{"ً":{"ٌ":18338,"ٍ":"الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/الأساس في السنة وفقهها 2 العقائد - حوى - ط السلام 1-3","files":["60370.pdf|1","60370.pdf|2","60370.pdf|3"]},"ّ":"الكتاب: الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية\nالمؤلف: سعيد حوّى (المتوفى ١٤٠٩ هـ)\nالناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة\nالطبعة: الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م\nعدد الأجزاء: ٣ (متسلسلة الترقيم)\nأعده للشاملة: أبو ياسر الجزائري\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية]\n\nبعث الله محمدا ﷺ بالتوحيد والقيام بحقوق الربوبية وبمسئولية الإنسان أمام الله ﷿ فالإله واحد وعلى الإنسان أن يقوم بواجب التعبد له والعبودية له وذلك هو المظهر الأول لقبول التوحيد، ويدخل في التوحيد توحيد الذات والصفات والأفعال وأن الرب واحد وأنه هو صاحب الحق في التشريع والأمر والحكم. وقد تناول هذا الكتاب معالم العقيدة كالحديث عن الجسد والروح والعقل والقلب والنفس والتكليف ومسئولية الإنسان أمام الله، ومفهوم الإسلام والإيمان وأركانهما ومقامهما وفضل الشهادتين وكلمة التوحيد التي هي أصل الإيمان والفطرة وحقيقة الإيمان والكفر والنفاق والشرك والكبائر والسنة والبدعة وأشهر المستجدات التي نشأت في بيئة إسلامية ودراستهم دراسة تاريخية وغيرها من الموضوعات العقائدية المهمة.","ٓ":"1.1","ٔ":2835,"ٕ":1,"ٖ":1770156139,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":4},{"title":"الباب الأول معالم عقدية","level":1,"page":10},{"title":"تمهيد","level":2,"page":11},{"title":"الفصل الأول في: الجسد والروح والعقل والقلب والنفس","level":2,"page":19},{"title":"مقدمة الفصل","level":3,"page":20},{"title":"الفقرة الأولى: نصوص في الجسد","level":3,"page":27},{"title":"الفقرة الثانية: نصوص في الروح","level":3,"page":32},{"title":"الفقرة الثالثة: نصوص في العقل","level":3,"page":37},{"title":"الفقرة الرابعة: نصوص في القلب","level":3,"page":39},{"title":"نصوص الكتاب في القلب","level":4,"page":40},{"title":"نصوص السنة في القلوب","level":4,"page":42},{"title":"الفقرة الخامسة: نصوص في النفس","level":3,"page":59},{"title":"١ - نصوص في النفس ويراد بها الذات","level":4,"page":60},{"title":"٢ - نصوص في النفس ويراد بها الروح","level":4,"page":66},{"title":"٣ - نصوص في النفس ويراد بها الروح بعد تلبسها بالجسد","level":4,"page":70},{"title":"٤ - نصوص في النفس ويراد بها القلب","level":4,"page":73},{"title":"الفصل الثاني في التكليف ومسؤولية الإنسان أمام الله ﷿","level":2,"page":77},{"title":"المقدمة","level":3,"page":78},{"title":"١ - نصوص ونقول في التكليف","level":3,"page":81},{"title":"مباحث في العذر بالجهل","level":4,"page":87},{"title":"التكليف بما يشق","level":4,"page":91},{"title":"٢ - مسائل في التكليف","level":3,"page":95},{"title":"المسألة الأولى في أهل الفترة","level":4,"page":95},{"title":"المسألة الثانية","level":4,"page":96},{"title":"المسألة الثالثة","level":4,"page":97},{"title":"المسألة الرابعة","level":4,"page":97},{"title":"المسألة الخامسة","level":4,"page":97},{"title":"المسألة السادسة: في مسئولية الطفل والمجنون ماليا","level":4,"page":97},{"title":"المسألة السابعة","level":4,"page":97},{"title":"المسألة الثامنة","level":4,"page":101},{"title":"الفصل الثالث في: مباحث في الإسلام والإيمان","level":2,"page":102},{"title":"الإيمان والإسلام","level":3,"page":103},{"title":"تحقيقات للعلماء في الإسلام والإيمان","level":3,"page":109},{"title":"الفصل الرابع في فضل الانتساب إلى الأمة الإسلامية","level":2,"page":116},{"title":"المقدمة","level":3,"page":117},{"title":"النصوص","level":3,"page":118},{"title":"الفصل الخامس في: فصل الإيمان وفي فضل المؤمن","level":2,"page":131},{"title":"المقدمة","level":3,"page":132},{"title":"النصوص الحديثة","level":3,"page":134},{"title":"الفصل السادس في أمثال مثل بها لدعوة الرسول ﷺ وللمستجيبين له","level":2,"page":138},{"title":"النصوص","level":3,"page":139},{"title":"الفصل السابع في: الإسلام وأسهمه وأركانه ومقاماته وبعض أعماله","level":2,"page":145},{"title":"المقدمة","level":3,"page":146},{"title":"الفقرة الأولى: أسهم الإسلام","level":3,"page":149},{"title":"الفقرة الثانية: أركان الإسلام","level":3,"page":151},{"title":"الفقرة الثالثة: مقامات الإسلام","level":3,"page":153},{"title":"الفقرة الرابعة: في أمهات من أعمال الإسلام","level":3,"page":158},{"title":"الفصل الثامن بعض شعب الإيمان","level":2,"page":174},{"title":"مقدمة","level":3,"page":175},{"title":"الفقرة الأولى: نصوص من الكتاب في بعض شعب الإيمان","level":3,"page":178},{"title":"الفقرة الثانية: نصوص في بعض شعب الإيمان في السنة","level":3,"page":184},{"title":"الفصل التاسع في: بعض الموازين التي يزن بها المؤمن إيمانه وإسلامه","level":2,"page":197},{"title":"مقدمة","level":3,"page":198},{"title":"نصوص","level":3,"page":198},{"title":"الفصل العاشر في: فضل الشهادتين وكلمة التوحيد التي هي أصل الإيمان","level":2,"page":205},{"title":"المقدمة","level":3,"page":206},{"title":"النصوص","level":3,"page":208},{"title":"تعليقات","level":3,"page":215},{"title":"مسائل وفوائد حول الشهادتين وكلمة التوحيد","level":3,"page":218},{"title":"الفصل الحادي عشر في: الإيمان الذوقي وما يقابله","level":2,"page":221},{"title":"المقدمة","level":3,"page":222},{"title":"النصوص","level":3,"page":223},{"title":"مسائل وفوائد","level":3,"page":226},{"title":"الفصل الثاني عشر في: الجيل الأرقى تحققا","level":2,"page":227},{"title":"المقدمة","level":3,"page":228},{"title":"النصوص","level":3,"page":230},{"title":"الفصل الثالث عشر في: الوساوس العارضة وفي خفوت نور الإيمان وزيادته وتجديده وإقلاعه","level":2,"page":237},{"title":"المقدمة","level":3,"page":238},{"title":"النصوص","level":3,"page":240},{"title":"الفصل الرابع عشر في: الفطرة وحقيقة الإيمان والكفر والنفاق","level":2,"page":247},{"title":"المقدمة","level":3,"page":248},{"title":"النصوص","level":3,"page":252},{"title":"الفصل الخامس عشر في الكفر والشرك والكبائر","level":2,"page":255},{"title":"المقدمة","level":3,"page":256},{"title":"النصوص","level":3,"page":258},{"title":"تحقيقات","level":3,"page":264},{"title":"الفصل السادس عشر في: النفاق وعلاماته وشعبه","level":2,"page":268},{"title":"المقدمة","level":3,"page":269},{"title":"النصوص","level":3,"page":271},{"title":"الفصل السابع عشر في: نواقض الشهادتين","level":2,"page":283},{"title":"المقدمة","level":3,"page":284},{"title":"النصوص","level":3,"page":287},{"title":"مسائل وفوائد في نواقض الشهادتين وتعداد بعضها","level":3,"page":292},{"title":"الفصل الثامن عشر في: الاعتصام بالكتاب والسنة","level":2,"page":296},{"title":"المقدمة","level":3,"page":297},{"title":"النصوص","level":3,"page":300},{"title":"الفصل التاسع عشر في التمسك بالسنة","level":2,"page":305},{"title":"النصوص","level":3,"page":306},{"title":"الفصل العشرون في: البدعة","level":2,"page":309},{"title":"تقسيمات البدعة","level":3,"page":332},{"title":"أولا: تقسيم البدعة إلى عادية وتعبدية","level":4,"page":332},{"title":"ثانيا: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية","level":4,"page":332},{"title":"ثالثا: تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة","level":4,"page":333},{"title":"رابعا: تقسيم البدعة إلى فعلية وتركية","level":4,"page":335},{"title":"خامسا- تقسيم البدعة إلى اعتقادية وقولية وعملية","level":4,"page":336},{"title":"سادسا: تقسيم البدعة إلى كلية وجزئية","level":4,"page":336},{"title":"سابعا: تقسيم البدعة إلى بسيطة ومركبة","level":4,"page":337},{"title":"الفصل الحادي والعشرون في: افتراق هذه الأمة افتراق اليهود والنصارى وزيادة في: وجوب الكينونة مع الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة واعتزال فرق الضلال","level":2,"page":338},{"title":"النصوص","level":3,"page":339},{"title":"الوصل الأول في: أشهر فرق اليهود","level":3,"page":341},{"title":"أشهر فرق اليهود","level":4,"page":342},{"title":"الفريسيون","level":4,"page":344},{"title":"الصدقيون","level":4,"page":345},{"title":"القراءون","level":4,"page":345},{"title":"الكتبة","level":4,"page":346},{"title":"المتعصبون","level":4,"page":346},{"title":"الوصل الثاني في: أشهر فرق النصارى","level":3,"page":349},{"title":"أشهر فرق النصارى","level":4,"page":350},{"title":"المجامع","level":4,"page":350},{"title":"البروتستانتية","level":4,"page":353},{"title":"الوصل الثالث في: افتراق الأمة الإسلامية وفي: أشهر الفرق الضالة التي نشأت في بيئات إسلامية وفي: الفرق الناجية","level":3,"page":355},{"title":"المقدمة في: أسباب انشقاق الفرق الضالة","level":4,"page":356},{"title":"الفقرة الأولى في: ضرورة التعرف على فرق الضلال وبعض الملاحظات حول ذلك","level":4,"page":366},{"title":"الفقرة الثانية في: نصوص تتحدث عن أعلام في الضلال","level":4,"page":370},{"title":"تعليق","level":5,"page":375},{"title":"الفقرة الثالثة في أشهر الفرق التي نشأت في بيئات إسلامية وليست من أهل السنة والجماعة","level":4,"page":376},{"title":"١ - فرق الخوارج","level":5,"page":378},{"title":"٢ - المعتزلة","level":5,"page":380},{"title":"٣ - المرجئة","level":5,"page":381},{"title":"٤ - بعض الفرق الشاذة من الزيدية","level":5,"page":383},{"title":"٥ - فرق الكيسانية","level":5,"page":384},{"title":"٦ - فرق النجارية","level":5,"page":385},{"title":"٧ - فرق الكرامية","level":5,"page":386},{"title":"٨ - الإمامية","level":5,"page":387},{"title":"٩ - فرق الباطنية","level":5,"page":389},{"title":"١٠ - في بعض فرق المشبهة","level":5,"page":396},{"title":"١١ - في الجاهلية وهم في الجبرية","level":5,"page":400},{"title":"١٢ - الحلوليون والإباحيون","level":5,"page":401},{"title":"١٣ - القائلون بوحدة الوجود","level":5,"page":402},{"title":"١٤ - البابية","level":5,"page":403},{"title":"١٥ - البهائية","level":5,"page":409},{"title":"دين البابية والبهائية","level":5,"page":409},{"title":"١٦ - القاديانية","level":5,"page":411},{"title":"الفقرة الرابعة في: الخوارج خاصة","level":4,"page":413},{"title":"المقدمة","level":5,"page":413},{"title":"النصوص","level":5,"page":414},{"title":"الفقرة الخامسة في: ضرورة لزوم الجماعة وفي: التعرف على الفرقة الناجية","level":4,"page":438},{"title":"النصوص الحديثية","level":5,"page":442},{"title":"النقول","level":5,"page":452},{"title":"الفصل الثاني والعشرون في: الاختلاف الجائز والاختلاف الممنوع","level":2,"page":464},{"title":"المقدمة","level":3,"page":465},{"title":"النصوص","level":3,"page":467},{"title":"الفصل الثالث والعشرون في: التحذير من مواطأة الأمم في انحرافاتها","level":2,"page":472},{"title":"المقدمة","level":3,"page":473},{"title":"النصوص","level":3,"page":477},{"title":"التعقيب","level":3,"page":478},{"title":"الفصل الرابع والعشرون في: التحذير من الفتن والأهواء وأهلها","level":2,"page":480},{"title":"المقدمة","level":3,"page":481},{"title":"النصوص","level":3,"page":483},{"title":"التعقيب","level":3,"page":506},{"title":"الباب الثاني في: الإيمان بالغيب","level":1,"page":510},{"title":"المقدمة","level":2,"page":511},{"title":"الفصل الأول في: بدء الخلق","level":2,"page":514},{"title":"المقدمة","level":3,"page":515},{"title":"النصوص","level":3,"page":519},{"title":"إنسان هايدلبرغ","level":3,"page":524},{"title":"الإنسان الكبير","level":3,"page":525},{"title":"التلخيص","level":3,"page":531},{"title":"الفصل الثاني في: معرفة الله والإيمان به","level":2,"page":532},{"title":"المقدمة","level":3,"page":533},{"title":"خلاصة ما جاء به الكتاب والسنة","level":3,"page":534},{"title":"النصوص","level":3,"page":539},{"title":"التلخيص","level":3,"page":560},{"title":"الوصل الأول في: الوثنية في التاريخ","level":3,"page":562},{"title":"المقدمة","level":4,"page":563},{"title":"تعريف عن الوثنية في بعض الأديان","level":4,"page":565},{"title":"١ - الوثنية في الديانات المصرية القديمة","level":4,"page":565},{"title":"٢ - وثنية الرومان","level":4,"page":565},{"title":"٣ - وثنية اليونان","level":4,"page":566},{"title":"٤ - وثنية الهندوس","level":4,"page":567},{"title":"٥ - وثنية الصين","level":4,"page":568},{"title":"٧ - وثنية العرب","level":4,"page":569},{"title":"الوصل الثاني في: التثليث ونسبة الولد إلى الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا","level":3,"page":571},{"title":"الوصل الثالث في: \"إن الدين عند الله الإسلام\"","level":3,"page":575},{"title":"الوصل الرابع في: \"ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه\"","level":3,"page":580},{"title":"المقدمة","level":4,"page":581},{"title":"النقول","level":4,"page":584},{"title":"١ - نقول عن البرهمية","level":4,"page":584},{"title":"٢ - نقول عن الجينية وهى إحدى الديانات الهندية","level":4,"page":585},{"title":"٣ - نقول عن البوذية","level":4,"page":587},{"title":"٤ - نقول عن ديانات الفرس","level":4,"page":588},{"title":"٥ - نقول عن اليهودية","level":4,"page":590},{"title":"الفصل الثالث في: الإيمان بالقدر","level":2,"page":592},{"title":"المقدمة","level":3,"page":593},{"title":"المسائل","level":3,"page":596},{"title":"النصوص","level":3,"page":600},{"title":"التلخيص","level":3,"page":620},{"title":"الفصل الرابع في الإيمان بالملائكة","level":2,"page":621},{"title":"المقدمة","level":3,"page":622},{"title":"بعض النصوص القرآنية في شأن الملائكة","level":3,"page":624},{"title":"بعض النصوص النبوية","level":3,"page":632},{"title":"الفصل الخامس في: الجن والشياطين","level":2,"page":656},{"title":"المقدمة","level":3,"page":657},{"title":"بعض نصوص القرآن في الجن والشياطين","level":3,"page":660},{"title":"النصوص النبوية","level":3,"page":665},{"title":"التلخيص","level":3,"page":688},{"title":"فائدة","level":3,"page":689},{"title":"نقول في ما قاله بعض العلماء في الجن","level":3,"page":691},{"title":"الوصل الأول في: ظاهرة ابن صياد","level":3,"page":698},{"title":"المقدمة","level":4,"page":699},{"title":"النقول","level":4,"page":700},{"title":"النصوص النبوية في ابن صياد","level":4,"page":702},{"title":"الوصل الثاني في: تحضير الأرواح","level":3,"page":709},{"title":"الفصل السادس في: الإيمان بالكتب","level":2,"page":712},{"title":"المقدمة","level":3,"page":713},{"title":"الوصل في: التعريف على كتب بعض أهل الأديان","level":3,"page":722},{"title":"المقدمة","level":4,"page":723},{"title":"أ - التعريف بكتب الهند الدينية","level":4,"page":724},{"title":"ب- التعريف ببعض كتب الصين الدينية","level":4,"page":727},{"title":"ج- التعريف ببعض كتب الفرس الدينية","level":4,"page":727},{"title":"د- التعريف ببعض الكتب اليهودية الدينية","level":4,"page":728},{"title":"أولا: أسفار العهد القديم.","level":5,"page":728},{"title":"ثانيا: التلمود","level":5,"page":728},{"title":"هـ- التعريف ببعض كتب النصارى الدينية","level":4,"page":729},{"title":"و- التعريف ببعض كتب الصابئة الدينية","level":4,"page":730},{"title":"فائدة","level":3,"page":730},{"title":"النصوص","level":3,"page":732},{"title":"الفصل السابع في: الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام","level":2,"page":735},{"title":"المقدمة","level":3,"page":736},{"title":"النصوص النبوية في ذكر الأنبياء","level":3,"page":746},{"title":"المسائل والفوائد","level":3,"page":761},{"title":"الوصل الأول في: رفع خطأ التوهم بأن الرسل لم يبعثوا إلا في بقعة من الأرض وإلى بعض الأمم","level":3,"page":764},{"title":"المقدمة","level":4,"page":765},{"title":"النقول","level":4,"page":767},{"title":"١ - الديانات المصرية القديمة","level":4,"page":767},{"title":"٢ - بعض الديانات الهندية","level":4,"page":768},{"title":"أ- الديانة البرهمية","level":5,"page":768},{"title":"ب- الديانة البوذية","level":5,"page":770},{"title":"٣ - الديانة الزرادشتية","level":4,"page":773},{"title":"الدعوة إلى الصراط المستقيم","level":4,"page":774},{"title":"٤ - الديانات الصينية","level":4,"page":775},{"title":"٥ - ديانات ما بين الرافدين","level":4,"page":780},{"title":"أ- بعض ما تذكره الحفريات عن نوح ﵇ وقصة الطوفان","level":5,"page":780},{"title":"ب- الصابئة","level":5,"page":782},{"title":"الوصل الثاني في: وراثة الأنبياء وكرامات الأولياء","level":3,"page":788},{"title":"المقدمة","level":4,"page":789},{"title":"النصوص","level":4,"page":795},{"title":"الفصل الثامن في: القصص النبوي","level":2,"page":798},{"title":"المقدمة","level":3,"page":799},{"title":"الفقرة الأولى في: الموقف من القصص بإطلاق وما يراد به","level":3,"page":800},{"title":"المقدمة","level":4,"page":800},{"title":"النصوص","level":4,"page":802},{"title":"الفقرة الثانية في: القصص النبوي","level":3,"page":805},{"title":"الفصل التاسع في: الإيمان باليوم الآخر","level":2,"page":823},{"title":"المقدمة","level":3,"page":824},{"title":"الوصول","level":3,"page":828},{"title":"الوصل الأول بين يدي الساعة","level":4,"page":829},{"title":"المقدمة","level":5,"page":830},{"title":"الفقرات","level":5,"page":833},{"title":"الفقرة الأولى في: أن رسول الله ﷺ أخبر عما سيكون بين يدي الساعة","level":6,"page":835},{"title":"الفقرة الثانية في: قرب الساعة نسبيا","level":6,"page":836},{"title":"الفقرة الثالثة في: مدة قرن النبوة","level":6,"page":839},{"title":"الفقرة الرابعة في: بعض أحداث المرحلتين: الراشدة والأموية","level":6,"page":841},{"title":"الفقرة الخامسة حديث جامع","level":6,"page":856},{"title":"الفقرة السادسة في: فتح القسطنطينية الأول","level":6,"page":858},{"title":"الفقرة السابعة في: قتال التتار والمغول والأتراك قبل إسلامهم","level":6,"page":860},{"title":"الفقرة الثامنة في: تمزقات الأمة الإسلامية وصراعاتها","level":6,"page":867},{"title":"الفقرة التاسعة في: التجديد والمجددين","level":6,"page":873},{"title":"الفقرة العاشرة في: نار الحجاز","level":6,"page":876},{"title":"الفقرة الحادية عشر في: استقلالية أقطار الأمة الإسلامية عن بعضها وانفراط عقد الوحدة الإسلامية","level":6,"page":879},{"title":"الفقرة الثانية عشرة في: غربة الإسلام","level":6,"page":882},{"title":"الفقرة الثالثة عشرة في: مدعي النبوة والدجالين","level":6,"page":884},{"title":"الفقرة الرابعة عشرة في: أعلام وأشراط متفرقة تكون بين يدي الساعة وقد وقعت","level":6,"page":887},{"title":"الفقرة الخامسة عشرة في: أشراط صغرى لم تقع بعد","level":6,"page":912},{"title":"الفقرة السادسة عشرة في: انحسار الفرات عن جبل من ذهب","level":6,"page":921},{"title":"الفقرة السابعة عشرة في: أشراط الساعة الكبرى إجمالا وفي: بعض أشراط أخرى تكون بين يدي الساعة","level":6,"page":923},{"title":"المقدمة","level":7,"page":923},{"title":"النصوص","level":7,"page":925},{"title":"الفقرة الثامنة عشرة في: المهدي ﵇","level":6,"page":934},{"title":"مقدمة","level":7,"page":934},{"title":"النصوص","level":7,"page":936},{"title":"المسائل والفوائد","level":7,"page":941},{"title":"الفقرة التاسعة عشرة في: الدجال","level":6,"page":947},{"title":"مقدمة","level":7,"page":947},{"title":"نصوص","level":7,"page":948},{"title":"فوائد ومسائل","level":7,"page":993},{"title":"الدجال في سطور","level":7,"page":1001},{"title":"الفقرة العشرون في: صفة المسيح ابن مريم ﵇ ونزوله","level":6,"page":1005},{"title":"مقدمة","level":7,"page":1005},{"title":"نصوص","level":7,"page":1007},{"title":"مسائل وفوائد","level":7,"page":1022},{"title":"جدول ما ثبت بالقرآن والسنة من أمارات المسيح عيسى ﵇","level":7,"page":1028},{"title":"بعض ما ورد من أحوال أمه ﵉","level":7,"page":1029},{"title":"محل ولادته ﵇ وكيفية ذلك","level":7,"page":1030},{"title":"أحوال مريم بعد ولادته ﵇","level":7,"page":1030},{"title":"وجاهة عيسى ﵇","level":7,"page":1031},{"title":"خصائص عيسى المسيح ﵇","level":7,"page":1031},{"title":"حليته ﵇ وقت نزوله","level":7,"page":1032},{"title":"بعض أحواله ﵇ وقت نزوله","level":7,"page":1032},{"title":"محل نزوله ﵇ ووقت نزوله","level":7,"page":1032},{"title":"أحوال الحاضرين في المسجد وقت نزوله ﵇","level":7,"page":1032},{"title":"بعض أحواله بعد نزوله ﵇","level":7,"page":1032},{"title":"المشروعات التي يقوم بها بعد نزوله ﵇","level":7,"page":1033},{"title":"البركات الظاهرة والباطنة في زمنه ﵇","level":7,"page":1034},{"title":"أحوال العرب في ذلك الزمان","level":7,"page":1034},{"title":"وفاته ﵇ وبعض الأحوال قبل وفاته","level":7,"page":1035},{"title":"أحوال المسلمين بعد وفاته ﵇","level":7,"page":1035},{"title":"الفقرة الحادية والعشرون في: يأجوج ومأجوج","level":6,"page":1036},{"title":"مقدمة","level":7,"page":1036},{"title":"القبائل المنغولية واليواشية","level":7,"page":1042},{"title":"منغوليا، مهد الشعوب القديمة","level":7,"page":1043},{"title":"نصوص","level":7,"page":1049},{"title":"مسائل وفوائد","level":7,"page":1051},{"title":"الفقرة الثانية والعشرون في لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق","level":6,"page":1055},{"title":"مقدمة","level":7,"page":1055},{"title":"الفقرة الثالثة والعشرون في: نار عدن","level":6,"page":1059},{"title":"مقدمة","level":7,"page":1059},{"title":"النصوص","level":7,"page":1060},{"title":"مسائل وفوائد","level":7,"page":1062},{"title":"الوصل الثاني في الموت والحياة البرزخية","level":4,"page":1064},{"title":"المقدمة","level":5,"page":1065},{"title":"بعض النصوص القرآنية","level":5,"page":1072},{"title":"النصوص الحديثية","level":5,"page":1075},{"title":"مسائل وفوائد","level":5,"page":1102},{"title":"الوصل الثالث في الساعة وما يأتي بعدها","level":4,"page":1105},{"title":"المقدمة","level":5,"page":1106},{"title":"الفقرات","level":5,"page":1108},{"title":"الفقرة الأولى عرض إجمالي","level":6,"page":1109},{"title":"الفقرة الثانية في: النفختين وفي: يوم القيامة","level":6,"page":1123},{"title":"١ - النصوص القرآنية","level":7,"page":1125},{"title":"٢ - النصوص الحديثية","level":7,"page":1132},{"title":"٣ - بعض ما يكون بالنفخة الأولى","level":7,"page":1137},{"title":"٤ - بعض ما يكون بالنفخة الثانية","level":7,"page":1139},{"title":"الفقرة الثالثة في الحشر","level":6,"page":1140},{"title":"١ - النصوص القرآنية","level":7,"page":1143},{"title":"٢ - نصوص حديثية","level":7,"page":1164},{"title":"الفقرة الرابعة في: مشاهد من القرآن الكريم فيما يجري في اليوم الآخر من حوار","level":6,"page":1180},{"title":"الفقرة الخامسة في: أحاديث تصف بعض ما في الموقف وما بعده","level":6,"page":1194},{"title":"تعليق وتأكيد","level":7,"page":1212},{"title":"الفقرة السادسة في الحوض","level":6,"page":1213},{"title":"النصوص","level":7,"page":1215},{"title":"فوائد","level":7,"page":1225},{"title":"الفقرة السابعة في: الحساب والميزان عرض إجمالي","level":6,"page":1226},{"title":"النصوص","level":7,"page":1231},{"title":"الفقرة الثامنة في: الصراط عرض إجمالي","level":6,"page":1240},{"title":"النصوص","level":7,"page":1243},{"title":"الفقرة التاسعة في: الشفاعات","level":6,"page":1247},{"title":"النصوص","level":7,"page":1250},{"title":"الفقرة العاشرة في: الجنة والنار","level":6,"page":1260},{"title":"١ - المقدمة","level":7,"page":1260},{"title":"٢ - مشاهد من القرآن الكريم","level":7,"page":1264},{"title":"٢ - نصوص حديثيه في النار","level":7,"page":1294},{"title":"٤ - نصوص حديثية في ما وصف به أهل الجنة وبعض نعيم أهلها","level":7,"page":1304},{"title":"٥ - في بعض ما ورد في آخر أهل النار خروجا منه","level":7,"page":1323},{"title":"٦ - رؤية الله تعالى في الآخرة","level":7,"page":1327},{"title":"مقدمة","level":8,"page":1327},{"title":"النصوص","level":8,"page":1330},{"title":"٧ - في ذبح الموت","level":7,"page":1334},{"title":"٨ - في متفرقات في الجنة والنار وبعض صفات أهلهما وبعض ما يحصل لأهل كل منهما","level":7,"page":1336},{"title":"٩ - الجنة والنار مخلوقتان موجودتان","level":7,"page":1352},{"title":"الفقرة الحادية عشر ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾","level":6,"page":1358},{"title":"خاتمة الباب الثاني","level":2,"page":1360},{"title":"الباب الثالث في: مباحث عقدية","level":1,"page":1362},{"title":"المقدمة","level":2,"page":1363},{"title":"الفصل الأول في: بعض المشوشات الزائفة على النبوة السحر والكهانة والتنجيم","level":2,"page":1368},{"title":"المقدمة","level":3,"page":1369},{"title":"نقول في: السحر والكهانة والتنجيم","level":3,"page":1371},{"title":"نصوص في: السحر والكهانة والتنجيم","level":3,"page":1377},{"title":"الفصل الثاني في: نسبة الحادثات إلى الأسباب مقطوعة عن الله ﷿","level":2,"page":1385},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1386},{"title":"النصوص","level":3,"page":1388},{"title":"الفصل الثالث في: الطيرة والفأل والشؤم والعدوى وما يجري مجراها","level":2,"page":1391},{"title":"المقدمة","level":3,"page":1392},{"title":"النصوص","level":3,"page":1394},{"title":"الفصل الرابع في: العين والتمائم والرقي","level":2,"page":1408},{"title":"المقدمة","level":3,"page":1409},{"title":"النصوص","level":3,"page":1411},{"title":"١ - في: العين","level":4,"page":1411},{"title":"٢ - في: التمائم","level":4,"page":1418},{"title":"٣ - في: الرقى","level":4,"page":1421},{"title":"الفصل الخامس في النذر","level":2,"page":1435},{"title":"عرض إجمالي","level":3,"page":1436},{"title":"الفقرات","level":3,"page":1439},{"title":"الفقرة الأولى في: حكم النذر ومتى يجب الوفاء به","level":4,"page":1440},{"title":"الفقرة الثانية في: النذر فيما لا يطيق","level":4,"page":1445},{"title":"الفقرة الثالثة في: حكم مراعاة المكان في النذر","level":4,"page":1449},{"title":"الفقرة الرابعة في: قضاء الحي نذر الميت","level":4,"page":1451},{"title":"الفقرة الخامسة في: نذر الجاهلية إذا وافق عبادة إسلامية","level":4,"page":1453},{"title":"الفقرة السادسة في: متى يكون للنذر حكم اليمين","level":4,"page":1454},{"title":"الفقرة السابعة في: نذر صيام يوم النحر","level":4,"page":1459},{"title":"الفقرة الثامنة في: نذر المقيم بمكة أو بالمدينة المنورة الصلاة ببيت المقدس","level":4,"page":1460},{"title":"الفقرة التاسعة في: موضوعات متعددة","level":4,"page":1462},{"title":"نقول ومسائل وفوائد","level":3,"page":1466},{"title":"الفصل السادس في: اليمين","level":2,"page":1468},{"title":"عرض إجمالي","level":3,"page":1469},{"title":"الفقرات","level":3,"page":1474},{"title":"الفقرة الأولى: في: بعض أقوال العلماء في اليمين","level":4,"page":1475},{"title":"الفقرة الثانية في: بعض ما ورد في القرآن الكريم في اليمين","level":4,"page":1481},{"title":"الفقرة الثالثة في: بعض ما ورد في الحلف بغير الله","level":4,"page":1482},{"title":"الفقرة الرابعة في: اليمين الغموس","level":4,"page":1490},{"title":"الفقرة الخامسة في: أن الاستثناء في اليمين يلغي اليمين","level":4,"page":1492},{"title":"الفقرة السادسة في من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها","level":4,"page":1495},{"title":"الفقرة السابعة في: متفرقات في الإيمان","level":4,"page":1502},{"title":"اليمين على نية المستحلف","level":4,"page":1502},{"title":"بعض ما حلف به رسول الله ﷺ أو حلف","level":5,"page":1503},{"title":"هل للحلف مكان؟","level":5,"page":1504},{"title":"الترهيب من اقتطاع الحقوق بالإيمان وفي أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر","level":5,"page":1505},{"title":"كفارة الأيمان المنعقدة","level":5,"page":1509},{"title":"المسائل والفوائد","level":4,"page":1510},{"title":"خاتمة قسم العقائد مؤمنون لا فلاسفة","level":1,"page":1512}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,81":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,123":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,141":132,"1,142":133,"1,143":134,"1,144":135,"1,145":136,"1,146":137,"1,147":138,"1,149":139,"1,150":140,"1,151":141,"1,152":142,"1,153":143,"1,154":144,"1,155":145,"1,157":146,"1,158":147,"1,159":148,"1,160":149,"1,161":150,"1,162":151,"1,163":152,"1,164":153,"1,165":154,"1,166":155,"1,167":156,"1,168":157,"1,169":158,"1,170":159,"1,171":160,"1,172":161,"1,173":162,"1,174":163,"1,175":164,"1,176":165,"1,177":166,"1,178":167,"1,179":168,"1,180":169,"1,181":170,"1,182":171,"1,183":172,"1,184":173,"1,185":174,"1,187":175,"1,188":176,"1,189":177,"1,190":178,"1,191":179,"1,192":180,"1,193":181,"1,194":182,"1,195":183,"1,196":184,"1,197":185,"1,198":186,"1,199":187,"1,200":188,"1,201":189,"1,202":190,"1,203":191,"1,204":192,"1,205":193,"1,206":194,"1,207":195,"1,208":196,"1,209":197,"1,211":198,"1,212":199,"1,213":200,"1,214":201,"1,215":202,"1,216":203,"1,217":204,"1,219":205,"1,221":206,"1,222":207,"1,223":208,"1,224":209,"1,225":210,"1,226":211,"1,227":212,"1,228":213,"1,229":214,"1,230":215,"1,231":216,"1,232":217,"1,233":218,"1,234":219,"1,235":220,"1,237":221,"1,239":222,"1,240":223,"1,241":224,"1,242":225,"1,243":226,"1,245":227,"1,247":228,"1,248":229,"1,249":230,"1,250":231,"1,251":232,"1,252":233,"1,253":234,"1,254":235,"1,255":236,"1,257":237,"1,259":238,"1,260":239,"1,261":240,"1,262":241,"1,263":242,"1,264":243,"1,265":244,"1,266":245,"1,267":246,"1,269":247,"1,271":248,"1,272":249,"1,273":250,"1,274":251,"1,275":252,"1,276":253,"1,277":254,"1,279":255,"1,281":256,"1,282":257,"1,283":258,"1,284":259,"1,285":260,"1,286":261,"1,287":262,"1,288":263,"1,289":264,"1,290":265,"1,291":266,"1,292":267,"1,293":268,"1,295":269,"1,296":270,"1,297":271,"1,298":272,"1,299":273,"1,300":274,"1,301":275,"1,302":276,"1,303":277,"1,304":278,"1,305":279,"1,306":280,"1,307":281,"1,308":282,"1,309":283,"1,311":284,"1,312":285,"1,313":286,"1,314":287,"1,315":288,"1,316":289,"1,317":290,"1,318":291,"1,319":292,"1,320":293,"1,321":294,"1,322":295,"1,323":296,"1,325":297,"1,326":298,"1,327":299,"1,328":300,"1,329":301,"1,330":302,"1,331":303,"1,332":304,"1,333":305,"1,335":306,"1,336":307,"1,337":308,"1,339":309,"1,341":310,"1,342":311,"1,343":312,"1,344":313,"1,345":314,"1,346":315,"1,347":316,"1,348":317,"1,349":318,"1,350":319,"1,351":320,"1,352":321,"1,353":322,"1,354":323,"1,355":324,"1,356":325,"1,357":326,"1,358":327,"1,359":328,"1,360":329,"1,361":330,"1,362":331,"1,363":332,"1,364":333,"1,365":334,"1,366":335,"1,367":336,"1,368":337,"1,369":338,"1,371":339,"1,372":340,"1,373":341,"1,375":342,"1,376":343,"1,377":344,"1,378":345,"1,379":346,"1,380":347,"1,381":348,"1,383":349,"1,385":350,"1,386":351,"1,387":352,"1,388":353,"1,389":354,"1,391":355,"1,393":356,"1,394":357,"1,395":358,"1,396":359,"1,397":360,"1,398":361,"1,399":362,"1,400":363,"1,401":364,"1,402":365,"1,403":366,"1,404":367,"1,405":368,"1,406":369,"1,407":370,"1,408":371,"1,409":372,"1,410":373,"1,411":374,"1,412":375,"1,413":376,"1,414":377,"1,415":378,"1,416":379,"1,417":380,"1,418":381,"1,419":382,"1,420":383,"1,421":384,"1,422":385,"1,423":386,"1,424":387,"1,425":388,"1,426":389,"1,427":390,"1,428":391,"1,429":392,"1,430":393,"1,431":394,"1,432":395,"1,433":396,"1,434":397,"1,435":398,"1,436":399,"1,437":400,"1,438":401,"1,439":402,"1,440":403,"1,441":404,"1,442":405,"1,443":406,"1,444":407,"1,445":408,"1,446":409,"1,447":410,"1,448":411,"1,449":412,"1,450":413,"1,451":414,"1,452":415,"1,453":416,"1,454":417,"1,455":418,"1,456":419,"1,457":420,"1,458":421,"1,459":422,"1,460":423,"1,461":424,"1,462":425,"1,463":426,"1,464":427,"1,465":428,"1,466":429,"1,467":430,"1,468":431,"1,469":432,"1,470":433,"1,471":434,"1,472":435,"1,473":436,"1,474":437,"1,475":438,"1,476":439,"1,477":440,"1,478":441,"1,479":442,"1,480":443,"1,481":444,"1,482":445,"1,483":446,"1,484":447,"1,485":448,"1,486":449,"1,487":450,"1,488":451,"1,489":452,"1,490":453,"1,491":454,"1,492":455,"1,493":456,"1,494":457,"1,495":458,"1,496":459,"1,497":460,"1,498":461,"1,499":462,"1,500":463,"1,501":464,"1,503":465,"1,504":466,"1,505":467,"1,506":468,"1,507":469,"1,508":470,"1,509":471,"1,511":472,"1,513":473,"1,514":474,"1,515":475,"1,516":476,"1,517":477,"1,518":478,"1,519":479,"1,521":480,"1,523":481,"1,524":482,"1,525":483,"1,526":484,"1,527":485,"1,528":486,"1,529":487,"1,530":488,"1,531":489,"1,532":490,"1,533":491,"1,534":492,"1,535":493,"1,536":494,"1,537":495,"1,538":496,"1,539":497,"1,540":498,"1,541":499,"1,542":500,"1,543":501,"1,544":502,"1,545":503,"1,546":504,"1,547":505,"1,548":506,"1,549":507,"1,550":508,"2,558":509,"2,559":510,"2,561":511,"2,562":512,"2,563":513,"2,565":514,"2,567":515,"2,568":516,"2,569":517,"2,570":518,"2,571":519,"2,572":520,"2,573":521,"2,574":522,"2,575":523,"2,576":524,"2,577":525,"2,578":526,"2,579":527,"2,580":528,"2,581":529,"2,582":530,"2,583":531,"2,585":532,"2,587":533,"2,588":534,"2,589":535,"2,590":536,"2,591":537,"2,592":538,"2,593":539,"2,594":540,"2,595":541,"2,596":542,"2,597":543,"2,598":544,"2,599":545,"2,600":546,"2,601":547,"2,602":548,"2,603":549,"2,604":550,"2,605":551,"2,606":552,"2,607":553,"2,608":554,"2,609":555,"2,610":556,"2,611":557,"2,612":558,"2,613":559,"2,614":560,"2,615":561,"2,617":562,"2,619":563,"2,620":564,"2,621":565,"2,622":566,"2,623":567,"2,624":568,"2,625":569,"2,626":570,"2,627":571,"2,629":572,"2,630":573,"2,631":574,"2,633":575,"2,635":576,"2,636":577,"2,637":578,"2,638":579,"2,639":580,"2,641":581,"2,642":582,"2,643":583,"2,644":584,"2,645":585,"2,646":586,"2,647":587,"2,648":588,"2,649":589,"2,650":590,"2,651":591,"2,653":592,"2,655":593,"2,656":594,"2,657":595,"2,658":596,"2,659":597,"2,660":598,"2,661":599,"2,662":600,"2,663":601,"2,664":602,"2,665":603,"2,666":604,"2,667":605,"2,668":606,"2,669":607,"2,670":608,"2,671":609,"2,672":610,"2,673":611,"2,674":612,"2,675":613,"2,676":614,"2,677":615,"2,678":616,"2,679":617,"2,680":618,"2,681":619,"2,682":620,"2,683":621,"2,685":622,"2,686":623,"2,687":624,"2,688":625,"2,689":626,"2,690":627,"2,691":628,"2,692":629,"2,693":630,"2,694":631,"2,695":632,"2,696":633,"2,697":634,"2,698":635,"2,699":636,"2,700":637,"2,701":638,"2,702":639,"2,703":640,"2,704":641,"2,705":642,"2,706":643,"2,707":644,"2,708":645,"2,709":646,"2,710":647,"2,711":648,"2,712":649,"2,713":650,"2,714":651,"2,715":652,"2,716":653,"2,717":654,"2,718":655,"2,719":656,"2,721":657,"2,722":658,"2,723":659,"2,724":660,"2,725":661,"2,726":662,"2,727":663,"2,728":664,"2,729":665,"2,730":666,"2,731":667,"2,732":668,"2,733":669,"2,734":670,"2,735":671,"2,736":672,"2,737":673,"2,738":674,"2,739":675,"2,740":676,"2,741":677,"2,742":678,"2,743":679,"2,744":680,"2,745":681,"2,746":682,"2,747":683,"2,748":684,"2,749":685,"2,750":686,"2,751":687,"2,752":688,"2,753":689,"2,754":690,"2,755":691,"2,756":692,"2,757":693,"2,758":694,"2,759":695,"2,760":696,"2,761":697,"2,763":698,"2,765":699,"2,766":700,"2,767":701,"2,768":702,"2,769":703,"2,770":704,"2,771":705,"2,772":706,"2,773":707,"2,774":708,"2,775":709,"2,777":710,"2,778":711,"2,779":712,"2,781":713,"2,782":714,"2,783":715,"2,784":716,"2,785":717,"2,786":718,"2,787":719,"2,788":720,"2,789":721,"2,791":722,"2,793":723,"2,794":724,"2,795":725,"2,796":726,"2,797":727,"2,798":728,"2,799":729,"2,800":730,"2,801":731,"2,802":732,"2,803":733,"2,804":734,"2,805":735,"2,807":736,"2,808":737,"2,809":738,"2,810":739,"2,811":740,"2,812":741,"2,813":742,"2,814":743,"2,815":744,"2,816":745,"2,817":746,"2,818":747,"2,819":748,"2,820":749,"2,821":750,"2,822":751,"2,823":752,"2,824":753,"2,825":754,"2,826":755,"2,827":756,"2,828":757,"2,829":758,"2,830":759,"2,831":760,"2,832":761,"2,833":762,"2,834":763,"2,835":764,"2,837":765,"2,838":766,"2,839":767,"2,840":768,"2,841":769,"2,842":770,"2,843":771,"2,844":772,"2,845":773,"2,846":774,"2,847":775,"2,848":776,"2,849":777,"2,850":778,"2,851":779,"2,852":780,"2,853":781,"2,854":782,"2,855":783,"2,856":784,"2,857":785,"2,858":786,"2,859":787,"2,861":788,"2,863":789,"2,864":790,"2,865":791,"2,866":792,"2,867":793,"2,868":794,"2,869":795,"2,870":796,"2,871":797,"2,873":798,"2,875":799,"2,876":800,"2,877":801,"2,878":802,"2,879":803,"2,880":804,"2,881":805,"2,882":806,"2,883":807,"2,884":808,"2,885":809,"2,886":810,"2,887":811,"2,888":812,"2,889":813,"2,890":814,"2,891":815,"2,892":816,"2,893":817,"2,894":818,"2,895":819,"2,896":820,"2,897":821,"2,898":822,"2,899":823,"2,901":824,"2,902":825,"2,903":826,"2,904":827,"2,905":828,"2,907":829,"2,909":830,"2,910":831,"2,911":832,"2,913":833,"2,914":834,"2,915":835,"2,916":836,"2,917":837,"2,918":838,"2,919":839,"2,920":840,"2,921":841,"2,922":842,"2,923":843,"2,924":844,"2,925":845,"2,926":846,"2,927":847,"2,928":848,"2,929":849,"2,930":850,"2,931":851,"2,932":852,"2,933":853,"2,934":854,"2,935":855,"2,936":856,"2,937":857,"2,938":858,"2,939":859,"2,940":860,"2,941":861,"2,942":862,"2,943":863,"2,944":864,"2,945":865,"2,946":866,"2,947":867,"2,948":868,"2,949":869,"2,950":870,"2,951":871,"2,952":872,"2,953":873,"2,954":874,"2,955":875,"2,956":876,"2,957":877,"2,958":878,"2,959":879,"2,960":880,"2,961":881,"2,962":882,"2,963":883,"2,964":884,"2,965":885,"2,966":886,"2,967":887,"2,968":888,"2,969":889,"2,970":890,"2,971":891,"2,972":892,"2,973":893,"2,974":894,"2,975":895,"2,976":896,"2,977":897,"2,978":898,"2,979":899,"2,980":900,"2,981":901,"2,982":902,"2,983":903,"2,984":904,"2,985":905,"2,986":906,"2,987":907,"2,988":908,"2,989":909,"2,990":910,"2,991":911,"2,992":912,"2,993":913,"2,994":914,"2,995":915,"2,996":916,"2,997":917,"2,998":918,"2,999":919,"2,1000":920,"2,1001":921,"2,1002":922,"2,1003":923,"2,1004":924,"2,1005":925,"2,1006":926,"2,1007":927,"2,1008":928,"2,1009":929,"2,1010":930,"2,1011":931,"2,1012":932,"2,1013":933,"2,1014":934,"2,1015":935,"2,1016":936,"2,1017":937,"2,1018":938,"2,1019":939,"2,1020":940,"2,1021":941,"2,1022":942,"2,1023":943,"2,1024":944,"2,1025":945,"2,1026":946,"2,1027":947,"2,1028":948,"2,1029":949,"2,1030":950,"2,1031":951,"2,1032":952,"2,1033":953,"2,1034":954,"2,1035":955,"2,1036":956,"2,1037":957,"2,1038":958,"2,1039":959,"2,1040":960,"2,1041":961,"2,1042":962,"2,1043":963,"2,1044":964,"2,1045":965,"2,1046":966,"2,1047":967,"2,1048":968,"2,1049":969,"2,1050":970,"2,1051":971,"2,1052":972,"2,1053":973,"2,1054":974,"2,1055":975,"2,1056":976,"2,1057":977,"2,1058":978,"2,1059":979,"2,1060":980,"2,1061":981,"2,1062":982,"2,1063":983,"2,1064":984,"2,1065":985,"2,1066":986,"2,1067":987,"2,1068":988,"2,1069":989,"2,1070":990,"2,1071":991,"2,1072":992,"2,1073":993,"2,1074":994,"2,1075":995,"2,1076":996,"2,1077":997,"2,1078":998,"2,1079":999,"2,1080":1000,"2,1081":1001,"2,1082":1002,"2,1083":1003,"3,1090":1004,"3,1091":1005,"3,1092":1006,"3,1093":1007,"3,1094":1008,"3,1095":1009,"3,1096":1010,"3,1097":1011,"3,1098":1012,"3,1099":1013,"3,1100":1014,"3,1101":1015,"3,1102":1016,"3,1103":1017,"3,1104":1018,"3,1105":1019,"3,1106":1020,"3,1107":1021,"3,1108":1022,"3,1109":1023,"3,1110":1024,"3,1111":1025,"3,1112":1026,"3,1113":1027,"3,1114":1028,"3,1115":1029,"3,1116":1030,"3,1117":1031,"3,1118":1032,"3,1119":1033,"3,1120":1034,"3,1121":1035,"3,1122":1036,"3,1123":1037,"3,1124":1038,"3,1125":1039,"3,1126":1040,"3,1127":1041,"3,1128":1042,"3,1129":1043,"3,1130":1044,"3,1131":1045,"3,1132":1046,"3,1133":1047,"3,1134":1048,"3,1135":1049,"3,1136":1050,"3,1137":1051,"3,1138":1052,"3,1139":1053,"3,1140":1054,"3,1141":1055,"3,1142":1056,"3,1143":1057,"3,1144":1058,"3,1145":1059,"3,1146":1060,"3,1147":1061,"3,1148":1062,"3,1149":1063,"3,1151":1064,"3,1153":1065,"3,1154":1066,"3,1155":1067,"3,1156":1068,"3,1157":1069,"3,1158":1070,"3,1159":1071,"3,1160":1072,"3,1161":1073,"3,1162":1074,"3,1163":1075,"3,1164":1076,"3,1165":1077,"3,1166":1078,"3,1167":1079,"3,1168":1080,"3,1169":1081,"3,1170":1082,"3,1171":1083,"3,1172":1084,"3,1173":1085,"3,1174":1086,"3,1175":1087,"3,1176":1088,"3,1177":1089,"3,1178":1090,"3,1179":1091,"3,1180":1092,"3,1181":1093,"3,1182":1094,"3,1183":1095,"3,1184":1096,"3,1185":1097,"3,1186":1098,"3,1187":1099,"3,1188":1100,"3,1189":1101,"3,1190":1102,"3,1191":1103,"3,1192":1104,"3,1193":1105,"3,1195":1106,"3,1196":1107,"3,1197":1108,"3,1199":1109,"3,1200":1110,"3,1201":1111,"3,1202":1112,"3,1203":1113,"3,1204":1114,"3,1205":1115,"3,1206":1116,"3,1207":1117,"3,1208":1118,"3,1209":1119,"3,1210":1120,"3,1211":1121,"3,1212":1122,"3,1213":1123,"3,1214":1124,"3,1215":1125,"3,1216":1126,"3,1217":1127,"3,1218":1128,"3,1219":1129,"3,1220":1130,"3,1221":1131,"3,1222":1132,"3,1223":1133,"3,1224":1134,"3,1225":1135,"3,1226":1136,"3,1227":1137,"3,1228":1138,"3,1229":1139,"3,1230":1140,"3,1231":1141,"3,1232":1142,"3,1233":1143,"3,1234":1144,"3,1235":1145,"3,1236":1146,"3,1237":1147,"3,1238":1148,"3,1239":1149,"3,1240":1150,"3,1241":1151,"3,1242":1152,"3,1243":1153,"3,1244":1154,"3,1245":1155,"3,1246":1156,"3,1247":1157,"3,1248":1158,"3,1249":1159,"3,1250":1160,"3,1251":1161,"3,1252":1162,"3,1253":1163,"3,1254":1164,"3,1255":1165,"3,1256":1166,"3,1257":1167,"3,1258":1168,"3,1259":1169,"3,1260":1170,"3,1261":1171,"3,1262":1172,"3,1263":1173,"3,1264":1174,"3,1265":1175,"3,1266":1176,"3,1267":1177,"3,1268":1178,"3,1269":1179,"3,1270":1180,"3,1271":1181,"3,1272":1182,"3,1273":1183,"3,1274":1184,"3,1275":1185,"3,1276":1186,"3,1277":1187,"3,1278":1188,"3,1279":1189,"3,1280":1190,"3,1281":1191,"3,1282":1192,"3,1283":1193,"3,1284":1194,"3,1285":1195,"3,1286":1196,"3,1287":1197,"3,1288":1198,"3,1289":1199,"3,1290":1200,"3,1291":1201,"3,1292":1202,"3,1293":1203,"3,1294":1204,"3,1295":1205,"3,1296":1206,"3,1297":1207,"3,1298":1208,"3,1299":1209,"3,1300":1210,"3,1301":1211,"3,1302":1212,"3,1303":1213,"3,1304":1214,"3,1305":1215,"3,1306":1216,"3,1307":1217,"3,1308":1218,"3,1309":1219,"3,1310":1220,"3,1311":1221,"3,1312":1222,"3,1313":1223,"3,1314":1224,"3,1315":1225,"3,1316":1226,"3,1317":1227,"3,1318":1228,"3,1319":1229,"3,1320":1230,"3,1321":1231,"3,1322":1232,"3,1323":1233,"3,1324":1234,"3,1325":1235,"3,1326":1236,"3,1327":1237,"3,1328":1238,"3,1329":1239,"3,1330":1240,"3,1331":1241,"3,1332":1242,"3,1333":1243,"3,1334":1244,"3,1335":1245,"3,1336":1246,"3,1337":1247,"3,1338":1248,"3,1339":1249,"3,1340":1250,"3,1341":1251,"3,1342":1252,"3,1343":1253,"3,1344":1254,"3,1345":1255,"3,1346":1256,"3,1347":1257,"3,1348":1258,"3,1349":1259,"3,1350":1260,"3,1351":1261,"3,1352":1262,"3,1353":1263,"3,1354":1264,"3,1355":1265,"3,1356":1266,"3,1357":1267,"3,1358":1268,"3,1359":1269,"3,1360":1270,"3,1361":1271,"3,1362":1272,"3,1363":1273,"3,1364":1274,"3,1365":1275,"3,1366":1276,"3,1367":1277,"3,1368":1278,"3,1369":1279,"3,1370":1280,"3,1371":1281,"3,1372":1282,"3,1373":1283,"3,1374":1284,"3,1375":1285,"3,1376":1286,"3,1377":1287,"3,1378":1288,"3,1379":1289,"3,1380":1290,"3,1381":1291,"3,1382":1292,"3,1383":1293,"3,1384":1294,"3,1385":1295,"3,1386":1296,"3,1387":1297,"3,1388":1298,"3,1389":1299,"3,1390":1300,"3,1391":1301,"3,1392":1302,"3,1393":1303,"3,1394":1304,"3,1395":1305,"3,1396":1306,"3,1397":1307,"3,1398":1308,"3,1399":1309,"3,1400":1310,"3,1401":1311,"3,1402":1312,"3,1403":1313,"3,1404":1314,"3,1405":1315,"3,1406":1316,"3,1407":1317,"3,1408":1318,"3,1409":1319,"3,1410":1320,"3,1411":1321,"3,1412":1322,"3,1413":1323,"3,1414":1324,"3,1415":1325,"3,1416":1326,"3,1417":1327,"3,1418":1328,"3,1419":1329,"3,1420":1330,"3,1421":1331,"3,1422":1332,"3,1423":1333,"3,1424":1334,"3,1425":1335,"3,1426":1336,"3,1427":1337,"3,1428":1338,"3,1429":1339,"3,1430":1340,"3,1431":1341,"3,1432":1342,"3,1433":1343,"3,1434":1344,"3,1435":1345,"3,1436":1346,"3,1437":1347,"3,1438":1348,"3,1439":1349,"3,1440":1350,"3,1441":1351,"3,1442":1352,"3,1443":1353,"3,1444":1354,"3,1445":1355,"3,1446":1356,"3,1447":1357,"3,1448":1358,"3,1449":1359,"3,1451":1360,"3,1452":1361,"3,1453":1362,"3,1455":1363,"3,1456":1364,"3,1457":1365,"3,1458":1366,"3,1459":1367,"3,1461":1368,"3,1463":1369,"3,1464":1370,"3,1465":1371,"3,1466":1372,"3,1467":1373,"3,1468":1374,"3,1469":1375,"3,1470":1376,"3,1471":1377,"3,1472":1378,"3,1473":1379,"3,1474":1380,"3,1475":1381,"3,1476":1382,"3,1477":1383,"3,1478":1384,"3,1479":1385,"3,1481":1386,"3,1482":1387,"3,1483":1388,"3,1484":1389,"3,1485":1390,"3,1487":1391,"3,1489":1392,"3,1490":1393,"3,1491":1394,"3,1492":1395,"3,1493":1396,"3,1494":1397,"3,1495":1398,"3,1496":1399,"3,1497":1400,"3,1498":1401,"3,1499":1402,"3,1500":1403,"3,1501":1404,"3,1502":1405,"3,1503":1406,"3,1504":1407,"3,1505":1408,"3,1507":1409,"3,1508":1410,"3,1509":1411,"3,1510":1412,"3,1511":1413,"3,1512":1414,"3,1513":1415,"3,1514":1416,"3,1515":1417,"3,1516":1418,"3,1517":1419,"3,1518":1420,"3,1519":1421,"3,1520":1422,"3,1521":1423,"3,1522":1424,"3,1523":1425,"3,1524":1426,"3,1525":1427,"3,1526":1428,"3,1527":1429,"3,1528":1430,"3,1529":1431,"3,1530":1432,"3,1531":1433,"3,1532":1434,"3,1533":1435,"3,1535":1436,"3,1536":1437,"3,1537":1438,"3,1539":1439,"3,1541":1440,"3,1542":1441,"3,1543":1442,"3,1544":1443,"3,1545":1444,"3,1546":1445,"3,1547":1446,"3,1548":1447,"3,1549":1448,"3,1550":1449,"3,1551":1450,"3,1552":1451,"3,1553":1452,"3,1554":1453,"3,1555":1454,"3,1556":1455,"3,1557":1456,"3,1558":1457,"3,1559":1458,"3,1560":1459,"3,1561":1460,"3,1562":1461,"3,1563":1462,"3,1564":1463,"3,1565":1464,"3,1566":1465,"3,1567":1466,"3,1568":1467,"3,1569":1468,"3,1571":1469,"3,1572":1470,"3,1573":1471,"3,1574":1472,"3,1575":1473,"3,1577":1474,"3,1579":1475,"3,1580":1476,"3,1581":1477,"3,1582":1478,"3,1583":1479,"3,1584":1480,"3,1585":1481,"3,1586":1482,"3,1587":1483,"3,1588":1484,"3,1589":1485,"3,1590":1486,"3,1591":1487,"3,1592":1488,"3,1593":1489,"3,1594":1490,"3,1595":1491,"3,1596":1492,"3,1597":1493,"3,1598":1494,"3,1599":1495,"3,1600":1496,"3,1601":1497,"3,1602":1498,"3,1603":1499,"3,1604":1500,"3,1605":1501,"3,1606":1502,"3,1607":1503,"3,1608":1504,"3,1609":1505,"3,1610":1506,"3,1611":1507,"3,1612":1508,"3,1613":1509,"3,1614":1510,"3,1615":1511,"3,1617":1512,"3,1619":1513,"3,1620":1514},"ٜ":{"1":[1,550],"2":[558,1083],"3":[1090,1620]},"ٝ":["1,1","1,2","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,123","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,219","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,237","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,245","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,257","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,269","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,279","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,335","1,336","1,337","1,339","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,371","1,372","1,373","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,383","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,391","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,511","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,521","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","2,558","2,559","2,561","2,562","2,563","2,565","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,585","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,617","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,629","2,630","2,631","2,633","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,653","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,763","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,777","2,778","2,779","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,791","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,861","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,873","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,907","2,909","2,910","2,911","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","3,1090","3,1091","3,1092","3,1093","3,1094","3,1095","3,1096","3,1097","3,1098","3,1099","3,1100","3,1101","3,1102","3,1103","3,1104","3,1105","3,1106","3,1107","3,1108","3,1109","3,1110","3,1111","3,1112","3,1113","3,1114","3,1115","3,1116","3,1117","3,1118","3,1119","3,1120","3,1121","3,1122","3,1123","3,1124","3,1125","3,1126","3,1127","3,1128","3,1129","3,1130","3,1131","3,1132","3,1133","3,1134","3,1135","3,1136","3,1137","3,1138","3,1139","3,1140","3,1141","3,1142","3,1143","3,1144","3,1145","3,1146","3,1147","3,1148","3,1149","3,1151","3,1153","3,1154","3,1155","3,1156","3,1157","3,1158","3,1159","3,1160","3,1161","3,1162","3,1163","3,1164","3,1165","3,1166","3,1167","3,1168","3,1169","3,1170","3,1171","3,1172","3,1173","3,1174","3,1175","3,1176","3,1177","3,1178","3,1179","3,1180","3,1181","3,1182","3,1183","3,1184","3,1185","3,1186","3,1187","3,1188","3,1189","3,1190","3,1191","3,1192","3,1193","3,1195","3,1196","3,1197","3,1199","3,1200","3,1201","3,1202","3,1203","3,1204","3,1205","3,1206","3,1207","3,1208","3,1209","3,1210","3,1211","3,1212","3,1213","3,1214","3,1215","3,1216","3,1217","3,1218","3,1219","3,1220","3,1221","3,1222","3,1223","3,1224","3,1225","3,1226","3,1227","3,1228","3,1229","3,1230","3,1231","3,1232","3,1233","3,1234","3,1235","3,1236","3,1237","3,1238","3,1239","3,1240","3,1241","3,1242","3,1243","3,1244","3,1245","3,1246","3,1247","3,1248","3,1249","3,1250","3,1251","3,1252","3,1253","3,1254","3,1255","3,1256","3,1257","3,1258","3,1259","3,1260","3,1261","3,1262","3,1263","3,1264","3,1265","3,1266","3,1267","3,1268","3,1269","3,1270","3,1271","3,1272","3,1273","3,1274","3,1275","3,1276","3,1277","3,1278","3,1279","3,1280","3,1281","3,1282","3,1283","3,1284","3,1285","3,1286","3,1287","3,1288","3,1289","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1294","3,1295","3,1296","3,1297","3,1298","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1306","3,1307","3,1308","3,1309","3,1310","3,1311","3,1312","3,1313","3,1314","3,1315","3,1316","3,1317","3,1318","3,1319","3,1320","3,1321","3,1322","3,1323","3,1324","3,1325","3,1326","3,1327","3,1328","3,1329","3,1330","3,1331","3,1332","3,1333","3,1334","3,1335","3,1336","3,1337","3,1338","3,1339","3,1340","3,1341","3,1342","3,1343","3,1344","3,1345","3,1346","3,1347","3,1348","3,1349","3,1350","3,1351","3,1352","3,1353","3,1354","3,1355","3,1356","3,1357","3,1358","3,1359","3,1360","3,1361","3,1362","3,1363","3,1364","3,1365","3,1366","3,1367","3,1368","3,1369","3,1370","3,1371","3,1372","3,1373","3,1374","3,1375","3,1376","3,1377","3,1378","3,1379","3,1380","3,1381","3,1382","3,1383","3,1384","3,1385","3,1386","3,1387","3,1388","3,1389","3,1390","3,1391","3,1392","3,1393","3,1394","3,1395","3,1396","3,1397","3,1398","3,1399","3,1400","3,1401","3,1402","3,1403","3,1404","3,1405","3,1406","3,1407","3,1408","3,1409","3,1410","3,1411","3,1412","3,1413","3,1414","3,1415","3,1416","3,1417","3,1418","3,1419","3,1420","3,1421","3,1422","3,1423","3,1424","3,1425","3,1426","3,1427","3,1428","3,1429","3,1430","3,1431","3,1432","3,1433","3,1434","3,1435","3,1436","3,1437","3,1438","3,1439","3,1440","3,1441","3,1442","3,1443","3,1444","3,1445","3,1446","3,1447","3,1448","3,1449","3,1451","3,1452","3,1453","3,1455","3,1456","3,1457","3,1458","3,1459","3,1461","3,1463","3,1464","3,1465","3,1466","3,1467","3,1468","3,1469","3,1470","3,1471","3,1472","3,1473","3,1474","3,1475","3,1476","3,1477","3,1478","3,1479","3,1481","3,1482","3,1483","3,1484","3,1485","3,1487","3,1489","3,1490","3,1491","3,1492","3,1493","3,1494","3,1495","3,1496","3,1497","3,1498","3,1499","3,1500","3,1501","3,1502","3,1503","3,1504","3,1505","3,1507","3,1508","3,1509","3,1510","3,1511","3,1512","3,1513","3,1514","3,1515","3,1516","3,1517","3,1518","3,1519","3,1520","3,1521","3,1522","3,1523","3,1524","3,1525","3,1526","3,1527","3,1528","3,1529","3,1530","3,1531","3,1532","3,1533","3,1535","3,1536","3,1537","3,1539","3,1541","3,1542","3,1543","3,1544","3,1545","3,1546","3,1547","3,1548","3,1549","3,1550","3,1551","3,1552","3,1553","3,1554","3,1555","3,1556","3,1557","3,1558","3,1559","3,1560","3,1561","3,1562","3,1563","3,1564","3,1565","3,1566","3,1567","3,1568","3,1569","3,1571","3,1572","3,1573","3,1574","3,1575","3,1577","3,1579","3,1580","3,1581","3,1582","3,1583","3,1584","3,1585","3,1586","3,1587","3,1588","3,1589","3,1590","3,1591","3,1592","3,1593","3,1594","3,1595","3,1596","3,1597","3,1598","3,1599","3,1600","3,1601","3,1602","3,1603","3,1604","3,1605","3,1606","3,1607","3,1608","3,1609","3,1610","3,1611","3,1612","3,1613","3,1614","3,1615","3,1617","3,1619","3,1620"],"ٞ":{"4":[1],"10":[2],"11":[3],"19":[4],"20":[5],"27":[6],"32":[7],"37":[8],"39":[9],"40":[10],"42":[11],"59":[12],"60":[13],"66":[14],"70":[15],"73":[16],"77":[17],"78":[18],"81":[19],"87":[20],"91":[21],"95":[22,23],"96":[24],"97":[25,26,27,28,29],"101":[30],"102":[31],"103":[32],"109":[33],"116":[34],"117":[35],"118":[36],"131":[37],"132":[38],"134":[39],"138":[40],"139":[41],"145":[42],"146":[43],"149":[44],"151":[45],"153":[46],"158":[47],"174":[48],"175":[49],"178":[50],"184":[51],"197":[52],"198":[53,54],"205":[55],"206":[56],"208":[57],"215":[58],"218":[59],"221":[60],"222":[61],"223":[62],"226":[63],"227":[64],"228":[65],"230":[66],"237":[67],"238":[68],"240":[69],"247":[70],"248":[71],"252":[72],"255":[73],"256":[74],"258":[75],"264":[76],"268":[77],"269":[78],"271":[79],"283":[80],"284":[81],"287":[82],"292":[83],"296":[84],"297":[85],"300":[86],"305":[87],"306":[88],"309":[89],"332":[90,91,92],"333":[93],"335":[94],"336":[95,96],"337":[97],"338":[98],"339":[99],"341":[100],"342":[101],"344":[102],"345":[103,104],"346":[105,106],"349":[107],"350":[108,109],"353":[110],"355":[111],"356":[112],"366":[113],"370":[114],"375":[115],"376":[116],"378":[117],"380":[118],"381":[119],"383":[120],"384":[121],"385":[122],"386":[123],"387":[124],"389":[125],"396":[126],"400":[127],"401":[128],"402":[129],"403":[130],"409":[131,132],"411":[133],"413":[134,135],"414":[136],"438":[137],"442":[138],"452":[139],"464":[140],"465":[141],"467":[142],"472":[143],"473":[144],"477":[145],"478":[146],"480":[147],"481":[148],"483":[149],"506":[150],"510":[151],"511":[152],"514":[153],"515":[154],"519":[155],"524":[156],"525":[157],"531":[158],"532":[159],"533":[160],"534":[161],"539":[162],"560":[163],"562":[164],"563":[165],"565":[166,167,168],"566":[169],"567":[170],"568":[171],"569":[172],"571":[173],"575":[174],"580":[175],"581":[176],"584":[177,178],"585":[179],"587":[180],"588":[181],"590":[182],"592":[183],"593":[184],"596":[185],"600":[186],"620":[187],"621":[188],"622":[189],"624":[190],"632":[191],"656":[192],"657":[193],"660":[194],"665":[195],"688":[196],"689":[197],"691":[198],"698":[199],"699":[200],"700":[201],"702":[202],"709":[203],"712":[204],"713":[205],"722":[206],"723":[207],"724":[208],"727":[209,210],"728":[211,212,213],"729":[214],"730":[215,216],"732":[217],"735":[218],"736":[219],"746":[220],"761":[221],"764":[222],"765":[223],"767":[224,225],"768":[226,227],"770":[228],"773":[229],"774":[230],"775":[231],"780":[232,233],"782":[234],"788":[235],"789":[236],"795":[237],"798":[238],"799":[239],"800":[240,241],"802":[242],"805":[243],"823":[244],"824":[245],"828":[246],"829":[247],"830":[248],"833":[249],"835":[250],"836":[251],"839":[252],"841":[253],"856":[254],"858":[255],"860":[256],"867":[257],"873":[258],"876":[259],"879":[260],"882":[261],"884":[262],"887":[263],"912":[264],"921":[265],"923":[266,267],"925":[268],"934":[269,270],"936":[271],"941":[272],"947":[273,274],"948":[275],"993":[276],"1001":[277],"1005":[278,279],"1007":[280],"1022":[281],"1028":[282],"1029":[283],"1030":[284,285],"1031":[286,287],"1032":[288,289,290,291,292],"1033":[293],"1034":[294,295],"1035":[296,297],"1036":[298,299],"1042":[300],"1043":[301],"1049":[302],"1051":[303],"1055":[304,305],"1059":[306,307],"1060":[308],"1062":[309],"1064":[310],"1065":[311],"1072":[312],"1075":[313],"1102":[314],"1105":[315],"1106":[316],"1108":[317],"1109":[318],"1123":[319],"1125":[320],"1132":[321],"1137":[322],"1139":[323],"1140":[324],"1143":[325],"1164":[326],"1180":[327],"1194":[328],"1212":[329],"1213":[330],"1215":[331],"1225":[332],"1226":[333],"1231":[334],"1240":[335],"1243":[336],"1247":[337],"1250":[338],"1260":[339,340],"1264":[341],"1294":[342],"1304":[343],"1323":[344],"1327":[345,346],"1330":[347],"1334":[348],"1336":[349],"1352":[350],"1358":[351],"1360":[352],"1362":[353],"1363":[354],"1368":[355],"1369":[356],"1371":[357],"1377":[358],"1385":[359],"1386":[360],"1388":[361],"1391":[362],"1392":[363],"1394":[364],"1408":[365],"1409":[366],"1411":[367,368],"1418":[369],"1421":[370],"1435":[371],"1436":[372],"1439":[373],"1440":[374],"1445":[375],"1449":[376],"1451":[377],"1453":[378],"1454":[379],"1459":[380],"1460":[381],"1462":[382],"1466":[383],"1468":[384],"1469":[385],"1474":[386],"1475":[387],"1481":[388],"1482":[389],"1490":[390],"1492":[391],"1495":[392],"1502":[393,394],"1503":[395],"1504":[396],"1505":[397],"1509":[398],"1510":[399],"1512":[400]},"ٟ":[],"numbers":{"1":27,"3":28,"2":27,"7":29,"4":28,"5":28,"6":28,"11":30,"8":29,"9":29,"10":29,"14":32,"16":33,"15":32,"20":34,"17":33,"18":33,"19":33,"22":35,"21":34,"25":37,"26":38,"27":39,"28":42,"30":44,"33":45,"31":44,"32":44,"36":46,"34":45,"35":45,"41":47,"37":46,"38":46,"39":46,"40":46,"45":48,"42":47,"43":47,"44":47,"46":49,"47":50,"51":51,"48":50,"49":50,"50":50,"53":52,"52":51,"57":53,"54":52,"55":52,"56":52,"60":54,"58":53,"59":53,"62":55,"61":54,"64":56,"63":55,"66":57,"65":56,"68":58,"67":57,"69":60,"71":61,"70":60,"75":62,"72":61,"73":61,"74":61,"78":63,"76":62,"77":62,"82":64,"79":63,"80":63,"81":63,"86":65,"83":64,"84":64,"85":64,"88":66,"87":65,"90":67,"89":66,"92":69,"93":71,"97":72,"94":71,"95":71,"96":71,"100":73,"98":72,"99":72,"102":74,"101":73,"104":75,"103":74,"106":81,"107":82,"109":83,"108":82,"110":85,"112":90,"113":91,"114":98,"116":99,"115":98,"117":107,"119":118,"120":119,"124":121,"127":122,"125":121,"126":121,"130":123,"128":122,"129":122,"133":125,"137":126,"134":125,"135":125,"136":125,"141":127,"138":126,"139":126,"140":126,"143":128,"142":127,"145":129,"144":128,"149":130,"146":129,"147":129,"148":129,"151":134,"153":135,"152":134,"156":136,"154":135,"155":135,"161":137,"157":136,"158":136,"159":136,"160":136,"164":139,"165":141,"166":142,"169":143,"167":142,"168":142,"172":149,"174":150,"173":149,"175":151,"176":152,"177":153,"178":154,"179":155,"180":156,"181":157,"182":158,"183":160,"185":161,"184":160,"186":162,"188":163,"187":162,"193":164,"189":163,"190":163,"191":163,"192":163,"196":165,"194":164,"195":164,"200":166,"197":165,"198":165,"199":165,"202":167,"201":166,"205":168,"203":167,"204":167,"207":169,"206":168,"209":170,"208":169,"210":171,"211":173,"213":184,"216":185,"214":184,"215":184,"218":186,"217":185,"224":187,"219":186,"220":186,"221":186,"222":186,"223":186,"226":188,"225":187,"231":189,"227":188,"228":188,"229":188,"230":188,"235":190,"232":189,"233":189,"234":189,"240":191,"236":190,"237":190,"238":190,"239":190,"242":192,"241":191,"247":193,"243":192,"244":192,"245":192,"246":192,"251":194,"248":193,"249":193,"250":193,"257":195,"252":194,"253":194,"254":194,"255":194,"256":194,"260":196,"258":195,"259":195,"262":198,"264":199,"263":198,"269":200,"265":199,"266":199,"267":199,"268":199,"272":201,"270":200,"271":200,"275":202,"273":201,"274":201,"277":203,"276":202,"281":204,"278":203,"279":203,"280":203,"283":208,"286":209,"284":208,"285":208,"287":210,"290":211,"288":210,"289":210,"293":212,"291":211,"292":211,"296":213,"294":212,"295":212,"299":214,"297":213,"298":213,"300":223,"303":224,"301":223,"302":223,"305":230,"307":232,"309":233,"308":232,"311":234,"310":233,"312":240,"316":241,"313":240,"314":240,"315":240,"317":242,"318":243,"321":244,"319":243,"320":243,"323":245,"322":244,"324":252,"326":258,"328":259,"327":258,"332":260,"329":259,"330":259,"331":259,"334":261,"333":260,"338":262,"335":261,"336":261,"337":261,"342":263,"339":262,"340":262,"341":262,"346":271,"348":272,"347":271,"352":273,"349":272,"350":272,"351":272,"356":274,"353":273,"354":273,"355":273,"358":275,"357":274,"360":276,"359":275,"363":277,"361":276,"362":276,"366":278,"364":277,"365":277,"370":279,"367":278,"368":278,"369":278,"373":280,"371":279,"372":279,"374":281,"377":282,"375":281,"376":281,"380":287,"382":288,"381":287,"384":290,"387":291,"385":290,"386":290,"391":300,"395":301,"392":300,"393":300,"394":300,"397":302,"396":301,"400":303,"398":302,"399":302,"404":304,"401":303,"402":303,"403":303,"405":306,"410":307,"406":306,"407":306,"408":306,"409":306,"414":308,"411":307,"412":307,"413":307,"418":311,"419":314,"420":315,"421":316,"422":317,"423":318,"424":319,"425":320,"428":321,"426":320,"427":320,"429":339,"432":362,"434":370,"435":371,"436":372,"438":373,"437":372,"441":374,"439":373,"440":373,"442":414,"445":415,"443":414,"444":414,"447":417,"448":421,"451":423,"454":424,"452":423,"453":423,"455":425,"456":426,"457":427,"458":428,"459":430,"462":431,"460":430,"461":430,"463":432,"465":433,"464":432,"467":434,"466":433,"469":435,"468":434,"471":436,"470":435,"473":442,"474":445,"475":446,"477":447,"476":446,"481":448,"478":447,"479":447,"480":447,"487":449,"482":448,"483":448,"484":448,"485":448,"486":448,"491":450,"488":449,"489":449,"490":449,"495":451,"492":450,"493":450,"494":450,"497":467,"500":468,"498":467,"499":467,"502":469,"501":468,"504":470,"503":469,"508":471,"505":470,"506":470,"507":470,"511":477,"516":478,"512":477,"513":477,"514":477,"515":477,"518":483,"521":484,"519":483,"520":483,"524":486,"526":487,"525":486,"528":488,"527":487,"531":489,"529":488,"530":488,"534":490,"532":489,"533":489,"535":491,"537":492,"536":491,"539":493,"538":492,"542":494,"540":493,"541":493,"546":495,"543":494,"544":494,"545":494,"549":496,"547":495,"548":495,"551":497,"550":496,"553":498,"552":497,"556":499,"554":498,"555":498,"559":500,"557":499,"558":499,"560":501,"562":503,"564":504,"563":503,"566":505,"565":504,"567":519,"569":521,"570":523,"571":527,"573":529,"576":530,"574":529,"575":529,"577":539,"578":545,"580":546,"579":545,"583":547,"581":546,"582":546,"587":548,"584":547,"585":547,"586":547,"591":549,"588":548,"589":548,"590":548,"595":550,"592":549,"593":549,"594":549,"598":552,"599":553,"601":554,"600":553,"605":555,"602":554,"603":554,"604":554,"609":556,"606":555,"607":555,"608":555,"611":558,"613":559,"612":558,"614":599,"615":600,"619":601,"616":600,"617":600,"618":600,"620":603,"622":604,"621":603,"624":605,"623":604,"627":606,"625":605,"626":605,"629":607,"628":606,"634":608,"630":607,"631":607,"632":607,"633":607,"638":609,"635":608,"636":608,"637":608,"642":610,"639":609,"640":609,"641":609,"644":613,"648":614,"645":613,"646":613,"647":613,"650":615,"649":614,"651":616,"653":617,"652":616,"654":618,"658":619,"655":618,"656":618,"657":618,"659":632,"662":634,"663":635,"666":636,"664":635,"665":635,"668":637,"667":636,"671":638,"669":637,"670":637,"672":639,"675":640,"673":639,"674":639,"679":641,"676":640,"677":640,"678":640,"682":642,"680":641,"681":641,"686":643,"683":642,"684":642,"685":642,"689":644,"687":643,"688":643,"692":645,"690":644,"691":644,"696":646,"693":645,"694":645,"695":645,"698":647,"697":646,"700":648,"699":647,"705":649,"701":648,"702":648,"703":648,"704":648,"708":650,"706":649,"707":649,"713":651,"709":650,"710":650,"711":650,"712":650,"716":652,"714":651,"715":651,"720":653,"717":652,"718":652,"719":652,"722":654,"721":653,"725":655,"723":654,"724":654,"726":665,"727":666,"728":667,"729":668,"733":669,"730":668,"731":668,"732":668,"735":670,"734":669,"739":671,"736":670,"737":670,"738":670,"743":672,"740":671,"741":671,"742":671,"747":673,"744":672,"745":672,"746":672,"750":674,"748":673,"749":673,"754":675,"751":674,"752":674,"753":674,"758":676,"755":675,"756":675,"757":675,"762":677,"759":676,"760":676,"761":676,"766":678,"763":677,"764":677,"765":677,"769":679,"767":678,"768":678,"774":680,"770":679,"771":679,"772":679,"773":679,"777":681,"775":680,"776":680,"782":682,"778":681,"779":681,"780":681,"781":681,"785":683,"783":682,"784":682,"788":684,"786":683,"787":683,"790":685,"789":684,"793":686,"791":685,"792":685,"797":687,"794":686,"795":686,"796":686,"799":702,"800":703,"801":704,"804":705,"802":704,"803":704,"806":707,"809":732,"812":733,"810":732,"811":732,"814":746,"816":747,"815":746,"819":748,"817":747,"818":747,"822":749,"820":748,"821":748,"826":750,"823":749,"824":749,"825":749,"827":751,"830":752,"828":751,"829":751,"832":754,"834":755,"833":754,"836":756,"835":755,"838":757,"837":756,"840":758,"839":757,"841":759,"845":760,"842":759,"843":759,"844":759,"848":795,"849":802,"850":803,"853":804,"851":803,"852":803,"856":805,"854":804,"855":804,"859":806,"857":805,"858":805,"860":810,"861":811,"863":812,"862":811,"864":813,"865":815,"866":816,"867":817,"868":818,"871":819,"869":818,"870":818,"873":820,"872":819,"875":821,"874":820,"877":835,"880":836,"878":835,"879":835,"883":837,"881":836,"882":836,"886":839,"888":840,"887":839,"889":841,"890":842,"893":843,"891":842,"892":842,"894":844,"897":845,"895":844,"896":844,"900":846,"898":845,"899":845,"901":847,"904":849,"906":850,"905":849,"908":851,"907":850,"911":852,"909":851,"910":851,"913":853,"912":852,"915":854,"914":853,"916":855,"917":856,"918":858,"920":860,"921":861,"922":862,"923":867,"924":868,"926":869,"925":868,"927":870,"928":871,"931":873,"932":876,"933":879,"935":880,"934":879,"936":882,"940":884,"942":885,"941":884,"946":887,"949":888,"947":887,"948":887,"950":889,"952":890,"951":889,"954":891,"953":890,"955":892,"957":893,"956":892,"960":894,"958":893,"959":893,"961":895,"966":896,"962":895,"963":895,"964":895,"965":895,"967":897,"969":898,"968":897,"971":899,"970":898,"973":900,"972":899,"976":901,"974":900,"975":900,"978":902,"977":901,"981":903,"979":902,"980":902,"983":904,"982":903,"984":905,"986":907,"990":908,"987":907,"988":907,"989":907,"992":909,"991":908,"994":910,"993":909,"997":911,"995":910,"996":910,"998":912,"1000":913,"999":912,"1003":914,"1001":913,"1002":913,"1005":916,"1006":917,"1007":918,"1009":919,"1008":918,"1012":920,"1010":919,"1011":919,"1014":921,"1013":920,"1016":925,"1020":926,"1017":925,"1018":925,"1019":925,"1021":927,"1022":928,"1025":930,"1026":932,"1027":936,"1029":938,"1033":939,"1030":938,"1031":938,"1032":938,"1036":940,"1034":939,"1035":939,"1038":943,"1039":944,"1044":948,"1045":957,"1047":959,"1048":961,"1050":962,"1049":961,"1052":963,"1051":962,"1053":964,"1054":965,"1058":966,"1055":965,"1056":965,"1057":965,"1059":967,"1060":972,"1063":973,"1061":972,"1062":972,"1065":974,"1064":973,"1067":975,"1066":974,"1071":976,"1068":975,"1069":975,"1070":975,"1073":977,"1072":976,"1074":978,"1075":979,"1076":984,"1077":985,"1078":1007,"1079":1012,"1083":1015,"1084":1016,"1085":1017,"1086":1018,"1087":1020,"1088":1021,"1089":1049,"1091":1050,"1090":1049,"1092":1056,"1096":1057,"1093":1056,"1094":1056,"1095":1056,"1100":1058,"1097":1057,"1098":1057,"1099":1057,"1101":1060,"1104":1061,"1102":1060,"1103":1060,"1107":1075,"1111":1076,"1108":1075,"1109":1075,"1110":1075,"1115":1077,"1112":1076,"1113":1076,"1114":1076,"1119":1078,"1116":1077,"1117":1077,"1118":1077,"1121":1079,"1120":1078,"1123":1080,"1122":1079,"1125":1081,"1124":1080,"1127":1082,"1126":1081,"1131":1084,"1135":1085,"1132":1084,"1133":1084,"1134":1084,"1136":1086,"1139":1087,"1137":1086,"1138":1086,"1141":1088,"1140":1087,"1145":1089,"1142":1088,"1143":1088,"1144":1088,"1147":1090,"1146":1089,"1148":1091,"1150":1092,"1149":1091,"1153":1094,"1154":1096,"1156":1098,"1160":1099,"1157":1098,"1158":1098,"1159":1098,"1164":1100,"1161":1099,"1162":1099,"1163":1099,"1165":1101,"1166":1132,"1170":1133,"1167":1132,"1168":1132,"1169":1132,"1173":1134,"1171":1133,"1172":1133,"1175":1135,"1174":1134,"1177":1138,"1179":1139,"1178":1138,"1180":1164,"1183":1165,"1181":1164,"1182":1164,"1188":1166,"1184":1165,"1185":1165,"1186":1165,"1187":1165,"1192":1167,"1189":1166,"1190":1166,"1191":1166,"1195":1168,"1193":1167,"1194":1167,"1196":1169,"1199":1170,"1197":1169,"1198":1169,"1201":1171,"1200":1170,"1202":1172,"1205":1173,"1203":1172,"1204":1172,"1207":1174,"1206":1173,"1208":1176,"1210":1177,"1209":1176,"1212":1178,"1211":1177,"1214":1179,"1213":1178,"1216":1194,"1217":1195,"1218":1199,"1219":1205,"1221":1209,"1222":1215,"1224":1216,"1223":1215,"1227":1217,"1225":1216,"1226":1216,"1232":1218,"1228":1217,"1229":1217,"1230":1217,"1231":1217,"1235":1219,"1233":1218,"1234":1218,"1236":1220,"1238":1221,"1237":1220,"1241":1222,"1239":1221,"1240":1221,"1243":1223,"1242":1222,"1246":1231,"1249":1232,"1247":1231,"1248":1231,"1252":1233,"1250":1232,"1251":1232,"1255":1234,"1253":1233,"1254":1233,"1258":1235,"1256":1234,"1257":1234,"1261":1236,"1259":1235,"1260":1235,"1263":1237,"1262":1236,"1268":1238,"1264":1237,"1265":1237,"1266":1237,"1267":1237,"1271":1239,"1269":1238,"1270":1238,"1272":1243,"1274":1244,"1273":1243,"1278":1250,"1279":1251,"1281":1252,"1280":1251,"1282":1253,"1283":1254,"1287":1255,"1284":1254,"1285":1254,"1286":1254,"1291":1256,"1288":1255,"1289":1255,"1290":1255,"1293":1257,"1292":1256,"1296":1258,"1294":1257,"1295":1257,"1301":1259,"1297":1258,"1298":1258,"1299":1258,"1300":1258,"1303":1294,"1307":1295,"1304":1294,"1305":1294,"1306":1294,"1308":1296,"1309":1297,"1310":1298,"1313":1299,"1311":1298,"1312":1298,"1315":1300,"1314":1299,"1318":1301,"1316":1300,"1317":1300,"1321":1302,"1319":1301,"1320":1301,"1324":1304,"1327":1305,"1325":1304,"1326":1304,"1328":1306,"1333":1307,"1329":1306,"1330":1306,"1331":1306,"1332":1306,"1334":1310,"1338":1311,"1335":1310,"1336":1310,"1337":1310,"1340":1312,"1339":1311,"1342":1313,"1341":1312,"1345":1314,"1343":1313,"1344":1313,"1348":1315,"1346":1314,"1347":1314,"1352":1316,"1349":1315,"1350":1315,"1351":1315,"1355":1317,"1353":1316,"1354":1316,"1359":1318,"1356":1317,"1357":1317,"1358":1317,"1362":1319,"1360":1318,"1361":1318,"1367":1320,"1363":1319,"1364":1319,"1365":1319,"1366":1319,"1370":1321,"1368":1320,"1369":1320,"1374":1322,"1371":1321,"1372":1321,"1373":1321,"1376":1323,"1375":1322,"1377":1324,"1378":1325,"1380":1326,"1379":1325,"1381":1330,"1383":1331,"1382":1330,"1385":1332,"1384":1331,"1386":1334,"1388":1336,"1392":1337,"1389":1336,"1390":1336,"1391":1336,"1396":1338,"1393":1337,"1394":1337,"1395":1337,"1397":1339,"1401":1340,"1398":1339,"1399":1339,"1400":1339,"1403":1341,"1402":1340,"1406":1342,"1404":1341,"1405":1341,"1411":1343,"1407":1342,"1408":1342,"1409":1342,"1410":1342,"1415":1344,"1412":1343,"1413":1343,"1414":1343,"1418":1345,"1416":1344,"1417":1344,"1421":1347,"1425":1348,"1422":1347,"1423":1347,"1424":1347,"1429":1350,"1434":1351,"1430":1350,"1431":1350,"1432":1350,"1433":1350,"1436":1377,"1437":1378,"1439":1379,"1438":1378,"1441":1380,"1440":1379,"1444":1381,"1442":1380,"1443":1380,"1445":1382,"1446":1383,"1447":1384,"1448":1388,"1449":1389,"1450":1390,"1452":1394,"1453":1397,"1455":1398,"1454":1397,"1457":1399,"1456":1398,"1459":1400,"1458":1399,"1460":1401,"1464":1403,"1466":1404,"1465":1403,"1469":1405,"1467":1404,"1468":1404,"1470":1411,"1473":1412,"1471":1411,"1472":1411,"1476":1413,"1474":1412,"1475":1412,"1477":1415,"1480":1416,"1478":1415,"1479":1415,"1483":1417,"1481":1416,"1482":1416,"1485":1418,"1484":1417,"1486":1419,"1489":1420,"1487":1419,"1488":1419,"1493":1421,"1490":1420,"1491":1420,"1492":1420,"1494":1422,"1496":1424,"1499":1425,"1497":1424,"1498":1424,"1503":1426,"1500":1425,"1501":1425,"1502":1425,"1507":1427,"1504":1426,"1505":1426,"1506":1426,"1510":1429,"1511":1430,"1512":1431,"1516":1432,"1513":1431,"1514":1431,"1515":1431,"1520":1433,"1517":1432,"1518":1432,"1519":1432,"1523":1434,"1521":1433,"1522":1433,"1525":1440,"1526":1441,"1527":1445,"1528":1446,"1531":1447,"1529":1446,"1530":1446,"1534":1449,"1536":1451,"1539":1453,"1540":1456,"1544":1457,"1541":1456,"1542":1456,"1543":1456,"1547":1458,"1545":1457,"1546":1457,"1548":1459,"1549":1460,"1552":1462,"1555":1463,"1553":1462,"1554":1462,"1558":1464,"1556":1463,"1557":1463,"1561":1482,"1563":1483,"1562":1482,"1565":1484,"1564":1483,"1566":1485,"1570":1486,"1567":1485,"1568":1485,"1569":1485,"1572":1487,"1571":1486,"1573":1488,"1575":1490,"1579":1492,"1580":1493,"1583":1495,"1584":1496,"1585":1497,"1587":1499,"1589":1501,"1590":1502,"1592":1503,"1591":1502,"1596":1504,"1593":1503,"1594":1503,"1595":1503,"1599":1505,"1597":1504,"1598":1504,"1602":1506,"1600":1505,"1601":1505,"1604":1507,"1603":1506,"1606":1508,"1605":1507,"1608":1509,"1607":1508},"number_max":"1608","number_pages":{"27":"2","28":"6","29":"10","30":"11","32":"15","33":"19","34":"21","35":"22","37":"25","38":"26","39":"27","42":"28","44":"32","45":"35","46":"40","47":"44","48":"45","49":"46","50":"50","51":"52","52":"56","53":"59","54":"61","55":"63","56":"65","57":"67","58":"68","60":"70","61":"74","62":"77","63":"81","64":"85","65":"87","66":"89","67":"90","69":"92","71":"96","72":"99","73":"101","74":"103","75":"104","81":"106","82":"108","83":"109","85":"110","90":"112","91":"113","98":"115","99":"116","107":"117","118":"119","119":"120","121":"126","122":"129","123":"130","125":"136","126":"140","127":"142","128":"144","129":"148","130":"149","134":"152","135":"155","136":"160","137":"161","139":"164","141":"165","142":"168","143":"169","149":"173","150":"174","151":"175","152":"176","153":"177","154":"178","155":"179","156":"180","157":"181","158":"182","160":"184","161":"185","162":"187","163":"192","164":"195","165":"199","166":"201","167":"204","168":"206","169":"208","170":"209","171":"210","173":"211","184":"215","185":"217","186":"223","187":"225","188":"230","189":"234","190":"239","191":"241","192":"246","193":"250","194":"256","195":"259","196":"260","198":"263","199":"268","200":"271","201":"274","202":"276","203":"280","204":"281","208":"285","209":"286","210":"289","211":"292","212":"295","213":"298","214":"299","223":"302","224":"303","230":"305","232":"308","233":"310","234":"311","240":"315","241":"316","242":"317","243":"320","244":"322","245":"323","252":"324","258":"327","259":"331","260":"333","261":"337","262":"341","263":"342","271":"347","272":"351","273":"355","274":"357","275":"359","276":"362","277":"365","278":"369","279":"372","280":"373","281":"376","282":"377","287":"381","288":"382","290":"386","291":"387","300":"394","301":"396","302":"399","303":"403","304":"404","306":"409","307":"413","308":"414","311":"418","314":"419","315":"420","316":"421","317":"422","318":"423","319":"424","320":"427","321":"428","339":"429","362":"432","370":"434","371":"435","372":"437","373":"440","374":"441","414":"444","415":"445","417":"447","421":"448","423":"453","424":"454","425":"455","426":"456","427":"457","428":"458","430":"461","431":"462","432":"464","433":"466","434":"468","435":"470","436":"471","442":"473","445":"474","446":"476","447":"480","448":"486","449":"490","450":"494","451":"495","467":"499","468":"501","469":"503","470":"507","471":"508","477":"515","478":"516","483":"520","484":"521","486":"525","487":"527","488":"530","489":"533","490":"534","491":"536","492":"538","493":"541","494":"545","495":"548","496":"550","497":"552","498":"555","499":"558","500":"559","501":"560","503":"563","504":"565","505":"566","519":"567","521":"569","523":"570","527":"571","529":"575","530":"576","539":"577","545":"579","546":"582","547":"586","548":"590","549":"594","550":"595","552":"598","553":"600","554":"604","555":"608","556":"609","558":"612","559":"613","599":"614","600":"618","601":"619","603":"621","604":"623","605":"626","606":"628","607":"633","608":"637","609":"641","610":"642","613":"647","614":"649","615":"650","616":"652","617":"653","618":"657","619":"658","632":"659","634":"662","635":"665","636":"667","637":"670","638":"671","639":"674","640":"678","641":"681","642":"685","643":"688","644":"691","645":"695","646":"697","647":"699","648":"704","649":"707","650":"712","651":"715","652":"719","653":"721","654":"724","655":"725","665":"726","666":"727","667":"728","668":"732","669":"734","670":"738","671":"742","672":"746","673":"749","674":"753","675":"757","676":"761","677":"765","678":"768","679":"773","680":"776","681":"781","682":"784","683":"787","684":"789","685":"792","686":"796","687":"797","702":"799","703":"800","704":"803","705":"804","707":"806","732":"811","733":"812","746":"815","747":"818","748":"821","749":"825","750":"826","751":"829","752":"830","754":"833","755":"835","756":"837","757":"839","758":"840","759":"844","760":"845","795":"848","802":"849","803":"852","804":"855","805":"858","806":"859","810":"860","811":"862","812":"863","813":"864","815":"865","816":"866","817":"867","818":"870","819":"872","820":"874","821":"875","835":"879","836":"882","837":"883","839":"887","840":"888","841":"889","842":"892","843":"893","844":"896","845":"899","846":"900","847":"901","849":"905","850":"907","851":"910","852":"912","853":"914","854":"915","855":"916","856":"917","858":"918","860":"920","861":"921","862":"922","867":"923","868":"925","869":"926","870":"927","871":"928","873":"931","876":"932","879":"934","880":"935","882":"936","884":"941","885":"942","887":"948","888":"949","889":"951","890":"953","891":"954","892":"956","893":"959","894":"960","895":"965","896":"966","897":"968","898":"970","899":"972","900":"975","901":"977","902":"980","903":"982","904":"983","905":"984","907":"989","908":"991","909":"993","910":"996","911":"997","912":"999","913":"1002","914":"1003","916":"1005","917":"1006","918":"1008","919":"1011","920":"1013","921":"1014","925":"1019","926":"1020","927":"1021","928":"1022","930":"1025","932":"1026","936":"1027","938":"1032","939":"1035","940":"1036","943":"1038","944":"1039","948":"1044","957":"1045","959":"1047","961":"1049","962":"1051","963":"1052","964":"1053","965":"1057","966":"1058","967":"1059","972":"1062","973":"1064","974":"1066","975":"1070","976":"1072","977":"1073","978":"1074","979":"1075","984":"1076","985":"1077","1007":"1078","1012":"1079","1015":"1083","1016":"1084","1017":"1085","1018":"1086","1020":"1087","1021":"1088","1049":"1090","1050":"1091","1056":"1095","1057":"1099","1058":"1100","1060":"1103","1061":"1104","1075":"1110","1076":"1114","1077":"1118","1078":"1120","1079":"1122","1080":"1124","1081":"1126","1082":"1127","1084":"1134","1085":"1135","1086":"1138","1087":"1140","1088":"1144","1089":"1146","1090":"1147","1091":"1149","1092":"1150","1094":"1153","1096":"1154","1098":"1159","1099":"1163","1100":"1164","1101":"1165","1132":"1169","1133":"1172","1134":"1174","1135":"1175","1138":"1178","1139":"1179","1164":"1182","1165":"1187","1166":"1191","1167":"1194","1168":"1195","1169":"1198","1170":"1200","1171":"1201","1172":"1204","1173":"1206","1174":"1207","1176":"1209","1177":"1211","1178":"1213","1179":"1214","1194":"1216","1195":"1217","1199":"1218","1205":"1219","1209":"1221","1215":"1223","1216":"1226","1217":"1231","1218":"1234","1219":"1235","1220":"1237","1221":"1240","1222":"1242","1223":"1243","1231":"1248","1232":"1251","1233":"1254","1234":"1257","1235":"1260","1236":"1262","1237":"1267","1238":"1270","1239":"1271","1243":"1273","1244":"1274","1250":"1278","1251":"1280","1252":"1281","1253":"1282","1254":"1286","1255":"1290","1256":"1292","1257":"1295","1258":"1300","1259":"1301","1294":"1306","1295":"1307","1296":"1308","1297":"1309","1298":"1312","1299":"1314","1300":"1317","1301":"1320","1302":"1321","1304":"1326","1305":"1327","1306":"1332","1307":"1333","1310":"1337","1311":"1339","1312":"1341","1313":"1344","1314":"1347","1315":"1351","1316":"1354","1317":"1358","1318":"1361","1319":"1366","1320":"1369","1321":"1373","1322":"1375","1323":"1376","1324":"1377","1325":"1379","1326":"1380","1330":"1382","1331":"1384","1332":"1385","1334":"1386","1336":"1391","1337":"1395","1338":"1396","1339":"1400","1340":"1402","1341":"1405","1342":"1410","1343":"1414","1344":"1417","1345":"1418","1347":"1424","1348":"1425","1350":"1433","1351":"1434","1377":"1436","1378":"1438","1379":"1440","1380":"1443","1381":"1444","1382":"1445","1383":"1446","1384":"1447","1388":"1448","1389":"1449","1390":"1450","1394":"1452","1397":"1454","1398":"1456","1399":"1458","1400":"1459","1401":"1460","1403":"1465","1404":"1468","1405":"1469","1411":"1472","1412":"1475","1413":"1476","1415":"1479","1416":"1482","1417":"1484","1418":"1485","1419":"1488","1420":"1492","1421":"1493","1422":"1494","1424":"1498","1425":"1502","1426":"1506","1427":"1507","1429":"1510","1430":"1511","1431":"1515","1432":"1519","1433":"1522","1434":"1523","1440":"1525","1441":"1526","1445":"1527","1446":"1530","1447":"1531","1449":"1534","1451":"1536","1453":"1539","1456":"1543","1457":"1546","1458":"1547","1459":"1548","1460":"1549","1462":"1554","1463":"1557","1464":"1558","1482":"1562","1483":"1564","1484":"1565","1485":"1569","1486":"1571","1487":"1572","1488":"1573","1490":"1575","1492":"1579","1493":"1580","1495":"1583","1496":"1584","1497":"1585","1499":"1587","1501":"1589","1502":"1591","1503":"1595","1504":"1598","1505":"1601","1506":"1603","1507":"1605","1508":"1607","1509":"1608"}},"pages":[{"text":"سعيد حوى\nالأساس في السنة\nوفقهها\nالمجلد الأول\nالقسم الثاني\nالعقائد الإسلامية\nدار السلام\nللطباعة والنشر والتوزيع والترجمة","vol":"1","page":1},{"text":"الأساس في السنة\nوفقهها\nالعقائد الإسلامية","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلاَةُ وَالسّلامُ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ\nرَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ\nراجع هذا القسم ودققه\nفضيلة الشيخ\nعبد الحميد الأحدب\nحفظه الله","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nكان القسم الأول من هذا الكتاب في السيرة وقد حاولنا في ذلك القسم أن نعطي تصورًا عن السيرة النبوية، وعما هو ألصق بها، واعتبرنا ذلك هو المدخل لبقية أقسام هذا الكتاب، وجعلنا الأقسام اللاحقة في: العقائد، والعبادات، والحياتيات، وتحرير الرقيق، والحكم.\nفالقسم الثاني إذن في العقائد، هي أهم مضمونات الرسالة النبوية.\nلقد بعث الله محمدًا ﷺ بالتوحيد، والقيام بحقوق الربوبية، وبمسؤولية الإنسان أمام الله ﷿.\nفالإله واحد؛ وعلى الإنسان أن يقوم بواجب التعبد له، والعبودية له، وذلك هو المظهر الأول لقبول التوحيد، فمن قَبِل التوحيد والعبادة والعبودية فإنه مجازى بالجنة، ومن رفض ذلك فإنه مجازى بالنار.\nويدخل في التوحيد: توحيد الذات، والصفات، والأفعال، وأن الرب واحد، وأنه هو صاحب الحق في التشريع، والأمر والحكم؛ وهذا يقتضي عبادةً وتسليمًا.\nويدخل في العبادات: ما اشتهر أنه عبادة من صلاة وزكاة، ويدخل فيها التسليم له سبحانه في كل ما شرع، وطاعته في كل ما افترض وأوجب، سواء في ذلك ما كان علمًا على عبادته، أو ما كان من أعلام شريعته، وهذه هي العبودية.\nوقد جعلنا ما هو أدخل في العقائد في هذا القسم، وما هو أدخل في العبادة في القسم الثالث، وما هو أدخل في العبودية في القسمين الرابع، والخامس.\nوالأقسام كلها في النهاية توحيد وعبادة وعبودية، وسوابق لذلك أو لواحق له، ولكن تسهيل العرض جعلنا نضع ما هو أخص بقسم من الأقسام الخمسة بجانب بعضه.\nوبالله نستعين ونبدأ الكلام من قسم العقائد.\n* * *","vol":"1","page":5},{"text":"لم تكن كلمة العقائد مستعملة زمن النبوة، فهي اسم مستحدث للتعبير عما يعتقد عليه القلب فيعتقده ويجزم به، فإذا أخذنا هذا الاصطلاح، وبنينا عليه، فإننا نستطيع أن نقول: هناك العقائد الإسلامية في وضعها الفطري في زمن النبوة، وهناك العقائد كما استقر عليها التأليف، فالعقائد في وضعها الفطري زمن النبوة كانت الأساس الذي يكلمه العمل بالإسلام، ويدخل فيها جانبان: الجانب الأول في الرسالة، والجانب الثاني هو الذي له علاقة بالغيبيات التي أخبرنا عنها الوحي الصادق، ويتداخل الجانبان أحيانًا ويتكاملان، ورمز ذلك كله النطق بالشهادتين.\nأما العقائد كما استقر عليها التأليف، فقد شملت هذه الأمور، وزادت عليها، بأن دخل فيها ما اضطرته عملية الصراع بين أهل الإسلام وأهل الأديان، وبين أهل الحق والصواب من جهة، وأهل الباطل والخطأ من غير أهل السنة والجماعة من جهة أخرى، ومن ههنا أدخلوا في بحث العقائد- كما استقر التأليف فيها- وصف الإسلام والإيمان، وما يدخل في كلٍ، ومباحث الإلهيات، والنبويات، والسمعيات، وما يدخل في كلٍ، ويأخذ الكلام عن الحقائق الغيبية التي لا يدركها الإنسان إلا عن طريق الوحي حيزًا كبيرًا من هذا العلم، ويدخل في هذا العلم الحديث عن التصورات الكلية في الشريعة والتكليف.\nوالناس بالنسبة للإسلام والإيمان والشريعة: إما مسلم مؤمن ملتزم، وإما مسلم مؤمن مقصَّر مذنب، فالأول تقي، والثاني عاصٍ أو فاسق، وهناك متظاهر بالإسلام غير مؤمن به فذلك المنافق، وهناك الكافر، وهناك المسلم المخطئ في الفهم أو في العمل، فذلك المبتدع، وقد تصل البدعة إلى الكفر، وقد لا تصل، فالأول مرتد، والثاني ضال، وقد يرتد مسلم عن الإسلام أصلًا، أو قد يقول أو يفعل ما هو رِدّة، ومن ثم دخل في أبحاث العقائد نواقض الإسلام.\nومن وفاة رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة ستحدث أحداث أخبر عنها رسول الله ﷺ، والإيمان بها جزء من الإيمان بنبوته، وبعض هذه الأمور وقع، وبعضها لم يقع بعد، وبعضها يكون قبيل الساعة بقليل، وبعضها يسبقها بزمن، ومن ثم تدخل هذه الأمور في باب العقائد.","vol":"1","page":6},{"text":"وفي مسرى تاريخ الأمة الإسلامية وجدت فرق إسلامية انشقت عن جسمها، وخرجت عن الفهم الفطري للنصوص، وطرحت هذه الفرق آراء شاذةً أو كافرة، وتنبت مواقف خاطئة، وأصبح الحديث عن آرائها ومواقفها جزءًا من علم العقائد.\nوهناك تصورات خاطئة، وتصورات يترتب على السكوت عنها لوازم ضارة، يُتحدث عنها عادة في علم العقائد كذلك، ومبنى الحديث في العقائد على النصوص، ولكن للحكم العقلي والعادي محلًا في شريعتنا، فاقتضى ذلك كلامًا عن الاثنين في أبحاث العقائد؛ لمعرفة محل التجارب البشرية، والأحكام العقلية في هذا الدين، وهكذا دخل في أبحاث العقائد الكلام عن الحكم العقلي والشرعي، والعادي، وأنها لا تتناقض.\nهذه كلها مباحث تجدها مع غيرها في كتب العقائد، وقد أصبحت بطون هذه الكتب هي موطن البحث فيها.\n* * *\nوفي العادة فإن البشر يصلون إلى كثير من المعاني عن طريق التأمل والتجربة والممارسة، والله ﷿ وصف الكافرين بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١). وقال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" (٢) مثل هذه الأمور دور الشريعة فيها التوجيه والتسديد والترشيد، لكن هناك أمورًا تعرف، أولا تستقيم، أو لا تتأكد إلا من خلال الوحي، وتبيان مثل هذه الأمور هي الوظيفة الكبرى للرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن ذلك ما افترضه الله على عباده وكلفهم به.\nومن ذلك وضع الأمور في مواضعها على مقتضى الحكم؛ فلا تنحرف الحياة الإنسانية عن المسار الصحيح؛ كترشيد الإنسان في استثمار الكون، والحياة الاقتصادية، والعلاقات الجنسية، والعلاقات الاجتماعية، ومن ذلك الحقائق التي لا يمكن للإنسان أن يعرفها إلا عن طريق الوحي؛ كالمغيبات، وما أعده الله للمؤمنين والكافرين.\n_________\n(١) الروم: ٨.\n(٢) رواه مسلم (٤/ ١٨٣٦) ٤٣ - كتاب الفضائل ٣٨ - باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا عن عائشة وأنس.","vol":"1","page":7},{"text":"تفصيل هذه المعاني وأمثالها هي الوظيفة الكبرى للرسل عليهم الصلاة والسلام، نجد مصداق ذلك في قوله تعالى: - ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾: فمعرفة آيات الله التي تدل على ذاته مما جاء به الوحي. ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾: فتزكية الأنفس على ما تقتضيه معرفة الله والعبودية له مما جاء به الوحي ... ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾: الذي أنزله: ويتضمن ما افترضه الله على خلقه، وذلك مضمون القرآن والكتب السماوية- ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: وهي وضع الأمور في مواضعها على مقتضى الكتاب، وهذا الجانب تكفل به الكتاب والسنة ... ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (١): أي مما لا تستطيعون معرفته إلا عن طريق الوحي.\nومن ههنا كان التعرف على الآيات، وعلى ما تزكو به الأنفس، وعلى الفرائض والمكتوبات، وعلى الحكمة في الكون، أو في التصرفات، أو في التصورات، أو في العلاقات، أو في السياسات، وكان التعرف على ما لا يعرفه الإنسان إلا من طريق الوحي، كل ذلك يدخل في مباحث العقائد، بل إنه لهو الأهم، وهو الذي ينبغي أن يشتغل به الدعاة؛ لأن أعظم ما في الدين هو هذا: آيات الله، والواجبات، والحكمة، وما لا يعرف إلا عن طريق الوحي.\nومن ههنا تعلم خطأ بعض من يدعون إلى الإسلام فيغفلون التركيز على هذه الأمور، ويتحدثون عن نواحٍ أخرى لا تصبُّ في هذا البحر.\n* * *\nوإذا كان كل ما في الإسلام مبناه على الاعتقاد الحق، فالاعتقاد الحق مبناه على الإيمان الجازم بالله وبالرسول ﷺ، ومبنى الإيمان بالله: يقوم على معرفة آثاره وآياته التي تدل عليه، ومبنى الإيمان بالرسول ﷺ: يقوم على معرفة الدلائل التي تدل على أنه رسول حقًا، وقد دخل ذلك في أبحاث العقائد، وقد جرت عادة كتاب العقائد- كما ذكرنا من قبل- أم يركزوا ما جرى فيه خلاف فيه أهل السنة والجماعة، وبقية الفرق الإسلامية، ومن\n_________\n(١) البقرة: ١٥١.","vol":"1","page":8},{"text":"ههنا فقد حكم التأليف في العقائد ذكرُ وجهات النظر المطروحة؛ كأثر عن هوى، أو الرد على هوى، فقد وجدت آراء مبتدعة وأهواء متفرقة، فاقتضى ذلكم ردودًا ومناقشات، وغلب ذلك كله على التأليف، تأمل صحيح البخاري مثلًا، فإنك تجد الكثير من عناوين كتابه لها علاقة بقضية هي محل بحث في عصره، والكتب التي خصت العقائد في التأليف غلب عليها هذا الحال، ومع هذا التوسع في موضوعات كتب العقائد فقد أخرج الأقدمون من دائرة أبحاثهم قضايا اعتبروها ألصق بعلوم أخرى كبحث الحاكمية، وأنها لله وحدة، فقد ربطت بعلم أصول الفقه الذي لا يدرسه إلا الخاصة، ومن ههنا وجد الكتاب الإسلاميون المعاصرون شيئًا من الفراغ حاولوا أن يملأوه؛ فوجد ما يسمى- في جيلنا- بكتب التصورات الإسلامية.\nوإذا كنت أعتبر أن دراسة العقائد كما استقر عليها التأليف لابد منه للمسلم، فقد جعلني هذا أركز في هذا القسم على ما كان محل تركيز في عصر النبوة، وإن كان القسم مليئًا بما اعتاد عليه كتاب العقائد قديمًا وحديثًا أن يدخلوه في كتبهم، بل لا تكاد مسألة رئيسية من مسائل العقائد إلا وفي هذا القسم حديث عنها، ومع ذلك فإنني أنصح إخواني المسلمين أن يدرسوا العقائد في كتبها، فإن هذا الكتاب ركَّز على المسائل الاعتقادية التي كانت محل التركيز الأقوى في الهدي النبوي.\nكان التركيز الأقوى في عصره ﵊ على توحيد الله، وعلى الإيمان بالرسول ﷺ، وعلى الإيمان باليوم الآخر، وعلى الإيمان بالغيب، وعلى التسليم لله ورسوله ﷺ بالإسلام.\nوكان عنوان الدخول في الإسلام بقبول الشهادتين، والنطق بها، والقيام بأعمال الإسلام، والكينونة مع الجماعة، وكان يقف في مقابل ذلك: كفر، ونفاق، وجاهلية؛ ولذلك فإنني سأخص هذا وأمثاله مما هو محل تركيز في عصر النبوة بمزيد عناية، وقد جعلت هذا القسم في ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: معالم عقدية.\nالباب الثاني: الإيمان بالغيب.","vol":"1","page":9},{"text":"الباب الثالث: مباحث عقدية.\nوأدخلت في الإيمان بالغيب: أركان الإيمان الستة؛ وما يعتبر من الغيوب، وأدخلت في الباب الأول: المعالم الكبرى التي تعتبر نقاط علام في موضوع العقائد، وأدخلت في الباب الثالث: بعض الأبحاث التي هي ألصق بالجانب الاعتقادي.\n* * *","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول\nمعالم عقدية</span>\nوفيه:\nتمهيد وفصول","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تمهيد</span>\nالإنسان في هذا العالم الكبير لا ينقضي منه العجب، وما خفي منه فذلك أعجب، والعالم الذي يعيش فيه الإنسان أكثر عجبًا، ومع أنه أكثر عجبًا فإنه خلق من أجل هذا الإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١). ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٢) فكان الإنسان بهذا التسخير قطب دائرة الوجود.\nاقرأ عن الكون تدخل في دائرة الدهشة، مليارات السنين الضوئية، أعداد هائلة من المجرات، مجموعات شمسية كبيرة، أنواع من الإشعاعات، وأنماط من توضعات الكهارب الصغيرة، وإشارات فضائية متنوعة، وخصائص عجيبة لكل نجم، ولكل كوكب، ولكل مذَّنب، وهذه الأرض في محلها لا ينقضي منها العجب، ولا ينقضي مما فيها العجب وكل ذلك مسخَّر للإنسان.\nواقرأ عن هذا الإنسان تجد كتب علم نفس تبلغ الآلاف، وهي تشمل ملاحظات مجردة عن نفس الإنسان دون أن تعرف كنهها، واقرأ عن التشريح تجد آلاف الصفحات، وهي تسجل حقائق وملاحظات عن جسم الإنسان وأعضاء الإنسان وغدد الإنسان، واقرأ ثبت الأمراض المعروفة تجد الآلاف، حتى إنه شخص حتى الآن من أمراض الوراثة وحدها حوالي ألف وخمسمائة، واقرأ تأثير الأغذية والأدوية تجد ما لا تستطيع له إحصاءً، واقرأ عن أخلاق الإنسان، وعلاقات الإنسان، واجتماعيات الإنسان، وأديان الإنسان، والأنظمة التي اخترعها الإنسان، والحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مما له علاقة بالإنسان تجد عجبًا، أما إذا وصلت إلى حياة الإنسان، وروح الإنسان، وقلب الإنسان، ومشاعر الإنسان، فتلك عوالم مجهولة مع كثرة آثارها.\nفكما أن الذات الإلهية تعرف بآثارها، ولا يحاط بها علمًا، فهذه النفخة التي خلقها الله\n_________\n(١) البقرة: ٢٩.\n(٢) لقمان: ٢٠.","vol":"1","page":13},{"text":"سبحانه وبثها في الإنسان تعرف بآثارها، ولا تدرك ولا يحاط بها: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (١).\nأبعد ذلك كله يعجب الإنسان أن يرسل الله لهداية الإنسان؟!\n﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٢).\n﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣).\nأفبعد هذا التركيب المدهش للإنسان يعجب الإنسان أن يكلفه الله، ويحمله مسؤولية، ويجعل له حياة أخرى، وقد خلقه هذا الخلق، وخلق له هذا الخلق:\n﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٤).\n﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (٥).\nإن من تأمل لم يعجب، فإذا جاء الواقع يصدق التأمل لم يبق إلا التسليم، فهذه قوافل الرسل تترى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ (٦).\nولقد كذب من لا عقل له ولا إنصاف ولا تدبر، فإن أهل العقول آمنوا، وحملوا رسالات الله ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (٧).\nوعلى فترة من الرسل وبعد مرحلة من التيه والضياع، وبعد تصميم على الضلال عند كل فرقة من فرق الضالين بعث الله محمدًا ﷺ: - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ\n_________\n(١) الحجر: ٢٩.\n(٢) النجم: ٥٩ - ٦١.\n(٣) يونس: ٢.\n(٤) القيامة: ٣٦.\n(٥) المؤمنون: ١١٥، ١١٦.\n(٦) المؤمنون: ٤٤.\n(٧) الأنعام: ٨٩.","vol":"1","page":14},{"text":"عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ (١). لقد بُعث محمدٌﷺ- في مرحلة لا أمل أن ينبثق من الضلال الذي وقعت فيه الأمم هدى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢). فالجميع مستمرون على الضلال، فكان لا بد من رسول يوقف هذا الاستمرار، ويعطي للناس الهداية.\nلقد أُمر كل رسول الله بإقامة الدين وعدم التفرق فيه:\n﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٣).\nوعند بعثة رسول الله ﷺ- لم يكن دين قائم؛ فالتوحيد رأس الدين تغير، ولم تعد نتيجة لذلك عبادة في الأرض، ولا عبودية، والتفرق حاصل:\n﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٤).\nومن سنة الله ﷿ ألا يستأصل المختلفين في الدين:\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (٥).\nوهكذا ضاع الدين، وحدث التفرق، ولم يبق يقين:\n﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (٦).\nلقد ضاع الدين واليقين، وفي هذه الأجواء بعث الله محمدًا ﷺ وأمره:\n﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ\n_________\n(١) المائدة: ١٩.\n(٢) البينة: ١ - ٣.\n(٣) الشورى: ١٢.\n(٤) الشورى: ١٤.\n(٥) الشورى: ٢.\n(٦) الشورى. ١٤.","vol":"1","page":15},{"text":"كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (١).\nفمن حاج بعد ذلك فحجته مرفوضة ومهزومة:\n﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (٢).\nوإذا جعل الله ﷿ كتاب هذا الدين محفوظًا فلا حجة لأحد ألا يقيم الدين، ولا حجة لأحد يتفرق في الدين، والأمر واضح، وعلينا أن نفهم هذا الدين فلا نتفرق، فبدون علم نزيغ، وبدون قلب سليم نتفرق.\nوهذا الكتاب الذي بين يدينا فيه كل ما يحتاجه فهم الدين الذي بعث به محمد ﷺ. والسنة شارحة ومفصلة:\n- فقد بعث الله محمدًا ﷺ، دينه الذي لا يقبل دينًا غيره، وأنزل عليه القرآن كتابًا لهذا الدين، مبينًا له ومفصلًا فيه، وجعل الله رسول الله ﷺ مبينًا لهذا القرآن، وشارحًا بالقدوة والحال، والكلمة والفعال، ومن ثم كان الكتاب والسنة هما أصلي هذا الدين.\n- وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة لتصف هذا الدين وما يدخل فيه وما يخرج منه على الكمال والتمام، وجاءت نصوص هي بمثابة المعالم الكبرى في الإسلام؛ ليعلم من يريد الإسلام ما يعني انتماؤه للإسلام؛ وما هي المطالب الكبرى فيه: من توحيد، وصلاة وزكاة، وصوم، وحج، وجهاد، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وما هي المحظورات الكبرى فيه: من شرك، وزنى، وشرب خمر، ...\n- وجعل الله دينه منسجمًا مع العقل والقلب والروح، واحتياجات الجسد في الأمر والنهي، والتكليف، فكان هذا الدين هو دين الفطرة، الدين الذي ينسجم مع حكمة الخلق، ومع تركيب الإنسان.\n_________\n(١) الشورى: ١٥.\n(٢) الشورى: ١٦.","vol":"1","page":16},{"text":"- وقبل بعض الناس هذا الدين فكان من المسلمين، وبتصديقه بهذا الدين وقبوله له أصبح من المؤمنين، الذين دخلوا في دائرة الخطاب بوصف الإيمان؛ ومن ثم جاءت النصوص لتوضح ماذا يدخل في دائرة الإيمان، وماذا يطالب به أهل الإيمان من عقائد، وأعمال، وتكاليف، ومقامات، فكان هذا النوع من النصوص مكملًا للنصوص التي وصفت الإسلام، وجاءت نصوص تصف الإيمان مطابقة للنصوص التي وصفت الإسلام؛ لأن الإيمان والإسلام يتطابقان أحيانًا، ويدل كل منهما على مفهوم يكمل الآخر أحيانًا.\n- فالإسلام بمعناه الكامل: هو إسلام القلب، والجوارح، لله تعالى بهذا الدين، بنصوصه، وبعقائده، وتكالفيه، والإيمان بمعناه الكامل: هو تصديق القلب بنصوص هذا الدين، وتصديق السلوك لهذا التصديق، فالإسلام والإيمان من هذه الحيثية متطابقان.\n- وأحيانًا يراد بالإسلام: عمل الجوارح بالطاعة، وبالإيمان: التصديق القلبي، وانشراح الصدر بنور الإيمان؛ حتى يرى القلب الأشياء بنور هذا الدين، فههنا الإسلام والإيمان يتكاملان، فالإسلام بهذا المعنى أثر الإيمان العقلي، ويوصل إلى الإيمان القلبي: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١).\n- إنه بمجرد أن يقبل الإنسان الإسلام ويدخل في عداد المؤمنين به فإنه يطالب بأمر ونهي، أو بفعل وترك، ومجموع ما يطالب به مباشرة كفرائض ونوافل حوالي سبعين شيئًا هي ما يسمى بشعب الإيمان، وكثير من الشعب تعني المطالبة بها: الكف عما يناقضها، فالمطالبة بالتوحيد تعني الكف عن الشرك، وليس كل ما نهي عنه يقابل شيئًا مأمورًا به، وهكذا تتوسع دائرة المنهيات حتى تشمل أمورًا كثيرة، منها ما يسمى كبيرًا من الذنوب، ومنها ما يسمى صغيرًا من الذنوب.\n- ودوائر التكليف الرباني أوسع من هذا الذي ذكرناه، فقد يقوم الإنسان بكل شعب الإيمان وينتهي عن الكبائر والصغائر، ومع ذلك يكون مقصرًا في التكليف، لأن دوائر التكليف أوسع من مجرد هذا وهذا.\n_________\n(١) الحجرات: ١٤.","vol":"1","page":17},{"text":"- وكأثر عن القيام بالتكليف يتحقق الإنسان بالصفات العليا التي أثنى الله على أصحابها: التقوى، والإحسان، والإيمان، والإسلام، والشكر، والتوكل، والصبر ...\n- وبرفض الإسلام، أو بالتقصير في تكاليفه، أو بعدم التحقق بمقاماته، أو بالانحراف الاعتقادي أو العملي عنه، أو باعتقاد ما ليس منه على أنه منه، أو بعمل ما يتناقض معه على أنه منه: يستحق الإنسان وصفًا قبيحًا على حسب بشاعة الجرم: الكفر، النفاق، الضلال، العصيان، الفسوق، الابتداع، المروق من الدين، الردة، الزندقة، وعلى حسب القيام بالتكليف يكون للمؤمن وزنه ودرجته ورتبته: من صديقية، وشهادة، وصلاح، وربانية، وربِّيَّة، وللمؤمن ما يستحقه بفضل الله وكرمه، وما يتكرم به الله ﷿ أعظم، وللآخرين ما يستحقونه من عقاب معنوي ومادي ودنيوي وأخروي.\n- وشيء عادي- والرسول ﷺ يدعو إلى الإسلام فيصفه أو يربي على الإيمان فيفصله- أن تتعدد النصوص، فأحوال المدعوين متعددة، وأحوال المؤمنين ليست واحدة، فهذا عرف شيئًا فأتقنه، وغاب عنه شيء فجهله، فهذا يعرف على المجهول، ومجهول إنسان قد يختلف عن مجهول آخر، وما وصل إليه الصف الإسلامي اليوم غير ما وصل إليه بالأمس، والتكليف في زمن الرسول ﷺ كان متدرجًا، كل ذلك يجعلنا أمام نصوص كثيرة، تصب كلها في بحر واحد، وتنبثق عن نور واحد، ولكنها تلاحظ حالات شتى بعضها متشابه، وبعضها متداخل، وبعضها متكامل، والرسول ﷺ كان يواجه جاهلية متعددة الصور، ذات عقائد خاطئة، فينبثق عنها عبادات وسلوكيات خاطئة، فصحح المسار، وقطع الطريق على العودة إلى الجاهلية. وفي الباب معالم عقدية تتحدث عن بعض ما ذكرناه وغيره معه.\nوقد جعلنا الفصل الأول في: العقل، والجسد، والقلب، والروح، والنفس، وهي المعالم الكبرى في الإنسان، وإثباتها هو الأساس في التكليف؛ فلا تكليف إلا بعقل، الجسد بما حوى هو المكلف، وللقلب تكليفه، وللنفس تكليفها، وللروح أحوالها، وقد اقتصرنا في هذا الفصل على ذكر النصوص التي تثبت هذه العوالم وتفصل في معاني إطلاقها.\n* * *","vol":"1","page":18},{"text":"فصول الباب الأول\nالفصل الأول: في الجسد والروح والعقل والقلب والنفس.\nالفصل الثاني: في التكليف ومسؤولية الإنسان أمام الله ﷿.\nالفصل الثالث: في مباحث في الإسلام والإيمان.\nالفصل الرابع: في فضل الانتساب إلى الأمة الإسلامية.\nالفصل الخامس: في فضل الإيمان وفي فضل المؤمن.\nالصفل السادس: في أمثال مثل بها لدعوة رسول الله ﷺ وللمستجيبين له.\nالفصل السابع: في الإسلام وأسهمه وأركانه ومقاماته وبعض أعماله.\nالفصل الثامن: في بعض شعب الإيمان.\nالفصل التاسع: في بعض الموازين التي يزن بها المؤمن إيمانه وإسلامه.\nالفصل العاشر: في فضل الشهادتين وكلمة التوحيد هي أصل الإيمان.\nالفصل الحادي عشر: في الإيمان الذوقي وما يقابله.\nالفصل الثاني عشر: في الجيل الأرقى تحققًا.\nالفصل الثالث عشر: في الوساوس العارضة وفي خفوت نور الإيمان وزيادته وتجديده وإقلاعه.\nالفصل الرابع عشر: في الفطرة وحقيقة الإيمان والكفر والنفاق.\nالفصل الخامس عشر: في الكفر والشرك والكبائر.\nالفصل السادس عشر: في النفاق وعلاماته وشعبه.\nالفصل السابع عشر: في نواقض الشهادتين.","vol":"1","page":19},{"text":"الفصل الثامن عشر: في الاعتصام بالكتاب والسنة.\nالفصل التاسع عشر: في التمسك بالسنة وفي التحذير من البدعة وأهلها.\nالفصل العشرون: في البدعة.\nالفصل الحادي والعشرون: في افتراق هذه الأمة افتراق اليهود والنصارى وزيادة، وفي وجوب الكينونة مع الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة واعتزال فرق الضلال.\nالفصل الثاني والعشرون: في التحذير من مواطأة الأمم في انحرافاتها.\nالفصل الثالث والعشرون: في التحذير من الفتن.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول\nفي:\nالجسد والروح والعقل والقلب والنفس</span>\nوفيه:\nمقدمة وفقرات\nالفقرة الأولى: نصُوص في الجسد.\nالفقرة الثانية: نصُوص في الروح.\nالفقرة الثالثة: نصُوص في العقل.\nالفقرة الرابعة: نصُوص في القلب.\nالفقرة الخامسة: نصُوص في النفس.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>مقدمة الفصل</span>\nفي الإنسان جانب غيبي أخبرتنا عنه نصوص الكتاب والسنة، وهذا الجانب الغيبي يعرفه الإنسان من آثاره، وبعضه يحس به إحساسًا، حتى إن إنكاره يكون إنكارًا للمحسوس، فالإنسان يميز به بين العاقل وغير العاقل، ويحس بمطالب النفس والجسد، ويحس في قلبه الذي في صدره بكثير من المعاني، وأهل الإيمان لهم إحساستهم القلبية النامية، وهناك فارق بين حياة الجنين قبل نفخ الروح، وبعد نفخ الروح فيه، فمتى نفخت الروح فيه تبدأ الحركة، هذه القضايا التي نرى آثارها جاءت نصوص كثيرة تتحدث عنها، فأصبحت من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، مما لا يسع مسلمًا أو مسلمة أن ينكرها، وإن كان يسع المسلم أن يجهل تفصيلات فيها، أو تحديدات لمعانٍ دقيقة للنصوص في شأنها.\nوإنها لإحدى معارك عصرنا الإيمانية: الصراع مع الذين يفسرون كل ما في الإنسان، وكل ما يجري للإنسان أو على الإنسان، بالمادة والمادية، فكل شيء عندهم في الإنسان مرتبط بآلية المادة، وإفرازاتها، وقد سرى ذلك إلى بعض أبناء المسلمين؛ فصاروا يفسرون القلب بأنه الدماغ، وهم بذلك ينكرون أن يكون للمسلم قلب مرتبط بالقلب الحسي، له وظائفه الإيمانية، وهو محل الإلهام، ومحل الإشراق، وهو محل الكفر والنفاق، وأصبح هؤلاء يميلون إلى تأويل ما ورد عن الجانب الغيبي في الإنسان بأنواع من التأويلات.\nوالإسلام يعطي للتجربة البشرية مداها، وللبحث العلمي مداه، ولكن هل استطاع الإنسان أن يجيب جوابًا جازمًا على كل الأسئلة التي لها علاقة في الإنسان، أو أن الإنسان لا زال مجهولًا.\nوفي كل الأحوال فنصوص الإسلام القطعية الثبوت، القطعية الدلالة، لا يمكن أن تتناقض مع حقيقة علمية فالأصل الأصيل أن يسلم المسلم للنصوص كلها، فكيف إذا كانت النصوص في أمور غيبية تشهد لها آثارها؟!\nإنه لمن فساد التصورات، ومن المكفرات، إنكار الروح، أو القلب، أو النفس، أو العقل، أو الجسد، ثم إن هذا الإنكار يترتب عليه فساد عريض، فالتربية التي لا تلحظ","vol":"1","page":23},{"text":"القلب، أو العقل، أو الجسد، أو النفس، أو الروح، تربية فاشلة، ومن ههنا يكون لهذا البحث أهمية كبرى في العقائد والسلوك.\nإن الإنسان جسد وروح قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (١). نرى ذلك واضحًا عند الموت حيث تفارق الروح الجسد فيتوقف كل شيء، هذه الروح إذا خالطت الجسد تسمى نفسًا فقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٢). فالروح التي تقبض حين الوفاة سماها الله ﷿ نفسًا، وتطلق كلمة النفس على أكثر من معنى كما سنرى.\nوفي هذا الإنسان المؤلف من الروح والجسد، أو من النفس والجسد، شيئان لهما الأهمية الكبرى هما: العقل، والقلب، فالعقل: هو محل إدراك الخطاب فحيثما وجد كان التكليف، والقلب: هو محل القبول للتكليف، فهو صاحب القرار في القبول والرفض.\nوالظاهر من التجربة، ومن النصوص، ومن الإحساسات، ومن الأذواق، أن العقل الذي هو محل إدراك الخطاب مقره الدماغ، وأن القلب الذي هو محل القرار في القبول والرفض مقره الصدرن فله تعلق بالقلب الصنوبري الذي يضخ الدم: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٣)، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤).\nوللدماغ تكليفه: وهو أن يفكر فيربط الأسباب بمسبباتها، ويربط الأدلة بمدلولاتها؛ ليصل إلى الحقيقة، وللقلب تكليفه: وهو أن يقبل الإسلام الذي أوصل إليه العقل، وأن يستنير بنور الإسلام، وللنفس تكاليفها في التزكية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٥).\nوالتكليف في النهاية للإنسان المؤلف من الروح والجسد، فهو المكلف أن يجعل جسمه ونفسه وعقله وقلبه على مقتضى أمر الله ﷿.\n* * *\n_________\n(١) الحجر: ٢٩.\n(٢) الزمر: ٤٢.\n(٣) الحج: ٤٦.\n(٤) الزمر: ٢٢.\n(٥) الشمس: ٧ - ١٠.","vol":"1","page":24},{"text":"إن النصوص تتحدث عن جسد: \"إن لجسدك عليك حقا\" (١). وعن روح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢) وتتحدث عن نفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (٣). وتتحدث عن قلب. \"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب\" (٤). وتتحدث عن عقل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nوأحيانا تتحدث النصوص عن النفس وتريد بها الذات كلها: الجسم والعقل والقلب والروح: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (٥). وأحيانًا تتحدث عن القلب وأنه محل العقل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٦).\nوأحيانًا تشعر النصوص بأن المراد بالنفس الذات متلبسة بحالة قلبية: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (٧) ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٨).\nوالإنسان يحس بأن محل التفكير الدماغ، والدرسات المعاصرة وقفت بالنسبة للإنسان أمام مجهولات كثيرة، فلقد تبين أنه لو فقد الإنسان قسمًا كبيرًا من مخه فإنه لا يفتقد ذاكرته، ولم تزل أبحاث الذاكرة في دائرة المجهول، والماديون ينكرون الروح أصلًا، والكافرون لا يحسون بقلوبهم التي هي محل الكفر والإيمان، فهم يتكلمون بعيدين عن الجانب الغيبي في الإنسان، وكما ذكرنا من قبل فقد تأثر بعض المسلمين بأفكار غير إسلامية، حتى زعم بعضهم أن المراد بالقلب في الاصطلاح الشرعي هو الدماغ، وهذا شيء له خطورته في العقيدة والتربية والسلوك، فهو إنكار لشيء تتوطأ عليه النصوص، محددة له أنه في الصدر: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٩) ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (١٠)، (أفمن شرح الله صدره للإسلام) (١١). كل ذلك يقتضي كلامًا ضمن الحدود التي لا بد منها، فالمؤمن مكلف بالإيمان بأن له عقلًا هو محل إدراك الخطاب، وبهذا العقل تقوم عليه الحجة، ومكلف أن يؤمن بأن له قلبًا عليه أن\n_________\n(١) أخرجه البخاري ومسلم.\n(٢) الإسراء: ٨٥.\n(٣) الشمس: ٧.\n(٤) رواه مسلم.\n(٥) الكهف: ٧٤.\n(٦) الحج: ٤٦.\n(٧) الفجر: ٢٧.\n(٨) الرعد: ٢٨.\n(٩) الحج: ٤٦.\n(١٠) الأنعام: ١٢٥.\n(١١) الزمر: ٢٢.","vol":"1","page":25},{"text":"يصدق به وأن ينوره، وأن له نفسًا عليه أن يزكيها، وأن له روحًا ركّبها الله ﷿ بهذا الجسد: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (١)، ونصوص الكتاب والسنة متعاضدة متضافرة على تأكيد هذه المعاني، ولكن التداخل في الوظائف والتكليف يجعل أحيانًا الكلام عن هذه المعاني متداخلًا في النصوص وفي كلام الناس، والمسلم مكلّف بالجملة بالإثبات، ولا يكلف كل مسلم بمعرفة كل النصوص، وحمل كل نص على المراد الدقيق منه.\nإن الإيمان بالقلب والنفس لهما آثارهما في التربية والسلوك، فبينما ينبغي أن يكون مركز اهتمام المسلم قلبه ونفسه، وإذا به في حالة الإنكار يتوجه إلى الفكر والدماغ، وبينما يحس المؤمن إحساسًا ذوقيًا بقلبه ومقاماته فمن توكّل وخوف ورجاء ومحبة، إذا بهذا المُنْكِر يفقد هذا كله.\n* * *\nإن عصرنا جعل أكثر الناس علمًا هم أكثر الناس تواضعًا؛ فمن عرف ضآلة بعض الإفرازات في الجسد، وضخامة تأثيرها، ومن عرف ضآلة حجم بعض الأشياء في الدماغ، وضخامة تأثيرها. ومن عرف أنه لو جمعنا كل أجهزة العالم من (التليفون والتلغراف والرادار والتلفزيون) ثم صَغّرناها إلى مثل حجم الدماغ فإنها لا تبلغ بمجموعها أن تؤدي وظائف الدماغ، ومن عرف فكرة التسجيلات والمسجّلات والطاقة الكهربائية والذرية ينبغي أن يزداد تواضعًا؛ فيسلم لمن يعلم ومن أعلم من الله!!\n﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢).\n﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣).\nوعوالم القلب والروح والعقل والجسد والنفس ليس مثل المسلم على بصيرة فيها. ونحن سنستعرض في هذا الفصل بعض نصوص الكتاب والسنة، وفيها العلم الذي يحكم على كل علم. وفيما بين يدي ذلك تقول:\n_________\n(١) الحجر: ٢٩.\n(٢) الكهف: ٥١.\n(٣) الإسراء: ٨٥.","vol":"1","page":26},{"text":"تطلق كلمة القلب على معنيين: القلب الحسي الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان، وعلى قلب آخره مقرُّه ذلك القلب، وهو مرتبط به نوع ارتباط، وهو محل الإيمان والكفر والنفاق، ومركز ظهور العواطف، وهو بالنسبة للإنسان محل القرار والإرادة، فهو محل التردد، والشك، والإقدام، والإحجام.\nوللإنسان دماغ هو محل التفكر، والمحاكمات، وقد يكون محل خزن المعلومات، وهو محل إدراك الخطاب، وهو مخزن الحواس ومركز الإحساس، ومنظم الجملة العصبية إلى غير ذلك من المهام، وهناك الروح التي تعطي الجسد والقلب والدماغ.\n* * *\nعندما يكون الإنسان جنينًا في بطن أمه في المرحلة الأولى فإن حياته تكون تبعًا لحياة أمه، وإنما تكون له شخصيته المستقلة منذ نفخ الروح فيه، فعندما تُنفخ الروح عندئذ تكون له حياته المستقلة نوع استقلال، والروح في أصل خلقتها عارفة بالله، منطبعة بها البدهيات، والقلب الغيبي حين نفخ الروح في الجسد يكون على الفطرة، فهو نور خالص، والدماغ يكون جاهزًا للتلقي وتخزين المعلومات، هكذا حال الطفل أول ولادته.\n* * *\nعندما تحل الروح في الجسد تصبح أسيرة هذا الجسد، وبالتالي تتحكم فيها مطالب الجسد، وتفكير الدماغ وقرار القلب والبيئة، كما أن القلب تتحكم فيه مطالب الجسد، وتفكير الدماغ، وتأثير النفس بمطالب الجسد، والروح بعد التلبس بالجسد تسمى نفسًا، وبقدر ما تسيطر عليها الشهوات يصبح القلب أسيرًا لها، وبقدر ما يستنير القلب يمكن أن يؤثر في النفس، فيستقيم أمر الجسد، ومن ههنا فإن هناك صراعًا بين الخير والشر في ذات الإنسان، إما أن يسيطر العقل أو القلب أو الروح أو النفس أو الجسد، وبين ذلك صور فإذا تطهر القلب وتنور فعندئذ تكون الروح في وضعها الأول وضع العبودية؛ فتظهر فيها الأخلاق العليا كلها، وإلا فإنها تنتكس.","vol":"1","page":27},{"text":"ومن العوامل المضلة المؤثرة:\nأولًا: التلقين.\nثانيًا: جواذب الدنيا.\nثالثًا: مطالب الجسد وغرائزه.\nرابعًا: الشيطان ووساوسه.\nومن العوامل الهادية:\nأولًا: الإيمان بالله ورسله والتلقي عنهما.\nثانيًا: الفكر الاستدلالي والبناء عليه.\nثالثًا: الذكر.\nرابعًا: العلم والمعرفة الصحيحان.\nخامسًا: بذل الجهد ومجاهدة النفس.\nسادسًا: البيئة المساعدة.\nوالعقل هو مناط التكليف، وهو الجهة التي يدرك فيها الإنسان فحوى الخطاب، وهو وسيلة الإنسان للمعرفة وهو مفطور على معانٍ، فعنده بدهيات مستقرة، وله قوانين مغروسة، وهو يصل إلى المعرفة من خلال التعليم والاستقراء أو الاستنتاج، ومن ههنا وجد علم المنطق الاستقرائي والاستنتاجي، فأن يتعرف الإنسان على علم المنطق للتعرف على قوانين العقل، وعلى ما هو بدهي، وعلى ضوابط الاستنتاج الصحيح، والاستقرار الصحيح، فهذا القدر لا حرج فيه. وحملةُ بعض العلماء على نوع من المنطق لا يدخل فيها ما ذكرناه. وهذا النوع يوجد عند الجن من لحظة الولادة، فهم مكفلون من تلك اللحظة، أما عند الإنسان فإنه يتكامل شيئًا فشيئًا، ومن ههنا فلا تكليف يحاسب عليه الإنسان إلا بعد البلوغ، أما ما قبل ذلك فله أحكامه.\n* * *","vol":"1","page":28},{"text":"ويطلق العقل في الشريعة على شيئين:\nأولًا: على ما هو مناط فهم الخطاب، وإذا وجد فقد أصبح الإنسان مكلفًا ضمن شروط.\nثانيًا: على قبول خطاب الشارع والعمل به وذلك هو العقل الشرعي.\nوعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١). ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٢) ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (٣).\nوالقلب يطلق في الشريعة: على العقل الشرعي، وعلى القلب الحسي، وعلى القلب المرتبط بالقلب الحسي، وهو محل الإيمان والكفر، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٤) ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٥) ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٦).\nوالنفس تطلق في الشريعة: على الذات كلها جسدًا وروحًا، وتطلق على الروح وحدها، وتطلق على الدم، وتطلق على مطالب الروح المتأثرة بمطالب الجسد المذمومة.\nوتسمى الروح إذا خالطت الجسد نفسًا، وها نحن نذكر لك بعد هذا البيان بعض النصوص التي تناسب عنوان هذا الفصل، ومضمونه الذي تحدثنا عنه في هذه المقدمة، مبتدئين بذكر بعض النصوص التي تتحدث عن الجسد، للإشعار ببعض الواجبات الجسدية، وببعض حقوق الجسد، ومن مثل ذلك يعرف وضع الجسد في الإسلام: حقوقه، وواجباته، وكمالاته، وضرورة رعايته، لا كما تحاول ملل أخرى أن تعذبة أو تحرمه من ضرورات مباحة.\n_________\n(١) الملك: ١٠.\n(٢) الحشر: ١٤.\n(٣) الأعراف: ١٧٩.\n(٤) البقرة: ١٠.\n(٥) البقرة: ٧.\n(٦) الحج: ٤٦.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفقرة الأولى: نصوص في الجسد</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١) ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (٢).\n١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال لي رسولُ الله ﷺ: \"يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقومُ الليل؟ \" فقلت: بلى يا رسول الله، قال: \"فلا تفعل، صُم وأفطر، وقم ونم، فإنَّ لجسدك عليك حقًا، وإن لبدنك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنةٍ عشر أمثالها، فإذن ذلك صيامُ الدهر، فشددت فشدد عليَّ، قلت: يا رسول الله: إني أجد قوة، قال: \"فصم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد عليه\". قلتُ: وما كان صيام نبي الله داود ﵇؟ قال: \"نصف الدَّهر\"، فكان عبدُ الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ.\n٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة- يعني: العبد- من النعيم، أن يُقال: ألم نصح لك جسمك؟ ونروك من الماء البارد؟ \"\n_________\n(١) البقرة: ٢٤٨.\n(٢) المنافقون: ٤.\n١ - البخاري (٤/ ١٧) ٣٠ - كتاب الصوم ٥٥ - باب حق الجسم في الصوم.\nومسلم (٢/ ٨١٢) ١٣ - كتاب الصوم ٣٥ - باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به.\nإن لزورك عليك حقًا. أي لزوارك وضيوفك. والزور: الزائر وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم. وقد يكون الزور جمع زائر.\n٢ - الترمذي (٥/ ٤٤٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٨٩ - باب ومن سورة التكاثر.\nوقال: هذا حديث غريب. وإسناد قوي.\nوابن حبان- الإحسان (٩/ ٢٢٨).","vol":"1","page":30},{"text":"٣ - * روى الترمذي عن عبيد الله بن محصن ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من أصبح منكم آمنًا في سربه، مُعافىً في جسده، عندهُ قوت يومه، فكأنما حيزت لهُ الدنيا بحذافيرها\".\n٤ - * روى الترمذي عن أبي بززة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسئل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقهُ، وعن جسمه فيما أبلاه\".\n٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناهُ من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله، فغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى\" فسكت ثم قال \"حق على كل مسلمٍ أن يغتسل في كل سبعة أيامٍ يومًايغسلُ فيه رأسهُ وجسده\".\n٦ - * روى الترمذي عن بلالٍ، وأبي أمامة، ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: \"عليكم بقيام الليل، فإنه دأبُ الصالحين قبلكم، وإنَّ قيام الليل قربةٌ إلى الله، ومنهاةً عن الإثم، وتكفيرٌ للسيئات، ومطردة للدَّاء عن الجسد\".\n_________\n٣ - الترمذي (٤/ ٥٧٤) ٧ - كتاب الزهد باب ٣٤ - وقال. هذا حديث حسن غريب، ورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه. واختلف في تحسينه والراجح أنه حسن.\n(آمنا في مربه) أي: في نفسه: يقال: فلان واسع السرب أي: رخي البال وروي بفتح السين، وهو المسلك والمذهب.\n(الحذافير): عالي الشيء ونواحيه، يقال: أعطاه الدنيا بحذافيرها، أي: بأسرها، الواحد حذفار.\n٤ - الترمذي (٤/ ٦١٢) ٣٨ - كتاب صفة القيامة ١ - باب في القيامة. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو كما قال.\n٥ - البخاري (٢/ ٣٨٢) ١١ - كتاب الجمعة ١٢ - باب هل على من لم شهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم؟.\n٦ - الترمذي (٥/ ٥٥٢) ٤٩ - كتاب الدعوات ١٠٢ - باب في دعاء النبي ﷺ.\nوالمستدرك (١/ ٢٠٨) وصححه ووافقه الذهبي. وهو حديث حسن. ورواه أحمد والبيهقي.","vol":"1","page":31},{"text":"٧ - * روى الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: \"اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري، واجعله الوارث مني، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين\".\n٨ - * روى مسلم عن عثان بن أبي العاصي الثقفي الطائفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له: \"ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاث مرات، وقُل سبع مراتٍ: أعوذُ بالله وقدرته من شر ما أجدُ وأحاذزُ\".\nوعند الموطًا (٣) \"بعزة الله وقدرته من شر ما أجد\" قال: فقلت ذلك، فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمُرُ بها أهلي وغيرهم.\n٩ - * روى البخاري عن عروة عن عائشة، \"أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم يمسح بها ما استطاع من جسده، يبدأ بها على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مراتٍ\n١٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال: رسول الله ﷺ \"لا تحاسدوا، ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولايبع بعضكم على\n_________\n٧ - الترمذي (٥/ ٥١٨) ٤٩ - كتاب الدعوات ٦٧ - باب منه.\nوقال: هذا حديث حسن غريب. قال: سمعت محمدًا يقول: حبيب ابن أبي ثابتٍ لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا، والله أعلم.\nوقال محقق الجامع: لهذا الحديث شواهد بالمعنى يقوي بها، منها حديث أبي داود رقم ٥٠٩ بإسناد حسن. (واجعله الوارث مني) أي: أبقه صحيحًا سليمًا.\n٨ - (٤/ ١٧٢٨) ٣٩ - كتاب السلام ٢٤ - باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء.\n(٣) الموطأ (٢/ ٩٤٢) ٥٠ - كتاب العين ٤ - باب التعوذ والرقية في المرض.\n٩ - البخاري (٩/ ٦٢) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن ١٤ - باب فضل المعوذات.\n١٠ - البخاري طرفًا منه في (١٠/ ٤٨١) ٧٨ - كتاب الأدب ٥٧ - باب ما ينهي عن التحاسد والتدابر.\nومسلم (٤/ ١٩٨٦) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ١٠ - باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله.","vol":"1","page":32},{"text":"بيع بعض. وكونوا، عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ها هنا\" ويشير إلى صدره ثلاثٍ مراتٍ \"بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم\nحرام. دمه وماله وعرضه\".\n١١ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة: بدأ فغسل يديه، ثم يتوضًا كا يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أطول شعره، ثم يصب الماء على رأسه ثلاث غرفٍ بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.\nوفي رواية (٢) ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض الماء عليه ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده.\nوقالت: كنت أغتسلُ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، نغترف منه جميعًا (٣).\n١٢ - * روى مسل عن عثمان بن عفان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده ثم تخرج من تحت أظفاره\".\n١٣ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵂، قال: خرجنا في سفرٍ، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رُخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على\n_________\n١١ - البخاري (١/ ٣٦٠) ٥ - كتاب الغسل ١ - باب الوضوء قبل الغسل.\nومسلم (١/ ٢٥٣) ٣ - كتاب الحيض ٩ - باب صفة غسل الجناية.\nالبخاري (١/ ٣٨٢) ٥ - كتاب الغسل ١٥ - باب تخليل الشعر.\n(٢) البخاري: الموضع السابق.\n(٣) البخاري: الموضع السابق.\n١٢ - مسلم (١/ ٢١٦) ٢ - كتاب الطهارة ١١ - باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء.\n١٣ - أبو داود (١/ ٩٣) كتاب الطهارة باب في المجروح يتيم. وهو حديث حسن وله شواهد.\nفشجه: شج رأسه: إذا ضربه بشيء فكسره وفتحه.","vol":"1","page":33},{"text":"رسول الله ﷺ وأخبر بذلك، قال: \"قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر- أو يعصب، شك موسى- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده\".\n* * *","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفقرة الثانية: نصوص في الروح</span>\nقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ (٢) ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٣) والراد: روح خلقها ونسبها الي ذاته تشريفًا كما نقول: بيت الله.\nومن نصوص السنة في الروح:\n١٤ - * روى مالك عن كعب بن مالك ﵁ كان يحدث أن النبي ﷺ قال: \"إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله في جسده يوم يبعثه\".\nقال القرطبي وغيره: هي روح المؤمن الشهيد.\nوقال بعضهم: المراد بالحديث أعم من أن يكون المراد بذلك أرواح الشهداء وحدهم فقد يعطي الله ﷿ هذه الخصوصية لغيرهم.\n١٥ - * روى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا رد الله ﵎ عليَّ روحي حتى أرُدَّ ﵇\".\n_________\n(١) الإسراء: ٨٥.\n(٢) الحجر: ٢٩.\n(٣) السجدة: ٩.\n١٤ - الموطأ (١/ ٢٤٠) ١٦ - كتاب الجنائز ١٦ - باب جامع الجنائز.\nوالنسائي (٤/ ١٠٨) ٢١ - كتاب الجنائز ١١٧ - باب أرواح المؤمنين.