال (١): كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فَزِعَ أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس من قِبَل الصوت، فتلقاهم\n_________\n= الأراك: شجر يتخذ منه السواك.\nما فعل شرادُ جَمَلك: أراد به شِراد نفسه حتى حملته على مخالطة النساء.\n٨٥٧ - البخاري (٥/ ٢٤٠) ٥١ - كتاب الهبة -٣٣ - باب من استعار من الناس الفرس.\nومسلم (٤/ ١٨٠٣) ٤٣ - كتاب الفضائل-١١ - باب في شجاعة النبي ﷺ وتقدمه للرحب.\n(١) البخاري (٦/ ٩٥) ٥٦ - كتاب الجهاد-٨٢ - باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق.\nومسلم (٤/ ١٨٠٣) ٤٣ - كتاب الفضائل-١١ - باب في شجاعة النبي ﷺ، وتقدمه للحرب.\nوقد استبرأ الخبر: استبرأ الشيء: كشفه وحقق أمره.\nلم تراعوا: أي روعًا مستقرًا، أو روعًا يضركم.","vol":"3","page":1099},{"text":"رسول الله ﷺ راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت - وفي رواية: وقد استبرأ الخبر - وهو على فرس لأبي طلحة عُري، في عنقه السيفُ، وهو يقول: \"لم تُراعُوا لم تُراعُوا\"، قال: \"وجدناه بحرًا - أو إنه لبحر-\" قال: وكان فرسًا يُبطأُ.\nوفي أخرى مختصرًا قال (١): استقبلهم النبي ﷺ على فرس عُري، ما عليه سرجٌ، في عنقه سيف.\nوللبخاري (٢): أن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي ﷺ فرسًا لأبي طلحة كان يقطفُ- أو كان فيه قطافٌ - فلما رجع قال: \"وجدنا فرسكم هذا بحرًا\" فكان بعد ذلك لا يُجاري.\nوله في أخرى قال (٣): فزع الناس، فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحدهُ، فركب الناس يركضون خلفه فقال: \"لم تُراعُوا، إنه لبحرٌ\" فما سُبق بعد ذلك اليوم.\nوللترمذي قال (٤): ركب النبي ﷺ فرسًا لأبي طلحة يقال له: مندوبُ، فقال: \"ما كان من فزع، وإن وجدناه لبحرًا\".\nقال النووي: وفيه فوائد، منها: بيان شجاعته ﷺ من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم، بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس. وفيه: بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعًا بعد أن كان يبطأ، وهو معنى قوله ﷺ وجدناه بحرًا أي واسع الجري. وفيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدو ما لم يتحقق الهلاك وفيه جواز العارية، وجواز الغزو على الفرس المستعار\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٧٠) ٥٦ - كتاب الجهاد-٥٤ - باب ركوب الفرس العُري.\n(٢) البخاري (٦/ ٧٠) ٥٦ - كتاب الجهاد-٥٥ - باب الفرس القُطوف.\nقطف الفرس في مشيه: إذا ضيق خطوه، وأسرع مشيه.\nفرس بحر: إذا كان واسع الجري.\n(٣) البخاري (٦/ ١٢٣) ٥٦ - كتاب الجهاد-١١٧ - باب السُّرعة والركض في الفزع.\n(٤) الترمذي (٤/ ١٩٨) ٢٤ - كتاب الجهاد-١٤ - باب ما جاء في الخروج عند الفزع. قال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1100},{"text":"لذلك. وفيه استحباب تقلد السيف في العنق، واستحباب تبشير الناس بعدم الخوف إذا ذهب. ووقع في هذا الحديث تسمية هذا الفرس مندوبًا، قال القاضي: وقد كان في أفراس النبي ﷺ مندوب فلعله صار إليه بعد أبي طلحة هذا كلام القاضي. قلت: ويحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم.\n٨٥٨ - * روى أحمد عن علي يعني ابن أبي طالب قال: لقد رأيتُنا يوم بدرٍ ونحن نلُوذ برسول الله ﷺ وهو أقربُنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا.\n٨٥٩ - * روى البزار عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاهُ الوحي أو وعظ، قلت: نذيرُ قومٍ أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيت أطلق الناس وجهًا وأكثرهم ضحكًا وأحسنهُم بشرًا.\n٨٦٠ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كان كلام رسول الله ﷺ كلامًا فصلًا، يفهمه كل من سمعهُ.\n٨٦١ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعيدُ الكلمة ثلاثًا، لتُعقل عنهُ.\n٨٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يُحدثُ حديثًا لو عده العادُّ لأحصاهُ.\n_________\n٨٥٨ - أحمد في مسنده (١/ ٨٦). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢): رواه أحمد والطبراني في الأوسط. والحديث حسن.\n٨٥٩ - كشف الأستار (٣/ ١٦٠).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧): رواه البزار، وإسناده حسن.\n٨٦٠ - أبو داود (٤/ ٢٦١)، كتاب الأدب، باب الهدي في الكلام. وإسناده حسن.\n٨٦١ - الترمذي (٥/ ٦٠٠) ٥٠ - كتاب المناقب -٩ - باب في كلام النبي ﷺ. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وهو كما قال.\n٨٦٢ - البخاري (٦/ ٥٦٧) ٦١ - كتاب المناقب ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ٢٢٩٨) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق -١٦ - باب التثبت في الحديث، وحكم كتابة العلم.","vol":"3","page":1101},{"text":"وفي رواية عن عروة أنها قالت (١): ألا يُعجبكَ أبو فلان؟ جاء فجلس جانب حُجرتي يحدثُ عن رسول الله ﷺ يُسمعُني ذلك، وكنتُ أسبحُ، فقام قبل أن أقضي سُبحتي، ولو أدركته لرددتُ عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرُدُ الحديث كسردكم.\nولمسلم قال (٢): كان أبو هريرة يُحدثُ، ويقول: اسمعي يا ربة الحجرة، اسمعي يا ربة الحجرة - وعائشة تُصلي - فلما قضت صلاتها، قالت لعروة: ألا تسمعُ إلى هذا ومقالته آنفًا؟ إنما كان النبي ﷺ يُحدث حديثًا لو عدهُ العادُّ لأحصاهُ.\n٨٦٣ - * روى ابن خزيمة عن المغيرة بن شعبة، قال: صلى النبي ﷺ حتى انتفخت قدماه، فقيل له: تكلفْ هذا يا رسول الله وقد غُفر لك؟ قال: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا\".\nقال ابن خزيمة: في هذا دلالة على أن الشكر لله ﷿ قد يكون بالعمل له لأن الشكر كله لله، وقد يكون باللسان، قال الله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٣) فأمرهم جل وعلا أن يعملوا له شكرًا فالشكر قد يكون بالقول والعمل جميعًا، لا على ما يتوهم العامة أن الشكر إنما يكون باللسان فقط.\n٨٦٤ - * روى أحمد عن معاذة قالت: سألت امرأة عائشة وأنا شاهدة عن وصل صيام رسول الله ﷺ فقالت لها: أتعملين كعمله؟ فإنه قد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان عمله نافلة له.\n٨٦٥ - * روى الطبراني عن نافع بن خالد الخزاعي قال: حدثني أبي أن رسول الله\n_________\n(١) البخاري _٦/ ٥٦٧) ٦١ - كتاب المناقب-٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nأسبحُ: أتنفلُ بالصلاة.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٩٨)، ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق-١٦ - باب التثبت في الحديث، وحكم كتابة العلم.\n٨٦٣ - ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٣٠١)، وإسناده صحيح.\n(٣) سبأ: ١٣.\n٨٦٤ - أحمد في مسنده (٦/ ٣٥٠)\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٦٥): رواه أحمد، روجاله رجال الصحيح، وفي الصحيح بعضه.\nأتعملين كعمله؟: المعنى: إنك لا تستطيعين اللحاق به.\n٨٦٥ - المعجم الكبير (٤/ ١٩٣).","vol":"3","page":1102},{"text":"ﷺ: كان إذا صلى والناسُ ينظرون صلى صلاة خفيفةً تامة الركوع والسجود.\n٨٦٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان يأتي علينا الشهرُ ما نُوقدُ فيه نارًا، إنما هو التمر والماء، إلا أن نُؤتى باللحم. وفي رواية، قالت: ما شبع آل محمد من خُبزِ البُرِّ ثلاثًا، حتى مضى لسبيله. وفي أخرى، قالت: ما شبع آل محمد منذُ قدِم المدينة من طعام ثلاث ليالٍ تباعًا حتى قُبِضَ. وفي أخرى: ما شبع آل محمدٍ من خبز شعيرٍ يومين متتابعين حتى قُبِضَ رسول الله ﷺ. وفي أخرى، قالت: ما أكل آل محمد أكلتين في يوم واحد إلا وإحداهما تمر. وفي أخرى: كانت تقول لعروة: والله يا ابن أختي، إن كنا للننظرُ إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال - ثلاثة أهلة في شهرين - وما أوقِدَ في أبيات رسول الله ﷺ نارٌ، قال: قلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماءُ، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائِحُ، فكانوا يُرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها، فيسقيناهُ. وفي أخرى قالت: تُوفي رسول الله ﷺ حين شَبِعَ الناسُ من الأسودين: التمر والماء. وفي رواية ما شبعنا من الأسودين.\nولمسلم أيضًا أنها قالت (١): لقد مات رسول الله ﷺ، وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين.\nوللترمذي (٢) عن مسروق، قال: دخلتُ على عائشة، فدعت لي بطعام وقالت: ما\n_________\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٧٧): رواه الطبراني في الكبير، ونافع ذكره ابن حبان في الثقات، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n٨٦٦ - البخاي (١١/ ٢٨٢) ٨١ - كتاب الرقاق -١٧ - باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه.\nومسلم نحوه (٤/ ٢٢٨٢) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق- حديث (٢٦).\nوالروايات الأخرى في نفس الموضع من الصحيحين.\nاللحيم: كذا بالتصغير إشارة إلى قلته.\nمنائح: المنائحُ: جمع منيحة، وهي الناقة يُعيرها صاحبها إنسانًا ليشرب لبنها ويعيدها.\nالأسودين: السوادُ: من صفات التمر، لأن الغالب على أنواع تمر المدينة السوادُ. فأما الماء فليس يأسود، وإنما جُعل أسود حيث قُرن بالتمر، فغُلب أحدهما على الآخر فسُمي به، وهذا من عادة العرب، يفعلونه بالشيئين يصطحبان، فيغلبُون اسم الأشهر، كقولهم: القمران، للشمس والقمر.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٨٣) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق- حديث (٢٩).\n(٢) الترمذي (٤/ ٥٧٩) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣١ - باب ما جاء في معيشة النبي ﷺ وأهله. وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1103},{"text":"أشبع من طعام فأشاءُ أن أبكي إلا بكيتُ، قال: قلتُ: لِمَ؟ قالت: أذْكُرُ الحال التي فارق عليها رسول الله ﷺ الدنيا، والله ما شبع من خبزٍ ولحمٍ مرتين في يوم.\n٨٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: ما شبع آل محمد ﷺ من طعامٍ ثلاثة أيام، حتى قُبِضَ.\nوفي رواية (١)، قال أبو حازم: رأيت أبا هريرة يُشير بإصبعه مرارًا، يقول: والذي نفسُ أبي هريرة بيده، ما شبع نبيُّ الله ﷺ وأهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطةٍ، حتى فارق الدنيا.\n٨٦٨ - * روى الترمذي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ سُمع يقول: ما كان يفضلُ عن أهل بيت النبي ﷺ خبزُ الشعير.\n٨٦٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يبيتُ الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاءًا، كان أكثر خبزهم خبز الشعير.\n٨٧٠ - * روى مسلم عن سِمَاكِ بن حربٍ، قال: سمعتُ النعمان يخطبُ قال: ذكر عُمرُ ما أصاب الناسُ من الدنيا. فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي، ما يد دقلًا يملأ به بطنهُ.\n٨٧١ - * روى البخاري ومسلم عن عروة عن عائشة؛ أنها كانت تقول: والله! يا ابن أختي! إنْ كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال. ثلاثة أهلة في شهرين. وما أُوقِدَ\n_________\n٨٦٧ - البخاري (٩/ ٥١٧) ٧٠ - كتاب الأطعمة-١ - باب قول الله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) الآية.\nومسلم نحوه (٤/ ٢٢٨٤) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق- حخديث (٣٣).\n(١) مسلم في الموضع السابق.\n٨٦٨ - الترمذي (٤/ ٥٨٠) ٣٧ - كتاب الزهد -٣٨ - باب ما جاء في معيشة النبي ﷺ وأهله، وإسناده صحيح.\n٨٦٩ - الترمذي في نفس الموضع السابق، وإسناده حسن.\n٨٧٠ - مسلم (٤/ ٢٢٨٥) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق - حديث (٣٦).\nالدقل: رديء التمر.\n٨٧١ - البخاري (١١/ ٣٨٣) ٨١ - كتاب الرقاق -١٧ - باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليم عن الدنيا.\nومسلم واللفظ له (٤/ ٢٢٨٣) ٥٢ - كتاب الزهد والرقائق - حديث (٣٨). =","vol":"3","page":1104},{"text":"في أبيات رسول البخاري (١١/ ٣٨٣) ٨١ - كتاب الرقاق -١٧ - باب كيف كان عيش النبي ﷺ الله ﷺ نارٌ. قال قلتُ: يا خالة! فما كان يُعَيِّشُكمْ؟ قالت: الأسودان التمر والماء. إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار. وكانت لهم منائحُ. فكانوا يُرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها، فيسقيناهُ.\n٨٧٢ - * روى البخاري عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أصبح لآلِ محمدٍ ﷺ إلا صاع ولا أمسى، وإنهم لتسعةُ أبياتٍ.\nوأخرجه ابن ماجه بلفظ (١): ما أصبح عند آل محمد صاعُ حبٍّ ولا صاع تمرٍ، وإن له يومئذٍ تسع نسوةٍ.\n٨٧٣ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن الرجُل كان يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه حتى فُتحت عليه قُريظة والنضير، فجعل، بعد ذلك، يرد عليه ما كان أعطاه.\n٨٧٤ - * روى ابن خزيمة عن عائشة: قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فأتى بطعام ليس معه لحم. فقال: \"ألم أر لكم بُرمة؟ \" قلت: بلى. ذاك لحم تُصدق به على بريرة. فقال: \"هو لها صدقة وهو منها هدية\".\n٨٧٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: تُوفي رسول الله ﷺ ودِرعُهُ\n_________\n= منائح: المنيحة الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها رجلًا يشرب لبنها ثم يردها ثم كثر استعمالها حتى أطلق على كل عطاء.\n٨٧٢ - البخاري (٥/ ١٤٠) ٤٨ - كتاب الرهن -١ - باب في الرهن في الحضر.\n(١) ابن ماجه (٣/ ١٣٨٩) ٣٧ - كتاب الزهد-١٠ - باب معيشة آل محمد صىل الله عليه وسلم.\nقال محقق ابن ماجه: في الزوائد: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\n٨٧٣ - البخاري (٦/ ٣٣٧) ٥٧ - كتاب فرض الخمس -١٢ - باب كيف قسم النبي ﷺ قريظة والنضير، وما أعطى من ذلك من نوائبه.\nومسلم واللفظ له (٣/ ١٣٩٢) ٣٣ - كتاب الجهاد والسير -٣٤ - باب رد المهاجرين إلى النصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح.\n٨٧٤ - ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ١٠١)، وهو حديث صحيح.\nبرمة: قِدر، أي: رأيتكم تطبخون غير هذا الطعام.\n٨٧٥ - البخاري (٦/ ٩٩) ٥٦ - كتاب الجهاد-٨٩ - باب ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب.","vol":"3","page":1105},{"text":"مرهونةٌ عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعيرٍ.\n٨٧٦ - * روى أحمد وابن ماجه عن عائشة قالت: كان ضِجَاعُ رسول الله ﷺ أذدمًا حَشْوُهُ ليفٌ.\n٨٧٧ - * روى أحمد والبزار عن أ [ي هريرة قال: جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء فإذا ملكُ ينزلُ، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خُلِقَ قبل الساعة فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك قال: أفملكًا نبيًا يجعلك أو عبدًا رسولا؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: \"بل عبدًا رسولًا\".\n٨٧٨ - * روى البخاري وملم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"مثلي ومثلُ الأنبياء من قبلي، كمثل رجلٍ بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجُعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وُضعت هذه اللبنةُ؟ قال: فانا اللبنة وأنا خاتم النبيين\"\nوقد رواه صالح أيضًا عن أبي سعيد الخدري.\nولمسلم بنحوه إلى قوله (١): \" فكنتُ أنا اللبنة\".\nوفي أخرى له (٢) \"مثلي ومثلُ الأنبياء من قبلي كمثلِ رجلٍ ابتنى بيوتًا فأحسنها وأجملها وأكملها، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناسُ يطوفون ويُعجبهم البنيان، فيقولون: ألا وضعت ها هنا لبنة فيتم بنيانك؟\n_________\n٨٧٦ - أحمد في مسنده (٦/ ٢٠٧، ٢١٣).\nوابن ماجه واللفظ له (٢/ ١٣٩٠) ٣٧ - كتاب الزهد -١١ - باب ضجاع آل محمد ﷺ، وإسناده صحيح.\n٨٧٧ - أحمد في مسنده (٢/ ٢٣١).\nكشف الأستار (٣/ ١٥٥).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩): رواه أحمد والبزار وأبو يعلي، ورجال الأولين رجال الصحيح.\n٨٧٨ - البخاري (٦/ ٥٥٨) ٦١ - كتاب المناقب -١٨ - باب خاتم النبيين ﷺ.\nومسلم واللفظ له (٤/ ١٧٩١) ٤٣ - كتاب الفضائل -٧ - كتاب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين.\n(١) مسلم في الموضع السابق.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.","vol":"3","page":1106},{"text":"فقال محمد ﷺ: فكنتُ أنا اللبنة\".\n٨٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إنما مثلي ومثلُ ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم إني رأيتُ الجيش بعيني، وإني أنا النذيرُ العُريان فالنجاء، فأطاعهُ طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثلُ من أطاعني فاتبع ما جئتُ به، ومثلُ من عصاني وكذب بما جئت به من الحق\".\n٨٨٠ - * روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله علي وسلم: \"مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبُّهن عنها، وأنا آخذ بحُجزكُم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي\".\nقال النووي في شرحه على مسلم: ومقصود الحديث أنه ﷺ شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك، مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم، بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه وكلاهما حريص على هلاك نفسه، ساع في ذلك لجهله.\n_________\n٨٧٩ - البخاري (١٣/ ٢٥٠) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة-٢ - باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ.\nوسلم (٤/ ١٧٨٨) ٤٣ - كتاب الفضائل- ٦ - باب شفقة النبي ﷺ على أمته.\nالنذير العُريان: لاذي لا ثوب عليه، وخص العريان، لأنه أبينُ في العين، وأصل هذا: أن الرجل منهم كان إذا أنذر قومه، وجاء من بلد بعيد انسلخ من ثيابه، ليكون أبين للعين.\nفالتجاء: أي اطلبوا الخلاص، وأنجوا أنفسكم وخلصوها.\nفأذلجُوا: إذا خُفف- من أدلج يُدلج- كان بمعنى: سار الليل كله، وإذا ثقل-من ادلج يدْلج- كان إذا سار آخر الليل.\nفاجتاحهم: استأصلهم، وهو من الجائحة التي تهلك الأشياء.\n٨٨٠ - البخاري (١١/ ٣١٦) ٨١ - كتاب الرقاق -٢٦ - باب الانتهاء عن المعاصي.\nومسلم واللفظ له (٤/ ١٧٩٠) ٤٣ - كتاب الفضائل -٦ - باب شفقة النبي ﷺ على أمته.\nالجنادب: جمع جندب، وهو طائر كالجراد، يصرُّ في الحر.\nتفلتُون: التفلُّت والانفلات: التخلص من اليد.","vol":"3","page":1107},{"text":"٨٨١ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، قال: فاضربوا له مثلًا. فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجلٍ بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فقالوا: فالدارُ الجنة والداعي محمد ﷺ، فمن أطاع محمدًا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا ﷺ فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس.\nقال البخاري: تابعه قتيبةُ عن الليث عن سعيد بن أبي هلال عن جابر قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ) لم يزدْ.\nقال الحميدي (١): وذكر أبو مسعود أوله: فقال: خرج علينا النبي ﷺ، فقال: \"إني رأيتُ في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا\".\nوفي رواية الترمذي هذه التي أخرج أولها أبو مسعود وأتمها الترمذي (٢): \"فقال: أسمعُ، سمعت أذنُكَ، واعقل عقَل قلبك: إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مائدة، ثم بعد رسولًا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله: هو الملكُ، والدارُ: الإسلامُ، والبيتُ: الجنةُ، وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل مما فيها\".\n_________\n٨٨١ - البخاري (١٣/ ٢٤٩) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة-٢ - باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ.\n(١) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول (٩/ ٤٠١).\n(٢) الترمذي (٥/ ١٤٥) ٤٥ - كتاب الأمثال-١ - باب ما جاء في مثل الله لعباده، وله شاهد بسند جيد عند الطبراني.","vol":"3","page":1108},{"text":"٨٨٢ - * روى الترمذي عن أبي عثمان النهدي أن رسول الله ﷺ خرج إلى البطحاء، ومعهُ ابن مسعود فأقعده وخط عليه خطًا، ثم قال: \"لا تبرحن فإنه سينتهي إليك رجال، فلا تُكلمهُم فإنهم لن يكلموك\" فمضى رسول الله ﷺ حيث أراد، ثم جعلوا ينتهون إليَّ الخط لا يجاوزونه ثم يصدرون إلى النبي ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل جاء إلي فتوسد فخذي، وكان إذا نام نفخ في النوم نفخًا. فبينا رسول الله ﷺ متوسد فخذي راقدًا إذ أتاني رجال كأنهم الجمال عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال، حتى قعد طائفة منهم عند رأسه وطائفة منهم عند رجليه، فقالوا بينهم: ما رأينا عبدًا أوتي مثل ما أوتي هذا النبي ﷺ عيناه لتنامان وإن قلبه ليقظان. اضربوا له مثلًا. سيد بنى قصرًا ثم جعل مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه ثم ارتفعوا واستيقظ رسول الله ﷺ عند ذلك فقال: \"أتدري من هؤلاء\" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"الملائكةُ. قال: وهل تدري ما المثل الذي ضربوه؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"الرحمنُ بنى الجنة فدعا إليها عباده فمن أجابه دخل جنته، ومن لم يُجِبْ عاقبه وعذبه\".\n٨٨٣ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: خِيارُ ولدِ آدم خمسة: نوح، وإبراهيم، وعيسى، وموسى، ومحمد ﷺ، وخيرهم محمد ﷺ وصلى الله عليهم أجمعين وسلم.\n٨٨٤ - * روى الطبراني عن الحسين بن علي قال: أحبُّونا بحب الإسلام، فإن رسول الله ﷺ قال: لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله تعالى اتخذني عبدًا قبل أن يتخذني رسولًا\".\n٨٨٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n٨٨٢ - الترمذي (٥/ ١٤٥) ٤٥ - كتاب الأمثال-١ - باب ما جاء في مثل الله بعباده. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.\nوالدارمي واللفظ له (١/ ٧)، في المقدمة، باب صفة النبي ﷺ في الكتب قبل مبعثه.\n٨٨٣ - كشف الأستاذ (٣/ ١١٤).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٤): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\n٨٨٤ - المعجم الكبير (٣/ ١٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢١): رواه الطبراني، وإسناده حسن.\n٨٨٥ - مسلم (٤/ ٢١٦٧) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم -١٦ - باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة =","vol":"3","page":1109},{"text":"\"ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكل به قرينهُ من الجن وقرينه من الملائكة\" قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: \"وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلمن فلا يأمرني إلا بخير\".\n٨٨٦ - * روى أحمد عن عروة بن الزبير قال: حدثني جار لخديجة بنت خُويلد أنه سمع النبي ﷺ وهو يقول لخديجة: \"أيُّ خديجةُ والله لا أعبد اللات والعُزى والله لا أعبد أبدًا\" قال: فتقول خديجة خل اللات خل العزى قال - يعني الراوي - كانت صنمهم التي كانوا يعبدون ثم يضجعون.\n٨٨٧ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﵌ يُحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) فأخرج النبي ﵌ رأسه من القبة فقال لهم: \"أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله\".\n٨٨٨ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما بُعِثْتُ رحمة مُهداة\".\n_________\n= الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا.\nالقرين: الصاحب، وكل إنسان فإن معه قرينًا من الملائكة، وقرينًا من الشياطين، فقرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه، وفقنا الله لاتباع قرين الخير ومخالفة قرين الشر.\nقال النووي في شرحه على مسلم:\n(فأسلم) برفع الميم وفتحها. وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه أسلم أنا من شره وفتنته. ومن فتح قال إن القرين أسلم، من الإسلامن وصار مؤمنًا لا يأمرني إلا بخير.\nواختلفوا في الأرجح منهما. فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع، ورجح القاضي عياض الفتح، وهو المختار، لقوله ﷺ: فلا يأمرني إلا بخير.\nواختلفوا على رواية الفتح. قيل: أسلم بمعنى استسلم وانقاد. وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم: فاستسلم، وقيل: معناه صار مسلمًا مؤمنًا، وهذا هو الظاهر.\nقال القاضي: واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه. وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا بأنه معنا، لنحترز منه بحسب الإمكان.\n٨٨٦ - أحمد في مسنده (٤/ ٢٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٥): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n٨٨٧ - المستدرك (٢/ ٣١٣)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n(١) المائدة: ٦٧.\n٨٨٨ - كشف الأستار (٣/ ١١٤). =","vol":"3","page":1110},{"text":"٨٨٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: إن الله فضل محمدًا على أهل السماء وعلى أهل الأرض فقال رجل: يا أبا عباس وبما فضله على أهل السماء والأرض؟ قال إن الله ﷿ يقول لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقال الله ﷿ لمحمد ﷺ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٢) فقيل له: يا أبا عباس فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله ﷿ قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٣) وقال لمحمد ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤) فأرسله الله إلى الإنس والجن.\n٨٩٠ - * روى الطبراني عن معاوية عن النبي ﷺ قال: \"إنما أنا مُبلغ، والله يهدي\".\n٨٩١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٥) قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عهدي ورسولي، سميتُك المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخابٍ بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئةن لكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا:\n_________\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٧): رواه البزار والطبراني في الصغير والأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح.\n٨٨٩ - أورده الهيثمي في مجع الزوائد (٨/ ٢٥٤) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير الحكم بن أبان، وهو ثقة، ورواه أبو يعلي باختصار كثير.\n(١) الأنبياء: ٢٩.\n(٢) الفتح: ١، ٢.\n(٣) إبراهيم: ٤.\n(٤) سبأ: ٢٨.\n٨٩٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٣)، وقال: رواه الطبراني بإسنادين، أحدهما حسن.\n٨٩١ - البخاري (٨/ ٥٨٥) ٦٥ - كتاب التفسير-٣ - باب \"إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا\".\nالملة العوجاء: الملة غير المستقيمة، وفي ذلك إشارة إلى ما غيرته الآباء من ملة إبراهيم وإسماعيل ﵉.\n(٥) الأحزاب: ٤٥.","vol":"3","page":1111},{"text":"لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا.\n٨٩٢ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعطيتُ خمسًا لم يعطهُن أحدٌ قبلي: كان كل نبي يُبعثُ إلى قومه خاصةً، وبُعثتُ إلى كل أحمر وأسود، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، ولم تَحِلُّ لأحدٍ قبلي، وجُعلت لي الأرض طيبة وطهورًا ومسجدًا، فأيما رجلٍ أدركتهُ الصلاة صلى حيث كان، ونُصرتُ بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأُعطيتُ الشفاعة\".\nوفي رواية (١): \"أعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرُّعْبِ مسيرةَ شهر، وجُعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليُصل، وأُحلت لي المغانم، ولم تحل لأحدٍ قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة\".\n٨٩٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"جُعِلَ رزقي تحت ظل رُمحي، وجُعل الذلةُ والصَّغَارُ على من خالف أمري\".\n٨٩٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"بُعثتُ بجوامع الكلم، ونُصرت بالرعبِ، وبينا أنا نائم رأيتني أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي، قال أبو هريرة: وقد ذهب رسول الله ﷺ وأنتم\n_________\n٨٩٢ - البخاري (١/ ٤٣٦) ٧ - كتاب التيمم- ١ - باب حدثنا عبد الله بن يوسف.\nومسلم واللفظ له (١/ ٣٧٠) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث (٣).\nأحمر وأسود: أراد بالأسود والأحمر: جميع العالم، فالأسود: معروف، وهم الحُبوش والزنوج وغيرهم، والأحمر: هو الأبيض، والعرب تسمى الأبيض أحمر.\nالطهور: بفتح الطاء: ما يُتطهرُ به من الماء والتراب.\n(١) البخاري في الموضع السابق.\n٨٩٣ - البخاري تعليقًا (٦/ ٩٨) ٥٦ - كتاب الجهاد-٨٨ - باب ما قيل في الرماح.\nالصغار: الذُل والمران.\n٨٩٤ - البخاري (٦/ ١٢٨) ٥٦ - كتاب الجهاد -١٢٣ - باب قول النبي ﷺ: \"نصرتُ بالرعب مسيرة شهر\".\nوالبخاري أيضًا (١٢/ ٤٠١) ٩١ - كتاب التعبير - ٢٣ - باب المفاتيح في اليد.\nومسلم (١/ ٣٧١) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث (٦).","vol":"3","page":1112},{"text":"تنتثِلونها. قال البخ البخاري (٦/ ١٢٨) ٥٦ - تاباري: وبلغني أن جوامع الكلم: أن الله ﷿ يجمعُ له الأمور الكثيرة التي كانت تُكتبُ في الكتب قبلهُ في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك.\nوللبخاري قال (١): قال رسول الله ﷺ: أُعطيتُ مفاتيح الكلم، ونُصرتُ بالرعْبِ، وبينا أنا نائم البارحة، إذ أوتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض، حتى وُضعت في يدي، قال أبو هريرة: فهذب رسول الله ﷺ وأنتم تنتقلونها.\nوفي رواية (٢) - تلغثونها، أو ترغثونها، أو كلمة تشبهها - وفي نسخةٍ: تلعبون بها.\nولمسلم (٣): أن رسول الله ﷺ قال: \"فُضلتُ على الأنبياء بست: أُعطيتُ جوامع الكلم، ونُصرتُ بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجُعلتْ لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا، وأرسلتُ إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون\".\nوله في أخرى قال (٤): \"نُصرتُ بالرعب، وأوتيتُ جوامع الكلم\".\nوله في أخرى قال (٥): \"نُصرتُ بالرعب على العدو، وأوتيتُ جوامع الكلم،\n_________\nجوامع الكلم: أراد به القرآن، جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة، وكذلك ألفاظه ﷺ كانت قليلة الألفاظ. كثيرة المعاني.\nنُصرتُ بالرعب: الرعبُ: الفزع والخوف، وذلك: أن أعداء النبي ﷺ كان قد أوقع الله في قلوبهم الرعب، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوه وفزعوا منه، فلا يقدمون على لقائه.\nوقوله مفاتيح خزائن الأرض: أراد به ما سهل الله تعالى له ولأمته من استخراج الممتنعات، وافتتاح البلاد المتعذرات، ومن كان في يده مفاتيح شيء سهل الله عليه الوصول إليه.\nتنتثلونها: الانتثال: نثر الشيء، يقال: نثلت كنانتي: إذا استخرجت ما فيها جميعه ونثرته، والمراد: أنكم تأخذونها جميعًا.\n(١) البخاري (١٢/ ٣٩٠) ٩١ - كتاب التعبير -١١ - باب رؤيا الليل.\nومفاتيح الكلم: المفاتيح: كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها، فأخبر ﵇ أنه أوتي مفاتيح الكلم، وهو ما سهل الله عليه من الوصول إلى غمض المعاني، وبدائع الحكم التي أُغلبت على غيره وتعذرت.\n(٢) البخاري (١٣/ ٢٤٧) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة-١ - باب قول النبي ﷺ: \"بُعثت بجوامع الكلم\".\nترغثونها: الرغث: الرضع، رغث الجدي أمه: أي رضعها، وأرغثت النعجة ولدها: أرضعته.\n(٣) مسلم (١/ ٣٧١) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة- حديث (٥).\n(٤) مسلم في الموضع السابق.\n(٥) مسلم في نفس الموضع السابق.","vol":"3","page":1113},{"text":"وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوُضِعَتْ في يدي\".\n٨٩٥ - * روى الطبراني عن معاوية بن حيدة القُشيري قال: أتيت النبي ﷺ فلما دفعتُ إليه قال: \"أما إني قد سألت الله أن يغنيني بالسُّنة تُحفيكم، وبالرعْبِ يجعله في قلوبكم\" فقال بيديه جميعًا: أما إني قد حلفت هكذا وهكذا أن لا أؤمن بك ولا أتَّبِعُك فما زالت السُّنة تُحفيني وما زال الرعب يُجعل في قلبي حتى قُمتْ بين يديك.\n٨٩٦ - * روى البزار عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"فُضلتُ على الأنبياء بست لم يُعطهن أحدٌ كان قبلي: غُفرَ لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأحِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأعطيتُ الكوثر، ونصرتُ بالرعب، والذي نفسي بيده، إن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحتهُ آدمُ فمن دونه\".\n٨٩٧ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"نا سيدُ ولدِ آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ - آدمُ فمن سواهُ - إلا تحت لوائي، وأنا أولُ من تنشقُّ عنه الأرضُ ولا فخر\".\nقوله: (سيد ولد آدم) قال ﷺ في هذا الحديث: \"أنا سيد ولد آدم\" وقال في ذكر يونس ﵇: \"لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متي\" وقال: \"لا تفضلوني على يونس\" ووجه الجمع بينهما: أن قوله: \"أنا سيد ولد آدم\" إنما هو إخبار عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدُد، وتحدث بنعمة الله عنده وإعلام لأمته بذلك، ليكون إيمانهم به على حسب ذلك، وأما قوله في يونس ﵇ (١)، فيحتمل أن يكون\n_________\n٨٩٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.\nيغنيني: ينصرني.\nالسنة: الجدب.\nتحفيكم: تستأصلكم.\nفقال بيديه: أشار. والقائل معاوية.\n٨٩٦ - كشف الأستار (٣/ ١٤٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٦٩): رواه البزار، وإسناده جيد.\n٨٩٧ - الترمذي (٥/ ٥٨٧) ٥٠ - كتاب المناقب -١ - باب في فضل النبي ﷺ. وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1114},{"text":"أراد بقوله: \"لا ينبغي لعبدٍ\" أو لأحد، غير نفسه، أو أن يكون عامًا فيه وفي غيره من الناس، فيكون هذا على سبيل الهضم وإظهار التواضع لربه، يقول: لا ينبغي لي أن أقول: أنا خير منه، لأن الفضيلة التي نِلْتُها كرامة من الله وخصوصية منه، لم أنلها من قِبَل نفسي، ولا بلغتُها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها، وإنما يجب عليَّ أن أشكر عليها ربي، وإنما خص يونس بالذكر لما قصه الله علينا من شأنه، وما كان من قلة صبره على أذى قومه، فخرج مغاضبًا، ولم يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.\n٨٩٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا سيدُ ولدِ آدم يوم القيامة، وأول من ينشقُّ عنه القبر، وأول شافع وأولُ مُشفعٍ\".\nوفي رواية للترمذي قال (١): \"أنا أولُ من تنشقُّ عنه الأرض فأكسَى الحُلة من حُلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش، فليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري\".\nقال النووي: قال العلماء: وقوله ﷺ \"أنا سيد ولد آدم\" لم يقله فخرًا بل صرح بنفي الفخر في غير مسلم في الحديث المشهور: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\" وإنما قاله لوجهين: أحدهما: امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢) والثاني أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه صلى الهل عليه وسلم بما تقتضي مرتبته كما أمرهم الله تعالى. وهذا الحديث دليل لتفضيله ﷺ على الخلق كلهم لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة. وهو ﷺ أفضل الآدميين وغيرهم. وأما الحديث الآخر: \"لاتفضلوا بين الأنبياء\" فجوابه من خمسة أوجه: أحدها: أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما علم أخبر به. والثاني: قاله أدبًا وتواضعًا. والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول. والرابع: إنما نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة\n_________\n٨٩٨ - مسلم (٤/ ١٧٨٢) ٤٣ - كتاب الفضائل-١ - باب فضل نسب النبي ﷺ.\n(١) الترمذي (٥/ ٥٨٥) ٥٠ - كتاب المناقب-١ - باب في فضل النبي ﷺ.\n(٢) الضحى: ١١.","vol":"3","page":1115},{"text":"والفتنة. كما هو المشهور في سبب الحديث، والخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى. ولابد من اعتقاد التفضيل فقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١) قوله ﷺ، وأول شافع وأول مشفع، إنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان فيشفع الثاني منهما قبل الأول والله أعلم. أهـ.\n٨٩٩ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: أنا أول الناس خروجًا إذا بُعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدُوا، وأنا مُبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرمُ ولد آدم على ربي، ولا فخر\".\n٩٠٠ - * روى أحمد عن عبد الله يعني ابن مسعود قال: أوتي نبيكم ﷺ كل شيءٍ إلا مفاتيح الغيب الخمس ﴿اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢).\n٩٠١ - *روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: هل ترون قِبْلتي هاهنا؟ فوالله ما يخفي علي خشوعكم ولا ركوعكم وإني لأراكم من وراء ظهري\".\n_________\n(١) البقرة: ٢٥٣.\n٨٩٩ - الترمذي (٥/ ٥٨٥) ٥٠ - كتاب المناقب -١ - باب فضل النبي ﷺ، وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو كما قال.\n٩٠٠ - أحمد في مسنده (١/ ٤٤٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٦٣): رواه أحمد وأبو يعلي، ورجالهما رجال الصحيح.\n(٢) لقمان: ٣٤.\n٩٠١ - البخاري (٩/ ٥١٤) ٨ - كتاب الصلاة-٤٠ - باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، وذكر القبلة.\nومسلم (٩/ ٣١٩) ٤ - كتاب الصلاة-٣٤ - باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها.\nقال النووي في شرحه على مسلم:\nوقال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له ﷺ إدراكًا في قفاه يصبر به من ورائه، وقد انخرقت له العبادة بأكثر من هذا- وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به. قال أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤيا رؤية بالعين حقيقة، وفيه الأمر بإحسان الصلاة والخشوع، وإتمام الركوع والسجود، وجواز الحلف بالله تعالى من غير ضرر، ولكن المستحب تركه إلا لحاجة كتأكيد أمر وتفخيمه والمبالغة في تحقيقه =","vol":"3","page":1116},{"text":"٩٠٢ - * روى أحمد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أوتيتُ بمقاليد الدنيا على فرس أبلق عليه قطيفة من سُنْدُس\".\n٩٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر ﵁، أن النبي ﷺ خرج يومًا، فصلى على أهل أُحدٍ صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال \"إني فرطٌ لكم، وأنا شهيدٌ عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخافُ عليكم أن تنافسُوا فيها\".\nوفي رواية قال (١): صلى رسول الله ﷺ على قتلى أُحُدٍ بعد ثمان سين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع على المنبر، فقال: \"إني بين أيديكم فرطٌ وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لستُ أخشى عليكم أن تُشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها، قال: فكانت آخر نظرة نظرتُها إلى رسول الله ﷺ.\nوفي أخرى (٢): \"إني فرطُكم على الحوض\" وإن عرضهُ كما بين آيلة إلى الجحفة - وفيها- ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا فتهلكُوا، كما هلك من كان قبلكم\".\n_________\n= وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يحمل ما جاء من الأحاديث من الحلف.\nوقوله ﷺ: \"إني لأراكم من بعدي\" أي من ورائي كما في الروايات الباقية، قال القاضي عياض: وحمله بعضهم على بعد الوفاة وهو بعيد عن سياق الحديث، شرح مسلم للنووي.\n٩٠٢ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٢٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\nفرس أبلق: فيه سواد وبياض.\n٩٠٣ - البخاري (٣/ ٣٠٩) ٢٣ - كتاب الجنائز -٧٢ - باب الصلاة على الشهيد.\nومسلم (٤/ ١٧٩٥) ٤٣ - كتاب الفضائل -٩٠ باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\nفرط: الفرط: المتقدم على القوم في السير، السابق إلى الماء، والمراد إني لكم سابق متقدم بين أيديكم، فإذا قدتم علي تروني وتجدونني لكم منتظرًا.\nتنافسوا: المنافسة: المغالبة على تحصيل الشيء والانفراد به.\n(١) البخاري (٧/ ٣٤٨) ٦٤ - كتاب المغازي -١٧ - باب غزوة أحد.\n(٢) مسلم في الموضع السابق.","vol":"3","page":1117},{"text":"قال عقبة: فكانت آخر ما رأيتُ رسول الله ﷺ على المنبر.\n٩٠٤ - * روى البخاري عن عمران بن حصي نرضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه سلم قال: \"يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة، يُسمون الجهنميين\".\n٩٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: قال: قال رسول الله ﷺ: \"يُجمعُ الله الناس يوم القيامة فيهتمّون لذلك (وقال ابن عبيدٍ: فيُلْهَمُون لذلك) فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا! قال فيأتون آدم ﷺ فيقولون: أنت آدمُ أبوا لخلق. خلقك الله بيده ونفخ فيك من رُوحه. وأمر الملائكة فسجدوا لك. اشفع لنا عند ربك حتى يُريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لستُ هناكُمْ. فيذكر خطيئته التي أصاب. فيستحيي ربه منها. ولكن ائتوا نوحًا. أول رسول بعثه الله. قال فيأتون نوحًا ﷺ. فيقولُ: لست هناكم. فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها. ولكن ائتوا إبراهيم ﷺ الذي اتخذه الله خليلًا. فيأتون إبراهيم ﷺ فيقول: لستُ هناكم. ويذكر خطئيته التي أصاب فيستحيي ربهُ منها، ولكن ائتوا موسى ﷺ، الذي كلمهُ الله وأعطاهُ التوراة. قال فيأتون موسى ﵇. فيقول: لست هناكم. ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها. ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته. فيأتون عيسى روح الله وكلمته. فيقول: لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ، عبدًا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: قال رسول الله ﷺ: \"فيأتوني. فأستأذن على ربي فيؤذنُ لي. فإذا أنا رأيتهُ وقعتُ ساجدًا. فيدعُنِي ما شاء الله. فيُقالُ: يامحمد! ارفع رأسك. قل تُسمعْ. سل تعطه. اشفع تُشفع. فأرفع رأسي. فأحمدُ ربي بتحميدٍ يُعلمنيه ربي. ثم أشفعُ. فيحدُّ لي حدًا فأخرجه من النار، وأُدخلهم الجنة. ثم أعُودُ\n_________\n٩٠٤ - البخاري (١١/ ٤١٨) ٨١ - كتاب الرقاق - ٥١ - باب صفة الجنة والنار.\n٩٠٥ - البخاري (١١/ ٤١٧) ٨١ - كتاب الرقاق -٥١ - باب صفة الجنة والنار.\nومسلم واللفظ له (١/ ١٨٠) ١ - كتاب الإيمان - ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.\nلست هناكم: لست أنا الذي يقوم هذا المقام.","vol":"3","page":1118},{"text":"فأقع ساجدًا. فيدعُني ما شاء الله أن يدعني ثم يُقال: ارفعْ رأسك يا محمدُ! قلْ تُسمعْ. سل تعطه. اشفعْ تُشفعْ. فأرفع رأسي. فأحمدُ ربي بتحميد يُعلمنيه. ثم أُشفعُ فيحُدُّ لي حدًا فأخرجه من النار، وأدخلهُمُ الجنة. (قال فلا أدري في الثالثة أو الرابعة قال) فأقول: يا رب! ما بقي في النار إلا من حبسهُ القرآن أي وجب عليه الخلودُ\" (قال ابن عبيدٍ في روايته: قال قتادة: أي وجب عليه الخلود).\nوفي رواية (١) عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ قال: \"يخرجُ من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزنُ شعيرةً. ث يخرجُ من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرة. ثم يخرجُ من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة\".\nزاد ابنُ منهالٍ في روايته: قال يزيدُ: فلقيتُ شعبة فحدثتهُ بالحديث. فقال شعبة: حدثنا به قتادة عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ بالحديث إلا أن شعبة جعل، مكان الذرة، ذُرةً. قال يزيد: صحف فيها أبو بسطامٍ.\n٩٠٦ - * روى الترمذي عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\".\n٩٠٧ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها؛ فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناسٌ أصابتهُم النارُ بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا أُذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبُثوا على أنهار الجنةِ، ثم قيل:\n_________\n(١) مسلم (١/ ١٨٢) ١ - كتاب الإيمان -٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.\n٩٠٦ - الترمذي (٤/ ٦٢٥) ٣٨ - كتاب صفة القيامة -١١ - باب منه.\nوقال: هذا حديث حسن.\nوأبو داود عن أنس (٤/ ٢٣٦) كتاب السنة - باب في الشفاعة، وأحمد في مسنده عن أنس (٣/ ٢١٣).\n٩٠٧ - مسلم (١/ ١٧٢) ١ - كتاب الإيمان-٨٢ - باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار.\nضبائر: جماعات متفرقة.","vol":"3","page":1119},{"text":"يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبِّةِ تكون في حميل السيل\" قال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية.\n٩٠٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل نبي دعوة مستجابة. فتعجل كل نبي دعوتَهُ. وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة، إن شاء الله، من مات من أمتي لا يُشرك بالله شيئًا\".\n٩٠٩ - * روى أحمد وابن حبان عن كعب بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"يُبعثُ الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تلٍّ، ويكسوني ربي ﵎ حُلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذاك المقامُ المحمود\".\n٩١٠ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أا أول الناس خروجًا إذا بُعثوا، وأنا خطيبهُم إذا وفدُوا، وأنا مبشرهم إذا أيسُوا، لواء الحمد يومئذٍ بيدي، وأنا أكرم ولدِ آدم على ربي ولا فخر\".\n٩١١ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: خرج علينا النبي ﷺ يومًا فقال: \"عُرضت عليَّ الأممُ، فجعل يمرُّ النبي معه الرجلُ والنبيُّ معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد. ورأيتُ سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فرجوتُ أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومهُ، ثم قيل لي: انظر، فرأيتُ سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا\n_________\nحمِيل: م حمله السيل من الغثاء والطين.\n٩٠٨ - مسلم (١/ ١٨٩) ١ - كتاب الإيمان-٨٦ - باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته.\n٩٠٩ - أحمد في مسنده (٢/ ٤٥٦).\nوابن حبان: موارد الظمآن (٦٣٩) ٤١ - كتاب البعث - ٦ - باب في بعث النبي ﷺ وأمته.\nوالمستدرك (٣/ ٣٦٣)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n٩١٠ - الترمذي (٥/ ٥٨٥) ٥٠ - كتاب المناقب -١ - باب في فضل النبي ﷺ وقال: هذا حديث حسن غريب.\n٩١١ - البخاري (١٠/ ٣١١) ٧٦ - كتاب الطب - ٤٢ - باب من لم يرق.\nومسلم (١/ ١٩٩) ١ - كتاب الإيمان -٩٤ - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب.","vol":"3","page":1120},{"text":"كثيرًا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمُتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير الترمذي حساب\". فتفرق الناس ولم يبين لهم.\n٩١٢ - * روى أحمد عن العرباض بن سارية: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنْجدل في طينته، وسأخبركم بأول ذلك: دعوة إبراهيم وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام.\nفدعوة إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (١) وبشارة عيسى ﵇ ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢) ﵌.\nوروى الترمذي (٣) عن المطلب بن أبي وداعة ﵁ قال: قال ﷺ: \" ..... أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقةن ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا فجعلهم في خيرهم بيتًا، وخيرهم نفسًا\".\n٩١٣ - * روى مسلم عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشمن واصطفاني من بني هاشم\".\n٩١٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بُعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا. حتى كنتُ من القرن الذي كنت منه\".\n_________\n٩١٢ - أحمد في مسنده (٤/ ١٢٧).\nوابن حبان: موارد الظمآن (٥١٣) والمستدرك (٣/ ٦٠٠) وقال: صحيح الإسناد.\n(١) البقرة: ١٢٩.\n(٢) الصف: ٦.\n(٣) الترمذي (٥/ ٥٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب-١ - باب في فضل النبي ﷺ، وقال: هذا حديث حسن.\n٩١٣ - مسلم (٤/ ١٧٨٢) ٤٣ - كتاب الفصائل-١ - باب فضل نسب النبي ﷺ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.\n٩١٤ - البخاري (٦/ ٥٦٦) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.","vol":"3","page":1121},{"text":"٩١٥ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إن اله ﷿ إذا أراد رحمة أمةٍ من عباده، قبض نبيها قبلها، فجعلهُ لها فرطًا، وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمةٍ عذبها، ونبيها حيٌّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره\".\nبل جعل حياته ﷺ كلها خيرًا ورحمة لأمته، وقد جعلنا هذا الحديث في باب الخصائص لأنه خص بأنه كان رحمة لأمته.\nكما في حديث ابن مسعود ﵁ قال (١): قال رسول الله ﷺ: \"حياتي خير لكم، تحدثُون ويحدثُ لكم. ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرضُ عليَّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدتُ الله عليه، وما رأيتُ من شر استغفرت الله لكم\".\n٩١٦ - * روى البزار والحاكم عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ: \"يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة\".\n٩١٧ - * روى مسلم عن معاوية ﵁، أن النبي ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: \"ما أجلسكُم؟ \" قالوا: جلسنا نذكرُ الله ونحمدُه على ما هدانا لدينه ومن علينا بك ... \" الحديث، وفي آخره \"إن الله ﷿ يباهي بكم الملائكة\".\nإنما جعلنا هذا الحديث في باب الخصائص للإشعار بما أكرم الله به من اتبع نبيه.\n٩١٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد\n_________\n٩١٥ - مسلم (٤/ ١٧٩٢) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٨ - إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها.\n(١) البزار: كشف الأستار (١/ ٣٩٧) كتاب الجنائز- باب ما يحصل لأمته منه في حياته وبعد وفاته.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\n٩١٦ - البزار: كشف الأستار (٣/ ١١٤) كتاب علامات النبوة- باب بعثته ﷺ.\nوالمستدرك (١/ ٣٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما، وأقره الذهبي.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٧): رواه البزار والطبراني في الصغير والأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح.\n٩١٧ - مسلم (٤/ ٢٠٧٥) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار-١١ - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.\n٩١٨ - مسلم (١/! ٥٧) ١ - كتاب الإيمان -٧٥ - باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال.","vol":"3","page":1122},{"text":"رأيتُني في الحِجْر، وقريش تسألني عن مسراي ... \" الحديث. وفيه \"وقد رأيتُني في جماعة من الأنبياء ... فحانت الصلاة فأممتُهم، فلما فرغت من الصلاة، قال قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه، فالتفت إليه. فبدأني بالسلام\".\n٩١٩ - * روى النسائي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أُتيتُ بدابة فوق الحمار ودون بغلٍ ... \" الحديث وفيه: \"ثم دخلت بيت المقدس، فجُمِعَ لي الأنبياءُ ﵈ فقدمني جبريل حتى أممتُهم ... \".\n٩٢٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل نبي دعوةٌ مستجابةٌ، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة\".\nوقال ﷺ - كما في حديث أبي موسى ﵁- (١) \" .... النجومُ أمنةً للسماء، فإذ ذهبت النجومُ أتى السماء ما تُوعد، وأنا أمنةً لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةً لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون\".\nوقال ﷺ- كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي اله عنهما - في صلاة الكسوف (٢): \" ... ألم تعدني أن لا تُعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟ \".\n٩٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن ناسًا قالوا\n_________\n٩١٩ - النسائي (١/ ٢٢١) كتاب الصلاة - باب فرض الصلاة.\n٩٢٠ - البخاري (١٣/ ٤٤٧) ١٧ - كتاب التوحيد - ٣١ - باب في المشيئة والإرادة.\nومسلم واللفظ له (١/ ١٨٩) ١ - كتاب الإيمان -٨٦ - باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته.\n(١) مسلم (٤/ ١٩٦١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥١ - باب بيان أن بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة.\n(٢) أبو داود (١/ ٣١٠) كتاب الصلاة - باب من قال يركع ركعتين.\n٩٢١ - البخاري (١٣/ ٤١٩) ١٧ - كتاب التوحيد -٢٤ - باب قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة).","vol":"3","page":1123},{"text":"لرسول الله ﷺ: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ .. الحديث وفيه \"ويُضربُ الصراطُ بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزُ ... \".\nولفظ البخاري: \"فأكون أول من يجيز من الرسل بأمته\".\n٩٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"ما مِنَ الأنبياء من نبي إلا قد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا، أوحى الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\".\n٩٢٣ - * روى أحمد عن حُذيفة ﵁ قال: غاب عنا رسول الله ﷺ يومًا، فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة فظننا أن نفسهُ قد قُبضت منها، فلما رفع رأسه قال: \"إن ربي ﵎ استشارني في أمتي ماذا أفعلُ بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب، هم خلقُك وعبادُك، فاستشارني الثانية، فقلت له كذلك. فقال: لا أحزنك - وفي مجمع الزوائد-: لا نخزيك - في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا. مع كل ألف سبعون ألفًا ليس عليهم حساب، ثم أرسل إليَّ فقال: ادعُ تُجبْ وسلْ تُعطَ، فقلت لرسوله: أو معطيٍّ ربي سؤلي؟ فقال: ما أرسلني إليك إلا ليُعطيك، ولقد أعطاني ربي ﷿ ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر وأنا أمشي حيًا صحيحًا، وأعطاني أن لا تجوع أمتي، ولا تُغلبَ، وأعطاني الكوثر فهو نهرٌ من الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر، والرعبُ يسعى بين يدي أمتي شهرًا. وأعطاني أني أول الأنبياء أدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة (١)،\n_________\n= ومسلم واللفظ له (١/ ١٦٤) ١ - كتاب الإيمان- ٨١ - باب معرفة طريق الرؤية.\n٩٢٢ - البخاري (١٣/ ٣٤٧) ٩٩ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة-١ - باب قول النبي ﷺ: \"بُعثت بجوامع الكلم\".\nومسلم واللفظ له (١/ ١٣٤) ١ - كتاب الإيمان -٧٠ - باب وجوب الإيمان برسالة نبينا ﷺ .....\n٩٢٣ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٩٢) بسند حسن.\nمجمع الزوائد (٣/ ٢٨٧) وقال: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام.","vol":"3","page":1124},{"text":"وأحل لنا كثيرًا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا من حَرَج\".\n٩٢٤ - * روى البخاري وملم عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بطعامٍ سأل عنه: \"أهديةً أم صدقة؟ \" فإن قيل: صدقة، قال لأًحابه: \"كُلوا\" ولم يأكل، وإن قيل: هديةً، ضرب بيده ﷺ فأكل معهم.\n٩٢٥ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا أُتي بباكورة الثمرة وضعها على عينيه ثم عل شفتيه، ........ ثم يعطيه من يكونُ عندهُ من الصبيان.\n٩٢٦ - * روى أحمد عن أبي واقد أن النبي ﷺ: كان أخف الناس صلاة على الناس، وأطول الناس صلاة لنفسه ﷺ.\n٩٢٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن بُسرٍ: كان النبي ﷺ إذا أتى باب قومٍ لم يستقببل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من رُكنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: \"السلام عليكم، السلام عليكم.\n٩٢٨ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان أحبُّ الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلوُ البارد.\n٩٢٩ - *روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان أبغض الخلق إليه الكذبُ.\n_________\n٩٢٤ - البخاري (٥/ ٢٠٣) ٥١ - كتاب الهبة- ٧ - باب قبول الهدية.\nومسلم (٢/ ٧٥٦) ١٣ - كتاب الزكاة - ٥٣ - باب قبول النبي ﷺ للهدية ورده الصدقة.\n٩٢٥ - المعجم الكبير (١١/ ١١٦)، ومجمع الزوائد (٥/ ٣٩).\n٩٢٦ - أحمد في مسنده (٥/ ٢١٨) وهو صحيح. مجمع الزوائد (٣/ ٧٠).\n٩٢٧ - أبو داود واللفظ له (٤/ ٣٤٨) كتاب الأدب - باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، وهو صحيح.\n٩٢٨ - الترمذي (٤/ ٣٠٧) ٢٧ - كتاب الأشربة -٢١ - باب ما جاء أي الشراب كان أحب إلى رسول الله ﷺ.\nأحمد في مسنده (٦/ ٣٨، ٤٠) وهو صحيحز\n٩٢٩ - مجمع الزوائد (١/ ١٤٢).\nوقال رواه البزار وأحمد بنحوه.","vol":"3","page":1125},{"text":"٩٣٠ - * روى أبو داود عن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: \"بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا\".\n٩٣١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا بلغهُ عن الرجل شيء لم يقل: ما بال فلانٍ يقول؟ ولكن يقول: \"ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا\".\n٩٣٢ - * روى سلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان النبي ﷺ: إذا أُنزل عليه الوحي كرُب لذلك وتربَّد وجهه.\n٩٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن كعب بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر.\n٩٣٤ - * روى ابن عساكر عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان أرحم الناس بالصبيان والعيال.\n٩٣٥ - * روى البخاري عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان لا يردُّ الطيب.\n٩٣٦ - * روى الترمذي عن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا أعتم سدل عمامته بين كتفيه.\n٩٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن المغيرة ﵁ قال: إن كان النبي ﷺ ليقوم -\n_________\n٩٣٠ - أبو داود (٤/ ٢٦٠) كتاب الأدب-باب في كراهية المراء. وهو صحيح.\n٩٣١ - أبو داود (٤/ ٢٥٠) كتابالأدب - باب في حسن العشرة. وهو صحيح.\n٩٣٢ - مسلم (٤/ ١٨١٧) ٤٣ - كتاب الفضائل - ٢٣ - باب عرق النبي ﷺ في البرد.\n٩٣٣ - البخاري (٦/ ٥٦٥) ٦١ - كتاب المناق ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ٣١٣٧) ٤٩ - كتاب التوبة ٩ - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.\n٩٣٤ - ابن عساكر، وهو صحيح.\n٩٣٥ - البخاري (٥/ ٣٠٩) ٥١ - كتاب الهبة -٩ - باب ما لا يرد من الهدية.\n٩٣٦ - الترمذي (٤/ ٢٢٥) ٢٥ - كتاب اللباس -١٢ - باب في سدل العمامة بين الكتفين وقال: حسن غريب.\n٩٣٧ - البخاري (٣/ ١٤) ١٩ - كتاب التهجد -٦ - باب قيام النبي ﷺ الليل.","vol":"3","page":1126},{"text":"أو ليصلي - حتى تَرم قدماه - أو ساقاه - فيقال له، فقول: \"أفلا أكون عبدًا شكورا؟ \".\n٩٣٨ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ كان يجلسُ على الأرض، ويأكلُ على الأرضِ؛ ويعتق الشاة؛ ويُجيب دعوة المملوك على خُبز الشعير.\n_________\n= ومسلم (٤/ ٢١٧٣) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين -١٨ - باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.\n٩٣٨ - المعجم الكبير (١٢/ ٦٧)\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠): رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"3","page":1127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>الباب الخامس\nفي\nمعجزات الرسول ﷺ</span>","vol":"3","page":1129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>بين يدي هذا الباب</span>\nرتب الله ﷿ على بعثة الرسل أشياء كثيرة من وجوب الإيمان بهم ووجوب طاعتهم ونصرتهم كما رتب على ذلك النجاة في الدنيا والأخرى، ولأهمية هذه المعاني جعل الله ﷿ مع الرسل من الآيات ما تقوم به الحجة على الخلق وذلك من كمال فضله ورحمته ﷻ.\nإن كمالات الرسل عليهم الصلاة والسلام كافية للإيمان بهم، ومع ذلك فقد أعطاهم ربهم معجزات تقطع حجج الخصوم وتستدعي الإيمان من عشاق الحق وأهل الإنصاف وخاصة الناس وعامتهم. ولم يعط رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام ما أعطيه رسولنا من مستدعيات الإيمان؛ لأنه بُعث لكل الناس وإلى آخر الناس، ولذلك كانت أعلام نبوته لا تتناهى، ودلائل بعثته لا تُحصى، وكم من إنسان استدعى الإيمان منه معنى لطيفًا أو صفة أو خارقة أو نبوءة أو لفتة غير متوقعة، ولذلك فقد كتب في دلائل نبوته وأعلام رسالته الكثير ولا زال، ولايطمع أحد في استقصائها؛ لأن كل يوم جديد يأتي بجديد.\n* * *\nوقد ذكر صاحب الرسالة المستطرفة تسعة وعشرين كتابًا مؤلفة في الدلائل وأعلام النبوة. وأشهرها كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الحافظ، ولأبي بكر البيهقي، وكتاب أعلام النبوة لأبي داود السجستاني، ودلائل الإعجاز لأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرايني، وكتب السيرة للزهري، والواقدي، ومنها الروض الأنفُ للسهلي.\nوقد حاول الشيخ يوسف النبهاني في كتابه (حجة الله على العالمين) أن يجمع الكثير وقد ألفح. ولكن هذا الكثير نفسه قليل بالنسبة لما كتب ويمكن أن يكتب، فصفاته الجسمية ﷺ وأخلاقه الشخصية وسيرة حياته قبل البعثة وبعدها، وهديه في كل صغيرة وكبيرة، والقرآن الذي أنزل عليه، والسنة التي كملت وأكملت، ومعجزات كثيرة في كل، ونبوءات كثيرة في كل، وإعجاز القرآن وحده، وما في هذا الإعجاز من ملامح، فكل دليل على الإعجاز معجزة، وانطباق البشارات التي بشر بها رسل سابقون عليه، كل ذلك من أعلام نبوته ودلائل بعثته وكم من معجزة تأتي في سياق غزوة، وكم من معجزة تأتي","vol":"3","page":1131},{"text":"في سياق توجيه، وكم من نبوءة تأتي في معرض إنذار.\nكل ذلك نقوله للإشعار بأن ما سنذكره في هذا الباب بعض من كل، هو البعض الأكثر لصوقًا بمضمون هذا الباب.\n* * *\nوبمناسبة الكلام عن المعجزات والنبوءات ودلائل النبوة وأعلام الرسالة، أقول:\nإن هناك دلائل وأعلامًا تظهر بالمقارنة، وهناك دلائل تظهر من خلال دراسة البيئة، وهناك دلائل تظهر من خلال خروجها عن مبدأ الاحتمالات، فلو أنك درست معاني الكتاب والسنة فإنك تعرف استحالة انبثاقها عن البيئة العربية، ولو أنك درست تصرفات رسول الله ﷺ لوجدتها بالنسبة لعصرها خارقة حتى ولو كانت لا تخرج عن عالم الأسباب، نقول هذا كذلك للإشعار بأن ما سنذكره في هذا الباب لن ندخل فيه إلا ما كان من الخارقة للعادة مطلقًا، أو من باب النبوءة الواضحة في الإخبار عن مستقبل وبمثل هذا تقوم الحجة على كل إنسان.\n* * *\nسنرى أن كثيرًا من المعجزات والنبوءات سترد في سياقات أخرى من هذا القسم، أو من هذا الكتاب وقد مر معنا الكثير من المعجزات فيما مضى، والمعروف أن المعجزات الرئيسية الكبرى لرسولنا ﵊ هي القرآن، فهو معجزة مشتملة على معجزات كثيرة، وقد ذكرنا ذلك في الباب الثاني عند ظاهرة الوحي، ومن أكبر المعجزات معجزة انشقاق القمر، ومعجزة الإسراء والمعراج، وقد مرّتا معنا من قبل، وقد ذكرنا في الباب الأول أنواعًا من الخارقات، وذكرنا كذلك أنواعًا من المعجزات بمناسبة من المناسبات فيما مضى. وههنا سنذكر أمهات من المعجزات سواء كانت خارقات أو نبوءات، وواحدة من ذلك كله كافية للدلالة على رسالته ﵊ فكيف إذا اجتمع هذا كله مع الخصائص ومع البشارات ومع الثمرات والتمكين؟!\n* * *","vol":"3","page":1132},{"text":"٩٣٩ - * روى البخاري عن الجعد، قال: مر بنا أنس في مسجد بني رِفاعة، فسمعته يقول: كان النبي ﷺ إذا مر بجنبات أم سُليم دخل عليها فسلم عليها، ثم قال: كان النبي ﷺ عروسًا بزينب، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا لرسول الله ﷺ هدية؟ فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمرٍ وسمنٍ وأقطٍ، فاتخذت حيسَةُ في بُرمةٍ، فأرسلت بها معي إليه، فانطلقت بها إليه، فقال لي: \"ضعها\" ثم أمرني، فقال: \"ادعُ لي رجالًا\" سماهم \"وادعُ لي من لقيت\" قال: ففعلت الذي أمرني، فرجعتُ، فإذا البيت غاص بأهله، فرأيت النبي ﷺ وضع يده على تلك الحيسَةِ، وتكلم بما شاء الله، ثُم جعل يدعو عشرة عشرة، يأكلون منه، ويقول لهم: \"اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجلٍ مما يليه\" حتى تصدعوا كلهم عنها، فخرج منهم من خرج، وبقي نفر يتحدثون، قال: وجعلت أغتم، ثم خرج النبي ﷺ نحو الحجرات، وخرجتُ في إثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع فدخل البيت وأرخى السِّتر، وإني لفي الحجرة، وهو يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (١).\nولمسلم (٢) عن أنس بن مالك. قال: تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله. قال: فصنعت أمي أم سُليمٍ حيسًا فجعلته في تَوْرٍ. فقالت: يا أنسُ! اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله علي وسلم، فقل: بعثتْ بهذا إليك أمي. وهي تُقرئك السلام. وتقول: إن هذا لك منا قليلٌ،\n_________\n٩٣٩ - البخاري (٩/ ٢٢٦) ٦٧ - كتاب النكاح -٦٤ - باب الهدية للعروس.\nبجنبات: جنبات الإنسان: نواحيه.\nعروسًا: العروس: يطلق على الرجل وعلى المرأة أيام دخول أحدهما بالآخر. التور: إناء يشرب فيه، جمع أتوار.\nأقط: الأقط. لبن مُحفف يابس صلب.\nحيسةٌ: الحيسة: خلط من تمر وسمن وأقطٍ.\nبرمة: البرمة: القدرُ.\nتصدعوا: أي: تفروقا.\n(١) الأحزاب: ٥٣.\n(٢) مسلم (٢/ ١٠٥١) ١٦ - كتاب النكاح -١٥ - باب زواج زينب بنت جحش، ونزول الحجاب، وإثبات وليمة العرس. =","vol":"3","page":1133},{"text":"يا رسول الله! قال: فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ. فقلتُ: إن أمي تُقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول اللهّ! فقال: \"ضعهُ\" ثم قال: \"اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا وفلانًا ومن لقيت.\" وسمى رجالًا. قال: فدعوتُ من سمى ومن لقيتُ.\nقال: قلت لأنسٍ: عدد كَمْ كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة.\nوقال لي رسول الله ﷺ: \"يا أنسُ! هات التور\" قال: فدخلوا حتى امتلأت الصُفة والحجرة. فقال رسول الله ﷺ: \"ليتحلقُ عشرة عشرةٌ وليأكل كل إنسان مما يليه\" قال: فأكلوا حتى شبعوا. قال: فخرجت طائفةً ودخلت طائفةً حتى أكلوا كلهم. فقال لي \"يا أنس! ارفعْ\" قال: فرفعتُ. فما أدري حين وضعتُ كان أكثر أم حين رفعتُ. قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ. ورسول الله ﷺ جالسٌ، وزوجته موليةٌ وجهها إلى الحائط. فثقلوا على رسول الله ﷺ. فخرج رسول الله صلى لله لعيه وسلم فسلم على نسائه. ثم رجع. فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه. قال: فابتدروا الباب فخرجوا كلهم. وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل. وأنا جالس في الحجرة. فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج عليّ. وأُنزلتْ هذه الآية. فخرج رسول الله ﷺ وقرأهن على الناس ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إلى آخر الآية.\nقال الجعدَ: قال أنس بن مالك: أنا أحدثُ الناس عهدًا بهذه الآيات. وحجبن نساءُ النبي ﷺ.\nويستفاد من هذا الحديث (١): أنه يجوز في الدعوة أن يأذن المرسل في ناس معينين\n_________\n= زُهاء: يقال: القوم زُهاء مائة، أي: قدر مائة.\nليتحلقْ: التحلقْ: أن يصير القوم حلقة مجتمعة.\nأوْلمَ: الوليمة: طعام العُرس.\nفتقري: تقري: مثل استقري، أي: تتبع شيئًا فشيئًا.\nإتاه: الإنا مقصور: النضج.","vol":"3","page":1134},{"text":"وفي مبهمين، لقوله: \"من لقيت، من أردت\" وفي هذا لحديث معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ لتكثير الطعام. قاله النووي.\n٩٤٠ - * روى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: أخطأني العشاءُ ذات ليلة مع النبي ﷺ وأخطأني أن يدعوني أحد من أصحابنا فصليت العشاء ثم أردتُ أن أنام فلم أقدر، ثم أردتُ أن أصلي فلم أقدر، فإذا رجل عند حجرة النبي صلى الله عليه سلم فأتيته فإذا هو النبي ﷺ يصلي، فصلى، ثم استند إلى السارية التي كان يصلي إليها فقال: \"منْ هذا؟ أبو هريرة! \" قلت: نعم. قال: \"أخطأك العشاءُ معنا الليلة\" قلت: نعم. قال: \"انطلق إلى المنزل، فقل هلموا الطعام الذي عندكم\" فأعطوني صحفة فيها عصيدة بتمر، فأتيت بها النبي ﷺ فوضعتها بين يديه، فقال: \"ادع أهل المسجد\" فقلت في نفسي: الويل لي مما أرى من قلة الطعام، والويل لي من المعصية، فآتي الرجل وهو نائم فأوقظه، وأقول: أجِبْ، وآتي الرجل وهو يصلي فأقول: أجبْ، حتى اجتمعوا عند النبي ﷺ، فوضع أصابعه فيها وغمز نواحيها، وقال: \"كلوا بسم الله\" فأكلوا حتى شبعوا، وأكلت حتى شبعت. قال: \"خُذها يا أبا هريرة فارددها إلى آل محمد فما في آل محمد طعام يأكله ذو كبد غير هذهِ، أهداها إلينا رجل من الأنصار\" فأخذت اصحفة فرفعتها فإذا هي كهيئتها حين وضعتها إلا أن فيها أثار أصابع النبي ﷺ.\n٩٤١ - * روى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اجمعْ لي أصحابك\" فجعلت أتبعهم في المسجد رجلًا رجلًا أوقظهم، فأتينا باب النبي ﷺ فدخلنا، فوضعت بين أيدينا صحفة صنيعٍ قدر مُدِّيْ شعير، فقال لنا \"كلوا بسم الله\" (١) قال\n_________\n٩٤٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٨)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.\nعصيدة: دقيق يُلت بالسمن ويطبخ.\nغمز نواحيها: ضغط عليها بإصبعه.\n٩٤١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٨)، وقال: رواه الطبراني في الوسط، ورجاله ثقات.\nصنيع: الطعام يدعي إليه. =","vol":"3","page":1135},{"text":"رسول الله ﷺ حين وضعت الصحفة: \"والذي نفس محمد بيده ما في آل محمد شيء غير ما ترونه\" فأكلنا حتى شبعنا وفيها منه بقية، وكنا ما بين السبعين إلى الثمانين فقلت لأبي هريرة: مثل إيش كانت حين فرغتم منها؟ فقال: مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع.\n٩٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو طلحة لأم سُليم: قد سمعتُ صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخذت خمارًا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال: رسول الله ﷺ: \"أرسلك أبو طلحة؟ \" قال: فقلت: نعم، فقال: \"ألطعامِ؟ \" فقلت: نعم، فقال رسول الله ر ﷺ لمن معه: \"قوموا\" قال: فانطلق وانطلقتُ بين أيديهم، حتى جئتُ أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نُطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلمُ، قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ، فأقبل رسول الله ﷺ معه، حتى دخلا، فقال رسول الله ﷺ: \"هلُمي ما عندك يا أم سليم\" فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففتَّ، وعصرتْ عليه أم سليم عُكَّةً لها، فأدمته، ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: \"ائذن لعشرة\" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: \"ائذن لعشرة\" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: \"ائذن لعشرة\" حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلًا أو ثمانون.\n_________\n= أيش: أي شيء.\n٩٤٢ - البخاري (٦/ ٥٨٦) ٦١ - كتاب النماقب - ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nومسلم (٣/ ١٦١٢) ٣٦ - كتاب الأشربة-٣٠ - باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.\nالعُكة: الوعاء الذي يكون في السمن.\nفأدمته: أي خلطته بالخبز، وجعلته له أدمًا.","vol":"3","page":1136},{"text":"وللبخاري نحوه عن أنس (١): أن أم سُليم - أمهُ - عمدت إلى مُدٍ من شعير جشتْهُ وجعلت منه خطيفةً وعصرت عكة عندها، ثم بعثتني إلى النبي ﷺ فأتيتهُ - وهو في أصحابه - فدعوته. قال: \"ومَنْ معي\" فجئت فقلت: إنه يقول ومن معي. فخرج إليه أبو طلحة قال: يا رسول الله، إنما هو شيء صنعته أم سليم فدخل، فجيء به وقال: \"أدخِل عليَّ عشرة\" فأدخلوا فأكلوا حتى شبعوا. ثم قال: \"أدخل علي عشرة\" فدخلوا فألوا حتى شبعوا. ثم قال: \"أدخل علي عشرة\". حتى عدَّ أربعين. ثم أكل النبي ﷺ، ثم قام، فجعلت أنظر هل نقص منها شيء؟.\nولمسلم قال (٢): بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه، وقد جعل طعامًا. قال: فأقبلتُ ورسول الله ﷺ مع الناس، فنظر إليَّ، فاستحييتُ فقلت: أجِب أبا طلحة، فقال الناس: \"قوما\" فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما صنعتُ لك شيئًا، قال فمسها رسول الله ﷺ، ودعا فيها بالبركة، ثم قال: \"أدخِل نفرًا من أصحابي عشرة\" وقال: \"كلوا\" وأخرج لهم شيئًا من بين أصابعه، فأكلوا حتى شبعوا، فخرجوا، فقال: \"أدخِل عشرة\" فأكلوا حتى شبعوا، فما زال يُدخلُ عشرة. ويخرج عشرة، حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل، حتى شبع، ثم هيأها، فإذا هي مثله حين أكلوا منها.\nوفي أخرى نحوه، وفي آخره (٣): ثم أخذ ما بقي، فجمعه ثم دعا فيه بالبركة، قال: فعاذ كما كان، فقال: \"دُونكم هذا\".\nوفي أخرى بهذه القصة، وفيه (٤): فقام أبو طلحة على الباب، حتى أتى رسول الله ﷺ، فقال له: يا رسول الله، إنما كان شيء يسير، قال: \"هلُمَّه فإن الله سيجعل فيه البركة\".\n_________\n(١) البخاري (٩/ ٥٤٧) ٧٠ - كتاب الأطعمة -٤٨ - باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة.\nجشته: أي: طحنته طحنًا قليلًا لتطبخه.\nالخطيفة: أن يؤخذ قليل لبن ويذرُ عليه دقيق، ثم يطبخ، فيلعقه الناس.\n(٢) مسلم (٣/ ١٦١٢) ٣٦ - كتاب الأِربة-٢٠ - باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.\n(٣) مسلم في نفس الموضع السابق (٣/ ١٦١٣).\n(٤) مسلم في الموضع السابق. =","vol":"3","page":1137},{"text":"وفي أخرى بنحو هذا، وفيه (١): ثم أكل رسول الله ﷺ وأكل أهلُ البيت، وأفضلوا ما أبلغوا جيرانهم.\nوفي أخرى قال (٢): رأي أبو طلحة رسول الله ﷺ مُضطجعًا في المسجد، ينقلبُ ظهرًا لبطن وساق الحديث، وقال فيه: ثم أكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة، وأم سُليم، وأنس، وفضلت فضلة فأهديناه لجيراننا.\n٩٤٣ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: صنعت أمي طعامًا، وقالت: اذهب إلى رسول الله ﷺ فادعه فجئتُ النبي ﷺ فسارَرُته فقلت: إن أمي قد صنعت شيئًا، فقال لأصحابه: \"قومُوا\" فقام معه خمسون رجلًا، فجلس على الباب فقال النبي ﷺ: \"أُدْخِلْ عشرة عشرة\" فأكلوا حتى شبعوا وفضل نحو ما كان.\n٩٤٤ - * روى البخاري ومسلم عن اجبر بن عبد الله ﵄ قال: لما حفر الخندق رأيت برسول الله ﷺ خمصًا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت لها: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا، فأخرجت لي جرابًا فيه صاع من شعير، ولنا بُهيمة داجن، قال: فذبحتها، وطحنت، ففرغت إلى فراغين فقطعتُها في بُرمتها. ثم وليتُ إلى رسول الله ﷺ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه، فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله، إنا قد ذبحنا بُهيمة لنا، وطحنت صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفرٍ معك، فصاح النبي ﷺ، وقال: \"يا أهل الخندق، إن\n_________\n= هلمهُ\": هاته.\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.\n٩٤٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٨)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وُثقوا.\nساررته: ناجيته سرًا.\n٩٤٤ - البخاري (٧/ ٣٩٦) ٦٤ - كتاب المغازي -١٩ - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب.\nومسلم (٣ م ١٦١٠) ٣٦ - كتاب الأشربة -٢٠ - باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.\nالخمص والخميص: الضامر البطن، البهيمة: تصغير البهمة، وهي ولد الضأن، ويقع على المذكر منها والمؤنث.\nالداجن: الشاة التي تألف البيت وتتربى فيه. =","vol":"3","page":1138},{"text":"جابرًا قد صنع لكم سُورًا فحمسفيهلا بكم\" وقال رسول الله ﷺ: \"لا تنزلن بُرمتكم، ولا تخبرن عجينتكم حتى أجيء، فجئتُ، وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي، فقالت: بك، وبك، فقلتُ: قد فعلتُ الذي قلت لي، فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى بُرمتنا، فبصق فيها وبارك، ثم قال: \"ادعي خابزة فلتخبر معكِ، واقدحي من بُرمتكم، ولا تُنزلُوها\" وهم ألف، فأقسمُ بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن بُرمتنا لتغط كما هي، وإن عجينتنا لتُخبزُ كما هو.\n٩٤٥ - * روى الترمذي عن سمرة بن جُندبٍ ﵁ قال: كان مع النبي ﷺ نتداول في قصعة عن غُدوة حتى الليل، يقوم عشرةً، ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تُمدُّ؟ قال: من أي شيء تعجب؟ ما كانت تُمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء.\n٩٤٦ - * روى أحمد عن عليٍّ ﵁ قال: جمع رسول الله ﷺ أو دعا رسول الله ﷺ بني عبد المطلب فيهم رهطٌ كلهم يأكل الجُذعة يشرب الفرَقَ، قال: فصنع لهم مُدًا من طعام فأكلوا حتى شبعوا. قال وبقي الطعام كما هو كأنه لم\n_________\n= السؤر: لفظة فاسية، معناها: الوليمة والطعام الذي يدعى إليه، قال الأزهري: في هذا أن النبي ﷺ قد تكلم بالفارسيةز\nحيهلا: كلمتان جُعلتا كلمة واحدة، ومعناها: تعالوا وعجلوا.\nبك وبك: أي ذمته ودعت عليه، وقيل معناه: بك تلحق الفضيحة وبك يتعلق الذم، وقيل معناه: جرى هذا برأيك وسوء نظرك وتسببك.\nاقدحي: قدحتُ القِدر: إذا غرفت ما فيها، والقديح: المرق، فعيل بمعنى مفعول، والمقدحة: المغرفة.\nتتغط: غطت القدر تغط: وغطيطها: صوتها.\n٩٤٥ - الترمذي (٥/ ٥٩٢) ٥٠ - كتاب المناقب- ٥ - باب في آيات إثبات نبوة النبي ﷺ، وما قد خصه الله ﷿ به وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٩٤٦ - أحمد في مسنده (١/! ٥٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٢): رواه أحمد، ورجاله ثقات.\nرهط: الرهط: ما بين الثلاثة إلى التسعة من الرجال.\nالجذعة: تقال لولد الشاة في السنة الثانية، وللبقر وذوات الحافر في الثالثة، وللإبل في الخامسة جذع. ويطلق الجذع عند فقهاء الحنفية ويريدون به ولد الشاة إذا زاد على ستة أشهر.\nالفرقُ: بالسكون ياسوي مائة وعشرين رطلًا، وبالفتح نصف صاعٍ.","vol":"3","page":1139},{"text":"يمس، ثم دعا بغمرٍ فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يُمس أو لم يُشربْ، فقال: \"يا بني عبد المطلب إني بُعثت لكم خاصة وإلى الناس بعامةٍ، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟ \" قال: فلم يقُم إليه أحد قال: فقمت إليه، وكنت أصغر القوم، قال: فقال: \"اجلس\" قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول: \"اجلس\" حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي.\n٩٤٧ - * روى البزار عن علي قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) قال رسول الله ﷺ: \"يا عليّ! اصنع رجل شاةٍ بصاعٍ من طعام، واجمع لي بني هاشم، وهم يومئذ أربعون رجلًا أو أربعون غير رجل قال: فدعا رسول الله ﷺ بالطعام، فوضعه بينهم، فأكلوا حتى شبعوا، وإن منهم لمن يأكل الجذعة بإدامها، ثم تناول القدح، فشربوا حتى تروَّوا- يعني من اللبن - فقال بعضهم: ما رأينا كالسحر - يرون أنه أبو لهب الذي قاله فقال: \"يا علي اصنع رجل شاة بصاع من طعام، وأعدِد قعبًا من لبن\" قال: ففعلتُ، فأكلوا كما أكلوا في اليوم الأول، وشربوا كما شربوا في المرة الأولى وفضل كما فضل في المرة الأولى، فقال: ما رأينا كاليوم في السحر، فقال: \"يا علي اصنع رجل شاةٍ بصاع من طعام، وأعدد قعبًا من لبن\" ففعلت. فقال: يا علي اجمع لي بني هاشم\" فجمعتهم، فأكلوا وشربوا فبدرهم رسول الله ﷺ فقال: \"أيكم يقضي عني ديني\" قال: فسكت وسكت القوم، فأعاد رسول الله ﷺ المنطق فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: \"أنت يا عليُّ، أنت يا علي\".\n_________\n(١) الغمرُ: العددُ الكثير من الناس.\n٩٤٧ - كشف الأستار (٣/ ١٢٧).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٣): رواه البزار واللفظ له، وأحمد باختصار، والطبراني في الأوسط باختصار، ورجال احمد وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح، غير شريك، وهو ثقة.\nقعبًا: القعب: القدح الضخم الجافي.\n(١) الشعراء: ٢١٤.","vol":"3","page":1140},{"text":"٩٤٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رجلًا أتى النبي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسقِ شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله، فأتى النبي ﷺ، فقال: \"لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام لكم\".\n٩٤٩ - * روى الطبراني عن واثلة بن الأسقع يقول: كنت من أصحاب الصفة، فشكى أصحابي الجوع، فقالوا: يا واثلة اذهب إلى رسول الله ﷺ فاستطعم لنا، فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله أصحابي يشكون الجوع، فقال رسول الله ﷺ: \"يا عائشة هل عندك من شيء؟ \" قالت: يا رسول الله ما عندي إلا فتات خبز، قال: \"هاتيه\" فجاءت بجراب، فدعا رسول الله بصحفة فأفرغ الخبز في الصحفة، ثم جعل يصلح الثريد بيديه وهو يربو، حتى امتلأت الصحفة، فقال: \"يا واثلة اذهب فجيء بعشرة من أصحابك وأنت عاشرُهم\" فذهبت فجئت بعشرة من أصحابي وأن عاشرهم، فقال: \"اجلسوا خُذوا بسم لله خذوا من حواليها، ولا تأخذوا من أعلاها فإن البركة تنحدرُ من أعلاها\" فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا وفي الصحفة مثل ما كان فيها، ثم جعل يصلحها بيده وهي تربو حتى امتلأت، فقال \"يا واثلة اذهب فجيء بعشرة من أصحابك\" فجئت بعشرة، فقال: \"اجلسوا\" فجلسوا، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا، ثم قال: \"اذهب فجيء بعشرة مِنْ أصحابك\" فذهبت فجئت بعشرة، ففعلوا مثل ذلك، فقال: \"هل بقي أد؟ \" قلت: نعم عشرة، قال: \"اذهب فجيء بهم، فذهبت فجئت بهم، فقال: \"اجلسوا\" فجلسوا فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا وبقي في الصحفة مثل ما كان. ثم قال: \"يا واثلة اذهب بهذا إلى عائشة\".\n_________\n٩٤٨ - مسلم (٤/ ١٧٨٤) ٤٣ - كتاب الفضائل -٣ - باب في معجزات النبي ﷺ.\nشطر: كل شيء: نصفه.\nالوسق: ستون صاعًا\nتقام لكم: أي لمن يفن أبدًا.\n٩٤٩ - المعجم الكبير (٢٢/ ٨٦).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٥): رواه الطبراني بإسنادين، وإسناده حسن.","vol":"3","page":1141},{"text":"٩٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النبي ﷺ: \"هل مع أحدٍ منكم طعام؟ \" فإذا مع رجل صاع من طعام، أو نحوه، فعُجِن، ثم جاء رجل مشرك مشعَانٌّ طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ: \"بيعًا، أم عطية؟ \" أو قال: \"أم هبة؟ \" قال: لا بل بيع. فاشترى منه شاة، فصنعت، وأمر النبي ﷺ بسواد البطن أن يُشوى، وأيم الله ما في الثلاثين والمائة إلا وقد حز النبي ﷺ له حزةً من سواد بطنها، إن كان شاهدًا أعطاه، وإن كان غائبًا خبأ له، فجعل منهما قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، ففضلت القصعتان، فحملناه على البعير.\nوفي رواية (١): ففضل في القصعتين، فحملته على البعير - أو كما قال.\n٩٥١ - * روى البزار عن أبي حُنيس الغفاري: أنه كان مع رسول الله ﷺ في غزوة تِهامة، حتى إذ كنا بعُسْفان جاءه أصحابه، فقالوا: يا رسول الله! جهدنا الجوع فأذن لنا في الظهر نأكله، قال: \"نعم\" فأخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله! ماذا صنعت؟ أمرت الناس أن ينحروا الظهر، فعلى ما يركبون؟ قال: \"فما ترى يا ابن الخطاب؟ \" قال: أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم فتجمعه في تورٍ، ثم تدعو الله لهم، فأمرهم فجعلوا فضل\n_________\n٩٥٠ - البخاري (٥/ ٢٣٠) ٥١ - كتاب الهبة -٢٨ - باب قبول الهدية من المشركين.\nومسلم (٣/ ١٦٢٧) ٣٦ - كتاب الأشربة -٣٢ - باب إكرام الضيف وفضل إيثاره.\nمشعان: الرأس - بالنون-: إذا كان منتفش الشعر ثائر الرأٍ.\nسواد البطن: الكبد.\n(١) مسلم (٣/ ١٦٣٧) ٣٦ - كتاب الأشربة -٣٢ - باب إكرام الضيف وفضل إيثاره.\n٩٥١ - كشف الأستار (٣/ ١٣٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٣): رواه البزار والطبراني في الأوسط وزاد فقال:\nما ترى يا ابن الخطاب قال أرى أن تأمرهم وأنت أفضل رأيًا وزاد أيضًا، ونزل النبي ﷺ ونزلوا معه وشربوا من الماء هم والكراع ثم خطبهم في ثلاثة نفر فذكر الحديث ورجاله ثقات.\nالظهر: هنا الإبل التي تركب في السفر (هي اسم جمع وجعلها هنا مفردًا).\nتور: إناء يشرب فيه، والجمع أتوار.\nالكراع: الخيلُ.","vol":"3","page":1142},{"text":"أزوادهم في تورٍ، ثم دعا لهم، ثم قال: \"إيتوا بأوعيتكم\" فملأ كل إنسان منهم وعاءه، ثم أذن بالرحيل، فلما جاوزوا مُطِروا، فنزل ونزلوا معه، فشربوا من ماء السماء، فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان مع النبي ﷺ وذهب الآخر معرضًا، فقال النبي ﷺ: \"ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما واحد فاستحيا من الله فاستحيا الله منه وأما الآخر فأقبل تائبًا فتاب الله عليه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه\".\n٩٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهدٌ، حتى هممنا أن ننْحَرَ بعض ظهرِنا، فأمرنا نبي الله ﷺ، فجمعْنَا مزاوِدنَا، فبسطنا له نِطَعَا، فاجتمع زادُ القوم على النِّطَعِ، قال: فتطاولت لأحزُرهُ كم هو؟ فحزَرْتُه كرَبْضة العَنْزِ، ونحنُ أربع عشرة مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشوْنا جُرُبَنا، فقال نبي الله ﷺ: \"فهل مِنْ وضوءٍ؟ \" قال: فجاء رجلٌ بإداوةٍ له، فيها نُطفةً، فأفرغها في قدحٍ، فتوضأنا كُلُّنَا، نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَة، أربع عشرة مائة، قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية، فقالوا: هل من طَهورٍ؟ فقال رسول الله ﷺ: \"فرّغَ الوضوءُ\".\nوهذا لفظ البخاري: قال سلمة: خفت أزْوَاد الناس وأمْلَقُوا، فأتوا النبي ﷺ في نَحْرِ إبِلهم، فأذِنَ لهُم، فلقيَهُم عُمر فأخبروه فقال: مابقاؤكم بعد إبلكُم (١)، فدخَلَ عمر على\n_________\n٩٥٢ - البخاري (٦/ ١٢٩) ٥٦ - كتاب الجهاد -١٢٣ - باب حمل الزاد في الغزو.\nومسلم (٣/ ١٣٥٤) ٣١ - كتاب اللقطة -٥ - باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت، والمؤاساة فيها.\nومسلم أيضًا عن أ [ي هريرة (١/ ٥٦) ١ - كتاب الإيمان ١٠ - باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.\nمزاودنا: وفي رواية أزوادنا، وفي بعضها تزاودنا، والمزاود جمع مزود كمنبر: وهو الوعاء الذي يحمل فيه الزاد.\nوهو ما يتزوده المسافر لسفره من الطعام، والتزاود معناه ما تزودناه.\nالنطفة: الماء القليل، ومنه سُمي ماء الرجل: نُطفة.\nندغفقه: دغفقتُ الماء دغفقة: إذا صببته صبًا كثيرًا.\nالإملاق: الافتقار، والمراد: أنهم احتاجوا إلى الزاد.","vol":"3","page":1143},{"text":"النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نادِ في الناس يأتُون بِفَضْل أزْوادِهم\" فدعا وبرَّك عليهم ثم دعاهُم بأوعيتهم، فاحْتثى الناسُ حتى فرَغُوا، ثم قال رسول الله ﷺ: \"أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله\".\nقال النووي في شرحه على مسلم: وقولهم:\n(لو أذنت لنا) هذا من أحسن آداب خطاب الكبار والسؤال منهم فيقال: لو فعلت كذا أو أمرت بكذا لو أذنت في كذا وأشرت بكذا، ومعناه لكان خيرًا أو لكان صوابًا ورأيًا متينًا أو مصلحة ظاهرة وما أشبه هذا، فهذا- أجمل من قولهم للكبير: افعل كذا بصيغة الأمر وفيه أنه لا ينبغي لأهل العسكر من الغزاة أن يضيعوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا إذا رأى مصلحة أو خاف مفسدة ظاهرة والله أعلم أهـ.\n٩٥٣ - * روى أحمد عن النعمانِ بن مُقَرِّنٍ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في أربعمائة من مُزَينة، فأمارنا رسول الله ﷺ بأمره، فقال بعض القومِ: يا رسول الله مالنا طعام نتزودُه، فقال النبي ﷺ عمر: \"زَوَّدهُم\" فقال: ما عندي إلا فاضلةٌ من تمرٍ، وما أراها تُغني عنهم شيئًا: فقال: \"انطلِقْ فزودهم\" فانطلق بنا إلى عَليِّةٍ له، فإذا فيها تمر مثل البَكْر الأورق، فقال: خذوا فأخذ القوم حاجتهم، قال: وكنتُ أنا في آخرِ القوم، قال: فالتفتُّ وما أفقدُ موضع تمرةٍ، وقد احتمل منه أربعمائة رجلٍ.\n٩٥٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال (١): أتيتُ النبي ﷺ بتمراتٍ،\n_________\n٩٥٣ - أحمد في مسنده (٥/ ٤٤٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٤): رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.\nمزينة: قبيلة من قبائل العرب.\nعلية: الغرفة في الطابق الثاني من الدار وما فوقه والجمع علالي.\nالبكر: الفتى من الإبل.\nالأوراق: من الإبل: ما في لونه بياض إلى سواد.\n٩٥٤ - الترمذي (٥/ ٦٨٥) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب أبي هريرة ﵁. وهو حديث حسن.","vol":"3","page":1144},{"text":"فقلت: يا رسول الله ادعُ الله فيهنَّ بالبركة فصمهُنَّ ثُم دع لي فيهن بالبركة، فقال: \"خُذْهُن واجعلهُن في مِزْوَدَِ هذا أو في هذا المِزْوَدِ كُلما أردْتَ أن تأخذ منه شيئًا فأدخِلْ فيه يدكَ فخذْهُ ولا تنْثُرْهُ نثرًا\" فقدْ حمَلْتُ من ذلك التمر كذا وكذا من وسْقٍ في سبيل الله، فكُنا نأكلُ منهُ ونُطْعِمُ، وكان لا يُفارقُ حِقْوِي حتى كان يومُ قَتْلِ عثمان فإنه انقطع.\nوزاد رزين: من حقوي، فسقط فحزنت عليه حزنًا شديدًا.\n٩٥٥ - * روى البخاري؛ عن جبر بن عبد الله ﵄: أن أباه تُوفي وترك ثلاثين وسقًا لرجلٍ من اليهود، فاستنْظَرَهُ جابر، فأبى أن يُنْظِرَهُ، فكلم جابرٌ رسول الله ﷺ ليشفع له إليه، فجاءه رسول الله ﷺ، فكلم اليهودي ليأخذ تَمْرَ نخلهِ بالذي له، فأبى، فدخل رسول الله ﷺ النخل، فمشى فيها، ثم قال لجابر: \"جُدِّ له، فأوف الذي له\" فجَدَّه بعد ما رجع رسول الله ﷺ، فأوفاه ثلاثين وسقًا، وفضلتُ له سبعة عشر وسقًا، فجاء جابر رسول الله ﷺ ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلا انصرف أخبرهُ بالفضلِ، فقال \"أخْبِر ذلك ابن الخطاب\" فذهب جابرٌ إلى عمر فأخبرهُ، فقال له عمر: لقد علمتُ حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليُباركنَّ فيها.\nوفي رواية أخرى قال (١): تُوفي أبي وعليه دينٌ، فعرضتُ على غُرمائهِ أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاء، فأتيتُ النبي ﷺ، فذكرتُ ذلك له، فقال: \"إذا جَدَدتَهُ فوضعْتَه في المِربدِ آذنت رسول الله ﷺ\" فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجس عليه ودعا بالبركة، ثم قال: \"ادعُ غرماءك فأوْفهم\" فما تركتُ أحدًا له على أبي\n_________\n= المزود: كمنبر، وهو الوعاء الذي يحمل فيه الزاد.\nالحقو: مشدُّ الإزار، وسمي الإزار نفسه حقوا لذلك.\n٩٥٥ - البخاري (٥/ ٦٠) ٤٣ - كتاب الاستقراض -٩ - باب إذا قاص أو جازفه في الدين تمرًا بتمر أو غيره.\nفاستنظره: الاستنظار: طلبُ التأخير إلى وقت آخر، وأنظرتُه: أخرتُه.\nالجداد: قطع ثمر النخل، وهو الصرام.\n(١) البخاري (٥/ ٣١٠) ٥٣ - كتاب الصلح -١٣ - باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث، والمجازفة في ذلك، المربد: موضع التمر الذي يُجمع فيه.","vol":"3","page":1145},{"text":"دينٌ ألا قضيتُهُ، وفضل ثلاثة عشر وسقًا: سبعة عجوةً، وستةً لونُ - أو ستةً عجوةٌ وسبعةُ لون - فوافيتُ مع رسول الله ﷺ المغرب، فذكرتُ ذلك له، فضحك، فقال: \"ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما\" فقالا: لقد عَلمنا إذْ صنع رسول الله ﷺ ما صنع أن سيكون ذلك.\nوقال في رواية (١): \"صلاة العصر\" وفي رواية (٢): \"صلاة الظهر\".\nوفي أخرى قال (٣): تُوفِّيَ عبد الله بن عمرو بن حرام وعليه دينٌ، فاستعنتُ بالنبي ﷺ على غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب النبي ﷺ إليهم، فلمْ يفعلوا، فقال لي النبي ﷺ: \"اذهب، فصنف تمرك أصنافًا: العجوة على حدة، وعذق ابن زيد على حدة، ثم أرسل إليِّ\" ففعلتُ، ثم أرسلت إلى رسول الله ﷺ، فجلس على أعلاه - أو في وسطه- ثم قال: كلْ للقومِ، فكلتَهُم، حتى أوفيْتهُم الذي لهم وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء.\nوفي رواية (٤): فما زال يكيلُ لهم حتى أدَّاه.\nوفي أخرى نحوه، وفيه زيادة، قال جابر ﵁ (٥): أُصيبَ عبدُ الله وتركَ عيالًا ودينًا، فطلبتُ إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضًا من دَينهِ فأبوا، فأتيت النبي ﷺ فاستشفعتُ به فأتوا. فقال: \"صنِّفْ تمرك كل شيءٍ منه على حدتهِ: عذِقٍ ابن زيدٍ على حدة، واللين على حدةٍ، والعجوة على حدةٍ، ثم أحضرهم حتى آتيك\" ففعلتُ. ثم جاء ﷺ فقعد عليه، وكال لكل رجل حتى استوفى، وبقي التمر كما هو كأنه لم\n_________\n(١) البخاري معلقًا في نفس الموضع السابق.\n(٢) البخاري معلقًا في نفس الموضع السابق.\n(٣) البخاري (٤/ ٣٤٤) ٣٤ - كتاب البيوع-٥١ - باب الكيل على البائع والمعطى.\nعلى حدة: منفردًا، يعني كل جنس وحده.\nعلق زيد: نوع من التمر بالمدينة معروف، وكذلك اللينة والعجوة، وقيل: اللينة، واللون: واحد الألوان، وهو عند أهل المدينة: كل تمر ليس بعجوة، وقيل: اللينة: جميع النخل من غير استثناء، والأول أشبه.\n(٤) البخاري (٤/ ٣٤٤) ٣٤ - كتاب البيوع-٥١ - باب الكيل على البائع والمعطي.\n(٥) البخاري (٥/ ٦٧) ٤٣ - كتاب الاستقراض- ١٨ - باب الشفاعة في وضع الدين.","vol":"3","page":1146},{"text":"يُمَسُّ وغزوتُ مع النبي ﷺ على ناضحٍ لنا، فأزْحَفَ الجملُ فتخلف على فوكزهُ النبي ﷺ.\nوفي أخرى (١): أن أباهُ استُشهد يوم أُحُدٍ وترك ستُ بناتٍ ترك عليه دينًا، فلما حضرهُ جِذاذُ النخلِ أتيتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أُحُد وترك عليه دينًا كثيرًا، وإني أُحبُّ أن يراك الغرماء، قال: \"اذهب فبيدِرْ كل تمرٍ على ناحيةٍ\" ففعلتُ، ثم دعوته، فلما نظروا إليه أُغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرًا ثلاث مراتٍ، ثم جلس عليه ثم قال: \"ادعُ أصحابك فما زال يكيلُ لهم حتى أدى الله أمانة والدي، وأنا والله راضٍ أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أُرجعُ إلى أخواتي تمرةً، فسلم والله البيادرُ كلُّها حتى أني أنظرُ إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنه لم ينقُص تمرةً واحدةً.\nوفي أخرى (٢): أن أباه تُوفي وعليه دينٌ، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه دينًا، وليس عندي إلا ما يُخرجُ نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلقْ معي لكيلا يُفْحِشَ عليَّ الغُرماء، فمشى حول بيدرٍ من بيادر التمر، فدعا، ثم آخر، ثم جلس عليه، فقال: \"انزِعوهُ فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم\".\nوفي أخرى (٣): أن أباه قُتل يوم أُحُدٍ شهيدًا، فاشتد الغرماءُ في حقوقهم، فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي، ويُحَلِّلوا أبي، فأبوا فلم يعطهم ولم يكسره لهم، ولكن قال: \"سأغد عليك إن شاء الله\"، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل، فدعا في ثمره بالبركة، فجددتُها، فقضيتُهم حقوقهم، وبقي لنا من ثمرها\n_________\n(١) البخاري (٥/ ٤١٣) ٥٥ - كتاب الوصايا - ٣٦ - باب قضاء الوصي ديون الميت بغير محضر من الورثة.\nالبيدرة: جمع الثمرة في البيدر، وهو المكان الذي تجمع فيه قبل نقلها إلى البيوت، وكذلك موضع الفلات يسمى بيدرًا.\nأغريت: فلانًا بفلان: إذا حملته على قصده، والمراد: أنهم لجُوا في مطالبتي ألحوا والسبب: طمعهم أن يساعده النبي ﷺ في القضاء والدائن يهودي، وقد فعل اليهود مثل هذا يوم مكاتبة سلمان الفارسي.\n(٢) البخاري (٦/ ٥٨٧) ٦١ - كتاب المناقب -٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\n(٣) البخاري (٥/ ٢٢٤) ٥١ - كتاب الهبة-٢١ - باب إذا وهب دينًا على رجل.","vol":"3","page":1147},{"text":"بقية، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو جالس فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ لعمر وهو جالسٌ: \"اسمع يا عمر\" فقال عمر: ألا يكونُ قد علمنا أنك رسول الله؟ والله إنك لرسول الله.\nوفي رواية أبي داود (١): أنأباهُ تُوفي وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجلٍ من يهود، فاستنظرهُ جابرٌ فأبى، فكلم جابرٌ رسول الله ﷺ أن يشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ وكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له عليه، فأبى عليه، وكلمه رسول الله أن يُنظرَهُ، فأبى، وساق الحديث\nوللنسائي في رواية قال (٢): كان ليهودي على أبي تمر، فقُتِلَ يوم أُحُد، وترك حديقتين، وتمر اليهودي يستوعبُ ما في الحديقتين، فقال النبي ﷺ: \"هل لك أن تأخذ العام نصفه، وتؤخر نصفه؟ \" فأبى اليهودي، فقال النبي ﷺ: \"هل لك أن تأخذ الجِدادَ؟ \" فآذني، فآذنته، فجاء هو وأبو بكرٍ، فجعل يُجدُّ ويُكالُ منْ أسفلِ النخل، ورسول الله ﷺ يدعو بالبركة، حتى وفيناه جميع حقه من أصغر الحديقتين، فيما يحسبُ عمار، ثم أتيتُهم برُطبٍ وماء، فأكلوا وشربوا ثم قال: \"هذا من النعيم الذي تسألون عنه\".\nقال ابن حجر: وأصناف تمر المدينة كثيرة جدًا، فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجويني في \"الفروق\" أنه كان بالمدينة فبلغه أنهم عدوا عند أمرها صنوف التمر الأسود خاصة فزادت على السنين. قال: والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم.\n٩٥٦ - * روى أحمد والدارمي عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المشركين ليقاتلهم فقال أبي عبد الله: يا جابرُ لا عليك أن تكون في نظاري\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ١١٩) كتاب الوصايا - باب في الرجل يموت وعليه دين وله وفاء يستنظرُ غرماؤه ويرفق بالوارث.\n(٢) النسائي (٦/ ٢٤٦) كتاب الوصايا - باب قضاء الدين قبل الميراث.\n٩٥٦ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٩٧، ٣٩٨)، وإسناده حسن.\nوالدارمي واللفظ له (١/ ٢٢) في المقدمة، باب ما أكرم به النبي ﷺ في بركة طعامه.","vol":"3","page":1148},{"text":"أهل المدينة، حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بناتٍ لي بعدي لأحببتُ أن تُقتل بين يديَّ. قال: فبينما أنا في الناظرين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي لتدفنهُما في مقابرنا فلحق رجل ينادي: إن النبي ﷺ يأمرُكم أن تردوا القتلى فتدفنوها في مضجعها حيث قُتلتْ، فرددناهما فدفناهما في مضجعهما حيثُ قُتلا فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيانٍ إذ جاءني رجلٌ فقال: يا جابر بن عبد الله، لقد أثار أباك عُمال مُعاوية، فبدأ فخرج طائفة منهم، فانطلقت إليه فوجدتُه على النحو الذي دفنته، لم يتغير إلا ما لم يدع القتيل قال: فواريته. وترك أبي عليه دينًا من التمر، فاشتد عليَّ بعض غرمائه في التقاضي، فأتيتُ رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم كذا وكذا، وإنه ترك عليه دينًا من التمر، وإنه قد اشتد عليَّ بعض غرمائه في الطلب، فأحِبُّ أن تُعينني عليه لعلهُ أن يُنظرني طائفة من تمره إلى هذا الصِّرَام المقبل، قال: \"نعم آتيك إن شاء الله قريبًا من وسط النهار\"، قال: فجاء ومعه حواريوه، قال: فجلسوا في الظل وسلم رسول الله ﷺ واستأذن، ثم دخل علينا قال: وقد قلت لامرأتي: إن رسول الله ﷺ جاء اليوم وسط النهار فلا يُرينَّكِ، ولا تؤذي رسول الله ﷺ في شيء ولا تكلميه ففرشت فراشًا ووسادة فوضع رأسه فنام. فقلتُ لمولي لي: اذبح هذه العِناق- وهي داجنٌ سمينةٌ- فالوَحا والعجَل، افرُغْ منها قبل أن يستيقظ رسول الله ﷺ وأنا معك، فلم نزل فيها حتى فرغنا منها وهو نائم. فقلتُ: إن رسول الله ﷺ حين يستيقظُ يدعُو بطُهُوره، وأنا أخاف إذا فرغ أن يقوم - أي أن يذهب- فلا يفرغ من طُهُوره حتى يوضع العِناقُ بين يديه. فلما استيقظ قال: \"يا جابر إيتني بطهُور\" قال: نعم، فلم يفرغ من وضوئه حتى وُضِعَتْ العناقُ بين يديه. قال: فنظر إليَّ فقال: \"كأنك قد عَلِمْت حُبَّنا اللحم. ادع أبا بكر\" ثم دعا حوارييه، قال: فجيء بالطعام فوُضِعَ. قال: فوضع يده وقال: \"بسم الله كلوا\"، فأكلوا حتى شبعوا، وفضل منها لحمٌ كثير. وقال (١): [الراوي\n_________\n= أثار آباك: أي قلب الأرض عن أبيك.\nالصرام المقبل: أي وقت اجتناء التمر من العام الآتي.\nفالوحا: أي فالإسراع في ذلك، ثم أكد ذلك بقول (والعجَل). =","vol":"3","page":1149},{"text":"جابر] والله إن مجلس بني سلمة لينظرون إليهم: هو (أي النبي ﷺ) أحبُّ إليهم من أعينهم ما يقربُونه مخافة أن يُؤذُوه. ثم قام وقام أصحابُه فخرجوا بين يديه، وكان يقول: \"خَلُّوا ظهري للملائكة\" قال: فاتبعتهم حتى بلغت أُسْكُفَّة الباب، فأخرجت امرأتي صدرها وكانت ستيرة، فقالت: يا رسول الله صلْ عليَّ وعلى زوجي. قال \"صلى الله عليك وعلى زوجك\" ثم قال: ادعوا لي فلانًا، للغريم الذي اشتد عليَّ في الطلب، فقال: \"أنْسيء جابرًا طائفةً من دينك الذي على أبيه إلى هذا الصِّرام المُقبل، قال ما أنا بفاعل. قال: واعتل وقال: إنما هو مال يتامى فقال رسول الله ﷺ: \"أين جابر؟ \" قال: قلت: أنا ذا يا رسول الله. قال: \"كِلْ له من العجوة فإن الله تعالى سوف يُوفيه\" فرفع رأسه إلى السماء فإذا الشمسُ قد دلكت. قال: \"الصلاة يا أبا بكر\" قال: فاندفعوا إلى المسجد. فقلت لغريمي: قرِّب أوْعيتك، فكِلْتُ له من العجْوة فوفاه الله، وفضل لنا من التمر كذا وكذا، قال: فجئتُ أسعى إلى رسول الله ﷺ في مسجده كأني شرارة، فوجدت رسول الله ﷺ قد صلى، فقلت له: يا رسول الله إني قد كِلْتُ لغريمي تمرهُ فوفاهُ الله، وفضل لنا من التمر كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: \"أين عمر بن الخطاب؟ \" قال: فجاء يُهرْول قال: \"سل جابر بن عبد الله عن غريمه وتمره\" قال: ما أنا بسائله. قد علمتُ أن الله سوف يوفيه إذْ أخبرت أن الله سوف يوفيه. فردُدَ عليه وردد عليه هذه الكلمة ثلاث مرات، كل ذلك يقول: ما أنا بسائله. وكان لا يُراجعُ بعد المرة الثالثة فقال: \"ما فعل غريمك وتمرك؟ قال: قلتُ (١): وفاه الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا\n_________\n= خلوا ظهري للملائكة: أي سيروا أمامي. وهذه من تواضعه ﷺ.\nأسكفة الباب: عتبته.\n- قوله (فقالت: يا رسول الله صل علي وعلى زوجي): الصلاة: الدعاء والاستغفار وفيه جواز كلام المرأة للرجال عند الحاجة وبشرط العفة.\nأنْسِئ: أخر.\nدلكت الشمس: حان وقت الظهر بدلوك الشمس.\nكأني شرارة: أي من السرعة والفرح.\nقوله: ما أنا بسائله: رفض عمر ﵁ السؤال بسبب تصديقه بمعجزة النبي ﷺ، وأمر النبي ﷺ لعمر بالسؤال بسبب سروره لمباركة الله في تمر جابر.","vol":"3","page":1150},{"text":"فرجعتُ إلى امرأتي. فقلت: ألم أكن نهيتُكِ أن تكلمي رسول الله ﷺ في بيتي؟ فقالت: تظن أن الله تعالى يُورِدُ نبيهُ في بيتي ثم يخرج ولا أسأله الصلاة عليَّ وعلى زوجي.\n٩٥٧ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: تعُدُّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعُدُّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة - والحديبية بئر - فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناءٍ من ماءٍ، فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيدٍ، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابُنا.\nوفي رواية نحوهُ، إلا أنه قال (١): \"ائتوني بدلوٍ من مائها\" فأتِيَ به فبصق فدعا، ثم قال: \"دعُوها ساعة\" قال: فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلُوا.\nقال ابن حجر:\nقوله (ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان) يعني قوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٢) وهذا موضع وقع فيه اختلاف قديم، والتحقيق أنه يختلف ذلك باختلاف المراد من الآيات، فقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ المراد بالفتح هنا الحديبية لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين، لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن ورفع الحرب وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما: ثم تبعت الأسباب بعضها بعضًا إلى أن كمل الفتح. وقد ذكر ابن إسحاق في المغازي عن الزهري قال: لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه إنما كان الكفر حيث القتال (٣) فلما أمن الناس كلهم كلم بعضهم بعضًا وتفاوضوا في\n_________\n٩٥٧ - البخاري (٧/ ٤٤١) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٥ - باب غزوة الحديبية.\nغير بعيد: أي فترة يسيرة.\n(١) البخاري في نفس الموضع.\n(٢) الفتح: ١.\n(٣) أقول: إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس بعضهم بعضًا والتقوا =","vol":"3","page":1151},{"text":"الحديث والمنازعة ولم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئًا إلا بادر إلى الدخول فيه، فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. أهـ.\n٩٥٨ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله: سافرنا مع رسول الله ﷺ فحضرتِ الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: \"أما في القوم طهورٌ؟ \" قال: فجاء رجل بفضل ماء في إداوةٍ. قال: فصبهُ في قدح فتوضأ رسول الله ﷺ. قال: ثم إن القوم أتوا بقية الطهور. فقال- (أحدهم) - تمسحُوا به، فسمعهم رسول الله ﷺ. فقال: \"على رسلكم\" فضرب رسول الله ﷺ يده في القدح في جوف الماء، ثم قال: \"أسبغُوا الطهُور\" فقال جابر بن عبد الله: والذي أذهب بصري - قال: وكان قد ذهب بصره- لقد رأيت الماء ينبعُ من بين أصابع رسول الله ﷺ فلم يرفع يده حتى توضؤوا أجمعُون قال عبيدة، قال الأسود، حسبتُهُ قال: كنا مائتين أو زيادة.\n٩٥٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نعدُّ الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فقل الماء، فقال: \"اطلبوا فضلةً من ماءٍ\" فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: \"حي على الطهور المبارك، والبركة من الله تعالى\" فلقد رأيتُ الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكلُ.\nوفي رواية النسائي قال (١): كنا مع النبي ﷺ: فلم يجدوا ماءً، فأُتي بتورٍ فأدْخَل يدهُ، فلقد رأيتُ الماء يتفجرُ من بين أصابعه، ويقول: \"حيَّ على الطهور، والبركة\n_________\n= فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يُكلمْ أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه.\n٩٥٨ - صحيح ابن خزيمة (١/ ٥٧) كتاب الوضوء - باب إباحة الوضوء من فضل وضوء المتوضئ وإسناده صحيح.\n٩٥٩ - البخاري (٦/ ٥٨٧) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nوأنتم تعدونها تخويفًا: إشارة إلى أن المخاطبين بعد وفاة رسول الله ﷺ أخذوا ينظرون إلى الآيات بخوف وذلك أخذًا من قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسلُ بالآيات إلا تخوفيًا) (الإسراء: ٥٩).\nوإنما تغيرت النظرة بين الجيل والجيل؛ لأن الصحابة كانوا آمنين بوجود رسول الله ﷺ بينهم.\n(١) النسائي (١/ ٦٠) كتاب الطهارة- باب الوضوء من الإناء.","vol":"3","page":1152},{"text":"من الله تعالى\".\nقال الأعمش: فحدثني سالمُ بن أبي الجعْدِ قال: قلتُ لجابرٍ: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف وخمسمائة.\n٩٦٠ - * روى ابن ماجة عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! لقد جئتُك من عندِ قومٍ ما يتزوَّدُ لهم راعٍ، ولا يخطرُ لهم فحلٌ فصعِدَ المنبر، فحمد الله ثم قال: \"اللهم اسقنا غيثًا مُغيثًا مريئًا طبقًا مريعًا غدقًا عاجلًا غير رائثٍ\" ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا قد أحيينا.\n٩٦١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ربما ذكرتُ قول الشاعر- وأنا أنظرُ إلى وجه رسول الله يستسقي\" فما ينزلُ حتى يجيش كل ميزاب:\nوأبيض يُستسقي الغمامُ بوجهه ... ثِمَال اليتامى عصمةً للأراملِ\nوهو قول أبي طالب.\n_________\n٩٦٠ - ابن ماجه (١/ ٤٠٤) ٢٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها -١٥٤ - باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.\nما يتزود لهم راع: يعني من الجدب والفقر، فلا يخرج لهم راع.\nولا يخطر لهم فحلُ: المراد بيان ضعف الفحل الذي هو أقوى من الأنثى وهي من خطر البعير بذنبه إذا رفعه مرة بعد مرة.\nقال السندي:\n\"قوله (مريئا) بالهمز بمعنى محمود العاقبة (مريعًا) بضم الميم وفتحها مع كسر الراء والياء التحتانية من الريع وهو الزيادة. قوله طبقًا أي مائلًا إلى الأرض مغطيًا. يقال غيث طبق أي عام واسع قوله عاجلًا في الحال. غير رائث أي بطيء متأخر، يقال راث يريث بالمثلثة إذا أبطأ. أهـ.\n٩٦١ - البخاري معلقًا (٢/ ٤٩٤) ١٥ - كتاب الاستسقاء -٣ - باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا.\nقال الحافظ في \"الفتح\": قوله: (وقال عمر بن حمزة)، أي: ابن عبد الله بن عمر، وسالم شيخه وهو عمه، وعمر يختلف في الاحتجاج به، وكذلك عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار المذكور في الطريق الموصولة فاعتضدت إحدى الطريقين بالأخرى، وهو من أمثلة إحدى قسمي الصحيح، كما تقرر في علوم الحديث، وطريق عمر بن حمزة المعلقة وصلها أحمد وابن ماجه والإسماعيلي من رواية أبي عقيل عبد الله بن عقيل الثقفي عنه.\nقال السندي: قوله حتى يجيش: في القاموس جاش البحر يجيش إذا علا، والعين إذا فاضت، والوادي إذا جرى، وقال السيوطي: بجيم وشين معجمة أي يتدفق ويجري بالماء وقوله ثمال اليتامى: الغياث يقال: فلان ثِمالُ قومه أي غياث لهم يقوم بأمرهم.","vol":"3","page":1153},{"text":"٩٦٢ - * روى مالك عن أبي الطفيل عامر بن واثلة؛ أن معاذ بن جبلٍ أخبرهُ أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ، عام تبوك. فكان رسول الله ﷺ يجمعُ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال: فأخر الصلاة يومًا. ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل. ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا. ثم قال: \"إنكم ستأتون غدًا، إن شاء الله، عينَ تبوك. وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهارُ. فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا. حتى آتى\" فجئناها، وقد سبقنا إليها رجلان. والعين تَبِضُّ بشيء من ماءٍ. فسألهما رسول الله ﷺ: \"هل مسسْتُما من مائها شيئًا؟ \" فقالا: نعم. فسبهما رسول الله ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول. ثم غَرَفُوا بأيديهم من العين، قليلًا قليلًا. حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله ﷺ، فيه وجهه ويديه. ثم أعاده فيها. فجرتِ العينُ بماءٍ كثير. فاستقى الناسُ. ثم قال رسول الله ﷺ: \"يُوشِكُ، يا معاذ، إن طالت بك حياة، أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانًا\".\n٩٦٣ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: عُطِشَ الناسُ يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحو - وفي رواية (١): جهش الناس نحوه- فقال رسل الله ﷺ: \"مالكم؟ \" قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب، إلا ما في رَكْوَتِكَ، قال: فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، قال: فقلتُ لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألفٍ لكفانا، كنا خمسَ عشرة مائةً.\nهذا حديث البخاري، وهو أتم، ولم يُخرجْ مسلم منه إلا قوله (٢): لو كنا مائة ألفٍ لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.\n_________\n٩٦٢ - الموطأ (١/ ١٤٣) ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر-١ - باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر.\n٩٦٣ - البخاري (٧/ ٤٤١) ٦٤ - كتب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.\nالجهش: أن يفزع الإنسان إلى الإنسان: وهو مع ذلك يريد أن يبكي كالصبي يفزعُ إلى أمه.\n(١) البخاري (٦/ ٥٨١) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\n(٢) مسلم (٣/ ١٤٨٤) ٣٣ - كتاب الإمارة -١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.","vol":"3","page":1154},{"text":"وله أيضًا في رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعْد، قال (١): قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربعمائة، لم يزد.\nوللبخاري أن جابرًا قال (٢): قد رأيتُني مع النبي ﷺ وقد حضرت العصرُ، وليسمعنا ماء غير فضلةٍ، فجُعل في إناءٍ، فأتى النبي ﷺ به، فأدخل يده فيه، وفرَّج أصابعه، ثم قال: \"حيَّ على أهل الوضوء، والبركةُ من الله\" فلقد رأيت الماء يتفجرُ من بين أصابعه، فتوضأ الناس وشربُوا، فجعلتُ لا آلو ما جعلتَ في بطني منه، فعلمت أنه بركة، قلت لجابرٍ: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفٌ وأربعمائة.\nقال البخاري: وقال حُصينُ وعمروُ بن مُرة عن سالم عن جابر: خمس عشرة مائة.\nوأخرج مسلم (٣) من رواية حُصينٍ وعمرو بن مُرة بالإسناد.\nوللبخاري (٤) من حديث ابن المسيب: أن قتادة قال له: لقد بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة فقال لي سعيد: حدثني جابر: كانوا خمس عشرة مائة، الذين بايعوا النبي ﷺ يوم الحديبية.\nقال البخاري تابعه أبو داود عن قرة عن قتادة، وقد قال بعض الرواة: عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن ابن المسيب قال: نسي جابر، كانوا خمس عشرة مائة ولم يقل: حدثني جابر.\n٩٦٤ - * روى أحمد والطبراني عن البراء بن عازب قال: كُنا مع رسول الله ﷺ في مسير فأتينا على ركيةٍ دمنةٍ - أي قليلة الماء - قال: فنزل فيها ستةٌ أنا سادسُهم\n_________\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\n(٢) البخاري (١٠/ ١٠١) ٧٤ - كتاب الأشربة -٢١ - باب شُرب البركة، والماء المبارك.\n(٣) مسلم (٣/ ١٤٨٤) ٣٣ - كتاب الإمارة-١٨ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.\n(٤) البخاري (٧/ ٤٤٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٥ - باب غزوة الحديبية.\n٩٦٤ - أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٢) والمعجم الكبير (٢/ ٢٦).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٠): رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح.\nركية: الركيةُ: البئر لم تطو، ولم تطو: أي لم تدفن بالحجارة.\nدمنة: الدمنة في الأصل خشاش الأرض إذا اجتمع، وهذه بئر مهجورة.","vol":"3","page":1155},{"text":"ماحةً. قال: فأدليتْ إلينا دلوٌ قال: ورسول الله ﷺ على شفة الرَّكي، قال: فجعلنا فيها نصفها أو قريب ثلثيها فرُفعت إلى رسول الله ﷺ. قال البراء: فجئتُ بإنائي هل أجد شيئًا أجعله في حلقي؟ فما وجدتُ، فرُفِعَتِ الدلُو إلى رسول الله ﷺ فغمس يده فيها، فقال: ما شاء الله أن يقول: فأعيدتْ إلينا الدلْوُ بما فيها. قال: فقد رأيتُ آخرَنا أُخْرِجَ بقوةٍ خشية الغرقِ. قال: ثم ساحت - يعني جرت نهرًا-.\n٩٦٥ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العُسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قَيْظٍ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحرُ بعيره فيعصِرُ فرثَهُ فيشربُه، ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إنْ اله قد عوْدك في الدعاء خيرًا، فادع له. فقال: \"أتحبُّ ذلك؟ \" قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهُما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جازت العسكر.\n٩٦٦ - * روى البخاري ومسلم عن عمران بن حصين قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ وإنا أشريْنا حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان - يسميهم أبو رجاء فنسي عوفٌ- ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي ﷺ إذا نام لم يُوقَظْ حتى يكون هو نستيقظ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه. فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس - وكان رجلًا جليدًا - فكبَّرَ ورفع صوته بالتكبير، فما زال يُكبِّرُ ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي ﷺ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال (١): \"لا ضير\n_________\nماحةً: من الميح وهي جمع مائح، وهو الذي ينزل إلى البئر ويملأ الدلو.\nوذلك إذا قل ماؤها ليسقي من يحتاج من القوم.\n٩٦٥ - المستدرك (١/ ١٥٩)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n٩٦٦ - البخاري (١/ ٤٤٧) ٧ - كتاب التيمم -٦ باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء.\nومسلم نحوه (٦/ ٤٧٦) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة -٥٥ - باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها.\nجليدًا: الجليد: الجلدُ القوي في نفسه وجسمه. =","vol":"3","page":1156},{"text":"- أو لا يضيرُ - ارتحِلوا\" فارتحل، فسار غير بعيدٍ، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونُودِيَ بالصلاة فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجلٍ معتزلٍ لم يُصلِّ مع القوم، قال: \"ما منعك يا فلان أن تُصلي مع القوم؟ \" قال: أصابتني جنابةٌ ولا ماء. قال: \"عليك بالصعيد. فإنه يكفيك\" ثم سار النبي ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا - كان يسميه أبو رجاءٍ نسيه أبو عوفٌ- ودعا عليًا فقال: \"اذهبا فابتغيا الماء\" فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعيرٍ لها فقالا لها: أين الماءُ؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خُلوفًا. قالا لها: انطلقي إذًا. قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ. قالت الذي يُقال له الصابئُّ. قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي. فجاءا بها إلى النبي ﷺ وحدثاهُ الحديث. قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودع النبي ﷺ بإناء ففرَّغَ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ أفواههُما وأطلق العزالي ونُودي في الناس: اسقوا واستقوا. فسقى من شاء واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماءٍ. قال: اذهب فأفرغه عليك. وهي قائمة تنظرُ إلى ما يُفْعَلُ بمائها. وايمُ الله لقد أُقْلعَ عنها وإنه ليُخيَّلُ إلينا أنها أشدُّ ملأةُ منها حين ابتدأ فيها. فقال النبي ﷺ: \"اجمعوا لها\" فجمعوا لها - من عجوةٍ ودقيقةٍ وسويقةٍ- حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوبٍ وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: \"تعلمين ما رزِئْنا من مالك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا\" فأتتْ أهلها وقد احتبسَتْ عنهم. قالوا: ما حَبَسكِ يا فُلانةُ؟ قالت: العجبُ، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقالُ له الصابئُّ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحرُ الناس من بين هذه وهذه (١) - وقالت بإصبعيْها الوُسطى والسبابة فرفعتهما إلى\n_________\n= الضير والضرر: المضرة، ولا يضير: لا يضرُ، إلا أنه تفعل من الضير.\nالصعيد: وجه الأرض، وقيل: التراب خاصة\nالنفر: جماعة القوم.\nالخلوف: الغيب عن الحي، والمعنى: أن الرجال قد خرجوا من الحي، وأقام النساء.\nالصابئ: الذي خرج من دين إلى دين آخر، وكان المشركون يسمون رسول الله ﷺ: الصابئ، لمفارقته دينهم.\nالإيكاء: الشد والربط، الوكاء: ما يشد به رأس القِربة وغيرها من خيط ونحوه.\nالعزالي: أفواه المزادة السفلى: واحدها: عزلاء.\nما رزأنا: أي ما أخذنا ولا نقصنا. =","vol":"3","page":1157},{"text":"السماء تعني السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقًا. فكان المسلمون بعد لك يُغيرون على من حولها من المشركين ولا يُصيبون الصِّرْمَ الذي هي منه. فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعُونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام.\n٩٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ وحانتْ صلاةُ العصر، فالتمس الناسُ الوضوء، فَلَمْ يجدوهُ، فأُتي رسول الله ﷺ بوضوءٍ، فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يدهُ، وأمر الناس أن يتوضؤوا منهُ، قال: فرأيتُ الماء ينْبُع من تحتِ أصابعه، حتى توضؤُوا منْ عند آخرهم.\nوفي رواية قال (١): إن النبي ﷺ دعا بماءٍ، فأُتي بقدحٍ رحراحٍ، فجعل القومُ يتوضؤون، فحزرْتَ ما بين الستين إلى الثمانين، قال: فجعلتُ أنظرُ إلى الماء ينبعُ من بين أصابعه.\nوللبخاري قال (٢): حضرتِ الصلاةُ، فقام من كان قريب الدارِ من المسجد يتوضأ، وبقي قومٌ، فأُتي رسول الله ﷺ بمِخْضَبٍ من حجارةٍ فيه ماءٌ، فوضع كفه فصغُر المِخْضَبَ أنْ يبْسط فيه كفُهُ، فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القومُ كلهم جميعًا، قلت: كمْ كانوا؟ قال: ثمانون رجلًا.\nوله في أخرى قال (٣): خرج النبي ﷺ في بعض مخارجه، ومعه ناسٌ من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة، فلم يجدوا ماء يتوضؤون، فانطلق رجلٌ من القوم\n_________\n= الصّرْم: طائفة من القوم ينزلون بإبلهم ناحية من الماء منفردين.\n٩٦٧ - البخاري (١/ ٣٧١) ٤ - كتاب الوضوء - ٣٢ - باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة.\nومسلم (٤/ ١٧٨٣) ٤٣ - كتاب الفضائل -٣ - باب في معجزات النبي ﷺ.\n(١) البخاري بنحه (١/ ٣٠٤) ٤ - كتاب الوضوء -٤٦ - الوضوء من التوْر\nومسلم واللفظ له (٤/ ١٧٨٣) ٤٣ - كتاب الفضائل -٣ - باب في معجزات النبي ﷺ.\nرحراح: الإناء الواسع القصير الجدار.\n(٢) البخاري (٦/ ٥٨١) ٦١ - كتاب المناقب - ٣٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nالمِخْضَب: إناء واسع يغسل الناس فيه ثيابهم ويستعمل لما سوى ذلك.\n(٣) البخاري في نفس الموضع السابق.","vol":"3","page":1158},{"text":"فجاء بقدحٍ من ماءٍ يسير، فأخذه النبي ﷺ فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع على القدح، ثم قال: \"قومُوا فتوضؤوا\"، فتوضأ القومُ حتى بلغوا فيما يُريدون من الوضوء، وكانوا سبعين، أو نحوه.\nولهما في رواية قال (١): أُتي النبيُّ ﷺ بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبعُ من بين أصابعه، فتوضأ القومُ.\nقال قتادةُ: قلتُ لأنسٍ: كَمْ كنتُم؟ قال: ثلاثمائةٍ، أو زُهاء ثلاثمائة.\nولمسلم (٢): أن نبي الله ﷺ كان وأصحابه بالزوراء - قال: والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمَّه - دعا بقدح فيه ماءٌ، فوضع كفه فيه فجعل ينبعُ من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، قال: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زُهاء الثلاثمائة.\nوللنساء قال (٣): طلب بعضُ أصحاب رسول الله ﷺ وضوءًا، فقال رسول الله ﷺ: \"هل مع أحدٍ منكُم ماءٌ؟ \" فوضع يدهُ في الماء، ويقول: \"توضؤوا بسم الله\" فرأيت الماء يخرُج من بينِ أصابِعِه، حتى توضؤوا من عند آخرهم. قال ثابت: قلت لأنس: كمْ تراهُم؟ قال: نحوًا من سبعين.\n٩٦٨ - * روى مسلم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلبُ العلمَ في هذا الحي من الأنصار، قبل أن يهلكوا فكان أول من لقينا أبا اليسر، صاحب رسول الله ﷺ. ومعهُ غلامٌ لهُ. معهُ صمامةٌ من صُحُفٍ وعلى أبي اليسر بردة ومعافري. وعلى غُلامه بردة ومعافري. فقال له أبي: يا عمِّ! إني أرى في وجهك\n_________\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق (٦/ ٥٨٠)\nومسلم (٤/ ١٧٨٣) ٤٣ - كتاب الفضائل -٣ - باب في معجزات النبي ﷺ.\nزهاء: كذا: قدر كذا وما يقاربه.\n(٢) مسلم نفس الموضع السابق.\n(٣) النسائي (١/ ٦١) كتاب الطهارة - باب التسمية عند الوضوء.\n٩٧٨ - مسلم (٤/ ٣٣٠١) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق -١٨ - باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر.\nضمامة: الإضمامة من الكتب: الرزمة المجتمعة منها، والذي جاء في مسلم ضمامة بغير ألف.\nالمعافري: ثوب ينسب إلى معافر، وهو موضع باليمن. =","vol":"3","page":1159},{"text":"سفعة من غضبٍ. قال: أجل كان لي على فلان بن فلان الحرامي مالٌ. فأتيتُ أهلهُ فسلمتُ. فقلت: ثم هو؟ قالوا: لا. فخرج علي ابن له جفرٌ. فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي. فقلت: اخرجْ إليَّ. فقدْ علمتُ أين أنت. فخرج. فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله! أُحدثك. ثم لا أكذبُك. خشيتُ، والله! أن أحدثك فأكذبك. وأن أعدك فأخلفك. وكنت صاحب رسول الله ﷺ. وكنت، والله! معسرًا. قال: قلتُ: آلله! قال: اللهِ! قلت: آللهِ! قال: الله. قلت: آلله! قال: الله. قال فأتى بصحيفته فمحاها بيده. فقال: إن وجدت قضاء فاقضني. وإلا أنت في حِلٍّ، فأشهدُ بصر عيني هاتين (ووضع إصبعيه على عينيه) وسمع أذني هاتين، ووعاهُ قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه) رسول الله ﷺ وهو يقول: \"من أنْظَرَ معسرًا\" أو وضعه عنهُ، أظلهُ الله في ظله\".\nقال فقلتُ له أنا: يا عم! لو أنك أخذت بُردة غُلامِكَ وأعطيتَهُ معافريكَ، وأخذت معافريهُ وأعطيته بُرْدَتك، فكانت عليك حُلةً وعليه حُلةً. فمسح رأسي وقال: اللهم! بارك فيه. يا ابن أخي! بصرُ عيني هاتين، وسمع أذني هاتين، ووعاه قلبي هاذ (وأشار إلى مناط قلبه) رسول الله ﷺ وهو يقول: \"أطعموهم مما تأكلون. وألبسوهم مما تلبسون\". وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون عليَّ منْ أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة.\nثم مضينا حتى أتينا جابر بن عبد الله في مسجده، وهو يُصلي في ثوبٍ واحدٍ (١)،\n_________\n= السُفعة: تغير اللون من الغضب، وأصله من سفعتهُ النار: إذا غيرت لونه.\nالحرامي: نسبة إلى بني حرام.\nغلام جفر: أي مشتد قوي.\nأريكة: الأريكة: السرير المنضد عليه فرش، ودونه ستر، وقيل: كل ما اتُّكئ عليه.\nقلت ألله: أتحلف بالله.\nقال الله: أحلف بالله.\nنياط القلب: هو العرق المعلق بالقلب.\nالحُلة: ثوبان من جنس واحد.","vol":"3","page":1160},{"text":"مشتملًا به. فتخطيتُ القومَ حتى جلستُ بينه وبين القِبْلَة. فقلت: يرحمُك الله! أتصي في ثوبٍ واحدٍ ورداؤك إلى جنبك؟ قال: فقال بيده في صدري هكذا. وفرَّق بين أصابعه وقوسها: أردتُ أن يدخل علي الأحمق مثلك، فيراني كيف أصنعُ، فيصنعُ مثله.\nأتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طابٍ، فرأى في قبلة المسجد نُخامة فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال: \"أيكم يُحبُّ أن يُعْرِض الله عنه؟ \" قال فخشعنا. ثم قال: \"أيكُمْ يُحبُّ أن يُعْرِض الله عنه؟ \" قال فخشعنا. ثم قال: \"أيُّكُم يُحبُّ أن يُعْرِض الله عنه؟ \" قلنا: لا أينا، يا رسول الله! قا: \"فإن أحدكم إذا قام يُصلي، فإن الله تبارك وتعلى قِبَلَ وجهه فلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وجهه. ولا عن يمينه. وليبصُق عن يساره، تحت رجله اليُسْرى. فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا\" ثم طوى ثوبه بعضه على بعضٍ فقال: \"أرثوني عبيرًا\" فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله. فجاء بخلوقٍ في راحتِه. فأخذه رسول الله ﷺ فجعله على رأس العُرْجُونِ. ثم لطخَ به على أثر النُّخامة.\nفقال جابرٌ: فمِنْ هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم.\n_________\n= مشتملًا به: ملتفًا.\nالعُرجون: العود الذي يكون في شماريخ عِذق الرطب.\nعرجون ابن طاب: نوع من رطب المدينة.\nالنخامة: البزقة التي تخرج من أقصى الحلق من مخرج الخاء المعجمة.\nفخشعنا: الفزع والخوف، هكذا روينا هذه اللفظة في كتاب مسلم وفي كتاب الحميدي بالجيم، وقد ذكرها الحافظ أبو موسى الأصفهاني ف يكتابه في \"تتمة الغريبين\" بالخاء المعجمة من الخشوع، وهو الاستكانة والخضوع.\nفإن عجلت به بادرة: أي غلبته نخامة أو بصاق.\nفليقل: فليفعل.\nأروني: أعطوني.\nالعبير: طيب مخلوط، وقيل: العبير عند العرب: الزعفران.\nيشتدُ: الاشتداد: العدو.\nالخلوق: طيب له لون أحمر أو أصفر.","vol":"3","page":1161},{"text":"سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطنِ بُواطٍ. وهو يطلبُ المجديَّ بن عمرو الجُهنيِّ وكان الناضحُ يعقبهُ منا الخمسةُ والستةُ والسبعةُ. فدارت عُقبةُ رجلٍ من الأنصار على ناضحٍ له فأناخه فركبه. ثم بعثهُ فتلدَّن عليه بعض التلدُّن. فقال له: شأْ لعنك الله. فقال رسول الله: \"من هذا اللاعنُ بعيرهُ؟ \" قال: أنا يا رسول اله! قال: \"انزلْ عنهُ، فلا تصحبنا بملعونٍ. لا تدعُوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكُمْ، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسألُ فيها عطاء، فيستجيبُ لكم\".\nسرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كانت عُشيْشيةُ ودنونا ماء من مياه العرب، قال رسول الله ﷺ: \"من رجلُ يتقدمنا فيمدُرُ الحوضَ فيشربُ ويسقينا؟ \" قال جابر: فقمتُ فقلتُ: هذا رجلٌ، يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: \"أيُّ رجلٍ مع جابرٍ؟ \" فقام جبارُ بن صَخْرٍ. فانطلقنا إلى البئر. فنزعنا في الحوض سجلًا أو سجلين. ثم مدرناهُ. ثم نزعنا فيه حتى أفقهناهُ. فكان أول طالعٍ علينا رسول الله ﷺ. فقال: \"أتأذنانِ؟ \" قلنا: نعم يا رسول الله! فأشرع ناقتهُ فشربتْ شنق لها فشجتْ فبالتْ. ثم\n_________\n= يعقبه: التعقب ركوب الرفقة على بعير، واحدًا بعد واحد، أي يركب هذا عقب هذا والعُقبة: هي تلك الفعلة.\nفتلدن: تلدن البعير: إذا توقف في المشي وتمكث على راكبه.\nشأ. لعنك الله: كلمة زجر للبعير.\nعُشيشيةٌ: تصغير عشية على غير قياس.\nمدرتُ الحوض: لطخته بالطين تصلحه به وتسدُّ ثقبه.\nالسجل: الدلو العظيمة.\nنزعت الدلو: جذبتُها واستقيت بها الماء من البئر.\nأفقهتُ الحوض: ملأته.\nأشرع ناقته: إذا أوردها الماء.\nشنق لبعيره: جذب زمامه إليه بعد أن كان أرخاه.\nفشجت: أي قطعت الشرب، ومنه شججتُ المفازة: قطعتها بالسير هذا الذي فسره الحميدي في شرح كتابه \"الجمع بين الصحيحين\" والذي رواه الخطابيُّ في غريبه قال: \"فأِرع ناقته فشربت، وشنق لها ففشجت وبالت\"، وقال: معناه: تفاجت: وفرقت ما بين رجليها لتبول، والذي جاء في كتاب مسلم \"فشجت\" كما رواه الحميدي بتشديد الجيم، والله أعلم. =","vol":"3","page":1162},{"text":"عَدَلِ بها فأنخها، ثم جاء رسول الله ﷺ إلى الحوض فتوضأ منه ثم قُمتُ فتوضأت من متوضإ رسول الله ﷺ. فذهب جبارُ بن صخرٍ يقضي حاجته. فقام رسول الله ﷺ ليصلي. وكانت عليَّ بردة ذهبتُ أن أخالف بين طرفيها فلم تبلغ لي وكانت لها ذياذبُ فنكستُها ثم خالفت بين طرفيها. ثم تواقصْتُ عليها. ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينيه، ثم جاء جبارُ بن صخرٍ فتوضأ. ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفهُ. فجعل رسول الله ﷺ يرمقُني وأنا لا أشعرُ. ثم فطِنْتُ به. فقال هكذا، بيده. يعني شُدَّ وسطك. فلما فرغ رسول الله ﷺ قال \"يا جابرُ! \" قلتُ: لبيك يا رسول الله قال: \"إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه. وإذا كان ضيقًا فاشدده على حقوك\".\nسِرْنا مع رسول الله ﷺ وكان قُوتُ كل رجلٍ منا، في كل يوم، تمرة. فكان يمُصُّها ثم يصرها في ثوبه وكنا نختبط بقِسينا ونأكل حتى قَرِحَتْ أشداقنا فأقسم أخطئها رجلٌ منا يومًا. فانطلقنا به نتعشَهُ. فشهدنا أنه لم يعطها. فأعطيها فقام فأخذها.\nسرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديًا أفْيح. فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتبعته بإداوةٍ من ماء فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئًا يستتر به. فإذا شجرتان بشاطيء الوادي فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصنٍ من أغصانها. فقال: \"انقادي علي بإذن الله\" فانقادت معه كالبعير المخشوشِ، الذي يُصانع قائدهُ. حتى أتى\n_________\n= باذب: الذباذب: كل ما يتعلق من الشيء فيتحرك، والذبْذبة: حركة الشيء المعلق.\nتواقصتُ عليها: أمسكتها بعنقي، وهو أن يحني عليها رقبته.\nنختبط: الاختباط: ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها.\nقرحت أشداقنا: تجرحت من أكل الخبط.\nأخطئها: يعني أنهم غفلوا عن رجل منهم، فلم يعطوه التمرة التي تخصه نسيانًا.\nننعشه: نشهد له، كأنه قد عثر فانتعش، فقام فأخذها لما أُعطيها.\nالأفيح: الواسع.\nالبعير المخشوْش: الذي قد جعل في أنفه الخشاش، وهو عُويد يجعل في أنفه ليكون أسرع لانقياده. =","vol":"3","page":1163},{"text":"الشجرة الأخرى. فأخذ بغصن من أغصانها فقال: \"انقادي علي بإذن الله\" فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنصفِ مما بينهما، لأم بينهما (يعني جمعهُمَا) فقال: \"التئما علي بإذن الله\" فالتأمنا. قال جابر: فخرجتُ أحْضِرُ مخافة أن يُحِسَّ رسول الله ﷺ بقرْبي فيبتعد (وقال محمدُ بن عياد: فيتبعد) فجلسْتُ أحدث نفسي. فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلًا. وإذا الشجرتان قد افترقتا كلُّ واحدةٍ منهما على ساقٍ. فرأيتُ رسول الله ﷺ وقف وقفةً. فقال يرأسه هكذا (وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينًا وشمالًا) ثم أقبل. فلما انتهى إلىَّ قال: \"يا جابر! هل رأيت مقامي؟ \" قلت: نعم. يا رسول الله! قال \"فانطلقْ إلى الشجرتين فاقطعْ مِنْ كل واحدة منهما عُصْنًا. فأقبل بهما. حتى إذا قمت مقامي فأرسل غُصنًا عنْ يمينك وغُصْنًا عن يسارك\".\nقال جابر: فقُمتُ فأخذتُ حجرًا فكسرتُهُ وحسرْتُهُ فانذلق لي. فأتيتُ الشجرتين فقطعتُ من كل واحدةٍ منهما غُصْنًا. ثم أقبلتُ أجرهما حتى مقام رسول الله ﷺ أرسلْتُ غصْنًا عن يميني وغصْنًا عن يساري. ثم لحقتهُ فقلتُ: قد فعلتُ يا رسول الله! فعَمِّ ذاك؟ قال: \"إني مررتُ بقبرينِ يُعذَّبان. فأحْبَبْتُ، بشفاعتي، أنْ يَرَفَّه عنَّهما، ما دام الغُصّْنَانِ رطْبيَيْنِ\".\nقال: فأتيْنا العسْكَرْ، فقال رسول الله ﷺ \"يا جابرُ! نادِ بوضوءٍ\" فقلتْ: ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ قال قلتُ: يا رسول الله! ما وجَدْتُ في الرَّكْبِ مِنْ قطرةٍ. وكان رجلُ من الأنصار يُبَرِّدُ لرسول الله ﷺ الماء، في أشجابٍ له (١)؛ على حِمارةٍ\n_________\n= المنصف: موضع النصف بين الشيئين.\nالإحضار: العدو والسعي، ورويدًا: على مهل.\nفانذلق: صار له حد يقطع به، وذلق كل شيء: حده، وأذلقتُ الشيء: إذا حددته.\nحسرته: قطعته، وهو من حسرتُ الشعر: إذا أزلته من موضعه، وحسرت الذراع: إذا كشفتها، فكأنه كشف نواحي الحجر بالتقطيع، لتنفلق له شيظة من شظاياه يقطع بها غصن الشجر.\nالأِجاب: جمع شجب، وهو ما أخلق من الأسقية وبلى.\nحمارة: الحمارة: ثلاثة أعواد يشد بعض أطرافها إلى بعض، ويخالف بين أرجلها، ويعلق عليها السقاء ليبرد الماء. =","vol":"3","page":1164},{"text":"منْ جريدٍ. قال فقال لي: \"انطلق إلى فلان بن فلانٍ الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيءٍ؟ \" قال: فانطلقت إليه فنظرْتَ فيها فلم أجد إلا قطرة في غزلاء شجب منها، لو أني أفرِغَهُ لشربهُ يابسُهُ. فأتيتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله! إني لمْ أجد فيها إلا قطرةً في غزلاء شجبٍ منها. لو أني أفرغُهُ لشربهُ يابسُهُ. قال: \"اذهب فأتني به\" فأخذه بيده فجعَل يتكلمُ بشيءٍ لا أدري ما هو ويغمزُهُ بيديه. ثم أعطانيه فقال: \"يا جابرُ! ناد بجفنةٍ\" فقلتُ: يا جفنة الركبِ! فأتيتُ بها تُحْمَلُ. فوضعتها بين يديه. فقال رسول الله ﷺ بيده في الجفنةِ هكذا. فبسطها وفرق بين أصابعِه. ثم وضعها في قعر الجفنةِ. وقال: \"خُذْ. يا جابرُ! قصُب عليَّ. وقل: باسم الله\" فصببتُ عليه وقلتُ: باسم الله. فرأيتُ الماء يفورُ بين أصابع رسول الله ﷺ. ثم فارتِ الجفنة ودارت حتى امتلأت فقال: \"يا جابرُ! ناد من كان له حاجة بماءٍ\" قال فأتى الناس فاستقوا حتى رووا. قال فقلت: هل بقي أحدٌ له حاجةً؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى.\nوشكا الناسُ إلى رسول الله ﷺ الجوع. فقال: \"عسى الله أن يُطْعِمكُمْ\" فأتينا سيف البحر فزخر البحر زخرةَ. فألقى دابةً. فأورينا على شقها النار. فاطبخنا واشتوينا، وأكلنا حتى شبعنا قال جابرُ: فدخلت أنا وفلان وفلان، حتى عد خمسة، في حجاج عينها. ما يرانا أحد. حتى خرجنا. فأخذنا ضلعًا من أضلاعه فقوسناه. ثم دعونا بأعظم\n_________\n= العَزْلاء: أحد عزالي المزادة، وهو فمها الذي يخرج منه الماء.\nلشربه يابسه: معناه أنه قليل جدًا. فلقلته، مع شدة يبس باقي الشجب، وهو السقاء، لو أفرغته لاشتفه اليابس منه ولم ينزل منه شيء.\nويغمزه بيديه: أي يعصره.\nيا جفنة الركب: أي يا صاحب جفنة الركب. فحذف المضاف للعلم بأنه المراد، وأن الجفنة لا تنادي. ومعناه يا صاحب جفنة الركب التي تشبعهم أحضرها، أي من كان عنده جفنة بهذه الصفة، فليحضره.\nسيف البحر: ساحله وجانبه.\nالبحرُ يزخرُ: إذا هاج وارتفعت أمواجه.\nأورينا: أوقدنا النار.\nحِجاج العين: العظم المستدير حولها، الذي مجموع العين فيه.","vol":"3","page":1165},{"text":"رجلٍ في الركبِ، وأعظم جملٍ في اركب، وأعظم كفل في الركبِ، فدخل تحتهُ ما يطأطئ رأسه.\n٩٦٩ - * روى الطبراني عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي فانتهيتُ إليهم وأنا طاوٍ، فانتهيت إليهم وهم يأكلون دما، فقلت: إنما جئتُ أنهاكُم عن هذا، فوضعتُ رأسي فقمتُ وأنا مغلوب فأتاني آتٍ في منامي بإناء فيه شراب، فقال: خذ هذا واشرب ثم كظني بطني فشبعت ثم رويت، فسمعتهم يقولون أتاكُم رجلٌ من سُراة قومكم فلم تنجعوه بالمذيقة، فأتوني بمذيقتهم، فقلت: لا حاجة لي فيها إن الله أطعمني وسقاني فأريتُهم بطني فأسلموا عن آخرهم.\n٩٧٠ - * روى البخاري عن عائشة قالت: لقدْ تُوفي النبي ﷺ وما في رفِّي مِنْ شيء يأكله ذو كبدٍ إلا شطرُ شعيرٍ في رف لي فأكلتُ منه حتى طال علي فكلتُهُ ففَنِيَ.\n٩٧١ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عهما: أن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في عكةٍ لها سمنًا، فيأتيها بنوها، فيسألون الأدْم، وليس ندهم شءٌ، فتعمدُ إلى الذي كانت تُهدي فيه للنبي ﷺ فتجدُ فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أدْمَ بيتُها حتى عصرتْهُ، فأتت النبي ﷺ، فقال: \"عصرتيها\" قالت: نعم، قال: \"لو تركتيها ما زال قائمًا\".\n_________\n= الركب: جمع راكب، والمراد به: الرفقة كلهم.\nالكِفْل: الكساءُ الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط.\n٩٦٩ - المعجم الكبير (٨/ ٣٣٥)\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٧): رواه الطبراني بإسنادين، وإسناد الأولى حسن، فيها أبو غالب، وقد وُثق.\n٩٧٠ - البخاري (١١/ ٢٧٤) ٨١ - كتاب الرقاق -١٦ - باب فضل الفقر.\n٩٧١ - مسلم (٤/ ١٧٨٤) ٤٣ - كتاب الفضائل-١ - باب فضل نسب النبي ﷺ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.\nالعُكة: آنية السمن.\nالأدْم: ماي ؤكل مع الخبز أي شيء كان.","vol":"3","page":1166},{"text":"٩٧٢ - * روى الطبراني عن قيس بن النعمان السكوني قال: انطلق رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر مستخفيان من قريش، فمروا براعٍ، فقال له رسول الله ﷺ: \"هل من شاة ضربها الفحْل؟ \" قال: لا، ولكن ههنا شاة قد خلفها الجهد، قال: \"ائتني بها\" فأتاه بها فمسح ضرعها ودعا بالبركة، فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال له: تالله ما رأيتُ مثلك، من أنت؟ قال: \"إن أخبرتك تكْتُم عليَّ؟ \" قال: نعم، قال: \"أنا محمدٌ رسول الله\" قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: \"إنهم يقولون ذلك\"، قال: فإني أشهد إنك رسول الله، وإنه لا يقدر على ما فعلت إلا رسول، ثم قال له: اتبعك، فقال له النبي ﷺ: \"أما اليوم فلا، ولكن إذا سمعت أنا قد ظهرنا فأتنا\" فأتى النبيُ ﷺ بعد ما ظهر بالمدينة.\n٩٧٣ - * روى البخاري أن أبا هريرة كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإنْ كنت لأشُدُّ الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليُشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال \"يا أبا هِرّ\" قلتُ: لبيكَ رسول الله، قال: \"الحقْ\" ومضى. فتبعتُه، فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح فقال: \"من أين هذا اللبن؟ \" قالوا أهداهُ لك فلان - أو فلانة - قال: \"أبا هر\" قلتُ: لبيك يا رسول الله، قال: \"الحق إلى أهل الصفة فادعُهم لي\" قال: وأهلُ الصفة أضيافُ الإسلام، لا يأوون على أهلٍ ولا مالٍ ولا على أحدٍ، إذا أتتهُ صدقةً بعث إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها (١)، فإذا جاءوا\n_________\n٩٧٢ - المعجم الكبير (١٨/ ٣٤٣).\nوقال الهيثمي في مجمع لازوائد (٨/ ٣١٢): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\nوقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: وسنده صحيح.\n٩٧٣ - البخاري (١١/ ٢٨١) ٨١ - كتاب الرقاق-١٧ - باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا.","vol":"3","page":1167},{"text":"أمرني فكنتُ أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلُغني من هذا للبن، ولم يكنْ من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بُد، فأتيتُهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: \"يا أبا هر\" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: \"خذ فأعطهم\" فأخذتُ القدح فجعلتُ أعطيه الرجل فيشربُ حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، فيشربُ حتى يروى، ثم يردُّ عليَّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليَّ فتبسم فقال: \"أبا هر\" قلت: لبيك يا رسول الله. قال: \"بقيتُ أنا وأنت\" قلتُ: صدقت يا رسول الله، قال: \"أٌعدْ فاشرب\" فقعدتُ فشربت، فقال: \"اشربْ\" فشربت، فما زال يقول: \"اشرب\" حتى قلتُ: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا. قال: \"فأرني\" فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة.\n٩٧٤ - * روى الحاكم عن هشام بن حُبيش بن خويلد صاحب رسول الله ﵌: أن رسول الله ﵌ خرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة، وأبو بكر ﵁، ومولى أبي بكر عامرُ بن فُهيرة، ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط، مرُّوا على خيمتيْ أم سعيدٍ الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك (١)، وكان\n_________\n٩٧٤ - المستدرك (٣/ ٩)، وقال:\nهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ويستدل على صحته وصدق رواته بدلائل: فمنها: نزول المصطفى ﷺ بالخيمتين متواترًا في أخبار صحيحة ذوات عدد ومنها: أن الذين ساقوا الحديث على وجهه أهل الخيمتين من الأعاريب الذين لا يتهمون بوضع الحديث، والزيادة والنقصان، وقد أخذوه لفظًا بعد لفظ عن أبي معبد وأم معبد. ومنها: أن له أسانيد، كالأخذ باليد أخذ الولد عن أبيه والأب عن جده، لا إرسال ولا وهن في الرواة ومنها: أن الحر بن الصباح النخعي أخذ عن أبي معبد، كما أخذه ولده عنه، فأما الإسناد الذي رويناه بسياقه الحديث عن الكعبيين فإنه إسناد صحيح عال للعرب والأعاربة، وقد علونا في حديث الحر بن الصبح. وأقره الذهبي.\nبرزة: متجاهرة كهلة جليلة تبرز للقوم يجلسون إليها ويتحدثون وهي عفيفة.\nتحتبي: أحتبي: جلس على إليتيه وضم فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند، واحتبى بالثوب أداره على ساقيه وظهره وهو جالس كماسبق.\nبفناء الخيمة: يعني أما خيمتها.","vol":"3","page":1168},{"text":"القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله ﵌ إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: \"ما هذه الشاة يا أم معبدٍ؟ \" قالت: شاة خلفها الجهدُ عن الغنم. قال: \"هل بها من لبن؟ \" قالت: هي أجهد من ذلك: قال: \"أتأذنين لي أن أحلبها؟ \" قالت: بأبي أنت وأمي. إنْ رأيت بها حلبًا فاحلبْها فدعا بها رسول الله ﵌ فمسح بيده ضرعها، وسمى الله تعالى، ودعا لها في شاتها فتفاجتْ عليه درتْ فاجترتْ، فدعا بإناء يُرْبِض الرهْطَ فحلب فيه ثَجًّا حتى علا لبنها البهاءُ، ثم سقاها حتى زويتْ، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم حتى أراضوا، ثم حلب فيه الثانية على هداةٍ حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها، ثم بايعها وارتحلوا عنها فما لبثتْ حتى جاءها زوجُها أبو معبدٍ، ليسوق أعنزًا عجافًا يتساوكْنَ هزالًا، مخهنِّ قليل، فلما رأى أبو معبد اللين أعجبه، قال: من أين لك هذا يا أم معبد، والشاء عازبُ حائلُ، ولا حلوب في البيت؟ قلت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخَلْق، لم تعبْه ثُجْلَةٌ، ولم تُزريه صعلةً، وسيم قسيمٌ، في عينيه دعجٌ، وفي أشفاره وطفٌ، وفي صوته صهلٌ (١)، وفي\n_________\n= مرملين: يقال فلان رمل: إذا نفد زاده وافتقر.\nمسنتين: أسنت القوم: أصابتهم سنة مجدبة.\nكسر الخيمة: الكسر: جانب البيت. أو الناحية من كل شيء. والجمع أكسار وكسور.\nإن رأيت بها حلبًا: أي وجدت بها لبنًا.\nفتفاجت عليه: أي باعدت رجليها للحليب.\nيُربِضُ الرهط: أربض لشراب القوم: أرواهم حتى أثقلهم، فربضوا وناموا ممتدين على الأرض.\nثجًا: ثج الماء ثجوجًا: سال وانصبُ فهو ثاج. والماء ونحوه ثجًا أساله فهو مثجوج.\nأراضوا: أراض فلان: شرب عللًا بعد نهلٍ.\nهداة: الهداة: الرفق والأناة.\nيتساوكن: تساوك: سار سيرًا ضعيفًا. والمشية هزلت حتى تمايلت في مشيها من الضعف.\nعازب: العازب: البعيد.\nحالل: حالت الناقة تحل حؤولًا وحيالًا، أي ضربها الفحل فلم تحمل.\nثُجلة: ثجلًا: عظم بطنه واسترخى، فهو أثجلُ وهي ثجلاء والجمع ثُجلُ.\nصعلة: الصعلة: الدقة والنحول والخفة في البدن.\nقسيم: القسامة: الحسن والجمال.\nدعجُ: دعجتِ العينُ دعجًا ودعجة: شدة سواد العين في شدة بياضها مع سعتها، وهو أدعجُ وهي دعجاءُ.\nأشفاره: الأشفار: الشُّفْر حرف الجفن الذي ينبت عليه الشعر وهو الهدب.\nوطف: وطِف - يوْطَفُ. فهو أوْطَفٌ: كثرة شعر حاجبيه وأهدابه مع استرخاء وطول.\nصهل: حدةٌ وصلابة. من صهيل الخيل وهو صتها. ويروى بالحاء. =","vol":"3","page":1169},{"text":"عنقه سطعٌ، وفي لحيته كثاثةٌ، أزجُّ أقرنُ، إن صمتُ فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق، فصلًا لا تزر ولا هدر كأن منطقهُ خرزاتُ نظمٍ يتحدرن، ربعةٌ لا تشنؤهُ من طولٍ، ولا تقتحمه عين من قصرٍ، غصن بين غصنين، فهو أنضرُ الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا له رُفقاء يحفون به، إن قال سمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفودٌ محشدٌ، لا عابس ولا مفند. قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر، ولقد هممت أنْ أصحبه، ولأفعلن إنْ وجدت إلى ذلك سبيلًا وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه: وهو يقول:\nجزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد\nهما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسي رفيق محمد\nفيسأل قُصي ما زوى الله عنكم ... به من فعالٍ لا تجازى وسؤدد\nليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يُسعد الله يسعد\nوليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد\nسلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد\nدعاها بشاة حائل فتحلبتْ ... عليه صريحاضرة الشاة مزيد\nفغادره رهنًا لديها لحالب ... يرددها في مصدر بعد مورد\n_________\n= سطعٌ: سطع في العنق: ارتفاع وطول العنق.\nأزَجُّ: أرجُّ الحواجب: الزججُ: تقوس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداد.\nأقرن: أي مقرون الحاجبين. فهو أقرنُ وهي قرناءُ.\nلا نزر: النزرُ قليل الخير.\nولا هدر: الهذر: الهذيان.\nلا تشنؤهُ من طول: أي لا يبْغض لفرط طوله. ويقال: شنئه. شنئتُه أشنؤه شنئًا وشنآنًا. والشانئ المبغض.\nنحفون به: يحيطون به.\nمحفود: المحفود: الذي يخدمه أصحابه ويعظمونه ويسرعون في طاعته. والحفدُ والحفدةُ الخدم والأعوان.\nمحشود: أي أن أصحابه يخدمونه ويجتمعون إليه.\nلا مفند: ليس بكذاب ولا ضعيف الرأي.","vol":"3","page":1170},{"text":"فلما سمع حسان الهاتف بذلك شبب يجاوبُ الهاتف فقال:\nلقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقُدس من يسري إيهم ويغتدي\nترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد\nهداهم به بعد الضلالة ربهم ... فأرشدهم، من يتبع الحق يرشد\nوهل يستوي ضُلال قومٍ تسفهوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتد\nوقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلتْ عليهم بأسعد\nنبي يرى مالا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد\nوإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أوفى ضحى الغد\n٩٧٥ - * روى الطبراني عن أم معبد أنها قالت: بعثتُ إلى النبي صلى الله عيه وسلم بشاة داجنٍ، فردها وقال: \"ابغني شاة لا تحلبُ\".\n٩٧٦ - * روى الطبراني عن سعد مولى أبي بكر قال: كنا مع رسول الله ﷺ أراه قال في سفر، فنزلنا منزلًا، فقال لي: \"يا سعد اذهب إلى تلك العنز فاحلبها\" وعهدي بذلك المكان وما فيه عنز، فأتيته فإذا عنز حافل فحلبتُها، قال: لا أدري كم من مرة، ثم وكلت بها إنسانًا وشغلت بالرحلة، فذهبت العنزة، فاستبطأني رسول الله ﷺ، فقال: \"أي سعدُ\" قلت: يا رسول الله إن الرحلة شغلتنا، فذهبت العنز فقال: \"عن العنز ذهب بها ربها\".\n٩٧٧ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال (١): كان جذعٌ يقوم إليه رسول الله ﷺ فلما وُضع له المنبرُ سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل\n_________\n٩٧٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢١٣)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير حزام بن هشام ابن حبيش وأبيه، وكلاهما ثقة.\n٩٧٦ - المعجم الكبير (٦/ ٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣١٣): رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n٩٧٧ - البخاري (٣/ ٣٩٧) ١١ - كتاب الجمعة-٢٦ - باب الخطبة على المنبر.\nالعشار: جمع عُشراء، وهي الناقة الحامل التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها.","vol":"3","page":1171},{"text":"رسول الله ﷺ فوضع يده عليه.\nوفي رواية: قال (١): كان المسجدُ مسقوفًا على جُذوع من نخلٍ، فكان رسول الله ﷺ إذا خطب يقومُ إلى جذع منها ... وذكر نحوه.\nوفي رواية (٢): أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟ فإن لي غُلامًا نجارًا، قال: إن شئت. فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صُنع، فصاخت النخلةُ التي كان يخطبُ عندها، حتى كادت أن تنشق.\nوفي أخرى (٣): فصاحت النخلة صياح الصبي - فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئنُّ أنين الصبي الذي يُسكِّتُ، حتى استقرت قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر.\nوفي رواية النسائي قال (٤): كان رسول الله ﷺ إذا خطب يستندُ إلى جذع نخلةٍ من سواري المسجد، فلما صُنع المنبر واستوى عليه اضطربتْ تلك السارية كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها رسول الله ﷺ فسكنتْ.\n٩٧٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يخطبُ إلى جذعٍ، فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحنَّ الجذعُ، فأتاهُ فمسح يده عليه.\nوفي رواية الترمذي (٥): فأتاه فالتزمهُ، فسكن.\n٩٧٩ - * روى ابن خزيمة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٦٠٢) ٦١ - كتاب المناقب-٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\n(٢) البخاري (٤/ ٣١٩) ٣٤ - كتاب البيوع-٣٢ - باب النجار.\n(٣) البخاري (٦/ ٦٠١) ٦١ - كتاب المناقب ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\n(٤) النسائي (٣/ ١٠٢) كتاب الجمعة-باب مقام الإمام في الخطبة.\n٩٧٨ - البخاري (٦/ ٦٠١) ٦١ - كتاب المناقب-٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\n(٥) الترمذي (٢/ ٢٧٩) كتاب الجمعة-١٠ - باب ما جاء في الخطبة على المنبر.\n٩٧٩ - صحيح ابن خزيمة (٣/ ١٤٠) -وإسناده حسن.","vol":"3","page":1172},{"text":"يقوم يوم الجمعة فيُسْنِدُ ظهره إلى جذع منصوبٍ في المسجد، فيخطُبُ فجاء رومي فقال: ألا نصْنَعُ لك شيئًا تقعد وكأنك قائم؟ فصنع له منبرًا، له درجتان، ويقعد على الثالثة، فلما قعد نبي الله ﷺ على المنبر خار الجذع خوار الثور؛ حتى ارتجَّ المسجد بخواره حُزنا على رسول الله ﷺ، فنزل إليه رسول الله ﷺ من المنبر فالتزمه وهو يخورُ، فلما التزمه رسول الله ﷺ سكت، ثم قال: \"والذي نفسي بيده لو لم التزمه ما زال هكذا حتى تقوم الساعة حُزنًا على رسول الله ﷺ، فأمر رسول الله ﷺ فدُفِنَ يعني الجِذْعَ.\nوفي خبر جابر فقال النبي ﷺ: \"إن هذا بكى لما فقد من الذِّكْرِ\".\n٩٨٠ - * روى الطبراني عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع المسجد فلما صنع المنبرُ حن الجذُع إليه فاعتنقه النبي ﷺ فسكن.\nقال الترمذي: وفي الباب عن أنس، وجابرٍ، وسهل بن سعدٍ، وأُبي بن كعبٍ، وابن عباس، وأم سلة.\nقال أحمد شاكر: أحاديث أنس وجابر وسهل بن سعد رواها البخاري، وحديث أبي بن كعب أخرجه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد في زيادته على المسند، وحديثا ابن عباس وأم سلمة أخرجهما في الكبير. وأفاده الشارح. وقد روى أحاديث حنين الجذع أيضًا أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٢ - ١٤٣) بأسانيده عن جابر، وعن أبي بن كعب وعن سهل بن سعد، وعن أبي سعيد الخدري، وعن عائشة.\nوفي الباب أحاديث كثيرة، وصحح كثير من العلماء بالسنة أن حديث حنين الجذع من الأحاديث المتواترة (١)، لوروده عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة تفيد القطع بوقوع\n_________\n٩٨٠ - المعجم الكبير (٣٣/ ٢٥٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٣): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون.","vol":"3","page":1173},{"text":"ذلك. وانظر شرح الزرقاني على المواهب اللدنية طبعة بولاق (ج ٥ ص ١٥٨ - ١٦٧).\nوقال الحافظ في الفتح: حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما مستفيضًا يفيد القطع عند من يطلع على طرق ذلك عند أئمة الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك.\nأقول: وقد أخرج حديث الجذع الدارمي عن جابر وابن عباس وأبي بن كعب والحسن.\n٩٨١ - * روى البزار والطبراني عن ابن عمر قال: كُنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فأقبل أعرابي، فلما دنا قال له النبي ﷺ: \"أين تُريد؟ \" قال: إلى أهلي. قال: \"هل لك في خيرٍ؟ \" قال: ما هو؟ قال: تشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله\". قال: من شاهد على ما نقول؟ قال: \"هذه الشجرة\" فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي فأٌبلت تخدُّ الأرض خدا حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثًا، فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه فقال: إن يتبعُوني آتيك بهم وإلا رجعتُ إليك فكنتْ معك.\n٩٨٢ - * روى الدارمي عن ابن عباس قال: أتي رجلٌ من بني عامر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"ألا أُريك آية؟ \" قال: بلى قال: \"فاذهب، فادع تلك النخلة\"\"، فدعاها فجاءت تنقُزُ بين يديه، قال: قُلْ لها: ترجعُ. قال لها رسول الله ﷺ (١): \"ارجعي\" فرجعتْ حتى عادت إلى مكانها. فقال: يا بني عامر ما رأيتُ رجلًا كاليوم أسحر منه.\n_________\n٩٨١ - كشف الأستار (٣/ ١٣٣)، والمعجم الكبير (١٢/ ٤٣٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٩٢): ورواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، ورواه أبو يعلي أيضًا والبزار.\n٩٨٢ - الدارمي (١/ ١٣) في المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن.\nوأورده الهيثمي نحوه في مجمع الزوائد (٩/ ١٠)، وقال: رواه أبو يعلي، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي، وهو ثقة.","vol":"3","page":1174},{"text":"٩٨٣ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنتُ مع رسول الله ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبلهُ جبلٌ ولا شجرٌ إلا وهو يقول: السلامُ عليك يا رسول الله.\n٩٨٤ - * روى أحمد والطبراني عن يعلي بن مرة قال: رأيت من النبي ﷺ ثلاثة أشياء ما رآها أحد من قبلي، كنت معه في طريق مكة فمر على امرأةٍ معها ابن لها به لمم ما رأيت لمما أشدُّ منه. فقالت: يا رسول الله ابني هذا كما ترى، قال: إن شئت دعوتُ له\" فدعا له ثم مضى، فمر عليه بعير مادِّ جرَانَه يرغو، فقال: \"عليَّ بصاحب هذا\" فجاء فقال: \"هذا يقول نتجتُ عندهم واستعملوني حتى إذا كبرت أرادوا أن ينحروني\" ثم مضى فرأى شجرتين متفرقتين فقال لي: \"اذهب فُمرْهُما فلتجتمعا\" فاجتمعتا فقضى حاجته وقال: \"اذهب فقل لهما يتفرقا\" ثم مضى، فلما انصرف مر على الصبي وهو يلعب مع الصبيان، وقد هيأت أمه ستة أكبُش فأهدت له كبشين. وقالت: ما عاد إليه شيء من اللمم، فقال رسول الله ﷺ: \"ما من شيء إلا يعلم أني رسول الله إلا كفرةُ أو فسقةُ الجن والإنس\".\n٩٨٥ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال (١): كنتُ\n_________\n٩٨٣ - الترمذي (٥/ ٥٩٣) ٥٠ - كتاب المناقب- ٦ - باب حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي.\nوالدارمي (١/ ١٢) في المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن.\n٩٨٤ - أحمد بنحوه في مسنده (٤/ ١٧٠)، والمعجم الكبير واللفظ له (٢٢/ ٢٦١).\nوالحاكم بنحوه في المستدرك (١/ ٣٧١) عي علي بن مرة عن أبيه، وقال: هذا حديث صحيح الإسند، ولم يخرجاه بهذه السياقة.\nقال في الفتح الرباني:\nهذه الطرق التي جاءت هنا بعضها صحيح وبعضها حسن ويؤيد بعضها بعضًا.\nاللمم: المس والجنون.\nجرانه: الجران: باطن العنق من البعير وغيره.\n٩٨٥ - الترمذي (٥/ ٥٦٠) ٤٩ - كتاب الدعوات-١٣ - باب في دعاء المريض.\nوقال: هذا حخديث حسن صحيح.\nوابن حبان: موارد الظمآن (٥٤٥) ٣٦ - كتاب النماقب -٥ - باب في فضل علي ﵁.","vol":"3","page":1175},{"text":"شاكيًا، فمر بي رسول الله ﷺ وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحْني، وإنْ كان متأخرًا، فارفعني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال رسول الله ﷺ: \"كيف قلت؟ \" قال: فأعاد عليه ما قال: فضربه برجله، فقال: \"اللهم عافِه، أو اشفه\" - شك شعبة- فما اشتكيت وجعي بعدُ.\n٩٨٦ - * روى أبو يعلي عن عليٍّ قال: ما رَمِدْتُ ولا صدِعْتُ منذ مسح رسول الله ﷺ وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية.\n٩٨٧ - * روى الطبراني عن أبيض بن حمَّال أنه كان بوجهه حزازة (يعني القُوباء) فالتقمت أنفه، فدعاهُ رسول الله ﷺ فمسح على وجهه فلم يُمس ذلك اليوم وفيه أثر.\n٩٨٨ - * روى البخاري ومسلم عن السائب بن يزيد ﵁ قال: ذهبتْ بي خالتي إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجِعٌ، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربتُ من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرتُ إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة.\nوقال الجعيد (١): رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدًا معتدلًا، فقال: قد علمتُ ما مُتعتُ به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله ﷺ.\n٩٨٩ - * روى الطبراني عن عطاء مولى السائب بن يزيد قال: رأيتُ مولاي السائب\n_________\n٩٨٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢٢)، وقال: رواه أبو يعلي وأحمد باختصار، ورجالهما رجال الصحيح غير أم موسى، وحديثها مستقيم.\n٩٨٧ - المعجم الكبير (١/ ٢٧٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٢): رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وثقهم ابن حبان.\n٩٨٨ - البخاري (١/ ٢٩٦) ٤ - كتاب الوضوء -٤٠ باب استعمال فضل وضوء الناس.\nومسلم (٤/ ١٨٢٣) ٤٣ - كتاب الفضائل- ٣٠ - باب إثبات خاتم النبوة، وصفته، وخله من جسده ﷺ.\nزر الحجلة: المراد بالحجلة واحدة الحجال، وهي بيت كالقبة لها أزرار كبار وعُرى.\n(١) البخاري (٦/ ٥٦٠). ٦١ - كتاب المناقب ٢١ - باب حدثنا إسحاق بن إبراهيم.\n٩٨٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٩)، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة، ورجال الصغير والأوسط ثقات.","vol":"3","page":1176},{"text":"ابن يزيد لحيتهُ بيضاءُ، ورأسه أسودُ. فقلتُ: يا مولاي ما لرأسك لا يبيضُّ؟ فقال: لا يبيض رأسي أبدًا؛ وذلك أن رسول الله ﷺ مضى وأنا غُلام ألعبُ مع الغلمان فسلم وأنا فيهم، فرددتُ ﵇ من بين الغلمان فدعاني فقال لي: \"ما اسمُك؟ \" فقلت: السائبُ بن يزيد ابنُ أخت النمر فوضع يده على رأسي، وقال: \"بارك الله فيك\" فلا يبيض موضعُ يد رسول الله ﷺ أبدًا.\nوللطبراني في رواية قال (١): كان وسط رأس السائب أسود، وبقيةُ رأسه ولحيته أبيض، فقلت له: يا سيدي والله ما رأيت مثل رأسك هذا قطُّ، هذا أبيضُ وهذا أسودُ، قال: أولا أخبرك يا بني؟ قلت: بلى، قال: إني كنت مع صبيان نلعب، فمر بي رسول الله ﷺ، فعرضت له فسلمت عليه، فقال: \"وعليك، من أنت؟ \" فقلت: أنا السائب بن يزيد أخو النمر بن قاسط، فمسح رسول الله ﷺ رأسي وقال: \"بارك الله فيك\" قال: فوالله لا يبيض أبدًا، أو قال: لا يزال هكذا أبدًا.\n٩٩٠ - * روى أحمد عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: استسقى رسول الله ﷺ ماء فأتيتهُ بقدح فيه ماء، فكانت فيه شعرة فأخذتها، فقال: \"اللهم جملُّهُ\" قال: فرأيته وهو ابن أربع وتسعين ليس في لحيته شعرة بيضاء.\n٩٩١ - * روى الترمذي عن أبي زيدٍ بن أخطب قال: مسح رسول الله ﷺ يده على وجهي ودعا لي، قال عزرَةُ: إنه عاش مائة وعشرين سنة وليس في رأسه إلا شعرات بيض.\n٩٩٢ - * روى أحمد عن أبي العلاء بن عمير قال: كنت عند قتادة بن ملحان حين\n_________\n(١) المعجم الكبير (٧/ ١٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٩): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح غير عطاء مولى السائب، وهو ثقة.\n٩٩٠ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٤٠).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٨): رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال ستون سنة، وإسناده حسن.\n٩٩١ - الترمذي (٥/ ٥٩٤) ٥٠ - كتاب النماقب- ٦ - باب حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي. وإسناده صحيح.\n٩٩٢ - أحمد في مسنده (٥/ ٢٨، ٨١). =","vol":"3","page":1177},{"text":"حضر، فمر رجل في أقصى الدار، قال: فأبصرته في وجه قتادة قال: وكنت إذا رأيتُه كأن على وجهه الدهان قال: وكان رسول الله ﷺ مسح على وجهه.\n٩٩٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن بسرٍ قال: وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي فقال: \"يعيش هذا الغلام قرنًا\" فعاش مائة سنة وكان في وجهه ثؤلول فقال: \"لا يموت حتى يذهب الثؤلول من وجهه\" فلم يمت حتى ذهب الثؤلول من وجهه.\n٩٩٤ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: بينا أعرابي في بعض نواحي المدينة في غنم له عدا عليه الذئب فأخذ شاة من غنمه فأدركه الأعرابي فاستنقذها منه وهجهجه، فعانده الذئب يمشي، ثم أقعى مُسْتَذْفِرًا بذنبه يخاطبه، فقال: أخذت رزقًا رزقنيه الله قال: واعجبًا من ذئب مُقعٍ مستذفرٍ بذنبه يخاطبني. فقال: والله إنك لتترك أعجب من ذلك. قال: وما أعجبُ من ذلك؟ فقال: رسول الله ﷺ في النخلتين بين الحرَّتين، يحدث النسا عن نبأ ما قد سبق وما يكون بعد ذلك قال: فنعقَ الأعرابي بغنمه حتى ألجأها إلى بعض المدينة، ثم مشى إلى النبي ﷺ حتى ضرب عليه بابه، فلما صلى النبي ﷺ قال: \"أين الأعرابي صاحبُ الغنم؟ \" فقام الأعرابي فقال له النبي ﷺ: \"حَدِّثِ النسا بما سمعتَ وما رأيت\" فحدث الأعرابي الناس بما رأى من الذئب وسمع منه، فقال النبي ﷺ عند ذلك: \"صدق، آيات تكون قبل الساعة، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله وسوطه وعصاه بما أحدث أهله بعده\".\n_________\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٩): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n٩٩٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٤)، وقال: رواه الطبراني والبزار باختصار الثؤلول إلا أنه قال: قال رسول الله ﷺ \"ليدركن قرنًا\"، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير الحسن بن أيوب الحضرمي وهو ثقة.\n٩٩٤ - أحمد في مسنده (٣/ ٨٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٩١): رواه أحمد. ورجال أحد إسناديه رجال الصحيح.\nوهجهجه: هجهج بالسبع: صاح، وبالجمل: زجره.\nأقعى: جلس على استه مفترشًا رجليه ناصبًا يديه.","vol":"3","page":1178},{"text":"وفي رواية قال (١): بينما من أسلم في غُنيمةٍ له يهُشُّ عليها في بيداء ذي الحليفة، إذ عدا عليه ذئب، فانتزع شاة من غنمه فجهجأه الرجل فرماه بالحجارة حتى استنقذ منه شاته فذكر نحوه.\nوفي رواية عن أبي هريرة (٢) قال: جاء ذئب إلى راعي الغنم، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعِدَ الذئب على تل فأقعى واسْتَذْفَر، فقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله ﷿ انتزعه مني، فقال الرجل: تالله إن رأيتُ كاليوم ذئبًا يتكلم قال الذئب بأعجب من هذا: رجل في النخلات بين الحرتين يُخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم، كان الرجل يهوديًا، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ فأسلم وخبره فصدقه النبي ﷺ ثم قال النبي ﷺ: \"إنها أمارةً من أماراتٍ بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطُهُ ما أحدث أهلهُ بعده\".\n٩٩٥ - * روى أحمد عن أنس بن مالك قال: كان أهل بيت من الأنصار، لهم جمل يسنُون عليه وأن الجمل استصعب عليهم، فمنعهم ظهرهُ، وإن الأنصار جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنه كان لنا جمل نسْتَنِي عليه وإنه استصعَب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرعُ والنخل، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"قوموا\" فقاموا، فدخل الحائط والجملُ في ناحيته، فمشى النبي ﷺ نحوه. فقالت الأنصارُ: يا رسول الله إنه قد صار مثل الكلب الكلبِ، وإنا نخافُ عليك صوْلته. فقال:\n_________\n(١) أحمد في مسنده (٣/ ٨٩).\nغُنيمة غنم قليل\nبيداء ذي الحليفة: مكان مشهور وهو ميقات أهل المدينة ومن وراءهم، على بُعد أميال قليلة من المدينة.\n(٢) أحمد في مسنده (٢/ ٣٠٦).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٩٢): رواه أحمد، ورجاله ثقات.\nاستزفر: الزفير: إخراج النَّفَسِ.\n٩٩٥ - أحمد في مسنده (٣/ ١٥٨).\nوكشف الأستار (٣/ ١٥١).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤): رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحي غير حفص ابن أخي أنس، وهو ثقة.\nيسنون: يستقون.","vol":"3","page":1179},{"text":"\"ليس عليَّ منه بأسُ\" فلما نظر الجملُ إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوهُ حتى خر ساجدًا بين يديه، فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذلُ ما كانت قط حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقِلُ تسجُد لك، ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك، فقال: \"لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلُح لبشر أن يسجد لبشر لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَمِ حقه عليها. والذي نفسي بيده لو كان من قَدَمِة إلى مَفْرِقِ رأسه قرحةً تَنْبَجِسُ بالقيِّحِ والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه\".\n٩٩٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يومٍ، فأسر إليَّ حديثًا، لا أُحدثُ به أحدًا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفًا أو حائش نخلٍ، قال: فدخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا جملُ، فلما رأى النبي ﷺ حَنَّ، وذرفتْ عيناهُ، فأتاه رسول الله ﷺ، فمسح ذِفْراهُ، فسكت، فقال: \"من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجملُ\" فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله، فقال: \"أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إليَّ: أنك تُجيعُهُ وتُدْيّبُهُ\".\n٩٩٧ - * روى الحاكم عن سفينة قال: ركبتُ البحر في سفينة فانكسرتْ، فركبتُ لوحًا منها فطرحني في أجمةِ فيها أسد فلم يرعني إلا به، فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله ﵌ فطأطأ رأسه وغمز بمنكبه شِقِّي، فما زال يغمزني ويهديني إلى الطريق حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني همهم فظننت أنه يُودعني.\n_________\n٩٩٦ - أبو داود (٣/ ٢٣) كتاب الجهاد - باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم وإسناده صحيح.\nهدفا: الهدف: ما ارتفع من بناء ونحوه، ومنه هدف الرامي.\nحائش: النخل: نخلات مجتمعة.\nحائطًا: الحائط: البستان.\nذِفراهُ: ذفري البعير: هي الموضع الذي يعرق من قفاه، ويجعل فيه القطران، وهما ذفريان.\nتدئبُه: نعبه بكثرة ما تستعمله.\n٩٩٧ - المستدرك (٣/ ٦٠٦)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1180},{"text":"٩٩٨ - * روى أحمد والبزار عن عائشة قالت: كان لآل رسول الله ﷺ وحشُ، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذ أحس برسول الله ﷺ ربض فلم يترمرمْ ما دام رسول الله ﷺ في البيت كراهية أن يؤذيه.\n٩٩٩ - * روى أحمد والطبراني عن حنظلة بن حِذْيَم قال: وفدتُ مع جدي حِذْيم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي بنين ذوي لحى وغيرهم وهذا أصغرهم فأدناني رسول الله ﷺ ومسح رأسي قوال: \"بارك الله فيك\" قال الذيال: فلقد رأيت حنظلة يؤتي بالرجل الوارم وجهه أو الشاة الوارم ضرعها فيقول: بسم الله على موضع كف رسول الله ﷺ فيمسحه فيذهب الورم.\n١٠٠٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر: أن رسول الله ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار.\nوعند الطبراني حديث أسماء بنت عُميس بهذا المعنى بمناسبة نومه في جر عليٍّ حتى غابت الشمس لكن فيه مجهولة.\n١٠٠١ - * روى الحاكم عن أنس قال (١): كان أُسيدُ بن حُضيرٍ وعبادُ بن بشر عند النبي\n_________\n٩٩٨٠ أحمد في مسنده (٦/ ١١٣).\nوالبزار بنحوه: كشف الأستار (٣/ ١٥٠).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣): رواه أحمد وأبو يعلي والبزار والطبراني في الوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح.\nوحش: الوحش في الأصل حيوان البر، ولعل المراد هنا الهر.\nلم يترمرم: لم يتحرك.\n٩٩٩ - أحمد مطولًا في مسنده (٥/ ٦٨).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٨)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وأحمد في حديث طويل، ورجال أحمد ثقات.\n١٠٠٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٩٦)، وقال: رواه الطبراني في الوسط، وإسناده حسن.\n١٠٠١ - المستدرك (٣/ ٣٨٨)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه وأقره الذهبي. =","vol":"3","page":1181},{"text":"﵌ في ليلة ظلماء حَنْدسٍ، فلما انصرفا أضاءت عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت عصا الآخر.\n١٠٠٢ - * روى الطبراني عن قتادة بن النعمان قال: خرجت ليلة من الليالي مظلمة، فقلت: لو أتيت رسول الله ﷺ وشهدت معه الصلاة وآنستُه بنفسي، ففعلتُ، فلما دخلت المسجد برقتِ السماء فرآني رسول الله ﷺ فقال: \"يا قتادة ما هاج عليك؟ \" قلت: أردتُ بأبي وأمي أن أؤنسك، قال: \"خذ هذا العرجون فتحصن به، فإنك إذا خرجت أضاء لك عشرًا أمامك وعشرًا خلفك\". ثم قال لي: \"إذا دخلت بيتك رأيت مثل الحجر الأخشن\" فضربته حتى خرج من بيتي.\n١٠٠٣ - * روى البخاري عن أنس ﵁. قال: كان رجل نصرانيًا فأسلم، وقرأ البقرة، وآل عمران. فكان يكتب للنبي ﷺ. فغاد نصرانيًا. فكان يقولُ: ما يدري محمدٌ إلا ما كتبتُ له. فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرضُ. فقالوا: هذا فِعْلُ محمدٍ وأصحابه، لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا. فألقوه. فحفروا له، فأعمقوا. فأصبح وقد لفظته الأرض. فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه. نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم. فألقوه. فحفروا له، وأعمقوا له في الأرض، ما استطاعوا. فأصبح قد لفظته الأرض. فعلمُوا أنه ليس من الناس، فألقوهُ.\nوفي رواية قال (١): كان منا رجلٌ من بني النجار. قد قرأ البقرة وآل عمران. وكان\n_________\n= حندس: أي: شديد الظلمة.\n١٠٠٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٨)، وقال: رواه الطبراني وأحمد في حديث طويل، والبزار أيضًا، ورجال أحمد الذي تقدم في الصلاة رجال الصحيح.\nعرجون: العذق الذي يعوجُ ويقطعُ منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسًا.\nوالشماريخ: جمع شمراخ، والشمراخ: الغصن.\n١٠٠٣ - البخاري (٦/ ٦٣٤) ٦١ - كتاب المناقب - ٣٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nلفظته: الأرض، أي: ألقته من بطنها إلى ظهرها.\nفعلموا أنه ليس من الناس: أي ليس إخراجه من عمل الناس وإنما من الله تعالى.\n(١) مسلم (٤/ ٣١٥٤) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - حديث (١٤). =","vol":"3","page":1182},{"text":"يكتب لرسول الله ﷺ فانطلق هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب. قال فرفعُوا. قالوا: هذا قد كان يكتبُ لمحمدٍ. فأعجبوا به. فما لبث أن قصم الله عنقهُ فيهم. فحفروا له فواروهُ. فأصبحتِ الأرض قد نبذته على وجهها. ثم عادوا فحفروا له، فواروه. فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها. ثم عادوا فحفروا ل. فواروه. فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها. فتركوه منبوذًا.\n١٠٠٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يُصلي عند البيت، وأبو جهلٍ وأصحاب له جلوسٌ، وقد نُحِرَتْ جزُورٌ بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان، فيأخذه فيضعه في كتفي محمدٍ إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وةجعل بعضهم يميلُ على بعضٍ، وأنا قائم أنظرُ، لو كانت لي منعةُ طرحتُه عن ظهر رسول الله ﷺ، والنبي ﷺ ساجدٌ ما يرفعُ رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت - وهي جويريةُ - فطرحتهُ عنه، ثم أقبلتْ عليهم تشتمُهم فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوتهُ، ثم دعا عليهم - وكان إذا دَعَا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا - ثم قال: \"اللهم عليك بقريشٍ\" ثلاث مراتٍ، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحكُ، وخافوا دعوته، ثم قال: \"اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف وعقبة بن أبي مُعيط\" وذكر السابع - (١) ولمْ\n_________\n= قصم: الله عنقه، أي: دقها.\nنبذته: المنبوذ: المُلقى المرمي على وجه الأرض، ونبذته أنا: ألقيته.\n١٠٠٤ - البخاري (١/ ٣٤٩) ٤ - كتاب الوضوء -٦٩ - باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته.\nومسلم (٣/ ١٤١٨) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير -٣٩ - باب ما لقي النبي صلى الله عليه سلم من أذى المشركين والمنافقين.\nالسلا: الذي يكون فيه الولد في بطن أمه، وقيل: هو الكرش.\nالجزور: البعير ذكرًا كان أو أنثى، إلا أن اللفظة مؤنثة.\nفانبعث أشقى القوم: هو عقبة بن أبي معيط.\nويميل بعضهم: أي ينثني بعضهم على بعض من المرح والبطر.\nالمنعة: القوة والشدة التي يمتنع بها الإنسان على من يريده بأذى أو غيره. =","vol":"3","page":1183},{"text":"أحفظه - فوالذي بعث محمدًا ﷺ بالحق، لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سحِبُوا إلى القليبِ، قليبِ بدر.\nوفي رواية (١): فأشهد بالله لقد رأيتهم صرعى، قد غيرتهم الشمس، وكان يومًا حارًا.\nوفي رواية (٢): ذكر السابع، وهو عمارة بن الوليد. وفيها: فيعمد إلى فرْثها ودمها وسلاها، فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه.\nقال ابن حجر: (فائدة): روى هذا الحديث ابن إسحق في المغازي قال: حدثني الأجلح عن أبي إسحق فذكر هذا الحديث، وزاد في آخره قصة أبي البختري مع النبي ﷺ في سؤاله إياه عن القصة، وضرب أبي البختري أبا جهل وشجه إياهن والقصة مشهورة في السيرة، وأخرجها البزار من طريق أبي إسحق وأشار إل تفرد الأجلح بها عن أبي إسحق، وفي الحديث تعظيم الدعاء بمكة عند الكفار، وما ازدادت عند المسلمين إلا تعظيمًا. وفيه معرفة الكفار بصدقه ﷺ لخوفهم من دعائه، ولكن حملهم الحسد على ترك الانقياد له، وفيه حلمه ﷺ عمن آذاه، ففي رواية الطيالسي عن شعبة في هذا الحديث أن ابن مسعود قال: لم أره دعا عليهم إلا يومئذ. وإنما استحقوا الدعاء حينئذ لما أقدموا عليه من الاستخفاف به حال عبادة ربه، وفيه استحباب الدعاء ثلاثًا، وقد تقدم في العلم استحباب السلام ثلاثًا وغير ذلك. وفيه جواز الدعاء على الظالم، لكن قال بعضهم: محله ما إذا كان كافرًا، فأما المسلم فيستحب الاستغفار له والدعاء بالتوبة، ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر لما كان بعيدًا لاحتمال أن يكون اطلع ﷺ على أن المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يدعي لكل حي بالهداية. وفيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها، لشرفها في قومها ونفسها، لكونها صرحت بشتمهم وهم رءوس قريش، فلم يردوا عليها.\n_________\n= القليب: البئر التي هي غير مطوية.\nالفرْث: ما يكون في الكرش.\n(١) البخاري (٧/ ٢٩٣) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧ - باب دعاء النبي ﷺ على كفار قريش.\nومسلم (٣/ ١٤٢٠) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير-٣٩ - باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين.\n(٢) البخاري (١/ ٥٩٤) ٨ - كتاب الصلاة -١٠٩ - باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى.","vol":"3","page":1184},{"text":"وفيه أن المباشرة آكد من السبب والإعانة لقوله في عقبة \"أشقى القوم\" مع أنه كان فيهم أبو جهل وهو أشد منه كفرًا وأذى للنبي ﷺ لكن الشقاء هنا بالنسبة إلى هذه القصة لأنهم اشتركوا في الأمر والرضا وانفرد عقبة بالمباشرة فكان أشقاهم، ولهذا قتلوا في الحرب وقتل هو صبرًا. واستدل به على أن من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته ولو تمادى، وعلى هذا ينزل كلام المصنف، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال ولا أثر لها صحت اتفاقًا. واستدل به على طهارة فرث ما يؤكل لحمه، وعلى أن إزالة النجاسة ليست بفرض وهو ضعيف، وحمله على ما سبق أولى. وتعقب الأول بأن الفرث لم يفرد بل كان مع الدم كما في رواية إسرائيل، والدم نجس اتفاقًا. وأجيب بأن الفرث والدم كانا داخل السلي وجلدة السلي الظاهرة طاهرة فكان كحمل القارورة المرصصة. وتعقب بأنها ذبيحة وثني فجميع أجزائها نجسة لأنها ميتة، وأجيب بأن ذلك كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم، وتعقب بأنه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال. وقال النووي: الجواب المرضي أنه ﷺ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا لأصل الطهارة. وتعقب بأنه يشكل على قولنا بوجوب الإعادة في مثل هذه الصورة. وأجاب بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة، فإن ثبت أنها فريضة فالوقت موسع فلعله أعاد. وتعقب بأنه لو أعاد لنقل ولم ينقل، وبأن الله تعالى لا يقره على التمادي في صلاة فاسدة. وقد تقدم انه خلع نعليه وهو في الصلاة لان جبريل أخبره أن فيهما قذرًا، ويدل على أنه علم بما ألقي على ظهره أن فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه، وعقب هو صلاته بالدعاء عليهم. والله أعلم. أهـ.\n١٠٠٥ - * روى الحاكم عن أبي هريرة: ما على وجه الأرض مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ إلا وهو يُحبني. قال: قلتُ: وما علمُكَ بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إني كنتُ أدعُو أمي إلى الإسلام فتأبى وإني دعوتها ذات يوم فأسمعتني في رسول الله ﵌ ما أكرهُ فجئتُ إلى رسول الله ﵌ فقلت: يا رسول الله إني أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ وإني دعوتُها فأسمعتني فيك ما أكره (١)، فادع الله يا رسول الله أنْ\n_________\n١٠٠٥ - المستدرك (٢/ ٦٢١)، وقال: هذا حديث صحيح الإنساد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. =","vol":"3","page":1185},{"text":"يهدي أم أبي هريرة إلى الإسلام، فدعا لها رسول الله ﵌ فرجعتُ إلى أمي أُبشْرُها بدعوة رسول الله ﵌، فلما كُنْتُ على الباب إذ البابُ مُغْلَقٌ، فدققت الباب، فسمعت حسي، فلبست ثيابها وعجلت عن خمارها، وقالت: ارفق يا أبا هريرة ففتحت لي الباب. فلما دخلتُ، قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فرجعتُ إلى رسول الله ﵌ وأنا أبكي من الفرح كما كنتُ أبكي من الحَزْنِ، وجعلتُ أقول: أبشر يا رسول الله، قد استجاب الله دعوتك، وهدى الله أم أبي هريرة إلى الإسلام، فقلتُ: ادع الله أن يحببني وأمي إلى عبادة المؤمنين ويحببهم إلينا قال: فقال رسول الله ﵌: \"اللهم حببْ عُبيدكَ هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما\" فما على الأرض مؤمن ولا مؤمنة إلا وهو يُحبني وأحبه.\n١٠٠٦ - * روى الطبراني عن ضمرة بن ثعلبة أنه أتى رسول الله ﷺ وقال ادعُ الله لي بالشهادة، فقال النبي ﷺ: \"اللهم إني أُحَرِّمُ دم ابن ثعلبة على المشركين والكفار\" قال: فكنت أحمل في عُظم القوم فيتراءى لي النبي ﷺ خلفهم، فقالوا: يا ابن ثعلبة لتغرز وتحمل على القوم، فقال: إن النبي ﷺ يتراءى لي خلفهم فأحمل عليهم حتى أقف عنده، ثم يتراءى لي عند أصحابي فأحمل حتى أكون مع أصحابي، قال فعُمر زمانًا من دهره.\n١٠٠٧ - * روى البخاري ومسلم عن حُذيفة بن اليمان ﵄ قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، فما ترك شيئًا يكونُ في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيهُ من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء (١)، وإنه ليكونُ\n_________\n= عجلتْ عن خمارها: لم تغط رأسها.\n١٠٠٦ - المعجم الكبير (٨/ ٣٦٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٩): رواه الطبراني، وإسناده حسن.\n١٠٠٧ - البخاري (١١/ ٤٩٤) ٨٣ - كتاب القدر -٤ - باب \"وكان أمر الله قدرًا مقدورًا\".\nومسلم (٤/ ٢٢١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة -٦ - باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.\nوأبو داود (٤/ ٩٤) كتاب الفتن والملاحم - باب ذكر الفتن ودلائلها.","vol":"3","page":1186},{"text":"منه الشيء قد نسينُه، فأراهُ فأذكرُ كما يذكُر الرجلُ وجه الرجُل إذا غاب عنهُ، ثم إذا رآهُ عرفهُ.\nهذا الحديث وما بعده فيه إخبارات عن المغيبات ووقعت كلها كما أخبر رسول الله ﷺ.\nقال في عون المعبود:\nوفيه كمال علمه ﷺ بما يكون وكمال علم حذيفة واهتمامه بذلك واجتنابه من الآفات والفتن وقد استدل بهذا الحديث بعض أهل البدع والأهواء على إثبات الغيب لرسول الله ﷺ وهذا جهل من هؤلاء لأن علم الغيب مختص بالله تعالى، وما وقع منه على لسان رسول الله ﷺ فمن الله بوحي والشاهد لهذا قوله تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١) أي ليكون معجزة له، فكل ما ورد عنه ﷺ من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله له به إعلامًا على ثبوت نبوته ودليلًا على صدق رسالته ﷺ قال علي القاري في شرح الفقه الأكبر: إن الأنبياء لم يعلموا المغيبات من الأشياء إلا ما أعلمهم الله أحيانًا، وذكر الحنفية تصريحًا بالتكفير باعتقاد أن النبي ﷺ يعلم الغيب؛ لمعارضة قوله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) كذا في المسايرة وقال بعض الأعلام في إبطال الباطل من ضروريات الدين إن علم الغيب مخصوص بالله تعالى، والنصوص في ذلك كثيرة ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣) الآية و﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (٤) الآية. فلا يصح لغير الله تعالى أن يقال له إنه يعلم الغيب، ولهذا لما قيل عند رسول الله ﷺ في الرجز؛ وفينا نبيٌّ يعلمُ ما في غد، أنكر على قائله وقال: \"دع هذا وقل غير هذا\". وبالجملة لا يجوز أن يقال لأحد إنه يعلم الغيب نعم الإخبار بالغيب بتعليم الله تعالى جائز وطريق هذا التعليم إما الوحي أو الإلهام\n_________\n(١) الجن: ٢٦، ٢٧.\n(٢) النمل: ٦٥.\n(٣) الأنعام: ٥٩.\n(٤) لقمان: ٣٤.","vol":"3","page":1187},{"text":"عند من يجعله طريقًا إلى علم الغيب انتهي. وفي البحر الرائق: لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح ويكفر لاعتقاده أن النبي ﷺ يعلم الغيب انتهى قال المِزِّيُّ في الأطراف: وأخرجه البخاري في القدر وأخرجه مسلم وأبو داود في الفتن انتهى؟ أهـ عون المعبود.\n١٠٠٨ - * روى النسائي عن ابن سُكيْنَة - رجلٍ من المحررين - عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ قال: لما أمر النبي ﷺ بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حلت بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله ﷺ، وأخذ المِعْوَلَ، ووضع رداءَهُ ناحية الخندق، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) فندر ثُلُُ الحجرِ، وسلمان الفارسي قائم ينظرُ، فبرق مع ضربة رسول الله ﷺ برقةُ، ثم ضرب الثانية، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فندر الثلث الآخر، فبرقت برقةً، فرآها سلمان، ثم ضرب الثالثة، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فندر الثلث الباقي، وخرج رسولُ الله ﷺ، فأخذ رداءه وجلس، قال سلمان: يا رسول الله، رأيتُك حين ضربت، ما تضربُ ضربة إلا كانت معها برقة قال له رسول الله ﷺ: \"يا سلمانُ رأيت ذلك؟ \" فقال: إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله، قال: \"فإني حين ضربتُ الضربة الأولى: رُفعت لي مدائنُ كسرى وما حولها، ومدائنُ كثيرة، حتى رأيتُها بعيني\" فقال له من حضرهُ من أصحابه: يا رسول الله، ادع الله أنْ يفتحها علينا، ويُغنمنا ديارهم ويُخرب بأيدينا بلادهُم، فدعا رسول الله ﷺ بذلك: \"ثُمَّ ضربتُ الضربة الثانية، فرُفِعتْ لي مدائنُ قيصر وما حولها، حتى رأيتُها بعيني\" قالوا: يا رسول الله، ادعُ الله أن يفتحها علينا ويُغنمنا ديارهُم ويُخرب بأيدينا بلادهُم، فدعا\n_________\n١٠٠٨ - النسائي (٦/ ٤٣) كتاب الجهاد-باب غزوة الترك والحبشة.\nورواه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث ابن مسعود وله شاهد عند الطبراني من حديث معاوية وبعضها يشهد لبعض فهو حخديث حسن.\nندر: سقط.\n(١) الأنعام: ١١٥.","vol":"3","page":1188},{"text":"رسول الله ﷺ بذلك \"ثم ضربْتُ الثالثة فرُفِعتْ لي مدائنُ الحبشة وما حولها من القرى، حتى رأيتُها بعيني\" قال رسول الله ﷺ عند ذلك: \"دعُوا الحبشة ما ودعُوكم، واترُكوا التُّرُكَ ما تركوكُم\".\n١٠٠٩ - * روى البزار عن جابر بن سمرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"لتخرُجنَّ الظَّعينةُ من المدينة حتى تدْخُل الحيرةَ لا تخافُ أحدًا إلا الله ﷿\".\n١٠١٠ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: رسولُ الله ﷺ: \"إذا هلك كِسْرَى فلا كِسْرَى بعدَهُ، وإذا هلك قيصرُ فلا قَيْصَرَ بعدَهُ، والذي نفسي بيده: لتُنْفَقَنَّ كنُوزُهُما في سبيل الله\".\nوفي رواية لمسلم (١): \"قد مات كِسرى فلا كسرى بعده ... \".\nقال ابن حجر: قال الخطابي: معناه فلا قيصر بعده يملك مثل ما يملك، وذلك أنه كان بالشام وبها بيت المقدس الذي لا يتم للنصارى نسك إلا به، ولا يملك على الروم أحد إلا كان قد دخله إما سرًا وإما جهرًا، فانجلى عنه قيصر واستفتحت خزائنه ولم يخلفه أحد من القياصرة في تلك البلاد بعده، ووقع في الرواية التي في \"باب الحرب خدعة\" من\n_________\n= قال المناوي: (دعو الحبشة) أي اتركوا الحبشة والترك ما داموا تاركين لكم، وذلك لأن بلاد الحبشة وعرة، وبين المسلمين وبينهم مفاوز وقفار وبحارن فلم يكلف المسلمين بدخول ديارهم لكثرة التعب، أما الترك فبأسهم شديد وبلادهم باردة والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارة فلم يكلفهم دخول بلادهم، وأما إذا دخلوا بلاد الإسلام والعياذ بالله فلا يباح ترك القتال كما يدل عليه ما ودعوكم.\n١٠٠٩ - كشف الأستار (٣/ ١٤٣).\nوالمعجم الكبير (٢/ ٢١٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٩١): رواه الطبراني والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح غير أحمد بن يحيى الأودي، وهو ثقة.\n١٠١ - البخاري (٦/ ٣١٩) ٥٧ - كتاب فرض الخمس -٨ - باب قول النبي ﷺ: \"أُحلت لكم الغنائم\".\nومسلم (٤/ ٢٢٣٦) ٥٣ - كتاب الفتن وأشراط الساعة-١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.\n(١) مسلم في الموضع السابق.","vol":"3","page":1189},{"text":"كتاب الجهاد \"هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده، وليهلكن قيصر\" قيل: والحكمة فيه أنه قال ذلك لما هلك كسرى بن هرمز كما سيأتي في حديث أبي بكرة في كتاب الأحكام قال: \"بلغ النبي ﷺ أن أهل فارس ملكوا عليهم امرأة\" الحديث، وكان ذلك لما مات شيرويه بن كسرى فأمروا عليهم بنته بوران. وأما قيصر فعاش إلى زمن عمر سنة عشرين على الصحيح، وقيل مات في زمن النبي ﷺ والذي حارب المسلمين بالشام ولده وكان يلقب أيضًا قيصر. وعلى كل تقدير فالمراد من الحديث وقع لا محالة لأنهما لم تبق مملكتها على الوجه الذي كان في زمن النبي ﷺ كما قررته. أهـ. فتح.\nأقول: بل كسرى وقيصر للجنس، ولقد أنهى المسلمون حكم الأكاسرة ثم لم يعد، وكان يزدجرد آخر الأكاسرة قتل في عهد الخليفة عثمان ﵁، وأنهى محمد الفاتح حكم القياصرة في القسطنطينية ثم لم يعد.\n١٠١١ - * روى مسلم عن نافع بن عُتبة بن أبي وقاص ﵁ قال: كُنا مع رسول الله ﷺ في غزوةٍ، قال: فأتى النبي ﷺ قومٌ من قِبَلِ المغربِ عليهم ثيابُ الصوفِ، فوافقوهُ عند أكمةٍ، فإنهُم لقيام ورسول الله ﷺ قاعدٌ، قال: فقالت لي نفسي: ائتهم فقم بينهم وبينهُ لا يغتالونه، قال: ثم قلت: لعلهُ نجيٍّ معهمُ، فأتيتُهم، فقُمْتُ بينهم وبينه، قال: فحفظت منه أربع كلمات أعدهُنَّ في يدي، قال: \"تغزون جزيرة العرب، فيفتحها الله ثم فارس، فيفتحها الله. ثم تغزون الروم، فيفتحها الله. ثم تغزون الدجال فيفتحه الله\" قال نافع: يا جابر - هو جابر بن سمرة - لا نُرَى الدجال يخرج حتى تفتح الرومُ.\n_________\n١٠١١ - مسلم (٤/ ٢٢٢٥) ٥٣ - كتاب الفتن وأشراط الساعة -١٢ - باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال.\nأكمة: الأكمة: الرابية، والموضع المرتفع من الأرض.\nيغتالونه: الاغتيال: أن يقتل بغتة.\nالنجيُّ: المناجي وهو المسارر.\nتفتحون جزيرة العرب: فتحت جزيرة العرب في عهد النبي ﷺ ثم فتحت في عهد أبي بكر ﵁ بعد وقوع الردة.","vol":"3","page":1190},{"text":"١٠١٢ - * روى البخار يعن عدي بن حاتم ﵁ قال: بينا أنا عند النبي ﷺ، إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل فقال: \"يا عديُّ، هل رأيت الحيرة؟ \" قلتُ: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: \"فإنْ طالت بك حياةٌ لترين الظعينة ترتحلُ من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخافُ أحدًا إلا الله تعالى\" قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّارُ طيء الذين قد سعروا البلاد؟ \" ولئنْ طالتْ بك حياة لتفتحن كنوزُ كسرى\" قلت: كسرى بن هُرمز؟ قال: \"كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلبُ من يقبله منه، فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجُمان يُتَرْجِمُ له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولًا فيُبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أُعطك مالًا، وأُفْضِلْ عليك؟ فيقول: بلى فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، وينظرُ عن يساره فلا يرى إلا جهنم\" قال عدي: سمعتُ النبي ﷺ يقول: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة\" قال عدي: فرأيتُ الظعينة ترتحلُ من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنُوز كِسرى ابن هُرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ: \"يُخرج ملء كفه ... \".\nقال في الفتح: قوله (الحيرة) بكسرة المهملة وسكون التحتانية وفتح الراء كانت بلد ملوك العرب الذين تحت حكم آل فارس، وكان ملكهم يومئذ إياس بن قبيصة الطائي وليها من تحت يد كسرى بعد قتل النعمان بن المنذر، ولهذا قال عدي بن حاتم \"فأين دعار طيء\" ووقع في رواية لأحمد من طريق الشعبي عند عدي بن حتم \"قلت يا رسول الله فأين مقاتب طيء ورجالها\" (١) ومقاتب بالقاف جمع مقتب وهو العسكر ويطلق على\n_________\n١٠١٢ - البخاري (٦/ ٦١٠) ٦١ - كتاب المناقب -٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nالظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، هذا هوالأصل، ثم سميت به المرأة ظعينة وإن لم تكن في هودج ولا مسافرة.","vol":"3","page":1191},{"text":"الفرسان. قوله (حتى تطوف بالكعبة) زاد أحمد من طريق أخرى عن عدي \"في غير جواز أحد\". قوله (فأين دعار طيء) الدعار جمع داعر وهو بمهملتين وهو الشاطر الخبيث المفسد، وأصله عود داعر إذا كان كثير الدخان قال الجواليقي: والعامة تقوله بالذال المعجمة فكأنهم ذهبوا به إلى معنى الفزع والمعروف الأول. والمراد قطاع الطريق. وطيء قبيلة مشهورة، منها عدي بن حاتم المذكور، وبلادهم ما بين العراق والحجاز، وكانوا يقطعون الطريق على من مر عليهم بغير جواز، ولذلك تعجب عدي كيف تمر المرأة عليهم وهي غير خائفة. قوله (قد سعروا البلاد) أي أوقدوا نار الفتنة، أي ملؤا الأرض شرًا وفسادًا، وهو مستعار من استعرا النار وهو توقدها. قوله (كنوز كسرى) وهو علم على من ملك الفرس، لكن كانت المقالة في زمن كسرى بن هرمز (اسمه ابرويز) ولذلك استفهم عدي بن حاتم عنه، وإنما قال ذلك لعظمة كسرى في نفسه إذ ذاك. قوله (فلا يجد أحدًا يقبله منه) أي لعدم الفقراء في ذلك الزمان، وذلك عند نزول عيسى بن مريم ﵇، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز وبذلك جزم البيهقي وأخرج في \"الدلائل\" من طريق يعقوب بن سفيان بسنده إلى عمر بن أسيد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال \"إنما ولي عمر بن عبد العزيز ثلاثين شهرًا، ألا والله ما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيه فلا يجده، قد أغنى عمر الناس، قال البيهقي: فيه تصديق ما روينا في حديث عدي بن حاتم انتهى. ولا شك في رجحان هذا الاحتمال على الأول لقوله في الحديث \"ولئن طالت بك حياة\" قوله (بشق تمرة) بكسر المعجمة أي نصفها، وفي رواية المستملي \"بشقة تمرة\" وكذا اختلفوا في قوله بعده \"فمن لم يجد شق تمرة\" قال المستملي \"شقة\". قوله (ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي ﷺ) هو مقول عدي بن حاتم، وقوله \"يخرج ملء كفه- أي من المال - فلا يجد من يقبله\" رواية أحمد المذكورة \"والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن النبي ﷺ قد قالها\" وقد وقع ذلك كما قال النبي ﷺ وآمن به عدي. واستدل به بعضهم على جواز سفر المرأة وحدها في الحج الواجب وبالله التوفيق. أهـ الفتح.","vol":"3","page":1192},{"text":"١٠١٣ - * روى الطبراني عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: \"تمثلتْ لي الحيرةُ كأنياب الكلاب، وإنكم ستفتحونها\" فقام رجل فقال: يا رسول الله هب لي بنت بُقيلة فقال: \"هي لك. فأعطوه إياها\" فجاء أخُوها فقال: تبيعُها؟ قال: نعم قال: فاحتكم ما شئت. قال: بألف درهم، قال: قد أخذتها بألفٍ، قالوا: لو قلت ثلاثين ألفًا. قال: وهل عدد أكبرُ من ألف.\n١٠١٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا فُتحت عليكم فارس والروم: أي قومٍ أنتم؟ \" قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله ﷿، قال رسول الله ﷺ: \"أو غير ذلك تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، أو تتباغضون، أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض\".\n١٠١٥ - * روى البخاري ومسلم عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرامٍ بنت ملحان فتطعمه وكانت أم حرامٍ تحت عُبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته وجعلت تَفْلِي رأسه، فنام رسول الله ﷺ، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت فقلت: \"وما يُضحكك يا رسول الله؟ قال: (١) \"ناسٌ من أمتي عُرضوا عليَّ غُزاة في سبيل الله، يركبون ثبجَ هذا البحر مُلوكًا على الأسِرَّة - أو مثل الملوك على\n_________\n١٠١٣ - المعجم الكبير (١٧/ ٨١).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢١٣): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n١٠١٤ - مسلم (٤/ ٢٢٧٤) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق- حديث (٧).\nنقول كما أمرنا الله: معناه نحمده ونشكره، ونسأله المزيد من فضله.\nتتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ... إلخ: قال العلماء: التنافس إلى الشيء المسابقة إليه وكراهة أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد. وأما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها. والتدابر التقاطع. وقد يبقى مع التدابر شيء من المودة أو لا يكون مودة ولا بغض. وأما التباغض فهو بعد هذا. ولهذا رتبت في الحديث. ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض: أي ضعفائهم فتجعلون بعضهم أمراء على بعض.\n١٠١٥ - البخاري (٦/ ١٠) ٥٦ - كتاب الجهاد -٣ - باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء.\nومسلم (٣/ ١٥١٨) ٣٣ - كتاب الإمارة-٤٩ - باب فضل الغزو في البحر.\nثبج البحر: وسطه، وثبج كل شيء: وسطه. =","vol":"3","page":1193},{"text":"الأسرَّة\" شك إسحاق - قالت فقلت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ. ثم وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك. فقلت: وما يُضحكُك يا رسول الله؟ قال: \"ناسٌ من أمتي عُرضوا عليَّ غُزاة في سبيل الله\"- كما قال في الألو - قالت فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: \"أنتِ من الأولين\" فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان فصُرعتْ عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكتْ.\nوفي رواية عن أنس عن خالته أم حرام بنت ملحان قالت (١): نام النبي ﷺ يومًا قريبًا مني، ثم استيقظ يتبسم، فقلت: ما أضحكك؟ قال: \"أناس من أمتي عُرضوا عليَّ، يركبون هذا البحر الأخضر، كالملوك على الأسرة\" قالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها ... ثم ذكر نحوه بمعناه.\nوفي أخرى (٢): ما يُضحكك يا رسول الله - بأبي أنت وأمي؟ - قال: \"أُريتُ قومًا من أمتي\". وفيه: \"يركبون ظهر البحر\"- وفيه- \"فإنك منهم\" وفيه: فتزوجها عُبادة بن الصامت بعدُ، فغزا في البحر، فحملها معه، فلما أن جاءت قربت لها بغلةً فركبتها، فصرعتها، فاندقت عنقها.\nوفي أخرى قال (٣): أتى رسول الله ﷺ ابنة ملحان خالة أنس، فوضع رأسه عندها - وعند البخاري: فاتكأ عندها - ثم ضحك، فقالت: لِمَ تضحك يا رسول الله؟ فقال: \"ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على\n_________\n= مثل الملوك على الأسرة: قيل: هو صفة لهم في الآخرة، إذا دخلوا الجنة. والأصح أنه صفة لهم في الدنيا. أي يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم وكثرة عددهم.\n(١) البخاري (٦/ ١٨) ٥٦ - كتاب الجهاد-٨ - باب فضل من يُصرع في سبيل الله فمات فهو منهم.\nومسلم بنحوه (٤/ ١٥١٩) ٣٣ - كتاب الإمارة- ٤٩ - باب فضل الغزو في البحر.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.\n(٣) البخاري (٦/ ٧٦) ٥٦ - كتاب الجهاد -٦٣ - باب غزو المرأة في البحر.\nالبحر الأخضر: قال الحافظ في الفتح: قال الكرماني: هي صفة لازمة للبحر لا مخصصة. انتهى. ويحتمل أن تكون مخصصة لأن البحر يطلق على المالح والعذب، فجاء لفظ الأخضر لتخصيص الملح بالمراد. قال: والماء في الأصل =","vol":"3","page":1194},{"text":"الأسرة\": فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أنْ يجعلني منهم، فقال: \"اللهم اجعلها منهم\" ثم عاد فضحك، فقالت له مثل - أو مم- ذلك، فقال لها مثل ذلك فقالت: ادعُ الله أن يجعلني منهم، قال: \"أنت من الأولين، ولست من الآخرين\" قال: قال أنس: فتزوجت عبادة بن الصامت، فركبت البحر مع بنت قرظة\" فلما قفلت ركبتْ دابتها، فوقصت بها، فسقطت عنها فماتت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>فوائد حول قصة أم حرام بنت ملحان:</span>\n* حول دخوله ﷺ على (أم حرام بنت ملحان) قال النووي:\nاتفق العلماء على أنها كانت محرمًا له ﷺ، واختلفوا في كيفية ذلك: فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته في الرضاعة. وقال آخرون: بل كانت خالة أبيه لجده. لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار.\n* قوله (في زمن معاوية) قال القاضي: قال أكثر أهل السير والأخبار: إن ذلك كان في خلافة عثمان بن عفان ﵁. وإن فيها ركبت أم حرام وزوجها إلى قبرس فصرعت عن دابتها هناك. فتوفيت ودفنت هناك. وعلى هذا يكون قوله (١): في زمان\n_________\n= لا لون له: وإنما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء وسائر مقابلاته إليه، وقال غيره: إن الذي يقابله السماء. وقد أطلقوا عليها الخضراء لحديث \"ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء\" والعرب تطلق الأخضر على كل لون ليس بأبيض ولا أحمر. قال الشاعر:\nوأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة من نسل العرب\nيعني أنه ليس بالأحمر كالعجم.\nبنت هرطة: هي زوج معاوية، واسمها فاختة، وقيل: كنود، وأبوها قرظة، هو ابن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف وهي قرشية نوفلية.\nوقصت بها دابتها: أي: دقت عنقها، يقال: وقصت عنقه، فهي موقوصة. قال الحميدي: كذا في هذه الرواية بالواو، وكذا فُسر، ولعله على المآل، وقال: ومنهم من رواه (رقصت) بالراء، أي: أسرعت وزادت في المشي، وإنما وقع الخلاف لقوله: (فوقصت بها دابتُها، فسقطت) فظاهره: أن الوقص قبل السقوط، وإنما الوقص من السقوط وبعده، لا قبله، قال: وقال الهروي في تفسير الحديث الذي فيه (فركب فرسًا، فجعل يتوقص به) أي ينزو ويثب، فجعل النزو والوثوب توقصًا، لا دقًا للعنق، فعلى هذا يحتمل ما في الرواية الأولى، والذي كره الهروي صحيح، فإن التوقص في اللغة: هو وثوب الدابة ونزوُها، يقال: مر فلان تتوقص به دابته، أي: تثبُ به وثبًا متقارب الخطو.","vol":"3","page":1195},{"text":"معاوية- معناه في زمان غزوه في البحر، لا في أيام خلافته.\n* هناك خلاف حول موضع قبر بنت ملحان وهذا تحقيق صاحب الفتح في ذلك:\nوالحاصل أن البغلة الشهباء قربت إليها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقت عنقها فماتت، وظاهر رواية الليث أن وقعتها كانت بساحل الشام لما خرجت من البحر بعد رجوعهم من غزاة قبرس، لكن أخرج ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد عن هشام بن عمار بن يحيى بن حمزة بالسند الماضي لقصة أم حرام في \"باب ما قيل في قتال الروم\" وفيه \"وعبادة نازل بساحل حمص\" قال هشام بن عمار رأيت قبرها بساحل حمص، وجزم جماعة بأن قبرها بجزيرة قبرس، فقال ابن حبان بعد أن أخرج الحديث من طريق الليث بن سعد بسنده: \"قبر أم حرام بجزيرة في بحر الروم يقال لها قبرس، بين بلاد المسلمين وبينها ثلاثة أيام\" وجزم ابن عبد البر بأنها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قبرس قربت إليها دابتها فصرعتها. وأخرج الطبري من طريق الواقدي أن معاوية صالحهم بعد فتحها على سبعة آلاف دينار في كل سنة، فلما أرادوا الخروج منها قربت لأم حرام دابة لتركبها فسقطت فماتت فقبرها هناك يستسقون به ويقولون قبر المرأة الصالحة، ثم وقفت على شيء يزول به الإشكال من أصله وهو ما أخرجه عبد الرزاق بسنده ... وذكر ابن حجر الحديث وفيه قال عطاء: فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم فماتت بأرض الروم\" وهذا إسناد على شرط الصحيح أهـ.\n١٠١٦ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنكم ستفتحون أرضًا يُذكر فيها القيراط\" وفي رواية (١) \"ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط- فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا\".\n_________\n١٠١٦ - مسلم (٤/ ١٩٧٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥٦ - باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر.\nالقيراط: قال العلماء: القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهم، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به.\n(١) مسلم (٤/ ١٩٧٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥٦ - باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر.\nذمة: الذمة هي الحرمة والحق. وهي هنا بمعنى الذمام.","vol":"3","page":1196},{"text":"وفي أخرى (١) \"فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا - أو قال: \"ذمة وصهرًا - فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة فاخرج منها\" قال: فرأيت عبد الرحمن بن شُرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها.\n١٠١٧ - * روى أحمد عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تُفتح أولًا القسطنيطينية أو رُومية؟ فدعا عبدُ الله بصندوق له حلقٌ قال: فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينا نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تُفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول اله ﷺ: \"مدينة هِرَقلَ تُفتح أولًا\" يعني قسطنطينية.\n١٠١٨ - * روى أحمد والبزار عن بشير الخثعمي أن سمع النبي ﷺ يقول: \"لتفتحن القسطنطينية. فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش\" قال: فدعاني مسلمة بن عبد الملك فسألني فحدثته فغزا القسطنطينية.\nأقول: قد كتب الله لمحمد الفاتح هذا الفضل بعد النبي ﷺ بثمانية قرون ونصف القرن.\n١٠١٩ - * روى الطبراني عن يزيد بن معاوية العامري أن سمع عبد الله بن مسعود\n_________\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\nورحما: الرحم لكون هاجر أم إسماعيل منهم.\nوصهرًا: الصهر لكون مارية أم إبراهيم منهم، ويمكن أن تكون الرحم والصهر بسبب كل من هاجر ومارية.\n١٠١٧ - أحمد في مسنده (٢/ ١٧٦).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢١٩): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل، وهو ثقة.\nأقول: وقال عنه الحافظ في التقريب: صدوق بهم.\n١٠١٨ - أحمد في مسنده (٤/ ٣٣٥).\nكشف الأستار (٢/ ٢٥٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢١٨): رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجاله ثقات.\n١٠١٩ - المعجم الكبير (٩/ ٢٧٧).\nوقال الهيثمي في مجع الزوائد (٧/ ٣١٢): رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1197},{"text":"يقول: كيف أنتم إذا رأيتم قومًا أو أتاكم قومٌ لطخُ الوجوه؟!\n١٠٢٠ - * روى أحمد عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوشك أن يملأ الله ﷿ أيديكم من العجم ثم يكونون أُسدًا لا يفرون فيقتُلون مُقاتلتكم ويأكلون فيئكم\".\n١٠٢١ - * روى أحمد وأبو داود عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوشكُ الأممُ أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها\" فقال قائل: \"ومن قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: \"بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غُثاء كغُثاء السيْل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهْن\" فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: \"حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت\".\nقال في عون المعبود:\nوالمعنى كما يدعو أكلة الطعام بعضهم بعضًا (إلى قصعتها) الضمير للأكلة أي التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع فيأكلونها عفوًا صفوًا كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم، قاله القاري قال في المجمع أي يقرب أن فرق الكفر وأمم الضلالة أن تداعى عليكم أي يدعو بعضهم بعضًا إلى الاجتماع لقتالكم وكسر شوكتكم ليغلبوا على ما ملكتموها من الديار، كما أن الفئة الآكلة يدعو بعضهم بعضًا إلى قصعتها التي يتناولونها من غير مانع فيأكلونها صفوًا عن غير تعب انتهى.\n١٠٢٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ (١): أن رسول الله ﷺ كان على\n_________\n١٠٢٠ - أحمد في مسنده (٥/ ١١).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣١٠): رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n١٠٢١ - أحمد في مسنده (٥/ ٢٧٨).\nوأبو داود (٤/ ١١١) كتاب الملاحم - باب في تدعي الأمم على الإسلام. وهو حديث حسن.\nتداعى: التداعي: التتابع، أي: يدعو بعضها بعضًا فتجيب.\nالأكلة: جمع آكل.\nغثاء: الغثاء: هو ما يلقيه السيل.\n١٠٢٢ - مسلم (٤/ ١٨٨٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب من فضائل طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما.","vol":"3","page":1198},{"text":"حِراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وطلحة والزبير، فتحركت الصخرةُ، فقال النبي ﷺ: \"اهدأ، فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد\".\nوفي رواية (١): أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء. فتحرَّك. فقال رسول الله ﷺ: \"اسكنْ جراءُ، فما عليك إلا نبي، أو صديقٌ، أو شهيدٌ\" وعليه النبي ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص.\nفائدة: سعد بن أبي وقاص مات على فراشه فهو صديق.\n١٠٢٣ - * روى الترمذي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: لما حُصر عثمان ﵁ أشرف عليهم فوق داره، ثم قال: أذكركم بالله، هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله ﷺ: \"اثبُت حراءُ، فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ \" قالوا: نعم، قال: أذكركم بالله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال في جيش العُسرة: \"من يُنفق نفقةً متقبلة\" - والناس مُجهدون مُعسرون - فجهزتُ ذلك الجيش؟ قالوا: نعم.\nثم قال: أذكركم بالله، هل تعلمون أن بئر رُومة، لم يكن يُشرب منها أحد إلا بثمن فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا اللهم نعم، وأشياء عدها.\nوفي رواية البخاري (٢): أن عثمان رضي الله عن حيث حُوصر أشرف عليهم وقال: أنشدُكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \"مَن\n_________\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\n١٠٢٣ - الترمذي (٥/ ٦٢٥) ٥٠ - كتاب المناقب -١٩ - باب في مناقب عثمان ﵁.\nجهد: الرجل فهو مجهود: إذا وجد مشقة، وهو من الجهد، وجهد الناس: إذا قحطوا، فهم مجهودون، فأما أجهد فهو مُجهد، فإنما يكون على تقدير أنه وقع في الجهد، وهو المشقة، وكذلك مجهد - بالكسر -أي: إنه ذو جهد ومشقة، أو هو من أجهد دابته: إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها، ورجل مجهد ومجهِد: إذا كان ذا دابة ضعيفة، فاستعاره للحال في قلة المال ونحوه.\nوابن السبيل: السبيل: الطريق، وابن السبيل: هو المسافر، كأنه للزومه السفر والطريق نسب إليها.\n(٢) البخاري (٥/ ٤٠٦) ٥٥ - كتاب الواصايا -٣٣ - باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا أو اشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين.","vol":"3","page":1199},{"text":"حفر رُومة فله الجنة\" فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: \"من جهز جيش العُسرة فله الجنة\" فجهزته؟ قال: فصدقوه بما قال. وقال عمر في وقفهِ: لا جُناح على من وليه أن يأكل، وقد يليه الواقف وغيره، فهو واسع لكلٍّ.\n١٠٢٤ - * روى البخار يعن أنس بن مالك ري الله عنه: أن رسول الله ﷺ صعد أُحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: \"اثبُت أحدُ فإن عليك نبي وصديق وشهيدان\".\nوفي رواية (١): اثبُتْ حراء، فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.\n١٠٢٥ - * روى أحمد عن عبد الله بن حوالة قال: أتيتُ رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل دومةٍ، وعنده كاتب له يملي عليه، فقال: \"ألا أكتبُك يا ابن حوالة؟ \" قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله فأعرض عني. وقال إسماعيل مرة في الأولى: \"نكتبك يا ابن حوالة؟، قلت: لا أدري فيم يا رسول الله؟ فأعرض عني، فأكب علي كاتبه يملي عليه، ثم قال: \"أنكتبك يا ابن حوالة؟ \" قلت: ما أدري ما خار الله لي ورسوله؟ فأعرض عني، فأكب على كاتبه يملي عليه، قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فقلت: إن عمر لا يكتبُ إلا في خير، ثم قال: \"أنكتبك يا ابن حوالة؟ \" قلت: نعم. فقال: \"يا ابن حوالة كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ \" قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله. قال: \"وكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن\n_________\n١٠٢٤ - البخاري (٧/ ٢٣) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة -٥ - باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا\".\n(١) الترمذي (٥/ ٦٥١) عن سعيد بن زيد ٥٠ - كتاب النماقب -٢٨ - باب مناقب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفقيل ﵁.\nوفي الباب عن سهل بن سعد عند الموصلي بإسناد صحيح. وعن سعيد بن زيد عند ابن ماجه وأدخل في عبد الرحمن بن عوف ونفسه، وعن بُريدة عند أحمد برجال الصحيح مقتصرًا على أبي بكر وعمر وعثمان.\n١٠٢٥ - أحمد في مسنده (٤/ ١٠٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٨): رواه أحمد والطبراني بنحوه، ورجالهما رجال الصحيح.\nظل دومة: دومةِ: نوع من الشجر.\nصياصي: المراد بالصياصي هنا القرون.","vol":"3","page":1200},{"text":"الأولى فياه انتفاجة أرنب؟ \" قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله قال: \"اتبِعُوا هذا\" قال: ورجل مُقَفٍّ حينئذ. قال: فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبيه، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ، فقلت: هذا. قال: \"نعم\" قال: وإذا هو عثمان بن عفان ﵁.\nوفي رواية (١): كنا مع النبي ﷺ في سُفَرٍ من أسفاره فنزل الناس منزلًا ونزل رسول الله ﷺ في ظل دومةٍ فرآني مُقبلًا من حاجةٍ لي وليس غيري وغير كاتبه وقال فيه: فإذا في صدر الكتاب أبو بكر. وعمر وقال فيه: أصنعُ ماذا يا رسول الله؟ قال: \"عليك بالشام\" وقال فيه: فلا أدري كيف قال في الآخرة؟ ولأن أكون علمتُ كيف قال في الآخرة أحبُّ إليَّ من كذا وكذا.\nأقول: في الحديث إشارة إلى \"أنه سيحصل خلاف وفتنة يكون عثمان بن عفان ﵁ على الحق ومعارضوه على الباطل. وإشارة إلى أن الشام ستكون في معزل عن هذه الفتنة فمن أراد السلامة فليلحق بها، وهذا ما وقع فعلًا فإن أحدًا من الشام لم يخرج على عثمان.\n١٠٢٦ - * روى الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: وقف رسول الله ﷺ بالأسواق، وبلال معه، فدلى رجليه في البئر، وكشف عن فخذيه، فجاء أبو بكر يستأذن، فقال: \"يا بلال ائذنْ له وبشره بالجنة\" فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخذيه، ثم جاء عمر يستأذن. فقال: \"ائذن له يا بلال وبشره بالجنة\" فدخل فجلس عن يسار رسول الله ﷺ ودلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه، ثم جاء عثمان يستأذن، فقال: \"ائذن له يا بلال وبشره بالجنة على بلوى\n_________\n= انتفاجة: أي وثبة.\n(١) أحمد في مسنده (٥/ ٢٣).\n١٠٢٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٥٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني علي بن سعيد، وهو حسن الحديث.\nالأسواف: موضع بالمدينة.","vol":"3","page":1201},{"text":"تصيبه، فدخل عثمان فجلس قُبالة رسول الله ﷺ ودلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه.\n١٠٢٧ - * روى أحمد والطبراني عن ابن عمر قال: رأى النبي ﷺ على عمر ثوبًا أبيض، فقال: \"أجديد ثوبُك أم غسيل؟ \" فقال: فلا أدري ما رد عليه. فقال النبي ﷺ: \"ألبس جديدًا وعش حميدًا ومُت شهيدًا ويرزقك الله قُرة عين في الدنيا والآخرة\".\nوزاد الطبراني بعد قوله: \"يرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة\" قال: وإياك يا رسول الله.\n١٠٢٨ - * روى أحمد والبزار عن أبي رافع: أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: \"إنه سيكون بينك وبين عائشة أمرٌ\" قال: أنا يا رسول الله؟ قال: \"نعم\" قال: أنا؟ قال: \"نعم\" قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: \"لا ولكن إذا كان ذلك فاردُدها إلى مأمنها\".\n١٠٢٩ - * روى الطبراني عن أبي أُسيد الساعدي ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ على قبر حمزة بن عبد المطلب فجعلوا يجرون النِّمرة على وجهه فتنكشف قدماه ويجرونها على قدميه فينكشف وجهه، فقال رسول الله ﷺ: \"اجعلوها على وجهه، واجعلوا على قدميه من هذا الشجر\" قال: فرفع رسول الله ﷺ رأسه، فإذا أصحابه يبكون، فقال رسول الله ﷺ: \"إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف فيُصيبون منها مطعمًا وملبسًا ومركبًا\" أو قال: \"مراكب فيكتبُون إلى أهليهم (١):\n_________\n١٠٢٧ - أحمد في مسنده (٢/ ٨٩).\nوأورده الهيثمي في مجع الزوائد (٩/ ٧٣) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح.\n١٠٢٨ - أحمد في مسنده (٦/ ٣٩٣).\nكشف الأستار (٤/ ٩٣).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٤): رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجاله ثقات.\n١٠٢٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٠)، وقال: رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن.\nالنمرة: بفتح النون وكسر الميم: وهي بُردة من صوف تلبسها الأعراب.","vol":"3","page":1202},{"text":"هلم إلينا، فإنكم بأرض حجازٍ جدويةٍ، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون\".\n١٠٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"هل لكم من أنماط؟ \" قلتُ: وأنى يكون لنا الأنماط؟ قال: \"أما وإنها ستكون لكم الأنماط\"- فأنا أقول لها - يعني امرأته - أخرى عنا أنماطك، فتقول: ألم يقل رسول الله ﷺ: إنها ستكون لكم الأنماط فأدعُها.\nوفي رواية النسائي قال (١): قال رسول الله ﷺ: \"هل تزوجت؟ \" قلت: نعم، قال: \"اتخذتم أنماطًا\". وذكر الحديث إلى قوله: \"ستكون\".\n١٠٣١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فُتحت خيبرُ أُهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سُمٌّ، فقال رسول الله ﷺ: \"اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود\" فجُمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ \" قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"من أبُوكم؟ \" قالوا: أبونا فُلان، فقال رسول الله ﷺ: \"كذبتُم، بل أبوكم فلان\" فقالوا: صدقت وبررت، فقال: \"هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ \" فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"من أهلُ النار؟ \" فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا\" ثم قال لهم: \"هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ \" قالوا: نعم فقال: \"هل جعلتم في هذه الشاة سُمًا؟ \" فقالوا: نعم. فقال: \"ما حملكم على ذلك؟ \" قالوا: أرْدنا إن كنت كاذبًا نستريحُ منك، وإن كنت نبيًا لم يضُركَ.\n_________\n١٠٣٠ - البخاري (٦/ ٦٢٩) ٦١ - كتاب المناقب -٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nومسلم (٣/ ١٦٥٠) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة -٧ - باب جواز اتخاذ الأنماط.\nأنماط: الأنماط جمع نمط، وهو من البُسط معروف.\n(١) النسائي (٦/ ١٣٦) كتاب النكاح - باب الأنماط.\n١٠٣١ - البخاري (١٠/ ٣٤٤) ٧٦ - كتاب الطب - ٥٥ - باب ما يذكر في سم النبي ﷺ.\nاخسؤوا: خسأت الكلب: إذا طردتهُ وأبعدتهُ.","vol":"3","page":1203},{"text":"١٠٣٢ - * روى أبو داود عن عاصم بن كُليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر: \"أوسِعْ من قِبَلِ رجليه، أوسع من قبل رأسه\" فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء، وجيء بالطعام، فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه، ثم قال: \"أجِدُ لحم شاةٍ أُخذتْ بغير إذن أهلها\" فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة، فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها، فقال رسول الله ﷺ: \"أطعميه الأسارى\".\n١٠٣٣ - * روى أحمدُ عن حُذيفة أن نبي الله ﷺ قال: \"في أُمتي كذابُون ودجالون سبعةٌ وعشرون منهم أربعُ نسوةٍ، وإني خاتمُ النبيين لا نبي بعدي\".\n١٠٣٤ - * روى الطبراني عن النعمان بن بشير قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إن بين يدي الساعة كذابين\".\n_________\n١٠٣٢ - أبو داود (٣/ ٣٤٤) كتاب البيوع- باب في اجتناب الشبهات، وإسناده صحيح.\nيلوك: لاك اللقمة في فيه يلوكها: إذا مضغها.\nقال في عون المعبود: (أرسلت إلي بها) أي بالشاة فظهر أن شراءها غير صحيح لأن إذن الزوجة ورضاها غير صحيح وهو يقارب بيع الفضولي المتوقف على إجازة صاحبه وعلى كل فالشبهة قوية والمباشرة غير مرضية.\nالأساري: جمع أسير، والغالب أنه فقير. وقال الضبي: وهم كفار، وذلك أنه لما لم يوجد صاحب الشاة ليستحلوا منه واكن الطعام في صدد الفساد، إذ الشرع لا يجيز إتلاف المال ولم يكن بد من طعام هؤلاء فأمر بإطعامهم. أهـ.\n١٠٣٣ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٩٦).\nكشف الأستار (٤/ ١٣٢).\nوالمعجم الكبير (٣/ ١٧٠).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٤): رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار، ورجال البزار رجال الصحيحي.\n١٠٣٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٥)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير جندل بن والق، وهو ثقة.","vol":"3","page":1204},{"text":"١٠٣٥ - * روى أبو داود عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وُضع السيفُ في أمتي، لم يُرفع عنها إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائلُ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبُد قبائل من أمتي الأوثان وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعمُ أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله\".\nأقول: وضع السيف في عهد عثمان ﵁ ولم يرفع بعد ذلك.\n١٠٣٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمر أن كان عند رجل من أهل الكوفة فجعل يحدثه عن المختار. فقال ابن عمر: إن كان كما تقول فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالًا كذابًا\".\nوللطبراني في رواية قال (١): \"بين يدي الساعة الدجالُ، وبين يدي الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر\" قلنا: ما آيتهم؟ قال: \"أن يأتُوكم بسُنةٍ لم تكونوا عليها يُغيرون بها سُنتكم ودينكم، فإذا رأيتمُوهم فاجتنبوهم وعادوهم\".\nوالروايات الصحيحة في هذا المعنى كثيرة.\nأقول: إن المختار بن أبي عبيد آل أمره إلى ادِّعاء أنه يوحى إليه، وادعى ادعاءات كثيرة كاذبة ولذلك أجمع العلماء على أنه كذاب ثقيف الذي ورد ذكره في النصوص.\n١٠٣٧ - * روى الطبراني عن أبي إسحق قال: قلت لعبد الله بن عمر: إن المختار يزعمُ أنه يُوحى إليه. قال: صدق. وإن الشياطين ليُوحُون إلى أوليائهم.\n_________\n١٠٣٥ - أبو داود مطولًا (٤/ ٩٧) كتاب الفتن والملاحم - باب ذكر الفتن ودلائلها.\n١٠٣٦ - أحمد في مسنده (٢/ ١١٨).\n(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٣) ونسبه للطبراني.\n١٠٣٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٣)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1205},{"text":"١٠٣٨ - * روى الطبراني عن أبي نوفل بن أبي عقرب العَرَنْجي قال: صلَبَ الحجاجُ ابن الزبير على عقبةٍ المدينة ليُري ذلك قريشًا، فلما أن تفرقوا جعلوا يمرون فلا يقفون عليه حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خُبيب (قالها ثلاث مرات) لقد كنت نهيتُك عن ذا (قالها ثلاث مرات) لقد كنت صوامًا قواما، تصل الرحم. فبلغ الحجاج موقفُ عبد الله بن عمر فبعث إليه، فاستنزلهُ فرمى به في قبور اليهود، وبعث إلى أسماء بنت أبي بكر أن تأتيه وقد ذهب بصرها، فأبتْ، فأرسل إليها لتجيئن أو لأبعثن إليك من يسحبُك بقُرونك، قالت: والله لا آتيك حتى تُرسل إليَّ من يسحبني بقروني، فأتاه رسوله فأخبره، فقال له: يا غلام ناولني سَبْتِيِّتَيِّ فناوله نعليه، فقام وهو يتوقدُ، حتى أتاها، فقال: كيف رأيت الله صنع بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وأما ما كنت تُعَيِّرُه بذات النطاقين، أجل لقد كان لي نطاقان: نطاق أُغطي به طعام رسول الله ﷺ من النمل ونطاق آخر لابد للنساء منه، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن في ثقيف مُبيرًا وكذابًا، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت ذاك\" قال: فخرج.\n١٠٣٩ - * روى أبو يعلي عن أبي الجلاس قال (١): سمعتُ عليًا يقولُ لعبد الله السبئي\n_________\n١٠٣٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٥٦)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\nعقبة المدينة: الظاهر من قوله عقبة المدينة أن المراد بذلك العقبة التي يخرج منها الناس من مكة إلى المدينة؛ لأن ابن الزبير صلب في مكة.\nوالعقبة: المرتقى الصعب من الجبال.\nفبعث إليه: أي إلى عبد الله بن الزبير.\nسبتيتي: الحذاء.\nالنطاق: شقة من ملابس النساء.\nالمبير: المهلك.\nالكذاب: هو المتنبئ المختار بن أبي عبيد الثقفي.\n١٠٣٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٣) وقال: رواه أبو يعلي، ورجاله ثقات.\nعبد الله السبئي: هو عبد لله بن سبأ، ويلقب بابن السوداء، يهودي تظاهر بالإسلام، وغلا في علي بن أبي طالب، وهو من طلائع الباطنية الغلاة في الأمة الإسلامية.\nولعل الهيثمي وثق رجاله لمعرفته بوجود شواهد ومتابعات، وإلا فقد ذكر ابن حجر ان أبا الجلاس مجهول، والمشهور عند العام والخاص من المسلمين عن عبد الله السبئي هذا أن دوره في الفتنة كان كبيرًا.","vol":"3","page":1206},{"text":"ويلك، والله ما أفضى إلي بشيء كتمهُ أحدًا من الناس، ولكن سمعتهُ يقول: \"إنَّ بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا وإنك لأحدهُم\".\n١٠٤٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قدِمَ مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ، فجعل يقول: إن جعل لي محمدٌ الأمر من بعده تبعته، وقدمها في بشرٍ كثيرٍ من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريدٍ، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: \"لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريتُ فيه مارأيتُ، وهذا ثابت يُجيبك عني\" ثم انصرف عنه، قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ: إنك أرى الذي أريتُ فيه ما أريت فأخبرني أبو هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"بينما أنا نائمٌ رأيتُ في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام: أن انفخهُما فنفختهُما، فطارا، فأولتهما، كذابين يخرجان بعدي، أحدهما: العنسي، والآخر: مسيلمة\".\nوفي رواية عبيد لله بن عبد الله بن عتبة، قال (١): بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة، فنزل في دار بنت الحارث، وكانت تحتهُ بنتُ الحارث بن كُرْيزٍ، وهي أم عبد الله ابن عامرٍ، فأتاه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وهو الذي يقال له: خطيبُ رسول الله ﷺ، وفي يد رسول الله ﷺ قضيبٌ، فوقف عليه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك، فقال رسول الله ﷺ: \"لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه، وإني لأراك الذي أُريتُ فيه ما أريتُ، وهذا ثابت بن قيس وسيُجيبك عني\" فانصرف رسول الله ﷺ، قال عبيد الله: سألتُ عبد الله بن عباس عن قول رسول الله ﷺ الذي أريت فيه ما أريتُ، فقال\n_________\n١٠٤٠ - البخاري (٨/ ٨٩) ٦٤ - كتاب المغازي -٧٠ - باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أُثال.\nومسلم (٤/ ١٧٨٠) ٤٢ - كتاب الرؤيا - ١٤ - باب رؤيا النبي ﷺ.\n(١) البخاري (٨/ ٩١) ٦٤ - كتاب المغازي-٧١ - باب قصة الأسود العَنْسي.","vol":"3","page":1207},{"text":"ابن عباس: ذُكِرَ لي - وفي رواية: أخبرني أبو هريرة ... وذكر الحديث- وفي آخره: أحدهما العنسيُّ الذي قتله فيروز باليمن، والآخر: مسيلمة.\nوفي رواية: قال عبيد الله (١): سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا رسول الله ﷺ التي ذكر، فقال ابن عباس ذُكِرَ لي أن رسول الله ﷺ قال: \"بينا أنا نائم أُريتُ أنه وُضِعَ في يدي سواران من ذهبٍ، فقطعتهُما وكرهتُهما، فأّذن لي، فنفختُهما، فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان\" فقال عبيد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر: مسيلمة الكذاب.\nقال ابن حجر: قوله (قدم مسيلمة الكذاب على عهد النبي ﷺ) أي المدينة، ومسيلمة مصغر بكسر اللام ابن ثمامة بن كبير بموحدة ابن حبيب بن الحارث من بني حنيفة. قال ابن إسحاق: ادعى النبوة سنة عشر، وزعم وثيمة في \"كتاب الردة\" أن مسيلمة لقب واسمه ثمامة، وفيه نظر لأن كنيته أبو ثمامة، فإن كان محفوظًا فيكون ممن توافقت كنيته واسمه، وسياق القصة يخالف ما ذكره ابن إسحاق أنه قدم مع وفد قومه، وأنهم تركوه في رحالهم بحفظها لهم، وذكروه لرسول الله ﷺ وأخذوا منه جائزته، وأنه قال لهم: إنه ليس بشركم وأن مسيلمة إنما ادعى أنه أشرك في النبوة مع رسول الله ﷺ احتج بهذه المقالة، وهذا مع شذوذه ضعيف السند لانقطاعه، وأمر مسيلمة كان عند قومه أكثر من ذلك، فقد كان يقال له: رحمان اليمامة لعظم قدره فيهم، وكيف يلتئم هذا الخبر الضعيف مع قوله في هذا الحديث الصحيح أن النبي ﷺ اجتمع به وخاطبه وصرح له بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة الجريدة ما أعطاه، ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى: كان تابعًا، وكان رئيس بني حنيفة غيره؛ ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرة متبوعًا وفيها خاطبه النبي ﷺ، أو القصة واحدة وكانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة منه واستكبارًا أن يحضر مجلس النبي ﷺ، وعامله النبي ﷺ معاملة الكرم على عادته في الاستئلاف، فقال لقومه: إنه ليس\n_________\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق.\nقطعة من جريد: أي قطعة من عود النخل.","vol":"3","page":1208},{"text":"بشركم أي بمكان، لكونه كان يحفظ رحاله، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يُفد في مسيلمة توجه بنفسه إليهم ليقيم عليهم الحجة ويعذر إليه بالإنذار والعلم عند الله تعالى، ويستفاد من هذه القصة أن الإمام يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار إذا تعين ذلك طريقًا لمصلحة المسلمين. قوله (إن جعل لي محمد الأمر من بعده) أي الخلافة، وسقط لفظ \"الأمر\" هنا عند الأكثر وهو مقدر، وقد ثبتت في رواية ابن السكن وثبتت أيضًا في الرواية المتقدمة في علامات النبوة. قوله (وقدمها في بشر كثير) ذكر الواقدي أن عدد من كان مع مسيلمة م قومه سبعة عشر نفسًا، فيحتمل تعدد القدوم كما تقدم. قوله (ولن تعدو أمر الله) كذا للأكثر، ولبعضهم لن تعد بالجزم وهو لغة، أي الجزم بلن، والمراد بأمر الله حكمه. وقوله (ولئن أدبرت) أي خالفت الحق، وقوله (ليعقرنك) بالقاف أي يهلكك. قوله (وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني) أي لأنه كان خطيب الأنصار، وكان النبي ﷺ قد أُعطي جوامع الكلم فاكتفى بما قاله لمسيلمة وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب في الخطاب فهذا الخطيب يقوم عني في ذلك، ويؤخذ منه استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد ونحو ذلك. أهـ.\n١٠٤١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر، فقال لرجل ممن يُدعى بالإسلام: \"هذا من أهل النار\" فلما حضرنا القتال: قاتل الرجل قتالًا شديدًا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت له آنفًا: إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالًا شديدًا، وقد مات؟ فقال النبي ﷺ: \" إلى النار\" فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك، إذ قيل: إنه لم يمتْ، ولكن به جراحًا شديدًا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجرح، فقتل نفسه، فأخبر النبي ﷺ، فقال: \"الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله\" ثم أمر بلالًا فنادى في الناس: \"إنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مسلمة، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر\".\n_________\n١٠٤١ - البخاري (٧/ ٤٧١) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٨ - باب غزوة خيبر.\nومسلم واللفظ له (١/ ١٠٥) ١ - كتاب الإيمان -٤٧ - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.","vol":"3","page":1209},{"text":"وفي رواية عن عبيد الله بن كعب قال (١): أخبرني من شهد مع النبي ﷺ خيبر ... الحديث\n١٠٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون، فاقتتلوا، فلما مال النبي ﷺ إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجلٌ لا يدعُ لهم شاذةً ولا فاذةً إلا اتبعها، يضربها بسيفه - فقيل ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله ﷺ: \"أما إنه من أهل النار\"- وفي رواية: فقالوا: أينا من أهل الجنة، إن كان هذا من أهل النار؟ - فقال رجلٌ من القوم: أنا صاحبهُ، قال: فخرج معه، كلما وقف وقف، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجُرح الرجل جُرحا شديدًا فاستعجل الموت، فوضع سيفه بالأرض، وذبابة بن ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجتُ في طلبه، ثم جُرح جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذُبابة بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: \"إن الرجل ليعملُ عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعملُ عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة\".\n_________\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق.\n١٠٤٢ - البخاري (٧/ ٤٧١) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٨ - باب غزوة خيبر.\nومسلم (١/ ١٠٦) ١ - كتاب الإيمان -٤٧ - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.\nشاذة: الشاذة: التي انفردت من الجماعة، وكذلك (الفاذة) وأصله في الغنم، ثم نقل إلى كل من فارق جماعة وانفرد عنها.\nأجزأ: أجريت في الحرب وغيرهغا: إذا فعلت فعلًا ظهر أثره وقُمت فيه مقامًا لم يقمه غيرك.\nذبابه: ذُباب السيف: طرف رأسه.\nتحامل: عليه، أي: اتكأ على السيف، جعله حاملًا له، وأصله من تكلف الأمر على مشقة.\nنصل سيفه: نصل السيف: حديده، وقد جعله هاهنا طرفه الأعلى الذي يدخل في المقبض.","vol":"3","page":1210},{"text":"وفي رواية نحوه بمعناه، وفي آخره (١): من قوله ﵇: \"وإنما الأعمالُ بالخواتيم، أو بخواتيمها\".\n١٠٤٣ - * روى الطبراني عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: جلس عميرُ بن وهبٍ الجُمحي مع صفوان بن أمية بعد مُصاب أهل بدر من قريش في الحِجْر بيسير، وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه، ويلقون منه عنتًا، إذ هم بمكة وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى أصحاب بدر، قال: فذكروا أصحاب القليب بمصائبهم، فقال صفوان: والله إنْ في العيش خيرٌ بعدهم، وقال عمير بن وهب: صدقت والله لولا دينٌ عليَّ ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبتُ إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة، ابني عندهم أسير في أيديهم، فاغتنمها صفوان فقال: عليَّ دينُك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا لا يسعهم شيء نعجز عنهم، قال عمير: اكتُم عليَّ شأني وشأنك، قال: أفعلُ، قال: ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذَ وسُمَّ، ثم انطلق إلى المدينة، فبينا عمر بن الخطاب بالمدينة في نفر من المسلمين يتذاكرون يوم بدر، وما أكرمهم الله به وما أراهم من عدوهم إذ نظر إلى عمير بن وهب قد أناخ بباب المسجد متوشح السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر، هذا الذي حَرَّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله. هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشح السيف، قال: \"فأدخله\" فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال عمر لرجال ممن كان معه من الأنصار: أدخلُوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده\n_________\n(١) البخاري (١١/ ٣٣٠) ٨١ - كتاب الرقاق -٣٣ - باب الأعمال بالخواتيم، وما يخاف منها.\nوأيضًا (١١/ ٤٩٩) ٨٣ - كتاب القدر -٥ - باب العمل بالخواتيم.\n١٠٤٣ - المعجم الكبير (١٧/ ٥٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨٤): رواه الطبراني مرسلًا، وإسناده جيد.\nالحِجْر: ما كان من الكعبة ولم يدخل في بنائها من الجهة الشمالية وهو معروف ويسمى الحطيم.\nحزرنا: قدر عددنا تخمينًا.\nمتوشحًا: متقلدًا.\nلببه بها: أخذ بتلبيبه وجره مما في موضع اللبب من الثياب، ويعرف بالطوق والجمع: تلابيب.\nأقول: صفوان بن أمية بن خلف ابن عم عمير بن وهب بن خلف. وقد أسلم صفوان بعد ذلك وحسن إسلامه.","vol":"3","page":1211},{"text":"واحذروا هذا الكلب عليه، فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه، فقال: \"أرسِله يا عمر، أدْنُ يا عميرُ\" فدنا، فقال: انعموا صباحًا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله ﷺ: \"قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، السلام تحيةُ أهل الجنة\" فقال أما والله يا محمد إن كنتُ لحديث عهد بها، قال: \"فما جاء بك؟ \" قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا إليه، قال: \"فما بال السيف في عنقك؟ \" قال: قبحها الله من سيوف، فهل أغنت شيئًا؟ قال: \"اصدقني ما الذي جئت له\"؟ قال: ما جئت إلا لهذا، قال: \"بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر فتذاكرتُما أصحاب القَلِيب من قريش، فقلت: لولا دينٌ علي وعيالي لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل صفوان لك بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائلٌ بينك وبين ذلك\" قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أنبأك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول الله ﷺ: \"فقهُوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره\" ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله شديد الأذى على من كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم كما كنت أؤذي أصحابك في دينهم، فأذن له رسول الله ﷺ فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب قال لقريش: أبشروا بواقعة تأتيكم الآن تُنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا، فلما قَدم عمر مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي من يخالفه أذى شديدًا، فأسلم على يديه ناسٌ كثير.\nوللطبراني في رواية عن عروة بن الزبير نحوه مرسلًا، قال (١) فيه: ففرح المسلمون حين\n_________\n(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨٦)، وقال: إسناده حسن.","vol":"3","page":1212},{"text":"هداه الله، وقال عمر بن الخطاب: لخنزير كان أحبَّ إليَّ منه حين اطلع وهو اليوم أحبُّ إليَّ منْ بعض بنيَّ.\n١٠٤٤ - * روى الحاكم عن عائشة قالت: لما جاءت أهل مكة في فداء أسارهم بعثتْ زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص وبعثتْ فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها. فلما رآها رسول الله ﵌ رق لها رقة شديدة، وقال: \"إن رأيتُم أن تُطلقوا لها أسيرها، وتردُّوا عليها الذي لها فافعلوا\" قالوا: نعم يا رسول الله وردوا عليه الذي لها. قال: وقال العباس: يا رسول الله إني كنتُ مسلمًا، فقال رسول الله ﵌: \"الله أعلم بإسلامك فإن يكنْ كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك: نوفل بن الحاث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عُتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر\" فقال: ما ذاك عندي يا رسول الله. قال: \"فأين المالُ الذي دفنت أنت وأمُّ الفضل؟ فقلت لها إن أُصبتُ فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقُثَمٍ\" فقال: والله يا رسول الله إني أشهدُ أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمَهُ أحدٌ غيري وغيرُ أم الفضل فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مالٍ كان معي فقال رسول الله ﵌: \"أفعل\". ففدى العباس نفسه وابني أخويه وحليفه وأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فأعطاني مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مالٌ يضربُ به مع ما أرجو من مغفرة الله ﷿.\n١٠٤٥ - * روى الطبراني عن أنس بن مالك قال: نعى رسول الله ﷺ أهل مؤتةَ على\n_________\n١٠٤٤ - المستدرك (٣/ ٣٢٤)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه وأقره الذهبي، يضرب به: يتاجر به.\n(١) الأنفال: ٧٠.\n١٠٤٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٩)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1213},{"text":"المنبر، قال: \"ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله\".\nالشاهد في الحديث: أنه بلغهم ذلك إذ علمه عن طريق الوحي وأخبر به فور وقوعه ولم يصل الخبر عن طريق الناس إلا بعد أسابيع، فهو دليل على الوحي. لا يكذب به إلا كافر مكابر.\n١٠٤٦ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قَدِمَ من سفرٍ، فلما كان قُربَ المدينة هاجت ريحٌ شديدةٌ تكادُ أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله ﷺ قال: \"بُعثت هذه الريحُ لموت منافق\" فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين، قد مات.\n١٠٤٧ - * روى البزار عن ابن عباس قال: خرج عليا رسول الله ﷺ وقد أظلتنا سحابة ونحن نطمع فيها، فقال: \"إن الملك الذي يسوقها أو يسوقُ هذه السحابة دخل عليَّ فسلم عليَّ فأخبرني أنه يسوقها إلى وادي كذا\".\n١٠٤٨ - * روى أحمد عن عمر بن الخطاب قال: وُلد لأخي أم سلمة زوج النبي ﷺ غلامٌ فسموه الوليد فقال النبي ﷺ \"سميتموه باسم فراعنتكم، ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو شر على هذه الأمة من فرعون لقومه\".\nلعل في ذلك إشارة إلى الوليد بن يزيد وقد أشيعت عنه إشاعات كثيرة وقد اتهمه بنو أمية أنفسهم بالكفر وقتلوه أخيرًا، والله أعلم بشأنه.\n١٠٤٩ - * روى الطبراني عن (جُبير بن نقيرٍ) قال (١): كان عبد الله بن وزاح قديمًا لهُ\n_________\n١٠٤٦ - مسلم (٤/ ٢١٤٥) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - حديث (١٥).\n١٠٤٧ - كشف الأستار (٣/ ١٤٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨٩): رواه البزار، ورجاله ثقات.\n١٠٤٨ - أحمد في مسنده (١/! ٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣١٣)، وقال: راوه أحمد ورجاله ثقات.\n١٠٤٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١٣)، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات الدهاقين: الدهقان: رئيس القرية أو رئيس الإقليم، ومن، ومن له مال وعقار، يجمع على: دهاقنة ودهاقين.","vol":"3","page":1214},{"text":"صُحبة يقول إنَّ النبي ﷺ قال: \"يُوشِكُ أن يؤمر عليهم الرُّوَيجل فيجتمع إليه قومٌ مُحلقةً أقفيتهُم بيضٌ قُمُصُهُم فكان إذا أمرهُم بشيءٍ حضروا\" فشاء ربُّك أن عبد الله بن وزاح ملك بعض المدن فاجتمع إليه قومٌ من الدهاقين محلقةً أقفيتهم بيض قُمُصهم فكان إذا أمرهم بشيء حضروا، فيقول: صدق الله ورسوله.\nأقول: لعل ظهور ما ورد في هذا الحديث في عصرنا أكثر منه في عصر مضى وإن كانت بوادر ما ذكره الحديث قد ظهرت مبكرة.\n١٠٥٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمانٌ، لا يدري القاتلُ في أي شيء قتل، ولا يدري المقتولُ في أي شيء قُتِل\".\nوفي رواية (١) فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: \"الهرْجُ، القاتلُ والمقتولُ في النارِ\".\n١٠٥١ - * روى أبو يعلي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يظهرُ معدن في أرض بني سُليمٍ يقال له فرعونُ، وفرعانُ. وذلك بلسان أبي جهم قريب من السوء- يخرجُ إليه شرارُ الناس أو يُحشر إليه شرارُ الناس\".\nأقول: لعل في ذلك إشارة إلى ما ظهر من معادن في أنحاء من الجزيرة العربية وأعطي الامتياز فيها لبعض الشركات الأجنبية.\n* * *\n_________\n١٠٥٠ - مسلم (٤/ ٢٢٣١) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة-١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.\nالهرج: القتل.\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\n١٠٥١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٧٨) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>الباب السادس\nدوائر شرف\nحول الرسول ﷺ</span>","vol":"3","page":1217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>تقديم</span>\nبُعث رسول الله ﷺ إلى الإنس والجن، وفي ذلك شرف للفريقين إذا استحقوا الخطاب من الله والتكليف، وكان رسول الله ﷺ من العرب، وكان العرب هم المخاطبين الأُوَلَ برسالته، فكان ذلك شرفًا وتشريفًا لهم، وكان هاشميًا قرشيًا وكان ذلك شرفًا للقبيلة والعشيرة، واستجاب له من استجاب ممن شاهده ورآه فحاز هؤلاء أعظم شرف بعد النبوة وهو شرف الصحبة الذي لا يعدله بعد شرف النبوة شرف، وهؤلاء الأصحاب منهم المهاجرون ومنهم الأنصار ولكل شرفه وفضله، وبعض الأصحاب كان له مزيدُ شرفٍ لزيادة وصف كمن اجتمعت له الصحبة والقرابة، أو من اجتمعت له الصحبة والزوجية، كأزواجه ﵊، أو من اجتمعت له الصحبة والبنوة، فهذه كلها دوائر من الشرف بعضها أرقى من بعض ولا شرف عند الله لمن كفر برسول الله ﷺ.\nونحن سنُدْخِلُ في هذا الباب فصولًا شتى يجمعها أنها دوائرُ أحاطت برسول الله ﷺ بعض هذه الفصول قصير وبعضها طويل وبعضها متداخل مع بعض، ولكنها جميعًا لابد منها لدارس سيرته وسنته ﵊، وبعض من مواد هذه الباب يعتبر ألصق بأبواب أخرى، ولذلك فإننا سنذكره حيث الأجمل، وسنحاول ما استطعنا الاختصار، ونسأل الله ﷿ الحفظ والتوفيق.\n* * *","vol":"3","page":1219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>فصل في فضل أمته</span>","vol":"3","page":1221},{"text":"من المعلوم من الدين بالضرورة أن بعثته ﵊ كانت إلى الإنس والجن، فالثقلان مكلفان برسالته إلى يوم القيامة، ومن ههنا فالعالمون كلهم أمته، لكن العلماء يفرّقون بين أمة الدعوة وأمة الاستجابة، فالإنس والجن عمومًا هم أمة الدعوة، والذين استجابوا منهم فآمنوا وأسلموا هم أمة الاستجابة، وقد وردت في فضل أمة الاستجابة نصوص في الكتاب كقوله تعالى:\n﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١)\nكما وردت نصوص في السنة:\n١٠٥٢ - * روى الترمذي عن معاوية بن حَيْدة أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: \"إنكم تُتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمُها على الله\".\n١٠٥٣ - * روى البخاري عن أبي موسى رفعه: \"مثلُ المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجلٍ استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجْرِك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم وخُذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركزا واستأجر آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطتُ من الأجْر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: كل ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعَلْتَ لنا فيه فقال لهم: أكمِلُوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا فاستأجر قومًا أن يعملوا بقية يومهمْ، فعملوا بقية\n_________\n(١) آل عمران: ١١٠.\n١٠٥٢ - الترمذي (٥/ ٢٢٦) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن-٤ - باب \"ومن سورة آل عمران\" وقال: هذا حديث حسن.\nوابن ماجه (٢/ ١٤٢٣) ٣٧ - كتاب الزهد - ٣٤ - باب صفة أمة محمد ﷺ. وأحمد في مسنده (٥/ ٢).\n١٠٥٣ - البخاري (٢/ ١٤٣٣) ٣٧ - كتاب الإجارة-١١ - باب الإجارة من العصر إلى الليل.","vol":"3","page":1223},{"text":"يومهم حتى غابت الشمسُ واستكملوا أجر كليهما، فذلك مثلهُم ومثلُ ما قبلوا من هذا النور\".\n١٠٥٤ - * روى البخاري عن ابن عمر رفعه: \"إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين العصر إلى غروب الشمس. أُوتيَ أهلُ التوراة التوراةَ فعملوا بها حتى انتصف النهار، ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُوتي أهلُ الإنجيل الإنجيلَ فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطُوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهلُ الكتابين أي ربنا أعطيتَ هؤلاء قيراطين قراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا ونحن كنا أكثر عملًا قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال فهو فضلي أوتيه من أشاءُ\".\nوفي رواية (١): \"مثلكم ومثلُ أهل الكتابين كمثل رجلٍ استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوةٍ إلى نصف النهار على قيراطٍ؟ فعملتِ اليهودُ، ثم قال: من يعملُ لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراطٍ؟ فعمِلتِ النصارى، ثم قال: من يعملُ لي من العصر إلى تغيُّب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء؟ قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء\".\nوفي أخرى (٢): \"قال إنما أجلكم في أجل مَنْ خلا من الأمم بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثلُ اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عُمالًا فقال: مني عملُ لي إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ \" بنحوه.\nدلت هذه النصوص على أن هذه الأمة أفضل الأمم وأكرمها، والمراد بها من تابع محمدًا\n_________\n١٠٥٤ - البخاري (٢/ ٣٨) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة-١٧ - باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب.\n(١) البخاري (٤/ ٤٤٥) ٣٧ - كتاب الإجارة - ٨ - باب الإجارة إلى نصف النهار.\n(٢) البخاري (٦/ ٤٩٥) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل.\nوالترمذي (٥/ ١٥٣) (٤٥) كتاب الأمثال -٧ - باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله.","vol":"3","page":1224},{"text":"ﷺ وآمن به، والمراد بالأمم الأخرى من تابع الأنبياء الذين أرسلوا إليهم، فالمقارنة ههنا بين الأتباع المسلمين، أما الكافرون فلا وزن لهم أصلًا، فأتباع محمد ﷺ أفضل من أتباع موسى وعيسى وغيرهما من الرسل عليهم الصلاة والسلام.\nوقوله: (سبعون أمة) يشير إلى أن هناك سبعين أمة قد أرسل لها رسل: وبنو إسرائيل واحدة من الأمم، يفهم من ذلك كثرة الأمم التي أرسل لها رسل فالهنود أرسل لهم، والفرس أرسل لهم، والصينيون أرسل لهم، وغيرهم أرسل لهم، ولا يبعد أن يكون الهنود أُممًا، والصينيون أُممًا، وكل أمة منهم أرسل لها رسول، وتتبع روايات الأمم وعلى المقارنة بين الأديان يمكن أن يوصلانا إلى شيء في هذا الشأن إذا كان المتتبع والمقارن مسلمًا، على أن المسألة في النهاية لا تخرج عن كونها من الظنيات ما دام الكتاب والسنة لم يفصلا. قال تعالى:\n﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٢) ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٤).\n١٠٥٥ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن أبي الدرداء: رفعه إن الله تعالى يقول: \"يا عيسى إني باعث منْ بعدك أُمة إن أصابهم ما يُحبون حَمِدُوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، قال يا رب: كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال أعطيهم من حلمي وعلمي\" فضل الله وحده على هذه الأمة هو الذي جعل لها هذا المقام عند الله، فعلى هذه الأمة أن تشكر، وعليها ألا تفتر ولا تبطر.\n_________\n(١) فاطر: ٢٤.\n(٢) إبراهيم: ٤.\n(٣) النحل: ٣٦.\n(٤) غافر: ٧٨.\n١٠٥٥ - أحمد في المسند (٦/ ٤٥٠).\nوالبزار .. كشف الأستار (٣/ ٣٢٠).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٧)، وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في \"الكبير والأوسط\"، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن سوار وأبي حليس يزيد بن ميسرة، وهما ثقتان.","vol":"3","page":1225},{"text":"يفهم من الحديث أن الفضل منوط بالعلم والحلم، فمن لم يعطه الله علمًا ولا حلمًا فلا فضل له.\nنسأل الله العلم والحلم ونسأله أن يوفقنا لتحصيل ذلك.\n١٠٥٦ - * روى الترمذي عن أنس رفعه: \"مثلُ أُمتي مثلُ المطر لا يدري أوله خيرٌ أم آخره\".\nقد يفهم فاهم أن الخيرية في هذه الأمة مقصورة على الأجيال الأولى فجاء هذا الحديث ليصحح هذا الوهم. نعم: للأجيال الأولى فضل لا تلحقهم به أجيال أخرى.\n١٠٥٧ - * روى البخاري ومسلم عن المغيرة رفعه: \"لا يزالُ ناسٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللهم وهم ظاهرون\".\n١٠٥٨ - * روى الترمذي عن معاوية بن قرة عن أبيه رفعه: \"إذا فسد أهلُ الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة\".\n١٠٥٩ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رفعه (١): \"لا يزال أهل الغرب\n_________\n١٠٥٦ - الترمذي (٥/ ١٥٢) ٤٥ - كتاب الأمثال ٦ - باب حدثنا قتيبة.\nقال في الفتح: هو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى درجة الصحة.\n١٠٥٧ - البخاري (٦/ ٦٣٢) ٦١ - كتاب المناقب -٢٨ - باب.\nمسلم (٣/ ١٥٢٣) ٣٣ - كتاب الإمارة -٥٣ - باب قوله ﷺ \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم\".\n١٠٥٨ - الترمذي (٤/ ٤٨٥) ٣٤ - كتاب الفتن - ٢٧ - باب ما جاء في الشام وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٠٥٩ - مسلم (٣/ ١٥٣٥) ٣٢ - كتاب الإمارة -٥٣ - باب قوله ﷺ \"لا تال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم\".\nأهل الغرب: قال علي بن المديني: المراد بأهل الغرب: العرب. والمراد بالغرب، الدلو الكبير لاختصاصهم بها غالبًا، وقال آخرون: المراد به الغرب من الأرض، وقال معاذ: هم بالشام: وجاء حديث آخر: هم ببيت المقدس، وقيل هم أهل الشام وما وراء ذلك، قال القاضي: وقيل المراد بأهل الغرب، أهل الشدة والجلد. وغرب كل شيء حده. قاله النووي.\nأقول: ظاهر الحديث أن المراد به ما كان غربي المدينة ويدخل في ذلك أجزاء من أفريقيا بالضرورة ومنها إفريقيا العربية والمغرب العربي الكبير جزء منها.","vol":"3","page":1226},{"text":"ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعةُ\".\nتدل هذه الأحاديث أن الحق مستمر في هذه الأمة وخاصة في بعض أقطارها، وقد جعل الله الشام ميزانًا يعرف به مقدار الخيرية في هذه الأمة، ومن تأمل حال فلسطين والأردن ولبنان وسورية حين تأليف هذا الكتاب عرف سوء الحال، وهذا يقتضي من أهل الخير في الشام أن يبذلوا مزيد جهد فجهادهم في الشام له انعكاساته على الأرض كلها.\n١٠٦٠ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربهُ طويلًا، ثم انصرف إلينا فقال: \"سألتُ ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني واحخدة، سألت ربي أن لا يُهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلك أُمتي بالغرق فأعطانيها، وسألتُه أن لا يجعل بأسهُم بينهم فمنعنيها\".\nوللترمذي (١) عن خباب بن الأرت: \"سألتُه أنْ لا يُهِلكَ أمتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألته أن لا يُسلط عليهم عدوًا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يُذيق بعضهم بأس بعضٍ فمنعنيها\".\nهذه الأمة مبتلاة ببعضها وموعودة بعدم الاستئصال غرقًا أو باجتياح كوني أو عالمي، وهذا لا ينافي أن يغرق بعض أجزائها أو تنزل ببعضها جوائحُ أو يسلط على بعضها الكفار فيغلبوهم أو يستأصلوهم فالمنفي هو الاستئصال، وهذا التاريخ شاهد وذلك معجزة الرسول ﷺ.\n١٠٦١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك. قال: مُرَّ بجنازةٍ فأُثْني عليها\n_________\n١٠٦٠ - مسلم (٤/ ٢٢١٦) ٥٢ - كتاب الفتن وشراط الساعة-٥ - باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض.\nأن لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم: أي يستأصلهم، أو المراد دوام التسليط.\n(١) الترمذي (٤/ ٤٧٢) ٣٤ - كتاب الفتن -١٤ - باب ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثًا في أمته وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.\n١٠٦١ - البخاري (٣/ ٢٢٨) ٢٣ - كتاب الجنائز -٨٥ - باب ثناء الناس على الميت.\nومسلم (٢/ ٦٥٥) ١١ - كتاب الجنائز -٢٠ - باب فيمن يُثني عليه خير أو شر من الموتى.","vol":"3","page":1227},{"text":"خيرًا. فقال نبي الله ﷺ: \"وجبت وجبت وجبتْ\" ومُرَّ بجنازة فأثني عليها (١) شرًا. فقال نبي الله ﷺ: \"وجبتْ وجبت وجبتْ\". قال عمر: فدى لك أبي وأمي! مَرِّ بجنازة فأثنى عليها خيرًا فقلت: وجبتْ وجبت وجبتْ. ومُرَّ بجنازةٍ فأثنى عليها شرًا فقلت: وجبتْ وجبت وجبتْ؟ فقال رسول الله ﷺ: \"من أثنيتُم عليه خيرًا وجبت له الجنة. ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النارُ. أنتمْ شهداء الله في الأرض. انتم شهداء الله في الأرض. أنتم شهداء الله في الأرض\".\n١٠٦٢ - * روى البخاري عن عمر رفعه: \"أيما مسلم شهد له أربعةُ نفرٍ بخيرٍ أدخله الله الجنة\" فقلنا وثلاثة؟ قال: \"وثلاثة\" فقلنا واثنان فقال: \"واثنان\" ثم لم نسأله عن الواحد.\nقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢) فهذه الأمة أكرمها الله ﷿ بأن جعلها شهيدة على الأمم قبلها وعلى الأمم المعاصرة لها.\nوقوله تعالى: (وسطًا) أي خيارًا عدولًا. وذلك يدل على أن الشهيد من هذه الأمة هو من اجتمع له الخيرية والعدالة، فلا عبرة لشهادة غير الخيار العدول، وعلى هذا يحمل الحديثان اللذان مرا، فمن شهد له عدلان بالخيرية فتك علامة على أنه من أهل الجنة، ويُستأنسُ بذلك لفقه الحركة أنه من زكاه عضوان استحق أن ينال صفة العضوية.\n١٠٦٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"أضل الله تعالى عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يومُ السبتِ، وكان\n_________\n(١) فأثنى عليها خيرًا، فأثنى عليه شرًا: هكذا هو في بعض الأصول: خيرًا وشرًا بالنصب، وهو منصوب بإسقاط الجار، أي فأثنى بخير وبشر، وفي بعضها مرفوع، ومعنى الإثناء هو الوصف، يستعمل في الخير والشر، والاسم والثناء، قال في المصباح: يقال أثنيت عليه خيرًا وبخير، وأثنيت عليه شرًا وبشر، لأنه بمعنى وصفته.\n١٠٦٢ - البخاري مطولًا (٣/ ٢٣٩) ٢٣ - كتاب الجنائز -٨٥ - باب ثناء الناس على الميت.\nوالترمذي (٣/ ٣٦٥) ٨ - كتاب الجنائز -٦٣ - باب ما جاء في الثناء الحسن على الميت.\nوالنسائي مطولًا (٤/ ٥١) كتاب الجنائز - باب الثناء.\n(٢) البقرة: ١٤٣.\n١٠٦٣ - مسلم (٢/ ٥٨٦) ٧ - كتاب الجمعة -٦ - باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة.\nوالنسائي (٣/ ٨٧) كتاب الجمعة، باب إيجاب الجمعة.","vol":"3","page":1228},{"text":"للنصارى يومُ الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخِرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق\".\n١٠٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فُرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فهم لنا فيه تبع فاليهود غدًا والنصارى بعد غد\".\n١٠٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عمران بن حُصين أن النبي ﷺ لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: أُنزلت عليه هذه وهو في سفرٍ، فقال: \"أتدرُون أي يومٍ ذلك؟ \" فقالوا: الله ورسوله أعلمُ، قال: \"ذلك يوم يقول الله لآدم ابعثْ بعث النار فقال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائةٍ وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة؟ \" قال: فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ﷺ: \"قاربُوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية\" قال: \"فيؤخذ العددُ من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرَّقْمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير\" ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا رُبع أهل الجنة\" فكبروا ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة\" فكبروا ثم قال (١):\n_________\n١٠٦٤ - البخاري (٣/ ٣٥٤) ١١ - كتاب الجمعة -١ - باب فرض الجمعة.\nمسلم (٢/ ٥٨٦) ٧ - كتاب الجمعة -٦ - باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة.\n١٠٦٥ - البخاري مختصرًا (١١/ ٣٨٨) ٨١ - كتاب الرقاق -٤٦ - باب قوله ﷿ (إن زلزلة الساعة شيء عظيم). مسلم مختصرًا (١/ ٣٠١) ١ - كتاب الإيمان -٩٦ - باب قوله \"يقول الله لآدم أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين\".\nالترمذي (٥/ ٣٢٣) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٣٣ - باب ومن سورة الحج.\nقاربوا وسددوا: المقاربة في الفعل: القصد والعدل، والسداد: الصواب من القول والفعل أي: اطلبوا القصد والصواب، واتركوا الغلو والإفراط\nالرقمة: النقطة التي تكون في باطن عضدي الحمار، وهما رقمتان في عضديه. =","vol":"3","page":1229},{"text":"\"إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة\" فكبرُوا، قال: لا أدري قال الثلثين أم لا؟\nوفي رواية عن عمران بن حُصين قال: كنا مع النبي ﷺ في سفرٍ فتفاوت بين أصحابه في السير فرفع رسول الله ﷺ صوته بهاتين الآيتين ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فلما سمع ذلك أصحابه حَثُّوا المطي وعرفوا أنه عند قوله يقوله، فقال: \"هل تدرون أي يوم ذلك؟ \" قالوا الله ورسوله أعلم، قال: \"ذاك يوم ينادي الله فيه آدم فيناديه ربه فيقول: يا آدم ابعث بعث النار فيقول: يا رب؟ وما بعث النار، فيقول: مِنْ كل ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةُ وتسعون في النار وواحد في الجنة\" فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكةٍ، فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بأصحابه، قال: \"اعملوا وأبشروا فوالذي نفسُ محمدٍ بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيءٍ إلا كثرتاهُ يأجوجُ ومأجوجُ ومنْ مات من بني آدم وبني إبليس\" قال: فسُري عن القوم بعض الذي يجدون، فقال: \"اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمدٍ بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة\".\n١٠٦٦ - * روى أحمد والترمذي عن أبي أمامة رفعه: \"وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألف وثلاث حثيات من حثياته\".\n١٠٦٧ - * روى أحمد والترمذي عن بُريدة: قال: قال رسول الله ﷺ (١): \"أهل الجنة\n_________\n= أبدوا بضاحكة: يقال: ما أبدى القوم بضاحكة، أي: ما تبسموا حتى تبدو منهم السن الضاحكة فإن من تبسم بدت أسنانه، ويقال في المبالغة: ضحك حتى بدت نواجذه.\nكثرتاه: تقول: كاثرته فكثرته: إذا غلبته بالكثرة، وكنت أكثر منه.\nفسري: سري عن الحزين والمغموم ونحوهما: إذا كشف عنه ما به وزال.\n١٠٦٦ - أحمد في المسند (٥/ ٢٦٨).\nوالترمذي (٤/ ٦٣٦) ٣٨ - كتاب صفة القيامة -١٣ - باب [منه]. وقال: حديث حسن غريب.\nحثيات: الحثيات جمع حثية- وهي الغرفة بالكف، ويقال: حثا يحثو ويحثي.\n١٠٦٧ - أحمد في المسند (٥/ ٣٤٧).","vol":"3","page":1230},{"text":"عشرون ومائة صفٍ، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم\".\n١٠٦٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رفعه \"يدخل الجنة من أمتي زُمرةٌ هم سبعون ألفًا تُضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر\" فقام عكاشةُ بن محصن الأسدي، فرفع نمرة عليه فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم، قال: \"اللهم اجعل منهم\" ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: \"سبقك عكاشةُ\".\n١٠٦٩ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كن يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلمٍ يهوديًا أو نصرانيًا فيقول: هذا فكاكُك من النار\".\nذكر كثرة يأجوج ومأجوج في سياق أنه يذهب من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار يفيد أن يأجوج ومأجوج كثيرون بالنسبة لأهل الأرض وأنهم مع كثرتهم كافرون ولو أننا تأملنا شعوب الأرض التي لا زالت كافرة والتي تشكل أكثرية مطلقة بالنسبة لأهل الأرض فإننا نجد شعوب الكتلتين الشرقية والغربية وبعض شعوب شرقي آسيا ومنهم الشعب الصيني فهل يدخل هؤلاء جميعًا في هذه التسمية؟\nذهب بعض علماء نجد أن الشعوب الآرية كلها يمكن أن تدخل في هذه التسمية\n_________\n= والترمذي (٤/ ٦٨٣) ٣٩ - كتاب صفة الجنة -١٣ - باب ما جاء في صفة أهل الجنة. وقال حديث حسن.\nوابن ماجه (٢/ ١٤٣٤) ٣٧ - كتاب الزهد -٣٤ - باب صفة أمة محمد ﷺ.\nوالمستدرك (١/ ٨٢).\n١٠٦٨ - البخاري (١١/ ٤٠٦) ٨١ - كتاب الرقاق- ٥٠ - باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب.\nمسلم (١/! ٩٧) ١ - كتاب الإيمان -٩٤ - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب.\nزمرة: الزمرة: الطائفة من الناس والجماعة منهم.\nنمرة: النمرة، جمعها: أنمار وهي ثوب مخطط أو منقط بسواد.\nسبقك بها عكاشة: قيل لم يدعُ له كما دعا لعكاشة حتى يغلق هذا الباب فلربما طلب منه ثالث أو رابع أو عاشر لا يستحق ذلك فيقع في الحرج والله أعلم ولمي قل له لست منهم أدبًا.\n١٠٦٩ - مسلم (٤/ ٣١١٩) ٤٩ - كتاب التوبة -٨ - باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله.","vol":"3","page":1231},{"text":"والغربيون عامة من الشعوب الآرية، وذهب بعضهم إلى أن يأجوج ومأجوج هم سكان ما وراء جبال تركستان، وعلى هذا فإنه يدخل في ذلك التتار والمغول والصينيون، ولعل المتأمل لا يستبعد بعد ما ذُكِرَ الحديثُ أن يكون يأجوج ومأجوج هم كل هؤلاء تناسلوا من أصل واحد، وفي الإسلام متسع لكل الشعوب، ومن أسلم نجا.\n١٠٧٠ - * روى أحمد والترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن مِنْ أمتي من يشفعُ للفئام من الناس، ومنهم مني شفع للقبيلة، ومنهم من يشفعُ للعصبة، ومنهم من يشفعُ للرجل حتى يدخلوا الجنة\".\n١٠٧١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن أبي الجدعاء قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثرُ من بني تميم\" قلنا: سواك يا رسول الله؟ قال: \"نعم سواي\".\n١٠٧٢ - * روى مسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى إذا أراد رحمة أمة من عباده، قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذ أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حيٌّ فأهلكها وهو ينظرُ، فأقر عينهُ بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره\".\n١٠٧٣ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ (١): \"أنا حظكُم مِنَ\n_________\n١٠٧٠ - أحمد في المسند (٣/ ٦٣).\nوالترمذي (٤/ ٦٢٧) ٣٨ - كتاب صفة القيامة -١٢ - باب منه. وقال: هذا حديث حسن.\nالقثام: الجماعة الكبيرة من الناس.\nالعصبة: الجماعة منا لناس.\n١٠٧١ - الترمذي (٤/ ٦٢٦) ٣٨ - كتاب صفة القيامة -١٣ - باب منه. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n١٠٧٢ - مسلم (٤/ ١٧١٢) ٤٣ - كتاب الفضائل -٨ - باب إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها.\nقبض نبيها: أي توفاه.\nالفرط والسلف: المتقدم وكل عمل صالح قدمه يسمى سلفًا.\n١٠٧٣ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٣٢١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٨). وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أبي حبيبة الطائي، وقد صحح له الترمذي حديثًا، وذكره ابن حبان في الثقات.","vol":"3","page":1232},{"text":"الأنبياء وأنتم حظي من الأمم\".\n١٠٧٤ - * روى أبو داود والحاكم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها\".\nرأس كل مائة سنة: أولها. يجدد لها دينها: قال المناوي: أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله، ويكسر أهل البدعة ويذلهم. قال ابن كثير: والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم. أقول: فليس شرطًا أن يكون المجدد واحدًا ولكن قد يكون، وشاهد الحال انه ما انقطع المجددون من هذه الأمة بدليل بقاء الإسلام وعلومه وتجدد حيويته والعلماء مختلفون في تعيين المجددين في كل عصر ولا حرج في ذلك، ولأهل الفضل فضلهم، على أن معرفتنا بالمجدد مهمة من حيث إن ذلك يعطي لكلامه وزنًا خاصًا.\nوالذي جعل العلماء يحتملون أن يكون المجدد واحدًا أو أكثر هو كلمة (من) في الحديث فهي تحتمل الواحد والجمع.\n* * *\n_________\n١٠٧٤ - أبو داود (٤/ ١٠٩) كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة، وهو حديث صحيح. والمستدرك (٤/ ٥٢٢).","vol":"3","page":1233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>فصل في فضل العرب وقريش\nوبعض القبائل</span>","vol":"3","page":1235},{"text":"جل الله أن يكون في أفعاله عبث فهو الحكيم، وكل ما يصدر منه فهو على غاية الحكمة، فأن يختار الله رسوله محمدًا ﷺ من العرب ثم من قريش ثم من بني عبد مناف ثم من بني هاشم فكل ذلك لحكم يعلمها ﷻ وأن يختار لرسوله ﷺ مكة ثم المدينة فذلك لحكم لا يحيط بها إلا هو، وقد ورد الكتاب بقوله تعالى:\n﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١) ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (٢) أي لشرف لك ولقومك قريش خاصة والعرب عامة ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٣) ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٤) ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥)\nوقد وردت نصوص السنة ي فضل العرب وخصت بعض النصوص قريشًا وما تفرع عنها بالذكر، وذكرت نصوص أخرى قبائل من العرب كما ذكرت أهل أوطان بأعيانها.\n١٠٧٥ - * روى مسلم عن واثلة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قُريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم\".\n١٠٧٦ - * روى الترمذي عن العباس قلتُ: يا رسول الله إن قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلَك كمثلِ نخلةٍ في كيوةٍ من الأرض فقال ﷺ \"إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم: من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني في خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا\".\n_________\n(١) الأنعام: ١٢٤.\n(٢) الزخرف: ٤٤.\n(٣) الزخرف: ٣.\n(٤) الأنعام: ٩٢.\n(٥) آل عمران: ٩٦.\n١٠٧٥ - مسلم (٤/ ١٧٨٣) ٤٣ - كتاب الفضائل-١ - باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.\nوالترمذي (٥/ ٥٨٣) ٥٠ - كتاب المناقب -١ - باب في فضل النبي ﷺ.\n١٠٧٦ - الترمذي (٥/ ٥٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب-١ - في فضل النبي ﷺ وقال: هذا حديث حسن.\nالكبوة: المنخفض الذي يتجمع فيه الغبار وما يشبهه: أي إن قريشًا جعلتك عظيمًا من أسرة ليست كذلك.","vol":"3","page":1237},{"text":"١٠٧٧ - * روى أحمد والترمذي عن سلمان: قال رسول الله ﷺ: \"لا تبغضني فتفارق دينك\" قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله، قال: \"تبغضُ العرب فتبغضني\".\n١٠٧٨ - * روى أحمد والترمذي عن سعدٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أراد هوان قريش أهانه الله\".\n١٠٧٩ - * روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"اللهم أذقت أول قريش نكالًا فأذِقْ آخرهم نوالا\".\n١٠٨٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"نساء قريش خير نساء ركِبْن الإبل، أحناهُ على طفلٍ في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده\" ويقول أبو هريرة في أثر ذلك: ولم تركب مريمُ ابنةُ عمران بعيرًا قط، ولو علمت أنها ركبت بعيرا ما فضلتُ عليها أحدًا.\n١٠٨١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (١): \"الناس\n_________\n١٠٧٧ - أحمد في المسند (٥/ ٤٤٠).\nوالترمذي (٥/ ٧٢٣) ٥٠ - كتاب المناقب- ٧٠ - باب مناقب في فضل العرب. وقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٠٧٨ - أحمد في المسند (١/ ١٧١).\nوالترمذي (٥/ ٧١٤) ٥٠ - كتاب المناقب -٦٦ - باب في فضل الأنصار وقريش، وقال: هذا حخديث غريب من هذا الوجه.\n١٠٧٩ - الترمذي (٥/ ٧١٥) ٥٠ - كتاب المناقب ٦٦ - باب في فضل الأنصار وقريش، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nنكالا: النكال: المشقة والعذاب، نوالا: النوال: العطاء.\n١٠٨٠ - البخاري (٦/ ٤٧٢) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء -٤٦ - باب قوله تعالى (إذ قالت الملائكة يا مريم) إلى قوله (فإنما يقول له كن فيكون).\nومسلم (٤/ ١٩٥٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤٩ - باب من فضائل نساء قريش.\nاحناه: أعطفه وأِفقه.\nأرعاه على زوج: المراعاة والحفظ والرفق به.\nفي ذات يده: فيما يملك.\n١٠٨١ - البخاري (٦/ ٥٣٥، ٥٣٦) ٦١ - كتبا المناقب -١ - قول الله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى =","vol":"3","page":1238},{"text":"تبع لِقُريشٍ في هذا الشأن، مسلمهُم تبع لمسلمهم وكافرهم تبعٌ لكافرهم، والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهُوا تجدون من يخر الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه\".\n١٠٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: طلا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان\".\n١٠٨٣ - * روى البخاري عن معاوية أنه بلغه وهو عندهُ في وفدٍ من قريش - أن عبد الله بن عمرو بن العاص يُحدث أنه سيكون ملكٌ من قحطان، فغضب معاوية، فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعدُ فإنه بلغني أن رجالًا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثرُ عن رسول الله ﷺ، فأولئك جُهالكم، فإياكم والأمانيُّ التي تُضل أهلها، فإني مسعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن هذا الأمر في قريشٍ، لا يعاديهم أحد إلا كبهُ الله على وجهه، ما أقاموا الدين\".\nقال ابن حجر: قوله (من قحطان) هو جماع اليمن، وفي إنكار معاوية ذلك نظر لأن الحديث الذي استدل به مقيد بإقامة الدين فيحتمل أن يكون خروج القحطاني إذا لم تقم قريش أمر الدين وقد وُجِدَ ذلك، فإن الخلافة لم تزل في قريش والناس في طاعتهم إلى أن استخفوا بأمر الدين فضعُف أمرهم وتلاشى إلى أن لم يبق لهم من الخلافة سوى اسمها المجرد في بعض الأقطار دون أكثرها. أهـ.\nأقول: ليس شرطًا أن يكون الذي يسوق الناس بعصاه هو الإمام العظم بل قد يكون سلطانًا من السلاطين، فصلاح الدين مثلًا ساق الناس بعصاه وأصوله كردية، والنسابون العرب مجمعون على أن الأكراد عرب قحطانيون، والله أعلم.\n_________\n= وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم).\nومسلم (٣/ ١٤٥١) ٣٣ - كتاب الإمارة-١ - باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.\n١٠٨٢ - البخاري (٦/ ٥٣٣) ٦١ - كتاب المناقب -٣ - باب مناقب قريش.\nومسلم (٣/ ١٤٥٢) ٣٣ - كتاب الإمارة-١ - باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.\n١٠٨٣ - البخاري (٦/ ٥٣٣) ٦١ - كتاب المناقب -٢ - باب مناقب قريش.","vol":"3","page":1239},{"text":"١٠٨٤ - * روى أحمد والترمذي عن عمرو بن العاص، قال رجل عنده: لتنتهين قُريش أو ليجعلن الله هذا الأمر في جمهور من العرب غيرهم. فقال عمرو بن العاص: كذبت سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة\".\n١٠٨٥ - * روى أحمد عن جُبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن للقُرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش\" قال الزهري عني بذلك نُبْلَ الرأي.\n١٠٨٦ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ \"لايزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمعُ عليهم الأمة\" فسمعتُ كلامًا من النبي ﷺ لم أفهمه، فقلت لأبي ما يقول؟ قال: كلهم من قريش.\n١٠٨٧ - * روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"المُلكُ في قريشٍ، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة، والأمانة في الأزد\" وزاد أحمد، \"والسرعة في اليمن\".\n١٠٨٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"قُريش والأنصار وجُهينةُ ومُزينة وأسلمُ وأشجعُ وغِفارُ مواليَّ ليس لهم مولى دون الله ورسوله\".\n_________\n١٠٨٤ - أحمد في مسنده (٤/ ٢٠٣).\nوالترمذي (٤/ ٥٠٣) ٣٤ - كتاب الفتن - ٤٩ - باب ما جاء أن الخلفاء من قريش إلى أن تقوم الساعة.\n١٠٨٥ - أحمد في مسنده (٤/ ٨١، ٨٣) بسند صحيح.\n١٠٨٦ - مسلم (٣/ ١٤٥٣) ٣٣ - كتاب الإمارة-١ - باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.\nوأبو داود (٤/ ١٠٦) كتاب المهدي.\n١٠٨٧ - أحمد في مسنده (٢/ ٣٦٤).\nوالترمذي (٥/ ٧٣٧) ٥٠ - كتاب المناقب - ٧٣ - باب في فضل اليمن.\n١٠٨٨ - البخاري (٦/ ٥٣٣) ٦١ - كتاب المناقب - ٢ - باب مناقب قريش.\nومسلم (٤/ ١٩٥٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤٧ - باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيء.","vol":"3","page":1240},{"text":"١٠٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أرأيتم إن كان جهينة ومزينةُ وأسلم وغِفار خيرًا من بني تميم وبني أسد ومن بني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعة\" فقال رجل: خابُوا وخسروا، فقال: \"هم خيرٌ من بني تميم ومن بني أسد ومن بني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعةً\".\nخابوا وخسروا: قال في الفتح: وقد ظهر مصداق ذلك عقب وفاة رسول الله ﷺ فارتد هؤلاء مع طلحة بن خويلد وارتد بنو تميم مع سجاح.\n١٠٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: أن الأقرع بن حابس قال للنبي ﷺ: إنما بايعك سُراق الحجيج من أسلم وغفار ومُزينة - وأحسبه وجهينة، ابن أبي يعقوب شك- قال النبي ﷺ: \"أرأيت إن كان أسلم وغِفارٌ ومُزينة وأحسِبه وجهينة خيرًا من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان خابوا وخسروا؟ \" قال: نعم. قال: \"والذي نفسي بيده إنهم لأخيرُ منهم\".\n١٠٩١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أسلمُ سالمها الله، وغِفارُ غفر الله لها، أما إني لم أقلها ولكن الله قالها\".\n١٠٩٢ - *روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه قال (١): \"لا أزال أحب بني تميم بعد\n_________\n١٠٨٩ - البخاري (٦/ ٥٤٢) ٦١ - كتاب المناقب -١ - باب ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع.\nومسلم (٤/ ١٩٥٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤٧ - باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيء.\n١٠٩٠ - البخاري (٦/ ٥٤٣) ٦١ - كتاب المناقب -٦ - باب ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع.\nومسلم (٤/ ١٩٥٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤٧ - باب من فضائل غفار ... والأقرع بن حابس: أحد رؤساء بني تميم وقد أسلم وشهد مع رسول الله حنينًا.\n١٠٩١ - البخاري (٦/ ٥٤٣) ٦١ - كتاب المناقب -٦ - باب ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع.\nومسلم (٤/ ١٩٥٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤٦ - باب دعاء النبي ﷺ لغفار وأسلم.\n١٠٩٢ - البخاري (٥/ ١٧٠) ٤٩ - كتاب العتق -١٣ - باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية.\nومسلم (٤/ ١٩٥٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤٧ - باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة ودوس وطيء. =","vol":"3","page":1241},{"text":"ثلاث سمعتها من النبي ﷺ يقولها فيهم، سمعته يقول: \"هُم أشدُّ أمتي علي الدجال\" وجاءت صدقاتهم فقال ﷺ: \"هذه صدقات قومنا\" وكانت سبيةٌ منهم عند عائشة فقال ﷺ: \"أعتيقها فإنها من ولد إسماعيل\".\n١٠٩٣ - * روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"غِلَظُ القلوب وجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز\".\n١٠٩٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألينُ قلوبًا، الإيمانُ يُمانٍ، والحكمة يمانية ورأس الكفر قبل المشرق، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقارُ في أهل الغنم\".\n١٠٩٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"الإيمان ههنا وأشار بيده إلى اليمن، والقسوة وغلظُ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنًا الشيطان في ربيعة ومُضر\".\nقال النووي: وقوله ﷺ (في الفدادين) فزعم أبو عمرو الشيباني أنه بتخفيف الدال وهو جمع فدِّاد بتشديد الدال وهو عبارة عن البقرة التي يحرث عليها حكاه عنه أبو عبيد وأنكره عليه وعلى هذا المراد بذلك أصحابها فحذف المضاف والصواب في الفدادين بتشديد الدال جمع فداد بدالين أولاهما مشددة، وهذا قول أهل الحديث والأصمعي وجمهور أهل اللغة (١)، وهو من الفديد وهو الصوت الشديد فهم الذين تعلو أصواتهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم ونحو ذلك. وقال أبو عبدة معمر بن المثنى هم المكثرون من الإبل الذين يملك\n_________\n= السبية: المرأة التي تُسبى من قومها، وتؤخذ أمة.\n١٠٩٣ - مسلم (١/ ٧٣) ١ - كتاب الإيمان -٢١ - باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه.\n١٠٩٤ - البخاري (٨/ ٩٨) ٦٤ - كتاب المغازي -٧٤ - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن.\nومسلم (١/ ٧٣) ١ - بكتاب الإيمان -٢١ - باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه.\n١٠٩٥ - البخاري (٨/ ٩٨) ٦٤ - كتاب المغازي -٧٤ - باب قدوم الأِشعريين وأهل اليمن.\nومسلم (١/ ٧٢) ١ - كتاب الإيمان -٣١ - باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل ايمن فيه.\nالفدادين: بتشديد الدال جمع فداد بدالين أولاهما مشددة، وهو من الفديد، وهو الصوت الشديد، فهم الذين تعلو أصواتهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم.","vol":"3","page":1242},{"text":"أحدهم المائتين منها إلى الألف. وقوله إن القسوة في الفدادين عند أصول أذناب الإبل معناه الذين لهم جلبةً وصياح عند سوقهم لها. وقوله ﷺ \"حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر\" قوله ربيعة ومضر بدل من الفدادين، وأما قرنا الشيطان فجنبا رأسه، وقيل هما جمعاه اللذان يغريهما بإضلال الناس، وقيل شيعتاه من الكفار والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر. أهـ.\n١٠٩٦ - * روى الترمذي عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ نظر قِبَلَ اليمن فقال: \"اللهم أقْبِل بقلوبهم، وبرك لنا في صناعنا ومُدنا\".\n١٠٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأعرفُ أصوات رُفقةِ الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنتُ لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو قال العدو، قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم\".\nقال الحافظ في الفتح: قوله (قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم) أي تنتظروهم من الانتظار ومعناه أنه لفرط شجاعته كان لا يفر من العدو بل يواجههم ويقول لهم إذا أرادوا الانصراف مثلًا: انتظروا الفرسان حتى يأتوكم، ليثبتهم على القتال. هذا بالنسبة إلى الشق الثاني وهو قوله (أو قال العدو)، وأما على الشق الأول وهو قوله (إذا لقي الخيل) فيحتمل: أن يريد بها خيل المسلمين، ويشير بذلك إلى أن أصحابه كانوا رجالةً فكان هو يأمر الفرسان أن ينتظروهم ليسيروا إلى العدو جميعًا، وهذا أشبه بالصواب. قال ابن التين: معنى كلامه أن أصحابه يحبون القتال في سبيل الله ولا يبالون بما يصيبهم.\n_________\n١٠٩٦ - الترمذي (٥/ ٧٢٦) ٥٠ - كتاب المناقب - ٧٣ - باب في فضل اليمن، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه من حديث زيد بن ثابت إلا من حديث عمران القطان.\n١٠٩٧ - البخاري (٤٨٥٧) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٨ - باب غزوة خيبر.\nومسلم (٤/ ١٩٤٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٩ - باب من فضائل الأشعريين ﵃.\nحكيم: قيل اسم علم لرجل وقيل صفة من الحكمة.","vol":"3","page":1243},{"text":"١٠٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ، ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم\".\n١٠٩٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"نِعْمَ القومُ الأزد، طيبةً أفواههم، برةً أيمانهم، نقيةً قلوبهم\".\n١١٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسيُّ إلى النبي ﷺ فقال: إن دوسًا قد هلكت، عصتْ وأبتْ، فادعُ الله عليهم، فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال: \"اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم\".\n١١٠١ - * روى الترمذي عن جابر أن الصحابة قالوا: يا رسول الله أخرقتنا نبالُ ثقيفٍ فادع الله عليهم فقال: \"اللهم اهدِ ثقيفًا\".\n١١٠٢ - * روى البزار عن ابن مسعود، قال: شهدتُ النبي ﷺ يدعو لهذا الحي من النخع أو قال يُيني عليهم حتى تمنيت أني رجل منهم.\n١١٠٣ - * روى أحمد عن طارقٍ بن شهابٍ قال (١): قدم وفدُ بجيلة على النبي ﷺ،\n_________\n١٠٩٨ - البخاري (٥/ ١٢٨) ٤٧ - كتاب الشركة-١ - باب الشركة في الطعام والنهد والعروض.\nومسلم (٤/ ١٩٤٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣٩ - باب من فضائل الأشعريين ﵃.\n١٠٩٩ - أحمد في مسنده (٢/ ٣٥١)، بإسناد حسن.\n١١٠٠ - البخاري (٨/ ١٠١) ٦٤ - كتاب المغازي -٧٥ - باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي.\nومسلم (٤/ ١٩٥٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤٧ - باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيء.\n١١٠١ - الترمذي (٥/ ٧٣٩) ٥٠ - كتاب المناقب -٧٤ - باب مناقب في ثقيف وبني حنيفة وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n١١٠٢ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٣١٤).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥١) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد ثقات.\n١١٠٣ - أحمد في مسنده (٤/ ٣١٥).","vol":"3","page":1244},{"text":"فقال: \"اكتُبوا البجليينَ وابدءوا بالأحمسيْينَ\".\nوفي رواية (١): قَدِم وفدُ أحمسَ ووفدُ قيسٍ على النبي ﷺ، فقال: \"ابدءوا بالأحمسيين قبل القيسيين\" ثم دع لأحمس: \"اللهم بارك في أحمس وخيلها ورجالها\" سبع مراتٍ.\n١١٠٤ - * روى الطبراني عن غالب بن أبجر قال: ذكرت قيس عند النبي ﷺ فقال: \"رحم الله قيسًا\" قيل: يا رسول الله: ترَحَّمُ على قيس؟ قال: \"نعم، إنه كان على دين أبينا إبراهيم خليل الله، يا قيسُ حيِّ يَمنًا، يا يمن حي قيسًا، إن قيسًا فُرسانُ الله في الأرض، والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان ليس لهذا الدين ناصر غير قيس، إنما قيس بيضة فغلقت عنا أهل البيت، إن قيسًا ضراء الله، يعني أُسْدُ الله\".\n١١٠٥ - * روى أبو يعلي والبزار عن عمر أن النبي ﷺ ذكر عنزة ذات يوم، فقال أصحابه: يا رسول الله وما عنزةُ؟ فأشار بيده نحو المشرق، فقال: \"حيٌّ من ههنا مبغيٍّ عليهم منصورون\".\n١١٠٦ - * روى مسلم عن أبي ذر أن النبي ﷺ بعث رجلًا إلى حيٍّ من أحياء العرب فسبُّوه وضربوه، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال ﷺ: \"لو أن أهل عُمان أتيت ما سَبُّوك ولا ضربوك\".\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣١٥) والطبراني (٨/ ٣٨٧) وأورد الروايتين الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٨، ٤٩) وقال: رواه كله أحمد، وروى الطبراني بعضه إلا أنه قال: \"ابدؤا بالأحمسيين قبل القيسيين، ورجالهما رجال الصحيح.\n١١٠٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٩) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات.\n١١٠٥ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٣١٣).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥١) وقال: رواه أبو يعلي في الكبير والبزار بنحوه باختصار عنه، والطبراني في الأوسط وأحمد إلا أنه قال: عن العصان بن حنظلة أن أباه وفد على عمر، ولم يذكر حنظلة، وأحد إسنادي أبي يعلي رجاله ثقات كلهم.\n١١٠٦ - مسلم (٤/ ١٩٧١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٥٧ - باب فضل أهل عمان.","vol":"3","page":1245},{"text":"١١٠٧ - * روى أحمد وأبو يعلي عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأعلم أرضًا يقال لها عُمان ينضِحُ بناحيتها البحرُ، لو أتامه رسولي ما رموه بسهم ولا حجرٍ\".\n* * *\n_________\n١١٠٧ - أحمد في مسنده (١/ ٤٤).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٣) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير لمازة بن زياد وهو ثقة ورواه أبو يعلي كذلك.","vol":"3","page":1246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>فصل في آل بيته</span>","vol":"3","page":1247},{"text":"من دوائر الشرف العظمى حول الرسول ﷺ دائرة أهل بيته فهي الدائرة الأشد لصوقًا به ﵊، ولذلك كان الكلام عنها ألصق بسيرته، وسنرى أنه يدخل في هذه الدائرة: أزواجه وأبناؤه وبناته وأحفاده، كما يدخل في ذلك أقاربه الأدنون.\nوكل كلمة مرت معنا في الفصل السابق في فضل العرب أو قريش أو من أدلى بسبب إلى رسول الله ﷺ، فأهل بيته وعشيرته الأقربون يدخلون فيها من باب أولى. ومع ذلك فقد وردت نصوص تدل على خصوصية الأقربين: قال تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٢) فسرها بعضهم إلا أن تودوا قرابتي ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٣).\n١١٠٨ - * روى الترمذي والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحِبُّوا الله لما يغذُوكم به من نعمه وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي\".\n١١٠٩ - * روى مسلم عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أيها الناسُ إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تاركُ فيكم ثقلين، أولهما كتابُ الله فيه الهدى والنورُ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به\" فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: \"وأهلُ بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي\" فقال له حصين: ومن أهلُ بيته يا زيدُ؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بته ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيلٍ وآلُ جعفرٍ وآلُ عباسٍ، قال: كل هؤلاء حُرمَ الصدقة؟ قال: نعم. وفي رواية: فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال لا وايمُ الله، إنَّ\n_________\n(١) الشعراء: ٣١٤.\n(٢) الشورى: ٢٣.\n(٣) الأحزاب: ٣٣.\n١١٠٨ - الترمذي (٥/ ٦٦٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣٢ - باب في مناقب أهل بيت النبي ﷺ وقال: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه.\nوالمستدرك (٣/ ١٥٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n١١٠٩ - مسلم (٤/ ١٨٧٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤ - باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"3","page":1249},{"text":"المرأة تكونُ مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجعُ إلى أبيها وقومها.\n١١١٠ - * روى الطبراني عن جابر أنه سمع عمر يقول للناس حين تزوج بنت علي: ألا تهنوني؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ينقطعُ يوم القيامة كل سببٍ ونسبٍ، إلا سببي ونسبي\".\nمن هذه النصوص وأمثالها نعلم أنه قد خص آل بيت رسول الله ﷺ- أيًا ما أطلق عليه هذا الاسم - بأحكام، ومن ذلك أنه وجب لهم في أعناق المسلمين الاحترامُ، ويتأكد هذا الاحترامُ كلما ضاقت الدائرة، فإذا وصلت إلى عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين فههنا قطب دائرة المحبة والاحترام. وذلك أنه ولد لرسول الله ﷺ من خديجة أربعُ بنات وذكران كلهم توفوا في عهد رسول الله ﷺ إلا فاطمة فقد تأخرت عنه، وجاء له من مارية القبطية ﵂ ابنهُ إبراهيم، وقد توفي صغيرًا، لقد توفي أبناؤه الذكور وهم صغار ولم تنجب بنتاه أم كلثوم ورقية، ولقد أنجبت زينبُ ﵂ لكن ذريتها لم تستمر، وفاطمة وحدها هي التي أنجبت وبقي عقبُها فاستمرت ذرية الرسول ﷺ في أبناء علي ﵁، ولهذا وغيره مما سنراه قلنا: إن هذه الدائرة تخص بمزيد الاحترام.\nوالنصوص التي مرت معناه تدل على وجوب محبة آل بيت رسول الله ﷺ وأنهم مظنة الهدى والهداية، وأنهم محل عناية رسول الله ﷺ في الآخرة هم ومن اتصل بهم، والملاحظ أن رواية مسلم أخرجت من كلمة آل البيت أزواجه ﵊ وأدخلت دائرة محددة في هذه، الكلمة، والأمر بجملته يحتاج إلى تفصيل:\nفقد توضّعت حول هذا الموضوع خلافات كثيرة بين أهل السنة والجماعة من جهة وبين بعض الفرق التي انشقت عن جسم الأمة الإسلامية من جهة أخرى فمن غالٍ إلى حاقد، وكل ذلك يترك آثاره على مسيرة الإسلام والمسلمين، كما أنه بسبب من الجهل أو العصبية يدخل الكثيرون في دائرة الضلال أو الفسوق أو الكفر لموقف من آل بيت رسول الله ﷺ (١)، ونحن ذاكرون في هذا الفصل ما يرتاح له قلبُ المسلم وعقله إن شاء الله تعالى وما هو محل\n_________\n١١١٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧٣) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجالهما رجال الصحيح غير الحسن بن سهل وهو ثقة.","vol":"3","page":1250},{"text":"الاعتبار والنجاة.\n* * *\nتطلق كلمة آل البيت على معنى أعم وعام ومعنى خاص ومعنى أخص فهي بمعناها الأعم يدخل فيها كل مؤمن ومؤمنة، وهي بمعناها العام يدخل فيها أزواجه وبناته وأحفاده وأقاربه الأدنون، وهي بمعناها الخاص يدخل فيها من حرمت عليه الصدقة على خلاف بين الفقهاء في ذلك، ورواية مسلم المذكورة تذكر إحدى وجهات النظر، وهي بمعناها الأخص يدخل فيها علي وفاطمة وأبناؤهما وذرية الحسن والحسين خاصة.\nفلكلمة آل البيت إذن معان متعددة باعتبار المقامات، فهي ترد على أكثر من معنى، والسياق هو الذي يعطيها مدلولها الأعم أو الأخص، فهي ترد ويراد بها جميعُ المؤمنين ولو كانوا عصاة، لأن كل مؤمن بينه وبين الرسول ﷺ رحم فالله ﷿ يقول:\n﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١) أي وهو أبوهم، وعلى هذا حمل بعض العلماء كلمة آل البيت إذا وردت في الدعاء فقولنا: (اللهم صل على سيدنا محمد وآله) يراد بالآل هنا كل المؤمنين على رأي هؤلاء، وفي مقام الزكاة يراد بالآل بنو هاشم وبنوعبد المطلب عند الشافعية، وبنو هاشم فقط عند المالكية والحنابلة. وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وآل الحارث عند الحنفية، وعلى هذا الخلاف حمل كل من المذاهب كلمة آل البيت حيث وردت في بحث الزكاة في أنها لا تجوز لمحمد وآل بيته، وقد وردت نصوص تدخل في أهل بيته أزواجه ﵊ خاصة وأن قوله ﷻ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢) قد جاء في سياق الخطاب لأزواجه ﵊.\n١١١١ - * روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ\n_________\n(١) الأحزاب: ٦.\n(٢) الأحزاب: ٣٣.\n١١١١ - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره فيما عزاه إليه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٣). وإسناد هذه الرواية حسن. والمباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا.","vol":"3","page":1251},{"text":"عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قال: نزلت في نساء النبي ﷺ. ثم قال عكرمة: من شاء باهلْتُه، أنها نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة.\nوعلق ابن كثير على قول عكرمة، فقال: فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن، فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك.\nكما جاءت نصوص تخص عليًا وفاطمة والحسن والحسين بالذكر:\n١١١٢ - * روى أحمد والترمذي عن أم سلمة أن النبي ﷺ جللَ على الحسنِ والحسين وعلي وفاطمة ثم قال: \"هؤلاء هلُ بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\" قالت أم سلمة: وأنا منهم يا رسول الله؟ قال: \"إنك إلى خير\".\nوهذا الحديث يدل على أن الآية أعم من أن تكون في أزواج رسول الله ﷺ فقط.\n١١١٣ - * روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ الآية دعا النبي صلى الله عليه سلم عليًا وفاطمة وحسنًا وحُسينًا فقال: \"اللهم هؤلاء أهلي\".\nفهذان نصان يذكران آل البيت بالمعنى الأخص.\n١١١٤ - * روى أحمد والطبراني عن عائشة قالت: أُهدِيَ لرسول الله ﷺ قلادةً من جَزْع ملمعة بالذهب، ونساؤه مجتمعات في بيتٍ كلهن، وأمامة بنت أبي العاص\n_________\n١١١٢ - أحمد في مسنده (٦/ ٣٠٤).\nوالترمذي (٥/ ٦٩٩) ٥٠ - كتاب المناقب - ٦١ - باب فضل فاطمة بنت محمد ﷺ.\nجلل: غطى وكسا.\nحامتي: الحامة: القرابة القريبة وخاصة الإنسان.\n١١١٣ - الترمذي (٥/ ٢٢٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٤ - باب \"ومن سورة آل عمران\". وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.\n١١١٤ - أحمد في مسنده (٦/ ١٠١، ٢٦١).\nقال في مجمع الزوائد (١/ ٢٥٤): رواه الطبراني واللفظ له وأحمد باختصار وأبو يعلي وإسناد أحمد وأبي يعلي حسن.\nالجزع: ضرب من العقيق يعرف بخطوط متوازية مستديرة مختلفة الألوان.","vol":"3","page":1252},{"text":"ابن الربيع جارية تلعب في جانب البيت بالتراب، فقال رسول الله ﷺ: \"كيف ترين هذه؟ \" فنظرنا إليها فقلنا: يا رسول الله، ما رأينا أحسن من هذه قط، ولا أعجب، فقال: \"اردُدْنَها إليّ\" فلما أخذها قال: \"والله لأضعنها في رقبة أحب أهل البيت إليَّ\" قالت عائشة: فأظلمت علي الأرض يني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن، ولا أراهن إلا أصابهن مثلُ الذي أصابني، ووجمنا جميعًا سكوت، فأقبل هبا حتى وضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص فسُرِّيَ عنا.\nدل هذا الحديث على أن أحفاده من غير فاطمة من أهل بيته، فمن باب أولى أبناؤه وبناته، ولذلك سنعقد (وصلًا) ههنا عن أبنائه وبناته وأحفاده، وقد مر معنا حديث مسلم الذي ذكر فيه زيد بن أرقم وجهة نظره التي تذكر آل عقيل وآل جعفر وآل عباس، لكن هناك نصوصًا تدخل غيرهم معهم في حرمة الصدقة.\n١١١٥ - * روى مسلم عن المطلب بن ربيعة بن الحاث أنه قال: اجتمع ربيعةُ بن الحارث والعباس بن عبد المطلب. فقالا: والله! لو بعثنا هذين الغُلامين (قالا لي وللفضل بن عباس) إلى رسول الله ﷺ فكلماهُ، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناسُ، وأصابا مما يُصيبُ الناسُ! قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب. فوقف عليهما. فذكرا له ذلك. فقال علي بن أبي طالب: لا تفعلا. فوالله! ما هو بفاعلٍ. فانتحاه ربيعةُ بن الحارث فقال: والله! ما تصنعُ هذا إلا نفاسةٌ منك علينا. فوالله! لقد نلتَ صِهرَ رسول الله ﷺ فما نفسناهُ عليك. قال عليٍّ: أرسلوهما. فانطلقا. واضطجع عليٍّ. قال: فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سبقناهُ إلى الحُجرةِ فقمنا عندها. حتى جاء فأخذ بآذاننا. ثم قال: \"أخرجا ما تُصرِّرانِ\" ثم\n_________\n١١١٥ - مسلم (٢/ ٧٥٢ ط) ١٢ - كتاب الزكاة -٥١ - باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة.\nوأبو داود (٣/ ١٤٧) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى.\nوالنسائي (٥/ ١٠٥) كتاب الزكاة، باب استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة.\nفانتحاه: عرض له.\nالنفاسة: البخل والمعنى: أي إلا بخلا منك علينا.\nتُصرران: ما تخبئانه في صدوركما من الكلام. =","vol":"3","page":1253},{"text":"دخل ودخلنا عليه. وهو يومئذٍ عند زينب بنت جحش. قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله! أنت أبرُّ الناس وأوصلُ الناس. وقد بلغنا النكاح. فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات. فنؤدي إليك كما يؤدي الناسُ، ونصيبُ كما يصيبون قال: فسكت طويلًا حتى أردنا أن نكلمه. قال: وجعلتْ زينبُ تُلمِعُ علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماهُ. قال: ثم قال: \"إن الصدقة لا تنبغي لآل محمدٍ. إنما هي أوساخ الناس. ادعوا لي محمية\" (وكان على الخُمُس) \"ونوفلَ ابن الحاث بن عبد المطلب\" قال: فجاءاه. فقال لمحمية: \"أنكحْ هذا الغلام ابنتك\" (للفضل بن عباسٍ) فأنكحهُ. وقال لنوفل بن الحارث: \"أنكح هذا الغلام ابنتك\" (لي) فأنكحني. وقال لمحمية: \"أصدق عنهما من الخُمُسِ كذا وكذا\" قال الزهري: ولم يسمه لي.\nوكل ذلك دعانا إلى أن نعقد (وصلا) عن بعض من يدخل في آل بيته في الدائرة الأوسع. وعلى هذا فسنعقد في هذا الفصل عدة وصول:\nوصلا عن أزواجه، ووصلًا عن أبنائه وبناته وأحفاده ومنهم الحسن والحسين، ووصالً عن بعض أقاربه ممن يدخلون في دائرة آل البيت بالمعنى الخاص.\nوقد كان من حق الحسن أن نذكره أثناء الكلام عن الخلفاء الراشدين لكنا قدمناه ههنا، وكان من حق علي ﵁ أن نضعه ههنا فذكرناه مع الخلفاء الراشدين وتقديم الكلام ههنا عمن سنذكرهم اضطرنا إليه سياق الكتاب. وهذا عذرنا لمن ينتقدنا لِمَ لَمْ نقدم الكلام عن أبي بكر وعمر وهما أفضل الأمة بعد رسولها ﵊، ونحب أن ننبه أن من نذكرهم هنا اجتمع لهم فضلان: فضل الصحبة إذا توافرت شروطها (١)، وفضل\n_________\n= تُلْمع: تشير.\nأوساخ الناس: تنبيه على العلة في تحريمها ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم.\nمحمية: هو ابن جزء بن عبد يغوث الزبيدي حليف بني سهم من قريش كان قديم الإسلام وهاجر إلى الحبشة وكان عامل رسول الله ﷺ على الأخماس.\nوكان على الخمس: يتولى أمر خمس الغنيمة الذي من مصارفه ذوو القربى.\nأصدق المرأة: سمى لها صداقًا.","vol":"3","page":1254},{"text":"القرابة، وهناك استطرادات يضطرنا إليها السياق سنتحدث عنها بمناسبتها.\n١١١٦ - * روى أحمد عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله ﷺ: \"إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله ﷿، ممدودٌ ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يرِدا على الحوض\".\n١١١٧ - * روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لا يبغضُنا أهل البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار\".\n١١١٨ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتُها من النبي ﵌؟ قلت: بلى فاهدها إليَّ قال: سألنا رسول الله ﵌ فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاةُ عليكم أهل البيت؟ قال: \"قولوا اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ\" وقد روى هذا الحديث بإسناده وألفاظه حرفًا بعد حرف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن موسى بن إسماعيل في الجامع الصحيح، وإنما خرجتُه ليعلم المستفيد أن أهل البيت والآل جميعًا هم، وأبو فروة هو عروةُ بن الحاث الهمداني من أوثق التابعين بالكوفة.\n١١١٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: أن أبا بكرٍ قال: ارقُبوا محمدًا ﷺ في أهل بيته.\n١١٢٠ - * روى الطبراني عن محمد بن علي بن الحسين أن النبي ﷺ بايع الحسن والحسينَ\n_________\n١١١٦ - أحمد في مسنده (٥/ ١٨٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٦٢): رواه أحمد وإسناده جيد.\n١١١٧ - المستدر (٣/ ١٥٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي.\n١١١٨ - المستدرك (٣/ ١٤٨).\n١١١٩ - البخاري (٧/ ٧٨) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-١٣ - باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ.\n١١٢٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٠) وقال: رواه الطبراني، وهو مرسل، ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1255},{"text":"وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفرٍ وهم صغار ولم يبقُلوا ولم يبلُغوا، ولم يبايع صغيرًا إلا منا.\n١١٢١ - * روى أبو يعلي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"خيرُكم خيركم لأهلي من بعدي\" قال أبو خيثمة: الناس يقولون لأهل وقال هذا لأهلي.\n* * *\n_________\n= يبقلوا: بَقِل وجهه: إذا نبتت لحيته.\n١١٢١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧٤) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>الوصل الأول\nفي\nأزواجه ﵊</span>","vol":"3","page":1257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>توطئة:</span>\nالحديث عن أزواجه جزء مهم من الحديث عن سيرته ﵊، فلا ينفصل الكلام عن أزواجه عن الكلام عنه، ثم إن أزواجه ﵊ هنّ القدوة للمرأة المسلمة. والنساء يشكلن حيزًا كبيرًا من المجتمع الإنساني، وإن كانت الأسرة تشكل دائرة مهمة من دوائر المجتمع فمن المهم أن يتعرف الإنسان على رسول الله ﷺ في أسرته. وهذا الوصل والوصل الذي بعده يعطينا صورة عن الرسول ﷺ في أسرته ويعطينا صورة عن أكمل أسرة في تاريخ الوجود، وسنذكر بين يدي نصوص هذا (الوصل) مقدمتين:\nمقدمة عامة، ومقدمة عن التفضيل بين أزواجه ....... وكان الكمال في البحث يقتضي أن تذكر مع ترجمة كل من زوجاته ﵊ مجموع رواياته عنه عليه الصلاة فهي المقصود الأعظم من الترجمة، وبذلك تظهر الصورة الحقيقية عن حياة الرسول ﷺ الزوجية، لكن هذا سيؤثر على أبحاث هذا الكتاب الأخرى لأن مرويات الزوجات ذات موضوعات متعددة، وهذا يقتضي أن نذكرها عند موضوعاتها في هذا الكتاب، ومن قبل قلنا إن هذا الكتاب بكل أقسامه مع تفسير القرآن هو السيرة كلها، فليعتبر القارئ إذن أن الحديث موصول عنه وعن زوجاته في بقية أقسام الكتاب، ومن ههنا فإن قارئ هذا البحث عن زوجاته سيجد فراغات كثيرة وقصورًا كبيرةً، إلا أن ذلك من مقتضيات طريقتنا في عرض السنة في هذا الكتاب، وفي الأصل فإن جامعي السنة يتحدثون عادة عما يسمى بالمناقب، وهذا البحث يكاد يكون أشبه بذلك.\n* * *","vol":"3","page":1259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>المقدمة الأولى\nلمحة عامة عن أزواجه وسراريه ﵇</span>\nقال المباركفوري:\nمعلوم أن النبي ﷺ كان ممتازًا عن أمته بحل التزوج بأكثر من أربع زوجات لأغراض كثيرة، فكان عدد من عقد عليهن ثلاث عشرة امرأة، منهن تسع مات عنهن، واثنتان توفيتا في حياته، إحداهما خديجة، والأخرى أم المساكين زينبُ بنت خزية. واثنتان لم يدخل بهما، وها هي أسماؤهن وشيء عنهن.\n١ - خديجة بنت خويلد ﵂.\n٢ - سودة بنت زمعة، تزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة عشر من النبوة، بعد وفاة خديجة بأيام، وكانت قبله عند ابن عم لها يقال له السكران بن عمرو فمات عنها.\n٣ - عائشة بنت أبي بكر الصديق، تزوجها في شوال سنة إحدى عشرة من النبوة، بعد زواجه بسودة بسنةٍ، وقبل الهجرة بسنتين وخمسة أشهر، تزوجها وهي بنت ست سنين، وبنى بها في شوال بعد بدر - على ما قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات-، وكانت بكرًا، ولم يتزوج بكرًا غيرها، وكانت أحب الخلق إليه، وأفقه نساء الأمة، وأعلمهن على الإطلاق.\n٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب، تأيَّمت من زوجها خُنيس بن حُذافة السهمي بين بدر واحد، فتزوجها رسول الله ﷺ سنة ٣ هـ.\n٥ - زينب بنت خزيمة من بني هلال بن عامر بن صعصعة، وكانت تسمى أم المساكين، لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، كانت تحت عبد الله بن جحش، فاستشهد في أحد، فتزوجها رسول الله ﷺ سنة ٤ هـ. ماتت بعد الزواج بشهرين أو ثلاثة أشهر.\n٦ - أم سلمة هند بنت أبي أمية، كانت تحت أبي سلمة، فمات عنها في جمادي الأخرى سة ٤ هـ فتزوجها رسول الله ﷺ في شوال من السنة نفسها.","vol":"3","page":1260},{"text":"٧ - زينب بنت جحش بن رباب من بني أسد بن خزيمة، وهي بنت عمة رسول الله ﷺ، وكانت تحت زيد بن حارثة- الذي كان يعتبر ابنا للنبي ﷺ- فطلقها زيد. فأنزل الله تعالى يخاطب رسول الله ﷺ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١) وفيها نزلت من سورة الأحزاب آيات فصلت قضية التبني. تزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة.\n٨ - جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من خُزاعة، كانت في سبي بني المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها، وتزوجها في شعبان سنة ٦ هـ.\n٩ - أم حبيبة رَمْلَةُ بنت أبي سفيان، كانت تحت عبيد الله بن جحش، وهاجرت معه إلى الحبشة، فارتد عبيد الله وتنصر وتوفي هناك، وثبتت أم حبيبة على دينها وهجرتها، فلما بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري بكتابه إلى النجاشي في المحرم سنة ٧ هـ. خطب عليه أم حبيبة فزوجها إياه وبعث بها مع شُرحبيل بن حسنة.\n١٠ - صفية بنت حيي بن أخطَب من بني إسرائيل، كانت من سبي خيبر، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فأعتقها وتزوجها بعد فتح خيبر سنة ٧ هـ.\n١١ - ميمونة بنت الحاث أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث، تزوجها في ذي القعدة سنة ٧ هـ، في عمرة القضاء بعد أن حل منها على الصحيح.\nفهؤلاء إحدى عشرة سيدة تزوج بهن الرسول ﷺ، وبنى بهن وتوفيت منهن اثنتان - خديجة بنت خويلد وزينب أم المساكين - في حياته، وتوفي هو عن التسع البواقي.\nوأما الاثنتان اللتان لم يبن بهما فواحدة من بني كلاب، وأخرى من كندة وهي المعروفة بالجونية، وهناك خلافات لا حاجة إلى بسطها.\nوأما السراري فالمعروف أنه تسري باثنتين إحداهما مارية القبطية. أهداها له المُقوقِس\n_________\n(١) الأحزاب: ٣٧.","vol":"3","page":1261},{"text":"فأولدها ابنه إبراهيم الذي توفي صغيرًا بالمدينة في حياته ﷺ، في ٢٨/أو ٢٩ من شهر شوال سنة ١٠ هـ وفق ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ م. والسرية الثانية هي ريحانة بنت زيد النضرية أو القُرظية، كانت من سبايا قريظة فاصطفاها لنفسه، وقيل بل هي من أزواجه ﷺ، أعتقها فتزوجها والقول الأول رجحه ابن القيم، وزاد أبو عبيدة اثنتين أخريين، جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>المقدمة الثانية: في التفضيل</span>\nقال الشيخ عبد السلام اللقاني:\nوأما تفضيل الزوجات الشريفات، فأفضلُهُنّ: خديجة، وعائشة، وفي أفضلهن خلاف، صحح ابن العماد تفضيل خديجة وفاطمة، فتكون أفضل من عائشة ولما سئل السبكي عن ذلك قال: الذي نختاره وندينُ الله به، أن فاطمة بنت سيدنا محمد ﷺ أفضل ثم أمها خديحة ثم عائشة.\nواختار السبكي أن مريم أفضل من خديجة؛ لقوله ﵊: \"خير نساء العالمين مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خُويلد، ثم فاطمة بنت محمد ﷺ، ثم آسية بنت مُزاحم امرأة فرعون\" (١) وللاختلاف في نبوتها.\nأقول: التفضيل لفاطمة على خديجة من حيثيةٍ كونها جزءًا من رسول الله ﷺ والتفضيل لخديجة على فاطمة من حيثية ما قامت به.\nقال الشيخ اللقاني:\nوقال شيخ الإسلام في شرح البخاري: الذي اختاره الآن أن الأفضلية محمولة على أحوالٍ، فعائشة أفضلهن من حيث العلم، وخديجة من حيث تقدمها وإعانتها له صلى الله\n_________\n(١) رواه أحمد في مسنده (١/ ٣٢٢) عن ابن عباس.","vol":"3","page":1262},{"text":"عليه وسلم في المهمات، وفاطمة من يحث القرابة، ومريم من حيث الاختلاف في نبوتها، وذكرها في القرآن مع الأنبياء، وآسية امرأة فرعون من هذه الحيثية، ولكن لم تذكر مع الأنبياء، وعلى ذلك تنزيل الأخبار الواردة في أفضليتهن، وهذا جيد إن قلنا: إن التفضيل بالأحوال وكثرة الخصال الجميلة، وأما إن قلنا: إنه باعتبار كثرة الثواب، فالأقربُ الوقفُ كما هو قول الأشعري.\nوفي كلام البرهان الحلبي أن زينب بنت جحش تلي عائشة رضوان الله تعالى عليهما، ولم يقف أستاذنا على نص في باقيهن، ولا في مفاضلة بعض أبنائه الذكور على بعض، ولا في المفاضلة بينهم وبين البنات الشريفات، سوى ما شرف الله به الذكور على الإناث مطلقًا، ولا بينهن سوى فاطمة، بأنها أفضل بناته الكريمات، ولا بين باقي البنات سوى فاطمة مع الزوجات الطاهرات، وإن جرت علة فاطمة بالبعضية في الجميع، فالوقف أسلم، والله أعلم. أهـ.\nوهذه سيرة مختصرة للزوجات الطاهرات.","vol":"3","page":1263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>١ - خديجة بنت خويلد ﵂</span>\nيقول الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nخديجة أم المؤمنين وسيدة نساء العالمين في زمانها، أم القاسم ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، القرشية الأسدية، أم أولاد رسول الله ﷺ وأول من آمن به وصدقه قبل كل أحد، وثبتت جأشَهُ، ومضت به إلى ابن عمها ورقة.\nومناقبها جمة، وهي ممن كمُلت من النساء. كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة، من أهل الجنة، وكان النبي ﷺ يثني عليها، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين ويبالغ في تعظيمها، بحيث إن عائشة كانت تقول: ما غرت من امرأةٍ ما غرت من خديجة، من كثرة ذكر النبي ﷺ لها.\nومن كرامتها عليه ﷺ أنها لم يتزوج امرأة قبلها، وجاء منها عدة أولاد، ولم يتزوج عليها قط، ولا تسري عليها قط، ولا تسري إلى أن قضت نحبها، فوجِد لفقدها، فإنها كانت تعم القرين وكانت تنفق عليه من مالها، ويتجر هو ﷺ لها.\nقال الزبير بن بكار: كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة، وأمها هي فاطمة بنت زائدة العامرية.\nكانت خديجة أولًا تحت أي هالة بن زُرارة التميمي، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم بعده النبي ﷺ، فبنى بها وله خمس وعشرون، وكانت أسنُّ منه بخمس عشرة سنة. عن عائشة: أن خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة، وقيل: توفيت في رمضان ودفنت بالحجون (هو جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها) عن خمس وستين سنة.\nقال الواقدي: خرجوا من شعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين فتوفي أبو طالب، وقبله خديجة بشهر وخمسة أيام، وقال الحاكم: ماتت بعد أبي طالب بثلاثة أيام.","vol":"3","page":1264},{"text":"قال ابن إسحاق: تتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلاك أبي طالب وخديجة، وكانت خديجة وزيرة صدق وهي أقرب إلى قُصي من النبي ﷺ برجل (١)، وكانت متمولة، فعرضت على النبي ﷺ أن يخرج في مالها إلى الشام فخرج مع مولاها ميسرة، فلما قدم باعت خديجة ما جاء به فأضعف، فرغبت فيه (٢)، فعرضت نفسها عليه فتزوجها، وأصدقها عشرين بكرة.\nفأولادها منه: (القاسم، والطيب، والطاهر، ماتوا رضعًا، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وفاطمة).\nقال الشيخ عز الدين بن الأثير: خديجة أول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين.\nوقال الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى: أول من آمن بالله ورسوله خديجة، وأبو بكر، وعلي ﵃.\nقال الواقدي: توفيت في رمضان ودفنت بالحجون.\nوقال قتادة: ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وكذا قال عروةُ أهـ كلام الذهبي.\n\nوهذه<span data-type=\"title\" id=toc-347> نصوص تتحدث عنها:</span>\n١١٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"خيرُ نسائها: مريم بنت عمران، وخير نسائها: خديجة بنت خويلد\".\nقال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض.\n_________\n(١) يعني كان قصي جدها الثالث وجد النبي ﷺ الرابع.\n(٢) لما رأت فيه من أمانة وبركة وما حدث به ميسرة عن خصاله الحميدة.\n١١٢٢ - البخاري (٧ م ٤٧٠) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء-٤٥ - باب (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين).\nومسلم (٤/ ١٨٨٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٣ - باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.","vol":"3","page":1265},{"text":"١١٢٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريلُ ﵇ النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام - أو طعام، أو شرابٌ - فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها، ومني وبشرها ببيتٍ في الجنة من قصبٍ، لا صخب فيه ولا نصب.\n١١٢٤ - * روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوطٍ فقال: \"أتدرون ما هذا؟ \" فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: \"أفضلُ نساء أهل الجنة خديجةُ بنتُ خُويلدٍ، وفاطمةُ ابنةُ محمدٍ، ومريمُ ابنةُ عمران، وآسيةُ ابنةُ مُزاحمٍ امرأةُ فرعون\".\n١١٢٥ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ سُئل عن خديجة أنها ماتتْ قبل أنْ تُنزل الفرائضُ والأحكام، قال: \"أبصرتُها على نهرٍ من أنهار الجنة في بيت من قصبٍ لا لغو فيه ولا نصب\" وسئل عن أبي طالب هل نفعتهُ؟ قال: \"أخرجْتُهُ من جهنم إلى ضحضاح منها\".\n_________\n١١٢٣ - البخاري (٧/ ١٣٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار-٢٠ - باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها ﵂.\nومسلم (٤/ ١٨٨٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٢ - باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂.\nقد أتتك: معناه توجهت إليك.\nفإذا هي أتتك: أي وصلتك.\nفاقرأ ﵍: أي سلم عليها.\nببيت في الجنة من قصب: قال جمهور العلماء: المراد بالقصب قصب اللؤلؤ المجوف كالقصر المنيف، وقيل قصر من ذهب منظوم بالجوهر.\nصخب: الصخب الصوت المختلط المرتفع.\nنصب: النصب المشقة والتعب.\n١١٢٤ - أحمد في مسنده (١/ ٣٢٦) والطبراني في الكبير (١١/ ٣٣٦).\nوالحاكم (٣/ ١٦٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٢٣) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني ورجالهم رجال الصحيح.\n١١٢٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٢٣) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجالهما رجال الصحيح غير مجالد بن سعيد وقد وثق، وخاصة في أحاديث جابر.\nالضحضاح: القريب القعر.","vol":"3","page":1266},{"text":"١١٢٦ - * روى أحمد والترمذي والحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"حسبُك من نساء العالمين: مريمُ بنت عمران، وخديجةُ بنت خويلدٍ، وفاطمة بنت محمد ﷺ، وآسيةُ امرأةُ فرعون\".\n١١٢٧ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما غِرتُ على أحدٍ من نساء النبي ﷺ ما غرتُ على خديجة قط، وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يُكثرُ ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلتُ له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: \"إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولدٌ\".\nوفي رواية قالت (١): وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمرهُ ربُّه ﷿- أو جبريل ﵇ - أن يُبشرها ببيتٍ في الجنةِ من قصبٍ.\nقال في رواية (٢): وأمره الله ﷿ أن يُبشرها ببيتٍ من قصبٍ، وإنْ كان ليذْبحُ الشاة، فيُهدي في خلائلها منها ما يسعهُنَّ.\nوفي أخرى (٣): وكان إذا ذبح الشاة يقولُ: \"أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة\" قالت: فأغضبْتُه يومًا، فقلتُ: خديجة؟ فقال: \"إني رُزقت حُبَّها\".\n_________\n١١٢٦ - أحمد في مسنده (٣/ ١٣٥).\nوالترمذي (٥/ ٧٠٣) ٥٠ - كتاب المناقب -٦٢ - باب فضل خديجة ﵂. وقال: هذا حديث صحيح.\nوالحاكم (٣/ ١٥٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وأقره الذهبي.\n١١٢٧ - البخاري (٧/ ١٣٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٢٠ - باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها ﵂.\nومسلم (٤/ ١٨٨٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٢ - باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.\n(١) البخاري في الموضع السابق.\n(٢) البخاري في نفس الموضع السابق.\nومسلم في الموضع السابق.\nخلائلها: الخلائل: جمع خليلة، وهي الصديقة، والخليل: الصديق.\n(٣) مسلم في نفس الموضع السابق.","vol":"3","page":1267},{"text":"وفي أخرى قالت (١): استأذنت هالة بنت خويلدٍ - أخت خديجة - على رسول الله ﷺ، فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك، فقال: \"اللهم هالةُ بنت خويلد\" فغِرْتُ، فقلت: ما تذكر من عجوزٍ من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيارً منها.\nولمسلم: قالت (٢): ما غِرْتُ للنبي ﷺ على امرأةٍ من نسائه، ما غرْتُ على خديجة لكثرةِ ذكره إياها، وما رأيتها قط، وقالت: لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت.\nوفي رواية الترمذي قالت (٣): ما غِرْتُ على أحدٍ من أزواج النبي ﷺ ما غرتُ على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله ﷺ لها، وإن كان ليذبح الشاة، فيتتبعُ بها صدائق خديجة، فيهديها لهُنَّ.\nوفي أخرى قالت: ما حسدتُ أحدًا ما حسدت خديجة، وما تزوجني رسول الله ﷺ إلا بعد ما ماتتْ، وذلك أن رسول الله ﷺ بشرها ببيتٍ في الجنةٍ من قصبٍ - يعني: من قصب اللؤلؤ - لا صخب فيه ولا نصب.\n١١٢٨ - * روى البخاري ومسلم عن إسماعيل بن أبي خالدٍ قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أكان رسول الله ﷺ بشر خديجة ببيتٍ في الجنة؟ قال: نعم، بشرها ببيت في الجنة من قصبٍ، لا صخب فيه ولا نصب.\n_________\n(١) البخاري (٧/ ١٣٤) في الموضع السابق.\nومسلم (٤/ ١٨٨٩) في الموضع السابق.\nفعرف استئذان خديجة: أي صفة استئذان خديجة لشبه صوتها بصوت أختها، فتذكر خديجة بذلك.\nفارتاع: ارتاع: افتعل من الروْع، وهو الفزع، كأن طار لُبُّه لما سمع صوت أخت خديجة.\nحمراء الشدقين: معناه عجوز كبيرة جدًا. حتى قد سقطت أسنانها من الكبر ولم يبق لشدقيها بياض شيء من الأسنان، إنما بقي فيهما حمرة لثاتها.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.\n(٣) الترمذي (٥/ ٧٠٢) ٥٠ - كتاب المناقب -٦٣ - باب فضائل خديجة ﵂.\n١١٢٨ - البخاري (٧/ ١٣٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٢٠ - باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها رضي الله تعالى عنها.\nومسلم (٤/ ١٨٨٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٢ - باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.","vol":"3","page":1268},{"text":"قال في الفتح: وعند الطبراني في \"الأوسط\" من حديث فطمة قالت: قلت يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: \"في بيت من قصب\" قلت أمن هذا القصب؟ قال: \"لا، من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت\" قال السهيلي: النكتة في قوله: \"من قصب\" ولم يقل من لؤلؤ. أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ هذا الحديث انتهى. وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على ضراه بكل ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها. وأما قوله \"ببيت\" فقال أبو بكر الإسكاف في \"فوائد الأخبار\": المراد به بيت زائد على ما أعد الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال \"لا نصب فيه\": أي لم تتعب بسببه. قال السهيلي: لذكر البيت معنى لطيف لأنها ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي ﷺ بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها. قال: وجزاء الفعل يذكر غالبًا بلفظه وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر انتهى. وفي ذكر البيت معنى آخر؛ لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها، لما ثبت في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قالت أم سلمة \"لما نزلت دعا النبي ﷺ فاطمة وعليا والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: \"اللهم هؤلاء أهل بيتي\" الحديث أخرجه الترمذي وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة، لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها\" وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها. وقوله (لا صخب فيه ولا نصب) الصخب بفتح المهملة والمعجمة بعدها موحدة: الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب بفتح النون والمهملة بعدها موحدة التعب. وأغرب الداودي فقال: الصخب العيب، والنصب العوج. وهو تفسير لا تساعد عليه اللغة. وقال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين- أعني المنازعة والتعب - أنه ﷺ لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعًا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي","vol":"3","page":1269},{"text":"يبشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها.\n١١٢٩ - * روى الطبراني عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يُكثرُ ذكر خديجة، فقلتُ: ما أكثرَ ما تكثرُ من ذكر خديجة، وقد أخلف الله تعالى لك من عجوزٍ حمراء الشدقين، وقد هلكت في دهرٍ، فغضب رسول الله ﷺ غضبًا ما رأيته غضب مثله قط، وقال: \"إن الله رزقه مني ما لم يرزُق أحدًا منكُن\" قلت: يا رسول الله اعفُ عني، والله لا تسمعني أذكرُ خديجة بعد هذا اليوم بشيء تكرهه.\nوفي رواية (١): كان رسول الله ﷺ إذا كر خديجة لم يكن يسأم من ثناءٍ عليها والاستغفار، قال: \"ورزقت مني الولد إذ حُرِمْتُنَّه مني\" فغدا عليِّ بها وراح شهرًا.\n١١٣٠ - * روى أحمد عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى فأحسن الثناء. قالت: فغِرتُ يومًا فقلتُ: ما أكثر ما تذكر حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرًا منها. قال: \"أبدلني الله خيرا منها؟ قد آمنت بي إذ كفر بي الناسُ، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناسُ، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس\".\n١١٣١ - * روى الطبراني عن الزهري قال: لَمْ يتزوج رسول الله ﷺ على خديجة حتى ماتت.\n١١٣٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: لما تُوفيت خديجة اشتد ذلك على رسول الله ﷺ حتى تزوج عائشة.\n* * *\n_________\n١١٢٩ - المعجم الكبير (٢٣/ ١١) وقال الهيثمي (٩/ ٣٢٤): رواه الطبراني وأسانيده حسنة.\n(١) المعجم الكبير (٣٣ - ١٣).\nفغدا على بها وراح شهرًا: أي كررها على مدة شهر.\n١١٣٠ - أحمد في مسنده (٦/ ١١٨) وقال الهيثمي (٩/ ٢٢): رواه أحمد وإسناده حسن.\n١١٣١ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٢٠): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n١١٣٢ - رواه الطبراني مرسلًا، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>٢ - سودة أم المؤمنين ﵂</span>\nيقول الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nسودة أم المؤمنين بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية وهي أول من تزوج بها النبي ﷺ بعد خديجة، وانفردت به نحوًا من ثلاث سنين أو أكثر حتى د\nخل بعائشة.\nوكانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة، وكانت أولًا عند السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو العامري وهي التي وهبت يومها لعائشة، رعاية لقلب رسول الله ﷺ وكانت قد فركت ﵂ - أي قل ميلها إلى الرجال-.\nلها أحاديث، وخرج لها البخاري، حدث عنها ابن عباس، ويحيى بن عبد الله النصاري توفيت في آخر خلافة عمر بالمدينة.\nقال ابن سعد: أسلمت سودة وزوجها، فهاجرا إلى الحبشة.\nقال الأعمش عن إبراهيم، قالت سودة: يا رسول الله صليت خلفك البارحة فركعت بي، حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم، فضحك، وكانت تضحكه الأحيان بالشيء.\nوقالت عائشة: استأذنت سودة ليلة المزدلفة أن تدفع قبل حطمة (١) الناس - وكانت امرأة ثبطة - أي ثقيلة - فأذن لها.\nقال ابن سعد: إن عمر بعث إلى سودة بغرارةٍ دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في الغرارة مثل التمر، يا جارية: بلغيني القنع (٢)، ففرقتها.\nيروى لسودة خمسة أحاديث، منها في الصحيحين حديث واحد عند البخاري، أهـ كلام الذهبي.\nحجت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع ثم لم تحج بعد ذلك لقوله ﵇\n_________\n(١) الحطمة: الزحمة، أي قبل أن يزدحم الناس ويحطم بعضهم بعضًا.\n(٢) القنع: الطبق.","vol":"3","page":1271},{"text":"لأزواجه: (هذه ثم ظهور الحصر) والحصر جمع حصير وهو ما يفرش بالبيت. أي: الزَمْنَ بيوتكن بعد هذه الحجة.\n\nوهذه<span data-type=\"title\" id=toc-349> بعض نصوص في أصول الكتاب عنها:</span>\n١١٣٣ - * روى الطبراني عن سهل بن حُنيفٍ قال: ثم تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة، وكانت قبلهُ تحت السكران بن عمرو أخي بني عامر بن لؤي.\n١١٣٤ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: تزوج النبي ﷺ سودة بنت زمعة فجاء أخوها من الحج عبد بن زمعة فجعل يحثو على رأسه التراب، فلما أسلم قال: إني لسفيه يوم أحثو على رأسي التراب أن تزوج النبي ﷺ سودة.\n١١٣٥ - * روى مسلم عن عائشة قالت: ما رأيتُ امرأة أحبُّ إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة. من امرأة فيه حدةً. قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة. قالت: يا رسول الله! قد جعلتُ يومي منك لعائشة. فكان رسول الله ﷺ يقسمُ لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة.\n١١٣٦ - * روى البخاري عن عائشة قالت: خرجت سودةُ - بعدما ضُرب الحجابُ - لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودةُ، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عَرقَ، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجتُ لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه (١)، ثم رُفع عنه\n_________\n١١٣٣ - قال الهيثمي في مجع الزوائد (٩/ ٣٤٦): رواه الطبراني، فيه القاسم بن عبد الله بن مهدي، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات.\n١١٣٤ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٦): رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١١٣٥ - مسلم (٣/ ١٠٨٥) ١٧ - كتاب الرضاع ١٤ - باب جواز هبتا نوبتها لضرتها.\nمسلاخها: السلاخ هو الجلد. ومعناه أن أكون أنا هي.\nمن امرأة: قال القاضي: من هنا للبيان واستفتاح الكلام.\nحدة: لم ترد عائشة عيب سودة بذلك. بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة، وهي الحدة.\n١١٣٦ - البخاري (٨/ ٥٢٨) ٦٥ - كتاب التفسير-٨ - باب (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين =","vol":"3","page":1272},{"text":"وإنَّ العرَقَ في يده ما وضعه فقال: \"إنه قد أذن لكُنَّ أن تخرجُن لحاجتِكن\".\n١١٣٧ - * روى أبو داود والترمذي عن عكرمة مولى ابن عباس ﵀ قال: قيل لابن عباس بعد صلاة الصبح: ماتت فلانة - لبعض أزواج رسول الله ﷺ فسجد، فقيل له: أتسجدُ هذه الساعة؟ فقال: أليس قد قال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيتُم آيةً فاسجدوا؟ \" فأيُّ آيةٍ أعظم منْ ذهاب أزواج النبي ﷺ؟.\n* * *\n_________\n= إناه) - إلى قوله (إن ذلكم كان عند الله عظيمًا).\nالعرق: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم.\n١١٣٧ - أبو داود (١/ ٣١١) كتاب الصلاة، باب السجود عند الآيات.\nوالترمذي (٥/ ٧٠٧) ٥٠ - كتاب المناقب -٦٤ - باب فضل أزواج النبي ﷺ. وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.","vol":"3","page":1273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>٣ - عائشة أم المؤمنين ﵂</span>\nيقول الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nعائشة بنت الإمام الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، بن كعب بن لؤي، القرشية التيمية المكية، النبوية، أم المؤمنين، زوجة النبي ﷺ، أفقه نساء الأمة على الإطلاق، وأمها أم رُومان بنت عامر بن عويمر، بن عبد شمس، هاجر بعائشة أبواها، وتزوجها نبي الله قبل مهاجره بعد وفاة الصديقة خديجة بنت خويلد وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهرًا، وقيل: بعامين، ودخل بها في شوال سنة اثنتين، بعد منصرفه ﵊ من غزوة بدر، وهي ابنة تسع.\nروت عنه علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وعن أبيها، وعن عمر وفاطمة وسعد، وحمزة ابن عمرو الأسمي وجُدامة بنت وهب أخت عُكاشة بن مِحْصَن الأسدي لأمه وهي صحابية لها سابقة وهجرة.\nوكانت عائشة امرأة بيضاء جميلة، ومن ثم يقال لها: الحميراء، ولم يتزوج النبي ﷺ بكرًا غيرها، ولا أحب امرأة حبها، ولا أعلم في أمة محمد ﷺ بل ولا النساء مطلقًا امرأة أعلم منها، وذهب بعض العلماء إلى أنها أفضل من أبيها، وهذا مردود، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، بل نشهد أنها زوجة نبينا ﷺ في الدنيا والآخرة فهل فوق ذلك مفخرة، وإن كان للصديقة خديجة شأوً لا يلحق، وأن واقف في أيتهما أفضل نعم جزمت بأفضلية خديجة عليها لأمور ليس هذا موضعها.\nوكان تزويجه ﷺ بها إثر وفاة خديجة، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد ثم دخل بسودة فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر، فما تزوج بكرًا سواها وأحبها حبًا شديدًا كان يتظاهر به.\nوحبه ﵇ لعائشة كان أمرًا مستفيضًا، ألا تراهم كيف كانوا يتحرون بهداياهم ومها تقربًا إلى مرضاته.","vol":"3","page":1274},{"text":"وعن عليٍّ ﵁ أنه ذكر عائشة، فقال: خليلةُ رسول الله ﷺ (١)، وهذا يقوله أمير المؤمنين في حق عائشة مع ما وقع بينهما، فرضي الله عنهما، ولا ريب أن عائشة ندمت كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورها يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ، فعن عمارة بن عمير، عمن سمع عائشة إذا قرأت ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢) بكت حتى تبل خمارها.\nقال أبو إسحاق، عن مصعب بن سعد، قال: فرض عمر لأمهات المؤمنين عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين، وقال: إنها حبيبة رسول الله ﷺ.\nعن الشعبي أن عائشة قالت: رويت للبيدٍ نحوًا من ألف بيت، وكان الشعبي يذكرها، فيتعجب من فقهها وعلمها، ثم يقول: ما ظنكم بأدب النبوة.\nقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة.\nقال حفص بن غياث: حدثنا إسماعيل، عن أبي إسحاق، قال: قال مسروق: لولا بعض الأمر لأقمت المناحة على أم المؤمنين، يعني عائشة. ويريد بقوله: بعض الأمر: خروجها إلى حرب الجمل.\nوعن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: قدم رجل فسأله أبي: كيف كان وجدُ الناس على عائشة؟ فقال: كان فيهم وكان، قال: أما إنه لا يحزن عليها إلا من كانت أمه.\nعن صالح بن كيسان وغيره: أن عائشة جعلت تقولُ: إن عثمان قُتِلَ مظلومًا، وأنا أدعوكم إلى الطلب بدمه، وإعادة الأمر شُورى.\nوقد سقتُ وقعة الجمل مُلخصة في مناقب عليٍّ، وإن عليًا وقف على خباء عائشة يلُومُها على مسيرها. فقالت: يا ابن أبي طالب، ملكت فأسجح (٣). فجهزها إلى المدينة، وأعطاها اثني عشر ألفًا. فرضي الله عنه وعنها.\n_________\n(١) قال الذهبي: هذا حديث حسن ومصعب صالح لا بأس به.\n(٢) الأحزاب: ٣٣.\n(٣) ملكت فأسجح: أي قدرت فسهل وأحسن العفو.","vol":"3","page":1275},{"text":"عن عروة بن الزبير: أن معاوية بعث مرة إلى عائشة بمئة ألفِ درهم، فوالله ما أمست حتى فرقتها. فقالت لها مولاتُها: لو اشتريت لنا منها بدرهم لحمًا؟ فقالت: ألا قلتِ لي.\nعن عطاء: أن معاوية بعث إلى عائشة بقلادة بمئة ألف، فقسمتها بين أمهات المؤمنين.\nعن عائشة: أنها تصدقت بسبعين ألفًا؛ وإنها لترفع جانب درعها ﵂.\nقال محمد بنُ عامر: حدثا ابن جُريج، عن نافع، قال: شهدتُ أبا هريرة صلى على عائشة بالبقيع، وكان خليفة مروان على المدينة، وقد اعتمر تلك الأيام.\nقال عروة بن الزبير: دفنت عائشة ليلًا، قال هشام بن عروة، وأحمد بن حنبل، وشبابٌ، وغيرهم: تُوفيت سنة سبع وخمسين. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى، والواقدي، وغيرهما: سنة ثمان وخمسين.\nعن قيس، قال: إن عائشة كانت تُحدثُ نفسها أن تُدفن في بيتها، فقالت: إني أحدثت بعد رسول الله ﷺ حدثًا، ادفنوني مع أزواجه. فدُفِنتْ بالبقيع ﵂. قال الذهبي: تعني بالحدث: مسيرها يوم الجمل، فإنها ندمت ندامة كلية، وتابت من ذلك: على أنها ما فعلت ذلك إلا مُتأولة قاصدة للخير، كما اجتهد طلحةُ بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعة من الكبار، رضي الله عن الجميع.\nومدةُ عمرها، ثلاث وستون سنة وأشهر.\nومسند عائشة يبلغ ألفين ومئتين وعشرة أحاديث. اتفق لها البخاري ومسلم على مئة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين وانفرد مسلم بتسعة وستين.\nوعائشة ممن وُلِدَ في الإسلام، وهي أصغرُ من فاطمة بثماني سنين.\nوكانت تقول: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين.\nوذكرت أنها لحقت بمكة سائس الفيل شيخًا أعمى يستعطي أهـ الذهبي بتصرف.\nوقد ذكر الذهبي حوالي (١٨٥) اسمًا ممن رووا عنها حديث رسول الله ﷺ فرضي الله","vol":"3","page":1276},{"text":"عنها وأرضاها ولعن من أبغضها وشانها.\nومن أهم أحداث حياتها في حياة رسول الله ﷺ:\n١ - حادثة الإفك.\n٢ - حادثة ضياع عقدها وما ترتب عليه من نزول آية التيمم.\n٣ - حادثة التخيير بين البقاء والطلاق.\n٤ - وفاة الرسول ﷺ في بيتها.\nومن أهم أحداث جاءتها بعد رسول الله ﷺ خروجها مطالبة بدم عثمان ﵁ وما ترتب عليه من موقعة الجمل التي تعتبر من أعظم المآسي في تاريخ المسلمين، وقد كان رسول الله ﷺ حذرها من ذلك وقد ندمت بعد ذلك ندمًا شديدًا.\nوقد مرت معنا حادثة الإفك في أحداث السنة الخامسة وحادثة الوفاة في أحداث السنة الحادية عشر، وستمر معنا حادثة التيمم عند بحث التيمم وسنذكر ههنا بعض روايات التخيير وبعض روايات لها صلة بموقعة الجمل وهي من معجزاته ﷺ.\n\nوهذه<span data-type=\"title\" id=toc-351> بعض نصوص في أصول هذا الكتاب عنها ﵂:</span>\n١١٣٨ - * روى أحمد عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطبٍ، قالا: لما هلكتْ خديجة جاءت خولة بنت حكيمٍ امرأةُ عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج قال: \"مَنْ\" قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا قال: \"فمن البكر\" قالت: بنت أحبِّ خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر قال: \"ومن الثيب\" قالت: سودة ابنة زمعة قد آمنتْ بك واتبعتك على ما تقول قال: \"اذهبي فاذكريهما عليِّ\" (١) فأتت أمَّ\n_________\n١١٣٨ - رواه أحمد في مسنده (٦/ ٣١٠).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٢٥): رواه أحمد، بعضه صرح فيه بالاتصال عن عائشة، وأكثره مرسل، فيه محمد بن عمرو بن علقمة وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nزمعة: هو زمعة بن نبس العمري القرشي. =","vol":"3","page":1277},{"text":"رُومن فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبُ عليه عائشة قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبُ عائشة. قال: وهل تصلح له إنما هي ابنةُ أخيه فرجعتْ إلى رسول الله ﷺ فذكرتْ له قال: \"ارجعي فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي\" فرجعتُ فذكرت ذلك له فقال انتظري وخرج قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي كان قد ذكرها على ابنه فوالله ما وعد وعدًا قط فأخلفه لأبي بكر. فدخل أبو بكر على مُطعم بن عدي وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مُصبٍ صاحبنا مدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك، قال أبو بكر للمُطعم بن عدي: أقول هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعد، فقال لخولة: ادعي لي رسول الله ﷺ فدعته، فزوجها إياهُ، وعائشة ﵂ يومئذٍ بنت ست سنين، ثم خرجتْ فدخلتْ على سودة بنت زمعة فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبُك عليه قالت: ودِدْتُ، أدخُلي على أبي فاذكري ذلك له، وكان شيخًا كبيرًا قد أدركته السن قد تخلف عن الحج فدخلتْ عليه فحيته بتحية الجاهلية فقال: من هذه فقالت: خولة ابنة حكيم، قال: فما شأنكِ؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطبُ عليه سودة، فقال: كفؤ كريم. فإذا تقول صاحبتُك؟ قالت: تُحبُ ذلك. قال: ادعيه لي فجاء رسول الله ﷺ فزوجها إياه فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل يحثي على رأسه التراب؛ فقال بعد أن أسلم: لعمري إني لسفيه يوم أحثي في رأٍي التراب أن تزوج رسول الله ﷺ سودة ابنة زمعة. قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج بالسُّنْحِ قالت: فجاء رسول الله ﷺ فدخل بيننا فجاءت بي أمي وأنا في أرجوحةٍ ترجح بي بين عدقين فأنزلتني من الأرجوحة ولي جُمَيْمَة ففرقتها ومسحت وجهي بشيءٍ من ماءٍ ثم أقبلتْ تقودني حتى وقفتُ عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي (١)، ثم دخلت بي فإذا رسول الله ﷺ جالسٌ على\n_________\nالسُّنْح: موضع قرب المدينة.","vol":"3","page":1278},{"text":"سريرٍ في بيتنا، وعندهُ رجالٌ ونساءٌ من الأنصار، فاحتبستني في حجرة، ثم قالت: هؤلاء أهلُك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا، ما نُحِرت عليَّ جزورُ ولا ذُبحت عليَّ شاةً، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنةٍ كان يُرسل بها إلى رسول الله ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذٍ ابنةُ سبع سنين.\n١١٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"أُريتُك في المنام ثلاث ليالٍ، جاءني بك الملك في سرقةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفُ عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول: إن يك من عند الله يُمضه\".\nوفي رواية (١): أن جبري لجاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ، فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة.\nقال النووي:\n(إن يك هذا من عند الله يمضه) قال القاضي: إن كانت هذه الرؤيا قبل النبوة، وقبل تخليص أحلامه ﷺ من الأضغاث. فعناها: إن كانت رؤيا حق. وإن كانت بعد النبوة فلها ثلاث معانٍ؛ أحدها أن المراد إن تكن الرؤيا على وجهها وظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير، فسيمضيه الله تعالى وينجزه، فالشك عائد إلى أنها رؤيا على ظاهرها أم تحتاج إلى تعبير وصرفٍ عن ظاهرها.\nالثاني: أن المراد إن كانت هذه الزوجة في الدنيا يمضها الله، فالشك في أنها زوجته في الدنيا أم في الجنة.\n_________\n١١٣٩ - البخاري (٧/ ٢٢٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٤٤ - باب تزويج النبي ﷺ عائشة، وقدومها المدينة، وبنائه بها.\nومسلم (٤/ ١٨٨٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٣ - باب فضل عائشة رضي الله تعالى عنها.\n(١) الترمذي (٥/ ٧٠٤) ٥٠ - كتاب المناقب -٦٣ - باب فضل عائشة ﵂ وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمرو بن علقمة.","vol":"3","page":1279},{"text":"الثالث: أنه لم يشك، ولكن أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك. كما قال: أأنت أم سالم؟ وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة يسمونه تجاهل العارف. وسماه بعضهم مزج الشك باليقين. أهـ النووي على مسلم.\nقال في الفتح: قوله (جاءني بك الملك) وقع في رواية أبي أسامة \"إذا رجل يحملك\" فكأن الملك تمثل له حينئذ رجلًا. ووقع في رواية ابن حبان من طريق أخرى عن عائشة \"جاء بي جبريل إلى رسول الله ﷺ\" وقوله (في سَرَقةِ من حرير) السرقة بفتح المهملة والراء والقاف هي القطعة، ووقع في رواية ابن حبان \"في خرقة حرير\" وقال الداودي: السرقة الثوب، فإن أراد تفسيره هنا فصحيح، وإلا فالسرقة أعم. وأغرب المهلب فقال: السرقة كالكلة أو كالبرقع. وعند الآجري من وجه آخر عن عائشة \"لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني\" ويجمع بين هذا وبين ما قبله بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة والخرقة في راحته، ويحتمل أن يكون نزل بالكيفيتين لقولها في نفس الخبر \"نزل مرتين\" وقوله (فكشف عن وجهك الثوب) في رواية أبي أسامة \"فأكشفها\" فعبر بلفظ المضارع استحضارًا لصورة الحال. قال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه، ويكون الضمير في \"أكشفها\" للسرقة أي أكشفها عن الوجه، وكأنه حمله على ذلك أن رؤيا الأنبياء وحي، وأن عصمتهم في المنام كاليقظة، وقال أيضًا: في الاحتجاج بهذا الحديث للترجمة نظر، لأن عائشة كانت إذ ذاك في سن الطفولة فلا عورة فيها البتة، ولكن يستأنس به في الجملة في أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد. أهـ.\n١١٤٠ - * روى البخار يعن عروة بن الزبير ﵄: أن النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر، إنما أنا أخوك، فقال: \"أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال\".\nقال في الفتح: وقال ابن بطال (١): يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعًا ولو كانت في\n_________\n١١٤٠ - البخاري (٩/ ١٢٣) ٦٧ - كتاب النكاح، ١١ - باب تزويج الصغار من الكبار رواه مرسلًا.","vol":"3","page":1280},{"text":"المهد، لكن لا يُمكن منها حتى تصلح للوطء، فرمز بهذا إلى أن لا فائدة للترجمة لأنه أمر مجمع عليه. قال: ويؤخذ من الحديث أن الأب يزوج البكر الصغيرة بغير استئذانها. قلت: كأنه أخذ ذلك من عدم ذكره، وليس بواضح الدلالة، بل يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود الأمر باستئذان البكر وهو الظاهر، فإن القصة وقعت بمكة قبل الهجرة. وقول أبي بكر \"إنما أنا أخوك\" حصر مخصوص بالنسبة إلى تحريم نكاح بنت الأخ، وقوله ﷺ في الجواب \"أنت أخي في دين الله وكتابه\" إشارة إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ونحو ذلك، وقوله \"وهي حلال لي\" معناه وهي مع كونها بنت أخي يحل لي نكاحها لأن الأخوة المانعة من ذلك أخوة النسب والرضاع لا أخوة الدين.\n١١٤١ - * روى الحاكم عن عائشة: ما تزوجني رسول الله ﵌ حتى أتاه جبريل بصورتي وقال هذه زوجتك، وتزوجني وإني لجارية علي حوف فلما تزوجني ألقى الله علي حياء وأنا صغيرة.\n١١٤٢ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: قدمنا مهاجرين فسلكنا في ثنيةٍ صعبة فنفر جملٌ كنتُ عليه نفورًا منكرًا، فوالله ما أنسى قول أمي يا عُريسة فركب بي رأسه، فسمعت قائلًا يقول والله ما أراه: ألقي خِطامَهُ، فألقيته، فقام يستدير كأنما إنسان قائم تحته يمسكه.\n١١٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكتُ (١)،\n_________\n١١٤١ - المستدرك (٤/ ٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nالحوفُ: جلد يشق كهيئة الإزار تلبسه الحيض والصبيان.\n١١٤٢ - المعجم الكبير (٣٣/ ١٨٣)\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣٩): رواه الطبراني، وإسناده حسن.\n١١٤٣ - البخاري (٧/ ٢٢٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار-٤٤ - باب تزويج النبي ﷺ عائشة ... إلخ.\nمسلم (٢/ ١٠٣٨) ١٦ - كتاب النكاح - ١٠ - باب تزويج الأب البكر الصغيرة. =","vol":"3","page":1281},{"text":"فتعرق شعري، فوفَّ جُمَيْمَة، فأتتني أمي - أم رومان- وإني لفي أرجوحةٍ، ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي؟ فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهجُ، حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحتْ به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني غليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرُعني إلا رسول الله ﷺ ضُحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذٍ بنتُ تسع سنين.\nوفي رواية (١) نحوه، إلا أن فيه: فأخذت بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هه، ههْ، حتى ذهب نفسي وفيه: فغسلن رأسي، وأصلحنني، فلم يرعْني إلا رسول الله ﷺ، فأسلمْنَنِي إليه.\nوفي أخرى (٢): أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسعٍ، ومكثتْ عنده تسعًا.\nوفي أخرى (٣) عن عروة قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين - أو قريبًا من ذلك - ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنتُ تسع سنين.\nولمسلم (٤) عن عائشة: أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنتُ سبع سنين وزُفَّتْ إليه وهي\n_________\n= تمرق: الشعر، وامرق: سقط وانتشر من مرض أو علةٍ تعرض له.\nوفي: إذا كثر.\nجُميمة: تصغير جُمة وهي الشعر لنازل إلى الأذنين ونحوهما، أي صار إلى هذا الحد بعد أن كان قد ذهب بالمرض.\nعلى خير طائر: على أفضل حظ.\nلم يرُعْني: لم يفجأني.\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\nهه ههْ حكاية تتابع النفس من التهيج، وقيل: أرادت حكاية صوت البكاء.\n(٢) البخاري (٩/ ١٩٠) ٦٧ - كتاب النكاح -٣٨ - باب إنكاح الرجل ولده الصغار.\n(٣) البخاري (٧/ ٢٢٤) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٤٤ - باب تزويج النبي ﷺ عائشة ... إلخ.\n(٤) مسلم (٢/ ١٠٣٩) ١٦ - كتاب النكاح - ١٠ - باب تزويج الأب البكر الصغيرة.","vol":"3","page":1282},{"text":"بنتُ تسع سنين، ولعبها معها، ومات عنها وهي بنتُ ثماني عشرة.\nوفي أخرى (١): تزوجها وهي بنتُ ست سنين، وبنى بها وهي بنتُ تسع، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة.\nقال في الفتح: \"تزوجني وأنا بنت ست سنين\" أي عقد عليَّ. وقولها \"فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج\" أي لما قدمت هي وأمها وأختها أسماء بنت أبي بكر كما سأبينه، وأما أبوها فقدم قبل ذلك مع النبي ﷺ. قوله (فتمزق شعري) بالزاي أي تقطع والكشميهني \"فتمرق\" بالراء أي انتتف. قوله (فوفي) أي كثر، وفي الكلام حذف تقديره ثم فصلت من الوعك فتربى شعري فكثر، وقولها \"جميمة\" بالجيم مصغرة الجُمة بالضم وهي مجتمع شعر الناصية، ويقال للشعر إذا سقط على المنكبين جمة، وإذا كان إلى شحمة الأذنين وفرة. وقولها \"في أرجوحة\" بضم أوله معرفة وهي التي تلعب بها الصبيان، وقوله \"أنهج\" أي أتنفس عاليًا، وقولهن \"على خير طائر\" أي على خير حظ ونصيب، وقولها \"فلم يُرعني\": بضم الراء وسكون العين أي لم يفزعني شيء إلا دخوله عليِّ، وكنتْ بذلك عن المفاجأة بالدخول على غير عالم بذلك فإنه يفزع غالبًا. أهـ.\n١١٤٤ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كُنْتُ ألعبُ بالبنات عند رسول الله ﷺ وكان لي صواحبُ يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عيه وسلم إذا دخل ينقمعْنَ منه فيَُربهُن إليَّ فيلعبن معي.\nوفي رواية أبي داود (٢) قالت: كنتُ ألعبُ بالبنات، فربما دخل علي رسول الله ﷺ وعندي الجواري، فإذا دخل خرجن، وإذا خرج دخلن.\nوله في أخرى (٣): أن رسول الله ﷺ قدِمَ من غزوة تبُوكَ - أو خيبر وفي سهوتها\n_________\n(١) مسلم في نفس موضع الرواية السابقة.\n١١٤٤ - البخاري (١٠/ ٥٣٦) ٧٨ - كتاب الأدب-٨١ - باب الانبساط إلى الناس.\nومسلم (٤/ ١٨٩٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٣ - باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها.\nألعب بالبنات: البنات: اللعب المصنوعة- على هيئة البنات\n(٢) أبو داود (٤/ ٢٨٣) كتاب الأدب، باب في اللعب بالبنات.\nسهوتِها: السهوة: صفة صغيرة، كالمخدع.\n(٣) أبو داود (٤/ ٢٨٣) كتاب الأدب، باب في اللعب بالبنات.","vol":"3","page":1283},{"text":"سِتْرٌ، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بناتٍ لعائشة لُعَبٍ، فقال: \"ما هذا يا عائشة\" قالت: بناتي، ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاعٍ، فقال: \"ما هذا الذي أرى وسطهن؟ \" قالت: فرسٌ، قال: \"وما هذا الذي عليه؟ \" قالت: جناحان، قال: \"فرسٌ له جناحان؟ \" قالت: أما سمعت أن لسليمان ﵇ خيلًا لها أجنحةً؟ قالت: فضحك حتى رأيتُ نواجذَهُ.\nقال النووي: قوله (عن عائشة أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ قال القاضي: فيه جواز اللعب بهن. قال: وهن مخصوصات من الصور المنهي عنها لهذا الحديث ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن. قال: وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن، وروي عن مالك كراهة شرائهن، وهذا محمول على كراهة الاكتساب بها وتنزيه ذوي المروات عن تولي بيع ذلك لا كراهة اللعب. قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن وقالت طائفة: هو منسوخ بالنهي عن الصور هذا كلام القاضي. قولها (كانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ فكان يسربهن إلي) معنى ينقمعن يتغيبن حياء منه وهيبة وقد يدخلن في بيت ونحوه وهو قريب من الأول يسربهن بتشديد الراء أي يرسلهن وهذا من لطفه ﷺ وحسن معاشرته.\n١١٤٥ - * روى أبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ قال: ما رأيت صانعًا طعامًا مثل صفية، صنعت لرسول الله صلى الله عيه وسلم طعامًا فبعثت به، فأخذني أفكل فكسرت الإناء، فقلت يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ قال: \"إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام\".\n١١٤٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال (١): كان رسول الله ﷺ\n_________\n١١٤٥ - أبو داود (٣/ ٢٩٧) كتاب البيوع، باب فيمن أفسد شيئًا يغرم مثله.\nوالنسائي (٧/ ٧١) كتاب عشرة النساء، باب الغيرة، وإسناده حسن، حسنه الحافظ في الفتح.\nأفكل: شدة الرعدة من البرد.\n١١٤٦ - البخاري (٩/ ٣٢٠) ٦٧ - كتاب النكاح -١٠٧ - باب الغيرة. =","vol":"3","page":1284},{"text":"عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفةٍ فيها طعامٌ، فضربتِ التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفةُ، فانفلقتْ، فجمع رسول الله ﷺ فِلَق الصحفة، ثم جعل يجمعُ فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: \"غارت أمُّكُم، غارت أمكم\" ثم حبس الخادم، حتى أتى بصحفةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرتْ صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كُسر فيها.\nوفي رواية النسائي (١) أن أم سلمة أتت بطعامٍ في صحفةٍ لها إلى النبي ﷺ وأصحابه، فجاءت عائشة مُتِّزرةً بكساء، ومعها فِهْرُ، ففلقت به الصحفة، فجمع النبي ﷺ بين فلقتي الصحفة، ويقول: \"كُلوا، غارت أمُّكم\" - مرتين - ثم أخذ رسول الله ﷺ صحفة عائشة، فبعث بها إلى أم سلمة، وأعطى صحفة أم سلمة عائشة.\n١١٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة. قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة على عائشة وحفصة فخرجتا معه جميعًا، وكان رسول الله ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها. فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين بعيري وأركب بعيرك، فتنظرين وانظر؟ قالت: بلى. فركبت عائشة على بعير حفصة. وركبت حفصة على بعير عائشة. فجاء رسول الله ﷺ إلى جمل عائشة، وعليه حفصة، فسلم ثم سار معها. حتى نزلوا. فافتقدته عائشة فغارتْ. فلما نزلوا جعلت تجعلُ رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب! سلط عليَّ عقربًا أو حية تلدعني. رسولك ولا أستطيعُ أن أقول له شيئًا.\n_________\n= بصحفة: الصحفة كالقصعة.\n(١) النسائي (٧/ ٧٠) كتاب عشرة النساء، باب الغيرة.\nالفِهر: بكسر الفاء، وسكون الهاء: الحجر قدر ما يدق به الجوز أو ما يملأ الكف، ويؤنث، والجمع: أفهار وفهور.\n١١٤٧ - البخاري (١/ ٣١٠) ٦٧ - كتاب النكاح -٩٧ - باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا.\nومسلم (٤/ ١٨٩٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٣ - باب في فضل عائشة ﵂.\nفطارت القُرعة: يقال: طار سهم فلان، أي: خرج نصيبه، وتعين اسمه من بين الأسماء.\nالإذْخِر: نبت معروف توجد فيه الهوام غالبًا في البرية.","vol":"3","page":1285},{"text":"قال الحافظ في الفتح (رسولك) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو رسولك، وإنما تتعرض لحفصة لأنها هي التي أجابتها طائعة فعادت على نفسها باللوم.\nوقال في الفتح أيضًا: قوله (إذا أراد سفرًا) مفهومه اختصاص القرعة بحالة السفر وليس على عمومه بل لتعين القرعةُ من يسافر بها، وتجري القرعة أيضًا فيما إذا أراد أن يقسم بين زوجاته فلا يبد بأيهن شاء بل يقرع بينهن فيبدأ بالتي تخرج لها القرعة، إلا أن يرضين بشيء فيجوز بلا قرعة. قوله (أقرع بين نسائه) زاد ابن سعد من وجه آخر عن القاسم عن عائشة \"فكان إذا خرج سهم غيري عرف فيه الكراهية\" واستدل به على مشروعية القرعة في القسمة بين الشركاء وغير ذلك كما تقدم في أواخر الشهادات، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه لأنه من باب الخطر والقمار، وحكى عن الحنفية أجازتها أهـ، وقد قالوا به في مسألة الباب، واحتج من منع من المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضر بحال الرجل، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى، قوال القرطبي: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحًا بغير مرجح أهـ. وفيه مراعاة للمذهب مع الأمن من رد الحديث أصلًا لحمله على التخصيص، فكأنه خصص العموم بالمعنى قال الداودي: يحتمل أن تكون المسايرة في ليلة عائشة ولذلك غلبت عليها الغيرة فدعت على نفسها بالموت، وتعقب بأنه يلزم أنه يوجب القَسْم في المسايرة، وليس كذلك إذ لو كان لما كان يخص عائشة بالمسايرة دون حفصة حتى تحتاج حفصه تتحيل على عائشة، ولا يتجه القسم في حالة السير إلا إذا كانت الخلوة لا تحصل إلا فيه بأن يركب معها في الهودج وعند النزول يجتمع الكل في الخيمة فيكون حينئذ عماد القسم السير، أما المسايرة فلا، وهذا كله مبني على أن القسم كان واجبًا على النبي ﷺ وهو الذي يدل عيه معظم الأخبار، ويؤيد القول بالقرعة أنهم اتفقوا على أن مدة السفر لا يحاسب بها المقيمة بل يبتدئ إذا رجع بالقسم فيما يستقبل، فلو سافر بمن شاء بغير قرعة فقدم بعضهن في القسم للزم منه إذا رجع أن يوفي من تخلفت حقها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن ذلك لا يجب، فظهر أن للقرعة فائدة وهي أن لا يؤثر بعضهن بالتشهي لما يترتب على","vol":"3","page":1286},{"text":"ذلك من ترك العدل بينهن، وقد قال الشافعي في القديم: لو كان المسافر يقسم لمن خلف لما كان للقرعة معنى بل معناها أن تصير هذه الأيام لمن خرج سهمها خالصة انتهى، ولا يخفى أن محل الإطلاق في ترك القضاء في السفر ما دام اسم السفر موجودًا، فلو سافر إلى بلدة فأقام بها زمانًا طويلًا ثم سافر راجعًا فعليه قضاء مدة الإقامة، وفي مدة الرجوع خلاف عند الشافعية، والمعنى في سقوط القضاء أن التي سافرت وفازت بالصحبة لحقها من تعب السفر ومشقته ما يقابل ذلك والمقيمة عكسها في الأمرين معًا أهـ من الفتح.\nوفي الحديث جواز الحيلة التي لا تفوّت مقصد الشريعة.\n١١٤٨ - * روى أحمد وأبو يعلي والطبراني عن عائشة قالت: أُهدي لرسول الله ﷺ قلادة من جزعٍ مُلَمَّعةً بالذهب ونساؤه مجتمعات في بيتٍ كلهن، وأمامة بنت أبي العاص ابن الربيع جاريةٌ تلعبُ في جانب البيت بالتراب فقال رسول الله ﷺ: \"كيف تريْنَ هذه؟ \" فنظرنا إليها، فقلنا: يا رسول الله ما رأينا أحسن من هذه قط ولا أعجب فقال: \"اردُدْنَها إليَّ\" فلما أخذها قال: \"والله لأضعنها في رقبة أحَبَّ أهل البيت إليَّ\" قالت عائشة: فأظلمتْ عليَّ الأرضُ بيني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن ولا أراهنَّ إلا أصابهن مثلُ الذي أصابني ووجمنا جميعًا سُكُوتًا، فأقبل بها حتى وضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص فسُرِّي عنَّا.\n١١٤٩ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرجَ مِنْ عندها ليلًا، قالت: فغِرْتُ عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: \"مالك يا عائشة، أغرْتِ؟ \" فقلتُ: وما لي لا يغارُ مثلي على مثلك، فقال رسول الله ﷺ: \"أقد جاءك شيطانُك؟ \" قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: \"نعم\" قلتُ: (١) ومع\n_________\n١١٤٨ - أحمد في مسنده (٦/ ١٠١، ٢٦١).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٥٤): رواه الطبراني واللفظ له وأحمد باختصار وأبو يعلي، وإسناد أحمد وأبي يعلي حسن.\n١١٤٩ - مسلم (٤/ ٢١٦٨) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم-١٦ - باب تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا.\nقد جاءك شيطانك: أي فأوقع عليك أني قد ذهبت إلى بعض أزواجي فأنت لذلك متحيرة مفتشة عني.","vol":"3","page":1287},{"text":"كل إنسان؟ قال: \"نعم\" قلتُ: ومعك يا رسول الله؟ قال: \"نعمْ، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم\".\nقال النووي في شرح مسلم: فأسلم: برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه: أسلم أنا من شره وفتنته، ومن فتح قال: إن القرين أسلم من الإسلام، وصار مؤمنًا لا يأمرني إلا بخير، واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع، ورجح القاضي عياض الفتح، وهو المختار لقوله: فلا يأمرني إلا بخير، قال النووي: قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه، وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته، وإغوائه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان. أهـ.\n١١٥٠ - * روى الطبراني عن مسروق أنهُ قيل له: هل كانت عائشةُ تُحسِنُ الفرائض قال: والذي نفسي بيده لقد رأيتُ مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرائض.\n١١٥١ - * روى الطبراني عن الزهري أن النبي ﷺ قال: \"لو جُمِعَ عِلم نساء هذه الأمة فيهن أزواج النبي ﷺ كان عِلْمُ عائشة أكثر مِنْ علمهِنَّ\".\n١١٥٢ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري رض الله عنه قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قطُّ، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا.\n١١٥٣ - * روى أحمد والبزار عن عروة قال (١): قلت لعائشة إني أفكر في أمْرِكِ\n_________\n١١٥٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٢) وقال: رواه الطبراني، وإسناده حسن.\n١١٥١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٣) وقال: رواه الطبراني مرسلًا ورجاله ثقات.\n١١٥٢ - الترمذي (٥/ ٧٠٥) ٥٠ - كتاب المناقب - ٦٣ - باب فضل عائشة ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١١٥٣ - أحمد في مسنده (٦/ ٦٧).\nوالبزار: كشف الأستار (٣/ ٣٤٠).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٢): رواه البزار واللفظ له، وأحمد بنحوه إلا أنه قال: قالت: وكنت أعالجها له فمن ثم، والطبراني في الأوسط والكبير، وفيه عبد لله بن معاوية الزبيري قال أبو حاتم: مستقيم الحديث وفيه ضعف، وبقية رجاله أحمد والطبراني في الكبير ثقات.","vol":"3","page":1288},{"text":"فأعْجَبُ. أجِدُكِ من أفقه الناس فقلت ما يمنعُها؟ زوجة رسول الله ﷺ وابنةُ أبي بكر وأجدك عالمةً بأيام العرب وأنسابها وأشعارها؟ فقلتُ: وما يمنعها؟ وأبوها علامةُ قريش؟ ولكن أعجبُ أني أجدك عالمةً بالطبِّ فمنْ أين؟ فأخذت بيدي وقالت: يا عُرية إن رسول الله ﷺ كثُرَتْ أسقامه فكان أطباء العرب والعجم يبعثون له فتعلمتُ ذلك.\n١١٥٤ - * روى الطبراني عن معاوية قال: والله ما رأيت خطيبًا قطُّ أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة.\nوفي رواية (١): ما رأيت أحدًا كان أفصح من عائشة ﵂.\n١١٥٥ - * روى الطبراني عن عروة قال: ما رأيت امرأة أعلم بطبِّ ولا بفقهٍ ولا بشعرٍ من عائشة.\n١١٥٦ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﵌ ذكر فاطمة ﵂: فتكلمتُ أنا، فقال: \"أما ترضين أنْ تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة\" قلت: بلى والله. قال: \"فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة\".\n١١٥٧ - * روى الحاكم عن عبد الله بن زياد الأسدي قال: سمعتُ عَمار بن ياسر يحلف بالله إنها زوجته ﵌ في الدنيا والآخرة.\n١١٥٨ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: خِلال في سبعٌ لم تكن في أحد من النساء إلا ما آتى الله مريم بنت عمران والله ما أقول هذا فخرًا على أحدٍ من صواحبي، فقال لها\n_________\n١١٥٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(١) في الموضع السابق.\n١١٥٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٢) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١١٥٦ - المستدرك (٤/ ١٠) وقال: الحديث صحيح ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n١١٥٧ - المستدرك (٤/ ٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n١١٥٨ - المعجم الكبير (٢٣/ ٣١).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤١): رواه الطبراني، ورجال أحد أسانيد الطبراني رجال الصحيح.","vol":"3","page":1289},{"text":"عبد الله بن صفوان: وما هُنَّ يا أم المؤمنين؟ قالت: نزل الملك بصورتي، وتزوجني رسول الله ﷺ لسبع سنين، وأُهديتُ إليه لتسع سنين، وتزوجني بكرًا، ولم يشركهُ فيِّ أحدٌ من الناس، وكان الوحي يأتيه وأنا وهو في لحافٍ واحدٍ، وكنتُ أحَبَّ النسا إليه وبنت أحب الناس إليه، وقد نزل في آيات من القرآن، وقد كادت الأمةُ تهلكُ فيّ، ورأيتُ جبريل ولم يره أحدٌ من نسائه غيري، وقُبِضَ في بيتي لم يله أحد غيري والملك.\n١١٥٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ يومًا: \"يا عائشُ، هذا جبريلُ يقرئك السلام\" قالت: فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، قالت قالت: -وهو يرى ما لا يرى- تُريدُ: رسول الله ﷺ.\nوفي رواية (١) للنسائي قالت: أوحى الله ﷿ إلى النبي ﷺ وأنا معهُ، فقُمتُ فأجفْتُ الباب بيني وبينه، فلما رُفِّه عنه قال لي: \"يا عائشةُ إن جبريل يُقرئك السلام\".\nقال ابن حجر: وقال ابن بطال عن المهلب: سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال جائز إذا أمنت الفتنة؛ وفرق المالكية بين الشابة والعجوز سدًا للذريعة، ومنع منه ربيعةُ مطلقًا. وقال الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لأنهن مُنعن من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة، قالوا: ويستثنى المحرم فيجوز لها السلام على محرمها. وقال المتولي: إن كان للرجل زوجة أو محرم أو أمة فكالرجل مع الرجل، وإن كانت\n_________\n١١٥٩ - البخاري (٧/ ١٠٦) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٣٠ - باب فضل عائشة.\nومسلم (٤/ ١٨٩٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٣ - باب فضل عائشة.\nيا عائش: دليل لجواز الترخيم، ويجوز فتح الشين وضمها.\nيرى ما لا أرى: تريد أنه يرى جبريل ويسمع كلامه وهي لا تراه.\n(١) النسائي (٧/ ٦٩) كتاب عشرة النساء، باب حب الرجل بعض نسائه أكثر من بعض.\nأجفت الباب: إذا أغلقته.\nرفه عنه: تقول: رفه عني: إذا أراحني، وإذا كان الإنسان في ضيق فنفستُ عنه، قلت: رفهتُ عنه.","vol":"3","page":1290},{"text":"أجنبية نُظِر: إن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لم يشرع السلام لا ابتداء ولا جوابًا، فلو ابتدأ أحدهما كره للآخر الرد، وإن كانت عجوزًا لا يفتتن بها جاز. وحاصل الفرق بين هذا وبين المالكية التفصيل في الشابة بين الجمال وعدمه. فإن الجمال مظنة الافتتان، بخلاف مطلق الشابة، فلو اجتمع في المجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة. أهـ.\n١١٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: \"كَمُلَ من الرجال كثيرٌ، ولم يكمُلْ من النساء إلا مريمُ بنتُ عمران، وآسيةُ امرأةُ فرعون. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\".\nوفي رواية الكسائي (١) عن أبي موسى وعائشة ﵄ قالا: قال النبي ﷺ: \"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\".\n١١٦١ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: \"إن لأعْلُم إذا كُنت عَنِّي راضيةً، وإذا كنت على غضبي\" قالت: فقلتُ: ومن أيْنَ تعْرِفُ ذلك؟ فقال: \"أما إذا كُنْتِ عني راضيةً فإنك تقولين: لا وربِّ محمدٍ، وإذا كنتِ غضبي، قلت: لا وربِّ إبراهيم\" قالت: قلتُ: أجل والله يا رسول الله، ما أهجرُ إلا اسمك.\nوفي رواية (٢): \"إني لأعرف غضبك من رضاك ... \" وذكر بمعناه.\n١١٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص ﵁: أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: \"عائشة\"\n_________\n١١٦٠ - البخاري (٧/ ١٠٦) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٣٠ - باب فضل عائشة ﵂.\nومسلم (٤/ ١٨٨٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ١٢ - باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.\n(١) النسائي (٧/ ٦٨) كتاب عشرة النساء، باب - حب الرجل بعض نسائه أكثر من بعض.\n١١٦١ - البخاري (٩/ ٣٣٥) ٦٧ - كتاب النكاح -١٠٨ - باب غيرة النساء ووجدن.\nومسلم (٤/ ١٨٩٠) ٧٨ - كتاب فضائل الصحابة-١٣ - باب في فضل عائشة.\n(٢) البخاري (١٠/ ٤٩٧) ٧٨ - كتاب الأدب- باب ما يجوز من الهجران لمن عصى.\n١١٦٢ - البخاري (٧/ ١٨) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٥ - باب قول النبي ﷺ \"لو كنت متخذًا خليلًا\". =","vol":"3","page":1291},{"text":"فقلت: من الرجال؟ قال: \"أبوها\" قلت: ثم من؟ قال: \"عمر بن الخطاب\" فعدُ رجالًا.\nإن سؤال عمرو بن العاص هذا يدل على أن كل من كان يحيط برسول الله ﷺ يستشعر أنه أحب إلى رسول الله ﷺ وهذا أدب عظيم ينبغي أن يتخلق به وُرَّاث الأنبياء.\n١١٦٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: إن الناس كانوا يتحرون هداياهُم يوم عائشة يبتغون بها - أو يبتغون بذلك - مرضاة رسول الله ﷺ.\n١١٦٤ - * روى البخاري عن عائشة قالت: إن نساء رسول الله ﷺ كُنِّ حِزْبينِ، فحِزْبُ فيه: عائشة وحفصةُ وصفيةُ وصفيةُ وسوْدةُ، والحزب الآخر: أُمُّ سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ، وكان المسلمون قد علموا حُب رسول الله ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هديةٌ يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ أخرها، حتى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة. فكلم حزْبُ أم سلمة، فقُلْنَ لها: كلمي رسول الله ﷺ يُكلم الناس، فيقول: منْ أراد أن يُهدي إلى رسول الله ﷺ هدية فليُهْدها حيثُ كان من بيوت نسائه، فكلمتْهُ أمُّ سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها. فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: فكلميه، قالت: فكلمْتُه حين دار إليها أيضًا، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها، كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: \"لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأةٍ إلا عائشة\" قالت. فقلتُ: أتوبُ إلى الله من أذاك يا رسول الله، ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فأرسلنها إلى رسول الله ﷺ تقول: إن نساءك ينشدْنك العدل في بنت أبي بكرٍ، فكلمته، فقال: \"يا بُنيَّةُ (١)، ألا تُحبين ما\n_________\n= ومسلم (٤/ ١٨٥٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁.\n١١٦٣ - البخاري (٥/ ٢٠٣) ٥١ - كتاب الهبة-٧ - باب قبول الهدية.\nومسلم (٤/ ١٨٩١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٣ - باب في فضل عائشة.\n١١٦٤ - البخاري (٥/ ٣٠٥) ٥١ - كتاب الهبة- ٨ - باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض، ينشدنك: أي يسألنك.\nالعدل في ابنة أبي بكر: معناه يسألنك التسوية بينهن في محبة القلب. في ثوب امرأة: أي في لحاف امرأة.","vol":"3","page":1292},{"text":"أحبه؟ \" فقالت: بلى، فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه فأبتْ أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته فأغلظتْ، وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي قحافة، فرفعت صوتها، حتى تناولت عائشة، وهي قاعدة، فسبَّتْها، حتى إن رسول الله ﷺ لينظر إلى عائشة: هل تكلمُ؟ قال: فتكلمت عائشة ترُدُّ على زينب، حتى أسكتتها، قال: فنظر النبي ﷺ إلى عائشة، فقال: \"إنها ابنةُ أبي بكر\".\nوفي أخرى (١) قال: كان الناس يتحرون بهداياهُم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريدُ الخير، كما تُريده عائشة، فمُري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان، أو حيث دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ. قالت: فأعْرَضَ عني، قالت: فلما عاد إليّ ذكرْتُ له ذلك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرتُ ذلك فقال: \"يا أم سلمة: لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأةٍ منكن غيرها\".\nوفي أخرى (٢) قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمن فاستأذنت عليه وهو مُضطجعُ معي في مِرْطي، فأذن لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنةِ أبي قُحافة، وأنا ساكتةٌ، قالت: فقال لها رسول الله ﷺ: \"أيّ بنيةُ، ألستِ تحبين ما أحب؟ \" فقالت: بلى، قال: \"فأحبي هذه\" قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ، فرجعتْ إلى أزواج النبي ﷺ، فأخبرتْهُن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله ﷺ، فقلن لها: ما تُراك أغنيتِ عنا من شيءٍ، فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجكَ\n_________\n(١) البخاري (٧/ ١٠٧) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٣٠ - باب فضل عائشة.\nيتحرون: التحري: القصد والاعتماد للشيء، والاجتهاد في تحصيل الأمر المطلوب.\n(٢) ومسلم (٤/ ١٨٩١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٣ - باب في فضل عائشة.\nمرطي: المِرْط: الكساء من الخز والصوف يُتغطى به. =","vol":"3","page":1293},{"text":"ينشدْنك العدل في ابنة أبي قُحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحشٍ، زوج النبي ﷺ، وهي التي كانت تُساميني منهنَّ في المنزلة عند رسول الله ﷺ، ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدقُ به، وتقربُ به إلى الله تعالى ما عدا سؤرة من حدٍّ كانت فيها، تُسرعُ منها الفيئةُ، قالت: فاستأذنت على رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقُب طرفة، هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفتُ أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيتُ عليها - وفي روايةٍ: لم أنشبْها أن أثخنْتُها غلبةً - فقال رسول الله ﷺ، وتبسم: \"إنها ابنة أبي بكر\".\nقال ابن حجر: وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لعائشة، وقد استدل به على فضل عائشة على خديجة وليس ذلك بلازم لأمرين: أحدهما احتمال أن لا يكون أراد إدخال خديجة في هذا، وأن المراد بقوله \"منكن\" المخاطبة وهي أم سلمة ومن أرسلها أو من كان موجودًا حينئذ من النساء، والثاني على تقدير إرادة الدخول فلا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق كحديث \"أقرؤكم أبي وأفرضكم زيد\" ونحو ذلك، ومما يسأل عنه الحكمة في اختصاص عائشة بذلك، فقيل لمكان أبيها (١)، وأنه لم يكن يفارق النبي ﷺ في\n_________\n- تساميني: المساماة: المناظرة والمناصبة، وهو مفاعلة من السمو، وهو العلو.\nسورة من حد: السورة: الوثوب والثوران، الحد: الحدة في الإنسان.\nالفيئة: الرجوع عن الشيء الذي يكون قد لابسه الإنسان.\nوقعت به: إذا وقعت في عرضه وشتمته، من الوقيعة في الناس.\nلم أنشبها: أي: لم ألبثها ولم أمهلها.\nأنحيت عليها: أي قصدتها: بالمعارضة.\nأثخنتها: قمعتها وقهرتها.","vol":"3","page":1294},{"text":"أغلب أحواله، فسرى سره لابنته مع ما كان لها من مزيد حبه ﷺ. وقيل إنها كانت تبالغ في تنظيف ثيابها التي تنام فيها مع النبي ﷺ، والعلم عند الله تعالى. قال السبكي الكبير: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة: والخلاف شهير ولكن الحق أحقُّ أن يتبع. وقال ابن تيمية: جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة. وكأنه رأى التوقف. وقال ابن القيم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله فذاك أمر لا يُطلعُ عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أري كثرة العلم فعائشة لا محالة؛ وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة فقد ثبت النص لفاطمة وحدها. قلت: امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهن متن في حياة النبي ﷺ، وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإن لخديجة ما يقابله وهي أنها أول من أجاب إلى الإسلام ودعا إليه وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام؛ فلها مثل أجر من جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلا الله. وقيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة. (فرع): ذكر الرافعي أن أزواج النبي ﷺ أفضل نساء هذه الأمة، فإن استثنيت فاطمة لكونها بضعة فأخواتها شاركنها. وقد أخرج الطحاوي والحاكم بسند جيد عن عائشة أن النبي ﷺ قال في زينب ابنته لما أوذيت عند خروجها من مكة: \"هي أفضل بناتي، أصيبت في\" وقد وقع في حديث خطبة عثمان حفصة زيادة في مسند أبي يعلي \"تزوج عثمان خيرًا من حفصة، وتزوج حفصة خير من عثمان\" ويحتمل أن يقدر من (أفضل بناتي) وأن يقال كان ذلك قبل أن يحصل لفاطمة جهة التفضيل التي امتازت بها عن غيرها من أخواتها، قال ابن التين: فيه أن الزوج لا يلزمه التسوية في النفقة بل يفضل من شاء بعد أن يقوم للأخرى بما يلزمه لها، قال: ويمكن أن لا يكون فيها دليل لاحتمال أن يكون من خصائصه، كما قيل أن القسم لم يكن واجبًا عليه وإنما كان يتبرع به.\n١١٦٥ - * روى أبو يعلي والبزار عن عائشة قالت (١): دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا\n_________\n١١٦٥ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٤٠).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤١) وقال: رواه أبو يعلي والبزار باختصار، وفيه مُجالد وهو حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1295},{"text":"أبْكِي، فقال: \"ما يُبْكيكِ؟ \" قلتُ: سبتَّني فاطمة فقال: \"يا فاطمة سببت عائشة؟ \" قالت: نعم يا رسول الله، قال: \"أليس تُحبين من أحبُّ؟ \" قالت: نعم. قال: \"فإني أحبُّ عائشة فأحبيها\" قالت فاطمة: لا أقول لعائشة شيئًا يؤذيها أبدًا.\n١١٦٦ - * روى الطبراني عن عامر الشعبي قال: قال رجلٌ: كل أمهاتِ المؤمنين أحبُّ إليَّ من عائشة، قلتُ له: أما أنت فقد خالفت رسول الله ﷺ هي كانت أحبهن إلى رسول الله ﷺ.\n١١٦٧ - * روى الطبراني في الوسط عن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال: بعث زياد إلى أزواج النبي ﷺ بمالٍ، وفضل عائشة، فجعل الرسولُ يعتذرُ إلى أمة سلمة، فقالت: يعتذرُ إلينا زيادٌ! فقد كان يُفضلها من كان أعظم علينا تفضيلًا من زيادٍ، رسول الله ﷺ.\n١١٦٨ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله أرأيت لو نزلت واديًا فيه شجرةً قد أُكِلَ منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها؛ في أيها كُنتَ تُرتعُ بعيرك؟ قال: \"في التي لم يُرتَعْ منها\" يعني: أن النبي ﷺ لم يتزوجْ بكرًا غيرها.\nقال في الفتح: وفي هذا الحديث مشروعية ضرب المثل وتشبيه شيء موصوف بصفة بمثله مسلوب الصفة. وفيه بلاغة عائشة وحسن تأتيها في الأمور، ومعنى قوله ﷺ \"في التي لم يرتع منها\" أي أوثر ذلك في الاختيار على غيره. فلا يرد على ذلك كون الواقع منه أن الذي تزوج من الثيبات أكثر، ويحتمل أن تكون عائشة كنت بذلك عن المحبة بل عن أدق من ذلك أهـ.\n_________\n١١٦٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٣) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n١١٦٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٣)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.\n١١٦٨ - البخاري (٩/ ١٢٠) ٦٧ - كتاب النكاح -٩ - باب نكاح الأبكار.\nالرتع: الاتساع في الخِصْب، ورتع البعير، وارتعه صاحبه: أرسله في المرعى، واختاره له.","vol":"3","page":1296},{"text":"١١٦٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله: كُلُّ صواحبي لهُنَّ كُنّآ، قال: \"فاكتني بابنك عبد الله بن الزبير\" فكانت تُكنى: بأم عبد الله.\n١١٧٠ - * روى أبو داود عن النعمان بن بشير ﵄ قال: استأذن أبو بكر رحمة الله عليه على النبي ﷺ فسمع صوت عائشة عاليًا، فلما دخل تناولها ليلطُمَها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ، فجعل النبي ﷺ يحجزه، وخرج أبو بكر مُغْضَبًا، فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر: \"كيف رأيتني أنقذْتُكِ من الرجل؟ \" قال: فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله ﷺ فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكهما كما أدخلتماني في حربكما فقال النبي ﷺ: \"قد فعلنا قد فعلنا\".\nقال عبد الحق الدهلوي: اللطم: ضرب الخد بالكف وهو منهي عنه، ولعل هذا كان قبل النهي أو وقع ذلك منه لغلبة الغضب أو أراد ولم يلطم.\nقلت: قوله: أنقذتك من الرجل ولم يقل من أبيك، وإبعاده ﷺ أبا بكر عن عائشة تطييبًا وممازحة كل ذلك داخل في المزاح.\n١١٧١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسِمُ لعائشة يومها ويوم سودة.\n١١٧٢ - * روى مسلم عن عائشة قالت (١): ما رأيتُ امرأة أحبُّ إليَّ أنْ أكون في\n_________\n١١٦٩ - أبو داود (٤/ ٢٩٣) كتاب الأدب، باب في المرأة تكنى. وإسناده قوي.\n١١٧٠ - أبو داود (٤/ ٣٠٠) كتاب الأدب، باب ما جاء في المزامع، وإسناده حسن.\nحَجَزه: حجزتُه عن كذا، أي: حُلتُ بينه وبينه، ومنعته عنه.\nأنقذتك: الإنقاذ: التخليص.\nسلمكما: السلْمُ: الصلح، وهو ضد الحرب.\n١١٧١ - البخاري (٩/ ٣١٢) ٦٧ - كتاب النكاح -٩٨ - باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، وكيف يقسم ذلك.\n١١٧٢ - مسلم (٢/ ١٠٨٥) ١٧ - كتاب الرضاع - ١٤ - باب جواز هبتها نوبتها لضرتها. =","vol":"3","page":1297},{"text":"مِسْلاخها: من سودة بنت زمعة، من امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة. قالت: يا رسول الله، قد جعلتُ يومي منك لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسِمُ لعائشة يومين: يومها ويوم سودة، زاد في رواية: قالتْ: \" وكانتْ أول امرأةٍ تزوُجها من بعدي.\nوقول عائشة فيها حدة: وردت من قبل في وصف سودة وفسرناها على ظاهرها، ولكن النووي فسرها تفسيرًا آخر وذلك من زيادة أدبه فقال: لم تُرِدْ عائشة عيب سودة بذلك، بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحدة هنا.\nقال ابن حجر: قوله (إن سودة بنت زمعة) هي زوج النبي ﷺ، وكان تزوجها وهو بمكة بعد مت خديجة ودخل عليها بها وهاجرت معه. ووقع لمسلم من طريق شريك عن هشام في آخر حديث الباب \"قالت عائشة: وكانت أول امرأة تزوجها بعدي\" ومعناه عقد عليها بعد أن عقد على عائشة، وأما دخوله عليها فكان قبل دخوله على عائشة بالاتفاق، وقد نبه على ذلك ابن الجوزي. قوله (وهبت يومها لعائشة) تقدم في الهبة من طريق الزهري عن عروة بلفظ \"يومها وليلتها\" وزاد في آخره \"تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ\". ووقع في رواية مسلم من طريق عقبة بن خالد عن هشام \"لما أن كبرت سودة وهبت\" وله نحوه من رواية جرير عن هشام، وأخرج أبو داود هذا لحديث وزاد فيه بيان سببه أوضح من رواية مسلم، فروى عن أحمد بن يونس عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة بالسند المذكور \"كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم\" الحديث، وفيه \"ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله ﷺ: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك منها، ففيها وأشباهها نزلت ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ الآية\" وتابعه ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد في وصله، ورواه سعيد بن منصور عن ابن أبي الزناد مرسلًا لم يذكر فيه عن عائشة، وعند الترمذي من حديث ابن عباس موصولًا نحوه، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر بمعنى ذلك (١)،\n_________\n= المسلاخ: هو الجلد ومعناه أن أكون أنا هي.\nمن امرأة: قال القاضي: من هنا للبيان واستفتاح الكلام.","vol":"3","page":1298},{"text":"فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت، وأخرج ابن سعد بسندٍ رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة مرسلًا\" أن النبي ﷺ طلقها طلقة رجعية فقعدت له على طريقه فقالت: والذي بعثك بالحق مالي في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها علي؟ قال: لا. قالت: فأنشدك لما راجعتني، فراجعها. قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حِبّةِ رسول الله ﷺ\". قوله (وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة) في رواية جرير عن هشام عند مسلم \"فكان يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة. أهـ فتح الباري.\n١١٧٣ - * روى أحمد وابن ماجه عن عائشة قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته.\n١١٧٤ - * روى البخار يعن عروة قال: كان عبدُ الله بن الزبير ﵁ أحب البشر إلى عائشة بعد النبي ﷺ وأبي بكر، وكان أبرَّ الناس بها، وكانت لا تمسك شيئًا مما جاءها من رزق الله تصدقت، فقال ابن الزبير: ينبغي أن يؤخذ على يديها، فقالت: أيؤخذُ على يدي؟! عليَّ نذرٌ إن كلمته، فاستشفع إليها برجال من قريش، وبأخوال رسول الله ﷺ خاصة، فامتنعت، فقال له الزهريُّون أخوال النبي ﷺ - منهم عبد الرحمن ابن الأسود بن عبد يغوث والمسْوَرُ بن مخزمة-: إذا استأذنا فاقتحم الحجاب، ففعل، فأرسل إليها بعشر رقابٍ فأعتقتهم، ثم لم تزل تُعتِقْهم حتى بلغت أربعين، فقالت: وددت أني جعلت حين حلقتُ عملًا أعمله، فأفرغ منه. وفي رواية طرف منه، قال عروة: ذهب عبد الله بن الزبير مع أناسٍ من بني زُهرة إلى عائشة، وكانت أرق شيء عليهم لقربتهم من رسول الله ﷺ.\n_________\n١١٧٣ - أحمد في مسنده (٦/ ١٢٩).\nوابن ماجه (١ - ٦٣٦) ٩ - كتاب النكاح -٥٠ - باب حسن المعاشرة.\nوقال في الزوائد: إسناده صحيح على شرط البخاري، وعزاه المزي في الأطراف للنسائي، وليس هو في رواية ابن السني.\n١١٧٤ - البخاري (٦/ ٥٣٣) ٦١ - كتاب المناقب- ٢ - باب مناقب قريش.\nيؤخذُ على يديها: أخذت على يد فلان: إذا منعته من التصرف في نفسه وماله.\nفاقتحم الحجاب: أُدخله مسرعًا منغير إذن.","vol":"3","page":1299},{"text":"١١٧٥ - * روى البخاري عن عوفِ بن مالك بن الطفيل ﵀ - وهو ابن أخي عائشة زوج النبي ﷺ لأمها - أن عائشة حدثت: أن عبد الله بن الزبير قال- في بيع أو غطاء أعطته عائشة-: والله لتنتهين عائشة أو لأحجُرَنَّ عليها، قالت: أو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله عليَّ نذرٌ أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله، لا أشفع فيه أبدًا، ولا أتحنث إلى نذري، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث - وهما من بني زُهرة- وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحلُّ لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسورُ وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما، حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلامُ عليك ورحمة الله وبركاته، أندخلُ؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلُّكم، ولا تعلمُ أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، وطفق يُناشدها ويبكي، وطفق المسورُ وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلتْ منه، ويقولان: إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة، فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثِ ليالٍ، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج، طفقت تذكرهما، وتبكي، وتقول: إني نذرت، والنذرُ شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك، فتبكي، حتى تبُلَّ دموعُها خِمَارَها.\nحكى الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عائشة ﵂ أنها قتلتْ جانا (١)، فأُتيتْ في منامها: والله لقد قتلتِ مسلمًا. قالت: لو كان مسلمًا لم يدخل على أزواج النبي ﷺ.\n_________\n١١٧٥ - البخاري (١٠/ ٤٩١) ٧٨ - كتاب الأدب- ٦٣ - باب الهجرة.\nلأحجُرن: الحجرُ: المنع، ومنه حجرُ القاضي على السفين: إذا منعه من التصرف في ماله.\nقطيعتي: القطيعة: الهجرانُ وتركُالمكالمة.\nمشتملين بأرديتهما: اشتمل بثوبه: التف به.\nيُناشدها: ناشدت الرجل: إذا سألته وأقسمت عليه.\nالتحريج: التضييق والتأثيمُ، وذلك أنهما كانا - بتكرار المبالغة في القول والخطاب معها - ضيقًا عليها وجه الاعتذار، وأوقعاها في الإثم بالامتناع من إجابتها.\n(١) جانا: حية أكحل العين، لا تؤذي، وهي كثيرة في الدور.","vol":"3","page":1300},{"text":"فقيل: أو كان يدخل عليك إلا وعليك ثيابك\" فأصبحت فزعة، فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلتها في سبيل الله. كذا في سير أعلام النبلاء.\n١١٧٦ - * روى البخاري عن القاسم بن محمد: أن عائشة اشتكتْ، فجاء ابن عباس، فقال: يا أم المؤمنين، تقدمين على فرطِ صدقٍ، على رسول الله ﷺ، وعلى أبي بكر.\n١١٧٧ - * روى البخاري عن ابن أبي مُليكة ﵀ قال: استأذن ابن عباس على عائشة قُبيل موتها وهي مغلوبةٌ قالت: أخشى أن يُثني عليّ، فقيل: ابن عم رسول الله ﷺ، ومن وجوه المسلمين قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير، إن اتقيتُ قال: فأنتِ بخير إن شاء الله تعالى\" زوجة رسول الله ﷺ، ولم ينْكِحْ بكرًا غيرك، ونزل عُذْرُك من السماء. ودخل ابن الزبير خلافه، فقالت: دخل ابن عباس فأثنى علي، وددتُ أني كنت نسيًا منسيًا.\nقال أهل العلم: ينبغي أن يجمع العبد بين الخوف والرجاء، ويغلب الخوف حال الصحة والرجاء عند الاحتضار، ففعل ابن عباس من الفقه.\nوفي الحديث جواز عيادة المريضة غير المحرم بشرط الحجاب، وكان الصحابة يدخلون على أمهات المؤمنين وبينهم ستار صفيق.\n١١٧٨ - * روى الحاكم عن ابن أبي مُليكة قال: جاء ابن عباس يستأذن على عائشة ﵂ في أن تأذن فقال لها بنو أخيها: ائذني له فإنه من خير ولدك قالت (١): دعُوني\n_________\n١١٧٦ - البخاري (٧/ ١٠٦) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٣٠ - باب فضل عائشة.\nأن عائشة اشتكت: مرضت وذلك مرض الموت.\nتقدمين: بفتح الدال (على فرط): بفتح الفاء والراء بعدها مهملة وهو المتقدم من كل شيء.\nقال ابن التين: فيه أنه قطع لها بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف.\nعلى رسول الله: بدل بتكرير العامل.\n١١٧٧ - البخاري (٨/ ٤٨٢) ٦٥ - كتاب التفسير-٨ - باب (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ...).\nمغلوبة: أي غلبها المرض فلم تعد كما كانت في صحتها.\nنسيًا منسيًا: أي شيئًا حقيرًا، متروكًا مطرحًا لا يلتفت إليه. خلافه: بعده.\n١١٧٨ - المستدرك (٤/ ٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.","vol":"3","page":1301},{"text":"من تزكيته، فلم يزالوا بها حتى أذنتْ له، فلما دخل عليها، قال ابن عباس: إنما سُميت أم المؤمنين لتسعدي، وإنه لاسْمُكِ قبل أن تُولدي إنك كنت من أحب أزواج النبي ﵌ إليه ولم يكن رسول الله ﵌ يُحب إلا طيبًا، وما بينك وبين أن تلقي الأحبة إلا أن تفارق الروح الجسد، ولقد سقطت قلادتك ليلة الأنواء فجعل الله للمسلمين خيرةً في ذلك، فأنزل الله ﵎ آية التيمم ونزلتْ فيكِ آيات من القرآن، فليس مسجدُ من مساجد المسلمين إلا يُتلى فيه عُذرك آناء الليل وآناء النهار فقالت: دعني من تزكيتك لي يا ابن عباس فوددت أني كنتُ نسيًا منسيًا.\nوأما حادثة التخيير فقد كان سببها طلب أزواجه منه التوسعة الدنيوية عليهن، وقد ورد في بعض روايات صلتها بالآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ (١) والظاهر أن ذلك الطلب وحادثة التحريم كانتا في وقت واحد، وتتعدد الروايات حول سبب نزول آية التحريم، ولا مانع من تعدد سبب النزول.\nقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: أخرج البخاري (٢) في التفسير عن عائشة بلفظ: كان رسول الله ﷺ يشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش، ويمكث عندها فواطأت أنا وحفصة عن أيتنا دخل عليها، فلتقل له: أكلت مَغَافير، إني أجد منك ريح مغافير قال: \"لا ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا\".\nوالمغافير: صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط (نوع من الشجر)، فيوضع في ثوب، ثم ينضح بالماء فيشرب، وله ريح منكرة.\nوثمت سبب آخر في نزول الآية، فقد أخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح فيما قاله الحافظ إلى مسروق قال: حلف رسول الله لحفصة لا يقرب أمته، وقال: علي حرام، فنزلت الكفارة ليمينه، وأُمِرَ أن لا يحرم ما أحل الله له، وأخرج الضياء المقدسي في\n_________\n(١) التحريم: ١.\n(٢) البخاري (٨/ ٦٥٦) ٦٥ - كتاب التفسير-٩٦ - سورة التحريم.","vol":"3","page":1302},{"text":"\"المختارة\" من مسند الهيثم بن كليب، ثم من طريق جرير بن حازم، عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لحفصة: \"لا تخبري أحدًا أن أم إبراهيم علي حرام\" قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) وأخرج الطبراني في عشرة النساء، وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية ببيت حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك: فذكر نحوه، وللطبراني من طريق الضحاك، عن ابن عباس قال: دخلت حفصة بيتها، فوجدته يطأ بمارية، فعاتبته فذكر نحوه. قال الحافظ: وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا. وقد روى النسائي من طريق حماد، عن ثابت، عن أنس هذه القصة مختصرة أن النبي ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢) الآية. أهـ.\nوحادثة التخيير علم من أعلام نبوته ﵊، فأن يطلب منه أزواجه ﵊ التوسعة الدنيوية وهو قادر عليها، ويأبى ﵊ إلا أن يعيش هو وأهله حياة التقشف والشظف، ويتأصلهن على ذلك بأمر الله:\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣)\n١١٧٩ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن أبا بكر جاء يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس ببابه جُلوسًا، لم يؤذنْ لهم فأُذِنَ له فدخل، ثم أقبل عمرُ، فاستأذن فأُذن له، فوجد رسول الله ﷺ جالسًا حوله نساؤه، (قبل الأمر\n_________\n(١) التحريم: ٢.\n(٢) التحريم: ١.\n(٣) الأحزاب: ٢٨، ٢٩.\n١١٧٩ - مسلم (٢/ ١١٠٤) ١٨ - كتاب الطلاق- ٤ - باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية. =","vol":"3","page":1303},{"text":"بالحجاب) واجمًا ساكتًا، فقال أبو بكر: لأقولن شيئًا أُضْحِك به رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة تسألني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها؟ فضحك رسول الله ﷺ، وقال: \"هن حولي كما ترى يسألنني النفقة\" فقام عمر إلى حفصة يجأُ عُنُقها، وقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله أبدًا شيئًا ليس عندهُ، قال: ثم اعتزلهُن شهرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ - حتى بلغ - ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) قال: فبدأ بعائشة، فقال: \"يا عائشةُ، إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك\" قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أنْ لا تُخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: \"لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا مُيسرًا\".\n١١٨٠ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس. قال: لم أزل حريصًا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢) حتى حج عُمر وحججتُ معه. فلما كنا ببعض الطريق عدل عمر وعدلتُ\n_________\n= الواجم: المطرق الساكت، كأنه مفكر.\nوجأ: ضب، وتأتي بمعنى داسه برجله ونحو ذلك.\nمعنتًا: مشددًا على الناس وملزمًا إياهم ما يصعب عليه.\nمتعنتًا: طالبًا زلتهم، وأصل العنت: المشقة.\nقالت عائشة: وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت: قالت ذلك طمعًا أن يصفو لها الرسول ﷺ.\nلاتسألني امرأة منهن إلا أخبرتها: يدل ذلك على أن من طلب منه أن يكتم شيئًا ليس من الواجب أو المصلحة كتمانه فله أن لا يقبل الاستكتام.\n(١) الأحزاب: ٢٧، ٢٨.\n١١٨٠ - البخاري (٩/ ٣٧٨) ٦٧ - كتاب النكاح -٨٣٠ باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها.\nومسلم (٣/ ١١١) ١٨ - كتاب الطلاق ٥ - باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخبيرهن وقوله تعالى (وإن تظاهرا عليه).\n(٢) التحريم: ٤. =","vol":"3","page":1304},{"text":"معه بالإداوة. فتبرزَ ثم أتاني فسكبْتُ على يديه. فتوضأ. فقلتُ: يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله ﷿ لهما ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس! (قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه) قال: هي حفصة وعائشة. ثم أخذ يسوقُ الحديث. قال: كنا معشر قريش، قومًا نغلبُ النساء. فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم. فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم. قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيدٍ، بالعوالي. فتغضبْتُ يومًا على امرأتي فإذا هي تُراجعني فأنكرْتُ أن تُراجعني. فقالت: ما تُنْكِرُ أنْ أراجعك؟ فوالله! إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه. وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فانطلقت فدخلت على حفصة. فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ؟ فقالت: نعمْ. فقلت: أتهجره إحداكُن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر. أفتأمنُ إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ. فإذا هي قد هلكت. لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تساليه شيئًا. وسليني ما بدا لك ولا يغُرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحبُّ إلى رسول الله ﷺ منكِ (يريد عائشة). قال: وكان لي جارٌ من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ. فينزلُ يومًا وأنزلُ يومًا فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك وكنا نتحدثُ، أن غسان تُنعِلُ الخيل لتغزونا. فنزل صاحبي ثم أتاني عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه. فقال: حدث أمر عظيمٌ. قلت: ماذا؟ أجاءت غسانُ؟ قال: لا. بل أعظمُ من ذلك وأطولُ. طلق النبي ﷺ نساءه. فقلتُ: قد خابت حفصة وخسرتْ. قد كنتُ أظنُّ هذا كائنًا. حتى إذا صليتُ\n_________\nصغت قلوبكما: مالت.\nالعوالي: جمع عالية، وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة.\nتراجع: مراجعة الكلام مرادته برجع جوابه، أي إعادته.\nجارتُك: الجارة هاهنا: الضرةُ، أراد بها عائشة ﵂.\nولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ: أي لا تفعلي مثلها إن فعلت ذلك، فهي أحب إلى رسول الله ﷺ.\nغسان: الأشهر ترك صرف غسان.\nتنعل الخيل: أي يجعلون لخيولهم نعالًا لغزونا، يعني يتهيأون لقتالنا.","vol":"3","page":1305},{"text":"الصبح شددتُ علي ثيابي. ثم نزلتُ فدخلته على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقكُنَّ رسول الله ﷺ؟ فقالت: لا أدري ها هو ذا معتزل في هذه المشربةِ. فأتيتُ غلامًا له أسود. فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إليَّ. فقال: قد ذكرتك له فصمت. فانطلقتُ حتى انتهيت إلى المنبر فجلست. فإذا عنده رهطٌ جلوس يبكي بعضهم فجلست قليلًا. ثم غلبني ما أجدُ ثم أتيتُ الغلام فقلتُ: استأذن لعمر فدخل ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتُك له فصمت. فوليت مدبرًا. فإذا الغلام يدعوني. فقال: ادخل فقد أذن لك فدخلتُ فسلمتُ على رسول الله ﷺ فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثرَ في جنبه فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إليَّ وقال: \"لا\" فقلت: الله أكبر! لو رأيتنا، يا رسول الله! وكنا معشر قريشٍ، قومًا نغلبُ النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فتغضبت على امرأتي يومًا فإذا هي تُراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلتُ: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم منك وأحبُّ إلى رسول الله ﷺ منك فتبسم أخرى فقلت استأنسُ: يا رسول الله! قال: \"نعمْ\" فجلستُ فرفعتُ رأسي في البيت فوالله ما رأيتُ فيه شيئًا يَرُدُّ البصر، إلا أهبًا ثلاثة. فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع علي أُمَّتِكَ فقد وسع على فارس والروم. وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالسًا ثم قال: \"أفي شك أنتَ؟ يا ابن الخطاب (١)! أولئك قوم عُجلت لهم طيباتهم في الحياة\n_________\n= المشربةُ: بضم الراء وفتحها: الغرفة.\nغلبني ما أجد: ما أشعر من الحزن والغضب.\nرمال حصير: يقال: رملتُ الحصير: إذا ضفرتهُ ونسجته، والمراد: أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. استأنس يا رسول الله: الظاهر من إجابته ﷺ أن الاستئناس هنا، هو الاستئذان في الأنس والمحادثة، ويدل عليه قوله: فجلست.\nالأهبُ والأهبُ: جمع إهاب وهو الجلد.\nمن شدة موجدته: أي غضبه وحزنه.","vol":"3","page":1306},{"text":"الدنيا\" فقلتُ: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهنُ حتى عاتبه الله ﷿.\nقال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة. قالت: لما مضى تسعٌ وعشرون ليلة، دخل علي رسول الله ﷺ. بدأ بي فقلتُ: يا رسول الله! إنك أقسمتَ أن لا تدخل علينا شهرًا وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهُن. فقال: \"إن الشهر تسع وعشرون\" ثم قال: \"يا عائشة إني ذاكرٌ لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك\" ثم قرأ عليّ الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قالت عائشة: قد علم والله أن أبويَّ لم يكونا ليأمراني بفراقه. قالت فقلتُ: أو في هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريدُ الله ورسوله والدار الآخرة.\nقال معمرٌ: فأخبرني أيوب أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتُك. فقال لها النبي ﷺ: \"إن الله أرسلني مُبلغًا ولم يرسلني متعنتًا\".\nقال قتادة: صفتْ قلوبكما: مالت قلوبكما.\nوفي رواية (١) لمسلم عن عبد الله بن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه قال: دخلتُ المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. فقال عمر فقلت: لأعلمنِّ ذلك اليوم. قال: فدخلت على عائشة فقلت: يا بنت أبي بكر! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ؟ فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب؟ عليك بعيبتك. قال: فدخلتُ على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ر؟ والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يُحبك ولولا أنا لطلقك رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) مسلم (٢/ ١١٠٥) ١٨ - كتاب الطلاق-٥ - باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، وقوله تعالى (وإن تظاهرا عليه).\nينكتون بالحصى: أي يضربون به الأرض، كفعل المهموم المفكر.\nعليك بعيبتك: المراد عليك بوعظ بنتك حفصة. قال أهل اللغة: العيبة، في كلام العرب، وعاء يجعل الإنسان فيها ألإضل ثيابه ونفيس متاعه، فشبهت ابنته بها.","vol":"3","page":1307},{"text":"فبكت أشد البكاء. فقلت لها: أين رسول الله ﷺ؟ قالت: هو في خزانته في المشربة. فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أُسْكُفَّةِ المشربة مُدلٍّ رجليه على نقير من خشب. وهو جِذْعٌ يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر فناديتُ: يا رباحُ! استأذنْ لي عندك على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا ثم قلت: يا رباحُ! استأذنْ لي عندك على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا. ثم رفعتُ صوتي فقلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئتُ من أجل حفصة. والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها ورفعت صوتي. فأومأ إليّ أن ارْقَهْ. فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلستُ. فأدنى عليه إزاره ولبس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرْتُ ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع. ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة وإذا أفيق مُعَلّقْ. قال: فابتدرت عيناي. قال: \"ما يبكيك يا ابن الخطاب؟! \" قلت: يا نبي الله مالي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك. وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصرُ وكسرى في الثمار والأنهار. وأنت رسول الله ﷺ وصفوتهُ. وهذه خزانتك. فقال: \"يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ (١) \"\n_________\n= خزانته: الخزانة مكان الخزن، كالمخزن، وما يخزن فيه يسمى خزينة.\nالمشربة: قال في المصباح: بفتح الميم والراء، الموضع الذي يشرب منه الناس. وبضم الراء وفتحها، الغرفة، أسكفة: هي عتبة الباب السفلى.\nمدل رجليه: أي مرسلهما.\nنقير: أي على شيء من خشب نقر وسطه حتى يكون كالدرجة. قال النووي: هذا هوالصحيح الموجود في جميع النسخ، وذكر القاضي أنه بالفاء، بدل النون، وهو فقير بمعنى مفقورن مأخوذ من فقار الظهر، وهو جذع فيه درج.\nأن أرقه: أي أشار إليَّ رباح بالصعود إلى المشربة بواسطة ذلك الجذع المنقور كالسلم. فـ (أن) تفسيرية.\nوارقه: أمر من الرقي. والهاء في آخره للسكت. وفي الكلام حذف. تقديره فرقيت فدخلت.\nقرظًا: القرظ ورق السلم يدبغ به.\nأفيق: هو الجلد الذي لم يتم دباغه. وجمعه أفق. كأديم وأدم. وقد أفق أديمه يأفقهُ.\nفابتدرت عيناي: أي لم أتمالك أن بكيت حتى سالت دموعي","vol":"3","page":1308},{"text":"قلت: بلى. قال: ودخلتُ عليه حين دخلتُ وأنا أرى في وجهه الغضب. فقلت: يا رسول الله! ما يشُقُّ عليك من شأن النساء؟ فإنْ كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمتُ، وأحمدُ الله، بكلام إلا رجوت أن يكون الله يُصدق قولي الذي أقول. ونزلت هذه الآية آية التخيير ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (١) وكانت عائشة بنتُ أبي بكرٍ وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ. فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: \"لا\" قلت: يا رسول الله! إني دخلتُ المسجد والمسلمون ينْكُتُون بالحصى يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه. أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: \"نعم. إن شئت\" فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر فضحك. وكان من أحسن الناس ثغرًا. ثم نزل نبي الله ﷺ ونزلتُ. فنزلتُ أتشبثُ بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسهُ بيده فقلت: يا رسول الله! إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين. قال: \"إن الشهر يكون تسعًا وعشرين\" فقمت على باب المسجد فناديتُ بأعلى صوتي: لم يُطلقْ رسول الله ﷺ نساءه ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) فكنت أنا استنبطتُ ذلك الأمر وأنزل الله ﷿ آية التخيير.\n_________\n(١) التحريم: ٤، ٥.\n(٢) النساء: ٨٣.\nتحسر الغضب: أي زال وانكشف.\nكشر: أي أبدى أسنانه تبسما، ويقال أيضًا في الغضب. قال ابن السكيت: كشر وبسم وابتسم وافتر، كله بمعنى واحد، فإن زاد قيل: قهقه وزهزق وكركر.\nأتشبث: أي مستمسكًا بذلك الجذع، الذي هو كالسلم للغرفة.\nيستنبطونه: قال الزمخشري في الكشاف: أي الذين يستخرجون تدبيره بفطنتهم وتجاربهم، والنبط الماءُ يخرج من البئر أول ما تحفر. وإنباطه واستنباطه إخراجه واستخراجه. فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم.","vol":"3","page":1309},{"text":"وفي رواية للبخاري ومسلم (١) عن عبد الله بن عباس قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آيةٍ فما أستطيع أن أسأله هيبةً له حتى خرج حاجًا فخرجتُ معه. فلما رجع، فكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراكِ لحاجةٍ له. فوقفت له حتى فرغ ثم سرتُ معه فقلتُ: يا أمير المؤمنينّ! من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشةُ. قال فقلت له: والله! إن كنتُ لأريد أنْ أسألك عن هذا منذ سنةٍ فما أستطيع هيبةً لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه. فإن كنت أعلمه أخبرتك. قال: وقال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعُد للنساء أمرًا حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم. قال: فبينما أنا في أمر أأتمره، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا! فقلت لها: ومالك أنت ولما ههنا؟ وما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجبًا لك، يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان. قال عمر: فأخذ ردائي ثم أخرج مكاني. حتى أدخل على حفصة فقلت لها: يا بنية! إنك لتراجعين رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله! إنا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أُحذرك عقوبة الله وغضب رسوله. يا بنية! لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها وحب رسول الله ﷺ إياها. ثم خرجتُ حتى أدخل على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها فقالت لي أم سلمة: عجبًا لك يا ابن الخطاب! قد دخلت في كُلِّ\n_________\n(١) البخاري (٨/ ٦٥٧) ٦٥ - كتاب التفسير -٢ - باب \"تبتغي مرضاة أزواجك\".\nومسلم (٢/ ١١٠٨) ١٨ - كتاب الطلاق - ٥ - باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، وقوله تعالى (وإن تظاهرا عليه).\nالأراك: جاء في المعجم، للعلايلي: الأراك في وصف القدماء، شجرة طويلة خضراء ناعمة كثيرة الورق والأغصان، خوارة العود. يستاك بفروعها، أي تنظف بها الأسنان، وهو طيب النكهة، له حمل كحمل عناقيد العنب.\nويعد اليوم من فضيلة الزيتونيات. عدل إلى الأراك لحاجة: عدل عن الطريق المسلوكة الجادة، منتهيًا إلى شجر الأراك لحاجة له، كناية عن التبرز.\nأأتمره: معناه أشاور فيه نفسي وأفكر. معنى بينما وبينا، أي بين أوقات ائتماري.\nتراجع: مراجعة الكلام مرادته برجع جوابه، أي إعادته.","vol":"3","page":1310},{"text":"شيءٍ حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه! قال: فأخذتني أخذًا كسرتني عن بعض ما كنت أجدُ. فخرجتُ من عندها وكان لي صاحب من الأنصار إذا غِبْتُ أتاني بالخبر وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر. ونحن حينئذ نتخوف ملكًا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا. فقد امتلأت صدورنا منه. فأتى صاحبي الأنصاري يدق الباب. وقال: افتح. افتح. فقلت: جاء الغساني؟ فقال: أشد من ذلك. اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه. فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة. ثم آخذ ثوبي فأخرج حتى جئت. فإذا رسول الله ﷺ في مشربةٍ له يُرتقى إليها بعجلةٍ. وغلامٌ لرسول الله ﷺ أسود على رأس الدرجة. فقلت: هذا عمر. فأُذن لي. قال عمر: فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث. فلما بلغتُ حديث أم سلمة تبسم رسول الله ﷺ. وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء. وتحت رأسه وسادة من أُدمٍ حشوها ليفٌ، وإن عند رجليه قرظًا مضبورًا. وعند رأسه أهبًا مُعلقةً. فرأيتُ أثر الحصير في جنب رسول الله ﷺ. فبكيت. فقال: \"ما يُبكيك؟ \" فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هُما فيه. وأنت رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولك الآخرة؟ \".\nقال محقق الجامع: وفي الحديث من الفوائد: سؤال العالم عن بعض أمور أهله وإن كان عليه فيه غضاضة إذا كان في ذلك سنة تنقل ومسألة تحفظ. وفيه توقير العالم ومهابته عن\n_________\n= غسان: الأشهر ترك صرف غسان.\nرغم أنف حفصة وعائشة: هو بفتح الغين وكسرها، والمصدر فيه بتثليث الراء. أي لصق بالرغام، وهوالتراب. هذا هو الأصل. ثم استعمل في كل من عجز عن الانتصاف، وفي الذل والانقياد كرها.\nالدرجة: ما نسميه اليوم درجًا وسلمًا.\nبعجلة: قال النووي: وقع في بعض النسخ: بعجلها. وفي بعضها: بعجلتها، وفي بعضها: بعجلة. وكله صحيح والأخيرة أجود. قال ابن قتيبة وغيره: هي درجة من النخل. كما قال في الرواية السابقة: جذع.\nمن أدم: هو جلد مدبوغ. جمع أديم.\nمضبورًا: وقع في بعض الأصول: مضبورًا، بالضاد المعجمة. وفي بعضها بالمهملة. وكلاهما صحيح، أي مجموعًا.\nأهبا معلقة: بفتح الهمزة والهاء، وبضمهما. لغتان مشهورتان. جمع إهاب. وهو الجلد قبل الدباغ، على قول الأكثرين. وقيل: الجلد مطلقًا.","vol":"3","page":1311},{"text":"استفسار ما يخشى من تغيره عند ذكره. وترقب خلوات العالم ليسأل عما لعله لو سئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل وفيه أن شدة الوطأة على النساء مذموم، لأن النبي ﷺ أخذ بسيرة الأنصار في نسائهم وترك سيرة قومه. وفيه تأديب الرجل ابنته وقرابته بالقول لأجل إصلاحها لزوجها. وفيه سياق القصة على وجهها وإن لم يسأل عن ذلك، إذا كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وبيان، لا سيما إذا كان العالم يعلم أن الطالب يؤثر ذلك، وفيها البحث في العلم في الطرق والخلوات وفي حال القعود والمشي، وفيه ذكر العالم ما يقع من نفسه وأهله بما يترتب عليه فائدة دينية وإن كان في ذلك حكاية ما يستهجن، وجواز ذكر العمل الصالح لسياق الحديث على وجهه، وبيان ذكر وقت التحمل وفيه الصبر على الزوجات والإغضاء عن خطابهن والصفح عما يقع منهن من ذلك في حق المرء دون ما يكون من حق الله تعالى. وفيه جواز اتخذا الحاكم عند الخلوة بوابًا يمنع من يدخل إليه بغير إذنه. وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصة عند الأمر يطوقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه ويخرج إلى الناس وهو منبسط إليهم، فإن الكبير إذا احتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذن ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر، عظيم المنزلة عنده وفيه أن المرء إذا رأى صاحبه مهمومًا استحب له أن يحدثه بما يزيل همه ويطيب نفسه، لقول عمر: لأقولن شيئًا يضحك النبي ﷺ ويستحب أن يكون ذلك بعد استئذان الكبير في ذلك. كما فعل عمر، وفيه التجمل بالثوب والعمامة عند لقاء الأكابر، وفيه التناوب في مجلس العالم إذا لم تتيسر المواظبة على حضوره لشاغل شرعي من أمر ديني أو دنيوي، وفيه أن الأخبار التي تشاع ولو كثر ناقلوها إن لم يكن مرجعها إلى أمر حسي من مشاهدة أو سماع لا تستلزم الصدق، فإن جزم الأنصاري في روايته بوقوع التطليق، وكذا جزم الناس الذين رآهم عند المنبر بذلك، محمول على أنهم شاع بينهم ذلك من شخص بناء على التوهم الذي توهمه من اعتزال النبي ﷺ فظن لكونه لم تجر عادته بذلك أنه طلقهن فأشاع أنه طلقهن، فشاع ذلك فتحدث الناس به، وفيه أن الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني المألوف منه، لقول عمر: ثم غلبني ما أجد ثلاث مرات، وفيه كراهة سخط النعمة واحتقار ما أنعم الله به ولو قليلًا، والاستغفار من وقوع ذلك، وطلب الاستغفار من أهل الفضل، وإيثار القناعة، وعدم الالتفات إلى ما خص به الغير من أمور الدنيا","vol":"3","page":1312},{"text":"الفانية. أهـ.\n١١٨١ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُحبُّ العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر مما كان يحتبسُ، فغِرْتُ فسألت عن ذلك؟ فقيل لي: أهدتْ لها امرأة من قومها عُكَّةً من عسل فسقت النبي ﷺ منه شربةً، فقلت: أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقول له: يا رسول الله أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجدُ؟ - زاد في رواية: وكان رسول الله ﷺ يشتدُّ عليه أن يُوجد منه الريحُ - فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرستْ نحلهُ العُرْفُط، وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية مثل ذلك، قالت: تقول سودة: فوالله الذي لا إله إلا هو، ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أبادئه بما أمرتني فرقًا منك، دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: \"لا\" قالت: فما هذه الريح التي أجدُ منك؟ قال: \"سقتني حفصة شربة عسلٍ\" فقالت: جرست نحلهُ العُرْفُطَ، فلما دار إليّ، قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية، قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة، قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: \"لا حاجة لي فيه\" قالت: تقول سودة: والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي.\nوفي رواية (١) قالت: كان رسول الله ﷺ يمكثُ عند زينب بنت جحش، فيشربُ عندها عسلًا، قالت: فتواطأت أنا وحفصة، أنا أيتنا ما دخل عليها رسول الله ﷺ،\n_________\n١١٨١ - البخاري (٩/ ٣٧٤) ٦٨ - كتاب الطلاق-٨ - باب لم تحرم ما أحل الله لك.\nومسلم (٢ م ١١٠١) ١٨ - كتاب الطلاق - ٣ - باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ين الطلاق.\nعُكة: العكة. الظرف الذي يكونُ فيه العسلُ.\nمغافير: المغافير بالفاء والياء: شيء ينضحه الغُرفُط، حلو كالناطف وله ريح كريهة.\nجرست العرفط: جرست النحل العرفط: إذا أكلته، ومنه قيل للنحل: جوارس، والعُرفط: جمع عرفطة، وهو شجر من العضاه زهرته مدحرجة، والعضاة: كل شجر يعظمُ وله شوك كالصلح والسمر والسلم ونحو ذلك.\nفرقا: الفرق: الفزعُ والخوف.\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق.","vol":"3","page":1313},{"text":"فلنقل له: إني أجدُ منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له فقال: بل شربتُ عسلًا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١) ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٣) لقوله: بل شربتُ عسلًا ولنْ أعود له، وقد حلفتُ، فلا تخبري بذلك أحدًا.\nقال محقق الجامع: وهذه الرواية من طريق عبيد بن عمير عن عائشة، في \"الصحيحين\" أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وفيه أن شرب العسل كان عند حفصة بنت عمر، قال الحافظ: وأخرج ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن شرب العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا على وفق ما في رواية عبيد بن عمير، وإن اختلفا في صاحبة العسل وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدد، فلا يمنع تعدد السبب للأمر الواحد، فإن جنح إلى الترجيح، فرواية عبيد بن عمير أثبت لموافقة ابن عباس لها، على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدم في التفسير، وفي الطلاق من جزم عمر بذلك، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في التظاهر بعائشة، لكن يمكن تعدد القصة في شرب العسل وتحريمه، واختصاص النزول بالقصة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصة التي وقع فيها شرب العسل عند حفصة كانت سابقة، ويؤيد هذا الحمل أنه لم يقع في طريق هشام بن عروة التي فيها: أن شرب العسل كان عند حفصة تعرض للآية، ولا يذكر سبب النزول. والراجح أيضًا أن صاحبة العسل زينب لا سودة، لأن طريق عبيد بن عمير أثبت من طريق ابن أبي مليكة بكثير، ولا جائز أن تتحد بطريق هشام بن عروة، لأن فيها أن سودة كانت ممن وافق عائشة على قولها: أجد ريح مغافير، ويرجحه أيضًا ما ثبت عن عائشة أن نساء النبي كن حزبين، أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، فهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، ولهذا\n_________\n(١) التحريم: ١.\n(٢) التحريم: ٤.\n(٣) التحريم: ٣.","vol":"3","page":1314},{"text":"غارت منها لكونها من غير حزبها والله أعلم. أهـ.\nقال صاحب عون المعبود: لِمَ تُحَرَمُ ما أحل الله لك: من شرب العسل أو مارية القبطية. قال ابن كثير والصحيح أنه كان في تحريم العسل. وقال الخطابي: الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية حين حرمها على نفسه، ورجحه في فتح الباري بأحاديث عند سعيد بن منصور والضياء في المختارة والطبراني في عشرة النساء وابن مردويه والنسائي ولفظه عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة ﵄ حتى حرمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال القسطلاني: ولكن قال الخطابي في معالم السنن: في الحديث دليل على أن يمين النبي ﷺ إنما وقعت في تحريم العسل لا في تحريم أم ولده مارية القبطية كما زعمه بعض الناس. قال الخازن: قال العلماء: إنها في قصة العسل لا في قصة مارية القبطية المروية في غير الصحيحين ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح أهـ عون المعبود.\nأقول: يلاحظ أن الخطابي قد رجح أن التحريم كان بسبب حادثة العسل ولا مانع أن تكون الآيات قد نزلت مرتين بسبب هاتين الحادثتين والمرة الثانية كانت مذكرة بأن النص نفسه ينطبق على الحادثة الجديدة.\nقال في الفتح:\nقوله (وكان إذا انصرف من العصر) كذا للأكثر، خالفهم حماد بن سلمة عن هشام بن عروة فقال \"الفجر\" أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن أبي النعمان عن حماد، ويساعده رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس ففيها \"وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس وله حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها\" الحديث أخرجه ابن مردويه، ويمكن الجمع بأن الذي كان يقع في أول النهار سلامًا ودعاء محضًا، والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة، لكن المحفوظ في حديث عائشة ذكر العصر ورواية حماد بن سلمة شاذة. قوله (دخل على نسائه) في رواية أبي أسامة أجاز إلى نسائه أي مشى،","vol":"3","page":1315},{"text":"ويجيء بمعنى قطع المسافة، ومنه فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، أي أول من يقطع مسافة الصراط. قوله (فيدنو منهن) أي فيقبل ويباشر من غير جماع كما في الرواية الأخرى. قوله (فاحتبس) أي أقام، زاد أبو أسامة \"عندها\". قوله (فسألت عن ذلك) ووقع في حديث ابن عباس بيان ذلك ولفظه \"فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة فقالت: لجويرية حبشية عندها يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ما يصنع\". قوله (فلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك) في رواية أبي أسامة \"فذكرت ذلك لسودة وقلت لها: إنه إذا دخل عليك سيدنو منك\" وفي رواية حماد بن سلمة \"إذا دخل على إحداكن فلتأخذ بأنفها، فإذا قال: ما شأنك؟ فقولي: ريح المغافير\" قوله (والله لقد حرمناه) بتخفيف الراء أي منعناه. قوله (قلت لها اسكتي) كأنها خشيت أن يفشو ذلك فيظهر من كيدها لحفصة. وفي الحديث من الفوائد ما جبل النساء عليه من الغيرة. وأن الغيراء تعذر فيما يقع منها من الاحتيال فيما يدفع عنها ترفع ضرتها عليها بأي وجه كان، وترجم عليه المصنف في كتاب ترك الحيل \"ما يكره من احتيال المرأة من الزوج والضرائر\" وفيه الأخذ بالحزم من الأمور وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح خشية من الوقوع في المحذور. وفيه ما يشهد بعلو مرتبة عائشة عند النبي ﷺ حتى كانت ضرتها تهابها وتطيعها في كل شيء تأمرها به حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدرًا. وفيه إشارة إلى ورع سودة لما ظهر منها من التندم على ما فعلت لأنها وافقت أولا على دفع ترفع حفصة عليهن بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصل إلى بلوغ المراد من ذلك لحسم مادة شرب العسل الذي هو سبب الإقامة. لكن أنكرت بعد ذلك أنه يترتب عليه منع النبي ﷺ من أمر كان يشتهيه وهو شرب العسل مع ما تقدم من اعتراف عائشة الآمرة بذلك في صدر الحديث، فأخذت سودة تتعجب مما وقع منهن في ذلك. ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها \"اسكتي\" بل أطاعتها وسكتت لما تقدم من اعتذارها في أنها كانت تهابها وإنما كانت تهابها لما تعلم من مزيد حب النبي ﷺ لها أكثر منهن، فخشيت إذا خالفتها أن تغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبي ﷺ ولا تحتمل ذلك، فهذا معنى خوفها منها. وفيه أن عماد القسم الليل، وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع لكن بشرط أن لا تقع","vol":"3","page":1316},{"text":"المجامعة إلا مع التي هو في نوبتها كما تقدم تقريره. وفيه استعمال الكنايات فيما يستحيا من ذكره لقوله في الحديث \"فيدنو منهن\" والمراد فيقبل ونحو ذلك، ويحقق ذلك قول عائشة لسودة\" إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له إني أجد كذا\" وهذا إنما يتحقق بقرب الفم من الأنف، ولا سيما إذا لم تكن الرائحة طافحة، بل المقام يقتضي أن الرائحة لم تكن طافحة لأنها لو كانت بحيث يدركها النبي ﷺ ولأنكر عليها عدم وجودها منه، فلما أقر على ذلك دل على ما قررناه أنها لو قدر وجودها لكانت خفية وإذا كانت خفية لم تدرك بمجرد المجالسة والمحادثة من غير قرب الفم من الأنف، والله أعلم، أهـ ابن حجر.\n١١٨٢ - * روى ابن ماجه عن عائشة قالت: أقسم رسول الله ﷺ أن لا يدخُلَ على نسائه شهرًا فمكث تسعة وعشرين يومًا، حتى إذا كان مساء ثلاثين دخل عليَّ، فقلت: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا فقال: \"الشهر كذا\"، يُرسل أصابعه فيه ثلاث مراتٍ والشهر كذا، وأرسل أصابعه كلها وأمسك أُصبعًا واحدًا في الثالثة.\n١١٨٣ - * روى النسائي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة، حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١).\nقال محقق الجامع: ذكر ابن كثير في تفسيره عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: \"لا تخبري أحدًا، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام\" فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: فوالله لا أقربها\" قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه \"المستخرج\". أهـ.\n_________\n١١٨٢ - ابن ماجه (١/ ٦٦٤) ١٠ - كتاب الطلاق- ٢٤ - باب الإيلاء.\nقال في الزوائد: إسناده حسن لأن عبد الرحمن بن أبي الرجال مختلف فيه. قال في التقريب: صدوق ربما أخطأ.\n١١٨٣ - النسائي (٧/ ٧١) كتاب عشرة النساء، باب الغيرة.\nيطؤها: يجامعها.\n(١) التحريم: ١.\n(٢) التحريم: ٢.","vol":"3","page":1317},{"text":"١١٨٤ - * روى أبو يعلي عن أم سلمة قالت: إن النبي ﷺ كان يدخل على أزواجه كل غداةٍ فيسلم عليهن، فكانت منهن امرأة عندها عسلٌ، فكان إذا دخل عنها أحضرت له منه شيئًا فيمكث عندها، وإن عائشة وحفصة وجدتا من ذلك. فلما دخل عليهما قالتا: يا رسول الله إنا نجد منك ريح مغافير. فترك ذلك العسل.\n١١٨٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه فلم يعددها علينا شيئًا.\nأقول: إن حادثة التخيير من أعلام نبوته ﷺ بل هي أعظم رد على أعدائه، فالرسول ﵊ مهمته الارتقاء بالنفس البشرية ابتداء من أهل بيته إلى أن يعم الخير كل الناس. ومن أعظم أنواع الارتقاء أن يتمحض الإنسان للآخرة فتكون تطلعاته وأعماله أخروية فلما أراد أزواجه أن ينزلن عن هذا الأفق الرفيع كان الهجران ثم التخيير بين البقاء والطلاق، وأن تخير الجميع بمن في ذلك عائشة وحفصة فذلك يدل على أن الأمر رباني أولًا وأخيرًا. وإلا فمن يقف هذا الموقف لولا الثقة المطلقة بالله ولولا أنه منفذ لأمر الله.\nقد يقال إن التوسع في المباح جائز، وإنما طلبن أمرًا جائزًا، فنجيب أن من الكمال لمن يلي أمور الناس أن يعيش كأدناهم في الرزق حتى لا ينساهم في صولة السلطان، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون لما ولوا الخلافة، وكذلك فعل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، ولكن ليس ذلك من الواجبات، وكثيرًا ما يفسد أمور الناس أنهم يطالبون أمراءهم بالاخشيشان متناسين الزمان والمكان والاستعداد، في كثير من الأحيان يكون توسع الأمراء جائزًا فهذا الذي لا نرى فيه حرجًا ولكن الكمال هو الأول (١).\n_________\n١١٨٤ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلي وفيه موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه ابن المديني، وبقية رجاله ثقات.\n١١٨٥ - البخاري (٩/ ٣٦٧) ٦٨ - كتاب الطلاق-٥ - باب من خير أزواجه.\nمسلم (٢/ ١١٠٤) ١٨ - كتاب الطلاق -٤ - باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية.\nفلم يعددها علينا شيئًا: فلم يعتبره طلاقًا.","vol":"3","page":1318},{"text":"وأما حادثة الجمل فسنتعرض لها أثناء الكلام عن الإمام علي ﵁ وهذه بعض روايات في شأنها مما له صلة بعائشة ﵂:\n١١٨٦ - * روى أحمد والبزار عن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما نزلت على الحوأبِ سمعت نُباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لنا: \"أيتكُنَّ ينبحُ عليها كلاب الحوأب\" فقال لها الزبير: ترجعين عسى الله أن يُصلح بك بين الناس.\nوفي رواية لأحمد (١) قال: لما أقبلت عائشة، فلما بلغت مياه بني عامر ليلا، نبحت الكلاب فقالت: أي ماءٍ هذا؟ قالوا: ماءُ الحوأبِ. قالت: ما أظنني إلا راجعةً. قال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون، فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إن رسول الله ﷺ قال ذات يوم: \"كيف بإحداكن تنبحُ عليها كلابُ الحوأب\".\n١١٨٧ - * روى البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: لنسائه: \"ليتَ شعري أيتكن صاحبةَ الجمل الأدَّبَبِ، تخرج فينبحُها كلاب حوأب يُقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير ثم تنجو بعد ما كادت\".\n_________\n١١٨٦ - أحمد في مسنده (٦/ ٩٧) وابن حبان: موارد الظمآن (١٨٣١).\nالبزار: كشف الأستار (٤/ ٩٤)، والحاكم (٣/ ١٣٠) وصححه ووافقه الذهبي.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٤)، وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.\nوأورده الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٥) وقال: أخرج هذا أحمد وأبو يعلي والبزار، وصححه ابن حبان والحاكم وسنده على شرط الصحيح، وقال الحافظ ابن كثير في البداية (٦/ ٢١٢) بعد أن ذكره من طريق الإمام أحمد: وهذا إسناد علىش رط الصحيحين ولم يخرجوه.\nوالحوأب: من مياه العرب على طريق البصرة، قاله أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري فيما نقله عنه ياقوت في معجم البلدان، وقال أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم: ماء قريب من البصرة على طريق مكة إليها سمي بالحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية.\n(١) أحمد في مسنده (٦/ ٥٢).\n١١٨٧ - البزار: كشف الأستار (٤/ ٩٤).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٤) وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات.\nالجمل الأديب: الأدبُّ وهو الكثير وبر الوجه.","vol":"3","page":1319},{"text":"١١٨٨ - * روى البخاري أن عمار بن ياسر قال على المنبر: (إني أعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة) يعني عائشة ﵂. قال ذلك قُبيل موقعة الجمل بعد خروج عائشة على عليٍّ ﵁.\nأقول: إن هذه النصوص التي ذكرناها التي تذكر أن عمارًا تقتله الفئة الباغية والنصوص الواردة في ذم الخوارج كل ذلك يدل على أن الحق والصواب كان بجانب علي ﵁ وإنما يشفع للمواقف الأخرى النيات والاجتهاد، وذلك ينفع من صحت نيته وتحقق إخلاصه وعائشة ﵂ كانت من هؤلاء يقينًا، ولعل كلام عمار في ذلك وهو من أشد الناس على الخارجين على علي ﵁ يدل على أن هناك إجماعًا على ذلك (١).\n* * *\n_________\n١١٨٨ - البخاري (٧/ ١٠٦) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٣٠ - باب فضل عائشة ﵂.","vol":"3","page":1320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>٤ - حفصة أم المؤمنين ﵂</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nالسِّترُ الرفيعُ، بنت أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب. تزوجها النبي ﷺ بعد انقضاء عدتها من خُنَيس بن حُذافة السهمي، أحد المهاجرين، في سنة ثلاث من الهجرة.\nقالت عائشة: هي التي كانت تُساميني من أزواج النبي ﷺ.\nوروى أن مولدها كان قبل المبعث بخمس سنين. فعلى هذا يكون دخول النبي ﷺ بها ولها نحو من عشرين سنة.\nروَتْ عنه عدة أحاديث. روى عنها: أخوها ابنُ عمر، وهي أسنُّ منه بست سنين؛ وحارثة بن وهب، وشُتيرُ بن شكل، والمطالب بن أبي وداعة، وعبد الله بن صفوان الجمحي، وطائفة. تُوفيت حفصة سنة إحدى وأربعين عام الجماعة.\nومسندها في كتاب بقي بن مخلد ستون حديثًا. اتفق لها الشيخان على أربعة أحاديث. وانفرد مسلم بستة أحاديث.\nويُروى عن عمر: أن حفصة وُلدت إذ قريش تبني البيت وقيل: بنى بها رسول الله ﷺ في شعبان سنة ثلاث. أهـ.\n١١٨٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن عمر حين تأيمت حفصة من خُنيس بن حّذافة السهمي - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قد شهد بدرًا، تُوفي بالمدينة - قال عمر: فلقيتُ عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليَّ شيئًا (١)، فكنتُ أوجد\n_________\n١١٨٩ - البخاري (٩/ ١٧٥) ٦٧ - كتاب النكاح -٣٣ - باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير.\nتأيمت المرأة: مات زوجها أو فارقها، وقيل: الأيم اليت لا زوج لها تزوجت أو لم تتزوج، والرجل أيضًا: أيم.","vol":"3","page":1321},{"text":"عليه مني على عثمان، فلبثتُ ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ، فأنكحتها إياهُ، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أنن كنتُ علمتُ أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم لأكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها رسول الله ﷺ لقبلْتُها.\nقال في الفتح: قله (باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير) أورد عرض البنت في الحديث الأول، وعرض الأخت في الحديث الثاني. قوله (حين تأيمت) بهمزة مفتوحة وتحتانية ثقيلة أي صارت أيما، وهي التي يموت عنها زوجها أو تبين منه وتنقضي عدتها، وأكثر ما تطلق على من مات زوجها. وقال ابن بطال: العرب تطلق على كل امرأة لا زوج لها وكل رجل لا امرأة له أيما\" زاد في \"المشارق\" وإن كان بكرًا. قوله (من خنيس) بخاء معجمة ونون وسين مهملة مصغر. قوله (ابن حذافة) وهو أخوعبد الله بن حذافة الذي تقدم ذكره في المغازي. ومن الرواة من فتح أول خنيس وكسر ثانيه، والأول هو المشهور بالتصغير، وعند معمر كالأول ولكن بحاء مهملة وموحدة وشين معجمة. وقوله (وكان من أصحاب النبي ﷺ) زاد في رواية معمر كما سيأتي بعد أبواب \"من أهل بدر\". قوله (فتوفي بالمدينة) قالوا مات بعد غزوة أحد من جراحة أصابته بها، وقيل بل بعد بدر ولعله أولى، فإنهم قالوا إن النبي ﷺ تزوجها بعد خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة، وفي رواية بعد ثلاثين شهرًا، وفي رواية بعد عشرين شهرًا، وكانت أحد بعد الهجرة بأكثر من ثلاثين شهرًا، وفي رواية بعد عشرين شهرًا، وكانت أحد بعد الهجرة بأكثر من ثلاثين شهرًا، ولكنه يصح على قول من قال بعد ثلاثين على إلغاء الكسر، وجزم ابن سعد بأنه مات عقب قدوم النبي ﷺ من بدر الأخرى وبه جزم ابن سيد الناس، وهو قول ابن عبد البر أنه شهد أحدًا ومات من جراحة بها، وكانت حفصة أسن من أخيها عبد الله فإنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين وعبد الله ولد بعد البعثة بثلاث أو أربع. قوله (أتيت عثمان فعرضت عليه حفصة؟ فقال: سأنظر في أمري، إلى أن قال قد بدا لي أن لا أتزوج) هذا هو الصحيح، ووقع في رواية ربعي بن حراش عن عثمان عند الطبري وصححه هو والحاكم \"أن عثمان خطب إلى عمر بنته فرده، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فلما راح إليه عمر قال: يا عمر ألا أدلك على ختن خير من عثمان، وأدل عثمان","vol":"3","page":1322},{"text":"على ختن خير منك؟ قال: نعم يا نبي الله قال: تُزوجني بنك وأزوج عثمان بنتي\" قال الحافظ الضياء: إسناده لا بأس به، لكن في الصحيح أن عمر عرض على عثمان حفصة فرد عليه \"قد بدا لي أن لا أتزوج\". قلت: أخرج ابن سعد من مرسل الحسن نحو حديث ربعي، ومن مرسل سعيد بن المسيب أتم منه، وزاد في آخره \"فخار الله لهما جميعًا\". ويحتمل في الجمع بينهما أن يكون عثمان خطب أولًا إلى عمر فرده كما في رواية ربعي، وسبب رده يحتمل أن يكون من جهتها وهي أنها لم ترغب في التزوج عن قرب من وفاة زوجها، ويحتمل غير ذلك من الأسباب التي لا غضاضة فيها على عثمان في رد عمر له، ثم لما ارتفع السبب بادر عمر فعرضها على عثمان رعاية لخاطره كما في حديث الباب، ولعل عثمان بلغه ما بلغ أبا بكر من ذكر النبي ﷺ لها فصنع كما صنع من ترك إفشاء ذلك، ورد على عمر بجميل. ووقع في رواية ابن سعد \"فقال عثمان: مالي في النساء من حاجة\" وذكر ابن سعد عن الواقدي بسند له \"أن عمر عرض حفصة على عثمان حين توفيت رقية بنت رسول الله ﷺ وعثمان يومئذ يريد أم كلثوم بنت النبي ﷺ. قلت: وهذا مما يؤيد أن موت خنيس كان بعد بدر فإن رقية ماتت ليالي بدر وتخلف عثمان عن بدر لتمريضها. وقد أخرج إسحاق في مسنده وابن سعد من مرسل سعيد بن المسيب قال \"تأيمت حفصة من زوجها وتأيم عثمان من رقية، فمر عمر بعثمان وهو حزين فقال: هل لك في حفصة؟ فق انقضت عدتها من فلان\" واستشكل أيضًا بأنه لو كان مات بعد أحد للزم أن لا تنقضي عدتها إلا في سنة أربع، وأجيب باحتمال أن تكون وضعت عقب وفاته ولو سقطًا فحلت. قوله (وكنت أوجد عليه) أي أشد موجدة أي غضًا على أبي بكر من غضبي على عثمان، وذلك لأمرين: أحدهما ما كان بينهما من أكيد المودة، ولأن النبي ﷺ كان آخى بينهما، وأما عثمان فلعله كان تقدم من عمر رده فلم يعتب عليه حيث لم يجبه لما سبق منه في حقه، والثاني لكون عثمان أجابه أولا ثم اعتذر له ثانيًا، ولكون أبي بكر لم يعد عليه جوابًا. ووقع في رواية ابن سعد \"فغضب على أبي بكر وقال فيها: كنت أشد غضبًا حين سكت مني على عثمان\". وقوله (ولو تكره رسول الله ﷺ قبلتاه) وفيه فضل كتمان السر فإذا أظهره صاحبه ارتفع الحرج عمن سمعه. وفيه عتاب الرجل لأخيه وعتبه عليه واعتذاره إليه وقد جبلت الطباع البشرية على ذلك، ويحتمل أن يكون سبب كتمان أبي بكر ذلك أنه","vol":"3","page":1323},{"text":"خشي أن يبدو لرسول الله ﷺ أن لا يتزوجها فيقع في قلب عمر انكسار، ولعل اطلاع أبي بكر على أن النبي قصد خطبة حفصة كان بإخباره له ﷺ إما على سبيل الاستشارة وإما لأنه كان لا يكتم عنه شيئًا مما يريده حتى ولا ما في العادة عليه غضاضة وهو كون ابنته عائشة عنده، ولم يمنعه ذلك من اطلاعه على ما يريد لوثوقه بإيثاره إياه على نفسه، ولهذا اطلع أبو بكر على ذلك قبل اطلاع عمر الذي يقع الكلام معه في الخطبة. ويؤخذ منه أن الصغير لا ينبغي له أن يخطب امرأة أراد الكبير أن يتزوجها ولو لم تقع الخطبة فضلًا عن الركون. وفيه الرخصة في تزويج من عرض النبي ﷺ بخطبتها أو أراد أن يتزوجها لقول الصديق: لو تركها لقبلتها. وفيه عرض الإنسان بنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه، وأنه لا استحياء في ذلك. وفيه أنه لا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوجًا لأن أبا بكر كان حينئذ متزوجًا. وفيه أن من حلف لا يفشي سر فلان فأفشى فلان سر نفسه ثم تحدث به الحالف لا يحنث لأن صاحب السر هو الذي أفشاه فلم يكن الإفشاء من قبل الحالف، وهذا بخلاف ما لو حدث واحد آخر بشيء واستحلفه ليكتمه فلقيه رجل فذكر له أن صاحب الحديث حدثه بمثل ما حدثه به فأظهر التعجب وقال ما ظننت أنه حدث بذلك غيري فإن هذا يحنث، لأن تحليفه وقع على أن يكتم أنه حدثه وقد أفشاه. وفيه أن الأب يخطب إليه بنته الثيب كما يخطب إليه البكر ولا تخطب إلى نفسها كذا قال ابن بطال، وقوله لا تخطب إلى نفسها ليس في الخبر ما يدل عليه. قال وفيه أنه يزوج بنته الثيب من غير أن يستأمرها إذا علم أنها لا تكره ذلك وكان الخاطب كفؤًا لها، وليس في الحديث تصريح بالنفي المذكور إلا أنه يؤخذ من غيره، وقد ترجم له النسائي \"إنكاح الرجل بنته الكبيرة\" فإن أراد بالرضا لم يخالف القواعد، وإن أراد بالإجبار فقد يمنع، والله أعلم، أهـ.\n١١٩٠ - * روى أبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ طلق حفصة، ثم أرجعها (١).\n_________\n١١٩٠ - أبو داود (٢/ ٢٨٥) كتاب الطلاق، باب في المراجعة.\nوالنسائي (٦/ ٣١٣) كتاب الطلاق، باب الرجعة، وإسناده صحيح.","vol":"3","page":1324},{"text":"قال صاحب عون المعبود: قال الشيخ الدهلوي في المدارج: أن النبي ﷺ طلق حفصة طلقة واحدة فلما بلغ هذا الخبر عمر ﵁ فاهتم له فأوحى إلى النبي ﷺ: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة. كذا في إنجاح الحاجة. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.\n١١٩١ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة، وهي تبكي، فقال: ما يبكيك لعل رسول الله ﷺ طلقك، إن النبي ﷺ طلقكِ وراجعكِ من أجلي، والله لئن كان طلقك لا كلمتُكِ كلمةً أبدًا.\n١١٩٢ - * روى الطبراني والحاكم عن قيس بن يزيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة تطليقة، فأتاها خالاها عثمان وقُدامة ابنا مظعون فقالت: والله ما طلقني عن شبع، فجاء النبي ﷺ فدخل فتجلببت فقال النبي ﷺ: \"أتاني جبريل ﵇ فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة\".\n١١٩٣ - * روى الطبراني عن مالك بن أنس قال: تُوفيت حفصة عام فُتحت إفريقية، وماتت ومروان على المدينة (١).\n_________\n١١٩١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١١٩٢ - المستدرك (٤/ ١٥) وسكت عليه هو والذهبي.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٤)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nتجلببت: لبست جلبابها، المرأة إذا طلقت طلقة رجعية لا يجب عليها أن تستتر عن زجها بل من الأدب أن تتزين له لكن حفصة لم تفعل ذلك تحقيقًا لأمر شرعي، وإنما لنواح نفسية لحظتها والله أعلم.\n١١٩٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>٥ - زينب بنت خُزيمة أم المؤمنين ﵂</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nبنت خُزيمة بن الحارث بن عبد الله الهلالية، وتُدعى أيضًا: أم المساكين، لكثرة معروفها أيضًا.\nقُتِلَ زوجها عبد الله بن جحش يوم أُحد، فتزوجها رسول الله ﷺ؛ ولكن لم تكث عنده إلا شهرين، أو أكثر، وتوفيت ﵂.\nوهي أخت أم الممنين ميمونة لأمها. أهـ.\nأقول: ليس في أصول هذا الكتاب كلام عنها سوى بعض روايات عند الحاكم لا تخرج عما ذكره الذهبي.\n* * *","vol":"3","page":1326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>٦ - أم سلمة أم المؤمنين ﵂</span>\nيقول الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nالسيدة المتحجبة الطاهرة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ابن يقظة بن مُرة، المخزومية، بنت عم خالد بن الوليد، سيف الله، وبنت عم أبي جهل ابن هشام.\nمن المهاجرات الأول. كانت قبل النبي ﷺ عند أخيه من الرضاعة: أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، الرجل الصالح.\nدخل بها النبي ﷺ في سنة أربع من الهجرة. وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسبًا.\nوكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين. عُمرت حتى بلغها مقتلُ الحسين، الشهيد، فوجمَتْ لذلك، وغُشي عليها، وحزنت عليه كثيرًا. لم تلبث بعده إلا يسيرًا، وانتقلت إلى الله.\nولها أولاد صحابيون: عمر، وسلمة، وزينب، ولها جملة أحاديث.\nروى عنها: سعيد بن المسيب، وشقيق بن سلمة، والأسود بن يزيد، والشعبي، وأبو صالح السمان، ومجاهد، ونافع بن جبير بن مطعم، ونافع مولاها، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وشهرُ بن حوشب، وابن أبي مليكة، وخلق كثير.\nعاشت نحوًا من تسعين سنة. وأبوها: هو زادُ الراكب، أحد الأجواد - قيل: اسمه - حُذيفة وقد وهم من سماها رملة؛ تلك أم مبيبة. وكانت تعد من فقهاء الصحابيات.\nقال مصعب الزبيري: هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة فشهد أبو سلمة بدرًا، وولدت له عمر، وسلمة، وزينب، ودرة، وبعض أرخ موتها في سنة تسع وخمسين، فوهم أيضًا والظاهر أيضًا وفاتها سنة إحدى وستين ﵂، وقد تزوجها النبي ﷺ حين حلت في شوال سنة أربع ويبلغ مسندها ثلاث مائة وثمانية وسبعين حديثًا.","vol":"3","page":1327},{"text":"واتفق البخاري ومسلم لها على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر. أهـ. من السير.\nوقال الذهبي في التلخيص:\nقال الزهري: وممن قدم على رسول الله ﷺ بمكة من هجرة الحبشة الأولى ثم هاجر إلى المدينة أبو سلمة وزوجته أم سلمة.\n١١٩٤ - * روى الترمذي عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله ﷺ، يغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث؟! فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١).\nقال مجاهد، فأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (٢).\nوكانت أم سلمة أول ظعينةٍ قدمت المدينة مهاجرة.\n١١٩٥ - * روى الطبراني عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه أتاها فَلَفَّ رداءه ووضعه على أسكفةِ الباب واتكأ عليه، وقال: \"هل لك يا أم سلمة\" قالت: إني امرأةٌ شديدة الغيرة وأخاف أن يبدو إلى رسول الله ﷺ مني ما يكره، فانصرف، ثم عاد فقال: \"هل لك يا أم سلمة إن كان بك الزيادة في صداقك زدنا\" فعادت لقولها فقالت أم عبد: يا أم سلمة تدرين ما يتحدث به نساء قريشٍ؟ يقُلن إن أم سلمة إنما ردتْ محمدًا لأنها شابة من قريش أحدث منه سنًا وأكثر منه مالًا. قال: فأتت رسول الله ﷺ فتزوجها.\n_________\n١١٩٤ - والترمذي (٥/ ٣٣٧) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٥ - باب ومن سورة النساء. وقال: هذا حديث مرسل. وأحمد في مسنده (٦/ ٣٢٢).\nوالحاكم (٢/ ٣٠٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة. وأقره الذهبي.\nالظعينة: المرأة، وهي في الأصل: ما دامت في الهودج، ثم صارت تطلق على المرأة وإن لم تكن في هودج.\n(١) النساء: ٣٢.\n(٢) الأحزاب: ٣٥.\n١١٩٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nالأسكفة: هي الخشبة التي يوطأ عليها.","vol":"3","page":1328},{"text":"١١٩٦ - * روى الحاكم عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: \"إذا أصابت أحدكم مصيبة، فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مُصيبتي فأجرني فيها\" وكنت إذا أردتُ أنْ أقول: وأبدلني بها خيرًا منها قلت: ومن خيرً من أبي سلمة فلم أزل حتى قلتها. فلما انقضت عدتها خطبها أبو بكر فردتهُ، وخطبها عمر فردته، فبعث إليها النبي ﵌ ليخطبها فقالت: مرحبًا برسول الله ﵌ وبرسوله أقر رسول الله ﵌ السلام وأخبره أني امرأة مُصيبة غيري، وإنه ليس أحد من أوليائي شاهدٌ، فبعث رسول الله ﵌: \"أما قولك إني مُصيبةٌ فإن لله سيكفيك صبيانك وأما قولك إني غَيْرَى، فسأدعو الله أن يُذهب غيرتكِ. وأما الأولياء فليس أحدٌ منهم شاهد ولا غائب إلا سيرضاني\" فقالت لابنها: قم يا عمر فزوج رسول الله ﵌ فزوجها إياه، وقال لها: \"لا أنقصُك مما أعطيتُ أختك فلانة جرتينِ ورحاتين ووسادة من أدم حشوها ليف\" فكان رسول الله ﵌ يأتيها وهي تُرضع زينب، فكانت إذا جاء النبي ﵌ أخذتها فوضعتها في حجرها تُرضعها، قالت: فكان رسول الله ﵌ حييًا كريمًا فيرجعُ، ففطن لها عمار بن ياسر وكان أخًا لها من الرضاعة، فأراد رسول الهل ﵌ أن يأتيها ذات يوم فجاء عمار فدخل عليها فانتشط زينب من حجرها، وقال دعي هذه المقبوحة المشقُوحة التي قد آذيت بها رسول الله ﵌ فجاء رسول الله ﵌، فدخل يُقلبُ بصره في البيت ويقول: \"أين زنَابُ؟ مالي لا أرى زناب؟ \" فقالت: جاء عمار فذهب بها، فبني رسول الله ﵌ بأهله، وقال: \"إن شئت أن أُسبعَ لك سبُعْتُ للنساء\".\n١١٩٧ - * روى ابن سعد عن أم سلمة أنها قالت لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموتُ زوجها، وهو من أهل الجنة، ثم لم تزوجْ، إلا جمع الله بينهما في الجنة (١)، فتعال أعاهدك ألا\n_________\n١١٩٦ - المستدرك (٤/ ١٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\n١١٩٧ - الطبقات الكبرى (٨/ ٨٨) ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1329},{"text":"تزوج بعدي ولا أتزوج بعدك. قال: أتطيعيني؟ قالت: نعم، قال: إذا مُت تزوجي، اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني لا يحزنُها ولا يؤذيها، فلما مات، قلتُ: من خير من أبي سلمة؟ فما لبثت، وجاء رسول الله ﷺ، فقام على الباب فذكر الخطبة إلأى ابن أخيها، أو ابنها، فقالت: أردُّ على رسول الله أو أتقدمُ عليه بعيالي، ثم جاء الغد فخطب، وفيه: ثم جاء الغد، فذكر الخطبة، فقلت مثل ذلك، ثم قالت لوليها: إن عاد رسول الله ﷺ فزوجْ، فعاد رسول الله ﷺ فتزوجها.\n* * *","vol":"3","page":1330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>٧ - زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nزينب بنت جحش بن رياب، وابنةُ عمة رسول الله ﷺ.\nأمها: أميمةُ بنت عبد المطلب بن هشام. وهي أخت حَمْنَةَ، وأبي أحمد. من المهاجرات الأولى.\nكانت عند زيد، مولى النبي ﷺ، وهي التي يقول الله فيها: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١).\nفزوجها الله تعالى نبيه بنص كتابه، بلا وليٍّ ولا شاهد. فكانت تفخرُ بذلك على أمهات المؤمنين، وتقول: زوجكُنَّ أهاليكن، وزوجني الله من فوق عرشه.\nوكانت من سادة النساء، دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا، ﵂ وحديثها في الكتب الستة. روى عنها: ابنُ أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم المؤمنين أم حبيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وأرسل عنها القاسم بن محمد.\nتوفيت في سنة عشرين، وصلى عليها عمر.\nعن ابن عمر قال: لما ماتت بنتُ جحش أمر عمر مناديًا: ألا يخرج معها إلا ذو محرم. فقالت بنتُ عميس: يا أمير المؤمنين، ألا أريك شيئًا رأيت الحبشة تصنعه بنسائهم؟ فجعلت نعشًا وغشته ثوبًا. فقال: ما أحسن هذا وأستره؛ فأمر مناديًا، فنادى: أن اخرجوا على أُمِّكُم.\nوروى عن عائشة قالت: كانت زينب بنتُ جحش تُساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ؛ ما رأيت امرأة خيرًا في الدين من زينب، أتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله\n_________\n(١) الأحزاب: ٣٧.","vol":"3","page":1331},{"text":"تعالى ما عدا سورة من حدة كانت فيها تُسرع منها الفيئة.\nوعن الأعرج، قال: أطعم رسول الله زينب بنت جحش بخيبر مئة وسق.\nويُروى عن عمرة، عن عائشة، قالت: يرحم الله زينب، لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها، ونطق به القرآن. وإن رسول الله ﷺ قال لنا: \"أسرعكن بي لحوقًا أطولكن باعًا\" فبشرها بسرعة لحقوها به، وهي زوجته في الجنة.\nوكانت صناع اليد، فكانت تدبُغُ، وتخرزُ، وتصدقُ.\nوقيل: إن النبي ﷺ تزوج بزينب في ذي القعدة سنة خمس، وهي يومئذ بنت خمس وعشرين سنة. وكانت صالحة، صوامة، قوامة، بارة، ويقال لها: أم المساكين.\nولزينب أحد عشر حديثًا، اتفقا لها على حديثين. أهـ. من السير.\n١١٩٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء زيدُ بن حارثة يشكو، فجعل رسول الله ﷺ يقول: \"اتق الله، وأمسِكْ عليك زوجك\" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه، قال: فكانت تفخرُ على أزواج رسول الله ﷺ، تقول: زوجكن أهليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات.\nوفي رواية (١) قال: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة.\nوفي رواية (٢) قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ في شأن زينب بنت جحش، جاء زيد يشكو، فهم بطلاقها، فاستأمر النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: \"أمسك عليك زوجك، واتق الله\".\nوفي أخرى له (٣) قال: لما نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ\n_________\n١١٩٨ - البخاري (١٢/ ٤٠٣) ٩٧ - كتاب التوحيد- ٢٢ - باب \"وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم\".\n(١) البخاري (١٣/ ٤٠٤) في نفس الموضع السابق.\n(٢) الترمذي (٥/ ٣٥٤) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٣٤ - باب ومن سورة الأحزاب.\n(٣) الترمذي في نفس الموضع السابق.","vol":"3","page":1332},{"text":"مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قال: فكانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكُن أهلوكُن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.\nوفي رواية النسائي (١) قال: كانت زينبُ بنت جحش تفخرُ على نساء النبي ﷺ، تقول: إن الله ﷿ أنكحني من السماء، وفيها نزلت آية الحجاب.\nقال محقق الجامع: قال الحافظ في الفتح: وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقًا واضحًا حسنًا، ولفظه، بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بم صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه، ثم أعلم الله ﷿ نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس. فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدًا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء زيد بن حاثة فقال: يا رسول الله إن زينب اشتد عليَّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له: \"اتق الله وأمسك عليك زوجك\" قال: والنبي ﷺ يحب أن يطلقها ويخشى قالة الناس.\nقال الحافظ: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته هو المعتمد.\nوالحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعي ابنًا ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم. أهـ.\n_________\n(١) النسائي (٦/ ٨٠) كتاب النكاح، باب صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها.","vol":"3","page":1333},{"text":"١١٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس؛ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد. وحبْلٌ ممدود بين ساريتين. فقال: \"ما هذا؟ \" قالوا: لزينب تُصلي. فإذا كسلت أو فترتْ أمسكت به. فقال \"حُلُّوهُ. ليُصلِّ أحدكم نشاطه. فإذا كسل أو فتر قعد\". وفي حديث زهير \"فليقعدْ\".\n١٢٠٠ - * روى أبو يعلي عن أنس قال: بنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش فذكر حديث الوليمة إلى أن قال: وإن زينب لجالسة في جنب البيت، قال: وكانتْ المرأة قد أُعطيت جَمالًا وكان رسول الله ﷺ شديد الحياء ... فذكر الحديث.\n١٢٠١ - * روى الطبراني عن الهيثم بن عدي قال: أول من هلك من أزواج النبي ﷺ زينبُ بنت جحش هلكتْ في خلافة عمر، وآخر من هلكت أمُّ سلمة زمن يزيد بن معاوية سنة ثنتين وستين.\n١٢٠٢ - * روى الطبراني عن الزهري قال: تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحشٍ ابن رئاب بن خزيمة وأمها أميمةُ بنت عبد المطلب بن هاشم عمةُ رسول الله ﷺ قال: وهي أول نساء النبي ﷺ توفيتْ.\n١٢٠٣ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌ لأزواجه: \"أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا\" قالت عائشة (١): فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﵌ نمد أيدينا في الجدار\n_________\n١١٩٩ - البخاري (٣/ ٣٦) ١٩ - كتاب التهجد - ١٨ - باب ما يكره من التشديد في العبادة.\nومسلم (١/ ٥٤٢) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٣١ - باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن والذكر بأن يرقد حتى يذهب عنه ذلك.\nساريتين: اسطوانتين من اسطوانات المسجد.\nفترت: كسلت عن القيام.\n١٢٠٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٧) وقال: رواه أبو يعلي، ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٠١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٥) وقال: رواه الطباني، ورجاله ثقات.\nهلك: أي مات.\n١٢٠٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزائد (٩/ ٢٤٧) وقال: رواه الطبراني مرسلا، ورجاله ثقات.\n١٢٠٣ - المستدرك (٤/ ٢٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. =","vol":"3","page":1334},{"text":"نتطاولُ فلم نزَلْ نفعل ذلك حتى توفيت زينبُ بنتُ جحشٍ زوجُ النبي ﵌ وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذٍ أن النبي ﵌ إنما أراد بطول اليد الصدقة قال: وكانت زينبُ امرأةً صناعة اليد فكانت تدبغُ وتخرزُ وتصدق في سبيل الله ﷿.\n١٢٠٤ - * روى أبو يعلي عن أبي برزَة قال: كان للنبي ﷺ تسع نسوةٍ فقال يومًا: \"خيركن أطولكن يدًا\" فقامت كل واحدة تضعُ يدها على الجدار فقال: \"لستُ أعني هذا ولكن أصنعكن يدين\".\n١٢٠٥ - * روى البزار عن عبد الرحمن بن أبزى أنِّ عمر كَبَّرَ على زينب بنت جحشٍ أربعًا ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ من يدخل هذه قبرها؟ فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها، ثم قال عمر: كان رسول الله ﷺ يقول: \"أسرعُكُن بي لحوقًا أطولكن يدًا\" فقامتْ فكن يتطاولن بأيديهن وإنما كان ذلك لأنها كانت صناعًا تعينُ بما تصنعُ في سبيل الله.\n١٢٠٦ - * روى الطبراني عن ابن المنكدر قال: توفيتْ زينبُ بنتُ جحشٍ زوج النبي ﷺ سنة عشرين.\n١٢٠٧ - * روى الطبراني عن الشعبي انه صلى مع معمر على زينب وكانت أول نساء النبي ﷺ موتًا، وكان يعجبه أن يُدْخِلها قبرها، فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ: منْ يدخلها قبرها؟ فقلن: من كان يراها في حياتها فليدخلها قبرها.\n١٢٠٨ - * (١) روى البخاري عن عائشة ﵂ أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن للنبي\n_________\n= تخرز: خرز الجلد ونحوه: خاطه.\n١٢٠٤ - ورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٨) وقال: رواه أبو يعلي، وإسناده حسن.\n١٢٠٥ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٤٣).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٨) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٠٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٨) وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n١٢٠٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٨) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٠٨ - البخاري (٣/ ٢٨٥) ٢٤ - كتاب الزكاة -باب ١١ - حدثنا موسى بن إسماعيل.","vol":"3","page":1335},{"text":"ﷺ: \"أينا أسرعُ بك لحوقًا؟ قال: \"أطولكن يدًا\" فأخذُوا قصبةً يذرَعُونها، فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة.\nوفي رواية لمسلم (١) قالت: قال رسول الله ﷺ: \"أسرعكن لحاقًا بي أطولكُنَّ يدًا\" قالت: فكن يتطالون، أيتهن أطول يدًا، قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب لأنها كانت تعملُ بيدها وتصدقُ.\nقال النووي: (فكانت أطولنا يدًا زينب) معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية، وهي الجارحة فكن يَذْرعن أيديهن بقصبة، فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدًا في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود.\nقال في الفتح: وروى ابن سعد من طريق برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فتعجبت وسترته بثوب وأمرت بتفرقته، إلى أن كشف الثوب فوجدت تحته خمسة وثمانين درهمًا ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت فكانت أول أزواج النبي ﷺ لحوقًا به. وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال: كانت زينب أول نساء النبي ﷺ لحوقًا به وفي الحديث علم من أعلام النبوة ظاهر، وفيه جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة وهو لفظ \"أطولكن\" إذا لم يكن محذور. قال الزين بن المنير: لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بالوحي أجابهن بلفظ غير صريح وأحالهن على ما لا يتبين إلا بآخر، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية. وفيه أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يُلم وإن كان مراد المتكلم مجازه، لأن نسوة النبي ﷺ حملن طول اليد على الحقيقة فلم ينكر عليهن. وأما ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن الأصم عن ميمونة أن النبي ﷺ قال لهن: ليس ذلك أعني إنما أعني أصنعكن يدًا، فهو ضعيف جدًا، ولو كان ثابتًا لم\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٩٠٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٧ - باب من فضائل زينب أم المؤمنين.","vol":"3","page":1336},{"text":"يحتجن بعد النبي ﷺ إلى ذرع أيديهن كما تقدم في رواية عمرة عن عائشة. وقال المهلب: في الحديث دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة. وما قاله لا يمكن اطراده في جميع الأحوال. والله أعلم أهـ.\n* * *","vol":"3","page":1337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>٨ - جويريةُ بنت الحارث أم المؤمنين ﵂</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nجويرية بنتُ الحارث بن أبي ضرار المُصطلقية.\nسُبيتْ يوم غزوة المريْسيع في السنة الخامسة وكان اسمها: بَرَّة، فغير وكانت من أجل النساء. أتت النبي تطلب منه إعانة في فكاك نفسها، فقال: \"أو خيرٌ من ذلك؟ أتزوجُك\" فأسلمت، وتزوج بها؛ وأطلق لها الأسارى من قومها.\nوكان أبوها سيدًا مطاعًا.\nحدث عنها: ابن عباس، وعبيد بن السباق، وكُريب، ومُجاهد، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي، وآخرون وقد قدم أبوها الحارث على النبي ﷺ، فأسلم.\nوعن جويرية، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ، وأنا بنت عشرين سنة.\nتُوفيت أم المؤمنين جُويرية في سنة خمسين. وقيل تُوفيت سنة ست وخمسين، ﵂.\nجاء لها سبعة أحاديث: منها عند البخاري حديث، وعند مسلم حديثان. أهـ.\n١٢٠٩ - * روى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: كانت جويرية اسمها برَّة، فحوَّل رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة.\n١٢١٠ - * روى الحاكم عن عمر ﵁ أن رسول الله ﵌ ضرب على جويرية الحجاب وكان يقسم لها كما يقسمُ لنسائه (١).\n_________\n١٢٠٩ - مسلم (٣/ ١٦٨٧) ٣٨ - كتاب الآداب -٣ - باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية ونحوهما.\n١٢١٠ - المستدرك (٤/ ٢٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1338},{"text":"١٢١١ - * روى أحمد وأبو داود عن عائشة ﵂ قالت: وقعتْ جويرية بنتُ الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس - أو ابن عم له - فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة مُلاحةً، تأخذها العينُ قالت عائشة ﵂: فجاءتْ تسألُ رسول الله ﷺ في كتابتها، فلما قامتْ على الباب فرأيتُها كرهتُ مكانها، وعرفْتُ أن رسول الله ﷺ سيرى منها مثل الذي رأيتُ، فقالتْ: يا رسول الله، أنا جُويرية بنُ الحارث، وإنه كان من أمري ما لا يخفى عليك، وإني وقعتُ في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وإني كاتبتُ على نفسي، فجئتُك أسألك في كتابتي، فقال لها رسول الله ﷺ: \"فهل لك إلى ما هو خيرٌ منه؟ \" قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: \"أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك\" قالت: قد فعلتُ، فتسامع تعني الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية فأرسلوا ما في أيديهم من السبي فأعتقوهم وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ فما رأينا امرأةً كانت أعظم بركة على قومها منها، أُعتق في سبيها مائة أهل بيتٍ من بني المصطلق.\nقال صاحب عون المعبود: قال الشامي: نظرها ﷺ حتى عرف حسنها لأنها كانت أمة ولو كانت حرة ما ملأ عينه منها لأنه لا يكره النظر إلى الإماء أو لأن مراده نكاحها (قالت) نعم يا رسول الله (قد فعلت) زاد الواقدي فأرسل إلى ثابت بن قيس فطلبها منه فقال ثابت: هي لك يا رسول الله بأبي وأمي فأدى ﷺ ما كان عليها من كنايتها وأعتقها وتزوجها. (مائة أهل بيت) بالإضافة أي مائة طائفة كل واحدة منهن أهل بيت، ولم تقل مائة هم أهل بيت لإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مرادًا وقد روى أنهم كانوا أكثر من سبعمائة قاله الزرقاني وفي أسد الغابة ولما تزوجها رسول الله ﷺ حجبها وقسم لها وكان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ جويرية (١). رواه شُعبة ومِسْعَر وابن\n_________\n١٢١١ - أحمد في مسنده (٦/ ٢٧٧).\nوأبو داود (٤/ ٢٢) كتاب العتق، باب - في بيع المكاتب إذا نسخت الكتابة.\nملاحة: الملاحة: بمعنى المليحة، وهذا البناء للمبالغة في الملاحة.\nكتابتها: المكاتبة: أن يشتري العبد نفسه منمولاه ليؤدي ثمنه إليه من كسبه.","vol":"3","page":1339},{"text":"عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس انتهى قال المنذري وفيه محمد بن إسحاق بن يسار انتهى قلت وقد صرح بالتحديث في رواية يونس بن بكير عنه وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده (قال أبو داود هذا) الحديث (حجة في أن الولي هو يزوج) ولو (نفسه) المرأة التي هو وليها لأن النبي ﷺ كان سلطانًا ولا ولي لها والسلطان ولي من لا ولي له أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأيضًا كان ﷺ مولى العتاقة لها ومولى العتاقة ولي المعتقة لكونه عصبة له فلما ثبت أنه ﷺ كان وليًا لها وقد زوجها نفسه الكريمة فقد ثبت أن الولي يزوج نفسه وموضع الاستدلال هو قوله ﷺ \"وأتزوجك\" فإن قلت قد روى ابن سعد في مرسل أبي قلابة قال سبي جويرية يعني وتزوجها فجاء أبوها فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فخلِّ سبيلها فقال \"أرأيت إن خيرتُها أليس قد أحسنت\" قال بلى فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا قالت: فإني أختار الله ورسوله، وسنده صحيح كذا في الإصابة وشرح المواهب ففيه أن أباها كان حاضرًا وقت التزويج. قلت: أبوها وإن أسلم لكن لم يثبت إسلامه قبل هذا التزويج، فكانت كمن لا ولي لها بل يعلم مما ذكره الحافظ في الإصابة في ترجمة الحارث بن أبي ضرار أبي جويرية أن إسلامه بعد هذا التزويج والله أعلم وقال ابن هشام ويقال اشتراها رسول الله ﷺ من ثابت بن قيس واعتقها وأصدقها أربعمائة درهم. أهـ.\n١٢١٢ - * روى الطبراني عن مُجاهد قال: قالت جويرية للنبي ﷺ: \"إن أزواجك يفخرن عليَّ ويقلن: لم يتزوجك النبيُّ ﷺ قال: \"أو لمْ أُعظِمْ صداقكِ، ألم أعتقْ أربعين من قومك\".\n١٢١٣ - * روى الطبراني عن الشعبي قال: كانت جويرية ملكَ رسول الله ﷺ فأعتقها وجعل عتقها صداقها، وأعتق كل أسير من بني المصطلق (١).\n_________\n١٢١٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠) وقال: رواه الطبراني مرسلًا، ورجاله رجال الصحيح.\n١٢١٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠) وقال: رواه الطبراني مرسلًا، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1340},{"text":"١٢١٤ - * روى الطبراني عن الزهري قال: سبى رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار بن الحارث بن عابد بن مالك بن المصطلق من خزاعة، واسم المصطلق خزيمة يوم واقع بني المصطلق (١).\n* * *\n_________\n١٢١٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠) وقال: رواه الطبراني، وإسناده حسن.","vol":"3","page":1341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>٩ - أم حبيبة أم المؤمنين ﵂</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nالسيدة المحجبة: رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي.\nمسندها خمسة وستون حديثًا. واتفق لها البخاري ومسلم على حديثين، وتفرد مسلم بحديثين.\nوهي من بنات عم الرسول ﷺ، ليس في أزواجه من هي أقربُ نسبًا إليه منها، ولا في نسائه من هي أكثر صداقًا منها، ولا من تزوج بها وهي نائيةُ الدار أبعدُ منها.\nعُقد له ﷺ عليها بالحبشة، وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربع مئة دينار، وجهزها بأشياء.\nحدث عنها، أخوها: الخليفةُ معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وأبو صالح السمان، وصفية بنت شيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وشتيْرُ بن شكل، وأبو المليح عامر الهذلي. وآخرون.\nوقدمت دمشق زائرة أخاها. ويقال: قبرها بدمشق. وهذا لا شيء، بل قبرها بالمدينة. وإنما التي بمقبرة باب الصغير: أم سلمة أسماء بنت يزيد الأنصارية.\nقال ابن سعد: ولد أبو سفيان: حنظلة، المقتول يوم بدر؛ وأم حبيبة، توفي عنها زوجُها الذي هاجر بها إلى الحبشة: عُبيد الله بن جش بن رباب الأسدي، معتدًا متنصرًا. عُقِدَ عليها للنبي بالحبشة سنة ست، وكان الولي عثمان بن عفان. كذا قال.\nوعن عثمان الأخنسي: أن أم حبيبة ولدت حبيبة بمكة، قبل هجرة الحبشة.\nوعن أبي جعفر الباقر: بعث رسول الله ﷺ عمر بن أمية إلى النجاشي يخطبُ عليه","vol":"3","page":1342},{"text":"أمُ حبيبة، فأصدقها من عنده أربع مئة دينار وقد كان لأم حبيبة حُرمة وجلالة، ولا سيما في دولة أخيها؛ ولمكانه منها قيل له: خال المؤمنين. أهز\n١٢١٥ - * روى أبو داود عن أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ من حديثها: أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي ﷺ، وأمهرها عنه أربعة آلافٍ، وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شُرحبيل بن حسنة.\nوفي رواية (١): أن النجاشي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله ﷺ على صداق أربعة آلاف درهم، وكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ، فقَبِلَ.\nوفي رواية النسائي (٢): أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي بأرض الحبشة، زوجها النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف، وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، ولم يبعث إليها رسول الله ﷺ بشيء، وكان مهر نسائه أربعمائة درهم.\nقال في عون المعبود:\nفزوجها النجاشي: النجاشي لقب ملك الحبشة، واسم الذي آمن أصحمة، وقد يعد في الصحابة، والأولى أن لا يعد لأنه لم يدرك الصحبة قال القاري: قال الخطابي معنى قوله: زوجها النجاشي رسول الله ﷺ، أي ساعد إليها المهر، فأضيف عقد النكاح إليه لوجود سببه منه وهو المهر، وقد روى أصحاب السير أن الذي عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص وهو ابن عم أبي سفيان (وأمهرها عنه) أي أصدقها النجاشي عن النبي ﷺ. وفي المواهب: وأم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب وقيل اسمها هند. والأول أصح. وأمها صفية بنت أبي العاص فكانت تحت عبيد الله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ثم تنصر وارتد عن الإسلام ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الإسلام، واختلف في وقت نكاح رسول الله ﷺ إياها وفي موضع العقد، فقيل: إنه عقد\n_________\n١٢١٥ - أبو داود (٢/ ٢٣٥) كتاب النكاح: باب الصداق.\n(١) أبو داود في نفس الموضع السابق.\n(٢) النسائي (٦/ ١١٩) كتاب النكاح، باب القسط في الصدقة وإسناده صحيح.\nمهرت: المرأة وأمهرتُها: إذا جعلت لها مهرًا وسقت إليها مهرها.","vol":"3","page":1343},{"text":"عليها بأرض الحبشة سنة ست، فروي أنه ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها عليه فزوجها إياه وأصدقها عنه أربع مائة دينار وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة. وقيل: إن عقد النكاح كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة، والمشهور الأول. أهـ.\n* * *","vol":"3","page":1344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>١٠ - صفية أم المؤمنين ﵂</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nصفية بنت حُيي بن أخطب بن سعية، من سبط اللاوي بن نبي الله إسرائيل بن إسحاق ابن إبراهيم، ﵈. ثم من ذرية رسول الله هارون ﵇.\nتزوجها قبل إسلامها: سلام بن أبي الحُقيق، ثم خلف عليها كنانةُ بن أبي الحقيق، وكانا من شعراء اليهود، فقُتل كنانةُ يوم خيبر عنها، وسُبيت، وصارت في سهم دحية الكلبي؛ فقيل للنبي ﷺ عنها؛ وأنها لا تنبغي أن تكون إلا لك. فأخذها من دحية، وعوضه عنها سبعة أرؤس ثم إن النبي ﷺ لما طهرت، تزوجها وجعل عتقها صداقها.\nحدث عنها: عليُّ بن الحسين، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، وكنانة مولاها، وآخرون.\nوكانت شريفة عاقلة، ذات حسب، وجمال، ودين. ﵂.\nقال أبو عمر بن عبد البر: روينا أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود. فبعث عمر يسألها. فقالت: أما السبتُ، فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة؛ وأما اليهودُ، فإن لي فيهم رحمًا، فأنا أصِلُها، ثم قالت للجارية؛ ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان. قالت: فاذهبي فأنت حرة.\nقال الحسن بن موسى الأشيب: حدثنا زهير: حدثنا كنانة، قال: كنتُ أقودُ بصفية لترد عن عثمان، فلقيها الأشترُ، فضرب وجه بغلتها حتى مالت؛ فقالت: ذروني، لا يفضحني هذا! ثم وضعت خشبًا من منزلها إلى منزل عثمان، تنقل عليه الماء والطعام (١).\nوكانت صفية ذات حلم ووقار، وقبرها بالبقيع وقد أوصت بثلثها لأخٍ لها يهودي، وكان ثلاثين ألفًا.\nورد لها من الحديث عشرة أحاديث، منها واحد متفق عليه. أهـ.\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ١٣٨) ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1345},{"text":"١٢١٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أنه أقبل هو وأبو طلحة مع النبي ﷺ، ومع النبي ﷺ صفيةُ يُرْدِفُها على راحلته. فلما كان ببعض الطريق عثرتِ الدابة فصُرع النبي ﷺ والمرأةُ، وإن أبا طلحة قال أحسبُ قال: اقتحم عن بعيره فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، جعلني الله فداءك، هل أصابك من شيء؟ قال: \"لا، ولكن عليك المرأة\" فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه فقصد قصدها، فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة، فشد لهما على راحلتهما فركبا، فساروا، حتى إذا كانوا بظهر المدينة- أو قال: أشرفوا على المدينة - قال النبي ﷺ: \"أيبون، تائبون، عابدون لربنا حامدون\" فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة.\n١٢١٧ - * روى الترمذي عن صفية بنت حيي ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ، وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلامٌ، فذكرت ذلك له، فقال: \"ألا قلت: كيف تكونان خيرًا مني، وزوجي محمدٌ، وأبي هارون، وعمي موسى؟ \" وكان الذي بلغها أنهم قالوا نحنُ أكرم على رسول الله ﷺ منها، وقالوا: نحن أزواج النبي ﷺ، وبناتُ عمه.\nوفي أخرى (١): فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: \"ما يبكيكِ؟ \" فقالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي، فقال النبي ﷺ: \"إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخرُ عليك؟ ثم قال: \"اتقي الله يا حفصة\".\n١٢١٨ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال: لما خلتْ صفية بنتُ حيي رضي الله\n_________\n١٢١٦ - البخاري (٦/ ١٩٢) ٥٦ - كتاب الجهاد-١٩٧ - باب ما يقول إذا رجع من الغزو.\nفصرع: صُرع الراكب: إذا وقع عن ظهر مركوبه.\nاقتحم: أي أسرع على النجدة.\nآيبون: آب الرجل: إذا رجع من سفره.\n١٢١٧٠ الترمذي (٥/ ٧٠٨) ٥٠ - كتاب المناقب- ٦٤ - باب فضل أزواج النبي ﷺ.\n(١) الترمذي في نفس الموضع السابق. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\n١٢١٨ - أحمد في مسنده (٢/ ٢٣٣).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥١) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1346},{"text":"عنها على رسول الله ﷺ فُسْطاطة، حضر ناسٌ وحضرتُ معهم ليكون لي فيها قسمٌ فخرج رسول الله ﷺ، فقال: \"قوموا عن أمكم\" فلما كان من العشاء حضرنا، فخرج رسول الله ﷺ إلينا في طرف ردائه نحو من مُد ونصفٍ من تمر عجوة فقال: \"كلوا من وليمة أمكم\".\n١٢١٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كانت صفية من الصفيِّ.\n١٢٢٠ - * روى أبو داود عن عامر الشعبي ﵀ قال: كان لرسول الله ﷺ سهم يُدعى: الصفيِّ، إن شاء عبدًا، أو أمةً، أو فرسًا، يختاره قبل الخُمسِ.\n١٢٢١ - * روى أبو داود عن ابن عون ﵀ قال: سألتُ محمدًا وهو ابن سيرين - عن سهم رسول الله ﷺ والصفي؟ قال: كان يُضربُ له بسهم مع المسلمين وإن لم يشهد، والصفي: يؤخذ له رأس من الخمس، قبل كل شيء.\nقال صاحب فتح الودود: (رأس) عبدُ أو أمة أو فرس كما في الحديث السابق، (من الخمس) ظاهره أن الصفي يكون من الخمس وظاهر ما سبق أنه من تمام الغنيمة قبل الخمس، إلا أن يقال معنى قبل الخمس قبل أن يقسم الخمس فيرجع إلى هذا الحديث.\n١٢٢٢ - * روى الطبراني عن وحشي بن حرب أن النبي ﷺ لما أفاء الله عليه صفية قال لأًحابه: \"ما تقولون في هذه الجارية؟ \" قالوا: نقول إنك أولى الناس بها وأحقهم. قال: \"فإني أعتقتها واستنكحتها وجعلت عتقها مهرها\" فقال رجل: يا رسول الله الوليمة. قال: \"الوليمة حق والثانية معروف والثالثة فخر وحرج\" (١).\n_________\n١٢١٩ - أبو داود (٣/ ١٥٢) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في سهم الصفي.\nوالحاكم (٣/ ٥٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nالصفي: ما كان يصطفيه رئيس الجيش من الغنائم لنفسه، يأخذه خارجًا عن القسمة، وهو الصفية أيضًا، والجمع: الصفايا.\n١٢٢٠ - أبو داود في نفس الموضع السابق، وإسناده صحيح.\n١٢٢١ - أبو داود في نفس الموضع السابق، ورجاله ثقات، لكنه مرسل.\n١٢٢٢ - المعجم الكبير (٢٢/ ١٣٦). =","vol":"3","page":1347},{"text":"١٢٢٣ - * عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة: \"التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر\" فخرج بي أبو طلحة مُردفي وأنا غُلام راهقتُ الحُلم، فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرًا يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز،، والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال\" ثم قدمنا خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب - وقد قُتِل زوجُها، وكانت عروسًا - فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سد الصهباء حلت، فبنى بها، ثم صنع حيسًا في نطع صغير، ثم قال رسول الله ﷺ: \"آذن من حولك\" فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ على صفية. ثم خرجنا إلى المدينة قال: فرأيتُ رسول الله ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضعُ، ركبتهُ، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب، فسرنا حتى إذا أشرفنا على المدينة نظر إلى أُحدٍ فقال: \"هذا جبل يُحبنا ونُحبه\" ثم نظر إلى المدينة فقال: \"اللهم إني أُحرمُ ما بين لابتيها بمثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم\".\nوفي رواية له (١) عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ صلى الصبح بغَلسٍ، ثم ركب فقال: \"الله أكبر، خربت خيبرُ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحُ المنذرين\" فخرجوا يسعون في السكك ويقولون: محمد والخميس - قال: والخميسُ الجيشُ - فظهر عليهم رسول الله ﷺ، فقتل المقاتلة وسبى الذراري، فصارت صفية لدحية الكلبي، وصارت لرسول الله ﷺ، ثم تزوجها، وجعل صداقها عتقها. فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد، أنت سألت أنسًا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها فتبسم.\n_________\n= وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٥١) وقال: رواه الطبراني، ورجاله وثقهم ابن حبان.\n١٢٢٣ - البخاري (٦/ ٨٦) ٥٦ - كتاب الجهاد -٧٤ - باب من غزا بصبي للخدمة.\nالحيْس: هو الطعام المتخذ من التمر والأقِطّ والسمن وقد يجعل عوض الأقط الدقيق.\nنطع: الجمع: أنطاع: وهو البساط من الجلد.\nيحوي: الحَوية: كساء يعمل حول سنام البعير ليركب عليه، وكذلك إن عمل على كفله ليردف الراكب وراءه أحدًا يركب عليه ليتمكن من الركوب.\n(١) البخاري (٢/ ٤٣٨) ١٢ - كتاب الخوف -٦ - باب التبكير والغلس بالصبح.","vol":"3","page":1348},{"text":"قال السندي: وجعل عتقها صداقها: قيل يجوز ذلك لكل من يريد أن يفعل كذلك، وقيل بل هو مخصوص به إذ يجوز له النكاح بلا مهر وليس لغيره ذلك.\n١٢٢٤ - * روى مسلم عن أنسٍ: كنتُ رِدْفَ أبي طلحة يوم خيبر، وقدمي تمسُّ قدم النبي ﷺ، قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم، فقالوا: محمد والخميسُ، قال: فقال رسول الله ﷺ: \"خرِبَتْ خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين\" قال: وهزمهم الله، ووقعت في سهم دحية جاريةً جميلةً، فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤسٍ، ثم دفعها إلى أُمِّ سُليمٍ تُصنعُها له وتُهيِّئُها، قال: وأحسبُهُ قال: وتعتدُّ في بيتها، وهي صفية بنت حيي، قال: وجعل رسول الله ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن، فُحصت الأرض أفحايص، وجيء بالأنطاع، فوضعت فيها، وجيء بالأقط والسمن، فشبع الناس، قال: وقال الناس: لا ندري: أتزوجها، أم اتخذها أم ولدٍ؟ فقالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يجبها فهي أم ولدٍ، فلما أراد أن يركب حجبها، فقعدت على عجز البعير، فعرفوا أنه قد تزوجها، فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله ﷺ ودفعنا، قال: فعثرتِ الناقة العضباءُ، وندر رسول الله ﷺ وندرتْ، فقام فسترها، وقد أشرفت النساء، فقلن: أبعد الله اليهودية، قال: قلت: يا أبا حمزة، أوقع رسول الله ﷺ؟ قال: إي والله لقد وقع، قال أنس: وشهدتُ وليمة زينب، فأشبع الناس خُبزًا ولحمًا، وكان يبعثني فأدعو الناس، فلما فرغ قام وتبعته، فتخلف رجلان استأنس بهما الحديث لم يخرجا، فجعل يمرُّ على نسائه، فيُسلمُ على كل واحدة منهن: (١) \"سلامٌ عليكم، كيف أنتم يا أهل\n_________\n١٢٢٤ - مسلم (٢/ ١٠٤٥) ١٦ - كتاب النكاح -١٤ - باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها.\nبزغت الشمس: طلعتْ.\nمكاتلهم: جمع مِكتل، وهو الزنبيل.\nمرُورهم: جمع مر وهي المساحي أي المجارف من حديد، قيل المرور الحبال التي يصعدون بها إلى النخل.\nفُحصت الأرض: كشفت، وجعل فيها موضع، ومنه مفحص القطاة.\nدفع: أسرع في سيره.\nالعضباء: اسم ناقة رسول الله ﷺ، ولم تكن عضباء، فإن العضب شق أذن الناقة، ولم تكن مشقوقة الأذن.\nندر: من ظهر الدابة: إذا سقط عنها بغتة.","vol":"3","page":1349},{"text":"البيتِ؟ \" فيقولون: بخيرٍ يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فيقول: \"بخير\" فلما فرغ رجع، ورجعت معه، فلما بلغ الباب إذا هو بالرجلين قد استأنس بهما الحديث، فلما رأياه قد رجع قاما فخرجا، فوالله ما أدري، أنا أخبرته، أم أُنزل عليه الوحي بأنهما قد خرجا؟ فرجع ورجعت معه، فلما وضع رجله في أسكفة الباب أرخى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله ﷿ ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية (١).\nوفي أخرى له (٢) قال: صارت صفية لدحية في مقسمِهِ، وجعلوا يمدحونها عند رسول الله صلى الله علي وسلم، ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها، قال: فبعث إلى دحية، فأعطاهُ بها ما أراد، ثم دفعها إلى أمي، فقال: \"أصلحيها\" قال: ثم خرج رسول الله ﷺ من خيبر، حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثم ضرب عليها القُبة، فلما أصبح رسول الله ﷺ قال: \"من كان عنده فضلُ زادٍ فليأتنا به\" قال: فجعل الرجلُ يجيءُ بفضل التمر وفضل السويق، حتى جعلوا م ذلك سوادًا حيسًا، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس، ويشربون من حياضٍ إلى جنبهم من ماء السماء، قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ عليها، قال: فانطلقنا حتى إذا رأينا جُدُر المدينة هششنا إليها، فرفعنا مطينا، ورفع رسول الله ﷺ مطيته، قال: وصفيةُ خلفهُ قد أردفها رسول الله ﷺ، قال: فعثرتُ مطية رسول الله صلى الله عليه وسلمن فصُرع وصُرعت، قال: فليس أحدٌ من الناس ينظر إليه ولا إليها، حتى قام رسول الله ﷺ فسترها، قال: فأيتناهُ، فقال: \"لم نُضَرُّ\" قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشتمن بصرعتها.\n١٢٢٥ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما دخل رسول الله ﵌ بصفية باتَ أبو أيوب على باب النبي ﵌ فلما أصبح\n_________\n(١) الأحزاب: ٥٣.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق (٣/ ١٠٤٧).\nهُشيشنا للأمر: فرحنا به وسررنا برؤيته.\nرفعنا مطينا: جعلنا إبلنا تبالغ في السير.\nفصرع: صُرع الرجل عن ظهر الدابة: إذا سقط عنها.\n١٢٢٥ - المستدرك (٤/ ٢٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1350},{"text":"فرأى رسول الله ﵌ كبرَ، ومع أبي أيوب السيفُ، فقال: يا رسول الله كانت جارية حديثة عهدٍ بعُرسٍ، وكنت قتلت أباها وأاها وزوجها فلم آمنها عليك فضحك رسول الله ﵌ وقال له خيرًا.\n١٢٢٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: كان بعيني صفية خضرة، فقال لها النبي ﷺ: \"ما هذه الخضرة بعينيك؟ \" قالت قلتُ لزوجي: إني رأيتُ فيما يرى النائم، كأن قمرًا وقع في حجري. فلطمني وقال: أتريدين ملك يثرب قالت: وما كان أبغض إليَّ من رسول الله ﷺ قتل أبي وزوجي فما زال يعتذرُ إليَّ وقال: \"يا صفية إن أباك ألب عليَّ العرب، وفعل. وفعل\" حتى ذهب ذلك من نفسي (١).\n* * *\n_________\n١٢٢٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٥١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>١١ - ميمونة أم المؤمنين ﵂</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nبنت الحارث بن حزن بن بُجير بن الهُزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية.\nزوج النبي ﷺ، وأخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد، وخالة ابن عباس.\nتزوجها أولًا مسعود بن عمرو الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها. وتزوجها أبو رُهم بن عبد العزى، فمات. فتزوج بها النبي ﷺ في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة سبع في ذي القعدة. وبنى بها بسرف- أظنه المكان المعروف بأبي عُروة-.\nوكانت من سادات النساء. روت عدة أحاديث.\nحدث عنها ابن عباس، وابن أختا الآخر: عبد الله بن شداد بن الهاد، وعُبيدُ بن السباق، وعبد الرحمن بن السائب الهلالي وابن أختها الرابع: يزيد بن الأصم، وكُريب مولى ابن عباس، ومولاها سليمان بن يسار، وأخوه: عطاء بن يسار. وآخرون.\nوقال خليفة: توفيت سنة إحدى وخمسين. ﵂.\nروى لها سبعة أحاديث في \"الصحيحين\"، وانفرد لها البخاري بحديث. ومسلم بخمسة. وجميع ماروت ثلاثة عشر حديثًا. أهـ.\n١٢٢٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: \"الأخوات المؤمنات ميمونة زوج النبي ﷺ، وأم الفضل امرأة العباس، وأسماء بنت عُميس امرأة جعفر، وامرأة حمزة وهي أختهن لأمهنْ\" (١).\n_________\n١٢٢٧ - المعجم الكبير (١١/ ٤١٥).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٦٠) وقال: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح.","vol":"3","page":1352},{"text":"١٢٢٨ - * روى الحاكم عن ابن عباس قال: كان اسم حالتي ميمونة برة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة.\n١٢٢٩ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ تزوج ميمونة بن الحارث ﵂ وأقام بمكة ثلاثًا، فأتاه حويطبُ بن عبد العُزى في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا له: إنه انقضى أجلك فاخرج عنا قال: \"وما عليكم لو تركتموني فأعرستُ بين أظهركم، فصنعتُ لكم طعامًا، فحضرتموه\" قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا فخرج بميمونة بنت الحارث ﵂ حتى أعرس بها بسرفٍ.\n١٢٣٠ - * روى الطبراني عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة بسرف.\n١٢٣١ - * روى الحاكم عن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة قال: تلقيتُ عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن لطلحة بن عبيد الله وهو ابن أختها وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة، فأصبنا منه، فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله، وأقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله تعالى ساقك حتى جعلك في أهل بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة ورُمي برسنك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله ﷿ وأوصلنا للرحم.\nقال الذهبي في التلخيص:\nفيه دليل على أن ميمونة ماتت قبل عائشة فبطل قول من قال ماتت سنة إحدى وستين، أهـ (١).\n_________\n١٢٢٨ - الحاكم (٤/ ٣٠) وقال: صحيح وأقره الذهبي.\n١٢٢٩ - المستدرك (٤/ ٣١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\nمعرف: موضع قريب من مكة.\n١٢٣٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٣١ - المستدرك (٤/ ٣٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1353},{"text":"١٢٣٢ - * روى أحمد عن أبي رافع قال: كنت في بعثٍ مرة فقال رسول الله ﷺ \"اذهب فائتني بميمونة\" فقلت: يا رسول الله إني في البعث، فقال رسول الله ﷺ \"أليس تُحبُّ ما أحبُّ\" فقلت: بلى. قال: \"فاذهب فائتني بها\" فذهبت فجئت بها.\nقال في الفتح الرباني:\nوتوفيت ميمونة في الموضع الذي بنى فيه رسول الله ﷺ باتفاق ودفنت في موضع قبتها وذلك سنة إحدى وخمسين على الصحيح كما في التقريب. أهـ.\n١٢٣٣ - * روى الطبراني عن يزيد بن الأصم قال: رأيت ميمونة تحلقُ رأسها بعد رسول الله ﷺ فقلت ليزيد بن الأصم فقال: أراها تبتذل.\n١٢٣٤ - * روى أبو يعلي عن يزيد بن الأصم قال: ثقلت ميمونة زوج النبي ﷺ بمكة وليس عندها أحد من بني أخيها. فقالت: أخرجوني من مكة، فإني لا أموت بها، كان رسول الله ﷺ أخبرني أني لا أموت بمكة. قال: فحملوها حتى أتوا بها سرف إلى الشجرة التي بنى بها رسول الله ﷺ تحتها في موضع الفيئة قال: فماتت، فلما وضعناها في لحدها أخذت ردائي فوضعته تحت خدها في اللحد، فأخذه ابن عباس فرمى به.\n١٢٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن عطاء قال (١): حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة\n_________\n١٢٣٢ - أحمد في مسنده (٦/ ٣٩١).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٩) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن علي بن رافع وهو ثقة.\n١٢٣٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٩) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عقبة بن وهب وهو ثقة.\nفقلت ليزيد: سأله عن سبب ذلك.\nتبتذل: تبتعد عن الزينة.\n١٢٣٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٩) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٣٥ - البخاري (٩/ ١١٢) ٦٧ - كتاب النكاح -٤ - باب كثرة النساء.\nومسلم (٢/ ١٠٨٦) ٦٧ - كتاب الرضاع -١٤ - باب جواز هبتها نوبتها لضرتها.","vol":"3","page":1354},{"text":"زوج النبي ﷺ بسرف فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا فإنه كان عند النبي ﷺ تسع كان يقسم لثمانٍ ولا يقسم لواحدة.\nفكان يقسم لثمان: من جملتهن ميمونة ﵂، أي فينبغي أن تعرفوا فضلها وتراعوه.\n١٢٣٦ - * روى الطبراني عن ميمون بن مهران قال: أتيت صفية بنت شيبة امرأة كبيرة فقلت لها: أتزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم؟ قالت: لا، ولقد تزوجها وهما حلالان.\n* * *\nهؤلاء من أزواج رسول الله ﷺ اللاتي بنى عليهن ودخل فيهن وثبت لهن اسم أمهات المؤمنين فعليهن رضوان الله (١).\n* * *\n_________\n١٢٣٦ - المعجم الكبير (٢٤ - ٣٢٤).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٦٨) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجال الكبير رجال الصحيح.","vol":"3","page":1355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>عطف: فيمن عقد عليهن ولم يدخل بهنّ</span>\nوالمشهور أن هناك ثنتين عقد عليهما رسول الله ﷺ ولم يدخل بهما:\nإحداهما من بني كلاب وأخرى من كندة وهي المعروفة بالجونية، وقيل إن الكلابية والجونية واحدة، وبعضهم يرى أن المعقود عليهن بلا دخول أكثر من ذلك، وجميع هؤلاء لم تثبت لهن التسمية بأمهات المؤمنين وليس لهن حقوق الأزواج.\nونحن هنا سنذكر بعض الروايات الواردة في أصولنا عن ذلك مما يتوافر فيه شرطنا، كما سنذكر بعض الروايات التي لها علاقة بسراريه والواهبات أنفسهن له ﵊، وكل ذلك تحت عنوان عطف على وصل.\n* * *","vol":"3","page":1356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>عطف على وصل</span>\n١٢٣٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: إن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: \"لقد عُذتِ بعظيم، الحقي بأهلك\".\nوفي رواية النسائي (١): أن الكلابية لما دخلتْ على النبي ﷺ ... الحديث.\nقال السندي: قوله (الحقي بأهلك) نعلم منه أن الطلاق لا يتوقف على التصريح بل يقع بالكناية.\nقال في الفتح: والصحيح أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل كما في حديث أبي أسيد، وقال مرة: أميمة بنت شراحيل فنسبت لجدها، وقيل اسمها أسماء، وروى ابن سعد عن الواقدي عن ابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: \"تزوج النبي ﷺ الكلابية\" فذكر مثل حديث الباب، وقوله الكلابية غلط وإنما هي الكندية، فكأنما الكلمة تصحفت. نعم للكلابية قصة أخرى ذكرها ابن سعد أيضًا بهذا السند إلى الزهري وقال: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، فاستعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعْرَ وتقول: أنا الشقية. قال وتوفيت سنة ستين. ومن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده \"أن الكندية لما وقع التخيير اختارت قومها ففارقها، فكانت تقول: أنا الشقية\". ومن طريق سعيد بن أبي هند أنها استعاذت منه فأعاذها. ومن طريق الكلبي اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو، وحكى ابن سعد أيضًا أن اسمها عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل بنت يزيد بن الجون. وأشار ابن سعد إلى أنها واحدة اختلف في اسمها، والصحيح أن التي استعاذت منه هي الجونية. وروى ابن سعد من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: لم تستعذ منه امرأة غيرها. قلت: وهو الذي يغلب على الظن، لأن ذلك وقع للمستعيذة بالخديعة المذكورة فيبعد أن تخدع أخرى بعدها بمثل ما خدعت به بعد شيوع\n_________\n١٢٣٧ - البخاري (٩/ ٣٥٦) ٦٨ - كتاب الطلاق-٣ - باب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟.\n(١) النسائي (٦/ ١٥٠) كتاب الطلاق، باب مواجهة الرجل المرأة بالطلاق.","vol":"3","page":1357},{"text":"الخبر بذلك. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن النبي ﷺ تزوج الجونية. واختلفوا في سبب فراق فقال قتادة: لما دخل عليها دعاها فقالت: تعال أنت. فطلقها. وقيل كان بها وضح (١) كالعامرية قال: وزعم بعضهم أنها قالت أعوذ بالله منك فقال: \"قد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني\" فطلقها. قال: وهذا باطل إنما قال له هذا امرأة من بني العنبر وكانت جميلة فخاف نساؤه أن تغلبهن عليه فقلن لها إنه يعجبه أن يقال له نعوذ بالله منك ففعلت، فطلقها. كذا قال، وما أدري لم حكم ببطلان ذلك مع كثرة الروايات الواردة فيه وثبوته في حديث عائشة في صحيح البخاري. أهـ فتح الباري.\n١٢٣٨ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵄ قال: ذُكر لرسول الله ﷺ امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل فقدمت، فنزلت في أُجُمِ بني ساعدة، فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءها، فدخل عليها، فإذا امرأة منكسةً رأسها، فلما كلها رسول الله ﷺ قالت: أعوذ بالله منك، قال: \"قد أعذْتُك مني\" فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله، جاءك ليخطبك، قالت: أنا كنت أشقى من ذلك، قال سهل: فأقبل رسول الله ﷺ يومئذٍ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: \"اسقنا\"- لسهلٍ- قال: فأخرجت لهم هذا القدح، فأسقيتهم فيه، قال أبو حازم: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا فيه، ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز، فوهبه له.\n١٢٣٩ - * روى البخاري عن أبي أُسيد ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ، حتى انطلقنا إلى حائطٍ يقال له: الشوطُ، حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي\n_________\n(١) الوضح: البياض وقد يكنى به عن البرص.\n١٢٣٨ - البخاري (١٠/ ٩٨) ٧٤ - كتاب الأشربة- ٣٠ - باب الشرب من قدح النبي ﷺ وآنيته.\nومسلم (٣/ ١٥٩١) ٣٦ - كتاب الأشربة -٩ - باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرًا.\nالأجم: واحد الآجام، وهي الحصون. أنا كنت أشقى من ذلك، ليس أفعل التفضيل هنا على بابه وإنما مرادها إثبات الشقاء لها لما فاتها من التزوج برسول الله ﷺ.\n١٢٣٩ - البخاري (٩/ ٣٥٦) ٦٨ - كتاب الطلاق - باب منطلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟.\n= إلى حائط يقال له الشوط: بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهمله وقيل معجمة، وهو بستان في المدينة معروف.","vol":"3","page":1358},{"text":"ﷺ \"اجلسوا هاهنا\" ودخل، وقد أُتي بالجونية فأنزلت في بيتٍ في نخلٍ، في بيتِ أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتُها حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: \"هي نفسك لي\" قالت: وهل تهب الملكةُ نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يدهُ عليها لتسكُن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: \"قد عُذتِ بمعاذٍ\" ثم خرج علينا فقال: \"يا أبا أُسيد اكسُها رازقيين، وألحقها بأهلها\".\nوفي رواية (١) عن أبي أسيد، وعن سهل بن سعد قالا: تزوج النبي ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيدٍ أن يجهزها ويكسوها ثوبيين رازقيين.\nقال صاحب الفتح: (حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ: اجلسوا ههنا ودخل) أي إلى الحائط. وفي رواية لابن سعد عن أبي أسيد قال \"تزوج رسول الله ﷺ امرأة من بني الجون فأمرني أن آتيه بها فأتيته بها فأنزلتها بالشوط من وراء ذباب في أطم، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فخرج يمشي ونحن معه. وذُباب بضم المعجمة وموحدتين مخففًا جبل معروف بالمدين، والأطم الحصون هو الأجم أيضًا والجمع آطام وآجام كعنق وأعناق، وفي رواية لابن سعد أن النعمان بن الجون الكندي أتى النبي ﷺ مسلمًا فقال: ألا أزوجك أجمل أيم في العرب؟ فتزوجها وبعث معه أبا أسيد الساعدي، قال أبو أسيد: فأنزلها في بني ساعدة فدخل عليها نساء الحي فرحين بها وخرجن فذكرن من جمالها. قوله (فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل) هو بالتنوين في الكل، وأميمة بالرفع إما بدلًا عن الجونية وإما عطف بيان، وظن بعض الشراح أنه بالإضافة فقال في الكلام على الرواية التي بعدها: تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل ولعل التي نزلت في بيتها بنت أخيها، وهو مردود فإن مخرج الطريقين واحد، وإنما جاء الوهم من إعادة لفظ \"في بيت\" وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في\n_________\n= السوقة: من الناس: العامة والرعاع.\nرازقيين: الثياب الرازقية: ثياب من كتان.\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق.","vol":"3","page":1359},{"text":"مسنده عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال \"في بيت في النخل أميمة إلخ\" وجزم هشام بن الكلبي بأنها أسماء بنت النعمان بن شراحيل بن الأسود بن الجون الكندية، وكذا جزم بتسميتها أسماء محمد بن إسحاق ومحمد بن حبيب وغيرهما، فلعل اسمها أسماء ولقبها أميمة. ووقع في المغازي رواية يونس بن بكير عن ابن إسحق\" أسماء بنت كعب الجونية\" فلعل في نسبها من اسمه كعب نسبها إليه، وقيل هي أسماء بنت الأسود بن الحارث بن النعمان. قوله (ومعها دايتها حاضنة لها) الداية بالتحتانية الظئر المرضع وهي معربة، ولم أقف على تسمية هذه الحاضنة. قوله (هبي نفسك لي إلخ) السوقة بضم السين المهملة يقال للواحد من الرعية والجمع، قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم فيساقون إليه ويصرفهم على مراده، واما أهل السوق فالواحد منهم سوقي. قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بملك كائنًا من كان، فكأنه استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، وكان ﷺ قد خير أن يكون ملكًا نبيًا فاختار أن يكون عبدًا نبيًا تواضعًا منه ﷺ لربه، ولم يؤاخذها النبي ﷺ بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها، وقال غيره يحتمل أنها لم تعرفه ﷺ فخاطبته بذلك، وسياق القصة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال، نعم سيأتي في أواخر الأشربة م طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال \"ذكر للنبي ﷺ امرأة من العرب، فأمر أبا أٍيد الساعدي أن يرسل إليها فقدمت، فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبي ﷺ حتى جاء بها فدخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها قالت: أعوذ بالله منك، قال: لقد أعذتك مني\" فقالوا لها أتدرين من هذا؟ هذا رسول الله ﷺ جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك. فإن كانت القصة واحدة فلا يكون قوله في حديث الباب ألحقها بأهلها ولا قوله في حديث عائشة الحقي بأهلك تطليقًا، ويتعين أنها لم تعرفه. وإن كانت القصة متعددة ولا امنع من ذلك فلعل هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها الاضطراب. وقد ذكر ابن سعد بسند فيه العزرمي الضعيف عن ابن عمر قال \"كان في نساء النبي ﷺ سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، قال: وكان النبي ﷺ بعث أبا أسيد الساعدي يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر، قال ابن سعد: اختلف عينا اسم الكلابية فقيل فاطمة بنت الضحاك بن سفيان وقيل عمرة بنت يزيد بن عبيد","vol":"3","page":1360},{"text":"وقيل سنا بنت سفيان بن عوف وقيل العاليةب نت ظبيان بن عمرو بن عوف، فقال بعضهم هي واحدة اختلف في اسمها، وقال بعضهم بل كن جمعًا ولكن لكل واحدة منهن قصة غير قصة صاحبتها\". ثم ترجم الجونية فقال: أسماء بنت النعمان. ثم أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون قال \"قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على رسول الله ﷺ مسلمًا فقال: يا رسول الله ألا أزوجك أجمل أيم في العرب، كانت تحت ابن عم لها فتوفي وقد رغبت فيك؟ قال: نعم. قال: فابعث من يحملها لك. فبعث معه أبا أسيد الساعي. قال أبو أسيد فأقمت ثلاثة أيام ثم تحملت معي في محفة فأقبلت بها حتى قدمت المدينة فأنزلتها في بني ساعدة، ووجهت إلى رسول الله ﷺ وهو في بني عمرو بن عوف فأخبرته\" الحديث. قال ابن أبي عون: وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع. ثم أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم عن أبي أسيد قال \"بعثني رسول الله ﷺ إلى الجونية فحملتها حتى نزلت بها في أطم بني ساعدة، ثم جئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فخرج يمشي على رجليه حتى جاءها\" الحديث. ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: اسم الجونية أسماء بنت النعمان بن أبي الجون، قيل لها اسعيذي منه فإنه أحظى لك عنده، وخدعت لما رؤي من جمالها، وذكر لرسول الله ﷺ من حملها على ما قالت فقال: \"إنهن صواحب يوسف وكيدهن\" فهذه تنزل قصتها على حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، وأما القصة التي في حديث الباب من رواية عائشة فيمكن أن تنزل على هذه أيضًا فإنه ليس فيها إل الاستعاذة، والقصة التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصة، فيقوى التعدد، ويقوي أن التي في حديث أبي أسيد اسمها أميمة والتي في حديث سهل اسمها أسماء والله أعلم. وأميمة كان قد عقد عليها ثم فارقها وهذه لم يعقد عليها بل جاء ليخطبها فقط. قوله (فأهوى بيده) أي أمالها إليها. ووقع في رواية ابن سعد، فأهوى إليها ليقبلها، وكان إذا اختلى النساء أقعى وقبل\" وفي رواية لابن سعد \"فدخل عليها داخل من النساء وكانت من أجمل النساء فقالت: إنك من الملوك فإن كنت تريدين أن تحظي عند رسول الله ﷺ فإذا جاءك فاستعيذي منه\" ووقع عنده عن هشام بن محمد عن عبد الرحمن بن الغسيل بإسناد حديث الباب \"أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت فمشطتاها وخضبتاها، وقالت لها إحداهما: إن النبي ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول أعوذ بالله","vol":"3","page":1361},{"text":"منك\". قوله؛ فقال: قد عذت بمعاذ) هو بفتح الميم ما يستعاذ به، أو اسم مكان العوذ، والتنوين فيه للتعظيم. وفي رواية ابن سعد \"فقال بكمه على وجهه وقال: عذت معاذًا. ثلاث مرات\" وفي أخرى له \"فقال أمن عائذ الله\" قوله (ثم خرج علينا فقال: \"يا أبا أٍيد اكسها رازقيين\" براء ثم زاي ثم قاف بالتثنية صفة موصوف محذوف العلم به، والرازقية ثياب من كتان بيض طوال قاله أبو عبيدة. وقال غيره: يكون في داخل بياضها زرقة، والرازقي الصفيق. قال ابن التين: متعها بذلك إما وجوبًا وإما تفضلًا. قلت: سيأتي حكم المتعة في كتاب النفقات قوله (وألحقها بأهلا) قال ابن بطال: ليس في هذا أنه واجهها بالطلاق. وتعقبه ابن المنير بأن ذلك ثبت في حديث عائشة أول أحاديث الباب، فيحمل عل أنه قال لها الحقي بأهلك، ثم لما خرج إلى أبي أسيد قال له ألحقها بأهلها، فلا منافاة، فالأول قصد به الطلاق والثاني أراد به حقيقة اللفظ وهو أن يعيدها إلى أهلها، لأن أبا أسيد هو الذي كان أحضرها كما ذكرناه. ووقع في رواية لابن سعد عن أبي أسيد قال \"فأمرني فرددتها إلى قومها\" وفي أخرى له \"فلما وصلت بها تصايحوا وقالوا: إنك لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت: خُدعتُ. قال فتوفيت في خلافة عثمان\". قال \"وحدثني هشام بن محمد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية أنها ماتت كمدًا\" ثم روى بسند فيه الكلبي \"أن المهاجر بن أبي أمية تزوجها، فأراد عمر معاقبتها فقالت: ما ضرب عليَّ الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين. فكف عنها\" وعن الواقدي: سمعت من يقول عن عكرمة بن أبي جهل خلف عليها، قال: وليس ذلك يثبت. ولعل ابن بطال أراد أنه لم يواجهها بلفظ الطلاق. وقد أخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الوليد بن عبد الملك كتب إيه يسأله، فكتب إليه: ما تزو النبي ﷺ كندية إلا أخت بني الجون فملكها. فلما قدمت المدينة نظر إليها فطلقها ولم يبن بها. فقوله فطلقها يحتمل أن يكون باللفظ المذكور قبل ويحتمل أن يكون واجهها بلفظ الطلاق، ولعل هذا هو السر في إيراد الترجمة بلفظ الاستفهام دون بت الحكم. واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها إذ لم يجر ذكر صورة العقد، وامتنعت أن تهب له نفسها فكيف يطلقها؟ والجواب أنه ﷺ كان له أن يزوج من نفسه بغير إذن المرة وبغير إذن وليها، فكان مجرد إرساله إليها وإحضارها ورغبته فيها كافية في ذلك، ويكون قوله \"هي لي نفسك\" تطييبًا لخاطرها واستمالة لقلبها، ويؤيده قوله في","vol":"3","page":1362},{"text":"رواية لابن سعد \"أنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وأن أباها قال له: إنها رغبت فيك وخطبت إليك\" أهـ.\n١٢٤٠ - * روى البخاري عن ثابت البناني ﵀ قال: كنت عند أنس وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها! واسوأتاه، واسوأتاه، قال: هي خيرٌ منك، رغبت في النبي ﷺ، ففرضت عليه نفسها.\nقال في الفتح: (قوله) (وعنده ابنة له) لم أقف على اسمها وأظنها أُمينة بالتصغير. قوله (جاءت امرأة) لم أقف على تعيينها، وأشبه من رأيت بقصتها ممن تقدم ذكر اسمهن في الواهبات ليلى بنت قيس بن الخطيم، ويظهر لي أن صاحبة هذه القصة غير التي في حديث سهل، قوله (واسوأتاه) أصل السوءة- وهي بفتح المهملة وسكون الواو بعدها همزة - الفعلة القبيحة. وتطلق على الفرج، والمراد هنا الأول. والألف للندبة والهاء للسكت. ثم ذرك المصنف حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة مطولًا، وسيأتي شرحه بعد ستة عشر بابًا، وفي الحديثين جواز عرض المرأة نفسه على الرجل وتعريف رغبتها فيه وأن لا غضاضة عليها في ذلك. وأن الي تعرض المرأة نفسها عليه بالاختيار لكن لا ينبغي أن يصرح لها بالرد بل يكفي السكوت. وقال المهلب: فيه أن على الرجل أن لا ينكحها إلا إذا وجد في نفسه رغبة فيها، ولذلك صعد النظر فيها وصوبه. كما سيرد انتهى. وليس في القصة دلالة لما ذكره. قال: وفيه جواز سكوت العالم ومن سئل حاجة إذا لم يرد الإسعاف، وأن ذلك لين في صرف السائل وأأدب من الرد بالقول. أهـ فتح الباري.\n١٢٤١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال لم يكن عند النبي ﷺ امرة وهبت نفسها له (١).\n_________\n١٢٤٠ - البخاري (٩/ ١٧٤) ٦٧ - كتاب النكاح -٣٧ - باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح.\n١٢٤١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٥٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1363},{"text":"١٢٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن عروة عن عائشة ﵂: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ، فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل؟ فلما نزلت ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ (١) قلت: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.\nوفي أخرى (٢)، قلت: كنت أغارُ على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، وذكر نحوه.