\nوابن ماجة (٢/ ١٤٢٨) ٣٧ - كتاب الزهد ٣٢ - باب ذكر القبر والبلى. وإسناده صحيح.\nالنسمة: الروح والنفس، و\"يعلق\": أي يأكل.\n١٥ - أحمد في مسنده (٢/ ٥٢٧).\nوأبو داود (٢/ ٢١٨) كتاب المناسك باب زيارة القبور. وإسناده حسن.","vol":"1","page":35},{"text":"١٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف\".\nوفي رواية (٢) يرفعه قال: \"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة .... الحديث\".\n١٧ - * روى البخاري ومسلم عن ربعي بن حراشٍ؛ أن حذيفة حدتهم قال: قال رسول الله ﷺ: \"تلقت الملائكة روح رجلٍ ممن كان قبلكم فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أدين الناس. فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر. قال: قال الله ﷿: تجوزوا عنه\".\n١٨ - * روى أحمد وأبو داود عن عليِّ بن شماخ- وقيل: شماس، قال: شهدت مروان يسأل أبا هريرة: \"كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة؟ قال أبو هريرة:\nسمعته يقول: \"اللهم أنت ربُّها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها إلى الإسلام وأنت قبضت روحها، وأنت أعلمُ بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء، فاغفر لها\".\n١٩ - * روى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله\n_________\n١٦ - البخاري (٦/ ٣٦٩) ٦٠ - كتاب الأنبياء ٢ - باب الأرواح جنود مجندة.\nومسلم (٤/ ٢٠٣١) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ٤٩ - باب الأرواح جنود مجندة.\n(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.\n١٧ - البخاري (٤/ ٣٠٧) ٣٤ - كتاب البيوع ١٧ - باب من أنظر موسرًا.\nومسلم (٣/ ١١٩٤) ٢٢ - كتاب المساقاة ٦ - باب فضل إنظار المعسر.\n(وأنظر): الإنظار الإمهال والتأخير.\n(الجواز): في الشيء: المساهلة والتجاوز فيه.\n١٨ - أحمد في مسنده (٢/ ٢٥٦).\nوأبو داود (٣/ ٢١٠) كتاب الجنائز باب الدعاء للميت.\nوذكره الحافظ ابن حجر في أمالي الأذكار وقال: هذا حديث حسن.\n١٩ - أحمد في مسنده (٢/ ٣٢٣)\nوأبو داود (٤/ ٢٧٥) كتاب الأدب باب في النهي عن البغي. وإسناده حسن.\nأوبقت: أوبقه يوبقه إذا أهلكه.","vol":"1","page":36},{"text":"ﷺ، يقول: \"كان في بني إسرائيل رجلان متواخيان، أحدهما مذنب والآخر في العبادة مجتهدٌ، فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب، فقال: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت عليَّ رقيبًا؟ فقال له: والله لا يغفر الله لك- أو قال: لا يُدخلك الجنة- فقبض الله أرواحهما، فاجتمعا عند ربِّ العالمين، فقال الرب تعالى للمجتهد: أكنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمُذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة: تكلم والله بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته\".\n٢٠ - * روى مسلم عن مسروق ﵀، قال: سألنا عبد الله بن مسعودٍ عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢) فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ؟ فقال: \"أرواحهم في جوف طيرٍ خضر، لها قناديل معلقةٌ بالعرش، تشرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيءٍ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مراتٍ، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن تردَّ علينا أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجةٌ تركوا\".\nأقول: إن كينونة أرواحهم في أجواف الطيور من زيادة الإكرام، فالطيور بالنسبة لهم كالسيارة أو الطائرة لراكبها.\n٢١ - * روى مسلم عن أبي هريرة. قال: \"إذا خرجت روح المؤمن تلقاقا ملكان يصعدانها قال حماد: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك.\n_________\n٢٠ - مسلم (٣/ ١٥٠٢) ٣٣ - كتاب الإمارة ٣٣ - باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة.\n(٢) آل عمران ١٦٩.\n٢١ - مسلم (٤/ ٢٢٠٢) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ١٧ - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه.\n(ريطة): الريطة ثوب رقيق. وقيل: هي الملاءة. وكان سبب ردها على الأنف بسبب ما ذكر من نتن ريح روح الكافر.","vol":"1","page":37},{"text":"قال: ويقول أهل السماء: روحٌ طيبةٌ جاءت من قبل الأرض. صلي الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه. فينطلق به إلى ربه ﷿. ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل.\nقال: وإن الكافر إذا خرجت روحة- قال حماد وذكر من نتنها، وذكر لعنا- ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض. قال فيقالُ: انطلقوا به إلى آخر الأجل.\nقال أبو هريرة: فرد رسول الله ﷺ ريطة، كانت عليه، على أنفه، هكذا.\n٢٢ - * روى مسلم عن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة- وقد شق بصرهُ- فأغمضه، ثم قال: \"إنَّ الروح إذا قبض تبعه البصر\" فضجَّ ناسُّ من أهله، فقال: \"لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإنَّ الملائكة يؤمنون على ماتقولون\" ثم قال: \"اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجتهُ في المهديين، واخلفة في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه\".\n٢٣ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوةُ؟ قال: \"وآدم بين الروح والجسد\"، والمراد: أن آدم ﵇ كان بعد ترابًا لم يصور ولم يخلق.\n٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، قال: حدَّثنا\n_________\n٢٢ - مسلم (٢/ ٦٣٤) ١١ - كتاب الجنائز ٤ - باب في إغماض الميت والدعاء له، إذا أُحضر.\nوأبو داود (٣/ ١٩١) كتاب الجنائز- باب تغميض الميت.\n٢٣ - الترمذي (٥/ ٥٨٥) ٥٠ - كتاب المناقب ١ - باب في فضل النبي ﷺ. وقال: حسن صحيح غريب.\n٢٤ - البخاري (١١/ ٤٧٧) ٨٢ - كتاب القدر باب: ١.\nومسلم (٤/ ٢٠٣٦) ٤٦ - كتاب القدر ١ - باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه.\nوأبو داود (٤/ ٢٢٨) كتاب السنة ١٧ - باب في القدر.\nوالترمذي (٤/ ٤٤٦) ٣٣ - كتاب القدر ٤ - باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم. وقال: حسن صحيح.","vol":"1","page":38},{"text":"رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: \"إن خلق أحدكم يجمعُ في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيرهُ، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخُلُها\".\n* * *","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفقرة الثالثة: نصوص في العقل</span>\nقال تعالى ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (١).\nالمراد بالعقل هنا العقل الذي هو محل إدراك الخطاب.\n﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).\n﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣).\n﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٤).\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٥).\nالمراد بالعقل بالنصوص الأربعة الأخيرة العقل الشرعي ومقره القلب.\nومن نصوص السنة في العقل:\n٢٥ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى- أو فطر- إلى المصلى، فمرَّ على النساء، فقال: \"يا معشر النساء، تصدَّقن، فإني أريتكنَّ أكثر أهل النار\" فقلن: لم يا رسول الله؟ قال: \"تكثرن اللَّعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودينٍ أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن\" قُلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: \"أليس شهادةُ المرأة منكن مثل نصف شهادة الرجل؟ \" قلن: بلى؟ قال: \"فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم\"؟ قلن: بلى، قال: \"فذلك من نقصان دينها\".\n_________\n(١) البقرة: ٧٥.\n(٢) الملك: ١٠.\n(٣) العنكبوت: ٤٣.\n(٤) يونس: ٤٢.\n(٥) الحج: ٤٦.\n٢٥ - البخاري (١/ ٤٠٥) ٦ - كتاب الحيض ٦ - باب ترك الحائض الصوم.\nتكفرن العشير: تجحدن إحسان أزواجكن.","vol":"1","page":40},{"text":"فائدة:\nالمرأة بالنسبة للعقل التكليفي الذي هو محل إدراك الخطاب كالرجل، إلا أنها تختلف عن الرجل في مقدار التكليف وفي طبيعته نوع اختلاف بسبب تركيبها الذي يتناسب مع دورها الحياتي، فهي من هذه الحيثية ينقص دينها وعقلها عن دين الرجل وعقله.\n٢٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُعيدُ\n* * *\n_________\n٢٦ - الترمذي (٥/ ٦٠٠) ٥٠ - كتاب المناقب ٩ - باب في كلام النبي ﷺ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وهو كما قال.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفقرة الرابعة: نصوص في القلب</span>\n١ - في أن القلب الإيماني محله الصدر.\nقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١).\n﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢).\n﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣).\n﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٤).\n﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٥).\n﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ (٦).\nومن نصوص السنة النبوية:\n٢٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"إياكم والظنَّ، فإنَّ الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا- ويشير الي صدره- بحسب امرئ من الشَّرِّ: أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمُه، وعرضُه،\n_________\n(١) الحج: ٤٦.\n(٢) الزمر: ٢٢.\n(٣) الأنعام: ١٢٥.\n(٤) الأحزاب: ١٠.\n(٥) الأحزاب: ٤.\n(٦) غافر: ١٨.\n٢٧ - البخاري (١٠ - ٤٨١) ٧٨ - كتاب الآداب ٥٧ - باب ما ينهي عن التحاسد والتدابر.\nومسلم (٤/ ١٩٨٦) ٤٥ - كتاب البر والصلة ١٠ - باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله.","vol":"1","page":42},{"text":"وماله، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\".\n٢ - في بعض نصوص تتحدث عن القلب\n\nمن<span data-type=\"title\" id=toc-10> نصوص الكتاب في القلب:</span>\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).\n﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢).\n﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٣).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٤).\n﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥).\n﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٦).\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ (٧).\n﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ (٨).\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٩).\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١٠).\n﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (١١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١٢).\n_________\n(١) الشعراء: ٨٨، ٨٩.\n(٢) الفتح: ٤.\n(٣) الصافات: ٨٣، ٨٤.\n(٤) الحديد: ٢٧.\n(٥) ق: ٣٣.\n(٦) الحجرات: ٧.\n(٧) ق: ٣٧.\n(٨) الأنفال: ٣.\n(٩) التغابن: ١١.\n(١٠) الأنفال: ٦٣.\n(١١) الحج: ٣٢.\n(١٢) الرعد: ٢٨.","vol":"1","page":43},{"text":"﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ (١).\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٢).\n﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣).\n﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٤).\n﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٥).\nوقال تعالى ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ (٦).\n﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٧).\n﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٨).\n﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٩).\n﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٠).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (١١).\n﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١٢).\n_________\n(١) الحج: ٥٤.\n(٢) محمد: ٢٤.\n(٣) المؤمنون: ٦٠.\n(٤) البقرة: ٧.\n(٥) الزمر: ٢٣.\n(٦) البقرة: ١٠.\n(٧) الحديد: ١٦.\n(٨) المطففين: ١٤.\n(٩) المجادلة: ٢٢.\n(١٠) البقرة: ٩٧.\n(١١) آل عمران: ١٥١.\n(١٢) الشعراء: ١٩٣، ١٩٤.","vol":"1","page":44},{"text":"ومن<span data-type=\"title\" id=toc-11> نصوص السنة في القلوب</span>\n٢٨ - * روى مسلم عن الأغر المزني ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنه ليغان على قلبي، حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة\".\nقال ابن الأثير:\nليغانُ على قلبي: أي: ليغطى ويغشى، والمراد به، السهوُ، لأنه كان ﷺ لا يزال في مزيدٍ من الذكر والقربة ودوام المراقبة، فإذا سها عن شيء منها في بعض الأوقات، أو نسي، عده ذنبًا على نفسه ففزع إلى الاستغفار.\nأقول:\n\"قال بعضهم مفسرًا هذا الحديث ناسبًا هذا التفسير إلى رؤيا رأى فيها رسول الله ﷺ، فذكر رسول الله ﷺ في المنام \"أنه غين أنوار لا أغيار\" ولا شك أن نوع الغين الذي يقع لقلب- رسول الله ﷺ غير ما يمكن أن يتوهمه بعض الناس من كون هذه الحالة حالة نقص في حقه ﵊، إلا أن في الحديث تحريضًا للمؤمنين أن يراعو قلوبهم ويكثروا من الاستغفار لجلائها\".\n٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، ثم نزل القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمرٍ\n_________\n٢٨ - مسلم (٤/ ٢٠٧٥) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ١٢ - باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه.\n٢٩ - البخاري (١١/ ٣٣٣) ٨١ - كتاب الرقاق ٣٥ - باب رفع الأمانة.\nومسلم (١/ ١٢٦) ١ - كتاب الإيمان ٦٤ - باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب.\n(جذر): الشيء، بفتح الجيم وكسرها: أصله.\n(الوكت): النقطة في الشيء من غير لونه.\n(المجل): غلظ الجلد من أثر العمل، وقيل: إنما هي النفاطات في الجلد.=","vol":"1","page":45},{"text":"دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرًا، وليس فيه شيءٌ- ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله- فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعلقه، وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردل من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلمًا ليردنه عليَّ دينُهُ، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه عليَّ ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا.\nقال ابن التين: الأمانة: كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقال أبو بكر بن العربي: المراد بالأمانة في هذا الحديث الإيمان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها أن الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان حتى إذا تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبهه بالأثر في ظاهر البدن، وكنى عن ضعف الإيمان بالنوم، وضرب مثلًا لزهوق الإيمان عن القلب حالًا بزهوق الحجر عن الرجل حتى يقع بالأرض. (م).\nقال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا فإذا زال أول جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت- وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله- فإذا زال شيء آخر صار كالمجل- وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة- وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بحجر على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الحجر ويبقى التنفط. (١)\n_________\n= (فنفط): يقال: نفطت يده نفطًا، من باب تعب، ونفيطًا إذا صار بين الجلد واللحم ماء.\n(منتبرًا) المنتبر: المنتفخ وليس فيه شيء، وكل شيء رفع شيئًا، فقد نبره ومنه اشتق المنبر.\n(ساعيه) الساعي: واحد السعاة، وهم الولاة على القوم، يعني أن المسلمين كانوا مهتمين بالإسلام، فيحتفظون بالصدق والأمانة، والملوك ذوو عدل، فما كنت أبالي من أعامل: إن كان مسلمًا رده إلي بالخروج عن الحق عمله بمقتضي الإسلام، وإن كان غير مسلم أنصفني منه عامله.","vol":"1","page":46},{"text":"٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن علي بن الحسين ﵄ أن صفية زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ: \"على رسلكما، إنها صفية بنت حيي\". فقالا: سبحان الله، فقال: \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا\"- أو قال: شيئًا-.\n٣١ - * روى الترمذي عن ثوبان ﵁ قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة، فلو علمنا: أي المال خير فنتخذه، فقال رسول الله ﷺ: \"أفضله: لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكرٌ، وزوجةٌ صالحةٌ تُعينه علي إيمانه\".\n٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵄: عن النبي ﷺ قال: \"كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه\".\n_________\n٣٠ - البخاري (٤/ ٢٧٨) ٣٣ - كتاب الاعتكاف ٨ - باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد.\nومسلم (٤/ ١٧١٢) ٣٩ - كتاب السلام ٩ - باب بيان أنه يستحب لمن رؤى خاليًا بامرأة ... أن يقول هذه فلانة ...\n٣١ - الترمذي (٥/ ٢٧٧) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ١٠ - باب ومن سورة التوبة وقال: هذا حديث حسن.\n(٣) التوبة: ٣٤.\n٣٢ - البخاري (١١/ ٥٥٢) ٨٢ - كتاب القدر ٩ - باب (وحرام على قرية أهلكناها).\nومسلم (٤/ ٢٠٤٦) ٤٦ - كتاب القدر ٥ - باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره.","vol":"1","page":47},{"text":"٣٣ - * روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نكتت في قلبه نكتة، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، صقل قلبه، وإن عاد، زيد فيها، حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله\" ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).\n٣٤ - * روى أبو داود والحاكم، عن عبد الله، قال: كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ قد علم، فذكر نحوه، قال شريك: وحدثنا جامع- يعني ابن شداد- عن أبي وائل عن عبد الله، بمثله، قال: وكان يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد: اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابليها وأتمها علينا.\n٣٥ - * روى الترمذي عن شهر بن حوشبٍ، قال: قلت لأم سلمة ﵂: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قالت: فقلت له: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك بهذا؟ قال: \"يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ\".\n_________\n٣٣ - أحمد في مسنده (٢/ ٢٩٧).\nوالترمذي (٥/ ٤٣٤) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٧٥ - باب \"ومن سورة المطففين\" وقال: حديث حسن صحيح.\nوابن ماجه (٢/ ١٤١٨) ٣٧ - كتاب الزهد ٢٩ - باب ذكر الذنوب.\n(نكت) النكت: الأثر في الشيء.\n(الران) ران على قلبه، أي: غطى، وقيل: غلب.\n(٢) المطففين: ١٤.\n٣٤ - أبو داود (١/ ٢٥٤) كتاب الصلاة باب التشهد.\nوالمستدرك (٢٦٥) وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.\n٣٥ - الترمذي (٤/ ٤٤٨) ٣٣ - كتاب القدر ٧ - باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن وقال: حديث حسن صحيح.\nأزاغ: الزيغ: الميل عن الاعتدال.","vol":"1","page":48},{"text":"٣٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: أكثر ما كان النبي ﷺ: لا، ومقلب القلوب.\n٣٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاصى ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحدٍ، يصرفه حيث يشاء\" ثم قال رسول ﷺ: \"اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك\".\n٣٨ - * روى النسائي عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: \"اللهم أغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس\".\n٣٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر، فنادى بصوت رفيع، فقال: \"يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله\" قال نافع، ونظر ابن عمر يومًا إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك.\n٤٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله تعالى جعل الحقَّ على لسان عمر وقلبه\". قال: وقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه عمر- أو قال: ابن الخطاب شك خارجة- إلا نزل\n_________\n٣٦ - البخاري (١١/ ٥١٣) ٨٢ - كتاب القدر ١٤ - باب يحول بين المرء وقلبه.\n٣٧ - مسلم (٤/ ٢٠٤٥) ٤٦ - كتاب القدر ٣ - باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.\n٣٨ - النسائي (١/ ٥١) ١ - كتاب الطهارة ٤٩ - باب الوضوء بماء الثلج- وإسناده حسن.\n(بماء الثلج والبرد): تخصيص الثلج والبرد تأكيد للتطهير ومبالغة فيه، لأن الثلج والبرد ماءان مفطوران على خلقتهما، لم يُستعملا ولم تنلهما الأيدي، ولم تخضهما الأرجل.\n٣٩ - الترمذي (٤/ ٣٧٨) ٢٨ - كتاب البر والصلة ٨٥ - باب ما جاء في تعظيم المؤمن وقال: حسن غريب. وإسناده حسن.\nوابن حبان: الإحسان (٧/ ٥٠٦) وأبو يعلى بإسناد حسن.\n٤٠ - الترمذي (٥/ ٦١٧) ٥٠ - كتاب المناقب ١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب. وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"1","page":49},{"text":"فيه القرآن على نحو ما قال عمر.\n٤١ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله: \"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان\" قال أبو سعيد: فمن شك فليقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٢).\n٤٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشافعتك يوم القيامة؟ قال: \"لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصًا مخلصًا من قلبه\".\n٤٣ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: \"لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبدٍ أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبدٍ أبدًا\". وفي أخرى \"في قلب مسلمٍ\" في الموضعين.\n٤٤ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك يكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر التي موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت لله أبوك، قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ: يقول: \"تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلبٍ أشربها نكت فيه نكتة\n_________\n٤١ - الترمذي (٤/ ٧١٤) ٤٠ - كتاب صفة جهنم ١٠ - باب منه. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وإسناده صحيح.\n(٢) النساء: ٤٠.\n٤٢ - البخاري (١/ ١٩٣) ٣ - كتاب العلم ٣٣ - باب الحرص على الحديث.\n٤٣ - النسائي (٦/ ١٣) ٣٥ - كتاب الجهاد ٨ - فضل من عمل في سبيل الله على قدمه.\nوالترمذي (٤/ ١٧١) ٢٣ - كتاب فضائل الجهاد ٨ - باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله. وقال: حديث حسن صحيح وهو كما قال.\n٤٤ - مسلم (١/ ١٢٨) ١ - كتاب الإيمان ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا.\nأشربها: أشرب القلب هذا الأمر: إذا دخل فيه وقبله وسكن إليه كأنه قد شربه.=","vol":"1","page":50},{"text":"سوداء؟ وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتةً بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ، ما دامت السموات والأرض، والآخر: أسود مربادًا، كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه\" قال وحدثته: أن بينك وبينها بابا مغلقًا، يوشك أن يكسر قال عمر: أكسرا؟ لا أبالك، فلو أنه فتح؟ لعله كان يعاد، قال: لا، بل يكسر، وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت، حديثًا ليس بالأغاليط. قال ربعيٌ: فقلت: يا أبا مالك- هو سعد بن طارق- ما أسود مربادًا؟ قال: شدة البياض في سوادٍ، قلت: فما الكوز مجخيًا؟ قال: منكوسا.\n(كالحصير عودًا عودًا) قال الحميدي: في بعض الراويات \"عرض الحصير\" والمعني فيها: أنها تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس، يقال: حصره القوم: إذا أحاطوا به، وضيقوا عليه، قال: وقال الليث: حصير الجنب: عرق يمتد معترضًا على الجنب إلى ناحية البطن، شبه إحاطتها بالقلب بإحاطة هذا العرق بالبطن، وقوله \"عودًا عودًا\":\nأي مرة بعد مرة، يقول: عاد يعود عودة وعودًا.\nأقول:\nهناك روايات تذكر بدل العَود العُودَ ويترتب على ذلك اختلاف في شرح الحصير وسمير معنا الحديث مرة أخرى.\n٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد\n_________\n= نكت فيه نكت سوداء: أي أثر فيه أثرًا أسود، وهو دليل السخط ولذلك قال في حالة الرضى: نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين. أي على قسمين.\nمربادا: المرباد والمربد: الذي في لونه ربدة، وهي بين السواد والغبرة.\nكالكوز مجخيًا: المجخي: المائل عن الاستقامة والاعتدال هاهنا، وجحي الرجل في جلوسه، إذا جلس مستوفر، وجخي في صلاته: إذا جافى عضديه عن جوفه ورفع جوفه عن الأرض وخوى.\n٤٥ - البخاري (١٣/ ٣٥) ٩٢ - كتاب الفتن ١١ - باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة.=","vol":"1","page":51},{"text":"هذا الخير من شر؟ قال: \"نعم\". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: \"نعم وفيه دخن\". قلت وما دخنه؟ قال: \"قوم يهدون بغير هدبي، تعرف منهم وتنكر\"، قلت: فهل بعد بعد ذلك الخير من شر؟ قال: \"نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها\". قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: \"هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا\". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: \"تلزم جماعة المسلمين وإمامهم\" قلت: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: \"فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموتُ وأنت على ذلك\".\nولمسلم (١) نحوه، وفيه قلت: \"ما دخنه؟ قال: \"قوم لا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس\"، قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: \"تسمع وتُطيع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع\".\n٤٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر ﵃، قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: \"يكون في آخر الزمان رجالٌ يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من الين، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم الذئاب، يقول الله تعالى: أبي يغترون، أم علي يجترئون؟ في حلفت، لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران\".\nورواية ابن عمر أخصر من هذه، قال: قال النبي ﷺ: \"إن الله قال: لقد خلفت خلقًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، في حلفت: لأتيحنهم فتنة تدع الحليم منهم حيران، فبي يغترون، أم عليَّ يجترئون\"؟.\n_________\n= ومسلم (٣/ ١٤٧٥) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٣ - باب وجوب ملازمة جماعة للمسلمين.\nمسلم (٣/ ١٤٧٦) في نفس الموضع السابق.\n٤٦ - الترمذي (٤/ ٦٠٤) ٣٧ - كتاب الزهد ٥٩ - باب حدثنا سويد ... وقال حسن غريب. وهو حديث حسن.\n(يختلون): الختل: الخدع.\n(يجترئون): الاجتراء: الجسارة على الشيء.\n(لأتيحنهم): أتاح الله لفلان كذا، أي: قدره له.=","vol":"1","page":52},{"text":"٤٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله: \"غلظ القلوب والجفاءُ: في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز\".\n٤٨ - * روى مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: \"استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\".\nقال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشدُّ اختلافًا.\n٤٩ - * روى أبو داود والنسائي عن أبي الجعد الضمري ﵁، وكانت له صحبةٌ: أن رسول ﷺ قال: \"من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه\".\nوعند الترمذي (٤) \"من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه\".\n٥٠ - * روى مسلم عن أبي إدريس الخولاني ﵀، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: فيما روي عن الله ﵎ أنه قال: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فأستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني،\n_________\n٤٧ - مسلم (١/ ٧٣) ١ - كتاب الإيمان ٢١ - باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه.\n٤٨ - مسلم (١/ ٣٢٣) ٤ - كتاب الصلاة ٢٨ - باب تسوية الصفوف وإقامتها.\n٤٩ - أبو داود (١/ ٢٧٧) كتاب الصلاة باب التشديد في ترك الجمعة.\nوالنسائي (٣/ ٨٨) ١٤ - كتاب الجمعة ٢ - باب التشديد في التخلف عن الجمعة.\nوإسناده حسن، حسنه الرمذي وغيره، وصححه جماعة، وهو حديث صحيح بشواهده.\n(٤) الترمذي (٢/ ٣٧٣) كتاب الصلاة باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر.\n(طبع الله على قلبه: الطبع والختم واحد، والمراد: أنه بتركه الجمعة قد أغلق قلبه وختم عليه، فلا يصل إليه شيء من الخير.\n٥٠ - مسلم (٤/ ١٩٩٤) ٤٥ - البر والصلة ١٥ - باب تحريم الظلم.","vol":"1","page":53},{"text":"يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقي قلب رجل واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، [كانوا] على أفجر قلب رجلٍ واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه\".\n٥١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: دخلنا مع رسول الله صلى عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئرًا لإبراهيم، فأخذ رسول الله ﷺ ابنه إبراهيم، فقلبه وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينًا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال ابن عوف: وأنت يا رسول الله، فقال: \"يا ابن عوف، إنها رحمةٌ\" ثم أتبعها بأخرى، فقال: \"إن العين تدمع، والقلب يخشع، ولا تقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم محزونون\".\n٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال: قد قضى؟ فقالوا: لا، يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا، قال \"ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا- وأشار لسانه- أو يرحم\".\n_________\n٥١ - البخاري (٣/ ١٧٢) ٢٣ - كتاب الجنائز ٤٣ - باب قول النبي ﷺ إنا بك لمحزونون.\nومسلم (٤/ ١٨٠٧) ٤٣ - كتاب الفضائل ١٥ - باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك.\n(الظئر): المرأة التي ترضع ولد غيرها بالأجرة، وزوج المرضعة يسمى ظئرًا.\n(يجود بنفسه): جاد المريض بنفسه: إذا قارب الموت، فكأنه سمح بخروج روحه.\n٥٢ - البخاري (٣/ ١٧٥) ٢٣ - كتاب الجنائز ٤٤ - باب البكاء عند المريض.\nومسلم (٢/ ٦٣٦) ١١ - كتاب الجنائز ٦ - باب البكاء على الميت.","vol":"1","page":54},{"text":"٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، قالت: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ، فقال: إنكم تقبلون الصبيان، ولا نقبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ \".\n٥٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه: \"من يأخذ [عني] هؤلاء الكلمات فيعمل بهن، أو يعلم من يعمل بهن؟ \" قال أبو أبو هريرة، قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي وعد خمسًا، فقال \"اتق المحارم تكن أعبد الناس، وأرض بما قسم لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك، تميت القلب\".\n٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول- وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه- \"إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهاتٌ، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا ولكل ملكٍ حمي، ألا وإن حمى الله محارمة، ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\".\n٥٦ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال طارق بن شهاب: أول من بدأ بالخطبة يوم العبد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاة قبل الخطبة، قال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد، أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت\n_________\n٥٣ - البخاري (١٠/ ٤٢٦) ٧٨ - كتاب الأدب ١٨ - باب رحمة الولد وتقبيله.\nومسلم (٤/ ١٨٠٨) ٤٣ - كتاب الفضائل ١٥ - باب رحمة النبي ﷺ الصبيان.\n٥٤ - الترمذي (٤/ ٥٥١) ٣٧ - كتاب الزهد ٢ - باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس.\nوقال: هذا حديث غريب. وهو حديث حسن.\n٥٥ - البخاري (١/ ١٢٦) ٢ - كتاب الإيمان ٣٩ - باب من استبرأ لدينه.\nومسلم (٣/ ١٢١٩) ٢٢ - كتاب المساقاة ٢٠ - باب أخذ الحلال وترك الشبهات.\n٥٦ - مسلم (١/ ٦٩) ١ - كتاب الإيمان ٢٠ - باب بيان كون النهي عن النهي عن المنكر من الإيمان.","vol":"1","page":55},{"text":"رسول الله ﷺ يقول: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\".\n٥٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل\".\n٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه\".\n٥٩ - * روى مسلم والترمذي عن حنظلة الأسيدي قال: وكان من كتاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكرٍ فقال: كيف أنت؟ يا حنظلة أنت؟ يا حنظلة! قال قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله ﷺ: يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأى عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ: عافشنا الأزواج والأولاد والضيعات؟ فنسينا كثيرًا. قال أبو بكر: فوالله! إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ. قلت: نافق حنظلة. يا رسول الله!\n_________\n٥٧ - مسلم في نفس الموضع السابق.\n(الحواريون): جمع حواري وهم الخاصة والأصحاب والناصرون.\n(الخلوف): جمع خلف: وهو القرن من الناس.\nوقد جرت العادة أن تطلق كلمة خلف على من يخلف غيره بسوءٍ.\nوبعضهم يقول: خلف صدق بالتحريك ويسكن الآخر في السوء للتفريق.\nوبعضهم جعلها سواء في التحريك والتسكين.\n٥٨ - البخاري (٩/ ١٠١) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، ٣٧ - باب اقراؤا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم.\nومسلم: (٤/ ٢٠٥٣) ٤٧ - كتاب العلم، ١ باب النهي عن متشابه القرآن.\n٥٩ - مسلم (٤/ ٢١٠٦) ٤٩ - كتاب التوبة ٣ - باب فضل دوام الذكر والفكر.\nوالترمذي (٤/ ٦٦٦) ٣٨ - كتاب صفة القيامة ٥٩ - باب حدثنا بشر بن هلال ... =","vol":"1","page":56},{"text":"فقال رسول الله ﷺ \"وما ذاك؟ \" قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة. حتى كأنا رأي عينٍ. فإذا خرجنا من عندك، عافشنا. الأزواج والأولاد والضيعات. نسينا كثيرًا. فقال رسول الله ﷺ \"والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتهم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن، يا حنظلة! ساعة وساعة\" ثلاث مراتٍ.\nوفي رواية لمسلم (١) عن حنظلة. قال: كنا عند رسول الله ﷺ. فوعظنا فذكر النار. قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة. قال فخرجت فلقيت أبا بكر. فذكرت ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله ﷺ. فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة. فقال \"مه\" فحدثته بالحديث. فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل فقال: \"يا حنظلة! ساعة وساعة. ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق\".\n٦٠ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من كثر همة فليقل: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، وفي قبضتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت بن نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في مكنون الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي، وجلاء همي وغمي، ما قالها عبدٌ قط إلا أذهب الله غمه، وأبدله به فرجًا\".\n٦١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ما قال\n_________\n= (المعافسة): المعالجة والممارسة والملاعبة.\n(الضيعات): المعايش.\n(١) مسلم في نفس الموضع السابق.\n٦٠ - أحمد في مسنده (١/ ٣٩١) وذكره رزين وصححه ابن حبان. وهو حديث صحيح.\nالمستدرك (١/ ٥٠٩) وقال: صحيح. ووافقه الذهبي.\n٦١ - الترمذي (٥/ ٥٧٥) ٤٩ - كتاب الدعوات ١٢٧ - باب ودعاء أم سلمة وقال حديث حسن.","vol":"1","page":57},{"text":"عبدٌ: لا إله إلا الله، مخلصًا من قلبه، إلا فتحت له أبواب السماء، حتى يفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر\".\n٦٢ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: \"من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر\".\nقلت: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، قلت: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نفعل ونفعل؟ قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.\nأقول: (المراد بالبيعة هنا التي تعطي لأمير المؤمنين، ولأهل العدل من السلاطين، وليست المراد بذلك البيعات التي تعورف عند الشيخ وأمثالهم ممن ليس لهم سلطان نافذ على الرعية).\n٦٣ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال: لما جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، جئت أهب نفسي لك، فنظر إليها رسول الله ﷺ، فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجلٌ من أصحابه، فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجةٌ فزوجنيها، فقال: \"فهل عندك من شيء؟ \" فقال: لا والله\n_________\n٦٢ - مسلم (٣/ ١٣٧٢) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٠ - باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول.\nوأبو داود (٤/ ٩٦) كتاب الفتن باب ذكر الفتن ودلائلها.\n(صفقة يده): كناية عن البيعة والعهد، وذلك: أن العادة في التبايع والبيعة: أن يطرح المشتري يده في يد البائع، وكذلك عند البيعة، ويصفق أحدهما يده على الآخر، هذا هو الأصل.\n(ثمرة قلبه): كناية عن الإخلاص فيما عاهده عليه والتزمه له.\n٦٣ - البخاري (٩/ ١٣١) ٦٧ - كتاب النكاح ١٤ - باب تزويج المعسر.\nومسلم (٢/ ١٠٤٠) ١٦ - كتاب النكاح ١٣ - باب الصداق.\nوالموطأ (٢/ ٥٢٦) ٢٨ - كتاب النكاح ٣ - باب ما جاء في الصداق والحياء.\nوأبو داود (٢/ ٢٣٦) كتاب النكاح- باب التزويج على العمل يعمل.\nوالترمذي (٣/ ٤٣١) ٩ - كتاب النكاح ٢٢ - باب ما جاء في مهور النساء .. وقال: حسن صحيح.","vol":"1","page":58},{"text":"يا رسول الله، فقال: \"اذهب إلى أهلك فانظر: هل تجد شيئًا؟ \" فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله، ما وجدت شيئًا، فقال رسول الله ﷺ: \"انظر ولو خاتمًا من حديد\" فذهب، ثم رجع فقال: لا، والله يا رسول الله، ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري- قال سهل: ماله رداء- فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ \"ما تصنعُ بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء\" فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسة قام، فرآه رسول الله ﷺ موليًا، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: \"ماذا معك من القرآن؟ \" قال: معي سورة كذا، وسورة كذا- عددها- قال: \"تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ \" قال: نعم، قال: \"اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن\".\n٦٤ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين، منهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله، قد خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس بهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا، فإن لم يكن لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا، فإن لم يكن لهم فقةً في الدين سنفقههم، فقال رسول الله ﷺ: \"يا معشر قريش، لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلوبهم على الإيمان\" قال أبو بكر وعمر: من هو يا رسول الله؟ قال: \"خاصف النعل\" وكان قد أعطى عليا نعله يخصفها، ثم التفت إلينا علي فقال: قال رسول الله ﷺ: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ من النار\".\n٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي ظبيان حصين بن جندب قال: سمت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت\n_________\n٦٤ - الترمذي (٥/ ٦٣٤) ٥٠ - كتاب المناقب ٢٠ - باب مناقب علي بن أبي طالب.\nوقال: هذا حديث صحيح غريب.\n(يخصفها): خطف النعل يخصفها: إذا خرزها.\n٦٥ - البخاري (١٢/ ١٩١) ٨٧ - كتاب الديات ٢ - باب قول الله ومن أحياها.\nمسلم (١/ ٩٦) ١ - كتاب الإيمان ٤١ - باب نحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.","vol":"1","page":59},{"text":"رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"أقال لا إله الله وقتلته؟ قال وقلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: \"أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها، أم لا؟ \" فما زال يكررها علي، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ، قال: فقال سعدٌ: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين- يعني-: أسامة- قال: فقال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١)؟ فقال سعد: قد قتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.\n٦٦ - * روى أبو داود عن علي أبي طالب ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حدث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: \"إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء\" قال: فما زلت قاضيًا، أو ما شككت في قضاء بعد.\nوأخرجه الترمذي (٣)، قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إذا تقاض إليك رجلان فلا تقض للأول ... \" وذكر الحديث.\n٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول ﷺ: \"قال الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ\n_________\n(١) الأنفال: ٣٩.\n٦٦ - أبو داود (٣/ ٣٠١) كتاب الأقضية باب كيف القضاء.\nوأخرجه الترمذي. قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إذا تقاضى إليك رجلان، فلا تقضي للأول ... \" وذكر الحديث وقال: هذا حديث حسن وهو كما قال.\n(٣) الترمذي (٣/ ٦١٨) ١٣ - كتاب الأحكام ٥ - باب ما جاء في القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما.\nوقال: حسن. وهو كما قال.\n٦٧ - البخاري (١٣/ ٤٦٥) ٩٧ - كتاب التوحيد ٣٥ - باب قول الله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله).\nومسلم (٤/ ٢١٧٤) ٥١ - كتاب الجنة.\nوالترمذي (٥/ ٢٤٦) ٤٨ - كتاب التفسير ٣٣ - باب ومن سورة السجدة. وقال: حسن صحيح.","vol":"1","page":60},{"text":"مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١).\n٦٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول زمرةٍ تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحدٍ منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا أختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا\".\nتعليق:\nأكثرنا من الأحاديث، وأكثرنا من ذكر النصوص التي تتعلق بالقلب لأننا نرى أن علم إصلاح القلب على مقتضى الهدي النبوي قد طوى الكثيرون بساطه، وقل العارفون به، فكثرت أمراض القلوب وظهرت كثير من القلوب المريضة التي تتحدثت عنها النصوص من مثل قلوب الشياطين وقلوب الذئاب والقلوب التي هي أمر من الصبر، كما أن قضية القلب في المفهوم الفطري للنصوص قد طرأ عليها ما طرأ، وهذا كله يستدعي علاجًا وذكرًا وتذكيرًا وحسن تطيب ولذلك أكثرنا النقل عن القلوب ثم إن أشياء كثيرة ستمر معنا لها صلة بموضوع القلب فاقتضى ذلك التنويه بهذا الموضوع في أوائل قسم العقائد.\nوكما أننا أكثرنا من النصوص في موضوع القلب فسنذكر الكثير منها في موضوع النفس لأن تزكية الأنفس على مقتضى الشريعة من أهم ما بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام.\n* * *\n_________\n(١) السجدة: ١٧.\n٦٨ - البخاري (٦/ ٣٦٢) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء ١ - باب خلق آدم وذريته.\nمسلم (٤/ ٢١٨٠) ٥١ - كتاب الجنة ٧ - باب في صفات الجنة وأهلها.\n(مجامرهم): جمع مجمر وهو ما يتبخر به.\n(الألوة): العود. أي يتبخرون بالعود الطيب الرائحة.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفقرة الخامسة: نصوص في النفس</span>\nتطلق كلمة النفس في اصطلاحات الشارع وفي خطابات الناس وفي كلام المؤلفين على معان متعددة، ويلتبس نتيجة لذلك على كثير من الناس المراد بالنفس حينما تستعمل.\nونحن يهمنا في هذا الكتاب أن نلفت النظر إلى المرادات الرئيسية لكلمة النفس في اصطلاحات النصوص.\nومن ها هنا فسنذكر النصوص التي وردت في النفس تحت العناوين التالية:\n١ - نصوص في النفس ويراد بها الذات.\n٢ - نصوص في النفس ويراد بها الروح.\n٣ - نصوص في النفس ويراد بها الروح بها الروح بعد تلبسها بالجسد وطاعتها للأهواء.\n٤ - نصوص في النفس ويراد بها القلب.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>١ - نصوص في النفس ويراد بها الذات</span>\nقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (١).\n﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ (٢).\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٣).\n﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٤).\nومن النصوص النبوية:\n٦٩ - * روى ابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل روقها وأجلها.\n٧٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله\".\nوفي راوية: \"حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله\".\n_________\n(١) البقرة: ٤٨، ١٢٣.\n(٢) آل عمران: ٣٠.\n(٣) النساء: ١.\n(٤) المائدة: ٣٢.\n٦٩ - ابن ماجه (٢/ ٧٢٥) ١٢ - كتاب التجارات ٢ - باب الاقتصاد في طلب المعيشة.\nوقال في الزوائد: إسناده ضعيف، لأن فيه الوليد بن مسلم وابن جريج وكل منهما كان يدلس، وكذلك أبو الزبير. وقد عنعنوه. لكن لم ينفرد المصنف من حديث أبي الزبير عن جابر. فقد رواه ابن حبان في صحيحه بإسنادين عن جابر ا. هـ.\nذكره رزين وأخرجه ابن حبان والحاكم وهو حديث صحيح.\n(روح القدس): جبريل ﵇.\n(الروع): القلب والعقل. (نفث في روعي): أي نفث في خلدي وبالي.\n٧٠ - البخاري (١٣/ ٢٥٠) ٩٦ - كتاب الاعتصام باكتاب والسنة ٢ - باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ.\nمسلم (١/ ٥٢) ١ - كتاب الإيمان ٨ - باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.\nالنسائي (٥/ ١٤) ٢٣ - كتاب الزكاة ٣ - باب مانع الزكاة.","vol":"1","page":63},{"text":"٧١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂، قالت: بعث رسول الله ﷺ إلى عثمان بن مظعون: \"أرغبت عن سنتي؟ \" فقال: لا، والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب، قال: \"فإني أنام، وأصلي، وأصوم، وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًان فصم وأفطر، وصل ونم\".\n٧٢ - * روى مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء ﵀ قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تزكوا أنفسكم أعلم بأهل البر منكم\" فقالوا: بم نسميها؟ فقال: \"سموها زينب\".\n٧٣ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ \"ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة\".\n٧٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن هشام ﵁، قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذٌ بيد عم بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب من كل شيء، إلا نفسي، فقال النبي ﷺ: \"لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك\" فقال له عمر: فإنه الآن، [والله] لأنت أحب إلى من نفسي، فقال له النبي ﷺ: \"الآن يا عمر\".\n_________\n٧١ - أبو داود (٢/ ٤٨) كتاب الصلاة باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة.\nورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق، لكن يشهد له أحاديث صحاح.\n٧٢ - مسلم (٣/ ١٦٨٨) ٣٨ - كتاب الآداب ٣ - باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن.\nوأبو داود (٤/ ٢٨٨) كتاب الآداب ٧١ - باب في تغيير الاسم القبيح.\n٧٣ - الترمذي (٤/ ٦٠٢) ٢٧ - كتاب الزهد ٥٦ - باب ما جاء في الصبر على البلاء.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح وهو كما قال.\n٧٤ - البخاري (١١/ ٥٢٣) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور ٣ - باب كيف كان يمين النبي ﷺ.","vol":"1","page":64},{"text":"٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: \"يا معشر قريشٍ- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئًا يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا\".\nوفي رواية نحوه (٢)، ولم يذكر فيه \"يا بني عبد مناف\" وذكر بدله: \"بني عبد المطلب\".\n٧٦ - * روي الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁، وقد سئل: بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربعٍ: لا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد، فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهرٍ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنةٌ، ولا يجتمع المشركون والمؤمنون بعد عامهم هذا\".\n٧٧ - * روي أبو داود عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الشيطان حساسٌ لحاسٌ، فأحذروه على أنفسكم، من بات وفي يده ريح غمرٍ فأصابه شي فلا يلومن إلا نفسه\".\n_________\n٧٥ - البخاري (٥/ ٣٨٢) ٥٥ - كتاب الوصايا ١١ - باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب.\nمسلم (١/ ١٩٢) ١ - كتاب الإيمان ٨٩ - باب قوله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين).\n(٢) مسلم في الموضع السابق.\n٧٦ - الترمذي (٣/ ٢٢٢) ٧ - كتاب الحج ٤٤ - باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا.\nوقال: حديث حسن صحيح. وإسناده قوي.\n٧٧ - أبو داود (٣/ ٣٦٦) كتاب الأطعمة ٥٣ - باب في غسل اليد من الطعام.\nوالترمذي (٤/ ٢٨٩) ٢٦ - كتاب الأطعمة ٤٨ - باب ما جاء في كراهية البيتوتة وفي يده ريح غمر.\nوابن ماجه (٤/ ١٠٩٦) ٢٩ - كتاب الأطعمة ٢٢ - باب من بات وفي يده ريح غمر.\nورواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري.\nمجمع الزوائد (٥/ ٣٠) وهو حديث حسن بشواهده. وعزاه الهيثمي من رواية ابن عباس إلى البزار والطبراني في الأوسط بأسانيد رجال أحدهما رجال الصحيح خلا الزبير بن بكار وهو ثقة وقد تفرد به كما قال الطبراني.\n(حساس): كثير الحس والإدراك.\n(لحاس): كثير اللحس لما يصل إليه.\n(غمر): الغمر: ريح اللحم وزهومته. والزهومة: دسم اللحم.","vol":"1","page":65},{"text":"٧٨ - * روى أبو داود عن ثوبان ﵁، قال: قال رسول ﷺ: \"ثلاث لا تحل لأحد أن يفعلن: لا يؤمن رجل قومًا فيخض نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل فقد خانهم، ولا يصلي وهو حقن، حتى يتخفف\".\n٧٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى النبي ﷺ يومًا، ثم انصرف، فقال: \"يا فلان\"، ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلى إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي\".\n٨٠ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول ﷺ: \" لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ﷿ ساعة نيل، فيها عطاء، فيستجيب لكم\"\n٨١ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكي ثم قال: \"يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها\".\nوفي رواية قال له: \"يا أبا ذر، إني آراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيمٍ\".\n_________\n٧٨ - أبو داود (١/ ٢٢) كتاب الطهارة ٤٣ - باب أيصلي الرجل وهو حاقن.\nورواه بنحوه أحمد (٥/ ٢٨٠)، والترمذي (٢/ ١٨٩) كتاب الصلاة- باب ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء. وهو حديث حسن.\n٧٩ - مسلم (١/ ٣١٩) ٤ - كتاب الصلاة ٢٤ - باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها.\nوالنسائي (١/ ١١٩) كتاب الإمامة ٦٣ - باب الركوع دون الصف.\n٨٠ - أبو داود (٢/ ٨٨) كتاب الصلاة- باب النهي عن أن يدعو الإنسان على أهله وماله.\nوهو قطعه من حديث جابر الطويل عند مسلم (٤/ ٢٣٠١) ٥٣ - كتاب الزهد والرقاق ١٨ - باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر. ورواه ايضًا ابن حبان في صحيحه- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٤/ ١٦).\n٨١ - مسلم (٣/ ١٤٥٧) ٣٣ - كتاب الإمارة ٤ - باب كراهة الإمام بغير ضرورة.\nوروى أبو داود الرواية الثانية (٣/ ١١٤) كتاب الوصايا- باب ما جاء في الدخول في الوصايا.","vol":"1","page":66},{"text":"٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس من نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه سن القتل أولًا\".\n٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيب الزاني، والنفس والتارك لدينه، المفارق للجماعة\".\n٨٤ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁، قال: أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه.\nأقول: أجاز الفقهاء الصلاة على من قتل نفسه، ولعل الرسول ﷺ لم يصل عليه زجرًا للناس أن يفعلوا مثل فعله.\n٨٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فضحك، فقال: \"هل تدرون مم أضحك؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: \"من مخاطبة العبد ربه، فيقول: يارب ألم تجرني من الظلم؟ [قال]: يقول بلى:\n_________\n٨٢ - البخاري (٦/ ٣٦٤) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء ١ - باب خلق آدم وذريته.\nومسلم (٣/ ١٣٠٤) ٢٨ - كتاب القسامة ٧ - باب بيان إثم من سن القتل.\nوالترمذي (٥/ ٤٢) ٤٢ - كتاب العلم ١٤ - باب ما جاء الدال على الخير كفاعله.\nوالنسائي (٧/ ٨٣) ٣٧ - كتاب تحريم الدم ١ - باب تحريم الدم.\n٨٣ - البخاري (١٢/ ٢٠١) ٨٧ - كتاب الديات ٦ - باب قول الله تعالى (أن النفس بالنفس ...).\nومسلم (٣/ ١٣٠٢) ٢٨ - كتاب القسامة ٦ - باب ما يباح به دم المسلم.\nوأبو داود (٣/ ١٢٦) كتاب الحدود- باب الحكم فيمن ارتد.\nوالترمذي (٤/ ٤٩) ١٥ - كتاب الحدود ١٥ - باب ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه ...\nوالنسائي (٧/ ٩٠) ٣٧ - كتاب تحريم الدم ٥ - ذكر ما يحل به دم المسلم.\n٨٤ - مسلم (٢/ ٦٧٢) ١١ - كتاب الجنائز ٣٧ - باب ترك الصلاة على القاتل نفسه.\nوالنسائي (٤/ ٦٦) ٢١ - كتاب الجنائز ٦٨ - باب ترك الصلاة على من قتل نفسه.\nوأخرجه الترمذي (٣/ ٣٨٠) ٨ - كتاب الجنائز ٦٨ - باب ما جاء فيمن قتل نفسه. ولم يذكر المشاقص.\n(بمشاقص): المشاقص، جمع مشقص، وهو من النصال ما طال وعرض، وقيل: هو سهم له نصل عريض.\n٨٥ - مسلم (٤/ ٢٢٨٠) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق.","vol":"1","page":67},{"text":"فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، والكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلي بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل\".\n٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"بينما رجلٌ يمشي في حلةٍ تعجبه نفسه، مرجل رأسه، يختال في مشيته إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة\".\n٨٧ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يكن أحدكم إمعةً يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن لا تظلموا\".\n_________\n= فيختم على فيه: أي على فمه.\n٨٦ - البخاري (١٠/ ٢٥٨) ٧٧ - كتاب اللباس ٥ - باب من جر ثوبه من الخيلاء.\nمسلم (٣/ ١٦٥٣) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة ١٠ - باب تحريم التبختر في المشي، مع إعجابه بثيابه.\n(مرجل): شعر مرجل: أي مسرح.\n٨٧ - الترمذي (٤/ ٣٦٤) ٢٨ - كتاب البر والصلة ٦٣ - باب ما جاء في الإحسان والعفو.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n(الإمعة): هو الذي لا رأى له، فيواتي الناس بالخير والشر.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>٢ - نصوص في النفس ويراد بها الروح</span>\nقال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (١).\n﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٢).\n﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣).\n٨٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفة عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فأحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين\".\nفي رواية للترمذي (٥): أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا قام أحدكم عن فراشه، ثم رجع [إليه] فلينفضه بصنفة ثوبه، ثلاث مرات، وليقل: باسمك ربي وضعت جنبي [إليه] فلينفضه بصنفة بصنفة ثوبه، ثلاث مرات، وليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه .. \" الحديث- وزاد في آخره: \"فإذا استيقظ فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي، وأذن لي بذكره\".\n٨٩ - * روى الجماعة إلا الترمذي عن عائشة ﵂، أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: أمي أفتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقت عنها؟\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٩٣.\n(٢) سورة الأعراف: ١٧٢.\n(٣) سورة الزمر: ٤٢.\n٨٨ - البخاري (١١/ ١٢٦) ٨٠ - كتاب الدعوات ١٢ - باب التعوذ والقراءة عند المنام.\nومسلم (٤/ ٢٠٨٤) ٤٨ - كتاب الذكر ١٧ - باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع.\nالترمذي (٥/ ٤٧٢) ٤٩ - كتاب الدعوات ٢٠ - باب منه.\n(داخلة): الإزار: طرفه. وصنفته: طرفه أيضًا من جانب هدبه وقيل: من جانب حاشيته.\n(خلفه عليه): خلف فلان فلانًا: إذا قام مقامه. والمراد: ما يكون قد دب على فراشه بعد مفارقته له.\n٨٩ - البخاري (٣/ ٢٥٤) ٢٣ - كتاب الجنائز ٩٥ - باب موت الفجاءة، البغتة.\n(٤) ومسلم (٢/ ٦٩٦) ١٢ - كتاب الزكاة ١٥ - باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه.=","vol":"1","page":69},{"text":"قال: \"نعم\".\nوفي رواية: افتلتت نفسها ولم ترص ... وذكر نحوه.\n٩٠ - * روى النسائي عن عبد الرحمن بن أبي عميرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من نفسٍ مسلمةٍ يقبضها ربها تحب أن ترجع إليكم وأن لها الدنيا وما فيها، غير الشهيد\".\nقال ابن أبي عميرة: قال رسول الله ﷺ: \"لأن أقتل في سبيل الله أحب إليَّ من أن يكون لي أهل الوبر والمدر\"\n٩١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله تعالى: من عادى لي وليًا، فقد آذنته بجرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطشن بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذ بي أعذته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته\".\nقال الحافظ في الفتح حول هذا الحديث: قال الخطابي: التردد في حق الله غير جائز والبداء عليه في الأمور سائغ. ولكن له تأويلان: أحدهما أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه وفاقة تنزل به فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع عنه مكروهها، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرًا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه ولابد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء\n_________\n=وأبو داود (٣/ ١١٨) كتاب الوصايا- باب ما جاء فيمن مات من غير وصية يتصدق عنه.\nوالنسائي (٦/ ٢٥٠) ٣٠ - كتاب الوصايا ٧ - باب إذا مات الفجأة هل يستحب لأهله أن يتصدقوا عنه.\n(افتلتت نفسها): افتلتت نفس فلان: أي مات فجاة كأن نفسه أخذت فجأة.\n٩٠ - النسائي (٦/ ٣٣) ٢٥ - كتاب الجهاد ٣٠ - باب تمني القتل في سبيل الله تعالى.\nوأحمد (٤/ ٢١٦). وسنده حسن.\n(أهل الوبر): أي أهل الخيام. أي البدو.\n(أهل المدر): أي أهل الحجارة والطين. أي أهل المدن.\n٩١ - البخاري (١١/ ٣٤٠) ٨١ - كتاب الرقاق ٣٨ - باب التواضع.","vol":"1","page":70},{"text":"لنفسه. والثاني أن يكون معناه ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدي إياهم في نفس المؤمن، كا روي في قصة موسى وما كان من لطمه عين ملك الموت وتردده إليه مرة بعد أخرى، قال: وحقيقة المعنى على الوجهين عطف الله على العبد ولطفه به وشفقته عليه. وقال الكلاباذي ما حاصله إنه عبر عن صفة الفعل بصفة الذات، أي عن الترديد بالتردد، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبته للموت فيقبض على ذلك. قال: وقد يحدث الله في قلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه والمحبة للفائه ما يشتاق معه إلى الموت فضلا عن إزالة الكراهة عنه، فأخبر أنه يكره الموت ويسوؤه ويكره الله مساءته فيزيل عنه كراهية الموت لما يورده عليه من الأحوال، فيأتيه الموت وهو له مؤثر وإليه مشتاق. قال: وقد ورد تفعل بمعنى فعل مثل تفكر وفكر وتدبر ودبر وتهدد وهدد والله أعلم.\nوعبر ابن الجوزي عن الثاني بأن التردد للملائكة الذين يقبضون الروح وأضاف الحق ذلك لنفسه لأن ترددهم عن أمره، قال: وهذا التردد ينشأ عن إظهار الكراهة. فإن قيل: إذا أمر الملك بالقبض كيف يقع منه التردد؟ فالجواب أنه يتردد فيما لم يحد له فيه الوقت: كأن يقال لا تقبض روحه إلا إذا رضي. ثم ذكر جوابًا ثالثًا وهو احتمال أن يكون معنى التردد اللطف به كأن الملك يؤخر القبض، فإنه إذا نظر إلى قدر المؤمن وعظم المنفعة به لأهل الدنيا احترمه فلم يبسط يده إليه، فإذا ذكر أمر ربه لم يجد بدًا من امتثاله. وجوابًا رابعًا وهو أن يكون هذا خطابًا لنا بما نعقل والرب منزه عن حقيقته، بل هو من جنس قوله \"ومن أتاني يمشي أتيته هرولة\" فكما أن أحدنا يريد أن يضرب ولده تأديبًا فتمنعه المحبة وتبعثه الشفقة فيتردد بينهما ولو كان غير الوالد كالمعلم لم يتردد بل كان يبادر إلى ضربه لتأديبه فأريد تفهيمنا تحقيق المحبة للولي بذكر التردد، وجوز الكرماني احتمالا آخر وهو أن المراد أنه يقبض روح المؤمن بالتأني والتدريج، بخلاف سائر الأمور فإنها تحصل بمجرد قول كن سريعًا دفعة اهـ.","vol":"1","page":71},{"text":"٩٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه\".\n* * *\n_________\n٩٢ - الترمذي (٣/ ٣٩٠) ٨ - كتاب الجنائز ٧٦ - باب ما جاء عن النبي ... ألخ.\nوإسناده حسن. قال الترمذي: هذا حديث حسن.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>٣ - نصوص في النفس ويراد بها الروح بعد تلبسها بالجسد</span>\nقال تعالى:\n﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (١).\n﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢).\n﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (٣).\n﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٤).\n﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٥).\n﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ (٦).\n﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٧).\n﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٨).\n﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٩).\n﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (١٠).\n﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (١١).\nومن نصوص السنة:\n_________\n(١) القيامة: ٢.\n(٢) النازعات: ٤٠.\n(٣) الفجر: ٢٧، ٢٨.\n(٤) الشمس: ٧، ٨.\n(٥) ق: ١٦.\n(٦) الحشر: ٩.\n(٧) يوسف: ٥٣.\n(٨) يوسف: ١٨.\n(٩) البقرة: ١٠٩.\n(١٠) المائدة: ٧٠.\n(١١) الفرقان: ١١.","vol":"1","page":73},{"text":"٩٣ - * روى البخاري عن ابن عباسٍ ﵂، قال: ما رأيتُ شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة إنَّ النبي ﷺ قال: \"إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذللث أو يكذبه\".\n٩٤ - * روى الجاعة إلا الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"يفقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقدٍ، يضرب على كل عقدةٍ مكانها، عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فان استيقظ فذكر الله انحلت عقدةٌ، فإن توضأ انحلت عقدةٌ، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان\".\n٩٥ - * روى مسلم عن زيد بن أرقم ﵁، قال: - وقد سئل عما سمع رسول الله ﷺ يقول: كان يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجين والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، ورزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهمَّ إني أعوذ بك من علم لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا تُستجاب\".\n٩٦ - * روى الترمذي عن فضالة بن عبيدٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"المجاهد من جاهد نفسه\".\n_________\n٩٣ - البخاري (١١/ ٥٠٣) ٨٢ - كتاب القدر ٩ - باب ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ...﴾.\nومسلم (٤/ ٢٠٤٦) ٤٦ - كتاب القدر ٥ - باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره.\nوأبو داود (٢/ ٢٤٦) كتاب النكاح ٤٣ - باب ما يؤمر به من غض البصر.\n٩٤ - البخاري (٣/ ٢٤) ١٩ - كتاب التهجد ١٢ - باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل.\nومسلم (١/ ٥٣٨) ٦ - كتاب صلاة المسافرين ٢٨ - باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح.\nوأبو داود (٢/ ٣٢) أبواب التطوع ١٨ - باب قيام الليل.\nوالنسائي (٣/ ٢٠٣) ٢٠ - كتاب قيام الليل وتطوع النهار، ٥٥ - باب الترغيب في قيام الليل.\nومالك (١/ ١٧٦) ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر ٢٥ - باب جامع الترغيب في الصلاة.\n٩٥ - مسلم (٤/ ٢٠٨٨) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء ١٨ - باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل.\n٩٦ - الترمذي (٤/ ١٦٥) ٢٣ - كتاب فضائل الجهاد ٢ - باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا، وقال حديث حسن صحيح. وأحمد (٦/ ٢٠، ٢٢). وإسناده حسن.","vol":"1","page":74},{"text":"٩٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵂، أن رسول الله ﷺ رأي امرأة، فأتى امرأته زينب، وهي تمعس منيئة [له]، فقضى حاجته منها، ثم خرج إلى أصحابه، فقال: \"إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدبرُ في صورة شيطانٍ، فإذا أبصر أحدُكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه\".\n٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس\".\n٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن حنيف ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يقولن أحدكم: خبُثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي\".\n_________\n٩٧ - مسلم (٢/ ١٠٢١) ١٦ - كتاب النكاح ٢ - باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه ... ألخ.\n(تمعس منيئة): تدبغ إهابًا. ويقال: منيئة ما دام في الدباغ، وأصل المعس: المعك والدلك.\n٩٨ - البخاري (١١/ ٢٧١) ٨١ - كتاب الرقاق ١٥ - باب الغنى غنى النفس.\nومسلم (٢/ ٢٧٦) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٠ - باب ليس الغنى عن كثرة العرض.\nوالترمذي (٤/ ٥٨٦) ٣٧ - كتاب الزهذ ٤٠ - باب ما جاء أن الغنى غنى النفس.\n٩٩ - البخاري (١٠/ ٥٦٣) ٧٨ - كتاب الأدب ١٠٠ - باب لا يقل خبثت نفسي.\nومسلم (٤/ ١٧٦٥) ٤٠ - كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها ٤ - باب كراهة قول الإنسان خبثت نفسي.\n(لقست نفسي من الشيء تلقس): إذا غثث، واللقس: الغثيان، وإنما كره \"خبثت\" هربًا من لفظ الخبث.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>٤ - نصوص في النفس ويراد بها القلب</span>\nقال الله تعالى:\n﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (١).\n﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ (٢).\n﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ (٣).\n﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).\n﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٥).\nمن النصوص النبوية:\n١٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا نودي الصلاة أدبر الشيطان له ضُراط حتى لا يسمع التأذين، حتى إذا قضي التثويب، أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، واذكر كذا، لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى\".\n١٠١ - * روى أبو داود عن أبي رافع ﵁، قال: بعثني قريش إلى رسول الله ﷺ، فلما رأيت رسول الله ﷺ ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله ﷺ: \"إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع\". قال: فذهبت، ثم أتيت رسول الله ﷺ، فأسلمت.\n_________\n(١) الأحزاب: ٣٧.\n(٢) يوسف: ٧٧.\n(٣) آل عمران: ١٥٤.\n(٤) النساء: ٦٥.\n(٥) النمل: ١٤.\n١٠٠ - البخاري (٢/ ٨٤) ١٠ - متاب الأذان ٤ - باب فضل التأذين.\nومسلم (١/ ٣٩١) ٤ - كتاب الصلاة ٨ - باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه.\n١٠١ - أبو داود (٣/ ٨٢) كتاب الجهاد ١٥١ - باب في الإمام يستجن به في العهود. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":76},{"text":"قال أبو داود: وكان أبو رافع قبطيًا، قال: وإنما كانوا يردون أول الزمان، وأما الآن فلا يصلح.\n١٠٢ - * روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق\". قال ابن المبارك فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ.\n١٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة\".\nقال الحافظ في الفتح:\nقوله: (ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة) قال ابن بطال: وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد بالتقرب إليه ووصفه بالإتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الأجسام وذلك في حقه تعالى محال، فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب، فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبرًا وذراعًا وإتيانه ومشيه معناه التقرب إليه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله ويكون تقربه سبحانه من عبده وإتيانه والمشي عبارة عن إثباته على طاعته وتقربه من رحمته، ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا، وثقل عن\n_________\n١٠٢ - مسلم (٣/ ١٥١٧) ٣٣ - كتاب الإمارة ٤٧ - باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو.\nوأبو داود (٢/ ١٠) كتاب الجهاد ١٧ - باب كراهية ترك الغزو. وعنده: \"شعبة نفاق\".\nوالنسائي (٦/ ٨) ٢٥ - كتاب الجهاد ٢ باب التشديد في ترك الجهاد.\n١٠٣ - البخاري (١٣/ ٣٨٤) ٩٧ - كتاب التوحيد ١٥ - باب قول الله تعالى (ويحذركم الله نفسه).\nومسلم (٤/ ٢٠٦١) ٤٨ - كتاب الذكر ١ - باب الحث على ذكر الله تعالى.\nوالترمذي (٥/ ٥٨١) ٤٩ - كتاب الدعوات ١٣٢ - باب في حسن الظن بالله ﷿.\n(الملأ): أشراف الناس، ورؤساؤهم الذين يرجعون إلى أقوالهم.","vol":"1","page":77},{"text":"الطبري أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر منه والضعف من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلًا على مبلغ كرامته لمن أدمن على طاعته أن ثواب عمله له على عمله الضعف وأن الكرامة مجاوزة حده إلى ما يثيبه الله تعالى، وقال ابن التين: القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ فإن المراد به قرب التربة وتوفير الكرامة، والهرولة كناية عن سرعة الرحمة إليه ورضا الله عن العبد وتضعيف الأجر، قال: والهرولة ضرب من المشي السريع وهي دون العدو. وقال صاحب المشارق: المراد بما جاء في هذا الحديث سرعة قبول توبة الله للعبد أو تيسير طاعته وتقويته عليه وتمام هدايته وتوفيقه والله أعلم بمراده. ا. هـ.\n١٠٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول \"والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية. تغزو في سبيل الله، ولوددت أني أقتل في سبيل الله. ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل\".\n١٠٥ - * روى أبو داود عن معاذ ابن جبل ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقًا من نفسه، ثم مات أو قتل: كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحًا في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله، فإن عليه طابع الشهداء\".\n_________\n١٠٤ - البخاري (٦/ ١٦) ٥٦ - كتاب الجهاد ٧ - باب تمني الشهادة.\n١٠٥ - أبو داود (٣/ ٢١) كتاب الجهاد ٤٠ - باب فيمن سأل الله تعالى الشهادة.\nالترمذي (٤/ ١٨٣، ١٨٥) ٢٣ - كتاب فضائل الجهاد ١٩ - باب ما جاء فيمن سأل الشهادة، و٢١ - باب ما جاء فيمن يكلم في سبيل الله وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nالنسائي (٦/ ٢٥) ٢٥ - كتاب الجهاد ٢٥ - كتاب ثواب من قاتل في سبيل الله فواق ناقة.\nابن ماجه (٢/ ٩٣٣) ٢٤ - كتاب الجهاد ١٥ - باب القتال في سبيل الله ﷾.\nوأخرجه ابن حبان - الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٧/ ٦٧). والحاكم في المستدرك (٢/ ٧٧) وصححه.","vol":"1","page":78},{"text":"وبعد: فهذه نصوص في الجسد والعقل والقلب والروح والنفس بدأنا بها قسم العقائد لأن لها صلة بها، ثم إن لها صلة بالتكليف الذي هو الفصل الثاني من هذا الباب: فهناك تكاليف للذات وهناك تكاليف جسدية، والنية وأصل الإيمان لابد منهما لقبولها، وهناك تكاليف للنفس، ومن تكاليفها أن تزكى من الأمراض كالحسد والعجب والكبر. وهناك تكاليف للقلب أن يؤمن وأن ينور، وللروح ارتباط بهذا كله فهي المكلفة بالعبودية لله، وكل ما كلف به الإنسان إنما هو تحقيق لما كلفت له الروح من العبودية لله رب العالمين، لهذه الأسباب وغيرها قدمنا هذا الفصل، فقد رأينا أن بعض الناس يغلطون في فهم هذه المصطلحات الشرعية ويترتب على الغلط فيها شر كبير وانحراف خطير، وها نحن ننتقل إلى الفصل الثاني لنعرف بالتكليف وماهيته وشروطه ثم ننتقل إلى الحديث عن الإسلام والإيمان اللذين كلف الله بهما عباده.\n* * *","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفصل الثاني\nفي\nالتكليف ومسؤولية الإنسان أمام الله ﷿</span>\nوفيه:\nمقدمة نصوص ونقول ومسائل","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المقدمة</span>\nجعل الله ﷿ الإنس والجن مسؤولين أمامه، مكلفين بالعبادة والعبودية له ومحاسبين على ذلك ومجازين عليه في الدنيا وفي الآخرة. قال تعالى:\n﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).\n﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا﴾ (٢).\nفالإنسان من المخلوقات المحسوسة هو المكلف الوحيد، والجن من المخلوقات المغيبة هم المكلفون الوحيدون.\nوالتكليف الشرعي في الاصطلاح هو طلب الله ﷿ من المكلفين ما فيه كلفة في الفعل أو الترك، ويدخل في الفعل الفريضة والواجب والمندوب، ويدخل في الترك الحرمة والكراهة.\nقال البغدادي: التكليف في اللغة مأخوذ من الكلفة وهي التعب والمشقة ثم أطلق التكليف في الشرع الأمر والنهي.\nوالتكليف منوط بالعقل وببلوغ الدعوة، وبالبلوغ وبوجود ما به يدرك الخطاب من الحواس، فمن ولد أعمى أصم أو أصابه العمى والصم قبل أن يعقل الخطاب لا يعتبر مكلفًا لأن شرط التكليف فهم الخطاب، أما إذا كان سميعًا أعمى أو أصم مبصرًا يستطيع الفهم فهو مكلف بقدر ما يفهم، أما العقل فلا تكليف إلا به، ألا ترى أن الله ﷿ خاطب الناس بقوله ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣) فمن لا عقل له لا حجة عليه، وأما بلوغ الرسالة فهو شرط من شروط التكليف فمن لم تبلغه الرسالة لا يكون مكلفًا. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٤).\n_________\n(١) الذاريات: ٥٦.\n(٢) الأنعام: ١٣٠.\n(٣) البقرة: ٤٤.\n(٤) النساء: ١٦٥.","vol":"1","page":83},{"text":"﴿كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١).\n﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٢).\nومن ﵀ ﷿ أنه لم يجعل الإنسان مكلفا قبل البلوغ وذلك لقصور عقله من استيعاب التكليف والقيام بحقوقه قبل ذلك لكن الشارع كلف أهل الولاية عليه أن يؤدبوه ليؤهلوه للقيام بالتكليف بعد البلوغ.\nوإذا أردنا أن نعرف التكليف باختصار فإننا نصفه بأنه معرفة الله والرسول ﷺ والإسلام والقيام لله ﷿ بحقوق العبادة والعبودية وبإقامة ما يطلب من المكلف من الإسلام.\n* * *\nإن مسئولية الإنسان أمام الله ﷿ من أخطر القضايا تأثيرًا على السلوك البشري ومن أعظم القضايا التي يجب على الإنسان أن يعرفها، فالإنسان الذي لا يستشعر مسئوليته أمام الله ﷿ يجب أن ينطلق بلا حدود، ومن ها هنا تأتي فكرة حيوانية الإنسان وما يترتب عليه من فوضى شاملة، وتأتي فكرة إتباع الأهواء وما يترتب عليها من خراب شامل، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (٣).\nأما إذا أقر الإنسان بمسئوليته أمام الله ﷿، واعترف بذلك واعتنق دينه الحق الإسلام، وعرف أنه مجازي على ذلك أمامه في حياة أخرى، فإن ذلك أمامه في حياة أخرى، فإن ذلك ينبثق عنه كل خير. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٤).\n_________\n(١) الإسراء: ١٦٥.\n(٢) الأنعام: ١٩.\n(٣) المؤمنون: ٧١.\n(٤) إبراهيم: ٢٤، ٢٥.","vol":"1","page":84},{"text":"ولقد جعل الله ﷿ مسئولية الإنسان في رسالة الخاتمة تنحصر بالتسليم له بالإسلام الذي أنزله على محمد ﵊.\nوإن فهم الإسلام والتكاليف التي يطالب به كل إنسان وهو ما يسمى بالمطلوبات العينية وفهم ما تطالب به الأمة الإسلامية ومما يطلق عليه اسم المطلوبات الكفائية، من أوجب الواجبات على كل مسلم، وقد فصلنا ذلك في كتاب: \"كي لا نمضي بعيدًا عن احتياجات العصر\". وذكرنا هناك تفصيلات للمطلوبات العينية والكفائية، وذكرنا أن المسلم لو استهدى بتفصيلات هذه الشئون لكفاه ذلك للوصول إلى سيادة العالم بإذن الله، ولنال بذلك الخلود الأبدي في نعيم الله وجنته، ومن رحمة الله أن جعل التكليف بالإسلام في دائرة اليسر ورفع الحرج، وجعله متوطًا بالطاقة، فكل ما لا يدخل في دائرة الوسع أو يدخل الإنسان في دائرة الحرج فقد خفف الله ﷿ فيه.\nوتفصيلات هذا الأمر أكبر من أن يحاط بها ولذلك فإننا ها هنا سنقتصر على لباب من النقول وعلى أصول من النصوص نردك فيها الكثير مما ذكرناه في مقدمة هذا الفصل.\n* * *","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>١ - نصوص ونقول في التكليف</span>\nقال تعالى:\n﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (١).\n﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢).\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣).\n﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٤).\n﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٥).\n﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٦).\nومن نصوص السنة المتعلقة بالتكليف:\n١٠٦ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن اله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، وما لم يعملوا به أو يتكلموا\".\nولفظ أبي داود: \"إن الله تجاوز لأمتي ما لم تكلم به أو تعمل به، وما حدثت به أنفسها\".\n_________\n(١) القيامة: ٣٦.\n(٢) البقرة: ١٩.\n(٣) البقرة: ١٨٥.\n(٤) الأنعام: ١٩.\n(٥) الإسراء: ١٥.\n(٦) الإسراء: ٢٦.\n١٠٦ - البخاري (١١/ ٥٤٨) - كتاب الأبمان والنذور، ١٥ - باب إذا حنث ناسيا في الأيمان.\nمسلم (١/ ١١٦، ١١٧) ١ - كتاب الإيمان، ٥٨ - باب تجاوز الله عن حديث النفس ... الخ.\nأبو داود (٢/ ٢٦٤) كتاب الطلاق، ١٥ - باب في الوسوسة بالطلاق.\nالترمذي (٣/ ٤٨٩) ١١ - كتاب الطلاق، ٨ - باب ما جاء فيمن يحدث بطلاق امرأته.\nالنسائي (٦/ ١٥٦) ٢٧ - كتاب الطلاق، ٢٢ - باب من طلق في نفسه.","vol":"1","page":86},{"text":"١٠٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: أتى عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسًا، فأمر بها أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر لها [عمر] أن ترجم، فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ؟ - وفي رواية: يفيق -، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟ فقال: بلى، قال: فما بال هذه؟ قال: لا شيء، [فأرسلها]، قال: فأرسلها عمر، قال: فجعل يكبر.\nوفي أخرى: قال له أو ما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم\"؟ قال: صدقت فخلى عنها.\nوفي أخرى قال: أتى عمر بامرأة قد فجرت، فأمر برجمها، فمر علي، فأخذها، فخلى سبيلها، فاخبر عمر، فقال: ادعوا لي عليا، فجاء علي، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ\".\nوإن هذه معتوهة بني فلان، لعل الذي أتاها أتاها في بلائها.\n١٠٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة، رفعه: \"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار\".\n(الأمة): هنا: أمة الدعوة وهم المكلفون من الإنس والجن، وإذا كان اليهود\n_________\n١٠٧ - أبو داود (٤/ ١٤٠) كتاب الحدود، ١٦ - باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا.\nقال محقق الجامع: وإسناده حسن وهو حديث صحيح بطرقه.\n(فجرت): الفجور: الزنا.\n(المعتوه): المجنون المصاب في عقله.\n١٠٨ - مسلم (١/ ١٣٤) ١ - كتاب الإيمان، ٧٠ - باب وجوب الإيمان برسالة نبينا ﷺ.","vol":"1","page":87},{"text":"والنصارى يستحقون النار إذا لم يؤمنوا به وهم أهل دين سماوي في الأصل فمن باب أولى غيرهم.\nوهل مجرد السماع بمحمد ﷺ يوجب على من سمع به أن يبحث ثم يؤمن أو أنه السماع الذي تقوم به الحجة كأن يسمع من مسلم مباشرة أو بالواسطة؟\nقولان للعلماء:\nفالغزالي يرى أن بلوغ الدعوة الذي تقوم به الحجة هو ما كان عن طريق مسلم بشكل مباشر كالكلام المباشر، أو بشكل غير مباشر كالكتاب والخطاب، وفي عصرنا تكاد الحجة أن تكون قد قامت على كل إنسان، فما من إنسان إلا وقد سمع عن الإسلام ورسوله بواسطة المذياع أو التلفاز أو المجلة أو المحاضرات أو الدعوة المباشرة أو الخلطة لمسلم.\nوكان شيخنا الحامد (﵀) يرى أالحجة في عصرنا قد قامت على كل إنسان بما شاع واستفاض عن بعثة محمد ﷺ مما يوجب على الإنسان البحث والسؤال، فإذا لم يفعل فهو المقصر.\nوهل هناك مخففات في حق بعض الناس؟ وهل هذه المخففات تعفي من العقاب والحساب فتسقط التكليف أو أنها تقتضي تكليفًا آخر يوم القيامة؟ إن الحديث اللاحق يجيب على هذا:\n١٠٩ - * روى أحمد عن الأسود بن سريع، أن نبي الله ﷺ قال: \"أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترةٍ: فأما الأصم فيقول لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق: فيقول\n_________\n١٠٩ - أحمد (٤/ ٢٤).\nوالطبراني (١/ ٢٨٧).\nقال في مجمع الزوائد (٧/ ٢١٦):\nرواه أحمد والبزار إلا أنه قال يعرض على الله الأصم الذي لا يسمع شيئًا والأحمق والهرم ورجل مات في الفترة. رواه الطبراني بنحوه وذكر بعده إسنادًا إلى أبي هريرة قال مثل هذا الحديث غير أنه قال في آخره فمن دخلها كانت عليها بردًا وسلامًا ومن لم يدخلها يسحب إليها. هذا لفظ أحمد ورجاله في طريق الأسود بن سريع وأبي هريرة رجال=","vol":"1","page":88},{"text":"يارب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول يارب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأما الذي مات في فترة فيقول: ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار. فو الذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلامًا\".\nوفي الحديث: إشارة إلى ثقل التكليف بالإيمان بالغيب، فإنه لا يعدل ذلك إلا أن يمتحن الإنسان بعد أن ينكشف الغيب بأن يؤمر في دخول النار، وما أشده امتحان؟ وما أثقل الإيمان بالغيب في الميزان؟؟؟\nقلنا إن شروط التكليف: العقل والبلوغ وبلوغ الدعوة ووجود الحواس التي يتأتى بها فهم الخطاب، ولفهم الموضوع البلوغ نذكر ما قاله أبو زهرة في كتابه أصول الفقه:\n\"ولكن ما هو حد البلوغ الذي يخرج بع الغلام من دور الصبا إلى دور الرجولة المكلفة المتحملة للتبعات؟ قالوا إنه يكون ببلوغه النكاح، فالجارية برؤيتها الحيض، والغلام بالاحتلام، وذلك لأن القرآن حد البلوغ يبلغ النكاح، أي الصلاحية لاستيفاء حقوق ذلك العقد، إذ يقول تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وإن الأمارات الحسية هي التي تدل على بلوغ النكاح، والشارع يعتبر الأمور مغيرة للأحكام بأمارات حسية.\nوإذا لم تظهر هذه الأمارات الحسية في إبان المراهقة، اعتبر البلوغ بالسن، وجمهور الفقهاء يعتبرون سن البلوغ خمسة عشر عاما\" ا. هـ.\nأقول:\nوالحمل في حق المرأة ينوب مناب الحيض، والإنزال بالنسبة للرجل ينوب مناب الاحتلام، والمراد بالبلوغ في السن: السنون القمرية، وهاتان روايتان حول البلوغ بغير السن: (١)\n_________\n= الصحيح وكذلك رجال البزار فيها. ا. هـ.\n(البعر): جمع بعرة: رجيع ذوات الحف وذوات الظلف إلا البقر الأهلي.","vol":"1","page":89},{"text":"١١٠ - * روى البخاري معلقًا عن الحسن بن صالح، قال: أدركت جارة لما جدة، بنت إحدى وعشرين سنة.\n١١١ - * أخرج البخاري تعليقا عن المغيرة بن مقسم الضبي ﵀، قال: احتلمت وأنا ابن ثنتي عشرة سنة.\nوبعد إذ أخذنا تصورًا عن شروط التكليف وعرفنا أنه بالعقل والبلوغ والتبليغ وجود الحاسة التي يفهم بها التبليغ تقوم الحجة على الإنسان فيكون مكلفًا بالإسلام، فإنه من المناسب أن نذكر أن الإنسان في دار الإسلام يعتبر مكلفًا حكمًا، وأما خارج دار الإسلام فلا يعتبر مبلغًا إلا إذا جاءه التبليغ من مسلم بشكل مباشر أو غير مباشر (على رأي الغزالي كما ذكرنا) سواء كان ذلك باللسان أو بالكتاب أو بوسيلة من وسائل الإعلام، أما إذا بلغته الصورة مشوشة عن كافر ولم يصل إليه الإسلام بواسطة صحيحة من الوسائط فقد ذهب الغزالي إلى أن التبليغ لم يحص له وهذا في غير دار الإسلام.\nوقال البغدادي في أصول الدين:\n\"وقد أصبحنا إن الواجبات كلها معلوم وجوبها بالشرع. وقالوا فيمن كان وراء السد أو في قطر من الأرض ولم تبلغه دعوة الإسلام ينظر فيه فإن اعتقد الحق في العدل والتوحيد وجهل شرائع الأحكام والرسل فحكمه حكم المسلمين وهو معذور فيما جهله من الأحكام لأنه لم يقم به الحجة عليه. ومن اعتقد منهم الإلحاد والكفر والتعطيل فهو كافر بالاعتقاد وينظر فيه فإن كان قد انتهت إليه دعوة بعض الأنبياء ﵈ فإن يؤمن بها كان مستحقا للوعيد على التأييد. وإن لم تبلغه دعوة شريعة بحال لم يكن مكلفا ولم يكن له في الآخرة ثواب ولا عقاب فإن عذبه الله في الآخرة كان ذلك عدلا منه ولم يكن عقابًا له كما أن إيلام\n_________\n١١٠ - البخاري (٥/ ٢٧٦) ٥٢٠ كتاب الشهادات ١٨ - باب بلوغ الصبيان وشهادتهم.\nقال الحافظ في \"الفتح\": وقد رويناه موصولًا في \"المجالسة\" للدينوري من طريق يحيي بن آدم نحوه، وأقل أوقات الحمل تسع سنين.\n١١١ - البخاري (٥/ ٢٧٦) ٥٢ - كتاب الشهادات ١٨ - باب بلوغ الصبيان وشهادتهم.\nقال الحافظ في \"الفتح\": جاء مثله عن عمرو بن العاص، فإنهم ذكروا أنه لم يكن بينه وبين ابنه عبد الله بن عمرو في السن سوى اثنتى عشرة سنة.","vol":"1","page":90},{"text":"الأطفال والبهائم في الدنيا عدل من الله تعالى وليس بعقاب لهم على شيء. وإن نعم عليه في الآخرة فهو فضل منه وليس بثواب له على الطاعة، كما أن إدخاله ذراري المسلمين الجنة فضل منه وليس بثواب على طاعة. وإن كان هذا الذي لم تبلغه دعوة الإسلام غير معتقد كفرًا ولا توحيدًا فليس بمؤمن ولا كافر فإن شاء الله عذبه في الآخرة عدلا وإن شاء عليه فضلا\" ا. هـ.\n* * *","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>مباحث في العذر بالجهل</span>\nولعلمائنا مباحث تصل إلى موضوعنا بسبب: يبحثونها عادة تحت عنوان الجهل بالأحكام متى يعتبر عذرًا، وقد لخص الشيخ أبو زهرة في كتابه أصول الفقه: هذه الأبحاث وهذه مستخلصات من كلامه:\nالأحكام الشرعية المقررة في الكتاب والسنة، والأمور التي انعقد الإجماع عليها لا يسع أحدا أن يخالفها بدعوى الجهل بها، فلا يعد هذا الجهل عذرًا مسوغًا، وذلك لمن يقيم في الديار الإسلامية.\nوهذا النوع من العلم هو الذي يسميه الشافعي ﵁ [علم] عامة لا يسع أحدًا أن يجهله. وذلك لأن العلم قسمان، تولى النص بيانها، ولنترك الكلمة للإمام العظيم، فهو يقول في رسالة الأصول:\n\"العلم علمان: علم عامة لا يسع أحدًا غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم رمضان وحج البيت إذا استطاع، وزكاة أموالهم، وأنه حرم عليهم القتل والزنى والسرقة وأموالهم، وأن يكفوا عما حرم عليهم منه، وهذا الصنف كله من العلم موجود نصًا في كتاب الله تعالى، وموجود عاما عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله ﷺ ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه، وهذا العلم هو الذي لا يمكن الغلط فيه من الخبر ولا التأويل ولا يجوز التنازع فيه\".\nوبهذا يتبين أن هذا العلم هو المأخوذ من صريح الكتاب والسنة المتواترة، والمشهور من الأحاديث الذي انعقد على أحكامه إجماع المسلمين.\nأما القسم الثاني فقد بينه الشافعي في الرسالة أيضًا، وسماه علم الخاصة، وهو ما ينوب العباد من فروع الفرائض، ولم يرد فيه نص صريح من كتاب أو سنة ولم ينعقد عليه إجماع.","vol":"1","page":92},{"text":"وإن هذا النوع من العلم يختص به الفقهاء الذين عكفوا على الدراسات الفقهية، وهو درجة عالية يسع العامة أن يجهلوه ولا يسع الفقهاء أن يهملوه. وبهذا يتبين أن الأصول العامة للمحرمات والفرائض تعتبر كل مقيم في الديار الإسلامية على علم بها، ولا يعذر بالجهل به، إلا في حال الاشتباه ولا يستثنى من ذلك الذميون الذين يقيمون في الديار الإسلامية. فلا يعذرون في الجهل بالحد والقصاص والديات وموجباتها، وغير ذلك مما يطبق عليهم من عقوبات تطبق على المسلمين، وذلك لأنهم يقيمون في الديار الإسلامية فيفترض فيهم مثلًا العلم بما يعلمه عامتهم من أن:\nالزنى يوجب الحد، وغير ذلك من العقوبات مع موجباتها، ولأنهم يقيمون مع المسلمين على أساس أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم.\nوإن الأحكام التفصيلية التي تؤخذ بالاستنباط بالأقيصة وغيرها من طرق الرأي لا يعرفها كما ذكرنا إلا الخاصة من علماء الشرع المتخصصين.\nهذا وإن الجهل بأحكام النصوص منه ما يكون عذرًا، ومنه ما لا عذر فيه، ولقد ضبط علماء الأصول ذلك في أقسام أربعة:\nالقسم الأول - جهل لا يعذر فيه صاحبه، ولا شبهة فيه كالردة بعد إيمان، وارتكاب ما نص القرآن نصاُ قاطعًا القرآن نصًا قاطعًا على تحريمه معتقدًا حلة، وكذلك ما تواتر وثبت بالإجماع، فإن الجهل بهذا إثم، والإثم لا يبرر الإثم.\nوقد ذكر علماء الأصول من ذلك جهل غير للسلم بالوحدانية، وجهله بالرسالة المحمدية إذا بلغ الدعوة الإسلامية على الوجه الصحيح. وأقيمت الأدلة القاطعة بصدقها، فإنهم قالوا إن ذلك جهل لا يعذر صاحبه.\nالقسم الثاني - جهل يعذر فيه الشخص لأنه موضع اشتباه من حيث الدليل، وذلك يكون في الجهل بالمسائل التي يحتاج فهمها إلى ضرب من التأويل والتفسير، وتكون هي محتملة للتأويل، والحق فيها لا يتبين إلا بعد الفحص والتأمل ....\nالقسم الثالث - الجهل في مواضع الاجتهاد، والجهل الذي لا تتوافر فيه أسباب العلم","vol":"1","page":93},{"text":"توافرًا تامًا، أو يكون الجهل معه شبهة أسقطت العقاب ....\nالقسم الرابع - الجهل بالأحكام الإسلامية في غير الديار الإسلامية وهو جهل قوي إلى درجة أن جمهور الفقهاء قال إنه تسقط عنه التكليفات الشرعية، حتى إنه لو أسلم رجل في دار الحرب، ولم يهاجر إلى الديار الإسلامية، ولم يعلم أنه عليه الصلاة والصوم والزكاة، ولم يؤد فرضًا من هذه الفرائض. فإنه لا يؤديها قضاء إذا علم، ووجهه انه بقبوله الإسلام صار ملتزمًا أحكامه وعليه أداؤها، ويعذر إذا لم يؤدها في وقتها، ولكن إذا علم فحكم الالتزام ثابت، ويجب عليه قضاء ما التزم.\nووجهة جمهور الفقهاء، أن دار الحرب ليست موضع بالأحكام الشرعية، فلم تستفض فيها مصادر الأحكام، ولم تشتهر، فكان الجهل جهلًا بالدليل، والجهل بالدليل يسقط التكليف، إذ لم يتوجه الخطاب.\nوعلى ذلك يتميز هذا القسم عن بقية الأقسام السابقة، بأن الجهل هنا ليس عذرًا فقط، بل إنه مسقط للخطاب.\nويجب أن نقرر هنا أنه إذا كان الجهل ليس موضوعه أمرًا من الأمور التي تعد من أصول الإسلام الثابتة بالكتاب والسنة، بل كان أمرًا هو موضوع اجتهاد واختلف فيه الفقهاء، واختار ولي الأمر الأخذ بأقوال بعض الأئمة، وأعلن ولي الأمر الأخذ به، فإن ذلك يكون موضوع عذر، حتى يشيع الإعلان بحيث لا يسع أحدًا أن يجهله\" ا. هـ. كلام أبي زهرة.\nأقول: هناك أمور معلومة من الدين بالضرورة، فهذه لا يعذر أحد بالجهل بها في دار الإسلام، فمن أنكرها أو جهلها كفر وبالتالي: لا يعتبر مسلمًا بسبب الجهل أو الإنكار، وفقهاء الحنفية يحكمون بكفره قبل أن يقر بها، فإذا أقر بها بعد البيان فكأنه أسلم من جديدي ويرتبون على ذلك فساد نكاحه وبطلان حجه، وأما الشافعية فيقولون: لا يكفر بالجهل إلا بعد البيان فإذا أصر بعد البيان حكم بكفره.\nوأما الجهل بالأحكام التي تعتبر معرفتها فريضة عينية على كل مسلم مما ليس من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة فهذه الجهل بها في دار الإسلام فوق، والفتوى هي التي تحكم","vol":"1","page":94},{"text":"التقصير في العمل من وجوب التوبة وحدها أو وجوبها مع غيرها.\nأما الجهل في غير دار الإسلام فإنه يعتبر عذرًا ما لم يكن تقصير، فلو افترضنا أن إنسانًا جاهلًا حدث إنسانًا كافرًا في غير دار الإسلام في الشهادتين فنطق بها ذلك المبلغ مؤمنًا بها ولم يعلمه الآخر شيئًا آخر ولا يستطيع هو أن يتعلم من مسلم آخر أو كان يجهل وسيلة تصل به إلى العلم فالعذر في حقه قائم.\n* * *\nومن رحمة الله ﷿ بالمكلف أنه جعل التكليف ضمن الوسع والطاقة وجعل دينه الإسلام ميسرًا فرفع فيه الحرج والتكاليف الشاقة. قال تعالى:\n﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).\n﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٢).\n﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣).\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤).\n﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٥).\nومن مظاهر التخفيف في التكليف ما تحدث عنه هذان النصان:\n١١٢ - * عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمك \"تجاوز الله عن آمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\".\n_________\n(١) البقرة: ٢٨٦.\n(٢) الطلاق: ٧.\n(٣) الحج: ٧٨.\n(٤) البقرة: ١٨٥.\n(٥) الأعراف: ١٥٧.\n١١٢ - الحاكم (٢/ ١٩٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nورواه ابن ماجه (١/ ٦٥٩) ١٠ - كتاب الطلاق ١٦ - باب طلاق المكره والتناسي عن أبي ذر.","vol":"1","page":95},{"text":"١١٣ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم يعلموا به أو يتكلموا\". وفي رواية: \"ما وسوست به صدورها\".\nولفظ أبي داود: \"إن الله تجاوز لأمتي ما لم تكلم به أو تعمل به، وما حدثت به أنفسها\".\nوبمناسبة الكلام عن اليسر ورفع الحرج والتكاليف بقدر الوسع لابد من تصحيح مفهوم خطائ يقع فيه بعض الناس وهو أن بعضهم يتصور أن التكليف موافق للهوى أو للراحة الجسمية، والأمر ليس كذلك فالإسلام جاء بمخالفة الهوى، والتكليف هو طلب ما فيه كلفة في الأصل، فالمنفي هو التكليف المعنت المرهق الذي لا تستطيعه النفس باستمرار، وللشيخ أبي زهرة تحقيق لطيف بهذه المناسبة نستخلص منه بعضه.\nقال ﵀:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>التكليف بما يشق:</span>\nإن المشقة قسمان: أولهما - مشقة يمكن احتمالها والاستمرار عليها، وهذه يمكن فيها التكليف ويمكن المؤاخذة عليها، كالصوم والحج، فإنها مشقات يمكن احتمالها، ويمكن الاستمرار على أدائها وما من تكليف إلا وفيه مشقة محتملة، أدناها رياضة النفس على ترك الممنوع، والأخذ بالمشروع، إذ كل ممنوع متبوع، ولذلك ورد في الحديث الشريف \"حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات\" فإن أسباب العصيان دائمًا إتباع للهوى والشهوة، والسير في سبيلها إلى أقصى الغاية من غير تحرج ولا تأثم، وأسباب\n_________\n١١٣ - البخاري (١١/ ٥٤٨) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور ١٥ - باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان.\nومسل م (١/ ١١٦، ١١٧) ١ - كتاب الإيمان ٥٨ - باب تجاوز الله عن حديث النفس ... الخ.\nوأبو داود (٢/ ٢٦٤) كتاب الطلاق ١٥ - باب في الوسوسة بالطلاق.\nوالترمذي (٣/ ٤٨٩) ١١ - كتاب الطلاق ٨ - باب ما جاء فمن يحدث نفسه بطلاق امرأته.\nوالنسائي (٦/ ١٥٦) ٢٧ - كتاب الطلاق ٢٢ - باب ما طلق في نفسه.\n(أنفسها): قال النووي ﵀: ضبطه العلماء بالنصب والرفع، وهما ظاهران، إلا أن النصب أشهر وأظهر.\nقال القاضي عيان: \"أنفسها\" بالنصب، ويدل عليه قوله \"إن أحدنا يحدث نفسه\" قال: قال الطحاوي: وأهل اللغة يقولون: \"أنفسها\" بالرفع، يريدون بغير اختيارها، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾.","vol":"1","page":96},{"text":"الطاعات فطن للنفس عن كثير من الشهوات أو وقوف بها عند حد، وهذا في ذاته فيه مشقة على النفس التي لم تتعود الضبط، والوقوف بها عند حد محدود حده الشارع، ولو كانت كل التكليفات يسرًا خالصًا مخالفون ولا عصاة، ولو كانت التكليفات تسير مع الأهواء جنبًا لجنب ما وجد اعتداء ولا ظلم، ولكن الله تعالى اختبر الإنسان فجعل فيه داعي الطاعة وداعي المعصية ينبعثان من جنبيه، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وكما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.\nالقسم الثاني: المشتقات التي يصعب الاستمرار على أدائها أو لا تحتمل إلا ببذل أقصى الطاقة.\n[من ذلك الجهاد في سبيل الله تعالى]، وكذلك الصبر عند الإكراه على النطق بكلمة الكفر هو موضع ثواب عند الله مع أنه مشقة فوق الاحتمال العادي، ولكن النبي ﷺ اعتبر منزلته يوم القيامة بجوار منزلته.\nومن ذلك الجهر بكلمة الحق في وقت يسود فيه الظلم، ولذا قال ﵇: \"أفضل الجهاد كلمة حق لسلطان جائز\" وقال ﵇: \"سيد الشهداء حمزة ابن عبد المطلب، ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائز فقتله\" ولذا كان التكليف في المشقة التي لا تحتمل إلا بأقصى الطاقة جائزًا في تلك الدائرة المحدودة.\nوننتهي من هذا إلى أن التكليفات التي تكون فيها مشتقات غير معتادة ثابتة في إحدى أحوال ثلاثة:\n(أ) - في الفروض الكفائية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما يعرض الأمر نفسه إلى التلف.\n(ب) - في الصور التي لا يتحقق نفع عام كامل إلا ببذل أقصى البذل في النفس والنفيس. [كالجهاد].\n(جـ) - في الأحوال التي يكون فيها اعتداء على حق من حقوق الله تعالى، أو حقوق العباد، فإن الصبر في هذه الحال مطلوب وإن كان شاقًا مشقة فوق المعتادة كمن يكره بالقتل لينفذ الاعتداء بالعمل على قتل غيره، فإنه يجب عليه أن يصبر ولا يقتل غيره.","vol":"1","page":97},{"text":"[بل إن فعل يكون آثما ولا يعتبر عذره بحال].\nففي هذه الصور وأشباهها يكون العمل الذي فيه مشقة غير معتادة مطلوبًا.\nويلاحظ في هذه الصور أن المشقة ليست مقصودة لذاتها، فليست المشقة في ذاتها أمرًا يتعبد به، أن تعذيب الجسم، لتطهير الروح ليس من مقاصد الإسلام، إنما المشقة غير المعتادة تطلب، لأنها تكون دفعًا لضرر أشد، أو جلبًا لنفع أسمى. فهي تكون تحقيقًا لمقصد من المقاصد الإسلامية العليا، على أنها وسيلة متعينة له، وليست مقصودة لذاتها.\nواليسر هو الأصل في الشريعة الإسلامية، ولذلك تقول السيدة عائشة رضي عنها في وصف النبي ﷺ: ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لك يكن إثمًا.\nلذا نهى النبي ﷺ من نذر أن يصوم قائمًا في الشمس أن يستمر قائمًا في الشمس وآمره أن يتم صومه وقال ﵇ \"هؤلاء المتنطعون\" وبذلك يكون أمره بما هو طاعة في ذاته وهو الصيام، ونهاه عما ليس طاعة وهو القيام في الشمس، وذلك النهي تقرر أن القيام ﷺ: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه\" ولقد روي أن بعض الصحابة أخذ نفسه بقيام الليل وصوم النهار، وبعضهم أخذ نفسه باعتزال النساء، فبلغ النبي ﷺ أمرهم جميعًا، فقال ﵇ \"ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فبلغ النبي ﷺ أمرهم جميعًا، فقال ﵇ \"ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم الله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني\".\nوقد كان النبي ﷺ حريصًا على ألا يلتزم الشخص عبادات ليست فرضًا، ولا يطيق الاستمرار عليه، وكان يجب العبادة الدائمة التي لا صعوبة فيها على العبادة الشاقة التي لا يمكن الاستمرار عليها، ولذا كان يقوم ﷺ \"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل\" (١).\nوكان يقول: \"إن الله يحب الديمة من الأعمال\" وكان يقول ﷺ \"لن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه، ولكن سددوا وقاربوا\". ا. هـ. كلام أبي زهرة.\n_________\n(١) أخرجه الشيخان.","vol":"1","page":98},{"text":"وقال عبد القاهر البغدادي في بيان أنواع التكليف:\nاختلف أصحابنا في أقسام التكليف: فمنهم من قال إن التكليف مقصور على ثلاثة أوجه: أمر ونهي وخبر. فالتكليف بالأمر. كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ونحوه والتكليف بالنهي كقوله: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.\nوالتكليف بالخبر على ضربين: أحدهما فيم معنى الأمر كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.\nوالثاني خبر في معنى النهي كقوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ومنهم من قصر التكليف على الأمر والنهي. فأما الخبر عن وجوب شيء أو عن تحريمه فإنما حمل على معناه: بأمر الله تعالى أن يحمل عليه. ومنهم من قصر التكليف على معنى الأمر وقال إن النهي إنما صار تكليفا لأنه أمر بترك المنهي وترك ضد المأمور بفعله. فهذا بيان أقسام التكليف في الجملة. وتفصيله أن التكليف على خمسة أقسام: أحدها موجب وثانيها محرم وثالثها دليل على أن ما ورد به سنة ورابعها دليل على أن ما ورد به مكروه وخامسا دليل على إباحة ما ورد به من غير وجول ولا حظر ولا كراهية ولا استحباب. وحقيقة الواجب ما يستحق بتركه العقاب والحرام ما يستحق بفعله العقاب ا. هـ من كتاب أصول الدين.\nوبمناسبة الكلام عن التكليف يثير أصوليو العقائد وأصوليو الفقه عددًا من المسائل بعضها لا يتوقف عنده وهناك بعض مسائلهم المهمة:","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>٢ - مسائل في التكليف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المسألة الأولى في أهل الفترة:</span>\nأهل الفترة هم من كانوا في زمن رسل لم يبعثوا إليهم أو كانوا بقية أمل أرسل لأسلافهم رسول ثم اندثر هديه أو حرف وذلك كذرية إسماعيل ﵊ بعد اندثار هديه فهؤلاء في القول الراجح ناجون لأنه لم تبلغهم رسالة رسول بطريق صحيح عن أهل ذلك فلم تقم عليهم بسبب ذلك حجة، وواضح مما مر معنا أنه ما دامت الرسالة الرسول باقية في إطارها الصحيح وبلغت عن طريق صحيح لمن هو مكلف بها فقد قامت عليه الحجة.\nوعلى هذا نقول: إنه ما دامت رسالة إبراهيم وإسماعيل تصل بطريق صحيح إلى الذين بعثا إليهم فهم مكلفون ومؤاخذون على النكول والتقصير، أما بعد أن ضاعت ولم يبق أحد يبلغها على وجهها الصحيح فإن الناس وقتذاك يكونون أهل فترة، وهم على القول الراجح ناجون، وبناء عليه فإننا نحمل الأحاديث الواردة في عذاب بعض أهل الجاهلية على أنه وصلهم دين إبراهيم وإسماعيل صحيحا ثم حرفوا وبدلوا كما فعل عمرو بن لحي الذي أدخل الأصنام إلى جزيرة العرب، وعلى ضوء هذه القواعد نقول: إن أبوي رسول الله ﷺ ناجيان لأنهما رسالة سابقة ولم يدركا رسول الله ﷺ وما ورد خلاف ذلك فإنه إما مؤول، وإما أنه محمول على توهم عند بعض الرواة فإن روايات صحيحة تعارض ذلك. فحديث مسلم الذي يقول \"إن أبي وأباك في النار\" قد ورد في صيغة أخرى بإسناد على شرط الشيخين: أن رسول الله ﷺ قال بعد أن ذكر أن أبا السائل في النار: \"حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار\".\nكما أن الحديث يحتمل التأويل، فالأب في اللغة يطلق على الأب المباشر والجد ومن قله من الجدد.\nومما يدل على وجود فترة:\nالحديث الذي سبق معانا وفيه:\nعن الأسود بن سريع، أن رسول الله ﷺ قال: \"أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في","vol":"1","page":100},{"text":"قبره ....، .... وأما الذي مات في فترة فيقول ما أتاني لك رسول\" (١).\nومما يدل على أنهم ناجون قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١).\nوأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٢):\nلا يعني عدم وجود أناس لم يصلهم دين صحيح، فأمة العرب خلا فيهم إبراهيم، وإسماعيل، ولكن دينهم حرف وبدل فمن لم يصله منهم الدين الصحيح لا يؤاخذ ويعتبر من أهل الفترة إلى أن بعث محمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المسألة الثانية:</span>\nالماتريدية يرون أن الإنسان مكلف بمعرفة الله ﷿ ولو لم يرسل إليه رسول، والمعتزلة يقولون بان الإنسان مكلف بفعل كل ما يصل إلى حسنه ويترك كل ما يصل العقل إلى حسنه وبترك كل ما يصل العقل إلى قبحه ولو لم يكن رسل، والأشاعرة يرون أنه لا تكليف بأصول أو فروع إلا إذا بعث رسول وتشهد لهم نصوص:\n﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣).\n﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٤).\n﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٥).\n﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ (٦).\n﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ (٧).\n_________\n(١) الإسراء: ١٥.\n(٢) فاطر: ٢٤.\n(٣) الإسراء: ١٥.\n(٤) الأنعام: ١٩.\n(٥) النساء: ١٦٥.\n(٦) غافر: ٥٠.\n(٧) الأنعام: ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المسألة الثالثة:</span>\nالمجنون ليس مكلفا إن بلغ مجنونا واستمر على ذلك حتى مات بخلاف ما لو بلغ عاقلا ثم جن وكان كذلك فهو غير ناج وهو محاسب بعد البلوغ على الفترة التي عقل فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المسألة الرابعة:</span>\nاتفق الأصوليون على أن العبد لا يؤاخذ إلا بما هو في طاقته فلا يؤاخذ بما لا يمكنه فعله ولا يكلف أصلا بأمر مستحيل الوقوع عقلا أو عادة كالجمع بين الضدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المسألة الخامسة: </span>هل الكفار مخاطبون بالأصول والفروع ومكلفون بها ومحاسبون على الجميع، أو أنهم مكلفون بالأصول فإذا آمنوا كلفوا بالفروع؟\nقولان للعلماء، وجمهور العلماء: أن الكفار غير مكلفين بالفروع إلا بعد الإيمان.\nوالمراد بالأصول: أصول العقائد من إيمان بالله وبالرسول وباليوم الآخر إلى غير ذلك، والمراد بالفروع ما ينبثق عن الأصول من أحكام الشريعة كأداء الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المسألة السادسة: في مسئولية الطفل والمجنون ماليًا:</span>\n\"ولكن يلاحظ أن المجنون وهو فاقد التمييز، والصبي غير المميز مثله تتعلق بهما تكليفات مالية، فإذا أتلف أحدهما شيئًا وجب في ماله، وإذا جنى أحدهما جناية وجبت الدية في مالهما، وقد قرر جمهور الفقهاء أن الزكاة تجب في مالهما، [والحنفية لا يرون ذلك].\nوقرر الفقهاء بالإجماع أن زكاة الزرع والثمار تجب من زرعها وثمارهما\" أ. هـ. [أصول الفقه - أبو زهرة].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المسألة السابعة: </span>في أولاد المسلمين والمشركين:\nرأينا أن مما يناط به التكليف: البلوغ، وعلى هذا فما لم يبلغ الإنسان لا يعتبر مكلفا، فإذا مات قبل البلوغ فالمرجو أن يكون ناجيًا عند الله، غير أن الشارع أدبنا أن نسكت","vol":"1","page":102},{"text":"عن هذا الموضوع وأن نفوض الأمر فيه لله ﷿ لأن في السكوت عنه مدعاة لبذل الجهد في الدعوة للصغار وتربيتهم.\nوفي شأن الصغار ورد عدد من الآثار يلحظ في بعضها ما ذكرناه. وهذه بعض النصوص في ذلك:\n١١٤ - * روى مسلم عن عائشة ﵂، قالت: توفي صبي، فقلت: طوبي له، عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: \"أولا تدرين أن الله خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلا\".\nوفي رواية: قالت: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبي لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه، فقال: \"أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم\".\nوأخرج أبو داود والنسائي الثانية، وقالا فيه: طوبي لهذا، لم يعلم سوءًا ولم يدر به (٢).\nهذا نموذج على ما أدبنا به الشارع في التفويض في أمر الذين يموتون وهم صغار للحكم التي ذكرناها مع أن القواعد تفيد أنهم ناجون ويشهد لذلك الحديث اللاحق:\n١١٥ - * روى البزار عن ابن عباس، أن النبي ﷺ عمن في الجنة؟ فقال: \"النبي في الجنة والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة والمؤودة في الجنة\".\n_________\n١١٤ - مسلم (٤/ ٢٠٥٠) ٤٦ - كتاب القدر ٦ - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.\n(٢) أبو داود (٤/ ٢٢٩) كتاب السنة - باب في ذراري المشركين.\nالنسائي (٤/ ٥٧) ٢١ - كتاب الجنائز ٥٨ - باب الصلاة على الصبيان.\n(طوبي): فعلى من الطيب، وقيل: هو اسم الجنة، وقيل: هو اسم شجرة فيها.\n١١٥ - كشف الأستار (٣/ ٣١).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢١٩). وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن معاوية بن مالج وهو ثقة.\nورواه أحمد وأبو داود من طريق حسناء بنت معاوية عن عمها وحسنه الحافظ في الفتح ورمز السيوطي لصحته، وضعفه بعضهم وفي كل الأحوال فإن معناه صحيح. المسند (٥/ ٥٨).","vol":"1","page":103},{"text":"١١٦ - * روى الشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عباس، سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: \"الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين\".\nوهذان النصان يؤكدان فكرة تأديب الشارع للمسلم أن يفوض في أمر الصغار لما يترتب على ذلك من حكم، ومن أمثال هذا أخذ العلماء فكرة أدب الوعظ وأدب العلم، فأدب الواعظ ألا يدخل في تفصيلات تخفف من قوة التأثير والتأثر أو تؤدي إلى إثارة أسئلة عند العامة أو تؤدي إلى تشويش عقائد العامة أو تستدرجهم لمواطن فتنة في الرأي أو في العمل، وأدب العالم مع طلاب العلم أن يدرجهم في التعليم حتى يوصلهم إلى أن يفهموا دقائق العلوم وعويصات المسائل. فأدب الواعظ: ليس كل ما يعلم يقال، وأدب العالم مع طلاب العلم الذين يؤهلون للإمامة في الدين أن يقول لهم كل شيء مع ملاحظة التدرج، وتشهد لذلك كثير من نصوص السنة.\nكما أخذ العلماء من الأحاديث فكرة الحكم العقلي والحكم الشرعي، والواجب العقلي لله، والواجب الشرعي، فمثلاُ: قالوا: إن قدرة الله صالحة أن تعذب الكافر والمؤمن، فالواجب العقلي أن نعتقد أنه يجوز على الله أن يعذب الكافر والمؤمن، ولكن إذ ورد الشرع أن الله لا يعذب مؤمنًا، فقد أصبح الواجب الشرعي أن نؤمن بأن الله لا يعذب مؤمنًا ولا يترك كافرًا، والأحاديث التي بين أيدينا تدل على هذا المذهب الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة، وخالفهم فيها المعتزلة، وهذه من عويصات المسائل التي لا يدركها إلا العلماء المحققون. ويتفرع عنها مسائل كثيرة تذكر في كتاب العقائد.\nولنعد إلى موضوعنا:\nفمن أقوال العلماء في أطفال المشركين ما يلي:\n_________\n١١٦ - البخاري (٣/ ٣٤٥) ٢٣ - كتاب الجنائز ٩٢ - باب ما قيل في أولاد المشركين.\nمسلم (٤/ ٢٠٤٩) ٤٦ - كتاب القدر ٦ - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.\nأبو داود (٤/ ٢٢٩) كتاب السنة ١٨ - باب في ذراري المشركين.\nالنسائي (٤/ ٩٥) ٢١ - كتاب الجنائز ٦٠ - باب أولاد المشركين.\nشرح السنة (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":104},{"text":"قال البغوي: \"لا يحكم لهم بجنة ولا نار بل أمرهم موكول إلى علم الله فيهم كما أفتى رسول الله ﷺ\".\nوقال ابن القيم: في الاستدلال هذا نظر، فإن النبي ﷺ لم يجب فيهم بالوقف ولمن وكل علم ما كانوا يعلمون إلى الله سبحانه، والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا فيعلم القابل المهدي والعامل به والقابل منهم للكفر المؤثر له .... وأنه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم\".\nوقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو في الجنة\". أ. هـ.\nواخرج البخاري بسنده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (١) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم\".\nأقول:\nأفلا يكون الأولاد في الجنة خاصة وقد وردت نصوص أنهم يشفعون لآبائهم وأمهاتهم.\nوقال المحقق الأستاذ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة: إن المذهب الصحيح الذهب ذهب إليه المحققون من العلماء وارتضاه جمع من المفسرين والمتكلمين هو أنهم في الجنة واحتجوا بما رواه البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟. قال فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وأنه قال لنا ذات غداة: \"أتاني الليلة آتيان\" .... فذكر حديث، وفيه ... \"وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ وأما الولدان الذين حوله: فكل مولود مات على الفطرة\" قال؟: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: \"وأولاد المشركين\".\n_________\n(١) الحنث: الإدراك والبلوغ.","vol":"1","page":105},{"text":"ثم نقل آيات تؤكد أن الإنسان لا يعذب إلا كان بالغًا عاقلًا ومختارًا مبلغا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. والأحاديث التي سبق ذكرها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المسألة الثامنة:</span>\nقرر علماء المسلمين أن المطلوبات على نوعين: مطلوبات عينية، ومطلوبات كفائية.\nفالكفائبة تطالب بها الأمة بمجموعها، والعينية يطالب بها كل فرد على حدة، وتحديد المطلوبات الكفائية والمطلوبات العينية من أهم ما يجب أن يعرفه المسلم، وقد كتبنا في ذلك رسالة ضمناها كتاب (كي لا نمضي بعيدًا عن احتياجات العصر) وفي الحقيقة فإن المطلوبات العينية والكفائية هي الجانب العملي في التكليف.\n* * *\n_________\n(١) شرح السنة (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الثالث\nفي:\nمباحث في الإسلام والإيمان</span>","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الإيمان والإسلام</span>\nالإيمان في اللغة: هو التصديق. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (١) أي وما أنت بمصدقٍ لنا.\nوالإسلام في اللغة معناه التسليم والاستسلام والإذعان. قال تعالى ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢) والمطلوب من المكلف أن يكون مؤمنًا مسلمًا في قلبه ابتداءً، أي مصدقًا بقلبه مذعنًا بقلبه ليدخل في أصل الإيمان وأصل الإسلام، فلا إيمان بلا إذعان ولا إذعان بلا تصديق لصحة اسم الإيمان والإسلام، ثم الإيمان الكامل يقتضي تطابقًا بين تصديق الجنان وإقرار اللسان وعمل الجوارح بالأركان، والإسلام الكامل يقتضي إسلام القلب كله لله رب العالمين بالتصديق والتسليم، وإسلام اللسان بالإقرار وعمل الجوارح بالأحكام، ومن ههنا كان الإسلام والإيمان في حدهما الأدنى متطابقين وفي حدهما الأعلى متطابقين.\nولذلك نجد نصوصًا تذكر هذا التطابق من مثل قوله تعالى:\n﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).\n﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٤).\nفالمؤمن الحق هو المسلم الحق وهو من آمن بالكتاب والسنة وآمن بالأحكام والأوامر والنواهي المنبثقة عن الكتاب والسنة وأذعن لذلك وصدقت أقواله وأفعاله تصديقه وإذعانه.\nولكن من الناحية العملية الناس يتفاوتون، ومن ها هنا تتوضع مباحث شتى حول تعريف الإيمان والإسلام وحقيقة الإيمان والإسلام، وما هو القدر المنجي عند الله من الإيمان والإسلام. ومتى يتطابق الإيمان والإسلام؟ ومتى يتداخلان؟ ومتى بتكاملان؟ وماذا.\n_________\n(١) يوسف: ١٧.\n(٢) الحجرات: ١٤.\n(٣) الذاريات: ٣٥، ٣٦.\n(٤) يونس: ٨٤.","vol":"1","page":109},{"text":"يدخل في الإيمان والإسلام؟ وما هي شروط قبول الإيمان والإسلام؟ وإذا كان العمل في الإسلام يتفاوت بين آحاد المتكلفين، فهل التصديق القلبي يتفاوت؟ وهل النور القلبي يتفاوت؟\nوهكذا يتوضع حول موضوعي الإيمان والإسلام مسائل شتى منها محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم من فريق منشقة عن الجماعة، ومنها ما هو محل اختلاف لفظي، ومنها ما هو محل اختلاف بين أهل السنة والجماعة ونحن إذ تطالب كل مسلم أن يدرس عقائد أهل السنة والجماعة في كتبها وعلى أهلها لا نرغب أن نتوسع في هذه المسائل حتى لا يخرج هذا الكتاب عن مقصوده، ولذلك فإننا نكتفي في ذكر أمهات من المسائل:\n- المعتزلة يقولون أن الإيمان هو العمل والنطق والاعتقاد، فمن ترك العمل فليس بمؤمن لأنه فقد جزء الإيمان وليس بكافر لوجود التصديق، فهم عندهم بين الكافر والمؤمن ويخلد في النار ويعذب بأقل من عذاب الكافر، والخوارج يكفرون مرتكب الكبائر، وأهل السنة يقولون: من وجد منه التصديق المعهود شرعًا، وهو تصديق النبي بكل ما جاء به، وعلم من الدين بالضرورة مع الإذعان القلبي فقد ثبت له أصل الإيمان ولو لم يرافقه عمل ومآله إلى الجنة وهو في المشيئة إن شاء الله أن يعذبه على نقصان العمل عذبه وإن شاء عفا. قال تعالى:\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).\nوهناك بعض التفصيلات هي محل خلاف بين أهل السنة والجماعة.\nومن أدلة محققي أهل السنة والجماعة لهذا المذهب قوله تعالى:\n﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ﴾ (٢).\n﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٣).\n﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٤).\n_________\n(١) النساء: ١١٦.\n(٢) المجادلة: ٢٢.\n(٣) الحجرات: ١٤.\n(٤) النحل: ١٠٦.","vol":"1","page":110},{"text":"﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (١).\nوالشروط غير المشروط فدل ذلك على أن الإيمان خير العمل:\n﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٢).\nأثبت أصل الإيمان ولو حدثت مخالفة، وقال تعالى:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣).\nعطف العمل الصالح على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة، ثم إن الله خاطب أهل الإيمان بالعمل:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ (٤).\nفأثبت لهم أصل الإيمان ثم طالبهم بالعمل، فدل ذلك على أن الإيمان غير العمل.\nوالخلاف بين أهل السنة والجماعة وغيرهم أو بين المحققين من أهل السنة من غيرهم يرجع إلى الاستيعاب والاستشراق، ووضع كل نص في محله في الهيكل العام لمضمون الإيمان والإسلام، فهناك الحقيقة والمجاز والنقص، والحد الأدنى والحد الأعلى.\n- إذا وجد التصديق القلبي دون الإذعان فإن ذلك لا ينفع صاحبه عند الله ﷿، فقد وصف بعض الكافرين بقوله:\n﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٥).\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٦).\n_________\n(١) طه: ١١٢.\n(٢) الحجرات: ٩.\n(٣) مريم: ٩٦.\n(٤) البقرة: ١٨٣.\n(٥) النمل: ١٤.\n(٦) البقرة: ١٤٦.","vol":"1","page":111},{"text":"- إذا وجد التصديق والإذعان والقبول ولم ينطق الإنسان بالشهادتين سواء باللغة العربية أو بغيرها من اللغات فإن كل ذلك لمانع كالخرس أو لوجود الموت المفاجئ بعد الإيمان فصاحبه ناج عند الله، وإن اتفق له عدم النطق دون عناد أو إباء فهناك خلاف، فبعضهم قال: لا ينجو عند الله. وبعضهم قال: هو عاصٍ فقط وهو ناجٍ، وكلهم أجمعوا على أننا لا نعامله معاملة المسلمين في الدنيا فلا نزوجه ولا ندفنه في مقابر المسلمين، أما من نطق الشهادتين نفاقًا دون تصديق وإذعان قلبي فذلك لا ينفعه عند الله لأنه منافق، ولكنا نعامله معاملة المسلمين في الأحكام الدنيوية وأما من أبى النطق بالشهادتين عنادًا وإباء ولو كان مصدقًا فهو كافر إجماعًا.\nومن مباحث كتاب العقائد:\nزيادة الإيمان ونقصه، وهو خلاف لفظي في النهاية وفي بعض دقائق الموضوع، لأنهم كلهم متفقون بأن أعمال الإسلام يتفاوت الناس فيها، فليست طاعات الأفراد واحدة، والطاعة أثر من آثار الإيمان وكلهم يتفقون على أن ما يرافق هذه الأعمال من معان قلبية متفاوت، ولذلك علاقة بالإيمان والإسلام، وكلهم متفقون بأن إيمان الصديقين أرقى من إيمان غيرهم، وكلهم متفقون على أن نور الإيمان في القلوب يختلف من مكلف لمكلف، ُم إن الفهم الفطري للنصوص يدل على أن الإيمان يزيد. قال تعالى:\n(وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا) (١).\n﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢).\n﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٣).\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٤).\n﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٥).\n_________\n(١) الأنفال: ٢.\n(٢) الفتح: ٤.\n(٣) المدثر: ٣١.\n(٤) التوبة: ١٢٤.\n(٥) الأحزاب: ٢٢.","vol":"1","page":112},{"text":"﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١).\nومن نصوص السنة في هذا الشأن ما يلي:\n١١٧ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ثم يقول الله تعالى \"أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان\".\n١١٨ - * روى الترمذي عن أنس قوله ﷺ: \"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه ذرة من إيمان\".\nوذلك يدل على تفاوت الإيمان في القلوب، فالذرة دون البرة، والبرة دون الشعيرة.\n- إذا أراد كافر أن يدخل في الإسلام، فباب الدخول هو النطق بالشهادتين، وهل يشترط التلفظ بكلمة (أشهد) في الشهادتين أو مرادفه، قولان للعلماء، والاحتياط النطق بهما.\n- قد يصل بعض الكفار إلى التوحيد وأصل الرسالة مع بقائهما على معتقدٍ كفري كالقول بعدم العالم أو كالقول بخصوصية الرسالة المحمدية للعرب، أو كالقول أن التكليف بالإسلام كله للجيل الأول فقط، فهذا وأمثاله لا يخرج الإنسان عن الكفر ولو نطق بالشهادتين.\n- هناك من يدعي الإسلام وعنده نواقض للشهادتين يتستر عليها، كطوائف الباطنية والزنادقة والوجوديين والماديين وأمثال هؤلاء فهؤلاء إذا تابوا وأرادوا الدخول في الإسلام\n_________\n(١) البقرة: ٢٦٠.\n١١٧ - البخاري (١/ ٧٢) ٢ - كتاب الإيمان ١٥ - باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.\nمسلم (١/ ١٦٧) ١ - كتاب الإيمان ٨١ - باب معرفة طريق الرؤية.\nالنسائي (٨/ ١١٢) ٤٧ - كتاب الإيمان ١٨ - باب زيادة الإيمان.\n١١٨ - الترمذي (٤/ ٧١١) ٤٠ - كتاب صفة جهنم ٩ - باب ما جاء أن للنار نفسين ... الخ.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":113},{"text":"حقًا فلابد أن يتبرأوا من معتقداتهم هذه.\nإذا عرفت ما مر أدركت بعض جوانب ما يجب عليك من إيمان وإسلام، ثم من تصديق اللسان والأعمال للإيمان والإسلام، ثم التحقق لكمال الإسلام والإيمان والقلبيين والعلميين، وفي عصرنا المليء بالفتن لابد أن تحذر من الكفر ونواقض الشهادتين، وهذا كله يقتضي علمًا ليعرف المكلف أن يضع كل شيء في محله، فبدون العلم المحيط بنصوص الكتاب والسنة والعلوم التي انبثقت عنها كعلوم أصول الفقه والعقائد والفقه والسلوك، فإن الإنسان قد يهجم على المكفرات وهو لا يدري، وقد يهجم على تكفير الناس وهم مؤمنون، وقد يثبت لهم الإيمان وهم كافرون، وقد يستحل دمائهم وهي معصومة، وقد يرى عصمة دمائهم وحكمهم القتل، فالعلم العلم على أصول أهل السنة والجماعة ومذاهبهم فإنه باب النجاة.\n* * *","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>تحقيقات للعلماء في الإسلام والإيمان:</span>\nوإليك ما قاله العلماء في تحقيق بعض ما مر معنا:\nقال النووي: فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد واحتج بقوله تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال الخطابي: وقد تكلم في هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين، ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف عليه كتابًا يبلغ عدد أوراقه المئتين. قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال ولا يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القوم فيها ولم يختلف شيء منها.\nوأصل الإيمان التصديق وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون صادقًا في الباطن غير منقاد في الظاهر.\nوقال الخطابي أيضًا في قول النبي ﷺ \"الإيمان بضع وسبعون شعبة\": في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء له أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفي جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها، ويدل عليه قول ﷺ \"الحياء شعبة من الإيمان\" وفيه إثبات التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته. هذا آخر كلام الخطابي.\nوقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي ﵀ في حديث سؤال جبريل ﷺ عن الإيمان والإسلام وجوابه قال: جعل النبي ﷺ الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان والتصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين وذلك","vol":"1","page":115},{"text":"قال ﷺ \"ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا يدل عليه قوله ﷾ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فأخبر ﷾ أن الذين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام ولا يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل. أ. هـ.\nوقال للنووي أيضًا: وفي كتاب التحرير في شرح صحيح مسلم لأبي عبد الله التميمي:\nالإيمان في اللغة هو التصديق فإن عنى به ذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصدق ليس شيئًا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى، والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان. وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص وهو مذهب أهل السنة. قال: فالخلاف في هذا على التحقيق إنما هو أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع إلى تصديق العمل بمواجب الإيمان هل يسمى مؤمنًا مطلقًا أم لا؟ والمختار عندنا أنه لا يسمر به قال رسول الله ﷺ \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" لأنه لم يعمل بموجب الإيمان فيستحق هذا الإطلاق. هذا آخر كلام صاحب التحرير.\nوقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات يعني قوله ﷿ ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ قال ابن بطال فإيمان من لم تحصل له الزيادة نقص. قال: فإن قيل الإيمان في اللغة التصديق فالجواب أن التصديق يكمل بالطاعات كلها فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل وبهذه الجملة يزيد الإيمان وينقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان ومتى زادت زاد الإيمان كمالًا. هذا توسط القول في الإيمان وأما التصديق بالله تعالى ورسول ﷺ فلا ينقص","vol":"1","page":116},{"text":"ولذلك توقف مالك ﵀ في بعض الروايات عن القول بالنقصا، إذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه إذا نقص صار شكا وخرج عن اسم الإيمان.\nوقال بعضهم إذا توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب وقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل السنة.\nقال عبد الرازق: سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبيد الله بن عمر والأوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريح وسفيان بن عيينه يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وهذا قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاووس ومجاهد وعبد الله بن المبارك.\nفالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم مؤمن ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم مؤمن، وكذلك إذا أقر بالله تعالى وبرسله سلوت الله وسلامه عليهم أجمعين ولا يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق وإن كان في كلام العرب يسمى مؤمنًا بالتصديق فذلك غير مستحق في كلام الله تعالى لقوله ﷿ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فأخبرنا ﷾ أن المؤمن من كانت هذه صفته. وقال ابن بطال في باب من قال الإيمان هو العمل: فإن قيل قد قدمتم أن الإيمان هو التصديق قيل: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب للمصدق الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمنًا مطلقًا. هذا مذهب جماعة أهل السنة أن الإيمان قول وعمل. قال أبو عبيد: وهو قول مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين من أهل الحجاز العراق والشام وغيرهم.\nقال بن بطال: وهذا المعنى أراد البخاري ﵀ إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب","vol":"1","page":117},{"text":"أبوابه كلها، فقال: باب أمور الإيمان وباب الصلاة من الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان وسائر أبوابه وإنما أراد الرد على المرجئة في قولهم إن الإيمان قول بلا عمل وتبيين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة. ثم قال ابن بطال في باب آخر: قال المهلب: الإسلام على الحقيقة هو الإيمان الذي هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره.\nوقالت الكرامية وبعض المرجئة: الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب.\nومن أقوى ما يرد به عليهم إجماع الأمة على إكفار المنافقين وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ هذا آخر كلام ابن بطال.\nوقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: قوله ﷺ الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين ثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لهل يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له ولهذا فسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخمس من المغنم ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة لأن اسم الشيء مطلقًا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرًا ولذلك جاز إطلاقه نفيه عنه في قوله ﷺ \"لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن\" واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول الطاعات فإن ذلك كله استسلام قال: فخرج مما","vol":"1","page":118},{"text":"ذكرناه وحققنا أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا. قال: وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح.\nفإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف وأئمة الخلف فهي متظاهرة متطابقة على كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كان شكا وكفرا. قال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها. قالوا: وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون. وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلف عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذا فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس. ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي ملكية: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما تنهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل والله أعلم.\nوأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر، قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أجمعوا على أن المراد صلاتكم.\nواتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا إلا إذا","vol":"1","page":119},{"text":"عجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية أو لغير ذلك فإنه يكون مؤمنًا، أما إذا أتى بالشهادتين فلا يشترط معهما أن يقول وأنا بريء من كل دين خالف الإسلام إلا إذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا ﷺ إلى العرب فإنه لا يحكم بإسلامه إلا بأن يتبرأ. ومن أصحابنا - أصحاب الشافعي ﵀ - من شرط أن يتبرأ مطلقًا، وليس بشيء أما إذا اقتصر على قوله لا إله إلا الله ولم يقل محمد رسول الله فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلمًا ومن أصحابنا من قال يكون مسلمًا ويطالب بالشهادة الأخرى فإن أبى جعل مرتدًا ويحتج لهذا القول بقوله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم\". وهذا محمول عند الجماهير على قول الشهادتين واستغنى إحداهما عن الأخرى لارتباطهما وشهرتها والله أعلم.\nأما إذا أقر بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام وهو على خلاف ملته التي كان عليها فهل يجعل بذلك مسلمًا؟ فيه وجهان لأصحابنا، فمن جعله مسلمًا قال: كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلمًا وفيه وجهان لأصحابنا: الصحيح منهما أنه يصير مسلمًا لوجود الإقرار. وهذا الوجه هو الحق ولا يظهر للآخر وجه وقد بينت ذلك مستقضى في شرح المذهب والله أعلم.\nواختلف العلماء من السلف وغيرهم في إطلاق الإنسان قوله أنا مؤمن: فقالت طائفة: لا يقول أنا مؤمن مقتصرًا عليه، بل يقول أنا مؤمن إن شاء الله. وحكى هذا الذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين وذهب آخرون إلى جواز الإطلاق وأنه لا يقول إن شاء الله. وهذا هو المختار، وقول أهل التحقيق. وذهب الأوزاعي وغيره إلى جواز الأمرين والكل صحيح باعتبارات مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال وأحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن قال إن شاء الله فقالوا فيه: هو إما للتبرك وإما لاعتبار العاقبة وما قدر الله تعالى، فلا يدري أيثبت على الإيمان أم يصرف عنه، والقول بالتخيير جسن صحيح نظرًا إلى مأخذ القولين ورفعًا لحقيقة الخلاف.","vol":"1","page":120},{"text":"واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية ونحوه ممن يخفي عليه فيعرف ذلك، فإن استمر حكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المخرمات التي يعلم تحريمها ضرورة. أ. هـ.\n* * *","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الفصل الرابع\nفي فضل الانتساب إلى الأمة الإسلامية</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المقدمة</span>\nليس هناك من نسب أعلى وأعظم وأرفع وأشرف من الانتساب للأمة الإسلامية، لأنه الانتساب إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم هو الانتساب لسيد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام محمد رسول الله ﷺ وهو انتماء للإسلام وأهله، وأي انتماء أعظم من الانتماء لدين الله ﷿.\nولقد خالط الانتماء لأمة الإسلام في عصرنا أنواع من الانتماءات بعضها جائز مباح لولا ما رافقها من غلو، وبعضها فوق، وبعضها ضلال، وبعضها ردة فاقتضى ذلك أن ندخل بعض النصوص الحديثية في فضل الانتماء للأمة الإسلامية في قسم العقائد بعد أن أدخلناه في قسم السيرة النبوية. فقد حدث غلو في فكرة الانتماء للإنسانية أو للقومية أو للوطنية أو لحزب من الأحزاب مما أضعف انتماء المسلم للأمة الإسلامية أو عكر عليه أو أماته أحيانا بأن أوقع المسلم في الردة.\nوكل ما ورد في شرف الأمة الإسلامية وكرامتها إنما يرد في حق من لا زال من أبناء هذه الأمة، أما المرتدون وذراريهم الذين هم على طريقتهم فليس لهم شيء من هذا الشرف أو الفضل. وليس لأحد لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه بعد بعثته وبلوغه دعوته فضل هذه النسبة ولو كان يدعي النسب لأحد من الرسل الذين بعثوا قبل محمد ﷺ.\n* * *","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>النصوص</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١).\n﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٢).\n﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).\n﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٤).\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٥).\n﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٦).\nوهذه بعض النصوص الحديثية في شرف هذه الأمة وشرف الانتساب إليها:\n١١٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.\n_________\n(١) الأنبياء: ٩٢.\n(٢) المؤمنون: ٥٢.\n(٣) فصلت: ٣٣.\n(٤) الحج: ٧٨.\n(٥) البقرة: ١٤٣.\n(٦) آل عمران: ١١٠.\n١١٩ - البخاري (٨/ ٣٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير ٧ - باب (كنتم خير أمة أخرجت للناس). موقوفًا. وقد أخرجه موفوعًا بنحوه (٦/ ١٤٥) ٥٦ - كتاب الجهاد ١٤٤ - باب الأسارى في السلاسل.\nقال ابن حجر: (خير الناس للناس): أي خير بعض الناس لبعضهم: أي أنفعهم لهم، وإنما كان كذلك لكونهم كانوا سببًا في إسلامهم.\nوقال الحافظ: رواه البخاري من غير هذا الوجه مرفوعًا.\nوقال ابن كثير وغيره: والصحيح أن هذه عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه.","vol":"1","page":126},{"text":"١٢٠ - * رواه الترمذي عن بهز بن حكيم ﵁، عن أبيه عن جده، أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: \"أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله\".\n١٢١ - مروى الترمذي عن عبد الله بن بسر ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء\".\n١٢٢ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديًا، أو نصرانيًا\".\nقال: فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالذي لا إله إلا هو ثلاث مرات: أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ؟ قال: فحلف له، فلم يحدثني سعيد - هو ابن أبي بردة - أنه استحلفه، ولم ينكر على عون - هو ابن عتبة - قوله.\nوفي رواية \"إذا كان يوم القيامة دفع اله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا فيقول: هذا فكاكك من النار\".\n١٢٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله [له] فغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى\" فسكت، ثم قال: \"حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا، يغسل فيه رأسه وجسده\". ليس فيه عند مسلم ذكر الغسل.\n_________\n١٢٠ - الترمذي (٥/ ٢٢٦) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٤ - باب من سورة آل عمران.\nوقال حديث حسن وحسنه الحكام وغيرهما. قال الحافظ عنه: حديث حسن صحيح.\n١٢١ - الترمذي (٢/ ٥٠٦) كتاب الصلاة ٤٢٧ - باب ذكر من سيما هذه الأمة ... إلخ.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وهو حديث صحيح.\n١٢٢ - مسلم (٤/ ٢١١٩) ٤٩ - كتاب التوبة ٨ - باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله.\nقال النووي: (الفكاك): الخلاص والغداء.\nوقال معناه: أن لكل أحد منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار كما في الحديث، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره.","vol":"1","page":127},{"text":"وفي رواية نحوه (١)، وفيه ذكر الغسل.\nوفي رواية للبخاري (٢) \"نحن الآخرون السابقون ... \" لم يزد.\nوفي أخرى لمسلم (٣) \"نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة ... \" وذكر نحوه.\nوفي أخرى له (٤) قال: \"أضل الله ﷿ عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي [لهم] قبل الخلائق\".\nوفي رواية (٥) للبخاري ومسلم والنسائي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له\".\nزاد النسائي: \"يعني يوم الجمعة، ثم اتفقوا، فالناس لنا تبع، اليهود غدًا، والنصار بعد غدٍ\".\n_________\nالبخاري (٢/ ٢٨٢) ١١ - كتاب الجمعة ١٢ - باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل ... الخ.\nومسلم (٣/ ٥٨٥) ٧ - كتاب الجمعة ٦ - باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة.\nوالنسائي (٣/ ٨٥) ١٤ - كتاب الجمعة ١ - باب إيجاب الجمعة.\n(١) مسلم (٣/ ٥٨٣) ٧ - كتاب الجمعة ٢ - باب الطيب والسواك يوم الجمعة.\n(٢) البخاري (١/ ٣٤٥) ٤ - كتاب الوضوء ٦٨ - باب البول في الماء الدائم.\n(٣) مسلم (٣/ ٥٨٥) الموضع السابق.\n(٤) مسلم (٣/ ٥٨٦) الموضع السابق.\n(٥) البخاري (٦/ ٥١٥) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء.\nومسلم (الموضع السابق).\nوالنسائي (الموضع السابق).\n(بيد أنهم): بيد بمعنى غير، تقول: هو كثير المال، بيد أنه بخيل أي: غير أنه بخيل.","vol":"1","page":128},{"text":"١٢٤ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال \"نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يقال أن الأمة الأمية ونبيها فنحن الآخرون الأولون\".\n١٢٥ - * روى البخاري عن سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا - أو سبعمائة ألفٍ - سماطين آخذ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر\".\n١٢٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يدخل الجنة من أمتي زمرة - هم سبعون ألفًا - تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر\" قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي فرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم اجعله منهم\" ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله ﷿ أن يجعلني منهم، فقال: \"سبقك [بها] عكاشة\".\nولمسلم (٤): أن النبي ﷺ قال: \"يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب\" فقال رجل: يا رسول الله، ادع الله لنا أن يجعلني منهم، فقال: \"اللهم اجعله منهم\" ثم قام آخر، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: \"سبقك بها عكاشة\".\n_________\n١٢٤ - ابن ماجه (٣/ ١٤٣٤) - كتاب الزهد ٣٤ - باب صفة أمة محمد ﷺ.\nوفي الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.\n١٢٥ - البخاري (١١/ ٤١٦) ٨١ - كتاب الرقاق ٥١ - باب صفة الجنة والنار.\n(سماطين): السماطان من النخل ومن الناس: الجانبان، يقال: مشى بين السماطين: إذا مشى بين صفين من الناس، قال محقق الجامع: بالنصب على الحال، ويجوز فيه: سماطان، وفي نسخ البخاري المطبوعة: متماسكين، وفي بعض الروايات: متماسكون.\n١٢٦ - البخاري (١١/ ٤٠٦) ٨١ - كتاب الرقاق ٥٠ - باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب.\nومسلم (١/ ١٩٧) ١ - كتاب الإيمان ٩٤ - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة ... الخ.\n(٤) مسلم الموضع السابق.=","vol":"1","page":129},{"text":"وفي أخرى (١) قال: \"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا، زمرة واحدة منهم على صورة القمر\".\n١٢٧ - * روى الترمذي عن أبي أمامة الباهلي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، ومع كل ألف سبعون ألفًا، وثلاث حثياتٍ من حثياتِ ربي\".\n١٢٨ - * روى أحمد، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ \"يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة وأكثر من ذلك وأقل فيقال له هل بلغت قومك فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم فيقولون: لا، فيقال: من شهد لك؟ فيقول محمد وأمته، فتدعي أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا، فيقولون نعم فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلغوا فصدقناه، قال: فذلكم قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.\n١٢٩ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿ ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال: مع أمة محمد ﵌ وأمته شهدوا له بالبلاغ وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا.\n_________\n= (١) مسلم الموضع السابق.\n(زمرة): الزمرة: الطائفة من الناس والجماعة منهم.\n(ثمرة): الثمرة، جمعها: أثمار. وهي ثوب مخطط.\n١٢٧ - الترمذي (٤/ ٦٢٦) ٣٨ - كتاب صفة القيامة ١٢ - باب منه حدثنا الحسن بن عرفة ... الخ.\nوإسناده حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه والطبراني، وقاله الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\n(حثيات): الحثيات جمع حثية، وهي الغرفة بالكف، يقال: حثا يحثو ويحثي.\n١٢٨ - أحمد (٣/ ٥٨). وهو حديث صحيح.\nابن ماجه (٢/ ١٤٢٢) ٣٧ - كتاب الزهد ٢٤ - باب صفة أمة محمد ﷺ.\n١٢٩ - المستدرك (٢/ ٣١٣).\nوقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"1","page":130},{"text":"١٣٠ - * روى أحمد والترمذي عن بريدة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم\".\n١٣١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال\" كنا مع النبي ﷺ في قبة نحوًا من أربعين، فقال: \"أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ \" قلنا: نعم، قال: \"أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ \" فلنا: نعم، قال: \"أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ \" قلنا: نعم، قال: \"والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك: أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر\".\nوفي رواية الترمذي (٣) مثله، إلا أنه قال: \"أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة ... \" وذكره.\n١٣٢ - * روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁، أن النبي ﷺ قال لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى الآية ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ وهو في سفر، فقال: \"أتدرون أي يوم ذاك؟ \" قالوا: الله ورسول أعلم قال: \"ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يارب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة\" فأنشأ المسلمون يبكون، فقال النبي ﷺ: \"قاربوا وسددوا، فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان\n_________\n١٣٠ - أحمد (٥/ ٣٤٧ - ٣٥٥). وإسناده الحديث صحيح.\nوالترمذي (٤/ ٦٨٣) ٣٩ - كتاب صفة الجنة ١٣ - باب ما جاء في صفة أهل الجنة.\nوقال: هذا حديث حسن.\n١٣١ - البخاري (١١/ ٣) ٨١ - كتاب الرقاق ٤٥ - باب الحشر.\nومسلم (١/ ٣٠٠) ١ - كتاب الإيمان ٩٥ - باب كون هذه الأمة نصنف أهل الجنة.\n(٣) الترمذي (٤/ ٦٨٤) ٣٩ - كتاب صفة الجنة ١٣ - باب ما جاء في صف أهل الجنة.\n١٣٢ - الترمذي (٥/ ٢٢٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٣٣ - باب ومن سورة الحج. وقال: حسن صحيح.\n(قاربوا وسددوا): المقاربة في الفعل: القصد والعدل، والسداد: الصواب من القول والفعل، أي: اطلبوا القصد والصواب، واتركوا الغلو والإفراط.","vol":"1","page":131},{"text":"بين يديها جاهلية، فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير\" ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\"، فكبروا، ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة\" فكبروا، ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة\" فكبروا، قال: ولا أدري: أقال الثلثين أم لا؟\nوفي رواية قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتفاوت أصحابه في السير، فرفع رسول الله ﷺ صوته بهاتين الآيتين ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - إلى قوله - ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فلما سمع ذلك أصحابه حثوا للطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فقال: \"أتدرون أي يوم ذلك؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"ذلك يوم ينادي الله فيه آدم، فيناديه ربه، فيقول: يا آدم، ابعث بعث النار، فيقول: أي رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة\" فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة، فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بأصحابه، قال: \"اعملوا وأبشروا، فو الذي نفس محمد بيده، إنكم لمع خليقتين، ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن مات من نبي آدم، ومن بني إبليس\".\nفسري عن القوم بعض الذي يجدون، قال: \"اعملوا وابشروا، فو الذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة\".\n_________\n= (الرقمة): الهنة التي تكون في باطن عضدي الحمار، وهما رقمتان في غضديه.\n(حثوا): حث الدابة: الإسراع بها في السير، وحملها عليه.\n(المطي): جمع مطية، وهي الإبل.\n(أبدوا بضاحكة): يقال: ما أبدي القوم بضاحكة، أي: ما تبسموا حتى تبدوا منها السن الضاحكة، فإن من تبسم أدنى تبسم بدت أسنانه.\nويقال في المبالغة: ضحك حتى بدت نواجذه، وهي أواخر الأضراس.\n(كثرتاه): تقول: كاثرته فكثرته: إذا غلبته بالكثرة، وكنت أكثر منه.\n(فسرى): سري عن الحزين والمغموم ونحوهما: إذا كشف عنه ما به وزال.","vol":"1","page":132},{"text":"١٣٣ - * روى أحمد عن علي بن خالد أن أبا إمامة الباهلي مر على خالد بن يزيد بن معاوية فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كلكم في الجنة ألا من شرد على الله شراد البعير على أهله\".\n١٣٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى أوشرد على الله شراد البعير\" قيل يا رسول الله ومن أبي أن يدخل الجنة؟ فقال: \"من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار\".\n١٣٥ - * روى أحمد وأبو داود عن زيد بن أرقم، ﵁، كما مع رسول الله ﷺ، فنزلنا منزلًا، فقال: \"ما أنتك جزء من مائة ألف جزء ممن يرد على الحوض\" قيل: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة، أو ثمانمائةٍ.\n١٣٦ - * روى أحمد عن أبي كعبٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"بشر هذه الأمة - وروي: بشر الأئمة - بالسناء والنصر والتمكين، ومن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب\".\n_________\n١٣٣ - أحمد (٥/ ٢٥٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٧٠) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير علي بن خالد وهو ثقة.\nوالمستدرك (٤/ ٢٤٧) وسكت عنه.\n١٣٤ - مجمع الزوائد ١٠/ ٧٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٥ - أحمد (٤/ ٢٦٧، ٣٦٩، ٣٧١، ٣٧٢).\nأبو داود (٤/ ٢٣٧) كتاب السنة ٢٦ - باب في الحوض.\nالمستدرك (١/ ٧٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n١٣٦ - المسند (٥/ ١٣٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٠) وقال: رواه أحمد وابنه من طرق ورجال أحمد الصحيح.\nوالحاكم (٤/ ٣١١) وقال: صحيح الإسناد ول يخرجاه ووافقه الذهبي.\nالإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (١/ ٣١١). وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":133},{"text":"١٣٧ - * أخرج الحاكم عن قتادة في قوله تعالى ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ فقال، قال أنس: ذهب رسول الله ﷺ وبقيت النقمة ولم ير الله نبيه ﷺ في أمته شيئا يكرهه حتى مضى ولم يكن نبي إلا وقد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم ﷺ.\n١٣٨ - * روى البزار عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: \"أنا حظكم من الأنبياء وأنتم حظي من الأمم\".\n١٣٩ - * روى أحمد عن أبي الدرداء قال: سمعت أبا القاسم رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ﷿ يقول يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال يارب كيف لهم ولا حلم ولا علم قال أعطيهم من حلمي وعلمي\".\n١٤٠ - * روى الحاكم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: نزلنا مع رسول الله ﵌ فاستيقظت من الليل فإذا لا أرى في العسكر شيئًا أطول من موخرة رحلي لقد لصق كل إنسان وبعيره بالأرض فقمت أتخلل الناس حتى دفعت إلى مضجع رسول الله ﵌، فإذا ليس فيه فوضعت يدي على الفراش فإذا هو بارد فخرجت أتخلل الناس أقول إنا إليه راجعون ذهب برسول الله ﵌ حتى خرجت من العسكر كله فنظرت سوادًا فرميت بحجر فمضيت إلى السواد فإذا معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وإذا بين أيدينا صوت كدوى الرحا أو كصوت الحصباء حين يصيبها\n_________\n١٣٧ - المستدرك (٢/ ٤٤٧) وصححه ووافقه الذهبي.\n١٣٨ - مجمع الزوائد (١٠/ ٦٨). وقال: رواه البزار ورجاله الصحيح غير أن حبيبة الطائي وقد صحح له الترمذي حديثًا وذكره ابن حبان في الثقات.\nوله شاهد عند أحمد (٣/ ٤٧١) وهي جزء من حديث طويل.\n١٣٩ - المسند (٦/ ٤٥٠)\nومجمع الزوائد (١٠/ ٦٧). وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط.\nورجاله أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن سوار وأبي حلبس يزيد بن ميسرة وهما ثقتان.\nالمستدرك (١/ ١٤، ٦٧).\n١٤٠ - المستدرك (١/ ٦٧). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ورواته كلهم ثقات على شرطها =","vol":"1","page":134},{"text":"الريح فقال بعضنا لبعض: يا قوم اثبتوا حتى تصبحوا أو يأتيكم رسول الله ﵌ قال: فلبثنا ما شاء الله ثم نادى\" أثم معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وعوف ابن مالك\" فقلنا: أي نعم فأقبل إلينا فخرجنا نمشي معه لا نسأله عن شيء ولا نخبره بشيء فقعد على فراشه فقال: \"أتدرون ما خيرني به ربي الليلة\" فقلنا: الله ورسوله أعلم قال: \"فإنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة\" قلنا: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهلها قال: \"هي لكل مسلم\".\n١٤١ - * روى أحمد عن أبي جمعة قال: تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله: أحد أفضل منا أسلمنا معك وجاهدنا معك.\nقال: \"نعم قوم يكونون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني\".\nالأفضلية هنا من حيثية أن هؤلاء آمنوا ولم يشاهدوه فلهم فضل على الصحابة من هذه الحيثية، أما فضل أصحاب رسول الله ﷺ بحيثية الصحبة فلا يلحقهم أحد.\n١٤٢ - * روى البزار عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"أي الحلق أعجب إيمانًا\" قالوا الملائكة قال: \"الملائكة كيف لا يؤمنون\" قالوا النبيون قال: \"النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون\" قالوا: الصحابة قال: \"الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون ولكن أعجب الناس إيمانًا قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتاباُ من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه فهم أعجب الناس إيمانًا أو الخلق إيمانًا\".\n_________\n= جميعًا وليس له علة وليس في سائر أخبار الشفاعة وهي لكل مسلم.\nوقال الذهبي:\nعلى شرط مسلم.\n١٤١ - أحمد (٤/ ١٠٦).\nومجمع الزوائد (١٠/ ٦٦). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بأسانيد وأحد أسانيد أحمد رجاله ثقات.\n١٤٢ - مجمع الزوائد (١٠/ ٦٥). وقال:\nرواه البزار وقاله غريب من حديث أنس. قال الهيثمي: فيه سعيد بن بشير وقد اختلف فيه فوثقه قوم وضعفه آخرون، وبقية رجاله ثقات. وأخرجه الدارمي والحكام وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":135},{"text":"أقول:\nالخصوصية لا تقتضي الأفضلية المطلقة إلا إذا كانت كذلك، فخصوصية هؤلاء بالفضل من هذه الحيثية التي ذكرها رسول الله ﷺ لكن الفضل بإطلاق إنما هو للنبيين ثم الصديقين ثم الشهداء ثم الصالحين والله أعلم، وأصحاب رسول الله ﷺ هم أفضل الخلق بعد النبيين لحيثية الصحبة.\n١٤٣ - * روى الطبراني عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجالٍ من أصحابي رجالًا ونساءً يدخلون الجنة بغير حساب\" ثم قرأ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n١٤٤ - * روى الطبراني والبزار على رفاعة بن عرابة، قال: صدرنا مع رسول الله ﷺ فجعل أناس يستأذنون رسول الله ﷺ فجعل يأذن لهم، فقال رسول الله ﷺ: \"ما بال شق الشجرة التي تلي رسول الله ﷺ أبغض إليكم من الشق الآخر\" فلا ترى من القوم إلا باكيًا، فقال أبو بكر: إن الذي يستأذنك في نفسي بعدها لسفية فقال رسول الله ﷺ فحمد الله وأثني عليه وقال: \"أشهد عند الله - وكان إذا حلف قال: والذي نفس محمد بيده - ما منكم من أحدٍ يؤمن بالله ثم يسدد إلا سلك الجنة ولقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوأوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذراريكم مساكن في الجنة ثم قال: إذا مضى شطر الليل أو قال ثلثاه ينزل الله ﷿ إلى سماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني أعطيه؟ من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ حتى ينصدع الفجر\".\n_________\n١٤٣ - المعجم الكبير (٦/ ٢٠١).\nومجمع الزوائد (١٠/ ٤٨) وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد.\n١٤٤ - المعجم الكبير (٥/ ٤٩ - ٥١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤٨) وقال: رواه الطبراني والبزار بأسانيد ورجال بعضها عند الطبراني والبزار رجال الصحيح.","vol":"1","page":136},{"text":"في هذا الحديث دليل على فضل الصحبة، وأن الصحابة مقدمون في دخول الجنة على غيرهم. والسبعون ألفًا المذكرون في هذا الحديث ممن يأتون بعد الصحابة، فهم غير السبعين ألفًا الذين سيكون منعهم عكاشة بن محصن. والله أعلم.\n١٤٥ - * روى البزار والطبراتي في الأوسط بن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره\".\n١٤٦ - * روى أحمد بن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ \"مثل أمتي مثل المطر: لا يدرى آخره خير، أم أخره؟ \".\n١٤٧ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" مثل أمتي مثل المطر: لا يدرى آخره خير، أم أوله؟ \".\n١٤٨ - * روى أحمد عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ طلع راكبان فلما رآهما قال \"كنديان مذحجيان\" حتى إذا أتياه قال: فدنا أحدهما إليه ليبايغه قال: فلما اخذ بيده قال: يا رسول الله: أرأيت من رآك وآمن بك وصدقك واتبعك ماذا له قال: \"طوبى له\" فمسح على يده وانصرف ثم أقبل الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه قال: أرأيت يا رسول الله من آمن بك وصدقك واتبعك ولم يرك قال: \"طوبى له ثم طوبى له\" قال فمسح على يده وانصرف.\n_________\n١٤٥ - مجمع الزوائد (١٠/ ٦٨).\nقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفي إسناد البزار حسن، وقال: لا يروى عن النبي ﷺ بإسناد أحسن من هذا.\n١٤٦ - أحمد (٤/ ٣١٩).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٦٨). قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح غير الحسن بن قزعة وعبيد ببن سليكان الأغر وهما ثقتان وفي عبيد خلاف لا يضر.\n١٤٧ - الترمذي (٥/ ١٥٢). وقال: هذا حديث حسن.\n١٤٨ - أحمد (٤/ ١٥٢).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٦٧). وقال: رواه أحمد ورجاله الصحيح غير محمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع.","vol":"1","page":137},{"text":"١٤٩ - * روى أحمد والطبراني عن أبي إمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"طوبي لمن رآني وآمن بي، وطوبي لمن آمن بي ولم يرني\" سبع مرات.\n١٥٠ - * روى ابن خزيمة في صحيحه عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ \"فضلنا على الناس بثلاث، جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي\".\n* * *\nوبعد: فإن ما فضلت به هذه الأمة وفضل به رسولها ﷺ أكثر مما يحصى، وخاصة هذا القرآن العظيم المعجزة المتجددة الخالدة، وإنما ذكرنا بعضًا من الأحاديث في فضل هذه الأمة سابقها ولاحقها هنا حتى لا يخلو قسم العقائد من مثل هذا الموضوع، فالإيمان بفضل هذه الأمة على غيرها من المعلومات من الدين بالضرورة، وقد جرت عادة المؤلفين في العقائد أن يدخلوا في كتبهم موضوع الفاضل والأفضل من الرجال والأعمال والأمم، واكتفينا هنا بذكر فضل هذه الأمة ليحرص المسلم على الانتماء ويستشعر شرف ذلك ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\n* * *\n_________\n١٤٩ - أحمد (٥/ ٢٤٨).\nالمعجم الكبير (٨/ ٣١١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٦٧) وقال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجالها رجال الصحيح غير أيمن من مالك الأشعري وهو ثقة. كذا في المجمع، والحديث بطرقه صحيح.\n١٥٠ - صحيح ابن خزيمة (١/ ١٣٢).\nوأحمد (٥/ ٣٨٣).\nومسلم (١/ ٣٧١) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة. وهو عند أحمد ومسلم باختلاف يسير.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفصل الخامس\nفي:\nفصل الإيمان وفي فضل المؤمن</span>\nوفيه:\nومقدمة ونصوص","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المقدمة</span>\nليس هناك شيء أعظم ولا أفضل من الإيمان، وليس هناك أحد من الناس يكرم عند الله إلا بالإيمان، وإنما يتفاوت الناس عند الله بمقدار إيمانهم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) ولا يعرف عظمة الإيمان إلا من آمن باليوم الآخر وعرف ما أعده الله ﷿ للمؤمنين وللكافرين، إن من عرف أن هناك جنة ونارًا عرف فضل الإيمان ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٢). فإذا كان الإنسان يخرج من النار بسبب ذرة إيمان في قلبه عرف أهمية ذرة الإيمان هذه، وعرف فضل الإيمان بذلك، ومن عرف أن الحكمة في كل ما خلق الله أن يوجد المؤمن، عرف فضل المؤمن: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣).\n﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤).\nومن عرف فضل الإيمان المؤمن عرف منة الله على عباده بإرساله محمدًا ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥) ومن ههنا كان أهم ما يحرص عليه المؤمن تحصيل أصل الإيمان، وتحصيل المزيد منه بالعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر بالمذاكرة مع أهل الإيمان وبالاجتماع مع أهل القرآن، وبتحمل ما ينتج عن حمل الحق:\nوما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ... (٦).\n_________\n(١) الحجرات: ١٣.\n(٢) الأنعام: ٩٣.\n(٣) تبارك: ٢.\n(٤) الأعراف: ٣٣.\n(٥) الأنبياء: ١٠٧.\n(٦) رواه مسلم (٤/ ٣٠٧٤) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء ١١ - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ... الخ.","vol":"1","page":141},{"text":"ومن آثار تنزل السكينة زيادة الإيمان ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (١).\nوكان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (تعال نؤمن بربنا ساعة). أخرجه أحمد، وأخرج البخاري تعليقًا قال: قال معاذ (اجلس نؤمن ساعة).\nقال ابن حجر: وصله أحمد بسند صحيح ...\n* * *\n_________\n(١) الفتح: ٤.\nأحمد (٣/ ٣٥).\nالبخاري (١/ ٤٥) ٣ - كتاب الإيمان ١ - باب قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>النصوص الحديثة</span>\n١٥١ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا - أو الحياة، شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية\"؟!.\n١٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سئل رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: \"إيمان بالله ورسوله\" قيل ثم ماذا؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\"، قيل: \"حج مبرور\".\nوفي أخرى للنسائي (٣): أي الأعمال أفضل؟ قال: \"الإيمان بالله ورسوله\" لم يزد.\nوفي رواية الترمذي (٤)، قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الأعمال خير؟ .. وذكر الحديث وفيه قال: \"الجهاد سنام العمل\".\n_________\n١٥١ - البخاري (١/ ٧٢) ٢ - كتاب الإيمان ١٥ - باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.\nوأخرجه مسلم بنحوه (١/ ١٧٢) ١ - كتاب الإيمان ٨٢ - باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار.\n(الحبة): قال النووي: الحبة هي بزر البقول والعشب تنبت في البراري وجوانب السيول.\nوجمعها: حبب. وقال ابن حجر: بكسر أوله، وهي جمع بزور النبات. واحدتها، حبة بالفتح، وأما الحب: فهو الحنطة والشعير، واحدتها: حبة بالفتح أيضًا، وإنما افترقا في الجمع ا. هـ.\nوقيل: الحبة بزور الصحراء مما ليس بقوت.\n١٥٢ - البخاري (١/ ٧٧) ٢ - كتاب الإيمان ١٨ - باب من قال إن الإيمان هو العمل.\nومسلم (١/ ٨٨) ١ - كتاب الإيمان ٣٦ - باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.\nوالنسائي (٥/ ١١٣) ٢٤ - كتاب المناسك ٤ - فضل الحج.\n(٣) النسائي (٨/ ٩٣) ٤٢ - كتاب الإيمان ١ - ذكر أفضل الأعمال.\n(٤) الترمذي (٤/ ١٨٥) ٢٣ - كتاب فضل الجهاد ٢٢ - باب ما جاء أي الأعمال أفضل.","vol":"1","page":143},{"text":"١٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁؛ قال: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: \"الإيمان بالله، والجهاد في سبيله\"، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: \"أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها\"، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: \"تعين ضائعًا، أو تصنع لأخرق\" قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: \"تكف شرك عن الناس، فإنه صدقة تتصدق بها على نفسك\".\nوفي رواية النسائي (٢): أنه سأل النبي ﷺ: \"أي العمل خير؟ قال: إيمان بالله، وجهاده في سبيل الله\" لم يزد.\n١٥٤ - * روى أحمد عن ماعز، عن النبي ﷺ أنه سئل: أي الأعمال أفضل قال: \"إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها\".\n١٥٥ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص: قال رسول الله ﷺ: \"عجبت من قضاء الله ﷿ للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، المؤمن يؤجر في كل شيء\".\n_________\n١٥٣ - البخاري (٥/ ١٤٨) ٤٩ - كتاب العتق ٢ - باب أي الرقاب أفضل.\nمسلم (١/ ٨٩) ١ - كتاب الإيمان ٣٦ - باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.\n(٢) النسائي (٦/ ١٩) ٢٥ - كتاب الجهاد ١٧ - باب ما يعدل الجهاد في سبيل الله.\n(أنفسها): الشيء النفيس: الجيد من كل شيء، المرغوب فيه، وحقيقته: الشيء الذي يتنافس فيه.\n(تعين ضائعًا): أي: ذا ضياع من فقر أو عيال. أو حال قصر عن القيام بها.\n(لأخرق): الخرق: ضد الرفق والكياسة والتعقل، والرجل أخرق، والمرأة خرقاء.\n١٥٤ - أحمد (٤/ ٣٤٢).\nالمعجم الكبير (٣٠/ ٣٤٤).\nمجمع الزوائد (٣/ ٢٠٧). وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله أحمد رجال الصحيح.\n١٥٥ - أحمد (١/ ١٧٣).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٩٥). وقال: رواه أحمد بأسانيد والطبراني في الأوسط وزاد في كل يؤجر المؤمن حتى في أكلته يرفعها إلى فيه، والبزار/ قال: يؤجر في كل أمره حتى اللقمة يرفعها إلى في امرأته، وأسانيد أحمد ورجالها رجال الصحيح وكذلك بعض أسانيد البزار.","vol":"1","page":144},{"text":"١٥٦ - * روى مسلم عن صهيب، رفعه: \"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا\".\n١٥٧ - * روى الشيخان عن أبي سعيد مرفوعًا: \"يخرج من النار من كان قلبه مثقال ذرة من الإيمان\" قال: أبو سعيد فمن شك فليقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.\n١٥٨ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود؛ قال: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يؤتي المال من يحب ومن لا يحب ولا يؤتي الإيمان إلا من أحب، فإذا أحب الله عبدًا أعطاه الإيمان فن ضن بالمال أن ينفقه وهاب العدو أن يجاهده والليل أن يكابده فليكثر من قول لا إله إلا الله والله أكير والحمد لله وسبحان الله.\n١٥٩ - * روى الحاكم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ \"إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب\".\n١٦٠ - * روى الطبراني عن عبادة بن الصامت قال: بينما أن عند رسول الله ﷺ إذا جاءه رجل فقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: \"إيمان بالله وجهاد في سبيله\n_________\n١٥٦ - مسلم (٤/ ٢٢٩٥) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق ١٣ - باب المؤمن أمره كله خير.\n١٥٧ - البخاري (١٣/ ٤٢٠: ٤٢٢) ٩٧ - كتاب التوحيد ٢٤ - باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.\nمسلم (١/ ١٧١: ١٦٧) ١ - كتاب الإيمان ٨١ - باب معرفة طريق الرؤيا.\nالترمذي (٤/ ٧١٤) ٤٠ - كتاب صفة جهنم ١٠ - باب منه حدثنا هناد ... الخ.\n١٥٨ - المعجم الكبير (٩/ ٣٢٩).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٩٠) وقال: رواه الطبراني موقوفًا ورجاله رجال الصحيح أ. هـ.\nوقد صعفه بعضهم، ويشهد لبعضه الحديث التالي.\n١٥٩ - المستدرك: (٢/ ٤٤٧) قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n١٦٠ - مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٨). وقال: رواه الطبراني في أحدهما ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وفي الآخر سويد بن إبراهيم، وثقه ابن معين في روايتين، وضعفه النسائي وبقية رجالها ثقات.","vol":"1","page":145},{"text":"وحج مبرور\" فلما ولى الرجل قال: \"وأهون عليك من ذلك إطعام الطعام ولين الكلام وحسن الخلق\" فلما ولى قال: \"وأهون عليك من ذلك لا تتهم الله على شيء قضاة عليك\"، وفي رواية إن الرجل هو الذي قال يا رسول الله أريد أهون من ذلك، قال: \"السماحة والصبر\".\n١٦١ - * روى أحمد والطبراني عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ إذ سمع القوم وهم يقولون: أي الأعمال أفضل يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إيمان بالله وجهاد في سبيل الله وحج مبرور\" ثم سمع نداء في الوادي يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فقال رسول الله ﷺ: \"وأنا أشهد وأشهد ألا يشهد بها أحد إلا برئ من الشرك\".\n١٦٢ - * روى أحمد بن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"والذي نفسي بيده إن مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيبًا ووقعت فلم تكسر ولم تفسد\".\n١٦٣ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ﷿ يقول إن عبدي المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه\".\n* * *\n_________\n١٦١ - أحمد (٤/ ٤٥١).\nمجمع الزوائد (١/ ٥٩) وقال: رواه أحمد والطبراني والكبير ورجال أحمد موثقون. كذا في المجمع ولبعضه شواهد.\n١٦٢ - أحمد (٢/ ١٩٩).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٥) وقال: رواه أحمد في حديث طويل تقدم ورجاله رجال الصحيح غير أن أبي سيرة وقد وثقه ابن حبان.\n١٦٣ - أحمد (٢/ ٣٤١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٩٦) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفصل السادس\nفي\nأمثال مثل بها لدعوة الرسول ﷺ\nوللمستجيبين له</span>","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>النصوص</span>\nقال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٢).\n﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣).\nفضرب الأمثال أسلوب جاء به القرآن، وقد تأدب به رسول الله ﷺ، فكان يكثر من ضرب الأمثال، والعالم وحده هو الذي يدرك حقيقة المثل، قد يفهم الإنسان العادي المثل، ولكن الفهم شيء وإدراك حقيقة المثل شيء آخر، وقد مثل رسول الله ﷺ لدعوته أمثلة كثيرة. وهذه نماذج من ذلك:\n١٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ﷿، ونفعه ما بعثتي الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\".\nقال النووي في شرح مسلم، أما الغيث: فهو المطر، وأما العشب والكلأ والحشيش، فكلها أسماء للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس. والعشب والخلا - مقصورًا - مختصان بالرطب، و\"الكلأ\" بالهمز يقع على اليابس والرطب. \"والأجادب\" بالجيم والدال المهملة، وهي التي لا تنبت كلأ.\n_________\n(١) إبراهيم: ٣٥.\n(٢) البقرة: ٢٦.\n(٣) العنكبوت: ٤٣.\n١٦٤ - البخاري (١/ ١٧٥) ٣ - كتاب العلم ٢٠ - باب فضل من علم وعلم.\nمسلم (٤/ ١٧٨٧) ٤٣ - كتاب الفضائل ٥ - باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم.","vol":"1","page":149},{"text":"وقد جاء في \"الفتح\": قال القرطبي وغيره: ضرب النبي ﷺ، لما جاء به من الدين مثلًا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزلها بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه، غير أنه لم يعلم بنوافله، أو لم يتفقه فيها جمع لكنه أداء لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله \"نضر الله امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها\"، ومنهم من يسمع فلا يحفظه ولا يعمل به، ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده غيرها، وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفراد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها، والله أعلم.\nأقول: الأرض الجدباء هنا هي الأرض التي لا تنبت لكنها تحفظ الماء على ظهرها، والمراد بالقاع هنا الأرض التي لا تنبت ولا تحفظ الماء على ظهرها.\nلقد جاء محمد ﷺ متمثلًا بالكتاب والسنة، والكتاب والسنة للقلوب بمثابة المطر للأرض، والمسلمون أقسام: فقسم لا يقرأ ولا يسمع كتابًا وسنة ولو سمع وقرأها ما أفاد ولا استفاد قلوبهم كالصحاري، وناس يقرؤون فيستفيدون فيعلمون ويفيدون فهؤلاء بساتين هذه العالم وناس يحفظون ويعلمون فهؤلاء أحواض يشرب منها الناس، إن الذين يسمعون فلا يحفظون ولا يعلمون هم غرابيل الناس.\nوعلى كل فلا شيء يكشف طبيعة القلوب مثل عرض الكتاب والسنة عليها، وهذه مهمة الربانيين: اقرأ على الناس الكتاب والسنة فتظهر قلوبهم، وعلى من لم يكن قلبه بستانًا أن يجاهد نفسه. فالله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١).\n_________\n(١) العنكبوت: ٦٩.","vol":"1","page":150},{"text":"١٦٥ - * روى الترمذي عن النواس بن سمعان، رفعه: \"إن الله ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، على كنفي الصراط داران لهما أبواب مفتحة، على الأبواب ستورٌ، وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوقه، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والأبواب التي على كنفي الصراط حدود الله، فلا يقع أحد في حدود الله، حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقه واعظ ربه\".\nفي الحديث: إشارة إلى: إسلام وقرآن وفطرة: فالإسلام هو دين الله وهو الصراط المستقيم، ومما يثبت على الصراط القرآن وواعظ الله في القلب المؤمن، فمن كان له تلاوة في القرآن، ومن كانت في قلبه بقية من حياة وفطرة، فجرى به أن يستقيم، وعوامل الانحراف كثيرة وأبوابها كثيرة والشيطان ودعاة الضلال يدفعون نحو هذه الأبواب فالشهوات الحسية والمعنوية والضلالات والشبهات كل من أفرادها باب من دخله ضل إلا أن يرجع.\nوأهل الصراط المستقيم هم المطيعون من أهل السنة والجامعة، وإذن هم من اجتمع لهم اعتقد صحيح وعمل صحيح، أما من سوى ذلك من المكلفين فهم بين داخل في طريق كفري أو في ضلال أو معصية:\n﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢).\n_________\n١٦٥ - الترمذي (٥/ ١٤٤) ٤٥ - كتاب الأمثال ١ - باب ما جاء في مثل الله لعباده. وقال: حسن غريب.\nوأحمد (٤/ ١٨٢، ١٨٣).\nوأخرجه الحكام وصححه وأقره الذهبي.\n(ذارزان): جدران. وفي بعض الروايات سوران.\n(كنفي): جانبي.\n(١) الانعام: ١٥٩.\n(٢) الأنعام: ١٥٣.","vol":"1","page":151},{"text":"١٦٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتي قومه فقال: إني رأيت الجيش بعيني، و[إني] أنا النذير العريان. فالنجاء، النجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم، واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني، واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني، وكذب ما جئت به من الحق\".\n١٦٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذي الدواب، التي تقع في النار، تقع فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيها\".\n١٦٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: ذكر أحاديث منها: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها. قال فذلكم مثلي ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقحمون فيها\".\nوأخرجه الترمذي بنحوه (٤).\n_________\n١٦٦ - البخاري (١١/ ٣١٦) ٨١ - كتاب الرقاق ٢٦ - باب الانتهاء عن المعاصي.\nمسلم (٤/ ١٧٨٨) ٤٣ - كتاب الفضائل ٦ - باب شفقته ﷺ على أمته .. الخ.\n(النجاء) أي: اطلبوا الخلاص، وأنجوا أنفسكم وخلصوها.\n(فاجتاحهم) استأصلهم، وهو من الجائحة التي تهلك الأشياء.\n(النذير العريان) الذي لا ثوب عليه، وخص العريان، لأنه أبين في العين، وأصل هذا: أن الرجل منهم كان إذا أنذر قومه، وجاء من بلد بعيد انسلخ من ثيابه، ليكون أبين للعين.\n(أدلجوا) إذا خفف - من أدلج يدلج - كان بمعنى؟: سار الليل كله، وإذا ثقل - من ادلج - كان إذا سار آخر الليل.\n١٦٧ - البخاري (١١/ ٣١٦) ٨١ - كتاب الرقاق ٢٦ - باب الانتهاء عن المعاصي. وهذه رواية البخاري.\n١٦٨ - مسلم (٤/ ١٧٨٩) ٤٣ - كتاب الفضائل ٦ - باب شفقته ﷺ على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم.\n(٤) الترمذي (٥/ ١٥٤) ٤٥ - كتاب الأمثال ٧ - باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله. =","vol":"1","page":152},{"text":"١٦٩ - * روى مسلم عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي\".\n١٧٠ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء، لا يسقط ورقها، ولا يتحات\". فقال القوم كذا، هي شجرة كذا، فأردت أن أقول: هي النخلة، وأنا غلام شاب، فاستحييت، فقال: \"هي النخلة\".\n١٧١ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله؛ قال: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ، وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم، إن العين نائمة، والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، فاضربوا له مثلا، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان. فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة.\n_________\n= (الحجز): جمع حجزة، وهي مقعد الإزاز، وحجزة السراويل معروفة.\n(التقحم): الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تشبث.\n١٦٩ - مسلم (٤/ ١٧٩٠) ٤٣ - كتاب الفضائل ٦ - باب شفقته ﷺ على أمته ومبالغته في تحذيرهم ...\n(الجنادب) جمع جندب، وهو طائر كالجراد، يصر في الحر.\n(تفلتون): التفلت والانفلات: التخلص من اليد.\nوأما \"تفلتون\" فروي بوجهين: يقال: أفلت مني وتفلت: إذا نازعك الغلبة والهرب، ثم غلب وهرب، ومقصود الحديث: أنه ﷺ، أرسله الله ليمنع بقدر طاقته تساقط الجاهلين بشركهم وبمعاصيهم وشهواتهم في غضب الله وعذابه في الدنيا. وفي نار الآخرة، وهم حريصون بهمى بصائرهم وجاهليتهم على الوقوع في ذلك منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم، فهم يتساقطون في الفساد تساقط الفراش في النار، لهواهم وضعف تمييزهم، فكلاهما حريص على هلاك نفسه، ساع في ذلك.\n١٧٠ - البخاري (١٠/ ٥٢٣) ٧٨ - كتاب الأدب - ٧٩ - باب مالا يستحيا من الحق، للتفقه في الدين.\nمسلم (٤/ ٢١٦٤) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ١٥ - باب مثل المؤمن مثل النخلة.\n(يتحات): تحات ورق الشجر: إذا انتثر وتساقط بنفسه.\n١٧١ - البخاري (١٣/ ٢٤٩) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ٢ - باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ.","vol":"1","page":153},{"text":"فقالوا: أولوها له يفقها، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: فالدار: الجنة، والداعي: محمد، فمن أطاع محمدًا، فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا، فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس.\n* * *","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفصل السابع\nفي:\nالإسلام وأسهمه وأركانه ومقاماته وبعض أعماله</span>\nوفيه:\nمقدمة وفقرات\nالفقرة الأولى: في أسهم الإسلام.\nالفقرة الثانية: في أركان الإسلام.\nالفقرة الثالثة: في مقامات الإسلام.\nالفقرة الرابعة: في أمهات من أعمال الإسلام.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المقدمة</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١).\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢).\nإن كلمة الإسلام تطلق على معنى أعم وهو الدين الذي بعث به محمد ﷺ والذي القرآن كتابه والسنة شارحة لهذا القرآن، وهو بهذا المعنى فيه كل شيء تحتاجه هداية الإنس والجنس ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) والمسلم من قبل الإسلام قبول تصديق ورضا وتسليم، فآمن بالكتاب والسنة واستسلم لهما وأسلم فيهما اعتقادًا وعملًا.\nوتأتي كلمة الإسلام بمعنى خاص فهي تطلق ويراد بها أسهم الإسلام أو أركان الإسلام أو أعمال من الإسلام، فالرسول ﷺ كان يطالب الداخلين في الإسلام بأعمال تطلب منهم مباشرة بسبب دخولهم الإسلام، وكل ذلك يعتبر أجزاءً من الإسلام.\nومن أساليب العرب في الخطاب أنها تعرف الكل بالجزء لإظهار أهمية الجزء وهو أسلوب استعمله رسول الله ﷺ فمن لم يعرف أساليب العرب في الخطاب ومن لم يعرف أسلوب رسول الله ﷺ في هذا الشأن فاتته المعرفة الكلية للإسلام وفاته وضع كل جزء من الإسلام في محله ضمن البناء العام الذي يصف أعمال الإسلام، وقد كتبنا كتابنا الإسلام لتوضيح بناء الإسلام أركانًا ومناهج حياة ومؤيدات، وكتبنا كتابنا تربيتنا الروحية لتعرف مقامات السير في دين الله ﷿، فالإسلام بمعناه الأعم تصورات وأعمال وأحكام وعقائد وعبادات ومناهج حياة ومؤيدات ومقامات تنبثق عن الكتاب والسنة وعما يستنبط بشكل صحيح من الكتاب والسنة، فالأمر واسع ونحن ههنا سنتحدث عن أسهم الإسلام، عن أركان الإسلام، وعن مقامات الإسلام، وعن أعمال أساسية في الإسلام كان يأمر بها رسول الله ﷺ الداخلين الجدد في الإسلام، أو يعلمها لمن يريد تفقها في الإسلام، فأسهم الإسلام\n_________\n(١) آل عمران: ١٩.\n(٢) آل عمران: ٨٥.\n(٣) النحل: ٨٩.","vol":"1","page":157},{"text":"ثمانية كما سنرى، وهذه لها وضع خاص بالنسبة للإسلام.\nوأركان الإسلام خمسة وهي من أسهم الإسلام، ولكن لها صفة الركنية بالنسبة لبناء الإسلام فلا يقوم الإسلام إلا بها جميعًا.\nومقامات الإسلام: تصديق، فعمل فتحقق، فالتزام، فشكر.\nأو تقول: إيمان، فإسلام بالمعنى الأخص وهو العمل بما تطالب به من الإسلام فإحسان، فتقوى، فشكر.\nفالمطلوب الأول: الإيمان بالإسلام، وعلامة ذلك: إعلان الشهادتين، والإيمان بالكتاب والسنة، وبما جاء فيهما.\nوالمطلوب الثاني: العمل بما افترض الله عليك وترك ما نهاك عنه- وهو الإسلام بالمعنى الأخص فهو العمل- فإذا فعلت ذلك وداومت عليه أوصلك ذلك إلى حقيقة الإيمان.\n﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١) أي هو على وشك الدخول بسبب القيام بأعمال الإسلام، فإذا ما دخل نور الإيمان واستنار القلب وصل الإنسان إلى مقام الإحسان، وذلك هو حقيقة الإيمان، فإذا ما وصل إلى الإحسان كمل التزامه بالكتاب والسنة وذلك هو التقوى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).\nفإذا ما كثر التزامه فأدى شكر ما أنعم الله به عليه فقد وصل إلى مقام الشكر وهو أرقى المقامات، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣) وإنما الطريق للشكر هو التقوى، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤) وسيد الشاكرين رسول الله صلى الله ﷺ: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا\".\nوأمهات أعمال الإسلام: أداء الأركان الخمسة، وأخذ الحظ من الأسهم الثمانية بما في ذلك\n_________\n(١) الحجرات: ١٤.\n(٢) البقرة: ٢١.\n(٣) سبأ: ١٣.\n(٤) آل عمران: ١٢٣.","vol":"1","page":158},{"text":"الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم موادة المشركين، وموالاة المسلمين، وأداء السلام وإطعام الطعام، والذكر، وترك الخمر، وحفظ اللسان فلا يؤذي مسلما، وترك الشرك والسرقة والزنى وقتل النفس، ويجب السمع والطاعة لأمراء العدل، وعدم منازعة الأمر أهله، وطيب الكلام والصبر والسماحة وحسن الخلق، وترك ما نهى الله عنه، وإعطاء الأمن للناس، وترك الربا وإعطاء الزوجة حقها في المطعم، والملبس، وتولي الله تعالى، والستر على المسلم حيث يجب الستر، وترك الحرام، وعدم إيذاء الجار، وترك الكبائر السبع.\nوهذه نصوص تتحدث عن أسهم الإسلام، ثم عن أركانه، ثم عن مقاماته، ثم عن أمهات من الأعمال فيه، وكل ذلك لتعرف الإسلام بالمعنى الأخص، أما الإسلام بالمعنى الأعم فإنك تعرفه من خلال استيعاب الكتاب والسنة وما يخدمهما وما ينبثق عنهما.\n* * *","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الفقرة الأولى: أسهم الإسلام</span>\nالسهم في اللغة يأتي بمعنى النصيب، فالأصل أن على المسلم أن يأخذ نصيبه من الإسلام بإقامة الأسهم الثمانية المذكورة في حديث حذيفة ﵁، وإذا فاته سهم من السهام الآتية فهو على شفا خيبة:\n١٧٢ - * روى البراز عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"الإسلام ثمانية سهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والصيام سهم، والزكاة سهم، وحج البيت سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له\".\nأقول: مثل هذا الحديث لا يقال من جهة الرأي، فهو وإن كان الأصح أنه موقوف فإن له حكم الرفع.\nوقد ورد عن رسول الله ﷺ حديث آخر تذكر فيه الأسهم مما يقوي الحديث وهو:\n١٧٣ - * روى الحاكم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: \"إن للإسلام صُوى ومنارًا كمنار الطريق، منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئًا، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئًا، فقد ترك سهمًا من الإسلام، ومن تركهن [كلهن] فقد\n_________\n١٧٢ - كشف الأستار (١/ ٤١٥) وقال: لا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء، وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق فوقفه على حذيفة. ا. هـ.\nومجمع الزوائد (١/ ٣٨، ٣/ ٦٢) وقال: رواه البزار وفيه يزيد بن عطاء وثقه أحمد وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات. ا. هـ. فهو عند أحمد حسن.\nقال ابن رجب في جامع العلوم (ص ٢٣): وصح من حديث أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة ﵁: (الإسلام ثمانية أسهم ... وساق الحديث موقوفا ... ثم قال:\n(وخرجه البزار مرفوعا والموقوف أصح. ورواه بعضهم عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي (ص) خرجه أبو يعلى الموصلي وغيره، والموقوف على حذيفة أصح، قال الدارقطني وغيره) ا. هـ.\n١٧٣ - المستدرك (١/ ٢١)، مختصرا. وهو صحيح بطرقه وشواهده.\n(الصوى): جمع صوة وهي: أعلام من الحجارة تنصب في المنارة يستدل بها على الطريق.","vol":"1","page":160},{"text":"ولى الإسلام ظهره\".\nالمراد بالسهم الأول- في الحديث الأول: حديث حذيفة- الذي عبر عنه بالإسلام: قبول الإسلام والإيمان به، ورمز ذلك النطق بالشهادتين، وهذا الحديث له أهمية خاصة، فالله ﷿ أخبر عن اليهود بقوله:\n﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (١) أي- نصيبًا- ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (٢) والحديث الذي بين أيدينا يذكر أسهم الإسلام: أن أنصباءه أي حظوظه، فإذا ترك أبناء الأمة الإسلامية واحدا من هذه السهام فإنهم يستحقون إلقاء العداوة والبغضاء فيما بينهم، وإن كانت الآية تشير إلى هذه السهام وغيرها مما أنزله الله ﷿ من وحي، ولكن هذه السهام لها وضع هام في هذا الشأن، ولما كان من أساليب العرب أن تذكر جزءا وتعبر به عن الكل لتبيان أهمية الجزء فالحديث اللاحق يخص ثلاثة من أسهم الإسلام الثمانية بالذكر تبيانا لأهميتها، وفي السياق يذكر الحديث أهمية تولي الله للعبد ليحرص المسلم على هذه المعاني مجتمعة:\n١٧٤ - * روى أحمد عن عائشة رفعه، \"ثلاث أحلف عليهن، لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام الثلاثة الصلاة، والصوم، والزكاة، ولا يتولى الله عبدًا في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة ولا يحب رجل قومًا إلا جعله معهم والرابعة لو حلفت عليها رجوت أن لا آثم لا يستر الله عبدًا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة\".\n_________\n(١) المائدة: ١٢.\n(٢) المائدة: ١٤.\n١٧٤ - مسند أحمد (٦/ ١٤٥).\nمجمع الزوائد (١/ ٢٢). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات ورواه أبو يعلى أيضا.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الفقرة الثانية: أركان الإسلام</span>\nتطلق كلمة أركان الإسلام على الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج بنص الحديث النبوي لأن كلا منها ركن في جانب من جوانب الإسلام، فالشهادتان ركن العقائد، والصلاة ركن العبادات المباشرة، والصوم ركن الأعمال التي تضبط النفس على أمر الله، والزكاة ركن الحياة الاقتصادية، والحج ركن الحياة السياسية وغيرها:\n١٧٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان\".\nوفي أخرى: \"بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج\" فقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ قال: لا صيام رمضان والحج\" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ.\nوفي أخرى: \"بني الإسلام على خمس: [على] أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان\".\nعندما يقال: بني هذا البيت على أساس متين فهذا يعني: أن هناك أساسًا فوقه بيت، وهكذا هنا: فالإسلام بني على خمس فهذا أساسه وفوق ذلك بناؤه والبناء بشمل أحكام الله في كل شيء في السياسية والاقتصاد والاجتماع والأخلاق وغير ذلك، والإسلام عقائد وعبادات ومناهج حياة وشرائع وشعائر وأخبار وأوامر ونواه وغيب وشهادة ... وأركان ذلك كله هذه الخمسة.\n_________\n١٧٥ - مسلم (١/ ٤٥) ١ - كتاب الإيمان ٥ - باب بيان أركان الإسلام ودعائمه. بجميع طرقه، وهو عند البخاري والنسائي والترمذي، ببعضها.\nالبخاري (١/ ٤٩) ٢ - كتاب الإيمان ٢ - باب دعاؤكم إيمانكم.\nالنسائي (٥/ ١٠٨) ٤٧ - كتاب الإيمان ١٣ - باب على كم بني الإسلام.\nالترمذي (٥/ ٥) ٤١ - كتاب الإيمان ٣ - باب ما جاء بني الإسلام على خمس.","vol":"1","page":162},{"text":"١٧٦ - * روى أبو يعلى عن ابن عباس، قال حماد بن زيد لا أعلمه إلا رفعه: \"عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهم أسس الإسلام، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان\" ثم قال ابن عباس تجده كثير مال لا يزكي فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحل دمه وتجده كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافرًا ولا يحل دمه.\nهذا الحديث يبين أهمية الأركان الثلاثة: الشهادتين والصوم والصلاة من بين الأركان الخمسة والذي عليه الأكثرون أن عدم قبول الشهادتين أو ارتكاب ناقض للشهادتين هو الذي يكون به صاحبه كافرًا حلال الدم بالكفر، واستحلال ترك الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج على من كان مكلفًا هو الذي يكون به صاحبه كافرًا حلال الدم، والمعروف أن مذهب أحمد: تكفير تارك الصلاة ولو كسلا واستحقاقه بذلك القتل كفرًا، ولكن عامة الفقهاء على أن تارك الصلاة كسلا يستحق العقوبة التي قد تصل إلى حد القتل، ولكن مذهب ابن عباس كما نفهمه من ظاهر الرواية أن تارك الصلاة وتارك الصوم كافران مباحا الدم.\nوالحديث يركز على أهمية الشهادتين والصلاة والصوم، فإذا كان أهم ما في الإسلام أركانه الخمسة فأهم هذه الأركان هي هذه الثلاثة.\n* * *\n_________\n١٧٦ - مجمع الزوائد (١/ ٤٧، ٤٨). وقال: رواه أبو يعلى بتمامه ورواه الطبراني في الكبير بلفظ بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة، وصيام رمضان فمن ترك واحدة منهن كان كافرا حلال الدم. فاقتصر على ثلاثة منها ولم يذكر كلام ابن عباس الموقوف وإسناده حسن. أ. هـ.\nوالحديث صححه بعضهم وحسنه آخرون.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفقرة الثالثة: مقامات الإسلام</span>\nقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١) فالعمل بالإسلام يوصل إلى الإيمان القلبي وذلك يوصل إلى الإحسان الذي هو أحد مقامات الصديقين. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٢) والإحسان هو المقام الأرقى في العبادة، والعبادة توصل إلى التقوى. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) والتقوى توصل إلى الشكر ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤) فهذه مقامات الإسلام.\nوهذه نصوص:\n١٧٧ - * روى مسلم عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة: معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجبين، أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر؟ فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلى، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم: أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه اثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي\n_________\n(١) الحجرات: ١٤.\n(٢) الحديد: ١٩.\n(٣) البقرة: ٢١.\n(٤) آل عمران: ١٢٣.\n١٧٧ - مسلم (١/ ٢٦: ٤٠) ١ - كتاب الإيمان ١ - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ.\nوأبو داود. (٤/ ٢٢٢) كتاب السنة ١٧. باب في القدر.\nوالترمذي (٥/ ٦) ٤١ - كتاب الإيمان ٤ - باب ما جاء في وصف جبريل للنبي (ص) الإيمان والإسلام.=","vol":"1","page":164},{"text":"ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ \"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا\" قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: \"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خير وشره\" قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فأن لم تكن تراه، فإنه يراك\" قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة، العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان\" قال: ثم انطلق، فلبث مليا ثم قال لي: \"يا عمر، أتدري من السائل؟ \" قلت الله ورسوله أعلم، قال: \"فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\".\nوأخرجه أبو داود بنحوه (١)، وفيه \"فلبث ثلاثًا\".\nوفي أخرى له (٢): قال: فما الإسلام؟ قال: \"أقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة\".\n١٧٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي ذر ﵄، قالا: كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: \"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر\".\nقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: \"الإسلام أن تعبد الله، لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان\" قال:\n_________\nوالنسائي (٨/ ٩٧) ٤٧ - كتاب الإيمان ٥ - باب نعت الإسلام.\nوابن ماجه (١/ ٢٢) المقدمة ٩ - باب في الإيمان.\n(١) أبو داود الموضع السابق.\n(٢) أبو داود الموضع السابق.\n١٧٨ - البخاري (١/ ١١٤) ٢ - كتاب الإيمان - ٣٧. باب سؤال جبريل النبي (ص) عن الإيمان والإسلام ... إلخ.\nمسلم (١/ ٣٩) ١ - كتاب الإيمان ١ - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان .. إلخ.\nكلاهما رواه عن أبي هريرة وحده.","vol":"1","page":165},{"text":"يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تره فإنه يراك\" قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: \"ما المسؤول عنه بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس، فذاك من أشرطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١). قال: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمك \"ردوا على الرجل\"، فأخذوا ليرده، فلم يروا شيئان فقال رسول الله ﷺ: \"هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم\".\nوفي أخرى نحوه، في أوله: أن رسول الله ﷺ قال: سلوني فهابوه أن يسأله، فجاء رجل، فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ وذكر نحوه- وزاد: أنه قال له في آخر كل سؤال منها: صدقت- وقال في الإحسان: \"أن تخشى الله كأنك تراه\" وقال فيها: \"إذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض، فذاك من أشراطها\" وفي آخرها- \"هذا جبريل أراد أن تعلموا، إذ لم تسألوا\".\n١٧٩ - * وعند الطبراني في الكبير من رواية ابن عمر: \"ما جاءني [أي جبريل] في صورة قط ألا عرفته إلا في هذه الصورة\".\n_________\n= ونحوه عند النسائي وأبي داود عنهما.\nالنسائي (٨/ ١٠١) ٤٧ - كتاب الإيمان ٦ - باب صفة الإيمان والإسلام.\nأبو داود (٤/ ٢٢٥) كتاب السنة ١٧ - باب في القدر.\n(١) لقمان: ٣٤.\n١٧٩ - المعجم الكبير (١٢/ ٤٣٠).\nمجمع الزوائد (١/ ٤٠). وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.","vol":"1","page":166},{"text":"لفت رسول الله ﷺ النظر في هذا الحديث إلى أركان الإسلام، وإلى أركان الإيمان، وإلى الدرجة العليا في العبادة وهي مقام الإحسان، وهذا الحديث أصل من الأصول:\nفهو يتحدث عن ثلاثة مقامات من مقامات الدين الإسلامي، فالإنسان يسلم فيقيم المطلوب منه من أركان الإسلام، وهذا يصل به إلى حقيقة الإيمان، وحقيقة الإيمان تصل له إلى مقام الإحسان، ومقام الإحسان يوصله إلى حقيقة التقوى، وحقيقة التقوى توصله إلى حقيقة الشكر، وهذه مقامات الإسلام والنصوص تشهد لذلك كما مر معنا. وهذا حديث في المقام الرابع وهو التقوى:\n١٨٠ - * روى أحمد وأبو يعلي عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: \"الإسلام علانية، والإيمان في القلب\" قال: ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات. قال: ثم يقول: \"التقوى ههنا التقوى ههنا\"\nلقد فصلنا في موضوع التقوى في كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقًا) تفصيلًا واسعًا.\nوهاهنا نكتفي بذكر بعض النصوص القرآنية، ونشير إلى بعض ما تفيده:\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (١).\nفالهداية أثر الإيمان والمجاهدة:\n﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٢).\n﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٣).\n_________\n١٨٠ - مسند أحمد (٣/ ١٣٤).\nكشف الأستار (١/ ١٩) مختصرا وقال: تفرد به علي بن مسعدة.\nمجمع الزوائد (١/ ٥٢). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بتمامه والبزار باختصار ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي ابن مسعدة وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون. أ. هـ.\nوقال في التقريب (٤٠٥) بتحقيق محمد عوامة: صدوق له أوهام.\nوقوله: (التقوى هاهنا) أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة بغير هذا السياق.\n(١) محمد: ١٧.\n(٢) التغابن: ١١.\n(٣) العنكبوت: ٦٩.","vol":"1","page":167},{"text":"والهداية توصل إلى التقوى بفضل الله، فالتقوى عطية من الله وهدية، والتقوى توصل إلى الشكر. قال تعالى:\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).\nوالشكر أرقى المقامات، قال تعالى:\n﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢).\nلأن الشكر أن تستعمل كل ما أعطاك الله ﷿ في الأحب إلى الله، وهذا نص في الشكر:\n١٨١ - * روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة، ﵁، قال: قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ \".\nوفي رواية (٣)، إن كان النبي ﷺ ليقوم- أو ليصلي- حتى ترم قدماه- أو ساقاه- فيقال له، فيقول: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ \".\nوفي أخرى: حتى ترم أو تنتفخ (٤).\nوفي أخرى (٥)، أنه صلى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتكلف هذا، وقد غفر لك؟ فقال .. وذكره.\n* * *\n_________\n(١) آل عمران: ١٢٣.\n(٢) سبأ: ١٢.\n(٣) البخاري (٣/ ١٤) ١٩ - كتاب التهجد، ٦ - باب قيام النبي ﷺ الليل.\n(٤) البخاري (١١/ ٣٠٣) ٨١ - كتاب الرقاق ٢٠ - باب الصبر عن محارم الله\n(٥) مسلم الموضع السابق.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الفقرة الرابعة: في أمهات من أعمال الإسلام</span>\nإنه بمجرد أن يدخل الإنسان في الإسلام تترتب عليه تكاليف وأعمال منها ما مر معنا في هذا الفصل بمناسبة الكلام عن أسهم الإسلام وأركانه ومقاماته، ولكي نأخذ صورة متكاملة عما كان يلقنه رسول الله ﷺ لمن يدخل في الإسلام أو لمن يريد أن يتفقه في أعمال الإسلام فإننا نذكر هذه الفقرة لنوى فيها طرائق الرسول ﷺ في التوجيه وفي تعامله مع المبتدئين أو مع المجتهدين، فذلك كله من سياسات النبوة التي ينبغي أن براعيها المربون، عدا عن كون العرض لهذه الأشياء يذكرنا ببعض دقائق من أعمال الإسلام ينبغي أن يلتزم بها السالكون، وهذه نصوص:\n١٨٢ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد، إذ دخل رجل على جمل، ثم أناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال [لهم] أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ فقال له [الرجل] ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي ﷺ: \"قد أجبتك\" فقال الرجل [للنبي] إن سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد على في نفسك، قال: \"سل عما بدا لك\" فقال أسألك بربك ورب من قبلك، الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: \"اللهم نعم\" قال أنشدك بالله: الله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: \"اللهم نعم\" قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: \" [اللهم نعم] \" قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ \"اللهم نعم\" قال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأن ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر.\nوأخرجه مسلم (١)، وهذا لفظه، قال أنس ﵁: نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله\n_________\n١٨٢ - البخاري (١/ ١٤٨) ٣ - كتاب العلم ٦ - باب ما جاء في العلم.\n(١) مسلم (١/ ٤١) كتاب الإيمان ٢ - باب السؤال عن أركان الإسلام.","vol":"1","page":169},{"text":"ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أن تزعم أن الله أرسلك، فقال: \"صدق\" قال: فمن خلق السماء؟ قال: \"الله\" قال فمن خلق الأرض؟ قال: \"الله\" قال. فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل\" قال: \"الله\" قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، الله أرسلك؟ قال: \"نعم\" قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: \"صدق\" قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\" قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: \"صدق\" قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\" قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: \"صدق\" قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\" قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: \"صدق\" قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\" قال: ثم ولي، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي ﷺ: \"لئن صدق ليدخلن الجنة\".\nوعند أحمد والطبراني (١): وكان ضمام رجلًا أشعر ذا غديرتين قال: أنشدك بالله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك في السؤالات كلها وقال\" الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده ولا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: \"اللهم نعم\" وقال وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه لا أزيد ولا أنقص، وقال ﷺ حين ولي \"إن صدق ذو العقيصتين يدخل الحنة\" ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى قالوا: مه يا ضمام: اتق البرص والجذام اتق الجنون قال ويلكم إنهما والله ما يضران ولا ينفعان. إن الله تعالى قد بعث رسولًا وأنزل كتابًا أستنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له أشهد أن محمدًا عبده ورسوله قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. فوالله ما أمسى في ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم يقول أفضل من ضمامٍ.\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٥٠، ٢٦٤/ ٢٦٥).\nالهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٨٩) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد موثقون.","vol":"1","page":170},{"text":"١٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن طلحة بن عبيد الله ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، من أهل نجد، ثائر الرأس، نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ: \"خمس صلوات في اليوم والليلة\" فقال: هل علي غيرهن؟ قال: \"لا، إلا أن تطوع\" فقال رسول الله ﷺ: \"وصيام رمضان\" فقال: هل علي غيره؟ قال: \"لا، إلا أن تطوع\" قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل علي غيرها! قال: \"لا، إلا أن تطوع\" قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله ﷺ: \"أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق\".\n١٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄، أتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فقال: أن وفد عبد القيس أتوا النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"من الوفد؟ أو من القوم؟ قالوا: ربيعة، قال: \"مرحبا بالقوم، أو بالوفد، غير خزايا، ولا ندامى\"- قال: فقالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام،\n_________\n١٨٣ - البخاري (١/ ١٠٦) ٢ - كتاب الإيمان ٣٤ - باب الزكاة من الإسلام.\nومسلم (١/ ٤١) ١ - كتاب الإيمان ٢ - باب الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.\nورواه مالك في الموطأ (١/ ١٧٥) ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر ٢٥ - باب جامع الترغيب في الصلاة.\nوأبو داود (١/ ١٠٦) أول كتاب الصلاة.\nوالنسائي (١/ ٢٢٦) ٥ - كتاب الصلاة ٤ - باب كم فرضت في اليوم والليلة.\n(الثائر الرأس): الشعث الشعر، البعيد العهد بالغسل والتسريح والدهن.\n(الدوي): كصوت النحل وغيره.\n(نفقه): الفقه: الفهم والعلم، أي: لا يفهم كلامه.\n١٨٤ - البخاري (١/ ١٢١) ١ - كتاب الإيمان ٤٠ - باب أداء الخمس من الإيمان.\nومسلم (١/ ٤٧) ١ - كتاب الإيمان ٦ - باب الأمر بالإيمان بالله تعالى .. إلخ.\nورواه أيضا أبو داود (٣/ ٣٣٠) كتاب الأشربة -باب في الأوعية.\nوالنسائي (٨/ ١٢٠) ٤٧ - كتاب الإيمان ٢٥ - باب أداء الخمس.\n(الجر): والجرار، جمع جرة، وهو من الخزف، معروف وقيل: هو ما كان منه مدهونا.\n(خزايا): جمع خزيان، من الخزاية. وهي الاستحياء، وكذلك ندامى جمع ندمان، وهو فعلان من الندم.\nوهذا البناء من أبنية المبالغة.\n(شقة): يقال: بيني وبينك شقة بعيدة، أي: مسافة بعيدة، والشقة: السفر البعيد.=","vol":"1","page":171},{"text":"فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة. قال فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: \"هل تدرون ما الإيمان؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم\" ونهاهم عن الدباء والحنتم، والمزفت، والنقير- قال شعبة: وربما قال: المقير -وقال: \"احفظوه وأخبروا به من وراءكم؟\nوزاد في رواية (١) قال: وقال رسول الله ﷺ للأشج- أشج عبد القيس- \"إن فيك خصلتين يحبها الله تعالى: الحلم والأناة\"\n١٨٥ - * روى الترمذي عن معاذ: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحت يومًا قريبا منه ونحن نسير فقلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال \"لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: \"ألا أدلك على أبواب الخير؟ \" قلت: بلي يا رسول الله: قال: \"الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل شعار الصالحين\" ثم تلا قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الآية: ثم قال: \"ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ \"\n_________\n= (فصل): أمر فصل، أي فاصل قاطع، لا رجعة فيه، ولا مرد له.\n(الدياء): القرع واحدها: ذباءة\n(الحنتم): جرار خضر كانوا يخزنون فيها الخمر.\n(النقير) أصل خشبه تنقر، وقيل: أصل نخلة.\n(المزفت): الوعاء المطلي بالزفت من داخل، وكذلك المقير.\nأقول: وهذه أوعية حرم ابتداء الانتباذ بها، لأن الانتباذ بها يسرع إليه الإسكار فيختلط فيختلط ثم استقر الأمر على تحريم المكر دون النظر إلى الآنية.\n(١) مسلم في الموضع السابق.\n١٨٥ - الترمذي (٥/ ١١) ٤١ - كتاب الإيمان ٨ - باب ما جاء في حرمة الصلاة (بمعنى: شرف الصلاة وكرامتها) وقال: حديث حسن صحيح.\n(الجنة): الوقاية والستر من النار.\n(شعار الصالحين): علامتهم.\n(ذروة سنامه): أعلى موضع في الإسلام وأشرفه.","vol":"1","page":172},{"text":"قلت: بلي يا رسول الله. قال: \"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد\" ثم قال: \"ألا أخبرك بملاك ذلك كله.\" قلت: بلى يا رسول الله: قال: \"كف عليك هذا وأشار إلى لسانه\" قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: \"ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم- أو قال (على مناخرهم) إلا حصائد ألسنتهم\".\n١٨٦ - * روى الترمذي عن علي رفعه: \"بعث الله يحي بن زكريا إلى بني إسرائيل بخمس كلمات، فلما بعث الله عيسى قال تعالى: يا عيسى قل ليحيى بن زكريا: إما أن يبلغ (ما أرسل) به إلى بني إسرائيل وإما أن تبلغهم. فخرج يحيى حتى صار إلى بني إسرائيل فقال: إن الله تعالى يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ومثل ذلك كمثل رجل أعتق رجلا وأحسن إليه وأعطاه فانطلق وكفر نعمته ووالي إلى غيره. وإن الله يأمركم أن تقيموا الصلاة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأرادوا قتله فقال: لا تقتلوني فإن لي كنزا وأنا أفدي نفسي فأعطاهم كنزه ونجا بنفسه. وإن الله يأمركم أن تصدقوا، ومثل ذلك كمثل رجل مشى إلى عدوه وقد أخذ للقتال جنة فلا يبالي من حيث أتى. وإن الله يأمركم أن تقرءوا الكتاب ومثل ذلك كمثل قوم في حصنهم صار إليهم عدوهم وقد أعدوا في كل ناحية من نواحي الحصن قومًا فليس يأتيهم عدوهم من ناحية من نواحي الحصن إلا وبين يديهم من يدرؤهم عن الحصن. فذلك مثل من يقرأ القرآن لا يزال في أحصن حصن\".\n١٨٧ - * روى أبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري، رفعه: \"من قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولًا وجبت له الجنة\".\n_________\n= (ملاك ذلك): قوامه وما يتم به.\n(ثكلتك أمك): فقدتك. وليس المراد ظاهره وإنما هو أسلوب من أساليب العرب في الخطاب.\n١٨٦ - الترمذي (٥/ ١٤٨) ٤٥ - كتاب الأمثال ٣ - باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب - وروى البزار نحوه.\n١٨٧ - أبو داود (٢/ ٨٨) كتاب الصلاة - باب في الاستغفار.\nوالنسائي (٦/ ١٩) ٢٥ - كتاب الجهاد -١٨ - باب درجة المجاهد في سبيل الله ﷿.\nومسلم نحوه (٣/ ١٥٠١) ٢٢ - كتاب الإمارة -٢١ - باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات.","vol":"1","page":173},{"text":"١٨٨ - * روى النسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁:\nقلت: يا نبي الله، ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن- لأصابع يديه-: أن لا آتيك، لا آتي دينك، وإني كنت امرءًا لا أعقل شيئًا، إلا ما علمني الله ورسوله، وإني سألتك بوجه الله، بم بعثك الله إلينا؟ قال: \"بالإسلام\" قال: وما آيات الإسلام؟ قال: \"أن تقول: أسلمت وجهي الله، وتخليت، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة\".\nزاد في أخرى \"كل مسلم على مسلم محرم. أخوان نصيران، لا يقبل عن مشرك بعد ما أسلم عمل؛ أو يفارق المشاركين إلى المسلمين\".\n١٨٩ - * روى مسلم عن (سفيان بن عبد الله الثقفي) قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك؟ قال: \"قل آمنت بالله ثم استقم\".\n١٩٠ - * روى النسائي عن أنس رفعه: \"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم\".\n١٩١ - * روى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن: من أمنة الناس على دمائهم وأموالهم\".\n١٩٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: \"المسلم: من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهاه الله عنه\".\n_________\n١٨٨ - النسائي (٥/ ٨٣) ٢٣ - كتاب الزكاة -٧٣ - باب من سأل بوجه الله ﷿. وسنده حسن.\n١٨٩ - مسلم (١/ ٦٥) ١ - كتاب الإيمان ١٢ - باب جامع أوصاف الإسلام.\n١٩٠ - النسائي (٨/ ١٠٥) ٤٧ - كتاب الإيمان ١ - باب صفة المسلم. والحديث سنده حسن.\n١٩١ - الترمذي (٥/ ١٧) ٤١ - كتاب الإيمان ١٢ - باب ما جاء في أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٨/ ١٠٥) ٤٧ - كتاب الإيمان ٨ - باب صفة المؤمن. وسنده قوي (م).\n١٩٢ - البخاري (١/ ٥٣) ٢ - كتاب الإيمان ٤ - باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.\nوأبو داود (٢/ ٤) كتاب الجهاد- باب في الهجرة هل انقطعت. =","vol":"1","page":174},{"text":"إلا أن النسائي (١) قال: \"من هجر ما حرم الله عليه\"\nوأخرجه مسلم (٢) فقال: إن رجلا سأل النبي ﷺ: أي المسلمين خير؟ قال: \"من سلم المسلمون من لسانه ويده\"\n١٩٣ - * روى البخاري ومسلم النسائي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂ أن رجلا سأل النبي ﷺ، وقال: أي الإسلام خير؟ قال: \"تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\"\n١٩٤ - * روى ابن حبان عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"المؤمن من أمنة الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفس محمد بيده، لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه\"\n١٩٥ - * روى الطبراني وأحمد بن عمرو بن عبسة قلت: يا رسول الله من معك على هذا الأمر؟ قال \"حر وعبد\" قلت ما الإسلام؟ قال: \"طيب الكلام وإطعام الطعام\" قلت ما الإيمان؟ قال: \"الصبر والسماحة\" قلت أي الإسلام أفضل؟ قال: \"من سلم المسلمون من لسانه ويده\" قلت أي الإيمان أفضل؟ قال: \"خلق حسن\" قلت أي الصلاة أفضل؟ قال: \"أن تهجر ما كره ربك\"\n_________\n= والنسائي (٨/ ١٠٥) ٤٧ - كتاب الإيمان ١ - باب صفة المسلم.\n(١) النسائي في الموضع السابق.\n(٢) مسلم (١/ ٦٥) ١ - كتاب الإيمان ١٤ - باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل.\n١٩٣ - البخاري (١/ ٥٥) ٢ - كتاب الإيمان ٦ - باب إطعام الطعام من الإسلام.\nومسلم (١/ ٦٥) ١ - كتاب الإيمان ١٤ - باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل.\nوالنسائي (٨/ ١٠٧) ٤٧ - كتاب الإيمان ١٢ - باب أي الإسلام خير.\n١٩٤ - الإحسان (١/ ٢٦٤).\n(بوائقه) غوائله وشروره.\n١٩٥ - أحمد (٤/ ٢٨٥).\nالهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٠) باب أي العمل أفضل وأي الدين أحب إلى الله، وقال: فيه شهر بن حوشب، أ. هـ قد حسن بعضهم إسناد الطبراني وأحمد.","vol":"1","page":175},{"text":"١٩٦ - * روى الطبراني عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه سئل أي الإسلام أفضل؟ قال: \"من سلم لناس من لسانه ويده\" قبل فأي الجهاد أفضل؟ قال: \"من عقر جواده وأهريق دمه\" قيل: فأي الصلاة أفضل؟ قال: \"طوت القنوت\".\n١٩٧ - * روى النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: \"والذي نفسي بيده\" ثلاث مرات، ثم أكب، فأكب كل رجل منا يبكي، لا يدري، على ماذا حلف، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشري، فكانت أحب إلينا من حمر النعم، قال: \"ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، وقيل له: ادخل بسلام\"\n١٩٨ - * روى النسائي عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ \"من أقام الصلاة، وآتي الزكاة، ومات لا يشرك بالله شيئا، كان حقا على الله أن يغفر له، هاجر أو مات في مولده\" فقلنا: يا رسول الله، ألا نخبر بها الناس فيستبشروا بها؟ قال: \"إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ولولا أن أشق على المؤمنين، ولا أجد ما أحملهم عليه، ولا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا بعدي، ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل، ثم أحيا ثم أقتل\"\nقوله: (هاجر أو مات في مولده) محمول على الحالة التي لا تكون فيها الهجرة فريضة عينية أو على من لا يستطيعها وهي كذلك، والظاهر أن الحديث قد قيل بعد فتح مكة حيث قال رسول الله ﷺ: \"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية\".\n١٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن أعرابيا جاء إلى رسول\n_________\n١٩٦ - الهيثمي في نفس الموضع والباب السابقين وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.\n١٩٧ - النسائي (٥/ ٨) ٢٣ - كتاب الزكاة ١ - باب وجوب الزكاة. وهو حديث حسن.\n١٩٨ - النسائي (٦/ ٢٠) ٢٥ - كتاب الجهاد ١٨ - باب درجة المجاهد في سبيل الله ﷿ وإسناده حسن.\n١٩٩ - البخاري (٢/ ٢٦١) ٢٤ - كتاب الزكاة ١ - باب وجوب الزكاة.","vol":"1","page":176},{"text":"الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، وقال: \"تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان\" قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا، ولا أنقص منه، فلما ولي قال النبي ﷺ: \"من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا\".\n٢٠٠ - * روى مسلم عن جابر ﵁، قال: قال النعمان بن قوقل: يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرمت الحرام، وأحللت الحلال، ولم أزد على ذلك شيئا، أدخل الجنة؟ فقال النبي ﷺ: \"نعم\"\nوفي رواية (١): أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبة وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أدخل الجنة؟ قال \"نعم\" قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا.\n٢٠١ - *روى الترمذي عن معاذ بن جبل ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من صام رمضان، وصلى الصلوات، وحج البيت\" لا أدري أذكر الزكاة أم لا- \"كان حقًا على الله أن يغفر له، إن هاجر في سبيل الله، أو مكث بأرضه التي ولد فيها\" قال معاذ: ألا أخبر بها الناس؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ذر الناس يعملون فإن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلى الجنة أوسطها، وفوق ذلك عرش الرحمن، ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس\n_________\nمسلم (١/ ٤٤) ١ - كتاب الإيمان - ٤ - باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة.\n٢٠٠ - مسلم (١/ ٤٤) ١ - كتاب الإيمان ٤ - باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة.\n(١) نفس الكتاب والباب السابقين.\n٢٠١ - الترمذي (٤/ ٦٧٥) ٣٩ - كتاب صفة الجنة ٤ - باب ما جاء في صفة درجات الجنة وهو حديث حسن\nبشواهده.","vol":"1","page":177},{"text":"٢٠٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال\" أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، فقال القوم: ماله؟ ماله؟ فقال النبي ﷺ: \"أرب ماله؟ تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم\"\nزاد (١) في رواية. فما أدبر قال رسول الله ﷺ: \"إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة\"\nوفي أخرى (٢) أن أعرابيًا عرض للنبي وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته- أو بزمامها- ثم قال: يا رسول الله- أو يا محمد- أخبرني بما يقربني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: فكف النبي ﷺ، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: \"لقد وفق- أو لقد هدى\" قال: \"كيف قلت:. \"قال: فأعاد، فقال النبي ﷺ: \"تعبد الله ... وذكر الحديث، وقال في آخره: دع الناقة\".\n٢٠٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: \"الصلاة على ميقاتها\" قلت ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: \"أن يسلم الناس من لسانك\".\n٢٠٤ - * روى أحمد عن ابن مسعود رفعه: \"إن الله ﷿ قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب فمن أعطاه الدين فقد أحبه. والذي نفسي بيده لا يسلم عبد\n_________\n٢٠٢ - البخاري (٢/ ٢٦١) ٢٤ - كتاب الزكاة ١ - باب وجوب الزكاة.\nمسلم (١/ ٤٢) ١ - كتاب الإيمان ٤ - باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة.\n(١) مسلم: الموضع السابق\n(٢) مسلم: الموضع السابق أرب ماله: أي حاجة ماله، وفي أرب عدة رواياتٍ.\n٢٠٣ - الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠١).\nوقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عمرو بن عبد الله النخعي وهو ثقة.\n٢٠٤ - أحمد (١/ ٣٨٧).","vol":"1","page":178},{"text":"حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه\" قلت وما بوائقه يا رسول الله؛ قال: \"غشمه وظلمه ولا يكسب مالا من حرام فينفق منه فيبارك له في ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله لا يمحو السيئ ولكنه يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث\".\nمن هذا الحديث وأمثاله أخذ فقهاء الحنفية أن من كان عنده مال حرام فلينفقه بنية التخلص منه، فإذا نوى أن يتصدق فيه فإنه بذلك يكفر لأن من المعلومات من الدين بالضرورة أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، والحرام ليس بطيب، انظر الهدية العلائية.\n٢٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁، كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس، فقال: \"تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق\".\nوفي رواية (١) \"ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه\".\nقال: فبايعناه على ذلك.\n٢٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط، والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى\n_________\n= (البوائق): جمع بائقة، وهي الداهية. والبوائق: الظلم والغشم. وقال الكسائي: الغوائل والشرور.\n(الغشم): الظلم.\n٢٠٥ - البخاري (١٣/ ٢٠٣) ٩٣ - كتاب الأحكام ٤٩ - باب بيعة النساء.\nمسلم (٣/ ١٣٣٣) ٢٩ - كتاب الحدود ١٠ - باب الحدود كفارات لأهلها.\n(١) البخاري: الموضع السابق.\n٢٠٦ - البخاري (١٣/ ١٩٢ - ٩٣ - كتاب الأحكام ٤٣ - باب كيف يبايع الإمام الناس. =","vol":"1","page":179},{"text":"ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن تقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لاثم.\nوفي رواية (١) بمعناه، وفيه \"ولا ننازع الأمر أهله\".\nقال: \"إلا أن تروا كفرا بواحًا، عندكم فيه من الله برهان\".\n٢٠٧ - * روى مالك والنسائي والترمذي عن أميمة بنت رقيقة ﵂ قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من الأنصار، نبايعه على الإسلام، فقلنا: نبايعك على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ: \"فيما استطعتن وأطقتن\". فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا؛ هلم نبايعك يا رسول الله، فقال: \"إني لا أصافح النساء؛ إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة؟\n٢٠٨ - * روى مسلم عن عوف بن ملك الأشجعي، قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة. فقال: \"ألا تبايعون رسول الله؟ \" وكنا حديثي عهد ببيعة.\nفقلنا: قد بايعناك يا رسول الله ثم قال: \"ألا تبايعون رسول الله؟ \" فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله! ثم قال: \"ألا تبايعون رسول الله؟ \" قال: فبسطنا أيدينا\n_________\n= ومسلم (٣/ ١٤٧٠) ٣٣ - كتاب الإمارة ٨ - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية حديث ٤١.\nومالك (٢/ ٤٤٥) ٢١ كتاب الجهاد. ١ - باب الترغيب في الجهاد.\nوالنسائي (٧/ ١٢٧) ٣١ - كتاب البيعة ١ - باب البيعة على السمع والطاعة.\n(١) النسائي الموضع السابق.\n(المنشط): الأمر الذي تنشط له، وتخف إليه، وتؤثر فعله.\n(المكره): الأمر الذي نكرهه، وتتثاقل عنه.\n(الأثرة) الاستئثار بالشيء والانفراد به، والمراد في الحديث: إن منبعنا حقنا من الغنائم والفيء. وأعطى غيرنا، نصبر على ذلك.\n(كفرًا بواحًا) الكفر البواح: الجهار.\n(البرهان) الحجة والدليل.\n٢٠٧ - مالك (٢/ ٩٨٢) ٥٥ - كتاب البيعة ١ - باب ما جاء في البيعة.\nالنسائي (٧/ ١٤٩) ٢٩ - كتاب البيعة ١٨ - باب بيعة النساء.\nالترمذي (٤/ ١٥١) ٢٢ - كتاب السير عن رسول الله ﷺ ٢٧ - باب ما جاء في بيعة النساء وإسناده صحيح.\n٢٠٨ - مسلم (٢/ ٧٢١) ١٢ - كتاب الزكاة ٣٥ - باب كراهة المسألة للناس.=","vol":"1","page":180},{"text":"وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله! فعلا نبايعك؟ قال: \"على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا. والصلوات الخمس. وتطيعوا\" (وأسر كلمة خفية) \"ولا تسألوا الناس شيئًا\" فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم. فما يسأل أحدًا يناوله إياه.\n٢٠٩ - * روى الترمذي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص رحمة الله، قال: حدثني أي: أنه شهد حجة الوداع مع رسول ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال: \"أي يوم أحرم؟ أي يوم أحرم؟ أي يوم أحرم؟ \" قال: فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله، قال: \"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، وفي شهركم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يجني والد على ولده، ولا يجني ولده على والده، ألا إن المسلم أخو المسلم، فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه، ألا وأن كل ربا في الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، غير ربا العباس، فإنه موضوع كلخ، ألا وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وأول دم أضع من دم الجاهلية: دم الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث، فقتلته هذيل، ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن ذلك\n_________\n= أبو داود (٢/ ١٢١) كتاب الزكاة- باب كراهية المسألة\nالنسائي (١/ ٢٣١) ٥ - كتاب الصلاة ٥ - باب البيعة على الصلوات الخمس\n٢٠٩ - الترمذي (٥/ ٢٧٣) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ١٠ - باب \"ومن سورة التوبة\" وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(الحج الأكبر): هو يوم النحر، وقيل: يوم عرفة، وإنما سمي الحج الأكبر، لأنهم يسمون العمرة: الحج الأصغر\n(وأعراضكم): الأعراض: جمع عرض، وهو النفس، وقيل: الحسب.\n(لا يجني جان): الجنابة/ الذنب، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه لجزاء إما في الدنيا وإما في الآخرة، فقوله ﷺ، \"لا يجني جان إلا على نفسه \"يريد\" أنه لا يطالب بجنايته غيره، ومن أقاربه وأباعده.\n(عنوان) جمع عانية وهي الأسيرة، والمعاني: الأسير.\n(الفاحشة المبينة): النشوز وسوء العشرة. والمبينة: الواضحة الظاهرة.=","vol":"1","page":181},{"text":"فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا وإن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقهن عليكم: أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن\".\nوفي رواية (١) قال: سمعت رسول لله ﷺ يقول في حجة الوداع للناس \"أي يوم هذا؟ \" قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: \"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، ألا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده، ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن سيكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به\".\n(فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون).\nالمراد بذلك ما ذكره صاحب دليل الفالحين:\nلا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًا أو امرأة أو أحد محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك. قلت: ولذا عقب بقوله (ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون) أي تكرهون دخوله لمنزلكم من أنثى وذكر وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنه لا يحل لها أن تأذن لرجل ولا امرأة لا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه، لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن منه في ذلك أو ممن أذن له في الإذن في ذلك أو عرف رضاه به بأطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول ولا الإذن\"أ. هـ.\n٢١٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"إن\n_________\n= (الضرب المبرح): الشاق الشديد.\n(١) الترمذي (٤/ ٤٦١) ٢٤ - كتاب الفتن ٢ - باب ما جاء دماؤكم وأموالكم عليكم جرام وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٢١٠ - البخاري (١٠/ ٧) ٧٢ - كتاب الأضاحي ٥ - باب من قال: الأضحى يوم النحر.=","vol":"1","page":182},{"text":"الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها: أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان، أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: \"أليس ذا الحجة؟ \" قلنا: بلى؛ قال: \"أي بلد هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله اعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: \"أليس البلدة الحرام\" قلنا: بلى، قال: \"فأي يوم هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: \"أليس يوم النحر\"؟ قلنا: بلى، قال: \"فإذن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه ان يكون أوعى من بعض من سمعه\" ثم قال: \"ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ \"قلنا: \"اللهم اشهد\"\nوفي رواية (١) \"أن النبي ﷺ قعد على بعيره، وأمسك إنسان بخطامه، أو بزمامه، فقال: \"أي شهر هذا؟ \" وذكر نحوه مختصرًا.\nوزاد مسلم في رواية (٢) \"ثم انكفأ إلى كبشين أملحين، فذبحهما، وإلى جُزيعةٍ من الغنم فقسمها بيننا\".\n_________\n= مسلم (٣/ ١٢٠٥) ٢٨ - كتاب القسامة ٩ - باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.\n(١) مسلم (٣/ ١٢٠٦) ٢٨ - كتاب القسامة ٩ - باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.\n(٢) مسلم نفس الموضع السابق.\nقوله: (ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما) انكفأ: رجع ومال.\n(أملحين): الأملح من الغنم: النقي البياض، وقيل: هو المختلط سواده وبياضه، إلا أن البياض فيه أكثر.\n(جزيعة من غنم): القطعة من الغنم.","vol":"1","page":183},{"text":"٢١١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من حسن إسلام المرء: تركه ما لا يعنيه\".\n٢١٢ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رجل: ي رسول الله، أنؤاخذ بما عملناه في الجاهلية؟ قال: \"من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر\".\n* * *\n_________\n٢١١ - الترمذي (٤/ ٥٥٨) ٣٧ - كتاب الزهد ١١ - باب حدثنا سليمان بن عبد الجبار البغدادي. وقال حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، وأرسله عن علي بن الحسين.\nورواه أيضًا مالك (٢/ ٩٠٣) ٤٧ - كتاب حسن الخلق ١ - باب ما جاء في حسن الخلق.\nوهو عنده مرسل عن علي بن الحسين أيضا. وهو حديث حسن وأصل عظيم من أصول الأدب.\n٢١٢ - البخاري (١٢/ ٢٦٥) ٨٨ - كتاب استتابة المرتدين ١ - باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة.\nمسلم (١/ ١١١) ١ - كتاب الإيمان ٥٣ - باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية.\nأحمد (١/ ٢٧١).","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الفصل الثامن\nبعض شعب الإيمان</span>\nوفيه مقدمة وفقرتان\nالفقرة الأول: نصوص من الكتاب في بعض شعب الإيمان\nالفقرة الثانية: نصوص من السنة في بعض شعب الإيمان","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>مقدمة</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (١).\nإنه كما أن الشجر المثمر يخرج ثمرة كل حين، كذلك شجرة الإيمان تخرج ثمارها الطيبة بشكل مستمر، ومن ههنا كان للإيمان شعب، وقد حددها رسول الله ﷺ بأنها بضعة وسبعون شعبة وفي رواية البخاري بضع وستون ورجحها بضعهم.\nوانبثاق هذه الشعب عن الإيمان القلبي إنما يكون إذا اكتمل الإيمان في القلب وأصبح نورًا خالصًا وكان مع ذلك علم بهذه الشهب، وللوصول إلى هذا الكمال لابد من بذل الجهد بالأوراد وقراءة القرآن والعلم والإقبال على الله، وكثيرون من الناس يحاولون معالجة الفرع ويتركون الأصل، أما أهل المعرفة في الله فإنهم يركزون على الأصل ولا يغفلون الفرع.\nإن دخول الإنسان في الإسلام يعني التزامه بالأوامر والنواهي التي وردت في الكتاب والسنة، والأوامر منها: الفرائض والنوافل والآداب، والنواهي منها: المحرمات والمكروهات وخلاف الأولى.\nوما مر معنا في فصل أعمال الإسلام أمهات مما يطالب به من دخل في الإسلام فهي الشعب الأولى للإيمان والإسلام، ولكن الإيمان له بضع وسبعون شعبة، وإقامة بعض هذه الشعب يعني الكفء عما يقابلها، فكلمة التوحيد شعب من شعب الإيمان يقابلها الشرك وهو منهي عنه وكثير من شعب الإيمان يقابلها معاص، والمعاصي منها ما هو مكفر وكبيرة، ومنها ما هو كبيرة وليست كفرًا. ومنها ما هو من الصفائر. والصفائر منها اللمم، ومنها ما يعتبر الإصرار عليه والاستمرار فيه كبيرة.\nإنه بمجرد ما يدخل الإنسان في دائرة الإيمان عليه أن يعمل وأن يترك، ودائرة العمل تشمل ابتداء شعب الإيمان، ودائرة الترك تشمل ابتداء المنهيات كلها وأولها الكبائر.\n_________\n(١) إبراهيم: ٢٤، ٢٥.","vol":"1","page":187},{"text":"وبعض شعب الإيمان يدخل فيها فروع كثيرة، فحفظ اللسان يدخل فيه أكثر من عشرين فرعا، وحفظ الفروج يدخل فيه حفظها عن الزنا واللواط وهكذا يتوضع حول شعب الإيمان فكرة الطاعات والمعاصي، فالطاعات والأعمال الصالحة أثر عن الإيمان وما يقابلها أثر عن كفر أو ضلال أو فوق.\nإن الأعمال الصالحة تغذي الإيمان، وكلما قوي الإيمان انبثق عنه ثمرات، وهكذا نجد بين شعب الإيمان والأعمال الصالحة صلة.\nقال النووي: قال ابن الصلاح: وقد صنفت في ذلك مصنفات ومن أغزرها فوائد كتاب المنهاج لأبي عبد الله الحيمي إمام الشافعيين ببخاري وكان من رفعاء أئمة المسلمين وحذا حذوه الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ في كتابه الجليل الحفيل كتاب شعب الإيمان أ. هـ.\nوقال النووي: قال القاضي عياض ﵀: وقد تقدم أن أصل الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع تصديق القلب واللسان، وظواهر الشرع تطلقه على الأعمال كما وقع هنا أفضلها لا إله إلا الله وآخرها إماطة الأذى عن الطريق وقد قدمنا أن كمال الإيمان بالأعمال وتمامه بالطاعات، وأن التزام الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق ودلائل عليه، وأنه خلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي، وقد نبه ﷺ على أن أفضلها الوحيد المتعين على كل أحد، والذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بين هذين الطرفين أعداد لو تكلف المجتهد تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع لأمكنه، وقد فعل ذلك بعض من تقدم وفي الحكم بن ذلك مراد النبي ﷺ صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان إذا أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأنها هذا العدد واجب في الجملة. هذا كلام القاضي ﵀.\nوقال الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان- بكسر الحاء- تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين فرجعت إلى","vol":"1","page":188},{"text":"كتاب الله تعالى فقرأته بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين فضمت الكتاب إلى السنن وأسقطت المعاد فإذا كل شيء عده الله تعالى ونبيه ﷺ من الإيمان تسع وسبعون شعبة لا تزيد عليها ولا تنقص. فعلمت أن مراد النبي ﷺ أن هذا العدد في الكتاب والسنن. وذكر أبو حاتم ﵀ جميع ذلك في كتاب وصف الإيمان وشعبه، وذكر أن رواية من روى بضع وستون شعبة أيضا صحيحة فإن العرب قد تذكر للشيء عددا ولا تريد نفي ما سواه.\nوله نظائر أوردها في كتابه منها في أحاديث الإيمان والإسلام والله تعالى أعلم أ. هـ.\nشرح صحيح مسلم/ كتاب الإيمان.\nوها نحن سنعرض شعب الإيمان في الكتاب ثم في السنة:","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الفقرة الأولى: نصوص من الكتاب في بعض شعب الإيمان</span>\nذكر الله ﷿ في القرآن شعبا كثيرة للإيمان في معارض شتى وبمناسبات كثيرة، ففي معرض الحديث عن البر تذكر شعب وفي معرض الكلام عن التقوى تذكر شعب، فكلمة التقوى هي: لا إله إلا الله، وبمناسبة الكلام عن حزبه ﷻ تذكر شعب، وبعض الشعب تذكر وهي تفصيل لشعب جامعة/ ولكي نستكمل صورة شعب الإيمان فنحن نذكر بعض ما ورد في القرآن ونمطي لكل شعبة نذكرها رقما متسلسلًا، وما يتكرر ما لا يعطي تفصيلا لا نعطيه رقما.\nقال تعالى:\n١ - ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).\n٢ - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.\n٣ - ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.\n٤ - ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢).\n٥ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.\n٦ - ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٣).\n٧ - ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.\n٨ - ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٤).\n٩ - ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٥).\n_________\n(١) البقرة: ٢.\n(٢) البقرة: ٣.\n(٣) البقرة: ٤.\n(٤) البقرة: ١٧٧.\n(٥) البقرة: ٢٨٥","vol":"1","page":190},{"text":"١٠ - ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾.\n١١ - ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ﴾.\n١٢ - ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (١).\n١٣ - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾.\n١٤ - ﴿وَنَصَرُوهُ﴾.\n١٥ - ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ (٢).\n١٦ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.\n١٧ - ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾.\n١٨ - ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣).\n١٩ - ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.\n٢٠ - ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾.\n٢١ - ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ (٤).\n٢٢ - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (٥).\n٢٣ - ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.\n٢٤ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٦).\n_________\n(١) آل عمران: ١٧.\n(٢) الأعراف: ١٥٧.\n(٣) الأنفال: ٢.\n(٤) الرعد: ١٨ - ٢١.\n(٥) الرعد: ٢٣.\n(٦) الرعد: ٢٧ - ٢٨.","vol":"1","page":191},{"text":"٢٥ - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١).\n٢٦ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢).\n٢٧ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٣).\n٢٨ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٤).\n٢٩ - ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٥).\n٣٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٦).\n٣١ - ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٧).\n٣٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٨).\n٣٣ - ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.\n٣٤ - ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (٩).\n٣٥ - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (١٠).\n٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾.\n٣٧ - ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١١).\n_________\n(١) الحج: ٢٣.\n(٢) المؤمنون: ١.\n(٣) المؤمنون: ٢.\n(٤) المؤمنون: ٤/ ٥.\n(٥) المؤمنون: ٦، ٧، ٨.\n(٦) المؤمنون: ٦٠.\n(٧) النور: ٥١.\n(٨) النور: ٦٢.\n(٩) الفرقان: ٦٣.\n(١٠) الفرقان: ٦٤.\n(١١) الفرقان: ٦٨.","vol":"1","page":192},{"text":"٣٨ - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (١).\n٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ...﴾ (٢).\n٤٠ - ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾.\n٤١ - ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (٣).\n٤٢ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾.\n٤٣ - ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤).\n٤٤ - ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٥).\n٤٥ - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\n٤٦ - ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٦).\n٤٧ - ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\n٤٨ - ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ...﴾ (٧).\n٤٩ - ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾.\n٥٠ - ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (٨).\n٥١ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٩).\n٥٢ - ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(١) الفرقان: ٧٢.\n(٢) الفرقان: ٧٤.\n(٣) آل عمران: ١٣٣، ١٣٤.\n(٤) آل عمران: ١٢٥.\n(٥) آل عمران: ١١٣.\n(٦) آل عمران: ١١٤.\n(٧) التوبة: ١١١.\n(٨) التوبة: ١١٢.\n(٩) البقرة: ١٦٥.","vol":"1","page":193},{"text":"٥٣ - ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\n٥٤ - ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (١).\n٥٥ - ﴿... إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢).\n٥٦ - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٣).\n٥٧ - ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٤).\n٥٨ - ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٥).\n٥٩ - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦).\n٦٠ - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (٧).\n٦١ - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٨).\n٦٢ - ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (٩).\n٦٣ - ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ (١٠).\n٦٤ - ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ (١١).\n٦٥ - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١٢).\n٦٦ - ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (١٣).\n_________\n(١) المائدة: ٥٤.\n(٢) المائدة: ٥٥.\n(٣) النساء: ٣٦.\n(٤) البقرة: ٨٣.\n(٥) الإسراء: ٣٦.\n(٦) الإسراء: ٣٤.\n(٧) الإسراء: ٣٥.\n(٨) الإسراء: ٣٦.\n(٩) الإسراء: ٣٧.\n(١٠) لقمان: ١٨.\n(١١) لقمان: ١٩.\n(١٢) السجدة: ١٥.\n(١٣) السجدة: ١٦.","vol":"1","page":194},{"text":"٦٧ - ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (١).\n٦٨ - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢) ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٣).\n٦٩ - ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ (٤).\n٧٠ - ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٥).\n٧١ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٦).\n٧٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٧).\n٧٣ - ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ (٨).\n٧٤ - ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٩).\n٧٥ - ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...﴾ (١٠).\n٧٦ - ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١).\nهذه نماذج من القرآن على شعب الإيمان، والأمر واسع، لأن بعض شعب الإيمان المأمور بها يقابلها ترك وكف ونهي، فلو أدخلنا المأمورات وما يقابلها من المنهيات لزادت شعب الإيمان عن البضعة والسبعين، ومن تتبع الأمر على ما ذكرناه تأكد من ذلك، وإنما نحن هنا نعطي نماذج وإلا فقد خصت الشعب بالتأليف وخص ما يقابلها من معاص بالتأليف، ولنعر بعض ما ورد في السنة من شعب:\n_________\n(١) الأحزاب: ٣٥.\n(٢) ص: ٨٣.\n(٣) ص: ٤٦.\n(٤) الشورى: ٣٧.\n(٥) الشورى: ٣٨.\n(٦) الشورى: ٣٩.\n(٧) الحجرات: ١٥.\n(٨) الطور: ٣٦.\n(٩) المجادلة: ١١.\n(١٠) المجادلة: ٢٢.\n(١١) المنافقون: ٨.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الفقرة الثانية: نصوص في بعض شعب الإيمان في السنة</span>\n٢١٣ - * روى الجماعة إلا مالكا عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة\".\nوفي رواية: \"بضع وستون، والحياء شعبة من الإيمان\".\nزاد في رواية: \"وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق\".\n٢١٤ - * روى الطبراني عن علقمة قال: قال عبد الله: الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله.\n٢١٥ - * روى أحمد عن أنس، رفعه\"لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن\n_________\n٢١٣ - البخاري (١/ ٥١) ٢ - كتاب الإيمان ٣ - باب أمور الإيمان.\nومسلم (١/ ٦٣) ١ - كتاب الإيمان ١٢ - باب بيان عدد وشعب الإيمان وأفلها وأدناها ... إلخ.\nوأبو داود (٤/ ٢١١) كتاب السنة -باب في رد الإرجاء.\nوالترمذي (٥/ ١٠) ٤١ - كتاب الإيمان ٦ - باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه.\nوالنسائي (٨/ ١١٠) ٤٧ - كتاب الإيمان ١٦ - باب ذكر شعب الإيمان.\nوابن ماجه (١/ ٢٢) المقدمة ٩ - باب في الإيمان.\n(بضع) البضع القطعة من الشيء، وهو في العدد ما بين الثلاث إلى التسع، لأنه قطعة من العدد.\n(الحياء من الإيمان): جعل الحياء- وهو غريزة- من الإيمان وهو اكتساب لأن المستحي ينقطع باستحيائه عن المعاصي، وإن لم يكن له تقية، فصار كالإيمان الذي يقطع بينها وبينه، وإنما جعله بعضا من الإيمان، لأن الإيمان بمجموعة ينقسم إلى ائتمار بما أمر الله به، وانتهاء عما نهى الله عنه، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعضه. (الشعبة): الطائفة من كل شيء، والقطعة منه.\n(إماطة الأذى): أماط الشيء: إذا أزاله عنه، وأذهبه، والأذى في هذا الحديث، نحو الشوك والحجر وما أشبه.\n٢١٤ - المعجم للكبير (٩/ ١٠٧).\nمجمع الزوائد (١/ ٥٧)، وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.\n٢١٥ - المسند (٣/ ١٣٥، ١٥٤/ ٢١٠/ ٢٥١).\nمجمع الزوائد (١/ ٩٦) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبراز والطبراني في الأوسط وفيه أبو هلال وتقه ابن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره أ. هـ.\nقال البغوي في شرح السنة (١/ ٧٥): هذا حديث حسن أ. هـ. وقال محققه شعيب الأرناؤوط: حديث جيد قوي.","vol":"1","page":196},{"text":"٢١٦ - * روى مسلم عن أبي مالك الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ\"الطهور شطر الإيمان. والحمد لله تملأ الميزان. وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض. والصلاة نور. والصدقة برهان. والصبر ضياء.\nوالقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه. فمعتقها أو موبقها\".\n٢١٧ - * روى مسلم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" فقلت: يا نبي الله! أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت. فقال: \"ليس كذلك. ولكم المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه. وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله وكره الله لقاءه\".\n_________\n٢١٦ - مسلم (١/ ٢٠٣) ٣ - كتاب الطهارة ١ - باب فضل الوضوء.\n(الطهور): قال جمهور أهل اللغة: يقال: الوضوء. والطهور، بضم أولهما إذا أريد به الفعل الذي هو المصدر ويقال: الوضوء والطهور، بفتح أولهما، إذا أريد به الماء الذي يتطهر به. (شطر) أصل الشرط النصف.\n(الصلاة نور): فمعناه أنها تمنع من المعاصي وتنهي عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب. كما أن النور يستضاء به.\n(والصدقة برهان) قال صاحب التحرير: معناه يفزع إليها كل يفزع إلى البراهين. كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدقت به.\n(والصبر ضياء): فمعناه الصبر المحبوب في الشرع. وهو الصبر على طاعة الله والصبر عن معصيته. والصبر أيضا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا. والمراد أن الصبر محمود. ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًا على الصواب.\n(والقرآن حجة لك أو عليك): معناه ظاهر. أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك.\n(كل الناس يغدو إلخ): فمعناه كل إنسان يسعى بنفسه. فمنهم من يبيعها لله بطاعته فيعتقها من العذاب. ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعها فيوبقها. أي يهلكها.\n٢١٧ - مسلم (٤/ ٢٠٦٥، ٢٠٦٦، ٢٠٦٧) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٥ - باب من أحب لقاء الله. إلخ.\n(كره الله لقاءه): هذا الحديث يفسر أخره أوله. ويبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة: من أحب لقاء الله. ومن كره لقاء الله. ومعنى الحديث أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل نوته ولا غيرها.\nفحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه وما أعد له ويكشف له عن ذلك. فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعد لهم ويحب الله لقاءهم أي فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه، لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم، أي يبعدهم عن رحمته وكرامته، ولا يريد ذلك بهم وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم.","vol":"1","page":197},{"text":"٢١٨ - * روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول \"ذاق طعم الإيمان، من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولًا\"\n٢١٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\".\n٢٢٠ - * روى الترمذي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت وحتى يؤمن بالقدر\".\n٢٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين\".\n٢٢٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أشد أمتي لي حبًا ناس يكونون بعدي يود أحدكم لو رآني بأهله وماله\"\n٢٢٣ - * روى البخاري عن عمار، قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان:\n_________\n٢١٨ - مسلم (١/ ٦٢) ١ - كتاب الإيمان ١١ - باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا .. إلخ.\n٢١٩ - البخاري (١/ ٥٦٥) ٨ - كتاب الصلاة ٨٨ - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره.\nومسلم (٤/ ١٩٩٩) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ١٧ - باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.\nوأحمد (٤/ ٤٠٤/ ٤٠٥)\nوالترمذي (٤/ ٢٢٥) ٢٨ - كتاب البر والصلة ١٨ - باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم.\n٢٢٠ - الترمذي (٤/ ٤٥٣) وإسناده صحيح\nوأخرجه ابن ماجه (١/ ٣٢) المقدمة ١٠ - باب في القدر.\nوالحاكم (١/ ٣٢، ٣٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.\n٢٢١ - البخاري (١/ ٥٨) ٢ - كتاب الإيمان ٨ - باب حب الرسول ﷺ من الإيمان.\nومسلم (١/ ٦٧) ١ - كتاب الإيمان ١٦ - باب وجوب محبة رسول الله ﷺ ... إلخ.\nوالنسائي (٨/ ١١٤) ٤٧ - كتاب الإيمان ١٩ - باب علامة الإيمان.\n٢٢٢ - مسلم (٤/ ٢١٧٨) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها. ٤ - باب فيمن يود رؤية النبي ﷺ بأهله وماله.\n٢٢٣ - البخاري (١/ ٨٢) ٢ - كتاب الإيمان ٢٠ - باب إفشاء السلام من الإسلام. وأخرجه البغوي في شرح السنة (١/ ٥٢).=","vol":"1","page":198},{"text":"الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.\nأخرجه البخاري تعليقًا عن عمار بصيغة الجزم فهو صحيح النسبة له، ومثله لا يقال من جهة السمع فإذا ما اجتمع إلى ذلك رواية البراز التي ترفعه لرسول الله ﷺ فذلك يجعله حديثا صحيحًا.\n٢٢٤ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي اله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ....﴾ الآية: [التوبة: ١٧]\n٢٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم: مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو: تداعى له سائل الجسد بالسهر والحمى\"\nوفي رواية (٣): \"المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه تداعى له سائل الجسد بالسهر والحمى\".\nولمسلم (٤): \"المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله\".\n_________\n= والبراز- كشف الأستار (١/ ٢٥).\nمجمع الزوائد (١/ ٥٦، ٥٧). وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح إلا أن شيخ البراز لم أر من ذكره وهو الحسن بن عبد الله الكوفي. وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه القاسم أبو عبد الرحمن وهو ضعيف.\n٢٢٤ - الترمذي (٥/ ٢٧٧) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ١٠ - باب ومن سورة التوبة. وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(١) ورواه أحمد (٣/ ٦٨، ٧٦).\n(٢) وابن ماجه (٢/ ٢٦٣).\n٢٢٥ - البخاري (١٠/ ٤٣٨) ٧٨ - كتاب الأدب ٢٧ - باب رحمة الناس والبهائم.\nومسلم (٤/ ١٩٩٩، ٢٠٠٠) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ١٧ - باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.\n(٣) مسلم (الموضع السابق).\n(٤) مسلم (الموضع السابق)\n(تداعى له): تداعى البناء: إذا تبغ بعضه بعض في الانهدام، كأن أجزاءه قد دعا بعضها بعضا.","vol":"1","page":199},{"text":"٢٢٦ - * روى أبو داود عن أوسٍ بن أوسٍ ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، في خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي\" فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: يقولون: بليت-[قال]: \"إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء\".\n٢٢٧ - * روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه\".\n٢٢٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه\".\n٢٢٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\".\n٢٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه\" (أو قال لجاره) \"ما يحب لنفسه\".\n_________\n٢٢٦ - أبو داود (١/ ٢٧٥) كتاب الصلاة- باب تفريع أبواب الجمعة.\nوالنسائي (٣/ ٩١) ١٤ - كتاب الجمعة ٥ - إكثار الصلاة على النبي صلى الله عيه وسلم يوم الجمعة.\nوالحديث إسناده صحيح.\n(الصعقة): الغشي والموت. (ارم الميت): ورم إذا بلى والرمة: العظم البالي، والفعل الماضي منه للمتكلم، أرممت: بإظهار التضعيف.\n٢٢٧ - مسند أحمد (٣/ ١٩٨).\n٢٢٨ - مسلم (١/ ٦٨) ١ - كتاب الإيمان ٨ - باب تحريم إيذاء الجار.\n٢٢٩ - مسلم (١/ ٦٨) ١ - كتاب الإيمان ٩ - باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت ... إلخ.\n٢٣٠ - البخاري (١/ ٥٦) ٢ - كتاب الإيمان ٧ - باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.\nومسلم (١/ ٦٧) ٢ - كتاب الإيمان ٧ - باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ... إلخ.\nوالترمذي (٤/ ٦٦٧) ٣٨ - كتاب صفة القيامة ٥٩ - باب حدثنا بشر بن هلال ... إلخ.\nوالنسائي (٨/ ١١٤) ٤٧ - كتاب الإيمان ١٩ - باب علامة الإيمان.","vol":"1","page":200},{"text":"٢٣١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش البذيء\".\n٢٣٢ - * روى مسلم عن طارق بن شهاب، قال: أول من بدأ بالخطبة، يوم العيد قبل الصلاة، مروان. فقام إليه رجل. فقال: الصلاة قبل الخطبة فقال: قد تُرك ما هنالك. فقال أبو سعيدٍ: أما هذا فقد قضى ما عليه. سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. فإن لم يستطيع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان\".\n٢٣٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال \"ما من نبي بعثه الله في أُمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلفُ من بعدهم خلوفٌ. يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمنٌ. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردلٍ\".\n٢٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن عديّ بن ثابت قال: سمعت البراء بن عازبٍ قال:\n_________\n٢٣١ - الترمذي (٤/ ٢٥٠) ٢٨ - كتاب البر والصلة ٤٨ - باب ما جاء في اللعنة.\nوقال: هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه.\n(الطعان): الذي يطعن في أعراض الناس.\n(اللعان): كثير الشتمِ والسبْ.\n(الفاحش): ذو الفحش في كلامه وفِعَاله.\n(البذيء): الفاحش في القول.\n٢٣٢ - مسلم (١/ ٦٩) ١ - كتاب الإيمان ٢٠ - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ... إلخ.\n٢٣٣ - مسلم (١/ ٧٠) الكتاب والباب السابقان.\n(الحواريون): جمع حواري وهم الخاصة والأصحاب والناصرون.\n(الخلوف): جمع خلف: وهو القرن من الناس.\nوقد جرت العادة أن تطلق كلمة خَلف على من يخالف غيره بسوءٍ.\nوبعضهم يقول: خلف صدقٍ بالتحريك ويسكن الآخر في السوء للتفريق.\nوبعضهم جعلها سواء في التحريك والتسكين.\n٢٣٤ - البخاري (٧/ ١١٣) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار ٤ - باب حب الأنصار من الإيمان.","vol":"1","page":201},{"text":"قال رسول الله ﷺ \"لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافقٌ من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله\".\n٢٣٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يُبغضُ الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر\".\n٢٣٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم\".\n٢٣٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران\" قال: فحدثتها كعبا. فقال كعبٌ: ليس عليه حسابٌ. ولا على مؤمن مُزهد.\n٢٣٨ - * روى البخاري عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعملُ به كالأترُجة طعمها طيبٌ وريحها طيب. والمؤمنُ الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثلُ المنافق الذي يقرأُ القرآن كالريحانة ريحُها طيبٌ وطعمها مرٌّ ومثلُ المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مُرٌّ أو خبيث وريحها مرٌّ\".\n٢٣٩ - * روى أحمد والبخاري ومسلم عن النعمان بن بشير يخطبُ يقول: سمعتُ رسول\n_________\n= مسلم (١/ ٨٥) ١ - كتاب الإيمان ٣٣ - باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان ... إلخ.\n٢٣٥ - مسلم (الموضع السابق).\n٢٣٦ - مسلم (١/ ٧٤) ١ - كتاب الإيمان ٢٢ - باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ... إلخ.\n٢٣٧ - مسلم (٣/ ١٢٨٥) ٢٧ - كتاب الأيمان ١١ - ببا ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه.\n٢٣٨ - البخاري (٩/ ١٠٠) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن ٢٦ - باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فجر به.\n٢٣٩ - مسند أحمد (٤/ ٢٧٠) بالسياق المذكور.\nوهو عند البخاري ومسلم حديثان:\nالأول أخرجه البخاري (١٠/ ٤٣٨) ٧٨ - كتاب الأدب ٢٧ - باب رحمة الناس والبهائم.","vol":"1","page":202},{"text":"الله ﷺ يقول: \"مثلُ المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيءٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى\". وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الحلال بينٌ والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ فيه لدينه وعرضه ومن واقعها واقع الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يُوشكُ أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملكٍ حمى وإن حمى الله ما حرَّم ألا وإن في الإنسان مُضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\".\n٢٤٠ - * ورووا أيضًا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يسرقُ سارقٌ حين يسرقُ وهو مؤمن ولا يزني زانٍ حين يزني وهو مؤمن ولا يشربُ الشارب حين يشرب وهو مؤمنٌ - يعني الخمر- والذي نفس محمد بيده ولا ينتهب أحدكم نُهبة ذات شرف ويرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها وهو حين ينتهبها مؤمنولا يغُل أحدكم حين يغلُّ وهو مؤمن فإياكم إياكم\".\n٢٤١ - * روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: كان عبد الله بنُ رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعةً فقال ذات يوم لرجلٍ فغضب الرجل فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغبُ عن إيمانك إلى إيمان ساعة فقال النبي ﷺ \"يرحم الله ابن رواحة إنه يُحب المجالس التي تباهي بها الملائكة ﵈\".\n_________\n= ومسلم (٤/ ١٩٩٩) ٤٥ - كتاب البر والصلاة والآداب ١٧ - باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.\nوالثاني أخرجه البخاري (١/ ١٢٦) ٢ - كتاب الإيمان ٣٩ - باب فضل من استبرأ لدينه.\nومسلم (٣/ ١٢١٩) ٢٢ - كتاب المساقاة ٢٠ - باب أخذ الحلال وترك الشبهات.\n(مُضغة): قطعة لحم.\n٢٤٠ - البخاري (٥/ ١١٩) ٤٦ - كتاب المظالم ٢٠ - باب النهي بغير إذن صاحبه.\nمسلم (١/ ٧٦) ١ - كتاب الإيمان ٢٤ - باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ... إلخ.\nأحمد (٢/ ٣١٧)\n٢٤١ - مسند أحمد (٢/ ٢٦٥). بإسناد حسن.","vol":"1","page":203},{"text":"٢٤٢ - * روى البزار عن أنس ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله إنا نكون عندك على حالٍ، حتى إذا فارقناك نكون على غيره قال: كيف أنتم ونبيكم\". قالوا أنت نبينا في السر والعلانية قال: \"ليس ذاك النفاق\".\n٢٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقولون الكرمُ وإنما الكرم قلبُ المؤمن\".\nأقول: المراد بالحديث أن الذي يستحق التسمية بالكرم هو قلب المؤمن وحده، ولا يستحق ذلك شجر العنب.\n٢٤٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن سفيان عن أبيه قال: يا رسول الله أخبرني أمرًا في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك قال: \"قل آمنتُ بالله ثم استقم\" قال يا رسول الله: فأي شيء أتقي؟ قال: فأشار بيده إلى لسانه.\n٢٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يغارُ والمؤمن يغارُ، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم عليه\".\n٢٤٦ - * روى أحمد، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"المؤمن يغار، المؤمن يغارُ والله أشد غيرًا\".\n_________\n٢٤٢ - كشف الأستار (١/ ٣٤).\nمجمع الزوائد (١/ ٣٤) وقال: رواه أبو يعلى والبزار إلا أن البزار قال: كيف أنتم وربكم قالوا الله ربنا في السر والعلانية. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.\n٢٤٣ - البخاري (١٠/ ٥٦٦) ٧٨ - كتاب الأدب ١٠٢ - باب قول النبي ﷺ \"إنما الكرم قلب المؤمن\".\nومسلم (٤/ ١٧٦٣) ٤٠ - كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها ٢ - باب كراهة تسمية العنب كرمًا.\nومسند أحمد (٢/ ٢٣٩).\n٢٤٤ - مسلم (١/ ٦٥) ١ - كتاب الإيمان ١٢ - باب جامع أوصاف الإسلام.\nمسند أحمد (٣/ ٤١٣).\n٢٤٥ - البخاري (٩/ ٣١٩) ٦٧ - كتاب النكاح ١٠٧ - باب الغيرة.\nومسلم (٤/ ٢٠١١٤) ٤٩ - كتاب التوبة ٦ - باب غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش.\nوالترمذي (٣/ ٤٧١) ١٠ - كتاب الرضاع ١٤ - باب ما جاء في الغيرة.\n٢٤٦ - مسند أحمد (٢/ ٢٢٥).\nوعند مسلم بنحوه في الموضع السابق.","vol":"1","page":204},{"text":"٢٤٧ - * روى الإمام أحمد عن ابن أبي المعلى عن أبيه أن النبي ﷺ خطب يومًا فقال: \"إن رجلًا خيره ربه ﷿ بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها ويأكل في الدنيا ما شاء أن يأكل فيها وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه\" قال فبكى أبو بكر فقال أصحاب رسول الله ﷺ ألا تعجبون من هذا الشيخ أن ذكر رسول الله ﷺ رجلًا صالحًا خيره ربه ﷿ بين لقاء ربه وبين الدنيا فاختار لقاء ربه وكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول الله ﷺ فقال أبو بكر بل نفديك يا رسول الله بأموالنا وأبنائنا فقال رسول الله ﷺ: \"ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته وذات يده من ابن أبي قحافة ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت ابن أبي قحافة ولكن ود وإخاء إيمان ولكن ود وإخاء إيمانٍ- مرتين- وإن صاحبكم خليل الله ﷿\".\n٢٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن أنسٍ، عن النبي ﷺ قال: \"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفرٍ بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار\".\n٢٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ مر برجلٍ من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال له رسول الله ﷺ \"دعه فإن الحياء من الإيمان\".\n٢٥٠ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n٢٤٧ - أحمد (٣/ ٤٧٨). واللفظ له.\nوأخرجه البخاري (٧/ ٢٢٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار ٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.\nومسلم (٤/ ١٨٥٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة ١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁. كلاهما عن أبي سعيد مع مغايرة في اللفظ.\n٢٤٨ - البخاري (١/ ٦٠) ٢ - كتاب الإيمان ٩ - باب حلاوة الإيمان.\nمسلم (١/ ٦٦) ١ - كتاب الإيمان ١٥ - باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان.\n٢٤٩ - البخاري (١/ ٧٤) ٢ - كتاب الإيمان ١٦ - باب الحياء من الإيمان.\nمسلم (١/ ٦٣) ١ - كتاب الإيمان ١٢ - باب بيان عدد شعب الإيمان ... إلخ.\n٢٥٠ - أحمد (٢/ ٢٧٤).\nأبو داود (٤/ ٢٢٠) كتاب السنة - باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه. مختصرًا.","vol":"1","page":205},{"text":"\"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وخيارهم خيارهم لنسائهم\".\n٢٥١ - * روى أحمد والترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ \"إن من أكمل المؤمنين أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله\".\n٢٥٢ - * روى البزار عن أنسٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خلقًا وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة\".\n٢٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا يلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين\".\n٢٥٤ - * روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.\n٢٥٥ - * روى أحمد ومسلم عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"المؤمن يأكل في معى واحدٍ والكافر يأكل في سبعة أمعاءٍ\".\n٢٥٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم\n_________\n= الترمذي (٣/ ٤٦٦) ١٠ - كتاب الرضاع ١١ - باب ما جاء في حق المرأة على زوجها. وقال: حديث حسن صحيح.\n٢٥١ - أحمد (٦/ ٤٧).\nالترمذي (٥/ ٩) ٤١ - كتاب الإيمان ٦ - باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه. وقال هذا حديث صحيح.\n٢٥٢ - كشف الأستار (١/ ٢٧).\nمجمع الزوائد (١/ ٥٨) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\n٢٥٣ - البخاري (١٠/ ٥٢٩) ٧٨ - كتاب الأدب ٨٣ - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.\nمسلم (٤/ ٢٢٩٥) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق ١٢ - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.\n٢٥٤ - أحمد (٢/ ٣٢٨).\nمسلم (٢/ ٧٠٣) ١٢ - كتاب الزكاة ١٩ - باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها.\n٢٥٥ - أحمد (٢/ ٢١).\nمسلم (٣/ ١٦٣١) ٣٦ - كتاب الأشربة ٣٤ - باب المؤمن يأكل في معى واحد ... إلخ.\n٢٥٦ - مسلم (٣/ ١٠٩١) ١٧ - كتاب الرضاع ١٨ - باب الوصية بالنساء.","vol":"1","page":206},{"text":"الآخر، فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخيرٍ أو ليسكت. واستوصوا بالنساء. فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه إن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرًا\".\n٢٥٧ - * روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من فارق الجماعة وخرج من الطاعة فمات فميتته جاهلية ومن خرج على أمتي بسيفه يضرب برها وفاجرها لا يحاشي مؤمنًا لإيمانه ولا يفي لذي عهد بعهده فليس من أمتي\".\n٢٥٨ - * روى الإمام أحمد عن الحسن؛ قال: جاء رجل إلى الزبير بن العوام فقال: أقتل لك عليا؟ قال: لا وكيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: ألحق به فأفتك به قال: لا إن رسول الله ﷺ قال: \"إن الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن\".\n٢٥٩ - * روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب قلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال: \"قال تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها يعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا. فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعليكم بالطاعة وإن\n_________\n٢٥٧ - أحمد (٢/ ٣٠٦). واللفظ له.\nمسلم (٣/ ١٤٧٦) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٣ - باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ... الخ.\nالنسائي (٧/ ١٢٣) ٣٧ - كتاب تحريم الدم ٢٨ - باب التغليظ فيمن قاتل تحت راية عمية.\n٢٥٨ - أحمد (١/ ١٦٦).\nوأخرجه أبو داود (٣/ ٨٧) كتاب الجهاد- باب العدو يؤتي على غرة ويتشبه بهم. عن أبي هريرة مقتصرًا على لفظ الرسول ﷺ فقط. وهو حديث حسن بشواهده.\n٢٥٩ - أحمد (٤/ ١٣٦).\nأبو داود (٤/ ٢٠٠) كتاب السنة- باب في لزوم السنة.\nالترمذي (٥/ ٤٤) ٤٢ - كتاب العلم ١٦ - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.\nابن ماجه (١/ ١٥، ١٦) المقدمة ٦ - باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.\nوهو حديث صحيح.","vol":"1","page":207},{"text":"عبدًا حبشيًا عضوا عليها بالنواجذ فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد\".\n٢٦٠ - * روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المؤمن غر كريم، وإن الفاجر خب لئيم\".\n٢٦١ - * روى الترمذي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه\" قالوا وكيف يذل نفسه؟ قال: \"يتعرض من البلاء لما لا يطيق\".\nوبعد: فهذه مختارات من شعب الإيمان عطرنا بها الكتاب، وسيرى القارئ كثيرًا من الشعب في أمكنة كثيرة من هذا الكتاب.\n* * *\n_________\n(النواجذ): الضواحك. والمراد هنا: تمسكوا بالطاعة كما يتمسك العاض بجميع أسنانه.\n(الجمل الأنف): الجمل الطائع لا يمتنع على قائده. وقيل: الأنف: الذلول.\n٢٦٠ - أحمد (٢/ ٢٩٤).\nأبو داود (٤/ ٢٥١) كتاب الأدب- باب في حسن العشرة.\nالترمذي (٤/ ٣٤٤) ٢٨ - كتاب البر والصلة ٤١ - باب ما جاء في البخيل. وقال: هذا حديث حسن غريب. (غر): ليس بذي نكر ولا خداع.\n(خب): خداع.\n(لئيم): الدني الأصل الشحيح النفس.\n٢٦١ - الترمذي (٤/ ٥٢٣) ٣٤ - كتاب الفتن ٦٧ - باب حدثنا محمد بن بشار ... إلخ.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الفصل التاسع\nفي:\nبعض الموازين التي يزن بها المؤمن\nإيمانه وإسلامه</span>","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>مقدمة</span>\nليس هناك هم عند المسلم أعظم من همه أن يكون مؤمنًا مسلمًا مقبولًا عند الله. وتحقيق ذلك يقتضي من المسلم أن يكون دائم التفتيش عما إذا كان كذلك، ولا شيء يساعده على معرفة ما إذا كان سائرًا في الطريق الصحيح من أن يعرض نفسه على الموازين التي وردت في الكتاب والسنة والتي تحدد صفات أهل الإيمان. من ذلك في القرآن الكريم:\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١).\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (٢).\nومن ذلك في السنة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>نصوص</span>\n٢٦٢ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قيل لرسول الله ﷺ: أرأيت الرجل يعمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: \"تلك عاجل بشرى المؤمن\".\n٢٦٣ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رجل للنبي ﷺ: يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت فقال النبي ﷺ: \"إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت\".\n_________\n(١) الأنفال: ٢، ٣، ٤.\n(٢) الحجرات: ١٥.\n٢٦٢ - مسلم (٤/ ٢٠٣٤) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ٥١ - باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره.\n٢٦٣ - ابن ماجه (٢/ ١٤١٢) ٣٧ - كتاب الزهد ٣٥ - باب الثناء الحسن.\nورواه الإمام أحمد (١/ ٤٠٢).\nوابن حيان في صحيحه- موارد الظمآن (٥٠٣) باب شهادة الجيران.\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٧١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وهو في المعجم الكبير (١٠/ ٢٣٨).","vol":"1","page":211},{"text":"٢٦٤ - * روى أحمد عن أبي أمامة، قال رجل: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: \"إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن\".\n٢٦٥ - * روى الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رجل: ما الإثم يا رسول الله؟ قال: \"ما حاك في صدرك فدعه\" قال: فما الإيمان؟ قال: \"من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن\".\n٢٦٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبلٍ وأبا موسى إلى اليمن فقال: \"تساندا وتطاوعا وبشرا ولا تنفرا\" فخطب الناس معاذ فحثهم على الإسلام والتفقه والقرآن وقال أخبركم بأهل الجنة وأهل النار، إذا ذكر الرجل بخير فهو من أهل الجنة وإذا ذكر بشر فهو من أهل النار.\n٢٦٧ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أهل الجنة من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس خيرًا وهو يسمع، وأهل النار من ملأ أذنيه من ثناء الناس شرا وهو يسمع\".\n٢٦٨ - * روى البزار عن أنسٍ قال: قيل: يا رسول الله من أهل الجنة؟ قال: \"من لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يحب\" قيل فمن أهل النار؟ قال: \"من لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يكره\".\n_________\n٢٦٤ - مسند أحمد (٥/ ٢٥٢).\nأخرجه أيضًا ابن حبان والحاكم والبيهقي والضياء في المختارة. قال الحاكم: على شرطهما وأقره الذهبي، قال العراقي في أماليه: حديث صحيح. وقال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح إلا أن فيه يحيى بن أبي كثير مدلس وإن كان من رجاله. ورواه أحمد أيضًا عن أبي موسى بإسناد رجاله ثقات لكن فيه انقطاع بلفظ من عمل حسنة فسر بها ومن عمل سيئة فساءته فهو مؤمن.\n٢٦٥ - المعجم الكبير (٨/ ١٣٧).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٤). وقال: رواه الطبراني وأحمد باختصار عنه ورجال الطبراني رجال الصحيح.\n٢٦٦ - مجمع الزوائد (١/ ١٦٥). وقال رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون.\n٢٦٧ - ابن ماجه (٢/ ١٤١٢). قال محققه: في الزوائد إسناده صحيح، ورجاله ثقات.\n٢٦٨ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٢). وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير العباس بن جعفر وهو ثقة.","vol":"1","page":212},{"text":"٢٦٩ - * روى البزار عن سعد بن أبي وقاص، قال سمعت رسول الله ﷺ بالنباة أو بالنبأ يقول: \"يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار\" قالوا: بما يا رسول الله؟ قال: \"بالثناء الحسن والثناء السيئ\".\n٢٧٠ - * روى أحمد والطبراني عن عقبة بن عامرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ﷿ ليعجب من الشاب ليست له صبوة\".\n٢٧١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض\".\nوفي رواية مسلم قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذ أبغض عبدًا دعا جبريل ﵇، فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض\".\nوفي رواية له (١) عن سهيل بن أبي صالح، قال: كنا بعرفة، فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه، فقلت لأبي: يا أبت، إني أرى الله يحب عمر ابن عبد العزيز، قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحب في قلوب الناس، قال:\n_________\n٢٦٩ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧١). وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن عرفة وهو ثقة. (النباوة أو النبأة): ما ارتفع من الأرض، والمراد بها هنا منطقة في الطائف.\n٢٧٠ - مسند أحمد (٤/ ١٥١).\nالمعجم الكبير (١٧/ ٣٠٩).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٠). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وإسناده حسن.\n٢٧١ - البخاري (٦/ ٣٠٣) ٥٩ - كتاب بدء الخلق ٦ - باب ذكر الملائكة.\nمسلم (٤/ ٢٠٣٠) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ٨ - باب إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده.\n(١) مسلم في الموضع السابق.","vol":"1","page":213},{"text":"فأنبئك؟ إني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ ... ثم ذكر الحديث.\nوأخرجه الموطأ مثل الرواية الأولى (١)، وقال: ولا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك.\nوأخرجه الترمذي (٢) مثل مسلم، وزاد في حديثه في ذكر المحبة فذاك قول الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].\n٢٧٢ - * روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ وقف على ناس جلوس، فقال: \"ألا أخبركم بخيركم من شركم\"؟ قال: فسكتوا فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله، أخبرنا بخيرنا من شرنا، فقال: \"خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره\".\nفائدة: لقد رأينا أن مما يعرف به الخير في الإنسان ثناء أهل الصلاح عليه ومحبتهم له، هذا لا يتنافى مع ما أدبنا به رسول الله ﷺ من الاحتياط في الثناء على الإنسان وخاصة إذا خشيت عليه الفتنة من سماعه الثناء عليه. وقد ورد في ذلك:\n٢٧٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يثني على رجلٍ، ويطريه في المدحة فقال: \"أهلكتم- أو قطعتم- ظهر الرجل\".\n٢٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكرة ﵁، قال: أثنى رجلٍ على\n_________\n(١) الموطأ (٢/ ٩٥٣) ٥١ - كتاب الشعر ٥ - باب ما جاء في المتحابين في الله.\n(٢) الترمذي (٥/ ٣١٧) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٢٠ - باب ومن سورة مريم.\n٢٧٢ - الترمذي (٤/ ٢٥٨) ٣٤ - كتاب الفتن ٧٦ - باب حدثنا قتيبة ... إلخ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nمسند أحمد (٢/ ٣٦٨). ورواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان.\n٢٧٣ - البخاري (١٠/ ٤٧٦) ٧٨ - كتاب الأدب ٥٤ - باب ما يكره من التمادح.\nمسلم (٤/ ٢٢٩٧) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق ١٤ - باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط ... إلخ.\n٢٧٤ - البخاري في الموضع السابق.\nمسلم (٤/ ٢٢٩٦) نفس الكتاب والباب.\nأبو داود (٤/ ٢٥٤) كتاب الأدب- باب في كراهية التمادح.=","vol":"1","page":214},{"text":"رجل عند النبي ﷺ، فقال: \"ويلك، قطعت عنق صاحبك\"- ثلاثًا- ثم قال: \"من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه ولا يزكي على الله أحدًا، أحسب كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه\".\nوفي رواية لمسلم (١): أن النبي ﷺ ذكر عنده رجل، فقال رجل: يا رسول الله، ما من رجلٍ بعد رسول الله أفضل منه في كذا، فقال النبي ﷺ: \"ويحك قطعت عنق صاحبك\"- مرارًا يقول ذلك- ثم ذكر الحديث نحوه.\n٢٧٥ - * روى أحمد والطبراني عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المقة من الله ﷿- قال شريك هي المحبة- والصيت من السماء فإذا أحب الله عبدًا قال لجبريل إني أحب فلانًا فأحبوه قال فتنزل له المحبة في الأرض، وإذا أبغض عبدًا قال لجبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضوه قال فينادي جبريل إن ربكم يبغض فلانًا فأبغضوه قال فيجري له البغض في الأرض\".\n٢٧٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: \"إن العبد ليلتمس مرضاة الله ﷿ فلا يزال كذلك فيقول يا جبريل إن عبدي فلانًا يلتمس أن يرضيني برضائي عليه. قال فيقول جبريل ﷺ رحمة الله على فلان وتقول حملة العرش ويقول الذين يلونهم حتى يقول أهل السموات السبع ثم يهبط إلى الأرض ثم قال رسول الله ﷺ: وهي الآية التي أنزل الله عليكم في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ وإن العبد ليلتمس سخط الله فيقول الله ﷿ يا جبريل إن فلانًا يستسخطني ألا وإن\n_________\n= (قطعت عنق صاحبك): أي: أهلكته بالإطراء والمدح الزائد، وتعظيمك شأنه عند نفسه، فإنه يعجب بنفسه، فيهلك، كأنك قد قطعت عنقه.\n(١) مسلم في الموضع السابق.\n٢٧٥ - مسند أحمد (٥/ ٢٦٣).\nالمعجم الكبير (٨/ ١٤١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٧١) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله وثقوا.\nأقول: العبرة بحب الصالحين وبغض الصالحين.\n٢٧٦ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٢) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.","vol":"1","page":215},{"text":"غضبي عليه. فيقول جبريل غضب الله على فلان وتقول حملة العرش ويقول من دونهم حتى يقوله أهل السموات السبع ثم يهبط إلى الأرض\".\n٢٧٧ - * روى ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ألا أنبئكم بخياركم؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: \"خياركم الذين إذا رووا ذكر الله ﷿\".\n٢٧٨ - * روى أبو داود عن الشريد بن سويد الثقفي ﵁، قال: إن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن أمي أوصت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة. وعندي جارية سوداء نوبية، أفأعتقها؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ادع بها\". فدعوتها، فجاءت. فقال لها النبي ﷺ: \"من ربك؟ \" قالت: الله، قال: \"فمن أنا؟ \" قالت: رسول الله، قال: \"أعتقها، فإنها مؤمنة\".\n٢٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"مثل المؤمن مثل الزرع، لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق. كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد\".\n٢٨٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n٢٧٧ - ابن ماجه (٢/ ١٣٧٩) ٣٧ - كتاب الزهد ٤ - باب من لا يؤبه له.\nقال محققه: في الزوائد هذا إسناد حسن وشهر بن حوشب وسويد بن سعيد مختلف فيهما وباقي رجال الإسناد ثقات.\n٢٧٨ - أبو داود (٣/ ٢٣٠) كتاب الأيمان والنذور- باب في الرقبة المؤمنة. وإسناده حسن.\nوالنسائي (٦/ ٢٥٢) ٣٠ - كتاب الوصايا ٨ - باب فضل الصدقة عن الميت.\nوإسناد الحديث حسن.\n٢٧٩ - البخاري (١٣/ ٤٤٦) ٩٧ - كتاب التوحيد ٣١ - باب في المشيئة والإرادة.\nومسلم (٤/ ٢١٦٣) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ١٤ - باب مثل المؤمن كالزرع ومثل الكافر كشجر الأرز.\nوالترمذي (٥/ ١٥٠) ٤٤ - كتاب الأمثال ٤ - ما جاء في مثل المؤمن ... إلخ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٢٨٠ - البخاري (١٠/ ٥٢٩) ٧٨ - كتاب الأدب ٨٣ - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.","vol":"1","page":216},{"text":"\"المؤمن لا يلسع من جحرٍ واحدٍ مرتين\".\nوفي رواية \"لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين\".\n(لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين) قال الخطابي: يروى بضم الغين وكسرها، فالضم على وجه الخبر، ومعناه: أن المؤمن هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى من جهة الغفلة، فيخدع مرة بعد أخرى وهو لا يفطن بذلك ولا يشعر به، والمراد به: الخداع في أمر الدين، لا في أمر الدنيا، وأما [الرواية] بالكسر: فعلى وجه النهي، يقول: لا يخدعن المؤمن، ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه أو شر وهو لا يشعر به، وليكن فطنًا حذرًا، وهذا التأويل يصلح أن يكون لأمر الدين والدنيا معًا.\n٢٨١ - * روى الطبراني عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: \"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله\".\n٢٨٢ - * روى البزار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم\".\n_________\n= ومسلم (٤/ ٢٢٩٥) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق ١٢ - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.\nوأبو داود (٤/ ٢٦٦) كتاب الأدب- باب في الحذر من الناس.\n٢٨١ - المعجم الكبير (٨/ ١٢١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٨) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n٢٨٢ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٨) وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفصل العاشر\nفي:\nفضل الشهادتين وكلمة التوحيد التي هي أصل الإيمان</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص وتعليقات ومسائل","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المقدمة</span>\nالتوحيد هو البداية والنهاية والوسط فمن لم يعرف التوحيد لم يعرف الإسلام، وإنما حظ المسلم من إسلامه بقدر حظه من كلمة التوحيد.\nويدخل في التوحيد الاعتراف لله تعالى بالوحدانية فهو واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في أفعاله، ويدخل في التوحيد اعتقاد أن الله وحده هو أهل العبادة، والتوجه له بذلك، ويدخل في التوحيد اعتقاد أن الله ﷿ أهل الطاعة، والتوجه إليه في ذلك فيما شرع وفي أحكامه كلها، وعلى هذا ذكر أهل السلوك إلى الله فكرة الإيمان بالأفعال وفكرة الإيمان بالأحكام. فالأول شعور بأنه هو الفاعل الخالق، والثاني استسلام ظاهري وباطني لشريعته.\nومن آثار التوحيد التوكل عليه والشكر له والاستسلام لقضائه وقدره، فعلى هذا فالتوحيد يحكم ظاهر الإنسان وباطنه في تصرفاته كلها.\nوالتوحيد هو أن يشهد المؤمن أن لا إله إلا الله ولا تعرف معاني لا إله إلا الله ومستلزماتها إلا بالإقرار أن محمدًا رسول الله ﷺ ومن ثم كانت الشهادتان هما باب الولوج في الإسلام، لأن المسلم إذا نطق بالشهادتين فقد أقر بأركان الإيمان، الإيمان بالله والإيمان بالرسل والإيمان بالواسطة بين الله والرسل، والإيمان بالوحي الذي أنزل على الرسل.\nوالإيمان باليوم الآخر وبالقدر إنما هما فرعان عن هذا كله، ومن آمن بالوحي آمن بالكتاب والسنة ومن آمن بالكتاب والسنة آمن بالإسلام كله، وما يستلزمه الإيمان بالإسلام ومن ههنا كانت الشهادتان هما البداية وهما النهاية وهما الوسط ولذلك نجد التركيز على ذلك في الكتاب والسنة.\nوكلمة التوحيد هي كلمة التقوى وهي الشجرة الطيبة فبقدر استقرارها وإشراق القلب بها تخرج ثمراتها وإنما شرعت الأذكار كلها والعبادات من أجل تنوير القلب بها، والقرآن كله تنوير للقلب بكلمة التوحيد.","vol":"1","page":221},{"text":"قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (١). فالوحي كله من أجل توحيد الله وتقواه. ولا يعرف التوحيد والتقوى إلا بواسطة الرسل لذلك تجب طاعتهم:\nقال تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ (٢).\nوهذه نصوص وردت في فضل كلمة التوحيد.\n* * *\n_________\n(١) النحل: ٢.\n(٢) نوح: ٣.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>النصوص</span>\n٢٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت قال رسول الله ﷺ: \"من شهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\".\nوفي رواية (٢): \"أدخله الله من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء\".\nوللترمذي (٣): \"من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار\".\n٢٨٤ - * روى أحمد عن سهيل بن البيضاء رفعه: \"من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار وأوجب له الجنة\".\n٢٨٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة كنا قعودًا حول رسول الله ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا ففزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطًا للأنصار لبني النجار، فدرت هل أجد له بابا فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائطٍ\n_________\n٢٨٣ - البخاري (٦/ ٤٧٤) - ٦٠ - كتاب الأنبياء- ٤٧ - باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾.\nمسلم (١/ ٥٧) - ١ - كتاب الإيمان- ١٠ - باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا.\n(٢) مسلم، الموضع السابق.\n(٣) الترمذي (٥/ ٢٣) - ٤١ - كتاب الإيمان- ١٧ - باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله.\nأحمد (٥/ ٢١٨).\nمسلم (١/ ٥٨)، في الموضع السابق.\n٢٨٤ - مسند أحمد (٣/ ٤٥١).\nمجمع الزوائد (١/ ١٥) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على سعيد بن الصلت. قال ابن أبي حاتم: قد روي عن سهل بن بيضاء مرسلا، وابن عباس متصلا.\n٢٨٥ - مسلم (١/ ٥٩، ٦٠)، في الموضع السابق.\nربيع: ساقية ماء.\nحائط: بستان.=","vol":"1","page":223},{"text":"من بئر خارجة فاحتفزت فدخلت على رسول الله ﷺ فقال: \"أبو هريرة؟ \" فقلت: نعم يا رسول الله. قال \"ما شأنك\"؟ قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب فدخلت وهؤلاء الناس ورائي فقال: \"يا أبا هريرة\". وأعطاني نعليه فقال: \"اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة\". فكان أول من لقيني عمر فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بهما: من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بالجنة. فضربني عمر بين ثديي فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بالبكاء، وركبني عمر وإذا هو على أثرى فقال رسول الله: \"مالك يا أبا هريرة\"؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، فقال: ارجع. قال رسول الله ﷺ: \"يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ \" قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: \"نعم\". قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون. فقال رسول الله ﷺ: \"فخلهم\".\n٢٨٦ - * روى أحمد عن أبي موسى قال: أتيت النبي ﷺ ومعي نفر من قومي فقال: \"أبشروا وبشروا من وراءكم أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا بها دخل الجنة\". فخرجنا من عند رسول الله ﷺ نبشر الناس فاستقبلنا عمر فرجع بنا إلى رسول الله ﷺ، فقال عمر: يا رسول الله إذا يتكل الناس. فسكت رسول الله ﷺ.\n_________\n= فاحتفزت: استعجلت.\nفخررت لاستي: أي سقطت على مقعدتي.\n٢٨٦ - مسند أحمد (٤/ ٤٠٢).\nمجمع الزوائد (١/ ١٦) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات.\nورمز السيوطي لصحته: فيض القدير (١/ ٧٧).","vol":"1","page":224},{"text":"٢٨٧ - * روى البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار يقال له عقير فقال: \"يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\". فقلت: يا رسول الله فلا أبشر الناس؟ قال: \"لا تبشرهم فيتكلوا\". قال أنس: فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا.\n٢٨٨ - * روى مسلم عن جابر رفعه: \"ثنتان موجبتان\". قال رجل: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: \"من مات يشرك شيئًا دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\".\n٢٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع أنه عقل رسول الله ﷺ وعقل مجةً مجها في وجهه من بئرٍ كانت في دارهم، وزعم أنه سمع عتبان بن مالك الأنصاري وكان ممن شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ يقول: كنت أصلي لقومي بني سالم وكان يحول بيني وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار يشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إني أنكرت بصري وإن الوادي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه فوددت أنك تأتي فتصلي في بيتي مكانًا أتخذه مصلى. فقال رسول الله ﷺ: \"سأفعل\" فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر بعد ما اشتد النهار فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: \"أين تحب أن أصلي من بيتك؟ \" فأشرت إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر فصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا حين سلم، فحبسته على خزير يصنع له، فسمع أهل\n_________\n٢٨٧ - البخاري (١٠/ ٣٩٧) - ٧٧ - كتاب اللباس- ١٠١ - باب إرداف الرجل خلف الرجل.\nمسلم (١/ ٥٨) - ١ - كتاب الإيمان- ١٠ باب الدليل على أن من مات على التةحيد دخل الجنة قطعا.\n٢٨٨ - مسلم (١، ٩٤) - ١ - كتاب الإيمان- ٤٠ - باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ...\n٢٨٩ - البخاري (٣/ ٦٠، ٦١) - ١٩ - كتاب التهجد- ٣٦ - باب صلاة النوافل جماعة.\nمسلم (١/ ٤٥٥، ٤٥٦) - ٥ - كتاب المساجد- ٤٧ - باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر.\nعقل: عرف وتذكر. ... مج مجة: دفعة من ماء صبها في وجهه من فيه.\nخزير: طعام يصنع من قطع اللحم مع الماء الكثير، فإذا نضج ذر عليه الدقيق.=","vol":"1","page":225},{"text":"الدار أن رسول الله ﷺ في بيتي فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت، فقال رجل: ما فعل مالك لا أراه. فقال رجل منهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ: \"لا تقل ذلك، ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله\". فقال: الله أعلم ورسوله، أما نحن فوالله ما نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين. فقال رسول الله ﷺ: \"فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله ينبغي بذلك وجه الله\". قال محمود: فحدثتها قومًا فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ في غزوته التي توفي فيها، ويزيد بن معاوية عليهم بأرض الروم، فأنكرها علي أبو أيوب وقال: والله ما أظن رسول الله ﷺ قال ما قلت قط. فكبر ذلك علي فجعلت لله علي إن سلمني الله حتى أقفل عن غزوتي أن أسأل عنها عتبان بن مالك إن وجدته حيا في مسجد قومه. فقفلت فأهلك بحجةٍ أو عمرةٍ ثم سرت حتى قدمت المدينة، فأتيت بني سالم فإذا عتبان شيخ أعمى يصلي لقومه، فلما سلم من الصلاة سلمت عليه وأخبرته من أنا، ثم سألته من ذلك الحديث فحدثنيه كما حدثنيه أول مرة.\n٢٩٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: \"لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا مخلصًا من قلبه\".\n٢٩١ - * روى البخاري عن وهب بن منبه، قيل له: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.\n٢٩٢ - * روى أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: \"مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله\".\n_________\n= قفل: رجع.\n٢٩٠ - البخاري (١/ ١٩٣) - ٣ - كتاب العلم- ٣٣ - باب الحرص على الحديث.\n٢٩١ - البخاري (٣/ ١٠٩) - ٢٣ - كتاب الجنائز- ١ - باب في الجنائز، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله.\n٢٩٢ - أحمد (٥/ ٢٤٢). =","vol":"1","page":226},{"text":"٢٩٣ - * روى الطبراني عن جرير رفعه: \"من مات لم يشرك بالله شيئًا ولم يتند بدم حرامٍ أدخل من أي أبواب الجنة شاء\".\n٢٩٤ - * روى أحمد عن رفاعة الجهني: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالكديد- أو قال بقديد- فجعل رجال يستأذنون إلى أهليهم فيؤذن لهم، فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"ما بال رجال يكون شق الشجرة التي تلي رسول الله ﷺ أبغض إليه من الشق الآخر\". فلم ير عند ذلك من القوم إلا باكيا، فقال رجل: إن الذي يستأذن بعد هذا لسيفه فحمد الله وقال خيرًا وقال: \"أشهد عند الله لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صدقًا من قلبه ثم يسدد إلا سلك في الجنة\". قال: \"وقد وعدني ربي ﷿ أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تتبوؤا أنتم ومن صلح من آبائكم وأزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة\".\n٢٩٥ - * روى الترمذي عن ابن عمرو بن العاص رفعه: \"إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعةً وتسعين سجلًا، كل\n_________\n= كشف الأستار (١/ ٩).\nمجمع الزوائد (١/ ١٦). وقال: رواه أحمد والبزار وفيه انقطاع بين شهر ومعاذ، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفة وهذا منها. اهـ. ولكن يشهد للحديث ما سبق.\n٢٩٣ - المعجم الكبير (٢/ ٣٠٩).\nمجمع الزوائد (١/ ٩). وقال: رجاله موثقون.\n(لم يتند بدم حرام): لم يصب منه شيئًا، ولم ينله منه شيء.\n٢٩٤ - أحمد (٤/ ١٦).\nابن ماجه (٢/ ١٤٣٢) - ٣٧ - كتاب الزهد- ٣٤ - باب صفة أمة محمد ﷺ.\nمجمع الزوائد (١/ ٣٠). وقال: رجاله موثقون.\nكديد: أو قديد: موضع بين مكة والمدينة. ... تتبوؤا: تنزلوا منازل، وهنا: تسكنوا مساكن الجنة.\n٢٩٥ - الترمذي (٥/ ٣٤) - ٤١ - كتاب الإيمان- ١٧ - باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله.\nوقال: هذا حديث حسن غريب. أحمد (٢/ ٢١٣).\nابن ماجه (٢/ ١٤٣٧) - ٣٧ - كتاب الزهد- ٣٥ - باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.\nموارد الظمآن (٦٢٥) - ٤٠ - كتاب الزهد- ٣٢ - باب في الخوف والرجاء.\nالمستدرك (١/ ٦). وقال: هو صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\nالسجل: الكتاب الكبير، وجمعه سجلات.","vol":"1","page":227},{"text":"سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وزنك. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ قال: فإنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء\".\n٢٩٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي أيوب رفعه: \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، عشرًا، كانت له عدل أربع رقابٍ من ولد إسماعيل\".\n٢٩٧ - * روى مسلم عن والد أبي مالكٍ الأشجعي، يرفعه \"من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ﷿\".\n٢٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: خرجت ليلةً من الليالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده، ليس معه إنسان. قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد. قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: \"من هذا؟ \" فقلت: أبو ذر، جعلني الله فداك. قال: \"يا أبا ذر، تعاله\" قال: فمشيت معه ساعةً، فقال: \"إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرًا، فنفح فيه\n_________\n٢٩٦ - البخاري (١١/ ٢٠١) - ٨٠ - كتاب- ٦٤ - باب فضل التهليل.\nومسلم (٤/ ٢٠٧١) - ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- ١٠ - باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء.\n٢٩٧ - مسلم (١/ ٥٣) - ١ - كتاب الإيمان- ٨ - باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ....\nأحمد (٣/ ٤٧٢).\nوالد أبي مالك هو: طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي، صحابي له أحاديث.\n٢٩٨ - البخاري (١١/ ٢٦٠) - ٨١ - كتاب الرقاق- ١٣ - باب المكثرون هم المقلون.\nومسلم (٢/ ٦٨٨) - ١٢ - كتاب الزكاة- ٩ - باب الترغيب في الصدقة.\n(تعاله) تعال، أي: أدن، والهاء لبيان حركة اللام، وتسمى هاء السكت.\n(فنفخ) نفخ بيده: إذا أشار بها إلى جهة، والمراد به هاهنا: أنه فرق المال بيديه يمينًا وشمالًا. =","vol":"1","page":228},{"text":"عن يمينه، وشماله، وبين يديه، ووراءه، وعمل فيه خيرًا\". قال: فمشيت معه ساعة، فقال لي: \"اجلس هاهنا، حتى أرجع إليك\". قال: فأجلسني في قاع حوله حجارةً، فقال لي: \"اجلس هاهنا، حتى أرجع إليك\" قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني، فأطال اللبث ثم إني سمعته يقول وهو مقبل: \"وإن سرق، وإن زنى؟ \" قال: فلما جاء لم أصبر، فقلت: يا نبي الله جعلني الله فداك، من تكلم في جانب الحرة، ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا؟ قال: \"ذاك جبريل، عرض لي في جانب الحرة: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. فقلت: يا جبريل، وإن سرق، وإن زنى؟ قال نعم. قلت يا رسول الله وإن سرق وإن زنى؟ قال: \"نعم\". قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: \"نعم وإن شرب الخمر\".\n٢٩٩ - * روى أحمد عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًا من قلبه إلا حرم على النار\". قال عمر بن الخطاب: ألا أحدثك ما هي، هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله ﵎ محمدًا وأصحابه، وهي كلمة التقوى التي ألاص عليها نبي الله ﷺ عمه أبا طالبٍ عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله.\n_________\n= (القاع): الأرض المستوية.\n٢٩٩ - مسند أحمد (١/ ٦٣).\nمجمع الزوائد (١/ ١٥). وقال: لعمر حديث رواه ابن ماجه بغير هذا السياق ورجاله ثقات، رواه أحمد.\n(الأص) ألاصه على الشيء: أداره عليه وأراده منه.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>تعليقات</span>\nإذا عرفت أهمية كلمة التوحيد فإن عليك أن تعرف ماذا يدخل فيها:\nإن أول ما يدخل في كلمة التوحيد أن نعتقد أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله فلا ذاته تشبه الذوات ولا صفاته تشبه الصفات ولا أفعاله تشبه الأفعال وأن نعتقد أنه وحده المستحق للعبادة فلا يستحق العبادة غيره وبالتالي فلا يتوجه بأي نوع من أنواع العبادات إلا له.\nفمن عرف الله ﷿ حق المعرفة بمعرفة ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله ومن عرف له حقوقه ﷻ بالعبادة والعبودية فقد اجتمع له التوحيد.\nأما من أعطى غيره حق العبادة فليس موحدًا، ومن لم يعطه العبودية كاملة بأن عرف له حق التشريع وحق الأمر فليس موحدًا، هذه القضايا هي أول ما يدخل في التوحيد بداهة، وقد عبر بعضهم عن هذه القضايا تعبيرات كثيرة.\nإن هناك أقوالًا وأفعالًا هي من باب العبادات فإذا توجه الإنسان بها لغير الله فقد أشرك: الصلاة والركوع والسجود والطواف والدعاء والنذر والذبح لغير الله بنية القربى.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١)، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) وهناك أفعال وأقوال هي مظنة نوع من الشرك مثل: ما شاء الله وشاء فلان.\nوهناك اعتقادات تجعل الإنسان مشركًا من مثل إعطائه ما هو من خصائص الألوهية والربوبية لغير الله، كاعتقاد أن أحدًا ما أو جهة ما لها حق التشريع المطلق، أو اعتقاد أن شيئًا له تأثير في الأمور بغير إرادة الله.\nوهناك معانٍ عقلية إذا أخل الإنسان بها يخشى عليه من الشرك، أما الجانب العاطفي الجبلي منها فله أحكامه، فالتوكل والمحبة والخوف والرجاء والشكر والولاية والتقوى والطاعة\n_________\n(١) البقرة: ٢١.\n(٢) النحل: ٣٦.","vol":"1","page":230},{"text":"كل ذلك يجب أن يعتقد المسلم أنها من حق الله أما إذا غلب على قلبه شيء من الاعتماد على المخلوق مع الاعتقاد الصحيح فذلك يكون أحيانًا مباحًا وأحيانًا إثما، ومن منافيات التوحيد الإخلال بمقام العبودية، والعبودية تقتضي تسليمًا واستسلامًا في الأمر والنهي والقضاء والقدر: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١).\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).\n﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ (٦)، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ (٧).\n﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٨)، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩)، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (١٠).\nإذا عرفت هذا أدركت محل الشهادتين في الإسلام، وأن الإسلام كله ينبثق منهما، كما أنهما تتضمنان الإسلام كله والإيمان كله. فشهادة الإسلام تتضمن الإيمان بالله وبالرسل صراحة، ومن آمن بالرسل آمن بالوحي فآمن بالملائكة وآمن بالكتب، والإيمان بالقدر فرع الإيمان بالله، ومن عرف الله وعرف عدله وعرف الرسل والكتب عرف التكليف وعرف مسؤولية الإنسان فعرف اليوم الآخر. ومن عرف كلمة الإله وما يدخل فيها من معاني العبادة والاستعاذة والتوكل والمحبة والربوبية والمالكية وعرف أن هذه الحقوق لله ﷿ إنما تعرف بواسطة الرسول ﷺ، عرف ماذا ينبثق عن الشهادتين وعرف أن الالتزام بذلك والتسليم فيه\n_________\n(١) الأعراف: ٥٤.\n(٢) الفاتحة: ٢.\n(٣) الجاثية: ٣٦.\n(٤) الأنعام: ٧١.\n(٥) الأنعام: ١٦٢.\n(٦) الأنعام: ١٤.\n(٧) الأنعام: ١٤.\n(٨) يونس: ١٠٦.\n(٩) المائدة: ٢٣.\n(١٠) النحل: ٥١.","vol":"1","page":231},{"text":"وترك ما ينافيه كل ذلك أنه أثر عن الشهادتين.\nومن عرف أن كلمة أشهد: تأتي من الشهادة ومن المشاهدة وتأتي بمعنى أحلف وأن بين ذلك ترابطًا أدرك أن عليه أن يكون جازمًا بالشهادة، وأن يحاول الارتقاء من الشهود العقلي إلى الشهود القلبي لـ\"لا إله إلا الله\"، وأن الشهود القلبي متوقف على كثرة العمل الصالح وكثرة الذكر، وعلى كثر العلم، ومن مثل هذا نعرف لماذا كانت الشهادتان لهما هذا الفضل، ولماذا كانت المدخل إلى الإسلام.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>مسائل وفوائد حول الشهادتين وكلمة التوحيد</span>\n١ - مما يوصف به الإسلام أنه دين الوحدة والتوحيد والوحدانية، وهذه الكلمات القليلة يدخل فيها ما لا يحصى من المعاني: فنحن نثبت لله ﷿ الوحدة والوحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله ونثبت أن الخلق كلهم عبيد لواحدٍ هو الله ﷿، وأن الذات الإنسانية ينبغي أن تتوجه بالعبادة والعبودية والطاعة لواحدٍ هو الله ﷿، ونثبت أن الذات البشرية ينبغي أن تكون موحدة في توجهاتها نحو الخالق، وأن البشرية كلها ينبغي أن تكون واحدة في هذا التوجه وفي الخضوع وفي الطاعة وفي الاستسلام لله في دينه، وإذا لم تتوحد البشرية على ذلك فالمستجيبون ينبغي أن يكونوا أمة واحدة وجسدًا واحدًا.\n٢ - مما يخدش جناب التوحيد عند أهل السنة والجماعة: القول بالقوة المودعة ولذلك قال صاحب الخريدة:\nومن يقل بالقوة المودعة ... فذاك بدعي فلا تلتفت\nفالقول بالقوة المودعة تعطيل لنصوص كثيرة، وهو يخدش الفهم الصحيح لأحدية الذات الإلهية وصمديتها وقيوميتها، فمن عرف أحدية الذات الإلهية وصمديتها وقيوميتها كما ورد ذلك في نصوص الكتاب والسنة نفى القوة المودعة، ونفى القوة المودعة يقتضي منا أن نعتقد أن كل شيء ابتداء وحالًا واستقبالًا بعلم الله وإرادته وقدرته وإمداده وأنه لا تأثير لشيء من الكائنات في أثرٍ ما إلا بالله، ومن قال غير ذلك فقد نفى افتقار كل شيء إلى الله، ويدخل في نفي القوة المودعة اعتقاد أن شيئًا من الأشياء يؤثر بطبعه دون أن يكون للقدرة الإلهية دخل مباشر في ذلك فكل شيء في الماضي والحاضر والمستقبل مفتقر إلى إيجاده وإمداده، وهذه المسألة من أهم المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة والجماعة من جهة وبين المعتزلة من جهة أخرى وهي المسألة المشهورة بمسألة خلق الأفعال. فالنصوص متضافرة على أن كل شيء بفعل الله ابتداءً وانتهاءً. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢)، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣)، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (٤)، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ\n_________\n(١) الزمر: ٦٢.\n(٢) الرحمن: ٢٩.\n(٣) الصافات: ٩٦.\n(٤) الواقعة: ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":233},{"text":"أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٢)، ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٣)، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٤)، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٥)، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (٦)، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٧)، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٨). وهذا لا ينفي أن الله ﷿ جعل قوانين وأسبابًا، ولكن لو قلنا: إن هذه القوانين والأسباب تعمل بالقوة المودعة دون تدخل مباشر للذات الإلهية فكأننا نقول: إن الله لا دخل له بما يجري في هذا الكون وإنما هي أسباب توصل إلى أسباب، وأين هذا من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ...﴾ (٩)، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (١٠). وفي الحديث الذي رواه الحاكم (١١) \"إن الله خالق كل صانع وصنعته\"، فإذا قال قائل كيف نوفق بين التكليف والمحاسبة وبين أن كل شيء فعل الله؟ قلنا: إن قدرة الله تخلق على وفق الإرادة، والإرادة تخصص على وفق العلم، والعلم كاشف لا مخبر فالله لم يعط أحدًا القدرة على الفعل المستقل وذلك مقتضى كماله، ولكن أجرى أعمال الإنسان على علم منه بما سيختاره، ويحاسبه على اختياره المحسوس الذي يحس به كل مكلف فلا منافاة.\nوهذا الموضوع مفصل في كتب العقائد والتفسير وشروح السنة، ويغلط فيه الكثيرون لتأثرهم بالحس ونسيانهم النصوص وعدم دراستهم لعقيدة أهل السنة والجماعة في كتبها، مع أن دراستها حفظ للمسلم من الوقوع في ما ذهبت إليه الفرق الضالة.\n٣ - ومن أراد الدخول في الإسلام فإنه يفترض عليه النطق بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام باللغة العربية أو بأي لغة، أما من نشأ في الإسلام وكان يعتقد بالشهادتين فلا يفترض عليه النطق بهما بنية الدخول في الإسلام لكنه يفترض عليه أن ينطق بهما في كل\n_________\n(١) الواقعة: ٦٣ - ٦٤.\n(٢) الأنفال: ١٧.\n(٣) الكهف: ٣٩.\n(٤) الشعراء: ٨٠.\n(٥) الزمر: ٤٢.\n(٦) الأعراف: ١٥٥.\n(٧) التوبة: ١٤.\n(٨) الفاتحة: ٥.\n(٩) آل عمران: ٦.\n(١٠) آل عمران: ١٦٠\n(١١) المستدرك (١/ ٣١). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":234},{"text":"صلاة أو يسن على خلافٍ بين الفقهاء في فرضية قراءة (التحيات) أو وجوبها أو سنيتها في الصلاة.\nويدخل في شهادة لا إله إلا الله الاعتراف باللسان والاعتقاد بالقلب أنه لا معبود إلا الله.\nويدخل في شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ الاعتراف باللسان والإذعان بالقلب أن محمدًا ﷺ مرسل من عند الله إلى الأنس جميعًا والجن جميعًا وأنه صادق في كل ما بلغه عن الله ﷿، ولا يعتبر مسلمًا إلا من جمع الشهادتين وأقر بهما وكل من ليس مسلمًا فإنه كافر، ومن شك في كفره أو توقف فهو كافر وقد رأينا فيما مضى حال من لم تبلغه الدعوة أو كان غير عاقلٍ أو غير بالغٍ أو فقد منذ الصغر وقبل التبليغ من الحواس مالا يستطيع معه إدراك الخطاب.\nإنه لا إيمان ولا إسلام ولا قبول للأعمال الصالحة إلا بالشهادتين، وليعلم أن مما يخدش جناب التوحيد التوجه بشيء مما هو من حقوق الربوبية لغير الله، وأن مما يخدش جوانب التوحيد عدم التأدب مع الذات الإلهية بما ينقض الشهادتين. وهذا بحث سيأتي معنا.\n* * *","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الفصل الحادي عشر\nفي:\nالإيمان الذوقي وما يقابله</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص ومسائل وفوائد","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المقدمة</span>\nقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١) ههنا صورة هي: أن الإيمان لم يدخل بعد إلى القلوب ولكنه على وشك الدخول. وهناك صورة ستتكرر معنا فيما يأتي: صورة الإيمان الذي لا يجاوز الحناجر وسنرى هذه الصورة تفصيلًا أثناء الكلام عن الخوارج.\nوهناك صورة أخرى وردت في السنة هي صورة أخذ القرآن بلا إيمان.\nولكل من هذه الصور علامات يعرف بها أصحابها:\nفالإيمان الذي لا يجاوز الحناجر علامته: سفاهة العقول، وعدم التمكن في أخلاق الإيمان.\nأخذ القرآن بلا إيمان علامته: عدم تدبر القرآن والتأثر به وانسجام السلوك معه.\nومن ههنا كان التركيز على الإيمان الذي يباشر القلوب مهما، ومن كلام هرقل كما في الصحيح: (وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب) (٢).\nأما علامات الإيمان القلبي فإنها:\nالرضى بربوبية الله ورسالة الرسول ﷺ وبالإسلام دينًا والتوحيد والعبادة ودفع الزكاة ومحبة الله ورسوله أكثر من أي شيء آخر والإخاء في الله وكراهية العودة إلى الكفر، وفي هذا كله وفيما سبق نقرأ النصوص التالية:\n_________\n(١) الحجرات: ١٤.\n(٢) البخاري (١/ ٣١) ١ - كتاب بدء الوحي- الحديث ٧.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>النصوص</span>\n٣٠٠ - * روى مسلم عن العباس رفعه: \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا\".\n٣٠١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن معاوية الغاضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْم الإيمان: من عبد الله وحده، وعلم أنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسه رافدة عليه كل عامٍ، ولم يعط الهرمة، ولا الدرنة ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره\".\n٣٠٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر- بعد أن أنقذه الله منه- كما يكره أن يلقى في النار\".\n_________\n٣٠٠ - مسلم (١/ ٦٢) - ١ - كتاب الإيمان- ١١ - باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا فهو مؤمن ....\nوالترمذي (٥/ ١٤) - ٤١ - كتاب الإيمان- ١٠ - باب حدثنا قتيبة ...\nوأحمد (١/ ٢٠٨).\n٣٠١ - أبو داود (٢/ ١٠٣) - كتاب الزكاة- باب في زكاة السائمة.\nقال الحافظ في التخليص: رواه الطبراني وجود إسناده.\n(رافدة عليه) الرافدة: الفاعلة من الرفد، وهي العطاء والإعانة، أي: معينة له على أداء الزكاة، غير محدثةٍ نفسه بمنعها، فهي ترفده وتعينه.\n(الهرمة): المسنة الكبيرة السن من كل حيوان.\n(الدرنة) أراد بها الرديئة، فجعل الرداءة درنا، والدرن: الوسخ.\n(الشرط): الرذيلة من المال كالصغيرة والمسنة والعجفاء ونحو ذلك.\n(اللئيمة) أردأ المال وأرذله.\n٣٠٢ - البخاري (١/ ٧٢) - ٢ - كتاب الإيمان- ١٤ - باب من كره أن يعود في الكفر ...\nمسلم (١/ ٦٦) - ١ - كتاب الإيمان- ١٠ - باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان.\nالترمذي (٥/ ١٥) - ٤١ - كتاب الإيمان- ١٠ - باب حدثنا قتيبة.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح. ... =","vol":"1","page":240},{"text":"وفي أخرى (١): \"من كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديًّا أو نصرانيًّا\".\nقال البيضاوي: المراد بالحب هنا، الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه إن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه، فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه إصلاح عاجل، أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تمرن على الائتمار بأمره يصير هواه تبعًا له ويلتذ بذلك التذاذا عقليًّا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك.\nومن النصوص التي تتحدث عما يقابل الإيمان الذوقي هذه النصوص:\n٣٠٣ - * روى الطبراني عن ابن عمر: قال: لقد عشت برهة من دهري وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن تقف عنده منها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم لقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بيت فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده، وينثره نثر الدقل (هو أردأ أنواع التمر).\n٣٠٤ - * روى مسلم عن زيد بن وهبٍ الجهني ﵁ أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرج قوم من أمتي، يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم\n_________\n= النسائي (٨/ ٩٤) - ٤٧ - كتاب الإيمان وشرائعه- ٢ - باب طعم الإيمان.\n(١) مسلم (١/ ٦٧)، في الموضع السابق.\n٣٠٣ - مجمع الزوائد (١/ ٦٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.\nالمستدرك (١/ ٣٥). وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(ينثره نثر الدقل): يلفظه دون اهتمام.\n(والدقل): التمر الرديء.\n٣٠٤ - مسلم (٢/ ٧٤٨) - ١٢ - كتاب الزكاة- ٤٨ - باب التحريض على قتل الخوارج.\nوأبو داود (٤/ ٢٤٤) - كتاب السنة- باب في قتال الخوارج.","vol":"1","page":241},{"text":"بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ... \".","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>مسائل وفوائد</span>\nأدنى درجات الإيمان إيمان المقلدين وهم الذين يأخذون بقول الغير دون دليل فمن كان هذا شأنه في العقائد ووافق إيمانه التقليدي الجق فما هو حكمه؟\nبعض علماء العقائد لا يعتبر هذا الإيمان شيئًا، وبعضهم يعتبره إذا كان جازمًا وكان المقلد معصومًا كالرسل أو كان جازمًا حتى لو رجع المقلد عن العقيدة لم يرجع المقلد، وهؤلاء أنفسهم يعتبرون المقلد الذي أخذ الاعتقاد الحق دون أن يعرف برهانه ولو إجماليًّا يعتبرونه فاسقًا لأنه مقصر فيما هو من فروض الأعيان.\nوالدرجة الثانية في مراتب الإيمان هي الإيمان العقلي القائم على الدليل فهذا إيمان معتبر، ولكن إذا لم يصل إلى القلب فيتنور القلب بنور الإيمان فإن صاحب هذا الإيمان مقصر ويدخل في دائرة الفسوق لأن من تكليفات الإنسان أن يعمل على سلامة قلبه بتنويره بالإيمان وتخليصه من أمراضه وتحقيقه بما كلف به، ومن ههنا كانت الدرجة الثالثة في مراتب الإيمان هي الإيمان الذوقي القلبي، وهذا النوع من الإيمان يتفاوت الناس فيه، فقلوب الصديقين ليست واحدة. ويدخل في هذا النوع من الإيمان إيمان المراقبة وإيمان المشاهدة وذلك كله أثر من آثار حياة القلب ويقظته: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١) والمرجو من فضل الله أن من توجه لتنوير قلبه وإصلاحه أن يكرمه بذلك أو بالعفو إن مات قبل الوصول فالقلوب بيد الله.\n_________\n(١) ق: ٢٧.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفصل الثاني عشر\nفي:\nالجيل الأرقى تحققًا</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المقدمة</span>\nإنه من المناسب بعد أن تحدثنا عن أعمال الإسلام وشعب الإيمان أن نذكر بالجيل الأرقى تحققًا، والأعلى مقامًا والأكثر أجرًا وهو: جيل الصحابة رضوان الله عنهم. مع أننا تحدثنا عن فضل الصحابة في القسم الأول بمناسبة الكلام عن دوائر شرف حول الرسول ﷺ. وسيمر معنا الكثير عن فضل الصحابة إلا إنه من المناسب أن نشير إلى هذا الموضوع هنا بمناسبة ما مر وبمناسبة ما سيمر عن أن من أسباب الضلال وافتراق الأمة: الموقف من الصحابة رضوان الله عنهم.\nلقد وصف الله ﷿ أصحاب رسوله ﷺ بخير الصفات ونعتهم بخير النعوت، فقال تعالى في أوائل سورة الأنفال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١).\nوقد جاء في أواخر السورة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٢).\nفدل ذلك على أن الصحابة قد تحققوا بالإيمان تحققًا كاملًا بشهادة الله لهم، وقال تعالى ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (٣) فهذه شهادة أخرى من الله للصحابة بكمال التحقق.\nوقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).\n_________\n(١) الأنفال: ٢ - ٤.\n(٢) الأنفال: ٧٤.\n(٣) الفتح: ٢٦.\n(٤) الفتح: ٢٩.","vol":"1","page":247},{"text":"وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢).\nوالآيات في فضل الصحابة كثيرة وكلها تدل على أنهم الجيل الأرقى مقامًا لأنهم أخذوا عن رسول الله ﷺ مباشرة. وهم الجيل الأكثر أجرًا لن من بعدهم في صحائفهم، وهم ومن بعدهم في صحيفة رسول الله ﷺ. فالدال على الخير كفاعله. وهم الأكثر تحققًا، فقد كانوا أكثر خلق الله قيامًا بواجبٍ، ألا ترى قبورهم منتشرة في الأرض وهم يجاهدون لإعلاء كلمة الله، ولذلك حكم علماء الجرح والتعديل للصحابة بأنهم عدول كلهم ولم يبالوا بالقلة النادرة المكشوفة المعروفة لدى بعض الصحابة بالنفاق، ولا بالذين التحقوا بالإسلام أخيرًا، فارتد بعضهم فإما قتل أو تاب، فهؤلاء لا يمثلون خلاصة الصحابة رضوان الله عنهم.\nومع ذلك فإن من ارتد من الحواشي ثم عاد، فإن أمره إلى خير، ولقد اختلف الصحابة فيما بينهم واقتتلوا وأمرهم إلى خير لأنهم كانوا مجتهدين، ولكنه قد هلك بهم أناس كثيرون، فضلوا وأضلوا بسبب الموقف من الصحابة فنشأت فرق ضالة يكفر بعضها بعضًا ويكفر كل من هؤلاء بعض الصحابة، بل استحل بعضهم دماء بعض الصحابة الكبار، فيا ويلهم فيما فعلوا.\nونحن هنا لا نريد أن نستقصي الكلام عن الصحابة، فالكلام عنهم مفرق في هذا الكتاب بمناسباته وإنما أردنا الإشارة كي لا يخلو هذا الباب من الحديث عنهم خاصة وسيأتي فصل نتحدث به عن فرق الضلالة التي ضل بعضها بسبب الموقف من الصحابة وتمشيًا مع مبدئنا في هذا الفصل بأن نشير ولا نستوعب لأننا توسعنا في أمكنة أخرى في هذا الكتاب، فههنا نذكر بعض الأحاديث النبوية التي تذكر للأجيال الأولى فضلها، رغم كل ما حدث فيها وفيما بينها، لأنها هي التي حملت الإسلام وأوصلته إلينا، وقامت بحق الله فيه، ولقلة الشاذين والمنحرفين بعد جيل الصحابة بالنسبة لمجموع الأمة.\n_________\n(١) الفتح: ١٨.\n(٢) التوبة: ١٠٠.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>النصوص</span>\n٣٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون: نعم فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم\".\nوفي رواية (٢) عن جابر، قال: زعم أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ؟ فيوجد الرجل، فيفتح لهم به. ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النبي ﷺ؟ فيفتح لهم به ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي ﷺ؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى من رأى أحد رأى أصحاب النبي ﷺ؟ فيوجد الرجل، فيفتح لهم به\".\n٣٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ \"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا- ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن\".\n_________\n٣٠٥ - البخاري (٦/ ٨٨) - ٥٦ - كتاب الجهاد- ٧٦ - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب.\nمسلم (٤/ ١٩٦٢) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥٢ - باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.\n(فئام): أي جماعة.\n(٢) مسلم (٤/ ١٩٦٢)، في الموضع السابق.\n٣٠٦ - البخاري (٥/ ٢٥٨) - ٥٢ - كتاب الشهادات- ٩ - باب لا يشهد على شهادة زور إذا أشهد.\nمسلم (٤/ ١٩٦٤)، في الموضع السابق.","vol":"1","page":249},{"text":"قال الحافظ في الفتح: قوله: \"خير أمتي قرني\" أي أهل قرني، والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين ... [وهناك] ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهود ...\nوالمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة. ا. هـ.\nقوله: \"يخونون ولا يؤتمنون\"؛ قال النووي: ومعناه يخونون خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى معها أمانة. بخلاف من خاف بحقير مرة واحدة، فإنه يصدق عليه أنه خان، ولا يخرج به عن الأمانة في بعض المواطن. ا. هـ.\nقوله: \"يظهر فيهم السمن\"؛ قال النووي: قال جمهور العلماء في هذا الحديث: المراد بالسمن، هنا، كثرة اللحم. ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم. وليس معناه أن يتمحضوا سمانا. قالوا: والمذموم منه من يستكسبه. وأما من هو فيه خلقة فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسع في المأكول والمشروب زائدا على المعتاد. ا. هـ.\nوفي رواية (١) عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته\".\nقال: قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.\nقوله: (تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته): قال النووي في شرح صحيح مسلم: هذا ذم لمن يشهد ويحلف مع شهادته، ومعنى الحديث أنه يجمع بين اليمين والشهادة فتارة تسبق هذه وتارة هذه. ا. هـ.\nقال الحافظ في الفتح: قوله (قال إبراهيم) ... وإبراهيم هو النخعي.\n_________\n(١) البخاري (٥/ ٢٥٩) - ٥٢ - كتاب الشهادات- ٩ - باب لا يشهد على جور إذا أشهد.\nومسلم (٤/ ١٩٦٢) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥٢ - باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.=","vol":"1","page":250},{"text":"قوله (كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد) ... قال أبو عمر بن عبد البر: معناه عندهم النهي عن مبادرة الرجل بقوله أشهد بالله وعلي عهد الله لقد كان كذا ونحو ذلك. وإنما كانوا يضربونهم على ذلك حتى لا يصير لهم به عادة فيحلفوا في كل ما يصلح وما لا يصلح. ا. هـ.\nوفي رواية (١) عن عائشة قالت: سأل رجل النبي ﷺ: أي الناس خير؟ قال: \"القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث\".\n٣٠٧ - * روى مسلم عن أبي بردة، عن أبيه، قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلى معه العشاء! قال فجلسنا، فخرج علينا، فقال \"مازلتم ههنا؟ \" قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال \"أحسنتم\" أو \"أصبتم\". قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا مما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: \"النجوم أمنة للسماء. فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون\".\n٣٠٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أخبرتني أم مبشر؛ أنها سمعت النبي ﷺ يقول، عند حفصة: \"لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة، أحد. الذين بايعوا تحتها\". قالت: بلى يا رسول الله! فأنتهرها فقالت حفصة:\n_________\n= (١) مسلم (٤/ ١٩٦٥)، في الموضع السابق.\n(أمنة للسماء) قال العلماء: الأمنة والأمن والأمان بمعنى. ومعنى الحديث أن النجوم مادامت باقية فالسماء باقية فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة، وهنت السماء فانفطرت وانشقت وذهبت.\n(وأنا أمنة لأصحابي) أي من الفتن والحروب وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب، ونحو ذلك مما أنذر به صريحا. وقد وقع كل ذلك.\n(فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون): معناه من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان وظهور الروم وغيرهم عليهم وانتهاك المدينة ومكة، وغير ذلك. وهذه كلها من معجزاته ﷺ.\n٣٠٧ - مسلم (٤/ ١٩٦١) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥١ - باب بيان أن بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة.\n٣٠٨ - مسلم (٤/ ١٩٤٢) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٣٧ - باب من فضائل أصحاب أهل بيعة الرضوان ﵃.=","vol":"1","page":251},{"text":"﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) فقال النبي ﷺ: \"قد قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢).\n٣٠٩ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه\".\n٣١٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه\".\nقال الحافظ في الفتح:\nقوله (فلو أن أحدكم) فيه إشعار بأن المراد بقوله أولا \"أصحابي\" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: \"لو أن أحدكم أنفق\"، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (٥) الآية، ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي ﷺ وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدرك النبي ﷺ ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب الأولى، وغفل من قال إن الخطاب بذلك لغير الصحابة وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلا لمن سيوجد منزلة الموجود للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق.\n[وقد ذكر الحافظ أنه في روايات أخرى ذكر سبب لهذا الحديث وهو ما وقع في أوله قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فذكر الحديث].\n_________\n(١) مريم: ٧١.\n(٢) مريم: ٧٢.\n٣٠٩ - البخاري (٧/ ٢١) - ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٥ - باب قوله النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلا\".\n٣١٠ - مسلم (٤/ ١٩٦٧) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥٤ - باب تحريم سب الصحابة ﵃.\n(٥) الحديد: ١٠.","vol":"1","page":252},{"text":"قوله (مد أحدهم ولا نصيفه) أي المد من كل شيء، والنصيف بوزن رغيف هو النصف ...\nوقيل النصيف مكيال دون المد، والمد بضم الميم مكيال معروف ... [ويساوي ٦٧٥ غرامًا].\nقال: والمراد به الفضل والطول ... قال البيضاوي: معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد الطعام أو نصيفه. وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية. قلت: [أي ابن حجر] وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه. ا. هـ.\n٣١١ - * روى مسلم عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة، قال: قالت لي عائشة يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ، فسبوهم.\nومن أقوال العلماء في الصحابة:\nقال ابن الوزير في الروض الباسم: (إن الأدلة دلت على ما ذهب إليه أهل الحديث وغيرهم من قبول الصحابة ﵃، المعروف منهم بالعدالة، والمجهول الحال، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة).ا. هـ.\nوقال الإمام ابن حبان في كتاب المجروحين:\nفإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة، وأبيت ذلك في الصحابة، والسهو والخطأ موجود في أصحاب رسول الله ﷺ، كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين؟\nيقال له: إن الله -﷿- نزه أقدار أصحاب رسوله، عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة متنقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم، وقد قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)\n_________\n٣١١ - مسلم (٤/ ٢٣١٧) - ٥٤ - كتاب التفسير- حديث (١٥).\n(٢) آل عمران: ٦٨.","vol":"1","page":253},{"text":"ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (١) فمن أخبر الله أنه لا يخزيه يوم القيامة، وقد شهد له بإتباع ملة إبراهيم حنيفًا، لا يجوز أن يجرح بالكذب، لأنه يستحيل أن يقول الله -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ثم يقول النبي (٢) ﷺ: \"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\". فيطلق النبي ﷺ إيجاب النار لمن أخبر الله -جل وعلا- أنه لا يخزيه في القيامة، بل الخطاب وقع على من بعد الصحابة، وأما من شهد التنزيل، وصحب الرسول ﷺ، فالثلب لهم غير حلال، والقدح فيهم ضد الإيمان، والتنقيص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرنا بعد رسول الله ﷺ، بحكم من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى ﷺ.\nوإن من تولى رسول الله ﷺ إيداعهم ما ولاه الله بيانه للناس، لبالحري من أن لا يجرح لأن رسول الله ﷺ لم يودع أصحابه الرسالة، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب، إلا وهم عنده صادقون جائزو الشهادة، ولو لم يكونوا كذلك، لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه لأنه لو كان كذلك، لكان فيه قدح في الرسالة. وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفًا، وإن من بعد الصحابة ليسوا كذلك، لأن الصحابي إذا أدى إلى من بعده، يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقًا، أو مبتدعًا ضالًا ينقص من الخبر أو يزيد فيه، ليضل به العالم من الناس، فمن أجله فرقنا بينهم وبين الصحابة، إذ صان الله -﷿- أقدار الصحابة عند البدع والضلال. جمعنا الله وإياهم في مستقر رحمته ا. هـ.\nوقال الخطيب البغدادي -﵀- في الكفاية:\nكل حديث اتصل إسناده بين من رواه، وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ لأن عدالة الصحابة ثابتة، معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن.\n_________\n(١) التحريم: ٨.\n(٢) مسلم (١/ ١٠) - المقدمة- ٢ - باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":254},{"text":"قال أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فاعلم أن زنديق، وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة. ا. هـ.\nوقال ابن الصلاح في علوم الحديث:\nثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله ﷾ أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة. ا. هـ.\nقال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب:\nقد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول.\nوقال الخطيب في الكفاية: هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء.\nونقل الإجماع محمد بن الوزير اليماني عن أل السنة وعن الزيدية والمعتزلة أيضًا وكذا الصنعاني في توضيح الأفكار. ا. هـ.\n* * *","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الفصل الثالث عشر\nفي:\nالوساوس العارضة وفي خفوت نور الإيمان\nوزيادته وتجديده وإقلاعه</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المقدمة</span>\nهناك وساوس تعرض للقلوب في مراحل حياتية، هذا النوع من الوساوس لا قيمة ل ما دام القلب يكرهه ويرفضه لأنه شيء خارجي فهو أشبه بأن يأتيك إنسان ويدعوك إلى شر وأنت ترفض.\nوهناك وساوس يتجاوب معها القلب وتؤثر فيه وتحدث تشكيكات وشبهات فهذه خطرة، وعلى الإنسان أن يجاهدها بالذكر ومجالسة العلماء العاملين ومذاكرتهم: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١).\n\"لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة\". أخرجه مسلم (٢).\nوهناك وساوس طارئة بسبب موقفٍ ما كما في حادثة أبي بن كعب التي رواها مسلم (٣):\n\"فسقط في قلبي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية\".\nوكما قال ربنا ﷿: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٤) فهذه علاجها الكينونة مع الصادقين.\nوهناك حالات من ذبول نور الإيمان سببها الاستغراق بالعمل والانشغال عن الذكر، وكل هذه القضايا تحتاج إلى علاج، ومن ألزم نفسه بالأوراد اليومية وقراءة القرآن ومجالسة العلماء والصالحين وحضر مجالس الذكر والعلم فالمرجو أن يكون إيمانه في تجدد دائم.\n_________\n(١) الرعد: ٢٨.\n(٢) مسلم (٤/ ٢١٠٦) -٤٩ - كتاب التوبة -٢ - باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة، وجواز ترك ذلك ...\n(٣) مسلم (١/ ٥٦٢) -٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٤٨ - باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه.\n(٤) الأحزاب: ١٠.","vol":"1","page":259},{"text":"وهناك إيمان عقلي قائم على الأدلة القطعية فهذا الذي لا ينبغي أن ينقص لأن نقصان شك والشك كفر، وهناك الإيمان القلبي الذوقي فهذا يزيد بزيادة نور القلب ويزيد بزيادة الطاعة المخلصة وينقص بنقص الطاعة أو بالوقوع في المعصية، هذا فهمنا لقضية زيادة الإيمان ونقصه، فقد قال أبو حنيفة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وحمل مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) على زيادة المؤمن به. وفهمي: أنه يريد الإيمان العقلي لأنه ينبغي أن يكون جازمًا، وأن الذين قالوا بزيادة الإيمان أخذًا من النصوص أرادوا زيادة الإيمان القلبي وذلك شيء محس. وفي أجواء هذه المعاني ننقل النصوص التالية:\n_________\n(١) الأنفال: ٢.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>النصوص</span>\n٣١٢ - * روى أحمد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله. فيقول من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله. فإن ذلك يذهب عنه\".\n٣١٣ - * روى البزار عن عمارة بن أبي الحسن أو ابن حسن عن عمه أن الناس سألوا رسول الله ﷺ عن الوسوسة التي يجدها أحدهم لأن يسقط من عند الثريا أحب إليه من أن يتكلم به. قال: فقال رسول الله ﷺ \"ذاك صريح الإيمان؛ إن الشيطان يأتي العبد فيما دون ذلك فإذا عصم منه وقع فيما هنالك\".\n٣١٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة؟ فقال: \"تلك محض الإيمان\".\nوفي رواية (١) عن أبي هريرة، قال: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال: \"وقد وجدتموه؟ \" قالوا: نعم. قال: \"ذاك صريح الإيمان\".\n٣١٥ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: \"يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه -يعرض بالشيء-\n_________\n٣١٢ - أحمد (٦/ ٢٥٧).\nكشف الأستار (١/ ٣٤).\nمجمع الزوائد (١/ ٢٢). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجاله ثقات.\n٣١٣ - كشف الأستار (١/ ٣٣).\nمجمع الزوائد (١/ ٣٤). وقال: رواه البزار ورجاله ثقات أثمة.\n٣١٤ - أخرجه مسلم (١/ ١١٩) ١ - كتاب الإيمان -٦٠ - باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها.\nالوسوسة: حديث النفس. ... محض الإيمان: خالصه.\nيخر: خر يخر: إذا وقع من موضع عال.\nأقول: وإنما كانت هذه الحالة محض الإيمان لأنه قد صاحبتها قمة الكراهية للوسوسة ومضمونها.\n(١) مسلم (١/ ١١٩)، في الموضع السابق.\n٣١٥ - أبو داود (٤/ ٢٢١) -كتاب الأدب- باب في رد الوسوسة.","vol":"1","page":261},{"text":"لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: \"الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة\".\nوفي روايةٍ (١) قال أبو زميل: قلت لابن عباس: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به. فقال لي: شيء من شك؟ وضحك، ثم قال: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٢) ثم قال: إذا وجدت شيئًا من ذلك في نفسك، فقل: هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيءٍ عليم.\n٣١٦ - * روى مسلم عن أبي بن كعب ﵁ قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعًا على رسول الله ﷺ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، فدخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرأ، فحسن النبي ﷺ شأنها، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني، ضرب في صدري، ففضت عرقًا، وكأنما انظر إلى الله ﷿ فرقًا، فقال لي: \"يا أبي، أرسل إلي، أن اقرأ القرآن على حرفٍ فرددت إليه: أن ون على أمتي، فرد إلي الثانية: أن اقرأه على حرفين، فرددت إليه: أن هون على أمتي، فرد إلي الثالثة: أن اقرأه على سبعة أحرفٍ، ولك بكل ردةٍ رددتكها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليومٍ يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم\".\n_________\n= حممة: الفحمة وجمعها: حمم. والمعنى لأن يصير فحما.\n(١) أبو داود (٤/ ٢٢٩) -كتاب الأدب- باب في رد الوسوسة.\nوإسناده حسن.\n(٢) يونس: ٩٤.\n٣١٦ - مسلم (١/ ٥٦٣) -٦ - كتاب المسافرين وقصرها -٤٨ - باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه.\nوالنسائي (٢/ ١٥٢) -١١ - كتاب الافتتاح -٣٧ - جامع ما جاء في القرآن.\nوالترمذي (٥/ ١٩٣) -٤٧ - كتاب القراءات -١١ - باب ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح. ولكن رواه عن عمر بلفظ قريب.","vol":"1","page":262},{"text":"أقول: في الحديث نموذج على ما يعرض للقلب من وساوس عارضة بسبب شبهة كما أن فيه ما يدل على الحال الموروث عن رسول الله ﷺ الذي يكون عند أهل القلوب.\nفهذا رسول الله ﷺ ينقل أبيًا بضربة على صدره من حال الوسوسة إلى أعلى درجات اليقين، وأما الأحرف السبعة فقد كان النبي ﷺ يراعي فيها لهجات العرب ثم أجمعت الأمة على الرسم العثماني للمصحف وعلى القراءات العشر، فالقراءات العشر كلها متفقة على الرسم العثماني وهو على لغة قريش.\nوالاختلافات في الأداء فيها هي في فهمي بقية الأحرف السبعة وليست هذ القراءات هي الأحرف السبعة.\n٣١٧ - * روى مسلم عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب، أحد كتاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكرٍ ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. قال سبحان الله؟!! ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار، كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. قال أبو بكر ﵁: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكرٍ حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: \"وما ذاك؟ \" قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة\". ثلاث مراتٍ.\nأقول: في الحديث إشارة إلى ترقي الإيمان بمجالسة الصالحين وبالذكر، وفيه إشارة إلى إمكانية الكشف لشيء من عالم الغيب كالملائكة، وفيه إشارة إلى تغير حال القلب من حال إلى حال، وفيه إشارة إلى الحال النبوي الذي كان يسوي إلى الأصحاب بمجالسته والأخذ\n_________\n٣١٧ - مسلم (٤/ ٢١٠٦) -٤٩ - كتاب التوبة -٢ - باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة ......","vol":"1","page":263},{"text":"عنه، ولذلك كان للصحابة من الفضل ما لا يلحقهم بهم أحد.\n٣١٨ - * روى أحمد عن أبي هريرة رفعه: \"جددوا إيمانكم\". قيل: يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: \"أكثروا من قول لا إله إلا الله\".\n٣١٩ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم\".\nأقول في الحديثين إشارة إلى خفوت نور الإيمان وضعفه وطروء أسباب الضعف عليه، وأن علاج ذلك بالدعاء والإكثار من النطق بكلمة التوحيد التي ينبغي أن تكون جزءًا من أوراد المسلم اليومية كما سنرى في جزء الأذكار.\n٣٢٠ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، وكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان\".\n_________\n٣١٨ - أحمد (٢/ ٣٥٩).\nمجمع الزوائد (١/ ٥٢). وقال: رواه أحمد وإسناده جيد، وفيه سمير بن نهار وثقه ابن حبان. وقال (١٠/ ٨٢): رجاله ثقات. وفي موضع آخر (٢/ ٢١١): وقال البزار: لا يروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد.\nقلت: ومداره على صدقة بن موسى الدقيقي، ضعفه ابن معين وغيره، وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا صدقة الدقيقي وكان صدوقا. اهـ من مجمع الزوائد.\nوقال صاحب فيض القدير (٣/ ٣٤٥): قال الحاكم: صحيح. فاعترضه الذهبي بأن فيه صدقة بن موسى؛ ضعفوه. اهـ.\nوقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٥): رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد حسن. اهـ.\nقلت: قال في التقريب (١/ ٣٦٦): صدقة بن موسى صدوق له أوهام. وذكر في تعجيل المنفعة (١٦٩): أن سمير بن نهار هو شتير. وقال عنه في التقريب (١/ ٣٣٣): صدوق. فالحديث حسن إن شاء الله. ويشهد لمعناه الحديث الذي بعده.\n٣١٩ - المستدرك (١/ ٤). وقال: رواته ثقات. ووافقه الذهبي.\nمجمع الزوائد (١/ ٥٢). وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.\n٣٢٠ - أبو داود (٤/ ٢٢٢) -كتاب السنة- باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه.\nالمستدرك (١/ ٢٢). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":264},{"text":"وفي رواية (١) \"خرج منه الإيمان؛ وكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان\".\nقال محمد الباقر: تفسيره: يخرج من الإيمان إلى الإسلام.\n٣٢١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن\".\nقال ابن عباس (٢): تفسيره: ينزع منه الإيمان، لأن الإيمان نزه، فإذا أذنب العبد فارقه، فإذا نزع عاد إليه هكذا. وشبك بين أصابعه، ثم فرقها.\nوفي رواية للنسائي (٣): \"ولا يقتل وهو مؤمن\".\n٣٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\". قال -يعني أبا بكر الراوي عن أبي هريرة: وكان أبو هريرة يلحق معهن \"ولا ينتهب نهبة ذات شرفٍ يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن\".\nوزاد مسلم (٤) \"ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن فإياكم إياكم\".\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ١٥) -٤١ - كتاب الإيمان -١١ - باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن.\n٣٢١ - البخاي (١٢/ ٨١) -٨٦ - كتاب الحدود -٦ - باب السارق حين يسرق.\n(٢) البخاري (١٢/ ١١٤) -٨٦ - كتاب الحدود -٢٠ - باب إثم الزناة.\n(٣) النسائي (٨/ ٦٣، ٦٤) -٤٥ - كتاب القسامة -٤٨ - باب تأويل قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾.\nنزع عن الأمر: إذا أقلع عنه وفارقه.\n٣٢٢ - البخاري (١٠/ ٣٠) -٧٤ - كتاب الأشربة -١ - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾.\nمسلم (١/ ٧٦) -١ - كتاب الإيمان -٢٤ - باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ...\n(٤) مسلم (١/ ٧٧)، في الموضع السابق.","vol":"1","page":265},{"text":"وفي رواية (١) للترمذي قال: \"لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولكن التوبة معروضة\".\nوفي رواية للنسائي (٢) قال: \"لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن\" -وذكر رابعة فنسيتها -\"فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، فإن تاب تاب الله عليه\".\n٣٢٣ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا انتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال. ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: \"ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمرٍ دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء\" -ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله- \"فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ١٥) -٤١ - كتاب الإيمان -١١ - باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن.\n(٢) النسائي (٨/ ٦٥) -٤٦ - كتاب قطع السارق -١ - باب تعظيم السرقة.\nلا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن: قيل: معناه: لا يزني وهو كامل الإيمان، وقيل معناه: إن الهوى يغطي الإيمان، فصاحب الهوى لا يرى إلا هواه، ولا ينظر إلى إيمانه الناهي له عن ارتكاب الفاحشة، فكأن الإيمان في تلك الحالة قد عدم. وقال ابن عباس: الإيمان نزة، فإذا أذنب العبد فارقه، فإذا نزع عاد إليه.\nنهية ذات شرفٍ: أي: ذات قدر، فيرفع الناس أبصارهم إليها ينظرونها لعظم قدرها.\nربقة الإسلام: يريد بها عصمته وحكمه، وأصل الربقة: العروة تكون في الحبل، يشد فيها الجدي إذا ولد، فكأن المسلم الملتزم أحكام الدين قد جعل عروة الإسلام في عنقه، فإذا فعل فعلًا يخرج به عن الإسلام، فكأنه قد خلع تلك العروة عن رقبته.\n٣٢٣ - البخاري (١١/ ٢٢٣) -٨١ - كتاب الرقاق -٣٥ - باب رفع الأمانة.\nمسلم (١/ ١٢٦) -١ - كتاب الإيمان -٦٤ - باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب ...\nالترمذي (٤/ ٤٧٤) -٢٤ - كتاب الفتن -١٧ - باب ما جاء في رفع الأمانة.\nجذر الشيء، بفتح الجيم وكسرها: أصله.\nالوكت: النقطة في الشيء من غير لونه.\nالمجل: غلظ الجلد من أثر العمل، وقيل: إنما هي التقاطات في الجلد.\nمنتبرًا: المنتبر: المنتفخ وليس فيه شيء، وكل شيء رفع شيئًا فقد نبره. ومنه اشتق المنبر. ... =","vol":"1","page":266},{"text":"الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا. حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمان\". ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ليردن عليَّ دينه، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه عليَّ ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا.\n_________\n= ساهيه: الساعي: واحد السعاة، وهم الولاة على القوم، يعني أن المسلمين كانوا مهتمين بالإسلام، فيحتفظون بالصدق والأمانة، والملوك ذوو عدلٍ، فما كنت أبالي من أعامل: إن كان مسلمًا رده إلي بالخروج عن الحق عمل بمقتضى الإسلام، وإن كان غير مسلم أنصفني منه عامله.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الفصل الرابع عشر\nفي:\nالفطرة وحقيقة الإيمان والكفر والنفاق</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المقدمة</span>\nقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (١)، فالفطرة هي أصل الخلقة، وأصل خلقة الإنسان أنه مفطور على العبودية لله، وبقدر بعد الإنسان عن العبودية يبتعد عن الفطرة:\n﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٢) وما دام الإنسان على الفطرة فهو على هداية، وإذا جانب الفطرة ضل، والهداية نور في القلب -الله أعلم به- يدل على ذلك الحديث (٣):\n\"خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل\".\nفمن سلم له نوره كان هداية، وما لم ينطفئ نور الفطرة فالأمل في هداية الإنسان لا يزال قائمًا، ومتى انطفأ أصبح منافقًا خالصًا أو كافرًا لا أمل في هدايته.\nوإنما يزداد نور الفطرة بالعمل بالشريعة فكلما ازداد العمل مع الإخلاص ازداد النور حتى يصبح الإنسان كله نورًا، ولذلك ورد في الدعاء على لسان رسولنا ﷺ (٤): \"واجعلني نورًا\". وكثيرون من الناس يظنون أن مثل هذه الأمور من باب المجاز وهذا غلط فهذه حقائق يتذوقها المؤمنون.\n_________\n(١) الروم: ٣٠ - ٣٢.\n(٢) الأعراف: ١٧٢.\n(٣) أحمد (٢/ ١٧٦).\nالترمذي (٥/ ٣٦) -٤١ - كتاب الإيمان -١٨ - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة.\nوقال: هذا حديث حسن.\nالمستدرك: (١/ ٣٠).\n(٤) مسلم (١/ ٥٢٩) -٦ - كتاب صلاة المسافرين -٢٦ - باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.","vol":"1","page":271},{"text":"إن هناك شيئًا مغيبًا عنا موجودًا في القلب هو نور الفطرة، وإن هناك أنوارًا تدخل القلب هي أثر الهبة الإلهية الخالصة أو أثر العمل الصالح، وكأثر عن ذلك كله يبصر الإنسان الأشياء على حقيقتها، فلا يرى الزنى على أنه شيء مبهج بل يراه قذرًا مظلمًا ويرى الدنيا أنها فتنة، وإذا ادلهمت الأمور على غيره فهو يرى طريقه بنور الله ﷿.\nالمهم أن نعلم أن هذه حقائق لها وجودها الحقيقي:\nانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (١). قال القرطبي: وقيل البينة: معرفة الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي يتلوه: العقل الذي ركب في دماغه وأشرق صدره بنوره، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ (٢) قال القرطبي: وكان أبي وابن مسعود يفسرانها: مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة.\nهذا النور في قلب المؤمن تمده شريعة الله:\n﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال القرطبي: والشجرة المباركة هي الوحي.\nوإذن فهناك نور حقيقي في القلب المؤمن وهناك مدد نوراني يصل إلى القلب كأثر عن العمل الصالح وكأثر عن هذا يتحدد سلوك الإنسان: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٣).\n﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (٤).\n﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٥).\n﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٦).\n﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ (٧).\n_________\n(١) هود: ١٧.\n(٢) النور: ٣٥.\n(٣) الزمر: ٢٢.\n(٤) الأنعام: ١٢٢.\n(٥) العنكبوت: ٦٩.\n(٦) الأنفال: ٢٩.\n(٧) الحديد: ٢٨.","vol":"1","page":272},{"text":"ومن ههنا استعمل أهل السلوك إلى الله فكرة الوارد الذي ينصب في القلب كأثر عن الأوراد والأعمال الصالحة: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (١) فإذا أصبح القلب نورًا خالصًا فصاحبه هو المؤمن الخالص، وإذا كان في القلب ظلمة ونور فصاحبه عنده إيمان ونفاق، وإذا لم يبق في القلب نور مع تظاهر صاحبه في الإسلام فذلك المنافق الخالص، وإذا لم يكن متظاهرًا في الإسلام بل معلنًا للكفر فهو الكافر الخالص، والإيمان ينبثق عنه السلوك، مظهره شعب الإيمان كما رأيناها، والنفاق ينبثق عنه سلوك، مظهره شعب النفاق كما سنراها، والكفر له سلوكياته.\nومن سلوكيات الكفر التي فصلها القرآن عدم قبول الإنذار، والانخراط في اللهو واللعب وإتيان الشهوات واستغراق في الدنيا.\nوكفر اليهود والنصارى خص بمزيد تفصيل في القرآن لانبثاق أنواع من السلوكيات عن هذا وهذا، وأما النفاق فشعبه كثيرة، أهمها الكذب والغدر والفجور في الخصومة ومخالفة الظاهر للباطن في شر والخداع وموالاة الكفر والسعي بالفساد فمتى وجد النفاق فهذه الأشياء تنبثق بشكل تلقائي عنه فإذا ما وجدناها فعلينا أن نعالجها وأن نعالج الأصل.\nوهذه الأمور من أهم ما وقعت فيه الغفلة في عصرنا، وقد نقل القرطبي عند قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ما يلي:\nروى مرة عن ابن مسعود (٢) قال: قلنا يا رسول الله، قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ كيف انشرح صدره؟ قال: \"إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح\". قلنا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟. قال: \"الإنابة إلى\n_________\n(١) محمد: ١٧.\n(٢) الحديث له طرق عديدة عن ابن مسعود وعن ابن عباس، وأرسله الحسن البصري وأبو جعفر المدائني، هذا وقد سكت عن العراقي في تخريجه على الإحياء.\nوقال السيوطي في الدر المنشور: أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم والبيهقي في الشعب وغيرهم ...\nوقال ابن كثير عنه: فهذه طرق للحديث مرسلة ومتصلة بشد بعضها بعضًا، ومثل هذا قال ابن القيم ووافق ابن كثير الشوكاني وجزم به الألوسي.\nفالحديث يرتقي للحسن والله أعلم، وقد ضعفه آخرون.","vol":"1","page":273},{"text":"دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله\"، وأخرجه الترمذي الحكيم في \"نوادر الأصول\" من حديث ابن عمر (١): أن رجلًا قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال: \"أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادًا وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع\" قالوا: فما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: \"الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت\".\nومن ها هنا نفهم أن السلوك هو أثر ما في القلب وأن الإنسان عليه أن يجاهد نفسه سلوكيًا ليستقيم قلبه، فإذا استقام قلبه استقامت الأطراف:\n\"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\" (٢).\nوالنصوص التالية نفهم منها حقيقة الكفر والنفاق والإيمان والفطرة:\n_________\n(١) روى ابن ماجه بعضه: (٢/ ١٤٢٣) -٣٧ - كتاب الزهد -٣١ - باب ذكر الموت والاستعداد له.\n(٢) مسلم (٣/ ١٢١٩) ٢٢ - كتاب المساقاة -٢٠ - باب أخذ الحلال وترك المتشابهات.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>النصوص</span>\n٣٢٤ - * روى الإمام أحمد عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n\"القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن فسراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\".\nوهذا الحديث الصحيح المعنى يشهد لصحة معناه العشرون آية الأولى في سورة البقرة كما ذكرنا ذلك في تفسيرنا وهو أصل عظيم في معرفة القلوب وطريق إصلاحها وكيفية فسادها، وهو دليل لأهل السلوك على فكرة الواردات القلبية التي تنصب في القلب كأثر عن الأعمال الصالحات والمجاهدات. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٢). قال ﵊ في الحديث الحسن: \"والمجاهد من جاهد في ذات الله\" (٣).\n٣٢٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة\". ثم يقول: اقرؤوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا\n_________\n٣٢٤ - مسند أحمد (٣/ ١٧).\nمجمع الزوائد (١/ ٦٣). وقال: رواه أحمد والطبراني في الصغير وفي إسناده ليث بن أبي سليم ا. هـ. وقال ابن كثير: رواه الإمام أحمد بإسناد جيد حسن.\nالقلب الأجرد: مفسر بالحديث، ومعنى الأجرد ليس فيه غل ولا غش فهو على أصل الفطرة.\nالقلب الأغلف: مفسر بالحديث، والمراد بالأغلف: الذي عليه غشاء عن سماع الحق وقبوله.\nالقلب المنكوس: مفسر بالحديثن والمراد بالمنكوس: المقلوب.\nالقلب المصفح: مفسر بالحديث، ومن آثار القلب للصفح أنه: يلقى أهل الكفر يوجه وأهل الإيمان بوجه.\n(٢) العنكبوت: ٦٩.\n(٣) أحمد (٦/ ٢٠).\nالترمذي (٤/ ١٦٥) -٢٣ - كتاب فضائل الجهاد -٢ - باب ما جاء في فضل من مات مرابطا.\n٣٢٥ - مسلم (٢٠٤٧، ٢٠٤٨) -٤٦ - كتاب القدر -٦ - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار ...","vol":"1","page":275},{"text":"لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١).\nوزاد البخاري (٢): \"فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء\".\nوفي رواية (٣) قال: \"ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون الإبل، فهل تجدون فيها جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها\". قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\".\nقوله (ما من مولود إلا يولد على الفطرة):\nقال ابن الأثير:\n\"من\" زائدة، \"ومولود\": مبتدأ، \"ويولد\" خبره، وتقديره: ما مولود يولد على أمر إلا على الفطرة، وهي لغة: الخلقة -والمراد بها في أشهر الأقوال: الإسلام، قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٤) الإسلام. ا. هـ.\nأقول يولد الإنسان وقلبه نور خالص، فإذا وجد في بيئة إيمانية خالصة وتجاوب معها فإن قلبه يبقى نورًا خالصًا وإلا فإنه يتأثر ببيئته فيخرج إما كافرًا خالصًا أو منافقًا خالصًا أو يخرج وقلبه فيه إيمان ونفاق، فإذا بلغ فأصبح مسؤولًا عن نفسه فعليه أن يصل إلى الإيمان الخالص وبذلك يكون قد أعاد قلبه إلى أصل الفطرة.\n_________\n(١) الروم: ٣٠.\n(٢) البخاري (٣/ ٢١٩) -٢٣ - كتاب الجنائز -٧٩ - باب إذا أسلم الصبي ل يصلى عليه.\nتنتهج البهيمة: تلد.\nالجمعاء: الجمعاء من البهائم وغيرها: التي لم يذهب من بدنها شيء.\nالجدعاء: المقطوعة الأذن أو الأنف أو الشفة أو اليد وغير ذلك.\n(٣) البخاري (١١/ ٤٩٣) -٨٢ - كتاب القدر -٣ - باب الله أعلم بما كانوا عاملين.\nومسلم (٤/ ٣٠٤٨)، في الموضع السابق.\n(٤) الروم: ٣٠.","vol":"1","page":276},{"text":"وأما قوله ﵊ عمن يموت من أبناء الكافرين:\n\"الله أعلم بما كانوا عاملين\": فقد مر معنا من قبل وأن الشارع في هذا المقام علمنا التفويض في هذا الشأن وأدبنا إليه وترك لنا نصوصًا أخرى تحدد مستقبل هؤلاء الأخروي، ومن القواعد العامة في الشريعة تعرف أنهم ناجون لأنه لا تكليف قبل البلوغ.\n* * *","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفصل الخامس عشر\nفي\nالكفر والشرك والكبائر</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص وتحقيقات","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المقدمة</span>\nإذا كان الخير كله انبثاقًا عن كلمة التوحيد فإن الشر كله أثر من آثار الشرك ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ (١). فالشرك ليس له جذور في أعماق النفس البشرية ولا يخرج عنه إلا الشر الخبيث، ويدخل في الشرك أن يتوجه الإنسان لغير الله بمعنى من معاني العبادة، ويدخل في الشرك أن يعطي لغير الله ما هو خالص لله، ويدخل في الشرك أن يعتقد الإنسان أن لغير الله تأثيرًا في الخلق، وبالجملة: فكل ما يتنافى مع التوحيد فهو شرك، وهو نوعان: شرك خفي وشرك جلي، فالشرك الخفي هو أن يتحرك الإنسان حركة مما يقصد به وجه الله لغير الله، ولقد جاء الإسلام لينفي الشرك الخفي والجلي من روح الإنسان ومن قلبه ومن تصرفاته وأحواله، والشرك أحد أنواع الكفر بل يكاد يدخل في كل نوع منها، وللكفر وللشرك وللإلحاد سلوكيات وأخلاق فصلها القرآن الكريم، وكثيرًا ما تذكر في النصوص الكبائر والفواحش بجانب الشرك أن أجرأ الناس على الفواحش والكبائر هم الكافرون والمشركون، وإن كان المسلم قد يتلبس ببعض الكبائر من غير الشرك، وللصلة بين الكفر والفواحش أدخلنا هذه المعاني في فصل واحد، وأمهات الفواحش ي ما يطلق عليها الموبقات، وتسمى أحيانًا بالكبائر، ومع أن الكبائر كثيرة لكن خص بعضها بالذكر أفحشها أو من أفحشها، فقد ذكر الكل وأريد به الجزء إشعارًا بأهمية هذا الجزء، وكل ما سوى الكفر يمكن التجاوز عنه إذا تعلقت مشيئة الله ﷿ بذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). (فمذهب أهل السنة عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله أو يكن من نواقض الشهادتين. بينما مذهب الخوارج تكفير المسلمين بكل ذنب تمسكًا بظواهر بعض النصوص -وقد رده علماؤنا- ووجدت المرجئة التي تقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله كما لا ينفع مع الكفر طاعة. ووجد المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة ولكن قالوا بالمنزلة بين المنزلتين: فمرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر وحكموا لأهل الكبائر بالخلود بالنار. والخوارج قالوا يخرج من الإيمان\n_________\n(١) إبراهيم: ٢٦.\n(٢) النساء: ٤٨.","vol":"1","page":281},{"text":"ويدخل في الكفر، أما أهل السنة فمتفقون على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين. وقد تواترت النصوص الدالة على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان سبق ذكر بعضها) (١) ا. هـ.\nوكذلك دلت النصوص على ثبوت الإيمان قبل الأوامر والنواهي وعلى أن الإيمان والعمل الصالح يتغايران لأنه قد عطف العمل الصالح على الإيمان، والعطف يقتضي التغاير، والأصل أن يجتمعا، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢) فإنه يفيد ثبوت الإيمان قبل الأمر بالصوم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣) فإن أصل العطف للمغايرة، وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٤) بناء على أن المراد من الظلم المعصية، فقد اقتضى بمفهومه اجتماع الإيمان مع المعاصي، وقيل: إن المراد بالظلم الشرك، لما روي أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة، وقالوا أينا لم يظلم نفسه؟ فقال ﷺ: \"ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٥). وعليه فمفهوم الآية من باب ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٦) فيكون المراد بالإيمان مطلق التصديق. وكقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٧) فأثبت الإيمان للقاتل وكذلك: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ...﴾ (٨) فأثبت الإيمان والأخوة وهي أخوة الإيمان لا ريب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٩) هي الآية الأم في هذا الباب وعلى ضوئها تحمل النصوص المخالفة في ظاهرها.\n_________\n(١) شرح الطحاوية بتصرف يوضح المعنى.\n(٢) البقرة: ٨٢.\n(٣) البقرة: ٢٧٧.\n(٤) الأنعام: ١٨٢.\n(٥) البخاري (٦/ ٤٦٥) -٦٠ - كتاب الأنبياء -٤١ - باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ...﴾.\n(٦) يوسف: ١٠٦.\n(٧) البقرة: ١٧٨.\n(٨) الحجرات: ٩، ١٠.\n(٩) النساء: ٤٨.","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>النصوص</span>\n٣٢٦ - * روى أبو داود عن أم الدرداء ﵂ قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: \"كل ذنبٍ عسى أن يغفره الله\" -أو قال: \"عسى الله أن يغفره- إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدًا\".\n٣٢٧ - * روى البزار عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: \"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا أو قتل مؤمنًا متعمدًا\".\nهذا الحديث في ظاهره يدل على أنه لا يغفر للمؤمن الذي قتل مؤمنًا متعمدًا وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٣). وهذا مذهب ابن عباس، لكن جمهور السلف وجميع أهل السنة حملوا ما ورد من ذلك على من استحل القتل أو على الزجر والتغليظ والتنفير إذ ما عدا الشرك من الكبائر يجوز أن يغفر وإن مات صاحبه بلا توبة. وصحح أهل السنة قبول توبة القاتل كغيره وحملوا قوله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي إن شاء أن يجازيه، تمسكًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) واستدلالًا بحديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين ثم أتم المائة بقتل الراهب، فإذا ثبت ذلك لمن قبل هذه الأمة فمثله لهذه الأمة أولى لما خفف الله عليها من الأثقال هذا مع تضافر النصوص على ذلك (٥).\nأقول: التحقيق أن في القتل ثلاثة حقوق: حق الله وحق القتيل، وحق أهل القتيل: فالتوبة والقصاص، أو التوبة والدية يسقطان حق الله إن شاء وحق أهل القتيل، ويبقى حق القتيل، فإن شاء الله أرضاه وإن شاء عذب قاتله إلى أجل.\n_________\n٣٢٦ - أبو داود (٤/ ١٠٣) -كتاب الفتن والملاحم- باب في تعظيم قتل المؤمن- وإسناده حسن.\nأحمد (٤/ ٩٩).\nالمستدرك (٤/ ٣٥١). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nالنسائي (٧/ ٨١) -٣٧ - كتاب تحريم الدم -١ - باب أخبرنا هارون بن محمد ...\nوهو في الثلاثة الأخيرة عن معاوية بن أبي سفيان.\n٣٢٧ - كشف الأستار (٤/ ١٢٤). ورجاله ثقات.\n(١) النساء: ٩٣.\n(٢) راجع عون المعبود (٤/ ١٦٧).\n(٣) النساء: ٤٨.","vol":"1","page":283},{"text":"٣٢٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس\".\nوفي رواية (٢): أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه سلم فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: \"الإشراك بالله\". قال: ثم ماذا؟ قال: \"اليمين الغموس\". قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: \"الذي يقتطع مال امرئ مسلم\"- يعني: بيمين هو فيها كاذب.\n٣٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر\" -ثلاثًا- قلنا: بلى يا رسول الله. قال \"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور\" وكان متكئًا فجلس -فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.\n٣٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، فقال: \"الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس -وقال: - ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور- أو قال: شهادة الزور\".\nوفي رواية (٥): أن النبي ﷺ قال: \"في الكبائر: الشرك بالله، وعقوق\n_________\n٣٢٨ - البخاري (١١/ ٥٥٥) -٨٣ - كتاب الإيمان والنذور -١٦ - باب اليمين الغموس.\nالترمذي (٥/ ٢٢٦) -٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٥ - باب (ومن سورة النساء).\nالنسائي (٧/ ٨١) -٢٧ - كتاب تحريم الدم -٣ - باب ذكر الكبائر.\n(٢) البخاري (١٢/ ٢٦٤) -٨٨ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم -١ - باب إثم من أشرك بالله ...\n(الغموس) اليمين الغموس: هي اليمين الكاذبة التي تغمس حالفها في الإثم.\n(يقتطع) الاقتطاع: الأخذ والانفراد بالشيء.\n٣٢٩ - البخاري (٥/ ٢٦١) -٥٢ - كتاب الشهادات -١٠ - باب ما قيل في شهادة الزور.\nمسلم (١/ ٩١) -١ - كتاب الإيمان -٣٨ - باب بيان الكبائر وأكبرها.\nالترمذي (٥/ ٢٣٥) -٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٥ - باب (ومن سورة النساء).\n(الكبائر) جمع كبيرة، وهي الذنوب العظام.\n٣٣٠ - البخاري (١٠/ ٤٠٥) ٨٧ - كتاب الأدب ٦ - باب عقوق الوالدين من الكبائر.\nمسلم (١/ ٩٢) الموضع السابق.\n(٥) الترمذي (٥/ ٢٣٥) الموضع السابق.\nالنسائي (٧/ ٨٩) -٣٧ - كتاب تحريم الدم -٢ - باب ذكر الكبائر.","vol":"1","page":284},{"text":"الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور\".\n٣٢١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك\". قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك\". قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\".\nوفي رواية (٢): وتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٣).\n٣٣٢ - * روى النسائي عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: \"من جاء يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويجتنب الكبائر: كان له الجنة\". فسألوه عن الكبائر؟ فقال: \"الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، والفرار يوم الزحف\".\n٣٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n٣٣١ - البخاري (٨/ ١٦٣) -٦٥ - كتاب التفسير -٣ - باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nمسلم (١/ ٩٠) -١ - كتاب الإيمان -٢٧ - باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده.\nالترمذي (٥/ ٣٣٩) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٢٦ - باب (ومن سورة الفرقان).\nالنسائي (٧/ ٨٩) ٢٧ - كتاب تحريم الدم -٤ - باب ذكر أعظم الذنب.\n(٢) الترمذي (٥/ ٣٣٧) في الموضع السابق.\nالنسائي (٧/ ٩٠)، الموضع السابق.\nندا: الند: المثل.\nحليلة جارك: حليلة الرجل: زوجته، والرجل حليل امرأته.\nآثامًا: الآثام: الإثم، وقيل: هو العذاب.\n(٣) الفرقان: ٦٨، ٦٩.\n٣٣٢ - أخرجه النسائي (٧/ ٨٨) -٣٧ - كتاب تحريم الدم -٣ - ذكر الكبائر.\nوإسناده حسن.\n٣٣٣ - البخاري (٥/ ٣٩٣) -٥٥ - كتاب الوصايا -٢٣ - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ...﴾.=","vol":"1","page":285},{"text":"\"اجتنبوا السبع الموبقات\". قيل يا رسول الله، وما هن؟ قال: \"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\".\n٣٣٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تشربوا مسكرًا فمن فعل من ذلك شيئًا فأقيم عليه حده فهو كفارة ومن ستر الله عليه فحسابه على الله ﷿ ومن لم يفعل من ذلك شيئًا ضمنت له على الله الجنة\".\n٣٣٥ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الكبائر أولهن الإشراك بالله وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم وفرار يوم الزحف ورمي المحصنات والانتقال إلى الأعراب بعد هجرته\".\n٣٣٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد الل بن أنيس الجهني عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من أكبر الكبائر الشرك بالله واليمين الغموس\".\n٣٣٧ - * روى الطبراني عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ \"إنما هي\n_________\n= مسلم (١/ ٩٢) -١ - كتاب الإيمان -٣٨ - باب بيان الكبائر وأكبرها.\nأبو داود (٣/ ١١٥) -كتاب الوصايا- باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم.\nالنسائي (٦/ ٢٥٧) -٣٠ - كتاب الوصايا -١٢ - اجتناب أكل مال اليتيم.\nالموبقات: جميع موبقة، وهي: الخصلة المهلكة.\nقذف المحصنات: المحصنات: جمع محصنة، وهن العفائف ذوات الأزواج، وقذفهن: رميهن بالزنا. ولفظ المحصنات هنا عام في العفيفات متزوجات وغير متزوجات.\n٣٣٤ - مجمع الزوائد (١/ ١٠٤). وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون إلا أنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، اهـ من المجمع. وقد حسنها المحققون.\n٣٣٥ - كشف الأستار (١/ ٧٢).\nمجمع الزوائد (١/ ١٠٣). وقال: رواه البزار وفيه عمر بن أبي سلمة ضعفه شعبة وغيره ووثقه أبو حاتم وابن حسان وغيرهما اهـ من المجمع. وروى الطبراني نحوه عن سهل بن أبي حثمة عن أبيه (المعجم الكبير: ٦/ ١٠٣) وفيه ابن لهيعة.\n٣٣٦ - مجمع الزوائد (١/ ١٠٥). وقال رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون. اهـ من المجمع.\nوروى نحوه الترمذي (٥/ ٢٣٦). والبخاري (١١/ ٥٥٥) ولكن عنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\n٣٣٧ - المعجم الكبير (٧/ ٢٩).=","vol":"1","page":286},{"text":"أربع\" فما أنا بأشح مني عليهن يوم سمعتهن من رسول الله ﷺ \"لا تشركوا بالله شيئًا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا\".\n٣٣٨ - * روى البزار عن ابن عباس أن رجلًا قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: \"الشرك بالله والإياس من روح الله والقنوط من رحمة الله\".\n٣٣٩ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله. وفي رواية: أكبر الكبائر.\n٣٤٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يا نعايا العرب يا نعايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الزنا والشوة الخفية\".\n٣٤١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن من الكبائر: شتم الرجل والديه\". قال: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال؛ \"نعم، يسب الرجل أبا الرجل وأمه، فيسب أباه وأمه\".\nوفي رواية (٥): \"إن من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه .. \" وذكر الحديث.\n_________\n= قال في المجمع (١/ ١٠٤): رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.\n٣٣٨ - كشف الأستار (١/ ٧١).\nقال في المجمع (١/ ١٠٤): رواه البزار والطبراني ورجاله موثقون.\n٣٣٩ - المعجم الكبير (٩/ ١٧١).\nكشف الأستار (١/ ٧١).\nقال في المجمع (١/ ١٠٤): إسناده صحيح. وهو حديث حسن.\n٣٤٠ - مجمع الزوائد (٦/ ٢٥٥) وقال: رواه الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الله بن بديل بن ورقاء وهو ثقة.\nيا نعايا العرب: نداء للتوبيخ وللتشهير، ومنه (نعى على قوم شهوتهم) أي عاب عليهم.\nالشهوة الخفية: شهوة النساء.\n٣٤١ - البخاري (١٠/ ٤٠٣) -٧٨ - كتاب الأدب -٤ - باب لا يسب الرجل والديه.\nمسلم (١/ ٩٢) -١ - كتاب الإيمان -٣٨ - باب بيان الكبائر وأكبرها.\nوالترمذي (٤/ ٣١٢) -٢٨ - كتاب البر والصلة -٤ - باب ما جاء في عقوق الوالدين ولكن عنده عن عبد الرحمن ابن عمرو بن العاص.\n(١) أبو داود (٤/ ٣٣٦) -كتاب الأدب- باب في بر الوالدين.","vol":"1","page":287},{"text":"٣٤٢ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ \"إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب ولكن قد رضي بمحقراتٍ\".\n٣٤٣ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه ولكن قد رضي منكم بالمحقرات\".\n٣٤٤ - * روى أحمد عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا فإذا فشا فيهم ولد الزنا فأوشك أن يعمهم الله بعذاب\".\nولفظ الطبراني: \"لا تزال أمتي بخير متماسك أمرها ما لم يظهر فيهم ولد لزنا، فإذا ظهروا خشيت أن يعمهم الله بعقاب\".\n٣٤٥ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن أنس بن مالكٍ قال: ذكر في زمن رسول الله ﷺ خسف قبل المشرق، فقال رجل: يا رسول يخسف بأرض فيها المسلمون؟ فقال: \"نعم إذا كان أكثر أهلها الخبث\".\nما ذكر في النصوص السابقة نماذج على الكبائر، وعرف بعضهم الكبائر بأنها كل معصية رتب عليها حد أو توعد عليها بالنار واللعنة والغضب وهذا مذهب ابن عباس والحسن البصري.\n_________\n٣٤٢ - كشف الأستار (٣/ ٣٣٣).\nقال في المجمع (١٠/ ٥٤): رواه البزار وإسناده حسن.\n٣٤٣ - كشف الأستار، الموضع السابق.\nقال في المجمع (١٠/ ٥٤) رواه البزار: ورجاله رجال الصحيح.\n٣٤٤ - أحمد (٦/ ٣٣٣).\nالمعجم الكبير (٢٤/ ٢٣).\nقال في المجمع (٦/ ٢٥٧): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالسماع فالحديث صحيح أو حسن.\n٣٤٥ - الروض الداني (١/ ٨٣).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٩)، رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>تحقيقات</span>\nوفيما يلي تحقيقات لبعض العلماء في موضوع الكبائر:\nقال النووي:\nوقال أبو حامد الغزالي في البسيط: والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذار ندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرئ عليه اعتيادًا، فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة وما يحمل على فلتات النفس أو اللسان وفترة مراقبة التقوى ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة وليس هو بكبيرة. وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في فتاويه: الكبيرة كل ذنب كبر وعظم عظمًا يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبير ووصف بكونه عظيمًا على الإطلاق. قال: فهذا حد الكبيرة ثم لها أمارات منها إيجاب الحد ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة ومنها وصف فاعلها بالفسق نصًا ومنها اللعن كلعن الله سبحان من غير منار الأرض ...\nقال العلماء ﵏: والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، وروي عن عمر وابن عباس وغيرهما ﵃: لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. معناه أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار. قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في حد الإصرار: هو أن تتكرر منه الصغيرة تكرارًا يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك. قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر ا. هـ (١).\nوقد حاول سلطان العلماء العز بن عبد السلام أن يعطيك ميزانًا تتعرف من خلاله على الصغائر والكبائر فقال:\nإذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن تقصت عن أقل مفاسد الكبائر -أي المنصوص عليها فهي من\n_________\n(١) النووي في شرحه على صحيح مسلم.","vol":"1","page":289},{"text":"الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر، أو أربت عليها، في من الكبائر، فمن شتم الرب أو الرسول ﷺ، أو استهان بالرسل أو كذب واحدًا منهم ... أو ألقى المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنها كبيرة. وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو مسلمًا لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر. وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته، ويسبون حرمهم وأطفالهم ويغتنمون أموالم ويزنون بنسائهم ويخربون ديارهم، فإن تسببه إلى هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر. وقد نص الشارع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر، فإن وقعا في مال خطير فهذا ظاهر، وإن وقعا في مال حقير، فيجوز أن يجعل من الكبائر فطالما عن هذه المفاسد، كما جعل شرب قطرة من الخمر من جملة الكبائر، وإن لم يتحقق المفسدة فيه ... والوقوف على تساوي المفاسد وتفاوت عزة ولا يهتدي إليها إلا من وفقه الله تعالى، والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت، ولا يمكن ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب ثم قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأن قال: كل ذنب قرن ب وعيد أو حد أو لعن فو من الكبائر ... فقتل المؤمن كبيرة، لأنه اقترن به الوعيد واللعن. والمحاربة والزنا والسرقة والقذف كبائر، لاقتران الحدود بها. وعلى هذا كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد أو اللعن أو الحد، أو أكبر من مفسدته فهو كبيرة ا. هـ (١).\nوللغزالي اتجاه في أن بعض الصغائر تصبح كبائر بملابستها لمعان كالتهاون بها والاستمرار عليها دون مبالاة، كل هذا جعل العلماء يحاولون بناء على القياس والموازنات أن يكتبوا في الكبائر مضيفين إلى المنصوص عليه ما كان من أمثاله في الفحش من خلال استقراء واسع لنصوص الشريعة، وممن كتب في الكبائر فخصها بالتأليف: الذهبي في كتابه: \"الكبائر\" فذكر سبعين كبيرة، وابن حجر الهيثمي في كتابه: \"الزواجر عن اقتراف الكبائر\" وقد أوصلها إلى أربعمائة وسبع وستين كبيرة، منها ما هو محل إجماع بين العلماء، ومنها ما هو متردد بين كونه صغيرة أو كبيرة، ومنها ما أصبح ذنبًا بحيثياته، والمسلم إذا عرف الطاعات\n_________\n(١) قواعد الأحكام جـ ١ ص ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":290},{"text":"والمعاصي فاجتنب المعاصي وأتى بالفرائض وبما استطاع من النوافل فإنه على أبواب الولاية بإذن الله.\nوالسبب في توسيع دائرة الكبائر أو تصغيرها يرجع إلى اعتبارات متعددة، ففي الشريعة أوامر ونواه وطاعات ومعاص، فترك الأوامر والطاعات معاص يصل بعضها إلى أن يكون كبيرة.\nوالمعاصي منها الظاهر ومنها الباطن، فمن قاس على ما ورد من كبائر من حيث الخطورة وفداحة الآثار أدخل كثيرًا من النواهي والمعاصي في الكبائر، وذا الكتاب سيتعرض للطاعات وللمعاصي إذا جاءت مناسبتها فلا نتوسع في هذا الأمر.\nوليبق على ذكرٍ منا قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).\nفأهل السنة والجماعة خالفهم المعتزلة الذين يقولون بوجوب إنفاذ الوعيد، وأن مرتكب المعصية كائن في النار لا محالة وهو بمنزلة بين المنزلتين فلا هو كافر ولا هو مؤمن. وأهل السنة والجماعة خالفهم الخوارج الذين يكفرون مرتكبي المعاصي.\nإن أهل السنة والجماعة قالوا: إن لله أن يعفو عمن لا يشرك به، ولكن ليس هذا واجبًا عليه بل هذا شأنه، وقالوا إن وعيده لأهل المعاصي لابد واقع على بعضهم على حسب المشيئة وذلك شأنه في المعاملة بالعدل أو بالفضل وذلك شأنه أن يعفو عن بعض أهل المعاصي لقبول حسناتهم أو لوجود خصوصيات لم تخفف عنهم الحساب، والأمر إليه.\nقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (٢):\nوأما حكمه ﷺ على من مات يشرك بدخول النار، ومن مات غير مشرك بدخول الجنة فقد أجمع عليه المسلمون. فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة. ولا فرق\n_________\n(١) النساء: ٤٨.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٢ ص ٩٧.","vol":"1","page":291},{"text":"عند أهل الحق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده وغير ذلك. وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا. وإن كان صاحب كبيرة مات مصرًا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفي عنه دخل أولًا، وإلا عذب ثم أخرج من النار وخلد في الجنة وأما قوله ﷺ: \"وإن زنى وإن سرق\" فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها وختم لم بالخلود في الجنة. ا. هـ.\n* * *","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الفصل السادس عشر\nفي:\nالنفاق وعلاماته وشعبه</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المقدمة</span>\nالنفاق في الأصل: إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وقد يكون ابتداءً، وقد يحدث بعد إيمان، وقد يكون سببه الشك في الإسلام، وهناك النفاق الخالص، وهناك القلوب التي فيها إيمان ونفاق.\nوللنفاق علاماته وآثاره في السلوك، وقد أكثر الله ﷿ من ذكر علاماته وآثاره في القرآن لخطورة هذا المرض وجاءت السنة لتزيد الأمر تفصيلًا.\nوقد ذكر بعض العلماء نوعين من النفاق، نفاق الاعتقاد ونفاق العمل، وعلى هذا التقسيم فإن هناك صورًا للنفاق، فالصورة الأخبث هي نفاق الاعتقاد الذي تصحبه علاماته من كذب وخلف بالوعد ونقض للعهد، وفجور بالخصومة وإفساد في الأرض، ومودة للكافرين وولاء لهم إلى غير ذلك.\nوهناك صورة أخرى وهي ألا يكون هناك شك في الإسلام ولكن تظهر أخلاقيات النفاق في سلوكيات بعض الناس كأثر عن فساد نية أو فساد بيئة أو جهل أو ظلمة جزئية في القلب. وهناك صورة أخرى وهي وجود الشك والنفاق في القلب، ولكن يتكلف له صاحبه فلا تظهر على سلوكياته آثار النفاق إلا لمامًا.\nوأيًا كان الأمر فإن علينا أن نظر قلوبنا وأعمالنا من النفاق وآثاره، وإذا رأينا النفاق عند أهله فلنحذر ولنعالج، أما الحكم على إنسان بأنه منافق فهذا الذي ينبغي أن يتأنى فيه إلا إذا وضحت الأمور وقامت بينة.\nوأكثر صور النفاق في عصرنا تتمثل بموالاة الكافرين الاختيارية ظاهرًا وباطنًا، وأخطر مظهر لذلك الانتساب الطوعي المتفاعل لحزب من الأحزاب الكافرة التي لا تؤمن بالإسلام ولا تلتزم به أهدافًا وسلوكًأ، أمثال ؤلاء نستطيع أن نحكم عليهم بالنفاق أو بالردة على حسب ما يظهر من أقوالهم وأفعالهم، وبالتالي فلا نصلي عليه إذا مات ولا نتعامل معه كما نتعامل مع أهل الإيمان.","vol":"1","page":295},{"text":"والأمور في عصرنا مختلطة فهناك اجتماعات تخطر لمسلمين عاديين فيرون أن مصلحة الإسلام أن يكونوا في حزبٍ ما، ويرون أن الوضع العالمي المعقد يحتاج إلى نوع من المواقف، والعبرة للتقوى البصيرة من أهلها، فمن أفتاه إمام من أئمة الفتوى بعد أن يعرض عليه كل شيء ويستكتمه فله أن يفعل على ضوء الفتوى، ولكن هذه فتوى استثنائية، وإلا فالأصل أن يكون الإنسان قلبًا وقالبًا مع الصف المسلم ومع أهل الإيمان، هذا مع صحة اعتقادٍ، وسلامة عملٍ، فذلك هو الإيمان الخالص.\nومن أراد استكمال صورة النفاق والمنافقين فلابد أن يتتبعها في نصوص القرآن وقد أبرزنا هذه الصورة في تفسيرنا وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقًا) ولذلك نقتصر هنا على بعض ما ورد في السنة:","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>النصوص</span>\n٣٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت في خصلة منهن كانت في خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\".\nوفي رواية (١) -عوض \"إذا ائتمن خان\": \"إذا وعد أخلف\".\nقال الترمذي: معنى هذا عند أهل العلم: نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﷺ.\nأقول وقد ظهر نفاق التكذيب بعد رسول الله ﷺ مرات وكرات وبصورٍ شتى، فمثلًا ظهر بالزنادقة والباطنيين وفي كثير من العاملين في الحقل السياسي في عصرنا إلى غير ذلك.\n٣٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"آية المنافق ثلاث\" -زاد مسلم: \"وإن صام، وصلى، وزعم أنه مسلم\"- ثم اتفقا- \"إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وفي رواية ثالثة (٢): \"إذا ائتمن خان\".\n_________\n٣٤٦ - البخاري (١/ ٨٩) -٢ - كتاب الإيمان -٢٤ - باب علامة المنافق.\nمسلم (١/ ٨٧) -١ - كتاب الإيمان -٢٥ - باب بيان خصال المنافق.\nأبو داود (٤/ ٢٢١) -كتاب السنة- باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه.\nالترمذي (٥/ ١٩) -٤١ - كتاب الإيمان -١٤ - باب ما جاء في علامة المنافق.\n(١) النسائي (٨/ ١١٦) -٤٧ - كتاب الإيمان -٢٠ - باب علامة المنافق.\nالفجور: الكذب والفسق ونحوهما، والمراد به هاهنا: قول الفحش.\n٣٤٧ - البخاري، الموضع السابق.\nمسلم، الموضع السابق.\n(٢) مسلم، الموضع السابق.\nالآية: العلامة.","vol":"1","page":297},{"text":"٣٤٨ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: اعتبروا المنافقين بثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر فأنزل الله ﷿ تصديق ذلك في كتابه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى آخر الآية.\nوالآيات المشار إليها في الأثر:\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٢).\n٣٤٩ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: \"ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن كان في خصلة ففيه خصلة من النفاق إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف\".\n٣٥٠ - * روى النسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ثلاث من كن فيه، فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف، فمن كانت فيه واحدة منهن، لم تزل فيه خصلة من النفاق حتى يتركها.\n٣٥١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمتٍ، ولا فقه في الدين\".\n_________\n٣٤٨ - المعجم الكبير (٩/ ٢٥٢).\nقال في المجمع (١/ ١٠٨): رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) التوبة: ٧٥ - ٧٧.\n٣٤٩ - كشف الأستار (١/ ٦٢).\nمجمع الزوائد (١/ ١٠٨) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\n٣٥٠ - النسائي (٨/ ١١٧) -٤٧ - كتاب الإيمان -٢٠ - باب علامة المنافق.\nوإسناده صحيح.\n٣٥١ - الترمذي (٥/ ٤٩، ٥٠) -٤٢ - كتاب العلم -١٩ - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة.\nوإسناده حسن.\nالسمت: الطريقة والسجية التي تكون للإنسان من خير أو شر، وهي الهدي والدَّل بمعنى.","vol":"1","page":298},{"text":"٣٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تجدون من شر الناس عند الله تعالى يوم القيامة ذا الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجهٍ\".\nوفي رواية (٢) قال: سمعته يقول: \"إن شر الناس ذو الوجهين .. \" الحديث.\n٣٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة\".\nوزاد النسائي (٤): \"لا تدري: أيها تتبع\".\n٣٥٤ - * روى البخاري عن زيد بن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال ناس لابن عمر: إنا لندخل إلى سلطاننا أو أمرائنا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم. فقال: كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله ﷺ.\n٣٥٥ - * روى البخاري عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: إنما كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ، فأما اليوم، فإنه هو الكفر بعد الإيمان وفي أخرى (٧): [فإنما هو] الكفر أو الإيمان.\nوفي أخرى (٨) قال: إن المنافقين اليوم هم شر منهم على عهد رسول الله ﷺ، كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون.\n_________\n٣٥٢ - البخاري (١٠/ ٤٧٤) -٨٧ - كتاب الادب -٥٢ - باب ما قيل في ذي الوجهين.\nمسلم (٤/ ٢٠١١) -٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب -٢٦ - باب ذم ذي الوجهين وتحريم فعله.\nالموطأ (٢/ ٩٩١) -٥٦ - كتاب الكلام -٨ - باب ما جاء في إضاعة المال وذي الوجهين.\n(١) مسلم، الموضع السابق.\n٣٥٣ - مسلم (٤/ ٢١٤٦) -٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم -الحديث السابع عشر.\n(٢) النسائي (٨/ ١٢٤) -٤٧ - كتاب الإيمان -٣١ - باب مثل المنافق.\nالعائرة: عارت الشاة تعير، إذا ذهبت كذا وكذا مترددة.\n٣٥٤ - البخاري (١٣/ ١٧٠) -٩٣ - كتاب الأحكام -٢٧ - باب ما يكره من ثناه السلطان وإذا خرج قال غير ذلك.\n٣٥٥ - البخاري (١٣/ ٦٨) -٩٢ - كتاب الفتن -٢١ - باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه.\n(٣) البخاري، الموضع السابق.\n(٤) البخاري، الموضع السابق.","vol":"1","page":299},{"text":"٣٥٦ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في ظل حجرته قد كان يقلص منه الظل فقال لأصحابه: \"يجيئكم رجل ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا رأيتموه فلا تكلموه\". قال: فجاء رجل أزرق فلما رآه النبي ﷺ دعاه قال: \"علام تشتمني أنت وأصحابك\"؟ قال: كما أنت حتى آتيك بهم. فذهب فجاء بهم يحلفون بالله ما قالوا ولا فعلوا، وأنزل الله ﷿ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية.\nوفي رواية الطبراني (١) قال: فجعلوا يحلفون بالله ما قالوا وما فعلوا حتى تجاوز عنهم.\nوفي رواية (٢) \"يدخل عليكم رجل ينظر بعيني شيطان\". قال: فدخل رجل أزرق فقال: يا محمد علام تسبني؟ أو: تشتمني؟ أو نحو هذا قال: وجعل يحلف. قال: ونزلت هذه الآية في المجادلة ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ والآية الأخرى.\n٣٥٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: \"ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئًا\".\nقال الليث: كانا رجلين من المنافقين.\nوفي رواية (٣) قالت: دخل النبي ﷺ يومًا، وقال: \"يا عائشة، ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان ديننا الذي نحن عليه\".\nأقول: يبدو أن هذين ممن قال الله ﷿ فيهم:\n_________\n٣٥٦ - أحمد (١/ ٣٥٠).\nكشف الأستار (٣/ ٧٤).\n(١) المعجم الكبير (١٢/ ٧).\nوباقي رواية الطبراني بنحو ما عند أحمد.\nقال في المجمع (٧/ ١٢٢): ورجال الجميع رجال الصحيح.\n(٢) مجمع الزوائد، الموضع السابق.\n٣٥٧ - البخاري (١٠/ ٤٨٥) -٨٧ - كتاب الأدب -٥٩ - باب ما يجوز من الظن.\n(٣) البخاري الموضع السابق.","vol":"1","page":300},{"text":"﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١).\n٣٥٨ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: عُدنا مع رسول الله ﷺ رجلًا موعوكًا. قال: فوضعتُ يدي عليه، فقلت: والله ما رأيت كاليوم رجلًا أشد حرًا. فقال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بأشد حرًا منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين الراكبين المقفيين\". لرجلين حينئذٍ من أصحابه.\n٣٥٩ - * روى البخاري عن الأسود بن يزيد النخعي قال: كنا في حلقة عبد الله بن مسعودٍ، فجاء حذيفة، حتى قام علينا، فسلم، ثم قال: لقد أنزل النفاق على قومٍ خيرٍ منكم. فقلنا: سبحان الله فإن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) فتسم عبد الله، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله وتفرق أصحابه، فرماني بالحصباء، فأتيته، فقال حذيفة: عجبتُ من ضحكه، وقد علم ما قلت، لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرًا منكم، ثم تابوا فتاب الله عليهم.\nقال ابن الأثير:\n(الدرك الأسفل): الطبق الأسفل من النار، والنار دركاتٌ، لأنها مطبقة بعضها فوق بعض.\nلقد أُنزِل النفاق على قوم خير منكم، ثم تابوا، فتاب الله عليهم: مقصوده أن جماعة من المنافقين صلحوا واستقاموا، وكانوا خيرًا من أولئك التابعين الذين كان يخاطبهم، لمكان\n_________\n(١) محمد: ١٦.\n٣٥٨ - مسلم (٤/ ٢١٤٦) - ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم -الحديث السادس عشر.\nالوعك: الحمى، وقيل: ألمها، والمراد به المرض.\nرجل مُقل: إذا ولاك ظهره وقفاه ذاهبًا.\nقال النووي في \"شرح مسلم\": سماها \"من أصحابه\" لإظهارهما الإسلام والصحبة، لا أنها من نال فضيلة الصحبة.\n٣٥٩ - البخاري (٨/ ٢٦٦) -٦٥ - كتاب التفسير -٤ - سورة النساء، ٢٥ - باب إن المنافقين في الدرك الأسفل.\n(٢) النساء: ١٤٥.","vol":"1","page":301},{"text":"الصحبة والصلاح، فممن كان منافقًا وصلح أمره واستقام: مُجمع، ويزيد، ابنا جارية بن عامر، فكأنه أشار بالحديث إلى تقلُّب القلوب.\n٣٦٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لهم: \"من يصعد الثنية ثنية المُرار، فإنه يُحط عنه ما حُط عن بني إسرائيل\". قال: فكان أول من صعِدها خيلنا، خيلُ بني الخزرج، ثم تتام الناس. فقال رسول الله ﷺ: \"وكلكم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر\". فأتيناه، فقلنا: تعال، يستغفر لك رسول الله. فقال: والله، لأن أجد ضالتي أحب إليَّ من أن يستغفر لي صاحبُكم. قال: وغذا هو ينشدُ ضالة له.\n٣٦١ - * روى أبو داود عن بريدة بن الحصيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم الله ﷿\".\n٣٦٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁: قال: مر رسول الله ﷺ على عبد الله بن أُبي بن سلول وهو في ظلٍّ فقال: قد غَبْرَ علينا ابن أبي كبشة. فقال ابنه عبد الله [أي لرسول الله]: والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لأتيتك برأسه. فقال النبي ﷺ: \"لا ولكن برَّ أباك وأحسن صحبته\".\n_________\n٣٦٠ - مسلم (٤/ ٢١٤٤) -٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم- الحديث الثاني عشر.\nتتام الناس: أي: تتابعوا واحدًا بعد واحدٍ، وقيل: تتاموا، أي: جاءوا كلهم وتموا، وهو تفاعلوا من التمام.\n٣٦١ - أبو داود (٤/ ٢٩٥) -كتاب الأدب- باب لا يقول المملوك: \"ربي\" و\"ربتي\".\nوإسناده صحيح.\nقوله: (فإنه إن يك سيدًا فقد اسخطتم الله ﷿) أي: إن يكن سيدًا في قومه فقد أفضتم الله لأنه يكون تعظيمًا للمنافق، وهو ممن لا يستحق التعظيم، فكيف إن لم يكن سيدًا بأحد المعاني؟ فإنه يكون مع ذلك كذبًا ونفاقًا.\nوقيل: إن يكن سيدًا فتجب عليكم طاعته فإذا أطعتموه فقد أسخطتم ربكم- (عون المعبود: ٤/ ٤٥٣).\n٣٦٢ - مجمع الزوائد (١/ ١٠٩). وقال: رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به زيد بن بشر الحضرمي. قلت: وثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات. أهـ من المجمع.","vol":"1","page":302},{"text":"٣٦٣ - * روى أحمد عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: \"إن للمنافقين علامات يُعرفون بها: تحيتُهم لعنةٌ وطعامهم نُهبةٌ وغنيمتهم غُلولٌ، لا يقربون المساجد إلا هجرًا ولا يأتون الصلاة إلا دُبرًا مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون خُشبٌ بالليل صُخبٌ بالنهار\" وقال يزيد مرة: \"سخب بالنهار\".\n٣٦٤ - * روى البزار عن ابن عباس قال: يقول أحدهم: أبي صَحِبَ رسول الله ﷺ وكان مع رسول الله ﷺ، ولنعلٌ خلق خيرٌ من أبيه.\nأقول هذا الحديث محمول على المنافقين ممن ظاهرهم الصحبة وباطنهم الكفر، وهم قلة وقد عرَّف رسول الله ﷺ حذيفة عليهم حتى يكشف حالهم إذا قاموا مقامًا يخشى منهم على الإسلام، ولذلك فالقول بعدالة الصحابة لا يقدح فيه أن يوجد مثل هؤلاء لهذا الاحتياط الذي احتاطه رسول الله ﷺ.\n٣٦٥ - * روى أبو يعلى عن أنس بن مالك قال: غدا أصحابُ رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله هلكنا ورب الكعبة. قال \"وما ذاك\" قالوا: النفاقُ النفاقُ. قال: \"ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله\". قالوا: بلى. قال: \"ليس ذلك النفاق\" قال: ثم عادوا الثانية فقالوا: يا رسول الله هلكنا ورب الكعبة. قال: \"وما ذاك\". قالوا: النفاق النفاق. قال: \"ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله\". قالوا: بلى. قال: \"ليس ذاك النفاق\". قال: ثم عادوا الثالثة فقالوا: يا رسول الله هلكنا\n_________\n٣٦٣ - أحمد (٢/ ٢٩٣).\nكشف الأستار (١/ ٦١).\nقال في المجمع (١/ ١٠٢): رواه أحمد والبزار وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي وثقه يحيى بن معين وغيره، وضعفه الدارقطني وغيره. أهـ من المجمع. فالحديث حسن على مذهب يحيى.\nصخب: أي صياحون فيه متجادلون.\n٣٦٤ - كشف الأستار، الموضع السابق.\nقال في المجمع (١/ ١١٣): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\n٣٦٥ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٠). وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير غسان بن برزين وهو ثقة أ. هـ.\nقال في التقريب (٢/ ١٠٥): صدوق ربما أخطأ.","vol":"1","page":303},{"text":"ورب الكعبة. قال \"وما ذاك. قالوا: النفاق. قالوا: إنا إذا كنا عندك كنا على حال وإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا. قال: \"لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على ما أنتم عليه لصافحتكم الملائكة بطرق المدينة\".\n٣٦٦ - * روى البزار عن حُذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما أتخوف عليكم رجلًا قرأ القرآن حتى إذا رُئي عليه بهجته وكان رديء الإسلام اعتزل إلى ما شاء الله وخرج على جاره بسيفه ورماه بالشرك.\n٣٦٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أكثر منافقي أمتي قراؤها\".\nأقول: هذا الحديث محمول على من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا وعلى من يلبس الحق بالباطل ويكتم الحق، ويوالي الظالمين والكافرين فظاهره عالِم وباطنه منافق.\n٣٦٨ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خَلْفٌ بعد الستين أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ثم يكونُ خلفٌ يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم ويقرأ القرآن ثلاثةٌ: مؤمنٌ ومنافقٌ وفاجر\". قال بشير فقلت للوليد ما هؤلاء الثلاثةُ؟ قال: المنافق كافر به والفاجر يتأكل به والمؤمن يؤمن به.\n٣٦٩ - * روى الطبراني عن عِمران بن حُصَينٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن\n_________\n٣٦٦ - كشف الأستار (١/ ٩٩).\nمجمع الزوائد (١/ ١٨٧). وقال: إسناده حسن.\n٣٦٧ - أحمد (٢/ ١٧٥).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٢٩). وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحد إسنادي أحمد ثقات.\nورواه أحمد عن عقبة بن عامر بإسناد رجاله ثقات أثبات.\n٣٦٨ - أحمد (٣/ ٢٨).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٣١). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات ورواه الطبراني في الأوسط كذلك.\n٣٦٩ - المعجم الكبير (١٨/ ٢٣٧).\nكشف الأستار (١/ ٩٧).\nقال في المجمع (١/ ١٨٧): رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":304},{"text":"أخوف ما أخافُ عليكم بعدي كل منافقٍ عليم اللسان\".\n٣٧٠ - * روى أحمد عن عمر بن الخطاب قال: حذرنا رسول الله ﷺ كل منافقٍ عليم اللسان.\nأقول: في هذه النصوص الخمسة الأخيرة تحذير أي تحذير لمن يحمل الإسلام ويقرأ القرآن ويكون من المنافقين وهو لا يشعر ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١). وقد أعطانا الحديث الثالث علامة هي: يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم\" فهو لا يصل إلى قلوبهم فيتدبرون ويتأثرون: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢).\n٣٧١ - * روى مسلم عن قيس بن عُبادٍ ﵁ قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر عليٍّ، أرأيًا رأيتموه، أم شيئًا عهده إليكم رسول الله ﷺ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافةً، ولكن أخبرني حذيفة أن رسول الله ﷺ أعلمه اثني عشر منافقًا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجملُ في سمِّ الخياط. وأربعةٌ لم أحفظ ما قال [شُعبة] فيهم.\nوفي رواية (٣): \"ثمانية [منهم] تكفيكهم الدبيلةُ- سراجٌ من النار يظهر في أكتافهم- حتى ينجم في صدورهم\".\n٣٧٢ - * روى مسلم عن أبي الطفيل ﵁ قال: كان بين رجل من أهل العقبة\n_________\n٣٧٠ - أحمد (٢/ ٢٢)\nكشف الأستار (١/ ٩٧).\nقال في المجمع (١/ ١٨٧) رواه البزار وأحمد وأبو يعلي ورجاله موثقون.\n(١) البقرة: ١١، ١٢.\n(٢) محمد: ٢٤.\n٣٧١ - مسلم (٤/ ٢١٤٣) -٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم- الحديث التاسع.\n(٣) مسلم (٤/ ٢١٤٤)، الموضع السابق: الحديث العاشر.\nينجمُ: نجم الشيء ينجم بالضم، نجومًا: ظهر وطلع.\n٣٧٢ - مسلم (٤/ ٢١٤٤) -٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم- الحديث الحادي عشر.\nالحرة: الأرض التي يكون فيها حجارة سودٌ.","vol":"1","page":305},{"text":"وبين حذيفة بعض ما يكونُ بين الناس، فقال: أنشدُك الله، كم كان أصحابُ العقبة؟ قال: فقال له القومُ: أخبره إذ سألك. فقال: كنا نخبرُ أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القومُ خمسة عشر، وأشهدُ بالله: أن اثني عشر منهم حربٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقومُ الأشهاد، وعذر ثلاثةٌ، قالوا: ما سمعنا مُنادي رسول الله ﷺ، ولا علمنا بما أراد القومُ، وقد كان في حَرَّةٍ، فمشى، فقال: \"إن الماء قليلٌ، فلا يسبقني إليه أحدٌ\" فوجد قومًا قد سبقوه، فلعنهم يومئذٍ.\nقال ابن الأثير: قد يظن بعض من لا علم عنده، أن أصحاب العقبة المذكورين في هذا الحديث: هم أصحابُ العقبة الذين بايعوا النبي ﷺ في أول الإسلام، وحاشاهم من ذلك، إنما هؤلاء قوم عَرضُوا لرسول الله ﷺ في عقبة صعِدَها لما قَفَل مِن غزوة تبوك، وقد كان أمر مناديًا، فنادى: لا يطلع العقبة أحدٌ. فلما أخذها النبي ﷺ عرضوا له وهم متلثمون، لئلا يُعرفوا، أرادوا به سوءًا، فلم يُقدرهم الله تعالى.\n٣٧٣ - * روى أحمد عن أبي الطفيل، قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى أن رسول الله ﷺ آخذٌ العقبة فلا يأخذها أحدٌ، فبينا رسول الله ﷺ يقوده عمار ويسوقه حُذيفةُ إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، حتى غَشوا عمارًا وهو يسوقُ برسول الله ﷺ، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: \"قُدْ قُدْ\". حتى هبط رسول الله ﷺ فلما هبط رسول الله ﷺ نزل، ورجع عمارٌ، فقال: \"يا عمارُ هل عرفت القوم\". قال: قد عرفت عامة الرواحل، والقومُ متلثمون. قال: \"هل تدري ما أرادوا\". قال: الله ورسوله أعلم. قال: \"أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ ويطرحوه\". قال: فساب عمارٌ ﵁ رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: نشدتُك بالله ما كان أصحابُ العقبة؟ قال: أربعة عشر. فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر فعد رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما\n_________\n= وقصة أهل العقبة هؤلاء ذكرها الهيثمي بسياق أتم.\n٣٧٣ - أحمد (٥/ ٤٥٢).\nقال في المجمع (٦/ ١٩٥): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":306},{"text":"سمعنا منادي رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين منهم حربٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهادُ. قال أبو الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله ﷺ قال للناس، وذكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله ﷺ مناديًا فنادى لا يرد الماء أحدٌ قبل رسول الله ﷺ، فورده رسول الله ﷺ فوجد رهطًا قد وردوه قبله، فلعنهم رسول الله ﷺ يومئذٍ.\n٣٧٤ - * روى أحمد عن أبي سعيد رفعه: \"لو أن أحدكم يعمل في صخرةٍ صماء، ليس لها باب ولا كُوة، يخرجُ عمله للناس كائنًا ما كان\".\n٣٧٥ - * روى البخاري تعليقًا: قال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيتُ أن أكون مكذبًا. وقال ابن أبي مُليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخافُ النفاق على نفسه [ولا يأمن المكر على دينه] ما منهم أحدٌ يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل، ويُذكر عن الحسن: ما خافهُ إلا مؤمنٌ، ولا أمنهُ إلا منافقٌ. وما يُحذرُ من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبةٍ، لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١).\nقوله: (وما يحذر من الإصرار): بعد أن بَيَّن الحسن أن النفاق لا يخافه إلا مؤمن ولا يحذره إلا مؤمن، بيّن أن حال المؤمن الخوف والحذر من النفاق والخوف من الإصرار على العصيان من دون توبة.\n٣٧٦ - * روى البخاري عن شُعبة قال أخبرني عبدُ الله بنُ عبد الله بن جبر قال: سمعتُ أنسًا عن النبي ﷺ قال: \"آية الإيمان حب الأنصار، وآيةُ النفاق بُغضُ الأنصار\".\n_________\n٣٧٤ - أحمد (٣/ ٣٨).\nالمستدرك (٤/ ٣١٤). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٥). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى وإسنادهما حسن.\n٣٧٥ - البخاري (١/ ١٠٩) -٢ - كتاب الإيمان -٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.\n(١) آل عمران: ١٣٥.\n٣٧٦ - البخاري (١/ ٦٢) -٢ - كتاب الإيمان -١٠ - باب علامة الإيمان حب الأنصار.","vol":"1","page":307},{"text":"٣٧٧ - * روى البخاري ومسلم عن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل المؤمن: كمثل الخامة من الزرع، تُفيئها الريحُ، تصرعُها مرةً، وتعدلها أخرى، حتى تهيج\".\nوفي أخرى (٢) \"حتى يأتيه أجله، ومثل المنافق: مثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يُفيئها شيءٌ، حتى يكون انجعافُها مرةً واحدةً\".\n٣٧٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة رفعه: \"من مات ولم يغزُ ولم يُحدثْ به نفسه مات على شعبة من النفاق\".\n٣٧٩ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جاء حرملة بن زيد فجلس بين يدي رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله الإيمان ههنا - وأشار إلى لسانه- والنفاق ههنا - وأشار إلى صدره- ولا يذكر الله إلا قليلًا. فسكت عنه النبي ﷺ فردد ذلك عليه حرملةُ، فأخذ النبي ﷺ بطرف لسان حرملة فقال: \"اللهم اجعل له لسانًا صادقًا وقلبًا شاكرًا وارزقه حُبي وحب من يحبني وصيِّرْ أمره إلى الخير\". فقال حرملة: يا رسول الله إن لي إخوانًا منافقين كنت فيهم رأسًا ألا أدلك عليهم؟ فقال النبي ﷺ: \"من جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك ومن أصر على ذنبه فالله أولى به، ولا نخرقُ على أحد سترا\".\n_________\n٣٧٧ - البخاري (١٠/ ١٠٣) -٧٥ - كتاب الرضى -١ - باب ما جاء في كفارة المرض.\nمسلم (٤/ ٢١٦٣) -٥٠) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم -١٤ - باب مثل المؤمن كالزرع ومثل الكافر كشجر الأرز.\n(٢) مسلم (٤/ ٢١٦٤)، الموضع السابق.\nتصرعها: أي ترميها وتُلقيها، من المصارعة.\nتهيج: هاج النبات هيجا: إذا أُخذ في الجفاف والاصفرار، بعد الغضاضة والاخضرار.\nالمجذية: الثابتة، يقال: جذا يجذو، وأجذى يجذي، لغتان.\nانجعافها: الانجعاف: الانقلاع، وهو مطاوع: جعفت الشيء: إذا قلعته.\n٣٧٨ - مسلم (٣/ ١٥١٧) -٣٣ كتاب الإمارة -٤٧ - باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو.\nأبو داود (٣/ ١٠) -كتاب الجهاد -باب كراهية ترك الغزو.\nالنسائي (٦/ ٨) -٢٥ - كتاب الجهاد -٢ - باب التشديد في ترك الجهاد.\n٣٧٩ - المعجم الكبير (٤/ ٥).\nقال في المجمع (٩/ ٤١٠) ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفصل السابع عشر\nفي:\nنواقض الشهادتين</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص ومسائل وفوائد","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المقدمة</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، فمن بلغه الإسلام من أهل الأديان وغيرهم فقد تحتم عليهم أن يدخلوا فيه، ومن لم يدخل في الإسلام فهو الكافر الأصلي، وأما من دخل في الإسلام في الظاهر ولم يسلم قلبه فهو المنافق وهو من شر أنوع الكفار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٢) أما من دخل في الإسلام ثم أتى بناقض من نواقض الشهادتين فهو المرتد، وحكمه أن عليه أن يتوب مما أتاه، وإلا فإنه يستحق القتل.\nونواقض الشهادتين منها القولي، ومنها النظري، ومنها الفعلي؛ فالقولي كأني تبرأ من الإسلام، أو يذكر أنه كافر، أو يسب الإسلام أو القرآن. والنظري مثل أن يستحل محرمًا قطعيًا، أو ينفي المعلوم من الدين بالضرورة. والفعلي كأن يسجد لصنم، أو يصلي صلاة الكافرين، أو يلقي القرآن في نجاسة.\nويعطي بعض المرتدين فرصة فيناقشون حتى تقوم عليهم الحجة، وبالتالي يعطون فرصة التوبة والأوبة ويُعفى عنهم، إلا إذا شاء ولي الأمر تعزيرهم، ولكن هناك صورًا لها أحكامها الخاصة، كأن تتكرر منها الردة، أو تكون ردته من نوع خاص أو يجتمع مع الردة حق آخر كأن سبُّ رسول الله ﷺ، فهذا ليس أمامه إلا القتل.\nوعلى كل الأحوال فقد رتب الشارع أحكامًا بالنسبة للكفار الأصليين، وبالنسبة للمنافقين، وبالنسبة للمرتدين، فالمرتد يستحق القتل إن لم يتب، ويفرق بينه وبين زوجته، ولا تحل ذبيحته ولا إنكاحه.\nوهناك قضايا محل إجماع بين أهل العلم، وهناك قضايا محل اختلاف، وقضية الردة من أعقد قضايا العصر، فهناك الآن ذراري المرتدين الذين ارتد آباؤهم وهم على مذاهب هؤلاء الآباء، فهؤلاء لهم أحكام خاصة، وهناك المرتدون بسبب وجهات نظر سياسية،\n_________\n(١) سبأ: ٢٨.\n(٢) النساء: ١٤٥.","vol":"1","page":311},{"text":"وهناك المرتدون بسبب وجهات نظر فلسفية، والإسلام الآن ضعيف، والعمل الإسلامي الدعوي البحت لا يشكل عليه أمر التعامل مع هؤلاء جميعًا، ولكن إذا وصلنا إلى العمل السياسي من خلال السلطة أو من خارجها فالأمر يصبح في غاية التعقيد، ولذلك فإن للفتوى من أهلها محلًا في بعض الصور.\nومن تتبع نصوص الكتاب والسنة وجد الكثير مما له علاقة بنواقض الشهادتين، ومن تتبع كلام العلماء في أبحاث الردة أو في الكتب المؤلفة خاصة في هذا الموضوع وجد مئات المسائل، لأن الجهلة في كل زمان ومكان يغلب على بعضهم تصورات أو تصرفات أو أقوال أو أفعال هي من قبيل الردة التي تنقض الشهادتين ولكل جيل في قطر مسائله، فإذا جمعت مسائل الأقطار والأجيال والأزمان وجدت الكثير من هذه النواقض، ولعصرنا خصوصياته التي اختص بها لذلك كان الأمر في غاية الخطورة، فعلى كل مسلم أن يحرر نفسه وأن يحاسبها على كلماته وتصرفاته وأفعاله، وكان بعض شيوخنا كثيرًا ما يستشهدنا على تجديد نكاحه بعد أن يأخذ وكالة من زوجته خشية أن يكون قد خرج على لسانه أو تصرف تصرفًا وهو لم يشعر بخطورته، ويكفي أن نتملى الحديث الشريف الصحيح لنزيد في مراقبة أنفسنا ومحاسبتها: \"إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالًا يهوي بها في نار جهنم سبعين خريفًا\" (١).\nفأول ما يدخل في هذا الحديث مثل هذه المعاني التي نتحدث عنها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) وقال تعالى ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٤).\n_________\n(١) البخاري (١١/ ٢٠٨) -٨١ - كتاب الرقاق -٢٣ - باب حفظ اللسان. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.\nمسلم (٤/ ٢٢٩٠) -٥٣ - كتاب الزهد والرقائق -٦ - باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار.\nالترمذي (٤/ ٥٥٧) -٣٧ - كتاب الزهد -١٠ - باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس.\n(٢) آل عمران: ٩٠.\n(٣) الصف: ٥.\n(٤) البقرة: ٢٦، ٣٧.","vol":"1","page":312},{"text":"وسنذكر في هذا الفصل بعض نصوص السنة التي تذكر أصل هذا الموضوع وهو نواقض الشهادتين، ثم نذكر بعض هذه النواقض بإيجاز.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>النصوص</span>\n٣٨٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فقال: \"السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أنَّا قد رأينا إخواننا\". قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: \"أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتي بعد\". قالوا: كيف تعرفُ من لم يأت بعدُ من أمتك يا رسول الله؟ قال: \"أرأيت لو أن رجلًا له خيلٌ غُرٌ مُحجلةٌ بين ظهري خيلٍ دُهمٍ بُهمٍ، ألا يعرف خيله\". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: \"فإنهم يأتون غُرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطُهم على الحوض، فليُذادن رجالٌ عن حوضي، كما يُذادُ البعير الضال، أُناديهم: ألا هضلُم. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك؟ فأقول: سُحقًا، سُحقًا\".\nأقول (التبديل): تحتمل ههنا البدعة وتحتمل الفسوق العملي وتحتمل الردة، والنص ههنا: في الأمة المحمدية عامة وفي هذه الأمة وُجد مبتدعة وفساق ومرتدون.\n٣٨١ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إني على الحوض أنظُر من يرد عليَّ منكم، وسيؤخذُ ناس دُوني، فأقول: يا رب، مني ومن أُمتي\".\nوفي رواية (١) \"فأقول: أصحابي. فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم\".\nأقول: هناك ناس ارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ وقتلوا أو ماتوا على الردة، فالمراد\n_________\n٣٨٠ - مسلم (١/ ٢١٨) -٢ - كتاب الطهارة -١٢ - باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الضوء.\nيهم: البُهم: جمع بهيم، وهو اللون الواحدُ الذي لا يشاركه فيه لون آخر، أسود كان أو غيره.\nليذادن: ذدتُ فلانًا عن كذا: إذا دفعتُه عنه، أذوده ذودًا.\nسُحقًا: تقول: سحقًا لفلان، أي: بعدًا له، والسحق: البعد.\n٣٨١ - البخاري (١١/ ٤٦٦) -٨١ - كتاب الرقاق -٥٣ - باب في الحوض. وقول الله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.\nمسلم (٤/ ١٧٩٤) -٤٣ - كتاب الفضائل -٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n(١) البخاري ومسلم، الموضع السابق.","vol":"1","page":314},{"text":"بالنص هؤلاء، والله أعلم. ولم يرتد من الصحابة الحقيقيين أحد، وإنما ارتد بعض جفاة الأعراب، ومع ذلك فقد رجع قسم كبير منهم إلى الإسلام فتابوا وحسنت توبتهم، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالرجوع: القهقري، أي إن البعض تأخر عما كان عليه في زمن الرسول ﵊، فواقع بعض الناس ما لا يستأهلون معه الورود إلى الحوض.\n٣٨٢ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه: \"إني على الحوض أنتظر من يردُ عليَّ منكم، فوالله ليقطعن دوني رجالٌ، فلأقولن: أي ربِّ، مني ومن أُمتي. فيقول: إنك لا تدري ما عَمِلوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم\".\n٣٨٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يردُ عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي\"- أو قال: \"من أمتي - فيحلؤون عن الحوض، فأقول: يارب، أصحابي. فيقول: إنه لا عِلم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري\". وفي رواية (١): \"فيُجلون\".\nالظاهر من هذا النص أن بعض الروايات فيمن يرد عن الحوض رواها بعضهم بالمعنى، فذكر أحيانًا الأمة، وأحيانًا الصحابة، ورجح بعضهم من خلال الاستقراء أن المراد بهذه النصوص كلها الأمة ولكن تشبث زائغو القلوب بكلمة الأصحاب والصحابة ليطعنوا بالصحابة رضوان الله عنهم، ونحن نعتقد أن الصحابة كلهم عدول، وعلى فرض أن المراد ببعض النصوص الصحابة فهؤلاء لا تتوافر فيهم شروط الصحبة في الاصطلاح؛ لأن من شرط ثبوت الصحبة أن يجتمع برسول الله ﷺ مؤمنًا به ويموت على ذلك، ومن ارتد فمات كافرًا لا يعتبر من الصحابة، ولكن الرسول ﵊ في الموقف يسميهم صحابة بالنسبة لمعرفته لذلك في الدنيا.