\nوفي أخرى (٣)، قالت: إن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا، بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (٤) فقلتلها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنتُ أقول له: إن كان ذاك إليَّ، فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا.\nقال السندي: قوله: أما تستحي المرأة قالته تقبيحًا لهذا الفعل وتنفيرًا للنساء عنه لئلا تهب النساء أنفسهن له ﷺ فيكثرن عنده، قال القرطبي: وسبب ذلك لقوة الغيرة، وإلا فقد علمت أن الله تعالى أباح له هذا خاصة وأن النساء معذورات ومشكورات في ذلك لعظيم بركته ﷺ وأي منزلة أشرف من القرب لا سيما مخالطة اللحوم ومشابكة الأعضاء قوله: فقلت إن ربك إلخ كناية عن ترك ذلك التنفير والتقبيح لما رأت من مسارعة الله تعالى في مرضاة النبي ﷺ أي كنت أنفر النساء عن ذلك فلما رأيت الله ﷿ أنه يسارع في مرضاة النبي ﷺ تركت ذلك لما فيه من الإخلال بمرضاته ﷺ، وقال النووي: معنى يسارع في هواك يخفف عنك ويوسع عليك في الأمور ولها خير، وقيل: قولها\n_________\n١٢٤٣ - البخاري (٩/ ١٦٤) ٦٧ - كتاب النكاح- ٢٩ - باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد.\nومسلم (٢/ ١٠٨٥) ١٧ - كتاب الرضاع- ١٤ - باب جواز هبتها نوبتها لضرتها.\n(١) الأحزاب: ٥١.\nتُرجي: الإرجاء: التأخير.\n(٢) البخاري (٨/ ٥٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير-٧ - باب \"ترجي من تشاء منهن ... \".\nومسلم (٢/ ١٠٨٥) ١٧ - كتاب الرضاع -١٤ - باب جواز هبتها نوبتها.\n(٣) البخاري في نفس الموضع السابق.\n(٤) الأحزاب: ٥١.","vol":"3","page":1364},{"text":"المذكور أبرزته للغيرة والدلال وإلا فإضافة الهوى إلى النبي ﷺ غير مناسبة فإنه ﷺ منزه عن الهوى لقوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (١) وهو ممن ينهى النفس عن الهوى. ولو قالت في مرضاتك كان أولى وقد يقال المذموم هو الهوى الخالي عن الهدى لقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) والله أعلم فتأمل.\nقال النووي: هذا من خصائص رسول الله ﷺ. وهو زواج من وهبت نفسها له بلا مهر، قال الله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) واختلف العلماء في هذه الآية، وهي قوله: (تُرجي من تشاء) فقيل: ناسخة لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٤) ومبيحة له أن يتزوج ما يشاء. وقيل: بل نسخت تلك الآية بالسنة، قال زيد بن أرقم: تزوج رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومليكة، وصفية، وجويرية، وقالت عائشة ﵂: ما مات رسول الله صلى الل عليه وسلم حتى أحل له النساء. وقيل عكس هذا، وأن قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ناسخة لقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ والأول: أصح. قال أصحابنا: الأصح: انه ﷺ ما توفي حتى أبيح له النساء مع أزواجه.\nقال في الفتح: قوله (كنت أغار) كذا وقع بالغين المعجمة من الغيرة. ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمد بن بشر عن هشام بن عروة بلفظ \"كانت تعير اللاتي وهبن أنفسهن\" بعين مهملة وتشديد. قوله (وهبن أنفسهن) هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة، ويأتي في النكاح حديث سهل بن سعد \"أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني وهبت نفسي لك\" الحديث، وفيه قصة الرجل الذي طلبها قال \"التمس ولو خاتمًا من حديد\" ومن حديث أنس \"أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت له: إن لي ابنة - فذكرت من جمالها - فآثرتك بها. فقال: وقد قبلتها\" فلم تزل تذكر حتى قالت: لم تصدع قط. فقال: \"لا حاجة لي في ابنتك\" وأخرجه أحمد أيضًا، وهذه امرأة أخرى بلا شك. وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ هي خولة بنت حكيم،\n_________\n(١) النجم: ٣.\n(٢) القصص: ٥٠.\n(٣) الأحزاب: ٥٠.\n(٤) الأحزاب: ٥٢.","vol":"3","page":1365},{"text":"وسيأتي الكلام عليه في كتاب النكاح، فإن البخاري أشار إليه معلقًا. ومن طريق الشعبي قال: من الواهبات أم شريك. وأخرجه النسائي من طريق عروة. وعند أبي عبيدة معمر ابن المثنى أن من الواهبات فاطمة بنت شريح. وقيل إن ليلى بنت الحطيم ممن وهبت نفسها له. ومنهن زينب بنت خزيمة، جاء عن الشعبي وليس بثابت. وخولة بنت حكيم وهو في الصحيح. ومن طريق قتادة عن ابن عباس قال: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ هي ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع. وأورده من وجه آخر مرسل وإسناده ضعيف.\nويعارضه حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس \"لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له \"أخرجه الطبري وإسناده حسن، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له وإن كان مباحًا له لأنه راجع إلى إرادته لقوله تعالى ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ وقد بينت عائشة في هذا الحديث سبب نزول قوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ وأشارت إلى قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وقوله تعالى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ وروى ابن مردويه من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس أيضًا قال: فرض عليهم أن لا نكاح إلا بولي وشاهدين. وقوله (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) أي ما أرى الله إلا موجدًا لما تريد بلا تأخير، منزلًا لما تحب وتختار. وقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي تؤخرهن بغير قسم، وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزين وغيرهم، وأخرج الطبري أيضًا عن الشعبي في قوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قال: كن نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ، فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم ينكحهن، وهذا شاذ، والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات كما تقدم وقيل المراد بقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أنه كان هم بطلاق بعضهن، فقلن له: لا تطلقنا وأقسم لنا ما شئت، فكان يقسم مستويًا، وهن اللاتي آواهن، ويقسم للباقي ما شاء وهن اللاتي أرجأهن. فحاصل ما نقل في تأويل ﴿تُرْجِي﴾ أقوال: أحدها: تطلق وتمسك، ثانيها: تعتزل من شئت منهن بغير طلاق وتقسم لغيرها، ثالثها: تقبل من شئت من الواهبات وترد من شئت. وحديث الباب يؤيد هذا والذي قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة. وظاهر ما حكته عائشة من استئذانه أنه لم يُرج أحدًا منهن، بمعنى أنه لم يعتزل، وهو قول الزهري","vol":"3","page":1366},{"text":"\"ما أعلم أنه أرجا أحدًا من نسائه\"أخرجه ابن أبي حاتم، وعن قتادة أطلق له أن يقسم كيف شاء فلم يقسم إلا بالسوية. قوله (يستأذن المرأة في اليوم) أي الذي يكون فيه نوبتها إذا أراد أن يتوجه إلى الأخرى. تكميل: اختلف في المنفي في قوله تعالى في الآية التي تلي هذه الآية وهي قوله ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ هل المراد بعد الأوصاف المذكورة فكان يحل له صنف دون صنف؟ أو بعد النساء الموجودات عند التخيير؟ على قولين، وإلى الأول ذهب أُبي بن كعب ومن وافقه أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وإلى الثاني ذهب ابن عباس ومن وافقه وأن ذلك وقع مجازاة لهن على اختيارهن إياه، نعم الواقع أنه ﷺ لم يتجدد له تزوج امرأة بعد القصة المذكورة، لكن ذلك لا يرفع الخلاف. وقد روى الترمذي والنسائي عن عائشة \"ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء\" وأخرج ابن أبي حاتم عن أم سلمة ﵂ مثله. أهـ.\n١٢٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، جئت أهب نفسي لك، فنظر إليها رسول الله ﷺ، فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسهُ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلستْ، فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: \"فهل عندك من شيءٍ؟ \" فقال: لا والله يا رسول الله، فقال: \"اذهب إلى أهلك فانظُر: هل تجد شيئًا؟ \" فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله، ما وجدت شيئًا، فقال رسول الله ﷺ: \"انظر ولو خاتمًا من حديد\" فذهب، ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتمًا من حديدٍ، ولكن هذا إزاري- قال سهل: ماله رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ (١): \"ما تصنعُ بإزارك؟ إن لبستهُ لم يكن عليها منهُ شيءٌ، وإن لبسَتْهُ لم يكن عليك منه شيءٌ\" فجلس\n_________\n١٢٤٣ - البخاري (٨/ ٥٢٤) ٦٥ - كتاب التفسير-٧ - باب \"ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء .. \".\nومسلم (٢/ ١٠٤٠) ١٦ - كتاب النكاح -١٣ - باب الصداق و..... \".\nفصعد النظر: تصعيد النظر: أن تنظر إلى أعلى الشيء، وتصويبه: أن تنظر إلى أسفله.\nولو خاتم: هكذا هو في النسخ: خاتم من حديد. وفي بعض النسخ خاتمًا. وهذا واضح. والأول صحيح أيضًا. أي ولو حضر خاتم من حديد =","vol":"3","page":1367},{"text":"الرجل حتى إذا طال مجلسهُ قام، فرآه رسول الله ﷺ موليًا، فأمر به فدُعي، فلما جاء قال: \"ماذا معك من القرآن؟ \" قال: معي سورة كذا، وسورة كذا - عددها - قال: \"تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ \" قال: نعم، قال: \"اذهب، فقد ملكتكَها بما معك من القرآن\".\nوفي حديث زائدة (١): انطلق فقد زوجتكَها، فعلمها من القرآن\".\nوفي حديث فُضيل بن سليمان (٢): فخفض فيها البصر ورفعه، فلم يُردها، فقال رجل من أصحابه: زوجنيها، وفيه: ولكن أُشقق بُردتي هذه، فأعطيها النصف، وآخذُ النصف، قال: \"هل معك من القرآن شيء؟ \" قال: نعم، قال: \"اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن\".\nوفي رواية ابن المديني (٣) قال: إني لفي القوم عند رسول الله ﷺ، إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول الله، إنها قد وهبتْ نفسها لك، فر فيها رأيك، فلم يُجبها شيئًا، ثم قامت فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك فلمْ يُجبها شيئًا، ثم قامت الثالثة فقالت: إنها قد وهبتْ نفسها لك، فر فيها رأيك فقام رجلٌ، فقال: يا رسول الله أنكحنيها.\nوفي أخرى مختصرًا (٤): ان النبي ﷺ قال لرجلٍ \"تزوج ولو بخاتمٍ من حديدٍ\".\n١٢٤٤ - * روى مسلم عن أنس بن مالكٍ ﵁ ان رجلًا كان يُتهمُ بأمِّ ولد\n_________\n= ملكتكها: هكذا هو في معظم النسخ، وكذا نقلها القاضي عن رواية الأكثرين: ملكتها. وفي بعض النسخ: ملكتكها.\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\n(٢) البخاري (٩/ ١٨٨) ٦٧ - كتاب النكاح - ٣٧ - باب إذا كان الولي هو الخاطب.\n(٣) البخاري (٩/ ٢٠٥) ٦٧ - كتاب النكاح - - باب التزويج على القرآن وبغير صداق.\n(٤) البخاري (٩/ ٢١٦) ٦٧ - كتاب النكاح - - بَاب الْمَهْرِ بِالْعُرُوضِ وَخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ.\nومسلم مطولًا (٢/ ١٠٤١) ١٦ - كتاب النكاح - ١٩ - باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد.\n١٢٤٩ - مسلم (٤/ ٢١٣٩) ٤٩ - كتاب التوبة-١ - باب براءة حرم النبي ﷺ من الريبة.","vol":"3","page":1368},{"text":"رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ لعلي: \"اذهبْ فاضربْ عنقهُ\" فأتاهُ فإذا هو في ركيٍّ يتبردُ فيها، فقال له علي: اخرُجْ، فناوله يده، فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف عليٍّ عنه، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنه لمجبوب. ماله ذكر.\nقال النووي: قيل: لعله كان منافقًا ومستحقًا للقتل بطريق آخر، وجعل هذا محركًا لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنا، وكف عنه علي ﵁ اعتماد على أن القتل بالزنا، وقد علم انتفاء الزنا.\n١٢٤٥ - * روى أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: نُهي رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (١) فأحل الله فتياتكم المؤمنات ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (٢) وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ إلى قوله ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء.\n١٢٤٦ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: يا ابن أختي، كان رسول الله ﷺ لا يُفضل بعضنا على بعض في القَسْم من مُكثِهِ عندنا، وكان قل يومٌ إلا وهو\n_________\n= ركي: الركية: البئر.\n١٢٤٥ - أحمد في مسنده (١/ ٣١٨).\nوالترمذي (٥/ ٣٥٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن-٣٤ - باب \"ومن سورة الأحزاب\". وقال: هذا حديث حسن.\n(١) الأحزاب: ٥٢.\n(٢) الأحزاب: ٥٠.\nحبط عمله: أي بطل.\n(٣) المائدة: ٦.\n(٤) الأحزاب: ٥٠.\n١٢٤٦ - أبو دود (٢/ ٢٤٣) كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء. =","vol":"3","page":1369},{"text":"يطوف علينا جميعًا، فيدنُو من كل امرأةٍ من غير مسيس، حتى يبلغ التي هو يومها، فيبيتُ عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقَتْ أن يُفارقها رسول الله ﷺ: يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: تقول: في ذلك أنزل الله ﷿ وفي أشباهها ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ (١).\nقال في عون المعبود: من غير مسيس: وفي رواية من غير وقاع، وهو المراد هنا، (فرقت): أي خافت. (يا رسول الله يومي لعائشة): أي نوبتي ووقت بيتوتتي لعائشة. والحديث فيه دليل على أنه يجوز للرجل الدخول على من لم يكن في يومها من نسائه والتأنيس لها واللمس والتقبيل، وفيه بيان حسن خلقه ﷺ وأنه كان خير الناس لأهله.\nوفيه دليل على جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها ويعتبر رضى الزوج لأن له حقًا في الزوجة فليس لها أن تسقط حقه إلا برضائه.\n١٢٤٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيَّتُهنَّ خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأةٍ منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ، تبتغي بذلك رضي رسول الله ﷺ.\nقال في عون المعبود: القرعة: بحال السفر وليس على عمومه بل لتعين القرعة من يسافر بها. واستدل الحديث على مشروعية القرعة بين الشركاء في القسمة وغير ذلك، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة. قال القاضي عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه لأنها من باب الحظر والغمار - وهو الرهان - وحكي عن الحنفية إجازتها. أهـ.\n١٢٤٨ - * روى مسلم عن أبي سلمة قال: سألتُ عائشة زوج النبي ﷺ كمْ كان صداقُ\n_________\n= نشوز المرأة: بُغضها زوجها، واستعصاؤها عليه، نشوز الزوج: ضربُها وجفاؤها.\n(١) النساء: ١٢٨.\n١٢٤٧ - البخاري (٥/ ٢١٨ ٥١ - كتاب الهبة-١٥ - باب هبة المرأة لغير زوجها ..\n١٢٤٨ - مسلم (٢/ ١٠٤٢) ١٦ - كتاب النكاح -١٣ - باب الصداق.=","vol":"3","page":1370},{"text":"أزواج رسول الله ﷺ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية، ونشأ قالت: أتدري ما النشءُ؟ قال: قلتُ: لا. قالت: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداقُ رسول الله ﷺ لأزواجه.\n١٢٤٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُقَّسِمُ فيعدلُ، ويقول: \"اللهم هذا قسمي فيما أملكُ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\"- يَعني القلب.\nقال في عون المعبود: يقسم فيعدل: أي فيسوي بين نسائه في البيتوتة، واستدل به من قال إن القسم كان واجبًا عليه وذهب البعض إلى أنه لا يجب عليه واستدلوا بقوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية (١) وذلك من خصائصه. (فيما أملك) أي فيما أقدر عليه (فلا تلمني) أي فلا تعاتبني ولا تؤاخذني (فيما تملك ولا أملك) أي عن زيادة المحبة وميل القلب فإنك مقلب القلوب (يعني القلب) هذا تفسير من المؤلف لقوله ما تملك ولا أملك وقال الترمذي يعني به الحب والمودة كذلك فسره أهل العلم. والحديث يدل على أن المحبة وميل القلب أمر غير مقدور للعبد بل هو من الله تعالى، ويدل له قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ - بعد قوله ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (٢) وبه فسروا ﴿اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٣).\n١٢٥٠ - * روى أبو يعلي والطبراني عن أم سلمة قالت: قال لنا رسول الله ﷺ في حجةِ الوداع: \"هي هذه الحجَّةُ ثم الجلوسُ على ظهور الحُصْرِ في البيوت\".\n_________\n= فتلك خمسمائة درهم: أي مجموع المهر.\n١٢٤٩ - أبو داود (٢/ ٢٤٢) كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء.\nوالترمذي (٢/ ٤٣٧) ٩ - كتاب النكاح- ٤٢ - باب ما جاء في التسوية بين الضرائر.\nوالنسائي (٧/ ٦٤) كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض.\n(١) الأحزاب: ٥١.\n(٢) الأنفال: ٦٢.\n(٣) الأنفال: ٢٤.\n١٢٥٠ - المعجم الكبير (٢٣/ ٣١٣).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١٤) وقال: رواه أبو يعلي والطبراني في الكبير بنحوه، ورجال أبي يعلي ثقات.","vol":"3","page":1371},{"text":"١٢٥١ - * روى الطبراني عن أنس قال: أوْلم رسول الله ﷺ على أم سلمة بتمر وسمن.\n١٢٥٢ - * روى أبو يعلي عن عائشة: أن النبي ﷺ أولم على بعض نسائه بمُدَّيْن من شعير (١).\n* * *\n_________\n١٢٥١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.\n١٢٥٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>الوصل الثاني\nفي\nبناته وأبنائه وأحفاده\n﵊</span>","vol":"3","page":1373},{"text":"كل أبناء رسول الله ﷺ وبناته من زوجته خديجة ﵂ ما عدا إبراهيم ﵇ فإنه من مارية القبطية، سريته ﵂، وكل أبنائه الذكور توفوا في حياته ﵊، وقدتوفيت رقية وأم كلثوم وزينب من بناته ﵊ في حياته ولم تنجب منهن إلا زينب فقد جاءتها بنت هي أمامة ﵂ لكنها توفيت ولم تعقب، ومن تأخرت وفاة فاطمة الزهراء بنته ﵊ إلى ما بعد وفاته بقليل وقد أنجبت الحسن والحسين وغيرهما مما سنرى، لكن استمررا الذرية كان في الحسن والحسين فاستمرت ذريته ﵊ في عقب فاطمة ﵂ وسنتحدث في هذا الوصل عن أبنائه وبناته ﷺ: رقية فأم لثوم فزينب ففاطمة ثم ولداها: السن والحسين.\n* * *","vol":"3","page":1375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>أبناؤه ﵊</span>\n١٢٥٣ - * رُوي عن الطبراني الأسود بن سريع قال: لما مات عثمان بنُ مظعون أشفق المسلمون عليه فلما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ قال: \"الْحَقْ بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون\".\n١٢٥٤ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"وُلد لي غلامٌ، فسميته باسم أبي إبراهيم\" ثم دفعهُ إلى أم سيفٍ - امرأة فَيْنِ، يقال له: أبو سيفٍ - فانطلق يأتيه: واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف - وهو ينفخُ بكيره، قد امتلأ البيت دخانًا - فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: يا أبا سيف، أمس، جاء رسول الله فأمسك، فدعا النبي ﷺ بالصبي، فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول، فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه - بين يدي رسول الله ﷺ، فدمعتْ عينا رسول الله ﷺ، فقال: \"تدمعُ العينُ ويحزنُ القلبُ، ولا تقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون\".\n١٢٥٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ كان إبراهيم مُسترضعًا في عوالي المدينة، فكان ينطلقُ ونحن معه، فيدخل البيت، وإنه ليُدِّخَنُ، وكان ظئرهُ قينًا، فيأخذه فيُقبله، ثم يرجع، قال عمرو: فلما تُوفي إبراهيم، قال رسول الله ﷺ: \"إن إبراهيم ابني، وإنهُ مات في الثدي، وإن له لظئرين تُكملان رضاعه في الجنة\" (١).\n_________\n١٢٥٣ - المعجم الكبير (١/ ٢٨٦) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٢٥٤ - مسلم (٤/ ١٨٠٧) ٤٣ - كتاب الفضائل - ١٥ - باب: رحمته ﷺ بالصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك.\nيكيد بنفسه: أي يجود بها. ومعناه: وهي في النزع. القين: الصائغ، وأراد به الحداد.\n١٢٥٥ - مسلم (٤/ ١٨٠٨) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٥ - باب رحمته ﷺ بالصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك.\nالظئر: المرضعة ويسمى زوجها ظئرا لرضيعها، فالظئر تطلق على الذكر والأنثى.\nعوالي المدينة: هي القرى التي عند المدينة.\nمات في الثدي: معناه مات وهو في سن رضاع الثدي. أو في حال تغذيته بلبن اثدي.\nتكملان رضاعه: أي يتمانه سنتين.\nليدِّخنُ: ادخنت النار. دخنت.","vol":"3","page":1376},{"text":"١٢٥٦ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما مات إبراهيم ﵇ قال رسول الله ﷺ: \"إن له مرضعًا في الجنة\".\nقال في الفتح: وقع في رواية الإسماعيلي \"إن له مرضعًا تُرضعه في الجنة\" والمعنى تكمل إرضاعه لأنه لما مات كان ابن ستة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا على اختلاف الروايتين وقيل إنما عاش سبعين يومًا.\n١٢٥٧ - * روى الطبراني عن ابن أبي أوّْفى وقيل له: هل رأيت إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقال: نعم مات وهو صغير أشبه الناس به ﷺ.\n١٢٥٨ - * روى ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد قالت: لما تُوفي ابن رسول الله ﷺ إبراهيم بكى رسول الله ﷺ فقال له المعزيْ (إما أبو بكر وإما عمر) أنت أحقُّ من عظمَ الله حقه. قال رسول الله ﷺ: \"تدمعُ العينُ ويحزنُ القلب ولا نقول ما يُسخط الرب، لولا أنه وعد صادقٌ وموعودٌ جامعٌ وأن الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم، أفضل مما وجدنا وإنا بك لمحزونون\".\n١٢٥٩ - * روى البخاري عن إسماعيل بن أبي خالدٍ قال: قلت لابن أبي أوفى ﵁: رأيت إبراهين بن النبي ﷺ؟ قال: مات صغيرًا، ولو قُضي أنْ يكون بعد محمدٍ ﷺ نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعدهُ.\nقال في الفتح: قوله (ولو قضى أن يكون بعد محمد نبي عاش ابنه) إبراهيم (ولكن لا نبي بعده) هكذا جزم به عبد الله بن أبي أوفى. ومثل هذا لا يقال بالرأي، وقد تواردعليه جماعة: فأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس قال (١): لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ\n_________\n١٢٥٦ - البخاري (١٠/ ٥٧٧) ٧٨ - كتاب الأدب -١٠٩ - باب من سمى بأسماء الأنبياء.\n١٢٥٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٦٣) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبيد بن جناد الحلبي وهو ثقة.\n١٢٥٨ - ابن ماجه (١ - ٥٠٦، ٥٠٧) -٦ - كتاب الجنائز-٥٣ - باب ما جاء في البكاء على الميت.\nوقال البوصيري في الزوائد: إسناده حسن.\nحقه: الذي هو النهي عن البكاء والأمر بالصبر. لولا أنه: أي أنالموت جامع للخلائق كلها.\n١٢٥٩ - البخاري (١٠/ ٥٧٧) ٧٨ - كتاب الأدب -١٠١ - باب من سمى بأسماء الأنبياء.","vol":"3","page":1377},{"text":"وقال: إن له مرضعًا في الجنة، لو عاش لكان صديقًا نبيًا، ولأعتقتُ أخوالهُ القبط، وروى أحمد وابنُ منده من طريق السدي: سألت أنسًا كم بلغ إبراهيم؟ قال: كان قد ملأ المهد، ولو بقي لكان نبيًا، ولكن لم يكن ليبقى، لأن نبيكم آخر الأنبياء، ولفظ أحمد لو عاش إبراهيم بن النبي ﷺ لكان صديقًا ولم يذكر القصة. فهذه أحاديثُ صحيحة عن هؤلاء الصحابة أنهم أطلقوا ذلك، فلا أدري ما الذي حمل النووي في ترجمة إبراهيم المذكور من كتاب تهذيب الأسماء واللغات على استنكار ذلك ومبالغته حيث قال: هو باطل، وجسارة في الكلام على المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلل. ويحتمل أن يكون استحضر ذلك عن الصحابة المذكورين، فرواه عن غيرهم ممن تأخر عنهم فقال ذلك، وقد استنكر قبله ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" الحديث المذكور فقال هذا لا أدري ما هو، وقد ولد نوح من ليس بنبي، وكما يلد غيرُ النبي نبيًا فكذا يجوز عكسه، حتى نسب قائله إلى المجازفة والخوض في الأمور المغيبة بغير علم إلى غير ذلك، مع أن الذي نقل عن الصحابة المذكورين إنما أتوا فيه بقضية شرطية. أهـ.\n١٢٦٠ - * روى أحمد عن السُّدي قال: سألتُ أنس بن مالك قلت صلى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم؟ قال: لا أدري رحمةُ الله على إبراهيم لو عاش لكان صِديقًا نبيًا (١).\n* * *\n_________\n١٢٦٠ - أحمد في مسنده (٣/ ٢٨١) مطولًا، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٦٢) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>بناته ﵊</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>١ - رُقيةُ بنتُ رسول الله ﷺ</span>\nيقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: قال ابن سعد: تزوجها عُتبةُ بن أبي لهب قبل النبوة كذا قال، وصوابهُ: قبل الهجرة.\nفلما أزِلتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (١)، قال أبوه: رأسي من رأسك حرامٌ، إن لم تطلق بنتهُ. ففارقها قبل الدخول.\nوأسلمت مع أمها - خديجة - وأخواتها. ثم تزوجها عُثمان، وولدت من عثمان عبد الله، وبه كان يُكنى، وبلغ ست سنين، فنقرهُ ديك في وجهه، فطَمِر وجهه، فمات (كمر وجهه: ورِمَ وانتفخ.).\nقال ابن سعد: هاجرت معه إلى الحبشة، الهجرتين جميعًا، ثم هاجرتْ إلى المدينة بعد عثمان، ومرضت قبيل بدر، فخلف النبي ﷺ عليها عثمان؛ فتُوفيت، والمسلمون ببدر. أهـ.\nقال الذهبي في التلخيص: ذكرها عروة في تسمية الذين خرجوا المرة الأولى إلى هجرة الحبشة مع زوجها عثمان. وقيل كانت أصغر من أختها زينب بثلاث سنين وولدت لعثمان عبد الله، مات صغيرًا.\n١٢٦١ - * روى الطبراني عن الزُّهري قال: تُوفيت رُقية يوم جاء زيدُ بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ببشرى بدرٍ.\n* * *\n_________\n(١) المسد: ١.\n١٢٦١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢١٧) وقال: رواه الطبراني وهو مرسل ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>٢ - زينب بنت رسول الله ﷺ</span>\nوأكبرُ أخواتها من المهاجرات السيدات.\nيقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: تزوجها في حياة أمها ابنُ خالتها أبو العاص: فولدت له: أمامة التي تزوج بها عليُّ بن أبي طالب بعد فاطمة، وولدتْ له: عليٍّ بن أبي العاص الذي يُقال: إن رسول الله ﷺ أرْدفهُ يوم الفتح، وأظنه مات صبيًا.\nوذكر ابن سعد: أن أبا العاص تزوج بزينب قبل النبوة. وهذا بعيد.\nأسلمت زينب، وهاجرت قبل إسلام زوجها بست سنين. أهـ.\nوقال الذهبي في تلخيصه للمستدرك: (هي أكبرهن) قاله الزهري فقيل ولدت سنة ثلاثين من مولده - أي مولد النبي ﵊ وماتت سنة ثمان للهجرة. أهـ.\nوقال الذهبي في السير: قال الشعبي: أسلمت زينبُ، وهاجرت، ثم أسلم زوجها بعد ذلك وما فرق بينهما.\nوكذا قال قتادة، وقال: ثم أنزلت \"براءةٌ\" بعد. فإذا أسلمت امرأة قبل زوجها؛ فلا سبيل له عليها، إلا بخطبة.\nوقال ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ رد ابنته إلى أبي العاص بعد سنين بنكاحها الأول ولم يُحدث صداقًا.\nوعن محمد بن إبراهيم التيمي، قال: خرج أبو العاص إلى الشام في عير لقريش، فانتدب لها زيد في سبعين ومئة راكب؛ فلقُوا العير في سنة ست، فأخذوها، وأسروا أناسًا، منهم أبو العاص، فدخل على زينب سحرًا، فأجارته، ثم سألتْ أباها، أن يرُد عليه متاعه ففعل، وأمرها ألا يقربها ما دام مشركًا، فرجع إلى مكة، فأدى إلى كل ذي حق حقه، ثم رجع مسلمًا مهاجرًا في المحرم سنة سبع، فرد عليه زينب بذاك النكاح الأول، وتوفيت في أول سنة ثمان. أهـ.","vol":"3","page":1380},{"text":"١٢٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين تُوفيت ابنته فقال: \"اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني\" فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حِقوَهُ فقال: \"أشعرنها إياهُ\" تعني إزاره.\nروى البزار (١) عن أبي هريرة: بعث رسول الله ﷺ سرية، وكنت فيهم، فقال: \"إن لقيتم هبار بن الأسود، ونافع بن عبد عمرو، فأحرقوهما\"، وكانا نخسًا بزينب بنت رسول الله حين خرجت، فلم تزل ضَبْنَة حتى ماتت.\nثم قال: \"إنْ لقيتموهما، فاقتلوهما؛ فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله\".\n١٢٦٣ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت لما بعث أهل مكة في فداء أساراهُم بعثت زينب بنت رسول الله ﵌ في فداء أبي العاص بقلادةٍ وكانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها فلما رآها رسول الله ﵌ رق لها رقةً شديدةً، وقال: \"إن رأيتُم أن تُطلقوا لها أسيرها وترُدوا عليها الذي لها\".\n_________\n١٢٦٢ - البخاري (٣/ ١٢٥) ٢٣ - كتاب الجنائز -٨ - باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر ومسلم (٢/ ٦٤٦) ١١ - كتاب الجنائز-١٢ - باب في غسل الميت.\nالحقو: الإزار، وسمي الإزار حقوًا، لأنه يُشد على الحقو، وقوله: \"أشعرنها إياه\" يريد: اجعلنه شعارًا لها، وهو الثوب الذي يلي جسدها، فالشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار فوق الشعار، ومنه قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه للأنصار: \"أنتم شعار والناس دثار\".\n(١) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٤٧) وعزاه إلى البزار وقال محققه وإسناده قوي.\nهبار بن الأسود: أسلم، ففي سنن سعيد بن منصور عن ابن عيينةن عن ابن نجيح ... فلم تصبه السريةن وأصابه الإسلام فهاجر، فذكر قصة إسلامه.\nضبنة: الضبنة هي التي أصابها مرض مزمن.\n١٢٦٣ - المستدرك (٤/ ٤٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":1381},{"text":"١٢٦٤ - * روى الطبراني عن عروة بن الزبير أن رجلًا أقبل بزينب بنت رسول الله ﷺ فلحقهُ رجلان من قريش فقاتلاه حتى غلباهُ عليها، فدفعاها فوقعت على صخرة فأسقطتْ وأهريقتْ دمًا، فذهبوا بها إلى أبي سفيان، فجاءتهُ نساء بني هاشم فدفعها إليهن، ثم جاءت بعد ذلك مهاجرة فلم تزل وجعة حتى ماتت من ذلك الوجع، فكانوا يرون أنها شهيدة.\n١٢٦٥ - * روى الطبراني عن ابن جريج قال: قال لي غير واحد كانت زينبُ بنت رسول الله ﷺ أكبر بنات رسول الله ﷺ.\n١٢٦٦ - * روى الطبراني عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة خرجتْ ابنته زينبُ من مكة مع كنانة أو ابن كنانة، فخرجُوا في طلبها فأدركها هبار بن الأسود، فلم يزلْ يطعن بعيرها برُمحه حتى صرعها، وألقت ما في بطنها فتحملت واشتجر فيها بنو هاشمٍ، وبنو أمية، فقال بنو أمية: نحن أحق بها، وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص، وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة، وكانت تقول هذا في سبب أبيك. فقال رسول الله ﷺ: لزيد بن حارثة: \"ألا تنطلقُ فتجيء بزينب\" قال: بلى يا رسول الله. قال: (١) \"فخُذ خاتمي فأعطها إياه\" فانطلق زيد فلم يزل يتلطفُ\n_________\n١٢٦٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢١٦) وقال: رواه الطبراني وهو مرسل ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٦٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢١٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله إلى ابن جريج رجال الصحيح.\n١٢٦٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢١٢، ٢١٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط بعضه، ورواه البزار (٣/ ٢٤٢، ٢٤٣) ورجاله رجال الصحيح.\nكنانة: هو ابن الربيع أخوأبي العاص. كذا في ان هشام.\n(قوله: فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثه ألا تنطلق فتجيء بزينب): كان زيد وقتذاك لا زال له حكم الابن فلم يُلغَ التبني إلا بعد زمن من هذه الحادثة فهو أخ لزينب وقتذاك، وعلى كل حال فهجرة المضطهد به لها أحكام مستثناه من اشتراط المحرم، لكن الضرورات تقدر بقدرها.\n(قوله: قال لها اركبي بين يدي): هي كانت أخته وقتذاك، وقد جرت العادة أن يكون للأكرم صدر الدابة، فهو أراد أن يعطيها صدر الدابة إجلالًا لها لأنها بنت رسول الله ﷺ لكن أدبها وحياءها منعاها من ذلك.\n(قوله: هي خير بناتي أصيبت فيّ) لا ينفي أن تكون فاطمة أفضل منها، بل زينب أفضل بناته من حيثية الابتلاء، لكن عليّ بن الحسين خشي أن يفهم ما فهم أنها أفضل من فاطمة فاعتبر ذلك انتقاصًا فأحب أن يزيل الوهم.","vol":"3","page":1382},{"text":"فلقي راعيًا فقال: لمن ترعى؟ فقال: لأبي العاص. فقال لمن هذه الغنم فقال لزينب بنت محمد ﷺ فسار معه شيئًا، ثم قال هل لك أن أعطيك شيئًا تعطيها إياهُ، ولا تذكره لأحدٍ قال: نعم. فأعطاه الخاتم فعرفته فقالت، من أعطاك هذا؟ قال رجل قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه فلما جاءته قال لها اركبي بين يدي على بعيره، قالت: لا ولك ناركب أنت بين يدي فركب وركبت وراءه حتى إذا أتت فكان رسول الله ﷺ يقول: \"هي خيرُ بناتي أصيبتْ فيِّ \"فبلغ ذلك علي بن حسين فانطلق إلى عروة فقال: ما حديث بلغني عنك أنك تحدثه تنتقصُ حق فاطمة، فقال عروة والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني أنتقص فاطمة حقها لها، وأما بعد ذلك إني لا أُحدثُ به أبدًا.\n١٢٦٧ - * روى الحاكم عن أم سلمة زوج النبي ﵌ أن زينب بنت رسول الله ﵌ أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خُذي لي أمانًا من أبيك، فخرجتْ فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي ﵌ في الصبح يُصلي بالناس، فقالت: أيها الناس إني زينب بنت رسول الله ﵌ وإني قدْ أجرتُ أبا العاص، فلما فرغَ النبي ﵌ من الصلاة قال: \"أيها الناسُ إنهُ لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يُجيرُ على المسلمين أدناهُم\".\n١٢٦٨ - * روى الحاكم عن أنس قال: رأيتُ على زينب بنتِ رسول الله ﷺ بُردة سيراء من حرير.\n١٢٦٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: قدِمَتْ على رسول الله ﷺ حليةً من عند النجاشي أهداها له فيها خاتم من ذهب، فيه فصٍّ حبشيٍّ، قالت (١): فأخذه\n_________\n١٢٦٧ - المستدرك (٤/ ٤٥) وسكت عنه الذهبي، وقد حسنه بعضهم لشواهده.\n١٢٦٨ - المستدرك (٤/ ٤٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\nالسيراء: نوع من البرود فيه خطوط صغيرة، أو يخالطه حرير.\n١٢٦٩ - أبو داود (٤ - ٩٢، ٩٣) كتاب الخاتم، باب ماجاء في الذهب للنساء وإسناده حسن.","vol":"3","page":1383},{"text":"رسول الله ﷺ بعُودٍ معرضًا عنه، أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة ابنة أبي العاص ابنة ابنته زينب، فقال: \"تحَلَّي بهذه يا بُنَيَّةُ\".\n* * *","vol":"3","page":1384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>٣ - أم كُلثوم بنت رسول الله ﷺ</span>\nالبضعةُ الرابعة النبوية.\nالذهبي في سير أعلام النبلاء: يُقال، تزوجها عُتيبةُ بن أبي لهب، ثم فارقها.\nوأسلمت، وهاجرت بعد النبي ﷺ؛ فلما توفيت أختها رقية تزوج بها عثمان - وهي بكر - في ربيع في ربيع الأول سنة ثلاث، فلم تلد له.\nوتوفيتْ في شعبان سنة تسع. فقال النبي ﷺ: \"لو كُن عشرًا لزوجتهن عثمان\" حكاه ابن سعد. أهـ.\n١٢٧٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁، قال: شهدنا بنتًا للنبي ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان، قال: فقال: \"هل منكم رجلٌ لم يقارف الليلة\" فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل، قال: فنزل في قبرها (١).\n* * *\n_________\n١٢٧٠ - البخاري (٣/ ١٥١) ٢٣ - كتاب الجنائز -٣٢ - باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سننه.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس فسماها رقية، والصواب أنها أم كلثوم، وقد وهم حماد في تسميتها فقط.\nوقوله: لم يقارق: أي لم يجامع أهله تلك الليلة.","vol":"3","page":1385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>٤ - فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء عنها: سيدةُ نساء العالمين في زمانها البضعة النبوية، والجهة المصطفوية، أم أبيها (كانت كنية لفاطمة ﵂)، بنت سيد الخلق رسول الله ﷺ أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيةُ الهاشميةُ، وأم الحسنين.\nمولدُها قبل المبعث بقليل. وتزوجها الإمامُ عليُّ بن أبي طالب في ذي القعدة، أو قُبيله، ومن سنة اثنتين بعد وقعة بدر.\nوقال ابن عبد البر: دخل بها بعد وقعة أُحُد. فولدتْ له الحسن والحسين، ومحسنًا، وأم كلثوم، وزينب.\nوروت عن أبيها؛ وروى عنها ابنها الحسين، وعائشة، وأم سلمة، وأنس بن مالك وغيرهم؛ وروايتها في الكتب الستة.\nوقد كان النبي ﷺ يُحبها ويُكرمها ويُسرُّ إليها؛ ومناقبُها غزيرةٌ؛ وكانت صابرة دينةً خيرةً صينةً قانعةً شاكرة لله؛ وقد غضب لها النبي ﷺ لما بلغه أن أبا الحسن هم بما رآه سائغًا من خطبة بنت أبي جهل، فترك عليٍّ الخطبة رعاية لها، فما تزوج عليها ولا تسرى فلما توفيت تزوج وتسرى ﵂.\nولما تُوفي النبي ﷺ حزنت عليه، وبكته، وقالت: يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه! يا أبناه! أجاب ربًا دعاه! يا أبتاه! جنةُ الفردوس مأواه!\nوقالت بعد دفنه: يا أنسُ، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ (١).\nوقد قال لها في مرضه: إني مقبوض في مرضي هذا فبكتْ؛ وأخبرها أنها أول أهله\n_________\n(١) البخاري (٨/ ١٤٩) ٦٤ - كتاب المغازي- ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.","vol":"3","page":1386},{"text":"لحوقًا به، وأنها سيدةُ نساء هذه الأمة فضحكت، وكتمتْ ذلك؛ فلما تُوفي ﷺ، سألتها عائشةُ؛ فحدثتها بما أسر إليها (١).\nوقالت عائشة ﵂: جاءت فاطمةُ تمشي ما تُخطئ مشيتُها مشية رسول الله ﷺ. فقام إليها وقال: \"مرحبًا بابنتي\" (٢).\nولما توفي أبوها تعلقتْ آمالُها بميراثه، وجاءت تطلب ذلك من أبي بكر الصديق. فحدثها أنه سمع من النبي ﷺ يقول: \"لا نورثُ، ما تركنا صدقة\" فوجدت عليه، ثم تعللت - أي تناست وتشاغلت- (٣).\nروى إسماعيل بنُ أبي خالد، عن الشعبيُّ، قال: لما مرضتْ فاطمةُ أتى أبو بكر فاستأذن، فقال عليٍّ: يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذنُ عليك. فقالتْ: أتحبُّ أن آذن له قال: نعم.\nقال الذهبي: عملت السنة ﵂، فلم تأذنْ في بيت زوجها إلا بأمره، قال: فأذنت له، فدخل عليها يترضاها، وقال: والله ما تركتُ الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضات الله ورسوله ومرضاتكم أهل البيت.\nقال: ثم ترضاها حتى رضيت (٤).\nتوفيت بعد النبي ﷺ بخمسة أشهر، أو نحوها؛ وعاشت أربعًا أو خمسًا وعشرين سنة. وأكثر ما قيل: إنها عاشت تسعًا وعشرين سنة؛ والأول أصحُّ. وكانت أصغر من زينب، زوجة أبي العاص بن الربيع؛ ومن رقية؛ زوجة عثمان بن عفان؛ وقد انقطع نسبُ النبي ﷺ إلا من قبل فاطمة؛ لأن أمامة بنت زينب، التي كان النبيُّ ﷺ يحملُها في صلاته\n_________\n(١) البخاري (٨/ ١٣٥) ٦٤ - كتاب المغازي -٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.\n(٢) البخاري (٦/ ٦٢٧) ٦١ - كتاب المناقب -٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nومسلم (٤/ ١٩٠٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي ﵊.\n(٣) البخاري (٦/ ١٩٧) ٥٧ - كتاب فرض الخمس -١ - باب فرض الخمس.\nومسلم (٣/ ١٢٨٠) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير-١٦ - باب قول النبي ﷺ: \"لانورث ما تركناه فهو صدقة\".\n(٤) ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح لكنه مرسل.","vol":"3","page":1387},{"text":"تزوجت بعلي بن أبي طالب، ثم من بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وله رؤية، فجاءها منه أولاد.\nقال الزبير بنُ بكار: انقرض عقبُ زينب.\nوصح أن النبي ﷺ جلل فاطمة وزوجها وابنيهما بكساء، وقال: \"اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، اللهم فأذهِبْ عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا\" (١).\nوعن أبي هريرة: نظر النبي ﷺ إلى عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: \"أنا حزبٌ لمنْ حاربكم، سِلْمٌ لمن سالمكمُ\" (٢).\nوعن أبي سعيد: قال رسول الله ﷺ: \"لا يُبْغِضُنا أهل البيت - أحد، إلا أدخله الله النار\" (٣).\nوعن ابن عباس مرفوعًا: \"أفضل نساء أهل الجنة خديجةُ وفاطمةُ\" (٤).\nوكان لها من البنات: أم كلثوم، زوجة عُمر بن الخطاب؛ وزينبُ، زوجةُ عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب.\nوعن عائشة، قالت: عاشت فاطمةُ بعد النبي ﷺ ستة أشهر، ودُفنتْ ليلًا.\nوقال سعيد بن عفير: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاثٍ خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة؛ وهي بنتُ سبع وعشرين سنة أو نحوها، ودُفِنتْ ليلًا.\nوروى يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: مكثت فاطمةُ بعد النبي ﷺ ستةُ أشهر وهي تَذُوب.\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ٦٩٩) ٥٠ - كتاب المناقب- ٦١ - باب فضل فاطمة بنت محمد ﷺ. وأحمد في مسنده (٦/ ٣٠٤) والحاكم (٢/ ٤١٦).\n(٢) أحمد في مسنده (٢/ ٤٤٣) والحاكم (٣/ ١٤٩).\nورواه الحاكم أيضًا من حديث زيد بن أرقم وكذلك الترمذي (٥/ ٦٩٦) ٥٠ - كتاب المنقاب -٦١ - باب فضل فاطمة بنت محمد ﷺ.\n(٣) أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي.\n(٤) أحمد في مسنده (١/ ٣١٦ - ٢٩٢).","vol":"3","page":1388},{"text":"ومما يُنسبُ إلى فاطمة ولا يصح:\nماذا على منْ شَمَّ تربة أحمد ... ألا يشم مدى الزمان غواليا\nصُبت عليَّ مصائب لو أنها ... صُبتْ على الأيام عُدن لياليا\nولها في مسند بقيَّ ثمانية عشر حديثًا، منها حديث واحد متفق عليه.\nوعن أبي جعفر الباقر: انها تُوفيت بنت ثمانٍ وعشرين سنة، وُلدتْ وقريش تبني الكعبة. قال: وغسلها علي.\nوذكر المسبِّحي: أن فاطمة تزوج بها عليُّ بعد عُرس عائشة بأربعة أشهر ونصف، ولفاطمة يومئذ خمس عشرة سنة وخمسةُ أشهر ونصف.\nقتيبة بن سعيد: حدثنا محمد بن موسى: عن عون بن محمد بن علي عن أمه أم جعفر. وعن عمارة بن مهاجر، عن أم جعفر: أن فاطمة قالت لأسماء بنت عُميس: إني أستقبحُ ما يُصنَعُ بالنساء، يُطرحُ على المرأةِ الثوبُ، فيصفُها أي وهي على نعشها.\nقالت: يا ابنة رسول الله، ألا أريك شيئًا رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبًا.\nفقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله! إذا مِتُّ فغسليني أنت وعليِّ، ولاي دخلن أحد عليّ.\nفلما تُوفيتْ، جاءتْ عائشة لتدخل، فقالت أسماءُ: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر. فجاء، فوقف على الباب، فكلَّم أسماء. فقالت: هي أمرتني. قال: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف.\nقال ابن عبد البر: هي أول من غُطي نعشها في الإسلام على تلك الصفة. أهـ.\n١٢٧١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت (١): دعا النبي ﷺ فاطمة عليها\n_________\n١٢٧١ - البخاري (٨/ ١٣٥) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته.","vol":"3","page":1389},{"text":"السلام في شكواه الذي قُبِضَ فيه، فسارها بشيءٍ فبكتْ، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكتْ، فسألنا عن ذلك؟ فقالت: سارَّني النبي ﷺ أنه يقبضُ في وجعه الذي تُوفي فيه فبكيتُ، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكتُ.\nوفي رواية، قال (١): كن أزواج النبي ﷺ عندهُ لم يُغادِرْ منهن واحدةً فأقبلتْ فاطمةً تمشي، ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئًا فلما رآها رحب بها، فقال: \"مرحبًا بابنتي\" ثم أجلسها عن يمينه - أو عن شماله - ثم سارها، فبكت بكاء شديدًا، فلما رأى جزعها سارها الثانية، فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار، ثم أنت تبكين؟ فلما قام رسول الله ﷺ سألتها: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله ﷺ سِرَّهُ، قالت: فلما تُوفي رسول الله ﷺ قلت: عزمتُ عليك بمالي عليك من الحق، لما حدثتيني ما قال لك رسول الله ﷺ، قالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى، فأخبرني أن جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن في كل سنة مرةً، وإنه عارضهُ الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية، فقال: يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين - أو سيدة نساء هذه الأمة -؟ قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت.\nوفي أخرى (٢) عن عائشة قالت: اجتمع نساء النبي ﷺ. فلمْ يُغادرْ منهن امرأة. فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله ﷺ. فقال: \"مرحبًا بابنتي\"\n_________\n(١) مسلم (١٩٠٤، ١٩٠٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام.\nالسرار: المساراة أي حديث السر.\nعزمت عليك: أي أقسمت.\n(٢) مسلم (٤/ ١٩٠٥، ١٩٠٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام.\nلم يغادر: أي لم يترك. =","vol":"3","page":1390},{"text":"فأجلسها عن يمينه أو عن شماله. ثم إنه أسر إليها حديثًا فبكت فاطمة. ثم إنه سارها فضحكت أيضًا. فقلت لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ. فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حُزنٍ. فقلت لها حين بكت: أخصكِ رصول الله ﷺ بحديثه دوننا ثم تبكين؟ وسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ. حتى إذا قُبض سألتها فقالت: إنه كان حدثني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرة. وإنه عارضهُ به في العام مرتين؛ ولا أراني إلا قد حضر أجلي؛ وإنك أول أهلي لحوقًا بي؛ ونعم السلفُ أنا لك فبكيتُ لذلك. ثم إنه سارني فقال: \"ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين؛ أو سيدة نساء هذه الأمة\"؟ فضحكتُ لذلك.\nوفي رواية الترمذي (١) قالت: ما رأيت أحد أشبه سمتًا ودلا وهديًا برسول الله ﷺ - في قيامها وقعُودها - من فاطمة بنت رسول الله ﷺ، قالت: وكانت إذا دخلتْ على النبي ﷺ قام إليها، فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ، إذا دخل عليها قامتْ من مجلسها، فقبلته وأجلسته في مجلسها، فلما مرض النبي ﷺ، دخلت فاطمة فأكبتْ عليه، فقبلته، ثم رفعت رأسها، فبكت، ثم أكبتْ عليه ثم رفعت رأسها فضحكت، فقلت: إن كنت لأظن أن هذه من أعقل نسائنا، فإذا هي من النساء، فلما توفي رسول الله ﷺ قلت لها: أرأيت حين أكببتِ على رسول الله ﷺ، فرفعت رأسك فبكيت ثم أكببت عليه، فرفعت رأسك فضحكت: ما حملك على ذلك؟ قالت: إني إذًا لبذرةً، أخبرني أنه ميتٌ من وجعه هذا فبكيتُ، ثم أخبرني: أني أسرعُ أهله لحوقًا به، فذلك حين ضحكت.\nقال في الفتح: قوله (دعا النبي ﷺ فاطمة في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء) وفي أول هذا الحديث من رواية مسروق عن عائشة كما مضت في علامات النبوة: أقبلت\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ٧٠٠) ٥٠ - كتاب المناقب - ٦١ - باب فضل فاطمة بنت محمد ﷺ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nيعارضه القرآن: أي يدارسه في كل عام مرة واحدة بجميع القرآن الذي نزل.\nنِعم السلف: الماضون، أي نعم ما تقدم لك مني، لأن السلف: ما تقدم من الآباء والأجداد.\nلبذِرَة: البذِر: الذي يفشي السر، ويظهر ما يسمعه.","vol":"3","page":1391},{"text":"فاطمة تمشي كأن مشيها مشية النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: مرحبًا ببنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارها، ولأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا وهديًا ودلًا برسول الله ﷺ بقيامها وقعودها من فاطمة، وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه؛ وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك. فلما مرض دخلت عليه فأكبت عليه تقبله، واتفقت الروايتان على أن الذي سارها به أولًا فبكت هو إعلامه إياها بأنه ميت من مرضه ذلك، واختلفا فيما سارها به أولًا فبكت هو إعلامه إياها بأن ميت من مرضه ذلك، واختلفا فيما سارها به ثانيًا فضحكت، ففي رواية عروة أنه إخبار إياها بأنها أول أهله لحوقًا به، وفي رواية مسروق أنه إخباره إياها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وجعل كونها أول أهله لحوقًا به مضمومًا إلى الأول وهو الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة وهو من الثقات الضابطين، فما زاده مسروق قول عائشة: فقلت ما رأيت كاليوم فرحًا أقر بمن حزن، فسألتها عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ، حتى توفي النبي ﷺ فسألتها فقالت: أسر إلأى أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقًا بي، وقولها: كأن مشيتها، هو بكسر الميم لأن المراد الهيئة، وقولها \"ما رأيت كاليوم فرحًا\" التقدير ما رأيت كفرح اليوم فرحًا أو ما رأيت فرحًا كفرح رأيته اليوم، وقولها \"حتى توفي\" متعلق بمحذوف تقديره: فلم تقل لي شيئًا حتى توفي، وقد طوى عروة هذا كله فقال في روايته بعد قوله: فضحكت: فسألناها عن ذلك فقالت سارني أنه يقبض في وجهه الذي توفي فيه: الحديث.\nوفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: أن عائشة لما رأت بكاءها وضحكها قالت إن كنت لأظن أن هذه المرأة أعقل النساء، فإذا هي من النساء، ويحتمل تعدد القصة، ويؤيده الجزم في رواية عروة بأنه ميت من وجعه ذلك، بخلاف رواية مسروق فيها أن ظن ذلك بطريق الاستنباط مما ذكره من معارضة القرآن، وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلا بالزيادة، ولا يمتنع أن يكون إخباره بأنها أول أهله لحوقًا به سببًا لبكائها أو ضحكها معًا باعتبارين، فذكر كل من الروايين ما لم يذكره الآخر. وقد روى النسائي","vol":"3","page":1392},{"text":"من طريق أبي سلمة عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين الآخرين ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك أنها سيدة النساء. وفي رواية عائشة بنت طلحة عنها أن سبب البكاء موتهُ، وسبب الضحك لحاقها به. وعند الطبري من وجه آخر عن عائشة أنه قال لفاطمة: إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأةً من نساء المسلمين أعظم ذرية منك فلا تكوني أدنى امرأةٍ منهن صبرًا. وفي الحديث إخباره ﷺ بما سيقع فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة ﵍ كانت أول من مات من أهل بيت النبي ﷺ بعده حتى من أزواجه.\n١٢٧٢ - * روى الترمذي عن جُميع بن عُمير التيمي ﵀ قال: دخلتُ مع عمتي على عائشة، فسئلت أيُّ الناس كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ؟ قالت: فاطمةُ، قيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علِمْتُ صوامًا قوامًا.\n١٢٧٣ - * روى أبو يعلي عن أنس أن النبي ﷺ أعطى عليًا وفاطمة غلامًا وقال أحسنا إليه فإني رأيته يصلي.\n١٢٧٤ - * روى البزار والطبراني عن ابن عباس أن عليًا تزوج فاطمة من رسول الله ﷺ ببدن من حديد.\n١٢٧٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: إن عليًا ذكر بنت أبي جهلٍ، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: \"إنما فاطمةُ بضعةٌ مني يؤذيني ما آذاها (١)، ويُنْصبُني ما أنصبها\".\n_________\n١٢٧٢ - الترمذي (٥/ ٧٠١) ٥٠ - كتاب المناقب ٦١ - باب فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليهما وسلم وقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٢٧٣ - رواه أبو يعلي ورجاله ثقات.\n١٢٧٤ - البزار: كشف الأستار (٢/ ١٦٢) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٨٣).\nوقال: رواه البزار والطبراني ورجال الطبراني رجال الصحيح.\nالبدن: الدرع القصيرة.\n١٢٧٥ - الترمذي (٥/ ٦٩٠) ٥٠ - كتاب المناقب -٦١ - باب فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليهما وسلم.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1393},{"text":"١٢٧٦ - * روى الحام عن سُويد بن غفلة، قال: خطب عليّ بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي ﷺ، فقال: \"أعَنْ حسبِها تسألني\"؟ قال عليُّ: قد أعلمُ ما حسبُها. ولكن أتمرني بها؟ فقال: \"لا، فاطمةُ مضغةً مني، ولا أحسبُ إلا أنها تحزنُ أو تجزعُ\" قال: لا آتي شيئًا تكرهه.\n١٢٧٧ - * روى الطبراني عن علي أيضًا: قلت لأمي فاطمة بنت أسدٍ بن هاشم: اكفي فاطمة بنت رسول الله ﷺ سقاية الماء والذهاب في الحاجة وتكفيك خدمة الداخل الطحن والعجن.\n١٢٧٨ - * روى الحاكم عن ثوبان مولى رسول الله ﵌، قال: جاءت ابنة هبيرة إلى رسول الله ﵌، وفي يدها فتخٌ من ذهبٍ أو خواتيم من ذهب فجعل رسول الله ﵌ يضربُ بيدها، فأتتْ فاطمة بنت رسول الله ﵌، فشكت إليها ما صنع بها رسول الله ﵌. قال ثوبان فدخل رسول الله ﵌ على فاطمة، وأنا معه، وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب، فقالت: هذه أهداها إليَّ أبو حسن والسلسلة في يدها، فقال رسول الله ﵌: طيا فاطمةُ أيسُرُّكِ أن يقول الناسُ فاطمة بنتُ محمدٍ، وفي يدك سلسلةٌ من نارٍ\"، ثم خرج رسول الله ﵌ ولم يقعد، فعمدت فاطمةُ إلى السلسلة، فاشترت بها غُلامًا فأعتقتهُ، فبلغ ذلك النبي ﵌ فقال: \"الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار\".\nقال الشيخ شعيب محقق السير: أخرجه أحمد من طريق همام والنسائي من طريق هشام كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، قال (١): حدثني زيد بن سلام عن جده أبي سلام عن أبي\n_________\n١٢٧٦ - المستدرك (٢/ ١٥٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة وصححه الذهبي وقال: مرسل قوي.\n١٢٧٧ - رواه الطبراني وقال الهيثمي: ورجال الرواية الثانية- أي هذه الرواية رجال الصحيح.\n١٢٧٨ - المستدرك (٣/ ١٥٣) وقال: هذا حيدث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.\nفتخ: جمع فتخةٍ: خاتم كبير يكون في اليد والرجل.","vol":"3","page":1394},{"text":"أسماء الرحبي. وهذا سند رجاله ثقات إلا أنه قد أُعِلُ بالانقطاع، فقل نقل ابن القيم في \"تهذيب السنن\" ٦/ ١٢٦ عن ابن القطان قوله: وعلته أن الناس قالوا: إن رواية يحيى ابن أبي كثير، عن زيد بن سلام منقطعة، على أن يحيى قال: حدثني زيد بن سلام، وقد قيل: إنه دلس ذلك، ولعله كان أجازه زيد بن سلام، فجعل يقول: حدثنا زيد. وهذا النوع من التدليس بيَّنه الحافظ ابن حجر في \"طبقات المدلسين\" فقال: ويلتحق بالتدليس ما يقع من بعض المحدثين من التبعير بالتحديث أو الإخبار عن الإجازة موهمًا السماع، ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئًا. وقال المؤلف في \"ميزانه\" في ترجمه يحيى بن أبي كثير: وروايته عن زيد بن سلام منقطعة، لأنها من كتاب وقعت له. ومع كل ما تقدم، فقد صحح الحديث الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا الحافظ المنذري في \"الترغيب والترهيب\" ١/ ٥٥٧ في باب الترهيب من منع الزكاة.\nوما ذهب إليه الشيخ ناصر الدين الألباني بالاستناد إلى هذا الحديث وغيره مما أورده في \"آداب الزفاف\" من تحريم تحلي النساء بالذهب المحلق، وإباحة غير المحل قلهن، فقد خالف بذلك إجماع المسلمين سلفًا وخلفًا على إباحة تحلي النساء بالذهب محلقًا وغير محلق كالطوق والخاتم والسوار، والخلخال والقلائد، وقد نقل الإجماع غير واحد من العلماء المحققين كالجصاص الرازي في \"أحكام القرآن\" ٤/ ٤٧٧ والقرطبي في \"تفسيره\" ١٦/ ٧١، ٧٢، والنووي في \"المجموع\" ٤/ ٤٤٢ و٦/ ٤٠، والحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ١٠/ ٣١٧ - ولا يتسع هذا التعليق لبيان وهاء رأيه هذا الذي انفرد به، والشبهات التي أثارها حول هذه المسألة، ونحيل القارئ الكريم على كتاب \"إباحة التحلي بالذهب المحلق للنساء\" للشيخ الفاضل إسماعيل بن محمد الأنصاري! فقد تكفلبالرد عليه، وتوهين ما استند إليه من الأحاديث التي يظن أنها تدل على مدعاه، ونقل عن العلماء أن المراد منها - على فرض صحتها - وغير ما ذهب إليه، وأورد نصوصًا من الكتاب والسنة الصحيحة تدل على صحة ما ذهب إليه جماهيرُ السلف والخلف من العلماء، وقد أجاد في كل ذلك وأفاد، فجزاه الله عنا خير الجزاء.","vol":"3","page":1395},{"text":"١٢٧٩ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ قال وهو في مرضه الذي تُوفي فيه؟ يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين، هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا.\nكذا في المستدرك، قال الذهبي صحيح.\n١٢٨٠ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ أنها قالت ما رأيت أحدًا كان أشبه كلامًا وحديثًا من فاطمة برسول الله ﵌ وكانت إذا دخلتْ عليه رحب بها، وقام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n١٢٨١ - * روى الحاكم عن المسور بن مخرمة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ إنما فاطمةً شجنةٌ مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضُها.\n١٢٨٢ - * روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسو الله ﵌: \"فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران\".\n١٢٨٣ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال أتتْ فاطمةٌ ﵂ رسول الله ﵌ تسألهُ خادمًا، فقال لها: \"الذي جئت تطلبين أحب إليك أم خير منه\" قال: فحسبت أنها سألت عليًا قال (١): قُولي اللهم ربِّ السماوات وربُّ\n_________\n١٢٧٩ - المستدرك (٣/ ١٥٦) وقال: هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا، وقال الذهبي: صحيح.\n١٢٨٠ - المستدرك (٣/ ١٥٤) وقال: هذاحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n١٢٨١ - المستدرك (٣/ ١٥٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nالشِجنة: الشجنة: الشعبة من كل شيء.\n١٢٨٢ - المستدرك (٣/ ١٥٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه إنما تفرد مسلم بإخراج حديث أبي موسى عن النبي ﵌: \"خير نساء العالمين أربع\".\nوقال الذهبي: صحيح.\n١٢٨٣ - المستدرك (٣/ ١٥٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1396},{"text":"العرش العظيم ربنا ورب كل شيءٍ منزل التوراة والإنجيل والقرآن فالقالحب والنوى أعوذُ بك من شر كل شيءٍ أنتَ آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخرُ فليس بعدك شيء وأنت الظاهرُ فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر.\n١٢٨٤ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﵌ قال \"حسبُك من نساء العالمين مريمُ بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمدٍ\".\n١٢٨٥ - *روى الحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌ \"أفضل نساء العالمين خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون\".\n١٢٨٦ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قال: جهز رسول الله ﵌ فاطمة ﵂ في خميل وقريةٍ ووسادةٍ، من أدمٍ حشوُها ليفٌ.\n١٢٨٧ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂: أنها كانت إذا ذكِرَتْ فاطمةُ بنتُ النبي ﵌ قالت: ما رأيت أحدًا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها.\n١٢٨٨ - * روى الحاكم عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: \"نزل ملك من السماء، فاستأذن الله أنْ يُسلِّم عليِّ لم ينزل قبلها، فبشرني أن فاطمة سيدةُ نساء أهل الجنة\" (١).\n_________\n١٢٨٤ - المستدرك (٣/! ٥٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ فإن قوله ﵌: \"حسبك من نساء العالمين\" يسوي بين نساء الدنيا، وأقره الذهبي.\n١٢٨٥ - المستدرك (٢/ ٥٩٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ وقال الذهبي: صحيح. خميل: الخميل: القطيفة.\n١٢٨٦ - المستدرك (٢/ ١٨٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي: صحيح.\n١٢٨٧ - المستدرك (٣/ ١٦١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n١٢٨٨ - المستدرك (٣/ ١٥١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي: صحيح.","vol":"3","page":1397},{"text":"١٢٨٩ - * روى أحمد عن النعمان بن بشيرٍ قال: استأذن أبو بكر على رسول الله ﵌ فسمع صوت عائشة عاليًا وهي تقول: والله لقدْ عرفتُ أن عليًا وفاطمة أحبُّ إليك مني ومن أبي مرتين أو ثلاثًا، فاستأذن أبو بكر فأهوى إليها، فقال: يا بنت فلانة لا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ.\n١٢٩٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال دخل رسول الله ﷺ على عليٍّ وفاطمة، وهما يضحكان، فلما رأيا النبي ﷺ سكتا فقال لهما النبيُّ ﷺ \"ما لكُما كُنتما تضحكان، فلما رأيتماني سكتما\" فبادرتْ فاطمة فقالت: بأبي أنت يا رسول الله قال هذا: أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فقلت: بل أنا أحبُّ إلى رسول الله ﷺ منك فتبسم رسولُ الله ﷺ وقال: \"يا بنيةُ لك رقة الولد وعليُّ أعزُّ عليَّ منك\".\n١٢٩١ - * روى الطبراني عن أسماء بنت عُميس قالت: لما أهديت فاطمة إلى عليِّ بن أبي طالب لم نجدْ في بيته إلا رُملًا مبسوطًا ووسادة حشوها ليف وجرة وكوزًا فأرسل رسول الله ﷺ: \"لا تحدثنِّ حدثًا\" أو قال: \"لا تقربن أهلك حتى آتيك\" فجاء النبي ﷺ فقال: \"أثم أخي\" فقالت أم أيمن وهي أم أسامة بن زيدٍ وكانتْ حبشية، وكانت امرأة صالحة: يا رسول الله هذا أخوك وزوجته ابنتك: وكان النبي ﷺ آخى بين أًحابه وآخى بين عليٍّ ونفسه، قال: \"إن ذلك يكونُ يا أمَّ أيمن\" قالت: فدع النبي ﷺ بإناء فيه ماء ثم قال: ما شاء الله أن يقول (١)، ثم مسح صدر عليٍّ ووجهه، ثم دعا فاطمة، فقامت إليه فاطمة تعثرُ في مرطها من الحياء فنضح\n_________\n١٢٨٩ - أحمد في مسنده: (٤/ ٢٧٥) وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٠١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٩٠ - أورده الهيثمي (٩/ ٢٠٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nبأبي أت: أي أفديك بأبي، وهو أبوها.\n١٢٩١ - المعجم الكبير (٢٤/ ١٣٧) وأورده الهيثمي (٩/ ٣١٩، ٢١٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nرُملًا: رمال الحصير، الرمال: ما رمل أي نسج، والمراد أنه كالسرير قد نسج وجهه بالسعف ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير.\nفنضح عليها: أي رش.\nمرطها: كساء من قطن أو صوف أو كتان، وتتلفع به المرأة.","vol":"3","page":1398},{"text":"عليها من ذلك وقال لها: ما شاء الله أن يقول ثم قال لها: طأما إني لم آلك أنْ أنكحتك أحبّ أهلي إليّ\" ثم رأى سوادًا من وراء الستر أو من وراء الباب، فقال: \"من هذا\" قالت أسماءُ قال: \"أسماء بنت عُميس\" قالت: نعم يا رسول الله قال: \"جئتِ كرامة لرسول الله ﷺ\": قالت نعم إن الفتاة ليلة يُبنى بها لابد لها من امرأة تكون قريبًا منها إن عرضتْ لها حاجة أفضتْ ذلك إليها قالت: فدعا لي بدعاء إنه لأوثقُ عملي عندي ثم قال لعلي \"دونك أهلك\" ثم خرج فولى، فما زال يدعو لهما حتى توارى في حجره.\n١٢٩٢ - * روى الطبراني والبزار عن بريدة قال: قال نفرٌ من الأنصار لعليٍّ ﵁: عندك فاطمة فأتى رسول الله ﷺ فقال: \"ما حاجة ابنُ أبي طالب ﵁\" فقال: يا رسول الله ذكرتُ فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: \"مرحبًا وأهلًا\" لم يزدْ عليها فخرج عليّث بن أبي طالب على أولئك الرهط من الأنصار ينتظرونه فقالوا: ما وراءك قال: ما أدري غير أنه قال لي مرحبًا وأهلًا. قالوا يكفيك من رسول الله ﷺ إحداهما أعطاك الأهلُ والمرحب، فلما كان بعد ما زوجهُ قال: \"يا عليٌّ إنه لابد للعروس من ليمة\" قال سعد: عندي كبشٌ وجمعَ له من الأنصار أصوعًا من ذُرةٍ، فلما كانت ليلة البناء قال: \"لا تُحدثْ شيئًا حتى تلقاني\" فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ منه ثم أفرغه عليّ فقال \"اللهم بارك فيهما وبارك لهما في بنائهما\".\n١٢٩٣ - * روى الطبراني عن حجر بن عنبس وكان قد أكل الدم في الجاهلية، وشهد مع عليٍّ ﵁ الجمل وصفين فقال: خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة ﵂، فقال النبي ﷺ: \"هي لك يا عليُّ\" (١).\n_________\n١٢٩٢ - المعجم الكبير (٢/ ٢٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٩): رواه الطبراني والبزار بنحوه إلا أنه قال: قال نفر من الأنصار لعلي ﵁ لو خطبت فاطمة .. وقال في آخره: \"اللهم بارك فيهماوبارك لهما في شبليهما\". ورجالهما رجال الصحيح غر عبد الكريم بن سليط ووثقه ابن حبان.\nأصوعا: جمع صاع، الذي يكال به ويؤنث وهو أربع حفنات يكفي الرجل وهو أربعة أمداد كل مد رطل وثلث، والرطل قال الداودي معياره الذي لا يختلف أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما إذ ليس كل مكان فيه صاع النبي ﷺ\n١٢٩٣ - المعجم الكبير (٤/ ٣٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٤): رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1399},{"text":"١٢٩٤ - * روى البخاري عن الموسر بن مخرمة ﵁ قال: إن عليًا خطب بنت أبي جهلٍ فسمعت بذلك فاطمةُ، فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: يزعُم قومُك أنك لا تغضب لبناتك وهذا عليٍّ ناكحُ بنت أبي جهلٍ، فقام رسول الله ﷺ، فسمعته حين تشهد يقول: \"أما بعدُ، أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسؤوها - وفي رواية: أن يفتنوها - والله لا تجتمعُ بنت رسول اله وبنت عدو الله عند رجلٍ واحدٍ\" فترك عليٍّ الخطبة.\nوفي رواية (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: \"إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليٍّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها\".\nقال صاحب عون المعبود: (لا آذن لهم ثم لا آذن لهم) كرر ذلك تأكيدًا، وفيه إشارة إلى تأييده مدة المنع وكأنه أراد منع المجاز لاحتمال أن يحمل النفي على مدة بعينها فقال: ثم لا آذن أي ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها كذلك أبدًا.\n(يريبني ما أرابها) قال إبراهيم الحربي: الريب: ما رابك من شيء خفت عقباه. ويؤخذ من هذا الحديث أن فاطمة لو رضيت بذلك لم يمنع علي من التزويج بها أو بغيرها.\n_________\n١٢٩٤ - البخاري (٧/ ٨٥) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-١٦ - باب ذكر أصهار النبي ﷺ منهم أبو العاص بن الربيع.\n(١) مسلم (٤/ ١١٠٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام.\nالبضعة: القطعة من اللحم.\nيريبني: أي: يسوؤني ما يسوؤها، تقول: رابني هذا الأمر يريبني: إذا رأيت منه ما تكرهه، وهُذيل تقول: أرابني.\nفحدثني وصدقني: هذا المشار إليه بالوعد والوفاء: هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ، كان أُسر في غزوة بدر، فنفذت زينب فداءه من مكة، فعرف رسول الله ﷺ في الذي نفذته قلادة كانت خرجت معها لما دخلت عليه، كانت لخديجة، فرقَّ لها رسول الله ﷺ رقةً شديدة واستطلق أسيرها من المسلمين، واستوهبهم الفداء فوهبوه، فرده إليها، وشرط على أبي العاص أن يُنفذ زينب إليه إذا وصل إلى مكة، ففعل.","vol":"3","page":1400},{"text":"قال في الفتح: قوله (إن عليًا خطب بنت أبي جهل) اسمها جويرية كما سيأتي، ويقال العوراء ويقال جميلة، وكان عليٌّ قد أخذ بعموم الجواز، فلما أنكر النبي ﷺ أعرض عليٍّ عن الخطبة، فيقال تزوجها عناب بن أسيد، وإنما خطب النبي ﷺ ليشيع الحكم المذكور بين الناس ويأخذوا به إما على سبيل الإيجاب وإما على سبيل الأولوية. وغفل الشريف المرتضى عن هذه النكتة، فزعم أن هذا الحديث موضوع لأنه من رواية المسور وكان فيه انحراف عن علي، وجاء من رواية ابن الزبير وهو أشد في ذلك، ورد كلامه بإطباق أصحابِ الصحيح على تخريجه، وسيأتي بسط ما يتعلق بذلك في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. قوله (وهذا علي ناكح بنت أبي جهل) أطلقت عليه اسم ناكح مجازًا باعتبار ما كان قصد يفعلُ، واختلف في اسم ابنة أبي جهل فروى الحاكم في \"الإكليل\" جويرية وهو الأشهرُ، وفي بعض اطلرق اسمها العوراء أخرجه ابن طاهر في \"المهمات\"، وقيل اسمها الحيفاء ذكره ابن جرير الطبري، وقيل جرهمة حكاه السهلي، وقيل اسمها جميلة ذكره شيخنا ابن الملقن في شرحه؛ وكان لأبي جهل بنت تسمى صفية تزوجها سهل بن عمرو سماها ابن السكيت وغيره وقال هي الحيفاء المذكورة. قوله (حدثني فصدقني) لعله كان شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، وكذلك علي، فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن عليًا نسي ذلك الشرط فلذلك أقدم على لاخطبة، أو لم يقع عليه شرط إذ لم يصرح بالشرط لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر فلصذلك وقعت المعاتبة، وكان النبي ﷺ قل أن يواجه أحدًا بما يعاب به، ولعله إنما جهر بمعاتبة علي مبالغة في رضا فاطمة ﵍، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ تأخر من بنات النبي ﷺ غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بإخوتها فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها.\n١٢٩٥ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: ما رأيتُ أفضل من فاطمة غير أبيها قالت: وكان بينهما شيء فقالت: يا رسول الله سلها فإنها لا تكذبُ (١).\n_________\n١٢٩٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلي، إلا أنها قالت: ما رأيتُ أحدًا قط أصدق من فاطمة، ورجالهما رجال الصحيح.\nوكان بينهما شيء: حدث بين عائشة وفاطمة.","vol":"3","page":1401},{"text":"١٢٩٦ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: خطب أبو بكرٍ وعمر فاطمة، فقال رسول الله ﷺ: \"إنها صغيرة\" فخطبها عليٍّ، فزوجها منه\".\n١٢٩٧ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁ قال: كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة، ومن الرجال عليٍّ.\nقال إبراهيم النخعي: يعني: من أهل بيته (١).\n* * *\n_________\n١٢٩٦ - النسائي (٦/ ٦٢) كتاب النكاح، باب تزوج المرأة مثلها في السن، وإسناده حسن.\nفخطبها علي: أي عقب ذلك بلا مهلة كما تدل عليه الفاء، فعلم أنه لاحظ الصغر بالنسبة إليهما وما بقي ذلك بالنظر إلى علي فزوجها مه، ففيه أن الموافقة في السن أو المقاربة مرعية لكونها أقرب إلى المؤالفة، نعم قد يترك ذاك لما هو أعلى منه كما في تزوج عائشة ﵂، والله تعالى أعلم.\n١٢٩٧ - الترمذي (٥/ ٦٩٨) ٥٠ - كتاب المناقب -٦١ - باب فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليهما وسلم.","vol":"3","page":1402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>عطف: فيما ورد بفاطمة وزوجها وابنيهما مشتركًا</span>\n١٢٩٨ - * روى أبو يعلي عن أم سلمة قالت جاءت فاطمة بنت النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ متوركة الحسن والحسين، في يدها برمة للحسن فيها سخين حتى أتت بها النبي ﷺ فلما وضعتها قدامه قال: \"أين أبو حسن\" قالت: في البيت فدعاه فجلس النبي ﷺ وعليّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ يأكلون. قالت أمُّ سلمة وما سامني النبي ﷺ؛ وما أكل طعامًا وأنا عنده إلا سامنيه قبل ذلك اليوم، تعني سامني دعاني إليه. فلما فرغ التف عليهم بثوبه ثم قال: \"اللهم عادِ من عاداهم ووالِ من والاهم\"؟\n١٢٩٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: نظر رسول الله ﷺ إلى عليّ وابنيه وفاطمة وقال: \"أنا حربٌ لمن حاربكم وسِلمٌ لمن سالمكم\".\n١٣٠٠ - * روى الطبراني عن علي أنه دخل على النبي ﷺ وقد بسط شملة؛ فجلس عليها هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أخذ النبي ﷺ بمجامعه فعقد عليهم ثم قال: \"اللهم ارض عنهم كما أنا عنهم راضٍ\".\n١٣٠١ - * روى الطبراني عن يعلي بن مرة قال كنا مع النبي ﷺ ثم قال رسول الله ﷺ: \"حسين مني وأنا منه، أحب الله من أحبه، والحسن والحسين سبطان من الأسباط\" (١).\n_________\n١٢٩٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٦٦) وقال: رواه أبو يعلي وإسناده جيد.\nمتوركة: حاملة على وركها.\nبرمة: قدر.\nسخين: طعام حار يتخذ مندقيق وسمن وقيل دقيق وثمر، أغلظ من الحساء وأرق من العصيدة.\n١٢٩٩ - أحمد في مسنده (٢/ ٤٤٣) والمستدرك (٣/ ١٤٩) وقال: حديث حسن وأقره الذهبي.\n١٣٠٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٦٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبيد بن طفيل وهو ثقة كنيته أبو سيدان.\nالشملة: كساء يتغطى به ويتلفف فيه.\n١٣٠١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨١) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"3","page":1403},{"text":"١٣٠٢ - * روى الترمذي عن أم سلمة أن النبي ﷺ جلل على الحسن والحسين وعليّ وفاطمة كساء، ثم قال: \"اللهم هؤلاء أهلُ بيتي وخاصتي، أذهبْ عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا\" فقالت أمُّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: \"إنك إلى خيرٍ\".\n١٣٠٣ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول ﷺ كان يمر ببابِ فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية، قريبًا من ستة أشهرٍ، يقول: الصلاة أهل البيت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.\n١٣٠٤ - * روى مسلم عن عائشة: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرطٌ مُرَحَّلٌ، من شعرٍ أسود. فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسينُ فدخل معه. ثم جاءت فاطمة فأدخلها. ثم جاء عليٍّ فأدخله. ثم قال: \"إنما يريد الله ليُذهب عنكمُ الرجس أهل البيت ويُطهركم تطهيرًا\".\n١٣٠٥ - * روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: \"لما أُنزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ...﴾ الآية دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحُسينًا فقال: \"اللهم هؤلاء أهلي\".\n١٣٠٦ - * روى الترمذي عن حُذيفة قال: سألتني أمي متى عهْدُكَ (١): تعني بالنبي\n_________\n١٣٠٢ - الترمذي (٥/ ٦١٩) ٥٠ - كتاب المناقب-٦١ - باب في فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليهما وسلم.\nالرجس: النجس، وكل ما يستقذر، وقيل: هو الإثم.\n١٣٠٣ - الترمذي (٥/ ٣٥٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٣٤ - باب \"ومن سورة الأحزاب\" وقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٣٠٤ - مسلم (٤/ ١٣٨٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٩ - باب فضائل أهل بيت النبي ﷺ.\nمرط مرحل: المرط كساء. جمعه مروط. المرحل هو الموشى المنقوش عليه صور رحال الإبل وقال الجوهري: هو إزار خز فيه علم.\nالرجس: قيل هو الشك. وقيل العذاب. وقيل الإثم، قال الأزهري: الرجس اسم لكل مستقذر من عمل.\n١٣٠٥ - الترمذي (٥/ ٢٣٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٤ - باب ومن سورة آل عمران. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.\n١٣٠٦ - الترمذي (٥/ ٦٦٠) ٥٠ - كتاب المناقب -٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"3","page":1404},{"text":"ﷺ، فقلتُ: مالي به مُنْذُ كذا وكذا، فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي النبي ﷺ فأصلي معه المغرب، وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب فصلى حتى صلى العشاء ثم انفتل فتبعْتُه، فسمع صوتي، فقال: \"من هذا؟ حذيفة؟ \" قلت: نعم، قال: \"ما حاجتُك غفر الله لك ولأمك\" قال: \"إن هذا ملك لم ينزل الأرض قطُّ قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يُسلم عليَّ ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة\".\n١٣٠٧ - * روى البزار والطبراني عن علي قال: لما ولِد الحسن سميته حربًا وكنت أحب أن أكتني بأبي حرب فجاء النبي ﷺ فحنكهُ فقال: \"ما سميتُم ابني\" فقلنا حربًا فقال: \"هو الحسن\" ثم وُلد الحسين فسميته حربًا فأتى النبي ﷺ فحنكه فقال: \"ما سميتُم ابني\" فقلنا حربًا فقال: \"هو الحسينُ\".\n١٣٠٨ - * روى أحمد وأبو يعلي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: طالحسنُ والحسينُ سيدا شباب أهل الجنة، وفاطمةُ سيدةُ نسائهم، إلا ما كان لمريم بنت عمران\".\n١٣٠٩ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لقد قُدتُ برسول الله ﷺ والحسن والحسين بغلته الشهباء، حتى أخلتهم حجرة النبي ﷺ، هذا قُدامهُ، وهذا خلفه.\n١٣١٠ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ (١): أن النبي ﷺ أخذ بيد\n_________\n١٣٠٧ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٤١٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٥٢): رواه البزار والطبراني بنحوه بأسانيد، ورجال أحدهما رجال الصحيح.\n١٣٠٨ - أحمد في مسنده (٣/ ٦٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠١) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي ورجالهما رجال الصحيح.\n١٣٠٩ - مسلم (٤/ ١٨٨٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٨ - باب فضائل الحسن والحسين ﵄.\n١٣١٠ - الترمذي (٥/ ٦٤١) ٥٠ - كتاب المناقب، باب: ٢١.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"3","page":1405},{"text":"حسن وحسين، وقال: \"من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي درجتي يوم القيامة\".\nوذكر رزين بعد قوله: \"وأمهما\"\" \"ومات متبعًا لسنتي غير مبتدع، كان معي في الجنة\".\n١٣١١ - * روى النسائي والترمذي وأبو داود عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن والحسين ﵉، وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما، ووضعهما بين يديه، ثم قال: \"صدق الله ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ نظرت إلى هذين الصبين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعتُ حديثي ورفعتُهما\".\nولم يذكر أبو داود: ووضعهما بين يديه. وقال في آخره: \"رأيت هذين فلم أصبر\" ثم أخذ في الخطبة. ولم يذكر النسائي: ووضعهما بين يديه، أيضًا.\n١٣١٢ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء فكان يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعًا رفيقًا، فإذا عاد عادا فلما صلى جعل واحدًا هاهنا وواحدًا هاهنا فجئته فقلت يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما قال: \"لا\" فبرقت برقة فقال: \"الحقا بأمكما\" فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلًا.\n١٣١٣ - * روى ابن ماجه دون أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (١) \"من أحبَّ\n_________\n١٣١١ - النسائي (٣/ ١٠٨) كتاب الجمعة باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة وقطع كلامه ورجوعه إليه يوم الجمعة.\nوالترمذي (٥/ ٦٥٨) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉.\nوقال: هذاحديث حسن غريب.\nوأبو داود (١/ ٢٩٠) كتاب الصلاة، باب الإمام يقطع الخطبة لأمر يحدث.\n١٣١٢ - المستدرك (٣/ ١٦٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n١٣١٣ - ابن ماجه (١/ ٥١) المقدمة ١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ (فضل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ﵃)، قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1406},{"text":"الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني\".\n١٣١٤ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: الحسنُ أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأٍ، والحسين أشبه بالنبي ﷺ ما كان أسفل من ذلك.\n١٣١٥ - * روى النسائي والحاكم عن عبد الله بن شداد ﵀ عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا - أو حُسينًا - فتقدم النبي ﷺ فوضعه، ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاة سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعتُ إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يُوحى إليك، قال: \"كل ذلك لم ينك، ولكن ابني ارتحلني، فكرهتُ أن أُعجله حتى يقضي حاجته\".\nقال الذهبي: أين الفقيه المتنطع عن هذا الفعل.\n١٣١٦ - * روى البخاري ومسلم عن البراء قال: رأيت النبي ﷺ والحسنُ على عاتقه يقول: \"اللهم إني أحبه فأحبه\". وفي رواية الترمذي (١): أنه أبصر حسنًا وحسينًا فقال: \"اللهم إني أحبهما فأحبهما\".\n١٣١٧ - * روى البزار عن سعد - يعني ابن أبي وقاص - قال دخلت على رسول الله ﷺ\n_________\n١٣١٤ - الترمذي (٥/ ٦٦٠) ٥٠ - كتاب المناقب -٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n١٣١٥ - النسائي (٢/ ٢٢٩) كتاب الافتتاح - أبواب التطبيق - باب هل يجوز أن كون سجدة أطول من سجدة والحاكم (٣/ ١٦٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\nظهراني القوم والأمر، أي وسطه وفيما بينه.\n١٣١٦ - البخاري (٧/ ٩٤) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-١٢ - باب مناقب الحسن والحسين ﵄.\nومسلم (٤/ ١٨٨٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٨ - باب فضائل الحسن والحسين ﵄.\n(١) الترمذي (٥/ ٦٦١) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٣١٧ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٣٢٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٨١) رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1407},{"text":"والحسن والحسينُ يلعبان على بطنه، فقلت يا رسول الله أتحبهما فقال: \"ومالي لا أحبهما وهما ريحانتاي\".\n١٣١٨ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﵌ يعوذ الحسن والحسين يقول: \"أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة\" ثم يقول: هكذا كان يعوذ إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق.\n١٣١٩ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال خرج علينا رسول الله ﵌ ومعه الحسن والحسين: هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا فقال له رجل يا رسول الله إنك تحبهما فقال: \"نعم من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني\".\n١٣٢٠ - * روى أحمد وابن ماجه عن يعلي بن مرة قال: جاء الحسنُ والحسين يسعيان إلى رسول الله ﷺ فضمهما إليه، وقال: \"إن الولد مبخلةً مجبنةً\".\n١٣٢١ - * روى الطبراني عن البراء بن عازب قال كان رسول الله ﷺ يصلي فجاء الحسن والحسين أو أحدهما فركب على ظهره فكان إذا رفع رأسه قال بيده فأمسكه أو أمسكهما قال: \"نعم المطيةُ مطيتُكما\".\n١٣٢٢ - * روى الترمذي عن أسامة بن زيد ﵁ قال: طرقت النبي ﷺ ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج النبي ﷺ وهو مشتملٌ على شيء، لا أدري ما هو؟ فلما فرغتُ من حاجتي قلتُ: ما هذا الذي أنت مشتملُ عليه؟ فكشفه (١)، فإذا حسنُ وحُسينٌ على\n_________\n١٣١٨ - المستدرك (٣/ ١٦٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n١٣١٩ - المستدرك (٣/ ١٦٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n١٣٢٠ - أحمد في مسنده (٤/ ١٧٢) وابن ماجه (٢/ ١٣٠٩) ٣٣ - كتاب الأدب-٣ - باب بر الوالد والإحسان إلى البنات. قال البوصيري في الزوائد: إسناده صيح ورجاله ثقات.\n١٣٢١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٨٢) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.\n١٣٢٢ - الترمذي (٥/ ٦٥٦) ٥٠ - كتاب المناقب -٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉. وقال: هذا حديث حسن غريب.\nالطروق: إتيان المنزل ليلًا.","vol":"3","page":1408},{"text":"وركيه، فقال: \"هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبُّهما فأحبهما وأحِبَّ من يحبهما\".\n١٣٢٣ - * روى الطبراني عن بريدة قال: عن رسول الله ﷺ: عن الحسن والحسين.\nقال الحافظ ابن كثير في تاريخه:\nتزوج عليّ فاطمة ﵂ في صفر سنة اثنتين، فولدت له الحسن والحسين، ويقال محسن، وولدت له أم كلثوم وزينب، وقد تزوج عمر بن الخطاب في أيام ولايته بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة وأكرمها إكراما زائدًا؛ أصدقها أربعين ألف درهم لأجل نسبها إلأى رسول الله ﷺ فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب، وقد كان عبد الله بن جعفر تزوج بأختها زينب بنت علي وماتت عنده، وتوفيت فاطمة بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر على أشهر الأقوال، وهذا الثابت عن عائشة في الصحيح، وقاله الزهري أيضًا: وأبو جعفر الباقر. أهـ.\n١٣٢٤ - *روى الطبراني عن عائشة قالت: توفيت فاطمة بعد وفاة رسول الله ﷺ بستة أشهر ودفنها عليُّ بن أبي طالب ليلًا.\n١٣٢٥ - * روى الطبراني عن يزيد بن الأصم قال: خرجت مع الحسن وجارية تحت شيئًا من حناء عن أظافره فجاءته إضبارةُ من كتب فقال: يا جارية هاتي المخضب فصب فيه ماء وألقى الكتب في الماء يفتح منها شيئًا ولم ينظر إليه فقلت: يا أبا محمد ممن هذ الكتب؟ قال من أهل العراق، من قوم لا يرجعون إلى حق ولا يقصرون عن باطل أما إني لست أخشاهم على نفسي ولكني أخشاهم على ذلك، وأشار إلى الحسين (١).\n_________\n١٣٢٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٩) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٢٤ - المعجم الكبير (٢٣/ ٣٩٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢١١) رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح.\n١٣٢٥ - المعجم الكبير: (٣/ ٧٠).\nمجمع الزوائد: (٦/ ٢٤٣) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن الحكم بن أبي زياد، وهو ثقة. وقال ابن حجر عنه: صدوق.\nإضبارة: حزمة.\nالمخضب: الوعاء.","vol":"3","page":1409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>أحفاده ﵊</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>١ - الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء عنه: الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف، الإمام السيد، ريحانة رسول الله ﷺ وسبطه، وسيدُ شباب أهل الجنة، أبو محمد القرشي الهاشمي المدني الشهيد.\nمولده في شعبان سنة ثلاث من الهجرة. وقيل: في نصف رمضانها، وعقِّ عنه جده بكبش.\nوحفظ عن جده أحاديث، وعن أبيه، وأمه.\nحدث عنه: ابنه الحسن بن الحسن، وسُويد بن غفلة، وأبو الحوراء السعدي، والشعبي، وهبيرة بن يريم، وأصبغ بن نُباتة، والمسيب بن نجبة.\nوكان يشبه جده رسول الله ﷺ.\nوقد كان هذا الإمام سيدًا، وسيمًا، جميلًا، عاقلًا، رزينًا، جوادًا، ممدحًا، خيرًا، دينًا، ورعًا، متحشمًا، كبير الشأن. وكان منكاحًا، مطلاقًا، تزوج نحوًا من سبعين امرأة، وقلما كان يُفارقه أربعُ ضرائر.\nعن جعفر الصادق؛ أن عليًا قال: يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن، فإنه مِطلاق، فقال رجل: والله لنزوجنه، فما رضي أمسك، وما كره طلق.\nقال ابن سيرين: تزوج الحسن امرأة، فأرسل إليها بمئة جارية، مع كل جارية ألف درهمن وكان يعطي الرجل الواحد مئة ألف. وقيل: إنه حج خمس عشرة مرة، وحج كثيرًا منها ماشيًا من المدينة إلى مكة، ونجائبه تُقاد معه.\nزهير بن معاوية: حدثنا عُبيد الله بن الوليد، حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير: قال ابن عباس: ما ندمتُ على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحد ماشيًا، ولقد حج الحسن بن علي خمسًا وعشرين حجة ماشيًا، وإن النجائب لتقادُ معه. ولقد قاسم الله ماله ثلاث","vol":"3","page":1410},{"text":"مرات، حتى إنه يعطي الخف ويمسكُ النعل.\nروى نحوًا منه محمدُ بن سعد، حدثنا علي بن محمد، حدثنا خلاد بن عبيد، عن ابن جُدعان؛ لكن قال: خمس عشرة مرة.\nروى مغيرة بن مِقسم، عن أم موسى، كان الحسنُ بن عليِّ إذا أوى إلى فراشه قرأ الكهف.\nقال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن بن علي رجلًا إلى جنبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهمن فانصرف، فبعث بها إليه.\nرجاء: عن الحسن، أنه كان مبادراص إلى نُصرة عثمان، كثير الذبِّ عنه، بقي في الخلافة بعد أبيه سبعة أشهر.\nإسرائيل: عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن عليّ أنه خطب، وقال: إن الحسن قد جمع مالًا، وهو يريد أن يقسمهُ بينكم، فحضر الناس. فقام الحسن، فقال: إنما جمعتُه للفقراء. فاقم نصف النسا.\nالقاسم بن الفضل الحُداني، حدثنا أبو هارون قال: انطلقنا حُجاجًا، فدخلنا المدينة، فدخلنا على الحسن، فحدثنا بمسيرنا وحالنا، فلما خرجنا، بعث إلى كل رجل منا بأربع مئة، فرجعنا، فأخبرناه بيسارنا، فقال: لا تردوا علي معروفي، فلو كنت على غير هذه الحال، كان هذا لكم يسيرًا، أما إني مزودُكم: إن الله يُباهي ملائكته بعباده يوم عرفة.\nقال المدائنيُّ: أحصن الحسن تسعين امرأة.\nجعفر بن محمد، عن أبيه؛ قال عليُّ: يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن، فإنه رجل مطلاق، قد خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل.\nشَريك: عن عاصم، عن أبي رزين، قال: خطبنا الحسنُ بن عليّ يوم جمعة، فقرأ سورة إبراهيم على المنبر حتى ختمها.\nمنصور بن زاذان، عن ابن سيرين، قال: كان الحسنُ بن عليٍّ لا يدعو أحدًا إلى","vol":"3","page":1411},{"text":"الطعام، يقول: هو أهون من أن يدعي إليه أحد.\n(كان يرى الطعام أهون من أن يُحلف عليه، أي كان لا يحلف على من شبع من طعام أن يزيد).\nقال المبرِّدُ: قيل للحسن بن عليٍّ: إن أبا ذر يقول: الفقر أحبُّ إليّ من الغنى، والسقم أحب إليّ من الصحة - فقال: رحم الله أبا ذر. أما أنا فأقول: من اتكل على حُسن اختيار الله له، لم يتمن شيئًا. وهذا حدُّ الوقوف على الرضى بما تصرف به القضاء.\nعن الحرمازي: خطب الحسنُ بن علي بالكوفة، فقال: إن الحِلم زينة، والوقار مروءة، والعجلة سفه، والسفه ضعف، ومجالسة أهل الدناءة شين ومخالطة الفُساق ريبة.\nزهير: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الأصم: قلت للحسن: إن الشيعة تزعُم أن عليًا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله، ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ماله.\nقال جرير بن حازم: قُتل عليّ، فبايع أهل الكوفة الحسن، وأحبوه أشد من حُبِّ أبيه.\nوقال الكلبي: بويع الحسن، فوليها سبعة أشهر وأحد عشر يومًا، ثم سلم الأمر إلى معاوية.\nوقال عوانة بن الحكم: سار الحسنُ حتى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد (بن عبادة) على المقدمات وهم اثنا عشر ألفًا، فوقع الصائح: قُتِل قيس، فانتهب الناس سُرادق الحسن، ووثب عليه رجل من الخوارج، فطعنه بالخنجر، فوثب الناسُ على ذلك، فقتلوه، فكتب الحسنُ إلى معاوية في الصلح.\nابن سعد: حدثنا محمد بن عبيد، عن مجالد، عن الشعبي، وعن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه: ان اله العراق لما بايعوا الحسن، قالوا له: سِرْ إلى هؤلاء الذين عصوا الله ورسوله وارتكبوا العظائم، فسار إلى أهل الشام، وأقبل معاويةُ حتى نزل جسر","vol":"3","page":1412},{"text":"منيج، فبينا الحسن بالمدائن، إذ نادى مناد في عسكره: ألا إن قيس بن سعد قد قُتل، فشد الناس على حُجرة الحسن، فنهبوها حتى انتهبت بسطه، وأخذوا رداءه، وطعنه رجل من بني أسد في ظهره بخنجرٍ مسموم في أليته، فتحول، ونزل قصر كسرى الأبيض، وقال: عليكم لعنة الله من أهل قرية، وقدعلمت أن لا خير فيكم، قتلتمُ أبي بالأمس، واليوم تفعلون بي هذا. ثم كاتب معاوية في الصلح على أن يسلم له ثلاث خصال: يُسلم له بيت المال فيقضي منه دينه ومواعديه ويتحمل منه هو وآله، ولا يُسبُّ عليٍّ وهو يسمع، وأن يُحمل إليه خراج فسا ودرابجرْد كل سنة إلى المدينة، فأجابه معاوية، وأعطاه ما سأل.\nويقال: بل أرسل عبد الله بن الحارث بن نوفل إلى معاوية حتى أخذ له ما سأل، فكتب إليه الحسنُ: أنْ أقبِلْ، فأقبل من جسر منيج إلى مسكن في خمسة أيام، فسلم إليه الحسن الأمر، وبايعه حتى قدما الكوفة. ووفى معاوية للحسن ببيت المال، وكان فيه يومئذ سبعةُ آلاف درهم؛ فاحتملها الحسن، وتجهز هو وأهل بيته إلى المدينة، وكف معاوية عن سب عليٍّ والحسن يسمع؛ وأجرى معاوية على الحسن كل سنةٍ ألف ألف درهم، وعاش الحسنُ بعد ذلك عشر سنين.\nوأخبرنا عبد الله بن بكر، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، أن معاوية كان يعلم أن الحسن أكرهُ الناس للفتنة، فلما توفي علي بعث إلى الحسن، فأصلح ما بينه وبينه سرًا، وأعطاه معاوية عهدًا إن حدث به حدث والحسن حيٍّ ليسمينه وليستخلفنه، وليجعلن الأمر إليه، ف لما توثق منه الحسن، قال ابن جعفر: والله إني لجالس عند الحسن، إذ أخذتُ لأقوم، فجذب بثوبي، وقال: يا هناه يا هذا اجلس! فجلستُ، فقال: إني قد رأيت رأيًا، وإني أحب أن تتابعني عليه! قلت: ما هو؟ قال: قد رأيتُ أن أعمد إلى المدينة، فأنزلها، وأُخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسُفكت الدماء، وقطعت الأرحام والسبل، وعُطلت الفروج (أي ترك الناس الزواج فأصبحت الفروج لا تلد).\nقال ابن جعفر: جزاك الله خيرًا عن أمة محمدٍ، فأنا معك. فقال: ادعُ لي الحسين! فأتاه، فقال: أي أخي! قد رأيت كيت وكيت فقال: أُعيذك بالله أن تُكذب عليًا،","vol":"3","page":1413},{"text":"وتصدق معاوية. فقال الحسنُ: والله ما أردتُ أمرًا قط إلا خالفتني، والله لقد هممتُ أن أقذفك في بيت، فأطينه عليك، حتى أقضي أمري. فلما رأى الحسينُ غضبه، قال: أنت أكبرُ ولد عليٍّ، وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك تبع. فقام الحسنُ، فقال: أيها الناس! إني كنت أكر الناس لأول هذا الأمر، وأنا أصلحت آخره، إلى أن قال: إن الله قد ولاك يا معاوية هذا الحديث لخير يعلمه عندك، أو لشر يعلمه فيك ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (١) ثم نزل.\n(قول الحسين: أعيذك بالله أن تكذب عليًا وتصدق معاويةن أي إنك إن سلمت لمعاوية جعلت والدك كاذبًا في دعاوه أن على الحق وجعلت معاوية صادقًا في دعواه أنه على الحق).\nقال أبو جعفر الباقر: كان الحسنُ والحسينُ لاي ريان أمهاتِ المؤمنين. فقال ابن عباس: إن رؤيتهن حلال لهما.\nقال الذهبي: الحلُّ متيقن.\nابن عون، عن محمد: قال الحسن: الطعام أدق (أهون) من أن نُقسم عليه.\nوقال قرةُ: أكلتُ في بيت ابن سيرين، فلما رفعتُ يدي، قال: قال الحسن بن علي: إن الطعام أهونُ من أن يُقسم عليه.\nروى جعفر بن محمد، عن أبيه: أن الحسن والحسين كانا يقبلان جوائز معاوية.\nأبو نعيم: حدثنا مسافر الجصاص، عن رُزيق بن سوار، قال: كان بين الحسن ومروان كلام، فأغلظ مروان له، وحسنٌ ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال الحسن: ويحك! أما علمت أن اليمين للوجه والشمال للفرج؟ أُفٍّ لك! فسكت مروان.\nوعن محمد بن إبراهيم التيمي: أن عمر ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما مع أهل بدر لقرابتهما برسول الله ﷺ.\n_________\n(١) الأنبياء: ١١١.","vol":"3","page":1414},{"text":"شيبان: عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرب؛ سمع الحسن يقول: والله لا أبايعُكم إلا على ما أقول لكم.\nقالوا: ما هو؟ قال: تُسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربتُ.\nابن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الحُبابَ، عن حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة؛ أن الحسن دخل على معاوية، فقال: أي معاوية لأجيزنك بجائزة لم أجز بها أحدًا، فأجازه بأرب مئة ألف، أو أربع مئة ألف ألف، فقبلها (١).\nومن \"الاستيعاب\" لأبي عمر، قال: سار الحسنُ إلى معاويةن وسار معاوية إليه، وعلم أنه لا تغلب طائفةٌ الأخرى حتى تذهب أكثرها، فبعث إلى معاوية أنه يصير الأمر إليك بشرط أن لا تطلب أحدًا بشيء كان في أيام أبي، فأجابه، وكاد يطير فرحًا، إلا أنه قال: أما عشرةُ أنفس، فلا، فراجعه الحسنُ فيهم، فكتب إليه: إني قد آليتُ متى ظفرتُ بقيس ابن سعد أن أقطع لسانه ويده. فقال: لا أبايعك. فبعث إليه معاوية برق أبيض، وقال: اكتب ماش ئت فيه وأنا التزمه، فاصطلحا على ذلك. واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كله معاوية. فقال له عمرو: إنه قد انفل حدُّهم، وانكسرت شوكتهم. قال: أما علمت أنه قد بايع عليًا أربعون ألفًا على الموت، فوالله لا يقتلون حتى يُقتل أعدادهم منا، وما والله في العيش خيرٌ بعد ذلك.\nقال أبو عمر: وسلم في نصف جمادى الأول الأمر إلى معاوية، سنة إحدى وأربعين (٢).\nابن عُلية: عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: دخلنا على الحسن بن عليٍّ نعوده، فقال لصاحبي: يا فلان سلني. ثم قام من عندنا، فدخل كنيفًا، ثم خرج، فقال: إني والله قد لفظتُ طائفةً من كبدي قلبتُها بعود، وإني قد سُقيتُ السُّم مرارًا، فلم أسقَ مثل هذا، فلما كان الغد أتيته وهو يسوق (أي وهو في النزع)، فجاء الحسينُ،\n_________\n(١) إسناده حسن.\n(٢) أي بعد البيعة لأبي بكر ﵁ بثلاثي سنة وشهرين، وهذا تصديق الحديث الصحيح: \"الخلافة بعدي ثلاثون ثم تكون مُلكًا عضوضًا\".","vol":"3","page":1415},{"text":"فقال: أي أخي أنبئني من سقاك؟ قال: لِمَ! لتقتله؟ قال: نعم. قال: ما أنا مُحدثُك شيئًا، إنْ يكن صاحبي الذي أظن، فالله أشد نقمة، وإلا فوالله لا يُقتل بي بريء.\nابن عيينة: عن رقبة بن مصقلة. لما احتضر الحسن بن علي، قال: أخرجوا فراشي إلى الصحن؛ فأخرجوه، فقال: اللهم إني أحتسبُ نفسي عندك، فإنها أعز الأنفس عليّ.\nأبو عوانة: عن حصين، عن أبي حازم، قال: لما حُضر الحسن، قال للحسين: ادفني عند أبي - يعني النبي ﷺ إلا أن تخافوا الدماء، فادفني في مقابر المسلمين، فلما قُبضَ، تسلح الحسينُ، وجمع مواليه، فقال له أبو هريرة: أنشُدك الله ووصية أخيك، فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دماء، فدفنه بالبقيع، فقال أبو هريرة: أرأيتم لو جيء بابن موسى ليُدفن مع أبيه، فمُنع، أكانوا قد ظلموه؟ فقالوا: نعم. قال: فهذا ابن نبي الله ﷺ قد جيء ليُدفن مع أبيه.\nقال جويرية بن أسماء: لما أخرجوا جنازة الحسن، حمل مروان سريره، فقال الحسين: تحملُ سريره! أما والله لقد كنت تُجرعه العيظ. قال: كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمُه الجبال.\nابن سإحاق: حدثني مُساور السعدي، قال: رأيتُ أبا هريرة قائمًا على مسجد رسول الله ﷺ يوم مات الحسن؛ يبكي، ويُنادي بأعلى صوته: يا أيها الناس! مات اليوم حِبُّ رسول الله ﷺ، فابكوا.\nقال جعفر الصادق: عاش الحسنُ سبعًا وأربعين سنة.\nوروينا من وجوه: أن الحسن لما احتُضِر، قال للحسين: يا أخي: إن أباك لما قُبِض رسول الله ﷺ، استشرف لهذا الأمر، فصرفه الله عنه، فلما احتضر أبو بكر، تشرف أيضًا لها، فصُرفت عنه إلى عمر. فلما احتضر عمر، جعلها شورى، أبى أحدُهم، فلم يشك أنها لا تعدوه، فصُرفت عنه إلى عثمان، فلما قُتل عثمان، بويع، ثم نوزع حتى جَرْد السيف وطلبها، فما صفا له شيء منها، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا - أهل البيت - النبوة والخلافة؛ فلا أعرفن ما استخفك سُفهاء أهل الكوفة، فأخرجوك. وقد كنتُ طلبت إلى","vol":"3","page":1416},{"text":"عائشة أن أُدفن في حجرتها؛ فقالت: نعم. وإني لا أدري لعل ذلك كان منها حياء، فإذا ما متُّ، فاطلبْ ذلك إلأيها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن فعلوا، فادفني في البقيع. فلما مات قالت عائشة: نعم وكرامة. فبلغ ذلك مروان، فقال: كذب وكذبت. والله لا يُدفنُ هناك أبدًا؛ منعوا عثمان من دفنه في المقبرة، ويريدون دفن حسنٍ في بيت عائشة؛ فلبس الحسينُ ومن معه السلاح، واستلام مروان أيضًا في الحديد، ثم قام في إطفاء الفتنة أبو هريرة.\nفبنو الحسن هم: الحسن، وزيدٌ، وطلحة، والقاسم، وأبو بكر، وعبد الله، فقتلوا بكربلاء مع عمهم الشهيد. وعمرو، وعبد الرحمن، والحسين، ومحمدُ، ويعقوب، وإسماعيل، فهؤلاء الذكور من أولاد السيد الحسن. ولم يُعقب منهم سوى الرجلين الأولين؛ الحسن وزيد. فلحسنٍ خمسة أولاد أعقبوا، ولزيدٍ ابن وهو الحسن بن زيد، فلا عقب له إلا منه، ولي إمرة المدينة، وهو والد الست نفيسة. والقاسم، وإسماعيل، وعبد الله، وإبراهيم، وزيد، وإسحاق، وعلي ﵃. اهـ من السير.\n١٣٢٦ - * روى أبو داود والترمذي عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ أَذَّن في أُذن الحسن بن عليٍّ، حين ولدته فاطمة بالصلاة.\nوفي سنده عاصم بن عبد الله، وهو ضعيف، لكن يشهد له حديث ابن عباس عند البيهقي في الشعب، فيتقوى به، ولذا صححه الترمذي.\nقال ابن القيم: وسر التأذين - والله أعلم - أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها (١)،\n_________\n(١) استلام: ليس لأمته.\n١٣٢٦ - أبو داود (٤/ ٣٢٨) كتاب الأدب باب في الصبي يولد فيؤذن في أذنه.\nوالترمذي (٤/ ٩٧) ٣٠ - كتاب الأضاحي -١٧ - باب الأذان في أذن المولود، وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1417},{"text":"وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر، مع ما في ذلك من فائدة أخرى وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يولد، فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها فيسمع شيطانه ما يصفعه ويغيظه أول أوقات تعلقه به، وفيه معنى آخر، وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام، وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها، ولغير ذلك من الحكم.\n١٣٢٧ - * روى أحمد عن أبي رافع، قال: لما وُلدت فاطمة حسنًا، قالت: يا رسول الله! ألا أعقُّ عن ابني بدم؟ قال: \"لا، ولكن احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين\" ففعلتْ.\n١٣٢٨ - * روى أحمد عن معاوية قال: رأيت رسول الله ﷺ يمص لسانه أوقال شفته يعني الحسن بن علي وإنه لن يعذب لسان أو شفتان مصهما رسول الله ﷺ.\n١٣٢٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة الدوسي ﵁ قال: خرج النبي ﷺ في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء فاطمة فقال: \"أثم لكع، أثم لكعُ؟ \" فحبسته شيئًا، فظننت أنها تُلبسه سخابًا أو تغسله، فجاء يشتد حتى عانقهُ وقبله قوال: طاللهم أحبه وأحب من يحبه\" قال سفيان قال عبيد الله أخبرني أنه رأى نافع بن جبير أوتر بركعة (١).\n_________\n١٣٢٧ - أحمد في مسنده (٦/ ٣١٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٥٧): أخرجه أحمد وهو حديث حسن.\n١٣٢٨ - أحمد في مسنده (٤/ ٩٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧٧): أخرجه أحمد وإسناده صحيح.\n١٣٢٩ - البخاري (٤/ ٣٣٩) ٣٤ - كتاب البيوع ٤٩ - باب ما ذكر في الأسواق.\nطائفة من النهار: قطعة منه.\nخباء: أي بيتها.\nلكع: المراد هنا الصغير يقال للصغير: لكع، فإن أطلق على الكبير، أريد به الصغير العلم،\nسخابًا: جمعه سخب. وهو قلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها من أخلاط الطيب. يعمل على هيئة السبحة ويجعل قلادة للصبيانوالجواري. وقيل: هو خيط فيه خرز. سمي سخابًا لصوت خرزه عند حركته. من السخب، وهو اختلاط الأصوات.","vol":"3","page":1418},{"text":"وفي رواية (١) عن أبي هريرة. قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ في طائفةٍ من النهار. لا يكلمني ولا أكلمه. حتى جاء سوق بني قينقاع. ثم انصرف؛ حتى أتى خباء فاطمة فقال: \"أثم لكعُ؟ أثم لكعُ؟ يعني حسنًا. فظننا أنه إنما تحبسهُ أمهُ لأن تُغسله وتُلبسه سخابًا. فلم يلبثْ أن جاء يسعى. حتى اعتنق كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم! إني أحبه، فأحبهُ وأحبب من يحبه\".\n١٣٣٠ - * روى الحاكم عن عروة بن الزبير عن أبيه أن رسول الله ﵌ قَبَّل حسنًا وضمه إليه وجعل يشمه، وعنده رجل من الأنصار، فقال الأنصاري: إن لي ابنًا قد بلغ ما قبلتُه قط، فقال رسول الله ﵌: \"أرأيت إن كان الله نزع الرحمة من قلبك فما ذنبي\".\n١٣٣١ - * روى أبو يعلي عن علي بن أبي طالب قال: خطبت إلى النبي ﷺ ابنته فاطمة، قال فباع علي ﵁ درعًا له وبعض ما باع من متاعه فبلغ أربعمائة وثمانين درهمًا. وأمر النبي ﷺ أي نجعل ثلثيه في الطيب وثلثًا في الثياب، ومجِّ في جرةٍ من ماءٍ فأمرهم أن يغتسلوا به. قال: وأمرها أن لا تسبقه برضاع ولدها قال فسبقته رضاع الحسين وأما الحسن فإنه ﷺ وضع في فيه شيئًا لا ندري ما هو فكان أعلم الرجلين.\n١٣٣٢ - * روى البخاري عن الحسن البصري ﵀ قال: سمعتُ أبا بكرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ والحسنُ إلى جنبه، وهو ينظر إلى الناس مرة، وإليه مرة، ويقول: \"ابني هذا سيدٌ ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين من المسلمين\".\nوفي رواية الترمذي (٢) قال: صعد النبي ﷺ المنبر، فقال: \"إن ابني هذا سيدٌ،\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٨٨٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٨ - باب فضائل الحسن والحسين ﵄.\n١٣٣٠ - المستدرك (٣/ ١٧٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n١٣٣١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧٥) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله ثقات.\n١٣٣٢ - البخاري (٧/ ٩٤) ٩٢ - كتاب فضائل الصحابة-٢٢ - باب مناقب الحسن والحسين ﵄.\n(٢) الترمذي (٥/ ٦٥٨) ٥٠ - كتاب المناقب -٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉، وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1419},{"text":"يُصلح الله على يديه فئتين عظيمتين\".\nوفي رواية أبي (١) داود قال: قال رسول الله ﷺ للحسن بن عليٍّ: \"إن ابني هذا سيدٌ، وإني أرجو أن يُصلح الله به بين فئتين من أمتي\".\nوفي رواية: \"ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين\".\n١٣٣٣ - * روى الترمذي عن أبي جحيفة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وكان الحسنُ بن عليٍّ يشبهه.\n١٣٣٤ - * روى البخاري عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: صلى أبوب كر العصر، ثم خرج يمشي ومعه عليّ، فرأى الحسن يلعبُ مع الصبيان فحمله على عاتقه، وقال: بأبي، شبيه بالنبي، ليس شبيهًا بعلي، وعليٌّ يضحك.\n١٣٣٥ - * روى أحمد والترمذي عن أبي الحوراء السعدي: قال قلت للحسن بن علي ما تذكر من رسول الله ﷺ قال: أذكر أني أخذتُ تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فيّ فانتزعها رسول الله ﷺ بلعابها فألقاها في التمر فقال له رجل ما عليك لو أكل هذه التمرة قال: \"إنا لا نأكل الصدقة\" قال وكان يقول: \"دعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة\" قال وكان يعلمنا هذا الدعاء: \"اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنه لا يذلُ من واليت\" ربما قال: \"تباركت ربنا وتعاليت\".\n١٣٣٦ - * روى الطبراني عن أبي جميلة أن الحسن بن علي حين قُتل عليٍّ استُخِلف فبينا\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ٢١٦) كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة.\n١٣٣٣ - الترمذي (٥/ ٦٥٩) ٥٠ - كتاب المناقب -٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٣٣٤ - البخاري (٧/ ٩٥) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٢٢ - باب مناقب الحسن والحسين ﵄.\n١٣٣٥ - أحمد في مسنده (١/ ٢٠٠).\nوالترمذي (٤/ ٦٦٨) ٣٨ - كتاب صفة القيامة -٦٠ - باب ...\n١٣٣٦ - المعجم الكبير (٣/ ٩٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧٢): رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1420},{"text":"هو يصلي بالناس إذ وثب إليه رجل فطعنه بخنجر في ورُكه فتمرض منها أشهرًا ثم قام على المنبر يخطب فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإنا أُمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله ﷿ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فما زال يومئذ يتكلمُ حتى ما نرى في المسج إلا باكيًا.\nذكر الذهبي (١) في السير عن هوذة: عن عوفٍ، عن محمدٍ، قال: لما ورد معاوية الكوفة واجتمع عليه النسا، قال له عمرو بن العاص: إن الحسن مرتفعٌ في الأنفس لقرابته من رسول الله ﷺ، وإنه حديث السن عييّ، فمره فليخطبْ، فإنه سيعيي، فيسقطُ من أنفس الناس، فأبى فلم يزالوا به حتى أمره، فقام على المنبر دون معاوية: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: لو ابتغيتم بين جابَلْقَ وجابَرْس (أي المشرق والمغرب) رجلًا جدُّه نبيٌّ غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنا قد أعطينا معاوية بيعتنا، ورأينا أن حقْنَ الدماء خيرٌ ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، وأشار بيده إلى معاوية. فغضب معاويةُ، فخطب بعده خطبة عييةً فاحشةً، ثم نزل. وقال: ما أردت بقولك: فتنةً لكم ومتاع؟ قال: أردتُ بها ما أراد الله بها.\n١٣٣٧ - * روى الحاكم عن جبير بن نُفير قال: قلتُ للحسن: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة. فقال: قد كانت جماجمُ العرب في يدي، يُسالمون من سالمتُ، ويحاربون من حاربت، تركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقني دماء أمة محمد ﷺ، ثم أبتزها بأتياسِ الحجاز؟\n١٣٣٨ - * روى البزار عن رجاء بن ربيعة قال كنت جالسًا بالمدينة في مسجد الرسول ﷺ في حلقةٍ فيها أبو سعيد وعبد الله بن عمرو، فمر الحسنُ بن علي فسلم فرد عليه القومُ وسكت عبد الله بن عمرو، ثم اتبعه فقال: وعليك السلام ورحمة الله. ثم قال: هذا أحبُّ\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٧٣) وإسناده صحيح.\n١٣٣٧ - المستدرك (٣/ ١٧٠) وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n١٣٣٨ - كشف الأستار (٣/ ٢٢٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧٧): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير هاشم بن البريد وهو ثقة.","vol":"3","page":1421},{"text":"أهل الأرض إلى أهل السماء. والله ما كلمته منذ ليالِ صفين. فقال أبو سعيد: ألا تنطلق إليه فتعذر إلأيه؟ قال: نعم، قال: فقام فدخل أبو سعيد فاستأذن فأذن له، ثم استأذن لعبد الله بن عمر فدخل، فقال أبو سعيد لعبد الله بن عمرو: حدثنا بالذي حدثتنا به حيث مر الحسن، فقال: نعم، أنا أحدثكم إنه أحبُّ أهل الأرض إلى أهل السماء. قال: فقال له الحسن: إذ علمت أني أحب أهل الأرض إلى أهل السماء فلم قاتلتنا أو كثرت يوم صفين؟ قال: أما إني والله ما كثرت سوادًا ولا ضربت معهم بسيف ولكني حضرت مع أبي أو كلمة نحوها. قال: أما علمت أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله؟ قال: بلى ولكني كنت أسردُ الصوم على عهد رسول الله ﷺ فشكاني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن عمرو يصوم النهار ويقوم الليل، قال \"صم وأفطر وصل ونم، فإني أنا أًلي وأنام وأصوم وأفطر قال لي: يا عبد الله اطع أباك\" فخرج يوم صفين وخرجت معه.\n١٣٣٩ - * روى الطبراني عن المقبري قال: كان مع أبي هريرة، فجاء الحسن بن علي ﵄ فسلم فرد عليه القوم ومعنا أبو هريرة لا يعلم، فقيل، له: هذا حسن بن علي يسلم فلحقه فقال: وعليك يا سييد فقيل له: تقول: يا سيدي؟ فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قال إنه سيد.\n١٣٤٠ - * روى الطبراني عن ابي الطفيل قال: خطبنا الحسنُ بن علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه وذكر أمير المؤمنين عليًا ﵂ خاتم الأوصياء ووصىِّ الأنبياء وأمين الصديقين والشهداء ثم قال: يا أيها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، لقد كان رسول الله ﷺ يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه (١)، لقد قبضه الله في الليلة التي قبض فيها وصيّ\n_________\n١٣٣٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧٨) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٣٤٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٦) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار إلا أنه قال ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان. وأبو يعلي باختصار والبزار بنحوه إلا أنه قال: ويعطيه الراية فإذا حُم الوغى فقاتل قائل جبريل عن يمينه. وقال: وكانت إحدى وعشرين من رمضان. ورواه أحمد باختصار كثير وإسناد أحمد وبعض طرق البزار والطبراني في الكبير حِسان.","vol":"3","page":1422},{"text":"موسى، وعُرج بروحه في الليلة التي عُرج فيها بروح عيسى بن مريم وفي الليلة التي أنزل الله ﷿ فيها الفرقان، والله ما ترك ذهبًا ولا فضة وما في بيت ماله إلا سبعمائة وخمسون درهمًا فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادمًا لأم كلثومٍ، ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الل عليه وسلم ثم تلاه هذ الآية قول يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ثم أخذ في كتاب الله، ثم قال: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، وأنا ابن النبي، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله ﷿ مودتهم وولايتهم فقال فيما أنزل على محمد ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وفي رواية وفيها قُتل يوشعُ بن نونٍ فتى موسى.\n١٣٤١ - * روى أحمد والطبراني عن عمير بن إسحاق، قال: رأيتُ أبا هريرة لقي الحسن بن علي فقال له: اكشف عن بطنك حيث رأيتُ رسول الله ﷺ يقبلُ منه فكشف عن بطنه فقبله، فقبل سُرَّته.\n١٣٤٢ - * روى البخاري عن الحسن البصري ﵀ قال: استقبل والله الحسنُ بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إني لأرى كتائب لا تُولي حتى تقتُل أقرانها، فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين-: أي عمرو: أرأيت إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ منْ لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمُرة (١)، وعبد\n_________\n١٣٤١ - أحمد في مسنده (٣/ ٤٢٧). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧٧).\nوقال: رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: فكشف عن بطنه فقبله وفي رواية سرته، ورجالهما رجال الصحيح غير عمير بن إسحاق وهو ثقة.\n١٣٤٢ - البخاري (٥/ ٣٠٦، ٣٠٧) ٥٢ - كتاب الصلح-٩ - باب قول النبي صلى الله لعيه وسلم للحسن بن علي ﵄: \"ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين\".بكتائب: الكتائب: جمع كتيبة، وهي القطعة المجتمعة من الجيش.\nأقرانها: الأقران: جمع قرن - بكسر القاف - وهو المثل والنظير في الحرب.\nبضيعتهم: ضيعة الرجل: ما يكون معاشه من صناعة وغيرها من غلةٍ وتجارة ونحوها.","vol":"3","page":1423},{"text":"الله بن عامر، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه، وتكلما، وقالا له، وطلبا إليه، فقال لهم الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرضُ عليك كذا وكذا، ويطلبُ إليك ويسألك؟ قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحنُ لك به، فصالحهُ فقال الحسن: لقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن عليٍّ إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: \"إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\".\nتصويبات:\n١ - لا شك أن الحسن ﵁ هو الخليفة الراشد الخامس وتنازله عن الخلافة لمعاوية ﵁ وهو الأحق منه بالخلافة يرشدنا إلى أنه يجوز لولي الأمر أن يتنازل عن إمرته إذا وجد أن في ذلك مصلحة للمسلمين، وهكذا قدمت لنا الخلافة الراشدة نموذجين، نموذجًا على الاستمرار بالتمسك بالحق وعدم الرضوخ لمطالب الثائرين كما فعل عثمان ﵁، ونموذجًا على التنازل حقناص لدماء المسلمين، وكل ذلك سنة لخليفة راشد.\n٢ - لقد كان الحسن ﵁ على رأس الأمر وعنده كتائب كأمثال الجبال ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فلم يكن تنازله لمعاوية ﵁ عن تقية ولكن كان عن قناعة وروية ومصلحة وهذا حجةً على الشيعة في أكثر من مقام، وبالنسبة للمستقبل فإنه يفتح للشيعة الباب أن يخضعوا لأي خليفة فضلًا عن خليفة يختاره المسلمون.\n* * *\n_________\nعاثت: العيث: الفساد.","vol":"3","page":1424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>٢ - الحسين الشهيد بن علي ﵄</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء:\nالإمام الشريفُ الكامل، سِبطُ رسول الله ﷺ، وريحانته من الدنيا، ومحبوبُه. أبو عبد الله الحسين بن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن عبد مناف ابن قصي القرشي الهاشمي.\nحدث عن جده، وأبويه، وصهره عمر، وطائفة.\nحدث عنه: والداه عليٌّ وفاطمةُ، وعبيد بن حنين، وهمام الفرزدق، وعكرمة، والشعبي، وطلحة العقيلي، وابن أخيه زيد بن الحسن، وحفيده محمد بن علي الباقر، ولم يدركه، وبنته سُكينة، وآخرون.\nقال الزبير: مولده في خامس شعبان سنة أربع من الهجرة.\nقال جعفر الصادق: بين الحسن والحسين في الحمل طهر واحد.\nحماد بن زيد: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد بن حُنين، عن الحسين، قال: صعدتُ المنبر إلى عمر، فقلت: انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك. فقال: إن أبي لم يكن له منبر، فأقعدني معه، فلما نزل، قال: أي بني من علمك هذا؟ قلت: ما علمنيه أحد. قال: أي بني! وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا الله ثم أنتم، ووضع يده على رأسه، وقال: أي بني! لو جعلت تأتينا وتغشانا. إسناده صحيح.\nروى جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عمر جعل للحسين مثل عطاء عليٍّ، خمسة آلاف.\nحماد بن زيد: عن معمر، عن الزهري: أن عمر كسا أبناء الصحابة؛ ولم يكن في ذلك ما يصلح للحسن والحسين؛ فبعث إلى اليمن، فأُتي بكسوة لهما، فقال: الآن طابت نفسي.\nيونس بن أبي إسحاق: عن العَيْزار بن حُريث، قال: بينا عمرو بن العاص في ظل الكعبة، إذ رأى الحسين، فقال هذا أحبُّ أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم.","vol":"3","page":1425},{"text":"وعن سعيد بن عمرو؛ أن الحسن قال للحُسين: وددتُ أن لي بعض شدة قلبك، فيقول الحسين: وأنا وددتُ أن لي بعض ما بُسط من لسانك.\nعن أبي المهزم، قال: كنا في جنازة، فأقبل أبو هريرة ينفُضُ بثوبه التراب عن قدم الحسين.\nبلغنا أن الحسين لم يعجبه ما عمل أخوه الحسنُ من تسليم الخلافة إلى معاوية، بل كان رأيه القتال، ولكنه كظم، وأطاع أخاه، وبايع. وكان يقبَلُ جوائز معاوية، ومعاوية يرى له، ويحترمه، ويُجله، فلما أن فعل معاوية ما فعل بعد وفاة السيد الحسن من العهد بالخلافة إلى ولده يزيد، تألم الحسين، وحق له، وامتنع هو ابن أبي بكر وابن الزبير من المبايعة، حتى قهرهم معاوية، وأخذ بيعتهم مكرهين، وغُلبوا، وعجزوا عن سلطان الوقت. فلما مات معاوية، تسلم الخلافة يزيدُ، وبايعه أكثر الناس، ولم يبايع له ابن الزبير ولا الحسين، وأنفوا من ذلك، ورام كل واحد منهما الأمر لنفسه، وسارا في الليل من المدينة.\nقالوا: ولما حُضر معاوية، دعا يزيد، فأوصاه، وقال: انظر حُسينًا، فإنه أحبُّ الناس إلى الناس، فصِلْ رحمه، وارفق به، فإن يك منه شيء، فسيكفيك الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه.\nومات معاوية في نصف رجب، وبايع الناس يزيد، فكتب إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: أن ادعُ الناس وبايعهم، وابدأ بالوجوه، وارفقب الحسين، فبعث إلى الحسين وابن الزبير في الليل، ودعاهما إلى بيعة يزيد، فقالا: نُصبح وننظر فيما يعمل الناس. ووثبا، فخرجا. وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فشتمه حسين، وأخذ بعمامته، فنزعها، فقال الوليد: إن هجنا بهذا إلا أسدًا. فقال له مروان أو غيره: اقتله. قال: إن ذاك لدم مصون.\nوخر جالحسين وابن الزبير لوقتهما إلى مكة، ونزل الحسين بمكة دار العباس، ولزم","vol":"3","page":1426},{"text":"عبد الله الحِجر، ولبس المعافريِّ (١) وجعل يُحرض على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراقن ويقول: هم شيعتكم، وكان ابن عباس ينهاه.\nوقال له عبد الله بن مطيع: فداك أبي وأمي، متعنا بنفسك ولا تسر، فوالله لئن قُتلت ليتخذونا خولًا وعبيدًا.\nولقيهما عب الله بن عمر، وعبد الله بن عياش بنأبي ربيعة منصرفين من العمرة، فقال لهما: أذكركما الله إلا رجعتما، فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس وتنظران، فإن اجتمع عليه الناس لم تشاذ، وإن افترق عليه كان الذي تريدان.\nوقال ابن عمر للحسين: لا تخرج، فإن رسول الله ﷺ خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها، ثم اعتنقه، وبكى وودعه. فكان ابن عمر يقول: غلبنا بخروجه، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك.\nوقال له ابن عباس: أين تريد يا ابن فاطمة؟ قال: العراق وشيعتي\nقال: إني كاره لوجهك هذا، تخرج إلى قومٍ قتلوا أباك ...\nإلى أن قال: وقال له أبو سعيد: اتق الله، والزم بيتك.\nوكلمه جابر، وأبو واقد الليثي. وقال ابن المسيب: لو أنه لم يخرج لكان خيرًا له.\nقال: وكتبتْ إليه عمرةُ تعظم ما يريد أن يصنع، وتُخبره أنه إنما يساقُ إلى مصرعه، وتقول: حدثتني عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يُقتل حسين بأرض بابل\" فلما قرأ كتابها، قال: فلابد إذًا من مصرعي.\nوكتب إليه عبد الله بن جعفر يُحذره ويناشده الله. فكتب إليه: إني رأيت رؤيا، رأيت فيها رسول الله ﷺ، وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له.\n_________\n(١) المعافري: بُرْدَ يمني.","vol":"3","page":1427},{"text":"وأبي الحسين على كل من أشار عليه إلا المسير إلى العراق.\nوقال له ابن عباس: إني لأظنك ستقتل غدًا بين نسائك وبناتك كما قُتل عثمان، وإني لأخاف أن تكون الذي يُقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nقال: أبا العباس! إنك شيخ قد كبرت.\nفقال: لولا أن يُزري بي وبك، لنشبتُ يدي في رأسك، ولو أعلمُ أنك تقيم، إذًا لفعلت، ثم بكى، وقال: أقررت عين ابن الزبير. ثم قال بعد لابن الزبير: قد أتى ما أحببت؛ أبو عبد الله يخرج إلى العراق، ويتركك والحجاز:\nيا لك من قنبرة (١) بمعمر ... خلا لك البر فبيضي واصفري\nونقري ما شئت أن تنقري\nوقال أبو بكر بن عياش: كتب الأحنف إلى الحسين: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢).\nعوانة بن الحكم: عن لبطة بن الفرزدق، عن أبيه قال: لقيتُ الحسين، فقلت: القلوبُ معك، والسيفو مع بني أمية.\nابن عُيينة: عن لبطة، عن أبيه قال: لقيني الحسين وهو خارج من مكة في جماعة عليهم يلامق الديباج؛ فقال: ما وراءك؟ قال: وكان في لسانه ثِقل من برسام (٣) عرض له. وقيل: كان مع الحسين وجماعته اثنان وثلاثون فرسًا.\nوروى ابنُ سعد بأسانيده: قالوا: وأخذ الحسينُ طريق العُذيب، حتى نزل قصر أبي مقاتل، فخفق خفقة، ثم استرجع، وقال: رأيتُ كأن فارسًا يسايرنا، ويقول: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم. ثم نزل كربلاء، فسار إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص\n_________\n(١) القنبرة: طير يشبه الحمرة.\n(٢) الروم: ٦٠.\n(٣) البرسام: التهاب في الغشاء بالرئة.","vol":"3","page":1428},{"text":"كالمكره. إلى أن قال: وقُتِل أصحابه حوله، وكانوا خمسين، وتحول إليه من أولئك عشرون، وبقي عامة نهاره لا يقدم عليه أحد، وأحاطت به الرجالة، وكان يشد عليهم، فيهزمهُم، هم يكرهون الإقدام عليه، فصرخ بهم شمر! ثكلتكم أمهاتكم، ماذا تنتظرون به؟ وطعنه سنان بن أنس النخعي ف يترقوته، ثم طعنه في صدره فخر واتز رأسه خولي الأصبحي لا ﵄.\nذكر ابن سعد بأسانيد له قالوا: قدم الحسين مسلم [بن عقيل]، وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة، ويكتب إليه بخبر الناس، فقدم الكوفة مُستخفيًا، وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم، وكتب إلى الحسين: بايعني إلى الآن ثمانية عشر ألفًا، فعجَّل؛ فليس دون الكوفة مانع، فأغذ السير حتى انتهى إلى زبالة، فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مئة ألف، وكان على الكوفة النعمان بن بشير، فخاف يزيد أن لا يقدم النعمان على الحسين. فكتب إلى بعيد الله وهو على البصرة. فضم إليه الكوفة، وقال له: إن كان لك جناحان، فطرْ إلى الكوفة! فبادر متعممًا متنكرًا، ومر في السوق، لما رآه السفلة، اشتدوا بين يديه: يظنونه الحسين، وصاحوا: يا ابن رسول الله! الحمد لله الذي أراناك، وقبلوا يده ورجله؛ فقال: ما أشد ما فسد هؤلاء. ثم دخل المسجد، فصلى ركعتين، وصعد المنبر، وكشف لثامهم، وظفر برسول الحسين - وهو عبد الله بن بقطر - فقتله. وقدم مع عبيد الله؛ شريك بن الأعور - شيعي-؛ فنزل على هانئ بن عروة، فمرض، فكان عبيد الله يعوده، فهيؤوا لعبيد الله ثلاثين رجلًا ليغتالوه، فلم يتم ذلك. وفهم عُبيد الله، فوثب وخرج، فنم عليهم عبدُ لهانئ، فبعث إلى هانئ - وهو شيخ - فقال: ما حملك على أن تُجيز عدوي؟ قال: يا ابن أخي، جاء حق هو أحقُّ من حقك، فوثب إليه عبيد الله بالعنزة حتى غرز رأسه بالحائط.\nوبلغ الخبر مُسلمًا، فخرج في نحو الأربع مئه، فما وصل إلى القصر إلا في نحو الستين، وغربت الشمس، فاقتتلوا، وكثر عليهم أصحاب عبيد الله، وجاء الليل، فهرب مسلم، فاستجار بامرأةٍ من كندة، ثم جيء به إلى عبيد الله، فقتله؛ فقال: دعني أوص. قال: نعم. فقال لعمر بن سعد: يا هذا! إنْ لي إليك حاجة، وليس هنا قرشي غيرك، وهذا","vol":"3","page":1429},{"text":"الحسين قد أظلك، فأرسل إليه لينصرف، فإن القوم قد غروه، وكذبوه، وعليِّ دين فاقضه عني، وار جُثتي، ففعل ذلك. وبعث رجلًا على ناقة إلى الحسين، فلقي عليِّ أربع مراحل، فقال له ابنه على الأكبر: ارجع يا أبه، فإنهم أهل العراق وغدرهم وقلةُ وفائهم. فقالت بنو عقيل: ليس بحين رجوع، وحرضُوه، فقال حسين لأصحابه: قد ترون ما أتانا، وما أرى القوم إلا سيخذلوننا، فمن أحب أن يرجع، فليرجع، فانصرف عنه قوم.\nوأما عبيد الله فجمع المقاتلة، وبذل لهم المال، وجهز عمر بن سعد في أربعة آلاف، فأبى، وكره قتال الحسين، فقال: لئن لم تسر إليه لأعزلنك، ولأهدمن دارك، وأضرب عنقك. وكان الحسين في خمسين رجلًا، منهم تسعة عشر من أهل بيته. وقال الحسين: يا هؤلاء! دعونا أرجع من حيث جئنا، قالوا: لا. وبلغ ذلك عبيد الله، فهم أن يخلي عنه، وقال: والله ما عرض لشيء من عملي، وما أراني إلا مخل سبيله يذهب حيث يشاء، فقال شمر: إنْ فعلت، وفاتك الرجل، لا تستقيلها أبدًا فكتب إلى عمر.\nالآن حيث تعلقته حبالنا ... يرجو النجاة ولات حين مناص\nفناهضه، وقال لشمر: سر فإن قاتل عمر، وإلا فاقتله، وأنت على الناس. وضبط عبيد الله الجسر، فمنع من يجوزه لما بلغه أن ناسًا يتسللون إلى الحُسين.\nقال: فركب العسكر، وحسين جالس، فرآهم مقبلين، فقال لأخيه عباس: القهُم فسلهم: ما لهم؟ فسألهم، قالوا: أتانا كتابُ الأمير يأمرنا أن نعرض عليك النزول على حكمه، أو نُناجزك. قال: انصرفوا عنا العشية حتى ننظر الليلة، فانصرفوا.\nوجمع حسينُ أصحابه ليلة عاشوراء، فحمد الله، وقال: إني لا أحسبُ القوم إلا مقاتلوكم غدًا، وقد أذنت لكم جميعًا، فأنتم في حل مني، وهذا الليل قد غشيكم، فمن كانت له قوة، فيضم إليه رجلًا من أهل بيتي، وتفرقوا في سوادكم، فإنهم إنما يطلبونني، فإذا رأوني، لهوا عن طلبكم. فقال أهل بيته: لا أبقانا الله بعدك، والله لا نفارقك. وقال أصحابه كذلك.\nالثوري: عن أبي الجحاف، عن أبيه: أن رجلًا قال للحسين: إن عليِّ دينًا. قال: لا","vol":"3","page":1430},{"text":"يُقاتل معي من عليه دين.\nرجع الحديث إلى الأول:\nفلما أصبحوا، قال الحسينُ: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت فيما نزل بي ثقةٌ، وأنت وليُّ كل نعمة، وصاحبُ كل حسنة. وقال لعمر وجنده: لا تعجلوا، والله ما أتيتُكم حتى أتتني كتب أماثلكم بأن السُّنة قد أُميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عُطلت؛ فاقدمْ لعل الله يصلح بك الأمة. فأتيتُ؛ فإذْ كرهتُم ذلك، فأنا راجع، فارجعوا إلى أنفسكم؛ هل يصلحُ لكم قتلي، أو يحلُّ دمي؟ ألستُ ابن بنت نبيكم ابن ابن عمه؟ أو ليس حمزة والعباسُ وجعفر عمومتي؟ ألم يبلغكم قول رسول الله ﷺ فيَّ وفي أخي: \"هذان سيدا شباب أهل الجنة\"؟ فقال شِمْر: هو يعبدُ الله على حرف إن كان يدري ما يقول، فقال عُمر: لو كان أمرُك إليَّ، لأجبتُ. وقال الحسينُ: يا عمر! ليكوننْ لما ترى يومُ يسوؤك. اللهم إنَّ أهل العراق غرُّوني، وخدعوني، وصنعوا بأخي ما صنعوا. اللهم شَتّتْ عليهم أمرهم، وأحصهم عددًا.\nفكان أول من قاتل مولى لعبيد الله بن زياد، فبرز له عبدُ الله بنُ تميم الكلبي، فقتله، والحسينُ جالسٌ عليه جَبَّةُ خَزٍّ دكناء، والنبل يقع حوله، فوقعت نبلةُ في ولدٍ له ابن ثلاث سنين، فلبس لأمتهُ، وقاتل حوله أصحابه حتى قُتلوا جميعًا، وحمل ولده عليُّ الأكبر يرتجز:\nأنا عليُّ بن الحسين بن عليِّ ... نحنُ وبيت الله أولى بالنبي\nفجاءته طعنة، وعطش حسينُ فجاء رجلٌ بماء، فتناوله، فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع في فيه، فجعل يتلقى الدم بيده ويحمد الله. وتوجه نحو المسناة يريد الفرات، فحالوا بينه وبين الماء، ورماه رجل بسهمٍ، فثبته في حنكه، وبقي عامة يومه لا يقدم عليه أحد، حتى أحاطت به الرجالةُ، وهو رابط الجأش، يُقاتل قتال الفارس الشجاع، إن كان ليشُدُّ عليهم فيتكشفون عنه انكشاف المعزى شد فيها الأسد، حتى صاح بهم شِمر: ثكلتكم أمهاتكم! ماذا تنتظرون به؟ فانتهى إليه زرعةُ التميمي، فضرب كتفه، وضربه","vol":"3","page":1431},{"text":"الحسينُ على عاتقه، فصرعه، وبرز سنان النخعي، فطعنه في ترقوته وفي صدره، فخرَّ، ثم نزل ليحتز رأسه، ونزل خولي الأصبحي، فاحتز رأسه، وأتى به عبيد الله بن زياد، فلم يُعطه شيئًا.\nقال: ووُجد بالحسين ثلاث وثلاثون جراحة، وقُتل من جيش عمر بن سعد ثمانية وثمانون نفسًا.\nقال: ولم يُفلت من أهل بيت الحسين سوى ولده عليِّ الأصغر، فالحسينية من ذريته، كان مريضًا، وحسن بن حسن بن علي وله ذرية، وأخوه عمرو، ولا عقب له، والقاسم ابن عبد الله بن جعفر، ومحمد بن عقيل، فقدم بهم وبزينب وفاطمة بنتي علي، وفاطمة وسكينة بنتي الحسين، وزوجته الرباب الكلبية والدة سكينة، وأم محمد بنت الحسن بن علي، وعبيد وإماء لهم.\nقال: وأُخذ ثَقَل الحسين، وأخذ رجل حليَّ فاطمة بنت الحسين، وبكى؛ فقالت: لم تبكي؟ فقال: أأسلب بنت رسول الله ﷺ، ولا أبكي؟ قالت: فدعه، قال: أخاف أن يأخذه غيري.\nوأقبل عمر بن سعد، فقال: ما رجع رجل إلى أهله بشر مما رجعتُ به، أطعت ابن زياد، وعصيت الله، وقطعتُ الرحم. وورد البشير على يزيدح فلما أخبره، دمعت عيناه، وقال: كنتُ أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. وقالت سكينة: يا يزيد؛ أبنات رسول الله سبايا؟ قال: يا بنت أخي هو والله عليَّ أشدُ منه عليك، أقسمت ولو أن بين ابن زياد وبين حُسين قرابة ما أقدم عليه، ولكن فرقتْ بينه وبينه سمية، فرحم الله حُسينًا، عجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنتُ صاحبه، ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا بنقص بعض عمري، لأحببتُ أن أدفعه عنه، ولوددتُ أن أُتيتُ به سلمًا.\nثم أقبل على عليِّ بن الحسين، فقال: أبوك قطع رحمي، ونازعني سلطاني. فقام رجلٌ، فقال: إن سباءهم لنا حلال. قال عليٍّ: كذبت إلا أن تخرج من ملتنا. فأطرق يزيدُ، وأمر بالنساء، فأُدخلن على نسائه، وأمر نساء آل أبي سفيان، فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيام، إلى أن قال: وبكت أمُّ كلثوم بنتُ عبد الله بن عامر، فقال يزيد وهو","vol":"3","page":1432},{"text":"زوجُها: حق لها أن تُعْوِلَ عل كبير قريش وسيدها.\nأحمد بن جناب المصيصي: حدثنا خالدُ بن يزيد القسري، حدثنا عمار الدُّهني: قلتُ لأبي جعفر الباقر: حدثني بقتل الحسين. فقال: مات معاوية، فأرسل الوليدُ بن عتبة والي مكة إلى الحسين ليبايع، فقال: أخرني، ورفق به، فأخره، فخرج إلى المدينة، فأتاه رسلُ أهل الكوفة، وعليها النعمان بن بشير، فبعث الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل: أن سِرْ، فانظر ما كتبوا به، فأخذ مسلم دليلين وسار، فعطشوا في البرية، فمات أحدهما. وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فكتب إليه: امض إلى الكوفة، ولم يُعفه، فقدمها، فنزل على عوسجةٍ (١) فدب إليه أهل الكوفة، فبايعه اثنا عشر ألفًا، فقام عُبيد الله بن مسلم؛ فقال للنعمان: إنك لضعيف! قال: لأن أكون ضعيفًا أحبُّ إليَّ من أنْ أكون قويًا في معصية الله، وما كنتُ لأهتك سترًا ستره الله. وكتب بقوله إلى يزيد، وكان يزيدُ ساخطًا على عُبيد الله بن زياد، فكتب إليه برضاه عنه، وأنه ولاه الكوفة مُضافًا إلى البصرة، وكتب إليه أن يقتُل مسلمًا، فأسرع عبيدُ الله في وجوه أهل البصرة إلى الكوفة مُتَلثَّمًا، فلا يمر بمجلس، فيسلمُ عليهم إلا قالوا: وعليك السلام يا ابن رسول الله، يظنونه الحسين. فنزل القصر؛ ثم دعا مولى له، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وقال: اذهب حتى تسأل عن الذي يُبايع أهل الكوفة؛ فقل: أنا غريبٌ، جئت بهذا المال يتقوى به، فخرج، وتلطف حتى دخل على شيخٍ يلي البيعة، فأدخله على مُسلم، وأعطاه الدراهم وبايعه، ورجع، فأخبر عُبيد الله.\nوتحوَّل مسلم إلى دار هانئ بن عُروة المرادي، فقال عُبيد الله: ما بالُ هانئ لم يأتنا؟ فخرج إليه محمد بنُ الأشعث وغيره، فقالوا: إن الأمير قد ذكرك فركِبَ معهم، وأتاه وعنده شُريح القاضي، فقال عُبيد الله: \"أتتك بحائنٍ رجلاه\" \"ميت أو هالك\" فلما سلم، قال: يا هانئ أين مسلم؟ قال: ما أدري؛ فخرج إليه صاحبُ الدراهم، فلما رآه، قطع به، وقال: أيُّها الأمير؛ والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء، فرمى نفسه عليَّ. قال:\n_________\n(١) العوسجة: شجر من شجر الشوك له ثمر مدور كأنه خرز العقيق.","vol":"3","page":1433},{"text":"ائتني به. قال: والله لو كان تحت قدميَّ، ما رفعتهما عنه، فضربه بعصًا، فشجه، فأهوى هانئ إلى سيف شرطي يستلُّه، فمنعه. وقال: قد حل دمك، وسجنه، فطار الخبرُ إلى مذجج، (قبيلة هانئ) فإذا على باب القصر جلية، وبلغ مُسلمًا الخبرُ، فنادى بشعاره، فاجتمع إليه أربعون ألفًا، فعبأهم، وقصد القصر، فبعث عُبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة، فجمعهم عنده، وأمرهم، فأشرفوا من القصر على عشائرهم، فجعلوا يُكلمونهم، فجعلوا يتسللون حتى بقي مُسلم في خمس مئة، وقد كان كتب إلى الحُسين ليُسرع، فلما دخل الليل، ذهب أولئك، حتى بقي مسلم وحده يترددُ في الطرق، فأتى بيتًا! فخرجتْ إليه امرأة، فقال: اسقني، فسقته. ثم دخلتْ، ومكثت ما شاء الله، ثم خرجتْ، فإذا به على الباب، فقالت: يا هذا، إن مجلسك مجلسُ ريبة، فقُم؛ فقال: أنا مسلمُ بن عقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت: نعم فأدخلته، وكان ابنها مولى محمد بن الأشعث، فانطلق إلى مولاه فأعلمه، فبعث عبيد الله الشُّرَطَ إلى مسلم؛ فخرج، وسل سيفه، وقاتل، فأعطاه ابن الأشعث أمانًا، فسلم نفسه، فجاء به إلى عُبيد الله، فضرب عنقه وألقاه إلى الناس، وقتل هانئًا.\nقال: وأقبل حسين على كتاب مسلم، حتى إذا كان على ساعةٍ من القادسية، لقيه رجل؛ فقال للحسين: ارجعْ، لم أدع لك ورائي خيرًا، فهمَّ أن يرجع. فقال إخوةُ مسلم: والله لا نرجع حتى نأخذ بالثأر، أو نُقتل؛ فقال: لا خير في الحياة بعدكم. وسار. فلقيتهُ خيلُ عبيد الله، فعدل إلى كربلاء، وأسند ظهره إلى قصميًا حتى لا يقاتل إل من وجهٍ واحد، وكان معه خمسة وأربعون فارسًا ونحو من مئة راجل.\nوجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص - وقد ولاه عبيد الله بن زياد على العسكر - وطلب من عبيد الله أن يعفيه من ذلك، فأبى، فقال الحسين: اختاروا واحدة من ثلاث؛ إما أن تدعوني فألحق بالثغور؛ وإما أن أذهب إليى يزيد، أو أُردَّ إلى المدينة. فقبل عمر ذلك، وكتب به إلى عبيد الله، فكتب إليه: لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي. فقال الحسين: لا والله؛ وقاتل، فقُتل أًحابه، منهم بضعة عشر شابًا من أهل بيته.\nقال: ويجيء سهمٌ، فيقعُ بابنٍ له صغير، فجعل يمسحُ الدم عنه، ويقول: اللهم احكُمْ","vol":"3","page":1434},{"text":"بيننا وبين قومنا، دعونا لينصرونا، ثم يقتلوننا. ثم قاتل حتى قُتل. قتله رجل مذحجي، وحز رأسه، ومضى به إلى عبيد الله، فقال:\nأوقِر ركابي فضةً وذهبا ... فقد قتلتُ الملك المحجبا\nقتلت خير الناس أُمًا وأبًّا\nقال الجماعةُ: مات يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، زاد بعضهم يوم السبت وقيل: يوم الجعة، وقيل: يوم الاثنين.\nمولده في شعبان سنة أربع من الهجرة.\nعبد الحميد بن بهرام، وآخر ثقة، عن شهر بن حوشب، قال: كنتُ عند أم سلمة زوج النبي ﷺ حين أتاها قتلُ الحسين، فقالت: قد فعلوها؟! ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، ووقعت مغشيةً عليها، فقمنا.\nوحدثتني ريًا؛ ن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان فبعث، فجيء به، وقد بقي عظمًا أبيض، فجعله في سفطٍ، وطيبه، وكفنه ودفنه في مقابر المسلمين. فلما دخلت المسودةُ (١) سألوا عن موضع الرأس فنبشوه، وأخذوه، فالله أعلم ما صُنِعَ به.\nوذكر باقي الحكاية وهي قوية الإسناد.\nوممن قُتل مع الحسين إخوتُه الأربعة؛ جعفرُ، وعتيق، ومحمد (٢)، والعباسُ الأكبر. وابنه الكبير عليٍّ، وابنه عبد الله، وكان ابنه عليٍّ زينُ العابدين مريضًا، فسِلَم. وكان ييد يُكرمه ويرعاه\nوقُتِلَ مع الحسين، ابنُ أخيه القاسمُ بن الحسن، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب، ومحمد وعون ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.\n_________\n(١) المسوَّدة: العباسيون.\n(٢) غير محمد بن الحنفية.","vol":"3","page":1435},{"text":"فأولاد الحسين هم؛ عليٍّ الأكبر الذي قُتِلَ مع أبيه، وعليِّ زين العابدين، وذريته عدد كثير، وجعفر، وعبد الله ولم يُعقبا.\nفولد لزين العابدين الحسن والحسين ماتا صغيرين، ومحمد الباقر، وعبد الله، وزيدٌ، وعمر، وعليٍّ، ومحمد الأوسط ولم يعقب، وعبد الرحمن، وحسين الصغير، والقاسم ولم يعقب. أهـ من السير.\n١٣٤٣ - * روى أحمد عن ربيعة بن شيبان أبي الحوراء قال: قلت للحسين بن عليّ ﵉: ما تعقل عن رسول الله ﷺ؟ قال صعدت عرفة فأخذت تمرة فسلكتها في فيِّ قال: فقال النبي ﷺ: \"ألقها فإنا لا تحل لنا الصدقة\".\n١٣٤٤ - * روى ابن ماجه عن يعلي بن مرة أنهم خرجوا مع النبي ﷺ إلى طعام دعُوا له. فإذا حسين يلعب في السكةِ. قال: فتقدم النبي ﷺ أمام القوم، وبسط يديه. فجعل الغلامُ يفرُّ ههنا وههنا، ويضاحكه النبي ﷺ حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى في فأس رأسه (١) فقَبَّلهُ. وقال: \"حُسينٌ منيِّ، وأنا من حُسينٍ. أحب الله من أحب حُسينًا. حسينٌ سبطٌ من الأسباط\".\n١٣٤٥ - * روى الطبراني عن أبي رجاء العطاردي قال: لا تسبوا عليًا ولا أحدًا من أهل البيت فإن جارًا لنا من بلهجيم قال: ألم تروا إلى هذا الفاسق الحسين بن علي قتله الله. فرماه الله بكوكبين في عينيه فطمس الله بصره.\n١٣٤٦ - * روى الطبراني عن منذر الثوري قال: كنا إذا ذكرنا حسينًا ومن قُتِلَ معه\n_________\n١٣٤٣ - أحمد في مسنده (١/ ٢٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٠): رواه أحمد ورجاله ثقات.\n١٣٤٤ - ابن ماجه (١/ ٥١) المقدمة-١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ (فضل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ﵃).\n(١) فأس رأسه: قال في الإفصاح: الفأس حرف القمحدوة المشرف على القفا، والقمحدوة هي الناشزة فوق القفا، بين الذؤابة والقفا- قد انحدرت على الهامة. إذا استلقى الرجل أصابت الأرض من رأسه.\n١٣٤٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٦) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nبلهجيم: اسم قبيلة.\n١٣٤٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٨) وقال: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح.","vol":"3","page":1436},{"text":"قال محمد بن الحنفية قُتل معه سبعة عشر كلهم ارتكض في رحم فاطمة ﵂ وعنهم.\n١٣٤٧ - * روى الطبراني عن الليث يعني ابن سعد قال أبي الحسين بن علي أن يستأسر فقاتلوه فقتلوه وقتلوا ابنيه وأصحابه الذين قاتلوا معه بمكان يقال له: الطَّفُّ، وانطلق بعلي بن حسين وفاطمة بنت حسين وسكينة بنت حسين إلى عبيد الله بن زياد وعليٍّ يومئذٍ غلام قد بلغ فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية فأمر بسكينة فعجلها خلف سريره لئلا ترى رأس أبيها وذوي قرابتها، وعليُّ بن حسينٍ في غُلٍّ فوضع رأسه فضرب على ثنيتي الحسين فقال:\nنُفلق هامًا من رجالٍ أحبةٍ ... إلينا وهم كانوا أعسقَّ وأظلما\nفقال عليٍّ بن حسين: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فثقل على يزيد أن يتمثل ببيتِ شعرٍ وتلا عليُّ بن الحسين آية من كتاب الله ﷿، فقال يزيدُ: بل بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير، فقال عليٍّ أما والله لو رآنا رسول الله ﷺ مغلولين لأحب أن يُخلينا من الغُل. فقال: صدقت، فخلوهم من الغل، فقال: ولو وقفنا بين يدي رسول الله ﷺ على بعدٍ لأحب أن يقربنا. قال: صدقت، فقربوهم. فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لتريا رأس أبيهما، وجعل يزيد يتطاول في مجلسه ليستر رأسه، ثم أمر بهم فجهزوا وأصلح إليهم وأُخرجوا إلى المدينة.\n١٣٤٨ - * روى الطبراني عن الليث بن سعدٍ قال: توفي معاويةُ في رجب لأربع ليال خلون منه، واستخلف يزيد سنة ستين وفي سنة إحدى وستين قتل الحسين بن علي وأصحابه ﵃ لعشر ليال خلون من المحرم يوم عاشوراء. وقُتل العباس بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين عامريةُ، وعفر بن علي بن أبي طالب (١)، وعبد الله بن علي\n_________\n١٣٤٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٩٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٣٤٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٩٧) وقال: رواه الطبراني، ورجاله إلى قائله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1437},{"text":"ابن أبي طالب، وعثمان بن علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن علي بن أبي طالب وأمه ليلى بنت مسعودٍ نهشلية؛ وعليُّ بن الحسين بن أبي طالب الأكبر وأمه ليلى ثقفية وعبد الله بن الحسين وأمه الربابُ بنت مُري كلبية، وأبو بكر بن الحسين لأم ولدٍ، والقاسم بن الحسين لأم ولد، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب وسليمان مولى الحسين، وقُتل الحسين وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنة ﵃.\n١٣٤٩ - * روى الطبراني عن دُويد الجعفي عن أبيه قال: لما قتل الحسين انتهبت جوزر من عسكره فلما طبخت إذا هي دم.\n١٣٥٠ - * روى الطبراني عن عمرو بن بعجة قال: أول ذل دخل على العرب قتل الحسين بن علي وادعاء زياد.\n١٣٥١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال استأذنني حسين في الخروج، فقال (أي ابن عباس) لولا أن يُزري ذلك بي أو بك لشبكتُ بيدي في رأسك، فكان الذي رد عليِّ أن قال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ من أن يُستحل بي حرم الله ورسوله قال: فذلك الذي سلى بنفسي عنه.\n١٣٥٢ - * روى البزار والطبراني عن الشعبي قال: إنما أرا الحسين بن علي أن يخرج إلى أرض أراد ان يلقى ابن عمر فسأل عنه فقيل له: إنه في أرضٍ له، فأتاه ليوةدعه، فقال له: إني أريد العراق. فقال: لا تفعل فإن رسول الله صلى الله علي وسلم قال: \"خُيرْتُ بين أنْ أكون ملكًا نبيًا أو نبيًا عبدًا فقيل لي: تواضعْ، فاخترتُ أن أكون نبيًا عبدًا\" (١) وإنك\n_________\n١٣٤٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٦) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٣٥٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٦) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\nادعاء زيادك أي ادعاء زياد بن أبيه لأبي سفيان.\n١٣٥١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٥٢ - كشف الأستار (٣/ ٢٣٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٢) رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار ثقات.","vol":"3","page":1438},{"text":"بضعةٌ من رسول الله صلى الله عيه وسلم فلا تخرج قال: فأبى فودعه وقال أستودعك الله من مقتول.\n١٣٥٣ - * روى الطبراني عن الزبير بن بكار قال: ولد الحسينُ لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقُتل يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، قتله سنان ابن أبي أنس، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، وحز رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد فقال سنان:\nأوقِرْ ركابي فضة وذهبًا ... أنا قتلت الملك المحجبا\nقتلتُ خير الناس أمًا وأبا\n١٣٥٤ - * روى الطبراني عن الشعبي قال رأيتُ في النوم كان رجالًا من السماء نزلوا معهم حِرابٌ يتتبعون قتلة الحسين فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم.\n١٣٥٥ - * روى الطبراني عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ جالسًا ذات يوم في بيتي قال: لا يدخل عليَّ أحدٌ فانتظرتُ فدخل الحسين فسمعتُ نشيج رسول الله ﷺ يبكي فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي ﷺ يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل. فقال: \"إن جبريل ﵇ كان معنا في البيت قال أفتحبه؟ قلت: أما في الدنيا فنعم\". قال: إن أمتك ستقتلُ هذا بأرض يُقال لها: كربلاءُ فتناول جبريل من تربتها فأراها النبي ﷺ فلما أحيط بحسينٍ حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاءُ. فقال: صدق الله ورسوله كربُ وبلاءٌ، وفي رواية صدق رسول الله ﷺ أرض كربٍ وبلاءٍ.\n١٣٥٦ - * روى الطبراني عن الزهري قال: قال لي عبد الملك: أيُّ واحد أنت إن أعلمتني أيُّ علامةٍ كانت يوم قتل الحسين. فقال قلتُ (١): لم ترفع حصاةً ببيتِ المقدس إلا\n_________\n١٣٥٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٣٥٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٦) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٣٥٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٨٩) وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات.\nالنشيج: صوت معه توجع وبكاء.\n١٣٥٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٦) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1439},{"text":"وجد تحتها دم عبيطٌ، فقال لي عبد الملك: إني وإياك في هذا الحديث لقرينان.\n١٣٥٧ - * روى الطبراني عن الزهري قال ما رُفع بالشام حجرٌ يوم قتل الحسين بن علي إلا عن دمٍ.\n١٣٥٨ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجلي الكوفي ﵀ قال: كنتُ شاهدًا لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض؟ فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، فقال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي ﷺ، وسمعت النبي ﷺ يقول: \"هما ريحانتاي من الدنيا! \".\nوفي رواية (١): أن رجلًا من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يُصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى هذا يسأل عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدُّنيا\".\n١٣٥٩ - * روى البخار يعن انس بن مالك رضي الله عن هقال: أُتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجُعل في طستٍ، فجعل ينكتُ، وقال في حُسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ وكان مخضوبًا بالوسمة.\nوفي رواية (٢) قال: كنت عند ابن زيادٍ، فجيء برأس الحسين، فجعل يضربُ بقضيبٍ\n_________\n= دم عبيط: سائل طري.\n١٣٥٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٦) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٥٨ - البخاري (١٠/ ٤٢٦) ٧٨ - كتاب الأدب-١٨ - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته.\n(١) الترمذي (٥/ ٦٥٧) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉ وقال: هذا حديث صحيح.\nالبعوض: جمع بعوضة، وهو صغار البق.\nالريحان والريحانة: السعادة والرحمة والراحة، ويسمى الولد ريحانًا وريحانة لذلك.\n١٣٥٩ - البخاري (٧/ ٩٤) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٢٢ - باب مناقب الحسن والحسين ﵄.\nالنكت: بالقضيب: أن يضرب الأرض بطرفه ليؤثر فيها.\nالوسمة: شيء أسودُ يصبغ به الشعر.\n(٢) الترمذي (٥/ ٦٥١) ٥٠ - كتاب المناقب -٣١ - باب مناقب الحسن والحسين عليهما وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.","vol":"3","page":1440},{"text":"في أنفه، ويقول: ما رأيتُ مثل هذا حُسنًا، فقلت: أما إن كان من أشبههم برسول الله ﷺ.\n١٣٦٠ - * روى الترمذي عن عُمارة بن عمير ﵀ قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زيادٍ وأصحابه نُضدتْ في المسجد في الرحبة، فانتهيتُ إليهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تُخلل الرؤوس، حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد، فمكثت هنيهةً، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبتْ، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا.\n١٣٦١ - * روى الترمذي وابن ماجه عن يعلي بن مرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"حُسينٌ مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب حُسينًا، حسين سبط من الأسباط\".\n١٣٦٢ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله ﷺ من الحسين بن عليّ.\nوفي رواية (١): من الحسنِ.\n_________\n١٣٦٠ - الترمذي (٥/ ٦٦٠) ٥٠ - كتاب المناقب-٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nنضدت المتاع: جعلت بعضه فوق بعض مرتبًا.\n١٣٦١ - الترمذي (٥/ ٦٥٨) ٥٠ - كتاب المناقب -٣١ - باب مناقب الحسن والحسين عليهام السلام. وقال: هذا حديث حسن.\nوابن ماجه (١/ ٥١) المقدمة ١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ. (فضل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب).\nالسبط: ولد الولد، وسباط بني إسرائيل: هم أولاد يعقوب ﵇، وهم فيهم كالقبائل في العرب، وقد جعل النبي ﷺ حسينًا ﵁ واحدًا من أولاد الأنبياء، يعني أنه من جملة الأسباط الذين هم أولاد يعقوب ﵇.\n١٣٦٢ - البخاري (٧/ ٩٥) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٢٢ - باب مناقب الحسن والحسين ﵄.\n(١) الترمذي (٥/ ٦٥٩) ٥٠ - كتاب المناقب -٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉. وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1441},{"text":"١٣٦٣ - * روى الطبراني عن أبي قُبيل قال: لما قُتل الحسين بن علي انكسفت الشمسُ كسفةً حتى بدت الكواكبُ نصف النهار حتى ظننا أنها هي.\n١٣٦٤ - * روى البزار والطبراني عن أنس قال: لما أُتي عبيد الله بن زيادٍ برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقولُ: لقد كان (أحسبُه قال) جميلًا، فقلت: والله لأسوءنك إني رأيت رسول الله ﷺ يلثم حيث يقعُ قضيبك، قال: فانقبض.\n١٣٦٥ - * روى الطبراني عن محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي قال: كان جسد الحسين شبه جسد رسول الله ﷺ.\n١٣٦٦ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ فرج ما بين فخذي الحسين وقبل زبيبته.\n١٣٦٧ - * روى أحمد عن عائشة أو أم سلمة أن النبي ﷺ قال لإحداهما: \"لقد دخل عليَّ البيت ملك فلم يدخلء عليَّ قبلها، قال: إن ابنك هذا حسينا مقتول وإن شئت أريتُك من تربة الأرض التي يُقتل بها\" قال: فأخرج تربة حمراء.\n١٣٦٨ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن الحضرمي أنه سار مع علي ﵁ وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوي وهو منطلقٌ إلى صفين فنادى علي اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات. قلتُ (١): وما ذاك؟ قالك دخلتُ على النبي ﷺ\n_________\n١٣٦٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٧) وقال: روا هالطبراني وإسناده حسن.\nأنها هي: أي يوم القيامة.\n١٣٦٤ - كشف الأستار (٣/ ٢٣٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٥) رواه البزار والطبراني بأسانيد ورجاله وثقوا.\n١٣٦٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٨٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٣٦٦ - أحمد في مسنده (٦/ ٣١٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائدك رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٦٧ - كشف الأستار (٣/ ٢٣١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٨٧): رواه أحمد وأبو يعلي والبزار والطبراني ورجاله ثقات.\n١٣٦٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٨٧) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعد وقيل ابن سعيد وهو ثقة.","vol":"3","page":1442},{"text":"ذات يومٍ وإذا عيناه تذرفان، قلت: يا نبي الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: \"بل قام من عندي جبريل ﵇ قيل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات: قال فقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قلت: نعم. قال: فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا\".\n١٣٦٩ - * روى أبو يعلي عن جار قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقوله.\n١٣٧٠ - * روى الطبراني عن أسلم المنقري قال: دخلتُ على الحجاج فدخل سنان بن أبي أنسٍ قاتل الحسين فإذا شيخ آدمُ فيه خنا، طويل الأنف، في وجهه يبرشٌ، فأوقف بحيال الحجاج، فنظر إليه الحجاج فقال: أنت قتلت الحسين؟ قال: نعم، قال: وكيف صنعت به؟ قال: عمتُه بالرمح وهبرتُه بالسيف هبرًا فقال له الحجاج: أما إنكما لن تجتمعا في دار.\n١٣٧١ - * روى الطبراني عن أم سلمة قالت: سمعت الجن تنوحُ على الحسين بن علي.\n١٣٧٢ - * روى الطبراني عن الأعمش قال: خري رجلٌ على قبر الحسين فأصاب أهل ذلك البيت خبلٌ وجنونٌ وجُذامٌ وبرصٌ وفقر.\n١٣٧٣ - * روى الطبراني والبزار عن عمارة بن يحيى بن خالد بن عُرفطة قال: كنا عند خالد بن عرفطة يوم قتل الحسين بن علي ﵄ فقال لنا خالد: هذا ما سمعت من رسول الله ﷺ إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي.\n_________\n١٣٧٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\nالهبر: القطع، وهبر اللحم: قطعه قطعًا كبارًا.\n١٣٧١ - أورده الهيثمي في مجمع الوائد (٩/ ١٩٩) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٧٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٧) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٧٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٤) وقال: رواه الطبراني والبزار ورجال الطبراني رجال الصحيح غير عمارة، وعمارة وثقه ابن حبان.","vol":"3","page":1443},{"text":"١٣٧٤ - * روى أحمد والطبراني عن ابن عباس قال: رأيتُ النبي ﷺ في المنام بنصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دمُ يلتقطه أو يتبعُ فيها شيئًا فقلت: ما هذا؟ قال: \"دمُ الحسين وأصحابه\" فلم أزل أتتبعه منذ اليوم.\n١٣٧٥ - * روى الطبراني عن أبي الطفيل قال: استأذن ملك القطْرِ أن يسلم على النبي ﷺ في بيت أم سلمة، فقال: \"لايدخل علينا أحدٌ\" فجاء الحسين بن علي ﵄ فدخل، فقالت أم سلمة: هو الحسين فقال النبي ﷺ: طدعيه\" فجعل يعلو رقبة النبي ﷺ ويعبثُ به والملك ينظر، فقال الملك: أتحبه يا محمد؟ قال: \"أي والله إني لأحبُّه\" قال. أما إن أمتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان، فقال بيده فتناول كفًا من تراب فأخذتْ أم سلمة التراب فصرتْه في خمارها فكانوا يرون أن ذلك التراب من كربلاء.\n١٣٧٦ - * روى الطبراني عن علي قال: ليُقتلنَّ الحسينُ، وإني لأعرف التربة التي يقتلُ فيها قريبًا من النهرين.\n١٣٧٧ - * روى الطبراني عن عبد الملك بن عمير قال: دخلتُ على بعيد الله بن زياد وإذا رأس الحسين قدامهُ على تُرسٍ، فوالله ما لبثتُ إلا قليلًا حتى دخلت على المختار فإذا رأس عبيد الله بن زياد على ترس، فوالله ما لبثت إلا قليلًا حتى دخلتُ على مصعب بن الزبير وإذا رأس المختار على ترس، فوالله ما لبثتُ إلا قليلًا حتى دخلتُ على عبد الله وإذا رأسُ مصعب بن الزبير على ترسي.\n١٣٧٨ - * روى الطبراني عن ابن أبي ليلى قال: قال حسين: حين أحسَّ بالقتل (١):\n_________\n١٣٧٤ - أحمد في مسنده (١/ ٢٤٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٤): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح.\n١٣٧٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٠) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٣٧٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٣٧٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٦) وقال: رواه الطبراني وأبو يعلي بنحوه ورجال الطبراني ثقات.\n١٣٧٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله إلى قائله ثقات.","vol":"3","page":1444},{"text":"ائتوني ثوبًا لا يرغب فيه أحد أجعله تحت ثيابي لا أجردُ فقيل له: تبان؟ فقال: لا، ذاك لباس من ضُربتْ عليه الذلة، فأخذ ثوبًا فخرقه فجعله تحت ثيابه. فلما أن قتل جردوه.\n١٣٧٩ - * روى الطبراني عن إبراهيم النخعي قال: لو كنتُ فيمن قتل الحسين ثم غفر لي ثم أدخلت الجنة استحييت أن أمر على النبي ﷺ فينظر في وجهي.\nتصويبات:\n١ - إذا لم يكن الحسين ﵁ من أئمة الهدى الين يقتدى بهم، فمن هم أئمة الهدى؟ وعلى هذا فتصرفاتُ الحسين محل القدوة ومن تصرفاته نأخذ:\nأنه يجوز الخروج على الحاكم إذا وصل إلى الحكم عن غير طريق شرعي، كما يجوز الخروج عليه إذا اختل فيه شرط من شروط الإمامة على أن الجواز شيء والوجوب شيء آخر، وإذا كان هذا جائزًا لمثل الحسين في فضله فإن على غيره أن يعقد موازنات كثيرة قبل أن يقرر الخروج.\n٢ - إن خروج الحسين ﵁ علامة على الخيرية في هذه الأمة فهو يمثل صحوتها ورقابتها، ولقد أسقط بفعله عن الأمة إثمًا كبيرًا، تصور أن تصبح الخلافة ملكًا عضوضًا ولا يتحرك أحد من المسلمين، لقد تحرك الحسين ﵁ ضد أيلولة الخلافة إلى الملك العضوض فأعطى الأمة درسًان صحيح أن الملك استمر وقتل الحسين، لكن استشهاده، وضع الأساس لإنهاء ملك بني أمية، ومع أن الملك العضوض استمر بعد بني أمية لكن الدرس الذي أعطاه الحسين للأمة باقٍ، ألا تسمح لأحد أن يصل إلى حكم المسلمين إلا بالطريق الشرعي، وإلا فالثورات والاضطرابات لا تنتهي.\n* * *\n_________\n= التبان: سروان صغير يستر العورة المغلظة فقط ويكثر لبسه الملاحون.\n١٣٧٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>الوصل الثالث\nفي\nبعض أقاربه الأدنين ممن يدخُل في لفظة أهل البيت\nبالمعنى العام</span>","vol":"3","page":1447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>مقدمة</span>\nالجد الرابع لرسول الله ﷺ هو قصيّ، فهو ﵊ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، وولد لقصيٍّ أربعة ذكور وامرأتان، اشتهر من الذكور عبد مناف وعبد الدار، وجاء لعبد مناف أربعة نفر: هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل وهم أركان حلف الفضول ابتداء، ثم انسحب من حلف الفضول آل عبد شمس ونوفل، وبقي بنو هاشم وبنو المطلب، ومن ثم استمرت نصرة هذين الفرعين لبعضهما، ومن ههنا حرم بعضهم الزكاة على بني هاشم وبني المطلب، فأبناؤهم وبناتهم هم آل البيت بالمعنى العام على هذا الرأي.\nوولد لهاشم أربعة نفر وخمس نسوة: عبد المطلب وأسد وأبو صفي، ونضلة والشقاءُ وخالدة وضعيفة ورقية، وجية.\nوولد لعبد المطلب عشرة نفر وست نسوة: العباس وحمزة وعبد الله وأبو طالب والزبير والحارث وحجلا والمقوم وضرار وأبو لهب، وصفية وأم حكيم البيضاء وعاتكه وأميمة وأروى وبرة.\nوقد أسلم من أعمامه حمزة ﵁ لكنه استشهد مبكرًا ولم يرزق ذكرًا، والعباس وقد أنجب، ولذلك فقد دخل آل العباس فيمن تحرم عليهم الصدقة، وأسلم من أولاد عمه أبي طالب: علي وعقيل وجعفر، وقد أنجبوا، فمن ثم أدخل بعضهم هؤلاء الثلاثة فيمن تحرم عليهم الصدقة.\nوعلى هذا فالآل بالمعنى العام على رأي هؤلاء هم آل العباس وآل عقيل وآل جعفر وآل علي ﵃ مع خصوصية لآل علي، ونحن سنترجم في هذا الوصل لبعض من كان هاشميًا أو مطلبيًا فضلًا عن بعض من يدخلون في الدائرة الأضيق.\nمبتدئين بحمزة والعباس ﵃ وصفية من أعمامه وعماته، ثم بجعفر وعقيل ابني عمه أي طالب، وبعض أبناء عمه، ثم نذكر اثنين من أحفاد أعمامه، مع ملاحظة أننا سنؤخر ذكر الإمام علي لنستوفي الكلام عنه مع إخوانه الخلفاء الراشدين.\n* * *","vol":"3","page":1449},{"text":"أسلم من أعمامه: حمزة والعباس. وقد استشهد حمزة ﵁.\nوأسلم من عماته: صفية بيقين وأروى وعاتكة وأميمة على قول.\nوأسلم من أولاد عمه أبي طالب: علي وجعفرٌ وعقيلٌ، وقد استشهد اثنان منهما علي وجعفر. وأسلمت من بنات أبي طالب: أم هانئ.\nوأسلم من أولاد عمه أبي لهب: درة ابنته.\nوأسلم من أولاد عمه الزبير: ضباعة زوجة المقداد بن الأسود، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وقد استشهد في قتال مع الروم.\nوأسلم من أولاد عمه الحارث بن عبد المطلب: نوفلُ بن الحاث، وأسلم معه ابنه الحارث ابن نوفل، وكذلك أبو سفيان بن الحاث وابنه جعفر، وكذلك عبيدة بن الحارث الذي استشهد يوم بدر، وكذلك ربيعة بن الحارث وعبد الله بن الحارث، ولربيعة ابن اسمُه عبد المطلب بن ربيعة له صحبة.\nوقد أسلم من أولاد عمه العباس، قُثَم، وقد استشهد بسمرقند، ومعبد بن عباس وكثير ابن العباس وهو تابعي، وتمام ابن عباس والفضل وعبد الله وعبيد الله، وممن له صحبة من أبناء جعفر بن أبي طالب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.\nوالملاحظ أن كثيرًا من أقاربه الأدنين من أعمامه وأبناء أعمامه وأبنائهم قد استشهدوا.\nونحن سنترجم ههنا لعمه حمزة والعباس وعمته صفية.\nوسنترجم من أبناء عمومته: لجعفر وعقيل وأم هانئ ودرة وعبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس.\nوسنترجم من أحفاد أعمامه عبد الله بن جعفر.\n* * *","vol":"3","page":1450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>١ - من أعمامه وعماته ﵊</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>حمزة بن عبد المطلب</span>\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.\nالإمام البطل الضِّرغام أسد الله أبو عُمارة، وأبو يعلي القرشيُّ الهاشميُّ المكيُّ ثم المدنيُّ البدريُّ الشهيد، عم رسول الله، ﷺ، وأخوه من الرضاعة.\nاستشهد يوم أحد، قتله وحشي.\nووجدوا حمزة قد بُقر بطنه، واحتمل وحشي كبده إلى هند في نذر نذرته حين قتل أباها يوم بدر. فدفن في نمرةٍ كانت عليه، إذا رُفعت إلى رأسه، بدتْ قدماه، فغطوا قدميه بشيء من الشجر. أهـ.\nوقال الحاكم في المستدرك: حمزة بن عبد المطلب كانت له كنيتان أبو يعلي وأبو عمارة لابنيه يعلي، وعمارة، أسلم حمزة في السنة السادسة من النبوة، وكان أسن من رسول الله ﵌ بأربع سنين، وقتل يوم السبت في المغزى بأحد لسبع خلون من شوال سنة ثلاث من الهجرة (١).\n١٣٨٠ - * روى الطبراني والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: طسيدُ الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله\".\n١٣٨١ - * روى الطبراني عن يعقوب بن عُتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريقٍ حليف\n_________\n(١) المستدرك (٣/ ١٩٢).\n١٣٨٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٨) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ضعف.\nوالمستدرك (٣/ ١٩٥) وقال: صحيح الإسند ولم يخرجاه وقال الذهبي: صحيح والصفار لا يدري من هو.\nوللحديث شاهد يقوي به فهو حديث حسن بإذن الله تعالى.\n١٣٨١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٧) وقال: رواه الطبراني مرسلًا ورجاله ثقات، وأخرج نحوه ابن إسحاق عن رجل من أسلم.","vol":"3","page":1451},{"text":"بني زهرة: أن أبا جهلٍ اعترض لرسول الله ﷺ بالصفا فآذاه، وكان حمزةُ ﵁ صاحب قَنْصٍ وصيدٍ، وكان يومئذٍ في قنصه، فلما رجع قالت له امرأتُه وكانت قد رأت ما صنع أبو جهل برسول الله ﷺ: يا أبا عُمارة لو رأيت ما صنع - تعني أبا جهل- بابن أخيكَ فغضب حمزة ومضى كما هو قبل أن يدخل بيته، وهو معلق قوسه في عنقه حتى دخل المسجد فوجد أبا جهل في مجلس من مجالس قريش فلم يكلمه حتى علا رأسه بقوسه فشجه فقام رجالٌ من قريش إلى حمزة يمسكونه عنه فقال حمزة: ديني دينُ محمد أشهد أنه رسول الله فوالله لا أنثني عن ذلك فامنعوني من ذلك إن كنتم صادقين. فلما أسلم حمزة عزَّ به رسول الله ﷺ والمسلمون، وثبت لهم بعضُ أمرهم وهابت قريشُ وعلموا أن حمزة ﵁ سيمنعُه.\n١٣٨٢ - * روى الطبراني عن ابن شهابٍ في تسميةِ من شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ حمزة بن عبد المطلب بن عبد منافٍ.\n١٣٨٣ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁ قال: قال لي أمية بنُ خَلَفٍ، وأنا بينه وبين ابنه علي، آخذ بأيديهما: يا عبد الإله من الرجلُ منكم المُعلم بريْشَةِ نعَامةٍ في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزةُ بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل.\n١٣٨٤ - * روى الحاكم عن علي قال: قال لي رسول الله، ﷺ: \"نادِ حمزة فقلتُ: من هو صاحب الجمل الأحمر؟ فقال حمزةُ: هو عتبة بن ربيع. فبارز يومئذ حمزة عتبة فقتله.\n١٣٨٥ - * روى أحمد والحاكم عن أنس قال: لما كان يوم أحد وقف رسول الله ﷺ، على حمزة وقد جُدع ومُثِّل به، فقال: \"لولا أن تجدَ صفيةُ في نفسها (١)، لتركتُه حتى\n_________\n١٣٨٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٦٧) وقال: رواه الطبراني مرسلًا ورجاله ثقات\n١٣٨٣ - المستدرك (٣/ ١١٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي وقال: أخرجه ابن خزيمة.\n١٣٨٤ - المستدرك (٣/ ١٩٤) مطولًا وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n١٣٨٥ - أحمد في مسنده (٣/ ١٣٨) والمستدرك (١/ ٣٦٥) وسكت عنه الذهبي.","vol":"3","page":1452},{"text":"يحشره الله من بطون السباع والطيرِ\". وكُفن في نمرةٍ إذا خَمِّر رأسهُ، بدت رجلاه، وإذا خُمرت رجلاه بدا رأسه. ولم يُصلِّ على أحدٍ من الشهداء، وقال: \"أنا شهيدٌ عليكم\" وكان يجمعُ الثلاثة في قبر، والاثنين فيسأل: \"أيهما أكثر قرآنًا\" فيقدمه في اللحد وكفن الرجلين والثلاثة في ثوب.\n١٣٨٦ - * روى أحمد والحاكم عن ابن عمر قال: سمع رسول الله ﷺ نساء الأنصار يبكين على هلكاهُن فقال: \"لكن حمزة لا بواكي له\" فجئن فبكين على حمزة عنده. إلى أن قال: \"مُرُوهن لا يبكين على هالكٍ بعد اليوم\".\nوقد ذكرنا رواية وحشي عن قتله حمزة في غزوة أحد.\n١٣٨٧ - * روى أحمد عن عروة قال: أخبرني أبو الزبير ﵁ أنه كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى قال فكره النبي ﷺ أن تراهم فقال: \"المرأة المرأة\"، قال الزبير ﵁ فتوسمت أنها أمي صفية قال فخرجت أسعى إلأيه فأدركتُها قبل أن تنتهي إلى القتلى قال: فلدمتْ في صدري وكانت امرأة جلدة قالت: إليك لا أرض لك قال: فقلت: إن رسول الله ﷺ عزم عليك قال، فوقفتُ وأخرجتُ ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما قال: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة قال فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له فقلنا لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له.\n_________\nنمرة: كل شملة مخططة من مأزر الأعراب فهي نمرة، كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض.\n١٣٨٦ - أحمد في مسنده (٣ م ٤٠، ٨٤، ٩٢) والمستدرك (٣/ ١٩٤)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n١٣٨٧ - أحمد في مسنده (١/ ١٦٥)، ورواه غيره وهو حديث حسن.","vol":"3","page":1453},{"text":"١٣٨٨ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقولُ إذا ذكر أصحاب أحد: \"أما والله لوددتُ أني غودرت مع أصحاب فَحْصِ الجبل\".\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>العباس بن عبد المطلب\nعم رسول الله ﷺ</span>\nقال الذهبي في ترجمته: قيل: إنه أسلم قبل الهجرة، وكتم إسلامه، وخرج مع قومه إلى بدر فأُسر يومئذ، فادَّعى أنه مُسلم. فالله أعلم.\nوليس هو في عداد الطُّلقاء؛ فإنه كان قدم إلى النبي ﷺ قبل الفتح؛ ألا تراه أجار أبا سثفيان بن حرب.\nوله عدة أحاديث، منها خمسة وثلاثون في مُسند بقي وفي (البخاري ومسلم) حديث، وفي (البخاري) حديث، وفي (مسلم) ثلاثة أحاديث.\nوقدم الشام مع عُمر.\nفعن أسلم مولى عمر: أن عمر لما دنا من الشام تَنحَّى ومعه غلامه، فعمد إلى مركب غلامه فركبه، وعليه فروّ مقلوب، وحوَّل غُلامه على رَحل نفسه.\nوإنَّ العباس لبين يديه على فرس عتيق، وكان رجلًا جميلًا فجعلت البطارقةُ يُسلِّمون عليه، فيشير: لستُ به: وإنه ذاك.\nقال الكلبي: كان العباس شريفًا، مهيبًا، عاقلًا، جميلًا، أبيض بضًا، له ضفيرتان.\nوُلد قبل عام الفيل بثلاث سنين.\n_________\n١٣٨٨ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٧٥) وإسناده قوي.\nغودرت: قُتلت.\nأصحاب فحص الجبل: أي شهداء أحد.","vol":"3","page":1454},{"text":"كان من أطولِ الرجال، وأحسنِهم صورة، وأبهاهم، وأجهرهم صوتًا مع الحلم الوافر والسؤدد. قال الزبير بن بكار: كان للعباس ثوب لعاري بني هاشم، وجفنة لجائعهم، ومنظرة (١) لجاهلهم وكان يمنع الجار، ويبذُل المال، ويُعطي في النوائب.\nونديمه في الجاهلية أبو سفيان بن حرب.\nقال ابن سعد: الطبقة الثانية من المهاجرين والأنصار ممن لم يشهد بدرًا؛ فبدأ بالعباس، قال: وأمه نُتيلة بنت جناب بن كليب. وسرد نسبها إلى ربيعة بن نزار بن معدٍ.\nوعن ابن عباس: وُلد أبي قبل أصحاب الفيل بثلاث سنين.\nوبنوه: الفضل - وهو أكبرهم- وعبد الله البحر، وعبيد الله، وقُثَم ولم يُعقِب - وعبد الرحمن - توفي بالشام ولم يُعقب - ومعبد - استشهد بإفريقية- وأم حبيب: وأمهم: أمُّ الفضل لبابة الهلالية، وفيها يقول ابن يزيد الهلالي:\nما ولدت نجيةُ من فحل ... بجبلٍ نعلمه أو سهل\nككستة من بطن أم الفضل ... أكرمْ بها من كهلةِ وكهلِ\nقال الكلبي: ما رأينا ولد أم قط أبعد قبورًا من بني العباس.\nومن أولاد العباس: كثير - وكان فقيهًا - وتمَّام- وكان من أشد قريش - وأميمة؛ وأمُّهم أمُّ ولد. والحارث بن العباس، وأمه حُجيلة بنت جُندب التميمية. فعدتهم عشرة.\nابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الثقة قال: كان العباس إذا مر بعمر أو بعثمان، وهما راكبان، نزلا حتى يُجاوزهما إجلالًا لعم رسول الله.\nالضحاك بن عثمان الحزامي قال: كان يكون للعباس الحاجةُ إلى غلمانه وهم بالغابة، فيقفُ على سلعٍ، وذلك في آخر الليل، فيُناديهم فيُسمعهم. والغابةُ نحو من تسعة أميال.\n_________\n(١) أي سجن للجاهل منهم.","vol":"3","page":1455},{"text":"وقال: كان تامِّ الشكل، جهوري الصوت جدًا، وهو الذي أمره النبي ﷺ أن يهتف يوم حُنين: يا أصحاب الشجرة.\nقال القاضي أبو محمد بن زبر: حدثنا إسماعيل القاضي، أخبرنا نصرُ بن علي: أخبرنا الأصمعي، قال: كان للعباس راعٍ يرعى له على مسيرة ثلاثة أميال، فإذا أراد منه شيئًا صاح به، فأسمعه حاجته.\nليث: حدثني مجاهد، عن علي بن عبد الله، قال: أعتق العباس عند موته سبعين مملوكًا.\nوقال: لم يزل العباس مُشفِقًا على النبي ﷺ، مُحبًا له، صابرًا على الأذى، ولما يُسلم بعد، بحيث إنه ليلة العقبة عرف، وقام مع ابن أخيه في الليل، وتوثق له من السبعين، ثم خرج إلى بدر مع قومه مكرها، فأُسر؛ فأبدى لهم أنه كان أسلم، ثم رجع إلى مكة. فما أدري لماذا أقام بها (١).\nثم لا ذِكر له يوم أُحد، ولايوم الخندق، ولا خرج مع أبي سفيان، ولا قالت له قريش في ذلك شيئًا، فيما علمت.\nثم جاء إلى النبي ﷺ مهاجرًا قُبيل فتح مكة؛ فلم يتحرر لنا قدومُه.\nوثبت أن العباس كان يوم حُنين، وقت الهزيمة، آخذًا بلجام بغلة النبي ﷺ، وثبت معه حتى نزل النصر.\nوقال خليفة، وغيره: بل مات سنة أربع وثلاثين، وقال المدائني: سنة ثلاث وثلاثين.\nوقد اعتنى الحفاظُ بجمع فضائل العباس رعاية للخلفاء.\nوبكل حال، لو كان نبينا ﷺ ممن يُورثُ لما ورثه أحد، بعد بنته وزوجاته، إلا العباس.\n_________\n(١) أقول: الظاهر أنه أقام بها ليرسل بالأخبار للنبي ﷺ.","vol":"3","page":1456},{"text":"وقد صار الملكُ في ذُرية العباس.\nوإذا اقتصرنا من مناقب عم رسول الله ﷺ على هذه النبذة، فلنذكر وفاته: كانت في سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وله ست وثمانون سنة؛ ولمي بلغ أحد هذه السن من أولاده، ولا أولادهم، ولا ذُريته الخلفاء.\nعن نملة بن أبي نملة، عن أبيه، قال: لما مات العباس بعثتْ بنو هاشم من يُؤذِن أهل العوالي: رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب. فحشدَ الناس.\nفلما أُتي به إلى موضع الجنائز، تضايق، فقدموا به إلى البقيع. فلما رأيت مثل ذلك الخروج قط، وما يقدرُ أحد يدنو إلى سريره. وازدحموا عند اللحد، فبعث عثمان الشرطة يضربون الناس عن بني هاشم، حتى خلص بنو هاشم، فنزلوا في حفرته.\nورأيتُ على سريره بُرد حِبرة قد تقطع من زحامهم.\nوفي مستدرك الحاكم (١)، عن محمد بن عقبة، عن كُريبٍ، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يُجلُّ العباس إجلال والده.\nعن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يُجل أحدًا ما يُجلُّ العباس أو يُكرم العباس (٢).\nورد أن عمر عمدَ إلى ميزابٍ للعباس على ممر الناس، فقلعه. فقال له: أشهد أن رسول الله ﷺ هو الذي وضعه في مكانه. فأقسم عمرُ لتصعدن على ظهري، ولتضعنه موضعه (٣).\nعن سعد: كنا مع النبي ﷺ في نقيع الخيلِ، فأقبل العباس، فقال النبي ﷺ: \"هذا العباسُ عمُّ نبيكم، أجودُ قريش كفًا، وأوصلها لها\" رواه عدةٌ عنه (٤).\n_________\n(١) المستدرك (٣/ ٣٣٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسند ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n(٢) قال الذهبي: إسناده صالح.\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ٣١٠)، وسنده حسن.\n(٤) المستدرك (٣/ ٣٣٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي لشواهده. =","vol":"3","page":1457},{"text":"عن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قُحِطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسلُ إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا. قال: فيسقون (١).\nقال الحافظ في \"الفتح\" وقد بيَّنَ الزبيرُ بن بكار في \"الأنسابط صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له ان العباس لما استسقى به عمر، قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، قد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. وكان ذلك عام الرمادةِ سنة ثمان عشرة.\nعن ابن عباس، أن رجلًا من الأنصار وقع في أبٍ للعباس كان في الجاهلية، فلطمه العباس، فجاء قومُه، فقالوا: والله لنلطمنَّه كما لطمه، فلبسوا السلاح. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عيه وسلم؛ فصعد المنبر، فقال: \"أيُّها الناسُ، أيُّ أهلِ الأرض أكرمُ على الله؟ \" قالوا: أنت. قال: \"فإن العباس، مني وأنا منه، لا تسبُّوا أمواتنا فتؤذُوا أحياءنا\" فجاء القوم فقالوا: نعوذ بالله من غضبك يا رسول الله (٢).\nعن حُميد بن هلال قال: بعث العلاء بنُ الحضرمي إلى رسول الله ﷺ بمال ثمانين ألفًا من البحرين، فنُثِرتْ على حصير، فجاء النبي ﷺ، فوقف، وجاء الناسُ؛ فما كان يومئذ عدُّ ولا وزن، ما كان إلا قبضًا. فجاء العباسُ بخميصةٍ عليه، فأخذ، فذهب يقوم، فلم يستطع، فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: ارفع عليَّ. فتبسم رسول الله حتى خرج ضاحكطُه - أو نابه - فقال: أعد في المال طائفة، وقم بما تُطيق. ففعل. قال: فجعل العباسُ يقول- وهو منطلق - أما إحدى اللتين وعدنا الله، فقد أنجزها - يعني قوله:\n_________\n= النقيع: بالنون والقاف، وهو على عشرين فرسخًا من المدينة وقدره ميل في ثمانية أميال هاشمية، حماه رسول الله ﷺ لخيل المسلمين ترعى فيه والفرسخ ثلاثة أميال، أو اثني عشر ألف ذراع، أو عشر آلاف ذراعٍ.\n(١) البخاري (٢/ ٤١٤) ١٥ - كتاب الاستسقاء - ٣ - باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا.\n(٢) أحمد في مسنده (١/ ٣٠٠) وسنده حسن.","vol":"3","page":1458},{"text":"﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) (ونزلت الآية بعد غزوة بدر) فهذا خيرٌ مما أُخذ مني. ولا أدري ما يُصنع في المغفرة (٢).\nعن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ عُمر على الصدقة ساعيًا، فمنع ابنُ جميلٍ، وخالدٌ، والعباسُ. فقال رسول الله: \"ما ينقمُ ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله! وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا، إنه قد احتبس أدراعه وأعتادهُ في سبيل الله؛ وأما العباس، فهي عليَّ ومثلها\". ثم قال: \"أما شعرت أن عم الرجل صِنْو أبيه\" (٣).\nالمطلب بن ربيعة، قال: قال رسول الله ﷺ \"ما بالُ رجال يُؤذُونني في العباس، وإن عم الرجل صِنو أبيه، من آذى العباس فقد آذاني\" (٤) أهـ.\n١٣٨٩ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال لعمر في العباس: \"إنَّ عم الرجل صِنوُ أبيه\" وكان عمر كلمه في صدقة.\n١٣٩٠ - * روى الترمذي عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب: أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مُغضبًا وأنا عندهُ، فقال: \"ما\n_________\n(١) الأنفال: ٧٠.\n(٢) أخرجه ابن سعد، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، وأخرجه بنحوه الحاكم م طريق سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، وصححه، ووافقه الذهبي.\nالخميصة: ثوب أسود أو أحمر له أعلام.\n(٣) البخاري (٣/ ٣٣١) ٢٤ - كتاب الزكاة-٤٩ - باب قول الله تعالى: (وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله).\nومسلم (٣/ ٦٧٦، ٦٧٧) ١٢ - كتاب الزكاة-٣ - باب في تقديم الزكاة ومنعها واللفظ له.\nاحتبس: وقف.\n(٤) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح مع أن يزيد بن أبي زياد ضعيفن لكن في الباب ما يعضده ويقويه.\nالصنو: المثل، يقال لكل نخلتين طلعتا في منبت واحد: هما صنوانز\n١٣٨٩ - الترمذي (٥/ ٦٥٣) ٥٠ - كتاب المناقب -٢٩ - باب مناقب العباس بن عبد المطلب ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٣٩٠ - الترمذي (٥/ ٦٥٢) ٥٠ - كتاب المناقب- ٢٩ - باب مناقب العباس بن عبد المطلب ﵁ وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1459},{"text":"أغضبك؟ \" قال يا رسول الله ما لنا ولقريش، إذا تلاقو بينهم تلاقوا بوجوهٍ مبشرةٍ، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، ثم قال \"والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجلٍ الإيمانُ حتى يُحبكمْ لله ولرسوله، ثم قال: يا أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني فإنما عمُّ الرجل صِنوُ أبيه\".\n١٣٩١ - * روى الطبراني عن أبي رزين قال: قيل للعباس: أيما أكبر أنت أم النبيُّ ﷺ فقال: هذا أكبر مني، وأنا وُلدتُ قبله وكان العباس أسن من النبي ﷺ ولد قبل الفيل بثلاث سنين.\n١٣٩٢ - *روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للعباس \"إذا كان غداة الاثنين فائتني أنت وولدك، حتى أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها وولدك\" قال: فغدا وغدونا معه، وألبسنا كساء، ثم قال: \"اللهم اغفر للعباس وولده، مغفرة ظاهرة وباطنة، لا تغادر ذنبًا، اللهم احفظه في ولده\".\n١٣٩٣ - * روى الطبراني عن أبي أٍيد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب \"لا تبرحْ منزل وبنوك غدًا حتى آتيكم فإن لي فيكم حاجة\" فانتظروه حتى بعد ما أضحى فدخل عليهم فقال \"السلام عليكم\" قالوا: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته قال \"كيف أصبحتم\" قالوا نحمدُ الله قال \"تقاربوا بزحف بعضكم إلى بعض\" حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته، ثم قال: \"يارب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملائتي هذه\" فأمنت أسكُفةَ الباب وحوائطُ البيت فقالت: آمين آمين آمين (١).\n_________\n= وجوه مبشرة: سمحة باسمة.\n١٣٩١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٩٢ - الترمذي (٥/ ٦٥٣) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣٩ - باب مناقب العباس بن عبد المطلب ﵁ وقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٣٩٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٠) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\nالأسكفة: هي الخشبة التي يوطأ عليها أو العتبة.","vol":"3","page":1460},{"text":"١٣٩٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌ \"العباس مني وأنا منه\".\n١٣٩٥ - * روى الحاكم عن جابر قال: كان العباس بالمدينة فطلبت الأنصار ثوبًا يلبسونه فلم يجدوا قميصًا يصلحُ عليه إلا قميص عبد الله بن أبي فكسوه إياه قال جابر: وكان العباس أسير رسول الله ﵌ يوم بدر وإنما أخرج كُرهًا، فحمل إلى المدينة فكساهُ عبد الله بن أبي قميصه، فلذلك كفنه رسول الله ﵌ في قميصه مكافأة لما فعل بالعباس.\n١٣٩٦ - * روى الحاكم عن عقبة بن عبد الغافر اقل: دخل عبد الله بن العباس على معاوية بن أبي سفيان وقد تحلقت عنده بطون قريش فسأله معاوية عن آبائهم إلى أن قال: فما تقول في أبيك العباس بن عبد المطلب؟ فقال رحم الله أبا الفضل كان والله عم نبي الله، وقرة عين رسول الله، سيد الأعمام والأخدان جد الأجداد وآباؤه الأجوادُ وأجداده الأنجادُ، له علم بالأمور، قد زانه حلم، وقد علاه فهمٌ، كان يُكسبُ حباله كل مهند، ويُكسبُ لرأيه كل مخالفٍ رعديد، تلاشت الأخدان عند ذكر فضيلته، وتباعدت الأنسابُ عند ذكر عشيرته، صاحبُ البيت والسقاية والنسب والقرابة ولم لا يكون كذلك؟ وكيف لا يكون كذلك؟ ومدبر سياسته أكرمُ من دبر وأفهم من نشأ من قريش وركب.\n١٣٩٧ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: لما قُبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر خاصم العباس عليا في أشياء تركها رسول الله ﷺ فقال أبو بكر شيء تركه رسول الله صلى الله علي هوسلم فلم يحركه فلا أحركه فلما استُخلف عمر اختصما إليه فقال: (١) شيء لم يحركه أبو بكر فلستُ أحركه فلما استُخلف عثمان اختصما إليه فأسكت عثمان ونكس رأسه قال ابن عباس فحسبتُ\n_________\n١٣٩٤ - المستدرك (٣/ ٣٢٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقال الذهبي: صحيح على شرط مسلم.\n١٣٩٥ - أحمد في مسنده ورجاله ثقات.\n١٣٩٦ - المستدرك (٣/ ٣٣٥) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n١٣٩٧ - المستدرك (٣/ ٣٣٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1461},{"text":"أن يأخذه فضربتُ بين كتفي العباس، فقلت: يا أبت أقسمتُ عليك إلا سلمته إلى عليٍّ قال: فسلمه له.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>صفية عمةُ رسول الله ﷺ</span>\nقال الذهبي: بنت عبد المطلب، الهاشمية. وهي شقيقة حمزة. وأم حواريِّ النبي ﷺ الزبير. وأمُّها من بني زُهرة.\nتزوجها الحارث، أخو أبي سفيان بن حرب؛ فتُوفي عنها.\nوتزوجها العوامُ أخو سيدة النساء خديجة بنت خويلد، فولدت له: الزبير والسائب، وعبد الكعبة.\nوالصحيح: أنه ما أسلم من عمات النبي ﷺ سواها.\nولقد وجدت على مصرع أخيها حمزة، وصبرت، واحتسبت.\nوهي من المهاجرات الأُوَل، وما أعلم هل أسلمت مع حمزة أخيها، أو مع الزبير ولدها؟\nوقد كانت يوم الخندق في حصن حسان بن ثابت. قالت: وكان حسان معنا في الذرية. فمرَّ بالحصن يهوديٍّ، فجعل يُطيفُ بالحصن والمسلمون في نُحور عدوِّهم.\nثم ساقت الحديث، وأنها نزلت، وقتلت اليهودي بعمود.\nفروى هشام، عن أبيه، عنها، قالت: أنا أول امرأة قتلت رجلًا: كان حسانُ معنا، فمر بنا يهودي، فجعل يُطيف بالحصن؛ فقلت لحسان: إن هذا لا آمنه أن يدل على عورتنا؛ فقم فاقتله.\nقال: يغفر الله لك! لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، فاحجزتْ، وأخذتْ عمودًا (١)،\n_________\nاحتجزت: شدت وسطها.","vol":"3","page":1462},{"text":"ونزلتْ، فضربتْه، حتى قتلته (١).\nتُوفيت صفية في سنة عشرين، ودُفنت بالبقيع. ولها بضع وسبعون سنة.\nعن عائشة: قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام النبي صلى الله لعيه وسلم، فقال: \"يا فاطمة بنت محمد، يا صفيةُ بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملكُ لكم من الله شيئًا؛ سلوني من مالي ما شئتم\" (٢).\nوهي القائلة تندُب رسول الله ﷺ:\nعينُ جُودي بدمعةٍ وسهودِ ... واندبي خير هالك مفقود\nواندبي المصطفى بحزنٍ شديد ... خالط القلب فهو كالمعمود\nكدتُ أقضي الحياة لما أتاهُ ... قدرٌ خط في كتاب مجيد\nفلقد كان بالعباد رؤوفًا ... ولهم رحمةً، وخيرَ رشيد\n﵁ حيًا وميتًا ... وجزاه الجنان يوم الخلودِ\nفهذا مما أورد لصفية، فالله أعلم بصحته. أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>تعليقات</span>\n١ - نلاحظ من خلال النظر في سيرة حمزة والعباس وصفية كيف أن الشجاعة سمة في آل بيت رسول الله ﷺ، نرى ذلك في مواقف حمزة يوم بدر وأُحد ويوم أعلن إسلامه، وترى ذلك في موقف العباس يوم حنين وموقف صفية يوم أُحد، وقتلها الكافر يوم الخندق.\n٢ - أنك تلاحظ سعة الأفق ونبل الرأي وافقدام حيث درست حال آل بيت رسول الله ﷺ، كل واحد منهم أمة.\n_________\n(١) المستدرك (٤/ ٥١) وصححه ونعقبه الذهبي بقوله: عروة لم يدرك صفية وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله إلى عروة رجال الصحيح لكنه مرسل.\n(٢) مسلم (١/ ١٩٣) ١ - كتاب الإيمان -٨٩ - باب في قوله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين).","vol":"3","page":1463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>٢ - بعض أبناء وبنات أعمامه ﵊</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>جعفر بن أبي طالب</span>\nقال الذهبي: السيد الشهيذُ، الكبير الشأن، علم المجاهدين، أبوعبد الله، ابن عم رسول الله، ﷺ، عبدِ مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي الهاشمي، أخو علي بن أبي طالب، وهو أسنُّ من علي بعشر سنين.\nهاجر الهجرتين، وهاجر من الحبشة إلى المدينة، فوافى المسلمين وهم على خيبر إثر أخذها، فأقام بالمدينة أشهرًا، ثم أمره رسول الله، ﷺ على جيش غزوة مؤتة بناحية الكرك، فاستشهد. وقد سُرَّ رسول الله ﷺ كثيرًا بقدومه، وحزن والله لوفاته.\n(ويقال: عاش بضعًا وثلاثين سنة).\nروى شيئًا يسيرًا. وروى عنه ابن مسعود، وعمرو بن العاص، وأم سلمة، وابنه عبد الله.\nقال الشعبي: تزوج علي أسماء بنت عميس، فتفاخر ابناها محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر. فقال كل منهما: أبي خير من أبيك. فقال علي (زوجها الثالث): يا أسماء اقضي بينهما. فقالت: ما رأيتُ شابًا كان خيرًا من جعفر، ولا كهلًا خيرًا من أبي بكر. فقال علي: ما تركت لنا شيئًا، ولو قلت غير هذا لمقتك فقالت: والله إن ثلاثة أنت أخسُّهم لخيار.\nعن عبد الله بن جعفر قال: ما سألت عليًا شيئًا بحق جعفر إلا أعطانيه.\nقال شباب: عليّ، وجعفر، وعقيل، أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.\nقال الواقدي: هاجر جعفر إلى الحبشة بزوجته أسماء بنت عميس، فولدت هناك عبد الله، وعونًا، ومحمدًا.\nوقال ابن إسحاق: أسلم جعفر بعد أحدٍ وثلاثين نفسًا أهـ.","vol":"3","page":1464},{"text":"١٣٩٨ - * عن ابن مسعود قال بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى فأتوا النجاشي، وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا، قال: فأين هم؟ قال هم في أرضك فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلم ولم يسجدا، فقالوا له: مالك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله ﷿، قال: وما ذاك؟ قال: إن الله ﷿ بعث إلينا رسوله ﷺ وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله ﷿ وأمرنا بالصلاة والزكاة قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، قال: ما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟ قالوا: نقول كما قال الله وجل: هو كلمة الله وروحُه ألقاها إلى العراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يفرضها ولد. قال: فرفع عودًا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوي هذا مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أن رسول الله فإنه الذي نجد في الإنجيل وأنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيت حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد بن مسعود حتى أدرك بدرًا وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغه موته.\n١٣٩٩ - * روى الحاكم عن جابر ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ من خيبر، قدم جعفر ﵁ من الحبشة، تلقاه رسول الله ﷺ فقبل جبهته ثم قال: \"والله ما أدري بأيهما أنا أفرحُ: بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر\".\nوفي رواية محمد بن ربيعة، عن أجلح: فقبل ما بين عينيه، وضمه واعتنقه (١).\n_________\n١٣٩٨ - أحمد في مسنده (١/ ٤٦١) وإسناده قوي.\n١٣٩٩ - المستدرك (٣/ ٣٩١) وقال: هذا حديث صحيح، إنما ظهر بمثل هذا الإسناد الصحيح مرسلًا، وقال الذهبي: وهو الصواب.","vol":"3","page":1465},{"text":"١٤٠٠ - * روى الإمام أحمد عن أبي قتادة النصاري فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء فقال \"عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر ابن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري\" فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا قال \"امضه فإنك لا تدري أي ذلك خير\" فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر وأمر أن ينادي الصلاة جامعة فقال رسول الله ﷺ: \"باب خير أو بات خير أو ثاب خير\" - شك عبد الرحمن - ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيدًا فاستغفروا له\" فاستغفر له الناس \"ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيدًا أشهد له بالشهادة فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه\" ثم رفع رسول الله ﷺ إصبعيه فقال: \"اللهم هو سيف من سيوفك فانصره\" فمن يومئذ سمي خالد سيف الله ثم قال\"انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد\" قال فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانا.\n١٤٠١ - * روى أبو داود عن يحيى بن عباد حدثني أبي الذي أرضعني وهو أحد بني مرة ابن عوف، وكان في الغزاة غزاة مؤتة، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل.\n١٤٠٢ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄، قال: أمر رسول الله ﷺ، في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ: \"إن قُتل زيدٌ فجعفرٌ، وإن قتل جعفرٌ فعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية\" (١).\n_________\n١٤٠٠ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٠٠) وإسناده صحيح.\n١٤٠١ - أبو داود (٣/ ٢٩) كتاب الجهاد، باب في الدابة تعرقب في الحرب. وإسناده قوي.\n١٤٠٣ - البخاري (٧/ ٥١٠) ٦٤ - كتاب المغازي-٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام.","vol":"3","page":1466},{"text":"١٤٠٣ - * روى البخاري عن نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل. فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دُبُره - يعني ظهره\".\n١٤٠٤ - * روى الحاكم عن عبد الله بن جعفر قال: لما نُعي جعفر قال النبي ﷺ: \"اصنعوا لآل جعفرٍ طعامًا، فقد آتاهم أمرٌ يشغلهم\".\nوفي رواية أحمد: لما جاء نعي جعفر حين قتل. وفيها \"أو أتاهم ما شغلهم\".\n١٤٠٥ - *روى الحاكم عن عائشة قالت: لما أتى نعي جعفر، عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن.\n١٤٠٦ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"مُرَّ بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مُخضب الجناحين بالدم أبيضُ الفؤاد\".\n١٤٠٧ - * روى البخار يعن الشعبي: كان ابن عمر إذا سلم علي عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.\n١٤٠٨ - * روى الطبراني عن ابن عباس بينما رسول الله ﷺ جالسٌ وأسماء بنت عميس قريبة منه رد السلام ثم قال: \"يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل صلى الله عليهما مروا فسلموا علينا فرددتُ ﵈، وأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا فأصبتُ في جسدي من مقاديمي ثلاثًا وسبعين بين طعنةٍ وضربة، ثم أخذتُ اللواء بيدي اليمنى فقطعت (١)، ثم أخذته باليسار فقطعت فعوضني الله من يدي جناحين أطيرُ بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة أنْزل بهما\n_________\n١٤٠٣ - البخاري (٧/ ٥١٠) ٦٤ - كتاب المغازي -٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشم.\n١٤٠٤ - المستدرك (١/ ٣٧٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.\nوأحمد في مسنده (٦/ ٢٧٠).\n١٤٠٥ - المستدرك (٣/ ٢٠٩) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n١٤٠٦ - المستدرك (٣/ ٢١٣) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n١٤٠٧ - البخاري (٧/ ٧٥) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-١٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي ﵁.\n١٤٠٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٣) وقال: رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما حسن.","vol":"3","page":1467},{"text":"حيثُ شئتُ وآكلُ من ثمارها ما شئت\" فقالت أسماء: هنيئًا لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكني أخاف أن لا يصدقني الناس فاصعد المنبر فأخبر الناس يا رسول الله: فصعد المنبر فحمدا الله وأثنى عليه ثم قال \"أيها الناس إن جعفر بن أبي طالب مع جبريل ومكائيل له جناحان عوضه الله من يديه يطيرُ بهما في الجنة حيث شاء فسلم علي فأخبر كيف كان أمرهم حين لقي المشركين فاستبان للناس بعد ذلك أن جعفر لقيهم فسمى جعفر الطيار في الجنة ذا جناحين يطيرُ بهما حيث شاء مخضوبة قوادمهُ بالدماء\".\n١٤٠٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت جعفرًا يطيرُ في الجنة مع الملائكة\".\n١٤١٠ - * روى الترمذي عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال لجعفر بن أبي طالب: \"أشبهت خلقي وخُلُقي\".\n١٤١١ - * روى البخاري عن أبي هريرة، ﵁، قال: إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة، وإني كنتُ ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حتى لا آكلُ الخمير، ولا ألبسُ الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة. وكنتُ ألصقُ بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمُني. وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلبُ بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العُكَّة التي ليس فيها شيء فيشقُّها فنلعقُ ما فيها (١).\n_________\n١٤٠٩ - الترمذي (٥/ ٦٥٤) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب ﵁ وقال: هذا حديث غريب.\n١٤١٠ - الترمذي (٥/ ٦٥٤) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب ﵁، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٤١١ - البخاري (٧/ ٧٥) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-١٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي ﵁. الحبير من البرد: ما كان موشىً بخططًا.\nوالعُكة: بضم المهملة وتشديدالكاف: ظرف السمن.","vol":"3","page":1468},{"text":"١٤١٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله ﷺ، أفضل من جعفر بن أبي طالب يعني في الجُود والكرم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>عقيل بن أبي طالب الهاشمي</span>\nقال الذهبي: هو أكبرُ إخوته وآخرهم موتًا، وهو جد عبد الله بن محمد بن عقيل المحدث، وله أولاد: مسلم ويزيد، وبه كان يُكنى، وسعيد، وجعفر، وأبو سعيد الأحول، ومحمد، وعبد الرحمن، وعبد الله.\nشهد بدرًا مشركًا، وأخرج إليها مكرهًا، فأسر، ولم يكن له مال، ففداه عمه العباس.\nورُوى أن عقيلًا قال للنبي ﷺ يوم أُسِر: من قتلت من أشرافهم؟ قال: قُتِلَ أبو جهل. قال: الآن صفا لك الوادي (أي قتل ألدُّ أعدائك. والوادي: مكة).\nقال ابن سعد: خرج عقيل مهاجرًا في أول سنة ثمان، وشهد مؤتة، ثم رجع فتمرض مدة، فلم يُسمع له بذكر في فتح مكة ولا حُنين ولا الطائف. وقد أطعمه رسول الله ﷺ بخيبر مئة وأربعين وسقًا كل سنة.\nوعن عبد الله بن محمد بن عقيل أن جده أصاب يوم مؤتة خاتمًا فيه تماثيل فنفله أباه.\nعن زيد بن أسلم قال: جاء عقيل بمخيط، فقال لامرأته: خيطي بهذا ثيابك. فسمع المنادي: ألا لا يغُلنَّ رجل إبرة فما فوقها، فقال عقيل لها: ما أرى إبرتك إلا قد فاتتك.\nعن عطاء، رأيتُ عقيل بن أبي طالب شيخًا كبيرًا يُقِلُّ الغَرْب (١) قالوا: توفي زمن معاوية.\n_________\n١٤١٢ - الترمذي (٥/ ٦٥٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب ﵁ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nالاحتذاء: لبس الحذاء، وهو النعل.\nالمطايا: جمع مطية، وهي ما يركب من الإبل، أي: يركب مطاها وهو ظهرها.\n(١) يُقل: يحمل.\nالغَرُبّ: الدلو العظيم.","vol":"3","page":1469},{"text":"وكان أسن من أخيه علي بعشرين سنة؛ ومن أخيه جعفر الطيار بعشر سنين.\nهاجر في مدة الهدنة، وشد غزوة مؤتة وله جملة أحاديث.\nروى عنه ابنه محمد، وحفيده عبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن طلحة، وعطاء، والحسن، وأبو صالح السمان.\nوعُمر بعد أخيه الإمام عليٍّ. ثم وفد على معاوية، وكان بسامًا، مزاحًا، علامة بالنسب وأيام العرب أهـ.\n١٤١٣ - * روى الحاكم عن أبي إسحاق أن رسول الله ﵌ قال لعقيل ابن أبي طالب: \"يا أبا يزيد إني أُحبك حُبين حُبًا لقرابتك مني، وحبًا لما كنتُ أعلمُ من حب عمي إياك\".\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>أم هانئ</span>\nقال الذهبي: السيدة الفاضلة أمُّ هانئ بنت عم النبي ﷺ، أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشمية المكية.\nأختُ: عليِّ، وجعفر.\nاسمها: فاختة. وقيل: هند تأخر إسلامها.\nدخل النبي ﷺ إلى منزلها يوم الفتح، فصلى عندها ثمان ركعات ضُحى (١).\nروت أحاديث.\nحدث عنها: حفيدُها جعدةُ، ومولاها أبو صال حباذام، وكُريب مولى ابن عباس،\n_________\n= وقال الحافظ في الإصابة: روى في تاريخ البخاري، بسند صحيح أنه مات في خلافة يزيد قبل الحرة.\n١٤١٣ - المستدرك (٣/ ٥٧٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٣) رواه الطبراني مرسلًا ورجاله ثقات.\n(١) البخاري (٨/ ١٩) ٦٤ - كتاب المغازي-٥٠ - باب منزل النبي ﷺ يوم الفتح.","vol":"3","page":1470},{"text":"وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومُجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وعُروة بن الزبير؛ وآخرون.\nكانت تحت هُبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي، فهرب يوم الفتح إلى نجران. أولداها: عمرو بن هبيرة، وجعدة، وهانئًا، ويوسف.\nقال ابن إسحاق: لما بلغ هبيرة إسلامها، قال أبيتًا منها:\nوعاذلة هبتْ بليلٍ تلومُني ... وتعذلني بالليل ضل ضلالها\nوتزعم أني إن أطعت عشيرتي ... سأوذي وهل يؤذيني إلا زوالها\nفإن كنت قد تابعت دين محمد ... وقُطعت الأرحام منك حبالها\nفكوني على سحيقٍ بهضبةٍ ... مُلملةٍ غبراء يبسٍ بلالها (١)\nقال الذهبي: لم يذكر أحد أن هبيرة أسلم.\nوعاشت أم هانئ إلى ما بعد سنة خمسين.\nقال الدغولي: كان ابنُها جعدة بن هبيرة، قد ولاه علي بن أبي طالب خراسان، وهو ابن أخته.\nوقيل: إن أم هانئ لما بانت عن هبيرة بإسلامها، خطبها رسول الله ﷺ، فقالت: إني امرأة مصيبة (٢). فسكت عنها.\nبلغ مُسندها: ستة وأربعين حديثًا. لها من ذلك حديث واحد أخرجاه أهـ.\n١٤١٤ - * روى البخاري ومسلم عن أم هانئ ﵁ أخت علي بن أبي طالب\n_________\n(١) السحيق: البعيد، والهضبة: الكدية العالية، والململة: المستديرة، والغبراء التي علاها الغبارن ويبس: يابسة. يبس بلالها: يابسة خضرتها وماؤها.\n(٢) مصيبة: أي ذات أولاد.\n١٤١٤ - البخاري (١/ ٤٦٩) ٢٨ - كتاب الصلاة-٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به. =","vol":"3","page":1471},{"text":"﵄، قالت: ذهبتُ إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسلُ، وفاطمةُ ابنته تستره بثوب، فسلمتُ عليه، فقال: \"من هذه\"؟ فقلت: أنا أمُّ هانئ بنت أبي طالب، فقال: \"مرحبًا بأم هانئ\" فلما فرغ من غُسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي علي: أنه قاتل رجلًا قد أجرتهُ - فلان ابن هبيرة - فقال رسول الله ﷺ: \"قد أجر من أجرتِ يا أم هانئ\"، قالت أم هانئ: وذلك ضُحى.\nقال الحافظ في الفتح: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئًا ذكره عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ماورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة.\n١٤١٥ - * روى الطبراني عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: خطبني رسول الله صلى الله علي هوسلم فقلتُ: ما بي عنك رعنةٌ يا رسول الله ولكن لا أحب أن أتزوج وبني صغار فقال رسول الله ﷺ \"خيرُ نساءٍ ركبن الإبل نساء قريش أحناهُ على طفل في صغره وأرعاه على بعل في ذات يده\".\n١٤١٦ - * وروى الطبراني عن عبد الرحمن بن أبي رافع أن أمُّ هانئ بنت أبي طالب خرجت متبرحةً قد بدا قُرطاها، فقال لها عمر بن الخطاب: اعملي فإن محمدًا لا يغني عنك شيئًا، فجاءت إلى النبي ﷺ فأخبرته به: فقال رسول الله ﷺ \"ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنالُ أهل بيتي، وإن شفاعتي تنال حاوحكم\" وحاوحكم قبيلتان (١).\n* * *\n_________\n= ومسلم (١/ ٤٩٨) ٦ - كتاب صلاة المسافرين -١٣ - باب استحباب صلاة الضحى.\nأجرنا: أجرت الرجل: منعت من يريده بسوء وأمنته شره وأذاه.\n١٤١٥ - المعجم الكبير (٢٤/ ٤٣٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٧١) رواه الطبراني في الكبير والوسط ورجاله ثقات.\n١٤١٦ - المعجم الكبير (٢٤/ ٤٣٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٥٧) رواه الطبراني، وهو مرسل ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>عبد الله بن عباس البحر</span>\nقال الذهبي: حبرُ الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قُصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الهاشمي المكي الأمير ﵁.\nمولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين.\nصحب النبي ﷺ نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بُجملةٍ صالحة، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت وخَلْقٍ.\nوقرأ على أُبَّي، وزيد.\nقرأ عليه مُجاهد، وسعيد بن جُبير، وطائفة.\nروى عنه؛ ابنه علي، وابنأخيه عبد الله بن معبد، ومواليه؛ عِكرمةُ، ومِقْسمُ، وكُريب، وأبو معبد نافذ، وأنسُ بن مالك، وأبو الطُّفيل، وأبو أمامة بن سهل، وأخوه كثير بنُ العباس، وعُروةُ بن الزبير، وعُبيدُ الله بن عبد الله، وطاووس، وأبو الشعثاء جابر، وعلي بن الحسين، وسعيدُ بن جبير، ومجاهدُ بنُ جَبْر، والقاسمُ بنُ محمد؛ وأبو صالح السمان، وأبو رجء العُطاردي، وأبو العالية، وعُبيدُ بن عُمير، وابنه عبد الله، وعطاء بن يسار، وإبراهيمُ بن عبد الله بن معبد، وأربدةُ التميمي صاحبُ التفسير، وأبو صالح باذام، وطليقُ بن قيس الحنفي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبيُّ، والحسنُ، وابن سيرين، ومحمدُ بن كعب القُرظي، وشهر بنُ حوشب، وابنُ أبي مُليْكة، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبو جَمْرة نصرُ بن عمران الضبعيُّ، والضحاكُ بن مُزاحم، وأبو الزُّبير المكيُّ، وبكر بن عبد الله المزني، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيدُ بن أبي الحسن، وإسماعيلُ السُّديُّ، وخلق سواهم.\nوفي \"التهذيب\": من الرواة عنه مئتان سوى ثلاثة أنفس.","vol":"3","page":1473},{"text":"وأُمُّه: هي أمُّ الفضل لبابة بنتُ الحارث بن حَزْ بن بُجير الهلاليةُ من هلال بن عامر.\nوله جماعة أولاد؛ أكبرهم العباس، وبه كان يُكنى، وعليُّ أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضلُ، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء.\nوكان وسيمًا، جميلًا، مديد القامة، ممهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال.\nوأولاده؛ الفضل، ومحمدُ، وعبيد الله، ماتواولا عقب لهم. ولبابةُ ولها أولاد وعقب من زوجها عليِّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنتهُ الأخرى أسماء وكانت عند ابن عمها عبد الله ب عبيد الله بن العباس، فولدت له حسنًا، وحُسينًا.\nانتقل ابنعباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صح عنه أنه قال: كنتُ أنا وأمي من المستضعفين؛ أنا من الولدان، وأمي من النساء (١) إشارة لقوله تعالى: ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (٢).\nقال الزبير بنُ بكار: توفى رسول الله ﷺ ولابن عباس ثلاث عشرة سنة.\nقال أبو سعيد بن يونس: غزا ابنُ عباس إفريقية مع ابن أبي سرح؛ وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفسًا.\nقال أبو عبد الله بنُ مندة: أمه هي أمُّ الفضل أخت أم المؤمنين ميمونة، وُلد قبل الهجرة بسنتين.\nوكان أبيض، طويلًا، مُشربًا صفرة (شقرة) جسيمًا، وسيمًا، صبيح الوجه، وله وفْرةً، يخضِبُ بالحناء، دعا له النبي ﷺ بالحكمة.\nقلت: وهو ابن خالة خالد بن الوليد المخزومي.\n_________\n(١) البخاري (٨/ ٢٥٥) ٦٥ - كتاب التفسير-١٤ - باب قوله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله) ... إلى (الظالم أهلها ..).\n(٢) النساء: ٩٨.","vol":"3","page":1474},{"text":"سعيد بن سالم، حدثنا ابن جُريج قال: كنا جُلوسًا مع عطاء في المسجد الحرام، فتذاكرنا ابن عباس؛ فقال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلا ذكرتُ وجه ابن عباس.\nإبراهيم بن الحكم بن أبان؛ عن أبيه، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس إذا مر في الطريق، قُلن النساءُ على الحيطان؛ أمَرَّ المِسكُ، أم مرَّ ابن عباس؟.\nعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ دعا له أنْ يزيده الله فهمًا، وعلمًا.\nوعن ابن عباس: دعا لي رسول الله بالحكمة مرتين.\nابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: قال لي معاويةُ: أنت على ملة عليٍّ؟ قلتُ: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله ﷺ.\nوعن طاووس قال: ما رأيتُ أحدًا أشد تعظيمًا لحُرمات الله من ابن عباس.\nعن ابن عباس، قال: إن كنتُ لأسألُ عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ (إسناده صحيح).\nعن سعيد بن جُبير، قال: قال عمر لابن عباس: لقد علمت علمًا ما علمناهُ.\nعن ابن عباس، قال: دعاني عُمرُ مع الأكابر، ويقولُ لي: لا تتكلمْ حتى يتكلموا، ثم يسألني، ثم يُقبلُ عليهم، فيقول: ما منعكم أن تأتوني بمثل ما يأتيني به هذا الغلامُ الذي لم تستوِ شؤون رأسه (١).\nموسى بن عُبيدة، عن يعقوب بن زيد، قال: كان عمر يستشير ابن عباس في الأمر إذا أهمه، ويقول: غُصْ غوَّاصَ.\nوعن مُجالد، عن الشعبي قال: قال ابن عباس: قال لي أبي: يا بُني! إنَّ عُمر يُدنيك، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تُفْشينَّ له سرًا، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا، ولا يُجرِّيَنَّ عليك كذبًا.\n_________\n(١) شؤون الرأس: عظامه والشعب التي تجمع بين قبائل الرأس، وهي أربعة أشؤن.","vol":"3","page":1475},{"text":"عن عبد اله بن مسعود، قال: لو أدرك ابن عباس أسناننًا ما عشِرهُ منا أحد.\nوفي رواية \"ما عاشره\" (١).\nالأعمش: حدثونا أن عبد الله قال: ولنعم ترجمانُ القرآن ابن عباس. أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nالأعمش: عن إبراهيم، قال: قال عبد اللهك لو أن هذا الغلام أدرك ما أدركنا، ما تعلقنا معه بشيء.\nوعن عكرمة: سمعتُ معاوية يقول لي: مولاك والله أفقه من مات ومن عاش.\nويُروى عن عائشة قالت: أعلم من بقي بالحح ابن عباس.\nعمرو بن دينار: أن أهل المدينة كلموا ابن عباس أن يحاج بهم. فدخل على عثمان، فأمره، فحجَّ، ثم رجع فوجد عثمان قد قُتل؛ فقال لعليٍّ: إن أنت قُمت بهذا الأمر الآن، ألزمك الناس دم عثمان إلى يوم القيامة.\nوعن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنه قال لعلي لما قال: سِر فقد وليتُك الشام، فقال: ما هذا برأيٍ، ولكنْ اكتبْ إلى معاوية، فمنه، وعِدْهُ، قال: لا كان هذا أبدًا.\nابن جُريج، عن طاووس قال: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس.\nوقال مُجاهد: ما رأيتُ أحدًا قط مثل ابن عباس. لقد مات يوم مات وإنه لحَبْرُ هذه الأمة.\nالأعمش، عن مجاهد، قال: كان ابنُ عباس يُسمى البَحْرَ لكثرة علمه.\n_________\n(١) المستدرك (٣/ ٥٣٧) وإسناده صحيح.\nما عشره منا أحد: أي ما بلغ عُشره في العلم.","vol":"3","page":1476},{"text":"ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ما سمعتُ فُتيا أحسنَ من فتيا ابن عباس إلا أن يقول قائل: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم.\nوعن طاووس، قال: أدركتُ نحوًا من خمس مئة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس، فخالفوه، فلم يزل يُقررُهم حتى ينتهوا إلى قوله.\nقال يزيدُ بن الأصم: خرج مُعاويةُ حاجًا معه ابن عباس، فكان لمعاويةَ موكبٌ، ولابن عباس موكبُ ممن يطلب العلم.\nالأعمش: حدثنا أبو وائل قال: خطبنا ابنُ عباس، وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ، ويُفسر، فجعلتُ أقولُ: ما رأيتُ ولاسمعتُ كلام رجل مثل هذا، لو سمعتْه فارس، والروم، والتركُ، لأسلمتْ.\nوروى عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل مثله.\nروى جويبر، عن الضحاك، قال: ما رأيتُ بيتًا أكثر خُبزًا ولحمًا من بيت ابن عباس.\nسُليم بن أخضر، عن سليمان التيمي، قال: أنبائي من أرسله الحكم بن أيوب إلى الحسن، فسأله: منْ أولُ من جمع الناس في هذا المسجد يوم عرفة؟ فقال: إن أول من جمع ابن عباس.\nوعن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجملُ الناس. فإذا نطق، قلتُ: أفصحُ الناس. فإذا تحدث، قلت: أعلمُ الناس.\nقال القاسم بن محمد: ما رأيتُ في مجلس ابن عباس باطلًا قط.\nقال سفيان بن عيينة: لم يدركْ مثل ابن عباس في زمانه، ولا مثل الشعبي في زمانه، ولا مثل الثوري في زمانه.\nأبو عامر الخزاز: عن ابن أبي مُليكة: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يُصلي ركعتين، فإذا نزل، قام شطر الليل، ويرتلُ القرآن حرفًا حرفًا، ويُكثُر في ذلك من النشيج والنحيب.","vol":"3","page":1477},{"text":"مُعتمر بن سُليمان: عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء، قال: رايت ابن عباس وأسفل من عينيه مثلُ الشراك البالي من البكاء.\nوعن الشعبي وغيره: أن عليًا ﵁ أقام بعد وقعة الجمل بالبصرة خمسين ليلة، ثم سار إلى الكوفة، واستخلف ابن عباس على البصرة، ووجه الأشتر على مُقدمته إلى الكوفة، فلحقه رجل فقال: من استخلف أمير المؤمنين على البصرة؟ قال: ابن عمه. قال: ففيم قتلنا الشيخ أمس بالمدينة؟ قال: فلم يزل ابن عباس على البصرة حتى سار إلى صفين، فاستخلف أبا الأسود بالبصرة على الصلاة، وزيادًا على بيت المال.\nوقال الذهبي: وقد كان عليٍّ لما بُويع، قال لابن عباس: اذهب على إمرة الشام. فقال: كلا، أقلُّ ما يصنعُ بي معاوية إنْ لم يقتلني الحبسُ، ولكن استعملهُ، وبين يديك عزلهُ بعد، فلم يقبل منه. وكذلك أشار على عليٍّ أن لا يولي أبا موسى يوم الحكمين، وقال: ولني، أو فول الأحنف، فأراد عليٍّ ذلك، فغلبُوه على رأيه.\nقال أبو عبيدة في تسمية أمراء عليٍّ يوم صفين: فكان على الميسرة ابن عباس، ثم رُد بعد إلى ولاية البصرة.\nومما قال حسان ﵁ فيما بلغنا:\nإذا ما ابن عباس بدلك وجههُ ... رأيت له في كل أقواله فضلا\nإذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ ... بمنتظمات لا ترى بينها فصلا\nكفى وشفي ما في النفوس فلم يدع ... لذي أربٍ في القول جدًا ولا هزلا\nسموت إلى العليا بغير مشقةٍ ... فنلت ذُراها لا دنيا ولا وغْلا\nخُلقت حليفًا للمروءة والندى ... بليجًا، ولم تُخلق كهامًا ولا خبْلا\nروى العُتبى عن أبيه، قال: لما سار الحسينُ إلى الكوفة، اجتمع ابن عباس، وابن الزبير، بمكة، فضرب ابن عباس على جيب ابن الزبير، وتمثل:\nيا لك من قُنبرةٍ بمعمرِ ... خلا لك الجو فبيضي واصفري","vol":"3","page":1478},{"text":"وتقري ما شئت أن تُنَقَّري\nخلا لك والله يا ابن الزبير الحجازُ، وذهب الحسينُ. فقال ابن الزبير: والله ماترون إلا أنكم حقُّ بهذا الأمر من سائر الناس. فقال: إنما يرى من كان في شك، نحن فعلى يقين. لكن أخبرني عن نفسك: لِمَ زعمت أنك أحق بهذا الأمر من سائر العرب؟ فقال ابن الزبير: لشرفي عليهم. قال: أيما أشرفُ، أنت أم من شُرفتَ به؟ قال: الذي شَرفْتُ به زادني شرفًا. قال: وعلتْ أصواتهما حتى اعترض بينهما رجالٌ من قيش، فسكتوهما.\nوعن عكرمة، قال: كان ابن عباس في العلم بحرًا ينشقُّ له الأمر من الأمور، وكان النبي ﷺ قال: \"اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل\" فلما عمي، أتاهُ ناسٌ من أ÷ل الطائف ومعهم علم من علمه -أو قال كتب من كتبه - فجعلوا يستقرؤونه، وجعل يُقدِّم ويؤخر، فلما رأى ذلك، قال: إني قد تلهْتُ من مُصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، فليقرأ عليَّ، فإن إقراري له كقراءتي عليه. قال: فقرؤوا عليه.\nتَلِهْتُ: تحيرتُ، والأصل ولهتُ كما قيل في وجاه تجاه.\nأبو عوانة: عن أبي الجويرية، قال: رأيت إزار ابن عباس إلى نصف ساقه أو فوق ذلك، وعليه قطيفةٌ روميةٌ وهو يصلي.\nرِشْدين بن كُريب: عن أبيه، قال: رأيت ابن عباس يعتمُّ بعمامة سوداء، فيُرخي شِبرًا بين كتفيه ومن بين يديه.\nابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، أن ابن عباس كان يتخذُ الرداء بألف.\nأبو نعيم: حدثنا سلمة بن شابور؛ قال رجل لعطيةَ: ما أضيق كُمكَ قال: كذا كان كمُّ ابن عباس، وابن عُمر.\nمالك بن دينار، عن عكرمة: كان ابن عباس يلبس الخز، ويكره المصمت (١).\n_________\n(١) المصْمَتُ: هو الذي جميعه إبريسم لا يخالطه قطن ولا غيره والإبريسم: أحسن الحرير.","vol":"3","page":1479},{"text":"١٤١٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: حدثتني أم الفضل بنتُ الحارث (أي أمه) قالت: بينا أنا مارة والنبي ﷺ في الحِجْر فقال: \"يا أم الفضل\" قلت: لبيك يا رسول الله. قال: \"إنك حاملٌ بغلامٍ\" قلت: كيف وقد تحالفت قريش لا يُولدون النساء؟ قال: \"هو ما أقول لك، فإذا وضعتيه فائتيني به\" قالت: فلماوضعته أتيتُ به النبي ﷺ، فسماهُ عبد الله، وألباه برقه. قال: \"اذهبي به فلتجدنه كيسًا\" قال: قالت: فأتيتُ العباس فأخبرتهُ، فتبسم، ثم أتى النبي ﷺ، وكان رجلًا جميلًا مديد القامة، فلما رآه النبي ﷺ قام إلأيه فقبل ما بين عينيه، وأقعده عن يمينه، ثم قال: \"هذا عمي فمن شاء فليباه بعمِّه\" فقال العباس: بعض القول يا رسول الله قال: \"ولم لا أقول؟ وأنت عمي وبقيةُ آبائي والعمُّ والدٌ\".\n١٤١٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ضمني رسول الله ﷺ إلى صدره، وقال: \"اللهم علمْهُ الكتاب\" وفي رواية \"الحكمة\".\nوفي رواية (١): أن النبي ﷺ أتى الخلاء، فوضعتُ له وضوءًا، فلما خرج قال: \"من وضع هذا؟ \" فأُخبر، قال: \"اللهم فقهه في الدين\".\nوعند مسلم (٢): \"اللهم فقهه\" قال الحميدي: وحكى أبو مسعود قال: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\".\nوفي رواية الترمذي (٣) قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: \"اللهم علمْهُ الحكمة\".\n_________\n١٤١٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٥) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\nأنبأه: أي صب ريقه في فيه.\n١٤١٨ - البخاري (٧/ ١٠٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٣٤ - باب ذكر ابن عباس ﵄.\n(١) البخاري (١/ ٣٤٤) ٤ - كتاب الوضوء-١٠ - باب وضع الماء عند الخلاء.\n(٢) مسلم (٤/ ١٩٢٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣٠ - باب فضائل عبد الله بن عباس ﵄.\n(٣) الترمذي (٥/ ٦٨٠) ٥٠ - كتاب المناقب - ٤٣ - باب مناقب عبد الله بن عباس ﵁ وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1480},{"text":"وفي أخرى (١) قال: دعا لي رسول الله ﷺ أن يؤتيني الحكمة مرتين.\nوفي أخرى (٢) قال: إنه رأى جبرل مرتين، ودعا له النبي ﷺ مرتين.\n١٤١٩ - * روى أحمد والطبراني عن ابن عباس قال: كنتُ مع أبي عند النبي ﷺ، وكان كالمُعرِض عن أبي، فخرجنا من عنده، فقال: ألم تر ابن عمك كالمُعرض عني؟ فقلت: إنه كان عنده رجلٌ يُناجيه. قال: أو كان عنده أحد؟ قلت: نعم. فرجع إليه، فقال: يا رسول الله، هل كان عندك أحدٌ؟ فقال لي: \"هل رأيته يا عبد الله؟ \" قال: قلت نعم. قال: \"ذاك جبريلُ، فهو الذي شغلني عنك\".\n١٤٢٠ - * روى الطبراني عن موسى بن ميسرة أن العباس بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ في حاجة، فوجد عنده رجلًا، فرجع، ولم يُكلمه. فلقي العباس رسول الله ﷺ بعد ذلك، فقال: أرسلتُ إليك ابني، فوجد عندك رجلًا، فلم يستطع أن يكلمه. فقال: \"يا عم تدري من ذاك الرجلُ\". قال: لا. قال: \"ذاك جبيلُ لقيني، لن يموت ابنك حتى يذهب بصرهُ، ويُؤتى علمًا\".\n١٤٢١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس عن أبيه قال أمرني العباس ﵁ قال: بت بآل رسول الله ﵌ ليلة فانطلقتُ إلى المسجد فصلى رسول الله ﵌ العشاء الآخرة، حتى لم يبق في المسجد أحد غيرُه قال: ثم مر بي فقال: \"من هذا؟ \" فقلت: عبد الله. قال: \"فمه؟ \" قلت: أمرني أبي أن أبيت بكم الليلة قال: \"فالحق\" فلما دخل قال: \"افرشوا لعبد الله\" قال: فأتيت بسادة من مسوح قال: وتقدم إليَّ العباسُ أن لا تنامن حتى تحفظ صلاته قال: فقِدَمَ رسول الله صلى الله وآله وسلم فنام حتى سمعتُ غطيطهُ قال: ثم استوى على فراشه فرفع رأسه إلى السماء\n_________\n(١) الموضع السابق نفسه وقال: هذا حديث مرسل.\n(٢) الموضع السابق نفسه وقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٤١٩ - أحمد في مسنده (١/ ٢١٤) ورجاله ثقات. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٦) وقال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجالهما رجال الصحيح.\n١٤٢٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٧) وقال رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات.\n١٤٢١ - المستدرك (٣/ ٥٣٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1481},{"text":"فقال: \"سبحان الملك القُدوس\" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية من آخر سورة آل عمران حتى ختمها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم قام فبال ثم استن بسواكه ثم توضأ ثم دخل مُصلاه فصلى ركعتين ليستا بقصيرتين ولا طويلتين قال فصلى ثم أوتر فلما قضى صلاته سمعته يقول: \"اللهم اجعلْ في بصري نورًا واجعل في سمعي نورًا، واجعل في لساني نورا، واجعل في قلبي نورا، واجعل عن يميني نورًا، واجعل عن شمالي نورا، واجعل أمامي نورًا، واجعل من خلفي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، واجعل من أسفل مني نورًا، واجعل لي يوم لقائك نوراص، وأعظمْ لي نورًا\".\n١٤٢٢ - * روى البخاي عن ابن عباس قال ضمني النبي ﷺ إلى صدره ودعا لي بالحكمة.\n١٤٢٣ - * روى أحمد والحاكم عن عبد الله، قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونة، فوضعتُ للنبي ﷺ غُسلا، فقال: \"مَنْ وضع هذا\"؟ قالوا: عبد الله. فقال: \"اللهم علمه التأويل وفقههُ في الدين\".\n١٤٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: أقبلتُ راكبًا على أتانٍ، وأنا يومئذ قد ناهزتُ الاحتلام، ورسول الله ﷺ يُصلي بالناس بمنى.\nوفي رواية (١) عن ابن عباس قال: أقبلتُ راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزتُ الاحتلام، ورسول الله صلى الله عيه وسلم يصلي بالناس بمنى، فمررتُ بين يدي بعض الصف، فنزلتُ، فأرسلتُ الأتان ترتع، ودخلتُ في الصف، فلم ينكر ذلك على أحد.\n_________\n١٤٢٢ - البخاري (٧/ ١٠٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٢٤ - باب ذكر ابن عباس ﵄.\n١٤٢٣ - أحمد في مسنده (١/ ٣٢٨، ٣٣٥)، والمستدرك (٣/ ٥٣٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الصذهبي.\n١٤٢٤ - البخاري (١/ ١٧١) ٣ - كتاب العلم-١٨ - باب متى يصح سماع الصغير.\nومسلم (١/ ٢٦١) ٤ - كتاب الصلاة-٤٧ - باب سترة المصلي، واللفظ له.\nوالأتان: أنثى الحمار.\n(١) البخاري (١/ ٧٥١ - ٨ - كتاب الصلاة-٩٠ - باب سترة الإمام سترة من خلفه. قوله وناهزت الاحتلام: أي قاربته. وكان ذلك في حجة الوداع.","vol":"3","page":1482},{"text":"١٤٢٥ - * روى الحاكم والطبراني عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة. وقد ختنت.\n١٤٢٦ - * روى البخاري عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ؟ قال: أنا يومئذ مختون قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك.\nقال الحافظ في (الفتح): المحفوظ الصحيح أنه ولد بالشعب وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة، وبذلك قطع أهل السير وصححه ابن عبد البر، وأورده بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: ولدت وبنو هاشم في الشعب، وهذا لا ينافي قوله: \"ناهزت الاحتلام\" ولا قوله: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك، لاحتمال أن يكون أدرك، فختن قبل الوفاة النبوية وبعد حجة الوداع، وأما قوله \"وأنا ابن عشر\" فمحمول على إلغاء الكسر، ورواية أحمد \"وأنا ابن خمس عشرة\" يمكن ردها إلى رواية ثلاث عشرة بأن يكون ابن ثلاث عشرة وشيء، وولد في أثناء السنة، فجبر الكسرين، بأن يكون ولد مثلًا في شوال، فله من السنة الأولى ثلاثة أشهر، فأطلق عليها سنة، وقبض النبي صلى الله عيه وسلم في ربيع، فله من السنة الأخيرة ثلاثة أخرى، وأكمل بينهما ثلاث عشرة، فمن قال: \"ثلاث عشرة\" ألغى الكسرين، ومن قال \"خمس عشرة\" جبرهما، والله أعلم.\n١٤٢٧ - * روى الحاكم والطبراني عن ابن عباس قال: لما تُوفي رسول الله ﷺ، قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله ﷺ، فإنهم اليوم كثير؛ فقال: (١) واعجبًا\n_________\n١٤٢٥ - المستدرك (٣/ ٥٣٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وهو أولى من سائر الاختلاف في سنه، وأقره الذهبي.\nوالمعجم الكبير (١٠/ ٢٨٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٥) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٤٢٦ - البخاري (١١/ ٨٨) ٧٩ - كتاب الاستئذان -٥١ - باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط.\n١٤٢٧ - المستدرك (١/ ١٠٦، ١٠٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري وهو أصل في طلب الحديث وتوقير المحدث وأقره الذهبي.\nوالمعجم الكبير (١٠/ ٢٩٩، ٣٠٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٧)، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1483},{"text":"لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي ﵇ من ترى؟ فتركتُ ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديثُ عن الرجل، فآتيه وهو قائل (١)، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريحُ عليَّ التراب، فيخرجُ، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله! ألا أرسلت إلى فآتيك؟ فأقول: أنا أحقُّ أن آتيك، فأسألك. قال: فبقي الرجلُ حتى رآني وقد اجتمع الناسُ عليَّ، فقال: هذا الفتى أعقلُ مني.\n١٤٢٨ - * روى البخاري عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أُمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.\n١٤٢٩ - * روى أبو داود عن عكرمة أن عليًا كرم الله وجهه أحرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: \"لا تُعذبوا بعذاب الله\" وكنت قاتلهم بقول رسول الله ﷺ، فإن رسول الله ﷺ قال: \"من بدل دينه فاقتلوه\" فبلغ ذلك عليًا ﵇، فقال: ويح ابن عباس.\n_________\n(١) قائل: نائم وسط النهار.\n١٤٢٨ - البخاري (٨/ ٧٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير-٤ - باب قوله: \"فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا\" من تفسير سورة (١١٠).\n١٤٢٩ - أبو داود (٤/ ١٢٦) كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد.\nقال الخطابي: قوله: \"ويح اب عباس\": لفظه لفظ الدعاء عليه، ومعناه المدح له، والإعجاب بقوله، وهذا كقول الرسول ﷺ في أ [ي بصير: \"ويل أمه مسعر حرب\".","vol":"3","page":1484},{"text":"١٤٣٠ - * روى الحاكم عن أبي وائل قال: حججتُ أنا وصاحب لي وابن عباس على الحج فجعل يقرأ سورة النور ويفسرُها فقال صاحبي يا سبحان الله ماذا يخرجُ من رأس هذا الرجل لو سمعت هذا التركُ لأسلمت.\n١٤٣١ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا دعا الأشياخ من أصحاب محمد ﵌، دعاني معهم، فدعانا ذات يوم أو ذات ليلة فقال: إن رسول الله ﵌، قال: في ليلة القدر ما قد علمتم فالتمسوها في العشر الأواخر ففي أي الوتر ترونها؟ فقال بعضهم: تاسعه، وقال بعضهم سابعه وخامسه وثالثه، فقال: مالك يا ابن عباس لا تتكلم؟ قلت: إن شئت تكلمتُ؟ قال: ما دعوتك إلا لتكلم فقال: أقول برأي؟ فقال: عن رأيك أسألك. فقلتُ: إني سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: إن الله ﵎ أكثر ذكر السبع، فقال السماوات سبع، والأرضون سبع، وقال: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فالحدائق مُلتفٌّ وكل ملتفٌّ حديقة، والأب ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. فقال عمر (﵁) أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه؟ ثم قال: إني كنت نهيتُك أن تكلم فإذا دعوتك معهم فتكلم.\nوفي رواية (١) عن ابن عباس، قال: قدم على عمر رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: ياأمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلتُ (أي ابن عباس): والله ما أُحبُّ أن يُسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة. قال: فزبرني عمر، ثم قال: مهْ فانطلقتُ إلى منزلي مُكتئبًا حزينًا، فقلتُ: قد كنتُ نزلتُ من هذا بمنزلة، ولا\n_________\n١٤٣٠ - المستدرك (٣/ ٥٣٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n١٤٣١ - المستدرك (٣/ ٥٣٩) وقالك هذا حديث صحيح الإسند ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nشؤون رأسه: عظامه والشعب التي تجعم بين قبائل الرأس وهي أربعة أشؤن.\n(١) سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٤٨) وقال محققه: رجاله ثقات وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (١١/ ٣١٧) حديث (٣٠٣٦٨).\nزبرني عمر: زجرني وانتهرني.\nمهْ: كُفَّ.","vol":"3","page":1485},{"text":"أراني إلا قد سقطت من فسه، فاضطجعت على فراشي، حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجِبْ أمير المؤمنين. خرجتُ، فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال، ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفًا؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين، إنْ كنتُ أسأتُ، فإني أستغفر الله، وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت. قال: لتخبرني. قلتُ: متى ما يُسارعوا هذه المسارعة يحتقوا (١)، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفون يقتتلوا. قال: لله أبوك لقد كنتُ أكتُمها الناس حتى جئت بها\".\nأقول: ينبغي أن يكون مع التلاوة والحفظ لكتاب الله تعالى التأدب والتخلق على أيدي العلماء والمربين حتى لا يورث العلمُ الغرور إن خلا من الأدب والخلق، كما ينبغي أن يرافق الحفظ الفهم والالتزامُ والعمل والأخذُ بفهم الراسخين في العلم وبذلك ينتفي ما تخوف منه ابن عباس.\n١٤٣٢ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس قال: يا ابن شداد ألا تعجب، جاءني الغلامُ وقد أخذت مضجعي للقيلولة، فقال هذا رجل بالباب يستأذن قال: فقلت: ما جاء به هذه الساعة إلا حاجة، ائذن له. قال فدخل فقال: ألا تخبرني عن ذاك الرجل؟ قلت: أي رجل. قال: علي بن أبي طالب. قلتُ عن أي شأنه؟ قال: متى يُبعث؟ قلت: سبحان الله يبعثُ إذا بُعث من في القبور. قال: فقال: ألا أراك تقول كما يقول هؤلاء الحمقاء؟ فقلت: أخرجوا عني هذا، فلا يدخلن علي هذا أو لأضربنه.\n١٤٣٣ - * روى الحاكم عن أبي الطفيل قال: إنه رأى معاوية ﵁ يطوف بالكعبة وعن يساره عبد الله بن عباس وأنا أتلوهما في ظهورهما أسمع كلامهما، فطفق معاويةُ يستلم ركني الحِجْر (٢) فيقولُ له ابن عباسٍ: إن رسول الله ﵌ لم\n_________\n(١) يحتقوا: أي: يختصموا، ويقول كل واحد منهم: الحق في يدي.\n١٤٣٣ - المستدرك (٣/ ٥٤٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.\n١٤٣٣ - المستدرك (٣/ ٥٤٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n(٢) ركني الحجر: الركن الشامي والركن العراقي للكعبة.","vol":"3","page":1486},{"text":"يكُنْ يستلمُ هذين الركنين، فيقول معاوية: يا ابن عباس فإنه ليس شيء منها مهجورًا فطفق ابن عباس لا يذره كلما وضع يده على شيء من الركنين إلا قال له ذلك.\n١٤٣٤ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مليل العِجْليِّ قال: سمعت ابن عباس ﵄ قبل موته بثلاثٍ يقول: اللهم إني أتوبُ إليك مما كنت أُفتي الناس في الصرف.\nأقول: المعروف عند العلماء أن الربا نوعان: ربا النسيئة، وربا الفضل؛ وكان ابن عباس لا يرى أن في الفضل ربًا، وأن الربا في النسيئة فقط، ثم رجع عن ذلك وتاب منه.\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قال ابنُ عبد البر في ترجمة ابن عباس: هو القائل ما رُوي عنه من وجوه:\nإن يأخُذِ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نُورٌ\nقلبي ذكي وعقلي غيرُ ذي دخلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثورُ\nقال سالم بن أبي حفصة: عن أبي كلثوم، أن ابن الحنفية لما دُفن ابن عباس، قال: اليوم مات رباني هذه الأمة.\nورواه بعضهم فقال: عن \"مُنذر الثوري\" بدل \"أبي كلثوم\".\nقال حسين بن واقد المروزي: حدثنا أبو الزبير قال: لما مات ابن عباس جاء طائرٌ أبيضُ، فدخل في أكفانه.\nحماد بن سلمة: عن يعلي بن عطاء، عن بُجير بن أبي عبيد، قال: مات ابن عباس بالطائفِ، فلما خرجُوا بنعشه، جاء طيرٌ عظيمٌ أبيضُ من قِبَل وجٍّ حتى خالط أكفانه، ثم لم يروه، فكانوا يرون أنه عِلْمُه.\nقال ابن حزم في كتاب \"الإحكام\" (١): جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن\n_________\n١٤٣٤ - المستدرك (٣/ ٥٤٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، وهو من أجل مناقب عبد الله بن عباس أنه رجع عن فتوى لم ينقم عليه في شيء غيرها.","vol":"3","page":1487},{"text":"المأمون أحدُ أئمة الإسلام فتاوى ابن عباس في عشرين كتابًا.\nعن سعيد (١)؛ قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائرٌ لم يُر على خلْقَتِه، فدخل نعشه، ثم لم يُرَ خارجًا منه، فلما دُفِنَ، تُليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرى من تلاها ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (٢).\nرواه بسام الصيرفي، عن عبد الله بن يامين سميَّ الطائر غُرنُوقًا.\nوروى فُراتُ بن السائب، عن ميمون بن مهران: شهدتُ جنازة ابن عباس ... بنحو من حديث سالم الأفطس.\nفهذه قضية متواترة.\nقال علي بن المديني: تُوفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين، وقال الواقدي: والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان. وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة.\nومسنده ألف وست مئة وستون حديثًا. وله من ذلك في \"الصحيحين\" خمسة وسبعون. وتفرد البخاري له بمئة وعشرين حديثًا، وتفرد مسلم بتسعة أحاديث.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>عبيدُ الله بن العباس</span>\nقال الذهبي: ابنعبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ، وأخو عبد الله وكثير، والفضل، وقُثم، ومعبد، وتمام.\nوُلد في حياة النبي ﷺ، وقيل: له رؤية.\nوله حديث عن النبي ﷺ في سُنن النسائي: حُكمه أنه مُرسلٌ.\nوكان أميرًا، شريفًا، جوادًا، مُمدحًا.\n_________\n(١) المستدرك (٣/ ٥٤٣، ٥٤٤)، ومجمع الزوائد (٩/ ٢٨٥) وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) الفجر: ٢٧، ٢٨.","vol":"3","page":1488},{"text":"ذكره محمد بن سعد في الطبقة الخامسة من الصحابة فقال: كان أصغر من عبد الله بسنة واحدة؛ ثم قال: سمع من النبي ﷺ. وكان رجلًا تاجرًا مات بالمدينة.\nفذكر الواقدي: أنه بقي إلى دولة يزيد بن معاوية.\nقلتُ: هو شقيق عبد الله. ولي إمرة اليمن لابن عمه عليِّ، وحج بالناس، وقد ذبح بُسر ابن أرطأة ولديه عدوانا وظلمًا، تولهت أمهما عليهما، وهرب عبيد الله.\nقيل: إن عبدي الله وصل مرة رجلًا بمئة ألف.\nقال الفسوي: مات زمن معاوية، وقال خليفة وغيره: مات سنة ثمان وخمسين.\nوأما أبو عبيد وأبو حسان الزيادي، فقالا: مات سنة سبع وثمانين. أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>قُثَم بن العباس الهاشمي</span>\nقال الذهبي في السير: ابن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ، وأخو الفضل وعبد الله وعُبيد الله وكثير.\nوأمُّه هي أمُّ الفضل لُبابة بنتُ الحارث الهلالية، وكانت ثانية امرأةٍ أسلمت، أسلمت بعد خديجة. قاله الكلبي.\nلقِثم صُحبة، وقد أردفه النبي ﷺ خلفه (١).\nوكان أخا الحُسين بن عليٍّ من الرضاعة (٢).\nوكان يشبه بالنبي ﷺ، وهو قليل الرواية.\nوعن ابن عباس قال: كان آخر من خرج من لحد رسول الله ﷺ قُثم.\n_________\n(١) البخاري في التاريخ (٧/ ١٩٤) وأحمد في مسنده (١/ ٣٠٥).\n(٢) أحمد في مسنده (٦/ ٣٢٩) بسند حسن.","vol":"3","page":1489},{"text":"ولما استخلف عليُّ بن أبي طالب، استعمل قُثَم على مكة، فما زال عليها حتى قُتل عليُّ، قاله خليفةُ بنُ خيَّاط.\nوقال الزبير بن بكار: استعمله عليُّ على المدينة. وقيل: إنه لم يُعقب.\nقال ابن سعدك غزا قُثُم خراسان وعليها سعيدُ بن عثمان بن عفان، فقال له: أضربُ لك بألف سهم؟ فقال: لا بل خمس، ثم أعطِ الناس حقوقهم؛ ثم أعطني بعدُ ما شئت، وكان قُثم ﵁ سيدًا، ورعًا، فاضلًا\nقال الزبير: سار قُثم أيام مُعاوية مع سعيد بن عثمان إلى سمرقند، فاستُشهد بها.\nقلتُ: لا شيء له في الكتب الستة.\nوقد ذكره أبو عبد الله الحاكم في \"تاريخ نيسابور\"، فقال: كان شبيه النبي ﷺ وآخر الناس به عهدًا. وحديثُ أم الفضل ناطق بذلك بأسانيد كثيرةٍ.\nقال: فما وفاة قُثَم، وموضعُ قبره، فمختلفٌ فيه، فقيل: إنه تُوفي بسمرقند، وبها قبره، وقيل: إنه تُوفي بمرو. قال الحاكم: والصحيح أن قبره بسمرقند. أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>مَعْبَد بن العبَّاس</span>\nمن صغار ولد العباس، وهو من أم الفضل. له أولاد؛ عبد الله، وعباس، وميمونة. وأمهم أم جميل عامرية. وله بقية وذرية كثيرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>كثير بن العباس</span>\nأُمُّه أُمُّ ولد. تابعي يروي عن أبيه وغيره.\nوكان فقيهًا، جليلًا، صالحًا، ثقةً، له عقب. قاله ابنُ سعد.\n* * *","vol":"3","page":1490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>تمَّامُ بنُ العبَّاس</span>\nمن أمِّ ولد، وهو شقيقُ كثير.\nقال ابن سعد: كان تمامُ من أشد أهل زمانه بطشًا.\nوله أولاد، وأولادُ أولاد، فانقرضوا وآخرهم يحيى بن جعفر بن تمام مات زمن المنصور، وورثه أعمامُ المنصور، فأطلقوا الميراث كله لعبد الصمد بن علي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>الفضل بن العباس</span>\nهو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ، ويكنى أبا محمد أو أبا عبد الله، وكان أسن ولد العباس، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ، وغزا مع رسول الله ﷺ مكة وحنينًا، وثبت يومئذ مع رسول الله ﷺ حين ولي الناس، وشهد معه حجة الوداع، وأردفه رسول الله ﷺ، وفي صحيح مسلم أن النبي زوَّجه وأمهر عنه، وفي بعض حديثه في حجة الوداع لما حجب وجهه عن الخثعمية: \"رأيت شابًا وشابة، فلم آمن عليهما الشيطان\"، وكان فيمن غسل النبي ﷺ، وولي دفنه. مات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يترك ولدًا إلا أم كلثوم تزوجها الحسن بن علي، ثم فارقها، فتزوجها أبو موسى الأشعري.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>ربيعةُ بن الحارث</span>\nقال الذهبي في السير: ابن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، أبو أروى.\nوله من الولد: محمد، وعبد الله، والحارث، والعباس، وأمية، وعبدُ شمس، وعبد المطلب، وأروى الكبرى، وهند، وأروى، وآدم. وآدم: هو المسترضع له في","vol":"3","page":1491},{"text":"هُذيل، فقتله بنو ليث بن بكر في حرب كانت بينهم. وكان صغيرًا يحبُو أمام البيوت، فأصابه حجرٌ قتله، فقال النبي ﷺ: \"وأولُ دمٍ أضعه دمُ ابن ربيعة بن الحارث\".\nيرى أن قال فيه: \"آدم، رأى في الكتاب دم ابن ربيعة، فزاد ألفًا، والظاهر أنه لصغره ما حفظ اسمه. وقيل: كان اسمه تمام بن ربيعة\".\nقالوا: وكان ربيعة أسنُّ من عمه العباس بسنتين .. ونوبةَ بدرٍ كان ربيعة غائبًا بالشام.\nقال ابن سعد: فلما خرج العباس ونوفل إلى رسول الله ﷺ، مهاجرين أيام الخندق، شيعهما ربيعةُ إلى الأبواء، ثم أراد الرجوع، فقالا له: أين ترجعُ؟ إلى دار الشرك تُقاتلون رسول الله ﷺ، وتُكذبونه، وقد عز وكثُف أصحابُه، ارجع. فسار معهما حتى قدموا جميعًا مسلمين. وأطعم رسول الله ﷺ ربيعة بخيبر مئة وسق كل سنة، وشهد معه الفتح وحُنينًا، وابتنى دارًا بالمدينة، وتوفي في خلافة عمر.\nوكان ربيعةُ شريكًا لعثمان في التجارة. وقد جاء في حديث جابر الذي في المناسك، \"وإن أول دمٍ أضع دم ابن ربيعة بن الحارث\" أراد الذي يستحق ربيعة به الدية من أجل ولده. وقيل: إنه توفي سة ثلاث عشرة، وأمه هي غُزية بنت قيس بن طريف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>عبد الله بن الحارث</span>\nقال الذهبي: ابن عبد المطلب الهاشمي. أخو ربيعة ونوفل. وكان اسمه عبد شمس فغُيِّر. فرُووا أنه هاجر قُبيل الفتح، فسماه النبي، ﷺ عبد الله، وخرج مع النبي ﷺ في بعض مغازيه، فمات بالصفراء فكفنه في قميصه - يعني قميص النبي ﷺ.\nوقد قيل إنه قال فيه: هو سعيدٌ أدركته السعادةُ. كذا أورد ابن سعد هذا بلا إسناد. ولا نسل لهذا.","vol":"3","page":1492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>عبيدةُ بن الحارث</span>\nقال الذهبي في السير: ابن المطلب بن عبد مناف بن قُصي القرشي المطلبي، وأمه من ثقيف.\nوكان أحد السابقين الأولين. وهو أسنُّ من رسول الله ﷺ بعشر سنين. هاجر هو وأخواه الطفيل وحُصين. وكان ربعةً من الرجال، مليحًا، كبير المنزلة عند رسول الله ﷺ وهو الذي بارز رأس المشركين يوم بدر فاختلفا ضربتين، فأثبت كلُّ منهما الآخر. وشدَّ عليِّ وحمزة على عتبة، فقتلاه، واحتملا عُبيدة وبه رمق. ثم توفي بالصفراء (١)، قال في العشر الأخير من رمضان، سنة اثنتين ﵁.\nوقد كان النبي ﷺ أمره على ستين راكبًا من المهاجرين، وعقد له لواء.\nفكان أول لواء عُقد في الإسلام. فالتقى قريشًا وعليهم أبو سفيان عند ثنية المرُة، وكان ذاك أول قتالٍ جرى في الإسلام. قاله ابن إسحاق، أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>نوفل بن الحارث</span>\nقال الذهبي في السير: ابن عم رسول الله ﷺ، الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وأبو الحارث أخو أبي سفيان بن الحارث.\nكان نوفل أسنُّ من عمه العباس. حضر بدرًا مع المشركين، فأُسر، ففداه عمه العباس، ثم أسلم، وهاجر عام الخندق.\nوقيل: آخى النبي ﷺ بينه وبين العباس، وقد كانا شريكين في الجاهلية متصافيين.\n_________\n(١) الصفراء: قرية كثيرة النخل والمزارع، وماؤها عيون. وهي فوق ينبع مما يلي المدينة وماؤها يجري إلى ينبع. وقد قيل ف يرثاء عبيدة بن الحارث:\nلقد ضمن الصفراء مجدًا وسؤددا ... وحلمًا أصيلًا وافر اللب والعقل\nعبيدة فابكيه لأضياف غُربةٍ ... وأرملةِ نهوي لأشعث كالجذل","vol":"3","page":1493},{"text":"شهد نوفل بيعة الرضوان، وأعان رسول الله ﷺ يوم حُنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت معه يومئذ، وما علمتُ له روايةً ولا ذكرًا بأكثر مما أوردت.\nقيل: مات سنة عشرين، وقيل مات سنة خمس عشرة، وكان أسنُّ بني هاشم في زمانه. اهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>سعيد بن الحارث</span>\nقال الذهبي: ابن عبد المطلب. ابن عم رسول الله ﷺ. له حديثٌ واحدٌ وقد ضعُفَ هذا الحديث.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>أبو سفيان بن الحارث</span>\nقال الذهبي في السير: هو ابن عم النبي ﷺ المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي. أخو نوفل وربيعة.\nتلقى النبي ﷺ في الطريق قبل أن يدخل مكة مسلمًا، فانزعج النبي ﷺ وأعرض عنه، لأنه بدت منه أمورٌ في أذية النبي ﷺ فتدلل للنبي ﷺ حتى رق له. ثم حَسُنَ إسلامه، ولزم هو والعباسُ رسول الله يوم حنين إذ فَرَّ الناس، وأخذ بلجام البغلة، وثبت معه.\nوقد روى عنه ولده عبد الملك أن النبي ﷺ قال: \"يا بني هاشم إياكم والصدقة\" وكان أخا النبي ﷺ من الرضاعة، أرضعتهما حليمة.\nسماه هشام بن الكلبي، والزبير: مغيرة. وقال طائفة: اسمه كنيته، وإنما المغيرة أخوهم.\nوقيل: كان الذين يُشبهُون بالنبي ﷺ جعفر، والحسن بن علي، وقُثَم ابن العباس،","vol":"3","page":1494},{"text":"وأبو سفيان بن الحارث.\nوكان أبو سفيان من الشعراء، وفيه يقول حسان:\nألا أبلغْ أبا سفيان عني ... مُغلْغَلةْ، فقد برح الخفاءُ\nهجوت محمدًا فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء (١)\nقيل: إن أبا سفيان حجَّ، فحلقه الحلاقُ، فقطع ثُؤلولًا في رأسه، فمرض منه ومات بعد قدومه بالمدينة، وصلى عليه عمر. ويُقال: مات بعد أخيه نوفل ابن الحارث بأربعة أشهر.\nقال أبو إسحاق السبيعي: لما احتُضِرَ أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قال: لا تبكوا عليّ، فإني لم أتنطَّف (٢) بخطيئة منذ أسلمتُ.\nقال ابن إسحاق: ولأبي سفيان يرثي النبي ﷺ:\nأرقتُ فبات ليلى لا يزولُ ... وليل أخي المصيبة فيه طولُ\nوأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليلُ\nفقد عظمتْ مُصيبتنا وجلتْ ... عشية قيل قد قُبض الرسول\nفقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيلُ\nوذاك أحقُّ ما سألتْ عليه ... نفوسُ الخلقِ أو كادت تسيلُ\nنبي كان يجلو الشك عنا ... بما يُوحي إليه وما يقولُ\nويهدينا فلا نخشى ضلالًا ... علينا، والرسول لنا دليلُ\nفلم نر مثله في الناس حيًا ... وليس له من الموتى عديلُ\nأفاطمُ إن جزعتِ فذاك عُذرٌ ... وإن لم تجزعي فهو السبيلُ\nفعُودي بالعزاء فإن فيه ... ثواب الله والفضلُ الجزيلُ\n_________\n(١) البيتان من قصيدة طويلة لحسان بن ثابت، قالها يوم فتح مكة، مطلعها:\nعفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء.\n(٢) لم أتنطف: لم أتلطخ.","vol":"3","page":1495},{"text":"وقولي في أبيك ولا تملي ... وهل يجزي بفضل أبيك قيلُ\nفقبرُ أبيك سيدُ كل قبرٍ ... وفيه سيدُ الناس الرسولُ\nوقد انقرض نسل أبي سفيان. قاله ابنُ سعد.\nحماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيبأن أبا سفيان بن الحارث كان يُصلي في الصيف نصف النهار حتى تُكره الصلاة، ثم يُصلي من الظهر إلى العصر.\nعن هشام بن عروة، عن أبيه قال رسول الله ﷺ: \"أبو سفيان بنُ الحارث سيدُ فتيانِ أهل الجنة\" (١). فحج، فحلقه الحلاق، وفي رأسه ثؤلول فقطعه فمات. فيرؤنه شهيدًا.\nويقال مات سنة عشرين بالمدينة. أهـ.\n١٤٣٥ - * روى البزار عن عائشة أن رسول الله ﷺ مر به أبو سفيان بن الحارث فقال: \"يا عائشة هلمي حتى أريك ابن عمك الذي هجاني\".\n١٤٣٦ - * روى الطبراني عن أبي حبة البدري قال: كان رسول الله ﷺ يوم حنين لا ينظر في ناحية إلا رأى أبا سفيان بن الحاث يقاتل فقال رسول الله ﷺ: \"إن أبا سفيان خير أهلي أو من خير أهلي\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>دُرةُ بنت أبي لهب</span>\nقال الذهبي في السير: بنتُ عم رسول الله ﷺ أبي لهب بن عبد المطلب الهاشمية. من المهاجرات.\nلها حديثٌ واحد، في \"المسند\" من رواية ابن عمها الحارث بن نوفل.\n_________\n(١) ذكره الذهبي ورجاله ثقات لكنه مرسل كما قال الحافظ في الإصابة وأخرجه الحاكم وسكت عنه وكذلك الذهبي.\n١٤٣٥ - رواه البزار عن شيخه عبد الرحمن بن شيبة قال أبو حاتم. حديثه صحيح وبقية رجاله ثقات.\nهجاني: ذمني. وكان ذلك قبل الإسلام.\n١٤٣٦ - المعجم الكبير (٢٢/ ٣٢٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٤) رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناده خسن.","vol":"3","page":1496},{"text":"وقيل: تزوَّج بها دِحْية الكلبي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب</span>\nقال الذهبي في السير: بنت عم رسول الله ﷺ الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الهاشميةُ.\nمن المهاجرات.\nوكانت تحت المقداد بن الأسود، فولدت له: عبد الله، وكريمة، لها أحاديث يسيرة عن النبي ﷺ.\nوحدث عنها من القدماء: ابن عباس، وجابر.\nوقُتل ولدها عبد الله بن المقداد يوم الجمل مع أم المؤمنين عائشة.\nعن عائشة، قالت: دخل النبي ﷺ على ضُباعة بنت الزبير، فقالت: إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ: \"حُجي واشترطي أن محلي حيث حبستني\" (١).\nبقيت ضباعة إلى بعد عام أربعين، فيما أرى، ﵂، أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب</span>\nقال الذهبي: الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ.\nوأمه عاتكة بنتُ أبي وهب المخزومية، من مُسلمة الفتح.\n_________\n(١) مسلم (٢/ ٨٦٨) ١٥ - كتاب الحج-١٥ - باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض وغيره.\nومحلي حيث حبستني: هو خطاب لله ﷿ معناه: جواز اشتراط المحرم التحلل من الإحرام بعذر المرض ونحوه.","vol":"3","page":1497},{"text":"لا نعلمُ له روايةُ. كان موصوفًا بالشجاعة والفروسية.\nولما تُوفي رسول الله ﷺ، كان لهذا نحو من ثلاثين سنة، أهـ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>٣ - من أحفاد أعمامه ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>عبد الله بن جعفر</span>\nقال الذهبي: ابن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم. السيدُ العالمُ، جعفر القرشي الهاشمي، الحبشي المولد، المدني الدار، الجواد ابن الجواد ذي الجناحين.\nله صحبةٌ وروايةٌ، عِدادُه في صغار الصحابة.\nاستُشهد أبوه يوم مؤتة فكفله النبي ﷺ، ونشأ في حجره.\nوروى أيضًا عن عمه علي، وعن أمه أسماء بنت عُميس.\nوهو آخر من رأى النبي ﷺ وصحبه من بني هاشم.\nوله وفادة على معاية، وعلى عبد الملك. وكان كبير الشأن كريمًا، جوادًا، يصلُحُ للإمامة.\nعن علي بن أبي حملة، قال: وفد عبد الله بن جعفر على يزيد، فأمر له بألفي ألف.\nوما ذاك بكثير، جائزةُ ملك الدنيا لمن هو أولى بالخلافة منه.\nقال مُصعب الزبيري: هاجر جعفر إلى الحبشة؛ فولدت له أسماء؛ عبد الله، وعونًا ومحمدًا.\nابن جعفر: أن النبي ﷺ أتاهم بعد ماأخبرهم بقتل جعفر بعد ثالثة، فقال: \"لا تبكوا أخي بعد اليوم\" ثم قال: \"ائتوني ببني أخي\"، فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال: \"أدعو لي الحلاق\" فأمره، فحلق رؤوسنا، ثم قال: \"أما محمدُ؛ فشبهُ عمنا أبي طالب، وأما عبد الله؛ فشبهُ خلقي وخُلُقي\" ثم أخذ بيدي، فأشالها. ثم قال:","vol":"3","page":1498},{"text":"\"اللهم اخلفْ جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقته\" قال: فجاءت أُمُّنا، فذكرت يُتمنا. فقال: \"العيلة تخافين عليهم وأنا وليُّهُم في الدنيا والآخرة\" (١).\nعن أبان بن تغلب، قال: ذُكر لنا أن عبد الله بن جعفر قدم على معاوية، وكانت له منه وفادة في كل سنة، يُعطيه ألف ألف درهم، ويقضي له مئة حاجة.\nقيل: إن أعرابيًا قصد مروان، فقال: ما عندنا شيء، فعليك بعبد الله بن جعفر، فأتى الأعرابي عبد الله، فأنشأ يقول:\nأبو جعفر من أهل بيت نبوة ... صلاتهم للمسلمين طهورُ\nأبا جعفر ضن الأميرُ بماله ... وأنت على ما في يديك أميرُ\nأبا جعفر يا بن الشهيد الذي له ... جناحان في أعلى الجنان يطيرُ\nأبا جعفرٍ ما مثلُك اليوم أرتجي ... فلا تتركني بالفلاةِ أدورُ\nفقال: يا أعرابي سار الثقل (٢) فعليك بالراحلة بما عليها، وإياك أن تُخدع عن السيف، فإني أخذته بألف دينار.\nويروى أن شاعرًا جاء إلى عبد الله بن جعفر، فأنشده:\nرأيت أبا جعفر في المنام ... كساني من الخز دراعه\nشكوت إلى صاحبي أمرها ... فقال ستُوتي بها الساعة\nسيكسوكها الماجد الجعفريُّ ... ومن كفُّهُ الدهر نفاعه\nومن قال للجود لا تعدني ... فقال له السمعُ والطاعه\nفقال عبد الله لغلامه: أعطه جُبتي الخزِّ. ثم قال له: ويحك كيف لا ترجُبِّني الوشي؟ اشتريتُها بثلاث مئة دينار منسوجةً بالذهب. فقال: أنامُ، فلعلي أراها. فضحك عبد الله، وقال: ادفعوها إليه.\n_________\n(١) أحمد في مسنده (١/ ٣٠٤) وسنده قوي.\n(٢) سار الثقل: اعتذر بغياب ماله.","vol":"3","page":1499},{"text":"قال أبو عبيدة: كان على قريش وأسد وكنانة يوم صفين عبد الله بن جعفر.\nحماد بن زيد: أخبرنا هشام، عن محمد، قال: مر عثمان بسبخة فقال: لمن هذه؟ فقيل: اشتراها عبد الله بن جعفر بستين ألفًا، فقال: ما يسرُّني أنها لي بنعل. فجزأها عبد الله ثمانية أجزاء؛ وألقى فيها العمال. ثم قال عثمان لعلي: ألا تأخذُ على يدي ابن أخيك، وتحجُر عليه؟ اشترى سبخة (١) بستين ألفًا. قال: فأقبلت. فركب عثمان يومًا، فرآها، فبعث إليه، فقال: ولني جُزءين منها. قال: أما والله دون أن تُرسل إلى من سفهتني عندهم، فيطلبون إليَّ ذلك، فلا أفعلُ. ثم أرسل إليه أني قد فعلتُ. قال: والله لا أنقصك جزءين من مئة ألفٍ وعشرين ألفًا. قال: قد أخذتُها.\nوعن العُمَري؛ أن ابن جعفر أسلف الزبير ألف ألف، فلما تُوفي الزبيرُ، قال ابن الزبير لابن جعفر: إني وجدتُ في كتب الزبير أن له عليك ألف ألف. قال هو صادق. ثم لقيه بعدُ، فقال: يا أبا جعفر، وهمتُ؛ المال لك عليه. قال: فهو له. قال: لا أريد ذلك.\nقال محقق السير: وتمامه عند ابن عساكر: قال: فاختر، إن شئت، فهو له، وإن كرهت ذلك، فلك فيه نظرة ما شئت، فإن لم ترد ذلك، فبعني من ماله ما شئت، فقال: أبيعك، ولكن أقوم، فقوم الأموال، ثم أتاه، فقال: أحب أن لا يحضرني وإياك أحد، فقال عبد الله يحضرنا الحسن والحسين، فيشهدان لك، فقال: ما أحب أن يحضرنا أحد، قال: انطلق، فمضى معه، فأعطاه خرابًا وسباخًا لا عمارة له وقوَّمه عليه، حتى إذا فرغ، قال عبد الله لغلامه: ألقِ لي في هذا الموضع مصلى، فلقى له في أغلظ موضع من تلك المواضع مصلى، فصلى ركعتين، وسجد فأطال السجود يدعو، فلما قضى ما أراد من الدعاء، قال لغلامه: احفر في موضع سجودي، فحفر، فإذا عين قد أنبطها، فقال له ابن الزبير: أقلني، فقال: أما دعائي وإجابة الله إياي، فلا أقيُلك، فصار ما أخذ منه أعمر مما في أيدي ابن الزبير.\nعن الأصمعي: أن امرأة أتتْ بدجاجةٍ مسموطة (٢)، فقالت لابن جعفر: بأبي أنت!\n_________\n(١) السبخة: أرض ذات نز وملح.\n(٢) دجاجة مسموطة: ذبحت ونتف ريشها.","vol":"3","page":1500},{"text":"هذه الدجاجة كانت مثل بنتي (١)، فآليتُ أن لا أدفنها إلا في أكرم موضع أقدِرُ عليه؛ ولا والله ما في الأرض أكرمُ من بطنك. قال: خذُوها منها، واحملُوا إليها، فذكر أنواعًا من العطاء، حتى قالت: بأبي أنت! إن الله لا يُحبُّ المسرفين.\nهشام، عن ابن سيرين؛ أن رجلًا جلب سُكرًا إلى المدينة، فكسد، فبلغ عبد الله بن جعفر، فأمر قهرمانه (٢) أن يشريهُ، وأن يُنْهبَهُ الناس.\nذكر الزبير بن بكار، أن عُبيد الله بن أبي مُليكة، عن أبيه، عن جده، قال: دخل ابن أبي عمار وهو يومئذ فقيهُ أهل الحجاز على نخاس، فعرض عليه جارية، فعَلِقَ بها، وأخذه أمر عظيم، ولم يكن معه مقدارُ ثمنها، فمشى إليه عطاء، وطاووس، ومُجاهد، يعذلونه. وبلغ خبرهُ عبد الله، فاشتراها بأربعين ألفًا، وزيَّنها، وحَّلاها، ثم طلب ابن أبي عمار، فقال: ما فعل حبُّك فلانة؟ قال: هي التي هام قلبي بذكرها، والنفس مشغولة بها، فقال: يا جارية، أخرجيها، فأخرجتها ترفُل في الحُلي والحُلل. فقال: شأنك بها، بارك الله لك فيها. فقال: لقد تفضلت بشيء ما يتفضل به إلا الله. فلما ولى بها، قال: يا غلام احمل معه مئة ألف درهم. فقال: لئن والله وُعِدنا نعيم الآخرة، فقد عجَّلْتَ نعيم الدنيا.\nولعبد الله بن جعفر اخبار في الجُود والبذل.\nوكان وافر الحشمة، كثير التنعُّم، وممن يستمعُ الغناء (٣).\nقال الواقدي ومصعب الزبيري: مات في سنة ثمانين.\nوقال المدائني: توفي سنة أربع أو خمسٍ وثمانين.\n١٤٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال له ابن\n_________\n(١) كانت مثل بنتي: أي أحبها مثلها.\n(٢) القهرمان: هو الوكيل عن السيد في تدبير أموره.\n(٣) أي الغناء المباح.\n١٤٣٧ - البخاري (٦/ ١١١) ٥٦ - كتاب الجهاد-١٩٦ - باب استقبال الغزاة.","vol":"3","page":1501},{"text":"الزبير: أتذكُر إذ تلقينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن عباس؟ قال: نعمْ، فحملنا وتركك.\nوفي أخرى لمسلم (١) قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تُلقي بصبيان أهل بيته، قال: وإنه قدم من سفر، فسُبِقَ بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فطمة، فأردفه خلفه، قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة.\nوفي أخرى (٢): كان إذا قدم من سفر تُلقي بنا، فتُلقي بي وبالحسن أو بالحسين قال: فحمل أحدنا بين يديه، والآخر خلفه، حتى دخلنا المدينة.\nقوله (قال نعم فحملنا وتركك) ظاهره أن القائل (فحملنا) هو عبد الله بن جعفر وأن المتروك هو ابن الزبير، وأخرجه مسلم من طريق أبي أسامة وابن علية كلاهما عن حبيب ابن الشهيد بهذا الإسناد مقلوبًا ولفظه (قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير) جعل المستفهم عبد الله بن جعفر والقائل (فحملنا) عبد الله بن الزبير، والذي في البخاري أصحُّ، ويؤيده ما تقدم في الحج عن ابن عباس قال (لما قدم رسول الله ﷺ مكة استقبله أغيلمةُ من بني عبد المطلب فحمل واحدًا بين يديه وآخر خلفه) فإن ابن جعفر من بني عبد المطلب بخلاف ابن الزبير وإن كان عبد المطلب جد أبيه لكنه جده لأمه. وأخرجه أحمد والنسائي من طريق خالد بن سارة عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ حمله خلفه وحمل قثم بن عباس بين يديه، وقد حكى ابن التين عن الداودي أنه قال: في هذا الحديث من الفوائد حفظ اليتيم، يشير إلى أن جعفر بن أبي طالب كان مات فعطف النبيُ ﷺ على ولده عبد الله فحمله بين يديه، وهو كما قال. وأغرب ابن التين فقال: إن في الحديث النص بأنه ﷺ حمل ابن عباس وابن الزبير ولم يحمل ابن جعفر، قال: ولعل الداودي ظن أن قوله (فحملنا وتركك) من كلام ابن جعفر وليس كذلك، كذا قال، والذي قاله الداودي هو الظاهر من سياق البخاري، فما أدري كيف قال ابن التين إنه نص في خلافه، وقد نبه عياض على أن الذي وقع في البخاري هو الصواب، قال: وتأويل رواية مسلم أن يجعل الضمير في \"حملنا\" لابن جعفر فيكون المتروك ابن الزبير، قال ووقع على الصواب\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٨٨٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١١ - باب فضائل عبد الله بن جعفر ﵄.\n(٢) مسلم (٤/ ١٨٨٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١١ - باب فضائل عبد الله بن جعفر ﵄.","vol":"3","page":1502},{"text":"أيضًا عند ابن أبي شيبة وابن أبي خيثمة وغيرهما. قلت: وقد روى أحمدُ الحديث عن ابن علية فبين سبب الوهم ولفظه مثل مسلم، لكن زاد بعد قوله \"قال نعم: قال فحملنا\" قال أحمد \"وحدثنا به مرة أخرى فقال فيه: قال نعم فحملنا\" يعني وأسقط \"قال\" التي بعد نعم. قلت: وبإثباتها توافق رواية البخاري وبحذفها تخالفها والله أعلم أه،.\nأقول: كان من عادة النبي ﷺ إذا عاد إلى المدينة وخرج الأولد يستقبلونه أن يحمل معه واحدًا أو اثنين.\n١٤٣٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا سلم على عبد الله ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.\n١٤٣٩ - * روى أحمد عن عبد الله بن جعفر قال: لقد رأيتني وقثم وعبيدُ الله ابني عباس ونحن صبيان نلعبُ إذ مر رسول الله ﷺ فقال: \"ارفعوا هذا إليَّ\" فحملني أمامه، وقال لقُثم \"ارفعوا هذا إليَّ\" فحمله وراءه وكان عبيد الله أحب إلى عباس فما استحيا من عمه أن حمل قثم وتركه. قال: ثم مسح على رأسي ثلاثًا، كلما مسح قال: \"اللهم اخلف جعفرًا في ولده\" قال: قلتُ لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال: استُشهد. قلت: الله ورسوله أعلم بالخير قال: أجل.\n١٤٤٠ - * روى أبو يعلي والطبراني عن عمرو بن حُريثٍ قال: مر النبي ﷺ بعبد الله ابن جعفر وهو يلعبُ بالتراب، فقال: \"اللهم بارك له في تجارته\".\n١٤٤١ - * روى أبو داد وأحمد والحاكم عن عبد الله بن جعفر، قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أحدثُ به أحدًا، فدخل حائطًا، فإذا جملٌ (١)، فلما\n_________\n١٤٣٨ - البخاري (٧/ ٧٥) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-١٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي ﵁.\n١٤٣٩ - أحمد في مسنده (١/ ٣٠٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٦): رواه أحمد ورجاله ثقات.\n١٤٤٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٦) وقال: رواه أبو يعلي والطبراني ورجالهما ثقات.\n١٤٤١ - أبو داود (٣/ ٢٣) كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم.\nوأحمد في مسنده (١/ ٢٠٤، ٢٠٥).\nالمستدرك (٢/ ٩٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، أقره الذهبي.","vol":"3","page":1503},{"text":"رأى النبي ﷺ حنَّ، وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه (١) فسكت، فقال: / \"من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار، فال: لي يا رسول الله، فقال: \"أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتدئبُه\".\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>عبد المطلب بن ربيعة</span>\nقال الذهبي في السير: ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، والد محمد، له صحبة وحديث يرويه عنه عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي (٢)، وروى عن عليٍّ حديثًا آخر.\nقال مصعب الزبيري: أمر رسول الله ﷺ أبا سفيان بن الحارث أن يُزوِّج بنته بعبد المطلب بن ربيعة، ففعل. سكن الشام في أيام عمر.\nوقال شباب: تُوفي عبد المطلب في دولة يزيد.\nوقال الطبراني: توفي سنة إحدى وستين.\nقال الذهبي: له بدمشق دار كبيرة والله أعلم.\n١٤٤٢ - * روى مسلم وأبو داود عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ﵁ قال: اجتمع ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب، فقالا: والله لو بعثنا هذين\n_________\n(١) ذِفراه: الذفري من جميع الحيوانات هو العظم الشاخص خلف الأصذن.\n(٢) أخرجه مسلم (١٠٧٣) في الزكاة - باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة.\nوأبو داود (١٢٨٥) في الخراج - باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى.\nوابن سعد ٤/ ٥٨، ٥٩ من طريق الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن المطلب بن ربيعة، أن النبي ﷺ قال: \"إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس\".\n١٤٤٢ - مسلم (٢/ ٧٥٢) ١٢ - كتاب الزكاة -٥١ - باب ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة وأبو داود (٣/ ١٤٧) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى.","vol":"3","page":1504},{"text":"الغلامين - قال لي، وللفضل بن العباس - إلى رسول الله ﷺ، فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناسُ، وأصابا مما يصيبُ الناسُ؟ قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، فقال علي: لا تفعلا، فوالله ما هو بفاعلٍ، فانتحاه ربيعة بن الحارث، فقال: والله ما تصنعُ هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله لقد نلت صِهْرَ رسول الله ﷺ، فما نفسناهُ عليك، فقال علي: أرسلُوهُما، فانطلقا، واضطجع علي، قال: فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحُجرة، فقمنا عندها، حتى جاء، فأخذ بآذاننا، ثم قال: \"أَخرجَا ما تُصرِّران\" ثم دخل ودخلنا معه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدُنا، فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس، وأوصلُ الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناسُ، ونُصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلًا، حتى أردنا أن نُكلمهُ، قال: جعلت زينبُ تُلمِعُ إلينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه، قال ثم قال: \"إن هذه الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخُ الناس، ادعُوا لي محميةَ\"- وكان على الخُمس- \"ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب\" قال: فجاءاه: فقال لمحية: \"أنكِحْ هذا الغلام ابنتك\" للفضل بن العباس فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث \"أنكحْ هذا الغلام ابنتك\" فأنكحني، وقال لمحيةَ: \"أصدِقْ عنهما من الخمس كذا وكذا\" قال الزهري: ولم يُسَمِّهِ لي.\nوفي رواية نحوه (١)، وفيه قال: فألقى عليِّ رداءه ثم اضطع عليه، وقال: أنا أبو\n_________\n(١) فانتحاه: أي: عرض له.\nالنعاسة: البخل، أي: بخلا منك علينا.\nما تُصرران؟ أي: ما جمعتما في صدوركما وعزمتما على إظهاره: وكل شيء جمعته، فقد صررته.\nفتواكلنا الكلام: التواكل: أن يكل كل واحد أمره إلى صاحبه، ويتكل فيه عليه، يريد أن يبتدئ صاحبه بالكلام دونه.\n(١) مسلم (٢/ ٧٥٤) ١٢ - كتاب الزكاة-٥١ - باب ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة.","vol":"3","page":1505},{"text":"حسنٍ القرْمُ والله لا أريم مكاني حتى يرجع إليكما ابناكُما بحَوْر ما بعثتما به إلى رسول الله ﷺ. وقال في الحديث: ثم قال لنا: \"إن هذه الصدقات إنما هي أوساخُ الناس، وإنها لا تحِلُّ لمحمد ولا لآل محمد\" وقال أيضًا: ثم قال رسول الله ﷺ: \"ادعُوا لي محمية بن جزءٍ\" وهو رجل من بني أسدٍ، كان رسول الله استعمله على الأخماس.\nواختصره النسائي (١) قال: إن ربيعة بن الحارث قال لعبد المطلب بن ربيعة وللفضل ابن العباس: ائتيا رسول الله ﷺ، فقولا: استعملنا على الصدقات، فأتى عليُّ بن أبي طالب ونحن على تلك الحال، فقال: إن رسول الله ﷺ لا يستعمل أحدًا منكم على الصدقة، فقال عبد المطلب: فانطلقت أنا والفضل حتى أتينا رسول الله ﷺ، فقال لنا: \"إن هذه الصدقة إنما هي أوساخُ الناس، وإنها لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد\".\nقال النووي في شرح مسلم: قوله \"تُصرِّران\" هكذا هو معظم الأصول في بلادنا، وهو الذي ذكره الهروي والمازري وغيرُهما من أهل الضبط \"تُصرران\" بضم التاء وفتح الصاد المهملة وكسر الراء وبعدها راء أخرى، ومعناه: ما تجمعانه في صدوركما من الكلام، وكل شيء جعتهُ فقد صررتهُ، ووقع في بعض النسخ \"تسرران\" بالسين، من السر، أي: ما تقولانه لي سرًا، وذكر القاضي عياض فيه أربع روايات، هاتان اثنتان، والثالثة \"تصدران\" بإسكان الصاد وبعدها دال مهملة، ومعناها: ماذا ترفعان إليّ؟ قال: وهذه رواية السمرقندي، الرابعة \"تُصوران\" بفتح الصاد وبواو مكسورة، قال: وهكذا ضبطه الحميديُّ، قال القاضي: وروايتُنَا عن أكثر شيوخنا بالسين، واستبعد رواية الدال، والصحيح: ما قدمناه عن معظم نسخ بلادنا، ورجحه أيضًا صاحب المطالع، فقال: الأصوب \"تصرران\" بالصاد والراءين.\nقال النووي في شرح مسلم: بلغنا النكاح: أي الحُلُم، كقوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا\n_________\n(١) القرمُ: السيد، قال الخطابي: وأكثر الروايات \"القوم\" بالواو، ولا معنى له، وإنما هو \"القرمُ\" بالراء، يريد به: المقدم في الرأي والمعرفة بالأمور والتجارب.\nلا أ ﴿يمُ: تقول: لا أريم عن هذا المكان، أي: لا أبرحُ.\nبحور ما بعثتما به: أي بجواب ما تقولانه لرسول الله ﷺ، وأصل الحور: الرجوع.\n(١) النسائي (٥/ ١٠٥) كتاب الزكاة، باب استعمال آل النبي ﷺ الصدقة.","vol":"3","page":1506},{"text":"النِّكَاحَ﴾ (١) قال النووي في شرح مسلم: \"إن هذه الصدقة لا تحل لآل محمد\" دليل على أنها كانت محرمة سواء كانت بسبب العمل أو سبب الفقر والمسكنة، وغيرها من الأسباب الثمانية، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وجوز بعض أصحابنا لبني هاشم ولبني المطلب: العمل عليها بسهم العامل، لأنه إجارة، وهذا ضعيف، أو باطل، وهذا الحديث صريح في رده، وقوله: \"إنما هي أوساخُ الناس\" تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب، وأنه لكرامتهم وتنزيهم من الأوساخ. ومعنى \"أوساخ الناس\" أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢) فهي كغسالة الأوساخ.\nقال النووي في شرح مسلم: وقوله: \"أنا أبو الحسن القرم\" وهو بتنوين \"حسن\" وأما القرم: فيفتح القاف وبالراء الساكنة، مرفوع، وهو السيد، وأصله: فحْل الإبل، وقال الخطابي معناه: المقدم في المعرفة بالأمور والرأي، كالفحل، هذا أصح الأوجه في ضبطه، وهو المعروف في نسخ بلادنا، والثاني: حكاه القاضي \"أبو الحسن القوم\" بالواو، بإضافة \"حسن\" إلى \"القوم\" ومعناه: عالم القوم وذو رأيهم، والثالث حكاه القاضي أيضًا \"أبو حسن\" بالتنوين، و\"القوم\" بالواو، مرفوع، أي: أنا من علمتم رأيه، أيها القوم، وهذا ضعيف، لأن حرف النداء لا يحذف في نداء القوم ونحوه.\nقال النووي في شرح مسلم: \"وهو رجل من بني أسد\" كذا وقع، والمحفوظ: أنه من بني زبيد لا من بني أسد.\nقال النووي في شرح مسلم \"أصدق عنهما من الخمس\" يحتمل أن يريد: من سهم ذوي القربى، ويحتمل أن يريد: من سهم النبي ﷺ من الخمس.\n* * *\n_________\n(١) النساء: ٦.\n(٢) التوبة: ١٠٣.","vol":"3","page":1507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>تصويبات وتوصيات</span>\nهذه نماذج على دائرة من دوائر الشرف التي أحاطت برسول الله ﷺ وهي دائرة آل بيت، وقد رأيت من خلال سيرهم صراحة ووضوحًا، فإذا آمن أحدكم أعطى الإيمان حقه وإلا كان شديدًا فيما يعتقد، وقد رأيت في كلِّ ما مر اجتماع السمت والهدى ونبل الرأي والاستيعاب وحسن الخلق والقيام بالحقوق والواجبات، والشفاعة بالخير، والجرأة على إنكار المنكر وعلى قول الحق، فلا عجب بعد ذلك أن نرى دائمًا على منابر الهدى والتجريد أو في ميادين الإصلاح والإنكار رجالًا من آل بيت رسول الله ﷺ، كما أنه لا عجب أن نرى المحاولات التي لا تنقطع من آل بيت رسول الله ﷺ لإقامة حكم إسلامي راشد، وما أكثر ما أقاموا دولًا على هدى ورشاد.\nأما الذين ادعوا التشيع وانحرفوا عن هديهم بانحرافهم عن الكتاب والسنة فهؤلاء ليسوا من آل البيت في شيء، وعلى كل الأحوال فأدبنا مع آل بيت رسول الله ﷺ الاحترام والتوقير والإجلال والمناصحة بالحق وإخلاص النصيحة.\n* * *","vol":"3","page":1508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>فصل\nفي\nأصحابه\n﵊</span>","vol":"3","page":1509},{"text":"الحديث عن أصحابه ﵊ لا ينفصل عن الحديث عنه، ولذلك فقد رأينا أن نعقد هذا الفصل وأن نذكر وصولًا متعددة فيه، واخترنا أن تكون هذه الوصول متكاملة، يجتمع فيها جلاء الصورة، وتصحيح العقيدة، وتعميق القدوة، وتوضيح جوانب من الهداية، واخترنا أن ندخل في هذا الفصل ما هو أشد لصوقًا بأبحاث السيرة فمن فاته حديث فليبحث عنه في بقية أقسام الكتاب حيث الموضوع الأشد لصوقًا به.\nلقد حمل أصحاب الإسلام في حياته وبعد وفاته ﵊، وكان أزواجه هم نافذته على مجتمع النساء، وقدم آل بيته أعظم التضحيات في حياته، وشاركوا في حمل الراية بعد ذلك وقدم بعضهم حياته ثمنًا لتصحيح أوضاع - وقد مر معنا شيء من ذلك - ولقد كان خلفاؤه الراشدون استمرارًا له عليه الصلاة والسالم في جانب الإمامة والسلطان، وكان أصحابه استمرارًا له في باب الدعوة والقدوة، وهذا يقتضي كلامًا عنهم، فإذا دخل بعضهم في دائرة آل البيت وخصصناه بكلام فيما مر فلابد من حديث آخر عن آخرين، فالكلام عن أصحابه ﵊ بشكل عام جزء من الكلام عن سيرته:\n* فهم يمثلون الجانب الثاني في السيرة فإذا كان رسول الله ﷺ هو القائد فهم الجند، وهم من هذه الحيثية يمثلون القدوة لمن ابتلاهم الله بالجندية وهم الأكثرية من هذه الأمة.\n* ولأن الحديث عنهم في حياته ﵊ جزء من الحديث عن سيرته فالحديث عن الكل يشكل السيرة النبوية.\n* ولأنهم بعد وفاته ﵊ يشكلون القدوة العليا للأمة الإسلامية، فالله ﷿ يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١).\nنفهم من هذه الآية أن السابقين من المهاجرين والأنصار قدوة الخلقِ في الحق.\n* ولأن مذهب الصحابي عند بعضهم يعتبر حجة شرعية على خلاف بين العلماء في حدود\n_________\n(١) التوبة: ١٠٠.","vol":"3","page":1511},{"text":"هذه الحجية، وبعض أقوال الصحابة لها حكم الأحاديث المرفوعة، ولذلك كان الحديث عنهم له أهمية خاصة.\n* ثم إن الله ﷿ ورسوله ﵊ جعلا للصحبة فضلًا لا يلحقه فضل، وجعلا لجيل الصحابة شأوًا لا يلحقه شأو، إلا ما كان للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فكان لابد من إبراز هذا الفضل من خلال القصص والتعليل.\n* ولقد خالف ناس في الصحابة وفرقوا بينهم، ولقد اختلف الصحابة أنفسهم اختلافات فقهية واختلفات سياسية وعسكرية، فأين هذا من قضية القدوة، وما تعليل ذلك وما تحليله وما تأثيره على حاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها.\nكل ذلك جعلنا نذكر هذا الفصل في قسم السيرة، وهناك شيء آخر:\n* يذكر الإنجيل الحالي على لسان المسيح ﵇ كيفية التعرف على الأنبياء الكبة فيقول: (من ثمارهم تعرفونهم). فثمار النبي الكاذب تعرف عليه، وكذلك ثمار النبي الصادق تعرف عليه والله ﷿ يقول: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (١).\nولقد كانت ثمار محمد رسول الله ﷺ من الطيب والكمال والنضج بحيث تكفي وحدها شهادة على أنه رسول الله، ومن ثماره ﵊ أصحابه، وقد ضرب الله لهم مثلًا في التوراة ومثلًا في الإنجيل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ (٢) فهم كثيرو العبادة لله وتلك ثمرة من ثمرات النبوة ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (٣) فهذا مثلهم في الإنجيل، جيل يقوى وينتشر، وهاهم عليهم رضوان الله بدأوا ضعافًا، ثم قووا ثم انساحوا في البلاد ناشرين دين الله فعم بهم الخير هذا العالم. هذه الثمار الطيبة لابد من الحديث عنها، وهذا الأريج العطر لابد من نشره.\n_________\n(١) الأعراف: ٥٨.\n(٢) الفتح: ٢٩.\n(٣) الفتح: ٢٩.","vol":"3","page":1512},{"text":"وقد وردت نصوص كثيرة في بعضهم كما وردت روايات كثيرة في شأنهم. ونحن في هذا الفصل سننقل من الروايات ماله علاقة مباشرة في موضوع كتابنا وما هو ألصق بقسم السيرة، كما أننا سنترجم لنماذج منهم فقط، إذ الإحاطة مستحيلة وتخرج هذا الكتاب عن مضمونه.\nوخير أصحابه الخلفاء الراشدون الأربعة، وإذ كان لهم وضع خاص ولتصرفاتهم وزنها التشريعي فسنخصهم بفصل مستقل، وهكذا فإننا سنعقد في هذا الفصل ثلاثة وصول:\nالوصل الأول: فيما ورد في فضل الصحابة.\nالوصل الثاني: في الخلفاء الراشدين.\nالوصل الثالث: في نماذج من الأصحاب.\n* * *","vol":"3","page":1513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>الوصل الأول\nفيما ورد في فضل الصحابة أو في بعضهم\nإجمالا وتفصيلًا</span>","vol":"3","page":1515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>تمهيد:</span>\nقدم الإمام النووي لكتاب فضائل الصحابة فقال:\nقال الإمام أبو عبد الله المازري: اختلف الناس في تفضيل بعض الصحابة على بعض، فقالت طائفة: لا نفاضل بل نمسك عن ذلك، وقال الجمهور: بالتفضيل، ثم اختلفوا فقال أهل السنة: أفضلهم أبو بكر الصديق، وقال الخطابية: أفضلهم عمر بن الخطاب، وقالت الراوندية: ألإضلهم العباس، وقالت الشيعة: عليٍّ، واتفق أهل السنة على أن أفضلهم: أبو بكر ثم عمر قال جمهورهم: ثم عثمان ثم عليٍّ، وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم عليٍّ على عثمان، والصحيح المشهور تقديم عثمان.\nقال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة الرضوان وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون وهم من صلى إلى القبلتين في قول ابن المسيب وطائفة، وفي قول الشعبي: أهل بيعة الرضوان، وفي قول عطاء ومحمد بن كعب: أهل بدر.\nقال القاضي عياض: وذهبت طائفة منهم ابن عبد البر إلى أن من تُوفي من الصحابة في حياة النبي ﷺ أفضلُ ممن بقي بعده، وهذا الإطلاق غير مرضي ولا مقبول.\nواختلف العلماء في أن التفضيل المذكور قطعي أم لا؟ وهل هو في الظاهر والباطن أم في الظاهر خاصة؟ وممن قال بالقطع: أبو الحسن الأشعري قال: وهم في الفضل على ترتيبهم في الإمامة، وممن قال بأنه اجتهادي ظني أبو بكر الباقلاني، وذكر ابن الباقلاني اختلاف العلماء في أن التفضيل هل هو في الظاهر أم في الظاهر والباطن جميعًا، وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة أيتما أفضل؟ وفي عائشة وفاطمة ﵃ أجمعين، وأما عثمان ﵁ فخلافته صحيحة بالإجماع وقتل مظلومًا وقتلته فسقة، لأن موجبات القتل مضبوطة ولم يجر منه ﵁ ما يقتضيه، ولم يشارك في قتله أحد من أصحابه، وإنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل وسفلة الأطراف والأرذال تحزبوا","vol":"3","page":1517},{"text":"وقصدوه من مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم فحصروه حتى قتلوه ﵁، وأما عليٍّ ﵁ فخلافته صحيحة بالإجماع وكان هو الخليفة في وقته لا خلافة لغيره وأما معاوية ﵁ فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء رضي الله نه.\nوأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم عدول ﵃ ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يُخرج شيء من ذلك أحدًا منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم، واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:\nقسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحلُّ لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.\nوقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.\nوقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأن الحق معه لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه، فكلهم معذورون ﵃، ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتدُّ به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم ﵃ أجمعين. أهـ.\n١٤٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن عمران بن حُصين ﵁ أن النبي ﷺ قال (١):\n_________\n١٤٤٣ - البخاري (٧/ ٣) ٦٢ - كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ١ - باب فضائل أصحاب النبي ﷺ ...\nومسلم (٤/ ١٤٦٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٥٢ - باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. =","vol":"3","page":1518},{"text":"\"خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\"- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه: قرنين أو ثلاثة؟ - \"ثم إن بعدهم قومًا يشهدون ولا يُسْتَشْهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السمنُ\".\nزاد في رواية (١): \"ويحلفون ولا يُستحلفون\".\nوللترمذي (٢) أيضًا قال: \"خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي من بعدهم قوم يتسمنُون، ويُحبون السمن، يُعطون الشهادة قبل أن يُسألوها\".\nوفي رواية أبي داود (٣) قال: \"خيرُ أمتي القرنُ الذي بُعثتُ فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\"- والله أعلم: أذكر الثالث، أم لا؟ - \"ثم يظهر قوم يشهدون ولا يُستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون ويفشو فيهم السمنُ\".\n١٤٤٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﵌ من مكة إلى المدينة.\n١٤٤٥ - * روى مسلم ن عُتبة بن غزوان رضي الهل عنه قال: لقد رأيتني سابع سبعةٍ\n_________\n= القرنُ: قد ذُكر، وأراد به أصحابه ﷺ.\nويظهر فيهم السمنُ: يحتمل أنه أراد: أنهم يحبون التوسع في المأكل والمشارب، وهي أسباب السمنن وقيل: المعنى: انهم يريدون الاستكثار من الأموال، ويدعون ما ليس لهم من الشرف، ويفخرون بما ليس فيهم من الخير، كأنه استعار السمن إلى الأحوال عن السمن في الأبدان. فشا: الشيء يفشو: إذا ظهر وانتشر.\n(١) لمسلم في نفس الموضع السابق.\n(٢) الترمذي (٤/ ٥٠٠) ٣٤ - كتاب الفتن -٤٥ - باب ما جاء في القرن الثالث.\n(٣) أبو داود (٤/ ٢١٤) كتاب السنة، باب في فضل أصحاب رسول الله ﷺ\n١٤٤٤ - الحاكم (٢/ ٣٩٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٤) آل عمران: ١١٠.\n١٤٤٥ - مسلم (٤/ ٢٢٧٩) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق، حديث: ١٥. =","vol":"3","page":1519},{"text":"مع رسول الله ﷺ، ما طعامُنا إلا ورقُ الحُبْلَةِ، حتى قرحتْ أشداقُنا.\n١٤٤٦ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: كان عطاءُ البدريين خمسة آلافٍ، خمسة آلافٍ، وقال عمرُ: لأفضلنهُم على من بعدهم.\n١٤٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"يأتي على الناس زمان فيغزو فئامٌ من الناس فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون لهم: نعم، فيفتحُ لهم، ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغز فئام من الناس، فيقالُ: فيكم من صاحب أصحاب رسل الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتحُ لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم\".\nوفي رواية (١) بنحوه وزاد: \"ثم يكونُ البعثُ الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى من رأى أحدًا رأى أصحاب النبي ﷺ؟ فيوجد الرجلُ فيفتح لهم به\".\n١٤٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد، فقال النبي ﷺ: \"لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفهُ\".\n١٤٤٩ - * روى مسلم عن عروة قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي أمروا أن\n_________\n= الحُبلة: شجر السمر، وقيل: هو ثمرة تشبه اللوبيانز\nقرحت أشداقنا، أي: طلعت فيها القروح كالجراح ونحوها.\n١٤٤٦ - البخاري (٧/ ٣٢٣) ٦٣ - كتاب المغازي- باب: ١٢.\n١٤٤٧ - البخاري (٧/ ٢) ٦٢ - كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ١ - باب فضائل أصحاب النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ١٩٦٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٥٣ - باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.\n(١) لمسلم في نفس الموضع السابق.\n١٤٤٨ - البخاري (٧/ ٣١) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٥ - باب قول النبي \"لو كنت متخذًا خليلًا\".\nومسلم (٤/ ١٩٦٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٥٤ - باب تحريم سب الصحابة.\n١٤٤٩ - مسلم (٤/ ٢٣١٧) ٥٤ - كتاب التفسير، حديث: ١٥.","vol":"3","page":1520},{"text":"يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ فسبوهم.\n١٤٥٠ - * روى مسلم عن أبي موسى قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ. ثم قُلنا: لو جلسنا حتى نُصلي معه العشاء! قال: فجلسنا. فخرج علينا. فقال: \"ما زلتُمْ ههنا؟ \" قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب. ثم قلنا: نجلسُ حتى نصلي معك العشاء. قال: \"أحسنتُمْ أو أصبتُمْ\" قال: فرفع رأسهُ إلى السماء وكان كثيرًا مما يرفعُ رأسه إلى السماء. فقال: \"النجُومُ أمنةٌ للسماء. فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما تُوعَدُ وأنا أمنةٌ لأصحابي. فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعدون. وأصحابي أمنةٌ لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعدون\".\n١٤٥١ - * روى أحمد وأبو داود عن رياح بن الحارث، قال: كنت قاعدًا عند فلان في مسجد الكوفة وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس بن علقمة فاستقبله فسبَّ وسبَّ، فقال سعيد: من يسبُّ هذا الرجل؟ قال: يسبُّ عليًا، قال: ألا أرى أصحاب رسول الله ﷺ يُسَبُّون عندك ثم لا تنكر ولا تغير، وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول وإني لغنيٌّ أن أقول عليه ما لم يقل فيسألني عنه غدًا إذا لقيته: \"أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وعثمان في الجنة، وعليٌّ في الجنة، وطلحةُ في الجنة، والزبير ابن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة\" ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد، ثم قال: لمشهَدُ رجلٍ منهم مع رسول الله ﷺ يغبرُّ فيه وجهه خيرٌ من عمل أحدكم عمره ولو عَمِّر عُمْرَ نوح.\nوفي رواية (١) فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدُك الله يا أبا\n_________\n١٤٥٠ - مسلم (٤/ ١٩٦١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٥١ - باب بيان أن بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه ...\n١٤٥١ - أحمد في مسنده (١/ ١٨٧).\nوأبو داود (٤/ ٢١٢) كتاب السنة، باب في الخلفاء.\n(١) للترمذي (٥/ ٦٤٨) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٦ - باب مناقب عبد الرحمن بن عوف.","vol":"3","page":1521},{"text":"الأعورِ، من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله، أبو الأعور في الجنة.\n١٤٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى أنه توضأ في بيته ثم خرج فقال، لألزمن النبي ﷺ ولأكونن معه يومي هذا، فجاء المسجد فسأل عنه، فقالوا خرج وجه ههنا، قال: فخرجتُ على أثره أسألُ عنه حتى دخل بئر أريسٍ، فجلستُ عند الباب وبابُها من جريد، حتى قضى ﷺ حاجته، وتوضأ فقمتُ إليه، فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسط قُفًَّها، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلمتُ عليه ثم انصرفت فجلستُ عند الباب، فقلت: لأكونن بواب النبي ر اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت: من هذا؟ فقال أبو بكر، فقلتُ على رسلك، ثم ذهبتُ فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال \"ائذن له وبشره بالجنة\" فأقبلتُ حتى قلت لأبي بكر ادخل والنبي ﷺ يبشرك بالجنة، فدخل فجلس عن يمين النبي ﷺ معهُ في القُفِّ ودلي رجليه في البئر كما صنع ﷺ وكشف عن ساقيه، ثم رجعتُ فجلستُ وقد تركتُ أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان - يعني أخاه - خيرًا يأت به، فإذا إنسان يحركُ الباب فقلت: من هذا؟ قال: عمر، فقلت: على رسِلك، ثم جئت ﷺ فسلمتُ عليه، وقلت: هذا عمر يستأذن، فقال: \"ائذنْ له وبشره بالجنة\" فجئتُ عمر فقلتُ ادخل ويبشرك بالجنة، فدخل عمر فجلس معه ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر، ثم رجعتُ فجلستُ، فقلت: إن يُرد الله بفلانٍ خيرًا - يعني أخاه - يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلتُ: من هذا؟ فقال عثمان، فقلتُ: على رسلك، وجئت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: \"ائذن له وبشرهُ بالجنة مع بلوى تصيبهُ\" فجئتُ فقلت: (١) ادخل ويبشرُك النبيُّ\n_________\n١٤٥٢ - البخاري (٧/ ٢١) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٥ - باب قول النبي ﷺ \"لو كنت متخذًا خليلًا\".\nومسلم (٤/ ١٨٦٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣ - باب من فضائل عثمان بن عفان.\nوجه: المشهور بتشديد الجيم وضبطه بعضهم بإسكانها، وحكى القاضي الوجهين ونقل الأول عن الجمهور ورجح الثاني لوجود خرج أي قصد هذه الجهة.\nجريد: جمع جريدة وهي سعف النخل.\nقُفها: القف: ما ارتفع من متن الأرض. وهنا جدار مبني مرتفع حول البئر كالدكتة يتمكن الجالس عليه من الجلوس.\nعلى رسلك: على هينتك وتأنيك.","vol":"3","page":1522},{"text":"ﷺ بالجنة مع بلى تصيبُك، فدخل فوجد القُفَّ قد ملئ فجلس وجاههم من الشق الآخر. قال ابن المسيب فأولتُ ذلك قبورهم اجتمعت ههنا وانفرد عثمان عنهم.\nوفي رواية (١): وقلت لأكونن اليوم بواب النبي ﷺ ولم يأمرني.\nوفي أخرى (٢): أنه ﷺ دخل حائطًا وأمرني بحفظ باب الحائط بنحوه وفيه أن عثمان قال حين بشره: اللهم صبرًا، والله المستعان. وفيه أن كل واحد منهم قال حين بشره: الحمد لله، وأنه ﷺ لما دخل عثمان غطى ركبتيه.\nمن فوائد الحديث:\n* في الحديث بيان فضل هؤلاء الثلاثة وأنهم من أهل الجنة.\n* جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليه فتنة الإعجاب.\n* وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ لإخباره بقصة عثمان والبلوى التي سوف تصيبه وأن الثلاثة سيموتون على الإيمان والهدى.\n١٤٥٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان على حراءٍ هو وأبو بكرٍ وعثمان وعلي وطلحةُ والزبير فتحركت الصخرةُ، فقال ﷺ: \"اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديقٌ أو شهيد\".\nوفي رواية (٣): وسعد بن أبي وقاص.\n١٤٥٤ - * روى البخاري عن أنس أن النبي ﷺ صعد أُحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم الجبلُ، فقال: \"اسكن أُحد - أراه ضربه برجله - فإنما عليك نبي وصديقٌ وشهيدان\".\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٤٨) ٩٢ - كتاب الفتن -١٧ - باب الفتنة التي كموج البحر.\n(٢) مسلم (٤/ ١٨٦٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣ - باب من فضائل عثمان بن عفان.\n١٤٥٣ - مسلم (٤/ ١٨٨٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب من فضائل طلحة والزبير.\n(٣) لمسلم في نفس الموضع السابق.\n١٤٥٤ - البخاري (٧/ ٥٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٧ - باب مناقب عثمان بن عفان.","vol":"3","page":1523},{"text":"١٤٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: \"استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبي، ومُعاذ بن جبل\".\n١٤٥٦ - * روى الترمذي عن يزيد بن عميرة قال: لما حضر مُعاذ بن جبل الموتُ قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا، قال: أجلسوني، فقال: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث مرات، والتمسوا العلم عند أربعة رهطٍ، عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إنه عاشرُ عشرةٍ في الجنة\".\n١٤٥٧ - * روى الترمذي عن خيثمة بن أبي سبرة: أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا، فيسر لي أبا هريرة فجلست إليه، فقلت له: إني سألت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فوفقت لي، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفةِ جئت ألتمسُ الخير وأطلبهُ، قال: أليس فيكم سعدُ بن مالك مجابُ الدعوة، وابن مسعود صاحبُ طهور النبي ﷺ وبغلته وُحذيفةُ صاحب رسول الله ﷺ وعمارٌ الذي أجار هالله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ، وسلمان صاحب الكتابين؟ قال قتادة: والكتابان الإنجيل والقرآن.\n١٤٥٨ - * روى الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود\" (١).\n_________\n١٤٥٥ - البخاري (٧/ ١٢٥) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٤ - باب مناقب معاذ بن جبل.\nومسلم (٤ م ١٩١٣) ٤٤ - كتاب فضائل اصحابة ٣٢ - باب من فضائل عبد الله بن مسعود.\n١٤٥٦ - الترمذي (٥/ ٦٧١) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣٧ - باب مناقب عبد الله بن سلام، وقال: هذا حديث صحيح غريب.\n١٤٥٧ - الترمذي (٥/ ٦٧٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n١٤٥٨ - الترمذي (٥/ ٦٧٢) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"3","page":1524},{"text":"١٤٥٩ - * روى البخاري ومسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيتني أدخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعتُ خشفة، فقلتُ: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيتُ قصرًا بفنائه جاريةً فقلت: لمن هذا؟ فقال لعمر: فأردتُ أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك\" فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله. أعليك أغار؟ \".\n١٤٦٠ - * روى الترمذي عن أسامةق ال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ جاء علي والعباس يستأذنان فقالا: يا أسامة استأذن لنا على النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله عليٌّ والعباسُ يستأذنان، قال: \"أتدري ما جاء بهما؟ \" قلت: لا، قال: لكن أدري\" فأذن لهما، فدخلا، فقالا: يا رسول الله إنا جئناك نسألك أيُّ أهلك أحبّ إليك؟ قال \"فاطمة بنت محمد\" قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك، قال: \"أحبُّ أهلي إليَّ من أنعم لاله عليه وأنعمت عليه، أسامة بن يزد\" قالا: ثم من؟ قال: \"ثم عليُّ بن أبي طالب\" فقال العباس: يا رسول الله جعلت عمك آخرهم؟ قال: \"إن عليًا سبقك بالهجرة\".\n١٤٦١ - * روى البخاري عن ابن عمر قال: كن زمن النبي ﷺ لا نعدلُ بأبي بكر أحدًا ثم عمر، ثم عثمان، ثمن نترك أصحاب النبي ﷺ لا نُفاضِلُ بينهم.\n١٤٦٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"نِعْم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أُسيد بن حُضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماسٍ، نعم الرجل معاذُ بن جبل، نعم الرجل عمرو بن الجموح\" (١).\n_________\n١٤٥٩ - البخاري (٧/ ٤٠) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب. ومسلم (٤/ ١٨٦٢، ١٨٦٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر.\nخشفة: الصوت ليس بالعالي. وقيل: بسكون الشين: الصوت، وبتحريكها: الحركة.\n١٤٦٠ - الترمذي (٥/ ٦٧٨) ٥٠ - كتاب المناقب -٤١ - باب مناقب أسامة بن زيد، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٤٦١ - البخاري (٧/ ٥٤) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٧ - باب مناقب عثمان بن عفان.\n١٤٦٢ - الترمذي (٥/ ٦٦٦، ٦٦٧) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣٣ - باب مناقب معذا بن جبل وزيد بن ثابت وأبي وأبي عبيدة بن الجراح، وقال هذا حديث حسن غريب.","vol":"3","page":1525},{"text":"١٤٦٣ - * روى البخاري عن عمار قال: رأيت النبي ﷺ وما معه إلا خمسةُ أعبدٍ وامرأتان وأبو بكر.\n١٤٦٤ - * روى مسلم عن عائذ بن عمرو: أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفرٍ فقالوا: والله ما أخذت سيوفُ الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: يا أبا بكر \"لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك\" فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي.\n١٤٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى. قال: كنت عند النبي ﷺ. وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة، ومعه بلالٌ، فأتى رسول الله ﷺ رجل أعرابيٌّ. فقال: ألا تُنجز لي يا محمد! ما وعدتني؟ فقال له رسول الله ﷺ: \"أبشر\". فقال له الأعرابي: أكثرت عليِّ من أبشر، فأٌبل رسول الله ﷺ على أبي موسى وبلال، كهيئة الغضبان. فقال: \"إن هذا قد رد البُشرى. فاقبلا أنتما\" فقالا: قبلنا يا رسول الله! ثم دعا رسول الله ﷺ بقدحٍ فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه، ومجِّ فيه. ثم قال: \"اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما. وأبشرا\" فأخذا القدح. ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ. فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكُما مما في إنائكما، فأفضلا لها منهُ طائفةً.\n١٤٦٦ - * روى البخاري عن أنس أن رسجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ في ليلةٍ مظلمة ومعهما مثلُ المصباحين يضيئان بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحدٌ حتى أتى أهله (١).\n_________\n١٤٦٣ - البخاري (٧/ ١٨) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٥ - باب قول النبي صلى الله علي هوسلم: \"لو كنت متخذًا خليلًا\".\n١٤٦٤ - مسلم (٤/ ١٩٤٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤٣ - باب من فضائل سلمان وصهيب وبلال.\n١٤٦٥ - البخاري (٨/ ٤٦) ٦٤ - كتاب المغازي -٥٦ - باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، ومسلم (٤/ ١٩٤٣). ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣٨ - باب ومن فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين\n١٤٦٦ - البخاري (١/ ٥٥٧) ٨ - كتاب الصلاة، باب: ٧٦.","vol":"3","page":1526},{"text":"وفي رواية (١): كان أُسيدُ بن حُضير وعبادُ بن بشر عند النبي ﷺ فخرجا في ليلة مظلمة. بنحوه.\n١٤٦٧ - * روى البخار يعن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال: لعل ذلك يسوؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك. ثم سأله عن عليِّ، فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك، بيتهُ أوسطُ بيوت النبي ﷺ. ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد على جهدك.\nأقول: يبدو أن الرجل من الخوارج وكانوا يسبون عثمان وعليًا.\n١٤٦٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال: \"بين رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلقْ هذا، إنما خُلقنا للحرث\" فقال الناس: سبحان الله، بقرة تكلمُ؟ فقال: \"فإني أومِنُ بهذا أنا وأبو بكر وعمر\" وما هما ثم \"وبينما رجلٌ في غنمه إذ عدا الذئبُ فذهب منها بشاة فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني، فمن لها يوم السبُع، يوم لا راعي لها غيري؟ \" فقال الناس: سبحان الله، ذئبٌ يتكلم، قال: \"فني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمرُ\" وما هما ثَّم.\nقوله: (قال الذئب من لها يوم السبع يوم لا راع لها غيري) ذكر النووي عددًا من الأقوال في تفسيرها ثم قال: والأصحُ أنها عند الفتن حين تتركها الناسُ هملًا لا راعي لها نُهبةً للسباع، فجعل السبع لها راعيًا أي منفردًا بها وتكون بضم الباء، والله أعلم أهـ.\n_________\n(١) البخاري (٧/ ١٢٥) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٣ - باب منقبة أسيد بن حضير وعياد بن بشر ﵄.\n١٤٦٧ - البخاري (٧/ ٧٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٩ - باب مناقب علي بن أبي طالب.\n١٤٦٨ - البخاري (٦/ ٥١٢) ٦٠ - كتاب الأنبياء، باب: ٥٤.\nومسلم (٤/ ١٨٥٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١ - باب من فضائل أبي بكر. ما هما ثم: أي وهما غئبان.","vol":"3","page":1527},{"text":"أقول: هذا من تأديبه ﵊ المسلم على قبوله فكرة الخارقة إذا تعلقت مشيئة الله بها، والعبرة في هذه الأمور لصدق النقلة وعدالتهم وضبطهم فإذا جاءتنا الخارقة عن أمثال هؤلاء وصح السند واتصل وليس فيه علة قادحة فالأصل هو التسليم، وهذا هو الموقف السليم من الكرامات والمعونات ثم من الخوارق، مع ملاحظة أن الخارقة إذا وقعت فإنها تحتاج إلى تعليل شرعي، فالخوارق التي تظهر على يد الدجال هي من باب الاستدراج والامتحان.\n١٤٦٩ - * روى البخاري عن محمد بن الحنفية قال قلت لأبي: أيُّ الناس خير بعد النبي ﷺ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيتُ أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.\n١٤٧٠ - * روى الطبراني عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"السباقُ أربعةٌ: سابقُ العربِ، وصهيبٌ سابقُ الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة\".\n١٤٧١ - * روى ابن ماجه والحاكم عن ابن مسعود قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله ﷺ، وأبو بكرٍ وعمار وأمه سمية وصهيبُ وبلال والمقدادُ، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهُم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحدٍ إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالًا فإنه هانت عليه نفسه في الله واهن على قومه، فأخذوه وأعطوه الولدان (١)، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة ويقولُ أحدٌ أحد.\n_________\n١٤٦٩ - البخاري (٧/ ٣٠) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٥ - باب قول النبي ﷺ\"لو كنت متخذًا خليلًا\".\n١٤٧٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير عمارة بن زادان وهو ثقة، وفيه خلاف.\n١٤٧١ - ابن ماجه (١/ ٥٣) المقدمة -١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، فضل سلمان وأبي ذر والمقداد. وقال في الزوائد: إسناده ثقات.\nوالحاكم (٣/ ٢٨٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.","vol":"3","page":1528},{"text":"١٤٧٢ - * روى البزار والطبراني عن ابن عمر قال: كنا نقول في عهد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان يعني في الخلافة.\n١٤٧٣ - * روى الطبراني عن حذيفة قال: قُبِض رسول الله ﷺ فاستخلف الله أبا بكر ثم قُبض أبو بكر فاستخلف الله عمر ثم قبض عمر فاستخلف الله عثمان.\nأقول: كلمة حذيفة هذه تشير - وهو العارف ببواطن الكثير من الأمور - أن الخلافة في هؤلاء الثلاثة إرادة ربانية ماضية، وكلمته تتضمن أنها إرادةُ رضا.\n١٤٧٤ - * روى أبو داود والترمذي عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال ذات يومٍ: \"من رأى الليلة رؤيا؟ \" فقال رجلٌ: أنا، رأيتُ كأن ميزانًا أُنزل من السماء، فوزنْتَ أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر بعثمان، فرجح عمر، ثم رفع الميزانُ، قال: فرأينا الكراهية في وجه النبي ﷺ.\n١٤٧٥ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله ﵌ فقالوا: سل لنا رسول الله ﵌ إلى من ندفعُ صدقاتنا بعدك؟ قال: فسألته فقال: \"إلى أبي بكر\" فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بأبي بكر حدث فإلى من؟ فأتيته فسألتُه فقال: \"إلى عمر\" فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بعمر حدثٌ فإلى من؟ فأتيته فسألته فقال: \"إلى عثمان\" فأتيتُهم فأخبرتُهم فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بعثمان حدثٌ فإلى من (١)؟\n_________\n١٤٧٢ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٢٢٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٧٧): رواه البزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح.\n١٤٧٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٧٩) وقال: رواه الطبراني في الوسط ورجاله ثقات.\n١٤٧٤ - أبو داود (٤/ ٣٠٨) كتاب السنة، باب في الخلفاء.\nوالترمذي (٤/ ٥٤٠) ٣٥ - كتاب الرؤيا -١٠ - باب ما جاء في رؤيا النبي ﷺ الميزان والدلو. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٤٧٥ - المستدرك (٣/ ٧٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. =","vol":"3","page":1529},{"text":"فأتيته فسألتُه، فقال: \"إن حدث بعثمان حدث فتبًا لكم الدهر تبًا\".\n١٤٧٦ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أله الدرجات العُلى ليراهُم من تحتهم، كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما\".\n١٤٧٧ - * روى أبو داود عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل من أهل عليين ليُشرفُ على أهل الجنة، فتُضيءُ الجنةُ لوجهه، كأنه كوكبٌ دُريٌ\" قال- وهكذا جاء في الحديث \"دُريٌّ\" مرفوع الدال لا يُهمز- \"وإن أبا بكر وعمر لمنهُم، وأنعما\".\n١٤٧٨ - * روى الطبراني عن ابن مسعود أن سعيد بن زيد قال: يا أبا عبد الرحمن قُبض رسول الله ﷺ فأين هو؟ قال: في الجنة، قال: تُوفي أبو بكر فأين هو؟ قال: ذاك الأواهُ عند كل خيرٍ يبتغي، قال: تُوفي عمر فأين هو؟ قال: إذا ذُكر الصالحون فحيهلا بعمر.\n١٤٧٩ - * روى ابن ماجه والحاكم عن ابن أبي مليكة قال: سمعتُ ابن عباس يقول: لما وُضع عمر على سريره اكتنفه الناس يدعون ويصلون أو قال: يثْنُون ويُصلون عليه قبل أن يُرفع وأنا فيهم، فلم يرُعْني إلا رجلٌ قد زحمني وأخذ بمنكبي فالتفتُّ فإذا عليُّ ابن أ [ي طالب، فترحم على عمر ثم قال: ما خلفت أحدًا أحبُّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله (١)\n_________\n= فتبًا لكم الدهر تبًا: أي هلاكًا لكم طول الدهر هلاكًا.\n١٤٧٦ - الترمذي (٥/ ٦٠٧) ٥٠ - كتاب المناقب -١٤ - باب مناقب أبي بكر، وقال: هذا حديث حسن روى من غير وجه عن عطية عن أبي سعيد.\n١٤٧٧ - أبو داود (٤/ ٣٤) كتاب الحروف والقراءات.\nالكوكب الدري: هو الكبير المضيء، كأنه نُسب إلى الدر، تشبيهًا بها.\n١٤٧٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٤٧٩ - ابن ماجه (١/ ٣٧) المقدمة-١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ (فضل أبي بكر الصديق).\nوالمستدرك (٣/ ٦٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\nعلى سريره: أي بعد وفاته.\nاكتنفه الناس: أحاطوا به.","vol":"3","page":1530},{"text":"منك، وايم الله إنْ كنتُ لأظنُّ ليجعلنك الله ﷿ مع صاحبيك: وذلك أني كنتُ أكثر أن أسمع رسول الله ﷺ يقول: ذهبتُ أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فكنتُ أظن ليجعلنك الله مع صاحبيك.\n١٤٨٠ - * روى أحمد عن عبد خير قال: قام علي بن أبي طالب ﵁ على المنبر فذكر رسول الله ﷺ فقال: قُبض رسول الله ﷺ واستُخلف أبو بكر فعمل بعمله وسار بسيرته حتى قبضه على ذلك، ثم استُخلف عمر فعمل بعملهما وسار بسيرتهما حتى قبضه الله على ذلك.\n١٤٨١ - * روى أحمد والطبراني عن علي قال: سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنه أو أصابتنا فتنة يعفوا الل عمن يشاء، رواه أحمد، وقال ثم خبطتنا فتنة، يريد أن يتواضع بذلك.\n١٤٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلوٌ، فنزعتُ منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنُوبًا أو ذَنُوبين، وفي نزعِه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالتْ غربًا، فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزعُ نزع عمر بن الخطاب حتى ضرب الناسُ بعطنٍ\" (١).\n_________\n١٤٨٠ - رواه الإمام أحمد في مسنده، ورجاله ثقات.\n١٤٨١ - أحمد في مسنده (١/ ١١٢) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات.\n١٤٨٢ - البخاري (١٢/ ٤١٤) ٩١ - كتاب التعبير -٢٩ - باب نزع الذنوب والذنوبين من البار بضعف.\nومسلم (٤/ ١٨٦٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر.\nالقليب: البئر إذا لم تك مطوية.\nنزعتُ: الدلو من البئر: إذا جذبتها واستقيت الماء بها.\nالذنوب: بفتح الذال: الدلو العظيمة.\nالغرب: الدلو العظيمة.\nالعبقري: الرجل القوي الشديد، وفلان عبقري القوم، أي: سيدهم وكبيرهم.\nالعطن: الموضع الذي تُناخ فيه الإبل إذا رويت، يقال: عطنت الإبل، فهي عاطنة، وعواطن: إذا شربت فبركت عند الحوض لتعاد إلى الشرب مرة أخرى، وأعطنتُها أنا، والمراد بقوله: \"حتى ضرب الناسُ بعطن\" حتى رَووا وأرووا إبلهم، فأبركوها وضربوا لها عطنًا.","vol":"3","page":1531},{"text":"وللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: \"بينما أنا نائم رأيتُ أني على حوضي أسقي الناس، فأتاني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليُريحني، فنزع ذنوبين، وفي نزعه ضعفٌ، والله يغفر له، فأتى ابن الخطاب، فأخذه منه، فلم يزل ينزعُ حتى تولى الناس والحوض يتفجر\"؟\nوفي أخرى (٢) لمسلم: قال: \"بينا أنا نائم أريت أني أنزعُ على حوضي أسقي الناس، فجاءني أبو بكر، فأخذ الدلو من يدي ليُروِّحني، فنزع دلوين، وفي نزعه ضعفٌ، والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب فأخذ منه، فلم أر نزع رلٍ قط أقوى حتى تولى الناس والحوض ملآنُ يتفجر\".\n١٤٨٣ - * روى الطبراني عن عائشة قالت قُبض رسول الله ﷺ فارتدتِ العربُ واشرأبَّ النفاق فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها قالت فما اختلفوا في نقطةٍ إلا طار أبي بحطها وسنائها، ثم ذكرت عمر بن الخطاب فقالت: كان والله أحوذيًا نسيج وحده قدْ أعدَّ للأمور أقرانها.\nقال الرياشيُّ يُقال للرجل البارع الذي لا يشبه به أحدٌ نسيجُ وحدِهُ.\n١٤٨٤ - * روى الحاكم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مشيتُ مع النبي صلى الله عليه وآله وسلمإلى امرأةٍ فذبحت لنا شاة، فقال رسول الله ﵌ \"ليدخلن رجلٌ من أهل الجنة\" فدخل أبو بكر ﵁. ثم قال: \"ليدخلنَّ رجلٌ من أهل الجنة\" فدخل عمر ﵁ ثم قال: \"ليدخلنَّ رجلٌ من أهل الجنة اللهم إن شئت فاجعله عليًا\" قال: فدخل علي بن أبي طالب ﵁.\n_________\n(١) البخاري (١٢/ ٤١٥) ٩١ - كتاب التعبير -٣٠ - باب الاستراحة في المنام.\n(٢) مسلم (٤/ ١٨٦١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣ - باب من فضائل عمر.\n١٤٨٣ - أورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٥٠) وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط من طرق ورجال أحدهما ثقات.\nهاضها: هاض العظم هيضًا: كسره بعد ما كاد ينجبر.\nأحوذيًا: المشمر في الأمور القاهر لها لا يشذ عليه منها شيء. والسريع في كل ما أخذ فيه. والعالم بالأمر.\nفسيجُ وحده: وحده بكسر الدال ونسيج وحده إحدى ثلاث كلمات استثنتها العرب لا تنصب فيها وحده.\n١٤٨٤ - المستدرك (٣/ ١٣٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":1532},{"text":"١٤٨٥ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن علي قال: يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: \"إن تُؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة وإنْ تؤمروا عمر تجدوهُ قويًا أمينًا لا تأخذُه في الله لومة لائم. وإن تؤمروا عليًا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًا يأخذُ بكم الطريق المستقيم\".\nقوله: \"ولا أراكم فاعلين\" أي أن تؤمروا عليًا بعد عمر، وليس ذلك مطعنًا في تأمير عثمان، بل هو إشارة إلى أن الأمر يكون أكثر استقامة، وقد تبين سر الحديث فيما بعد إذ حدثت الفتنة الكبرى في زمن عثمان والتي لا زال المسلمون يعانون من آثارها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>عطف: في المهاجرين والأنصار</span>\n١٤٨٦ - * روى أحمد والطبراني والحاكم عن جرير قال: قال النبي ﷺ: \"المُهاجرون والأنصارُ بعضهمْ أولياءُ بعضٍ في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش والعُتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة\".\n١٤٨٧ - * روى البخاري عن غيلان بن جرير قال قلتُ لأنسٍ: أرأيت اسم الأنصار كنتم تُسمون به أم سماكم الله تعالى؟ قال: بل سمانا الله، وكنا ندخلُ على أنسٍ فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم، ويُقبلُ عليِّ أو على رجلٍ من الأزد فيقول: فعل قومُك يوم كذا وكذا كذا وكذا (١).\n(فعل قومك يوم كذا وكذا كذا وكذا) أي يجلي ما كان من مآثرهم في المغازي ونصر\n_________\n١٤٨٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٧٦) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار ثقات.\n١٤٨٦ - أحمد في مسنده (٤/ ٣٦٣) والطبراني (٢/ ٣٠٩، ٣١٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥): رواه أحمد والطبراني وأحد أسانيد الطبراني رجاله رجال الصحيح وقد جوده ﵁ فإنه رواه عن الأعمش عن موسى ابن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن هلال العبسي عن جرير على الصواب وقد وقع في المسند عن موسى بن عبد الله بن هلال العبسي عن جرير والله أعلم ورواه الحاكم (٤/ ٨٠ - ٨١) وصححه ووافقه الذهبي.\n١٤٨٧ - البخاري (٧/ ١١٠) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار-١ - باب مناقب الأنصار.","vol":"3","page":1533},{"text":"الإسلام وقومك هم الأنصار - الأوس والخزرج-.\nوالأوس ينسبون إلى أوس بن حارثة، والخزرج ينسبون إلى الخزرج بن حارثة، وهما ابنا قيلة وهو اسم أمهم، وأبوهم هو حارثة بن عمرو بن عامر الذي يجتمع إليه أنساب الأزد.\n١٤٨٨ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ \"الأنصار لا يُحبهم إلا مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافقُ، فمن أحبهم أحبهم الله، ومن أبغضهم أبغضه الله\".\n١٤٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"آية الإيمان حبُّ الأنصار، وآية المنافق بغضُ الأنصار\".\n١٤٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: رأى النبي ﷺ النساء والصبيان مقبلين - قال: حسبتُ أنه قال من عُرس - فقام النبي ﷺ ممثلًا فقال: \"اللهم أنتم من أحب الناس إليَّ\" قالها ثلاث مرارٍ يعني الأنصار.\n١٤٩١ - * روى البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: \"اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار\" زاد الترمذي (١): \"ولنساء الأنصار\".\nولمسلم (٢) عن أنس: \"ولموالي الأنصار\".\n_________\n١٤٨٨ - البخاري (٧/ ١١٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار-٤ - باب حب الأنصار من الإيمان.\nومسلم (١/ ٨٥) ١ - كتاب الإيمان وعلاماته -٣٣ - باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان.\n١٤٨٩ - البخاري ومسلم في الموضعين السابقين.\nفقام ممثلًا: أي انتصب قائمًا.\n١٤٩٠ - البخاري (٧/ ١١٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار-٥ - باب قول النبي للأنصار أنتم أحب الناس إلي.\nومسلم (٤/ ١٩٤٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤٣ - باب من فضائل الأنصار.\n١٤٩١ - البخاري (٨/ ٦٥٠) ٦٥ - كتاب التفسير -٦٣ - سورة المنافقين -٦ - باب قول: (هم الذي يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الهل حتى ينفضوا).\nومسلم (٤/ ١٩٤٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٤٣ - باب من فضائل الأنصار.\n(١) الترمذي (٥/ ٧١٢) ٥٠ - كتاب المناقب -٦٦ - باب في فضل الأنصار وقريش، وقال: هذا حديث صحيح.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.","vol":"3","page":1534},{"text":"١٤٩٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أوصيكم بالأنصار فإنهم كَرِي وعيبتي، قد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم\".\n١٤٩٣ - * روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: قالت الأنصارُ يا نبي الله: لكل نبي أتباعُ وإنا قد اتبعناك فادعُ الله أن يجعل أتباعنا منا. فدعا به.\n١٤٩٤ - * روى البخاري عن أنس قال: دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يُقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تُقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها. قال: \"إما لا فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيُصيبكم بعدي أثرة\".\nوفي رواية (١): \"حتى تلقوني على الحوض\".\n١٤٩٥ - * روى البخاري عن قتادة قال: ما نعلم حيًا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أغر يوم القيامة من الأنصار. قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحدٍ سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون. قال: وكان بئر معونة على عهد رسول الله ﷺ ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مُسيلمة الكذاب.\n١٤٩٦ - * روى البخاري عن أبي أُسيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"خيرُ دُور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو\n_________\n١٤٩٢ - البخاري (٧/ ١٢١) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١١ - باب قول النبي ﷺ \"اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن سيئهم\".\nومسلم (٤/ ١٩٤٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤٣ - باب من فضائل الأنصار.\nكرشي وعيبتي: أي خاصتي وموضع سري.\n١٤٩٣ - البخاري (٧/ ١١٤) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٦ - باب أتباع الأنصار.\n١٤٩٤ - البخاري (٧/ ١١٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٨ - باب قول النبي ﷺ للأنصار \"اصبروا حتى تلقوني على الحوض\".\n(١) للبخاري في نفس الموضع السابق.\n١٤٩٥ - البخاري (٧/ ٣٧٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٦ - باب من قتل من المسلمين يوم أحد.\n١٤٩٦ - البخاري (٧/ ١١٥) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٧ - باب فضل دور الأنصار.","vol":"3","page":1535},{"text":"ساعدة، وف يكل دُور الأنصار خير\" فقال سعدٌ: ما أرى النبي ﷺ إلا قد فضلَ علينا، فقيل: قد فضلكم على كثير. وقال عبد الصمد: حدثنا شُعبة حدثنا قتادةُ سمعت أنسًا قال أبو أسيد عن النبي ﷺ بهذا وقال (سعدُ بن عُبادة).\n١٤٩٧ - * روى البخاري عن أبي حميدٍ عن النبي ﷺ قال: \"إن خير دورِ الأنصار دارُ بني النجار، ثم عبد الأشهل، ثم دارُ بني الحارث، ثم بني ساعدة، وفي كل دُور الأنصار خيرٌ\" فلحقنا سعد بن عبادة، فقال أبا أسيد: ألم تر أن نبي الله ﷺ خيرَ الأنصار فجعلنا أخيرًا؟ فأدرك سعد النبي ﷺ فقال: يا رسول الله خُيرَ دورُ الأنصار فجُعلنا آخرًا، فقال: \"أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ \".\nقال ابن حجر:\nوهذا يعارض رواية مسلم: فإن فيها أن سعدًا رجع عن إرادة مخاطبة النبي ﷺ في ذلك لما قال له ابن أخيه، ويمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عن قصد رسول الله ﷺ لذلك خاصة ثم إنه لما لقي رسول الله ﷺ في وقت آخر ذكر له ذلك، أو الذي رجع عنه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار والذي صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة ولهذا قال له ابن أخيه في الأول \"أترد على رسول الله أمره\". قوله: \"من الخيار\" أي الأفاضل لأنهم بالنسبة إلى من دونهم أفضل، وكأن المفاضلة بينهم وقعت بحسب السبق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله، ونحو ذلك أهـ.\n١٤٩٨ - * روى ابن ماجه عن أنس أن النبي ﷺ مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوارٍ يضربن بدُفّهنِّ ويتغنين ويقلن:\nنحن جوارٍ من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار\nفقال ﷺ: \"الله يعلم إني لأحبكن\" (١).\n_________\n١٤٩٧ - البخاري في نفس الموضع السابق.\n١٤٩٨ - ابن ماجه (١/ ٦١٢) -٩ - كتاب النكاح -٢١ - باب الغناء والدف.\nقال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1536},{"text":"١٤٩٩ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا إن عيبتي التي آوي إليها: أهل بيتي، وإن كرشي الأنصارُ فاعفوا عن مسيئهم، واقبلوا من محسنهم.\n١٥٠٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ: \"لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شِعْبًا لسلكتُ في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امرءًا من الأنصار\" فقال أبو هريرة: ما ظلم، بأبي وأمي، آووه ونصروه، أوكلمة أخرى.\n١٥٠١ - * روى أحمدعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - وكان أبوه أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه واستغفر للشهداء الذين قُتلوا بأحدٍ ثم قال: \"إنكم يا معشر المهاجرين تزيدون وإن الأنصار لا يزيدون وإن الأنصار عيبتي التي أويتُ إليها أكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم فإنهم قد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم\".\n١٥٠٢ - * روى الطبراني عن أنس بن مالك قال خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: \"ألا إن لكل نبي تركةً وصنيعةً وإن تركتي وصنيعتي الأنصارُ فاحفظوني فيهم\".\n١٥٠٣ - * روى أحمد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: \"لا يُبغضُ الأنصار رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر\" (١).\n_________\n١٤٩٩ - الترمذي (٥/ ٧١٤) -٥ - كتاب المناقب -٦٦ - باب في فضل النصار وقريش وقال: هذا حديث حسن.\n١٥٠٠ - البخاري (٧/ ١١٢) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار-٢ - باب قول النبي ﷺ \"لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار\".\n١٥٠١ - أحمد في مسنده (٥/ ٢٢٤).\nوقال الهيثمي في مجمع الوائد (١٠/ ٣٥): رجاله رجال الصحيح.\n١٥٠٢ - قال الهيثمي في مجمع الوائد (١٠/ ٣٢): رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد.\n١٥٠٣ - أحمد في مسنده (٣/ ٤٥، ٩٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩) رواه أحمد بأسانيد ورجال أكثرها رجال الصحيح.","vol":"3","page":1537},{"text":"١٥٠٤ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن محمد ومحمود ابني جابر بن عبد الله قالا: خرجنا يوم دخل حسنُ بن دلجة المدينة بعد الحَرَّةِ بعامٍ، فدخل المدينة حتى ظهر المنبر ففزع الناس فخرجنا بجابرٍ في الحرة وقد ذهب بصرهُ فنكبه الحجرُ فقال: أخاف الله من أخاف رسول ﷺ فقالها مرتين أو ثلاثًا قبل أن نسأله فقلنا: يا أبتاه ومنْ أخاف رسول الله ﷺ. فقال: أشهدُ لسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"من أخاف الأنصار فقد أخاف ما بين هذين\" وفي رواية ووضع يديه على جنبيه.\n١٥٠٥ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن أنس بن مالك قال: شق على الأنصار النواضحُ، فاجتمعوا عند النبي ﷺ يسئلُونه أن يكري لهم نهرًا سحا، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"مرحبًا بالأنصار، مرحبًا بالأنصار، مرحبًا بالأنصار، لا تسئلوني اليوم شيئًا إلا أعطيتكموه، ولا أسألُ الله لكم شيئًا إلا أعطانيه\" فقال بعضهم لبعض: اغتنموها وسلوه المغفرة، قالوا: يا رسول الله ادعُ لنا بالمغفرة فقال: \"اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار\" وفي رواية: \"ولأزواج الأنصارِ\".\n١٥٠٦ - * روى البزار والطبراني عن ابن عباس قال: عاد رسول الله ﷺ رجلًا من الأنصار، فلما دنا من منزله سمعه يتكلمُ في الداخل فلما استأذن عليه دخل فلم ير أحدًا فقال له رسول الله ﷺ: \"سمعتُك تكلمُ غيرك\" فقال (١): يا رسول الله لقد دخلت الداخل اعتمامًا\n_________\n١٥٠٤ - أحمد في مسنده (٣/ ٢٩٣) والبزار: كشف الأستار (٣/ ٣٠٤).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧) رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وقال: من أخاف الأنصار، ورجال البزار رجال الصحيح غير طالب بن حبيب وهو ثقة، وأحمد بنحوه إلا أنه قال: من أخاف أهل المدينة، ورجال أحمد رجال الصحيح.\nنكبه الحجر: أصابه وأدماه.\n١٥٠٥ - أحمد (٣/ ١٣٩).\nوالبزار (٣/ ٣٠٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠): رواه أحمد والبزار بنحوه وقال: مرحبًا بالأنصار ثلاثًا، والطبراني في الأوسط والصغير والكبير بنحوه، وأحد أسانيد أحمد ورجاله رجال الصحيح.\nالنواضح: إبل السقي.\nيكري لهم نهرا سحًا: أن يدعو الله لهم فيرزقهم نهرًا غزيرًا.\n١٥٠٦ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٣٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١): رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط وأسانيدهم حسنة.","vol":"3","page":1538},{"text":"من كلام الناس مما بي من الحمى فدخل عليِّ رجل ما رأيتُ رجلًا بعدك أكرم مجلسًا ولا أحسن حديثًا منه، قال: \"ذاك جبريلُ وإن منكم لرجالًا لو أن أحدهُم أقسم على الله لأبرَّه\".\n١٥٠٧ - * روى البخاري عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قالت الأنصارُ يا نبي الله، لكل نبي أتباع، وإنا قد اتبعناك، فادعُ الله أن يجعل أتباعنا منا، فدعا به.\nوفي رواية (١): فقال النبي ﷺ: \"اللهم اجعلْ أتباعهم منهم\".\nقال عمرو بن مُرة: فنميْتُ ذلك إلى ابن أبي ليلى، فقال: قد زعم ذلك زيدٌ.\n١٥٠٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن الطُّفيل بن عمرو الدَّوسي أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، هل لك في حصنٍ حصينٍ ومنعةٍ؟ (قال: حصنٌ كان لدوسٍ في الجاهلية)، فبى ذلك النبيُّ ﷺ للذي ذَخَرَ الله للأنصار، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، هاجر إليه الطُّفيلُ بن عمرو، وهاجر معه رجلٌ من قومه، فاجتواُوا المدينة، فمرض فجزع جزعًا شديدًا، فأخذ مشاقِصَ، فقطع بها براجمَهُ، فشخبَتْ يداه حتى مات، فرآه الطفيلُ بن عمرو في منامه في هيئةٍ حسنةٍ، ورآه مُغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك ربُّك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلأى نبيه، فقال: مالي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن نُصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيلُ على رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم وليديه فاغفرْ\".\n_________\n١٥٠٧ - البخاري (٧/ ١١٤) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار-٦ - باب أتباع الأنصار.\nأن يجعل أتباعنا منا: أن يكون لمواليهم ومن انتسب إليهم شرفهم وفضلهم.\nنميت: نميت الحديث أنميه: إذا نقلته وحدثت به.\nزعم: تأتي بلغة أهل الحجاز بمعنى قال ولا يراد بها الطعن.\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق.\n١٥٠٨ - مسلم (١/ ١٠٨) ١ - كتاب الإيمان-٤٩ - باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر.\nفاجتووا: الاجتواء: أن تستوخم المكان ولا يوافقك.\nمشاقص: جمع مشقص، وهو سهم له نصل عريض، وقيل: طويل.\nبراجمه: البراجم: العُقد التي تكون في ظاهر الأصابع، وهي رؤوس السلاميات.\nشخبتْ: تشخب: سالت، بالخاء المعجمة.","vol":"3","page":1539},{"text":"قال النووي: في الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة.\n(هل لك في حصن حصين منعة): أي ألا تهاجر إلى اليمن ديار قبيلتي دوس فنحميك من قومك. وكان الطفيل سيد دوس.\n١٥٠٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: خرج النبي ﷺ وعليه ملحفةً متعطفًا بها على منكبيه، وعليه عصابةٌ دسماءُ، حتى جلس على المنبر، فحمد لله أثنى عليه، ثم قال: \"أما بعدُ، أيها الناسُ، فإن الناس يكثرون، وتقِلُّ الأنصارُ، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولى منكم أمرًا يضُرُّ فيه أحدا أو ينفعه، فليقبلْ من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم\".\nوفي رواية (١) مثله، وفيه: بملحفة وقد عصب رأسه بعصابة دهماء ... وذكره، وقال: \"فمن ولي منكم شيئًا يضرُّ فيه قومًا، وينفعُ فيه آخرين، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم\" فكان آخر مجلس جلس فيه النبي ﷺ.\n١٥١٠ - * روى الترمذي عن أبي بن كعب ﵁ قال. قال رسولُ ﷺ: \"للا الهجرةُ لكنتُ امرءًا من الأنصار\".\nوفي رواية (٢) عن النبي ﷺ: \"لو سلك الناسُ واديًا أو شعبًا لكنتُ مع الأنصار\".\n١٥١١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك. قال: خرجتُ مع جرير بن عبدِ\n_________\n١٥٠٩ - البخاري (٧/ ١٢١) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار- ١١ - باب قول النبي ﷺ \"اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم\".\nدسماء: الدُّسمة من الألوان: مما يضرب إلى السواد، أراد: عصابة سوداء، وقيل: أراد أنها قد اغبر لونها من الوسخ.\n(١) البخاري (٢/ ٤٠٤) ١١ - كتاب الجمعة-٣٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد.\n١٥١٠ - الترمذي (٥/ ٧١٢) ٥٠ - كتاب المناقب -٦٦ - باب في فضل الأنصار وقريش.\n(٢) الترمذي في نفس الموضع السابق وقال: هذا حديث حسن.\n١٥١١ - البخاري (٦/ ٨٣) ٥٦ - كتاب الجهاد-٧١ - باب فضل الخدمة في الغزو.\nومسلم (٤/ ١٩٥١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٤٥ - باب في حسن صحبة الأنصار.","vol":"3","page":1540},{"text":"الله البجلي في سفرٍ. فكان يخدمُني. فقلتُ له: لا تفعلْ. فقال: إني قدْ رأيتُ الأنصارَ تصنعُ برسول الله ﷺ شيئًا، آليت أنْ لا أصحبَ أحدًا منهم إلا خدمتُهُ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>عطف: في أصحاب الصفة</span>\n١٥١٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: رأيتُ سبعين من أهل الصُّفِّةِ، ما منهم رجلٌ عليه رداءٌ، إما إزارُ، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعُه بيده، كراهيةَ أن تُرى عورتُه.\n١٥١٣ - * روى الترمي عن فضالة بن عبيد ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى يخرُّ رجالٌ من قامتهم في الصلاة من الخصاصة، وهم أصحابُ الصُّفَّة، حتى يقول الأعرابُ: مجانينُ - أو مجانُون - فإذا صلى الله رسول الله ﷺ انصرف إليهم، فقال: \"لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجةً\". قال فضالة: وأنا يومئذٍ مع رسول الله ﷺ.\n١٥١٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: إنه أصابهم جوع، فأعطاهم رسول الله ﷺ تمرة تمرةً (١).\n* * *\n_________\n(١) فضائل الصحابة-٤٥ - باب في حسن صحبة الأنصار.\n١٥١٢ - البخاري (١/ ٥٣٦) ٨ - كتاب الصلاة-٥٨ - باب نوم الرجال في المسجد.\n١٥١٣ - الترمذي (٤/ ٥٨٣) ٣٧ - كتاب الزهد ٣٩ - باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ وقال: هذا حديث صحيح.\nالخصاصة: الحاجة والفقر إلى الشيء.\nمجانون: المجنون: جمعه جمع الصحة: مجنونون، وجمع التكسير: مجانين، فأما مجانُون فشاذ.\n١٥١٤ - الترمذي (٤/ ٦٤٦) ٣٨ - كتاب صفة القيامة-باب: ٣.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>الوصل الثاني\nفي\nخُلفائه الراشدين</span>","vol":"3","page":1543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>المقدمة</span>\nالكلام عن خلفائه الراشدين ﵊ كالكلام عنه من أكثر من حيثية:\nأولًا: لأنهم يعتبرون امتدادًا له ﵊.\nثانيًا: لأننا مأمورون أن نقتدي بسنتهم وهداهم، ومن ثم يأخذ الحديث عمن يعتبرون خلفاء راشدين مسرى معينًا، فكل ما فعله خليفة راشد يعتبر سابقة دستورية لهذه الأمة تستطيع أن تقتدي بها، أما الحكام الذين لم تسلم لهم الأمة أنهم خلفاء راشدون فأفعالهم وأقوالهم تخضع للبحث، فإن كانوا من الصحابة دخلت أفعالهم وأقوالهم في حيز فعل الصحابي وقوله، ما لم تكن نصوص الكتاب والسنة واضحة في هذا القول وفي هذا الفعل، ومن سواهم تخضع أقوالهم وأفعالهم لتمحيص أئمة الاجتهاد والفتوى، فما أجازوه منها جاز وما حرموه منها حرم، على أنهم إن كانوا مسلمين مؤمنين فلأقوالهم وأفعالهم الجائزين حكم الإلزام بالنسبة لمن ولاهم الله عليهم إذا توافرت شروط معينة.\nوعلى هذا فما لم تكن خلافة راشدة فالحكم الحقيقي للمجتهد ولأهل الفتوى ومن ههنا فسر ابن عباس ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) بأنهم العلماء الفقهاء.\nوالسنة النبوية تشير إلى بعض من يعتبرون خلفاء راشدين ففي حديث سفينة الحسن الصحيح: \"الخلافةُ بعدي ثلاثون ثم تكونُ مُلكًا عاضًا\" (٢)، وعلى هذا فالخلفاء الراشدون المعنيون بهذا الحديث هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن الذي دامت خلافته ستة أشهر رضي الله عن الجميع.\n* * *\n_________\n(١) النساء: ٥٩\n(٢) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٢٠، ٢٢١).\nوأبو داود (٤/ ٢١١) كتاب السنة، باب في الخلفاء.\nوالترمذي (٤/ ٥٠٣) ٣٤ - كتاب الفتن- ٤٨ - باب ما جاء في الخلافة. وقال: هذا حديث حسن.","vol":"3","page":1545},{"text":"وقد اعتبر أهل العلم عمر بن عبد العزيز خليفة راشدًا يقتدى به وليس من الصحابة بل هو تابعي، ولذلك فلن نذكره ههنا، وسيأتي كلام عنه في كتاب (الوجيز في التاريخ الإسلامي) إن شاء الله تعالى وهناك أمراء وسلاطين وخلفاء قاربوا أن يكونوا خلفاء راشدين، والسنة الصحيحة تشير إلى أن الخلافة الراشدة ستعود مرة أخرى، وسأل الله أن يجعلنا ممن يحيونها ويمهدون لذلك.\n* * *\nولقد قام بعض الصحابة بأكثر منمحاولة لإعادة الخلافة الراشدة، منها محاولة الحسين ﵁، ومنها محاولة عبد الله بن الزبير، ومنها محاولة عبد الله بن حنظلة وقد انتهت المحاولات كلها بمآس كبيرة ضخمة، فقد استشهد الحسين واستشهد ابن الزبير واستشهد ابن حنظلة وانتهكت حرمتا مكة والمدينة.\nوالمحققون من العلماء يعتبرون عبد الله بن الزبير هو الخليفة الشرعي في مرحلة من حياته، ولذلك فسنتحدث ههنا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن الزبير، أما الحسن والحسين فقد مر حديث عنهما في فصل سابق.\n* * *\nومن كلام علماء أهل السنة والجماعة في الصحابة:\nوخيرهم من ولي الخلافة ... وأمرهم في الفضل كالخلافة\nأي وخير الصحابة من ولي الخلافة منهم، والمقصود بذلك الخلفاء الراشدون الأربعة لأن تتمة العشرة أفضل من غيرهم من الصحابة، وترتيب الفضل بين الأربعة كترتيبهم في خلافتهم.\nقال الشيخ الباجوري ﵀ في شرحه لهذا البيت: والنفر هم الخلفاء الأربعة، فلقد تولاها أبو بكر الصديق ﵁ سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وتولاها عمر ﵁ عشرة سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وتولاها عثمان ﵁ إحدى عشرة سنة","vol":"3","page":1546},{"text":"وأحد عشر شهرًا وتسعة أيام، وتولاها علي ﵁ كرم وجهه أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام، فالمجموع تسعة وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة أيام، وبأيام الحسن بن علي ﵄ تكمل المدة التي قدرها النبي ﷺ، كذا حرره السيوطي.\nوأمرهم في الفضل كالخلافة: أي وشأن الخلفاء الأربعة في ترتيبهم في الفضل - بمعنى كثرة الثواب - على حسب ترتيبهم في الخلافة عند أهل السنة، فأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃.\nوقد قال السعد: على هذا وجدنا السلف والخلف، وقال أبو منصور البغدادي من أكابر أئمة الشافعية: أجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة أبو بكر فعمر فعثمان فعلي، فبقية العشرة المبشرة بالجنة، فأهل بدر، فباقي أهل أُحد، فباقي أهل بيعة الرضوان، فباقي الصحابة ﵃، والظاهر أنه لو لم يكن لهم دليل على ذلك لما حكموا به. أهـ.\n* * *","vol":"3","page":1547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>أبو بكر الصديق ﵁ </span>(١)\nاسم أبي بكر ﵁ ونسبه:\nهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، كان يسمى في الجاهلية عبد الكعبة، وقيل عبد اللات، وقيل عبد العزى، وقد سماه رسول الله ﷺ عبد الله. وكان يلقب بالعتيق لأن رسول الله ﷺ بشره بأن الله تعالى أعتقه من النار، ولقب بالصديق لسبقه ومبادرته إلى تصديق رسول الله ﷺ في كل ما يقول ولا سيما صبيحة الإسراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>مولده ﵁:</span>\nولد أبو بكر ﵁ في مكة بعد الفيل بعامين. ونشأ في مكة وشب فيها وكان محبوبًا بين أقرانه، أثيرًا لديهم منذ نعومة أظفاره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>صفاته وسجاياه:</span>\nكان أبو بكر ﵁ في الجاهلية من سراة قريش وأشرافها وأهل مشورتها وكانت تساق إليه الديات والمغارم التي يقوم بها من يتقرب بها إلى العشيرة، لم يشرب الخمر التي كانت فاشية في الجاهلية، وكان عالمًا بأنساب العرب وأخبارها، وكان تاجرًا مرموقًا.\nوهو ﵁ أول من أسلم من الرجال، وتجشم منأجل ذلك المشقات والأهوال، وجند نفسه لخدمة دين الله ﷿ والدعوة إليه، فأسلم على يديه خلق كثير، منهم كبار الصحابة: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله ﵃.\nكان ﵁ أحب أصحاب رسول الله ﷺ إلى رسول الله، فقد كان رفيق صباه وصاحبه عندما اصطفاه الله للرسالة، وبقي معه كظله لا ينفك عنه.\nعرف أبو بكر ﵁ بالشجاعة والإقدام والحزم في الخطوب، شهد المشاهد كلها\n_________\n(١) شارك في تحضير مقدمة هذه الترجمة أحد الإخوة فجزاه الله خيرًا.","vol":"3","page":1548},{"text":"مع رسول الله ﷺ وكان من النفر الذين ثبتوا يوم أُحد وحنين فلم يجبنوا ولم يفروا، كان ﵁ كريمًا جوادًا أنفق ماله كله في سبيل الله، الزهد دثاره والتواضع شعاره، وعرف بغزارة العلم وسعة الأففق وسداد الحجة، وصدق الفراسة، ودقة الفهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>مبايعته بالخلافة:</span>\nانتقل الرسول ﷺ إلى جوار ربه ولم يوص لأحد بالخلافة، بل ترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يرونه أهلًا لهذه المسئولية الجسيمة، وعلى أثر وفاته ﷺ اجتمع نفر من الأنصار في سقيفة بني ساعدة في المدينة، ورادوا أن يبايعوا سعد بن عبادة سيد الخزرج خليفة للمسلمين فقد كره المسلمون أن يعيشوا دون إمام يجتمع عليه أمرهم ويستقيم به شأنهم، وجرت مشادة بين نفر من الأنصار والمهاجرين حول هذا الأمر، وحضر أبو بكر الصديق ﵁ وقام خطيبًا في الحاضرين بين بالحجة والدليل أن هذا لأمر، لا يستقيم إلا في قريش نظرًا لمكانتها وشرفها، وعرض الصديق على المسلمين في السقيفة أن يبايعوا عمر ابن الخطاب، أو أبا عبيدة بن الجراح. فقام عمر ﵁ وبايع أبا بكر بالخلافة لسابقته وفضله فهو خير من طلعت عليه الشمس بعد النبيين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وباذل ماله في سبيل الله، وأحب الصحابة إلى رسول الله، وقد أمره أن يصلي بالناس أثناء مرضه ﷺ، وبايع الأنصار أبا بكر كأنما دعاهم من السماء داع وغرب الخلاف مع غروب شمس ذلك اليوم، وسميت هذه البيعة بالبيعة الخاصة وكانت البيعة العامة في المسجد في اليوم التالي، وقد اتفق الصحابة ﵃ على بيعة الصديق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>أعماله ﵁ أثناء فترة خلافته:</span>\nكانت خلافة أبي بكر ﵁ حافلة بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، وقد كتب له القدر أني تولى أمور المسلمين استجابة لتبعات إيمانه ومسؤوليات دينه ليواجه أحداثًا جسامًا، وأمورًا عظامًا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>أولًا: إنفاذ جيش أسامة بن زيد ﵁ لقتال الروم:</span>\nكان الرسول ﷺ قد جهز جيشًا تحت إمرة أسامة بن زيد ﵄ وجهته الشام","vol":"3","page":1549},{"text":"لقتال الروم، وعندما توفي الرسول ﷺ كان هذا الجيش يعسكر على بعد ثلاثة أميال من المدينة يتهيأ للسير، وأرجأت وفاة الرسول ﷺ زحفه، وتباينت الآراء واختلفت وجهات النظر بشأنه.\nفقد رأى فريق من الصحابة فيهم عمر بن الخطاب أن إنفاذ جيش أسامة ينطوي على مخاطرة رهيبة ومغامرة عجيبةن لأن المدينة المنورة عاصمة الإسلام مهددة بغزو المرتدين فالمسلمون محتاجون لهذا الجيش في قمع الردة واستئصال شأفة المرتدين، فقد ارتد كثير من العرب بعد وفاة الرسول ﷺ وخالطت الردة كل مكان تقريبًا سوى مكة والمدينة والطائف وجواني - وهي مدينة قرب الهفوف الآن في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية - وغدا الخطر الماحق يهددُ مستقبل الدعوة الإسلامية ومصيرها وكان أسامة بن زيد قائد الجيش من أنصار هذا الرأي ومؤيديه.\nورأى الخليفة ﵁ إنفاذ هذا الجيش، لأن خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح وقال ﵁: (والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ، ولو أن الطير تخطفنا ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن جيش أسامة).\nفقد رأى الصديق ببصيرته النفاذة، وفراسته الصادقة، وعقله الراجح أن المصلحة كل المصلحة في بعث جيش أسامة، لما في ذلك من إظهار قوة المسلمين ومنعتهم، فقد عادت كثير من القبائل التي مر بها هذا الجيش وهو في طريقه إلى الشام إلى صوابها ورشدها، وقالت: لو كانت المدينة تعاني من الضعف والوهن والخلاف لما أرسل هذا الجيش لقتال الروم، لقد ثبط هذا الجيش كثيرًا من القبائل التي كانت فتنة الردة توشك أن تتسلل إليها، وأظهر قوة المسلمين العسكرية في هذا الوقت العصيب، وعاد جيش أسامة من غزوته تلك سالمًا غانمًا منصورًا، وقد رأى أبو بكر ﵁ أن قضية بعث جيش أسامة ليست مما يعرض للشورى بعد أن أعطى الرسول أمره والشورى لا تكون فيما ورد فيه الأمر من رسول الله ﷺ فقال: ما كنت لأرد قضاء قضاه رسول الله ﷺ.\nوقد رأى بعض المسلمين أن يكون على الجيش قائد غير أسامة لأنه كان صغير السن، غض الإهاب، قليل الخبرة، ضئيل التجربة وفي الجيش سادات الصحابة وأجلاؤهم، ولكن","vol":"3","page":1550},{"text":"أبا بكر ﵁ أبي أشد الإباء أن يخلع رجلًا ولاه الرسول وهو حي فقال: أيوليه الرسول وتأمرني بعزله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>ثانيًا: قتال المرتدين:</span>\nوقد استشرت الردة بعد وفاة الرسول ﷺ ونجم النفاق، وأشرأبت اليهودية والنصرانية وانشقت الأرض عن أنبياء كذبة، وحاقدين موتورين متربصين سحروا أعين الناس واسترهبوهم وقادوهم ببراعة الإفك المبين.\nفقد وقف طليحة الأسدي يعلن نبوة كاذبة وآزره كثير من قبائل أسد وغطفان وطيء وعبس وذبيان وامتد سعار الردة إلى بني عامر، وهوازن، وتأججت نار الردة وأوارها في بني تميم إذ جاءت لهم سجاح تعلن نبؤتها الكاذبة، ونجم مسيلمة الكذاب في اليمامة وأصبح المسلمون يواجهون جيوشًا جرارة كثيرة العدد والعُدد، قوامها عشرات الآلاف من المقاتلين، وسرت عدوى الردة إلى البحرين وعُمان ومهرة اليمن وغدا الإسلام في خطر داهم.\nوثبت أهل مكة والمدينة والطائف على إسلامهم ولم تؤثر فيهم تلك الفتنة العمياء التي رفعت رأسها في شبه جزيرة العرب.\nلقد دفعت العصبية العمياء، وشهوة الاستعلاء بعض القبائل العربية إلى انتحال النبوة فتنبأ رجال قبل وفاة النبي ﷺ وبعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>قتال مسيلمة الكذاب: </span>(معركة اليمامة في شهر ربيع الأول سنة ١٢ هـ):\nلقد كان مسيلمة الكذاب أشد المرتدين خطرًا، وقد انضم إليه الرَّحال بن عنفوة بن نهشل وهو من أكبر من أضل أهل اليمامة، فقد كان وفد إلى النبي ﷺ وقرأ سورة البقرة، وجاء زمن الردة إلى أبي بكر فبعثه إلى أهل اليمامة يدعوهم إلى الله ويثبتهم على الإسلام فارتد مع مسيلمة وشهد له بالنبوة، ومما تجدر الإشارة إليه أن مسيلمة الكذاب قد اتصل بسجاح التميمية التي ادعت النبوة وتزوجها فانضمت بأتباعها إليه. وقد زعم مسيلمة أنه نبي مرسل وأنه أشرك مع النبي ﷺ وأرسل إلى النبي يطلب منه أن يشركه في النبوة فكتب إليه الرسول ﷺ: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى أما","vol":"3","page":1551},{"text":"بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ............ .\nوبعد وفاة الرسول ﷺ أشخص الصديق ﵁ عكرمة بن أبي جهل لقتال مسيلمة وقفي على آثاره بشرحبيل بن حسنة فعجل عكرمة بلقاء مسيلمة قبل مجيء شرحبيل فنكب، فأرسل الصديق خالد بن الوليد على رأس جيش ردء لعكرمة على مقدمته شرحبيل ابن حسنة، فلما سمع مسيلمة بقدوم خالد حشد أهل اليمامة، ودار قتال ضار لم يعهد له مثل، وصبر الصحابة وصابروا وأعملوا السيوف في رقاب المرتدين يحصدونهم حصدًا، حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت وانقض البراء بن مالك على الباب كالصاعقة بعد أن احتمله الصحابة بالرماح فوق الجحف - أي التروس - وألأقوه من فوق سورها وفتح الباب، حلت بالمرتدين قاصمة الظهور، وخر مسيلمة صريعًا يخور كما يخور الثور بعد أن طعنه وحشي بالحربة، وعلاه سِمَاك بن خرَشَة بالسيف ففلق رأسه. ويروى أن الذي قتله عبد الله بن زيد بن عاصم، وقتل ف يالمعركة عشرة آلاف من المرتدين، وقضى نحبه من المسلمين خمسمائة فيهم عدد كبير من سادات الصحابة وأعيان الناس، فمن سادات الصحابة الذين شرفهم الله بالشهادة: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي ﷺ وحامل لواء الأنصار، وضرية بن أبي وهب وولداه عبد الرحمن، ووهب وزيد بن الخطاب حامل لواء المهاجرين، وأبو دجانة سِماك بن خرشة الذي عل مسيلمة بالسيف بعد أن رماه وحشي بالحربة، وشجاع بن وهب والطفيل بن عمرو بن طريف، وعباد بن بشر بن وقش الأنصاري، وسالم مولى أبي حذيفة.\nوهكذا قضى المسلمون على فتنة عاصفة مدمرة رفعت رأسها في شبه جزيرة العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>قتال طليحة الأسدي:</span>\nارتد طليحة الأسدي في حياة النبي ﷺ وتابعه بنو أسد وطيء وخلق كثير، فلما مات رسول الله ﷺ قام بمؤازرته عيينة بن حصن بن بدر، وقد سيّر الصديق ﵁ خالد بن الوليد لقتال طليحة وانم إليه مائة وخمسون فارسًا من طيء وجديلة بعد أن رجعوا إلى رشدهم وصوابهم بعد إقناع عدي بن حتم لهم بذلك، والتقى خالد بطليحة في مكان يقال له بُزاخة ودارت الدائرة على طليحة المتنبئ الكذاب وأشياعه فأخذوا وقتلوا","vol":"3","page":1552},{"text":"تقتيلًا، وأسر عيينة بن حصن وكان ردءًا لطليحة في سبعمائة من بني فزارة واقتيد إلى المدينة يداه مغلولتان إلى عنقه فاستتابه الصديق وعفا عنه وحسن إسلامه، وأما طليحة فقد هرب بامرأته إلى الشام ونزل على بني كلب، ولكنه رجع إلى الإسلام بعد ذلك، واعتمر أيام الصديق واستحيا أن يواجهه.\nاجتمعت فلول المنهزمين يوم بُزاخة إلى امرأة من سيدات العرب يقال لها أم زَمِل كانت مضرب المثل لكثرة أولادها وعزة قبيلتها وشايعها أخلاط من بني سُليم وطيء وهوازن وأسد فاستفحل أمرها، فسار إليهم خالد بن الوليد وقاتلهم واستمر القتل في أتباع أم زمل وعقر جملها وقتلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>ارتداد أهل البحرين وعودتهم إلى الإسلام:</span>\nارتد أهل البحرين على أدبارهم بعد وفاة ملكهم المنذر بن ساوي، ولم يبق في البحرين بلدة على الإسلام سوى قرية يقال لها جواثا، وأحاط الحُطم بن ضبيعة ومن حطب في حيلة من بني بكر بالمسلمين وحاصروهم، فأرسل الصديق العلاء بن الحضرمي لقتل المرتدين، وكان العلاء من سادات الصحابة العلماء العبّاد مجاب الدعوة، ولما دنا من البحرين انضم إليه ثُمامةُ بن أُثال في محفل كبير، ونزل العلاء بالقرب من جيوش المرتدين، ولما كان الليل آنس منهم غرة وعلم عن طريق عيونه أن القوم سكارى فباغتهم وأعمل السيف في رقابهم واستولى على جميع أموالهم ومحاصيلهم وأثقالهم وقتل الحُطُم بن ضبيعة زعيم المرتدين وعادت البحرين إلى حوزة الإسلام من جديد، وكلمة البحرين كانت تطلق قديمًا على قطر والكويت وجزر البحرين والمنطقة الشرقية من السعودية في عصرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>ردّة أهل عمان ومهرَة اليمن:</span>\nارتد أهل عمان ومهرة اليم على أدبارهم وخعلوا ربقة الإسلام من أعناقهم، فقد نجم في عُمان لقيط بن مالك الأزدي - ذو التاج - فادعى النبوة، وتابعه الجهلة من أهل عُمان، فدانت له عُمان وألجأ عمال الخليفة إلى أطرافها.\nأرسل الصديق ﵁ أميرين هما حذيفة بن مِحْصَن الحِمْيري، وعرْفجة البارقي","vol":"3","page":1553},{"text":"من الأزد ولحق بهما عكرمة بن أبي جهل بأمر من الصديق، والتقى المسلمون بالمرتدين، وكان قتال شديد ضار، وابتلي المسلمون وكادوا أن يولوا مدبرين لولا أن الله من عليهم بالمدد في الساعة الحاسمة من بني ناجية وعبد القيس فكان النصر المبين، وفر المرتدون لا يلوون على شيء، وقتل منهم عشرة آلاف مقاتل، وغنم المسلمون الذراري والأموال.\nومضى المسلمون نحو مَهْرة اليمن بقيادة عكرمة وكان فيها أميران المصبح المحاربي وشخريت، وقد دبت بينهما عقارب العداوة والشحناء فاستمال عكرمة شخريتا فانضم إليه وأصر المصبح على عناده وطغيانه مغترًا بكثرة عدده وعُدده، فهزمه المسلمون شر هزيمة وقتل خلق كثير من قومه وغنم المسلمون أموالهم.\nولقد كانت فتنة الردة ضخمة، وكان أبو بكر لها بالمرصاد، قطع دابرها، وطهر الأرض من أرجاسها وأدناسها، ووطد دعائم الدولة الإسلامية وواجهها بالحزم والعزم والثبات، وقد عقد الألوية لأحد عشر قائدًا في وقت واحد:\n١ - خلد بن الوليد ووجهته طليحة بن خويلد فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة في البطاح.\n٢ - عكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة.\n٣ - المهاجر بن أبي أمية: اليمن.\n٤ - عمرو بن العاص ووجهته قضاعة ووديعة والحارث.\n٥ - سعيد بن العاص ووجهته مشارف الشام.\n٦ - حذيفة بن محصن الغلفائي وأمره بأهل دبا بعمان.\n٧ - عرفجة بن هرثمة ووجهته مهرة اليمن.\n٨ - شُرحْبيل بن حسنة، بعثه الصديق في إثر عكرمة لقتال مسيلمة الكذاب، وأمره باللحاق بعمرو بن العاص عند الفراغ من قتال مسيلمة.","vol":"3","page":1554},{"text":"٩ - طرفة بن حاجز ووجهته بنو سليم ومن معهم من هوازن.\n١٠ - سويد بن مُقرن ووجهته تهامة اليمن.\n١١ - العلاء بن الحضرمي ووجهته تهامة البحرين.\nوعادت هذه الجيوش ظافرة منصورة، بعد أن هزمت المرتدين وأخضعتهم، ومما تجدر الإشارة إليه أن هؤلاء المرتدين قد أقروا بالصلاة وامتنعوا عن أداء الزكاة ومنهم من امتنع عن دفعها إلى الصديق ﵁ محتجًا بالآية الكريمة:\n﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)\nوقالوا لن ندفع زكاتنا إلا لمن صلاته سكن لنا.\nوقد رأى فريق من الصحابة أن يذر الصديق المرتدين وما هم عليه من الامتناع عن دفع الزكاة ويتألفهم حتى يتعمق الإيمان في قلوبهم ثم هم يزكون بعد ذلك، ولكن الصديق ﵁ أبى أشد الإباء وقال: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعه. إن الزكاة حق المال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>ثالثًا: الفتوح:</span>\nوجّه الصديق ﵁ خالد بن الوليد بعد الفراغ من اليمامة إلى العراق، وأن يدعو أهلها إلى الله ﷿ فإن أبوا أخذ منهم الجزية فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم، وشرع الصديق ﵁ في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمدادًا لخالد ﵁.\nسار خالد ﵁ حتى نزل ببعض قرى السواد (بانقيا وباروسما) فصالحه أهلها، ثم نزل الحيرة فصالح أهلها على الجزية ثم مضى خالد إلى الأبلة وهي من أمنع حصون فارس وأشدها شوكة وكانت معركة ذات السلاسل، فهزم المسلمون الفرس شر هزيمة واستحوذوا على\n_________\n(١) التوبة: ١٠٣.","vol":"3","page":1555},{"text":"أمتعتهم وأسلحتهم فبلغت وِقْر ألف بعير، وقتل هرمز قائد الفرس فيها، وسميت هذه الغزوة ذات السلاسل لكثرة من سلسل بها من فرسان فارس كيال يفروا، وهزم خالد الفرس في وقعة المذار في صفر في السنة الثانية عشرة للهجرة وأعمل السيف في رقابهم وغنم الأموال وسبى الذراري، ثم كانت وقعة الولجة ووقعة أُلْيس في صفر في السنة نفسها وقد دارت فيهما الدائرة على الفرس ومن شايعهم من بكر بن ائل من نصارى العرب، وقد قتل المسلمون في وقعة أليس وحدها من الفرس ما يربو على سبعين ألفًا، واستحوذ المسلمون على الحيرة وصالح خالد أهلها على الجزية كما تقدم.\nثم ركب إلى الأنبار وفتحها وصالح أهلها، وسميت هذه الغزوة ذات العيون لكثرة ما فقأ المسلمون فيها من عيون الفرس لما رشقوهم بالنبال، ولما استقل خالد بالأنبار استناب عليها الزبرقان بن بدر وقصد عين التمر وبها يومئذ مهران بن بهرام في جمع عظيم من العرب، وحولهم من الأعراب طوائف من النمر وتغلب وإياد عليهم عقة بن أبي عقة، فأسر خالد عقة فانهزم جيشه وهرب مهران بن بهرام، وضرب خالد عنق عقة ومن أسر معه وغنم الحصن وقتل من فيه وسبى الذراري ونفل الأموال.\nولما فرغ خالد من عين التمر قصد إلى دُومة الجَنْدَل، فلما سمع أهلها بمسيرة خالد إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وتنوخ والضجاعم والتقى بهم خالد فهزمهم، وقتل منهم خلقًا كثيرًا واقتحم الحصن وقتل من فيه من المقاتلة وغنم أموالهم وسبى ذراريهم.\nثم سار خالد ومن معه إلى الفراض- وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة-، فأقام هناك شهر رمضان مفطرًا لشغله بالأعداء، ولما علم الروم بقرب خالد من بلادهم جمعوا جموعًا كثيرة واستمدوا تغلب وإياد والتمر، وعبروا نهر الفرات لمناجزة المسلمين فهزم الله جموع الروم وقتل منهم في هذه المعركة مائة ألف وقفل المسلمون منصورين غانمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>فتوح الشام في خلافة أبي بكر ﵁:</span>\nجمع الصديق ﵁ الناس لغزو الشام، وعقد اللواء لأربعة من الأمراء هم:\n١ - أبو عبيدة بن الجراح ووجهته حمص، ومركز القيادة الجابية، في حوران.","vol":"3","page":1556},{"text":"٢ - يزيد بن أبي سفيان، وجعل وجهته دمشق\n٣ - عمرو بن العاص، وجعل وجهته فلسطين.\n٤ - شرحبيل بن حسنة ووجهته وادي الأردن.\nوأمر الصديق كل أمير أن يسلك طريقًا غير طريق الآخر لما في ذلك من المصالح. وجعل الصديق ﵁ يمدهم بالجيوش، وأمرهم أن يعاون بعضهم بعضًا وأن يكونوا جميعًا تحت إمرة أبي عبيدة، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل العرما من أرض الشام. ونزل يزيدبن أبي سفيان البلقاء. ونزل شرحبيل بن حسنة بالأردن ونزل أبو عبيدة بالجابية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>وقعة اليرموك:</span>\nلما توجهت جيوش المسلمين نحو الشام أفزع ذلك الروم، وخافوا خوفًا شديدًا وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بالأمر، فأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية ليكون في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش عرمرم جرّر، فكتب الأمراء إلى الصديق يعلمونه بما وقع من الأمر، فكتب إليهم أن يجتعوا ويكونوا جندًا واحدًا للقاء جنود الروم، وكتب الصديق إلى خالد بن الويد أن يستنيب على العراقوأن يقفل بمن جاء معه إلى العراق من اليمامة والحجاز إلى الشام لمساعدة المسلمين وأن يكون الأمير عليهم، فاستناب خالد المثني بن حارثة على العراق وسار في تسعة آلاف وخمسمائة يجتاب البراري والقفار، ترفعه نجاد، وتحطه وهاد حتى وصل في خمسة أيام فخرج على الروم من ناحية تدمر، فصالحه أهلها، وخرج من شرقي دمشق، وسار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة يحاربون أهلها، فصالحه صاحبها وسلمها لخالد فكانت أول مدينة فتحت من الشام.\nوقد نزلت الروم في الواقوصة فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر وأذرعات (درعًا) خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة، وتكامل جيش الروم أربعين ومائتي ألف، وتكامل جيش المسلمين ستة وثلاثين ألفًا إلى الأربعين، وكانت الروم تحت إمرة باهان وهو قائد أرمني عرف فيه هرقل الشجاعة والإقدام، ورتب","vol":"3","page":1557},{"text":"خالد الجيش في كراديس وجعل أبا عبيدة في القلب، وعمرو بن العاص على الميمنة، ويزيد ابن أبي سفيان على الميسرةن ودارت رحى حرب ضروس، وأبلى المسلمون بلاء حسنًا، وهُزم الروم هزيمة منكرة، وهوى من الروم مائة وعشرون ألفًا في وادي اليرموك، وشاركت النساء المسلمات في المعركة لصد هجمات الروم بعد أن اضطر المسلمون إلى التقهقر عدة مرات، وكن يعدن المنهزمين من المسلمين إلى حومة الوغى يلقين في قلوبهن الشجاعة والحمية.\nوكان نصر المسلمين في اليرموك مؤزرًا مبينًا، وبينما كان المسلمون يقاتلون الروم جاء البريد من الحجز، فدفع إلى خالد وفيه وفاة أبي بكر الصديق ﵁، واستخلاف عمر الفاروق ﵁ واستنابة أبي عبيدة على الجيوش في اليرموك، فكتم خالد الأمر لئلا يحصل وهو ضعف في نفوس المسلمين، وقد عزى خالد المسلمين بوفاة الصديق وسلم قيادة الجيش لأبي عبيدة بن الجراح وغدا نديًا يقاتل تحت إمرته حرصًا على وحدة المسلمين وقوتهم حتى يستمروا في مسيرتهم الجهادية المظفرة المباركة. وشرع أبو عبيدة ﵁ في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس إلى الحجاز وسار نحودمشق حتى نزل مرج الصفر، فأقام أبو عبيدة حتى جاءه كتاب الفاروق يأمره بفتحها.\nومما تجدر الإشارة إليه أن معركة حامية الوطيس دارت بين المسلمين والفرس في العراق بعد رحيل خالد إلى الشام، فقد اغتنم الفرس غيبة خالد فبعثوا إلى نائبه المثنى بن حارثة جيشًا عرمرمًا نحوًا من عشرة آلاف مقاتل عليهم هرمز بن جاذويه، فسار المثنى إلى بابل والتقى بالفرس بمنكان عند العراق الأول، فاقتتلوا قتالًا شديدًا فأرسل الفرس فيلًا ليفرق خيل المسلمين، فحملعليه المثنى فقتله واستمر القتل في الفرس، ودارت عليهم الدائرة، وفروا حتى انتهوا إلى المدائن، وغنم المسلمون منهم مالًا عظيمًا. وقد أوصى الصديق وهو على فراش المرض عمر بن الخطاب أن يندب الناس لقتال أهل العراق مع المثنى وأن يرد أصحاب خالد إلى العراق بعد فتح الشام لأنهم أعلم بحربه.\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: كانت وفاة الصديق ﵁ في يوم الإثنين عشية، وقيل بعد المغرب ودفن من ليلته وذلك لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث","vol":"3","page":1558},{"text":"عشرة بعد مرض خمسة عشر يومًا، وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وكان عمره يوم توفي ثلاثًا وستين سنة، للسن الذي توفي فيه رسول الله ﷺ، وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه. أهـ.\nوقد ترجم ابن حجر في الإصابة ترجمة مختصرة ومما قاله في ترجمته:\nصحب النبي ﵌ قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج في الناس في حياة رسول الله ﵌ سنة تسع، واستقر خليفة في الأرض بعده ولقبه المسلمون خليفة رسول الله، وقد أسلمأبوه، وروى عن النبي ﵌ وروى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر وابن عمرو وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر ومعقل بن يسار وأنس وأبو هريرة وأبو أمامة وأبو برزة وأبو موسى وابنتاه عائشة واسماء وغيرهم من الصحابة. وروى عنه من كبار التابعين الصنابحي ومرة بن شراحيل الطبيب وواسط البجلي وقيس بن أبي حازم وسويد بن غفلة وآخرون.\nوفي المعرفة لابن منده:: كان أبيض نحيفًا خفيف العاضين معروق الوجه ناتئ الجبهة يخضب بالحناء والكتم.\nوقال ابن إسحاق: كان أنسب العرب، وقال البجلي: كان أعلم قريش بأنسابها، وقال ابن إسحق في السيرة الكبرى: كان أبو بكر رجلًا مؤلفًا لقومه محببًا سهلًا وكان أنسب قريش لقريش وأعلمهم بما كان منها من خير أو شر، وكان تاجرًا ذا خلق ومعروف وكنوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به فأسلم على يديه عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ...\nوأخرج أبو داود في لازهد بسند صحيح عن هشام بن عروة أخبرني أبي قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم قال عروة وأخبرتني عائشة أنه مات وما ترك دينارًا ولا","vol":"3","page":1559},{"text":"درهمًا. وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا هشام عن أبيه أسلم أبو بكر وله أربعون ألفًا فأنفقها في سبيل الله وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله أعتق بلالًا وعامر بن فُهيرة وزنيرة والنهدية وابنتها وجارية بني المؤمل وأم عُبيس.\nومناقب أبي بكر ﵁ كثيرة جدًا، وقد أفرده جماعة بالتصنيف وترجمته في تاريخ ابن عساكر قدر مجلد، ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع.\nوثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﵌ قال لأبي بكر وهما في الغار \"ما ظنك باثنين الله ثالثهما\" والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في هذه المنقبة غيره، وعند أحمد من طريق شهر بن حوشب عن أبي تميم أن النبي ﵌ قال لأبي بكر وعمر: \"لو اجتمعما في مشورة ما خالفتكما\" وأخرج الطبراني من طريق الوضين بن عطاء عن قتادة بن نسي عن عبد الرحمن بن تميم عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﵌ لما أراد أن يرسل معاذًا إلى اليمن استشار فقال: كل برأيه فقال: إن الله يكره فوق سمائه أن يُخطأ أبو بكر، وعند أبي يعلي من طريق أبي صالح الحيي عن علي قال: قال لي رسول الله ﵌ يوم بدر ولأبي بكر: مع أحدكما جبرائيل ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، وفي الصحيح عن عمرو بن العاص قتلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: \"عائشة\" قلت من الرجال؟ قال: \"أبوها\" قلت: ثم من؟ فذكر رجالًا، وأخرج الترمذي والبغوي والبزار جميعًا عن أبي سعيد الأشج عن عقبة بن خالد عن شعبة الجريري عن أبي نصرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر في السقيفة ألست أول من أسلم؟ ألست أحق بهذا الأمر؟ ألست كذا ألست كذا؟ رجاله ثقات.\nوأخرج البغوي بسند جيد عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن عبد الله بن جعفر\n_________\n(١) التوبة: ٤٠.","vol":"3","page":1560},{"text":"قال: ولينا أبو بكر - فخير خليفة أرحم بنا وأحناه علينا وقال إبراهيم النخعي: كان يسمى الأواهُ لرأفته.\nومن أعظم مناقب أبي بكر أن ابن الدغنة سيد القارة لما رد إلي جواره بمكة وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبي ﵌ لما بعث فتواردا فيها على نعت واحد من غير أن يتواطأ على ذلك وهذا غاية في مدحه لأن صفات النبي ﵌ منذ نشأ كانت أكمل الصفات. أهـ.\n١٥١٥ - * روى الطبراني عن عروة بن الزبير قال: أبو بكر الصديق اسمهُ عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة بن لؤيٍ، شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ، وأم أبي بكرٍ أمُّ الخير سلمى بنتُ صخر بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالكٍ، وأم أمِّ الخير دلافٌ وهي أميمةُ بنتُ عبيد ابن الناقد الخزاعي، وجدةُ أبي بكرٍ أمُّ أبي قُحافة أمينة بنت عبد العُزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عُويج بن عدي بن كعبٍ.\n١٥١٦ - * روى الطبراني عن الليث بن سعد قال: إنما سُمي أبو بكر عتيقًا لعتاقة وجهه وكان اسمه عبد الله بن عثمان.\n١٥١٧ - * روى الطبراني عن أبي حفصٍ عمرو بن علي أنه كان يقول: كان أبو بكر معروق الوجه، وإنما سثمي عتيقًا لعتاقة وجهه وكان اسمه عبد الله بن عثمان، وقد رُوي أن رسول الله ﷺ سماه عتيقًا من النار (١).\n_________\n١٥١٥ - المعجم الكبير (١/ ٥١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\nوفي الفتح (٧/ ٩) سلمى بنت صخر بن مالك بن عامر إلخ وأما أن إسناده حسن فلا لأن ابن لهيعة ضعيف في رواية غير العبادلة عنه وهذه الرواية ليست من رواية العبادلة عنه وهم عب دالله بن المبارك وعبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقري فالسند ضعيف. وسيتكرر هذا الإسناد كثيرًا.\n١٥١٦ - المعجم الكبير (١/ ٥٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١): رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٥١٧ - المعجم الكبير (١/ ٥٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١): رواه الطبراني وإسناده جيد حسن. لعتاقة وجهه: لجماله.","vol":"3","page":1561},{"text":"١٥١٨ - * روى الطبراني عن حكيم بن سعد قال: سمعت عليًا يحلفُ: لله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق.\n١٥١٩ - * روى البزار والطبراني عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ نظر إلى أبي بكر ﵁ فقال: \"هذا عتيقُ الله من النار\" فمن يومئذ سمى عتيقًا، وكان قبل ذلك اسمه عبد الله بن عثمان.\n١٥٢٠ - * روى أحمد والترمذي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: أولُ من أسلم عليّ. قال عمر بن مرة: فذكرتُ ذلك لإبراهيم النخعي، فأنكرهُ، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديقُ.\nولا وجه للإنكار، فإن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وإن عليًا أول من أسلم من الصبيان.\n١٥٢١ - * روى الطبراني عن معاوية قال: دخلتُ مع أبي على أبي بكر الصديق فرأيتُ أسماء قائمة على رأسه بيضاء، ورأيتُ أبا بكر أبيض نحيفًا، فحملني وأبي على فرسين، ثم عرضنا عليه وأجازنا.\n١٥٢٢ - * روى الطبراني عن رافع بن عمرو قال: مر بي أصحاب رسول الله ﷺ في غزو أو حج فتأملتُهم فلم أر منهم أحسن هيئةً من أبي بكر قد جُلل عليه كساءٌ من الحرِّ والبرد (١).\n_________\n١٥١٨ - المعجم الكبير (١/ ٥٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١): رواه الطبراني ورجاله ثقات، وقال في الفتح (٧/ ٩) رجاله ثقات.\n١٥١٩ - روى البزار: كشف الأستار (٣/ ١٦٣)، والمعجم الكبير (١/ ٥٣).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠): رواه البزار والطبراني بنحوه ورجالهما ثقات.\n١٥٢٠ - أحمد في مسنده (٤/ ٣٦٨).\nوالترمذي (٥/ ٦٤٢) ٥٠ - كتاب المناقب باب: ٢١ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٥٢١ - المعجم الكبير (١/ ٥٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٢): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٣٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1562},{"text":"١٥٢٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدِمَ رسول الله ﷺ وليس في أصحابه أشمطُ غير أبي بكر فغلفها بالحناء والكتم.\n١٥٢٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لَمْ أعْقِلْ أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأيتنا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار، بُكرةً وعشيةً، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حت إذا بلغ برْك الغِمادِ، لقيه ابن الدغنةِ - وهو سيدُ القارة- فقال: اين تريدُ يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريدُ أن أسيحَ في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدُّغُنةِ: فإن مثلكَ يا أبا بكر لا يخرجُ ولا يُخْرَجُ، إنك تكْسِبُ المعدوم، وتصلُ الرحم، وتحملُ الكل، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جارٌ، ارجعْ واعبدْ ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدُّغُنَّة، فطاف ابن الدغنة عشيةً في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكرٍ لا يخرج مثله ولا يُخْرَج، أتُخْرِجُون رجلًا يكسبُ المعدوم، ويصلُ الرحم، ويحملُ الكل، ويقري الضيف، ويعينُ على نوائب الحق؟ فلم تُكَذِّبْ قريش بجوار ابن الدٌّغنة- وقالوا لابن الدُّغُنة: مُرْ أبا بكر فليعبدْ ربهُ في داره، فليُصلِّ فيها (١)،\n_________\n١٥٢٣ - البخاري (٧/ ٢٥٦) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.\nأشمط: رجل أشمط: قد شاب بعض شعره.\nغلفها: أي خضبها، والمراد اللحية وإن لم يقع لها ذكر.\nالكتم: نبت يختضب به مخلوطًا مع غيره.\n١٥٢٤ - البخاري (٧/ ٢٣٠ وما بعدها) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار -٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة. الدين: الطاعة.\nبرك الغماد: بفتح الباء وكسر الغين، ويروي بضمها: اسم موضع جنوب مكة، بينه وبين مكة خمس ليالٍ مما يلي ساحل البحر، وقيل: هو بلد يمانٍ.\nالقارة: بتخفي الراء: قبيلة، سُمي أبوهم بذلك حيث قال:\nدعونا قارة، لا تنفرونا ... فنُجفِل مثل إجفال الظليم\nتكسب المعدوم: يصف إحسانه وكرمه وعموم فضله، يقال: كسبتُ مالًا، وكسبت فلانًا مالًا، وأكسبته مالًا، الكل: ما يثقل حمله، من صلات الأرحام، والقيام بالعيال، وقري الأضياف، ونحو ذلك، ولهذا قرن هذه الأشياء بقوله: تكسب المعدوم.\nنوائب الحق: النوائب: ما ينوب الإنسان من المغارم، وقضاء الحقوق لمني قصده ويؤمله.\nفأنا لك جارُ: أي: حام وناصر ومُدافعَ. =","vol":"3","page":1563},{"text":"وليقرأ ما شاء، ولا يؤذنا بذلك، ولا يستعلنْ به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدُّغُنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبُدُ ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير دره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقذفُ عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملكُ عينيه إذا قرأ القرآن؛ فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدُّغُنة، فقَدِمَ عليهم، فقالوا: إنا كُنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانههُ؛ فإن أحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يُعلن بذلك، فسله أن يرُد إليك ذمتك، قإنا قد كرهنا أن نُخفِرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدتُ لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني قد أُخفرتُ ذمتي في رجل عقدت له، فقال له أبو بكر: فإني ردُّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله - والنبي صلى الله لعيه وسلم يومئذ بمكة - فقال النبي ﷺ للمسلمين: \"إني أُريتُ دار هجرتكم ذات نخلٍ، بين لابتين\"- وهما الحرَّتان فهاجر من هاجر قِبَل المدينة، ورجع عامةُ من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَل المدينة، فقال رسول الله ﷺ: \"على رسلك، فإني أرجو أن يُؤذن لي\" فقال أبو بكر: وهل ترجوذلك بأبي أنت؟ قال: \"نعم\" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمُر- وهو الخبط - أربعة أشهر (١).\n_________\nتقذف: الناس عليه، أي: ازدحموا.\nالذمة: العهد والأمان.\nأخفرتُ الرجل: إذا نقضت عهده.\nالسبخ من الأرض: الموضع الذي لا يكاد يُنبت لملوحته، وقلما يوافق إلا للنخيل، وأرض سبخة: أي ذات ملح ونز.\nاللاية: الحرة، والحرة: الأرض ذات الحجارة السود.\nعلى رسلك: بكسر الراء: على هِينَتِكَ.\nالراحلة: البعير القويُّ على الأحمال والسيرِ.","vol":"3","page":1564},{"text":"قال ابن شهاب (١): قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جُلوسٌ في بيت أبي بكر في نحرِ الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ - مُنَقنِّعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر - فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فذِن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: \"أخرج من عندك\" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك - بأبي أنت يا رسول الله - فاقل: \"فإني قد أُذن لي في الخروج\" قال أبو بكر: الصحابة، بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\" قال أبو بكر: فخُذ بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله ﷺ: \"بالثمن\" قالت عائشة: فجهزناهما أحثَّ الجهاز، ووضعنا لهما سُفرةً في جرابٍ، فقطعتْ أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبل ثورٍ، فكمنا فيه لاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلامٌ شابٌ ثقِفٌ لقِنٌ، فيُدْلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائتٍ، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاهُ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعلى عليهما عامر بن فهُيرة - مولى أبي بكر - منحةً من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعةٌ من العشاء، فيبيتان في رسلٍ -وهو لبنُ منحتهما،\n_________\n(١) أخرجه البخاري هكذا تعليقًا في (٧/ ٣٣١).\nالظهيرة: أشدُّ الحرّ.\nونحمرْها: أوائلها.\nالنطاق: أن تشد المرأة وسطها بحبل أو نحوه، وترفع ثوبها من تحته، فتعطف طرفًا من أعلاه على أسفله، لئلا ينال الأرض.\nثقف: حاذق فطن.\nلقِنِّ: اللقِنُ: سريع الفهم.\nأدلج: يدلج: إذا سار من أول الليل، وأدلج يدلج - بتشديد الدال -: إذا سار من آخره.\nكدت: الرجل أكيده: إذا طلبت له الفوائل ومكرت به.\nمنحة: الأصل في المنحة: أن يجعل الرجل لبن ناقته أو شاته لآخر وقتًا ما، ثم يقع ذلك في كل ما يرزقه المرء ويعطاه، والمنحة والمنيحة واحد، يقال: \"ناقة منوح\": إذا بقى لبنها بعدما تذهب ألبان الإبل. فكأنها أعطت أصحابها اللبن ومنحتهم إياه.\nفيريحها: الرَّواح: ذهاب العشي، وهو من زوال الشمس إلى الليل.\nفي رِسْل: الرَّسل، بكسر الراء وسكون السين: اللبن. =","vol":"3","page":1565},{"text":"ورضيفُهما- حتى ينعِق بها عامر بن فُهيرة بغلسٍ، يفعل ذلك في كل ليلةٍ من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الدِّيل- وهو من بني عبد بن عديِّ - هاديًا خريتًا- والخريتُ: الماهر بالهداية- قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كُفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فأتاهما صُبح ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما ابن فهيرة، والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل.\nوفي رواية: طريق الساحل.\nقال ابن شهاب تلعيقًا: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المُدلجيُّ- وهو ابن أخي سُراقة ابن جُعشم - أن أباه أخبره: أنه سمع سُراقة بن جُعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر ديةَ كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالسٌ في مجلس من مجالس قومي بني مُدلج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيتُ آنفًا أسوده بالساحل، أُراها محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثتُ في المجلس ساعة، ثم قمتُ فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمةٍ، فتحبسها عليِّ، وأخذتُ رُمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزُجِّهِ الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تُقرب بي، حتى دونتُ منهم، فعثرتْ بي فرسي، فخررتُ عنها (١)، فقمت فأهويتُ بيدي إلى كنانتي فاستخرجتُ\n_________\nالرضيف: اللبن المرضوف، وهو الذي جعل فيه الرضفة، وهي الحجارة المحماة.\nنعق الراعي بالغنم: دعاها لترجع إليه.\nبغلس: الغلس: ظلام آخر الليل.\nغمس: فلان حلفًا في آل فلان، أي: أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم، والحِلْف: التحالف.\nأسودة: جمع سواد، وهو الشخص.\nالأكمة: الرابية المرتفعة عن الأرض من جميع جوانبها.\nقرَّبَ: الفرسُ يقرب تقريبًا: إذا عدا عدْوًا دون الإسراع، وله تقريبان أدنى وأعلى.\nالكنانة: كالخريطة المستطيلة من جلود تجعل فيها السهام، وهي الجعبة.","vol":"3","page":1566},{"text":"منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضُرُّهم، أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي - وعصيتُ الأزلام - تُقرب بي، حتىإذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكثر الالتفات: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضتْ، فلم تكد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عُثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتُهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي - حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبس عنهم - أن سيظهر أمر رسول الله ر، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية -وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم - وعرضتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني شيئًا، ولم يسألاني، إلا أن قال: \"أخف عنا ما استطعت\" فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب لي في رُقعةٍ من أدمٍ، ثم مضى رسول الله ﷺ.\nقاب ابن شهاب (١): فأخبرني عروة بن الزبير أن رسل الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه، حتى يردهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى\n_________\n= الأزلام: القداح، واحدها: زُلم، وزَلم- بفتح الزاي وضمها، وفتح اللام فيهما - والقِدْحُ: السهم الذي لا نصل له ولا ريش، وكان لهم في الجاهلية هذه الأزلام، مكتوب عليها الأمر والنهي، وكان الرجل منهم يضعها في كنانته أو في وعائه، ثم يخرج منها عند عزيمته على أمر ما اتفق له من غير قصد، فإن خرج الآمرُ مضي على عزمه، وإن خرج الناهي انصرف.\nالاستقسام: أصل الاستقسام: طلب ما قسم الله له من الأقسام، \"والقَسَّم\": النصيب المغيب عنه عند طلبه، وذلك محمود إذا طلب من جهته سبحانه، وكان أهل الجاهلية يطلبون ما غيب عنهم من ذلك من جهة الأزلام، فما دلتهم عليه فعلوه.\nساخت: قوائم الدابة في الأرض: غاصت فيها.\nعثان: العثان: الغبار، وأصله الدخان.\nالساطع: المرتفع في الجو منتشرًا.\nما رزأت فلانًا شيئًا: أي: ما أصبت منه شيئًا، والمراد أنهما لم يأخذا منه شيئًا.\n(١) رواه البخاري تعليقًا (٧/ ٢٣٩).\nقافلين: القافل: الراجع من سفره.","vol":"3","page":1567},{"text":"بيوتهم أوفى رجلٌ من يهود على أطمٍ من آطامهم لأمرٍ ينظر إليه، فبصُرَ برسول الله ﷺ وأصحابه مُبيضين، يزولُ بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدُّكم الذي تنتظرون، قال: فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتًا، فطفِقَ من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف النسا رسول الله ﷺ عند ذلك. فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أُسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينةن وهو يصلي فيه يومئذ رجالٌ من المسلمين، وكان مربدًا للتمر، لسهل وسهيل - غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بَركتْ راحلته: \"هذا إن شاء الله المنزل\" ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبُه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبةً حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدًا وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللَّبِنَ في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن:\nهذا الحمالُ لاحمالُ خيبرْ ... هذا أبرُّ ربنا وأطهرْ\nيقول (١):\n_________\n= أوفي: أشرف واطلع.\nآطامهم: الأطُم: بناء مرتفع.\nمبيضين: بكسر الياء، ذوو ثياب بيض.\nيزول بهم: زوال بهم السراب، أي: ظهرت حركتهم فيه للعين.\nجدتم: بفتح الجيم، أي حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعون.\nالمربد: البيدر الذي يوضع فيه التمر.\nالحِمال: بكسر الحاء: من الحمل والذي يحمل من خيبر هو التمر، ولعله عني: أن هذا في الآخرة أفضل من ذلك ثوابًا وأحسن عاقبة.","vol":"3","page":1568},{"text":"اللهم إنالأجر أجرُ الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة\nفتمثل بشعر رجل من المهاجرين، لم يسمِّ لي.\nقال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت تامٍّ غير هذه الأبيات.\nقال ابن حجر عن المعلق الأول:\nقوله (قال ابن شهاب) هو موصول بإسند حديث عائشة، وقد أفرده البيهقي في \"الدلائل\" وقبله الحاكم في \"الإكليل\" من طريق ابن إسحق \"حدثني محمد بن مسلم هو الزهري به\" وكذلك أورده الإسماعيلي منفردًا من طريق معمر والمعافي في الجليس من طريق صالح بن كيسان كلاهما عن الزهري.\nوقال عن المعلق الثاني:\nقوله (قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب) هو متصل إلى ابن شهاب بالإسناد المذكور أولًا، وقد أفرده الحاكم من وجه آخر عن يحيى بن بكير بالإسناد المذكور، ولم يستخرجه الإسماعيلي أصلًا وصورته مرسل، لكنه وصله الحاكم أيضًا م طريق معمر عن الزهري قال \"أخبرني عروة أنه سمع الزبير\" به، وأفاد أن قوله \"وسمع المسلمون إلخ\" من بقية الحديث المذكور. وأخرجه موسى بن عقبة عن ابن شهاب به وأتم منه وزاد \"قال: ويقال لما دنا من المدينة كان طلحة قدم من الشام، فخرج عائًا إلى مكة إما متلقيًا وإما معتمرًا، ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلما لقيه أعطاه فلبس منها هو وأبو كبر\" انتهى، وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون كل من طلحة والزبير أهدى لهما من الثياب. والذي في السير هـ والثاني، ومال الدمياطي إلى ترجيحه على عادته في ترجيح ما في السير على ما في الصحيح، والأولى الجمع بينهما وإلا فما في الصحيح أصح، لأن الرواية التي فيها طلحة من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، والتي في الصحيح من طريق عقيل عن الزهري عن عروة. ثم وجدت عند ابن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه نحو رواية أبي الأسود، وعند ابن","vol":"3","page":1569},{"text":"عائذ في المغازي من حديث ابن عباس \"خرج عمرو والزبير وطلحة وعثمان وعياش بن أبي ربيعة نحو المدينة، فتوجه عثمان وطلحة إلى الشام\" فتعين تصحيح القولين، أهـ.\n١٥٢٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب - يعني الجنة - يا عبد الله هذا خيرٌ. فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهادن ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومنْ كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان\". فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة. وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: \"نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر\".\n١٥٢٦ - * روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ جلس على المنبر فقال: \"إن عبدًا خيرهُ الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده\" فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر النبي ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الحياة الدنيا وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان ﷺ هو المخير، وأبو بكر أعلمنا به، فقال ﷺ: \"إن من من الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متخذًا خليلًا لاتخذتُ أبا بكر، ولكنْ أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخةُ أبي بكر\".\n١٥٢٧ - * روى مسلم عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله ﷺ بيتي، قال (١):\n_________\n١٥٣٥ - البخاري (٧/ ١٩) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٥ - باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا\".\nزوجين: صنفين من ماله في سبيل الله.\n١٥٣٦ - البخاري (٧/ ١٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٣ - باب قول النبي ﷺ سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر.\nومسلم (٤/ ١٨٥٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٤٤ - باب من فضائل أبي بكر.\nوالترمذي (٥/ ٦٠٨) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٥ - باب.\nالخوخة: النافذة في الجدار.\n١٥٢٧ - مسلم (١/ ٣١٣) ٤ - كتاب الصلاة-٣١ - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض أو سفر وغيرهما من يصلي بالناس.","vol":"3","page":1570},{"text":"\"مُروا أبا بكرٍ فليُصل بالناس\" قالت فقلت: يا رسو الله! إن أبا بكر رجلٌ رقيقٌ. إذا قرأ القرآن لا يملك دمعهُ. فلو أمرت غير أبي بكر! قالت: والله! ما بي إلا كراهيةُ أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله ﷺ. قالت فراجعته مرتين أو ثلاثًا. فقال: \"ليُصل بالناس أبو بكر. فإنكن صواحبُ يوسف\".\n١٥٢٨ - * روى البخاي ومسلم عن عائشة قالت: لقد راجعتُ رسول الله ﷺ في ذلك. وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لمي قع في قلبي أن يُحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا. وإلا أني كنتُ أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به. فأردتُ أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر.\n١٥٢٩ - * روى البزار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة دُعي الإنسانُ بأكثر عمله فإن كانت الصلاة أفضل دُعي بها وإن كان صيامه دعي به، وإن كان الجهاد دُعي به، ثم يأتي بابًا من أبواب الجنة يُقال له الريانُ يدعى منه الصائمون\" قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله أثم أحدٌ يُدعى بعملين قال: \"نعم أنت\".\n١٥٣٠ - * روى الحاكم عن عمر ﵁ قال: كان أبو بكرٍ سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الهل ﵌.\n١٥٣١ - * روى عبد الله بن أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار سُدُّوا كل خوخةٍ، في المسجد غير خوخةِ أبي بكرٍ\" (١).\n_________\n١٥٢٨ - البخاري (٨/ ١٤٠) ٦٤ - كتاب المغازي- ٨٣ - باب مرضي النبي ﷺ ووفاته، ومسلم في نفس الموضع السابق.\n١٥٢٩ - البزار: كشف الأستار (٤/ ١٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (١٠/ ٣٩٨): رواه البزار، وإسناده حسن.\n١٥٣٠ - المستدرك (٣/ ٦٦) وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n١٥٣١ - أورده الهيثيمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٢) وقال: رواه عبد الله ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1571},{"text":"١٥٣٢ - * روى أحمد والطبراني عن ربيعة الأسلمي قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلمفأعطانا أرضًا، وأعطى أبا بكر أرضًا، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلةٍ، فقال أبو بكر: هي في حدي، وقلت أنا: هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكرٍ كلامٌ: فقال أبو بكر كلمةٌ كرهتُها وندم فقال لي: يا ربيعة رُدَّ علي مثلها حتى تكون قصاصًا، فقلت: لا أفعل. فقال أبو بكر: لتفعلن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله لعيه وسلم: فقلتُ: ما أنا بفاعل ورفض الأرض، فانطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ وانطلقت أتلوه فجاء أناسٌ من أسلم فقالوا: يرحمُ الله أبا بكر، في أي شيءٍ يستعدي عليك رسول الله ﷺ وهو الذي قال لك ما قال؟ قلتُ: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، وهو ثاني اثنين وهو ذو شيبة المسلمين، فإياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله ﷺ فيغضبُ لغضبه فيغضبُ الله لغضبهما فتهلك ربيعة قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، فانطلق أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وتبعته وحدي وجعلت أتلوهُ حتى أتى رسول اله ﷺ فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليَّ رأسه فقال: \"يا ربيعة مالك وللصديق؟ \" قلت يا رسول الله كان كذا، كان كذا، قال لي كلمة كرهتُها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصًا. فقال رسول الله ﷺ: \"أجلْ فلا تردنَّ عليه، ولكنْ قل غفر الله لك يا أبا بكر\" فولى أبوب بكر وهو يبكي.\n١٥٣٣ - * روى البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنتُ جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ: \"أما صاحبُكم فقد غامر\" فسلم، وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعتُ إليه، ثم ندمتُ فسألته أن يغفر لي، فأبى عليِّ، فأقبلت إليك، فقال (١): \"يغفرُ الله لك\n_________\n١٥٣٢ - أحمد في مسنده (٤/ ٥٨).\nوالمعجم الكبير (٥/ ٥٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٥): رواه الطبراني وأحمد بنحوه في حديث طويل وفيه مبارك بن فضالة وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات.\nعذق نخلة: العذقُ: النخلة بحملها.\nوالعِذقُ: العرجون بما فيه من الشماريخ والجمع عِذاق.\n١٥٣٣ - البخاري (٧/ ١٨) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٥ - باب قول النبي ﷺ \"لو كنت متخذًا خليلًا\".\nغامر: أي: خاصم.\nأسرعت إليه: آذيته بالقول.","vol":"3","page":1572},{"text":"يا أبا بكرٍ\" - ثلاثًا- ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكرٍ، فقال: أثم أبو بكرٍ؟ قالوا: لا، فأتى النبي ﷺ، فجعل وجهُ النبي ﷺ يتمعَّر، حتى أشفق أبو بكرٍ، فجثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله والله أنا كنتُ أظلمَ - مرتين - فقال رسول الله ﷺ: \"إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ \" - مرتين- فما أوذي بعدها.\nوفي أخرى (١) قال: كانت بين أبي بكر وعمر محاورةٌ، فأغضب أبو بكر عم، فانصرف عمر مُغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى النبي ﷺ - قال أبو الدرداء: ونحن عندهُ -فقال النبي ﷺ: \"أما صاحبكم هذا فقد غامر\" قال: وندم عمرُ على ما كان منه، فأقبل حتى سلم، وجلس إلى النبي ﷺ، فقص على رسول الله ﷺ الخبر، قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ﷺ، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنتُ أظلم، فقال النبي ﷺ: \"هل أنتمُ تاركون لي صاحبي؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إني قلتُ: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت\".\n١٥٣٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان لأبي بكرٍ غلامٌ يُخرجُ له الخراجن وكان أبو بكر يأكلُ من خراجه، فجاء يومًا بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تُكهنت لإنسان في الجهالية: وما أُحسنُ الكهانة، إلا أني خدعته، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه (٢).\n_________\n= التمعر: تغير اللون من الغضب.\n(١) البخاري (٨/ ٣٠٣) ٦٥ - كتاب التفسير -٣ - باب (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا).\n١٥٣٤ - البخاري (٧/ ١٤٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٢٦ - باب أيام الجاهلية.\nيخرج له الخراج: أي يأتيه بما يكسبه وهو ما يقرره السيد على عبده من مال يحضره له من كسبه.\nتكهنتُ: التكهُّنُ: فعلُ الكاهن، وهو إخباره لمن يسأله عماي سأله عنه من المغيبات.\n(٢).","vol":"3","page":1573},{"text":"١٥٣٥ - * روى الحاكم عن سعيد بن المسيب ﵁، أن أبا بكر الصديق ﵁، لما بعث الجيوش نحو الشام يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشُرحبيل بن حسنة مشى معهم حتى بلغ ثنية الوداع، فقالوا: يا خليفة رسول الله تمشي ونحنُ رُكبان؟\n١٥٣٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يومًا: \"من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ \" قال أبو بكر الصديق: أنا، قال: \"فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: \"فمنْ أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ \" قال أبو بكر: أنا، قال: \"فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ \" قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله ﷺ: \"ما اجتمعن في رجل إلا دخل النة\"؟\n١٥٣٧ - * روى أبو يعلي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ما نفعنا مالُ أحدٍ ما نفعنا مالُ أبي بكرٍ\".\n١٥٣٨ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"مالأحدٍ عندنا يد إلا وقد كافأناهُ، ما خلا أبا بكر، فإن له ندنا يدًا يكافئهُ الله به يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنتُ متخذًا خليلًا من الناس لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإن صاحبكم خليلُ الله\".\n(لو كنت متخذًا خليلاص لاتخذت أبا بكر خليلًا) قد ذكرنا معنى الخلة وأنها من المودة، وقيل: هو من تخللها القلب، أي دخولها فيه، والمقصود من الحديث: أن الخلة تلزم فضل مراعاة للخليل، وقيام بحقه، واشتغال القلب بأمره، فأخبر ﷺ أنه ليس عنده فضل مع خلة الحق للخلق، لاشتغال قلبه بمحبة الله سبحانه، فلا يحتمل ميلًا إلى غيره (١).\n_________\n١٥٣٥ - المستدرك (٣/ ٨٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: مرسل.\n١٥٣٦ - مسلم (٤/ ١٨٥٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق.\n١٥٣٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٥١) وقال: رواه أبو يعلي، ورجاله رجال الصحيح، غير إسحاق بن إسرائيل وهو ثقة مأمون.\n١٥٣٨ - الترمذي (٥/ ٦٠٩) ٥٠ - كتاب المناقب، باب: ١٥، وهو حسن بشواهده.","vol":"3","page":1574},{"text":"١٥٣٩ - * روى أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا، فقلتُ: اليوم أسبِقُ أبا بكر - إن سبقته - يومًا، قال: فجئتُ بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ: \"ما أبقيت لأهلك؟ \" قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: \"يا أبا بكرٍ، ما أبقيت لأهلك؟ \" قال: أبقيت لهم الله وروسله، قلتُ: لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا.\n١٥٤٠ - * روى الطبراني عن عروة قال: أعتق أبو بكر سبعة ممن كان يعذب في الله منهم: بلال وعامر بن فهيرة.\n١٥٤١ - * روى البخاري ومسلم عن جبير بن مُطعمٍ ﵁ قال: أتت امرأة رسول الله ﷺ فأمرها أن ترجع، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ - كأنها تقول: الموت- قال: \"إن لم تجديني فائتي أبا بكرٍ\".\nقال الحافظ في \"الفتح\": وفي الحديث أن مواعيد النبي ﷺ كان على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها\n١٥٤٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو قدْ جاءنا مالُ البحرين لقد أعطيتُك هكذا وهكذا وهكذا\" وقال بيديه جميعًا. فقُبض النبي ﷺ قبل أن تجيء مال البحرين. فقدم على أبي بكر بعده. فأمر مناديًا فنادى: من كانت له على النبي ﷺ عدةٌ أودينٌ فليأتِ. فقمتُ فقلتُ: إن النبي ﷺ قال \"لو قد جاءنا مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا\" فحثى أبو بكرٍ مرة. ثم قال لي: عُدها. فعددتُها فإذ هي خمسمائة. فقال: خذْ مثليها (١).\n_________\n١٥٣٩ - أبو داود (٣/ ١٢٩) كتاب الزكاة، باب في الرخصة في ذلك.\nوالترمذي (٥/ ٦١٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٦ - باب في مناقب أبي بكر وعمر. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٥٤٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٥٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله إلى عروة رجال الصحيح وهو مرسل.\n١٥٤١ - البخاري (٧/ ١٧) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٥ - باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا\".\nومسلم (٤/ ١٨٥٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق.\n١٥٤٣ - مسلم (٤/ ١٨٠٧) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٤ - باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه.","vol":"3","page":1575},{"text":"١٥٤٣ - * روى أحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: لما توفي رسول الله ﷺ قام خطباء الأنصار فقال: يا معشر المهاجرين إن رسول الله ﷺ كان إذا بعث رجلًا منكم قرنه برجلٍ منا فنحن نرى أن يلي هذا الأمر رجلان رجلٌ منا ورجلٌ منكم. فقام زيد بن ثابتٍ ﵁ فقال إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وكنا أنصار رسول الله ﷺ فنحنُ أنصارُ من يقومُ مقامه فقال أبو بكر: جزاكم الله خيرًا من حي يا معشر الأنصار وثبت قائلكم. والله لو قلتم غير ذلك ما صالحناكم.\n١٥٤٤ - * روى الطبراني عن سالم بن عبيدٍ وكان من أصحاب الصُّفة قال: أغمي على رسول الله ﷺ في مرضه فأفاق فقال: \"حضرت الصلاة؟ \" قلنا: نعنم قال: \"مُروا بلالًا فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس\" فقالت عائشة ﵂: إن أبي رجل أسيفُ فلو أمرت غيره فليصل بالناس. ثم أغمى عليه فأفاق فقال: \"هل حضرت الصلاة؟ \" قلت: نعم. قال: \"مروا باللًا فليؤذنْ ومروا أبا بكر فليصل بالناس\" فقالت عائشة ﵂: إن أبي رجلٌ أسيفٌ فلو أمرت غيره فليصل بالناس. ثم أغمي عليه فأفاق فقال: \"أقيمت الصلاة؟ \" قلنا: نعم. قال: \"ائتوني بإنسان أعتمدُ عليه\" فجاءه بُريدة وإنسان آخر فاعتمد عليهما فأتى المسجد فدخله وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس فذهب أبو بكر يتنحى فمنعه رسول الله ﷺ وأجلس إلى جنب أبي بكر حتى فرغ من صلاته. فقُبض رسول الله ﷺ فقال عمر: لا أسمع أحدًا يقول مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بالسيف؛ فأخذ أبو بكر بذراعي فاعتمد عليِّ وقام يمشي حتى جئنا فقال: أوسعوا فأوسعوا له، فأكب عليه ومسَّه قال: إنك ميت وإنهم ميتون، قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ مات رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. فعلموا أنه كما قال. قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ أنصلي على رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، يدخل قومٌ فيكبرون ويدعون ويصلون ثم ينصرفون، ويجيء آخرون حتى يغرُغوا. قالوا (١): يا صاحب رسول الله ﷺ\n_________\n١٥٤٣ - أحمد في مسنده (٥/ ١٨٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٨٣) وقال: رواه الطبراني وأحمد ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٤٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٨٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\nأسيف: أي سريع البكاء والحزن، وقيل هو الرقيق.","vol":"3","page":1576},{"text":"أيُدفنُ رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قالوا: وأين يدفنُ؟ قال: حيثُ قُبضَ، فإن الله ﵎ لم يقبضه إلا في بقعةٍ طيبةٍ. فعلموا أنه كما قال. ثم قام فقال: عندكم صاحبُكم، فأمرهم يغسلونه، ثم خرج واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار فإن لهم في هذا الأمر نصيبًا، فانطلقوا. فقال رجلٌ من الأنصار: منا أميرٌ ومنكم أميرٌ، فأخذ عمر بيد أبي بكر ﵄ فقال: أخبروني من له هذه الثلاث: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي﴾ من هما؟ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ من صاحبه؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فأخذ بيد أبي بكر ﵁ فضرب عليها وقال للناس: بايعوه. فبايعوه بيعةً حسنة جميلة.\n١٥٤٥ - * روى أحمد عن بُريدة قال: مرض رسول الله ﷺ فقال: \"مروا أبا بكر يصلي بالناس \" فقال عائشةُ: يا رسول الله إن أبي رجل رقيقٌ، فقال: \"مروا أبا بكر يصلي فإنكن صواحبات يوسف\" فأم أبو بكر الناس والنبي ﷺ حي.\n١٥٤٦ - * روى الحاكم عن عبد الله قال: ما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيء، وقد رأى الصحابة جميعًا أنْ يستخلفُوا أبا بكرٍ ﵁.\n١٥٤٧ - * روى الحاكمعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: ولينا أبو بكر فكان خيرَ خليفةِ الله وأرحمهُ بنا وأحناهُ علينا.\n١٥٤٨ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: تذاكر رسول الله ﷺ وأبو بكر ميالدهما عندي وكان رسول الله ﷺ أكبر من أبي بكر، فتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاثٍ وستين، لسنتين ونصف التي عاش بعد رسول الله ﷺ، يعني أبا بكر (١).\n_________\n١٥٤٥ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٦١) ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٤٦ - المستدرك (٣/ ٧٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n١٥٤٧ - المستدرك (٣/ ٧١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n١٥٤٨ - المعجم الكبير (١/ ٥٨)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"3","page":1577},{"text":"أقول: المراد من النص أن أبا بكر توفي في السن نفسه الذي توفي فيه رسول الله ﷺ\n١٥٤٩ - * روى الطبراني عن سعيد بن المسيب قال: تُوفي أبو بكر الصديقُ وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنة، وولي سنتين، ودُفن ليلًا وصلى عليه عمر.\n١٥٥٠ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: تُوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء ودُفن ليلًا.\n١٥٥١ - * روى الطبراني عن الهيثم بن عمران قال: سمعت جدي يقول: توفي أبو بكر الصديق وبه طرف من السل وولي سنتين ونصفًا.\n١٥٥٢ - * روى الطبراني عن يحيى بن بكير قال: استُخلف أبو بكرٍ في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ وتُوفي في جُمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.\n١٥٥٣ - * روى الطبراني عن الحسن بن علي قال: لما احتُضر أبو بكرٍ قال: يا عائشة انظري اللقحة اليت كنا نشربُ من لبنها والجفنة التي كنا نصطبحُ فيها والقطيفة التي كنا نلبسُها، فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين فإذا متُّ فاردُديه إلى عمر فلما مات أبو بكر أرسلت به إلى عمر فقال عمر: رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتبعت من جاء بعدك (١).\n* * *\n_________\n١٥٤٩ - المعجم الكبير (١/ ٥٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٥٥٠ - المعجم الكبير (١/ ٦١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٥٥١ - المعجم الكبير (١/ ٦١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٥٥٢ - المعجم الكبير (١/ ٦١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه قال: عن الزبير بن بكار.\n١٥٥٣ - المعجم الكبير (١/ ٦٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٣١) رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>تعليقات</span>\n* نستطيع أن نقول: إن أبا بكر الصديق ﵁ كان امتدادًا لشخصية رسول الله ﷺ، يظهر ذلك في أنه تابع عملية الجهاد على الأرض العربية وخارجها وتلك التي وضع رسول الله ﷺ أسسها العملية ونزل القرآن آمرًا بها، ومن خلال الرؤية الشاملة لمواقف الصحابة رضوان الله عليهم نجد أنه لولا أبو بكر لما سارت الأمور بالشكل الذي سارت فيه، ومن ثم فإن الفتوحات الإسلامية والانطلاقة التي دثت في عهد عمر ﵁ ومن جاء بعده، كل ذلك في صحيفة أبي بكر، وهي وهو في صحيفة رسول الله ﷺ، ومن ههنا نقول: إنه لا أفضل من أبي بكر ولا أثقل منه في نميزان الإسلام بعد رسول الله ﷺ.\n* * *\n* وإذا كان رسول الله ﷺ هو المؤسس فإن المجدد الأول لهذا الدين هو أبو بكر، فالردةُ كانت شاملة تقريبًا، ولقد كادت أن تعصف بكل شيء، فالمستقبل السياسي للإسلام أصبح في خطر، وأحكام الإسلام أصبحت في خطر، وكادت دولة الإسلام أن تنتهي، ولولا مواقف أبي بكر لم تعد الأمور إلى نصابها، ولم يقم الإسلام من جديد، فكان بحق المجدد الأول للإسلام، لكنه تجديد ليس له مثيل ولا عديل، فغيره من المجددين جاؤوا والإسلام في الأرض مكين وتجربته ممتدة، أما تجديده هو فكان في مرحلة عاصفة ونبت الإسلام غض.\n* ومع الفهم السديد للإسلام ومع هذا العزم والحزم فقد امتلك أبو بكر قوة المبادرة التي قذفت بالمسلمين إلى عوالم جديدة، فلما تسلم الراية عمر ﵁ كانت نقاط الانطلاق محددة فسار بها بحزم وعزم ومبادرات مكافئة، ولكن لأبي بكر فضيلة السبق وشق الطريق، فمن يدعي بعد ذلك أن هناك أثقل من أبي بكر في الميزان؟\n* ويرى بعض الباحثين أن موقف أبي بكر من بعث أسامة وموقفه من المرتدين دليل على أن الشورى في حق أمير المؤمنين معلمة لا ملزمة بدليل أن أبا بكر خالف الناس في ذلك والأمر عندنا أن في هاتين القضيتين نصوصًا، وحيثما كانت النصوص فلا محل للشورى، فالرسول ﷺ توفي وهو يوصي بإنفاذ جيش أسامة والرسول ﷺ يقول: \"أمرت","vol":"3","page":1579},{"text":"أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ... \" ولذلك فإنني لا أرى في هاتين الحادثتين دليلًا على عدم إلزامية الشورى والذي أراه لعصرنا أن المسلمين على شروطهم فحيثما تعاقدوا على حدود للشورى فإنها تلزم المتعاقدين.\n* * *\n* ولقد سن أبو بكر سننًا، واجتهد اجتهادات، ولقد خالفه بعد ذلك في بعض اجتهاداته عمر وغيره، ومن ههنا نقول: إن كل تصرفات الخلفاء الراشدين هي من باب السوابق الدستورية لهذه الأمة، وهذه الأمة تستطيع أن تبني على أي سنة من سننهم إذا رأت في ذلك مصلحة وكان ذلك من خلال الشورى.\n* * *\n* ومن أهم ميزات أبي بكر ﵁ حسن اختياره للرجال وإعطائهم الفرص لإطلاق طاقاتهم ومعرفته بنفسية رعيته يظهر ذلك من قولة عمر: \"رحم الله أبا بكر فلقد كان أعرف مني بالرجال، ومن إطلاقه العنان لخالد في التصرفات ومن تحريكه العرب إلى فتح الشام والعراق مباشرة بعد ما أنهى، ولولا ذلك لأهلك العرب بعضهم بعضًا.\n* * *","vol":"3","page":1580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>عمر بن الخطاب ﵁ </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>ميلاده ووفاته:</span>\nولد عمر بن الخطاب بمكة قبل حرب الفِجار بنحو أربع سنوات على ما يرويه الطبري. ونشأ نشأة عالية كريمة، فكان فصيحًا بليغًا جريئًا في الحق. وهو من الرهط الذين انتهى إليهم الشرف في الجاهلية، وكانت إليه السفارة في قريش. أسلم في السنة الخامسة للبعثة وأعز الله به الإسلام، كان إسلامه فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمرته رحمة، وقضى نحبه شهيدًا بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسي لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>بيعته في الخلافة:</span>\nبويع عمر بن الخطاب ﵁ سنة ثلاث عشرة للهجرة بعد وفاة الصديق ﵁، واستمرت خلافته حتى سنة ثلاث وعشرين، فكانت خلافته عشر سنين كلها عدل ورحمة وبر وجهاد.\nوكان أبو بكر الصديق ﵁ قد عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب حرصًا منه على وحدة المسلمين، وجمع شملهم، وقطعًا لدابر الخلاف بينهم، وقد وقع اختيار الصديق على عمر ﵁ لأنه أهل لتحمل أعباء الخلافة والاضطلاع بمسؤولياتها، فعمر رجل شديد في غير عنف، ولين في غير ضعف، وكان الصديق ﵁ في مرضه الأخير يستشير الصحابة في عمر فيثنون عليه خيرًا ويشهدون له بالفضل ويقرون له بالجميل، وكان عثمان بن عفان ﵁ هو الذي كتب عهد الصديق إلى عمر بالخلافة، فلما قرئ العهد على المسلمين أقروا به وسمعوا له وأطاعوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>سيرته قبل الخلافة:</span>\nوقف عمر بن الخطاب ﵁ حياته بعد أن أسلم على نصرة الإسلام والذود عن\n_________\n(١) شارك في إعداد مقدمة هذه الترجمة أحد الإخوة فجزاه الله خيرًا.","vol":"3","page":1581},{"text":"حياضه، فقد صاحب الرسول ﷺ فأحسن صحبته وبالغ في نصرته، كان من أشد الناس على الكفر وأهله، وشهد الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلمن فكان مع النبي ﷺ في بدر وأحد والخندق وبيعة الرضوان وخيبر والفتح وغيرها، كان يشير على الرسول بالأمر فينزل الوحي موافقًا لما أشار به، وكان الصديق ﵁ يستشيره في معضلات الأمور، ومشكل القضايا، وكان الساعد الأيمن للصديق في حرب المرتدين، وهو صاحب الفضل في حمل الصديق على جمع القرآن الكريم وتدوينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>سيرته أثناء الخلافة:</span>\nكانت حياة الفاروق رضي الله عن حافلة بجلائل الأعمال، فقد قوض الله على يديه أعظم إمبراطوريتين في ذلك العصر: الروم وفارس. وتمت في عهده فتوحات واسعة، تسير جيوشه مكللة بأكاليل النصر والظفر، لا تنكس لها راية، ولا يطوى لها لواء، ناشرة عقيدة التوحيد أينما ألقت عصا التسيار، حاملة مبادئ الخير والعدل والرحمة إل كل الأقطار والأمصار، أهم هذه الفتوحات فتوح الشام، وهذه أهم معاركها في عهد عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>١ - فتح دمشق:</span>\nآلت قيادة الجيش بعد وفاة الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح بعد عزل خالد ﵁ من قبل الفاروق، وارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجيش على مرج الصُّفّر وهو عازم على حصار دمشق فقد نُمي إليه أن هرقل قد تحصن في حمص، وأن جموعًا كبيرة من الروم قد اجتمعت بفحْلٍ من أرض فلسطين، وقد كتب أبو عبيدة إلى الفاروق يستشيره ماذا يصنع؟ فأشار إليه أن يبدأ بفتح دمشق فإنها حصن الروم وبيت مملكتهم، وأن يشغل أهل فحل بخيل تكون تلقاءهم فإن فتح الله عليه دمشق سار إلى فِحْل، فإن فتحها الله له سار وخالد إلى حمص وترك عمرو بن العاص وشرحبيل على الأردن وفلسطين. وكان أبو عبيدة قائدًا أريبًا نجيبًا فقد بعث جيشًا ليكون بين دمشق وفلسطين، وأرسل جيشًا آخر يكون بين دمشق وحمص ليقطع عن دمشق كل مدد يأتيها من قبل الروم.\nومضى أبو عبيدة لحصار دمشق معه كبار قادته، فنزل خالد بن الوليد على الباب","vol":"3","page":1582},{"text":"الشرقي، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية الصغير، وشرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد وحاصروا دمشق حصارًا شديدًا، فأبلس أهلها وضعفوا، وقوي المسلمون واشتد حصارهم، وآنس خالد من الروم غِرَّة فقد ولد لبطريقهم - وهو القائد عند الروم تعادل اليوم رتبة جنرال- ولد فأكلوا وشربوا وناموا عن مواقعهم، فنهز خالد وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقربٍ في أعناقهم ونصبوا السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات وصعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير وانحدروا إلى البوابين فصرعوهم وفتحوا الباب عنوة، ودخل الجيش من الباب الشرقي وشرع يقتل كل من وجد منأصحاب هذا الباب، وسأل أهل دمشق أمراء المسلمين على بقية الأبواب الصلح فأجابوهم دون أن يعلموا ما صنع خالد، واستقر أمر دمشق على الصلح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>٢ - فتح الأردن:</span>\nفتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة، وبعث أبو عبيدة خالدًا فغلب على البقاع وصالحه أهل بعلبك على أنصاف منازلهم وكنائسهم ووضع الخراج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>٣ - وقعة فِحل:</span>\nخلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق وسار إلى فِحل وهي بلدة بالغور وعلى مقدمة الجيش خالد بن الوليد، وعلى ميمنته أبو عبيدة، وعمرو بن العاص على الميسرة، ولما علم أهل فحل بخروج المسلمين إليهم انحازوا إلى بيسان، وأرسلوا المياه على الأراضي تفصل بينهم وبين المسلمين فكانت مكيدة عظيمة، وظن الروم أن المسلمين على غرة فركبوا إليهم وهجموا عليهم، وكان المسلمون على أهبة الاستعداد، فقاموا إليهم وأعملوا السيوف في رقابهم، ففر الروم لا يلوون على شيء، وغرقوا في الوحل الذي كادوا به المسلمين، وقتل منهم ما يقارب الثمانين ألفًا وغنموا منهم مالًا جزيلًا، ومضى أبو عبيدة وخالد نحو حمص عملًا بوصية الخليفة الفاروق. واستخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل ابن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم خلقًا كثيرًا، ثم صالحه أهلها فضرب عليهم الجزية والخراج على أراضيهم.","vol":"3","page":1583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>فتوح العراق:</span>\nلما كان الصديق في مرضه الأخير أوصى عمر بن الخطاب أن يندب الناس لقتال أهل العراق ومناجزتهم، ومن أحرص من ابن الخطاب على تنفيذ وصية الصديق؟ فلما مات الصديق ﵁ طفق عمر يحث الناس على قتال أهل العراق، ويرغبهم في الأجر والثواب، فكان أبو بعيد بن مسعود الثقفي أول من لبّى، وتتابع الناس في الإجابة، وأمر الفاروق أبا عبيد على الجميع وأشخصه إلى العراق ومعه سبعة آلاف رجل، وكتب الفاروق إلى أبي عبيدة أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى أرض العراق، فجهز عشرة آلاف مقاتل ولوا وجوههم شطر العراق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>١ - وقعة الجسر:</span>\nتذامرت الفرس بينهم بعد الهزيمة التي حاقت بهم أمام الجيش الإسلامي بقيادة أبي عبيد، فأرسل رُستم جيشًا جرارًا بقيادة ذا الحاجب - بهمن جاذويه - فوصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر، فطلبوا من المسلمين أن يعبروا النهر فأجابهم أبو عبيد، ودار قتال شديد وبدأت خيول المسلمين تفرّ من الفيلة التي جاءت بها الفرس وعليها الجلاجل، فاحتوشها المسلمون وقتلوها سوى فيل أبيض عظيم حمل عليه أبو عبيد فقطع ذلومه، فهاج الفيل وتخبط أبا عبيد برجليه فصرعه وصرع سبعة من الأمراء الذي نص عليهم أبو عبيد، فوهن المسلمون وولوا مدبرين وقتل منهم خلق كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>٢ - وقعة البويب:</span>\nالتقى المسلمون بقيادة المثنى بن حارثة مع الجيش الفارسي الذي يقوده مهران بمكان يقال له (البويب) قريب من الكوفة وبينهما الفرات، فعبرت الفرس إلى المسلمين واقتتلوا اقتتالًا شديدًا، فصُرع مهران وهرب الفرس وركب المسلمون أكتافهم وذلت لهذه الواقعة رقاب الفرس وقتل منهم وغرق ما يقارب مائة ألف، وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام.\nوانتظم شمل الفرس، واجتمع أمرهم على يزدجرد الذي أقاموه من بيت الملك، ونبذ","vol":"3","page":1584},{"text":"أهل الذمة في العراق المواثيق التي أخذها المسلمون الفاتحون عليهم، ونكثوا عهودهم وآذوا المسلمين وأخرجوا عمال الخليفة من بين أظهرهم، فعزم الفاروق ﵁ على غزو العراق بنفسه، ولكن عبد الرحمن بن عوف ثناه عن ذلك، واستصوب الصحابة رأي ابن عوف، وأشار عليه أن يؤمر سعد بن أبي وقاص ﵁ على الناس لقتال الفرس فاستجاد الفاروق رأيه وأمر سعدًا على العراق. وسار سعد إلى العراق فلما بلغ العذيب اعترض المسلمين جيشٌ للفرس مع شيرذاد أراذويه فهزمه المسلمون وغنموا أموالهم وأمتعتهم وفرح المسلمون وتفاءلوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>٣ - غزوة القادسية:</span>\nأمر الفاروق سعد بن أبي وقاص أن يقصد القادسية فيَّمم سعد وجهه شطرها وكانت القادسية باب العراق، فالتقى برستم في جيش لجب يربو على مائة وعشرين ألفًا، وكان المسلمون يتراوح عددهم بين سبعة آلاف وثمانية آلاف مقاتل.\nأرسل سعد ﵁ طائفة من أصحابه إلى كسرى (يزدجرد) يدعونه إلى الله تعالى فاستأذنوا فأذن لهم، وكان كسرى متكبرًا، فضلًا عن أنه لم يستوعب الموقف الجديد، فرد رسل سعد على تساؤلات يزدجردت ودعوه إلى الإسلام فإن أبى فالجزية فإن امتنع فالسيف الذي يفصل بينهم وبينه، فاستشاط غضبًا وورم أنفه، وقال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شيء لكم عندي، وقابل وفد آخر من المسلمين رستم قائد الجيش الفارسي، وقالوا له ما قالوا لكسرى، فأعجب رستم بقوة حجتهم وسديد إجابتهم وأيقن أن المسلمين سيملكون سرير ملكه.\nوتواجه الفريقان واقتتلوا قتالًا شديدًا دام أيامًا، ثم هزم الله الفرس، وقُتل رستم عدد كبير من جنده وهرب الباقون، وغنم المسلمون أموالًا كثيرة، ثم طاردهم سعد إلى جلُولاء أوقع بهم وأسر إحدى بنات كسرى وعددًا كبيرًا من الفرس، وكتب سعد إلى الفاروق يبشره بالفتح المبين، فقرأ الفاروق هذه البشارة على الناس من فوق المنبر، وقد ردت القادسية كثيرًا من أهل العراق إلى صوابهم، فقد كانت بلاد العراق التي فتحها خالد نكثت العهود والذمم والمواثيق التي أعطوها خالدًا، ثم آب الجميع إلى رشدهم بعد النصر المؤزر الذي","vol":"3","page":1585},{"text":"أحرزه المسلمون في القادسية، وكانوا قد زعموا أن الفرس قسروهم على نقض العهود وأخذوا منهم الخراج، فصدقهم المسلمون تألفًا لقلوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>٤ - فتح المدائن:</span>\nثم توغّل سعد في بلاد العراق واستولى على المدائن، وغنم المسلمون منها غنائم كثيرة، من بينها بساط كسرى، ولاذ يزدجرد بالفرار يجر أذيال الخيبة، حاملًا معه أمواله وما خف حمله من المتاع: وقصة ذلك أن سعدًا أُخْبِرَ أن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن إلى حلوان وإن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الأمر، فعند ذلك خطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة وحثهم على إخلاص النيات لله والاعتصام به تعالى، وندب الناس إلى العبور للقاء الفرس وانتدب عاصم بن عمرو وقريب من ستمائة ليجوزوا النهر لحماية ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى، فقبل عاصم وفقأ عيون خيول الفرس التي جاءت لقتالهم بالرماح، واستطاعوا أن ينفوا الفرس عن الجانب الآخر، وعبر المسلمون النهر بقيادة سعد لم يتخلف منهم أحد دون أن يمسهم سوء، واستحوذ المسلمون على ما في المدائن أجمع، وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكلل بالجواهر النفيسة التي تحير الأبصار ومنطقته وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه، وقد استوهب سعد المسلمين أربعة أخماس البساط ولبس كسرى من المسلمين وأرسله إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه، فلما نظر عمر إلى ذلك قال: إن قومًا أدوا هذا لأمناء، فقال له علي كرم الله وجهه: إنك عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا، وألبس عمر سراقة بن مالك سواري كسرى لأن الرسول ﷺ قال لسراقة وقد نظر إلى ذراعيه: \"كأني بك وقد ألبست سواري كسرى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>٥ - وقعة جلولاء:</span>\nلما نكل يزدجرد من المدائن هاربًا لا يلوي على شيء، اجتمع إليه في أثناء الطريق جند وأعوان وخلق كثير وشايعة من الفرس جمع غفير، وأمر كسرى عليهم مهران الرازي وسار إلى حلوان، فأقام الجمع الذي جعه في جلولاء واحتفروا حولها خندقًا سحيقًا، فأرسل سعد بأمر الخليفة جيشًا كثيفًا يقارب اثني عشر ألفًا من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار بقيادة ابن أخيه هاشم بن عتبةن وجعل على مقدمة الجيش القعقاع بن عمرو،","vol":"3","page":1586},{"text":"فحاصرهم المسلمون وحمي القتال واشتد النزال وحمل القعقاع في جماعة من الفرسان الشجعان على الفرس فملك باب الخندق وكان الظلام أرخى سدوله ففر المجوس وهربوا كل مهرب، فأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذصلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فسميت جلولاء، وولى مهران قائد الجيش الأدبار فأدركه القعقاع بن عمرو فقتله، وأسر المسلمون سبايا كثيرة وأموالًا وفيرة قريبًا مما غنموا من المدائن قبلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>٦ - فتح حلوان:</span>\nلما علم كسرى بقتل قائده مهران الرازي وهزيمة جيشه، فر من حلوان إلى الري، واستناب على حلوان أميرًا يقال له خسروشنوم، فتقدم إليه القعقاع بن عمرو وهزمه هزيمة منكرة ودخل حلوان ففتحها وأقام بها وضرب الجزية على من حولها من الكور والأقاليم عندما أبوا الدخول في الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>٧ - فتح تكريت والموصل:</span>\nاجتمع أهل الموصل بتركيت على رجل من الكفرة يقال له الأنطاق، فأمر الفاروق بقتالهم، فنهد المسلمون لحربهم بقيادة عبد الله بن المعتم في خمسة آلاف مقاتل، فسار عبد الله حتى نزل بتكريت على الأنطاق وهزم أهلها وقتل منهم خلقًا كثيرًا ولم يسلم من سيوف المسلمين إلا من أعلن إسلامه ودخل في دين الله، ثم سار المسلمون بقيادة ربعي بن الأفكل إلى الموصل سريعًا فاستسلم أهلها وأجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الجزية.\nثم فتحت ماسيذان ووقرقيسيا والجزيرة والأهواز ورامهرمز والسوس وتُستَر ونهاوند وخراسان وأصبهان وأذربيجان والري والباب وتوج وفسا وداربجر وكرمان وسجستان ومكران، وبذلك سقطت مملكة فارس بيد المسلمين نهائيًا.\nوفي عهد عمر تم فتح بلاد الشام جميعها، تم فتح مصر وكل ذلك في مدة لا تزيد عن عشر سنوات، وفتحت فارس كلها ووقف المسلمون منجهة الشرق على نهر السند ونهر جيحون.","vol":"3","page":1587},{"text":"وهذا ملخص لما حدث في كل سنة من سني حكمه عليه ضوان الله نأخذه من البداية والنهاية:\n\nقال ابن كثير:<span data-type=\"title\" id=toc-442> ما وقع سنة ثلاث عشرة من الحوادث:</span>\nفيها ولي عمر بن الخطاب ﵁ يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة منها، فولي قضاء المدينة علي بن أبي طالب ﵁، واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي، وأبقاه على شورى الحرب، وفيها فتحت بصرى صلحًا وهي أول مدينة فتحت من الشام، وفيها فتحت دمشق في قول سيف وغيره كما قدمنا، واستنيب فيها يزيد بن أبي سفيان فهو أول من وليها من أمراء المسلمين ﵃، وفيها كانت وقعة فحل من أرض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم. وفيها كانت وقعة جسر أبي عبيد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين منهم أميرهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر وكانت امرأة صالحة رحمها الله، ووالد المختار بن أبي عبيد كذاب ثقيف وقد كان نائبًا على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي، وفيها توفي المثنى بن حارثة في قول ابن إسحاق، وقد ان نائبًا على العراق استخلفه خالد بن الوليد حين سار إلى الشام، وقد شهد مواقف مشهورة وله أيام مذكورة ولا سيما يوم البويب بعد جسر أبي عبيد قتل فيه من الفرس وغرق بالفرات قريب من مائة ألف، الذي عليه الجمهور أنه بقي إلى سنة أربع عشرة كما سيأتي بيانه، وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب على قول بعضهم وقيل بل حج عبدالرحمن ابن عوف، وفيها استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق والشام فأقبلوا من كل النواحي فرمى بهم الشام والعراق، وفيها كانت وقعة أجنادين في قول ابن إسحق يوم السبت لثلاث من جمادي الأولى منها، وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين، على الروم القيقلان وأمير المسلمين عمروبن العاص، وهو في عشرين ألفًا في قل فقتل القيقلان وانهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير.","vol":"3","page":1588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>سنة أربع عشرة من الهجرة:</span>\nاستهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق، وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر، وانظام شمل الفرس، واجتماع أمرهم على يزدجرد الذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا لعمال من بين أظهرهم. وقد كتب عمر على من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد. قال ابن جرير ﵀: وركب عمر ﵁ في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صِرار - اسم موضع-، فعسكر به عازمًا على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة.\nثم عقد مجلسًا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، ونودي أن الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق، إلاعبد الرحمن بن عوف فإنه قال له: إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلًا وترجع أنت إلى المدينة، فارتاح عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف. فقال عمر: فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟ فقال: قد وجدته. قال: ومن هو؟ قال: الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري - ابن أبي وقاص -فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد فأمره على العراق.\nثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة، ولما انتهى سعد إلى نهر زرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات ﵀ ورضي الله عنه، واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية، ولما بلغ سعدًا موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى، ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتهان ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره، وأمده عمر بإمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفًا، وقيل ستة وثلاثون. وقال عمر: والله لأرمين ملوك العجم","vol":"3","page":1589},{"text":"بملوك العرب، وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفًا على اليوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، وأمر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرُّجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.\nقال ابن جرير والواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أبي بن كعب في التراويح وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان قال ابن جرير: وفيها بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>ثم دخلت سنة خمس عشرة:</span>\nقال ابن جرير قال بعضهم: فيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة؟ فدلهم على موضع الكوفة اليوم، قال: وفيها - في سنة سخمس عشرة - كانت وقعة مرج الروم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالد من وقعه فِحْل قاصدين إلى حمص حسب ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع، فبعث هرقل بطريقًا يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم، وجاء أمير آخر من الروم يقال له شنس وعسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا، فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد بن أبي سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبي سفيان من دمشق، فاقتتلوا واجء خالد وهم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصلُ - أي: يفتك - فيهم من أمامهم، حتى أناموهم ولم يفلت منهم إل الشارد، وقتل خالد توذرا وأخذوا من الروم أموالًا عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبي عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الأرض من زهمهم، وقتل أبو عبيدة شنس وركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها.","vol":"3","page":1590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>ثم دخلت سنة ست عشرة:</span>\nاستهلت هذه السنة وسعد بن أبي وقاص منازل مدينة نهر شير، وهي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلة من الغرب، وكان قدوم سعد إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، واستهلت هذه السنة وهو نازل عندها. وقد بعث السرايا والخيول في كل وجه، فلم يجدوا واحدًا من الجند، بل جمعوا من الفلاحين مائة ألف فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم، فكتب إليه عمر: إن من كان من الفلاحين لم يعن عليكم وهو مقيم ببلده فهو أمانه، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به. فأطلقهم سعد بعدما دعاهم إلى الإسلام فأبوا إلا الجزية. ولم يبق من غربي دجلة إلى أرض العرب أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية والخراج.\nقال الواقدي: وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه. قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئًا يعرفون فيه حلول ديونهم. فيقال: إنهم أراد بعضهم ان يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك. ومنهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضًا. وقال قائلون: أرخوا من مولد رسول الهل ﷺ، وقال آخرون من مبعثه ﵇، وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله ﷺ وأرخوا من أول تلك السنة من مُحرمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>ثم دخلت سنة سبع عشرة:</span>\nفي المحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، وتغيرت ألوانهم، وضعفت أبانهم، لكثرة ذبابها وغبارها، فكتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب عمر: إن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها. فبعث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلًا مناسبًا يصلح لإقامتهم. فمرا على أرض","vol":"3","page":1591},{"text":"الكوفة وهي حصباء في رملة حمراء، فأعجبتهما ووجد هنالك ديرات ثلاث دير حرقة بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة، فنزلا فصليا هنالك، ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في اول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد، وأمر سعد رجلًا راميًا شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، وعمر قصرًا تلقاء محراب المسجد للإمارة وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد، وبعث سعد إلى الأمراء والقبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفة، وأمر سعد أبا هياج الموكل بإنزال الناس فيها بان يعمرو ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعًا - أي نحوعشرين مترًا - ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعًا، وللأزقة سبعة أذرع. وبُني لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغء الناس تمنع سعدًا من الحديث، فكان يغلق بابه ويقول: سكن الصويت، فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخاب بث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطبًا ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعدًا أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على بابه أحدًا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئًا من المال فامتنع من قبوله، ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز ولا خيانة.\nوذكر ابن جرير أن عمر بن الخطاب عقد الألوية والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم كما أشار عليه بذلك الأحنف بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدهاز\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>ثم دخلت سنة ثماني عشرة:</span>\nقال ابن إسحاق، وأبو معشر: كان في هذه السنة طاعون عمواس وعام الرمادة، فتفانى فيهما الناس. قلت: كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعًا شديدًا، وسميت عام الرمادة لأن الرض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيهًا","vol":"3","page":1592},{"text":"بالرماد. وقيل: لأنها تسفي الريح ترابًا كالرماد، ويمكن أن تكون سميت لكل منهما والله أعلم، وقد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز، وجفلت الأحياء إلى المدينة ولم يبق عند أحد منهم زاد فلجأوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة والأموال حتى أنفده، وألزم نفسه أن لا يأكل سمنًا ولا سمينًا حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبث له الخبز باللبن والسمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل، وكان يستمرئ الزيت. وكان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر ﵁ وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف، واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم.\nقال الشافعي: بلغني أن رجلًا من العرب قال لعمر حين ترحلت الأحياء عن المدينة: لقد انجلت عنك ولإنك لابن حرة. أي واسيت الناس وأنصفتهم واحسنت إليهم.\nقال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام - وكان ملصقًا بجدار الكعبة- فأخره إلى حيث هو الآن لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين. قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنة. قال: وفيها استقضى عمر شريحًا على الكوفة، وكعب بن سور على البصرة قال: وفيها حج مر بالناس وكانت نوابه فيها الذين تقدم ذكرهم في السنة الماضية، وفيها فتحت الرقة والرُّها وحران على يدي عياض بن غَنْم. قال: وفتحت رأس عين الوردة على يدي بن سعد بن أبي وقاص. وقال غيره خلاف ذلك. وقال شيخنا الحافظ الذهبي في تاريخه: وفيها - يعني هذه السنة - افتتح أبوموسى الأِعري الرها وشمشاط عنوة، وفي أوائلها وجه أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فوافق أبا موسى فافتتحا حران ونُصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل صلحًا. وفيها سار عياض إلى الموصل فافتتحها وما حولها عنوة. وفيها بنى سعد جامع الكوفة. وقال الواقدي: وفيها اكن طاعون عمواس فمات فيه خمسة وعشرون ألفًا. قلت: هذا الطاعون منسوب إلى بلدة صغيرة يقال لها عمواس - وهي بين القدس والرملة- لأنها كان أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها فنسب إليها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال الواقدي توفى في عام طاعون عمواس من المسلمين بالشام خمسة وعشرون ألفًا. وقال غيره: ثلاثون ألفًا.","vol":"3","page":1593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>ثم دخلت سنة إحدى وعشرين:</span>\nوكانت وقعة نهاوند وهي وقعة عظيمة جدًا لها شأن رفيع ونبأ عجيب، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح.\nوفي هذه السنة افتتح المسلمون أيضًا بعد نهاوند مدينة جي - وهي مدينة أصبهان - بعد قتال كثير وأمور طويلة، فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح وفر منهم ثلاثون نفرًا إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين. وقيل: إن الذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن وأنه قتل بها، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات وانهزم أصحابه. والصحيح أن الذي فتح أصبهان عبد الله بن عبد الله بن عتبان - الذي كان نائب الكوفة - وفيها افتتح أبو موسى قم وقاشان، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين:</span>\nوفيها كانت فتوحات كثيرة منها فتح همدان ثانية ثم الري وما بعدها ثم أذربيجان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وفيها وفاة عمر بن الخطاب:</span>\nقال الواقدي وأبو معشر: فيها كان فتح اصطخر وهمذان. وقال سيف: كان فتحها بعد فتح توِّج الآخرة. ثم ذكر أن الذي افتتح توج مجاشع بن مسعود، بعد ما قتل من الفرس مقتلة عظيمة وغنم منهم غنائم جمة، ثم ضرب الجزية على أهلها، وعقد لهم الذمة، ثم بعث بالفتح وخمس الغنائم إلى عمر بن الخطاب ﵁.\nوقال ابن جرير: وفي هذه السنة حج عمر بأزواج النبي ﷺ، وهي آخر حجة حجها ﵁. قال: وفي هذه السنة كانت وفاته. أهـ من البداية والنهاية.\nوقال ابن كثير في ترجمته وهو عمر بن الخطاب بن فنيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مصر بن نزار بن معد بن عدنان","vol":"3","page":1594},{"text":"القرشي، أبو حفص العدوي: الملقب بالفاروق، قيل لقبه بذلك أهل الكتاب. وأمه حَنْتَمة بنت هشام أخت أبي جهل بن هشام، أسلم عمر وعمره سبع وعشرون سنة، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع النبي صلى الله علي وسلم، وخرج في عدة سرايا، وكان أميرًا على بعضها، وهو أول من دعي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ، وجمع الناس على التراويح، وأول من عس بالمدينة، وحمل الدرة وأدب بها، وجلد فيالخمر ثمانين، وفتح الفتوح، ومصر الأمصار، وجند الأجناد. ووضع الخراج، ودون الدواوين، وعرض الأعطية، واستقضى القضاة، وكوَّرالكور، مثل السواد والأهواز والجبال وفارس وغيرها، وفتح الشام كله، والجزيرة والموصل وميافارقين، وآمد، ومات وعساكره على بلاد الري. فتح من الشام: اليرموك وبُصرى ودمشق والأردن، وبيسان، وطبرية، والجابية، وفلسطين، والرملةن وعسقلان، وغزة، والسواحل، والقدس، وفتح مصر، وإسكندرية، وطرابلس الغرب، وبرقة، ومن مدن الشام: بعلبك وحمص وقنسرين وحلب وأنطاكية وفتح الزيرة وحران والرها والرقة ونُصيبين ورأس عين وشمشاط وعين وردة وديار بكر وديار ربيعة وبلاد الموصل وأرمينية جميعها. وبالعراق: القادسية والحيرة ونهر سينوساباط، ومدائن كسرى وكورة الفرات ودجلة والأُبلة والبصرة والهواز وفارس ونهاوند وهمذان والري وقُومس - وهو صقع كبير من خراسان وبلاد الجبل - وخراسان واصطخر وأصبهان والسوس ومرو ونيسابور وجرجان وأذربيجان وغير ذلك، وقطعت جيوشه النهر مرارًا.\nوكان متواضعًا في الله، خشن العيش، خشن المطعم، شديدًا في ذات الله، يرقع الثوب بالأديم، ويحمل القربة على كتفيه، مع عظم هيبته، ويركب الحمار عريًا، والبعير مخطومًا بالليف، وكان قليل الضحك لا يمازح أحدًا، وكان نفش خاتمه: كفى بالموت واعظًا يا عمر.\nولما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين ونزل بالأبطح دعا الله ﷿ وشكا إليه أن قد كبرت سنه وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصي، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأني من عليه بالشهادة في بلد النبي ﷺ، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتًا في بلد رسولك، فاستجاب له الله هذا الدعاء،","vol":"3","page":1595},{"text":"وجمع له بين هذين الأمرين الشهادة في المدينة النبوية وهذا عزيز جدًا، ولكن الله لطيف بما يشاء ﵎، فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل، الرومي الدار، وهو قائم يصلي في المحراب، صلاة الصبح من يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين، فضربه ثلاث ضربات، وقيل ست ضربات، إحداهن تحت سرته قطعت الصفاق - وهو ما بين الجلد والمصران أو جلد البطن كله - فخر من قامته نواستخلف عبد الرحمن بن عوف، ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلًا مات منهم ستة، فألىق عليه عبد الله بن عوف بُرنسًا - وهو ثوب له رأس ملتصق به - فانتحر نفسه لعنه الله، وحمل عمر إل ى منزله والدم يسيل من جرحه- وذلك قبل طلوع الشمس - فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول: نعم، ولاحظ في الإسلام لمن تركها، ثم صلى في الوقت، ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا له: هو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. فقال: الحمد الله الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل يدعي الإيمان ولم يسجد لله سجدة. ثم قال: قبحه الله، لقد كنا أمرنا به معروفًا - وكان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين ثم سأل من عمر أن يزيد في خراجه فإنه نجار نقاش حداد فزاد في خراجه إل مائة في كل شهر - وقال له: لقد بغلني أنك تحسن أن تعمل رحا تدور بالهواء فقال أبو لؤلؤة: أما والله لأعملن لك رحا يتحدث عنه الناس في المشارق والمغارب - وكان هذا يوم الثلاثاء عشية - وطعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة. وأوصى عمر أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير وعبد\nالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ولم يذكر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي فيهم، لكونه من قبيلته، خشية أن يراعى في الإمارة بسببه، وأوصى من يستخلف بعده بالناس خيرًا على طبقاتهم ومراتبهم، ومات ﵁ بعد ثلاث، ودفن في يوم الأحد مستهل المحرم من سنة أربع وعشرين، بالحجرة النبوية، إلى جانب الصديق، عن إذن أم المؤمين عائشة ﵂ في ذلك، وفي لك اليوم حكم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.","vol":"3","page":1596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>صفته ﵁:</span>\nكان رجلًا طوالًا أصلع أعسر أيسر- أي يعمل بيديه جميعًا - أحور العينين، آدم اللون، وقيل كان أبيض شديد البياض تعلوه حمرة.\nقال النووي في التهذيب: وإنما صار في لونه سمرة في عام الرمادة لأنه أكثر أكل الزيت وترك السمن للغلاء الذي وقع بالناس.\nأشنب الأسنان، وكان يصفر لحيته، ويرجل رأسه بالحناء.\nواختلف في مقدار سنه يوم مات ﵁ على أقوال عدتاه - عشرة: وروى ابن جرير عن أسلم مولى عمر أنه قال: توفي وهو ابن ستين سنة، قال الواقدي: وهذا أثبت الأقاويل عندنا.\nقلت: فجملة أولاده ﵁ وأرضاه ثلاثة عشر ولدًا، وهم زيد الأكبر، وزيد الأصغر، وعاصم، وعبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، وعبد الرحمن الأوسط، قال الزبير بن بكار وهو أبو شحمة، وعبد الرحمن الأصغر، وعبيد الله، وعياض، وحفصة، ورقية، وزينب، وفاطمة، ﵃. ومجموع نسائه اللاتي تزوجهن في الجاهلية والإسلام من طلقهن أو مات عنهن سبع، وهن جميلة بنت عاصم بن ثابت بن الأقلح، وزينب بنت مظعون، وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وقريبة بنت أبي أمية، ومليكة بنت جرول، وأم حكيم بنت الحاث بن هشام، وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأم كلثوم أخرى وهي مليكة بنت جرول. وكانت له أمان له منهما أولاد، وهما فكيهة ولهية، وقد اختلف في لهية هذه فقال بعضهم: كانت أم ولد، وقال بعضهم: كان أصلها من اليمن وتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فالله أعلم. أهـ من البداية والنهاية.\n١٥٥٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"اللهم أعز الإسلام بأحبِّ هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب\" قال (١):\n_________\n١٥٥٤ - الترمذي (٥/ ٦١٧) ٥٠ - كتاب المناقب -١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وإسناده حسن وله شواهد.","vol":"3","page":1597},{"text":"وكان أحبهما إليه عمر.\n١٥٥٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ \"اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام\" فجعل الله دعوة رسوله ﷺ لعمر بن الخطاب فبنى عليه الإسلام، وهدم به الأوثان.\n١٥٥٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول: \"اللهم أخرجْ ما في صدر عمر من غل وأبدله إيمانًا\" يقول ذلك ثلاث مرات.\n١٥٥٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب.\n١٥٥٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره، وقالوا صبأ عمر، وأنا غلام فوق ظهر بيتي، فجاء رجل عليه قباء ديباج، فقال: قد صبأ عمر فما ذاك فأنا له جار فرأيت الناس تصدعوا عنه، فقلت من هذا؟ قالوا: العاص بن وائل.\n١٥٥٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.\n١٥٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: ركب عمر بن الخطاب فرسًا فركصه فانكشف فخذه، فرأى أهل نجران على فخذه شامة سوداء قالوا: هذا الذي نجدُ في كتابنا أنه يُخرجنا من أرضنا (١).\n_________\n١٥٥٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه وقال: أيد الإسلام، ورجال الكبير رجال الصحيح غير مجالد بن سعيد وقد وثق.\n١٥٥٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.\n١٥٥٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٣) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٥٥٨ - البخاري (٧/ ١٧٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٣٥ - باب إسلام عمر بن الخطاب.\n١٥٥٩ - البخاري (في نفس الموضع السابق).\n١٥٦٠ - المعجم الكبير (١/ ٦٦) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"3","page":1598},{"text":"١٥٦١ - * روى الطبراني عن زر بن حبيش قال: كنتُ بالمدينة فإذا رجل آدمُ أعسر أيسرُ ضخم إذا أشرف على الناس كأنه على دبة، فإذا هو عمر.\n١٥٦٢ - * روى الطبراني عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر أصلع شديد الصلع.\n١٥٦٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن هلال قال: رأيت عمر رجلًا ضخمًا كأنه من رجال سدوس. ٍ\n١٥٦٤ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: لو أن عِلَم عمر وُضع في كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم قال وكيعٌ: قال الأعمش: فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له فقال: وما أنكرت من ذلك فوالله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال: إني لحسبُ تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر.\n١٥٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"بينا أنا نائم أوتيتُ بقدح لبنٍ، فشربتُ حتى إني لأرى الري يخرجُ من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب\" قالوا: فما أولتهُ يا رسول الله؟ قال: \"والعلم\".؟\nقال محقق الجامع: المراد بالعلم هنا: العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، واختص عمر بذلك لطول مدته واتفاق الناس على طاعته.\n١٥٦٦ - * روى الترمذي عن عائشة رضي الل عنها قالت: كان رسول الله ﷺ جالسًا، فسمعنا لغطًا وصوت صبيان، فقام النبي ﷺ، فإذا حبشية تزفِنُ (١)، والصبيانُ\n_________\n١٥٦١ - المعجم الكبير (١/ ٦٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١): وإسناده حسن.\n١٥٦٣ - المعجم الكبير (١/ ٦٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٦٣ - المعجم الكبير (١/ ٦٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١): رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٥٦٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٩) وقال: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة.\n١٥٦٥ - البخاري (١/ ١٨٠) ٣ - كتاب العلم -٢٢ - باب فضل العلم.\nومسلم (٤/ ١٨٥٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر.\n١٥٦٦ - الترمذي (٥/ ٦٢١) ٥٠ - كتاب المناقب -١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب.\nاللفظ: الأصوات المختلفة والضجة.\nالزفن: الرقص، ورجل زفان: رقاص.","vol":"3","page":1599},{"text":"حولها، فقال: \"يا عائشة، تعالي فانظري\" فجئتُ فوضعتُ لحي على منكب رسول الله ﷺ، فجعلتُ أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: \"أما شبعت؟ أما شبعت؟ \" قالت: فجعلتُ أقولُ: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر، قالت: فارفضّ الناسُ عنها، قالت: فقال رسول اله ﷺ: \"إني لأنظرُ إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر\" قالت: فرجعتُ.\n١٥٦٧ - * روى الطبراني عن الحسن أن عثمانبنأبي العاص تزوج امرأة من نساء عمر ابن الخطاب فاقل: والله ما نكحتُها حين نكحتُها رغبةً في مال ولا ولد ولكن أحببتُ أن تُخبرني عن ليل عمر ﵁ فسألها كيف كانت صلاة عمر بالليل؟ قالت: كان يصلي العتمة ثم يأمر أن نضع رأسه تورًا من ماء نُغطيه ويتعارُ من اللي فيضعْ يده في الماء، فيمسح وجهه، ويديه ثم يذكر الله ما شاء أن يذكر ثم يتعارِّ مرارًا حتى يأتي على الساعة التي يقوم في لصلاته.\n١٥٦٨ - * روى أحمد عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت عمر وبيده عسيبُ نخل وهو يجلس الناس يقول: اسمعوا لقول خليفة سول الله ﷺ فجاء مولى لأبي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها على الناس فقال يقول أبو بكر: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة فوالله ما ألوتُكم. قال قيس: فرأيتُ عمر ﵁ بعد ذلك على المنبر.\n١٥٦٩ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجلٍ: (١) ما اسمُك؟\n_________\n= ارفض: القوم: أي تفرقوا.\n١٥٦٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\nتور: التورُ إناء يشرب فيه.\nيتعار: التعار: السهر والتقلب على الفراش ليلًا مع كلام.\n١٥٦٨ - أحمد في مسنده (١/ ٣٧).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٨٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\nما ألوتكم: ما قصرت في الخيرة لكم.\n١٥٦٩ - الموطأ (٣/ ٩٧٣) ٥٤ - كتاب الاستئذان -٩ - باب ما يكره من الأسماء.\nقال ابن عبد البر: منقطع، وصله أبو القاسم بن بشران في فوائده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر.","vol":"3","page":1600},{"text":"قال: جمرةُ، قال: ابنُ من؟ قال: ابنُ شهابٍ، قال: ممن؟ قال: من الحُرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار؟ قال: بأيها؟ قال: بذات لظى؟ قال عمر: أدرِكْأهلك فقد احترقوا، فكان كما قال عمر.\n١٥٧٠ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جازية سوداءُ، فقالت: إني كنتُ نذرتُ إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها: \"إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا\" فقالت: نذرتُ، وجعلت تضربُ فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٍّ وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضربُ، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت إستها وقعدت عليه، فقال رسول اله ﷺ: \"إن الشيطان ليخافُ منك يا عمر إني كنت جالسًا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٍّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقتِ الدُّفَّ\".\n١٥٧١ - * روى الطبراني عن أسلم مولى عمر قال: دعا عمر بن الخطاب عليِّ بن أبي طالب فساره ثم قام عليِّ فجاء الصُّفة فوجد العباس وعقيلًا والحسين فشاورهم في تزويج عمر أم كلثوم، فغضب عقيل وقال: يا عليُّ ما تزيدك الأيام والشهور والسنون إلا العمى في أمرك؟ والله لنئ فعلت ليكونن وليكونن لأشياء عددها، ومضى يجر ثوبه. فقال علي للعباس: ووالله ما ذلك منه نصيحةٌ ولكن درة عمر أحرجته إلى ما ترى. أما والله ما ذاك رغبةً فيك يا عقيل، ولكن أخبرني عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل سببٍ ونسبٍ. منقطعٌ يوم القيامة إلا سببي ونسبي\" فضحك عمر وقال: ويح عقيل سفيه أحمق.\n١٥٧٢ - * روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: استأذن عمر ابن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نسوةٌ من قريش يكلمنه ويستكثرنه (١)، عاليةً\n_________\n١٥٧٠ - الترمذي (٥/ ٦٢٠) ٥٠ - كتاب المناقب- ١٨ - باب في مناقب عمر، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n١٥٧١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٧١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nأحرجته: هنا بمعنى خوفته.\n١٥٧٢ - البخاري (٧/ ٤١) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب.\nومسلم (٤/ ١٨٦٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٣ - باب من فضائل عمر.","vol":"3","page":1601},{"text":"أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ، فدخل عمر ورسوله ﷺ يضحك؛ فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: \"عجبتُ من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب\" قال عمر: فأنت أحقُّ أن يهبن يا رسول الله. ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ؟ فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظُ من رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: \"إيهًا يا ابن الخطاب،، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قطُّ إلا سلك فجا غير فجك\".\n(أضحك الله سنك): قال الحافظ في \"الفتح\"، لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازمه وهو السرور، أو نفي ضد لازمه وهو الحزن.\n(والمراد بالفظاظة والغلظة هنا الشدة عند عمر التي يقابلها اللين عند رسول الله ﷺ).\n١٥٧٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"بينا أنا نائم رأيتُ الناس يُعرضون وعليهم قُمصٌ، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغُ دون ذلك، وعُرض عليِّ ابن الخطاب وعليه قميص اجتره\" قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: \"الدينُ\".\n١٥٧٤ - * روى البزار عن ابن عباس قال: لما فُتحتِ المدائنُ أقبل الناسُ على الدنيا وأقبلتُ على عمر. فكان عامةُ حديثه عن عمر.\n١٥٧٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قَدِمَ عُيينةُ بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ (١)، فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس بن حصن وكان من النفر\n_________\n١٩٧٣ - البخاري (٧/ ٤٣) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر.\nومسلم (٤/ ١٨٥٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - من فضائل عمر.\n١٥٧٤ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٦١) وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٧٥ - البخاري (١٣/ ٢٥٠) ٩٦ - كتاب الاعتصام -٢ - باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ وقول الله تعالى (واجعلنا للمتقين إمامًا). =","vol":"3","page":1602},{"text":"الذين يُدْنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشورته، كهولًا كانوا أو شُبانًا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا المير، فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم بأن يقع به، فقال الحُر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١).\nوإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر ﵁ حين تلاهاعليه كان وقافًا عند كتاب الله تعالى.\n١٥٧٦ - * روى البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال عمر ﵁: لولا آخر المسلمين ما فتحتُ قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر.\nأقول: لا يعتبر هذا القول من عمر إلغاءًا لاجتهاده السابق، فإن الأمر يحتمل أن عمر شعر بأن ما وقفه على المسلمين كافٍ لتحقيق ما أراده من توسعة على حاضر الأمة ومستقبلها، فقرر أنه منذ العام اللاحق أن يغير سنته في الأراضي المفتوحة ولعله أراد أن يبين أن هذه القضية للاجتهاد فيها محل، ولذلك نرى أن أئمة المذاهب الأربعة لم يكونوا على رأي واحد في هذه القضية.\n١٥٧٧ - * روى البخاري ومسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \"دخلتُ الجنة فرأيتُ فيها درًا أو قصرًا. فقلتُ: لمن هذا؟ فقالوال: لعمر بن الخطاب. فأردتُ أن أدخل. فذكرتُ غيرتك\" فبكى عمر وقال: أي رسول الله! أو عليك يُغارُ؟.\n_________\n= ما تعطينا الجزل: العطاء الجزل: الكثير.\n(١) الأعراف: ١٩٩.\n١٥٧٦ - البخاري (٦/ ٣٣٤) ٥٧ - كتاب فرض الخمس-٩ - باب الغنيمة لمن شهد الوقعة.\n١٥٧٧ - البخاري (٧/ ٤٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب.\nومسلم (٤/ ١٨٦٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣ - باب من فضائل عمر بن الخطاب.","vol":"3","page":1603},{"text":"١٥٧٨ - * روى أحمد عن عائشة قالت: كنت أدخلُ بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ وأبي فأضع ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي فلما دُفن عمرُ معهم فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر ﵁.\n١٥٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: \"إن شئت حبستَ أصلها وتصدقت بها\" قال: فتصدق بها عمر أنه لا يُباع ولا يثوهب ولا يورث. وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جُناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متمول. قال فحدثتُ به ابن سيرين فقال: \"غير متأثِلٍ مالًا\".\nوعن عمرو (١) بن دينار قال في صدقة عمر: ليس على الولي جُناحٌ أن يأكل ويؤكل صديقًا له غير متأثل فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر ويُهدي لناسٍ من أهل مكة كان ينزل عليهم.\nوفي الحديث من الفقه أمن من وقف شيئًا على صنف من الناس وولده منهم دخل فيه.\n١٥٨٠ - * روى الحاكم عن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة نب الجراح فأتوا على مخاضةٍ وعمرُ على ناقةٍ له، فنزل عنها وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا تخلعُ خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذُ بزمام ناقتك،\n_________\n١٥٧٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٧٩ - لبخاري (٥/ ٣٥٤) ٥٤ - كتاب الشروط -١٩ - باب الشروط في القف.\nومسلم (٣/ ١٣٥٥) ٣٥ - كتاب الوصية-٤ - باب الوقف.\nمتأثل: تأثل فلان: ادخر مالًا ليستثمره.\n(١) البخاري (٤/ ٤٩١) ٤٠ - كتاب الوكالة-١٢ - باب الوكالة في الوقف ونفقته وأن يطعم صديقًا له ويأكل بالمعروف.\n١٥٨٠ - المستدرك (١/ ٦٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":1604},{"text":"وتخوضُ بها المخاضة ما يسُرني أن أهل البلد استشرفُوك، فقال عمر أوهُ لو يقول ذا غيرُك أبا عبيدة جعلتهُ نكالًا لأمة محمد ﵌ إنا كناأذلُّ قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلبُ العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.\n١٥٨١ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال عمر: وافقت الله في ثلاث - أو وافقني ربي في ثلاث - قلت: يا رسول الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى. وقلت: يا رسول الله، يدخُلُ عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرت أمهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبةُ النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلتُ عليهن قلت: إن انتهيتُنَّ أو ليبدلن الله رسوله خيرًا منكن، حتى أتيتُ إحدى نسائه قالت: يا عمر، أما في رسول الله ﷺ ما يعظُ نساءهُ حتى تعظهنَّ أنت؟ فأنزل الله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ (١) الآية.\nوفي رواية (٢) لابن عمر قال: قال عمر: وافقتُ ربي في ثلاثٍ: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أساري بدرٍ.\n١٥٨٢ - * روى الطبراني عن عمر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب أرسل إلى كعب الأحبار فقال: يا كعبُ كيف تجدُ نعتي؟ قال: أجدُ نعتك قرنٌ من حديد قال: وما قرن من حديدٍ؟ قال أميرٌ شديدٌ لا تأخذه في الله لومة لائم قال: ثم مه قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتُله فئة ظالمةٌ. ثم قال: مه: قال: ثم يكونُ البلاء.\n١٥٨٣ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ قال: ما كنا نُبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.\n_________\n١٥٨١ - البخاري (٨/ ١٦٨) ٦٥ - كتاب التفسير-٩ - باب قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).\n(١) التحريم: ٥.\n(٢) مسلم (٤/ ١٨٦٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر.\n١٥٨٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٥٨٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٧) وقال رواه الطبراني وإسناده حسن.\nالسكينة: الوقار والسكون، وقيل: الرحمة، وقيل: أثر إلقاء الملك.","vol":"3","page":1605},{"text":"١٥٨٤ - * روى الطبراني عن عليٍّ قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ما كنا نُبعدُ أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطقُ على لسان عمر.\n١٥٨٥ - * روى الحاكم عن أبي ذر ﵁ قال: مر فتى على عمر فقال عمر: نعم الفتى. قال، فتبعه أبو ذر فقال: يا فتى استغفر لي، فقال: يا أبا ذر أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله ﵌؟ قال: استغفر لي، قال: لا أو تخبرني فقال: إنك مررت على عمر ﵁ فقال: نعم الفتى وإني سمعتُ رسول اله ﵌ يقول: \"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه\".\n١٥٨٦ - * روى البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى الأِعري قال: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قلتُ: لا، قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك إسلامنا مع رسول الله ﷺ، وهجرتنا معه، وجهادنا معه، وعملمنا كله معه برد لنا، وأن كل عملٍ عملنا بعدهُ: نجونا منه كفافًا، رأسًا برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله، قد اهدنا بعد رسول الله صلى لاله عليه وسلم، وصلينا، وصمنا، وعملنا خيرًا كثيرًا، وأسلم على أيدينا بشركثير، وإنا لنرجو ذاك، قال أبي: لكني أنا، والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعدهُ نجونا منهُ كفافًا رأسًا برأس، فقلت: إن أباك والله كان خيرًا من أبي.\n١٥٨٧ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب اختصم إليه مسلمٌ ويهوديٌ. فرأى عمرُ أن الحق لليهودي فقضى له. فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق. فضربه عمر بن الخطاب بالدرة. ثم قال: وما يدريك؟ فقال له اليهوديُّ (١): إنا نجد أنه ليس قاضٍ يقضي بالحق، إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يُسددانه\n_________\n١٥٨٤ - أورده الهيثمي في مجمع لزوائد (٩/ ٦٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.\n١٥٨٥ - المستدرك (٣/ ٨٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، وقال الذهبي: على شرط مسلم.\n١٥٨٦ - البخاري (٧/ ٢٥٤) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار-٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.\nبرد لنا: سلم لنا أجره.\n١٥٨٧ - الموطأ (٢/ ٧١٩) ٣٦١ - كتاب الأقضية-١ - باب الترغيب في القضاء بالحق.","vol":"3","page":1606},{"text":"ويوفقانه للحق. ما دام مع الحق. فإذا ترك الحق. عرجا وتركاهُ.\n١٥٨٨ - * روى مالك عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت عمر وهو يومئذ أميرُ المؤمنين، وقد وقع بين كتفيه برقاع ثلاثٍ، لبد بعضها بعض.\n١٥٨٩ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال عمر بن عبد العزيز لأبي بكر بن سليمان ابن أبي حثمة: من أول من كتب من عند أمير المؤمنين؟ فقال: أخبرتني الشفاء بنت عبد الله وكانت من المهاجرات الأول أن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما المدينة فأتيا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا: يا ابن العاص استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقال: أنتما والله أصبتما اسمه فهو الأميرُ ونحن المؤمنون. فدخل عمر على عمرو فقال: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: انت الأمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من يومئذ.\n١٥٩٠ - * روى الطبراني عن عبد الله قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر إن إسلام عمر كان نصرًا وإن إمارته كانت فتحًا، وايمُ الله ما أعلمُ على وجه الأرض أحدًا إلا وجد فقد عمر، حتى العصاة، وإيم الله إني لأحسبُ بين عينيه ملكًا يسددهُ، وايمُ الله إني لأحسبُ الشيطانُ يفرقُ منه أن يحدث في الإسلام حدثًا فيرد عليه عمر، وايم الله لو أعلم كلبًا يحبُّ عمر لأحببته. وفي رواية: لقد أحببت عمر حتى لقد خفت الله، وودتُ أني كنت خادمًا لعمر حتى أموت.\nوفي رواية: لو أن عمر أحب كلبًا كان أحب الكلاب إليَّ، وفي روايةٍ: لقد خشيتُ الله في حبي عمر.\n١٥٩١ - * روى الطبراني عن زيد بن وهب قال: أتى عبد الله بن مسعود رجلان وأنا (١):\n_________\n١٥٨٨ - الموطأ (٢/ ٩١٨) ٤٨ - كتاب اللباس -٨ - باب ما جاء في لبس الثياب، وإسناده صحيح.\n١٥٨٩ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٩٠ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨) وقال: رواه الطبراني من طرق وفي بعضها عاصم بن أبي النجود وهو حسن الحديث، وبقية رجالهما رجال الصحيح وبعضها منقطع الإسناد، ورجالهما ثقات.\nيفرَقُ: يخاف.\n١٥٩١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٧) وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدهما رجال الصحيح.","vol":"3","page":1607},{"text":"عنده فقالا: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذه الآية؟ فقرأها عليه عبد الله، فقال الرجل: إن أبا حكيم أقرأنيها كذا وكذا، وقرأ الآخر فقال: من أقرأكما فقال: عمرُ. فقال عبد اللهك اقرأ كما أقرأك عمر، ثم بكى عبد الله حتى رأيتُ دموعه تحدُرُ في الحصى، ثم قال إن عمر كان حصننًا حصينًا على الإسلام يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، وإن الحِصن أصبح قد أسلم فالناس يخرجون منه ولا يدخلون، وزاد في روايةٍ، قال عبد الله: ما أظنُّ أهل بيتٍ من المسلمين لم يدخل عليه حزنٌ يوم أُصيب عمر إل أهل بيت سوءٍ إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله، فوالله فهي أبين من طريق السيلحين. وفي روايةٍ: وكان يعني عمر إذا سلك طريقًا وجدناهُ سهلًا فإذا ذُكر الصالحون فحيهلا بعمر كان فضل ما بين الزيادة والنقصان والله لوددتُ أني أخدم مثله حتى أموت.\n١٥٩٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس مُحدثون، فإن يكُ في أمتي أحدٌ فإنه عمر\" زاد زكريا بن أبي زائدة عن سعدٍ عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: \"لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكنْ في أمتي منهم أحدٌ فعمر\".\nوفي رواية (١) مسلم عن عائشة، عن النبي ﷺ؛ أنه كان يقول: \"قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحدثون. فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ، فإن عمر بن الخطاب منهم\".\nقال ابن وهبٍ: تفسيرُ محدثون مُلهمون.\n_________\n١٥٩٢ - البخاري (٧/ ٤٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب.\n(١) مسلم (٤/ ١٨٦٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر.\nمحدثون: أراد بقوله: محدثون أقوامًا يصيبون إذا ظنوا وحدسوا فكأنهم قد حدثوه بما قالوا، وقد جاء في الحديث تفسيره، أنهم ملهمون، والملهم: الذي يُلقي في نفسه الشيء، فيخبر به حدثًا وظنًا وفراسة، وهو نوع يختص الله به من يشاء من عباده الذين اصطفى، مثل عمر ﵁.","vol":"3","page":1608},{"text":"١٥٩٣ - * روى الحاكم عن حذيفة ﵁ قال: كان الإسلام في زمان عمر كالرجل المقبلِ لا يزدادُ إلا قُربًا، فلما قُتل عمرُ كان كالرجل المدبر لا يزدادُ إلا بعدًا.\n١٥٩٤ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب ﵀ قال: لما صدر عمر ب الخطاب من منىأناخ بالأبطح، ثم كوم كومةً من بطحاء، ثم طرح عليها رداءهُ، ثم استلقى، ومد يديه إلى السماء، فقال: اللهم كبرتْ سني وضعفت قوتي، وانتشرتْ رعيتي، فاقبضني إليك غير مُضيع ولا مُفرطٍ ثم قدم المدينة في عقب ذي الحجة، فخطب الناس فقال: أيها الناس، قد سُنت لكم السننُ، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، ليلها كنهارها، وضُرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: إلا أن تضلوا بالناس يمينًا وشمالًا، ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجمِ، أن يقول قائل: لا نجدُ حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد ابن الخطاب ف يكتاب الله لكتبتها (الشيخ والشيخةُ فارجموهما ألبتمة) فإنا قد قرأناها.\nقال ابن المسيب: فما انسلخ ذو الحجة حتى قُتل عمر. ﵀.\nقال مالك: قوله: (الشيخُ والشيخةُ) يعني: الثيبُ والثيبةُ\".\n١٥٩٥ - * روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁: خطب يوم الجمعة فذكرني الله ﷺ، وذكر أبا بكر، ثم قال: إني رأيتُ كأن ديكًا نقرني ثلاث نقراتٍ، وإني لا أراهُ إلا لحُضور أجلي، وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينهُ ولا خلافتهُ، ولا الذي بعث به رسوله ﷺ (١)، فإن عجل بي أمر فالخلافةُ شُورى بينَ هؤلاء\n_________\n١٥٩٣ - المستدرك (٣/ ٨٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n١٥٩٤ - الموطا (٣/ ٨٢٤) ٤١ - كتاب الحدود-١ - باب ما جاء في الرجم وإسناده صحيح.\nقوله: لولا أن يقول الناس: زاد ابن الخطاب في كتاب الله لكتبتها (الشيخ والشيخة فارجموهما البتة): مراد عمر ﵁: المبالغة والحث على العمل بالرجم، لأن معنى الآية باق وإن نسخ لفظها، إذ لا يسع مثل عمر ﵁ مع مزيد فقهه تجويز كتبها مع نسخ لفظها.\nقوله: (فإنا قد قرأناها): ثم نسخ لفظها وبقي حكمها، بدليل أنه ﷺ رجم ورجم الصحابة بعده ولم ينكر عليهم أحد.\n(الثيب والثيبة): أي المحصن والمحصنة وإن كانا شابين.\n١٥٩٥ - مسلم (١/ ٣٩٦) ٥ - كتاب مواضع الصلاة-١٧ - باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوهما.","vol":"3","page":1609},{"text":"الستةِ الذين تُوفي رسول الله ﷺ، وهو عنهم راضٍ، وإني قد علمتُ أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتُهم بيدي هذه على الإسلام، فغن فعلوا ذلك، فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال، ثم إني لا أدعُ بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعتُ رسول الله ﷺ ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري، فقال: \"يا عمر، ألا تكفيك آيهُ الصيفِ، التي في آخر سورة النساء؟ \" وإني إن أعشْ أقْض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن، ثم قال: اللهم إني أُشهدك على أمراء الأمصار، وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلُوا عليهم وليعلمُوا الناس دينهم، وسُنة نبيهم ﷺ ويقسموا فيهم فيئهم، ويرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم، ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم لقد رأيتُ رسول الله ﷺ إذا وجد ريحها من الرجُل في المسجد أمر به فأخُرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليُمتهما طبخًا.\nوفي حديث جويرية (١): فما كانت إلا جمعةٌ أخرى حتى طُعن عمرُ، قال: فأذن للمهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ، وأذِنَ للأنصار، ثم أذن لأهل المدينة، ثم أذن لأهل الشام، ثم أذن لأهل العراق، فكنا آخر من دخل عليه، قال: فإذا هو قد عصب جُرحه ببُرْدٍ أسودَ، والدم يسيلُ عليه، قال: فقلنا: أوْصنا ولم يسأله الوصية أحد غيرنا، قال: أوصيكم بكتاب الله، فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه، قال: وأوصيكم بالمهاجرين، فإن الناس يكثرون ويقلون، وأوصيكم بالأنصار، فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراب، فإنهم أصلكم ومادتكُم - وفي روايةٍ: فإنهم إخوانكُمْ وعدُو عدوكُم- وأوصيكم بأهل الذمة، فإنهم ذمة نبيكُمْ، ورزقُ عيالكم، قوموا عني.\nالمقصود بآية الصيف: أنزل الله تعالى في الكلالة آيتين، إحداهما: التي في أول سورة النساء، وكان نزولها في الشتاء، والثانية: التي في آخر سورة النساء وكان نزولها في\n_________\n(١) أخرجه البخاري، وفيها زيادات للحميدي.\nالكلالة: في الميراث: أن لا يرث الميت ولد ولا والد ويرثه أقاربه.\nفيئهم: الفيء: ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار عن غير حرب وقتال.","vol":"3","page":1610},{"text":"الصيف، فسميتْ آية الصيف.\nوأما الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض فهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، ولم يدخل عمر ﵁ معهم سعيد بن زيد لأنه من أقاربه، فتورع عن إدخاله، كما تورع عن إدخال ابنه عبد الله ﵁.\nقوله: (تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم):\nقال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: ويلحق بالبصل والثوم والكراث، كل ما له رائحة كريهة، من المأكولات وغيرها، وقال النووي: قال القاضي: ويلحق به من أكل فجلًا وكان يتجشأ، قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به من بخر في فيه، أو به جرح له رائحة. قال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد، كمصلي العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها، ولا يلحق بها الأسواق ونحوها.\n١٥٩٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال لما طُعن عمر أرسلوا إلى طبيب فجاء رجل من الأنصار فسقاه لبنًا فخرج اللبنُ من الطعنة التي تحت السرة فقال له الطبيب: اعهد عهدك فلا أراك تمسي، فقال: صدقتني.\n١٥٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: وُضع عمر ابن الخطاب على سريره. فتكنفهُ الناس يدعون ويثنون ويُصلون عليه. قبل أن يُرفع. وأنا فيهم. قال: فلم يرُعني إلا برجلٍ قد أخذ بمنكبي من ورائي (١). فالتفتُّ إليه فإذا هو\n_________\n١٥٩٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٩٧ - البخاري (٧/ ٤١) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب.\nومسلم (٤/ ١٨٥٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر.\nفنتكنفه: تكنفتُ فلانًا: إذا أحطت به وصرت حولهز\nلم يرعني: إلا وفلان قائم: أي لم أشعر، وإن لم يكن من لفظه، والرَّوْع: الفزع، فكأنه فاجأه بغتة من غير موعِدٍ ولا معرفة، فراعه ذلك وأفزعه.","vol":"3","page":1611},{"text":"عليٌّ. فترحم على عمر وقال: ما خلفُتَ أحدًا أحبَّ إليَّ، أن ألقى الله بمثل عمله، منك. وايم الله! إن كنتُ لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك. وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: \"جئت أنا وأبو بكرٍ وعمرُ. ودخلتُ أنا وأبو بكر وعمرُ. وخرجتُ أنا وأبو بكر عمرُ\". فإن كنت لأرجو، أو لأظنُّ، أن يجعلك الله معهما.\n١٥٩٨ - * روى البخاري عن حفصة وأسلم ﵄ أن عمر قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ.\n١٥٩٩ - * روى البخاري عن المسور بن محرمة قال: لما طُعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس - وكأنه يُجزعهُ-: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقته لتفارقنهم وهمعنك راضون. قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنما ذاك منٌّ من الله تعالى منَّ به عليَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منٌّ من الله جل ذكره منَّ به عليَّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك. والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله ﷿ قبل أن أراه.\n١٦٠٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن نعمر ﵄ قال: دخلتُ على حفصة فقالت: أعلمت أن أباك غيرُ مُستخلفٍ؟ قلت: ما كان ليفعل، قالت: إنه فاعلٌ، قال: فحلفتُ أن أكلمهُ في ذلك فسكتُّ حتى غدوت ولم أكلمه قال: فكنت كأنما (١) أحمِلُ بيميني\n_________\n١٥٩٨ - البخاري (٤/ ١٠٠) ٢٩ - كتاب فضائل المدين، باب: ١٢.\n١٥٩٩ - البخاري (٧/ ٤٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب.\nجزعت الرجل: أي نسبته إلى الجزع، ويجوز أن يكون: أذهبتُ عنه الجزع بما تسليه.\nجزعي: أي خوفي بسبب ما حملت من عبء الخلافة.\nطِلاعُ الأرض: ملؤها: كأنه قد ملأها حتى تطلع، وتسيل.\n١٦٠٠ - مسلم (٣/ ١٤٥٥) ٣٣ - كتاب الإامرة-٢ - باب الاستخلاف.","vol":"3","page":1612},{"text":"جبلًا حتى رجعتُ، فدخلتُ عليه، فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليتُ أن أقولها لك: زعموا أنك غير مستخلفٍ، وإنه لو كان لك راعي إبل، أو راعي غنمٍ، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشدُّ؟ قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة، ثم رفعه إليَّ، فقال: إن الله ﷿ يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف، فإن رسول الله ﷺ لم يستخلفْ، وإن أستخلفْ فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله، ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله علي هوسلم وأبا بكر، فعلمتُ أن لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدًا، وأنه غير مُستخلفٍ.\nوفي رواية (١) بمعناه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيل لعمر ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ فأثنوا عليه فقال: راغب وراهب، وددت أني نجوت منها كفافًا لا ليَّ ولا علي، لا أتحملها حيًا وميتًا.\n(راغبٌ وراهبٌ) الراغبُ: الطالب، والراهب: الخائف، والمراد: أنكم في قولكم لي هذا القول، إما راغبٌ فيما عندي، أو راهب مني، وقيل: أراد: انني راغبٌ فيما عند الله، وراهبٌ من عقابه، فلا تعويل عندي على ما قلتم لي من الوصف والإطراء.\n١٦٠١ - * روى البخاري عن مرو بن ميمونٍ قال: \"رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يُصاب بأيام بالمدينة ووقف على حُذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيفٍ قال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا حملتما الأرض مالا تطيقُ؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقةٌ، ما فيها كبيرُ فضل. قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض مالا تطيقُ. قالا: لا. فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجلٍ بعدي أبدًا. قال فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب. قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٣٠٥) ٩٣ - كتاب الأحكام- ٥١ - باب الاستخلاف.\n١٦٠١ - البخاري (٧/ ٥٩) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٨ - باب قصة البيعة.\nأرامل: جمع أرملة، هي التي مات زوجها، والرجل إذا ماتت امرأته: أرمل، وقيل: أراد بالأرامل: المساكين من الرجال والنساء. =","vol":"3","page":1613},{"text":"عباسٍ غداة أصيب- وكان إذا مرَّ بين الصفين قال: استوُوا، حتى إذا لم ير فيهم خللًا تقدمَ فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس - فما هو إلا أن كبر فسمعتهُ يقول: قتلني - أو أكلني-الكلبُن حين طعنه، فطار العِلجُ بسكينٍ ذات طرفين، لا يمر على أحدٍ يمينًا ولا شمالًا إلا طعنهن حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم سبعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرنسًا، فلما ظنَّ العِلجُ أنه مأخوذ نحر نفسه. وتناول مرُ يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله. فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني. فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلامُ المغيرة. قال: الصِّنَع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تُحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا. فقال: إن شئت فعلتُ- أي إن شئت قتلنا. قال: كذبت، بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجِّكم. فاحتُمِل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تُصبهم مُصيبة قبل يومئذٍ: فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه. فأُتي بنبيذٍ فشربه، فخرج من جوفه. ثم أتى بلبن فشربه، فخرج من جُرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس فجعلوا يُثنون عليه. وجاء رجل شابٌّ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببُشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ، وقدَمٍ في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفافٌ لا عليَّ ولا لي. فلما أدبر إذا إزارُه يمسُّ الأرض، قال: ردوا عليَّ الغلام. قال: يا ابن أخي، ارفعْ ثوبك، فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك. يا عبد الله بن عمر، انظر ما عليَّ من الدين. فحسبوه فوجدوهُ ستة وثمانين ألفًا أو نحوه. قال: إن وفى له مالُ آل عمر فأدِّهِ من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب (١)، فإن لم\n_________\n= العلج: العجميُّ في ذلك الوقت.\nبرنسًا البرنس: هو كل ثوب رأسه منه.\nرقيقًا: الرقيق: اسم لجميع العبيد والإماء.\nفأتى بنبيذ فشربه: المراد بالنبيذ: تمرات نبذت في ماء، أي نقعت فيه، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء.\nكفافًا: يقال: خرجتُ من هذا الأمر كفافًا، أي: لا لي ولا عليَّ. =","vol":"3","page":1614},{"text":"تَفِ أموالُهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال. انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام - ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا - وقل: يستأذنُ عمر بن الخطاب أن يُدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يُدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تُحب يا أمير المؤمنين، أذنتْ. قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهم من ذلك، فإذا أنا قضيتُ فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذنُ عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسيرُ معها، فلما رأيناها قمنا، فولجتْ عليه فبكتْ عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلًا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، واستخلف. قال: ما أجدُ أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو الرهط - الين تُوفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء- كهيئة التعزية له - فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانة. وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يُقبل من مُحسنهم، وأن يثعفى عن مسيئهم. وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم ردء الإسلم، وجُباة المال وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم. وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصلُ العرب، ومادة الإسلام، أن يُؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرد على فقرائهم. وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ، أن يُوفى لهم بعهدهم، وأن يُقاتل من ورائهم، ولا يُكلفوا إلا طاقتهم. فلما قُبضَ خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبدُ الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب (١). قالت\n_________\n= تبوؤوا: تبوأت المنزل: إذا اتخذته منزلًا.\nردء: الردء: العون.\nوأن يقاتل من ورائهم: أي: إن قصدهم عدوهم ودفع عنهم مضرتهم.","vol":"3","page":1615},{"text":"أدخِلوه، فأُدخِل، فوضِعَ هنالك مع صاحبيه. فلما فُرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهطُ، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثةٍ منك. فقال الزبير: قد جعلتُ أمري إلى عليِّ. فقال طلحة: قد علتُ أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظران أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان. فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قال: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلموالقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتُك لتعدلن، ولئن أمرتُ عثمان لتسمعن ولتطيعنَّ. ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له عليّ، وولج أهلُ الدار فبايعوه.\nقوله: (كذتَ): قال الحافظ: هو على ما ألف من شدة عمر في الدين، لأنه فهم من ابن عباس من قوله: إن شئت فعلنا، أي قتلناهم، فأجابه بذلك، وأهل الحجاز يقولون: كذبت في موضع أخطأت، وإنما قال له بعد أن صلوا، لعلمه أن المسلم لا يحل قتله، ولعل ابن عباس إنما أراد قتل من لم يسلم منهم.\nقوله: (يا عبد الله انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه):\nقال الحافظ: في حديث جابر: ثم قال: يا عبد الله أقسمت عليك بحق الله وحق عمر إذا مت فدفنتني أن لا تغسل رأسك حتى تبيع من رباع آل عمر بثمانين ألفًا فتضعها في بيت مال المسلمين، فسأله عبد الرحمن بن عوف، فقال: أنفقتها في حجج حججتها، وفي نوائب كانت تنوبني، وعرف بهذا جهة دين عمر.\nقال الحافظ في الفتح: وفي قصة عمر هذه من الفوائد، شفقته على المسلمين ونصيحته لهم، وإقامة السنة فيهم، وشدة خوفه من ربه، واهتمامه بأمر الدين أكثر من اهتمامه بأمر نفسه، وأن النهي عن المدح في الوجه مخصوص بما إذا كان غلو مفرط أو كذب ظاهر، ومن ثم لم ينه عمر الشاب عن مدحه له مع كونه أمره بتشمير إزاره، والوصية بأداء الدين.","vol":"3","page":1616},{"text":"والاعتناء بالدفن عند أهل الخير، والمشورة في نصب الإمام، وتقديم الأفضل، وأن الإمامة تنعقد بالبيعة، وغير ذلك مما هو ظاهر بالتأمل، والله الموفق، وقال ابن بطال: فيه دليل على جواز تولية المفضول على الأفضل، منه، لأن ذلك لو لم يجز لم يجعل الأمر شورى إلى سنة أنفس مع علمه أن بعضهم أفضل من بعض، قال: ويدل على ذلك أيضًا قول أبي بكر: قد رضيت لكم أحد الرجلين: عمر وأبي عبيدة، مع علمه بأن أفضل منهما، وقد ستشكل جعل عمر الخلافة في ستة، ووكل ذلك إلى اجتهادهم، ولم يصنع ما صنع أبو بكر في اجتهاده فيه، لأنه إن كان لا يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل، فصنيعه يدل على أن من عدا الستة كان عنده مفضولًا بالنبة إليهم، وإذا عرف ذلك فلم يخف عليه أفضلية بعض الستة على بعض وإن كان يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل، فمن ولاه منهم أو غيرهم كان ممكنًا، والجواب عن الأول يدخل فيه الجواب الثاني، وهو أنه إذا تعارض عنده صنيع النبي ﷺ حيث لم يصرح باستخلاف شخص بعينه، وصنيع أبي بكر حيث صرح فتلك طريق تجمع التنصيص وعدم التعيين، وإن شئت قل: تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة، وقد أشار بذلك إلى قوله: لا أتقلدها حيثًا وميتًا، لأن الذي يقع ممن يستخلف بهذه الكيفية إنما ينسب إليه بطريق الإجمال، لا بطريق التفصيل، فعينهم ومكنهم من المشاورة في ذلك، والمناظرة فيه لتقع ولاية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة، وبها معظم الصحابة، وكمل من كان ساكنًا مع غيرهم في بلد غيرها، كان تبعًا لهم فيما يتفقون عليه. أهـ.\n١٦٠٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمر قال: لما طعن أبو لؤلؤة عمر طعنه طعنتين، فظن عمر أن له ذنبًا في الناس لا يعلمه، فدعا ابن عباس وكان يحبه، ويدنيه ويسمع من، فقال: أحب أن نعلم عن ملأ من الناس كان هذا فخرج ابن عباس فكان لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون، فرجع إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين ما مررت على ملاء إلا رأيتهم يبكون كأنهم فقدوا اليوم أبكار أولادهم فقال: من قتلني؟ فقال: أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة، قال ابن عباس: فرأيت البشر في وجهه فقال (١): الحمدُ\n_________\n١٦٠٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. =","vol":"3","page":1617},{"text":"لله الذي لم يبتلني أحدٌ بحاجتي يقول لا إله إلا الله، أما إني قد كنتُ نهيتكُمْ أن تجلبوا إلينا من العلوج أحدًا فعصيتموني، ثم قال: ادعو إلى إخواني قالواك ومنْ؟ قال: عثمان وعلي وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فأرسل إلأيهم، ثم وضع رأسه في حجري. فلما جاءوا قلت هؤلاء قد حضروا قال: نعم، نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم أيها السة رؤوس الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيك ما استقمتم يستقم أمر الناس وإن يكن اختلاف يكنْ فيكم، فلما سمعته ذكر الاختلاف والشقاق، وإن يكن ظننت أنه كائن، لأنه قلما قال شيئًا إلا رأيته، ثم نزفه الدم فهمسوا بينهم حتى خشيتُ أن يبايعوا رجلًا منهم فقلت: إن أمير المؤمنين حي بعدُ، ولا يكون خليفتان ينظرُ أحدهما إلى الآخر، فقال: احملُوني فحملناهُ. فقال: تشاوروا ثلاثًا ويُصلي بالناس صهيبٌ قالوا: من نشاور يا أمير المؤمنين؟ قال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسراة من هنا من الأجناد، ثم دعا بشربة من لبن فشرب، فخرج بياض اللبن من الجرحين فعرف أنه الموت فقال: الآن لو أن لي الدنيا كلها لافتديت به من هول المطلع، وما ذاك والحمد لله أن أكون رأيت إلا خيرًا. فقال ابن عباس، وإن قلت فجزاك الله خيرًا أليس قد عدعا رسول الله ﷺ أن يُعز الله بك الدين والمسلمين إذ تخافون بمكة، فلما أسلمت كان إسلامُك عزًا وظهر بك الإسلامُ ورسول الله ﷺ وأصحابه، وهاجرت إلى المدينة فكانتْ هجرتك فتحًا ثم لم تغبْ عن مشهدٍ شهدهُ رسول الله ﷺ من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا، ثم قُبض رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ فوازرتَ الخليفة بعده على منهاج رسول الله ﷺ فضربت بمن أقبل على من أدبر حتى دخل الناس في الإسلام طوعًا وكرهًا، ثم قُبض الخليفة وهو عنك راضٍ، ثم وليت بخير ما ولي الناس مَصَّرَ الله بك الأمصار وجبى بك الأموال، ونفى بك العدو، وأدخل الله بك على كل أهل بيت من توسعتهم في دينهم وتوسعتهم في أرزاقهم ثم ختم لك بالشهادة فهنيئًا لك: فقال: والله إن المغرور من تغرونه، ثم قال: أتشهدُ لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم، فقال: اللهم لك الحمد، ألصق خدي بالأرض يا عبد لله بن عمر (١). فوضعته من فخذي علي\n_________\n= العلوج: جمع علج: وهو كل شديد غليظ من الرجال وكانت تطلق على كفار العجم.\nغرة: غر الرجل غرارة وغرة: جهل الأمور وغفل عنها.","vol":"3","page":1618},{"text":"ساقي فقال: ألصق خدي بالأرض فترك لحيتهُ وخده، حتى وقع بالأرض فقال: ويلك وويل أمك يا عمر إن لم يغفر الله لك يا عمر. ثم قُبض ﵀: فلما قُبض أرسلوا إلى عبد الله بن عمر فقال: لا آتيكم إنْ لم تفعلوا ما أمركم به من مشاورة المهاجرين والأنصار وسراة من هنا من الأجناد قال الحسن، وذُكر له فعمل عمر عند موته وخشيته من ربه فقال: هكذا المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وغرةً، والله ما وجدتُ فيما مضى ولا فيما بقى عبدًا ازداد إحسانًا إلا ازداد مخافة وشفقة منه، ولا وجدت فيما مضى ولا فيما بقى عبدًا ازداد إساءة إلا ازداد غر.\n١٦٠٣ - * روى البخار يعن عروة بن الزبير ﵄ أنه لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم، ففزعوا، وظنوا أنها قدم رسول الله ﷺ، فما وجدا أحدًا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله، ما هي قدم رسول الله ﷺ، وما هي إلا قدم عمر.\nقال الحافظ في الفتح: والسبب في ذلك ما رواه أبو بكر الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه أحدن فلما دم بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال: هذا ساق عمر وركبته، فسري عن عمر بن عبد العزيز، وروى الآجري من طريق مالك بن المغول عن رجاء بن حيوة قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز وكان قد اشترى حجر أزواج النبي ﷺ: أن اهدمها ووسع بها المسجد، فقعد عمر في ناحية المسجد ثم أمر بهدمها، فم رأيته باكيًا أكثر من يومئذ، ثم بناه كما أراد، فلما أن بنى البيت على القبر، وهدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة، وكان الرمل الذي عليها قد انهار، ففزع عمر بن عبد العزيز، وأراد أن يقوم فيسويها بنفسه، فقلت له: أصلحك الله، إنك إن قمت قام الناس معك، فلو أمرت رجلًا أن يصلحها، ورجوت أن يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم- يعني مولاه-: قم فأصلحها (١).\n_________\n١٦٠٣ - البخاري (٣/ ٢٥٥) ٢٣ - كتاب الجنائز-٩٦ - باب ما جاء في قبر النبي ﷺ","vol":"3","page":1619},{"text":"١٦٠٤ - * روى الطبراني عن المسور بن مخرمة قال: ولي عمر عشر سنين ثم توفي.\n١٦٠٥ - * روى الطبراني عن الليث بن سعد قال: قُتل أمير المؤمنين عمر مصدر الحاج وذلك في سنة ثلاث وعشرين.\n١٦٠٦ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال: مات عمر وهو على رأس خمس وخمسين.\n١٦٠٧ - * روى الطبراني عن سالم بن عبد الله أن عمر قُبض وهو ابن خمس وخمسين.\n١٦٠٨ - *روى الطبراني عن ابن عمر قال: مات عمر وهو ابن خمس وخمسين وقال: أسرع إلى الشيبُ من قبل أخوالي بني المغيرة.\n١٦٠٩ - * روى الطبراني عن قتادة قال قتل عمر وهو ابن إحدى وستين.\n١٦١٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب مات وهو ابن ست وستين سنة.\nوقد ذكرنا الروايات المتعددة في تقدير عُمْرِ عُمَرَ يوم وفاته للإشعار بأن الأمر فيه خلاف.\n١٦١١ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: أنا أول من أتى عمر حين طعن فقال: احفظ عني ثلاثًا، فإني أخاف أن لا يدركني الناس: أما أنا فلم أقض في الكلالة قضاء، ولم استخلف على الناس خليفة وكل مملوكٍ لي عتيق (١).\n* * *\n\nتعليقات\n_________\n١٦٠٤ - المعجم الكبير (١/ ٦٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٦٠٥ - المعجم الكبير (١/ ٧٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٦٠٦ - المعجم الكبير (١/ ٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٦٠٧ - المعجم الكبير (١/ ٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٦٠٨ - المعجم الكبير (١/ ٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٩)؛ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٦٠٩ - المعجم الكبير (١/ ٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٦١٠ - المعجم الكبير (١/ ٦٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٦١١ - المعجم الكبير (١/ ٤٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٤٧)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>تعليقات</span>\nلم يزل عمر بن الخطاب ﵁ هو الأمير الأنموذج عند أهل الدنيا وأهل الآخرة، فلقد انطبعت هذه الحقيقة في الأذهان حتى غدت بدهية، فما يكاد يكون حديث عن تصرفات نموذجية لأمير إلا وتقفز مباشرة إلى الأذهان صورة عمر ﵁.\nلقد كان جسمه كاملًا بين الأجسام وهو شيء مهم في الإمرة النموذجية، كما أن له سابقته وفضله في المجتمع الذي قاده، وساسه، وذلك محل إجماع، وكذلك هذه شيء مهم في الإمرة النموذجية.\nوكان على غاية من الجدية في حياته الخاصة والعامة، وهذا شرط الإمرة النموذجية لأنه بذلك تستمر هيبة الأمير وتتنامى.\nوكان لا يميز أهله ولا نفسه عن العامة بشيء، وبذلك أبعد نفسه عن أي مظنة تهمة، وهذا مه في شخصية الأمير النموذجي.\nوكان أرحم الناس بالعامة وأرفقهم بهم وأكثرهم لهم رعاية، فلا يضيع أحد في سلطانه، ويستشعر كل فر بحنانه، وهذا شرط في الأمير النموذجي.\nوكان يترك اجتهاده لاجتهاد غيره إذا أحس أن الأمر سيدخل بعض الناس في زوايا حادة كما فعل في أراضي السواد إذ أخر تنفيذ اجتهاده حتى انتهت المعارضة، وهذا شرط في الأمير النموذجي. مع ملاحظة أن اجتاد عمر ألا تقسم الأراضي المفتوحة على الفاتحين وأن تبقى وقفًا على جميع المسلمين إلى قيام الساعة. كان اجتهادًا وافقه عليه أكثر الصحابة، واستدل له عمر بنصوص قرآنية وكان هذا وحده هو الذي يسع حاضر الأمة الإسالمية ومستقبلها، وكان فيه البركة ولا زلنا نرى بركة تصرفه حتى أننا في عصرنا نعتبر فعله حجة للإسلام على المذاهب التي تتحدث عن خطورة تركيز رؤوس الأموال بأيد قليلة. ومع قوة هذا الاجتهاد ووقوف أكثر الصحابة معه فقد جمد عمر هذه القضية لأن بعض الصحابة كانت له شبهة، فخشي أن يؤثر تنفيذ اجتهاده على وحدة الصف فجمد القضية ومن هاهنا ندرك أن الحزم عند عمر هو والحكمة توأمان.","vol":"3","page":1621},{"text":"وكان يعرف أقدار الناس ويعرف ويعرف لأهل الفضل فضلهم ولأهل السبق سبقهم وهذا شرط لاستقرار أي نظام.\nوكان مستشرفًا استشرافًا كاملاص لساحة المعركة التي يخوضها ولوازمها واحتياجاتها، وهذا شرط من شروط نجاح الأمير في أي معركةز\nوكان يحسن اختيارالرجال للمهمات المنوطة بهم، وهذا شرط لنجاحات الأمير أي أمير.\nوكان كل فرد حوله يحس أنه أكمل منه في خصوصياته، فالعبادة والعلم وحسن التدبير وسداد الرأي كل ذلك كان متفوقًا فيه على من حوله، وهذا شرط في نجاحات المير، فمتى أحسن من حول الأمير بتفوقهم عليه هان عليهم وذلك مقدمة الفشل.\nوكان قوي المبادرة، كثير المشاورة، دراكًا للفكرة الصائبة، وتلك شروط في نجاحات الأمير.\nوكان يؤدي لكل ذي حق حقه ويعرف لكل ذي فضل فضله، ولذلك أعطاه الجميع حقوقه كاملة، وكما كان لا يتساهل في حقوقه كا يعرف الحدود التي يحاسب بها الأمير على حقوقهز\nومهما قيل فيه فهو قليل: لقد أتعب أبو بكر من جاء بعده ما قال عمر، ولقد اتعب أبو بكر وعمر من جاء بعدهما إلى قيام الساعة، فمن الذي يستطيع ما استطاعا، ولكن من تهيأ له ما تهيأ لهما\nلقد تهيأ لهما أن أصحاب رسول الله ﷺ هم جنودهما، ومن كان هؤلاء جنده وحاشيته وبطانته فإنه قد توافر له ما لا يتوافر لأحد بعده، ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسية لانتقاض الأمر في عهد عثمان وعلي ﵄، فلقد أصبح أكثر جيل الصحابة الذين رباهم رسول الله ﷺ بشكل مباشر في عداد الشهداء.\n* * *","vol":"3","page":1622},{"text":"رقم الإيداع: ٢٨٧٢/ ٨٩\nالترقيم الدولي: ٤ - ٢٤ - ١٤٧١ - ٩٧٧","vol":"3","page":1630},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>عثمان بن عفان ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير للمؤمنين أبو عبد الله وأبو عمرو، وأمه أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب أبن عبد شمس، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﵌.\nولد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان ربعة حسن الوجه رقيق عظيم اللحية بعيد ما بين المنكبين.\nأسلم قديمًا قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤلفًا لقومه فجعل يدعو إلى الإسلام من يثق به فأسلم على يده فيما بلغني الزبير وطلحة وعثمان وزوجة النبي ﵌ ابنته رقية وماتت عنده أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم فلذلك كان يلقب ذا النورين.\nوجاء من أوجه متواترة أن رسول الله ﵌ بشره بالجنة وعده من أهل الجنة وشهد له بالشهادة.\nوجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لما أن حصروه انتشد الصحابة في أشياء منها تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبي ﵌ عند تحت الشجرة لما أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رومة وغير ذلك.\nوروى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر، روى عنه الواده: عمر وأبان وسعيد وابن عمه مروان بن الحكم بن أبي العاص، ومن الصحابة: ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وزيد بن ثابت وعمران بن حصين وأبو هريرة وغيرهم، ومن التابعين: الأحنف وعبد الرحمن بن أبي ضمرة وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن المسيب وأبو وائل وأبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن الحنفية وآخرون.\nوهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبي ﵌ بسهمه وأجره وتخلف عن بيعه الرضوان لأن النبي ﵌ كان بعثه إلى مكة فأشيع أنها قتلوه فكان ذلك سبب البيعة فضرب إحدى","vol":"4","page":1631},{"text":"يديه على الأخرى وقال: هذه عن عثمان وقال ابن مسعود: لما بويع بايعنا خيرنا ولم نأل. وقال علي: كان عثمان أوصلنا للرحم وكذا قالت عائشة لما بلغها قتله: قتلوه وإنه لأوصلهم للرحمن وأتقاهم للرب.\nوقال ابن المبارك في الزهد أنبأنا الزبير بن عبد الله أن جدته أخبرته وكانت خادمًا لعثمان وقالت: كان عثمان لا يوقظ نائمًا من أهله إلا أن يجده يقظانًا فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر.\nوكان سبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية وبالبصرة سعيد بن العاص وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان من حج منهم يشكو من أميره، وكان عثمان لين العريكة كثير الإحسان والحلم وكان يستبدل ببعض أمرائه فيرضيهم ثم يعيده بعد، إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح فعزله وكتب لهم كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق فرضوا بذلك فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة فاستخبروه فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح ومعاقبة جماعة من أعيانهم فأخذوا الكتاب ورجعوا وواجهوه به فحلف أنه ما كتب ولا أذن فقالوا سلمنا كاتبك فخشي عليه منهم القتل وكان كاتبه مروان بن الحكم وهو ابن عمه فغضبوا وحصروه في داره واجتمع جماعة يحمونه منهم فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوروا عليه من دار إلى دار فدخلوا عليه فقتلوه فعظم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم وانفتح باب الفتنة فكان ما كان وبالله المستعان.\nوروى البخاري في قصة قتل عمر أنه عهد إلى ستة وأمرهم أن يختاروا رجلًا فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف فاختار عثمان فبايعوه ويقال كان ذلك يوم السبت غرة المحرم سنة أربعة وعشرين، وقال ابن إسحاق: قتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من خلافته فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقال غيره: قتل لسبع عشرة وقيل: لثمان عشرة رواه أحمد عن إسحاق بن الطباع عن أبي معشر، وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر ودفن ليلة","vol":"4","page":1632},{"text":"السبت بين المغرب والعشاء في حُشّ كوكب كان عثمان اشتراه فوسع به البقيع، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور وقيل دون ذلك، وزعم أبو محمد ابن حزم أنه لم يبلغ الثمانين. أهـ.\nوقال ابن كثير في البداية والنهاية: هو عثمان بن عفان، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشوري، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵃، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، المأمور بإتباعهم والاقتداء بهم.\nأسلم عثمان ﵁ قديمًا على يدي أبي بكر الصديق وهاجر إلى الحبشة أول الناس معه زوجته رقية بت رسول الله ﷺ، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنه رسول الله ﷺ، وأقام بسببها في المدينة، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها، فلما توفيت زوّجه رسول الله ﷺ بأختها أم كلثوم فتوفيت أيضًا في صحبته، وقال رسول الله ﷺ: \"لو كان عندنا أخرى لزوجناها بعثمان\" وشهد أحدًا وفر يومئذ فيمن تولي، وقد نص الله على العفو عنهم، وشهد الخندق والحديبة، وبايع عنه رسول الله ﷺ يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوزان والطائف وغزوة تبوك، وجهز جيش العسرة، وتقدم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمائة بعير بأقتابها وأحلاسها، وعن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار قصبها في حجر رسول الله ﷺ فقال: ﷺ \"ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم مرتين\" وحج مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، وتوفي وهو عنه راض، وصح أبا بكر فأحسن صحبته، وتوفي وهو عنه راض، وصحب عمر فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض. ونص عليه في أهل الشورى الستة فكان خيرهم.","vol":"4","page":1633},{"text":"الكّراديس (١)، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس حسن الثغر، فيه سمرة، وقيل كان في وجهه شيء من آثار الجدري، ﵁، وعن الزهري: كان حسن الوجه والثغر، مربوعًا، أصلع، أرْوَح (٢) يخضب بالصفرة، وكان شد أسنانه بالذهب، وقد كسي ذراعية الشعر.\nوقال سيف عن خليفة بن زفر ومجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث خلفون من المحرم سنة ثلاث وعشرين فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد الناس يعني في أعطياتهم - مائة، ووفد أهل الأمصار، وهو أول من صنع ذلك.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-454>قصة استخلافه: </span>أنه في أول يوم من سنة أربع وعشرين دفن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وذلك يوم الأحد في قول وبعد ثلاث أيام بويع أمير المؤمنين عثمان ابن عفان ﵁.\nكان عمر ﵁ قد جعل الأمر بعده شورى بين ستة نفر وهم عثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، وتحرّج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين، وقال: لا أتحمل أمرهم حيًا وميتًا، وإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم ﷺ، ومن تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه خشي أن يراعي فيولي لكونه ابن عمه، فلذلك تركه - ولعله خشي أن يفتح بابًا بأن يجعل الخلافة وراثية في بني عدى، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، بل جاء في رواية المدائني عن شيوخه أنه استثناه من بينهم، وقال: لست مدخله فيهم، وقال لأهل الشورى يحضركم عبد الله - يعني ابنه- وليس إليه من الأمر شيء - يعني بل يحضر الشورى ويشير بالنصح ولا يولى شيئًا- وأوصى أن يصلى بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى، وأن يجتمع أهل الشورى ويوكل بهم أناس حتى ينبرم الأمر، ووكل بهم خمسين رجلًا من\n_________\n(١) الكراديس: جمع كردوس: وهو كل عصم نام ضخم، وكل عظمين التقيا في مفصل نحو المنكبين والركبتين والوركين.\n(٢) أروح الرجلين: أي في رجليه اتساع دون الفحج، والفحج: الانفراج.","vol":"4","page":1634},{"text":"المسلمين وجعل عليهم مستحثًا أبا طلحة الأنصاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقد قال عمر بن الخطاب: ما أظن الناس يعدلون بعثمان وعلي أحدًا، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول الله ﷺ بما ينزل به جبريل عليه.\nوالمقصود أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم، فكثر القول، وعلت الأصوات وقال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدافعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها ثم صار الأمر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة، ففوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي، وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان بن عفان ﵁، فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه والله عليه والإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فأسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك والله عليّ والإسلام أن اجتهد فأولّي أولاكما بالحق، قالا: نعم! ثم خاط بكل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعين، فقال كل منهما: نعم ثم تفرقوا، ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن يجتهد للمسلمين أفضلهم ليوليه، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان بن عفان، حتى أنه قال لعلي: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به علي؟ قال: عثمان، وقال لعثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟ قال: بعلي بن أبي طالب، والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف ﵁ يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وقوداهم جميعًا وأشتاتًا، مثني وفرادي، ومجتمعين، سرًا وجهرًا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الوالدان في المكاتب، وحتى سأل من يَرِدُ من الركبان والأعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد أثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفان، إلا ما ينقل عن عمار والمقداد إنهما أشارا بعلي بن أبي طالب، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره، فسعي في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاءًا واستخارة، وسؤالًا من ذوي الرأي عنهم، فلم يد أحدًا يعدل عثمان بن عفان ﵁، فلما كانت الليلة يسفر","vol":"4","page":1635},{"text":"صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن اخته المسور بن مخرمة فقال: أنائم يا مسور؟ والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث، أذهب فادع إلي عليًا وعثمان قال المسور: فقلت بأيهما أبدًا؟ فقال بأيهما شئت، قال فذهبت إلى علي فقلت أجب خالي، فقال: أمرك أن تدعو معي أحدًا؟ قلت: نعم! قال: من؟ قلت: عثمان ابن عفان، قال: بأيبنا بدأ؟ قلت: لم يأمرني بذلك، بل قال أدعو لي أيهما شئت أولًا، فجئت إليك قال: فخرج معي فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس علي حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي على سواء، ثم خرج فدخلت بهما على خالي وهو قائم يصلي، فلما انصرف أقبل على علي وعثمان فقال: إني قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدًا يعدل بكما أحدًا، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضًا لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عّممه رسول الله ﷺ، وتقلد سيفًا، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة، فامتلأ المسجد حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس - وكان رجلًا حييًا ﵁ - ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله ﷺ، فوق وقوفًا طويلًا، ودعا دعاء طويلًا، لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني سألتكم سرًا وجهرًا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان، فقم إلىٌ يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال فأرسل يده وقال: قم إلى يا عثمان، فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال اللهم أسمع وأشهد، اللهم أسمع وأشهد، اللهم أسمع وأشهد، اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، قال وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ، وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه إلى بن أبي طالب أولًا.","vol":"4","page":1636},{"text":"فولى الخلافة بعده فتح الله على يديه كثيرًا من الأقاليم والأمصار، وتوسعت المملكة الإسلامية، وامتدت الدولة المحمدية، وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض ومغاربها، وظهر للناس مصداق قوله تعالي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ (٢).\nوقد كان ﵁ حسن الشكل، مليح الوجه كريم الأخلاق، ذا حياء كثير، وكرم عزير، يؤثر أهله وأقاربه في الله، تأليفًا لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني، لعله يرغبهم في إيثار ما يبقي على ما يفنى، كما كان النبي ﷺ يعطي أقوامًا ويدع آخرين، يعطي أقوامًا خشية أن يكبه الله على وجوهم في النار، وبكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الهدي والإيمان، وقد تعنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما تعنت بعض الخوارج على رسول الله ﷺ في الإيثار.\nأقول: إن استعانة أمير المؤمنين ببعض أقاربه قد يكون فيه مصالح منها الضبط ومنها قوة الولاء ومنها الجرأة على المصارحة بواقع الحال، ولكن الناس ألفوا سنة عمر الذي كان يستبعد أن يولي أحدًا من أقاربه فلم يسلم بعضهم لعثمان بهذا الاجتهاد، وهو على كل حال من الأحوال اجتهاد خلية راشد يشكل سابقة من سوابق الحكم في الأمة الإسلامية، وعلى أمراء المؤمنين أن يجاهدوا أنفسهم فلا يميلوا مع الهوى ويتخيروا من سنن الخلفاء الراشدين ما هو الأنسب للصالح العام.\nوقد وردت أحاديث كثيرة في فضل عثمان ﵁:\nقال البخاري في التاريخ: ثنا موسي بن إسماعيل ثنا مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قل ما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرًا، يقال لهم: يا معشر المسلمين أعدوا على أعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم\n_________\n(١) النور: ٥٥.\n(٢) التوبة: ٣٣.","vol":"4","page":1637},{"text":"يقال لهم: أغدوا على أرزاقكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم اغدوا على السمن والعسل، الأعطيات جارية، والأرزاق دارة، والعدو متقي وذات البين حسن، والخير كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمنًان ومن لقيه هو أخوه، بمعني أن الإخاء وافر بين المسلمين- قال الحسن: فلو أنهم صبروا لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير، بل قالوا: لا والله ما ناصبرها: فو الله ما نصابرها: فوالله ما وردا - أي ما حققوا الدنيا وخيرها - وما سلموا، والأخرى كان السيف مغمدًا عن أهل الإسلام فسلّوه على أنسهم، فوالله ما زال مسلولًا إلى يوم الناس هذا، وأيمن الله إني لأراه سيفًا مسلولًا إلى يوم القيامة.\nوقد روي هذا من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم ي ركعة واحدة عند الحجر الأسود أيام الحج، وقد كان هذا من دأبه ﵁، ولهذا روينا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (١) قال: هو عثمان بن عفان، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) قال: هو عثمان: وقال حسان:\nضحّوا بأشمطَ عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا\nوقال سفيان بن عبينة: ثنا إسرائيل بن موسى سمعت الحسن يقول قال عثمان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي على يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان حتى خرق مصحفه نم كثرة ما يديم النظر يه، وقال أنس ومحمد بن سيرين: قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فو الله لقد كان يحيي الليل بالقرآن في ركعة، وقال غير واحد: إنه ﵁ كان لا يوقظ أحدًا من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، إلا أن يجده يقظان، وكان يصوم الدهر، وكان يعاتب فيقال: لو أيقظت بعض الخدم؟ فيقول: لا الليل لهم يستريحون فيه، وكان إذا اغتسل لا يرع. المئزر عنه، وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه جيدًا من شدة حيائه ﵁.\n_________\n(١) الزمر: ٩.\n(٢) النحل: ٧٦.","vol":"4","page":1638},{"text":"ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة، التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بين اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق، ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة احرف، يفضّل قراءته على قراءة غيره، وربما خطًا الآخر أو كفره، فأدي ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأي أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأي في ذلك من مصلحة كف المنازعة، ودع الاختلاف، فاستدعي بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعي بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شييء أن يكتبوه بلغة قريش، كتب لأهل الشام مصحفًا، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفًا وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفًا وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفًا، ويقال لهذه المصاحف الأئمة، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه، وإمارته، كما يقال دينار هرقلي، أي ضرب في زمانه ودولته.\nقال أبو عمر بن عبد البر: دفنوا عثمان ﵁ بحش كوكب - وكان قد اشتراه وزاده في البقيع - ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره.","vol":"4","page":1639},{"text":"وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله - بعد حكايته هذا الكلام: الذين قتلوه أو ألبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته، والذين خذلوه خذلوا وتنغص عيشهم، وكان الملك بعده في نائبه معاوية وبنيه، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته، استطالوا حياته وملّوه مع فضله وسوابقه، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعًا وثمانين سنة، فالحكم لله العلي الكبير، وهذا لظه بحروفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>ذكر زوجاته وبنيه وبناته ﵃:</span>\nتزوج برقية بنت رسول الله ﷺ فولد له منها عبد الله، وبه كان يكني، بعد ما كان يكني في الجاهلية بأبي عمرو، ثم لما توفيت تزوج بأختها أم كلثوم، ثم توفيت فتزوج بفاخته بنت غزوان بن جابر، فولد له منها عبيد الله الأصغر، وتزوج بأم عمرو بنت جندب بن عمرو الأزدية، فولدت له عمرًا، وخالدًا، وأبانا، وعمر، ومريم، وتزوج بفاطمة بنت الوليد بن عبد شمس المخزومية، فولدت له الوليد وسعيدًا، وتزوج أم البنين بنت عيينة بن الفزارية، فولدت له عبد الملك، ويقال وعتبة، وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي فولدت له عائشة وأم أبان وأم عمرو، بنات عثمان، وتزوج نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن حيان بن كليب، فولدت له مريم، ويقال وعنبة، وقتل ﵁ وعنده أربع: نائلة، ورملة، وأم البنين، وفاخته، ويقال إنه طلق أم البنين وهو محصور أهـ، أبن كثير.\nومما قاله ابن كثير وهو يؤرّخ لسني عهد عثمان ﵁: قال ابن جرير: وفي هذه السنة - أعني سنة أربعة وعشرين - غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية حين منع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الإسلام في أيام عمر بن الخطاب، وهذا في رواية أبي مخنف، وأما في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة ست وعشرين، ثم ذكر ابن جرير ههنا هذه الوقعة وملخصها: أن الوليد بن عقبة سار بجيش الكوفة نحو أذربيجان وأرمينية، حين نقضوا العهد فوطيء بالدهم وأغار بأراضي تلك الناحية فغنم وسبي وأخذ أموالًا جزيلة فلما أيقنوا بالهلكة صالحهم أهلها على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان ثمانمائة ألف درهم","vol":"4","page":1640},{"text":"في كل سنة فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالمًا غانمًا إلى الكوفة، فمر بالموصل وجاءه كتاب عثمان وهو بها يأمره أن يمد أهل الشام على حرب أهل الروم، قال ابن جرير: وفي هذه السنة جاشت الروم حتى خا أهل الشام وبعثوا إلى عثمان ﵁ يستمدونه فكتب إلى الوليد بن عقبة، أن إذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلًا أمينًا كريمًا شجاعًا في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إلى أخوانكم بالشام، فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيبًا حين وصل إليه كتاب عثمان فأخبرهم بما أمره به أمير المؤمنين وندب الناس وحثهم على الجهاد ومعاونة معاوية وأهل الشام، وأمرّ سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون إلى الشام فانتدب في ثلاثة أيام ثمانية آلاف فبعثهم إلى الشام وعلى جند المسلمين حيب بن مسلم الفهري، لما اجتمع الجيشان شنوا الفارات على بلاد الروم فغنموا وسبوا شيئًا كثيرًا وفتحوا حصونًا كثيرة ولله الحمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>ثم دخلت سنة خمس وعشرين:</span>\nوفيها نقض أهل الإسكندرية العهد، وذلك أن ملك الروم بعث إليهم معويل الخصي في مراكب من البحر فطمعوا في النصرة ونقضوا ذمتهم، فغزاهم عمرو بن العاص في ربيع الأول، فافتتح الأرض عنوة وافتتح المدينة صلحًا.\nوفيها وجه عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح لغزو بلاد المغرب، واستأذنه ابن أبي سرح في غزو إفريقية فأذن له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>ثم دخلت سنة ست وعشرين:</span>\nوفيها افتتح عثمان بن أبي العاص سابور صلحًا على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>ثم دخلت سنة سبع وعشرين:</span>\nأمر عثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن يغزو بلاد إفريقية إذا افتتحها الله عليه فله خمس الخمس من الغنيمة نقلًا - فسار إليها في عشرة آلاف فافتتحها سهلها وجبلها، وقتل خلقًا كثيرًا من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام، وحسن إسلامهم، وأخذ عبد الله ابن سعد خمس الخمس من الغنيمة وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة","vol":"4","page":1641},{"text":"بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>غزوة الأندلس:</span>\nلما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد الله بن ناع بن عبد قيس وعبد الله بن ناع بن الحصين الفهريين من فورها إلى الأندلس فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس أنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان واللام، قال فساروا إليها فافتتحوها ولله الحمد والمنة.