\n_________\n٣٨٢ - مسلم، الموضع السابق.\nليقتطعن: الاقتطاع: أخذ طائفة من الشيء، تقول: اقتطعت طائفة، من أصحابه: إذا أخذتهم دونه.\n٣٨٣ - البخاري (١١/ ٤٦٥)، الموضع السابق.\n(١) البخاري (١١/ ٤٦٤)، الموضع السابق.","vol":"1","page":315},{"text":"وإنما أوردنا هذه النصوص في بحث نواقض الشهادتين للإشعار بأن هناك ناسًا يدخلون الإسلام ثم يرتكبون ناقضًا من نواقض الشهادتين.\nوللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: \"بينا أنا قائم على الحوض: إذا زُمرةً، حتى عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمَّ فقلتُ: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله. فقلتُ: ما شأنُهم؟ فقال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقري. ثم إذا زُمرةٌ أخرى، حتى إذا عرفتُهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلم. قلتُ: إلى أين؟ قال: إلى النار والله. قلتُ: ما شأنُهم؟ قال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم\".\nولمسلم (٢): أن رسول الله ﷺ قال: \"تَردُ عليَّ أمتي الحوض، وأنا أذُودُ الناس عنه، كما يذود الرجلُ إبل الرجلِ عن إبله\". قالوا: يا نبيَّ الله تعرفُنا؟ قال: \"نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون غرًا مُحجلين من آثار الوضوء وليصدن عني طائفةٌ منكم، فلا يصلون، فأقول: يا ربِّ، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملكٌ، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ \".\nوفي أخرى (٣) قال: \"إن حوضي أبعدُ من أيلةَ من عدنٍ، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصدُ الناس [عنه] كما يصد الرجلُ إبلَ الناس عن حوضه\". قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذٍ؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحدٍ من الأمم، تردُون عليَّ غُرًا محجلين\n_________\n(١) البخاري (١١/ ٤٦٥)، الموضع السابق.\n(٢) مسلم (١/ ٢١٧) -٢ - كتاب الطهارة -١٢ - باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.\n(٣) مسلم، الموضع السابق.\nفيحلؤون: أي: يُدفعون عن الماء، ويُطردون عن وروده، ومن رواه \"فيجلون\" بالجيم، فهو من الجلاء: النفي عن الوطن، وهو راجع إلى الطرد.\nزمرة الزمرة: الجماعة من الناس.\nهَمَل النعم النْعَمِ الهمَل: الإبل الضالة، والمعنى: أن الناجي منها قليل كهَمَل النْعم.\nلأسد الصد: المنع.\nسيما السيَّما: العلامة.","vol":"1","page":316},{"text":"من أثر الوضوء\".\n٣٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك ﵁ أخبره أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف على يمينٍ بملةٍ غير الإسلام كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عُذِب به يوم القيامة، وليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك\".\nوزاد في رواية (١): \"ولعنُ المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله، ومن ذبح نفسهُ بشيء ذُبح به يوم القيامة\".\nوزاد في أخرى (٢): \"ومن ادَّعى دعوى كاذبةً ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة\".\nوفي رواية الترمذي (٣): أن النبي ﷺ قال: \"ليس على المرء نذر فيما لا يملك، ولاعِنُ المؤمن كقاتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفسه بشيء عذَّبه الله بما قتل [به] نفسهُ يوم القيامة\".\n٣٨٥ - * روى البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا قال الرجل لأخيه يا كافرُ فهو كقتله\".\n٣٨٦ - * روى البخاري عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق أو بالكفر، إلا ارتدَّت عليه إن لم يكنْ\n_________\n٣٨٤ - البخاري (١٠/ ٤٦٤) -٧٨ - كتاب الأدب -٤٤ - باب ما ينهى عن السباب واللعن.\nمسلم (١/ ١٠٤) -١ - كتاب الإيمان -٤٧ - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.\n(١) البخاري (١٠/ ٥١٤) -٧٨ - كتاب الأدب -٧٣ - باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال.\n(٢) مسلم، الموضع السابق.\n(٣) الترمذي (٥/ ٢٢) ٤١ - كتاب الإيمان ١٦ - باب ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٣٨٥ - كشف الأستار (٢/ ٤٣١).\nقال في المجمع (٨/ ٧٣): رواه البزار ورجاله ثقات.\n٣٨٦ - البخاري (١٠/ ٤٦٤) -٧٨ - كتاب الأدب -٤٤ - باب ما ينهى عن السباب واللعن.","vol":"1","page":317},{"text":"صاحبه كذلك\".\n٣٨٧ - * روى أحمد عن أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتديت عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك\".\n٣٨٨ - * روى البخاري عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من بدَّل دينهُ فاقتلوهُ\".\n٣٨٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إليه الإسلامُ سالمًا\".\n٣٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حمل علينا السلاح فليس منا\".\nوسيمر معنا في حد الردة في القسم الخامس نصوص تتعلق بالردة وأحكامها.\n_________\n٣٨٧ - أحمد (٥/ ١٨١). كشف الأستار (٢/ ٤٢١).\nقال في المجمع (٨/ ٧٣): رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.\n٣٨٨ - البخاري (٦/ ١٤٩) -٥٦ - كتاب الجهاد -١٤٩ - باب لا يُعذب بعذاب الله.\nأحمد (١/ ٢١٧).\nابن ماجه (٢/ ٨٤٨) -٢٠ - كتاب الحدود -٢ - باب المرتد عن دينه.\n٣٨٩ - أبو داود (٣/ ٢٢٤، ٢٢٥) - كتاب الأيمان والنذور- باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام.\nابن ماجه (١/ ٦٧٩) -١١ - كتاب الكفارات -٣ - باب من حلف بملة غير الإسلام.\nالمستدرك (٤/ ٢٩٨). وإسناده لا بأس به.\n٣٩٠ - البخاري (١٣/ ٢٣) -٩٢ - كتاب الفتن -٧ - باب قول النبي ﷺ: \"من حمل علينا السلاح فليس منا\".\nمسلم (١/ ٩٨) -١ - كتاب الإيمان -٤٢ - باب قول النبي ﷺ: \"من حمل علينا السلاح فليس منا\".\nالترمذي (٤/ ٥٩، ٦٠) -١٥ - كتاب الحدود -٢٦ - باب ما جاء فيمن شهر السلاح.\nابن ماجه (٢/ ٨٦٠) -٢٠ - كتاب الحدود -١٩ - باب من شهر السلاح.\nوهو عند ابن ماجه بلفظ: \"من شَهَرَ\".","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>مسائل وفوائد\nفي نواقض الشهادتين وتعداد بعضها</span>\n١ - لقد كُتبتْ الكتب الكثيرة في المكفرات وفي موجبات الردة، وندر أن يوجد كتاب فقهي جامع إلا وفيه كلام طويل عن الردة وأحكامها وما يؤدي إلى الردة، وذكرنا في كتابنا: \"الإسلام\" حوالي عشرين ناقضًا من نواقض الشهادتين، وقد اشتطَّ ناسٌ في موضوع التكفير حتى تجاوزوا الحدود العلمية والفقهية في هذا الشأن، فاقتضى ذلك تنبيهًا؛ لأن المسارعة إلى التكفير ليست خلق أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة لا يكفرون إلا بما يوجب التكفير قطعًا، فالهجوم على التكفير خطر، إلا فيما كان واضحًا وضوح الشمس لا يحتمل تأويلًا أو ما حكم فيه أهل الفتوى أنه ردة.\nولما كان الإيمان التصديق بجميع ما جاء به الرسول ﷺ بدليل قاطع، كان الكفر نقيض الإيمان، فالكفر إذن هو عدم التصديق ولو بشيء مما جاء عن النبي ﷺ ووصل إلينا بطريق يقيني.\nقال الرازي في تفسيره: (الكفر عدم تصديق الرسول ﷺ بشيء مما علم بالضرورة مجيئه).\n٢ - نواقض الشهادتين على أنواع، فمنها الاعتقادي ومنها الفعلي ومنها القولي.\nفمن النواقض الاعتقادية مما يدخل في باب الألوهيات: إنكار الخالق ﷾، وإنكار صفة من صفات الكمال، أو وصفه بما هو منزه عنه؛ كوصفه بأنه ثالث ثلاثة، أو أنه جسد، أو أنه غير محيط علمًا بكل شيء، أو وصفه بأن له ولدًا أو صاحبةً، وشريكًا أو معاونًا، أو وصفه بصفة من صفات النقص كالجهل والعجز والتعب، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.\nومن النواقض الاعتقادية فيما يتصل بالنبؤات: إنكار الأنبياء الذين ورد الخبر القاطع بالإعلام بهم أو إنكار أحدهم، أو إنكار عموم رسالة محمد ﷺ وأنه خاتم النبيين.","vol":"1","page":319},{"text":"ومما يدخل في النواقض الاعتقادية مما يتصل بالسمعيات: إنكار البعث والقيامة بالروح والجسد، أو اعتقاد أن النعيم والعذاب روحاني لا صلة للجسم بذلك، وأيضًا إنكار الملائكة والجن والكتب السماوية إجمالًا، أو إنكار القرآن ولو آية من آياته.\nومما يتصل بالنواقض الاعتقادية إنكار الأركان الخمسة من الصلاة والزكاة.\n٣ - ومن صور نواقض الشهادتين جحود أمر معلوم من ديننا بالضرورة وهو ما يعرفه عوام المسلمين وخواصهم، وهو ما يثبت بالقرآن الكريم وكان قطعي الدلالة، أو بالسنة المتواترة القطعية الدلالة وليس فيه شبهة، وبإجماع جميع الصحابة المتواتر إجماعًا قطعيًا قوليًا غير سكوتي، وكذلك إذا استباح محرمًا مجمعًا على تحريمه معلومًا من الدين بالضرورة.\nيقول الإمام النووي: وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئًا منه جهلًا به لم يكفر .. فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة وعمتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يرث، وأن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة.\n٤ - ومن المكفرات القولية أن يقول ما لا يجوز مما يستحيل على الله ﷿، كالوصف بالجهل وغير ذلك، أو الاستهزاء بشيء من أركان الإيمان أو الإسلام أو أن يقول إنه غير مقتنع بجدوى الزكاة أو يقول إنه غير مقتنع بأن الإسلام فيه السعادة للإنسان وأنه يكفي لإقامة الحياة، وكذلك الاعتراف بالعقائد الكافرة، وكذلك الاعتراض على عدل الله وقضائه وقدره واتهامه بالجور ﷾.\n٥ - ومن المكفرات الفعلية: تعليق شعار الكفر على نفسه من غير اضطرار مع الاستحباب، أو تمزيق المصحف للإهانة أو رميه في القاذورات أو السجود لصنم.","vol":"1","page":320},{"text":"٦ - ومما ينقض دعوى الشهادتين:\nأ- التوكل والاعتماد على غير الله إذا أخذ طابع الاعتقاد: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١).\nب- عدم اعتراف الإنسان بأن كل نعمة هو فيها ظاهرة وباطنة حسية ومعنوية هي من فضل الله، وأن ما يصيبنا هو من الله وأنه المانع والمعطي.\nج- إعطاء غير الله حق الأمر والنهي المطلقين والتحليل والتحريم وحق التشريع المطلق: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٢)، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٣).\nد- ومما ينقضها: استحباب الحياة الدنيا على الآخرة وجعل الدنيا هدفه الوحيد إن كان ذلك عن كفر بالآخرة: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ (٤).\nهـ- ومما ينقض دعوى الشهادتين تحليل ما حرم الله أو استحلاله، وتحريم ما أحل الله مما لا خلاف بين أئمة الاجتهاد في حله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ...﴾ (٥).\nو- ومما ينقض دعوى الشهادتين موالاة الكفار وأهل النفاق وكراهية أهل الإيمان والتوحيد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ....﴾ (٦).\n٧ - ومن صور نقض الشهادتين الحكم بغير ما أنزل الله على تفصيلاتٍ للفقهاء في ذلك، قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية: وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله\n_________\n(١) المائدة: ٢٣.\n(٢) الأعراف: ٥٤.\n(٣) يوسف: ٦٧.\n(٤) إبراهيم: ٢، ٣.\n(٥) النحل: ١١٦.\n(٦) المائدة: ٥١.","vol":"1","page":321},{"text":"فهذا كفر أكبر وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (١): ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال، بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم (الياسق)، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فمن فعل ذلك منهم، فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير أ. هـ.\nوموضوع نواقض الشهادتين واسع لو أردنا أن نتوسع فيه لاقتضى ذلك منا مجلدًا ضخمًا، ولذلك نكتفي بهذه الإشارات، وطالب العلم عليه أن يتتبع هذا الشأن ويتوسع فيه ليستطيع تصحيح عبارات الناس وأفعالهم واعتقاداتهم، وما أقل من يمتلك الدقة العلمية في الاعتقادات والتصرفات والأقوال في عصرنا، حتى إنك لتجد خطباء ومحاضرين ومدرسين ودعاة يغلب عليهم الخطأ، وأحيانًا يكون الخطأ اعتقاديًا، نسأل الله الحفظ والسلامة، وكذلك لا بد من دراسة كتب العقائد كما استقر عليه التأليف عند أهل السنة والجماعة.\n* * *\n_________\n(١) المائدة: ٥٠.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الفصل الثامن عشر\nفي:\nالاعتصام بالكتاب والسنة</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المقدمة</span>\nالكتاب والسنة أصلًا الإسلام والإيمان، فهما ركن من أركان الإيمان، فمن كفر بالكتاب أو بالسنة فقد كفر بالإسلام كله، فعلى كل مسلم أن يؤمن بالكتاب والسنة وأن يعظمهما ويجلهما ويخدمهما، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١) فإذا كان هذا شأن تعظيم الشعائر فكيف بكلام الله؟ فكيف بوحي الله؟\nكما أنه يفترض على كل مسلم أن يعتقد وجوب التزام الكتاب والسنة، ومن لم ير ذلك فهو كافر، ولكن السنة منها المتواتر ومنها ما سوى ذلك، ومنها ما هو قطعي الثبوت وما هو ظني الثبوت، ومنها ما هو قطعي الدلالة ظني الثبوت، وظني الدلالة قطعي الثبوت، وظني الثبوت ظني الدلالة، والقرآن كله قطعي الثبوت، ولكن منه ما هو قطعي الدلالة، ومنه ما هو ظني الدلالة، فالحكم بالكفر إنما هو على من أنكر وجوب الالتزام بالكتاب أو السنة أصلًا، ومن أنكر ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ثم بعد ذلك توجد تفصيلات ولذلك تقول: إن تفصيل مدلول الالتزام بالكتاب والسنة بالنسبة لكل نص على حدة منوط بتفسير أهل الحق من أئمة الاجتهاد وأئمة العقائد وأئمة التفسير والسنة، فهم الذين أعطوا هذا المعنى مضمونه التفصيلي، ومن تكلم في هذا الشأن من غيرهم أو مخالفًا لاجتهاداتهم فإنه يَسِف أو يَضِل أو يُخطئ على حسب نوع الكلام الذي يقوله وحكمهم عليه.\nوقد توزعت أقوال الأئمة المرتبطة بموضوع الالتزام بالكتاب والسنة في كتب العقائد والفقه وأصول الفقه وأصول علم التفسير وأصول علم الحديث، والعالِم المحيط بهذه العلوم هو الذي يدرك تفصيلات المراد بالتزامٍ بالكتاب والسنة، فالالتزام بالكتاب والسنة يعني الالتزام بالإجماع والقياس والعرف الصالح والمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب، وهناك قواعد تضبط الفهم وتضبط كيفية استنباط الحكم، وهناك قواعد للترجيح بين الأدلة، وهذا وغيره من كلام الأئمة كله تفصيل دقيق للمراد بالتزام الكتاب والسنة.\n_________\n(١) الحج: ٣٢.","vol":"1","page":325},{"text":"ولقد رفع الخوارج شعار \"لا حكم إلا لله\"، وهو شعار صحيح، ثم وصلوا منه إلى ضلال، وهناك ناس يرفعون شعار العودة إلى الكتاب والسنة، ولكن رافق دعوة غلاتهم من الخطأ ما يلغي التراث الفقهي والعلمي، ويشكك بالأمة والأئمة، فاقتضى ذلك التنبيه.\nوقد حضت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة على الالتزام بهما، فمن آيات القرآن في ذلك:\n﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٤)، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ (٥)، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (٧). قال الحسن: تدبُّر آياته: اتباعه والعمل بعلمه. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ (٨) يعملون به حق عمل به. ومن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٩)، قيل معناه: من يعرض عن ذكر القرآن وما فيه من الحكم إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم نعاقبه بشيطان نقيضه له حتى يضله ويلازمه قرينًا له وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ...﴾ (١٠). (شرح السنة).\nفالإسلام في البداية والنهاية هو التسليم للكتاب والسنة، والكتاب والسنة فيهما بيان كل شيء مما يحتاجه المكلف، قال تعالى عن القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١١)، ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٢). فالكتاب والسنة وما انبثق عنهما من فهومٍ\n_________\n(١) النساء: ٥٩.\n(٢) آل عمران: ٣٢.\n(٣) الحشر: ٧.\n(٤) آل عمران: ١٠٣.\n(٥) المائدة: ١٥، ١٦.\n(٦) الزمر: ٥٥.\n(٧) ص: ٢٩.\n(٨) البقرة: ١٢١.\n(٩) الزخرف: ٣١.\n(١٠) الأحزاب: ٢٦.\n(١١) النحل: ٨٩.\n(١٢) يوسف: ١١١.","vol":"1","page":326},{"text":"صحيحة، وما استنبط منهما بطريقٍ صحيحٍ كل ذلك إسلام، فالإسلام واسع لأنه ما من قضية من قضايا الحياة إلا ولله فيها حكم، فالإسلام هو الحياة بكل ما فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١)، وكان ولا يزال رمز الدخول في الإسلام هو الشهادتين، وكان رسول الله ﷺ يدل الداخلين في الإسلام على معالم كبرى من هذا ليبدأوا عهدهم بالإسلام فيها، ثم لتكون هي البداية في السير على ضوء الكتاب والسنة، وقد غلط من فهم أن مثل هذه النصوص هي الدين كله، فَذِكْرَ الخاص وإرادةُ العام أو ذِكْرَ العام وإرادةُ الخاص، وذِكرُ الجزء وإرادةُ الكل وذِكرُ الكل وإرادةُ الجزء هي بعض أساليب الخطاب التي تعرفها العرب بفطرتها، والراسخون في العلم يضعون الأمور في مواضعها، وهذه بعض النصوص التي تحض على التزام الكتاب والسنة.\n_________\n(١) الأنفال: ٢٤.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>النصوص</span>\n٣٩١ - * روى البخاري عن ابن مسعودٍ قال: أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وإن ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين.\n٣٩٢ - * روى الترمذي عن المقدام بن معد يكرب رفعه: \"ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتابُ الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه. وإن ما حرَّم رسول الله كما حرم الله\".\nولأبي داود (١): \"ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته\".\n٣٩٣ - * روى ابن ماجه عن أبي الدرداء رفعه: \"وايمُ الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلُها ونهارها سواءٌ\".\n٣٩٤ - * روى مالك بن أنس ﵀ أنه بلغه، أن رسول الله ﷺ قال: \"تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله\".\n_________\n٣٩١ - البخاري (١٣/ ٢٤٩) -٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -٢ - باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ، وقول الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.\n٣٩٢ - الترمذي (٥/ ٣٨) -٤٢ - كتاب العلم -١٠ - باب ما نُهِي عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ.\nوقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(١) أبو داود (٤/ ٢٠٠) -كتاب السنة- باب في لزوم السنة.\nبنحو ما عند الترمذي.\nابن ماجه (١/ ٦) المقدمة -٢ - باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ والتغليظ على من عارضه.\nورواية أبي داود أتم من رواية الترمذي وابن ماجه.\n٣٩٣ - ابن ماجه (١/ ٤) -المقدمة -١ - باب اتباع سنة رسول الله ﷺ.\nورجاله ثقات.\n٣٩٤ - الموطأ (٢/ ٨٩٩) -٤٦ - كتاب القدر -١ - باب النهي عن القول بالقدر.\nويشهد له حديث ابن عباس عن الحاكم (١/ ٩٣) بسند حسن فيتقوى به.","vol":"1","page":328},{"text":"٣٩٥ - * روى الترمذي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظمُ من الآخر، وهو كتابُ الله، حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فهيما؟ \".\n٣٩٦ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلمي وحُجر بن حُجر؛ أتينا العرباض بن سارية ﵁، وهو ممن نزل فيه ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (٣) فسلمنا، وقُلنا: أتيناك زائرين، وعائدين، ومقتبسين، فقال العِرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يومٍ، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوب، فقال رجل: يا رسول الله، كأن هذه موعظةٌ مودع، فماذا تعهدُ إلينا؟ قال: \"أوصيكم بتقوى الله. والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم فسيري اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ،\n_________\n٣٩٥ - الترمذي (٥/ ٦٦٣) -٥٠ - كتاب المناقب -٣٢ - باب مناقب أهل بيت النبي ﷺ.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n٣٩٦ - أبو داود (٤/ ٢٠١) -كتاب السنة- باب في لزوم السنة.\nالترمذي (٥/ ٤٤) -٤٢ كتاب العلم -١٦ - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.\nوفي آخره تقديم وتأخير.\nورواه أيضًا أحمد (٤/ ١٢٦، ١٢٧).\nوإسناده صحيح.\n(١) التوبة: ٩٢.\nمقتبسين: الاقتباس في الأصل: أخذ القبس من النار، وأراد به: الأخذ من العلم والأدب.\nذرفت: العين تذرفُ: إذا دمعت.\nوجلت: وجل القلب يوجلُ: إذا خاف وفزع، والوجل: الفزع.\nتعهد: عهد إليه بكذا يعهد: إذا أوصى إليه.\nوإن عبدًا حبشيًا: أي: أطع صاحب الأمر، واسمع له، وإن كان عبدًا حبشيًا، فحذف \"كان\" وهي مرادة.\nالراشدين: الراشد: اسم فاعل من رَشِدَ يَرْشَدُ، ورشد يرْشُد رشدًا، وهو خلاف الغي، وأرشدتُه أنا: إذا هديته.\nالمهديين: المهدي: الذي قد هداه الله إلى الحق، هداه يهديه فهو مهديٌّ، والله هاديه.\nوعضوا عليها بالنواجذ: الأضراس التي بعد الناب، جمع ناجذ، وهذا مثلُ في شدة الاستمساك بالأمر، لأن العض بالنواجذ عض بمعظم الأسنان التي قبلها والتي بعدها. =","vol":"1","page":329},{"text":"وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعةً، وكل بدعةٍ ضلالة\".\n٣٩٧ - * روى البزار عن ابن مسعود قال: عليكم بهذا القرآن فإنه مأدبةُ الله فمن استطاع منكم أن يأخذ مأدبة الله فليفعل فإنما العلم بالتعلم.\n٣٩٨ - * روى الطبراني عن معقل بن يسار رفعه: \"اعلموا بالقرآن، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه، واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم فردوه إلى الله وإلى لي الأمر من بعدي كيما يُخبركم، وآمنوا بالتوارة والإنجيل والزبور وما أوتي النبيون من ربهم، وليشفيكم القرآن وما فيه من البيان فإنه شافع مُشفعٌ وما حِلٌ مصدق ولكل آية منه نور إلى يوم القيامة، أما إني أُعطيتُ سورة البقرة من الذكر، وأُعطيت هـ والطور من ألواح موسى، وأعطيتُ فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش، وأُعطيتُ المفصل نافلةً\".\nوفي رواية (١): \"فما اشتبه عليكم منه فاسألوا عنه أهل العلم يخبروكم\".\n٣٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إنما مثلي ومثلُ ما بعثني الله به كمثل رجلٍ أتى قومًا، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفةٌ من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني، فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني، وكذَّب بما جئتُ به من الحق\".\n_________\n= محدثات الأمور: ما لم يكن معروفًا في كتاب ولا سنة ولا إجماع.\n٣٩٧ - كشف الأستار (١/ ٩٢).\nقال في المجمع (١/ ١٢٨): رجاله موثقون.\n٣٩٨ - المعجم الكبير (٢٠/ ٢٢٥).\n(١) مجمع الزوائد (١/ ١٧٠). وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبيد الله بن أبي حميد أجمعوا على ضغطه. أ. هـ من المجمع. وهو حسن لتعدد رواياته.\n٣٩٩ - البخاري (١٢/ ٢٥٠) -٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -٢ - باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ، وقول الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.\nمسلم (٤/ ١٧٨٨) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٦ - باب شفقته ﷺ على أمته، ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم.","vol":"1","page":330},{"text":"٤٠٠ - * روى أحمد عن يحيى بن ميمون الحضرمي أن أبا موسى الغافقي سمع عقبة بن عامر الجهني يحدث على المنبر عن رسول الله ﷺ أحاديث، فقال أبو موسى: إن صاحبكم هذا لحافظٌ أو هالك إن رسول الله ﷺ كان آخر ما عهد إلينا أن قال: \"عليكم بكتاب الله، وسترجعون إلى قوم يُحبون الحديث عني، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ومن حفظ شيئًا فليحدِّث به\".\n٤٠١ - * روى البزار عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلالٌ، وما حَرَّم فهو حرامٌ، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإ، الله لم يكن لينسى شيئًا\". ثم تلا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣).\n٤٠٢ - * روى مالك عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تُناصحوا من ولى الله أمركم. ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال\".\n٤٠٣ - * روى الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري، قال خرج علينا رسول الله ﷺ وهو مرعوبٌ فقال: \"أطيعوني ما كنت بين أظهركم وعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه\".\n_________\n٤٠٠ - أحمد (٤/ ٢٢٤).\nكشف الأستار (١/ ١١٧).\nقال في المجمع (١/ ١٤٣، ١٤٤): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله ثقات.\n٤٠١ - كشف الأستار (٢/ ٥٨).\nقال في المجمع (١/ ١٧١): رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله موثقون.\n(٣) مريم: ٦٤.\n٤٠٢ - الموطأ (٢/ ٩٩٠) -٥٦ - كتاب الكلام -٨ - باب ما جاء في إضاعة المال وذي الوجهين.\nوروى مسلم نحوه (٢/ ١٢٤٠) -٢٠ - كتاب الأقضية -٥ - باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة.\n٤٠٣ - مجمع الزوائد (١/ ١٧٠). وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.","vol":"1","page":331},{"text":"٤٠٤ - * روى الطبراني عن ابن شريح الخزاعي قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: \"أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله\" قالوا: بلى. قال: \"إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا\".\n* * *\n_________\n٤٠٤ - مجمع الزوائد (١/ ١٦٩). وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الفصل التاسع عشر\nفي\nالتمسك بالسنة</span>\nوفيه التحذير من البدعة وأهلها","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>النصوص</span>\n٤٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة، رفعته: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\".\n٤٠٦ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعودٍ قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم.\n٤٠٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: ما أتى على الناس عامٌ إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سُنةً، حتى تحيا البدع وتموت السنن.\n٤٠٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله حجب التوبة عن كل صاحبِ بدعة\".\nأقول: أي إن صاحب البدعة لا تقبل توبته حتى يتوب من بدعته.\n٤٠٩ - * روى أحمد عن ابن مسعودٍ قال: خط لنا رسول الله ﷺ يومًا خطًا، ثم قال: \"هذا سبيلُ الله\". ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال: \"هذه سُبُلٌ على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه\". ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\n_________\n٤٠٥ - البخاري (٥/ ٣٠١) -٥٣ - كتاب الصلح -٥ - باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود.\nمسلم (٣/ ١٣٤٣) -٣٠ - كتاب الأقضية -٨ - باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور.\nأبو داود (٤/ ٢٠٠) -كتاب السنة -باب في لزوم السنة.\nرد: أي مردود من قبلنا وعلى صاحبه، وكل ما أجازه الأئمة المجتهدون أو أحدهم لا يُعتبرُ بدعةً، وما عليه الراسخون في العلمِ من فهْمٍ لنصوص الكتاب والسنة لا يُعتبرُ بدعة.\n٤٠٦ - المعجم الكبير (٩/ ١٦٨).\nقال في المجمع (١/ ١٨١): رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.\n٤٠٧ - المعجم الكبير (١٠/ ٣١٩).\nقال في المجمع (١/ ١٨٨): رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.\n٤٠٨ - مجمع الزوائد (١٠/ ١٨٩). وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة.\n٤٠٩ - أحمد (١/ ٤٦٥).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٢). وقال: رواه أحمد والبزار وفيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف.\nالمستدرك (٢/ ٣١٨). وصححه. ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":335},{"text":"٤١٠ - * روى أحمد عن مجاهدٍ قال: كنا مع ابن عمر في سفر فمر بمكان فحاد عنه فسئل: لم فعلت؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فَعل هذا ففعلته.\n٤١١ - * روى البزار عن مجاهد أن ابن عمر ﵁ كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فَيَقيل تحتها، ويُخبرُ أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.\n٤١٢ - * روى أبو داود عن معاذٍ: إن وراءكم فتنًا يكثرُ فيها المال، ويُفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمنُ والمنافق، والرجلُ والمرأة، والعبدُ والحر، والصغير والكبير، فيوشك قائلٌ أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأتُ القرآن؟ وما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإنما ابتدع ضلالةٌ، وأحذركم زَيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذٍ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: بلى: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعلهُ يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا.\n٤١٣ - * روى أحمد عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين\".\n_________\n٤١٠ - أحمد (٢/ ٢٢).\nكشف الأستار (١/ ٨١). وإسناده جيد.\nقال في المجمع (١/ ١٧٤). رواه أحمد والبزار ورجاله موثقون.\n٤١١ - كشف الأستار، الموضع السابق. وإسناده لا بأس به.\nقال في المجمع (١/ ١٧٥): رواه البزار ورجاله موثقون.\n٤١٢ - أبو داود (٤/ ٢٠٢) -كتاب السنة- باب لزوم السنة.\nوإسناده صحيح.\nزيغة الحكيم: الزيغُ، وأراد به: الميل عن الحق. والحكيم: العالم العارف، أراد به: الزلل والخطأ الذي يعرض للعالم العارف، أو يتعمده لقلة دينه.\n٤١٣ - أحمد (٥/ ٢٧٨).\nقال في المجمع (٥/ ٢٣٩): رواه أحمد ورجاله ثقات.\nالترمذي (٤/ ٥٠٤) -٣٤ - كتاب الفتن -٥١ - باب ما جاء في الأئمة المضلين.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال عنه السيوطي: حسن.","vol":"1","page":336},{"text":"٤١٤ - * روى الطبراني في الصغير عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: \"يا عائشةُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٢) هم أصحابُ البدعِ وأصحابُ الأهواء ليس لهم توبة أنا منهم بريء وهم مني براء\".\n٤١٥ - * روى الدارمي عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم.\n٤١٦ - * روى الدارمي عن عُمر بن عبد العزيز قال: سأله رجل عن شيء من الأهواء، فقال: عليك بدين الأعرابي والغلام في الكُتَّاب والهُ عما سوى ذلك. قال أبو محمد: كَثُر تنقله أي ينتقل من رأي إلى رأي.\n٤١٧ - * روى الدارمي عن أبي صادق الأزدي عن ربيعة بن ناجذ قال: قال علي: كونوا في الناس كالنحلة في طيرانها ليس من الطير شيء إلا وهو يستضعفها ولو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها. خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم فإن للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب.\n* * *\n_________\n٤١٤ - الروض الداني (١/ ٣٣٨). وإسناده جيد.\nقال في المجمع (١/ ١٨٨): رواه الطبراني في الصغير وفيه بقية، ومجالد بن سعيد، وكلاهما ضعيف.\n(٢) الأنعام: ١٥٩.\n٤١٥ - الدارمي (١/ ١١٠) - المقدمة- باب اجتناب أهل الأهواء والبدع والخصومة.\nوإسناده حسن.\n٤١٦ - الدارمي (١/ ٩١) -المقدمة- باب من قال العلم الخشية وتقوى الله.\nوإسناده صحيح.\nقوله: كثُر تنقله: أي من استمع إلى أهل الأهواء فإنه لا يسلم من أن ينتقل من مذهب باطل إلى مذهب باطل آخر.\n٤١٧ - الدارمي (١/ ٩٢) -المقدمة- باب في اجتناب الأهواء.\nولا بأس بإسناده.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الفصل العشرون\nفي:\nالبدعة</span>","vol":"1","page":339},{"text":"من بدهيات الإسلام التمسك بسنة رسول الله ﷺ، كيف لا والله ﷿ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).\nومن بدهيات الإسلام الحذر من البدعة وكراهيتها، ولكن هذين الموضوعين يلبس بهما أهل الجهل على المسلمين فاقتضى ذلك تبيينهما.\nفيما يدخل في التمسك بالسنة: الاقتداء برسول الله ﷺ بالكليات والجزئيات، وذلك يقتضي فهم سيرته ومعرفة سننه، ولكن درجات الإلزام في ذلك يحددها أئمة الاجتهاد والفتوى الصحيحة من أهلها، فهناك سنة عادة وسنة عبادة وسنة دائمة وتشريع مؤقت، وما دام المسلم على فتوى إمام مجتهد أو عالم معتمد فهو على إسلام وعلى سنة وعلى اقتداء برسول الله ﷺ في حده الأدنى أو حده الأعلى، وما دام المسلم على العقائد الإسلامية كما هي في صريح الكتاب والسنة وما دام على فهم الراسخين في العلم من الأئمة في المتشابهات فهو على سنة، وبالتالي لا يعتبر مبتدعًا من من كان في المحكمات على الكتاب والسنة وفي المتشابهات والمشتبهات على مذاهب الراسخين في العلم من أئمة أهل السنة والجماعة، ومن ضلل من تابع الأئمة في مثل هذين الأخيرين فقد ضل لأنه يريد أن يلقي بالأمة في أحضان الجاهلية وأن يتهم الأئمة وحاشاهم.\nوأخطر أنواع البدع بدع الاعتقاد التي تخرج الإنسان عن كونه من الفرقة الناجية إلى أن يدخل في الفرق الثنتين والسبعين التي نص رسول الله ﷺ على استحقاقها النار، ويدخل في الابتداع ابتداع العمل، ولكن لا نحكم على إنسان في العقائد أنه مبتدع ما دام على فهم الراسخين في العلم للمتشابهات، قال تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٢) فالقراءة التي تقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ تفيد إفادة صريحة كما ذكرناه، ولا نحكم على عمل أنه بدعة، أما إذا اختلفوا في بدعيته وتحريمه فالأمر واسع بالنسبة للعامي، وهو أضيق في\n_________\n(١) الأحزاب: ٢١.\n(٢) آل عمران: ٧.","vol":"1","page":341},{"text":"حق من يعرف مسالك الدليل، فمن ترجح لديه أن الدليل الأقوى يوصل إلى البدعية فعليه أن يجتنب، ولكنه لا يحق له أن يشتد في الإنكار على من يتابع أئمة الاجتهاد أو أئمة الفتوى في مثل هذه الحالة، فالسير على اجتهاد إمام من أئمة الاجتهاد، أو على فتوى إمام من الأئمة المعتبرين في الفتوى يخرج صاحبه من إثم الابتداع المحرم أو المكروه، إلا إذا كان من أهل العلم الذين يعرفون مسالك الأدلة فالأمر في حق مثل هؤلاء أشد، ولا يصح لواحد منهم أن يشتد على من خالفه ما دام على رأي إمام معتمد.\n٤١٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عبد الله النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بينٌ وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يُوشكُ أن يرتع فيه. ألا وإن لكلِّ ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمُهُ. ألا وإن في الجسد مُضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله: ألا وهي القلب\".\nدل هذا الحديث على أن بعض مسائل الحرام والحلال مشتبهة لا يعلمها الكثير، وإذن فالقليل يعلمها وهم الأئمة المجتهدون المستشرفون لنصوص الكتاب والسنة والقادرون على\n_________\n٤١٨ - البخاري (١/ ١٢٦) -٢ - كتاب الإيمان -٢٩ - باب فضل من استبرأ لدينه.\nمسلم (٣/ ١٢١٩) -٢٢ - كتاب المساقاة -٢٠ - أخذ الحلال وترك الشبهات.\nبين: ظاهر، وهو ما نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه. وكذلك بالنسبة للحرام.\nمشتبهات: مشكلات، لما فيها من عدم الوضوح في الحل والحرمة بسبب تنازع الأدلة فتشبه مرة الحلال ومرة الحرام.\nاتقي الشبهات: أي ابتعد عن المشكلات واجتنبها.\nفقد استبرأ لدينه وعرضه: أي طلب البراءة، أو حصل عليها، لحفظ دينه من الذم الشرعي، وعرضه يصونه عن كلام الناس بما يعيبه.\nوقع في الشبهات: أي تجرأ عليها وفعلها. وهذا ربما يؤدي به إلى تساهل وجرأةٍ يحملانه عادةً على فعل الحرام الظاهر.\nالحمى: أي المحمي. وهو المحظور على غير مالكه. وقيل: هو الكلأ الذي يمنعه الحاكم ويتوعد من يرعى فيه.\nمحارمه: معاصيه التي حرمها الله تعالى، وهي الجناية على النفس والعرض والمال وغيرها. كالقتل والسرقة والزنا ... إلخ.","vol":"1","page":342},{"text":"الاستنباط منهما، وعلى هذا فإذا كان أحد العلماء مظنة الاجتهاد وقال قولًا لا يخالف صريح كتاب أو سنة قطعية الثبوت قطعية الدلالة ليس لها معارض، فللمسلم أن يتابعه ولا حرج، ولا يكون بذلك مبتدعًا، فالمبتدع هو من سار في أمر العقائد على غير أقوال الراسخين في العلم، وفي الفروع على غير أقوال الأئمة المجتهدين، نفهم ذلك من هذا الحديث في قضايا الحلال والحرام، ومن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١).\nوقد قال الإمام أحمد (٢) عن عائشة ﵂، قالت: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فقال: \"إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهمن الذين عنى اللهُ فاحذروهم\".\nوفي البخاري (٣) ومسلم وأبي داود عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذورهم\".\nويدخل في ذلك كل من اتبع المتشابه وترك المحكم.\nويدخل في ذلك فرق الضلال كلها، كما سنرى في مباحث لاحقة.\nأما من تابع الراسخين في العلم من أهل السنة والجماعة الذين يحملون المتشابه على المحكم فحاشاهم من الابتداع.\n_________\n(١) آل عمران: ٧.\n(٢) أحمد (٦/ ٤٨).\n(٣) البخاري (٨/ ٢٠٩) -٦٥ - كتاب التفسير -١ باب ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾.\nمسلم (٤/ ٢٠٥٣) -٤٧ - كتاب العلم -١ - باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه ...\nأبو داود (٤/ ١٩٨) -كتاب السنة - باب مجانبة أهل الأهواء.","vol":"1","page":343},{"text":"وقد تشدد قوم في موضوع البدعة نتيجة لسوء الفهم، فحكموا على أشياء أجازها أئمة الاجتهاد أو بعضهم على أنها بدع ضالة وضللوا أهلها، وليس لهم ذلك وفهمهمن للحديث (١): \"كلُ ما ليس عليه أمرنا فهو رد\" فهو مغلوطٌ في هذه الحالة، فأمر رسول الله ﷺ هو ما وافق الكتاب والسنة، وما أحال عليه الكتاب والسنة من مسالك الاجتهاد كالقياس والإجماع والاستحسان -عند القائلين به- وتحكيم العرف حيث سكت النص- عند القائلين به- وكل ذلك داخل في أمر رسول الله ﷺ، ولكن لا يحسن كل أحد أن يستنبط ما يوافق أمر رسول الله ﷺ إلا من وصل إلى رتبة الاجتهاد أو وصل إلى الإمامة في الفتوى، أمثال هؤلاء يستطيعون أن يميزوا بين ما وافق أمر رسول الله ﷺ وأصحابه من اعتقادات وأعمال وما لا يوافق، وبالتالي ففتوى هؤلاء أو أحدهم بالموافقة يُخرِج من أخذ بفتواه من أن يكون من أهل الابتداع، وهذا الذي قلناه تشهد له أعمال الصاحبة، فكثيرًا ما حدث أن الصحابي كان يقول أو يفعل الفعل بناء على فهمه لشريعة الله، دون أن يكون هناك نص خاصٌ في عمله أو في قوله، وكان رسول الله ﷺ يعجبه ذلك إن وافق فعلًا أمره، وإلا صحح وسدد، وهذا الذي كان يفعله الصحابة فهمًا من النصوص، وكان رسول الله ﷺ يقرّه ويعجبه هو الذي يجعلنا نقول: إن كثيرًا من الاجتهادات التي حدثت بعده ﵊ قد توافق أمره وقد تخالفه، فمن الذي يحكم عليها؟ لا شك أن أئمة الاجتهاد وأئمة الفتوى المؤهلين للتمييز بين ما يوافق الأمر وما يخالفه، فإذا أجمعوا فذلك الذي لا يسع مسلمًا أن يخالفه، وإذا افترقوا فالأمر واسع، وأحيانًا يحدث فيما بينهم نقاش ثم يستقر عند الأمة على شيءٍ متفق عليه، فبعد الاتفاق واستقرار أمر الأمة على شيء فههنا كذاك لا ينبغي أن يخالف، ومن خالف كان مبتدعًا.\nوقد تتبع بعضهم ما فعله الصحابة ابتداءٌ دون أمر خاص وأقرهم الرسول -ﷺ- عليه،\n_________\n(١) البخاري (٥/ ٣٠١) -٥٣ - كتاب الصلح -٥ - باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود.\nمسلم (٣/ ١٣٤٣) -٣٠ كتاب الأقضية -٨ - باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.\nأبو داود (٤/ ٢٠٠) - كتاب السنة -باب في لزوم السنة.\nابن ماجه (١/ ٧) - المقدمة -٢ - باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ والتغليظ على من عارضه.","vol":"1","page":344},{"text":"وذلك كله يشهد لما ذكرناه، فذكر من ذلك المسائل التالية:\n٤١٩ - * الحديث الأول: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن نبي الله ﵌ قال لبلالٍ عند صلاة الفجر: \"يا بلالُ حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام فإني سمعت دَف نعليك في الجنة\". قال: ما عملتُ عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليتُ بذلك الطهور ما كُتب لي.\nوفي حديث الترمذي (٢) قاله لبلال: \"بم سبقتني إلى الجنة\"؟ قال: ما أذنتُ قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال النبي ﵌: \"بها نِلت\". أي تلك المنزلة.\nقال الحافظ ابن حجرٍ في الفتح: يُستفاد منه جوازُ الاجتهاد في توقيتِ العبادة؛ لأن بلالًا توصل إلى ذكره بالاستنباط فصوبه الرسول ﵌ (٣) ومثلُ هذا حديثُ خبيب في البخاري وفيه: وهو أول من سن الصلاة لكلِّ مقتول صبرًا ركعتين (٤). فهذه الأحاديث صريحةً في أن بلالًا وخبيبًا اجتهدا في توقيت العبادة، ولم يسبق من الرسول ﵌ أمرٌ ولا فعلٌ إلا الطلبُ العام. وإن الصلاة خيرٌ موضوعٌ فأقلل منها أو استكثر كما في الحديث، فلو أن أحدًا أراد إيقاعها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لكانت بدعة عند من يرى عمووم النهي، وغير بدعةٍ عند من يرى تخصيص النهي بالنفل المطلق، ومع أن الشافعية ﵏ يرون تخصيص النهي بغير المؤقت بذي السبب، فإنهم اختلفوا في سنة الوضوء فالإمام الغزالي يمنع فِعلها فيه، ويقول: يتوضأ\n_________\n٤١٩ - البخاري (٣/ ٣٣، ٣٤) -١٩ - كتاب التهجد -١٧ - باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار.\nمسلم (٤/ ١٩١٠) -٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢١ - باب من فضائل بلال ﵁.\nأحمد (٢/ ٣٣٣).\n(١) الترمذي (٥/ ٦٢٠) -٥٠ - كتاب المناقب -١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب ﵁.\nوقال: هذا حديث صحيح غريب.\nالمستدرك (٣/ ٢٨٥). وقال: صحيح على شرطهما. وأقره الذهبي.\n(٢) فتح الباري ج ٣ ص ٣٤.\n(٣) فتح الباري: ج ٧ ص ٣٧٩.","vol":"1","page":345},{"text":"ليصلي وليس يصلي لأنه توضأ. فليست بذات سبب، ولكلٍّ نهجهُ وفهمهُ واستدراكه، رضوان الله عليهم أجمعين.\n٤٢٠ - * الحديث الثاني ما رواه البخاري عن رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي وراء النبي ﵌ فلما رفع رأسه من الركعة قال: \"سمع الله لمن حمده\". قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما انصرف قال: \"من المتكلم؟ \" قال: أنا. قال: رأيت بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها\".\nقال الحافظ في الفتح: يُستدلُّ به على جواز إحداث ذكرٍ في الصلاة مأثور إذا كان غير مخالفٍ للمأثور، وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش.\nومثله ما رواه الصنعاني عبد الرزاق في المصنف (٢) عن ابن عمر قال إن رجلًا والناس في الصلاة فقال حين وصل إلى الصف: الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. فلما قضى النبي ﵌ صلاته قال: \"من صاحبُ الكلمات؟ \" قال الرجل: أنا يا رسول الله، والله ما أردتُ بهن إلا الخير. قال: \"لقد رأيت أبواب السماء فتحت لهن\". قال ابن عمر. فما تركتهن منذ سمعتُهن.\nورواه النسائي (٣) إلا أنه قال: \"لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا\". وفي رواية أخرى فيه (٤) قال: \"عجبت لها\". وذكر كلمةً معناها: \"فتحت لها أبواب السماء\". وفيه قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله ﵌ يقوله.\n_________\n٤٢٠ - البخاري (٢/ ٢٨٤) -١٠ - كتاب الأذان -١٢٦ - باب حدثنا معاذ بن فضالة.\n(١) المصنف (٢/ ٧٦).\n(٢) النسائي (٢/ ٢٢٥) -١١ - كتاب الافتتاح -٨ - باب القول الذي يفتتح به الصلاة.\n(٣) النسائي، الموضع السابق.\nوالحديث في مسلم والنسائي وأبي داود عن أنس، وحديث رفاعة بن رافع الزرقي عند أبي داود أيضًا. وفي أبي داود عن عبد الله بن عامر عن أبيه قال: \"عطس شاب من الأنصار خلف رسول الله ﵌ وهو في الصلاة فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه حتى يرضى ربنا من أمر الدنيا والآخرة فلما انصرف الرسول ﵌ قال: \"من القائل الكلمة\". وفيه: فقال ﵌: \"فما تناهت دون عرش الرحمن ﵎\".","vol":"1","page":346},{"text":"فانظر- وفقنا الله وإياك إلى الحق- كيف أقر الرسول ﵌ زيادة ذكر لم يؤثر عنه في افتتاح الصلاة، وأقر فاعليها بأعلى درجات الإقرار والرضاء، وذلك لأن الموضعين من مواضع الثناء على الله في الصلاة.\nوالمقصود أن الرسول ﵌ أقر الصحابيين على إحداث أذكار في الصلاة لم تكن مأثورة عنه، وهذا موضع الاستدلال كما سبق، وأنه كان اجتهادًا واستنباطًا منهما.\n٤٢١ - * الحديث الثالث ما رواه البخاري عن أنس ﵁ قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قُباء كلما قرأ افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به ثم افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمة أصحابهُ فقالوا: إنك تفتتحُ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تُجزئُكَ حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، وإن أحببتم أن أؤمكم فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﵌ أخبروه فقال: \"يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة\"؟ فقال: إني أحبها. فقال النبي ﵌: \"حبك إياها أدخلك الجنة\".\nقال الحافظ في الفتح: (قوله: ما يمنعُك وما يحملك. سأله عن أمرين فأجابه بقوله: إني أحبها. وهو جواب عن السؤال الثاني مستلزمٌ للأول بانضمام شيء آخر إليه وهو إقامة السنة المعهودة في الصلاة. فالمانعُ مركب في المحبة والأمر المعهود والحاملُ له على الفعل المحبةُ وحدها، ويوحي إلى أن في فعله زيادةً على فعل النبي ﵌. فدل تبشيره بالجنة على الرضاء بفعله. قال ناصر الدين ابن المنير في هذا الحديث: \"إن المقاصد تغيِّرُ أحكام الفعل لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لم يحفظ غيرها. مثلًا، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها لكنه اعتل بحبها فظهرت صحة قصده فصوبه\".\n_________\n٤٢١ - البخاري (٢/ ٢٥٥) -١٠ - كتاب الأذان -١٠٦ - باب الجمع بين السورتين في الركعة.","vol":"1","page":347},{"text":"قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يُعدُّ ذلك هجرانًا لغيره، ومع هذا التقرير من الرسول ﵌، وتبشير الرسول ﵌ له بالجنة لم نجد من العلماء ولا من الصحابة قبلهم من يقول بأن فعله هذا سنة ثابتة، ذلك لأ، ما واظب عليه الرسول ﵌ هو الذي تنبغي المحافظة عليه، ولكنه يُعطينا الدليل على أن مثل هذا وإن كان في صورته مخالفةٌ لفعل الرسول ﷺ في الجملة فإن الأمر واسع لا كما يظن البعض ما دام الفعل في إطار المشروع والمطلوب، [ويدخل في عمومات الشريعة]).\n٤٢٢ - الحديث الرابع روى البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ بعث رجلًا على سريةٍ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختمُ بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﵌، فقال: \"سلوه لأي شيء يصنع ذلك\". فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقر بها فقال النبي ﵌: \"أخبروه أن الله يحبه\".\nقال الحافظ في الفتح: قال ابن دقيق العيد: هذا يدل على أنه كان يقرأ بغيرها ثم يقرأها في كل ركعة وهذا هو الظاهر. ويحتمل أن يكون المراد أنه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الأخيرة أ. هـ (١). أي وكلا الأمرين لم يُعهد فعلُهُ من رسول الله ﵌ ومع ذلك أقره بأعلى درجات الإقرار وهو التبشيرُ بمحبةِ الله له.\nومع كل هذا فلم نعلم أن أحدًا من العلماء قال باستحباب ذلك افتتاحًا كالحديث السابقن ولا اختتامًا كما هنا، لأن ما واظب عليه الرسول ﵌ هو الأفضل، ولكن إقراره لمثل هذا يُوضحُ سُنتهُ ﵌ في قبول ما كان مثل ذلك من أوجه الطاعات والعبادات، ولا يُعتبرُ مثلهُ حدثًا مذمومًا كما يتسابق المتشددون إلى\n_________\n٤٢٢ - البخاري (١٣/ ٣٤٧) -٩٧ - كتاب التوحيد -١ - باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎.\nمسلم (١/ ٥٥٧) -٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٤٥ - باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\n(١) فتح الباري (١٣/ ٣٥٦).","vol":"1","page":348},{"text":"التبديع والتضليل في أفعاله. هذا وظاهرٌ من سياق الحديثين (هذا والذي قبله) أنهما قضيتان، فحديث أنس الأول فيه أن الفاعل لتخصيص هذه السورة إمام قومه في مسجد قباء، وفي حديث عائشة كان أمير سريةٍ. وأن هذا كان يختتم بقل هو الله أحد، وذاك كان يفتتح بها. وهذا بشره الرسول ﵌ بحب الله له، وذاك بشره بالجنة. فالتعدد فيهما واضح لا يحتمل الجمع ولا التأويل. والأحاديث التي مرت كلها في الصلاة كما ترى، وهي أهم أعمال العبادات البدنية وفيها قول الرسول ﵌ (١): \"صلوا كما رأيتموني أصلي\". ومع ذلك قَبِلَ هذه الاجتهادات لأنها لا تخرجُ عن الهيئة التي حدَّدها الشارعُ. [ولأنها داخلة في العمومات التي ندب إلى أصلها الشارع]. فكلُّ حدٍّ لابد من الالتزام به، وما عدا ذلك فالأمر مُسعٌ ما دام داخلًا في الأصل المطلوب. هذه هي سنة الرسول ﷺ وطريقته. وهذا في غاية الوضوح. ويؤخذُ منها ما أصَّله العلماء أن كل عمل يشهدُ له الشرع من الطلب ولم يصادم نصًا ولا تترتب عليه مفسدةٌ فليس داخلًا في حدود البدعة، بل هو من السنة وإن كان غيره أفضل: فالعبادات فيها المفضول وفيها الفاضل، ولا يعاب ولا يُبدعُ من استروح شيئًا منها ما دام الأصلُ عبادةً. والآن نأتي على شيء من الاجتهادات التي أقرها الرسول ﵌ في غير الصلاة، لترى كيف أقرها الرسول ﵌.\n٤٢٣ - الحديث الخامس: حديثُ الرُّقية. وقد رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رهطًا من أصحاب النبي ﵌ انطلقوا في سَفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفهم، فلُدغَ سيدُ ذلك الحي فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيءٌ. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزل بكم لعله أن يكون عند بعضهم شيءٌ فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدغ فسعينا له\n_________\n(١) البخاري (٢/ ١١١) -١٠ - كتاب الأذان -١٨ - باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة ..\nأحمد (٥/ ٥٣).\nالدارمي (١/ ٢٨٦) -كتاب الصلاة- باب من أحق بالإقامة.\n٤٢٣ - البخاري (١٠/ ٢٠٩) -٧٦ - كتاب الطب -٣٩ - باب النفث في الرقية.","vol":"1","page":349},{"text":"بكل شيء فهل عند أحدٍ منكم شيءٌ؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لراقٍ ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانلق فجعل يتفُلُ ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى لكأنما نَشِطَ من عِقالٍ فانطلق يمشي ما به قَلبةٌ. فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا. وقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﵌ فَنَذكُر له الذي كان فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول الله ﵌ فذكروا له فقال: \"وما يُدريك أنها رُقيةٌ. أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهمٍ\".\nقال الحافظ في الفتح في كتاب الإجارة (١): قوله \"وما يدريك\" إلخ هي كلمة تقال عند التعجب من الشيء، وتستعملُ في تعظيم الشيء أيضًا، وهو لائق هنا. زاد شعبةُ في روايته: ولم يذكر نهيًا. أي من النبي ﵌. وزاد سليمان بن قتة في روايته بعد قوله: \"وما يدريك أنها رُقية\"؟ قلت ألقي في روعي أهـ.\nوهذا صريح في أن الصحابي لم يكن عنده علم متقدم بمشروعية الرُّقية بالفاتحة، ولكنه شيء فعله باجتهاده، ولما لم يكن فيه مخالفةٌ للمشروع أقره الرسول ﵌؛ لأن هذه سنته وطريقته في إقرار ما كان من الخير ولا تترتبُ عليه مفسدةٌ، وإن لم يكن من عمل الرسول ﵌ نصًا. وقول الرسول ﵌: \"قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم\". كأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما قال الحافظ.\n٤٢٤ - * الحديث السادس: وقد وقعت للصحابة قصة أخرى في رجل مُصاب في عقله فقرأ عليه بعضُهم فاتحةَ الكتابِ فبرأ.\nروى أبو داود من طريق خارجة بن الصلت عن عمه: أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون\n_________\n= الجعل: هو ما جعل للإنسان من أجر في مقابل شيء.\nما به قلبةٌ: أي ما به أثر من مرض.\n(١) فتح الباري (٤/ ٤٥٧).\n٤٢٤ - أبو داود (٤/ ١٤) -كتاب الطب- باب كيف الرقي؟\nوانظر فتح الباري (٤/ ٤٥٥).","vol":"1","page":350},{"text":"موثق في الحديد، فقالوا: إنك جئت من عند هذا بخير، فارق لنا هذا الرجل. فرقاه بها.\n٤٢٥ - * الحديث السابع: روى أبو يعلى عن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ على مبتلى في أذنه فأفاق، فقال له الرسول ﵌: \"ما قرأت\"؟ قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ إلى آخر السورة. فقال الرسول ﵌: \"لو أن رجلًا موفقًا قرأ بها على جبل لزال\".\nوفي الحديث تقرير النبي ﵌ لابن مسعود في قراءته الآيات من آخر سورة المؤمنون على المبتلى، ولم يكن قد سمع ذلك من النبي ﵌ وإنما هو شيء استنبطه باجتهاده. ولما كان من الخير الذي لا يعارض المشروع أقره كصاحب الرقية عند البخاري، والتي عند أصحاب السنن، وهما قضيتان إحداهما لأبي سعيد الخدري، والثانية لعم خارجة بن الصلت، وهذه الثالثة لابن مسعود، وهناك رابعة عند ابن حبان لعلاقة بن صحار وهي الحديث الثامن.\n٤٢٦ - * الحديث الثامن: روى ابن حبان عن علاقة بن صحار السليطي التميمي أنه أتى النبي ﵌، ثم أقبل راجعًا من عنده فمر على قوم عندهم رجل موثق بالحديد، فقال أهله: إنه قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير. فهل عندك شيء ترقيه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ فأعطوني مائة شاة فأتيت النبي ﵌ فقال: \"خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل فقد أكلته برقية حق\".\n٤٢٧ - * الحديث التاسع: روى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ بقل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﵌ فذكر له\n_________\n٤٢٥ - مجمع الزوائد (٥/ ١١٥). وقال: رواه أبو يعلى وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح، أهـ من المجمع. ومثله في المطالب العالية للحافظ ابن حجر.\n٤٢٦ - الإحسان بترتيب ابن حبان (٧/ ٦٣٦) - كتاب الرقاء والتمائم- باب ذكر بإباحة أخذ الراقي الأجرة على رقيته التي وصفناها.\n٤٢٧ - البخاري (٩/ ٥٨، ٥٩) - ١٦ كتاب فضائل القرآن- ١٣ - باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.","vol":"1","page":351},{"text":"ذلك وكأن الرجل يتقالها، فقال ﵌: \"والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن\".\nقال الحافظ في الفتح: القارئ هو قتادة بن النعمان. أخرجه أحمد بن طريف بن الهيثم عن أبي سعيد، قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزيد عليها. والذي سمعه لعله أخوه لأمه أبو سعيد، وكانا متجاورين، وبذلك جزم ابن عبد البر. وقد خرج الدارقطني من طريق إسحاق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث بلفظ إن لي جارًا يقوم بالليل فمل يقرأ إلا بقل هو الله أحد. أهـ (١).\nوفي الحديث إقرار الرسول ﷺ له على هذا التخصيص والاقتصار على هذه السورة في قيام الليل، مع ما فيه من التخصيص الذي لم يكن من عمله ﵌. وفيه ما في سابقيه برقم ٣، ٤ من الدلالة على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانا لغيره. ومع كل هذا فلم نجد من العلماء من قال بأفضلية قيام الليل بها وحدها، لأن ما كان عليه عمل الرسول ﷺ من القراءة بالقرآن كله أفضل من ذلك، ولكن عمله وما يشبهه داخل في نطاق السنة، وليس فيه ما يذم؛ بل هو محمود على كل حال. وفيه رد على المبدعين [بالباطل] كالأحاديث السابقة والتي ستأتي.\n٤٢٨ - * الحديث العاشر: روى ابن حبان عن ابن بريدة عن أبيه قال دخلت مع رسول الله ﵌ المسجد فإذا رجل يصلي يدعو: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا\n_________\n(١) فتح الباري (٩/ ٥٩، ٦٠).\n٤٢٨ - ابن حبان (٢/ ١٢٥) - كتاب الرقائق- باب ذكر البيان بأن دعاء بما وصفنا إنما هو دعاؤه باسم الله الأعظم الذي لا يخيب من سأل ربه به.\nأحمد (٥/ ٣٤٩).\nأبو داود (٢/ ٧٩) - كتاب الصلاة- باب الدعاء.\nالترمذي (٥/ ٥١٥) - ٤٩ - كتاب الدعوات- ٦٤ - باب جامع الدعوات عن النبي ﷺ.\nابن ماجه (٢/ ١٢٦٧) - ٣٤ - كتاب الدعاء- ٩ - باب اسم الله الأعظم.\nورواه أيضًا النسائي في الكبرى في كتاب التفسير.","vol":"1","page":352},{"text":"أحد. فقال النبي ﵌ \"والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب\" أهـ وهذا دعاء أنشأه الصحابي فيما يظهر، ولما كان مطابقًا للمطلوب أقره ﵌ بأعلى درجات الإقرار والرضاء، ولم يعلم أن الرسول ﵌ علمه إياه، فنصوص الشريعة فيها العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص، وفيها الحقيقة والمجاز وما يجب أن يصار إليه عند التعارض، إلى غير ذلك من القواعد الأصولية حتى قالوا: (ما من عام إلا وخصص)، ولا يمنع وجود (كل) من التخصيص كما هو في آيات الكتاب الكريم.\nفدل هذا كله على أن إنشاء أمر ما يدخل ضمن عمومات الشرع، أو يعتبر تفريعًا لأصل من أصوله، أو يعتبر انبثاقًا عنه، أو استنباطًا من الكتاب والسنة لا يعتبر بدعة، ولكن يخشى أن يكون هذا الإنشاء غير مستند استنادًا صحيحًا إلى عام يدخل فيه هذا الخاص إلى هذا النوع ولا يعتبر انبثاقًا صحيحًا من الأصول أو أن هذا الاستنباط خاطئ ولذلك قلنا لابد من موافقة أهل الاجتهاد أو بعضهم لهذا الإنشاء حتى يخرج من البدعة السيئة ليدخل في السنة الحسنة.\nلقد غلط أناس كثيرون في أمر البدعة، وإذا صحت نية بعضهم فهم مأجورون ونخشى على بعضهم أن يدخلوا في دائرة الهالكين، ونخشى على بعضهم أن يدخلوا في دائرة الضالين.\nفهناك من هو على بدعة في الاعتقاد أجمع على بدعيتها الراسخون في العلم ولا يتردد في بدعيتها.\nوهناك من هو على بدعة في العمل أجمع على بدعيتها الراسخون في العلم ولا يتردد في بدعيتها.\nوهناك من يعتبر بعض القضايا بدعة ضالة، وهي مما أجمع على جوازه الراسخون في العلم.\nوهناك من يعتبر بعض القضايا بدعة ضالة، ويشتد على أهلها مع إجازة بعض أئمة الاجتهاد أو الفتوى لها، وكل ذلك غلط كبير إلا في الأخيرة فلا حرج في الإنكار ولكن","vol":"1","page":353},{"text":"دون شدة وغلظة بل بالبيان الرفيق وذكر الدليل وذكر من أفتى بذلك من أئمة الفتوى.\nإن ما ذكرناه هو الأمر الجامع وهو الذي ينسجم مع النصوص ومع فعل الصحابة وإجماع أهل الفتوى المعتبرين: ألا ترى إلى إجماع الصحابة على جمع عمر الناس في صلاة التراويح على إمام واحد وجعلها عشرين، وقول عمر (نعمت البدعة هذه) وكل ذلك قد صح عن عمر وعن الصحابة (١). ألا ترى أن الذين يضللون عمر والصحابة بسبب ذلك قد دخلوا في دائرة الضلال، فعمر من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا بالاقتداء بهم والاقتداء بهديهم، وأصحاب رسول الله ﷺ كلهم عدول وهم أعمق الناس فهمًا لكتاب الله، ولم تزل الأمة تفعل ما فعله دون نكير إلا من دخل في دائرة الغلو ولم يستطع الخروج منها.\nوهذه نقول عن العلماء توضح ما ذكرناه وتؤكده:\nقال الإمام الشافعي: البدعة بدعتان محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم.\nويشهد لهذا المعنى حديث جرير عند مسلم (٢) \"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\" ومثل هذه الأحاديث أحاديث أخرى تدور حولها منها: حديث ابن مسعود عند مسلم (٣): \"من دل على خير فله مثل أجر فاعله\". وحديث أبي هريرة عند مسلم (٤): \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم ... \".\nإن ما يحدث يجب أن يعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت له الشريعة بالحسن فهو حسن مقبول وما شهدت له الشريعة بالمخالفة والقبح فهو المردود وهو البدعة\n_________\n(١) راجع شرح السنة (٤/ ١١٦ - ١٢٥) بتحقيق الأستاذ شعيب الأرناؤوط.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٠٥٩) ٤٧ - كتاب العلم. ٦ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.\n(٣) مسلم (٣/ ١٥٠٦) ٣٣ - كتاب الإمارة. ٣٨ - باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير.\n(٤) مسلم (٤/ ٢٠٥٩) ٤٧ - كتاب العلم. ٦ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.","vol":"1","page":354},{"text":"المذمومة. وقد يسمون الأول (بدعة حسنة) من حيث اللغة باعتباره محدثًا وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو (سنة مستنبطة) ما دامت شواهد الشريعة تشهد لها بالقبول. وعلى هذه البدعة اللغوية يحمل قول سيدنا عمر ﵁ في صلاة التراويح (نعمت البدعة).\nإن ما شهد له شاهد من الشرع بالطلب خاصا أو عاما ليس من البدعة وإن لم يكن رسول الله ﵌ فعله بخصوصه أو أمر به أمرًا خاصًا.\nقال النووي: (١) في قوله ﵌ (٢): \"وكل بدعة ضلالة\" هذا عام مخصوص المراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة فهي المرادة بالبدع. وقال الحافظ أبو بكر بن العربي في شرحه على سنن الترمذي: - (السابعة) (٣): \"وإياكم ومحدثات الأمور\" اعلموا علمكم الله أن المحدث على قسمين: محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الإرادة فهذا باطل قطعًا (أي) وهو البدعة الضلالة. ومحدث يحمل النظير على النظير فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء. قال وليس المحدث والبدعة مذمومين .. [لمجرد النظر إليهما] (محدث وبدعة) ولا لمعناها فقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٤) وقال عمر (٥) (نعمت البدعة) وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة ويذم من المحدث ما دعا إلى ضلالة أ. هـ.\nوهكذا نجد الأئمة الذين جاءوا بعد الشافعي مثل سلطان العلماء العز بن عبد السلام من الشافعية والإمام النووي وابن الأثير من الشافعية وابن العربي والقرافي من المالكية\n_________\n(١) راجع حاشية السيوطي على سنن النسائي ص ٢٣٤ جـ ٢.\n(٢) أحمد (٤/ ١٢٦).\nمسلم (٢/ ٥٩٢) ٧ - كتاب الجمعة. ١٣ - باب تخفيف الصلاة والخطبة.\nأبو داود (٤/ ٢٠١) كتاب السنة- باب في لزوم السنة.\nالترمذي (٥/ ٤٤) ٤٢ - كتاب العلم. ١٦ - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) المواضع السابقة.\n(٤) الأنبياء: ٢.\n(٥) البخاري (٤/ ٢٥٠) ٣١ - كتاب صلاة التراويح. ١ - باب فضل من قام رمضان.","vol":"1","page":355},{"text":"وغيرهم كثير آخرهم الحافظ ابن حجر العسقلاني كلهم أقروا تقسيم المحدث إلى محمود ومذموم وأنه قد تعتريه الأحكام الخمسة بحسب الأصل الذي يبنى عليه والشواهد التي تشهد له أو عليه أو لما يترتب عليه من المصالح أو المفاسد أو مصادمة الشرع أو موافقته.\nومع كل هذا فإن لهم تقسيمًا آخر: البدعة المكفرة والبدعة المحرمة والبدعة المكروهة تحريمًا والبدعة المكروهة تنزيهًا.\nوهناك جمهور من العلماء قرروا هذا التقسيم منهم النووي وابن العربي وخاتمة الحفاظ ابن حجر.\n...\nإن البدعة المضلة الواردة في الحديث الشريف هي المنافية لأمر الشرع والتي ليست هي مما طلبه الشرع بدليل خاص أو عام. وإن كل ما كان من الشرع وشهد له بالطلب دليل خاص أو عام فليس هو بالبدعة الشرعية المرادة في الحديث وإن سمي بدعة باعتباره اللغوي الشامل للحسن والقبيح.\nعن عبد الله بن مسعود (١) قال إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ.\nولابن تيمية كلمة جاءت في سياق كلام في كتابه: (جواب أهل العلم) تدل على أن ابن تيمية يرى أن كلام السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين إذا قالوا قولًا فذلك يكون حجة يخرج أصحابه من الابتداع. قال ﵀: والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحدا منها عن أحد من السلف أعني الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والورع في الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق لا في زمن أحمد بن حنبل\n_________\n(١) أحمد (١/ ٣٧٩).\nقال في المجمع (١/ ١٧٧): رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله موثقون.","vol":"1","page":356},{"text":"ولا زمن الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم. أ. هـ (١).\nوقد تحدث الإمام العز بن عبد السلام في مقدمة رده على ابن الصلاح بخصوص صلاة الرغائب- عن البدعة وأقسامها فقال: إن البدعة ثلاثة أضرب:\n١ - ما كان مباحًا كالتوسع في المأكل والمشارب والملابس والمناكح فلا بأس بشيء من ذلك.\n٢ - ما كان حسنًا، وهو كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها كصلاة التراويح، وبناء الربط والخانات والمدارس، وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى، وكذلك الاشتغال بالعربية فإنه مبتدع، ولكن لا يتأتى تدبر القرآن، وفهم معانيه إلا بمعرفة ذلك فكان ابتداعه موافقًا لما أمرنا به من تدبر آيات القرآن وفهم معانيه، وكذلك الأحاديث وتدوينها وتقسيمها إلى الحسن والصحيح والموضوع والضعيف، مبتدع حسن، لما فيه من حفظ كلام رسول الله ﷺ أن يدخله ما ليس فيه، أو يخرج منه ما هو فيه، وكذلك تأسيس قواعد الفقه وأصوله وكل ذلك مبتدع حسن، موافق لأصول الشرع غير مخالف لشيء منها.\n٣ - ما كان مخالفًا للشرع، أو ملتزمًا لمخالفة الشرع. أهـ (٢).\nوقد كان الإمام حسن البنا ﵀ يحذر أتباعه من الانشغال بمحاربة البدع الإضافية لأن في محاربة البدع الحقيقية شغلًا ويريد بالبدع الحقيقية ما خالف الدين من المنكرات التي لا خلاف بين العلماء في واحد منها وضررها على الدين وما أكثرها وأخطرها بين المسلمين ومراده بالبدع الإضافية ما اندرج تحت أصل عام في الطلب ولكن صورته غير مأثورة كسائر المسائل المستنبطة، والمختلف فيها بين الفقهاء وهذا منه إدراك الخطورة البدع الحقيقية وخطورة السكوت عنها والانشغال بغيرها. أما الخلافات المذهبية فهي أمر ضروري\n_________\n(١) انظر ص ٢٣ في كتاب جواب أهل العلم.\n(٢) من كتاب \"العز بن عبد السلام وأثره في الفقه الإسلامي\" للدكتور علي الفقير.","vol":"1","page":357},{"text":"والإجماع على أمر فرعي متعذر. فعلينا أن نعتقد الحق فيما بلغنا ونلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات ولا يكون حائلًا بين ترابط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير (١).\nوإليك نقولًا عن أهل العلم تزيد ما قلناه تأكيدًا وتعطيك تصورًا أكمل عما يعتبرونه بدعة:\nالبدعة في اللغة: كل شيء أحدث على غير مثال سابق كان محمودًا أو مذمومًا.\nوالبدع: الأمر الذي يكون أولًا ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) أي لست أول من جاء بالوحي ... أو ما كنت مبتدعًا فيما أقوله.\nومن أسمائه تعالى البديع: لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها فيكون بمعنى مبدع أو من بدع الخلق أي بدأه.\nوغالبًا ما تدور مادة بدع على الإحداث والاختراع.\nالبدعة في الاصطلاح:\nاختلفت أنظار العلماء فيها فمنهم من توسع في تحديدها ومنهم من ضيقها:\n١ - الإمام الشافعي﵀:\nيقسم البدعة إلى حسنة وسيئة، أو محمودة ومذمومة. وهي على هذا تشمل كل حادث بعد عصر الرسول ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين:\nعن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي رحمه الله تعالى يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة .. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم (٣).\n_________\n(١) من مراجع هذا البحث، كتاب للسيد عبد الله بن محفوظ باعلوي الحسيني الحضرمي رئيس القضاء الشرعي في حضرموت سابقًا.\n(٢) الأحقاف: ٩.\n(٣) الباعث لأبي شامة ص ١٣، وفتح الباري جـ ١٧ ص ١٠، وقال أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عنه.","vol":"1","page":358},{"text":"وقال الربيع: قال الشافعي رحمه الله تعالى: المحدثات من الأمور ضربان:\nأحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا، فهذه البدعة الضلالة.\nوالثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهي محدثة غير مذمومة (١). وقد استند في كلا التعبيرين إلى قول عمر ﵁، في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه (٢).\n٢ - وابن حزم ﵀ يقول:\nالبدعة في الدين: كل ما لم يأت في القرآن، ولا عن رسول الله ﷺ، إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه ويعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسنًا، وهو ما كان أصله الإباحة، كما روي عن عمر ﵁: نعمت البدعة هذه (٣)، وهو ما كان فعل خير جاء النص بعموم استحبابه وإن لم يقرر عمله في النص. ومنها ما يكون مذمومًا ولا يعذر صاحبه، وهو ما قامت الحجة على فساده، فتمادى القائل به.\n٣ - والإمام الغزالي ﵀ يقول في إحيائه عن الأكل على السفرة:\nوما يقال إنه أبدع بعد رسول الله ﷺ، فليس كل ما أبدع منهيًا عنه بل المنهي- عنه- بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرًا من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب (٤).\n٤ - وابن الأثير ﵀، يقول:\nالبدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال .. فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ، فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه أو\n_________\n(١) المصدران السابقات، وذكره السيوطي في الحاوي جـ ١ ص ٥٣٩.\n(٢) البخاري (٤/ ٢٥٠) ٣١ - كتاب صلاة التراويح ١٠ - باب فضل من قام رمضان.\n(٣) الموضع السابق.\n(٤) الإحياء جـ ٢ ص ٣ ط. عيسى الحلبي.","vol":"1","page":359},{"text":"رسوله ﷺ فهو حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من السخاء والجود وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد في الشرع به، لأن النبي ﷺ قد جعل له في ذلك ثوابا فقال \"من سن سنة حسنة كان له أجره وأجر من عمل بها\" (١) وقال في ضده \"من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها\" (٢) .. وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ. ومثل البدعة الحسنة يقول عمر في صلاة التراويح: نعمت البدعة. ثم قال: وهي على الحقيقة سنة لقوله ﷺ (٣): \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين\" وقوله (٤): \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\".\nوعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر \"كل محدثة بدعة\" (٥) على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة (٦).\n٥ - وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة:\nاعلم أن كل ما ظهر بعد رسول الله ﷺ بدعة، وكل ما وافق أصول سنته وقواعدها أو قيس عليها فهو بدعة حسنة، وكل ما خالفها فهو بدعة سيئة وضلالة، وإلى هذا الاتجاه مال الشيخ عز الدين بن عبد السلام والنووي وأبو شامة (٧).\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٠٥٩) ٤٧ - كتاب العلم- ٦ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.\n(٢) مسلم: الموضع السابق.\n(٣) أبو داود (٤/ ٢٠١) كتاب السنة- باب في لزوم السنة.\n(٤) أحمد (٥/ ٣٨٥).\nالترمذي (٥/ ٦٠٩) ٥٠ - كتاب المناقب ١٦٠ - باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما. وقال: حديث حسن.\n(٥) أحمد (٤/ ١٢٦).\nمسلم (٢/ ٥٩٢) ٧ - كتاب الجمعة. ١٣ - باب تخفيف الصلاة والخطبة.\nأبو داود (٤/ ٢٠١) كتاب السنة- باب في لزوم السنة.\nالترمذي (٥/ ٤٤) ٤٢ - كتاب العلم- ١٦ - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٦) النهاية جـ ١ ص ٧٩؟\n(٧) كشاف اصطلاحات الفنون جـ ١.","vol":"1","page":360},{"text":"٦ - ابن رجب الحنبلي يقول:\nوالمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة ٧ - ويقول ابن حجر العسقلاني:\nوالبدعة: أصلها ما أحدث على غير مثال سابق. وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة ..\nويقول في موضع آخر: والمحدثات جمع محدثة- والمراد بها- أي في حديث \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (٢) ما أحدث وليس له أصل في الشرع- ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة.\n٨ - ويقول ابن حجر الهيثمي:\nوهي- أي البدعة- لغة: ما كان مخترعًا ... .\nوشرعًا: ما أحدث على خلاف أمر الشرع ودليله الخاص والعام (٣).\n٩ - وقال الزركشي:\nالبدعة في الشرع موضوعة للحادث المذموم (٤).\n١٠ - وقال الشيخ محمد نجيب في رسالته عن البدعة:\nإن البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة، وأما البدعة التي قسمها العلماء إلى واجب وحرام ... إلخ فهي البدعة اللغوية، وهي أعم من الشرعية لأن الشرعية قسم منها.\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم.\n(٢) البخاري (٥/ ٣٠١) ٥٣ - كتاب الصلح. ٥ - باب إد اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود.\nمسلم (٢/ ١٢٤٢) ٢٠ - كتاب الأقضية ٨ - باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.\nأبو داود (٤/ ٢٠٠) كتاب السنة- باب في لزوم السنة.\n(٣) التبيين بشرح الأربعين ص ٢٢١.\n(٤) الإبداع ص ٢٢.","vol":"1","page":361},{"text":"١١ - وقال الدكتور دراز ما مضمونه:\nصارت كلمة البدعة في الاستعمال الشرعي إلى معنى أخص من معناها في الاستعمال اللغوي، فلا تتناول على حقيقتها الشرعية في الصدر الأول إلا ما هو باطل، وهو تلك الطرائق المخترعة التي ليس لها مستند من كتاب أو سنة أو ما استنبط منهما (١).\n_________\n(١) الميزان بين السنة والبدعة ص ٥.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>تقسيمات البدعة</span>\nللبدعة تقسيمات متعددة باعتبارات متنوعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>أولًا: تقسيم البدعة إلى عادية وتعبدية:</span>\nالأمر العادي شرعًا ما يجري بين الناس من التصرفات والمحاولات التي هي وسيلة لاستغلال الدنيا وتحقيق المصلحة فيها: كتنظيم أمور الزراعة والصناعة وشتى أنواع العلاقات الدنيوية بين الناس، وإن كانت النية الخالصة تحول مثل هذه الأمور إلى عبادات لها ثواب.\nالأمر التعبدي: ما وضع بالأصل للتقرب إلى الله تعالى بصرف النظر عما يعرض له من عوارض قد تخرج به عما وضع له بالأصل كالذكر والصلاة والحج.\nولا خلاف بين العلماء أن الابتداع يدخل في الأمور التعبدية سواء أكانت من أمور الاعتقاد أو أعمال القلب أو أعمال الجوارح، واختلف في وقوع الابتداع في الأمور العادية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>ثانيًا: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية:</span>\nقسم الشاطبي البدعة إلى قسمين: حقيقية وإضافية.\nوعرف الحقيقية بأنها ما لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا من سنة ولا من إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل، وإن ادعى مبتدعها من تابعه أنها داخلة فيما استنبط من الأدلة، لأن ما استند إليه شبه واهية لا قيمة لها. فكأنها هي البدعة حقيقة وما عداها على المجاز ومن أمثلتها:\nتحريم الحلال أو تحليل الحرام استنادًا إلى شبه واهية وبدون عذر شرعي أو قصد صحيح واختراع عبادات وإنكار حجية السنة ...\nوعرف البدعة الإضافية بأنها ما لها شائبتان:\nإحداهما: لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة.","vol":"1","page":363},{"text":"والأخرى: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، أي أنها بالنسبة لإحدى الجهتين سنة لاستنادها إلى دليل، وبالنسبة للجهة الأخرى بدعة، لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو لأنها غير مستندة إلى شيء.\nوسميت إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين \"المخالفة الصريحة\" أو \"الموافقة الصريحة\".\nوقسم الشاطبي- البدعة الإضافية- إلى قسمين:\nأحدهما: ما يقرب من الحقيقية حتى تكاد البدعة تعد بدعة حقيقية.\nوالآخر: ما يبعد منها حتى يكاد يعد سنة محضة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>ثالثًا: تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة:</span>\nللبدعة كما قدمنا مفهومان: لغوي وشرعي.\nأما على مفهومها اللغوي فتشمل كل حادث محمودًا كان أو مذمومًا، حدث قبل عصر النبوة الكريم أو بعدها ..\nوأما على مفهومها الشرعي فقد اختلف العلماء كما قدمنا:\nفعلى رأي الشافعي ومن وافقه، تشمل البدعة كل ما حدث بعد عصر الرسول ﷺ حسنًا كان أو سيئًا ..\nوقيدها بعضهم بما حدث بعد الرسول ﷺ وخالف سنته.\nوقيدها الشاطبي بقصد مضاهاة الشارع فضلًا عن كونها محدثة بل ومخالفة للشارع.\nوبالنظر إلى هذه المفاهيم والآراء نتبين أن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة إنما يتمشى مع المعنى اللغوي للفظ البدعة، ومع ما رآه الشافعي ومن وافقه في معنى البدعة في نظر الشرع.\n_________\n(١) الاعتصام للشاطبي جـ ١ ص ١٧٩.","vol":"1","page":364},{"text":"وعلى أساس هذا المعنى اللغوي تنقسم البدعة إلى خمسة أقسام:\n(١) واجبة: وهي ما تناولتها قواعد الوجوب وأدلته من الشريعة، وتشمل كل ما يرجع لحفظ الدين أو بيان أحكامه ونحو ذلك، ومن أمثلتها:\nجمع المصحف وقصر الناس عليه، ومواجهة كل محاولات أعداء الدين لتحريف القرآن والقضاء عليها أولًا بأول.\n(٢) محرمة: وهي ما تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة، وأمثلتها كثيرة، وهي البدعة الحقيقية التي اتفق العلماء على أنها مرادة بأدلة التنفير من البدع، ومن أمثلتها:\n- المذاهب والأهواء الفاسدة المخالفة للقرآن والسنة كمذهب الخوارج، وبعض آراء المعتزلة، والقول بالتجسيم والتشبيه، ونحو ذلك.\n(٣) مندوبة: وهي ما تناولتها قواعد الندب وأدلته من الشريعة، ومن أمثلتها:\nأ- صلاة التراويح جماعة بالمسجد في رمضان.\nب- كل إحسان لم يعهد في العصر الأول وليس مخالفًا للمشروع كتخطيط الطرق، وتيسير الحياة ببناء المباني المتينة الواسعة ومدها بالمياه والكهرباء وغيره من مرافق الحياة.\nجـ- تنظيم التعليم الديني، واستخدام الوسائل الملائمة لاختيار الأصلح، كنظام الامتحانات وغير ذلك.\n(٤) مكروهة: وهي ما تناولتها قواعد الكراهة وأدلتها من الشريعة، ومن أمثلتها:\nالزيادة في المندوبات المحددة شرعًا: كزيادة التسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة عن ثلاث وثلاثين لكل واحدة بدون قصد الاستظهار على الشارع والرغبة عن السنة، لأن في ذلك خروجًا عما حدده الرسول ﷺ، ولو بقصد حسن وهو أمر مكروه، لأن شأن العظماء إذا حددوا شيئًا أن يتوقف عنده ولا ينبغي تجاوزه.","vol":"1","page":365},{"text":"(٥) البدعة المباحة: وهي ما تناولتها قواعد الإباحة وأدلتها من الشريعة، ومن أمثلتها:\n- التوسع في الطيبات بما لا يخرج بها إلى حدود المكروه أو الحرام، كأكل ما تستلذه النفس وتستطيبه من المطاعم، واستعمال ما يروق لها من الملابس والمساكن ونحو ذلك. والقاعدة في ذلك كما قال القرافي: أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة وأدلتها، فأي شيء تناولها من القواعد ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>رابعًا: تقسيم البدعة إلى فعلية وتركية:</span>\nوالبدعة كما تشمل الفعل المخالف للسنة تشمل الترك المخالف للسنة كذلك؛ فإذا ما عزم المسلم على ترك مباح من الطيبات لغير سبب مقبول كمرض يزيد بتناوله أو ضرر ينتج عنه، أو شبهة عرضت له في اكتسابه، فإن كان تركه لذلك على غير وجه التحريم بحيث لو رغب فيه لتناوله فلا شيء فيه لأن المباح يستوي فيه الفعل والترك.\nوإن حرمه على نفسه، أو نذر ترك تناوله مطلقًا أو لمدة محدودة، فهو مبتدع بهذا التحريم، وبهذا النذر، وهو داخل فيمن رغب عن السنة، كما قال الرسول ﷺ لمن هم أن يصوم فلا يفطر، ومن هم أن يقوم فلا يفتر، ومن هم أن يمتنع عن النساء: \"فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (٢). وموقفه في ذلك التحريم، أو نذر الترك، هو موقف أبي إسرائيل، الذي أمره الرسول ﷺ بترك ما هو عليه من معصية بنذره ترك المباح، ووفائه بهذا النذر، والبقاء على ما هو عليه من طاعة بالصوم وفاء للنذر.\nومن أظهر مظاهر البدع التركية في عصرنا هذا ترك العمل بأحكام الدين والحكم تبعا لنصوصه، وترك المسلمين لستر العورة، وتركهم إخراج الزكاة وترك الحكام جبايتها وتعيين العاملين عليها.\n_________\n(١) الفروق للقرافي جـ ٤ ص ١٩١.\n(٢) البخاري (٩/ ١٠٤) ٦٧ - كتاب النكاح. ١ - باب الترغيب في النكاح.\nمسلم (٢/ ١٠٢٠) ١٦ - كتاب النكاح. ١ - باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم.","vol":"1","page":366},{"text":"هذا فضلًا عن تركهم لكثير من السنن واستبدالهم بها غيرها من البدع. أما عن البدعة الفعلية فهي كثيرة، ومنها اختراع أحاديث مكذوبة على رسول الله ﷺ، والزيادة في شرع الله ما ليس منه، كمن يزيد في الصلاة ركعة، أو يزيد في وقت الصيام المحدد من اليوم، أو يصلي في أوقات النهي عن الصلاة، أو يصوم في أوقات النهي عن الصيام، أو يدخل في الدين ما ليس منه من الآراء أو الأفعال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>خامسًا- تقسيم البدعة إلى اعتقادية وقولية وعملية:</span>\nتنقسم البدعة إلى بدعة في الاعتقاد: إذا كانت اعتقادًا للشيء على خلاف ما جاء به الرسول ﷺ كبدعة المجسمة والخوارج ونحوها.\nوإلى بدعة في القول: إذا كانت تغييرًا لما ورد عن الرسول ﷺ من الأقوال، أو كانت قولا مخالفًا للسنة، كقول المبتدعة في أكثر الفرق المشهورة، مما هو ظاهر الفساد والقبح.\nوإلى بدعة في العمل: العمل الظاهر كصلاة تخالف ما ورد عن الرسول ﷺ ونحو ذلك، أو العمل الباطن: كمعاملة المؤمنين بالنفاق أو بما ينافي أخوة الإيمان من الحب والإخلاص ونحو ذلك.\nومما تجدر الإشارة إليه أن بدعة الاعتقاد هي أخطر أنواع البدع، وغالب إطلاقات الشرع في ذم البدعة منصب عليها، وهي المتبادرة في السبق إلى الذهن من إطلاق اسم البدعة شرعًا، والمبتدع، وأهل الأهواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>سادسًا: تقسيم البدعة إلى كلية وجزئية:</span>\nتتفاوت البدع فيما بينها من ناحية آثارها، ومن ناحية الخلل الواقع بسببها في الشريعة.\nإذا كانت البدعة لا يقتصر أثرها على المبتدع بل يتعداه إلى غيره، كانت كلية لسريانها في كثير من الأمور أو بين الكثيرين من الأفراد، كبدعة التحسين والتقبيح بالعقل بدلًا من الشرع وبدعة إنكار حجية خبر الآحاد أو إنكار وجوب العمل بما يقتضيه، ونحو ذلك.","vol":"1","page":367},{"text":"أما إذا كانت البدعة قاصرة على المبتدع لا تتعداه إلى غيره فهي بدعة جزئية كرجل التزم مخالفة للسنة على أنها من الأمور الحسنة في نظر الشرع، ولا يمتد أثر هذه المخالفة لغيره لكونه لا يؤبه له، وليس ممن يقتدى بهم فيما يرون من آراء أو يؤدون من أعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>سابعًا: تقسيم البدعة إلى بسيطة ومركبة:</span>\nوتكون البدعة بسيطة إذا كانت مجرد مخالفة بسيطة لا تستتبع مخالفات أخرى.\nوتكون مركبة إذا اشتملت على عدة بدع تداخلت وصارت كأنها وحدة واحدة.\nونحن إذ توسعنا في بحث البدعة (١) لإخماد حدة بعض المتنطعين فإننا ندعو دائمًا إلى التحقيق على ضوء الكتاب والسنة وسيرة رسول الله ﷺ وأصحابه.\nونختم الفصل- تأكيدًا لما ذكرناه ههنا- بهذه النصوص:\nكان ابن عباس إذا سئل عن الأمر وكان في القرآن، أخبر به، فإن لم يكن وكان عن رسول الله ﷺ، أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه (٢).\nوقال أبي بن كعب: إن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة. ومثله عن ابن مسعود.\nوقال ابن عون: ثلاث أحب لنفسي ولإخواني: هذه السنة أن يتعلموها، ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه، ويسألوا عنه، ويدعوا الناس إلا من خير.\nوقال الأوزاعي: خمس كان عليه أصحاب النبي ﷺ: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، وجهاد في سبيل الله.\n...\n_________\n(١) من مراجع تعريف البدعة وتقسيمها كتاب: البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها. للدكتور عزت على عطية.\n(٢) الدارمي (١/ ٥٩) المقدمة- ١٩ - باب الفتيا وما فيه من الشدة.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>الفصل الحادي والعشرون\nفي:\nافتراق هذه الأمة افتراق اليهود والنصارى وزيادة\nفي:\nوجوب الكينونة مع الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة واعتزال فرق الضلال</span>\nوفيه:\nنصوص ووصول","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>النصوص</span>\n٤٢٩ - * روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: \"ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملةً، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة\".\nزاد في رواية: \"وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله\".\n٤٣٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين، والنصارى مثل ذلك، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة\".\nوفي رواية أبي داود (٣) قال: \"وتفرقت النصارى على إحدى وسبعين، أو اثنتين وسبعين فرقة\" .. وذكر الحديث.\n٤٣١ - * روى الطبراني في الأوسط والكبير عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على\n_________\n٤٢٩ - أبو داود (٤/ ١٩٨). كتاب السنة، باب شرح السنة.\nوأحمد في مسنده (٤/ ١٠٢). وإسناده صحيح.\n(يتجارى الكلب) التجاري، تفاعل من الجري، وهو الوقوع في الأهواء الفاسدة، والتداعي فيها، تشبيها يجري الفرس. والكلب داء معروف يعرض للكلب، إذا عض حيوانًا عرض له أعراض رديئة فاسدة قاتلة، فإذا تجارى بالإنسان وتمادى هلك.\n٤٣٠ - الترمذي (٥/ ٢٥) ٤١ - كتاب الإيمان، ١٨ - باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة.\nقال الترمذي: حديث أبي هريرة حسن صحيح. قال محقق الجامع: وهو كما قال، وفي الباب عن سعد، وعبد الله ابن عمرو، وعوف بن مالك.\n(٣) أبو داود (٤/ ١٩٨). كتاب السنة، باب شرح السنة.\n٤٣١ - المعجم الكبير (٨/ ٣٢١).\nأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٥٨) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه وفيه أبو غالب وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال الأوسط ثقات وكذلك أحد إسنادي الكبير.","vol":"1","page":371},{"text":"اثنتين وسبعين فرقة، وأمتي تزيد عليهم فرقة كلهم في النار إلا السواد الأعظم\".\nأقول: بناءً على هذه النصوص فسنعقد الوصول التالية:\nالوصل الأول: في أشهر فرق اليهود.\nالوصل الثاني: في أشهر فرق النصارى.\nالوصل الثالث: في افتراق الأمة الإسلامية.\n* * *","vol":"1","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الوصل الأول\nفي:\nأشهر فرق اليهود</span>","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>أشهر فرق اليهود</span>\nباتفاق المؤرخين ويشهد لذلك كتب اليهود أنفسهم أن التوراة قد ضاعت ثم كتبت أسفار موسى الخمسة بعد الأسر البابلي، ولذلك نجد الآن عند يهود السامرة ما يسمونه توراة تختلف عن أسفار موسى الخمسة التي يعتبرها يهود اليوم والنصارى توراتهم، وتذكر أسفار العهد القديم أنه من قبل ضاع سفر التثنية أهم الأسفار، بل هو مظنة أن يكون بعضه هو التوراة المنزلة على موسى، وعثر عليه بعد مئات السنين، وتذكر أسفار العهد القديم كثرة وجود الأنبياء الكذبة وتذكر تسلل عبادات البلدان المجاورة إلى الشعب اليهودي، وهذا يستتبع كثرة الفرق، ثم كان التشتت العالمي لليهود وتأثرهم في البيئات التي عاشوا فيها، وقد أثر هذا على كثرة فرقهم، ويظهر ذلك في عصرنا إذ نجد كثيرًا من الجاليات اليهودية المهاجرة إلى فلسطين تختلف مع الأخرى نوع اختلاف، وكنموذج على تأثر اليهود بالشعوب وجود فرقة \"الدونمة\" في البلاد العثمانية وفرقة \"الفلاشا\" في الحبشة، والعرض التاريخي للفرق اليهودية والفوارق فيما بينها ليس من غرض هذا الكتاب، لأن الروايات في هذه الشؤون تحتاج إلى تمحيص وتحقيق، إن كتب العهد الجديد تذكر مثلًا كيف أن اليهود الذين واجهوا عيسى ﵇ كانوا منقسمين إلى \"صدوقيين\" و\"فريسيين\"، والمدققون في أسفار العهد القديم يذكرون أنها كتبت على مراحل وبأقلام مختلفة، ومن خلال الروايات الشفهية، وكل ذلك يستتبع خلافات وتمزقات، ويذكر مالك بن نبي في كتابه (الظاهرة القرآنية) عن بعض المؤرخين أنه لا يوجد سوى سفر \"أرميا\" يمكن أن يقبل اعتماده، وأرميا نفسه يلعن أقلام النساخ الكذبة.\nومن الأسباب التي أدت إلى كثرة فرق اليهود الموقف من التلمود ومحله بالنسبة للتوراة، فبعضهم يعتبره أفضل، وبعضهم يعتبره دون التوراة، وهكذا نجد عوامل كثيرة أثرت في تفرق اليهود، وهذه نقول من كتاب الدكتور شلبي عن اليهودية تعرض لبعض الفرق أو تذكر بعض أسباب التفرق:\nيقول: وبسبب كثرة الكتاب الذين اشتركوا في تدوين العهد القديم، كثرت الأخطاء فيه، ويمكننا أن نعطي منها بعض نماذج:","vol":"1","page":375},{"text":"- لم يكن مدلول دقيق في أسفار العهد القديم، فقد ورد في سفر الخروج أن إقامة بني إسرائيل في مصر كانت ٤٣٠ سنة، وهي في الحقيقة ٢١٥ سنة، وقد اعترف مفسرو العهد القديم بوقوع الخطأ في هذا الرقم، وعدد الرجال الذين بلغوا سن العشرين قبيل خروج موسى من مصر كما ورد في سفر العدد لا يمكن عقلا أن يكون صحيحا، فقد كان عدد بني إسرائيل عند دخولهم مصر سبعين، ومحال أن يصيروا في مدى قرنين آلافًا كثيرة أو ملايين. وهكذا.\n- ورد في أسفار التوراة ما يقرر أن الأبناء يؤخذون بذنب الآباء حتى الجيل الثالث والرابع، وهاك نص العبارة: \"مفتقد إثم الآباء في الأبناء وفي أبناء الأبناء حتى الجيل الثالث والرابع\". وفي سفر حزقيال ما يعارض هذا الاتجاه، فقد جاء به: \"النفس التي تخطئ هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون\" وهذا تناقض واضح.\n- تختلف الأحكام اختلافًا واضحًا وصريحًا من سفر إلى آخر، ويبدو ذلك بمقارنة الإصحاح الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من سفر العدد، بالإصحاح الخامس والأربعين والسادس والأربعين من سفر حزقيال.\n- في سفر أخبار الأيام الثاني وردت الفقرة التالية \" ... لأن الرب ذلل يهوذا بسبب آحاذ ملك إسرائيل\"، ولفظ إسرائيل غلط يقينًا لأن آحاذ كان ملكًا ليهوذا لا لإسرائيل، ومثل هذا الخطأ وقع في الإصحاح الأخير من هذا السفر، فقد ورد به أن نبوخذ نصر عزل يهوياكين وملك بدله صدقيا أخاه، والحقيقة أن صدقيا كان عم يهوياكين لا أخاه، ولذلك صحح مترجمو العهد القديم هاتين الكلمتين لتتفق الفكرتان مع الحق والتاريخ.\n- تنص الفقرات السابقة على أن نبوخذ نصر أسر يهوياكين إلى بابل، ولكن الحقيقة التاريخية أن قتله في أورشليم، وأمر أن تلقى جثته خارج السور ومنع من دفنها كما ذكر المؤلف اليهودي \"يوسيفس\".\n- وقع في الفقرة الثامنة والعشرين من الزبور الخامس بعد المائة في النسخة العبرانية","vol":"1","page":376},{"text":"العبارة التالية \"لم يعصوا كلامه\". وفي النسخة اليونانية جاءت هذه العبارة هكذا: \"قد عصوا كلامه\". وأحدهما خطأ يقينًا وقد اعترف بذلك مفسرو العهد القديم من الغربيين.\nهذه نماذج قليلة مما في العهد القديم من ... [تناقض] لم نقصد بها الحصر وإنما قصدنا مجرد التمثيل.\nفإن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هو سفر التكوين، وقد كتب بعضه في يهوذا وبعضه في إسرائيل ثم تم التوافق بين ما كتب هنا وهناك بعد سقوط دولتي اليهود، والرأي الغالب أن سفر التثنية من كتابة عزرا، ويبدو أن أسفار التوراة الخمسة قد اتخذت صورتها الحاضرة حوالي عام ٣٠٠ ق. م ...\nيقرر  Wells  أن أسفار العهد القديم جمعت لأول مرة في بابل وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد ...\nذلك موجز القول عن ظروف تدوين الأسفار، أما كتابها فكثيرون، ويبرز من بين الكتاب اسم الكاهن عزرا، مرتبطًا بتدوين التوراة، ويذكر  Hosmer  أن عزرا هو الذي- في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد- قاد جماعة من اليهود إلى فلسطين، حيث استعاد بها الحياة اليهودية، وهو الذي أبرز أجزاء كثيرة مما سمي فيما بعد بالعهد القديم، وقد أكمل الكهنة الذين جاءوا بعد عزرا ما بدأه هذا الكاهن، وفي عهد المكابين كانت أجزاء العهد القديم قد وجدت تقريبًا، ولكنها لم تكن وضعت في نظامها المعروف الآن ...\nتكثر الفرق في اليهودية كثرة بالغة، وتختلف هذه الفرق في مبادئها وأسس حياتها ونظرتها إلى الكون، وإلى ما وراء الكون، وسنتكلم هنا عن أهم الفرق في اليهودية، شارحين أبرز نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>(الفريسيون):</span>\nأعلن الفريسيون أن للخامات سلطة عليا، وأنهم معصومون، وأن أقوالهم صادرة عن الله، وأن مخافتهم هي مخافة الله، ومن قولهم في ذلك: \"ويلزم المؤمن أن يعتبر أقوال","vol":"1","page":377},{"text":"الحاخامات كالشريعة لأن أقوالهم هي قول الله الحي، فإذا قال الحاخام إن يدك اليمنى هي اليسرى وبالعكس، فصدق قوله ولا تجادله ... \" وتبعًا لذلك ليس هناك اجتهاد عند الفريسيين، وما الحاجة للاجتهاد إذا كان الحاخام مقدسًا ومعصومًا؟ وعنده لكل سؤال جواب ...\nويقول القس \"بوكس\": لقد أسس الفريسيون نظام الفردية في الدين، ووضعوا طقوسًا روحية بحتة، وتعمقوا في الاعتقاد في الآخرة، ودافعوا عن قضية العلمانية أمام الكهنوت المتطرف ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>(الصدقيون):</span>\nيرى بعض الباحثين أن هذه التسمية نسبة إلى صادوق الكاهن الأعظم في عهد سليمان، أو إلى كاهن آخر بهذا الاسم وجد في القرن الثالث قبل الميلاد ...\nوهم ينكرون البعث والحياة الأخرى والحساب والجنة والنار، ويرون أن جزاء الإنسان يتم في الدنيا، فالعمل الصالح ينتج الخير والبركة لصاحبه، والعمل السيئ يسبب لصاحبه الأزمات والمتاعب.\nوينكر الصدوقيون كذلك التعاليم الشفوية \"التلمود\"، وحتى التوراة لا يرون أنها مقدسة قدسية مطلقة، وينكرون الخلود الفردي، كما ينكرون وجود الملائكة والشياطين، ولا يقولون بالقضاء والقدر ويؤمنون بحرية الاختيار، ويرون أن الأفعال مخلوقة للإنسان لا لله، وينكرون كذلك المسيح المنتظر ولا يترقبونه ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>(القراءون):</span>\nكان القراءون يمثلون القلة بين اليهود، فلما تدهور شأن الفريسيين، نما فريق القرائين وورث أتباع الفريسيين ونفوذهم.\nوالقراءون لا يعترفون إلا بالعهد القديم كتابًا مقدسًا، وليست عندهم روايات شفوية كالتي قيل إن الحاخامات توارثوها الواحد بعد الآخر، وبالتالي لا يعترف القراءون بالتلمود.","vol":"1","page":378},{"text":"ويقول القراءون بالاجتهاد، فإذا تبين الخلف خطأ السلف كالخطأ الذي لاحظوه في المحرمات في الزواج، فإن للخلف تصحيح هذا الخطأ، ومن هذه الأخطاء التي لاحظها المتأخرون وصححوها، خطأ تحليل بنت امرأة الأب مع وضوح تحريمها بنص الآية الخامسة من آيات المحارم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>(الكتبة):</span>\nتطلق هذه التسمية على مجموعة من اليهود كانت معتمدة كتابة الشريعة لمن يطلبها، فهم أشبه شيء بالنساخ ...\nوكانوا يسمون أحيانًا بالحكماء، وأحيانًا السادة \"  Rabbis\"  كما كان الواحد منهم ينادى بلقب \"أب\" عند المخاطبة، وقد برز الكتبة كحملة للواء الشريعة عندما جذب النفوذ السياسي غيرهم من رجال الدين إلى مجاله، فأصبح هؤلاء حلفاء للحكام الأجانب من فرس وإغريق ورومان، وأخلوا المجال الديني للكتبة، فاحتلوه.\nوجاءت خطوة ثانية رفعت من شأن الكتبة وأعلت من قدرهم، هي أن كل واحد منهم عني بإنشاء مدرسة أصبح هو راعيًا لها ومعلمًا بها، وكان له مريدون يسمعون تعليماته ويذيعونها ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>(المتعصبون):</span>\nفرقة أخرى من الفرق اليهودية خصص لها (Guignebert)  حديثا، نورد فيما يلي ترجمة أبرز فقراته:\nكان في فلسطين بين الفرق الأخرى فريق وثيق الصلة بالفريسيين، يتفق معهم في أكثر عقائدهم، كالقول بالمسيح المنتظر، وكالحماسة الوطنية والميل للعبادة، ولكن هذا الفريق امتاز بعدم التسامح، بل بالعدوانية ضد المواطنين الذين اتهموا باللادينية، أو بقبول الخضوع لغير اليهود ....\nففي بلدة \"شيرين\" ظهر رجل من اليهود في القرن الثامن الميلادي، وادعى أنه المسيح المنتظر، ووعد بأنه سيحقق معجزة استعادة فلسطين، وفي نفس القرن ظهر فارسي","vol":"1","page":379},{"text":"آخر في بلدة \"أصفهان\" اسمه أبو عيسى وادعى أنه المسيح، وقال إن عودة فلسطين لن تتم إلا على أسنة الرماح، وأعد جيشًا قوامه عشرة آلاف جندي من اليهود، وواتته فترة الاضطرابات التي كان يعانيها العالم الإسلامي عند سقوط الدولة الأموية وقيام دولة بني العباس، فعاشت حركة أبي عيسى فترة لأن أبا العباس السفاح انشغل عنها بما صادفه من مشكلات في مطلع الدولة العباسية، فلما آل السلطان للخليفة المنصور اتجه بضربة قاصمة إلى جيش اليهود فهزمه، وفر أبو عيسى تجاه الشمال، ذاكرًا أنه سيتقابل هناك مع أحد قادة اليهود المختفين ليتعاون معه على استعادة فلسطين.\nوفي القرن السابع عشر ظهر في \"سالونيك\" يهودي اسمه سبتاي زيفي، كان واسع الاطلاع على الثقافة اليهودية مما جعله على صلة بأقوال اليهود حول المسيح المنتظر، ورأى زيفي ما عاناه اليهود في حرب الثلاثين بأوربا، فقد أمضى طفولته وشبابه وهذه الحرب مشتعلة، حيث كان اليهود وقودًا لها، وساورته نفسه أن يعلن أنه المسيح المنتظر، فعكف على الصلاة والصوم، وأخذ يطوف البلاد هنا وهناك، ويدعو لنفسه ويعلن قرب ظهور المسيح المبارك، ولما حلت سنة ١٦٦٦ أعلن زيفي أول رسالة لليهود، واختار لإعلانها يومًا يمضيه اليهود في صوم وحزن لأنه يرتبط بذكريات أليمة عندهم، وفي هذه الرسالة يقول:\n\"من أول ابن لله سبتاي زيفي، المسيح، مخلص شعب إسرائيل، إلى جميع أبناء إسرائيل .... السلام .... لما كان قد قدر لكم أن تكونوا جديرين برؤية اليوم العظيم وإنجاز وعد الله إلى أبنائه، فلابد أن تغيروا أحزانكم فرحًا وصومكم مرحًا، لأنكم لن تبكوا بعد الآن، فاستمتعوا وغنوا واستبدلوا باليوم الذي كان من قبل يقضى في حزن وآلام، يوم عيد، لأني ظهرت ... \".\nوراح سبتاي في حماسة ظاهرة ينتقل هنا وهناك ويواصل دعوته، ولم يستطع الربانيون أن يوقفوا حركته التي أخذت تنتشر في كل مكان بين اليهود، حتى أصبح له أتباع في أمستردام وهامبورج ولندن بالإضافة إلى أتباعه بالشرق. وقد بلغ تصديقه مبلغًا عظيمًا حتى إن أتباعه راحوا يبيعون ممتلكاتهم، ويجمعون ثروتهم، ويعدون أنفسهم للعودة من المهجر إلى فلسطين خلف \"سبتاي\"، وفي فارس توقف العمال اليهود عن طاعة ساداتهم، ورفضوا أن","vol":"1","page":380},{"text":"يستمروا في فلاحة الأرض، وبدأ اليهود في كل مكان وكأنما مسهم طائف من الجنون وأصبحوا عبيدًا للأمل الذي جددته دعوة \"زيفي\".\nوانتشى \"زيفي\" بالنصر الذي حققه، فراح يُدخل تعديلات جريئة في التقاليد والنظم اليهودية، فغير وقت الصوم ومواعيد الأعياد كما جاء في رسالته التي ذكرناها آنفًا، ووصلت به النشوة إلى أن تخيل نفسه صاحب سلطان شامل، فأخذ يوزع التيجان على إخوته وأصدقائه المقربين؛ بعد أن عين كلا منهم ملكًا على منطقة من المناطق التي رأى أن سلطانه سيزحف عليها، واحتفظ لنفسه بقلب \"ملك الملوك\".\nووصل \"زيفي\" في تجواله إلى القسطنطينية حيث عاصمة الخلافة العثماينة، ويلاحظ أن الخليفة المسلم لم يتعرض له في المدة السابقة؛ لأنه فيما يبدو لم يُرد أن يواجه الحماس والصخب الذي أحاط باسم \"سبتاي\" في أول أمره، وهذا التصرف من الخليفة المسلم شجع سبتاي إلى أن يدخل عاصمة الخلافة؛ وهناك ألقى الخليفة القبض عليه، وأحكم قيده، وألقى به في قلعة الدردنيل، واكتفى الخليفة المسلم بذلك فترة نعم خلالها \"سبتاي\" بالكرم والحفاوة، وزحف كثير من اليهود إلى القسطنطينية ليروا مصير قائدهم، ولكن أحد اليهود الربانيين البولنديين أعلن أن \"سبتاي\" كاذب، وأن حركته تهدد الأمن والسلام، وانتهز السلطان محمد الرابع هذا الخلاف، فأحضر \"سبتاي\" أمامه في جمع حافل؛ وأعدّ بعض الجند المهرة لقتله، ثم أعلن هذا السلطان استعداده ليتحول إلى اليهودية إذا استطاع \"سبتاي\" ابنُ الله، والمسيح المنقذ كما يدعي، أن يمنع الرصاص من الانطلاق، وفي نفس الوقت منح الخلفية فرصة \"لسبتاي\" ليُعلن أنه كاذب مُدَّعٍ، وأن يدخل الإسلام إن كان يعرف أنه لن يستطيع إيقاف الرصاص من الانطلاق، وسرعان ما اختار \"سبتاي\" السلامة، وأعلن أنه كاذب، واعتنق الإسلام أو لم يجد مناصًا من ذلك، وسُمِّي محمد أفندي؛ وانتهت بذلك هذه الزوبعة التي أثارها هذا المدعي، ولا يزال اليهود حتى الآن ينتظرون المسيح. اهـ شلبي.\n* * *","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>الوصل الثاني\nفي:\nأشهر فرق النصارى</span>","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>أشهر فرق النصارى</span>\nأشهر فرق النصارى في عصرنا الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، وكلها تتبنى الأناجيل الأربعة، فهي من آثار مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح، وتعتبر البروتستانتية احتجاجًا على الكنيستين الأخريين، وكل من الكاثوليك أو الأرثوذكس أو البروتستانت توجد بين كل واحدة من هذه الفرق فرق كثيرة، ومن قبل أن تستقر المسيحية على أربعة أناجيل كانت هناك أناجيل كثيرة كما سنرى، وكل فرقة تتبع إنجيلًا، ولكثرة الخلافات بين فرق المسيحية الأولى عقد مجمع \"نيقية\"، ولكثرة الخلافات بين فرق المسيحية الثانية عقدت مجامع أخرى، وها نحن ننقل لك من كتاب الدكتور شلبي عن النصرانية ومجامعها لتعرف من خلالها كيف كثرت الخلافات بين المسيحيين، وكيف كان الاضطهاد والقهر ومن قبل أعداء المسيحية ابتداء وبين المسيحيين أنفسهم انتهاء عوامل أوجدت فرقًا كثيرة ثم وقفت على فرق كثيرة:\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المجامع</span>\":\nوالمجامع قسمان: مجامع مسكونية (أي عالمية وكلمة مسكونية نسبة إلى الأرض المسكونة). ومجامع محلية أو مكانية، وقد عُقدت المجامع المسكونية عدة مرات في القرون الأولى، وشهدها ممثلو الكنائس من جميع الأقطار وكان السبب الرئيسي لعقدها ظهور مذاهب دينية غريبة ينبغي فحصها وإصدار قرارات بشأنها وشأن مبتدعيها، وقد عقد من المجامع المسكونية ثمانية، من أهمها:\nمجمع نيقية ومجمع القسطنطينية الأول، وفيهما تقررت العقائد الرئيسية للمسيحية التي تلتقي حولها جميع الفرق والمذاهب المسيحية، (ألوهية المسيح وألوهية روح القدس واستكمال عقيدة التثليث بذلك).\nوأما المجامع المكانية فكثيرة. وكانت الكنائس ولا تزال تعقدها في حيزها الخاص لإقرار عقائد معينة، أو رفض بعض العقائد، أو للنظر في بعض الشئون المحلية.\nولعل من الخير ونحن على ذكر بكثير من المجامع أن نلم إلمامة قصيرة شاملة بأهم المجامع","vol":"1","page":385},{"text":"المسيحية، مسكونية أو محلية، وأن نبين ما اتخذته من قرارات، وفيما يلي هذا الحديث:\n١ - مجمع نيقية  Nicaea  سنة ٣٢٥ وكان عقدُه ردًا على الوحدانية التي تزعم \"أريوس\" القول بها، ويعد مؤتمر نيقية أهم المجامع المسيحية، إذ اتخذت فيه أخطر القرارات، وكان عقده بأمر الإمبراطور قسطنطين الكبير وقد حضره من الآباء الروحانيين ٢٠٤٨ وإن الخلاف اشتد بينهم حول القول بألوهية المسيح، ووصل الخلاف إلى المعارك، وتبنت الأغلبية الساحقة رأي \"أريوس\"، فأصدر الإمبراطور قراره بفض الاجتماع، ثم أعيد عقد الاجتماع عقب ذلك ولم يحضره إلا الأعضاء القائلون بالتثليث وبألوهية المسيح وعددهم ٣١٨ وحضر الإمبراطور نفسه الاجتماع، واتخذت فيه قرارات خطيرة وضعت الأساس للمسيحية التي لا تزال تتبعها الكنائس، وأهم هذه القرارات ما يلي:\n(أ) القول بألوهية المسيح ونزوله ليصلب تكفيرًا عن خطيئة البشر.\n(ب) عدم التصريح لمن يترمل من الكهنة بأن يتزوج مرة أخرى. كي يكون كل منهم كما قال بولس الرسول: (بعل امرأة واحدة).\n(جـ) اختار المجمع الكتب المقدسة التي لا تتعارض مع القرارات السابقة وقرر تدمير ما عداها من الرسائل والأناجيل.\nأقول: وهكذا انتصرت البوليسية على هدي حواري المسيح، وحكمت بالإعدام على الهدي الصحيح للمسيح، ومع قوة التوحيد وقتذاك فإنه آل أمر أتباعه إلى العكوف الذات أو تحمل الاضطهاد بعد أن تبنت الدولة الرومانية رسميًا ضلالات بولس.\n٢ - مجمع صور الإقليمي الذي عقد بعد ذلك ببضع سنوات وقرر وحدانية الله وأن المسيح رسوله، فكان بذلك تجديدًا لرأي أريوس القائل بالوحدانية، وهذا المجمع لم يُعترف به.\n٣ - مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ م وقد قرر هذا المجمع أن روح القدس إله.\n٤ - مجمع إفسس الأول  Ephesus  سنة ٤٣١ الذي تقرر فيه أن المسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، وأن العذراء ولدت إلها وتدعى لذلك أم الإله، وكان ذلك ردًا على نسطور.","vol":"1","page":386},{"text":"٥ - مجمع إفسس الثاني سنة ٤٤٩، وقد دعا لعقده بطريرك الإسكندرية \"ديسقورس\" للرد على إحياء آراء \"نسطور\" التي نادى بها \"ثاذوريثوس\" أسقف كورش وإيرينا وأسقف صور، واتخذت فيه قرارات بحرمان هذين الأسقفين. ولم تعترف كنيسة روما بهذا المجمع.\n٦ - مجمع خلقيدونية  Chalecodon  سنة ٤٥١ م، وقد أيد هذا المجمع قرار مجمع إفسس الأول ورفض قرار مجمع إفسس الثاني، ولعن نسطور وديسقورس وأتباعهما، وكام هذا المجمع قد عقد أولًا في القسطنطينية ثم انتقل إلى خلقيدونية، وقد حضره أساقفة روما، كما حضره البابا ديسقورس بطريرك الإسكندرية ومعه أساقفته. وقد اشتد الخلاف بين الفريقين في اليوم الأول، حتى إذا كان اليوم الثاني منع البابا ديسقورس وأساقفته بالقوة من حضور الجلسة، واتخذ المجتمعون قرارًا يقول بالطبيعتين والمشيئتين، ورفض ديسقورس طلب الإمبراطور الموافقة على هذا القرار، فنفاه الإمبراطور بعيدًا عن مصر حيث مات في منفاه، وقد ظل أقباط مصر حتى الآن يرفضون قرارات هذا المجمع ويدينون بالولاء لبطريرك الإسكندرية.\n٧ - مجمع القسطنطينية الثاني سنة ٥٥٣ م، وقد أيد قرارات مجمع نيقية ومجمع القسطنيطينية الأول ومجمع خلقيدونية، ولعن وطرد أصحاب الفكرة التي شاعت حينئذ عن تناسخ الأرواح، وأن شخص المسيح لم يكن حقيقة بل خيالًا.\n٨ - مجمع القسطنطينية الثالث سنة ٦٨٠ وقد قرر هذا المجمع أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، وكان ذلك ردًا على المذهب الماروني الذي كان يقول بطبيعتين ومشيئة واحدة.\n٩ - مجمع رومة سنة ٨٦٩ وفي هذا المجمع تقرر:\n(أ) اعتبار الروح القدس منبثقًا من الأب والابن.\n(ب) من يريد المحاكمة في أمر يتعلق بالمسيحية يرفع دعوى إلى كنيسة روما.\n(جـ) المسيحيون في جميع بلاد العالم يخضعون لقرارات رئيس كنيسة روما.","vol":"1","page":387},{"text":"١٠ - مجمع القسطنيطينية الذي عقد سنة ٨٧٩ برياسة فوسيوس بطريرك كنيسة القسطنطينية، وفيه تقرر أن انبثاق الروح القدس من الأب فقط، وبهذا المجمع وسابقه تم انقسام الكنيسة إلى غربية وشرقية، وأصبحت المجامع خاصة بإحداهما وتُبطل قرارات الأخرى ولا تعترف بها.\n١١ - مجمع رومة الذي عقد سنة ١٢٢٥، وفيه تقرر أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء.\n١٢ - مجمع رومة سنة ١٨٦٨ وفيه أن البابا معصوم. اهـ شلبي.\n* * *\nولكي ندرك كثرة الفرق المسيحية يكفي أن ننقل لك ما ذكره فريد وجدي في دائرة معارفه عن المقدمات التي أوصلت إلى حركة لوثر الذي تعتبر فرقته أكبر فرق البروتستانت:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>البروتستانتية:</span>\nهو المذهب المسيحي الذي ظهر في القرن الخامس عشر إصلاحًا للكاثوليكية. فكلمة البروتستانتية تعني عند أهلها مجموع العقائد والفرق الدينية التي نجمت من حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، سواء تكونت هذه الفرق من الكاثوليك الذين احتجوا (عملوا بروتستو) في ذلك العصر على الكنيسة الرومانية باسم الإنجيل والعقل، أو التي تألفت بعد ذلك في قلب الجماعات البروتستانتة ذاتها.\nكانت أوروبا تتهيأ لحركة إصلاح ديني عام ضد أفراط الكنيسة الرومانية منذ القرن الثاني عشر. فكانت الكنيسة كلما أمعنت في الحجر على حرية العقول، تكون رأي جديد مؤداه أن المسيحية ليست إلا مجموع رسوم صورية تقليدية مجردة عن معانيها الروحية والأخلاقية، وكانت كلما أغرقت في حفظ سلطانها الدنيوي على الأشباح، وقهرت الشعوب ودوختهم لصيانة سطوتها الحسية نجمت نواجم التمرد عليها تنازعها الحرية، وتجاذبها الغلبة، وهي لا تدري أنها تنحط أمام نظر الأمم من أوج سلطتها الروحانية، إلى حضيض","vol":"1","page":388},{"text":"المنازعات المادية.\nهذه الحركة الفكرية ضد الكنيسة الرومانية لم تكن بنت عالم من العلماء أو جماعة منهم، بل نشأت في البيئات المختلفة في وقت واحد مما يدل على أن الروح السائقة إليها كانت روحًا عامة، فنبغ العالم (امالريك دوبين) وتلميذه (داود دو دينان) وحاولا نشر مذهب وحدة الوجود في مدارس باريس. وظهرت في الوقت عينه بين العامة جماعات دينية، ذات وجهات مختلفة كلها متأثرة بروح الانشقاق على الكنيسة الرومانية نعد منها جماعة \"الكانار\" التي ظهرت في إيطاليا في القرن الثاني عشر واتخذت لها كنيسة مستقلة وامتدت إلى جنوب فرنسا أيضًا.\nوجماعة \"تاتشيلم\" الذي ادعى أنه إله مساوٍ لعيسى في الدرجة، فاتبعه خلق كثير فتألبت عليه الحكومة والكنيسة وأمسك في مدينة أنفير وقتل سنة ١١٢٤.\nوجماعة \"أودون\" الذي ادعى أنه هو عيسى نفسه قد ظهر يرد الناس عن غوايتهم، ويبصرهم ن عمايتهم، فقبض عليه سنة ١١٤٨ م، وأودع السجن حتى مات فيه.\nوجماعة \"بييرو دو برويس\" الذي قبض عليه وأحرق بالنار حيًا في مدينة تولوز من فرنسا سنة ١١٢٤، لأنه كان لا يقر على التعميد ولا يقول بعقيدة حضور الله بذاته الكنيسة، ويرفض الرهبنة والصلاة على الموتى، وعبادة الصليب، وأمورًا أخرى لا محل لذكرها هنا.\nوجماعة \"الهنريسيان\" الذين كانوا يضمرون لرجال الكنيسة حقدا يصل لحد الجنون، وتلتحق بهم جماعة الباتاران.\nودون هذه الجماعات فرق البوبليكان والرجال الأطهار إلخ إلخ. ا. هـ فريد وجدي.\n* * *","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الوصل الثالث\nفي:\nافتراق الأمة الإسلامية\nوفي:\nأشهر الفرق الضالة التي نشأت في بيئات إسلامية\nوفي:\nالفرق الناجية</span>\nوفيه:\nمقدمة وفقرات ونقول","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المقدمة\nفي:\nأسباب انشقاق الفرق الضالة</span>\n(١)\nمرت معنا بعض النصوص التي تتحدث عن افتراق اليهود والنصارى إلى فرق تزيد على السبعين، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ولا يهمنا كثيرًا أن نعرف فرق اليهود والنصارى فهذه تلزم المتتبعين، أما من ناحية الجانب العلمي في ذلك فقد ذكر القرآن الكريم ما فيه الكفاية عن ضلال من ضل من اليهود والنصارى ليجنب ما وقعوا فيه، وهذا هو الجانب العلمي والمهم في الموضوع، أن المسلم غير مكلف بأن يتتبع ماهية فرق النصارى وآراء كل فرقة منهم من مثل اليعاقبة والديصانية والأريوسية والكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية والإنكليكانية وغيرها، وما تشبعت عن كل واحدة منها، وكذلك بالنسبة لليهود، وإنما هو مكلف أن يتجنب ما وقع فيه هؤلاء من ضلال، وقد بين القرآن ذلك أوضح بيان.\nولكن المهم بالنسبة للمسلم أن يعرف فرق الضلالة من هذه الأمة كي لا يواطئ واحدة منها على ضلالة، وإن كان ذلك لا يلزم كفريضة عينية إلا بقدر، لكنه مكلف أن يعرف من عقائد أهل السنة والجماعة ومن الكتاب والسنة ما يحفظه بإذن الله عن أن يقع في أسر فرقة ضالة، وإنما تدخل المعرفة التفصيلية لهذه الفرق وأسباب ضلالها في باب فروض الكفايات، وعلى العالمين بمسارات الفرق الضالة أن يحصنوا المسلمين حيثما كانوا بكل ما يحفظهم من أن يقعوا في أسر دعوة ضالة يخالطون أهلها أو يسمعون من أهلها بشكل مباشر أو غير ماشر، ويدخل هذا في فروض العين ويختلف من بيئة لبيئة، ومن زمان لزمان، ولعل مهمة العلماء في عصرنا أكثر صعوبة من أي عصر سابق. والمسلمون يواجهون بقايا فرق ضالة أو يواجهون دعوات ضالة في عالم يموج بالمذاهب والفلسفات والأديان مع تقدم وسائل الإعلام والقدرة على الإيهام والتضليل، وعلى هذا فواجب علماء المسلمين أن يحصنوا المسلم","vol":"1","page":393},{"text":"بالعقيدة الصحيحة، وأن يحصنوه من الوقوع في أسر مذهب أو فلسفة أو دين أو فرقة ضالة، هذا عدا عن واجبات أخرى تلزم العلماء.\nومن ههنا نقول: إن فروض الكفاية تختلف سعة وعددًا وكمية وقائمين بها من زمن لزمن، ومن مكان لمكان كما أن فروض العين العلمية والعملية في حق المسلم تختلف من زمن لزمن، ومن مكان لمكان، بل من شخص لشخص.\nوالموضوع الذي نحن فيه من أهم الموضعات التي ينبغي أن تكون محل اهتمام: وذلك هو افتراق الأمة الإسلامية إلى فرق، فرقة واحدة منها ناجية والباقية هالكة أخرويا، على تفاوت في الهلاك الأخروي على حسب بعد أو قرب هذه الفرق من الاعتقاد الحق.\nما هي أسباب الضلال؟ ما هي الفرق التي ذكرتها النصوص بأعيانها؟ ما هي أهم هذه الفرق التي كثرت فيها النصوص؟ ما هي الفرق التي أجمع أهل السنة والجماعة على على تضليلها أو تكفيرها؟ وما هي أهم مقولاتها؟ وبعض هذه الفرق قد انقرض ولكنه قابل للظهور وبعضها لا زال موجودًا، والأمة تعاني منه، وبعضها قديم الظهور وبعضها حديث الظهور، وبعضها يتجدد ظهوره في كل جيل وليس مثل العلم بعد هداية الله عاصمًا للإنسان، والكتب في هذا كله كثيرة منها القديم ومنها الحديث ومنها ما يخص فرقًا ولا يخلو كتاب بعد القرآن ولا يخلو كلام بعد كلام الله وسنة رسوله ﷺ مما يمكن أن يؤخذ عليه، ومن أشهر الكتب القديمة في هذه الشؤون: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، والفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي، والملل والنحل للشهرستاني، ومثله لابن حزم، وقد كتب المحدثون عن فرق ظهرت حديثًا كالقرتية نسبة إلى قرة العين الإيرانية الإباحية، والبهائية، والقاديانية، وهذا الوصل يضعك على لبابٍ من الأمر.\n* * *\n(٢)\nفي تأملات شاملة لما وقعت به الأمم من قبل وخاصة اليهود والنصارى الذين قص الله علينا من أخبارهم نجد أن من أبواب الضلال الكبيرة:","vol":"1","page":394},{"text":"أولًا: أمراض القلب وما يتفرع عنها من بغي وحسد واتباع هوى يجر إلى مواقف ظالمة ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (١).\nثانيًا: الغلو في الأشخاص والأعمال والمواقف: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٢). ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ (٣).\nثالثًا: التأويل الجاهل ونسيان بعض الحق: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (٤).\nرابعًا: جعل ما ليس من الوحي وحيًا: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٥).\nخامسًا: ترك المجمع عليه والدخول فيما يناقضه: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٦).\nسادسًا: الجهل بالله ووصفه بما لا يليق بذاته: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٧). ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٨).\nوقد وعت أمتنا فيما وقعت به الأمم السابقة وقد ذكر ذلك رسول الله ﷺ وذلك من معجزاته ﵊، فوجد عندنا من يغلو بغير الأنبياء فيثبت لهم العصمة حتى\n_________\n(١) الشورى: ١٤.\n(٢) التوبة: ٣١.\n(٣) المائدة: ٧٧.\n(٤) المائدة: ١٣.\n(٥) آل عمران: ٨٧.\n(٦) البينة: ٤، ٥.\n(٧) المائدة: ٦٤.\n(٨) آل عمران: ١٨١.","vol":"1","page":395},{"text":"فيما خالفوا به النص كما فعلت طوائف من الشيعة، ووجد من يؤلمهُ البشر كما فعل النصيرية والدروز والإسماعيليون، ووجد من يدعي النبوة ويُتابع كغلام أحمد القادياني ومسيلمة الكذاب، ووجد التأويل الجاهل كما فعل المعتزلة، ووجد التشبيه كما فعل المشبهة، ووجدت المواقف الغالية كما فعل الخوارج، ووجد تعطيل العمل كما فعل المرجئة، ووجد الإباحيون الذين يستحلون المحرمات، ووجد المعطلون للشريعة كما يفعل العلمانيون.\nوسر الأسرار في الزيغ والضلال اتباع المتشابه وترك المحكم.\nوالمتشابه في هذا المقام نسبي، فكثير من المتشابهات التي ضل بها أقوام إنما هي متشابهات بالنسبة لمحكمٍ معين، وهذه القضية من أخطر القضايا ولا بد أن تفهم:\nفالقرآن الكريم في حيثية من حيثياته كله محكم. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١).\nفالإحكام قدر مشترك في القرآن.\nوالقرآن من حيثية أخرى كله متشابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٢).\nفالقرآن يشبه بعضه بعضًا من حيث كونه حقًا ومعجزًا إلى غير ذلك، ولكن نصوص القرآن منها ما هو قطعي الدلالة، فهذا محمم بالنسبة لغيره ومنه ما يحتمل أكثر من معنى، ومن ههنا ذكر الأصوليون أن النصوص أقسام فمنها:\nالمؤول وهو ما يحتمل أكثر من وجه أحدهما صحيح، والباقي غير صحيح، ومن المؤول المتشابه.\nومنها: النص وهو اللفظ الذي ظهرت دلالته على المعنى الذي سيق له مع احتمال التخصيص إن كان عامًا، والتأويل إن كان خاصًا.\n_________\n(١) هود: ١.\n(٢) الزمر: ٢٣.","vol":"1","page":396},{"text":"ومنها: الظاهر وهو اللفظ الذي ظهرت دلالته على المعنى الذي لم يسق له واحتمل غيره احتمالًا مرجوحًا.\nومنها: المفسر وهو اللفظ الذي ظهرت دلالته على معناه الوضعي مع احتمال النسخ وحده.\nومنها: المحكم وهو اللفظ الذي ظهرت دلالته على معناه الوضعي بدون احتمال شيء.\nومن ههنا وجد ما يسمى متشابهًا عند العلماء.\nولكن هناك نصوصًا هي متشابهة في حق الجهلة وبسبب من ذلك ضل من ضل، فمثلًا يوجد من يأخذ من قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ...﴾ (١) أن الأرض لا تملك لأنها لجميع بني البشر وبالتالي فلا ملكية في الأض لأحد، فهؤلاء تركوا المحكم في الشريعة الذي يجيز تملك الأرض وبنوا على متشابه، ولكن هذا المتشابه متشابه في حقهم وليس هو في الأصل متشابهٌ عند العلماء ومن ههنا تقول:\nإن أكثر من ضل عن الحق من هذه الأمة إنما ضل بسبب متابعته المتشابه وحمل المحكم عليه، سواء كان متشابهًا في الأصل في اصطلاح الفقهاء أو متشابهًا بسبب من الجهل أو الهوي، والأصل أن يتابع المسلم المحكم ويحمل المتشابه عليه سواء كان متشابهًا في الأصل لا يدركه إلا الراسخون في العلم أو متشابهًا في توهم بعض الناس، ومن ههنا نفرق بن فرقة ضلت في فهم المتشابه في اصطلاح العلماء كالمعتزلة، وبين فرقة ضلت لمتابعة الجهل في قضية لبست عليهم كالخوارج والمرجئة وبعض فرق الباطنية.\nوهناك ناس كفروا أصلًا، وحاولوا أن يكفروا المسلمين ولكن من خلال التلبيس عليهم ببعض النصوص المتشابهة فهؤلاء كفار يتعمدون الكفر والتكفير.\n* * *\n_________\n(١) الرحمن: ١٠.","vol":"1","page":397},{"text":"(٣)\nوالعاصم من الوقوع في الضلال: الاعتصام بالكتاب والسنة وما عليه سلفنا الصالح والعلم الصحيح وما عليه السواد الأعظم من علماء الأمة الإسلامية خلال العصور، ومتابعة الراسخين في العلم من هذا السواد الأعظم، ولم تخل الأمة في كل عصر من أهل رسوخ في العلم: كالأئمة الأربعة والنووي وابن حجر العسقلاني والسيوطي والعز بن عبد السلام وأمثال هؤلاء.\n* * *\n(٤)\nوهناك إجماع عند الراسخين في العلم على أن هناك فرقًا دخلت في دائرة الضلال وفرقًا دخلت في دائرة الكفر، ومن أمهات القضايا التي ضلت بسببها بعض الفرق:\n١ - إدعاء أن للقرآن باطنًا يخالف الظاهر.\n٢ - الموقف من نصوص السنة أصلًا ثم من إلزاميتها.\n٣ - التشبيه.\n٤ - التأويل الجاهل.\n٥ - التكفير بالمعصية.\n٦ - الموقف من الإمامة والخلافة.\n٧ - التشكيك في الصحابة، أو سبب بعضهم أو تكفيره.\n٨ - نفي القدر.\n٩ - الجبر.\n١٠ - الغلو.\n* * *","vol":"1","page":398},{"text":"(٥)\nونحب أن نقف وقفة عند الغلو:\nفلم يزل الغلو بابًا من أبواب الضلال والانحراف عن هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (١)، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ...﴾ (٢).\nوللغلو مظاهر منها: الغلو في الأشخاص: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٣). ومنها الغلو في تطبيق الدين: وذلك بالتشديد فيه بتحريم الحلال واعتقاد فرضية ما ليس فرضًا. ومنها: التسرع في التكفير، ومنها الغلو في العمل حتى تحمل النفس فوق طاقتها كالترهب وقد عالج الكتاب والسنة الغلو كله.\n٤٣٢ - * روى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ... وإياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو بالدين\".\n٤٣٣ - * روى الطبراني عن أبي أمامة رفعه: \"صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم وكل غالٍ مارق\".\n* * *\n_________\n(١) المائدة: ٧٧.\n(٢) النساء: ١٧١.\n(٣) التوبة: ٣١.\n٤٣٢ - مسند أحمد (١/ ٢١٥، ٣٤٧).\nوالنسائي (٥/ ٢٦٨) ٢٤ - كتاب المناسك، ٢١٧ - باب التقاط الحصى.\nوابن ماجه (٢/ ١٠٠٨) ٢٥ - كتاب المناسك، ٦٣ - باب قدر حصى الرمي- وإسناده صحيح.\n٤٣٣ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٣٥). وهو حسن.\nغال: من الغلو وهو مجاوزة الحد ببدعة أو كفر.","vol":"1","page":399},{"text":"(٦)\nومع وضوح النصوص التي تبين الهدى من الضلال، بحيث لا تغيب عن عالم منصف ماهية الهدى من الضلال، فقد ذكر الرسول ﷺ ما يحدث في أمته من بعده، ومن جملة ذلك الاختلاف والتفرق والقتال، كما ذكر أن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية والباقيات في النار، وقد أعطانا القرآن الميزان الذي نعرف به فرق الضلالة وذلك هو اتباعهم المتشابه وحمل المحكم عليه بدلًا من اتباع المحكم وحمل المتشابه عليه، وهذه هي ميزة الفرقة الناجية أنها تعمل بالمحكم وتؤمن بالمتشابه وتحمله على المحكم، وبهذا الميزان يعرف الإنسان أن أهل السنة والجماعة على حق.\n* * *\n(٧)\nوقد حدث قتال بين الصحابة بين علي بن جهة وبين معاوية من جهة أخرى، وبين علي من جهة وبين عائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى، والجميع من أهل السنة والجماعة بشهادة النصوص، لكن عليا كان على حق وصواب، والآخرون كانوا على خطأ، ولضيق هذا المقام وللخوف على العامة أن يسبق إلى إلى قلوبهم ما تزيغ به فقد نهى العلماء عن الخوض في ذلك إذ إن في كلٍ من الفريقين مبشرين بالجنة وإنهم كانوا متأولين، وكلهم يعتقد أنه على الحق، وحدث قتال بين علي والخوارج، والنصوص واضحة أن عليًاّ على الحق والصواب، والخوارج كانوا على خطأ وضلال بسبب ما اعتقدوه من تكفير علي وعثمان.\nواعتقد ناس أن الحق في الخلافة لآل بيت الرسول ﷺ ونشأ بسب من ذلك التشيع، لكن شيعة آل البيت افترقوا فمنهم غالٍ ومنهم مقتصدٌ، والنصوص المحكمة حكم على الجميع، وقد ورد عن علي بن أبي طالب قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: \"إن فيك مثلًا من عيسى أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به\"، ألا وإنه يهلك في اثنان محب مفرط يقرظني بما ليس فيَّ ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا وإني لست بنبي، ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله","vol":"1","page":400},{"text":"وسنة نبيه ما استطعت فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم فيما أحببتم وكرهتم (١).\nوهكذا وجدت فرقتان رئيسيتان منذ الصدر الأول تفرعت عنهما فرق كثيرة، وبسبب من التباس الأمر على بعض الناس في الخلاف بين علي وخصومه فقد وجد الإرجاء، وكان بسيطًا ثم تفلسف وانحرف، وبسبب من الجنوح في التأويل وجد الاعتزال، وهكذا وجدت أربع فرق رئيسية ضالة منذ الصدر الأول: الشيعة والخوارج والمعتزلة والمرجئة. وتفرع عن كل فرق، ثم ظهرت فرق أخرى كالذين يعتمدون القرآن دون السنة ... أو الذين يرون سقوط التكاليف كبعض الصوفية، ولم تزل الأيام تلد فرقًا جديدة فهذا القرن الماضي ولدت فيه القاديانية والبهائية، ولا يخفى على العالم البصير ولا على الذين يخالطون أهل الحق ويقرؤون القرآن أن يدكوا الضلال بسرعة ويعرفوا أهله، والملاحظ أن النصوص في شأن الخوارج كانت أكثر من النصوص التي ذكرت فرقًا أخرى وذلك لحكم:\nأولًا: لأنهم أول الفرق ظهورًا والناس لا زالوا على ذكرٍ بأحاديث الرسول ﷺ.\nثانيًا: لأنهم يغرون العامة بسبب تشددهم وغلوهم.\nثالثًا: لأنهم يجتذبون أعدادًا كبيرة من الناس بسبب استعداد العامة للخروج على السلطان.\nوالخروج على السلطان أنواع، والبغاة هم الخارجون على الإمام الحق بغير الحق، أما سواهم فقد يكونون أهل حق وقد يكونون ظالمين بخروجهم.\n* * *\n(٨)\nوأخيرًا نقول: هناك فرق ضالة أو كافرة مشهورة معروفة عند العامة والخاصة من أهل السنة والجماعة، وهناك أئمة ضلال معروفون عند أل العلم خاصة، وبالتالي فقد لا يعرف\n_________\n(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٣٣) وقال: رواه عبد الله والبزار باختصار وأبو يعلى أتم منه، وفي إسناد عبد الله وأبي يعلى الحكم بن عبد الملك وهو ضعيف. وفي إسناد البزار محمد بن كثير القرشي الكوفي وهو ضعيف. ا. هـ قلت: ومع أن في الحديث ما رأيناه من ضعف فإن الحديث صحيح معناه وقد وقع.","vol":"1","page":401},{"text":"غير المختص من المقصود بهؤلاء، وهناك فرق تذكر وهي تندرج في فرقة تعتبر أما لهم:\nفالشيخ عبد القاهرة البغدادي أوصل الخوارج إلى عشرين فرقة وكلهم فرقة واحدة، وأوصل المعتزلة إلى عشرين فرقة وكلهم فرقة واحدة، ونتيجة لذلك فإن بعضم ذكر في كتب الفرق المؤلفة قديمًا أكثر من سبعين فرقة مع أنه قد وجدت بعد ذلك فرق أخرى ونحن نرى أن الفرق الاثنتين والسبعين الضالة التي ستوجد في هذه الأمة ليس شرطًا أن تكون قد وجدت كلها، فقد تأتي العصور اللاحقة بجديد، فالرسول ﷺ تحدث عن ثلاثين مدعيًا للنبوة سيكونون في هذه الأمة وذكر دجالين كثرًا وقد يكون بعض هؤلاء لم يظهروا بعد، ولذلك فنحن سنعرف في هذا الفصل على بعض الفرق مما أجمع أهل السنة والجماعة على تضليل أهلها أو تكفيرهم.\nوبعض هذه الفرق لا زالت موجودة وبعضها قد انقرض، والموجودون في عصرنا على أنواع فمنهم من تستطيع تكفيره دون تردد ما دام يؤمن بما هو المعروف عن فرقته، وبعضهم يمكن أن تتوقف في الحكم عليه حتى تعرف حدود أخذه عن فرقته.\nوسنذكر في هذا الوصل الفقرات التالية:\nالفقرة الأولى: في ضرورة التعرف على فرق الضلال وفي بعض الملاحظات حول ذلك.\nالفقرة الثانية: في نصوص تتحدث عن أعلام في الضلال.\nالفقرة الثالثة: في أشهر الفرق التي نشأت في بيئات إسلامية وهي ليست من أهل السنة والجماعة.\nالفقرة الرابعة: في الخوارج خاصة.\nالفقرة الخامسة: في ضرورة لزوم الجماعة وفي التعرف على الفرقة الناجية.\n* * *","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>الفقرة الأولى\nفي:\nضرورة التعرف على فرق الضلال\nوبعض الملاحظات حول ذلك</span>\nلقد حدث رسول الله ﷺ أصحابه عن قائد كل فتنة يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا كما ورد عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا؟ والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى انقضاء الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا، إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته (١).\nفدل ذلك على أن التعرف على أئمة الضلال مما ينبغي أن يعرفه المسلم، وأن التعريف على أئمة الضلالة من سنن رسول الله ﷺ، ومن ثم كان قسم كبير من هذا الوصل في هذا الشأن.\n* * *\nالفرق التي خرجت عن الاعتقاد الحق على أنواع، فمنها: ما خرج من الإسلام بالكلية وإن كانت أصوله إسلامية وادعى أنه يبني على فهمٍ لنصوصٍ، وهل مثل هذه الفرق داخلة في الفرق الثنتين والسبعين أو لا؟ الراجح أنه داخلة بها قياسًا على فرق اليهود والنصارى، وبعض الفرق لم يصل إلى حد الكفر المطلق، وإنما هم ضلال مبتدعون، وبعضهم أكثر ضلالًا من بعضهم الآخر، وبعضهم تعتبر بدعته خفيفة وبعضهم تعتبر بدعته شديدة، وأفظع أنواع الابتداع ابتداع الاعتقاد، أما بدع الأعمال فهذه على أنواع، فمنها: ما يكره، ومنها: ما يحرم، ومنها: ما يجوز. والعبرة فيها للفتوى من أهلها.\n* * *\nوهناك فرق بدأ ضلالها من غلو في فكرة صحيحة في الأصل ثم تشعبت من هذه الفرق\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ٩٥). كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":403},{"text":"فرق أشد غلوًا، وهكذا من غلو أخف إلى غلو أشد وصلت بعض التوجهات إلى مداها المكفر، فحب آل البيت ابتداء شيء مطلوب شرعًا، واعتقاد أن عليًا هو خليفة راشد وأن الحق والصواب كانا معه مدة خلافته، كل هذه أفكار صحيحة، فإذا قال قائل بعد ذلك: إنه الأحق بالخلافة من الأئمة الثلاثة الذين كانوا قبله مع التسليم بخلافتهم فهذه بدعة خفيفة مع أنها تخالف ما التقى عليه الصحابة، فإذا ما رفض آخرون أن يسلموا بإمامة الشيوخ الثلاثة فقد دخلوا في بدعة ضلالة، فإذا كفروا الأئمة الثلاثة فقد وصلوا إلى الكفر كما ذكر الشيخ عبد القاهر البغدادي: \"فإذا ما غلوا بعلي وآل بيته حتى أعطوهم صفة الألوهية فذلك إيغال في الكفر، فإذا ما اجتمع إلى هذا آراء كفرية أخرى كالقول بالتناسخ وأن للقرآن باطنًا يخالف الظاهر، وأن الباطن يستقل بفهمه الإمام، فإذا بلغهم عمن يدعي الإمامة ما ينقض الشريعة تابعوه فذلك كفر على كفر وظلمات بعضها فوق بعض\".\nوكثيرًا ما حدث في تاريخ الفرق أن غلوًا خفيفًا أوصل إلى غلو غليظ، وأحيانًا يحدث العكس غلو شديد يعدل إلى غلو أخف، فالمعتزلة مثلا عدلوا القول بنفي القدر بالجملة، وعلى كل فإنه تتولد عن فرقة أم فرق مختلفة، ومن الفرق التي لها وجود فعلي في الأمة: الشيعة الإثنا عشرية، والإسماعيليون، والدروز، والنصيرية، والجارودية، واليزيدية عباد الشيطان، فلهم بقية في سورية والعراق، والمعتزلة فلم تزل بعض عقائدهم تتسلل إلى كثير من الناس، والقاديانية، والبهائية، والقائلون بإسقاط التكليف، والمشبهة، والقائلون بوحدة الوجود، والعلمانيون القائلون بفصل الدين عن الدولة وهم المرتدون الذين يشكلون تيارًا عريضًا.\n* * *\nأما أحكام الفرق الثنتين والسبعين فتختلف من فرقة إلى فرقة، فبعض الفرق الثنتين والسبعين لهم أحكام المسلمين الدنيوية كاملة، وبعض أهل هذه الفرق لهم بعض أحكام المسلمين الدنيوية لا كلها، وبعض هذه الفرق ليس لها أحكام المسلمين أصلًا بل ولا أحكام أهل الكتاب لأنهم مرتدون أو استمرار للمرتدين، فلهم بذلك أحكام خاصة لأنهم ورثوا الردة، فهؤلاء المرتدون ومن تابعهم على ردتهم لا يجوز تزويجهم ولا التزوج منهم ولا أكل","vol":"1","page":404},{"text":"ذبائحهم ولا دفنهم في مقابر المسلمين ولا الصلاة عليهم.\nقال عبد القاهر البغدادي:\n[فإن كان على بدعة الباطنية، أو البيانية، أو المغيرية، أو الخطابية الذين يعتقدون إلهية الأئمة أو إلهية بعض الأئمة، أو كان على مذاهب الحلول، أو على بعض مذاهب أهل التناسخ، أو على مذهب الميمونة من الخوارج الذين أباحوا نكاح بنات البنات وبنات البنين، أو على مذهب اليزيدية من الإباضية في قولها بأن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان، أو أباح ما نص القرآن على تحريمه، أو حرم ما أباحه القرآن نصًا لا يحتمل التأويل: فليس هو من أمة الإسلام ولا كرامة له. وإن كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة، أو الخوارج، أو الرافضة الإمامية، أو الزيدية، أو من بدع النجارية، أو الجهمية، أو الضرارية، أو المجسمة فهو من الأمة في بعض الأحكام، وهو جواز دفنه في مقابر المسلمين، وفي أن لا يمنع حظه من الفيء والغنيمة إن غزا مع المسلمين، وفي أن لا يمنع من الصلاة في المساجد، وليس من الأمة في أحكام سواها، وذلك أن لا تجوز الصلاة عليه ولا خلفه، ولا تحل ذبيحته ولا نكاحه لامرأة سنية، ولا يحل للسني أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم. وقد قال علي بن أبي طالب ﵁ الخوارج: علينا ثلاث: لا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم مساجد الله أن تذكرا فيها اسم الله، ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا]. ا. هـ (الفرق بين الفرق).\nوالمسألة لها تفصيلات كثيرة، وللفقهاء اجتهادات متعددة، وبعض من انتب في الفرقة قد لا يؤمن بكل ما عليه فرقته فله حكم خاص، والعبرة في حق كل شخص بما هو عليه، والفتوى البصيرة من أهلها هي محل العمل.\n* * *\nوإذ لم يكن هذا الكتاب ملتزمًا بالتفصيل إلا فيما تمس إليه الحاجة، وإذ كان الكلام عن الفرق يحتاج إلى كتب خاصة بذلك، فإننا نكتفي بإشارات مع ملاحظة أننا اعتمدنا في التعريف على بعض الفرق على كلام عبد القاهر البغدادي، وقد كتب كتابه (الفرق بين","vol":"1","page":405},{"text":"الفرق) في القرن الخامس الهجري وبعض من كتب عنهم واستمروا بعده، قد يكونون بقوا على ما كانوا عليه وقد يكونون ازدادوا غلوًا وقد يكونون قد خف غلوهم.\n* * *","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الفقرة الثانية\nفي:\nنصوص تتحدث عن أعلام في الضلال</span>\nمنذ الصدر الأول ظهرت أربع فرق رئيسية في الأمة الإسلامية هي:\nالخوارج والتشيع الغالي والإرجاء والاعتزال.\nفالخارجية غلت في التكفير، والتشيع الغالي قام على الغلو بعلي وبآل بيته ﵃، وعلى بغض الكثيرين من الصحابة، والإرجاء أنواع والضالون من أهله هم الذين يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية. والاعتزال يقوم على عدم إعطاء موضوع الإيمان بالقدر مداه الذي ذكرته النصوص.\nولأن هذه الفرق الأربع ظهورها متجدد في الأمة الإسلامية، ولأنها ستظهر قريبًا من عهد النبوة فقد خصت بالذكر في نصوص.\nوسنذكر في هذه الفقرة بعض النصوص التي ذكرت هذه الفرق، ولأن أعظم ضلال في عصرنا هو الانطلاق من فكرة العلمانية بمعنى اللادينية وإقامة ذلك على فكرة الموضوعية بمعنى البحث العقلي المجرد فنذكر نصًا في ذلك، ولأن بعض أنواع من الضلال ينتشر بسبب تبني من له السلطان فسنذكر نصًا يحدد موقف أهل الهدى من ذلك، وللتفريق بين ما هو فتنة قائمة على اجتهاد خاطئ وبين ما هو اجتهاد ضال فسنذكر نصين. وهذه هي النصوص:\n٤٣٤ - * روى الطبراني، عن عوف بن مالك، عن النبي صلى الله عليه سلم قال: \"تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة. أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويخرمون الحلال\".\n_________\n٤٣٤ - المعجم الكبير (١٨/ ٥٠).\nأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٩). وقال: ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":407},{"text":"الشريف، ولكن قد تمر على الأمة الإسلامية موجات عاتية بسببٍ من هؤلاء، وأعتى موجتين هما: الموجة التي أنهاها الغزالي في كتابه: تهافت الفلاسفة، والموجة التي شاهدها عصرنا في القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، إذ ظهرت في هذه الموجة أفكار التقدمية والرجعية واليمين واليسار والعلمانية والعقلانية والموضوعية والعاطفية، والتفريق بين الدين والدولة، ومحاولة إظهار العلم والعقل كمتعارضين مع الدين، وتأثرت الأمة الإسلامية بهذه الأفكار كثيرًا ولكن أخذت هذه الأفكار تنحسر شيئًا فشيئًا، وها نحن نشهد في بداية القرن الخامس عشر الهجري بداية النهاية لهذه الأفكار.\nوليس المراد من هذا الحديث ما يفهمه منه بعض الجهلة من نفي القياس الشرعي المتعارف عليه في أصول الفقه، فذلك من الدين، وهو مما تبنى عليه الأحكام الشرعية.\n٤٣٥ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ قال: دخل رسول الله ﷺ فقال: \"يا ابن مسعود\" فقلت: لبيك يا رسول الله. قالها ثلاثًا. قال: \"تدري أي الناس أفضل؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن أفضل الناس أفضلهم عملًا إذا فقهوا في دينهم\". ثم قال: \"يا ابن مسعود\". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: \"تدري أي الناس أعلم؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"إن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرًا في العمل وإن كان يزحف على استه زحفًا. واختلف من كان قبلي على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاثة وهلك سائرهن، فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دينهم ودين عيسى بن مريم، وأخذوهم [أي: أخذ الملوك هؤلاء] وقتلوهم وقطعوهم بالمناشير. وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم فيدعوهم إلى الله ودين عيسى بن مريم فساحوا في البلاد وترهبوا\" قال: \"وهم الذين قال الله ﷿ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ \" الآية. فقال النبي ﷺ: \"من آمن بي\n_________\n٤٣٥ - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٦٠). وقال: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير بكير بن معروف وثقة أحمد وفيه ضعف. ا. هـ.\nوأخرج نحوه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nقال ابن حجر: بكير بن معروف صدوق فيه لين. ا. هـ.","vol":"1","page":408},{"text":"وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يتبعني فأولئك هم الهالكون\". وفي رواية \"فرقة أقامت في الملوك والجبابرة فدعت إلى دين عيسى فأخذت وقتلت بالمناشير، وحرقت بالنيران فصبرت حتى لحقت بالله\". والباقي بنحوه.\nالملاحظ أن الرسول ﷺ ذكر ثلاث فرق تنجو، ثم فصل فلم يذكر إلا فرقتين، فرقة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر للملوك والجبابرة، وفرقة الرهبان. والظاهر أن الفرقة الثالثة هم الذين تمسكوا بالحق ولم يكن لهم طاقة على هذا وهذا، وهم المغيرون للمنكر بقلوبهم. وبالنسبة لأمتنا جعل الناس على ثلاثة أنحاء كلهم ناجوح؛ المغيرون للمنكر بأيديهم إن استطاعوا، والمغيرون بألسنتهم إن لم يستطيعوا إلا ذلك، والمغيرون بقلوبهم إن لم يستطيعوا إلا ذلك.\n٤٣٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \"القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم\".\nالمراد بالجلوس في الحديث عباد النار من الفرس ومن تابعهم، وهؤلاء يقولون بوجود إله النور وإله الظلمة فيثبتون فاعلين، والقدرية يثبتون فاعلًا مع الله ولذلك شابهوهم، والمجوس يعطون للشيطان نوع طاعة، والمرجئة يطعيون الشيطان بترك التكليف فشابهوهم.\n٤٣٧ - * روى الترمذي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله ﷺ: \"صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب أهل الإرجاء وأهل القدر\".\n_________\n٤٣٦ - الهيثمي (٧/ ٢٠٥) وقال: رواه في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى القروي، وهو ثقة. ا. هـ ورواه عن ابن عمر دون ذكر المرجئة أبو داود (٤/ ٢٢٢) كتاب السنة، باب في القدر.\nالمستدرك (١/ ٨٥). وهو حسن.\n٤٣٧ - الترمذي (٤/ ٤٥٤) ٢٣ - كتاب القدر، ١٣ - باب من جاء في القدرية.\nابن ماجه (١/ ٢٨) المقدمة، ٦ - باب في الإيمان.","vol":"1","page":409},{"text":"٤٣٨ - * روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"صنفان من هذه الأمة ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية\".