\nأقول: وكان فتح الأندلس فيما بعد عثمان في زمن بني أمية، ولكن الأمر بالفتح كان في زمن عثمان، وكلام عثمان يدل على ما يسمي في اصطلاحات عصرنا ببعد النظر الاستراتيجي، إذا يد كلامه على أنه كان دراكًا ما يترتب على كل خطوة في الفتح من آفاق جديدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>وقعة جرير والبربر مع المسلمين:</span>\nلما قصد المسلمون وهم عشرون ألفًا إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وفي جيشه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومائة ألف، وقيل في مائتي ألف، فلما تراءي الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه ولا أخوف عليهم منه، قال عبد الله بن الزبير، فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فسألته أن يبعث معي من يحمي ظهري وأقصد الملك، فجهز معي جماعة من الشجعان، قال فأمر بهم فحموا ظهري وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه - وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك - لما اقتربت منه أحس مني الشر قر علي برذوته، لحقته فطعنته برمحي، وذففت عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبرت، فلما رأي ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالًا كثيرة، وسبيًا عظيمًا، وذلك ببلد يقال","vol":"4","page":1642},{"text":"له سبيطله - على يومين من القيروان - فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد الله بن الزبير ﵁ وعن أبيه وأصحابهما أجمعين.\nقال الواقدي: وفي هذه السنة افتتحت اصطخر ثانية على يدي عثمان بن أبي العاص، وفيها غزا معاوية قنسرين، وفيها حج بالناس عثمان بن عفان، قال ابن جرير قال بعضهم وفي هذه السنة غزا معاوية قبرص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>فتح قبرص:</span>\nذكر ابن جرير فتح قبرص تبعًا للواقدي وكان فتحها على يدي معاوية بن أبي سفيان، ركب إليهم في جيش كثيف من المسلمين ومع عباده بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان التي تقدم حديثهما في ذلك حين نام رسول الله ﷺ في بيتها ثم استيقظ يضحك فقالت: ما أضحكك يا رسول الله فقال: \"ناس من أمتي عرضوا علي يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة\". فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: \"أنتم منهم\" ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: \"أنت من الأولين\" فكانت في هذه الغزوة وماتت بها وكانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>ثم دخلت سنة تسع وعشرين:</span>\nوفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارس ي قول الواقدي وأبي معشر زعم سيف أنه كان قبل هذه السنة فالله أعلم.\nوفيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي ﷺ، وبناه بالقضة - وهي الكلس- كان يؤتى به من بطن نخلة والحجارة المنقوشة، وجعل عمده حجارة مرصعة، وسقفه بالساج (١)، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبواب ستة، على ما كانت عليه في زمان عمر بن الخطاب، ابتداء بناءه في ربيع الأول منها.\n_________\n(١) الساج: نوع من الشجر.","vol":"4","page":1643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>ثم دخلت سنة ثلاثين من الهجرة النبوية:</span>\nفيها افتتح سعيد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني، وقال: هو أول من غزاها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>ثم خلت سنة إحدى وثلاثين:</span>\nففيها كانت غزوة الصواري، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي وقال أبو معشر: كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين.\nوملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرها أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان ﵁، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمي حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم، في زمن الصيف، ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقًا، ويأسرون آخرين، ويفتحون حصونًا ويغنمون أموالًا ويرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمائة مركب، وقصدوا عبد الله بن أبي سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون (١) ويصلبون، وبات المسلمون يقرؤون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفًا في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، وعقدوا صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم، قال: فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا: الماء الماء، قال: فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل\n_________\n(١) يقفون: أي يغلطون ويرفعون أصواتهم.","vol":"4","page":1644},{"text":"العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبرًا لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه- وقد قلّوا جدًا- وبه جراحات شديدة مكينة مكث حينًا يداوي منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أيامًا، ثم رجع مؤيدًا منصورًا مظفرًا.\nوفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحًا، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفي ألف ومائتي ألف، وقيل على ستة آلاف ألف ومائتي ألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين:</span>\nوفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - ومعه زوجته عاتكة، ويها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وأمره أن يغزوا الباب، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، سار حتى بلغ بلنجر (١) فحصروها ونصبت عليها المجانيق والعرادات. ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالًا شديدًا - وكانت الترك تهاب قتال المسلمين، ويظنون أنهم لا يموتون - حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا، فقتل يومئذ عبد الرحمن ابن ربيعة - وكان يقال له ذو النون - وانهزم المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر، وفرقة سلكوا ناحية جيلان وجرجان، وفي هؤلاء أبو هريرة وسلمان الفارسي، وأخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة - وكان من سادات المسلمين وشجعانهم - فدفنوه في بلادهم فهم يستقسون عنده إلى اليوم، وفيها فتح ابن عامر مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين:</span>\nوفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانية، حين نقض أهلها العهد.\n_________\n(١) بلنجر: هي بلد بالخزر خلف باب الأبواب.","vol":"4","page":1645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>ثم دخلت سنة أربع وثلاثين:</span>\nقال الواقدي فيما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين أكثر الناس بالمقالة على عثمان بن عفان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان:</span>\nإن قال قائل كيف وقع قتل عثمان ﵁ بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة ﵃؟ فجوابه من وجوه (أحدها) أن كثيرًا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينًا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة، وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع والله أعلم. (الثاني) أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية (الثالث) أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لم اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم (الرابع) أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبًا من ألفي مقاتل من الأبطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة، ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا ومعه السيف، ويضعه على حبوته إذا احبتي، والخوارج محدقون بدار عثمان ﵁، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان ﵁، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجيء الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان","vol":"4","page":1646},{"text":"﵁، بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يوجد لو خلع نفسه من الأمر كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم.\nوقد أطال ابن كثير في البداية والنهاية الكلام عن مقتل عثمان وذكر الروايات الكثيرة في ذلك، وها نحن ننقل مختارات من كلامه، قال ﵀:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان:</span>\nوكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو ابن العاص، مقهورين معه، لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير، فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه، فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرًا عن الحزب وتركه على الصلاة، وولّى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما: حتى كان بينهما كلام قبيح، فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر، خراجها [وحربها] وصلاتها، وبعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام عند من يكرهك، أقدم إلي، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم وشر كبير فكمله فيما كان من أمره بنفس، وتقاولا في ذلك، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على عثمان، وأنه كان أعز منه، قال له عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية، وجعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان، وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا، وينقمون عليه في عزلة جماعة من عليه الصحابة وتوليته من دونهم، أو من لا يصلح عندهم للولاية وكره أهل مصر عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، بعد عمرو بن العاص، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب، وفتحه بلاد البربر والأندلس وإفريقية، ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حرية والإنكار عليه، وكان عظم ذلك مسندًا إلى محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، حتى استنفروا نحوًا من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب، لينكروا على عثمان فساروا إليها تحت أربع رفاق، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الرحمن بن عديس العلوي، وكنانة بن بشر","vol":"4","page":1647},{"text":"التجيبي، وسودان بن حمران الكوني، وأقبل معهم محمد بن أبي بكر، وأقام بمصر محمد بن أبي حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء، وكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين، لما اقتربوا من المدينة أمر عثمان علي بن أبي طالب أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة.\nفانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الذي تحاربون الأمير بسببه وتحتجون عليه به، ويقال إنه ناظرهم في عثمان، وسألهم ماذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمي الحمى، وأنه حرق المصاحف، وأنه أتم الصلاة وأنه ولى الأحداث الولايات وترك الصحابة الأكابر وأعطى بني أمية أكثر من الناس فأجاب علي عن ذلك: أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن، ولم يحمه لإبله ولا لغنمه وقد حماه عمر من قبله، وأما المصاحف إنما حرّق ما وقع يه اختلاف، وأبقى لهم المتفق عليه، كما ثب في العرضة الأخيرة، وأما إتمامه الصلاة بمكة، فإنه كان قد تأهل بها ونوى الإقامة فأتمها، وأما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلًا سويًا عدلًا، وقد ولى رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة، وولى أسامة بن زيد بن حارثة، وطعن الناس في إمارته فقال إنه لخليق بالإمارة وإما إيثاره قومه بني أمية فقد كان رسول الله ﷺ يؤثر قريشًا على الناس، ويقال: إنهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن أبي بكر، فذكر عثمان عذره في ذلك، وأنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما، وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبي العاص، وقد نفاه رسول الله ﷺ إلى الطائف، فذكر أن رسول الله ﷺ كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده، ثم نفاه إليها، قال قد نفاه رسول الله ﷺ ثم رده، وروي أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما شهادة له، ويروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت الأعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصح عنهم، ﵁، وردّهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيث أتوا، ولم ينالوا شيئًا مما كانوا أملوا وراموا، ورجع علي إلى عثمان، فأخبره برجوعهم عنه، وسماعهم منه، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة","vol":"4","page":1648},{"text":"يعتذر إليهم يها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله، وأنه لا يحيد عنها، كما كان الأمر أولًا في مدة ست سنين الأول، استمع عثمان هذه النصيحة، وقابلها بالسمع والطاعة، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، وأرسل عينية بالبكاء بكي المسلمون أجمعون، وحصل الناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، أبو بكر وعمر ﵄، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة.\nثم ذكر ابن كثير: أن مروان بن الحكم لم يرق له أن يظهر عثمان بهذا الضعف، وأنه - أي مروان - تصرف تصرفات أغضبت عليًا ﵁ لدرجة أنه قرر ألا يتدخّل مرّة أخرى، ولما تسامعت أحزاب الفتنة بذلك ادّعوا دعوي وعادوا إلى المدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان للمرة الثانية في مصر:</span>\nوذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان، وغصب علي على عثمان بسببه، ووجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير ولم يسلك سيرة صاحبيه، تكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا، وروت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، وعلى لسان علي وطلحة والزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين، وأنه أكبر الجهاد اليوم، وذكر سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، وقاله غيرهم أيضًا، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين، خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل لهم يقول ستمائة، والمكثر يقول: ألف، على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة الكوني وعلى القوم جميعًا الغافقي بن حرب العكي، وخرجوا فيما يظهرون حجاجًا، ومعهم ابن السوداء - وكان أصله ذميًا فأظهر الإسلام وأحدث بدعًا قولية وفعلية، قبحة الله- وخرج","vol":"4","page":1649},{"text":"أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق أيضًا، وأمراؤهم: زيد بن صوحان، والأشتر النخعي، وزياد بن النصر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، وعلى الجميع عمرو بن الأصم. وخرج أهل البصرة في عدتهم أيضًا في أربع رايات مع حكيم بن جبلة العبدي، وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي، وذريح بن عباد العبدي، وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي، وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير، وأهل البصرة مصممون على تولية طلحة، لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة، كما تواعدوا في كتبهم، شهر شوال نزل طائقة منهم بذي خشب، وطائفة بالأعوص، والجمهور بذي المروة، وهم على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصادًا وعيونًا بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاءوا للحجج لا لغيرة، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول، فكل الناس أبي دخولهم ونهي عنه، تجاسروا واقتربوا من المدينة، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أقواف (١)، معتم بشقيقة حمار يمانية، متقلدًا السيف وليس عليه قميص وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه فسلم عليه المصريون صاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد ﷺ، فارجعوا لا صبحكم الله، قالوا: نعم! وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل مصر، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة، فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أيامًا راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، ما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان، وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن، فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أيامًا، هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلى بالناس،\n_________\n(١) حلة أقواف: أي ذات وبر أو شعر.","vol":"4","page":1650},{"text":"فيصلى وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم، حتى قال على لأهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيه فقالوا: وجدنا مع بريد كتابًا بقتلنا، وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير، وقال أهل كل مصر: إنما جئنا لننصر أصحابنا، قال لهم الصحابة: كيف علمتهم بذلك من أصحابكم، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله - يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه أمنًا - وكان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدًا يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابًا على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان وعلى جملة، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة على بذلك وإلا فو لله لا كتبت ولا أمليت، ولا دريت بشيء من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون، ويقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم أبي سرح، ويولي محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر، وآخرين معه فرجعوا وقد حنقوا عليه حنقًا شديدًا، وطافوا بالكتاب على الناس، دخل ذلك في أذهان كثير من الناس.\nواستمر عثمان يصلى بالناس في تلك الأيام كلها، وهم أحقر في عينيه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله ﷺ في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه، وأنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان:</span>\nلما وقع ما وقع يوم الجمعة، وشج أمير المؤمنين عثمان، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشيًا عليه، واحتمل إلى داره وتفاقم الأمر، وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، وألجأوه إلى داره وضيقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثير من الصحابة","vol":"4","page":1651},{"text":"بيوتهم، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر أبائهم، منهم الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير- وكان أمير الدار- وعبد الله بن عمرو، وصاروا يحاجون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أوي سلم إليهم مروان بن الحكم، ولم يقع في خلط أحد أن القتل كان في نفس الخارجين، وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلًا في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلى بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب، وقد استمر الحصر أكثر من شهر، وقيل أربعين يومًا، حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيدًا ﵁.\nكان الحصار مستمرًا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار- وكانوا قريبًا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر، فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج، وأشتد الأمر، وكان سبب ذلك أن عثمان رأي في المنام رؤيا دلّت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده، وشوقًا إلى رسول الله ﷺ، وليكون خير ابني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (١). وروي أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار، بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسن ابن علي وقد خرج، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير ﵃.\nولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحدى سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، ومن الجدران وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه، وكان سريع القراءة - فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته\n_________\n(١) المائدة: ٢٩.","vol":"4","page":1652},{"text":"وجلس وبين يديه المصحف، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١)، كان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود فخنقه خنقًا شديدًا حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه وهو يظن أنه قد قتله، ودخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ثم ندم وخرج، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه، فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنه أبانها وقيل: بل قطعها ولم يبنها، إلا أن عثمان قال: والله إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ثم جاء آخر شاهرًا سيفه فاستقبتله نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها، ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضي الله عن عثمان. أهـ من البداية والنهاية.\n١٦١٢ - *روى أحمد عن الحسن وذكر عثمان وشده حيائه قال إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلق فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يقيم صلبه.\n١٦١٣ - * روى مسلم عن سعيد بن العاص ﵁ أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدثاه أن أبا بكر الصديق استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضي إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فضي إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس وقال لعائشة: \"اجمعي عليك ثيابك\" قال: فقضيت إليه حاجتي، ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان؟ فقال: \"إن عثمان رجل حبي، وإن خشيت\n_________\n(١) آل عمران: ١٧٢.\n١٦١٢ - أحمد في مسنده (١/ ٧٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٢) رواه أحمد ورجاله ثقات.\n١٦١٣ - مسلم (٤/ ١٨٦٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣ - باب من فضائل عثمان.\nالمرط: الكساء من الخز والصوف يؤتزر به.\nفزعت: لمجيء فلان: أي تأهُبتُ له متحولًا من حال إلى حال، يقال: فزع من نومه: إذا استيقظ، فانتقل من حال النوم إلى حال اليقظة.","vol":"4","page":1653},{"text":"إن أذنتُ له على تلك الحال: أن لا يبلغ إلى في حاجته\".\n١٦١٤ - * روي أحمد والطبراني وأبو يعلى عن حفصة بنت عمر قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم فوضع ثوبه بين فخذيه فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له رسول الله ﷺ على هيئته وجاء ناس من أصحابه، فأذن لهم وجاء علي فأذن له رسول الله ﷺ على هيأته، ثم جاء عثمان بن عفان، فاستأذن فتجلل ثوبه فأذن له فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، فقتل: يا رسول الله دخل أبو بكر وعمر وعلي وناس من أصحابك وأنت على هيأتك لم تحرك، فلما دخل عثمان تخللت ثوبك، قال \"ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة\" ١٦١٥ - * روى الطبراني عن عب الرحمن بن عثمان القرشي أن رسول الله ﷺ على ابنته وهي تغسل رأس عثمان فقال: \"يا بنية أحسني إلى أبي عبد الله فإنه أشبه أصحابي بي خلقًا\".\n١٦١٦ - * روى الطبراني عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ، ثمنه أربعة دراهم، أو خمسة، وربطه كوفية ممشقة، ضرب اللحم طويل اللحية حسن الوجه.\n١٦١٧ - * روى الترمذي والنسائي عن عثمان: أن النبي ﵌ قدم\n_________\n١٦١٤ - أحمد في مسنده (١/ ٧٤) والمعجم الكبير (٢٣/ ٢٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٤): رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلي باختصار كثير وإسناده حسن.\n١٦١٥ - المعجم الكبير (١/ ٧٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨١): رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٦١٦ - المعجم الكبير (١/ ٧٥)، وقال الهيثمي فيمجمع الزوائد (٩/ ٨٠) رواه الطبراني وإسناده حسن.\nالرطبة: الملاءة، الثوب اللين الرقيق.\nممشقة: مصبوغة بالمغرة والمغرة مسحوق أحمر.\nضرب اللحم: خفيف اللحم ممشوق مستدق.\n١٦١٧ - الترمذي (٥/ ٦٢٧) ٥ - كتاب المناقب- ١٨ - باب في مناقب عثمان بن عفان، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٦/ ٢٣٥) كتاب الأحباس، باب وقف المساجد.","vol":"4","page":1654},{"text":"المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: \"من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي.\nوفي الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه العام.\n١٦١٨ - * روى الطبراني عن الحسن بن علي قال: رأيت النبي ﷺ في المنام متعلقًا بالعرش ورأيت أبا بكر آخذًا بحقوي النبي ﷺ ورايت عمر آخذًا بحقوي أبي بكر ورأيت عثمان آخذًا بحقوي عمر ورأيت الدم ينصب من السماء إلى الأرض، فحدث الحسن بهذا، وعنده قوم من الشيعة، فقالوا: وما رأيت عليًا، فقال الحسن: ما كان أحد أحب إلى أن أراه آخذًا بحقوي رسول الله ﷺ من علي، ولكنها رؤيا رأيتها، فقال أبو مسعود: إنكم لتحدثون عن الحسن بن علي في رؤيا رآها، وقد كنا مع النبي ﷺ في غزاة فأصاب الناس جهد حتى رأيت الكآبه في وجوه المسلمين والفرح في وجوه المنافقين، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: \"والله لا تغيب الشمس حتى يأتيكم الله برزق\" فعلم عثمان أن الله ورسوله سيصدقان، فاشترى عثمان أربع عشرة راحلة بما عليها من الطعام، فوجه إلى النبي ﷺ منها بتسعة، فلما رأى ذلك النبي ﷺ قال: \"ما هذا\" قالوا: أهدي إليك عثمان، قال: فعرف الفرح في وجه المسلمين والكآبه في وجوه المنافقين، فرأيت النبي ﷺ قد رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يدعو لعثمان دعاء ما سمعته دعا لأحد قبله: \"اللهم أعط عثمان اللهم افعل لعثمان\".\n١٦١٩ - * روى البزار عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فرأى لحمًا، فقال: \"من بعث بهذا؟ \" قلت: عثمان، قالت: فرأيت رسول الله ﷺ رافعًا يديه يدعو لعثمان.\n_________\n١٦١٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، وإسناده حسن. الحقوا: معقد الإزار، ويسمي به الإزار للمجاورة، ويقال أيضًا أخذ بحقو فلان إذا استجار به.\n١٦١٩ - البزار: كشف الأستار (٣/ ١٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٥): رواه البزار وإسناده حسن.","vol":"4","page":1655},{"text":"١٦٢٠ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: كنت مع رسول الله ﷺ إذا جاء رجل إلى النبي ﷺ فصافحه، فلم ينزع النبي ﷺ يده من يد الرجل حتى انتزع الرجل يده ثم قال له: يا رسول الله جاء عثمان قال: \"امرؤ من أهل الجنة\".\n١٦٢١ - * روى عبد الله بن أحمد عن أم موسى قالت: كان عثمان من أجمل الناس.\n١٦٢٢ - * روى الطبراني عن أم عياش قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما زوجت عثمان أم كلثوم إلا بوحي من السماء\".\n١٦٣٢ - * روى الطبراني عن أم موسي قالت: ولدت رقية لعثمان غلامًا فسماه رسول الله ﷺ عبد الله وكني عثمان بأبي عبد الله.\n١٦٢٤ - * روى الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة: قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، فرأيته ﷺ يقبلها في حجرة ويقول: \"ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين\" ١٦٢٥ - * روى البخاري عن عبد الرحمن أن المسور بن محرمة أخبره: أن الرهط الذين ولا هم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنفاسكم على هذا، ولكنكم إن شئتم اخترتم لكم منكم، فجعوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة\n_________\n١٦٢٠ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٧): رواه الطبراني في الأوسط والكبير وإسناده حسن.\n١٦٢١ - رواه عبد الله في زياداته على المسند (١/ ٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٠).\nوقال: رواه عبد الله ورجاله رجال الصحيح غير أم موسي وهي ثقة.\n١٦٢٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناده حسن، لما تقمه من الشواهد.\n١٦٢٣ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٣): رواه الطبراني بإسناد الذي قبله.\n١٦٢٤ - الترمذي (٥/ ٦٢٦) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٩ - باب مناقب عثمان.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٦٢٥ - البخاري (١٣/ ١٩٣) ٩٣ - كتاب الأحكام -٤٣ - باب كيف يبايع الإمام الناس.=","vol":"4","page":1656},{"text":"التي أصبحنا منهما فبايعنا عثمان - قال السور - طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائمًا، فو الله ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم، انطلق فادع الزبير وسعدًا، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني فقال: ادع لي عليًا، فدعوته، فنجاه حتى إبهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشي من علي شيئًا، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فنجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر - فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.\n١٦٢٦ - * روى الحاكم عن عبد الله بن حوالة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم: \"تهجمون على رجل معتجر ببردة يباع الناس من أهل الجنة\" فهجمت على عثمان ﵁ وهو معتجر ببرد حبرة يباع الناس.\n١٦٢٧ - * روى الطبراني عن الحسن قال: أدركت عثمان وأنا يومئذ قد أرهقت الحلم فسمعته وهو يخطب وشهدته وهو يقول: يا أيها الناس ما تنقمون علي؟ قال: وما من يوم إلا وهم يقسمون فيه خيرًا كثيرًا يقول: يا أيها الناس اغدوا على أعطياتكم، فيغدون فيأخذونها وافرة، ثم يقال يا أيها الناس اغدوا على كسوتكم فيجاء بالحلل فتنقسم بينهم، قال الحسن: والعدو متقى، والعطيات دارة، وذات البين حسن، والخير كثير، ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنًا، من لقي من الأحياء فهو أخوة ومؤدته ونصرته والفتنة إن سل عليه سيفًا.\n_________\n= هجع: مضي هجع من اللي، أي طائفة منه.\nإبهار: الليل: إذا مضي نصفه، وبهره كل شيء: ويبسطه، وقيل: معظمه، والبهر: الضوء.\n١٦٢٦ - المستدرك (٣/ ٩٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\nمعتجر: اعتجر فلان بالعمامة: لفها على رأسه ورد طرفها على وجهه.\n١٦٢٧ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٣) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"4","page":1657},{"text":"١٦٢٨ - * روى أحمد والطبراني عند عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل دومة وعنده كات بيملي عليه فقال: \"ألا نكتبك يا ابن حوالة\" قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، فأعرض عني وقال إسماعيل مرة فأكب يملي عليه ثم قال: \"ألا نكتبك يا ابن حوالة\" قلت: ما أدري ما خار الله لي ورسوله، فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فعرفت أن عمر لا يكتب إلا في خير ثم قال: \"أنكتبك يا ابن حوالة\" قلت: نعم. قال \"ابن حواة، كيف تفعل في فتن تخرج من أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ \" قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، قال: \"اتبعوا هذا\" ورجل مقف حينئذ، فانطلقت فسعيت فأخذت بمنكبه، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ قلت هذا؟ قال: \"نعم\" فإذا هو عثمان بن عفان.\n١٦٢٩ - * روى الحاكم عن أبي حبيبة أنه دخل الدار وعثمان ﵁ محصور فيها وإنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله تعالي وأثني عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: \"ستلقون بعدي فتنة واختلافًا، أم قال: اختلافًا وفتنة\" فقال له قائل: يا رسول الله بم تأمرنا؟ قال: \"عليكم بالأمير وأصحابه\" وهو يشير بذلك إلى عثمان ﵁ ١٦٣٠ - * روى أحمد عن أبي عون الأنصاري أن عثمان بن عفان قال لابن مسعود هل أنت منته عما بلغني عنك؟ فاعتذر عليه بعض العذر فقال عثمان: ويحك إني قد حفظت\n_________\n١٦٢٨ - أحمد في مسنده (٤/ ١٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٨): رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح.\nالدومة: شجرة عظيمة، وقيل شجرة المقل.\nصياصبي يقر: أي قرونها، واحدتها صيصة، شبه الفتنة بها لشدتها وصعوبة الأمر فيها، وكل شيء امتنع به وتحصن به فهو صيصة.\nرجل مقف: أي مول ذاهب.\n١٦٢٩ - المستدرك (٤/ ٤٣٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n١٦٣٠ - أحمد في مسنده (١/ ٦٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٧) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات. =","vol":"4","page":1658},{"text":"وسمعت وليس كما سمعت، إن رسول الله ﷺ قال: \"إنه سيقتل أمير وينتزي منتز\" وإني أنا المقتول وليس عمر إنما قتل عمر واحد وإنه يجتمع علي.\n١٦٣١ - * روى الحاكم عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله ﵌ يذكر فتنة فقربها، فمر به رجل مقنع في ثوب فقال: \"هذا يومئذ على الهدى\" فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان ﵁ فأقبلت إليه بوجهه فقلت هو هذا. قال: \"نعم\".\n١٦٣٢ - * وروى الحاكم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﵌ قال: أدعوا لي - أو- ليت عندي رجلًا من أصحابي\" قالت: قلت أبو بكر؟ قال: \"لا\" قلت: عمر. قال: \"لا\" قلت أبن عمك علي. قال: \"لا\" قلت فعثمان. قال: \"نعم\" قالت: فجاء عثمان فقال: \"قومي\" قال فجعل النبي ﵌ يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير. قال: فلما كان يوم الدار قلنا: ألا تقاتل؟ قال: لا. إن رسول الله ﵌ عهد إلى أمرًا فأنا صابر نفسي عليه ١٦٣٣ - *روى أحمد وأبو يعلي والبزار والطبراني عن شقيق قالك لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد مالي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان قال: أبلغه عن أني لم أفر يوم عينين - قال عاصم يوم أحد - ولم أتخف عن بدر ولم أترك سنة عمر قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان قال: فقال أما قوله إني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقبة بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم ومن ضرب رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر فإني لا أطيقها أنا\n_________\n= ينتز منتز: الانتزاء، والتنزي: تسرع الإنسان إلى الشر.\n١٦٣١ - المستدرك (٣/ ١٠٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجا وأقره الذهبي.\n١٦٣٢ - المستدرك (٣/ ٩٩) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n١٦٣٣ - أحمد في مسنده (١ - ٧٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٣): رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني باختصار والبزار بطوله بنحوه، وفيه عاصم بن بهدلة وهو حسن الحديث رجاله ثقات.","vol":"4","page":1659},{"text":"ولا هو فائتة فحدثه بذلك.\n١٦٣٤ - * روى البزار عن سعيد بن المسيب قال: رفع عثمان صوته على عبد الرحمن ابن عوف فقال له: لأي شيء ترفع صوتك على وقد شهدت بدرًا ولم تشهد وبايعت رسول الله ﷺ ولم تبايع وفررت يوم احد ولم أفر فقال له عثمان: أما قولك أنك شهدت بدرًا ولم أشهد فإن رسول الله ﷺ خلفني على ابنته وضرب لي بسهم وأعطاني أجري وأما قولك بايعت رسول الله ﷺ ولم أبايع فإن رسول الله ﷺ بعثني إلى أناس من المشركين وقد علمت ذلك فلما احتبست ضرب بيمينه على شماله فقال هذ لعثمان بن عفان فشمال رسول الله ﷺ خير من يميني وأما قولك فررت يوم التقي الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾ فلم تعيروني بذنب قد عفا الله عنه.\nأقولك هاتان الروايتان مهمتان في تعليل مجريات الأمور زمن عثمان ﵁، فعبد الرحمن بن عوف هو الذي قدم عثمان وبايعه على سنة أبي بكر وعمر، وتراه في هاتين الروايتين وهو عائب ناقد، مما يشير إلى أن كبار الصحابة لم يكونوا مرتاحين لسياسة عثمان وهذا الذي أعطي الفتنة وأهلها الفرصة أن يشوشوا، وفي ذلك درس للأمراء أن يلحظوا آراء كبار الناس يهم، وأن يعدلوا سياستهم على ضوء الصالح منها (١)\nمع ملاحظة أن ما فعله عثمان لا يخرج عن كونه مباحًا، ولكن ألفوا سياسية عمر التي تأخذ في العزائم وتبتعد عن الرخص فلم يعودوا يرضون بسياسة أقل من ذلك، وهذا تصديق لما توقعه علي أن سياسة عمر ستتعب كل من سيأتي بعده.\n١٦٣٥ - * روى النسائي عن الأحنف بن قيس قال خرجنا حجاجًا فقدمنا المدينة ونحن نريد الحجج، فبينا نحن في منازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت، فقال: إن الناس قد اجتمعوا في المسجد وفزعوا فانطلقنا، فإذا الناس مجتمعون على نفر في وسط المسجد وإذا\n_________\n١٦٣٤ - البزار: كشف الأستار (٣/ ١٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٤): رواه البزار وإسناده حسن.\n١٦٣٥ - النسائي (٦/ ٣٣٤) كتاب الأحباس، باب وقف المساجد.=","vol":"4","page":1660},{"text":"علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، فإنا لكذلك إذا جاء عثمان بن عفان عليه ملاءمة صفراء قد قنع بها رأسه فقال: أههنا علي، أههنا طلحة، أههنا الزبير، أههنا سعد، قالوا: نعم. قال: فإني أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \"من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له\" فابعتثه بعشرين ألفًا أو بخمسة وعشرين ألفا فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: \"أجعلها في مسجدنا وأجره لك\" قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \"من يبتاع بئر رومة غفر الله له\"فابتعته بكذا وكذا فأتيت رسول الله ﷺ فقلت قد ابتعتها بكذا وكذا قال: \"أجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك\" قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم فقال: \"من جهز هؤلاء غفر الله له\" يعني جيش العسرة، فجهزتهم حتى ما يفقدون عقالًا ولا خطامًا قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم أشهد اللهم أشهد.\n١٦٣٦ - * روى الترمذي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ﵁: أن عثمان بن عفان اشرف يوم الدار، فقال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحل دم امرؤ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنًا بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق، فيقتل به؟ \"فو الله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله ﷺ ولا قتلت النفس التي حرم الله، فبم تقتلونني؟\nوفي رواية النسائي (١) عن أبي أمامة بن سهل، وعبد لله بن عامر بن ربيعة قال: كنا مع عثمان وهو محصور، وكنا إذا دخلنا مدخلًا نسمع كلام من بالبلاط، فدخل عثمان يومًا،\n_________\n= الملاءة: الإزار يرتدي به، ويتشح به.\nالمرتد: موقف الإبل.\nأنشدكم: أي أسألكم وأقسم عليكم.\n١٦٣٦ - الترمذي (٤/ ٤٦٠) ٣٤ - كتاب الفتن -١ - باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. وقال: هذا حديث حسن حسن.\nالبلاط: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض ثم سمي المكان بلاطًا اتساعًا.\n(١) النسائي (٧/ ٩٢) كتاب تحريم الدم، باب ذكر ما يحل به دم المسلم.","vol":"4","page":1661},{"text":"ثم خرج فقال: اللهم إنهم ليتواعدوني بالقتل، قلنا: يكفيكهم الله، قال: ولم يقتلونني؟ سمعت رسول اله ﷺ يقول: ... وذكر الحديث بنحوه.\n١٦٣٧ - * روى البخاري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره: أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك، قال: يا أيها المرء منك، قال معمر: أراه قال: أعوذ بالله منك- فأنصرفت فرجعت إليهما، إذا جاء رسول عثمان: فأتيته، فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ، فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هدية، وقد أكثر الناس في شأن الوليد، قال: أدركت رسول الله ﷺ؟ قلتُ: لا، ولكن خلص إلى من علمه ما يخلص إلى العذارء في سترها. قال: أما بعد فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وأمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين - كما قلت- وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته، فو الله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي هم؟ قلت: بلي قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله، ثم دعا عليًا فأمره أن يجلد، فجلده ثمانين (١)\nقوله: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ كأنهم كانوا يتكلمون في سبب تأخيره في إقامة الحد عليه، قال الحافظ في \"الفتح\" وإنما أخر إقامة الحد عليه ليكشف عن حال من شهد عليه بذلك، فلما وضح الأمر أمر بإقامة الحد عليه.\n_________\n١٦٣٧ - روى البخاري (٧/ ٥٣) - كتاب فضائل الصحابة -٧ - باب مناقب عثمان بن عفان.\nالهجرة: فراق الرجل وطنه إلى بلد آخر فرارًا بدينه من الكفر، والهجرتان: هما: الهجرة الأولى، وهي هجرة المسلمين في صدر الإسلام إلى الحبشة، فرارًا من أذي قريش، وهجرة ثانية، هي هجرة النبي ﷺ والمسلمين قبله ومعه وبعده إلى المدينة، فكان عثمان ﵁ ممن هاجر الهجرتين.\nالهدي: السمت والطريقة والسيرة.\nالعذراء: البكر المخدرة التي لم تتزوج بعد.","vol":"4","page":1662},{"text":"قوله: فجلده ثمانين: قال الحافظ في \"الفتح\" في رواية معمر\" فجلد الوليد أربعين جلدة، وهذه الرواية أصح من رواية يونس، والوهم فيه من الراوي عن شيب بن سعيد، ويرجح رواية معمر ما أخرجه مسلم من طريق أبي ساسان قال: شهدت عثمان أتى بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم فشهد رجلان أحدهما حمران يعني مولى عثمان أنه. قد شرب الخمر، فقال عثمان: يا علي فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: امسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، فقال: امسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي، والمعني وجلد أربعين أحب إلى من الثمانين ١٦٣٨ - * روى الترمذي عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: ائتنوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي قال: فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان، فقال: أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: \"من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة\" فاشتريتها من صلب مالي؟ فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر، قالوا: اللهم. نعم قال: أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ: \"من يشتري بقعة أل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة؟ \" فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلى فيها ركعتين قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العشرة من مالي؟ قال: اللهم نعم، ثم قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ\n_________\n١٦٣٨ - الترمذي (٥/ ٦٢٧) ٥٠ - كتاب المناقب -١٩ - باب في مناقب عثمان بن عفان، وقال: هذا حديث حسن. وإسناده ضعيف وله شواهد بمعناه.\nألبت: عليه الناس: أي: جمعتهم عليه، وحملتهم على قصده، وصار القوم على فلان ألبا واحدًا، أي: اجتمعوا عليه يقصدونه.\nاستعذب الماء: أي: وجد عذبًا وهو الماء المشروب الحلو الطيب.=","vol":"4","page":1663},{"text":"كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضعه برجله وقال: \"اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان؟ \" قالوا: اللهم نعم قال: الله أكبر، شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاثًا.\n١٦٣٩ - * روى البخاري عن عثمان بن عبد الله بن موهب ﵀ قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر: قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أن تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر قال ابن عمر: تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: \"إن لك أجر رجل ممن شهد بردًا وسهمه\" وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: \"هذه يد عثمان\" فضرب بها على يده فقال: \"هذه لعثمان\" فقال له ابن عمر: أذهب بها الآن معك ١٦٤٠ - * روى أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى، وأنا أعرض عليك خصالًا ثلاثًا فاختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عددًا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق لك بابًا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فقال عثمان: أما أن\n_________\n= الحشيش: ضد الأموج، وهو أسفل كل عال، كما أن الأوج: أعلاه.\n١٦٣٩ - البخاري (٧/ ٥٤) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٧ - باب مناقب عثمان بن عفان.\n١٦٤٠ - أحمد في سنده (١/ ٦٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٩): رواه أحمد ورجاله ثقات إلى أن محمد ابن عبد الملك بن مروان لم أجد له سماعًا من المغيرة، ولهذا الحديث طرق في فضل مكة في الحج.","vol":"4","page":1664},{"text":"أخرج فأقاتلهم فلن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني بها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم\"، فلن أكون أنا إياه وأما أن الحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله ﷺ.\n١٦٤١ - * روى الطبراني عن النعمان بن بشير قال مات رجل منا يقال له زيد بن خارجة فسجيناه بثوب وقمت أصلى إذا سمعت ضوضاء، فانصرفت فإذا أنا به يتحرك فقال: أجلد القوم أوسطهم عبد الله عمر أمير المؤمنين القوى في أمره القوي في أمر الله ﷿ عثمان بن عفان أمير المؤمنين العفيف المتعفف الذي يعفو عن ذنوب كثيرة، خلت ليلتان وبقيت أربع واختلف الناس ولا نظام لهم. يا أيها الناس أقبلوا على إمامكم وأسمعوا وأطيعوا هذا رسول الله ﷺ وابن رواحة ثم قال وما فعل خارجة؟ يعني أباه (وكان قد استشهد في أحد) ثم قال أخذت بئر أرس ظلمًا ثم هدأ الصوت.\n١٦٤٢ - * البزار عن أبي سعيد مولى أبي أسيد، قال: بلغ عثمان، أن وفد أهل مصر، قد أقبلوا فتلقاهم في قرية له، خارجًا من المدينة، وكره أن يدخلوا عليه، أو كما قال، فلما علموا بمكانه، أقبلوا إليه، فقال: ادع لنا بالمصحف، فدعي، يعني به فقال. افتح، فقرأ حتى انتهي إلى هذه الآية ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (١) فقالوا: أحمى الله أذن لك به أم على الله تفتر، فقال: امض، نزلت في كذا وكذا، وأما الحمى، فإن عمر حمى الحمى لإبل الصدقة، فلما وليست، فعلت الذي فعل، وما زدت على ما زاد،\n_________\n١٦٤١ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nسجيناه: غطيناه.\nزيد بن خارجة: هو ابن أبي زهير الأنصاري، صحابي بدري، توفي في خلافة عثمان، وهو الذي تكلم بعد موته.\n١٦٤٢ - البزار: كشف الأستار (٤/ ٨٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٨): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو ثقة.\nماء البحر: أي ماء ملحًا كماء البحر.\n(١) يونس: ٥٩.","vol":"4","page":1665},{"text":"قال: ولا أراه إلا قال: وأنا يومئذ ابن كذا سنة، قال: ثم سألوه عن أشياء، جعل يقول: أمضه، نزلت في كذا وكذا، ثم سألوه عن أشياء، عرفها، لم يكن عنه فيها مخرج، فقال: استغفر الله، ثم قال: ما تريدون؟ قال: نريد أن لا يأخذ أهل المدينة العطاء، فإن هذا المال، للذي قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد قال: فرضي ورضوا، قال: وأخذوا عليه، قال: وكتبوا عليه كتابًا، وأخذ عليهم أن لا يشقوا غصًا، ولا يفارقوا جماعة، قال: فرضي ورضوا، فأقبلوا معه إلى المدينة، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: إني والله ما رأيت وفدًا هم خير من هذا الوفد، ألا من كان له زرع، فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع، فليحتلبه، ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال، لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد، قال: فغضب الناس، وقالوا: هذا مكر بنى أمية، ورجع الوفد، راضون، فلما كان ببعض الطريق، إذا راكب، يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ويعود إليهم، ويسبهم، فأخذوه، فقالوا: ما شأنك؟ إن لك لشأنا، قال: أنا رسول أمير المؤمنين، إلى عامله بمصر، ففتشوه، فإذا معه كتاب، على لسان عثمان، عليه خاتمه، أن يصلبهم، أو يضرب أعناقهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم، قال: فرجعوا وقالوا: قد نقض العهد، وأحل الله ذمة، فقدموا المدينة، فأتوا عليًا، فقالوا: ألم تر؟ إلى عدو الله، كتب فينا بكذا وكذا، قم معنا إليه، فقال: والله لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا، قال: والله ما كتبت إليكم كتابًا قط، فنظر بعضهم على بعض، ثم بعضهم: ألهذا تقاتلون أم لهذا تغضبون؟ وخرج علي، فنزل قرية خارجًا من المدينة، فأتوا عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، قال: إنما هما اثنتان، أن تقيموا شاهدين، أو يمين بالله ما كتبت، ولا أمليت، ولا علمت، وقد تعلمون الكتاب يكتب على لسان الرجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم، قال: فحصروه، فأشرف عليهم ذات يوم، فقال: السلام عليكم فما أسمع أحدًا على الخاتم، قال: فحصروه، فأشرف عليهم ذات يوم، فقال: السلام عليكم فما أسمع أحدًا رد عليه، إلا أن يرد رجل في نفسه، فقال، أنشدكم بالله، أعلمتم أني اشتريت رومة من مالي، استعذب بها، فجعلت رثائي فيها كرشاء رجل من المسلمين؟ قيل: نعم، قال: فعلام تمنعوني أشرب من مائها، حتى أفطر على ماء البحر؟ قال: نشدتكم بالله، علمتم أني اشتريت كذا وكذا، من مالي، فزدته في المسجد، قالوا: نعم، قال: فهل علمتم أن أحدًا منع فيه الصلاة قبلي، ثم ذكر أشياء،","vol":"4","page":1666},{"text":"قال له رسول الله ﷺ قال: وأراه ذكر كتاباته المفصل بيده، قال ففشا النهي، وقيل: مهلًا عن أمير المؤمنين.\n١٦٤٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر فتنة، فقال: \"يقتل فيها هذا مظلومًا\" لعثمان.\n١٦٤٤ - * روى أحمد والطبراني عن قتادة أن عثمان قتل وهو ابن تسعين أو ثمان وثمانين سنة.\n١٦٤٥ - *روى الطبراني عن الزبير بن بكار قال: قتل عثمان بن عفان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وكان يومه صائمًا.\n١٦٤٦ - * روى عن عبد الله بن أحمد وأبو يعلي عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان بن عفان أعتق عشرين عبدًا مملوكًا، ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام وأبا بكر وعمر فقالوا لي أصبر فإنك تفطر عندنا القابلة ثم دعا بمصحف فنشره بينيديه فقتل وهو بين يده ١٦٤٧ - * روى الطبراني عن يزيد بن أبي حبيب: أن عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان جنوا.\nيحتمل النص أن من سار إلى عثمان كان في حالة جنونية من السفه، لأن المعروف أن\n_________\n١٦٤٣ - الترمذي (٥/ ٦٣٠) ٥٠ - كتاب المناقب -١٩ - باب في مناقب عثمان بن عفان.\nوقال: هذا حدث حسن غريب.\n١٦٤٤ - أحمد في مسنده (١/ ٧٤).\nوالمعجم الكبير (١/ ٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩): رواه أحمد والطبراني ورجاله إلى قتاده ثقات، إلا أن قتادة لم يدرك عثمان.\n١٦٤٥ - المعجم الكبير (١/ ٧٧).\n١٦٤٦ - عبد الله في زيادته على المسند (١/ ٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٦)، رواه عبد الله وأبو يعلي في الكبير ورجالهما ثقات.\n١٦٤٧ - المعجم الكبير ١/ ٨٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٤): رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"4","page":1667},{"text":"بعض الذين ساروا إلى عثمان ولوحقوا فيما بعد قتلوا وهم في حالة عادية من العقل.\n١٦٤٨ - *روى الحاكم عن عمير بن سعيد قال أراد علي أن يسير إلى الشام إلى صفين، واجتمعت النخع حتى دخلوا على الأشتر بيته فقال: هل في البيت إلا نخعي قالوا: لا قال: إن هذه الأمة عمدت إلى خير أهلها فقتلوه، يعني عثمان، وإنا قاتلنا أهل البصرة بيعه تأولنا عنه وإنكم، تسيرون إلى قوم ليس لنا عليهم بيعة، فيلنظر كل امرئ أين يضع سيفه.\n١٦٤٩ - * روى الحاكم عن قيس بن عباد قال: سمعت عليًا ﵁ يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قومًا قتلوا رجلًا قال له رسول الله ﵌: \"ألا استحي ممن تستحي منه الملائكة\" وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة، فقلت اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت فلقد قالوا يا أمير المؤمنين فكأنما صدع قلبي وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى ١٦٥٠ - *روى الطبراني عن عبد الله بن سلام أنه قال حين هاج الناس في أمر عثمان: أيها الناس لا تقتلوا هذا الشيخ، واستعتبوه فإنه لن تقتل أمة نبيها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء سبعين ألفًا منهم، ولن تقتل أمة خليفتها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء أربعين ألفًا منهم، فلم ينظروا فيما قال: وقتلوه فجلس لعلي في الطريق فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أرض العراق، قال: لا تأت العراق وعليك بمنبر رسول الله ﷺ، فوثبت به (أي عليه) أناس من أصحاب علي وهموا به، فقال علي: دعوه فإنه مننا أهل\n_________\n١٦٤٨ - المستدرك (٣/ ١٠٧) وقال: هذا حديث وإن لم يكن له سند، فإنه معقد صحيح الإسناد في هذا الموضع، وقال الذهبي: صحيح على شرط مسلم.\n١٦٤٩ - المستدرك (٣/ ٩٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاء واقره الذهبي.\n١٦٥٠ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٣): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":1668},{"text":"البيت، فلما قتل علي قال عبد الله بن معقل: لهذه رأس الأربعين وسيكون على رأسها صلح ولن تقتل أمة نبيها إلا قتل به سبعون ألفًا، ولن تقتل أمة خليفتها إلا قتل به أربعون ألفاص.\n١٦٥١ - * روى الطبراني عن مالك بن أنس: قال قتل عثمان فأقام مطروحًا على كناسة بني فلان ثلاثًا، وأتاه أثنا عشر رجلًا منهم جدي مالك بن أبي عامر وحويطب ابن عبد العزي وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير، وعائشة بنت عثمان معهم مصباح في حق، فحملوه على باب وإن رأسه تقول على الباب طق، طق، حتى أتوا به البقيع فاختلفوا في الصلاة عليه فصلى عليه حكيم بن حزام أو حويطب بن عبد العزي- شك عبد الرحمن - ثم أرادوا دفنه فقام رجل من بني مازن، فقال: لئن دفنتموه مع المسلمين لأخبرن الناس غدًا، فحملوه حتى أتوا به حش كوكب، فلما دلوه في قبره صاحت عائشة بنت عثمان فقال لها ابن الزبير: اسكتي فوالله لئن عدت لأضربن الذي فيه عينك، فلما دفنوه وسوا عليه التراب قال لها أبن الزبير: صيحي ما بدا لك، أن تصيحي قال مالك: وكان عثمان قبل ذلك يمر بحش كوكب فيقول: ليدفنن هاهنا رجل صالح.\n١٦٥٣ - * روى الطبراني عن أبي الأسود الديلي قال: سمعت أبا بكرة يقول: لأن أخر من السماء فأنقطع، أحب إلى من أكون شركت في دم عثمان.\n١٦٥٣ - * روى الطبراني عن جبير بن نفير قال: بينا نحن معسكرون مع معاوية بعد قتل عثمان، فقام مرة بن كعب البهزي فقال: أنا والله لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت هذا المقام، فلما سمع معاوية ذكر رسول الله ﷺ أجلس الناس قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس إذا مر بنا عثمان بن عفان مترجلًا معنقًا، فقال رسول الله ﷺ:\n_________\n١٦٥١ - المعجم الكبير (١/ ٧٨) وقال الهيثمي في جمع الزوائد (٩/ ٩٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. مصباح في حق: أي في وعاء من زجاج.\nحش كوكب: بستان بظاهر المدينة خارج البقيع، وكوكب أسم رجل.\n١٦٥٢ - المعجم الكبير (١/ ٦٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٦٥٣ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٩): رواه الطبراني ورجاله وثقوا.\nمعنقا: مسرعًا.","vol":"4","page":1669},{"text":"\"لتخرجن فتنة من تحت رجلي أو من تحت قدمي هذا، ومن اتبعه يومئذ على الهدي\" فقمت حتى أخذت بمنكبي عثمان حتى بينته إلى رسول الله ﷺ فقلت: هذا؟ قال: \"نعم هذا، ومن اتبعه يومئذ على الهدي\" فقام عبد الله بن حوالة الأزدي من عند المنبر فقال: إنك لصاحب هذا، قال: نعم، قال: أما والله إني حاضر ذلك المجلس ولو كنت أعلم أن لي في الجيش مصدقًا لكنت أول من تكلم به.\nأقول: في هذه الرواية صورة عن الأمور التي كانت تثبت المطالبين بدم عثمان فتجعلهم قلبًا واحدًا، كما أن أمثال هذه الروايات -مما سيمر معنا نموذج عنها - هي التي جعلت بعض المؤمنين بحق علي في الخلافة لا يتحمسون للخروج والقتال معه، ومن ههنا نفهم أن القتال بين الطرفين كانت له مسوغاته عند كل واحد منهم.\n١٦٥٤ - * روى البخاري عن يزيد بن أبي عبيد ﵁ قال: لما قتل عثمان خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة، وتزوج هناك امرأة، وولدت له أولًا، فلم يزل بها، حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة، فمات بها.\n١٦٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن يزيد بن عبيد: أن سلمة دخل على الحجاج، فقال: يا ابن الأكوع، ارتددت على عقبيك، تعزبت؟ قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو.\nوفي رواية (٣) النسائي إلى قوله: عقبيك قال: وذكر كلمة معناها \"وبديت\" وذكر باقية.\nقال ابن الأثير: (تعزبت) تعزب: بعد، تقول: عزب الشيء يعزب، ويعزبك إذا بعد، والمراد: بعدت عن الجماعات والجمعات بالتزامك سكني البادية، هكذا شرحه الحميدي في كتابه، وقال الأزهري: تعرب الرجل - بالراء المهملة- إذا عاد إلى الأعراب بعد الهجرة،\n_________\n١٦٥٤ - البخاري (١٣/ ٤٠) ٩٢ - كتاب الفتن- ١٤ - باب التعريب في الفتنة.\n١٦٥٥ - البخاري في نفس الموضع السابق.\nومسلم (٣/ ١٤٨٦) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٩ - باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه.\n(١) النسائي (٧/ ١٥١) كتاب البيعة، باب المرتد أعرابيًا بعد الهجرة.","vol":"4","page":1670},{"text":"وأقام بالبادية، والذي جاء في كتاب مسلم الذي قرأناه: تعربت - بالراء المهملة-.\n(وبديت) البدو: الخروج إلى البادية تقول: بدوت أبدو، وقد جاء في هذا الحديث \"بديت\" بالياء، ولعله سهو من الراوي، أو الكاتب، والأصل ما ذكرناه، أهـ كلام ابن الأثير.\nأقول: في هذا الحديث إشارة إلى أن سلمة راي الفتنة بدأت بمقتل عثمان فاعتزل الناس.\n١٦٥٦ - * روى الطبراني عن حميد بن هلال قال: لما هاجت الفتنة قال عمران بن حصين لحجير بن الربيع العدوي: اذهب إلى قومك فإنهم عن الفتنة قال: إني لمغموز فيهم وما أطاع قال: فأبلغهم عني وإنهم عنها. قال وسمعت عمران يقسم بالله لأن أكون عبدًا حبشيًا أسود في أعنز حصبات في رأس جبل ارعاهن حتى يدركني أجلي أحب إلى أن أرمي أحد الصفين بسهم أخطأت أم أصبت.\n١٦٥٧ - * روى الطبراني عن زهدم الجرمي قال: خطبنا ابن عباس فقال: لو أن الناس لم يطلبوا بدم عثمان لرجموا بالحجارة من السماء.\n١٦٥٨ - * روى الطبراني عن طليق بن خشاف يقول: وفدنا إلى المدينة لننظر فيم قتل عثمان؟ فلما قدمنا مر منا بعض إلى علي وبعض إلى الحسينبن علي ﵄ وبعض إلى أمهات المؤمنين ﵅، فانطلقت حتى أتيت عائشة فسلمت عليها فردت السلام، فقالت: ومن الرجل؟ قلت: من أهل البصرة، فقالت: من أي أهل البصرة؟ قلت: من بكر بن وائل، قالت: من أي بكر بن وائل؟ قلت: من بني قيس بن ثعلبة، قالت: أمن أهل فلان؟ فقلت لها: يا أم المؤمنين فيم قتل عثمان أمير المؤمنين رضي الله\n_________\n١٦٥٦ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nأعاز حصبات: حصبات: جمع حصبة وهي العازة العجفاء كالحجارة.\n١٦٥٧ - المعجم الكبير (١/ ٨٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٧) رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجال الكبير رجال الصحيح.\n١٩٥٨ - المعجم الكبير (١/ ٨٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٧) ورجاله رجال الصحيح غير طلق وهو ثقة. وعنده طلق وليس طليق.","vol":"4","page":1671},{"text":"عنه؟ قالت: قتل والله مظلومًا، لعن الله قتلته أقاد الله ابن أبي بكر به وساق الله إلى أعين بني تميم هوانًا في بيته واهراق الله دماء بني بديل على ضلالة وساق الله إلى الأشتر سهمًا من سهامه، فو الله ما من القوم رجل إلا أصابته دعوتها.\n١٦٥٩ - * روى الطبراني عن عدي بن حاتم قال: قال رجل لما قتل عثمان: لا ينتطح فيها عنزان: قلت: بلى وتفقًا فيها عيون كثيرة.\n١٦٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الملك بن عمير أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام استأذن على الحجاج بن يوسف، فأذن له، فدخل وسلم وأمر رجلين مما يلي السرير أن يوسعا له فأوسعا له فجلس فقال له الحجج: لله أبوك، أتعلم حديثًا حدثه أبوك عبد الملك ابن مروان عند جدك عبد الله بن سلام قال: فأي حديث رحمك الله؟ فرب حديث، قال: حديث المصريين حين حصروا عثمان محصور فانطلق فدخل عليه فوسعوا له، حتى دخل فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين. فقال: وعليك السلام، ما جاء بك يا عبد الله بن سلام؟ قال: جئت لأثبت حتى أستشهد أو يفتح الله لك، ولا أرى هؤلاء القوم إلا قاتليك فإن يقتلوك فذاك خير لك وشر لهم. فقال عثمان: أسألك بالذي لي عليك من الحق لما خرجت إليهم، خير يسوقه الله بك وشر يدفعه بك الله، فسمع وأطاع فخرج عليهم فلما رأوه اجتمعوا وظنوا أنه قد جاءهم ببعض ما يسرون به، فقام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله ﷿ بعث محمدًا ﷺ بشيرًا ونذيرًا يبشر بالجنة من أطاعه وينذر بالنار من عصاه وأظهر من اتبعه على الدين كله ولو كره المشركون، ثم اختار له المساكن فاختار له المدينة فجعلها دار الهجرة وجعلها دار الإيمان، فو الله ما زلت الملائكة حافين بالمدينة منذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم، وما زال سيف الله مغمودًا عنكم منذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم ثم قال: إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق فمن اهتدى فإنما يهتدي بهدي الله ومن ضل فإنما\n_________\n=ابن أبي بكر: هو أخوها محمد وكان هو والآخرون من المشاركين في قتل عثمان.\n١٦٥٩ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٥): رواه الطبراني وإسناده حسن.\nلا ينتطح فيها عنزان: أي لن يختلف الناس بسبب ذلك.\n١٦٦٠ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٢): رواه الطبراني ورجاله ثقات.=","vol":"4","page":1672},{"text":"يضل بعد البيان والحجة، وإنه لم يقتل نبي فيما مضي إلى قتل به سبعون ألف مقاتل كلهم يقتل به، ولا قتل خليفة قط إلا قتل به خمسة وثلاثون ألف مقاتل، كلهم يقتل به، فلا تعجلوا على هذا الشيخ بقتل، فو الله لا يقتله رجل منكم إلا ولهذا الشيخ عليكم مثله قال فقاموا فقالوا: كذبت اليهود كذبت اليهود فقال: كذبتم والله وأنتم آثمون ما أنا يهودي وإني لأحد المسلمين يعلم الله بذلك ورسوله والمؤمنون، وقد أنزل الله في القرآن ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (١)، وقد أنزل الآية الأخرى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (٢) قال: فقاموا فدخلوا على عثمان فذبحوه كما يذبح الحلان قال شعيب: فقلت لعبد الملك بن عمير: ما الحلان؟ قال: الحمل، قال: وقد قال عثمان لكثير من الصلت: يا كثير أنا والله مقتول غدًا، قال: بل يعلي الله كعبك ويكبت عدوك، قال: ثم أعادها الثالثة فقال مثل ذلك، قال: عم تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر فقال لي: \"يا عثمان أنت عندنا غدًا وأنت مقتول غدًا\" فأنا والمقتول قال: فقتل فخرج عبد الله بن سلام إلى القوم قبل أن يتفرقوا فقال: يا أهل مصر يا قتلة عثمان قتلتم أمير المؤمنين أما والله لا يزال عهد منكوث ودم مسفوح ومال مقسوم لا سقيتم.\n١٦٦١ - * روى الطبراني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لما ضرب الرجل يد عثمان ال: إنها لأول يد خطت المفصل.\n١٦٦٢ - * روى أحمد عن أبي عبد الله الجسري قال: دخلت على عائشة وعندها حفصة بنت عمر فقالت لي: هذه حفصة زوج النبي ﷺ، ثم أقبلت عليها فقالت: أنشدك الله\n_________\n= الحلان: أو الحلام، الجدي أو الحمل والمقصود أن دمه أبطل كما يبطل دم الحلان.\n(١) الرعد: ٤٣.\n(٢) الأحقاف: ١٠.\n١٦٦١ - المعجم الكبير (١/ ٨٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤): رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٦٦٢ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٠): رواه أحمد كله.","vol":"4","page":1673},{"text":"أن تصدقيني بكذب أو تكذبيني بصدق، تعلمين أني كنت أنا وأنت عند رسول الله ﷺ فأغمي عليه فقلت لك: أترينه قد قبض؟ قلت: لا أدري، ثم أفاق قال: \"افتحوا له الباب\" ثم أغمي عليه، فقلت لك: أترينه قد قبض؟ قلت: لا أدري. ثم أفاق قال: \"افتحوا له الباب\" ثم أغمي عليه، فقلت لك: أترينه قد قبض؟ لا أدري، ثم أفاق قال: \"أفتحوا له الباب\" فقلت لك: أبي أو أبوك؟ قلت: لا أدري، ففتحنا له الباب فإذا عثمان ابن عفان فلما رآه النبي ﷺ قال: \"ادنه\" فأكبعليه فساره شيء لا أدري أنا وأنت ما هو، ثم فع رأسه فقال: \"أفهمت ما قلت لك؟ \" قال: نعم، قال: \"ادنه\" فأكب عليه أخرى مثلها فساره بشيء لا ندري ما هو ثم رفع رأسه فقال: \"أفهمت ما قلت لك؟ \" قال: نعم قال: \"ادنه\" فأكب عليه إكبابًا شديدًا فساره شيء ثم رفع رأسه فقال: \"فهمت ما قلت لك؟ \"قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقال له: \"أخرج\" قال: فقالت حفصة: اللهم نعم، أو قالت: اللهم صدق.\nوفي رواية (١) للطبراني في الأوسط بنحوه وزاد: فقال: \"يا عثمان عسي أن يقمصك الله قميصًا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه\" ثلاث مرات فقال لها النعمان ابن بشير: يا أم المؤمنين أين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: نسيته ورب الكعبة حتى قتل الرجل.\nوفي رواية عند الطبراني (٢) أيضًا: فما فجأني إلا وعثمان جاث على ركبتيه قائلًا أظلما وعدوانًا يا رسول الله؟ فحسبت أنه أخبره بقتله.\n* * *\n_________\n(١) (٢) عزاهما الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٠) إلى الطبراني وقال: أحد إسنادي الطبراني حسن.","vol":"4","page":1674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>تعليقات</span>\nهؤلاء الذين ثاروا على عثمان أرادوا أن يتعجلوا انتهاء أمره فماذا حدث: كانت الأمة الإسلامية بخير وكانت في توسع مستمر وكانت الخيرات تنصب عليها من كل مكان، فانتقلت من هذه الحال فوقفت الفتوحات وأصبح بأس الأمة فيما بينها شديدًا، تعجلوا أمر عثمان لأنه قرب أقرباءه فأل الأمر نتيجة لاستعجالهم إلى أن استقر في بني أمية وانتهت الخلافة الراشدة وجاء الملك العضوض، هذه عاقبة فعل أهل الشؤم هؤلاء.\nإن عثمان خليفة راشد يقتدي به وأفعاله تشكل سوابق دستورية في هذه الأمة، فكما أن عمر سن لمن بعده التحرج عن تقريب الأقربين، فإن عثمان سن لمن بعده تقريب الأقربين، فإن عثمان سن لمن بعده تقريب الأقربين إذا كانوا أهل كفاءة، ومن تتبع سير ولاة عثمان لا يشك في كفاءتهم الإدارية، وكل ما أنكر على عثمان لا يخرج عن دائرة المباح فكيف ترتكب من أجل ذلك الجريمة الكبرى قتل عثمان ﵁؟\nومع إيماننا أن كل ما فعله عثمان هو محل القدوة وأنه قتل مظلومًا، ومع براءتنا إلى الله من دمه فإنه قد يكون من المناسب أن نأخذ دروسًا مما حدث: إن عثمان خليفة راشد وهو أفضل خلق الله أثناء خلافته وله من القدم والسابقة الكثير الكبير، ثم هو الخليفة الشرعي للمسلمين وقتذاك بإجماع، ومع ذلك فقد حدث عليه تمرد وقامت فتنة انتهت بقتله عليه رضوان الله، وهذا يعطينا درسًا هو أن الشرعية النظامية وحدها ليست كافية لاستقرار الحكم، هذا مع أن هذه الشرعية كان يرافقها رخاء عريض.\nهذا كله أمام قضية تحتاج إلى تحليل: لماذا انتفض الأمر على عثمان ﵁؟ لقد انتقض الأمر على عثمان ﵁ لأسباب كثيرة أجملها بما يلي:\nبظهور الورع الجاهل، وتفتح الحاقدين على طرق للتآمر، وطموح الطامعين، والعفوية في التعامل مع المرحلة، وعدم مراعاة الرأي العام ونفسية المحكومين، أذكر ذلك ليأخذ المسلمون دروسها فيعرفوا أن الحكم هو الحكم، وأن الصلاح والسبق والقدم والوفاء كل ذلك إذا لم يرافقه قيام بشأن الحكم فإن الحكم يتعرض للتصدع والأمة تتعرض للهلاك، وهذا","vol":"4","page":1675},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>شرح مختصر لأسباب الفتنة في اجتهادي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>١ - ظهور الورع الجاهل:</span>\nالورع في الشريعة طيب وهو أن يترك الإنسان ما لا بأس به مخافة مما فيه بأس، وهو في الأصل ترفع عن المباحات في الله ولله، والورع شيء شخصي يصح للإنسان أن يطالب به نفسه، ولكن لا يصح أن يطالب به الآخرين، ومن أخطر أنواع الورع: الورع الجاهل الذي يجعل المباح حرامًا أو مفروضًا، وهذا الذي وقع فيه أصحاب الفتنة، ومن قبلهم وقع فيه أصحاب السامري، لقد أتي السامري قومه من فكرة الورع الجاهل هذه فقال لقوم موسي: إن هذا الذهب الذي أخذتموه من قوم فرعون ما كان يجوز لكم أن تأخذوه فهاتوه لنصنع به عجلًا، جاءهم من فكرة الورع مستغلًا جهلهم بأن ما فعله موسي مباح، لأن هذا مال حربيين، وهؤلاء أصحاب الفتنة أتوا إلى أفعال مباحة فعلها عثمان ﵁ وكان من قبله يتحرج من أمثالها فجعلوا المباح حرامًا، فاستغلوا الورع الجاهل عند أصناف من الناس فكانت الفتنة والمأساة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>٢ - تآمر الحاقدين:</span>\nلقد دخل في الإسلام منافقون موتورون اجتمع لهم من الحقد والذكاء والدهاء ما استطاعوا أن يستوعبوا الساحة النفسية للمجتمع الإسلامي وقتذاك، وأن يدركوا نقاط الضعف التي يستطيعون من خلالها أن يوجدوا الفتنة، ووجدوا في المجتمع آذانًا صاغية تصغي لهم فكان من آثار ذلك ما كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>٣ - طموح الطامحين:</span>\nوجد في الجيل الثاني من أبناء الصحابة من يعتبر نفسه جديرًا بالحكم والإدارة، ووجد أمثال هؤلاء أن الطريق أمامهم مغلق، وفي العادة أنه متي وجد الطامحون الذين لا يجدون لطموحهم متنفسًا، فإنهم يدخلون في كل عملية تغيير، ومعالجة أمر هؤلاء في غاية الأهمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>٤ - العفوية:</span>\nأصبح في المجتمع الإسلامي مستجدات كثيرة نتيجة لتوسع رقعة الأرض الإسلامية ونتيجة","vol":"4","page":1676},{"text":"لقلة جيل الصحابة بالنسبة لمجموع من دخل في الإسلام من جديد، ونتيجة لتفرق الصحابة في الأمصار، وكانت هذه المستجدات تحتاج إلى مبادرات تكافئها وإجراءات تتناسب معه، ولم يكن التركيب النفسي للمسلمين يسمع بهذه المبادرات، ولذلك بقيت العفوية هي التي تحكم الوضع الجديد مما أتاح للمتآمرين فرص الانقضاض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>٥ - عدم مراعاة الرأي العام السائد:</span>\nلقد كانت سياسة أبي بكر وعمر تقوم على الحذر والبعد عن أي مظنة تهمة، وألف المسلمون هذه السياسة حتى اعتبروها بدهية، وكان جزء من هذه السياسة عدم تقريب الأقارب وعدم استعمالهم على الولايات، فلما جاء عثمان كان الرأي العام السائد وقتذاك أن هذه الأمور يجب أن تراعي، فلما أحس الناس أن بني أمية قد أصبحت الأمور بيدهم وموقفهم من الإسلام قريب لم ينس بعد، ورأي الناس أن الذين ضحوا وبذلوا وجاهدوا وسبقوا لهم من الأمر شيء، دخلوا في دائرة التذمر أو اللامبالاة، ومتي وجد التذمر عند بعض الناس واللامبالاة عند الآخرين فالانفجار حاصل، وقد كان.\n...\nهذه المعاني كلها توصلنا إلى الدرس التالي:\nإن الشرعية الدستورية وحدها ليست كافية لاستقرار الحكم إذا لم يرافقها تلاحم في الصف الأول وحرص عند هذا الصف على النظام، وإذا لم يرافقها قوة مبادرة تسبق المشكلة أو تحلها سريعًا وإذا لم يرافقها رؤية واضحة للواقع وحسن تعامل معه، ومع هذا كله لا بد من استشراف للتركيب النفسي للأمة وحسن تأت لتوجيه الوجهة الصالحة وجعله متفاعلًا مع النظام.\nولا نريد بهذا الكلام أن نوجه نقدًا لعثمان فقد كان يسير بسياسة يستقبلها الصديقون بالتسليم وكان يتعامل مع الناس ويعاملهم بروح الصديقين، ولكن المجتمع الإسلامي طرأت عليه طوارئ ومستجدات تجعلها نحاول أخذ العبرة، ونبرأ إلى الله ﷿ من كل من يظن سوءًا بعثمان أو ينتقصه.","vol":"4","page":1677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>على بن أبي طالب ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: على بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القوضي الهاشمي أبو الحسن .. أول الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربي في حجر النبي ﵌ ولم يفارقه وشهد معه المشاهد إلى غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة ألا ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، وزوجة ابنته فاطمة وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد ولما أخي النبي ﵌ بين أصحابه قال له: أنت أخي، ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقال غيره: وكان سبب ذلك بغض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته وكلما أرادوا إخماده وهددوا من حدث بمناقبه لا يزداد إلا انتشارًا وقد ولد له الرافضة مناقب موضوعة هو غني عنها وتتبع النسائي ما خص به من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئًا كثيرًا بأسانيد أكثرها جياد.\nيروي عن النبي ﷺ، وروى عنه من الصحابة: ولده الحسن والحسين وابن مسعود وأبو موسي وابن عباس وأبو رافع وابن عمر وأبو سعيد وصهيب وزيد بن أرقم وجرير وأبو أمامة وأبو جحيفة والبراء بن عازب وأبو الطفيل وآخرون، ومن التابعين من المخضرمين أومن له رؤية: عبد الله بن شداد بن الهاد وطارق بن شهاب وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الحارث بن نوفل ومسعود بن الحكم ومروان بن الحكم وآخرون، ومن بقية التابعية عدد كثير من أجلهم أولاده محمد وعمر والعباس وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام.\nوكان أحد الشورى الذين نص عليهم عمر فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف وشرط عليه شروطًا امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان فقبلها، فولاه وسلم علي وبايع عثمان ولم يزل بعد النبي ﵌ متصديًا لنصر العلم والفتيا، فلما قتل عثمان بايعه الناس ثم كان من قيام جماعة من الصحابة منهم طلحة والزبير وعائشة في طلب دم عثمان، فكان من وقعة الجمل ما اشتهر ثم قام معاوية في أهل الشام وكان أميرها لعثمان ولعمر من","vol":"4","page":1678},{"text":"قبله فدعا إلى الطلب بدم عثمان فكان من وقعة صفين ما كان، وكان رأي على أنهم يدخلون في الطاعة ثم يقوم ولي دم عثمان فيدعي به عنده ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة وكان من خالفه يقول له: تتبعهم واقتلهم فيري أن القصاص بغير دعوي ولا إقامة بينه لا يتجه وكل من الفريقين مجتهد، وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمار أن الصواب كان من علي واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القيدم، ولله الحمد.\nوقال يحيي بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن وقال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به، وقال وهب بن عبد الله بن أبي الطفيل: كان علي يقول: سلوني سلوني وسلوني عن كتاب الله تعالي فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار.\nوأخرج الترمذي - وأصله في مسلم - من علي قال: لقد عهد إلى النبي ﵌ أن لا يحبك إلا مؤمن، لا يبغضك إلا منافق وأخرج الترمذي بإسناده قوي عن عمران ابن حصين في قصة قال فيها: قال رسول الله ﵌: \"ما تريدون علي؟ إن عليًا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي\" وفي مسند أحمد بسند جيد عن علي قال قيل: يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: \"إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًا أمينًا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًا وما أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم\"وكان قتل علي في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر لأنه بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت وقعة الجمل في جمادي سنة ست وثلاثين ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة وثلاثين ثم أقام سنتين يحرض على قتال البغاة فلم يتهيأ لك إلى أن مات أهـ كلام الحافظ.\nوقال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة الإمام على ﵁: أبو الحسن والحسين، ويكني بأبي تراب، وأبي القيم الهاشمي، ابن عمر رسول الله ﷺ وختنه على ابنته","vol":"4","page":1679},{"text":"فاطمة الزهراء، وأمة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ويقال إنها أو هاشمية ولدت هاشميًا، وكان له من الإخوة طالب، وعقيل، وجعفر، وكانوا أكبر منه، بين كل واحد منهم ويبين الآخر عشر سنين، وله أختان، أم هانئ وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وقد أسلمت وهاجرت، كان علي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان ممن توفي ورسول الله ﷺ راض عنهم وكان رابع الخلفاء الراشدين وكان رجلًا آدم شديد الأمة أشكل العينين (١)، عظيمهما، ذو بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب، وكان عظيم اللحية، ضحوك السن، خفيف المشي على الأرض، أسلم علي قديمًا، ويقال إنه أول من أسلم، والصحيح أنه أول من أسلم من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار، وكان سبب إسلام على صغير أنه كان في كفالة رسول الله ﷺ، لأنه كان قد أصابتهم سنة مجاعة فأخذه من أبيه، فكان عنده، فلما بعثه الله بالحق آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي.\nوقد شهد علي بدرًا وكانت له اليد البيضاء فيها، بارز يومئذ فغلب وظهر، وفيه وفي عمه حمزة وابن عمه عبيده بن الحارث وخصومهم الثلاثة- عتبة وشيبة الوليد بن عتبة - نزل قوله تعالي: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٢) الآية، وقال الحكم وغيره عن مقسم عن ابن عباس قال: دفع النبي ﷺ الراية يوم بدر إلى علي وهو ابن عشرين سنة، وشهد على أحدًا وكان على الميمنة ومعه الراية بعد مصعب بن عمير، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري، وحمزة بن عبد المطلب على القلب، وعلى الرجالة الزبير بن العوام، وقيل المقداد بن الأسود، وقد قاتل على يوم أحد قاتلًا شديدًا، وقتل خلقًا كثيرًا من المشركين، وغسل عن وجه النبي ﷺ الدم الذي كان أصابه من الجراح حين شج في وجهه وكسرت رباعيته وشهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب، وأحد شجعانهم المشاهير، عمرو بن\n_________\n(١) أشكل العينين: في بياضهما شيء من حمرة، وهو محمود محبوب.\n(٢) الحج: ١٩.","vol":"4","page":1680},{"text":"عبد ود العامري، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان، وشهد خيبر وكانت له بها مواقف هائلة، ومشاهد طائلة، وشهد علي عمرة القضاء وفيها قال له النبي ﷺ: \"أنت مني، وأنا منك\". وشهد الفتح وحنينًا والطائف، وقاتل في هذه المشاهد قتالًا كثيرًا، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله ﷺ، ولما خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك واستخلفه على المدينة، قال له: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: \"ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي\".وبعثه رسول الله ﷺ أميرًا وحاكمًا على اليمن، ومعه خالد بن الوليد، ثم وافى رسول الله ﷺ عام حجة الوداع إلى مكة، وساق معه هديًا كإهلال النبي ﷺ فأشركه في هديه، واستمر على إحرامه.\nولما مرض رسول الله ﷺ قال له العباس: سل رسول الله ﷺ فيمن الأمر بعده؟ فقال: والله لا أسأله، فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدًا، والأحاديث الصحيحة دالة على أن رسول الله ﷺ لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة، بل لوح بذكر الصديق، وأشار إشارة مفهمة ظاهرة جدًا إليه، ثم لما مات رسول الله ﷺ كان علي من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه.\nولما بويع الصديق يوم السقيفة كان علي من جملة من بايع بالمسجد وكان بيدي يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يري طاعته فرضًا عليه، وأحب الأشياء إليه، ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر - وكانت قد تغضبت بعض الشيء على أبي بكر بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها ﵊، ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء وأنهم لا يورثون، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظرًا على هذه الصدقة، فأبي ذلك عليها، فبقي في نفسها شيء كما قدمنا، واحتاج علي أن يداريها بعض المدارة- فلما توفيت جدد البيعة مع الصديق ﵄، فلما توفي أبو بكر وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر بذلك، كان علي من جملة من بايعه، وكان معه يشاروه في الأمور، ويقال إنه استقضاه في أيام خلافته، وقدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام، وشهد خطبته بالجابية، فلما طعن عمر وجعل الأمر شورى في ستة أحدهم علي، ثم خلص منهم بعثمان وعلي كما قدمنا، فقدم عثمان علي علي، فسمع وأطاع، فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان","vol":"4","page":1681},{"text":"عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على المشهور عدل الناس إلى علي فبايعوه قبل أن يدفن عثمان، وقيل بعد دفنه وقد امتنع علي من إجابتهم إلى قبول الإمارة حتى تكرر قولهم له وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول، وأغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه، وجاؤوا معهم بطلحة والزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، ولم يزالوا به حتى أجاب.\nوذكر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر. والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد ابن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم، فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس، وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه النخعي وذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان يوم الجمعة وصعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس، وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: إنا لله وإنا إليه راجعون (١)، ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت عليًا واللج (٢) على عنقي والسلام، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر، وكانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمسة بقين من ذي الحجة اهـ. ابن كثير.\nقال ابن حجرة: أخرج عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة من طريق المغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال: قال الأشتر: رأيت طلحة والزبير يبايعا غير مكرهين.\nوأخرج من طريق أبي نضرة، قال: كان طلحة يقول إنه بايع وهو مكره.\nومن طريق ابن شهاب قال: ... ثم أرسل -أي علي- إلى طلحة والزبير فبايعاه ا. هـ\n_________\n(١) وكأنه تشاءم من هذه البيعة، وأن الخلافة لن تستقر لعلي.\n(٢) اللج: هو السيف بلغة طيء، وقيل هو اسم سمي به السيف.","vol":"4","page":1682},{"text":"من فتح الباري.\nوقال ابن كثير: وكان على الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة، وعلى الحرب القعقاع ابن عمرو، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة، وعلى الشام معاوية ابن أبي سفيان، ونوابه على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب ابن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور، وعلى فلسطين حكيم بن علقمة، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله البجلي، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى قيسارية مالك بن حبيب، وعلى همذان جبيش. هذا ما ذكره ابن جرير من نواب عثمان الذين توفي وهم نواب الأمصار، وكان على بيت المال عقبة بن عمرو، وعلى قضاء المدينة زيد بن ثابت، ولما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مضمخ بدمه، ومعه أصابع نائلة التي أصيبت حين حاجفت عنه بيدها، فقطعت مع بعض الطف فورد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، وعلق الأصابع في كم القميص، وندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر والدم وصاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، وجعل القميص يرفع تارة ويوضع تارة، والناس يتباكون حوله سنة، ويحث بعضهم بعضًا على الأخذ بثأره، واعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج: منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: شريك بن حباشة، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن ابن غنم، وغيرهم من التابعين. ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة ﵃، وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان: فاعتذر إليهم بأن هؤلاء مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان ﵁، فقال لهما: مهلًا علي، حتى أنظر في هذا الأمر. ودخل عليه المغيرة بن شعبة على إثر ذلك","vol":"4","page":1683},{"text":"فقال له: إني أرى أن تقر عمالك على البلاد، فإذا أتتك طاعتهم استبدلت بعد ذلك بمن شئت وتركت من شئت، ثم جاءه من الغد فقال له: إني أرى أن تعزلهم لتعلم من يطيعك ممن يعصيك، فعرض ذلك علي على ابن عباس فقال: لقد نصحك بالأمس وغشك اليوم، فبلغ ذلك المغيرة فقال: نعم نصحته فلما لم يقبل غششته ثم خرج المغيرة فلحق بمكة، ولحقه جماعة منهم طلحة والزبير: وكانوا قد استأذنوا عليًا في الاعتمار فأذن لهم، ثم إن ابن عباس أشار على علي باستمرار نوابه في البلاد، إلى أن يتمكن الأمر، وأن يقر معاوية خصوصًا على الشام وقال له: إني أخشى إن عزلته عنها أن يطلبك بدم عثمان ولا آمن طلحة والزبير أ، يتكلما عليك بسبب ذلك، فقال علي: إني أرى هذا ولكن اذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها، فقال ابن عباس لعلي: إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك ولكن اكتب معي إلى معاوية فمنه وعده، فقال عليك والله إن هذا مالا يكون أبدًا، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين الحرب خدعة كما قال رسول الله ﷺ، فوالله لئن أطعتني لأوردنهم بعد صدرهم ونهى ابن عباس عليًا فيما أشار عليه أن يقبل من هؤلاء الذين يحسنون إليه الرحيل إلى العراق، ومفارقة المدينة، فأبى عليه ذلك كله، وطاوع أمر أولئك الأمراء من أولئك الخوارج من أهل الأمصار.\nوهذا موجز لما حدث في سني عهده ﵁:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة:</span>\nاستهلت هذه السنة وقد تولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الخلافة، وولى عى الأمصار نوابًا، فولى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولى سمرة بن جندب على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وقيس بن سعد بن عبادة على مصر، وعلى الشام سهل بن حنيف بدل معاوية، فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية، فقالوا: من أنت؟ فقال: أمير، قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام، فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحيهلا بك، وإن كان غيره فارجع. فقال: أو ما سمعتم الذي كان؟ قالوا: بى، فرجع إلى علي. وأما قيس بن سعد فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، وقالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، وكذلك أهل البصرة، وأما عمارة بن شهاب المبعوث أميرًا على","vol":"4","page":1684},{"text":"الكوفة فصده عنها طلحة بن خويلد غضبًا لعثمان، فرجع إلى علي فأخبره، وانتشرت الفتنة وتفاقم الأمر، واختلفت الكلمة، وكتب أبو موسى إلى علي بطاعة أهل الكوفة ومبايعتهم إلا القليل منهم، وبعث علي إلى معاوية كتبًا كثيرة فلم يرد عليه جوابها، وتكرر ذلك مرارًا إلى الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر، ثم بعث معاوية طومارًا (١) مع رجل فدخل به على علي فقال: ما وراءك؟ قال جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور، تركت سبعين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان، وهو على منبر دمشق، فقال علي: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ثم خرج رسول معاوية من بين يدي علي فهم به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله، فما أفلت إلا بعد جهد، وعزم علي ﵁ على قتال أهل الشام، وكتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناس لقتالهم، وإلى أبي موسى بالكوفة: وبعث إلى عثمان بن حنيف بذلك، وخطب الناس فحثهم على ذلك، وعزم على التجهز، وخرج من المدينة، واستخلف عليها قثم بن العباس، وهو عازم أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه وخرج عن أمره ولم يبايعه مع الناس، وجاء إليه ابنه الحسن بن علي فقال: يا أبتي دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم، فلم يقبل منه ذلك، بل صمم على القتال، ورتب الجيش، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية، وجعل ابن العباس على الميمنة، وعمرو بن أبي سلمة على الميسرة، وقيل جعل على الميسرة عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وجعل على مقدمته أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة، واستخلف على المدينة قثم بن العباس ولم يبق شيء إلا أن يخرج من المدينة قاصدًا إلى الشام، حتى جاءه ما شغله عن ذلك كله.\nأقول: وهو خروج عائشة وطلحة والزبير ﵃ عليه مطالبين بقتل قتلة عثمان، ومسيرهم إلى البصرة، وما جرى هنالك من وقائع مما ألجأ عليًا ﵁ إلى المسير إلى البصرة، وكانت موقعة الجمل التي انتهت بانتصار علي ﵁.\nوقال ابن كثير: بعد أن ذكر مجريات الأمور حتى نهاية المعركة وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثًا صلى على القتلى من الفريقين، وخص قريشًا بصلاة من بينهم، ثم جمع ما\n_________\n(١) طومارًا: جمعها طوامير، وهي الصحيفة.","vol":"4","page":1685},{"text":"وجد لأصحاب عائشة في المعسكر وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة. فمن عرف شيئًا هو لأهلهم فليأخذه، إلا سلاحًا كان في الخزائن عليه سمة السلطان، وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء، ﵏ ورضي عن الصحابة منهم وقد سأل بعض أصحاب علي عليًا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير، فأبى عليهم، فطعن فيه السبأية وقالوا: كيف يحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم؟ فبلغ ذلك عليًا فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القوم، ولهذا لما دخل البصرة فض في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، وقال: لكم مثلها من الشام، فتكلم فيه السبأية أيضًا ونالوا منه من وراء وراء.\nأقول: ثم إن عليًا ﵁ نهد إلى أهل الشام فالتقوا في أواخر السنة السادسة والثلاثين وكان قتال ودخلت سنة سبع وثلاثين والقتال مستمر.\nوقال ابن كثير: استهلت هذه السنة وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ متواقف هو ومعاوية بن أي سفيان ﵁، كل منهما في جنوده بمكان يقال له صفين بالقرب من الفرات شرقي بلاد الشام، وقد اقتتلوا في مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين، وجرت بينهم حروب يطول ذكرها، والمقصود أنه لما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن يقع بينهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح بين الناس وحقن دمائهم.\nأقول: ولكن القتال استمر بعد ذلك فترة طويلة حتى إذا تضايق أهل الشام رفعوا المصاحف وتم الاتفاق على التحكيم، وكان قد قتل خلال ذلك عمار بن ياسر فعرف أن الحق بجانب علي ﵁، وقد ذكر ابن كثير مختصرًا لهذه الأيام فقال:\nوجرت بينهم أمور طويلة، ورغب أكثر الناس من العراقيين وأهل الشام بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين، فإن الناس تقانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة وهي ليلة الهرير. كل من الجيشين فيه من الشجاعة والصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله، ولهذا لم","vol":"4","page":1686},{"text":"يفر أحد عن أحد، بل صبروا حتى قتل من الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفًا. خمسة وأربعون ألفًا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفًا من أهل العراق. قاله غير واحد منهم ابن سيرين وسيف وغيره، وزاد أبو الحسن بن البراء -وكان في أهل العراق- خمسة وعشرون بدريًا، قال: وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفًا واختلفا في مدة المقام بصفين فقال سيف: سبعة أشهر أو تسعة أشهر. وقال أبو الحسن بن البراء مائة وعشرة أيام. قلت: ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من صفر وذلك سبعة وسبعون يومًا فالله أعلم، وقال الزهري: بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفسًا. هذا كله ملخص من كلام ابن جرير وابن الجوزي في المنتظم.\nثم تراوض الفريقان بعد مكاتبات ومراجعات يطول ذكرها على التحكيم، وهو أن يحكم كل واحد من الأميرين -على ومعاوية- رجلًا من جهته. ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة للمسلمين. فوكل معاوية عمرو بن العاص، وأراد علي أن يوكل عبد الله بن عباس -وليته فعل- ولكنه منعه القراء وقالوا: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري.\nثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كليهما عهد الله وميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، وأجلا القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يوخرا ذلك على تراض منهما، وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، على أن يوافى علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح.\nوتفرق الناس إلى بلادهم من صفين، وخرج معاوية إلى دمشق بأصحابه، ورجع علي إلى الكوفة على طريق هيت فلما دخل الكوفة سمع رجلًا يقول: ذهب علي ورجع في غير شيء فقال علي: للذين فارقناهم خير من هؤلاء وأنشأ يقول:\nأخوك الذي إن أحرجتك ملمة ... من الدهر لم يبرح لبثك راحما","vol":"4","page":1687},{"text":"وليس أخوك بالذي غن تشعبت ... عليك أمور ظل يلحاك لائما\nثم مضى فجعل يذكر الله حتى دخل قصر الإمارة من الكوفة. ولما كان قد قارب دخول الكوفة اعتزل من جيشه قريب من -اثنى عشر ألفًا- وهم الخوارج، وأبوا أن يساكنوه في بلده، ونزلوا بمكان يقال له: حروراء وأنكروا عليه أشياء فيما يزعمون أنه ارتكبها، فبعث إليهم علي ﵁ عبد الله بن عباس فناظرهم فرجع أكثرهم وبقي بقيتهم، فقاتلهم علي بن أبي طالب وأصحابه.\nأقول: ولم ينبثق عن التحكيم شيء وزادت شرة الخوارج فقاتلهم الإمام علي وقتلهم والراجح أن ذلك كان في السنة الثامنة والثلاثين. وفي هذه السنة خرجت مصر من يد أمير المؤمنين علي وأصبحت في يد معاوية وانتفض على الإمام علي أمره.\nقال ابن كثير: قال الشعبي: لما قتل علي أهل النهر خالفه قوم كثير، وانتقضت أطرافه وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي إلى البصرة، وانتفض أهل الجبال، وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس -وكان عاملًا عليها- فأشار عليه ابن عباس بزياد بن أبيه أن يوليه إياها فولاه إياها فسار إليها في السنة الآتية في جمع كثير، فوطئهم حتى أدوا الخراج.\nقال ابن جرير وغيره: وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس، نائب علي على مكة، وأخوه عبيد الله بن عباس نائب اليمن، وأخوهما عبد الله نائب البصرة، وأخوهم تمام ابن عباس نائب المدينة، وعلى خراسان خالد بن قرة اليربوعي وقيل ابن أبزى، وأما مصر فقد استقرت بيد معاوية فاستناب عليها عمرو بن العاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>ثم دخلت سنة تسع وثلاثين:</span>\nفيها جهز معاوية بن أبي سفيان جيوشًا كثيرة ففرقها في أطراف معاملات علي بن أبي طالب، وذلك أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبي موسى على عزل علي، أن ولايته وقعت الموقع، فهو الذي يجب طاعته فيما يعتقده، ولأن جيوش علي من أهل العراق لا تطيعه في كثير من الأمر ولا يأتمرون بأمره، فلا يحصل بمباشرته المقصود","vol":"4","page":1688},{"text":"من الإمارة والحالة هذه، فهو يزعم أنه أولى منه إذ كان الأمر كذلك.\nأقول: ثم دخلت سنة أربعين وقد بقي الحبل فيها مضطربًا والإمام علي يحاول لملمة الأمر وكاد أن يصل إلى هدنة مع معاوية ثم استشهد ﵀ في هذه السنة.\nقال ابن كثير: قال جرير: وفي هذه السنة جرت بين علي ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات يطول ذكرها على وضع الحرب بينهما، وأن يكون ملك العراق لعلي ولمعاوية الشام، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجبيش ولا غارة ولا عزوة. ثم ذكر عن زياد عن ابن إسحاق ما هذا مضمونه أن معاوية كتب إلى علي أما بعد فإن الأمة قد قتل بعضها بعضًا يعني فلك العراق ولي الشام، فأقر بذلك علي ﵁، وأمسك كل واحد منهما عن قتال الآخر، وبعث الجيوش إلى بلاده، واستقر الأمر على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:</span>\nكان أمير المؤمنين ﵁ قد تنغضت عليه الأمور، واضطرب عليه جيشه، وخالفه أهل العراق، ونكلوا عن القيام معه، واستفحل أمر أهل الشام، وصالوا وجالوا يمينًا وشمالًا، زاعمين أن الإمرة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما عليًا وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الإمرة عن أحد، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله ﷿، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول: ما يحبس أشقاها؟ أي ما ينتظر؟ ماله لا يقتل؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه ويشير إلى لحيته من هذه ويشير إلى هامته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>صفة مقتله ﵁:</span>\nذكر ابن جرير وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس: أن ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم الحميري ثم الكندي حليف بني حنيفة من كندة المصري، وكان أسمر حسن الوجه أبلح شعره مع شحمة أذنيه وفي وجهه أثر","vol":"4","page":1689},{"text":"السجود. والبرك بن عبد الله التميمي وعمرو بن بكر التميمي أيضًا -اجتمعوا فتذاكروا قتل علي إخوانهم من أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: ماذا نصنع بالبقاء بعدهم؟ كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد وأخذنا منهم ثأر إخواننا؟ فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم علي بن أبي طالب. وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية. وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الذي هو فيه فأما بان ملجم فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بني الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال لها قطام بنت الشجنة، قد قتل علي يوم النهروان أباها وأخاها، وكانت فائقة الجمال مشهورة به، وكانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجم سلبت عقله ونسي حاجته التي جاء لها، وخطبها إلى نفسها فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم وخادمًا وقينة؛ وأن يقتل لها علي بن أبي طالب. قال: فهو لك، والله ما جاء بي إلى هذه البلدة إلا قتل علي، فتزوجها ودخل بها، ثم شرعت تحرضه على ذلك وندبت له رجلًا من قومها، من تيم الرباب يقال له وردان، ليكون معه ردءًا، واستمال عبد الرحمن بن ملجم رجلًا آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري.\nودخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت، وقال: هذه الليلة التي واعدت أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة -وهم ابن ملجم، ووردان، وشبيب- وهم مشتملون على سيوفهم فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج جعل ينهض الناس من النوم إلى الصلاة، ويقول: الصلاة الصلاة فثار إليه شبيب بالسيف فضربه به فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته ﵁، ولما ضربه ابن ملجم قال: لا حكم إلا لله ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ","vol":"4","page":1690},{"text":"مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١) ونادى علي: عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومسك ابن ملجم وقدم علي جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحمل علي إلى منزله، وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بين يديه وهو مكتوف -قبحه الله- فقال له: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: بلى. قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحًا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال له علي: لا أراك إلا مقتولًا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله، ثم قال: إن مت فاقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به، فقال جندب ابن عبد الله: يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن؟ فقال: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. ولما احتضر علي جعل يكثر من قول لا إله إلا الله، لا يتلفظ بغيرها. وقد قيل إن آخر ما تكلم به ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). وقد أوصى ولديه الحسن والحسين بتقوى الله والصلاة والزكاة وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبت في الأمر، والتعاهد بالقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش، ووصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية ووصاه بما وصاهما به، وأن يعظمهما ولا يقطع أمرًا دونهما وكتب ذلك كله في كتاب وصيته ﵁ وأرضاه.\nوقد غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات. وقال الإمام أحمد بسنده عن أبي يحيى قال: لما ضرب ابن ملجم عليًا قال لهم: افعلوا به كما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل برجل أراد قتله فقال: \"اقتلوه ثم حرقوه\".\nوروى ابن جرير قال: حدثني الحارث ثنا ابن سعد عن محمد بن عمر قال: ضرب علي يوم الجمعة فمكث يوم الجمعة ويوم السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة.\nولما مات علي ولي غسله ودفنه أهله، وصلى عليه ابنه الحسن وكبر أربعًا، وقيل أكثر\n_________\n(١) البقرة: ٢٠٧.\n(٢) الزلزلة: ٧، ٨.","vol":"4","page":1691},{"text":"من ذلك. ودفن علي بدار الخلافة بالكوفة وقيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة، بحذاء باب الوراقين وقيل بظاهر الكوفة، وقيل بالكناسة، وقيل دفن بالبرية. وقال شريك القاضي وأبو نعيم الفضل بن دكين: نقله الحسن بن علي بعد صلحه مع معاوية من الكوفة فدفنه بالمدينة بالبقيع إلى جانب فاطمة بنت رسول الله ﷺ. وقال عيسى بن دآب: بل لما تحملوا به حملوه في صندوق على بعير، فلما مروا به ببلاد طيء أضلوا ذلك البعير فأخذته طيء تحسب فيه مالًا، فلما وجدوا بالصندوق ميتًا دفنوه في بلادهم فلا يعرف قبره إلى الآن، والمشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك ابن عمران أن خالد بن عبد الله القسري -نائب بني أمية في زمان هشام- لما هدم دورًا ليبنيها وجد قبرًا فيه شيخ أبيض الرأس واللحية فإذا هو علي، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له: أيها الأمير إن بني أمية لا يريدون منك هذا كله، فلفه في قباطي ودفنه هناك. قالوا: فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها. رواه ابن عساكر. ا. هـ ابن كثير.\nوقال الطبراني: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك يكنى أبا الحسن شهد بدرًا، قال وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: بلغني بنو هاشم أن أبا طالب اسمه بعد مناف بن عبد المطلب، وعبد المطلب اسمه شيبة بن هاشم، وهاشم اسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي، وقصي اسمه زيد، وقال الزبير بن بكار: أم علي بن أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد منافٍ بن قصي، ويقال إنها أول هاشمية ولدت لهاشمي، وقد أسلمت وهاجرت إلى رسول الله ﷺ بالمدينة وماتت ودفنها رسول الله ﷺ وأمها فاطمة بنت هرم بن رواحة بن حجر بن عبد معيص بن عامر بن لؤي (١).\n١٦٦٣ - * روى الحاكم عن زيد بان أرقم ﵁ قال: إن أول من أسلم مع رسول الله ﵌ علي بن أبي طالب ﵁.\n_________\n(١) رواها الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٩٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٠): وهو صحيح.\n١٦٦٣ - المستدرك (٣/ ١٢٦) وقال هذا حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي.","vol":"4","page":1692},{"text":"قال الحاكم: وإنما الخلاف في هذا الحرف أن أبا بكر الصديق ﵁ كان أول الرجال البالغين إسلامًا، وعلي بن أبي طالب تقدم إسلامه قبل البلوغ.\n١٦٦٤ - * روى الطبراني عن الشعبي قال رأيت عليًا على المنبر أبيض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه، زاد يحيى بن سعيد في حديثه: على رأسه زغيبات.\n١٦٦٥ - * روى الطبراني عن شعبة قال: سألت أبا إسحاق: أنت أكبر من الشعبي؟ قال: الشعبي أكبر مني بسنةٍ أو سنتين. قال: ورأى أبو إسحاق عليًا وكان يصفه لنا: عظيم البطن أجلح، قال شعبة وكان أبو إسحاق أكبر من أبي البختري ولم يدرك أبو البختري عليًا ولم يره.\n١٦٦٦ - * روى الطبراني عن أبي رجاء العطاردي قال: رأيت عليًا سمتًا أصلع الشعر كأن بجانبه إهاب شاة.\n١٦٦٧ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: خرج علينا علي بن أبي طالبٍ في الحر الشديد وعليه ثياب الشتاء، وخرج علينا في الشتاء وعليه ثياب الصيف، ثم دعا بما نشد به ثم مسح العرق عن جبهته ثم رجع إلى بيته فقتل لأبي: يا أبتاه أما رأيت ما صنع أمير المؤمنين، خرج علينا في الشتاء عليه ثياب الصيف وخرج علينا في الصيف وعليه ثياب الشتاء فقال أبو ليلى: ما فطنت. فأخذ بيد ابنه فأتى عليًا فقال له الذي صنع. فقال له علي: إن رسول الله صلى الله عليه سلم كان بعثني وأنا أرمد فبزق في عيني، ثم قال: \"افتح عينيك\" ففتحتهما فما اشتكيتهما حتى الساعة ودعا لي فقال: \"اللهم أذهب عنه الحر والبرد\" فما وجدت حرًا ولا بردًا حتى يومي هذا.\n_________\n١٦٦٤ - المعجم الكبير (١/ ٩٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠١): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٦٦٥ - المعجم الكبير (١/ ٩٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nأجلح: الجلح: ذهاب الشعر من مقدم الرأس، يقال هو أجلح وهي جلحاء.\n١٦٦٦ - المعجم الكبير (١/ ٩٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nسمتًا: حسن الهيئة.\n١٦٦٧ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.","vol":"4","page":1693},{"text":"١٦٦٨ - * روى النسائي عن بريدة ﵁ عن أبيه قال: خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة، فقال رسول الله ﷺ: \"إنها صغيرة\" فخطبها علي، فزوجها منه.\n١٦٦٩ - * روى الطبراني عن سلمان قال: أول هذه الأمة ورودًا على نبيها ﷺ أولها إسلامًا علي بن أبي طالب ﵁.\n١٦٧٠ - * روى البزار والطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لعلي: \"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه نبي بعدي\".\nوفي رواية الطبراني: \"أنت مني بمنزلة هارون\".\n١٦٧١ - * روى الطبراني عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك\".\n١٦٧٢ - * روى الترمذي عن أم عطية ﵂ قالت: بعث النبي صلى الله جيشًأ فيهم علي، قالت: فسمعت رسول الله ﷺ يقول وهو رافع يديه: \"اللهم لا تمتني حتى تريني عليًا\".\n١٦٧٣ - * روى البزار عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: \"يا علي من فارقني فارق الله، ومن فارقك يا علي فارقني\".\n١٦٧٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن عليًا كان يقول في حياة رسول الله ﷺ إن\n_________\n١٦٦٨ - النسائي (٦/ ٦٢) كتاب النكاح، باب تزوج المرأة مثلها في السن، وإسناده حسن.\n١٦٦٩ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٢): رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٦٧٠ - البزار: كشف الأستار (٣/ ١٨٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٩).\nرواه البزار والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح غير أبي بلج الكبير وهو ثقة.\n١٦٧١ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٣): رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٦٧٢ - الترمذي (٥/ ٦٤٣) ٥٠ - كتاب للناقب- ٢١ - مناقب علي بن أبي طالب. وقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٦٧٣ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٠١) وقال الهيثمي مجمع الزوائد (٩/ ١٣٥): رواه البزار ورجاله ثقات.\n١٦٧٤ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":1694},{"text":"الله ﷿ يقول: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى. والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت. والله ني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه فمن أحق به مني.\n١٦٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن محمد بن شهاب الزهري ﵀ أن علي بن الحسين ابن علي حدثهم: أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل الحسين بن علي لقيه المسور، فقال له: هل لك إلي حاجة تأمرني بها؟ قال فقلت له: لا، فقال: هل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ، فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه؟ وايم الله، لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدًا، حتى تبلغ نفسي، إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعت رسول الله ﷺ يخطب الناس في ذلك على منبره هذا -وأنا يومئذ محتلم- فقال: \"إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها\" قال: ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، قال: \"حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي، وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا، ولكن والله، لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا\".\nوفي رواية علي بن الحسين: أن المسور بن مخرمة قال: إن عليًا خطب بنت أبي جهلٍ، وعنده فاطمة بنت النبي ﷺ، فسمعت بذلك فاطمة فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحًا ابنة أبي جهلٍ، فقام رسول الله ﷺ، فسمعه حين تشهد يقول: \"أما بعد، فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وأنا أكره أ، يسوؤوها\" -وفي رواية أن يفتنوها- \"والله، لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحدٍ أبدًا\". فترك على الخطبة.\n_________\n١٦٧٥ - البخاري (٧/ ٨٥) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ١٦ - باب ذكر أصهار النبي ﷺ منهم أبو العاص بن الربيع. ومسلم (٤/ ١٩٠٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ.\nللبخاري ومسلم في الموضعين السابقين.","vol":"4","page":1695},{"text":"وفي أخرى (١) قال: سمعت النبي ﷺ يقول وهو على المنبر: \"إني بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها\".\nوفي رواية (٢) مختصرًا: أن رسول الله ﷺ قال: \"فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني\".\nوفي أخرى (٣): \"إن فاطمة بضعة منين يؤذيني ما آذاها\".\n١٦٧٦ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن عبد الله بن الرقيم الكناني قال: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالكٍ بها فقال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي. وزاد الطبراني في الأوسط: قالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا كلها إلا باب علي، قال: \"ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدها\".\nأقول: لا منافاة بين هذا الحديث وبين سد الخوخات إلا خوخة أبي بكر فالخوخة في الاصطلاح غير الباب، وهناك احتمال أن يكون الأمر بسد خوخات الناس من غير بيت آل رسول الله ﷺ غير خوخة أبي بكر.\n١٦٧٧ - * روى أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر قال كنا نقول في زمن رسول الله ﷺ: رسول الله ﷺ خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن\n_________\n(١) البخاري (٩/ ٣٣٧) ٦٧ - كتاب النكاح- ١٩ - باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف.\nومسلم (٤/ ١٩٠٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ.\n(٢) البخاري (٧/ ١٠٥) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة ٢٩ - باب مناقب فاطمة.\n(٣) مسلم (٤/ ١٩٠٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ.\n١٦٧٦ - أحمد في مسنده (١/ ١٧٥)، البزار: كشف الأستار (٣/ ١٩٥)، وقال الهيثي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٤): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط وإسناد أحمد حسن.\n١٦٧٧ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي، ورجالهما رجال الصحيح.\nالترمذي (٥/ ٦٣٩) ٥٠ - كتاب المناقب -٢١ - باب مناقب علي بن أبي طالب.\nوقال: هذا حديث حسن غريب لانعرفه إلا من حيدث الأجلح، وقد رواه غير ابن فضيل عن الأجلح.","vol":"4","page":1696},{"text":"يكون لي واحدة منهم أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله ﷺ ابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر.\n١٦٧٨ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: دعا رسول الله ﷺ عليًا يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله ﷺ: \"ما انتجيته، ولكن الله انتجاه\".\n١٦٧٩ - * روى الطبراني عن شراحيل بن مرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: \"أبشر يا علي حياتك معي وموتك معي\".\n١٦٨٠ - * روى الطبراني عن أبي إسحاق قال: خرجت مع أبي إلى الجمعة وأنا غلام فلما خرج علي فصعد المنبر قال لي أبي: قم أي عمرو فانظر إلى أمير المؤمنين. فقمت فإذا هو قائم على المنبر فإذا هو أبيض اللحية والرأس، عليه إزار ورداء ليس عليه قميص قال فما رأيته جلس على المنبر حتى نزل عنه قلت لأبي إسحاق: هل قنت؟ قال: لا، وفي رواية لم أره خضب لحيته ضخم الرأس.\n١٦٨١ - * روى الطبراني عن أبي الطفيل قال: جاء النبي ﷺ وعلي ﵁ نائم في التراب فقال: إن أحق أسمائك أبو ترابٍ، أنت أبو ترابٍ\".\n١٦٨٢ - * روى أحمد والبزار عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ كنى عليًا ﵁ بأبي ترابٍ فكانت من أحب كناه إليه.\n_________\n١٦٧٨ - الترمذي (٥/ ٦٣٩) ٥٠ - كتاب المناقب -٢١ - باب مناقب علي بن أبي طالب، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الأجلح وقد رواه غير ابن فضيل عن الأجلح.\n١٦٧٩ - المعجم الكبير (٧/ ٣٠٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٣٩): رواه الطبراني وإسناده حسن.\nحياتك معي وموتك معي: أي أنت معي في الدنيا والآخرة.\n١٦٨٠ - المعجم الكبير (١/ ٩٣٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٠): رواه الطبراني بأسانيد ورجاله رجال الصحيح.\nفما رأيته جلس على المنبر حتى نزل عنه: يعني كانت خطبة الجمعة قصيرة.\n١٦٨١ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠١٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله رجال الصحيح.\n١٦٨٢ - البزار: كشف الأستار (٣/ ١٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠١): رواه البزار ورواه أحمد وغيره ورجال أحمد ثقات.","vol":"4","page":1697},{"text":"١٦٨٣ - * روى الترمذي عن حبشي بن جنادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: طعلي منين وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي\".\n١٦٨٤ - * روى الطبراني عن ذؤيب أن النبي ﷺ لما حضر قالت صفية: يا رسول الله لكل امرأةٍ من نسائك أهل تلجأ إليهم وإنك أجليت أهلي، فإن حدث حدث فإلى من؟ قال: \"إلى علي بن أبي طالب\".\n١٦٨٥ - * روى الطبراني عن أم سلمة قالت: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من أحب عليًا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله من أبغض عليًا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله\".\n١٦٨٦ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن عمرو بن شاس الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية قال: خرجت مع علي ﵁ إلى اليمن فجفاني في سفري ذلك، حتى وجدت في نفسي عليه، فلما قدمت المدينة أظهرت شكايته في المسجد حتى سمع بذلك رسول الله ﷺ فدخلت المسجد ذات غداةٍ، ورسول الله ﷺ جالس في ناسٍ من أصحابه فلما رآني أبدلي عينيه (يقول حدد إلي النظر) حتى إذا جلست قال: \"يا عمرو والله لقد آذيتني\" قلت: أعوذ بالله من أذاك يا رسول الله قال: \"بلى من آذى عليًا فقد آذاني\".\n١٦٨٧ - * روى البزار عن سعد بن أبي وقاصٍ أن رسول الله ﷺ أخذ بيد علي فقال: \"ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ من كنت وليه فعلى وليه\".\n١٦٨٨ - * روى عبد الله بن أحمد والبزار عن زيد بن يثيع: قال نشد علي رضي الله\n_________\n١٦٨٣ - الترمذي (٥/ ٦٣٦) ٥٠ - كتاب المناقب -٢١ - باب مناقب علي بن أبي طالب.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٦٨٤ - المعجم الكبير (٤/ ٢٣٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٢) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٦٨٥ - المعجم الكبير (٣/ ٢٨٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣/ ١٢٢) رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٦٨٦ - أحمد (٣/ ٤٨٣)، والبزار: كشف الأستار (٣/ ٢٠٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢٩) وقال: رواه أحمد والطبراني باختصار والبزار أخصر منه ورجال أحمد ثقات.\n١٦٨٧ - البزار: كشف الأستار (٣/ ١٨٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٧): رواه البزار ورجال ثقات.\n١٦٨٨ - عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (١/ ١١٨)، والبزار: كشف الأستار (٣/ ١٩٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٧): رواه عبد الله والبزار وإسنادهما حسن.=","vol":"4","page":1698},{"text":"عنه الناس في الرحبة من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم لما قام: قال فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد سبعة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم لعلي: \"أليس أنا أولى بالمؤمنين؟ \" قالوا: بلى قال: \"اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه\".\n١٦٨٩ - * روى أحمد عن علي: أن رسول الله ﷺ قال يوم غدير خم: \"من كنت مولاه فعلي مولاه\" قال: وزاد الراوون بعد وال من والاه وعاد من عاداه.\n١٦٩٠ - * روى عبد الله بن أحمد وأبو يعلى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: شهدت عليًا في الرحبة يناشد الناس: أنشد الله من سمع رسول الله ﷺ يقول في يوم غدير خم: \"من كنت مولاه فعلي مولاه\" لما قام فشهد. قال عبد الرحمن فقال اثنا عشر بدريًا كأني أنظر إلى أحدهم عليه سراويل. فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول يوم غير خم: \"ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم\" قلنا: بلى يا رسول الله قال: \"فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه\".\n١٦٩١ - * روى الطبراني عن زيد بن أرقم قال: نشد علي الناس: أنشد الله رجلًا سمع النبي ﷺ يقول: \"من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه\" فقال اثنا عشر بدريًا فشهدوا بذلك. وكنت فيمن كتم فذهب بصري.\n١٦٩٢ - * روى البزار عن عمرو بن ذي مر وسعيد بن وهب وعن زيد بن يثيع:\n_________\n= الزوئد (٩/ ١٠٧): رواه عبد الله والبزار وإسنادهما حسن.\n١٦٨٩ - رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على السند (١/ ١٥٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوئد (٩/ ١٠٧): رواه أحمد ورواته ثقات.\n١٦٩٠ - أحمد في مسنده (١/ ١١٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٥) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله وثقوا وعبد الله بن أحمد.\n١٦٩١ - المعجم الكبير (٥/ ١٧٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٦): رواه الطبراني في الكبير، والأوسط خاليًا من ذهاب البصر والكتمان ودعاء علي وفي رواية عنده \"وكان علي دعا على من كتم\" ورجاله الأوسط ثقات.\n١٦٩٢ - البزار: كشف الأستار (٣/ ١٩١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٥) رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة.","vol":"4","page":1699},{"text":"قالوا: سمعنا عليًا يقول: نشدت الله رجلًا سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم لما قام، فقال ثلاثة عشر رجلًا فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: \"ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم\" قالوا بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بيد علي فقال: طمن كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من يبغضه وانصر من نصره واخذ من خذله\".\n١٦٩٣ - * روى أحمد عن سعيد بن وهب قال: نشد علي ﵁ الناس فقام خمسة أو ستة من أصحاب النبي ﷺ فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: \"من كنت مولاه فعلي مولاه\".\n١٦٩٤ - * روى أحمد عن أبي الطفيل قال: جمع علي الناس في الرحبة ثم قال لهم: أنشد بالله كل امرئٍ مسلم سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم ما قال لما قام فقام إليه ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال: \"أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم\" قالوا: بلى يا رسول الله قال: \"من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه\" قال فخرجت كأن في نفسي شيئًا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إني سمعت عليًا يقول كذا وكذا قال: فما تنكر قد سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.\n١٦٩٥ - * روى أحمد عن رباح بن الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة قالوا السلام عليك يا مولانا، فقال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب، قالوا سمعنا رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول: \"من كنت مولاه فهذا مولاه\" قال رباح فلما مضوا تبعتهم فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري.\nوفي رواية للطبراني قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: \"من كنت مولاه فعلي\n_________\n١٦٩٣ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٦٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n١٦٩٤ - أحمد في مسنده (٤/ ٣٧٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة.\n١٦٩٥ - أحمد في مسنده (٥/ ٤١٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات.","vol":"4","page":1700},{"text":"مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه\" وهذا أبو أيوب بيننا فحسر أبو أيوب العمامة عن وجهه ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه\".\nأقول: بنى الشيعة على حديث غدير خم مذهبهم كله في أن الخلافة محصورة في علي وذريته، ونحن أكثرنا من روايات غدير خم ليعرف أن أهل السنة لم ينكروا الحديث ولكنهم لم يبنوا عليه ما بنى الشيعة، وأنت ترى من الروايات صحة ما ذهب إليه أهل السنة في فهم الحديث، ولاشك أن قضية الخلافة قضية حساسة جدًا، ولاشك أنه إذا تساوى اثنان في كل شيء وكان أحدهما من آل بيت رسول الله ﷺ فإن كل مسلم يرى بفطرته أن يقدم من كان من آل بيت رسول الله ﷺ.\n١٦٩٦ - * روى الطبراني عن صهيب مولى العباس قال: أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه فأتيناه فإذا هو يغدي الناس، فدعوته فأتاه فقال: أفلح الوجه أبا الفضل قال: ووجهك أمير المؤمنين. قال: ما زدت على أن أتاني رسولك وأنا أغدي الناي فغديتهم ثم أتيتك فقال العباس: أذكرك الله في علي فإنه ابن عمك وأخوك في دسنك وصاحبك مع نبيك ﷺ وصهرك، وأنه قد بلغني أنك تريد أن تقوم بعلي وأصحابه فاعفني من ذلك يا أمير المؤمنين. فقال عثمان: إن أول ما أجيبك أني قد شفعتك في علي إن عليا لو شاء ما كان أحد دونه ولكنه أبى ألا رأيه. ثم بعث إلى علي فقال: أذكرك الله في ابن عمك وابن عمتك وأخيك في دسنك وصاحبك مع رسول الله ﷺ وولي بيعتك فقال: والله لو أمرني أن أخرج عن داري لخرجت.\nأقول: الظاهر أن شيئًا ما وقع بين عثمان وعلي ﵄، وأراد عثمان أن يعاقب عليًا، فتشفع العباس لعلي ونصح في الوقت نفسه عليًا، فكان جواب الاثنين ما يقتضيه مقامهما.\nومن هنا نأخذ درسًا أنه مهما علت الرتبة فقد يقع شيء ما بين أصحاب ذلك، وعلى\n_________\n١٦٩٦ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.","vol":"4","page":1701},{"text":"أهل الفضل أن يتدخلوا فيشفعوا.\n١٦٩٧ - * روى أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري قال: كنا عند بيت النبي ﷺ في نفر من المهاجرين والأنصار، فقال: \"ألا أخبركم بخياركم؟ \" قالوا: بلى قال: \"الموفون المطيبون إن الله يحب الحفي التقي\" قال ومر علي بن أبي طالب فقال: \"الحق مع ذا الحق مع ذا\".\n١٦٩٨ - * روى أبو يعلى والبزار عن علي قال: أتاني عبد الله بن سلام وقد وضعت قدمي في الغرز فقال لي: لا تقدم العراق، فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف. قال علي: وايم الله لقد أخبرني به رسول الله ﷺ. قال أبو الأسود: فما رأيت كاليوم قط محاربًا يخبر بذا عن نفسه.\n١٦٩٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد قال: كنا جلوسًا ننتظر رسول الله ﷺ فخرج علينا من بعض بيوت نسائه قال فقمنا معه فانقطعت نعله فتخلف عليها علي يخصفها، ومضى رسول الله ﷺ ومضينا معه. ثم قام ينتظره وقمنا معه فقال: \"إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله\" فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر فقال: \"لا، ولكنه خاصف النعل\" قال: فجئنا نبشره: فكأنه قد سمعه.\n١٧٠٠ - * روى البخاري عن شفيق بن عبد الله قال: دخل أبو موسى وأبو مسعود على\n_________\n١٦٩٧ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.\nالمطيبون: المطهرون.\nالحفى: المبالغ في الإكرام. والعالم يتعلم باستقصاء.\n١٦٩٨ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢٨): رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير إسحاق بن أبي إسرائيل وهو ثقة مأمون.\nالغرز: أي الركاب. والغرز يكون للإبل.\nذباب السيف: طرفه الذي يضرب به.\nبذاعين نفسه: بخضوعها وإقرارها. يقال أذعن وذعن.\n١٦٩٩ - أحمد في مسنده (٣/ ٨٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة.\n١٧٠٠ - البخاري (١٣/ ٥٣) ٩٢ - كتاب الفتن، باب: ١٨٠.","vol":"4","page":1702},{"text":"عمار حيث أتى الكوفة ليستنفر الناس، فقالا: ما رأينا منك أمرًا منذ أسلمت أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر؟ فقال: ما رأيت منكما أمرًا منذ أسلمتما أكرة عندي من إبطائكما عن هذا الأمر، قال: ثم كساهما حلة.\nوفي أخرى قال: كنت جالسًا مع أبي موسى وأبي مسعود وعمار، فقال أبو مسعود: ما من أصحابك من أحد إلا لو شئت لقلت فيه، غيرك، وما رأيت منك شيئًا منذ صبحت رسول الله ﷺ أعيب عندي من استسراعك في هذا؟ فقال عمار: يا أبا مسعود، وما رأيت منك ولا صاحبك هذا شيئًا منذ صحبت رسول الله ﷺ أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر، فقال أبو مسعود- وكان موسرًا-: يا غلام! هات حلتين، فأعطي إحداهما أبا موسى، والأخرى عمارًا، وقال: روحا فيهما إلى الجمعة.\n١٧٠١ - * روى البخاري عن أبي مريم عبد الله بن زياد الأسدي قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه، فسمعت عمارًا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، والله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ﵎ ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي؟\nوفي أخرى (١) له عن أبي وائل: قام عمار على منبر الكوفة فذكر عائشة وذكر مسيرها وقال: إنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم.\n١٧٠٢ - * روى البخاري عن أبي بكر ﵁ قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل. لما بلغ النبي ﷺ أن فارسًا ملكوا ابنه كسرى قال: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\".\n١٧٠٣ - * روى الترمذي عن أبي بكرة قال: عصمني الله ﷿ بشيء سمعته من\n_________\n١٧٠١ - البخاري (١٣/ ٥٣) ٩٢ - كتاب الفتن باب: ١٨\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق\n١٧٠٢ - البخاري في نفس الموضع السابق\n١٧٠٣ - الترمذي (٤/ ٥٢٧) ٣٤ - كتاب الفتن، باب: ٧٥.","vol":"4","page":1703},{"text":"رسول الله ﷺ: لما هلك كسرى قال: \"من استخلفوا؟ \" قالوا: ابنته، فقال النبي ﷺ: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\" فلما قدمت عائشة- يعني: البصرة- ذكرت قول رسول الله ﷺ، فعصمني الله به.\n١٧٠٤ - * روى الطبراني عن جري بن سمرة قال: لما كان من أهل البصرة الذي كان بينهم وبين علي بن أبي طالب انطلقت حتى أتيت المدينة فأتيت ميمونة بنت الحارث وهي من بنى هلال، فسلمت عليها فقالت ممن الرجل؟ قلت: من أهل العراق. قالت: من أي أهل العراق؟ قلت: من أهل الكوفة. قالت: من أي أهل الكوفة؟ قلت: من بني عامر. قالت: مرحبًا، قربًا على قرب ورحبًا على رحب. فمجيء ما جاء بك؟ قلت: كان بين علي وطلحة الذي كان، فأقبلت فبايعت عليًا. قالت: فالحق به فوالله ما ضل ولا ضل به حتى قالتها ثلاثًا.\n١٧٠٥ - * روى الحاكم عن قيس بن عباد قال: دخلت أنا والاشتر على علي بن أبي طالب ﵁ يوم الجمل، فقلت: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم عهدًا دون العامة؟ فقال: لا إلا هذا. وأخرج من قراب سيفه فإذا فيها: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده.\n١٧٠٦ - * روى الحاكم عن يزيد بن ضبيعة العبسي قال: نادى منادي عمار يوم الجمل وقد ولى الناس: ألا لا يذاف على جريح، ولا يقتل مول ومن ألقى السلاح فهو آمن. فشق ذلك علينا.\n_________\n١٧٠٤ - المعجم الكبير (٢٤/ ٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٥) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير جزي ابن سمرة وهو ثقة.\n١٧٠٥ - المستدرك (٢/ ١٤١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n١٧٠٦ - المستدرك (٢/ ١٥٥) وسكت عنه وصححه الذهبي.\nنادى منادي عمار ...: في ابن كثير: ونادي منادي علي: إنه لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح ولا يدخلوا الدور.\nالناس: جيش طلحة والزبير.\nيذاف على جريح: يجهز عليه.","vol":"4","page":1704},{"text":"أقول: ومن هذا النص وأمثاله أخذ العلماء أحكام قتال الخوارج والبغاة وهي كلها مما سنه علي ﵁، وأما قوله فشق ذلك على الناس فمعناه: أن الناس كانوا يطمعون بأن يفعلوا بمن قاتلوه أكثر مما فعلوا، وأن يسبوا وأن يأسروا. فلما جاءهم أمر علي حال بينهم وبين هذه الرغبات.\n١٧٠٧ - * روى الحاكم عن أبي أمامة ﵁ قال: شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يقتلون موليًا ولا يسلبون قتيلًا.\n١٧٠٨ - * روى البزار عن شقيق قال: قيل لعلي ألا تستخلف؟ قال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف عليكم، وإن يرد الله ﵎ بالناس خيرًا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.\n١٧٠٩ - * روى أبو يعلى عن عبد الله بن سبيع: قال: قيل لعلي ألا تستخلف؟ قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ.\n١٧١٠ - * روى الطبراني عن أبي بكر أبي شيبة قال: قتل علي سنة أربعين، وكانت خلافته خمس سنين وستة أشهر.\n١٧١١ - * روى الطبراني عن يحيى بن بكير قال: قتل علي بن أبي طالب يوم الجمعة يوم سبع عشرة من شهر رمضان سنة أربعين.\n١٧١٢ - * روى الطبراني عن محمد بن علي بن الحسين قال: توفي علي وهو ابن ثمان وخمسين.\n_________\n١٧٠٧ - المستدرك (٢/ ١٥٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ..\n١٧٠٨ - قال الهيثمي في المجمع: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن أبي الحارث وهو ثقة.\n١٧٠٩ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٩٧): رواه أبو يعلي ورجاله ثقات.\n١٧١٠ - المعجم الكبير (١/ ١٠٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٦): رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٧١١ - المعجم الكبير (١/ ٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٥): رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٧١٢ - المعجم الكبير (١/ ٩٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٦): رجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":1705},{"text":"١٧١٣ - * روى أحمد عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أيسب رسول الله ﷺ فيكم؟! قلت: معاذ الله، أو سبحان الله أو كلمة نحوها، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"منسب عليا فقد سبني\".\n١٧١٤ - * روى عبد الله بن أحمد عن عاصم بن بهدلة قال: قلت للحسن بن علي: الشيعة يزعمون أن عليا يرجع. قال: كذب، أولئك الكذابون، لو علمنا ذلك ما تزوج نساؤه ولا قسمنا ميراثه.\nقوله: \"الشيعة يزعمون أن عليًا يرجع): الذي زعم ذلك عبد الله بن سبأ من غلاتهم.\n١٧١٥ - * روى الترمذي عن ابن عمر: لما آخى النبي ﷺ بين أصحابه جاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد، فسمعته ﷺ يقول: \"أنت أخي في الدنيا والأخرة\".\n١٧١٦ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن معاوية قال له: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن رسول الله ﷺ فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم، سمعته ﷺ يقول له وخلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له ﷺ: \"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنهلا نبوة بعدي\" وسمعته يقول يوم خيبر: \"لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله\" فتطاولنا لها، فقال: \"ارعوا لي عليا\" فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: (ندع أبناءنا وأبنائكم) (٥) دعا رسول الله ﷺ عليًا\n_________\n١٧١٣ - أحمد في مسنده (٦/ ٣٢٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٠) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الحدلي وهو ثقة.\n١٧١٤ - قال الهيثمي في المجمع: رواه عبد الله بن أحمد وإسناده جيد.\n١٧١٥ - الترمذي (٥/ ٦٣٦) ٥٠ - كتاب المناقب، باب ٢١، وقال هذا حديث حسن غريب.\n١٧١٦ - مسلم (٤/ ١٨٧١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤ - باب من فضائل علي بن أبي طالب.\nآل عمران: ٦١","vol":"4","page":1706},{"text":"وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: \"اللهم هؤلاء أهلي\".\n١٧١٧ - * روى النسائي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان لي من رسول الله ﷺ ساعة آتيه فيها فإذا أتيته استأذنت إن وجدته يصلى فتنحنح دخلت وإن وجدته فارغا أذن لي.\nوفي رواية (٢): كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي.\n١٧١٨ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث النبي ﷺ ببراءة مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: \"لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي\" فدعا عليًا، فأعطاه إياها.\n١٧١٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر، وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه عليًا، فبينا أبو بكر ببعض الطريق، إذ سمع رغاء ناقة رسول الله ﷺ القصواء، فخرج أبو بكر فزعا فظن أنه رسول الله ﷺ، فإذا هو علي، فدفع إليه كتاب رسول الله ﷺ، وأمر عليًا أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا، فحجا، فقام على أيان التشريق ينادي: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بعد اليوم عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، قال: فكان علي ينادي بهؤلاء الكلمات، فإذا\n_________\n١٧١٧ - النسائي (٣/ ١٢) كتاب السهو، باب التنحنح في الصلاة.\n(١) النسائي في نفس الموضع السابق.\n١٧١٨ - الترمذي (٥/ ٢٧٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -١٠ - باب ومن سورة التوبة، وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث أنس بن مالك.\n١٧١٩ - الترمذي (٥/ ٢٧٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -١٠ - باب ومن سورة التوبة، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس.\n(٤) الرغاء: صوت البعير.\nالقصواء: بالمد: لقب ناقة رسول الله ﷺ، ولم تكن قصواء، فإن القصواء: هي المشقوقة الأذن من النوق.\nذمة الله: الذمة: العهد والأمان.\nساح: في الأرض: إذا ذهب منها حيث أراد.","vol":"4","page":1707},{"text":"عيي قام أبو بكر، فنادى بها.\n١٧٢٠ - * روى أبو يعلى عن أبي بكر بن خالد بن عرفطة أنه أتى سعد بن مالك بن أبي وقاص فقال: بلغني أنكم تعرضون عن سب علي بالكوفة فهل سببته؟ قال: معاذ الله، والذي نفس سعد بيده لقد سمعت من رسول الله ﷺ يقول في علي شيئًا لو وضع المنشار على مفرقي ما سببته أبدًا.\n١٧٢١ - * روى الطبراني عن قيس بن عباد قال: شهدت عليًا يوم الجمل يقول لابنه حسن: يا حسن وددت أني مت منذ عشرين سنة.\n١٧٢٢ - * روى البخاري عن محمد بن علي ﵀ أن حرملة -مولى أسامة- أخبره قال: أرسلني أسامة إلى علي ليعطيني، وقال: إنه سيسألك الآن، فيقول: ما خلف صاحبك؟ فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره، فلم يعطني شيئًا، فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر، فأوقروا لي راحلتي.\n١٧٢٣ - * روى الطبراني عن أبي سنان الدؤلي أنه عاد عليا في شكوى اشتكاها، فقال له: لقد تخوفنا عليك في شكواك هذه فقال: لكني والله ما تخوفت على نفسي منه لأني سمعت الصادق المصدوق ﷺ يقول: \"إنك ستضرب ضربة هنا وضربة هاهنا\" وأشار إلى صدغه \"فيسيل دمها حتى تخصب لحيتك، ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود\".\n_________\n١٧٢٠ - مجمع الزوائد (٩/ ١٣٠). وقال: رواه أبو يعلي وإسناده حسن.\n١٧٢١ - المعجم الكبير (١/ ١١٤).\nمجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد.\n١٧٢٢ - البخاري (٣/ ٦١) ٩٢ - كتاب الفتن - ٢٠ - باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي \"إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين\".\nفأوقروا لي راحلتي: الوقر: الحمل والثقل، والراحلة: البعير القوي على الأسفار والأعمال.\n١٧٢٣ - المعجم الكبير ٠١/ ١٠٦).\nمجمع الزوائد (٩/ ١٣٧). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"4","page":1708},{"text":"١٧٢٤ - * روى الطبراني عن طلحة بن مصرف أن عليًا انتهى إلى طلحة بن عبيد الله وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه وهو يقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.\n١٧٢٥ - * روى الطبراني عن ابن سيرين قال: لما قيل لسعد بن أبي وقاص ألا تقاتل إنك من أهل الشورى وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك قال: لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد.\n١٧٢٦ - * روى البزار عن زيد بن وهب قال: بينا نحن حول حذيفة إذ قال: كيف أنتم وقد خرج أهل بين نبيكم ﷺ فرقتين يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ فقلنا: يا أبا عبد الله وإن ذلك لكائن فقال بعض أصحابه يا أبا عبد الله فكيف نصنع إن أدركنا ذلك الزمان؟ قال: انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر علي فالزموها، فإنها على الهدى.\n١٧٢٧ - * روى أحمد والبزار عن أبي رافع أن النبي ﷺ قال لعلي: \"إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر\" قال: أنا يا رسول الله؟ قال: \"نعم\" قال: أنا من بين أصحابي؟ قال: \"نعم\" قال: أنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: \"لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها\".\n١٧٢٨ - * روى أحمد وأبو يعلى والبزار عن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما نزلت على الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول لنا \"أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟ \" فقال لها الزبير: لا ترجعي عسى الله أن يصلح بك بين الناس\n_________\n١٧٢٤ - مجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٧٢٥ - المعجم الكبير (١/ ١٤٤).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٩٩). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٧٢٦ - البزار: كشف الأستار (٤/ ٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٦): رواه البزار ورجاله ثقات.\n١٧٢٧ - أحمد في مسنده ٠٦/ ٣٩٣)، والبزار: كشف الأستار (٤/ ٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٤): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله ثقات.\n١٧٢٨ - أحمد في مسنده (٦/ ٩٧)، والبزار: كشف الأستار (٤/ ٩٤)، وقال الهيثمي. في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٤): رواه أحمد وأبو يعلي والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.","vol":"4","page":1709},{"text":"١٧٢٩ - * روى البزار عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ لنسائه: \"ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثيرًا، ثم تنجو بعد ما كادت\".\n١٧٣٠ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: لم أجدني آسى على شيء إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي.\nأقول: بعد أن قتل عمار الذي وردت النصوص مبينة أنه تقتله الفئة الباغية، تبين للمترددين أن عليًا كان على حق وأن القتال معه كان واجبًا، ولذا عبر ابن عمر عن تخلفه بأنه بأسى بسبب هذا التخلف، وما ذلك إلا أنه ترك واجبًا وهو نصرة الإمام الحق على الخارجين عليه بغير حق كما أفتى بذلك الفقهاء.\n١٧٣١ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال لرجلين يختصمان في رأس عمار: يقول كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبد الله: ليطب به أحدكما نفسًا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"تقتله الفئة الباغية\" فقال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى النبي ﷺ، فقال: \"أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه\" فأنا معكم ولست أقاتل.\n١٧٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف؟ قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله ﷺ. فقال: يا أحنف ارجع فإني سمعته ﷺ يقول: \"إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار\" فقلت أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: \"إنه كان قد أراد قتل صاحبه\".\n_________\n١٧٢٩ - البزار: كشف الأستار (٤/ ٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٤): رواه البزار ورجاله ثقات.\nالأدبب: الكثير وبر الوجه.\n١٧٣٠ - قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الكبير بأسانيد، وأحدها رجاله رجال الصحيح.\n١٧٣١ - أحمد في مسنده (٢/ ١٦٤).\n١٧٣٢ - البخاري (١٣/ ٣١) ٩٢ - كتاب الفتن - ١٠ - باب إذا التقى المسلمان بسيفهما. ومسلم (٤/ ٢٢١٣) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة - ٤ - باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما.","vol":"4","page":1710},{"text":"أقول: إن القتال مع علي كان حقًا وصوابًا ومن قتل معه فهو شهيد وله أجران، ولكن أبا بكرة حمل حديثًا ورد في غير الحالة قاتل فيها علي على حالة قتال الباغين وهو فهم منه ﵁ ولكنه فهم في غير محله. ومن هذه الرواية ندرك أن عقبات متعددة واجهت عليًا ﵁ في معركته مع الآخرين منها أمثال هذه الفتاوى التي هي أثر عن روح أكثر منها أثر عن فتوى تصيب محلها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>تعليقات</span>\nورث الإمام علي ﵁ الحكم، والفتنة قائمة فلم يستطع السيطرة الكاملة على دفة الأمور رغم العلم والحزم والشجاعة والبطولة والفضل وذلك في رأيي يرجع إلى أمور:\n١ - عدم مراعاة المستجدات التي طرأت على النفسية الإسلامية وعلى المجتمع الإسلامي، فلقد تلبست النفسية المسلمة في الدنيا فكان لابد أن تساس من خلال دين ودنيا، ولم يكن أبو الحسن عنده استعداد لذلك.\n٢ - عدم استعمال الدهاء اعتمادًا على صولة الحق وحده في مخاطبة المسلمين، بينما حدث وضع جديد يخالف الوضع الذي كان عليه الحال في حياة رسول الله ﷺ، فالرسول ﷺ كان وراءه المجتمع الإسلامي كله، والحرب كانت مع الكافرين، فالخدعة كانت تنصب عليهم لكن ههنا مجتمع انقسم على نفسه، فههنا كان لابد للدهاء أن يعمل عمله.\n٣ - اختلط حق بخطأ في موافق كل الأطراف ولذلك كان من الصعب جدًا أن يتخلى كل طرف عن قناعاته، فالمطالبة بدم عثمان كانت لا تحتمل عند أصحابها جدلًا، وكون علي هو الخليفة الشرعي وهو الأحق بالخلافة كانت لا تحتمل جدلًا، وفي جو كهذا كان لابد من سلب دعاوى الشرعية من الخصوم، ولم يكن أبو الحسن في وضع يسمح له بذلك.\n٤ - كان التآمر جديدًا على الأمة الإسلامية وكانت التصورات تحول دون التدبير المكافئ لهذا التآمر. لذلك استطاع التآمر أن يعمل عمله دون أن يستطيع أحد السيطرة عليه.","vol":"4","page":1711},{"text":"٥ - كان اعتماد أبي الحسن على رأيه وعزمه أكثر من اعتماده على من حوله، وكان الرجال الذين هم على مستوى المرحلة أقل من المطلوب، ولذلك كانت التعبئة النفسية أقل من اللازم، وكانت الأمور تنتقص واحدا بعد واحد.\n٦ - وأهم من هذا كله أن الحماس المتأجج للصراع ضد الكافرين لم يكن هو نفسه عند أهل الحق في الصراع ضد المسلمين، وكان المفروض أن يكون رصيد الإمام هم أصحاب رسول الله ﷺ، ولكن الكثيرين من هؤلاء تهيبوا سفك الدم المسلم.\n٧ - ومع ذلك فأبو الحسن هو الخليفة الراشد القدوة المهدى وقد سن لنا سننًا، سن لنا كيف نتعامل مع البغاة، وسن لنا القتال من أجل الوحدة الإسلامية وإذا كانت هذه الوحدة لا تتم إلا بفناء المسلمين فقد سن لنا التسليم بتعدد الأقطار والحكام، ولقد كان عليه الرضوان امتدادًا لعصر النبوة في تفكيره وتصرفاته ولكن الناس تغيروا، وما نحب أن نتغير، ولكن لابد أن نأخذ العبرة فنتعامل مع الزمان والمكان على حسب ما تجيزه الفتوى وتقتضيه المصلحة.\nإن هذه الفتن الهائلة التي حدثت بين علي من جهة وطلحة والزبير وعائشة من جهة أخرى وبين علي من جهة وبين معاوية من جهة أخرى، كان فيها علي على الحق والصواب وكان الآخرون متأولين وكانوا مخطئين، ولكن ثقتهم بصواب ما ذهبوا إليه كانت كبيرة جدًا، لذلك استرخصوا دماءهم في سبيلها، فلقد كانوا مقتنعين أن عثمان قد قتل ظلمًا وأن قتلته يجب أن يحاسبوا وأن عليًا لم يجاسبهم بل أصبحوا جزءا من جنده، فكانوا يرون أن عليًا ظالم بحمايته لهؤلاء الناس، وكان علي ﵁ يعتبر نفسه وهو على حق في ذلك الخليفة الراشد وأن من يطيعه ومن بايعه وأخلص له هو الذي تتمثل به جماعة المسلمين، ولو أنه حاسب هؤلاء لفرط عقد جماعة المسلمين فتأول في ألا يبدأ في محاسبتهم، وهو الأعلم بالأحكام وصاحب الترجيح في كل قضية خلافية بحكم أنه إمام، وهكذا حدث الصراع المفجع وكل من الأطراف لاشك أنه على حق وهم خير الخلق بشهادة النصوص، فلذلك فنحن نعتقد أن المخلصين ممن كان مع علي على حق وصواب وهم مأجورون مرتين، وأن المخلصين ممن كان ضده مخطئون في اجتهادهم ولهم أجر واحد، وفي هؤلاء وهؤلاء من نكل أمرهم إلى","vol":"4","page":1712},{"text":"الله ﷿ ممن لم تكن لهم نية صادقة أو كان عندهم مطامع شخصية أو عندهم سوء نية أو لم يكونوا مخلصين في إسلامهم وهكذا.\n* * *","vol":"4","page":1713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>عبد الله بن الزبير ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته: عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق .. ولد عام الهجرة وحفظ عن النبي صلى الله عليه وآلة وسلم وهو صغير، وحدث عنه بجملة من الحديث وعن أبيه وعن أبي بكر وعمر وعثمان وخالته عائشة وسفيان بن أبي زهير وغيرهم، وهو أحد العبادلة وأحد الشجعان من الصحابة وأحد من ولي الخلافة منهم، يكنى أبا بكر ثم قيل له أبو خبيب بولد، روى عنه أخوه عروة وابناه عامر وعباد وابن أخيه محمد بن عروة وأبو ذبيان خليفة بن كعب وعبيدة بن عمرو السلماني وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار ووهب بن كيسان وابن أبي مليكة وسماك بن حرب وأبو الزبير وثابت البناني وآخرون، وبويع بالخلافة سنة أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة وحنكه النبي صلى الله عليه وآلة وسلم وسماه باسم جده وكناه بكنيته.\nوقال الزبير بن بكار: حدثني عمي قال: سمعت أصحابنا يقولون: ولد سنة الهجرة وأتاه النبي صلى الله عليه وآلة وسلم في اليوم الذي ولد فيه يمشي وكانت أسماء مع أبيها بالسنح فأتي به فنحنكه قال الزبير: والثبت عندنا أنه ولد بقبا، وإنما سكن أبوه السنح لما تزوج مليكة بنت خارجة بن زيد.\nووقع في الصحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة ونزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبي صلى الله عليه وآلة وسلم ثم حنكه بالتمرة ثم دعا وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام.\nوقد وقع في بعض طرق الحديث أن عبد الله بن الزبير جاء إلى النبي ﵌ ليبايعه وهو ابن سبع سنين أو ثمان كما أخرجه ابن منده، أمره بذلك الزبير فتبسم","vol":"4","page":1714},{"text":"رسول الله ﵌ حين رآه وبايعه وكان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وكانت يهود تقول قد أخذناهم فلا يولد لهم بالمدينة ولد فكبر الصحابة حين ولد.\nوفي الرسالة للشافعي أن عبد الله بن الزبير كان له عند موت النبي ﵌ تسع سنين وقد حفظ عنه. وقال الدينوري في المجالسة [بسنده] قال عبد الله بن الزبير: هاجرت وأنا في بطن أمي. وأخرج الزبير من طريق مسلم بن عبد الله بن عروة بن الزبير عن أبيه أن النبي ﵌ كلم في غلمة من قريش ترعرعوا عبد الله ابن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمرو بن أبي سلمة فقيل لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر فأتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا (١) فاقتحم عبد الله بن الزبير أولهم فتبسم رسول الله ﵌ وقال: إنه ابن أبيه، ومن طريق عبد الله بن مصعب كان رسول الله ﵌ قد جمع أبناء المهاجرين والأنصار الذين ولدوا في الإسلام حتى ترعرعوا فوقفوا بين يديه فبايعهم وجلس لهم فجمع منهم ابن الزبير وأخرج البخاري في ترجمة عبد الله بن معاوية عن عاصم بن الزبير أنه روى عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير قال لابنه عبد الله: أنت أشبه الناس بأبي بكر وأخرج أبو يعلى والبيهقي في الدلائل من طريق هنيد بن القاسم سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أنه أتى النبي ﵌ وهو يحتجم فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يدرك أحد فلما برز عن رسول الله ﵌ عمد إلى الدم فشربه. فلما رجع قال: يا عبد الله ما صنعت بالدم؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس قال: لعلك شربته: قال: نعم قال: ولم شربت الدم؟ الويل للناس منك، وويل لك من الناس. قال أبو موسى قال أبو عاصم: فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم وله شاهد من طريق كيسان مولى ابن الزبير عن سلمان الفارسي رويناه في جزء الغطريف، وزاد في آخره لا تمسك النار إلا تحلة القسم. وأخرج عن أسماء بنت أبي بكر في معجم البغوي وفي البخاري عن ابن عباس أنه وصف ابن الزبير فقال: عفيف الإسلام قارئ القرآن أبوه حواري رسول الله ﵌ وأمة بنت الصديق وجدته\n_________\n(١) أي أحجموا وتأخروا.","vol":"4","page":1715},{"text":"صفية عمة رسول الله ﵌ وعمة أبيه خديجة بنت خويلد وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا الرنجي بن خالد عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مصليًا أحسن صلاة من ابن الزبير. وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عمود وقال ابن سعد حدثنا روح حدثنا حسين الشهيد عن ابن أبي مليكة كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ثم يصبح اليوم الثامن وهو أليثنا (١) وأخرج البغوي من طريق ميمون بن مهران رأيت ابن الزبير واصل من الجمعة إلى الجمعة وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق ليث عن مجاهد ما كان باب من العبادة إلا تكلف ابن الزبير، ولقد جاء سيل بالبيت فرأيت ابن الزبير يطوف سياحة وشهد ابن الزبير وشهد فتح إفريقية، وكان البشير بالفتح إلى عثمان، ذكره الزبير وابن عائذ واقتص الزبير قصة الفتح وأن الفتح كان على يده وشهد الدار، وكان يقاتل عن عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة، وكان على الرجالة. قال الزبير: حدثني يحيى بن معين عن هشام بن يوسف عن معمر أخبرني هشام بن عروة قال: أخذ عبد الله بن الزبير من وسط القتلى يوم الجمل وفيه بضع وأربعون جراحة فأعطيت عائشة البشير الذي بشرها بأنه لم يمت عشرة آلاف، ثم اعتزل ابن الزبير حروب علي ومعاوية ثم بايع لمعاوية فلما أراد أن يبايع ليزيد امتنع وتحول إلى مكة وعاذ بالحرم. فأرسل إليه يزيد سليمان أن يبايع له فأبى، ولقب نفسه عائذ الله، فلما كانت وقعة الحرة وفتك أهل الشام بأهل المدينة ثم تحولوا إلى مكة فقاتلوا ابن الزبير، واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا، ورجع أهل الشام وبايع الناس عبد الله بن الزبير بالخلافة وأرسل إلى أهل الأمصار يبايعهم إلا بعض أهل الشام فسار مروان فغلب على بقية الشام ثم علي مصر ثم مات، فقام عبد الملك بن مروان فغلب على العراق وقتل مصعب بن الزبير ثم جهز الحجاج إلى ابن الزبير فقاتله إلى أن قتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة وهذا هو المحفوظ وهو قول الجمهور. اهـ.\nولقد سرد الحاكم عددًا من الروايات تشرح دقائق في حياة ابن الزبير، وها نحن ننقل\n_________\n(١) أليثنا: أي شدنا وأجلدنا.","vol":"4","page":1716},{"text":"بعضها كتتمة لترجمة ابن حجر وكجزء من ترجمة أكثر منها روايات حديثية:\nروى الحاكم (١) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: محا ابن الزبير نفسه من الديوان حين قتل عثمان ﵄.\nبمعنى أنه لم يعد يأخذ شيئًا من بيت مال المسلمين لإيمانه أن أمر بيت المال قد انتقض فتورع عن أن يأخذ شيئًا.\nروى الحاكم (٢) عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة أخرى فكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته. وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا الرجل لم يرد الله طرفة عين وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت هذا الرجل لم يرد الدنيا طرفة عين.\nروى الحاكم (٣) عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام فيصبح يوم الثامن وهو أليثنا.\nأقول: صيام الوصال مكروه عند الفقهاء لغير رسول الله ﷺ، وتأولوا ما فعله عبد الله بن الزبير على أنه كان يفعله رياضة.\nروى الحاكم (٤) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما مات معاوية ﵁ تثاقل عبد الله بن الزبير عن طاعة يزيد بن معاوية وأظهر شتمه، فبلغ ذلك يزيد فأرسل أن يؤتى به، فقيل لابن الزبير: يصنع لك أغلالًا من ذهب فتسدل عليها الثوب وتبر قسمه والصلح أجمل فقال: لا أبر الله قسمه ثم قال:\nولا ألين لغير الحق أنملة حتى يلين لضرس الماضغ الحجر\nثم قال: والله لضربة بسيف في عز أحب إلى من ضربة بسوط في ذل. ثم دعا إلى\n_________\n(١) المستدرك (٣/ ٥٤٩).\n(٢) المستدرك (٣/ ٥٤٩).\n(٣) المستدرك (٣/ ٥٤٩).\n(٤) المستدرك (٣/ ٥٥٠).","vol":"4","page":1717},{"text":"نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية فوجه إليه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش أهل الشام وأمره بقتال أهل المدينة، فإذا فرغ من ذلك سار إلى مكة، وقال: فدخل مسلم بن عقبة المدينة وهرب منه يومئذ بقايا أصحاب رسول الله ﵌، وعبث فيها وأسرف في القتل، ثم خرج منها، فلما كان في بعض الطريق إلى مكة مات واستخلف حصين بن نمير الكندي وقال له: يا برذعة الحمار احذر خدائع قريش ولا تعاملهم إلا بالنفاق ثم القطاف، فمضى حصين حتى ورد مكة فقاتل بها ابن الزبير أيامًا.\nروى الحاكم (١) عن عروة بن الزبير قال: أرسل ابن الزبير إلى الحصين بن نمير يدعوه إلى البزار فقال الحصين: لا يمنعني من لقائك جبن، ولست أدري لمن يكون الظفر، فإن كان لك كنت قد ضيعت من وراءي، وإن كان لي كنت قد اخطأت التدبير وضرب ابن الزبير فسطاطًا في المسجد فكان فيه نساء يسقين الجرحى ويداوينهم ويطعمن الجائع فقال حصين: ما يزال يخرج علينا من ذلك الفسطاط أسد كأنما يخرج من عينه فمن يكفينيه؟ فقال رجل من أهل الشام: أنا، فلما جن عليه الليل وضع شمعة في طرف رمحه ثم ضرب فرسه ثم طعن الفسطاط فالتهب نارًا والكعبة يومئذ مؤزرة في الطنافس، فطارت الريح باللهب على الكعبة حتى احترقت واحترق فيها يومئذ قرنا الكبش الذي فدي به ..\nذكرت الرواية أن المفدي هنا إسحاق وهذا خلاف صحيح، ولذلك لم نثبت كلمة إسحاق حتى لا يتوهم متوهم أن لهذا الرواية قيمة في كتب أهل العلم.\nقال محمد بن عمر: ومات يزيد بن معاوية فهرب حصين بن نمير، فلما مات بن معاوية دعا مروان بن الحكم إلى نفسه فأجابه أهل حمص وأهل الأردن وفلسطين، فوجه إليه ابن الزبير الضحاك بن قيس الفهري في مائة ألف فالتقوا بمرج راهط ومروان يومئذ في خمسة آلاف من بني أمية ومواليهم وأتباعهم من أهل الشام فقال مروان لمولى له: احمل على أي الطرفين شئت. فقال: كيف نحمل على هؤلاء مع كثرتهم؟ فقال: هم بين مكره ومستأجر، احمل عليهم لا أم لك فيكفيك الطعان الناجع الجيد وهم يكفونك بأنفسهم، إنما هؤلاء عبيد الدينار والدرهم، فحمل عليهم فهزمهم وأقبل الضحاك بن قيس وانصدع الجيش.\n_________\n(١) المستدرك (٣/ ٥٥٠).","vol":"4","page":1718},{"text":"قال: ثم مات مروان فدعا عبد الملك إلى نفسه وقام فأجابه أهل الشام فخطب على المنبر وقال: من لابن الزبير؟ فقال الحجاج: أنا يا أمير المؤمنين فأسكته ثم عاد فأسكته ثم عاد فأسكته ثم عاد فقال: أنا له يا أمير المؤمنين فإني رأيت في النوم كأني انتزعت جنة فلبستها فعقد له ووجهه في الجيش إلى مكة حرسها الله تعالى حتى وردها على ابن الزبير، فقاتله بها فقال ابن الزبير لأهل مكة: احفظوا هذين الجبلين فإنكم لن تزالوا بخير أعزة ما لم يظهروا عليهما قال: فلم يلبثوا أن ظهر الحجاج ومن معه في المسجد، فلما كان الغداة التي قتل فيها ابن الزبير دخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر ﵂ وهي يومئذ بنت مائة سنة لم يسقط لها سن ولم يفسد لها بصر ولا سمع فقالت لابنها يا عبد الله ما فعلت في حربك؟ قال: بلغوا مكان كذا وكذا قال وضحك ابن الزبير قال: إن في الموت لراحة فقالت: يا بني لعلك تمنيته لي، ما أحب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك إما أن تظفر فتقر بذلك عيني وإمام أن تقتل فأحتسبك. قال: ثم ودعها فقالت له: يا بني إياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل؟ وخرج عنها فدخل المسجد وقد جعل مصراعين على الحجر الأسود يتقي أن يصاب بالمنجنيق وأتى ابن الزبير آت وهو جالس عند زمزم فقال له: ألا نفتح لك الكعبة فتصعد فيها، فنظر إليه عبد الله ثم قال له: من كل شيء تحفظ أخاك إلا من أجله وهل للكعبة حرمة ليست لهذا المكان؟ والله لو وجدوكم معلقين بأستار الكعبة لقتلوكم فقيل له: ألا تكلمهم في الصلح فقال: أوحين صلح هذا؟ والله لو وجدوكم في جوفها لذبحوكم جميعا ثم أنشأ يقول.\nولست بمتاع الحياة بسبة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما\nثم أقبل على آل الزبير يعظهم ليكن أحدكم سيفه كما يكن وجهه لا ينكس سيفه فيدفع عن نفسه بيده كأنه امرأة والله ما لقيت زحفا قط إلا في الرعيل الأول، ولا ألمت جرحًا قط إلا ألم الدواء قال: فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم ومعه سبعون فأول من لقيه الأسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله فقال له الأسود: آه يا ابن الزانية فقال له ابن الزبير: اخسأ يا ابن حام أسماء زانية؟ أي أم عبد الله بن الزبير وحاشاها ثم أخرجهم من المسجد، فانصرف فإذا بقوم قد دخلوا من باب بني سهم فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أهل الأردن","vol":"4","page":1719},{"text":"فحمل عليهم وهو يقول:\nلا عهد لي بغارة مثل السيل ... لا ينجلي غبارها حتى الليل\nقال: فأخرجهم من المسجد ثم رجع فإذا بقوم قد دخلوا من باب بني مخزوم فحمل عليهم وهو يقول:\nلو كان قرني واحدًا كفيته ... أوردته الموت وذكيته\nقال: وعلى ظهر المسجد من أعوانه من يرمي عدوه بالآجر وغيره فحمل عليهم فأصابته آجرة في مفرقه حتى حلقت رأسه فوقف قائمًا وهو يقول\nولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدا منا تقطر الدماء\nقال: ثم وقع فأكب عليه موليان له وهما يقولان: العبد يحمي ربه ويحتمي. قال: ثم سير إليه. فخر رأسه ﵁. اهـ روايات الحاكم.\n١٧٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت: فخرجت وأنا متم. فأتيت المدينة فنزلت بقباء، فولدته بقباء. ثم أتيت رسول الله ﷺ، فوضعه في حجره. ثم دعا بتمرة فمضغها. ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه: ريق رسول الله ﷺ، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له. وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام.\nزاد في رواية (١): ففرحوا به فرحًا شديدًا، لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم،\n_________\n١٧٣٣ - البخاري (٩/ ٥٨٧) ٧١ - كتاب العقيقة -١ - باب تسمية المولود غداة يولد لمن يعق عنه وتحنيكه.\nومسلم (٣/ ١٦٩١) ٣٨ - كتاب الآداب - ٥ - باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته ....\nمتم: امرأة: إذا كانت حاملًا، وقد دنا ولادها.\nبقباء: قباء - بالمد - موضع بالمدينة معروف، يصرف ولا يصرف.\nتفل: التف لان يبصق أقل شيء، وهو فوق النفث.\nحنكه: التحنيك: أن يدلك بالتمر حنك الصبي.\nوبرك عليه: التبريك على الولد: أن يدعو له بالبركة.\n(١) للبخاري في نفس الموضع السابق.","vol":"4","page":1720},{"text":"فلا يولد لكم.\n١٧٣٤ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ رأى في بيت الزبير مصباحًا، فقال: \"يا عائشة، ما أرى أسماء إلا قد نفست، فلا تسموه حتى أسميه\" فسماه عبد الله، وحنكه بتمرة.\n١٧٣٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: أول مولود في الإسلام: عبد الله بن الزبير، أتوا به النبي ﷺ، فأخذ النبي ﷺ تمرة فلاكها، ثم أدخلها في فيه، فأول ما دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ.\n١٧٣٦ - * روى مسلم عن عروة وفاطمة بنت المنذر قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، فقدمت قباء، فنفست بعبد الله بقباء، ثم خرجت حين نفست إلى رسول الله ﷺ ليحنكه، فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة. قال: قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسها -يعني تمرة- قبل أن نجدها، فمضغها ثم بصقها في فيه، فأول شيء دخل بطنه لريق رسول الله ﷺ ثم قالت أسماء: ثم مسحه، وصلى عليه، وسماه عبد الله، ثم جاء وهو ابن سبع -أو ثمان- ليبايع رسول الله ﷺ، وأمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلًا إلية ثم بايعه.\nوفي رواية (٢) قالت: جئنا بعبد الله بن الزبير إلى النبي ﷺ يحنكه، فطلبنا تمرة، فعز علينا طلبها.\n١٧٣٧ - * روى البخاري عن ابن أبي مليكة ﵀ قال: كان بين ابن عباس وابن\n_________\n١٧٣٤ - الترمذي (٥/ ٦٨٠) ٥٠ - كتاب المناقب - ٤٥ - باب مناقب عبد الله بن الزبير، وقال هذا حديث حسن غريب.\n١٧٣٥ - البخاري (٧/ ٢٤٨) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.\n١٧٣٦ - مسلم (٣/ ١٦٩٠) ٣٨ - كتاب الآداب - ٥ - باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته ...\nنفست المرأة: بضم النون وفتحها: إذا ولدت.\n(١) مسلم (٣/ ١٦٩٠) ٣٨ - كتاب الآداب - ٥ - باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته.\n١٧٣٧ - البخاري (٨/ ٣٢٦) ٦٥ - كتاب التفسير -٩ - باب ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.=","vol":"4","page":1721},{"text":"الزبير شيء، فغدوت على ابن عباس فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحل ما حرم الله؟ فقال: معاذ الله. إن الله كتب ابن الزبير وبني أمية محلين، وإني والله لا أحله أبدًا. قال: قال الناس: بايع لابن الزبير، فقلت: وأين بهذا الأمر عنه، أما أبوه فحواري النبي ﷺيريد الزبير- وأما جده فصاحب الغار -يريد أبا بكر- وأما أمه فذات النطاق -يريد أسماء- وأما خالته فأم المؤمنين -يريد عائشة- وأما عمته فزوج النبي ﷺيريد خديجة- وأما عمه النبي ﷺ فجدته -يريد صفية- ثم عفيف في الإسلام، قارئ للقرآن. والله إن وصلوني وصلوني من قريب، وإن ربوني ربوني أكفاء كرام. فآثر على التويتات والأسامات والحميدات يريد أبطنا من بني أسد: بني تويت وبني أسامة ومن أسد. إن ابن أبي العاص برز يمشي القدمية، يعني عبد المالك بن مروان. وإنه لوى ذنبه -يعني ابن الزبير-.\n(القدمية) الذي جاء في الحديث فيما رواه البخاري \"القدمية\" ومعناها: أنه يقدم في الشرف والفضل على أصحابه، وقد جاء في كتب غير الحديث \"مشي التقدمية واليقدمية\" بالتاء والياء، والقدمية، والكل بمعنى واحد، قال الميداني صاحب كتاب الأمثال: إن اليقدمية بالياء المعجمة من تحت وهو التقدم بهمته وأفعاله، يقال: مشى فلان التقدمية، واليقدمية: إذا تقدم في الشرف والفضل ولم يتأخر عن غيره في الإفضال عن الناس، وقال: قال أبو عمرو: معناه: التبختر، ولم يرد المشي بعينه.\nوفي رواية (١): أن ابن عباس قال حين وقع بينه وبين ابن الزبير: قلت: أبوه الزبير، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وجده أبو بكر، وجدته صفية.\nوفي أخرى (١) قال: دخلنا على ابن عباس، فقال: ألا تعجبون لابن الزبير، قام في أمره هذا؟ فقلت: لأحاسبن نفسى له ما حاسبتها لأبي بكر ولا لعمر، ولهما كانا أولى بكل خير منه، فقلت ابن عمة النبي ﷺ، وابن الزبير، وابن بنت أبي بكر، وابن أخي\n_________\n= ربوني: أي كانوا لي أربابًا، يعني رؤوسًا وأصحابًا مقدمين.\nأكفاء: الأكفاء النظراء والأمثال.\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق.","vol":"4","page":1722},{"text":"خديجة، وابن أخت عائشة، فإذا هو يتعلى عنى، ولا يريد ذلك، فقلت: ما كنت أظن أني أعرض هذا من نفسي فيدعه، وما أراه يريد خيرًا، وإن كان لابد أن يربني بنو عمي أحب إلي من أن يربني غيرهم.\n١٧٣٨ - * روى البخاري عن نافع -مولى ابن عمر﵀: أن ابن عمر ﵄ أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. فقالا. ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) (٢)؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.\n١٧٣٩ - * * روى البخاري عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشام، وثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب فجلسنا إليه، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال: يا أبا برزة، ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطًا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتي بلغ ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم. إن ذلك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على دنيا، إن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على دنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا.\nوزاد في راوية للبخاري (٤): أنه سمع أبا برزة قال: إن الله نعشكم بالإسلام وبمحمد ﷺ.\n_________\n١٧٣٨ - البخاري (٨/ ١٨٣) ٦٥ - كتاب التفسير - ٢٠ - باب ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\n(٢) البقرة: ١٩٣.\n١٧٣٩ - البخاري (١٣/ ٦٨) ٩٣ - كتاب الفتن- ٢١ - باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه.\nاستطعمته الحديث: إذا جاريته فيه وجذبته إليك ليحدثك.\n(٤) البخاري (١٣/ ٢٤٥) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، في الترجمة.","vol":"4","page":1723},{"text":"١٧٤٠ - * روى مسلم عن أبي نوفل قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه عبد الله، فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صوامًا، قوامًا وصولًا للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير، ثم نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجاب موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني، أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت، وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلى من يسحبني بقروني، قال: فقال: أروني سبني، فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف، حتى دخل عليها، قال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما: فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر: فنطاق المرأة الذي لا تستغني عنه، وأما إن رسول الله ﷺ حدثنا: أن في تثقيف كذابًا ومبيرًا، فأما الكذاب: فرأيناه، وأما المبير: فلا إخالك إلا إياه قال: فقام عنها ولم يراجعها.\n* * *\n_________\n١٧٤٠ - مسلم (٤/ ١٩٧١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥٨ - باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها.\nقرون: المرأة: ضفائرها، واحدها: قرن.\nسبتي: السبتيان: النعلان، وأصله من السبت، وهي جلود البقر المدبوغة بالقرظ تعمل منها النعال، كأنها نسبت غليها، وقيل: هو من السبت: خلق الشعر، لأن شعر الجلود يرمى عنها، ثم يعمل منها النعال.\nيتوذف: مشى يتوذف، أي: يتبختر، وقيل: يسرع وهو المقصود هنا.\nالمبير: المهلك الذي يسرف في إهلاك الناس.","vol":"4","page":1724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>تعليقات</span>\nكانت محاولة ابن الزبير أقوى محاولة لإعادة الخلافة الراشدة بعد الملك العضوض، ولقد كادت هذه المحاولة أن تنجح، بل كان ابن الزبير هو الخليفة الشرعي للمسلمين في المدة التي أخذ فيها البيعة لنفسه، وها أنت ترى أن الأكثرية المطلقة من المسلمين قد بايعته ثم قتل بعد ذلك، وعاد الأمر إلى بني أمية وإلى الشام، ولعل السر في ذلك يكمن في أن الشام وقتذاك هي ذات الجند الأقوى وهي الأكثر قدرة على الحركة فمن غلب عليها فقد غلب.\nكانت المناطق التي تصلح أن تكون قواعد للحكم ثلاثة: العراق والشام والحجاز فهذه من الإمة الإسلامية في القلب، ولقد دخلت العراق أكثر من حرب خاسرة مع بني أمية فلم تربح الجولة لا مع علي ﵁ ولا مع الحسن ﵁، وقد خذلت الحسين ﵁ وكانت الشام لبن أمية خالصة فلم يبق إلا الحجاز، وقد ثارت الحجاز ثورتين: ثورة في المدينة، وانتهت نهاية مأساوية، والثورة الثانية في مكة وكان على رأسها ابن الزبير ﵁ وانتهت نهاية مأساوية. ولقد ثارت العراق مرة أخرى بزعامة عبد الرحمن بن الأشعث فلم تفلح.\nكان انتزاع السلطة من بني أمية يحتاج إلى قوة أخرى، ولقد استطاع العباسيون أن يدخلوا هذه القوة في الميدان فأزالوا سلطان بني أمية.\nمن بعض الروايات التي مرت معنا ندرك سببًا من أسباب تغلب بني أمية وهو أن رؤوس المسلمين لم يكونوا متحمسين لاستخلاص الحكم من بني أمية لأنهم كانوا يرون أن الصراع ضدهم صراع دنيوي، فلم يكن أهل الآخرة متحمسين، وكان أهل الشام يصارعون بعقلية الجندي.\n* * *","vol":"4","page":1725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>الوصل الثالث\nفي\nنماذج من أصحابه</span>","vol":"4","page":1727},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>تمهيد</span>\nذكرنا من قبل عددا من أصحاب النبي ﷺ رضوان الله عنهم، فذكرنا أزواجه وهن من أصحابه، وذكرنا عددا من اهل بيته الذين يعتبرون من أصحابه، وذكرنا الخلفاء الراشدين وهم من أصحابه، ونحن في هذا الوصل سنخص بالذكر عددًا من أصحابه ما بين رجل وامرأة بأكثر ما يكون الاختصار، وقد نكتفي عند ذكر بعضهم ببعض وما ورد فيهم ليأخذ القارئ صورة عن هذه النماذج الرفيعة وإلا فالأمر أوسع من أن يسعه هذا الكتاب، فقد ترجم ابن حجر العسقلاني في الإصابة الحوالي (١٢٢٧٩) من الصحابة، وهؤلاء إنما دخلوا في دائرة الترجمة عند المحدثين لأن لهم رواية عن رسول الله ﷺ، وإلا فعدد الصحابة أكثر بكثير، فقد ذكر كتاب السير أن الذين حجوا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع بلغوا تسعين ألفًا ويعتبرون هؤلاء جميعًا من أصحابه ولم يحج كل المسلمين، فعدد الصحابة أكبر من ذلك.\n﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ ..﴾ (١).\nولنبدأ ذكر الصحابة مبتدئين بذكر ما سوى الخلفاء الراشدين من العسرة المبشرين بالجنة، مبتدئين بأبي عبيدة بن الجراح ﵁ مقلدين في ذلك الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء، وقد تخيرنا ثلاثة كتب ننقل عنها شذرات لبعض التراجم هي: البداية والنهاية، والإصابة، وسير أعلام النبلاء، وذلك لأن أصحاب هذه الكتب ممن استقر في ضمير هذه الأمة حبهم والثقة بهم، ثم هم من المتأخرين الذين استوعبوا ما كتب قبلهم، وكانوا من المحققين الذين محصوا الروايات والمرويات فكانوا أئمة في هذا الشأن، وقد استفدنا في هذا المقام وغيره من تحقيقات الشيخ شعيب الأرناؤوط حفظه الله على كتاب الذهبي\n* * *\n_________\n(١) الفتح: ٢٩.","vol":"4","page":1729},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>١ - أبو عبيدة بن الجراح ﵁</span>\nقال ابن كثير في البداية والنهاية:\nعامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي أبو عبيدة بن الجراح الفهري، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخمسة الذين أسلموا في يوم واحد، وهم عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح أسلموا على يدي الصديق. ولما هاجروا آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ وقيل بين محمد بن مسلمة. وقد شهد بدرًا وما بعدها، وقال رسول الله ﷺ \"إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح\" ثبت ذلك في الصحيحين. وثبت في الصحيحين أيضًا أن الصديق قال يوم السقيفة: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوه -يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة- وبعثه الصديق أميرًا على ربع الجيش إلى الشام، ثم لما انتدب خالدًا من العراق كان أميرًا على أبي عبيدة وغيره لعلمه بالحروب. فلما انتهت الخلافة إلى عمر عزل خالدًا وولى أبا عبيدة ابن الجراح، وأمره أن يستشير خالدا، فجمع للأمة بين أمانة أبي عبيدة وشجاعة خالد. قال ابن عساكر: هو أول من سمي أمير الأمراء بالشام ....\nتوفي بالطاعون عام عمواس والصحيح أن عمواس كانت في سنة ثماني عشرة- بقرية فحل، وقيل بالجابية. وقد اشتهر في هذه الإعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب إليه والله أعلم. وعمره يوم مات ثمان وخمسون سنة. اهـ\nوقال ابن حجر العسقلاني: كان فتح أكثر الشام على يده.\nوقال الذهبي: \"يجتمع هو والنبي ﷺ في فهر، شهد له النبي ﷺ بالجنة وسماه أمين الأمة، ومناقبه شهيرة جمة، روى أحاديث معدودة وغزا غزوات مشهودة.\nهاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وهو صاحب غزوة سيف البحر المشهورة بقصة حوت العنبر، وقد أمد به رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، وهو ممن جمع القرآن، واجتمع له حسن الخلق والحلم الزائد والتواضع، وقد ولي","vol":"4","page":1730},{"text":"لأبي بكر بيت المال ثم وجهه إلى الشام وولاه ربعا من الأرباع، ثم جعله عمر أمير الأمراء في الشام وكان هو الأمير يوم فتح دمشق.\nكان رجلًا نحيفا معروق الوجه (قليل اللحم) خفيف اللحية طوالًا أجنى (ينعطف كاهله نحو صدره) أهتم (منزوع الثنتين بسبب نزعه حلقتي المغفر من وجنتي رسول الله ﷺ يوم أحد) وكان من أجمل الناس صورة.\nقال الذهبي في ترجمته:\nولما تفرع الصديق من حرب أهل الردة، وحرب مسيلمة الكذاب، جهز أمراء الأجناد لفتح الشام. فبعث أبا عبيدة، وزيد ابن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنه، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين، فجاءت البشرى، والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فحل ووقعة مرج الصفر، وكان قد سير أبوبكر خالدًا لغزو العراق، ثم بعث إليه لينجد من بالشام، فقطع المفاوز على برية السماوة، فأمره الصديق على الأمراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبوبكر. فبادر عمر بعزل خالد، واستعمل على الكل أبا عبيدة، فجاءة التقليد، فكتمه مدة، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق على يده، فعند ذلك أظهر التقليد، ليعقد الصالح للروم، ففتحوا له باب الجابية صلحًا، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح.\nفمن المغيرة: أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقتل منهم خلق عظيم. اهـ.\nقال الزبير بن بكار: قد انقرض نسل أبي عبيدة وولد إخوته جميعًا.\nوفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...﴾ (١) فقد أخرج الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب قال: جعل\n_________\n(١) المجادلة: ٢٣.","vol":"4","page":1731},{"text":"والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر فيحيد عنه فلما أكثر قصده فقتله فنزلت.\nوقد مر معنا اسمه في أكثر من مكان من قبل في غزوة ذات السلاسل وفي الأحاديث الواردة في فضل الصحابة.\nولأهمية ما حدث في غزوة ذات السلاسل في باب القدوة فإننا ننقل ما ذكره ابن الحجر:\nقال موسى بن عقبة في المغازي أمر النبي ﵌ عمرو بن العاص في غزوة ذلت السلاسل وهي من مشارف الشام في بلي ونحوهم من قضاعة، فخشي عمر فبعث يستمد فندب النبي ﵌ الناس من المهاجرين الأولين فانتدب أبو بكر وعمر في آخرين فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح مددًا لعمر بن العاص فلما قدموا عليه قال أنا أميركم فقال المهاجرين بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين فقال إنما أنتم مددي فلما رأى ذلك أبو عبيدة وكان حسن الخلق متبعا لأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعهده فقال تعلم يا عمرو أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لي: \"إن قدمت على صاحبك فتطاوعا\"، وإنك إن عصيتني أطعتك. وفي فؤاد ابن أخي سمى بسند صحيح إلى الشعبي قال: قال المغير بن شعبة لأبي عبيدة: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمرك علينا وإن ابن النابغة ليس لك معه أمر يعني عمرو بن العاص فقال أبو عبيدة: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمرنا أن نتطاوع فأنا اطيعه لقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. اهـ\nومما ورد فيه:\n١٧٤١ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة: جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى النبي ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، والله إن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح أبدا نحن ولا عقبنا بعدنا، قال: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا\n_________\n١٧٤١ - البخاري (٧/ ٩٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٢١ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁.\nومسلم (٤/ ١٨٨٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٧ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁.\nالعاقب: الذي يلي السيد. يلاعناه: يباهلاه من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.","vol":"4","page":1732},{"text":"أمينًا، فقال: \"لأبعثن معكما رجلًا أمينًا حق أمين حق أمين\" فاستشرف لها أصحاب النبي ﷺ، فقال: \"قم يا أبا عبيدة\" فلما قام قال ﷺ: \"هذا أمين هذه الأمة\".\n١٧٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس رفعه: \"إن لكل أمة أمينا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح\".\nوفي رواية (٢): إن أهل اليمن قدموا على النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: \"هذا أمين هذه الأمة\".\n١٧٤٣ - * روى أبو نعيم والحاكم عن عمر بن الخطاب، قال لأصحابه: تمنوا فقال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم فأنفقها في سبيل الله فقال: تمنوا، فقال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهبا فأنفقه في سبيل الله. قال: تمنوا قال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت جواهرًا أو نحوه، فأنفقه في سبيل الله. فقال عمر. تمنوا فقالوا: ما تمنينا بعد هذا. قال عمر: لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجلًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله قال: ثم بعث بمال إلى حذيفة قال: انظر ما يصنع، قال: فلما أتاه قسمه، ثم بعث بمال إلى معاذ بن جبل فقسمه، ثم بعث بمال -يعني إلى أبي عبيدة- قال: انظر ما يصنع. فقال عمر: قد قلت لكم. أو كما قال ..\nأقول: المراد أن أبا عبيدة قسمه ووزعه وأنه بذلك تحققت فراسة عمر ﵁ فيما سيصنع هؤلاء جميعًا.\n١٧٤٤ - * روى أحمد عن عمر قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته، فإن\n_________\n١٧٤٢ - البخاري (٨/ ٩٣) ٦٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٧٢ - باب قصة أهل نجران.\nومسلم (٤/ ١٨٨١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٧ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁.\n(٢) مسلم: الموضع السابق.\n١٧٤٣ - الحلية (١/ ١٠٢)، والمستدرك (٣/ ٢٦٢)، مختصرًا وسكت عنه الحاكم وكذلك الذهبي. وأورده البخاري في تاريخه الصغير.\n١٧٤٤ - أحمد في مسنده (١/ ١٨) مطولًا. وهو مرسل ورجاله ثقات.","vol":"4","page":1733},{"text":"قال الله لم استخلفته على أمة محمد ﷺ؟ قلت إني سمعته ﷺ يقول: \"لكل نبي أمين، وأميني أبو عبيدة\".\n١٧٤٥ - * روى الحاكم عن ثابت بن حجاج قال: قال عمر بن الخطاب: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفته وما شاورت. فإن سئلت عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله ﷺ.\nعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حصر الشام، ونال منه العدو، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة، إلا جعل الله بعدها فرجا، وإنه لا يغلب عسر يسرين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، الآية (٢) قال فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، إلى قوله: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣) قال: فخرج عمر بكتابه، فقرأه على المنبر فقال: يا أهل المدينة: إنما يعرض بكم أبو عبيدة أو بي ارغبوا في الجهاد.\n١٧٤٦ - * روى الحاكم عن طارق بن شهاب قال أتانا كتاب عمر لما وقع الوباء بالشام، فكتب عمر إلى أبي عبيدة إنه قد عرضت لي إليك حاجة لا غنى لي بك عنها، فقال أبو عبيدة يرحم الله أمير المؤمنين يريد بقاء قوم ليسوا بباقين قال: ثم كتب إليه أبو عبيدة إني في جيش من جيوش المسلمين لست أرغب بنفسي عن الذي أصابهم فلما قرأ الكتاب استرجع فقال الناس مات أبو عبيدة؟ قال: لا وكان كتب إليه بالعزيمة فاظهر من أرض الأردن فإنها عميقة وبية إلى أرض الجابية فإنها نزهة ندية فلما أتاه الكتاب بالعزيمة أمر مناديه أذن في الناس بالرحيل. فلما قدم إلية بعيره ليركبه وضع رجله في الغرز ثني رجله فقال ما أرى داءكم إلا قد أصابني قال ومات أبو عبيدة، ورجع الوباء عن الناس.\n_________\n١٧٤٥ - المستدرك (٣/ ٢٦٨)، وسكت عنه الحاكم والذهبي.\n(٢) آل عمران: ٢٠٠.\n(٣) الحديد: ٢٠.\n(٤) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، وعزاه لابن المبارك في \"الجهاد\". وقال محقق السير: إسناده قوي ورجاله ثقات.\n١٧٤٦ - المستدرك (٣/ ٢٦٣). وقال: رواه هذا الحديث كلهم ثقات وقال الذهبي: وهو على شرط البخاري ومسلم.","vol":"4","page":1734},{"text":"١٧٤٧ - * روى الحاكم والطبراني عن الحارث بن عميرة الحارثي قال: أخذ معاذ بن جبل يرسل الحارث بن عميرة إلى أبي عبيدة بن الجراح يسأله كيف هو؟ وقد طعن فأراه أبو عبيدة طعنة خرجت من كفه فكأنه شانها وفرق منها حين رآها فأقسم أبو عبيدة له بالله ما يحب أن له مكانها حمر النعم.\n_________\n١٧٤٧ - المستدرك (٣/ ٢٦٣). وسكت عنه الحاكم والذهبي. والمعجم الكبير (١/ ١٥٥).","vol":"4","page":1735},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>٢ - طلحة بن عبيد الله ﵁</span>\nقال ابن كثير في البداية والنهاية:\nطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة أبو محمد القرشي التيمي، ويعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض لكرمه ولكثرة جوده. أسلم قديما على يدي أبي بكر الصديق، فكان نوفل بن خويلد بن العدوية يشدهما في حبل واحد، ولا تستطيع بنو تيم أن تمنعهما منه، فلذلك كان يقال لطلحة وأبي بكر القرينان، وقد هاجر وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي أيوب الأنصاري، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ إلا بدرًا -فإنه كان بالشام لتجارة- وقيل في رسالة، ولهذا ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره من بدر، وكانت له يوم أحد اليد البيضاء وشلت يده يوم أحد، وقى بها رسول الله ﷺ واستمرت كذلك إلى أن مات، وكان الصديق إذا حدث عن يوم أحد يقول: ذاك يوم كان كله لطلحه.\nوهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وقد صحب رسول الله ﷺ، فأحسن صحبته حتى توفي وهو عنه راض، وكذلك أبو بكر وعمر، فلما كان قضية عثمان اعتزل عنه فنسبه بعض الناس إلى تحامل فيه، فلهذا لما حضر يوم الجمل واجتمع به على فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف. ا. هـ.\nوكان قد بايع عليًا من قبل، وقد قتله مروان بن الحكم كما سنرى. قال الذهبي: \"قاتل طلحة في الوزر كقاتل علي\" ولنعد إلى ابن كثير:\nوكان (قتله) يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ودفن طلحة إلى جانب الكلأ وكان عمره ستين سنة، وقيل بضعًا وستين سنة، وكان آدم، وقيل أبيض، حسن الوجه كثير الشعر إلى القصر أقرب وكانت غلته في كل يوم ألف درهم.\nوقال ابن حجر في ترجمته: أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشوري.","vol":"4","page":1736},{"text":"ومما ورد فيه:\n١٧٤٨ - * روى أحمد والترمذي عن الزبير كان على النبي ﷺ درعان يوم أحد، فنهض إلى صخرة فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته وصعد حتى استوى على الصخرة فسمعته يقول: \"أوجب طلحة\".\n١٧٤٩ - * روى الترمذي وابن ماجه عن موسى بن طلحة، وأخيه عيسى عن أبيهما: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سل رسول الله ﷺ عمن ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ (٣) من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته، وكانوا يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي، فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، قال طلحة: ثم طلعت من باب المسجد وعلى ثياب خضر، فلما رآني رسول الله ﷺ قال: \"أين السائل عمن قضى نحبه؟ \" قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، فقال: \"هذا ممن قضى نحبه\"\n١٧٥٠ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ قد شلت.\n١٧٥١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي ﷺ في\n_________\n١٧٤٨ - أحمد في مسنده (١/ ١٦٥).\nوالترمذي (٥/ ٦٤٣، ٦٤٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٢ - باب مناقب طلحة بن عبيد الله ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n١٧٤٩ - الترمذي ٠٥/ ٦٤٥) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٢ - باب مناقب طلحة بن عبيد الله ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوابن ماجة (١/ ٤٦) مختصرًا في المقدمة -١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ (فضل طلحة بن عبيد الله ﵁).\nالنحب: النذر، وقيل: الموت، وذلك أن طلحة بن عبيد الله ألزم نفسه إذا لقي العدو، أن يصدقه القتال ففعل. الاجتراء: الإقدام على الأمر، والخسارة عليه.\n(٣) الأحزاب: ٢٣.\n١٧٥٠ - البخاري (٧/ ٣٥٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٧ - باب غزوة أحد.\n١٧٥١ - البخاري (٧/ ٨٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ١٤ - باب ذكر طلحة بن عبيد الله.\nومسلم (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب فضائل طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما.\nعن حديثهما: أي هما حدثاني بذلك.","vol":"4","page":1737},{"text":"تلك الأيام التي قاتل فيهن غير طلحة وسعد عن حديثهما.\n١٧٥٢ - * روى الطبراني عن قبيصة: ما رأيت رجلا قط أعطى الجزيل من المال غير مسألة من طلحة بن عبيد الله، وكان أهله يقولون أن النبي ﷺ سماه الفياض.\n١٧٥٣ - * روى الطبراني عن طلحة بن يحي عن جدته سعدي قالت: دخل علي يومًا طلحة فرأيت منه فعلا فقلت له مالك؟ لعله رابك مناشئ فيعمك قال: لا، ولنعم حليلة المرء المسلم أنت ولا كبر، ولكن اجتمع عندي مال ولا أدري كيف أصنع به؟ قالت: وما يغمك منه! ادع قومك فاقسمه بينهم فقال: يا غلام علي قومي. فسألت الخازن كم قسم؟ قال أربعمائة ألف.\n١٧٥٤ - * روى النسائي عن جابر قال: لما كان يوم أحد، وولى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية في اثني عشر رجلًا، منهم طلحة، فأدركهم المشركون، فقال النبي ﷺ: \"من للقوم؟ \" قال طلحة: أنا، قال: \"كما أنت\" فقال رجل: أنا، قال: \"أنت\" فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: \"من لهم؟ \" قال طلحة: أنا. قال: \"كما أنت\" فقال رجل من الأنصار: أنا، قال: \"أنت\" فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، فقال: \"من للقوم؟ \" قال طلحة: أنا، فقاتل طلحة، قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه، فقال: حس، فقال رسول الله ﷺ: \"لوقلت: باسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون\" ثم رد الله المشركين.\n١٧٥٥ - * روى الحاكم عن علقمة بن وقاص قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة\n_________\n١٧٥٢ - المعجم الكبير (١/ ١١١، ١١٢).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٧). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٧٥٣ - المعجم الكبير (١/ ١١٢).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٨). وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\nرأيت منه فعلًا: أي رأت منه فعلًا يدل على انزعاج.\n١٧٥٤ - النسائي (٦/ ٢٩، ٣٠) كتاب الجهاد، باب ما يقول من يطعن العدو. ورواته ثقات.\n١٧٥٥ - المستدرك (٣/ ١١٨) وقال: الذهبي: إسناده جيد.","vol":"4","page":1738},{"text":"لطلب دم عثمان ﵃ عرضوا من معهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فردوهما قال: ورأيته وأحب المجالس إليه أخلاها أو هو ضارب بلحيته على زوره. فقلت له. يا أبا محمد إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زورك. إن تكره هذا اليوم فدعه، فليس يكرهك عليه أحد قال: يا علقيه بن وقاص لا تلمني، كنا يدا واحدة على من سوانا فأصبحوا اليوم جبلين يزحف أحدنا إلى صاحبه ولكنه كان مني في أمر عثمان ﵁ ما لا أرى كفارته إلا أن يسفك دمي في طلب دمه. قلت: فمحمد بن طلحة لم تخرجه ولك ولد صغار دعه فإن كان أمرا خلفك في تركتك قال هو أعلم أكره أن أرى أحدا له في هذا الأمر نية فأراده فكلمت محمد بن طلحة في التخلف فقال: أكره أن أسأل الرجال عن أبي.\n١٧٥٦ - * روى الترمذي عن مالك بن أبي عامر، قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني هو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم -يعني أبا هريرة- نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، قال: أما إن قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، فلا أشك، وسأخبرك: إنا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله ﷺ غدوة وعشية، وكان مسكينا لا مال له، إنما هو على باب رسول الله ﷺ، فلا أشك إنه قد سمع ما لم نسمع، وهل تجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل؟\n١٧٥٧ - * روى الطبراني عن يحي بن بكير قتل طلحة يوم الجمل في جمادى سنة ست وثلاثين، وسنة ثنتان وخمسون أو أربع وخمسون سنة.\n١٧٥٨ - * روى الطبراني عن قيس بن حازم قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى\n_________\n= ضارب بلحيته على زوره: أي مطرق، والزور: الصدر.\n١٧٥٦ - الترمذي (٥/ ٦٨٣، ٦٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٧٥٧ - المعجم الكبير (١/ ١١٣).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني عن يحيى هكذا ورجاله رجال الصحيح.\n١٧٥٨ - المعجم الكبير (١/ ١١٣).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":1739},{"text":"طلحة بسهم فوقع في عين ركبته، فمازال يسيح إلى أن مات.\n١٧٥٩ - * روى الطبراني عن طلحة بن مصرف: أن عليا انتهى إلى طلحة بن عبيد الله وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه ويبكي ويقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.\n* * *\n_________\n١٧٥٩ - المعجم الكبير (١/ ١١٣، ١١٤).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"4","page":1740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>٣ - الزبير بن العوام ﵁</span>\nقال ابن كثير في ترجمته:\nالزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة أبو عبد الله القرشي الأسدي، وامه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ أسلم قديما وعمره خمس عشرة سنة وقيل أقل وقيل أكثر هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمة بن سلامة ابن وقش، وقد شهد المشاهد كلها.\nوهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وصحب الصديق فأحسن صحبته، وكان ختنه على ابنته أسماء بنت الصديق، وابنه عبد الله منها أول مولود ولد للمسلمين بعد الهجرة، وخرج مع الناس إلى الشام مجاهدا فشهد اليرموك فتشرفوا بحضوره، وكانت له بها اليد البيضاء والهمه العلياء، اخترق جيوش الروم وصفوفهم مرتين من أولهم إلى أخرهم، وكان من جمله من دافع عن عثمان وحاجف عنه، فلما كان يوم الجمل ذكره علي بما ذكره به فرجع عن القتال وكر راجعا إلى المدينة، فمر بقوم الأحنف بن قيس -وكانوا قد انعزلوا عن الفريقين- فقال قائل له الأحنف: ما بال هذا جمع بين الناس حتى إذا التقوا كر راجعا إلى بيته؟ من رجل يكشف لنا خبره؟ فاتبعه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع في طائفة من غواة بني تميم، فيقال إنهم لما أدركوه تعاونوا عليه حتى قتلوه، ويقال: بل أدركه عمرو بن جرموز فقال له عمرو: أن لى إليك حاجة فقال: ادن! فقال مولى الزبير، واسمه عطية، إن معه سلاحا فقال: وإن، فتقدم إليه فجعل يحدثه وكان وقت الصلاة فقال له الزبير: الصلاة فقال: الصلاة فتقدم الزبير ليصلى بهما فطعنه عمرو بن جرموز فقتله، ويقال بل أدركه عمرو بواد يقال له وادي السباع وهو نائم في القائلة فهجم عليه فقتله، وهذا القول هو الأشهر.\nوقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جدا، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله فلما قتل وجدوا عليه من الدين ألفي ألف ومائتي ألف فوفوها عنه، وأخرجوا بعد","vol":"4","page":1741},{"text":"ذلك ثلث ماله الذي أوصى به ثم قسمت التركة بعد ذلك فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتا ألف درهم، فعلى هذا يكون مجموع ما قسم بين الورثة ثمانية وثلاثين ألف ألف وأربعمائة ألف والثلث الموصي به تسعة عشر ألف ألف ومائتا ألف فتلك الجملة سبعة وخمسون ألف ألف وستمائة ألف والدين المخرج فبل ذلك ألفا الف ومائتا ألف.\nوقد جمع ماله هذا بعد الصدقات الكثيرة والمآثر الغزيرة مما أفاء الله عليه من الجهاد من خمس الخمس ما يخص أمه منه، ومن التجارة المبرورة من الخلال المشكورة، وقد قيل أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فربما تصدق في بعض الأيام بخرجهم كلهم ﵁ وارضاه، وكان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخر سنة ست وثلاثين وقد نيف على الستين بست أو سبع. ا. هـ.\n١٧٦٠ - * روى الطبراني عن أبي الأسود: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين، وهاجر وهو ابن ثمان عشر، وكان عمه يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر، فيقول لا أكفر أبدا.\nوكانت أمه صفية عمة رسول الله ﷺ حازمة في تأديبه صغيرا فنشأ غلى الفتوة والقوة والصبر والجلد، وهو من جملة من أسلم على يد أبي بكر وكان هو وطلحة وعلى أترابا (في سن واحد)، وكان أسمر طويلا إذا ركب خطب رجلاه الأرض، خفيف اللحية والعارضين.\nقال الذهبي: وعن الثوري قال: هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة حمزة وعلي والزبير، وكان إذ جعله بعض الصحابة وصيا على ذرية أنفق عليهم من ماله وحفظ أموالهم.\nوقال الذهبي في عثمان وعلي وطلحة والزبير: من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن السابقين الأولين الذين أخبر الله تعالى أنه رضي\n_________\n١٧٦٠ - المعجم الكبير (١/ ١٢٢).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥١). وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.","vol":"4","page":1742},{"text":"عنهم ورضوا عنه، ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم مبغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة.\nوهذه بعض روايات في مناقبة وقد مرت روايات من قبل تشمله:\n١٧٦١ - * روى البخاري ومسلم عن جابر: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: \"من يأتينا بخير القوم؟ \" فقال الزبير أنا، ثم قال: \"من يأتين بخير القوم؟ \" فقال الزبير أنا، ثم قال في الثلاثة: \"إن لكل نبي حواريا وأن حواري الزبير\".\n١٧٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن ابن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمرو بن أبي سلمة مع النساء يعني نسوة النبي ﷺ في أطم حسان بن ثابت، فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة، فلما رجع قلت: يا أبت رأيتك تختلف، قال وهل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم؟ قال: كان النبي ﷺ قال: \"من يأتي بني قريظة فيأتني بخبرهم؟ \" فانطلقت فلما رجعت جمع لي ﷺ أبويه قال: \"فداك أبي وأمي\".\n١٧٦٣ - * روى الترمذي عن عروة أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحه يوم الجمل فقال: ما مني عضو إلا وقد خرج مع النبي ﷺ حتى انتهى ذلك مني إلى الفرج.\n١٧٦٤ - * روى البخاري عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان رعاف شديد سنة الرغاف حتى حبسه عن الحج، وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش فقال: استخلف، فقال عثمان: أو قالوه؟ قال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكب، قال فلعلهم قالوا الزبير؟\n_________\n١٧٦١ - البخاري (٦/ ٥٢) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٤٠ - باب فضل الطليعة.\nومسلم (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب من فضائل طلحة والزبير ﵄.\n١٧٦٢ - البخاري (٧/ ٨٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -١٣ - باب مناقب الزبير بن العوام.\nومسلم (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب من فضائل طلحة والزبير ﵄\n١٧٦٣ - الترمذي (٥/ ٦٤٧) ٥٠ - كتاب المناقب -٢٥ - باب مناقب الزبير بن العوام ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٧٦٤ - البخاري (٧/ ٧٩) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -١٣ - باب مناقب الزبير بن العوام.","vol":"4","page":1743},{"text":"قال: نعم، قال أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله ﷺ.\n١٧٦٥ - * روى البخاري عن عروة: كان في الزبير ثلاث ضربات: إحداهن في عاتقه إن كنت لأدخل أصابعي فيها ألعب بها وأنا صغير، قال له أصحاب النبي ﷺ يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فقل: إن شددت كذبتم، قالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلا فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين بينهما ضربه ضربها يوم بدر. وكان معه عبد الله يومئذ (أي يوم يرموك) وهو ابن عشر سنين [وقيل اثني أو ثلاث عشر، عاما] فحمله على فرسه فوكل به رجلا.\n١٧٦٦ - * روى البخاري عن عروة، قال لي عبد الملك بن مروان حين قتل عبد الله: يا عروة هل تعرف سيف الزبير؟ قلت: نعم، قال: فما فيه؟ قلت فيه فلة فلها يوم بدر، وقال صدقت بهن فلول من قراع الكتائب، ثم رده على عروة، قال هشام: فأقمناه بثلاثة آلاف فأخذه بعضنا، ووددت أني كنت أخذته وكان على بعضه.\n١٧٦٧ - * روى البخاري عن الزبير بن العوام القرشي ﵁ قال: لقيت يوم بدر عبيدة- ويقال: عبيدة- بن سعيد بن العاص، وهو مدجح، لا يرى منه ألا عيناه، وكان يكنى أبا ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة، فطعنته في عينه، فمات، قال هشام بن عروة: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطيت فكان الجهد: أن نزعتها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ، فأعطاه إياها، فلما قبض أخذها، ثم طلبها ابو بكر، فأعطها إياها، فلما قبض أبو بكر أخذها، ثم سألها عمر، فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان\n_________\n١٧٦٥ - البخاري (٧/ ٢٩٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨ - باب قتل أبي جهل.\n١٧٦٦ - البخاري (٧/ ٢٩٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨ - باب قتل أبي جهل.\n١٧٦٧ - البخاري (٧/ ٣١٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٢ - باب حدثني خليفة.\nمدجج: غائص في سلاحه.\nالجهد: بضم الجيم: الوسع والطاقة، وبفتحها: المشقة، وقيل: هما لغتان في المشقة.\nالعنزة: شبه العكازة، في رأسها سنان كسنان الرمح.","vol":"4","page":1744},{"text":"منه، فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت إلى آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل.\n١٧٦٨ - * روى البزار عن ابن عمر أن الزبير استأذن عمر في الجهاد فقال: اجلس فقد جاهدت مع رسول الله ﷺ.\n١٧٦٩ - * روى البزار عن نافع قال: سمع ابن عمر رجلا يقول: يا ابن حواري رسول الله ﷺ قال: إن كنت من أهل الزبير وإلا فلا.\n١٧٧٠ - * روى الحاكم عن زر بن حبيش قال: كنت جالسا عند علي فأتى برأس الزبير ومعه قاتله، فقال علي للآذن بشر قاتل ابن صفية بالنار، سمعت رسول الله ﷺ وآله يقول: \"لكل نبي حواري وأن حواري الزبير\".\n١٧٧١ - * روى البخاري ومسلم عن جابر، قال رسول الله ﷺ يوم الخندق: \"من يأتينا بخبر بني قريظة؟ \" فقال لزبير: أنا، فذهب على فرس، فجاء بخبرهم. ثم قال الثانية، فقال الزبير: أنا، فذهب، ثم الثالثة، فقال النبي ﷺ \"لكل بني حوراي، وحواري الزبير\".\n١٧٧٢ - * روى أحمد عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: \"الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي\".\n١٧٧٣ - * روى الحاكم عن الزبير قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: \"لكل بني\n_________\n١٧٦٨ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢١٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٢): رواه البزار وإسناده حسن.\n١٧٦٩ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢١١، ٢١٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥١): رواه البزار ورجاله ثقات.\nقال: إن كنت: أي قال ابن عمر للمخاطب.\n١٧٧٠ - المستدرك (٦/ ٣٦٧). وصححه ووافقه الذهبي، وإسناده حسن.\n١٧٧١ - البخاري (٦/ ٥٢) ٥٦ - كتاب الجهاد -٤ - باب فضل الطليعة.\nومسلم (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب من فضائل طلحة والزبير ﵄.\n١٧٧٢ - أحمد في مسنده (٣/ ٣١٤) وإسناده صحيح.\n١٧٧٤ - المستدرك (٣/ ٣٦٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة. ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1745},{"text":"حواري وحواري الزبير وابن عمتي\".\n١٧٧٤ - * روى الحاكم عن عروة قال: لما كان يوم الجمل دعا الزبير ابنه عبد الله فأوصى إليه فقال: يا بني إن هذا يوم ليقتلن فيه ظالم أو مظلوم والله لئن قتلت لأقتلن مظلومًا، والله ما فعلت ولا فعلت انظر يا بني ديني فأني لا أدع شيئًا أهم إلي منه، وهو ألف ألف ومائتا ألف.\nوقصة وصاته لابنة عبد الله في دينه وتركته مذكورة في البخاري تفصيلًا.\n١٧٧٥ - * روى الحاكم عن عروة قال قال عبد الله بن الزبير لأبيه يا أت حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم حتى أحدث عنك، فإن كل أبناء الصحابة يحدث عن أبيه. فقال: يا بني ما من أحد صحب رسول الله ﵌ بصحبة إلا وقد صحبته بمثلها أو أفضل منها ولقد علمت بأن أمك أسماء ابنة أبي بكر كانت تحتي وأن خالتك عائشة بنت أبي بكر ولقد علمت أن أمي صفية بنت عبد المطلب وأن أخوالي حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب وعباس وأن رسول الله ﵌ ابن خالي ولقد علمت أن عمتي خديجة بنت خويلد كانت تحته، وأن ابنتها فاطمة ابنة رسول الله ﵌ ولقد علمت أن خديجة أم أمها حبيبة بنت أسد بن عبد العزى ولقد علمت أن أم رسول الله ﵌ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة. ولقد صحبته بأحسن صحبة والحمد لله، ولقد سمعته يقول: \"من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار\".\n١٧٧٦ - * روى الطبراني عن عروة قال: كانت على الزبير يوم يدر عمامة صفراء، فنزل جبريل على سماء الزبير.\n_________\n١٧٧٤ - المستدرك (٣/ ٣٦٥) ورواته ثقات.\n١٧٧٥ - المستدرك (٣/ ٣٦١، ٣٦٢). وفي معناه روايات كثيرة والقسم الأخير منه معناه متواتر، وبعض روايات الحديث حسنة السند مرسلة، والقسم الأول من الرواية المراد منه: أن نسب الزبير مرتبط بنسب رسول الله ﷺ ارتباطًا وثيقًا.\n١٧٧٦ - المعجم الكبير (١/ ١٢٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٤): وهو مرسل صحيح الإسناد.","vol":"4","page":1746},{"text":"١٧٧٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر. لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في إثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلا. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.\n١٧٧٨ - * روى الحاكم عن عروة قال: كانت نفحة من الشيطان أن محمدا ﵌ قد أخذ فسمع بذلك الزبير وهو ابن إحدى عشرة سنة فخرج بالسيف مسلولا حتى وقف على النبي ﵌ فقال \"ما شأنك؟ \" فقال: أردت أن أضرب من أخذك فدعا له النبي ﵌ ولسيفه وكان أول سيف سل في سبيل الله ﷿.\n١٧٧٩ - * روى أحمد (عن مطرف) قال: قلت للزبير: ما جاء بكم؟ ضيعتهم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ قال: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٥)، لم نكن نحسب أنا أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت.\n١٧٨٠ - * روى ابن سعد عن ابن عباس أنه أتى الزبير فقال: أين صفية بنت عبد المطلب حيث تقاتل بسيفك علي بن أبي طالب بن عبد المطلب؟ قال: فرجع الزبير فلقيه ابن جرموز فقتله، فأتى ابن عباس عليا فقال: إلى أين قاتل ابن صفية؟ قال علي: إلى النار.\n_________\n١٧٧٧ - البخاري (٧/ ٣٧٣) ٦٤ - كتاب المغازي ٢٥ - باب ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾.\n(٢) آل عمرن: ١٧٢.\n١٧٧٨ - المستدرك (٣/ ٣٦٠، ٣٦١). رجاله ثقات لكنه مرسل، وسكت عنه الذهبي.\nنفحت نفحة من الشيطان: المراد ظهرت شائعة.\n١٧٧٩ - أحمد في مسنده (١/ ١٦٥) وإسناده حسن.\n(٥) الأنفال: ٢٥.\n١٧٨٠ - الطبقات الكبرى (٣/ ١١٠) ورجاله ثقات. وقال الحافظ في الإصابة: سنده صحيح.","vol":"4","page":1747},{"text":"١٧٨١ - * روى ابن سعد عن (جون بن قتادة) قال: كنت مع الزبير يوم الجمل، وكانوا يسلمون عليه بالإمرة، إلى أن قال: فطعنه ابن جرموز ثانيا، فأثبته، فوقع، ودفن بوادي السباع، وجلس علي ﵁ يبكي عليه هو وأصحابه.\n١٧٨٢ - * روى الطبراني عهن (يحيى بن بكير): قتل الزبير يوم الجمل لا أدري الأولى، أو الآخرة سنة ست وثلاثين، وأسلم وهو ابن ثمان سنين، فإن كان النبي ﷺ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، فهو يوم قتل ابن سبع وخمسين، وإن أقام عشر سنين فالزبير ابن أربع وخمسين.\n١٧٨٣ - * روى البخاري عن عبدالله بن الزبير قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال: يا بني لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ببقي ديننا من مالنا شيئًا فقال: يا بني، بع مالنا، فاقض ديني وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه- يعني بني عبد الله بن الزبير، يقول: ثلث الثلت- فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير -خبيب وعباد- وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة من موالك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه. فقتل الزبير ﵁ ولم يدع دينارًا ولا درهمًا، إلا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارًا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر. قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة. وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئًا إلا أن\n_________\n١٧٨١ - الطبقات الكبرى (٣/ ١١١، ١١٢) ورجاله ثقات.\n١٧٨٢ - المعجم الكبير (١/ ١٢٢).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n١٧٨٣ - البخاري (٦/ ٢٢٧، ٢٢٨) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ١٣ - باب بركة الغازي في ماله حيًا وميتًا مع النبي ﷺ وولاة الأمر.","vol":"4","page":1748},{"text":"يكون في غزوة مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. قال عبد الله ابن الزبير فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي: كم على أخي من الدين؟ فكتمه. فقال: مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أرايتك إن كانت ألفى ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي: قال: وكان الزير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف. فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف: ثم قام فقال: من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر- وكان له على الزبير أربعمائة ألف- فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لا. قال قال: فاقطعوا لي قطعة. قال عبد الله: لك من ها هنا إلى ها هنا. قال فباع منها فقضى دينه فأوفاه. وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية- وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير، وابن زمعة- فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهمًا بمائة ألفة. وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية كم بقي؟ فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف. فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه: قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم. فلما مضى أربع سنين قسم بينهم. قال: وكان الزبير أربع نسوة، ورفع الثلث فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف.\n* * *","vol":"4","page":1749},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>٤ - عبد الرحمن ابن عوف ﵁</span>\nقال ابن كثير في ترجمته:\nعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي الزهري، أسلم قديمًا على يدي أبي بكر، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد بدرًا وما بعدها، وأمره رسول الله ﷺ حين بعثه إلى بني كلب وارخى له عذبة بين كتفيه، لتكون أمارة عليه للإمارة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى، ثم أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم، كما ذكرنا. ثم كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان ﵁، وقد تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال \"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه\" وهو في الصحيح.\nوثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الأسفار، وهذه منقبة عظيمة لا تبارى. ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقى من أهل بدر بأربعمائة دينار - وكانوا مائة- فأخذوها حتى عثمان وعلي، وقال علي: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها، وسبقت زنقها (كدرها) وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير، حتى كانت عائشة تقول سقاه الله من السلسبيل. وأعتق خلقا من مماليكه ثم ترك بعد ذلك كله مالا جزيلا، من ذلك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال، وترك ألف بعير ومائة فرس، وثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع، وكان نساؤه أربعا فصولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفا، ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحمل في جنازته سعد بن أبي وقاص، ودفن بالبقيع عن خمس وسبعين سنة. وكان أبيض مشربا حمرة حسن الوجه، رقيق البشرة، أعين أهدب الأشفار، أقنى، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، لا يغير شيبه ﵁. ا. هـ.","vol":"4","page":1750},{"text":"وقال ابن حجر في ترجمته:\nوأسلم قديمًا قبل دخول دار الأرقم وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا وسائر المشاهد .. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع ... وبعثه النبي ﷺ إلى دومة الجندل وأذن له أن يتزوج بنت ملكهم الأصبغ بن ثعلبة الكلبي ففتح عليه فتزوجها وهي تماضر أم ابنة أبي سلمة ... وهو الذي رجع عمر بحديثه من سرع (موضع قرب الشام بين المغيثة وتبوك)، ولم يدخل الشام بسبب الطاعون ... ورجع إليه عمر في أخذ الجزية من المجوس كما في صحيح البخاري ... ويقال إنه جرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة ... وعاش اثنين وسبعين سنة ... ا. هـ.\nوقال الذهبي في ترجمته:\nومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محاببا فيها، لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.\nعن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا.\nعن ابن المسيب قال: كان بين طلحة وابن عوف تباعد، فمرض طلحة، فجاء عبد الرحمن يعوده، فقال طلحة أنت والله يا أخي خير مني. قال: لا تفعل يا أخي، قال: بلى والله، لأنك لو مرضت ما عدتك.\nعن سعد بن الحسن قال: كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيدة. ا. هـ.\nأقول: لقد كان عقل عبد الرحمن بن عوف من أثقب العقول في الحكم والسياسية والاقتصاد، فكثير من معضلات السياسة والحكم والاقتصاد كان له رأي سديد في حلها وهذه بعض الروايات فيه وفي مناقبه.","vol":"4","page":1751},{"text":"١٧٨٤ - * روى ابن ماجه عن المغيرة بن شعبة قال: تخلف رسول الله ﷺ: فانتهينا إلى القوم وقد صلى بهم عبد الرحمن بن عوف ركعة فلما أحس النبي ﷺ ذهب يتأخر، فأوما إليه النبي ﷺ أن يتم الصلاة، قال: \"وقد أحسنت كذلك فافعل\".\n١٧٨٥ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان اسمي في الجاهلية عبد عمرو، فسماني رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم عبد الرحمن.\n١٧٨٦ - * روى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: ابتلينا مع رسول الله ﷺ بالضراء، فصبرنا، ثم ابتلينا بعده بالسراء فلم نصبر.\n١٧٨٧ - * روى الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول لنسائه: \"إن أمركن مما يهمني من بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون الصديقون\" قال عائشة: يعني المتصدقين- ثم قالت عائشة لأبي لسمة بن عبد الرحمن: سقى الله أباك من السلسبيل الجنة، وكان ابن عوف قد تصدق على أمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعين ألفًا.\n١٧٨٨ - * روى الترمذي والحاكم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵄ أن عبد الرحمن بن عوف أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف.\n_________\n١٧٨٤ - ابن ماجة (١/ ٣٩٢) ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - ١٤٣ - باب ما جاء في صلاة رسول الله ﷺ خلف رجل من أمته.\n١٧٨٥ - المستدرك (٣/ ٣٠٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم خرجاه. ووافقه الذهبي.\n١٧٨٦ - الترمذي (٤/ ٦٤٢) ٣٨ - كتاب صفة القيامة - ٣٠ - باب حدثنا قتيبة ...\nوقال: هذا حديث صحيح.\n١٩٨٧ - الترمذي (٥/ ٦٤٨) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٦ - باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁.\nوقال: هذا حديث حن صحيح غريب.\nوالمستدرك (٣/ ٣١١، ٣١٢). وقال: فقد صح الحديث عن عائشة وأم سلمة ﵄. ووافقه الذهبي.\nسلسبيل: السلسبيل: اسم عين في الجنة، ويقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل: إذا كان سائغًا سلسًا في الحلق: وهو صفة لما كان في غاية السلاسة.\nالحديقة: البستان عليه حائط أحدق به.\n١٧٨٨ - الترمذي (٥/ ٦٤٩) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٦ - باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁.\nوقال: هذا حديث حن صحيح غريب.=","vol":"4","page":1752},{"text":"١٧٨٩ - * روى الحاكم وابن سعد عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه غشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه غشية فظنوا أنها قد فاضت نفسه فيها حتى قاموا من عنده وجللوا ثوبا وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد تستعين فيما أمرت به من الصبر والصلاة، فلبثوا ساعة وهو في غشيته ثم أفاق فكان أول ما تكلم به أن كبر فكبر أهل البيت ومن يليهم ثم قال لهم: غشي علي آنفا قالوا: نعم. فقال: صدقتم. فقال: إنه انطلق بي في غشيتي رجلان، أحدهما فيه شدة وفظاظة فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز العليم. فقال: ارجعاه فإنه من الذين كتب الله لهم السعادة والمغفرة في بطون أمهاتهم وإنه سيتمتع به بنوة إلى ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهرا ثم توفي ﵁.\n١٧٩٠ - * روى الحاكم وابن سعد عن إبراهيم بن سعد قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: سمعت عليًا ﵁ يقول لعبد الرحمن بن عوف يوم مات: أذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها.\nعن سعيد بن المسيب أن سعد بن أبي وقاص أرسل إلى عبد الرحمن رجلا وهو قائم يخطب: أن ارفع رأسك إلى أمر الناس. أي ادع إلى نفسك. فقال عبد الرحمن: ثكلتك أمك! إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس (٣).\nعن (ابن عمر) قال: استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف على الحج سنة ولي الخلافة، ثم حج عمر في بقية عمره (٤).\n١٧٩١ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: لما قدمنا المدينة\n_________\n= والمستدرك (٣/ ٣١٢) بنحوه. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.\n١٧٨٩ - المستدرك (٣/ ٣٠٧). وسكت عنه الذهبي. والطبقات الكبرى (٣/ ١٣٤، ١٣٥) وأسانيده صحيحة.\n١٧٩٠ - المستدرك (٣/ ٣٠٨). وإسناده صحيح. والطبقات الكبرى (٣/ ١٣٥، ١٣٦).\nرنقها: الرنق الكدر.\n(٣) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٨٧). وقال محققه: رجاله ثقات.\n(٤) ذكره الحافظ في الإصابة (٤/ ١٧٧) عن خليفة بسند قوي.\n١٧٩١ - البخاري (٦/ ٢٨٨) ٣٤ - كتاب البيوع -١ - باب ما جاء في قول الله ﷿: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.","vol":"4","page":1753},{"text":"آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع. فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي. وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها. قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك. هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع. قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن. قال: ثم تابع الغدو. فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة. فقال رسول الله ﷺ: \"تزوجت؟ \" قال: نعم. قال: \"من؟ \" قال: امرأة من الأنصار. قال: \"كم سقت؟ \" قال: زنة نواة من ذهب -أو نواة من ذهب- فقال له النبي ﷺ: \"أولم ولو بشاة\". أخرجه البخاري.\nقال الذهبي: ثم آل أمره في التجارة إلى ما آل. قال أبو عمر بن عب البر: كان مجدودًا في التجارة خلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس، وكان يوزع بالجرف على عشرين ناضحًا.\nأقول: هذا على كثرة إنفاقه في سبيل الله، قال الذهبي: هذا هو الغني الشاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف.\n* * *","vol":"4","page":1754},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>٥ - سعد بن أبي وقاص ﵁</span>\nقال ابن كثير في ترجمته:\nسعد بن أبي وقاص واسمه (أبو وقاص) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو اسحاق القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، أسلم قديمًا: وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام سابع سبعة، وهو الذي كوف الكوفة (جعلها مدينة) ونفي عنها الأعاجم، وكان مجاب الدعوة، وهاجر وشهد بدرًا وما بعدها، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارسا شجاعا من أمراء رسول الله ﷺ، وكان في أيام الصديق معظما جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر، وقد استنابه على الكوفة، وهو الذي فتح المدائن، وكانت بين يديه وقعة جلولاء. وكان سيدًا مطاعًا، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة، ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك. وقد ذكره في الستة أصحاب الشورى، ثم ولاه عثمان بعدها ثم عزله عنها.\nوكانت وفاة سعد بالعقيق خارج المدينة، فحمل إلى المدينة على أعناق الرجال فصلى عليه مروان، وصلى بصلاته أمهات المؤمنين الباقيات الصالحات، ودفن بالبقيع. وكان ذلك في هذه السنة -سنة خمس وخمسين- على المشهور الذي عليه الأكثرون، وقد جاوز الثمانين على الصحيح.\nقالوا كان قصيرًا غليظًا شثن الكفين أفطس أشعر الجسد، يخضب بالسواد، وكان ميراثه مائتي ألف وخمسين ألفا [من الدراهم] ا. هـ.\nوقد وصفه النووي في تهذيب الأسماء والصفات: وكان آدم [اسمر] طوالًا ذا هامة. ومن كلام ابن حجر في ترجمته: وكان مجاب الدعوة مشهورًا بذلك ... ولما قتل عثمان لزم بيته واعتزل الفتنة ... وكان من أحد الناس بصرًا، وكان سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله [وذلك في جيش عبيدة بن الحارث حين بعثه رسول الله ﷺ إلى رابغ يلقي غير","vol":"4","page":1755},{"text":"قريش] عن أبي إسحاق قال: أشد الصحابة [أقواهم جسمًا] أربعة: عمر وعلي والزبير وسعد أ. هـ.\nقال الذهبي: ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد، وهو كان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية، ونصر الله دينه. ونزل سعد بالمدائن، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء فكان النصر على يده، واستأصل الله الأكاسرة.\nوقع له في مسند بقي بن مخلد مئتان وسبعون حديثًا، فمن ذلك في الصحيح ثمانية وثلاثون حديثًا. أ. هـ.\nومما ورد فيه وفي مناقبه:\n١٧٩٢ - * روى البخاري ومسلم عن علي: ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: \"يا سعد ارم فداك أبي وأمي\".\n١٧٩٣ - * روى البخاري عند سعد: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام.\nقوله: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه): قال ابن حجر: هذا بحسب طلاعه أو يحمل قوله على الأحرار البالغين ا. هـ، ويشتمل قول سعد على ظاهره أنه لم يسلم أحد قبله، لكن وردت بدون \"إلا\" ولا إشكال فيها وعلى هذه الرواية تحمل \"حسب اطلاعه\" والله اعلم.\n١٧٩٤ - * روى مسلم عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه. ولا تأكل ولا تشرب.، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك. وأنا أمك. وأنا آمرك بهذا.\n_________\n١٧٩٢ - البخاري (٧/ ٣٥٨) ٦٤ - كتاب المغازي -١٨ - باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ... الآية﴾.\nومسلم (٤/ ١٨٧٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥ - باب فضل سعد بن أبي وقاص ﵁\n١٧٩٣ - البخاري (٧/ ٨٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضل سعد بن أبي وقاص الزهري.\n١٧٩٤ - مسلم (٤/ ١٨٧٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضل سعد بن أبي وقاص الزهري","vol":"4","page":1756},{"text":"قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد. فقام ابن لها يقال له عمارة. فسقاها. فجعلت تدعو على سعد. فأنزل الله ﷿ في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ (١) وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢).\nقال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة. فإذا فيها سيفا فأخذته. فأتيت به الرسول ﷺ. فقلت: نفلني هذا السيف. فأنا من قد علمت حاله. فقال \"رده من حيث أخذته\" فانطلقت. حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه. فقلت: أعطنيه. قال فشد لي صوته \"رده من حيث أخذته\" قال فأنزل الله ﷿ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٣).\nقال: ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال فأبى. قلت: فالنصف. قال فأبى. قلت: فالثلث. قال فسكت. فكان، بعد، الثلث جائزا.\nقال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين. فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا. وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال فأتيتهم في حش -والحش البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، ورزق من خمر. قال فأكلت وشربت معهم. قال فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم. فقلت: المهاجرين خير من الأنصار. قال فأخذ رجل أحد لحيى الرأس فضربني به فجرح بأنفي. فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته. فأنزل الله ﷿ في -يعني نفسه- شأن الخمر- ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٤).\n_________\n(١) العنكبوت: ٨.\n(٢) لقمان: ١٥.\nالقبض: هو الموضع الذي يجمع فيه الغنائم.\n(٣) الأنفال: ١.\n(٤) المائدة: ٩٠.","vol":"4","page":1757},{"text":"١٧٩٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة: كان رسول الله ﷺ سهر مقدمه المدينة ليلة، فقال: \"ليت رجلًا من أصحابي صالحًا يحرسني الليلة\" فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة سلاح، فقال \"من هذا؟ \" قال: أنا سعد، قال له \"ما جاء بك؟ \" قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له ثم نام.\n١٧٩٦ - * روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"اللهم استجب لسعد إذا دعاك\".\nوقال: وقد روي هذا الحديث عن قيس بن سعد: أن النبي ﷺ قال: \"اللهم استجب لسعد إذا دعاك\" وهذا أصح.\n١٧٩٧ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ، فأقبل سعد إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"هذا خالي، فليرني امرؤ خاله\".\nوقال: كان سعد من بني زهرة، وكانت أم النبي ﷺ من بني زهرة، فلذلك قال النبي ﷺ \"هذا خالي\".\n١٧٩٨ - * روى البخاري عن جابر بن سمرة ﵁ قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر بن الخطاب، فعزله، واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن\n_________\n١٧٩٥ - البخاري (٦/ ٨١) ٥٦ - كتاب الجهاد -٧٠ - باب الحراسة في الغزو في سبيل الله.\nومسلم (٤/ ١٨٧٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥ - باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁.\n١٧٩٦ - الترمذي (٥/ ٦٤٩) ٥٠ - كتاب المناقب-٢٧ - باب مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁.\nوقال حديث صحيح الإسناد.\nوالمستدرك (٣/ ٤٩٩). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n١٧٩٧ - الترمذي (٥/ ٦٤٩) ٥٠ - كتاب المناقب-٢٧ - باب مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁.\nوقال هذا حديث حسم غريب.\nوالمستدرك (٣/ ٤٩٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي ..\n١٧٩٨ - البخاري (٢/ ٢٣٦) ١٠ - كتاب الأذان -٩٥ - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت.=","vol":"4","page":1758},{"text":"يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال: أما أنا فوالله إني كنت أصلى بهم صلاة رسول الله ﷺ، لا أخرم عنها: أصلى صلاتي العشي، فأركد في الأوليين، وأخفف في الأخريين، قال: فإن ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلًا -أو رجالًا- إلى الكوفة، يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجدًا إلا سأل عنه؟ ويثنون عليه معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة -يكنى أبا سعدة- فقال: أما إذ نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله، لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن. فكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابني دعوة سعد. قال عبد الملك بن عمير -الراوي عن جابر بن سمرة- فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق، فيغمزهن.\n١٧٩٩ - * روى البزار عن سعد قال: بعثني رسول الله ﷺ أستخبر له خبرا، فذهبت وأنا أسعى حتى صرت إلى القوم، ثم جئت وأنا أمشي على هينتي حتى صرت إلى النبي ﷺ فسألني فأخبرته، فقال \"ذهبت شديدًا ثم جئت على هينتك\" أو كما قال. فقلت: يا رسول الله إني كرهت أن أسعى فيظن بي القوم أني قد فرقت فقال النبي ﷺ \"إن سعدا لمجرب\".\n_________\n= لا أخرم عنها: ما خرمت منه شيئًا، أي: ما نقصت.\nصلاتي العشي: صلاتا العشي ها هنا: هما صلاة الظهر والعصر، فإن العشي: هو من لدن زوال الشمس إلى آخر النهار، وقيل: إلى طلوع الفجر.\nالركود: كناية عن السكون والثبات.\nلا يسير بالسرية: لا يسير بالسرية، أي لا يحرج بنفسه معها في الغزو، ويجوز أن يريد: لا يسر فينا بالقضية السرية، أي: النفيسة.\nرياء وسمعة: يقال: فعل فلان كذا وكذا رياء وسمعة، أي ليرى فعلة ويسمع عنه ذلك.\n١٧٩٩ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٠٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٥): رواه البزار وإسناده حسن.\nأسعى: أعدو.","vol":"4","page":1759},{"text":"١٨٠٠ - * روى البخاري ومسلم والترمذي عن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: إني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله ورأيتنا نغزو مع رسول الله ﷺ ومالنا طعام إلا الحبلة وورق السمر، وإن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعززني على الإسلام، لقد خبت إذا وضل عملي.\nوكانوا وشوا به إلى عمر، وقالوا: لا يحسن يصلي.\n١٨٠١ - * روى البخاري عن قبيصة بن جابر قال ابن عم لنا يوم القادسية:\nألم تر أن الله أنزل نصره ... وسعد بباب القادسية معصم\nفأبنا وقد أمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم\nفبلغ سعدا قوله فقال عيي لسانه ويده فجاءت نشابة فأصابت فاه فخرس ثم قطعت يده في القتال فقال [سعد] احملوني على باب، فخرج به محمولا ثم كشف عن ظهره وفيه قروح فأخبر الناس بعذره فعذروه، وكان سعد لا يجبن. وفي رواية يقاتل حتى ينزل الله نصره وقال: وقطعت يده وقتل.\n_________\n١٨٠٠ - البخاري (٩/ ٥٤٩) ٧٠ - كتاب الأطعمة -٢٣ - باب ما كان على النبي ﷺ وأصحابه يأكلون.\nمسلم (٤/ ٢٢٧٨) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق حديث ١٢.\nالترمذي (٤/ ٥٨٢) ٣٧ - كتاب الزهد - ٣٩ - باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ.\nوقال: حديث حسن صحيح غريب.\nالحبلة: ثم العضاه.\nوالسمر: شجر معروف من شجر البادية وأشجار الشوك.\nيضع كما تضع الشاة: أرد أن نجوهم يخرج بعرًا، ليبسه وعدم الغذاء المألوف.\nماله خلط: أي: لا يختلط بعضه ببعض، لجفافه ويبسه.\nتعززني: على الإسلام: أي: توقفني وتوبخني على التقصير فيه، وقيل: معناه يعلمونني الفقه.\n١٨٠١ - المعجم الكبير (١/ ١٤١، ١٤٢).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٤). وقال: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات.\nمعتصم: معصم لم يغادره، بمعنى أنه لم يشارك في القتال، وكان سعد وقتذاك مريضًا وإلا فهو سيد الشجعان والمتفق عليه في عصرنا ان القائد لا يصح أن يكون في الصف الأول لأنه إذا حدث له شيء اختل توازن المعركة.\nأبنا: رجعنا.\nأمت: ترملت.","vol":"4","page":1760},{"text":"١٨٠٢ - * روى البزار عن عبد الله يعني ابنُ مسعود قال: كانً سعدُ يُقاتلُ مَع رَسُولِ الله ﷺ يوم بدرٍ قِتَال الفَارس والرَاجلِ.\n١٨٠٣ - * روى الطبراني عن عامر بن سعد قال: بينما سعد يمشي إذ مر برجل وهو يشتم عليًا وطلحة والزبير فقال له سعد: إنك تشتم أقوامًا قد سبق لهم من الله ما سبق، والله لتكفن عن شتمهم أو لأدعون الله ﷿ عليك قال: يخوفني كأنه نبي فقال سعد: اللهم إن كان يشتم أقوامًا قد سبق لهم منك ما سبق فاجعله اليوم نكالًا فجاءت بختية فأفرج الناس لها فتخبطته فرأيت الناس يتبعون سعدًا يقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق.\n١٨٠٤ - * روى الطبراني عن عامر الشعبي قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: متى أحبت الدعوة؟ قال: يوم بدر كنت أرمي بين النبي ﷺ فأضع السهم في كبد القوس ثم أقول اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم وافعل بهم وافعل فيقول النبي ﷺ \"اللهم استجب لسعد\".\nقال الهيثمي: السهام التي رمي بها يومئذ] يوم أحد [ألف سهم.\n١٨٠٥ - * روى الطبراني عن سعيد بن المسيب قال: خرجت جارية لسعد يقال لها زيراء وعليها قميص حرير فكشفها الريح، فشد عليها بالدرة وجاء سعد ليمنعه فتناوله بالدرة: فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله عمر الدرة وقال: اقتص فعفا عن عمر.\n_________\n١٨٠٢ - البراز: كشف الأستار (٢/ ٣١٥). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٢): رواه البراز بإسنادين أحدهما متصل والأخر مرسل ورجالهما ثقات.\n١٨٠٣ - المعجم الكبير (١/ ١٤٠).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله الصحيح.\nالبختية: الأنثى من الجمال الخراسانية.\n١٨٠٤ - المعجم الكبير (١/ ١٤٣).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٣). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٨٠٥ - المعجم الكبير (١/ ١٤١).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٣، ١٥٤). وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"4","page":1761},{"text":"١٨٠٦ - * روى الحاكم عن حسين بن خارجة الأشجعي قال: لما قُتل عثمان، أشكلت علىّ الفتنة، فقلتُ: اللهم أرني من الحق أمرًا أتمسك به، فرأيت في النوم الدنيا والآخرة بينهما حائط، فهبطتُ الحائط فإذا بنفر، فقالوا: نحن الملائكة، قلتُ: فأين الشهداء؟\nقالوا: اصعد الدرجات، فصعدتُ درجة ثم أخرى، فإذا محمد وإبراهيم، صلى الله عليهما، وإذا محمد يقول لإبراهيم: استغفر لأمتي، قال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم أراقوا دماءهم، وقتلوا إمامهم، ألا فعلوا كما فعل خليلي سعد؟\nقال: قلتُ: لقد رأيتُ رؤيا، فأتيت سعدًا، فققصتها عليه، فما أكثر فرحًا، وقال: قد خاب من لم يكن إبراهيم ﵇ خليله، قلتُ: مع أَيّ الطائفتين أَنتَ؟\nقال: ما أنا مع واحد منهما، قلتُ: فما تأمرني؟ قال: هل لك من غَنَم؟ قلتُ: لا، قال: فاشتر غنمًا، فكن فيها حتى تنجلي.\n١٨٠٧ - * روى البراز عن سعد قال: سمعني النبي ﷺ وأنا أدعو فقال: \"اللهم استجب له إذا دعاك\".\n١٨٠٨ - * روى الطبراني وابن سعد عن ابن عُليّة: حدثنا أَيوب، عن محمد قال: نبّتُ أَنّ سعدًا قال: ما أَزعم أَني بقميصي هذا أَحقُ مني بالخلافة، جاهدتُ وأَنا أَعترفُ بالجهاد، ولا أبخَعُ نفسي إن كان رجلًا خيرًا مني، لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسانُ، فيقول هُذا مؤمن وهذا كافر؟.\n١٨٠٩ - * روى الطبراني عن سعد أنه قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تلقي أحدًا هو أنصح لك مني، إذا أردْت أن تُصلى فأحسن وِضُوءك ثم صل صلاةً لا تري أنك تصلي\n_________\n١٨٠٦ - المستدرك (٣/ ٥٠١، ٥٠٢). وسكت عنه الذهبي.\nوذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ١٢٠). وقال محققه: ورجاله ثقات.\n١٨٠٧ - البراز: كشف الأستار (٣/ ٢٠٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٣) رواه البراز ورجاله رجال الصحيح.\n١٨٠٨ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٩٩) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. والطبقات الكبرى (٣/ ١٤٣).\n١٨٠٩ - المعجم الكبير (١/ ١٤٣). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٢١). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.=","vol":"4","page":1762},{"text":"بعدها، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك بالإياس فإنه الغني وإياك وما يعتذر إليه من العمل والقول واعمل مابدا لك.\n١٨١٠ - * روى مسلم عن سعد ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (١) قال: نزلت في ستة أَنا وابنُ مسعود منهم.\n١٨١١ - * روى مسلم وأحمد عن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله. فجاءه ابنه عمر. فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب. فنزل. فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره فقال: اسكت. سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي\".\n١٨١٢ - * روى أحمد عن سعد قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ، ضحك يوم الخندق حتى بدت نواجذه. كان رجل] من المشركين [معه ترس، وكان سعدُ راميًا، فجعل يقول كذا يُحوّي بالترُّس، ويغطي جبهته. فنزع له سعد بسهمِ، فلما رفع رأسه، رماه فلم، يُخطِ هذه منه، يعني جبهته، فانقلب، وأشال برجله، فضحك رسول الله من فعله، حتى بدت نواجذه.\n١٨١٣ - * روى البخاري ومسلم عن سعد قال: رأيتُ رجلين عن يمين رسول الله ﷺ ويساره يوم أحد، عليهما ثيابّ بيضّ، يُقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد.\n...\n_________\n= عليك بالإياس: يعني بالزهد والقناعة فيما في أيدي الناس.\n١٨١٠ - مسلم (٤/ ١٨٧٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥ - باب فضل سعد أبي وقاص ﵁.\n(١) الأنعام: ٥٢.\n١٨١١ - مسلم (٤/ ٢٣٧٧) ٥٣ - كتاب فضائل الصحابة- ٥ - باب فضل سعد بن أبي وقاص ﵁.\n١٨١٢ - أحمد في مسنده (١/ ١٨٦). وهو حسن لشواهده.\nيُحّوي: يقبض ويحوَي: تجمع واستدار. نزع: نزع في القوس: مدّها.\n١٨١٣ - البخاري (٧/ ٣٥٨) ٦٤ - كتاب المغازي- ١٨ - باب (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون).\nومسلم (٤/ ١٨٠٢) ٤٣ - كتاب الفضائل- ١٠ - باب في قتال جبريل وميكائيل عن النبي ﷺ يوم أحد.","vol":"4","page":1763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>٦ - سعيد بن زيد ﵁</span>\nقال ابن كثير في ترجمته:\nوأما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قبل عمر هو وزوجه فاطمة، وأخته عاتكة زوجة عمر، وأخت عمر فاطمة زوجة سعيد، أسلم قبل عمرو هو وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة. قال عروة والزهري وموسي بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدرًا لأنه قد كان بعثه رسول الله هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش فلم يرجعا حتى فرغ من بدر، فضرب لهما رسول الله بسهمهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يحابي بسبب قرابته من عمر فيولي فتركه لذلك، وإلا فهو ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة في جملة العشرة، كما صحت بذلك الأحاديث المتعددة الصحيحة.\nمات بالكوفة، وقيل بالمدينة وهو الأصح، قال الفلاس وغيره: سنة إحدى وخمسين وقيل سنة سنتين وخمسين والله وأعلم. وكان رجلًا طوالًا أشعر، وقد غسله سعد، وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة، وكان عمره يومئذ بضعًا وسبعين سنة أ. هـ.\nقال شّبَاب العُصْفري وهو خليفة بن خيّاط المؤرخ:\nسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح ابن عدي بن كعب، وأمه فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خويلد من خزاعة.\nوقال ابن حجر في ترجمته:\nأسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم وهاجر وشهد أحدًا والمشاهد كلها ... وقد شهد سعيد بن زيد اليرموك وفتح دمشق، وقال سعيد بن حبيب: كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف مع النبي ﷺ واحدًا كانوا أمامه في القتال وخلفه في الصلاة.","vol":"4","page":1764},{"text":"وقال الذهبي في السير:\nشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ وشهد حصار دمشق وفتحها فولاة عليها أبو عبيدة بن الجراح فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الأمة، كان والده زيد بن عمرو بن نفيل ممن فر إلى الله من عبادة الأصنام، رأي النبي ﷺ ولم يعش حتى بعث ... وهو ابن عم الأمام عمر بن الخطاب وامرأته هي ابنة عمه فاطمة أخت عمر بن الخطاب وكان لإسلامه وإسلام زوجته دخل في إسلام عمر رضي الله عن الجميع.\nقال الذهبي: \"لم يكن سعيد متأخرأ عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة وإنما تركه عمر ﵁ لئلا يبقي له في شائبة حظ لأنه ختنه وابن عمه ... فأخرج منها ولده وعصبته فكذلك فليكن العمل لله. ا. هـ.\nوقد تقدّمت عدّة أحاديث أنه من أهل الجنة، ثم هو من الشهداء فقد مات مبطونًا، فَمَعِدته لم تعد تهضم طعامًا وكان يكْني أبا الأعور.\n١٨١٤ - * روى البخاري عن قيس بن حازم سمعت سعيد بن زيد في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتّني وإن عمَر لموثقي على الإسلام أنا وأخْتَه قبل أن يسلَم عُمر، ولو أن أحدًا انقضً للذي صنعتم بعثمان، لكَان محقوقًا أن ينقص.\n١٨١٥ - * روى أحمد ومسلم عن أبي بكر بن حزم قال: جاءت أروى بنت أوَيْس إلى محمد بن عمرو بن حزم فقالت: إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد بني ضَفِيرة في حقي، فائته، فكلمه، فوالله لئن لم يفعل، لأصيحنّ به في مسجد رسول الله ﷺ، فقال لها: لا تُؤذي صاحب رسول الله! ما كان ليظلمك، ما كان ليأخذ لك حقًا. فخرجت، فجاءت عُمارة بن عمرو وعبدَ الله بن سلمة، فقالت لهما: ائتيا سعيد بن زيد، فإنه قد\n_________\n١٨١٤ - البخاري (٧/ ١٧٦) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار ٣٤ - باب إسلام سعيد بن زيد ﵁. انقض: انقصم ظهره وانهد جسمه.\n١٨١٥ - مسند أحمد (١/ ١٨٨). مسلم (٣/ ١٢٣٠) ٢٢ - كتاب المساقاة ٣٠ - باب تحريم الظلم وغضب الأرض وغيرها. المعجم الكبير (١/ ١٥٠/١٤٩).","vol":"4","page":1765},{"text":"ظلمني، وبني ضفيرة في حقي، فو الله لئن لم ينزع، لأصيحنَّ به في مسجد رسول الله ﷺ، فخرجا حتى أتياه في أرضه بالعقيق، فقال لهما: ما أتي بكما؟ قالا: جاء بنا أروي، زعمتْ أنك بنيتُ ضفيرة في حقها، وحلفتْ بالله لئن لم تنزع لتصيحنَّ بكَ في مسجد رسول الله ﷺ، فأحببنا أن نأتيك، ونذكرك بذلك. فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ، يقول \"من أخذ شبرًا من الأرض بغير حق، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين \"لتأتين، فلتأخذ ما كان لها من حق، اللهم إن كانت كذبت علي، فلا تمتها حتى تُعمي بصرها، وتجعل منيَّها فيها. ارجعوا فأخبروها بذلك، فجاءت، فهدمت الضفيرة، وبنت بيتًا، فلم تمكث إلا قليلًا حتى عميت، وكانت تقوم الليل، ومعها جارية تقودها، فقامت ليلة، ولم توقظ الجارية، فسقطت في البئر، فماتت.\n١٨١٦ - * روى الحاكم عن ابن عمر أنه استُصْرخَ في جنازة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو خارج من المدينة يوم الجمعة فخرج إليه ولم يشهد الجمعة.\n١٨١٧ - * روى أحمد وأبو داود عن رباح بن الحارث، أَنُّ المغيرة كان في المسجد الأكبر، وعنده أهل الكوفة فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرةُ، فسبَّ وسبَّ، فقال سعيدُ بن زيد: من يسبُّ هذا يا مغيرة؟ قال: يسبُّ علىَّ بنَ أَبي طالب، قال: يا مغير بن شُعَيب، يا مغير بن شُعيب! أَلا تسمعُ أصحاب رسول الله ﷺ، يُسبُّون عندك، ولا تُنكِر ولا تُغَيِّر؟ فأنا أَشهد على رسول الله ﷺ، بما سمعت أذناي، ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ، فإني لم أَكن أَروي عنه كذباَ، إنه قال: \"أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلىُّ في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة\"، وتاسع المؤمنين في الجنة، ولو شئتُ أَن أُسمّيَهُ، فضجَّ أَهل المسجد يُناشدونه: يا صاحبَ رسول الله! من التاسِعُ؟\n_________\n١٨١٦ - المستدرك (٣/ ٣٨). وسكت عنه الذهبي.\n١٨١٧ - أحمد في مسنده (١/ ١٨٧). وإسناده صحيح.\nوأبو داود (٤/ ٢١٣) كتاب السنة، باب في الخلفاء.","vol":"4","page":1766},{"text":"قال: ناشدتموني بالله والله عظيمُ، أَنا هو، والعاشر رسول الله ﷺ، والله لمشهدُ شهده رجلُ مع رسول الله ﷺ، أَفضلُ من عمل أَحدكم، ولو عُمِّر ما عُمِّر نوح.\n***","vol":"4","page":1767},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>٧ - زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله ﷺ ومولاه ﵁</span>\nقال ابن كثير في ترجمته:\nزيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن أمريء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي مولى رسول الله ﷺ. وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها فأغارت عليهم خيل فأخذوه فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد. وقيل اشتراه رسول الله ﷺ لها فوهبته من رسول الله ﷺ قبل النبوة فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه، فكان يقال له زيد بن محمد، وكان رسول الله صّلى عليه وسلم يحبه حبًا شديداَ، وكان أول من أسلم من الموالي، ونزل فيه آيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣) وقوله ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٤) الآية أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه، ومعني أنعم الله عليه أي بالإسلام، وأنعمت عليه أي بالعتق، وقد تكلمنا عليها في التفسير. والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحداُ من الصحابة في القرآن غيره، وهداه إلى الإسلام وأعتقه رسول الله ﷺ وزوجه مولاته أم أيمن واسمها بركة فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له الحِب بن الحِب، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش وآخي بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب وقدمه في الإمرة على ابن عمه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة كما ذكرناه. أ. هـ\n_________\n(١) الأحزاب: ٤.\n(٢) الأحزاب: ٥.\n(٣) الأحزاب: ٤٠.\n(٤) الأحزاب: ٣٧.","vol":"4","page":1768},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: شهد زيد بن حارثة بدرًا وما بعدها وقتل في غزوة مؤتة وهو أمير واستخلفه النبي ﷺ في بعض أسفاره على المدينة أ. هـ.\nقال الذهبي: وكانت مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان وهو ابن خمس وخمسين سنة اهـ.\n١٨١٨ - * روى الترمذي والحاكم عن جَبَلة بن حارثة، قدمت على النبي ﷺ، فقلت يا رسول الله ابعث معي أخي زيدًا، قال: هو ذاك انطلق إليه، فإن ذهب معك لم أمنعه، فجاء زيد فقال يا رسول الله: أو أختار عليك أحدًا؟ قال جبلة: فأقمت أنا مع أخي، ورأيت رأي أخي أفضل من رأيي.\n١٨١٩ - * روى البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر، بعث النبي ﷺ بعثًا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمارته، فقال ﷺ: \"إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وكان لمن أحب الناس إلَّي، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده\".\nقال الحافظ: أخرج ابن أبي شيبة بإسناد قوي عن عائشة:\nما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم ولو بقي لاستخلفه. أ. هـ.\nأقول: هذا يشير إلى أن مذهب عائشة ﵂ أنه يجوز استخلاف غير القرشي.\n_________\n١٨١٨ - الترمذي (٥/ ٦٧٦) ٥٠ - كتاب المناقب- باب مناقب زيد بن حارثة ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\nوالمستدرك (٣/ ٢١٤). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n١٨١٩ - البخاري (٧/ ٤٩٨) ٦٤ - كتاب المغازي- ٤٢ - باب غزوة زيد بن حارثة.\nومسلم (٤/ ١٨٨٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ١٠ - باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ﵄.\nوالترمذي (٥/ ٦٧٧، ٦٧٦) ٥٠ - كتاب المناقب- ٤٠ - باب مناقب زيد بن حارثة ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\nخليق: فلان خليق بهذا الأمر: إذا كان أهلًا له، وأَنِّ ذلك مِنُ خُلُقِه وهو به حقيق.","vol":"4","page":1769},{"text":"١٨٢٠ - * روى أحمد وابن سعد عن أسامة قال: رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: \"يا زيد أنت مولايَ وإليّ\".\n١٨٢١ - * روى البخاري عن سلمةَ بن الأكُوَع اللهُ عنه قال: غزوتُ مع النبيِّ ﷺ تِسعَ غزوات، وغزوتُ مع ابن حارثْةَ استعملَهُ علينا.\n١٨٢٢ - * روى ابن سعد عن عمرو بن شرحبيل الهمداني التابعي قال: لما بلغ رسول الله ﷺ قتل زيد وجعفر وابن رواحه قام ﷺ فذكر شأنهم فبدأ بزيد فقال: \"اُلُلهم اغفر لزيد اللهم اغفر لزيد ثلاثًا\".\nوعن بريدة أن رسول الله ﷺ قال: \"دخلت الجنة فاستقبلني جارية شابة فقلت: لمن أنت؟ قالت: أنا لزيد بن حارثة\" (١).\n١٨٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: إن رسولَ الله ﷺ دخل عليَّ مسرورًا، تَبُرقُ أسارير وجهه، فقال: \"ألم ترى أن مجززًا المدلجي؟ نظر آنفًا إلى زيدِ بن حارثة، وأُسامة بن زيد، فقال: إِن هذه الأقدام بعضها من بعض\".\n_________\n١٨٢٠ - مسند أحمد (٥/ ٢٠٤) مطولًا والطبقات الكبرى (٣/ ٤٤). وقال الحافظ: إسناده حسن.\n١٨٢١ - البخاري (٧/ ٥١٧) ٦٤ - كتاب المغازي- ٤٥ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة.\n١٨٢٢ - الطبقات الكبرى (٣/ ٤٦). وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٢٢٩). وقال محققه: رواته ثقات إلا أنه مرسل.\n(١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير وقال: أخرجه الروياني والضياء عن بريدة ورمز إلى حسنه صاحب فيض القدير (٣/ ٥٢١).\n١٨٢٣ - البخاري (١٢/ ٥٦) ٨٥ - كتاب الفرائض- ٣١ - باب القائف.\nومسلم (٢/ ١٠٨١، ١٠٨٢) ١٧ - كتاب الرضاع- ١١ - باب العمل بإلحاق القائف الولد.\nتبُرق أسارير وجهه: الأسارير: التّكاسير التي تكون في لجبين، وبريقُها: ما يَعرض لها من البشاشة عند الفرح والاستبشار بالشيء السَّارُّ.\nالقافة: جمع قائف، وهو الذي يعرف الآثار، تقول قُفْتُ أثره، أي: اتَّبعتُه، وهم قوم معَّرفون من العرب يعرفون الناس بالشُبَه، فيُلْحقُون إنسانًا بإنسان، لما يدركون من الشَّبه الذي يَرَونه بينهما مما بخفي على غيرهم، وكلام القافة يستأنس به للإثبات لا للنفي.","vol":"4","page":1770},{"text":"وفي رواية \"ألم تسمعي ما قال المدلجيُّ لزيدٍ وأُسامةَ، ورأي أقدامَها: إن بعض هذه الأَقدام لَمِنْ بعض\".\nوفي أخرى قال: إن عائشة قالت: دخل قائف والنبي ﷺ شاهد، وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة مضطجعان، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسُرَّ بذلك النبي ﷺ، وأعْجَبَهُ، وأخبر به عائشة.\nوفي آخري \"أَلَمْ تَرَيْ أن مُجزِّزاُ المدلجيَّ دخل عليَّ، فرأي أَسامة وزيدًا، وعليهما قطيفةُ، قد غَطَّيا رؤوسَهما، وبَدَتْ أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؟ \" وفي رواية: وكان مُجزِّزُ قائفًا.\nوقال أبو داود: قال أحمد بن صالح: كان أُسامة بنُ زيد أسودَ شديد السواد، مثل القار، وكان زيدُ أبيضَ من القطن (١).\n* * *\n_________\n(١) أبو داود (٢/ ٢٨٠) كتاب الطلاق، باب في القافة.","vol":"4","page":1771},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>٨ - أسامة بن زيد الحِبُّ بن الحِبُّ ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته:\nالحب بن الحب يكني أبا محمد ويقال أبو زيد أم أيمن حاضنة النبي ﵌ .. قال ابن سعد ولد أسامة في الإسلام ومات النبي ﵌ وله عشرون سنة وقال ابن أبي خيثمة ثماني عشرة، وكان أمرَّه على جيش عظيم فمات النبي ﵌ قبل أن يتوجه فأنفذه أبو بكر وكان عمر يجله ويكرمه وفضَّله في العطاء على ولده عبد الله بن عمر واعتزل أسامة الفتن بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية، وكان قد سكن المزه من عمل دمشق ثم رجع فسكن وادي القرى ثم نزل إلى المدينة فمات بها بالجرف، وصحح ابن عبد البر أنه مات سنة أربع وخمسين وقد روى عن أسامة من الصحابة أبو هريرة وابن عباس ومن كبار التابعين أبو عثمان وأبو وائل وآخرون وفضائله كثيرة وأحاديثه شهيرة. أ. هـ.\nقال الذهبي:\nوكان شديد السواد خفيف الروح شاطرًا شجاعًا رباه ﷺ وأحبه كثيرًا.\nوقالت عائشة (تصف ما قالته قريش) في شأن المخزومية التي سرقت: من يجترئ على رسول الله ﷺ يكلمه فيها إلا أسامة حِبُّ رسول الله ﷺ (١).\nوقال وكيع: سلم من الفتنة من المعروفين سعد وابن عمر وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحب الناس إليّ أسامة ما حاشا فاطمة ولا غيرها\" (٢) أ. هـ.\n_________\n(١) البخاري (١٢/ ٨٧) ٨٦ - كتاب الحدود-١٢ - باب الكراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان.\n(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٦). وقال: هو في الصحيح باختصار ورواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":1772},{"text":"١٨٢٤ - * روى ابن سعد عروة أن النبي ﷺ أَخَّر الإضافةَ مِنّ عرفة من أجل أسامة ينتظِرُه، فجاء غلامّ أسودُ أفطسُ. فقال أهلّ اليمن: إنما جلسنا لهذا! فلذلك ارتدُّوا يعني أيامَ الردُّة.\n١٨٢٥ - * روى أحمد وابن ماجه عن عائشة قالت: عثر أسامة بعتبة الباب فشج في وجهه، فقال رسول الله ﷺ: \"أميطي عنه الأذى\" فتقذرته، فجعل يمص عنه الدم ويمجه عن وجهه ثم قال: \"لو كاَن أسامة جاريةَّ لّحليته وكسَوتُه حتى أُنَقّه\".\n١٨٢٦ - * روى الترمذي عن عائشة: أراد رسول الله ﷺ أن ينحي مخاط أسامة، قالت عائشة: دعني حتى أنا أفعله، قال يا عائشة: \"أحبيه فإني أحبه\".