\n٤٣٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده علي فقال النبي ﷺ: \"يا علي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت لهم نبز يسمون الرافضة قاتلوهم فإنهم مشركون\".\n٤٤٠ - * روى الحاكم عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال له ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا منه حديثه في شأن الخوارج. فانطلقا فإذا هو في حائط له يصلح، فلما رآنا أخذ رداءه ثم احتبى، ثم أنشأ يحدثنا عن علا ذكره في المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وآله سلم، فجعل ينفض التراب عن رأسه، ويقول: \"يا عمار ألا تحمل لبنة لبنة كما يحمل أصحابك\". قال: إني أريد الأجر عند الله. قال: فجعل ينفض ويقول: \"ويح عمارٍ تقتله الفئة الباغية\". قال: ويقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.\nفلقد قتلت عمارًا فئة معاوية، فدل ذلك على أن فئة معاوية كانت باغية على علي ﵁، وكان عمار مع علي، فدل ذلك على أن عليًا هو أهل الحق والصواب، ومع هذا فإننا نحكم لمعاوية وجنده ولعائشة ومن معها على أنهم من أهل السنة والجماعة، فههنا اجتهاد\n_________\n٤٣٨ - الترمذي (٤/ ٤٥٤) ٣٣ - كتاب القدر، ١٢ - باب ما جاء في القدرية.\nابن ماجه (١/ ٢٤) المقدمة، ٩ - باب في الإيمان.\nوقال الترمذي: غريب حسن صحيح. وضعفه والذي قبله بعض العلماء.\n٤٣٩ - المعجم الكبير (١٢/ ٢٤٢).\nأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢) وقال: إسناده حسن.\nتبز: التبز اللقب.\n٤٤٠ - المستدرك (٢/ ١٤٩). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه بهذه السياقة، وأخرج نحوه البخاري في الجهاد ٦/ ٢٠.\n(في حائط له): أي في بستان.\n(يحدثنا حتى علا ذكره في المسجد): يظهر أن (في) ههنا بمعنى: (عن) لأن الحديث كان في البستان، وكأن المراد أنه حدثهما عن بناء المسجد النبوي وما كان يفعله عمار وماذا قال له رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":410},{"text":"خاطئ لا يجعل أهله من الفرق الضالة، ومن ههنا نقول: إنه إذا وجد الاعتقاد الصحيح فقد وجد أهل السنة والجماعة، وإن حدث اجتهاد خاطئ ترتب عليه عمل خاطئ بل حتى لو وجدت معاصٍ لا تكفر ولا تضلل.\nسنرى في فقرة لاحقة من هم الخوارج وأنهم فرقة ضالة، والملاحظ أن ابن عباس أرسل عكرمة وابنه للسؤال عن الخوارج فكان حديث أبي سعيد عن عمار وقتله من قبل الفئة الباغية، وقد قتلته فئة معاوية، والبغاة هم الخارجون على الإمام الحق بغير الحق وهم نوعان: خارجون كأثر عن اعتقاد خاطئ، وخارجون عن اجتهاد خاطئ، فالأولون هم الخوارج والآخرون بغاة، وقد يكونون آثمين، وقد يكونون مأجورين على حسب نوع اجتهادهم ومبررات خروجهم.\n٤٤١ - * روى مسلم عن يحيى بن يعمر؛ قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة لقد لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر. فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد. فاكتنفته أنا وصاحبي. أحدنا عن يمينه\n_________\n٤٤١ - مسلم (١/ ٢٦) -كتاب الإيمان ١ - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ.\nقال النووي:\n(أول من قال بالقدر): معناه أل من قال بنفي القدر فابتدع وخالف الصواب الذي عليه أهل الحق. ويقال القدر والقدر، لغتان مشهورتان.\nواعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر. ومعناه أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾ وعلى صفات مخصوصة. فهي تقع على حسب ما قدرها ﷾.\n(فوفق لنا): معناه جعل وفقا لنا. وهو من الموافقة التي هي كالالتحام. يقال أتانا ليتفاق الهلال وميفاقه، أي حين أهل، لا قبله ولا بعده. وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام.\n(فاكتنفته أنا وصاحبي): يعني صرنا في ناحيتيه. وكنفا الطائر: جناحاه.\n(ويتقفزون العلم): ومعناه يطلبونه ويتتبعونه. وقيل معناه يجمعونه.\n(وذكر من شأنهم): هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر. يعني وذكر ابن يعمر من حال هؤلاء، ووصفهم بالفضيلة في العلم والاجتهاد في تحصيله والاعتناء به.\n(وإن الأمر آنف): أي مستأنف، لم يستبق به قدر ولا علم من الله تعالى. وإنما يعلمه بعد وقوعه. ا. هـ النووي.","vol":"1","page":411},{"text":"والآخر عن شماله. فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي. فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم (وذكر من شأنهم) وأنهم يزعمون أن لا قدر. وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحدٍ ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>تعليق:</span>\nتطلق كلمة القدرية على نفاة القدر، والقدرية قدريتان:\nفالأولى: هي ما ذكرته هذه الرواية، فهؤلاء ينفون القدر جملة وتفصيلًا، والظاهر أنهم اندثروا بعد ملاحقة حكام المسلمين لأئمتهم.\nوأما القدرية الثانية: فيطلقها أهل السنة والجماعة على المعتزلة القائلين بإثبات القوة المودعة، والقائلين بأن الإنسان يخلق أفعال نفسه مما يلزم من قولهم أن ما يجرى في هذا العالم: أسبابًا ومسبباتٍ لا دخل مباشرة للإرادة الإلهية أو القدرة الإلهية فيها، وذلك نوع نفي للقدر.\nفالقدر هو الإيمان بأن كل شيء بعلم الله وإرادته وقدرته، وأن ما حدث وما يحدث مسجل في اللوح المحفوظ.\nوسنرى تفصيلات ذلك في الباب الثاني من هذا القسم.\n* * *","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>الفقرة الثالثة\nفي أشهر الفرق التي نشأت في بيئات إسلامية\nوليست من أهل السنة والجماعة</span>\nلقد رأينا أن رسول الله ﷺ ذكر أن هناك ثنتين وسبعين فرقة من فرق الضلال ستظهر في أمته وهناك فرقة واحدة هي الفرقة الناجية وهي ما يطلق عليه اسم: أهل السنة والجماعة.\nوقد ظهر في تاريخ المسلمين فرق كثيرة لم يحكم عليها أهل السنة والجماعة بالكفر، وهناك فرق أجمع على كفرها أهل السنة والجماعة، وهناك أناس أصولهم إسلامية تابعوا مدعي نبوة كذبة وقد أخبر ﵊ عن ظهور من سيدعي النبوة في أمته، وهناك ناس تابعوا مدعي ألوهية فكل الفرق الكافرة هذه تدخل في الثنتين والسبعين فرقة، أو أن المراد بالاثنتين والسبعين فرقة فرق لا زال لها من الإسلام نصيب على ضلال بقرب أو ببعد عن الحق، وبعض الفرق الرئيسية التي أجمع أهل السنة والجماعة على ضلالها افترقت على فرق كثيرة كالخوارج والمعتزلة، فهل تعتبر كل شعبة من هذه الفرق فرقة برأسها، أو أن الجميع يعتبرون فرقة واحدة. لهذه النقاط تجد كتاب الفرق القدماء يوصلون الفرق التي ظهرت حتى عصرهم إلى حوالي السبعين، على أنه قد ظهرت فرق أخرى بعد ذلك، ولو أردنا تتبع من ادعى الألوهية أو ادعى النبوة وأسماء أئمة الضلالة وبماذا ضلوا لوجدنا الكثير، ولطال بنا المقام، ولخرج البحث عن الحدود التي يحتملها هذا الكتاب، ومن أراد التتبع فالكتب المؤلفة قديمًا وحديثًا في هذا الشأن كثيرة، وذكر بعض الأسماء من نافلة القول كمن ادعى النبوة في الصدر الأول كمسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي. وتعداد الفرق التي توالت عن أصل واحد محل الكتب المطولة، وبعض الفرق قد اندثرت وبعضها لازال موجودًا، ونحن ههنا ذاكرون ما يعتبر نموذجًا أو ما يمكن أن تتسلل أفكاره الضالة من جديد أو ما يقتضيه تحصين المسلم من ضلال قديم أو جديد يأخذ طابعًا دينيًا، أما ما يعطل الأديان أصلًا أو يلغيها كالشيوعية أو العلمانية فأمره معروف ولن نتعرض له.","vol":"1","page":413},{"text":"ومن تتبع أصول الضلال أو الكفر وجدها إما في ادعاء ألوهية أو نبوة، أو في متابعة أهل الأديان الكافرة على تلق من نحلهم، أو في غلو آل بيت رسول الله ﷺ، أو تأويل غير عليم، أو في تشبيه الله ﷿ بخلقه، أو في غلو في اعتقاد أو عمل يبعد عن مذاهب أهل السنة والجماعة في الاعتقاد أو في الفقه أو في السلوك، والذي يعرض للفرق مضطر أحيانًا لأن يعرضها من خلال أفكارها أو من خلال أسماء بعض أئمة الضلال، وأحيانًا يتكرر العرض بمناسبة ذكر إمام ضلالة، ثم بمناسبة عرضٍ لأفكار فرقةٍ أخذت بعضًا أو كلا منه، نقول هذا اعتذارًا بين يدي ما سنعرضه عن أهم الفرق التي نشأت في بيئات إسلامية.\nوهناك ملاحظة أننا قد نذكر بمناسبة تولد فرقة ضلالة عن فرقة هدى اسم الفرقتين، فليلاحظ ذلك، كحديثنا عن زيد بن علي وأتباعه مع أنه مع أئمة الهدى، فإنه قد تفرعت بعض الفرق الغالية عن شيعته.\nوالفرقة التي لا زال لها وجود واسع من فرق الخوارج هي الإباضية ومؤسس مذهبهم عبد الله ابن إباض التميمي المتوفى عام ٨٠ هـ.\n\"من آرائهم أنهم لا يرون مخالفيهم من المسلمين مشركين وإنما كفار نعمة، ويحرمون دماء مخالفيهم في السر [أي من خالفهم في السر يسكتون عنه] لا في العلانية، ودارهم [دار مخالفيهم] دار توحيد إلام معسكر السلطان ولا يحل من غنائم مخالفيهم إلا الخيل والسلاح وكل ما فيه قوة في الحروب، وتجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم، وما تزال هذه الفرقة قائمة في بلاد طرابلس الغرب، وفي زنجيار وعمان. وعمدة كتبهم في الفقه: \"شرح النيل وشفاء الغليل\" للشيخ محمد بن يوسف بن أطفيش، في عشرة مجلدات، المطبعة السلفية بمصر ١٣٤٣ هـ. ومصادر فقههم: القرآن والسنة والإجماع والقياس، إلا أن المراد بالإجماع عندهم هو إجماع طائفتهم، ومن مخالفاتهم [لأهل السنة والجماعة]: إنكارهم حد الرجم للزاني المحصن وقولهم بجواز الوصية للوارث، وقولهم بجواز الجمع بين المرأة وعمتها لعدم ذكره في القرآن، وبأن المحرم من الرضاع هو الأم والأخت فقط. ويقولون بتخليد العصاة في النار: لأن الإيمان عندهم قول وعمل، وهم الآن يرفضون تسميتهم بالخوارج\" من كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي.\n١ -","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>١ - فرق الخوارج</span>\nقال عبد القاهر البغدادي في كتابه: (الفَرْقُ بين الفِرَق):\nوأما الخوارج فإنها لما اختلفت صارت عشرين فرقة، وهذه أسماؤها: المحكمة الأولى، والأزارقة، ثم النجدات، ثم الصفرية؛ ثم العجاردة.\nوقد افترقت العجاردة فيما بينها فرقا كثيرة، منها الخازمية، والشعبية، والمعلومية، والمجهولية، والمعبدية، والرشيدية، والمكرمية، والحمزية، والإبراهيمية، والواقفة.\nوافترقت الإباضية منها فرقًا: حفصية، وحارثية، ويزيدية، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها.\nواليزيدية منهم: أتباع يزيد بن أبي أنيسة، ليست من فرق الإسلام لقولها بأن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان بني يبعث من العجم.\nوكذلك في جملة العجاردة فرقة يقال لها \"الميمونية\" ليست من فرق الإسلام، لأنها أباحت نكاح بنات البنات وبنات البنين كما أباحته المجوس ..\nوقد اختلفوا فيما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها، فذكر الكعبي في مقالاته أن الذي يجمع الخوارج -على افتراق مذاهبها- إكفار علي، وعثمان، والحكمين، وأصحاب الجمل، وكل من رضي بتحكيم الحكمين، والإكفار بارتكاب الذنوب، ووجوب الخروج على الإمام الجائر.\nوقال شيخنا أبو الحسن: الذي يجمعها إكفار علي، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، والخروج على السلطان الجائر، ولم يرض ما حكاه الكعبي من إجماعهم على تكفير مرتكبي الذنوب، والصواب ما حكاه شيخنا أبو السحن عنهم، وقد أخطأ الكعبي في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم. وذلك أن النجدات من الخوارج لا يكفرون أصحاب الحدود من موافقيهم.\nوقد قال قوم من الخوارج: إن التكفير إنما يكون بالذنوب التي ليس فيها وعيد","vol":"1","page":415},{"text":"مخصوص، فأما الذي فيه حد أو وعيد في القرآن فلا يزاد صاحبه على الاسم الذي ورد فيه، مثل تسميته زانيًا، وسارقًا، ونحو ذلك.\nوقد قالت النجدات: إن صاحب الكبيرة من موافقيهم كافر نعمةٍ، وليس فيه كفر دينٍ.\nوفي هذا بيان خطأ الكعبي في حكايته عن جميع الخوارج تكفير أصحاب الذنوب كلهم منهم ومن غيرهم.\nوإنما الصواب فيما يجمع الخوارج كلها ما حكاه شيخنا أبو الحسن ﵀ من تكفيرهم عليا، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن صوبها أو صوب أحدهما، أو رضي بالتحكيم. ا. هـ.\n* * *","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>٢ - المعتزلة</span>\nقال عبد القاهر البغدادي:\nوأما القدرية المعتزلة عن الحق فقد افترقت عشرين فرقة كل فرقة منها تكفر سائرها، وهذه أسماء فرقها: الواصلية، والعمروية، والهذلية، والنظامية، والمردارية، والمعمرية، والثمامية، والجاحظية، والخابطية، والحمارية، والخياطية، والشحامية، وأصحاب صالح قبة، والمريسية، والكعبية، والجبائية، والبهشيمة المنسوبة إلى أبي هاشم بن الجبائي، فهي ثنتان وعشرون فرقة، ثنتان منها ليستا من فرق الإسلام، وهما: الخابطية، والحمارية ...\nيجمعها كلها في بدعتها أمور؛ منها: نفيها كلها عن الله ﷿ صفاته الأزلية، وقولها بأنه ليس لله ﷿ علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، ولا صفة أزلية، وزادوا على هذا بقولهم: إن الله تعالى لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة.\nومنها: قولهم باستحالة رؤية الله ﷿ بالأبصار، وزعموا أنه لا يرى نفسه، ولا يراه غيره، واختلفوا فيه: هل هو راءٍ لغيره أم لا؟ فأجازه قوم منهم، وأباه قوم آخرون منهم.\nومنها: اتفاقهم على القول مجدوث كلام الله ﷿، وحدوث أمره ونهيه وخبره، وكلهم يزعمون أن كلام الله ﷿ حادث، وأكثرهم اليوم يسمون كلامه مخلوقًا.\nومنها: قولهم جميعًا بأن الله تعالى غير خالقٍ لأكساب الناس ولا لشيء من أعمال الحيوانات، وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون على أكسابهم، وأنه ليس لله ﷿ في أكسابهم ولا في أعمال سائر الحيوانات صنع وتقدير ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية.\nومنها: اتفاقهم على دعواهم في الفاسق من أمة الإسلام بالمنزلة بين المنزلتين، وهي أنه فاسق، لا مؤمن ولا كافر، ولأجل هذا سماهم المسلمون \"معتزلة\" لاعتزالهم قول الأمة بأسرها.\nومنها: قولهم إن كل ما لم يأمر الله تعالى به أو نهى عنه من أعمال العباد لم يشأ الله شيئًا منها. ا. هـ.\n* * *","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>٣ - المرجئة</span>\nقال عبد القاهر البغدادي:\nوأما المرجئة فثلاثة أصناف: صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، وبالقدر على مذاهب القدرية، فهم معدودون في القدرية والمرجئة، كأبي شمرٍ المرجئ، ومحمد بن شبيب البصري، والخالدي.\nوصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، ومالوا إلى قول جهم في الأعمال والأكساب، فهم من جملة الجهمية والمرجئة.\nوصنف منهم خالصة في الإرجاء من غير قدر، وهم خمس فرق: يونسية، وغسانية، وثوبانية، وتومنية، ومريسية.\n- وأما النجارية فإنها اليوم بالري [في عصر البغدادي] أكثر من عشر فرق، ومرجعها في الأصل إلى ثلاث فرق: برغوثية، وزعفرانية، ومستدركة.\n- وأما البكرية والضرارية فكل واحدة منهما فرقة واحدة ليس لها تبع كثير، والجهمية أيضًا فرقة واحدة.\n- والكرامية بخراسان ثلاث فرق: حقائقية، وطرائقية، وإسحاقية، لكن هذه الفرق الثلاث منها لا يكفر بعضها بعضًا، فعددناها كلها فرقة واحدة.\nوالمرجئة ثلاث أصناف: صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذاهب القدرية المعتزلة، كغيلان، وأبي شمر، ومحمد بن شبيب البصري، وهؤلاء داخلون في مضمون الخبر الوارد في لعن القدرية، والمرجئة يستحقون اللعنة من وجهين، وصنف منهم قالوا بالإرجاء بالإيمان، وبالجبر في الأعمال، على مذهب جهم بن صفوان، ثم إذا من جملة الجهمية، والصنف الثالث منهم خارجون عن الجبرية والقدرية، وهم فيما بينهم خمس فرق: اليونسية، والغسانية، والثوبانية، والتومنية، والمريسية، وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان، الإرجاء بمعنى التأخير، يقال: أرجيته، وأرجأته، إذا أخرته. وروي","vol":"1","page":418},{"text":"عن النبي ﷺ أنه قال: \"لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيًا\" قيل: من المرجئة يا رسول الله؟ قال: \"الذين يقولون الإيمان كلام\". يعني الذي زعموا أن الإيمان هو الإقرار وحده دون غيره ا. هـ.\nأقول: هناك مرجئة أرجأت الحكم فيمن اقتتل من الصحابة فهذا إرجاء سني، ولم يتعرض له الشيخ عبد القاهر ﵀ لأنه لا يدخل في المذموم، والمشهور عن المرجئة المذمومة أنهم يقولون إنه لا يضر مع الإيمان ترك العمل ولا فعل المعصية، بل ذهب بعضهم إلى أن الإيمان قول فقط ولو لم يرافقه تصديق قلبي. فهؤلاء والذين قبلهم كفروا بهذين المذهبين.\n* * *","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>٤ - بعض الفرق الشاذة من الزيدية</span>\nوقد ذكر عبد القاهر البغدادي من فرقهم الغالية: الجارودية والسليمانية أو الجريرية والبترية.\nقال عبد القاهر: هؤلاء: البترية، والسيلمانية، من الزيدية كلهم يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر، والجارودية يكفرون السليمانية والبترية؛ لتركهما تكفير أبي بكر وعمر.\nوحكى شيخنا أبو الحسن الأشعري في مقالته عن قوم من الزيدية يقال لهم اليعقوبية أتباع رجل اسمه يعقوب أنهم كانوا يتولون أبا بكر عمر، ولكنهم لا يتبرءون ممن تبرأ منهما.\nإنما قيل لهذه الفرق الثلاث وأتباعها \"زيدية\" لقولهم بإمامة زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب في وقته وإمامة ابنه يحيى بن زيد بعد زيد. وكان زيد بن علي قد بايعه على إمامته خمسة عشر ألف رجلٍ من أهل الكوفة، وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي قالوا له: إنا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك علي بن أبي طالب، فقال زيد: إني لا أقول فيهما إلا خيرًا، وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيرًا وإنما خرجت على بني أمية الذين قتلوا جدي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم الحرة، ثم رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار. ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم \"رفضتموني\" ومن يومئذٍ سموا رافضة، وثبت معه نضر بن خزيمة العنسي، ومعاوية بن إسحاق بن يزيد بن حارثة في مقدار مائتي رجل، وقاتلوا جند يوسف بن عمر الثقفي حتى قتلوا عن آخرهم، وقتل زيد، ثم نبش من قبره وصلب، ثم أحرق بعد ذلك.\nوهرب ابنه يحيى بن زيد إلى خراسان، وخرج بناحية الجوزجان على نصر بن سيار والي خراسان، فبعث نصر بن سيار إليه سلم بن أحوز المازني في ثلاثة آلاف رجلٍ، فقتلوا يحيى بن زيد، ومشهده بجوزجان معروف. ا. هـ.","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>٥ - فرق الكيسانية</span>\nقال عبد القاهر:\nهؤلاء أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي قام بثأر الحسين بن علي بن أبي طالب، وقتل أكثر الذين قتلوا حسينا بكربلاء، وكان المختار يقال له كيسان. وقيل: إنه أخذ مقالته عن مولى لعلي ﵁ كان اسمه كيسان وافترقت الكيسانية.\nوافترقت الكسيانية فرقًا يجمعها شيئان:\nأحدهما: قولهم بإمامة محمد بن الحنفية وإليه كان يدعو المختار بن أبي عبيد.\nوالثاني: قولهم بجزاء البداء على الله ﷿. ا. هـ.\nأقول:\nالمراد بالبداء على الله ﷿:\nأن الله ﷿ يبدو له الشيء فيكون، وهذا ينقص العلم القديم، وفيه تشبيه الله بخلقه، إذ يظهر لهم الشيء بعد الشيء فيتبعون ما بدا لهم.\n* * *","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>٦ - فرق النجارية</span>\nقال عبد القاهر:\nهؤلاء أتباع الحسين بن محمد النجار وقد وافقوا أصحابنا في أصولٍ ووافقوا القدرية في أصولٍ، وانفردوا بأصول لهم.\nوأما الذي وافقوا فيه القدرية فنفي علم الله تعالى، وقدرته، وحياته، وسائر صفاته الأزلية وإحالة رؤيته بالأبصار، والقول بحدوث كلام الله تعالى.\nوأكفرتهم القدرية فيما وافقوا فيه أصحابنا، وأكفرهم أصحابنا فيما وافقوا فيه القدرية.\nوزعم النجار أن الجسم أعراض مجتمعة، وهي الأعراض التي لا ينفك الجسم عنها، كاللون، والطعم والرائحة، وسائر ما لا يخلو الجسم منه ومن ضده، فأما الذي يخلو الجسم منه ومن ضده كالعلم والجهل ونحوهما فليس شيء منها بعضًا للجسم.\nوزعم أيضًا أن كلام الله تعالى عرض إذا قرئ، وجسم إذا كتب، وأنه لو كتب بالدم صار ذلك الدم المقطع تقطيع حروف الكلام كلامًا لله تعالى بعد أن لم يكن كلامًا حين كان دمًا مسفوحًا؛ فهذه أصول النجارية.\nوافترقوا بعد هذا فيما بينهم في العبارة عن خلق القرآن وفي حكم أقوال مخالفيهم فرقًا كثيرة كل فرقةٍ منها تكفر سائرها، والمشهورون منها ثلاث فرق، وهي: البرغوثية، والزعفرانية، والمستدركة من الزعفرانية. ا. هـ.\n* * *","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>٧ - فرق الكرامية</span>\nقال عبد القاهر:\nالكرامية بخرسان ثلاثة أصناف: حقائقية، وطرائقية وإسحاقية.\nوهذه الفرق الثلاث لا يكفر بعضها بعضًا وإن أكفرها سائر الفرق؛ فلهذا عددناها فرقة واحدة.\nوزعيمها المعروف محمد بن كرام كان مطرودًا من سجستان إلى غرجستان، وضلالات أتباعه اليوم متنوعة أنواعًا لا نعدها أرباعًا ولا أسباعًا:\nفمنها: أن ابن كرام دعا أتباعه إلى تجسيم معبودة.\nزعم ابن كرام وأتباعه أن معبودهم محل للحوادث.\nومن جهالاتهم في باب النبوة والرسالة قولهم بأن النبوة والرسالة صفتان حالتان في النبي والرسول، سوى الوحي إليه، وسوى معجزاته، وسوى عصمته عن المعصية. وزعموا أن من فعل فيه تلك الصفة وجب على الله تعالى إرساله، وفرقوا بين الرسول والمرسل بأن الرسول من قامت به تلك الصفة، والمرسل هو المأمور بأداء الرسالة.\nثم إنهم خاضوا في باب عصمة الأنبياء ﵈، فقالوا: كل ذنبٍ أسقط العدالة أو أوجب حدًا فهم معصومون منه، وغير معصومين مما دون ذلك.\nثم إن ابن كرام أبدع في الفقه حماقاتٍ لم يسبق إليها.\nمنها: قوله في صلاة المسافر: إنه يكفيه تكبيرتان، من غير ركوع ولا سجود ولا قيام ولا قعود ولا تشهد ولا سلام. ا. هـ.\n* * *","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>٨ - الإمامية</span>\nقال عبد القاهر:\nهؤلاء الإمامية المخالفة للزيدية والكيسانية والغلاة: خمس عشرة فرقة: الكاملية، والمحمدية، والباقرية، والناووسية، والشميطية، والعمارية، والإسماعيلية، والمباركية، والموسومية، والقطعية، والاثنا عشرية، والهشامية، والزرارية، واليونسية، والشيطانية. اهـ.\nأقول: وقد غلب اسم الإمامية في النهاية على الاثنا عشرية، وأكثر شيعة العالم في عصرنا منهم، وهم يعتقدون أن الإمام الثاني عشر قد دخل في سرداب في سامراء وهم ينتظرون خروجه ليملأ العالم عدلًا وقسطًا بعد أن ملئ ظلمًا وجورًا، ويسميهم عبد القاهر: القطعية.\nيقول عنهم:\nهؤلاء ساقوا الإمامة من جعفر الصادق إلى ابنه موسى، وقطعوا بموت موسى، وزعموا أن الإمام بعده سبط محمد بن الحسن الذي هو سبط علي بن موسى الرضا. ويقال لهم \"الاثنا عشرية\" أيضًا؛ لدعواهم أن الإمام المنتظر هو الثاني عشر من نسبه إلى علي بن أبي طالب ﵁، واختلفوا في سن هذا الثاني عشر عند موته، فمنهم من قال: كان ابن أربع سنين، ومنهم من قال: كان ابن ثماني سنين، واختلفوا في حكمه في ذلك الوقت؛ فمنهم من زعم أنه في ذلك الوقت كان إمامًا عالمًا بجميع ما يجب أن يعلمه الإمام، وكان مفروض الطاعة على الناس، ومنهم من قال: كان في ذلك الوقت إمامًا على معنى أن الإمام لا يكون غيره، وكانت الأحكام يومئذ إلى العلماء من أهل مذهبه إلى أوان بلوغه، فلما بلغ تحققت إمامته، ووجبت طاعته، وهو الآن الإمام الواجب طاعته وإن كان غائبًا. اهـ.\nومن مبادئهم الرئيسية ما ذكره الشيخ حسن أيوب في: رسالة عن (رسل الله وكتبه واليوم الآخر) قال:","vol":"1","page":424},{"text":"مبادئ الشيعة:\n١ - إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة. بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها؛ بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر.\n٢ - عين رسول الله ﷺ عليًا للخلافة بنصوص ينقلونها ويؤولونها، لا يعرفها نقلة الشريعة وأهل الحديث.\nومن هنا نشأت فكرة الوصية ولقب علي بالوصي، فهو إمام بالنص لا بالانتخاب، وقد أوصى علي لمن بعده وهكذا كل إمام وصي من قبله.\n٣ - عليٌّ أفضل الخلق في الدنيا والآخرة بعد رسول الله ﷺ فمن عاداه أو حاربه فهو عدو الله إلا إن ثبتت توبته ومات على حبه. اهـ.\nومن عقائدهم القول بعصمة الأئمة والتقية.\nأقول:\nوقد نبش المحدثون كبتهم المعتمدة لديهم فوجدوا فيها مكفرات كثيرة مما دعاهم إلى أن يقولوا: من علم هذه المكفرات واعتقدها منهم فهو كافر، ومن كان على مذهبهم ولم يعلمها ولم يعتقدها وإنما ألحقه بهم حب آل البيت فأمره إلى الله.\n* * *","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>٩ - فرق الباطنية</span>\nقال عبد القاهر:\nاعلموا -أسعدكم الله- أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل أعظم من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان؛ لأن الذين ضلوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال في وقت ظهوره؛ لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يومًا، وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر. ا. هـ.\nوالأصل الأصيل عند جميع فرق الباطنية قولهم إن للقرآن باطنًا يخالف الظاهر وينقضه، ومن أشهر فرقهم التي لا زال لها في عصرنا وجود:\n١ - النصيرية.\n٢ - الإسماعيلية.\n٣ - الدروز.\nمن عقائد النصيرية:\nذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه (مذاهب الإسلاميين) عقائد النصيرية، وهي:\n١ - علي بن أبي طالب إله، أو حلت فيه الألوهية، وهي يسكن السحاب، والرعد صوته والبرق ضحكه، وهم لهذا يعظمون السحاب، وهو أساس الدور السابع، ويوصف بأنه \"المعنى\" غير أننا نعرف أن النصيرية ينقسمون إلى قسمين: الشمالية، وهم الذين يسكنون السواحل في لواء اللاذقية. والكلازية، وهم الذين يسكنون الجبال. والشمالية يقولون إن عليًا حال في القمر. والكلازية يذهبون إلى أنه حال في الشمس.\n٢ - سلمان الفارسي هو رسول علي. وكلمة السر عندهم ثلاثة أحرف وهي: ع (=","vol":"1","page":426},{"text":"علي). م (= محمد). س (= سلمان الفارسي).\n٣ - وهم يخفون مقالتهم، ومن أذاعها فقد أخطأ عندهم. ويرون أنهم على الحق. وأن مقالتهم مقالة أهل التحقيق. ومن أنكر ذلك فقد أخطأ.\n٤ - \"ولهم (اعتقاد) في تعظيم الخمر. ويرون أنها من النور ولزمهم من ذلك أن عظموا شجرة العنب التي هي أصل الخمر حتى استعظموا قلعها\".\n٥ - ويحبون ابن ملجم. قاتل علي ﵁. ويقولون إنه خلص اللاهوت من الناسوت ويخطئون من يلعنه.\n٦ - وقسمهم يبين عن معتقداتهم: وقد أورد نصه ابن فضل الله العمري في \"التعريف بالمصطلح الشريف\" ونقله عنه القلقشندي في \"صبح الأعشى\" (جـ ١٣ ص ٢٥٠ - ٢٥١) وهذا نصه: \"إنني وحق العلي الأعلى، وما أعتقده في المظهر الأسني. وحق النور وما نشأ منه. والسحاب وساكنه وإلا برئت من مولاي \"علي\" العلي العظيم. وولائي له. ومظاهر الحق. وكشفت حجاب سلمان بغير إذن، وبرئت من دعوة الحجة \"نصير\" وخضت مع الخائضين في لعنة ابن ملجم، وكفرت بالخطاب، وأذعت السر المصون، وأنكرت دعوى أهل التحقيق. وإلا قلعت أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى أجتث أصولها وأمنع سبيلها. وكنت مع قابيل على هابيل، ومع النمرود على إبراهيم. وهكذا مع كل فرعون قام على صاحبه. إلى أن ألقى العلي العظيم وهو علي ساخط وأبرأ من قول قنبر وأقول إنه بالنار ما تطهر\".\nوهذا القسم إذا حللناه وجدنا:\nأأن علي بن أبي طالب يلقب بلقب \"العلي العظيم. وهما من أسماء الله. وإن كان لا يتحدث عن \"عبادة\" بل عن \"ولاء\" لعلي. وعلى هذا تكون العلاقة هي علاقة المولى بمن يتولاه. أو بالعبد.\nب أن سلمان الفارسي هو صاحب الحجاب. أي الباب الذي يفضي إلى العلم والحكمة وأسرار الباطن وباطن الأسرار.","vol":"1","page":427},{"text":"ج- أن الخطاب هو الديانة والدعوة والبلاغ.\nد- أن مبادئ النصيرية سر مصون لا يجوز إذاعته.\nهـ- أن شجرة العنب مقدسة عندهم بحيث لا يجوز اقتلاعها. لأن من ثمرها تصنع الخمر وهم يعظمون الخمر كما رأينا.\nو- وقوله: أبرأ من قول \"قنبر\" يشير إلى ما قاله علي بن أبي طالب:\nلما رأيت الأمر أمرًا منكرًا ... أججت نساري ودعوت قنبرًا\nا. هـ.\nومن كلام ابن تيمية في وصف مذهبهم:\nفمن حقيقة الخطاب عندهم والدين: أن يعلم أن عليًا هو الرب، ومحمد هو الحجاب. وسلمان هو الباب -وذلك على الترتيب. لم يزل ولا يزال. ومن شعر بعض ضلالهم -وكلهم ضلال- المشهور عنه قوله الملعون:\nأشهد أن لا إله إلا ... علي الأنزع البطين\nولا حجاب عليه إلا ... محمد الصادق الأمين\nولا طريق إليه إلا ... سلمان ذو القوة المتين\nا. هـ.\nمن عقائد الدروز:\n١ - قولهم: بألوهية الحاكم بأمر الله الفاطمي.\n٢ - قولهم: بالتناسخ والتقمص والحلول، وهذه العقيدة تسللت إلى بعض الفرق الباطنية عن الديانة البرهمية.\nمن عقائد الإسماعلية:\nوالإسماعيليون على أنواع، ومن أشد فرقهم غلوًا الفرقة القائلة بألوهية الإنسان وبالتناسخ.","vol":"1","page":428},{"text":"وقد عقد الدكتور محمد أحمد الخطيب مقارنة بين عقائد الدروز النصيرية والإسماعيلية في كتابه الحركات الباطنية في العالم الإسلامي ذكر فيها:\n\"من خلال الاستعراض السابق الذي استكملنا فيه دراسة عقائد وأفكار الحركات الباطنية المتواجدة في العالم الإسلامي، يمكننا أن نرى كثيرًا من أوجه الشبه أو الاختلافات بين عقائد هذه الحركات.\nإلا أنه في الوقت نفسه، يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن الحركة الإسماعيلية كانت المغذي الرئيسي لكثير من هذه الحركات، ولن نتعدى الصواب إذا قلنا: إن الأفكار الرئيسية الموجودة في عقائد الإسماعيلية، لا تختلف إلا في بعض التفاصيل عن عقائد الفرق الأخرى.\nفكافة هذه الفرق اتخذت من الفلسفات الوثنية من إغريقية وإسكندرانية أداة لها في إثبات صحة مزاعمها، وبالتالي في تشكيك الناس بدينهم وعقيدتهم.\nوينبغي أن نلاحظ أن أتباع كل فرقة من هذه الفرق يعتبرون أنفسهم هم (الموحدون)، أما غيرهم -على حسب زعمهم- فالمسافة شاسعة بينهم وبين التوحيد، لذلك فالدروز يطلقون على مذهبهم (مسلك التوحيد) باعتبار أنهم وحدهم سلكوا هذا المسلك؟!\nمن الأمثلة الواضحة على أن الإسماعيلية كانت الرائدة في فلسفة كافة الفرق، نظرية الفيض الأفلاطونية، فقد كانت الإسماعيلية أول من حاول فرض هذه النظرية على العقائد الإسلامية، لذا أصبحت علما في هذا الاتجاه.\nوإذا تتبعنا أوجه الاتفاق بين الفرق الباطنية، فإننا نرى أن نظرتهم للألوهية والتوحيد متشابهة رغم بعض الاختلافات في الأسماء والمسميات، وذلك لانبثاقها عن نظرية الفيض، فالإسماعيلية -حسب زعمها- ترى أن الخالق الحقيقي للكون هما (العقل الكلي والنفس الكلية)، وأنها من جملة الحدود في العالم العلوي، وهذان الحدان يقابلهما -على حسب قاعدة المثل والممثول- في العالم السفلي حد النبي وحد الإمام أو الوصي، لذا فإن كل","vol":"1","page":429},{"text":"الألقاب التي تطلق على الله تطلق أيضًا على الوصي والإمام بصفتهما ممثلي العقل الكلي. وهذه القاعدة تقول بها جميع الفرق الإسماعيلية الأخرى على اختلاف أسمائها.\nولكن الدروز رغم انشقاقهم عن الإسماعيلية، وأخذهم الكثير من عقائدها، إلا أنهم رفضوا نظرية المثل والممثول التي تقول بها الإسماعيلية، وقرروا أن الحدود العلوية الموجودة في العالم العلوي هي ذاتها الموجودة في العالم السفلي ولا اختلاف بينها. وبما أن الدروز انشقوا عن الإسماعيلية لإظهارهم -الزعم- بألوهية الإمام الإسماعيلي (وهي العقيدة التي حاولت الإسماعيلية إخفاءها خوفًا وتقية)، فقد أعلنوا جوهر هذه العقيدة وهي: أن الله يتخذ على مر العصور والأزمان حجابًا أو صورة ناسوتية يتجلى فيها لخلقه -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-، وأن الحجاب الأخير الذي ظهر فيه كان بصورة الحاكم بأمر الله العبيدي، وبذلك أظهروا عقيدة كانت الإسماعيلية تخفيها ولا تعلنها.\nوفي الوقت نفسه أخذوا عن الإسماعيلية نظرية العقول السبعة وطبقوها على ظهورات الله بالصورة الناسوتية، وزعموا أن عدد هذه الظهورات كانت سبعًا، آخرها الحاكم.\nأما النصيرية، فتعتبر أن الذات الإلهية متشخصة بالمعنى وهو (علي بن أبي طالب) -تعالى الله عن ذلك-، ولكنها في الوقت نفسه لم تتجاهل نظرية الفيض التي قالت بها الإسماعيلية والدروز، فزعمت أن العقل الكلي هو (الميم) أي محمد ﷺ، وأن النفس الكلية هي (السين) أي سلمان الفارسي، وهو حسب زعمهم الذي خلق السموات والأرض والأيتام الخمسة كذلك.\nوجميع الصفات الإلهية التي وصف الله بها نفسه في القرآن الكريم لا تعترف بها كافة الفرق الباطنية، فهم ينفون نفيًا مطلقًا هذه الصفات، إيجابية كانت أم سلبية، لأنه تعالى -على حسب زعمهم- فوق متناول العقل، والعقل عاجز عن إدراك كنهه، فإثبات هذه الصفات، حسب زعمهم- يعني عدم التوحيد. ولذلك فهم يزعمون أن هذه الصفات تليق فقط بحدوده وخاصة العقل والنفس، باعتبارهما من فيضه ومبدعاته.\nوثمة وجه آخر من أوجه الشبه بين هذه الفرق، وهي عقيدة التناسخ، ورغم أن","vol":"1","page":430},{"text":"الإسماعيلية لا تجاهر أو تصارح بالقول بها، إلا أن المتتبع لآراء الإسماعيلية يجزم أنها تؤمن بها شأنها شأن الفرق الأخرى، ولكن هناك بعض الاختلافات بين هذه الفرق، فالإسماعيلية والتنصيرية تؤمنان بوجود عالم روحاني تسكنه الملائكة، وعالم سفلي هو عالم الكون والفساد. وهم إضافة إلى ذلك يعتقدون بأن الأجساد مصدر الشقاء والآلام، وأن المؤمن حين موته تذهب نفسه إلى العالم العلوي، وأما الكافر فينقلب في الأجساد البشرية وغير البشرية عقابًا له على ما قدم، وعلى هذا فالإسماعيلية والنصيرية تؤمنان بالمسخ، أي أن تأتي نفس الكافر عقابًا لها - على حسب زعمهم - بقمصان رديئة كالحيوانات، أو أن تأتي بصورة جامدة من معدن أو حجر فتذوق بذلك عذاب جهنم؟!\nوهذا الاعتقاد بالنسخ والمسخ، يخالف اعتقاد الدروز، الذين ينحصر التناسخ عندهم في الصور البشرية فقط، ولا يكون في البهائم أو الجمادات، ولذلك فقد عبروا عن التناسخ بكلمة التقمص، لأن في انتقال النفس إلى جسم حيوان ظلم لها، فالثواب والعقاب بني - حسب زعمهم - على قاعدة العدل الإلهي في محاسبة الأرواح بعد مرورها في القمصان البشرية.\nوهناك عقيدة أخرى لا يختلفون فيها أبدًا، وهي عقيدة التقية، فالتستر والكتمان عند جميع هذه الفرق فرض لا يجوز التهاون فيه، لأن البوح بأسرار اعتقاداتها إلى غير أهلها تدنيس لها، لذا فقد طالبت الإسماعيلية والدرزية والنصيرية أتباعها بالاستتار وعدم التظاهر بما يبطنون، وهكذا فقد أصبحت هذه العقيدة عادة مستحكمة عند جميع أتباع هذه الفرق، لأنها تعني التظاهر بشيء آخر، وبالتالي فقد جعلت هذه العقيدة من أتباعها بؤرة للنفاق والخداع يتصفون به جميعهم، وهذا واضح في تاريخهم.\nويمكن أن يضاف إلى عقيدة التقية أمر آخر مرتبط بها، وهو أن جميع هذه الحركات تطلب من المستجيبين لها عهودًا وأيمانًا غليظة يجب أن يؤديها حتى يوثق به، ومع ذلك فإنهم لا يسلمونه كل الأسرار دفعة واحدة، بل على التدرج وكما هو واضح عند الدروز والنصيرية.\nوهناك أيضًا عقائد بين الدروز والنصيرية أهمها:","vol":"1","page":431},{"text":"\"قضية العاقل والجاهل، فالعقال يسترون دينهم عن الجهال منهم، وإذا أراد أحد الجهال أن يدخل في أمور دينهم، فلا يسلمون الديانة له إلا بالتدريج بعد أن يتتلمذ على أحد المشايخ دينهم ويتخذه والدا دينيا، ويتفقون معهم أيضًا بقدمية العالم، وأن العالم قد خلق على ما هو عليه الآن، وأن عدد البشر كان كما هو الآن لا يزيد ولا ينقص\". وهم ينفقون كذلك بالإضافة إلى الإسماعيلية في تأويل آيات القرآن حسب معتقداتهم، وأن له ظاهرًا وباطنًا حتى يثبتوا صحة معتقداتهم المناقضة للقرآن الكريم.\nونستنتج مما سبق، أن نقطة الخلاف والالتقاء الرئيسية بين الإسماعيلية والدروز والنصيرية هي عقيدة الألوهية، فجميعهم يقرون بإمكانية تجسد الألوهية في صورة إنسان، ولكن الإسماعيلية تراها في الأئمة الإسماعيليين جميعًا، بينما الدروز والنصيرية جعلتا لتجسد الألوهية ظهورًا أخيرًا، فكان عند الدروز بشخص الحاكم، وعند النصيرية بشخص على بن أبي طالب - تعالى الله عن ذلك - أما بقية العقائد فقد يلتقون في سيء منها، ويختلفون في شيء آخر، ولكنهم متفقون في جوهرها. أ. هـ.\nأقول:\nإن من درس واقع الثلاث في عصرنا يجد زيادات كثيرة على ما ذكر فيما مضى، فالألوهية عند النصيرية والإسماعيلية لا تزال تتجسد برجال، ولا يزال يظهر عند النصيرية أنبياء، والمرأة عند النصيرية لا دين لها، وقد أسقط أئمة الإسماعيلية في هذا القرن تكاليف الاستتار عن المرأة، وحاول بعض فلاسفة الدروز المحدثون أن يدخلوا الجديد على العقيدة الدرزية، والملاحظ أن أبناء هذه الفرق هم أشد الناس غلوًا في فصل الدين عن الدولة، وكثيرون من رجالهم يقومون بأدوار سياسية خطرة على الإسلام والمسلمين.\n* * *","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>١٠ - في بعض فرق المشبهة</span>\nقال عبد القاهر في كتابه الفَرق بين الفِرق:\n[اعلموا - أسعدكم الله - أن المشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وصنف آخر شبهوا صفاته بصفات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى].\nوالمشبهة الذين ضلوا في تشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة. وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة.\nفمنهم: السيئية الذين سموا عليها إلهًا، وشبهوه بذات الإله. ولما أحرق قومًا منهم قالوا له\" الآن علمنا أنك إله: لأن النار لا يعذب بها إلا الله.\nومنهم: البيانية أتباع بيان بن سمعان الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه على صورة حروف الهجاء.\nومنهم المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي الذي شبه نفسه بربه، وزعم أنه صعد إلى السماء، وزعم أيضًا أن الله مسح يده على رأسه، وقال له: يا بني بلغ عني.\nومنهم: الخطابية الذي قالوا بإلهية أبي الخطاب الأسدي.\nومنهم: الذين قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر.\nومنهم: الحلولية الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأئمة وعبدوا الأئمة لأجل ذلك.\nومنهم: الحلولية الحلمانية المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي الذي زعم أن الإله يحل في كل صورة حسنة، وكان يجسد لكل صورة حسنة.\nومنهم: المقنعية المبيضة بما وراء نهر جيحون في دعواهم أن المقنع كان إلهًا، وأنه مصور","vol":"1","page":433},{"text":"في كل زمان بصورة مخصوصة.\nومنهم: العذافرة الذين قالوا بإلهية ابن أبي العذافر المقتول ببغداد.\nوهؤلاء الذين ذكرناهم في هذا الفصل كلهم خارجون عن دين الإسلام وإن انتبوا في الظاهر إليه.\nوبعد هذا فرق من المشبهة عدهم المتكلمون في فرق الملة لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن، وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج عليهم، وإقرارهم بتحريم المحرمات عليهم، وإن ضلوا وكفروا في بعض الأصول العقلية.\nومن هذا الصنف هشامية منتسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو حد ونهاية، وأنه طويل، عريض، عميق، وذو لون، وطعم، ورائحة، وقد روي عنه أن معبوده كسبيكة الفضة، وكاللؤلؤة المستديرة، وروي عنه أنه أشار إلى أن جبل أبي قبيس أعظم منه، وروي عنه أنه زعم أن الشعاع من معبوده متصل بما يراه، ومقالته في هذا التشبيه على التفصيل الذي ذكرناه في تفصيل أقوال الإمامية قبل هذا.\nومنهم: الهشامية المنسوبة إلى هشام بن سالم الجواليقي الذي زعم أنه معبوده على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف ونصفه الأسفل مصمت، وأن له شعرة سوداء وقلبا تنبع من الحكمة.\nومنهم: اليونسية المنسوبة إلى يونس بن عبد الرحمن القمي الذي زعم أن الله تعالى يحمله حملة عرشه، وإن كان هو أقوى منهم، كما أن الكركي تحمله رجلاه، وهو أقوى من رجليه.\nومنهم: المشبهه المنسوبة إلى داود الجواربي الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإسنان إلا الفرج واللحية.\nومنهم: الإبراهيمية المنسوبة إلى إبراهيم بن أبي يحيي الأسامي وكان من جملة رواة الأخبار","vol":"1","page":434},{"text":"غير أن ضل في التشبيه ونسب إلى الكذب في كثير من رواياته.\nومنهم: الخابطية من القدرية، وهو منسوبون إلى أحمد بن خابط وكان من المعتزلة المنتسبة إلى النظام، ثم إنه شبه عيسى بن مريم بربه، وزعم أنه الإله الثاني، وأنه هو الذي يحاسب الخلق في القيامة.\nومنهم: الكرامية في دعواها أن الله تعالى جسم له وحد ونهاية وأنه محل الحوادث، وأنه مماس لعرشه، وقد بينا تفصيل مقالاتهم قبل هذا بما فيه كفاية. فهؤلاء مشبهة لله تعالى بخلقه في ذاته.\n- فأما المشبهة لصفاته بصفات المخلوقين فأصناف:\nمنهم: الذين شبهوا إرادة الله تعالى بإرادة خلقه، وهذا قول المعتزلة البصرية الذين زعموا أن الله ﷿ يريد مراده بإرادة حادثة، وزعموا أن إرادته من جنس إرادتنا، ثم ناقضوا هذه الدعوى بأن قالوا: يجوز حدوث إرادة الله ﷿ لا في محل، ولا يصح حدوث إرادتنا إلا في محل، وهذا ينقض قولهم: إن إرادته من جنس إرادتنا؛ لأن الشيئين إذا كانا متماثلين ومن جنس واحد جاز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر، واستحال من كل واحد منهما ما يستحيل على الآخر.\nوزادت الكرامية على المعتزلة البصرية في تشبيه إرادة الله تعالى بإرادات عباده، وزعموا أن إرادته من جنس إرادتنا، وأنها حادثة فيه كما تحدث أرادتنا فينا، وزعموا - لأجل ذلك - أن الله تعالى محل للحوادث، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nومنهم: الذين شبهوا كلام الله ﷿ بكلام خلقه، فزعموا أن كلام الله تعالى أصوات وحروف من جنس الأصوات والحروف المنسوبة إلى العباد، وقالوا بحدوث كلامه، وأحال جمهوربهم - سوى الجبائي - بقاء كلام الله تعالى، وقال النظام منهم: ليس في نظم كلام الله سبحانه إعجاز، كما ليس في نظم كلام العباد إعجاز، وزعم أكثر المعتزلة أن الزنج، والترك، والخزر قادرون على الإتيان بمثل نظم القرآن وبما هو أفصح منه، وإنما عدموا العلم بتأليف نظمه، وذلك العلم مما يصح أن يكون مقدورًا لهم.","vol":"1","page":435},{"text":"وشاركت الكرامية المعتزلة في دعواها حدوث قول الله ﷿ في ذاته، بناء على أصلهم في جواز كون الإله محلا للحوادث.\nومنهم: الزراية أتباع زرارة بن أعين الرافضي حدوث جميع صفات الله ﷿، وأنها من جنس صفاتنا، وزعموا أن الله تعالى لم يكن في الأزل حيًا، ولا عالمًا، ولا قادرًا، ولا مريدًا، ولا سميعًا، ولا بصيرًا، وإنما استحق هذه الأوصاف حين أحدث لنفسه حياة، وقدرة، وعلمًا، وإرادة، وسمعًا، وبصرًا، كما أن الواحد منا يصير حيًا، قادرًا، سميعًا، بصيرًا، مريدًا عند حدوث الحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر فيه.\nومنهم: الذين قالوا من الروافض بأن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون. فأوجبوا حدوث علمه كما يجب حدوث علم العالم منا. ا. هـ.\n* * *","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>١١ - في الجاهلية وهم في الجبرية</span>\nقال عبد القاهر عنهم:\nأتباع جهم بن صفوان، الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان. وزعم أيضًا أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يقال: زالت الشمس، ودارت الرحى، من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به. وزعم أيضًا أن علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد. وقال: لأ أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء، وموجود، وحي، وعالم، ومريد. نحو ذلك. ووصفه بأنه قادر، وموجد، وفاعل، وخالق، ومحيي، ومميت، لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده، وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية، ولم يسم الله تعالى متكلمًا به.\nوأكفره أصحابنا في جميع ضلاته، وأكفرته القدرية في قول بأن الله تعالى خالق أعمال العباد، فاتفق أصناف الأمة على تكفيره.\nوكان جهنم - مع ضلالاته التي ذكرناها - يحمل السلاح ويقاتل السلطان، وخرج مع سريج بن الحارث على نصر بن يسار، وقتله سلم بن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان ا. هـ.\n* * *","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>١٢ - الحلوليون والإباحيون</span>\nالحلوليون هم الذين يقولون بحلول الله ﷿ في الإنسان - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا - والإباحيون هم الذين يقولون بأنه لا تكليف على الإنسان فكل شيء مباح له، ومنهم من يقول: إن الإنسان يصل إلى حالة يسقط عنه التكليف وتباح له المحرمات.\nقال عبد القاهر عن الحلولية:\nالحلولية في الجملة عشر فرق كلها كانت في دولة الإسلام، وغرض جميعها القصد إلى إفساد القول بتوحيد الصانع. وتفصيل فرقها في الأكثر يرجع إلى غلاة الروافض. ا. هـ.\nوقال عن الإباحيين:\nفهؤلاء صنفان: صنف منهم كانوا قبل دولة الإسلام كالمزدكية الذين استباحوا المحرمات، وزعموا أن الناس شركاء في الأموال والنساء، ودامت فتنة هؤلاء إلى أن قتلهم أنو شروان في زمانه.\nوالصنف الثاني: الخرمدينية، ظهروا في دولة الإسلام، وهم فريقان بابكية، ومازبارية، وكلتاهما معروفة بالمحمرة. ا. هـ.\nأقول: وبعض غلاة الصوفية يقولون بسقوط التكليف إذا وصل الإنسان إلى الله، وقد ظهروا في عصر الجنيد وقال عنهم: (وصلوا إلى سقر) ولا زالت لهم بقايا حتى اليوم، وما أعظم فريتهم، فهذا رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا أعظم العارفين بالله وبقوا محافظين على القيام بحق الله، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١) واليقين هنا: الموت.\n* * *\n_________\n(١) الحجر: ٩٩.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>١٣ - القائلون بوحدة الوجود</span>\nبمعنى أن الكون جزء من الذات الإلهية، وهنا كفر صريح، وقال تعالى ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (١) وقد كان بعض شيوخنا يفرق بين هؤلاء وبين آخرين يذكرون كلمة وحدة الوجود ويريدون بها أن هذا الكون قائم بأمر الله غير مستغن عنه، فهؤلاء لا يدخلون في الأولين.\nأقول: إن على علماء المسلمين أن يصفوا العقائد وأن ينقوها وأن يبتعدوا بأنفسهم عن كل ملتبس، وأن يقدموا العقائد للناس واضحة جلية، وذلك أدب الإسلام في كل شيء، فقد نهينا عن التعمق والتفيهق وقد كان شيخنا ﵀ لا يترك عبارة أو بيت شعر يمكن أن تلتبس على العامة إلا وعدلها وأصلحها أو فسرها التفسير الصحيح، والمغرمون بالمعميات والألغاز لا يصلحون لإمامة الناس إذا أصبح هذا دأبهم وعادتهم، فالناس يحتاجون إلى البيان الواضح الجلي قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢).\n* * *\n_________\n(١) الزخرف: ١٥.\n(٢) النحل: ٤٤.","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>١٤ - البابية</span>\nظهرت في القرن الثالث عشر الهجري، وهي في الحقيقة دين كفري لا صلة له بالإسلام.\nوقد تحدث عنها فريد وجدي في دائرة معارفه. فقال:\n\"البابية\" هي الديانة التي أسسها الباب، والباب هو الميرزا علي محمد الشيرازي المولود حوالي سنة ١٨٢٤ مؤسس الفرقة المعتزلة في بلاد الفرس وغيرها، بدأ يدعو لمذهبه سنة ١٩٤٣ وهو ابن تسع عشرة سنة متلقيًا بالسيد إشارة إلى أنه من الأسرة النبوية الكريمة.\nقال المسيو \"جوبينو\" في كتابه المسمى (الديانات والفلاسفة في آسيا الوسطى) المطبوع بباريس سنة ١٨٦٦ ما يأتي:\n\"كان الميرزا علي محمد مقصورا على حاله، مشتغلًا بالعبادة بسيطًا للغاية في أخلاقه، حلو الشمائل جذابًا، وكان بحداثة سنة ووسامة وجهه مكسبًا هذه المواهب رونقًا فيه. ولقد ان يؤكد الذين عرفوه أنه لم يحرك شفته حتى يحرك أقصى جهة من فؤاده وكان إذا تكلم عن النبي والأئمة تكلم باحترام عظيم يسر أشد المتعلقين الحادة القلقة إذا لم تصادف فيه أقل خشونة في بث آرائه، فكانت أحاديثه تفتح لهم كل هذه الآفاق المتنوعة السرية التي لا نهاية لها المبعثرة هنا وهناك تطير بها التصورات ثملا في تلك البلاد\".\nقصد الميرزا علي محمد الحج ثم زار مسجد الكوفة وبدا له بعد ذلك تأسيس دين جديد يخلف الإسلام في بلاده، وهناك وضع كتابين أحدهما في تفسير سورة يوسف والآخر في وصف رحلته. فذهب في تفسيره مذهبًا جديدًا في النظر واستنتج من آيات تلك السورة أصولًا لم يستنتجها أحد قبله فطار ذكره بين الناس وإحتاط به الخلق يسمعون منه، فكان يخطب الناس في المساجد ويوجه أشد الملاك والتأنيب إلى قادة الدين، فأحدث كلامه تأثيرًا سيئًا فيهم وتألبوا عليه لإحباط مساعيه، فلم ينجحوا لأنه كان يقرعهم بحجة القرآن، فزاد ذلك في شهرته وانضم إليه رجال من أنصاره فأفضى إليه بمذهبه الجديد، فكانوا أشد الناس","vol":"1","page":440},{"text":"نصرة له. وإذ ذاك سمى نفسه بالباب مشيرًا إلى أنه الباب الوحيد الذي يدخل منه الطالب ليصل إلى حضرة الخالق ﷿، فأطلق عليه أشياعه لقبًا جديدًا وهو (حضرة العلي) فلم يسع رجال الدين إلا رفع أمره إلى حكومة طهران لكفه عن نشر مذهبه بالقوة. وفي هذا الوقت أعلن الباب أنه (النقطة) أي منبثق الحق وروح الله ومظهر قدرته وجلاله، وتنازل عن لقب الباب لأحد أشياعه المدعو حسين بسرويه من أهل خراسان وهو الذي طبع البابية بطابع عملي قلبه إلى حزب سياسي شديد الخطورة.\nنهض حسين بسرويه هذا لنشر البابية في أرجاء فارس فأوجد لها أشياعًا في أصفهان وكاشان ثم نزل إلى طهران ولكن الحكومة أعلنته بعدم البقاء فيها.\nوفي الوقت نفسه كان رجلان من البابية يطوفان البلاد لنشر الدعوة أحدهما الحاج محمد علي بلفروسي اختص بمقاطعة مازنداران والأخرى امرأة تدعى (زرين تاج) ثم تلقبت (بقرة العين) وكانت هذه من مدهشات العصر في علمها وحماستها الدينية وفصاحتها المتدفقة وجمالها البارع.\nفلما طرد حسين بسرويه من طهران قصد خراسان وكانت الدعوة قد أثرت فيها بعض التأثير.\nوبعد حوادث يطول ذكرها قصد حسين المذكور مازنداران ومعه جم غفير من أنصاره المسلحين حتى انتهوا إلى قرية (بدخت) وهنالك اجتمع جميع قادة البابية على هيئة مؤتمر وكان من الحاضرين الميرزا يحيى الذي سيخلف (حضرة العلي) في رئاسة المذهب، وقرة العين فخطبت هذه خطبة بديعة في ذلك المؤتمر كانت سببًا في تقاطر الناس على هذا المذهب الجديد، فلم يسع حسين بسرويه إلا أن ابتنى له حصنا منيعًا في جبال مازندارات وغاباتها واجتمع حوله خلق كثير ليس فيهم واحد يضن بآخر قطرة من حياته في نصرة الدين الجديد فهال هذا الحال حكومة الفرس فأرسلت بعثة عسكرية فحدث بينها وبين أنصار المذهب الجديد قتال أفضى إلى هزيمتها وفقدها كثيرًا من رجالها فعادت بخفي حنين لم تنل منهم منالا فزاد هذا الأمر الحكومة قلقًا فأرسلت إليهم حملة تحت قيادة البرنس مهدي","vol":"1","page":441},{"text":"كولي ميرزا من بيت الملك في فارس، فلقيت هذه الحملة ما لقيته سابقتها بعد قتال عنيف فعززتها الحكومة بحملة ثالثة فلم تكن أسعد حظا من سابقتيها ولكن أصاب حسين بسرويه جرح مميت في هذه الموقعة مات منه، فلم يثن ذلك من همة البابية بل استمروا يقاتلون بجلد وصبر عظيمين فلم يسع الحكومة إلا إرسال حملة رابعة معها مدافع ومدمرات من كل نوع فقاومها البابيون مقاومة عنيفة مدة أربعة أشهر حتى فني رجالهم ونفدت ذخائرهم، فدخلت جنود الشاه إلى معقلهم فأسروا ٢١٤ نفسا من البابيين بين رجال وأطفال ونساء ورغما عن تأمينهم على حياتهم أوغل الجنود فيهم فتكا فبقروا بطونهم وسلوا ألسنتهم ومثلوا بهم أقبح تمثيل.\nولكن كل هذا لم يصد تيار البابية بل زاد في حماستهم وجعلهم يقاومون الحكومة في جهات أخرى مقاومات عنيفة.\nفثارت (زندان) عاصمة مقاطعة كامسيه وكان قائد هذه الحركة مشرع مشهور اسمه محمد علي زنجاني فأرسلت الحكومة إليه جنودًا فدحرها وقاوم كل ما أرسل إليه من القوى الحربية أكبر مقاومة ثم انتهى الأمر بعد جهد جهيد بإطفاء هذه الثائرة. ولكن ذلك كله لم يعطل من حركة البابية بل زادها قوة وزاد أشياعها على المناضلة شدة فلم تدر الحكومة ماذا تصنع فعزمت على قتل زعيم البابية الأكبر (حضرة العلي) رغما عن تظاهره بالسكون وعدم التداخل في حركات عدائية ضد الحكومة، ولكن أنى للحكومة أن تجد مسوغًا لقتله؟\nتذرعت الحكومة لنيل غرضها منه باستدعائه وسؤاله عن أمر دينه الجديد وبنت حكمها بإعدامه على خروجه عن مذهب الجماعة فأمرت بقتله فصلبوه هو وتلميذ له على حائط طويل فسمع الناس تلميذه يقول له على مسمع منهم:\n\"ألست ممتنا مني أيها الأستاذ\" فلم يكد يتمها حتى صوب إليه جندي من الجنود الموكلين بقتلهما رصاصة فقتله، فانقطع الحبل وسقط الباب على الأرض فنهض مهرولا واندس في فصيلة من الجنود ففتكوا به.\nقتل (حضرة العلي) فلم يؤثر ذلك بشيء في حركة مذهبه بل زاده أشياعًا وأنصارًا،","vol":"1","page":442},{"text":"وولى القوم خليفة له الميرزا يحيى ولقبوه (حضرة الأزل) فرأى الرئيس الجديد أن يترك عاصمة البلاد هربًا من الاضطهاد ويتجول في الجهات ليثبت أشياعه في الإيمان.\nولكن البابيين لم ينسوا ثار رئيسهم الأكبر فأرادوا أن يغتالوا به الملك نفسه. فلما كان سنة ١٨٥٢ هجم ثلاثة منهم على الشاه بقصد اغتياله فلم يتمكنوا إلا من جرحه فقبض عليهم الجنود وأذاقوهم ألوان العذاب فاحتملوا كل ذلك بصبر خير الألباب، ثم أوغلت الحكومة في القبض على البابية فأمسكت قرة العين وأمرت بإحراقها حية. ثم أمرت الحكومة بتعذيب من قبض عليهم من الرجال والنساء والولدان. وحملت الحماسة بعض رجال البلاط الملوكي على قتل بعض المقبوض عليه بأيديهم بطرق فظيعة يقشعر منها جلد الإنسان.\nورأى الناس في سوق طهران منظرًا يفتت الأكباد، ويذيب الأفئدة، رأوا أسرابا من الرجال والنساء والأطفال مقودين بالحبال أجسادهم مجروحة وقد وضع الجلادون في كل جرح فتيلة ملتهبة، وهم كيوم ولدتهم أمهاتهم يتلون جميعًا بصوت مرتفع قوله تعالى: (إنا لله وإنا إليه راجعون) والجنود خلفهم يضربون من يتأخر أو من يقع منهم بالسياط فإذا مات طفل في الطريق ألقوه تحت أرجل أبويه فكانا يمران عليه غير ملتفتين إليه.\nثم لاح لأحد الجلادين أن يأتي بطفلين لأحدهم فيذبحهما على صدره ففعل ولم يزدد الأب إلا صبرًا وثباتًا، وقد أظهر الطفلان من آيات البطولة ما خلد ذكرهما في التاريخ إذ كانا يتسابقان إلى ورد الموت، ويتزاحمان على حوضه المرير ليقتل أحدهما قبل الآخر.\nثم رميت الجثث بالأرض تسيل دماؤها وتجرى مهجاتها، والكلاب تنوشها وترتع في أشلائها.\nهذه الحركة أثرت على البابية تأثيرًا ما فأضعفت صوتها العلني، ولكنها لم تبطل حركتها السرية، فانقلبت إلى مذهب سري سرى في كثير من الناس واعتنقه من كان لا يظن فيه أن يصبأ إليه.\n(ما هي عقائد البابيين): عقائد البابيين موجودة في كتبهم وأخصها كتاب البيان الذي وضعه باللغة العربية الباب نفسه، ولم نعثر نحن عليه لننقل منه للقراء فنستدرك هذا","vol":"1","page":443},{"text":"النقص بترجمة عقائدهم عن الفرنسية كما وردت في دائرة معارف القرن التاسع عشر.\nفي مذهب البابية الخلق مظهر الله ذاته، فالخالق في الإسلام يخلق لأنه أراد أن يخلق. وعند البابية هو يخلق لأنه لا يدرك حيًا مؤثرًا إلا بالخلق. وقد صرح البيان بأن مجموع الكائنات هو الله نفسه فإن فيه ما ترجمته:\n\"الحق، يا مخلوقاتي أنك أنا\" فإذا قامت القيامة رجع الخلق إلى الله وفنوا في وحدته التي صدروا عنها، فيتلاشى إذ ذاك كل شيء إلا الطبيعة الإلهية.\nفيرى الرائي من هذا أن أساس البابية مذهب وحدة الوجود بعينه.\nأما نظرية البابية في خلق الكون فهي: لله سبعة أحرف مقدسة تمثل صفاته الإلهية وهي القوة والقدرة والإرادة والتأثير والكبرياء والوحي، ولله خصائص أخرى لا تتناهى ولكن هذه الخصائص السبع هي التي استخدمها في خلق الكون المرئي لنا. فالتمثيل المزدوج لهذه الخصائص السبعة القول والكتابة وهي التي منحتنا الخلقة المزدوجة من روح ومادة فباعتبارها قولا هي منبع الأشياء العقلية، وباعتبارها أحرفا هي مصدر كل الأشياء المادية التي لولاها لم توجد المادة. فالعدد سبعة هو العدد المقدس عند البابية. ولكن يوجد عدد آخر أكبر شأنا عند البابية وهو ١٩. وذلك أنه فوق العبارات الخالقة يجب وضع كلمة (حي) لأن الحياة هي مصدر وثمرة السبع خصائص المتقدمة في آن واحد. فإذا حسبنا كلمة حي بحساب الجمل وجدنا الحاء بثمانية والياء بعضرة فيكون المجموع ١٨ فيضم إليها ١ لتكون الكلمة (أحي) فيكون المجموع ١٩ هذا العدد قال عنه الباب نفسه إنه المظهر العددي لله ذاته. قال ولا يجوز الشك في ذلك، فإن كلمة (واحد) التي يعبر بها الله عن نفسه في القرآن لتدل على وحدانيته هي بحساب الجمل (١٩) أيضًا فالواو ستة والألف واحد والحاء ثمانية والدال أربعة فيكون المجموع ١٩ وعليه فالعدد ١٩ معناه (الواحد الذي يمنح الحياة) أي الله الواحد الخالق ثم إن هذا العدد يحصر العدد سبعة الذي هو جملة الخصائص الإلهية التي خلقت هذا الكون من العدم.\nأما الصلاة عند البابية فيكتفى منها بمرة واحدة في كل شهر كما ورد في البيان كتابها المقدس. ولم تعترف بالنجاسة المعنوية التي يرفعها الوضوء فلم تعطه إلا جهة الفائدة العائدة","vol":"1","page":444},{"text":"منه على النظافة والتجمل وأبطلت وجوب القبلة متمسكة بقوله تعالى (أينما تولوا فثم وجه الله).\nأما من الوجهة الأخلاقية فالبابية تهتم قبل كل شيء بتهذيب العواطف النفسية الجميلة كالسخاء ولطف المعاشرة والأدب، ولا يوجد في عقوبتها المقررة عقوبة الإعدام ولا التعذيب بالضرب ونحوه، فقد قال البيان في هذا ما ترجمته:\n\"إن الله قد حرم استخدام الشدة حتى ولو ضربك ضارب بيده على الكتف\".\nأما العقوبات المستعملة عند البابيين للتأديب فهي نوعان (أولا) التغريم على حسب شدة الجريمة (ثانيًا) الابتعاد عن مقاربة النساء مدة مناسبة للذنب المقترف أ. هـ.\nأقول: إن العرض الذي عرضه فريد وجدي ناقلًا إياه من المصادر الأوروبية كان فيه كثير من الحرارة التي تحوي في طياتها الدفاع عن فكرة المريض المنتن يصل إلى الإباحية في بعض صوره حتى إن قرة العين لم تقتل حتى أباحت المحرمات إلا أن العاطفة الأوروبية تكون دائمًا مع حرية الاعتقاد فتميل للدفاع الحار عن المضطهدين إلا إذا كانوا مسلمين، لاحظ العبارات الحارة التي مرت معنا في وصف ما حدث للبابية ثم ابحث عن مثلها إذا اضطهد المسلمون فإنك لا تجد إلا صمتًا.\n* * *","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>١٥ - البهائية</span>\nالبهائية هي البابية بعد تطويرها. وقد لخص حسن أيوب مذهبهم في رسالة عن (رسل الله وكتبه واليوم الآخر) فقال:\nالبهائية:\nهم أتباع الميرزا حسين علي الذي لقب نفسه بالبهاء المولود في بلدة نور من ضواحي مازندران سنة ١٢٢٣ هـ قام في أول مرة بخلافة الباب ثم يدرج إلى المهدوية ثم النبوية والرسالة ثم الربوبية والألوهية. وقد عهد بالخلافة من بعده إلى ابنه عباس المسمى عبد البهاء وقد دان البهائيون لكل خليفة بعد البهاء وقدسوه وعبدوه مثل عبادتهم للبهاء.\nوقد نزل خليفتهم بمصر سنة ١٨٩٢ م وأسس فيها الدعوة للبهائيين وهلك البهاء في مدينة عكا سنة ١٣٠٩ هـ ١٨٩٢ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>دين البابية والبهائية</span>\n(١) إن للوحي تأويلات سامية ومفاهيم خفية لا يجليها إلا ربها (الباب) أو البهاء (وما يعلم تأويله إلا الله أي الباب أو البهاء).\n(٢) ادعى البهاء المهدوية ثم الرسالة وأنه نزل عليه كتاب الأقدس الذي نسخ جميع ما تقدمه من الكتب السماوية ثم ادعى الألوهية وأمر بعبادة البشر.\n(٣) القول بموت عيسى صلبًا وعدم عودته بنفسه وإنما تحل روحه في غيره. والغير هنا رئيس المذهب الباب ثم البهاء.\n(٤) إنكار معجزات الأنبياء والبعث والحشر والوعد والوعيد والجنة والنار ولهذا ارتكبوا تأويل النصوص الدالة عليها بما يتنافى مع اللغة والدين.\n(٥) نسخ جميع الأديان ورسوم عبادتها والحدود الواردة فيها لعدم صلاحيتها للعالم في عصر التقدم ولهذا جاء البهاء بدينه الجديد للأحمر والأسود وقد ورد في أحكامه:","vol":"1","page":446},{"text":"إن الصلاة تسع ركعات في البكور والزوال والاصال. وقد بطلت صلاة الجماعة. والقبلة عكا والحج إليها للرجال دون النساء. وتحريم الحجاب وإباحة السفور والاختلاط وجعل الحدود عقوبات مادية وغير ذلك من مفترياتهم وكذبهم أ. هـ.\nوكل عقيدة من العقائد السابقة مكفرة بنفسها فكيف وهي مجتمعة.\n* * *","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>١٦ - القاديانية</span>\nوقد لخص مذهبهم الشيخ حسن أيوب في رسالة عن (رسل الله وكتبه واليوم الآخر) فقال:\nهم أتباع غلام أحمد المولود في (قاديان) مركز بنجاب مديرية كورداسور بالهند سنة ١٢٥٢ هـ. وقد ظلوا فرقة واحدة مدة حياته وأيام خليفته نور الدين. وفي آخر حياة نور الدين ابتدأ الخلاف وكان من أثره انقسامهم بعد وفاته إلى شعبتين:\n(١) شعبة قاديان: ورئيسهم محمود بن غلام أحمد.\n(٢) شعبة لاهور: وزعيمهم محمد علي الذي ترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية.\nوالشعبة الأولى تدين بنبوة أحمد، والثانية تعتقد أنه مصلح وهذا خلاف ما ورد في كتاب مبتدع النحلة من أنه مهدي ثم نبي مرسل ثم عيسى الموعود به، وتوفي أحمد بعد حياة حافلة بنبوة تحرم الجهاد وتدعو إلى مساعدة الإنجليز لأنهم أرباب نعمته وأصحاب الفضل عليه في حمايته ونشر دعوته.\nمبادئ القاديانية:\n(١) القول بعدم ختم النبوة وتأويل ما يدل على ختمها.\n(٢) غلام أحمد هو المهدي والنبي المؤيد لشريعة محمد ﷺ وهو المسيح الموعود به.\n(٣) باب الوحي مفتوح للناس وقد نزل عليه ويسمعه بعض أتباعه.\n(٤) تحريم الجهاد والدعوة لطاعة ولاة الأمر والإنجليز.\n(٥) قاديان ومسجدها تماثل مكة ومسجدها، والحج إليها مثل الحج إلى مكة فهي ثالث الأماكن المقدسة.\n(٦) تكفير من لا يصدق به من المسلمين وتمثيلهم باليهود الذين كذبوا المسيح (يعني نفسه) في السلسلة المحمدية.","vol":"1","page":448},{"text":"(٧) تفضيله وتفضيل أتباعه على جميع الأنبياء وأتباعهم\n(٨) ادعاؤهم أن المعنى المقصود من الآيات لا يدركها إلا المسيح القادياني، وإنكارهم أن سنة الرسول ﷺ أصل في التشريع وهم يدعون الناس عن طريق أنهم مسلمون مصلحون.\nوالقاديانية والبهائية أخطر أصحاب المذاهب على الأمم الإسلامية وأشد كفرًا من اليهود والنصارى والمجوس، ويبطل دعوتهم ما قدمناه من ثبوت عموم رسالة النبي ﷺ وختمها للرسالات، وهم منتشرون في البلاد الإسلامية ويعاونهم الاستعمار بسلطانه الخفي وماله؛ لأنهم أعوانه وأداته في إشاعة الفساد بين المسلمين. أ. هـ.\n* * *","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>الفقرة الرابعة\nفي:\nالخوارج خاصة</span>\nوفيها:\nمقدمة ونصوص\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>المقدمة</span>\nالخارجية اعتقاد وخلق وسلوك، والخارجية أخطر ما يفرزه المجتمع الإسلامي بشكل مستمر وأقوالها وأفعالها تلتبس لأنها في ظاهرها التطبيق الأرقى للإسلام بسبب من تشددها في المواقف وغلوها في العمل، لذلك كان من أهم واجبات دعاة الإسلام أن ينبهوا على الخارجية.\nوالسلوك الخارجي يقوم على المسارعة في التكفير، والخلق الخارجي يتمثل بكثرة العبادة دون أن يصل أثرها إلى القلوب ويتمثل بسفاهة العقول وتصرفات أحداث الأسنان ولو كبر أهله.\nأما العقيدة الخارجية كما استقرت عليه فلها مبادئ:\nمن مثل تكفير علي وعثمان ﵄، ومن مثل اعتقاد وجوب الخروج على الولاة الذين يخالفونهم في وجهات النظر بصرف النظر عن الموازنات، ومن مثل تكفير مرتكب الذنب سواء كان صغيرة أو كبيرة، ومن مثل استحلال دماء وأموال وأعراض من خالفهم.\nقد تكون العقيدة الخارجية الآن ليست موجودة إلا في دوائر ضيقة ولكن الخلق والسلوك الخارجي يظهران في كثيرين.\nلقد ذكرنا من قبل أن للنفاق صورًا شتى: فهناك صورة النفاق الاعتقادي الذي ينبثق عنه سلوكه، وهناك النفاق العملي. وكذلك الخارجية: فهناك خارجية الاعتقاد، وهناك خارجية السلوك وعلى العلماء والمربين أن يحرروا المسلم من كل.\nولذلك فإن النصوص الآتية ينبغي أن ينظر إليها لا على أنها تصف قضية تاريخية، بل على أنها تتحدث عن ظاهرة متجددة.\nوالملاحظ: أن النصوص في الخوارج كثيرة، وقد عللنا لذلك في بدايات الفصل فليراجع.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>النصوص</span>\n٤٤٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق\".\n٤٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن سويد بن غفلة، قال: قال علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثًا، فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه.\nوفي رواية (٣): من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: \"سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة\".\n٤٤٤ - * روى مسلم عن عبيدة بن عمرو السلماني، عن علي ﵁، أنه ذكر الخوارج فقال: فيهم رجل مخدج اليد، أو مثدون اليد، أو مودن اليد، لولا أن تبطروا\n_________\n٤٤٢ - مسلم (٢/ ٧٤٥) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٧ - باب ذكر الخوارج وصفاتهم.\nوأبو داود (٤/ ٢١٧) كتاب السنة ١٣ - باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة.\n(تمرق مارقة): مرق السهم في الهدف: إذا نفذ منه وخرج، والمراد: أنه تخرج طائفة من الناس على المسلمين فتحاربهم، والمارق: الخارج عن الطاعة المفارق للجماعة وهم الخوارج، وفي الحديث شهادة لعلي ﵁ أنه على الحق. وذلك من معجزاته ﷺ.\n٤٤٣ - البخاري (١٢/ ٢٨٣) ٨٨ - كتاب استتابة المرتدين ٦ - باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم.\nمسلم (٢/ ٧٤٦) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٨ - باب التحريض على قتل الخوارج.\nأبو داود (٤/ ٢٤٤) كتاب السنة- باب في قتال الخوارج.\n(٣) مسلم: الموضع السابق.\n(أخر): خر من السطح يخر: إذا وقع، وكل من سقط من موضع عال فقد خر.\n(حدثاء الأسنان): أي شباب لم يكبروا حتى يعرفوا الحق، وقد يكبرون سنًا، ويبقون وكأنهم أحداث في تصرفاتهم.\n(سفهاء الأحلام): الأحلام: العقول. السفه: الخفة في العقل والجهل.\n٤٤٤ - مسلم (٢/ ٧٤٧) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٨ - باب التحريض على قتل الخوارج.\n(مثدون اليد): روي \"مثدون اليد\" و\"مثدن اليد\" ومعناهما: صغير اليد مجتمعها، بمنزلة ثندوة الثدي، وأصله: مثند، فقدمت الدال على النون. (أو مودن اليد): رجل مودن ومودون اليد، أي صغيرها وناقصها.","vol":"1","page":451},{"text":"لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ. قال: فقلت: أنت سمعت هذا من محمد ﷺ؟ قال: إي، ورب الكعبة- قالها ثلاثًا-.\n٤٤٥ - * روى مسلم عن عبيد الله بن رافع- مولى رسول الله ﷺ، أن الحرورية لما خرجت على علي بن أبي طالب، فقالوا: لا حكم إلا الله، قال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله ﷺ وصف لنا ناسًا، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم- وأشار إلى حلقه- من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود، في إحدى يديه طبي شاة، أو حلمة ثدي. فلما قتلهم علي بن أبي طالب، قال: انظروا. فنظروا، فلم يجدوا شيئًا، فقال: ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كذبت- مرتين أو ثلاثًا- ثم وجدوه في خربة فأتوا به، حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم. زاد في رواية (١): قال ابن حنين: رأيت ذلك الأسود.\n٤٤٦ - * روى مسلم عن زيد بن وهب الجهني، ﵁، أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرج قوم من أمتي، يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية\" لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لنكلوا عن العمل، وآية ذلك: أن فيهم رجلًا له عضد، ليس له ذراع، على عضده، مثل حامة الثدي، عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية\n_________\n٤٤٥ - مسلم (٢/ ٧٤٩) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٨ - باب التحريص على قتل الخوارج.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n(الطبي): لذوات الحافر والسباع كالضرع لغيرها، وقد يكون لذوات الخف.\n٤٤٦ - مسلم (٢/ ٧٤٨) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٨ - باب التحريض على قتل الخوارج.\nوأبو داود (٤/ ٢٤٤) كتاب السنة- باب قتال الخوارج.\n(تراقيهم): التراقي: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق.\n(الرمية): ما يرمى من صيد أو نحوه.\n(نكلت): عن العمل أنكل: إذا فترت عنه وجبنت عن فعله.\n(وآية ذلك): الآية: العلامة التي يستدل بها.","vol":"1","page":452},{"text":"وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا. قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلًا، حتى قال: مررنا على قنطرة، فلما التقينا- وعلى الخوارج يومئذ: عبد الله بن وهب الراسبي- فقال لهم: ألقوا الرماح، وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم، كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي: التمسوا فيهم المخدج.، فالتمسوا، فلم يجدوه، فقام علي بنفسه، حتى أتى ناسا، قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخروهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر ثم قال: صدق الله، وبلغ رسوله، قال: فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين، الله الذي لا إله إلا هو، لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف له.\nوفي أخرى لأبي داود (١) عن أبي الوضيء قال: قال علي: اطلبوا المخدج ... فذكر الحديث، واستخرجوه من تحت قتلى في الطين، قال أبو الوضيء: فكأني أنظر إليه، حبشي عليه قريطق له، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعيرات مثل الشعيرات التي تكون على ذنب اليربوع. قال أبو مريم: إن كان ذلك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد، نجالسه بالليل والنهار، وكان فقيرًا، ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي مع الناس، وقد كسوته برنسا لي. قال أبو مريم: وكان المخدج يسمى نافعًا، ذا الثدية، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي، عليه شعيرات مثل سبالة السنور.\n_________\n= (جفون السيوف): أغمادها.\n(وحشت بسلاحي): وبثوبي: إذا رميت به وألقيته من يدك.\n(التشاجر بالرماح): التطاعن بها، وشجره برمحه: إذا طعنه.\n(المخدج): الناقص، والخداج: النقص.\n(قريطق): تصغير قرطق، وهو شبيه بالقباء، فارسي معرب.\n(ذو الثدية): تصغير الثندوة.\n(السبالة): الشارب والجمع السبال، والهاء في \"سبالة\" لتأنيث اللفظة.\n(١) أبو داود في الموضع السابق.","vol":"1","page":453},{"text":"قال الخطابي: قد أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، ورأوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأجازوا شهادتهم، وسئل عنهم علي بن أبي طالب، فقيل: أكفارهم؟ قال: من الكفر فروا، فقيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله بكرة وأصيلا، قيل: من هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا. قال الخطابي: فمعنى قوله ﷺ: \"يمرقون من الدين\" أراد بالدين: أنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة، وينسلخون منها، والله أعلم.\nأقول:\nهؤلاء ثوم دخلوا في الإسلام وخرجوا منه سريعًا، ومظهر ذلك أن يقبلوه ثم لا يلتزموا بأحكامه.\nأقول:\nيلاحظ أنه ورد في هذه الرواية (لا تجاوز صلاتهم تراقيهم) وفي رواية سويد بن غفلة (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع: (يقولون الحق لا يجاوز هذا منهم- وأشار إلى حلقه) فهذه كلها علامات عليهم، ومن ثم فإن على المربين في الأمة الإسلامية أن يلحظوا هذا فيركزوا على الإيمان القلبي وعلى الخشوع القلبي في الصلاة وعلى أن يوافق القول العمل، وفي الرواية اللاحقة سنرى رواية أبي سعيد الخدري: (يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم). فقراءة القرآن وتأثر القلب بها علامة على أن الإنسان ليس من هؤلاء وإلا فالخطر كبير.\n٤٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، من رواية أبي سلمة وعطاء بن يسار، أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية؟ ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n_________\n٤٤٧ - البخاري (١٠/ ٥٥١) - ٧٨ - كتاب الأدب ٩٥ - باب ما جاء في قول الرجل \"ويلك\".\nمسلم (٢/ ٧٤٣) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٧ - باب ذكر الخوارج وصفاتهم. ... =","vol":"1","page":454},{"text":"\"يخرج في هذه الأمة- ولم يقل: منها- قوم، تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلوقهم- أو حناجرهم- يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة: هل علق بها من الدم شيء؟ \".\nوفي رواية أبي سلمة والضحاك الهمداني (١): أن أبا سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا، أتاه ذو الخويصرة- وهو رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال رسول الله ﷺ: \"ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل\"؟ - زاد في رواية: \"قد خبت وخسرت إن لم أعدل\" فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: \"دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم\" زاد في رواية: \"يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام\". وفي رواية: \"من الدين- كما يمرق السهم من الرمية، ينظر أحدهم إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء- وهو القدح- ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم: رجل أسود، إحدى عضديه- وفي رواية: إحدى يديه- مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس\" قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتمس فوجد، فأتي به حتى نظرت إليه\n_________\n= (الرصاف): العقب الذي يكون فوق مدخل النصل في السهم، واحدها: رصفة، بالتحريك.\n(التمارى): تفاعل من المرية: الشك، والمراد: الجدال.\n(١) مسلم (٢/ ٧٤٤) الكتاب والباب السابقان.\n(النضي): بالضاد المعجمة .. بوزن النقي: القدح أول ما يكون قبل أن يعمل، ونضي السهم: ما بين الريش والنصل، ونضو السهم: قدحه، وهو ما جاوز الريش إلى النصل، وقيل: النضي: نصل السهم، والمراد به في الحديث: ما بين الريش والنصل.\n(قدح): القدح: السهم قبل أن يعمل فيه الريش والنصل، وقبل أن يبرى.\n(الفرث): السرجين وما يكون في الكرش.\n(البضعة): القطعة من اللحم.\n(تدردر): التدردر: التحرك والترجرج مارًا وجائيًا ... =","vol":"1","page":455},{"text":"على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت.\nوفي أخرى (١)، قال أبو سعيد: بعث علي ﵁ وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها، فقسمها بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي: ثم أحد بني مجاشع، وبين عيينة بن بدر الفزاري، وبين علقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وبين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بني نبهان، فتغضبت قريش والأنصار، فقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا؟ قال [رسول الله ﷺ]: \"إنما أتألفهم\" فأقبل رجل غائر العينين، ناتئ الجبين كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد، اتق الله، فقال: \"فمن يطيع الله، إذا عصيته؟ أفيأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني؟ \" فسأل رجل من القوم قتله- أراه خالد بن الوليد- فمنعه، فلما ولى، قال: \"إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن، لا يجتوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد\".\nولمسلم نحوه بزيادة ألفاظ (٢)، وفيها: بذهيبة في أديم مقروظ، لم تحصل من ترابها- وفيها- والرابع: إما علقمة بن علاثة، وإما عامر بن الطفيل- وفيها- \"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً\"- وفيها- فقال: يا رسول الله، اتق الله، فقال: \"ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ \" قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله: ألا أضرب عنقه؟ فقال: \"لا، لعله أن يكون يصلي\" قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال\n_________\n(١) مسلم (٢/ ٧٤٢) الكتاب والباب السابقان.\n(الصناديد): جع صنديد، وهو السيد الشريف.\n(التألف): الإيناس والتحبب، والمراد: لأحبب إليهم الإسلام وأزيل نفورهم منه.\n(٢) مسلم: الموضع السابق.\n(الذهيبة): تصغير الذهب، وهو في الأصل مؤنث، والقطعة منه ذهبة، فلما صغر أضيف إليه الهاء، كما يقال في تصغير قوس: قوية، وفي تصغير قدر قديرة.\n(الأديم): المقروظ المدبوغ بالقرظ. ... =","vol":"1","page":456},{"text":"رسول الله ﷺ: \"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم\"، قال: ثم نظر إليه وهو مقف، فقال: \"إنه يخرج من ضئضئ هؤلاء قوم يتلون كتاب الله رطبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\" قال: أظنه قال: \"لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود\".\nوفي رواية (١): فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: \"لا\" فقام إليه خالد سيف الله، فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: \"لا\".\nوفي رواية البخاري (٢) أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق\".\nوللبخاري (٣) طرف منه أن النبي ﷺ قال: \"يخرج ناس من قبيل المشرق يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه\" قيل: ما سيماهم؟ قال: \"سيماهم التحليق- أو قال: التسبيد-\".\nولمسلم في أخرى (٤): أن النبي ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من\n_________\n= (أنقب): التنقيب: التفتيش.\n(مقف): قفى الرجل الرجل يقفي، فهو مقف: إذا أعطاك قفاه وولى.\n(الضئضئي): بالهمزة: الأصل، والمراد: يخرج من صلبه ونسله.\n(١) مسلم (٢/ ٧٤٣) الكتاب والباب السابقان.\n(٢) البخاري (٩/ ٩٩) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن ٣٦ - باب إثم من راءى بقراءة القرآن ... إلخ.\n(٣) البخاري (١٣/ ٥٣٥) ٩٧ - كتاب التوحيد ٥٧ - باب قراءة الفاجر والمنافق ... إلخ.\n(التحليق) والتحالق: حلق الشعر، وهو تفاعل منه، كأن بعضهم يحلق بعضًا.\n(التسبيد): حلق الشعر واستئصاله.\n(٤) مسلم (٢/ ٧٤٥) الكتاب والباب السابقان.=","vol":"1","page":457},{"text":"الناس، سيماهم التحالق، قال: \"هم شر الخلق- أو من أشر الخلق- يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق\". قال فضرب النبي ﷺ لهم مثلًا- أو قال قولًا- \"الرجل يرمي الرمية- أو قال: الغرض- فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة\". قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق.\nأقول: الرمية الصيد ومروق السهم منها دون أثر عليه يشير إلى الدخول فيها والخروج منها بسرعة دون أن يظهر أثر ضئيل عليه فهؤلاء دخلوا في الإسلام ولم يلبثوا أن خرجوا منه باعتقاداتهم الفاسدة يقرؤون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم، وأخشى أن ينطبق هذا على بعض مسلمي عصرنا فليحاسب الإنسان نفسه.\n٤٤٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه ذكر الحرورية؛ فقال: قال رسول الله ﷺ: \"يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية\".\n٤٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن يسير بن عمرو ﵁، قال: قلت لسهل بن حنيف: هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول: - وأهوى بيده قبل العراق- \"يخرج منه قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية\".\nوفي رواية (٣) قال: \"يتيه قوم قبل المشرق، محلقة رؤوسهم\".\n٤٥٠ - * روى النسائي عن شريك بن شهاب، قال: كنت أتمنى أن ألقى رجلا من\n_________\n= (الغرض): الهدف.\n(البصيرة): الدليل والحجة الذي يستدل به لأن الدليل يوضح المعنى ويحققه، فكأن صاحبه يبصر به، والبصيرة: هو شيء من الدم يستدل به على الرمية.\n٤٤٨ - البخاري (١٢/ ٢٨٣) ٨٨ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم ٦ - باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم.\n٤٤٩ - البخاري (١٢/ ٢٩٠) ٨٨ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم ٧ - باب ترك قتال الخوارج للتألف ... إلخ.\nمسلم (٢/ ٧٥٠) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٩ - باب الخوارج شر الخلق والخليقة.\n(٣) مسلم في الموضع السابق.\n٤٥٠ - النسائي (٧/ ١١٩) ٣٧ - كتاب تحريم الدم ٢٦ - باب من شهر سيفه ثم وضعه في الناس. =","vol":"1","page":458},{"text":"أصحاب النبي ﷺ، آسأله عن الخوارج، فلقيت أبا بررة في يوم عيد في نفر من أصحابه، فقلت له: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر الخوارج؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ بأذني، ورأيته بعيني، أتي رسول الله بمال، فقسمه، فأعطى من عن يمينه، ومن عن شماله، ولم يعط من وراءه شيئًا، فقام رجل من ورائه، فقال: يا محمد، ما عدلت في القسمة- رجل أسود مطموم الشعر، عليه ثوبان أبيضان- فغضب رسول الله غضبًا شديدًا وقال: \"والله لا تجدون بعدي رجلًا هو أعدل مني\" ثم قال: \"يخرج في آخر الزمان قوم، كأن هذا منهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم هم شر الخلق والخليقة\".\nقال ابن الأثير: (مطموم الشعر): كثيره، قد طم رأسه، أي: غطاه، والطم: الشيء الكثير.\nأقول: ويحتمل أن يكون مطموم شعر اللحية حليق الرأس كما في رواية ستأتي معنا عن عامر بن واثلة.\nوعلى فهم ابن الأثير أقول تعليقًا: هذا خارجي لم يحلق شعر رأسه فالظاهر أن حلق الشعر بعد ذلك كان شعارًا لجميع الخوارج وهو وحده ليس علامة فارقة فلقد حلق رسول الله ﷺ رأسه وكان بعض الصحابة يحلقون رؤوسهم، ولم يزل بعض صالحي الأمة يحلقون رؤوسهم وليس فيه نهي أما النهي فقد ورد في حلق اللحى ولذلك احتملت أن تشير كلمة (التسبيد) الواردة في بعض النصوص أنها إشارة إلى خارجية تأتي بعد الخارجية الأولى سيماهم حلق اللحى وهو احتمال لم أر من نص عليه، لكنه احتمال قوي خاصة مع ورود النهي عن حلق اللحي فما لم يكن هناك عذر من خوف أو نحوه فإن المرجو من حملة الإسلام ألا يتساهلوا في حلق اللحي. (١)\n_________\n= قال محقق الجامع: وهو حديث حسن.","vol":"1","page":459},{"text":"٤٥١ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن بعدي من أمتي- أو سيكون بعدي من أمتي- قوم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة\".\nقال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري [أخا الحكم الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟] فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ.\n٤٥٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: قال: أتى رجل بالجعرانة- منصرفنا من حنين- وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد، اعدل، فقال: \"ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل\" فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: \"معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\".\nوأخرجه البخاري (١) قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، فقال: \"لقد شقيت إن لم أعدل\".\n٤٥٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله\n_________\n٤٥١ - مسلم (٢/ ٧٥٠) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٩ - باب الخوارج شر الخلق والخليقة.\n(الخلق والخليقة): أسمان بمعنى: وهم الخلائق كلهم. وقيل: الخلق: الناس. والخليقة: الدواب والبهائم.\nأقول: المراد بالخلق: المسلمون، فهم شر المسلمين، لأن المرجو أن يكون مألهم الجنة على ما هم عليه. إلا من كفر منهم.\nوقد رأينا في كلام عبد القاهر أن بعض الخوارج قد حكم عليهم بالكفر.\n٤٥٢ - مسلم (٢/ ٧٤٠) ١٢ - كتاب الزكاة ٤٧ - باب ذكر الخوارج وصفاتهم.\n(١) البخاري (٦/ ٢٣٨) ٥٧ - كتاب فرض الخمس ١٥ - باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ... إلخ.\n٤٥٣ - الترمذي (٤/ ٤٨١) ٣٤ - كتاب الفتن- ٢٤ - باب في صفة المارقة. وقال: حسن صحيح. وهو كما قال.","vol":"1","page":460},{"text":"ﷺ: \"يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\".\n٤٥٤ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك ﵄، أن رسول الله ﷺ قال؛ \"سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، وقوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شر الخلق، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم\" قالوا: يا رسول الله، ما سيماهم؟ قال: \"التحليق\".\nوفي رواية عن أنس (١) نحوه قال: \"سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنيموهم\".\nأقول: إن القاعدة عند علماء التفسير أنه ما من وعيد في الكفار إلا وينبغي أن يأخذ المسلم منه عبرة، وأن ينظر ما إذا كان فيه شيء من أخلاق الكافرين ليتجنبه، فإذا كان هذا في الكفار فمن باب أولى أن يتخوف المسلم أن يكون على شيء من أخلاق فرقة ضالة، ومن ههنا ننبه مسلمي عصرنا وكل عصر على أن يتأملوا في أخلاق الخوارج ويتجنبوها، لأن الخارجية كما تفيد النصوص متجددة في الأمة الإسلامية.\nومن الأمثلة على ما ينبغي أن يحذره المسلم من أخلاقية الخوارج ما ورد في هذا النص:\n١ - إحسان القول وإساءة الفعل.\n٢ - عدم التأثر القلبي بالقرآن.\n_________\n٤٥٤ - أبو داود (٤/ ٢٤٣) كتاب السنة- باب في قتال الخوارج. وهو حديث صحيح.\n(١) أبو داود (٤/ ٢٤٤) الكتاب والباب السابقان.\n(القيل): هو القول.\n(التسبيد): هو حلق الرأس واستئصال الشعر، وقيل: ترك التدهن وغسل الرأس.\n(الإنامة): القتل، يقال: ضربه فأنامه: إذا قتله.","vol":"1","page":461},{"text":"٣ - الخروج السريع من الدين وذلك: كأن يدخل فيه ثم لا يأخذ حظه من العلم والحكمة والتزكية، فيفتي بجهل ويعمل بهوى ويتصرف بسوء خلق ويعتبر ذلك كله دينًا وما هو من الدين.\n٤ - يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء وذلك أنهم من حيث المبدأ يؤمنون بكتاب الله ويدعون إليه ولكن حظهم من التلاوة والفهم والتدبر والتأثر والحفظ شبه معدوم.\n٥ - التحليق والتسبيد: لا يبعد أن يكون بعض الخوارج في بعض العصور ممن يحلقون لحاهم ويسبدون شعور رؤوسهم، لأن حلق الرأس وحده وإكرام اللحية ليس مأخذًا شرعيًا، ولذلك احتملنا أن يكون هذا الحديث في نوع من الخوارج يرتكبون منكر حلق اللحية وذلك هو المأخذ الشرعي. فالمسلم وهو يقرأ مثل هذا الحديث عليه أن يحاسب نفسه فيما إذا كان عنده شيء من مثل هذه الأخلاق.\n٤٥٥ - * روى أحمد عن علي قال: قال رسول الله ﷺ \"يكون في آخر الزمان قوم يقرؤون القرآن يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية قتالهم حق على كل مسلم\".\nأقول: إن راوي الحديث وهو الإمام علي ﵁ قد ابتلى بقتال الخوارج الأول، وقد سن لنا في ذلك سننًا، والعلماء بنوا أحكامهم في الخوارج على ما سن، لأنه خليفة راشد، ونحن مأمورون باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ومما سنه الإمام علي ﵁، أنه لم يبدأ الخوارج بالقتال إلا بعد ما قرروا القتال وبدأوه فعلًا. فالحديث محمول على مثل هذا، وعلماء المسلمين قرروا أنه يجب القتال مع الإمام الحق إذا خرجت عليه طائفة بغير الحق، فإذًا: لا يصح لأفراد الأمة الإسلامية أن يقتلوا من هو مظنة الخارجية إلا بقضاء إسلامي عادل وبعد تصرفات من الخارجي أو أقوال تبيح قتله، ثم لابد من ملاحظة أنه: \"لا تزر وازرة وزر أخرى\".\n_________\n٤٥٥ - مسند أحمد (١/ ١٥٦).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٣١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":462},{"text":"٤٥٦ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس قال: لما اعتزلت [الحرورية في] حروراء وكانوا في دار على حدتهم قلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد [في] الصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: فإني أتخوفهم عليك، قال: قلت كلا إن شاء الله. قال: فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة قد خلت على قوم لم أر قومًا قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل ووجوهم معلبة من آثار السجود [أي فيها أثر بسبب السجود]، قال: فدخلت، فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس ما جاء بك، قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله ﷺ نزل الوحي وهم أعلم بتأويله، فقال بعضهم: لا تحدثوه. وقال بعضهم: لنحدثنه، قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله ﷺ وختنه وأول من آمن به وأصحاب رسول الله ﷺ معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثًا، قلت: ما هن؟ قالوا: أولهن أنه حكم الرجال في دين الله وقد قال الله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١) قال: قلت وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يسب ولم يغنم، لئن كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم. قال: قلت وماذا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قال: قلت أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم وحدثتكم من سنة نبيكم ﷺ ما لا تنكرون أترجعون؟ قالوا نعم، قال: قلت أما قولكم إنه حكم الرجال في دين الله فإنه يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وإلى قوله ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقال في المرأة وزوجها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣) أنشدكم الله، أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم. قال:\n_________\n٤٥٦ - المستدرك (٢/ ١٥٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني وأحمد ورجالهما رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٦/ ٢٣٩).\nثفن: جمع ثفنة وهي ما ولي الأرض من كل ذات أربع إذا بركت كالركبتين وغيرهما، ويحصل فيها غلظ من أثر البروك.\n(١) يوسف: ٤٠.\n(٢) المائدة: ٩٥.\n(٣) النساء: ٣٥.","vol":"1","page":463},{"text":"خرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. وأما قولكم إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم. أتسبون أمكم [أي عائشة ﵂] أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، إن الله ﷿ يقول ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فأنتم تترددون بين ضلالتين فاختاروا أيهما شئتم؟ أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. [قال]: وأما قولكم إنه محا نفسه من أمير المؤمنين فإن رسول الله ﷺ دعا قريشًا يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتابًا فقال: \"اكتب [أي لعلي] هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله\" فقالوا والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: \"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب يا علي محمد بن عبد الله\" فرسول الله ﷺ كان أفضل من علي. أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم عشرون ألفًا وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا.\nأقول: يلاحظ من خلال النقاش الدائر بين ابن عباس ﵄ والخوارج أنه قد رجع القسم الأكبر منهم إلى جادة الصواب، وهذا يفيد أنه بالعلم الصحيح وبالحجة القوية يمكن أن تعالج ظاهرة الخارجية في الأمة الإسلامية، ومن ههنا أكثرنا من الحض على التعرف على كل أصول الثقافة الإسلامية وفروعها، لأنه بذلك وحده يوجد العاصم عن الخطأ الاعتقادي، وتوجد الحصانة ضد الفكر الشاذ، وشرطنا لهذه الثقافة أن تكون على ضوء فهوم الراسخين في العلم من هذه الأمة ممن شهدت لهم الأمة بالعدالة، ولم يعرف عنهم شذوذ اعتقادي أو فتوى تخالف إجماعًا.\n٤٥٧ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن علي قال: لقد علم أولو العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر فاسألوها أن أصحاب ذي الثدية ملعونون على لسان النبي الأمي ﷺ. وفي رواية أن أصحاب النهروان.\n_________\n٤٥٧ - مجمع الزوائد (٦/ ٢٣٩) وقال رواه الطبراني في الصغير والأوسط بإسنادين ورجال أحدهما ثقات. أهـ وللحديث شواهد.","vol":"1","page":464},{"text":"٤٥٨ - * روى أبو يعلى عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري أنه جاء عبد الله بن شداد بن الهاد فدخل على عائشة ونحن عندها جلوس مرجعه من العراق ليالي قتل علي بن أبي طالب ﵁، فقالت له: يا ابن شداد بن الهاد، هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ حدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي قال: ومالي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم. قال: فإن علي بن أبي طالب لما كاتب معاوية وحكم الحكمان خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حرورا من جانب الكوفة وإنهم عابوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص كساكه الله واسم سماك الله به ثم انطلقت فحكمت في دين الله. فلا حكم إلا لله. فلما بلغ عليًا ما عابوا عليه وفارقوه عليه فأمر مؤذنا فأذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلا من قد حمل القرآن، فلما امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس، فناداه الناس: يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق يتكلم بما رأينا منه، فما يزيد، قال: أصحابكم أولئك الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله. يقول الله في كتابه في امرأة ورجل ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (١) فأمة محمد ﷺ أعظم حرمة أو ذمة من رجل وامرأة: ونقموا علي أني كاتبت معاوية، وكتبت علي بن أبي طالب، وقد جاء سهيل بن عمرو فكتب رسول الله ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم قال: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال: \"وكيف نكتب\"؟ قال سهيل: اكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ: \"فاكتب محمد رسول الله\" فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك. فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشًا. يقول الله في كتابه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢) فبعث إليهم عبد الله بن عباس فخرجت معه حتى إذا توسطنا عسكرهم قام ابن الكوا فخطب الناس فقال: يا حملة القرآن هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فليعرفه فأنا أعرفه من كتاب الله هذا ممن نزل فيه وفي قومه ﴿قَوْمٌ\n_________\n٤٥٨ - مجمع الزوائد (٦/ ٢٣٥). وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.\n(١) النساء: ٣٥.\n(٢) الأحزاب: ٢١.","vol":"1","page":465},{"text":"خَصِمُونَ﴾ (١) فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله. قال: فقام خطباؤهم فقالوا والله لنواضعنه الكتاب فإن جاء بالحق نعرفه لنتبعنه وإن جاء بباطل لنبكتنه بباطل ولنردنه إلى صاحبه. فواضعوا عبد الله بن عباس ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب فيهم ابن الكوا حتى أدخلهم على علي الكوفة فبعث علي إلى بقيتهم قال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم فقفوا حيث شئتم، بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا أو تقطعوا سبيلًا أو تظلموا ذمة فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء إن الله لا يحب الخائنين قال فقالت له عائشة: يا ابن شداد فقد قتلهم، قال: فوالله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء واستحلوا الذمة. فقالت: والله؟ قال الله الذي لا إله إلا هو لقد كان. قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدثونه يقولون ذا الثدية مرتين. قال: قد رأيته وقمت مع علي معه على القتلى فدعا الناس فقال: أتعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول رأيته في مسجد بني فلان يصلي ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذاك. قالت: فما قول علي حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله. قالت: فهل رأيته قال غير ذلك؟ قال: اللهم لا. قالت: أجل صدق الله ورسوله يرحم الله عليا إنه كان من كلامه لا يري شيئًا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله. فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدون في الحديث.\nأقول:\nالظاهر من الرواية أن عائشة لم تر نسبة قضية ذي الثدية إلى رسول الله ﷺ ولم تكذب عليًا، والروايات الصحيحة لم تدع مجالا للشك أن عليا سمع ذلك من رسول الله ﷺ، ولا تناقض بين هذه الرواية والتي قبلها، فقد ذكر الراوي هناك روايتين في الكلمة المنقولة عن علي وأصحاب الثدية أو أصحاب النهروان، والظاهر أن عائشة لم تنكر قتل أهل حروراء بل ورد على لسانها ما يدل على معرفتها بغلوهم كما في سؤالها للمرأة (أحرورية أنت).\n_________\n(١) الزخرف: ٥٨.","vol":"1","page":466},{"text":"٤٥٩ - * روى الطبراني عن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) قال: \"هم الخوارج\".\n٤٦٠ - * روى الطبراني في الكبير والأوسط عن حميد بن هلال قال: غزا عمارة بن قرض الليثي غزاة له فمكث فيها ما شاء الله ثم رجع حتى إذا كان قريبًا من الأهواز سمع صوت الأذان فقال: والله مالي عهد بصلاة بجماعة من المسلمين منذ ثلاث. وقصد نحو الأذان يريد الصلاة، فإذا هو بالأزارقة فقالوا له: ما جاء بك يا عدو الله فقال: ما أنتم إخواني؟ قالوا: أنت أخو الشيطان لنقتلنك. قال: أما ترضون مني بما رضي به رسول الله ﷺ؟ قالوا أي شيء رضي به منك؟ قال: أتيته وأنا كافر، فشهدت أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله فخلى عني فأخذوه فقتلوه.\n٤٦١ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري، أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني بواد كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي فقال له النبي ﷺ: \"اذهب فاقتله\". قال: فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله فرجع إلى رسول الله ﷺ. فقال النبي ﷺ لعمر: \"اذهب فاقتله\" فذهب عمر فرآه على الحال الذي رآه أبو بكر فيه، قال فرجع. فقال: يا رسول الله إني رأيته يصلي متخشعًا فكرهت أن أقتله. قال: يا علي \"اذهب فاقتله\". فذهب علي فلم يره فرجع علي فقال: يا رسول الله لم أره. قال: فقال النبي ﷺ: \"إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا\n_________\n٤٥٩ - المعجم الكبير (٨/ ٣٢٥).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٣٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. و(٦/ ٣٢٧) وقال: إسناده جيد.\n(٢) آل عمران: ١٨٨.\n٤٦٠ - مجمع الزوائد (١/ ٢٦) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح.\n(الأزارقة): من الخوارج نسبوا إلى نافع بن الأزرق.\n٤٦١ - مسند أحمد (٣/ ١٥).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٢٥) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\nفوق السهم: موضع الوتر منه.","vol":"1","page":467},{"text":"يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية\".\nأقول: أمر رسول الله ﷺ بقتل هذا الشخص وحيًا، أما نحن فلا يحل لنا أن نقتل إلا على بينة، وقد رأينا أن عليا لم يقتل الخوارج ولم يقاتلهم إلا بعد أن بدأوا بسفك الدماء المعصومة واستحلال الأموال المعصومة وحيازاتها، والفقهاء يعتبرون فعل علي في شأن البغاة هو الأصل الذي يرجع إليه لأنه القدوة فيه فهو الخليفة الراشد.\n٤٦٢ - * روى أحمد عن شريك بن شهاب قال: كنت أتمنى أن ألقى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يحدثني عن الخوارج فلقيت أبا برزة في يوم عرفة في نفر من أصحابه فقلت: يا أبا برزة حدثنا بشيء سمعته من رسول الله ﷺ يقوله في الخوارج قال: أحدثك بما سمعت أذناي ورأت عيناي، أتي رسول الله ﷺ بدنانير فكان يقسمها وعنده رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان بين عينيه أثر السجود فتعرض لرسول الله ﷺ فأتاه من قبل وجهه فلم يعطه شيئًا، فأتاه من قبل يمينه فلم يعطه شيئًا، ثم أتاه من خلفه فلم يعطه شيئًا، فقال: والله يا محمد ما عدلت في القسمة منذ اليوم. فغضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا ثم قال: \"والله لا تجدون بعدي أحدًا أعدل عليكم مني\" قالها ثلاثًا، ثم قال: \"يخرج من قبل المشرق رجال كأن هذا منهم، هديهم هكذا، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يرجعون إليه\". ووضع يده على صدره \"سيما التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال فإذا رأيتموهم فاقتلوهم\"، قالها ثلاثًا \"شر الخلق والخليقة\" قالها ثلاثًا، وقال حماد: لا يرجعون فيه.\nأقول: هذا الحديث يدل على أن الخارجية متجددة الظهور في الأمة الإسلامية. وقوله ﵇: \"فإذا رأيتموهم فاقتلوهم\": يفيد أن القتل متوقف على رؤية هؤلاء الموصفين بهذه الصفات يقينًا، لأن القتل لا يجوز بالظن، والمعرفة اليقينية متوقفة على\n_________\n٤٦٢ - مسند أحمد (٤/ ٤٢١).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٢٨). وقال: رواه أحمد. والأزرق بن قيس وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nالمستدرك (٢/ ١٤٦). وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي.","vol":"1","page":468},{"text":"الحقيقة والآثار، وحقيقة ما في القلوب مغيبة عنا فلم يبق إلا الآثار التي تبيح القتل، والأصل: أن نحسن الظن بالمسلم. ولا يخالف هذا الأصل إلا بأدلة تبيح ذلك، فكيف بالقتل وقد غلب في العصور المتأخرة التسرع في القتل بحجة الخارجية، والذي نراه لقارئ النصوص الواردة في الخوارج أن يتهم نفسه وأن يحترس في اتهام الآخرين إلا إذا وصل عن طريق العلم الصحيح إلى يقين، ومع ذلك فإن هذا اليقين لا يكفي للقتل إلا إذا تصرف هؤلاء التصرفات التي تبيح قتلهم وقتالهم، وقد رأينا تفصيلات ذلك.\n٤٦٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول \"يخرج ناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما قطع قرن نشأ قرن حتى يكون مع بقيتهم الدجال\".\n٤٦٤ - * روى الطبراني عن عامر بن واثلة قال: لما كان يوم حنين أتى رسول الله ﷺ رجل مجزوز الرأس أو محلوق الرأس قال: ما عدلت. فقال له رسول الله ﷺ: \"فمن يعدل إذا لم أعدل أنا؟ \" قال: فغفل عن الرجل فذهب. فقال: \"أين الرجل\"؟ فطلب فلم يدرك. فقال: \"إنه سيخرج في أمتي قوم سيماهم سيما هذا يمرقون من الدين كمل يمرق السهم من الرمية ينظر في قدحه فلم ير شيئًا، ينظر في رصافه فلم ير شيئًا، ينظر في فوقه فلم ير شيئًا\".\n(القدح): السهم قبل أن يراش ويركب نصله.\nأقول: من مظاهر الخارجية: الورع الجاهل والتشدد المنبعث عن قوة نفس لا عن قوة إيمان، ومن مظاهرها: سوء الأدب مع من يجب لهم التوقير والاحترام كما في فعل هذا: إذ يأمر رسول الله ﷺ بالعدل، ولقد فشا سوء الأدب، وهذا مما ينبغي أن يفطن له المربون ولا يعالج هذا الأمر إلا بأن يكون الكبير جديرًا بالاحترام، وتصرفاته حكيمة وأقواله مستقيمة وأن يربي الصغير على توقير الكبير.\n_________\n٤٦٣ - مجمع الزوائد (٦/ ٢٣٠). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن. أهـ وللحديث شواهد.\n٤٦٤ - (٦/ ٢٣٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. أ. هـ. وسبق له شاهد نحوه.","vol":"1","page":469},{"text":"٤٦٥ - * روى البزار عن عقبة بن وساج قال: كان صاحب لي يحدثني عن عبد الله بن عمرو في شأن الخوارج، فحججت، فلقيت عبد الله بن عمرو، فقلت: إنك بقية أصحاب رسول الله ﷺ، وقد جعل الله عندك علمًا، إن ناسا يطعنون على أمرائهم ويشهدون عليهم بالضلالة. قال: على أولئك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. أتي رسول الله ﷺ بسقاية من ذهب أو فضة فجعل يقسمها بين أصحابه فقام رجل من أهل البادية فقال: يا محمد لئن كان الله أمرك بالعدل فلم تعدل. فقال: \"ويلك فمن يعدل عليكم بعدي\"؟ فلما أدبر قال رسول الله ﷺ: \"إن في أمتي أشباه هذا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإن خرجوا فاقتلوهم ثم إن خرجوا فاقتلوهم\". قال ذلك ثلاثًا.\nأقول: نفهم من كلام ابن عمرو: أن الطعن في الأمراء والحكام من أخلاق الخوارج، وهذه القضية لها تفضيلاتها. فأمراء العدل تجب علينا طاعتهم، وتحرم علينا غيبتهم لأن هذا يؤدي إلى خلخلة الثقة، وفي ذلك ما فيه من إفساد العباد والبلاد، أما أمراء الجور والكذب والضلال فهؤلاء ننصحهم إن استطعنا أو نجفوهم، ويصح الكلام فيهم إذا صحت النية وتحققت المصلحة كإبعاد مسلم عن تصديقهم في كذب أو طاعتهم في باطل أو ظلم إلى غير ذلك، ولا يعرف حدود ذلك إلا عليم حكيم زكي النفس، ولذلك كان من مهمات الرسل عليهم الصلاة والسلام: تلقين العلم والحكمة وتزكية الأنفس، والمسلمون بحاجة مستمرة إلى البيئات التي يجتمع لهم فيها تلقن العلم والحكمة وتزكية الأنفس.\n٤٦٦ - * روى الحاكم عن شداد بن عبد الله أبي عمار قال شهدت أبا أمامة الباهلي ﵁ وهو واقف على رأس الحرورية عند باب دمشق وهو يقول: كلاب أهل النار- قالها ثلاثًا- خير قتلى من قتلوه. ودمعت عيناه. فقال له رجل يا أبا أمامة أرأيت قولك هؤلاء كلاب النار أشيء سمعته من رسول الله ﵌ أو من رأيك؟ قال إني إذًا لجريء، لو لم أسمعه من رسول الله ﵌ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا\n_________\n٤٦٥ - كشف الأستار (٢/ ٣٥٩).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٢٨). وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\n٤٦٦ - المستدرك (٢/ ١٤٩). وصححه الذهبي.","vol":"1","page":470},{"text":"وعد سبع مرات ما حدثتكموه. قال له رجل: إني رأيتك قد دمعت عيناك قال: إنهم لما كانوا مؤمنين وكفروا بعد إيمانهم، ثم قرأ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (١) الآية فهي لهم مرتين.\nأقول: ليس المراد بالكفر هنا الكفر الحقيقي، فالإمام علي نفسه لم يكفر الخوارج، وإنما هو كفر نعمة الوحدة والائتلاف، وقد رأينا أن أهل السنة لم يكفروا من الخوارج إلا بعض فرقهم الذين استحلوا الحرام القطعي.\nوالملاحظ: أن أبا أمامة حدث عن خوارج خرجوا في العهد الأموي، ومن موقف أبي أمامة هذا ندرك أن الخروج المسلح على الحكام هو على شفتا خطرٍ إلا إذا وجد الكفر البواح أو وجدت الفتوى البصيرة من أهلها، والفتوى في هذه الحالة محكومة بموازنات متعددة، وحتى في حالة الكفر البواح فإن القتال لا تجب مباشرته إلا إذا توافرت شروط ولا يبعد أن تكون مباشرته من فروض الكفاية في بعض الأحوال، ولكن ذلك كله يخضع للفتوى البصيرة من أهلها، وما أقل الذين يعرفون الفتوى، والذين يعرفون أن يفتوا في مثل هذه الشؤون على ضوء فهوم الراسخين في العلم وأئمة الاجتهاد، وقد ذكر ابن عابدين - من فقهاء الحنفية- في كتاب الجهاد من حاشيته: \"أن الجهاد قد يكون فريضة عينية ولا يأثم من لم يباشره\"، وضرب أمثلة على ذلك.\n٤٦٧ - * روى ابن ماجه عن أبي أمامة يقول شر قتلى قُتلوا تحت أديم السماء وخير قتيلٍ من قتلوا، كلابُ أهل النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارًا قلت يا أبا أمامة هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ.\n٤٦٨ - * روى الإمام أحمد عن أنس قال: ذُكر لي أن رسول الله ﷺ قال ولم أسمعه منه:\n_________\n(١) آل عمران: ١٠٥.\n٤٦٧ - ابن ماجه (١/ ٦٢) المقدمة ١٢ - باب ذكر الخوارج.\nوإسناده حسن.\n٤٦٨ - مسند أحمد (٢/ ١٨٣).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٢٩). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":471},{"text":"\"إن فيكم قومًا يتعبدون فيدأبون حتى يعجب بهم الناس وتُعجبهم أنفسهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية\".\n٤٦٩ - * روى الإمام أحمد عن عبد الملك بن مُليل السليحي قال: كنت جالسًا قريبًا من المنبر يوم الجمعة فخرج محمد بن أبي حذيفة فاستوى على المنبر فخطب ثم قرأ عليهم سورة من القرآن وكان من أقرأ الناس فقال عقبة بن عامر: صدق الله ورسوله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليقرأن القرآن رجال لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\".\nأقول: محمد بن أبي حذيفة ممن خرج على عثمان ﵁، ولذلك وصفه عقبة بن عامر بما وصف به الخوارج.\n٤٧٠ - * روى الإمام أحمد عن سعيد بن جُمهان قال لقيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمتُ عليه فقال: من أنت؟ قلت: أنا سعيد بن جمهان. قال: ما فعل والدك؟ قلت: قتلته الأزارقة قال: لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله ﷺ أنهم كلاب النار. قال: قلت الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها قال: بل الخوارج كلها. قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم ويفعل بهم. قال: فتناول يدي فغمزها غمزةً شديدة ثم قال: ويحك يا ابن جمهان عليك بالسواد الأعظم -مرتين- إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم فإن قبل منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه.\nأقول: هذا في سلطان يقيم الصلاة ولا يعلن الكفر البواح، ويقيم في الناس كتاب الله على خلل في العمل أو في التطبيق، لكن الفقهاء قالوا: إذا فسق السلطان استحق العزل ما لم يكن في عزله فتنة أكبر من إبقائه، وبعضهم قال: ينعزل الإمام بمجرد فسوقه، فلا تجب\n_________\n٤٦٩ - مسند أحمد (٤/ ١٤٥).\nالمعجم الكبير باختصار (١٧/ ٣٢٥).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٣١). وقال: رواه أحمد والطبراني باختصار ورجالهما ثقات.\n٤٧٠ - مسند أحمد (٤/ ٣٨٣).\nمجمع الزوائد (٥/ ٢٣٠) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات.","vol":"1","page":472},{"text":"بذلك طاعته شرعًا، وإن لم يستطع المسلمون عزله فلا عليهم.\n٤٧١ - * روى الإمام أحمد عن مِقْسم بن بُجرة مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجتُ أنا وتليدُ بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت مُعلقًا نعليه بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله ﷺ حين كلمه التميمي يوم حنين قال: نعم، أقبل رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف على رسول الله ﷺ وهو يعطي الناس فقال: يا محمدُ قد رأيتُ ما صنعت منذ اليوم فقال رسول الله ﷺ: \"أجل فكيف رأيت؟ \" قال: لم أرك عدلت قال: فغضب رسول الله ﷺ قال: \"ويحك إن لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ \" فقال عمر بن الخطاب ﵀: ألا تقتله. قال: \"لا، دعوه فإن له شيعةً يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يجد شيئًا ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سوى الفرث والدم\".\n٤٧٢ - * روى الحاكم عن أبي بُردة قال كنت جالسًا عند عُبيد الله بن زياد فأُتي برؤوس الخوارج كلما جاء رأس قلت: إلى النار. فقال عبد الله بن يزيد الأنصاري أو لا تعلم يا ابن أخي أني سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: \"إن عذاب هذه الأمة جعل في دنياها\".\nأقول: من المعروف عُبيد الله بن زياد من عتاة الأمراء، وهو الذي كان أميرًا على العراق يوم قتل الحسين ﵁، فهو الذي أرسل الجيش لقتاله، وكلام أبي بردة في خوارج خرجوا عليه تتحقق فيهم صفات الخوارج لكن رد عبد الله بن يزيد الأنصاري بما يفيد \"أن القتل كفارة تمنع من النار\" يشير إلى ما ذكره الفقهاء فيما بعد أن البغاة هم\n_________\n٤٧١ - مسند أحمد (٢/ ٢١٦).\nمجمع الزوائد (٦/ ٢٢٧). وقال: رواه أحمد والطبراني باختصار، ورجال أحمد ثقات.\nقوله: (سوى الفرث والدم): إشارة إلى أنه لا يُرى منهم إلا ما قبح، فأعمالهم سيئة ودعاواهم فارغة وعباداتهم معلولة وإيمانهم لا يصل إلى قلوبهم.\n٤٧٢ - المستدرك (١/ ٤٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم له علة ولم يخرجاه وله شاهد صحيح. ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":473},{"text":"الخارجون على الإمام الحق بغير الحق، فإذا ما خرج ناس بالحق على الإمام الحق فليسوا ببغاة. ويجب على الإمام أن يتراجع، وإذا ما خرج ناس على الإمام غير الحق فليسوا ببغاة، ولمثل هذه المعاني أراد عبد الله بن يزيد الأنصاري أن يُشْعِر أبا بردة بأن هؤلاء ليسوا من كلاب النار، بل قد يكونون من الناجين عند الله.\n* * *","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الفقرة الخامسة\nفي:\nضرورة لزوم الجماعة\nوفي:\nالتعرف على الفرقة الناجية</span>\nوفيها:\nمقدمة ونصوص ونقول\nالنصوص كثيرة في المنع عن مفارقة الجماعة وفي الحض على لزومها، وتأتي الجماعة في اصطلاح الشارع والمراد بها ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، ومن ههنا وجد اصطلاح: (أهل السنة والجماعة). ولأهل السنة والجماعة عقائدهم ومذاهبهم الأصولية والفقهية ويجمعهم إيمان بالكتاب والسنة وما ينبثق عنهما، وضوابط في فهم الكتاب والسنة، وما لم يكن الإنسان هذا شأنه في الاعتقاد فليس من أهل السنة والجماعة، وإذا لم يوجد أمثال هؤلاء فلا جماعة على أي نوع من الاصطلاح.\nوتأتي كلمة الجماعة، يراد بها أهل الحق والعدل الذين التقوا على إمام راشد قد نفذت أحكامه، فمن دخل في هؤلاء وكانت عقيدته سليمة فهو في جماعة، وتأتي كلمة الجماعة ويراد بها التجمع الإسلامي فهي تقابل الانفراد في البادية لأنه من خلال اللصوق بمراكز التجمع تقوم الجمعة والجماعة.\nوتأتي الجماعة بمعنى التمسك بالحق ولو كان صاحب ذلك فردًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (١) وكما قال ابن مسعود في أثر صحيح عنه: (الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك) أخرجه ابن عساكر.\nوقال الترمذي: وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهلُ الفقه والعلم والحديث، قال وسمعت الجارود بن معاذٍ يقولُ: سمعت عليَّ بن الحسن يقول: سألت عبد الله بن المبارك\n_________\n(١) النحل: ١٢٠.","vol":"1","page":475},{"text":"من الجماعة؟ فقال: أبو بكرٍ وعمر قيل له: قد مات أبو بكرٍ وعمر، قال: فلانٌ وفلانٌ، قيل له قد مات فُلانٌ وفلانٌ، فقال عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعةٌ.\nقال الترمذي: وأبو حمزة هو محمد بن ميمونٍ، وكان شيخًا صالحًا، وإنما قال هذا في حياته عندنا.\nوإذا فقدت الخلافة الراشدة أو دولة العدل فههنا قد يختار المسلم، وعندئذٍ ماذا يفعل؟ أن يكون مع أهل الضلال فذلك لا يجوز، وعليه إذن إما العزلة وإما البحث عن أهل الحق مهما قلوا ليضع يده بيدهم فيكون بذلك من الطائفة التي أخبرت عنها النصوص المتضافرة، فلكي لا تضيع المعالم بالمرة فقد جعل الله في هذه الأمة طائفة على الحق مستمرة، هذه الطائفة تحمل الحق وتجاهد من أجله، وأنواع الجهاد متعددة: فمنه جهاد اللسان، ومنه جهاد المال، ومنه جهاد اليد. ومن ههنا فإن هذه الطائفة يدخل فيها المقاتلون في سبيل الله والدعاة والفقهاء والأولياء والمحدثون، والذين يمدون هؤلاء وهؤلاء بالمال، وقد يلتبس الحال فقد يقاتل ويدعو من ليس على بصيرة، ولذلك فإن معرفة الحق هي التي تدلنا على هذه الطائفة كما قال علي: (اعرف الحق تعرف أهله) ومن ههنا كان لابد من موازين نعرف بها هؤءلا، وأول هذه الموازين هي سلامة الاعتقاد، وتوافر شروط الفهم الصحيح، ومظنة ذلك الربانيون من أهل العلم والولاية.\nوقد حاول بعضهم أن يقصر هذه الطائفة على أن المراد بها أهل الحديث فضيقوا واسعًا، وهذا منقوض بشيئين:\nالأول: أن هذه الطائفة مقرها الشام، ولا يشك أحد بأن نور الدين وصلاح الدين يدخلان في مثل هذه الطائفة.\nالثاني: أن بعض النصوص الواردة في هذه الطائفة تذكر القتال والجهاد، بل إن كثيرين من المحدثين ذكروا حديث الطائفة هذا تحت عنوان الجهاد والقتال.\nوإن كان بالإمكان أن نحمل قول ابن المديني أن أهل الطائفة همن أهل الحديث بمعنى أنهم الذين يسلمون بالسنة النبوية أصلًا من أصول التشريع ويعتبرونها حكمًا في كل ما اختلف","vol":"1","page":476},{"text":"فيه، فيكون المراد بالطائفة هنا هم أهل السنة والجماعة، وعندئذٍ فقصرُ اسم الطائفة على المشتغلين بالحديث يكون خطأ في الفهم، فالمشتغلون في الحديث من أهل السنة والجماعة هم من الطائفة وليسوا كلها.\nولذلك بوب المحدثون لأحاديث الطائفة تحت أكثر من عنوان والبخاري نفسه بوب لحديث الطائفة تحت عنوان: \"أهل العلم\" والمطلوب من المسلم:\n١ - أن يكون مذاهبه الاعتقادية والأخلاقية والفقهية مذاهب أهل السنة والجماعة.\n٢ - أن يلازم الجمعة والجماعات فلا يعتزل جمع المسلمين وجماعاتهم في مساجدهم إلا لعذر قاهر.\n٣ - أن يلزم الإمام الراشد ومن معه إذا كان للمسلمين خليفة راشد أو سلطان عادل وإلا فليحاول أن يكون من الطائفة حاملًا للحق، عارفًا به، عالمًا بالشريعة مجاهدًا من أجل ذلك بأنواع الجهاد المتاحة.\n٤ - أن يحاول المسلم في نفسه في كل الظروف والأحوال أن يكون مظهرًا لحمل الحق اعتقادًا وسلوكًا فيكون بذلك حجة على خلق الله.\n٥ - وفي كل الأحوال ينبغي أن يكون للمسلم إخوانٌ في الله يجمعه وإياهم الحب في الله والاجتماع عليه والتزاور فيه والتباذل فيه.\nوها نحن نجول بك جولةً فنذكر نصوصًا، وننقل نقولًا تضعك على لباب في بعض هذه الأمور، لأن بعضها يذكر في مواطن أخرى من هذا الكتاب، وسنركز على تعريفك بما يجمع أهل السنة والجماعة وهو عَلمٌ عليهم.\nوابتداء نذكر لك نصوصًا ثلاثة من القرآن الكريم تعرف من خلالها أهل الحق من غيرهم وتعرف بالتالي ما إذا كان عليك أن تعتزل أو أن تصحب.\nالنص الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا","vol":"1","page":477},{"text":"وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة) الآيات: ٥٤ - ٥٦.\nالنص الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ * مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة) الآيات: ١١٩ - ١٢٢.\nلقد جاء بعد الأمر كلام عن المجاهدين والعلماء العاملين، فدل السياق على أن مظنة الصدق الذي ينبغي أن نكون مع أهله هم أهل الجهاد والعلم.\nالنص الثالث: قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (الشورى) الآيات: ٣٦ - ٤٣.\nإن مجيء قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ في سياق هذه الآيات يدل على أن النص يصف الأخلاقية العامة للأمة الإسلامية، فمن تحقق بها فهو الذي تتمثل به هذه الأمة.\nولننتقل إلى النصوص الحديثية:","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>النصوص الحديثية</span>\n٤٧٣ - * روى البخاري ومسلم عن بُسر بن عبد الله قال: قال أبو إدريس الخولاني، أنه سمع حُذيفة ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني، فقلتُ: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟ قال: \"نعم\" قلتُ: وهل بعد ذلك الشر من خيرٍ؟ قال: \"نعم، وفيه دخنٌ\". قلت: وما دخنُهُ؟ قال: \"قومٌ يستنون بغير سُنتي، ويهدون بغير هديي تعرفُ منهم وتُنكر\" فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شرٌّ؟ قال: \"نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها\" فقلت: يا رسول الله، [صفهم لنا، قال: \"نعم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا] \" فقلت: يا رسول الله فما ترى - وفي رواية: فما تأمُرني- إن أدركني ذلك؟ قال: \"تلزمُ جماعة المسلمين وإمامهم؟ \" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: \"فاعتزل تلك الفِرق كُلَّها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرةٍ، حتى يُدركك الموت وأنت على ذلك\".\nولمسلم نحوه (١)، وفيه قلت: ما دخنُهُ؟ قال: قوم لا يستنون بسُنتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشياطين في جثُمان إنسٍ\" قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: \"تسمع وتُطيع، وإن ضُرِب ظهرُك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع\".\nقال حذيفةُ: تعلم أصحابي الخير وتعلمت الشر.\nوفي رواية أبي داود (٢) قال سُبيعُ بنُ خالدٍ: أتيتُ الكوفة في زمنٍ فُتحت تُسترُ،\n_________\n٤٧٣ - البخاري (٦/ ٦١٥) ٦١ - كتاب المناقب ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nومسلم (٣/ ١٤٧٥) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٣ - باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ... إلخ.\n(١) مسلم (٣/ ١٤٧٦) نفس الكتاب والباب.\n(٢) أبو داود (٤/ ٩٥) كتاب الفتن - باب ذكر الفتن ودلائلها.","vol":"1","page":479},{"text":"أجلبُ منها بغالًا، فدخلتُ المسجد، فإذا صدعٌ من الرجال، وإذا رجلٌ جالسٌ، وتعرف إذا رأيته أنه من رجال الحجاز، قلت: من هذا؟ فتجهمني القوم، وقالوا: ما تعرفه؟ هذا حُذيفة صاحب رسول الله ﷺ، فسمعته يقول: إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فأحدقه القوم بأبصارهم، فقال: إني قد أرى الذي تُنكرون إني قلت: يا رسول الله، أرأيت هذا الخير الذي أعطاناه الله، أيكون بعده شرٌّ، كما كان قبله؟ قال: \"نعم\" قلت: فما العصمة من ذلك؟ قال: \"السيفُ\" قلتُ: فهل للسيف من تقية؟ قال \"نعم\".\nوفي رواية (١): بعد السيف: \"تقية على أقذاءٍ، وهُدنةٌ على دخنٍ\". قال: قلت: يا رسول الله، ثم ماذا؟ قال: \"إن كان لله خليفةً في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك، فأطعه، وإلا فمُت وأنت عاضٌّ بجذل شجرةٍ\": قلت: ثم ماذا؟ قال: \"ثم يخرج الدجال، معه نهرٌ ونارٌ، فمن وقع في ناره، وجب أجره وحُط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره، وحُط أجره\" قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: \"ثم هي قيامُ الساعة\".\n_________\n= (الصدع): [بسكون الدال، وربما حُرِّك): الخفيف من الرجال الدقيق. وقال الخطابي: هو من الرجال: الشاب المعتدل القناة.\n(تجهمت فلانًا): أي: كلحتُ في وجهه، وتقبضتُ عند لقائه.\n(فاحدقوه): يقال: أحدق به الناس، أي: أطافوا به، وأحدقوه بأبصارهم، أي: حققوا النظر إليه، وجعلوا أبصارهم محيطة به.\n(العصمة): ما يعتصم به، أي يستمسك.\n(١) أبو داود (٤/ ٩٦) نفس الكتاب والباب السابقين.\n(تقية): التقية والتقاة بمعنى، تقول: اتقى يتقي تُقاة وتقية.\n(أقذاء): جمع القذى، والقذاء جمع القذاة، وهو ما يقع في العين من الأذى، وفي الشراب والطعام من تراب أو تين. أو غير ذلك، والمراد به في الحديث: الفساد الذينيكون في القلوب، أي: إنهم يتقون بعضهم بعضًا ويظهرون الصلح والاتفاق، ولكن في باطنهم خلاف ذلك.\n(هدنة على دخن): الهدنة والدخن، قد ذكرا، وقد جاء في الحديث تفسير الدخن، قال: \"لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه\" وأصل الدَّخن: أن يكون في لون الدابة كدورة إلى سواد، ووجه الحديث: أن تكون القلوب كهذا اللون، لا يصفو بعضها لبعض.\n(جذل الشجرة): أصلها، وجذل كل شيء أصله.","vol":"1","page":480},{"text":"وفي رواية بهذا الحديث (١)، وقال: \"فإن لم تجد يومئذٍ خليفة، فاهرب حتى تموت وأنت عاضٌ\" - وقال في آخره: قلت: فما يكون بعد ذلك؟ قال: \"لو أن رجلًا نتج فرسًا لم تُنتج له حتى تقوم القيامة\".\nوفي أخرى له (٢): قال نصر بن عاصمٍ الليثي: أتينا اليشكري في رهطٍ من بني ليث، فقال: من القوم؟ فقلنا: بنو الليث، أتيناك نسألك عن حديث حُذيفة، قال: أقبلنا مع أبي موسى قافلين، وغلتِ الدواب بالكوفة، فسألت أبا موسى أنا وصاحب لي، فأذن لنا، فقدمنا الكوفة، فقلت لصاحبي: أنا داخل المسجد، فإذا قامت السوق خرجت إليك، قال: فدخلتُ المسجد، فإذا فيه حلقةً، كأنما قطعت رؤوسهم، يستمعون إلى حديث رجلٍ، قال: فقمتُ عليهم، فجاء رجلٌ، فقام إلى جنبي، فقلتُ: من هذا؟ قال: أبصري أنت؟ قلت نعم. قال: قد عرفتُ، ولو كنت كوفيًا، لم تسأل عن هذا، قال: فدنوت منه، فسمعتُ حذيفة يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني، قلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الشر خير؟ قال: \"يا حذيفة تعلَّم كتاب الله، واتبع ما فيه\" -ثلاث مرات- قلتُ: يا رسول الله [هل] بعد هذا الخير شرٌّ؟ قال: \"فتنةٌ وشر\" قال: قلتُ: يا رسول الله [هل] بعد هذا الشر خيرٌ؟ قال: \"يا حذيفةُ، تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه\" - ثلاث مرات- قلت: يا رسول الله، [هل] بعد هذا الشر خير؟ قال: \"هُدنةً على دخن، وجماعةً على أقذاء فيها، أو فيهم\" قلتُ: يا رسول الله، الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: \"لا ترجعُ قلوب أقوام على الذي كانت عليه\" قلت: يا رسول الله هل بعد هذا الخير شر؟ قال: \"يا حذيفة، تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه\" - ثلاث مرات- قلت: يا رسول الله، بعد هذا الخير شر؟ قال: \"نعم فتنةٌ عمياءُ صماءُ، عليها دُعاةٌ على أبواب النار، فإن مُتَّ يا حذيفةُ وأنت عاضٌّ على جذل شجرةٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحدًا منهم\".\n_________\n(١) أبو داود: الموضع السابق.\n(٢) أبو داود: الموضع السابق.","vol":"1","page":481},{"text":"أقول: للعلماء في تفسير الطائفة التي ورد ذكرها في أحاديث كثيرة كلام كثير، ويكاد الجميع يتفقون على: أن أهل العلم من أهل السنة والجماعة يدخلون في هذه الطائفة وبعضهم لم يدخل معهم غيرهم فيها وبعضهم أدخل معهم غيرها، ومما يدل على أن أهل العلم همن هذه الطائفة أو منها: استعمال كلمة الطائفة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (١) ومن كلام العلماء في هذه الطائفة ما ذكره النووي في شرح مسلم فقال: (إن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم محدثون ومنهمن زهاد، آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض) أ. هـ.\nومن كلام العلماء في هذه الطائفة ما ذكره البخاري وعلق عليه ابن حجر وهذا كلامهما:\nقال البخاري: (باب وكذلك جعلناكم أمة وسطًا، وما أمر النبي -ﷺ- من لزوم الجماعة وهم أهل العلم) أ. هـ.\nقال ابن حجر: (فعرف أن المراد با لوصف المذكور أهل السنة والجماعة، وهم أهل العلم الشرعي، ومن سواهم ولو نسب إلى العلم، فهي نسبة صورة لا حقيقية) أ. هـ.\n٤٧٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: \"رحم الله من سمع مقالتي حتى يُبلِّغها غيره، ثلاث لا يُغِلُّ عليهن قلب امرئ مسلم؛ إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دُعاءهم يحيط من ورائهم إنه من تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره بين عينيه، ويُشتتُ عليه ضيعتهُ ولا يأتيه منها إلا ما كُتب له، ومن تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته وتأتيه الدنيا وهي راغمة\".\n_________\n(١) التوبة: ١٢٢.\n٤٧٤ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٧). وقال: روى ابن ماجه بعضه - رواه الطبراني في الأوسط ورجاله وثقوا.","vol":"1","page":482},{"text":"وروى القسم الأول منه البزار عن أبي سعيد الخدري (١) والدارمي عن أبي الدرداء (٢) وعن جبير بن مطعم (٣) وأخرجه بنصه عن زيد بن ثابت (٤).\n٤٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتةً جاهليةً\".\nوفي رواية (٥): \"فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهليةٌ\".\n٤٧٦ - * روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزال ناس من أُمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمرُ الله وهم ظاهرون\".\nوفي رواية (٦) \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... \" وذكره قال أبو عبد الله: هم أهل العلم.\nوفي أخرى (٧) \"لن يزال قومٌ من أمتي ظاهرين على الناس ... \" وذكره.\n_________\n(١) كشف الأستار (١/ ٨٥). وهو في مجمع الزوائد (١/ ١٣٧).\n(٢) الدارمي (١/ ٧٦) المقدمة ٢٣ - باب الاقتداء بالعلماء.\n(٣) الدارمي (١/ ٧٤) الموضع السابق.\n(٤) الدارمي (١/ ٧٥) المقدمة الموضع السابق.\n٤٧٥ - البخاري (١٣/ ٥) ٩٢ - كتاب الفتن ٢ - باب قول النبي ﷺ \"سترون بعدي أمورًا تنكرونها\".\nمسلم (٣/ ١٤٧٨) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٣ - باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ... إلخ.\n(٥) البخاري ومسلم: نفس الموضعين السابقين.\nقال ابن الأثير: ومعنى قوله: \"فميتته جاهليةٌ\"، أي: على ما مات عليه أهلُ الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ، من الجهالة والضلالة.\n٤٧٦ - البخاري (٦/ ٦٣٢) ٦١ - المناقب ٢٨ - باب حدثنا محمد بن المثنى ... إلخ.\nمسلم (٣/ ١٥٢٣) ٣٣ - كتاب الإمارة ٥٢ - باب قوله ﷺ \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... إلخ.\n(٦) البخاري (١٣/ ٢٩٣) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -١ - باب قول النبي ﷺ \"لا تزال طائفة من أمتي ... إلخ.\n(٧) البخاري (١٣/ ٤٤٢) ٩٧ - كتاب التوحيد ٢٩ - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾.","vol":"1","page":483},{"text":"٤٧٧ - * روى أبو داود عن عمران بن حُصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من نأواهم حتى يقاتل آخرُهم المسيح الدجال\".\n٤٧٨ - * روى البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، قال: -وهو يخطب- سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"لا تزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك\".\nقال ابن يُخامر: سمعت معاذًا يقول: هم أهل الشام- أو بالشام- فقال معاوية: هذا مالك بن يُخامر يزعم أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشام.\nوفي رواية (١) قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"من يُرد الله به خيرًا يُفقهه في الدين، ولا تزالُ عصابةٌ من المسلمين يقاتلون على الحق: ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة\".\n٤٧٩ - * روى الطبراني عن عُمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة\".\n٤٨٠ - * روى الإمام أحمد عن جابر بن سمرة قال: نُبئتُ أن النبي ﷺ قال: \"لا يزال هذا الدين قائمًا عليه عصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعة\". وفي رواية عن جابر بن سمرة عن من حدثه عن رسول الله ﷺ فذكره.\n_________\n٤٧٧ - أبو داود (٣/ ٤) كتاب الجهاد - باب في دوام الجهاد.\nوهو حديث صحيح.\n٤٧٨ - البخاري (٦/ ٦٣٢) ٦١ - كتاب المناقب ٢٨ - باب حدثنا محمد بن المثنى ... إلخ.\nمسلم (٣/ ١٥٢٤) ٣٣ - كتاب الإمارة ٥٣ - باب قوله ﷺ \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين\" .. إلخ.\n(١) مسلم في الموضع السابق.\n(ناوأهم): المناوأة: المعاداة.\n٤٧٩ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٨٨) وقال: رواه الطبراني في الصغير والكبير ورجال الكبير رجال الصحيح.\n٤٨٠ - مسند أحمد (٥/ ٩٢، ٩٤، ٩٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٨٨) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":484},{"text":"٤٨١ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"لا يزال هذا الأمر أو على هذا الأمر عصابةٌ من أمتي لا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله\".\n٤٨٢ - * روى الإمام أحمد عن سلمة بن نُفيل قال: إنه أتى النبي ﷺ فقال: إني سئمتُ الخيل، وألقيتُ السلاح، ووضعت الحربُ أوزارها، قلت: لا قتال، فقال له النبي صلى الله علهي وسلم: \"الآن جاء القتال، لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الناس يرفع الله قلوب أقوام يقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمرُ الله ﷿ وهم على ذلك ألا إن عُقر دار المؤمنين الشام، والخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة\".\n٤٨٣ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تزال طائفةٌ من أمتي قوامةً على أمر الله لا يضرها من خالفها\".\n٤٨٤ - * روى ابن ماجة عن معاوية بن قُرة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزالُ طائفةٌ من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة\".\n٤٨٥ - * روى ابن ماجه عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه، قال: قام معاويةٌ خطيبًا فقال: أين علماؤكم سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تقوم الساعة إلا وطائفةٌ من أمتي ظاهرون على الناس لا يُبالون من خذلهم ولا من نصرهم\".\n٤٨٦ - * روى ابن ماجه عن أبي عنبة الخولاني - وكان قد صلى القبلتين مع رسول الله ﷺ- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: \"لا يزال الله يغرس في هذا الدين\n_________\n٤٨١ - كشف الأستار (٤/ ١١١)\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٨٨) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير زهير بن محمد بن قمبر وهو ثقة.\n٤٨٢ - مسند أحمد (٤/ ١٠٤). وهو حديث صحيح.\n٤٨٣ - ابن ماجه (١/ ٥) المقدمة ١ - باب اتباع سنة رسول الله ﷺ.\nوهو صحيح.\n٤٨٤ - السابق. وهو صحيح. وفي رواية: خذلان من خذلهم.\n٤٨٥ - السابق. وهو حديث حسن.\n٤٨٦ - السابق. وهو حديث حسن.","vol":"1","page":485},{"text":"غرسًا يستعملهم في طاعته\".\n٤٨٧ - * رى البزار عن فضالة بن عُبيدٍ عن رسول الله ﷺ قال \"ثلاثةٌ لا يُسأل عنهم رجلٌ فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيًا وأمةٌ أو عبد أبق من سيده فمات، وامرأةٌ غاب عنها زوجُها وقد كفاها أمر الدنيا فتزوجت [وفي رواية: فتبرجت] بعده. وثلاثة لا يُسألُ عنهم رجل نازع الله رداءه، فإن رداءه الكبرياء وإزاره العز، ورجل كان في شكٍ من أمر الله والقنوطُ من رحمة الله\".\n٤٨٨ - * روى النسائي عن أسامة بن شريك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيما رجلٍ [خرج] يُفرق أمتي فاضربوا عُنقه\".\n٤٨٩ - * روى الإمام أحمد عن ربعي بن حراش قال: انطلقتُ إلى حذيفة بالمدائن ليالي سار الناس إلى عثمان فقال: يا ربعي ما فعل قومُك؟ قال: قلت عن أيهم تسألُ؟ قال: من خرج منهم إلى هذا الرجل؟ قال: فسميت رجالًا ممن خرج إليه. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من فارق الجماعة واستذل الإمارة لقي الله ولا وجه له عنده\".\n٤٩٠ - * روى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ (رفعه): \"من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عُنقه.\n_________\n٤٨٧ - كشف الأستار (١/ ٦١) وقال: رجاله ثقات.\nالمعجم الكبير (١٨/ ٣٠٦).\nمجمع الزوائد (١/ ١٠٥) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير فجعلهما حديثين ورجاله ثقات.\n٤٨٨ - النسائي (٧/ ٩٣) ٣٧ - كتاب تحريم الدم ٦ - باب قتل من فارق الجماعة.\nوفي سنده زيد بن عطاء بن السائب لم يوثقه غير ابن حبان وباقي رجاله ثقات وللحديث شاهد.\n٤٨٩ - مسند أحمد (٥/ ٣٨٧).\nمجمع الزوائد (٥/ ٢٣٢) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n٤٩٠ - مسند أحمد (٥/ ١٨٠).\nأبو داود (٤/ ٢٤١) كتاب السنة -باب في قتل الخوارج.\nالمستدرك (١/ ١١٧). وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":486},{"text":"٤٩١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"يد الله مع الجماعة\".\n٤٩٢ - * روى الطبراني عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: \"لن تجتمع أمتي على ضلالة فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة\".\n٤٩٣ - * روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: خطبنا عمر بالجابية، فقال: يا أيها الناس، إني قمتُ فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا قال: \"أوصيكم بأحصابي، ثم الذين يلونهم، [ثم الذين يلونهم]، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يُستحلفُ، ويشهد الشاهدُ ولا يُستشهدُ، ألا لا يخلُونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطانُ، عليكم بالجماعة، وإياكم والفُرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ، من أراد بُحبوحةَ الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته، وساءته سيئته: فذلكم المؤمن\".\n٤٩٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس يحدث أن النبي ﵌ قال: \"لا يجمع الله أمتي\" أو قال: \"هذه الأمة على الضلالة أبدًا ويد الله على الجماعة\".\nقال السخاوي في المقاصد تحت حديث: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) متنه مشهور وله أسانيدُ كثيرة، وشواهدُ عديدةٌ في المرفوع وغيره، وأورد روايات عديدة نحوه.\n_________\n٤٩١ - الترمذي (٤/ ٤٦٦) ٣٤ - كتاب الفتن ٧ - باب ما جاء في لزوم الجماعة. وقال: هذا حديث حسن غريب.\n٤٩٢ - المعجم الكبير (١٢/ ٤٤٧).\nمجمع الزوائد (٥/ ٢١٨) وقال: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات رجال الصحيح خلا مرزوق مولى آل طلحة وهو ثقة.\n٤٩٣ - الترمذي (٤/ ٤٦٥) ٣٤ - كتاب الفتن ٧ - باب ما جاء في لزوم الجماعة. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال محقق الجامع: وإسناده حسن.\nمسند أحمد (١/ ١٨).\nالمستدرك (١/ ١١٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. والحديث صحيح.\n(يفشو): فشا الشيء: إذا ظهر وانتشر.\nبُحبوحةٍ): بُحبوحة الجنة: وسطها، وبُحبوحة كل شيء: وسطه وخياره.\n٤٩٤ - المستدرك (١/ ١١٦).","vol":"1","page":487},{"text":"٤٩٥ - * روى الطبراني عن الحارث بن قيس، قال: قال لي عبد الله بن مسعود يا حارثُ بن قيسٍ أليس يسرك أن تسكن وسط الجنة؟ قال: نعم. قال: فالزم جماعة الناس.\n٤٩٦ - * روى الحاكم عن يسير بن عمرو، أن أبا مسعود لما قتل عثمان احتجب في بيته، فأتيته فسألته عن أمر الناس، فقال: عليك بالجماعة فإن الله لم يجمع أمة محمدٍ ﷺ على ضلالة، واصبر حتى يستريح بر ويُستراح من فاجر. وفي رواية عن يسير قال: لقيت أبا مسعود حين قتل علي فتبعته فقلت له: أنشدك الله ما سمعت من النبي ﷺ في الفتن؟ فقال: إنا لا نكتمُ شيئًا، عليك بتقوى الله والجماعة، وإياك والغُرقة فإنها هي الضلالة، وإن الله لم يكن ليجمع أمة محمدٍ ﷺ على ضلالة.\n* * *\n_________\n٤٩٥ - مجمع الزوائد (٥/ ٢٢٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n٤٩٦ - المستدرك (٤/ ٥٠٦) وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\nالمعجم الكبير (١٧/ ٢٣٩).\nمجمع الزوائد (٥/ ٢١٨) وقال: رواه كله الطبراني ورجال هذه الطريقة الثانية ثقات.","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>النقول</span>\nلقد ذكرنا في بدايات هذا الفصل النصوص التي تتحدث عن افتراق الأمة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وسار بنا الحديث من نقطة إلى نقطة والهدف كله هو: الفرز والتعرف، نفرز الفرقة الناجية عن غيرها، وأن نتعرف على الفرقة الناجية وعلاماتها وصور وجود أهلها، وبعد هذه السياقات كلها فقد آن الأوان لنتعرف على الإطار النظري للفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة، واخترنا أن يكون هذا التعرف من خلال كلام عبد القاهر البغدادي في كتابه (الفَرْق بين الفِرَق) لأنه أحد أعلام عصره في هذا العلم.\nفقد حاول الشيخ عبد القاهر البغدادي ﵀ في كتابه المذكور أن يبين أركان التصورات التي تجعل الإنسان من أهل السنة والجماعة، وذكر أصناف الخلق الذين يدخلون في أهل السنة واجلماعة.