\n١٨٢٧ - * روى الترمذي عن ابن عمر أن عمر فرض لأسامة في ثلاثة الآلف وخمسمائة، وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف، فقال ابن عمر: لم فضلت أسامة عليَّ؟ فو الله ما سبقني إلى مشهد قال: لأن زيدًا كان أحب إلى النبي ﷺ من أبيك، وأسامة أحب إليه منك، فآثرت حبه ﷺ على حبي.\n١٨٢٨ - * روى البخاري عن ابن عمر وقد نظر وهو في المسجد إلى رجل يسحب ثيابه في ناحية من المسجد، فقال انظروا من هذا؟ فقيل له: هذا محمد بن أسامة، فطأطأ ابن عمر رأسه ثم قال: لو رآه النبي ﷺ لأحبه.\nوفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ كان يُجلس الحسن على فخذه ويجلس أسامة\n_________\n١٨٢٤ - الطبقات الكبرى (٤/ ٦٣). وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٠٠). وقال محققه: رجاله ثقات.\n١٨٢٥ - أحمد في مسنده (٦/ ٢٢٢، ١٣٩).\nوابن ماجه (١/ ٦٣٥) ٩ - كتاب النكاح- ٤٩ - باب الشفاعة في التزويج.\n١٨٢٦ - الترمذي (٥/ ٦٧٧) ٥٠ - كتاب المناقب- ٤١ - باب مناقب أسامة بن زيد ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٨٢٧ - الترمذي (٥/ ٦٧٦، ٦٧٥) ٥٠ - كتاب المناقُب- ٤٠ - باب مناقب زيد بن حارثة ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٨٢٨ - البخاري (٧/ ٨٨) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-١٨ - باب ذكر أسامة بن زيد.","vol":"4","page":1773},{"text":"على فخده الأخرى ويقول \"اللهم إني أرحمهما فارحمهما\" (١).\n١٨٢٩ - * روى أحمد عن عائشة قالت: لا ينبغي لأحد أن يبغض أسامة بعد ما سمعت رسول الله ﷺ يقول \"من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة\".\nلقي عليُّ أُسامةَ بنَ زيد، فقال: ما كنا نعدُّك إلا من أنفسنا يا أسامةُ، فلم لا تدخلُ معنا؟ قال: يا أبا حسن، إنَّك والله لو أَخذْتَ بمشفر الأسد، لأَخذت بمشفره الآخر معك، حتى نهلك جميعًا، أو نحيا جميعًا، فأما هذا الأمر الذي أنتَ فيه، فو الله لا أدخلُ فيه أبداُ (٢).\n١٨٣٠ - * روى البخاري عن حرملة مولي أسامة قال: أرسَلني أسامة إلى علي وقال: إنه سيسألك الآن فيقول: ما خّلَّفَ صاحَبكَ؟ فقل له: يقول لك لو كنتَ في شِدقِ الأسدِ لأحَببتُ أن أكون معكَ فيه، ولكنُّ هذا أمرّ لم أَرَه. فلم يعُطني شيئًا، فذهبت وحسين وابن جعفر فأوقَرُوا لي راحلتي.\n١٨٣١ - * روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد، قَالَ: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلًا. فقال: لا إله إلا الله. فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فكرته للنبي ﷺ. فقال رسول الله ﷺ \"أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟ \" قال قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: \"أفلا شققت\n_________\n(١) البخاري (١٠/ ٤٣٤) ٧٨ - كتاب الأدب- ٢٢ - باب وضع الصبي على الفخذ.\n١٨٢٩ - أحمد في مسنده (٦/ ١٥٧، ١٥٦). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٦). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال صحيح.\n(٢) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٠٤).\n١٨٢٠ - البخاري (١٣/ ٦٢، ٦١) ٩٢ - كتاب الفتن- ٢٠ - باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي: \"إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين\".\n١٨٣١ - البخاري (٧/ ٥١٧) ٦٤ - كتاب المغازي- ٤٥ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة.\nومسلم (١/ ٩٦) ١ - كتاب الإيمان_ ٤٥ - باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.\nفصبحنا الحرقات: أي أتيناهم صباحًا. والحرقات موضع ببلاد جهينة. والتسمية به كالتسمية بعرفات وأذرعات وفي رائه الضم والفتح، والحاء مضمومة في الوجهين.\nأفلا شققت عن قلبه: معناه إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان. وأما القلب ليس لك طريق إلى =","vol":"4","page":1774},{"text":"عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا\". فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. قال فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين يعني أسامة. قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة. وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.\n١٨٣٢ - * روى الطبراني وابن حبان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: رأَيتُ بنَ زيد مُضطَجِعًا عند باب حجرة عائشة رافعًا عقيرته يتغنِّي، ورأيتُه يُصلى عند قبر النبي ﷺ، فمَّر به مروان، فقال: أَتُصلى عند قبر! وقال له قولًا قبيحًا.\nفقال: يا مروانُ، إنِّك فاحش مُتَفحِّشّ، وإني سمعت رسولَ الله ﷺ يقولُ: \"إِنَّ اللهَ يُبِغضُ الفاحِشَ المُتَفَحِّشَ\".\n١٨٣٣ - * روى مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم، قال: دَخلتُ على فاطمةَ بنتِ قيس، وقد طلّقها زوجُها- .... الحديث- فلما حَلّتّ، قالَ رسولُ الله ﷺ: \"هل ذكرك أحد\"؟ قَالتْ: نعم، معاوية وأبو الَجْهم. فقال: \"أَمَّا أبو الجهم فَشديدُ الخُلُق، وأَمَّا مُعاويةُ فَصعْلوك، لا مالَ له. ولكن أُنكِحُكِ أسامة\"؟ فقلتُ: أسامة! - تهاوناُ بأمر أسامة- ثم قلتُ سمعًا وطاعةْ لله ولرسوله.\n_________\n= معرفة ما فيه. فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان. وقال: أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل قالها القلب واعتقدها، وكانت فيه أم لم تكن فيه، بل جرت على اللسان فحسبُ.\n١٨٣٢ - المعجم الكبير (١/ ١٦٦).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوساط بأسانيد، وأحد أسانيد الطبراني رجاله ثقات.\nالإحسان بترتيب ابن حبان (٧/ ٤٨١) - كتاب الحظر والإباحة- باب الاستماع المكروه .. وصححه ابن حبان.\nوانظر- مسند أحمد (٥/ ٢٠٢).\n١٨٣٣ - مسلم (٢/ ١١١٩) ١٨ - كتاب الطلاق- ٦ - باب المطلق ثلاثًا لا نفقة لها.\nأبو زيد: هي كنية أسامة.","vol":"4","page":1775},{"text":"فزوجنيه، فكرِّمني الله بأبي زيد، وشرَّفني اللهُ ورفعني به.\n١٨٣٤ - (١) روي الطبراني عن الزُهَّري قال: كان أسامة بن زيد يدعى بالأمير حتى مات يقولون بعثه رسول الله ﷺ ثم لم ينزعه حتى مات.\n* * *\n_________\n١٨٣٤ - المعجم الكبير (١/ ١٥١).\nأورده الهيثمى في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٦). وقال: رواه الطبراني مرسلا ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":1776},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>٩ - عمار بن ياسر ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته:\nعمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوديم من بني ثعلبة ابن عوف بن حارثة بن عامر بن يام بن عَنْس بنون ساكنة ابن مالك العنسي أبو اليقظان حليف بني مخزوم وأمه سمية مولاة لهم .. كان من السابقين الأولين هو وأبوه وكانوا ممن يعذب في الله فكان النبي ﵌ يمر عليهم فيقول \"صبَّرا آل ياسر موعدكم الجنة\" واختلف في هجرته إلى الحبشة وهاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها ثم شهد اليمامة فقطعت أذنه بها، ثم استعمله عمر على الكوفة وكتب إليهم أنه من النجباء من أصحاب محمد. قال عاصم عن زر عن عبد الله أن أول من أظهر إسلامه سبعة فذكر منهم عمارأ أخرجه ابن ماجه وعن وبره عن همام عن عمار قال رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر.\nوتواترت الأحاديث عن النبي ﵌ أن عمارًا تقتله الفئة الباغية وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفين سنة سبع وثمانين في ربيع وله ثلاث وتسعون واتفقوا على أنه نزل فيه ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. أهـ.\nوقال ابن كثير: وكان آدم اللون، طويلًا، بعيد ما بين المنكبين، أشهل العينين، رجلًا لا يغيرُه شيبه.\nوقال الذهبي: له عدة أحاديث ففي مسند بقي له اثنان وستون حديثًا ومنها في الصحيحين خمسة ...\nوروى منصور عن مجاهد: أول من أظهر إسلامه سبعة فذكرهم، زاد فجاء أبو جهل يشتم سمية وجعل يطعن بحربته في قلبها حتى قتلها فكانت أول شهيدة في الإسلام ... قال الشعبي: سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم.","vol":"4","page":1777},{"text":"قال عبد الله بن أبي الهذيل: رأيت عمارًا اشتري قتًّا (١) بدرهم وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة.\nعن الشعبي قال عمر لعمار: أساءك عزلنا إياك: قال. لئن قلت ذاك: لقد ساءني حين استعملتني وساءني حين عذلتني قال أبو عاصم: عاش عمار ثلاثأ وتسعين سنة وكان لا يركب على سرح ويركب راحلته] قتل في صفين [وكانت صفين في صفر وبعض ربيع الأول من سنة سبع وثلاثين قالت عائشة: وقد كان عمار ينكر على عثمان أمورًا لو كف عنها لأحسن، فرضي الله عنهما. ا. هـ.\n١٨٣٥ - (٢) روي الترمذي عن علي: جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي ﷺ فقال: \"ائذنوا له، مرحبًا بالطيب المطيب\".\n١٨٣٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لعمار: \"أبشر تقتلك الفئة الباغية\".\n١٨٣٧ - * روى البخاري عن أبي سعيد رفعه: \"ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار\".\n١٨٣٨ - * روى الترمذي عن عائشة رفعته: \"ما خُيِّرَ عمارّ بين أمرينِ إلا اختار أرشدهما\".\n١٨٣٩ - * روي البراز عن بلال بن يحي: لما قتل عمار قيل لحذيفة هذا الرجل\n_________\n(١) القت: الفِصِفِعة من علف الدواب.\n١٨٣٥ - الترمذي (٥/ ٦٦٨) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٨٣٦ - الترمذي (٥/ ٦٦٩) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٨٣٧ - البخاري (١/ ٥٤١) ٨ - كتاب الصلاة- ٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد.\n١٨٣٨ - الترمذي (٥/ ٦٦٨) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٨٣٩ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٥٣). وقال الهثيمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٥): رواه البزار والطبراني في الأوسط=","vol":"4","page":1778},{"text":"وقد اختلف الناس فما تقول؟ قال سمعت النبي ﷺ يقول: \"أبو اليقظان على الفِطرة لا يدَعُها حتى يموت أو يَمَسه الَهَرم\".\n١٨٤٠ - * روى أحمد عن عثمان: أقبلت مع النبي ﷺ نتمشى في البَطحاء حتى أتى على عمار وأبيه وأمه يعذبون، فقال أبو عمار يا رسول الله: الدَّهر هكذا؟ فقال ﷺ \"اصبر، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فَعَلْتَ\".\n١٨٤١ - * روى الطبراني عن خالد بن الوليد رفعه: \"من يحقِر عمارأ يحقِره الله، ومن يسبه يسُبه الله، ومن ينتقِصه ينتقِصه الله\".\nوفي رواية: \"ومن يُعَادِ عمارأ يُعادِه الله\".\n١٨٤٢ - * روى الطبراني عن عمرو بن العاص وقد أتاه رجلان يختصمان في دم عمار وسلبه، فقال عمرو: خّلِّيَا عنه، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: \"قاتِلّ عمار وسالِبُه في النار\".\n١٨٤٣ - * روى أحمد والطبراني عن عبد الله بن الحارث أن عمرو بن العاص قال لمعاوية يا أمير المؤمنين: أما سمع رسول الله ﷺ يقول حين كان يبني المسجد لعمار: \"إنكَ لَحرِيصّ على الجهاد، وإنك لَمِن أهل الجنة، ولَتَقْتُلنك الفئة الباغية؟ \" قال: بلي. قال: فلم قتلتُموه؟ قال: واللهِ ما تزالُ تَدْحَضُ في بَوْلك أنحن قتلناه؟ إنما قتلهُ الذي جاء به.\nقال محقق السير: وهذه مغالطة من معاوية، غفر الله له، وقد رد عليه علي، رضي\n_________\n= باختصار ورجالهما ثقات.\n١٨٤٠ - أحمد في مسنده (١/ ٦٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٣): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n١٨٤١ - المعجم الكبير (٤/ ١١٣، ١١٢) مطولًا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٤): رواه الطبراني مطولا ومختصرا بأسانيد منها ما وافق أحمد ورجاله ثقات، ومنها ما هو مرسل. كما أخرج نحوه أحمد في مسنده (٤/ ٩٠).\n١٨٤٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٧)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١٨٤٣ - أحمد في مسنده (٤/ ١٩٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٧): رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"4","page":1779},{"text":"الله عنه بأن محمدًا ﷺ، إذًا قتل حمزة حين أخرجه.\nقال ابن دحيه: هذا من على إلزام مفحم لاجواب عنه، وحجة لا اعترض عليها، ونقل المناوي في فيض القدير قول عبد القاهر الجرجاني في كتاب \"الإمامة\": أجمع فقهاء الحجاز، والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك، الشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين أن عليأ مصيب في قتاله لأهل صفين. كما هو مصيب في أهل الجمل، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، ولكن لا يكفرون ببغيهم. وقال القرطبي ص: (٦١٣٨): ... فتقرر عند علماء المسلمين، وثبت بدليل الدين، أن عليأ ﵁ كان إمامًا، وأَن كل من خرج عليه باغ، وأن قتاله- يعني الخارج- واجب حتى يفيء إلى الحق، وينقاد إلى الصلح.\n١٨٤٤ - * روى ابن سعد والحاكم عن عبد الله قال: أولُ من أَظهر إسلامه سَبعةّ: رسولُ الله ﷺ، وأبو بكر، وعمار، وأَمه سُميّة، وصهيبّ، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ، فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر، فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم، فألبسهم المشركون أذراع الحديد، وصفِّدوهم في الشمس، وما فيهم أَحد إلا وقد وَاتّاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسُه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدانَ يطوفون به في شِعاب مكةَ وهو يقولُ: أَحد أَحد.\n١٨٤٥ - * روى ابن سعد والحاكم عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أَخذ المشركون عمارًا، فلم يتركوه حتى نال من رسول الله ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فلما أَتي النبي ﷺ، قال: \"ما وراءك؟ \" قال: شّر يا رسول الله. والله ماتُركْتُ حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخير، قال: \"فكيف تَجدُ قلبك؟ \" قال: مطمئن بالإيمان. قال: \"فإن عادُوا فعُد\".\n_________\n١٨٤٤ - الطبقات الكبرى (٣/ ٢٤٧). والمستدرك (٣/ ٢٨٤)، وصححه ووافقه الذهبي، وأورده الذهبي في السير (١/ ٣٤٧) وقال محقق السير: سنده حسن.\n١٨٤٥ - الطبقات الكبرى (٣/ ٢٤٩) والمستدرك (٢/ ٣٥٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1780},{"text":"١٨٤٦ - * روى أحمد والترمذي والحاكم عن حذيفة، مرفوعًا: \"اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر اهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد\".\n١٨٤٧ - * روى مسلم وأحمد وابن سعد، عن أبي سعيد قال: أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المسجد، فجعلنا ننقل لبنَةَّ لَبِنَةّ، وعمارّ ينقل لبنتين لبنتين، فَتَرِبَ رأسُه، فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله أنه جعل يّنفْضُ رأسه ويقول \"ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية\".\nقال الحافظ في \"الفتح\": روى حديث عمار (تقتل عمار الفئة الباغية) جماعة من الصحابة. منهم قتادة بن النعمان كما تقدم، وأم سلمه عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان، وحذيفة وأبو أيوب، وأبو رافع، وخزيمة بن ثابت، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو اليسر، وعمار نفسه. وكلها عند الطبراني وغيره. وغالب طرقها صحيحة أو حسنة. وفيه عن جماعة آخرين يطول ذكرهم أ. هـ.\n١٨٤٨ - * روى ابن سعد وعبد الرزاق عن طارِق بن شهاب: إن أهلَ البصرة غزوا نهاوند، فأمدهم أهل الكوفة وعليهم عمار، فظفِروا، أهلّ البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة شيئًا. فقال رجل تميميّ: أيها الأجدعّ! تُريد أن تشاركنا في غنائمنا؟ فقال: خيرَ\n_________\n١٨٤٦ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٥).\nوالترمذي (٥/ ٦٧٣) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\nوالمستدرك (٣/ ٧٥). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٨٤٧ - مسلم (٤/ ٢٢٣٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة- ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمني أن يكون مكان الميت من البلاء.\nوأحمد في مسنده (٣/ ٥).\nالطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٢).\n١٨٤٨ - الطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٤). والمصنف (٥/ ٣٠٣). وأورده الذهبي في السير (١/ ٤٢٢). وقال محققه: إسناده صحيح.","vol":"4","page":1781},{"text":"أذنَّي سببتُ، فإنها أُصيبت مع رسول الله ﷺ. قال: فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: إن الغنيمةّ لمن شَهدَ الوقعة.\n١٨٤٩ - * روى أحمد عن عمار قال: إنَّ أمَّنا- يعني عائشة- قد مضت لسبيلها، وإنها لزوجتُه في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا بها ليِعلم إياهُ نُطيع أو إياها.\n١٨٥٠ - * روى البخاري عن عمار، قال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها.\n١٨٥١ - * روى أحمد وابن سعد والحاكم عن أبي البَحتري قال: عِّمار يومّ صفِّين: ائتوني بشربة لبن، قال: فشرب، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن\" ثم تقدم فقتل.\n١٨٥٢ - * روى البخاري عن عمار أنه قال: ثلاثة مَنْ كُنّ فيه، فقد استكمل الإيمان، أو قال: من كمال الإيمان: الإنفاقُ من الإقتار، والإنصافُ من نفسك، وبذلُ السلام للعالَمِ.\n١٨٥٣ - * روى الحاكم عن حارثة بن مضرب قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁ إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا وعبد الله بن مسعود مُعلما ووزيرًا، وهما من النُجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فأسمعوا، وقد جعلت ابن مسعود على بيت ما لكم فأسمعوا فتعلموا منهما واقتدوا بهما وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي.\n١٨٥٤ - * روى الترمذي والحاكم عن خيثمة بن أبي سبره الجعفي قال: أتيتّ المدينة\n_________\n١٨٤٩ - أحمد في المسند (٤/ ٢٦٥). وأورده الذهبي في السير (١/ ٤٢٤).\n١٨٥٠ - البخاري (٧/ ١٠٦) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٣٠ - باب فضل عائشة.\n١٨٥١ - أحمد في مسنده (٤/ ٣١٩)، والطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٧)، والمستدرك (٣/ ٣٨٩). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٨٥٢ - علقه البخاري ووصله غير واحد، منهم الإمام أحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة.\n١٨٥٣ - المستدرك (٣/ ٣٨٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n١٨٥٤ - الترمذي (٥/ ٦٧٤) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود.","vol":"4","page":1782},{"text":"فسألتُ الله أن يُيسر لي جَليسًا صالحًا فيِّسر لي أبا هريرة فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أرض الكوفة جئت ألتمس العلم والخير، فقال: أليس فيكم سعد بن مالك مُجاب الدعوة، وعبد الله بن مسعود صاحب ظَهور رسول الله ﵌ نعليه، حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ، وعمار بن ياسر الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﵌، وسلمان صاحب الكتابين؟ قال قتادة والكتابان الإنجيل والفرقان.\n١٨٥٥ - * روى ابن سعد والحاكم عن عبد الله بن سلمه قال: رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخًا طِوالا الَحربة بيده ويّده ترعد فقال: والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه مع رسول الله ﵌ ثلاثَ مرات وهذه الرابعة ثم قال: والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعَفات هَجَر لعرفتُ أنَا على الحق وهم على الباطل.\n١٨٥٦ - * روى الطبراني وعبد الله بن أحمد عن كلثوم بن جبر قال: كنت بواسط القصب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشي في منزل عنبسة بن سعيد إذ جاء رجل فقال: إن قاتل عمار بالباب فتأذنون له فيدخل، فكره بعض القوم وقال بعض: أدخلوه، فدخل فإذا رجلّ عليه مقطَّعات له. فقال: لقد أدركت رسول الله ﷺ. وأنا أنفع أهلي فأرد عليهم الغنم، فقال رجل من القوم: أبا العادية كيف كان أمر عمار؟ قال: كنا نعد عمارًا من خيارنا حتى سمعته يومًا في مسجد قباء يقع في عثمان فلو خلصت إليه لوطئته برجلي فما صليت بعد ذلك صلاة إلا قلت: اللهم لقني عمارا، فلما كان يوم صفين استقبلني رجل بسوق الكتيبة فاختلفت أنا وهو ضربتين فبدرته فضربته فكبا لوجهه.\n_________\nوقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوالمستدرك (٣/ ٣٩٢). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٨٥٥ - الطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٧). والمستدرك (٣/ ٣٩٢). وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي.\n١٨٥٦ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٨): رواه كله الطبراني وعبد الله باختصار ورجال أحد إسنادي الطبراني رجال الصحيح.\nوذكره الذهبي في السير (١/ ٤٢٥). وقال محققه: رجاله ثقات.\nمقطعّات: برود عليها وشّي مقطّعّ.=","vol":"4","page":1783},{"text":"ثم قتلته. وفي رواية قال عبد الأعلى أدخلوه، فأُدخل عليه مقطعات له، فإذا رجل طوال ضَرْب من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة- قلت فذكر نحوه حتى قال: فلما كان يوم صفين أقبل يمشي أول الكتيبة راجلًا حتى كان بين الصفين طعن رجلًا في ركبته بالرمح فصرعه فانكفأ المغفر عنه فأضربه فإذا رأس عمار بن ياسر. قال له يقول له مولى: لنا أي يده كفتاه فلم أر رجلًا أبين ضلالة منه ..\n١٨٥٧ - * روى الترمذي عن عمرو بن غالب رحمة الله، أن رجلًا نال من عائشة عند عمار بن ياسر ﵁، فقال: أغرب مقبوحًا منبوحًا، أتوذي حبِّيبة رسول الله ﷺ؟.\n١٨٥٨ - * روى البزار والطبراني عن بلال بن يحي قال: لما قُتل عثمانُ ﵁ أُتِيَ حذيفةُ فقِيل له: يا أبا عبِد الله قُتل هذا الرجلُ وقد اختلف الناسَ فما تقول؟ قال: أسندوني- وقد كان مريضًا- فأسندوه إلى ظهرِ رجلٍ فقال: سمعَت رسولَ الله ﷺ يقول \"أبو اليقظان على الفِطرة لا يدعها حتى يموت أو يمسه الهرم\".\n١٨٥٩ - * روى أبو يعلى والبزار والطبراني عن مولاة لعمار بن ياسر قالت: اشتكي عمار ابن ياسر شكوى بعل منها فُغُشيَ عليه فأفاق ونحن نبكي حوله، فقال: ما يبكيكم أتحسبون أني مت على فراشي، أخبرني حبيبي ﷺ أنه تقتلني الفئةُ الباغيةُ وأنَ آخر زادي مذّقَةُ من لبنٍ.\n_________\n=الضَّرب: البطل الخفيف اللحم ممشوق القَدِّ.\n١٨٥٧ - الترمذي (٥/ ٧٠٧) ٥٠ - كتاب المناقب- ٦٣ - باب فضل عائشة.\nوقال هذا حديث حسن.\nغرب: أُغُرُبّ: بمعني أبعد، كأنه أمره بالغروب والاختفاء.\nمقبوحًا: المقبوح: الذي يردّ ويطرد، ويقال: قبحُّه الله، أي: أبعده.\nمنبوحا: المنبوح: الذي يضرب له مثل الكلب.\n١٨٥٨ - رواه البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٥٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٥): رواه البزار والطبراني في الأوسط باختصار ورجالهما ثقات.\n١٨٥٩ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٥٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٥): رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه ورواه البزار باختصار وإسناده حسن.\nبعل منها: ضعف منها.\nمذقة: شربة","vol":"4","page":1784},{"text":"١٨٦٠ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: جاء عمارّ بنَ ياسر، يَستْأذنُ على النبي ﷺ، فقال: \"ائذنوا له، مرحبًا بالطيِّب الُطيِّب\".\n١٨٦١ - * روى الطبراني عن جابر: أن النبي ﷺ مرِّ بعمار بن ياسر وبأهله يعذبون في الله ﷿ فقال \"أبشروا آل ياسر موعدكم الجنة\".\n١٨٦٢ - * روى أحمد والترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ما خُيِّرَ عَمَّار بين أمرين إلا اختار أسدهما\".\n١٨٦٣ - * روى النسائي والحاكم والبزار عن عمرو بن شرحبيل ﵀ عن رجل من أصحاب رسولِ الله ﷺ قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"ملئ عمار إيمانًا إلى مشاشة\".\n١٨٦٤ - * روى أحمد عن حنظله بن خويلد العنبري قال: بينا أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبد الله بن عَمْرو: ليطب به أحدكما نفسًا لصاحبه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تقتله الفئة الباغية\" فقال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلي رسول الله ﷺ قال: \"أطع أباك ما دام حيًا ولا تعصه\". فأنا معكم ولست أقاتل.\n...\n_________\n١٨٦٠ - الترمذي (٥/ ٦٦٨) ٥٠ - كتاب المناقب-٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٨٦١ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٣): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال صحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة.\n١٨٦٢ - أحمد في مسنده (٦/ ١١٣).\nوالترمذي (٥/ ٦٦٨) ٥٠ - كتاب المناقب-٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر.\nوقال: حديث حسن غريب. ... والمستدرك (٣/ ٣٨٨).\n١٨٦٣ - النسائي (٨/ ١١١) كتاب الإيمان وشرائعه، باب تفاضل أهل الإيمان.\nوالمستدرك (٣/ ٣٩٢). وصححه ووافقه الذهبي.\nوالبزار: كشف الأستار (٣/ ٢٥٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٥): رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح.\nمشاشه: المشاش: جمع مشاشة: وهي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها.\n١٨٦٤ - أحمد في مسنده (٢/ ١٦٤).","vol":"4","page":1785},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>١٠ - عبد الله بن مسعود ﵁</span>\nقال ابن حجر:\nعبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي أبو عبد الرحمن حليف بني زهرة، احد السَابقين الأوّلين أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها ولازم النّبيّ ﷺ وكان صاحب نعليه، من أخباره بعد رسول الله ﷺ أنّه شهد فتوح الشّام وسيّره عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم.\nوقال ابن كثير:\nوقد شهد ابن مسعود بعد النّبيّ ﷺ مواقف كثيرة منها اليرموك وغيرها وكان قدم العراق حاجَّا، فمر بالرِّبَذّة- موضع قرب المدينة نحو الشرق فشهد وفاة أبي ذر ودفنه، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدًا، ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة.\nوقال الذهبي في ترجمته:\nالإمام الَحّبر فقيه الأمّة، كان من السّابقين الأوّلين ومن النّجباء العالمين ومناقبه غزيرة روى علمًا كثيرًا، وروى عنه القراءة أبو عبد الرحمن السلمي وعُبَيْد بن نَضْلَة وطائفة، اتفقا له في الصحيحين على أربعة وستين وانفرد له البخاري بإخراج أحد وعشرين حديثًا ومسلم بإخراج خمسة وثلاثين حديثًا وله عند بَقي بالمكرر ثماني مِأئة وأربعون حديثًا، كان معدودًا في أذكياء العلماء، وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان عبد الله لطيفًا فطنًا .... وعن عبيد الله بن عبد الله قال: مات ابن مسعود بالمدينة ودفن بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين وكان نحيفًا قصيرًا الأدمة. أ. هـ.\nأقول: اجتمع له ﵁ السبق والجهاد ومخالطة رسول الله ﷺ وخدمته والعبادة الكثير والعلم الواسع والتعليم العريض، ويكفي أنه إمام أهل الكوفة في الفقه، وعن مدرسته انبثقت مدرسة الحنفية أوسع المدارس الفقهية وأكثرها انتشارًا وأبعدها تأثيرًا في تاريخ القضاء والفتيا، وكان له اجتهاد يخالف اجتهاد عثمان في إبقاء القراءات المأثور على غير حرف قريش الذي كتب به مصحف عثمان ولذلك لم يحرق مصحفه.","vol":"4","page":1786},{"text":"١٨٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسي قال: قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينًا ولا ندري إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت النبي ﷺ من كثرة دخولهم عليه ولزومهم به.\n١٨٦٦ - * روى ابن ماجة عن ابن مسعود قال: إن أبا بكر وعمر بشراه أن النبي ﷺ قال: \"من أحب أن يقرأ القرآن غضأ كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد\".\n١٨٦٧ - * روى البزار والطبراني والحاكم عن ابن مسعود قال: لقد رأيتني وإني لسادس ستة ما على الأرض مسلمًا غيرنا.\n١٨٦٨ - * روى أحمد بن ابن مسعود قال: كنت أرعي غنمًا لعُقبةَ بن أبي مُعَيّط، فمُّر بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال: \"يا غلام! هل من لبن؟ \" قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: \"فهل من شَاة لم ينُز عليها الفحل؟ \" فأتيتُه بشاة، فمسح ضِرُعَها، فنزل لبنّ، فحلب في إناء، فشرب، وسقي أبا بكر، ثم قال للضرع: \"اقلُصْ\" فقلص. زاد أحمد قال: ثم أتيته بعد هذا، ثم اتفقا- فقلت: يا رسول الله! عَلّمني من هذا القول، فمسح رأسي، وقال: \"يرحمك الله إنك غُلَيَّمّ معلَّم\".\nوفي رواية لأحمد (١) زاد: فأتيتُه بصخرة منقعرة، فحلب فيها، قال: فأسلمتُ وأتيتُه.\n١٨٦٩ - * روى البخاري عن شقيق بن سلمه، قال: خطبنا عبد الله بن مسعود،\n_________\n١٨٦٥ - البخاري (٧/ ١٠٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٧ - باب مناقب عبد الله بن مسعود.\nومسلم (٤/ ١٩١١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٢ - باب من فضائل عبد الله بن مسعود.\n١٨٦٦ - ابن ماجة (١/ ٤٩) المقدمة- ١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، فضل عبد الله بن مسعود.\nورجاله رجال الصحيح غير عاصم بن بهدلة، صدوق له أوهام.\n١٨٦٧ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٤٨).\nوالمعجم الكبير (٩/ ٥٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٧): رواه الطبراني والبزار ورجالهما رجال الصحيح.\nوالمستدرك (٣/ ٣١٣) وصححه ووافقه الذهبي.\n١٨٦٨ - أحمد في مسنده (١/ ٣٧٩). وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٦٥). وقال محققه: حديث حسن.\n(١) أحمد في مسنده (١/ ٤٦٢).\n١٨٦٩ - البخاري (٩/ ٤٦) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن-٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ.","vol":"4","page":1787},{"text":"فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله، ﷺ، بضعًا وسبعين سورة. والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ، أني من أعلمهم لكتاب الله، وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون. فما سمعت رادًا يقول غير ذلك.\nوذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: أول من جهرَ بالقرآن بمكة بعد رسول الله ﷺ عبدُ الله بنُ مسعود.\n١٨٧٠ - * روى الحاكم عن أنس: أن النبيَّ ﷺ آخى بين الزبير وابن مسعود.\n١٨٧١ - * روى مسلم عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا عبد الله، إذنك علي أن ترفع الحجاب، وتسمعَ سِوادي حتى أنهاك\".\n١٨٧٢ - * روى مسلم، عن أبي الأحوض قال: أتيت أبا موسي وعنده عبد الله وأبو مسعود الأنصاري وهم ينظرون إلى مصحف، فحدثنا ساعة، ثم خرج عبد الله، وذهب، فقال أبو مسعود: والله مَا أعَلَمُ النبيَّ ﷺ، ترك أحدًا أعلَم بكتاب الله من هذا القائم.\n١٨٧٣ - * روى الحاكم أحمد والترمذي والحاكم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقتدوا باللَّذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدْي عمار، وتمسَّكوا بعهد ابن أم عبد\".\n١٨٧٤ - * روى الحاكم عن جعفر بن عمرو بن حريث: عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"قد رضيتّ لكم ما رضي لكم ابن أُم عبد\".\n_________\n١٨٧٠ - المستدرك (٣/ ٢١٤). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٨٧١ - مسلم (٤/ ١٧٠٨) ٣٩ - كتاب السلام- ٦ - باب جواز جعل الإذن رفع حجاب أو نحوه من العلامات.\nالسوّاد: الِّسرار والمحادثة.\n١٨٧٢ - مسلم (٤/ ١٩١٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه.\n١٨٧٣ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٥).\nوالترمذي (٥/ ٦٧٢) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود.\nقال: وهذا حديث حسن غريب.\nوالمستدرك (٢/ ٧٥). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٨٧٤ - المستدرك (٣/ ٣١٩). وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1788},{"text":"١٨٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله قال: قال لي النبيُّ ﷺ: \"اقرأ عليَّ\"\nقلت: يا رسول الله أقرأُ عليكَ أُنزل؟ قال: \"إني أشتهي أن أسمعه من غيري\".\nفقرأتُ النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١) قال لي: كف أو أمسك. فرأيت عينيه تذرفان.\n١٨٧٦ - * روى ابن سعد والحاكم عن حارثة بن مضرب قال: كتب عمرُ بن الخطاب إلى أهل الكوفة: إنني قد بعثت إليكم عمارأ أميرًا، وابنَ مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد، ﷺ، من أهل بدر، فاسمعوا لهما واقتدُوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي.\nوذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢) عن زيد بن وهب قال: لما بعث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالمجيء إلى المدينة، اجتمع إليه الناسُ، فقالوا، أقم فلا تخرج، ونحن نمنعك أنْ يضلَ إليك شيء تكرهه. فقال: إنَّ له علي طاعة، وإنها ستكون أمور وفتنُ لا أحب أن أكون أولَ من فتحها. فردَّ الناس وخرج إليه.\nوذكر الذهبي في السير (٣) عن أبي وائل أن ابن مسعود رأي رجلًا قد أسبل، فقال: ارفع إزارك، فقال: وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك، قال: إنَّ بساقِّي حموشة وأنا أؤم الناس فبلغ ذلك عمر، فجعل يضرب الرجل، ويقول: أتردّ على ابن مسعود؟\nوذكر الذهبي أيضًا (٤) عن مسروق قال: شاعت أصحابَ محمد، ﷺ، فوجدتُ علمهم انتهي إلى ستة: عليِّ، وعُمَر، وعبد الله، وزيد، وأبي الدرداء، وأبيّ. ثم شاعتُ الستة،\n_________\n١٨٧٥ - البخاري (٩/ ٩٨) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن- ٣٥ - باب البكاء عند قراءة القرآن.\nومسلم (١/ ٥٥١) ٦ - صلاة المسافرين وقصرها- ٤٠ - باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظ للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر.\n(١) النساء: ٤٠.\n١٨٧٦ - الطبقات الكبرى (٣/ ٢٢٥). والمستدرك (٢/ ٣٨٨). وصححه ووافقه الذهبي.\n(٢) السير (١/ ٤٨٩). وقال محققه: رجاله ثقات وذكره الحافظ في الفتح (٦/ ٢١٧) ونسبه إلى ابن سعد.\n(٣) السير (١/ ٤٩٢). وقال محققه: رجاله ثقات وقد ذكره ابن حجر في الإصابة ونسبه إلى البغوي.\n(٤) السير (١/ ٤٩٣). وقال محققه رجاله ثقات.","vol":"4","page":1789},{"text":"فوجدتُ علمهم انتهي إلى علي وعبد الله.\n١٨٧٧ - * روى البخاري عن علقمة قال: جلستُ إلى أبي الدرداء، فقال: ممن أنتَ؟\nقلتُ: من الكوفة. فقال: أو ليسَ عندكم ابنّ أمِّ عبد، صاحب النعلين، والوساد والمِطهرة، وفيكم صاحبُ السرِّ، وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيِّه.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن عبد الله قال: من أراد الآخرة أضرَّ بالدُّنيا، ومن أراد الدنيا، أضرَّ بالآخرة، يا قوم فأضِرُّوا بالفاني للباقي.\n١٨٧٨ - * روى ابن سعد عن قيس قال: دخل الزبير على عثمان ﵁ بعد وفاة عبد الله فقال: أعطني عطاءّ عبد الله، فعيالُ عبد الله أحقُّ به من بيت المال. فأعطاه خمسة عشر ألفًا.\n١٨٧٩ - * روى الحاكم بن زيد بن وَهّب قال: كنت جالسًا عند عمر إذ جاءه رجل نحيف فجعل ينظر إليه ويتهلل وجهه ثم قال: كُنَيْفّ مّلِيء علمًا. يعني عبد الله بن مسعود.\n١٨٨٠ - * روى الحاكم عن عمرو بن ميمون قال: كان عبد الله يأتي عليه السنة لا يحدث عن رسول الله ﵌ فحدث ذات يوم عن رسول الله ﵌ بحديث فعلته كآبه وجعل العرق يتحادر على جبهته ويقول: نحو هذا أو قريبًا من هذا.\n١٨٨١ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قال: كنت مع النبي ﵌\n_________\n١٨٧٧ - البخاري (٧/ ١٠٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٧ - باب مناقب عبد الله بن مسعود.\n(١) السير (١/ ٤٩٦). وقال محققه: رجاله ثقات.\n١٨٧٨ - الطبقات الكبير (٣/ ١٦٠)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٩٨). وقال محققه: رجاله ثقات.\n١٨٧٩ - المستدرك (٣/ ٣١٨). وصححه ووافقه الذهبي.\nالكُنّيّف: تصغير كنْف: وهو الوعاء، والتصغير هنا تصغير تعظيم.\n١٨٨٠ - المستدرك (٣/ ٣١٤). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٨٨١ - المستدرك (٣/ ٣١٧). وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1790},{"text":"وسلم ومعه أبو بكر ﵁ وما شاء الله من أصحابه فمررنا بعبد الله بن مسعود وهو يصلى فقال النبي ﵌: \"من هذا؟ \" فقيل: عبد الله بن مسعود.\nفقال: \"إن عبد الله يقرأ القرآن غضا كما أنزل\". فأثني عبد الله علي ربه وحمده فأحسن في حمده على ربه ثم سأله فأجْمّلّ المسالةَ وسأله كأحسن مسألة سألها عبدُ رَبَّه ثم قال: اللهم إني أسألك إيمانا لا يَرْتَدّ، ونعيمًا لا ينفد، ومرافقة محمد ﵌ في أعلي عليين في جنانك جنان الخلد. قال: وكان رسول الله ﷺ يقول: \"سل تعط سل تعط\". مرتين. فانطلقت لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني وكان سباقًا بالخير.\n١٨٨٢ - (١) روي البخاري والترمذي عبد الرحمن بن يزيد قال: أتينا على حذيفة فقلنا: حدثنا من أقرب الناس من رسول الله ﷺ هديًا ودلا فنأخذ عنه ونسمع منه؟ قال: كان أقرب الناس هديًا وذلا وسمتًا برسول الله ﷺ ابن مسعود حتى يتوارى منا في بيته، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن ابن أم عبد هو أقربهم إلى الله زلفى.\n١٨٨٣ - * روى أبو يعلى عن قيس بن مروان قال: جاء رجل إلى عمر وهو بعرفة فقال: يا أمير المؤمنين جئت من الكوفة وتركت بها رجلًا يملي المصاحف عن ظهر قلب، قال: فغضب عمر وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل فقال: ويحك من هو؟\nفقال: عبد الله بن مسعود. فما زال عمر يطفئ ويسري عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها. فقال: ويحك والله ما أعلمه بَقيَ أحد من الناس هو أحق بذلك منه،\n_________\n١٨٨٢ - البخاري مختصرًا (٧/ ١٠٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٧ - باب مناقب عبد الله بن مسعود.\nوالترمذي (٥/ ٦٧٣) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود.\nالسّمت: والذل والَهدْيُ: متقاربات، وهي بمعني السيرة والحالة.\nحتى يتوارى: احتراز من الشهادة على الباطل المستور.\nلقد علم المحفوظون: يعني: الذين حفظهم الله من تخريف في قول أو فعل.\n١٨٨٣ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٨٧) رواه أبو يعلى بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح، غير قيس بن مروان وهو ثقة.\nانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل: تعبير عربي شائع كناية عن شدة الغضب.","vol":"4","page":1791},{"text":"وسأحدثك عن ذلك كان رسول الله ﷺ لا يزال يَسّمُرُ عند أبي بكر الليلة كذلك لأمر من أمر المسلمين وإنه سَمَرَ عنده ذات ليلة وأنا معه ثم خرج رسول الله ﷺ يمشي ونحن نمشي معه فإذا رجل قائم يصلى في المسجد فقام رسول الله ﷺ يستمع قرآنه فلما كدنا نعرف الرجل قال رسول الله ﷺ: \"من سره أن يقرأ القرآن رطّبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد\". قال: ثم جلسَ الرجلُ يدعو فجلس رسول الله ﷺ \"سلْ تعطَهُ\"\". قال عمر فقلت: والله لأعودن إليه فلأبشرنه. قال: فعدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني فبشره، فلا والله ما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه. وفي رواية: فأتي عمر عبد الله ليبشره فوجد أبا بكر خارجًا فقال: إن فعلت إنك لسباق بالخير.\n١٨٨٤ - * روى أحمد والبزار عن مجاهد عن ابن عباس قال: أي القراءتين كانت آخر، قراءة عبد الله أو قراءة زيد؟ قال: قلنا قراءة زيد. قال: ألا إن رسول الله ﷺ كان يعرض القرآن على جبريل ﵇ كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين، وكان آخر القراءة قراءة عبد الله.\n١٨٨٥ - * روى أحمد وأبو يعلى والطبراني عن علي قال: أمر النبي ﷺ ابن مسعود فصعد شجرة فأمره أن يأتيه منها بشيء فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله حين صعد فضحكوا من حموشة ساقية النبي ﷺ: \"ما تضحكون؟ لَرِجْل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد\".\n١٨٨٦ - * روى الطبراني والبزار والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: لقد رأيتني وإني\n_________\n١٨٨٤ - أحمد في مسنده (١/ ٣٢٥).\nوالبزار: كشف الأستار (٣/ ٣٥١). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٨٨): رواه والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.\n١٨٨٥ - أحمد في مسنده (١/ ١١٤)، والمعجم الكبير (٩/ ٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٨): رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني ورجالهم رجال الصحيح.\nحموشة: دقَّة.\n١٨٨٦ - الزار: كشف الأستار (٣/ ٢٤٨)، والمعجم الكبير (٩/ ٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٧):\nرواه البزار والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، والمستدرك (٣/ ٣١٣)، وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1792},{"text":"لسادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا.\n١٨٨٧ - * روى أحمد والطبراني عن الحسن قال: قال رجل لعمرو بن العاص: أرأيت رجلًا مات رسول الله ﷺ وهو يحبه أليس رجلًا صالحًا؟ قال: قلت بلي. قال: قد مات رسول الله ﷺ وهو يحبك وقد استعملك. قال: قد استعملني فوالله ما أدري حبُّا كان لي منه أو استعانة بي ولكن سأحدثك برجلين مات رسول الله ﷺ وهو عنهما راض عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر.\n١٨٨٨ - * روى الطبراني عن حارثة بن مُضَرّب قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة قد بعثت عمارّا أميًرا وعبد الله بن مسعود وزيًرا وهما من النجباء من أصحاب محمد ﵌ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما وقد آثرتكم بعد الله علي نفسي.\n١٨٨٩ - * روى الحاكم عن علقمة قال: قدمت الشام فصليت ركعتين ثم قلت: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا. فلقيت قومًا فجلست فإذا بواحد جاء حتى جلس إلى جنبي، فقلت: من ذا؟ قال: أبو الدرداء. فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فَيُسِّرَ لي. فقال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أو ليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوسادة والمطهرة، وفيكم صاحب سر رسول الله ﵌ الذي لا يعلمه غيره.\n١٨٩٠ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قيل له: أخبرنا عن أصحاب رسول الله ﵌ قال: عن أيهم؟ قال: أخبرنا عن عبد الله بن مسعود قال: عَلِمَ\n_________\n١٨٨٧ - أحمد في مسنده (٤/ ٢٠٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٠): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح.\n١٨٨٨ - المعجم الكبير (١/ ٨٥). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩١): رواه الطبراني ورجاله رجاله الصحيح غير حارثة وهو ثقة.\n١٨٨٩ - المستدرك (٣/ ٣١٦). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٨٩٠ - المستدرك (٣/ ١٢٨). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1793},{"text":"الكتابَ والسنةَ ثم انتهي وكفى به. وذكر باقي الحديث.\n١٨٩١ - * روى مسلم عن أبي الأحوص عوف بن مالك ﵀ قال: شهدتُ أبا موسي وأبا مسعود الأنصاري ﵄ حين مات ابن مسعود، فقال أحدهما لصحابه: أتّراه ترك بعده مثله؟ فقال: إن قلت ذَلك إن ليؤذَنُ له إذا حُجِبْنا، ويشهدّ إذا غبِنْا.\nوفي رواية (١) قال: كنَّا في دار أبي موسي مع نَفَرٍ من أصحاب عبد الله وهم ينظرون في مُصحفٍ، فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلّم رسولَ الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم. فقال أبو موسي: أما لئن قلتّ ذلك لقد كان يؤذَنُ له إذا حُجبِنا، ويشهدُ إذا غِبنْا.\nوفي رواية (٢): قال زيد بن وهب الجهني: كنتُ جالسًا مع حذيفة وأبي موسي .. وساق الحديث.\n١٨٩٢ - * روى مسلم عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نَزلَتْ هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ...﴾ (٣) إلى آخر الآية قال رسولُ الله ﷺ: \"قيل لي: أنتّ منهم\".\nوفي رواية الترمذي (٤) قال عبد الله بن مسعود: لما نَزلَتْ- وقرأ الآية- قال لي رسولُ الله ﷺ: \"أنتَ منهم\".\n* * *\n_________\n١٨٩١ - مسلم (٤/ ١٩١١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣٢ - باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه.\n(١) مسلم (٤/ ١٩١٢) الموضع السابق.\n(٢) مسلم (٤/ ١٩١٢) الموضع السابق.\n١٨٩٢ - مسلم (٤/ ١٩١٠) الموضع السابق.\n(٣) النساء: ٩٣.\n(٤) الترمذي (٥/ ٣٥٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن- ٦ - باب ومن سورة المائدة.","vol":"4","page":1794},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>١١ - أبو ذر الغفاري ﵁</span>\nقال ابن كثير في ترجمته:\nأبو ذر الغفاري واسمه جُنْدُبُ بن جُنَادة على المشهور، أسلم قديمًا بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة وهو أول من حيا رسول الله ﷺ بتحية الإسلام، ثم رجع إلى بلاده وقومه، فكان هناك حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزم رسول الله ﷺ حضرًا وسفرًا، وروى عنه أحاديث كثيرة، وجاء في فضله أحاديث كثيرة، ثم لما مات رسول الله ﷺ ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم نزل الرَّبذةَ (١) فأقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة، وليس عنده سوى امرأته وأولاده، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه، فحضروا موته، وأوصاهم كيف يفعلون به، وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت، وقد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله. أ. هـ.\nوقال ابن حجر في ترجمته:\nالزّاهد المشهور الصّادق اللهجة .... ويقال: إن إسلامه كان بعد أربعة وانصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، ومضت بّدْرّ وأُحد ولم تتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك، وكان طويلًا أسمر اللون نحيفًا، وكان يوازي ابن مسعود في العلم، وكانت وفاته بالربذة سنة إحدى وثلاثين وقيل التي بعدها، وعليه الأكثر.\nوقال الذهبي في ترجمته:\nوكان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ... وكان رأسًا في الزهد والصدق والعلم والعمل قوالًا بالحق، لا تأخذه في الله لوم لائم، على حدَة فيه، وله مائتا حديث وواحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على اثني عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر\n_________\nالربذة: موضع قريب من المدينة نحو الشرق.","vol":"4","page":1795},{"text":"ومما ورد فيه:\n١٨٩٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن الصامت، قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار. وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له، فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا، فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثوبة فجعل يبكي. فانطلقتا حتى نزلنا بحضرة ملكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن، فخير أنيسًا، فأتانا بصرمتنا ومثلها معها.\nقال: وقد صليت يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. فقلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي، أصلى عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس.\nقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث علي، ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله. فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء.\n_________\n١٨٩٣ - مسلم (٤/ ١٩١٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحاب- ٢٨ - باب من فضائل أبي ذر.\nفنثا: أي أشاعه وأفشاه.\nصِرمتنا: الصرمة هي القطعة من الإبل. وتطلق أيضًا على القطعة من الغنم.\nفنافر: قال أبو عبيد وغيره في شرح هذا: المنافرة المفاخرة والمحاكمة. فيفخر كل واحد من الرجلين على الآخر ثم يتحاكمان إلى رجل ليحكم أيهما خير وأعز نفرا. وكانت هذه المفاخرة في الشعر أيهما أشعر.\nعن صرمتنا وعن مثلها: معناه تراهن هو وآخر أيهما أفضل. وكان الرهن صرمه ذا وصرمة ذاك. فأيهما كان أفضل أخذ الصارمتين. فتحاكما إلى الكاهن. فحكم بأن أنيسا أفضل. وهو معني قوله فخيّر أنيسا. أي جعله الخيار والأفضل.\nخفاء: هو الكساء. وجمعه أخفية. ككساء وأكسية.\nفراث: عليَ: أي أبطا.=","vol":"4","page":1796},{"text":"قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.\nقال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر: قال: فأتيت مكة، فتضعفت رجلًا منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلى، فقال الصابئ. فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم. حتى خررت مغشيًا علي. قال فارتفعت حين ارتفعت، كأني نصب أحمر. فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها، ولقد لبثت، يا ابن أخي ثلاثين، بين ليلة ويوم، ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع.\nقال: فبينما أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، إذ ضرب على أسمختهم، فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتين منهم تدعوان إسافا ونائلة. قال فأتتا علي في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى. قال فما تناهتا عن قولهما. قال: فأتتا علي. فقلت: هن مثل\n_________\n= أقراء الشعر: أي طرقة وأنواعه.\nفتضعفت: نظرت إلى أضعفهم فسألته. لأن الضعيف مأمون الغائلة دائمًا.\nالصابئ: منصوب على الإغراء. أي انظروا وخذوا هذا الصابئ.\nنصب أحمر: يعني من كثرة الدماء التي سالت مني بضربهم. والنصّب النصّب الصنم والحجر كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده، فيحمر بالدم. وجمعه أنصاب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾.\nعكن بطني: جمع عكنة، وهو الطيَ في البطن من السمن: معني تكسرت أي انثنت وانطوت طاقات لحم بطنه.\nسُخُفة جوع: بفتح السين وضمها. هي رقة الجوع وضعفه وهزاله.\nقمراء: مقمرة.\nإضحيان: مضيئة، منورة. يقال: ليلة إضحان وإضحيانة. وضحياء ويوم أضحيان.\nأسمختهم: هكذا هو في جميع النسخ. وهو جمع سماخ، وهو الخرق الذي في الأذن يقضي إلى الرأس. يقال صماخ وسماخ. والصاد أفصح وأشهر. والمراد بأسمختهم هنا: آذانهم. أي ناموا، قال الله تعالي: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾. أي أنمناهم.\nوامرأتين: هكذا هو في معظم النسخ بالياء. وفي بعضها: وامرأتان، بالألف، والأول منصوب بفعل محذوف أي ورأيت امرأتين.\nفما تناهتا: أي ما انتهتا.\nهنّ مثل الخشبة: الهن والهنة، بتخفيف نونهما، هو كناية عن كل شيء. وأكثر ما يستعمل كناية عن الفرج والذكر. فقال لها أو مثل الخشبة في الفرج. وأراد بذلك سب أساف ونائلة وغيظ الكفار بذلك.","vol":"4","page":1797},{"text":"الخشبة. غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا! قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر. وهما هابطان، فقال: \"ما لكما؟ \" قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: \" ما قال لكما؟ \" قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم. وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر. وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته (قال أبو ذر): فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فقال: \"وعليك ورحمة الله\". ثم قال: \"من أنت؟ \"، قال قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته. فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده، فقدعني صاحبه، وكان أعلم به مني. ثم رفع رأسه، ثم قال: \"متى كنت ههنا؟ \" قال قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين، بين ليلة ويوم، قال: \"فمن كان يطعمك؟ \" قال قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع. فقال: \"إنها مباركة. إنها طعام طعم\".\nفقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها. ثم غبرت ما غبرت. ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال: إنه قد وجهت لي ارض ذات نخل. لا أراها إلا يثرب. فهل أنت مبلغ عني\n_________\n= تولولان: الولولة الدعاء بالويل.\nأنفارنا: الأنفار جمع نفر أو نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة.\nتملأ الفم: أي عظيمة لا شيء أقبح منها، كالشيء ولا يسع غيره. وقيل معناه لا يمكن ذكرها وحكايتها. كأنها تسدّ فم حاكيها وتملؤها لاستعظامها.\nفقدعني: أي كفني. يقال: قدعه وأقدعه، إذا كفه ومنعه.\nطعام طعم: أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.\nغبرت ما غبرت: أي بقيت ما بقيت.\nوجهت لي أرض: أي أريت جهتها.\nأراها: ضبطوه أراها بضم الهمزة وفتحها.\nيارب: هذا كان قبل تسمية المدينة طابة وطيبة. وقد جاء بعد ذلك حديث في النهي عن تسميتها يثرب.=","vol":"4","page":1798},{"text":"قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم\". فأتيت أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت قال: ما بي رغبة عن دينك، فأني قد أسلمت وصدقت .. فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فأني قد أسلمت وصدقت. فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم.\nوقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي. وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إخوتنا، نسلم على الذي أسلموا. عليه. فأسلموا فقال رسول الله ﷺ: \"غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله\".\n١٨٩٤ - * روى مسلم عن ابن عباس قال لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الآخر حتى قدم مكة وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني فيما أردت. فتزود وحمل شنة له، فيها ماء، حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه. وكره أن يسأل عنه. حتى أدركه- يعني الليل- فاضطجع فرآه علي فعرف أنه غريب. فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى أصبح. ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد. فظل ذلك اليوم، ولا يرى\n_________\n= ما بي رغبة عن دينكا: أي لا أكرهه، بل أدخل فيه.\nفاحتملنا: يعني حملنا أنفسنا ومتاعنا على إبلنا، وسرنا.\nإياه: الهمزة في أوله مكسورة، على المشهور- وحكى القاضي فتحها أيضًا، وأشار إلى ترجيحه، وليس براجح.\n١٨٩٤ - مسلم (٤/ ١٩٢٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٨ - باب فضائل أبي ذر.\nما شفيتني فيما: كذا في جميع نسخ مسلم: فيما. بالفاء وفي رواية البخاري: مما، بالميم، وهو أجود. أي ما بلغتني غرضي، وأزلت عني هَم كشف الأمر.\nشنة: هي القربة البالية.\nقريبته: على التصغير: وفي بعض النسخ: قربته، بالتكبير، وهي الشنة المذكورة قبله.=","vol":"4","page":1799},{"text":"النبي ﷺ. حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه. فمر به علي. فقال: ما أنى للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه. فذهب به معه. ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك. فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني؟ ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني، فعلت. ففعل. فأخبره. فقال فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ. فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء. فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل. فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله. وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ: \"ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري\". فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد. فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه. فأتى العباس فأكب عليه. فقال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام عليهم. فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها. وثاروا إليه فضربوه. فأكب عليه العباس فأنقذه.\n١٨٩٥ - * روى الطبراني عن أبي ذرٌ قال: لقد رأيتني ربع الإسلام، لم يسلم قبلي إلا النٌبي ﷺ وأبو بكر وبلال.\n١٨٩٦ - * روى أحمد والبزار عن إبراهيم بن الأشتر أن أبا ذر حضره الموت بالرٌبذَة، فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي، إنه لا يد لي بنفسك وليس عندي ثوب.\n_________\n(١) = ما أني: وفي بعض النسخ: أن. وهما لغتان. أي ما حان. وفي بعض النسخ: أما بزيادة ألف الاستفهام، وهي مراده في الرواية الأولى، ولكن حذفت، وهو جائز.\nيقفوه: أي يتبعه.\nلأصرخن بها: أي لأرفعنٌ صوتي بها.\nبين ظهرانيهم: أي بينهم. وهو بفتح النون. ويقال: بين ظهريهم.\n١٨٩٥ - المعجم الكبير (٢/ ١٤٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٧): رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما متصل الإسناد ورجاله ثقات.\n١٨٩٦ - أحمد في مسنده (٥/ ١٦٦)، و(٥/ ١٥٥). البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٦٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣١): رواه أحمد من طريقين ورجال الأولى رجال الصحيح ورواه الزار بنحوه باختصار.=","vol":"4","page":1800},{"text":"يسعك كفنًا. فقال: لا تبكي، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: «ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض من يشهده عصابة من المؤمنين». فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ولم يبق منهم غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول، فإني ما كذبت ولا كذبت. فبينما هي كذلك إذا بقوم تخب بهم رواحلهم حتى وقفوا عليها، فقالوا: مالك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفنوه وتؤجروا. قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم فابتدروه، فقال: أبشروا فأنتم النفر الذي قال فيكم النبي ﷺ ما قال، فأنشدكم بالله لا يكفنني رجل منكم كان عريفا أو أميرًا أو بريدًا. فكل القوم قد نال من ذلك شيئًا إلا فتى من الأنصار، قال: عندي ثوبان في غيبتي من غزل أمي. قال: أنت صاحبي.\nأقول: وإنما لم يرد أن يكفنه أحد من هؤلاء لأن الأمير والعريف يحتمل أن يخالط أعمالها شيء من جور، وأما البريد فلأنه قد يحمل رسالة في زور أو جور.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن زيد بن خالد الجهني قال: كنت عند عثمان، إذ جاء أبو ذر، فلما رأه عثمان قال: مرحبًا وأهلًا بأخي. فقال أبو ذر: مرحبًا وأهلًا بأخي، لقد أغلظت علينا في العزيمة، والله لو عزمت علي أن أحبو لحبوت ما استطعت، إني خرجت مع النبي ﷺ نحو حائط بني فلان، فقال لي: «ويحك بعدي»! فبكيت، فقلت: يا رسول الله، وإني لباق بعدك؟ قال: «نعم، فإذا رأيت البناء على سلع (٢)، فالحق بالمغرب، أرض قضاعة».\nقال عثمان: أحببت أن أجعلك مع أصحابك وخفت عليك جهال الناس.\n_________\n= عريفا: من كان له أسرة دون إمرة الأمير الأعلى.\nبريدًا: الذي يحمل البريد.\nعيبتي: العيبة وعاء من أدم ونحوه يكون فيه المتاع.\n(١) السير (٢/ ٧٠). وقال محققه: رجاله ثقات.\n(٢) سلع: جبل من جبال المدينة.","vol":"4","page":1801},{"text":"١٨٩٧ - * روى أحمد عن أبي أسماء أنه دخل على أبي ذر بالربذة، وعنده امرأة له سوداء مشعثة، ليس عليها أثر المجاسد والخلوق. فقال: ألا تنظرون ما تأمرني به؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيتها مالوا علي بدنياهم، وإن خليلي عهد إلي: «إن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض ومزلة». وإن أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير.\n١٨٩٨ - * روى ابن سعد عن ابن بريدة قال: لما قدم أبو موسى لقي أبا ذر فجعل أبو موسى يكرمه - وكان أبو موسى قصيرًا خفيف اللحم، وكان أبو ذر رجلًا أسود كث الشعر - فيقول أبو ذر: إليك عني! ويقول أبو موسى: مرحبًا بأخي! فيقول: لست بأخيك! إنما كنت أخاك قبل أن تلي.\n١٨٩٩ - * روى مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم».\nقال الذهبي: فهذا محمول على ضعف الرأي [في أمر الدنيا]: فإنه لو ولي مال يتيم، لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيرًا، فقد كان لا يستجيز ادخار النقدين. والذي يتأمر على الناس، يريد أن يكون فيه حلم ومداراة، وأبو ذر ﵁ كانت فيه حدة فنصحه النبي ﷺ. أهـ.\n١٩٠٠ - * روى ابن سعد عن أبي عثمان النهدي قال: رأيت أبا ذر يميد على راحلته، وهو مستقبل مطلع الشمس، فظننته نائمًا، فدنوت وقلت: أنائم أنت يا أبا ذر؟ قال:\n_________\n١٨٩٧ - أحمد في مسنده (٥/ ١٩٥). وأورده الذهبي في السير (٢/ ٧٣). وقال محققه: رجاله ثقات.\nالمجاسد: جمع مجسد وهو المصبوغ المشبع بالجسد. والجسد: الزعفران أو العصفر.\n١٨٩٨ - الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٠) مطولًا، وأورد الذهبي في السير (٣/ ٧٤). وقال محققه: رجاله ثقات.\n١٨٩٩ - مسلم (٣/ ١٤٥٨) ٣٣ - كتاب الإمارة -٤ - بابا كراهة الإمارة بغير ضرورة.\n١٩٠٠ - الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٦). وذكره الذهبي في السير (٢/ ٧٨). وقال محققه: رجاله ثقات.","vol":"4","page":1802},{"text":"لا، بل كنت أصلي.\n١٩٠١ - * روى البزار عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر رأيت كأني وزنت بأربعين أنت فيهم فوزنتهم».\n١٩٠٢ - * روى أبو داود عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «أبا ذر!» قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، وأنا فداؤك.\n١٩٠٣ - * روى البخاري عن زيد بن وهب ﵀ قال: مررت بالربذة، فإذا بأبي ذر، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان: أن اقدم المدينة. فقدمتها فكثر علي الناس، حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت، فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي جبشيًا لسمعت وأطعت.\nقال الحافظ في «الفتح»: وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لاتفاق أبي ذر ومعاوية على أن الآية نزلت في أهل الكتاب، وفيه ملاطفة الأئمة للعلماء، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار عليه، حتى كاتب من هو أعلى منه في أمره، وعثمان لم يحنق على أبي ذر، مع كونه كان مخالفًا له في تأويله، وفيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة، والترغيب في الطاعة لأولي الأمر، وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة، وجواز الاختلاف في الاجتهاد، والأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى إلى\n_________\n١٩٠١ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٢٦٥). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣٠): رواه البزار ورجاله ثقات.\n١٩٠٢ - أبو داود (٤/ ١٠١) - كتاب الفتن والملاحم - باب في النهي عن السعي في الفتن.\n١٩٠٣ - البخاري (٣/ ٢٧١) ٢٤ - كتاب الزكاة - ٤ - باب ما أدى زكاته فليس بكنز.\nيكنزون: الكنز: الادخار والجمع: مصدر كنز المال يكنزه كنزا.\n(١) التوبة: ٢٤.","vol":"4","page":1803},{"text":"فراق الوطن، وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، لأن في بقاء أبي ذر بالمدينة، مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم، ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقع من المفسدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة، ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه، لأن كلا منهما كان مجتهدًا. اهـ.\nوقال ابن كثير ﵀:\nوكان من مذهب أبي ذر ﵁، تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالربذة وحده، وبها مات ﵁ في خلافة عثمان. اهـ.\n١٩٠٤ - * روى الترمذي عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، سبه عيسى بن مريم». فقال عمر بن الخطاب كالحاسد: يا رسول الله أفنعرف ذلك له؟ قال: «نعم فاعرفوه».\n١٩٠٥ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدي الذي عليها فيها».\nوفي رواية (١) قال له: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب\n_________\n١٩٠٤ - الترمذي (٥/ ٦٦٩) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣٦ - باب مناقب أبي ذر.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\nوقد روى بعضهم هذا الحديث، فقال: أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى بن مريم ﵇.\nالحاسد: هنا حسد غبطة وهو حسد محمود.\n١١٩٠٥ - مسلم (٣/ ١٤٥٧) ٣٣ - كتاب الإمارة - ٤ - باب كراهة الإمارة بغير ضرورة.\n(١) وأبو داود (٣/ ١١٤) - كتاب الوصايا - باب ما جاء في الدخول في الوصايا.","vol":"4","page":1804},{"text":"لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم».\n١٩٠٦ - * روى أحمد عن أبي ذر عن النبي ﷺ، قال: أوصاني بخمس: أرحم المساكين وأجالسهم، وانظر إلى من تحتي ولا أنظر إلى من فوقي، وأن أصل الرحم وإن أدبرت، وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.\n١٩٠٧ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط غفار على عثمان من باب لا يدخل عليه منه - قال: وتخوفنا عثمان عليه - فانتهى إليه، فسلم، ما بدأه بشيء إلا أن قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم. ثم استأذنه إلى الربذة.\n١٩٠٨ - * روى ابن سعد عن ابن سيرين: أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «إذا بلغ البناء سلعًا فاخرج منها». ونحا بيده نحو الشام، «ولا أرى أمراءك يدعونك»! قال: أولا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال: «لا». قال: فما تأمرني؟ قال: «اسمع وأطع، ولو لعبد حبشي».\nفلما كان ذلك، خرج إلى الشام. فكتب معاوية: إنه قد أفسد الشام. فطلب عثمان؛ ثم بعثوا إلى أهله من بعده، فوجدوا عندهم كيسًا أو شيئًا؛ فظنوه دراهم، فقالوا: ما شاء الله! فإذا هي فلوس.\nقال عثمان: كن عندي. قال: لا حاجة لي في دنياكم، ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة. فأذن له، فخرج إليها، وعليها عبد حبشي لعثمان، فتأخر وقت الصلاة لما رأى أبا ذر - فقال أبو ذر: تقدم فصل، فقد أمرت أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي، فأنت عبد حبشي.\n_________\n١٩٠٦ - أحمد في مسنده (٥/ ١٥٩، ١٧٣). وسنده حسن.\n١٩٠٧ - الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٢). ورجاله ثقات.\nتخوفنا عثمان عليه: أي خفنا على عثمان منه.\nأحسبتني منهم: أي من الذين سيخرجون عليك.\n١٩٠٨ - الطبقات الكبرى (٤/ ٢٢٦) ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.","vol":"4","page":1805},{"text":"١٩٠٩ - * روى أحمد وابن سعد عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار وعليه برذعة، أو قطيفة.\n١٩١٠ - * روى البخاري ومسلم عن الأحنف، قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكنازين برضف يحمي عليه في نار جهنم، فيوضع على حملة ثدي أحدهم، حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتجلجل.\nقال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع أليه شيئًا.\nفأدبر، فتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا، إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فقال: «يا أبا ذر». فأجبته. فقال: «ترى أحدًا؟» فنظرت ما علي من الشمس - وأنا أظنه يبعثني في حاجة - فقلت: أراه فقال: «ما يسرني أن لي مثله ذهبًا، أنفقه كله، إلا ثلاثة دنانير». ثم هؤلاء يجمعون الدنيا، لا يعقلون شيئًا.\nفقلت: مالك ولإخوانك من قريش، لا تعتريهم ولا تصيب منهم؟ قال: لا وربك، ما أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله.\n_________\n١٩٠٩ - أحمد في مسنده (٥/ ١٦٤).\nوالطبقات الكبرى (٤/ ٢٢٨) وإسناده صحيح.\n١٩١٠ - البخاري (٣/ ٢٧١) ٢٤ - كتاب الزكاة - ٤ - باب ما أدى زكاته فليس بكنز.\nومسلم (٢/ ٦٨٩) ١٢ - كتاب الزكاة - ١٠ - باب في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم.\nوالرصف: الحجارة الحماة، الواحدة رضفة، مثل: تمر وتمرة، والنغض: العظم الدقيق الذي على طرف الكتف.\nأو على أعلى الكتف، وأصل النغض: الحركة، فسمي ذلك الموضع نفضا لأنه يتحرك بحركة الإنسان.\nويتجلجل: يغوص، ورواية البخاري ومسلم «يتزلزل»: أي يضطرب ويتحرك.\nلا تعتريهم: لا تزورهم أو تقصدهم. تصيب منهم: تأخذ من عطياتهم.","vol":"4","page":1806},{"text":"١٩١١ - * روى الطبراني عن محمد بن سرين قال: بلغ الحارث - رجل كان بالشام من قريش - أن أبا ذر كان به عوز فبعث إليه بثلثمائة دينار. فقال: ما وجد عبد الله من هو أهون عليه مني؟ سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: «من سأل وله أربعون فقد ألحف» ولأبي ذر أربعون درهمًا وأربعون شاة وماهنان. قال أبو بكر بن عياش: يعني خادمين.\n* * *\n_________\n١٩١١ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣١): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن عبد الله ابن يونس وهو ثقة.","vol":"4","page":1807},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>١٢ - حذيفة بن اليمان ﵄</span>\nقال ابن حجر:\nحذيفة بن اليمان العبسي .. من كبار الصحابة، كان أبوه قد أصاب دما فهرب إلى المدينة فحالف بني غبد الأشهل فسماه قومه اليمان لكونه حالف اليمانية، وتزوج والدة حذيفة فولد له بالمدينة، وأسلم حذيفة وأبوه وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون، وشهدا أحدًا فاستشهد اليمان بها، وروى حديث شهوده أحدًا واستشهاده بها البخاري، وشهد حذيفة الخندق له بها ذكر حسن وما بعدها. وروى حذيفة عن النبي ﵌ الكثير وعن عمر، قال العجلي: استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان وبعد بيعة علي بأربعين يومًا قلت وذلك في سنة ست وثلاثين، وروى علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة: خيرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة. فاخترت النصرة وفي الصحيحين أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة. وشهد حذيفة فتوح العراق وله بها آثار شهيرة. اهـ.\nوقال الذهبي في ترجمته: وله في الصحيحين اثنا عشر حديثًا، وفي البخاري ثمانية، وفي مسلم سبعة عشر حديثًا .. وحذيفة هو الذي ندبه رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب ليجس له خبر العدو، وعلى يده فتح الدينور عنوة ومناقبه تطول.\nوكان له مذهب في المداراة ذكره الذهبي في السير: من ذلك عن حذيفة قال: ما كلام أتكلم به، يرد عني عشرين سوطًا، إلا كنت متكلما به. وعن حذيفة، قال: إني لأشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله.\nوعن بلال بن يحيي، قال: بلغني أن حذيفة كان يقول: ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة إلا قد اشترى بعض دينه ببعض. قالوا: وأنت؟ قال: وأنا والله، إني لأدخل على أحدهم - وليس أحد إلا فيه محاسن ومساوئ - فأذكر من محاسنه، وأعرض عما سوى ذلك، وربما دعاني أحدهم إلى الغداء، فأقول: إني صائم. ولست بصائم.","vol":"4","page":1808},{"text":"وكان النبي ﷺ قد أسر إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عن الفتن الكائنة في الأمة. وقد ناشده عمر: أأنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أزكي أحدًا بعدك. اهـ.\nوذكر الذهبي (١) أيضًا عن زادان: أن عليا سئل عن حذيفة. فقال: علم المنافقين وسأل عن المعضلات؛ فإن تسألوه تجدوه بها عالمًا.\n١٩١٢ - * روى مسلم عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا إني خرجت أنا وأبي، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا! فقلنا: ما نريد إلا المدينة. فأخذوا العهد علينا: لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأخبرنا النبي ﷺ. فقال: «نفي بعهدهم، ونستعين بالله عليهم».\n١٩١٣ - * روى مسلم عن حذيفة قال: أخبرني ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسله ما يخرج أهل المدينة من المدينة.\n١٩١٤ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» قلت: وهل هذا بعد هذا الشر من خير؟ فال: «قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر». قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ فقال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا». قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة\n_________\n(١) السير (٢/ ٣٦٢). وقال محققه: رجال ثقات.\n١٩١٢ - مسلم (٣/ ١٤١٤) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٥ - باب الوفاء بالعهد.\n١٩١٣ - مسلم (٤/ ٢٢١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة - ٦ - باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.\n١٩١٤ - البخاري (٦/ ٦١٥) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nومسلم (٢/ ١٤٧٥) ٣٣ - كتاب الإمارة - ١٣ - باب وجول ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال. الدخن: فاسد واختلاف في النفوس.","vol":"4","page":1809},{"text":"ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك».\n١٩١٥ - * روى البخاري ومسلم، عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، فقد علمه أصحابي هؤلاء. وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه.\nقال الذهبي: قد كان ﷺ يرتل كلامه ويفسره: فلعله قال في مجلسه ذلك ما يكتب في جزء؛ فذكر أكبر الكوائن، ولو ذكر أكثر ما هو كائن في الوجود، لما تهيأ أن يقول في سنة، بل ولا في أعوام، ففكر في هذا.\n١٩١٦ - * روى مسلم عن حذيفة قال: كنا مع رسول الله ﷺ: فقال: «أحصوا لي كم يلفظ الإسلام». قال: فقلنا: يا رسول الله أتخاف علينا ونحن ما بين الست مئة إلى السبع مائة؟ قال: «إنكم لا تدرون، لعلكم أن تبتلوا». قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا.\n١٩١٧ - * روى الحاكم عن بلال بن يحيي قال: لما حضر حذيفة الموت وكان قد عاش بعد عثمان أربعين ليلة قال لنا: أوصيكم بتقوى الله والطاعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.\n١٩١٨ - * روى الطبراني عن الزهري أن حذيفة كان أحد بني عبس وكان عداده في الأنصار.\n_________\n١٩١٥ - البخاري (١١/ ٤٩٤) ٨٢ - كتاب القدر - ٤ - باب (وكان أمر الله قدر مقدورا).\nومسلم (٤/ ٢٣١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة - ٦ - باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.\n١٩١٦ - مسلم (١/ ١٣١) ١ - كتاب الإيمان - ٦٧ - باب الاستسرار بالإيمان للخائف.\n١٩١٧ - المستدرك (٣/ ٣٨٠).\n١٩١٨ - المعجم الكبير (٣/ ١٦٢).","vol":"4","page":1810},{"text":"١٩١٩ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سألتني أمي: متى عهدك برسول الله ﷺ؟ فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا. فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي رسول الله ﷺ، فأصلي معه المغرب، وأسأله أن يستغفر لي ولك. فأتيته، فصليت معه المغرب، ثم قام فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل، فتبعته، فسمع صوتي، فقال: «من هذا، حذيفة؟» قلت: نعم. فقال: «ما حاجتك؟ غفر الله لك ولأمك». قال: «إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيده نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة».\n_________\n١٩١٩ - الترمذي (٥/ ٦٦٠) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"4","page":1811},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>١٣ - سعد بن معاذ ﵁</span>\nهو في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين.\nقال ابن حجر في الإصابة: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي سيد الأوس. وأمه كبشة بنت رافع لها صحبة. ويكنى أبا عمرو .. شهد بدرًا باتفاق، ورمي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حكم في بني قريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه فمات أخرج ذلك البخاري وذلك سنة خمس، وقال المنافقون لما خرجت جنازته: ما أخفها. فقال النبي ﵌: «إن الملائكة حملته». في الصحيحين وغيرهما من طرق النبي ﵌ قال: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ». وروى يحيي بن عباد بين عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن أحد أفضل منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر. وذكر ابن إسحاق أنه لما أسلم علي يد مصعب بن عمير قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا. فأسلموا، فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام. وروى ابن إسحاق في قصة الخندق عن عائشة قالت: كنت في حصن بني حارثة وأم سعد بن معاذ معي فمر سعد بن معاذ وهو يقول:\nلبث قليلًا يلحق الهيجاجل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل\nفقالت له أمه: الحق يا بني فقد تأخرت. فقلت: يا أم سعد لوددت أن ردع سعد أسبغ مما هي. قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه. وقال الذي رماه: خذها وأنا ابن العرقة. فقال: عرق الله وجهك في النار. اهـ.\nوقال ابن كثير: كان قدوم الأحزاب في شوال سنة خمس كما تقدم، فأقاموا قريبًا من شهر ثم خرج رسول الله ﷺ لحصار بني قريظة فأقام عليهم خمسًا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم فمات بعد حكمه عليهم بقليل، فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة من سنة خمس ولله أعلم. اهـ.","vol":"4","page":1812},{"text":"وقال الذهبي: قيل كان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابني خالة. وقال ابن إسحاق: أخي رسول الله ﷺ بين سعد بن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح، وقيل آخي بينه وبين سعد ابن أبي وقاص. اهـ.\nقال الذهبي في السير: نقل ابن الكلبي أن قريشًا سمعت هاتفًا على أبي قبيس يقول:\nفإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخسى خلاف المخالف\nفقال أبو سفيان: من السعدان؟ سعد بكر، سعد تميم؟ فسمعوا في الليل الهاتف يقول:\nأيا سعد الأوس كن أنت ناصرًا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف\nأجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف\nفإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف\nفقال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.\nأسلم سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير. فقال ابن إسحاق: لما أسلم وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلًا، وأيمننا نقيبةً. قال: فإن كلامكم علي حرام، رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا.\nأبو إسحاق: عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرًا، فنزل على أمية بن خلف وكان أمية إذا انطلق إلى الشام يمر بالمدينة، فينزل عليه، فقال أمية له: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس طفت. فبينا سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل، فقال: من الذي يطوف آمنا؟ قال: أنا سعد. فقال: أتطوف آمنًا وقد أويتم محمدًا وأصحابه؟ قال: نعم. فتلاحيا. فقال أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي. فقال سعد: والله لو منعتني، لقطعت عليك متجرك بالشام. قال: فجعل أمية يقول: لا ترفع صوتك. فغضب وقال: دعنا منك، فإني سمعت محمدا ﷺ يقول: يزعم أنه قاتلك. قال: إياي؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد فكاد","vol":"4","page":1813},{"text":"يحدث (١)، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ زعم أنه سمع محمدًا يزعم أنه قاتلي. قالت: والله ما يكذب محمد. فلما خرجوا لبدر قالت امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ فأراد أن لا يخرج. فقال له أبو جهل: إنك من أشراف أهل الوادي، فسر معنا يومًا أو يومين. فسار معهم، فقتله الله.\nقال ابن شهاب: وشهد بدرًا سعد بن معاذ، ورمي يوم الخندق، فعاش شهرًا، ثم انتقض جرحه فمات.\nابن إسحاق: حدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل أن عائشة كانت في حصن بن حارثة يوم الخندق وأم سعد معها، فعبر سعد عليه درع مقلصه قد خرجت منه ذراعة كلها وفي يده حربة يرفل بها [يمشي بقوة وجد] ويقول:\nلبث قليلًا يشهد الهيجا جمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل\nيعني: حمل بن بدر. فقالت له أمه: أي بني! قد أخرت. فقلت لها: يا أم سعد، لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. فرمي سعد بسهم قطع منه الأكحل، رماه ابن العرقة، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة. فقال: عرق الله وجهك في النار. اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا، فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه. اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة (٢). أ. هـ.\n١٩٢٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: أصيب سعد يوم\n_________\n(١) كاد يحدث: من الحدث. وهو خروج خارج من أحد السبيلين، والضمير لأمية. أي أنه كاد أن يخرج من شيء لشدة فزعه. وهذه رواية البيهقي. أما رواية البخاري: «والله ما يكذب محمد إذا حدث». من التحديث. وعد الحافظ رواية البيهقي تصحيفًا.\n(٢) قال محقق السير: رجاله ثقات، وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٦). وأخرجه أحمد (٦/ ١٤١).\n١٩٢٠ - البخاري (٧/ ٤١١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٠ - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة. ومسلم (٢/ ١٣٨٩) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٢ - باب جواز قتال من نقض العهد.=","vol":"4","page":1814},{"text":"الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب. فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعته، اخرج إليهم. قال النبي ﷺ: «فأين؟» فأشار إلى بني قريظة. فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم. قال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قومٍ كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبته، فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا. فمات منها ﵁.\n١٩١٢ - * روى أحمد عن عائشة فقالت: حضر رسول الله، ﷺ، وأبو بكر وعمر، سعد بن معاذ، وهو يموت في القبة التي ضربها عليه رسول الله ﷺ في المسجد قالت: والذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وإني لفي حجرتي، فكانا كما قال الله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١). قال علقمة فقلت: أي أمه! كيف كان رسول الله، ﷺ، يصنع؟ قالت: كان لا تدمع عينه على أحد، ولكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته.\n١٩٢٢ - * روى ابن سعد عن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد، فثقل؛\n_________\n= الأكحل: عرق في وسط الذراع.\nاللبة: النحر.\nيغدو: يسيل.\n١٩٢١ - أحمد في مسنده (٦/ ١٤١). وإسناده حسن.\n(١) الفتح: ٢٩.\n١٩٢٢ - الطبقات الكبرى (٣/ ٤٢٧). وإسناده حسن.","vol":"4","page":1815},{"text":"حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة تداوي الجرحى. فكان، ﷺ إذا مر به يقول: «كيف أمسيت، وكيف أصبحت؟» فيخبره حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها وثقل، فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله، فقيل: انطلقوا به. فخرج وخرجنا معه، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالنا، وسقطعت أرديتنا، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: «إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غلست حنظلة». فانتهى إلى البيت، وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول:\nويل أن سعدٍ سعدا ... حزامةً وجدًا\nفقال: «كل باكية تكذب إلا أم سعد». ثم خرج به. قال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتًا أخف علينا منه. قال: «ما يمنعه أن يخف وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم».\n١٩٢٣ - * روى ابن سعد عن شعبة: عن سماك، سمع عبد الله بن شداد يقول: دخل رسول الله، ﷺ، على سعد وهو يكيد بنفسه فقال الرسول ﷺ، «جزاك الله خيرًا من سيد قومٍ، فقد أنجزت ما وعدته. ولينجزنك الله ما وعدك»؟\n١٩٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتاه على حمار، فلما دنا قريبًا من المسجد، قال رسول الله ﷺ للأنصار «قوموا إلى سيدكم»، أو: «خيركم». ثم قال: «إن هؤلاء نزلوا على حكمك». قال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذريتهم. قال: فقال النبي ﷺ: «قضيت بحكم الله».\n١٩٢٥ - * روى ابن سعد عن عامر بن سعد عن أبيه قال: لما حكم سعد في بني قريظة\n_________\n١٩٢٣ - الطبقات الكبرى (٣/ ٤٢٧). وإسناده حسن.\nيكيد بنفسه: يجوز بها وهو يتوفى.\n١٩٢٤ - البخاري (٧/ ٤١١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٠ - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة. ومسلم (٣/ ١٣٨٨) ٣٢ - كتاب الجهاد - ٢٢ - باب جواز قتال من نقض العهد.\n١٩٢٥ - الطبقات الكبرى (٣/ ٤٢٦). وإسناده حسن.=","vol":"4","page":1816},{"text":"أن يقتل من جرت عليه المواسي قال رسول الله، ﷺ: «لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات».\n١٩٢٦ - * روى ابن سعد عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: أخذ إنسان قبضة من تراب قبر سعد، فذهب بها، ثم نظر فإذا هي مسك. ورواها محمد بن عمرو بن علقمة، عن ابن المنكدر.\nذكر الذهبي في السير (٢) عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: ما كان أحد أشد فقدًا على المسلمين بعد النبي ﷺ وصاحبيه أو أحدهما من سعد بن معاذ.\n١٩٢٧ - * روى الحاكم عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما توفي سعد بن معاذ صاحت أمه فقال لها النبي ﷺ: «ليرقأ دمعك ويذهب حزنك فإن ابنك أول من ضحك الله إليه واهتز له العرش».\n١٩٢٨ - * روى أحمد والحاكم والطبراني عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما أخرج بجنازة سعد بن معاذ صاحت أمه فقال لها رسول الله ﷺ: «ليرقأ دمعك ويذهب حزنك». والباقي بنحوه.\n_________\n= المواسي: جمع موسى وهي الآلة التي يحلق بها. والمراد هنا من بلغ الحلم وطالت سعرته، وصار بحلقها. يفسر ذلك حديث عطية القرظي قال: عرضنا على النبي، ﷺ، يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيله. أخرجه أبو داود، والترمذي وسنده حسن.\n١٩٢٦ - الطبقات الكبرى (٣/ ٤٣١). وإسناده حسن.\n(٢) السير (١/ ٢٩٥) وقال محققه: إسناده حسن.\n١٩٢٧ - المستدرك (٣/ ٢٠٦). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٩٢٨ - أحمد في مسنده (٦/ ٤٥٦).\nوالمستدرك (٣/ ٣٠٦). وصححه ووافقه الذهبي.\nوالمعجم الكبير (٦/ ١٣)، (٢٤/ ٤٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائج (٩/ ٣٠٩): رواه الطبراني ورجاله رجال صحيح.\nليرقأ: لينقطع.","vol":"4","page":1817},{"text":"١٩٢٩ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما حملت جنازة سعد ابن معاذ قال المنافقون: ما أخف ما كانت جنازته - يعني لحكمه في بني قريظة - فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «إن الملائكة كانت تحمله».\n١٩٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ».\nفقال رجل لجابر: إن البراء يقول: اهتز السرير؟ فقال: إنه كان بين هذين الحيين ضغائن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ».\nوفي رواية لمسلم (١) قال: قال رسول الله ﷺ - وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم-: «اهتز لها عرش الرحمن ﷿».\n١٩٣١ - * روى ابن سعد عن مجاهد، عن ابن عمر قال: اهتز العرش لحب لقاء الله سعدًا. قال: إنما يعني السرير. وقرأ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) قال: إنما تفسحت أعواده. قال: ودخل رسول الله ﷺ قبره، فاحتبس، فلما خرج، قيل يا رسول الله! ما حبستك؟ قال: «ضم سعد في القبر ضمة، فدعوت الله أن يكشف عنه».\nقال الذهبي: تفسيره بالسرير ما أدري أهو من قول ابن عمر، أو من قول مجاهد. وهذا تأويل لا يفيد، فقد جاءنا ثابتًا عرش الرحمن وعرش الله، والعرش خلق لله مسخر إذا شاء أن يهتز اهتز بمشيئة الله، وجعل فيه شعورًا لحب سعد، كما جعل تعالى شعورا في جبل أحد\n_________\n١٩٢٩ - الترمذي (٥/ ٦٩٠) ٥٠ - كتاب المناقب - ٥١ - باب مناقب سعد بن معاذ.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n١٩٣٠ - البخاري (٧/ ١٢٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ١٢ - باب مناقب سعد بن معاذ.\nاهتزاز العرش: كناية عن ارتياحه بروحه حين صعد بها لكرامته على ربه، وكل من خف لأمر وارتاح له، فقد اهتز له. والمعنى: فرح أهل العرش بقدومه على الله لما رأوا من منزلته وكرامته وفضله.\nضغائن: الضغائن: الأحقاد والعداوات، واحدتها: ضغينة.\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\n١٩٣١ - الطبقات الكبرى (٣/ ٤٣٣)\n(٢) يوسف: ١٠٠.","vol":"4","page":1818},{"text":"بحبه النبي ﷺ. وقال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (١). وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢) ثم عمم فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢). وهذا حق. وفي صحيح البخاري قول ابن مسعود: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وهذا باب واسع سبيله الإيمان. اهـ.\n١٩٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: أهدي لرسول الله ﷺ جبة من سندس - وكان ينهي عن الحرير - فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».\nوفي رواية الترمذي والنسائي (٤) عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: قدم أنس ابن مالك فأتيته، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: فبكى، وقال: إنك لشبيه بسعد، وإن سعدًا كان من أعظم الناس وأطولهم، وإنه بعث إلى النبي ﷺ جبة من ديباج، منسوج فيها الذهب، فلبسها رسول الله ﷺ، فصعد المنبر، فقام - أو قعد - فجعل الناس يلمسونها، فقالوا: ما رأينا كاليوم ثوبا قط. فقال: «أتعجبون من هذا؟ لمناديل سعد في الجنة خير مما ترون» (٣).\n١٩٣٣ - * روى البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد نزل لسعد بن معاذ ﵁ سبعون ألف ملك ما وطئوا الأرض قبلها».\nوقال حين دفن: «سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد».\n_________\n(١) سبأ: ١٠.\n(٢) الإسراء: ٤٤.\n١٩٣٢ - البخاري (٦/ ٣١٩) ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ٨ - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة.\nومسلم (٤/ ١٩١٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٢٤ - باب من فضائل سعد بن معاذ.\nالسندسي: الحرير وما رق من الإبرسيم.\n(٤) الترمذي (٤/ ٣١٨) ٣٥ - كتاب اللباس ٣ - باب حدثنا أبو عمار ..\nوقاله: هذا حديث صحيح.\nوالنسائي (٨/ ١٩٩) - ٤٨ - كتاب الزينة - ٨٨ - باب ليس الديباج المنسوج بالذهب.\n١٩٣٣ - البزار: كشف الستار (٣/ ٢٥٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٨): رواه البزار بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح.","vol":"4","page":1819},{"text":"قال الذهبي: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك فهذه الأراجيف كلها قد تنال البعد وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (١). وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ (٢). فنسأله الله تعالى العفو واللطف الخفي. ومع هذه المزات، فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء، ﵁. كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم، ولا خوف. سل ربك العافية، وأن يحسرنا في زمرة سعد. اهـ.\n* * *\n_________\n(١) مريم: ٢٩.\n(٢) غافر: ١٨.","vol":"4","page":1820},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>١٤ - عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄</span>\nقال ابن كثير في ترجمته:\nعبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي. أبو عبد الرحمن المكي ثم المدني، أسلم قديمًا مع أبيه ولم يبلغ الحلم وهاجرا وعمره عشر سنين، وقد استصغر يوم أحد، فلما كان يوم الخندق أجازه وهو ابن خمس عشرة سنة فشهدها وما بعدها، وهو شقيق حفصة بنت عمر أم المؤمنين، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون، وكان عبد الله بن عمر ربعة من الرجال آدم له جمة تضرب إلى منكبيه جسيما يخضب بالصفرة ويحفى شاربه، وكان يتوضأ لكل صلاة ويدخل الماء في أصول عينيه، وقد أراده عثمان على القضاء فأبى ذلك، وكذلك أبوه، وشهد اليرموك والقادسية وجلولاء وما بينهما من وقائع الفرس، وشهد فتح مصر، واختلط بها دارًا، وقدم البصرة وشهد غزو فارس وورد المدائن مرارا وكان عمره يوم مات النبي ﷺ ثنتين وعشرين سنة، وكان إذا أعجبه شيء من ماله يقرب إلى الله ﷿ وكان في مدة الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله، وكان أعلم الناس بمناسك الحج، وكان يتتبع آثار رسول الله ﷺ، يصلي فيها، حتى إن النبي ﷺ نزل تحت الشجرة وكان ابن عمر يتعاهدها ويصب في أصلها الماء، وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك الليلة، وكان يقوم أكثر الليل، وقيل إنه مات وهو في الفضل مثل أبيه، وكان يوم مات خير من بقي، ومكث سنة يفتي الناس من سائر البلاد. اهـ.\nوقال ابن حجر: وقال الزبير بن بكار: وكان ابن عمر يتحفظ ما سمع من رسول الله ويسأل من حضر عن قوله وفعله وكان يتبع آثاره في كل مسجد.\nوقد ذكر الذهبي بعض من أخذ عنهم العلم غير رسول الله ﷺ فقد منهم خمسة عشر، وذكر مئتين وسبعة وعشرين ممن أخذوا عنه العلم ورووا عنه، وقال: ولابن عمر في مسند بقي ألفان وست مائة وثلاثون حديثًا بالمكرر، واتفقا له على مئة وثمانين وستين حديثًا، وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وثلاثين، وتكلم الذهبي عن يوم التحكيم بين علي ومعاوية فقال: كاد أن تنعقد البيعة له [لابن عمر] يومئذ مع وجود","vol":"4","page":1821},{"text":"الإمام علي وسعد بن أبي وقاص ولو بويع لما اختلف عليه اثنان ولكن الله حماه وخار له، والظاهر أنه توفي في آخر سنة ثلاث وسبعين. وقال مالك: بلغ ابن عمر سبعًا وثمانين سنة، ورجح الذهبي أنه عمر خمسًا وثمانين سنة ودفن في فخ من مكة (وفخ: حي الزاهر) في مقبرة المهاجرين. اهـ.\nقال الذهبي:\nوأولاده من صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي: أبو بكر، وواقد، وعبد الله، وأبو عبيدة، وعمر، وحفصة، وسودة.\nومن أم علقمة المحاربية: عبد الرحمن وبه يكنى.\nومن سُريةٍ له: سالم، وعبيد الله، وحمزة.\nومن سُريةٍ أخرى: زيد، وعائشة.\nومن أخرى: أبو سلمة، وقلابة.\nومن أخرى: بلال، فالجملة ستة عشر. اهـ.\nقال الحافظ في الإصابة:\nوأخرج أبو سعيد بن الأعرابي بسند صحيح وهو في الغيلانيات والحامليات عن سالم بن أبي الجعد عن جابر: ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال غير عبد الله بن عمر. وفي تاريخ أبي العباس السراج بسند حسن عن السدي: رأيت نفرًا من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبي ﷺ إلا ابن عمر. وفي الشعب للبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل. ومن وجه آخر عن أبي سلمة: كان عمر في زمان له فيه نظراء، وكان ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير. وفي معجم البغوي بسند حسن عن سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحد من أهل الجنة لشهدت لابن عمر. ومن وجه صحيح: كان ابن عمر حين مات خير من بقي. اهـ.","vol":"4","page":1822},{"text":"قال الذهبي: قال ابن حزم في كتاب (الإحكام) في الباب الثامن والعشرين: المكثرون في الفتيا من الصحابة؛ عمر وابنه عبد الله، علي، عائشة، ابن مسعود، ابن عباس، زيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم. وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا ابن عباس في عشرين كتابًا. وأبو بكر هذا أحد أئمة الإسلام.\n١٩٣٤ - * روى ابن سعد عن سليمان بن بلال: عن زيد بن أسلم: أن بن عمر كان يصفر حتى يملأ ثيابه منها، فقيل له: تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها.\n١٩٣٥ - * روى ابن سعد عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لو تركنا هذا الباب للنساء». قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيا بقية ليلته.\nوذكر أيضًا (٢) أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء، فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءة الطائر، ثم يقوم، فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسًا.\nوذكر أيضًا (٢) عن عطاء مولى ابن سباع، قال: أقرضت ابن عمر ألفي درهم، فوفانيها بزائد مئتي درهم.\n_________\n١٩٣٤ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٧٩) وسنده صحيح.\n١٩٣٥ - انظر: سير أعلام النبلاء. للذهبي (٣/ ٢١٣).\nوقال محققه: رجاله ثقات.\nالباب: يعني أحد أبواب المسجد النبوي.\n(١) السير (٣/ ٢١٣). وقال محققه. رجاله ثقات.\nالسير (٣/ ٢٣٥). وقال محققه: رجال ثقات.\nالمهراس: حجر منقور ويتوضأ منه.\n(٢) السير (٣/ ٢١٥) وقال محققه رجاله ثقات.","vol":"4","page":1823},{"text":"قال محقق السير: وإنما تحل له الزيادة فيما إذا لم يكن ذلك على شرط منهما أو عادة، أما إذا شرط في القرض أن يرد أكثر أو أفضل، فهو حرام لا خير فيه وفعل ابن عمر هذا له سند من السنة، ففي الموطأ ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استلف من رجل بكرًا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: «أعطه إياه إن خيار الناس أحسنهم قضاء». وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.\nوذكر أيضا (١)، عن عاصم، أن مروان قال لابن عمر - يعني بعد موت يزيد-: هلم يدك نبايعك، فإنك سيد العرب وابن سيدها. قال: كيف أصنع بأهل المشرق؟ قال: نضربهم حتى يبايعوا. قال: والله ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة، وأنه قتل في سيفي رجل واحد.\nقال: يقول مروان:\nإني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا\nوذكر أيضًا (٢) عن بن محمد بن زيد، عن أبيه: أن ابن عمر كاتب غلامًا له بأربعين ألفًا، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له، حتى أدى خمسة عشر ألفًا، فجاءه إنسان، فقال: أمجنون أنت؟ أنت ها هنا تعذب نفسك. وابن عمر يشتري الرقيق يمينًا وشمالًا، ثم يعتقهم؛ ارجع إليه، فقل: عجزت. فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرحمن! قد عجزت، وهذه صحيفتي، فامحها. فقال: لا، ولكن امحها أنت إن شئت. فمحاها، ففاضت عينا عبد الله، وقال: اذهب فأنت حر. قال: أصلحك الله، أحسن إلى ابني. قال: هما حران. قال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولدي. قال: هما حرتان.\n_________\n(١) السير (٣/ ٣١٦). وقال: محققه إسناده حسن. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ١٦٩).\n(٢) السير (٣/ ٢١٧) وقال محققه رجاله ثقات.\nالمكاتبة: أن يكتب السيد لمولاه وثيقة يتعهد له فيها بالعتق إذا أعطاه يسميه من المال، فإذا جمعه العبد، ودفعه لسيده، أصبح حرا.","vol":"4","page":1824},{"text":"وذكر أيضا (١) عن عاصم بن محمد العمري: عن أبيه، قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفية امرأته، فحدثها، قالت: فما تنتظر؟ قال: فهلا ما هو خير من ذلك، هو حر لوجه الله: فكان يخيل إلي أنه كان ينوي قول الله ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢).\nوقال ابن شهاب: أراد ابن عمر أن يلعن خادمًا، فقال: الهمم الع، فلم يقها، وقال: ما أحب أن أقول هذه الكلمة.\nوعن سالم، قال: ما لعن ابن عمر خادمًا له قط إلا واحدًا، فأعتقه (٣).\nوذكر الذهبي في السير (٤) عن عمر بن محمد العمري، عن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد.\nوذكر أيضًا (٥): عن نافع، قال: بعث معاوية إلى ابن عمر بمئة ألف، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء.\nوذكر أيضا (٦) عن حمزة بن عبد الله، قال: لو أن طعامًا كثيرًا عند أبي ما شبع منه بعد أن يجد له آكلًا، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جسمه، فكلمه، فقال: إنه ليأتي علي ثمان سنين، ما أشبع فيها شبعة واحدة - أو قال؟: إلا شبعة - فالآن تريد أن أشبع حتى لم يبق من عمري إلا ظم حمار.\n١٩٣٦ - * روى الطبراني عن مطعم بن المقدام قال: كتب الحجاج إلى ابن عمر: بلغني أنك طلبت الخلافة وأنها لا تصلح لعي ولا بخيل ولا غيور. فكتب إليه: أما ما ذكرت من\n_________\n(١) السير (٣/ ٢١٧). وقال محققه: إسناده صحيح.\n(٢) آل عمران: ٩٣.\n(٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ٤١٣) وإسناده صحيح.\n(٤) السير (٣/ ٢١٨). وقال محققه: إسناده صحيح.\n(٥) السير (٣/ ٢١٩). قال محققه: إسناده صحيح.\n(٦) السير (٣/ ٢١٨). وعبد الرازق في مصنفه (١١/ ٣١٢). وقال محقق السير: إسناده صحيح.\nظمء حمار: أي شيء يسير وخص الحمار لأنه أقل الدواب صبرًا على الماء.\n١٩٣٦ - المعجم الكبير (١٢/ ٢٦٢).=","vol":"4","page":1825},{"text":"الخلافة فما طلبتها، وما هي من بالي، وأما ما ذكرت من العي، فمن جمع كتاب الله، فليس بعيي. ومن أدى زكاته، فليس ببخيل. ومن أدى زكاته، فليس ببخيل. وإن أحق ما غرت فيه ولدي أن يشركني فيه غيري.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن نافع: أن المختار بن أبي عبيد كان يرسل إلى ابن عمر بالمال، فيقبله، ويقول: لا أسأل أحدًا شيئًا، ولا أرد ما رزقني الله.\nوذكر أيضًا (٢) عن الثوري: عن أبي الوازع: قلت لابن عمر: لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم. فغضب، وقال: إني لأحسبك عراقيًا، وما يدريك ما يغلق عليه ابن أمك بابه.\n١٩٣٧ - (٣) وروى ابن سعد عن نافع، أن ابن عمر كان يقبض على لحيته، ويأخذ ما جاوز القبضة.\n١٩٣٨ - * روى البخاري عن نافع قال: وكان ابن عمر إذا اعتمر، قبض على لحيته، فما فضل أخذه.\nوذكر الذهبي في السبر: (٣) عن ابن سيرين أن رجلًا قال لابن عمر: أعمل لك جوارش؟ قال: وما هو؟ قال: شيء إذا كظك الطعام، فأصبت منه، سهل. فقال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وما ذاك أن لا أكون له واجدًا، ولكني عهدت قومًا يشبعون مرة، ويجوعون مرة.\n_________\n= قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٧): رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، فإن المطعم لم يسمع من ابن عمر.\n(١) السير (٣/ ٢٢٠) وقاله محققه: إسناده صحيح.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ١٥٠).\n(٢) السير (٣/ ٢٢٠). وقال محققه: إسناده حسن.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ١٦١).\n١٩٣٧ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٧٨).\n١٩٣٨ - البخاري (١٠/ ٣٤٩) ٧٧ - كتاب اللباس - ٦٤ - باب تقليم الأظفار.\n(٣) السير (٣/ ٢٢٢). وقال محققه: أخرجه أبو نعيم (١/ ٣٠٠) ورجاله ثقات.\nجوارش: نوع من الأدوية المركبة يقوي المعدة ويهضم الطعام وليست اللفظة عربية.\nإذا كظك الطعام: إذا امتلأت منه وأثقلك.","vol":"4","page":1826},{"text":"وذكر أيضًا: (١) عن ابن عمر: قال بعث إلي علي، يا أبا عبد الرحمن! إنك رجل مطاع في أهل الشام، فسر فقد أمرتك عليهم. فقلت: أذكرك الله، وقرابتي من رسول الله ﷺ وصحبتي إياه، إلا ما أعفيتني. فأبى علي، فاستعنت عليه بحفصة، فأبى، فخرجت ليلًا إلى مكة، فقيل له: إنك قد خرج إلى الشام. فبعث في أثري، فجعل الرجل يأتي المربد، فيخضم بعيره بعمامته ليدركني. قال: فأرسلت حفصة: إنه لم يخرج إلى الشام، إنما خرج إلى مكة. فسكن.\nوذكر أيضا: (٢) عن ابن عمر قال دومة جندل: جاء معاوية على بختي عظيم. طويل، فقال: ومن الذي يطمع في هذا الأمر ويمد إليه عنقه؟ فما حدثت نفسي بالدنيا إلا يومئذ، هممت أن أقول: يطمع فيه من طربك وأباك عليه، ثم ذكرت الجنة ونعيمها، فأعرضت عنه.\nوذكر أيضًا: (٣)، عن نافع؛ أن معاوية بعث إلى ابن عمر بمئة ألف، فلما أراد أن يبايع ليزيد، قال: أرى ذاك أراد، إن ديني عندي إذا لرخيص.\nوذكر أيضًا: (٤) قال: حلف معاوية على منبر رسول الله ﷺ ليقتلن ابن عمر، يعني وكان ابن عمر بمكة. فجاء إليه [أي إلى ابن عمر] عبد الله بن صفوان، فدخلا بيتًا، وكنت على الباب، فجعل ابن صفوان يقول: أفتتركه حتى يقتلك؟! والله لو لم يكن إلا أن وأهل بيتي، لقاتلته دونك فقال: ألا أصير في حرم الله؟ وسمعت نحيبه مرتين، فلما دنا معاوية تلقاه ابن صفوان، فقال: إيها جئت لتقتل ابن عمر. قال: والله لا أقتله.\n١٩٣٩ - * روى ابن سعد عن ميمون بن مهران قال: دس معاوية عمرًا وهو يريد أن\n_________\n(١) السير (٣/ ٢٢٤). وقال محققه: رجاله ثقات.\n(٢) السير (٣/ ٣٣٤). وقال محققه: رجاله ثقات.\n(٣) السير (٣/ ٢٢٥). وقال محققه: إسناده صحيح.\n(٤) السير (٣/ ٣٣٥). وقال محققه: إسناده صحيح.\nإيها: اسم فعل لأمر بمعنى اسكت وكف.\n١٩٣٩ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٦٤) وسنده صحيح.","vol":"4","page":1827},{"text":"يعلم ما في نفس ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! ما يمنعك أن تخرج تبايعك الناس، أنت صاحب رسول الله ﷺ وابن أمير المؤمنين، وأنت أحق الناس بهذا الأمر. فقال: قد اجتمع الناس كلهم على ما تقول؟ قال: نعم، إلا نفر يسير. قال: لو لم يبق إلا ثلاثة أعلاج يهجر لم يكن لي فيها حاجة. قال: فعلم أنه لا يريد القتال. فقال: هل لك أن تبايع من قد كاد الناس أن يجتمعوا عليه ويكتب لك من الأرضين والأموال؟ فقال: أف لك! اخرج من عندي، إن ديني ليس بديناركم ولا درهمكم، وإني أرجو أن أخرج من الدنيا ويدي بيضاء نقية.\n١٩٤٠ - * روى ابن سعد عن نافع، قال: كان ابن عمر يسلم على الخشبية والخوارج وهم يقتتلون وقال: من قال (حي على الصلاة) أجبته، ومن قال (حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله) فلا.\n١٩٤١ - * روى ابن سعد عن نافع، قال: أصابت ابن عمر عارضة محمل بين أصبعيه عند الجمعة، فمرض فدخل عليه الحجاج، فلما رآه ابن عمر، غمض عينيه، فكلمه الحجاج، فلم يكلمه، فغضب، وقال: إن هذا يقول إني على الضرب الأول.\nوذكر الذهبي في السير: (١) عن ابن عمر، أنه قام إلى الحجاج، وهو يخطب فقال: يا عدو الله! أستحل حرم الله، وخرب بيت الله. فقال: يا شيخنا قد خرف. فلما صدر الناس، أمر الحجاج بعد مسودته، فأخذ حربة مسمومة، وضرب بها رجل ابن عمر، فمرض، ومات منها ودخل عليه الحجاج عائدًا، فسلم فلم يرد عليه، وكلمه، فلم يجبه.\n١٩٤٢ - * روى البخاري عن سعيد بن عمرو، قال: دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده، فقال: كيف هو؟ فقال: صالح. قال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا تحل فيه حمله. يعني الحجاج.\n_________\n١٩٤٠ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٩٦) وإسناده حسن.\nالخشبية: هم أصحاب المختار بن أبي عبيد.\n١٩٤١ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٨٦) وإسناده صحيح.\n(١) السير (٣/ ٢٣٠)\n١٩٤٢ - البخاري (٢/ ٥٥) ١٣ - كتاب العيدين - ٩ - باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم.","vol":"4","page":1828},{"text":"١٩٤٣ - * روى ابن سعد عن سعيد بن جبير، قال: لما احتضر ابن عمر، قال: ما آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث؛ طمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا. يعني الحجاج.\nوذكر الذهبي (١) في السير: عن نافع أو غيره، أن رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس، أو ابن خير الناس. فقال: ما أنا بخير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله، وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه.\n١٩٤٤ - * روى ابن سعد عن عروة قال: خطبت إلى ابن عمر ابنته، ونحن في الطواف، فسكت ولم يجبني بكلمة، فقلت: لو رضي، لأجابني، والله لا أراجعه بكلمة. فقدر له أنه صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت، فدخلت مسجد الرسول ﷺ، فسلمت عليه، وأديت إليه حقه، فرحب بي، وقال: متى قدمت؟ قلت: الآن. فقال: كنت ذكرت لي سودة ونحن في الطواف، نتخايل الله بين أعيننا، وكنت قادرا أن تلقاني في غير ذلك المواطن. فقلت: كان أمرًا قدر. قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط. فدعا ابنتيه سالمًا وعبد الله. وزوجني.\n١٩٤٥ - * روى ابن سعد عن ابن عمر، قال: إنما مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها، فبينا هم كذلك، إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يمينًا وشمالًا، فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك، حتى جلا الله عنها، فأبصرنا طريقنا الأول. فعرفناه، فأخذنا فيه. إنما هؤلاء فتيان قريش يقتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل عليه بعضهم بعضًا بنعلي هاتين الجرداوين.\n١٩٤٦ - * روى ابن سعد عن أبي جعفر القارئ: خرجت مع ابن عمر من مكة، وكان\n_________\n١٩٤٣ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٨٥). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣٢) وقال: محققه إسناده صحيح.\n(١) السير (٣/ ٢٣٦). وقال محققه: سنده صحيح.\n١٩٤٤ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٧١). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣٧). وقال محققه: رجاله ثقات.\n١٩٤٥ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٧١). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣٧). وقال محققه: إسناده صحيح.\n١٩٤٦ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٤٨). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣٩). وقال محققه: إسناده حسن.=","vol":"4","page":1829},{"text":"له جفنة من ثريد يجتمع عليها بنوه، وأصحابه، وكل من جاء حتى يأكل بعضهم قائمًا، ومعه بعير له، عليه مزادتان، فيهما نبيذ وماء، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ.\n١٩٤٧ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن دينار قال: لما اجتمعوا على عبد الملك كتب إليه ابن عمر: أما بعد: فإني قد بايعت لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت وإن نبي قد أقروا بذلك.\n١٩٤٨ - * روى البزار عن ابن عمر أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.\n١٩٤٩ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: لم أجدني آسى على شيء إلا إني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي.\n١٩٥٠ - * روى الطبراني عن نافع قال: إن كان ابن عمر ليقسم في المجلس ثلاثين ألفًا ثم يأتي عليه شهر ما يأكل فيه مزعة لحم. قال برد: قلت لنافع هل كان يأكل اللحم؟ قال: كان إذا صام أو سافر فإنه أكثر طعامه.\n١٩٥١ - * روى الطبراني عن زيد بن أسلم قال: مر ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعى الغنم هل من جزرة؟ قال: ما ههنا ربها. قال: تقول أكلها الذئب؟ فرفع الراعي رأسه\n_________\n= النبيذ: يعمل في الأشربة من التمر والزبيب ولا يسكر.\n١٩٤٧ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٨٣). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣١). وقال محققه إسناده قوي.\n١٩٤٨ - رواه البزار ورجاله موثقون.\n١٩٤٩ - رواه الطبراني بأسانيد وأحدها رجاله رجال صحيح.\n١٩٥٠ - المعجم الكبير (١٢، ٢٦٠، ٢٦١).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير برد من سنان وهو ثقة. مزعة لحم: قطعة لحم؟\n١٩٥١ - المعجم الكبير (١٢/ ٢٦٣).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن الحارث الحاطبي وهو ثقة.\nجزرة: جمل للذبح.","vol":"4","page":1830},{"text":"إلى السماء ثم قال: فأين الله؟ فقال ابن عمر: فأنا والله أحق أن أقول فأين الله. فاشترى ابن عمر واشترى الغنم فأعتقه وأعطاه الغنم.\nأقول: كان فعل ابن عمر امتحانًا للراعي.\n١٩٥٢ - * روى الطبراني عن مكحول قال: بينا أنا مع ابن عمر وهو يمشي إذ مر به رجل أسود معه رمح فوضع زج الرمح بين السبابة والإبهام من قدم ابن عمر، فحمل الشيخ فأدخل، فورمت ساقه، فأتاه الحجاج يعوده فقال: يا أبا عبد الرحمن من أصابك بهذا حتى آخذ لك منه؟ قال: الله ليأخذن منه؟ الله ليأخذن منه؟ قال: ما بال حرم الله وأمنه يحمل فيه السلاح؟ قال: فمات فيه.\nأقول: في الحديث إشارة إلى أن القاتل الحقيقي هو الحجاج الذي سمح بإدخال السلاح إلى حرم الله.\nقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: في الزهد للبيهقي بسند صحيح عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: سعت أبي يقول: ما ذكر ابن عمر رسول الله ﵌ إلا بكى، ولا مر على ربعهم إلا غمض عينيه. وأخرجه الدارمي من هذا الوجه في تاريخ أبي العباس بسند جيد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ يبكي حتى يفنيه البكاء. وعند ابن سعد بسند صحيح، قيل لنافع: ما كان ابن عمر يصنع في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة والمصحف فيما بينهما. وعند الطبراني وهو في الحليلة بسند جيد عن نافع؛ أن ابن عمر كان يحيى الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا. فيقول: لا. فيعاود فإذا قال: نعم. قعد يستغفر الله حتى يصبح اهـ.\nوالمقصود بربعهم: دار الرسول ﷺ.\n_________\n١٩٥٢ - المعجم الكبير (١٢/ ٢٥٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٧): رواه الطبراني بإسنادين ورجال هذا ثقات.\nالزج: حربة الرمح.","vol":"4","page":1831},{"text":"١٩٥٣ - * روى ابن سعد عن نافع أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر.\n١٩٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على النبي ﷺ، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي ﷺ، وكنت غلامًا شابًا عزبًا، أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلقيهما ملك آخر، فقال لي: لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: \"نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل\". قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا.\nوللبخاري (٣) أيضًا، أن ابن عمر قال: رأيت في النوم: كأن في كفي سرقة من حرير، لا أهوى بها إلى مكانٍ في الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي ﷺ، فقال: \"إن أخاك رجل صالح\". أو قال: \"إن عبد الله رجل صالح\".\nوفي أخرى (٤) له قال: إن رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله ﷺ، فيقصونها على رسول الله ﷺ، فيقول فيها رسول الله ﷺ ما شاء الله وأنا غلام حديث السن، بيتي المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك\n_________\n١٩٥٣ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٤٨) وسنده جيد.\n١٩٥٤ - البخاري (٣/ ٦) ١٩ - كتاب التهجد -٢ - باب فضل قيام الليل.\nمسلم (٤/ ١٩٢٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣١ - باب فضائل عبد الله بن عمر.\n(١) البخاري (١٢/ ٤٠٣) ١١ - كتاب التعمير -٢٥ - باب الاستبراق ودخول الجنة في المنام.\nسرقة: السرقة بفتحتين: الحرير، وجمعها: سرق.\nأفرى: بيده إلى الشيء: مدها إليه ليأخذه.\n(٢) البخاري (١٣/ ٤١٨) ٩١ - كتاب التعبير -٣٥ - باب الأمن وذهاب الروع في المنام.=","vol":"4","page":1832},{"text":"خير، لرأيت ما يرى هؤلاء، فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم في خيرًا، فأرني رؤيا. فبينا أنا كذلك إذ جاءني ملكان، في يد كل واحدٍ منهما مقمعة حديد، فحملاني إلى جهنم، وأنا بينهما أدعو الله: اللهم إني أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديدٍ، فقال: لم ترع، نعم الرجل أنت، لو تكثر الصلاة. فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، ولها قرون كقرون البئر بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالًا معلقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"إن عبد الله رجل صالح\". قال نافع: فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة.\nوفي رواية لمسلم (١): رأيت في المنام كأن في يدي قطعة استبرق، وليس مكان من الجنة أريد إلا طارت بي إليه، فقصصته على حفصة، فقصته على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: \"أرى عبد الله رجلًا صالحًا\".\n(لو كان يصلي من الليل) هي هنا للتمني، لا للشرط، ولذلك لم يذكر الجواب.\nقال المهلب: إنما فسر رسول الله ﷺ هذه الرؤيا في قيام الليل من أجل قول الملك. \"لم ترع\". أي لم تعرض عليك النار، لأنك مستحقها، وإنما ذكرت بها، ثم نظر رسول الله ﷺ في أحواله، فلم ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيدني من النار، وعلم مبيته في المسجد، فعبر ذلك بأن تنبيه له على قيام الليل فيه.\n١٩٥٥ - * روى الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: لما فرض عمر لأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وفرض لي ألفين وخمس مائة، فقلت له: يا أبت لم تفرض لأسامة بن زيد ثلاثة\n_________\n=لم ترع: أي لم تفزع.\nمقمعة: واحدة المقامع، وهي سياط تعمل من حديد رؤوسها معوجة.\nشفير جهنم: شفير الوادي: جانبه وحرفة.\n(١) مسلم (٤/ ١٩٢٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣١ - باب من فضائل عبد الله بن عمر.\nاستبرق: الاستبرق: ما غلظ من الديباج.\n١٩٥٥ - المستدرك (٢/ ٥٥٩). وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1833},{"text":"آلاف وتفرض لي ألفين وخمس مائة؟ والله ما شهد أسامة مشهدًا غبت عنه، ولا شهد أبوه مشهدًا غاب عنه أبي. قال: صدقت يا بني، ولكني أشهد: لأبوه كان أحب الناس إلى رسول الله ﵌ من أبيك، ولهو أحب إلى رسول الله ﵌ منك. قال الحاكم: فإن توهم متوهم أن هذه الفضيلة لأسامة فليعلم أني إنما خرجت هذا الحديث لأمرين: أحدهما شهادة عمر لابنه أنه لم يشهد أسامة مشهدًا إلا شهدته، وهذه من أجل فضائل ابن عمر، والثاني أن الشيخين ﵄ قد خرجا أكثر ما روي من فضائل ابن عمر على شرطهما من المسانيد فأنا أجتهد في تحصيل خبر مسند صحيح لم يخرجاه.","vol":"4","page":1834},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>١٥ - بلال بن رباح ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته:\nبلال بن رباح الحبشي المؤذن، وهو بلال بن حمامة وهي أمه .. اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد فأعتقه، فلزم النبي ﵌ وأذن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد النبي ﵌ مجاهدًا إلى أن مات بالشام. قال أبو نعيم: كان ترب أبي بكر وكان خازن رسول الله ﷺ. وروى أبو إسحاق الجوزجاني في تاريخه من طريق منصور عن مجاهد قال: قال عمار كل قد قال ما أرادوا -يعني المشركين- غير بلال.\nومناقبه كثيرة مشهورة قال ابن إسحاق: كان لبعض بني جمح. مولد من مولديهم واسم أمه حمامة، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول: لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد. فيقول وهو في ذلك أحد أحد. فمر به أبو بكر فاشتراه منه بعبد له أسود جلد.\nقال البخاري: ومات بالشام زمن عمر. وقال ابن بكير: مات في طاعون عمواس. وقال عمرو بن علي: مات سنة عشرين. وقال ابن زبر: مات بداريا. وفي المعرفة لابن منده أنه دفن بحلب. اهـ.\nوقال ابن كثير: ولما شرع الأذان بالمدينة كان هو الذي يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ وابن أم مكتوم يتناوبون، تارة هذا وتارة هذا، وكان بلال ندي الصوت حسنه، فصحًا ... وأذن يوم الفتح على ظهر الكعبة .. قالوا: وكان بلال آدم شديد الأدمة طويلًا نحيفًا كثير الشعر خفيف العارضين.\nقال ابن بكير: توفي بدمشق في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. وقال محمد بن إسحاق وغير واحد: توفي سنة عشرين. قال الواقدي: ودفن بباب الصغير، وله بضع وستون","vol":"4","page":1835},{"text":"سنة. ا. هـ.\nومما ورد فيه:\n١٩٥٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ لبلال صلاة الغداة: \"حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة\". قال بلال: ما عملت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.\n١٩٥٧ - * روى البخاري عن جابر قال: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا. يعني بلالًا.\n١٩٥٨ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه سبعة؛ رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمار، وأمة سمية، وبلال، وصهيب، والمقداد. فأما النبي ﷺ، وأبو بكر فمنعهما الله بقومهما، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم أحد إلا وأتاهم ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد.\nذكر الذهبي في السير (١) عن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدفون في الحجارة بخمس أواق ذهبًا، فقالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعناكه. قال: لو أبيتم إلا مئة أوقية لأخذته.\n_________\n١٩٥٦ - البخاري (٢/ ٣٤) ١٩ - كتاب التهجد -١٧ - باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار.\n(١) ومسلم (٤/ ١٩١٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢١ - باب من فضائل بلال.\n١٩٥٧ - البخاري (٧/ ٩٩) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة ٢٣ - باب مناقب بلال بن رباح.\n١٩٨٥ - المستدرك (٢/ ٢٨٤). وصححه ووافقه الذهبي.\nالسير (١/ ٣٥٢) وقال محققه: إسناده قوي.","vol":"4","page":1836},{"text":"١٩٥٩ - * روى مسلم عن سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء عنك فلا يجترئون علينا. وكنت أنا وابن مسعود وبلال ورجل من هذيل وآخران، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (٢).\n١٩٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: لما قدم النبي ﷺ المدينة، وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:\nكل امرئٍ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله\nوكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إذخر وجليل\nوهل أردن يومًا مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامة وطفيل\nالله ألعن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قالت: قال رسول الله ﷺ: \"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم صححها، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة\". قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. قالت: وكان نطحان يجري نجلًا. يعني ماء آجنا.\n_________\n١٩٥٩ - مسلم (٤/ ١٨٧٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥ - باب في فضل سعد بن أبي وقاص.\n(٢) الأنعام: ٥٢.\n١٩٦٠ - البخاري (٧/ ٢٦٢) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار -٤٦ - باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة.\nومسلم (٢/ ١٠٠٣) ١٥ - كتاب الحج -٨٦ - باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها.\nوعك: أصيب بالوعك وهو الحمى.\nمصبح: أي مصاب بالموت صباحًا.\nيرفع عقيرته: يرفع صوته.\nمجنة: موضع على ستة أميال من مكة وكان فيه سوق.\nشامة وطفيل: جبلان بأرض مكة وقيل هما عينان لا جبلان.\nاذخر وجليل: نبات.\nالنجل: الماء القليل الذي ياز نزا وهو كالرشح.\nأجن: يأجن الماء فهو أجن: إذا تغير لونه وطعمه وريحه.","vol":"4","page":1837},{"text":"١٩٦١ - * روى الحاكم عن عمرو بن ميمون: أن أخًا لبلال كان ينتمي إلى العرب ويزعم أنه منهم فخطب امرأة من العرب فقالوا: إن حضر بلال زوجناك. قال: فحضر بلال فقال: أنا بلال بن رباح وهذا أخي وهو امرؤ سيء الخلق والدين فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه وإن شئتم أن تدعوا فدعوا. فقالوا: من تكن أخاه نزوجه. فزوجوه.\nقال الحاكم: أخو بلال هذا له رواية.\n١٩٦٢ - * روى الحاكم عن عائشة، قالت: أعتق أبو بكر ﵁ سبعة ممن كان يعذب في الله ﷿ منهم بلال وعامر بن فهيرة.\n١٩٦٣ - * روى الطبراني: عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: \"مثل بلال مثل النخلة غدت تأكل من الحلو والمر، ثم هو حلو كله\".\n* * *\n_________\n١٩٦١ - المستدرك (٢/ ٢٨٢) وصححه ووافقه الذهبي.\n١٩٦٢ - المستدرك (٢/ ٢٨٤) وصححه ووافقه الذهبي.\n١٩٦٣ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٠): رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.","vol":"4","page":1838},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>١٦ - أبي بن كعب ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري أبو المنذر وأبو الطفيل سيد القراء .. كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرًا والمشاهد كلها، قال له النبي ﵌: \"ليهنك العلم أبا المنذر\". وقال له: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك\". وكان عمر يسميه سيد المسلمين، ويقول اقرأ: يا أبي. ويروى ذلك عن النبي ﵌ أيضًا. وأخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم. وعده مسروق في الستة من أصحاب الفتيا. قال الواقدي: وهو أول من كتب للنبي ﷺ، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان بن فلان. وكان ربعة أبيض اللحية لا يغير شيبه. وممن روى عنه من الصحابة عمر، وكان يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبو أيوب وعبادة بن الصامت وسهل بن سعد وأبو موسى وابن عباس وأبو هريرة وأنس وسليمان بن صرد وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى ابن معين يقول: مات أبي بن كعب سنة عشرين أو تسع عشرة. وقال الواقدي: ورأيت آل أبي وأصحابنا يقولون مات سنة اثنين وعشرين، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين. قال: وقد سمعت من يقول مات من خلافة عثمان سنة ثلاثين. وهو أثبت الأقاويل. وقال ابن عبد البر: الأكثر على أنه في خلافة عمر. قلت: وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زر بن حبيش لقيه في خلافة عثمان.\nوروى البخاري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبزي قال: قلت لأبي لما وقع الناس في أمر عثمان فذكر القصة، وروى البغوي عن الحسن في قصته له: أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة.\nوقال ابن حبان: مات سنة ثنتين وعشرين في خلافة عمر وقد قيل إنه بقى إلى خلافة عثمان.\nوثبت عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه","vol":"4","page":1839},{"text":"الأمراض التي تصيبنا مالنا فيها؟ قال: \"كفارات\". فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قلت؟ \"وإن شوكة. فما فوقها\". فدعا أبي أن لا يفارقه الوعك حتى يموت، وأن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة. قال: فما مس إنسان جسده إلا وجد حره حتى مات. رواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا وصححه ابن حبان ورواه الطبراني من حديث أبي بن كعب بمعناه وإسناده حسن ا. هـ.\nوقال ابن كثير في ترجمته: كان سيدًا جليل القدر. وهو أحد القراء الأربعة الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول الله ﷺ وقد قال لعمر يوما: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل وهو رطب. وفي المسند والنسائي وابن ماجة من طريق أبي قلابة عن أنس مرفوعًا: \"أقرأ أمتي أبي بن كعب\". وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال له: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن\". قال: وسماني لك؟ قال: \"نعم\". فذرفت عيناه ... قال الهيثم ابن عدي: توفي أبي سنة تسع عشرة. وقال يحيى بن معين: سنة سبع عشرة أو عشرين. وقال الواقدي عن غير واحد: توفى سنة ثنتين وعشرين. وبه قال أبو عبيد وابن غير وجماعة. وقال الفلاس وخليفة: توفى في خلافة عثمان بن عفان ﵁. ا. هـ.\nقال الذهبي: شهد العقبة، وبدرًا، وجمع القرآن في حياة النبي ﷺ، وعرض على النبي، ﵇، وحفظ عنه علمًا مباركًا، وكان رأسًا في العلم والعمل، ﵁ .. وكان أبي نحيفًا، قصيرًا، أبيض الرأس واللحية ا. هـ.\nومما ورد فيه:\n١٩٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأبي: \"إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: وسماني؟ قال: \"نعم\" فبكى.\nوفي رواية (١) مثله، ولم يسم سورة، وفيه قال: الله سماني لك؟ قال: \"الله سماك\n_________\n١٦٦٤ - البخاري (٧/ ١٢٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٦ - باب مناقب أبي بن كعب.\nومسلم (٤/ ٦٩١٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢٢ - باب من فضائل أبي بن كعب وجماعة من الأنصار.\n(١) مسلم في نفس الوضع السابق.","vol":"4","page":1840},{"text":"لي\". قال: فجعل أبي يبكي.\nوللبخاري (١) أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: \"إن الله أمرني أن أقرئك القرآن\". قال: الله سماني؟ قال: \"نعم\". قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: \"نعم\". فذرفت عيناه.\nقال الحافظ في الفتح: ويؤخذ من هذا الحديث مشروعية التواضع في أخذ الإنسان العلم من أهله وإن كان دونه. وقال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر، لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة، والمعاد وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها.\n١٩٦٥ - * روى أحمد والنسائي عن قيس بن عباد قال: أتيت المدينة للقاء أصحاب محمد ﷺ، ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلي من أبي، فأقيمت الصلاة، وخرج عمر مع أصحاب رسول الله ﷺ فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم، فعرفهم غيري، فنحاني، وقام في مقامي، فما عقلت صلاتي. فلما صلى، قال: يا بني! لا يسؤوك الله، فإني لم آت الذي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: \"كونوا في الصف الذي يليني\" وإني نظرت في وجوه القوم، فعرفتهم غيرك. وإذا هو أبي ﵁.\n١٩٦٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي، ومعاذ، وسالم مولى أبي حذيفة\".\n١٩٦٧ - * روى أبو داود عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة، فلبس عليه، فلما\n_________\n(١) البخاري (٨/ ٧٣٥) -٦٥ - كتاب التفسير ٩٨ - سورة: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾.\n١٩٦٥ - أحمد في مسنده (٥/ ١٤٠).\nوالنسائي (٢/ ٨٨) كتاب الإمامة -٢٣ - باب من يلي الإمام ثم الذي يليه: وإسناده صحيح.\n١٩٦٦ - البخاري (٧/ ١٠١) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -٢٦ - باب مناقب مولى أبي حذيفة.\n١٩٦٧ - أبو داود (١/ ٢٣٩) كتاب الصلاة، باب الفتح على الإمام في الصلاة.","vol":"4","page":1841},{"text":"انصرف، قال لأبي: \"أصليت معنا؟ \" قال: نعم. قال: \"فما منعك\".\nقال الخطابي: أراد: ما منعك أن تفتح علي إذ رأيتين قد لبس علي؟ وفيه دليل على جواز تلقين الإمام.\n١٩٦٨ - * روى الترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وغن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح\".\n١٩٦٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد قال: قال أبي: يا رسول الله ﷺ، ما جزاء الحمى؟ قال: \"تجري الحسنات على صاحبها\". فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك. فلم يمس أبي قط إلا وبه الحمى.\nقال الذهبي: ملازمة الحمى له حرفت خلقه يسيرًا، ومن ثم يقول زر بن حبيش: كان أبي فيه شراسة.\n١٩٧٠ - * روى مسلم عن أبي بن كعبٍ؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا المنذر! أتدري أي آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ \" قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"يا أبا المنذر! أتدري أي آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ \". قال قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب في صدري وقال: \"والله! ليهنك العلم أبا المنذر\".\n_________\n١٩٦٨ - الترمذي (٥/ ٦٦٥) ٥٠ - كتاب المناقب -٢٣ - باب مناقب معاذ بن جبل.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوابن ماجة (١/ ٥٥) المقدمة -١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ.\n١٩٦٩ - أحمد في مسنده (٣/ ٢٣).\n١٩٧٠ - مسلم (١/ ٥٥٦) ٦ - كتاب صلاة المسافرين -٤٤ - باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي. ليهنك العلم: ليكن العلم هنيئًا لك.","vol":"4","page":1842},{"text":"١٩٧١ - * روى البخاري ومسلم عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: جمع القرآن، على عهد رسول الله ﷺ، أربعة، كلهم من الأنصار: معاذ بن جبلٍ، وأبي بن كعبٍ، وزيد بن ثابتٍ، وأبو زيدٍ.\nقال قتادة: قلت لأنسٍ: من أبو زيدٍ؟ قال: أحد عمومتي.\n١٩٧٢ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: قال أبي لعمر بن الخطاب: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل ﵇ وهو رطب.\n١٩٧٣ - * روى البخاري عن ابن عباس قال: قال عمر ﵁: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي. وإنا لندع من قول أبي، وذاك أن أبيًا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ. وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١).\n١٩٧٤ - * روى ابن سعد عن عتي بن ضمرة قال: رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم. فقلت: ما شأن هؤلاء؟ فقال بعضهم: ما أنت من أهل البلد؟ قلت: لا. قال: فإنه قد مات اليوم سيد المسلمين، أبي بن كعب.\n١٩٧٥ - * روى ابن سعد عن أبي قال: إنا لنقرؤه في ثمان ليالٍ. يعني القرآن.\n_________\n١٩٧١ - البخاري (٩/ ٤٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ١٩١٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢٣ - باب من فضائل أبي بن كعب وجماعة من الأنصار.\n١٩٧٢ - أحمد في مسنده (٥/ ١١٧).\n١٩٧٣ - البخاري (٨/ ١٦٧) ٦٥ - كتاب التفسير -٧ - باب قوله: م (ما ننسخ من آية أو ننسها).\nوقوله: ننسها: من النسيان. وهي قراءة ما سوى ابن كثير، وأبي عمرو من السبعة: وفي رواية البخاري \"أو ننسأها\" أي: نؤخرها. وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو.\n(١) البقرة: ١٠٦.\n١٩٧٤ - الطبقات الكبرى (٣/ ٥٠١) ورجاله ثقات.\nوانظر السير (١/ ٢٣٩).\n١٩٧٥ - الطبقات الكبرى (٣/ ٥٠١) وإسناده صحيح.","vol":"4","page":1843},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>١٧ - أبو طلحة الأنصاري ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nزيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عمرو بن مالك بن عدي ابن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو طلحة .. مشهور بكنيته، ووهم عن سماه سهل بن زيد وهو قول ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة في تسمية من شهد العقبة، وقد قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى أخبرنا أبو طلحة من ولد أبي طلحة قال: اسم أبي طلحة زيد.\nوهو القائل:\nأنا أبو طحة واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد\nكان من فضلاء الصحابة وهو زوج أم سليم. ا. هـ.\nوقال الذهبي: وكان قد سرد الصوم بعد النبي ﷺ .. وذكر عروة وموسى بن عقبة وابن إسحاق: أن أبا طلحة ممن شهد العقبة وبدرًا .. عاش بعد النبي ﷺ نيفًا وعشرين سنة ... وكان جلدًا صيتًا آدم مربوعًا لا يغير شيبه .. مات سنة أربع وثلاثين .. روى عن النبي ﷺ نيفًا وعشرين حديثًا منها في الصحيحين حديثان وتفرد البخاري بحديث ومسلم بحديث. ﷺ.\nومما ورد فيه:\n١٩٦٧ - * روى الطبراني عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم قبل أن يسلم، فقالت: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره. فأسلم أبو طلحة وتزوجها.\nقال ثابت البناني: فما سمعنا بمهر كان قط أكرم من مهر أم سليم: الإسلام.\n_________\n١٩٧٦ - المعجم الكبير (٥/ ٩١) وإسناده صحيح.","vol":"4","page":1844},{"text":"١٩٧٧ - * روى أبو داود والحاكم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\". فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم.\n١٩٧٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالكٍ؛ أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق شقه الأيمن فقسمه فيمن يليه، ثم قال: \"احلق الشق الآخر\". فقال: \"أين أبو طلحة؟ \" فأعطاه إياه.\n١٩٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ، يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا، وكان أحب أمواله إليه بيرحى، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيبٍ.\nقال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٤) قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله يقول في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وإن أحب أموالي إلي بيرحى، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله، حيث شئت، قال رسول الله ﷺ \"بخ! ذلك مال رابح. ذلك مال رابح. قد سمعت ما قلت فيها\".\n_________\n١٩٧٧ - أبو داود (٣/ ٧١) -كتاب الجهاد، باب في السلب.\nوالمستدرك (٣/ ٣٥٣). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٩٧٨ - مسلم (٢/ ٩٤٧) -كتاب الحج- ٥٦ - باب بيان أن السنة يوم النحر.\n١٩٧٩ - البخاري (٣/ ٣٢٥) ٢٤ - كتاب الزكاة -٤٤ - باب الزكاة على الأقارب.\nومسلم (٢/ ٦٩٣) ١٢ - كتاب الزكاة -١٤ - باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين.\nبيرحى: اختلفوا في ضبط هذه اللفظة على أوجه. قال القاضي ﵀: روينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها مع الكسر الباء. وبفتح الباء والراء. وهذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة قبلي المسجد. وهو حائط يسمى بهذا الاسم. ومعنى الحائط، هنا، البستان. وقال في الفائق: إنها فيعلى، من البراح، وهي الأرض المنكشفة الظاهرة.\nأرجو برها وذخرها: يعني لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية، بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية.\nبخ: قال أهل اللغة: بخ، بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة. قال ابن دريد: معناه تعظيم الأمر وتفخيه.\n(١) آل عمران: ٩٢.","vol":"4","page":1845},{"text":"١٩٨٠ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة\".\nوفي رواية \"لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة\".\n١٩٨١ - * روى مسلم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك. حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء. فقال: \"من يضيف هذا، الليلة، رحمة الله\". فقام رجل من الأنصار فقال: أنا. يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا. إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم بشيءٍ. فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذ أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي ﷺ. فقال: \"قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة\".\nوفي رواية للبخاري (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله ﷺ: \"ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله؟ \" فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالى فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت. ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال:\n_________\n١٩٨٠ - أحمد في مسنده (٣/ ١١٢، ٢٤٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٢): رواه أحمد وأبو يعلى ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح.\n١٩٨١ - مسلم (٢/ ١٦٣٤) ٣٦ - كتاب الأشربة -٣٢ - باب إكرام الضيف وفضل إيثاره.\nمجهود: رجل مجهود: مهزول جائع.\nفعلليهم: تعليل الطفل: وعده وتسويفه وتمنيته، وشغله عما يراد صرفه عنه.\n(١) البخاري (٨/ ٦٣١) ٦٥ - كتاب التغير -٥٩ - سورة الحشر -٦ - باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.\nنطوي بطوننا الليلة: أي نبيت بغير عشاء. ... =","vol":"4","page":1846},{"text":"\"لقد عجب الله ﷿أوضحك- من فلانٍ وفلانة\". فأنزل الله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).\nوفي رواية الترمذي (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا من الأنصار بات به ضيف، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك. فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.\n١٩٨٢ - * روى الحاكم عن أنس: أن أبا طلحة قال: لا أتأمر على اثنين ولا أذمهما.\n١٩٨٣ - * روى الحاكم أخبرنا حماد بن سلمة عن أنس بن مالك أن أبا طلحة قرأ هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. فقال: استنفرنا الله وأمرنا الله واستنفرنا شيوخًا وشبابا جهزوني. فقال بنوه: يرحمك الله إنك قد غزوت على عهد النبي ﵌ وأبي بكر وعمر ونحن نغزو عنك الآن. فغزا البحر فمات. فطلبوا جزيرة يدفنونه فيها فلم يقدروا عليه إلا بعد سبعة أيام وما تغير.\n١٩٨٤ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي رسول الله ﵌ وكان النبي ﵌ يرفع ظهره من خلفه لينظر أين يقع نبله فيتطاول أبو طلحة بصدره يقي به رسول الله ﵌ هكذا: يا نبي الله جعلني الله فداك نحري دون حراك.\n* * *\n_________\n= خصاصة: الخصاصة: الحاجة والقافة.\n(١) الحشر: ٩.\n(٢) الترمذي (٥/ ٤٠٩) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٦٠ - باب ومن سورة الحشر.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٩٨٢ - المستدرك (٣/ ٣٥٣). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٩٨٣ - المستدرك (٣/ ٣٥٣). وصححه وسكت عنه الذهبي.\nقال ابن حجر: أخرجه القسوي في تاريخه، وأبو يعلى وإسناده صحيح.\n١٩٨٤ - المستدرك (٣/ ٣٥٣). وصححه وسكت عن الذهبي. وقال في الإصابة: صحيح الإسناد.","vol":"4","page":1847},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>١٨ - المقداد بن عمرو (المشهور بابن الأسود) ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nالمقداد بن الأسود الكندي هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني وقيل الحضرمي .. قال ابن الكلبي كان عمرو بن ثعلبة أصاب دما في قومه فلحق بحضرموت فحالف كندة فكان يقال له الكندي، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد، فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري، وكتب إلى أبيه فقدم عليه، فتبنى الأسود المقداد فصار يقال له المقداد بن الأسود، وغلبت عليه واشتهر بذلك، فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾. قيل له المقداد بن عمرو، واشتهرت شهرته بابن الأسود وكان المقداد يكنى أبا الأسود، وقيل كنيته أبو عمرو، وقيل أبو سعيد، وأسلم قديمًا وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي ﵌ وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، وكان فارسًا يوم بدر حتى إنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره. وقال زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود: أول من أظهر إسلامه سبعة. فذكره فيهم. وقال مخارق بن طارق عن ابن مسعود: شهدت مع المقداد مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به. وذكر البغوي من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر: أول من قاتل على فرس في سبيل الله المقداد بن الأسود. ومن طريق موسى بن يعقوب الزمعي عن عمته قريبة عن عمتها كريمة بنت المقداد عن أبيها: شهدت بدرًا على فرس لي يقال لها سبحة. ومن طريق يعقوب بن سلمان عن ثابت البناني قال: كان المقداد وعبد الرحمن بن عوف جالسين فقال له: مالك لا تتزوج؟ قال: زوجني ابنتك. فغضب عبد الرحمن وأغلظ له، وفشكا ذلك للنبي ﵌ فقال: \"أنا أزوجك\". فزوجه بنت عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. وعن المدايني قال: كان المقداد طويلًا آدم كثير الشعر أعين مقرونًا يصفر لحيته. وأخرج يعقوب بن سفيان وابن شاهين من طريقه بسنده إلى كريمة زوج المقداد: كان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام رومي فقال له: أشق بطنك، فأخرج من شحمه حتى تلطف. فشق بطنه ثم خاطه، فمات المقداد وهرب الغلام. وقال","vol":"4","page":1848},{"text":"أبو ربيعة الإيادي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ: \"إن الله ﷿ أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم علي والمقداد وأبو ذر وسلمان\". وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وسنده حسن. وروي المقداد عن النبي ﷺ أحاديث، روي عنه علي وأنس وعبيد الله بن عدي بن الخيار وهمام بن الحارث وعبد الرحمن بن أبي ليلى وآخرون. اتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان، قيل وهو ابن سبعين سنة ا. هـ.\nوقال الذهبي: صاحب رسول الله ﷺ وأحد السابقين الأولين ... القضاعي الكندي البهراني شهد بدرًا والمشاهد .... له جماعة أحاديث ... حديث في الستة، له حديث في الصحيحين، وانفرد له مسلم بأربعة أحاديث ا. هـ.\n١٩٨٥ - * روى الحاكم عن المقداد بن الأسود قال: بعثني رسول الله ﵌ مبعثًا فلما رجعت قال لي: \"كيف تجد نفسك؟ \" قلت: ما زلت حتى ظننت أنه من معي خولي، وايم الله لا أعلم على رجلين بعدها.\n١٩٨٦ - * روى مسلم عن المقداد بن عمرو -وهو ابن الأسود﵁ قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ، فليس أحد منهم يقبلنا فأتينا النبي ﷺ، فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنزٍ، فقال النبي ﷺ: \"احتلبوا هذا اللبن بيننا\". قال: فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه ونرفع لرسول الله ﷺ نصيبه. قال: فيجيء من الليل، فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع القيظان. قال: ثم يأتي إلى المسجد فيصلي. قال: ثم يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة. فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل، ندمني الشيطان، فقال: ويحك،\n_________\n١٩٨٥ - المستدرك (٣/ ٣٥٠). وصححه ووافقه الذهبي.\n١٩٨٦ - مسلم (٣/ ١٦٣٥) ٣٦ - كتاب الأشربة -٣٢ - باب إكرام الضيف.\nالجهد: المشقة.\nفيتحفونه: التحفة: الهدية والبر.\nوغلت: وغل الرجل يغل: إذا دخل في السحر (قبيل الفجر) استعار الوغول لدخول اللبن البطن.=","vol":"4","page":1849},{"text":"ما صنعت؟ أشربت شراب محمد، فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك؟ وعلي شملة إذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي، فناما، ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو علي فأهلك. فقال: \"اللهم أطعم من أطعمني، واسسق من سقاني\". قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي، وأخذت الشفرة، فانطلقت إلى الأعنز، أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ، ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فحلبت فيه، حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول الله ﷺ، فقال: \"أشربتم شرابكم الليلة؟ \" قلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني. فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روى، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض. قال فقال النبي ﷺ: \"إحدى سوآتك يا مقداد\". فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا. فقال النبي ﷺ: \"ما هذه إلا رحمة من الله. أفلا كنت آذنتني، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها\". قال فقلت: والذي بعثك بالحق! ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك، من أصابها من الناس.\n١٩٨٧ - (١) روي البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ للمقداد \"إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قومٍ كفار فأظهر إيمانه، فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل\".\nقال الحافظ: وهذا التعليق وصله البزار والدارقطني في (الأفراد) والطبراني في الكبير من رواية أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم والد محمد بن أبي بكر المقدمي عن حبيب،\n_________\n= شملة: الشملة: كل ما زر من مآزر الأعراب.\nحافل: ضرع حافل: ممتلئ لبنا والجمع حفل.\nإحدى سوءاتك: أي أنك فعلت سوأة من الفعلات فما هي.\nما هذه إلا رحمة من الله: أي إحداث هذا اللبن في غير وقته وخلاف عادته، وإن الجميع من فضل الله.\n١٩٨٧ - البخاري (١٢/ ١٨٧) ٨٧ - كتاب الديات -١ - باب قول الله تعالى (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم). تعليقًا.","vol":"4","page":1850},{"text":"وفي أوله: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد، فلما أتوهم وجدوهم وتفرقوا، وفيهم رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله ... الحديث وفيه: فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: \"يا مقداد قتلت رجلًا قال: لا إله إلا الله، فكيف لك بـ لا إله إلا الله\" فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) الآية، فقال النبي ﷺ للمقداد: \"كان رجلًا مؤمنًا يخفي إيمانه\".\n* * *\n_________\n(١) النساء: ٩٤.","vol":"4","page":1851},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>١٩ - أبو قتادة الأنصاري السلمي ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته:\nأبو قتادة بن ربعي الأنصاري، المشهور أن اسمه الحارث .. وجزم الواقدي وابن القداح وابن الكبي بأن اسمه النعمان وقيل اسمه عمرو. وأبوه ربعي هو ابن بلدهة بن خناس بضم المعجمة وتخفيف النون وآخره مهملة ابن عبيد بن غنم بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي، وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم، اختلف في شهوده بدرًا فلم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق واتفقوا على أنه شهد أحدًا وما بعدها وكان يقال له فارس رسول الله ﵌، ثبت ذلك في صحيح مسلم في حديث سلمة بن الأكوع الطويل الذي فيه قصة ذي قرد وغيرها. وكانت وفاة أبي قتادة بالكوفة في خلافة علي، ويقال إنه كبر عليه ستا وقال: إنه بدري. وقال الحسن بن عثمان: مات سنة أربعين وكان شهد مع علي مشاهده: وقال خليفة: ولاه على مكة ثم ولاها قثم بن العباس. اهـ.\nومما ورد فيه:\n١٩٨٨ - * روى الطبراني عن سلمة بن الأكوع عن النبي ﷺ، قال: \"خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع\".\n١٩٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة. قال: فرأيت رجلًا من المشركين قد علا وجلا\n_________\n١٩٨٨ - المعجم الكبير (٣/ ٢٣٩). وإسناده حسن.\n١٩٨٩ - البخاري (٦/ ٢٤٧) ٥٧ - كتاب فرض الخمس -١٨ - باب من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلًا فله سلبه.\nومسلم (٣/ ١٣٧٠) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير -١٣ - باب استحقاق القاتل سلب القتيل.\nجولة: أي انهزام وخيفة ذهبوا فيها: وهذا إنما كان في بعض الجيش. وأما رسول الله ﷺ وطائفة معه فلم يولوا. والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة. وسيأتي بيانها في مواضعها. وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يقال انهزم النبي ﷺ. ولم يرو أحد قط أنه انهزم بنفسه ﷺ في موطن من المواطن. بل ثبتت الأحاديث الصحيحة بإقدامه وثباته ﷺ في جميع المواطن.=","vol":"4","page":1852},{"text":"من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني، فلحقت عمر ابن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: \"من قتل قتيلًا، له عليه بينة، فله سلبه\". قال: فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال مثل ذلك. فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال ذلك، الثالثة. فقمت فقال رسول الله ﷺ \"مالك؟ يا أبا قتادة! \" فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق، يا رسول الله! سلب ذلك القتيل عندي، فأرضه من حقه. وقال أبو بكر الصديق: لاها الله! إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ: \"صدق فأعطاه إياه\". فأعطاني. قال: فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة. فإنه لأول مالٍ تأثلته في الإسلام.\nوفي حديث الليث فقال أبو بكرٍ: كلا لا يعطيه أضيبع من قريشٍ ويدع أسدًا من أسد الله وفي حديث الليث: لأول مالٍ تأثلثه.\nذكر الذهبي في السير (١) موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: صلى علي على أبي قتادة، فكبر عليه سبعًا.\nوذكر أيضًا: (٢) أن عمر بعث أبا قتادة، فقتل ملك فارس بيده، وعليه منطقة قيمتها خمسة عشر ألفًا، فنفلها إياه عمر.\n١٩٩٠ - * روى أبو داود عن أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ كان في سفر له،\n_________\n= على حبل عاتقه: حب العاتق: عصبه، والعائق: موضع الرداء من المنكب. المخرف: البستان: سمي بذلك لأنه يخترف من الثمر، أي: يجنني. وتأثلثه: أي اقتنيته وتأصلته، وأثلة كل شيء: أصله. وقوله: \"لاها الله\" أي: لا والله، فالهاء هنا بمنزلة الواو.\n(١) السير (٢/ ٤٥٦). ورجاله ثقات.\n(٢) السير (٢/ ٤٥٢). ورجاله ثقات.\n١٩٩٠ - أبو داود (٤/ ٢٥٨) كتاب الأدب -باب في الرجل يقول للرجل: حفظ الله.\nوهو طرف من حديث طويل رواه مسلم.","vol":"4","page":1853},{"text":"فعشطوا، فانطلق سرعان الناس (١)، فلزمت رسول الله ﷺ تلك الليلة، فقال: \"حفظك الله بما حفظت به نبيه\".\n* * *\n_________\n(١) سرعان الناس: أولهم ومقدموهم.","vol":"4","page":1854},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>٢٠ - سلمان الفارسي ﵁</span>\nقال ابن حجر:\nسلمان أبو عبد الله الفارسي .. ويقال له سلمان ابن الإسلام وسلمان الخير. وقال ابن حبان: من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وهم، أصله من رام هرمز وقيل من أصبهان. وكان قد سمع بأن النبي ﵌ سيبعث فخرج في طلب ذلك فأسر وبيع بالمدينة، فاشتغل بالرق حتى كان أول مشاهده الخندق وشهد بقية المشاهد وفتوح العراق وولى المدائن.\nوقال ابن عبد البر يقال: إنه شهد بدرًا وكان عالمًا زهدًا، روى عنه أنس وكعب بن عجرة وابن عباس وأبو سعيد وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: أبو عثمان النهدي وطارق ابن شهاب وسعيد بن وهب وآخرون بعدهم. كان اسمه ما به بكسر الموحدة ابن بود. قاله ابن منده بسنده وساق له نسبًا. وقيل اسمه بهبود.\nقال الذهبي: وجدت الأقوال فس سنه كلها دالة على أنه جاوز المائتين وخمسين والاختلاف إنما هو في الزائد. قال: ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما زاد على الثمانين.\nقال أبو ربيعة الأيادي عن أبي بريدة عن أبيه أن النبي ﵌ قال: \"إن الله يحب من أصحابي أربعة\". فذكره فيهم. وقال سلمان بن المغيرة عن حميد بن هلال: آخى النبي ﵌ بين أبي الدرداء وسلمان. ونحوه في البخاري من حديث أبي جحيفة في قصته. ووقع في هذه القصة: فقال النبي ﵌ لأبي الدرداء: \"سلمان أفقه منك\". مات سنة ست وثلاثين في قول أبي عبيد، أو سبع في قول خليفة. وروى عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس: دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت. فهذا يدل على أنه مات قبل ابن مسعود، ومات ابن مسعود قبل سنة أربع وثلاثين، فكأنه مات سنة ثلاث أو سنة اثنتين. وكان سلمان إذا خرج عطاؤه تصدق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده. اهـ.","vol":"4","page":1855},{"text":"وقال الذهبي:\nقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو سلمان ابن الإسلام، أبو عبد الله الفارسي سابق الفرس إلى الإسلام، صحب النبي، ﷺ وخدمه وحدث عنه.\nوروى عنه ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو عثمان النهدي، وشرحبيل ابن السمط، وأبو قرة سلمة بن معاوية الكندي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وأبو عمرو زادان، وأبو ظبيان حصين بن جندب الجنبي، وقرثع الضبي الكوفيون.\nله في مسند بقي ستون حديثًا، وأخرج له البخاري أربعة أحاديث، ومسلم ثلاث أحاديث.\nوكان لبيبًا حازمًا، من عقلاء الرجال وعبادهم نبلائهم. اهـ.\nومما ورد فيه:\nما ذكره الذهبي أيضًا في السير (١): القاسم أبي عبد الرحمن قال: زارنا سلمان الفارسي فصلى الإمام الظهر، ثم خرج وخرج الناس، يتلقونه كما يتلقى الخليفة، فلقيناه وقد صلى بأصحابه العصر، وهو يمشي، فوقفنا نسلم عليه، فلم يبق فينا شريف إلا عرض عليه أن ينزل به، فقال: جعلت على نفسي مرتي هذه أن أنزل على بشر بن سعد. فلما قدم، سأل عن أبي الدرداء، فقالوا: هو مرابط. فقال: أين مرابطكم؟ قالوا: بيروت. فتوجه قبله، قال: فقال سلمان: يا أهل بيروت! ألا أحدثكم حديثًا يذهب الله به عنكم عرض الرباط، سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"رباط يومٍ وليلةٍ كصيام شهرٍ وقيامه، ومن مات مرابطًا أجير من فتنة القبر، وجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة\".\n١٩٩١ - * روى مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وبلال وصهيب في نفرٍ فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيدهم. فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فقال: \"يا أبا بكر! لعلك\n_________\n(١) السير (١/ ٥٠٦) وإسناده حسن، ولكنه مرسل.\n١٩٩١ - مسلم (٤/ ١٩٤٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤٢ - باب من فضائل سلمان وصهيب وبلال.","vol":"4","page":1856},{"text":"أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك\". فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي.\n١٩٩٢ - * روى الطبراني عن أبي البختري قال: قيل لعلي: أخبرنا عن أصحاب محمد، ﷺ. قال: عن أيهم تسألون؟ قيل: عن عبد الله. قال: علم القرآن والسنة، ثم انتهى وكفى به علمًا. قالوا: عمار؟ قال: مؤمن نسي فإن ذكرته ذكر. قالوا: أبو ذر؟ قال: وعى علمًا عجز عنه. قالوا: أبو موسى؟ قال: صبغ في العلم صبغة، ثم خرج منه. قالوا: حذيفة؟ قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالواو: سلمان؟ قال: أدرك العلم الأول، والعلم الآخر بحر لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت. قالوا: فأنت يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ، تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (٢). قال: يا رسول الله! من هؤلاء؟ قال: فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال: \"هذا وقومه، لو كنا للدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس\".\n١٩٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: كنا جلوسًا، عند النبي، ﷺ، فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: قلت من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا -وفينا سلمان الفارسي. وضع رسول الله، ﷺ، يده على سلمان- ثم قال: \"لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء\".\n١٩٩٤ - * روى الترمذي والحاكم عن يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذًا الموت قلنا:\n_________\n١٩٩٢ - المعجم الكبير (٦/ ٢١٣). ورجاله ثقات.\n(١) السير (١/ ٥٤٢) وقال الذهبي: إسناده وسط.\n(٢) الفتح: ٣٨.\n١٩٩٣ - البخاري (٨/ ٦٤١) ٦٥ - كتاب التفسير -٦٢ - سورة الجمعة.\nومسلم (٤/ ١٩٧٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥٩ - باب فضل فارس.\n١٩٩٤ - الترمذي (٥/ ٦٧١) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٧ - باب مناقب عبد الله بن سلام.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.","vol":"4","page":1857},{"text":"أوصنا، قال: أجلسوني. ثم قال: إن الإيمان والعلم مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. قالها ثلاثًا. فالتسموا العلم عند أربعة: أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم. فإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"إنه عاشر عشرة في الجنة\".\nذكر الذهبي في السير (١) عن عبيدة السلماني أن سلمان مر بحجر المدائن غازيًا وهو أمير الجيش وهو ردف رجل من كندة على بغلٍ موكوف، فقال أصحابه: أعطنا اللواء أيها الأمير نحمله، فيأبى حتى قضى غزاته ورجع وهو ردف الرجل.\n١٩٩٥ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان: أن هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الإنسان عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبًا، فإن كنت تبرئ، فنعما لك، وإن كنت متطببًا فاحذر أن تقتل إنسانًا، فتدخل النار. فكان أبو الدارداء إذا قضى بين اثنين، ثم أدبرا عنه، نظر إليهما، وقال: ارجعا إلي أعيدا علي قصتكما، متطبب والله.\n١٩٩٦ - * روى الطبراني عن أبي البختري قال: جاء الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله، فدخلا على سلمان في خص، فسلما وحيياه، ثم قالا: أنت صاحب رسول الله ﷺ؟ قال: لا أدري. فارتابا. قال: إنما صاحب من دخل معه الجنة. قالا: جئنا من عند أبي الدارداء. قال: فأين هديته؟ قالا: ما معنا هدية. قال: اتقيا الله، وأديا الأمانة، ما أتاني أحد من عندي إلا بهدية. قالا: لا ترفع علينا هذا، إن لنا أموالًا فاحتكم. قال: ما أريد إلا الهدية. قالا: والله ما بعث معنا بشيء إلا أنه قال: إن فيكم رجلًا كان رسول الله ﷺ إذا خلا به، لم يبغ غيره، فإذا أتيتماه، فأقرناه مني السلام. قال: فأي هدية كنت أريد منكما غير هذه؟ وأي هديةٍ أفضل منها.\n_________\n= والمستدرك (٣/ ٤١٦). وصححه ووافقه الذهبي.\n(١) السير (١/ ٥٤٥) ورجاله ثقات.\n١٩٩٥ - الموطأ (٢/ ٧٦٩) ٣٧ - كتاب الوصية -٨ - باب جامع القضاء وكراهيته.\n١٩٩٦ - المعجم الكبير (٦/ ٢١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٤١): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. غير يحيى بن إبراهيم المسعودي وهو ثقة.","vol":"4","page":1858},{"text":"١٩٩٧ - * روى الطبراني عن أبي وائل قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف، لتكلفت لكم. فجاءنا بخبز وملح. فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر. فبعث سلمان بمطهرته، فرهنها فجاء بصعتر، فلما أكلنا، قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة.\n١٩٩٨ - * روى ابن ماجة والطبراني عن أنس قال: دخل سعد وابن مسعد على سلمان عند الموت، فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ لم تحفظه. قال: \"ليكن بلاغ أحدكم في الدنيا كزاد الراكب\". وأما أنت يا سعد فاتق الله في حكمك إذا حكمت، وفي قسمك إذا قسمت، عند همك إذا هممت.\nقال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهمًا نقيقة كانت عنه.\nقال الذهبي في السير: روى جعفر بن سليمان البناني وذلك في (العلل) لابن أبي حاتم، قال: لما مرض سلمان، خرج سعد من الكوفة يعوده، فقدم، فوافقه وهو في الموت يبكي، فسلم وجلس، وقال: ما يبكيك يا أخى؟ ألا تذكر صحبة رسول الله؟ ألا تذكر المشاهد الصالحة؟\nقال: والله ما يبكيني واحدة من ثنتين: ما أكبي حبًا بالدنيا ولا كراهية للقاء الله. قال سعد: فما يبكيك بعد ثمانين؟ قال: يبكيني أن خليلي عهد إلي عهدًا، قال: \"ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب\". وإنا قد خشينا أنا قد تعدينا.\n١٩٩٩ - * روى البخاري عن ابن عثمان النهدي ﵁ قال: سمعت سلمان\n_________\n١٩٩٧ - المعجم الكبير (٩/ ٢٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٧٩): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الطوسي وهو ثقة.\n١٩٩٨ - ابن ماجة (٢/ ١٣٧٤). ٣٧ - كتاب الزهد -١ - الزهد في الدنيا.\nوالمعجم الكبير (٦/ ٢٢٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٤): رجاله رجال الصحيح غير الحسن بن يحيى بن الجعد وهو ثقة.\nالسير (١/ ٥٥٦) وتخريجه كتخريج الحديث الذي قبله.\n١٩٩٩ - البخاري (٧/ ٢٧٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٥٣ - باب إسلام سلمان الفارسي.","vol":"4","page":1859},{"text":"يقول: أنا من رامهزمز.\n٢٠٠٠ - * روى البخاري عن أبي عثمان النهدي ﵁: عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب.\n٢٠٠١ - * روى أحمد وابن سعد والطبراني عن ابن عباس قال: حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يقال لها جي، وكان أبي دهقانها، فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. وكانت لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني! إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها. وأمرني ببعض ما يريد، فخرجت، ثم قال: لا تحتبس علي، فإنك إن احتبست علي كنت أهم إلي من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم، وسمعت أصواتهم، دخلت إليهم انظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلواتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه. فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أي بني! أين كنت؟ ألم أكن عهد إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبة! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قلت: كلا والله!\n_________\n٢٠٠٠ - البخاري في نفس الموضع السابق.\n٢٠٠١ - أحمد في مسنده (٥/ ٤٤١ - ٤٤٤).\nوالطبقات الكبرى (٤/ ٧٥ - ٨٠).\nوالمعجم الكبير (٦/ ٢٢٢)، وذكر الذهبي في السير (١/ ٥٠٦). وقال محققه: رجاله ثقات. وإسناده قوي فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد وابن هشام وابن سعد، وأخرجه أحمد، وابن سعد والجزري في \"أسد الغابة\" وابن هشام والطبراني في \"الكبير\" والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\".\nوقال الذهبي في السير بعد أن ساق رواية أوفى من هذه: هذا حديث جيد حكم الحاكم بصحته.","vol":"4","page":1860},{"text":"إنه لخير من ديننا. قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدًا، ثم حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى فقلت: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى، فأخبروني بهم. فقدم عليهم ركب من الشام. قال: فأخبروني بهم، فقلت: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة، فأخبروني. قال: ففعلوا. فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك. قال: فادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئًا، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، فأبعضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع.\nثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغبكم فيها، فإذا جئتم بها، كنزها لنفسه، ولم يعط المساكين، وأريتهم موضع كنزه سبع قلال مملوءة، فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا. فصلبوه ثم رموه بالحجارة. ثم جاؤوا برجل جعلوه مكانه، فما رأيت رجلًا -يعني لا يصلي الخمس -أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا، ما أعلمني أحببت شيئًا قط قبله حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان! قد حضرك ما ترى من أمر الله، وإني والله ما أحببت شيئًا قط حبك، فماذا تأمرني وإلى من توصيني؟\nقال لي: يا بني والله ما أعلمه إلا بالموصل، فائته، فإنك ستجده على مثل حالي.\nفلما مات وغَيْبَ، لحقت بالموصل، فأتيت صاحبها، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهد. فقلت له: إن فلانًا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك.\nقال: فأقم أي بني. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة. فقلت له: إن فلانا أوصي بي إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلي من توصي بي؟ وما تأمرني به؟ قال: والله أعلم، أي بني، إلا رجلًا بنصيبين. فلما دفناه، لحقت بالآخر، فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضره الموت، فأوصى بي إلى رجل من أهل عمورية بالروم، فأتيته فوجدته على مثل حالهم، واكتسبت حتى كان لي غنيمة وبُقيرات.","vol":"4","page":1861},{"text":"ثم اختصر فكلمته إلى من يوصي بي؟ قال: أي بني! والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفي، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه.\nفلما واريناه، أقمت حتى مر بي رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم غنيمتي وبقراتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها وحملوني، حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى، ظلموني، فباعوني عبدًا من رجل يهودي بوادي القرى. فوالله لقد رأيت النخل، وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي.\nوما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة وادي القرى، فابتاعني من صاحبي، فخرج بي حتى قدمنا المدينة. فوالله ما هو إلا أن رأيتها، فعرفت نعتها.\nفأقمت في رقي، وبعث الله نبيه، ﷺ، بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق، حتى قدم رسول الله ﷺ قباء، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له، فوالله إني لفيها إذ جاءه ابن عم له، فقال: يا فلان! قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن لفي قباء مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي.\nفوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء -يقول الرعدة -حتى ظننت لأسقطن على صاحبي. ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟.\nفرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: مالك ولهذا، أقبل على عملك. فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبرًا، فأحببت أن أعلمه.\nفلما أمسيت، وكان عندي شيء من طعام، فحملته وذهبت إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فقلت له: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحابًا لك غرباء، وقد كان عندي شيء من الصدقة فرأيتكم أحق من بهذه البلاد، فهاك هذا، فكل منه.","vol":"4","page":1862},{"text":"قال: فأمسك، وقال لأصحابه: \"كلوا\". فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي.\nثم رجعت، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجمعت شيئًا كان عندي ثم جئته به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية. فأكل رسول الله ﷺ وأكل أصحابه، فقلت: هذه خلتان.\nثم جئت رسول الله ﷺ وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي وهو في أصحابه، فاستدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف.\nفلما رآني استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي.\nفقال لي: \"تحول\". فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه.\nثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد.\nثم قال رسول الله ﷺ: \"كاتب يا سلمان\". فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة.\nأحييها له بالفقير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"أعينوا أخاكم\". فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية (١)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، حتى اجتمعت ثلاث مئة ودية، فقال: \"اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي\". ففقرت لها وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها، جئته وأخبرته، فخرج معي إليها نقرب له الودي، ويضعه بيده. فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل، وبقي علي المال. فأتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة دجاجة من ذهب من بعض المغازي. فقال: \"ما فعل الفارسي المكاتب؟ \" فدعيت له، فقال: \"خذها فأد بها ما عليك\". قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: \"خذها فإن الله سيؤدي بها عنك\". فأخذتها فوزنت لهم أربعين أوقية، وأوفيتهم حقهم وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرًا، ثم لم يفتني معه مشهد.\n* * *","vol":"4","page":1863},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>٢١ - عبد الله بن قيس (المشهور بأبي موسى الأشعري) ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته:\nعبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن عدب بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر، أبو موسى الأشعري، مشهور باسمه وكنيته معًا. وأمه طيبة بنت وهب بن عك أسلمت وماتت بالمدينة، وكان هو سكن الرملة وحالف سعيد بن العاص ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة، وقيل بل رجع إلى بلاد قومه ولم يهاجر إلى الحبشة، وهذا قول الأكثر، فإن موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي لم يذكروه في مهاجرة الحبشة. وقدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب فقدموا جمعًا. واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما. استعمله عمر على البصرة بعد المغيرة فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين. وأخرج ابن سعد والطبري من طريق عبد الله بن بريدة أنه وصف أبا موسى فقال: كان خفيف الجسم قصيرًا ثطا [قليل شعر اللحية]. وروى أبو موسى عن النبي ﵌ وعن الخلفاء الأربعة ومعاذ وابن مسعود وأبى بن كعب وعمار، روى عنه أولاده موسى وإبراهيم وأبو بردة وأبو بكر وامرأته أم عبد الله. ومن الصحابة أبو سعيد وأنس وطارق بن شهاب، ومن كبار التابعين فمن بعدهم زيد بن وهب وأبو عبد الرحمن السلمي وعبيد بن عمير وقيس بن أبي خازم وأبو الأسود وسعيد بن المسيب وزر بن حبيش وأبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وربعي بن خراش وحطان الرقاشي وأبو وائل وصفوان ابن محرز وآخرون. قال مجاهد عن الشعبي: كتب عمر في وصيته لا يقر لي عامل أكثر من سنة وأقروا الأشعري أربع سنين. وكان حسن الصوت بالقرآن، وفي الصحيح المرفوع: \"لقد أوتى مزمارًا من مزامير آل داود\". وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا ناي أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن. وكان عمر إذا رآه قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى.\nوفي رواية: شوقنا إلى ربنا. فيقرأ عنده. وكان أبو موسى هو الذي فقه أهل البصرة","vol":"4","page":1864},{"text":"وأقرأهم. وقال الشعبي: انتهى العلم إلى ستة فذكره فيهم. وذكره البخاري من طريق الشعبي بلفظ العلماء، وقال ابن المديني: قضاة الأمة أربعة عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت. وأخرج البخاري من طريق أبي التياح عن الحسن قال: ما أتاها يعني البصرة راكب خير لأهلها منه يعني من أبي موسى. وقال البغوي: حدثنا علي عن مسلم، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: كان لأبي موسى سراويل يلبسه بالليل مخافة أن ينكشف. صحيح. وقال أصحاب الفتوح: كان عامل النبي ﵌ على زبيد وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي ﵌ قدم المدينة وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي ﵌ قدم المدينة وشهد فتوح الشام ووفاة أبي عبيدة، واستعمله عمر على إمرة البصرة بعد أن عزل المغير، وهو الذي افتتح الأهواز وأصبهان، وأقره عثمان على عمله قليلًا ثم صرفه، واستعمل عبد الله بن عامر فسكن الكوفة وتفقه به أهلها حتى استعمله عثمان عليهم بعد عزل سعيد ابن العاص. قال البغوي: بلغني أن أبا موسى مات سنة اثنتين وقيل أربع وأربعين وهو ابن نيف وستين.\nقلت: بالأول جزم ابن نمير وغيره، وبالثاني أبو نعيم وغيره. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: عاش ثلاثًا وستين. وقال الهيثم وغيره: مات سنة خمسين. زاد خليفة ويقال سنة احدى. وقال المدايني: سنة ثلاث وخمسين، واختلفوا مات بالكوفة أو بمكة. اهـ\nوقال الذهبي: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، الإمام الكبير. صاحب رسول الله ﷺ. وأبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ ...\nوهو معدود فيمن قرأ على النبي ﷺ. أقرأ أهل البصرة، وفقههم في الدين. قرأ عليه حطان بن عبد الله الرقاشي، وأبو رجاء العطاردي.\nففي \"الصحيحين\" (١)، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: \"اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا\".\n_________\n(١) البخاري (٨/ ٤١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٥ - باب غزاة أوطاس.\nومسلم (٤/ ١٩٤٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٨ - باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين.","vol":"4","page":1865},{"text":"وقد استعمله النبي ﷺ ومعاذًا على زبيد، وعدن. وولي إمرة الكوفة لعمر، وإمرة البصرة. وقدم (١) ليالي فتح خيبر، وغزا، وجاهد مع النبي ﷺ، وحمل عنه علمًا كثيرًا.\nقال سعيد بن عبد العزيز: حدثني أبو يوسف، حاجب معاوية: أن أبا موسى الأشعري قدم على معاوية، فنزل في بعض الدور بدمشق، فخرج معاوية من الليل ليستمع قراءته.\nقال أبو عبيد: أم أبي موسى هي ظيبة بنت وهب؛ كانت أسلمت، وماتت بالمدينة.\nوقال ابن سعيد (٢): حدثنا الهيثم بن عدي، قال: أسلم أبو موسى بمكة، وهاجر إلى الحبشة، وأول مشاهده خيبر، ومات سنة اثنتين وأربعين.\nقال محقق السير: وكونه ممن شهد خيبر فيه نظر، فقد جاء في صحيح البخاري قول أبي موسى: فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر. وزاد في رواية: فأسهم لنا ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا! إلا لمن شهدها معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، فإنه قسم لهم معهم.\nقال أبو أحمد الحاكم: أسلم بمكة، ثم قدم مع أهل السفينتين بعد فتح خيبر بثلاث، فقسم لهم النبي ﷺ. ولي البصرة لعمر وعثمان؛ وولي الكوفة، وبها مات.\nوقال ابن منده: افتتح أصبهان زمن عمر.\nوقال العجلي: بعثه عمر أميرًا على البصرة، فأقرأهم وفقههم، وهو فتح تستر [مدينة بخورستان]. ولم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتًا منه.\nابن بريدة قال: كان الأشعري قصيرًا، أثط (٣)، خفيف الجسم. اهـ.\n_________\n(١) قدم: يرى قدومه من الحبشة مع من كان هاجر إليها.\n(٢) الطبقات الكبرى (٦/ ١٦).\n(٣) الأثط: القليل شعر اللحية.","vol":"4","page":1866},{"text":"٢٠٠٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن. فخرجنا مهاجرين إليه. أنا وأخوان لي. أنا أصغرهما. أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم -إما قال بضعًا وإما قال ثلاثةً وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي -قال: فركبنا سفينة. فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة. فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ههنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا. قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا. أو قال: أعطانا منها. وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا. إلا لمن شهد معه. إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه. قسم لهم معهم. قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة -: نحن سبقناكم بالهجرة.\nقال: فدخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة. وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه. فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشة هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة. فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم. فغضبت. وقالت كلمة: كذبت. يا عمر! كلا. والله! كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعط جاهلكم. وكنا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء في الحبشة. وذلك في الله وفي رسوله. وايم الله! لا أطعم ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ. ونحن كنا نؤذى ونخاف. وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله. ووالله! لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. قال: فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله! أن عمر قال كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ \"ليس بأحق بي منكم. وله ولأصحابه هجرة واحدة. ولكم أنتم، أهل السفينة، هجرتان\".\n_________\n٢٠٠٢ - البخاري (٧/ ٤٨٥) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٨ - باب غزوة خيبر.\nومسلم (٤/ ١٩٤٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤١ - باب من فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم.","vol":"4","page":1867},{"text":"قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالًا. يسألوني عن هذا الحديث. ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ.\nقال أبو بردة: فقالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإنه ليستعيد هذا الحديث مني.\n٢٠٠٣ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقدم عليكم غدًا قوم هم أرق قلوبًا للإسلام منكم\". فقدم الأشعريون، فلما دنوا جعلوا يرتجزون:\nغدًا نلقى الأحبه ... محمدًا وحزبه\nفلما أن قدموا تصافحوا، فكانوا أول من أحدث المصافحة.\n٢٠٠٤ - * روى ابن سعد والحاكم عن عياض الأشعري قال: لما نزلت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١) قال رسول الله ﷺ: \"هم قومك يا أبا موسى، وأومأ إليه\".\n٢٠٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: لما فرغ النبي من حنين، بعثت أبا عامر على جيش إلى أوطاس. فلقي دريد بن الصمة. فقتل دريد وهزم الله أصحابه. فقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر. قال: فرمي أبو عامر في ركبته. رماه رجل من بني جشم بسهم. فأثبته في ركبته. فانتهت إليه فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي موسى. فقال: إن ذاك قاتلي. تراه ذلك الذي رماني. قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته فلحقته، فلما رآني ولى عنى ذاهبًا. فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًا؟ ألا تثبت؟ فكف. فالتقيت أنا\n_________\n٢٠٠٣ - أحمد في مسنده (٣/ ١٥٥). وإسناده صحيح.\n٢٠٠٤ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٧). والمستدرك (٢/ ٣١٣). وصححه ووافقه الذهبي.\n(١) المائدة: ٥٧.\n٢٠٠٥ - البخاري (٨/ ٤١) ٦٤ - كتاب المغازي -٥٥ - باب غزاة أوطاس.\nومسلم (٤/ ١٩٤٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٨ - باب من فضائل أبى موسى وأبى عامر الأشعريين.\nأوطاس: واد ف ديار هوازن، وهو غير وادي حنين.","vol":"4","page":1868},{"text":"وهو. فاختلفنا أنا وهو ضربتين. فضربته بالسيف فقتلته. ثم رجعت إلى عامر فقلت: إن الله قد قتل صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي! انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام. وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي. قال: واستعملني أبو عامر على الناس. ومكث يسيرًا ثم إنه مات. فلما رجعت إلى النبي ﷺ دخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل، وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه. فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر. وقلت له: قال: قل له: يستغفر لي. فدعا رسول الله ﷺ بماء. فتوضأ منه. ثم رفع يديه. ثم قال \"اللهم! اغفر لعبيد، أبي عامر\". حتى رأيت بياض إبطيه. ثم قال \"اللهم! اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس\" فقلت: ولي. يا رسول الله! فاستغفر. فقال النبي ﷺ \"اللهم! اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه. وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا\".\nقال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر. والأخرى لأبي موسى.\n٢٠٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة. ومعه بلال. فأتى رسول الله ﷺ رجل أعرابي. فقال: ألا تنجز لي، يا محمد! ما وعدتني؟ قال له رسول الله ﷺ \"أبشر\". فقال له الأعرابي: أكثرت علي من \"أبشر\". فأقبل رسول الله ﷺ على أبي موسى وبلال، كهيئة الغضبان. فقال \"إن هذا قد رد البشرى. فأقبلا أنتما\". فقالا: قبلنا. يا رسول الله! ثم دعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه. ومج فيه. ثم قال \"اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما وأبشرا\" فأخذا القدح. ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ. فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما. فأفضلا لها منه طائفة.\n_________\n٢٠٠٦ - البخاري (٨/ ٤٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦٥ - باب غزوة الطائف.\nومسلم (٤/ ١٩٤٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٨ - باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين.\nالجعرانة: بين مكة والطائف، وهي إلى مكة أقرب. وقال الفاكهي: بينها وبين مكة بريد. وقال الباجي: ثمانية عشر ميلًا.","vol":"4","page":1869},{"text":"٢٠٠٧ - * روى أحمد عن ابن بريدة عن أبيه قال: خرج بريدة عشاء فلقيه النبي ﷺ فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت رجل يقرأ فقال النبي ﷺ: \"تراه مرائيًا\". فأسكت بريدة فإذا رجل يدعو فقال: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. فقال النبي ﷺ: \"والذي نفسي بيده أو قال والذي نفس محمد بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب\". قال فلما كان من القابلة خرج بريدة عشاء فلقيه النبي ﷺ فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت الرجل يقرأ فقال النبي ﷺ \"أتقوله مراء\". فقال بيدة: أتقوله مراء يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ: \"لابل مؤمن منيب لابل مؤمن منيب\". فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب المسجد فقال رسول الله ﷺ \"إن الأشعري أو إن عبد الله بن قيس أعطي مزمارًا من مزامير داود\". فقلت: ألا أخبره يا رسول الله؟ قال: \"بلى فأخبره\". فأخبرته. فقال: أنت لي صديق أخبرتني عن رسول الله ﷺ بحديث.\nوذكر الذهبي في السير عن الأسود بن يزيد قال: لم أر بالكوفة أعلم من علي وأبي موسى.\nوذكر أيضًا عن مسروق قال: كان القضاء في الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي، وزيد، وأبي موسى.\n٢٠٠٨ - * روى ابن سعد عن عمر قال: بالشام أربعون رجلًا، ما منهم رجل كان يلي أمر الأمة إلا أجزأه، فأرسل إليهم. فجاء رهط، فيهم أبو موسى، فقال: إني أرسلك إلى قوم عسكر الشيطان بين أظهرهم. قال: فلا ترسلني. قال: إن بها جهادًا ورباطًا. فأرسله\n_________\n٢٠٠٧ - أحمد في مسنده (٥/ ٣٤٩) وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٥٨، ٣٥٩). وقال: رواه الحمد، وفي الصحيح منه أن عبد الله بن قيس أعطي مزمارًا من مزامير آل داود، وهنا: من مزامير داود، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(١) السير (٢/ ٣٨٨).\n(٢) السير (٢/ ٣٨٨) وهو صحيح الإسناد.\n٢٠٠٨ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٩). ورجاله ثقات.","vol":"4","page":1870},{"text":"إلى البصرة (١).\nوذكر الذهبي في السير عن أنس: بعثني الأشعري إلى عمر، فقال لي: كيف تركت الأشعري؟\nقلت: تركته يعلم الناس القرآن. فقال: أما إنه كيس! ولا يسمعها إياه.\n٢٠٠٩ - * روى ابن سعد عن أبي سلمة: كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى، ربما قال له: ذكرنا يا أبا موسى. فيقرأ.\n٢٠١٠ - * روى ابن سعد عن أبي موسى: أن معاوية كتب إليه: أما بعد: فإن عمرو ابن العاص قد بايعني على ما أريد، وأقسم بالله، لئن بايعتني على الذي بايعني، لأستعملن أحد ابنيك على الكوفة، والآخر على البصرة؛ ولا يغلق دونك باب، ولا تقضى دونك حاجة. وقد كتبت إليك بخطي، فاكتب إلي بخط يدك.\nفكتب إليه: أما بعد: فإنك كتبت إلي في جسيم أمر الأمة، فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه، ليس لي فيما عرضت من حاجة، والسلام عليك.\nقال أبو بردة: فلما ولي معاوية أتيته، فما أغلق دوني بابًا، ولا كانت لي حاجة إلا قضيت.\nقال الذهبي: قد كان أبو موسى صوامًا قوامًا ربانيًا زاهدًا عابدًا، ممن جمع العلم والعمل والجهاد وسلامة الصدر، لم تغيره الإمارة، ولا اغتر بالدنيا.\n٢٠١١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبي ﷺ: \"أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا. إنكم تدعون سميعًا قريبًا. وهو معكم\".\n_________\n(١) السير (٢/ ٣٩٠) ورجاله ثقات.\n٢٠٠٩ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٩). ورجاله ثقات.\n٢٠١٠ - الطبقات الكبرى (٤/ ١١١). وإسناده صحيح.\n٢٠١١ - البخاري (٧/ ٤٧٠) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٨ - باب غزوة خيبر.\nومسلم (٤/ ٢٠٧٦) ٤٨ - الذكر والدعاء -١١ - باب استحباب خفض الصوت بالذكر.","vol":"4","page":1871},{"text":"قال: وأنا خلفه، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: \"يا عبد الله بن قيس! ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ \".\nفقلت: بلى. يا رسول الله! قال: \"قل: لا حول ولا قوة إلا بالله\".\nقال الذهبي: وقد ذكرت ف طبقات القراء: توفى أبو موسى في ذي الحجة سنة أربع وأربعين، على الصحيح.\n٢٠١٢ - * روى ابن سعد عن أنس: أن أبا موسى كان حلو الصوت، فقام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي ﷺ، فقمن يستمعن. فلما أصبح، قيل له: إن النساء سمعنك. قال: لو علمت لحبرتكن تحبيرًا، ولشوقتكن تشويقًا.\n٢٠١٣ - * روى ابن سعد عن أبي نضرة قال عمر لأبي موسى: شوقنا إلى ربنا. فقرأ. فقالوا: الصلاة. فقال: أو لسنا في صلاة.\n٢٠١٤ - * روى ابن سعد عن أبي لبيد قال: ما كنا نشبه كلام أبي موسى إلا بالحزار الذي ما يخطئ المفصل.\n٢٠١٥ - * روى ابن سعد عن أبي موسى قال: لأن يمتلئ منخري من ريح جيفة حب إلى من أن يمتلئ من ريح امرأة.\n٢٠١٦ - * روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن مولى أم برثن قال: قدم أبو موسى الأشعري وزياد على عمر ﵁، فرأى في يد زياد خاتمًا من ذهب، فقال: اتخذتم حلق الذهب. فقال أبو موسى: أما أنا فخاتمي من حديد. فقال عمر: ذاك أنتن، أو أخبث، من كان متختمًا فليتختم بخاتم من فضة.\n_________\n٢٠١٢ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٨). وإسناده صحيح.\n٢٠١٣ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٩). وإسناده صحيح.\n٢٠١٤ - الطبقات الكبرى (٤/ ١١١). وإسناده صحيح.\n٢٠١٥ - الطبقات الكبرى (٤/ ١١٤). ورجاله ثقات.\n٢٠١٦ - الطبقات الكبرى (٤/ ١١٤). ورجاله ثقات.","vol":"4","page":1872},{"text":"٢٠١٧ - * روى ابن سعد عن أبي بردة عن أبيه: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي، فبعثت قريش عمرًا وعمارة بن الوليد، وجمعوا له هدية.\nولم يذكر ابن عقبة، وابن إسحاق، وأبو معشر، فيمن هاجر إلى الحبشة.\n٢٠١٨ - * روى الترمذي عن أبي موسى قال: يا بني لو رأيتنا ونحن مع رسول الله ﷺ وأصابتنا السماء لحسبت أن ريحنا ريح الضأن.\nقال الترمذي: ومعنى هذا الحديث: أنه كان ثيابهم الصوف، فإذا أصابهم المطر يجييء من ثيابهم ريح الضأن.\n٢٠١٩ - * روى ابن سعد عن أبي بردة قال: دخلت على معاوية حين أصابته قرحته، فقال: هلم يا ابن أخي، فنظرت، فإذا هو قد سبرت -يعني: قرحته -فقلت: ليس عليك بأس. إذ دخل ابنه يزيد، فقال له معاوية: إن وليت، فاستوص بهذا، فإن أباه كان أخًا لي، أو خليلًا، غير أني قد رأيت في القتال ما لم ير.\nروى ابن سعد (١) عن الحسن، قال: كان الحكمان: أبا موسى، وعمرًا. وكان أحدهما يبتغي الدنيا، والآخر يبتغي الآخرة.\nروى ابن سعد (٢) عن أبي موسى قال: أعمقوا لي قبري.\n٢٠٢٠ - * روى أبو يعلي عن أنس قال: قعد أبو موسى في بيته واجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن. قال: فأتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله ألا أعجبك من أبي\n_________\n٢٠١٧ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٥). ورجاله ثقات.\n٢٠١٨ - الترمذي (٤/ ٦٥٠) ٣٨ - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع -٣٨ - باب حدثنا قتيبة ...\nوقال: هذا حديث صحيح.\n٢٠١٩ - والطبقات الكبرى (٤/ ١١٢). ورجاله ثقات.\nالسبر: مصدر سبر الجرح يسبره ويسبره سبرًا: نظر مقداره وقاسه ليعرف غوره.\n(١) الطبقات الكبرى (٤/ ١١٣). ورجاله ثقات.\n(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ١١٦). ورجاله ثقات.\n٢٠٢٠ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٠). وقال: رواه أبو يعلى وإسناده حسن.","vol":"4","page":1873},{"text":"موسى قعد في بيت واجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن. فقال رسول الله ﷺ: \"أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني أحد منهم؟ \" قال: نعم. قال: فخرج رسول الله ﷺ. قال: فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد فسمع قراءة أبي موسى، فقال: \"إنه يقرأ على مزمار من مزامير آل داود\".\n٢٠٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو رأيتني، وأنا أسمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود\".\nقال ابن الأثير: قال الحميدي: زاد البرقاني. قلت: والله يا رسول الله لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لم تحبيرًا. قال: وحكى أن مسلمًا أخرجه.\nولم أجد هذه الزيادة عندنا من كتاب مسلم، وليس عند البخاري والترمذي قوله: \"لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك البارحة\".\nوقول رسول الله ﷺ مزمارًا: المزمار: واحد المزامير، وهو من آلات الغناء، وقد ضرب رسول الله ﷺ المزمار مثلًا لحسن صوت داود ﵇ وحلاوة نغمته، كأن في حلقه مزامير يزمر بها، والآل في قوله \"آل داود\" مقحمة، ومعناه: الشخص.\n* * *\n_________\n٢٠٢١ - البخاري (٩/ ٩٢) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -٣١ - باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن.\nومسلم (١/ ٥٤٦) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٣٤ - باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن.\nلحبرته: التحبير: التحسين.","vol":"4","page":1874},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>٢٢ - عبد الله بن سلام ﵁</span>\nقال ابن حجر: عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف النبي ﵇، حليف القواقل من الخزرج، الإسرائيلي ثم الأنصاري. كان حليفًا لهم وكان من نبي قينقاع يقال كان اسمه الحصين فغيره النبي ﷺ. وجزم بذلك الطبري. وقال ابن سعد: وأخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن أبي اليمان عن شعيب عن عبد العزيز قال: كان اسم عبد الله بن سلام الحصين فسماه النبي ﵌ عبد الله روى عنه ابناه يوسف ومحمد، ومن الصحابة فمن بعدهم أبو هريرة وعبد الله بن معقل وأنيس وعبد الله بن حنظلة، وحرشة بن الحر، وقيس بن عباد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وآخرون. أسلم أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، وقيل تأخر إسلامه إلى سنة ثمان. قال قيس بن الربيع عن عاصم عن الشعبي قال: أسلم عبد الله بن سلام قبل وفاة النبي ﷺ بعامين. أخرجه ابن البرقي. وهذا مرسل وقيس ضعيف. وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن من طريق زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي ﵌ المدينة كنت ممن انجفل فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فسمعته يقول: \"أفشوا السلام وأطعموا الطعام\" الحديث. وفي البخاري من طريق حميد عن أنس أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مقدمة المدينة فقال: إني سائلك عن ثلاث خصال لا يعلمها إلا نبي الحديث. وفيه قصته مع اليهود وأنهم قوم بهت. ومن طريق عبد العزيز بن صهيب عن أن أنس قال: أقبل نبي الله ﵌ إلى المدينة فاستشرفوا ينظرون إليه فسمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله فعجل، وجاء فسمع من نبي الله ﵌ فقال: أشهد إنك رسول الله حقًا وأنك جئت بحق ولقد علمت أني سيدهم وأعلمهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. الحديث.\nوفي الحديث الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي صل الله عليه وآله وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام. وفي التاريخ الصغير للبخاري بسند جيد عن يزيد بن عمير قال: حضرت معاذا الوفاة فقيل له أوصنا","vol":"4","page":1875},{"text":"فقال: التمسوا العلم عند أبي الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم، سمعت رسول الله ﵌ يقول: \"إنه عاشر عشرة في الجنة\". وأخرجه الترمذي عن معاذ مختصرًا. وأخرج البغوي في المعجم بسند جيد عن عبد الله بن معقل قال: نهى عبد الله بن سلام عليا عن خروجه إلى العراق، وقال: الزم منبر رسول الله ﵌ فإن تركته لا تراه أبدًا. فقال علي: إنه رجل صالح منا وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن أبي بردة بن أبي موسى: أتيت المدينة فإذا عبد الله بن سلام جالس في حلقة متخشعًا عليه سيما الخير.\nوروى الزبيدي من طريق ابن أخي عبد الله بن سلام قال: لما أريد قتل عثمان جاء عبد الله بن سلام فقال: جئت لأنصرك. فخرج عبد الله فقال: إنه كان اسمي في الجاهلية فلانا فسماني رسول الله ﵌ عبد الله ونزلت في آيات من كتاب الله ونزل في: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. ونزل في: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قال الطبراني: مات في قول جميعهم بالمدينة سنة ثلاث وأربعين. قلت: وفيها أرخه الهيثم بن عدي وابن سعد وأبو عبيدة والبغوي وأبو أحمد العسكري وآخرون أ. هـ\nوقال ابن كثير في ترجمته:\nعبد الله بن سلام أبو يوسف الإسرائيلي أحد أحبار اليهود، أسلم حين قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال: لما قدم رسول الله المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل إليه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: \"أيها الناس افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام تدخلوا الجنة بسلام\". وهو ممن شهد له رسول الله بالجنة، وهو ممن يقطع له بدخولها. أ. هـ.\nوقال الذهبي في ترجمته:\nعبد الله بن سلام بن الحارث. الإمام الحبر، المشهود له بالجنة. أبو الحارث الإسرائيلي، حليف الأنصار. من خواص أصحاب النبي ﷺ.","vol":"4","page":1876},{"text":"حدث عنه أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن معقل، وعبد الله بن حنظلة ابن الغسيل، وابناه: يوسف ومحمد، وبشر بن شغاف، وأبو سعيد المقرئ، وأبو بردة بن أبي موسى، وقيس بن عباد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وزرارة بن أوفى، وآخرون.\nوله إسلام قديم بعد أن قدم النبي ﷺ المدينة، وهو من أحبار اليهود. أ. هـ.\n٢٠٢٢ - * روى أحمد والترمذي والحاكم عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، انجفل الناس عليه، وكنت فيمن انجفل، فلما رأيته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول شيء سمعته يقول: \"يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام\".\n٢٠٢٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: أقبل نبي الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله ﷺ شاب لا يعرف. قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا. فالتفت نبي الله ﷺ فقال: \"اللهم أصرعه\". فصرعة الفرس، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت. قال: \"فقف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا\". قال: فكان أول النهار جاهدًا علي نبي الله ﷺ، وكان آخر النهار مسلحة له. فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار فجاءوا إلى نبي الله ﷺ وأبي\n_________\n٢٠٢٢ - أحمد في مسنده (٥/ ٤٥١).\nوالترمذي (٤/ ٦٥٢) ٣٨ - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع -٤٢ - باب حدثنا محمد بن بشار ...\nوقال: هذا حديث صحيح.\nوالمستدرك (٣/ ١٣). وصححه ووافقه الذهبي.\nانجفل الناس عليه: أي: ذهبوا مسرعين نحوه.\n٢٠٢٣ - البخاري (٧/ ٢٤٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.","vol":"4","page":1877},{"text":"بكر فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله ﷺ. فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله. فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله ﷺ ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله ﷺ: \"أي بيوت أهلنا أقرب؟ \" فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي. قال: \"فانطلق فهيئ لنا مقيلًا\". قال: قوما على بركة الله. فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق. وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فأسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في. فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا\". قالوا: ما نعلمه -قالوا للنبي ﷺ قالها ثلاث مرار -قال: \"فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ \" قالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: \"أفرأيتم إن أسلم؟ \" قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: \"أفرأيتم إن أسلم؟ \" قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: \"أفرأيتم إن أسلم؟ \" قالوا: حاشا له ما كان ليسلم. قال: \"يا ابن سلام اخرج عليهم\". فخرج، فقال: \"يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ\".\n٢٠٢٤ - * روى أحمد والحاكم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ أتي بقصعة من ثريد، فأكل، ففضل منه فضلة، فقال: \"يدخل من هذا الفج رجل من أهل\n_________\n٢٠٢٤ - مسند أحمد (١/ ١٦٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٦): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه عاصم بن بهدلة وفيه خلاف، وبقية رجالهم رجال الصحيح.\nوالمستدرك (٣/ ٤١٩) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1878},{"text":"الجنة، يأكل هذه الفضلة\". قال سعد: وقد كنت تركت أخي عمير بن أبي وقاص يتهيأ لأن يأتي النبي ﷺ، فطمعت أن يكون هو، جاء عبد الله بن سلام، فأكلها.\n٢٠٢٥ - * روى الترمذي والحاكم عن يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا. قال: أجلسوني. فقال: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. يقول ذلك ثلاث مرات. والتمسوا العلم عند أربعة رهط، عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنه عاشر عشرة في الجنة\".\nذكر الذهبي في السير (١): عن أبي بردة بن أبي موسى قال: أتيت المدينة، فإذا عبد الله ابن سلام جالس في حلقة متخشعًا عليه سيماء الخير، فقال: يا أخي، جئت ونحن نريد القيام. فأذنت له، أو قلت: إذا شئت. فقام، فاتبعته، فقال: من أنت؟ قلت: أنا ابن أخيك؛ أنا أبو بردة بن أبي موسى. فرحب بي، وسألني، وسقاني سويقًا، ثم قال: إنكم بأرض الريف، وإنكم تسالفون الدهاقين فيهدون لكم حملان القت والدواخل، فلا تقربوها، فإنها نار.\n٢٠٢٦ - * روى أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أجلسني النبي ﷺ في حجره ومسح على رأسي وسماني يوسف.\n_________\n٢٠٢٥ - الترمذي (٥/ ٦٧١) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٧ - مناقب عبد الله بن سلام.\nوقال: وهذا حديث حسن صحيح غريب.\nوالحاكم (٣/ ٤١٦). وصححه ووافقه الذهبي، وذكره الحافظ في الإصابة عن التاريخ الصغير للبخاري، وجود إسناده.\n(١) السير (٢/ ٤٢٤) ورجال إسناده ثقات ونسبه الحافظ ابن حجر إلى ابن عساكر، وأخرج البخاري نحوه.\nتسالفون: من السلف وهو القرض.\nحملان: ما يحمل عليه من الدواب في الهبة خاصة.\nقت: علف الدواب.\nدواخل: جمع دوخلة: زبيل أوقفة من خوص يجعل فيه التمر والرطب.\n٢٠٢٦ - مسند أحمد (٤/ ٣٥).","vol":"4","page":1879},{"text":"٢٠٢٧ - * روى البخاري عن قيس بن عباد ﵁ قال: كنت جالسًا في مسجد المدينة، في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله ﷺ، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين يتجوز فيهما، ثم خرج، فاتبعته فدخل منزله ودخلت فتحدثا، فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قبل قال رجل كذا وكذا. قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيًا على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم، فقصصتها عليه: رأيتني في روضة -ذكر سعتها وعشبها وخضرتها -ووسط الروضة عمود من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقه. فقلت له: لا أستطيع. فجاءني منصف -قال ابن عون، والمنصف: الخادم -فقال بثيابي من خلفي -وصف أنه رفعه من خلفه بيده -فرقيت حتى كنت في أعلى العمود، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك، فلقد استيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي ﷺ، فقال: \"تلك الروضة: الإسلام، وذلك العمود: عمود الإسلام، وتلك العروة: عروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت\". والرجل: عبد الله بن سلام.\nولمسلم (١) أيضًا من رواية خرشة بن الحر قال: كنت جالسًا في حلقة في مسجد المدينة، قال: وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سلام. قال: فجعل يحدثهم حديثًا حسنًا. قال: فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. قال: قلت: والله لأتبعنه، فلأعلمن مكان بيته. قال: فتبعته، فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة، ثم دخل منزله. قال: فاستأذنت عليه. قال: فأذن لي، فقال: ما حاجتك يا بن أخي؟ قال. فقلت له: سمعت القوم يقولون لك -لما\n_________\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٦، ٣٢٧): رواه أحمد بأسانيد، ورجال إسنادين منهما ثقات، ورواه الطبراني بنحوه وقال: ودعا.\n٢٠٢٧ - البخاري (٧/ ١٢٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٩ - باب مناقب عبد الله بن سلام.\nومسلم (٤/ ١٩٣٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٣ - باب من فضائل عبد الله بن سلام.\nتجوز: في صلاته: إذا اختصرها وقصرها.\nمنصف -المنصف بكسر الميم: الخادم.\nمسلم (٤/ ١٩٣١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٣ - باب من فضائل عبد الله بن سلام. =","vol":"4","page":1880},{"text":"قمت-: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فأعجبني أن أكون معك. قال: الله أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مم قالوا ذاك؟ إني بينا أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قم. فأخذ بيدي، فانطلقت معه، قال. فإذا أنا بجواد على شمالي. قال: فأخذت لآخذ فيها، فقال لي: لا تأخذ فيها، فإنها طرق أصحاب الشمال. وإذا جواد منهج على يميني، فقال لي: خذها هنا. قال: فأتى بي جبلًا، فقال لي: اصعد. قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على أستي. قال: حتى فعلت ذلك مرارًا. قال: ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودًا، رأسه في السماء وأسفله في الأرض، في أعلاه حلقة، فقال لي: اصعد فوق هذا. قال: قلت: كيف أصعد هذا، ورأسه في السماء؟ قال: فأخذ بيدي. فرحل بي، قال: فإذا أنا متعلق بالحلقة. قال: ثم ضرب العمود فخر. قال: وبقيت منتعلقًا بالحلقة، حتى أصبحت. قال: فأتيت النبي ﷺ: فصصتها عليه، فقال: \"أما الطرق التي رأيت عن يسارك: فهي طرق أصحاب الشمال، وأما الطرق التي رأيت عن يمينك: فهي طرق أصحاب اليمين: وأما الجبل: فهو منزل الشهداء، ولن تناله، وأما العمود، فهو عمود الإسلام، وأما العروة: فهي عروة الإسلام، ولن تزال متمسكًا بها حتى تموت\".\n٢٠٢٨ - * روى البخاري عن أنس قال: إن عبد الله بن سلامٍ بلغة مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: \"أخبرني به جبريل آنفًا\". قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة. قال \"أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعامٍ\n_________\n= بجواد: الجواد جمع جادة، وهي الطريق.\nالمنهج: الطريق الواضح المطروق.\nخررت: خر يخر: إذا وقع من فوق إلى أسفل.\nفزجل: زجلته وزجلت به: إذا دفعته ورميته.\n٢٠٢٨ - البخاري (٧/ ٢٧٢) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٥١ - باب حدثني حامد بن عمر ..\nالأشراط: العلامات، وأشراط الساعة: العلامات التي تتقدمها، مثل خروج الدجال، وطلوع الشمس من المغرب.\nينزع الولد: إلى أبيه أو أمه: إذا جاء يشبه أحدهما.=","vol":"4","page":1881},{"text":"يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد\".\nقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. فجاءت اليهود؛ فقال النبي ﷺ: \"أي رجل ٍ عبد الله بن سلام فيكم؟ \" قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال النبي ﷺ: \"أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ \" قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك. فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا. وتنقصوه. قال: هذا كنت أخاف يا رسول الله.\n٢٠٢٩ - * روى الحاكم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي ﵌ وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود، فقال: \"يا معشر اليهود أروني اثنى عشر رجلًا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم\". قال: فأسكتوا ما أجابه منهم أحد. ثم رد فلم يجبه منهم أحد فقال: \"أبيتم فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم\". ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفنا يقول: كما أنت يا محمد. فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة. فقالوا: كذبت. ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شرا. فقال رسول الله ﵌: \"كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذا آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل قولكم\". قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله ﵌ وأنا وعبد الله بن سلام، وأنزل الله تعالى فيه: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به) الآية.\n_________\n=قوم بهت: بهت فلان فلانًا: إذا كذب عليه، فهو باهت، وقوم بهت.\n٢٠٢٩ - المستدرك (٣/ ٤١٥) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1882},{"text":"٢٠٣٠ - * روى البخاري عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فلقيني عبد الله بن سلام فقال لي: انطلق إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله ﷺ، وتصلي في مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فانطلقت معه فأسقاني سويقًا أطعمني تمرًا وصليت في مسجده.\nوفي رواية للبخاري (٢) أيضًا عن أبي بردة عن أبيه قال: أتيت المدينة فلقيت عبد الله ابن سلامٍ ﵁ فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيت؟ ثم قال: إنك في أرضٍ الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا. ولم يذكر النضر وأبو داود ووهب عن شعبة البيت.\nقال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربا إذا شرطه، نعم الورع تركه.\n٢٠٣١ - * روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحدٍ يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة. إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ...﴾ الآية (٤). قال الراوي: لا أدري، قال مالك: الآية، أو في الحديث؟\n* * *\n_________\n٢٠٣٠ - البخاري (١٣/ ٢٠٥) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -١٦ - باب ما ذكر النبي ﷺ وحض على اتفاق أهل العلم.\n(٢) البخاري (٧/ ١٢٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٩ - باب مناقب عبد الله بن سلام.\nإنك بأرض: يعني أرض العراق.\nفاش: منتشر.\nقلت: القت الفصفصة وهي التي يسميها الناس الرطبة من علف الدواب.\n٢٠٣١ - البخاري (٧/ ١٢٨) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٩ - عبد الله بن سلام.\nومسلم (٤/ ١٩٣٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة ٣٣ - باب من فضائل عبد الله بن سلام مختصرًا.\n(٤) الأحقاف: ١٠.","vol":"4","page":1883},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>٢٣ - جرير بن عبد الله البجلي ﵁</span>\nقال ابن حجر:\nجرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضرة بن ثعلبة بن جشم بن عوف بن خزيمة ابن حرب بن علي البجلي الصحابي الشهير، يكنى أبا عمرو وقيل يكنى أبا عبد الله.\nاختلف في وقت إسلامه: ففي الطبراني الأوسط عن جرير قال: لما بعث النبي ﵌ أتيته فقال: \"ما جاء بك\"؟ قلت: جئت لأسلم فألقى إلي كساءه، وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. حصين [أحد الرواة] فيه ضعف، ولو صح يحمل على المجاز، أي لما بلغنا خبر بعث النبي ﵌، أو على الحذف، أي لما بعث النبي ﵌ ثم دعا إلى الله ثم قدم المدينة ثم حارب قريشًا وغيرهم ثم فتح مكة ثم وفدت عليه الوفود. وجزم ابن عبد البر عنه بأنه أسلم قبل وفاة النبي ﵌ بأربعين يومًا وهو غلط، ففي الصحيحين عنه أن النبي ﵌ قال له: \"استنصت الناس في حجة الوداع\". وجزم الواقدي بأنه وفد على النبي ﵌ في شهر رمضان سنة عشر، وأن بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع النبي ﵌ حجة الوداع من عامه. وفيه عندي نظر؛ لأن شريكًا حدث عن الشيباني عن الشعبي عن جرير قال: قال لنا رسول الله ﵌: \"إن أخاكم النجاشي قد مات\". الحديث، أخرجه الطبراني. فهذا يدل على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر لأن النجاشي مات قبل ذلك؛ وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية. ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله علي رسولا إلى معاوية ثم اعتزل الفريقين وسكن قرقيسيا حتى مات سنة إحدى وقيل أربع وخمسين، وفي الصحيح أنه ﵌ بعثه إلى ذي الخلصة فهدمها.\nومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيلي قال: كان طول جرير ستة أذرع. وروى الطبراني من حديث علي مرفوعًا: جرير منا أهل البيت. وروى عنه من الصحابة أنس بن","vol":"4","page":1884},{"text":"مالك، قال: كان جرير يخدمني وهو أكبر مني. أخرجه الشيخان. ا. هـ.\nقال ابن كثير:\nفأما جرير بن عبد الله البجلي فأسلم بعد نزول المائدة، وكان إسلامه في رمضان سنة عشر، وكان قدومه ورسول الله يخطب، وكان قد قال في خطبته: \"إنه يقدم عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه مسحة ملك\". فلما دخل نظر الناس إليه فكان كما وصف رسول الله ﷺ، وأخبروه بذلك فحمد الله تعالى. ويروى أن رسول الله لما جالسه بسط له رداءه وقال: \"إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه\". وقد كان عاملًا لعثمان على همدان. ا. هـ.\n٢٠٣٢ - * روى أحمد عن جرير بن عبد الله قال: لما دنوت من مدينة رسول الله ﷺ، أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حلتي، دخلت فإذا رسول الله ﷺ يخطب، فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله ﷺ من أمري شيئًا؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته، فقال: \"إنه سيدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن، ألا وإن على وجهه مسحة ملك\" قال: فحمدت الله على ما أبلاني.\nوقال الذهبي في السير:\nجرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عوف، الأمير النبيل الجميل. أبو عمرو -وقيل: أبو عبد الله- البجلي القسري. وقسر: من قحطان. ومن أعيان الصحابة.\n_________\n٢٠٣٢ - أحمد في مسنده (٤/ ٣٥٩، ٣٦٤) وإسناده قوي.\nمجمع الزوائد (٩/ ٣٧٣)، وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار عنهما وأسانيد الكبير رجاله رجال الصحيح.\nعيبتي: ما يوضع فيه المتاع.","vol":"4","page":1885},{"text":"حدث عنه: أنس، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، والشعبي، وهمام بن الحارث، وأولاده الأربعة: المنذر، وعبيد الله، وإبراهيم -لم يدركه- وأيوب. وشهر بن حوشب، وزياد بن علاقة، وحفيده أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة.\nوبايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم.\n٢٠٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن همام قال: بال جرير، ثم توضأ، ومسح على خفيه فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم. رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه.\nقال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا؛ لأن جريرًا من آخر من أسلم.\nأقول:\nيعجب علماء التابعين لأن تأخر إسلام جرير دل على أنه غير منسوخ.\n٢٠٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا جرير! ألا تريحني من ذي الخلصة\". بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية. قال: فنفرت في خمسين ومائة فارس. وكنت لا أثبت على الخيل. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فضرب يده في صدري فقال: \"اللهم! ثبتة. واجعله هاديًا مهديًا\".\nقال: فانطلق فحرقها بالنار. ثم بعث جرير إلى رسول الله ﷺ رجلًا يبشره، يكنى أبا أرطاة، منا. فآتى رسول الله ﷺ فقال له: ما جئتك حتى تر كناها كأنها جمل أجرب. فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها، خمس مراتٍ.\nومسند جرير نحو من مئة حديث، بالمكرر. اتفق له الشيخان على ثمانية أحاديث\n_________\n٢٠٣٣ - البخاري (١/ ٤٩٤) ٨ - كتاب الصلاة -٢٥ - باب الصلاة في الخفاف.\nومسلم (١/ ٢٢٧) ٢ - كتاب الطهارة -٢٢ - باب المسح على الخفين.\n٢٠٣٤ - البخاري (٧/ ١٣١) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٢١ - باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي.\nومسلم (٤/ ١٩٢٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢٩ - باب من فضائل جرير بن عبد الله.","vol":"4","page":1886},{"text":"وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة.\nذكر الذهبي في السير (١) عن جرير قال: كنت عند عمر، فتنفس رجل -يعني: أحدث- فقال عمر: عزمت على صاحب هذه، لما قام، فتوضأ. فقال جرير: اعزم علينا جميعًا. فقال: عزمت علي وعليكم، لما قمنا، فتوضأنا، ثم صلينا.\nوذكر أيضًا (٢) عن إبراهيم بن جرير، أن عمر قال: جرير يوسف هذه الأمة.\nورواه يحيى القطان، عن مجالد، عن الشعبي -وله طرق- وزاد بعضهم- فقال عمر: يرحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد كنت في الإسلام.\nوذكر أيضًا (٣) عن جرير، قال: رآني عمر بن الخطاب متجردًا، فناداني: خذ رداءك، خذ رداءك. فأخذت ردائي؛ ثم أقبلت إلى القوم، فقلت: ماله؟ قالوا: لما رآك متجردًا، قال: ما أرى أحدًا من الناس صور صورة هذا، إلا ما ذكر من يوسف ﵇.\nوذكر أيضًا (٤)، عن الشعبي: كان على ميمنة سعد بن أبي وقاص يوم القادسية جرير ابن عبد الله.\n* * *\n_________\n(١) السير (٢/ ٥٣٥). ورجاله ثقات.\n(٢) السير (٢/ ٥٣٥). ورجاله ثقات.\n(٣) السير (٢/ ٥٣٤) ورجاله ثقات، ونسبه الحافظ في الإصابة إلى البغوي.\nمتجردًا: أي بإزار يستر عورته دون رداء يستر صدره وظهره وأعلى بطنه.\n(٤) السير (٢/ ٥٣٥).","vol":"4","page":1887},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>٢٤ - ٢٥ - جابر بن عبد الله وأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام</span>\nقال ابن حجر:\nجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي .. يكنى أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن وأبا محمد أقوال، أحد الكثيرين عن النبي ﵌، وروى عنه جماعة من الصحابة، وله ولأبيه، وفي الصحيح عنه أنه كان مع من شهد العقبة. ومن طريق حجاج بن الصواف حدثني أبو الزبير أن جابرًا حدثهم قال: غزا رسول الله ﵌ إحدى وعشرين غزوة بنفسه شهدت منها تسع عشرة غزوة، وأنكر الواقدي رواية أبي سفيان عن جابر المذكور، وروى مسلم من طريق زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: غزوت مع رسول الله ﵌ تسع عشرة غزوة. قال جابر: لم أشهد بدرًا واحدًا منعني أبي فلما قتل لم أتخلف.\nوفي مصنف وكيع عن هشام بن عروة قال: كان لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد يعني النبوي يؤخذ عنه العلم. وروى البغوي من طريق عاصم بن عمرو بن قتادة قال: جاءنا جابر بن عبد الله وقد أصيب بصره وقد مس رأسه ولحيته بشيء من صفرة. من طريق أبي هلال عن قتادة قال: كان آخر أصحاب رسول الله ﵌ موتا بالمدينة جابر. قال البغوي: هو وهم وآخرهم سهل بن سعد. قال يحيى بن بكير وغيره: مات جابر سنة ثمان وسبعين. وقال علي بن المديني: مات جابر بعد أن عمر فأوصى أن لا يصلي عليه الحجاج. قلت: وهذا موافق لقول الهيثم بن عدي إنه مات سنة أربع وسبعين. وفي الطبراني وتاريخ البخاري ما يشهد له وهو أن الحجاج شهد جنازته. ويقال مات سنة ثلاث ويقال سنة سبع ويقال إنه عاش أربعًا وتسعين سنة.\nوقال:\nعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي والد جابر ابن عبد الله الصحابي المشهور .. معدود في أهل العقبة وبدر، وكان من النقباء، واستشهد","vol":"4","page":1888},{"text":"بأحد، ثبت ذكره في الصحيحين من حديث ولده. قال: أتيت النبي ﵌ في دين كان على أبي فدفعت عليه الباب. الحديث بطوله. ومن حديثه أيضًا قال: لما قتل أبي يوم أحد جعلت أكشف الثوب عن وجهه. الحديث، وفيه: ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها. وروى الترمذي من حديث جابر: لقيني النبي ﵌ فقال: \"يا جابر مالي أراك منكسرًا؟ \" فقلت: يا رسول الله قتل أبي وترك دينًا وعيالًا. فقال: \"ألا أخبرك، ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا، قال: يا عبدي سلني أعطك\". الحديث. وقال جابر: حولت أبي بعد ستة أشهر فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض. وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام كانا قد حفر السيل عن قبرهما وكانا في قبر واحد مما يلي السيل فحفر عنهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما وضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين الوقعتين ست وأربعون سنة. وروى أبو يعلى وابن السكن من طريق حبيب بن الشهيد عن عمرو بن دينار عن جابر قال: قال رسول الله ﵌: \"جزى الله الأنصار عنا خيرًا لاسيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة. وأخرجه النسائي من هذا الوجه لكن لفظه لا سيما آل عمرو بن حرام ا. هـ.\nوقال الذهبي عن عبد الله بن حرام:\nالأنصاري السلمي، أبو جابر أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد. اهـ.\n٢٠٣٥ - * روى مسلم عن جابر: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف عن وجهه، وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله ﷺ، ينهونني وهو لا ينهاني. وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال النبي، ﷺ: \"تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه\".\n_________\n٢٠٣٥ - مسلم (٤/ ١٩١٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٦ - باب من فضائل عبد الله عمرو بن حرام والد جابر ﵄.","vol":"4","page":1889},{"text":"٢٠٣٦ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر قال: لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا فنادى منادي رسول الله ﷺ ردوا القتلى إلى مضاجعهم.\nقال الذهبي في السير: قال مالك: كفن هو وعمرو بن الجموح في كفن واحد.\nوعن جابر أن رسول الله، ﷺ، لما خرج لدفن شهداء أحد، قال: \"زملوهم بجراحهم، فأنا شهيد عليهم\" وكفن أبي في نمرة.\nقال ابن سعد: قالوا: وكان عبد الله أول من قتل يوم أحد، وكان أحمر أصلع ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح طويلًا، فدفنا معًا عند السيل، فحفر السيل عنهما، وعليهما نمرة، وقد أصاب عبد الله جرح في وجهه فيده على جرحه، فأميطت يده، فانبعث الدم، فردت، فسكن الدم.\nقال جابر: فرأيت أبي في حفرته، كأنه نائم، وما تغير من حاله شيء، وبين ذلك ست وأربعون سنة، فحولا إلى مكان آخر، وأخرجوا رطابًا يتثنون.\nعن جابر قال: صرخ بنا إلى قتلانا، حين أجرى معاوية العين، فأخرجناهم لينة أجسادهم، تتثنى أطرافهم.\nعن عطاء، عن جابر قال: دفن رجل مع أبي، فلم تطب نفسي، حتى أخرجته، ودفنته وحده. ا. هـ.\n٢٠٣٧ - * روى البخاري عن جابر قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال:\n_________\n٢٠٣٦ - أحمد في مسنده (٣/ ٣٠٨).\nوأبو داود (٣/ ٣٠٣) كتاب الجنائز، باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض وكراهة ذلك.\nوالترمذي (٤/ ٢١٥) ٢٤ - كتاب الجهاد -٣٧ - باب ما جاء في دفن القتيل في مقتله.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٤/ ٧٩) كتاب الجنائز ٨٢ - باب أين يدفن الشهيد.\nوابن ماجة (١/ ٤٨٦) ٦ - كتاب الجنائز -٢٨ - باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم.\nوسنده قوي.\n٢٠٣٧ - البخاري (٣/ ٢١٤) ٢٣ - كتاب الجنائز -٧٧ - باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة.=","vol":"4","page":1890},{"text":"ما أراني إلا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله ﷺ. وإن علي دينًا، فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا. فأصبحنا، فكان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبرٍ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهرٍ، فإذا هو كيوم وضعته هنية، غير أذنه.\n٢٠٣٨ - * روى البخاري عن جابر ﵁ أن أباه توفى وعليه دين، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه دينًا، وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدرٍ من بيادر التمر فدعا، ثم آخر، ثم جلس عليه فقال: \"انزعوه\". فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم.\n٢٠٣٩ - * روى الترمذي والحاكم عن جابر بن عبد الله يقول: لقيني رسول الله ﷺ. فقال لي: \"يا جابر مالي أراك منكسرًا؟ \" قلت: يا رسول استشهد أبي قتل يوم أحدٍن وترك عيالًا ودينًا. قال: \"أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: \"ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا. فقال: يا عبدي تمن علي أعطك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب ﷿: إنه قد سبق مني \"أنهم إليها لا يرجعون\". قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (٣) الآية.\n٢٠٤٠ - * روى أحمد عن جابر أنه سمع رسول الله، ﷺ، يقول إذا ذكر أصحاب\n_________\n= هنية: أي شيئًا يسيرًا، وهو تصغير \"هنة\" أي شيء، فصغره لكونه أثرًا يسيرًا.\n٢٠٣٨ - البخاري (٦/ ٥٨٧) ٦١ - كتاب المناقب -٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\n٢٠٣٩ - الترمذي (٥/ ٢٣٠) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٤ - باب \"ومن سورة آل عمران\".\nوقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوالمستدرك (٢/ ٢٠٢). وصححه ووافقه الذهبي.\nكفاحًا: أي مواجهة ليس بينهما حجاب.\n(٣) آل عمران: ١٦٩.\n٢٠٤٠ - أحمد في مسنده (٣/ ٢٧٥) وإسناده قوي.\nفحص الجبل: سفحه وما انبسط منه.=","vol":"4","page":1891},{"text":"أحدٍ: \"والله لوددت أني غودت مع أصحاب فحص الجبل\".\nيقول: قتلت معهم ﷺ.\nوقال الذهبي عن جابر عن عبد الله:\nالإمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ، أبو عبيد الله، وأبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي السلمي المدني الفقيه. من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتًا.\nروى علمًا كثيرًا عن النبي ﷺ، وعن عمر، وعلي، وأبي بكر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، والزبير، وطائفة.\nوكان مفتي المدينة في زمانه. عاش بعد ابن عمر أعوامًا وتفرد. شهد ليلة العقبة مع والده. وكان والده من النقباء البدريين، استشهد يوم أحد وأحياه الله تعالى، وكلمه كفاحًا.\nوقد انكشف عنه قبره إذ أجرى معاوية عينًا عند قبول شهداء أحد، فبادر جابر إلى أبيه بعد دهر، فوجده طريًا لم يبل. وكان جابر قد أطاع أباه يوم أحد وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة. وشاخ وذهب بصرة، وقارب التسعين ا. هـ.\n٢٠٤١ - * روى الترمذي عن جابرٍ قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة.\nقال الترمذي: ومعنى قوله ليلة البعيرك ما روي عن جابر من غير وجه أنه كان مع النبي ﷺ في سفرٍ فباع بعيره من النبي ﷺ واشترط ظهره إلى المدينة، يقول جابر ليلة بعت من النبي ﷺ البعير استغفر لي خمسًا\n_________\n=فحص الجبل: سفحه وما انبسط منه.\n٢٠٤١ - الترمذي (٥/ ٦٩١) ٥٠ - كتاب المناقب -٥٣ - باب في مناقب جابر بن عبد الله.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"4","page":1892},{"text":"وعشرين مرة، وكان جابر قد قتل أبوه عبد الله بن عمرو بن حرامٍ يوم أحدٍ وترك بناتٍ، فكان جابر يعولهن وينفق عليهن، وكان النبي ﷺ يبر جابرًا ويرحمه لسبب ذلك. هكذا روي في حديثٍ عن جابرٍ نحو هذا.\nوذكر الذهبي في السير، عن جابر قال: كنت أمتح [الماء] لأصحابي يوم بدر (١).\nقال الذهبي: قال ابن عيينة: لقي عطاء وعمرو وجابر بن عبد الله سنة جاور بمكة.\nوقيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة، فعلى هذا، كان عمره يوم بدرٍ ثماني عشرة سنة.\nروي ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، قال: رحل جابر بن عبد الله في آخر عمره إلى مكة في أحاديث سمعها، ثم انصرف إلى المدينة.\nويروى أن جابرًا رحل في حديث القصاص إلى مصر ليسمعه من عبد الله بن أنيس. ا. هـ.\nقال الشيخ شعيب محقق السير:\nالصواب: إلى الشام، فقد أخرج الإمام أحمد، والبخاري في (الأدب المفرد)، والخطيب البغدادي في \"الرحلة\" من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله ﷺ، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يحشر الناس يوم القيامة -أو قال العباد- عراة غرلا بهما\". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد -أحسبه قال- كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند\n_________\n(١) صحح إسناده الحافظ في الإصابة.","vol":"4","page":1893},{"text":"أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة\". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بهما؟ قال: \"بالحسنات والسيئات\". وحسنه الحافظ في \"الفتح\"، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n٢٠٤٢ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: \"أنتم خير أهل الأرض\". وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. تابعه الأعمش: سمع سالمًا سمع جابرًا ألفًا وأربعمائة.\nقال الذهبي: وروي عن جابر، قال: كنت في جيش خالدٍ في حصار دمشق.\nقال ابن سعد: شهد جابر العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم.\nقال جابر: عادني رسول الله ﷺ، وأنا لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت.\nوقال زيد بن أسلم: كفء بصر جابر.\nقال الواقدي ويحيى بن بكير وطائفة: مات سنة ثمانٍ وسبعين.\nوقال أبو نعيم: سنة سبعٍ وسبعين.\nقيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة: وأضر بأخرة.\nمسنده بلغ ألفًا وخمس مئة وأربعين حديثًا، اتفق له الشيخان على ثمانيةٍ وخمسين حديثًا، انفرد له البخاري بستة وعشرين حديثًا، ومسلم بمئة وستة وعشرين حديثًا.\nعن أبي نضرة قال: كان جابر بن عبد الله عريفًا، عرفه عمر.\nعن أبي بكر المدني قال: كان جابر لا يبلغ إزاره كعبه، وعليه عمامة بيضاء، رأيته قد أرسلها من ورائه.\nوقال عاصم بن عمر: أتانا جابر وعليه ملاءتان -وقد عمي- مصفرًا لحيته ورأسه بالورس، وفي يده قدح. ا. هـ.\n_________\n٢٠٤٢ - البخاري (٧/ ٤٤٣) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٥ - باب غزوة الحديبية.","vol":"4","page":1894},{"text":"٢٠٤٣ - * روى البزار عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، قال: أمر أبي بحريرة، فصنعت، ثم أمرني فحملتها إلى رسول الله ﷺ، فقال لي: \"ما هذا يا جبر؟ ألحم ذا؟ \" قلت: لا يا رسول الله! ولكن أبي أمر بحريرة فصنعتها، ثم أمرني فحملتها إليك، فقال: \"ضعها\". فأتيت أبي، فقال لي: ما قال رسول الله ﷺ؟ قلت: قال لي: ما هذا يا جابر! ألحم؟ قال أبي: أرى رسول الله ﷺأو أحسب- يشتهي اللحم، فقام إلى داجن، فذبحها، ثم أمر بها، فشويت، ثم أمرني، فأتيت بها، فقال رسول الله ﷺ: \"جزاكم الله معشر الأنصار خيرًا، ولا سيما آل عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة\".\n٢٠٤٤ - * روى الطبراني عن أبي نعيم قال: مات جابر بن عبد الله سنة تسع وسبعين.\n_________\n٢٠٤٣ - كشف الأستار (٣/ ٢٦٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (/٣١٧): رواه البزار ورجاله ثقات.\n٢٠٤٤ - المعجم الكبير (٢/ ١٨١). وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٠): رجاله ثقات.","vol":"4","page":1895},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>٢٦ - البراء بن مالك ﵁</span>\nقال ابن حجر:\nالبراء بن مالك بن النضر الأنصاري أخو أنس. تقدم نسبه في ترجمة أنس، وهو أخو أنس لأبيه. قاله أبو حاتم. وقال ابن سعد: أخوه لأبيه وأمه أمهما أم سليم انتهى. وفيه نظر لأنه سيأتي في ترجمة شريك بن سحماء أنه أخو البراء بن مالك لأمه، أمهما سمحاء، أما أم أنس فهي أم سليم بلا خلاف. وتقدم في ترجمة أنجشة أن البراء كان حادي النبي ﵌. وفي المستدرك من طريق ابن إسحاق عن عبد (عبيد) الله بن أنس سمعت أنس بن مالك يقول: كان البراء بن مالك حسن الصوت وكان يرجز لرسول الله صلى عليه وآله وسلم في بعض أسفاره فقال له: \"إياك والقوارير\". فأمسك. وروى السراج من طريق حماد عن ثابت عن أنس قال: كان البراء حادي الرجال. وقد تقدم بأتم منه في أنجشة. وشهد البراء مع رسول الله ﵌ المشاهد إلا بدرًا، وله يوم اليمامة أخبار، واستشهد يوم حصن تستر في خلافة عمر سنة عشرين وقيل قبلها وقيل سنة ثلاث وعشرين. ذكر سيف أن الهرمزان هو الذي قتله، وروى عنه أخوه أ، س، وروى البغوي بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين عن أنس قال: دخلت على البراء بن مالك وهو يتغنى فقلت له: قد أبدلك الله ما هو خير منه. فقال: أترهب أن أموت على فراشي لا والله ما كان الله ليحرمني ذلك وقد قتلت مائة منفردًا سوى ما شاركت فيه. وقال بقي بن مخلد في مسنده عن أبي إسحاق قال: زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجؤوهم إلى حديثة فيه عدو الله مسيلمة، فقال البراء بن مالك يا معشر المسلمين ألقوني إليهم فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على الحديقة حتى فتحها على المسلمين ودخل عليهم المسلمون فقتل الله مسيلمة.\nعن أنس قال: رمى البراء بنفسه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بسهم وضربة فحمل إلى رحله يداوى وأقام عليه خالد شهرًا. وفي تاريخ السراج من طريق يونس عن الحسن وعن ابن سيرين عن أنس أن خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة: قم يا براء. قال: فركب فرسه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:","vol":"4","page":1896},{"text":"يا أهل المدينة لا مدينة لكم اليوم وإنما هو الله وحده والجنة. ثم حمل وحمل الناس معه فانهزم أهل اليمامة، فلقي البراء معكم اليمامة فضربه البراء وصرعه، فأخذ سيف محكم اليمامة فضرب به حتى انقطع. وروى البغوي عن البراء قال: لقيت يوم مسيلمة رجلًا يقال له حمار اليمامة رجلًا جسيمًا بيده السيف أبيض فضربت رجليه فكأنما أخطأته وانقعر فوقع على قفاه فأخذت سيفه وأغمدت سيفي، فما ضربت به ضربة حتى انقطع. وفي الطبراني من طريق إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة قال: بينما أنس بن مالك وأخوه عند حصن من حصون العدو يعني بالحريق (بالعراق) فكانوا يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم، ففعلوا ذلك بأنس فأقبل البراء حتى تراءى في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة فما برح حتى قطع الحبل ثم نظر إلى يده فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم وأنجى الله أنس بن مالك بذلك. وروى الترمذي عن أنس أن النبي ﵌ قال: \"رب أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك\". فلما كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس، فقال المسلمون: يا براء أقسم على ربك. فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك. فحمل وحمل الناس معه فقتل مرزبان الزاره من عظماء الفرس وأخذ سلبه فانهزم الفرس وقتل البراء. وفي المستدرك من طريق سلامة عن عقيل عن الزهري عن أنس نحوه. ا. هـ.\nوقال الذهبي: البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غنم بن عدي بن النجار، الأنصاري النجاري المدني.\nالبطل الكرار صاحب رسول الله ﷺ وأخو خادم النبي ﷺ، أنس بن مالك، شهد أحدًا، وبايع تحت الشجرة.\nقيل: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الجيش: لا تستعملوا البراء على جيش، فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم.\nوبلغنا أن البراء يوم حرب مسيلمة الكذاب أمر أصحابه أن يحتملوه على ترس، على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة. فاقتحم إليهم، وشدد عليهم، وقاتل حتى افتتح باب","vol":"4","page":1897},{"text":"الحديقة. فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحًا، ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهرًا يداوي جراحه.\nوقد اشتهر أن البراء قتل في حروبه مئة نفس من الشجعان مبارزة ا. هـ.\n٢٠٤٥ - * روى الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه منهم البراء بن مالك\". فإن البراء لقي زحفًا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا: يا براء إن رسول الله ﵌ قال إنك لو أقسمت على الله لأبرك فأسقم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم. ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا له: يا براء أقسم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك ﵌ فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدًا.\n٢٠٤٦ - * روى الترمذي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره. منهم البراء بن مالك\".\n٢٠٤٧ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء وهو مستلق واضعًا إحدى رجليه على الأخرى يتغنى فنهاه، فقال: أترهب أن أموت على فراشي وقد تفردت بقتل مائة من الكفار سوى من شركني فيه الناس.\nوفي رواية: يا أخي تتغنى بالشعر وقد أبدلك الله به القرآن؟\n_________\n٢٠٤٥ - المستدرك (٣/ ٢٩١) وصححه ووافقه الذهبي.\nالطمر: الثوب الخلق. لأبره: لصدقه وجعله بارًا غير حانث.\n٢٠٤٦ - الترمذي (٥/ ٦٩٣) ٥٠ - كتاب المناقب -٥٥ - باب مناقب البراء بن مالك.\nوقال: هذا حديث صحيح من هذا الوجه.\nالأشعث: البعيد العهد بالدهن والتسريح والغسل.\nلا يؤبه له: لا يعرف ولا يعلم به لقلة شأنه.\n٢٠٤٧ - المستدرك (٣/ ٢٩١) وصححه ووافقه الذهبي، وذكره الحافظ في الإصابة عن البغوي وقال: إسناده صحيح. ورواه أبو نعيم في الحلية.","vol":"4","page":1898},{"text":"٢٠٤٨ - * روى ابن سعد عن أنس قال: دخلت على البراء وهو يتغنى، ويرنم قوسه، فقلت: إلى متى هذا؟ قال: أتراني أموت على فراشي؟ والله لقد قتلت بضعًا وتسعين.\nقال الذهبي: ابن عون: عن محمد قال: بارز البراء مرزبان الزارة فطعنه، فصرعه، وأخذ سلبه.\nالزارة: لفظ المرة من الزار. وعين الزارة بالبحرين معروفة. والزارة قرية كبيرة بها. ومنها مرزبان الزارة وله ذكر في الفتوح. وقد فتحت الزارة سنة (١٢) للهجرة في أيام أبي بكر الصديق ﵁، وصولحوا.\nاستشهد يوم فتح تستر سنة عشرين ا. هـ.\n٢٠٤٩ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك قال: كان البراء بن مالك رجلًا حسن الصوت فكان يرجز لرسول الله ﵌ في بعض أسفاره فبينما هو يرجز إذ قارب النساء فقال له رسول الله ﵌: \"إياك والقوارير\". قال فأمسك: قال محمد: كره رسول الله ﵌ أن تسمع النساء صوته.\n٢٠٥٠ - * روى الطبراني عن ابن سيرين قال: بارز البراء بن مالك أخو أنس بن مالك مرزبان الزار فقتله فأخذ سلبه فبلغ سلبه ثلاثين ألفًا.\n* * *\n_________\n٢٠٤٨ - الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ١٧) وإسناده صحيح.\n٢٠٤٩ - المستدرك (٣/ ٢٩١). وصححه ووافقه الذهبي.\n٢٠٥٠ - المعجم الكبير (٢/ ٣٧).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٣١): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":1899},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>٢٧ - أنس بن مالك ﵁</span>\nقال ابن حجر:\nأنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي. خادم رسول الله ﵌ وأحد المكثرين من الرواية عنه.\nعن أبي خلدة قلت لأبي العالية: أسمع أنس من النبي ﵌ قال: خدمة عشر سنين ودعا له النبي ﵌، وكان له بستان يحمل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيه ريحان ويجيء منه ريح المسك. وكانت إقامته بعد النبي ﵌ بالمدينة ثم شهد الفتوح ثم قطن البصرة ومات بها. قال علي بن المديني: كان آخر الصحابة موتا بالبصرة، وقال البخاري: حدثنا موسى حدثنا إسحاق بن عثمان: سألت موسى بن أنس: كم غزا أنس مع النبي ﵌؟ قال: ثمان غزوات. وروى ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة عن أبيه قال: قال ثابت البناني: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله ﵌ فضعها تحت لساني، قال: فوضعها تحت لسانه فدفن وهي تحت لسانه.\nقال جرير بن حازم. قلت لشعيب بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال: سنة تسعين. أخرجه ابن شاهين. وقال سعيد بن عفير والهيثم بن عدي ومعتمر بن سليمان مات سنة إحدى وتسعين. وقال ابن شاهين: حدثنا عثمان بن أحمد حدثنا حنبل حدثنا معتمر ابن سليمان عن حميد مثله وزاد: وكان عمره مائة سنة إلا سنة. قال ابن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن زيد الهذلي أنه حضر أنس بن مالك سنة ثنتين وتسعين. وقال أبو نعيم الكوفي: مات سنة ثلاث وتسعين وفيها أرخه المدائني وخليفة وزاد: وله مائة وثلاث سنين. وحكى ابن شاهين عن يحيى بن بكير أنه مات وله مائة سنة وسنة، قال وقيل مائة وسبع سنين. ورواه البغوي عن عمر بن شبة عن محمد بن عبد الله الأنصاري كذلك. قال الطبراني عن أنس قال: قالت أم سليم: يا رسول الله ادع الله لأنس فقال: \"اللهم أكثر ماله","vol":"4","page":1900},{"text":"وولده وبارك له فيه\". قال أنس لقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين. عن أنس جاءت بي أم سليم إلى النبي ﵌ وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله أنس ادع الله له. فقال النبي صلى الله عليه وآله سلم: \"اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة\". قال قد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة.\nوروى الطبراني في الأوسط من طريق عبيد بن عمرو الأصبحي عن أبي هريرة أخبرني أنس بن مالك أن النبي ﵌ كان يشير في الصلاة وقال. لا نعلم روى أبو هريرة عن أنس غير هذا الحديث. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا ابن عون عن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية فدخل عليه عمر فاستشاره فقال: أبعثه فإنه لبيب كاتب. قال: فبعثه. ومناقب أنس وفضائله كثيرة جدًا. ا. هـ.\nقال الذهبي في ترجمته:\nالإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله ﷺ، وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتًا. ا. هـ.\n٢٠٥١ - * روى مسلم عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكن أمهاتي يحثثني على خدمة رسول الله ﷺ، فدخل علينا دارنا، فحلبنا له من شاة داجن، وشيب له من بئر في الدار، فشرب رسول الله ﷺ، فقال له عمر -وأبو بكر على شماله: يا رسول الله أعط أبا بكر، فأعطاه أعرابيًا عن يمينه، وقال رسول الله ﷺ: \"الأيمن فالأيمن\".\nقال الذهبي: فصحب أنس نبيه ﷺ أتم الصحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة.\n_________\n٢٠٥١ - مسلم (٣/ ١٦٠٣) ٣٦ - كتاب الأشربة -١٧ - باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ.","vol":"4","page":1901},{"text":"وقد روى محمد بن سعد في (طبقاته): حدثنا الأنصاري، عن أبيه، عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشهدت بدرًا؟ فقال: لا أم لك، وأين أغيب عن بدر. ثم قال الأنصاري: خرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر، وهو غلام يخدمه.\nوقد رواه عمر بن شبة، عن الأنصاري (١)، عن أبيه، عن ثمامة، قال: قيل لأنس: ... فذكر نحوه.\nقلت: لم يعده أصحاب المغازي في البدريين لكونه حضرها صبيا ما قاتل، بل بقي في رحال الجيش. فهذا وجه الجمع. أ. هـ.\n٢٠٥٢ - * روى مسلم عن أنس قال: جاءت بي أمي، أم أنس إلى رسول الله ﷺ، وقد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه. فقالت: يا رسول الله! هذا أنيس، ابني، أتيتك به يخدمك. فادع الله له. فقال: \"اللهم أكثر ماله وولده\".\nقال أنس: فوالله! إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة، اليوم.\n٢٠٥٣ - * روى البخاري ومسلم، عن أنس، أن أم سليم قالت: يا رسول الله! خادمك أنس، ادع الله له. فقال: \"اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته\".\n٢٠٥٤ - * روى ابن سعد عن أنس، قال: دعا لي رسول الله ﷺ، فقال: \"اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته\". فالله أكثر مالي حتى إن كرمًا لي لتحمل في السنة مرتين، وولد لصلبي مئة وستة.\n_________\n(١) قال محقق السير: محمد بن عبد الله بن المثني الأنصاري ثقة، وأبوه عبد الله صدوق، خرج له البخاري إلا أنه كثير الغلط، ومولى أنس لا يعرف، لكن تابعه ثمامة في رواية عمر بن شبة، وهو صدوق.\n٢٠٥٢ - مسلم (٤/ ١٩٢٩) ٤٤ - كتاب تابعه ثمامة في رواية عمر بن شبة، وهو صدوق.\n٢٠٥٣ - البخاري (١١/ ١٤٤) ٨٠ - كتاب الدعوات -٢٦ - باب دعوة النبي ﷺ لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله.\nومسلم (٤/ ١٩٢٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٢ - باب من فضائل أنس بن مالك.\n٢٠٥٤ - الطبقات الكبرى (٧/ ١٩) وسنده حسن.","vol":"4","page":1902},{"text":"٢٠٥٥ - * روى عن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، قال: \"أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم\". ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها. فقالت أم سليم: يا رسول الله إن لي خويصة، قال: \"ما هي؟ قالت: خادمك أنس. فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: \"اللهم ارزقه مالًا وولدًا، وبارك له\". فإني لمن أكثر الأنصار مالا. وحدثني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة.\n٢٠٥٦ - * روى الترمذي عن أبي خلدة قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي ﷺ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك.\n٢٠٥٧ - * روى ابن سعد عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدًا أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من ابن أم سليم. يعني أنسًا.\nقال الذهبي: عن موسى بن أنس: أن أنسًا غزا غزوات.\nوقال أنس بن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر.\nوروى الأنصاري عن أبيه، عن ثمامة، قال: كان أنس يصلي حتى تفطر قدماه دمًا، مما يطيل القيام ﵁.\nثابت البناني قال: جاء قيم أرض أنس، فقال: عطشت أرضوك. فتردي أنس، ثم خرج إلى البرية، ثم صلى، ودعا، فثارت سحابة، وغشيت أرضه ومطرت، حتى ملأت صهريجه وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت؟ فإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيرًا.\n_________\n٢٠٥٥ - البخاري (٤/ ٢٢٨) ٣٠ - كتاب الصوم -٦١ - باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم.\nخويصة: تصغير خاصة وهي ما يخص به الإنسان.\n٢٠٥٦ - الترمذي (٥/ ٦٨٣) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٦ - باب مناقب لأنس بن مالك.\nوقال هذا حديث حسن. وأبو خلدة ثقة ورجاله ثقات.\n٢٠٥٧ - الطبقات الكبرى (٧/ ٢٠). ورجاله ثقات.","vol":"4","page":1903},{"text":"روى نحوه الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة.\nقلت (أي الذهبي): هذه كرامة بينة ثبتت بإسنادين.\nقال همام بن يحيى: حدثني من صحب أنس بن مالك قال: لما أحرم أنس، لم أقدر أن أكلمه حتى حل من شدة إبقائه على إحرامه.\nابن عون: عن موسى بن أنس؛ أن أبا بكر الصديق بعث إلى أنس ليوجهه على البحرين ساعيًا، فدخل عليه عمر، فقال: إني أردت أن أبعث هذا على البحرين وهو فتي شاب. قال: ابعثه فإنه لبيب كاتب. فبعثه فلما قبض أبو بكر قدم أنس على عمر، فقال: هات ما جئت به. قال: يا أمير المؤمنين، البيعة أولًا، فبسط يده.\nعن أنس، قال: استعملني أبو بكر على الصدقة، فقدمت، وقد مات، فقال عمر: يا أنس أجئنا بظهر؟ قلت: نعم. قال: جئنا به، والمال لك. قلت: هو أكثر من ذلك. قال: وإن كان، فهو لك. وكان أربعة آلاف.\nروى ثابت، عن أنس، قال: صحبت جرير بن عبد الله، فكان يخدمني، وقال: إني رأيت الأنصار يصنعون برسول الله ﷺ شيئًا، لا أرى أحدًا منهم إلا خدمته.\nوروى عن النبي ﷺ أنه قال لأنس: \"يا ذا الأذنين\".\nوقد كان النبي ﷺ يخصه ببعض العلم. فنقل أنس عن النبي ﷺ، أنه طاف على تسع نسوة في ضحوة بغسل واحد.\nقال خليفة بن خياط: كتب ابن الزبير بعد موت يزيد إلى أنس بن مالك، فصلى بالناس بالبصرة أربعين يومًا. وقد شهد أنس فتح تستر فقدم على عمر بصاحبها الهرمزان فأسلم، وحسن إسلامه ﵀.\nقال الأعمش: كتب أنس إلى عبد الملك بن مروان -يعني لما آذاه الحجاج -: إني خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، والله لو أن النصارى أدركوا رجلًا خدم نبيهم، لأكرموه.","vol":"4","page":1904},{"text":"قال سلمة بن وردان: رأيت على أنس عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه.\nوقال أبو طالوت عبد السلام: رأيت على أنس عمامة.\nحماد بن سلمة: عن حميد، عن أنس: نهى عمر أن نكتب في الخواتيم عربيًا. وكان في خاتم أنس ذئب أو ثعلب (١).\nوقال ابن سيرين: كان نقش خاتم أنس: أسد رابض (٢).\nقال ثمامة بن عبد الله: كان كرم أنس يحمل في السنة مرتين.\nقال المثنى بن سعيد: سمعت أنسًا يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي. ثم يبكي (٣).\nعن أنس -وقيل له: ألا تحدثنا؟ -قال: يا نبي إنه من يكثر يهجر (٤).\nعن أنس، أنه نقش في خاتمه: \"محمد رسول الله\". فكان إذا دخل الخلاء، نزعه (٥).\nقال ابن عون: رأيت على أنس مطرف خز، وعمامة خز، وجبة خز (٦).\nروى عبد الله بن سالم الأشعري، عن أزهر بن عبد الله، قال: كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك، وكان فيمن يؤلب على الحجاج، وكان مع ابن الأشعث، فأتوا به الحجاج، فوسم في يده: عتيق الحجاج.\nعن أنس: يقولون: لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب. وقد جمع الله حبهما في قلوبنا.\n_________\n(١) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ١٨). ورجاله ثقات.\n(٢) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ١٨). ورجاله ثقات.\n(٣) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٢٠). ورجاله ثقات.\n(٤) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٢٢). ورجاله ثقات.\nقال محقق السير: أن بني أنس بن مالك قالوا لأبيهم: يا أبانا ألا تحدثنا كما تحدث الغرباء؟\nوقوله يهجر: ومن هجر في كلامه: إذا خلط فيه وإذا هذى.\n(٥) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٢٢).\n(٦) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٢٣).\nالخز: نوع من الثياب ينسج من صوف ونحوه.","vol":"4","page":1905},{"text":"قال أبو اليقظان: مات لأنس في طاعون الجارف ثمانون ابنًا وقيل: سبعون.\nعن أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، ودعا ثلاثين مسكينًا، فأطعمهم (١).\nقلت [أي الذهبي]: ثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين.\nوأما موته فاختلفوا فيه، فروى معمر، عن حميد؛ أنه مات سنة إحدي وتسعين، وكذا أرخه قتادة، والهيثم بن عدي، وسعيد بن عفير، وأبو عبيد.\nوروى معن بن عيسى، عن ابن لأنس بن مالك: سنة اثنتين وتسعين. وتابعه الواقدي.\nوقال عدة -وهو الأصح -: مات سنة ثلاث وتسعين. قاله ابن علية وسعيد بن عامر، والمدائني، وأبو نعيم، وخليفة، والفلاس، وقعنب. فيكون عمره على هذا مئة وثلاث سنين.\nقال الأنصاري: اختلف علينا في سن أنس؛ فقال بعضهم: بلغ مئة وثلاث سنين. وقال بعضهم: بلغ مئة وسبع سنين.\nمسنده ألفان ومئتان وستة وثمانون، اتفق له البخاري ومسلم على مئة وثمانين حديثًا، وانفرد البخاري بثمانين حديثًا، ومسلم بتسعين. اهـ الذهبي.\n_________\n(١) قال محقق السير: وكان طاعون الجارف بالبصرة سنة ٦٩ هـ، قال المدائني: حدثني من أدرك ذلك، قال: كان ثلاثة أيام، فمات فيها نحو مئتي ألف نفس، وقال غيره: مات في طاعون الجارف لأنس من أولاده وأولادهم سبعون نفسًا.\nوروى البخاري تعليقًا في (٨/ ١٧٩) -٦٥ - كتاب التفسير ٢ - سورة البقرة -٢٥ - باب (أيامًا معدودات) فقال: فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر عامًا أو عامين كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر.\nوقال الحافظ: وروى عبد بن حميد من طريق النصر بن أنس، عن أنس أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر، فأطعم مسكينًا كل يوم، ورويناه في فوائد محمد بن هشام بن ملاس، عن مروان، عن معاوية، عن حميد، قال: ضعف أنس عن الصوم عام توفي، فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا فلما عرف أنه لا يطيق القضاء، أمر بجفان من خبز ولحم، فأطعم العدة أو أكثر.","vol":"4","page":1906},{"text":"٢٠٥٨ - * روى مسلم والترمذي، عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: \"يا بني\".\n٢٠٥٩ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: لم يبق ممن صلى القبلتين غيري.\nيعني الصلاة إلى بيت المقدس وإلى الكعبة، وفي هذا إشارة إلى أن أنسا آخر من مات ممن صلى القبلتين، والظاهر أن أنسًا قال ذلك وبعض الصحابة ممن تأخر إسلامه موجود، ثم تأخر أنس إلى أن كان آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ، قاله علي بن المديني والبزار وغيرهما، بل قال ابن عبد البر: هو آخر الصحابة موتًا مطلقًا، لم يبق بعده غير أبي الطفيل. كذا قال، وفيه نظر، فقد ثبت لجماعة ممن سكن البوادي من الصحابة تأخرهم عن أنس.\nوعن ثابت البناني ﵀: أن أنسا قال له: خذ عني فإنك لن تأخذ عن أحد أوثق مني، أخذته عن رسول الله ﷺ، وأخذه رسول الله ﷺ عن جبريل، وأخذه جبريل عن الله ﷿.\n٢٠٦٠ - * روى الطبراني عن أنس قال: كانت لي ذؤابة وكان رسول الله ﷺ يمدها ويأخذ بها.\n٢٠٦١ - * روى الطبراني عن قتادة قال: لما مات أنس بن مالك قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. فقيل وكيف ذاك يا أبا المغيرة؟ قال: كان رجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث عن رسول الله ﷺ قلنا له: تعال إلى من سمعه منه.\n_________\n٢٠٥٨ - مسلم (٣/ ١٦٩٣) ٣٨ - كتاب الأدب -٦ - باب جواز قوله لغير ابنه: يا بني.\nالترمذي (٥/ ١٣١) ٤٤ - كتاب الأدب ٦٢ - باب ما جاء في يا بني.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه.\n٢٠٥٩ - البخاري (٨/ ١٧٣) ٦٥ - كتاب التفسير -١٥ - باب ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ -إلى- يَعْمَلُونَ﴾.