\n١ - أركان التصورات التي تجعل الإنسان من أهل السنة والجماعة:\nقال الشيخ عبد القاهر البغدادي ﵀:\n(قد اتفق جمهورُ أهل السنة والجماعة على أصول من أركان الدين، كلُّ ركنٍ منها يجب على كل عاقلٍ بالغ معرفة حقيقته، ولكل ركن منها شُعب، وفي شُعبها مسائل اتفق أهل السنة فيها على قول واحد، وضللوا من خالفهم فيها.\n(١) وأول الأركان التي رأوها من أصول الدين: إثباتُ الحقائق والعلوم، على الخصوص والعموم.\n(٢) الركن الثاني: هو العلم بحدوث العالم في أقسامه، من أعراضه وأجسامه.\n(٣) والركن الثالث: في معرفة صانع العالم وصفات ذاته.\n(٤) والركن الرابع: في معرفة صفاته الأزلية.\n(٥) والركن الخامس: في معرفة أسمائه وأوصافه.","vol":"1","page":489},{"text":"(٦) والركن السادس: في معرفة عدله وحكمته.\n(٧) والركن السابع: في معرفة رسله وأنبيائه.\n(٨) والركن الثامن: في معرفة معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء.\n(٩) والركن التاسع: في منعرفة ما أجمعت الأمة عليه، من أركان شريعة الإسلام.\n(١٠) والركن العاشر: في معرفة أحكام الأمر والنهي، والتكليف.\n(١١) والركن الحادي عشر: في معرفة فناء العباد وأحكامهم في المعاد.\n(١٢) والركن الثاني عشر: الخلافة والإمامة، وشروطه الزعامة.\n(١٣) والركن الثالث عشر: في أحكام الإيمان والإسلام في الجملة.\n(١٤) والركن الرابع عشر: في معرفة أحكام الأولياء، ومراتب الأئمة الأتقياء.\n(١٥) والركن الخامس عشر: في معرفة أحكام الأعداء من الكفرة وأهل الأهواء فهذه أصول اتفق أهل السنة على قواعدها، وضللوا من خالفهم فيها، وفي كل ركن منها مسائل أصولٍ ومسائل فروعٍ، وهم مجمعون على أصولها وربما اختلفوا في بعض فروعها اختلافًا لا يوجب تضليلًا ولا تفسيقًا) أ. هـ.\nوقد تكلم الشيخ عبد القاهر في مضمونات هذه الأركان، وكتابه كله تفصيل لمذاهب أهل السنة ومن خالفهم، وقد ترك هذا الكتاب بصماته على كل كتاب أُلِّف بعده في العقائد، رغم أن بعض كلامه متأثر بثقافة عصره الكونية، ولذلك حذفنا ما كان من هذا القبيل لأن الحقائق العلمية في عصرنا اتجهت اتجاهًا آخر، ولكن هذا الكتاب يبقى من أمهات الكتب التي ينبغي لطالب العلم أن يمعن النظر فيها بعد أن يكون قد درس بعض كتب عقائد أهل السنة والجماعة كسلّم يرتقي بها إلى هذا الكتاب.\nوقد شرح في أواخر هذا الكتاب الأركان التي تعتبر قاسمًا مشتركًا بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم، والتي ذكرناها منذ قليل. وهذه مقتطفات من شروحه، قال في شرحه للركن الأول:","vol":"1","page":490},{"text":"(وقالوا: إن الأخبار التي يلزمنا العمل بها ثلاثة أنواع: تواتر، وآحاد ومتوسط بينهما مستفيض.\nفالخبر المتواتر الذي يستحيل التواطؤ على وضعه يوجب العلم الضروري بصحة مخبره، وبهذا النوع من الأخبار علمنا البُلدان التي لم ندخلها، وبها عرفنا الملوك والأنبياء والقرون الذين من قبلنا، وبه يعرف الإنسانُ والديه اللذين هو منسوبٌ إليهما).\nأقول: وقد أكفر أهل السنة كل من أنكر متواترًا أو أوله على غير الفهم الضروري، ومن ههنا وغيره أكفروا القاديانية التي نفت نزول المسيح ﵇ مع التواتر الصريح في نزوله وأولوا ما ورد في ذلك على غير الفهم الضروري وهذه إحدى كفرياتهم.\nوقال: (وأما أخبار الآحاد فمتى صح إسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبةً للعمل بها، دون العلم [القطعي الذي يكفر منكره]، وكانت بمنزلة شهادة العُدول عند الحاكم في أنه يلزم الحكم بها في الظاهر).\n(وبهذا النوع من الخبر أثبت الفقهاء أكثر فروع الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الحلال والحرام، وضللوا من أسقط وجوب العمل بأخبار الآحاد في الجملة، من الرافضة والخوارج وسائر أهل الأهواء).\n(وأما الخبر المستفيض المتوسط بين التواتر والآحاد فإنه يُشارك التواتر في إيجابه للعلم والعمل، ويُفارقه من حيث إن العلم الواقع عنه يكون علمًا مكتسبًا نظريًا، والعلم الواقع عن التواتر يكون ضروريًا غير مكتسب).\n(وضللوا من خالف فيها من أهل الأهواء، كتضليل الخوارج في إنكارها الرجم، وتضليل من أنكر من النجدات حد الخمر، وتضليل من أنكر المسح على الخفين، وتكفير من أنكر الرؤية، والحوض، والشفاعة، وعذاب القبر).\nوكذلك ضللوا الخوارج الذين قطعوا يد السارق في القليل والكثير من الحِرز وغير الحرز؛ لردهم الأخبار الصحاح في اعتبار النصاب والحرز في القطع.","vol":"1","page":491},{"text":"وكما ضللوا من رد الخبر المستفيض، ضللوا من ثبت على حكم خبر اتفق الفقهاء من فريقي الرأي والحديث على نسخه، كتضليل الرافضة في المتعة التي قد نسخت إباحتها.\nواتفقوا على أن أصول أحكام الشريعة: القرآن، والسنة، وإجماع السلف).\n(وأما الركن الثاني- وهو الكلام في حدوث العالم- فقد أجمعوا على أن العالم كل شيء هو غير الله ﷿، وعلى أن كل ما هو غير الله تعالى وغير صفاته الأزلية مخلوق مصنوع، وعلى أن صانعه ليس بمخلوق ولا مصنوع، ولا هو من جنس العالم ولا من جنس شيء من أجزاء العالم).\n(وقالوا بإثبات الملائكة والجن والشياطين).\n(وقالوا في الركن الرابع- وهو الكلام في الصفات القائمة بالله ﷿- إن علم الله تعالى وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه صفاتٌ له أزلية ونعوت له أبدية).\n(وقالوا في الفرق بين الرسول والنبي: إن كل من نزل عليه الوحي من الله تعالى على لسان ملك من الملائكة وكان مؤيدًا بنوع من الكرامات الناقضة للعادات فهو نبي، ومن حصلت له هذه الصفة وخص أيضًا بشرع جديد أو بنسخ بعض أحكام شريعة كانت قبله فهو رسول).\n(وقالوا: يجوز ظهور الكرامات على الأولياء، وجعلوها دلالة على الصدق في أحوالهم كما كانت معجزات الأنبياء دلالة على صدقهم في دعاويهم.\nوقالوا: على صاحب المعجزة إظهارها والتحدي بها، وصاحب الكرامات لا يتحدى بها غيره، وربما كتمها، وصاحب المعجزة مأمون العاقبة، وصاحب الكرامة لا يأمن تغير عاقبته كما تغيرت عاقبة بلعم بن باعورا بعد ظهور كراماته).\n(وقالوا: أصول أحكام الشريعة، الكتابُ، والسنة، وإجماع السلف، وأكفروا من لم ير إجماع الصحابة حجة، وأكفروا الخوارج في ردهم حجج الإجماع والسنن، وأكفروا من قال من الروافض لا حُجة في شيء من ذلك، وإنما الحجة في قول الإمام الذي ينتظرونه).","vol":"1","page":492},{"text":"(وقالوا في الركن العاشر- المضاف إلى الأمر والنهي- إن أفعال المكلفين خمسة أقسام: واجب، ومحظور، ومسنون، ومكروه، ومُباح.\nفالواجب: ما أمر الله تعالى به على وجه اللزوم، وتاركه مستحق للعقاب على تركه.\nوالمحظور: ما نهى الله عنه، وفاعله يستحق العقاب على فعله.\nوالمسنون: ما يُثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه. والمكروه: ما يُثاب تاركه ولا يعاقب فاعله).\nأقول: الكراهة التحريمية عند الحنفية كالحرام، فصاحبها يستحق العقاب.\n(والمباح: ما ليس في فعله ثواب ولا عقاب، ولا في تركه ثواب ولا عقاب).\nأقول: إلا إذا وجدت في المباح نية صالحة فإنها تنقله إلى أن يكون عبادة يؤجر عليها. (وهذا كله في أفعال المكلفين، فأما أفعال البهائم والمجانين والأطفال فإنها لا تُوصف بالإباحة والوجوب والحظر بحال).\n(وقالوا في الركن الثاني عشر- المضاف إلى الخلافة والإمامة- إن الإمامة فرض واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام، ينصب لهم القضاة والأمناء ويضبط ثغورهم، ويُغزي جيوشهم، ويقسم الفيء بينهم، وينتصف لمظلومهم من ظالمهم.\nوقالوا: إن طريق عقد الإمامة للإمام في هذه الأمة الاختيار بالاجتهاد).\n(وقالوا في الركن الثالث عشر - المضاف إلى الإيمان والإسلام- إن أصل الإيمان المعرفة والتصديقُ بالقلب، وإنما اختلفوا في تسمية الإقرار وطاعات الأعضاء الظاهرة إيمانًا، مع اتفاقهم على وجوب جميع الطاعة المفروضة، وعلى استحباب النوافل المشروعة).\n(وقالوا: إن اسم الإيمان لا يزول بذنب دون الكفر، ومن كان ذنبه دون الكفر فهو مؤمنٌ وإن فسق بمعصية.\nوقالوا: لا يحل قتل امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: من رِدة، أو زنا بعد إحصان، أو","vol":"1","page":493},{"text":"قصاص بمقتول هو كفؤه، وهذا خلاف قول الخوارج في إباحة قتل كل عاصٍ لله تعالى).\nأقول: قضية كفاءة المقتول للقاتل فيها تفصيل وخلاف بين أهل السنة والجماعة.\n(وقالوا في الركن الرابع عشر- المضاف إلى الأولياء والأئمة- إن الملائكة معصومون عن الذنوب، لقول الله تعالى فيهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [الآية ٦ سورة التحريم].\n(وقالوا بفضل الأنبياء على الأولياء من الأمم).\nأقول: وقد كفَّروا من فضل الأولياء على الأنبياء كبعض الشيعة وبعض الصوفية.\n(وقالوا أيضًا بموالاة كل من مات على دين الإسلام، ولم يكن قبل موته على بدعة من ضلالات أهل الأهواء الضالة).\n(وقالوا في الركن الخامس عشر المضاف إلى أحكام أعداء الدين - إن أعداء دين الإسلام صنفان: صنف كانوا قبل ظهور دولة الإسلام، وصنف ظهروا في دولة الإسلام وتستروا بالإسلام في الظاهر، وكادوا المسلمين، وابتغوا غوائلهم).\n(وأجمع فقهاء الإسلام على استباحة ذبائح اليهود والسامرة والنصارى، وعلى جواز نكاح نسائهم، وعلى جواز قبول الجزية منهم).\n(وأما الكفرة الذين ظهروا في دولة الإسلام، واستتروا بظاهر الإسلام، واغتالوا المسلمين في السر- كالغُلاة من الرافضة السبئية، والبيانية، والمغيرية، والمنصورية، والجناحية، والخُطابية، وسائر الحلولية، والباطنية، والمقنعية المبيضة بما وراء نهر جيحُون، والمحمرة بأذربيجان، ومحمرة طبرستان، والذين قالوا بتناسخ الأرواح من أتباع ابن أبي العوجاء، ومن قال بقول أحمد بن خابط من المعتزلة، ومن قال بقول اليزيدية من الخوارج الذين زعموا أن شريعة الإسلام تنسخ بشرع نبي من العجم، ومن قال بقول الميمونية من الخوارج الذين أباحوا نكاح بنات البنين وبنات البنات، ومن قال بمذاهب العذافرة من أهل بغداد، أو قال بقول الحلاجية الغُلاة في مذهب الحلولية، أو قال بقول البابكية أو الرزامية","vol":"1","page":494},{"text":"المفرطة في أبي مسلم صاحب دولة بني العباس، أو قال بقول الكاملية الذين أكفروا الصحابة بتركها بيعة علي، وأكفروا عليًّا بتركه قتالهم - فإن حكم هذه الطوائف التي ذكرناها حكم المرتدين عن الدين، ولا تحل ذبائحهم، ولا يحل نكاح المرأة منهم، ولا يجوز تقريرهم في دار الإسلام بالجزية، بل يجب استتابتهم فإن تابوا وإلا وجب قتلهم واستغناهم أموالهم.\nواختلفوا في استرقاق نسائهم وذراريهم، فأباح ذلك أبو حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي، ومنهم أبو إسحاق المروزي صاحب ابن سريج، ومن أباح ذلك استدل بأن خالد ابن الوليد لما قاتل بني حنيفة وفرَغَ من قتل مُسيلمة الكذاب صالح بني حنيفة على الصفراء والبيضاء، وعلى ربع السبي من النساء والذرية، وأنفذهم إلى المدينة، وكان منهم خولة أم محمد بن الحنفية).\n* * *\n(أهل السنة لا يكفِّر بعضهم بعضًا، وليس بينهم خلاف يوجب التبري والتكفير. فهم إذن أهلُ الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض، وتبري بعضهم من بعض).\n(وقالوا بموالاة أقوام وردت الأخبار بأنهم من أهل الجنة، وأن لهم الشفاعة في جماعة من الأمة، ومنهم أويس القرني، والخبر فيهم مشهور.\nوقالوا بتكفير كل من أكفر واحدًا من العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة.\nوقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله ﷺ، وأكفروا من أكفرهن أو أكفر بعضهن).\nأقول: ومن أصول عقائد أهل السنة والجماعة: محبة الصحابة وتعديلهم والاعتذار لما وقع بينهم، وحمله على أحسن تأويل.\n(وقالوا بموالاة الحسن والحسين والمشهورين من أسباط رسول الله ﵊، كالحسن بن الحسن، وعبد الله بن الحسن، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي ابن الحسين المعروف بالباقر، وهو الذي بلَّغه جابر بن عبد الله الأنصاري سلام رسول الله","vol":"1","page":495},{"text":"ﷺ، وجعفر بن محمد المعروف بالصادق، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى الرضا، وكذلك قولهم في سائر أولاد علي من صُلبه، كالعباس، وعمر، ومحمد بن الحنفية، وسائر من درج على سنن آبائه الطاهرين، دون من مال منهم إلى الاعتزال أو الرفض، ودون من انتسب إليهم وأشرف في عدوانه وظلمه كالبرقعي الذي عدا على أهل البصرة ظلمًا وعدوانًا، وأكثر النسابين على أنه كان دعيًّا فيهم ولم يكن منهم.\nقالوا بموالاة أعلام التابعين للصحابة بإحسان، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقالوا ذلك في كل من أظهر أصول أهل السنة.\nوإنما تبرءوا من أهل الملل الخارجة عن الإسلام، ومن أهل الأهواء الضالة مع انتسابها إلى الإسلام كالقدرية، والمرجئة، والرافضة، والخوارج، والجهمية، والنجارية، والمجسمة).\nومن كلام الشيخ عبد القاهر في من يدخل في أهل السنة والجماعة ويعتبر منهم:\n(اعلموا - أسعدكم الله - أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:\n(١) صنفٌ منهم: أحاطوا علمًا بأبواب التوحيد والنبوة، وأحكام الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وشروط الاجتهاد، والإمامة، والزعامة، وسلكوا في هذا النوع من العلم طرق الصفاتية من المتكلمين الذين تبرءوا من التشبيه والتعطيل، ومن بدع الرافضة والخوارج والجهمية والنجارية، وسائر أهل الأهواء الضالة.\n(٢) والصنف الثاني منهم: أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث، من الذين اعتقدوا في أصول الدين مذاهب الصفاتية في الله وفي صفاته الأزلية، وتبرءوا من القدر والاعتزال، وأثبتوا رؤية الله تعالى بالأبصار من غير تشبيه ولا تعطيل، وأثبتوا الحشر من القبور، مع إثبات السؤال في القبر، ومع إثبات الحوض والصراط والشفاعة وغفران الذنوب التي دون الشرك.","vol":"1","page":496},{"text":"(وقالوا: بدوام نعيم الجنة على أهلها، ودوام عذاب النار على الكفرة، وقالوا: بإمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأحسنوا الثناء على السلف الصالح من الأمة، ورأوا وجوب الجمعة خلف الأئمة الذين تبرءوا من أهل الأهواء الضالة، ورأوا وجوب استنباط أحكام الشريعة من القرآن والسنة ومن إجماع الصحابة، ورأوا جواز المسح على الخفين، ووقوع الطلاق الثلاث، ورأوا تحريم المتعة، ورأوا وجوب طاعة السلطان فيما ليس بمعصية.\nويدخل في هذه الجماعة أصحاب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وأصحاب أبي ثور، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، وسائر الفقهاء الذين اعتقدوا في الأبواب العقلية أصول الصفاتية، ولم يخلطوا فقهه بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.\n(٣) والصنف الثالث منهم: هم الذين أحاطوا علمًا بطرق الأخبار والسنن المأثورة عن النبي ﵇، وميزوا بين الصحيح والسقيم منها، وعرفوا أسباب الجرح والتعديل، ولم يخلطوا علمهم ذلك بشيء من بِدَعِ أهل الأهواء الضالة.\n(٤) والصنف الرابع منهم: قوم أحاطوا علمًا بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف، وجروا على سمت أئمة اللغة، كالخليل، وأبي عمرو بن العلاء وسيبويه، والفراء، والأخفش، والأصمعي، والمازني، وأبي عُبيد، وسائر أئمة النحو من الكوفيين والبصريين، الذين لم يخلطوا علمهم ذلك بشيء من بدع القدرية أو الرافضة أو الخوارج، ومن مال منهم إلى شيء من الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة، ولا كان قوله حُجة في اللغة والنحو.\n(٥) والصنف الخامس منهم: هُم الذين أحاطوا علمًا بوجوه قراءات القرآن، وبوجوه تفسير آيات القرآن، وتأويلها على وفق مذاهب أهل السنة، دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.\n(٦) والصنف السادس منهم: الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا واختبروا فاعتبروا، ورضُوا بالمقدر، وقنعوا بالميسور، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك","vol":"1","page":497},{"text":"مسئول عن الخير ولاشر، ومحاسبٌ على مثاقيل الذر، فأعدوا خير الإعداد، ليوم المعاد، وجرى كلامهم في طريقي العبارة والإشارة على سمت أهل الحديث، دون من يشتري لهو الحديث، لا يعملون الخير رياء، ولا يتركونه حياء، دينُهم التوحيد ونفي التشبيه، ومذهبهم التفويضُ إلى الله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، والقناعة بما رُزقوا، والإعراض عن الاعتراض عليه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n(٧) والصنف السابع منهم: قوم مرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة، يجاهدون أعداء المسلمين، ويحمون حمى المسلمين ويذبون عن حريمهم وديارهم، ويظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة، وهم الذين أنزل الله تعالى فيهم قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ زادهم الله توفيقًا بفضله ومنه.\n(٨) والصنف الثامن منهم: عامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة. أ. هـ.\n* * *\nوإنما أردنا بهذا الصنف من العامة الذين اعتقدوا تصويب علماء السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، ورجعوا إليهم في معالم دينهم، وقلدوهم في فروع الحلال والحرام، ولم يعتقدوا شيئًا من بِدعِ أهل الأهواء الضالة، وهؤلاء هم الذين سمتهم الصوفية \"حشو الجنة\".\nفهؤلاء أصناف أهل السنة والجماعة ومجموعهم، أصحاب الدين القويم، والصراط المستقيم ثَبَّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إنه بالإجابة جدير، وعليها قدير) أ. هـ الشيخ عبد القاهر.","vol":"1","page":498},{"text":"وبعد:\nإن الأصل الأصيل أن يُحصل الإنسان الاعتقاد الحق اوالعمل المنسجم مع هذا الاعتقاد، فإذا حصَّل ذلك كان من أهل السنة والجماعة، فإذا كان مظهرًا حقيقيًا لمذاهب أهل الحق واعتقادهم كان علمًا على الجماعة فبهداه يُهتدى، ومن ههنا كان في هذه الأمة أعلام أجمعت الأمة على اعتبارهم أئمة هدى، فليحاول المسلم أن يكون كذلك فيكون حجة الله على الخلق وذلك يكون بعلم وعمل وحال وسمت حسن، ثم إن كان لأهل السنة والجماعة إمام عدل نافذ السلطان يقودهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فليبايع وليلزم وليستقم على ذلك، فإن لم يوجد خليفة راشد فسلطان راشد، فإن لم يكونا فليكن مع أهل العلم والجهاد ليكون مع الطائفة الظاهرة على الحق وإنما كانت كذلك لحملها الحق والدعوة له والعمل من أجله على بصيرة ولذلك فسر البخاري المراد بالطائفة بأنهم أهل العلم، وبعضهم فسر المراد بها بأنهم أهل الحديث، وبعض النصوص تصف هذه الطائفة بالجهاد، فمن وجد أحدًا من مظنته أن يكون من هذه الطائفة فليلزم غرزه ولا يتسرع حتى يجتمع له طمأنينة العلم والاستخارة والاستشارة وانشراح الصدر ببرد اليقين، وإلا فليحب الخير وأهله دون التزام، وليحذر من جهل الصالحين، وفسوق العالمين فضلًا عن حذره من جهل الجاهلين وغلط العاملين، والتمسك بكتاب الله هو العاصم، فليعمل على بصيرة وليدع على بصيرة، فإذا لم يكن أمامه إلا عزلة أو متابعة على غير هدى فليعتزل، والمتابعةُ على غير هدى تكون إذا تابع دعاة كفر أو ضلال أو بدعة أو أهل جهل وهوى:\n\"إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك أمر العوام\" (١).\nوفي حديث حذيفة قال: فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام؟ قال: \"فاعتزل تلك الفرق كلها\" (٢).\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ١٢٣) كتاب الملاحم- باب الأمر والنهي.\nالترمذي (٥/ ٢٥٧) ٤٨ - كتاب التفسير ٦ - باب ومن سورة المائدة.\nوقال: حسن غريب. وهو حديث حسن بشواهده وطرقه.\n(٢) هو جزء من حديث حذيفة أخرجه البخاري (١٣/ ٣٥) ٩٣ - كتاب الفتن ١١ - باب الأمر إذا لم تكن جماعة. =","vol":"1","page":499},{"text":"ولكن قد تتجسد الجماعة بفردٍ فليلازمه وليعملا معًا في نصرة الإسلام.\nومع حبنا لدعاة الإسلام كلهم، ومع حبنا لكل مسلم، ومع إعطائنا الولاء والإخاء للمسلمين جميعًا، فإننا نستشعر أن المحاولات الجادة لاستئناف الحياة الإسلامية الراشدة يتوضع حولها وفي بنائها كثير من الأغاليط التي تحتاج إلى بصيرة نافذة كي لا يكون الإنسان شريكًا فيها أو داخلًا في دوامتها، ومن ههنا نقول: (اعرف ثم التزم) فلقد قال أحد العارفين لتلميذه: (يا بني كن محدثًا صوفيًا ولا تكن صوفيًا محدثًا) فمن تصوف قبل العلم تعصب وتحزب وحمل النصوص على ما يوافق الهوى ولم يحمل الهوى على ما يوافق النصوص وكذلك من التزم بشيء قبل العلم ولم يكن التزامه على ضوء العلم خيف عليه، وخيف منه على الصف الإسلامي، ثم إنه في موضوع الالتزام نفسه تغلب أغاليط، فهناك فارق بين الالتزام بخليفة راشد أو سلطان راشد وبين التزام بإخاء للتعاون على خير، فهذا له أحكامه وهذا له أحكامه، وكثيرًا ما رأينا أفرادًا يلتبس عليهم هذا الأمر فيفهمون الالتزام الثاني على أنه الالتزام الأول، ولا يعطون الالتزام الأول حقوقه فتلتبس الأمور وتختلط المفاهيم وتحدث المشقة التي تستتبع الخلاف والاختلاف والعصيان.\n* * *\n_________\n= ومسلم (٣/ ١٤٧٥) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٢ - باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ... إلخ.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>الفصل الثاني والعشرون\nفي:\nالاختلاف الجائز والاختلاف الممنوع</span>\nوفيه:\nالتقليد الجائز والتقليد الممنوع\nمقدمة ونصوص","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المقدمة</span>\nلقد اختلف أئمة أهل السنة والجماعة في كثير من المسائل ومن قبلهم اختلف أصحاب رسول الله ﷺ بعد وفاته في كثير من الاجتهادات، بل إن بعضهم كان يجتهد في القضية الواحدة ثم يغير رأيه، وهذا كله لا خطر فيه، لأ، هـ اجتهاد حيث يحتمل الاجتهاد، واختلاف حيث تحتمل النصوص اختلافًا في الفهم، أو أنه اختلاف حيث تسكت النصوص، فهذا النوع من الاختلاف في الفروع إذا كان من أهله فالعذر فيه واضح ولا يؤثر على أصل العقيدة، فالاختلاف في الأصول هو الذي يدخل صاحبه في دائرة المذموم، أما الاختلاف في الفروع من أهله فذلك موجود في هذه الأمة.\nوعلى هذا نحمل الكلمة المشهورة: (نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه)، وإنما اشترطنا في الاختلاف ليكون محمودًا أن يكون من أهله أي مجتهدي أهل السنة والجماعة لأنهم هم الذين يعرفون الأصول التي لا تجوز مخالفتها ويعرفون الإجماع الذي لا تجوز مخالفته، ويعرفون أن يحملوا النصوص على محاملها الصحيحة ويعرفون روح الشريعة وأسرارها، فيضعون كل شيء في محله، فهؤلاء لهم حق الاجتهاد إذا توافرت شروطه فيهم، وهم في اختلافهم معذورون، ومن أخذ بفتوى واحد منهم أو بفتوى من يحسن استنباطط الفتوى على مذاهبهم فلا عليه من حرج، أما من اجتهد ولم تتوافر فيه شروط الاجتهاد فهو إمام ضلالة ولا تجوز متابعته فيما شذ فيه عن أقوال المجتهدين وأئمة الفتوى، فليس هو معذورًا في خلافه واختلافه، وليس من تابعه معذورًا في الخلاف والاختلاف.\nوههنا تأتي مسألة التقليد المباح أو الواجب أو المحرم: فالأصل الأصيل أن التقليد في الحياة البشرية له محله، فهذا الذي أخذ الدواء ولا يعرف عنه إلا أنه وصفة طبيب، فإنه","vol":"1","page":503},{"text":"مقلد، والطبيب نفسه مقلِّد لشركات الدواء، والمزارع مقلد في كثير من الأمور، وهكذا قُل في أشياء كثيرة. فإذا أتينا إلى الشريعة، فالشريعة مبناها على النصوص، والنصوص مبناها على النقل، والنقل مبناه على الرجال، وكثيرون من الذين يشتغلون في الحديث يقلدون في الحكم على الرجال غيرهم من أئمة الجرح والتعديل، فمن ههنا نعرف أن ما يحاربه بعض المتشددين من أهل الحديث من تقليد الرجال هم أول الواقعين فيه، ولا ننكر عليهم ذلك، بل نُنْكِرُ عليهم أن يُنكروا على من قلد أئمة الاجتهاد.\nفتقليد أئمة الاجتهاد في المسائل الفقهية شيء عادي، فما كل إنسان يحسن استخراج الحكم الشرعي في كثير من الأحوال، ولذلك فإن علماءنا اعتبروا التقليد في الأصول مذمومًا واعتبروه في المسائل المشتبهة التي أشار إليها الحديث الصحيح: \"وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس\" واعتبروا التقليد في مثل هذا واجبًا، فهذا تقليد محمودٌ، ولقد كتبنا كتابنا (جولات في الفقهين الكبير والأكبر) مناقشين فيه أهل التشدد في هذه الشؤون لأنهم يخالفون البدهيات، فليس كل مسلم مجتهدًا، وللاجتهاد شروطه، وهم يتصدون للاجتهاد وليسوا مؤهلين له، فلو قلدهم مقلد لم ينكروا عليه، وإذا قلد أئمة الاجتهاد المعتبرين خطّأوه أو ضللوه، مع أن أئمة الاجتهاد لم يحرموا حلالًا ولم يحللوا حرامًا، وإنما بحثوا في المشتبهات ليعطوا حصيلة اجتهادهم على ضوء النصوص، ولترصيع هذا الفصل ببعض الآثار والنصوص التي لها علاقة فيه نذكر الروايات التالية:","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>النصوص</span>\n٤٩٧ - * روى أبو داود عن أبي الدرداء، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ يقول: \"من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم. فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ\".\nأقول: إن اتباع أئمة الهدى من العلماء هو اتباع لرسول ﷺ في المال، إلا أن العلماء غير معصومين، ولكن أئمة الاجتهاد هم أعرف الخلف بالهدي الإسلامي ولذلك فإن اتباعهم هداية.\n٤٩٨ - * روى أبو داود عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ \"من سُئل عن علمٍ فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ\".\nهذا يدل على أنه لا تخلو الحياة الإسلامية من سؤال وجواب، وهذا يقتضي أن يوجد العالم الذي يُسأل والجاهل الذي يسأل.\n٤٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن سهلٍ بن سعدٍ، ﵁، أن النبي ﷺ، قال لعليٍّ، ﵁: \"فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النعم\".\n_________\n٤٩٧ - أبو داود (٣/ ٣١٧) كتاب العلم- باب الحث على طلب العلم.\nالترمذي (٥/ ٤٨) ٤٢ - كتاب العلم ١٩ - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة.\nوابن حبان -الإحسان (١/ ١٥١).\n٤٩٨ - أبو داود (٣/ ٣٢١) كتاب العلم - باب كراهية منع العلم.\nالترمذي (٥/ ٢٩) ٤٢ - كتاب العلم ٢ - باب ما جاء في كتمان العلم- وقال: حديث حسن.\nوالحديث إسناده صحيح.\n٤٩٩ - البخاري (٦/ ١٤٤) ٥٦ - كتاب الجهاد ١٤٣ - باب فضل من أسلم على يديه رجل.\nمسلم (٤/ ١٨٧٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة ٤ - باب من فضائل علي بن أبي طالب، ﵁.","vol":"1","page":505},{"text":"وهذا يدل على أن هناك دعاة ومدعوين، وأن لدعاة الحق هداية لمن اهتدى بهم فهو على صراط مستقيم، ولا شك أن الأئمة المجتهدين من هؤلاء الدعاة المهتدين الذين يهدون إلى ما هداهم الله إليه بثاقب فهمهم وقوة ورعهم.\n٥٠٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ومن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\".\nأقول: ههنا تابع للحق ومتبوع بالحق، وللتابع أجره وللمتبوع أجور نم اتبعوه على هدى، وأئمة الاجتهاد يدخلون في هذا المقام.\n٥٠١ - * روى الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما ضلَّ قومٌ بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل\". ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١).\n(الجدال والمراء): المخاصمة والمحاجة، وطلب المغالبة. والمراد ههنا الجدال بالباطل أو الجدال بأكثر مما تقتضيه إقامة الحجة، أو الجدال لإقامة الحجة بنية غير صالحة، أما أصل الجدال لإقامة الحجة بالحق لله فهذا دأب الدعاة. ومن الآية التي وردت في النص ندرك أن الجدال ههنا جدل المشركين الذين يدفعون الحق بالباطل.\n_________\n٥٠٠ - مسلم (٤/ ٢٠٦٠) ٤٧ - كتاب العلم ٦ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة ... إلخ.\n٥٠١ - مسند أحمد (٥/ ٢٥٣).\nالترمذي (٥/ ٣٧٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٤٥ - باب ومن سورة الزخرف.\nوقال: حسن صحيح.\nابن ماجه (١/ ١٩) المقدمة ٧ - باب اجتناب البدع والجدل.\nوإسناده صحيح.\nورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٨) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(١) الزخرف: ٥٨.","vol":"1","page":506},{"text":"٥٠٢ - * روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"المراءُ في القرآن كُفر\".\nقال الخطابي: قال بعضهم: معنى المراء هاهنا: الشك فيه والارتياب به.\nوقال بعضهم: أراد الشك في القراءة التي لم يسمعها الإنسان، وتكون صحيحةً، فإذا أنكرها جاحدًا لها، كان متوعدًا بالكفر لينتهي عن مثل ذلك.\nوقال بعضهم: إنما جاء هذا في الجدال والمراء في الآيات التي فيها ذكرُ القدر ونحوه من المعاني، على مذهب أهل الكلام، دون ما تضمنته من الأحكام وأبواب التحليل والتحريم، فإن ذلك قد جرى بين الصحابة ﵃ ومن بعدهم من العلماء، وليس ذلك محظورًا. والله تعالى أعلم.\nأقول: ويمكن أن يراد بالمراء مراءُ أصحاب الأهواء الذين كفروا بأهوائهم ويجادلون بفهمهم الكافر أهل الحق.\n٥٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن جُندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قُلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا\".\nأقول: إذا كان هناك اختلاف في فهم، ولم يكن هناك مرجع يرجع إليه المختلفون فيحسم الخلاف في الحق فيجب عليهم أن يسكتوا حتى لا يقولوا بغير علم فيقعوا بسبب ذلك في كفر أو ضلال أو فسوق.\n_________\n٥٠٢ - مسند أحمد (٢/ ٢٨٦).\nأبو داود (٤/ ١٩٩) كتاب السنة- باب النهي عن الجدال في القرآن.\nوإسناد حسن.\n(المراءُ في القرآن كفر): هو أن يكون في لفظ الآية روايتان مشتهرتان من السبع، أو في معناها، وكلاهما صحيح مستقيم، وحق ظاهر، فمناكرة الرجل صاحبه ومجاهدته إياه في هذا مما يزل به إلى الكفر.\n٥٠٣ - البخاري (٩/ ١٠١) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن ٣٧ - باب اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم.\nمسلم (٤/ ٢٠٥٣) ٤٧ - كتاب العلم ١ - باب النهي عن اتباع متشابه القرآن ... إلخ.","vol":"1","page":507},{"text":"٥٠٤ - * روى أبو داود عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ: \"أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربضِ الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسُن خُلقه\".\nأقول: إنما يترك صاحب الحق الجدال بعد أن يقيم الحجة، فإذا قامت الحجة وسعه أن يسكت وهو مأجور، لأن ضبط نفسه عن متابعة الجدال يؤجر به فهو نوع مجاهدة للنفس، لأن النفس قد تبدأ كلامها لله ويستجرها الجدال إلى الرغبة في الغلبة فتجادل لحظ النفس لا لنصرة الدين.\n٥٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إن أبغض الرجال إلى الله تعالى: الألدُّ الخصمُ\".\n٥٠٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: هجرتُ إلى رسول الله ﷺ يومًا، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آيةٍ فخرج رسول الله ﷺ يُعرفُ في وجهه الغضب، فقال: \"إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب\".\n٥٠٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: خرج رسولُ الله ﷺ ونحن نتنازعُ في القدر، فغضب، حتى كأنما فُقئ في وجهه حبُّ الرمان حُمرةً من الغضب، فقال: \"أبهذا أُمرتُم؟ أم بهذا أُرسلتُ إليكم؟ إنما أهلك من كان قبلكم\n_________\n٥٠٤ - أبو داود (٤/ ٢٥٣) كتاب الأدب- باب في حسن الخلق.\nوإسناده حسن.\nومن رواية أنس عند الترمذي (٤/ ٣٥٨) ٢٨ - كتاب البر والصلة ٥٨ - باب ما جاء في المراء. وقال: حديث حسن.\n٥٠٥ - البخاري (١٣/ ١٨٠) ٩٣ - كتاب الأحكام ٣٤ - باب الألد الخصم.\nمسلم (٤/ ٣٠٥٤) ٤٧ - كتاب العلم ٢ - باب في الألد الخصم.\n(الألد الخصم): الألد: الشديدُ الخصومة، والخَصمُ: الذي يُخصم أقرانه ويحاجهم بالباطل.\n٥٠٦ - مسلم (٤/ ٢٠٥٣) ٤٧ - كتاب العلم -١ - باب النهي عن اتباع متشابه القرآن ... إلخ.\n(هجرت): هجرتُ إليه: بكرتُ وقصدتُ، ويجوز أن يكون من الهاجرة، أي: قصدتُه وقت الهاجرة، وهو شدة الحر.\n٥٠٧ - الترمذي (٤/ ٤٤٣) ٣٣ - كتاب القدر ١ - باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر.\nوقال: حديث غريب أ. هـ. وللحديث شواهد يرتقي بها إلى رتبة الحسن.","vol":"1","page":508},{"text":"كثرة التنازع في أمر دينهم، واختلافهم على أنبيائهم\".\nوفي رواية: \"إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمتُ عليكم، عزمتُ عليكم: أن لا تنازعوا فيه\".\n٥٠٨ - * روى الدارمي عن مروان بن الحكم، قال: قال لي عثمان بن عفان: إن عمر قال لي: إني قد رأيت في الجدِّ رأيًا فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه. قال عثمان: إن نتبع رأيك فإنه رشد وإن نتبع رأيك فإنه رشد وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان، قال: وكان أبو بكر يجعله أبًا.\nأقول: هذا دليل على أنه منذ عصر الصحابة كان يوجد أكثر من اجتهاد في بعض المسائل، ولا يرون في ذلك حرجًا ولا يرون في الأخذ بأحد الرأيين بأسًا، ومن ههنا استقرت الأمة في النهاية على أن يتبع الإنسان أي إمام مجتهد بلا حرج.\n٥٠٩ - * روى الدارمي عن حُميدٍ، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو جمعت الناس على شيء فقال: ما يسرني أنهم لم يختلفوا. قال: ثم كتب إلى الآفاق أو إلى الأمصار: لنقضِ كل قومٍ بما اجتمع عليه فقهاؤهم.\n٥١٠ - * روى الدارمي عن عون بن عبد الله قال: ما أُحبُ أن أصحاب النبي ﷺ لم يختلفوا فإنهم لو اجتمعوا على شيء فتركه رجل ترك السنة ولو اختلفوا فأخذ رجل بقول أحدٍ أخذ السنة.\n_________\n= (عزمت): عزمت عليكم، بمعنى: أقسمت عليكم.\n٥٠٨ - الدارمي (٣/ ٣٥٤) كتاب الفرائض- باب في قول عمر في الجد. وإسناده صحيح.\n٥٠٩ - الدارمي (١/ ١٥١) كتاب العلم - باب اختلاف الفقهاء. وإسناده صحيح.\n٥١٠ - الدارمي في الموضع السابق. وفي أحد رواته تفصيل، والمعنى صحيح فمتابعة أئمة الهدى لا حرج فيها.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الفصل الثالث والعشرون\nفي:\nالتحذير من مواطأة الأمم في انحرافاتها</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص وتعقيب","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المقدمة</span>\nقال تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١).\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٢).\n﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٣).\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٤).\n﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).\n﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٦).\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٧).\nإن كتاب ربنا وسنة نبينا ﵊ قد جمعا الخير كله وبينا لنا الشرّ كله، وكما طالبنا ربنا ﷿ في أتباع الخير وأهله فقد نهانا أن نتابع الشر وأهله، وكما أمرنا بالاقتداء بالرسل والأنبياء والصديقين والشهداء فقد نهانا عن متابعة أهل الأهواء، وقد بين لنا انحرافات أمم أنزل عليها وحي فانحرفت عنه، وبين لنا رفض بعض الأمم لما أنزل عليهم من وحي أصلًا، ولكن الطبيعة البشرية هي الطبيعة البشرية تتشابه على مدار الأزمنة والأمكنة والأجيال ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٨) ومن ثم فإن هذه الأمة على ما أكرمها الله ﷿ من كتاب معصوم معجز ومن سنة محفوظة باقية سيظهر فيها ما ظهر في الأمم من انحرافات، فلا عجب والأمر كذلك أن نرى أفرادًا أو جماعات من هذه الأمة تواطئ\n_________\n(١) النساء: ٢٦.\n(٢) النساء: ٦٩.\n(٣) الفاتحة: ٦، ٧.\n(٤) المائدة: ٤٨.\n(٥) الجاثية: ١٨.\n(٦) النحل: ٨٩.\n(٧) الأنعام: ٩٠.\n(٨) البقرة: ١١٦.","vol":"1","page":513},{"text":"انحرافات الأمم وتتخذ من هذه الأمم في انحرافاتها قدوة، فالنصوص النبوية ذكرت أن هذا واقع، وذكرها له تحذير منه، وعلى الربانيين والمصلحين أن يعملوا ليجددوا حياة الإسلام وحيويته، ولينقذوا المتأثرين بالفكر الغريب والسلوك المنحرف أو المريب.\nإن هناك انحرافات بشرية فردية، وهناك انحرافات جماعية، وهناك انحرافات محلية، وانحرافات عالمية، وهناك مسرى للانحراف قد يكون فرديًا أو محليًا وعالميًا، وقد تتعدد مسربات الانحراف عند الأمم وهناك مسرى منحرف لأهل الأديان الباطلة في الجملة، وهناك مسرى منحرف خاص بأهل كل دين، وهناك مسربات منحرفة لمن لا دين له.\nوالأمة الإسلامية معرضة لأن يسري إليها ذلك كله، ومن ههنا كان الإسلام بحاجة إلى تجديد في كل جيل من أجيال هذه الأمة، وكان من رحمة الله بهذه الأمة ألا تنقطع سلسلة المجددين.\nإن المسرى السيايس العام للعالم هو السير نحو العلمانية بألا يكون للدين علاقة في الحياة السياسية، تجد ذلك قاسمًا مشتركًا عند أتباع الأديان الباطلة من بوذية أو كونفوشيوسية أو برهمية أو زرادشتية أو يهودية أو نصرانية أو وثنية، وتجد أن هذا المسرى قد اختطف الكثيرين من أبناء الأمة الإسلامية حتى غلب ولا زال يغلب على الكثير من أقطارها، وتجد أن بعض أهل الأديان وصلوا إلى إعطاء أحبارهم ورهبانهم صفة العصمة، فتجد أن ذلك سرى إلى كثير من أبناء الأمة الإسلامية، وأكثر ما ظهر ذلك عند طوائف الشيعة وبعض المتصوفة.\nوتجد أن اتباع الأهواء وكسب الملذات والدعوة إلى حرية الإنسان في ذلك قد غلبت على العالم وسرى ذلك للكثيرين من أبناء الإسلام.\nوهذا وأمثاله قد أخبرنا رسول الله ﷺ عن وقوعه وحذرنا منه وعلمنا الله أن ندعوه في كل صلاة أن يجنبنا ذلك ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) والمغضوب عليهم هم اليهود والضالون هم النصارى،\n_________\n(١) الفاتحة: ٦، ٧.","vol":"1","page":514},{"text":"فإذا حذرنا من متابعة انحرافات هؤلاء وهما الأشهر في الديانة والتدين فمن باب أولى غيرهم، ولذلك وجب على المسلم أن يفتش في ذاته وفي سلوكه وفي ولاءاته وفي انتماءاته وفي أعماله وأقواله وفي بيته وفي مواقفه عما إذا كان يواطئ غير المسلمين في شيء من انحراف عن الإسلام.\nلقد كان من سنة رسول الله ﷺ أن يخالف سنة اليهود والنصارى والمجوس ليعلمنا الحذر من المواطأة إلا فيما أجازته شريعتنا.\nلقد أخبرنا الله ﷿ أنه لم يترك أمة إلا أرسل لها رسولًا: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١).\nوقال ﵇: \"أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله\" (٢).\nوالنصوص لم تصف كل الأمم التي أرسل لها رسل إلا ما ذكر عن بني إسرائيل وعن النصارى وبعض الأقوام، والديانات المعروفة قديمًا وحديثًا كثيرة:\nفهناك النصرانية واليهودية والبوذية والكونفوشيوسية والمجوسية ....\nوهناك أديان بادت وانقرضت كالديانات المصرية القديمة والديانات اليونانية، والمعروف عنها أنها ديانات شِركيّة، وهناك الديانات الوثنية والشركيَّة، وبعضها لا زال موجودًا، ولئن لم يحدثنا القرآن عن كل الأديان فقد ذكر لنا ما نعرف به من خلال المذكور ما غاب عنا، فلا يغيب عمن قرأ القرآن وفهمه أن يعرف الهدى من الضلال، ليس في باب الديانات فحسب بل في باب المذاهب الفلسفية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها سواء في ذلك ما انتهى ودرس أو ما زال موجودًا.\n_________\n(١) فاطر: ٢٤.\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٢٦) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٣ - باب ومن سورة آل عمران.\nوقال: هذا حديث حسن.\nوالمستدرك (٤/ ٨٤). وقال: صحيح الإسناد.\nوقال الحافظ عنه: حسن صحيح.","vol":"1","page":515},{"text":"فهناك ديانات اندرست، فإذا ما قرأ المسلم عنها لا يفوته مواطن الكفر والانحراف فيها كالديانات اليونانية والمصرية والرومانية، وهناك ديانات لا زالت موجودة لا يغيب عن المسلم أن يعرف مواطن الكفر والضلال فيها كالبوذية والكونفوشيوسية والبرهمية واليهودية والنصرانية والصابئية والمانوية والزرادشتية، وهناك مذاهب فلسفية واجتماعية ظهرت قديمًا كالفلسفة اليونانية والإباحية المزدكيّة، وهناك فلسفات معاصرة أو وسيطة ومذاهب اجتماعية واقتصادية وسياسية، وكل ذلك لا يغيب عن المسلم العارف بدينه أن يعرف مواطن الكفر والانحراف فيها.\nقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١).\nوقد كلّف الله ﷿ الإنسان أن يؤمن بالله وأن يكفر بالطاغوت: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٢).\nومن ههنا كان من معالم الإسلام الكبرى ألا يتابع المسلم أحدًا فيما يدخل في باب الديانات. وقد أعطانا الله ﷿ نموذجين تفصيليين على انحرافات أمتين أنزل عليهما وحي وهما اليهود والنصارى، ولقد استمرَّت الانحرافات عند اليهود والنصارى بعد نزول القرآن الكريم حتى وصلوا إلى الإلحاد وإلى اللادينية والإباحية في الفكر الرأسمالي والفكر الشيوعي، فانحراف يوصل إلى انحراف وهكذا.\nولما كانت هذه الانحرافات أثرًا عن أهواء أو جهل، ولما كان الإنسان مَظِنَّة الجهل والهوى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٣) فإن احتمال أن تسري على أمتنا انحرافات الأمم قائم، ومن ههنا أخبرنا عنه رسول الله ﷺ ونبَّهنا على ذلك وحذرنا منه وفيما يلي نصوص في ذلك.\n_________\n(١) النحل: ٨١.\n(٢) البقرة: ٢٥٦.\n(٣) الإسراء: ٧٢.","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>النصوص</span>\n٥١١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراعٍ حتى لو دخلوا جُحر ضبٍّ لتبعتموهم\". قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ \" قال: \"فمن؟ \".\n٥١٢ - * روى البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وباعًا بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جُحر ضبٍّ لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع أمه لفعلتم\".\n٥١٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن المستورد بن شداد، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تترك هذه الأمة شيئًا من سنن الأولين حتى تأتيه\".\n٥١٤ - * روى البخاري عن أبي هريرةً ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة، حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون قبلها شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ\" قيل له: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: \"من الناس إلا أولئك؟ \".\n٥١٥ - * روى الترمذي عن أبي واقد الليثي ﵁، أن رسول الله ﷺ لما خرج\n_________\n٥١١ - البخاري (١٣/ ٣٠٠) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ١٤ - باب قول النبي ﷺ، لنتبعن سنن من كان قبلكم\".\nومسلم (٤/ ٢٠٥٤) ٤٧ - كتاب العلم ٢ - باب اتباع سنن اليهود والنصارى.\n(جُحر ضب): الضب: هذا الحيوان المعروف.\n(وجُحره): ثقبه الذي يأوي إليه، يعني لو دخلوا إلى ثقب الضب مبالغةً لدخلتموه.\n٥١٢ - كشف الأستار (٤/ ٩٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٦١). وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\n٥١٣ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٦١). وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.\nقوله (من سنن الأولين): أي من طرائقهم المنحرفة وسننهم السيئة في الاعتقادات والأقوال والأفعال.\n٥١٤ - البخاري (١٣/ ٣٠٠) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ١٤ - باب قول النبي ﷺ \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\".\n٥١٥ - الترمذي (٤/ ٤٧٥) ٢٤ - كتاب الفتن ١٨ - باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح. وإسناده صحيح. =","vol":"1","page":517},{"text":"إلى غزوة حنينٍ مرَّ بشجرةٍ للمشركين كانوا يُعلقون عليها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواطٍ، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواطٍ، كما لهم ذاتُ أنواط. فقال رسول الله ﷺ: \"سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده: لتركبن سنن من كان قبلكم\".\n٥١٦ - * روى الطبراني عن أبي موسى: قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه وتركوا التوراة\".\nأقول: إن بني إسرائيل يعتمدون التلمود أكثر مما يعتمدون أسفار موسى الخمسة التي هي الأسفار الأولى في كتب العهد القديم والتي يطلق عليها بعضهم اسم التوراة، ويبدو أن التوراة جزء منها، وقد داخل هذه الأسفار كلها من التحريف والتبديل الكثير، ومحل التلمود عندهم في العمل أقوى وإن كانت التوراة أقوى في الاعتبار.\n٥١٧ - * روى الطبراني عن أبي الزغراء الأزدي قال: قال عبد الله بن مسعود: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم، وقد أضلوا أنفسهم، إما أن يُحدثوكم بصدقٍ فتكذبوهم أو بباطل فتصدقوهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>التعقيب:</span>\nإن أدب المسلم وهو يقرأ كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أن يقيم الأمر ويجتنب النهي، كما أن من آدابه إذا مر بآية أو حديث يتحدث عن كفر أو ضلال أو بدعة أو فسوق أن يتجنب ذلك كي لا يواطئ أهل ذلك في شيء ومن ههنا نهينا عن التشبه، وسن لنا رسول الله ﷺ مخالفة المشركين والكافرين في كل ما يدخل في باب الديانات، وقد ضلت الأمم السابقة ابتداءً عن التوحيد والشرائع كما ضلوا بالتفرق بسبب البغي والابتداع، ومع الضلال\n_________\n= (أنواط): جمع نوط، وهو مصدر نُطْتُ به كذا وكذا أنوطُ نوطًا: إذا علقته به، ويسمى المنوط بالنوط.\n٥١٦ - مجمع الزوائد (١/ ١٩٢). وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.\n٥١٧ - المعجم الكبير (٩/ ٤١٣).\nمجمع الزوائد (١/ ١٩٢). وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.","vol":"1","page":518},{"text":"عن أصل الدين والتفرق فيه والفسوق والغلو والابتداع فقد أضاعوا الوحي أو حرّفوه أو ألغوه، وكل ذلك مما ينبغي أن يحذره المسلم.\n* * *","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الفصل الرابع والعشرون\nفي:\nالتحذير من الفتن والأهواء وأهلها</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص وتعقيب","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المقدمة</span>\nرأينا أن الأمة الإسلامية ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ومن ههنا فإن أهل الإيمان عليهم أن يحذروا من متابعة فرقة من فرق الضلال، أو أن يواطؤوها في فكرة من أفكارها الخاطئة، ومن ههنا اشتد كثير من الأئمة على بعض أهل السنة والجماعة بسبب تخوفهم من فكرة خاطئة سرت إليه أو يمكن أن تسري إليه.\nومع وجوب الحذر من متابعة أهل الأهوءامن الفرق الضالة فهناك الفتن التي تعصف في الأمة مما لا يستبان وجه الحق فيها فهذه كذلك يجب على المسلم أن يحذرها.\nومن ههنا فإن على المسلم أن يحذر:\nمن متابعة أهل الهوى، ومن المشاركة في فتنة يستعمل فيها السلاح أو اللسان دون أن يكون متبيِّنًا وجه الحكم الشرعي، أما إذا استبان له وجه الحكم الشرعي فعندئذٍ يقدم ولو كان ذلك قتالًا، وعلى مثل هذا يحمل إقدام الصحابة على القتال في الفتنة: بين علي من جهة، وبين عائشة وطلحة والزبير ثم معاوية من جهتين أخريين.\nوالفتنة في اصطلاح الشارع أوسع مدى مما ذكرناه، فهي على أنواع، وكل واحدة منها ينبغي أن يكون للمسلم موقف منها. فكلمة الفتنة في اصطلاح الشارع تطلق على الصراعات الداخلية غير المبصرة بين المسلمين، كما تطلق على نشر الآراء الشاذة، وتطلق على الاضطهاد الذي يسلطه الكافرون أو الظالمون على المؤمنين، كما تطلق على الفوضى وعلى الخوض بلا تبين في المعارك السياسية والعصبيات والهجوم والتهجم بسببها، وتطلق الفتنة على ما يفتن الإنسان في دينه من مال أو جاه أو خواطر باطنة أو اتجاهات باطلة، ويدخل في اسم الفتنة التحريش بين الناس، والتفريق بين المتحابين.\nوكل أنواع الفتن ينبغي أن يحذرها المسلم، وأن يكون له موقفه من كل واحدة منها.\nفالمسلم مطالب في الصراعات الداخلية بين المسلمين أن يتبين، وفي الآراء الشاذة أن يرفضها وان يتمسك بقول أهل الحق، والأصل أن يدعو المسلم إلى الله ولا يطالب أن يعرض","vol":"1","page":523},{"text":"نفسه إلى اضطهاد لا يتحمله إلا إذا تعين عليه موقف شرعًا، فإذا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو دعا إلى خير فاضطهد أو أوذي ابتداءً بسبب عقيدته فهو بين خيارين: أن يصبر حتى يستشهد أو يأخذ بالرخصة إذا كان الإكراه ملجئًا، والأصل في المسلم أن يجاهد الكفار وأن يقاتل أهل البغي مع الإمام الحق، أما إذا وقعت الفوضى فأدبه أن يعتزل حتى يجد مسلكًا صحيحًا فيمضي فيه، وأما الأهواء السياسية والعصبيات والقبليات فالمسلم منها حَذِر، وأمام ما يعرض على القلوب من فتنة فالمسلم يأباها وبذلك يسلم له قلبه.\nوإذا كانت هذه الأمور من الأهمية بمكان، فقد عقدنا لها هذا الفصل لنذكر فيه بعض النصوص في بعض هذه الشؤون:","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>النصوص</span>\n٥١٨ - * روى الإمام أحمد عن أبي برزة الأسلمي، لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: \"إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومُضلات الفتن\".\nوفي رواية: \"ومضلات الهوى\".\n٥١٩ - * روى الإمام أحمد عن كرز بن علقمة الخزاعي، قال: قال رجل: يا رسول الله هل للإسلام من منتهى؟ قال: \"نعم أيما أهل بيتٍ من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرًا أدخل عليهم الإسلام، ثم تقع الفتن كأنها الظلل\" قال: كلا والله إن شاء الله. قال: \"بلى والذي نفسي بيده، ثم تعودون فيها أساود صُبى يضرب بعضكم رقاب بعض\".\nوفي رواية (٣) \"فأول الناس مؤمنٌ مُعتزلٌ في شِعبٍ من الشعاب يتقي ربه ﵎ ويدع الناس من شره\".\n٥٢٠ - * روى البخاري عن خلف بن حوشب ﵀، قال: كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن:\nالحربُ أول ما تكون فتيةً ... تسعى بزينتها لكل جهول\nحتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... ولت عجوزًا غير ذات حليل\n_________\n٥١٨ - مسند أحمد (٤/ ٤٢٠).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٠٥). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(شهوات الغي): شهوات الضلال والانهماك في الباطل.\n٥١٩ - مسند أحمد (٣/ ٤٧٧).\nكشف الأستار (٤/ ١٢٤).\n(٣) مسند أحمد: الموضع السابق.\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٠٥). وقال: رواه احمد والبزار والطبراني بأسانيد وأحدها رجاله رجال الصحيح.\n(الأساود الصب): الحيات السوداء إذا اقتتلت مع بعضها.\n٥٢٠ - البخاري (١٣/ ٤٧) ٩٢ - كتاب الفتن ١٧ - باب الفتنة التي تموج كموج البحر. معلقًا.\nقال الحافظ في الفتح: وصله البخاري في \"التاريخ الصغير\" عن عبد الله بن محمد المسندي عن سفيان بن عيينة عن خلف بن حوشب.","vol":"1","page":525},{"text":"شطاء يُنكر لونها وتغيَّرت ... مكروهةً للشم والتقبيل\n٥٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيدٍ ﵄، قال: أشرف النبي ﷺ على أُطم من آطام المدينة، فقال: \"هل ترون ما أرى؟ \" قالوا: لا. قال: \"فإني لأرى مواقع الفتن خِلال بيوتكم كمواقع القطر\".\n٥٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله عليه وسلم: \"ستكون فتنٌ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعُذْ به\".\nوفي أخرى لمسلم (٣): \"تكون فتنةً، النائمُ فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظانُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليستعذ\".\n٥٢٣ - * روى مسلم عن عثمان الشحام: قال انطلقت أنا وفرقدٌ السبخي إلى مسلم بن أبي بكرة وهو في أرضه، فدخلنا عليه، فقلت: هل سمعت أباك يُحدِّث في الفتن حديثًا؟ فقال: نعم، سمعت أبا بكرة يحدّث قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنها ستكون فتنٌ، ألا\n_________\n٥٢١ - البخاري (١٣/ ١١) ٩٢ - كتاب الفتن ٤ - باب قول النبي ﷺ: \"ويل للعرب من شر قد اقترب\".\nومسلم (٤/ ٢٢١١) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة ٣ - باب نزول الفتن كمواقع القطر.\n(أشرف على أطم): أشرف: علا وارتفع، والأطم: هو القصر والحصن والجمع آطام.\n(كماقع القطر): التشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم. أي: أنها كثيرة وتعم الناس لا تختص بها طائفة، وهذا إشارة إلى الحروب الجارية بينهم، كوقعة الجمل وصفين، والحرة ومقتل عثمان ومقتل الحسين ﵄ وغير ذلك، وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ/ النووي على مسلم (١٨/ ٧).\n٥٢٢ - البخاري (١٣/ ٣٠) ٩٢ - كتاب الفتن ٩ - باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم.\nومسلم (٤/ ٢٢١٢) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة ٣ - باب نزول الفتن كمواقع المطر.\n(٣) مسلم في الموضع السابق.\n(من تشرف لها تستشرفه): أي: من تطلع إليها وتعرض لها أتته، ووقع فيها.\n(الملجأ والمعاذ): أخوان، وهما الشيء الذي يُحتمى به ويُركن إليه.\n٥٢٣ - مسلم في الموضع السابق.","vol":"1","page":526},{"text":"ثم تكون فتنةٌ، القاعدُ خيرٌ من الماشي فيها، والماشي فيها خيرٌ من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت، أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنمٌ فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرضٌ فليلحق بأرضه\" قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم تكن له إبلٌ ولا غنم ولا أرض؟ قال: \"يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينجُ إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغتُ؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ \" قال: فقال رجل يا رسول الله، أرأيت إن أُكرهتُ حتى يُنطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفتئين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهمٌ فيقتلني؟ قال: \"يبوء بإثمه وإثمك، ويكونُ من أصحاب النار\".\nولفظ أبي داود (١) قال: \"إنها ستكون فتنة يكون المضطجعُ فيها خيرًا من الجالس، والجالسُ خيرًا من القائم، والقائمُ خيرًا من الماشي، والماشي خيرًا من الساعي\" قالوا: يا رسول الله، ما تأمرنا؟ قال: \"من كانت له إبلٌ فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه\" قال: فمن لم يكن له شيء من ذلك؟ قال: \"يعمدُ إلى سيفه، فيضرب بحدِّه على حَرة، ثم لينجُ ما استطاع النجاء\".\nأقول:\nهذا الحديث وأمثاله محمول على ما إذا لم يكن للمسلمين إمام راشد قائم بالحق، أما إذا وجد الإمام الراشد القائم بالحق فالأصل أن يجاهد الإنسان معه وأن يقاتل أهل البغي الخارجين عليه، ومع أن الإمام عليًّا كان خليفة راشدًا قائمًا بالحق فإن بعض الصحابة وقفوا ضده لعدم تبينهم أنه هو الإمام الحق القائم بالحق، وبعضهم استباح الاعتزال فلم يقاتل أخذًا بظواهر مثل هذه النصوص، لكن بعضهم ندم على عدم قتاله معه بعد أن تبين له أنه على الحق والصواب بعد مقتل عمار من قبل فئة معاوية كما حدث لابن عمر ﵄.\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ٩٩) كتاب الفتن والملاحم -باب في النهي عن السعي في الفتنة.\n(الحرة): الأرض ذات الحجارة السود، والمراد به هاهنا: نفس الحجر، أي: ضرب حد سيفه بحجر يغل غربه لئلا يقاتل.","vol":"1","page":527},{"text":"٥٢٤ - * روى الترمذي عن سعد بن أبي قاص ﵁، قال: عند فتنة عثمان بن عفان- أشهد أن رسول الله ﷺ قال: \"إنها ستكون فتنة القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي\". قال: أفرأيت إن دخل عليَّ بيتي، وبسط يده إلي ليقتلني. قال: \"كن كابن آدم\".\nولفظ أبي داود (١) عن حسينٍ بن عبد الرحمن الأشجعي: أنه سمع سعد بن أبي وقاصٍ عن النبي ﷺ، في هذا الحديث، قال: فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل عليَّ بيتي، وبسط يده إليَّ ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"كن كابني آدم\" وتلا يزيدُ - يعني ابن خالدٍ الرملي-: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية (٢).\n٥٢٥ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"يوشكُ أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبعُ بها شعف الجبال ومواقع القَطْرِ، يفرُّ بدينه من الفتن\".\nوللبخاري (٣) قال عبد الرحمن بن أبي صعصعة: قال لي أبو سعيد: إني أراك تُحب الغنم وتتخذُها، فأصلحها وأصلح رُعامها، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: \"يأتي على\n_________\n٥٢٤ - الترمذي (٤/ ٤٨٦) ٢٤ - كتاب الفتن ٢٩ - باب ما جاء تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم.\nوقال: هذا حديث حسن. وهو كما قال.\n(١) أبو داود (٤/ ٩٩) كتاب الفتن والملاحم- باب في النهي عن السعي في الفتنة.\nوهو حديث صحيح.\n(٢) المائدة: ٢٨.\n٥٢٥ - البخاري (١/ ٦٩) ٢ - كتاب الإيمان ١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن.\nوالموطأ (٢/ ٩٧٠) ٥٤ - كتاب الاستئذان ٦ - باب ما جاء في أمر الغنم.\nوأبو داود (٤/ ١٠٣) كتاب الفتن- باب ما يرخص فيه من البداوة في الفتنة.\nوالنسائي (٨/ ١٢٣) ٤٧ - كتاب الإيمان ٣٠ - باب الفرار بالدين من الفتن.\nوابن ماجه (٢/ ١٣١٧) ٢٦ - كتاب الفتن ١٣ - باب العزلة.\n(٣) البخاري (٦/ ٦١١) ٦١ - كتاب المناقب ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\n(مواقع القطر): المواضع التي ينزل بها المطر.\n(رعامها): الرعام: المخاط الذي يسيل من أنف الشاة من داء أصابها والشاة رعوم.","vol":"1","page":528},{"text":"الناس زمان تكونُ الغنمُ فيه خير مال المسلم، يتبع بها شغف الجبال. ومواقع القَطْرِ، يَفِر بدينه من الفتن\".\n٥٢٦ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، أفلح من كفَّ يده\".\n٥٢٧ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال في الفتنة: \"كسِّروا فيها قِسيكم، وقطِّعُوا فيها أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيُوتكم، وكونوا كابن آدم\".\nورواه أبو داود بزيادة في أوله (١)، قال: قال رسول الله ﷺ: إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يُصبحُ الرجلُ فيها مؤمنًا، ويُمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، فكسِّروا قسيَّكُم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دُخل على أحدٍ منكم فليكن كخير ابني آدم\".\nورواه أبو داود (٢) أيضًا إلى قوله: \"خيرٌ من الساعي\" قالوا: فما تأمرُنا؟ قال: \"كونوا أحلاس بُيوتكم\".\n_________\n٥٢٦ - أبو داود (٤/ ٩٧) كتاب الفتن- باب ذكر الفتن ودلالتها.\nوإسناده صحيح.\n٥٢٧ - الترمذي (٤/ ٤٩١) ٢٤ - كتاب الفتن ٣٢ - باب ما جاء ف ياتخاذ سيف من خشب في الفتنة.\nوقال: حسن غريب صحيح.\n(١) أبو داود (٤/ ١٠٠) كتاب الفتن- باب في النهي عن السعي في الفتنة.\n(٢) أبو داود (٤/ ١٠١) الكتاب والباب السابقان. وهو حديث صحيح.\n(قطع الليل): طائفة منه، أراد: فتنة مظلمة سوداء. تعظيمًا لشأنها.\n(كابن آدم): أراد بقوله: كابن آدم، وقوله: (كخير ابني آدم): هو ابن آدم لصلبه هابيل الذي قتله أخوه قابيل، وما قال الله تعالى في أمرهما: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ وقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.\n(أحلاس بيوتكم): فلان جلس بيته: إذا لزمه لا يفارقه، مأخوذ من الحلس، وهو الكساء الذي يكون على ظهر البعير. أي الزموا بيوتكم.","vol":"1","page":529},{"text":"٥٢٨ - * روى ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: \"تكونُ فتنٌ على أبوابها دُعاةٌ إلى النار فأن تموت وأنت عاضٌّ على جذل شجرةٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحدًا منهم\".\n٥٢٩ - * روى الترمذي عن أم مالكٍ البهزية ﵂، قالت: ذكر رسول الله ﷺ فتنةً، فقربها، قالت: قلتُ: يا رسول الله، من خيرُ الناس فيها؟ قال: \"رجلٌ في ماشيةٍ يؤدي حقها، ويعبدُ ربه، ورجلٌ آخذٌ برأس فرسه يُخيف العدو ويخوفونه\".\nاقول: هكذا شأن المسلم أنه على بصيرة، فإذا وقعت فتنة بين المسلمين ولم يتبين له وجه الحق والصواب فيها فهو إما معتزل وإما متوجه لجهاد لا خلاف فيه وهو قتال الكفار.\n٥٣٠ - * روى البخاري عن ابن عمروٍ قال: شبك النبي ﷺ أصابعه، وقال: \"كيف أنت يا عبد الله بن عمرو، إذا بقيت في حُثالةٍ قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا\" قال: فكيف [أصنع] يا رسول الله؟ قال: \"تأخذُ ما تعرفُ، وتدعُ ما تُنكرُ، وتُقبلُ على خاصتك، وتدعهم وعوامهم\".\n_________\n٥٢٨ - ابن ماجه (٣/ ١٣١٨) ٣٦ - كتاب الفتن ٢ - باب العزلة. وله متابعات عند البخاري ومسلم وأبي داود يتقوى بها.\n(جذل الشجرة): أصلها.\n٥٢٩ - الترمذي (٤/ ٤٧٢) ٣٤ - كتاب الفتن ١٥ - باب ما جاء كيف يكون الرجل في الفتنة.\nوقال: حسن غريب من هذا الوجه.\nقال محقق الجامع:\nوفي سنده جهالة، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال أيضًا: وفي الباب عن أم مبشر، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس. وقال: وللفقرة الأولى منه شاهد عند البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وللفقرة الثانية منه شاهد عند الترمذي من حديث ابن عباس ﵁، فالحديث حسن بشواهده. أ. هـ.\n٥٣٠ - البخاري (١/ ٥٦٥) ٨ - كتاب الصلاة ٨٨ - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره مختصرًا.\nوقد عزاه في الفتح للحميدي في الجمع بين الصحيحين.\nأبو داود (٤/ ١٢٣، ١٢٤) كتاب الملاحم- باب الأمر والنهي.\n(المرج): الاختلاط والاختلاف، مرجت عهودهم: إذا اختلفت.","vol":"1","page":530},{"text":"٥٣١ - * روى أبو داود عن أبي ذرٍّ الغفاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا ذرٍّ. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: \"كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ \" قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: \"عليك بمن أنت منه\". قلت: يا رسول الله، أفلا آخُذُ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: \"شاركت القوم إذًا. قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزمُ بيتك\" قلت: فإن دُخل عليَّ بيتي؟ قال: \"إن خشيت أن يبهرك شعاعُ السيف، فألق ثوبك على وجهك، يبوء بإثمك وإثمه\".\n٥٣٢ - * روى أبو داود عن سعيد بن زيدٍ ﵁، قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فذكر فتنةُ عظُم أمرها، فقلنا -أو قالوا- يا رسول الله لئن أدركتنا هذه لنهلكن، فقال رسول الله ﷺ: \"كلا إن بحسبكم القتل\".\nقال سعيد: فرأيت إخواني قُتلوا.\nقولهم: لئن أدركتنا هذه لنهلكن: هكذا في الجامع وفي الأصل: لتهلكنا. قال صاحب عون المعبود: (أي تهلك تلك الفتنةُ دنيانا وعاقبتنا)، ومعنى الحديث أن هذه الفتنة لو أدركتكم يكفيكم فيها أنكم مقتولون، والضرر الذي يحصل لكم منها ليس إلا القتل، وأما هلاك عاقبتكم فكلا بل يرحمكم الله ويغفر لكم.\n٥٣٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n٥٣١ - أبو داود (٤/ ١٠١) كتاب الفتن- باب في النهي عن السعي في الفتنة.\nوابن ماجه (٢/ ١٣٠٨) ٣٦ - كتاب الفتن ١٠ - باب التثبت في الفتنة.\nوهو حديث حسن.\n(أحجار الزيت): موضع بالمدينة.\n(عليك بمن أنت منه): أي أهلك وعشيرتك. وقيل: الإمام الحق الذي بايعته.\n(يبهرك): ضوء باهر: يغلب عينك ويغشى بصرها.\n(يبوء): باء بالإثم يبوء: إذا رجع به حاملًا له.\n٥٣٢ - أبو داود (٤/ ١٠٥) كتاب الفتن- باب ما يرجى في القتل.\nوإسناده صحيح.\n٥٣٣ - مسلم (٤/ ٢٢٣١) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ... إلخ.","vol":"1","page":531},{"text":"\"ليأتين على الناس زمانٌ، لا يدري القاتل في أ] شيء [قَتَلَ]، ولا يدري المقتول في أي شيء قُتِل\" قيل: وكيف؟ قال: \"الهرجُ: القاتلُ والمقتولُ في النار\".\nأقول: فهذا هو قتال الفتنة، قتال على غير تبيّن أو اجتهاد صحيح من أهله.\n٥٣٤ - * روى أبو داود عن أبي أمية الشعباني، قال: سألتُ أبا ثعلبة الخُشني ﵁ قال: قلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ [المائدة: ١٠٥] قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا سألتُ عنها رسول الله صلى الله لعليه وسلم، فقال: \"ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شُحًا مطاعًا، وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبرِ، الصبرُ فيهن مثلُ القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم\".\nوفي زيادة لأبي داود: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسين رجلًا منا، أو منهم؟ قال: \"بل أجرُ خمسين رجلًا منكم\".\nقوله: (للعامل فيها أجر خمسين يعملون مثل عملكم): قال صاحب عون المعبود:\nقال في فتح الودود: هذا في الأعمال التي يشق فعلها في تلك الأيام لا مطلقًا وقد جاء \"لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه\" ولأن الصحابي أفضل من غيره مطلقًا انتهى وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ليس هذا على إلاقه بل هو مبني على قاعدتين أحدهما أن الأعمال تشرفُ بثمراتها، والثانية أن الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله وبالعكس لقوله ﵇: \"بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعود غريبًا كما\n_________\n٥٣٤ - أبو داود (٤/ ١٢٣) كتاب الملاحم -باب الأمر والنهي.\nوالترمذي (٥/ ٢٥٧) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٦ - باب ومن سورة المائدة. وقال: حسن غريب.\nوابن ماجه (٣/ ١٣٣٠) ٣٦ - كتاب الفتن ٢١ - باب قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.\nوإسناده ضعيف، ولكن له شواهد يتقوى بها.\n(الشح): البخل الشديد، وطاعته: أن يتبع الإنسان هوى نفسه لبخله، وينقاد له.\n(دنيا مؤثرة): أي: محبوبة مشتهاة مقدمة عند أصحابها على ما هو واجب شرعًا.","vol":"1","page":532},{"text":"بدأ فطوبى للغرباء من أمتي\"، يريد المنفردين عن أهل زمانهم. إذا تقرر ذلك فنقول: الإنفاق في أول الإسلام أفضل لقوله ﵇ لخالد بن الوليد ﵁: \"لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه\" أي مُد الحنطة والسبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرُها وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين وقلة أنصارهم فكان جهادُهم أفضل ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال ﵇. \"أفضل الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلان جائر\" جعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين وإظهار شعائر الإسلام فإن ذلك شاق على المتأخرين لعدم المعين وكثرة المنكر فيهم كالمنكر على السلان الجائر ولذلك قال ﵇: \"يكون القابضُ على دينه كالقابض على الجمر\" لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة فكذلك المتأخر في حفظ دينه، وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر فعلى هذا يُنَزَّل الحديثُ انتهى كذا في مرقاة الصعود. أ. هـ.\nأقول: قد يؤجر غير الصحابي على عمل ما أكثر من أجر الصحابي في هذا العمل، ولكن الخصوصية لا تقتضي الأفضلية، فالصحابة هم الأفضل لكمال الأداء عندهم، ثم إن كل من جاء بعدهم في صحائفهم والجميع في صحيفة رسول الله ﷺ، وإذا كان هذا شأن الصحابة فمن يلحق بهم؟!\n٥٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"سِبابُ المسلم فُسُوقٌ، وقتالُه كفرٌ\".\n٥٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: سمعت\n_________\n٥٣٥ - البخاري (١/ ١١٠) ٢ - كتاب الإيمان ٣٥ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.\nومسلم (١/ ٨١) ١ - كتاب الإيمان ٢٨ - باب بيان قول النبي ﷺ: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\".\nوالترمذي (٥/ ٢١) ٤١ - كتاب الإيمان ١٥ - باب ما جاء سباب المسلم فسوق. وقال: حسن صحيح.\nوالنسائي (٧/ ١٢١) ٣٧ - كتاب تحريم الدم ٢٧ - باب قتال المسلم.\n٥٣٦ - البخاري (٦/ ٥٤٠) ٦١ - كتاب المناقب ٥ - باب حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث ... إلخ.\nومسلم (٤/ ٢٢٢٨) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة ١٦ - باب الفتنة من المشرق ... إلخ.","vol":"1","page":533},{"text":"رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ألا إن الفتنة ها هنا\" ويشيرُ إلى المشرق \"من حيث يطلعُ قرنُ الشيطان\".\nوللبخاري (١) بزيادة في أوله: أن النبي ﷺ قال: \"اللهم بارك لنا في شامِنا اللهم بارك لنا في يمننا\" قالوا: وفي نجدنا، قال: \"اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا\" قالوا: وفي نجدنا؟ قال: \"اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا\" قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: \"هنالك الزلازل والفتن، ومنها يطلع قرنُ الشيطان\".\nوفي أخرى (٢) عن سالم: أنه قال: يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة!! سمعت أبي، عبد الله بن عمر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إن الفتنة تجيء من هاهنا\" وأومأ بيده نحو المشرق- \"من حيثُ يطلعُ قرن الشيطان\" وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قَتلِ موسى الذي قَتَلَ من آل فرعون خأ، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠].\n٥٣٧ - * روى مسلم عن جُندب بن عبد الله ﵁، قال: قال النبي ﷺ: \"من قُتل تحت رايةٍ عميةٍ يدعو عصبيةً، أو ينصر عصبيةً، فقتلةٌ جاهليةٌ\".\n٥٣٨ - * روى النسائي عن عبد الله بن الزبير، ﵁، أن النبي ﷺ قال:\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٤٥) ٩٢ - كتاب الفتن ١٦ - باب قول النبي ﷺ: \"الفتنة من قبل المشرف ... \" إلخ.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٩) الكتاب والباب السابقان.\n٥٣٧ - مسلم (٣/ ١٤٧٨) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٣ - باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ... إلخ.\nوالنسائي (٧/ ١٢٣) ٣٧ - كتاب تحريم الدم ٢٨ - باب التغليظ فيمن قاتل تحت راية عمية.\n(العمية): بتشديدتين: الجهالة والضلالة، وهي فعيلة من العمى.\n(فقتلة): بكسر القاف: حالة القتيل، أي فقتله قتلٌ جاهليٌّ.\n(عصبية): العصبية: المحاماة والمدافعة عن الإنسان الذي يلزمك أمره، أو تلتزمه لغرضٍ بصرف النظر عن الحق والصواب.\n٥٣٨ - النسائي (٧/ ١١٧) ٣٧ - كتاب تحريم الدم ٢٦ - باب من شهر سيفه ثم وضعه في الناس.\nوالمستدرك (٢/ ١٥٩). وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأقره الذهبي.\nوأخرجه النسائي موقوفًا أيضًا. قال ابن حجر: والذي وصله ثقة أ. هـ. وهو حديث صحيح.=","vol":"1","page":534},{"text":"\"من شهر سيفهُ ثم وضعه فدمه هدرٌ\".\n٥٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"من حمل علينا السلاح فليس منا\".\n٥٤٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: \"إنه لم يكن نبيٌّ قبلي، إلا كان حقًا عليه أن يدُلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم وإن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيبُ آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنةٌ فيزلقُ بعضها بعضًا، وتجيء الفتنةُ، فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنةُ فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يُزحزح عن النار، ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخرُ ينازعه فاضربوا عُنق الآخر\".\n٥٤١ - * روى البخاري عن سعيد بن جبير ﵀ قال: خرج علينا عبد الله بن عمر ﵁، فرجونا أن يُحدثنا حديثًا حسنًا، فبادرنا إليه رجل يقال له: حكيم، فقال: يا أبا عبد الرحمن، حدثنا عن القتال في الفتنة وعن قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] قال: وهل تدري ما الفتنة؟ ثكلتك أمك، إنما كان محمدٌ ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك.\n_________\n= (ثم وضعه): أي من قاتل به، ويقال: وضع الشيء من يده: إذا ألقاه فكأنه ألقاه في الضريبة.\n(فدمه هدر): باطل ليس فيه قود ولا عقلٌ. أي لم يُدرك بثأره.\n٥٣٩ - البخاري (١٣/ ٢٣) ٩٢ - كتاب الفتن ٧ - باب قول النبي ﷺ: \"من حمل علينا السلاح فليس منا\".\nومسلم (١/ ٩٨) ١ - كتاب الإيمان ٤٢ - باب قول النبي ﷺ \"من حمل علينا السلاح فليس منا\".\n٥٤٠ - مسلم (٣/ ١٤٧٢) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٠ - باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول.\nوالنسائي (٧/ ١٥٢) ٢٩ - كتاب البيعة ٢٤ - باب البيعة فيما يستطيع الإنسان.\n(فيزلق): أزلفتُ بعضها بعضًا: دفع بعضها بعضًا، كأن الثانية تزحم الأولى، لسرعة ورودها عليها، ويزلق بعضها بعضًا: يعجلها، والإزلاق: الإعجال، في هذا الحديث إخبار من النبي ﷺ بما لم يكن، وهو في علم الله أمر كائن.\n٥٤١ - البخاري (١٣/ ٤٥) ٩٢ - كتاب الفتن ١٦ - باب قول النبي ﷺ \"الفتنة من قبل المشرق\".","vol":"1","page":535},{"text":"أقول: يفهم من الأثر أن المشاركة في القتال على الملك المجرد دون ملحظ ديني أخروي هو من الفتن كما بيَّن لنا الحديث معنى الفتنة في الآية: وهي أن يفتن الكافرون المؤمنين عن دينهم ليجعلوهم يرتدون.\n٥٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع: \"استنصت لي الناس\" ثم قال: \"لا ترجعوا بعدي كُفارًا، يضربُ بعضُكم رقاب بعضٍ\".\n٥٤٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباسٍ ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ\".\n٥٤٤ - * روى النسائي عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضربُ بعضكم رقاب بعضٍ، ولا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا جريرة أخيه\". وفي أخرى: \"لا ترجعوا بعدي ضُلالًا، يضربُ بعضكم رقاب بعضٍ\".\n٥٤٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ\n_________\n٥٤٢ - البخاري (١٣/ ٢٦) ٩٢ - كتاب الفتن ٨ - باب قول النبي ﷺ: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا ... \" إلخ.\nومسلم (١/ ٨١) ١ - كتاب الإيمان ٢٩ - باب بيان معنى قول النبي ﷺ \"لا ترجعوا بعدي كفارًا ... \" إلخ.\nوالنسائي (٧/ ١٣٧) ٢٧ - كتاب تحريم الدم ٢٩ - باب تحريم القتل.\n(استنصت القوم): إذا قلت لهم: أنصتا، أي: اسكتوا لتستبعوا.\n٥٤٣ - الترمذي (٤/ ٤٨٦) ٣٤ - كتاب الفتن ٢٨ - باب ما جاء لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض.\nوقال: حسن صحيح.\nلا ترجعوا بعدي كُفارًا: قال الخابي: له تأويلان، أحدهما: أنه أراد بالكفر: المتكفرين في السلاح، أي: المستترين فيه، وأصل الكفر: الستر. وقيل: معناه: لا ترجعوا بعدي فرقًا مختلفة يقتل بعضكم بعضًا، فتشبهون الكفار، يريد أن الكفار يقتل بعضهم بعضًا لعداوتهم، بخلاف المسلمين فإنهم مأمورون بحقن دمائهم، وأن لا يقتل بعضهم بعضًا.\n٥٤٤ - النسائي (٧/ ١٢٦) ٢٧ - كتاب تحريم الدم ٢٩ - باب تحريم القتل. وهو حديث صحيح.\n(بجريرة) الجريرة: الجناية والذنب الذي يفعله الإنسان فيطالب به.\n٥٤٥ - الترمذي (٤/ ٥٢٣) ٣٤ - كتاب الفتن ٦٩ - باب حدثنا محمد بن بشار ... إلخ. وقال: حسن صحيح غريب.\nوالنسائي (٧/ ١٩٥) ٤٢ - كتاب الصيد ٢٤ - باب اتباع الصيد.","vol":"1","page":536},{"text":"قال: \"من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن\".\nوعند أبي داود (١): \"ومن أتى السلطان افتتن\".\nوفي أخرى [من حديث أبي هريرة] (٢): \"ومن لزم السلطان افتتن، وما ازداد عبدٌ من السلطان دُنوًا إلا ازداد من الله بُعدًا\".\n٥٤٦ - * روى مسلم عن معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"العبادةُ في الهرج كهجرةٍ إليَّ\".\n٥٤٧ - * روى ابن ماجه عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: \"من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة عبدٌ أذهب آخرته بدنيا غيره.\n٥٤٨ - * روى مسلم وابن ماجه واللفظ له عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"زُويت لي الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها. وأُعطيتُ\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ١١١) كتاب الصيد- باب في اتباع الصيد.\n(٢) أبو داود في نفس الموضع.\nقال محقق الجامع: وإسناده ضعيف ومع ذلك فقد قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقال المناوي \"في فيض القدير\" له عند البزار سند حسن.\n٥٤٦ - مسلم (٤/ ٢٢٦٨) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة ٢٦ - باب فضل العبادة في الهرج.\nوالترمذي (٤/ ٤٨٩) ٣٤ - كتاب الفتن ٣١ - باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه. وقال: حسن صحيح.\n٥٤٧ - ابن ماجه (٢/ ١٣١٢) ٣٦ - كتاب الفتن ١١ - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما.\nقال في الزوائد: هذا إسناد حسن.\n٥٤٨ - مسلم (٤/ ٢٣١٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة ٥ - باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض.\nوأبو داود (٤/ ٩٧) كتاب الفتن - باب ذكر الفتن ودلائلها.\nوالترمذي (٤/ ٤٧٢) ٣٤ - كتاب الفتن ١٤ - باب ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثًا في أمته. وقال: حسن صحيح.\nوابن ماجه (٣/ ١٣٠٤) ٣٦ - كتاب الفتن ٩ - باب ما يكون من الفتن.\nومسند أحمد (٥/ ٢٧٨).\n(زويت): أي جمعت وضم بعضها إلى بعض.\n(مشارقها): أي البلاد المشرقة منها، وكذا مغاربها.\n(وأعطيت): على بناء المفعول. وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح الخزائن المفتوحة على الأمة. ... =","vol":"1","page":537},{"text":"الكنزين: الأصفر (أو الأحمر) والأبيض (يعني الذهب والفضة) وقيل لي: إن مُلكك إلى حيثُ زُوي لك. وإني سألت الله ﷿ ثلاثًا: أن لا يُسلط على أمتي جوعًا فيهلكهم به عامةٌ. وأن لا يلبسهم شيعًا ويُذيق بعضهم بأس بعضٍ. وإنه قيل لي: إذا قضيتُ قضاءٌ، فلا مردَّ له. وإني لن أُسلط على أمتك جوعًا فيهلكهم فيه. ولن أجمع عليهم من بين أقطارها، حتى يُفني بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا. وإذا وُضع السيف في أمتي، فلن يُرفع عنهم إلى يوم القايمة. وإن مما أتخوف على أمتي أئمة مُضلين. وستعبدُ قبائل من أمتي الأوثان. وستلحقُ قبائل من أمتي بالمشركين. وإن بين يدي الساعة دجالين كذابين. قريبًا من ثلاثين. كلهم يزعم أنه نبي. ولن تزال طائفةٌ من أمتي على الحق منصورين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، ﷿\".\nقال أبو الحسن: لما فرغ أبو عبد الله من هذا الحديث، قال: ما أهوله!!\n٥٤٩ - * روى الإمام أحمد عن أم حبيبة عن النبي ﷺ أنه قال: \"رأيتُ ما تلقى أمتي بعدي وسفك بعضهم [دماء بعض] وسبق ذلك من الله ﷿ كما سبق في الأمم قبلهم فسألته أن يوليني شفاعةً يوم القيامة فيهم ففعل\".\n٥٥٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: \"سألتُ ربي\n_________\n= (الأصفر): وفي بعض النسخ الأحمر، والمراد الذهب.\n(والأبيض): أي الفضة.\n(به): أي بالجوع. (عامة) أي حال كون الجوع سنة عامة، أي شاملة لكل الأمة.\n(وأن لا يلبسهم): لا يخلطهم.\n(ويذيق بعضهم بأس بعض): بالمحاربة: أي لا يجمعهم متحاربين.\n(وإذا وضع السيف في أمتي): أي إذا ظهرت الحرب بينهم تبقى إلى يوم القيامة.\n٥٤٩ - مسند أحمد (٦/ ٤٢٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٢٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح.\n٥٥٠ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٢). وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.\nورواه البزار (٤/ ١٠٠). إلا انه قال: سألت ربي ثلاثًا.\nوللحديث شواهد أخرى بألفاظ مختلفة.","vol":"1","page":538},{"text":"لأمتي أربع خلالٍ فمنعني واحدةً وأعطاني ثلاثًا؛ سألته أن لا تكفُر أمتي صفةٌ واحدةٌ فأعطانيها، وسألته أن لا يُسلط عليهم عدوًا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يُعذبهم بما عذَّب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها\".\n٥٥١ - * روى أبو يعلى عن عامر الشعبي قال: لما قاتل مروانُ الضحاك بن قيسٍ أرسل إلى أيمن بن خُريم الأسدي فقال: إنا نحبُ أن تُقاتل معنا فقال: إن أبي وعمي شهدا بدرًا فعهدا إليَّ أن لا أقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله فإنجئتني ببراءة من النار قاتلتُ معك. فقال: اذهب. ووقع فيه وسبه فأنشأ أيمنُ يقول:\nولستُ مقاتلًا رجلًا يُصلي ... على سلطان آخر من قريشٍ\nأقاتلُ مسلمًا في غير شيءٍ ... فليس بنافعي ما عشتُ عيشي\nله سُلطانه وعليَّ إثمي ... معاذ الله من جهلٍ وطيشٍ\nوفي رواية الطبراني أنه قال: لستُ أقاتلُ رجلًا يصلي. وقال: معاذ الله من فشلٍ وطيش، وقال: أأقتل مسلمًا في غير جُرم.\n٥٥٢ - * روى الطبراني عن عصمة بن قيس السُّلمي صاحب رسول الله ﷺ أنه كان يتعوذُ من فتنة المشرق، قيل له: فكيف فتنة المغرب؟ قال: \"تلك أعظمُ وأعظمُ\".\nوفي رواية عنده أيضًا (١) أنه كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب.\nلقد كان بدء دعوة العبيديين من الباطنية في المغرب العربي ثم اكتسحوا مصر فالشام فغيرهما من البلدان فترة من الزمان ونشروا ضلالتهم.\nفهل المراد بهذه الفتنة فتنة المغرب؟ أو المراد ما هو أوسع من ذلك مما نراه في عصرنا\n_________\n٥٥١ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٩٦). وقال: رجال أبي يعلى رجال الصحيح غير زكريا بن يحيى رحمويه وهو ثقة.\n٥٥٢ - المعجم الكبير (١٧/ ١٨٧).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٢٠). وقال: رجاله ثقات.\n(١) المصدران السابقان: نفس الموضع.","vol":"1","page":539},{"text":"من تأثر بالفكر الغربي حتى ارتد بذلك خلق كثيرون؟\n٥٥٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن محمد بن مسلمة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا رأيت الناس يقتتلون على الدنيا فاعمد بسيفك على اعظم صخرة في الحرة فاضربه بها حتى ينكسر ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يدٌ خاطئةٌ أو منيةٌ قاضيةٌ\" ففعلت ما أمرني به رسول الله ﷺ.\n٥٥٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ أعطى محمد بن مسلمة سيفًا، فقال: \"قاتل المشركين ما قُوتلوا فإذا رأيت سيفين اختلفا بين المسلمين فاضرب حتى ينثلم واقعد في بيتك حتى تأتيك منيةٌ قاضيةٌ أو يد خاطئةٌ\" ثم أتيت ابن عمر فحذا لي على مثاله عن النبي ﷺ.\n٥٥٥ - * روى الإمام أحمد عن أبي عمران قال؛ قلت لجُندبٍ: إني قد بايعت هؤلاء- يعني ابن الزبير- وإنهم يريدون أن أخرج معهم إلى الشام. فقال: أمسكْ. فقلت: إنهم يأبون. قال: اقتد بمالك. فقلت: إنهم يأبون إلا أن أضرب معهم بالسيف. فقال جُندبٌ: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ قال: \"يجيء المقتولُ بقاتله يوم القيامة فيقول يارب سل هذا فيم قتلني\" قال شُعبة وأحسبه قال: على ما قتلته؟ فيقول قتلتُه على مُلكِ فلان\" قال؛ فقال جندب: فاتقها.\nأقول:\nابن الزبير هو الخليفة الراشد، والقتال معه كان هدى وصوابًا إلا أن الأمر كان ملتبسًا، ولذلك اعتبره جندب قتالًا على المُلك وهو قتال ينأى المسلم عن المشاركة فيه إلا لملحظٍ\n_________\n٥٥٣ - مجمع الزوائد (٧/ ٣٠٠). وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.\n٥٥٤ - المعجم الكبير (١٢/ ٢٣٠).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٠١). وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n٥٥٥ - مسند أحمد (٥/ ٣٦٧).\nالمعجم الكبير (٢/ ١٦٤).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٩٤). وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":540},{"text":"ديني أخروي.\n٥٥٦ - * روى مسلم عن عرفجة ﵁؛ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"ستكون هَناتٌ وَهَناتٌ، فمن أراد أن يُفرق أمر هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان\".\nوفي رواية (١): \"فاقتلوه\".\nوفي رواية أبي داود (٢): \"وهناتٌ\" مرةً أخرى.\nورواه النسائي (٣)، وله في أخرى قالت: رأيت النبي ﷺ على المنبر يخطب الناس، فقال: \"إنها ستكونُ بعدي هناتٌ وَهناتٌ، فمن رأيتموه فارق الجماعة - أو يريد أن يُفرق أمة محمدٍ - كائنًا من كان فاقتلوه، فإن يد الله على الجماعة، والشيطانُ مع من فارق الجماعة يركُضُ\".\n٥٥٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"يُهلك أمتي هذا الحي من قريشٍ\". قالوأ: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: \"لو أن الناس اعتزلوهم؟ \".\nأقول: وذلك إذا تنافسوا على المُلك للملك.\n٥٥٨ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ،\n_________\n٥٥٦ - مسلم (٢/ ١٤٧٩) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٤ - باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع.\n(١) مسلم: نفس الموضع.\n(٢) أبو داود (٣/ ٢٤٢) كتاب السنة - باب في قتل الخوارج.\n(٣) النسائي (٧/ ٩٢) ٢٧ - كتاب تحريم الدم ٦ - باب قتل من فارق الجماعة.\n(هنات): جمع هنة، وهي الخصلة من الشُرَّ، ولا تقال في الخير.\nقال ابن الأثير: (يد الله على الجماعة): أي سكينته ورحمته مع القوم المتفقين المجتمعين.\n(فإذا تفرقوا واختلفوا): أزال السكينة عنهم وأوقع بأسهم بينهم.\n٥٥٧ - البخاري (٦/ ٦١٢) ٦١ - كتاب المناقب ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nومسلم (٤/ ٢٢٣٦) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة ١٧ - باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة.\n٥٥٨ - ابن ماجه (٢/ ١٣٣٢) ٣٦ - كتاب الفتن ٢٢ - باب العقوبات. =","vol":"1","page":541},{"text":"فقال: \"يا معشر المهاجرين! خمسً إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط، حتى يُعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأجواع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا.\nولم ينقضوا المكيال والميزان؛ إلا أُخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم.\nولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا.\nولم ينقضوا عهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم.\nوما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم\".\n٥٥٩ - * روى أبو داود عن المقداد بن الأسود ﵁، قال: وايمُ الله لقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إن السعيد لمن جُنِّب الفتن\". قالها ثلاثًا \"ولمن ابتلي فصبر\" فواها.\n_________\n= قال في الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به.\nوالمستدرك (٤/ ٥٤٠) وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.\n(إذا ابتليتم): على بناء المفعول: والجزاء محذوف. أي فلا خير. أو: حل بكم من أنواع العذاب الذي يذكر بعده.\n(وأعوذ بالله أن تدركوهن): جملة معترضة.\n(لم تظهر الفاحشة): أي بالقحط.\n(منعوا القطر): أي المطر.\n(عهد الله): هو ما جرى بينهم وبين أهل الحرب.\n٥٥٩ - أبو داود (٤/ ١٠٢) كتاب الفتن- باب في النهي عن السعي في الفتنة. وإسناده صحيح.\n(فواها): واها كلمة يقولها المتأسف على الشيء والمتعجب منه.","vol":"1","page":542},{"text":"٥٦٠ - * روى أحمد عن أبي سنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب وعنده نفر من المهاجرين الأولين، فأرسل عمر إلى سفطٍ أُتي به من قلعةٍ، من العراق فكان فيه خاتم فأخذه بعض بنيه فأدخله في فيه، فانتزعه عمر منه ثم بكى عمر ﵁، فقال له من عنده: لِم تبك وقد فتح الله عليك وأظهرك على عدوك وأقرَّ عينك؟ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله ﷿ بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة\". وأنا أُشفقُ من ذلك.\n٥٦١ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك يُكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر التي تموجُ موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا. قال: أنت، لله أبوك. قال حذيفةُ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تعرضُ الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أشربها نْكِتَ فيه نكتةٌ سوداء؟ وأي قلب أنكرها نْكِتَ فيه نكتةٌ بيضاءُ، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ، ما دامت السمواتُ والأرض، والآخر: أسود مُربادًا، كالكوز مجخيًا، لا يعرفُ معروفًا، ولا يُنكر منكرًا، إلا ما أُشرب من هواه\" قال: وحدثته: أن بينك وبينها بابًا مُغلقًا، يوشك أن يُكسر قال عمر:\n_________\n٥٦٠ - مسند أحمد (١/ ١٦).\nكشف الأستار (٤/ ٢٣٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٦) وقال: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى في الكبير وإسناده حسن.\n٥٦١ - مسلم (١/ ١٢٨) ١ - كتاب الإيمان ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا ... إلخ.\n(كالحصير عودًا عودًا): قال الحميدي: في بعض الروايات \"عَرْضَ الحصير\" والمعنى فيهما: أنه تحيط بالقول كالمحصور المحبوس، يقال: حصره القوم: إذا أحاطوا به، وضيَّقوا عليه. قال: وقال الليث: حصر الجنب: عرق يمتد معترضًا على الجنب إلى ناحية البطن، شبه إحاطتها بالقلب بإحاة هذا العرق بالبطن، وقوله \"عودًا عودًا\" أي مرة بعد مرة، تقول: عاد يعودُ عودةً وعودًا.\n(أشربها): أشرب القلب هذا الأمر: إذا دخل فيه وقبِلَهُ وسكن إليه، كأنه قد شربه.\n(نْكِتَ فيه نكتة سوداء): أي أثر فيه أثر أسود، وهو دليل السخط ولذلك قال في حالة الرضا: نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين، أي على قسمين. =","vol":"1","page":543},{"text":"أكثرًا؟ لا أبالك، فلو أنه فُتحَ؟ لعله كان يُعاد. قال: لا، بل يُكسرُ. وحدثته أن ذلك الباب رجلٌ يقتلُ أو يموت، حديثًا ليس بالأغاليط. قال ربعي: فقلت: يا أبا مالك- هو سعد بن طارق- ما أسود مربادًا؟ قال: شدةُ البياض في سوادٍ. قلت: فما الكوزُ مُجخيًا؟ قال: منكوسًا.\nقال النووي: قوله \"فتنة الرجل في أهله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة\" قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار. قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء. قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتونا إذا وقع في الفتنة وتحول من حال حسنة إلى سيئة، وفتنة الرجل في أهله وماله وولده ضروب من فرط محبته لهم وشحه عليهم وشغله بهم عن كثير من الخير كما قال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم فإنه راع لهم ومسئول عن رعيته، وكذلك فتنة الرجل في جاره من هذا. فهذه كلها فتن تقتضي المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وقوله (التي تموج كما يموج البحر) أي تضطرب ويدفع بعضها بعضًا، وشبهها بموج البحر لشدة عظمها وكثرة شيوعها. وقوله (فأسكت القوم) هو بقطع الهمزة المفتوحة، قال جمهور أهل اللغة: سكت وأسكت لغتان بمعنى صمت. وقال الأصمعي: سكت صمت وأسكت أطرق. وإنما سكت القوم لأنهمن لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة وإنما حفظوا النوع الأول. وقوله: (لله أبوك) كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، ولهذا يقال: بيت الله وناقة الله. قال صاحب التحرير: فإذا وجد من الولد ما يحمد قيل له لله أبوك حيث أتى بمثلك أ. هـ النووي.\nقال النووي: أما الرجل الذي يقتل فقد جاء مبينًا في الصحيح أنه عمر بن الخطاب ﵁، وقوله: \"يقتل أو يموت\": يحتمل أن يكون حذيفة ﵁ سمعه\n_________\n= (مربادًا): المرباد والمربد: الذي في لونه رُبدة، وهي بين السواد والغُبرة.\n(كالكوز مجخيًا): المجخي المائل عن الاستقامة والاعتدال ها هنا، وجخي الرجل في جلوسه: إذا جلس متوفرًا.\nوجخي في صلاته: إذا جافى عضديه عن جوفه ورفع جوفه عن الأرض وخوى.","vol":"1","page":544},{"text":"من النبي ﷺ هكذا على الشك والمراد به الإبهام على حذيفة وغيره، ويحتمل أن يكون حذيفة علم أنه يقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر رض يالله عنه بالقتل، فإن عمر ﵁ كان يعلم أنه هو الباب كما جاء مبينًا في الصحيح أن عمر كان يعلم من الباب كما يعلم أن قبل غد الليلة، فأتى حذيفة ﵁ بكلام يحصل منه الغرض، مع أنه ليس إخبارًا لعمر بأنه يقتل. وأما قوله (حديثًا ليس بالأغاليط) فهي جمع أغلوطة وهي التي يغالط بها، فمعناه حدثته حديثًا صدقًا محققًا ليس هو من صحف الكتابيين ولا من اجتهاد ذي رأي بل من حديث النبي ﷺ. والحاصل أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر ﵁، وهو الباب فما دام حيًا لا تدخل الفتن فإذا مات دخلت الفتن وكذا كان والله أعلم. أهـ النووي.\n٥٦٢ - * روى مسلمٌ عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه: فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظم فتنةٌ، يجيءُ أحدهم، فيقول: فعلتُ كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئًا، ثم يجيء أحدهم، فيقول: ما تركته حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته. فيدنيه منه، ويلتزمه، يقول: نِعم أنت\".\n٥٦٣ - * روى الترمذي عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: \"يكونُ في آخر الزمان رجالٌ يختِلُون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جُلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: أبي يغترون، أم عليَّ يجترئون؟ فبي حلفتُ، لأبعثن على أولئك منهم فتنةٌ تدعُ الحليم حيران\".\n_________\n٥٦٢ - مسلم (٤/ ٢١٦٧) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ١٦ - باب تحريش الشيطان ... إلخ.\nقال النووي:\n(العرش): هو سرير الملك، ومعناه أن مركزه البحر ومنه يبعث سراياه في نواحي الأرض.\n(يلتزمه): يضمه إلى نفسه ويعانقه.\n(نعم أنت): هي الموضوعة للمدح، فيمدحه لإعجابه بصنعه وبلوغه الغاية التي أرادها.\n٥٦٣ - الترمذي (٤/ ٦٠٤) ٣٧ - كتاب الزهد ٥٩ - باب حدثنا سويد ... إلخ.","vol":"1","page":545},{"text":"ورواية ابن عمر أخصرُ من هذه (١)، قال: قال النبي ﷺ: إن الله قال: لقد خلقتُ خلقًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصبر، فبي حلفتُ، لأتيحنهم فتنةً تدعُ الحليم منهم حيران، فبي يغترون، أم عليَّ يجترئون؟ \".\n٥٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنها ستكونُ بعدي أثرةً وأمور تنكرونها\" قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: \"تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم\".\n٥٦٥ - * روى الطبراني عن أبي ثور الحُداني، قال: دفعتُ إلى حذيفة وأبي مسعود في المسجد، وأبو مسعود يقول: والله ما كنتُ أرى أن تزيد على عقبيها ولم يُهرق فيها محجمةً من دم. فقال حذيفةُ: لكن قد علمتُ أنها لتزيدُ على عقبيها وأنه يُهراق فيها محجمةٌ من دم، إن الرجل ليصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا فينُكسُ قلبه فتعلوه استه، يقاتل في الفتنة اليوم ويقتله الله غدًا فقال أبو مسعودٍ: صدقت، هكذا حدثنا رسول الله ﷺ في الفتنة.\nأقول:\nمن هذا الحوار الذي جرى بين صحابيين ندرك أن الشيء الذي يتصور أنه لن يكون له عاقبة سيئة قد تكون له عواقب وخيمة. فما حدث بسبب مقتل عثمان ﵁ ترك آثاره في الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة، وهذا يدعونا للتبصر في كل خطوة عامة وفي كل\n_________\n(١) الترمذي في الموضع السابق. وقال: حسن غريب. وهو حديث حسن.\n٥٦٤ - البخاري (٦/ ٦١٢) ٦١ - كتاب المناقب ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\nومسلم (٣/ ١٤٧٢) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٠ - باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول.\nوالترمذي (٤/ ٤٨٢) ٢٤ - كتاب الفتن ٢٥ - باب في الآثرة وما جاء فيه. وقال: حسن صحيح.\n(أثرة): الأثرة: اسم، من أثر به يؤثر إيثارًا: إذا سمح به لغيره وفضله على نفسه، والمراد: إنكم ستجدون بعدي قومًا يُفضلون أنفسهم عليكم في الفيء ونحوه.\n٥٦٥ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٣). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أبي ثور وهو ثقة. أ. هـ. وقال في التقريب: مقبول.","vol":"1","page":546},{"text":"موقف عام.\nولذلك وحتى يبقى راسخًا في الأذهان أنه لا عجب فيما نراه ولنتأنى في مواقفنا العامة ختمنا الحديث عن الفتن بهذا الحديث والذي بعده.\n٥٦٦ - * روى ابن ماجه عن معاوية قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"لم يبق من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنةٌ\".\n* * *","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>التعقيب </span>(١)\nإن النصوص التي تتحدث عن الفتن كثيرة، وهي تتحدث عن أنواع من الفتن، وترسم للمسلم الطريق الأرقى لمواجهة كل نوع من الفتن، وكثيرون من الناس لا يعرفون أن يضعوا النصوص في مواضعها ولا أن يحددوا الطريق فيما يواجههم من فتن، وذلك أن بعض النصوص في الفتن تكاد تكون فتوى تنطبق على حالة فردية أو على مرحلة، أو على توافر شروط قد لا يحسن الإنسان تقدير وجودها، ثم إن النصوص الواردةفي الفتن لا بد أن تفهم على ضوء النصوص الأخرى التي تتحدث عن واجبات عينية أو كفائية لا يسع المسلم ولا المسلمين إلا أن يقيموها أو يعملوها بالقدر المتاح الممكن المناسب، وعلى هذا فإنه لا بد من تحديد الفتن وموقف المسلم منها: فهناك فتنة الكافرين للمسلمين في دينهم بالتعذيب فهذه يسع المسلم فيها أن يأخذ بالرخصة التي تنجيه، والأفضل في حقه أن يصبر حتى يستشهد، وهناك فتنة الكافرين للمسلمين من خلال الكينونة مع الكافرين بأن تسري للمسلم أو لذريته أخلاق الكافرين -وفقهاء المسلمين قالوا: حيثما خاف المسلم على دينه أو على دين من يرعاهم فقد وجبت عليه الهجرة، وفقهاء الحنفية يوجبون الهجرة من دار الحرب والبغي أو البدعة أو الردة في كل حال، وفقهاء الشافعية يستحبون للمسلم أن يقيم في مثل هذه البلدان إذا كان بإمكانه أن يحافظ على دينه ودين أهله، ويعتبرون إقامتهم عندئذٍ نوع جهاد، لأنه حيث أقام توجد دار صغيرة للإسلام.\nوهناك فتنة القلوب التي هي أثر عن وساوس الشيطان وهواجس النفس وسماع ما يفتن ومواجهة مواقف تفتن القلب، فهذه حكم الإسلام فيها أن يجاهد الإنسان هذه الفتن وأن يردها قلبه.\nوهناك الفتن التي يثيرها البغاة ضد الخليفة الراشد بغير حق، فهذه ينبغي أن يكون المسلم فيها مع الخليفة الراشد، وإذا استنفره لقتال استنفر، وأما إذا خرج على الإمام الحق بالحق، فإن على الإمام أن يرجع إلى الحق، وعلى المسلمين واجب نصحه واعتزال القتال،\n_________\n٥٦٦ - ابن ماجه (٢/ ١٣٣٩) ٣٦ - كتاب الفتن ٢٤ - باب شدة الزمان.\nقال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.","vol":"1","page":548},{"text":"وههنا تكون موازنات تحتاج إلى فتوى بصيرة من أهلها، كأن يكون للإمام اجتهاد يعذر به، أو يكون البغاة يرفعون كلمة حق يراد بها باطل، أو كان الخارجون لو نجحوا تردَّت إلى ما هو أسوأ إلى غير ذلك من احتمالات تحتاج إلى ترجيح في الموقف من خلال فتوى صحيحة من أهلها.\nوهناك الفتنة التي يتعرض لها المسلم من إمام مسلم ظالم أو من سلطان مسلم ظالم، فهذه يجوز للمسلم فيها أن يصبر ويجوز أن ينصح، وفي حالة ظلم الحاكمين وفسوقهم، فإن كان بالإمكان عزلهم دون أن يترتب على ذلك شر أكبر من وجودهم فللمسلمين عزلهم، وغلا جاز لهم الصبر وندبوا إلى الأمر بالمعروف والنصيحة. وهناك الفتنة التي يسيطر فيها أهل الكفر على المسلمين، فهذه يفترض فرضًا عينيًا على المسلمين أن يواجهوها إذا توافرت شروط ذلك فإن لم تتوافر الشروط لا يأثم من لم يباشر القتال، وعلى المسلمين أن يعملوا بالوسائل الصحيحة للخلاص من الكفر، فإذا لم يجد المسلم إمكانية ولم يجد وسائل صحيحة توصل إلى المطلوب ولم يكن بإمكانه أن يفعل شيئًا، صح له أن يعتزل، أما إذا وجد المسلم من يتعاون معه على خير دون أن يترتب وقوع في إثم بسبب آخر غير التعاون على الخير، فإن المطلوب منه أن يضع يده بيد المسلمين الذين يساعدون على إقامة الخير، ويفهم بعضهم من الأمر الوارد في حديث حذيفة \"فاعتزل تلك الفرق كلها\" على أن المراد به أن يعتزل العاملين بالحق ممن تنطبق عليهم أوصاف الطائفة المذكورة بالنصوص، وهذا خطأ كبير، فالمراد اعتزال فرق الضلالة لا اعتزال أهل الحق فيد الله مع الجماعة.\nوهناك الفتن التي هي أثر عن صراع بين مسلمين على حكم، فهذه يتجنب المسلم خوضها إلا إذا أكره، فنيته تشفع له عند الله.\nوههنا قد توجد موازنات فقهية من أهلها ترجح شيئًا، وعندئذٍ يسع المسلم أن تكون له مشاركة أو لا.\nوهناك فتنة العصبيات التي لا يتبين فيها وجه الحق فهذه يعتزلها المسلم.\nوهناك الفتنة التي هي أثر عن فوضى شاملة، فهذه يفر منها المسلم إذا استطاع، ويعتزلها ما أمكن، ويهاجر إن تيسر له.","vol":"1","page":549},{"text":"وهناك الابتلاءات التي يبتلي الله ﷿ بها عبده في الموقع الذي هو فيه، من تعامل مع جار أو زوجة أو ولد أو زميل مهنة، فهذه أدبه فيها إقامة حكم الله.\nوهناك الفتنة التي هي أثر عن أمراض نفسية يكثر فيها القيل والقال، وقد يصل فيها الأمر إلى قتال، فهذه يعتزلها المسلم ويقبل على إخوانه الذين تجمعهم وإياه أخوة خالصة في الله، وإن كان عالمًا أقبل على العلم والتعليم وتلقين الحكمة وتزكية الأنفس.\nوهناك فتنة الدنيا التي تصرف المسلم عن الآخرة وأعمالها، فواجب المسلم في هذا الشأن أن لا تصرفه الدنيا عن إقامة واجب، وعليه أن يحدد عين بصيرته نحو الآخرة.\nوعلى المسلم أن يلاحظ أن الفتن والموقف منها لا يصح أن يعطل به كتاب الله، بل كتاب الله يحكم في الفتن وغيرها، لذلك فقد مرت معنا رواية حذيفة عند أبي داود عن رسول الله ﷺ: أنه كرر عليه ثلاثًا قوله \"تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه\" فكتاب الله لم يترك قضية أصلية أو استثنائية إلا عرف المسلم على الحكم فيها، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فالعمل بالكتاب لا يعطل في أي حال من الأحوال، وإنما يكلف المسلم بالعمل قدر الاستطاعة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) فلا يصح بحجة الفتنة أو العزلة مثلًا أن يعطل الإنسان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو يستطيع ذلك، ولا يصح بحجة الفتن أن يهمل المسلم تربية نفسه وتربية أهله وعياله، ولا يصح بحجة الفتن أن يترك المسلم المطلوبات العينية منه، ومن ذلك فروض العصر وفروض الوقت ما دام يستطيعُ شيئًا من ذلك.\nوالأمر منوط بالاستطاعة، والاستطاعة تحددها الفتوى المبصرة من أهلها، فما من حالة للإنسان إلا ولله فيها حكم يعرفه الراسخون في العلم.\nوبهذا ننهي الباب الأول من هذا القسم، قسم العقائد الإسلامية.\nفإلى الباب الثاني وهو في الإيمان بالغيب.\n* * *\n_________\n(١) النحل: ٨٩.\n(٢) البقرة: ٢٨٦.","vol":"1","page":550},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلاَةُ وَالسّلامُ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ\nرَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ\nراجع هذا القسم ودققه\nفضيلة الشيخ\nعبد الحميد الأحدب\nحفظه الله","vol":"2","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>الباب الثاني\nفي:\nالإيمان بالغيب</span>\nوفيه:\nمقدمة وفصول","vol":"2","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>المقدمة</span>\nجعل الله الإيمان بالغيب أول صفات المتقين ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (١)، وأول ما يدخل في الإيمان بالغيب أركان الإيمان الستة التي وردت في حديث جبريل ﵇: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر\" (٢).\nولكن الإيمان بالغيب أوسع من ذلك، فالغيب يطلق ويراد به ما يقابل الشهادة، أي ما يقابل المحسوس فيدخل في ذلك: الملائكة والجن والجنة والنار، وغير ذلك مما هو مغيب عنا وجاءت النصوص تحدثنا عنه، والغيب يطلق أحيانًا ويراد به ما غاب عنا من أخبار الماضين وأخبرنا الوحي عنه ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (٣)، فقد جاءت هذه الآية في سياق قصة نوح ﵇، وتطلق كلمة الغيب ويراد بها المستقبل ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٤)، فههنا يدخل في كلمة الغيب ما غاب عن العباد من الحاضر والمستقبل وأخبر عنه الله ﷿ رسله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٥)، وعلى هذا فالإيمان بالغيب يدخل فيه ما أخبرنا عنه الوحي من أمور ماضية ومستقبلية، ويدخل فيه ما أخبرنا عنه الوحي من أمور موجودة الآن وهي مغيبة عنا، والإيمان بالغيب هو الفارق الأول والرئيسي بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وهذا هو المقتضى الأول للشهادتين، بل إن الشهادتين هما رمز الاعتراف بالغيب، ولذلك كانت الشهادتان والإيمان بالغيب إجمالًا أول ما يطالب به المسلم، على أنه إذا نظر في هذا المطلوب الأول فإن أول ما يدخل في الطلب هو معرفة الله، وما تتطلبه، لأن كل ما يأتي\n_________\n(١) البقرة: ٢، ٣.\n(٢) البخاري (١/ ١١٤) ٢ - كتاب الإيمان ٣٧ - باب سؤال النبي ﷺ ... الخ عن أبي هريرة بلفظ مغاير. ومسلم في أول صحيحه، من حديث عمر بلفظه.\n(٣) هود: ٤٩.\n(٤) الجن: ٢٦، ٢٧.\n(٥) سبأ: ١٤.","vol":"2","page":561},{"text":"بعد ذلك من إيمان بغيب إلى غيره مبني على معرفة الله.\n* * *\nإن الإيمان بالغيب هو ركن التقوى، وأركان هذا الركن أركان الإيمان الستة التي وردت في حديث جبريل الصحيح، وقد نصت على خمسة منها أكثر من آية، من ذلك ﴿لَيْسَ الْبِرَّ ... وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) (١)، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٣)، وإنما لم يذكر الإيمان بالقدر معها لأنه فرع الإيمان بالله ﷿ كما سنرى، لكنه ذكر في القرآن في أكثر من مكان وفي نصوص السنة متواترًا.\nوالفصول التي سنذكرها ههنا تشمل أركان الإيمان الستة وتشمل بعض ما غاب من العباد، وتشمل بعض ما أخبرنا الله ﷿ عنه من أمور سابقة أو لاحقة أو بعض ما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ من أمور سابقة أو لاحقة، كما سنذكر فصلًا عن القصص التي قصها علينا رسول الله صلى الله ﷺ لأنها من الغيب، والإيمان بها جزء من الإيمان بالغيب.\nولقد فصل القرآن في أمر الغيب تفصيلًا كثيرًا، ولذلك فإن قارئ القرآن يجد أمر الغيب واضحًا، فالحديث عن الله والرسل واليوم الآخر والقدر والجن والموت والخلق كل ذلك نجده مفصلًا في القرآن الكريم، ومن ثم فإن عرضنا لأبحاث الغيب ههنا سيكون مختصرًا؛ لأن غايتنا في هذا الكتاب عرض السنة مع ملاحظة أن روايات السنة المتعلقة بهذه الأمور تأتي في سياقات أبحاث أخرى كالذكر والدعاء؛ ولذلك فسنذكر في كل فصل من فصول هذا الباب الروايات التي هي ألصق بموضوعه تاركين كثيرًا من الروايات لمحلها في سياقاتها.\nويشمل هذا الباب الفصول التالية:\n_________\n(١) البقرة: ١٧٧.\n(٢) البقرة: ٢٨٥.\n(٣) النساء: ١٣٦.","vol":"2","page":562},{"text":"فصول الباب الثاني\nالفصل الأول: في بدء الخلق.\nالفصل الثاني: في معرفة الله والإيمان به.\nالفصل الثالث: في الإيمان بالقدر.\nالفصل الرابع: في الإيمان بالملائكة.\nالفصل الخامس: في الجن والشياطين.\nالصفل السادس: في الإيمان بالكتب.\nالفصل السابع: في الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.\nالفصل الثامن: في القصص النبوي.\nالفصل التاسع: في الإيمان باليوم الآخر.","vol":"2","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>الفصل الأول\nفي:\nبدء الخلق</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص وتلخيص","vol":"2","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>المقدمة</span>\nفي بَدء الخلق جانب غيبي سواء في ذلك أصل نسأة الكون، أو نشأة الحياة على الأرض، أو نشأة الإنسان عليها، أو نشأة بعض المخلوقات الأخرى؛ لأن ذلك لم يشهده الإنسان، ولأن الله ﷿ أخبرنا عن بعض ذلك أو حدثنا عنه رسول الله ﷺ، وهو شيء لم نشهده فدخل في حيز الكلام عن الغيب، هذا مع ملاحظة أن الفكر المجرد يستطيع الوصول إلى أن هذا الكون مخلوقٌ وأن الحياة مخلوقةٌ.\n* * *\nولعل أهم جانب من جوانب الصراع الفكري بين الملحدين والمؤمنين هو إثبات الخلق، فأزلية الكون وإمكانية نشأة الحياة مصادفة هما المرتكزان الرئيسيان للفكر الإلحادي، مع أنه حتى في حالة أن المسالة كذلك- وذلك مستحيل عقلي- فإن الأدلة على وجود الله لا تنحصر في هذا وهذا.\n* * *\nوقد لفت القرآن نظر العقل البشري كثيرًا إلى بدء الخلق وأصل النشأة للوصول إلى الإيمان لاستقرار العلاقة بينهما في الفطرة:\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (١).\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (٢).\n﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣).\n﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ (٤).\n﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (٥).\n_________\n(١) العنكبوت: ١٩.\n(٢) العنكبوت: ٢٠.\n(٣) الأعراف: ١٨٥.\n(٤) الرحمن: ٣.\n(٥) الرحمن: ١٤، ١٥.","vol":"2","page":567},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (١).\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٢).\nولوجود ناس يمارون بالبدهيات ويناقشون بالمحسوسات فضلًا عن المغيبات، وللنزعة الإلحادية في إنكار خلق الله المخلوقات، وهو شيء أخذ أكثر أبعاده في النظرية الماركسية، ولغير ذلك من الحكم، قال الله ﷿ وهو أعلم بما كان ويكون:\n﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٣).\n﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٤).\n* * *\nإن من أهم قوانين العقل السببية، ومن أهم قوانين المادة عدم انفصالهما عن الحركة والطاقة والتغير، والملحدون ينقضون هذا وهذا وهم يزعمون أنهم عقلانيون، وقد فصلنا في هذه الأبحاث في كتابنا \"الله ﷻ\".\nوالنصوص قطعية في أن كل ما سوى الله ﷿ مخلوق، فليس أزليًا إلا الله ﷿، فهو الأول. وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري (٥): \"كان الله ولم يكن قبله شيءٌ\"، وفي حديث آخر (٦): \"أنت الأول فليس قبلك شيءٌ\"، ويكفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ (٧). ومحض العقل يوصل إلى ذلك بشكل قطعي، ومما قاله تعالى في شأن الخلق: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٨).\n_________\n(١) الأنبياء: ٣٠.\n(٢) الأنعام: ١.\n(٣) الكهف: ٥١.\n(٤) الطور: ٣٥، ٣٦.\n(٥) البخاري (١٣/ ٤٠٣) ٩٧ - كتاب التوحيد ٢٢ - باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.\n(٦) مسلم (٤/ ٢٠٨٤) ٤٨ - كتاب الذكر ١٧ - باب ما يقول عند النوم وعند المضجع.\n(٧) الحديد: ٢.\n(٨) هود: ٧.","vol":"2","page":568},{"text":"وليس عندنا نصوص تفصل كيف كان عرشه على الماء، لكن من المعروف أن ذرة الهيدروجين التي تشكل أحد عنصري الماء) (الأوكسجين والهيدروجين) هي أصل الذرات جميعًا فبروتونها واحد وإلكترونها واحد والعناصر ما هي إلا توضعات الإلكترونات والبروتونات في كل عنصر بشكل يختلف عنه في العنصر الآخر.\nوالظاهر من النصوص أنه قد تم خلق العرش- وهو مخلوق غيبي- وتم خلق أصل المادة وهو الماء ثم انفصلت المادة عن بعضها: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (١). فهذه المجرات والأجرام كلها وجدت في هذه المرحلة، ثم بعد ذلك في مرحلة لاحقة وجدت الأرض المحسوسة والسموات السبع المغيبة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢). فالأرض خلقت قبل السموات السبع المغيبة عنا وهي والسموات السبع المغيبة عنا وهي والسموات السبع وجدتا بعد أن انفصلت المادة عن بعضها وعلى هذا نفهم قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (٣). فالأرض خلقت بعد السماء، والسموات السبع خلقت بعد الأرض، ويوم القيامة يعاد الكون كتلة واحدة كما كان: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤). هذا الفهم للنصوص فهم غير متكلف وما سواه فهم متكلف، وهو الذي ينسجم مع استقراءات علماء الكون فالظاهر أن تكون الأرض على ما هي عليه مسبوق بأشياء أخرى وقد بسطنا هذا الموضوع في التفسير.\nوأما نشأة الحياة على الأرض فيبدو أنها متقدمة كثيرًا على نزول أبينا آدم ﵇ فلقد قالت الملائكة لله ﷿ بعد أن أعلمهم بأنه سيجعل في الأرض خليفة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا\n_________\n(١) الأنبياء: ٣٠.\n(٢) فصلت: ٩، ١٠، ١١.\n(٣) النازعات: ٢٧ - ٣٣.\n(٤) الأنبياء: ١٠٤.","vol":"2","page":569},{"text":"مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (١). مما يوحي أنهم شاهدوا إفسادًا في الأرض وسفك دماء من قبل، وقد يكون هذا هو التفسير لرؤية نماذج قديمة لأنواع من الإنسان غير إنساننا الحالي، وذكر الغراب في قصة ابني آدم هابيل وقابيل تحتمل أن يكون وجود الغراب سابقًا على وجود آدم ﵇ وفي حديث عند مسلم وأحمد (٢) \" ... وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة ... \"، وهذا يدل على أن خلق الدواب سبق خلق آدم ﵇ وإنما اضطررنا للتعرض لهذه المعاني ملاحظين معارف عصرنا لتكون هذه المعارف نقاط علام للباحث وحججًا بيد الدارس المختص، وردًا على أنواع من المختصين قد يثيرون تساؤلات. ولننتقل إلى عرض بعض نصوص السنة التي لها علاقة بالخلق:\n_________\n(١) البقرة: ٣٠.\n(٢) مسلم (٤/ ٢١٤٩) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ١٠ - باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇. ومسند أحمد (٢/ ٣٢٧).","vol":"2","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>النصوص</span>\n٥٦٧ - * روى البخاري عن طارق بن شهاب قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه.\nقال الحافظ في الفتح: قوله: حتى دخل أهل الجنة ... هي غاية قوله: أخبرنا، أي: أخبرنا عن مبتدأ الخلق شيئًا بعد شيء إلى أن انتهى الإخبار عن حال الاستقرار في الجنة والنار، ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدأت إلى أن تفنى، إلى أن تبعث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد، وفي تيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم.\n٥٦٨ - * روى البخاري عن عمران بن حصين أن ناسًا من أهل اليمن قالوا: يا رسول الله: جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر: ما كان؟ قال: \"كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء. ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء\".\nأقول: من مباحث العلماء: هل العرش خلق قبل الماء؟ أو الماء خلق قبل العرش؟ وما تفسير بعض النصوص التي تذكر أن شيئًا ما خلق أولًا سوى العرش والماء؟ وقد ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري في شرحه لهذا الحديث فقال:\nقوله: (كان الله ولم يكن شيءٌ غيره) في الرواية الآتية في التوحيد \"ولم يكن شيء قبله\" وفي رواية غير البخاري \"ولم يكن شيء معه\" والقصة متحددة فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى، ولعل راويها أخذها من قوله ﷺ في دعائه في صلاة الليل \"أنت الأول فليس قبلك شيء\" لكن رواية الباب أصرح في العدم، وفيه دلالة على أنه لم يكن\n_________\n٥٦٧ - البخاري (٦/ ٢٨٦) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١ - باب ما جاء في قوله الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.\n٥٦٨ - البخاري (١٣/ ٤٠٣) ٩٧ - كتاب التوحيد ٢٢ - باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.","vol":"2","page":571},{"text":"شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، لأن كل ذلك غير الله تعالى، ويكون قوله \"وكان عرشه على الماء\" معناه أنه خلق الماء سابقًا ثم خلق العرش على الماء، وقد وقع في قصة نافع بن زيد الحميري بلفظ \"كان عرشه على الماء ثم خلق القلم\" فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السموات والأرض وما فيهن\" فصرح بترتيب المخلوقات بعد الماء والعرش. قوله (وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض) هكذا جاءت هذه الأمور الثلاثة معطوفة بالواو، ووقع في الرواية التي في التوحيد \"ثم خلق السموات والأرض\"، ولم يقع بلفظ \"ثم\" إلا في ذكر خلق السموات والأرض. وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا \"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء\" وهذا الحديث يؤيد رواية من روى \"ثم خلق السموات والأرض\" باللفظ الدال على الترتيب. (تنبيه): وقع في بعض الكتب في هذا الحديث \"كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان\"، وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية، وهو مُسلَّمٌ في قوله \"وهو الآن\" إلى آخره، وأما لفظ \"ولا شيء معه\" فراوية الباب بلفظ \"ولا شيء غيره\" بمعناها. ووقع في ترجمة نافع بن زيد الحميري المذكور \"كان الله لا شيء غيره\" بغير واو. قوله (وكان عرشه على الماء) قال الطيبي: هو فصل مستقل لأن القديم من لم يسبقه شيء، ولم يعارضه في الأولية، لكن أشار بقوله \"وكان عرشه على الماء\" إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونها خلقا قبل خلق السموات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء. ومحصل الحديث أن مطلق قوله \"وكان عرشه على الماء\" مقيد بقوله \"ولم يكن شيء غيره\" والمراد بكان في الأول الأزلية وفي الثاني الحدوث بعد العدم. وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا \"إن الماء خلق قبل العرش\" وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة \"إن الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء\" وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا \"أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة\" فيجمع بينه ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق، وأما حديث \"أول","vol":"2","page":572},{"text":"ما خلق الله العقل\" فليس له طريق ثبت، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله والله أعلم. وحكى أبو العلاء الهمداني أن للعلماء قولين في أيهما خلق أولًا: العرش أو القلم؟ قال: والأكثر على سبق خلق العرش، واختار ابن جرير ومن تبعه الثاني، وروى ابن أبي حازم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة خمسمائة عام، فقال للقلم قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقَ وهو على العرش: اكتب، فقال وما أكتب؟ قال علمي في خلقي إلى يوم القيامة. ذكره في تفسير سورة سبحان، وليس فيه سبق خلق القلم على العرش، بل فيه سبق العرش ... قوله (وكتب) أي قدر (في الذكر) أي في محل الذكر أي في اللوح المحفوظ (كل شيء) أي من الكائنات، وفي الحديث جواز السؤال عن مبدأ الأشياء والبحث عن ذلك وجواز عن ذلك وجواز جواب العالم بما يستحضره من ذلك، وعليه الكف إن خشي على السائل ما يدخل على معتقده. وفيه أن جنس الزمان ونوعه حادث، وأن الله أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن، لا عن عجز عن ذلك بل مع القدرة. واستنبط بعضهم من سؤال الأشعريين عن هذه القصة أن الكلام في أصول الدين وحدوث العالم مستمران في ذريتهم حتى ظهر ذلك منهم في أبي الحسن الأشعري، أشار إلى ذلك ابن عساكر\" ا. هـ قول ابن حجر.\nأقول: دل هذا الحديث على أن الكلام عن أصل النشأة من الفقه في الدين، فلقد كان الحديث إجابة على كلامهم: جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟\nوقد رأينا من خلال تحقيق ابن حجر أن العلماء مختلفون على قولين: في أيهما كان أولًا، الماء أو العرش؟ ولا يترتب على هذا الاختلاف عمل.\n٥٦٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: \"خلق الله التربة يوم السبت، وخَلَقَ فيها الجبال يوم الأحدِ، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق\n_________\n٥٦٩ - مسلم (٤/ ٢١٤٩) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم. ١ - باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇.\nوأحمد (٢/ ٣٢٧). والنسائي في التفسير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"2","page":573},{"text":"وآخر ساعةٍ من النهار، فيما بين العصر إلى الدليل\".\nقال محقق الجامع:\n\"قال الحافظ ابن كثير بعد إيراده: ٦/ ٦٩ وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم فيه ابن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعًا، وقد حرر ذلك البيهقي، وقال ابن كثير أيضًا: ٣/ ٤٨٨ وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا. وقال أيضًا ٧/ ٣٢٦: وهو من غرائب الصحيح، وقد علله البخاري في \"التاريخ\" فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة ﵁، عن كعب الأحبار، وهو الأصح. وقال المناوي في \"فيض القدير\": وقال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، لأن الأربعة خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السموات في يومين، وقد سكت عن الحديث النووي في شرح مسلم، وممن صحح الحديث، الشوكاني في \"فتح القدير\" وقد تكلم عليه العلماء من جهة متنه، ورأوا أنه معارض للقرآن، ومن صححه كالشوكاني وغيره، رأوا أنه لا تعارض بينه وبين نص القرآن، فإن القرآن ذكر أن الله تعالى خلق السموات والأرض جميعًا في ستة أيام، وخلق الأرض وحدها في يومين، والحديث إنما بين أن الله تعالى خلق ما في الأرض في سبعة أيام، ويحتمل عند بعض من صححه أن تكون هذه الأيام السبعة غير الأيام الستة التي ذكرها الله تعالى في خلق السموات والأرض، وحينئذ لا تكون معارضة، وإنما الحديث فصل كيفية الخلق على الأرض وحدها، والله تعالى أعلم\" ا. هـ.\nأقول: من المتعارف عليه عند علماء الطبيعة في عصرنا أن الأرض في ابتداء أمرها كانت كتلة نارية ثم أخذت تبرد فظهرت قشرتها شيئًا فشيئًا، وعلى هذا فأول شيءٍ وُجِدَ التربة وبدأت التفاعلات الداخلية والجوية تفعل فعلها فكانت التضاريس والبحار، فتسلسل الأحوال على الأرض بعد خلقها يصدق ما في الرواية سواء كانت هديًا نبويًا أو من روايات","vol":"2","page":574},{"text":"كعب الأحبار. ولكن هل المراد في الرواية أيام كأيامنا متتابعة متعاقبة، أو كأيامنا وبأسمائها غير متتابعة ولكن متعاقبة؟ معارف العصر تؤكد الثاني.\nوعلى هذا التأويل للحديث، وعلى فرض صحته فإنه قوله تعالى في سورة فصلت [١٠]: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يكون محمولًا على أن الله تعالى قد جعل فيها ذلك حكمًا وقد أظهر ذلك فيما بعد.\n٥٧٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"خلق الله آدم ﵇، وطوله ستون ذراعًا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك- نفرٍ من الملائكة- فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم\". قال: \"فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن\".\nوفي رواية (٢). \"خلق آدم على صورته\".\nقال محقق الجامع\nالضمير في \"صورته\": يعود إلى آدم، كما بينته الرواية الأخرى قبل هذه.\nأقول: هل كان طول آدم عندما أهبط إلى الأرض ستين ذراعًا، أو أن ذلك كان طوله وهو في السماء فلما أهبط إلى الأرض نقص طوله ثم تناقص الخلق بعد ذلك، أو أنه هبط إلى الأرض بهذا الطول ثم تناقص طول ذريته شيئًا فشيئًا؟ الظاهر: الثاني. والحفريات تثبت أن الإنسان كان أكبر حجمًا منه الآن وكان يعيش في العادة فترة أطول. والقياس العقلي يقتضي ذلك:\n_________\n٥٧٠ - البخاري (٦/ ٣٦٢) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء، ١ - باب خلق آدم وذريته.\nمسلم (٤/ ٢١٨٣) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١١ - باب يدخل الجنة أقوام، أفئدتهم مثل أفئدة الطير.\n(٢) مسلم: الموضع السابق.","vol":"2","page":575},{"text":"فالأمراض الحالية والمؤثرات على الأحياء والأعصاب بعد تعقيد الحياة البشرية أصبحت أكثر مما كانت عليه، وليس مع النصوص كلام لأحد عند أهل الإيمان واليقين، فأهل اليقين يكفيهم هذا الحديث ويكفيهم قوله تعالى عن نوح: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (١).\nولقد جاءت الحفريات لتزيل الغشاوة عن أبصار الشاكين. فقد ذكر الدكتور حسن زينو وهو اختصاصي جيولوجي في كتابه \"التطور والإنسان\" ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>إنسان هايدلبرغ</span>\n- تقع قرية ماور  Mauer  على بعد ١٠ كلم جنوب غرب هايدلنبرغ، وتتألف المنطقة من الترياسي المغطى أحيانًا بدثار من البليستوسين وبالرمال النهرية القديمة لنهر نكار. وقد عثر في مقلع في هذه الرمال عام ١٩٠٧ م على الفلك السفلي على عمق ٣٤ م تحت سطح الأرض. وتحوي هذه الرمال على كثير من قواقع الرخويات البرية والنهرية وتشير إلى مناخ أكثر قارية من الآن. وتشمل الثدييات الفيل القديم  Elephas antiqus  والكركدن  Rhinoceros ctruscus  وحصانًا انتقاليًا بين الحصان البليوسيني  Eqws Stenosis  والحصان الحالي  Eqws cuballus  وخنزيرًا بريًا وأيلا ويحمورًا ونوعًا من الوعل وبيزونا ودبين مشابهين للدب البليوسيني وكلبًا وأسدًا وهرة وحشية وقندسًا. وتعود هذه الحيوانات إلى البليستوسين السفلي ويعتقد أنه يرتبط بالزمن الدافئ الأول بين تجلد فونتس وميندل. فكه كبير وتاجه عريض وليس له بروز ذقني وفمه إنساني وأسنانه أكبر من الإنسان الحالي، ويوجد اليوم في جامعة هايدلبرغ وقد أطلق عليه شوتنساك  O. Schoetensack  اسم إنسان هايدلبرغ  Homo Heidelbergensis.\n-  عثر كونيفسفالد  Von Koenigswald  من صيدليات الصين في هونغ كونغ بين ١٩٣٤ و١٩٣٩ م على ثلاث أسنان طاحنة بشرية كبيرة مع أسنان أورانج وستفودون  stefodon  وتابير  Tapir  أحد هذه الأسنان البشرية كبير بحيث ينبغي أن يكون فكه\n_________\n(١) العنكبوت: ١٤.","vol":"2","page":576},{"text":"أكبر بمرتين من فك الأورانج الحالي، حجم هذا السن ضعف أسنان الغوريلا وست أمثال الإنسان الحالي.\n- قرر فايدنرايش  Wiedenreich  أنه سن بشري ....\n\nوقد تخيل فايدنرايش شجرة السلالة فافترض أن الإنسان العملاق هذا قد هاجر إلى جاوة ونشأ منه<span data-type=\"title\" id=toc-157> الإنسان الكبير  </span>Meganthropus.\nفالإنسان تسلسل إذا من أشكال عملاقة ذات جمجمة شديدة وبذا تميز تطورنا بالنقص التدريجي في الطول.\nالإنسان الكبير\nأعلن كونيفسفالد عام ١٩٤١ م عن اكتشافه لقطعة من الفك السفلي في طبقات جتيس في جاوة وهي بشرية وفيها سنان ما قبل الرحويان والرحى الأول وقد درسه بعد ذلك:\nF. Weidenreich- Giant early Man from Java and South China (Anth- rop. Papers of the American Museum of Natural History، xl، n.l،.١٩٤٥).\nوتختلف القطعة عن ما عداها بقياساتها الكبيرة إذ يبلغ محيطها في مستوى الحفرة الذقنية ١٣١ مم، في حين لا يتجاوز ذلك في الغوريلا ١١٥ مم وفي الإنسان الصيني وإنسان النياندرتال ٨٠ مم. وكذلك فإن أبعاد الأسنان كبيرة وشكلها بشرية ولا تشابه أي سنجاب بالإضافة إلى غياب الذقن والشكل المتراجع للوراء للقسم المتقدم من الفك، ومما صدم كونيفسفالد انحفاظ الزائدة الصغيرة المسماة عقدة العبقرة  tuberculum genial  في الجانب الداخلي للذقن فكان لدى الإنسان ما يلزم لتحرك اللسان كما في إنسان موجو كرتو وفك هايدلبرغ. وقد أطلق عليها كونيفسفالد اسم الإنسان الكبير الجاوي القديم  Meganthro- pus palaeojavanicus.\nووجد لارسن  K. Larsen  عام ١٩٣٩ م في أفريقيا الشرقية بقايا فك ذي أسنان كبيرة","vol":"2","page":577},{"text":"جدًا لكنها إنسانية وقد وصفها فاينرت  Weinert  عام ١٩٥٠ م ووازنها مع الإنسان الكبير من جاوة حسب كونيفسفالد.\nووجد في سوارتكرانس  Swartkrans  عام ١٩٤٨ - ١٩٥٠ م شبه الإنسان الكبير الأسنان  Paranthropus crassidens  وقد عثر أولا على فكوك ذات أسنان عملاقة ومقاييسها مثل عملاق جاوة حسب كونيفسفالد. ثم عثر على بقايا جمجمة تدل على عضلات مضغ كبيرة. ا. هـ.\nوقد ذكر عباس محمود العقاد في كتابه: \"إبراهيم أبو الأنبياء ﵊\" ما يلي:\n\"وفي متحف أشمول بإنجلترا أسماء الأسر التي حكمت بابل من بعد الطوفان إلى أيام سراجون، وقد جاء في الألواح التي حفظت أسماءها أن الأسرة الأولى تولى منها الملك ثلاثة وعشرون ملكًا وكانت مدة حكمهم جميعًا أربعة وعشرين ألف سنة وخمسمائة وعشر سنوات\" ا. هـ.\nأقول: دلت كلمة الدكتور زينو على أن الإنسان كان في مرحلة أضخم منه الآن، ودلت كلمة العقاد على أن الناس كانوا يعمرون في الماضي كثيرًا، وفي الحديث الشريف الذي مر معنا رد لمزاعم التطوريين: إن الإنسان تطور عن مخلوقات أخرى.\nوقد شرح هذا الحديث ابن حجر في الفتح وكان من كلامه:\n\"خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا\" كذا وقع من هذا الوجه، وعبد الله الراوي عن معمر هو ابن المبارك، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فقال \"خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعًا\" ... والمعنى أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالًا ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته بل خلقه الله رجلًا كاملًا سويًا من أول ما نفخ فيه الروح، ثم عقب ذلك بقوله \"وطوله ستون ذراعًا\" فعاد الضمير أيضًا على آدم، وقيل معنى قوله \"على صورته\" أي لم يشاركه في خلقه أحد، إبطالًا لقول أهل الطبائع. وخص بالذكر تنبيها بالأعلى على الأدنى، والله أعلم ...\nوروى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعًا \"إن الله خلق آدم رجلًا طوالًا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق\". قوله (فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) أي","vol":"2","page":578},{"text":"إن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك. وقال ابن التين: قوله \"فلم يزل الخلق ينقص\" أي كما يزيد الشخص شيئًا فشيئًا، ولا يتبين ذلك فيما الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الأيام تبين، فكذلك هذا الحكم في النقص ... ا. هـ.\nأقول:\nإن كثيرين من الناس يأخذون عن أسفار اليهود تاريخ وجود الإنسان على هذه الأرض، وهي كتب محرفة فيها أغاليط كثيرة، والحفريات الحديثة أثبتت أن النوع الإنساني أقدم بكثير مما ذكرته هذه الأسفار، ونصوص الإسلام ساكتة في هذا الشأن.\nفالتحقيق العلمي في هذه الحالة معتبر، ومع اعتراضنا على أسفار اليهود في ذكر عُمر الإنسان فإننا نعترض على التطوريين الذين يجعلون إنساننا الحالي وليدَ تطورٍ عن أنواع من الإنسان أخرى، ونحن إذ ننكر هذا لا نعترض على وجود مخلوقات شبه إنسانية سبقت أبانا آدم، فليس في نصوص الإسلام ما يمنع، بل في كلام بعض الإسلاميين ما يؤيده، فلقد نقل صاحب السيرة الحلبية شيئًا من ذلك عن بعض المتصوفة: إن آدمنا سبق بآباء كُثْرٍ لأنواع من الإنسان. والمنقول عن بعض أئمة الشيعة أنهم يقولون بمثل ذلك، ولكن المسلمين مجمعون- إلا من لا يُعتد بقوله- على أن أبانا آدم خلق خلقًا مباشرًا من الله ﷿.\n٥٧١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"لما صور الله ﷿ آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنَّه خلق لا يتمالك\".\n٥٧٢ - * روى أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: سمعت رسول الله\n_________\n٥٧١ - مسلم (٤/ ٢٠١٦) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٣١ - باب خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك.\nوأحمد: (٣/ ٢٢٩).\n(يُطيفُ به) أطاف بالشيء: إذا دار به وأحاط بجوانبه.\n(أجوفُ لا يتمالك) شيء أجوف: خالٍ، وإذا وصف الإنسان بالخفة والطيش قيل: لا يتمالك ولا يتماسك.\n٥٧٢ - أحمد (٤/ ٤٠٦).\nوالترمذي (٥/ ٢٠٤) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٣ - باب \"ومن سورة البقرة\".","vol":"2","page":579},{"text":"ﷺ يقول: \"إنَّ الله ﵎ خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمرُ، والأبيضُ والأسودُ، وبين ذلك، والسهلُ والحزنُ، والخبيث والطيبُ\".\nأقول مؤكدًا ما مر سابقًا:\nإن نصوص الكتاب والسنة واضحة وقطعية في أن آدم ﵊ خلق ابتداءً بقدرة الله، فما يقال عن نشأة الإنسان التطورية وأنه نتاج قفزات تطورية حدثت في الأحياء غير صحيح. فآدم خلق على صورته التي فطره الله عليها ابتداء دون واسطة ودون تسلسل، أما التعليل لوجود سلم ارتقاء للمخلوقات واحتمالات أن تكون بعض المخلوقات تولدت عن بعض، ووجود مخلوقات شبيهة بإنساننا الحالي وتعتبر أسبق منه بالوجود فذلك كله له تعليلاته والبحث فيه مفتوح. قال تعالى:\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (١).\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...﴾ (٢).\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).\nإن وجود سلم ارتقاء ليس غريبًا على قدرة الله ﷿ وذلك من مظاهر حكمته ﷻ، سواء كان ذلك من خلال الخلق المباشر أو من خلال توالد وقفزات قديمة، إلا أن أبانا آدم خلق ابتداءً على صورته، وكان ذلك بالخلق المباشر من الله ﷿، ولكن أن تكون هناك مخلوقات تشبه إنساننا الحالي فذلك يتفق مع اتجاهات مذكورة في كتب الإسلاميين قديمًا تقول: إن آدمنا ﵇ هو أول آدم وجد على الأرض، ولكن هذا لا يعني أن آدمنا هو ولادة من إنسان آخر. فالنصوص قطعية في ذلك، ومن عرف أن\n_________\n= وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.\nوأبو داود (٤/ ٢٢٢) كتاب السنة- باب في القدر.\n(١) العنكبوت: ٢٠.\n(٢) العنكبوت: ١٩.\n(٣) الواقعة: ٦٢.","vol":"2","page":580},{"text":"هذا الكون كله مخلوق بقدرة الله لا يستنكر على قدرة الله أن تخلق آدم ابتداءً، والذين يشكون في ذلك عليهم أن يراجعوا أصل أيمانهم.\n٥٧٣ - * روى مسلم عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ \"خُلقت الملائكة من نورٍ، وخُلق الجان من مارج من نارٍ، وخُلق آدم مما وُصِفَ لكم\".\n٥٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَزِ اللحمُ\" وفي رواية \"لم يَخْبُثِ اللحمُ\"- \"ولولا حواء: لم تَخُن أنثى زوجها الدهر\".\nأقول:\nالظاهر من الحديث أنه قبل أن يخزن بنو إسرائيل اللحم عندما كانوا في التيه لم يكن اللحم يخنز، بمعنى أن الجراثيم والبكتيريات المؤثرة في ذلك لم تكن موجودة أو لم تكن مسلطة على اللحم، فلما فعل بنو إسرائيل ذلك عوقبوا كما تعاقب الأقوام المبتعدة عن الفطرة بمزيد من الأمراض كلما زاد البعد عن الفطرة. ولعل عدم تأثر جثث الفراعنة القدماء التي وصلتنا محنطة أنها وضعت في توابيتها وحنطت قبل هذا التسليط على اللحم.\n٥٧٥ - * روى البزار عن أبي موسى رفعه، قال: \"لما أخرج الله آدم من الجنة زوَّده من ثمار الجنة وعلمه صنعةَ كل شيء فثمارُكم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه\n_________\n٥٧٣ - مسلم (٤/ ٢٢٩٤) ٥٣ - كتاب الزهد والرقاق، ١٠ - باب في أحاديث متفرقة، أحمد (٦/ ١٥٣).\nوأحمد (٦، ١٥٣).\n(مارج) المارجُ: لهبُ النار المختلطُ بسوادها.\n٥٧٤ - البخاري (٦/ ٣٦٣) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبيائ ١ - باب خلق آدم وذريته.\nمسلم (٢/ ١٠٩٢) ١٧ - كتاب الرضاع، ١٩ - باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر.\n(خَنِزَ) اللحم يخنز: إذا أنتن وتغيرت ريحه.\n(لم تخن أنثى) خيانة حواء آدم: هي ترك النصيحة له في أمر الشجرة، لا في غيرها.\n٥٧٥ - كشف الأستار (٣/ ١٠٢).\nالهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩٧). وقال: رواه البزار والطبراني ورجاله ثقات.","vol":"2","page":581},{"text":"تَغَيَّرُ وتلك لا تَغَيرُ\".\n٥٧٦ - * روى عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قيل لرسول الله ﷺ: القردة والخنازير؛ هي مما مُسخ؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله لم يهلك قومًا [أو يعذب قومًا] فيجعل لهم نسلًا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك\".\n* * *\n_________\n= والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٣). وقال: صحيح. ووافقه الذهبي.\n٥٧٦ - مسلم (٤/ ٢٠٥١) ٤٦ - كتاب القدر. ٧ - بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر.","vol":"2","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>التلخيص</span>\n- كان الله ولا شيء قبله ولا شيء معه، ثم خلق الماء- والله أعلم على أي هيئة كان بخارية أو سائلة- ثم خلق العرش، ثم خلق القلم وكتب مقادير كل شيء وأقدارها، ثم خلق من الماء هذه السماء بما فيها من مجرات ونجوم وسُدُم، ثم خلق الأرض والمجموعة الشمسية من سديم هذه السدم فيما يبدو، ثم خلق السموات السبع بعد خلقه الأرض وجعل في كل سماء أمرها، ثم هيأ الأرض لسكنى الإنسان وخلق فيها ما خلق، وقبل أن يخلق الإنسان كان قد خلق الملائكة والجن وأنواع الحياة على الأرض، وخلق الجنة والنار ثم خلق أبانا آدم ﵇، ثم أُمنا حواء وكانا في الجنة ثم أهبطهما وإبليس إلى الأرض، وبدأت بذلك الحياة البشرية على الأرض.\n- لا شيء يمنع أن تكون هناك مخلوقات كإنساننا الحالي قبل أبينا آدم ثم انقرضت، ولكن لم تكن أصلًا لجنسنا البشري الحالي.\n- البحث في نشأة الحياة على الأرض وأنواعها وسلم تدرجها كل ذلك مفتوح للبحث، بل مطلوب بنص القرآن فلا حرج فيه ولكن حيثما كان هناك تعليل رباني أو إخبار عن طريق الوحي فهو الفيصل.\n- واكتشافات عصرنا ونظرياته التي قامت عليها أدلة جاءت مؤكدة لنصوص الكتاب والسنة، والكتب في هذا كثيرة، والعلماء غير المغرضين في كل مكان يقدمون بأبحاثهم الأدلة على ذلك.\n* * *","vol":"2","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الفصل الثاني\nفي:\nمعرفة الله والإيمان به</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص وتلخيص وأربعة وصول","vol":"2","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>المقدمة</span>\nالملحدون بالله تعالى في هذا العالم قلة حتى في البلدان التي تسيطر عليها سلطة ملحدة كالاتحاد السوفياتي، لأن الإلحاد يتنافى مع قوانين العقل وأعماق الفطرة، ولذلك كان أكثر الناس مؤمنين بالله ﷿ نوع إيمان. وإنما الاختلاف بين أهل الحق وغيرهم في الصفات أو فيما ينسب لله ﷿ أو فيما يليق به أو لا يليق أو في حقوق الألوهية، ولقد جاء الإسلام ليصحح تصورات البشر وعقائدهم وسلوكهم وكان أكثر ما ركزت عليه الرسالة الإسلامية التعريف على الله ﷿ فأعطتنا هذه الرسالة أصفى وصف وأسمى اعتقاد، اجتمع فيه الحق الخالص الذي يؤيده العقل الراشد والفطرة المستقيمة والعلم الصحيح.\n* * *\nلقد وصف بعض الناس الله ﷿ بما لا يليق بذاته، فزعموا أنه له صاحبه وولدًا، أو أن له شركاء أو أنه لا تدخل له في شؤون الخلق، أو أن الخلق وُجِدَ بدون إرادة منه ﷻ أو أنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات أو أن هذا الكون جزؤه، أو أنه لا حق له في التشريع، وأشياء كثيرة نسبها الخلق لله ﷿ وهو منزه عنها، وجاء الكتاب والسنة فوضعا الأمور في نصابها فلا أرقى ولا أروع:\n﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١).