\n٢٠٦٠ - المعجم الكبير (١/ ٢٤٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٥): إسناده جيد.\n٢٠٦١ - المعجم الكبير (١/ ٢٥٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٥): ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":1907},{"text":"٢٠٦٢ - * روى مسلم عن أنس، قال: دخل النبي ﷺ علينا. وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي. فقال: \"قوموا فلأصلي بكم\" (في غير وقت صلاة) فصلى بنا. فقال رجل لثابت: أين جعل أنسًا منه؟ قال: جعله على يمينه. ثم دعا لنا، أهل البيت، بكل خير من خير الدنيا والآخرة. فقالت أمي: يا رسول الله! خويدمك. ادع الله له. قال: فدعا لي بكل خير. وكان في آخر ما دعا به أن قال: \"اللهم! أكثر ماله وولده وبارك له فيه\".\n* * *\n_________\n٢٠٦٢ - مسلم (١/ ٤٥٧) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة -٤٨ - باب جواز الجماعة في النافلة.","vol":"4","page":1908},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>٢٨ - ثابت بن قيس بن شماس ﵁ خطيب رسول الله ﷺ\nوخطيب الأنصار</span>\nقال ابن حجر:\nثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي.\nلم يذكره أصحاب المغازي في البدريين، وقالوا أول مشاهده أحد وشهد ما بعدها وبشره النبي ﷺ بالجنة في قصة شهيرة رواها موسى بن أنس عن أبيه أخرج أصل الحديث مسلم أ. هـ.\nقال الذهبي في ترجمته:\nأبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن.\nخطيب الأنصار. كان من نجباء أصحاب محمد، ﷺ، ولم يشهد بدرًا، شهد أحدًا، وبيعة الرضوان.\nوأمه هند الطائية، وقيل: بل كبشة بنت واقد بن الإطنابة. وإخوته لأمه عبد الله ابن رواحة، وعمرة بنت رواحة. وكان زوج جمييلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فولدت له محمدًا.\nقال ابن إسحاق: قيل: آخى رسول الله ﷺ، بينه وبين عمار، وقيل: بل المؤاخاة بين عمار وحذيفة. وكان جهير الصوت، خطيبًا، بليغًا.\n٢٠٦٣ - * روى الحاكم عن أنس قال: خطب ثابت بن قيس مقدم رسول الله، ﷺ، المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: \"الجنة\". قالوا: رضينا.\n_________\n٢٠٦٣ - المستدرك (٣/ ٢٣٤). وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1909},{"text":"٢٠٦٤ - * روى الحاكم عن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله! إني أخشى أن أكون قد هلكت، ينهانا الله أن نحب أن نحمد بما لا نفعل، وأجدني أحب الحمد. وينهانا الله عن الخيلاء، وإني امرؤ أحب الجمال. وينهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك. وأنا رجل رفيع الصوت، فقال: \"يا ثابت! أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة\". اهـ.\n٢٠٦٥ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت ابن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه. فأتاه، فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأسه، فقال: ما شأنك؟ قال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي ﷺ، فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى بن أنس: فرجع إليه المرة الأخيرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له: \"إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة\".\nوفي رواية (١): أنه لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ...﴾ (٢) جلس ثابت في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: \"يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟ \" فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له شكوى. قال: فأتاه سعد، فذكر له قول النبي ﷺ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، وقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ، فقال: \"بل هو من أهل الجنة\". هذا لفظ رواية حماد عن أنس.\n_________\n٢٠٦٤ - المستدرك (٣/ ٢٣٤). وصححه ووافقه الذهبي.\nوقال الحافظ في الفتح (٦/ ٦٢١): وهذا مرسل قوي الإسناد.\n٢٠٦٥ - البخاري (٨/ ٥٩٠) ٦٥ - كتاب التفسير -٤٩ - سورة الحجرات.\nحبط عمله: إذا بطل أجره ولم يثب عليه.\n(١) مسلم (١/ ١١٠) ١ - كتاب الإيمان -٥٢ - باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله.\n(٢) الحجرات: ٢.","vol":"4","page":1910},{"text":"وفي رواية لمسلم (١) كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار، فلما نزلت هذه الآية -وذكر قول ثابت -زاد في حديث سليمان التيمي: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة.\n٢٠٦٦ - * روى أحمد عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ، حبط عملي، أنا من أهل النار. وجلس في أهله حزينا، فتفقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ مالك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر بالقول، حبط عملي وأنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال فقال: \"لا. بل هو من أهل الجنة\". قال أنس: وكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف فجاءنا ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه فقال: بئسما تعودون أقرانكم فقاتلهم حتى قتل.\n٢٠٦٧ - * روى البخاري عن موسى بن أنس قال: وذكر يوم اليمامة قال: أتى أنس بن مالك ثابت بن قيس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط فقال: يا عم ما يحبسك أن لا تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي. وجعل يتحنط -يعني من الحنوط -ثم جاء فجلس، فذكر في الحديث انكشافًا من الناس فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ، بئس ما عودتم أقرانكم.\n٢٠٦٨ - * روى الحاكم عن أنس: أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة، وقد تحنط، ولبس ثوبين أبيضين، فكفن فيهما، وقد انهزم القوم، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به\n_________\n(١) مسلم (١/ ١١١) ١ - كتاب الإيمان -٥٢ - باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله.\n٢٠٦٦ - أحمد في مسنده (٣/ ١٣٧).\n٢٠٦٧ - البخاري (٦/ ٥١) ٥٦ - كتاب الجهاد -٣٩ - باب التحنط عند القتال.\n٢٠٦٨ - المستدرك (٣/ ٢٤٥). وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1911},{"text":"هؤلاء، وأعتذر من صنيع هؤلاء، بئس ما عودتم أقرانكم! خلوا بيننا وبينهم ساعة. فحمل، فقاتل حتى قتل، وكانت درعه قد سرقت، فرآه رجل في النوم، فقال له: إنها في قدر تحت إكاف، بمكان كذا وكذا. وأوصاه بوصايا، فنظرو فوجدوا الدرع كما قال، وأنفذوا وصاياه.\n٢٠٦٩ - * روى الترمذي والحاكم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: \"نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس\".\nوذكر الذهبي في السير عن الزهري: أن وفد تميم قدموا، وافتخر خطيبهم بأمور، فقال النبي، ﷺ، لثابت بن قيس: \"قم فأجب خطيبهم\". فقام، فحمد الله وأبلغ، وسر رسول الله ﷺ والمسلمون بمقامه.\n٢٠٧٠ - * روى البخاري عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: \"أتردين عليه حديقته؟ \" قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ: \"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة\". قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس.\nقال الحافظ ابن حجر: قال ابن عبد البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل. قلت (القائل ابن حجر): والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين، واختلاف السياقين.\nقال الذهبي: وقيل: ولدت محمدًا بعد، فجعلته في لفيف وأرسلت به إلى ثابت. فأتى به\n_________\n٢٠٦٩ - الترمذي (٥/ ٦٦٧) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٣ - باب مناقب معاذ.\nوقال هذا حديث حسن.\nوالمستدرك (٣/ ٢٣٣). وصححه ووافقه الذهبي.\n٢٠٧٠ - البخاري (٩/ ٣٨٥) ٦٨ - كتاب الطلاق -١٢ - باب الخلع وكيف الطلاق فيه.","vol":"4","page":1912},{"text":"رسول الله، ﷺ، فحنكه وسماه محمدًا. فاتخذ له مرضعًا.\nقال الحاكم: كان ثابت على الأنصار يوم اليمامة. ثم روى في ترجمته أحاديث منها لعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة، فأتيت ابنة ثابت بن قيس، فذكرت قصة أبيها، قالت: لما نزلت ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ جلس أبي يبكى. فذكرت الحديث.\nوفيه: فلما استشهد، رآه رجل: فقال: إني لما قتلت، انتزع درعي رجل من المسلمين، وخبأه، فأكب عليه برمة، وجعل عليها رحلًا، فائت الأمير، فأخبره، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه، وإذا أتيت المدينة، فقل لخليفة رسول الله ﷺ: إن علي من الدين كذا وكذا، وغلامي فلان عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه. فأتاه، فأخبره الخبر، فنفذ وصيته، فلا نعلم أحدًا بعد ما مات أنفذت وصيته غير ثابت بن قيس ﵁ (١).\nوقد قتل محمد، ويحيى، وعبد الله بنو ثابت بن قيس يوم الحرة. ا. هـ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه الحاكم وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٢١، ٣٢٢) وقال: رواه الطبراني، وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح والظاهر أن بنت ثابت صحابية لأنها قالت: سمعت أبي. والله أعلم. قال محقق السير: وذكره الحافظ في المطالب العالية ونسبه إلى أبي يعلى، وقال البوصيري: أصله في صحيح البخاري ومسلم والترمذي من حديث أنس. والبرمة: قدر من الحجارة.","vol":"4","page":1913},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>٢٩ - أبو هريرة ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nقال النووي في مواضع من كتبه: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا. وقال القطب الحلبي اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولًا مذكورة في الكنى للحاكم وفي الاستيعاب وفي تاريخ ابن عساكر. قلت: وجه تكثره أنه يجتمع في اسمه خاصة عشرة أقوال مثلا وفي اسم أبيه نحوها ثم تركبت ولكن لا يوجد جميع ذلك منقولًا.\nوقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثًا وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلثمائة حديث وكسر.\nوأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة يقول: أسبح بقدر ذنبي.\nوفي الحلية من تاريخ أبي العباس السراج بسند صحيح عن مضارب بن جزء: كنت أسير من الليل فإذا رجل يكبر فلحقته فقلت ما هذا؟ قال: أكثر شكر الله على أن كنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان لنفقة رحلي وطعام بطني فإذا ركبوا سقت بهم وإذا نزلوا خدمتهم فزوجنيها الله فأنا أركب وإذا نزلت خدمت. وأخرجه ابن خزيمة من هذا الوجه وزاد: وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت فقالت: لا أريم [لا أبرح] حتى تجعل لي عصيدة فها أنا ذا أتيت على نحو من مكانها، قلت: لا أريم حتى تجعل لي عصيدة.\nوأخرج ابن أبي الدنيا في المختصرين بسند صحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على أبي هريرة وهو شديد الوجع فاحتضنته، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة. فقال: اللهم لا ترجعها. قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تموت فمت والله الذي نفس أبي هريرة بيدة ليأتين على الناس زمان يمر الرجل على قبر أخيه فيتمنى أنه صاحبه. قلت: وقد جاء هذا الحديث مرفوعًا عن أبي هريرة عن عمير بن هانئ قال: كان أبو هريرة يقول: تشبثوا بصدغي معاوية اللهم لا تدركني سنة ستين. وأخرج أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الرحمن بن مهران عن أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: لا تضربوا علي","vol":"4","page":1914},{"text":"فسطاطًا ولا تتبعوني بمجمرة وأسرعوا بي.\nوكانت وفاته بقصره بالعقيق فحمل إلى المدينة. قال هشام بن عروة وخليفة وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين. وقال الهيثم بن عدي وأبو معشر وضمرة بن ربيعة: مات سنة ثمان وخمسين. وقال الواقدي وأبو عبيد وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين. ا. هـ.\nوقال الذهبي: الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ، أبو هريرة الدوسي اليماني. سيد الحفاظ الأثبات.\nاختلف في اسمه على أقوال جمة؛ أرجحها: عبد الرحمن بن صخر. وقيل: ابن غنم.\nوالمشهور عنه أنه كني بأولاد هرة برية. قال: وجدتها، فأخذتها في كمي؛ فكنيت بذلك.\nقال الطبراني: وأمه ﵂، هي: ميمونة بنت صبيح.\nحمل عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه -لم يلحق في كثرته -وعن أبي، وأبي بكر، وعمر، وأسامة، وعائشة، والفضل، وبصرة بن أبي بصرة، وكعب الحبر.\nحدث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين؛ فقيل: بلغ عدد أصحابه ثمان مئة. ا. هـ.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن أبي هريرة قال: قال لي النبي ﷺ: \"ممن أنت؟ \" قلت: من دوس. قال: \"ما كنت أرى أن في دوس أحدًا فيه خير\".\nوذكر أيضًا (٢) عن أبي هريرة، قال: خرج النبي ﷺ إلى خيبر، وقدمت المدينة مهاجرًا، فصليت الصبح خلف سباع بن عرفطة -كان استخلفه -فقرأ في السجدة الأولى بسورة مريم، وفي الآخرة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.\n_________\n(١) السير (٢/ ٥٨٨). ورجاله ثقات.\n(٢) السير (٢/ ٥٨٩) وإسناده قوي.","vol":"4","page":1915},{"text":"فقلت: ويل لأبي! قل رجل كان بأرض الأزد، إلا وكان له مكيالان: مكيال لنفسه، وآخر يبخس به الناس.\n٢٠٧١ - * روى البخاري عن محمد قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع.\n٢٠٧٢ - * روى البخاري عن مجاهد: أن أبا هريرة كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رأني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: \"يا أبا هر\". قلت: لبيك رسول الله. قال: \"الحق\". ومضى. فتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل لبنًا في قدح فقال: \"من أين هذا اللبن؟ \" قالوا: أهداه لك فلان -أو فلانة -قال: \"أبا هر\". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: \"الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي\". قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوي بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعيطهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن. ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: \"يا أبا هر\" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: \"خذ فأعطهم\" فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد على\n_________\n٢٠٧١ - البخاري (١٣/ ٣٠٣) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -١٦ - باب ما ذكر النبي ﷺ وحض على اتفاق أهل العلم.\n٢٠٧٢ - البخاري (١١/ ٢٨١) ٨١ - كتاب الرقاق -١٧ - باب كيف عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم عن الدنيا.","vol":"4","page":1916},{"text":"القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه علي يده، فنظر إلي فتبسم فقال: \"أبا هر\". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: \"بقيت أنا وأنت\". قلت: صدقت يا رسول الله. قال: \"اقعد فاشرب\". فقعدت فشربت. فقال: \"اشرب\". فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أحد له مسلكًا. قال: \"فأرني\": فأعطيته القدح، فحمد الله وسمي وشرب الفضلة.\n٢٠٧٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره. فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم! اهد أم أبي هريرة\": فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ. فلما جئت فصرت إلى الباب. فإذا هو مجاف. فسمعت أمي خشف قدمي. فقالت: مكانك! يا أبا هريرة! وسمعت خضخضة الماء. قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها. ففتحت الباب. ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأتيته وأنا أبكي من الفرح. قال قلت: يا رسول الله! أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا. قال قلت: يا رسول الله! ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ \"اللهم! حبب عبيدك هذا -يعني أبا هريرة -وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين\" فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني، إلا أحبني.\nقال الذهبي: وكان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة.\n_________\n٢٠٧٣ - مسلم (٤/ ١٩٣٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة الدوسي.","vol":"4","page":1917},{"text":"عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك\"؟ قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله. فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى النمل يدب عليها، فحدثني، حتى إذا استوعبت حديثه، قال: \"اجمعها فصرها إليك\". فأصبحت لا أسقط حرفًا مما حدثني (١) ا. هـ.\n٢٠٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر. والله الموعد. ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم. وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق. وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني. فأشهد إذا غابوا. وأحفظ إنا نسوا. ولقد قال رسول الله ﷺ يومًا: \"أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئًا سمعه\". فبسطت بردة علي. حتى فرغ من حديثه. ثم جمعتها إلى صدري. فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به. ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئًا أبدًا: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) (٢) إلى آخر الآيتين.\nوفي رواية لمسلم (٣) عن أبي هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ. والله الموعد. كنت رجلًا مسكينًا، أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني. وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم. فقال رسول الله ﷺ: \"من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئًا سمعه مني\". فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه. ثم ضمته إلي. فما نسيت شيئًا سمعته منه.\n_________\n(١) السير (٢/ ٥٩٣). ورجاله ثقات.\nالنمرة: شملة بها خطوط بيض وسود.\n٢٠٧٤ - البخاري (٤/ ٢٨٧) ٣٤ - كتاب البيوع -١ - باب ما جاء في قول الله ﷿: (فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا).\nومسلم (٤/ ١٩٤٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة.\nالصفق بالأسواق: المقصود صوت وقع يد البائع على يد المشتري عند عقد التبايع في البيع والتجارة.\n(٢) البقرة: ١٥٩، ١٦٠.\n(٣) مسلم (٤/ ١٩٣٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة.","vol":"4","page":1918},{"text":"٢٠٧٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأما أحدهما، فبثثته في الناس، وأما الآخر، فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.\nقال محقق السير: وقد حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم. وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه، ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم. كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان. يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستحباب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بقليل.\nوقال ابن المنير: جعل بعضهم هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وذلك الباطل، إنما حاصله الانحلال من الدين، وإنما أراد أبو هريرة بقوله: قطع. أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، يؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها.\nقال الذهبي: هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول، أو الفروع؛ أو المدح والذم؛ أما حديث يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه بوجه؛ فإنه من البينات والهدى. وفي \"صحيح البخاري\": قول الإمام علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء، لأوذي، بل لقتل. ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياء للسنة، فله ما نوى وله أجر -وإن غلط -في اجتهاده.\nوقال الحافظ في \"الفتح\": وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود: ما أنت محدثًا قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم في مقدمة صحيحه.\n_________\n٢٠٧٥ - البخاري (١/ ٢١٦) ٣ - كتاب العلم -٤٢ - باب حفظ العلم.","vol":"4","page":1919},{"text":"٢٠٧٦ - * روى الحاكم عن سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا من أبي هريرة عن النبي ﷺ، وإن مروان -زمن إمرته على المدينة -أراد أن يكتب حديثه كله، فأبى، وقال: ارو كما روينا.\nفلما أبى عليه تغفله مروان، وأقعد له كاتبًا ثقفًا ودعاه: فجعل أبو هريرة يحدثه، ويكتب ذاك الكتب، حتى استفرغ حديثه أجمع.\nثم قال مروان: تعلم أنا قد كتبنا حديثك أجمع؟ قال: وقد فعلت! قال: نعم. قال: فاقرؤوه علي، فقرؤوه. فقال أبو هريرة: أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني، تمحه. قال: فمحاه.\nثم قال مروان: تعلم أنا قد كتبنا حديثك أجمع، قال: وقد فعلت! قال: نعم. قال: فاقرؤوه علي، فقرؤوه. فقال أبو هريرة: أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني، تمحه. قال: فمحاه.\n٢٠٧٧ - * روى البخاري عن وهب بن منبه، عن أخيه همام سمعت أبا هريرة يقول: ما أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثًا مني عنه إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب.\nقال محقق السير: وهذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان يجزم بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي ﷺ منه إلا عبد الله، مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة. وقد قال العلماء: إن السبب فيه من جهات.\nأحدها: أن عبد الله كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلت الرواية عنه.\nثانيها: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديًا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمان مئة نفس من التابعين.\nثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ له بأن لا ينسى ما يحدثه به.\n_________\n٢٠٧٦ - المستدرك (٣/ ٥٠٩). ورجاله ثقات.\n٢٠٧٧ - البخاري (١/ ٢٠٦) ٣ - كتاب العلم -٣٩ - باب كتابة العلم.","vol":"4","page":1920},{"text":"رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بجمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيه ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين. ا. هـ.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن السائب بن يزيد: سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس؛ وقال لكعب [الأحبار]: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة.\nقال ابن كثير بعد أن أورد الخبر: وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك.\nقال الذهبي: كان عمر ﵁ يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ. وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره.\nفبالله عليك، إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر، كانوا يمنعون منه، مع صدقهم وعدالتهم وعدم الأسانيد، بل هو غض لم يشب؛ فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط، فبالحري أن نزجر القوم عنه، فياليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات والأباطيل والمستحيل في الأصول والفروع، والملاحم والزهد، نسأل الله العافية.\nفمن روى ذلك مع علمه ببطلانه، وغر المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه جانٍ على السنن والآثار، يستتاب من ذلك؛ فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق؛ كفى به إثمًا أن يحدث بكل ما سمع. وإن هو لم يعلم، فليتورع، وليستعن بمن يعينه على تنقية مروياته. نسأل الله العافية؛ فلقد عم البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون؛ فلا عتبى على الفقهاء وأهل الكلام.\n_________\n(١) السير (٢/ ٦٠٠). وإسناده صحيح.","vol":"4","page":1921},{"text":"أقول: الظاهر أن هذا كان من عمر قبل أن يتأكد من ضبط أبي هريرة بدليل أن أبا هريرة استمر بالتحديث، أما نهيه لكعب الأحبار فلأنه كان يتحدث عن الإسرائيليات مع صدقه لكن عمر خشي أن تؤثر هذه الإسرائيليات على فطرة الصحابة وتبعدهم عن الإقبال الكامل على القرآن.\nقال محقق السير: قال محدث الديار الشامية في عصره العلامة الشيخ بدر الدين الحسني رحمه اله ورضي عنه فيما نقله عنه الشيخ العلامة محمود ياسين في مجلة الهداية الإسلامية: لا يجوز إسناد حديث لرسول الله ﷺ إلا إذا نص على صحة هذا الحديث حافظ من الحفاظ المعروفين، فمن قال: قال رسول الله ﷺ، وهو لا يعلم صحة ذلك من طريق أحد الحفاظ يوشك أن يصدق عليه حديث: \"من قال علي ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار\". فليحذر الخطباء والكتاب والمدرسون والوعاظ من إسناد حديث إلى رسول الله ﷺ ما لم يعلموا صحته من طريق حافظ مشهور من حفاظ الحديث، وعليهم إذا لم يعلموا ذلك أن يذكروا الحديث معزوا إلى الكتاب الذي نقلوا منه، كالترمذي، والنسائي مثلًا، وبذلك يخرجون من العهدة، أما الذين يحملون بأيديهم الكتب التي لا قيمة لها عند علماء الحديث الشريف ككثير من كتب الأخلاق والوعظ المنتشرة بالأيدي، فلا يكفي عزو الحديث إليها، ولا يخرج القارئ من الوزر.\n٢٠٧٨ - * روى أحمد عن عاصم بن كليب: حدثنا أبي: سمع أبا هريرة، وكان يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\".\nوذكر الذهبي في السير (١) عن بسر بن سعيد، قال: اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة؛ فيحدث عن رسول الله ﷺ، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله ﷺ.\n_________\n٢٠٧٨ - أحمد في مسنده (٢/ ٤١٣). وإسناده قوي.\n(١) السير (٢/ ٦٠٦). وأورده ابن كثير وإسناده صحيح.","vol":"4","page":1922},{"text":"قال الذهبي: مسنده: خمسة آلاف وثلاث مئة وأربعة وسبعون حديثًا.\nالمتفق في البخاري ومسلم منها ثلاث مئة وستة وعشرون. وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين حديثًا، ومسلم بثمانية وتسعين حديثًا.\n٢٠٧٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أسمع منك أشياء فلا أحفظها، قال: \"ابسط رداءك\". فبسطته، فحدث حديثًا كثيرًا، فما نسيت شيئًا حدثني به.\nوللترمذي (١) في أخرى: قال: أتيت رسول الله ﷺ فبسطت ثوبي عنده، ثم أخذه، فجمعه على قلبي، فما نسيت بعده.\nذكر الذهبي في السير (٢): محمد بن كناسة الأسدي، عن إسحاق بن سعيد، عن أبيه، قال: دخل أبو هريرة على عائشة، فقالت له: أكترث يا أبا هريرة عن رسول الله! قال: إي والله يا أماه، ما كانت تشغلني عنه المرآة، ولا المكحلة، ولا الدهن. قالت: لعله.\n٢٠٨٠ - * روى الحاكم عن عائشة أنها دعت أبا هريرة، فقالت له: يا أبا هريرة، ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي ﷺ، هل سمعت إلا ما سمعنا؟ وهل رأيت إلا ما رأينا؟ قال: يا أماه، إنه كان يشغلك عن رسول الله ﷺ المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله ﷺ، وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء.\n_________\n٢٠٧٩ - الترمذي (٥/ ٦٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة.\nوقال هذا حديث حسن صحيح وهو كما قال.\n(١) الترمذي (٥/ ٦٨٢) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة.\nوقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(٢) السير (٢/ ٦٠٤). ورجاله ثقات. وذكره الحافظ في الغصابة ونسبه لابن سعد، وجود إسناده وهو في تاريخ ابن عساكر، وذكره ابن كثير في البداية عن سعيد.\n٢٠٨٠ - المستدرك (٣/ ٥٠٩) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1923},{"text":"٢٠٨١ - * روى مالك عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري: أنه كان جالسًا مع ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن البكير، فسأل عن رجلٍ طلق ثلاثًا قبل الدخول. فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس -وكانا عند عائشة- فذهب، فسألهما.\nفقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة؛ فقد جاءتك معضلة.\nفقال: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها. وقال ابن عباس مثله.\nأقول: الظاهر أنهم اعتبروا أن الطلقة الواحدة تجلعها بائنة وذلك نص قرآني، والثلاث معًا تجعلها بائنة بينونة كبرى فلا تحل لزوجها حتى تنكح زوجًا غيره، وهذا من جملة الأدلة التي تعاضدت حتى استقر بالإجماع على أن الثلاثة دفعة واحدة توجب البينونة الكبرى على خلاف ما ذهب إليه ابن تيمية بعد قرون من انعقاد الإجماع.\n٢٠٨٢ - * روى مسلم عن عروة بن الزبير أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي ﷺ يسمعني ذلك، وكنت أسبح (أصلي نافلة) فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم.\nقول عائشة: ولو أدركته لرددت عليه. أي: لأنكرت عليه، وبينت له أن الترتيل في الحديث أولى من السرد. قال الحافظ: واعتذر عن أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد اقتصر، فتزدحم القوافي على في.\nقال الذهبي: وأصح الأحاديث ما جاء عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.\n_________\n٢٠٨١ - الموطأ (٢/ ٥٧١) ٢٩ - كتاب الطلاق -١٥ - باب طلاق البكر.\n٢٠٨٢ - مسلم (٤/ ١٩٤٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة الدوسي.","vol":"4","page":1924},{"text":"وما جاء عن ابن عون، وأيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.\nوأين مثل أبي هريرة في حفظه وسعة علمه.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعًا؛ فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا: يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا. قلت: يا أبا هريرة، كيف تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثًا.\n٢٠٨٣ - * روى مالك عن حميد بن مالك بن خثيمٍ، أنه قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة بأرضه بالعقيق. فأتاه قوم من أهل المدينة على دواب. فنزلوا عنده. قال حميد: فقال أبو هريرة: اذهب إلى أمي فقل: إن ابنك يقرئك السلام ويقول: أطعمينا شيئًا. قال: فوضعت ثلاثة أقراص في صحفةٍ، وشيئًا من زيت وملحٍ، ثم وضعتها على رأسي، وحملتها إليهم. فلما وضعتها بين أيديهم، كبر أبو هريرة، وقال: الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين الماء والتمر. فلم يصب القوم من الطعام شيئًا. فلما انصرفوا، قال: يا ابن أخي، أحسن إلى غنمك، وامسح الرعام عنها، وأطب مراحها، وصل في ناحيتها فإنها من دواب الجنة. والذي نفسي بيده ليوشك أن يأتي على الناس زمان تكون الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان.\n٢٠٨٤ - * روى ابن سعد عن معمر، عن أيوب، عن محمد: أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله، وعدو كتابه؟\n_________\n(١) السير (٢/ ٦٠٩). ورجاله ثقات. وذكره الحافظ في الإصابة ونسبه لأحمد في الزهد وصحح إسناده.\nيعتقبون: يتناوبون.\n٢٠٨٣ - الموطأ (٢/ ٩٣٣) ٤٩ - كتاب صفة النبي ﷺ١٠ - باب جامع ما جاء في الطعام والشراب.\nوسنده صحيح والبخاري في كتاب الأدب عن أبي أويس عن مالك ووثق النسائي حميدًا.\nالأقراص: الأرغفة.\nالرعام: مخاط رقيق يجري من أنوف الغنم. وأطب مراحها: نظفه. الثلة: جماعة الغنم، قليلة كانت أو كثيرة، وقيل: الثلة: الكثير منها.\n٢٠٨٤ - الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٥). ورجاله ثقات.","vol":"4","page":1925},{"text":"فقال أبو هريرة: فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما.\nقال: فمن أين هي لك؟ قلت: خيل نتجت، وغلة رقيقٍ لي، وأعطية تتابعت.\nفنظروا، فوجدوه كما قال.\nفلما كان بعد ذلك، دعاه عمر ليوليه، فأبى. فقال: تكره العمل وقد طلب العمل من كان خيرًا منك: يوسف ﵇! فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثًا واثنتين. قال: فهلا قلت: خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي.\nذكر الذهبي في السير (١) عن محمد بن زياد قال كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة؛ فإذا غضب عليه، بعث مروان، وعزله، قال: فلم يلبث أن نزع مروان، وبعث أبا هريرة، فقال لغلامٍ أسود: قف على الباب، فلا تمنع إلا مروان. ففعل الغلام، ودخل الناس، ومنع مروان. ثم جاء نوبة، فدخل، وقال: حجبنا عنك. فقال: إن أحق من لا أنكر هذا لأنت.\n٢٠٨٥ - * روى مسلم عن ابن أبي رافع، قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة. فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة.\nوذكر الذهبي في السير (٢) عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حمارًا ببرذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير، فيلقى الرجل، فيقول:\n_________\n(١) السير (٢/ ٦١٢). ورجاله ثقات.\n٢٠٨٥ - مسلم (٢/ ٥٩٧) ٧ - كتاب الجمعة -١٦ - باب ما يقرأ في صلاة الجمعة.\n(٢) السير (٢/ ٦١٤). ورجاله ثقات، وأبو رافع اسمه نفيع الصائغ المدني وهو ثقة ثبت.\nالخلبة: واحد الخلب: الحبل الرقيق الصلب من الليف والقطن وغيرهما.=","vol":"4","page":1926},{"text":"الطريق، قد جاء الأمير.\nوربما أتى الصبيان، وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، فلا يشعرون، حتى يلقي نفسه بينهم، ويضرب برجليه، فيفزع الصبيان، فيفرون. وربما دعاني إلى عشائه، فيقول: دع العراق للأمير. فأنظر، فإذا هو ثريدة بزيت.\nهذه بعض مداعبات أبي هريرة للناس وكان عنده مرح ودعابة ﵁.\nوذكر الذهبي في السير (١): ثعلبة بن أبي مالك القرطي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للأمير.\n٢٠٨٦ - * روى الحاكم عن محمد بن قيس بن محرمة: أن رجلًا أتى زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال: عليك بأبي هريرة. فإني بينما أنا وهو وفلان في المسجد، خرج علينا رسول الله ﷺ، ونحن ندعو، ونذكر ربنا. فجلس إلينا، فسكتنا. فقال: \"عودوا للذي كنتم فيه\". فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة. فجعل رسول الله يؤمن. ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم، إني أسألك ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علمًا لا ينسى فقال النبي ﷺ: \"آمين\".\nفقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علمًا لا ينسى! قال: \"سبقكما الغلام الدوسي\".\n٢٠٨٧ - * روى أحمد والحاكم عن ابن عمر: أنه مر بأبي هريرة -وهو يحدث- أن رسول الله ﷺ قال: \"من تبع جنازة، فله قيراط\". فقال: انظر ما تحدث عن رسول الله! فقام أبو هريرة، فأخذه بيده إلى عائش، فقال لها: أنشدك بالله، هل سمعت رسول الله يقول: \"من تبع جنازة ... \" -الحديث- فقالت: اللهم نعم.\n_________\n= العراق: العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم.\n(١) السير (٢/ ٦١٤). ورجاله ثقات.\n٢٠٨٦ - المستدرك (٣/ ٥٠٨). وصححه، وقال الذهبي: حماد بن شعيب ضعيف. وقال محقق السير (٢/ ٦١٦): لكنه لم ينفرد به فقد تابعه الفضل بن العلاء وهو صدوق.\n٢٠٨٧ - أحمد في مسنده (٢/ ٢). والمستدرك (٣/ ٥١١). وصححه ووافقه الذهبي.=","vol":"4","page":1927},{"text":"فقال أبو هريرة: لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي، ولا صفق في الأسواق؛ وإنما كنت أطلب من رسول الله كلمة يعلمنيها: أو أكلة يطعمنيها.\nفقال ابن عمر: كنت ألزمنا لرسول الله، وأعلمنا بحديثه.\n٢٠٨٨ - * روى الحاكم، عن عاصم بن محمد، عن أبيه: رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر قائمًا، ويقول: حدثنا القاسم ﷺ الصادق الصدوق. فلا يزال يحدث حتى يسمع فتح باب المقصورة لخروج الإمامة، فيجلس.\nذكر الذهبي في السير (١) عن عمير بن هانئ العنسي: قال أبو هريرة: اللهم، لا تدركني سنة ستين. فتوفي فيها، أو قبلها بسنة.\nوقال محققه: وذكره الحافظ في \"الفتح\" في شرحه لحديث أبي هريرة المرفوع: \"هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش\". ونسبه لابن أبي شيبة بلفظ: إن أبا هريرة كان يمشي في السوق، ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان. وقال: وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك، فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها، وبقي إلى سنة ٦٤، فمات، ثم ولي ولده معاوية، ومات بعد أشهر.\nوأخرج ابن سعد (٢) عن شعبة، عن محمد بن زياد: رأيت على أبي هريرة كساء خزم.\nقال الذهبي: قال ابن حزم في كتاب: \"الإحكام في أصول الأحكام\": المتوسطون فيما روي عنهم من الفتاوى: عثمان، أبو هريرة، عبد الله بن عمرو بن العاص، أم سلمة، أنس، أبو سعيد، أبو موسى، عبد الله بن الزبير، سعد بن أبي وقاص، سلمان، جابر، معاذ، أبو بكر الصديق.\n_________\n= الودي: بفتح الواو، كسر الدال، وتشديد الياء: صغار النخل، الواحدة: ودية.\nالصفق: المرة من التصفيق، والمراد هنا: التبايع، لأن المتبايعين يضع أحدهما يده على يد الآخر، يريد أبو هريرة: أنه لم يشغله عن حفظ سنة رسول الله ﷺ زرع ولا تجارة.\n٢٠٨٨ - المستدرك (٣/ ٥١٢). وصححه ووافقه الذهبي.\n(١) السير (٢/ ٦٢٦). ورجاله ثقات.\n(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ٣٣٣). وإسناده صحيح.","vol":"4","page":1928},{"text":"فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئٍ منهم جزء صغير.\nويضاف إليهم: الزبير: طلحة، عبد الرحمن، عمران بن حصين، أبو بكرة الثقفي، عبادة بن الصامت، معاوية.\nثم باقي الصحابة مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد لا المسألة والمسألتان.\nثم سرد ابن حزم عدة من الصحابة، منهم: أبو عبيدة، وأبو الدرداء، وأبو ذر، جرير، وحسان.\n٢٠٨٩ - * روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: أتيت النبي ﷺ بتمراتٍ، فقلت: يا رسول الله ادع الله فيهن بالبركة فضمهن ثم دعا لي فيهن بالبركة، فقال: \"خذهن واجعلهن في مزودك هذا أو في هذا المزود، كلما أردت أن تأخذ منه شيئًا فأدخل فيه يدك فخذه ولا تنثره نثرًا\". فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسقٍ في سبيل الله، فكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوي حتى كان يوم قتل عثمان فإنه انقطع.\n٢٠٩٠ - * روى الترمذي عن مالك بن أبي عامرٍ قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله فقال: يا أبا محمد أرأيت هذا اليماني، يعني أبا هريرة، هو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم، نسمع منه مالا نسمع منكم، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل. قال: أما أن يكون سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع فلا أشك إلا أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وذاك أنه كان مسكينًا لا شيء له ضيفًا لرسول الله ﷺ يده مع يد رسول الله صلى الله\n_________\n٢٠٨٩ - أحمد في مسنده (٢/ ٣٥٢).\nوالترمذي (٥/ ٦٨٥) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\nالوسق: مكيلة معلومة عندهم، يقال: هو حمل بعير. وهو ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ.\nالحقو: معقد الإزار. والمزود: ما يجعل فيه الزاد من شراب ونحوه.\n٢٠٩٠ - الترمذي (٥/ ٦٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"4","page":1929},{"text":"عليه وسلم وكنا نحن أهل بيوتاتٍ وغنى، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار. فلا نشك إلا أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لا نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل.\n٢٠٩١ - * روى أحمد والحاكم عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جرئيًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره.\n٢٠٩٢ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك قرت عيني وطابت نفسي وإذا لم أرك لم تطب نفسي أو كلمة نحوها.\n٢٠٩٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: كنت ألزم النبي ﷺ لشبع بطي، حين لا آكل الخمر، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وألصق بطني بالحصباء؛ وأستقرئ الرجل الآية -وهي معي- كي ينقلب بي فيطعمني. وخير الناس للمساكين جعفر ابن أبي طالب، ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شيء، فنشتقها، فنعلق ما فيها.\nوفي رواية الترمذي (١) قال: إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ عن الآيات من القرآن، أنا أعلم بها منه، ما أسأله إلا ليطعمني شيئًا، وكنت إذا سألت جعفر\n_________\n٢٠٩١ - أحمد في مسنده (٥/ ١٣٩).\nوالحاكم في المستدرك (٣/ ٥١٠) وصححه ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦١) وقال: رواه عبد الله بن أحمد في المسند في حديث طويل في علامات النبوة ورجاله ثقات.\n٢٠٩٢ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٢٦٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٢): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أبي ميمونة الفارسي وهو ثقة.\n٢٠٩٣ - البخاري (٩/ ٥٥٧) ٧٠ - كتاب الأطعمة -٣٢ - باب الحلوى والعسل.\nالخمير: الطعام المختبر.\nاستقرأت: فلانًا آية كذا، أي: طلبت إليه أن يقرئنيها.\nالعكة: ظرف السمن.\nاللعق: أخذ الطعام بالأصابع ولحسها، وذلك لقلة الشيء.\n(١) الترمذي (٥/ ٦٥٥) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب.\nوقال: هذا حديث غريب.","vol":"4","page":1930},{"text":"ابن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعمينا شيئًا. فإذا أطعمتنا أجابني، وكان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله ﷺ يكنيه بأبي المساكين.\n٢٠٩٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن رافع ﵁ قال: قلت لأبي هريرة: لم كنيت بأبي هريرة؟ قال: أما تفرق مني؟ قلت: بلى، والله إني لأهابك. قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار وسرحت الغنم ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة.\n* * *\n_________\n٢٠٩٤ - الترمذي (٥/ ٦٨٦) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة ﵁.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\nتفرق: الفرق: الفزع والخوف.\nهريرة: الهريرة: تصغير الهرة.","vol":"4","page":1931},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>٣٠ - حاطب بن أبي بلتعة ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: حاطب بن أبي بلتعة بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها مثناة ثم مهملة مفتوحات ابن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزي ... يقال إنه حالف الزبير، وقيل كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير ابن الحارث بن أسد فكاتبه فأدى مكاتبته. اتفقوا على شهوده بدرًا، وثبت ذلك في الصحيحين من حديث علي في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله ﵌ إليهم فنزلت فيه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم) الآية فقال عمر: دعني أضرب عنقه. فقال: إنه شهد بدرًا. واعتذر حاطب بأنه لم يكن له في مكة عشيرة تدفع عن أهله فقبل عذره.\nوروى قصته ابن مردويه من حديث ابن عباس فذكر معنى حديث علي وفيه: فقال: \"يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت؟ \" فقال: يا رسول الله كان أهلي فيهم فكتبت كتابًا لا يضر الله ولا رسول. وروى ابن شاهين والباوردي والطبراني وسمويه من طريق الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة قال: وحاطب رجل من أهل اليمن، وكان حليفًا للزبير، وكان من أصحاب رسول الله ﵌، وقد شهد بدرًا، وكان بنوه وإخوته بمكة فكتب حاطب من المدينة إلى كبار قريش ينصح لهم فيه، فذكر الحديث نحو حديث علي، وفي آخره: فقال حاطب: والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت ولكنني كنت أمرأ غريبا ولي بمكة بنون وإخوة الحديث، وزاد في آخره: فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١) الآيات.\nورواه ابن مردويه من حديث أنس وفيه نزول الآية. ورواه ابن شاهين من حديث ابن عمر بإسناد قوي. وروى مسلم وغيره من طريق أبي الزبير عن جابر أن عبدًا لحاطب ابن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال: \"لا فإنه شهد بدرًا والحديبية\".\n_________\n(١) الممتحنة: ١.","vol":"4","page":1932},{"text":"وروى ابن السكن من طريق محمد بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن حاطب: سممعت رسول الله ﷺ يقول: \"يزوج المؤمن في الجنة ثنتين وسبعين زوجة سبعين من نساء الجنة وثنتين من نساء الدنيا\" وأغرب أبو عمر فقال: لا أسلم له غير حديث واحد: \"من رآني بعد موتي\". الحديث، قلت: وقد ظفرت بغيره كما ترى ثم وجدت له ثلاثة أحاديث غيرها.\nوروى مالك في الموطأ له قصة مع رفيقه في عهد عمر وقال المرزباني في معجم الشعراء: كان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها. وقال ابن أبي خيثمة: قال المدائني: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة. وكذا رواه الطبراني عن يحيى ابن بكير. ا. هـ.\nقال الذهبي في ترجمته: من مشاهير المهاجرين؛ شهد بدرًا والمشاهد.\nوكان رسول النبي ﷺ إلى المقوقس، صاحب مصر.\nوكان تاجرًا في الطعام، له عبيد. وكان من الرماة الموصوفين.\nذكره الحاكم في \"مستدركه\" فقال: كان حسن الجسم، خفيف اللحية، أجنى (١)، إلى القصر ما هو، شثن الأصابع (٢). اهـ.\n٢٠٩٥ - * روى مسلم عن جابر: أن عبدًا لحاطب شكا حاطبًا فقال: يا نبي الله، ليدخلن النار. قال: \"كذبت، لا يدخلها فإنه قد شهد بدرًا والحديبية\".\n٢٠٩٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبيد الله بن أبي رافع -وهو كاتب علي- قال:\n_________\n(١) أجنى: في كاهله انحناء على صدره ولم يبلغ الاحديداب.\n(٢) شثن الأصابع: غليظها.\n٢٠٩٥ - مسلم (٤/ ١٩٤٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٦ - باب من فضائل أهل بدر ﵃ وقصة حاطب ابن أبي بلتعة.\n٢٠٩٦ - البخاري (٤/ ١٩٤١، ١٩٤٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٦ - باب من فضائل أهل بدر ﵃ وقصة حاطب ابن أبي بلتعة.=","vol":"4","page":1933},{"text":"سمعت عليًا ﵁ وهو يقول: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد. فقال: \"ائتوا روضة خاجٍ. فإن بها ظعينة معها كتاب. فخذوه منها\". فانطلقنا تعادى بنا خيلنا. فإذا نحن بالمرأة. فقلنا: اخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ. فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين، من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ \"يا حاطب! ما هذا؟ \" قال: لا تعجل علي يا رسول الله! إني كنت امرأ ملصقًا في قريش قال سفيان: (كان حليفًا لهم. ولم يكن من أنفسها) وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت، إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي. ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني. ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي ﷺ: \"صدق\". فقال عمر: دعني. يا رسول الله! أضرب عنق هذا المنافق. فقال: \"إنه قد شهد بدرًا. وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم. فقد غفرت لكم\". فأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١).\nوقال الذهبي: وقد أتى بعض مواليه إلى عمر بن الخطاب يشكون منه من أجل النفقة عليهم، فلامه في ذلك.\nوعبد الرحمن ولده، ممن ولد في حياة النبي ﷺ، وله رؤية.\nيروي عنه ولده الفقيه يحيى، وعروة بن الزبير، وغيرهما. توفي سنة ثمان وستين.\nومات حاطب سنة ثلاثين. ا. هـ.\n_________\n= روضة خاخ: هي بخاءين معجمتين. هذا هو الصواب الذي قاله العلماء كافة من جميع الطوائف في جميع الروايات والكتب. وهي بين مكة والمدينة. بقرب المدينة.\nفإن بها ظعينة: الظعينة هنا الجارية. وأصلها الهودج. وسميت بها الجارية لأنها تكون فيه.\nتعادى: أي تجري.\nعقاصها: أي شعرها المضفور، جمع عقيصة.\n(١) الممتحنة: ١.","vol":"4","page":1934},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>٣١ - جليبيب ﵁</span>\nقال ابن حجر: جليبيب غير منسوب .. وهو تصغير جلباب .. روى مسلم من حديث حماد عن ثابت عن كنانة بن نعيم عن أبي برزة الأسلمي أن النبي ﵌ كان في مغزى له فأفاء الله فقال: \"هل تفقدون من أحد؟ \" قالوا: نفقد فلانًا وفلانًا قال: ولكني أفقد جليبيبًا فذكر الحديث. وأخرجه النسائي. وله ذكر في حديث أنس في تزويجه بالأنصارية وفيه قوله ﵌: \"لكنك عند الله لست بكاسد\". وهو عند البرقاني في مستخرجه في حديث أبي برزة أيضًا، وقد أخرجه أحمد مطولًا، وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق. وحكى ابن عبد البر في ترجمته أنه نزل في قصته (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) الآية. ولم أر ذلك في شيء من طرقه الموصولة من حديث أنس ومن حديث أبي برزة. ا. هـ.\n٢٠٩٧ - * روى أحمد والبزار عن أنس قال: كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له جليبيب في وجهه دمامة فعرض عليه رسول الله ﷺ التزويج، قال: إذن تجدني كاسدًا. فقال: \"غير أنك عند الله لست بكاسد\".\n٢٠٩٨ - * روى مسلم عن أبي برزة: أن النبي ﷺ كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: \"هل تفقدون من أحدٍ؟ \" قالوا: نعم. فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثم قال: \"هل تفقدون من أحدٍ؟ \" قالوا: نعم. فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثم قال: \"هل تفقدون من أحدٍ؟ \" قالوا: لا. قال: \"لكني أفقد جليبيبا. فاطلبوه\". فطلب في القتلى. فوجدوه إلى جنب سبعةٍ قد قتلهم، ثن قتلوه. فأتى النبي ﷺ فوقف عليه فقال: \"قتل سبعة. هذا مني وأنا منه. هذا مني وأنا منه\". قال: فوضعه على ساعديه. ليس له إلا ساعدا النبي ﷺ. قال: فحفر له ووضع في قبره. ولم يذكر غسلًا.\n_________\n٢٠٩٧ - أحمد في مسنده: (٣/ ١٦١).\nوأخرجه نحوه البزار مطولًا: كشف الأستار (٣٠/ ٢٧٥، ٢٧٦) كتاب علامات النبوة، باب مناقب جليبيب. وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٦٨): رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n٢٠٩٨ - مسلم (٤/ ١٩١٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢٧ - باب من فضائل جليبيب ﵁.","vol":"4","page":1935},{"text":"٢٠٩٩ - * روى أحمد عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبًا كان امرأ يدخل على النساء يمر بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا تدخلن عليكم جليبيبًا إن دخل عليكم لأفعلن ولأفعلن. قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا. فقال النبي ﷺ لرجل من الأنصار: \"زوجني ابنتك\". قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين. قال: \"إني لست أريدها لنفسي\". قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: \"لجليبيب\". قال: أشاور أمها. فقال: إن رسول الله ﷺ يخطب ابنتك. قالت: نعم ونعمة عين. قال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لجليبيب. قالت: لجليبيب انيه لجليبيب انيه لا لعمر الله لا نزوجه. فلما أن أراد ليقوم ليأتي النبي ﷺ ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره ادفعوني إليه فإنه لن يضيعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ له. قال: فلما أفاء الله ﷿ عليه قال: \"هل تفقدون من أحد؟ \". قالوا: لا. قال: \"لكني أفقد جليبيبًا\". قال: \"فاطلبوه\". فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فأتاه النبي ﷺ فقال: \"قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه\". مرتين أو ثلاثًا، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه وحفر له ما له سرير إلا ساعد النبي ﷺ ثم وضعه في قبره لم يذكر أنه غسله. قال ثابت: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ، قال: \"اللهم صب عليها الخير صبًا ولا تجعل عيشها كدًا كدًا\". قال: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها.\n_________\n٢٠٩٩ - أحمد في مسنده (٤/ ٤٢٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٧). وقال: رواه أحمد روجاله رجال الصحيح.\nأيم: الأيم: المرأة التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا.\nكدا: الكد الشدة والتعب.","vol":"4","page":1936},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>٣٢ - حارثة بن سراقة ﵁</span>\nقال ابن حجر: حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجاري، وأمه الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك .. استشهد يوم بدر. وروى أحمد والطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس والبخاري والنسائي من غير وجه عن حميد عن أنس والترمذي من طريق سعيد عن قتادة عن أنس فاتفقوا على أنه قتل يوم بدر. وهكذا ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأبو الأسود فيمن شهد بدرًا وقتل بها من المسلمين ولم يختلف أهل المغازي في ذلك، واعتمد ابن منده على ما وقع في رواية لحماد بن سلمة فقال: استشهد يوم أحد، وأنكر ذلك أبو نعيم فبالغ كعادته، ووقع في رواية للطبراني من طريق حماد، والبغوي من طريق حميد أنه قتل يوم أحد فالله أعلم والمعتمد الأول. ا. هـ.\n٢١٠٠ - * روى البخاري عن أنس أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت يا نبي الله: ألا تحدثني عن حارثة؟ -وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: \"يا أم حارثة: إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى\".\n* * *\n_________\n٢١٠٠ - البخاري (٦/ ٢٥) ٥٦ - كتاب الجهاد، باب: ١٤.\nسهم غرب: سهم بعيد من غير توقع.","vol":"4","page":1937},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>٣٣ - قيس بن سعد بن عبادة ﵄</span>\nقال ابن كثير في ترجمته: قيس بن سعد بن عبادة الخرزجي صحابي جليل كأبيه، وله في الصحيحين حديث، وهو القيام للجنازة، وله في المسند حديث في صوم عاشوراء، وحديث غسل رسول الله ﷺ في دارهم وغير ذلك، وخدم رسول الله ﷺ عشر سنين، وحمل لواء رسول الله ﷺ في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، ولما بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، فأصابهم ذلك الجهد الكثير فنحر لهم قيس بن سعد تسع جزائر، حتى وجدوا تلك الدابة على سيف البحر فأكلوا منها، وأقاموا عليها شهرًا حتى سمنوا، وكان قيس سيدًا مطاعًا كريمًا ممدحًا شجاعًا، ولاه على نيابة مصر، وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص، ولم يزل معاوية يعمل عليه حتى عزله علي عن مصر وولى عليها محمد بن أبي بكر الصديق، فاستخفه معاوية، ولم يزل حتى أخذ منه مصر.\nوقال موسى بن عقبة: قالت عجوز لقيس: أشكو إليك قلة فأر بيتي، فقال قيس: ما أحسن هذه الكناية!! املأوا بيتها خبزًا ولحمًا وسمنًا وتمرًا.\nوقال غيره: كانت له صحفة يدار بها حيث دار، وكان ينادي له مناد: هلموا إلى اللحم والثريد وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله، وقال عروة بن الزبير: باع قيس ابن سعد من معاوية أرضًا بتسعين ألفًا، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأت، فأقرض منها خمسين ألفًا وأطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده، فقال لزوجته -قريبة بنت أبي عتيق أخت أبي بكر الصديق- إني أرى قلة من عادني في مرضي هذا، وإني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم، وقيل: إنه أمر مناديه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد، وكان يقول: اللهم ارزقني مالًا وفعالًا، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال. وقال سفيان الثوري: اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفًا فلما جاء ليوفيه إياها قال له قيس: إنا قوم ما أعطينا أحدًا شيئًا فنرجع فيه. وقال الهيثم بن عدي: اختلف ثلاثة","vol":"4","page":1938},{"text":"عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم، فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر، وقال الآخر: قيس ابن سعد، وقال الآخر: عرابة الأوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة، فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان. فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز [ركاب الخيل] ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يا ابن عمر رسول الله ابن سبيل ومنطقع به، قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة ولا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف علي، فرجع لى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف من خز وغير ذلك، وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب. ومضى صاحب قيس بن سعد إليه فوجده نائمًا، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه؟ قال: ابن سبيل ومنطقع به، قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة وعبدًا، واذهب راشدًا. فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرًأ على صنيعها ذلك، وقال: هلا أيقظتني حتى أعطيه ما يكفيه أبدًا، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. وذهب صاحب عرابة الأوسى إليه فوجده وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له -وكان قد كف بصره- فقال له: يا عرابة، فقال: قل، فقال: ابن سبيل ومنقطع به، قال: فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه، باليمنى على اليسرى، ثم قال: أوه أوه، والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئًا، ولكن خذ هذين العبدين، قال: ما كنت لأفعل، فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ. وأقبل يلتمس الحائط بيده، قال: فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه، قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، وأن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجلها، وأن قيسًا أحد الأجواد حكم مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرًا لها على ما فعلت، وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي، لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك جهد من مقل. وقال سفيان الثوري عن عمرو عن أبي صالح قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده وخرج إلى الشام فمات بها، فولد له ولد بعد وفاته، فجاء أبو بكر وعمر إلى","vol":"4","page":1939},{"text":"قيس بن سعد فقالا: إن أباك قسم ماله ولم يعلم مجال هذا الولد إذ كان حملًا، فاقسموا له معكم، فقال قيس: إني لا أغير ما فعله سعد ولكن نصيبي له ...\nوقال ابن أبي خيثمة: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعًا أصبعه المسبحة -يعني يدعو- وقد تقدم أن محمد بن أبي حذيفة كان قد تغلب على مصر وأخرج منها عبد الله بن أبي سرح، نائب عثمان بعد عمرو بن العاص، فأقره عليها علي مدة يسيرة ثم عزله بقيس بن سعد، فلما دخلها سار فيها سيرة حسنة وضبطها، وذلك سنة ست وثلاثين، فثقل أمره على معاوية وعمرو بن العاص، فكاتباه ليكون معها على علي فامتنع وأظهر للناس مناصحته لهما، وفي الباطن هو مع علي، فبلغ ذلك عليًا فعزله وبعث إلى مصر الأشتر النخعي فمات الأشتر في الرملة قبل أن يصل إليها، فبعث علي محمد بن أبي بكر فخف أمره على معاوية وعمرو، فلم يزالا حتى أخذا منه الديار المصرية، وقتل محمد بن أبي بكر هذا وأحرق في جيفة حمار. ثم سار قيس إلى المدينة، ثم سار إلى علي بن أبي طالب إلى العراق، فكان معه في حروبه حتى قتل علي، ثم كان مع الحسن بن علي حين سار إلى معاوية ليقاتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن بن علي حين سار إلى معاوية ليقتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن معاوية ساء قيسًا ذلك وما أحبه، وامتنع من طاعة معاوية، ثم ارتحل إلى المدينة، ثم قدم على معاوية في وفد من الأنصار فبايع معاوية بعد معاتبة شديدة وقعت بينهما، وكلام فيه غلظة، ثم أكرمه معاوية وقدمه وحظي عنده، فبينما هو مع الوفود عند معاوية إذ قدم كتاب ملك الروم على معاوية وفيه: أن ابعث إلي بسراويل أطول رجل في العرب، فقال معاوية: ما أرانا إلا قد احتجنا إلى سراويلك؟ -وكان قيس مديد القامة جدًا لا يصل أطول الرجال إلى صدره- فقام قيس فتنحى ثم خلع سراويله فألقاها إلى معاوية فقال له معاوية: لو ذهبت إلى منزلك ثم أرسلت بها إلينا، فأنشأ يقول عن ذلك:\nأردت بها كي يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود\nوأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادٍ ثمة وثمود\nوإني من الحي اليماني لسيد ... وما الناس إلا سيد ومسود\nفكدهم بمثلي إن مثلي عليهم ... شديد وخلقي في الرجال مديد","vol":"4","page":1940},{"text":"وفضلني في الناس أصل ووالد ... وباع به أعلو الرجال مديد\nقال: فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه فوقعت بالأرض، وفي رواية أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا، فإن كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا، ومن التحف كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين. فلما حضرا عند معاوية قال: من لهذا القوي؟ فقالوا: ماله إلا أحد رجلين، إما محمد بن الحنفية، أو عبد الله بن الزبير، فجيء بمحمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب، فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أتعلم فيم أرسلت إليك؟ قال: لا! فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه، فقال للرومي: إما أن تجلس لي أو أجلس إليك وتناولني يدك أو أناولك يدي، فأينا قدر أن يقيم الآخر من مكانه غلبه، وإلا فقد غلب. فقال له: ماذا تريد؟ تجلس أو أجلس؟ فقال له الرومي: بل اجلس أنت، فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك، ولا وجد إليه سبيلًا، فغلب الرومي: عند ذلك، وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي: اجلس لي، فجلس وأعطى محمدًا يده فما أمهله أن أقامه سريعًا، ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض فسر بذلك معاوية سرورًا عظيمًا، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فلبسها فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط بالأرض، فاعترف الرومي بالغلب، وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية، وعاتب الأنصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس فقال ذلك الشعر المتقدم معتذرًا به إليهم، وليكون ذلك ألزم للحجة التي تقوم على الروم، وأقطع لما حاولوه. ورواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان قيس بن سعد رجلًا ضخمًا جسيمًا صغير الرأس له لحية في ذقنه، وكان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه بالأرض، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغير واحد: توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية. وذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، فتبعناه في ذلك. اهـ.","vol":"4","page":1941},{"text":"وقال ابن حجر في الإصابة: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي مختلف في كنيته فقيل أبو الفضل وأبو عبد الله وأبو عبد الملك، وذكر ابن حبان أن كنيته أبو القاسم وأمه بنت عم أبيه واسمها فكيهة بنت عبيد بن دليم وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: كان قيس ضخمًا حسنًا طويلًا إذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض وقال الواقدي: كان سخيًا كريمًا داهية. وأخرج البغوي من طريق ابن شهاب قال: كان قيس حامل راية الأنصار مع رسول الله ﵌ وكان من ذوي الرأي من الناس. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر واختط بها دارًا ثم كان أميرها لعلي، وذكر الزبير أنه كان سناطًا ليس في وجهة شعرة فقال: إن الأنصار كانوا يقولون وددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا قال أبو عمر: وكذلك كان شريح وعبد الله بن الزبير لم يكن في وجوههم شعرة. وأخرج البخاري في التاريخ من طريق مريم بن أسعد قال: رأيت قيس بن سعد وقد خدم النبي ﵌ عشر سنين. وقال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والسخاء والشجاعة، وكان شريف قومه غير مدافع وكان أبوه وجده كذلك. وفي الصحيح عن جابر في قصة جيش العسرة أنه كان في ذلك الجيش، وأنه كان ينحر ويطعم حتى استدان بسبب ذلك، ونهاه أمير الجيش وهو أبو عبيدة وفي بعض طرقه أن النبي ﵌ قال: الجود من شيمة أهل ذلك البيت، رويناه في الغيلانيات وأخرجه ابن وهب من طريق بكر بن سوادة عن أبي حمزة ابن جابر، وشهد مع رسول الله ﵌ المشاهد وأخذ النبي ﵌ يوم الفتح الراية من أبيه فدفعها له.\nروى قيس بن سعد عن النبي ﵌ وعن أبيه روى عنه أنس وثعلبة ابن أبي مالك وأبو ميسرة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعروة وآخرون، وصحب قيس عليًا وشهد معه مشاهده وكان قد أمره على مصر فاحتال عليه معاوية فلم ينخدع له فاحتال على أصحاب علي حتى حسنوا له تولية محمد بن أبي بكر فولاه مصر، وارتحل قيس فشهد مع علي صفين ثم كان مع الحسن بن علي حتى صالح معاوية فرجع قيس إلى المدينة فأقام بها.\nقال خليفة وغيره: مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة. قال ابن حبان: كان هرب","vol":"4","page":1942},{"text":"من معاوية ومات سنة خمس وثمانين في خلافة عبد الملك، قال وقيل مات في آخر خلافة معاوية: قلت: وقول خليفة ومن وافقه هو الصواب. اهـ.\nوقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، الأمير المجاهد، أبو عبد الله سيد الخزرج وابن سيدهم أبي ثابت، الأنصاري الخزرجي الساعدي، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه. وفد على معاوية، فاحترمه، وأعطاه مالًا.\nقال أحمد بن البرقي: كان صاحب لواء النبي في بعض مغازيه. وكان بمصر واليًا عليها لعلي.\nوقال ابن يونس: شهد فتح مصر، واختط بها دارًا، ووليها لعلي سنة ست [وثلاثين]، وعزله عنها سنة سبع [وثلاثين].\nالزهري: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك: أن قيس بن سعد -وكان صاحب لواء النبي ﷺأراد الحج، فرجل أحد شقي رأسه، فقام غلام له، فقلد هدية، فأهل وما رجل شقه رجل.\nأقول: لم يرجل لأنه دخل في الإحرام، وقد خشي أن يتساقط شيء من شعر رأسه بسبب ترجيله.\nوذكر عاصم بن عمر: أن النبي ﷺ استعمل قيس بن سعد على الصدقة.\nقال مسعر: عن معبد بن خالد، قال: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعًا أصبعه المسبحة، يعني: يدعو.\nوجود قيس يضرب به المثل، وكذلك دهاؤه.\nروى الجراح بن مليح البهراني، عن أبي رافع، عن قيس بن سعد، قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"المكر والخديعة في النار\" لكنت من أمكر هذه الأمة (١).\n_________\n(١) إسناده حسن والمكر والخديعة: اسمان لكل فعل يقصد فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره، والمذموم من =","vol":"4","page":1943},{"text":"ابن عيينة: حدثني عمرو، قال: قال قيس: لولا الإسلام، لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب.\nوعن الزهري: كانوا يعدون قيسًا من دهاة العرب، وكان من ذوي الرأي، وقالوا: دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة: معاوية، وعمرو، وقيس، والمغيرة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي (١).\nوكان قيس وابن بديل مع علي، وكان عمرو بن العاص مع معاوية، وكان المغيرة معتزلًا بالطائف حتى حكم الحكمان.\nعوف عن محمد، قال: كان محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة من أشدهم على عثمان، فأمر علي قيس بن سعد على مصر، وكان حازمًا. فنبئت أنه كان يقول لولا أن المكر فجور، لمكرت مكرًا تضطرب منه أهل الشام بينهم، فكتب معاوية وعمرو إليه يدعوانه إلى مبايعتهما، فكتب إليهما كتابًا فيه غلظ، فكتبا إليه بكتاب فيه عنف، فكتب إليهما بكتاب فيه لين، فلما قرآه، علما أنهما لا يدان لهما بمكره، فأذاعا بالشام أنه قد تابعنا، فبلغ ذلك عليًا، فقال له أصحابه: أدرك مصر فإن قيسًا قد بايع معاوية، فبعث محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة إلى مصر، وأمر ابن أبي بكر، فلما قدما على قيس بنزعه، علم أن عليًا قد خدع فقال لمحمد: يا أخي احذر -يعني أهل مصر - فإنهم سيسلمونكما، فتقتلان. فكان كما قال.\nوعن الزهري، قال: قدم قيس المدينة فتوامر (٢) فيه الأسود بن أبي البختري، ومروان أن يبيتاه (٣)، وبلغ ذلك قيسًا، فقال: والله إن هذا لقبيح أن أفارق عليًا وإن عزلني، والله لألحقن به. فلحق به، وحدثه بما كان يعتمد بمصر. فعرف علي أن قيسًا كان يداري\n_________\n= ذلك أن يقصد فاعلمه إنزال مكروه بالمخدوع، وإياه قصد المصطفى ﷺ بهذا الحديث، ومعناه: يوديان بقاصدهما إلى النار. قاله الراغب.\n(١) عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي الصحابي الجليل، انتهت إليه رئاسة خزاعة، وكان فصيحًا لسنًا، أسلم يوم الفتح، وشهد حنينًا وما بعدها، وقتل يوم صفين.\n(٢) يتوامر: أي تآمر.\n(٣) يبيتاه: يقتلاه ليلًا.","vol":"4","page":1944},{"text":"أمرًا عظيمًا بالمكيدة، فأطاع علي قيسًا في الأمر كله، وجعله على مقدمة جيشه، فبعث معاوية يؤنب مروان والأسود، وقال: أمددتما عليًا بقيس؟ والله لو أمددتماه بمائة ألف مقاتل، ما كان بأغيظ علي من إخراجكما قيسًا إليه.\nهشام بن عروة: عن أبيه، كان قيس مع علي في مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم بعد ما مات علي، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل، وقال لأصحابه: إن شئتم جالدت بكم أبدًا حتى يموت الأعجل، وإن شئتم أخذت لكم أمانًا. فقالوا: خذ لنا، فأخذ لهم، ولم يأخذ لنفسه خاصة. فلما ارتحل نحو المدينة ومعه أصحابه، جعل ينحر لهم كل يوم جزورًا حتى بلغ صرارًا (١).\nعن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، قال: دخل قيس بن سعد في رهط من الأنصار على معاوية فقال: يا معشر الأنصار! بما تطلبون ما قبلي؟ فوالله لقد كنتم قليلًا معي، كثيرًا علي، وأفللتم حدي يوم صفين، حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم، وهجوتموني حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله، قلت: ارع فينا وصية رسول الله ﷺ، هيهات يأبى الحقين العذرة (٢)، فقال قيس: نطلب ما قلبك بالإسلام الكافي به الله ما سواه، لا بما تمت به إليك الأحزاب، فأما عداوتنا لك، فلو شئت، كففتها عنك، وأما الهجاء فقول يزول باطله، ويثبت حقه، وأما استقامة الأمر عليك فعلى كره منا، وأما فلنا حدك، فإنا كنا مع رجل نرى طاعته [طاعة] الله، وأما وصية رسول الله ﷺ بنا فمن آمن به رعاها.\nوأما قولك: يأبى الحقين العذرة، فليس دون الله يد تحجزك، فشأنك فقال معاوية: سوءة (٣). ارفعوا حوائجكم. اهـ. الذهبي.\n_________\n(١) صرار: موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق.\n(٢) العذرة: العذر وهو مثل يضرب للرجل يعتذر ولا عذر له، قال أبو عبيد: أصل ذلك أن رجلًا ضاف قومًا، فاستسقاهم لبنًا، وعندهم لبن قد حقنوه في وطب، فاعتلوا عليه، واعتذروا فقال: أبى الحقين العذرة، أي: هذا الحقين يكذبكم.\n(٣) السوءة: الفاحشة، وكل عمل وأمر شائن، تقال يشعر بها قائلها أنه قد ارتكب غلطة.","vol":"4","page":1945},{"text":"٢١٠١ - * روى البخاري والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان قيس ابن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير قال الأنصاري. يعني مما يلي من أموره.\n* * *\n_________\n٢١٠١ - البخاري (١٣/ ١٣٣) ٩٣ - كتاب الأحكام -١٢ - باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه، ولكن دون قول الأنصاري.\nوالترمذي (٥/ ٦٩٠) ٥٠ - كتاب المناقب -٥٢ - باب في مناقب قيس بن سعد بن عبادة.\nالشرط: أعوان السلطان المرتبون لتتبع أحوال الناس، سموا بذلك لأنهم كانوا يعلمون على أنفسهم بعلامات يعرفون بها، والأشراط: العلامات.","vol":"4","page":1946},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>٣٤ - خالد بن الوليد ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي .. سيف الله أبو سليمان، أمه لبابة الصغرى بنت الحارث بن حرب الهلالية وهي أخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب وهما أختا ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵌، وكان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكان إليه أعنة الخيل في الجاهلية، وشهد مع كفار قريش الحروب إلى عمرة الحديبية. كما ثبت في الصحيح أنه كان على خيل قريش طليعة ثم أسلم في سنة سبع بعد خيبر وقيل قبلها ووهم من زعم أنه أسلم سنة خمس. قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس عن حبيب حدثني عمرو بن العاص من فيه قال: خرجت عامدًا لرسول الله ﵌ فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: أذهب والله أسلم فحتى متى قلت وما جئت إلا لأسلم فقدمنا جميعًا فتقدم خالد فأسلم وبايع ثم دنوت فبايعته ثم انصرفت، ثم شهد غزوة مؤتة مع زيد بن حارثة فلما استشهد الأمير الثالث أخذ الراية فانحاز بالناس وخطب النبي ﵌ فأعلم الناس بذلك كما ثبت في الصحيح وشهد مع رسول الله ﵌ فتح مكة فأبلى فيها وجرى مع له بني جذيمة ما جرى، ثم شهد حنينًا والطائف وهدم العزى، وله رواية عن النبي ﵌ في الصحيحين وغيرهما. روى عنه ابن عباس وجابر والمقدام بن معدي كرب وقيس بن أبي حازم وعلقمة بن قيس وآخرون وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: نزلنا مع رسول الله ﵌ منزلًا فجعل الناس يمرون فيقول رسول الله ﵌: \"من هذا\" فأقول فلان، حتى مر خالد فقال: \"من هذا\" قلت خالد بن الوليد فقال: \"نعم عبد الله، هذا سيف من سيوف الله\"، رجاله ثقات. وأرسله النبي ﵌ إلى أكيدر دومة فأسره، وعن أنس وعن عمرو بن أبي سلمة أن النبي ﵌ بعث خالدًا إلى أكيدر دومة فأخذوه فأتوا به فحقن له دمه وصالحه على الجزية، وأرسله أبو بكر إلى قتال أهل الردة فأبلى في قتالهم بلاء عظيمًا، ثم ولاه حرب فارس والروم فأثر فيهم تأثيرًا شديدًا،","vol":"4","page":1947},{"text":"وافتتح دمشق. وروى يعقوب بن سفيان من طريق أبي الأسود عن عروة قال: لما فرغ خالد من اليمامة أمره أو بكر بالمسير إلى الشام فسلك عين النمر فسبى ابنة الجودي من دومة الجندل ومضى إلى الشام فهزم عدو الله واستخلفه أبو بكر على الشام إلى أن عزله عمر.\nوقال ابن أبي الدنيا عن قتادة قال: بعث النبي ﵌ خالد بن الوليد إلى العزى فهدمها وقال أبو زرعة الدمشقي حدثني علي بن عباس حدثنا الوليد حدثني وحشي عن أبيه عن جده أن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار\" وقال أحمد عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد فقال خالد: بعث عليكم أمين هذه الأمة سمعت رسول الله ﷺ يقوله، فقال أبو عبيدة سمعت رسول الله ﷺ يقول: خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة، وروى أبو يعلى من طريق الشعبي عن ابن أبي أوفي رفعه لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار.\nعن أبي هريرة في قصة الصدقة فقال النبي ﷺ: \"إن خالدًا احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله\" وفي البخاري عن قيس بن أبي حازم عن خالد ابن الوليد قال: لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما صبرت معي إلا صفيحة يمانية. وقال يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر: لما قدم خالد بن الوليد الحيرة أتى بسم فوضعه في راحته ثم سعى وشربه فلم يضره، رواه أبو يعلى ورواه ابن سعد من وجهين آخرين وروى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن خيثمة قال: أتى خالد بن الوليد رجل معه زق خمر فقال: اللهم اجعله عسلًا فصار عسلًا. وفي روايه له من هذا الوجه: مر رجل بخالد ومعه زق خمر فقال: ما هذا؟ قال: خل. قال: جعله الله خلًا فنظر فإذا هو خل وقد كان خمرًا. وقال ابن سعد عن زياد مولى آل خالد قال: قال خالد عند موته ما كان في الأرض من ليلة أحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو فعليكم بالجهاد وروى أبو يعلى من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: قال خالد: ما ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب أو أبشر فيها بغلام أحب إلي من ليلة شديدة","vol":"4","page":1948},{"text":"الجليد، فذكر نحوه ومن هذا الوجه عن خالد: لقد شغلني الجهاد عن تعلم كثير من القرآن وكان سبب عزل عمر خالدًا ما ذكره الزبير بن بكار قال: كان خالد إذا صار إليه المال قسمه في أهل الغنائم ولم يرفع إلى أبي بكر حسابًا وكان فيه تقدم على أبي بكر يفعل أشياء لا يراها أبو بكر وأقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته فكره ذلك أبو بكر وعرض الدية على متمم بن نويرة وأمر خالدًا بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله، وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد وكان أميرًا عند أبي بكر بعثه إلى طليحة فهزم طليحة ومن معه ثم مضى إلى مسيلمة فقتل الله مسيلمة. قال الزبير: وحدثني محمد بن مسلم عن مسلم بن أنس قال: قال عمر لأبي بكر اكتب إلى خالد لا يعطي شيئًا إلا بأمرك فكتب إليه بذلك فأجابه خالد: إما أن تدعيني وعملي والإ فشأنك بعملك، فأشار عليه عمر بعزله فقال أبو بكر: فمن يجزئ عني إجزاء خالد، قال عمر: أنا. قال: فأنت، فتجهز عمر حتى أنييخ الظهر في الدار فمشى أصحاب النبي ﵌ إلى أبي بكر فقالوا: ما شأن عمر يخرج أنت محتاج إليه وما بالك عزلت خالدًا وقد كفاك؟ قال: فما أصنع؟ قالوا: تعزم على عمر فيقيم وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله، ففعل، فلما قبل عمر [أي الخلافة] كتب إلى خالد أن لا تعطي شاة ولا بعيرًا إلا بأمري، فكتب إليه خالد بمثل ما كتب إلى أبي بكر فقال عمر: ما صدقت الله إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه فعزله، ثم كان يدعوه إلى أن يعمل فيأبى إلا أن يخليه يفعل ما شاء، فيأبى عمر. قال مالك: وكان عمر يشبه خالدًا قال الزبير: ولما حضرت خالدًا الوفاة أوصى عمر فتولى عمر وصيته وسمع راجزًا يذكر خالدًا فقال: رحم الله خالدًا فقال له طليحة ابن عبيد الله:\nلا أعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي\nفقال عمر: إني ما عتبت على خالد إلا في تقدمه (١) وما كان يصنع في المال. مات خالد بن الوليد بمدينة حمص سنة إحدى وعشرين وقيل توفي بالمدينة النبوية. اهـ ابن حجر.\n_________\n(١) إلا في تقدمه: كان يتقدم الناس في الحرب وهو القائد، وتلك مخاطرة.","vol":"4","page":1949},{"text":"وقال ابن كثير في البداية والنهاية: خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي أبو سليمان المخزومي، سيف الله، أحد الشجعان المشهورين، لم يقهر في جاهلية ولا إسلام. وأمه عصماء بنت الحارث، أخت لبابة بنت الحارث، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين. قال الواقدي: أسلم أول يوم من صفر سنة ثمان، وشهد مؤتة وانتهت إليه الإمارة يومئذ عن غير إمرة، فقاتل يومئذ قتالًا شديدًا لم ير مثله، اندقت في يده تسعة أسياف، ولم تثبت في يده إلا صفيحة يمانية.\nوقد روي أن خالدًا سقطت قلنسوته يوم اليرموك وهو في الحرب فجعل يستحث في طلبها فعوتب في ذلك، فقال: إن فيها شيئًا من شعر ناصية رسول الله ﷺ وإنها ما كانت معي في موقف إلا نصرت بها.\nوقد روينا في مسند أحمد (١) عن أبي بكر الصديق أنه لما أمر خالدًا على حرب أهل الردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"فنعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين\".\nوفي الصحيح: (٢) \"وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا وقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله\" وشهد الفتح وشهد حنينًا وغزا بني جذيمة أميرًا في حياته ﵇، واختلف في شهوده خيبر وقد دخل مكة أميرًا على طائفة من الجيش وقتل خلقًا كثيرًا من قريش.\nوبعثه رسول الله ﷺ إلى العزى -وكانت لهوازن -فكسر قمتها أولًا ثم دعثرها وجعل يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك. ثم حرقها وقد استعمله الصديق بعد رسول الله ﷺ على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فشفى واشتفى، ثم وجهه إلى العراق ثم أتى الشام فكانت له من المقامات ما ذكرناها مما تقر بها القلوب والعيون،\n_________\n(١) أحمد في مسنده (١/ ٨).\n(٢) البخاري (٣/ ٣٣١) ٢٤ - كتاب الزكاة -٤٩ - باب قول الله تعالى (التوبة: ٦٠) (وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله).","vol":"4","page":1950},{"text":"وتتشنف بها الأسماع، ثم عزله عمر عنها وولي أبا عبيدة وأبقاه مستشارًا في الحرب، ولم يزل بالشام حتى مات على فراشه ﵁.\nوقد روى الواقدي قال: لما حضرت خالدًا الوفاة بكى ثم قال: لقد حضرت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.\nعن أنس قال: لقي خالد عدوًا له فولى عنه المسلمون منهزمين وثبت هو وأخوه البراء ابن مالك، وكنت بينهما واقفًا، قال: فنكس خالد رأسه ساعة إلى الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء ساعة -قال: وكذلك كان يفعل إذا أصابه مثل هذا -ثم قال لأخي البراء: قم فركبا، واختطب خالد من معه من المسلمين وقال: ما هو إلا الجنة وما إلى المدينة سبيل، ثم حمل بهم فهزم المشركين.\nوقد روى البخاري في التاريخ وغيره عن ياسر بن سمي البرني، قال: سمعت عمر يعتذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد، فقال: أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف واللسان، فأمرت أبا عبيدة. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: ما اعتذرت يا عمر، لقد نزعت عاملًا استعمله رسول الله ﷺ، ووضعت لواء رفعه رسول الله ﷺ، وأغمدت سيفًا سله الله، ولقد قطعت الرحم، وحسدت ابن العم. فقال عمر: إنك قريب القرابة، حديث السن مغضب في ابن عمك.\nوعن خالد أنه طلق امرأة من نسائه وقال: إني لم أطلقها عن ريبة، ولكنها لم تمرض عندي ولم يصبها شيء في بدنها ولا رأسها ولا في شيء من جسدها، وروى سيف وغيره: أن عمر قال حين عزل خالدًا عن الشام، والمثنى بن حارثة عن العراق: إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله نصر الدين لا بنصرهما وأن القوة لله جميعًا. وروى سيف أيضًا أن عمر قال حين عزل خالدًا عن قنسرين وأخذ منه ما أخذ: إنك علي لكريم، وإنك عندي لعزيز، ولن يصل إليك مني أمر تكرهه بعد ذلك.\nقال عبد الله بن المبارك: ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد طلبت القتل","vol":"4","page":1951},{"text":"في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهلني تمطر إلى الصبح، حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنا مت فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفي خرج عمر على جنازته فذكر قوله: ما على آل نساء الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقع أو لقلقة (١). وقد علق البخاري في صحيحه (٢) بعض هذا فقال: وقال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة.\nوقال محمد بن سعد: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه، وهن خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره، فأرسل إليهن فانهن، فقال عمر: وما عليهن أن ينزفن من دموعهن على أبي سليمان، ما لم يكن نقعًا أو لقلقة. ورواه البخاري في التاريخ من حديث الأعمش بنحوه.\nوقال إسحاق بن بشر وقال محمد: مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا أمه تندبه وتقول:\nأنت خير من ألف ألف من القو ... م إذا كبت وجوه الرجال\nفقال: صدقت والله إن كان لكذلك.\nوقال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم. قال: فأقام خالد في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به، وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج، واشتكى خالد بعده وهو خارج من المدينة زائرًا لأمه فقال لها: احدروني إلى مهاجري، فقدمت به المدينة ومرضته، فلما ثقل وأظل قدوم عمر لقيه لاق على مسيرة ثلاث صادرًا عن حجة فقال له عمر مهيم (أي مالك؟) فقال خالد بن الوليد: ثقيل لما به، فطوى عمر ثلاثًا في ليلة فأدركه حين قضى، فرق عليه واسترجع وجلس ببابه حتى جهز، وبكته البواكي، فقيل لعمر: ألا تسمع؟ ألا تنهاهن؟ فقال: وما على نساء قريش\n_________\n(١) نقع: نثر التراب على الرأس، لقلقة: صوت.\n(٢) البخاري (٣/ ١٦٠) ٢٣ - كتاب الجنائز -٢٣ - باب ما يكره من النياحة على الميت.","vol":"4","page":1952},{"text":"أن يبكين أبا سليمان؟ ما لم يكن نقع ولا لقلقة. فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه وتقول:\nأنت خير من ألف ألف من النا ... س إذا ما كبت وجوه الرجال\nأشجاع فأنت أشجع من ليث ... ضمر بن جهم أبي أشبال\nأجواد فأنت أجود من سيل ... دياس يسيل بين الجبال\nفقال عمر: من هذه؟ فقيل له: أمه. فقال: أمه وإلا له -ثلاثًا -وهل قامت النساء عن مثل خالد. قال: فكان عمر يتمثل في طيه تلك الثلاث في ليله وفي قدومه.\nتبكي ما وصلت، به الندامى ... ولا تبكي فوارس كالجبال\nتمنى بعدهم قوم مداهم ... فلم يدنوا لأسباب الكمال\nوفي رواية أن عمر قال لأم خالد: أخالدًا أو أجره ترزئين؟ عزمت عليك أن لا تبيني (١) حتى تسود يداك من الخضاب، وهذا كله مما يقتضي موته بالمدينة النبوية، وإليه ذهب دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي.\nولكن المشهور عن الجمهور أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين. زاد الواقدي: وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وغيره قالوا: قدم خالد المدينة بعد ما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام، فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى وعشرين.\nلما مات خالد بن الوليد قال عمر: رحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورًا ما كانت. وقال جويرية عن نافع قال: لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه.\nقال أبو علي الحرنازي: دخل هشام بن البحتري في ناس من بني مخزوم على عمر بن\n_________\n(١) عزمت عليك أن لا تبيني: عزمت عليك بعد أن تفارقيني أن تخضبى يديك لأن المرأة لا يحل لها أن تظهر الحزن أكثر من ثلاثة أيام على أحد إلا على زوجها.\nتسود: أن تخضب يديها بالحناء إشارة إلى تركها الحزن على فقد خالد.","vol":"4","page":1953},{"text":"الخطاب فقال له: يا هشام أنشدني شعرك في خالد. فأنشده فقال: قصرت في الثناء على أبي سليمان ﵀، إنه كان ليحب أن يذل الشرك وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرضًا لمقت الله. ثم قال عمر: قاتل الله أخا بني تميم ما أشعره:\nوقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدي\nفما عيش من قد عاش بعدي بنافعي ... ولا موت من قد مات بمخلدي\nثم قال عمر: رحم الله أبا سليمان ما عند الله خير له مما كان فيه. ولقد مات سعيدًا وعاش حميدًا ولكن رأيت الدهر ليس بقائل (١). اهـ ابن كثير.\nوقال الذهبي في ترجمته: سيف الله تعالى، وفارس الإسلام، وليث المشاهد، السيد الإمام الأمير الكبير، قائد المجاهدين، أبو سليمان القرشي المخزومي المكي، وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.\nهاجر مسلمًا في صفر سنة ثمان، ثم سار غازيًا، فشهد غزوة مؤتة واستشهد أمراء رسول الله ﷺ الثلاثة: مولاه زيد، وابن عمه جعفر ذو الجناحين، وابن رواحة، وبقي الجيش بلا أمير، فتأمر عليهم في الحال خالد، وأخذ الراية، وحمل على العدو، فكان النصر، وسماه النبي ﷺ، سيف الله، فقال: \"إن خالدًا سيف سله الله على المشركين\". وشهد الفتح وحنينًا، وتأمر في أيام النبي ﷺ، واحتبس أدراعه ولأمته في سبيل الله وحارب أهل الردة، ومسيلمة، وغزا العراق، واستظهر، ثم اخترق البرية السماوية بحيث إنه قطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه، وشهد حروب الشام، ولم يبق في جسده قيد شبر إلا وعليه طابع الشهداء، ومناقبة غزيرة، أمره الصديق على سائر أمراء الأجناد، وحاصر دمشق فافتتحها هو وأبو عبيدة. اهـ الذهبي.\n_________\n(١) رأيت الدهر ليس بقائل: من القيلولة، بمعنى أن الدهر لا يغفل عنه.\nأقول: إن عمر كان يعرف قدر خالد ومقامه وليس مثل عمر يجهل الرجال كما أنه فوق أن يحمله غرض نفسي على عزل خالد ولكنه خشي أن يستشهد خالد وهو أمير فتهن معنويات المسلمين وترتفع معنويات الكافرين، وحتى تبقى قلوب المسلمين تتعلق بالله وتثق أن النصر منه ﷻ فلا يداخلها نوع من الاعتماد على غير الله.","vol":"4","page":1954},{"text":"٢١٠٢ - * روى الطبراني والبزار عن عبد الله بن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ: \"يا خالد لا تؤذ رجلًا من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أحد ذهبًا لم تدرك عمله\" فقال: يقعون في فأرد عليهم. فقال: \"لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف من سويف الله صبه الله على الكفار\".\n٢١٠٣ - * روى البخاري عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: \"أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب\" -وعيناه تذرفان -\"حتى أخذها سيف من سيوف الله. حتى فتح الله عليهم\".\n٢١٠٤ - * روى البخاري عن قيس قال سمعت خالدًا يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية.\n٢١٠٥ - * روى أبو يعلى عن قيس بن أبي حازم قال: قال خالد بن الوليد: لقد منعني كثيرًا من القراءة الجهاد في سبيل الله.\nقال الذهبي: عاش ستين سنة وقتل جماعة من الأبطال: ومات على فراشه، فلا قرت أعين الجبناء.\nتوفي بحمص سنة إحدى وعشرين. ومشهده على باب حمص. الصحيح موته بحمص، وله مشهد يزار. ا. هـ.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن أبي العالية: أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إن\n_________\n٢١٠٢ - المعجم الصغير: الروض الداني (١/ ٣٤٨).\nوكشف الأستار (٣/ ٢٦٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٩): رواه الطبراني في الصغير والكبير باختصار والبزار بنحوه ورجال الطبراني ثقات.\n٢١٠٣ - البخاري (٧/ ١٠٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -٢٥ - باب مناقب خالد بن الوليد.\n٢١٠٤ - البخاري (٧/ ٥١٥) ٦٤ - كتاب المغازي -٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام.\n٢١٠٥ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.\n(١) السير (١/ ٣٦٨) ورجاله ثقات ولكنه مرسل. وأخرج أحمد الدعاء في مسنده (٣/ ٤١٩) عن عبد الرحمن بن خنيس التميمي بإسناد صحيح.","vol":"4","page":1955},{"text":"كائدًا من الجن يكيدني، قال: \"قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ في الأرض، وما يخرج منها، ومن شر ما يعرج في السماء وما ينزل منها، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن\" ففعلت فأذهبه الله عني.\n٢٠١٦ - * روى الطبراني عن عمرو بن العاص قال: ما عدل رسول الله ﷺ بي وبخالد ابن الوليد أحدًا منذ أسلمنا في حربه.\n٢١٠٧ - * روى أحمد عن الزهري قال: وكان عبد الرحمن بن الأزهر يحدث أن خالد ابن الوليد بن المغيرة خرج يومئذ وكان على الخيل خيل رسول الله ﷺ. قال ابن الأزهر: قد رأيت رسول الله ﷺ بعدما هزم الله الكفار ورجع المسلمون إلى رحالهم يمشي في المسلمين ويقول: \"من يدل على رحل خالد بن الوليد\" قال: فمشيت أو قال فسعيت بين يديه وأنا محتلم أقول من يدل على رحل خالد حتى حللنا على رحله فإذا خالد بن الوليد مستند إلى مؤخرة رحله فأتاه رسول الله ﷺ فنظر إلى جرحه. قال الزهري: وحسبت أنه قال: ونفث فيه رسول الله ﷺ.\n٢١٠٨ - * روى البخاري عن سالم عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. ودفع إلى كل رجل منا أسيره. حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: \"اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد\" مرتين.\n٢١٠٩ - * روى ابن سعد عن هشام بن عروة: عن أبيه قال: كان في بني سليم ردة، فبعث أبو بكر إليهم خالد بن الوليد فجمع رجالًا منهم في الحظائر، ثم أحرقهم، فقال عمر\n_________\n٢١٠٦ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠): رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات.\n٢١٠٧ - أحمد في مسنده (٤/ ٨٨) وإسناده صحيح.\n٢١٠٨ - البخاري (٨/ ٥٦) ٦٤ - كتاب المغازي -٥٨ - باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة.\n٢١٠٩ - الطبقات الكبرى: ورجاله ثقات، لكنه مرسل.","vol":"4","page":1956},{"text":"لأبي بكر: أتدع رجلًا: يعذب الله؟ قال: والله لا أشيم (١) سيفًا سله الله على عدوه، ثم أمره، فمضى إلى مسيلمة.\n* * *\n_________\n(١) أشيم: أغمد.","vol":"4","page":1957},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>٣٥ - عمرو بن العاص ﵁</span>\nقال ابن كثير: عمرو بن العاص: بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي، أبو عبد الله، ويقال أبو محمد، أحد رؤساء قريش في الجاهلية، وهو الذي أ ﴿سلوه إلى النجاشي ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده فلم يجبهم إلى ذلك لعدله، ووعظ عمرو بن العاص في ذلك، فيقال إنه أسلم على يديه والصحيح أنه إنما أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة العبدري، وكان أحد أمراء الإسلام، وهو أمير ذات السلاسل، وأمده رسول الله ﷺ بمدد عليهم أبو عبيدة ومعه الصديق وعمر الفاروق، واستعمله رسول الله ﷺ على عمان فلم يزل عليها مدة حياة رسول الله ﷺ، وأقره عليها الصديق، ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام فكان ممن شهد تلك الحروب، وكانت له الآراء السديدة، والمواقف الحميدة، والأحوال السعيدة، ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها واستنابه عليها، وأقره عليها عثمان بن عفان أربع سنين ثم عزله، وقد كان معدودًا من دهاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم وله أمثال حسنة وأشعار جيدة. وقد روي عنه أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ ألف مثل، ومن شعره:\nإذا المرء لم يترك طعامًا يحبه ... ولم ينبه قلبًا غاويًا حيث يمما\nقضى وطرًا منه وغادر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملًا الفما\nا. هـ. ابن كثير\nوقال ابن حجر في الإصابة: عمرو بن العاص من بني عنزة بفتح المهملة والنون .. أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان وقيل بين الحديبية وخيبر وكان يقول أذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب. وقال داخر المعافري: رأيت عمرًا على المنبر أدعج (١) أبلج (٢) قصير القامة وذكر الزبير بن بكار والواقدي بسندين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشي وهو بأرض الحبشة. وذكر الزبير بن بكار أن رجلًا قال لعمرو: ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت\n_________\n(١) أدعج: شديد سواد العين مع شدة بياض ما يحيط بالسواد.\n(٢) أبلج: بعيد ما بين الحاجبين.","vol":"4","page":1958},{"text":"أنت في عقلك؟ قال: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا ممن يوازي حلومهم الجبال فلما بعث النبي ﵌ فأنكروا عليه فلذنا بهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا فإذا حق بين فوقع في قلبي الإسلام فعرفت قريش ذلك مني من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم عليه فبعثوا إلي فتى منهم فناظرني في ذلك فقلت: أنشدك الله ربك ورب من قبلك ومن بعدك أنحن أهدى أم فارس والروم؟ قال: نحن أهدى. قلت: فنحن أوسع عيشًا أم هم؟ قال: هم قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم إن لم يكن لنا فضل إلا في الدنيا وهم أعظم منا فيها أمرًا في كل شيء وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد من أن البعث بعد الموت ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته حق ولا خير في التمادي في الباطل. وأخرج البغوي بسند جيد عن عمرو بن إسحاق أحد التابعين قال: استأذن جعفر ابن أبي طالب رسول الله ﵌ في التوجه إلى الحبشة فأذن له قال عمير: فحدثني عمرو بن العاص قال: لما رأيت مكانه قلت: والله لأستقلن (١) لهذا ولأصحابه فذكر قصتهم مع النجاشي قال: فلقيت جعفرًا خاليًا فأسلمت قال وبلغ ذلك أصحابي فغنموني وسلبوني كل شيء فذهبت إلى جعفر فذهب معي إلى النجاشي فردوا علي كل شيء أخذوه ولما أسلم كان النبي ﵌ يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته وولاه غزاة ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح ثم استعمله على عمان فمات وهو أميرها ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر وهو الذي افتتح قنسرين (٢) وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية، وولاه عمر فلسطين أخرج ابن أبي خيثمة من طريق الليث قال: نظر عمر إلى عمرو يمشي فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا. وقال إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عن قبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلًا أبين قرآنًا ولا أكرم خلقًا ولا أِبه سريرة بعلانية منه وقال محمد بن سلام الجمحي كان عمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه يقول أشهد أن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وولي عمرو إمرة مصر في زمن عمر بن الخطاب وهو الذي\n_________\n(١) لأستقلن: أي لأقللن من شأنهم عند النجاشي.\n(٢) قتسرين: كورة بالشام.","vol":"4","page":1959},{"text":"افتتحها وأبقاه عثمان قليلًا ثم عزله وولى عبد الله بن أبي سرح وكان أخا عثمان من الرضاعة فآل أمر عثمان بسبب ذلك إلى ما اشتهر ثم لم يزل عمرو بغير إمرة إلى أن كانت الفتنة بين علي ومعاوية فلحق بمعاوية فكان معه يدبر أمره في الحرب إلى أن جرى أمر الحكمين ثم سار في جيش معاوية إلى مصر فوليها لمعاوية من صفر سنة ثمان وثلاثين إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين على الصحيح الذي جزم به ابن يونس وغيره من المتقنين وقيل قبلها بسنة وقيل وبعدها ثم اختلفوا فقيل بست وقيل بثمان وقيل بأكثر من ذلك قال يحيى بن بكير: عاش نحو تسعين سنة. وذكر ابن البرقي عن يحيى بن بكير عن الليث توفي وهو ابن تسعين سنة. اهـ ابن حجر.\nقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: عمرو بن العاص داهية قريش ورجل العالم، ومن يضرب به المثل في الفطنة، والدهاء، والحزم.\nهاجر إلى رسول الله ﷺ مسلمًا في أوائل سنة ثمان، مرافقًا لخالد بن الوليد، وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة، ففرح النبي ﷺ بقدومهم وإسلامهم، وأمر عمرًا على بعض الجيش، وجهزه للغزو. له أحاديث.\nقال البخاري: ولاه النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل. نزل المدينة ثم سكن مصر، وبها مات.\nروى مجالد، عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما معاوية فللأناة والحلم؛ وأما عمرو فللمعضلات؛ والمغيرة للمبادهة؛ وأما زياد فللصغير والكبير.\nوكان من رجال قريش رأيًا، ودهاء، وحزمًا، وكفاءة، وبصرًا بالحروب، ومن أشراف ملوك العرب، ومن أعيان المهاجرين، والله يغفر له ويعفو عنه، ولولا حبه للدنيا [للإمرة] ودخوله في أمور، لصلح للخلافة، فإن له سابقة ليست لمعاوية. وقد تأمر على مثل أبي بكر وعمر، لبصره بالأمور ودهائه. اهـ.","vol":"4","page":1960},{"text":"٢١١٠ - * روى أحمد وابن سعد والحاكم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: \"ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام\".\n٢١١١ - * روى أحمد عن عمرو بن العاص قال: كان فزع بالمدينة فأتيت على سالم مولى أبي حذيفة وهو محتب بحمائل سيفه فأخذت سيفًا فاحتبيت بحمائله فقال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله وإلى رسوله\" ثم قال: \"ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان\".\n٢١١٢ - * روى أحمد عن عقبة سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص\".\n٢١١٣ - * روى أحمد والحاكم عن موسى بن علي عن أبيه قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: \"خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني\" فأتيته وهو يتوضأ فصعد في النظر ثم طأطأه فقال: \"إني أريد أن أبعثك على جيشٍ فسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة\" قال قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله ﷺ فقال: \"يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح\".\n٢١١٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: \"عائشة\"\n_________\n٢١١٠ - أحمد في مسنده (٢/ ٢٠٤)، والطبقات الكبرى (٤/ ١٩١)، والمستدرك (٣/ ٢٤٠) وصححه وسكت عنه الذهبي.\n٢١١١ - أحمد في مسنده (٤/ ٢٠٣).\n٢١١٢ - أحمد في مسنده (٤/ ١٥٥) وإسناده حسن.\nوالترمذي (٥/ ٦٨٧) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٩ - باب مناقب لعمرو بن العاص.\n٢١١٣ - أحمد في مسنده (٤/ ١٩٧) وسنده صحيح.\nوالمستدرك (٢/ ٢) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢١١٤ - البخاري (٨/ ٧٤) ٦٤ - كتاب المغازي -٦٣ - باب غزوة ذات السلاسل.\nومسلم (٤/ ١٨٥٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق.","vol":"4","page":1961},{"text":"قلت: من الرجال؟ قال: \"أبوها\" قلت: ثم من؟ قال: \"عمر\" فعد رجالًا. فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم.\n٢١١٥ - * روى أبو داود والحاكم عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت. ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: \"يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب\"؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) فضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئًا.\nقال الذهبي: ولما توفي النبي ﷺ كان عمرو على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بوفاة رسول الله ﷺ.\nوشهد عمرو يوم اليرموك، وأبلى يومئذ بلاءً حسنًا، وقيل: بعثه أبو عبيدة، فصالح أهل حلب وأنطاكية، وافتتح سائر قنسرين عنوة.\nوقال خليفة: ولى عمر عمرًا فلسطين والأردن، ثم كتب إليه عمر، فسار إلى مصر، وافتتحها، وبعث عمر الزبير مددًا له.\nقال الزهري: استخلف عثمان، فنزع عن مصر عمرًا، وأمر عليها عبد الله بن أبي سرج. ا. هـ.\n٢١١٦ - * روى أحمد في مسنده عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص كان يسرد الصوم وقلما كان يصيب من العشاء أو الليل أكثر ما كان يصيب من السحر قال: وسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن فصلًا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر\".\n_________\n٢١١٥ - أبو داود (١/ ٩٢) كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أن يتيم.\nوالحاكم بنحوه (١/ ١٧٧) وصححه وأقره الذهبي. وعلقه البخاري في صحيحه وقواه الحافظ وحسنه المنذري.\n(١) النساء: ٢٩.\n٢١١٦ - أحمد في مسنده (٤/ ١٩٧) وروى مسلم بعضه (٢/ ٧٧١) ١٣ - كتاب الصيام -٩ - باب فضل السحور وتاكيد استحبابه.","vol":"4","page":1962},{"text":"٢١١٧ - * روى أحمد عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعًا شديدًا فلما رأى ذلك ابنه عبد الله بن عمرو قال: يا أبا عبد الله ما هذا الجزع وقد كان رسول الله ﷺ يدنيك ويستعملك؟ قال: أي بني قد كان ذلك وسأخبرك عن ذلك إني والله ما أدري أحبًا ذلك كان أم تألفًا يتألفني ولكن أشهد على رجلين أنه قد فارق الدنيا وهو يحبهما ابن سمية وابن أم عبد فلما حدثه وضع يده موضع الغلال من ذقنه وقال: اللهم أمرتنا فتركنا ونهيتنا فركبنا ولا يسعنا إلا مغفرتك وكانت تلك هجيراه حتى مات.\n٢١١٨ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة المهدي ﵀ قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. إني كنت على أطباقٍ ثلاثٍ: لقد رأيتني وما أحد أشهد بغضًا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي ﷺ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: \"مالك يا عمرو؟ \" قال: قلت: أردت أن اشترط، قال: \"تشترط بماذا؟ \" قلت: أن يغفر لي قال: \"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهد ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ \" وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني\n_________\n٢١١٧ - أحمد في مسنده (٤/ ١٩٩) وإسناده صحيح.\nأخرجه الإمام أحمد وإسناده صحيح.\nهجيراه: أي لم يزل يرددها.\nابن سمية وابن أم عبد: أبي عمار بن ياسر وابن مسعود.\n٢١١٨ - مسلم (١/ ١١٢) ١ - كتاب الإيمان -٥٤ - باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الحج والهجرة.\nسياقه الموت: وقت حضور الأجل، كأن روحه تساق لتخرج من جسده.\nأطباق: جمع طبق، وهو الحالة.\nشنآ: بالشين: الصب، وقيل بالسين: التفريق.=","vol":"4","page":1963},{"text":"منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء، ما أدري ما حالي فيها؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي؟.\n٢١١٩ - * روى الطبراني عن عمرو بن العاص قال: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية فقال صاحبها أخرجوا إلي رجلًا منكم أكلمه ويكلمني، فقلت: لا يخرج إليه غيري فخرجت ومعي ترجمان ومعه ترجمان نتبعك ونقاتل من قاتلك فخرج إليهم وخرجنا إليه فقاتلناه فقتلنا وظهر علينا وغلبنا وتناول من يليه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم، فلو يعلم من ورائي ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش. فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاءكم به رسولكم فكنا عليه حتى ظهر فينا ملوك فجعلوا يعملون فينا بأهوائهم ويتركون أمر الأنبياء فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه ولم يتناولكم أحد إلا ظهرتم عليه فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر الأنبياء وعملتهم مثل الذي عملوا بأهوائهم خلي بيننا وبينكم فلم تكونوا أكثر منا عددًا ولا أشد منا قوة قال عمرو بن العاص: فما كلمت رجلًا أذكر منه.\n_________\n=شنا: بالشين: الصب، وقيل بالسين: التفريق.\n٢١١٩ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢١٨): رواه الطبراني وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات.\nالقرظ: ورق شجر يدبغ به.\nقشنفنا له: أعرضنا عنه.\nأذكر منه: أعرف منه.","vol":"4","page":1964},{"text":"قال الذهبي: كان أكبر من عمر بنحو خمس سنين. كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر، وقد عاش بعد عمر عشرين عامًا، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة، ما بلغ التسعين ﵁.\nوخلف أموالًا كثيرة، وعبيدًا، وعقارًا، يقال: خلف من الذهب سبعين رقبة جمل مملوءة ذهبًا. اهـ.\n٢١٢٠ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال: يا بني إذا مت فاغسلني غسلة بالماء، ثم جففني في ثوب، ثم اغلسني الثانية بماء قراح، ثم جففني في ثوب، ثم اغلسني الثالثة بماءٍ فيه شيء من كافور، ثم جففني في ثوب، ثم إذا ألبستني الثياب، فأزر علي، فإني مخاصم، ثم إذا أنت حلمتني على السرير، فامش بي مشيًا بين المشيتين، وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة، وخلفها لبني آدم، فإذا أنت وضعتني في القبر، فسن علي التراب سنًا. ثم قال: اللهم إنك أمرتنا فأضعنا، ونهيتنا فركبنا، فلا برئ فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله، ما زال يقولها حتى مات.\n* * *\n_________\n٢١٢٠ - الطبقات الكبرى (٤/ ٢٦٠) وإسناده قوي.","vol":"4","page":1965},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>٣٦ - أبو سفيان بن حرب ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو سفيان القرشي الأموي مشهور باسمه وكنيته وكان يكنى أيضًا أبا حنظلة، وأمه صفية بنت حرب الهلالية عمة ميمونة زوج النبي ﵌ وكان أسن من النبي ﵌ بعشر سنين وقيل غير ذلك بحسب الاختلاف في سنة موته وهو والد معاوية، أسلم عام الفتح وشهد حنينًا والطائف كان من المؤلفة وكان قبل ذلك رأس المشركين يوم أحد ويوم الأحزاب ويقال إن النبي ﵌ استعمله على نجران ولا يثبت، قال الواقدي: أصحابنا ينكرون ذلك ويقولون كان أبو سفيان بمكة وقت وفاة النبي ﵌، وكان عاملها حينئذ عمرو بن حزم وذكر ابن إسحاق أن النبي ﵌ وجهه إلى مناة فهدمها وتزوج النبي ﵌ ابنته أم حبيبة قبل أن يسلم وكانت أسلمت قديمًا وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة فمات هناك. وقد روى أبو سفيان عن النبي ﵌، وروى عنه ابن عباس وقيس بن حازم وابنه معاوية وعن ثابت البناني إنما قال النبي ﵌ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن لأن النبي ﵌ كان إذا أوى بمكة دخل دار أبي سفيان، رواه ابن سعد وروى ابن سعد أيضًا بإسناد صحيح عن عكرمة أن النبي ﵌ أهدى إلى أبي سفيان بن حرب تمر عجوة وكتب إليه يستهديه أدمًا (١) مع عمرو بن أمية فنزل عمرو على إحدى امرأتي أبي سفيان فقامت دونه وقبل أبو سفيان الهدية وأهدى إليه أدمًا. وروى ابن سعد من طريق أبي السفر قال: لما رأى أبو سفيان الناس يطؤون عقب رسول الله ﵌ حسده فقال في نفسه: لو عاودت الجمع لهذا الرجل فضرب رسول الله ﵌ في صدره ثم قال: إذا يخزيك الله، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه والله ما تفوهت به إلا شيء حدثت به نفسي. ومن طريق أبي إسحاق السبيعي نحوه وقال: ما أيقنت أنك رسول الله حتى الساعة. ومن طريق\n_________\n(١) أدمًا: جلودًا.","vol":"4","page":1966},{"text":"عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قال أبو سفيان في نفسه: ما أدري بم يغلبنا محمد؟ فضرب في ظهره وقال: بالله نغلبك فقال: أشهد أنك رسول الله. وروى الزبير بن بكار من طريق إسحاق بن يحيى عن أبي الهيثم عمن أخبره أنه سمع أبا سفيان بن حرب يمازح رسول الله ﵌ في بيت بنته أم حبيبة ويقول: والله إن هو إلا أن تركتك فتركتك العرب إن انتطحت فيك جماء (١) ولا ذات قرن، ورسول الله ﵌ يضحك ويقول: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة. وروى الزبير من طريق سعيد بن عبيد الثقفي قال: رميت أبا سفيان يوم الطائف فأصبت عينه فأتى النبي ﵌ فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل الله، قال: إن شئت دعوت فردت عليك وإن شئت فالجنة، قال: الجنة. وروى يعقوب بن سفيان وابن سعد بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل يقول: يا نصر الله اقترب، قال فنظرت فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يريد ويقال: فقئت عينه يومئذ. وروى البغوي بإسناد صحيح عن أنس أن أبا سفيان دخل على عثمان بعد ما عمي وغلامه يقوده.\nقال علي بن المديني: مات لست خلون من خلافة عثمان، وقال الهيثم: لتسع خلون، وقال الزبير: في آخر خلافة عثمان، وقال المدائني: مات سنة أربع وثلاثين، وقيل مات أبو سفيان سنة إحدى، وقيل اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، وقيل مات سنة أربع وثلاثين. قيل عاش ثلاثًا وتسعين سنة، وقال الواقدي وهو ابن ثمان وثمانين وقيل غير ذلك. اهـ ابن حجر.\nوقال الذهبي عنه: رأس قريش وقائدهم يوم أحد ويوم الخندق. وله هنات وأمور صعبة، لكن تدراكه الله بالإسلام يوم الفتح فأسلم شبه مكره خائف. ثم بعد أيام صلح إسلامه.\nوكان من دهاة العرب ومن أهل الرأي والشرف فيهم، فشهد حنينًا وأعطاه صهره رسول\n_________\n(١) جماء: الشاة لا قرون لها.","vol":"4","page":1967},{"text":"الله ﷺ من الغنائم مئة من الإبل، وأربعين أوقية من الدراهم يتألفه بذلك. ففرغ من عبادة \"هبل\" ومال إلى الإسلام.\nوشهد قتال الطائف، فقلعت عينه حينئذ، ثم قلعت الأخرى يوم اليرموك، وكان يومئذ قد حسن إن شاء الله إيمانه، فإنه كان يومئذ يحرض على الجهاد. وكان تحت راية ولده يزيد، فكان يصيح: يا نصر الله اقترب. وكان يقف على الكراديس (١) يذكر، ويقول: الله الله، إنكم أنصار الإسلام ودارة العرب (٢)، وهؤلاء أنصار الشرك ودارة الروم؛ اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك.\nفإن صح هذا عنه، فإنه يغبط بذلك. ولا ريب أن حديثه عن هرقل وكتاب النبي ﷺ يدل على إيمانه، ولله الحمد.\nوكان أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين. وعاش بعده عشرين سنة: وكان عمر يحترمه؛ وذلك لأنه كان كبير بني أمية.\nوكان حمو النبي ﷺ. وما مات حتى رأى ولديه: يزيد، ثم معاوية أميرين على دمشق.\nوكان يحب الرياسة والذكر، وكان له سورة (٣) كبيرة في خلافة ابن عمه عثمان.\nتوفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين: وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث أو أربع وثلاثين، وله نحو التسعين. اهـ ذهبي.\n* * *\n_________\n(١) الكراديس: كتائب الخيل.\n(٢) دارة العرب: أي: أرضها الطيبة النبات.\n(٣) سورة: منزلة.","vol":"4","page":1968},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>٣٧ - معاوية بن أبي سفيان ﵄</span>\nقال ابن حجر: معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير المؤمنين، ولد قبل البعثة بخمس سنين وقيل بسبع وقيل بثلاث عشرة والأول أشهر، وحكى الواقدي أنه أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح وأنه كان في عمرة القضاء مسلمًا، وهذا يعارضه ما ثبت في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في العمرة في أشهر الحج فعلناها وهذا يومئذ كافر، ويحتمل إن ثبت الأول أن يكون سعد أطلق ذلك بحسب ما استصحب من حاله ولم يطلع على أنه كان أسلم لإخفائه لإسلامه، وقد أخرج أحمد من طريق محمد بن علي بن الحسين عن ابن عباس أن معاوية قال: قصرت عن رسول الله ﵌ عند المروة، وأصل الحديث في البخاري من طريق طاوس عن ابن عباس بلفظ: قصرت بمشقص ولم يذكر المروة، وذكر المروة يعين أنه كان معتمرًا لأنه كان في حجة الوداع حلق بمنى كما ثبت في الصحيحين عن أنس، وأخرج البغوي من طريق محمد بن سلام الجمحي عن أبان بن عثمان كان معاوية بمنى وهو غلام مع أمه إذ عثر فقالت: قم لا رفعك الله، فقال لها أعرابي: لم تقولين له هذا والله إني لأراه ليسود قومه، فقالت: لا رفعه الله إن لم يسد إلا قومه قال أبو نعيم: كان من الكتبة الحسبة الفصحاء حليمًا وقورًا. وعن خالد بن معدان: كان طويلًا أبيض أجلح، وصحب النبي ﵌ وكتب له.\nعن معاوية قال: اتبعت رسول الله ﵌ بوضوء فلما توضأ نظر إلي فقال: \"يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل\" فما زلت أظن أني مبتلي بعمل، سويد فيه مقال وقد أخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر.\nقال ابن عباس: ما رأيت أحدًا أحلى للملك من معاوية. وقال البغوي [بسنده]: كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب، وذكر ابن سعد عن المدائني قال: نظر أبو سفيان إلى معاوية وهو غلام فقال: إن ابني هذا لعظيم الرأس وإنه لخليق أن يسود قومه، فقالت هند: قومه فقط ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة. وقال المدائني: كان زيد","vol":"4","page":1969},{"text":"ابن ثابت يكتب الوحي وكان معاوية يكتب للنبي ﵌ فيما بينه وبين العرب وفي مسند أحمد وأصله في مسلم عن ابن عباس قال قال لي النبي ﵌: \"ادع لي معاوية\" وكان كاتبه.\nوقال ابن المبارك في كتاب الزهد عن أسلم مولى عمر قال: قدم علينا معاوية وهو أبض الناس وأجملهم فخرج إلى الحج مع عمر بن الخطاب، وكان عمر ينظر إليه فيتعجب منه ثم يضع أصبعه على جبينه ثم يرفعها عن مثل الشراك فيقول: بخ بخ إذا نحن خير الناس أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين سأحدثك أنا بأرض الحمامات والريف ... فقال عمر: سأحدثك ما بك إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصحبك حتى تضرب الشمس متنيك وذوو الحاجات وراء الباب، قال: حتى جئنا ذا طوى فأخرج معاوية حلة فلبسها فوجد عمر منها ريحًا كأنه ريح طيب فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجًا تفلًا حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما، فقال له معاوية: إنما لبستهما لأدخل بهما على عشيرتي يا عمر: والله لقد بلغني أذاك ههنا وبالشام فالله يعلم أن لقد عرفت الحياء في عمر فنزع معاوية الثوبين ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما وهذا سند قوي.\nوأخرج ابن سعد [بسنده] قال: دخل معاوية على عمر بن الخطاب وعليه حلة خضراء فنظر إليه الصحابة فلما رأى ذلك عمر قام ومعه الدرة فجعل ضربًا بمعاوية ومعاوية يقول: الله الله يا أمير المؤمنين فيم فيم، فلم يكلمه حتى رجع فجلس في مجلسه فقالوا له: لم ضربت الفتى وما في قومك مثله؟ فقال: ما رأيت إلى خيرًا وما بلغني إلا خير، ولكني رأيته وأشار بيده يعني إلى فوق فأردت أن أضع منه.\nوقال ابن أبي الدنيا: قال عمر إياكم والفرقة بعدي فإن فعلتم فاعلموا أن معاوية بالشام فإذا وكلتم إلي رأيكم كيف يستبزها منكم.\nمات معاوية في رجب سنة ستين على الصحيح. وسنة بضع وسبعون إلى الثمانين اهـ. ابن حجر.","vol":"4","page":1970},{"text":"وقال ابن كثير: أسلم هو وأبوه وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح. وقد روى عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكني كتمت إسلامي من أبي إلى يوم الفتح، وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، وآلت إليه رياسة قريش بعد يوم بدر، فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب، وكان رئيسًا مطاعًا ذا مال جزيل، ولما أسلم قال: يا رسول الله مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: \"نعم\" قال ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: \"نعم\" ثم سأل أن يزوج رسول الله ﷺ بابنته، وهي عزة بنت أبي سفيان واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، وبين رسول الله ﷺ أن ذلك لا يحل له.\nوالمقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ مع غيره من كتاب الوحي ﵃. ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، وأقره على ذلك عثمان بن عفان وزاده بلادًا أخرى، وهو الذي بنى القبة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة، قاله الحافظ ابن عساكر. ولما ولي علي بن أبي طالب الخلافة أشار عليه كثير من أمرائه ممن باشر قتل عثمان أن يعزل معاوية عن الشام ويولي عليها سهل بن حنيف، فعزله فلم ينتظم عزله والتف عليه جماعة من أهل الشام ومانع عليها عنها وقد قال: لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلومًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١).\nوروى الطبراني عن ابن عباس أنه قال ما زلت موقنًا أن معاوية يلي الملك من هذه الآية فلما امتنع معاوية من البيعة لعلي حتى يسلمه القتلة، كان من صفين ما قدمنا ذكره، ثم آل الأمر إلى التحكيم.\nأقول: هناك روايات مشهورة فيما توصل إليه الحكمان والتحقيق أن هذه الروايات المشهورة لا تمثل الحقيقة. وعلى كل الأحوال فقد ترتب على هذا التحكيم ضعف وضع علي وقوة معاوية، فالتحقيق أنهما اتفقا على تولية غير علي ومعاوية ولكن الأمر لم يتم.\n_________\n(١) الإسراء: ٣٣.","vol":"4","page":1971},{"text":"ثم قال ابن كثير: واستفحل أمر معاوية، ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي، وبايع أهل الشام لمعاوية بن أبي سفيان، ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير إرادة منه، وركب معاوية في أهل الشام، فلما تواجه الجيشان وتقابل الفريقان سعى الناس بينهما في الصلح، فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة -أعني سنة إحدى وأربعين- ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس -واستوثقه له الممالك شرقًا وغربًا، وبعدًا وقربًا، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولي معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد، ثم بعده لأبي إدريس الخولاني، وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي، ويقال إنه أول من اتخذ الحرس وأول من حزم الكتب وختمها، اهـ. ابن كثير.\nقال الذهبي في ترجمته: أمير المؤمنين، ملك الإسلام، أبو عبيد الرحمن، القرشي الأموي المكي، وأمه هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. قيل: إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، ولكن ما ظهر إسلامه إلا يوم الفتح، ذكر ابن أبي الدنيا وغيره أن معاوية كان طويلًا، أبيض، جميلًا إذا ضحك انقلبت شفته العليا، وكان يخضب.\nوخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإما قد ولدوا في الشام على حبه، وتربي أولادهم على ذلك، وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة، وعدد كبير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النصب (١)، نعوذ بالله من الهوى، كما قد نشأ جيش علي ﵁، ورعيته -إلا الخوارج منهم- على حبه والقيام معه، وبغض من بغى عليه والتبري منهم، وغلا خلق منهم في التشيع، فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم، لا يكاد يشاهد فيه إلا غالبًا في\n_________\n(١) النصب: عداوة أهل البيت النبوي الشريف.","vol":"4","page":1972},{"text":"الحب، مفرطًا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمانٍ قد انمحص فيه الحق، واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحدٍ من الطائفتين، وتبصرنا، فعذرنا، استغفرنا، وأحببنا باقتصاد، وترحمنا على البغاة بتأويلٍ سائع في الجملة، أو بخطأ إن شاء الله مغفورٍ، وقلنا كما علمنا الله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) وترضينا أيضًا عمن اعتزل الفريقين، كسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسعيد بن زيد، وخلق. وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليًا، وكفروا الفريقين، فالخوارج كلاب النار، وقد مرقوا من الدين، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار، كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان.\nقلت: [الذهبي] حسبك بمن يؤمره عمر، ثم عثمان على إقليم -وهو ثغر- فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك. وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيرًا منه بكثير وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد، وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه، ورأيه. وله هنات وأمور، والله الموعد.\nوكان محببًا إلى رعيته. عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك.\nعن إسماعيل بن أمية: أن عمر أفرد معاوية بالشام، ورزقه في الشهر ثمانين دينارًا. والمحفوظ أن الذي أفرد معاوية بالشام عثمان.\nوفي أول صفر شبت الحرب، وقتل خلق، وضجروا، فرفع أهل الشام المصاحف، وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه، وكان ذلك مكيدة من عمرو بن العاص،\n_________\n(١) الحشر: ١٠.","vol":"4","page":1973},{"text":"فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتابًا على أن يوافوا أذرح (١). ويحكموا حكمين.\nقال: فلم يقع اتفاق. ورجع علي إلى الكوفة بالدغل (٢) من أصحابه والاختلاف، فخرج منهم الخوارج، وأنكروا تحكيمه، وقالوا: لا حكم إلا لله. ورجع معاوية بالألفة والاجتماع، وبايعه أهل الشام بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمانٍ وثلاثين. فكان يبعث الغارات، فيقتلون من كان في طاعة علي، أو من أعان على قتل عثمان، وبعث بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن يستعرض الناس، فقتل باليمن عبد الرحمن وقثما ولدي عبيد الله بن عباس، ثم استشهد علي في رمضان سنة أربعين.\nوصالح الحسن بن علي معاوية، وبايعه، وسمي عام الجماعة، فاستعمل معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كريز، وعلى المدينة أخاه عتبة ثم مروان، وعلى مصر عمرو بن العاص، وحج بالناس سنة خمسين، وكان على قضائه بالشام فضالة بن عبيد.\nثم اعتمر سنة ستٍ وخمسين في رجب، وكان بينه وبين الحسين، وابن عمر، وابن الزبير، وابن أبي بكر، كلام في بيعة العهد ليزيد، ثم قال: إني متكلم بكلام، فلا تردوا على أقتلكم، فخطب، وأظهر أنهم قد بايعوا، وسكتوا ولم ينكروا، ورحل على هذا وادعى زيادًا أنه أخوه، فولاه الكوفة بعد المغيرة، فكتب إليه في حجر بن عدي وأصحابه، وحملهم إليه، فقتلهم بمرج عذراء ثم ضم الكوفة والبصرة إلى زياد، فمات، فولاهما ابنه عبيد الله بن زياد. ا. هـ الذهبي.\n٢١٢١ - * روى مسلم عن أبي عثمان: قال: لما ادعى زياد، لقيت أبا بكرة، فقلت له: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول الله ﷺ وهو يقول: \"من ادعى أبًا في الإسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه\n_________\n(١) أذرح: اسم بلد في أطراف الشام من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز.\n(٢) الدغل: الفساد.\n٢١٢١ - مسلم (١/ ٨٠) ١ - كتاب الإيمان ٢٧ - باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم.","vol":"4","page":1974},{"text":"حرام\"؛ فقال أبو بكر: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ.\nقال الحافظ: والمراد بزياد الذي ادعي: زياد بن سمية وهي أمه، كانت أمة للحارث ابن كلدة وهو زوجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، فلما كان في خلافة عمر، سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد عند عمر، وكان بليغًا فأعجبه، فقال: إني لأعرف من وضعه في أمه، ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، فلما ولي معاوية الخلافة، كان زياد على فارس من قبل علي، فأراد مدراراته، فأطعمه في أنه يلحقه بأبي سفيان، فأصغى زياد إلى ذلك، فجرت في ذلك خطوب إلى أن ادعاه معاوية، فأمره على البصرة، ثم على الكوفة، وأكرمه، وسار زياد سيرته المشهورة، وسياسته المذكورة، فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية محتجين بحديث \"الولد للفراش\".\nوأما حديث حجر بن عدي فعن ابن سيرين أن زيادًا أطال الخطبة، فقال حجر بن عدي: الطلاق، فمضى في خطبته، فقال له: الصلاة وضرب بيده إلى الحصى، وضرب الناس بأيديهم إلى الحصى، فنزل، فصلى، ثم كتب فيه إلى معاوية، فكتب معاوية: أن سرح به إلي، فسرحه إليه، فلما قدم عليه، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال: وأمير المؤمنين أنا؟ إني لا أقيلك ولا أستقيلك، فأمر بقتله، فلما انطلقوا به، طلب منهم أن يأذنوا له، فيصلي ركعتين، فأذنوا له. فصلى ركعتين، ثم قال: لا تطلقوا عني حديدًا ولا تغسلوا عني دمًا. وادفنوني في ثيابي، فإني مخاصم، قال: فقتل (١).\nوذكر الذهبي في السير (٢) عن يعلى بن عبيد عن أبيه، قال: جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمه، والطالب بدمه، فائتوه، فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له. فأتوا عليًا،\n_________\n(١) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٩) وذكره الطبري وابن الأثير وابن كثير وتاريخ الإسلام وتاريخ خليفة.\n(٢) السير (٣/ ١٤٠) ورجاله ثقات وذكره ابن كثير في البداية والنهائية (٨/ ١٢٩).","vol":"4","page":1975},{"text":"فكلموه، فلم يدفعهم إليه.\nوذكر الذهبي في السير (١) عن أنس قال: تعاهد ثلاثة من أهل العراق على قتل معاوية، وعمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة. وأقبلوا بعد بيعة معاوية بالخلافة حتى قدموا إيلياء، فصلوا من السحر في المسجد، فلما خرج معاوية لصلاة الفجر، كبر، فلما سجد انبطح أحدهم على ظهر الحرسي الساجد بينه وبين معاوية حتى طعن معاوية في مأكمته فانصرف معاوية، وقال: أتموا صلاتكم، وأمسك الرجل، فقال الطبيب: إن لم يكن الخنجر مسمومًا، فلا بأس عليك. فأعد الطبيب عقاقيره، ثم لحس الخنجر، فلم يجده مسمومًا، فكبر، وكبر من عنده وقيل: ليس بأمير المؤمنين بأس.\nقال الذهبي: هذه المرة غير المرة التي جرح فيها وقتما قتل علي ﵁. فإن تلك فلق أليته وسقي أدوية خلصته من السم، لكن قطع نسله.\nقال الذهبي: قتل بين الفريقين [يعني في صفين] نحو من ستين ألفًا. وقيل: سبعون ألفًا وقتل عمار مع علي، وتبين للناس قول رسول الله ﷺ: \"تقتله الفئة الباغية\" ا. هـ.\n٢١٢٢ - * روى البخاري عن عكرمة قال لي ابن عباسٍ ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيدٍ فاسمعا من حديثه. فانطلقنا، فإذا هو حائطٍ يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: \"كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين. فرآه النبي ﷺ، فينفض التراب عنه ويقول: \"ويح عمارٍ تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار\" قال يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.\nقال الشيخ شعيب: وهو حديث صحيح مشهور بل متواتر، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنما قتله الذين جاؤوا به، كما في [المسند] بسند صحيح، فأجابه علي ﵁ بأن رسول الله ﷺ إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا منه ﵁ إلزام\n_________\n(١) السير (٣/ ١٤٣) ورجاله ثقات.\nإيلياء: اسم مدينة بيت المقدس. مأكمته: عجيزته. أليته: العجيزة.\n٢١٢٢ - البخاري (١/ ٥٤١) ٨ - كتاب الصلاة -٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد.","vol":"4","page":1976},{"text":"مفحم لا جواب عنه. وحجة لا اعترض عليها.\nوما ذهب إليه الذهبي من كون طائفة معاوية هي الباغية هو مذهب فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي، وغيرهم كما قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب \"الإمامة\". نقله عنه المناوي في \"فيض القدير\".\nقال الذهبي: وتسلم معاوية الخلافة في آخر ربيع الآخر، وسمي عام الجماعة لاجتماعهم على إمام، وهو عام أحد وأربعين.\nوقال ابن إسحاق: بويع معاوية بالخلافة في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين لما دخل الكوفة.\nوقال أبو معشر: بايعه الحسن بأذرح في جمادى الأولى، وهو عام الجماعة. اهـ.\nذكر الذهبي في السير (١) عن القاسم بن محمد؛ أن معاوية لما قدم المدينة حاجًا، دخل على عائشة، فلم يشهد كلامهما إلا ذكوان مولاها، فقالت له: أمنت أن أخبأ لك رجلًا يقتلك بأخي محمد؟ قال: صدقت. ثم وعظته، وحضته على الاتباع، فلما خرج، اتكأ على ذكوان، وقال: والله ما سمعت خطيبًا -ليس رسول الله ﷺ- أبلغ من عائشة.\n٢١٢٣ - * روى أحمد عن سعيد بن المسيب أن معاوية دخل على عائشة، فقالت له: أما خفت أن أقعد لك رجلًا، فيقتلك؟ فقال؟: ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان، وقد سمعت النبي ﷺ يقول: \"الإيمان قيد الفتك\".\n_________\n(١) السير (٣/ ١٤٧) ورجاله ثقات.\n٢١٢٣ - أحمد في مسنده (٤/ ٩٢) وللمرفوع منه شاهد من حديث الزبير عند أحمد وعبد الرزاق، وآخر من حديث أبي هريرة عند أبي داود فالحديث صحيح. قال أبو عبيد: الفتك: أن يأتي الرجل الرجل وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله، وقوله: \"الإيمان قيد الفتك\" أي أن الإيمان يمنع القتل كما يمنع القيد عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيدًا.","vol":"4","page":1977},{"text":"ذكر الذهبي في السير (١) عن عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: يا مسور ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعنا من هذا وأحسن. قال: لا والله، لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي. قال مسور: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينت له. فقال: لا أبرأ من الذنب. فهل تعد لنا يا مسور مانلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشرة أمثالها، أم تعد الذنوب، وتترك الإحسان؟ قال: ما تذكر إلا الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنبٍ أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره، إلا اخترت الله على ما سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها. قال: فخصمني. قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه [ترحم عليه].\nعن كريب مولى ابن عباس: أنه رأى معاوية صلى العشاء، ثم أوتر بركعة واحدة لم يزد، فأخبر ابن عباس، فقال: أصاب. أي بني ليس أحد منا أعلم من معاوية. هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر (٢).\nوذكر الذهبي في السير (٣) عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل عثمان، ووقع الاختلاف، لم يكن للناس غزو حتى اجتمعوا على معاوية، فأغزاهم مراتٍ. ثم أغزى ابنه في جماعة من الصحابة برًا وبحرًا حتى أجاز بهم الخليج، وقاتوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل.\nقال الذهبي: قال الزبير بن بكار: كان معاوية أول من اتخذ الديوان للختم، وأمر بالنيروز والمهرجان، واتخذ المقاصير في الجامع، وأول من قتل مسلمًا صبرًا [يعني حجر بن عدي وأصحابه] وأول من قام على رأسه حرس، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وأول\n_________\n(١) السير (٣/ ١٥٠) ورجاله ثقات، وأخرجه عبد الرزاق بنحوه في مصنفه (١١/ ٣٤٤).\n(٢) مسند الشافعي (١/ ١٠٨) ورجاله ثقات.\n(٣) السير (٣/ ١٥٠) وأخرجه أبو زرعة في تاريخ دمشق (١/ ١٨٨، ٣٤٦).","vol":"4","page":1978},{"text":"من اتخذ الخدام الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، وكان يقول: أنا أول الملوك.\nقلت: نعم. فقد روى سفينة عن رسول الله ﷺ، قال: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة. ثم تكون ملكًا\". فانقضت خلافة النبوة ثلاثين عامًا، وولي معاوية، فبالغ في التجمل والهيئة، وقل أن بلغ سلطان إلى رتبته، وليته لم يعهد بالأمر إلى ابنه يزيد، وترك الأمة من اختياره لهم.\nومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم، وما هو برئ من الهنات، والله يعفو عنه.\nقال أبو مسهر: صلى الضحاك بن قيس الفهري على معاوية، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير فيما بلغني. اهـ.\nقال الشيخ شعيب: (دخل قبره اليوم في مقبرة الباب الصغير إحدى مقابر دمشق وهو ما زال معروفًا ثمة، وقد جدد بناؤه في السنوات الأخيرة).\n٢١٢٤ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا\" قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين وعمر عشر، وعثمان ثنتي عشرة، وعلي ست. قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليًا ﵇ لم يكن بخليفة، قال: كذبت أستاه بني الزرقاء. يعني مروان.\n٢١٢٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كنت ألعب مع\n_________\n٢١٢٤ - أحمد في مسنده (٥/ ٢٢٠)\nوأبو داود (٤/ ٣١١) كتاب السنة، باب في الخلفاء.\nوالترمذي (٤/ ٥٠٣) ٣٤ - كتاب الفتن -٤٨ - باب ما جاء في الخلافة وقال: هذا حديث حسن وسنده حسن.\nوصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.\n٢١٢٥ - مسلم (٤/ ٢٠١٠) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ٢٥ - باب من لعنه النبي ﷺ أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلًا لذلك، كان له زكاة وأجرا ورحمة.=","vol":"4","page":1979},{"text":"الصبيان، فجاء رسول الله صلى الله عليه سلم، فتواريت خلف بابٍ، قال: فجاء فحطاني خطاة، وقال: \"اذهب، وادع لي معاوية\" قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، ثم قال لي: \"اذهب، فادع لي معاوية\" قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، فقال: \"لا أشبع الله بطنه\" قال ابن المثنى: فقلت: لأمية: ما حطأني؟ قال: قفدني قفدة\".\nقال الإمام النووي في شرح حديث: اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة. وفي رواية إني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورًا وزكاة وقربة، قال: هذه الأحاديث مبينة ما كان عليه ﷺ من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم وهذه الرواية المذكورة آخرًا تبين المراد بباقي الروايات المطلقة وأنه إنما يكون دعاؤه عليه رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك إذا لم يكن أهلًا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلمًا وإلا فقد دعا ﷺ على الكفار والمنافقين ولم يكن ذلك لهم رحمة، فإن قيل كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب ما أجاب به العلماء ومختصره وجهان: أحدهما: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلًا لذلك وهو ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلًا لذلك وهو ﷺ مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، والثاني: أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله تربت يمينك وعقري حلقي وفي هذا الحديث لا كبرت سنك وفي حديث معاوية لا أشبع الله بطنه ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء فخاف ﷺ أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه ﷾ ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورًا وأجرًا وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان ولم يكن ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا ولا لعانًا ولا منتقمًا لنفسه. اهـ.\n_________\n= فحطأني: الحطء بالهمز: الدفع بوسط الكف بين الكتفين، وقد جاء في الحديث غير مهموز، وهو أن تحرك الشيء وتزعزعه.\nقعدني: القفد: صفع الرأس ببسط الكف من قبل القفا، تقول: قفدته قفدًا.","vol":"4","page":1980},{"text":"٢١٢٦ - * روى الطبراني عن قيس يعني ابن أبي حازم -قال: قال معاوية لأخيه: ارتدف فأبى، فقال: بئس ما أدبت فقال أبو سفيان: دع أخاك ...\n٢١٢٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو: أن معاوية كان يكتب بين يدي رسول الله ﷺ.\n٢١٢٨ - * روى البخاري عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنظف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء. قالت: الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب. فلما تفرق الناس خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت.\n٢١٢٩ - * روى الطبراني عن إسحاق بن يسار قال: رأيت معاوية بالأبطح أبيض الرأس واللحية.\n٢١٣٠ - * روى الطبراني عن خالد بن معدان قال: كان معاوية طويلًا أبيض أجلح.\n_________\n٢١٢٦ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٨): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n٢١٢٧ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٧): رواه الطبراني وإسناده حسن.\n٢١٢٨ - البخاري (٧/ ٤٠٣) ٦٤ - كتاب المغازي -٢٩ - باب غزوة الخندق وهي الأحزاب.\nنوساتها تنظف: ذوائبها تقنطر ماء.\n٢١٢٩ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٥): رواه الطبراني وإسناده حسن.\n٢١٣٠ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٥): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير صالح بن صفوان وهو ثقة.","vol":"4","page":1981},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>٣٨ - عباد بن بشر ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته: عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل ... ذكره عقبة فيمن شهد بدرًا قال: واستشهد باليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكان ممن قتل كعب بن الأشرف وقال في ذلك شعرًا ...\nوفي الصحيح (١) عن عائشة أن النبي ﵌ سمع صوت عباد بن بشر فقال: \"اللهم ارحم عبادًا\". الحديث وله ذكر في الصحيح (٢) من حديث أنس أن عباد ابن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة فأضاءت عصا أحدهما فلما افترقا أضاءت عصا كل واحد منهما. اهـ.\nوقال الذهبي في ترجمته: الإمام أبو الربيع الأنصاري الأشهلي، أحد البدرين، كان من سادة الأوس، عاش خمسًا وأربعين سنة، وهو الذي أضاءت له عصاته ليلة انقلب إلى منزله من عند رسول الله ﷺ، أسمل على يد مصعب بن عمير، وكان أحد من قتل كعب بن الأشرف اليهودي.\nابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، قال: قالت عائشة: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلًا، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وعباد ابن بشر، وأسيد بن حضير (٣).\nآخى النبي ﷺ، بينه وبين أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة.\nوري بإسناد ضعيف عن أبي سعيد الخدري: سمع عباد بن بشر يقول: رأيت الليلة كأن السماء فرجت لي، ثم أطبقت علي، فهي إن شاء الله الشهادة.\nعن عائشة قال: تهجد رسول الله ﷺ في بيتي، فسمع صوت عباد بن بشر، فقال:\n_________\n(١) البخاري مطولًا (٥/ ٢٦٤) ٥٢ - كتاب الشهادات -١١ - باب شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته.\n(٢) البخاري (٧/ ١٢٥) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٣ - باب منقبة أسيد بن حضير وعباد بن شر.\n(٣) المستدرك (٣/ ٢٢٩) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":1982},{"text":"\"يا عائشة! هذا صوت عباد بن بشر\" قلت: نعم. قال: \"اللهم اغفر له\" (١).\nعباد بن بشر بن قيظي الأشهلي قال ابن الأثير: وقع تخبيط في اسم جده. قال: وإنما هو عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث ابن الخزرج بن الأوس الأوسي. استشهد ﵁ يوم اليمامة.\nأما عباد بن بشر بن قيظي، فهو أنصاري من بني حارثة، أم قومه في عهد النبي ﷺ، له حديث في الاستدارة في الصلاة إلى الكعبة. والله أعلم.\nقال عباد بن عبد الله بن الزبير: ما سماني أبي عبادًا إلا به يعني بالأشهلي، ومن شعره:\nصرخت له فلم يعرض لصوتي ... ووافى طالعًا من رأس جذر\nفعدت له فقال من المنادي ... فقلت أخوك عباد بن بشر\nوهذي درعنا رهنًا فخذها ... لشهرٍ، إن وفى، أو نصف شهر\nفقال: معاشر سغبوا وجاعوا ... وما عدموا الغني من غير فقر\nفأقبل نحونا يهوي سريعًا ... وقال لنا لقد جئتم لأمر\nوفي أيماننا بيض حداد ... مجربة، بها الكفار نفري\nفعانقه ابن مسلمة المردي ... به الكفار كالليث الهزبر\nوشد بسيفه صلتًا عليه ... فقطره أبو عبسٍ بن جبر\nوكان الله سادسنا فأثنا ... بأنعم نعمةٍ وأغز نصر\nواستعمله النبي، ﷺ، على صدقات مزينة، وبني سليم، وجعله على حرسه في غزوة تبوك، وكان كبير القدر ﵁، أبلى يوم اليمامة بلاءً حسنًا، وكان أحد الشجعان الموصوفين.\nنظر يوم اليمامة وهو يصيح: احطموا جفون السيوف. وقاتل حتى قتل بضربات في وجهه، ﵁. اهـ الذهبي.\n* * *\n_________\n(١) البخاري تعليقًا (٥/ ٢٦٤) وقال الحافظ في الفتح: وصله أبو يعلى من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة لكن بلفظ \"اللهم ارحم عبادًا\".","vol":"4","page":1983},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>٣٩ - ضماد ﵁</span>\nقال ابن حجر: ضماد بن ثعلبة الأزدي من أزد شنوءة. وله ذكر في حديث أخرجه مسلم.\nوروى مسدد في مسنده في أوله زيادة قال: وكان ضماد صديقًا للنبي ﵌ وكان يتطيب فخرج يطلب العلم، ثم جاء وقد بعث النبي ﵌ فذكره قال البغوي: لا أعلم لضماد غيره ووقع في الصحابة لابن حبان ضماد الأزدي كان صديقًا للنبي ﵌ كذا رأيته بخط الحافظ أبي علي البكري وكذا قال ابن منده أنه يقال فيه ضماد وضمام. اهـ ابن حجر.\n٢١٣١ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄: أن ضمادًا قدم مكة، وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل، لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد\" قال فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مراتٍ، قال فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، وقد بلغن ناعوس البحر، قال فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه فقال رسول الله ﷺ: \"وعلى قومك؟ \" قال: وعلى قومي؟ فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة. فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضمادٍ.\n_________\n٢١٣١ - مسلم (٢/ ٥٩٣) ٧ - كتاب الجمعة -١٣ - باب تخفيف الصلاة والخطبة.\nمن هذه الريح: المراد بالريح هنا: الجنون ومس الجن.\nناعوس: وردت في النسخ قاموس والأولى أشهر ومعناه: وسطه. وقيل: لجتة وقيل: قعره الأقصى.\nمطهرة: الإدارة أو السطحية.","vol":"4","page":1984},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>٤٠ - عدي بن حاتم ﵁</span>\nقال ابن حجر: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي الطائي ولد الجواد المشهور أبو طريف ... أسلم في سنة تسع وقيل سنة عشر وكان نصرانيًا قبل ذلك وثبت على إسلامه في الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر وشهد فتح العراق ثم سكن الكوفة وشهد صفين مع علي ومات بعد الستين وقد أسن قال خليفة بلغ عشرين ومائة سنة وقال أبو حاتم السجستاني بلغ مائة وثمانين. قال عدي بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء .. وفي الصحيحين أنه سأل النبي ﵌ عن أمور تتعلق بالصيد وفيهما قصة في حمله قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١) على ظاهره وقوله له إنك لعريض الوسادة.\nوروى أحمد والترمذي من طريق عباد بن حبيش الكوفي عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﵌ في المسجد فقال الناس هذا عدي بن حاتم قال: وجئت بغير أمان ولا كتاب وكان قال قبل ذلك: إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي فقام فأخذ بيدي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك حاجة فقام معهما حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى إلى داره فألقت إليه الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه فقال: هل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا. ثم قال: هل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ قلت: لا. قال: فإن اليهود مضغوب عليهم وإن النصارى ضالون.\nوذكر ابن المبارك في الزهد عن ابن عيينة أنه حدث عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: ما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها.\nوكان جوادًا وقد أخرج أحمد عن تميم بن طرفة قال: سأل رجل عدي بن حاتم مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم وأنا ابن حاتم والله لا أعطيك: وسنده صحيح اهـ ابن حجر.\n_________\n(١) البقرة: ١٨٧.","vol":"4","page":1985},{"text":"وقال الذهبي في ترجمته: الشريف، أبو وهب وأبو طريف الطائي، صاحب النبي ﷺ، ولد حاتم طي الذي يضرب بجوده المثل.\nوفد عدي على النبي ﷺ في وسط سنة سبع، فأكرمه واحترمه.\nوكان أحد من قطع برية السماوة مع خالد بن الوليد إلى الشام، وقد وجهه خالد بالأخماس إلى الصديق ... نزل الكوفة مدة ثم قرقيسيا من الجزيرة.\nعن أبي عبيدة بن حذيفة، قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى جنبي لا أتيه، ثم أتيته فسألته، فقال: بعث النبي ﷺ فكرهته، ثم كنت بأرض الروم، فقلت: لو أتيت هذا الرجل، فإن كان صادقًا، تبعته، فلما قدمت المدينة، استشرفني الناس، فقال لي: يا عدي! أسلم تسلم، قلت: إن لي دينًا، قال: أنا أعلم بدينك منك، ألست ترأس قومك؟ قلت: بلى قال: ألست ركوسيًا (١) تأكل المرباع؟ (٢) قلت: بلى. قال: فإن ذلك لا يحل لك في دينك. فتضعضعت لذلك. ثم قال: يا عدي! أسلم تسلم. فأظن ما يمنعك أن تسلم خصاصة تراها بمن حولي، وأنك ترى الناس علينا إلبًا واحدًا. هل أتيت الحيرة؟ قلت: لم آتها، وقد علمت مكانها. قال: توشك الظعينة أن ترتحل من الحيرة بغير جوارٍ حتى تطوف بالبيت، ولتفتحن علينا كنوز كسرى. قلت: كسرى بن هرمز! قال: كسرى بن هرمز، وليفيض المال حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة.\nقال عدي: فلقد رأيت اثنتين، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة، يعني فيض المال (٣).\nقال أبو عبيدة: كان عدي بن حاتم على طيء يوم صفين مع علي.\nوروى سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن سيرين، قال: لما قتل عثمان، قال عدي: لا\n_________\n(١) ركوسيًا: دين بين النصارى والصابئين.\n(٢) المرباع وهو ربع الغنيمة الذي يأخذه الرئيس خالصًا دون أصحابه وذلك حينما تغزو قبيلة الأخرى وتغنم.\n(٣) رواه أحمد في مسنده (٤/ ٢٧٨) وإسناده قوي.","vol":"4","page":1986},{"text":"ينتطح فيها عنزان (١) ففقئت عينه يوم صفين، فقيل له: أما قلت: لا ينتطح فيها عنزان، قال: بلى وتفقأ عيون كثيرة وقيل: قتل ولده يومئذ.\nقال أبو إسحاق: رأيت عديًا رجلًا جسيمًا أعور، يسجد على جدارٍ ارتفاعه نحو ذراع.\nجرير عن مغيرة قال: خرج عدي، وجرير البجلي وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيسيا (٢)، وقالوا: لا تقيم ببلدٍ يشتم فيه عثمان اهـ.\n٢١٣٢ - * روى البخاري عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتينا عمر في وفدٍ، فجعل يدعو رجلًا رجلًا، ويسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عدي: فلا أبالي إذًا.\nوفي رواية أحمد (٢) قال: أتيت عمر بن الخطاب في أناسٍ من قومي، فجعل يفرض للرجل من طيء في ألفين، ويعرض عني، قال: فاستقبلته فأعرض عني، ثم أتيته من حيال وجهه، فأعرض عني، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: فضحك، ثم قال: نعم، والله إني لأعرفك آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى النبي ﷺ، ثم أخذ يعتذر، ثم قال: إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سادة\n_________\n(١) لا ينتطح فيها عنزان، لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان لأن النطاح من شأن التيوس والكباش لا العنوز، فكان عدي. يظن بعد مقتل عثمان أو الناس سيجتمعون على علي دون نزاع ولكن جرى خلاف ما ظن.\n(٢) قرقيسيا: بلد في الشام على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ، وعندها مصب الخابور في الفرات، فهي في مثلث بين الخابور والفرات.\n٢١٣٢ - البخاري (٨/ ١٠٢) ٦٤ - كتاب المغازي -٧٦ - باب قصة وفد طيء.\n(٢) أحمد في مسنده (١/ ٤٥) مسلم بعضه (٤/ ١٩٥٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤٧ - باب من فضائل غفار وأسلم.\nيفرض في ألفين: أي يوجب له هذا المقدار من المال في العطاء.\nحيال الشيء: تلقاؤه وما يواجهه.\nأجحفت: به الحاجة، إذا أفقرته وأذهبت ماله، وجعلته محتاجًا إلى غيره، والفاقة، الفقر والحاجة.=","vol":"4","page":1987},{"text":"عشائرهم، لما ينوبهم من الحقوق، فقال عدي: فلا أبالي إذًا.\nقال الذهبي: قال ابن الكلبي: مات عدي سنة سبعٍ وستين، وله مئة وعشرون سنة.\nوقال ابن سعد: سنة ثمان وستين، وقيل: سنة ست وستين. اهـ.\n* * *\n_________\n= ينويهم: نابهم الأمر: أي طرقهم وعرض لهم، والمراد به: ما يتجدد من الحوادث التي يحتاجون أن ينفقوا فيها.","vol":"4","page":1988},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>٤١ - ثمامة بن أثال ﵁</span>\nقال ابن حجر: ثمامة بن أثال بن النعمان بن سلمة بن عتيبة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة الحنفي أبو أمامة اليمامي .. حديثه في البخاري من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﵌ خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج النبي صلى الله عليه آله وسلم فقال: أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأخرجه أيضًا مطولًا ورواه ابن إسحاق في المغازي عن سعيد المقبري مطولًا وأوله أن ثمامة كان عرض لرسول الله ﵌ فأراد قتله فدعا رسول الله ﵌ ربه أن يمكنه منه فلما أسلم قدم مكة معتمرًا فقال: والذي نفسي بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة وكانت ريف أهل مكة حتى يأذن فيها رسول الله ﵌ ورواه الحميدي عن سفيان عن ابن عجلان عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وذكر أيضًا ابن إسحاق أن ثمامة ثبت على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة وارتحل هو ومن أطاعه من قومه فلحقوا بالعلاء ابن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفر واشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم فرآها عليه ناس من بني قيس بن ثعلبة فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه فقتلوه.\nوروى ابن منده من طريق علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة ومنعه عن قريش الميرة ونزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (١) وإسناده حسن وذكر وثيمة له مقامًا حسنًا في الردة وأنشد له في الإنكار على بني حنيفة أبياتًا منها:\nأهم بترك القول ثم يردني ... إلى القول إنعام النبي محمد\nشكرت له فكي من الغل بعدما ... رأيت خيالًا من حسام مهند\nاهـ. ابن حجر.\n_________\n(١) المؤمنون: ٧٦.","vol":"4","page":1989},{"text":"٢١٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجدٍ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثالٍ. سيد أهل اليمامة، فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد. فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال \"ماذا عندك؟ يا ثمامة! \" فقال: عندي، يا محمد! خير. إن تقتل تقتل ذا دمٍ. وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد. فقال: \"ما عندك؟ يا ثمامة! \" قال: ما قلت لك. إن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد. فقال: \"ماذا عندك؟ يا ثمامة! \" فقال: عندي ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر. وإن تقتل تقتل ذا دمٍ. وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله ﷺ: \"أطلقوا ثمامة\" فانطلق إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد. فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله! ما كان من دينٍ أبغض إلي من دينك. فأصبح دينك أحب الدين كله إلي. والله! ما كان من بلدٍ أبغض إلي من بلدك. فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة. فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ. وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: أصوت؟ فقال: لا. ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ. ولا، والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطةٍ حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ.\nوأخرج النسائي (١) منه طرفًا في غسل الكافر إذا أراد أن يسلم، وهذا لفظه. قال أبو هريرة: إن ثمامة بن أثال الحنفي انطلق إلى نخلٍ قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله،\n_________\n٢١٣٣ - البخاري (٨/ ٨٢) ٦٤ - كتاب المغازي -٧٠ - وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال.\nومسلم (٢/ ١٢٨٦) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير -١٩ - باب ربط الأسير وحبه، وجواز المن عليه.\nإن تقتل تقتل ذا دم: إن تقتل تقتل صاحب دم، لدمه موقع يشتفي بقتله قاتله، ويدرك قاتله به ثأره، أي لرياسته وفضيلته وقيل: تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عليك في قتله.\n(١) النسائي (١/ ١٠٩) كتاب الطهارة، باب تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم.","vol":"4","page":1990},{"text":"يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ، وأمره أن يعتمر.\n* * *","vol":"4","page":1991},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>٤٢ - عمرو بن عبسة السلمي ﵁</span>\nقال ابن حجر: عمرو بن عبسة بن خالد بن عامر بن غاضرة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهتة بن سليم .. وقيل ابن عبسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خالد بن مازن ابن مالك بن ثعلبة بن بهثة. كذا ساق نسبه ابن سعد وتبعه ابن عساكر والأول أصح، وهو الذي قاله خليفة وأبو أحمد الحاكم وغيرهما، السلمي أو نجيح ويقال أبو شعيب قال الواقدي: أسلم قديمًا بمكة ثم رجع إلى بلاده فأقام بها إلى أن هاجر بعد خيبر وقبل الفتح فشهدها قال الواقدي، وزعم أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي في ذكر من نزل حمص من الصحابة عمرو بن عبسة من المهاجرين الأولين شهد بدرًا كذا قال وتبعه عبد الصمد بن سعيد: قال أحمد وذكر بقية أنه نزلها أربعمائة من الصحابة منهم عمرو بن عبسة أو نحيج، قال ابن عساكر كذا قالا ولم يتابعا على شهوده بدرًا ويقال إنه كان أخا أبي ذر لأمه قاله خليفة واسما رملة بنت الوقيعة. أخرج مسلم في صحيحه قصة إسلامه وسؤاله عن أشياء من أمور الصلاة وغيرها، وقد روى عنه ابن مسعود مع تقدمه وأبو أمامة الباهلي وسهل بن سعد ومن التابعين شرحبيل بن السبط وسعدان بن أبي طلحة وسليم بن عامر وعبد الرحمن ابن عامر وجبير بن نفير وأبو سلام وآخرون. قال ابن سعد: كان قبل أن يسلم اعتزل عبادة الأوثان، وأخرج أبو يعلى من طريق لقمان بن عامر عن أبي أمامة من طريق ابن عبسة لقد رأيتني وإني لرابع الإسلام، وفي رواية أبي أحمد الحاكم من هذا الوجه وإني لربع الإسلام.\nوأخرج أبو نعيم عن مولى لكعب قال: انطلقنا مع المقداد بن الأسود وعمرو بن عبسة وشافع بن حبيب الهذلي فخرج عمرو بن عبسة يومًا للرعية فانطلقت نصف النهار لأراه فإذا سحابة قد أظلته ما فيها عنه مفصل فيقظته فقال: إن هذا شيء إن علمت أنك أخبرت به أحدًا لا يكون بيني وبينك خير، قال: فوالله ما أخبرت به حتى مات. وقال الحاكم أبو احمد: قد سكن عمرو بن عبسة الشام ويقال إنه مات بحمص. وأظنه مات في أواخر خلافة عثمان فإنني لم أر له ذكرًا في الفتنة ولا في خلافة معاوية. اهـ.\nقال الذهبي: عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة، الإمام الأمير، أبو نجيح السلمي","vol":"4","page":1992},{"text":"البجلي، أحد السابقين، ومن كان يقال هو ربع الإسلام. وبنو بجيلة رهط من سليم وكان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك.\nنزل عمرو حمص باتفاق. ويقال: شهد بدرًا، وما تباع أحد عبد الصمد بن سعيد، وأحمد بن محمد بن عيسى على ذا (١) اهـ.\nذكر ابن سعد (٢) عن بن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ، وهو نازل بعكاظ، فقلت: من معك؟ قال: «أبو بكر وبلال» فأسلمت. فلقد رأيتني ربع الإسلام.\nوذكر الذهبي في السير (٣) عن عمرو بن عبسة، قال: أسلمت، فقال لي النبي ﷺ: «الحق بقومك» ثم أتينه قبل الفتح.\n٢١٣٤ - * روى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا، حراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: «أنا نبي» فقلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله» فقلت: فبأي شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء» قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: «حر وعبد» قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به، فقلت: إني متبعك، قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت\n_________\n(١) أي على كونه شهد بدرًا، ولفظ الإصابة: وزعم أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي في ذكر من نزل حمص من الصحابة عمرو بن عبسة من المهاجرين الأولين شهد بدرًا. كذا قال، وتبعه عبد الصمد بن سعيد ... قال ابن عساكر: كذا قالا، ولم يتابعا على شهوده بدرًا.\n(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ٢١٥) ونسبه ابن حجر للطبراني وإسناده حسن.\n(٣) السير (٢/ ٤٥٩) وإسناده حسن.\n٢١٣٤ - مسلم (١/ ٥٦٩) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - ٥٢ - باب إسلام عمرو بن عنبسة.\nما أنت: هكذا هو في الأصول ما أنت ولم يقل: من أنت، لأنه سأله عن صفته، ولا عن ذاته، والصفات مما لا يعقل.","vol":"4","page":1993},{"text":"فائتني» فال: ذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخير الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه؛ فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: «نعم، أنت الذي لقيتني بمكة؟» قال: فقلت: بلى. فقلت: يا رسول الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله أخبرني عن الصلاة؟ قال: «صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالمرح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهم، فإذا فاء الفي فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار».\nقال فقلت: يا نبي الله فالوضوء؟ حدثني عنه. قال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه، كما أمره الله تعالى، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خَرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من\n_________\n= مشهودة: تشهدها الملائكة ويحضرونها.\nيستقل الظل بالرمح: استقلال الظل بالرمح: كناية عن وقت الظهر، وهو أن يصير الظل مثل ذي الظل.\nتسجر: سجرت النار، إذا أوقدنها.\nقرني شيطان: قرنا الشيطان: كناية عن جني رأسه، وقيل: هو مثل: معناه: أنه في هذا الوقت يتحرك الشيطان فيتسلط، وقيل: القرن: القوة.\nفاء: الفيء: أي رجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق.\nمجدة: التمجيد: التعظيم، والمجيد: الكريم الشريف.","vol":"4","page":1994},{"text":"خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه».\nفحدث عمرو بت عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول. في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا إمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله ولا على رسوله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا - حتى عد سبع مرات - ما حدثت به أبدًا، ولكني سمعته أكثر من ذلك.\nقال الذهبي: لم يؤرخوا موته، لعله مات بعد سنة ستين. فالله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":1995},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>٤٣ - خباب بن الأرتِّ ﵁</span>\nقال ابن حجر: خباث بن الأرت بتشديد المثناه بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي ويقال الخزاعي أبو عبد الله .. سبي في الجاهلية فبيع بمكة مولى أم أنمار الخزاعية وقيل غير ذلك، ثم حالف بني زهرة، وكان من السابقين الأولين. قال ابن سعد: بيع بمكة ثم حالف بني زهرة وأسلم قديمًا وكان من المستضعفين. وروى البارودي أنه أسلم سادس ستة وهو أول من أظهر إسلامه وعذب عذابًا شديدًا لأجل ذلك. وقال الطبري: إنما انتسب في بني زهرة لأن آل سباع حلفاء عمرو بن عوف بن الحارث بن زهرة وآل سباع منهم سباع بن أم أنمار الخزاعية ثم شهد المشاهد كلها، آخى رسول الله ﵌ بينه وبين حبر بن عتيك. روى عن النبي ﵌.\nروى الطبراني من طريق زيد بن وهب قال: لما رجع علي من صفين مر بقبر خباب فقال: رحم الله خبابًا أسلم راغبًا وهاجر طائعًا وعاش مجاهدًا وابتلي في جسمه أحوالًا ولن يضيع الله أجره وشهد خباب بدرًا وما بعدها ونزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين، زاد ابن حبان منصرف على من صفين وصلى عليه علي، وقال مات سنة تسع عشرة والأول أصح وكان يعمل السيوف في الجاهلية ثبت ذلك في الصحيحين وثبت فيهما أيضا أنه تمول وأنه مرض مرضًا شديدًا حتى كاد أن يتمنى الموت روى مسلم من طريق قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى فقال: لولا أن رسول الله عليه وآله وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ويقال إنه أول من دفن بظهر الكوفة ذلك الطبري بسند له إلى علقمة بن قيس النخعي عن ابن البخاب قال وعاش ثلاثًا وستين سنة. اهـ.\nقال الذهبي في ترجمته: من نجباء السابقين. له عدة أحاديث. وقيل: كنيته أبو عبد الله، شهد بدرًا، والمشاهد.\nقال منصور، عن مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وخباب، وبلال، وصهيب، وعمار.","vol":"4","page":1996},{"text":"وأما ابن إسحاق، فذكر إسلام خباب بعد تسعة عشر إنسانًا، وأنه كمل العشرين. اهـ.\n٢١٣٥ - * روى ابن ماجه وابن سعد عن أبي ليلى الكندي، قال: قال عمر لخباب: ادنه، فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار. قال: فجعل يريه بظهره شيئًا يعني من آثار تعذيب قريش له.\n٢١٣ - * روى البخاري وابن سعد عن خباب، قال: كنت فينًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حق تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. فقال: إذا بعثت كان لي مال، فسوف أقضيك. فقلت ذلك لرسول الله ﷺ. فأنزلت: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) (١).\nقال الذهبي: لخباب - بالمكرر - اثنان وثلاثون حديثًا ومنها: ثلاثة في الصحيحين وانفرد له البخاري بحديثين ومسلم بحديث. اهـ الذهبي.\n٢١٣٧ - * روى البخاري عن علقمة بن قيس النخعي ﵀ قال: كنا جلوسًا مع ابن مسعود، فجاء خباب، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ؟ قال: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك، قال: أجل، قال: اقرأ يا علقمة، فقال زيد بن حدير - أخو زياد بن حدير -: أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ فقال: أما إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي ﷺ في قومك وقومه، فقرأت خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد الله: كيف ترى؟ قال: قد أحسن، قال عبد الله: ما أقرأ شيئًا إلا وهو يقرؤه، ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب، فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم، فألقاه.\n_________\n٢١٣٥ - ابن ماجه (١/ ٥٤) المقدمة - ١١ - باب من فضائل أصحاب رسول الله ﷺ. فضائل خباب وقال في الزوائد: إسناده صحيح. والطبقات الكبرى (٣/ ١٦٥).\n٢١٣٦ - البخاري بنحوه (٨/ ٤٢٩) ٦٥ - كتاب التفسير - ١٠ - باب (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدًا).\nالطبقات الكبرى (٢/ ٣٢٤).\n(١) مريم: ٧٨.\n٢١٣٧ - البخاري (٨/ ١٠٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٤ - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن.","vol":"4","page":1997},{"text":"قال الذهبي: قيل: مات في خلافة عمر، وصلى عليه عمر. وليس هذا بشيء، بل مات بالكوفة سنة سبع وثلاثين، وصلى عليه علي.\nوقيل: عاش ثلاثًا وسبعين سنة.\nنعم، الذي مات سنة تسع عشرة وصلى عليه عمر: هو خباب مولى عتبة بن غزوان، صحابي مهاجري أيضًا. اهـ.\n* * *","vol":"4","page":1998},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>٤٤ - سالم مولى أبي حذيفة ﵄</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة شمس .. أحد السابقين الأولين قال البخاري: مولاته امرأة من الأنصار وقال ابن حبان يقال لها ليلى ويقال ثبيتة بنت يعار وكانت امرأة أبي حذيفة وبهذا جزم ابن سعد، وقال ابن شاهين: سمعت ابن أبي داود يقول: هو سالم بن معقل وكان مولى امرأة من الأنصار يقال لها فاطنة بنت يعار أعتقته سائبة فوالى أبا حذيفة وسيأتي في ترجمته وديعة أن اسمها سلمى وزعم ابن منده أنه سالم بن عبيد بن ربيعة وتعقبه أبو نعيم فأجاد وإنما هو مولى أبي حذيفة ابن عتبة ابن ربيعة فوقع فيع سقط وتصحيف وكان أبو حذيفة قد تبناه كما تبنى رسول الله ﵌ زيد بن حارثة فكان أبو حذيفة يرى أن ابنه فانكحه أبنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة فأما أنزل الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ رد كل أحد تبنى ابنًا من أولئك إلى أبيه ومن لم يعرف أبوه رد إلى مواليه، أخرجه مالك في الموطأ عن الزهري عن عروة بهذا وفيه قصة إرضاعه. وروى البخاري من حديث ابن عمر كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر أخرجه الطبراني من طريق هشام بن عروة عن نافع وزاد وكان أكثرهم قرآنا، وفي الرضاع مشهورة فعند مسلم من طريق القاسم عن عائشة أن سالما كان مع أبي حذيفة فأتت سهلة بنت سهيل بن عمرو رسول الله ﷺ كان مع أبي حذيفة فأتت سهلة بنت سهيل بن عمرو رسول الله ﵌ فقالت إن سالمًا بلغ ما يبلغ الرجال وإنه يدخل غلي وأظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا فقال: أرضعيه تحرمي عليه الحديث، ومن طريق الزهري عن أبي عبيد الله بن عبد الله بن زمعة عن أمه زينب بنت أم سلمة أن أزواج النبي ﵌ لسالم، وقال مالك في الموطأ عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن أبا حذيفة فذكر الحديث قال جاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة فقال: يا رسول الله إنا كنا نرى سالمًا ولدًا وكان يدخل علي وأنا فضل [أي استقبله دون تكلف وكأني أمه لا أتستر منه تستر الأجنبية عنه] فماذا ترى فيه فذكره. ووصله عبد الرازق عن مالك فقال عن عروة عن عائشة وأخرجه البخاري من طريق الليث عن الزهري موصولًا وروى البخاري ومسلم","vol":"4","page":1999},{"text":"والنسائي والترمذي من طريق مسروق عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رفعه خذوا القرآن من أربعة من ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل.\nوروى ابن المبارك في كتاب الجهاد أو لواء المهاجرين كان مع سالم فقيل له في ذلك. فقال: بئس حامل القرآن أنا - يعني إن فرتت - فقطعت يمينه فأخذه بيساره فقطعت فاعتنقه إلى أن صرع، فقال لأصحابه ما فعل أبو حذيفة يعني مولاه قيل قتل قال فأضجعوني بجنبه فأرسل عمر ميراثه إلى معتقته ثبيتة فقال: إنما أعتقته سائبة فجعله في بيت المال وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه فقال كليه. اهـ ابن حجر.\nوقال الذهبي في ترجمته: من السابقين الأولين البدريين المقربين العالمين.\nقال موسى بن عقبة: هو سالم بن معقل. أصله ك إصطخر. وإلى أبا حذيفة. وإنما الذي أعتقه هي ثبيتة بنت يعار الأنصارية، زوجة أبي حذيفة بن عتبة وتبناه أبو حذيفة، كذا قال.\nوعن ابن عمر، قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الذين قدموا من مكة، حتى قدم المدينة، لأنه كان أقرأهم. أهـ.\n٢١٣٨ - * روى ابن سعد، عن القاسم بن محمد أن سهلة بنت سهيل أتت رسول الله ﷺ وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول الله! إن سالما معي، وقد أدرك ما يدرك الرجال، فقال: «أرضعيه، فإذا أرضعيه فقد حرم عليك ما يحرم من ذي المحرم». قالت أم سلمة: أبي أزواج رسول الله ﷺ أن يدخل أحد عليهن بهذا الرضاع، وقلن: إنما هي رخصة لسالم خاصة.\n٢١٣٩ - * روى أحمد والحاكم عن عائشة قالت: استبطأني رسول الله ذات ليلة، فقال: ما حسبك؟ قلت: إن في المسجد لأحسن من سمعت صوتًا بالقرآن، فأخذ رداءه، وخرج\n_________\n٢١٣٨ - الطبقات الكبرى (٢/ ٨٧) ورجاله ثقات، لكنه مرسل.\nوروى مسلم بنحوه (٢/ ١٠٧٧) ١٧ - كتاب الرضاع - ٧ - باب رضاعة الكبير.\n٢١٣٩ - أحمد في مسنده (٦/ ١٦٥)، والمستدرك (٣/ ٢٢٦) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":2000},{"text":"يسمعه، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك».\n٢١٤٠ - * روى البخاري عن ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله ﷺ كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرانًا.\nقال الذهبي: وروى عبيد بن أبي الجعد، عن عبد الله بن الهاد أن سالمًا باع ميراثه عمر ابن الخطاب فبلغ مئتي درهم، فأعطاها أمه، فقال: كليها.\nوقيل: إن سالمًا وجد هو مولاه أبو حذيفة، رأس أحدهما عن رجلي الآخر صريعين، ﵄.\nومن مناقب سالم: عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب قال: من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو من مال الله. فقال سعيد بن زيد: أما إنك لو أشرت برجل من المسلمين، لائتمنك الناس، وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق، وائتمنه الناس، فقال: قد رأيت من أصحابي حرصًا سيئًا، وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة. ثم قال: لو أدركني أحد رجلين، ثم جعلت إليه الأمر لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح (١).\nفإن صح هذا، فهو دال على جلالة هذين في نفس عمر، وذلك على أنه يجوز الإمامة في غير القرشي، والله أعلم. اهـ الذهبي.\n٢١٤١ - * روى أحمد عن عمرو بن العاص قال: كان فزع بالمدينة فأتيت على سالم مولى أبي حذيفة وهو محتب بحمائل سيفه فأخذت سيفي فاحتبيت بحمائله فقال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله». قال: «ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان».\n* * *\n_________\n٢١٤٠ - ابلخاري (٢/! ٨٤) ١٠ - كتاب الأذان - ٥٤ - باب إمامة العبد والمولى.\n(١) أحمد في مسنده (١/ ٢٠).\n٢١٤١ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠٠) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":2001},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>٤٥ - عامر بن ربيعة ﵁</span>\nقال ابن حجر: عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن سعد بن عبد الله بن الحارث بن رفيدة بن عنز بن وائل العنزي وقيل في نسبه غير ذلك، وعنز بسكون النون أخو بكر بن وائل، أبو عبد الله حليف بني عدي ثم، الخطاب والد عمر ومنهم من ينسبه إلى مذحج وأستخلفه عثمان على المدينة لما حج. وقال ابن سعد: كان الخطاب قد تبنى عامرًا فكان يقال عامر بن الخطاب حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١) قال يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل وذلك حين نشب الناس في الطعن فنام فأتاه آت فقال له: قم فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة فقام فصلى ثم اشتكى فما خرج بعد إلا بجنازته أخرجه مالك في الموطأ. قال مصعب الزبيري: مات سنة اثنتين وثلاثين كذا قال أبو عبيدة ثم ذكره في سنة سبع وثلاثين وقال: أظن هذا أثبت وقال الواقدي كان موته بعد قتل عثمان بأيام وقيل في وفاته غير ذلك. اهـ.\nوقال الذهبي في ترجمته: من السابقين الأولين. أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا.\nقال ابن إسحاق: أو من قدم المدينة مهاجرًا: أبو سلمة بن عبد الأسد، وبعده، عامر ابن ربيعة.\nوكان الخطاب قد تبناه. وكان معه لواء عمر لما قدم الجايبة (٢).\nعن عبد الله بن عامر بن ربيعة: أن أباه رئي في المنام حين طعنوا على عثمان، فقيل له: قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة.\n_________\n(١) الأحزاب: ٥.\n(٢) والجايبة: قرية في الشام من ناحية الجولان قرب مرج الصفر في شمالي إذا وقف الإنسان في الصفين، واستقبل الشمال، ظهرت له، وتظهر من نوى أيضًا.\nوفيها خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب خطبته المشهورة لما قدم الشام، وباب الجايبة الذي بدمشق منسوب إليها.","vol":"4","page":2002},{"text":"توفي عامر سنة خمس وثلاثين، قبل مقتل عثمان ييسير. اهـ.\n٢١٤٢ - * روى الطبراني عن الزهري قال: حدثني ابن عامر بن ربيعة وكان من كبراء بن عدي وكان أبوه شهد بدرًا.\n* * *\n_________\n٢١٤٢ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠١): رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"4","page":2003},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>٤٦ - عبد الله بن جحش ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: عبد الله بن جحش بن رياب براء وتحتانية وآخره موحدة ابن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس.\nأحد السابقين. قال ابن حبان: له صحبة، وقال ابن إسحاق هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا وروى البغوي من طريق إبراهيم عن مسلم بن محمد الأنصاري عن رجل من قومه قال آخى النبي ﵌ بين عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت ومن طريق زياد بن علاقة عن سعد بن أبي وقاص قال: بعثنا رسول الله ﵌ في سرية وقال: لأبعثن عليكم رجلًا أصبركم على الجوع والعطش فبعث علينا عبد الله ابن جحش فكان أول أمير في الإسلام. وروى السراج من طريق زر بن حبيش قال: أول راية عقدت في الإسلام لعبد الله بن جحش عن عروة قال: بعث النبي صلى الله علية وآله وسلم عبد الله بن جحش إلى نخلة فذكر القصة بطولها. وروى الطبراني من طريق أبي السوار عن جندب بن عبد الله البجلي قال: بعث رسول الله ﵌ عبد الله بن جحش على سرية فذكر الحديث بطوله وقال ابن أبي حاتم له صحبة، دعا الله يوم أحد أن يرزقه الشهادة فقتل بها، وروى عنه سعد بن أبس وقاص حدثني أبي عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تأتي فندعو؟ قال: فخلونا في ناحية فدعا سعد فقال: يارب إذا التقينا اليوم غدا قلقني رجلًا شديدًا حرده أقاتله فيك ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه قال: فأمن عبد الله بن جحش ثم قال عبد الله: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده أقاتله فيك حتى يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك قلت هذا فيك وفي رسولك فتقول صدقت. قال سعد: فكانت دعوة عبد الله خيرًا من دعوتي فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط وأخرجه ابن شاهين من وجه آخر عن سعيد بن المسيب أن رجلًا سمع عبد الله بن جحش فذكر نحوه وهذا أخرجه ابن المبارك في الجهاد مرسلًا وقال الزبير كان يقال له المجدع في الله، وكان سيفه انقطع يوم أحد فأعطاه النبي ﵌ عرجونا فصار في يد سيفًا فكان يسمى العرجون قال وقد بقي هذا السيف حتى","vol":"4","page":2004},{"text":"بيع من بغاء التركي بمائتي دينار. وروى زكريا الساجي من حديث أبي عبيدة بن عبد الله ابن مسعود عن أبي قال: استشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعبد الله بن جحش في أسارى بدر فذكر القصة وأخرجه أحمد وكان قاتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق ودفن هو وحمزة في قبر واحد وكان له بوم قتل نيف وأربعون. اهـ.\n* * *","vol":"4","page":2005},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>٤٧ - صهيب بن سنان ﵁</span>\nقال ابن حجر: صهيب بن سنان بن مالك .. ويقال خالد بن عمرو بن عقيل ويقال طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بم جذيم بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط أبو يحيى، وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم وهو الرومي قيل له ذلك لأن الروم سبوه صغيراُ؛ قال ابن سعد: وكان أبوه على الأبلة (١) من جهاز كسرى وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن (٢) ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي فأعتقه ويقال بل هرب من الروم فقدم مكة فحالف ابن جدعان.\nوروى ابن سعد أنه أسلم هو وعمار ورسول الله ﵌ في دار الأرقم، ونقل الوزير أبو القاسم المغربي أنه كان اسمه عميرة فسماه الروم صهيبًا قال: وكانت أخته أميمة تنشده في المواسم وكذلك عماه لبيد وزحر ابنا مالك وزعم عمارة بن وثيمة أن اسمه عبد الملك، ونقل البغوي أنه كان أحمر شديد الصهوبة تشوبها حمرة وكان كثير شعر الرأس يخضب بالحناء، وكان من المستضعفين ممن يعذب في الله وهاجر إلى المدينة مع علي بن أبي طالب في آخر من هاجر في تلك السنة فقدما في نصف ربيع الأول وشهد بدرًا والمشاهد بعدها. وروى ابن عدي بن صهيب قال: صحبت رسول الله ﵌ قبل أن يبعث، وروى ابن عدي من حديث أنس والطبراني من حديث أم هانيء، ومن حديث أبي أمامة عن رسول الله ﷺ: السباق أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسلمان سابق الفرس، وروى ابن ابن عيينة في تفسيره وابن سعد من طريق منصور عن مجاهد أول من أظهر إسلامه سبعة فذكرة فيهم، وروى ابن سعد من طريق عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول وكذا صهيب وأبو فائد وعامر بن فهيرة وقوم وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ\n_________\n(١) الأبلة: بلدة بالعراق تبعد البصرة أربعة فراسخ وهي أقدم من البصرة.\n(٢) ألكن: هو الذي لا يقيم العربية من عجمة في لسانه.","vol":"4","page":2006},{"text":"هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ (١).\nوروى البغوي من طريق زيد بن أسلم عن أبيه خرجت مع عمر حتى دخلت على صهيب بالعالية فلما رآه صهيب قال: يا ناس يا ناس فقال عمر: ماله يدعو الناس. قلت: إنما يدعو غلامه يحنس. فقال: له يا صهيب: ما فيك شيء أعيبه إلا ثلاث خصال أراك تنتسب عربيًا ولسانك أعجمي وتكنى باسم نبي [كان يكنى بأبي يحيى] وتبذر مالك، قال: أما تبذيري ما لي فما أنفقه إلا في حق، وأما كنيتي فكنانيها النبي ﵌، وأما انتمائي إلى العرب فإن الروم سبتني صغيرًا فأخذت لسانهم، ولما مات عمر أوصى أن يصلى عليه صهيب وأن يصلي بالناس إلى أن يجتمع المسلمون على إمام رواه البخاري في تاريخه. وروى الحميدي والطبراني من حديث صهيب من طريق الستة عنه قال: لم يشهد رسول الله ﵌ مشهدًا قط إلا كنت حاضره. ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم وما جعلت رسول الله ﵌ بيني وبين العدو قط حتى توفي. ومات صهيب سنة ثمان وثلاثين وقيل سنة تسع. اهـ.\nقال الذهبي في ترجمته: أبو يحيي النمري. من النمر بن قاسط. ويعرف بالرومي، كان من كبار السابقين البدريين.\nقال الحافظ ابن عساكر: صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر، أبو يحيي - ويقال: أبو غسان - النمري الرومي البدري المهاجرس.\nعن حمزة بن صهيب عن أبيه قال: كناني النبي ﷺ: أبا يحيى (٢).\nعن صيفي بن صهيب عن أبيه، قال: صحبت النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه (٣).\n_________\n(١) النحل: ١١٠.\n(٢) الطبقات الكبرى (٢/ ٢٢٧).\n(٣) المستدرك (٣/ ٤٠٠) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":2007},{"text":"قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ، وأبو بكر وبلال، وخباب، وصهيب ... مختصر.\nعن أبي عثمان: أن صهيبًا حين أراد الهجرة، قال له أهل مكة: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فتغير حالك! قال: أرأيتم إن تركت مالي، أمخلون أنتم سبيلي؟ قالوا: نعم. فخلع لهم ماله. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: «ربح صهيب! ربح صهيب» (١).\nيعقوب بن محمد الزهري: حدثنا حصين بن حذيفة بن صيفي حدثنا أبي وعمومتي، عن سعيد بن المسيب، عن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ: «أرأيت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرة! فإما أن تكون هحر، أو يثرب» (٢).\nقال [صهيب]: وخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد كنت هممت بالخروج معه، فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه - ولم أكن شاكيًا - فناموا، فذهبت، فلحقني ناس منهم على بريد، فقلت لهم: أعطيكم أوافي من ذهب وتخلوني؟ ففعلوا، فقلت: احفروا تحت أسكفة الباب (٣) تجدوها، وخذوا من فلانة الحلتين. وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ قباء فلما رآني، قال: «يا أبا يحيى، ربح البيع»! ثلاثًا. فقلت: ما أخبرك إلا جبريل.\nقال: قدمت على رسول الله ﷺ قباء، وقد رمدت في الطريق وجعت، وبين يديه رطب، فوقعت فيه. فقال عمر: يا رسول الله: ألا ترى صهيبا يأكل الرطب وهو أرمد؟ فقال النبي ﷺ لي ذلك. قلت: إنما آكل على شق عيني الصحيحة. فتبسم (٤).\nعن عائذ بن عمرو أن سلمان، وصهيبًا، وبلالًا، كانوا قعودًا، فمر بهم أبو سفيان،\n_________\n(١) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٢٧) ورجاله ثقات.\n(٢) ذكره الحافظ في \"الفتح\" ونسبه إلى البيهقي، وسكت عليه، وأخرج البخاري: من حديث أببى موسى، عن النبي ﷺ: رأيت في المنام إني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب].\n(٣) أسكفه الباب: هي خشبة الباب التي يوطأ عليها.\n(٤) الطبقات الكبرى: (٣/ ٢٢٨) وأخرج بنحوه ابن ماجه (٢/ ١١٣٩) ٣١ - كتاب الطب - ٣ - باب الحمية. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.","vol":"4","page":2008},{"text":"فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ قال: فأخبر بذلك النبي صلي الله عليه وسلم، فقال: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك». فرجع إليهم، فقال: أي إخواننا لعلكم غضبتم؟ قالوا: لا يا أبا بكر، يغفر الله لك (١).\nقال الواقدي: مات صهيب بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين عن سبعة سنة. وكذلك قال المدائني وغيره في وفاته.\nقال المدائني: عاش ثلاثًا وسبعين سنة.\nوقال الفسوي: عاش أربعًا وثمانين سنة. ﵁. اهـ الذهبي.\n* * *\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٩٤٧) - ٤٤ - كتاب من فضائل سلمان وصهيب وبلال.","vol":"4","page":2009},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>٤٨ - عثمان بن مظعون ﵁</span>\nقال ابن حجر: عثمان بن مظعون بالظاء المعجمة ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح للجحمي .. قال ابم إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الأولى في جماعة فلما بلغه أن قريشًا أسلمت رجعوا فدخل عثمان في جوار الوليد بن النغيرة ثم ذكر رده جواره ورضاه بما عليه النبي ﷺ وذكر قصته مع لبيد بن ربيعة حين أنشد: ألا كل شيء ما حلا الله باطل، فقال عثمان بن مظعون، صدقت، فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا سزول، فقام سفيه منهم إلى عثمان فلطم عينه فاخضرت. وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص، قال: رد النبي صلى الله عليه وآله وسل على عثمان بن مظعةن التبتل ولو أذن له لاختصينا، وروى ابن شاهين والبيهقي في الشعب من طريق قدامة بن إبراهيم الجمحي عن عمر بن حسين عن عائشة بنت قدامة عن أبيها عن عمها قال قلت: يا رسول الله، إني رجل تشق على العزبة في المغزي فتأذن لي في الخصي فأختصى، فقال: لا ولكن عليه يا ابن مظعون بالصوم، وروى البزار من طريق قدامة بن موسى عن أبيه عن جده قدامة بن مظعون حديثا وقال: لا أعلم له غيره، وفي الصحيحين عن أم العلاء قالت: لما مات عثمان ابن مظعون قلت شهادتي عليك أبا السائب لقد أكرمك الله، توفي بعد شهوده بدرًا في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين وأول من دفن بالبقيع منهم وروى الترمذي من طريق القاسم ع عائشة قالت: قبل النبي ﵌ عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي وعيناه تذرفان، ولما توفي إبراهيم بن النبي ﵌ قال: الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وقالت امرأة ترثيه:\nيا عين جودي بدمع غير ممنون ... على رزية عثمان بن مظعون\nاهـ. ابن حجر.\nقال الذهبي في ترجمته: من سادة المهاجرين، ومن أولياء الله المتقين الذين فازوا بوفاتهم في حياة نبيه فصلى عليهم، وكان أبو السائب ﵁ أول من دفع بالبقيع.","vol":"4","page":2010},{"text":"روى كثير بن زيد المدني: عن المطَّلب بن عبد الله قال: لما دفن النبي ﷺ عثمان بن مظعون، قال لرجل: هلم تلك الصخرة، فجعلها عند قبر أخي، أعرفه بها، أدفن إليه من دفنت من أهلي، فقام الرجل فلم يُطقها، فقال- يعني الذي حدثه: - فلكأني أنظر إلى بياض ساعدي رسول اللهﷺ- حين احتملها، حتى وضعها عند قبره هذا مرسل (١) وكان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية. اهـ.\n٢١٤٣ - * روى عبد الرازق وابن سعد عن عائشة قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون- واسمها خولة بنت حكيم- على عائشة، وهي باذة الهيئة. فسألتها ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل النبي ﷺ، فذكرت ذلك له عائشة، فلقي النبي، ﷺ، فقال: \"يا عثمان! إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فيَّ أسوة؟ فوالله إن أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده لأنا\".\nقال الذهبي: وعن عبيد الله بن عتبة قال: خطَّ رسول الله صلى الله عليه والسلام لآل مظعون موضع دراهم اليوم بالمدينة.\nومات في شعبان سنة ثلاث.\nوعن عائشة بنت قدامة قالت: كان بنو مظعون متقاربين في الشبه. كان عثمان شديد الأدمة، كبير اللحية. ﵁ اهـ.\n٢١٤٤ - * روى الترمذي والحاكم عن عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، ودموعه تسيل على خدِّ عثمان بن مظعون.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٣/ ٢١٢) كتاب الجنائز، باب في جمع الموتى في قبر والقبر يُعلَّم، وسنده حين مرسل. وابن ماجة بنحوه مختصرًا عن أنس (١/ ٤٩٨) ٦ - كتاب الجنائز- ٤٢ - باب ما جاء في العلامة في القبر. وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد حسن.\n٢١٤٣ - المصنف (٦/ ١٦٧)، والطبقات الكبرى (٣/ ٣٩٥) عن أبي بردة.\n٢١٤٤ - أبو داود (٣/ ٢٠١) كتاب الجنائز، باب تقبيل الميت.\nوالترمذي (٣/ ٣٠٥) ٨ - كتاب الجنائز- ١٤ - باب ما جاء في تقبيل الميت. وقال: هذا حديث حسن صحيح. والمستدرك (٣/ ١٩٠) وصححه الذهبي.","vol":"4","page":2011},{"text":"٢١٤٥ - * روى الإمام مالك عن أبي النَّظْر قال: لما مُرَّ بجنازة عثمان بن مظعون قال رسولُ الله: \"ذهبت ولم تلبس منها بشيء\".\n٢١٤٦ - * روى البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العُلاء- امرأَةً من نسائهم بايعت النبي، ﷺ- أخبرتْهُ أن عثمان بن مَظعونِ طارَ لهم في السُّكنى حين اقترعت الأنصار على سُكنى المهاجرين. قالت أمُّ العلاء: فاشتكى عثمانُ عندنا، فمرضته حتى توفي، وجعلناه في أثوابه، فدخل علينا النبيُّ ﷺ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي ﷺ: \"وما يُدريك أن الله أكرمهُ؟ \" قالت: قلت: لا أدري، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فمن؟ قال: \"أما هو فقد جاءُه والله اليقين، والله إني لأرجو له الخير، وما أدري والله- وأنا رسول الله- ما يُفعل بي\" قالت: فوالله لا أُزكِّى أحدًا بعده. قالت فأحزنني ذلك، فنمت، فرأيتُ لعثمان عينًا تجري، فجئت رسول الله ﷺ وأخبرتُه، فقال: \"ذلك عمله\".\n* * *\n_________\n٢١٤٥ - الموطأ (١/ ٢٤٢) ١٦ - كتاب الجنائز- ١٦ - باب جامع الجنائز، وهو مرسل وقد وصله ابن عبد البر عن عائشة.\n٢١٤٦ - البخاري (٧/ ٢٦٤) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار- ٤٦ - باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة.","vol":"4","page":2012},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>٤٩ - معاذ بن جبل ﵁</span>\nقال ابن حجر: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عابد بن عدي بن كعب بن عمرو ابن أدي بن علي بن أسد بن سارة بن يزيد بن جُشم بن عدي بن بابي بن تميم بن كعب بن سلمة أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي الإمام المقدم في علم الحلال والحرام .. قال أبو إدريس الخولاني: كان أبيض وضيء الوجه براق الثنايا أكحل العينين، وقال كعب بن مالك: كان شابًا جميلًا سمحًا من خير شباب قومه، وقال الواقدي: كان من أجمل الرجال وشهد المشاهد كلها .. وشهد بدرًا وهو ابن إحدى وعشرين سنة وأمّره النبي ﷺ وآله وسلم على اليمن، والحديث بذلك في الصحيح من رواية ابن عباس عنه. وذكر سيف في الفتوح بسند له عن عبيد بن صخر قال: قال النبي ﵌ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: إني قد عرفت بلاءك في الدِّين والذي قد ركبك من الدَّين وقد طيبت لك الهدية فإن أهدى لك شيء فاقبل، قال فرجع حين رجع بثلاثين رأسًا أهديت له قال بهذا الإسناد أن النبي ﵌ قال له لما ودعه: حفظك الله من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك ومن فوقك ومن تحتك ودرأ عنك شرور الإِنس والجن. وقال أبو نعيم في الحلية: إمام الفقهاء وكنز العلماء شهد العقبة وبدرًا والمشاهد، وكان من أفضل شباب الأنصار حلمًا وحياء وسخاء، وكان جميلًا وسيمًا، روى عنه من الصحابة عمر وأبو قتادة وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم، وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر والزهري عن ابن كعب بن مالك كان معاذ شابًا جميلًا سمحًا لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه.\nوفي مرسل أبي عون الثقفي عن النبي ﵌ يأتي معاذ يوم القيامة أمام الناس برتوة (١) أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه، وأورده ابن عساكر من طريق عن محمد بن الخطاب والرتوة بفتح الراء المهملة وسكون المثناة وفتح الواو. وفي طبقات ابن سعد من طريق منقطع أن النبي ﵌ كتب إلى أهل اليمن لما بعث معاذًا إني بعثت لكم خير أهلي. ومناقبه كثيرة جدًا، وقدم من اليمن في خلافة أبي\n_________\n(١) رتوة: رمية سهم وقيل: مدى البصر.","vol":"4","page":2013},{"text":"بكر، وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة أو التي بعدها، وهو قول الأكثر وعاش أربعًا وثلاثين سنة وقيل غير ذلك. اهـ ابن حجر.\nوقال الذهبي عنه: السيد الإمام أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي المدني البدري، شهد العقبة شابًا أمرد، وله عدة أحاديث.\nقال شباب: أمه هي هند بنتُ سهل من بني رفاعة، ثم من جُهينة، ولأمه ولد من الجدّ بن قيس.\nوروى الواقدي عن رجاله أن معاذًا شهد بدرًا وله عشرون سنة أو إحدى وعشرون. قال ابن سعد: شهد العقبة في روايتهم جميعًا مع السبعين. وقال عبدُ الصمد بن سعيد: نزل حمص. وكان طويلًا، حسنًا، جميلًا. وقال الجماعة: كنيتُه أبو عبد الرحمن، إلا أبا أحمد الحاكم، فقال: كُنيتُه أبو عبد الله.\nقال علي بن محمد المدائني: معاذ لم يُولد له قطُّ، طُوال، حسنُ الثغر، عظيمُ العينين، أبيضُ، جعدٌ، قطط (١).\nوأما ابنُ سعد، فقال: له ابنان عبدُ الرحمن وآخر.\nقال عطاء: أسلم معاذ وله ثمان عشرة سنة.\nوقال ابنُ إسحاق: ومن السبعين (٢) من بني جُشَم بن الخزرج معاذُ بن جبل. اهـ.\n٢١٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعةٌ كُلُّهم من الأنصار: أُبيُّ بنُ كعب، وزيدٌ، ومعاذُ بن جبل، وأبو زيد قال قتادة: قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.\n_________\n(١) قطط: شديد الجعودة.\n(٢) ومن السبعين: أي الذين شهدوا العقبة من الأنصار.\n٢١٤٧ - البخاري (٩/ ٤٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن- ٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ ومسلم (٤/ ١٩١٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٣ - باب من فضائل. أبي بن كعب وجماعة من الأنصار.","vol":"4","page":2014},{"text":"٢١٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"خُذُوا القُرآن مِن أربعةٍ: مِن ابن مسعود، وأُبيٍّ، ومعاذ بن جبل، وسالمٍ مولى أَبي حُذيفة\".\n٢١٤٩ - * روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس مرفوعًا \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشهدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذٌ، وأفرضهم زيدٌ، ولكل أمةٍ أمينٌ وأمين هذه الأمة أبو عبيدة\".\n٢١٥٠ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي عن معاذ قال: لما بعثني النبي، ﷺ، إلى اليمن، قال لي: \"كيف تقضي إن عرض قضاءٌ؟ \" قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله، فإن لم يكن، فبما قضي به رسول الله، ﷺ، قال: \"فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟ \" قال: أجتهدُ رأيي ولا آلو، فضرب صدري، وقال: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، ﷺ، لما يُرضي رسول الله\".\n٢١٥١ - * روى البخاري ومسلم عن سعيد بن أبي بُردة عن أبيه قال: \"بعث النبي ﷺ جَدَّةُ أَبا موسى ومُعاذًا إلى اليمن فقال: \"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا\"\n_________\n٢١٤٨ - البخاري (٩/ ٤٦) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن- ٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ.\nومسلم (٤/ ١٩١٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٢ - باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه.\n٢١٤٩ - أحمد في مسنده (٣/ ١٨٤، ٢٨١) وإسناده صحيح.\nوالترمذي (٥/ ٦٦٥) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٣ - باب مناقب معاذ بن جبل. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوابن ماجه (١/ ٥٥) المقدمة- ١١ - باب من فضائل أصحاب رسول الله ﷺ.\n٢١٥٠ - أحمد في سنده (٥/ ٣٣٦، ٢٤٢)\nوأبو داود (٣/ ٣٠٣) كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء.\nوالترمذي (٣/ ٦٠٧) ١٣ - كتاب الأحكام- ٣ - باب ما جاء في القاضي كيف يقضي.\nوقد صحح الحديث غير واحد من المحققين العلماء. انظر شرح السنة بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط (١٠/ ١١٦).\n٢١٥١ - البخاري (٨/ ٦٢) ٦٤ - كتاب المغازي- ٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع. ومسلم بعضه (٣/ ١٣٥٩) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير- ٣ - باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير.\nوبعضه (٣/ ١٥٨٧) ٣٦ - كتاب الأشربة- ٧ - باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام. =","vol":"4","page":2015},{"text":"فقال أبو موسى: يا نبيَّ الله، إن أرضنا بها شرابٌ من الشعير: المزز، وشرابٌ من العسل: فقال: \"كلُّ مسكرٍ حرام\" فانطلقا. فقال مُعاذٌ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا وعلى راحلتي، وأتفوَّقه تفوقًا. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي، كما أحتسبُ قومتي. وضرب فسطاطًا فجعلا يتزوران، فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق. فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثمَّ ارتدَّ فقال معاذ: لأضربن عنقه.\n٢١٥٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال رسول الله، ﷺ: \"نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل معاذ بن جبل\".\n٢١٥٣ - * روى أبو داود والنسائي والحاكم عن معاذ قال: لقيني النبي، ﷺ، فقال: \"يا معاذ إني لأحبُّك في الله\" قلت: وأنا والله يا رسول الله أحبك في الله. قال: \"أفلا أعلمك كلماتٍ تقولهن دُبُر كل صلاة: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\".\nقال الذهبي في السير عن الشعبي قال: قرأ عبد الله: إن معاذًا كان أمةً قانتًا لله حنيفًا. فقال له فروة بن نوفل: إن إبراهيم، فأعادها، ثم قال: إن الأمة معلم الخير، والقانت المطيع، وإن معاذًا، ﵁، كان كذلك.\nوروى حيان، عن الشعبي، نحوها. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن نسيتها قال: لا، ولكنا كنا نشبهه بإبراهيم (١).\nوعن محمد بن سهل بن أبي حثمة: عن أبيه قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله\n_________\n= البتع: نبيذ العسل.\nالمِزْر: نبيذ الشعير.\n٢١٥٢ - الترمذي (٥/ ٦٦٦) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٣ - باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت.\nوقال: هذا حديث حسن، إسناده حسن وصححه ابن حبان.\n٢١٥٣ - أبو داود (٢/ ٨٦) كتاب الصلاة، باب في الاستغفار.\nوالنسائي (٣/ ٥٣) كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء.\nوالمستدرك (٣/ ٢٧٣) وصححه ووافقه الذهبي.\n(١) المستدرك (٣/ ٢٧١) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":2016},{"text":"ﷺ ثلاثة من المهاجرين؛ عمر، وعثمان، وعليُّ. وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ، وزيد.\nوعن نيار الأسلمي: أن عمر كان يستشير هؤلاء، فذكر منهم معاذًا وروى موسى بن عُلي بن رباح، عن أبيه، قال: خطب عمر الناس بالجابية فقال: من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل (١).\nوروى الأعمش عن أبي سفيان، قال: حدثني أشياخ منا أن رجلًا غاب عن امرأته سنتين، فجاء وهي حُبلى، فأتى عمر، فَهَمَّ برجمها، فقال له معاذ: إن يك لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فتركها، فوضعت غلامًا بان أنه يشبه أباه قد خرجت ثنيَّتاه، فقال الرجل: هذا ابني فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر.\nعن شهر بن حوشب، قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا تحدثوا وفيهم معاذ، نظروا إليه هيبةً (٢) له.\nعن أبي مسلم الخولاني قال: دخلتُ مسجد حمص، فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلًا من الصحابة، فإذا فيهم شاب أكحل العينين، برَّاقُ الثنايا ساكت، فإذا امترى القوم، أقبلوا عليه، فسالوه، فقلت: مَنْ هذا؟ قيل معاذُ بن جبل. فوقعت محبتُه في قلبي (٣).\nعن عبد الرحمن بن كعب قال: كان معاذ شابًا جميلًا سمَّحًا من خير شباب قومه، لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه، حتى كان عليه دينٌ أغلق ماله كلَّه، فسأل رسول الله، ﷺ، أن يُكلِّم له غرماءه ففعل، فلم يضعوا له شيئًا، فلو ترك أحد لكلام أحد، لترك لمعاذ لكلام رسول الله، ﷺ، فدعاه النبيُّ ﷺ، فلم يبرح حتى باع ماله، وقسمه بينهم، فقام معاذ ولا مال له، ثم بعثه على اليمن ليجبُره، فكان أول من تجر في هذا المال، فقدم على أبي\n_________\n(١) المستدرك (٣/ ٢٧٢) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ في الفتح (٧/ ١٢٦).\n(٢) أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣١).\n(٣) المستدرك (٣/ ٢٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٠).\nامترى القوم: اختلفوا وتجادلوا.","vol":"4","page":2017},{"text":"بكر، فقال له عمر: هل لك يا معاذ أن تطيعني؟ تدفع هذا المال إلى أبي بكر، فإن أعطاكه فاقبله، فقال: لا أدفعه إليه، وإنما بعثني نبيُّ الله ليجبرني، فانطلق عمر إلى أبي بكر، فقال: خذ منه ودع له، قال: ما كنت لأفعل، وإنما بعثه رسول الله ﷺ ليجبره، فلما أصبح معاذ، وانطلق إلى عمر، فقال: ما أراني إلا فاعل الذي قلت، لقد رأيتني البارحة، أظنه قال: أجرُّ إلى النار، وأنت آخذ بحجزتي فانطلق إلى أبي بكر بكل ما جاء به، حتى جاءه بسوطه قال أبو بكر: هو لك لا آخذُ منه شيئًا، وفي لفظ قد وهبتهُ لك، فقال عمر: هذا حينُ حلَّ وطاب، وخرج معاذ عند ذلك إلى الشام (١).\nورواه الذهلي: عن عبد الرزاق عن معمر: فقال: بدل (أُجرُّ إلى النار) كأنِّي في ماء قد خشيت الغرق فخلَّصتني.\nالأعمش عن شقيق قدم معاذ من اليمن برقيق، فلقي عمر بمكة، فقال: ما هؤلاء؟ قال: أُهدُوا لي، قال: ادفعهم إلى أبي بكر، فأبى، فبات، فرأى كأنه يجرُّ إلى النار وأن عمر يجذبه، فلما أصبح، قال: يا ابن الخطاب ما أراني إلا مطيعك. إلى أن قال: فدفعهم أبو بكر إليه، ثم أصبح فرآهم يصلُّون، قال: لمن تُصلون؟ قالوا: لله، قال: فأنتم لله (٢).\nعن سعيد بن المسيِّب أن عمر بعث معاذًا ساعيًا على بني كلاب أبو غيرهم، فقسم فيهم فيئهم حتى لم يدع شيئًا، حتى جاء بحلسه الذي خرج به على رقبته.\nوعن نافع قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة ومعاذ: انظروا رجالًا صالحين، فاستعملوهم على القضاء وارزقوهم.\nروى أيوب: عن أبي قلابة وغيره أن فلانًا مرَّ به أصحاب النبيِّ ﷺ، فقال، أوصُوني فجعلوا يوصُونه، وكان معاذ بن جبل في آخر القوم، فقال: أوصيني يرحمك الله، قال:\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣١) بطوله، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٧٣) مختصرًا.\n(٢) أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٢) مرسلًا، ووصله الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٧٢) من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله. وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":2018},{"text":"قد أوصوك فلم يألوا، وإني سأجمع لك أمرك: اعلم أنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك إلى الآخرة أفقر، فابدأ بنصيبك من الآخرة، فإنه سيمر بك على نصيبك من الدنيا فينتظمه، ثم يزول معك أينما زلت.\nروى حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن معاذ قال: ما بزقت على يميني منذ أسلمت (١).\nعن معاذ قال: ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع، لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢) (٣).\nعن أم سلمة أنَّ أبا عُبيدة لما أُصيب، استخلف معاذ بن جبل، يعني في طاعون عمواس، اشتد الوجع، فصرخ الناس إلى معاذ: ادُع الله أن يرفع عنا هذا الرِّجْز، قال: إنه ليس برجز ولكن دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخص الله من يشاء منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع أن لا تدركه، قالوا: ما هي؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل، ويأتي زمان يقول الرجل: والله ما أدري ما أنا، لا يعيش على بصيرة، ولا يموت على بصيرة (٤).\nعن خالد بن معدان أن عبد الله بن قُرْط قال: حضرتُ وفاة معاذ بن جبل، فقال: روِّحوني ألقى الله مثل سنِّ عيسى ابن مريم ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة.\nقلت [أي الذهبي]: يعني عندما رُفع عيسى إلى السماء.\n_________\n(١) الطبقات الكبرى (٣/ ٥٨٦) والمستدرك (٣/ ٢٧١).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) العنكبوت: ٤٥.\n(٣) أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٥).\n(٤) الطبقات الكبرى (٣/ ٥٨٨).\nوقع الوباء في عمُواس- قرية في غور الأردن- وكان طاعونًا عظيمًا مات فيه كثير من فضلاء الصحابة والتابعين وذلك سنة ١٨ هـ.","vol":"4","page":2019},{"text":"قال ضمرة بن ربيعة: توفي معاذ بقُصير خالد من الأردن، قال يزيد بن عبيدة: توفي معاذ سنة سبع عشرة، وقال المدائني وجماعة: سنة سبع أو ثمان عشرة، وقال ابن إسحاق والفلاس: سنة ثمان عشرة. اهـ الذهبي.\n* * *","vol":"4","page":2020},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>٥٠ - عمرو بن الجموح ﵁</span>\nقال ابن حجر: عمرو بن الجموح بفتح الجيم ونخفيف الميم ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري السلمي .. من سادات الأنصار واستشهد بأحد قال ابن إسحاق في المغازي: كان عمرو بن الجموح سيدًا من سادات بني سلمة وشريفًا من أشرافهم ... وقال ابن الكلبي: كان عمرو بن الجموح آخر الأنصار إسلامًا ... علي قال: وكان عمرو يولم على رسول الله صلى عليه وآله وسلم إذا تزوج ورواه أبو نعيم في المعرفة ... قال أحمد عن أبي قتادة قال: أتى عمرو بن الجموح النبي ﵌ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه في الجنة؟ قال: نعم وكانت رجله عرجاء حينئذ. وقال ابن أبي شيبة [بسنده] عن أبي قتادة أنه حضر ذلك قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﵌ فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت حتى أقتل في سبيل الله تراني أمشي برجلي هذه في الجنة؟ قال: نعم وكانت عرجاء فقتل يوم أحد هو وابن أخيه فمر النبي ﵌ به فقال: فإني أراك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة، وأمر رسول الله ﵌ بها ومولاها فجعلوا في قبر واحد وأنشد له المرزباني قوله لما أسلم:\nأتوب إلى الله سبحانه ... وأستغفر الله من ناره\nوأثني عليه بآلائه ... بإعلان قلبي وأسراره\nاهـ. ابن حجر.\nقال الذهبي في ترجمته:\nوالدُ معاذ، ومعوذ، وخلاد وعبد الرحمن، وهند.\nروى ثابت البناني، عن عكرمة قال: قدمُ مُصعب بن عُمير المدينة يُعلِّم الناس. فبعث إليه عمرو بن الجموح: ما هذا الذي جئتمونا؟ قالوا: إن شئت جئناك، فأسمعناك القرآن. قال: نعم. فقرأ صدرًا من سورة يوسف. فقال عمرو: إن لنا مؤامرة في قومنا (١)، وكان\n_________\n(١) إن لنا مؤامرة في قومنا: أي علينا أن نشاور قومنا.","vol":"4","page":2021},{"text":"سيد بني سلمة. فخرجوا، ودخل على مناف فقال: يا مناف! تعلم والله ما يريد القوم غيرك، فهل عندك من نكير؟ قال: فقلده السيف وخرج، فقام أهله فأخذوا السيف، فلما رجع قال: أين السيف يا مناف؟ ويحك! إن العنز لتمنع استها. والله ما أرى في أبي جعار غدًا من خير. ثم قال لهم: إني ذاهب إلى مالي فاستوصوا بمناف خيرًا. فذهب، فأخذوه فكسروه وربطوه مع كلب ميت وألقوه في بئر، فلما جاء قال: كيف أنتم؟ قالوا بخير يا سيدنا. طهر الله بيوتنا من الرجس، قال: والله إني أراكم قد أسأتم خلافتي في مناف. قالوا: هو ذاك، انظر إليه في ذلك البئر. فأشرف فرآه، فبعث إلى قومه فجاؤوا فقال: ألستم على ما أنا عليه؟ قالوا: بلى. أنت سيدنا. قال: فأشهدكم أني قد آمنتُ بما أنزل على محمد.\nقال: فلما كان يوم أحُد قال رسول الله ﷺ: \"قوموا إلى جنة عرضها السماواتُ والأرض أعدت للمتقين\" فقام وهو أعرج فقال: والله لأقْحَزَنَّ (١) عليها في الجنة. فقاتل حتى قتل.\nوعن عاصم بن عمر أنّ إسلام عمرو بن الجموح تأخر. وكان له ضمٌ يُقال له مناف، وكان فتيان بني سَلَمة قد آمنوا، فكانوا يمهلون، حتى إذا ذهب الليل دخلوا بيت صنمه فيطرحونه في أنتن حُفرة منكسًا. فإذا أصبح عمرو غمه ذلك، فيأخذه فيغسله ويطيبه. ثم يعودون لمثل فعلهم. فأبصر عمرو شأنه وأسلم، وقال أبياتًا منها:\nوالله لو كنت إلهًا لم تكن ... أنت وكلبٌ وسط بئر في قرن (٢)\nأُفٍ لمشواك إلهًا مستدن (٣) ... فالآن فتشناك عن شر الغبن\nروى محمد بن مسلم، عن عمرو ين دينار وفطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، وابن عيينة، عن ابن المنكدر أنّ رسول الله ﷺ قال: يا بني سلمة! مَنْ سيدكم؟ قالوا:\n_________\n(١) لأقحزنّ: أي لأثبن.\n(٢) والقرن: الحبل.\n(٣) ومستدن: ذليل مستعبد. وقال السهيلي: مستدن من السدانة، وهي خدمة البيت وتعظيمه، وكان لكل صنم سدنة يقومون بخدمة البيت الذي فيه الصنم.","vol":"4","page":2022},{"text":"الجدُّ بن قيس، وإنا لنبخِّلُه. قال: وأي داء أدوى من البُخل؟ بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموع (١) اهـ.\nقال ابن حجر: قال ابن عائشة فقال بعض الأنصار في ذلك:\nوقال رسول الله والقول قوله ... لمن قال منا من تسمون سيدًا\nفقالوا له جّدُّ بن قيس على التي ... نبخله منها وإن كان أسودًا\nفسود عمرو بن الجموح لجوده ... وحق لعمرو بالندى أن يسودا\nفلو كنت ياجد بن قيس على التي ... على مثلها عمرو لكنت المسودا\nقال الذهبي قال الواقدي: لم يشهد بدرًا. كأن أعرج. ولما خرجوا يوم أحُد منعه بنوه وقالوا: عذرك االله. فأتى رسول الله ﷺ، يشكوهم. فقال: لا عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله يرزقه الشهادة.\nقالت امرأته هند أخت عبد الله بن عمرو بن حرام: كأني أنظر إليه قد أخذ درقته وهو يقول: اللهم لا تردني. فقتل هو وابنُه خلاَّد\nقال مالك: كفن هو وعبدُ الله بن عمرو بن حرام في كفن واحد.\nمالك: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح، وابن حرام كان السيل قد خرب قبرها، فحفر عنهما ليتغيرا من مكانها، فوُجدا لم يتغيرا، كأنما ماتا بالأمس. وكان أحدُهما قد جُرح، فوضع يده على جرحه، فدفن كذلك. فأُميطت يدُه عن جرحه، ثم أرسلت، فرجعت كما كانت. وكان بين يوم أحُد ويوم حُفر عنها ستٌ وأربعون سنة (٢). اهـ.\n_________\n(١) رجاله ثقات لكنه مرسل. ورواه أبو نعيم في \"الحلية\" من طريق: ابن عيينة، عن ابن المنكدر، عن جابر. وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" من طريق عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا حميد بن الأسود، عن الحجاج الصواف قال: حدثني أبو الزبير قال: حدثنا جابر قال: قال رسول الله ﷺ وذكره، وهذا سند قوي.\n(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٧٠) ٢١ - كتاب الجهاد- ٢١ - باب الدفن في قبر واحد من ضرورة. ورجاله ثقات، لكنه مرسل، وأخرجه ابن سعد (٣/ ٥٦٢، ٥٦٣)، من طريق الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، عن الزهري، عن جابر فذكره بأطول مما هنا، وهذا سند صحيح كما قال الحافظ في \"الفتح\".","vol":"4","page":2023},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>٥١ - حارثة بن النعمان ﵁</span>\nقال ابن حجر: حارثة بن النعمان بن نقيع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار الأنصاري. ذكره موسى بن عقبة وابن سعد فيمن شهد بدرًا وقد ابن إسحاق إلا أنه سمى جده رافعًا وقال ابن سعد يكنى أبا عبد الله.\nوروى ابن شاهين من طريق المسعودي عن الحكم عن القاسم أن حارثة أتى النبي ﵌ وهو يناجي رجلًا ولم يسلم فقال جبرائيل: إما إنه لو سلم لرددنا عليه، فقال لجبرائيل وهل تعرفه؟ فقال: نعم هذا من الثمانين الذين صبروا يوم حنين رزقهم ورزق أولادهم على الجنة. ورواه الحارث من وجه آخر عن المسعودي فقال عن القاسم عن الحارث بن النعمان كذا قال. ورواه الطبراني من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم فقال عن ابن عباس فذكره نحوه وله حديث آخر عند أحمد وغيره ورواه البخاري في التاريخ من طريق ثابت عن عبد الله بن رباح أن حارثة بن النعمان قال لعثمان: إن شئت قاتلنا دونك وقال مقسم ابن سعد أدرك خلافه معاوية ومات فيها بعد أن ذهب بصره. وروى الطبراني والحسن بن سفيان من طريق محمد بن أبي فديك عن محمد بن عثمان عن أبيه قال: كان حارثة بن النعمان وفي رواية له عن حارثة بن النعمان وكان قد ذهب بصره فاتخذ خيطًا في مصلاه إلى باب حجرته فكان إذا جاء المسكين أخذ من مكتله شيئًا ثم أخذ بطرف الخيط حتى يناوله فكان أهله يقولون له نحن نكفيك فيقول إني سمعت رسول الله ﵌ يقول مناولة المسكين تقي مصارع السوء اهـ.\nوقال الذهبي في ترجمته: وله من الولد: عبدُ الله، وعبدُ الرحمن، وسودةُ، وعمرةُ، وأم كلثوم يُكنى: أبا عبد الله.\nشهد بدرًا، والمشاهد، ولا نعلمُ له رواية، وكان دينًا خيرًا، برًا بأمه.\nومن ذريته: المحدث أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري، ولدُ عْمرة الفقيهة (١) اهـ.\n_________\n(١) عَمْرة: هي بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة الأنصاري، المدينة، أكثرت عن عائشة، روى حديثها الستة.","vol":"4","page":2024},{"text":"٢١٥٤ - * روى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن حارثة بن النعمان قال: مررت على رسول الله ﷺ ومعه جبريل جالس في المقاعد فسلمت عليه ثم أجزت فلما رجعت وانصرف النبي ﷺ قال: \"هل رأيت الذي كان معي؟ \" قلت: نعم، قال: \"إنه جبريل ﷺ وقد ردَّ عليك السلام\".\n٢١٥٥ - * روى أحمد عن موسى بن عقبة قال: حدثني أبو سلمة عن الرجل الذي مر برسول الله ﷺ وهو يناجي جبريل ﵇ فزعم أبو سلمة أنه تجنب أن يدنو من رسول الله ﷺ تخوفًا أن يسمع حديثه، فلما أصبح قال له رسول الله ﷺ: \"ما منعك أن تسلم إذ مررت بي البارحة؟ \" فقال: رأيتك تناجي رجلًا فخشيت أن تكره أن أدنو منكما، قال: \"فهل تدري من الرجل؟ قال: لا، قال: \"جبريل ﷺ ولو سلمت لرد السلام\" وقد سمعت من غير أبي سلمة أنه حارثة بن النعمان.\n٢١٥٦ - * روى أحمد والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"نمتُ فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت من هذا قالوا: هذا حارثة بن النعمان\" فقال لها رسول الله ﷺ \"كذلك البرُّ، كذلك البرُّ\" وكان أبر الناس بأمه.\n* * *\n_________\n٢١٥٤ - أحمد في مسنده (٥/ ٤٣٣)، المعجم الكبير (٣/ ٢٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nالمقاعد: اسم مكان.\n٢١٥٥ - أحمد في مسنده (٤/ ١٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n٢١٥٦ - أحمد في مسنده (٦/ ١٥١) وإسناده صحيح.\nوالمستدرك (٣/ ٢٠٨) وصححه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٣): رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. ونسبه الحافظ في الإصابة إلى النسائي وقال: إسناده صحيح.","vol":"4","page":2025},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>٥٢ - عبد الله بن رواحة ﵁</span>\nقال ابن حجر: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الشاعر المشهور، يكنى أبا محمد، ويقال كنيته أبو رواحة، ويقال أبو عمرو، وأمه كبشة بنت واقد بن عمرو بن الأطنابة خزرجية أيضًا، وليس له عقب، من السابقين الأولين من الأنصار، وكان أحد النقباء ليلة العقبة وشهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة.\nقال ابن سعد: كان يكتب للنبي ﵌، وهو الذي جاء بشارة وقعة بدر إلى المدينة، وبعثه رسول الله ﷺ في ثلاثين راكبًا إلى أسير بن رزام اليهودي بخيبر فقتله، وبعثه بعد فتح خيبر فخرص عليهم. عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: نعم الرجل عبد الله بن رواحة في حديث طويل، وفي الزهد لأحمد من طريق زياد النميري عن أنس كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة. الحديث، وفيه أن النبي ﵌ قال: رحم الله ابن رواحة إنه يجب المجالس التي تتباهى بها الملائكة.\nوفي الزهد لعبد الله بن المبارك بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلي قال: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة فسألها عن صنيعه فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين وإذا دخل بيته صلى ركعتين لا يدع ذلك، قالوا وكان عبد الله أول خارج إلى الغزو وآخر قافل.\nوقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم وقال: كان زيد بن أرقم يتيمًا في حجر عبد الله بن رواحة: فخرج معه إلى سرية مؤتة فسمعه في الليل يقول:\nإذا آدنيتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء\nفشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي\nوجاء المؤمنون وخلفوني ... بأرض الشام مشهور الثواء","vol":"4","page":2026},{"text":"فبكى زيد. فخفقه بالدرة فقال: ما عليك يالكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل فذكر القصة في صفة قتله في غزوة مؤتة بعد أن قتل جعفر وقبله زيد بن حارثة. وقال ابن سعد: لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله أني منهم فأنزل الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١).\nومناقبه كثيرة قال المرزباني في معجم الشعراء كان عظيم القدر في الجاهلية والإسلام، وكان يناقض قيس بن الخطيم في حروبهم، ومن أحسن ما مدح به النبي ﵌ قوله:\nلو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر\nاهـ.\nوقال الذهبي: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة الأميرُ السعيد الشهيدُ أبو عمرو الأنصاري الخزرجي البدريُّ النقيبُ الشاعر. له عن النبي ﷺ وعن بلال. حدث عنه أنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وأرسل عنه قيسُ بن أبي حازم، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن، وعطاءُ بن يسار، وعكرمة وغيرهم. شهد بدرًا والعقبة. يكنى أبا محمد، وأبا رواحة، وليس له عقب، وهو خال النعمان بن بشير، وكان من كُتَّاب الأنصار. استخلفه النبي ﷺ على المدينة في غزوة بدر الموعد (٢) وبعثه النبيُّ ﵊ سرية في ثلاثين راكبًا إلى أُسير بن رزام اليهودي بخيبر فقتله.\nقال الواقدي: وبعثه النبي ﷺ خارصًا على خيبر.\nقلت [الذهبي]: جرى ذلك مرة واحدة، ويحتمل على بُعد مرتين.\n_________\n(١) الشعراء: ٢٣٧.\n(٢) قال محقق السير: (بدر الموعد): هي التي تواعدوا عليها من أحد، وذلك أن أبا سفيان لما انصرف منها نادى: إن موعدكم بدر، العام المقبل. ولما رجع النبي ﷺ، من غزوة ذات الرقاع أقام في المدينة إلى شعبان حيث خرج لميعاد أبي سفيان، وخرج أبو سفيان حتى نزل مجنة من ناحية الظهران ثم رجع ورجع الناس، فسماهم أهل مكة: جيش السويق، إذ يقولون: خرجتم تشربون السويق.","vol":"4","page":2027},{"text":"قال قتيبة: ابن رواحة وأبو الدرداء أخوان لأم.\nحماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّ عبد الله بن رواحة أتى النبي ﷺ وهو بخطُب، فسمعه وهو يقولُ: \"اجلسوا\" فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ من خطبته، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: \"زادك الله حرصًا على طواعية الله ورسوله\" (١). اهـ.\n٢١٥٧ - * روى ابن سعد عن ابن عمران الجوني، أنَّ عبد الله بن رواحة أُغمي عليه، فأتاه النبي، فقال: \"اللهم إن كان حضر أجلُه، فيسر عليه، وإلا فاشفه\" فوجد خفة، فقال يا رسول الله أمي قالت: واجبلاه، واظهراه! وملك رفع مرزبةً من حديد يقول: أنت كذا، فلو قلتُ: نعم لقمعني بها.\nوقوله \"أمي\" خطأ والصواب ما ورد في حديث البخاري التالي:\n٢١٥٨ - * روى البخاري عن النعمان بن بشير ﵁، قال: أغمي على عبد الله ابن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا تعدد عليه. فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟.\nفعلم من ذلك أن الباكية أخته عمرة وليست أمه. وهي الدة النعمان بن بشير راوي الحديث.\n٢١٥٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع النبي، ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما\n_________\n(١) إسناده صحيح، لكنه مرسل. وذكره الحافظ في \"الإصابة\" ٦/ ٧٨، قال: أخرجه البيهقي بسند صحيح من طريق: ثابت، عن ابن أبي ليلى ... وأخرجه من وجه آخر إلى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، والمرسل أصح سندًا. ونسبه صاحب \"الكنز\" (٣٧١٧٣) إلى ابن عساكر.\n٢١٥٧ - الطبقات الكبرى: (٣/ ٥٢٩) مرسلًا.\n٢١٥٨ - البخاري (٧/ ٥١٦) ٦٤ - كتاب المغازي- ٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام.\n٢١٥٩ - البخاري (٤/ ١٨٢) ٣٠ - كتاب الصوم- ٣٥ - باب حدثنا عبد الله بن يوسف.\nومسلم (٢/ ٧٩٠) ٣١ - كتاب الصيام- ١٧ - باب التخبير في الصوم والفطر في السفر.","vol":"4","page":2028},{"text":"كان النبي ﷺ، وابن رواحة.\nقال الذهبي في السير: عن ابن أبي ليلى قال: تزوج رجلٌ ابن رواحة فقال لها: تدرين لم تزوجتُك؟ لتخبريني عن صنيع عبد الله في بيته. فذكرت له شيئًا لا أحفظه، غير أنَّها قالت: كان إذا أراد أن يخرُج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل صلى ركعتين، لا يدعُ ذلك أبدًا (١).\nقال ابن سيرين: كان شعراءُ رسول الله ﷺ، عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك.\nقيل: لما جهز النبيُّ ﷺ، إلى مؤتة الأمراء الثلاثة، فقال: الأميرُ زيد، فإن أصيب فجعفرٌ، فإن أصيب، فابنُ رواحة، فلما قُتلا، كره ابنُ رواحة الإقدام فقال:\nأقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لا لتكرهنه\nفطالما قد كنت مطمئنه ... مالي أراك تكرهين الجنة\nفقاتل حتى قُتل.\nقال مُدرك بن عُمارة: قال ابنُ رواحة: مررت بمسجد النبي ﷺ، فجلستُ بين يديه، فقال: كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول. قلت أنظر في ذاك، ثم أقولُ. قال: فعليك بالمشركين، ولم أكن هيأت شيئًا. ثم قلتُ:\nفخبروني أثمان العباء متى ... كنتم بطاريق أو دانت لكم مضر\nفرأيته قد كره هذا أن جعلت قومه أثمان العباء فقلتُ:\nيا هاشم الخير إن الله فضلكم ... على البرية فضلًا ما له غير\nإني تفرست فيك الخير أعرفه ... فراسةً خالفتهم في الذي نظروا\nولو سألت إن استنصرت بعضهم ... في جل أمرك ما آووا ولا نصروا\nفثبت الله ما أتاك من حسنٍ ... تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصروا\n_________\n(١) ورجاله ثقات، ونسبه الحافظ في (الإصابة) إلى ابن المبارك في الزهد وصحح سنده.","vol":"4","page":2029},{"text":"فأقبل، ﷺ، بوجهه مستبشرًا وقال: \"وإياك فثبت الله\".\nوقال ابن سيرين: كان حسان وكعبُ يُعارضان المشركين بمثل قولهم بالواقع والأيام والمآثر. وكان ابنُ رواحة يعيرهم بالكفر، وينسبهم إليه، فلما أسلموا وفقهوا، كان أشدَّ عليهم.\nقال أبو زرعة الدمشقي: قلتُ لأحمد بن حنبل: فحديثُ أنس: دخل النبي ﵇ مكة وابن رواحة أخذ بغرزه (١) فقال: ليس له أصل.\nوعن قيس بن أبي حازم أنَّ رسول الله ﷺ، قال لابن رواحة: \"انزل فحرك الركاب\". قال: يا رسول الله لقد تركتُ قولي: فقال له عمر: اسمع وأطع، فنزل وقال:\nتالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا (٢)\nاهـ كلام الذهبي.\n٢١٦٠ - * روى الترمذي والنسائي عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:\nخلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله\nضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله\nفقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر، فقال له النبي ﷺ \"خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل\".\n_________\n(١) غرزه: ركاب الخيل.\n(٢) رواه ابن سعد مطولًا في الطبقات الكبرى (٣/ ٥٢٧) ورجاله ثقات، لكنه مرسل.\n٢١٦٠ - الترمذي (٥/ ١٣٩) ٤٤ - كتاب الأدب- ٧٠ - باب ما جاء في إنشاد الشعر وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوالنسائي (٥/ ٢٠٢) كتاب مناسك الحج، باب إنشاد الشعر في الحرم والمشي بين يدي الإمام. وذكره الحافظ في الإصابة (٤/ ٦٧) ونسبه إلى أبي يعلى؛ وقال: سنده حسن.","vol":"4","page":2030},{"text":"٢١٦١ - * روى أحمد وابن المبارك عن بكر بن عبد الله المزني قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ذهب عبد الله بن رواحة إلى بيته فبكى، فجاءت المرأة فبكت، وجاءت الخادم فبكت. وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون. فلما انقطعت عبرتهم قال: يا أهلاه ما الذي أبكاكم؟ قالوا: لا ندري. ولكن رأيناك بكيت فبكينا. قال: إنه أنزلت على رسول الله ﷺ، آية ينبئني فيها ربي ﵎ أني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، فذاك الذي أبكاني.\n٢١٦٢ - * روى أبو نعيم عن ابن شهاب الزهري قال: زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة. فبكى أهله حين رأوه يبكي فقال: والله ما بكيت جزعًا من الموت، ولا صبابة لكم. ولكني بكيت من قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٣) فأيقنت أني واردها، ولم أدر أنجو منها أم لا.\nقال الذهبي: الزهري عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ، كان يبعثُ ابن رواحة خيبر فيخرص بينه وبين يهود، فجمعوا حُليًا من نسائهم فقالوا: هذا لك وخفف عنا. قال: يا معشر يهود! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، والرشوةُ سُحت. فقالوا: بهذا قامت السماء والأرض (٤).\nابن وهب: حدثني أسامة بن زيد أنَّ نافعًا حدثه قال: كانت لابن رواحة امرأة، وكان يتقيها، وكانت له جارية، فوقع عليها. فقالت له. فقال: سبحان الله! قالت: اقرأ عليَّ إذا، فإنك جُنُب فقال:\n_________\n٢١٦١ - أخرجه ابن المبارك وأحمد في الزهد وابن عساكر.\n٢١٦٢ - حلية الأولياء (١/ ١١٨).\n(١) مريم: ٧١.\n(٢) وقال ابن هشام: فكان رسول الله ﷺ، كما حدثني عبد الله بن أبي بكر، يبعث عبد الله بن رواحة خارصًا بين المسلمين ويهمود. فإذا قالوا: تعديت علينا، قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا. فتقول يهود: بهذا قامت السماوات والأرض.\n(أي كأن يقدر في البستان مائة وسق، للمسلمين منها خمسون وسقًا، فإن رفضتم فنحن نأخذها جميعًا ونعطيكم حصتكم \"المصنف\" منها خمسين وسقًا).","vol":"4","page":2031},{"text":"شهدت بإذن الله أن محمدًا ... رسول الذي فوق السموات من علُ\nوأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ... له عملٌ من ربه متقبلُ (١)\nعن عروة قال: ثم أخذ الراية، يعني بعد قتل صاحبه، قال: فالتوى بعض الالتواء، ثم تقدم بها على فرسه، فجعل يستنزل نفسهـ ويتردد بها بعض التردد.\nقال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنه قال عند ذلك:\nأقسمت بالله لتنزلنه ... طائعة أو لا لتكرهنه\nإن أجلب الناس وشدوا الرنة ... مالي أراك تكرهين الجنه\nقد طال ما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفةٌ في شنه\nثم نزل فقاتل حتى قُتل.\nوقال أيضًا:\nيا نفس إن لا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد لقيت\nوما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلها هديت\nوإن تأخرت فقد شقيت (٢)\nقال الوليد بن مسلم: فسمعت أنهم ساروا بناحية معان، فأخبروا أن الروم قد جمعوا لهم جموعًا كثيرة، فاستشار زيد أصحابه فقالوا: قد وطئت البلاد وأخفت أهلها، فانصرف وابن رواحة ساكت، فسأله فقال: إنا لم نسر لغنائم، ولكنا خرجنا للقاء، ولسنا نقاتلهم بعدد ولا عدة، والرأي المسير إليهم. قال عروةُ بن الزبير: قال النبي ﷺ: \"فإن أصيب ابن رواحة، فليرتض المسلمون رجلًا\" ثم ساروا حتى نزلوا بمعان، فبلغهم أن هرقل قد نزل بمآب في مئة ألف من الروم، ومئة ألف من المستعربة، فشجع الناس ابن رواحة، وقال: يا قوم والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم لها: الشهادة. وكانوا ثلاثة آلاف (٣). اهـ.\n_________\n(١) ورواه أبو نعيم في الحلية (١/ ١١٩).\n(٢) رجاله ثقات، ولكنه مرسل.\n(٣) ورواه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٠).","vol":"4","page":2032},{"text":"٢١٦٣ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"رحم الله أخي عبد الله بن رواحة، كان أينما أدركته الصلاة أناخ\".\n* * *\n_________\n٢١٦٣ - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٦): رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"4","page":2033},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>٥٣ - عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁</span>\nقال ابن حجر: عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن مالك بن سالم بن غنم ابن عوف بن الخرزج الأنصاري الخزرجي ... وهو ابن أبي ابن سلول وكانت سلول امرأة من خزاعة وكان أبوه رأس المنافقين ... وشهد عبد الله هذا بدرًا وأحدًا والمشاهد ... ويقال إنه استأذن النبي ﵌ في قتل أبيه. فقال: \"بل أحسن صحبته\" روى ذلك ابن منده من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بهذا وفيه قصة، وروى الطبراني من طريق عروة عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أنه استأذن نحوه فقال: لا تقتل أباك وذكره ابن عبد البر فيمن كتب للنبي ﵌ واستشهد عبد الله باليمامة في قتال الردة سنة اثنتي عشرة. اهـ.\nوقال الذهبي: عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم -وسالم هو الذي يقال له الحبلى لعظم بطنه- بن غنم بن عوف بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي، المعروف والده بابن سلول المنافق المشهور، وسلول الخزاعية هي والدة أبي المذكور، وقد كان عبد الله بن عبد الله من سادة الصحابة وأخيارهم، وكان اسمه الحباب، وبه كان أبوه يكنى، فغيره النبي صلى الله عليه سلم، وسماه عبد الله. شهد بدرًا وما بعدها.\nروي عن عائشة، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أنه قال: ندرت (١) ثنيتي فأمرني رسول الله ﷺ أن اتخذ ثنية من ذهب.\nاستشهد عبد الله يوم اليمامة، وقد مات أبوه سنة تسع، فألبسه النبي ﷺ قميصه وصلى عليه، واستغفر له إكرامًا لولده، حتى نزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٢).\nوقد كان رئيسًا مطاعًا، عزم أهل المدينة قبل أن يهاجر النبي، ﷺ، على أن يملكوه عليهم، فانحل أمره، ولا حصل دنيا ولا آخرة، نسأل الله العافية، اهـ.\n_________\n(١) ندرت: أي سقطت.\n(٢) التوبة: ٨٤.","vol":"4","page":2034},{"text":"٢١٦٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر، قال: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه سلم، فسأله أن يعطيه قيمصه أن يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ، ليصلي عليه. فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله، ﷺ: \"إنما خيرني الله فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على السبعين\" قال: إنه منافق. فصلى عليه رسول الله، ﷺ، وأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١).\n* * *\n_________\n٢١٦٤ - مسلم (٤/ ١٨٦٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢ - باب من فضائل عمر.\n(١) سورة التوبة ٨٤.","vol":"4","page":2035},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>٥٤ - قتادة بن النعمان ﵁</span>\nقال ابن حجر: قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر الأوسي ثم الظغري أخو أبي سعيد الخدري لأمه أمهما أنيسة بنت قيس النجارية مشهور، يكنى أبا عمر والأنصاري يكنونه أبا عبد الله وقيل كنيته أبو عثمان ... قال البخاري له صحبة وقال خليفة وابن حبان وجماعة شهد بدرًا وحكى ابن شاهين عن ابن أبي داود أنه أول من دخل المدينة بسورة من القرآن وهي سورة مريم ... وأخرج البغوي وأبو يعلى [بسندهما] عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها فقالوا لا حتى نستأمر رسول الله ﵌، فاستأمروه فقال: لا، ثم دعا به فوضع راحته على حدقته ثم غمزها فكان لا يدري أي عينيه ذهب. ومن طريق يعقوب بن محمد الزهري عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه عن عاصم بن عمر بن قتادة عن جده أنه سالت عينه على خده يوم بدر فردها فكانت أصح عينيه قال عاصم فحدثت به عمر بن عبد العزيز فقال:\nتلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا\nوجاء من أوجه أخر أنها أصيبت يوم أحد، أخرجه الدارقطني وابن شاهين من طريق عبد الرحمن بن يحيى العذري عن مالك عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم أحد فقوعت على وجنته فردها النبي ﵌ فكانت أصح عينيه، وأخرجه الدارقطني والبيهقي في الدلائل [بسندهما].\nعن قتادة أن عينه ذهبت يوم أحد فجاء النبي ﵌ فردها فاستقامت وساقها ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مطولة مرسلة وذكر الواقدي أنه كان معه يوم حنين وأنه من ظفر.\nمات في خلافة عمر فصلى عليه ونزل في قبره، وعاش خمسًا وستين سنة، قاله ابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهما. اهـ.\nوقال الذهبي في ترجمته: الأمير المجاهد من نجباء الصحابة، وهو أخو أبي سعيد الخدري","vol":"4","page":2036},{"text":"لأمه، وهو الذي وقعت عينه على خده يوم أحد، فأتى بها إلى النبي ﷺ، فغمزها رسول الله ﷺ بيده الشريفة، فردها؛ فكانت أصح عينيه. وكان على مقدمة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب لما سار إلى الشام وكان من الرماة المعدودين.\nوقال الواقدي: شهد العقبة مع السبعين، وكذا قال ابن عقبة، وأبو معشر، ولم يذكره ابن إسحاق فيمن شهد العقبة ﵁.\nعاش خمسًا وستين سنة، توفي في سنة ثلاث وعشرين بالمدينة، ونزل عمر يومئذ في قبره. اهـ الذهبي.\n٢١٦٥ - * روى أحمد والطبراني والبزار عن قتادة بن النعمان قال: كانت ليلة شديدة الظلمة والمطر فقلت: لو أني اغتنمت هذه الليلة شهود العتمة مع النبي ﷺ، ففعلت فلما انصرف النبي ﷺ أبصرني ومعه عرجون يمشي عليه فقال: \"ما لك يا قتادة ههنا هذه الساعة؟ \" قلت: اغتنمت شهود الصلاة معك يا رسول الله، فأعطاني العرجون، فقال: \"إن الشيطان قد خلفك في أهلك. فاذهب بهذا العرجون فأمسك به حتى تأتي بيتك فخذه من وراء البيت فاضربه بالعرجون\" فخرجت من المسجد فأضاء العرجون مثل الشمعة نورًا فاستضأت به، فأتيت أهلي فوجدتهم، فنظرت في الزاوية فإذا فيها قنفذ، فلم أزل أضربه بالعرجون حتى خرج.\n* * *\n_________\n٢١٦٥ - أحمد في مسنده (٣/ ٦٥) عن أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة والمعجم الكبير (١٦/ ٦).\nوالبزار: كشف الأستار (٣/ ٢٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني وأحمد في حديث طويل تقدم في الصلاة، ورواه البزار أيضًا ورجال أحمد الذي تقدم في الصلاة رجال الصحيح.","vol":"4","page":2037},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>٥٥ - عبادة بن الصامت ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: عبادة بن الصامت بن قيس بن صرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو الوليد، قال خليفة بن خياط: وأمه قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن العجلان ... شهد بدرًا وقال ابن سعد: كان أحد النقباء بالعقبة، وآخى رسول الله ﵌ بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وشهد المشاهد كلها بعد بدر. وقال ابن يونسك شهد فتح مصر وكان أمير ربع المدد، وفي الصحيحين عن الصنابحي عن عبادة قال: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﵌ ليلة العقبة الحديث، وروى عن النبي ﵌ كثيرًا ....\nأخرج حميد بن زنجويه في كتاب الترغيب من طريق أبي الأشعث أنه راح إلى المسجد دمشق فلقي شداد بن أوس والصنابحي فقالا: اذهب بنا إلى أخ لنا نعوده، فدخلا على عبادة فقالا: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بنعمة من الله وفضله. قال عبد الصمد بن سعيد في تاريخ حمص: هو أول من ولي قضاء فلسطين. ومن مناقبه ما ذكر في المغازي لابن إسحاق حدثني أبي -إسحاق بن يسار- عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حارب بنو قينقاع بسبب ما أمرهم عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فمشى عبادة بن الصامت وكان له من الحلف مثل الذي لعبد الله بن أبي فخلعهم وتبرأ إلى الله ورسوله من خلفهم فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾ (١) الآية وذكر خليفة أن أبا عبيدة ولاه إمرة حمص ثم صرفه وولى عبد الله بن قرط ..\nوروى ابن سعد في ترجمته من طريق محمد بن كعب القرظي أنه ممن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ، وكذا أورده البخاري في التاريخ من وحه آخر عن محمد بن كعب وزاد: فكتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر: قد احتاج أهل الشام إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم فأرسل معاذًا وعبادة وأبا الدرداء فأقام عبادة بفلسطين. وقال السراج في\n_________\n(١) الممتحنة: ١.","vol":"4","page":2038},{"text":"تاريخه: حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن جنادة دخلت على عبادة وكان قد تفقه في دين الله، هذا سند صحيح، وفي مسند إلحاق بن راهويه والأوسط للطبراني من طريق عيسى بن سنان عن يعلى بن شداد قال ذكر معاوية الفرار من الطاعون -فذكر قصة له مع عبادة- فقام معاوية عند المنبر بعد صلاة العصر فقال: الحديث كما حدثني عبادة فاقتبسوا منه فهو أفقه مني. ولعبادة قصص متعددة مع معاوية وإنكاره عليه أشياء، وفي بعضها رجوع معاوية له، وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه تدل على قوته في دين الله وقيامه في الأمر بالمعروف.\nوروى ابن سعد في ترجمته أنه كان طوالًا جميلًا ومات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وكذا ذكره المدايني وفيها أرخه خليفة بن خياط وآخرون، ومنهم من قال: مات ببيت المقدس، وأورد ابن عساكر في ترجمته أخبارًا له مع معاوية تدل على أنه عاش بعد ولاية معاوية الخلافة، وبذلك جزم الهيثم بن عدي وقيل: إنه عاش إلى سنة خمس وأربعين. اهـ ابن حجر.\nقال الذهبي عنه: الإمام القدوة أبو الوليد الأنصاري، أحد النقباء ليلة العقبة، ومن أعيان البدريين. سكن بيت المقدس. وقال ابن إسحاق في تسمية من شهد العقبة الأولى: عبادة بن الصامت. شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. اهـ.\nعن قبيصة بن ذؤيب: أن عبادة أنكر على معاوية شيئًا، فقال: لا أساكنك بأرض، فرحل إلى المدينة، قال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره بفعل معاوية. فقال له: ارحل إلى مكانك، فقبح الله أرضًا لست فيها وأمثالك، فلا إمرة له عليك (١).\nعن عبيد بن رفاعة: أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة، وهو بالشام، تحمل الخمر، فقال: ما هذه؟ أزيت؟ قيل: لا، بل خمر يباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها، فلم يدر فيها راوية إلا بقرها -وأبو هريرة إذ ذاك بالشام- فأرسل فلان إلى أبي هريرة، فقال: ألا تمسك عنا أخاك عبادة، أما بالغدوات، فيغدو إلى\n_________\n(١) رجاله ثقات.","vol":"4","page":2039},{"text":"السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي، فيقعد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا!\nقال: فأتاه أبو هريرة: فقال: يا عبادة، مالك ولمعاوية؟ ذره وما حمل. فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا يأخذنا في الله لومة لائم، فسكت أبو هريرة، وكتب فلان إلى عثمان: إن عبادة قد أفسد علي الشام (١).\nأقول: الذي عليه الفتوى أن خمر الذمي لا تراق، ولكن الظاهر أن عبادة فعل ذلك لأنه كان يرى أنه ليس لأهل الذمة أن يظهروا ما هو منكر عند المسلمين فيتأذى منه المسلمون.\n٢١٦٦ - * روى الحاكم عن عبادة بن الصامت قال: وكان قد غزا مع رسول الله ﵌ ست غزوات.\n٢١٦٧ - * روى الحاكم عن أبي سلام الأسود قال: كنت إذا أتيت بيت المقدس نزلت على عبادة بن الصامت.\n٢١٦٨ - * روى الحاكم عن عبادة بن الصامت أن معاوية قال لهم: يا معشر الأنصار ما لكم لم لا تأتوني مع إخوانكم من قريش؟ قال عبادة: الحاجة. قال: فهلا على النواضح، قال: أمضيناها يوم بدر مع رسول الله ﵌.\nقوله الحاجة: أي يمنعنا من المجيء إليك فقرنا فلا نقدر أن نسافر حتى نصل إليك فلما قال له معاوية: فهلا على النواضح أي: إنكم تستطيعون أن تأتوا على الإبل، قال له معرضًا فقدناها يوم بدر.\n_________\n(١) قال محقق السير: إسناده محتمل للتحسين.\nالقطارة: أن تشد الإبل على نسق، واحد خلف واحد.\n٢١٦٦ - المستدرك (٣/ ٣٥٥) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢١٦٧ - المستدرك (٣/ ٣٥٥).\n٢١٦٨ - المستدرك (٣/ ٣٥٥).","vol":"4","page":2040},{"text":"قال الذهبي: عن الوليد بن عبادة قال: كان عبادة رجلًا طوالًا جسيمًا جميلًا. مات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى توفي زمن معاوية في خلافته. وقال يحيى بن بكير وجاعة: مات سنة أربع وثلاثين. وقال ضمرة، عن رجاء بن أبي سلمة، قال: قبر عبادة ببيت المقدس، وقال الهيثم بن عدي: مات سنة خمس وأربعين ﵁. اهـ.\n* * *","vol":"4","page":2041},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>٥٦ - خزيمة بن ثابت ﵁</span>\nقال ابن حجر: خزيمة بن ثابت بن الفاكه بالفاء وكسر الكاف ابن ثعلبة بن ساعدة ابن عامر بن غياث بالمعجمة والتحتانية وقيل بالمهملة والنون -ابن عامر بن حطمة- بفتح المعجمة وسكون المهملة- واسمه عبد الله بن جشتم -بضم الجيم وفتح المعجمة- ابن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي ثم الخطمي: وأمه كبشة بنت أوس الساعدية أبو عمارة من السابقين الأولين شهد بدرًا وما بعدها، وقيل أول مشاهده أحد وكان يكسر أصنام بني خطمة وكانت راية خطمة بيده يوم الفتح، وروى أبو داود من طريق الزهري عن عمارة بن خزيمة بن ثابت أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﵌ أن النبي ﵌ ابتاع فرسًا من أعرابي الحديث، وفيه فقال النبي ﵌: من شهد له خزيمة فحسبه، وروى الدارقطني من طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت أن النبي ﵌ جعل شهادته شهادة رجلين، وفي البخاري من حديث زيد بن ثابت قال: فوجدتها مع خزيمة بن ثابت الذي جعل النبي ﵌ شهادته بشهادتين، وروى أبو يعلى عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقال الأوس: ومنا من جعل رسول الله ﵌ شهادته بشهادة رجلين الحديث، وعند أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن خزيمة استشهد بصفين، وروى أحمد من طريق أبي معشر عن محمد بن عمارة بن خزيمة قال: ما زال جدي كافًا سلاحه حتى قتل عمار بصفين فسل سيفه وقاتل حتى قتل، ورواه يعقوب بن شيبة من طريق أبي إسحاق نحوه.\nقتل مع علي بصفين وهو القائل:\nإذا نحن بايعنا عليًا فحسبنا ... أبو الحسن مما نخاف من الفتن\nوفيه الذي فيهم من الخير كله ... وما فيهم بعض الذي فيه من حسن\nوقال ابن سعد شهر بدرًا وقتل بصفين. اهـ ابن حجر.\nوقال الذهبي في ترجمته: الفقيه، أبو عمارة الأنصاري الخطمي المدني، ذو الشهادتين.","vol":"4","page":2042},{"text":"قيل: إنه بدري. والصواب: أنه شهد أحدًا وما بعدها، وكان من كبار جيش علي، فاستشهد معه يوم صفين. اهـ.\n٢١٦٩ - * روى البخاري عن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيرًا أسمع رسول الله ﷺ يقرأها لم أجدها عند أحدٍ إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه سلم شهادته شهادة رجلين (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه).\n٢١٧٠ - * روى أبو داود عن عمارة بن خزيمة، أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله ﷺ، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس، وإلا بعته فقام النبي صلى الله عليه سلم حين سمع نداء الأعرابي، فقال: \"أو ليس قد ابتعته منك\"؟ فقال الأعرابي: لا، والله ما بعتكه، فقال النبي ﷺ: \"بلى قد اتبعته منك\" فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة، فقال: \"بم تشهد\"؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين.\nقال الذهبي: قال قتادة، عن أنس، قال: افتخر الحيان من الأنصار، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب؛ ومنا من اهتز له العرش سعد، ومنا من حمته الدبر (١) عاصم بن أبي الأقلح؛ ومنا من أجيزت شهادته بشهادتين: خزيمة بن ثابت (٢).\nقال الذهبي: قتل ﵁ سنة سبع وثلاثين، وكان حامل راية بني خطمة. وشهد مؤته. اهـ.\n_________\n٢١٦٩ - البخاري (٨/ ٥١٨) ٦٥ - كتاب التفسير -٣ - باب (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر).\n٢١٧٠ - أبو داود (٣/ ٢٠٨) كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، وإسناده صحيح.\n(١) الدبر: النحل والزنابير.\n(٢) نسبه الحافظ في الإصابة (٢/ ١١١) لأبي يعلى.","vol":"4","page":2043},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>٥٧ - خالد بن زيد المشهور بأبي أيوب الأنصاري ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار أبو أيوب الأنصاري النجاري معروف باسمه وكنيته، وأمه هند بنت سعيد ابن عمرو من بني الحارث بن الخزرج ... من السابقين روى عن النبي ﵌، شهد العقبة وبدرًا وما بعدها، ونزل عليه النبي ﵌: لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده وآخى بينه وبين مصعب بن عمير وشهد الفتوح وداوم الغزو واستخلفه علي على المدينة لما خرج إلى العراق ثم لحق به بعد وشهد معه قتال الخوارج قال ذلك الحكم بن عيينة، وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي عاصم من طريق أبي الخير عن أبي رهم أن أبا أيوب حدثهم أن النبي ﵌ نزل في بيته وكنت في الغرفة فهريق ماء في الغرفة فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتتبع الماء شفقًا أن يخلص إلى رسول الله ﵌ فنزلت إلى رسول الله ﵌ وأنا مشفق فسألته فانتقل إلى الغرفة قلت: يا رسول الله كنت ترسل إلي بالطعام فأنظر فأضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك حتى كان هذا الطعام قال: أجل إن فيه بصلًا فكرهت أن آكل من أجل الملك وأما أنتم فكلوا.\nوقال ابن سعد أخبرنا ابن علية عن أيوب عن محمد شهد أبو أيوب بدرًا ثم لم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا وهو في أخرى إلا عامًا واحدًا استعمل على الجيش شاب فقعد فتلهف بعد ذلك فقال ما ضرني ما استعمل، فمرض وعلى الجيش يزيد بن معاوية فأتاه يعوده فقال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي إذا أنا مت فاركب بي ما وجدت مساغًا في أرض العدو فإذا لم تجد فادفني ثم ارجع ففعل. ورواه أبو إسحاق الفزاري عن هشام عن محمد وسمى الشاب عبد الملك ابن مروان ولزم أبو أيوب الجهاد بعد النبي ﵌ إلى أن توفي في غزاة القسطنطينية سنة خمسين وقيل إحدى وقيل اثنتين وخمسين وهو الأكثر، عن سعيد بن عبد العزيز قال أغزى معاوية ابنه يزيد سنة خمس وخمسين في جماعة من الصحابة في البر والبحر حتى أجاز القسطنطينية وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها. اهـ. إصابة.\nوقال الذهبي عنه: الخزرجي النجاري البدري. السيد الكبير، الذي خصه النبي ﷺ","vol":"4","page":2044},{"text":"بالنزول عليه في بني النجار إلى أن بنيت له حجرة أم المؤمنين سودة، وبنى المسجد الشريف. اهـ.\n٢١٧١ - * روى أحمد وابن حبان والحاكم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله ﵌ قال: \"اكتم الخطبة ثم توضأ فأحسن وضوءك ثم صل ما كتب الله لك ثم احمد ربك ومجده ثم قل اللهم إنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، فإن رأيت لي فلانة تسميها باسمها خيرًا لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها لي وإن كان غيرها خيرًا لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي بها\" أو قال \"فاقدرها لي\".\n٢١٧٢ - * روى الحاكم عن سعيد بن المسيب عن أبي أيوب أنه أخذ من لحية رسول الله ﵌ شيئًا فقال: \"لا يكن بك السوء يا أبا أيوب\".\nقال الذهبي: إسحاق بن سليمان الرازي: حدثنا أبو سنان، عن حبيب بن أبي ثابت: أن أبا أيوب قدم على ابن عباس البصرة، ففرغ له بيته، وقال: لأصنعن بك كما صنعت برسول الله ﷺ، كم عليك؟ قال: عشرون ألفًا فأعطاه أربعين ألفًا، وعشرين مملوكًا، ومتاع البيت (١).\nابن علية، عن أيوب، عن محمد: قال شهد أبو أيوب بدرًا، ثم لم يتخلف عن غزاة إلا عامًا، استعمل على الجيش شاب، فقعد، ثم جعل يتلهف، ويقول: ما علي من استعمل علي. فمرض، وعلى الجيش يزيد بن معاوية، فأتاه يعوده، فقال: حاجتك؟ قال: نعم، إذا أنا مت، فاركب بي، ثم تبيغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغًا؛ فإذا لم تجد\n_________\n٢١٧١ - أحمد في مسنده (٥/ ٤٣٣).\nوابن حبان: موارد الظمآن حديث ١٧٧، والمعجم الكبير (٤/ ١٣٣) والمستدرك (١/ ٣١٤) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢١٧٢ - المستدرك (٣/ ٤٦٢) وصححه ووافقه الذهبي.\n(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١١٨، ١٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٣٠): رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح إلا أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أبي أيوب. والمستدرك (٢/ ٤٥٩) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":2045},{"text":"مساغًا، فادفني، ثم ارجع.\nفلما مات، ركب به، ثم سار به، ثم دفنه. وكان يقول: قال الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (١) لا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا (٢).\nوروى همام، عن عاصم بن بهدلة، عن رجل: أن أبا أيوب قال ليزيد: أقرئ الناس مني السلام؛ ولينطلقوا بي وليبعدوا ما استطاعوا. قال: ففعلوا.\nقال الواقدي: توفي عام غزا يزيد في خلافة أبيه القسطنيطينية. فلقد بلغني: أن الروم يتعاهدون قبره، ويرمونه، ويستسقون به. وذكره عروة والجماعة في البدريين.\nوقال ابن إسحاق: شهد العقبة الثانية.\nقال محمد بن سيرين: النجار (٣): سمي بذلك؛ لأنه اختتن بقدوم (٤).\nوعن ابن إسحاق: أن النبي ﷺ آخى بين أبي أيوب ومصعب بن عمير شهد أبو أيوب المشاهد كلها.\nوقال أحمد بن البرقي: جاء له نحو من خمسين حديثًا.\nوقال ابن يونس: قدم مصر في البحر سنة ستٍ وأربعين.\nوقال أبو زرعة النصري: قدم دمشق زمن معاوية.\nوقال الخطيب: شهد حرب الخوارج مع علي. اهـ الذهبي.\n_________\n(١) التوبة: ٤١.\n(٢) أخرجه ابن سعد (٣/ ٤٨٥) من طريق إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، ورجاله ثقات.\nثم تبيغ: تبيع به الدم، أي: تردد فيه الدم، وتبيغ الماء إذا تردد فتحير في مجراه كذا ومرة كذا وفي \"الطبقات\"، \"والنهاية\" وأسد الغابة\" \"وتهذيب ابن عساكر\": \"ثم سغ\"، وفسره ابن الأثير، فقال: أي: ادخل فيها ما وجدت مدخلًا، وساغت به الأرض، أي: ساخت، وساغ الشراب في الحلق يسوغ، أي: دخل سهلًا.\n(٣) النجارك الجد الأعلى لأبي أيوب.\n(٤) القدوم: الفأس التي ينحت بها الخشب، وفي تهذيب ابن عساكر: إنما سمي النجار لأنه نجر وجه رجل بقدوم.","vol":"4","page":2046},{"text":"٢١٧٣ - * روى أحمد والطبراني والحاكم عن أبي رهم السماعي أن أبا أيوب حدثه أن رسول الله ﷺ نزل في بيته الأسفل، وكنت في الغرفة فأهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتبع الماء شفقة أن يخلص إلى رسول الله ﷺ، فنزلت إلى رسول الله ﷺ، وأنا مشفق، فقلت: يا رسول الله ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر رسول الله ﷺ بمتاعه فنقل، ومتاعه قليل، فقلت: يا رسول الله كنت ترسل إلينا بالطعام فأبصر فيه، فإذا رأيت أثر أصابعك وضعت يدي فيه، حتى كان هذا الطعام الذي أرسلت به إلي، فنظرت فيه فلم أر أثر أصابعك، فقال رسول الله ﷺ: \"أجل إن فيه بصلًا، وكرهت أن آكله من أجل الملك الذي يأتيني، وأما أنتم فكلوه\".\n٢١٧٤ - * روى أحمد والطبراني عن جبير بن نفير عن أبي أيوب قال: لما قدم رسول الله ﵌ المدينة اقترعت الأنصار أيهم يؤوي رسول الله ﷺ فقرعهم أبو أيوب فآوى رسول الله ﷺ فكان إذا أهدى لرسول الله ﷺ طعام أهدى لأبي أيوب قال: فدخل أبو أيوب يومًا فإذا قصعة فيها بصل فقال ما هذا فقالوا أرسل به رسول الله ﷺ قال: فطلع أبو أيوب إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما منعك من هذه القصة قال: \"رأيت فيها بصلًا\" قال: ولا يحل لنا البصل؟ قال: \"بلى: فكلوه ولكن يغشاني ما لا يغشاكم\" وقال حيوة \"إنه يغشاني ما لا يغشاكم\".\n٢١٧٥ - * روى الطبراني عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: أعرست، فدعا أبي الناس، فيهم أبو أيوب، وقد ستروا بيتي بجنادي أخضر. فجاء أبو أيوب، فطأطأ رأسه، فنظر فإذا البيت مستر. فقال: يا عبد الله، تسترون الجدر؟ فقال أبي واستحى: غلبنا النساء يا أبا أيوب. فقال: من خشيت أن تغلبه النساء، فلم أخش أن يغلبنك. لا أدخل\n_________\n٢١٧٣ - أحمد في مسنده (٥/ ٤٢٠) وإسناده صحيح.\nوالطبراني (٤/ ١٢٦)، والمستدرك (٣/ ٤٦١) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢١٧٤ - أحمد في مسنده (٥/ ٤١٤)، المعجم الكبير (٤/ ١٨٦).\nورجاله ثقات، إلا أن بقية مدلس، وقد عنعن.\n٢١٧٥ - المعجم الكبير (٤/ ١١٩) وإسناده قوي وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٥٥) ورجاله رجال الصحيح.\nجنادي أخضر: هو جنس من الأنماط أو الثياب يستر بها الجدران.","vol":"4","page":2047},{"text":"لكم بيتًا، ولا آكل لكم طعامًا.\n٢١٧٦ - * روى الطبراني عن محمد بن كعب، قال: كان أبو أيوب يخالف مروان، فقال: ما يحملك على هذا؟ قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصلي الصلوات، فإن وافقته، وافقناك، وإن خالفته، خالفناك.\n٢١٧٧ - * روى الحاكم عن مقسم أن أبا أيوب أتى معاوية فذكر له حاجة قال: ألست صاحب عثمان؟ قال أما إن رسول الله ﵌ قد أخبرنا أن سيصيبنا بعده أثره قال: وما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر حتى نرد عليه الحوض، قال فاصبروا، قال: فغضب أبو أيوب وحلف أن لا يكلمه أبدًا ثم إن أبا أيوب أتى عبد الله بن عباس فذكر له فخرج له عن بيته كما خرج أبو أيوب لرسول الله ﵌ عن بيته وقال: إيش تريد؟ قال: أربعة غلمة يكونون في محلي، قال: لك عندي عشرون غلامًا.\n٢١٧٨ - (٣) عن أبي عمران التجيبي قال: غزونا القسطنطينية ومعنا أبو أيوب الأنصاري فصففنا صفين ما رأيت صفين قط أطول منهما، ومات أبو أيوب الأنصاري في هذه الغزاة، وكان أوصى أن يدفن في أصل سور القسطنطينية وأن يقضى دين عليه ففعل.\nقال الذهبي: ذكر خليفة: أن عليًا استعمل أبا أيوب على المدينة. وقال الحاكم: لم يشهد أبو أيوب مع علي صفين.\nعمر بن كثير بن أفلح قال: قدم أبو أيوب على معاوية، فأجلسه معه على السرير، حادثه، وقال: يا أبا أيوب، من قتل صاحب الفرس البلقاء التي جعلت تجول يوم كذا وكذا؟ قال: أنا؛ إذ أنت وأبوك على الجمل الأحمر معكما لواء الكفر. فنكس معاوية، وتنمر أهل الشام، وتكلموا. فقال معاوية: مه! وقال: ما نحن عن هذا سألناك.\n_________\n٢١٧٦ - المعجم الكبير (٤/ ١٥٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٦٨): رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.\nويخالف مروان: أي لا يصلي بصلاته، إذا أخرها عن الوقت المستحب.\n٢١٧٧ - المستدرك (٣/ ٤٥٩) وصححه ووافقه الذهبي.\nفي محلي: ينوب عني في محلي.\n٢١٧٨ - المستدرك (٣/ ٤٥٧) وسكت عنه الذهبي.","vol":"4","page":2048},{"text":"عن أبي ظبيان، قال: غزى أبو أيوب، فمرضن فقال: إذا مت فاحملوني، فإذا صافقتم العدو، فارموني تحت أقدامكم. أما إني سأحدثكم بحديثٍ سمعته من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\" إسناده قوي (١).\nقال الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز: أغزى معاوية ابنه في سنة خمس وخمسين في البر والبحر، حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل.\nوعن الأصمعي، عن أبيه: أن أبا أيوب قبر مع سور القسطنطينية، وبني عليه، فلما أصبحوا، قالت الروم: يا معشر العرب، قد كان لكم الليلة شأن. قالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبينا، والله لئن نبش، لا ضرب بناقوسٍ في بلاد العرب، فكانوا إذا قحطوا، كشفوا عن قبره، فأمطروا وقال خليفة: مات سنة خمسين. وقال يحيى بن بكير: سنة اثنتين وخمسين. اهـ.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٤١٩).","vol":"4","page":2049},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>٥٨ - زيد بن ثابت ﵁</span>\nقال ابن حجر: زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف ابن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو سعيد .. وقيل أبو ثابت وقيل غير ذلك في كنيته استغصر يوم بدر، ويقال إنه شهد أحدًا ويقال أول مشاهده الخندق، وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أولًا مع عمارة بن حزم فأخذها النبي ﵌ منه فدفعها لزيد بن ثابت فقال: يا رسول الله بلغك عني شيء؟ قال: لا ولكن القرآن مقدم وكتب الوحي للنبي ﵌ وأمه النوار بنت مالك بن معاوية ابن عدي، وقتل أبوه يوم بعاث، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر ثبت ذلك في الصحيح، وقال له أبو بكر إنك شاب عاقل لا نتهمك.\nوروى الواقدي من طريق زيد بن ثابت قال لم أجز في بدر ولا أحد وأجزت في الخندق. قال وكان فيمن ينقل التراب مع المسلمين فنعس زيد فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه وهو لا يشعر فقال له النبي ﵌ يا أبا رقاد، ويومئذ نهى النبي ﵌ أن يروع المؤمن ولا يؤخذ متاعه جادًا ولا لاعبًا ... وعن أنس قال قال النبي ﵌ أفرضكم زيد رواه أحمد بإسناد صحيح وقيل إنه معلول، وروى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر وعلي وابن مسعود وأبي وأبو موسى وزيد بن ثابت، وروى بسند فيه الواقدي من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض [وهو العلم بقسمة المواريث].\nمات زيد سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين وقيل سنة إحدى أو اثنتين أو خمس وخمسين وفي خمس وأربعين قول الأكثر وقال أبو هريرة حين مات اليوم مات حبر هذه الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا. اهـ.\nوقال الذهبي: الإمام الكبير، شيخ المقرئين، والفرضيين، مفتي المدينة أو سعيد، وأبو خارجة. الخزرجي، النجاري الأنصاري. كاتب الوحي، ﵁.\nحدث عن النبي ﷺ، وعن صاحبيه. وقرأ عليه القرآن بعضه أو كله، ومناقبه جمة.","vol":"4","page":2050},{"text":"وتلا عليه ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وغير واحد وكان من حملة الججة، وكان عمر بن الخطاب يستخلفه إذا حج على المدينة.\nوهو الذي تولى قسمة قسمة الغنائم يوم اليرموك. وقد قتل أبوه قتل الهجرة يوم بعاث (١)، فربي زيد يتيمًا. وكان أحد الأذكياء. فلما هاجر النبي ﷺ، أسلم زيد، وهو ابن إحدى عشرة سنة، فأمره النبي ﷺ أن يتعلم خط اليهود: ليقرأ له كتبهم. قال: \"فإني لا آمنهم\". اهـ.\n٢١٧٩ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله ﷺ، فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، فقدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام.\nقال الذهبي: قال ابن سعد: ولد زيد بن ثابت: سعيدًا، وبه كان يكنى، وأمه أم جميل.\nوولد لزيد: خارجة، وسليمان، ويحيى، وعمارة، وإسماعيل، وأسعد، وعبادة، وإسحاق، وحسنة، وعمرة، وأم إسحاق، وأم كلثوم، وأم هؤلاء: أم سعد ابنة سعد بن الربيع، أحد البدريين.\nوولد له: إبراهيم، ومحمد، وعبد الرحمن، وأم حسن، من عمرة بنت معاذ بن أنس. وولد له: زيد، وعبد الرحمن، وعبيد الله، وأم كثلوم؛ لأم ولد. وسليط، وعمران، والحارث، وثابت، وصفية، وقريبة، وأم محمد؛ لأم ولد.\nقال البخاري ومسلم والنسائي زيد: يكنى أبا سعيد. ويقال: أبو خارجة. وقال محمد ابن أحمد المقدمي: له كنيتان.\nروى خارجة عن أبيه، قال: قدم النبي ﵇ المدينة، وأنا ابن إحدى عشرة سنة. وأمره النبي ﷺ أن يتعلم كتابة يهود. قال: وكنت أكتب، فأقرأ إذا كتبوا إليه. اهـ.\n_________\n(١) بعاث: موضع على ليلتين من المدينة المنورة، وفيه كانت الوقيعة بين الأوس والخزرج ونسبت إليه.\n٢١٧٩ - البخاري (٧/ ١١٠) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١ - باب مناقب الأنصار.","vol":"4","page":2051},{"text":"٢١٨٠ - * روى أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والحاكم عن خارجة بن زيد أن أباه زيدًا أخبره أنه لما قدم النبي ﷺ المدينة قال زيد: ذهب بي إلى النبي ﷺ فأعجب بي فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فأعجب ذلك النبي ﷺ وقال: \"يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهود على كتابي\" قال زيد: فتعلمت كتابهم ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته وكنت اقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه وأجيب عنه إذا كتب.\n٢١٨١ - * روى أحمد والحاكم عن ثابت بن عبيد قال زيد: قال لي رسول الله: \"أتحسن السريانية\"؟ قلت: لا. قال: \"فتعلمها\" فتعلمتها في سبعة عشر يومًا.\n٢١٨٢ - * روى البخاري عن البراء، قال لي رسول الله ﷺ: \"ادع لي زيدًا، وقل له: يجيء بالكتف والدواة\" قال: فقال: \"اكتب\" ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم. فقال: يا رسول الله، أنا ضرير، فنزلت مكانها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).\n٢١٨٣ - * روى أحمد عن شرحبيل بن سعد قال: كنت مع زيد بن ثابت بالأسواف، فأجد طيرًا: فدخل زيد، قال: فدفعوا في يدي، وفروا، فأخذ الطير، فأرسله، ثم ضرب في قفاي، وقال: لا أم لك، ألم تعلم أن رسول الله ﷺ حرم ما بين لابتيها.\n_________\n٢١٨٠ - أحمد في مسنده (٥/ ١٨٦)، والبخاري تعليقًا (١٢/ ١٨٥) ٩٣ - كتاب الأحكام -٤٠ - باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد. وأبو داود (٣/ ٢١٨) كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب والترمذي (٥/ ٦٧) ٤٣ - كتاب الاستئذان -٢٢ - باب ما جاء في تعليم السريانية. وقال: هذا حديث حسن صحيح. والمستدرك (١/ ٢٧٥) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢١٨١ - أحمد في مسنده (٥/ ١٨٢) وإسناده صحيح. والمستدرك (٣/ ٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢١٨٢ - البخاري ٦٥ - كتاب التفسير -١٨ - باب لا يستهوي القاعدون من المؤمنين.\n(١) النساء: ٩٥.\n٢١٨٣ - أحمد في مسنده (٥/ ١٩٢) وشرحبيل فيه لين ما والحديث يتقوى بما أخرجه البخاري، ومسلم بن حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"ما بين لابتيها حرام\"، ولمسلم من حديث سعد أن رسول الله ﷺ قال: \"إني أحرم ما بين","vol":"4","page":2052},{"text":"٢١٨٤ - * روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمرك هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجعمه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحدٍ غيره (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) (٢) حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵁.\n٢١٨٥ - * روى البخاري عن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله أربعة، كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.\n_________\n= لابتي المدينة أن يقطع عضامها، أو يقتل صيها\". واللابة: هي الحرة. والمدينة المنورة بين حرئين شرقية وغربية تكتنفان، والحرة: هي الأرض ذات الحجارة السوداء، كأنها أحرقت بالنار. ومعنى ذلك: اللابتان وما بينهما.\nالأسواف: موضع ببعض أطراف المدينة بين الحرتين. وفي \"الموطأ\" عن رجل، قال: دخل علي زيد بن ثابت وأنا بالأسواف، وقد اصطدت نهسا (طائر يشبه الصرد)، فأخذه من يدي، وأرسله.\n٢١٨٤ - البخاري (١/ ١٠) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -٣ - باب جمع القرآن.\nالعسب: جمع عسيب: وهو جريد النخل إذا نحي عنه خوصه. وكانوا يكتبون في تلك الأشياء، لقلة القراطيس عندهم يومئذ.\n(١) التوبة: ١٢٨.\n٢١٨٥ - البخاري (٩/ ٤٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ.","vol":"4","page":2053},{"text":"٢١٨٦ - * روى الترمذي والحاكم عن أنس: قال رسول الله ﷺ: \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي ابن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابتٍ وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبلٍ، ولكل أمةٍ أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح\".\nقال الذهبي: بتقدير صحة \"أفرضهم زيد، وأقرأهم أبي\" لا يدل على تحتم تقليده في الفرائض، كما لا يتعين تقليد أبي في قراءته، وما انفرد به.\nروى عاصم، عن الشعبي، قال: غلب زيد الناس على اثنتين الفرائض والقرآن.\nعن أبي سعيد، قال: لما توفي رسول الله، قام خطباء الأنصار، فتكلموا، وقالوا: رجل منا، ورجل منكم. فقام زيد بن ثابت، فقال: إن رسول الله كان من المهاجرين ونحن أنصاره؛ وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره.\nفقال أبو بكر: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم، لو قلتم غير هذا ما صالحناكم (١).\nعن مسروق، قال: كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ: عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد، وأبي، وأبو موسى (٢).\nوعن القاسم بن محمد: كان عمر يستخلف زيدًا في كل سفر.\nعن الشعبي: قال: القضاة أربعة: عمر، وعلي، وزيد وابن مسعود.\nوعن يعقوب بن عتبة: أن عمر استخلف زيدًا، وكتب إليه من الشام: إلى زيد بن\n_________\n٢١٨٦ - الترمذي (٥/ ٦٦٥) ٥٠ - كتاب المناقب -٢٣ - مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح وهو كما قال.\nوالمستدرك (٢/ ٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي.\n(١) ورواه أحمد في مسنده (٥/ ١٨٦)، والمعجم الكبير (٥/ ١١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) إسناده صحيح.","vol":"4","page":2054},{"text":"ثابت، من عمر.\nقال خارجة بن زيد: كان عمر يستخلف أبي، فقلما رجع إلا أقطعه حديقة من نخل.\nعن الشعبي قال: تنازع أبي وعمر في جداد نخلٍ (١). فبكى أبي، ثم قال: أفي سلطانك يا عمر؟ قال: اجعل بيني وبينك رجلًا. قال أبي: زيد. فانطلقا، حتى دخلا عليه، فتحاكما إليه. فقال: بينتك يا أبي؟ قال: مالي بينة. قال: فاعف أمير المؤمنين من اليمين. فقال عمر: لا تعف أمير المؤمنين من اليمين إن رأيتها عليه.\nعن نافع، قال: استعمل عمر زيدًا على القضاء، وفرض له رزقًا (٢).\nقال الزهري: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان، لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرهما (٣).\nوقال جعفر بن برقان: سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض، لرأيت أنها ستذهب من الناس.\nقال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد عمر، زيد بن ثابت. وكان إمام الناس عندنا بعد زيد، ابن عمر.\nقال أحمد بن عبد الله العجلي: الناس على قراءة زيد، وعلى فرض زيد.\nوعن ابن عباس، قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن زيد بن ثابت، من الراسخين في العلم (٤).\nعن عبد الله بن معسود؛ أنه كان يقول في أخواتٍ لأبٍ وأم، وإخوة وأخواتٍ لأبٍ: للأخوات للأب والأم الثلثان، فما بقي، فللذكور دون الإناث.\n_________\n(١) جداد النخل: قطع ثمره.\n(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٩).\n(٣) وأخرجه الدرامي (٢/ ٢٤١) كتاب الفرائض، باب في تعليم الفرائض.\n(٤) نسبه الحافظ في الإصابة (٣/ ٢٢) للبغوي. وأخرج أبو زرعة في تاريخ دمشق نحوه.","vol":"4","page":2055},{"text":"فقدم مسروق المدينة، فسمع قول زيد فيها، فأعجبه. فقال له بعض أصحابه: أتترك قول عبد الله؟ فقال: أتيت المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. يعني: كان زيد يشرك بين الباقين (١).\nعن أبي سلمة، أن ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت. فأخذ له بركابه، فقال: تنح يا ابن عم رسول الله ﷺ، فقال: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا (٢).\nقال علي بن المديني: لم يكن من الصحابة أحد له أصحاب حفظوا عنه، وقاموا بقوله في الفقه، إلا ثلاثة: زيد، وعبد الله، [بن مسعود]، وابن عباس.\nعن الزهري: بلغنا أن زيد بن ثابت كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم. حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن. قال: فذروه حتى يكون.\nعن الشعبي: أن مروان دعا زيد بن ثابت، وأجلس له قومًا خلف ستر، فأخذ يسأله، وهم يكتبون؛ ففطن زيد، فقال: يا مروان، أغدرا، إنما أقول برأيي (٣).\nرواه إبراهيم بن حميد الرواسي، عن ابن أبي خالد، نحوه \"وزاد\": فمحوه.\nعن ابن سيرين، قال: حج بنا أبو الوليد، ونحن ولد سيرين سبعة؛ فمر بنا على المدينة، فأدخلنا على زيد بن ثابت، فقال: هؤلاء بنو سيرين. فقال زيد: هؤلاء لأم، وهذان لأم، وهذان لأم. قال: فما أخطأ، وكان محمد، ومعبد، ويحيى لأم (٤).\nعن ثابت بن عبيد، قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله، وأزمته (٥) عند القوم.\n_________\n(١) إسناده صحيح: يشرك بين الباقين: يسوي بينهم في القسمة.\n(٢) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٦٠) وإسناده حسن. والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٣٣) وصححه وسكت عنه الذهبي.\n(٣) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٦١) من طريقين عن سفيان به، والطبراني بنحوه (٥/ ١٣٧) عن خارجة ابن زيد.\n(٤) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٤٣٨) وأخرجه الفسوي في تاريخه ورجاله ثقات.\n(٥) أزمته: أي من أرزنهم وأوقرهم، الزميت: الحليم الساكن القليل الكلام.","vol":"4","page":2056},{"text":"هشام، عن ابن سيرين، قال: خرج زيد بن ثابت يريد الجمعة، فاستقبل الناس راجعين، فدخل دارًا، فقيل له. فقال: إنه من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله (١).\nومن جلالة زيد: أن الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صحف، وجمعه من أفواه الرجال، ومن الأكتاف والرقاع، واحتفظوا بتلك الصحف مدة، فكانت عند الصديق؛ ثم تسلمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة، إلى أن ندب عثمان زيد بن ثابت ونفرًا من قريش إلى كتابه هذا المصحف العثماني الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة، ولم يبق بأيدي الأمة قرآن سواه؛ ولله الحمد.\nحفص، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن [السلمي]، قال: لم أخالف عليًا في شيء من قراءته، وكنت أجمع حروف علي، فألقى بها زيدًا في المواسم بالمدينة. فما اختلفا إلا في \"التابوت\" كان زيد يقرأ [الحرف الأخيرٍ بالهاء وعلي بالتاء.\nعن مكحول: أن عبادة بن الصامت دعا نبطيًا يمسك دابته عند بيت المقدس، فأبى. فضربه، فشجه. فاستعدى عليه عمر. فقال: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا؟ قال: أمرته، فأبى؛ وأنا في حدة، فضربته. فقال: اجلس للقصاص. فقال زيد بن ثابت: أتقيد لعبدك من أخيك؟ فترك عمر القود، وقضى عليه بالدية (٢).\nعن عمار بن أبي عمار، قال: لما مات زيد، جلسنا إلى ابن عباس في ظل، فقال: هكذا ذهاب العلماء، دفن اليوم علم كثير (٣).\nوفيه يقول حسان بن ثابت:\nفمن للقوافي بعد حسان وابنه ... ومن للمثاني (٤) بعد زيد بن ثابت\n_________\n(١) وذلك لأن زيدًا ﵁ كان في منطقة لا يسمع الآذان فيها.\n(٢) ورواه البيهقي في السفن الكبرى (٨/ ٣٢) ورجاله ثقات.\n(٣) ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٣٦١) والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٢٨) والطبراني الكبير (٥/ ١٠٨) ورجاله ثقات.\n(٤) المثاني: القرآن وسمي بذلك لأن المعاني تثنى منه.","vol":"4","page":2057},{"text":"وقد اختلفوا في وفاة زيد ﵁ على أقوال: فقال الواقدي، وهو إمام المؤرخين: مات سنة خمس وأربعين، عن ست وخمسين سنة، وتبعه على وفاته يحيى بن بكير، وشباب، ومحمد بن عبد الله بن نمير.\nقال أبو عبيد: مات سنة خمس وأربعين. ثم قال: وسنة ست وخمسين أثبت.\nوقال أحمد بن حنبل، عمرو بن علي: سنة إحدى وخمسين.\nوقال المدائني، والهيثم، ويحيى بن معين: سنة خمس وخمسين. وقال أبو الزناد: سنة خمس وأربعين. فالله أعلم. اهـ ذهبي.\n* * *","vol":"4","page":2058},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>٥٩ - سلمة بن الأكوع ﵁</span>\nقال ابن حجر: سملة بن عمرو بن الأكوع ... واسم الأكوع سنان بن عبد الله، يأتي بقية نسبه في عامر بن الأكوع، وقيل اسم أبيه وهب، وقيل غير ذلك أول مشاهده الحديبية، وكان من الشجعان ويسبق الفرس عدوًا، وبايع النبي ﵌ عند الشجرة على الموت رواه البخاري من حديثه ... وقيل مات سنة أربع وستين وزعم الواقدي ومن تبعه أنه عاش ثمانين سنة وهو على القول الأول باطل إذ يلزم منه أن يكون له في الحديبية نحو من عشر سنين ومن يكون في ذلك السن لا يبايع على الموت، ثم رأيت عند ابن سعد أنه مات في آخر خلافة معاوية وكذا ذكر البلاذري اهـ ابن حجر.\nقال الذهبي في ترجمته: أبو عامر وأبو مسلم. ويقال: أبو إياس الأسلمي الحجازي المدني.\nقيل: شهد مؤتة، وهو من أهل بيعة الرضوان.\nقال مولاه يزيد: رأيت سلمة يصفر لحيته. وسمعته يقول: بايعت رسول الله ﷺ على الموت، وغزوت معه سبع غزوات.\nعن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: بيتنا هوازن مع أبي بكر الصديق، فقتلت بيدي ليلتئذ، سبعة أهل أبيات (١).\nعكرمة بن عمار: حدثنا إياس، عن أبيه [سلمة بن الأكوع] قال: خرجت أنا ورباح غلام النبي ﷺ بظهر النبي ﷺ. وخرجت بفرسٍ لطلحة. فأغار عبد الرحمن بن عيينة على الإبل، فقتل راعيها، وطرد الإبل هو وأناس معه في خيل. فقلت: يا رباح! اقعد على هذا الفرس، فألحقه بطلحة، وأعلم رسول الله ﷺ. وقمت على تل، ثم ناديت ثلاثًا: يا صباحاه! واتبعت القوم، فجعلت أرميهم، وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس، قعدت له في أصل شجرة، ثم رميته، وجعلت أرميهم، وأقول:\n_________\n(١) ورواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٦) وأبو داود بنحوه (٣/ ٤٣) كتاب الجهاد، باب في البيات وإسناده حسن.\nالتبييت: الطروق ليلًا على غفلةٍ للغارة.","vol":"4","page":2059},{"text":"أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع\nوأصبت رجالً بين كتفيه، وكنت إذا تضايقت الثنايا، علوت الجبل، فردأتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم حتى ما بقي من شيء من ظهر النبي ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، واستنقذته. ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا، وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون شيئًا إلا جعلت عليه حجارة، وجمعته على طريق رسول الله ﷺ، حتى إذا امتد الضحى، أتاهم عيينة بن بدر مددًا لهم، وهم في ثنيةٍ ضيقة، ثم علوت الجبل، فقال عيينة: ما هذا؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، ما فارقنا بسحر إلى الآن، وأخذ كل شيءٍ كان في أيدينا. فقال عيينة: لولا أنه يرى أن وراءه طلبًا لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم. فصعد إلي أربعة، فلما أسمعتهم الصوت، قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع. والذي أكرم وجه محمدٍ ﷺ لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني. فقال رجل منهم: إني أظن. فما برحت ثم، حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي، وأبو قتادة، والمقداد؛ فولى المشركون. فأنزل، فأخذت بعنان فرس الأخرم، لا آمن أن يقتطعوك، فائتذ حتى يلحقك المسلمون؛ فقال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، فخليت عنان فرسه، ولحق بعبد الرحمن بن عيينة، فاختلفا طعنتين، فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه، ثم قتله عبد الرحمن، وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة، فقتله أبو قتادة، وتحول على فرسه.\nوخرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار أصحابنا شيئًا، ويعرضون قبيل المغيب إلى شعبٍ فيه ماء يقال له: \"ذو قرد\" (١)، فأبصروني أعدو وراءهم، فعطفوا\n_________\n(١) ذو قرد: ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر، وقال البخاري في \"صحيحه\": وهي الغزوة التي أغاروا فيها على لقاح النبي ﷺ قبل خيبر بثلاث [ليال]. قال الحافظ: كذا جزم به، ومستنده في ذلك حديث إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، فإنه قال في آخر الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم من طريقه، قال: فرجعنا، أي: من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر، وأما ابن سعد، فقال: كانت غزوة ذي قرد في ربيع الأول في سنة ست قبل الحديبية، وقيل في جمادى الأولى، وقيل في جمادى الأولى، وعن ابن إسحاق: في شعبان منها.","vol":"4","page":2060},{"text":"عنه، وأسندوا في الثنية، وغربت الشمس، فألحق رجلًا، فأرميه؛ فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع. فقال: يا ثكل أمي أكوعي بكرة؟ قلت: نعم با عدو نفسه. وكان الذي رميته بكرة، فأتبعته سهمًا آخر، فعلق به سهمان. ويخلفون فرسين، فسقتهما إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حليتهم عنه - «ذو قرد» - وهو في خمس مئة، وإذا بلال نحر جزورًا مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من أصحابك مئة، فآخذ عليهم بالعشوة، فلا يبقى منهم مخبر. قال: «أكنت فاعلًا يا سلمة؟» قلت: نعم، فضحك حتى رأيت نواجذه في ضوء النار. ثم قال: إنهم يقرون الآن بأرض غطفان.\nقال: فجاء رجل، فأخبر أنهم مروا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورًا، فلما أخذوا يكشطون جلدها، رأوا غيرة، فهربوا. فلما أصبحنا، قال رسول الله ﷺ: «خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة» وأعطاني سهم الراجل والفارس جميعًا. ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة.\nفلما كان بيننا وبينها قريبًا من ضحوة، وفي القوم رجل كان لا يسبق جعل ينادي: ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارًا. فقلت: ما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا، إلا رسول الله ﷺ. فقلت: يا رسول الله بأبي وأمي، خلني أسابقه. قال\" إن شئت. وقلت: امض.\nوصبرت عليه شرفًا أو شرفين حتى استبقيت نفسي، ثم إني عدوت حتى ألحقه، فأصك بين كتفيه، وقلت: سبقتك والله، أو كلمة نحوها، فضحك، وقال: إن أظن، حتى قدمنا المدينة. اهـ.\nهكذا ذكره الذهبي وهو عند مسلم بأطول منه.\n٢١٨٧ - * روى البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، فذكر خيبر، والحديبية، ويوم حنين، ويوم القرد، قال يزيد بن\n_________\n٢١٨٧ - البخاري (٧/ ٥١٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٥ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة.","vol":"4","page":2061},{"text":"أبي عبيد: ونسيت بقيتهم.\nوفي رواية (١): أنه سمعه يقول: غروت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر، ومرة علينا أسامة.\n٢١٨٨ - * روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن رزين، قال: أتينا سلمة بن الأكوع بالربذة، فأخرج إلينا يدًا ضخمة كأنها خف البعير، فقال: بايعت بيدي هذه رسول الله ﷺ. قال: فأخذنا يده، فقلبناها.\n٢١٨٩ - * روى الطبراني عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: أردفني رسول الله ﷺ مرارًا، ومسح على وجهي مرارًا، واستغفر لي مرارًا عدد ما في يدي من الأصابع.\n٢١٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه دخل على الحجاج فقال: يا ابن الأكوع! ارتددت على عقبيك؟ تعربت؟ قال: لا. ولكن رسول الله ﷺ أن لي في البدو.\nوذكر الذهبي في السير (٢) عن عبادة بن الوليد أن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: اذهب بنا إلى سلمة بن الأكوع، فلنسأله، فإنه من صالحي أصحاب النبي ﷺ القدم، فخرجنا نريده، فلقيناه يقوده قائده. وكان قد كف بصره.\n٢١٩١ - * روى البخاري عن يزيد بن أبي عبيد، قال: لما قتل عثمان، خرج سلمة إلى\n_________\n(١) البخاري في نفس الموضع السابق\nومسلم (٣/ ١٤٤٨) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٩ - باب عدد غزوات النبي ﷺ.\n٢١٨٨ - الطبقات الكبرى (٤/ ٢٠٦) وإسناده حسن.\n٢١٨٩ - المعجم الكبير (٧/ ٢٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد «٩/ ٣٦٣) رجاله رجال الصحيح غير علي بن يزيد بن أبي حكيمة وهو ثقة.\n٢١٩٠ - البخاري (١٣/ ٤٠) ٩٣ - كتاب الفتن - ١٤ - باب الثغرب في الفتنة.\nومسلم (٣/ ١٤٨٦) ٣٢ - كتاب الإمارة - ١٩ - باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه.\n(٢) السير (٣/ ٣٣١) ورواه ابن عساكر في تاريخه.\n٢١٩١ - البخاري (١٣/ ٤٠) ٩٢ - كتاب الفتن - ١٤ - باب التغرب في الفتنة","vol":"4","page":2062},{"text":"الربذة (١)، وتزوج امرأة، فولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليالٍ، نزل المدينة.\n* * *\n_________\n(١) الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أميال قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من قيد تريد مكة. قال الحافظ في «الفتح»: ويستفاد من هذه الرواية مدة سكنى سلمة البادية وهي نحو الأربعين سنة، لأن قتل عثمان كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وموت سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح.","vol":"4","page":2063},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>٦٠ - أبو الدرداء ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: عويمر أبو الدرداء .. مشهور بكنيته وباسمه جميعًا واختلف في اسمه فقيل هو عامر وعويمر لقب حكاه عمرو بن الغلاس عن بعض ولده وبه جزم الأصمعي في رواية الكديمي عنه واختلف في اسم أبيه فقيل عامر أو مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد وأبوه ابن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخرزجي. قال أبو شهر عن سعيد بن عبد العزيز: أسلم يوم بدر وشهد أحدًا وأبلى فيها، قال صفوان بن عمر. وعن شريح بن عبيد قال رسول الله ﵌ يوم أحد: نعم الفارس عويمر، وقال هو حكيم أمتي. وقال ابن حبان: ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر. قال أبو شهر عن سعيد بن عبد العزيز: مات أبو الدرداء وكعب الأحبار لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال الواقدي وجماعة مات سنة اثنتين وثلاثين، وقال ابن عبد البر إنه مات بعد صفين والأصح عند أصحاب الحديث أنه مات في خلافة عثمان اهـ.\nقال الذهبي: أبو الدرداء، الإمام القدوة. قاضي دمشق، وصاحب رسول الله ﷺ، أبو الدرداء عويمر بن زيد بن قيس، ويقال: عويمر بن عامر، ويقال: ابن عبد الله. وقيل: ابن ثعلبة بن عبد الله - الأنصاري الخزرجي. حكيم هذه الأمة. وسيد القراء بدمشق.\nوقال ابن أبي حاتم: هو عويمر بن قيس بن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب الخزرج. قال: ويقال: اسمه عامر بن مالك.\nروى عن النبي ﷺ عدة أحاديث، وهو معدود فيمن تلا على النبي ﷺ، ولم يبلغنا أنه قرأ غيره، وهو معدود فيمن جمع القرآن في حياة رسول الله ﷺ، وتصدر للإقراء بدمشق في خلافة عثمان، وقبل ذلك، وقرأ عليه عطية بن قيس، وأم الدرداء.\nوقال أبو عمرو الداني: عرض عليه القرآن، خليد بن سعد، وراشد بن سعد، وخالد ابن معدان، وابن عامر. كذا قال الدامي. وولي القضاء بدمشق، في دولة عثمان. فهو أول من ذكر من قضاتها، وداره بباب البريد. ثم صارت في دولة السلطان صلاح الدين تعرف","vol":"4","page":2064},{"text":"بدار الغزي.\nوآخر من زعم أنه رأى أبا الدرداء، شيخ عاش إلى دولة الرشيد، فقال أبو إبراهيم الترجماني: حدثنا إسحاق أبو الحارث، قال: رأيت أبا الدرداء أقنى أشهل يخضب بالصفوة.\nعن خيثمة: قال أبو الدرداء: كنت تاجرًا قبل المبعث، فلما جاء الإسلام، جمعت التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فتركت التجارة، ولزمت العبادة (١).\nقلت [القائل الذهبي]: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله، هو طريق جماعة من السلف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع، كالصديق، وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك؛ وبعضهم يعجز، ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس؛ وكل سائغ. ولكن لابد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال.\nقال سعيد بن عبد العزيز: أسلم أبو الدرداء يوم بدر، ثم شهد أحدًا وأمره رسول الله ﷺ يومئذ أن يرد من على الجيل، فردهم وحده. وكان قد تأخر إسلامه قليلًا.\nقال شريح بن عبيد الحمصي: لما هزم أصحاب رسول الله يوم أحد، كان أبو الدرداء يومئذ فيمن فاء إلى رسول الله في الناس، فلما أظلهم المشركون من فوقهم، قال رسول الله: «اللهم، ليس لهم أن يعلونا» فثاب إليه ناس، وانتدبوا (٢)، وفيهم عويمر أبو الدرداء، حتى أدحضوهم (٣) عن مكانهم، وكان أبو الدرداء يومئذ حسن البلاء. فقال رسول الله: نعم الفارس عويمر».\nوقال [رسول الله ﷺ] «حكيم أمتي عويمر»! هذا رواه يحيي البابلتي: حدثنا صفوان بن عمرو، عن شريح، عن أنس: مات النبي ﷺ، ولم يجمع القرآن غير أربعة:\n_________\n(١) رواه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٣٩١)\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٧) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) انتدبوا: أسرعوا.\n(٣) أدحضوهم: أزللهم.","vol":"4","page":2065},{"text":"أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (١).\nعن الشعبي: جمع القرآني على عهد رسول الله ستة، وهم من الأنصار: معاذ، وأبو الدرداء، وزيد، وأبي، وسعد بن عبيد (٢).\nقال أبو الزاهرية: كان أبو الدرداء من آخر الأنصار إسلامًا، وكان يعبد صنمًا، فدخل ابن رواحة، ومحمد بن مسلمة بيته، فسكرا صنمه، فرجع فجعل يجمع الصنم، ويقول: ويحك! هلا امتنعت! ألا دفعت عن نفسك، فقالت أم الدرداء: لو كان ينفع أو يدفع عن أحد، دفع عن نسفه ونفعها!\nفقال أبو الدرداء: أعدي لي ماء في المغتسل. فاغتسل، ولبس خلته ثم ذهب إلى النبي ﷺ فنظر إليه ابن رواجة مقبلًا، فقال: يا رسول الله، هذا أبو الدرداء، وما أراه إلا جاء في طلبنا؟ فقال: «إنما جاء ليسلم، إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم.\nعن جبير، عن أبي الدرداء: قال النبي ﷺ: «إن الله وعدني إسلام أبي الدرداء فأسلم».\nعن سعيد بن عبد العزيز: أن أبا الدرداء أسلم يوم بدر، وشهد أحدًا. وفرض له عمر في أربع مئة - يعني في الشهر - ألحقه في البدريين.\nعن مكحول: كانت الصحابة يقولون: أرحمنا بنا أبو بكر؛ وأنطقنا بالحق عمر؛ وأميننا أبو عبيدة؛ وأعلمنا بالحرام والحلال معاذ؛ وأقرنا أبي، ورجل عنده علم ابن مسعود، وتبعهم عويمر أبو الدرداء بالعقل.\nوقال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء (٣).\nوروى عون بن أبي حجيقة، عن أبيه: أن رسول الله آخى بين سلمان وأبي الدرداء؛ فجاءه سلمان يزوره، فإذا أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك لا\n_________\n(١) رواه البخاري (٩/ ٤٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ٨ - باب القراء من أسحاب النبي ﷺ.\n(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٥) ورجاله ثقات، وسنده صحيح مع إرساله.\n(٣) راه البخاري في تاريخه (٧/ ٢٧).","vol":"4","page":2066},{"text":"حاجة له الدنيا، يقوم الليل، ويصوم النهار. فجاء أبو الدرداء، فرحب به، وقرب إليه طعامًا. فقال له سلمان: كل. قال: إني ضائم. قال: أقسمت غليك لتفطرن، فأكل معه، ثم بات عنده، فلما كان من الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم، فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقًا، ولربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا؛ صم، وأفطر، وصل، وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه.\nفلما كان وجه الصبح، قال: قم الآن إن شئت؛ فقاما، فتوضا، ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله بالذي أمره سلمان. فقال له: «يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقًا، مثل ما قال لك سلمان» (١).\nقال أبو الدرداء: لو نسيت آية لم أجدا أحدًا يذكرنبها إلا رجلًا ببرك الغماد (٢)، رحلت إليه.\nعن أبي الدرداء، قال: سلوني، فوالله لئن فقدتموني لتفقدن رجلًا عظيمًا من أمة محمد ﷺ.\nعن يزيد بن عميرة، قال: لما حضرت معاذًا الوفاة، قالوا: أوصنا. فقال: العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما - قالها ثلاثًا - فالتمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، الذي كان يهوديًا فأسلم.\nعن عبد الرحمن الحجري، قال: قال أبو ذر لأبي الدرداء: ما حملت ورقاء، ولا أظلت خضراء (٣)، أعلم منك يا أبا الدرداء.\nعن مسروق: قال: وجدت علم الصحابة انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد،\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ٢٠٩) ٣٠ - كتاب الصوم - ٥١ - باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع.\nوالترمذي (٤/ ٦٠٨) ٣٧ - كتاب الزهد، باب: ٦٣.\nمبتذلة: لابسة ثياب البذلة وهي المهنة.\n(٢) برك الغماد: موضع بناحية اليمن، وقيل: موضع في أقاصي أرض هجر.\n(٣) الورقاء: الغيراء، أراد بها الأرض، والخضراء: السماء.","vol":"4","page":2067},{"text":"وأبي الدرداء، وابن مسعود؛ ثم انتهى علمهم إلى علي، وعبد الله (١).\nوقال خالد بن معدان: كان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين فيقال: من العاقلان؟ فيقول: معاذ، وأبو الدرداء (٢).\nعن محمد بن كعب، قال: جمع القرآن خمسة: معاذ، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبي، وأبو أيوب. فلما كان زمن عمر، كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا، وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم. فأعني برجال يعلمونهم. فدعا عمر الخمسة؛ فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، فأعينوني يرحكمهم الله بثلاثة منكم إن أحبتتم، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا.\nفقالوا: ما كنا لتتساهم، هذا شيخ كبير - لأبي أيوب - وأما هذا فسقيم - لأبي - فخرج معاذ، وعبادة، وأبو الدرداء.\nفقال عمر: ابدؤوا بحمص، فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك، فوجهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم، فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين. قال: فقدموا حمص فكانوا بها؛ حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة بن الصامت؛ وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين. فمات في طاعون عمواس، ثم صار عبادة بعد إلى فلسطين وبها مات. ولم يزل أبو الدرداء بدشمق حتى مات (٣).\nعن يحيي بن سعيد، قال: كان أبو الدرداء، إذا قضى بين اثنين، ثم أدبرا عنه، نظر\n_________\n(١) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٥١) وإسناده صحيح.\n(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٠) ورجاله ثقات.\n(٣) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٦) والبخاري في التاريخ الصغير (١/ ٤١)\nتساهم: تتقارع من القرعة.\nيفقن: يفهم.\nعسواس: قرية على ستة أميال من الرملة على طريق بيت المقدس، وطاعون عمواس كان في سنة ١٨ هـ وفيه استشهد أبو عبيدة ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم.","vol":"4","page":2068},{"text":"إليهما، فقال: ارجعا إلي، أعيدا علي قضيتكما.\nعن ابن أبي ليلى، قال: كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد: سلام عليك. أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله، أبغضه الله؛ فإذا أبغضه الله، بغضه إلى عباده.\nعن أبي الدرداء: إني لآمركم بالأمر وما أفعله، ولكن لعل الله يأجرني فيه.\nسعد بن إبراهيم، عن أبيه: أن عمر قال لابن مسعود وأبي ذر، وأبي الدرداء: ما هذا الحديث عن رسول الله ﷺ؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب. الذهبي. اهـ.\nأقول: كان مذهب عمر أن يقلل الحديث عن رسول الله ﷺ إلا فيما لابد منه كي لا ينشغل الناس عن القرآن، وكان يحب أن لا يتفرق الصحابة بالأمصار كي تبقى حوله نخبة من الصحابة يستشيرها، وكي تبقى للعاصمة مركزيتها القوية.\nقال الذهبي: عن مسلم بن مشكم قال لي أبو الدرداء: اعدد من في مجلسنا. قال: فجاؤوا ألفًا وست مئة ونيفا. فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، فإذا صلى الصبح، انفتل وقرأ جزءًا؛ فيحدقون به يسمعون ألفاظه. وكان ابن عامر مقدمًا فيهم (١).\nيزيد بن أبي مالك، قال: كان أبو الدرداء يضلي، ثم يقرئ ويقرأ، حتى إذا أراد القيام، قال لأصحابه: هل من وليمة أو عقيقة (٢) نشهدها؟ فإن قالوا: نعم، وإلا قال: اللهم، إني أشهدك أني صائم. وهو الذي سن هذه الحلق للقراءة.\nوعن يزيد بن معاوية قال: إن أبا الدرداء من العلماء والفقهاء، الذين يشفون من الداء.\nوقال الليث، عن رجل عن آخر: رأيت أبا الدرداء دخل مسجد النبي ﷺ ومعه الأتباع مثل السلطان: فمن سائل عن فريضة، ومن سائل عن حساب، وسائل عن حديث، وسائل عن معضلة، وسائل عن شعر.\n_________\n(١) رجاله ثقات.\n(٢) العقيقة: هي الشاة التي تذبح عن المولد في اليوم السابع من ولادته.","vol":"4","page":2069},{"text":"قال ربيعة بن يزيد القصير: كان أبو الدرداء إذا حدث عن رسول الله قال: اللهم إن لا هكذا، وإلا فكشكله.\nقال أبو الدرداء: مالي أري علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون! تعلموا، فإن العالم والمتعلم شريكان في الأجر.\nوعن أبي الدرداء، من وجه مرسل: لن تكون عالمًا حتى تكون متعلمًا، ولا تكون متعلمًا حتى تكون بما علمت عاملًا؛ إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال لي: ما عملت فيما علمت؟.\nقال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات.\nعن عون بن عبد الله: قلت لأم الدرداء: أي عبادة أبي الدرداء كانت أكثر؟ قالت: التفكر والاعتبار.\nوعن أبي الدرداء: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.\nعن ابن حلبس: قيل لأبي الدرداء - وكان لا يفتر من الذكر -: كم تسبح في كل يوم؟ قال: مئة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع.\nعن بلال بن سعد، أن أبا الدرداء قال: أعود بالله من تفرقة القلب. قيل: وما تفرقة القلب؟ قال: أن يجعل لي في كل واد مال.\nوري عن أبي الدرداء، قال: لولا ثلاث ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، وكجالسة أقوام ينتقوم جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر.\nعن يحيي بن أبي كثير، عن أبيه: أن أبا الدرداء أوجعت عينه حتى ذهبت، فقيل له: لو دعوت الله؟ فقال: ما فرغت بعد من دعائه لذنوبي؛ فكيف أدعو لعيني؟.\nحريز بن عثمان: حدثنا راشد بن سعد، قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: أوصني. قال: اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء؛ وإذا ذكرت الموتى، فاجعل نفسك","vol":"4","page":2070},{"text":"كأحدهم، وإذا أشرفت نفسك على شيء (١) من الدنيا، فانظر إلى ما يصير.\nعن عبد الله بن مرة، أن أبا الدرداء قال: اعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى، وإياك ودعوة المظلوم، واعلم أن قليلًا يغنيك خير من كثير يلهيك، وأن البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى.\nعن أبي الدرداء: إياك ودعوات المظلوم؛ فإنهن يصعدن إلى الله كأنهن شرارات من نار.\nوروى لقمان بن عامر، أن أبا الدرداء قال: أهل الأموال يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ويلبسون ونلبس، ويركبون ونركب، ولهم فضول أموال ينظرون إليها، وننظر إليها معهم، وحسابهم عليها ونحن منها برآء.\nوعنه، قال: الحمد لله الذي جعل الأغنياء يتمنون أنهم مثلنا عند الموت، ولا نتمنى أننا مثلهم حينئذ، ما أنصفنا إخواننا الأغنياء: يحبوننا على الدين، ويعادوننا على الدنيا.\nقال: لما فتحت قبرس، مر بالسبي على أبي الدرداء، فبكى، فقلت له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: يا جبير، بينا هذه الأمة قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله، فلقوا ما ترى. ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه.\nعن أم الدرداء، قالت: كان لأبي الدرداء ستون وثلاث مئة خليل في الله. يدعو لهم في الصلاة، فقلت له في ذلك، فقال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب، إلا وكل الله به ملكين يقولان: ولك بمثل. أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة (٢).\nقالت أم الدرداء: لما احتضر أبو الدرداء، جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟.\nعن يزيد بن مزيد، قال: ذكر الدجال في مجلس فيه أبو الدرداء فقال نوف\n_________\n(١) وإذا أشرفت نفسك على شيء: أي تطلعت إليه.\n(٢) أقول: هذا محمول على الدعاء في صلاة.","vol":"4","page":2071},{"text":"البكالي (١): إني لغير الدجال أخوف مني من الدجال. فقال أبو الدرداء: وما هو؟ قال: أخاف أن أستلب إيماني وأنا لا أشعر. فقال أبو الدرداء: ثكلتك أمك يا ابن الكندية! وهل في الأرض خمسون يتخوفون ما تتخوف؟ ثم قال: وثلاثون، وعشرون، وعشرة، وخمسة. ثم قال: وثلاثة. كل ذلك يقول: ثكلتك أمك! والذي نفسي بيده ما أمن عبد علي إيمانه إلا سلبه، أو انتزع منه فيفقده. والذي نفسي بيده ما الإيمان إلا كالقميص يتقمصه مرة ويضعه أخرى.\nوقيل: الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجل، ولكل عشرة منهم ملقن، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائمًا، فإذا أحكم الرجل منهم، تحول إلى أبي الدرداء- يعني يعرض عليه.\nوعن أبي الدرداء، قال: من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده.\nقال الواقدي، وأبو مسهر، وابن نمير: مات أبو الدرداء سنة اثنتين وثلاثين.\nوعن خالد بن معدان، قال: مات سنة إحدى وثلاثين.\nفهذا خطأ، لأن الثوري روى عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، قال: لما جاء نعي- يعني ابن مسعود- إلى أبي الدرداء، قال: أما إنه لم يخلف بعده مثله! ووفاة عبد الله في سنة ٣٢.\nوروى إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي عبيد الله الأشعري، قال: مات أبو الدرداء قبل مقتل عثمان، ﵄ مات قبل عثمان بثلاث سنين. أهـ الذهبي.\nوروى أبو زرعة في تاريخ دمشق عن الأوزاعي قال: مات أبو الدرداء وكعب الأحبار في خلافة عثمان لسنتين من خلافته.\n٢١٩٢ - * وروى الطبراني عن أبي الدرداء قلت: يا رسول الله بلغني أنك تقول: إن قومًا من أمتي سيكفرون بعد إيمانهم؟ قال: \"أجل يا أبا الدرداء ولست منهم\".\n_________\n(١) هو ابن امرأة كعب الأحبار.\n٢١٩٢ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الأشعري وهو ثقة.","vol":"4","page":2072},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>٦١ - عبد الله بن الأرقم ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته: عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم واسمه عبد يغوث بن وهب ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري .. قال البخاري: عبد يغوث جده وكان خال النبي ﷺ، أسلم يوم الفتح وكتب للنبي ﵌ ولأبي بكر وعمر وكان على بيت المال أيام عمر وكان أميرًا عنده. حديث حفصة أنه قال لها: لولا أن ينكر علي قومك لاستخلفت عبد الله بن الأرقم وقال السائب بن يزيد ما رأيت أخشى لله منه وأخرج البغوي عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﵌ استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث وكان يجيب عنه الملوك وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده واستكتب أيضًا زيد بن ثابت وكان يكتب الوحي وكان إذا غاب بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى أحد أمر من حضر أن يكتب فمن هؤلاء عمر وعلي وخالد بن سعيد والمغيرة ومعاوية، ومن طريق محمد بن صدقة الفدكي عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قال عمر: كتب إلى النبي ﵌ كتاب فقال لعبد الله بن الأرقم الزهري أجب هؤلاء عني فأخذ عبد الله الكتاب فأجابهم ثم جاء به فعرضه على النبي ﵌ فقال: أصبت قال عمر: فقلت رضي رسول الله ﵌ بما كتبت فما زالت في نفسي يعني حتى جعلته على بيت المال وقد روى عن النبي ﵌، وعنه عبد الله بن عتبة بن مسعود وأسلم مولى عمر ويزيد بن قتادة وعروة قال ابن السكن: توفي في خلافة عثمان وهو مقتضى صنيع البخاري في تاريخه الصغير، ووقع في ثقات ابن حبان أنه توفي سنه أربع وأربعين وهو وهم، وقال مالك: بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم بثلاثين ألفًا فأبى أن يقبلها وقال: إنما عملت لله. وأخرج البغوي من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار: استعمل عثمان عبد الله بن الأرقم على بيت المال فأعطاه عمالة ثلثمائة ألف فأبى أن يقبلها فذكر نحوه. أهـ.\nوقال الذهبي في ترجمته: من مسلمة الفتح، وكان ممن حسن إسلامه، وكتب للنبي ﷺ، ثم كتب لأبي بكر، ولعمر، وولاه عمر بيت المال، وولي بيت المال أيضًا لعثمان","vol":"4","page":2073},{"text":"مدة، وكان من جلة الصحابة وصلحائهم.\nوروي عن عمر أنه قال لعبد الله بن الأرقم: لو كانت لك سابقة، ما قدمت عليك أحدًا! وكان يقول: ما رأيت أخشى لله من عبد الله بن الأرقم.\nوروى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه، قال: والله ما رأيت رجلًا قط كان أخشى لله من عبد الله بن الأرقم. أهـ.","vol":"4","page":2074},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>٦٢ - عثمان بن أبي العاص ﵁</span>\nقال ابن حجر: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان بن عبد الله بن همام الثقفي أبو عبد الله نزيل البصرة .. أسلم في وفد ثقيف فاستعمله النبي ﵌ على الطائف وأقره أبو بكر ثم عمر ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية، قيل سنة خمس وقيل سنة إحدى وخمسين، وكان هو الذي منع ثقيفًا عن الردة خطبهم فقال: كنتم آخر الناس إسلامًا فلا تكونوا أولهم ارتدادًا، وجاء عنه أنه شهد آمنة لما ولدت النبي ﵌ وهي قصة أخرجها البيهقي في الدلائل، والطبراني من طريق محمد بن أبي سويد الثقفي عنه قال: حدثتني أمي فعلى هذا يكون عاش نحوًا من مائة وعشرين سنة. روى عثمان عن النبي ﵌ أحاديث في صحيح مسلم وفي السنن، وذكر المرزباني في معجم الشعراء أن عثمان بن بشر بن عبد بن دهمان كان قد شد في الجاهلية على عمرو بن معد يكرب فهرب عمرو فقال عثمان:\nلعمرك لولا الليل قامت مآتم ... حواسر يخمشن الوجوه على عمرو\nفأفلتنا فوت الأسنة بعدما ... رأى الموت والخطي أقرب من شعر\nفما أدري أهو هذا نسب إلى جده أو هو عنه. أهـ ابن حجر.\nوقال الذهبي في السير: عثمان بن أبي العاص الأمير الفاضل المؤتمن. أبو عبد الله الثقفي الطائفي.\nقدم في وفد ثقيف على النبي ﷺ في سنة تسع. فأسلموا، وأمره عليهم لما رأى من عقله وحرصه على الخير والدين، وكان أصغر الوفد سنًا.\nثم أقره أبو بكر على الطائف، ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين، ثم قدمه [أمره] على جيش، فافتتح توج (١)، ومصرها، وسكن البصرة.\n_________\n(١) توج: مدينة بفارس وكان فتحها سنة ٢١.","vol":"4","page":2075},{"text":"ذكره الحسن البصري، فقال: ما رأيت أحدًا أفضل منه وكانت أمه قد شهدت ولادة رسول الله ﷺ.\nحدث عنه: سعيد بن المسيب، ونافع بن جبير بن مطعم، ويزيد، ومطرف: ابنا عبد الله بن الشخير، وموسى بن طلحة، وآخرون. أهـ ذهبي.\n٢١٩٣ - * روى الطبراني عن عثمان بن أبي العاص قال: قدمت في وفد ثقيف حين قدموا على رسول الله ﷺ فلبسنا حللنا بباب النبي ﷺ، فقالوا من يمسك لنا رواحلنا؟ فكل القوم أحب الدخول على النبي ﷺ وكره التخلف عنه. قال عثمان: وكنت أصغرهم فقلت: إن شئتم أمسكت لكن على أن عليكم عهد الله لتمسكن لي إذا خرجتم؟ قالوا: فذلك لك، فدخلوا عليه ثم خرجوا، فقالوا: انطلق بنا، قلت: أين؟ قالوا: إلى أهلك، فقلت: خرجت من أهلي حتى إذا حللت بباب النبي ﷺ أرجع ولا أدخل عليه وقد أعطيتموني ما قد علمتم، قالوا فاعجل فإنا قد كفيناك المسألة فلم ندع شيئًا إلا سألناه فدخلت، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يفقهني في الدين ويعلمني، قال: \"ماذا قلت\" فأعدت عليه القول، فقال: \"لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم وعلى من يقدم عليك من قومك\".\n٢١٩٤ - * روى مسلم عن عثمان بن أبي العاص الثقفي؛ أن النبي ﷺ قال له: \"أم قومك\" قال قلت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي شيئًا. قال: \"ادنه\" فجلسني بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثديي. ثم قال: \"تحول\" فوضعها في ظهري بين كتفي ثم قال: \"أم قومك. فمن أم قومًا فليخفف، فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده، فليصل كيف شاء\".\n_________\n٢١٩٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير حكيم بن حكيم بن عياد وقد وثق. وقال عنه في التقريب: صدوق.\n٢١٩٤ - مسلم (١/ ٣٤١) ٤ - كتاب الصلاة- ٣٧ - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام.","vol":"4","page":2076},{"text":"٢١٩٥ - * روى أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص قال قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي فقال: \"أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا\".\n٢١٩٦ - * روى الطبراني عن أبي نضرة قال: أتيت عثمان بن أبي العاص في أيام العشر وكان له بيت قد أخلاه للحديث فمر عليه بكبش فقال لصاحبه: بكم أخذته؟ فقال: باثني عشر درهمًا فقلت: [أي أبو نضرة] لو كان معي اثنا عشر درهمًا اشتريت بها كبشًا فضحيت وأطعمت عيالي، فلما قدمت [إلى بيتي] اتبعني [عثمان] بصرة فيها خمسون درهمًا فما رأيت دراهم قط كانت أعظم بركة منها أعطاني وهو لها محتسب وأنا إليها محتاج.\nقال الذهبي: عن عثمان بن أبي العاص: أنه بعث غلمانًا له تجارًا؛ فلما جاؤوا، قال: ما جئتم به؟ قالوا: جئنا بتجارة يربح الدرهم عشرة. قال: وما هي؟ قالوا: خمر. قال: خمر! وقد نهينا عن شربها وبيعها، فجعل يفتح أفواه الزقاق، ويصبها (١).\nتوفي ﵁ سنة إحدى وخمسين. أهـ.\n_________\n٢١٩٥ - أحمد في مسنده (٤/ ٢١) أبو داود (١/ ١٤٦) كتاب الصلاة. باب أخذ الأجر على التأذين. والنسائي (٢/ ٢٣) كتاب الآذان، باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على آذنه أجرا.\nاقتد بأضعفهم: أي لا تطل وصل بقدر طاقة أضعفهم.\n٢١٩٦ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(١) إسناده حسن، سالم بن نوح صدوق له أوهام، وباقي رجاله ثقات.","vol":"4","page":2077},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>٦٣ - أبو زيد عمر بن أخطب ﵁</span>\nقال ابن حجر: أبو زيد بن أخطب اسمه عمرو بن أخطب بن رفاعة بن محمود بن يسير ابن عبد الله بن الصيف بن يعمر بن عدي بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن عامر الأنصاري الخزرجي أبو زيد، مشهور بكنيته وهو جد عزرة بن ثابت لأمه .. أخرج الترمذي من طريق أبي عاصم عن عن عزرة عن علباء بن أحمر عن أبي زيد بن أخطب قال: مسح النبي ﵌ يده على وجهي ودعا لي، وفي رواية أحمد في هذا الحديث وحده: زادني جمالًا، قال فأخبرني غير واحد وأنه بلغ بضعًا ومائة سنة أسود الرأس واللحية وفي رواية لأحد من وجه آخر عن أبي نهيك: حدثني أبو زيد قال: استسقى رسول الله صلى عليه وآله وسلم ماء فأتيته بقدح فيه ماء فكانت فيه شعرة فأخذتها فقال: اللهم جمله، قال فرأيته ابن أربع وتسعين ليس في لحيته شعرة بيضاء، وصححه ابن حبان والحاكم وعند مسلم من هذا الوجه عن أبي بكر صلى بنا النبي ﵌ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضر الظهر الحديث، وفي الشمائل للترمذي من الطريق المذكورة عن أبي زيد قال لي النبي ﵌: يا أبا زيد ادن مني امسح ظهري فمسحت ظهره فوضعت أصابعي على الخاتم الحديث وصححه ابن حبان والحاكم. أهـ.\nقال الذهبي في ترجمته: أبو زيد الأنصاري الخزرجي المدني الأعرج من مشاهير الصحابة الذين نزلوا البصرة، وله بالبصرة مسجد يعرف به، وغزا معه ثلاث عشرة غزوة (١).\nتوفي في خلافة عبد الملك بن مروان. أهـ.\n_________\n(١) ورواه أحمد في مسنده (٥/ ٣٤٠) ورجاله ثقات.","vol":"4","page":2078},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>٦٤ - أبو أمامة الباهلي ﵁</span>\nقال ابن حجر: صدي بالتصغير ابن عجلان بن الحارث ويقال ابن وهب ويقال ابن عمرو بن وهب بن غريب بن وهب بن رياح بن الحارث بن معن بن مالك بن الباهلي أبو أمامة. مشهور بكنيته روى عن النبي ﵌ وعن عمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة ومعاذ وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وعمرو بن عبسة وغيرهم. روى أبو سلام الأسود ومحمد بن زياد الألهاني وشرحبيل بن مسلم وشداد وأبو عمار والقاسم بن عبد الرحمن وشهر بن حوشب ومكحول وخالد بن معدان وآخرون قال ابن سعد: سكن الشام، وأخرج الطبراني ما يدل على أنه شهد أحدًا لكن بسند ضعيف، وروى أبو يعلى من طريق أبي غالب عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله ﵌ إلى قوم فانتهيت إليهم وأنا طاو وهم يأكلون الدم، فقالوا: هلم، قلت: إنما جئت أنهاكم عن هذا، فنمت وأنا مغلوب، فأتاني آت بإناء فيه شراب فأخذته وشربته فكظني بطني فشبعت ورويت، ثم قال لهم رجل منهم: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تنجعوه فأتوني بلبن فقلت لا حاجة لي به ورأيتهم بطني فأسلموا عن آخرهم، ورواه البيهقي في الدلائل وزاد فيه أنه أرسله إلى قومه باهلة، وقال ابن حبان كان مع علي بصفين. مات أبو أمامة الباهلي سنة ست وثمانين قال ابن البرقي بغير خلاف، وأثبت غيره الخلاف فقيل سنة إحدى قال محمد بن سعد، وقال عبد الصمد بن سعيد ولما مات خلف ابنًا يقال له المغلس، وله يعني صاحب الترجمة مائة وست سنين فقد صح عنه أن النبي ﵌ مات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وأخرج البخاري في تاريخه من طريق عبد الحميد بن ربيعة: رأيت أبا أمامة خرج من عند الوليد بن عبد الملك في ولايته سنة ست وثمانين ومات ابنه الوليد سنة ست وتسعين.\nعن يوسف بن حزن الباهلي سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: لما نزلت ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قلت: يا رسول الله أنا ممن بايعك تحت الشجرة قال: أنت مني وأنا منك. وأخرج أبو يعلى عن أبي أمامة أنشأ رسول الله ﵌ غزوًا فأتيته فقلت: ادع الله لي بالشهادة فقال: اللهم سلمهم وغنمهم. الحديث. أهـ.","vol":"4","page":2079},{"text":"قال الذهبي عنه: صاحب رسول الله ﷺ، ونزيل حمص. روى علمًا كثيرًا، وحدث عن عمر، ومعاذ، وأبي عبيدة. قال سليم بن عامر: سمعت أبا أمامة، سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع، قلت لأبي أمامة: مثل من أنت يومئذ؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة.\nوروي أنه بايع تحت الشجرة.\nرجاء بن حيوة، عن أبي أمامة، قلت: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال: \"اللهم سلمهم وغنمهم\" فغزونا، فسلمنا، وغنمنا، وقلت: يا رسول الله، مرني بعمل. قال: \"عليك بالصوم فإنه لا مثل له\" فكان أبو أمامة، وامرأته وخادمه لا يلفون إلا صيامًا (١).\nمحمد بن زياد: رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد، وهو ساجد يبكي، ويدعو، فقال: أنت أنت لو كان هذا في بيتك.\nسليم بن عامر قال: كنا نجلس إلى أبي أمامة، فيحدثنا حديثًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ، ثم يقول: اعقلوا، وبلغوا عنا ما تسمعون. أهـ الذهبي.\n٢١٩٧ - * روى الطبراني عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي فانتهيت إليهم وأنا طاوٍ فانتهيت إليهم وهم يأكلون دمًا، فقلت: إنما جئت أنهاكم عن هذا، فوضعت رأسي فقمت مغلوب فأتاني آت في منامي بإناء فيه شراب، فقال: خذ هذا واشرب ثم كظني بطني فشبعت ثم رويت، فسمعتهم يقولون أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تنجعوه بالمذيقة، فأتوني بمذيقتهم، فقلت: لا حاجة لي فيها إن الله أطعمني وسقاني فأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم.\n...\n_________\n(١) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٤٨) وسنده صحيح.\n٢١٩٧ - المعجم الكبير (٨/ ٣٣٥) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير بإسنادين وإسناد أحدهما حسن فيها أبو غالب، وقد وثق وقال في التقريب: صدوق يخطأ.","vol":"4","page":2080},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>٦٥ - عبد الله بن بسر ﵁</span>\nقال الذهبي في ترجمته: عبد الله بن بسر بن أبي بسر، الصحابي المعمر، بركة الشام، أبو صفوان المازني نزيل حمص، وقد غزا جزيرة قبرس مع معاوية في دولة عثمان.\nعثمان قال: رأيت عبد الله بن بسر وثيابه مشمرة، ورداؤه فوق القميص، وشعره مفروق يغطي أذنيه، وشاربه مقصوص مع الشفة، كنا نقف عليه ونتعجب.\nقال صفوان بن عمرو: رأيت في جبهة عبد الله بن بسر أثر السجود.\nعصام بن خالد: حدثنا الحسن بن أيوب الحضرمي قال: أراني عبد الله بن بسر شامة في قرنه، فوضعت أصبعي عليها، فقال: وضع رسول الله ﷺ أصبعه عليها، ثم قال: \"لتبلغن قرنًا\".\nرواه أحمد في \"المسند\" (١).\nعبد الله بن بسر قال: أكل رسول الله ﷺ عندنا حيسًا، ودعا لنا، ثم التفت إلي وأنا غلام، فمسح على رأسي، ثم قال: \"يعيش هذا الغلام قرنًا\" فعاش مئة.\nروى نحوه سلمة بن حواس عن محمد بن القاسم؛ أنه كان مع ابن بسر في قريته، وزاد فيه: فقلت: يا رسول الله! كم القرن؟ قال: مئة سنة.\nوفي \"صحيح البخاري\" (٢) لحريز بن عثمان أنه سأل عبد الله بن بسر؛ أكان النبي ﷺ شيخًا؟ قال: كان في عنفقته (٣) شعرات بيض.\nأم هاشم الطائية قالت: رأيت عبد الله بن بسر يتوضأ، فخرجت نفسه ﵁.\nوقال أبو زرعة الدمشقي: مات قبل سنة مئة. وقال عبد الصمد بن سعيد الحافظ:\n_________\n(١) أحمد في مسنده (٤/ ١٨٩) وسنده حسن وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٥) رواه الطبراني. وأحمد ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن أيوب، وهو ثقة، ورجال الطبراني ثقات.\n(٢) البخاري (٦/ ٥٦٤) ٦١ - كتاب المناقب- ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.\n(٣) العنفقة: ما بين الذقن والشفة السفلى.","vol":"4","page":2081},{"text":"توفي سنة ست وتسعين. وقال يزيد بن عبد ربه الجرجسي: توفي في إمرة سليمان ابن عبد الملك. أهـ الذهبي.\n٢١٩٨ - * روى البزار والطبراني عن عبد الله بن بسر وضع النبي ﷺ يده على رأسي فقال: \"يعيش هذا الغلام قرنًا\" فعاش مائة سنة، وكان في وجهه ثألول فقال: لا يموت حتى يذهب الثالول من وجهه، فلم يمت حتى ذهب الثألول من وجهه.\n* * *\n_________\n٢١٩٨ - البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٨٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٤): رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير الحسن بن أيوب الحضرمي وهو ثقة.","vol":"4","page":2082},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>٦٦ - السائب بن يزيد ﵁</span>\nقال في الإصابة: السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة، ويقال عائد بن الأسود الكندي أو الأزدي. وقيل هو كناني ثم ليثي وقيل هذلي، يعرف بابن أخت النمر، والنمر خال أبيه يزيد هو النمر بن جبل، ووهم من قال أنه النمر بن قاسط، وقال الزهري: هو أزدي حالف بني كنانة، له ولأبيه صحبة.\nومن طريق الزهري عنه قال: خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﵌ من تبوك. وفي الصحيحين أيضًا من طريق محمد بن يوسف عن السائب أن خالته ذهبت به وهو وجع فمسح النبي ﵌ رأسه ودعا له وتوضأ فشرب من وضوئه ونظر إلى خاتم النبوة، وأم أم السائب أم العلاء بنت شريح الحضرمية وكان العلاء ابن الحضرمي خاله. وقد روى عن النبي ﵌ أحاديث.\nقال مصعب الزبيري: استعمله عمر على سوق المدينة هو وسليمان بن أبي خيثمة وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتين وثمانين وقيل بعد التسعين وقيل سنة إحدى وقيل سنة أربع. وقال ابن أبي داود: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ووهم يعقوب بن سفيان فذكره فيمن قتل يوم الحرة. أهـ.\nوقال الذهبي في ترجمته: أبو عبد الله، وأبو يزيد الكندي المدني، ابن أخت نمر، وذلك شيء عرفوا به، وكان جده سعيد بن ثمامة حليف بني عبد شمس. قال السائب: حج بن أبي مع النبي ﷺ وأنا ابن سبع سنين (١).\nعكرمة بن عمار: حدثنا عطاء مولى السائب قال: كان السائب رأسه أسود من هامته إلى مقدم رأسه، وسائر رأسه- مؤخره وعارضاه ولحيته- أبيض. فقلت له: ما رأيت أعجب شعرًا منك! فقال لي: أوتدري مما ذاك يابني؟ إن رسول الله ﷺ مر بي وأنا ألعب، فمسح يده على رأسي، وقال: \"بارك الله فيك\" فهو لا يشيب أبدًا. يعني:\n_________\n(١) البخاري (٤/ ٧١) - ٢٨ - كتاب جزاء الصيد- ٢٥ - باب حج الصبيان.","vol":"4","page":2083},{"text":"موضع كفه (١).\nعن الزهري، قال: ما اتخذ رسول الله ﷺ قاضيًا، ولا أبو بكر، ولا عمر، حتى قال عمر للسائب ابن أخت نمر: لو روحت عني بعض الأمر. حتى كان عثمان.\nقال عبد الأعلى الفروي: رأيت على السائب بن يزيد مطرف خز، وجبة خز، وعمامة خز.\nيروى عن الجعيد بن عبد الرحمن، وفاة السائب بن يزيد في سنة أربع وتسعين.\nوقال الواقدي، وأبو مسهر، وجماعة: توفي سنة إحدى وتسعين، وشذ الهيثم بن عدي فقال: مات سنة ثمانين. أهـ. الذهبي.\n* * *\n_________\n(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٦٠) والصغير (١/ ٢٤٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٩): رجال الكبير رجال الصحيح غير عطاء مولى السائب وهو ثقة.","vol":"4","page":2084},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>٦٧ - ورقة بن نوفل ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي ابن عم خديجة زوج النبي ﵌ .. ذكره الطبري والبغوي وابن قانع وابن السكن وغيرهم في الصحابة، وأوردوا كلهم من طريق روح بن مسافر أحد الضعفاء عن الأعمش عن عبد الله ابن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن ورقة بن نوفل قال: قلت يا محمد كيف يأتيك الذي يأتيك؟ قال: \"يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ وباطن قدميه أخضر\".\nقال ابن عساكر: لم يسمع ابن عباس من ورقة ولا أعرف أحدًا قال إنه أسلم. وقد غاير الطبري بين صاحب هذا الحديث وبين ورقة بن نوفل الأسدي، لكن القصة مغايرة لقصة ورقة التي في الصحيحين من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أول ما بدئ به رسول الله ﵌ ... الحديث في مجيء جبريل بحراء، وفيه: فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان تنصر في الجاهلية ... الحديث، وفيه: فقال ورقة هذا الناموس الذي أنزل على موسى ياليتني فيها جذعًا [شابًا] ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك، وفي آخره: ولم ينشب ورقة أن توفي فهذا ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله ﵌ الناس إلى الإسلام فيكون مثل بحيرا. وفي إثبات الصحبة له نظر، لكن في زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال يونس بن بكير عن يونس بن عمرو وهو ابن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن جده عن أبي ميسرة، واسمه عمرو بن شرحبيل وهو من كبار التابعين أن رسول الله ﵌ قال لخديجة: \"إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت على نفسي\" فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فوالله إنك لتؤدي الأمانة الحديث، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر فأنا أشهد إنك الذي بشر به ابن مريم وإنك على مثل ناموس موسى وإنك نبي مرسل وإنك سوف تؤمر بالجهاد بعد","vol":"4","page":2085},{"text":"يومك هذا وإن يدركني ذلك لأجاهدن معك، فلما توفي قال رسول الله ﵌ \"لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني\" وقد أخرجه البيهقي في الدلائل من هذا الوجه وقال هذا منقطع.\n(قلت) [أي ابن حجر]: يعضده ما أخرجه الزبير بن بكار حدثنا عثمان عن الضحاك ابن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عروة بن الزبير قال: كان بلال لجارية من بني جمح وكانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك فيقول أحد أحد، فيمر به ورقة وهو على تلك الحال فيقول أحد أحد يا بلال والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا، وهذا مرسل جيد يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي ﵌ إلى الإسلام حتى أسلم بلال، والجمع بين هذا وبين حديث عائشة أن يحمل قوله: ولم ينشب ورقة أن توفي، أي قبل أن يشتهر الإسلام ويؤمر النبي صلى الله عليخ وسلم بالجهاد، ولكن يعكر على ذلك ما أخرجه محمد بن عائذ في المغازي من طريق عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس في قصة ابتداء الوحي وفيها قصة خديجة مع ورقة بنحو حديث عائشة، وآخرها لئن كان هو ثم أظهر دعاءه وأنا حي لأبلين الله من نفسي في طاعة رسوله وحسن موازرته فمات ورقة على نصرانيته، كذا قال لكن عثمان ضعيف وقال الزبير: كان ورقة قد كره عبادة الأوثان وطلب الدين في الآفاق وقرأ الكتب وكانت خديجة تسأله عن أمر النبي ﵌ فيقول لها: ما أراه إلا نبي هذه الأمة الذي بشر به موسى وعيسى.\nوفي المغازي الكبير لابن إسحاق وساقه الحاكم من طريقه قال: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة الثقفي وكان راعيه، قال قال ورقة بن نوفل فيما كانت خديجة ذكرت له من أمر رسول الله ﵌:\nيا للرجال وصرف الدهر والقدر\nوفيها:\nهذي خديجة تأتيني لأخبرها ... ومالنا بخفي الغيب من خبر\nبأن أحمد يأتيه فيخبره ... جبريل أنك مبعوث إلى البشر","vol":"4","page":2086},{"text":"فقلت عل الذي ترجين ينجزه ... له الإله فرجي الخير وانتظري\nوأخرج ابن عدي في الكامل من طريق إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي عن جابر عن النبي ﵌: رأيت ورقة في بطنان الجنة عليه السندس، قال ابن عدي تفرد به إسماعيل عن أبيه.\n(قلت) قد أخرجه ابن السكن من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن مجالد لكن لفظه: رأيت ورقة على نهر من أنهار الجنة لأنه كان يقول ديني دين زيد وإلهي إله زيد [هو زيد ابن عمرو بن نفيل وكان من الحنفاء على ملة إبراهيم دون أن يعرف تفاصيلها] وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه من هذا الوجه.\nوأخرج الزبير من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: إن النبي ﵌ نهى عن سب ورقة، وهو في زيادات المغازي ليونس بن بكير، أخرجه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ساب أخ لورقة رجلًا فتناول الرجل ورقة فسبه، فبلغ النبي ﵌ فقال: \"هل علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين\" فنهى عن سبه وأخرجه البزار من طريق أبي أسامة عن هشام مرسلا.\nوأخرج أحمد من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة: أن خديجة سألت النبي ﵌ عن ورقة بن نوفل؟ فقال: \"قد رأيته فرأيت عليه ثيابًا بيضا فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض\" أ. هـ ابن حجر.\n٢١٩٩ - * روى الطبراني عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل فقال: \"يبعث يوم القيامة أمة وحده\".\n* * *\n_________\n٢١٩٩ - المعجم الكبير (٢٤/ ٨٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٦): رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":2087},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-555>٦٨ - حكيم بن حزام ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي ابن أخي خديجة زوج النبي ﵌، واسم أمه صفية وقيل فاختة وقيل زينب بنت زهير ابن الحارث بن أسد بن عبد العزى ويكنى أبا خالد ... موسى بن عقبة عن أبي حبيبة مولى الزبير سمعت حكيم بن حزام يقول: ولدت قبل الفيل بثلاثة عشر سنة وأعقل حين أراد عبد المطلب أن يذبح عبد الله ابنه وقتل والد حكيم في الفجار، وشهدها حكيم. وحكى الزبير بن بكار أن حكيمًا ولد في جوف الكعبة. قال: وكان من سادات قريش، وكان صديق النبي ﵌ قبل المبعث، وكان يوده ويحبه بعد البعثة لكنه تأخر إسلامه حتى أسلم عام الفتح، وثبت في السيرة وفي الصحيح أنه ﵌ قال: \"من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن\" وكان من المؤلفة، وشهد حنينًا وأعطي من غنائمها مائة بعير ثم حسن إسلامه، وكان قد شهد بدرًا مع الكفار ونجا مع من نجا، فكان إذا اجتهد في اليمين قال والذي نجاني يوم بدر، وكنيته أبو خالد. قال الزبير جاء الإسلام وفي يد حكيم الوفادة. وكان يفعل المعروف ويصل الرحم ...\nوكان من العلماء بأنساب قريش وأخبارها. مات سنة خمسين وقيل سنة أربع وقيل ثمان وخمسين وقيل سنة ستين وهو ممن عاش مائة وعشرين سنة شطرها في الجاهلية وشطرها في الإسلام. قال البخاري في التاريخ: مات سنة ستين وهو ابن عشرين ومائة سنة قاله إبراهيم بن المنذر أ. هـ ابن حجر.\nوقال الذهبي في السير عن حكيم: أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه. وغزا حنينًا والطائف. وكان من أشراف قريش، وعقلائها، ونبلائها. وكانت خديجة عمته، وكان الزبير ابن عمه وقدم دمشق تاجرًا. قيل: إنه كان إذا اجتهد في يمينه، قال: لا والذي نجاني يوم بدر من القتل. وقال البخاري في (تاريخه): عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام. قلت: لم يعش في الإسلام إلا بضعًا وأربعين سنة.","vol":"4","page":2088},{"text":"وقال أحمد بن البرقي: كان من المؤلفة، أعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين مئة بعير، فيما ذكر ابن إسحاق. وأولاده هم: هشام، وخالد، وحزام، وعبد الله، ويحيى، وأم سمية، وأم عمرو، وأم هشام وقيل: قتل أبوه يوم الفجار الأخير (١).\nوعن هشام، عن أبيه؛ [حكيم]؛ أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام، فهو آمن، ومن دخل دار بديل بن ورقاء فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن\" (٢).\nوعن هشام بن عروة، عن أبيه، أن أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، أسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ، فبعثهم إلى أهل مكة يدعونهم إلى الإسلام (٣) أ. هـ.\n٢٢٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: \"يا حكيم! هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى.\" قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له\n_________\n(١) قال محقق السير: الفجار: بالكسر بمعنى المفاجرة، وذلك أنه كان قتال في الشهر الحرام، ففجروا فيه جميعًا، فسمي الفجار. وللعرب فجارات أربعة، والفجار الأخير هذا شهده رسول ﷺ مع أعمامه، وعمره إذ ذاك ﷺ عشرون سنة، وكانت هذه الحرب بين قريش ومن معهم وبين قيس عيلان.\n(٢) رجاله ثقات لكنه مرسل. ونسبه الحافظ في الفتح إلى موسى بن عقبة في المغازي.\n(٣) رجاله ثقات لكنه مرسل.\n٢٢٠٠ - البخاري (٣/ ٣٣٥) ٢٤ - كتاب الزكاة- ٥٠ - باب الاستعفاف عن المسألة.\nومسلم مختصرًا (٢/ ٧١٧) ١٢ - كتاب الزكاة- ٣٢ - باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.\nيرزأ: لم يأخذ من أحد شيئًا.\nإشراف النفس: تطلعها وطمعها وشرهها.\nسخاوة النفس: ضد ذلك.","vol":"4","page":2089},{"text":"في هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، ولم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي ﵁.\nقال الذهبي: قال ابن مندة: ولد حكيم في جوف الكعبة، وعاش مئة وعشرين سنة.\nروى الزبير، عن مصعب بن عثمان قال: دخلت أم حكيم في نسوة الكعبة، فضربها المخاض، فأتيت بنطع (١) حين أعجلتها الولادة، فولدت في الكعبة.\nوكان حكيم من سادات قريش. قال الزبير: كان شديد الأدمة، خفيف اللحم.\nعن عراك بن مالك أن حكيم بن حزام قال: كان محمد ﷺ أحب الناس إلي في الجاهلية، فلما نبئ وهاجر، شهد حكيم الموسم كافرًا، فوجد حلة لذي يزن تباع، فاشتراها بخمسين دينارًا ليهديها إلى رسول الله، فقدم بها عليه المدينة، فأراده على قبضها هدية، فأبى، قال عبيد الله: حسبته قال: \"إنا لا نقبل من المشركين شيئًا، ولكن إن شئت بالثمن\" قال: فأعطيته حين أبى علي الهدية (٢).\nوفي رواية: فلبسها، فرأيتها عليه على المنبر، فلم أر شيئًا أحسن منه يومئذ فيها، ثم أعطاها أسامة فرآها حكيم على أسامة، فقال: يا أسامة أتلبس حلة يزن؟ قال: نعم، والله لأنا خير منه، ولأبي خير من أبيه. فانطلقت إلى مكة، فأعجبتهم بقوله.\nالزبير: أخبرنا إبراهيم بن حمزة قال: كان مشركو قريش لما حصروا بني هاشم في الشعب، كان حكيم تأتيه العير بالحنطة فيقبلها (٣) الشعب، ثم يضرب أعجازها، فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها.\nالزبير: أخبرنا مصعب بن عثمان؛ سمعتهم يقولون: لم يدخل دار الندوة للرأي أحد\n_________\n(١) النطع: قطعة من الجلد يوقى بها ما تحتها.\n(٢) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٢) والطبراني في الكبير (٣/ ٢٠٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٥١): رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده رجاله صحيح.\nوالحاكم في مستدركه (٣/ ٤٨٤) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٣) أقبل الإبل الطريق: أسلكها إياه، وذلك أن يجعل وجوهها مستقبلة وجه الطريق.","vol":"4","page":2090},{"text":"حتى بلغ أربعين سنة، إلا حكيم بن حزام، فإنه دخل للرأي وهو ابن خمس عشرة. وهو أحد النفر الذين دفنوا عثمان ليلًا.\nوعن أبي حازم قال: ما بلغنا أنه كان بالمدينة أكثر حملًا في سبيل الله من حكيم.\nوقيل: إن حكيمًا باع دار الندوة من معاوية بمئة ألف. فقال له ابن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال: ذهبت المكارم يا ابن أخي إلا التقوى، إني اشتريت بها دارًا في الجنة، أشهدكم أني قد جعلتها لله (١).\nالأصمعي: حدثنا هشام بن سعد صاحب المحامل، عن أبيه قال: قال حكيم بن حزام: ما أصبحت وليس ببابي صاحب حاجة، إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها.\nوكان حكيم علامة بالنسب فقيه النفس، كبير الشأن.\nقال الهيثم: والمدائني، وأبو عبيد، وشباب: مات سنة أربع وخمسين ﵁. وقيل: إنه دخل على حكيم عند الموت وهو يقول: لا إله إلا الله قد كنت أخشاك، وأنا اليوم أرجوك أ. هـ الذهبي.\n٢٢٠١ - * روى الحاكم عن حسان بن بلال عن حكيم بن حزام: أن النبي ﵌ لما بعثه واليًا إلى اليمن قال: \"لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر\".\n٢٢٠٢ - * روى البخاري ومسلم عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مئة رقبة، وحمل على مئة بعير، فلما أسلم حمل على مئة بعير، وأعتق مئة رقبة، قال: فسألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أصنعها\n_________\n(١) رواه الطبراني في الكبير (٣/ ١٨٧).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٤): رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن.\n٢٢٠١ - المستدرك (٣/ ٤٨٥) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢٢٠٢ - البخاري (٣/ ٣٠١) ٢٤ - كتاب الزكاة - ٢٤. باب من تصدق في الشرك ثم اسلم. ومسلم (١/ ١١٣) ١ - كتاب الإيمان - ٥٥ - باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده.","vol":"4","page":2091},{"text":"في الجاهلية، كنت أتحنث بها، (يعني: أتبرر بها) قال: فقال رسول الله ﷺ: \"أسلمت على ما سلف لك من خير\".\nقال إبراهيم بن المنذر الحزامي: حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي يكنى أبا خالد، مات سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة ولد قبل الفيل بثلاث عشرة سنة ومات بالمدينة (١).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٧٢).","vol":"4","page":2092},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>٦٩ - قيس بن عاصم المنقري ﵁</span>\nقال ابن حجر: قيس بن عاصم بن سنان بن منقر بن خالد بن عبيد بن مقاعس، واسمه الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي المنقري، يكنى أبا علي. وحكى ابن عبد البر أنه قيل في كنيته أيضًا أبو طليحة وأبو قبيصة والأول أشهر وبه جزم البخاري، وقال: له صحبة وجزم ابن أبي حاتم بأنه أبو طلحة.\nقال ابن سعد: كان قد حرم الخمر في الجاهلية ثم وفد على رسول الله ﵌ في وفد بني تميم فأسلم فقال رسول الله ﵌: \"هذا سيد أهل الوبر\" وكان سيدًا جوادًا، ثم ساق بسند حسن إلى الحسن عن قيس بن عاصم قال: أتيت النبي ﵌، فلما دنوت منه قال \"هذا سيد أهل الوبر\" فذكر الحديث ... وفيه فقال قيس: كيف تصنع بالمنيحة [المنحة] فقال قيس: إني لأمنح في كل عام مائة. قال: فكيف تصنع بالعارية؟ فذكر الحديث، وفي آخره قال قيس: لئن عشت لأدعن عدتها قليلًا. قال الحسن: ففعل والله ثم ذكر وصيته.\nوقال ابن السكن: كان عاقلًا حليمًا يقتدى به، وقال أبو عمر: قيل للأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم رأيته يومًا محتبيًا فأتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فالتفت إلى ابن أخيه فقال: يا ابن أخي بئسما فعلت أثمت بربك وقطعت رحمك ورميت نفسك بسهمك، ثم قال لابن له آخر: قم يابني فوار أخاك وحل أكتاف ابن عمك وسق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة.\nوذكر الزبير في الموفقيات عن عمه عن عبد الله بن مصعب قال قال أبو بكر لقيس بن عاصم: ما حملك على أن وأدت؟ وكان أول من وأد- فقال: خشيت أن يخلف عليهن غير كفء. قال: فصف لنا نفسك؟ فقال: أما في الجاهلية فما هممت بملامة ولا حمت على تهمة ولم أر إلا في خيل مغيرة أو نادي عشيرة أو حامي جزيرة، وأما في الإسلام فقد قال الله تعالى (فلا تزكوا أنفسكم) فأعجب أبو بكر بذلك.\nروى قيس عن النبي ﵌ أحاديث، روى عنه ابناه حكيم وحصين","vol":"4","page":2093},{"text":"وابن ابنه خليفة بن حصين والأحنف بن قيس ومنفعة بن التوأم وآخرون.\nالنعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول وسئل عن هذه الآية ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ فقال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﵌ فقال: إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية، فقال \"أعتق عن كل واحدة منهن رقبة\" قال: إني صاحب إبل، قال \"اهد إن شئت عن كل واحدة منهن بدنة\".\nخليفة بن حصين عن جده قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر ... وأخرج أحمد والنسائي من طريق حكيم بن قيس عن أبيه أنه قال: لا تنوحوا علي فإن النبي ﵌ لم ينح عليه، الحديث اختصره النسائي وأورده أحمد مطولًا، وفيه: أنه قال لبنيه اتقوا الله وسودوا أكبركم فإن القوم إذا سودوا أكبرهم أحيوا ذكر أبيهم وإياكم والمسئلة فإنها آخر كسب الرجل فذكر بقية الوصية وهي نافعة أ. هـ.\nونورد الوصية بتمامها كما أخرجها الحاكم (١) للفائدة:\nعن عبد الملك بن أبي سوية المنقري قال شهدت قيس بن عاصم عند وفاته وهو يوصي فجمع بنيه اثنان وثلاثون ذكرًا فقال: يا بني إذا أنا مت فسودوا أكبركم تخلفوا آباءكم، ولا تسودوا أصغركم فيزري بكم ذاك عند أكفائكم، ولا تقيموا علي نائحة فإني سمعت رسول الله ﵌ نهى عن النياحة، وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم، ولا تعطوا رقاب الإبل في غير حقها ولا تمنعوها من حقها، وإياكم وكل عرق سوء فمهما يسركم يوما فما يسوءكم أكبر، واحذروا أبناء أعدائكم فإنهم لكم أعداء على منهاج آبائهم، وإذا أنا مت فادفنوني في موضع لا يطلع علي هذا الحي من بكر بن وائل فإنها كانت بيني وبينهم خماشات (٢) في الجاهلية فأخاف أن ينبشوني من قبري فتفسدوا عليهم دنياهم ويفسدوا عليكم آخرتكم، ثم دعا بكنانته فأمر ابنه الأكبر وكان يسمى عليًا فقال: أخرج\n_________\n(١) المستدرك (٣/ ٦١١).\n(٢) خماشات: من الجروح والجنايات مما ليس له دية.","vol":"4","page":2094},{"text":"سهمًا من كنانتي فأخرجه فقال: اكسره، فكسره، ثم قال: أخرج سهمين، فأخرجهما، فقال: اكسرهما، فكسرهما فلم يستطع كسرهما، فقال: يا بني هكذا أنتم في الاجتماع وكذلكم أنتم في الفرقة ثم أنشأ يقول:\nإنما المجد ما بنى والد الصد ... ق وأحيا فعاله المولود\nوكفى المجد والشجاعة والحلم ... إذا زانه عفاف وجود\nوثلاثون يابني إذا ما ... عقدتم للنائبات العهود\nكثلاثين من قداح إذا ما ... شدها للزمان عقد شديد\nلم تكسر وإن تقطعت الأسهم ... أودى بجمعها التبديد\nوذوو السن والمروءة أولى ... إن يكن منكم لهم تسويد\nوعليكم حفظ الأصاغر حتى يبلغ الحنث الأصغر المجهود\nقال ابن حجر: ونزل قيس البصرة ومات بها، ولما مات رثاه عبدة بن الطيب بقوله:\nعليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما\nوما كان قيس هلكه. هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما\nقال ابن حبان: كان له ثلاثة وثلاثون ولدًا ونقل البغوي عن ابن أبي خيثمة عن يحيى ابن معين أن قيس بن عاصم كان يكنى أبا هراسة. وذكر ابن شاهين من طريق المدائني عن أبي معشر ورجاله قالوا: قدم على رسول الله ﵌ قيس بن عاصم ونعيم ابن بدر وعمرو بن الأهتم قبل وفد بني تميم وكان النبي ﵌ استبطأ قيس ابن عاصم، فقال له عتبة ائذن لي أن أغزوه فاقتل رجاله وأسي نساءه، فأعرض عنه وقدم قيس، فقال النبي ﵌ \"هذا سيد أهل الوبر\" ثم تقدم فأسلم فسأله النعمان بن مقرن فقال: يا رسول الله ائذن لي أن يكون منزله علي؟ قال: نعم، فبينما هو يتعشى إذ قال أخو النعمان بئسما قال عتبة، فقال له قيس وما قال؟ فأخبره فغدا على النبي ﵌ فقال: أمالي سبيل إلى الرجوع؟ قال: لا، قال: لو كان لي إلي الرجوع سبيل لأدخلت على عتبة ونسائه الذل أ. هـ من الإصابة.\n* * *","vol":"4","page":2095},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>٧٠ - عكرمة بن أبي جهل ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي. كان كأبيه من أشد الناس على رسول الله ﵌، ثم أسلم عكرمة عام الفتح وخرج إلى المدينة ثم إلى قتال أهل الردة، ووجهه أبو بكر الصديق إلى جيش نعمان فظهر عليهم، ثم إلى اليمن ثم رجع فخرج إلى الجهاد عام وفاته فاستشهد. وذكر الطبري أن النبي ﵌ استعمله على صدقات هوازن عام وفاته وأنه قتل بأجنادين وكذا قال الجمهور [وقيل قتل يوم اليرموك].\nروى سيف في الفتوح بسند له أن عكرمة نادى: من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث وضرار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين وكان أميرًا على بعض الكراديس وذلك سنة خمس عشرة في خلافة عمر فقتلوا كلهم الإضرارًا وقيل قتل يوم مرج الصفر وذلك سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر. وله عند الترمذي حديث من طريق مصعب بن سعد عنه قال النبي ﵌ يوم جئته: مرحبًا مرحبًا بالراكب المهاجر، وهو منقطع لأن مصعبًا لم يدركه، وقد أخرج قصة مجيئه موصولة الدارقطني والحاكم وابن مردويه من طريق أسباط بن نصر عن السدي بن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان فتح مكة أمن رسول الله صلى عليه وآله وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين فذكر الحديث وفيه وأما عكرمة فركب البحر فأصابهم عاصف فقال أصحاب السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئًا فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره اللهم إن لك علي عهدًا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلا أجدنه إلا عفوا كريمًا. قال فجاء أسلم. أ. هـ ابن حجر.\nقال الذهبي: عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لوي، الشريف الرئيس الشهيد، أبو عثمان القرشي المخزومي المكي. لما قتل أبوه، تحولت رئاسة بني مخزوم إلى عكرمة، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه بالمرة. قال ابن أبي ملكية: كان عكرمة إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نجاني","vol":"4","page":2096},{"text":"يوم بدر. ولما دخل رسول الله ﷺ [مكة]، هرب منها عكرمة وصفوان بن أمية بن خلف، فبعث النبي، ﷺ، يومنهما، وصفح عنهما، فأقبلا إليه.\nقال الشافعي: كان محمود البلاء في الإسلام، ﵁.\nقال أبو إسحاق السبيعي: نزل عكرمة يوم اليرموك، فقاتل قتالًا شديدًا، ثم استشهد، فوجدوا به بضعًا وسبعين من طعنة ورمية وضربة. وقال عروة وابن سعد وطائفة: قتل يوم أجنادين. أ. هـ الذهبي.\n* * *","vol":"4","page":2097},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>٧١ - عبد الله بن حذافة السهمي</span>\nقال ابن حجر: عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي أبو حذافة أو أبو حذيفة. وأمه بنت حرثان من بني الحارث بن عبد مناة من السابقين الأولين .. يقال شهد بدرًا ولم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق ولا غيرهما من أصحاب المغازي .. عن عبد الله بن حذافة قال أمرني رسول الله ﵌ أن أنادي أهل منى أن لا يصوم هذه الأيام أحد. ومن طريق شعيب عن الزهري عن مسعود أخبرني بعض أصحابه أنه رأى ابن حذافة. وأخرجه من طريق الحارث بن أسامة عن روح عن صالح عن ابن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي ﵌ بعث عبد الله بن حذافة، وأخرجه أبو نعيم في المعرفة من طريق سليمان ابن أرقم عن الزهري عن سعيد عن عبد الله بن حذافة والاحتمال فيه كثير جدًا، وقال البخاري في التاريخ: يقال له صحبة ولا يصح. إسناد حديثه ثقات. مات في خلافة عثمان، حكاه البغوي، وقال أبو نعيم: توفى بمصر في خلافة عثمان وكذلك قال ابن يونس إنه توفي بمصر ودفن بمقبرتها. أ. هـ.\nقال الذهبي: أبو حذافة السهمي. أحد السابقين. هاجر إلى الحبشة، ونفذه النبي ﷺ رسولًا إلى كسرى خرج إلى الشام مجاهدًا، فأسر على قيسارية، وحملوه إلى طاغيتهم، فراوده عن دينه، فلم يفتتن. وقال أبو سعيد بن يونس، وابن مندة شهد بدرًا. أ. هـ.\n٢٢٠٣ - * روى ابن سعد عن أبي سلمة: أن عبد الله بن حذافة قام يصلي، فجهر، فقال النبي ﷺ: \"يا ابن حذافة، لا تسمعني وسمع الله\".\n٢٢٠٤ - * روى ابن ماجه عن عمر بن الحكم بن ثوبان، أن أبا سعيد قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، عليهم علقمة بن مجزز، وأنا فيهم، فخرجنا، حتى إذا كنا ببعض\n_________\n٢٢٠٣ - الطبقات الكبرى (٤/ ١٩٠) ورجاله ثقات.\n٢٢٠٤ - ابن ماجه (٢/ ٩٥٥) ٢٤ - كتاب الجهاد ٤٠ باب لا طاعة في معصية الله.\nوقال في الزوائد: إسناده صحيح. ورواه أحمد (٣/ ٦٧) والحاكم (٣/ ٦٣٠).=","vol":"4","page":2098},{"text":"الطريق، استأذنه طائفة، فأذن لهم، وأمر عليهم عبد الله بن حذافة، وكان من أهل بدر، وكانت فيه دعابة. فبينما نحن في الطريق، فأوقد القوم نارًا يصطلون بها، ويصنعون عليها صنيعًا لهم، إذ قال: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى. قال: فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار، فقام ناس، فتحجزوا حتى إذا ظن أنهم واقعون فيها قال: أمسكوا، إنما كنت أضحك معكم. فلما قدموا على رسول الله ﷺ، ذكروا ذلك له. فقال: \"من أمركم بمعصية فلا تطيعوه\".\n٢٢٠٥ - * روى البخاري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عباس أخبره: أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه خرقه، قال الزهري: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق.\n٢٢٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال في قوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي ﷺ في سرية.\n٢٢٠٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس، أن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم، قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: \"من أحب أن يسأل عن شيء، فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء، إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا\" قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: \"سلوني\" فقال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين\n_________\n= تحجزوا: شدوا أوساطهم فِعْلَ من يتهيأ.\n٢٢٠٥ - البخاري (١/ ١٥٤) ٣ - كتاب العلم -٧ - باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان.\n٢٢٠٦ - البخاري (٨/ ٢٥٢) ٦٥ - كتاب التفسير -٤ - سورة النساء ١١ - باب (أطيعوا الله واطيعوا الرسول).\nومسلم: (٣/ ١٤٦٥) ٢٣ - كتاب الإمارة -٨ - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.\n٢٢٠٧ - البخاري (٢/ ٢١) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة -١١ - باب وقت الظهر عند الزوال.\nومسلم (٤/ ١٨٣٢) ٤٣ - كتاب الفضائل -٣٧ - باب توقيره ﷺ.","vol":"4","page":2099},{"text":"مدخلي يا رسول الله؟ قال: \"النار\" فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: \"أبوك حذافة\" قال: ثم أكثر أن يقول: \"سلوني سلوني\" فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا. قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ: \"أولى، والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر\".\nذكر الذهبي في السير (١) عن أبي رافع، قال: وجه عمر جيشًا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد طرفة عين. قال: إذًا أقتلك. قال: أنت وذاك. فأمر به، وقال للرماة: ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى، فأنزله. ودعا بقدر، فصب فيها ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما، فألقي فيها، وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى. ثم بكى. فقيل للملك: إنه بكى. فظن أنه قد جزع، فقال: ردوه. ما أبكاك؟ قال: قلت: هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أني يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله.\nفقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟\nفقال له عبد الله: وعن جميع الأسارى؟ قال: نعم. فقبل رأسه.\nوقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ. فقبل رأسه.\nأقول: في هذا النص تعليم للمتشددين الذين تختلط عندهم قوة النفس بقوة الإيمان فتمنعهم قوة النفس بما تقتضيه قوة الإيمان من الأخذ بالعزائم في محلها والرخص في محلها،\n_________\n(١) السير: (٢/ ١٤) وأخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق البيهقي وله شاهد من حديث لابن عباس موصولا عند ابن عساكر.","vol":"4","page":2100},{"text":"فههنا نجد عبد الله بن حذافة يقبل رأس هرقل في مقابل أن يخلص أسرى المسلمين وهذا مقتضى قوة الإيمان على حسب قوة النفس، فكثيرون من الناس تمنعهم قوة النفس من الأخذ بالفتوى التي تناسب المقام وخاصة فيما يظنه الناس رخصة فيحبون أن يسجلوا مواقف بطولية لا تتحقق فيها مصلحة للإسلام والمسلمين، وما فعله عبد الله بن حذافة درس لهؤلاء فليس العبرة بقوة الموقف أو ضعفه بل العبرة في أن يكون المسلم عاملًا بحكم الشريعة في تعامله مع الكافرين والمسلمين، ملاحظًا أن في الشريعة فتوى أصلية وأخرى استثنائية وفيها رخصة وعزيمة والرخصة في محلها قد تكون أقوى من العزيمة، ولا يفطن لمثل هذه الدقائق إلا أصحاب البصيرة ممن اجتمع لهم علم وتقوى وتوفيق.\nقال الذهبي:\nالوليد بن مسلم: حدثنا أبو عمرو، ومالك بن أنس: أن أهل قيسارية أسروا ابن حذافة، فأمر به ملكهم، فجرب أشياء صبر عليها. ثم جعلوا له في بيتٍ معه الخمر ولحم الخنزير ثلاثًا لا يأكل، فأطلعوا عليه، فقالوا للملك: قد انثنى عنقه، فإن أخرجته وإلا مات. فأخرجه، وقال: ما منعك أن تأكل وتشرب؟\nقال: أما إن الضرورة كانت قد أحلتها لي، ولكن كرهت أن أشمتك بالإسلام. قال: فقبل رأسي، وأخلي لك مئة أسير. قال: أما هذا، فنعم. فقبل رأسه، فخلى له مئة، وخلى سبيله.\nوقد روى ابن عائذ قصة ابن حذافة فقال: حدثنا الوليد بن محمد: أن ابن حذافة أسر. فذكر القصة مطولة، وفيها: أطلق له ثلاث مئة أسير، وأجازه بثلاثين ألف دينار، وثلاثين وصفة، وثلاثين وصيفًا.\nولعل هذا الملك قد أسلم سرًا. ويدل على ذلك مبالغته في إكرام ابن حذافة.\nوكذا القول في هرقل إذ عرض على قومه الدخول في الدين، فلما خافهم قال: إنما كنت أختبر شدتكم في دينكم.","vol":"4","page":2101},{"text":"فمن أسلم في باطنه هكذا، فيرجى له الخلاص من خلود النار؛ إذ قد حصل في باطنه إيمانًا ما وإنما يخاف أن يكون قد خضع للإسلام وللرسول، واعتقد أنهما حق، مع كون أنه على دين صحيح، فتراه يعظم الدينين، كما قد فعله كثير من المسلمانية الدواوين، فهذا لا ينفعه الإسلام حتى يتبرأ من الشرك.\nمات ابن حذافة في خلافة عثمان ﵃. ا. هـ.\n* * *","vol":"4","page":2102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>٧٢ - عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁</span>\nقال ابن حجر: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي ... قال الطبري: قيل كان طوالا أحمر عظيم الساقين أبيض الرأس واللحية، وعمي في آخر عمره. وقال ابن سعد: أسلم قبل أبيه ويقال لم يكن بين مولدهما إلا اثنتا عشرة سنة أخرجه البخاري عن الشعبي، وجزم ابن يونس بأن بينهما عشرين سنة ... قال الواقدي، مات بالشام سنة خمس وستين وهو يومئذ ابن اثنتين وسبعين، وقال ابن البرقي: وقيل مات بمكة، وقيل بالطائف وقيل بمصر ودفن في داره قاله يحيي بن بكير. وحكى البخاري قولًا آخر: أنه مات سنة تسع وستين وبالأول جزم ابن يونس، وقال ابن أبي عاصم: مات بمكة وهو ابن اثنتين وسبعين وقيل مات سنة ثمان وستين وقيل تسع وستين ا. هـ.\nقال الذهبي: الإمام الحبر العابد، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن. وقيل: أبو نصير القرشي السهمي. وأمه هي رائطة بنت الحجاج ابن منبه السهيمة، وليس أبوه أكير منه إلا بإحدى عشرة سنة أو نحوها.\nوقد أسلم قبل أبيه فيما بلغنا، ويقال: كان أسمه العاص، فلما أسلم، غيره النبي ﷺ بعبد الله.\nوله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل، حمل عن النبي ﷺ علمًا جمًا. وكتب الكثير بإذن النبي ﷺ، وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن وسوغ ذلك ﷺ، ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة ﵃ على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة.\nوالظاهر أن النهي كان أولًا لتتوفر هممهم على القرآن وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس أذن له في كتابه العلم، والله أعلم. ا. هـ.\nقال محقق السير: قال ابن القيم ﵀ في (تهذيب اللسنن): قد صح النبي ﷺ","vol":"4","page":2103},{"text":"النهي عن الكتابة والإذن فيها متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي ﷺ قال في غزاة الفتح \"اكتبوا لأبي شاة\" يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله ابن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي، لأنه لم يزل يكتب، مات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها (الصادقة) ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا، لمحاها عبد الله، لأمر النبي ﷺ بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها، وأثبتها، دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، هذا واضح والحمد لله.\n٢٢٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ القرآن في كل شهر\" قال: قلت: إني أجد قوة، قال: \"فاقرأه في عشرين ليلة\" قال: إني أجد قوة، قال: \"فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك\".\nوقد نازله رسول الله ﷺ إلى ثلاث ليال ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاثٍ.\n٢٢٠٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: \"لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث\".\nقال الذهبي: وهذا [التنازل] كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلاه في أقل من ذلك. ولو تلا ورتل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملًا فاضلًا، فالدين يسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض\n_________\n٢٢٠٨ - البخاري (٩/ ٩٥) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ٣٤ - باب في كم يقرأ القرآن.\nومسلم (٢/ ٨١٣) ١٣ - كتاب الصيام - ٣٥ - باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به.\n٢٢٠٩ - أبو دواد (٢/ ٥٦) كتاب الصلاة، باب تحزيب القرآن.\nوالترمذي (٥/ ١٩٨) ٤٧ - كتاب القراءات باب: ١٣ حدثنا عبيد بن أسباط .... .\nوابن ماجه (١/ ٤٢٨) ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - ١٧٨ - باب في كم يستحب يختم القرآن.","vol":"4","page":2104},{"text":"في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه.\nهذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخضة رسول الله ﷺ.\nوكذلك قال له ﵇ في الصوم، وما زال يناقصه، حتى قال له: \"صم يومًا وأفطر يومًا، صوم أخي داود ﵇\" وثبت أنه قال: \"أفضل الصيام صيام داود\" (١). ونهى ﵇ عن صيام الدهر (٢). وأمر ﵇ بنوم قسط من الليل، وقال: \"لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وأكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني\" ا. هـ الذهبي.\nقال الحافظ في الفتح: والمراد بالسنة: الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء: الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: من ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري، فليس مني ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه، وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس، وتكثير النسل.\nثم قال الذهبي: وكل من لم يلزم نفسه في تعبده وأورده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلمًا للأمة أفضل الأعمال، وأمرًا يهجر التبتل والرهبانية التي لم\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ٢٢٠) ٢٠ - كتاب الصوم - ٥٦ - باب صوم الدهر.\nومسلم (٢/ ٨١٦) ١٣ - كتاب الصيام - ٣٥ - باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به.\n(٢) رواه البخاري (٤/ ٢٢٤) ٢٠ - كتاب الصوم - ٥٩ - باب صوم داود ﵇.\nومسلم في الموضع السابق.","vol":"4","page":2105},{"text":"يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي، فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية. المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة. ا. هـ.\n٢٣١٠ - * روى أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت: يا رسول الله! أكتب ما أسمع منك؟ قال: \"نعم\" قلت: في الرضي والغضب؟ قال: \"نعم، فإني لا أقول إلا حقًا\".\n٢٢١١ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.\n٢٢١٢ - * روى أبو نعيم عن أبي عبد الرحمن الحبلي، سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة، أحب إلي من أن أكون عاشر عشرة أغنياء، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا، ويقول: يتصدق يمينًا وشمالًا.\n٢٢١٣ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو، قال: زوجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي، جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، فجاء أبي إلى كنته، فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير رجلٍ لم يفتش لها كنفًا، ولم يقربه لها فراشًا: فأقبل علي، وعضني بلسانه، ثم قال: أنكحتك امرأة ذات حسب، فعضلتها\n_________\n٢٢١٠ - أحمد في مسنده (٢/ ١٦١، ١٩٢).\nوأبو داود (٣/ ٣٦٨) كتاب العلم، باب في كتاب العلم.\nوالدارمي (١/ ١٢٥) المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم.\n٢٢١١ - البخاري (١/ ٢٠٦) ٣ - كتاب العلم - ٩ - باب كتابة العلم.\n٢٢١٢ - الحلية (١/ ٢٨٨) ورجاله ثقات.\n٢٢١٣ - أحمد في مسنده (٢/ ١٥٨) ورجاله ثقات.","vol":"4","page":2106},{"text":"وفعلت، ثم انطلق، فشكاني إلى النبي ﷺ، فطلبني، فأتيته، فقال لي: \"أتصوم النهار وتقوم الليل\"؟ قلت: نعم. قال: \"لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني\".\n٢٢١٤ - * روى البخاري، عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته، فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه، ذكر للنبي ﷺ، فقال: \"ألقني به\" ....\nوالكنة: زوج الولد، وقولها لم يفتش لنا كنفًا: الكنف: الجانب، أرادت أنه لم يقربها، ولم يطلع منها على ما جرت به عادة الرجال مع نسائهم. واسم المرأة: أم محمد بنت محمية بن جزء الزبيدي حليف قريش، ذكرها الزبير.\n٢٢١٥ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو، قال: دخل رسول الله ﷺ بيتي هذا، فقال: \"يا عبد الله! ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار\"؟ قلت: إني لأفعل. فقال: \"إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، فكأنك قد صمت الدهر كله\" قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني. فقال: \"فخمسة أيام\" قلت: إني أجد قوة. قال: \"سبعة أيام\"، فجعل يستزيده، ويزيده حتى بلغ النصف، وأن يصوم نصف الدهر: \"إن لأهلك عليك حقًا، وإن لعبدك عليك خقًا، وأن لضيفك عليك حقًا\" فكان بعد ما كبر وأسن يقول: ألا كنت قبلت رخصة النبي ﷺ أحب إلي من أهلي ومالي.\nأقول: الأصل في حياة المسلم أن يلزم نفسه من النوافل بما يستطيع وإذا ألزم نفسه بشيء من النوافل دون نذر، وعجز أو حيل بينه وبين أن يؤدي ما ألزم نفسه به فالأمر واسع في\n_________\n٢٢١٤ - البخاري (٩/ ٩٤) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ٣٢ - باب قول المقرئ للقرآن حسبك.\n٢٢١٥ - أحمد في مسنده (٢/ ٢٠٠) وإسناده حسن.\nوهذا الحديث له طرق مشهورة في الصحيحين وغيرهما.","vol":"4","page":2107},{"text":"حقه، وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسل لما كبر وثقل خفف بعض ما كان يلزم به نفسه من قبل ولو أن عبد الله فعل ذلك لما كان عليه من حرج، ولكن التزامه أمام رسول الله ﷺ جعله يستشعر أن عليه أن يبقى على الحالة التي فارقه عليها رسول الله ﷺ، وهذا من باب الورع ولم يكن واجبًا في حقه، ومن كلامه نأخذ درسًا ألا يضيق الإنسان على نفسه فيما وسعت به الشريعة، ونخص بالتذكير بعض الطبقات التي تتعامل مع المباح وكأنه فريضة أو ومع خلاف الأولى وكأنه محرم، فهؤلاء لهم أجرهم ولكنهم يضيقون واسعًا إذا كانوا أئمة يقتدي بهم أو يلتزم الناس بأوامرهم.\n٢٢١٦ - * روى أحمد عن حنظلة بن خويلد العنبري، قال: بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ﵁، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفسًا لصاحبه، فإني سمعت رسوله ﷺ يقول: \"تقتله الفئة الباغية\" فقال معاوية: يا عمرو ألا تغني عنا مجنونك، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول ﷺ، فقال: \"أطع أباك مادام حيًا\" فأنا معكم، ولست أقاتل.\nأقول: أمر الرسول ﷺ ههنا عام، ومن ورع عبد الله أنه حمل العموم على عمومه، ولكن مقتضى الفتوى أن ما يخصص العام تخصيصًا لا ليس فيه فإن على المسلم أن يأخذ به، وفي الواقعة التي نحن فيها كان مقتضي الفتوى ألا يكون عبد الله مع جند معاوية بل أن يكون مع جند علي، فكان الواجب عليه أن يأخذ بهذا الخصوص الواضح البين، ولكنه اجتهد فحمل العام على عمومه، فنرجو أن يكون مأجورا إن شاء الله.\n٢٢١٧ - * روى ابن سعد عن ابن أبي مليكة، قال: قال عبد الله بن عمرو ﵁: مالي ولصفين، مالي ولقتال المسلمين، لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة - أو قال بعشر سنين - أما والله على ذلك ما ضربت بسيف، ولا رميت بسهم. وذكر أنه كانت الراية بيده.\n_________\n٢٢١٦ - أحمد في مسنده (٢/ ١٦٤) وإسناده صحيح.\n٢٢١٧ - الطبقات الكبرى (٤/ ٢٦٦) ورجاله ثقات.","vol":"4","page":2108},{"text":"٢٢١٨ - * روى الحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: كانت أم عبد الله بن عمرو وريطة بنت منبه بن الحجاج تلطف برسول الله ﵌، فأتاها ذات يوم فقال \"كيف أنت يا أم عبد الله\"؟ قالت: بخير وعبد الله رجل قد ترك الدنيا. قال له أبوه يوم صفين: اخرج فقاتل. قال: يا أبتاه أتأمرني أن أخرج فأقاتل وقد كان من عهد رسول الله ﵌ ما قد سمعت؟ قال: أنشدك بالله أتعلم أن ما كان من عهد رسول الله ﵌ إليك أنه أخذ بيدك فوضعها في يدي فقال أطع أباك عمرو بن العاص قال: نعم، قال: فإني آمرك أن تقاتل. قال: فخرج يقاتل. فلما وضعت الحرب قال عبد الله:\nلو شهدت جمل مقامي ومشهدي ... بصفين يوما شاب منها الذوائب\nعشية جاء أهل العراق كأنهم ... سحاب ربيع زعزعته الجنائب\nإذا قلت قد ولوا سراعا ثبتت لنا ... كنائب منهم واجحنت كتائب\nفقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا ... عليا فقلنا نرى أن تضاربوا\n٢٢١٩ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﵌ في غزوة له ففزع الناس، فخرجت وعلي سلاحي فنظرت إلى سالم مولى أبي حذيفة عليه سلاحه يمشي وعليه السكينة، فقلت: لأفتدين بهذا الرجل الصالح حتى أتى فجلس عند باب رسول الله ﷺ وآله وسلم وجلست معه، فخرج رسول الله ﷺ مغضبا فقال: \"يا أيها الناس ما هذه الخفة ما هذا الترف أعجزتم أن تصنعوا كما صنع هذان الرجلان المؤمنان\".\nقال الذهبي:\nعن سلمان بن ربيعة الغنوي: أنه حج زمن معاوية في عصابة من القراء، فحدثنا أن\n_________\n٢٢١٨ - المستدرك (٣/ ٥٢٧)\nتلطف: ألطف فلانًا بكذا: أتحفه وأبره، واللطف: الهدية واليسير من الطعام وغيره.\n٢٢١٩ - المستدرك (٣/ ٥٢٧) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":2109},{"text":"عبد الله في أسفل مكة. فعمدنا إليه، فإذا نحن بثقل عظيم يرتحلون ثلاث مئة راحلة، منها مئة راحلة ومئتا زاملة (١) وكنا نحدث أنه أشد الناس تواضعًا. فقلنا: ما هذا؟ قالوا: لإخوانه يحملهم عليها ولمن ينزل عليه، فعجبنا، فقالوا: إنه رجل غني، ودلونا عليه أنه في المسجد الحرام، فأتيناه، فإذا هو رجل قصير أرمص (٢)، بين بردين وعمامة، قد علق نعليه في شماله.\nعن سليمان بن الربيع قال: انطلقت في رهط من نساك أهل البصرة إلى مكة، فقلنا: لو نظرنا رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فدللنا على عبد الله بن عمرو، فأتينا منزله، فإذا قريب من ثلاث مئة راحلة. فقلنا: على كل هؤلاء حج عبد الله بن عمرو؟ قالوا: نعم. هو ومواليه وأحباؤه. قال: فانطلقنا إلى البيت، فإذا نحن برجل أبيض الرأس واللحية، بين بردين قطريين، عليه عمامة وليس عليه قميص.\nعن عبيد بن سعيد: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو المسجد الحرام، والكعبة محترقة حين أدبر جيش حصين بن نمير، والكعبة تتناثر حجارتها. فوقف وبكى حتى إني لأنظر إلى دموعه تسيل على وجنتيه. فقال: أيها الناس! والله لو أن أبا هريرة أخبركم أنكم قاتلو ابن نبيكم، ومحرقو بيت ربكم، لقلتم: ما أحد أكذب من أبي هريرة. فقد فعلتم، فانتظروا نقمة الله فليلبسنكم شيعًا، ويذيق بعضكم بأس بعض.\nوقد أسلم عبد الله وهاجر بعد ستة سبع، وشهد بعض المغازي.\nقال أبو عبيد: كان على ميمنة جيس معاوية يوم صفين. وذكره خليفة بن خياط في تسمية عمال معاوية على الكوفة. قال: ثم عزله وولى المغيرة بن شعبة.\nورث عبد الله من أبيه قناطير مقنطرة من الذهب المصري، فكان من ملوك الصحابة. قال قتادة: كان رجلًا سمينًا.\n_________\n(١) الراحلة من الإبل: البعير النجيب القوي على الأسفار والأحمال. الذكر والأنثى فيه سواء. وهي التي يختارها الرجل لمركبه، والهاء فيه للمبالغة في الصفة كما يقال: رجل داهية وبافعة وعلامة، والزاملة: بعير يستظهر به الردل، يحمل عليه متاعه وطعامه.\n(٢) الرمص: قذى في عينه.","vol":"4","page":2110},{"text":"قال أحمد بن حنبل: مات عبد الله ليالي الحرة سنة ثلاثٍ وستين. وقال يحيي بن بكير: توفي عبد الله بن عمرو بمصر، ودفن بداره الصغيرة سنة خمسٍ وستين، وكذا قال في تاريخ وفاته: خليفةً، وأبو عبيد، والواقدي، والفلاس وغيرهم. [وهو الصحيح] وقال خليفة: مات بالطائف، ويقال: بمكة. وقال ابن البرقي أبو بكر: فأما ولده فيقولون: مات بالشام. ا. هـ الذهبي\n* * *","vol":"4","page":2111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>٧٣ - محمد بن مسلمة ﵁</span>\nمحمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل .. ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول القوادي، وهو ممن سمي في الجاهلية محمدا وقيل يكنى أبا عبد الله وأبا سعيد والأول أكثر.\nقول ابن شاهين: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث أنه شهد بدرًا وصحب النبي ﵌ هو وأولاده جعفر وعبد الله وسعد وعبد الرحمن وعمر، وقال: وسمعته يقول قتله أهل الشام ثم أخرج من طريق هشام عن الحسن أن محمد بن مسلمة قال: أعطاني رسول الله ﵌ سيفًا فقال \"قاتل به المشركين ما قاتلوا فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضا فائت به أحدا فاضرب به حتى ينكسر ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية\" ففعل قلت [القائل ابن حجر] ورجاله هذا السند ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من محمد بن مسلمة وأخي رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة وشهد الشاهد بدرًا وما بعدها إلا غزوة تبوك فإنه تخلف بإذن النبي ﵌ له أن يقيم بالمدينة وقال ابن عبد البر، كان من فضلاء الصحابة واستخلفه النبي ﵌ على المدينة في بعض غزواته، وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولاصفين.\nوقال ابن الكلبي: ولاه عمر على صدقات جهينة، وقالى غيره كان عند عمر معدًا لكشف الأمور المعضلة في البلاد وهو كان رسوله في الكشف عن سعيد بن أبي وقاص حين بنى القصر بالكوفة وغير ذلك.\nوقال ابن مبارك في الزهد أنبأنا ابن عيينة عن عمر بن سعيد بن عباية بن رفاعة قال: بلغ عمر بن الخطاب أن سعد بن أبي وقاص اتخذ قصرًا وجعل عليه بابًا وقال انقطع الصوت، فأرسل محمد بن مسلمة وكان عمر إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما يريد بعثه بالأمر كما بعثه فقال له: ائت سعدًا فأحرق عليه بابه فقدم الكوفة فلما وصل إلى الباب أخرج زنده فاستورى نارًا ثم","vol":"4","page":2112},{"text":"أحرق الباب فأخبر سعد فخرج إليه فذكر القصة.\nقال ابن شاهين: كان من قدماء الصحابة سكن المدينة ثم سكن الربذة يعني بعد قتل عثمان. قال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة وأرخه المدائني سنة ثلاث وأربعين وقال ابن أبي داود: قتله أهل الشام، وكذا قال يعقوب ابن سفيان في تاريخه دخل عليه رجل من أهل الشام من أهل الأردن وهو في داره فقتله وقال محمد بن الربيع في صحابة مصر: بعثه عمر إلى عمرو بمصر فقاسمه ماله وأسند ذلك في حديث، ثم قال: مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين وله سبع وسبعون سنة، وكان طويلًا معتدلًا أصلع. ا. هـ. ابن حجر.\nوقال الذهبي عنه: من نجباء الصحابة، شهد بدرًا والمشاهد.\nوقيل: إن النبي ﷺ استخلفه مرة على المدينة. وكان ﵁ ممن اعتزل الفتنة، ولا حضر الجمل، ولا صفين؛ بل اتخذ سيفًا من خشب، وتحول إلى الربذة، فأقام مديدة.\nوهو حارثي، من حلفاء بني عبد الأشهل. وكان رجلًا طوالًا أسمر معتدلًا أصلع وقورًا. قد استعمله عمر على زكاة جهينة. وقد كان عمر إذا شكي إليه عامل، نفذ محمدًا إليهم ليكشف أمره. خلف من الولد عشرة بنين؛ وست بنات. ﵁. وقدم للجابية، فكان على مقدمة جيش عمر.\nعباد بن موسى السعدي: حدثنا يونس، عن الحسن، عن محمد بن مسلمة، قال: مررت، فإذا رسول الله ﷺ على الصفا، واضعًا يده على يد رجل، فذهبت. فقال: \"ما منعك أن تسلم\"؟ قلت: يا رسول الله، فعلت بهذا الرجل شيئًا ما فعلته بأحد، فكرهت أن أقطع عليك حديثك، من كان يا رسول الله؟ قال: \"جبريل، وقال لي: هذا محمد بن مسلمة لم يسلم، أما إنه لو سلم رددنا ﵇\". قلت: فما قال لك يا رسول الله؟ قال: \"ما زال يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه يأمرني فأورثه\" (١).\n_________\n(١) وعياد بن موسى السعدي لم يوثقه غير ابن حبسان، والحسن هو البصري لم يسمع من محمد بن مسلمة، لكن حديث=","vol":"4","page":2113},{"text":"قال ابن سعد: أسلم محمد بن مسلمة على يد مصعب بن عمير، قبل إسلام سعد بن معاذ. قال: وأخي رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة، واستخلفه على المدينة عام تبوك (١).\nقال ابن يونس: شهد محمد فتح مصر، وكان فين طلع الحصن مع الزبير. قال عباية ابن رفاعة: كان محمد بن مسلمة، أسود طويلًا عظيمًا.\nوفي الصحاح، من حديث جابر: مقتل كعب بن الأشرف على يد محمد بن مسلمة (٢) عاش ابن مسلمة سبعًا وسبعين سنة. قال يحيي بن بكير، وإبراهيم بن المنذر، وابن نمير، وشباب، وجماعة: مات محمد بن مسلمة في صفر سنة ثلاث وأربعين. أ. هـ.\n٢٢٢٠ - * روى الحاكم بن عمرو بن دينار سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: بعثني عثمان ﵁ في خمسين فارسًا إلى ذي خشب وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري، فجاء رجل في عنقه مصحف وفي يده سيف وعيناه تذرفان، فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا، فقال له محمد بن مسلمة: اجلس فقد ضربنا بهدا على ما في هذا قبل أن تولد فلم يزل يكلمه حتى رجع.\n٢٢٢١ - * روى أبو دواد عن ثعلبة بن ضبيعة، قال: دخلنا على حذيفة، فقال: إني لأعرف رجلًا لا تضره الفتن شيئًا، قال: فخرجنا فإذا فسطاط مضروب، فدخلنا، فإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت.\n_________\n= \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\" صحيح من حديث عائشة وابن عمر، أخرجه البخاري ومسلم.\n(١) تبوك: موضع بين وادي القرى والشام، وبه كانت الغزوة.\n(٢) رواه البخاري (٧/ ٣٣٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٥ - باب قتل كعب بن الأشرف.\nومسلم (٣/ ١٤٢٥) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٢ - باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود.\n٢٢٢٠ - المستدرك (٣/ ٤٣٦) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢٢٢١ - أبو داود (٤/ ٢١٦) كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة.","vol":"4","page":2114},{"text":"وفي رواية (١) عن حذيفة قال: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول \"لا تضرك الفتنة\".\n٢٢٢٢ - * روى الحاكم عن محمد بن إسحاق في ذكر من شهد بدرا قال: ومن الأوس ثم حلفائه من بني عبد الأشهل محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوي كان حليفًا لبني عبد الأشهل، توفي سنة ثلاث وقيل سنة ست وأربعين وهو يومئذ ابن سبع وسبعين سنة، وكان يكنى أبا عبد الرحمن وصلى عليه مروان بن الحكم.\n* * *\n_________\n(١) أبو داود في نفس الموضوع السابق.\nما أريد أن يشتل علي من أمصاركم شيء، لا أسكن بلدًا فأتعرض للفتنة حتى تنقضي.\n٢٢٢٢ - المستدرك (٣/ ٤٣٣).","vol":"4","page":2115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>٧٤ - حسان بن ثابت</span>\nقال الذهبي في السير: ابن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، سيد الشعراء المؤمنين، المؤيد بروح القدس، أبو الوليد؛ ويقال: أبو الحسام. الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، ابن الفريعة.\nشاعر رسول الله ﷺ وصاحبه. قال ابن سعد: عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام. أمه الفريعة بنت خنيس. قال مسلم: كنيته أبو عبد الرحمن. وقيل: أبو الوليد. قال ابن إسحاق: سألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: ابن كم كان حسان وقت الهجرة؟ قال: ابن ستين سنة، واهجر رسول الله ابن ثلاث وخمسين.\nالزهري، عن ابن المسيب، قال: كان حسان في حلقة فيهم أبو هريرة، فقال: أنشدك الله يا أبا هريرة،\nفقال: أنشدك الله يا أبا هريرة، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أجب عني، أيدك الله بروح القدس\"؟ فقال: اللهم نعم (١).\nوروى عدي بن ثابت، عن البراء: أن رسول الله قال لحسان: \"اهجهم وهاجهم وجبريل معك\" (٢).\nوقال سعيد بن المسيب: مر عمر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظه، فقال حسان: قد كنت أنشد فيه، وفيه خير منك. قال: صدقت (٣).\nعن عائشة، قالت: كان حسان يضع له النبي ﷺ منبرًا في المسجد، يقوم عليه قائمًا ينافح عن رسول الله ﷺ، ورسول الله يقول: \"إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ\" (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦/ ٣٠٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ٦ - باب ذكر الملائكة.\nومسلم (٤/ ١٩٣٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت.\n(٢) رواه البخاري ومسلم في نفس الموضعين السابقين.\n(٣) رواه البخاري ومسلم في نفس الموضعين السابقين.\n(٤) رواه أحمد في مسنده (٦/ ٧٢)، وأبو داوج (٤/ ٣٠٤) كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر.\nوالترمذي (٥/ ١٣٨) ٤٤ - كتاب الأدب - ٧٠ - باب ما جاء في إنشاد الشعر.\nوالحاكم في المستدرك (٣/ ٤٨٧) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":2116},{"text":"وعن عروة، قال: سببت ابن فريعة عند عائشة، فقالت: يا ابن أخي، أقسمت عليك لما كففت عنه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ. (١)\nأقول: وفي منع ابن أختها من سب حسان مع دوره في حادثة الإفك دليل على أن المسلم لا يحقد ويمتنع عن أن يشفي قلبه من غيظ الغيبة منه أو من غيره، وهو خلق عز في عصرنا وقل أصحابه.\nعمر بن حوشب، عن عطاء بن أبي رباح، سمعه يقول: دخل حسان على عائشة، بعدما عمي، فوضعت له وسادة، فدخل أخوها عبد الرحمن، فقال: أجلستيه على وسادة، وقد قال ما قال؟ - يريد: مقالته نوبة الإفك - فقالت: إنه - تعني أنه كان يجيب عن رسول الله ﷺ، ويشفي صدره من أعدائه، وإني لأرجو ألا يعذب في الآخرة.\nوروي عن عائشة قالت: قدد رسول الله المدينة، فهجته قريش، وهجوا معه الأنصار. فقال لحسان: \"اهجهم، وإني أخاف أن تصيبني معهم بهجو بني عمي\".\nقال: لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين، ولي مقول يفري ما لا تفريه الحربة. ثم أخرج لسانه، فضرب به أنفه، كأنه لسان شجاع (٢) بطرفه شامة سوداء، ثم ضرب به ذقنه.\nعن أبي سلمة: أن حسان قال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني هذا. ثم أطلع لسانه، كأنه لسان حية.\nفقال رسول الله ﷺ: \"إن فيهم نسبًا، فائت أبا بكر، فإنه أعلم قريش بأنسابها، فيخلص لك نسبي\". قال: والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم ومسبك سل الشعرة من\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠/ ٥٤٦) ٨٧ - كتاب الأدب - ٩١ - باب هجاء المشركين.\nومسلم (٤/ ١٩٣٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - فضائل حسان بن ثابت.\n(٢) شجاع: الحية الذكر.","vol":"4","page":2117},{"text":"العجين. فهجاهم. فقال له رسول الله ﷺ: \"لقد شفيت واشتفيت\" (١).\nمحمد بن السائب بن بركة، عن أمه: أنها طافت مع عائشة، ومعها نسوة، فوقعن في حسان، فقالت: لا تسبوه، قد أصابه ما قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) وقد عمي، والله إني لأرجو إن يدخله الله الجنة بكلمات قالهن لأبي سفيان بن الحارث:\nهجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء\nفإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\nأتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء\nانتهى. من السير للذهبي.\nقال الشيخ شعيب: أبو سفيان بن الحارث: هو ابن عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، كان يألف النبي ﷺ في الجاهلية، فلما بعث عاداه، وهجاه، ثم أسلم عام الفتح، وشهد حنينًا، وقوله: (فشركما لخيركما الفداء). قال السهيلي: وفي ظاهر اللفظ بشاعة، لأن المعروف أن لا يقال: هو شرهما إلا وفي كليهما شر .. ولكن سيبويه قال في (كتابه): تقول: مررت برجل شر منك: إذا نقص عن أن يكون مثله، وهذا يدفع الشناعة، ونحو منه قوله ﷺ: \"شر صفوف الرجال آخرها\" يريد: نقصان حظهم عن حظ الأول.\nعن مسروق، قال: كنت عند عائشة، فدخل حسان - بعد ما عمي - فقال:\nحصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح من لحوم الغوافل\nفقالت: لكن أنت لست كذلك. فقلت لها: تأدنين له، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) فقالت: وأي عذاب أشد من العمى.\n_________\n(١) رواه الطبراني في الكبير (٤/ ٣٨) ومسلم بنحوه في (٤/ ١٩٣٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت.\n(٢) آل عمران ١١.\n(٣) النور: ١١.\n٠","vol":"4","page":2118},{"text":"وقالت: إنه كان ينافح، أو يهاجي عن رسول الله ﷺ (١).\nخديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن سعيد بت جبير، قال: قبل لابن عباس: قدم حسان اللعين، فقال ابن عباس: ما هو بلعين، قد جاهد مع رسول الله ﷺ بنفسه ولسانه (٢).\nوقال [الذهبي] هذا دال على أنه غزا.\nأقول: من المشهور عن حسان قلة مشاركته في القتال وذلك يرجع في نظري إلى أنه كان كبير السن عندما دخل في الإسلام كما مر، وقد علل بعضهم عدم مشاركته في القتال تعليلات لا تليق ولم تثبت بسند صحيح يطمئن إليه القلب، وإنما هو ما ذكرناه فقد كان معذورًا بدليل أنه لم يعاقب ولم يعاتب ولم يؤثر عن رسول الله ﷺ لوم له في هذا الشأن.\nقال الذهبي: عبدة بن سليمان، عن أبي حيان التيمي، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أنشد حسان النبي ﷺ:\nشهدت بإذن الله أن محمدًا ... رسول الذي فوق السماوات من عل\nوأن أبا يحيي ويحيي كلاهما ... له عمل من ربه متقبل\nوأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يقول بذات الله فيهم ويعدل (٣)\nفقال النبي ﷺ: \"وأنا\".\nوروى أبو غسان النهدي: حدثنا عمر بن زياد، عن عبد الملك بن عمير: أن النبي ﷺ أنشده حسان - فذكرها وزاد:\nوأن الذي عادي اليهود ابن مريم نبي أتى من عند ذي العرش مرسل\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٤٣٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٤ - باب حديث الإفك.\nومسلم (٤/ ١٩٣٤) - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت.\n(٢) أخرجه أبو الفرج في الأغاني، وهو في تهذيب ابن عساكر.\n(٣) أبو يحيي: هو زكريا ﵇. أخو الأحقاف: هو هود ﵇.","vol":"4","page":2119},{"text":"قال ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، وعبد الله بن حزم: إن حسان لما قال هذه الأبيات:\nمن النوم بالغشاء الهموم ... وخيال إذا تغور النجوم\nمن خبيب أصاب قلبك منه ... سقم فهو داخل مكتوم\nيا لقومٍ هل يقتل المرء مثلي ... واهن البطش والعظا سؤوم\nشأنها العطر والفراش ويعلو ... ها لجين ولؤلو منظوم\nلو يدب الحولي من ولد الذ ... ر عليها لأندبتها الكلوم\nلم تفقها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس بدوم\nزاد بعضهم:\nرب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غظى عليه النعيم\nنادى بأعلى صوته على أطمة فارع: يا بني قيلة، فلما اجتمعوا، قالوا: ما لك ويلك؟ قال: قلت قصيدة لم يقل أحد من العرب مثلها، ثم أنشدها لهم، فقالوا: ألهذا جمعتنا؟ فقال: وهل يصبر به من وحر الصدر. [أي وساوسه].\nقال سليمان بن يسار: رأيت حسان لع ناصية قد سدلها بين عينيه.\nقال ابن إسحاق: توفي حسان سنة أربعٍ وخمسين. وأما الهيثم بن عدي، والمدائني فقالا: توفي سنة أربعين. قلت: له وفادة على جبلة بن الأبهم، وعلى معاوية.\nقال: ابن سعد: توفي زمن معاوية. ا. هـ. الذهبي.\nوقال ابن حجر: قال عبيدة فضل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﵌ في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام ... مات حسان قبل الأربعين في قول خليفة وقبل سنة أربعين وقبل خمسين وقيل أربع وخمسين وهو قول ابن هشام حكاه عنه ابن البرقي وزاد وهو ابن عشرين ومائة سنة أو نحوها وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ قدم المدينو ولحسان ستون","vol":"4","page":2120},{"text":"سنة (قلت [القائل ابن حجر] من قال إنه سنة أربعين بلغ مائة أو دونها او في سنة خمسين مائة وعشرة أو سنة أربع وخمسين مائة وأربع عشرة، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين سنة وقيل عاش مائة وأربع سنين جزم به أنه أبي خيثمة عن المدائني وقال ابن سعد عاش في الجاهلية ستين وفي الإسلام ستين ومات وهو ابن عشرين ومائة. ا. هـ.\n٢٢٢٢ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: \"استأذن حسان بن ثابت رسول الله ﷺ في هجاء المشركين، فقال رسول الله ﷺ: \"فكيف بنسبي؟ \" فقال حسان: لأسئلنك منهم كما تسل العشرة من العجين.\nوفي رواية قال عروة: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ.\nوفي رواية لمسلم (٢) قالت: قال حسان: يا رسول الله، ائذن لي في أبي سفيان، قال: \"كيف بقرابتي منه؟ \" قال: والذي أكرمك، لأسلنك كما تسل العشرة من الخمير، فقال حسان:\nوإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بيت مخزوم، ووالدك العبد\nقصيدته هذه.\nوبعد بيت \"وإن سنام المجد ... \" بيت لم يذكره البخاري ومسلم، وبذكره تتم الفائدة والمراد، وهو:\nومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام ولم يقرب عجائزك المجد\nوالمراد ببيت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم عبد الله والزبير وأبي طالب بني عبد المطلب، والمراد بأبي سفيان المهجو في الحديث: أبو سفيان بن الحارث\n_________\n٢٢٢٣ - البخاري (١٠/ ٥٤٧) ٧٨ - كتاب الأدب - ٩١ - باب هجاء المشركين.\n(١) مسلم (٤/ ١٩٣٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت.\nسنام المجد: سنام كل شيء: أعلاه، والمجد: الشرف والعلاء والفخر والسؤدد. وما أشبهه.","vol":"4","page":2121},{"text":"ابن عبد المطلب، وهو ابن عم رسول الله ﷺ وكان يؤذي النبي ﷺ والمسلمين في ذلك الوقت، ثم أسلم وحسن إسلامه.\nوقوله: ولدت أبناء زهرة منهم، مراده: هالة بنت وهب بن عبد مناف أم حمزة وصفية، وأما قوله في البيت الأول: ووالدك العبد، فهو سب لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه: أن أم الحارث بن عبد المطلب والد أبي سفيان هذا: هي سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده يقوله، ولم يقرب عجائزك المجد.\nوفي رواية لمسلم (١) أن رسول الله ﷺ قال: \"اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليها من رشق النبل\" فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بم مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبة، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخض لك نسبي\" فأتاه حسان، ثم رجع، فقال: والذي بعثك بالحق، لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤديك ما نافحت عن الله ورسوله. وقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسان، فشفى واتشفى، قال حسان:\nهجوت محمدًا، فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء\nهجوت محمدًا برًا تقيًا ... رسول الله شيمته الوفاء\n_________\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\nرشق النبل: الرشق: الري، وهو بالفتح: المصدر، تقول: رشقته رشقًا، وبالكسر: الوجه من الرمي: إذا رموا بأجمعهم، قالوا: رميًا رشقًا.\nأذلع: دلع لسانه وأدلعه إذا أخرجه، ودلع لسانه يتعدى ولا يتعدى.\nلأفرينهم قري الأديم: أقريت الشيء، إذا قطعته على جهة الإفساد، فإذا فعلته على جهة الإصلاح قلت: فريته، وفري الأديم: قطع الجزار الجلد.\nبرأ: البر: الصادق.=","vol":"4","page":2122},{"text":"فإني أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\nثكلت بنيتي لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء\nيبارين الأعنة مصعدات ... على اكتافها الأسل الظماء\nتظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء\nفإن أعرضتم عنا اعتمرنا ... وكان الفتح، وانكشف الغطاء\nوإلا فاصبروا لضراب يومٍ ... يعز الله فيه من يشاء\nوقال الله: قد أرسلت عبدًا ... يقول الحق، ليس به خفاء\nوقال الله: قد يسرت جندًا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء\nتلافى كل يوم من مقد ... سباب، أو قتال، أو هجاء\nفمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء\nوجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء\nأقول: ترجمنا لحسان ﵁ لأنه يشكل ظاهرة تحتاج إلى تأمر كبير ليأخذ منها دعاة الإسلام دروسًا كثيرة، فلقد كان الشعر في الجاهلية هو الأداة الأقوى في التأثير على الرأي العام، وقد استعمل الرسول ﷺ هذا السلاح استعمالا كثيرًا فلم يبق شاعرًا إلا وقد استخرج ما عنده في نصرة الإسلام أو الدعوة له أو الذنب عنه أو الرد على خصومه أو في\n_________\n= حنيفًا: الحنيف: المائل عن الأديان إلى الإسلام.\nتثيير النقع: النقع: الغبار، وإثارته: نشره وإظهاره في الحق.\nكداء: الممدود - بفتح الكاف -: هو بأعلى مكة عند المقبرة، وتسمى الناحية: المعلي، وهنالك الحصب، وليس بمحصب مني، وكان باب بني شيبة بإزائه، وكدي - بالقصر والضم مصروفًا -: هو بأسفل مكة، وهو بقرب شعب الشافعين وابن الزبير، عند قعيقعان، وهنالك موضع آخر يقال له: كدي، مضغرًا، وإنما هو لمن خرج من مكة إلى اليمن، فهو في طريقه، وليس من هذين المقدمين في شيء.\nيبارين الأعنة: المباراة: المجارة والمسابقة.\nالأسل الغلماء: الأسل: الرماح، وهو في الأصل: نبات له أغضان.\nدقاق طوال. والغلماء: جمع ظامئ، وهو العطشان، جمع الرماح عطاشًا إلى ورود الدماء استعارة، فهي إلى ذلك أسرع، كسارعة العطشالن إلى ورود الماء.\nمتمطرات: مطر الفرس يمطر مطرًا: إذا أسرع، وتمطر تمطرًا: مثله.\nعرضتها: يقال: فلان عرضة لكذا\" إذا كان مستعدًا له، متعرضًا له.","vol":"4","page":2123},{"text":"التعليل للمواقف، وهذا يعطينا درسًا في أن يبذل الدعاة أقصى ما يستطيعونه للتأثير على الرأي العام بكل وسيلة مشروعة متاحة، وقد كان من سننه ﵇ أن يرد على شاعر بشاعر وعلى خطيب بخطيب، وهذا درس كذلك للدعاة في أن يردوا على الجريدة بالجريدة وعلى الكتاب بالكتاب وعلى البيان بالبيان على ضوء الحكمة والفتوى.\nومن الدروس في ترجمة حسان أن نعرف أن للشاعر قيمته للدعوة الإسلامية، قال تعالى لرسوله ﵇ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ولقد أثر رسول الله ﷺ على كثير من شعرائه، ووصف قوة تأثير شعرهم في العدو، كما دعا لبعضهم، وهذا رد على بعض المنتطعين الذين لا يعطون للشعر الإسلامي أهميته.\n* * *","vol":"4","page":2124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-562>٧٥ - حجر بن عدي ﵁</span>\nقال ابن حجر في ترجمته:\nحجر بضم أوله وسكون الجيم ابن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي المعروف بحجر بن الأدبر حجر الخير. ذكر ابن سعد ومصعب الزبيري فيما رواه الحاكم عنه أنه وفد على النبي ﵌ هو وأخوه هانئ بن عدي وأن حجر بن عدي شهد القادسية وأنه شهد بعد ذلك الجمل وصفين وصحب عليًا فكان من شيعته وقتل بمرج عذراء بأمر معاوية وكان حجر هو الذي افتتحها فقدر أن قتل بها.\nوقد ذكر ابن الكلي جميع ذلك وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء علي يوم صفين، وروى ابن السكن وغيره من طريق بن الأشتر عن أبيه أنه شهد وهو حجر بن الأدبر موت أبي ذر بالربذة، وأما البخاري وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفته بن خياط وابن حبان فذكروه في التابعين، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، فإما أن يكون ظنه آخر وإما أن يكون ذهل. وروى ابن قانع في ترجمته من طريق شعيب بن حرب عن شعبة عن أبي بكر بن حفص عن حجر بن عدي رجل من أصحاب النبي ﵌ عن النبي ﷺ قال \"إن قومًا الخمر يسمونها بغير اسمها\" وروى أحمد في الزهد والحاكم في المستدرك من طريق ابن سيرين قال: أطال زياد الخطبة فقال حجر: الصلاة، فضى في خطبته فحصبه حجر والناس، فنزل زياد فكتب إلى معاوية، فكتب إليه أن سرح به إلي، فلما قدم قال: السلام، عليك يا أمير المؤمنين، فقال: أو أمير المؤمنين أنا؟ قال: نعم، فأمر بقتله، فقال: لا تطلقوا عني حديدًا ولا تغسلوا عني دمًا فإني لاق معاوية بالجادة وإني مخاصم. وروى الروياني والطبراني والحاكم من طريق أبي إسحاق قال: رأيت حجر بن عدي وهو يقول ألا إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها ا. هـ. ابن حجر.\nوقال الذهبي: هو حجر الخير، وأبوه عدي الأدبر، وكان قد طعن موليًا. فسمي الأدبر، الكوفي، أبو عبد الرحمن الشهيد. له صحبة ووفادة.","vol":"4","page":2125},{"text":"قال غير واحد: وفد مع أخيه هانئ بن الأدبر، ولا رواية له عن النبي ﷺ. وسمع من علي وعمار.\nوكان شريفًا، أميرًا مطاعًا، أمارًا بالمعروف، مقدمًا على الإنكار، من شيعة علي ﵄. شهد صفين أميرًا، وكان ذا صلاح وتعبد.\nقال ابن عون: عن محمد [بن سيرين]، قال: لما أتي بحجر، قال: ادفنوني في ثيابي، فإني أبعث مخاصمًا (١).\nوروى ابن عون عن نافع، قال: كان ابن عمر في السوق، فنعي إليه حجر، فأطلق حبوته، وقام، وقد غلب عليه النحيب (٢).\nهشام بن حسان: عن محمد، قال: لما أتي معاوية بحجر، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! قال: أو أمير المؤمنين أنا؟ اضربوا عنقه، فصلى ركعتين، وقال لأهله: لا تطلقوا عني حديدًا، ولا تغسلو علي دمًا، فإني ملاقٍ معاوية على الجادة.\nوقيل: إن رسول معاوية عرض عليهم البراءة من رجلٍ والتوبة. فأبى ذلك عشرة، وتبرأ عشرة، فلما انتهى القتل إلى حجر، جعل يرعد.\nوقيل: لما حج معاوية، استأذن على عائشة، فقالت: أقتلت حجرًا؟ قال: وجدت فى قتله صلاح الناس، وخفت من فسادهم.\nومشهدهم ظاهر بعذراء (٣) يزار. وخلف حجر ولدين: عبيد الله، وعبد الرحمن. قتلهما مصعب بن الزبير الأمير، وكانا يتشيعان. ا. هـ.\nأقول: إننا مع رغبتنا في أن لا نذكر إلا بخير، ولكن لابد أن نسجل أن\n_________\n(١) رواه ابن سعد (٦/ ٢٣٠).\n(٢) رواه أحمد كما في البداية (٨/ ٥٥) من طريق ابن علية بهذا الإسناد، وهو صحيح.\n(٣) عذراء: هي من قرى غوطة دمشق، تقع في الشمال الشؤقي، وتبعد عنها خمسة عشر ميلًا تقريبًا، وبها قبر حجر وأصحابه، في مسجدها، ولا تزال إلى يومنا هذا.","vol":"4","page":2126},{"text":"معاوية ﵁ كان بداية الملك العضوض بالنص الصريح عن رسول الله ﷺ كما كان رأس الفئة الباغية التي قتلت عمارًا، وهذا كذلك منصوص عليه، ثم هو أول من سن القتل السياسي بقتله حجر بن عدي وأصحابه صبرًا فكانت سنة سيئة في تاريخ الأمة الإسلامية، ونحن إذ نسجل هذه الظواهر نسجلها للعبرة والله تعالى هو الذي يحاسب عباده، ولمعاوية عندنا كما لبقية الصحابة: طلب الرضوان والغفران والأمر لله من قبل ومن بعد.\n* * *","vol":"4","page":2127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>٧٦ - عمران بن حصين ﵁</span>\nقال ابن حجر: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن حذيفة بن جهمة ابن غاضرة بن حبشة بن كعب بن عمرو الخزاعي .. هكذا نسبه إلى ابن الكلبي ومن تبعه وعند أبي عمر عبد نهم بن سالم بن غاضرة ويكنى أيا نيجد بنون وجيم مصغرًا. روى عن النبي ﵌ عدة أحاديث، وكان إسلامه عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح قاله ابن البرقي، وقال الطبراني: أسلم قديمًا هو وأبوه وأخته، وكان ينزل ببلاد قومه ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها ... وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الأسود الدئلي قال: قدمت البصرة وبها عمران بن حصين كان عمر بعثه ليفقه أهلها، وقال خليفة: استقضى عبد الله بن عامر بن عمران بن حصين على البصرة فأقام أيامًا ثم استعفاه، وقال ابن سعد: استقضاه زياد ثم استعفاه فأعفاه. وأخرج الطبراني وابن منده بسند صحيح عن ابن سيرين قال: لم يكن تقدم على عمران أحد من الصحابة ممن نزل البصرة، وقال أبو عمر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم يقول عنه أهل البصرة إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى ... وقال ابن سيرين: أفضل من نزل البصرة من الصحابة عمران وأبو بكرة، وكان الحسن يحلف أنه ما قدم البصرة والسرو خير لهم من عمران أخرجه أحمد في الزهد عن سفيان قال: كان الحين يقول نحوه وكان قد اعتزل الفتنة فلم يقاتل فيها، وقال أبو نعيم: كان مجاب الدعوة ا. هـ. ابن حجر\nوقال الذهبي في ترجمته: القدوة الإمام، صاحب رسول الله ﷺ. أبو نجيد الخزاعي.\nأسلم هو وأبوه وأبو هريرة في وقت، سنة سبع. وله عدة أحاديث.\nوولي قضاء البصرة، وكان عمر بعثه إلى اهل البصرة ليفقههم؛ فكان الحسن يحلف؛ ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن الخصين.\nقال زرارة: رأيت عمران بن حصين يلبس الخز.\nوقال مطرف بن عبد الله: قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثًا عسى الله أن","vol":"4","page":2128},{"text":"ينفعك به: إن رسول الله ﷺ جمع بين الحج والعمرة، ولم ينه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وأنه كان يسلم علي - يعني الملائكة - قال: فلما اكتويت، أما ذلك؛ فلما تركه، عاد إلي (١).\nأقول: في تسليم الملائكة على عمران بن حصين ﵁ دليل على أنه يمكن للمسلم أن يكون له صلة بعالم الغيب، وهي الظاهرة التي يسميها أهل السلوك إلى الله (الكشف) وهي ليست مستغربة فالقرآن وصف مريم بالصديقية، ومع ذلك ذكر أن الملائكة خاطبتها ومن وقعت له واقعة من هذه الواقعات فله أن يذكرها إذا ترتب على ذلك مصلحة شرعية، ويجوز للمسلم أن يصدقه في كلامه إذا لم يعرف عنه كذب أو فسوق، ولم يترتب على كلامه تكليف شرعي أو نقض لشرع، ولا نفي ما حدث لعمران جواز الكي وأمثاله للتداوي ولكن يشعر أن الكمال في حق عمران ألا يكتوي.\nقال الذهبي: وقد غزا عمران مع النبي ﷺ غير مرة. وكان ينزل ببلاد قومه، ويتردد إلى المدينة.\nعن الحكم بن الأعرج، عن عمران بن حصين، قال: ما مسست ذكرى بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ (٢).\nعن محمد: ما قدم البصرة أحد بفضل على عمران بم حصين (٣).\nقال ققتادة: يلغني أن عمران قال: وددت أني رماد تذروني الرياح (٤).\nقلت [القائل الذهبي]: وكان ممن اعتزل الفتنة، ولم يحارب مع علي.\nعن قتادة: قال لي عمران بن حصين: الزم مسجدك. قلت: فإن دخل علي؟\n_________\n(١) رواه مسلم (٢/ ٨٩٨) ١٥ - كتاب الحج - ٢ - باب جواز التمتع.\n(٢) رواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٣٩) ورجاله ثقات.\nوالحاكم في المستدرك (٣٤٧٣) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٣) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٢٨٧)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: (٩/ ٣٨١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(٤) رواه ابن سعد (٤/ ٢٨٧).","vol":"4","page":2129},{"text":"قال: الزم بيتك. قلت: فإن دخل علي؟ قال: لو دخل علي رجل يريد نفس ومالي، لرأيت أن قد حلي لي أن أقتله (١).\nعن عمران، قال: اكتوينا، فما أفلحن، ولا أنجحن - يعني المكاوي (٢).\nعن مطرف: قال لي عمران في مرضه: إنه قد كان يسلم علي، فإن عشت، فاكتم علي (٣).\nقال مطرف: قال لي عمران: أشعرت أن التسليم عاد إلي؟ قال: ثم لم يلبث إلا يسيرًا حتى مات (٤).\nعن مطرف، قلت لعمران: ما يمنعني من عيادتك إلا ما أرى عن حالك. قال: فلا تفعل، فإن أحبه إلي أحبه إلى الله (٥).\nإبراهيم بن عطاء مولى عمران، عن أبيه أن عمران قضى على رجل بقضية، فقال: والله، قضيت علي بجور، وما ألوت. قال: وكيف؟ قال: شهد علي بزور. قال: فهو في مالي، والله لا أجلي هذا أبدًا (٦).\nعن أبي رجاء، قال: خرج علينا عمران في مطرف خز لم نره قط، فقال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يجب أن ترى عليه\" (٧).\nقال ابن سيرين: سقى بطن عمران بن حصين ثلاثين سنة، كل ذلك يعرض عليه\n_________\n(١) رواه ابن سعد (٤/ ٢٨٧) ورجاله ثقات.\n(٢) رواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٢٧)، وأبو داود (٤/ ٥) كتاب الطب، باب في الكي.\nوالترمذي (٤/ ٣٨٩) ٢٩ - كتاب الطب - ١٠ - باب ما جاء في كراهية التداوي بالكي.\nوابن ماجه (٢/ ١١٥٥) ٣١ - كتاب الطب - ٣ - باب الكي.\nوإسناده صحيح.\n(٣) الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٧٢).\n(٤) ابن سعد (٤/ ٢٨٩).\n(٥) ابن سعد (٤/ ٢٨٧) ورجاله ثقات.\n(٦) ابن سعد بنحوه (٤/ ٢٨٧) ورجاله ثقات، لا أجلس مجلسي هذا أبدًا لأقضي.\n(٧) رواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٣٨) وابن سعد (٤/ ٢٩١) وسنده صحيح.","vol":"4","page":2130},{"text":"الكي، فيأبى؛ حتى كان قبل موته بسنتين، فاكتوى (١).\nعمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: كان عمران ينهى عن الكي، فابتلي، فاكتوى، فكان يعج (٢).\nعن الحسن: أن عمران بن حصين أوصى لأمهات أولاده بوصايا، وقال: من صرخت علي، فلا وصية لها.\nتوفي عمران سنة اثنتين وخمسين. ﵁. ا. هـ الذهبي.\n٢٢٢٤ - * روى الحاكم عن إبراهيم بن عطاء عن أبيه أن زيادًا أو ابن زياد بعث عمران ابن حصين ساعيًا فجاء ولم يرجع معه درهم فقال له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني أخذناها كما كنا نأخذها على عهد رسول الله ﵌ ووضعناها في الموضع الذي كنا نضعها على عهد رسول الله ﵌.\n٢٢٢٥ - * روى الحاكم عن هلال بن يساف قال: انطلقت إلى البصرة فدخلت المسجد فإذا شيخ مستند إلى إسطوانة يحدث يقول: قال رسول الله ﵌: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم تاتي أقوام يعطون الشهادة قبل أن يسألوها\" فقلت: من هذا الشيخ؟ قالوا: عمران بن حصين.\n٢٢٢٦ - * روى الحاكم عن رافع بن سحبان أن رجلًا أتى عمران بن حصين وهو في المسجد فقال: رجل طلق امرأته وهو في مجلس ثلاثًا، فقال: إثم لزمه وحرمت عليه امرأته، فانطلق فذكر ذلك لأبي موسى يريد عيبه، فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبي نجيد.\n_________\n(١) ابن سعد (٤/ ٢٨٨)\nالسقي: ماء أصفع يقع في البطن، يقال: سقي بطنه يسقي سقيًا.\n(٢) ابن سعد (٤/ ٢٨٩).\nيعج: يضج ويرفع صوته.\n٢٢٢٤ - المستدرك (٣/ ٤٧١) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢٢٢٥ - المستدرك (٣/ ٤٧١) وصححه ووافقه الذهبي.\n٢٢٢٦ - المستدرك (٣/ ٤٧٢).","vol":"4","page":2131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>٧٧ - سهيل بن عمرو ﵁</span>\nقال ابن حجر: سهيل بن عمرو بن شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري خطيب قريش أبو يزيد ... قال البخاري سكن مكة ثم المدينة، وذكره ابن سميع في الأولى ممن نزل الشام، وهو الذي تولى أمر الصلح بالحديبية، وكلامه ومراجعته للنبي ﵌ في ذلك في الصحيحين وغيرهما، وله ذكر في حديث ابن عمر في الذين دعا النبي ﵌ عليهم في القنوت فنزلت (ليس لك من الأمر شيء) زاد أحمد في روايته، فتابوا كلهم. وروى حميد بن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن أبي حسين قال: لما فتح رسول الله ﵌ مكة دخل البيت ثم خرج فوضع يده على عضادتي الباب فقال ماذا تقولون؟ فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرًا ونظن خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت فقال: أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم. وذكره ابن إسحاق فيمن أعطاه النبي ﵌ مائة من الإبل من المؤلفة وذكر ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن الشافعي كان سهيل محمود الإسلام من حين أسلم. وروى البيهقي في الدلائل من طريق الحسن بن محمد بن الحنفية قال قال عمر للنبي ﵌: دعني أنزع ثنيتي سهيل فلا يقوم علينا خطيبًا؟ فقال: دعها فلعلها أن تسرك يومًا فلما مات النبي ﵌ قام سهيل بن عمرو فقال لهم: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وروى أوله يونس بن بكير في مغازي ابن إسحاق عنه عن محمد بن عمرو بن عطاء وهو في المحامليات. موصول من طريق سعيد بن أبي هند عن عمرة عن عائشة وذكر ابن خالويه أن السر في قوله أنزع ثنيتيه أنه كان أعلم والأعلم إذا نزعت ثنيتاه لم يستطع الكلام ... وروى أبو قرة من طريق ابن أبي حسين أن النبي ﵌ استهداه من ماء زمزم، وروى البخاري في تاريخه والباوردي من طريق حميد عن الحسن قال: كان المهاجرون، والأنصار بباب عمر فجعل يأذن لهم على قدر منازلهم وثم جماعة من الطلقاء فنظر بعضهم إلى بعض فقال لهم سهيل بن عمرو: على أنفسكم فاغضبوا دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم فكيف بكم إذا دعيتم إلى أبواب الجنة ثم خرج إلى الجهاد، وأخرجه ابن المبارك في الجهاد أتم منه، وروى ابن شاهين من طريق ثابت البناني قال قال","vol":"4","page":2132},{"text":"سهيل بن عمرو: والله لا أدع موقفًا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها لعل أمري أن يتلو بعضه بعضًا، وقال ابن أبي خيثمة: مات سهيل بالطاعون سنة ثمان عشرة ويقال قتل باليرموك وقال خليفة بمرج الصفر والأول أكثر، وأنه مات بالطاعون وأخرجه ابن سعد بإسناد له إلى أبي سعد بن فضالة وكانت له صحبة، قال: اصطحبت أنا وسهيل بن عمرو إلى الشام فسمعته يقول سمعت رسول الله ﵌ يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة من عمره خير من عمله عمره في أهله، قال سهيل: فإنما أرابط حتى أموت ولا أرجع إلى مكة، قال: فلم يزل مقيمًا بالشام حتى مات في طاعون عمواس. ا. هـ ابن حجر.\nوقال الذهبي: يكنى أبا يزيد. وكان خطيب قريش، وفصيحهم، ومن أشرافهم.\nلما أقبل في شأن الصلح، قال النبي، ﷺ، \"سهل أمركم\" (١) تأخر إسلامه إلى يوم الفتح، ثم حسن إسلامه. وكان قد أسر يوم بدر وتخلص. قام بمكة وحض على النفير، وقال: يال غالب! أتاركون أنتم محمدًا والصباة (٢) يأخذون عيركم؟ من أراد مالًا، فهذا مال، ومن أراد قوة، فهذه قوة. وكان سمحًا جوادًا مفوهًا. وقد قام بمكة خطيبًا عند وفاة رسول الله، ﷺ، بنحوٍ من خطبة الصديق بالمدينة، فسكنهم وعظم الإسلام.\nقال الزبير بن بكار: كان سهيل بعد كثير الصلاة والصوم والصدقة، خرج بجماعته إلى الشام مجاهدًا، ويقال: إنه صام وتهجد حتى شحب لونه وتغير، وكان كثير البكاء إذا سمع القرآن. وكان أميرًا على كردوسٍ (٣) يوم اليرموك.\nقال المدائني وغيره: استشهد يوم اليرموك. وقال الشافعي، والواقدي: مات في طاعون عمواس. ا. هـ.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري بأطول منه (٥/ ٣٢٩) ٥٤ - كتاب الشروط -١٥ - باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط.\nوفيه: عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي ﷺ \"قد سهل لكم من أمركم\".\n(٢) الصباة: جمع صابيء. وهو من يترك دينه لدين آخر.\n(٣) الكردوس: الطائفة العظيمة من الخيل والجيش. والجمع كراديس.","vol":"4","page":2133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-565>٧٨ - أبو سعيدٍ الخدري ﵁</span>\nقال ابن حجر: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو سعيد الخدري ... مشهور بكنيته استصغر بأحد واستشهد أبوه بها وغزا هو ما بعدها (١) كان من أفقه أحداث الصحابة، وقال الخطيب: كان من أفاضل الصحابة وحفظ حديثًا كثيرًا، وروى الهيثم ابن كليب في مسنده من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال بايعت النبي ﵌ أنا وأبو ذر وعبادة بن الصامت ومحمد بن مسلمة وأبو سعيد الخدري وسادس على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم فاستقال السادس فأقاله، وروى ابن سعد من طريق حنظلة بن سفيان الجمحي عن أشياخه قال: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﵌ أفقه من أبي سعيد الخدري، ومن طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: خرج أبو سعيد يوم الحرة فدخل غارًا فدخل عليه شامي، فقال: أخرج، فقال: لا أخرج وإن تدخل علي أقتلك، فدخل عليه فوضع أبو سعيد السيف، وقال: بؤ بإثمك، قال: أنت أبو سعيد الخدري؟ قال: نعم. قال: فاستغفر لي. وروى أحمد وغيره من طريق عطية عن أبي سعيد قال: قتل أبي يوم أحد شهيدًا وتركنا بغير مال، فأتيت رسول الله ﵌ أسأله فحين رآني قال \"من استغنى أغناه الله ومن يستعف يعفه الله\" فرجعت، وأصل هذا الحديث في الصحيحين من طريق عطاء بن يزيد عن أبي سعيد بقصة أخرى غير هذه ولفظه: \"من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله\" الحديث، قال شعبة عن أبي سلمة سمعت أبا نضرة عن أبي سعيد رفعه: لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه، قال أبو سعيد: فحملني ذلك على أن ركبت إلى معاوية. فملأت أذنيه ثم رجعت، وقال ابن أبي خيثمة حدثنا يحيى بن معين حدثنا عمرو بن محمد بن عمرو بن معاذ الأنصاري سمعت هند ابنة سعيد بن أبي سعيد الخدري عن عمها جاء رسول الله ﵌ عائدًا إلى\n_________\n(١) مسند أبي سعيد ألف ومئة وسبعون حديثًا [بالمكرر]، ففي البخاري ومسلم ثلاثة وأربعون، وانفرد البخاري بستة عشر حديثًا، ومسلم باثنين وخمسين.","vol":"4","page":2134},{"text":"أبي سعيد فقدمنا إليه ذراع شاة. عن أبي سعيد قلنا له: هنيًا لك برؤية رسول الله ﵌ وصحبته قال إنك لا تدري ما أحدثنا بعده، وقال علي بن الجعد حدثنا شعبة عن سعيد بن يزيد سمع أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد قال: تحدثوا فإن الحديث يهيج الحديث، قال الواقدي: مات سنة أربع وسبعين وقيل أربع وستين وقال المدائني: مات سنة ثلاث وستين، وقال العسكري: مات سنة خمس وستين.\nوقال الذهبي عنه: الإمام المجاهد، مفتي المدينة. وأخو أبي سعيد لأمه هو قتادة بن النعمان الظفري أحد البدريين.\nاستهشد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان. وحدث عن النبي ﷺ، فأكثر وأطاب، وعن أبي بكر، وعمر، وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين.\nوعن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: عرضت يوم أحد على النبي ﷺ وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله! إنه عبل العظام. وجعل نبي الله يصعد في النظر، ويصوبه. ثم قال: رده، فردني.\nإسماعيل بن عياش: أنبأنا عقيل بن مدرك، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: عليك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء. وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في أهل السماء، وذكره في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان.\nوروى حنظلة بن أبي سفيان، عن أشياخه: أنه لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أعلم من أبي سعيد الخدري.\nقال أبو عقيل الدورقي: سمعت أبا نضرة يحدث قال: دخل أبو سعيد يوم الحرة غارًا، فدخل عليه رجل، ثم خرج، فقال لرجلٍ من أهل الشام: أدلك على رجل تقتله؟ فلما انتهى الشامي إلى باب الغار، وفي عنق أبي سعيد السيف، وقال: بؤ بإثمي وإثمك. وكن من أصحاب النار. قال: أنت أبو سعيد الخدري؟ قال: نعم. قال:","vol":"4","page":2135},{"text":"فاستغفر لي، غفر الله لك.\nعبد الله بن عمر: عن وهب بن كيسان، قال: رأيت أبا سعيد الخردي يلبس الخز.\nابن عجلان: عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: رأيت أبا سعيد يحفي (١) شاربه كأخي الحلق.\nعن أبي سعيد، قال: أتى علينا رسول الله ﷺ ونحن أناس من ضعفة المسلمين ما أظن رسول الله يعرف أحدًا منهم، وإن بعضهم ليتوارى من بعضٍ من العري. فقال رسول الله بيده، فأدارها شبه الحلقة، قال: فاستدارت له الحلقة، فقال: \"بما كنتم تراجعون\"؟ قالوا: هذا رجل يقرأ لنا القرآن، ويدعولنا، قال: \"فعودوا لما كنتم فيه\"، ثم قال: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم\" ثم قال: \"ليبشر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمس مئة عام، هؤلاء في الجنة يتنغمون، وهؤلاء يحاسبون\" (٢).\n* * *\n_________\n(١) يحفي: الحفي: المبالغة في القص.\n(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٢٣) كتاب العلم، باب في القصص بنحوه. قال محقق السير: والعلاء بن بشير: [أحد الرواة] قال ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير المعلى، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله ثقات. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد والترمذي. وابن ماجه بلفظ، يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمس مئة عام وسنده حسن، وصححه الترمذي، وابن حيان.","vol":"4","page":2136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>٧٩ - المغيرة بن شعبة ﵁</span>\nقال ابن حجر: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب ابن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد، وقال الطبري يكنى أبا عبد الله. قال وكان ضخم القامة عبل الذراعين بعيد ما بين المنكبين أصهب الشعر جعد. وكان لا يفرقه. أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان وله فيها ذكرن وحدث عن النبي ﵌ ... قال ابن سعد: وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق قال البغوي: كان أول من وقع ديوان البصرة، وقال ابن حبان: كان أول من سلم عليه بالإمرة، ثم ولاه عمر الكوفة وأقره عثمان ثم عزله، فلما قتله عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع المحكمين ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه ثم ولاه بعد ذلك الكوفة فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين عند الأكثر ونقل فيه الخطيب الإجماع وقيل مات قبل بسنة وقيل بعدها بسنة، وقال الطبري أيضًا كان مع أبي سفيان في هدم طاغية ثقيف بالطائف وبعثه أبو بكر الصديق إلى أهل النجير وأصيبت عينه باليرموك ثم كان رسول سعد إلى رستم، وفي صحيح البخاري في قصة النعمان بن مقرن في قتال الفرس أنه كان رسول النعمان إلى امرئ القيس وشهد تلك الفتوح ...\nوقال ابن سعد كان رجلًا طوالا مصاب العين أصيبت عينه باليرموك وقال البخاري في التاريخ قال أبو نعيم عن زكريا عن الشعبي: انكسفت الشمس في زمن المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء في رجب سنة تسع وخمسين فقام المغيرة وأنا شاهد فذكر القصة كذا قال والصواب سنة تسع وأربعين. ا. هـ.\nوقال الذهبي: الأمير أبو عيسى، ويقال: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد. من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة. شهد بيعة الرضوان. كان رجلًا طوالًا مهيبًا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل: يوم القادسية.\nقالت عائشة: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فقام المغيرة بن شعبة بنظير إليها، فذهبت عينه.","vol":"4","page":2137},{"text":"قال ابن سعد: كان المغيرة أصهب الشعر (١) جدًا، يفرق رأسه فروقًا أربعة، أقلص الشفتين، مهتومًا، ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، وكان داهية، يقال له: مغيرة الرأي.\nوعن الشعبي: أن المغيرة سار من دمشق إلى الكوفة خمسًا.\nمعمر، عن الزهري قال: كان دهاة الناس في الفتنة خمسة، فمن قريش: عمرو، ومعاوية، ومن الأنصار؛ قيس بن سعد، ومن ثقيف، المغيرة. ومن المهاجرين: عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي. فكان مع علي قيس وابن بديل، واعتزل المغيرة بن شعبة.\nوعن أبي موسى الثقفي قال: كان المغيرة رجلًا طوالًا، أعور، أصيبت عينه يوم اليرموك.\nوعن غيره: ذهبت عينه يوم القادسية، وقيل: بالطائف، ومر أنها ذهبت من كسوف الشمس.\nابن إسحاق، عن عامر بن وهب، قال: خرج المغيرة في ستةٍ من بني مالكٍ إلى مصر تجارًا، حتى إذا كانوا ببزاق (٢) عدا عليهم، فذبحهم، واستاق العير، وأسلم.\nعن المغيرة، قال: أنا آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ، لما دفن خرج علي بن أبي طالب من القبر، فألقيت خاتمي، فقلت: يا أبا الحسن، خاتمي. قال: انزل فخذه، قال: فمسحت يدي على الكفن، ثم خرجت.\nعن سماك بن سلمة قال: أول من سلم عليه بالإمرة المغيرة بن شعبة.\nيعني: قول المؤذن عند خروج الإمام إلى الصلاة: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.\nعن ابن سيرين: كان الرجل يقول للآخر: غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين\n_________\n(١) أصهب الشعرك الأصفر الضارب إلى شيء من الحمرة والبياض.\n(٢) بزاق: موضع قريب من مكة، وهو بالصاد أعرف.","vol":"4","page":2138},{"text":"على المغيرة، عزله عن البصرة، فولاه الكوفة.\nقال الليث: وقعة أذربيجان كانت سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة. وقيل: افتتح المغيرة همذان عنوة.\nسلمة بن بلال: عن أبي رجال العطاردي قال: كان فتح الأبلة (١) على يد عتبة بن غزوان، فلما خرج إلى عمر، قال للمغيرة بن شعبة، صل بالناس، فلما هلك عتبة، كتب عمر إلى المغيرة بإمرة البصرة، فبقي عليها ثلاث سنين.\nسعيد بن داود الزنبري: حدثنا مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه؛ قال: لقي عمار المغيرة في سكك المدينة، وهو متوشح سيفًا، فناداه يا مغيرة! فقال: ما تشاء؟ قال: هل لك في الله؟ قال: وددت والله أني علمت ذلك، إني والله ما رأيت قتله صوابًا، فهل لك يا أبا اليقظان أن تدخل بيتك، وتضع سيفك حتى تنجلي هذه الظلمة، ويطلع قمرها فنمشي مبصرين؟ قال: أعوذ بالله أن أعمى بعد إذ كنت بصيرًا. قال: يا أبا اليقظان، إذا رأيت السيل، فاجتنب جريته.\nعن الزهري: قال: دعا معاوية عمرو بن العاص بالكوفة، فقال: أعني على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: استعمال عليها ابنك عبد الله بن عمرو، قال: فنعم. فبينا هم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة -وكان معتزلًا بالطائف- فناجاه معاوية. فقال المغيرة: تؤمر عمرًا على الكوفة، وابنه على مصر، وتكون كالقاعد بين لحي الأسد، قال: ما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة. قال: فافعل. فقال معاوية لعمرو حين أصبح: إني قد رأيت كذا، ففهم عمرو، فقال: ألا أدلك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستعن برأيه وقوته عن المكيدة، وأعزله عن المال، قد كان قبلك عمر وعثمان ففعلا ذلك، قال: نعم ما رأيت. فدخل عليه المغيرة، فقال: إني كنت أمرتك على الجند والأرض، ثم ذكرت سنة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلت.\nقال الليث: كان المغيرة قد اعتزل، فلما صار الأمر إلى معاوية كاتبة المغيرة.\n_________\n(١) الأبلة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة.","vol":"4","page":2139},{"text":"عن عبد الملك بن عمير قال: كتب المغيرة إلى معاوية، فذكر فناء عمره، وفناء أهل بيته، وجفوة قريشٍ له. فورد الكتاب على معاوية وزياد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، ولني إجابته، فألقى إليه الكتاب، فكتب: أما ما ذكرت من ذهاب عمرك؛ فإنه لم يأكله غيرك. وأما فناء أهل بيتك، فلو أن أمير المؤمنين قدر أن يقي أحدًا لوقى أهله، وأما جفوة قريش؛ فأنى يكون ذاك وهم أمروك.\nقال ابن شوذب: أحصن المغيرة أربعًا من بنات أبي سفيان، وكان آخر من تزوج منهن بها عرج.\nعن أبي السفر؛ قيل للمغيرة: إنك تحابي، قال: إن المعرفة تنفع عند الجمل الصؤول (١)، والكلب العقور (٢)، فكيف بالمسلم.\nعن المغيرة بن شعبة قال: لقد تزوجت سبعين امرأة أو أكثر.\nابن المبارك قال: كان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة. قال: فصفهن بين يديه وقال: أنتن حسنات الأخلاق، طويلات الأعناق، ولكني رجل مطلاق، فأنتن الطلاق.\nحدثنا مالك قال: كان المغيرة نكاحًا للنساء، ويقول: صاحب الواحدة إن مرضت مرض، وإن حاضت حاض، وصاحب المرأتين بين نارين تشعلان، وكان ينكح أربعًا جميعًا ويطلقهن جميعًا.\nعن زياد بن علاقة، سمعت جريرًا يقول حين مات المغيرة بن شعبة: أوصيكم بتقوى الله، وأن تسمعوا وتطيعوا حتى يأتيكم أمير، استغفروا للمغيرة غفر الله له، فإنه كان يحب العافية.\nوفي لفظ أبي عوانة عن زياد: فإنه كان يحب العفو.\nقال عبد الملك عن عمير: رأيت زيادًا واقفًا على قبر المغيرة يقول:\n_________\n(١) الجمل الصؤول: الذي يأكل راعيه، ويواثب الناس فيأكلهم.\n(٢) الكلب العقور: كل سبع يجرح ويقتل ويفترس.","vol":"4","page":2140},{"text":"إن تحت الأحجار حزمًا وعزمًا ... وخصيمًا ألد ذا معلاق\nحية في الوجار أربد لا ينـ ... ـفع منه السليم نفثه راق (١)\nوقال الجماعة: مات أمير الكوفة المغيرة في سنة خمسين في شعبان، وله سبعون سنة. انتهى من السير الذهبي.\n٢٢٢٧ - * روى أبو داود عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ضرب ابنًا له تكنى بأبي عيسى، وأن المغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى، فقال له عمر: أما يكفيك أن تكنى بأبي عبد الله؟ فقال: إن رسول الله ﷺ كناني، فقال: إن رسول الله ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنا في جلجتنا. فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتى هلك.\n٢٢٢٨ - * روى الطبراني عن ابن أبي مرحب قال: نزل في قبر النبي ﷺ أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف وكان المغيرة بن شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهدًا برسول الله ﷺ ويقول أخذت خاتمي فألقيته عمدًا وقلت إن خاتمي سقط من يدي لأمس رسول الله ﷺ فأكون آخر الناس عهدًا به.\n* * *\n_________\n(١) قال الشيخ شعيب: يقال: رجل معلاق، أي: خصم شديد الخصومة يتعلق بالحجج ويستدركها، والمعلاق: اللسان البليغ، ورواه ابن دريد: ذا مغلاق: قال الزمخشري عن المبرد: من رواه بالعين المهملة، فمعناه، إذا علق خصمًا لم يتخلص منه، وبالغين المعجمة، فتأويله: يغلق الحجة على الخصم، انظر \"تاج العروس\": علق. والبيتان لمهلهل في رثاء أخيه كليب.\nوالوجار: جحر الضبع والأسد والذئب والثعلب ونحوه، ذلك.\nوالأربد: ما اختلط سواده بكدرة.\n٢٢٢٧ - أبو داود (٤/ ٢٩١) كتاب الأدب، باب فيمن يتكنى بأبي عيسى. بسند حسن.\nإنا في جلجتنا: إنا بقينا في عدد من أمثالنا من المسلمين، لا ندري ما يصنع بنا، وفي النهاية الجلج: رؤوس الناس، واحدها جلجة.\n٢٢٢٨ - المعجم الكبير (٩/ ٣٦١) وقال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"4","page":2141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>٨٠ - النجاشي ﵁</span>\nقال الذهبي:\nالنجاشي: واسمه أصحمة ملك الحبشة. معدود في الصحابة ﵃، وكان ممن حسن إسلامه ولم يهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي، فصلى عليه بالناس صلاة الغائب ولم يثبت أنه ﷺ على غائب سواه، وسبب ذلك أنه مات بين قوم نصارى، ولم يكن عنده من يصلي عليه، لأن الصحابة الذين كانوا مهاجرين عنده خرجوا من عنده مهاجرين إلى المدينة عام خيبر.\nعن أم سلمة زوج النبي ﷺ، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم (١) فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته (٢) بطريقًا إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا له هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته، وقالا له: إنه قد ضوى (٣) إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا (٤) وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهم: نعم. ثم إنهما قربا هدايا النجاشي، فقبلها منهم،\n_________\n(١) الأدم: الأدم: جمع أديم وهي الجلود، والأدم: اسم جمع.\n(٢) البطريق: الحاذق بأمور الحرب، كالضابط.\n(٣) ضوى: أوى ولاذ.\n(٤) عينًا: أبصريهم.","vol":"4","page":2142},{"text":"ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك إنه ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليه، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك. فأسلمهم إليهما. فغضب النجاشي، ثم قال: لا ها الله إذا لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد (١) قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم، فلما جاءهم رسوله، اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمتنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما كان. فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟.\nقالت: وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، إنا كنا قومًا أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد له أمور الإسلام -فصدقناه وآمنا به واتبعناه، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.\nقالت: فقال: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال: نعم؟ قال: فاقرأه\n_________\n(١) لا أكاد: من المكيدة.","vol":"4","page":2143},{"text":"علي، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾. فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته (١)، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد.\nفلما خرجا قال عمرو: والله لأنبئه غدًا عيبهم ثم أستأصل خضراءهم (٢) فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد. ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل يسألهم.\nقالت. ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، ثم قالوا: نقول والله فيه ما قال الله تعالى كائنًا ما كان. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى؟ فقال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا. هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود. فتناخرت (٣) بطارقته حوله فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم ثم من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبري ذهبًا وأني آذيت رجلًا منكم والدبر بلسانهم الجبل، ردوا عليهما هداياهما، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في، فأطيعهم فيه. فخرجا مقبوحين، مردودًا عليما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. فوالله إنا على ذلك، إذ نزل به، يعني من ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حربًا قط كان أشد من حربٍ حربناه (٤)، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، وسار النجاشي وبينهما عرض النيل. فقال أصحاب رسول الله ﷺ: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير: أنا، وكان من أحدث القوم سنًا. فنفخوا\n_________\n(١) أخضل لحيته: بلها بالدموع.\n(٢) استأصل خصراءهم: أي أبيدهم.\n(٣) تناخرت: تكلمت كلام غضب ونفور.\n(٤) وفي المسند: (حزنًا قط أشد من حزن حزناه).","vol":"4","page":2144},{"text":"له قربة، فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى مكان الملتقى، وحضر، فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق (١) له أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة (٢).\nعن عمير بن إسحاق أن جعفرًا قال: يا رسول الله ائذن لي حتى أصير إلى أرضٍ أعبد الله فيها، فأذن له، فأتى النجاشي. فحدثنا عمرو بن العاص قال: لما رأيت جعفرًا آمنًا بها هو وأصحابه حسدته، فأتيت النجاشي، فقلت: إن بأرضك رجلًا ابن عمه بأرضنا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أبدًا ولا أحد من أصحابي. قال: اذهب إليه، فادعه. قلت: إنه لا يجيء معي، فأرسل معي رسولًا. فأتيناه وهو بين ظهري أصحابه يحثهم. قال له: أجب. فلما أتينا الباب ناديت: ائذن لعمرو بن العاص، ونادى جعفر: ائذن لحزب الله. فسمع صوته، فأذن له قبلي (٣).\nوحدثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: فارقت ديننا. وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سفنًا، وقال: اركبوا، فإن هزمت، فامضوا، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب، فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم جعله في فبئه، وخرج إلى الحبشة، وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة: ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون فيه؟ قالوا: هو ابن الله، فقال -ووضع يده على صدره على قبائه- هو يشهد أن عيسى، لم يزد على هذا شيئًا، وإنما عني على ما كتب، فرضوا، وانصرفوا. فبلغ ذلك النبي ﷺ،\n_________\n(١) استوثق: استقر.\n(٢) ورواه أحمد (١/ ٢٠١، ٢١٠) وابن هشام وصرح ابن إسحاق بالسماع وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٤) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وإسناده قوي.\n(٣) رواه البزار: كشف الأستار (٢/ ٢٩٧) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد مطولًا (٦/ ٢٩) وقال: رواه الطبراني والبزار: وعمير بن إسحاق وثقه ابن حبان وغيره، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nالنطفة: الماء القليل والمراد هنا: البحر الأحمر، أي أنهم لا يأتون إليه أبدًا.","vol":"4","page":2145},{"text":"فلما مات النجاشي صلى عليه، واستغفر له.\nومن محاسن النجاشي أن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي قديمًا، فهاجر بها زوجها، فانملس بها إلى أرض الحبشة، فولدت له حبيبة ربيبة النبي ﷺ. ثم إنه أدركه الشقاء فأعجبه دين النصرانية فتنصر، فلم ينشب أن مات بالحبشة، فلما وفت العدة، بعث رسول الله ﷺ، يخطبها، فأجابت، فنهض في ذلك النجاشي، وشهد زواجها بالنبي ﷺ، وأعطاها الصداق عن النبي ﷺ من عنده أربع مئة دينار، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين، ثم جهزها النجاشي.\nوكان الذي وفد على النجاشي بخطبتها عمرو بن أمية الضمري، فيما نقله الواقدي بإسناد مرسل.\nعن عبد الله بن أبي بكر: كان الذي زوجها، وخطب إليه النجاشي خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وكان عمرها لما قدمت المدينة بضعًا وثلاثين سنة.\nمعمر: عن الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، وكان رحل إلى النجاشي، وأن رسول الله ﷺ تزوجها بالحبشة، زوجه إياها النجاشي، ومهرها أربعة آلاف درهم من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي (١).\nفقيل: بنى بها رسول الله ﷺ سنة ست. وقال خليفة: دخل بها سنة سبع من الهجرة.\nوأصحمة بالعربي: عطية. ولما توفي، قال النبي ﷺ للناس: \"إن أخًا لكم قد مات بأرض الحبشة\" فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفًا، ثم صلى عليه. فنقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة تسع من الهجرة. ا. هـ الذهبي.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢/ ٢٣٥) كتاب النكاح، باب الصداق.\nوالنسائي (٦/ ١١٩) كتاب النكاح، باب القسط في الأصدقة.","vol":"4","page":2146},{"text":"٢٢٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات.\n٢٢٣٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"مات اليوم بعد لله صالح، أصحمة\" فقام فأمنا وصلى عليه.\n٢٢٣١ - * روى البزار والطبراني عن أنس أن النبي ﷺ صلى على النجاشي حين نعي، فقيل: يا رسول الله: نصلي على عبدٍ حبشي؟، فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (١) الآية.\n٢٢٣٢ - * روى البزار عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال نزلت في النجاشي وأصحابه.\nأقول: ترجمنا للنجاشي ﵁ لأنه يمثل نموذجًا يحتذى وسابقةً كثر تكرارها في تاريخ الأمة الإسلامية وخاصة في العصور المتأخرة، فهذا حاكم مسلم بشهادة النصوصل يحكم شعبًا غير مسلم وبغير أحكام الإسلام ومع ذلك فبالإجماع إنه من خيار المسلمين، وهذا يدل على أن كفر النظام لا يعني كفر كل مشارك فيه، وهذه القضية من أخطر قضايا عصرنا، فإذا لم نتوسع في الفتوى حيث لا تعسف ولا تكلف فإن مآل الأمة الإسلامية ألا يبقى رجل مسلم في أجهزة الحكم وبالتالي يفقد المسلمون الخدمة والرعاية كما يفقدون قوة التجربة، ولذلك فإننا نعتبر أن أمر المشاركة في الأعمال الحكومية والمؤسسات يخضع للفتوى البصيرة من أهلها.\n_________\n٢٢٢٩ - البخاري (٣/ ١١٦) ٢٣ - كتاب الجنائز -٤ - باب الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه.\nومسلم (٢/ ٦٥٦) ١١ - كتاب الجنائز -٢٢ - باب في التكبير على الجنازة.\n٢٢٣٠ - مسلم (٢/ ٦٥٧) في نفس الموضع السابق.\n٢٢٣١ - البزار: كشف الأستار (١/ ٣٩٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٨): رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني ثقات.\n(١) آل عمران: ١١٩.\n٢٢٣٢ - البزار: كشف الأستار (٢/ ٢٨٦). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٩): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عثمان بن بحر وهو ثقة، وقال في التقريب: صدوق يغرب.","vol":"4","page":2147},{"text":"كما أن قصة أصحاب الرسول ﷺ عند النجاشي وعدم وجود رواية صحيحة تدل على أنهم قاموا بنشاط في الدعوة تعتبر سابقة لأدب اللجوء السياسي الإسلامي فإذا اضطر مسلم للجوء السياسي في بلد آخر فلا عليه أن لا يقوم بنشاط دعوي إذا كان الظرف أو القانون لا يسمحان بذلك، على أن هناك رواية تذكر في أسباب النزول أن جعفرًا أثر على عددٍ من نصارى الحبشة فوفدوا على رسول الله ﷺ وأسلموا.\n* * *","vol":"4","page":2148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>٨١ - أسيد بن حضير ﵁</span>\nقال ابن حجر:\nأسيد بن الحضير بن سماك بن عيتك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي .. يكنى أبا يحيى وأبا عتيك، وكان أبوه حضير فارس الأوس ورئيسهم يوم بعاث وكان أسيد من السابقين إلى الإسلام، وهو أحد النقباء ليلة العقبة وكان إسلامه على يد مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ، واختلف في شهوده بدرًا قال ابن سعد: كان شريفًا كاملًا وآخى رسول الله ﵌ بينه وبين زيد بن حارثة، وكان ممن ثبت يوم أحد وجرح حينئذ سبع جراحات ... عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد ابن بشر، وأخرج أحمد في مسنده عن عائشة قالت: كان أسيد بن حضير من أفاضل الناس ... روى ابن السكن من طريق ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما مات أسيد بن حضير باع عمر ماله ثلاث سنين فوفى بها دينه وقال لا أترك بني أخي عالة فرد الأرض وباع ثمرها، وأرخ البغوي وغيره وفاته سنة عشرين وقال المدائني سنة إحدى وعشرين. ا. هـ.\nوقال الذهبي:\nالإمام أبو يحيى، وقيل أبو عتيك الأنصاري، الأوسي الأشهلي: أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، أسلم قديمًا، وقال: ما شهد بدرًا، وكان أبوه شريفًا مطاعًا يدعى حضير الكتائب، وكان رئيس الأوس يوم بعاث (١) فقتل يومئذ قبل عام الهجرة بست سنين، وكان أسيد يعد من عقلاء الأشراف وذوي الرأي.\nقال محمد بن سعد: آخى النبي، ﷺ، بينه وبين زيد بن حارثة، وله رواية\n_________\n(١) بعاث: موضع في نواحي المدينة كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج. وكان على الأوس يومئذ حضير والد الصحابي الجليل المترجم وكان على الخزرج عمر بن النعمان البياضي فقتلا جميعًا.","vol":"4","page":2149},{"text":"أحاديث، روت عنه عائشة، وكعب بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ولم يلحقه.\nقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: \"نعم الرجل أبو بكر. نعم الرجل عمر، نعم الرجل أسيد بن حضير\". أخرجه الترمذي، وإسناده جيد (١).\nابن إسحاق: عن يحيى بن عباد بن عبد الله، عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار من بني عبد الأشهل لم يكن أحد يعتد عليهم فضلًا بعد رسول الله ﷺ: سعد بن معاذ، وأسيد ابن حضير، وعباد بن بشر ﵃ (٢).\nوروى أن أسيدًا كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن.\nقال ابن إسحاق: أسيد بن حضير، نقيب لم يشهد بدرًا، يكنى أبا يحيى. ويقال: كان في أسيد مزاح وطيب أخلاق.\nعن أسيد بن حضير -وكان فيه مزاح- أنه كان عند النبي ﷺ، فطعنه النبي ﷺ بعود كان معه، فقال: أصبرني، فقال: اصطبر، قال: إن عليك قميصًا وليس علي قميص، قال: فكشف النبي ﷺ قميصه، قال: فجعل يقبل كشحه ويقول: إنما أردت هذا يا رسول الله (٣).\nقال يحيى بن بكير: مات أسيد سنة عشرين، وحمله عمر بين العمودين -عمودي السرير- حتى وضعه بالبقيع، ثم صلى عليه.\nوندم على تخلفه عن بدر، وقال: ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه غزو ما تخلفت. وقد جرح يوم أ؛ د سبع جراحات. ا. هـ الذهبي.\n_________\n(١) الترمذي: (٥/ ٦٦٦) ٥٠ - كتاب المناقب، ٣٣ - باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت.\nوالحاكم في المستدرك (٣/ ٢٦٨) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٢) رواه الحاكم في المستدرك: (٣/ ٢٢٩) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٣) أبو داود (٤/ ٢٥٦) كتاب الأدب، باب في قبلة لجسد. وإسناده قوي.\nوالحاكم في المستدرك (٣/ ٢٨٨) وصححه ووافقه الذهبي.\nأصبرني: أقدني. واصطبر: استقد. الكشح: ما بين الخاصرة والضلوع.","vol":"4","page":2150},{"text":"٢٢٣٣ - * روى الحاكم عن أسيد بن حضير أنه كان تأوه وكان يومنا فصلى بنا قاعدًا فعاده رسول الله ﵌ فقالوا: يا رسول الله إن أسيدًا إمامنا وإنه مريض وإنه صلى قاعدًا. فقال رسول الله ﵌ \"فصلوا وراءه قعودًا فإن الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعدًا فصلوا خلفه قعودًا\".\n٢٢٣٤ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمةٍ، ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد، حتى أتى أهله.\nوفي رواية (٣) قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشرٍ عند النبي ﷺ، فخرجا في ليلة مظلمة، فإذا نور بين أيديهما ... وذكر نحوه.\n٢٢٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عند إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له: \"اقرأ يا ابن حضير، اقرأ باابن حضير\" قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: \"وتدري ما ذاك\" قال: لا، قال \"تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم\".\n٢٢٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى\n_________\n٢٢٣٣ - المستدرك (٣/ ٢٨٩). وصححه ووافقه الذهبي.\n٢٢٣٤ - البخاري (١/ ٥٥٧) ٨ - كتاب الصلاة، باب: ٧٩.\n(٣) البخاري (٧/ ١٢٥) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٣ - باب منقبة أسيد بن حضير وعباد بن بشر.\n٢٢٣٥ - البخاري (٩/ ٦٣) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -١٥ - باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن.\nومسلم (١/ ٥٤٨) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٢٦ - باب نزول السكينة لقراءة القرآن.\n٢٢٣٦ - البخاري (٩/ ٥٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -١١ - باب فضل الكهف.\nمسلم (١/ ٥٤٨) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٢٦ - باب نزول السكينة عند قراءة القرآن.","vol":"4","page":2151},{"text":"جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر. فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: \"تلك السكينة تنزلت بالقرآن\".\nقال ابن حجر في الفتح: قيل هو أسيد بن حضير ...\nوقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس بن شماس لكن في سورة البقرة أيضًا. وأخرج أبو داود من طريق مرسلة قال \"قيل للنبي ﷺ: ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح؛ قال: \"فلعله قرأ سورة البقرة\". فسئل قال: قرأت سورة البقرة، ويحتمل أن يكون قرأ سورة البقرة وسورة الكهف جميعًا أو من كل منهما\".\nانتهى من الفتح.\n* * *","vol":"4","page":2152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-569>٨٢ - عبد الله بن أم مكتوم ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nعمرو بن أم مكتوم القرشي ويقال اسمه عبد الله وعمرو أكثر وهو ابن قيس بن زائدة بن الأصم ... ومنهم من قال عمرو بن زائدة لم يذكر قيسًا ومنهم من قال قيس بدل زائدة وقال ابن حبان من قال ابن زائدة نسبة لجده؟ ويقال كان اسمه الحصين فسماه النبي ﵌ عبد الله حكاه ابن حبان، وقال ابن سعد أل المدينة يقولون اسمه عبد الله وأهل العراق يقولون اسمه عمرو، وقال واتفقوا على نسبه وأنه ابن قيس بن زائدة بن الأصم وفي هذا الاتفاق نظر (قلت) [القائل ابن حجر] نسبه كذلك ابن منده وتبعه أبو نعيم وحكي في اسمه أيضًا عبد الله بن عمرو قال وقيل عمرو بن قيس بن شريح ابن مالك.\nواسم أمه أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بمهملة ونون ساكنة وبعد الكاف مثلثة، ابن عائد بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين فإن أم خديجة أخت قيس ابن زائدة واسمها فاطمة، أسلم قديمًا بمكة، وكان من المهاجرين الأولين قدم المدينة قبل أن ياجر النبي ﵌. وكان النبي صلى الله عليه وآل وسلم يستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلي بالناس ... وقال ابن عبد البر: روى جماعة من أهل العلم بالنسب والسير أن النبي ﵌ استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة في الأبواء وبواط وذي العشيرة وعزوته في طلب كرز بن جابر وغزوة السويق وغطفان وفي غزوة أحد وحمراء الأسد ونجران وذات الرقاع وفي خروجه في حجة الوداع وفي خروجه إلى بدر ثم استخلف أبا لبابة لمارده من الطريق، قال: وأما رواية قتادة عن أنس أن النبي ﵌ استخلف ابن أم مكتوم فلم يبلغه ما بلغ غيره، ... انتهى، وهو المذكور في سورة عبس وتولى ونزلت فيه غير أولي الضرر لما نزلت (لا يستوي القاعدون) أخرجه البخاري وفي السنن من طريق عاصم بن أبي رزين عن ابن أم مكتوم قال قلت يا رسول الل رجل ضرير ... الحديث في تأكيد الصلاة في الجماعة والله أعلم. ا. هـ إصابة.","vol":"4","page":2153},{"text":"وقال في السير:\nابن أم مكتوم مختلف في اسمه، فأهل المدينة يقولون: عبد الل بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري.\nوأما أل العراق، فسمو عمرًا. وأمه أم مكتوم: هي عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة ابن عامر بن مخزوم بن يقظة المخزومية. من السابقين المهاجرين.\nوكان ضريرًا مؤذنًا لرسول الل ﷺ مع بلال، وسعد القرظ، وأبي محذورة، مؤذن مكة. هاجر بعد وقعة بدر بيسير، قاله ابن سعد، وقد كان النبي ﷺ يحترمه، ويستخلفه على المدينة، فيصلي ببقايا الناس.\nقال الشعبي: استخلف النبي ﷺ عمرو بن أم مكتوم يوم الناس، وكان ضريرًا، وذلك في غزوة تبوك. كذا قال، والمحفوظ أن النبي ﷺ إنما استعمل على المدينة عامين علي بن أبي طالب.\nعن أبي إسحاق، سمع البراء يقول: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن (١).\nحدثنا أبو ظلال، قال: كنت عند أنس، فقال: متى ذبت عينك؟ قلت: وأنا صغير. فقال: إن جبريل أتى رسول الله ﷺ وعنده ابن أم مكتوم، فقال: متى ذهب بصرك؟ قال: وأنا غلام، فقال: قال الله تعالى: \"إذا أخدت كريمة عبدي لم أجد له جزاء إلا الجنة\" (٢) قالت عائشة: كان ابن أم مكتوم مؤذنًا لرسول الله ﷺ وهو أعمى (٣).\nوقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: \"إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا\n_________\n(١) رواه ابن سعد (٤/ ٢٠٦) والحاكم في المستدرك (٣/ ٦٣٤) ورجاله ثقات.\n(٢) رواه ابن سعد (٤/ ٢٠٦) والترمذي (٤/ ٦٠٢) ٣٧ - كتاب الزهد -٥٧ - باب ما جاء في ذهاب البصر.\nوأبو ظلال ضعيف لكن أخرج البخاري عن أنس قال: سمعت النبي، ﷺ، يقول: \"إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتي فصبر عوضته منهما الجنة\".\n(٣) رواه ابن سعد (٤/ ٢٠٧).","vol":"4","page":2154},{"text":"حتى ينادي ابن أم مكتومٍ\" وكان أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (١).\nقال عروة: كان النبي، ﷺ، مع رجالٍ من قريش منهم عتبة بن ربيعة، فجاء ابن أم مكتوم يسأل عن شيء، فأعرض عنه، فأنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٢) ا. هـ الذهبي.\n٢٢٣٧ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين.\nوذكر الذهبي (٣) عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن عبد الله بن معقل، قال: نزل ابن أم مكتوم على يهودية بالمدينة كانت ترفقه، وتؤذيه في النبي، ﷺ، فتناولها فضربها، فقتلها، فرفع ذلك إلى النبي، ﷺ، فقال هو: أما والله إن كانت لترفقني، ولكن آذتني في الله ورسول. فقال النبي ﷺ: \"أبعدها الله، قد أبطلت دمها\".\n٢٢٣٨ - * روى أبو داود عن علي ﵁. أن يهودية كانت تشتم النبي، ﷺ، وتقع في. فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله، ﷺ، دمها.\n٢٢٣٩ - * روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ أملى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) فجاءه\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٩٩) ١٠ - كتاب الأذن -١١ - باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.\nومسلم (٣/ ٧٦٨) ١٣ - كتاب الصيام -٨ - باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الشمس.\n(٢) عبس: ١.\nأخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٠٨) ورجاله ثقات إلا أنه منقطع، وذكره السيوطي في الدر للنثور عن عائشة ونسبه إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n٢٢٣٧ - أبو داود (٣/ ١٣١) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في الضرير يولي وإسناده حسن.\n(٣) ورجاله ثقات.\n٢٢٣٨ - أبو داود (٤/ ١٢٩) كتاب الحدود، باب الحكم فيمن سب النبي ﷺ ورجاله ثقات. ترفقه: ترفق ب تنفعه.\n٢٢٣٩ - البخاري (٨/ ٢٥٩) ٦٥ - كتاب التفسير -١٨ - باب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوالترمذي (٥/ ٢٤٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٥ - باب ومن سورة النساء.\nوالنسائي (٦/ ٩) كتاب الجهاد، باب فضل المجاهدين على القاعدين.\nقرض: الرض: شبه الدق والكسر من غير إبانة.\n(٤) النساء: ٩٥.","vol":"4","page":2155},{"text":"ابن أم مكتوم -وهو يملها علي فقال: يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت- وكان أعمى -فأنزل الل ﷿ على رسول الله ﷺ- وفخذه على فخذي- فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله ﷿: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.\nوفي رواية أبي داود (١) قال: كنت إلى جنب رسول الله ﷺ، فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله ﷺ، ثم سري عنه، فقال لي: \"اكتب\" فكتبت في كتف: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ...﴾ إلى آخر الآية. فقام ابن أم مكتوم -وكان رجلًا أعمى- لما سمع فضيلة المجاهدين، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه، غشيت رسول الله ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية، كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله ﷺ فقال: \"اقرأ يا زيد\" فقرأت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ...﴾ الآية كلها، قال زيد: أنزلها الله وحدها، فألحقها. والذي نفسي بيده، لكأني انظر إلى ملحقها عند صدع في كتفٍ.\n٢٢٤٠ - * روى ابن سعد عن أنس: أن عبد الله بن أم مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء، عليه درع له.\nوأخرج ابن سعد (٢) عن أنس: أن عبد الله بن زائدة وهو ابن أم مكتوم، كان يقاتل يوم القادسية وعليه درع له حصينة سابغة.\nقال الذهبي: ويقال استشهد يوم القادسية.\nوالقادسية ملحمة كبرى تمت بالعراق، وعلى المسلمين سعد بن أبي وقاص، وعلى\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ١١) كتاب الجهاد، باب في الرخصة في القعود من العذر. وإسناده حسن.\nالسكينة من السكون، والمراد بها: ما كان يأخذه ﷺ عند الوحي من ذلك.\nكتف: عظم كنف الشاة العريض.\n٢٢٤٠ - الطبقات الكبرى (٤/ ٢١٢) سابغة: تغطي الجسم والأطراف.\n(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ٢١٢).","vol":"4","page":2156},{"text":"المشركين رستم، وذو الحاجب، والجالينوس.\nقال أبو وائل: كان المسلمون أزيد من سبعة آلاف، وكان العدو أربعين وقيل: ستين ألفًا معهم سبعون فيلًا.\nقال المدائني: اقتتلوا ثلاثة أيام في آخر شوال سنة خمس عشرة، فقتل رستم وانهزموا. ا. هـ.\n[ويقال: الأصح أن المسلمين كانوا نحوًا من ثلاثين ألفًا وأن الفرس كانوا نحوًا من مائة وثلاثين ألفًا].\n* * *","vol":"4","page":2157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>٨٣ - أسعد بن زرارة ﵁</span>\nقال ابن حجر في الإصابة: أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار أبو أمامة الأنصاري الخزرجي النجاري ... قديم الإسلام شهد العقبتين وكان نقيبًا على قبيلته ولم يكن في النقباء أصغر سنًا منه ويقال إنه أول من بايع ليلة العقبة.\nقال ابن إسحاق: إن أسعد إنما أسلم في العقبة الأولى مع النفر الستة الله أعلم، ووهم ابن منده فقال: كان لي بني ساعدة. وقيل إنه أول من بايع ليلة العقبة. وقال ابن إسحاق شهد العقبة الأولى والثانية والثالثة. وذكر ابن إسحاق إنه مات والنبي ﵌ يبني المسجد ... قال البغوي بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة وأنه أول ميت صلى عليه النبي ﵌.\nوروى الحاكم بسنده عن زينب بنت نبيط أن النبي ﵌ حلى أمها وخالتها رعاثا (١) من تبر وذهب فيه لؤلؤ، وكان أبوهما أسعد بن زرارة أوصى بهما إلى رسول الله ﵌ وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل قال دخل النبي ﵌ على أسعد بن زرارة وكان أحد النقباء ليلة العقبة وقد أخذته الشوكة (٢) فكواه ... الحديث، وكذلك رواه الحاكم من طريق يونس عن الزري (قلت) [القائل ابن حجر] هذا هو المحفوظ ورواه عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن أنس أخرجه الحاكم أيضًا وهي شاذة، ورواه ابن أبي ذئب عن الزهري عن عروة عن عائشة وهي شاذة أيضًا، ورواه زمعة بن صالح عن الزري عن أبي أمامة بن سهل عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، وهذا موافق لرواية عبد الرزاق لأنه لم يرد بقوله عن أبي أمامة أسعد بن زرارة الرواية وإنما أراد أن يقول عن قصة أسعد بن زرارة والله أعلم، وقد اتفق أهل المغازي والتواريخ على أنه مات في حياة النبي ﵌ قبل بدر ا. هـ ابن حجر.\n_________\n(١) رعاثا: أقراط.\n(٢) الشوكة: مرض وهو حمرة تعلوا الوجه والجسد.","vol":"4","page":2158},{"text":"قال في السير: السيد نقيب بني النجار، أبو أمامة الأنصاري الخزرجي، من كبراء الصحابة. توفي شهيدًا بالذبحة (١).\nقال أبو العباس الدغولي: قيل: إنه لقي النبي ﷺ بمكة قبل العقبة الأولى بسنة مع خمسة نفر من الخزرج، فآمنوا ب. فلما قدموا المدينة تكلموا بالإسلام في قومهم، فلما كان العام المقبل، خرج منهم اثنا عشر رجلًا، فهي العقبة الأولى، فانصرفوا معهم، وبعث النبي ﷺ، مصعب بن عمير يقرئهم ويفقههم.\nقال ابن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي أمامة بن سهل، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين عمي، فإذا خرجت به إلى الجمعة. فسمع الأذان، صلى على أبي أمامة، واستغفر له. فقلت: يا أبة أرأيت استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو؟ قال: أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة يقال له: نقيع الخضمات قلت: فكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا. فكان أسعد مقدم النقباء الاثني عشر، فو نقيب بني النجار، وأسيد بن الحضير نقيب بني عبد الأشهل، وأبو الهيثم بن التيهان البلوي من حلفاء بني عبد الأشهل، وسعد بن خيثمة الأوسي أحد بني غنم بن سلم، وسعد بن الربيع الخزرجي الحارثي قتل يوم أحد، وعبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجي الحارثي قتل يوم مؤتة، وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر السلمي نقيب بني سلمة [استشهد في أحد] وسعد بن عبادة بن دليم الخزرجي الساعدي رئيس، نقيب، والمنذر بن عمرو الساعدي النقيب قتل يوم بئر معونة، والبراء بن معرور الخزرجي السلمي، وعبادة بن الصامت الخزرجي من القوافلة ورافع بن مالك الخزرجي الزرقي ﵃ (٢).\n_________\n(١) الذبحة: وجع الحلق، أو داء يأخذ الحلق وربما قتل.\n(٢) وروى أبو داود بعضه (١/ ٢٨٠) كتاب الصلاة، باب الجمعة في القرى.\nوالحاكم في المستدرك (١/ ٢٨١) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٧٦) وسنده حسن وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.\nالهزم: ما اطأن من الأرض. النبيت: بطن من الأنصار. النقيع: بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، فإذا نضب الماء أبنت الكلا، الخصمات الخضمات: قرية قرب المدينة.\nالقوقل: اسم أبي بطن من الأنصار، لأنه كان إذا أتاه إنسان يستجير به أو بيثرب، قال له: قوقل في هذا الجبل=","vol":"4","page":2159},{"text":"وروى شعبة: عن محمد بن عبد الرحمن، أن جده أسعد بن زرارة أصابه وجع الذبح في حلقه، فقال رسول الله، ﷺ: \"لأبلغن أو لأبلين في أبي أمامة عذرًا\" فكواه بيده فمات. فقال رسول الله ﷺ: \"ميتة سوء لليهود يقولون: هلا دفع عن صاحبه، ولا أملك له ولا لنفسي من الله شيئًا\". ا. هـ (١).\n٢٢٤١ - * روى أحمد وابن سعد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن بعض أصحاب النبي، ﷺ، قال: كوى رسول الله ﷺ أسعد أو سعد بن زرارة مرتين في حلق من الذبحة. وقال: \"لا أدع في نفسي من حرجًا\".\nأقول: لله الحكمة البالغة فقد بعث رسوله ﷺ ليكون قدوة للناس جميعًا، ومن هذه الحادثة نأخذ درسًا أن الطبيب غير مسؤول عما يحدث بسبب طبه ما دام الطبيب قد طبب في حدود المعروف، ومن الحكم في هذه الحادثة أن يستقر في قلوب الخلق جميعًا معنى التوحيد الذي يدخل فيه أن الله وحده هو الذي يملك الضر والنفع وأنه حتى رسول الله ﷺ لا يملك ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله، وقد غلب على كثير من المسلمين وهم أن من تتلمذ على بعض الصالحين فإنه لا يصيبه ضر وأن الصلاح لا يرافق ابتلاء وهذا يتناقض مع نصوص كثيرة. والأمر لله من قبل ومن بعد.\nقال الذهبي: عن عائشة قالت: نقب النبي ﷺ أسعد على النقباء.\nوعن أم خارجة: أخبرتني النوار أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي ﷺ، يصلي بالناس الصلوات الخمس، يجمع بهم في مسجد بناه. قالت: فانظر إلى رسول الله ﷺ لما قدم صلى في ذلك المسجد وبناه، فو مسجده اليوم (٢).\n_________\n= وقد أمنت. أي: ارتق، وهم القواقل. ونقل الزبيدي عن ابن هشام في سبب تسميتهم بذلك، أنهم كانوا إذا أجاروا أحدًا أعطوه سهمًا وقالوا: قوقل به حيث شئت، أي: سر به حيث شئت.\n(١) ورواه ابن ماجه (٢/ ١١٥٥) ٣١ - كتاب الطب -٢٤ - باب من اكتوى. وإسناده صحيح.\nميتة سوء لليهود: فتنة لليهود حيث قالوا ما قالوا.\n٢٢٤١ - أحمد في مسند (٤/ ٦٥) و(٥/ ٣٧٨) والطبقات الكبرى (٣/ ٦١٠).\n(٢) ابن سعد (٣/ ٣٠٩).","vol":"4","page":2160},{"text":"الثوري: عن أبي الزبير، عن جابر قال: كواه رسول الله، ﷺ، في أكحله مرتين (١).\nوقيل: كواه فحجر (٢) به حلقه يعني بالكي.\nوقيل: أوصى أسعد ببناته إلى رسول الله، ﷺ، وكن ثلاثًا. فكن في عيال رسول الله، ﷺ، يدرن معه في بيوت نسائه، وهن: فريعة، وكبشة، وحبيبة. فقدم عليه حلي فيه ذهب ولؤلؤ، فحلاهن منه (٣).\nوقيل: إنه مات في السنة الأولى من الهجرة، ﵁، وقد مات فيها ثلاثة أنفس من كبراء الجاهلية، ومشيخة قريش: العاص بن وائل السهمي والد عمرو، والوليد ابن المغيرة المخزومي، والد خالد، وأبو أحيحة سعيد بن العاص الأموي، ا. هـ الذهبي.\n* * *\n_________\n(١) ابن سعد (٣/ ٦١٠) الأكحل: عرق وسط الذراع يقصد.\n(٢) حجر: يقال حجر عين البعير: إذا وسم حولها بمبسم مستدير.\n(٣) ابن سعد (٣/ ٦١٠).","vol":"4","page":2161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>٨٤ - أبو دجانة سماك بن خرشة الخزرجي ﵁</span>\nقال ابن حجر:\nأبو دجانة الأنصاري اسمه سماك بن خرشة وقيل ابن أوس بن خرشة ... متفق على شهود بدرًا وقال علي إنه استشهد باليمامة وأسند ابن إسحاق من طريق يزيد بن السكن أن رسول الله ﷺ لما التحم القتال ذب عنه مصعب بن عمير يعني يوم أحد حتى قتل، وأبو دجانة سماك بن خرشة حتى كثرت فيه الجراحة، وقيل أنه ممن شارك في قتل مسيلمة، وثبت ذكره في الصحيح لمسلم ا. هـ.\nوقال الذهبي: أبو دجانة الأنصاري: سماك بن خرشة بن لوذان بن عبد ود بن زيد الساعدي. كان يوم أحد عليه عصابة حمراء، يقال: آخى النبي ﷺ بينه وبين عتبة بن غزوان. وقيل: هو سماك بن أوس بن خرشة.\nوقال زيد بن أسلم: دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل. فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا (١).\nوعن أنس بن مالك قال: رمى أبو دجانة بنفسه يوم اليمامة إلى داخل الحديقة، فانكسرت رجله، فقاتل وهو مكسور الرجل حتى قتل ﵁.\nوكان سيف أبي دجانة غير دميم. وذلك أن النبي ﷺ عرض ذلك السيف حتى قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فأحجم الناس عنه. فقال أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ قال: تقاتل به في سبيل الل حتى يفتح الله عليك أو تقتل. فأخذه بذلك الشرط. فلما كان قبل الهزيمة يوم أحد خرج بسيفه مصلتًا وهو يتبختر، ما عليه إلا قميص وعمامة حمراء قد عصب بها رأسه، وإنه ليرتجز ويقول:\nإني امرؤ عاهدني خليلي ... إذ نحن بالسفح لدى النخيل\n_________\n(١) ابن سعد (٣/ ٥٥٧).","vol":"4","page":2162},{"text":"أن لا أقيم الدهر في الكبول ... أضرب بسيف الله والرسول\nقال: يقول رسول الله ﷺ: \"إنها لمشية يبغضها الله ورسوله إلا في مثل هذا الموطن\" ا. هـ.\n٢٢٤٢ - * روى مسلم عن أنس: أن رسول الله ﷺ، أخذ سيفًا يوم أحد فقال: \"من يأخذ مني هذا؟ \" فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا. قال: \"فمن يأخذه بحقه؟ \" قال: فأحجم القوم. فقال سماك بن خرشة، أبو دجانة: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه ففلق به هام المشركين.\n* * *\n_________\n٢٢٤٢ - مسلم (٤/ ١٩١٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي دجانة.\nأحجم: تأخر وكف. فلق هام المشركين: شق رؤوسهم.","vol":"4","page":2163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>٨٥ - أسماء بنت أبي بكر ﵄</span>\nقال ابن حجر:\nأسماء والدة عبد الله بن الزبير بن العوام التيمية، وهي بنت أبي بكر الصديق وأمها قتلة أو قتيلة بنت عبد العزى قرشية من بني عامر بن لؤي ... أسلمت قديمًا بمكة قال ابن إسحاق بعد سبعة عشر نفسًا وتزوجها الزبير بن العوام. وأخرج ابن سعد بسند حسن عن ابن أبي مليكة كانت تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول بذنبي وما يغفر الل أكثر، وقال هشام بن عروة عن أبيه بلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر لها ا. هـ ابن حجر.\nوقال الذهبي: أم عبد الله القرشية التيمية، المكية، ثم المدينة. والدة الخليفة عبد الله ابن الزبير، وأخت أم المؤمنين عائشة، وآخر المهاجرات وفاة روت عدة أحاديث. وعمرت دهرًا. وتعرف بذات النطاقين. وكانت أسن من عائشة ببضع عشرة سنة. هاجرت حاملًا بعبد الله. وقيل: لم يسقط لها سن وشهدت اليرموك مع زوجها الزبير. وهي، وأبوها، وجدها، وابنها ابن الزبير، أربعتهم صحابيون. ا. هـ.\n٢٢٤٣ - * روى أحمد عن مسلم القري، قال: دخلنا على أم ابن الزبير، فإذا هي امرأة ضخمة عمياء -نسألها عن متعة الحج. قد رخص رسول الله ﷺ فيها.\n٢٢٤٤ - * روى البخاري عن هشام بن عروة، عن أبيه، وفاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: صنعت سفرة النبي ﷺ في بيت أبي حين أراد أن يهاجر؛ فلم أجد لسفرته ولا لسقائه ما أربطهما، فقلت لأبي: ما أجد إلا نطاقي، قال: شقيه باثنين، فاربطي بهما؛ قال: فلذلك سميت: ذات النطاقين.\n٢٢٤٥ - * روى البخاري عن وهب بن كيسان ﵀ قال: كان أهل الشام يعيرون\n_________\n٢٢٤٣ - أحمد في مسنده (٦/ ٣٤٨) وإسناده صحيح.\n٢٢٤٤ - البخاري (٧/ ٢٤٠) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ.\n٢٢٤٥ - البخاري (٩/ ٥٣٠) ٧٠ - كتاب الأطعمة -٨ - باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة.","vol":"4","page":2164},{"text":"ابن الزبير، يقولون: يا ابن ذات النطاقين، فقالت له أسماء: يا بني إنهم يعيرونك بالنطاقين، وهل تدري ما كان النطاقان إنما كان نطاقي شققته نصفين، فأوكيت قربة رسول الله ﷺ بأحدهما، وجعلت في سفرته آخر، فكان ابن الزبير إذا عيروه بالنطاقين يقول: إيها والإله:\nوتلك شكاة ظاهر عنك عارها.\n٢٢٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكرٍ. قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مالٍ ولا مملوكٍ ولا شيء غير فرسه. قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، وأعلفه، وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن. ولم أكن أحسن أخبز. وكان يخبز لي جارات من الأنصار. وكن نسوة صدقٍ. قالت: وكنت أنقل النوى، من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ، على رأسي وهي على ثلثي فرسخ قالت: فجئت يومًا والنوى على رأسي. فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه. فدعاني ثم قال \"إخ! إخ\" ليحملني خلفه. قالت:\n_________\n= ذات النطاقين: النطاق: ما تشد به المرأة وسطها عند معاناة الأشغال لترفع به ثوبها.\nفأوكيت: أوكيت الوعاء: إذا شددته.\nأيها: زجر: ونهي (إيه) بمعنى الاستزادة، فكأنه قال: زيدوني من قولكم هذا، فإنه مما يزيدني فخرًا وشرفًا، أو أنه وجر عما بنوا عليه قولهم من إرادة عيبيه وذمه، فقال: كفوا عن جهلكم.\nالإله: قم، أي: والله إن الأمر كما تزعمون، أو أن استعطاف، كما تقول: بالله أخبرني، لما تريد أن تستعلمه منه.\nشكاة: الشكاة: الذم والعيب.\nظاهر عندك عارها: بعيد عنك، مجاوز لك، والبيت لأبي ذؤيب الهذلي، وأوله:\nوغيرها الواشون: أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها\nوذا البيت من قصيدة أولها:\nهل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها\nأبي القلب إلا أم عمرو فأصبحت ... تحرق ناري بالشكاة ونارها\n٢٢٤٦ - البخاي (٩/ ٣١٩) ٦٧ - كتاب النكاه -١٠٧ - باب الغيرة.\nومسلم (٤/ ١٧١٦) ٣٩ - كتاب السلام -١٤ - باب جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق.\nناضح: الناضح: البعير يستقى عليه الماء والنوى: عجم التمر كانوا يدقونه ويعلفون دوابهم.\nغربة: الغرب، الدلو، يعني أنها كانت تخرز له دلوه وراويته.","vol":"4","page":2165},{"text":"فَاسْتَحْيَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ! لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ. قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ، بَعْدَ ذَلِكَ، بِخَادِمٍ فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ. فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي.\nوفي رواية لمسلم (١) عن أسْمَاءَ قاَلَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ. وَكَانَ لَهُ فرَسٌ. وكُنْتُ أَسُوسُهُ. فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدِمَةِ شَيءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِياسَةِ الفَرَسِ. كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ عَليْه وَأَسوُسُه. قاَلَ ثُمَّ إنَّها أصاَبَت خَادما. جاءَ النَّبي (ص) سَبْي فَأَعطَاهَا خَادِمًا. قَالت: كَفَتْني سِيَاسَةَ الفرَسِ. فَألْقَت عَني مؤنتهُ.\nفَجَاءَبي رجل فَقَالَ: ياأُمَّ عبدِ الله: إني رَجُلٌ فَقِير. أَردتُ أَّن أبيِع فِي ظِل دَارِكِ. قَالتْ: إني إنْ رَخَّصْتُ لكَ أبى ذَاكَ الزُّبَيْرُ. فَتَعَالَ فَاطْلبْ إلىَّ، والزَبيْر شاهِدٌ. فجَاءَ فَقاَلَ: يااُّم عبدِ اللهِ! إني رجلٌ فَقِير أردتُ أَن أبيع فىِ ظِل دارِكِ. فَقاَلت: مالَك بِالمدينَةِ إلا دَارِي؟ فَقاَلَ لَهَا الزبَيْرُ: ماَلَكِ أنْ تَمْنعي رجُلاّ فَقِيرا يبيعُ؟ فكان يبيع إلى أنْ كَسَبَ. فَبِعْتُه الجَارِيَةَ. فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبيرُ وَثَمنهُا في حِجري. فَقَالَ: هَبيهِا لِي قَالتْ: إني قدْ تَصَدقْتُ بِها.\nقال الذهبي: عن أسماء، قالت: لما توجه النبيُّ من مكة حمل أبو بكر معه جميع ماله - خمسة آلاف، أو ستة آلاف - جدّي أبو قُحافة وقد عّمي، فقال: إن هذا قد فجعكم بمالِهِ ونفسه. فقلتُ: كلا، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.\nفعمدتُ إلى أحجارٍ، فجعَلْتُهنَّ فى كَوَّة البيت، وغطيت عليها بثوب، ثم أخذت بيده، ووضعتها على الثوب، فقلتُ: هذا تركه لنا. فقال: أمَا إذْ ترك لكَم هذا، فنعم (٢).\nقال ابنُ أبي مليكة: كانت أساء تصدع، فتضعُ يدها على رأسها، وتقول: بذنبي، وما يغفرهُ الله أكثر.\nوفي \"الصحيح\": قالت أسماءُ: يا رسولَ الله، إنَّ اُّمي قَدِمتْ، وهي راغب [أي فى\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٧١٧) في نفس الموضع السابق.\n(٢) رواه ابن هشام (١/ ٤٤٨) عن ابن إسحاق وإسناده صحيح.","vol":"4","page":2166},{"text":"الصلة وهي مشركة]، أفأصلها؟ قال: \"نعم، صلي أمك\" (١).\nعن محمد بن المنكدر، قال: كانت أسماء بنت أبي بكر سخية النفس.\nعن القاسم بن محمد: سمعت ابن الزبير يقول: ما رأيت امرأة قط أجود من عائشة وأسماء؛ وجودهما مختلف: أما عائشة، فكانت تجمع الشيء إلى الشيء، حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء، فكانت لا تدخر شيئًا لغد.\nقال عروة: دخلت أنا وأخي، قبل أن يقتل، على أمنا بشعر ليال، وهي وجعة، فقال عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وجعة. قال: إن في الموت لعافية. قالت: لعلك تشتهي موتي؛ فلا تفعل، وضحكت، وقالت: والله، ما أشتهي أن أموت، حتى تأتي على أحد طرفيك: إما أن تقتل فاحتسبك؛ وإما أن تظفر فتقر عيني. إياك أن تعرض على خطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت.\nقال: وإنما عني أخي أن يقتل: فيحزنها ذلك. وكانت بنت مئة سنة.\nقال مصعب بن سعد: فرض عمر للمهاجرات: ألفا ألفًا، منهن: أم عبد، وأسماء (٢). عن فاطمة بنت المنذر: أن أسماء كانت تمرض المرضة، فتعيق كل مملوك لها (٣).\nا. هـ الذهبي.\n٢٢٤٧ - * روى الحاكم عن أسماء: أنها اتخذت خنجرًا في زمن سعيد بن العاص في الفتنة فوضعته تحت مرفقيها، فقيل لها: ما تصنعين بهذا؟ قالت: إن دخل علي لص بعجت بطنه، وكانت عمياء. وروى ابن سعد (٥): أن أسماء اتخذت خنجرًا زمن سعيد بن العاص\n_________\n(١) رواه البخاي (١٠/ ٤١٣) ٨٧ - كتاب الأدب -٧ - باب صلة الوالد المشرك.\nومسلم (٢/ ٦٩٦) ١٢ - كتاب الزكاة -١٤ - باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين.\n(٢) ابن سعد (٨/ ٢٥٣).\n(٣) ابن سعد (٨/ ٢٥١).\n٢٢٤٧ - المستدرك (٤/ ٦٦).\n(٥) ابن سعد (٨/ ٢٥٢). استعر: كثر.","vol":"4","page":2167},{"text":"للصوص، وكانوا قد استعروا بالمدينة، فكانت تجعله تحت رأسها.\n٢٢٤٨ - * روى مسلم عن أبي نوفل بن أبي عقرب من حديث مطول، في: أن الحجاج لما قتل ابن الزبير وصلبه ثم أنزل عن جذعه، وألقاه في قبور اليهود، أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت: وقالت: والله لاآتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، فانطلق حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنيا، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين! أنا والله ذات النطاقين! أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ، وطعام أبي بكر من الدواب. وأما الآخر فنطاق المأرة التي لا تستغني عن. أما إن رسول الله ﷺ حدثنا \"أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا\" فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال فقام عنها ولم يراجعها.\nقال الذهبي عن ابن أبي مليكة، قال: دخلت على أسماء بعد ما أصيب ابن الزبير، فقالت: بلغني أن هذا صلب عبد الل: اللهم لا تمتني حتى أوتي ب، فأحنطه وأكفنه.\nفأتيت به بعد، فجعلت تحنطه بيدها، وتكفنه، بعد ما ذهب بصرها.\nومن وجه آخر -عن ابن أبي مليكة-: وصلت عليه؛ وما أتت عليه جمعة إلا ماتت.\nعن الركين بن الربيع، قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر، وقد كبرت، وهي تصلي، وامرأة تقول لها: قومي، اقعدي، افعلي، من الكبر.\nقال ابن سعد: ماتت بعد ابنها بليال. وكان قتله لسبع عشر خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين.\nقلت [القائل الذهبي]: كانت خاتمة المهاجرين والمهاجرات.\n* * *\n_________\n٢٢٤٨ - مسلم (٤/ ١٩٧١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥٨ - باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها.","vol":"4","page":2168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>٨٦ - أم حرامٍ ﵂</span>\nقال الذهبي: أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الأنصارية النجارية المدنية.\nأخت أم سليم. وخالة أنس بن مالك. وزوجة عبادة بن الصامت. حديثها في جميع الدواوين: سوى جامع أبي عيسى. [الترمذي] كانت من علية النساء.\nعن أنس، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ، ما هو إلا أنا وأمي وخالتي أم حرام، فقال: \"قوموا فلأصل بكم\" فصلى بنا في غير صلاة (١).\nقلت [القائل الذهبي]: يقال هذه غزوة قبرس في خلافة عثمان.\n[قبرس: هي الجزيرة المعروفة اليوم باسم قبرص، وكان أمير ذلك الجيش معاوية بن أبي سفيان ومعه أبو ذر وأبو الدرداء، وغيرهما من الصحابة وذلك سنة سبع وعشرين.\nوبلغني أن قبرها تزوره الفرنج. ا. هـ الذهبي.\n٢٢٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ يومًا، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: \"ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة\" قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، ثم وضع رأسه، فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: \"ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله\" كما قال في الأولى. قالت: فقلت: يا رسول\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٤٥٧) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة -٤٨ - باب جواز الجماعة في النافلة.\n٢٢٤٩ - البخاري (١٢/ ٣٩١) ٩١ - كتاب التعبير -١٢ - باب رؤيا النهار.\nومسلم (٣/ ١٥١٨) ٣٣ - كتاب الإدارة -٤٩ - باب فضل الغزو في البحر.","vol":"4","page":2169},{"text":"الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: \"أنت من الأولين\" فركبت أم حرام بن ملحان البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت.\nقال النووي: اتفق العلماء أن أم حرام بنت ملحان كانت محرمًا له ﷺ، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون كانت خالته لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار ا. هـ.\nوقد ذكر ابن حجر أنها كانت خالته.\n* * *","vol":"4","page":2170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>٨٧ - أمُّ سُلَيْمٍ ﵂</span>\nقال ابن حجر: أم سليم بنت سليمان بن خالد بن زد بن حرام بن جندب الأنصارية، وهي أم أنس خادم رسول الله ﵌، اشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رميلة وقيل رمينة وقيل مليكة وقيل الغميصاء أو الرميصاء، تزوجت مالك بن النض في الجاهلية فولدت أنسا في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار فغضب مالك وخرج إلى الشام فمات بها، فتزوجت بعده أبا طلحة ... وكانت أم سليم تقول لا أتزوج حتى يبلغ أنس ويجلس في المجالس، فيقول جزى الله أمي عني خيرا لقد أحسنت ولايتي، فقال لها أبو طلحة فقد جلس أنس وتكلم فتزوجها ... وفي الصحيح عن أنس أن أم سليم لما قدم النبي صل الله عليه وآله وسلم قالت: يا رسول الله هذا أنس يخدمك وكان حينئذ ابن عشر سنين، فخدم النبي ﵌ منذ قدم المدينة حتى مات، فاشتهر بخادم النبي ﵌ ... وذكر أبو عمر نسبها من كتاب ابن السكن بحروفه ولكن قال اسم أمها مليكة والذي في كتاب ابن السكن اسم أمها أنيقة نبه عليه ابن فتحون، وكأن أبا عمر أخذه عن ابن سعد وإنه جزم بأن أمها مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة.\nوقال الذهبي: مات زوجها مالك بن النضر، ثم تزوحها أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري، فولدت له: أبا عمير، وعبد الله.\nشهدت: حنينا، وأحدا. من أفاضل النساء.\nقال محمد بن سيرين: كانت ام سليم مع النبي (ص) يوم أحد، ومعها خنجر (١).\nعن أنس: أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين، فقال أبو طلحة: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! فقالت: يا رسول الله، إن دنا مني مشرك بقرت به بطنه (٢).\n_________\n(١) ورواه ابن سعد (٨/ ٤٢٥).\n(٢) ورواه ابن سعد (٨/ ٤٢٥) وإسناده صحيح.","vol":"4","page":2171},{"text":"عن إسحاق بن عبد الله، عن جدته أم سليم: أنها آمنت برسول الله ﷺ، قالت: فجاء أبو أنس، وكان غائبًا، فقال أصبوت؟ فقالت: ما صبوت، ولكني آمنت!.\nوجعلت تُلقن أنسًا: قل: لا إله إلا الله، قل: أشهدُ أنَّ محمدًا رسول الله ففعل. فيقول لها أبوه: لا تفسدي عليَّ ابني. فتقول إني لا أفسده! فخرج مالك، فلقيه عدوٌ له، فقتله. فقالت: لا جرمَ، لا أفطم أنسًا حتى يدع الثَّدي؛ ولا أتزوج حتى يأمرني أنس.\nفخطبها أبو طلحة، وهو يومئذٍ مُشرك (١) ا. هـ الذهبي.\n٢٢٥٠ - * روى النسائي عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام. أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم، فكان صداق ما بينهما.\n٢٢٥١ - * روى ابن سعد عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ كان يزور أم سليم، فتتحفه بالشيء تصنعه له، وأخٌ لي أصغر مني يُكنى أبا عُمير، فزارنا يومًا، فقال: مالي أرى أبا عمير خاثر النفس؟ قالت: ماتت صعوةٌ [له كان يلعب بها]. فجعل النبيُّ يمسح رأسه، ويقول: \"يا أبا عمير، ما فعل النُغير؟ \".\n٢٢٥٢ - * روى البخاري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان لا يدخل في المدينة بيت امرأة، غير بيت أم سُليمٍ، إلا على أزواجه، فقيل له، فقال: \"إني أرحمها، قُتل معي أخوها\".\n_________\n(١) ورواه ابن سعد (٨/ ٢٥) وتمامه: فقالت له يومًا فيما تقول: أرأيت حجرًا تعبده لا يضرك ولا ينفعك أو خشبة تأتي بها النجار، فينجرها لك: هل يضرك؟ هل ينفعك؟ قال: فوقع في قلبه الذي قالت، قال: فأتاها فقال: لقد وقع في قلبي الذي قلت، وآمن، قالت: فإني أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا غيره.\n٢٢٥٠ - النسائي (٦/ ١١٤) كتاب النكاح، باب التزويج على الإسلام.\n٢٢٥١ - الطبقات الكبرى (٨/ ٤٢٧) وإسناده صحيح.\nوأخرجه البخاري مختصرًا (٦٠/ ٥٢٦) ٧٨ - كتاب الأدب -٨١ - باب الانبساط إلى الناس.\nالصعوة: طائر أصغر من العصفور: النُغير: تصغير نُغُر، وهو فرخ العصفور.\n٢٢٥٢ - البخاري (٦/ ٥٠) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٧٨ - باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير.","vol":"4","page":2172},{"text":"وفي رواية (١): كان رسول الله ﷺ لا يدخل على أحدٍ من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليمٍ، فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك، فقال: \"أرحمها، قُتِلَ معي أخوها\".\nوأم سليم: هي أم أنس بن مالك، ولعله أراد: على الدوام، فإنه كان يدخل على أم حرام، وهي خالة أنس.\nقد سبق القول إن أم حرام خالته ﷺ، وأم سليم أختها فهي محرم ودخوله ﷺ صلة رحم.\n٢٢٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيتُني دخلت الجنة، فسمعت خشفةً، فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة\".\n٢٢٥٤ - * روى ابن سعد عن أنس: أن النبي ﷺ دخل على أم سليم، وقربةً مُعلقةٌ، فشرب منها قائمًا، فقامت إلى فيَّ السقاء، فقطعته.\nوفي الباب ما يقويه عن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ، فشرب من قِربة معلقة قائمًا، فقمت إلى فيها فقطعته (٢).\nقال النووي في (رياضه): (وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله ﷺ، وتتبرك به، وتصونه عن الابتذال).\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٩٠٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٩ - باب من فضائل أم سليم.\n٢٢٥٣ - البخاري (٧/ ٤٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب.\nومسلم (٤/ ١٩٠٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٩ - باب من فضائل أم سليم أم أنس بن مالك لكن عن أنس.\nالخشفة: الحس والحركة، وقيل هو الصوت ليس بالشديد، ومعنى الحديث هنا: ما يسمع من حس وقع القدم.\n٢٢٥٤ - الطبقات الكبرى (٨/ ٤٢٨).\n(٢) الترمذي (٤/ ٣٠٦) ٣٧ - كتاب الأشربة -١٨ - باب ما جاء في الرخصة في ذلك.\nوابن ماجه (٢/ ١١٣٢) -٢ - كتاب الأشربة -٢١ - باب الشرب قائمًا وإسناده صحيح.","vol":"4","page":2173},{"text":"٢٢٥٥ - * روى ابن سعيد عن أم سليم، قالت: كان رسول الله ﷺ يَقيلُ في بيتي، فكنت أبسطُ له نِطعًا، فيقيلُ عليه، فيعرقُ، فكنتُ آخذ سكًا فأعجنه بعرقه.\nوأخرج بنحوه البخاري ومسلم عن أنس (١).\nوزاد ابن سعد في طبقاته:\nقال ابن سيرين: فاستوهبتُ من أم سُليم من ذلك السُّك، فوهبت لي منه.\nقال أيوب: فاستوهبتُ من محمد [هو ابن سيرين] من ذلك السُّكِّ، فوهب لي منه؛ فإنه عندي الآن.\nقال: ولما مات محمد حُنِّط بذلك السُّكِّ.\nقال أنس: ثَقُلَ ابنٌ لأم سليم، فخرج أبو طلحة إلى المسجد، فتوفي الغلام. فهيأت أم سليم أمره، وقالت: لا تخبره. فرجع، وقد سَيَّرت له عشاءه، فتعشى، ثم أصاب من أهله. فلما كان من آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة، ألم تر آل أبي فلان استعاروا عارية، فمنعُوها، وطُلبت منهم، فشق عليهم. فقال: ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك كان عاريةً من الله، فقبضه. فاسترجع، وحمد الله.\nفلما أصبح غدًا إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه، قال: \"بارَك اللهُ لكُما في ليلتكما\".\nفحملت بعبد الله بن أبي طلحة، فولدت ليلًا، فأرسلت به معي، وأخذتُ تمرات عجوة، فانتهيتُ به إلى النبي ﷺ، وهو يهنأ أباعر له، ويَسِمُها، فقلتُ: يا رسول الله، ولدت أم سليم الليلة.\nفمضغ بعض التمرات بريقه، فأوجره (٢) إياه، فتلمظ الصبي، فقال: \"حِبُّ الأنصار\n_________\n٢٢٥٥ - الطبقات الكبرى (٨/ ٤٢٨).\n(١) البخاري (١١/ ٧٠) ٧٩ - كتاب الاستئذان -٤١ - باب من زار قومًا فقال عندهم.\nومسلم (٤/ ١٨١٦) ٤٣ - كتاب الفضائل -٢٢ - باب طيب عرق النبي ﷺ والتبرك به.\nيقيل: قال يقيل من القيلولة: وهي النوم في الظهيرة عند اشتداد الحر. السُّك: نوع من الطيب.\n(٢) أوجره: وضعها في فيه بشيء من الكلفة.","vol":"4","page":2174},{"text":"التمر\" فقلت: سَمِّه يا رسول الله. قال: \"هو عبد الله\" (١).\nسعيد بن مسروق الثوري، عن عباية بن رفاعة، قال: كانت أم أنس تحت أبي طلحة. فذكر نحوه. وفيه: فقال رسول الله: \"اللهم بارك لهما في ليلتهما\".\nقال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين، كلهم قد ختم القرآن (٢).\nعن أنس: أن النبي ﷺ لما أراد أن يحلق رأسه بمنى، أخذ أبو طلحة شِق شعره، فجاء به إلى أم سليم، فكانت تجعله في سكها.\nقالت: وكان يقيلُ عندي على نِطعٍ، وكان مِعراقًا (٣) ﷺ، فجعلت أسلتُ العرق في قارورة. فاستيقظ، فقال: \"ما تجعلين\"؟ قلت: أريد أن أدُوف (٤) بعرقك طيبي (٥).\nعن أنس: أن النبي ﷺ دخل على أم سليم، فأتته بسمن وتمر. فقال: إني صائم. ثم قام، فصلَّى، ودعا لأم سليم ولأهل بيتها، فقالت: إن لي خُوَيْصَةً (٦) قال: \"ما هي\"؟ قالت: خادمُك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دُنيا إلا دعا لي به، وبعثت معي بمكتلٍ من رُطبٍ إلى رسول الله ﷺ (٧) أ. هـ ابن سعد.\n* * *\n_________\n(١) البخاري (٩/ ٥٨٧) ٧١ - كتاب العقيقة -١ - باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه.\nومسلم (٤/ ١٩٠٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٠ - باب من فضائل أبي طلحة الأنصاري ﵁.\n(٢) رواه ابن سعد (٨/ ٤٣٤) ورجاله ثقات.\n(٣) المعراق: كثير العرق.\n(٤) أدوف: أخلط.\n(٥) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٢٨٧) وابن سعد (٨/ ٤٢٨).\n(٦) خويصة: قال الحافظ: بتشديد الصاد وتخفيفها تصغير خاصة. وهو ما اغتُفِر فيه التقاء الساكنين.\n(٧) ورواه البخاري (٤/ ٢٢٨) ٣٠ - كتاب الصوم -٦١ - باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم.","vol":"4","page":2175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>٨٨ - هند بنت عتبة ﵂</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nهند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية ابن أبي سفيان. أخبارها قبل الإسلام مشهورة، وشهدت أحدًا، وفعلت ما فعلت بحمزة ثم كانت تؤلب على المسلمين، إلى أن جاء الله بالفتح فأسلم زوجها ثم أسلمت هي يوم الفتح، وقصتها في قولها عند بيعة النساء وأن لا يسرقن ولا يزنين فقالت وهل تزني الحرة، وعند قوله ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وقد ربيناهم صغارًا وقتلتهم كبارًا مشهورة، ومن طرقه ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح مرسل عن الشعبي وعن ميمون بن مهران، ففي رواية الشعبي: ولا يزنين، قالت هند: وهل تزني الحرة ولا تقتلن أولادكن قالت: أنت قتلتهم، وفي رواية نحوه لكن قالت: وهل تركت لنا ولدًا يوم بدر وسؤالها عن أخذها من مال زوجها بغير إذنه ما يكفيها وهل عليها فيه من حرج مخرج في الصحيحين، وفيه خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وولدك، وهو من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وشذ عبد الله بن محمد بن عروة فقال عن هشام عن أبيه عن هند، أخرجه ابن منده وأوله قالت هند: إني أريد أن أبايع محمدًا، قال قد رأيتك تكفرين، قالت: أي والله والله ما رأيت الله تعالى عبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليل والله إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا قال: فإنك قد فعلت ما فعلت فاذهبي برجل من قومك معك فذهبت إلى عمر، فذهب معها فاستأذن لها فدخلت وهي متنقبة، فذكر قصة البيعة وفيه ما قدمته، وفيه فقالت: إن أبا سفيان رجل بخيل ولا يعطيني ما يكفيني إلا ما أخذت منه من غير علمه ... الحديث، وفيه عن مرسل الشعبي المذكور قالت هند: قد كنت أفنيت من مال أبي سفيان، فقال أبو سفيان: ما أخذت من مالي فهو حلال، وقال ابن سعد: قال الواقدي: لما أسلمت هند جعلت تضرب صنمًا لها في بيتها بالقدوم حتى فلذته فلذة فلذة، وتقول: كنا معك في غرور. قال أبو عمر: ماتت في خلافة عمر بعد أبي بكر بقليل في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة كذا قال، وقد ذكر صاحب الأمثال ما يدل على أنها بقتي إلى خلافة عثمان بل بعد ذلك لأن أبا سفيان مات في خلافة عثمان بلا خلاف، وقال هذا","vol":"4","page":2176},{"text":"قال رجل لمعاوية زوجني هندًا إنها قعدت عن الولد ولا حاجة إلى الزواج قال فولني ناحية كذا فأنشد معاوية:\nطلب الأبيض العقوق فلما ... أعجزته أراد بيض الأنوقِ (١)\nيعني أنه طلب مالًا يصل إليه فلما عجز عنه طلب أبعد منه. ثم رأيت في طبقات ابن سعد الجزم بأنها ماتت في خلافة عثمان أ. هـ. عن الإصابة.\n٢٢٥٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: جاءت هندُ بنت عتبة، فقالت: والله يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض من أهلِ خباءٍ أحبُّ إليَّ من أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهلُ خباءٍ أحبَ إليَّ من أن يعزوا من أهل خبائك، قال رسول الله ﷺ: \"وأيضًا، والذي نفسي بيده\" ثم قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ مسيك، فهل عليَّ حرج أن أُطعِم من الذي له عيالنا؟ قال: \"لا حرج عليك أن تنفقي عليهم\".\nأقول:\nترجمنا لهند بنت عتبة كنموذج على امرأة ذات شخصية قوية هائلة فعلت الأفاعيل ضد الإسلام والمسلمين، وحرضت بأقصى ما تستطيع على حرب الإسلام والمسلمين، وكان في قلبها إحن ولها ثارات، ومع ذلك كله فقد أسلمت وقُبِلَ إسلامها. فهذا درس للدعاة إلى الله ألا ييئسوا من إنسان ما دام على قيد الحياة. وعليهم أن يعرفوا أنهم بقدر ما يحققون للإسلام من انتصارات تتغير القلوب وتتبدل المواقف.\nوإن إسلامها ليدل على أكثر من دلالة، منها: أن أعظم الشخصيات تذوب في النهاية\n_________\n(١) الأنوق: جمع ناقة.\n٢٢٥٦ - البخاري (٧/ ١٤١) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٣٣ - باب ذكر هند بنت عتبة.\nمسلم (٤/ ١٩٠٩) ٣٠ - كتاب الإقضية -٤ - باب قضية هند.\nمَسيك: رجل ميسك: بوزن شريف، إذا كان بخيلًا شديدًا يمسك مآله، ومِسّيك، بالكسر والتشديد: المبالغ في البخل.","vol":"4","page":2177},{"text":"أمام قوة شخصية رسول الله وتستلم له. وأن هذا الإسلام من العظمة بحيث يصهر أقوى الشخصيات فيه، وهذا درس آخر يأخذه الدعاة.\nأن الإسلام كما أنه يحمل في أحقيته قوة انتصاره فإنه يحتاج إلى شخصيات ذات كفاءة عالية تستطيع أن تكسب ثقة الآخرين فيسلموا للقيادة وللإسلام.\nثم إن هناك درسًا آخر للدعاة وهي أن استجابة الناس للإسلام أقوى عندهم من الثأر والغضب للذات والقبيلة، فهذه هند التي بقرت بطن حمزة ولاكَت كبده قبلها رسول الله ﷺ، والحالات النادرة التي أهدر الرسول ﷺ فيها دم بعض الناس كانت لأن هؤلاء ارتكبوا جرائم في حق الدعوة تقتضي العقاب.\nومع ذلك فإن من أسلم منهم قد عفا عنه رسول الله ﷺ وقَبِلَ إسلامهم.\n* * *","vol":"4","page":2178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-576>٨٩ - نسيبةُ بنتُ كعب ﵂</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nنَسيبة بفتح النون أيضًا بنت كعب بن عمرو بن عوف بن عمرو بن مبدول بن عمرو ابن غَنْم بن مازن بن النجار الأنصارية أم عُمارة مشهورة بكنيتها واسمها معًا .. قال ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير وغيره عنه في بيعة العقبة الثانية، وكان من بني الخزرج اثنان وستون رجلًا وامرأتان فيزعمون أن امرأتين بايعتا النبي ﷺ، وكان لا يصافح النساء إنما كان يأخذ عليهن فإذا أقررن قال اذهبن، والمرأتان هما من بني مازن بن النجار، نَسيبة وأختها ابنتا كعب فساق النسب، قال: وكان معها زوجها زيد بن عاصم وابناها منه حبيب الذي قتله مسيلمة بعد وعبد الله وهو راوي حديث الوضوء ...\n(قلت): [أي ابن حجر]: ذكر ابن هشام في زياداته من طريق أم سعد بنت سعد ابن الربيع قال: دخلت على أم عمارة فقلت يا خالة أخبريني؟ فقالت: خرجت يعني يوم أحد ومعي سقاء وفيه ماء فانتهينا إلى رسول الله ﵌ وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﵌ فكنت أباشر القتال وأذب عنهمن بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إليَّ فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور، فقتل: من أصابك بهذا؟ قلت ابن قمئة. قال أبو عمر وشهدت بيعة الرضوان ثم شهدت اليمامة فقاتلت حتى قطعت يدها وجرحت اثني عشر جرحًا وروت عن النبي ﵌: الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة أ. هـ من الإصابة.\nوقال الذهبي في السير:\nأم عُمارة نَسيبةُ بنتُ كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول الفاضلة المجاهدة الأنصارية الخزرجيةُ النجاريةُ المازنيةُ المدنيةُ.","vol":"4","page":2179},{"text":"كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين. وكان أخوها عبد الرحمن، من البكائين (١).\nشهدت أم عمارة ليلة العقبة، وشهدت أُحدًا، والحديبية، ويوم حُنين، ويوم اليمامة. وجاهدت، وفعلت الأفاعيل.\nروي لها أحاديث. وقُطعت يدُها في الجهاد. خرجت تسقي، ومعها شنٍّ (٢)، وقاتلت، وأبلت بلاءً حسنًا. وجُرحت اثني عشر جرحًا.\nوكان ضمرةُ بن سعيد المازني يحدثُ عن جدته، وكانت قد شهدت أُحدًا، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"لمقامُ نسيبةُ بنتِ كعبٍ اليوم خيرٌ من مقام فلان وفلان\".\nوكانت تراها يومئذٍ تقاتل أشد القتال، وإنها لحاجزةٌ ثوبها على وسطها، حتى جُرحت ثلاثة عشر جُرحًا؛ وكانت تقول: إني لأنظر إلى ابن قمئة وهو يرضبها على عاتقها. وكان أعظم جراحها، فداوته سنةً. ثم نادى منادي رسول الله ﷺ: إلى حمراء الأسد (٣). فشدت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم. ﵂ ورحمها.\nوعن موسى بن ضمرة بن سعيد، عن أبيه، قال: أُتي عُمر بن الخطاب بُمروط (٤) فيها مِرط جيدٌ؛ فبعث به إلى أم عُمارة.\nوعن محمد بن يحيى بن حبان، قال: جُرحت أم عمارة بأُحد اثني عشر جرحًا، وقُطعت يدها يوم اليمامة؛ وجُرحت يوم اليمامة سوى يدها أحد عشر جرحًا. فقدمت المدينة وبها الجراحة، فلقد رئي أبو بكر ﵁، وهو خليفة، يأتيها يسأل عنها.\n_________\n(١) البكائين: أي من الذين يكثرون البكاء من خشية الله.\n(٢) الشن: القربة الخلق.\n(٣) حمراء الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا حليفة.\n(٤) المرط: كساء من خز أو صوف أو كتان.","vol":"4","page":2180},{"text":"وابنها حبيبُ بن زيد بن عاصم هو الذي قطعه مُسيلمة وابنها الآخر عبد الله بن زيد المازني، الذي حكى وضوء رسول الله ﷺ، قُتل يوم الحرة؛ وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب بسيفه أ. هـ من السير.\nقال محقق السير:\nالحرة: كل أرض ذات حجارة سود، وأكثر الحرار حول مدينة الرسول. والحرة المرادة هنا حرة واقم، وهي الشرقية من حرتي المدينة كانت فيها الوقعة فنسب إليها. وسببها: أن أكابر أهل المدينة نقضوا بيعة يزيد بن معاوية وخرجوا عليه لسوء سيرته، فجهز لحربهم جيشًا عليه مسلم ابن عُقبة المري، فالتقوا بظاهر المدينة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ٦٣ هـ. وانهزم أهل المدينة، وقتل جهرًا ظلمًا في الحرب وصبرًا أفاضل المسلمين وبقية الصحابة، وخيار المسلمين من جلة التابعين أ. هـ.\nقال الذهبي:\nانفرد أبو أحمد الحاكم، وابن منده بأنه شهد بدرًا. قال ابن عبد البر: بل شهد أُحدًا قلت [أي الذهبي]: نعم الصحيح أنه لم يشهد بدرًا. والله أعلم أ. هـ.\n* * *","vol":"4","page":2181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>٩٠ - أم أيمن بركة بنت ثعلبة ﵂</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nأم أيمن مولاة النبي ﵌ وحاضنته .. قال أبو عمر اسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان وكان يقال لها أم الظباء. وقال ابن أبي خيثمة حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال: أم أيمن اسمها بركة وكانت لأم رسول الله ﵌، وكان رسول الله ﵌ يقول أم أيمن أمي بعد أمي، وقال أبو نعيم، قيل كانت لأخت خديجة فوهبتها للنبي ﵌، وقال ابن سعد قالوا: كان ورثها عن أمه فأعتق رسول الله ﵌ أم أيمن ح ين تزوج خديجة، وتزوج عبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج أم أيمن فولدت له أيمن فصحب النبي ﵌ فاستشهد يوم خيبر، وكان زيد بن حارثة لخديجة فوهبته لرسول الله ﵌ فأعتقه وزوجه أم أيمن بعد النبوة فولدت له أسامة ...\nوقال ابن سعد: أخبرنا أبو أمامة عن جرير بن حازم سمعت عثمان بن القاسم يقول لما هاجرت أم أيمن أمست بالنصر ودون الروحاء فعطشت وليس معها ماء وهي صائمة فأجهدها العطش فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض فأخذته فشربته حتى رويت، فكانت تقول ما أصابني بعد ذلك عطش ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر فما عطشت وأخرجه ابن السكن من طريق هشام بن حسان عن عثمان بنحوه وقال في روايته: خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة وهي ماشية ليس معها زاد، وقال فيه: فلما غابت الشمس إذ أنا بإناء معلق عند رأسي، وقالت فيه: ولقد كنت بعد ذلك أصوم في اليوم الحار ثم أطوف في الشمس كي أعطش فما عطشت بعد. أخبرنا عبد الله بن موسى أخبرنا فضيل بن مرزوق عن سفيان بن عيينة قال: كانت أم أيمن تُلْطف (١) النبي ﵌ وتقدم عليه فقال: \"من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج\n_________\n(١) تُلطف: تهدي له ما يحب.","vol":"4","page":2182},{"text":"أم أيمن\" فتزوجها زيد بن حارثة ...\nوأخرج البخاري في تاريخه ومسلم وابن السكن من طريق الزهري قال: كان من شأن أم أيمن أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﵌ وكانت من الحبشة فلما ولدت آمنة رسول الله ﵌ بعدما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر ثم أنكحها زيد بن حارثة .. لفظ ابن السكن أ. هـ الإصابة.\nوقال الذهبي في السير:\nأم أيمن الحبشية، مولاة رسول الله ﷺ، وحاضنتهُ. ورثها من أبيه، ثم أعتقها عندما تزوج بخديجة. وكانت من المهاجرات الأول. اسمها: بركة. وقد تزوجها عبيد بن الحارث الخزرجي، فولدت له: أيمن. ولأيمن هجرةٌ وجهادٌ، استُشهد يوم حنين. ثم تزوجها زيد بن حارثة ليالي بُعث النبي ﷺ، فولدت له أسامة بن زيد، حِبّ رسول الله ﷺ أ. هـ.\n٢٢٥٧ - * روى ابن سعد عن أنس: إن الرجل كان يجعلُ للنبي ﷺ من ماله النخلات، حتى فُتحت قُريظة والنضيرُ، فجعل يرد. وإن أهلي أمرتني أن أسأل النبي ﷺ الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان النبي أعطى ذاك أم أيمن، فسألته فأعطانيهن. فجاءت أم أيمن، فجعلت الثوب في عنقي، وجعلت تقول: كلا والله لا يعطيكهن، وقد أعطانيهن. فقال النبي ﷺ: \"لك كذا\" وتقول: كلا والله. أو كالذي قالت. ويقول: لك كذا، الذي أعطاها، حسبت أنه قال: عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله، أو كما قال.\n٢٢٥٨ - * روى مسلم عن أنس ﵁ قال: انطلق النبي ﷺ إلى أم أيمن، فانطلقت معه فناولته إناءٌ فيه شرابٌ، قال: فلا أدري أصادفته صائمًا، أو لم يُرده، فجعلت تصخبُ عليه، وتذمر عليه.\n_________\n٢٢٥٧ - الطبقات الكبرى (٨/ ٢٢٥) وإسناده صحيح. وروى البخاري ومسلم نحوه.\n٢٢٥٨ - مسلم (٢/ ١٩٠٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٨ - باب من فضائل أم أيمن.\nيصخب: الصخبُ: الضجة والغلبة والجلبة، أراد: أنها تصيح عليه.\nوتذمر الذامر: الغاضب، وذمرت أُذمر: إذا غضبت وتهددت.","vol":"4","page":2183},{"text":"قال النووي: أي: تصيح وترفع صوتها، إنكارًا لإمساكه عن شرب الشراب الذي قدمته و(تذمر) هو بفتح التاء والذال المعجمة والميم، أي: تتذمر، وتتكلم بالغضب، يقال: ذمر يذمر، كقتل يقتل: إذا غضب وإذا تكلم بالغضب، ومعنى الحديث: أن النبي ﷺ رد الشراب عليها، إما لصيام وإما لغيره، فغضبت وتكلمت بالإنكار والغضب، وكانت تدل عليه ﷺ، لكونها حضنته وربته.\nقال الطبراني: أم أيمن أم أسامة بن زيد مولاة رسول الله ﷺ كانت لأخت خديجة فوهبتها لرسول الله ﷺ فأنكحها زيد بن حارثة ويقال اسمها بركة. وعن ابن عباس قال: أم أيمن هي أم أسامة بن زيد (١).\n٢٢٥٩ - * روى ابن سعد عن حرملة مولى أسامة بن زيد: أنه بينا هو جالس مع ابن عمر، إذ دخل الحجاج بن أيمن، فصلى صلاةً لم يُتم ركوعها ولا سجودها. فدعاه ابنُ عمر، وقال: أتحسب أنك قد صليت؟ إنك لم تصل، فعد لصلاتك فلما ولى! قال ابن عمر: من هذا؟ فقلت: الحجاج بن أيمن بن أم أيمن فقال: لو رآه رسول الله ﷺ، لأحبه.\n٢٢٦٠ - * روى مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء.\nوفي رواية (٢) عن أنس: أن أم أيمن بكت حين مات النبي ﷺ. قيل لها: أتبكين؟ قالت: والله، لقد علمتُ أنه سيموت؛ ولكني إنما أبكي على الوحي إذا اقنطع عنا من السماء.\n_________\n(١) المعجم الكبير (٩/ ٢٥٨) وإسناده حسن.\n٢٢٥٩ - الطبقات الكبرى (٨/ ٢٢٥) ورجاله ثقات.\n٢٢٦٠ - مسلم (٤/ ١٩٠٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٨ - باب من فضائل أم أيمن.\n(٢) ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٢٢٦) وإسناده صحيح.","vol":"4","page":2184},{"text":"قال الذهبي: وروى قيسٌ بن مسلم، عن طارق قال: لما قُتل عمر، بكت أم أيمن، وقالت: اليوم وهي الإسلام. وبكت حين قُبض النبي.\nقال الواقدي: ماتت في خلافة عُثمان أ. هـ.\nوذكر الحاكم عن مصعب بن عبد الله قال: توفيت أم أيمن مولاة رسول الله ﵌ وحاضنته في أول خلافة عثمان بن عفان ﵁.\n* * *","vol":"4","page":2185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>٩١ - أم عطية الأنصارية ﵂</span>\nقال ابن حجر في الإصابة:\nأم عطية الأنصارية اسمها نُسيبة بنون وسين مهملة وباء موحدة مصغرة وقيل بفتح النون وكسر السين معروفة باسمها وكنيتها وهي بنت الحارث .. وقيل بنت كعب وأنكره أبو عمر ... دخل النبي ﷺ على عائشة ﵂ فقال: \"هل عندكم من شيء؟ \" قالت: إلا شيء بعثت به إلينا نُسيبة من الشاة التي بعثت إليها من الصدقة قال: \"إنها قد بلغت محلها\" ... وفي الصحيح عن حفصة بنت سيرين بن أم عطية قدمت البصرة فنزلت قصر بني خلف أ. هـ. من الإصابة.\nقال الذهبي في السير: أم عطية الأنصارية من فُقهاء الصحابة. لها عدة أحاديث. وهي التي غسَّلت بنت النبي ﷺ زينب. حديثها مخرّج في الكُتب الستة. أ. هـ.\n٢٢٦١ - * روى البخاري ومسلم عن أم عطية قالت: نُهينا عن اتباع الجنازة ولم يُعزم علينا.\nقال الشيخ شعيب: (ولم يعزم علينا) أي لم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. وقال القرطبي: ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم. ومال مالك إلى الجواز، وهو قول أهل المدينة. ويدل على الجواز ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر امرأة، فصاح بها، فقال: دعها يا عمر ... \" وأخرجه ابن ماجه والنسائي من هذا الوجه، ومن طريق أخرى، ورجاله ثقات كما قال البوصيري وابن حجر.\n_________\n٢٢٦١ - البخاري (٢/ ١٤٤) ٢٣ - كتاب الجنائز -٢٩ - باب اتباع النسائ الجنائز.\nومسلم (٢/ ٦٤٦) ١١ - كتاب الجنائز -١١ - باب نهي النساء عن اتباع الجنائز.","vol":"4","page":2186},{"text":"٢٢٦٢ - * روى مسلم عن أم عطية ﵂ قالت: غزوتُ مع رسول الله ﷺ سبع غزواتٍ، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى.\n_________\n٢٢٦٢ - مسلم (٣/ ١٤٤٧) ٣٣ - كتاب الجهاد والسير -٤٨ - باب النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب.","vol":"4","page":2187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>٩٢ - أم سَلِيط ﵂</span>\nقال ابن حجر:\nأم سليط .. قال أبو عمر من المبايعات حضرت مع النبي ﵌ يوم أحد قال عمر بن الخطاب كانت ممن يزفر لنا القرب يوم أحد (قلت) ثبت ذكرها في صحيح البخاري عن عمر، كناها عمر بابنها سليط بن أبي سليط بن أبي حارثة وهي أم قيس بنت عبيد ذكر ذلك ابن سعد ... ثم ذكر أنها تزوجت بعد أبي سليط مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري فولدت أبا سعيد فهو أخو سليط بن أبي سليط لأمه أ. هـ الإصابة.\n٢٢٦٣ - * روى البخاري عن ثعلبة بن أبي مالك ﵁ إن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مُروطًا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مِرطٌ جيدٌ فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعطِ هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك -يريدون أم كلثوم بنت علي- فقال عمر: أم سليطٍ أحق. وأم سليطٍ من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ، قال عمر: فإنها كانت تزفِرُ لنا القِرَب يوم أحدٍ.\nقال الشيخ شعيب:\n[أم سليط] هي والدة أبي سعيد الخدري ﵁، كانت زوجًا لأبي سليط بن أبي حارثة عمرو بن قيس من بني عدي بن النجار، فولدت له سليطًا قبل الهجرة فتزوجها مالك بن سنان الخدري، فولدت أبا سعيد الخدري. ويقال لها: أم قيس، وهي بنت عبيد بن زياد بن ثعلبة من بني مازن.\n* * *\n_________\n٢٢٦٣ - البخاري (٧/ ٣٦٦) ٦٤ - كتاب المغازي -٢٢ - باب ذكر أم سليط.\nو(٦/ ٧٩) ٥٦ - كتاب الجهاد -٦٦ - باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو.\nمُروطًا: المروط جمع مرط، وهو كساءٌ من خز أو صوف يؤتزرُ به.\nتزفر: زَفر الحمل يزفره: إذا حمله.","vol":"4","page":2188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>٩٣ - بريرة مولاة أم المؤمنين عائشة ﵂</span>\n٢٢٦٤ - * روى مسلم عن عروة؛ أن عائشة أخبرته؛ أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها. ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا. فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك. فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي، فعلت. فذكرت ذلك بريرة لأهلها. فأبوا. وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل. ويكون لنا ولاؤك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال لها رسول الله ﷺ: \"ابتاعي فأعتقي. فإنما الولاء لمن أعتق\" ثم قام رسول الله ﷺ فقال: \"ما بال أناسٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فليس له، وإن شرط مائة مرةٍ. شرط الله أحق وأوثق\".\nوفي رواية (١) عن عائشة. قالت: دخلت عليَّ بريرةُ فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواقٍ في تسع سنين. في كل سنةٍ أوقيةً فأعينيني. فقلت لها: إن شاء أهلُكِ أن أعدها لهم عدةً واحدةً، وأعتقك، ويكون الولاء لي؛ فعلت. فذكرت ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فأتتني فذكرت ذلك. قالت: فانتهرتها. فقالت: لاها الله إذا.\n_________\n٢٢٦٤ - مسلم (٢/ ١١٤١) ٢٠ - كتاب العتق -٢ - باب إنما الولاء لمن أعتق.\nأقضي عنك كتابتك: أي أؤدي عنك جميع ما عليك من بدل الكتابة.\nإن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل: أي إن أرادت الثواب عند الله وأن لا يكون لها ولاء، فلتفعل.\nما بال أناس: أي ما شأنهم.\nيشترطون شروطًا ليست في كتاب الله: أي ليست في حكمه ولا على موجب قضاء كتابه. لأن كتاب الله أمر بطاعة الرسول، وأعلم أن سنته بيان له. وقد جعل الرسول الولاء لمن أعتق، لا أن الولاء مذكور في القرآن نصًا.\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\nكاتبوني: الكتابة أن يكاتب عبده على مال يؤديه إليه منجمًا. فإذا أداه صار حرًا. وسميت كتابة لمصدر كتب، كأنه يكتب على نفسه لمولاه ثمنه. ويكتب مولاه له عليه العتق. وقد كاتبه مكاتبة. والعبد مكاتب وإنما خص العبد بالمفعول لأن أصل المكاتبة من المولى، وهو الذي يكاتب عبده.\nأن أعدها لهم عدة واحدة: أي أعطيها لهم جملة حاضرة.\nلاها الله إذا: وفي بعض النسخ: لاهاء الله إذا. قال المازري وغيره من أهل العربية: هذان لحنان. وصوابه لاها الله ذا. بالقصر في ها وحذف الألف من إذا. قالوا ومعناه: ذا يميني. ومعناه: لا والله هذا ما أقسم به. فأدخل اسم الله تعالى بين ها وذا.","vol":"4","page":2189},{"text":"قالت: فسمع رسول الله ﷺ: فسألني فأخبرته فقال \"اشتريها وأعتقيها. واشترطي لهم الولاء. فإن الولاء لمن أعتق\" ففعلت. قالت: ثم خطب رسول الله ﷺ عشيةً. فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: \"أما بعد. فما بال أقوامٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله ﷿ فهو باطل وإن كان مائة شرطٍ. كتابُ الله أحق. وشرط الله أوثق. ما بال رجالٍ منكم يقول أحدهم: أعتقُ فلانًا والولاء لي. إنما الولاء لمن أعتق\".\nوعن جرير زاد (١): قال: وكان زوجها عبدًا. فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها. ولو كان حرًا لم يخيرها. وليس في حديثهم: (أما بعد).\n٢٢٦٥ - * روى مسلم عن عائشة. قالت: كان في بريرة ثلاث قضياتٍ: أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا ولاءها. فذكرت ذلك للنبي ﷺ. فقال: \"اشتريها وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق\" قالت: وعتقت. فخيرها رسول الله ﷺ. فاختارت نفسها. قالت: وكان الناس يتصدقون عليها وتهدي لنا. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: \"هو عليها صدقة. وهو لكم هديةً فكلوه\".\n٢٢٦٦ - * روى ابن سعد عن ابن سيرين: أن رسول الله خيْر بريرة. فكلمها فيه. فقالت: يا رسول الله، أشي واجب؟ قال: \"لا إنما أشفعُ له\".\n٢٢٦٧ - * روى البخاري عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ لعباس: \"يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثًا\" فقال النبي ﷺ: \"لو راجعته\" قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: \"إنما أنا أشفع\" قالت: فلا حاجة لي فيه.\n_________\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\n٢٢٦٥ - مسلم (٢/ ١١٤٣) ٢ - كتاب العتق -٢ - باب إنما الولاء لمن أعتق.\n٢٢٦٦ - الطبقات الكبرى (٨/ ٢٥٩) ورجاله ثقات لكنه مرسل.\n٢٢٦٧ - البخاري (٩/ ٤٠٨) ٦٨ - كتاب الطلاق ١٦ - باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة.","vol":"4","page":2190},{"text":"أقول: في قصة بريرة عِبرٌ كثيرة منها:\nإن الإسلام رفع من مكانة المرأة حتى جعل امرأة كبريرة ترفض شفاعة رسول الله ﷺ ما دامت غير ملزمة.\nكما أن في قصة زوجها معها والسكوت على تصرفاته دليلًا على أن الإسلام قد راعى العواطف الشريفة الجائزة ما لم يكن إثم، ومن ذلك عاطفة الحب والتعبير العفيف عنها.\n* * *","vol":"4","page":2191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>٩٤ - الربيع بنت معوذ ﵂</span>\nقال الذهبي في السير:\nالربيع بنت مُعوذ بن عفراء الأنصارية من بني النجار. لها صحبةٌ ورواية، وقد زارها النبي ﷺ صبيحة عُرسها صلة لرحمها. عمرت دهرًا، وروت أحاديث. وأبوها من كبار البدريين، قتل أبا جهلٍ.\nتُوفيت في خلافة عبد الملك سنة بضع وسبعين ﵂، وحديثها في الكتب الستة. والربيع: هي والدة محمد بن إياس بن البُكير أ. هـ.\n٢٢٦٨ - * روى البخاري عن خالد بن ذكوان قال: قالت الرُبيع بنت معوّذ بن عفراء: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُني عليَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني؛ فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدرٍ، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: \"دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين\".\nقوله ﷺ: (دعي هذه):\nقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: وإنما أنكر عليها ﷺ وصفها له بعلم الغيب، لأنه صفة تختص بالله ﷾ كما قال جل شأنه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وقال لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ وما كان النبي ﷺ يخبر به من الغيوب إنما هو بإعلام الله تعالى إياه، لا أنه يستقل بعلم ذلك قال سبحانه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.\n٢٢٦٩ - * روى أحمد والطبراني عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: بعثني معوذ بن\n_________\n٢٢٦٨ - البخاري (٩/ ٢٠٢) ٦٧ - كتاب النكاح -٤٨ - باب ضرب الدفوف في النكاح والولية.\n٢٢٦٩ - أحمد في مسنده (٦/ ٢٥٩) والمعجم الكبير (٢٤/ ٢٧٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣): رواه الطبراني واللفظ له وأحمد بنحوه. وزاد: فقال تحلي بهذا، وإسنادهما حسن.","vol":"4","page":2192},{"text":"عفراء بصاع من رطب عليه آخر من ثقاء زغب إلى رسول الله ﷺ وكان النبي ﷺ يحب القثاء، وكانت حلية قد قدمت من البحرين فملأ يده منها فأعطانيها.\nوفي رواية فأعطاني ملء كفي حليًا أو ذهبًا.\n٢٢٧٠ - * روى البخاري عن الربيع بنت معوذٍ ﵂ قالت: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ لنسقي القوم ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة.\n* * *\n_________\n٢٢٧٠ - البخاري (٦/ ٨٠) ٥٦ - كتاب الجهاد -٦٨ - باب رد النساء الجرحى والقتلى.","vol":"4","page":2193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>٩٥ - أسماء بنت عُميْس ﵂</span>\nقال في الإصابة:\nأسماء بنت عميس بن معد بوزن سعد أوله ميم قيده ابن حبيب [وقيل معبد] .. ووقع في الاستيعاب معد بفتح العين وتعقب ابن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن غانم بن معاوية بن زيد الخثعمية وقيل عميس هو ابن النعمان ابن كعب والباقي سواء. كانت أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵌ لأمها وأخت جماعة والصحابيات لأب أو أم أو لأب وأم يقال إن عدتهن تسع وقيل عشر لأم وست لأم وأب واسمها خولة بنت عوف بن زهير ووقع عند أبي عمر هند بدل خولة ... تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال وقال: إن النبي ﵌ زوج أبا بكر أسماء بنت عميس يوم حنين، أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة وهو مرسل جيد الإسناد .. وكان عمر يسألها عن تفسير المنام ونقل عنها أشياء من ذلك ومن غيره ووقع في البخاري في باب هجرة الحبشة من طريق أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه وأسماء فذكر حديثًا وأسماء هي صاحبة هذه الترجمة ويقال إنها لما بلغها قتل ولدها محمد بمصر قامت إلى مسجد بيتها وكظمت غيظها حتى شخب ثدَّياها دمًا. أ. هـ الإصابة.\nوقال الذهبي في السير:\nأسماء بنت عميس بن معبد، بن الحارث الخثعمية أم عبد الله من المهاجرات الأول قيل: أسلمت قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم. وهاجر بها زوجها جعفر الاطيار إلى الحبشة. فولدت له هناك: عبد الله، ومحمدًا، وعونًا.\nفلما هاجرت معه إلى المدينة سنة سبع، واستشهد يوم مؤتة، تزوج بها أبو بكر الصديق: فولدت له: مُحمدًا، وقت الإحرام، فحجت حجة الوداع، ثم توفي الصديق فغسلته (١) وتزوج بها علي بن أبي طالب أ. هـ من السير.\n_________\n(١) رواه ابن سعد (٨/ ٢٨٢).","vol":"4","page":2194},{"text":"٢٢٧١ - * روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر؛ أن أسماء بنت عميسٍ غسَّلت أبا بكرٍ الصديق، حين توفي. ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين. فقالت: إني صائمة وإن هذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ من غُسلٍ؟ فقالوا: لا.\nروى عبد الرزاق (١) عن ابن أبي مليكة: أن امرأة أبي بكر غ سلته حين توفي. أوصي بذلك.\n٢٢٧٢ - * روى ابن سعد عن الشعبي، قال: قدمت أسماء من الحبشة، فقال لها عُمر: يا حبشية، سبقناكم بالهجرة.\nفقالت: لعمري، لقد صدقت: كنتم مع رسول الله ﷺ يُطعم جائعكم، ويُعلم جاهلكم؛ وكنا البُعداء الطرداء. أما والله لأذكرن ذلك لرسول الله. فأتته. فقال: \"للناس هجرةٌ واحدةٌ، ولكم هجرتان\".\n٢٢٧٣ - * روى ابن سعد عن عامر، قال: قالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إن هؤلاء يزعمون أنَّا لسنا من المهاجرين. قال: \"كذب من يقول ذلك، لكم الهجرة مرتين: هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم إليَّ\".\nعن الشعبي قال: أول من أشار بنعش المرأة -يعني المكبة- أسماء، رأت النصارى يصنعونه بالحبشة (٢).\n_________\n٢٢٧١ - الموطأ (١/ ٢٢٣) ١٦ - كتاب الجنائز -١ - باب غسل الميت.\n(١) المصنف (٣/ ٤٠٨) حديث: ٦١١٧.\n٢٢٧٢ - الطبقات الكبرى (٨/ ٢٨) وأخرجه البخاري ومسلم بأطول منه.\nالبخاري (٧/ ٤٨٤) ٦٤ - كتاب المغازي -٤٨ - باب غزوة خيبر.\nومسلم (٤/ ١٩٤٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤١ - باب من فضائل جعفر ابن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم.\n٢٢٧٣ - الطبقات الكبرى (٨/ ٢٨١).\n(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٣٨١).","vol":"4","page":2195},{"text":"٢٢٧٤ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله في حديث طويل وصف فيه حجة النبي ﷺ وفيه: حتى إذا أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ: كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي.\nقال الذهبي في السير عن قيس، قال: دخلتُ مع أبي بكر -﵁- وكان أبيض، خفيف اللحم، فرأيتُ يدي أسماء موشوموة تذبُّ عن أبي بكر.\nقال سعد بن إبراهيم قاضي المدينة: أوصى أبو بكر أن تُغسله أسماء قال قتادة: فغسلته بنت عميس، امرأته (١).\nوقيل: عزم عليها لما أفطرت، وقال: هو أقوى لك. فذكرت يمينه في آخر النهار، فدعت بماء، فشربت، وقالت: والله لا أتبعه اليوم حنثًا (٢).\nمالك، عن عبد الله بن أبي بكر: أن أسماء غسَّلت أبا بكر؛ فسألت من حضر من المهاجرين، وقالت: إني صائمة، وهذا يوم شديدُ البرد، فهل عليُّ من غُسل؟ فقالوا: لا (٣).\nروى أبو إسحاق، عن مصعب بن سعد: أن عمر فرض الأعطية؛ ففرض لأسماء بنت عُميس ألف درهم (٤).\nزكريا بن أبي زائدة: سمعتُ عامرًا يقول: تزوج عليّ أسماء بنت عُميس، فتفاخر ابناها: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، فقال كل منهما: أنا أكرم منك، وأبي خيرٌ من أبيك.\n_________\n٢٢٧٤ - مسلم (٢/ ٨٨٧) ١٥ - كتاب الحج -١٩ - باب حجة النبي ﷺ.\nذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي ميقات أهل المدينة.\n(١) رواه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٨٣).\n(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٨٤).\n(٣) ورواه مالك في الموطأ (١/ ٢٢٣) ١٦ - كتاب الجنائز ١ - باب غسل الميت.\n(٤) ابن سعد (٨/ ٢٨٤).","vol":"4","page":2196},{"text":"قال: فقال لها عليٌّ، اقضي بينهما. قالت: ما رأيت شابًا من العرب خيرًا من جعفر، ولا رأيت كهلًا خيرًا من أبي بكر.\nفقال عليٌّ: ما تركت لنا شيئًا، ولو قُلت غير الذي قلت لمقتك. قالت: إن ثلاثة أنت أخسُّهم خيار.\nعاشت بعد علي. أ. هـ من السير. (١)\n* * *\n_________\n(١) ابن سعد (٨/ ٢٨٥).","vol":"4","page":2197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>تعليقات على هذا الباب</span>\n١ - دأب بعض الكاتبين أن يغفلوا الجانب السلبي في علاقات الصحابة بعضهم ببعض، ودأب بعضهم ممن في قلوبهم زيغ يضخمون هذه السلبيات كذبًا وزورًا، وليس هذا صحيحًا، ولا هذا، فإغفال الجوانب السلبية يصور الصحابة وكأنهم معصومون وليس كذلك، ثم إن هذا يعمق معنى المثالية عند القراء فيستغربون بسبب ذلك ما يصادفهم من وقائع حياتية تجري بين المسلمين عامة وبين الدعاة خاصة، وأما الذين يضخمون السلبيات فهؤلاء كاذبون أولًا ثم هم يريدون أن يطعنوا في الرسالة ثانيًا، فالسلبيات في حياة أصحاب رسول الله ﷺ قليلة وعارضة ثم إنهم يفيئون لأول تذكير ولولا كمالهم ما حسبت عليهم.\n٢ - لقد ربى رسول الله ﷺ جيلًا قويًا في كل شيء، ولعل هذا هو سر الكثير مما حدث فيما بينهم فهذا الجيل العاشق للحق الوقاف عنده كان منصهرًا في بوتقة واحدة زمن الرسالة، فلما توفي رسول الله ﷺ أصبح للاجتهادمحل، وفي جو الاجتهاد وشدة الشكيمة وقوة الوقوف مع الحق يكون ما يكون، ومن عرف هذا أدرك أن الكثير مما وقع بين الصحابة كان ميزة لهذا الجيل على أن هذا مما يذكر في معرض الدفاع وفي معرض تقرير الحكمة، وإلا فما حدث بين الصحابة ﵃ من أمور ينبغي أن تؤخذ منه العبرة، فالكمال هو ما كان زمن رسول الله ﷺ وفي زمن أبي بكر وعمر من وحدة المسلمين والتفافهم حول قيادتهم.\n٣ - لم يصل جيل من الأجيال في تاريخ البشرية إلى ما وصل إليه هذا الجيل من تضحيات في سبيل الحق الخالص ومن تفاعل مع هذا الحق ومن ارتقاء فيه، هناك من يضحي ولكن من أجل الباطل، وهناك من يعمل لحق ولكن أفعاله تناقض أقواله، لكن هذا الجيل أصاب الحق وتفاعل معه وانسجم مع ضميره وذاته وكل ذلك ببركات رسول الله ﷺ.\nتأمل في عدد الشهداء من هذا الجيل وتأمل مَنْ مِنْ هذا الجيل لم يُبتل بالنفس أو المال أو الأهل أو بذلك كله، ثم لاحظ تلك الاندفاعية من المركز أو الثورة الضوئية نحو هذا العالم لترى شيئًا عجبًا تعرف به وبغيره أن هذا الجيل لم يُسبق ولن يُلحق.","vol":"4","page":2198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>خاتمة القسم الأول</span>\nلقد عرضنا لك في هذا القسم ستة أبواب في السيرة النبوية كل منها يأخذ بحجز الآخر، وكلها يدل على أن محمدًا رسول الله ﷺ، فمن رأى محمدًا قبل النبوة وعرف ما أكرم به ورأى المقدمات التي مهدت لبعثته علم أنه رسول الله ﷺ، ومن رأى قيامه بالدعوة واستمراره فيها قبل استقراره في المدينة عرف أنه رسول الله ﷺ، ومن رأى قيامه بدين الله في المدينة المنورة وما فعله عرف أنه رسول الله ﷺ، ومن رأى معجزاته وصفاته والدوائر المحيطة به عرف أنه رسول الله ﷺ.\nوهذا كله يوصلنا للتعرف على رسالته التي مضمونها الكتاب والسنة، وها نحن نبدأ في عرض المضمون من خلال نصوص السنة مبتدئين بعرض العقائد وهي مضمون القسم الثاني من هذا الكتاب.\nومن عرف العقائد التي بُعث بها رسول الله ﷺ كفاه ذلك دليلًا على صحة رسالته، ومن عرف عبادات الإسلام ونظام الحياة في الإسلام ونظام الحكم في الإسلام ورحمة الإسلام في المستضعفين عرف صحة رسالته ﵊.\nوالأقسام التالية تتحدث عن هذا كله، وقسم العقائد مقدم على غيره.\n* * *","vol":"4","page":2199}]}