\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).\n﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٣).\n* * *\n_________\n(١) الصافات: ١٥٩، ١٦٠.\n(٢) الصافات: ١٨٠، ١٨١، ١٨٢.\n(٣) النحل: ٦٠.","vol":"2","page":587},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-161>خلاصة ما جاء به الكتاب والسنة:</span>\nأن الله ﷿ موجود يدل على ذلك كل شيء؛ فظواهر الكون آياته التي تدل عليه، والقرآن آياته تدل عليه، ومعجزات الرسل صلى الله عليهم وسلم وكرامات الأولياء آياته التي تدل عليه. وأن الله ﷿ متصف بالحياة والإرادة والقدرة والعلم والسمع والبصر والكلام:\n﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ (١).\n﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢).\n﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٣).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٥).\n﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٦).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٧).\n﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٨).\nوأن الله ﷿ متصف بالصفات العليا ومسمى بالأسماء الحسنى:\n﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (٩).\nوأن هذا الكون خلقه وما يجري فيه أثر مشيئته وقدرته:\n﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٠). ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١١).\n_________\n(١) غافر: ٦٥.\n(٢) يس: ٨٢.\n(٣) الأنعام: ٦١.\n(٤) البقرة: ٢٠.\n(٥) الأحزاب: ٤٠.\n(٦) النساء: ١٦٦.\n(٧) النساء: ١٣٤.\n(٨) التوبة: ٦.\n(٩) الأعراف: ١٨٠.\n(١٠) الزمر: ٦٢.\n(١١) الرحمن: ٢٩.","vol":"2","page":588},{"text":"وأن هذا الكون بما فيه خلقه ابتداء وهو- أي الكون- محتاج إليه لاستمراره:\n﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ (٢).\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣).\nوأن الله ﷿ له صفات الجلال والكمال والجمال:\n﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٤).\n﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٥).\nوأن الله ﷿ متصف بالوحدانية وبالقدم وبالبقاء وبالقيام بالنفس وبالمخالفة للحوادث وذلك مقتضى قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٦) فهو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.\nوهو الصمد الذي يحتاجه الخلق وهو غير محتاج إليهم:\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٧) فهو قائم بنفسه، وغيره قائم به، وهو الأول الذي ليس قبله شيء ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٨) وهو الباقي ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ (٩) ﴿وَالْآخِرُ﴾ (١٠).\nوهو الذي لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١١)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١٢) وهو ﷻ كما وصف ذاته فهو وحده الذي يعلم ذاته وصفاته حق العلم:\n_________\n(١) الفرقان: ٣.\n(٢) فاطر: ٤١.\n(٣) الفاتحة: ٥.\n(٤) النحل: ٦٠.\n(٥) الرحمن: ٢٧.\n(٦) الإخلاص: ١، ٢، ٣، ٤.\n(٧) البقرة: ٢٥٥.\n(٨)، (٩) الإخلاص: ٣.\n(١٠) الحديد: ٣.\n(١١) الإخلاص: ٤.\n(١٢) الشورى: ١١.","vol":"2","page":589},{"text":"﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (١)، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٢).\nوهو ﷻ له الألوهية والمالكية والربوبية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ (٣) ومقتضى ربوبيته ومالكيته وألوهيته أن يقدم له الخلق العبادة والعبودية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤)، ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٥)، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (٦).\nوالعبادة تقتضي القيام بالشعائر، والعبودية تقتضي مع العبادة القيام بالشرائع، ومن ههنا كان لله ﷿ المالكية المطلقة ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٧) ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٨).\nفواجب الخلق الاستسلام لله ﷿ فيما أخبر ونهى وأمر، وذلك هو الإسلام الذي بعث به رسله عليهم الصلاة والسلام وقد حاول المصنفون في العقائد خلال العصور أن يصطلحوا لبعض ما ذكرناه:\nفسموا صفة الوجود للذات الإلهية صفة نفسية.\nوسموا الصفات القائمة بالذات الإلهية الصفات الوجودية أو صفات المعاني وهي الصفات السبع: العلم والإدارة والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام.\nوسموا الصفات التي وردت في سورة الإخلاص وهي التي تميز العقيدة الإسلامية تمييزًا جوهريًا بالصفات السلبية وهي: الوحدانية والقدم والبقاء والقيام بالنفس والمخالفة للحوادث.\nوسموا الأسماء التي هي أثر قدرة الله ﷿ بصفات الفعل كالمعز والمذل والمحيي والمميت.\n_________\n(١) طه: ١١٠.\n(٢) الأنعام: ١٠٣.\n(٣) الناس: ١، ٢، ٣.\n(٤) الذاريات: ٥٦.\n(٥) النساء: ١٧٢.\n(٦) الإسراء: ١.\n(٧) الأعراف: ٥٤.\n(٨) الأنعام: ٥٧.","vol":"2","page":590},{"text":"وسموا الأسماء التي تعبر عن الكمال بصفات الجلال والكمال والجمال:\n﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١) وقوله ﷺ \"إن الله جميل\" أخرجه مسلم والترمذي.\nوأثبتوا لله ﷿ الأسماء الحسني التي سمى بها ذاته، وعرفنا عليها الكتاب والسنة.\nوسموا الصفات التي وردت بها نصوص الكتاب والسنة مما سوى ذلك بالصفات السمعية.\nولا حرج بالاصطلاح إلا إذا أدخل عليه ما يفسده كأن أدى إلى مفسدة أو اقتضى مفسدة.\n* * *\nوليس هناك شيء أهم بالنسبة للإنسان من معرفة الله ﷿ حق المعرفة والإيمان به والتسليم له، لما يترتب على ذلك من آثار دنيوية وأخروية على القلب والعقل والسلوك، لذلك كانت أعظم المعارك الفكرية والعملية وحتى السياسية والعسكرية مرتبطة بموضوع الإيمان بالله، ونقطة البداية في الهداية المعرفة والإيمان، قال ﷻ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٢).\nلذلك ينصب جهد المضلين والشياطين والكفرة والفاسقين والمنافقين على خلخلة هذا الأصل بشكل مباشر أو غير مباشر.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ (٣).\nومن ثم كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله هو المعتصم:\n﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (٤).\n* * *\n_________\n(١) الرحمن: ٢٧.\n(٢) التغابن: ١١.\n(٣) سبأ: ٣٣.\n(٤) البقرة: ٢٥٦.","vol":"2","page":591},{"text":"وهناك معارك كبرى بين أهل الإسلام وبين أهل الأديان والفلسفات حول موضوعات تتعلق بالذات الإلهية، وهناك معارك كبرى بين أهل السنة والجماعة من جهة وبين الفرق المنشفة من جهة أخرى، وهناك معارك بين من يتنازعون على اسم أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع.\n* * *\nومن أهم معارك الإسلام مع أهل الأديان والفلسفات: معركته مع النصرانية ومن واطأها في نسبة الصحابة والولد للذات الإلهية ونفي الأحدية عنه ﷻ، ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الأديان: معركته مع المشركين الذين يشركون مع الله في الألوهية والعبادة حجرًا أو شجرًا أو بشرًا أو مظهرًا، ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الفلسفة: معركته مع القائلين إن الله ﷿ لا يتدخل في شؤون خلقه أو لم يخلق الخلق باختياره أو إنه لا يعلم إلا الكليات، ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الفلسفات: معركته مع القائلين بحرية الإنسان في اتباع أهوائه كالوجوديين أو القائلين أن الله ليست له المالكية على البشر في التكليف والتشريع وهم الذين يسمون بالعلمانيين.\nومن أهم المعارك بين أهل السنة والجماعة وبين الفرق المنشقة في باب الألوهية: معركة أهل السنة والجماعة مع المعتزلة من جهة والمشبهة من جهة أخرى، ومع القائلين بوحدة الوجود كغلاة الصوفية، ومع القائلين بتجسد الإله في البشر كالدروز والإسماعيليين والنصيرية.\n* * *\nونحن هنا سنقتصر على ذكر بعض الأحاديث الشريفة المتعلقة بموضوع الفصل مع ملاحظة أن يندر أن يمر باب في السنة إلا وبعض أحاديثه تتعلق بالذات الإلهية، ثم إن القرآن كله حديث عن الذات الإلهية في المآل لذلك وصفه الله ﷿ بأنه ذكر: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١).\n_________\n(١) ص: ١.","vol":"2","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>النصوص</span>\n٥٧٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّ لله تسعةٌ وتسعين اسمًا، من حفظها دخل الجنة، والله وِتْرٌ يحب الوتر\" وفي رواية: \"من أحصاها\".\nوفي أخرى (١): \"لله تسعةٌ وتسعون اسمًا، مائةً إلا واحدًا، لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة، وهو وترٌ يحب الوتر\". قال البخاري: \"أحصاها: حفظها\"، وفي رواية لمسلم نحوه، وليس فيه ذكر الوتر.\nوفي رواية الترمذي (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا،\n_________\n٥٧٧ - مسلم (٤/ ٢٠٦٣) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢ - باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.\n(١) البخاري (١١/ ٢١٤) ٨٠ - كتاب الدعوات، ٦٨ - باب لله مائة اسم غير واحدة.\nمسلم (٤/ ٢٠٦٣) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢ - باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.\n(٢) الترمذي (٥/ ٥٣٠) ٤٩ - كتاب الدعوات، ٨٣ - باب حدثنا يوسف بن حماد البصري.\nهذه رواية الترمذي بتفصيل الأسماء ولم يُفصلها غيره، وقال: حدثنا به غير واحدٍ عن صفوان بن صالح، ولا نعرفُهُ إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. قال: وقد رُوي هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، لا نعلم في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث.\nقال محقق الجامع:\nوقال الترمذي: وقد روى آدمن بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح، أقول: رواه الترمذي رقم (٣٥٠٢) من حديث صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وقال: حديث غريب. ورواه ابن حبان في صحيحه رقم (٢٣٨٢) موارد الظمآن من طريق صفوان به، وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٨٦١) في الدعاء، باب أسماء الله ﷿، من طريق أخرى عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا بنحو مما تقدم بزيادة ونقصان، قال البوصيري في الزوائد: لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من هذا الوجه ولا غيره، غير ابن ماجه والترمذي مع تقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب، وفي إسناد طريق ابن ماجه ضعف لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني، وقال الحافظ في تخريج الأذكار: وهذان الطريقان يرجعان إلى رواية الأعرج، وفيهما اختلاف شديد في سرد الأسماء، وزيادة ونقص، ووقع سرد الأسماء في رواية ثالثة أخرجها الحاكم في المستدرك وجعفر الغريابي في الذكر من طريق عبد العزيز بن الحصين (يعني ابن الترجمان) عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال الحاكم بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم الطريق التي أخرجه الترمذي بلفظه سواء: أخرجاه في الصحيح بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسماء فيه، ولعله عندهما أن الوليد بن مسلم تفرد بسياقه وبطوله وذكر الأسماء فيه، ولم يذكره غيره لمسلم، نعم أكثرها =","vol":"2","page":593},{"text":"مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآجر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعال، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك المالك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور\".\nقال ابن الأثير:\n(من أحصاها) الإحصاء: العدد والحفظ، والمراد: من حفظها على قلبه، وقيل: المراد: من استخرجها من كتاب الله تعالى، وأحاديث رسوله ﷺ، لأن النبي لم يعدها لهم، ولهذا لم ترد مسرودةً معدودةً من هذه الكتب الستة إلا في كتاب الترمذي، وقيل: المراد: من أخطر بباله عند ذكر معناها، وتفكر في مدلولها: معتبرًا، متدبرًا، ذاكرًا، راغبًا، راهبًا، معظمًا لمسماها، مقدسًا لذات الله تعالى، وبالجملة: ففي كل اسم يخطر\n_________\n= في القرآن، ومنها ما ورد فيه الفعل أو المصدر دون الاسم، ومنها ما ليس في القرآن لا بنفسه ولا بورود فعله كالقديم والجميل ونحوهما. أهـ. وقال ابن كثير في التفسير: والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن كما روى جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبو زيد اللغوي، والله أعلم.\nيقول المحقق: ومع ذلككله فقد ذكر الحديث ابن حبان في صحيحه، وحسَّنه النووي في أذكاره أ. هـ.","vol":"2","page":594},{"text":"بباله الوصف الدال عليه.\n(القدوس): الطاهر من العيوب المنزه عنها.\n(السلام): ذو السلام، أي: الذي سلم من كل عيب وبرئ من كل آفةٍ.\n(المؤمن) الذي يصدق عباده [وعده]، فهو من الإيمان: الصديق، أو يؤمنهم في القيامة منذ عذابه، فهو من الأمان، ضد الخوف.\n(المهيمن) الشهيد، وقيل: الأمين، فأصله مؤتمن، فقُلِبت الهمزة هاءً، وقيل: الرقيب والحافظ.\n(العزيز): الغالب القاهر، والعزة: الغلبة.\n(الجبار): هو الذي أجبر الخلق وقهرهم على ما أراد من أمرٍ أو نهيٍ.\n(المتكبر): المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم، وقيل: إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله تعالى، لا من الكبر الذي هو مذموم.\n(البارئ): هو الذي خَلَق الخلق لا عِن مثالٍ، إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تُستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السموات والأرض.\n(المصور) هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل.\n(الغفار): هو الذي يغفر ذنوب عباده مرةً بعد مرة، وأصل الغَفرِ: الستر والتغطية، فالله غافر لذنوب عباده ساتر لها بترك العقوبة عليها.\n(الفتاح): هو الحاكم بين عباده، يقال: فتح الحاكم بين الخصمين: إذا فصل بينهما، ويقال للحاكم: الفاتح، وقيل: هو الذي يفتحُ أبواب الرزق والرحمة لعباده، والمُنغلق","vol":"2","page":595},{"text":"عليهم من أرزاقه.\nو(الباسط): الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده ورحمته.\nو(القابض): الذي يمسكه عنهم بلطفه، فهو الجامع بين العطاء والمنع.\nو(الخافض): الذي يخفض الجبارين والفراعنة، أي: يضعهم ويهينهم.\nو(الرافع): هو الذي يرفع أولياءه ويعزهم، فهو الجامع بين الإعزاز والإذلال.\n(الحكم): الحاكم، وحقيقته: الذي سلم له الحكم ورد إليه.\n(العدل): هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو من المصادر التي يسمى بها.\n(اللطيف): الذي يوصل إليك أربك في رفقٍ، وقيل: هو الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية.\n(الخبير): العالم العارف بما كان وما يكون.\n(الغفور): من أبنية المبالغة في الغفران.\n(الشكور): الذي يجازي عباده ويثيبهم على أفعالهم الصالحة، فشكر الله لعباده إنما هو مغفرته لهم وقبوله لعبادتهم.\n(الكبير): هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن.\n(المقيت): هو المقتدر، وقيل: هو الذي يعطي أقوات الخلائق.\n(الحسيب): الكافي، هو فعيل بمعنى: مفعل، كأليم بمعنى: مؤلم، وقيل: هو المحاسب.\n(الرقيب): هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.\n(المجيب): الذي يقبل دعاء عباده ويستجيب لهم.\n(الواسع): هو الذي وسع غناه كل فقرٍ، و[وسعت] رحمته كل شيء.","vol":"2","page":596},{"text":"(الودود): فعول بمعنى: مفعول من الود، فالله تعالى مودود، أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعول بمعنى: فاعل، أي: أن الله تعالى يود عباده الصالحين، بمعنى: يرضى عنهم.\n(المجيد): هو الواسع الكرم، وقيل: هو الشريف.\n(الباعث): هو الذي يبعث الخلق بعد الموت يوم القيامة.\n(الشهيد): هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهدٌ وشهيدٌ، كعالمٍ وعليم، أي أنه حاضرٌ يشاهد الأشياء ويراها.\n(الحق): هو المتحقق كونه ووجوده.\n(الوكيل): هو الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته: أنه الذي يستقل بأمر الموكول إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].\n(القوي): القادر، وقيل: التام القدرة والقوة، الذي لا يعجزه شيء.\n(المتين): هو الشديد القوي الذي لا تلحقه في أفعاله مشقةٌ.\n(الولي): الناصر، وقيل: المتولي للأمور القائم بها كولي اليتيم.\n(الحميد): المحمود الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيلٌ بمعنى مفعول.\n(المحصي): هو الذي أحصى كل شيء بعلمه، فلا يفوته شيء من الأشياء، دقَّ أو جلَّ.\n(المبدئ): الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداءٌ.\nو(المعيد): هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات، وبعد الممات إلى الحياة.\n(الواجد): هو الغني الذي لا يفتقر، وهو من الجدة: الغنى.\n(الواحد): هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر، وقيل: هو منقطع القرين والشريك.","vol":"2","page":597},{"text":"(الأحد): الفردُ، والفرق بينه وبين الواحد: أن \"أحدًا\" بُني لنفي ما يُذكرُ معه من العدد، فهو يقع على المذكر والمؤنث، يقال: ما جاءني أحد، أي: ذكر ولا أنثى، وأما \"الواحد\" فإنه وضع لمفتَتِحِ العدد، تقول: جاءني واحدٌ من الناس، ولا تقول فيه: جاءني أحدٌ من الناس، والواحد: بني على انقطاع النظير والمثل، والأحد: نبي على الانفراد والوحدة عن الأصحاب، فالواحد منفردٌ بالذات، والأحد منفرد بالمعنى.\n(الصمد): هو السيد الذي يصمد إليه الخلق في حوائجهم، أي: يقصدونه.\n(المقتدر): مفتعلٌ من القدرة، وهو أبلغ من قادر.\n(المقدم): الذي يقدم الأشياء فيضعها في مواضعها.\n(المؤخر) الذي يؤخرها إلى أماكنها، فمن استحق التقديم قدمه، ومن استحق التأخير أخره.\n(الأول): هو السابق للأشياء كلها. و(الآخر): الباقي.\n(الظاهر): هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلاه.\nو(الباطن): هو المحتجب عن أبصار الخلائق.\n(الوالي): مالك الأشياء، المتصرف فيها.\n(المتعالي): هو المتنزه عن صفات المخلوقين، تعالى أن يوصف بها وجل.\n(البر): هو العطوف على عباده ببره ولطفه.\n(المنتقم): هو المبالغ في العقوبة لمن يشاء.\n(العفو): فعول من العفو، بناء مبالغة، وهو الصفوح عن الذنوب.\n(الرؤوف): هو الرحيم العاطف برأفته على عباده.\n(ذو الجلال): الجلال: مصدر الجليل، تقول: جليلٌ بين الجلالة والجلال.","vol":"2","page":598},{"text":"(المقسط): العادل في حكمه، أقسط الرجل: إذا عدل، فهو مُقسطٌ، وقسط: إذا جار، فهو قاسطٌ.\n(الجامع): هو الذي يجمع الخلائق ليوم الحساب.\n(المانع): هو الناصر الذي يمنع أولياءه أن يؤذيهم أحدٌ.\n(النور): هو الذي يبصر بنوره ذو العماية، ويرشد بهداه ذو الغواية.\n(الوارث): هو الباقي بعد فناء الخلائق.\n(الرشيد): هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى مفعل.\n(الصبور): هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام منهم، بل يؤخر ذلك إلى أجل مسمى، فمعنى الصبور في صفة الله تعالى قريب من معنى الحليم، إلا أن الفرق بين الأمرين: أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور، كما يأمنون منها في صفة الحليم.\n٥٧٨ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁، أن رسول الله ﷺ: سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ، فقال: \"والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى\".\nوفي رواية أبي داود: \"باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب\".\n٥٧٩ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁، أنه كان مع رسول الله ﷺ\n_________\n٥٧٨ - الترمذي (٥/ ٥١٥) ٤٩ - كتاب الدعوات، ٦٤ - باب حدثنا جعفر بن محمد بن عمران. وقال: حسن غريب.\nأبو داود (٢/ ٧٩) كتاب الصلاة- باب الدعاء. وإسناده صحيح.\nوالحديث رواه أيضًا: أحمد (٥/ ٣٤٩)، وابن حبان (موارد الظمآن: ٥٩٢).\n٥٧٩ - أبو داود (٢/ ٧٩) كتاب الصلاة - باب الدعاء.\nوالترمذي (٥/ ٥٥٠) ٤٩ - كتاب الدعوات، ١٠٠ - باب خلق الله مائة رحمة.\nوالنسائي (٣/ ٥٣) ١٣ - كتاب السهو، ٥٨ - باب الدعاء بعد الذكر.","vol":"2","page":599},{"text":"جالسًا، ورجل يصلي، تم دعا الرجل فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، ذوالجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال رسول الله يه لأصحابه: \"أتدرون دعا\"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"والذي نفسى بيده، لقد ذعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى\".\n٥٨٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ينادي منادٍ في النار يا حَنان يا منان\".\n٥٨١ - * روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: \"اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١) وفاتحة سورة آل عمران ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢).\n٥٨٢ - * روى أبو داود عن مخجن بن الأذرع الثقفي ﵁ قال: دخل رسول\n_________\nوابن حبان (موارد الظمآن: ٥٩٢).\n(المنان) فعال من المِنة، وهو المبالغ فيها.\n(بديع) البديع: المُبدع، وهو الخالق المخترع لا عن مِثال سابق.\n(قيومٌ) القيوم: القائم بذاته ولا يقوم غيره إلا به. فهو مستغنٍ عن خلقه، وخلقه محتاجون إليه في وجودهم واستمرارهم.\n٥٨٠ - الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩) وقال: رواه الطبراني ف الأوسط وإسناده حسن.\n٥٨١ - أبو داود (٢/ ٨٠) كتاب الصلاة - باب الدعاء.\nوالترمذي (٥/ ٥١٧) ٤٩ - كتاب الدعوات. ٦٥ - باب حدثنا قتيبة.\nوابن ماجه (٢/ ١٢٦٧) ٣٤ - كتاب الدعاء. ٩ - باب اسم الله الأعظم.\nوالدارمي (٢/ ٤٥٠) كتاب فضائل القرآن - باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي.\nقال محقق الجامع:\nوفي سنده عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي أبو الحصين، وهو ليس بالقوي، كما قال الحافظ في التقريب. وفيه أيضًا شهر بن حوشب، وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام، ولكن للحديث شواهد بمعناه يرتقي بها إلى درجة الحسن، ولذلك حسنه الترمذي أ. هـ.\n(١) البقرة: ١٦٣.\n(٢) آل عمران: ١، ٣.\n٥٨٢ - أبو داود (١/ ٢٥٩) كتاب الصلاة- باب ما يقول بعد التشهد.=","vol":"2","page":600},{"text":"الله المسجد، فإذا هو برجلٍ قد قضى صلاته وهو يتشهد، ويقول: اللهم إني أسألك باسمك الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد: أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، قال: فقال: \"قد غُفر له، قد غفر له، قد غُفر له\".\n٥٨٣ - * روى البزار عن نعيم بن همار: أن رسول الله قال: \"الميزان بيد الرحمن يرفع أقوامًا ويضع آخرين\".\n٥٨٤ - * روى الطبراني عن نعيم بن همار الغطفاني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يزيغه أزاغه وإن شاء أن يقيمه أقامه وكل يومٍ الميزان بيد الله يرفعُ أقوامًا ويضغ آخرين إلى يوم القيامة\".\n٥٨٥ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله يكثر أن يقول: \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\". فقلت: يا رسول الله، قد آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: \"نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُقلبها كيف يشاء\".\n٥٨٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله يقول: \"إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ، يصرفه حيث شاء\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك\".\n_________\n= والنسائي (٣/ ٥٢) ١٣ - كتاب السهو. ٥٨ - باب الدعاء بعد الذكر.\nوأحمد (٤/ ٣٣٨). والحديث إسنادهحسن.\n٥٨٣ - الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٢) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\nوالحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٩) كتاب التفسير- تفسير سورة آل عمران، وهو صحيح.\n٥٨٤ - الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١١) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n٥٨٥ - الترمذي (٤/ ٤٤٨) ٣٣ - كتاب القدر، ٧ - باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن. وقال: هذا حديث حسن.\nقال: وفي الباب عن النواس بن سمعان، وأم سلمة وعائشة وأبي ذر أ. هـ والحديث إسناده حسن.\n٥٨٦ - مسلم (٤/ ٢٠٤٥) ٤٦ - كتاب القدر، ٣ - باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء.","vol":"2","page":601},{"text":"٥٨٧ - * روى مالك عن عمر وبن دينار ﵀، قال: سمعت ابن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي والفاتن.\n٥٨٨ - * روى البزار عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: \"خلق الله كل صانع وصنعته\".\n٥٨٩ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"يمين الله ملأى لا يغيضها شيء سحاءٌ الليل والنهار، وبيده الأخرى الميزان، يرفع القسط ويخفض\". قال: \"أرأيت ما أنفق منذ خلق الله السموات والأرض فإنه لم ينقص مما في يديه شيئًا\".\n٥٩٠ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلماتٍ، فقال: \"إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عملُ الليل قبل عملِ النهار، وعملُ النهار قبل عمل\n_________\n٥٨٧ - الموطأ (٢/ ٩٠٠) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب النهي عن القول بالقدر.\nوإسناده صحيح.\n٥٨٨ - كشف الأستار (٣/ ٢٨).\nوقال الهيثمي (٧/ ١٩٧): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن عبد الله أبو الحسين ابن الكردي وهو ثقة. أهـ.\nوالمستدرك (١/ ٣١)، وقال: على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\n٥٨٩ - ابن ماجه (١/ ٧١) المقدمة ١٣ - باب فيما أنكرت الجهمية.\nوأخرج البخاري نحوه (٨/ ٣٥٢) ٦٥ - كتاب التفسير، ٢ - باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.\n٥٩٠ - مسلم (١/ ١٦١) ١ - كتاب الإيمان، ٧٩ - باب في قوله ﵇: إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور ... إلخ.\nقال محقق الجامع:\nأي: يخفض الله الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة. معنى سبحات وجهه: نوره وجلاله وبهاؤه.","vol":"2","page":602},{"text":"الليل، ججابه الثور- وفي رواية: النار- \"لوكشفة لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\".\n٥٩١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى، من أجل ذلك مدح نفسه\".\nوفي رواية (١) نحوه، ويذكر \"ما ظهر وما بطن\" وزاد: \"وليس أحدٌ أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل\".\n٥٩٢ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ: أما تغار؟ قال: \"والله إني لأغار والله أغيرُ مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش\".\n٥٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله قال: \" إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه\".\nوفي رواية مسلم (٢) قال: \" المؤمن يغارُ، والله أشد غيرًا\".\n٥٩٤ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ:\n_________\n٥٩١ - البخاري (٨/ ٣٠١) ٦٥ - كتاب التفسير ١٠ - باب: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.\nمسلم (٤/ ٢١١٣) ٤٩ - كتاب التوبة. ٦ - باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش.\n(١) مسلم (٢/ ١١٣٦) ١٩ - كتاب اللعان، الحديث السابع عشر.\n٥٩٢ - أحمد (٢/ ٣٢٦).\nومجمع الزوائد (٦/ ٢٥٤). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n٥٩٣ - البخاري (٩/ ٣١٩) ٦٧ - كتاب التوبة، ١٠٧ - باب الغيرة.\nمسلم (٤/ ٢١١٤) ٤٩ - كتاب التوبة، ٦ - باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش.\n(٢) مسلم: (٤/ ٢١١٥) الموضع السابق.\n٥٩٤ - مسلم: (١/ ١٦١) ١ - كتاب الإيمان، ٧٨ - باب في قوله ﵇: نور أنَّى أراه. وفي قوله: رأيت نورًا.","vol":"2","page":603},{"text":"هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ، أنى أراه؟ \".\nوفي رواية الترمذي (١) عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله [لسألته. فقال: عم كنت تسأله؟ قلت]: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: قد سألته، فقال: \"نورٌ، أنى أراه؟ \".\n٥٩٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيءٍ كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله قل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: \"رأيت نورًا\".\n٥٩٦ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فزعم أني الا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتماه إياي، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولدًا\".\n٥٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن مسروق بن الأجدع ﵀ قال: قلت لعائشة:\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ٣٩٦) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٥٤ - باب \"ومن سورة والنجم\".\nقال النووي:\n(نور أنى أراه) هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات. ومعناه: حجابه النور فكيف أراه؟ قال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀: الضمير في أراه عائد على الله ﷾. ومعناه: أن النور منعني من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه.\n٥٩٥ - مسلم (١/ ١٦١) ١ - كتاب الإيمان، ٧٨ - باب في قوله ﵇: نور أنى أراه، وفي قوله: رأيت نورًا.\nقال النووي: (رأيت نورًا) معناه: رأيت النور فحسب، ولم أر غيره.\n٥٩٦ - البخاري (٨/ ١٦٨) ٦٥ - كتاب التفسير، ٨ - باب ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾.\nقال الكرماني: التكذيب نسبة المتكلم إلى أن خبره خلاف الواقع، والشتم: توصيف الشخص بما هو إزراء ونقص فيه، وإثبات الولد له كذلك، لأنه قول بما يستلزم الإمكان والحدوث، فسبحانه ما أحلمه وما أرحمه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾. وهذا من الأحاديث القدسية.\n٥٩٧ - البخاري (٨/ ٦٠٦) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب حدثنا يحيى.","vol":"2","page":604},{"text":"يا أمتاه، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاثٍ من حدثكهن فقد كذب؛ من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١)، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (٢)، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ، فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٣). ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ...﴾ (٤) الآية، ولكنه رأي جبريل ﵇ في صورته مرتين.\nوفي رواية (٥) قال: قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٦)؟ قالت: ذاك جبريلُ ﵇، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته، التي هي صورته، فسدَّ الأفق.\nوفي أخرى (٧): ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: لا يعلم الغيب إلا الله.\nوفي أخرى (٨): أن مسروقًا قال: كنت متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله الفِريَةَ ... وذكرت نحو الرواية الأولى.\nوزاد في رواية (٩): ولوكان محمدٌ ﷺ كاتمًا شيئًا مما أُنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ\n_________\n= مسلم (١/ ١٦٠) ١ - كتاب الإيمان، ٧٧ - باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، وهل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء؟\n(١) الأنعام: ١٠٣.\n(٢) الشورى: ٥١.\n(٣) لقمان: ٣٤.\n(٤) المائدة: ٦٧.\n(٥) مسلم: الموضع السابق.\n(٦) النجم: ٨ - ٩.\n(٧) البخاري (١٣/ ٣٦١) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٤ - باب قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾.\n(٨) مسلم (١/ ١٥٩) ١ - كتاب الإيمان، ٧٧ - باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾.\n(قفَّ شعري) قفَّ الشعر: إذا قام في منابته، وأكثر ما يعرض عند سماع ما يخافه الإنسان أو يهابه ويعاينه.\n(الفرية): اختلاق الكذب.\n(٩) مسلم (١/ ١٦٠) الكتاب والباب السابقان.","vol":"2","page":605},{"text":"تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (١).\nوللبخاري (٢) طرفٌ منه عن القاسم عن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخِلْقِهِ سادًا ما بين الأفق.\n٥٩٨ - * روى مسلم غن ابن عباسٍ؛ قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٣) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٤) قال: رآه بفؤاده مرتين.\nأقول: مذهب ابن عباس أن رسول الله قد رأى ربه يوم المعراج ورجح ذلك النووي، لأن عائشة تنفي وابن عباس يثبت. وكلام المُثْبِت مقدم لأن فيه زيادة علم، وذلك من الخصوصية لرسول الله ﷺ، فن ادعى أنه رأى الله يقظة في الدنيا ببصره فقد كفر.\nوها نحن ننقل لك جزءًا من تحقيق النووي في إثبات الرؤيا لرسول الله ﷺ.\nقال النووي: وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية قال والحجج في هذه المسئلة وإن كانت كثيرة ولكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها وهو حديث ابن عباس ﵄ أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﷺ. وعن عكرمة: سئل ابن عباس ﵄؛ هل رأى محمد ﷺ ربه؟ قال: نعم. وقد روي بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنسٍ ﵁ قال: رأى محمد ﷺ ربه. وكان الحسن يحلف: لقد رأى محمد ﷺ ربه. والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر ﵃ في هذه المسألة وراسله: هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فأخبره أنه رآه. ولا يقدح في هذا حديث عائشة ﵂؛\n_________\n(١) الأحزاب: ٣٧.\n(٢) البخاري (٦/ ٣١٣) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٧ - باب إذا قال أحدكم آمين ... إلخ.\n٥٩٨ - مسلم (١/ ١٥٨) ١ - كتاب الإيمان، ٧٧ - باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾.\n(٣) النجم: ١١.\n(٤) النجم: ١٣.","vol":"2","page":606},{"text":"لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول لم أر ربي، وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ لقول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، والصحابي إذا قال قولًا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجةً، وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها، فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يُتلقى بالسماع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس. ثم إن ابن عباس أثبت شيئًا نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي. هذا كلام صاحب التحرير. فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ي رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ. هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه، ثم إن عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ولوكان معها فيه حديث لذكرته وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات\" أ. هـ كلام النووي.\nوأجاب النووي عن استنباطات عائشة ﵂.\n٥٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رفعه): \"يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد\".\nأقول: الضحك في حقه تعالى (ليس كمثله شيء) ككل صفاته ﷻ.\n٦٠٠ - * روى البزار عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو تعلمون قدر رحمة الله لاتكلتم\" أحسبه قال: \"عليها\".\n_________\n٥٩٩ - البخاري: (٦/ ٣٩) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٢٨ - باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيُسددُ بعد ويقتل.\nمسلم (٣/ ١٥٠٤) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٣٥ - باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة.\nوابن ماجه (١/ ٦٨) المقدمة، ١٣ - باب فيما أنكرت الجهمية.\n٦٠٠ - كشف الأستار (٤/ ٨٥). =","vol":"2","page":607},{"text":"٦٠١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"إن له مائة رحمة قسم منها رحمة بين جميع الخلائق فبها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها تعطف الوحش على أو لادها وأخر تسعةً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة\".\n٦٠٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"خلق الله ﷿ يوم خلق السموات والارض مائة رحمةٍ فجعل في الأرض منها رحمة فبها تغطف الوالدةُ على ولدها والبهائم بعضها على بغض والطير وأخر تسعةً وتسعين إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة أكملها الله بهذه الرحمة\".\n٦٠٣ - * روى الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ان الله ﷿ خلق مائة رحمةٍ، رحمةً منها قسمها بين الخلائق وتسعةً وتسعين إلى يوم القيامة\".\n٦٠٤ - * روى أحمد عن أنس قال: مر النبي ﷺ ونفرٌ من أصحابه وصبي في الطريق فلما رأت أم الصبي القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني. وسعت فأخذته، فقال القومُ: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فخفضهم النبي ﷺ، وقال: \"ولا الله لا يُلقي حبيبه في النار\".\n_________\n= قال الهيثمي (١٠/ ٢١٣): رواه البزار وإسناده حسن.\n٦٠١ - البخاري (١٠/ ٤٣١) ٧٨ - كتاب الأدب، ١٩ - باب جعل الله الرحمة في مائة جزء.\nمسلم (٤/ ٢١٠٨) ٤٩ - كتاب التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه.\nوابن ماجه (٢/ ١٤٣٥) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٥ - باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.\n٦٠٢ - مسلم (٤/ ٢١٠٩) الكتاب والباب السابقان.\nوابن ماجه: الموضع السابق.\n٦٠٣ - الطبراني (١١/ ٣٧٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢١٤) كتاب التوبة- باب منه ف يرحمة الله تعالى.\nوقال: رواه الطبراني والبزار وإسناده حسن.\n٦٠٤ - أحمد (٣/ ١٠٤).\nوكشف الأستار (٤/ ١٧٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٣). وقال: رواه أحمد والبزار بنحوه وأبو يعلى ورجالهم رجال الصحيح.\n(فخفضهم): أي سكنهم وهون عليهم.","vol":"2","page":608},{"text":"٦٠٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: \"كان رجال يصلي فأتاه رجل فوطئ على رقبته فقال الذي تحته: والله لا يغفر الله لك أبدًا. فقال الله ﷿: تألى عليَّ عبدي أن لا أغفر لعبدي فإني قد غفرت له\".\nأقول: هذا الحديث أصل من الأصول التي اعتمدها الأصوليون لاعتماد فكرة ما هو الواجب العقلي لله، والمستحيل العقلي لله، والجائز العقلي في حقه تعالى، وما هي الواجبات والمستحيلات والجائزات الشرعية. وهو موضوع دقيق جرت على ذكره كتب العقائد خلال العصور، وجدير بكل مسلمٍ أن يفهمه بأن يقرأه في كتب عقائد أهل السنة والجماعة على عالم رباني متقن.\n٦٠٦ - * روى أبو يعلى عن عائشة ﵂ رفعته \"لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، وقولوا ما شاء الله وحده\".\n٦٠٧ - * روى أبو داود عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ: \"لا تقولوا: ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان\".\n٦٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"جعل الله الرحمة مائة جزءٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه\".\nوللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ، قال: \"إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة\n_________\n٦٠٥ - الطبراني (١٠/ ١٢٤).\nمجمع الزومائد (٤/ ٨٦) وقال: رجاله رجال الصحيح.\n٦٠٦ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٨) وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات.\n٦٠٧ - أبو داود (٤/ ٢٩٥) كتاب الأدب- باب لا يقال خبثت نفسي.\nأحمد (٥/ ٣٨٤).\n٦٠٨ - البخاري (١٠/ ٤٣١) ٧٨ - كتاب الأدب، ١٩ - باب جعل الله الرحمة في مائة جزء.\nمسلم (٤/ ٢١٠٨) ٤٩ - كتاب التبوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.\n(١) البخاري (١١/ ٣٠١) ٨١ - كتاب الرقاق. ١٩ - باب الرجاء مع الخوف.","vol":"2","page":609},{"text":"رحمةٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين رحمةً، وأرسل في خلقه كلهم رحمةً واحدةً، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار\".\nولمسلم (١) قال: \"إن لله مائة رحمةٍ، أنزل منها رحمسة واحدةً بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تغطف الوحش ولدها، وأخَّر الله تسعًا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده القيامة\".\n٦٠٩ - * روى الطبراني في الأوسط عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أُحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية.\n٦١٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما قضى الله الخلق\"، وعند مسلم: \"لما خلق الله الخلق كتب في كتاب كتبهُ، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضي\".\nوعند البخاري: \"غلبت غضبي\".\nوللبخاري أيضًا (٢): \"إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي\".\nوله في أخرى (٣)، قال: \"لما خلق الله الخلق كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي\".\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢١٠٨) ٤٩ - كتاب التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.\n٦٠٩ - الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وأحمد بنحوه وقال \"إلا من أشرك\" ثلاث مرات، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وحديثه حسن.\n٦١٠ - البخاري (١٣/ ٥٢٢) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٥٥ - باب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.\nمسلم (٤/ ٢١٠٧) ٤٩ - كتاب التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.\n(٢) البخاري (١٣/ ٤٠٤) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٢ - باب وكان عرشه على الماء، وهو رب العرش العظيم.\n(٣) البخاري (١٣/ ٣٨٤) ٩٧ - كتاب التوحيد، ١٥ - باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.","vol":"2","page":610},{"text":"وفي أخرى (١): \"إن الله كتب كتابًا، قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي. فهو مكتوبٌ عنده فوق العرش\".\nولمسلم أيضًا (٢): أن النبي ﷺ قال: \"قال الله ﷿: سبقت رحمتي غضبي\".\nوله في أخرى (٣): \"لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي\".\nوأخرجه ابن ماجه قال (٤): \"إن الله حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي\".\nقال الحافظ في الفتح:\nقوله: (لما قضى الله الخلق) أي خلق الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أو المراد أوجد جنسه، وقضى يطلق بمعنى حك وأتقن وفرغ وأمضى. قوله (كتب في كتابه) أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ، وقد تقدم في حديث عبادة بن الصامت قريبًا: \"فقال للقلم اكتب، فجرى بما هو كائن\" ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللفظ الذي قضاه، وهو كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ... قوله (غلبت) في رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد \"سبقت\" بدل غلبت، والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق، أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب. لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث، بهذا التقرير يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة وغيرها. وقيل معنى الغلبة الكثرة والشمول، وتقول: غلب على فلان الكرم، أي أكثر\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٥٢٢) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٥٥ - باب قول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾.\n(٢) مسلم (٤/ ٢١٠٨) ٤٩ - كتاب التوبة. ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.\n(٣) مسلم: الموضع السابق.\n(٤) ابن ماجه (٢/ ١٤٣٥) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٥ - باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.","vol":"2","page":611},{"text":"أفعاله، وهذا كله بناء على أن الرحمة والغضب من صفات الذات، وقال بعض العلماء: الرحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات. ولا مانع من تقديم بعض الأفعال على بعض فتكون الإشارة بالرحمة إسكان آدم الجنة أول ما خلق مثلًا، ومقابلها ما وقع من إخراجه منها. وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسيع عليهم من الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم. وأما ما أشكل مِنْ أمر مَنْ يعذب من الموحدين فالرحمة سابقة في حقهم أيضًا، ولولا وجودها لخلدوا أبدًا. وقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك أ. هـ كلام ابن حجر.\n٦١١ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قلت: يا جبريل أيصلي ربك جل ذكره؟ قال: نعم. قلت: ما صلاته؟ قال: سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي\".\n٦١٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع يجنته، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته\".\nوللترمذي في رواية أخرى (١)، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في الجنة أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة أحد\".\n_________\n٦١١ - الروض الداني (١/ ٤٩).\nالهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٣) وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله وثقوا.\n٦١٢ - مسلم (٤/ ٢١٠٩) ٤٩ - كتابة التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.\nوأحمد (٢/ ٣٩٧).\n(١) الترمذي (٥/ ٥٤٩) ٤٩ - كتاب الدعوات، ١٠٠ - باب خلق الله مائة رحمة. وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. =","vol":"2","page":612},{"text":"٦١٣ - * روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قُدِم على رسول الله ﷺ بسبيٍ، فإذا امرأة من السبي تسعى، قد تَحلَّب ثديها، إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته، فألزقته بطنها فأرضعنه، فقال رسول الله ﷺ: \"أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ \" قلنا: لا والله. فقال رسول الله: الله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها\".\n* * *\n_________\n٦١٣ - البخاري (١٠/ ٤٢٧) ٧٨ - كتاب الأدب، ١٨ - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته.\nمسلم: (٤/ ٢١٠٩) ٤٩ - كتاب التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.","vol":"2","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>التلخيص</span>\nيدخل في الإيمان بالله الإيمان بوجوده وصفاته العليا وأسمائه الحسنى وأفعاله، وأنه لا فاعل إلا هو ولا خالق إلا هو، وأنه له المالكية والربوبية والألوهية والحاكمية، ولذلك فإن المكلفين من الإنس والجن مطالبون بالعبادة والعبودية على مقتضى الوحي الذي جاءنا به رسل الله عن الله، وكان خاتمة ذلك رسالة نبينا محمد ﷺ التي نُسخت بها الشرائع السابقة إلا ما أقرته منها، وقد جاءتنا مبينة واضحة في الكتاب والسنة، فعرفتنا رسالة نبينا ﷺ على الله وصفاته وأسمائه وحقوقه، وعلى واجباتنا تجاهه ففصلت لنا العبادة والعبودية.\n- هناك معارك كبرى بين أهل الإسلام وبين أهل الفلسفات والأديان المعاصرة حول لمعرفة الحق لله ﷿، وبتأمل بسيط يدرك من عرف العقيدة الإسلامية في باب الألوهية أنها قدمت الحق مصفى وأن ما سواها مما خالفها لا يقوم عليه دليل من عقل أو نقل.\n- هناك معارك كبرى بين أهل السنة والجاعة وبين الفرق المنشقة عن جسم الأمة الإسلامية حول الذات الإلهية وصفاتها وما ينسب إليها وحول حقوقها وما لا يصح إلا لها وما يليق وما لا يليق، وقد فَصَّل في ذلك كله المحكم من كتاب الله، وقامت الحجة على هذه الفرق بفهم الراسخين في العلم من جماهير من ينتسب إلى الإسلام، وكان من فضل الله على هذه الأمة أنه لم يزل أكثريتها وأكثرية علمائها على الفهم الحق، ولم تتشكل فرقة ضالة في يوم من الأيام إن في عامتها أو في علمائها كثرة كاثرة، وكانت أعظم معاركنا الفكرية مع المعتزلة.\n- هناك اختلافات بين بعض أهل الرواية وبين أهل الدراية ممن ينتسبون إلى أهل السنة والجماعة، وتتلخص هذه الاختلافات في الموقف من الصفات السمعية مع اتفاق الجميع على نفي التشبيه، وفي بعض ما يخدش التوحيد، وفي الموقف من تقليد الأئمة في الفروع، وفي ما يدخل في دائرة البدعة المكفرة أو المضللة أو المحرمة. وفهوم الراسخين في العلم ممن تواطأت أكثرية علماء الأمة على التسليم لهم كالبيهقي والنووي وابن حجر العسقلاني والعز","vol":"2","page":614},{"text":"ابن عبد السلام والسيوطي يشهد لأهل الدراية.\n- كل ما مضى يجعلنا نذكر المسلم بضرورة قراءة كتبب أهل السنة والجاعة من أهل الدراية في العقائد، فلكلام الختصين من الراسخين في العلم وزن ليس لكلام غيرهم.\nفائدة: إن المعرفة الإلهية لا تتعمق بشيء كقراءة القرآن والإكثار من الأذكار المأثورة والدعوات التي وردت في الصلوات وغيرها، وسنخصص جزءًا في القسم الثالث للتلاوة كا سنخصص جزءًا للدعوات والأذكار في القسم نفسه، وستر معنا من الدعوات والأذكار في مناسبات متعددة، فمثل هذا يعمق الاعتقاد الحق وهو في الوقت نفسه من أرقى أنواع العبادة في الإسلام، والصلاة وأذكارها ودعواتها هي الأرق في هذا المرتقى.\nوكثيرون من الناس بدلًا من أن يفطنوا إلى الجانب العملي في بعض النصوص، يدخلون في أنواع الجدل، فبدلًا من أن يفطنوا إلى الخشوع الذي يجب أن يفطن له من حديث \"نصب الله وجهه لعبده في الصلاة\"، وبدلًا من أن يفطنوا لرقابة الله إياهم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وبدلًا من أن يفطنوا لضرورة الدعوات في الثلث الآخر من الليل أخذًا من حديث النزول، يدخلون في جدل عقم لا يتابعون فيه الراسخين في العلم ولا يلحظون ما يترتب على كلامهم من تشبيه وإيجاد تعارض بين النصوص، ولو أنهم سلموا للنصوص مع التنزيه أو تابعوا الراسخين في العلم على تأويلهم لكان أسلم لهم: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢). ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣).\n- وإن من أقبل على الله بالعمل والإخلاص فتح الله على قلبه من ميادين المعرفة الإلهية ما لا يذوقه أهل الجدل الذي جعل الله ﷿ أهله مظنة ضلال، \"ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل\" (٤).\n_________\n(١) الحديد: ٤.\n(٢) الصافات: ١٥٩، ١٦٠.\n(٣) آل عمران: ٧.\n(٤) الترمذي (٥/ ٣٧٨) ٤٨ - كتاب التفسير ٤٥ - باب ومن سورة الزخرف. وقال: حسن صحيح.\nوأحمد (٥/ ٢٥٢). والحديث إسناده حسن.","vol":"2","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>الوصل الأول\nفي:\nالوثنية في التاريخ</span>\nوفيه:\nمقدمة وتعريف عن الوثنية","vol":"2","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المقدمة</span>\nقال تعالى عن الأصنام على لسان إبراهم ﵊: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (١).\nجاء هذا النص في سياق كلام إبراهم ﵇ في القرآن عن الأصنام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (٢).\nفن المعروف أن نوحًا وإبراهم ﵉ بعثا في بلاد ما بين الرافدين دجلة والفرات، وأنهما بعثا وعبادة الأصنام منتشرة، وقول إبراهيم ﵇ الذي صدرنا به هذا الوصل يشير إلى كثرة من ضل بسبب الأصنام، وذلك أن الإنسان إذا جانب ما توصل إليه العقول والنقول انحصر في خيالاته، وكلما ابتعد عن قضايا العقول والنقول أوصلته خيالاته إلى التمثيل فالتجسيد الرمزي فالوثنية والشرك، لذلك نجد أن الوثنية تسربت إلى كثير من أهل الأديان السماوية فضلًا عن غيرهم، ولذلك نلاحظ أن الإسلام حض المسلم في كثير من النصوص على التسبيح في الصلاة وغيرها لاحتياج القلب البشرى إلى التغذية بالتنزيه بشكل دائم، ولذلك كان للإسلام موقف من التصوير نعرف تفصيلاته في غير هذا المكان.\nولقد حدثتنا نصوص العهد القديم عند اليهود في أكثر من مكان عن تسرب عبادة البعل إلى اليهود، وذكر ذلك القرآن على لسان إلياس ﵇: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (٣)، وكان البعل هو الصنم الذي تنسب إليه مدينة بعلبك في بلاد الشام، ومن بلاد الشام أخذ عمرو بن لحي عبادة الأصنام وأدخلها إلى مكة، ومنها انتشرت في جزيرة العرب.\nوالديانة البرهمية انقلبت إلى ديانة وثنية، والديانة البوذية انقلبت إلى ديانة وثنية، وغلبت الوثنية في أكثر أدوار التاريخ على بلاد ما بين الرافدين، وغلبت الوثنية وتأليه الإنسان على الديانات المصرية القديمة، وكانت ديانةُ الرومان الذين سيطروا على أكثر العالم\n_________\n(١) إبراهيم: ٣٦.\n(٢) إبراهيم: ٣٥، ٣٦.\n(٣) الصافات: ١٢٥.","vol":"2","page":619},{"text":"القديم وثنيةً، وكذلك اليونان الذين سيطروا بقيادة الإسكندر المكدوني على كثير من مناطق العالم القديم كانوا وثنيين، والوثنية هي الأصل في إفريقيا لولا دخول الأديان السماوية إليها، ولقد دخلت الوثنية زائدة على تأليه المسيح﵇- على الديانة النصرانية في صور كثيرة: في صور الأيقونات، وتقديم شيء من العبادات لتماثيل من أنواع شتى، وفي صورة عبادة الصليب، ولذلك فإن على المسلم أن يحذر طروء شيء من الوثنية إليه بأن يحذر ابتداءً من تخيلاته في شأن الذات الإلهية، فكل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وليحذر انتهاءً من التماثيل وأن يدخلها بيته.\nإن في العالم ديانات تواجه الإسلام، وبعض هذه الديانات أصولها سماوية قطعًا كاليهودية والنصرانية، وبعضها ليست سماوية جزمًا كالسيخية، وبعضها لا نستطيع الجزم بشيء عن أصولها لكنا نؤمن أن الله ﷿ لم يترك أمة بلا رسالة، قال تعالى:\n﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢).\n﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٣).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٤).\nقال ﵊: \"ألا إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله\" (٥). فنحن نجزم أنه قد أرسل إلى كل أمة رسولٌ ثم ختمت الرسالات بمحمد ﷺ، وكانت رسالة عامة للعالمين: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٧).\nولكنا لا نستطيع الجزم بشيء عن أصول بعض الديانات إلا إذا جاءنا شيء في كتاب ربنا أو سنة رسولنا ﵊ في شأنه، وهاك تعريفًا مختصرًا عن الوثنية في بعض الأديان:\n_________\n(١) الشورى: ١١.\n(٢) النحل: ٣٦.\n(٣) فاطر: ٢٤.\n(٤) إبراهيم: ٤.\n(٥) مسند أحمد (٤/ ٤٤٧).\n(٦) الأحزاب: ٤٠.\n(٧) الأنبياء: ١٠٧.","vol":"2","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>تعريف عن الوثنية في بعض الأديان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>١ - الوثنية في الديانات المصرية القديمة</span>\nقال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان):\n\"فكل مدينة كانت لها آلهتها. فكان موطن أوزيروس في أبيدوس، وفتاح في ممفيس، وآمون في طيبة، وهوروس في إدفو، وهاتور في دندرة، إلخ ... \" أ. هـ.\nثم تحدث أبو زهرة عن أسطورة أوزيريس وإيزيس وتوت وهنوروس وسيت، ثم تحدث عن مينا الأول الذي وحَّد مصر تحت سلطانه وأعلن تأليه نفسه بحلول هوروس وسيت فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>٢ - وثنية الرومان</span>\nقال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) عن وثنية الرومان:\n\"عددوا أربابهم بتعدد مظاهر الطبيعة التي تتجلى فيها أوامر آلهتهم ونواهيها، فهناك رب ينبت البذر، وآخر يحمي الحقل، وثالث يحرس الثمار وهكذا، ولكل رب اسمه وجنسه وعمله، فعندهم للسماء إله وللحرب إله وللشجاعة إله كما عند اليونان وسموا إله السماء جوبتر وإله الحرب مارس وإله الشجاعة هوكوليس، وهو ما يسمى عند اليونان هركليس؛ وقد قبسوا أيضًا بعض أسماء آلهتهم وخواصها من المصريين القدماء، فعندهم إيزيس إله القمر وأوزيريس إله الزراعة ومراميس إله الشفاء، وكلها أسماء مصرية لآلهة مصرية، وإن الأرباب قد تعددت عند الرومان جدًا، فلكل مظهر من مظاهر الحياة رب، ولكل قوة في الإنسان رب، فعندما يولد الطفل يأتيه رب يعلمه النطق، وربة تعلمه الشرب، وأخرى تقوي عظامه، وربان يرافقانه إلى المدرسة، وآخران يرجعان به. ويعتقدون أن هناك أربابًا للمدينة، وللكتابة وللجبل، ولكل نهر، ولكل نبع، ولكل شجرة رب خاص، ولقد قال الكاتب اللاتيني بترون في إحدى قصصه على لسان امرأة صالحة: \"إن بلادنا غاصة بالأرباب، بحيث يسهل عليك أن تلقى فيها ربًا من أن تصادف رجلًا\".","vol":"2","page":621},{"text":"ولقد أتى عهد على الرومان كانوا يعبدون فيه تلك الآلهة المتعددة من غير أن يتخذوا لها تماثيل، بل كانوا يعبدونها من غير تماثيل خاصة لكل إله، فلم يكن في رومية في ذلك العهد صنم، ثم اتخذوا بعد ذلك الأصنام من الخشب أولًا، ثم اتخذوها من الرخام على مثال أصنام اليونان\" أ. هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>٣ - وثنية اليونان</span>\nقال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) عن اليونان:\n\"ألَّهوا السماء والأرض والبحر، والشمس، والزمن، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل لحظوا بعد ذلك الصفات الأدبية في الأحياء، وفنونهم، وما يؤثر فيهم فجعلوا لكل واحد منها إلهًا أو آلهة، ومن هذه الآلهة هيرا ربة القوة المنتجة في الطبيعة وآريس أو المريخ إله الحرب، وأبولون إله الموسيقى والنور، وهراميس رسول الآلهة ورب الفصاحة والبيان، وأثينا ربة الحكة وأفروديت ربة الحب الجميل، وديونيسوس رب الخمر والتمثيل- و\"لتيراجيني\" أو المحزن.\nوكان لكل مدينة أربابها الخاصة بها، ومعبودات لها كثيرة؛ وإن اتحدت في الاسم مع أرباب المدينة الأخرى فالمسمى يختلف، فأبولون في مدينة ليس هو أبولون في مدينة أخرى، وإن اتحد الاسمين، ولكن مع هذا الاختلاف كانت هناك أرباب كثيرة أجمع اليونان في الجملة على عبادتها وتقديسها كالسماء والأرض والبحر، ولها في كل مكان معبد خاص بها، أو مزار يتقرب فيه إليها؛ وإن الأرباب التي يشترك اليونان في تقديسها كثيرة جدًا، وكلها يمثل أعظم القوى الطبيعية تأثيرًا في الكون، ومن هذه زيوس المشترى، وهيرا وأثينا وأرتيس وهرميس (عطارد) وأريس (المريخ) وأفروديت (الزهرة) وكرنوس (زحل) وهكذا.\nولقد صوروا لكل رب من هذه الأرباب تمثالًا يعبد، ولقد كان للتماثيل الكبيرة محالٍّ خاصة بها يزعمون أن الآلهة توحي إليهم فيها على لسان الكهنة، ويتقربون في تلك المحال للآلهة بالقرابين والنذور، وأشهرها معبد (دلفي) لأبولون بمدينة (فوكيس) \" أ. هـ.","vol":"2","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>٤ - وثنية الهندوس</span>\nيقول محمد فريد وجدي في (دائرة معارفه) عن البرهمية:\n\"للبراهمة صنم اسمه برهمًا له أربعة أوجه وأربعة أيد، في يده الأولى كتابهم المقدس (الفيدا) وفي يده الثانية ملعقة، وفي يده الثالثة سبحة، وفي يده الرابعة إناء فيه ماء.\nولديهم صنم ثان للإله فيشنو ابن برهما، وله أربعة أيد، في الأولى بوق من الصدف، وفي الثانية حلقة عند إدارتها تخرج منها نار لا يستطيع أحد مقاومتها فيما يقولون، وفي الثالثة هراوة. وفي الرابعة غصن من الزهر.\nولديهم صم ثالث للإله سيفا، وله أربع أيد، في الأولى صولجان، وفي الثانية حبل يشد به المذنبين، أما يداه الأخريان فلا شيء فيهما، وله عين ثالثة في جبهته وقلادة في عنقه من رءوس البشر.\nوالبراهمة يقدسون البقر ويحرمون ذبحها معتقدين أن الأرواح الطاهرة تحل أجسادها، وكثيرًا ما نشأ من هذه العقيدة معارك بينهم وبين مسلمي الهند في عيد الأضحى.\nوهم يقدسون الثعابين والتماسيح وغيرها، ويعتبرون نهر الغانج مقدسًا وأن الانغماس فيه يطهر الذنوب، ولذا يحج إليه في كل عام ملايين منهم\" ا. هـ.\nويقول أبو الحسن الندوي في كتابه: (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) عن وثنية الديانة البرهمية:\n\"قد بلغت الوثنية أوْجها في القرن السادس، فقد كان عدد الآلهة في \"ويد\" ثلاثة وثلاثين، وقد أصبحت في هذا القرن ٣٣٠ مليون. وقد أصبح كلُّ شيء رائع وكل شيء جذابٍ وكلُّ مرفقٍ من مرافق الحياة إلهًا يُعبدُ. وهكذا جاوزت الأصنام والتماثيل والآلهة والإلاهات الحصر، وأربت على العد، فمنها أشخاص تاريخية، وأبطال تمثل فيهم الله- كما زعموا - في عهود وحوادث معروفة، ومنها جبال تجلى عليها بعض آلهتهم، ومنها معادن كالذهب والفضة تجلى فيها إله، ومنها نهر الكنج الذي خرج من رأس \"مهاديو\" الإله،","vol":"2","page":623},{"text":"ومنها آلات الحرب والات الكتابة وآلات التناسل، وحيوانات أعظمها البقرة، والأجرام الفلكية، وغير ذلك\". أ. هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>٥ - وثنية الصين</span>\nتسود الصين ثلاث ديانات: الديانة الطاوية، ومؤسسها لوتس فقد انقلبت إلى ديانة وثنية في عهد قريب من عهد مؤسسها، والديانة الكونفوشوسية وقد مرت عهود على أتباعها كانوا لا يعتقدون بإله معين بل كانوا يعبدون ما شاءوا من الأشجار والأنهار، والبوذية انقلبت إلى وثنية كما سنرى (راجع: ماذا خسر العالم).\n٦ - الوثنية في الديانة البوذية\nلقد ذابت البوذية في البراهية ما عدا خروجها عليها في نظام الطبقات وأشياء أخرى واعتقد البوذيون ألوهية بوذا فنصبوا له التماثيل في كل مكان حلت فيه دياناتهم وتقدموا له بالعبادة.\nيقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه (أديان الهند الكبرى):\n\"ولكن البوذية بدأت تنكمش بعد بوذا، وقد سبق أن ذكرنا أن من أهم أسباب إنكماشها أنها لم تعن بالكلام عن الإله، وبعبارة أخرى تركت فراغًا كبيرًا في نفوس أتباعها، وبمرور الزمن ملأ أتباعُها هذا الفراغ بآلهة الهندوس أو بعبادة بوذا نفسه واتخاذه إلهًا، ويتصل بهذا أيضًا أن بوذا لم يبن معابد، ولم يأمر أتباعه بممارسة أي لون من ألوان العبادة، وبسبب هذا لجأ أتباع بوذا إلى معابد الهندوس فوضعوا فيها تمثال بوذا، وأصبح كل ما زاد هو إله جديد أُضيف إلى آلهة الهندوس المتعددة، والعقل الهندي يرحب بمزيد من الآلهة. وهكذا أخذت البوذية تتلاشى في الهندوسية، وأخذت الهندوسية تمتصها أو تمتص أتباعها يومًا بعد يوم\". أ. هـ.","vol":"2","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>٧ - وثنية العرب</span>\nأما وثنية العرب فقد وصفها الأستاذ الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) وكان من كلامه:\n\"وهكذا انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي. قال الكلبي: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به. وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضًا. واستُهْتِرَت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرًا أمام الحرم، وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب. وكان في جوف الكعبة- البيت الذي بني لعبادة الله وحده- وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنمًا، وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة.\nروى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا، جمعنا حثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به.\nوقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًا، وجعل ثلاث أثافي لِقِدَرِهِ، وإذا ارتحل تركه.\nوكان للعرب- شأن كل أمة مشركة في كل زمان ومكان .. آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب، فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله ويعبدونهم، ويتوسلون بهم عند الله، واتخذوا كذلك من الجن شركاء لله وآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم.\nقال الكلبي: كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن، وقال صاعد: كانت حِمْيَر تعبد الشمس، وكنانة القمر، وتميم الدبران، ولخم وجذام المشترى، وطين سهيلًا، وقيس","vol":"2","page":625},{"text":"الشِّعري العبور، وأسد عطاردًا\" ا. هـ.\nهذه بعض مظاهر الوثنية في تاريخ العالم وكثير منها لا زال مستمرًا، والإلحاد في عصرنا لا يخرج عن كونه نوعًا من أنواع الوثنية، إذ يخلع الملحدون على الكون كله صفات الألوهية من خلق وإبداع وإحياء وإماتة فتأمل حال الإنسان في وثنيته لتدرك مِنَّة الله على الإنسان في إرساله محمدًا ﷺ بالتوحيد الذي يجعل الإنسان سيد الأكوان ويقيمه عبدًا لله وحده، بينما الوثنية تجعل الإنسان عبدًا لشجرٍ أو حجرٍ أو قمرٍ أو شمسٍ أو كوكبٍ أو إنسانٍ أو الكون كله.\nقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ (١)، إنه شتان بين أن يتوجه الإنسان إلى خالقه الأوحد وإلى المنعم عليه بالعبادة مشاركًا هذا الوجود كله في التوجه إلى الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢)، وبين ذلك الإنسان الذي يتوجه إلى أنواع من الخلوقات بالعبادة محتارًا في أيها يقدم ولأنها يتقرب، فيالانتكاسة العقل ويالسفاهة الأحلام، إنه من خلال هذا وحده يدرك سر قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣). وإننا نلفت نظر بعض المتهوسين الذين لا همَّ لهم إلا أن يرموا أهل الإسلام بالشرك دون مستندٍ قطعي من كتاب أو سنة، فنراهم يفهمون النصوص على غير فهم الراسخين في العلم فيقذفون هذا بنوع من الشرك، ويقذفون هذا بنوع آخر.\n_________\n(١) الزمر: ٢٩.\n(٢) الإسراء: ٤٤.\n(٣) الأنبياء: ١٠٧.","vol":"2","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>الوصل الثاني\nفي:\nالتثليث ونسبة الولد إلى الله\nتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا</span>","vol":"2","page":627},{"text":"قال تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (١).\nورد هذا النص في سياق قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢).\nفالآية تشير إلى أن نسبة الولد إلى الله كانت موجودة في ديانات سابقة، ومن تأمل هذه النِّحلة وما يلزم عليها من لوازم النقص على الله من تشبيهه بالحوادث وما يحيط بها من نقص الاحتياج إلى الزوجة والولد، ومن اتصافه بصفات الحوادث من تجزئة وتبعيض وشوق وشهوة أدرك مقدار الزلل في العقل البشري، إذ يصف الله ﷿ بهذا الوصف، فيعرف المكلف نعمة الله على البشرية ببعثة محمد ﷺ ليرجع الناس إلى التنزيه والتوحيد:\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (٣).\n﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (٤).\nومن أشهر الأديان القديمة التي قالت بالبنوة لله- تعالى عن ذلك- البراهية والبوذية والديانات المصرية القديمة، فأن يذكُر الله ﷿ قول اليهود في عزيرٍ وقول النصارى في المسيح مضاهاة لقول الذين كفروا من قبلُ، فتلك من معجزات القرآن الكبرى.\nإن البراهمة يقولون بالتثليث مع قولهم بالتعدد الكثير، فأكبر آلهتهم في زعمهم \"براهما\" ثم \"سيفا\" أو \"سيو\" ثم \"ويشنو\" ويعتقدون أن \"ويشنو\" هو الابن \"لبراهما\"، ويعتقدون أن \"ويشنو\" الابن حل في أحد رجالاتهم المسمى \"كرشنة\"، ويعتقدون فيه ها يعتقده المسيحيون في المسيح.\nيقول فريد وجدي في دائرة معارفه: \"حدثت في الهنرد عقيدة التثليث فتغلبت على توحيدهم السابق فرأيناهم يعبدون إلها واحدًا ذا ثلاثة أصولٍ (برهما وفيشنو وسيفا)، وقد\n_________\n(١) التوبة: ٣٠.\n(٢) التوبة: ٣٠.\n(٣) مريم: ٨٨ - ٩٢.\n(٤) الزخرف: ١٥.","vol":"2","page":629},{"text":"خلف فيشنو أباه برهما في نظر الهنود فصاروا لا يوجهون عبادتهم إلا إليه، أما برهما فتركوه في راحة زاعمين أنه أدى وظيفته وانتهى دوره\" أ. هـ.\nوينقل أبو زهرة في مقارناته بين الأديان عن كتاب تاريخ الهند المجلد الثاني ما يلي: (كرشنة: هو الخلص والفادي والمعزي والراعي الصالح والوسيط وابن الله والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، وهو الآب والابن وروح القدس\".\nقد مجد الملائكة ديفاكي والدة كرشنة ابن الله. وقالوا يحق للكون أن يفاخر بابن هذه الطاهرة) ا. هـ.\nوينقل أبو زهرة في مقارناته بين الأديان عن كتاب دوّان وكتاب الملاك المسيح عن بوذا: (كان تجسد بوذا بواسطة حلول روح القدس على العذراء مايا).\n(لما نزل بوذا من مقعد الأرواح ودخل في جسد العذراء مايا صار رحمها كالبلور الشفاف النقي وظهر بوذا فيه كزهرة جميلة).\n(وقد عمد بوذا المخلص حين عمادته بالماء وكان روح الله حاضرًا وهو لم يكن الإله العظيم فقط بل وروح القدس الذي فيه صار تجسد كوتاما لما حل على العذراء مايا) ا. هـ.\nولقد قال المصريون القدامى بالتثليث: \"أوزيريس\"- \"إيزيس\" زوجته ومنهما جاء \"هوروس\"، ومن اعتقاداتهم- كما في كتاب (مقارنات بين الأديان) -:\n(إن روح الإله هوروس ذات ثلاث شعب أولاها: الروح الدنيا، وهي التي تحل في فرعون الزمان، ثم تنتقل إلى من يليه، وتفيض عليه بقدسيتها، والثانية: الروح العليا الحاكمة في السموات والأرضين، والثالثة: روح تبقى في جسد فرعون الميت، وتقوم بالنصح لفرعون الحي. ولا تبقى هذه الروح إلا إذا بقي الجسم متماسكًا، ولذا أعملوا الحيلة لذلك، وبنوا الأهرام وشيدوها لتكون حفاظًا للجسم) ا. هـ.\nأقول: وهكذا نجد إحدى الأباطيل الكبرى تنتقل من أمة إلى أمة في باب الإلهية حتى بعث الله محمدًا ﷺ بالدين الحق فوضع الأمر في نصابه، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا","vol":"2","page":630},{"text":"مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١).\nلقد تأقلم أهل الكتاب على الكفر، وتأقلم المشركون على الشرك واستمروا عليه ودأبوا فيه ولا يكونوا لينفكوا عنه، فأرسل الله محمد ﷺ ليكسر هذا الاستمرار علي الباطل ويرجع الناس إلى الدين الحق بكتابٍ آياته ظاهراتٌ بيناتٌ واضحاتٌ. فالحمد لله رب العالمين.\n* * *\n_________\n(١) البينة: ١ - ٥.","vol":"2","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>الوصل الثالث\nفي:\n\"إن الدين عند الله الإسلام</span>\"","vol":"2","page":633},{"text":"إن من عرف الله ﷿ وعرف أنه متصف بالعلم والإرادة والقدرة وغير ذلك من الصفات الوجودية، وعرف أنه متصف بالقيومية والوحدانية وغير ذلك من الصفات السلبية، وعرف أنه الرب والمالك والإله، وأن من مقتضيات ذلك أن تكون له المالكية والحاكمية، ومن عرف أنه متصف بالرحمة والعدل والهداية، إن من عرف هذا كله لم يستغرب أن يبعث الله رسلًا يبينون لمن يدركون الخطاب من الخلوقات وهم الإنس والجن الدين الحق والعبادة الحق والشريعة الحق.\nوقد جرت سنته ﷻ أن يرسل الرسل إلى الأمم، وختم رسالاته برسالة محمد ﷺ وجعلها عامة للإنس والجن وباقية خالدة، فالإنس والجن مكلفون بها إلى يوم القيامة.\nوقد بعث الله رسله جميعًا مطالبين الخلق بالإسلام لله رب العالمين، فذلك هو دينه الذي لا يقبل سواه. وبعد أن طرأ على الرسالات السماوية القديمة ما طرأ، بعث الله محمدًا ﷺ بالقرآن المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكان القرآن بيانًا لدينه الإسلام الحق مصدقًا لما بين يديه من الحق وناسخًا للباطل، كما أنه ناسخ لكل ما خالفه وحاكم على كل ما عداه، وبيَّن ﷻ فيه أنه قد أكد هذا الدين وأنه لن يقبل من أحد دينا سواه:\n﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).\n﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢)، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٤).\nوكتاب هذا الدين هو القرآن، والشارح المعصوم له هو السنة، فنصوص الكتاب والسنة هي نصوص هذا الدين، وقد جعل الله كتابه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥)، وفصَّل\n_________\n(١) المائدة: ٣.\n(٢) آل عمران: ٨٥.\n(٣) الأعراف: ١٥٨.\n(٤) الفرقان: ١.\n(٥) النحل: ٨٩.","vol":"2","page":635},{"text":"رسول الله ﷺ بقوله وعمله وحاله وتقريره كل ما يحتاج إلى مزيد من التفصيل والبيان، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).\n* * *\nوقد جاء الإسلام وهناك أديان قائمة، منها ما أصوله سماوية ثم حُرِّفت، ومنها ما هو غير ذلك، وأهل كل دين متمسكون بما هم عليه، وأهل الأديان هؤلاء أنفسهم متفرقون وكل فرقة متمسكة بما هي عليه من الهوى، وبعث الله محمدًا ﷺ بالقرآن المعجزة الكبرى التي تضمنت معجزات كثيرة ليقيم الحجة على الخلق جميعًا وليكسر هذا الاستمرار على الباطل.\nومن قبل بعثته ﷺ كانت توجد بجانب الأديان فلسفات وشرائع ومذاهب وضعية، فهناك فلسفة اليونان وشرائع الرومان ومذاهب الدهريين والملحدين، وقد جاء الإسلام بالحق في كل شيء وكان الحاكم على كل شيء، فأبطل ما كان باطلًا وأقر ما كان حقًا.\n* * *\nوبعد مسيرة طويلة للإسلام صارع فيها الإسلام كل الأباطيل، وتوسع فيها على حساب كل الديانات والمذاهب والفلسفات والشرائع ولا زال ينتشر ويتوسع، ومع وضوح حججه وأنه دين الفطرة فإنه ما زال كثير من الناس مستمرين على ديانات باطلة ورثوها وتعتبر استمرارًا لأديان كانت موجودة قبل الإسلام: كالكونفوشيوسية والبوذية والبرهمية والجينية والمجوسية واليهودية والنصرانية وبقايا الوثنية، وهناك شرائع غير دينية أثرت في التشريعات العالمية كالتشريعات الرومانية، ونشأت بعد الإسلام ديانات باطلة كالسيخية، وبعض هذه الديانات الباطلة أنشأها أناس أصولهم مسلمون لكن ارتدوا كالقاديانية والبهائية كما رأينا، وقد نشأت قديمًا وحديثًا مذاهب وفلسفات أصبحت عند أهلها تشكل بديلًا عن الأديان، أو تحجمها كالشيوعية والعلمانية، وكل ذلك يدخل في صراع مباشر مع الإسلام.\nولقد تأثر بعض المسلمين بفكر أديان أخرى، ووجدت عند بعضهم اجتهادات خاطئة أو فهوم باطلة، فنشأت بسبب ذلك فِرَقٌ: بعضها قريب من الإسلام الصافي، وبعضها ابتعد\n_________\n(١) النحل: ٤٤.","vol":"2","page":636},{"text":"حتى ضل ضلالًا بعيدًا، وبعضها كفر ولم يبق له في الإسلام نصيب. وقد مر معنا شيء من ذلك.\nوكل ذلك أثرٌ عن الجهل بالله الذي يستتبع الجهل بأن الدين عند الله هو الإسلام، فمن عرف الله أسلم له بدينه الذي ارتضاه وكلف به الإنس والجن وأقام الحجة على الخلق به، وهو الإسلام كا جاءت به نصوص القرآن وبينته السنة المطهرة. فعلى الفِرق التي انشقت عن جسم الأمة الإسلامية أن تعيد النظر في موقفها على ضوء الكتاب والسنة، وعلى أهل الأديان أن يدخلوا في الإسلام الحق، وعلى أهل المذاهب الفكرية والفلسفية والسياسية أن يدخلوا في الإسلام وينبذوا ما عداه، وعلى الذين تأثروا بالفكر الغريب عن الإسلام من أبناء المسلمين حكامًا ومحكومين أن يتوبوا إلى الله وأن يتوبوا إلى الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة وصراطًا مستقيمًا. وبدون ذلك فإن أحدًا لا يعرف الله حق المعرفة ولا يعطي هذه المعرفة مقتضياتها وحقوقها.\nوأهم الأديان التي يواجهها الإسلام في عصرنا: اليهودية والنصرانية وبقايا الأديان الفارسية والديانات ذات المنشأ الهندي كالبراهمية والجينية والبوذية والسيخية، وهناك بقايا الوثنية المحضة وهناك الديانة الكونفوشيوسية. وأهم المذاهب الفلسفية السياسية التي يواجهها الإسلام: الفلسفة الشيوعية والفلسفة العلمانية التي فصلت الدين عن الدولة في كثير من بلدان العالم، ونجحت في أن تعطل شريعة الإسلام في كثير من أفكار المسلمين، وتتبناها أحزاب قومية وأحزاب وطنية، وبعض هذه الجهات تحاول أن تظهر وكأنها مسالمة للإسلام ولكنها في واقع الأمر تعطله. ومن المذاهب المعاصرة التي يواجهها الإسلام المذاهب الفلسفية والحياتية المتعددة الصور في الفقه والتاريخ والاجتماع.\nومما يواجهه الإسلام الفكر الوجودي ومذاهبه العملية التي تقوم على فكرة الانطلاق كما تشاء الأهواء:\n﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (١).\n_________\n(١) المؤنمون: ٧١.","vol":"2","page":637},{"text":"ومما يواجهه الإسلام في عصرنا جهات متعددة كل منها أخذ على عاتقه أن يهدم جزءًا من الثقافة الإسلامية أو يوجه الدراسات توجيها مخربًا، ودائرتا اللغة العربية والتاريخ والمحاولات الكثيرة للتهديم وللتوجيه فيها نموذجان. وإن البشر ليسيئون إلى أنفسهم في الدنيا والآخرة إذ يرفضون الدخول في الإسلام أو ينحرفون عنه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١).\n* * *\n_________\n(١) طه: ١٢٤.","vol":"2","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الوصل الرابع\nفي:\n\"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه</span>\"\nوفيه:\nمقدمة ونقول","vol":"2","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>المقدمة</span>\nإنه مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، فقد وُجد من يزعم أنه من أسلم لله من خلال الفلسفة أو من خلال دين من الأديان القديمة، فإنه يكون قد أدى حق الله عليه، وقد قطع الله ﷿ الطريق على أمثال هذه الأوهام فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٣). وإنه من يعرف الأديان التي عليها الناس اليوم ويقارنها بالإسلام يعرف نعمة الله ﷿ إذ طالبنا بالإسلام وحده ولم يقبل منا غيره، فقد آل أمر الأديان إلى ما لا يطاق عقلًا أو عملًا.\nولعل دراسة بسيطة لبعض الأديان التي كانت زمن إرسال رسول الله ﷺ ترينا عمليًا أنها لا تستحق أن يستمر عليها الإنسان وترينا نعمة الله على البشرية إذ أرسل لها محمدًا ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤)، لقد بعث محمد ﷺ ليقطع استمرارية الناس على ما هم فيه من كفر وشرك، وها نحن نجول بك جولة تأخذ بها تصورًا سريعًا عن بعض هذه الشؤون:\nإن الرحمة العظمى ببعثة محمد ﷺ تظهر في صور كثيرة؛ من ذلك هدى الله ﷿ إلى معرفته الحق وإلى عبادته الحق وإلى صراطه الحق وجعل كتابه معجزة تحوي معجزات وذلك من مظاهر الرحمة، قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥). ومن تأمل ضلال الخلق إلى جهلهم بالله وعدم قيامهم بحقوق عبادته وعبوديته وما يترتب على ذلك من انحراف وظلم ومظالم وأمراض وحروب عرف بعض مظاهر الرحمة الإلهية ببعثة محمد ﷺ.\nومن تأمل حال أهل الأديان المعروفة الآن في العالم وقارنها بالإسلام عرف رحمة الله ببعثته محمدًا ﷺ، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي\n_________\n(١) آل عمران: ١٩.\n(٢) آل عمران: ٨٥.\n(٣) البقرة: ٢٥٦.\n(٤) الأنبياء: ١٠٧.\n(٥) المائدة: ١٦.","vol":"2","page":641},{"text":"يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، إن هذه الآية فصلت في مظاهر رحمة الله ببعثة محمد ﷺ:\nإذ دلهم به على تقوى الله وعلى التكافل بين البشر بالزكاة وعلى الإيمان بآيات الله، ودلهم على القدوة الحق وهو رسول الله صلى لله عليه وسلم، ودلهم على ما هو خير وعلى ما هو منكر ووضع عنهم الأثقال والأغلال التي تحملها أصحاب الديانات، ودلهم على الجهة التي يجب أن ينصروها ويناصروها، ودلهم على ما يجب عليهم أن يفعلوه وما يصلحهم في أمر دنياهم وأخراهم، فهذا كله من مظاهر رحمة الله ببعثته محمدًا ﷺ للعالمين.\nومن تأمل الأديان التي عليها الناس اليوم عرف عظمة هذه الرحمة وقيمتها:\nفالديانة الكونفوشيوسية في الصين آلت إلى الوثنية والشرك فأتباع كونفوشيوس يعبدون السماء والملائكة وأرواح الآباء ويعتقدون أن السماء عالم حي متحرك، والبقية الباقية عندهم شيء من حكم سياسية أو اجتماعية فليس فيها هداية لله ولا لتعاليمه ولا لعبادته الحق.\nوالديانة الطاوية في الصين آلت إلى وثنية وسلبية، والسلبية فيها كافية للقضاء على متبعيها؛ فالزهد الطلق والتسامح الطلق وعدم رد العدون كائنًا ما كان كل ذلك كافٍ لخراب العالم.\nوالديانة البرهمية في الهند تقوم على الوثنية وتأليه كل شيء، كما تقوم على مبدأ الطبقات ونظامه القاسي؛ فهناك منبوذون وهناك حرفيون وهناك المحاربون وهناك البراهمة المقدسون، وتقوم على فكرة التناسخ الخرافية التي تدعي أن الروح تنتقل من الإنسان إلى مخلوق أحط منه إن أساء إلا إذا دخل في رياضات تعذيبية لجسده، لو أن كل إنسان طبقها لكانت كافية لخراب هذا العالم. ومن عاداتهم القديمة التي أبطلها الإنجليز أن المرأة تحرق نفسها إذا مات زوجها، ومن عبادات البرهمي أن يمسح جبينه ببول البقر صباحًا ومساءً، والفأر عندهم لا يجوز قتله والبقرة مقدسة.\n_________\n(١) الأعراف: ١٥٦، ١٥٧.","vol":"2","page":642},{"text":"والديانة البوذية آلت إلى الوثنية وتعذيب الجسد. ولوأن البوذيين طبقوا ما آلت إليه البوذية تطبيقًا حرفيًا لانتهوا وفنوا، فدين هذا شأنه مآل العالم على يديه إلى الهلاك.\nوالديانة الجينية في الهند تقوم على تعذيب الجسد واحتقار الرأي العام.\nوالديانة السيخية وهي ديانة حديثة النشوء لا تؤمن بالأنبياء أصلًا فن أين يعرف الإنسان هداية الله أصلًا.\nوالديانة اليهودية استقرت على الحقد والكبرياء وعلى أحكام لا تقبل التطبيق، ولذلك فإنه مع قيام دولة لليهود فإنها تقوم في أكثر قوانينها على العلمانية رغم شدة حرصهم على إبراز الهوية الدينية.\nوالديانة النصرانية استقرت على التثليث وعبادة الرسوم والأشكال والتماثيل، وعلى صور من التعذيب للجسد وعلى محاربة الفطرة مما يكفي- لو أن طبق ما يعتبر الأفضل عندهم- إلى خراب العالم، لذلك آلت دول العالم النصراني إلى العلمانية.\nوالديانة المجوسية آلت إلى عبادة إلهين: أحدهما الشيطان، وإلى عبادة النيران ونكاح الأخت وتقديس الأكاسرة.\nمن هذا الاستعراض السريع ندرك حكة الله ﷿ ورحمته بالخلق إذ بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وندرك حكة من الحكم: لماذا لا يقبل الله دينًا غير دين الإسلام.\nتعرف على الإسلام وانظر ماذا يكون لو استجاب له كل إنسان، وتعرف على الأديان وانظر كيف يؤول إليه أمر العالم لواستجاب العالم لأي دين منها، فإنك تجد رحمة الله ببعثته محمدًا ﷺ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (١).\nوهاك نقولًا تصف لك صورًا عما في بعض الأديان المعاصرة لتعرف رحمة الله على العالمين ببعثته محمدًا ﷺ وتعرف حكمة من حكم قوله تعالى:\n﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢).\n_________\n(١) البينة: ١ - ٣.\n(٢) آل عمران: ٨٥.","vol":"2","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>النقول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>١ - نقول عن البرهمية</span>\nبعد أن ذكر أبو الحسن الندوي كثرة آلهة البراهمة قال:\nزد إلى ذلك عبادتهم لإله التناسل لإلههم الأكبر \"مهاديو\"، وتصويرها في صورة بشعة، واجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال وبنات، زد إليه كذلك ما يحدث به بعض المؤرخين أن رجال بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات والنساء يعبدن الرجال العراة، وكان كهنة المعابد من كبار الخونة والفساق الذين كانوا يرزعون الراهبات والزائرات في أعز ما عندهن.\nوقال أبو الحسن عن نظام الطبقات: يقسم هذا القانون أهلَ البلاد إلى أربع طبقات ممتازة وهي: البراهمة، طبقة الكهنة ورجال الدين، شتري رجال الحرب، ويش رجال الزراعة والتجارة، شودر رجال الخدمة.\n(وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقًا ألحقتهم بالآلهة فقد قال: إن البراهة هم صفوة الله وهم ملوك الخلق، وإن ما في العالم هو ملك لهم فإنهم أفضل الخلائق وسادة الأرض، ولهم أن يأخذوا من مال عبيدهم شودر- من غير جريرة- ما شاءوا؛ لأن العبد لا يملك شيئًا وكل ماله لسيده.\nوإن البرهمي الذي يحفظ رك ويد \"الكتاب المقدس\" هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز للملك حتى في أشد ساعات الاضطرار والفاقة أن يجبي من البراهمة جباية أو يأخذ منهم إتاوة، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعًا، وإن استحق برهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل.\nأما الشتري فإنهم وإن كانوا فوق الطبقتين، \"ويش وشودر\" ولكنهم دون البراهمة بكثير فيقول \"منو\": إن البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشتري الذي ناهز مائة كما يفوق الوالد ولده.\nالمنبوذون الأشقياء: أما شودر \"المنبوذون\" فكانوا في المجتمع الهندي- بنص هذا القانون المدني الديني- أحط من البهائم وأذل من الكلاب، فيصرح القانون بأن \"من سعادة شودر","vol":"2","page":644},{"text":"أن يقوموا بخدمة البراهمة وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك، وليس لهم أن يقتنوا مالًا أو يدخروا كنزًا فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمى يدًا أو عصًا ليبطش به قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله، وإذا همَّ أحد من المنبوذين أن يجالس برهميًا فعلى الملك أن يكوي استه وينفيه من البلاد. وأما إذا مسه بيد أو سبه فيقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتا فائزًا، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء\" أ. هـ (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>٢ - نُقولٌ عن الجينية وهى إحدى الديانات الهندية</span>\nقال الدكتور شلبي في كتابه: \"أديان الهند\":\n(وللوصول للنجاة يتحتم على الناسك ألا يوقع أذى بإنسان أو حيوان، وعليه أن يدرك أن احترام الحياة أقدس ما عني به مهاويرا، وعلى هذا يحرم عليه قتل الحيوان وبالتالي أكل اللحوم).\n(ولا بد للنجاة كذلك من قهر جميع المشاعر والعواطف والحاجات، ومؤدى هذا ألا يحس الراهب بحب أو كره، ولا بسرور أو حزن، ولا بحرٍّ أو برد، ولا بخوف أو حياء، ولا بجوع أو عطش، ولا بخير أو شر. والجيني بذلك يصل إلى حالة من الجمود والخمود والذهول فلا يشعر بما حوله، ودليل ذلك أن يتعرى فلا يحس بحياء ويُنتَف شعره فلا يتألم، لأنه لو أحس بما في الحياة من خير وشر أو نُظُمٍ متفقٍ عليها، فمعنى هذا أنه لا يزال متعلقًا بها خاضعًا لمقاييسها، وهذا يبعده عن النجاة. ولما كان أبرز ما في هذا التنظيم هو العري، والجوع حتى الموت، سميت الجينية دين العري ودين الانتحار.\nالعري والانتحار في الجينية:\nوعن فكرة العري يقول أحد علماء الجينية في محاضرة له عنها:\nيعيش الرهبان الجينيون عراة، لأن الجينية تقول: ما دام المرء يرى في العري ما نراه نحن، فإنه لا ينال النجاة، فليس لأحد أن ينال نجاة مادام يتذكر العار، فعلى المرء أن ينسى ذلك بتاتًا ليتمكن من اجتياز بحر الحياة الزاخر، فطالما تذكر الإنسان أنهُ يُوجد خيرٌ","vol":"2","page":645},{"text":"أو شر، حُسنٌ أو قبح فمعناه أنه لا يزال متعلقًا بالدنيا وبما فيها فلا يفوز بـ\"موشكا\" أي النجاة.\n(ويرى الجينيون أن الشعور بالحياء يتضمن تصور الإثم، وعلى العكس من ذلك فعدم الشعور بالحياء معناه عدم تصور الإثم وذلك زيادة في النقاء، فعلى كل ناسك يريد أن يحيا حياة بريئة من الإثم أن يعيش عاريًا، ويتخذ من الهواء والسماء لباسا له.\nأما الانتحار فقد كان نتيجةً للتخلي عن كل عمل، وترك كل ما يغذي الجسم لعدم الإحساس بالجوع، ولقطع الروابط بالحياة، وللتدليل على أن الراهب أو الراهبة لم يبق له اهتمام بهذا الجسد الفاني، فهو يجيعه، وينتف شعره، ويعرضه لظواهر الطبيعة القاسية حتى الموت. وقد انتشر الانتحار بالجوع بين رهبان الجينيين قديمًا) أ. هـ شلبي.\nومن المعروف عند علماء الأديان:\nأن مهافيرا مؤسس الجينية عاش قبل أن يبدأ دعوته في وسط الرخاء وطيب العيش حيث انحدر من طبقة الكاشتريا طبقة الملوك والقواد والحكاء في الهندوسية.\nوكان وهو صغير يحب الجلوس إلى الرهبان والنساك، فتأثر بفلسفتهم وعزف عن المتع ومال إلى الرهبنة والزهد ونذر أن لا يتكلم اثني عشر عامًا، قضاها بالتأمل والتفكير وخرج بعدها ليعلن مذهبه للناس.\nوعندهم ما يعرف بالأصول السبعة لتطهير الروح: مثل أخذ العهود والمواثيق بوجوب التمسك بالخلق الحميد والتقليل من الحركات البدنية، والتحلي بالفضائل، والتفكير بالحقائق الأساسية، والسيطرة على متاعب الحياة التي تنشأ من الأعراض الجسمانية التي تنشأ من الجوع والبرد، والقناعة الكاملة، والطمأنينة.\nولم يعترفوا بالله وذلك حتى لا ينشًا طبقة جديدة من البراهمة، ولكن خوفًا من الهندوسية اعترفوا بإلهة الهندوس.\nويقول مهافيرا بالتناسخ لأن تخليص الروح من جسمها المادي لا يتم إلا بالتقشف والحرمان من الملذات فإذا انتهت روحه من ماديتها يرجع روحًا خالدًا.","vol":"2","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>٣ - نقول عن البوذية</span>\nقال أبو زهرة في كتابه \"مقارنات الأديان\" بعد أن ذكر الوصايا العشر عند البوذيين:\n(هذه هي الوصايا العشر التي يأخذ بها البوذي ليروض إرادته على ترك الملاذ، والعكوف على المجاهدة وتهذيب الذات، وتخفيف ويلات الحياة، ومنها ترى أنهم يحثون على عدم أخذ الذهب والفضة، كأنهما الأمر الذي تضل عنده الأفهام، وتستيقظ حوله المطامع وكأنهما مدخر اللذة، لاستعانة الناس بهما في اجتراع اللذات، واجترار الشهوات، ولهذا النهي عن اقتناء الذهب والفضة قال العلماء: إن البوذية تحث على عدم الملك، وتطالب البوذي أن لا يملك شيئًا ولا يقتني شيئًا. فهو يطلب طعامه يومًا بعد يوم، ولا يدخر من يومه إلى غده.\nولقد كان هذا سببًا في أن ينقسم البوذيون إلى قسمين:\nأحدهما: البوذيون الدينيون الذين أخذوا انفسهم بالتعاليم السابقة لا يحيدون عنها قيد أنملة، وقيدوا أنفسهم بأنواع من الأطعمة لا يعدونها، ويحرمون كل شيء غيرها، ولا يلبسون إلا خشن الثياب ولا يرضون إلا جَشْبَ (١) العيش، لما راضوا أنفسهم عليه، من ترك كل لذات الحياة وراءهم ظهريًا، ليستولوا عليها ويمتنعوا عن آلامها.\nأما الفرقة الثانية: فهي الفرقة التي تركت هذه التعاليم ولكن رأت أن عليها واجب كفالة الفرقة التي ذكرناها.\nوالمهم أن نعرف أن التعاليم التي آلت إليها البوذية لو أنها طبقت حرفيًا لفنت البشرية). أهـ (مقارنات الأديان.\nويعرف بعض علماء مقارنة الأديان البوذية بأنها:\nديانة التأمل في الباطن والرحمة وإنكار الذات، ويبدومما ألف عن بوذا أنه كان وديع المعاملة رقيق الكلام رحيمًا شفوقًا مما حببه إلى الناس وسبب لدعوته النجاح.\nوخلاصة الوصايا التي أوصى بها بوذا:\n_________\n(١) جَشبَ: جشبًا؛ غلُظ وخشُن فهو جشبٌ ومجشابٌ. كذا في الوسيط.","vol":"2","page":647},{"text":"١ - لا تزهق روحًا، ٢ - لا تأخذ ما لا تستحق، ٣ - لا تزن، ٤ - لا تكذب ولا تغش، ٥ - لا تسكر، ٦ - كُلّ باعتدال، ٧ - لا تشهد رقصًا ولا تسمع غناءٌ أو تمثيلًا، ٨ - لا تلبس حليًا ولا تتعطر ولا تتخذ زينة، ٩ - لا تنم في فراش باذخ، ١٠ - لا تقبل ذهبًا ولا فضة.\nوهذه الوصايا قريبة إلى وصايا الأنبياء، ومن هنا قيل إنه كان نبيًا أوحي إليه، وقد حرفت ديانته بعده كما حدث لبقية الأديان، ولا نستطيع الجزم بذلك؛ لأن الجزم بذلك يحتاج إلى نص من كتاب أو سنة، وليس هناك من نص إلا أن الله ﷿ أخبرنا أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١).\nوأهم كتب بوذا هي التي تحفظ أحاديثه وأقواله وأمثاله وينسبونها إلى بوذا ولا يدعون نزولها من السماء.\nوالمشهور أنه لم تكن على زمن بوذا طقوس معينة ولكن بعد وفاته أضيفت بعض الطقوس فيصلون أمام تمثال بوذا ويصومون بأوقات معينة بالامتناع عن الطعام والشراب عدا الحليل من نصف النهار حتى فجر اليوم التالي.\nويحجون بالذهاب إلى الهند ونيبال لزيارة الأماكن الأربعة المقدسة عندهم وهي: مكان ولادة بوذا، والمكان الذي أشرقت فيه الحقيقة تحت الشجرة، والمكان الذي بدأ دعوته منه، ومكان وفاته، ولا موسم للحج عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>٤ - نُقولٌ عن ديانات الفرس</span>\nقال أبو الحسن الندوي في كتابه: \"ماذا خسر العالم\":\n(ولم تزل المحرمات النسبية التي تواضعت على حرمتها ومقتها طبائع أهل الأقاليم المعتدلة موضع خلاف ونقاش، حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ثم قتلها، وإن بهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس كان متزوجًا بأخته.\nيقول البروفسور \"أرتهر كرستن سين\" أستاذ الألسنة الشرقية في جامعة كوبنهاجن\n_________\n(١) فاطر: ٢٤.","vol":"2","page":648},{"text":"بالدنمارك المتخصص في تاريخ إيران في كتابه (إيران في عهد الساسانيين):\n\"إن المؤرخين المعاصرين للعهد الساساني مثل (جاتهياس) وغيره يصدقون بوجود عادة زواج الإيرانيين بالمحرمات، ويوجد في تاريخ العهد الساساني أمثلة لهذا الزواج، فقد تزوج بهرام جوبين وتزوج جشتسب قبل أن يتنصر بالمحرمات ولم يكن يعد هذا الزواج معصية عند الإيرانيين، بل كان عملًا صالحًا يتقربون به إلى الله، ولعل الرحالة الصيني (هوئن سوئنج) أشار إلى هذا الزواج بقوله: إن الإيرانيين يتزوجون من غير استثناء\".\nظهر \"ماني\" في القرن الثالث المسيحي، وكان ظهوره رد فعل عنيف غير طبعي ضد النزعة الشهوية السائدة في البلاد، ونتيجة منافسة النور والظلمة الوهمية، فدعا إلى حياة العزوبة لحسم مادة الفساد والشر من العالم، وأعلن أن امتزاج النور بالظلمة شر يجب الخلاص منه، فحرَّم النكاح استعجالًا للفناء وانتصارًا للنور على الظلمة بقطع النسل، وقتله بهرام سنة ٢٧٦ م قائلًا: \"إن هذا خرج داعيًا إلى تخريب العالم، فالواجب أن يبدأ بتخريب نفسه قبل أن يتهيأ له شيء من مراده. ولكن تعاليمه لم تمت بموته بل عاشت إلى ما بعد الفتح الإسلامي.\nثم ثارت روح الطبيعة الفارسية على تعاليم ماني المجحفة، وتقمصت دعوة مزدك الذي ولد ٤٨٧ م، فأعلن أن الناس ولدوا سواء لا فرق بينهم، فينبغي أن يعيشوا سواء لا فرق بينهم، ولما كان المال والنساء مما حرصت النفوس على حفظه وحراسته كان ذلك عند مزدك أهم ما تجب فيه المساواة والاشتراك، قال الشهرستاني: \"أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ\". وحظيت هذه الدعوة بموافقة الشبان والأغنياء والمترفين وصادفت من قلوبهم هوى، وسعدت كذلك بحماية البلاط، فأخذ قباذ يناصرها ونشط في نشرها وتأييدها، حتى انغمست إيران بتأثيرها في الفوضى الخلقية وطغيان الشهوات، قال الطبري: \"افترص السفلة ذلك واغتنموا وكاتفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده ولا المولود أباه، ولا يملك شيئًا مما يتسع به\" إلى أن قال: \"ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم، حتى حمله مزدك على ما حمله عليه، فانتشرت الأطراف وفسدات الثغور) أ. هـ.","vol":"2","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>٥ - نقولٌ عن اليهودية</span>\nقال الدكتور شلبي في كتابه عن اليهودية:\n(تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، كما أن الابن جزء من أبيه [زعموا]. ويقول التلمود بالتناسخ، وهو فكر تسرب لبابل من الهند وأخذه حاخامات بابل من المجتمع البابلي).\n(ويُلْزِمُ التلمود بني إسرائيل أن يغشوا سواهم فقد جاء فيه: يلزم أن تكون طاهرًا مع الطاهرين ودنسًا مع الدنسين ....\nويجيز التلمود استعمال النفاق مع غير اليهود، ولا يجيز أن يقدم اليهود صدقة لغير اليهود).\n(ليست لأرواح غير اليهود حرمة لدى اليهود، فقد جاء في التلمود: محرم على اليهودي أن ينجي أحدًا من الأمميين من هلاك أو يخرجه من حفرة يقع فيها، بل إذا رأى أحد الأمميين يقع في حفرة لزمه أن يسدها بحجر، وقال \"ميمانود\": الشفقة ممنوعة بالنسبة لغير اليهودي، فإذا رأيته واقعًا في نهر أو مهددًا يخطر فيحرم عليك أيها اليهودي أن تنقذه؛ لأن السكان الذين كانوا في أرض كنعان وقضت التوراة بقتلهم جميعًا لم يقتلوا عن آخرهم، بل هرب بعضهم واختلط بباقي أمم الأرض، ولذلك يلزم قتل غير اليهودي لاحتمال أن يكون من هؤلاء الهاربين.\nوينص التلمود على أن من العدل أن يقتل اليهودي كل أممي لأنه بذلك يقرب قربانًا إلى الله).\nالمرأة في التلمود:\nقال موسى: لا تشته امرأة قريبك، فمن يزنِ بامرأة قريبه يستحق الموت. ولا يعتبر التلمود القريب إلا اليهودي فقط، فإتيان زوجات الأجانب جائز، واستنتج من ذلك الحاخام (رشي) أن اليهودي لا يخطئ إذا تعدى على عرض الأجنبي، لأن كل عقدِ نكاحٍ عند الأجانب فاسد، لأن المرأة التي لم تكن من بني إسرائيل هي كبهيمة، والعقد لا يوجد","vol":"2","page":650},{"text":"مع البهائم وما شاكلها، وقد أجمع على هذا الرأي الحاخامات (بشاي وليفي وجرسون) فلا يرتكب اليهودي محرمًا إذ أتى امرأة مسيحية، وقال (ميمانود) إن لليهود الحق في اغتصاب النساء الغير مؤمنات أي الغير يهوديات) أ. هـ.\nومن هذه النقول ندرك الفارق بين الإسلام وغيره، ونعرف نعمة الله ﷿ بإرساله محمدًا ﷺ بشيرًا للعالمين ونذيرًا ومعلمًا ومربيًا ومزكيًا. ونعرف سرًا من أسرار قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١).\n* * *\n_________\n(١) آل عمران: ٨٥.","vol":"2","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>الفصل الثالث\nفي:\nالإيمان بالقدر</span>\nوفيه:\nمقدمة ومسائل ونصوص وتلخيص","vol":"2","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المقدمة</span>\nذكرنا الإيمان بالقدر، وهو الركن السادس من أركان الإيمان بعد الإيمان بالله لأنه في الحقيقة فرع الإيمان بالله وفرع معرفته، فمن عرف الله حق المعرفة وعرف صفاته من إرادة وقدرة وعلم آمن بالقدر ضرورةٌ، ولذلك قدمناه ههنا.\nوالنصوص كثيرة وواضحة في إثبات القدر، لكن القرآن ذكر أركان الإيمان الخمسة مجتمعة مع بعضها، وذكر القدر منفردًا لأنه كما قلنا فرع الإيمان بالله، أما السنة ذكرت الأركان الستة مع بعضها كما ورد في حديث جبريل ﵇: \"قال [أي جبريل]: فأخبرني عن الإيمان. قال [أي رسول الله ﷺ]: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى. قال [أي جبريل]: صدقت. قال [الراوي]: فعجبنا له يسأله ويصدقه\".\nلقد ذكرت أركان خمسة من أركان الإيمان في القرآن بجانب بعضها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١).\nوجاء ذكر القدر في أكثر من مكان: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢)، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (٣)، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٥).\n* * *\nإن عقيدة القضاء والقدر هي التحقيق لمعانٍ متعددة تشمل:\nمعرفة الله والعبودية له والاستسلام والتسليم والتوكل، وهي تأكيد لعقيدة أهل السنة والجماعة بأن كل شيء بإرادة الله وعلمه وقدرته، وهي لا تنفي الاختيار ولا تعني الجبر.\nإن هناك مشيئة نافذة وقدرًا تمضي عليه أمور هذا العالم، وهذا لابد منه؛ لأن هذا\n_________\n(١) النساء: ١٣٦.\n(٢) القمر: ٤٩.\n(٣) الحديد: ٢٢، ٢٣.\n(٤) الرعد: ٣٩.\n(٥) الزخرف ٤.","vol":"2","page":655},{"text":"العالم مظهر لأسماء الله ومظهر للتعرف على الله.\nفاقتضت حكة الله أن يكون الجزء الاختياري الذي تقوم به الحجة على الخلق موجودًا ومحسوسًا، ولكن بدلًا من أن يكون ذلك على طريقة القوة المودعة كما تقول المعتزلة كان ذلك بالإمداد المباشر، ومن سوء الفهم لهذه الحقيقة وقع الخلط والخبط، فالمعتزلة لم يتصوروا الاختيار إلا من خلال القوة المودعة، والجبرية رأوا واقع الحال أن كل شيء بعلم الله وإرادته وقدرته، فقالوا بالجبر المحض، وأهل السنة والجماعة رأوأن الاختيار أصل، فقدرة الله تعمل على وفق مشيئته، ومشيئته تعمل على وفق علمه، والعلم كاشف لا مجبر، ولكن أبى الله أن يكون معه فاعل يستقل بخلق شيء، ومن ههنا كان الإيمان بالقدر هو فرع الإيمان بالله، فمن عرف علم الله وإرادته وقدرته آمن بالقدر، فالله يعلم الأشياء كلها أزلًا وخصص أزلًا ما أراد وجوده منها بالوجود، وأبرزت قدرته ما أراد، وسجل ذلك كله في اللوح المحفوظ وذلك هو القدر. فالقضاء والقدر يتضمنان الإيمان بعلم الله وإرادته وقدرته، كما يتضمنان الإيمان باللوح المحفوظ لأن الله أخبرنا عن ذلك:\nفالقدر: هو علم الله تعالى بالأزل بما تكون عليه المخلوقات كلها في المستقبل.\nوالقضاء: هو إيجاد الله الأشياء حسب علمه الأزلي وإرادته.\nوبعضهم عكس التعريف.\nهذا وقد تطلق كلمة القدر على النظام المحكم الذي أقام الله عليه أمر الوجود وذلك داخل في القدر بمعناه الأشمل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١)، على أحد وجهين في التفسير: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢)، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٣).\nإن الناس بالنسبة للخلق والخالق أقسام:\n١ - الماديون الذين يؤمنون بالمادة ويلحدون بالله ﷿.\n٢ - القائلون بقدم المادة مع الإيمان بالله ﷿\n_________\n(١) القمر: ٤٩.\n(٢) الحجر: ٢١.\n(٣) الرعد: ٨.","vol":"2","page":656},{"text":"٣ - القائلون بالخلق مع الإيمان بعدم التدخل وإنما هي أسباب وقوانين ولا دخل للإرادة الإلهية أو القدرة الإلهية.\nوهذه الفرق الثلاثة كافرة بإجماع أهل السنة والجاعة.\n٤ - القائلون بالخلق مع الإيمان بالقوة المودعة والتدخل الجزئي.\nوقد اختلف أهل السنة والجاعة في هؤلاء فمن مُكفِّرٍ ومن مُضَلِّل.\n٥ - القائلون بالخلق واحتياج هذا الخلق إلى إمداد مستمر، وأن كل شيء ابتداء إنما كان بعلم الله وإرادته وقدرته، وأن الإمداد الإلهي مستمر، فكل شيء بعلم الله وإرادته وقدرته بدءًا واستمرارًا.\nهؤلاء القائلون بمسألة خلق العبد وأفعاله وكل شيء ابتداءً وانتهاءً واستمرارًا هم أهل السنة والجماعة. ولهذه العقيدة تشهد النصوص. وبعض العلماء الذين لم يتلقوا عقائد أهل السنة والجماعة يغلطون في هذا الأمر ويغلِّطون، وهم على مذهب المعتزلة ولا يشعرون، وما ذلك إلا لغلبة الحس عليهم؛ لأن المسألة تدور بين صور:\n١ - علم الله أزلًا فأراد فأبرز بقدرته.\n٢ - أو علم الله ولم ايراد وحدث شيء غصبًا عنه\n٣ - أو علم ولم يرد وأعطى الخلق قدرة.\n٤ - أو علم ولم يرد وأبرز بقدرته.\n٥ - أو علم ولم يرد ولم يبرز بقدرته.\nالصورة الأولى هي التي تتفق وجلال الربوبية، والإيمان بها هو الذي يتحقق معه التكليف بالعبودية، وتنسجم مع فكرتيْ التوكل والدعاء، وهي مظهر كل الله الأرق والأعلى، وذلك يتفق مع قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١)، والصورة الأولى هي التي تحقق الإيمان بالقدر.\n_________\n(١) الأنبياء: ٢٣.","vol":"2","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المسائل</span>\nأولًا: يجب على العبد أن يصدق بالقدر، وأن يستسلم لله ﷿ فيما قدره له.\nثانيًا: أن التسليم فيما يقع يجب أن يرافقه شكر على الطاعة وتوبة عن المعصية.\nثالثًا: أن يعتقد المسلم أنه مختار فيما يستقبل من الزمن في الأمور التكليفية، ويتصرف على أنه مختار.\nرابعًا: أن يسلم لله حكمه في شأن القدر وألا تدخل عليه الوسوسة في كيفية الجمع بين الاختيار والكسب وبين أن كل شيء بإرادة الله وقدرته، فالله علم ما كان وما يكون فأراده فأبرزه بقدرته وههنا حد لا يسأل عنه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (١).\nخامسًا: هناك فارق بين المشيئة الإلهية من جهة وبين الأمر والرضا من جهة أخرى، فكل شيء كان ويكون بإرادته ولكن ليس كل شيء كان ويكون بأمره التشريعي أو رضاه، فكفر الكافر ومعصية العاصي ليست بأمره التشريعي ولا برضاه لكنها بإرادته: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٢)، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣).\nسادسًا: لا يصح احتجاج الكافر والضال والفاسق بالمشيئة على الكفر والمعصية والضلال.\nسابعًا: الخوض بالقدر من علامة اضطراب القلب وعدم طمأنينته، ولذلك فقد كُرِه البحث في القدر؛ لأن الكلام غير الدقيق فيه قد يؤدي إلى التشويش.\nثامنًا: نفت بعض الفرق الإسلامية القدر خشية أن تنسب إلى الله الظلم في فهمها فوقعت في ظلم أشد لأنها نفت عن الله ﷿ شمول الإرادة وشمول القدرة وشمول العلم.\nوالخلاصة:\nإن الإيمان بالقدر هو المظهر الأعلى لمعرفة الله ولعرفة صفاته وأفعاله. وهو الذي\n_________\n(١) الأنبياء: ٢٣.\n(٢) الأعراف: ٢٨.\n(٣) فاطر: ٨.","vol":"2","page":658},{"text":"يناسب مقام الإنسان في العبودية. وهو الذي يتفق وافتقار الإنسان. وهو الذي يسبغ على الإنسان رضًا وسعادة. وهو الذي يعطي الإنسان شجاعة وإقدامًا. والإيمان بالقدر هو مفتاح التوكل على الله. وهذه وغيرها إيجابيات عقيدة القدر. فنحن مكلفون بآن واحد بأشياء: نحن مكلفون بالإيمان بالقدر، ومكلفون في الوقت نفسه بالتوكل، ومكلفون بالعمل والأخذ بالأسباب. فالمعرفة والإيمان والتسليم والعمل هي آداب المسلم في هذا المقام:\n﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١).\n* * *\nلقد اختلف أهل السنة والجماعة مع المعتزلة في مسائل:\nمنها خلق أفعال العباد، ومنها شمول تعلق صفتي الإرادة والقدرة بكل ما يجري في هذا العالم.\nقال المعتزلة بأن العبد يخلق أفعال نفسه، وقالوا بالقوة المودعة؛ فالله ﷿ جعل الأسباب تعمل على وفق ما أودعها فيه دون أن تكون لإرادته وقدرته تدخل مباشر في يجري، وهذا وهذا من عقائد المعتزلة يتنافى مع النصوص، فالله ﷿ قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٣)، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤)، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٥)، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٦)، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ (٧). ومن أذكار الإسلام: \"لا حول ولا قوة إلا بالله\". ومن أسماء الله: القيوم، وذلك يقتضي أن كل شيء لا يقوم إلا به، ومن أسماء الله: الصمد، وهذا يقتضي أن الخلق دائمو الاحتياج إلى الله، ومن أسمائه: المعز والمذل والقابض والباسط والقدم والمؤخر والمحي والمميت، وذلك يدل على أن كلِّ ما يجري فعله قد خلقه الله ﷻ، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٨)، وهذا\n_________\n(١) الكهف: ٢٩.\n(٢) الزمر: ٦٢.\n(٣) التوبة: ١٤.\n(٤) الأنفال: ١٧.\n(٥) الشعراء: ٨٠.\n(٦) الواقعة: ٦٣، ٦٤.\n(٧) الأعراف: ١٥٥.\n(٨) الرحمن: ٢٩.","vol":"2","page":659},{"text":"يتنافى مع القول يخلق الإنسان أفعال نفسه ومع القول بالقوة المودعة، لأن القول بهاتين الفكرتين يؤدي إلى القول بأن الله ﷿ خلق الأسباب والمسببات وتركها تجري بما أودعه فيها دون أن يكون له تدخل مباشر فيما يجري، وأين هذا من فكرة الدعاء وفكرة التوكل؟ وأين هذا من النصوص وما أكثرها؟ لو أنك تأملت فاتحة الكتاب وحدها لرأيت فيها أكثر من دليل على مذهب أهل السنة والجماعة، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) يفيد أن كل أنواع الحمد لله لأنه هو الفاعل على الحقيقة فهو المستحق للحمد، وأي حمد إنما ينبغي أن يكون له، فإذا حمدت إنسانًا على شيء فإن هذا الشيء بالله ومن الله، فالله هو المستحق للحمد وحده، وهذا يشهد لعقيدة أهل السنة والجماعة، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) فيه دليل لأهل السنة والجماعة، فكيف نستعين به على العبادة إذا لم يكن له تدخل فيما يجري، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣) دليل لأهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه، فلو لم تكن الهداية بيده فكيف تطلبها منه في اليوم كذا مرة، إن نصوص الكتاب والسنة تشهدان لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء مفتقر إلى الله وأن كل ما يجري بإمداد الله وبفعله. ولكون القول بأن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ولكون القول بالقوة المودعة يخدش الإيمان بالقدر فقد تأتى أهل السنة والجماعة المعتزلة \"بالقدرية\" أي نفاة القدر واعتبروهم امتدادًا لنفاة القدر بالكامل.\nفالإيمان بالقدر يدخل فيه الإيمان بأن الله ﷿ علم أزلًا فأراد أزلًا فأبرز بقدرته وسجل ذلك في اللوح المحفوظ، وما يجري الآن وما سيجري كل ذلك أثر علمه وإرادته وقدرته وعلى مقتضى ما سجله في اللوح المحفوظ.\nوإذ كان موضوع القدر تتفرع عنه مسائل كثيرة، وينبثق عن أصول كبيرة، والدخول في تفصيلاته يدخلنا في هذه المسائل والأصول، وليس كل إنسان مؤهلًا للخوض في ذلك والوصول إلى شاطئ السلامة في هذا الشأن؛ فقد كُرِه الخوض في القَدَر إلا بالقدر الذي\n_________\n(١) الفاتحة: ٢.\n(٢) الفاتحة: ٥.\n(٣) الفاتحة: ٦.","vol":"2","page":660},{"text":"يقرره وينفي الشبهة عنه، لقد سئل الإمام أحمد عن القدر فقال: \"القدر قدرة الرحمن\". وقال الطحاوي: \"وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء الله، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره\".\nتأمل قول هذين العالمين، وتأمل قوله ﵊ وقد سئل:\n٦١٤ - * روى الترمذي عن أبي خُزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رُقاةٌ نسترقي بها، ودواءٌ تتداوى به، وتقاةٌ نتقيها، هل ترد من قدرِ الله شيئًا؟ قال: \"هو من قدر الله\".\nوتأمل قوله ﵇ لمن سأله: أيترك ناقته بلا عقل ويتوكل؟ فقال: \"اعقلها وتوكل\".\nلتعلم أن القدر ترتبط فيه مسائل كثيرة، فهو مجمع أسرار العقيدة الإسلامية في باب الألوهية، ولذلك كان الإيمان بالقدر والقيام بالتكليف مع الأخذ بالأسباب هي من علامات التوفيق الرباني.\nوهذه نصوص في القدر:\n_________\n٦١٤ - الترمذي (٤/ ٣٩٩) ٣٩ - كتاب الطب ٢١ - باب ما جاء في الرقى والأدوية.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو كما قال.\n(تقاةٌ): التقاة: ما يُتقى ويُحذر.","vol":"2","page":661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>النصوص</span>\n٦١٥ - * روى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: \"خلق الله ﷿ آدم حين خَلَقَه فَضَرب كَتِفَه اليمنى فأخرج ذُرِّيَّةً بيضًا كأنهم الذرُّ، وضرب كتف اليسرى فأخرج ذُرِّيَّةً سودًا كأنهم الحُمَمُ، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي. وقال للذي في كفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي\".\n٦١٦ - * روى أحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السُّلَمي أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ﷿ خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي\" فقال قائل: يا رسول الله فعلام ذا نعمل؟ قال: \"على مواقع القدر\".\n٦١٧ - * روى البزار عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال في القبضتين: \"هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه\". قال: فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر.\n٦١٨ - (٤) روي الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله خَلَقَ خلقه في ظُلمةٍ، فألقى عليهم من نُوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ، فلذلك أقول: جفَّ القلمٌ على عِلم الله\".\n_________\n٦١٥ - أحمد (٦/ ٤٤١).\nوكشف الأستار (٣/ ٢١).\nمجمع الزوائد (٧/ ١٨٥). وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(الحُمم): الفحم.\n٦١٦ - أحمد (٤/ ١٨٦).\nوالحاكم (١/ ٣١). وقال: هذا حديث صحيح. وهو صحيح.\n٦١٧ - كشف الأستار (٣/ ٢٠).\nوالروض الداني (١/ ٣٢٥).\nقال الهيثمي (٧/ ١٨٦): رواه البزار والطبراني في الصغير ورجال البزار رجال الصحيح.\n٦١٨ - الترمذي (٥/ ٢٦) ٤١ - كتاب الإيمان ١٨ - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة. وقال: هذا حديث حسن.\nوأحمد (٢/ ١٧٦). =","vol":"2","page":662},{"text":"٦١٩ - * روى البخاري وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: حاجَّ آدم موسى، فقال [موسى]: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم\"؟ قال: \"فقال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمرٍ كتبه الله عليَّ قَبْل أن يخلقني؟ أو قدَّره عليَّ قبل أن يخلقني؟ \" قال رسول الله ﷺ: \"فحجَّ آدم موسى\".\nوفي رواية (١) قال: \"احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمرٍ قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين عامًا؟ \" قال النبي ﷺ: \"فحجَّ آدمُ موسي، [فحجَّ آدم موسي] \".\nوفي أخرى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \"احتجَّ آدمٍ وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ \".\nوفي رواية (٣): \"أخرجتنا وذريتك من الجنة، قال: أنت موسى؟ أليس الله اصطفاك برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق؟ \".\nوفي أخرى (٤) قال النبي ﷺ: \"التقى آدم وموسى، قال موسى: أنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ قال آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته واصطنعك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدتها، كتب عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحجَّ أدم موسى\".\n_________\n= والإحسان بترتيب ابن حبان (٨/ ١٦) كتاب التاريخ- باب بدء الخلق، والحديث إسناده حسن.\n٦١٩ - البخاري (٨/ ٤٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير، ٣ - باب: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾.\nمسلم (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٤) ٤٦ - كتاب القدر، ٢ - باب حجاج آدم وموسى ﵉.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n(٢) البخاري (٦/ ٤٤١) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء، ٣١ - باب وفاة موسى.\n(٣) البخاري (١٣/ ٤٧٧) ١٧ - كتاب التوحيد، ٣٧ - باب ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.\n(٤) البخاري (٨/ ٤٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.","vol":"2","page":663},{"text":"ولمسلم (١): أن النبي ﷺ قال: \"تحاجَّ آدم وموسي، فقال له موسي: أنت آدمُ الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه برسالاته؟ قال: نعم. قال: فتلومني على أمر قُدِّر عليَّ قبل أن أخلق؟ \".\nوفي أخرى (٢) له قال: \"احتجَّ آدم وموسي عند ربهما، فحجَّ آدم موسي؛ قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد ملائكته وأسكنك في جثته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيانُ كل شيء، وقربك نجيًّا؟ فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخلق؟ قال موسي: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٣)؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلُقني بأربعين سنة؟ \" قال رسول الله: \"فحج آدم موسى ﵉\".\nوفي رواية الترمذي (٤) قال: \"احتجَّ آدمُ وموسي، فقال موسي: يا آدم، أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه أتلومني على عمل عملته\n_________\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n(٢) مسلم: الموضع السابق.\n(٣) طه: ١٢١.\n(٤) الترمذي (٤/ ٤٤٤) ٣٣ - كتاب القدر، ٢ - باب ما جاء في حجاج آدم وموسى ﵉.\n(المحاجة): المجادلة والمخاصمة، حاججت فلانًا فحججته، أي: جادلتُه فغلبته.\n(نجيًا) النجي: المناجي، وهو المشاور والمحادث، وقوله: \"اصطنعك لنفسه\" تمثيل لما أعطاه الله من منزلة التقريب والتكريم، مثَّل حاله بحال من يراه بعض الملوك- بجوامع خصال فيه وخصائص- أهلًا لئلا يكون أحدٌ أقرب منزلةً منه إليه، ولا ألطف محلًا، فيوليه من الكرامة ويستخلصه لنفسه، والاصطناع: افتعال من الصنيعة، وهي العطية والكرامة والإحسان.\n(الإغواء): الإضلال، غوى الرجل يغوي وأغوى غيره.\n(تبيان): التبيان: الإيضاح، وكشفُ الشيء ليظهر ويتبين.","vol":"2","page":664},{"text":"كتبه الله عليَّ قبل أن يخلق السموات والأرض؟ \" قال: \"فحج آدم موسى\".\n٦٢٠ - * روى أبو داود عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن موسى ﵇ قال: يارب، أرنا آدم الذي أخرجنا وتفسة من الجنة. فأراه الله آدم، فقال له: أنت أبونا آدم؟ فقال له آدم: نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له آدم: ومَنْ أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت الذي\"- وذكر نحو حديث أبي هريرة وأتم منه- قال فيه: \"أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء الحجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولًا من خلقه؟ قال: نعم. قال: فما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فِلمَ تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء قبلي؟ \" قال رسول الله عند ذلك: \"فحج آدم موسى\".\nأقول: الملاحظ أن آدم ﵇ عندما وقع في الذنب تاب واستغفر ولم يحتج على الله بالقدر، وذلك منه قيام بحق التكليف فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ولكن عندما انتقل من دائرة التكليف بوفاته وانتقاله احتج بقدره على موسى ﵇، ومن ههنا نعرف أدب المسلم أنه في هذه الدار يؤمن بالقدر ويقوم بالتكليف، وإذا واقع المعصية تاب إلى الله وأناب، وفي كل الأحوال في الدنيا والآخرة لا يفعل ما يفعله المشركون بأن يحتجوا على صحة ما هم فيه من الكفر والشرك والمعاصي بمشيئة الله فذلك فعل الكافرين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢).\n٦٢١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن\n_________\n٦٢٠ - أبو داود (٤/ ٢٢٦) كتاب السنة- باب في القدر. وإسناده حسن.\n(١) الأعراف: ٢٣.\n(٢) النحل: ٣٥.\n٦٢١ - الترمذي (٤/ ٤٤٣) ٣٣ - كتاب القدر ١ - باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر. =","vol":"2","page":665},{"text":"تتنازع في القدر، فغضب، حتى كأنما فُقئ في وجهه حب الرمان حمرةً من الغضب، فقال: \"أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما اهلك من كان قبلك كثرة التنازع في أمر دينهم، واختلافهم على أنبيائهم\".\nوفي رواية (١): \"إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في الأمر، عزمت عليكم، عزمتُ عليكم: أن لا تنازغوا فيه\".\n٦٢٢ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن عبدٌ، حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه\".\n٦٢٣ - * روى الطبراني عن عمروبن العاصي قال: خرج رسول الله ﷺ فوقف عليهم فقال: \"إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم أنبياءهم واختلافهم عليهم ولن يؤمن أحدٌ حق يؤمن بالقدر خيره وشره\".\n(القدر والقضاء) قال الخطابي ﵀: قد يحسبُ كثيرٌ من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء: معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وما قدره، وليس كذلك.\nوإنما معناه: الإخبار عن تقدُّم علم الله بما يكون من أفعال العباد واكتسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخلقٍ لها خيرها وشرِّها. والقدر: اسم لما صدر مُقدرًا عن فعل القادر، كالهدم، والنشر، والقبض؛ أسماء لما صدر من فعل الهادم، والناشر، والقابض، يقال: قدرت الشيء، وقدَّرته- خفيفة وثقيلة- بمعنى واحد. والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٢)، أي: خلقهن. وإذا كان\n_________\n= وقال: هذا حديث غريب. وهو حسن بشواهده.\n(فقئ): فُقص وبُخص، ومنه: فقأت عينه، أي: بخصتها.\n(عزمت): عزمتُ عليكم، بمعنى: أقسمت عليكم.\n(١) الترمذي: الموضع السابق.\n٦٢٢ - الترمذي (٤/ ٤٥١) ٣٣ - كتاب القدر، ١٠ - باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره.\nوقال: هذا حديث غريب. وهو حديث حسن.\n٦٢٣ - الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٩٩). وقال: رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقات.\n(٢) فصلت: ١٢.","vol":"2","page":666},{"text":"الأمر كذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم: أفعالهم واكتسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمدٍ، وتقدم إرادة واختيار. فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم عليها. وجماع القول في هذا: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والأخر: بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه.\n٦٢٤ - * روى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: \"لكل شيءٍ حقيقةٌ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه\".\n٦٢٥ - * روى أبو داود عن ابن الديلمي ﵀، قال: أتيت أُبي بن كعبٍ، فقلت له: قد وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني، لعل الله أن يذهبه من قلبي. فقال: لو أن الله عذب أقل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحدٍ ذهبًا في سبيل الله ما قَبِلَه الله منك حتى تؤمن بالقدر، وعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مُت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيتُ عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت خذيفة بن اليان، فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك.\n٦٢٦ - * روى الترمذي عن نافع- مولى ابن عمر- أن رجلًا جاء ابن عمر، فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام. فقال ابن عمر: إنه بلغني أنه قد أحدث التكذيب بالقدر، فإن\n_________\n٦٢٤ - أحمد (٦/ ٤٤١).\nالهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٧). وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.\n٦٢٥ - أبو داود (٤/ ٢٣٥) كتاب السنة- باب في القدر.\nوابن ماجه (١/ ٢٩) المقدمة ١٠ - باب في القدر. وإسناده حسن.\n٦٢٦ - الترمذي (٤/ ٤٥٦) ٣٣ - كتاب القدر، ١٦ - باب حدثنا محمد بن بشار.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nورواه أحمد (٢/ ١٣٦).\nوالحاكم (١/ ٨٤). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":667},{"text":"كان قد أحدث فلا تُقرئه مني السلام، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يكون في هذه الأمة، أو في أمتي\"- الشك منه- \"خسفٌ ومسخٌ، وذلك في المكذبين بالقدرة\".\nوفي رواية أبي داود (١) قال: كان لابن عمر صديقٌ من أهل الشام يُكاتُبِهُ، فكتب إليه عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلفت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيكون في أمتي أقوامٌ يكذبون بالقدر\".\nوفي رواية الترمذي (٢) نحو الأولى، وفيها قال: بلغني أنه قد أحدث فإن كان قد أحدث ... وذكر الحديث، وقال في آخره: \"خسفٌ ومسخٌ، أو قذف في أهل القدر\".\n٦٢٧ - * روى مسلم عن اي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون النبي ﷺ في القدر فنزلت هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣).\n٦٢٨ - * روى الطبراني عن سعيد بن جبير قال: كنت في خلقةٍ فيها ابن عباس فذكرنا القدر فَغَضِب ابن عباس غضبًا شديدًا وقال: لو أعلم أن في القوم أحدًا لأخذته، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما بعث الله نبيًا قط ثم قبضه إلا جعل\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ٢٠٤) كتاب السنة- باب لزوم السنة.\n(٢) الترمذي: الموضع السابق.\n٦٢٧ - مسلم (٤/ ٢٠٤٦) ٤٦ - كتاب القدر، ٤ - باب كل شيء بقدر.\nوأحمد (٢/ ٤٤٤).\nوالترمذي (٤/ ٤٥٩) ٣٣ - كتاب القدر. ١٩ - باب أبو كريب محمد بن العلاء.\nوقال: هذا حديث صحيح.\nوابن ماجه (١/ ٣٢) المقدمة ١٠ - باب في القدر.\n(٣) القمر: ٤٨، ٤٩.\n٦٢٨ - المعجم الكبير (١٢/ ٧٣).\nوكشف الأستار (٣/ ٣٧). وزاد: \"وهم القدرية\".\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٠٥). وقال: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير صدقة بن سابق وهو ثقة، ورواه البزار وزاد: \"هم القدرية\".","vol":"2","page":668},{"text":"بعده فترةً وملأ من تلك الفترة جهنم\".\n٦٢٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزال أمر هذه الأمة مواتيًا أو مقاربًا، - أو كلمة تشبهها- \"ما لم يتكلموا في الولدان والقدر\".\n٦٣٠ - * روى البزار عن أبي هريرة آن رسول الله ﷺ قال: \"أُخِّرَ الكلامُ في القدر لشرار هذه الأمة\".\n٦٣١ - * روى أحمد عن ابن عون قال: أنا رأيت غيلان يعنى القدري مصلوبًا على باب دمشق. (أي الذي قال بنفي القدر).\n٦٣٢ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"عَجبتُ من قضاء الله سبحانه للمؤمن؛ إن أصابه خير حَمِدَ ربه وشكر، وإن أصابته مصيبةٌ حمد ربه وصبر. المؤمن يؤجر في كل شيء\".\n٦٣٣ - * روى أحمد عن أبي العلاء بن الشِّخِّير قال: حدثني أحدُ بني سليم- ولا أحسبه إلا قد رأى النبي ﷺ- أن الله ﷿ يبتلي عبده بما أعطاه، فمن رضي بما قسم الله له بارك الله فيه ووسعه، ومن لم يرض لم يبارك له.\n_________\n٦٢٩ - المعجم الكبير (١٢/ ١٦٢).\nوكشف الأستار (٣/ ٣٦).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٠٢). وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال البزار رجال الصحيح.\n٦٣٠ - كشف الأستار (٣/ ٣٥).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٠٢). وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط وزاد: \"لشرار أمتي في آخر الزمان\". ورجال البزار في أحد الإسنادين رجال الصحيح غير عمر بن أبي خليفة وهو ثقة.\n٦٣١ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٧). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n٦٣٢ - مسند أحمد (١/ ١٧٣).\nوروى مسلم نحوه عن صهيب (٤/ ٢٢٩٥) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق ١٣ - باب المؤمن أمره كله خير.\n٦٣٣ - مسند أحمد (٥/ ٢٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٧). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":669},{"text":"٦٣٤ - * روى أحمد عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربعٍ: بالله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وبالبعث بعد المؤتِ، والقدر\".\n٦٣٥ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء سراقة بن مالك بن جُعشمٍ، فقال: يا رسول الله، بيَّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العملُ اليوم، فيما جفت به الأقلام وجرت به المقاديرُ، أم فيما نستقبلُ؟ قال: \"لا، بل فيما جفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير\". قال: ففيم العملُ؟ قال: \"اعملوا، فكلٌّ ميسر لما خُلق له، وكلٌّ عاملٌ بعمله\".\n٦٣٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه، أمرٌ مبتدعٌ- أو مبتدأ- أو فيما قد فُرغ منه؟ فقال: \"فيما قد فُرغ منه يا ابن الخطاب، وكل ميسرٌ، أما من كان من أهل السعادة، فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء\".\nوفى رواية (١)، قال: لما نزلت: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. [هود: ١٠٥] سألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا نبي الله، فعلام نعمل، على شيء قد فُرغ منه، أو على شيء لم يُفرغ منه؟ قال: \"بل على شيء قد فُرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل مُيسرٌ لا خُلِق له\".\n٦٣٧ - * روى أبو يعلى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أراد الله أن\n_________\n٦٣٤ - مسند أحمد (١/ ٩٧).\nوالترمذي (٤/ ٤٥٢) ٣٣ - كتاب القدر ١٠ - باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره.\nوابن ماجه (١/ ٣٢) المقدمة ١٠ - باب في القدر.\nوالمستدرك (١/ ٣٣). وقال: صحيح على شرط الشيخين.\n٦٣٥ - مسلم (٤/ ٢٠٤٠) ٤٦ - كتاب القدر ١ - باب كيفية الخلق الآدمي ... إلخ.\n٦٣٦ - الترمذي (٤/ ٤٤٥) ٣٣ - كتاب القدر ٣ - باب ما جاء في الشقاء والسعادة. وقال: حسن صحيح.\n(١) الترمذي (٥/ ٢٨٩) ٤٨ - كتاب التفسير ١٢ - باب ومن سورة هود. وقال: حسن غريب. وهو حديث صحيح.\n٦٣٧ - كشف الأستار (٣/ ٢٣). =","vol":"2","page":670},{"text":"يخلق نسمةً قال ملكُ الأرحام مُعرضًا: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله، فيقول: أي رب أشقيٌّ أم سعيد فيقضي الله أمره. ثم يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتى النكبة ينكبها\".\n٦٣٨ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سَعِدَ في بطنها\".\n٦٣٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"خلق الله جل ذكره يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنًا وخلق فرعون في بطن أمه كافرًا\".\n٦٤٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"وكَّل الله بالرحم ملكًا، فيقول: أي ربِّ نطفةٌ؟ أي ربِّ علقةٌ؟ أي ربِّ مُضغةٌ؟ فإذا أراد أن يقضي خلقها قال: يا ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيٌ، أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكتب ذلك في بطن أمه\".\n٦٤١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: \"إن خلق أحدكم يُجمعُ في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةٌ مثل ذلك، ثم يكون مُضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا\n_________\n= مجمع الزوائد (٧/ ١٩٣). وقال: رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.\n٦٣٨ - كشف الأستار (٣/ ٢٣).\nمجمع الزوائد (٧/ ١٩٣) وقال: رواه البزار والطبراني في الصغير ورجال البزار رجال الصحيح.\n٦٣٩ - المعجم الكبير (١٠/ ٢٧٦).\nمجمع الزوائد (٧/ ١٩٣). وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد.\n٦٤٠ - البخاري (١١/ ٤٧٧) ٨٢ - كتاب القدر، ١ - باب حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك.\nمسلم (٤/ ٢٠٣٨) ٤٦ - كتاب القدر ١٠ - باب كيفية الخلق الآدمي.\n٦٤١ - البخاري (١١/ ٤٧٧) الكتاب والباب السابقان.\nمسلم (٤/ ٢٠٣٦) الكتاب والباب السابقان.\nوأبو داود (٤/ ٢٢٨) كتاب السنة باب في القدر.\nوالترمذي (٤/ ٤٤٦) ٣٣ - كتاب القدر، ٤ - باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم. وقال: حسن صحيح.","vol":"2","page":671},{"text":"بأربع كلمات: بِكَتْب رزقهِ وأجله وعمله، وشقيٌ أو سعيد، ثم ينفخُ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخُلُها، وإن أحدكم ليعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها\".\n٦٤٢ - * روى مسلم عن سهل بن سفاد الساعدي؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة\".\nأقول: قوله ﷺ: \"فيما يبدو للناس\"، في هذه الرواية يقيد الروايات السابقة، فمع إيماننا بأن مشيئة الله مطلقة فإننا نؤمن بأن رحمة الله ﷿ سبقت غضبه، وأن من سنة الله أن من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، وحسن الظن بالله يقتضي أن نؤمن أن من أقبل على الله بصدق بعمل أهل الجنة واعتقادهم فإن الله ﷿ يزيد من بركاته ويختم له بالخير، وإنا نتصور المسألة بأن يوجد إنسان يعمل في الظاهر بعمل أهل الجنة، وعنده عقائد فاسدة أو رياء أو أمراض قلبية، أو يفعل ذنوبًا خفية، فهو في الظاهر يعمل بعمل أهل الجنة وبالباطن يعمل بعمل أهل النار، فمثل هذا عاقبته سيئة إلا إذا تجاوز الله عنه فيما سوى الشرك الأكبر.\n٦٤٣ - * روى مسلم عن عامر بن وائلة ﵀ أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظَ بغيره. فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال له: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا\n_________\n٦٤٢ - مسلم (٤/ ٢٠٤٣) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب كيفية الخلق الآدمي ... إلخ.\n٦٤٣ - مسلم (٤/ ٢٠٣٧) الكتاب والباب السابقان.","vol":"2","page":672},{"text":"فصورها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكرٌ، أم أنثى؟ فيقضي رئك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يارب، أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على [ما] أمر ولا ينقصُ\".\nوفي رواية (١) قال: دخلت على أبي سريحة، حُذيفة بن أسيد الغفاري فقال: سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين يقول: \"إن النطفة تقع في الرجم أربعين ليلةً، ثم يتصور عليها الملك\"- قال زهير أبو خيثمة: حسبته قال: \" الذي يخلقها- فيقول: يا رب، أذكر، أو أنثي؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا رب، أسويٌ، أو غير سويٌ؟ ثم يقول: [يا ربِّ] ما رزقه، ما أجله، ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقيًا أو سعيدًا\".\nوفي أخرى (٢) رفع الحديث إلى النبي ﷺ: أن ملكًا موكلًا بالرحم، إذا أراد الله ﷿ أن يخلق شيئًا، بإذن الله لبضعٍ وأربعين ليلة ... \" ثم ذكر نحوه.\nقال النووي حول هذه الأحاديث: (يرسل الملك) ظاهره أن إرساله يكون بعد مائة وعشرين يومًا، وفي الرواية التي بعد هذه: يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد؟ وفي الرواية الثالثة: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها. وفي رواية حذيفة بن أسيد: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك. وفي رواية: أن ملكًا موكلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة، وذكر الحديث. وفي رواية أنس: أن الله قد وكل بالرحم ملكًا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة. قال العلماء: طريق الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة، وأنه يقول: (يا رب هذه علقة هذه مضغة) في\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٠٣٨) الكتاب والباب السابقان.\n(٢) مسلم: في الموضع السابق.","vol":"2","page":673},{"text":"أوقاتها، فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو أعلم سبحانه، ولكلام الملك وتصرفه أوقات؛ أحدها حين يخلقها الله تعالى نطفة ثم ينقلها علقة وهو أول علم الملك بأنه ولد ...\nوأما قوله في إحدى الروايات: فإذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولجها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، وذكر رزقه ..\nواتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، ووقع في رواية للبخاري: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه. فقوله: ثم يبعث \"بحرف ثم\" يقتضي تأخير كَتب الملك هذه الأمور إلى ما بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث الباقية تقتضي الكتب بعد الأربعين الأولى. وجوابه أن قوله: (ثم يبعث إليه الملك فيؤذن فيكتب) معطوف على قوله: (يجمع في بطن أمه) ومتعلق به لا با قبله وهو قوله: (ثم يكون مضغة مثله)، ويكون قوله: (ثم يكون علقمة مثله ثم يكون مضغة مثله) معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح وغيره من كلام العرب. قال القاضي وغيره: والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها وبالتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول: يا رب نطفة يا رب علقة. قال القاضي: وقوله في حديث أنس: (وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال يا رب أذكر أم أنثى شقي أم سعيد؟) لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل ابتداء للكلام وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد إظهار خلق النطفة علقة كان كذا وكذا. أ. هـ النووي.\nوهناك اتجاهات أخرى لم يذكرها النووي.\nأقول: مما مر معنا من كلام النووي ندرك أن هناك خلافًا في فهم النصوص حول الزمن","vol":"2","page":674},{"text":"الذي يكون فيه التصوير الكامل لخلق الإنسان في رحم أمه، وهي قضية أصبح بإمكان علم الأجنة الحالي أن يبتَّ فيها، فما بتّ فيه علم الأجنة في هذا الشأن- وهو لا يخرج عما ذكرته النصوص وفهمه العلماء من قبل- فإنه هو الذي يُرمِّج على غيره.\n٦٤٤ - * روى البزار عن عائشة عن النبي ﷺ: \"إن الله ﵎ حين يريدُ أن يخلق الخلق يبعث ملكًا، فيدخلُ الرحم فيقول: يا رب ماذا؟ فيقول: غلامٌ أو جارية أو ما أراد أن يخلق في الرحم. فيقول: يا رب شقي أم سعيد؟ فيقول يا رب ما أجله؟ ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: يا رب ما رزقه؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: يا رب ما خُلُقُه؟ ما خلائقه؟ فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم\".\n٦٤٥ - * روى البزار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أول شيء خلقه الله القلمُ وأمره أن يكتب كل شيءٍ\".\nأقول: الأولية هنا أولية نسبية، وإلا فقد مرّ معنا أن العرش والماء خلقا قبل ذلك.\n٦٤٦ - * روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ: قال: \"لما خلق الله القلم قال له: اكتب. فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة\".\n٦٤٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل ليعملُ الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يُختمُ له عملُه بعملِ أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يُختم له عمله بعمل أهل الجنة\".\n_________\n٦٤٤ - كشف الأستار (٣/ ٢٤).\nمجمع الزوائد (٧/ ١٩٣). وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\n٦٤٥ - مجمع الزوائد (٧/ ١٩٠). وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\n٦٤٦ - المعجم الكبير (١٢/ ٦٩).\nمجمع الزوائد (٧/ ١٩٠). وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n٦٤٧ - مسلم (٤/ ٢٠٤٢) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب كيفية الخلق الآدمي ... إلخ.","vol":"2","page":675},{"text":"٦٤٨ - * روى أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁، قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة\". يا بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من مات على غير هذا فليس مني\".\nوفي رواية للترمذي (١): قال عبد الواحد بن سُليم: قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رياح، فقلت له: يا أبا محمدٍ، إن بالبصرة قومًا يقولون: لا قدر. فقال: يا بني، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. فقال: فاقرأ (الزخرف) فقرأت: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ثم قال: أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: لا. قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يَخلق السموات والأرض، فيه: إن فرعون من أهل النار، فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال عطاء: ولقد لقيت الوليد بن عبادة بن الصامت، صاحب رسول الله ﷺ فسألته: ما كانت وصية أبيك لك عند الموت؟ فقال لي: دعاني فقال لي: يا بني، اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره، وإن مت على غير هذا دخلت النار، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد\".\n٦٤٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمروبن العاص ﵄، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يديه كتابان، فقال: \"أتدرون ما هذان الكتابان؟ \"، قلنا:\n_________\n٦٤٨ - أبو داود (٤/ ٢٢٥) كتاب السنة، باب في القدر.\n(١) الترمذي (٤/ ٤٥٧) ٣٣ - كتاب القدر ١٧ - باب حدثنا قتيبة ... إلخ. وقال: غريب من هذا الوجه.\nوأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣١٧). وهو حديث صحيح.\n٦٤٩ - الترمذي (٤/ ٤٤٩) ٣٣ - كتاب القدر، ٨ - باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار. وقال: حسن غريب صحيح.\nمسند أحمد (٢/ ١٦٧). والحديث إسناده حسن. =","vol":"2","page":676},{"text":"لا يا رسول الله، الا أن تخبرنا. فقال للذي في يده اليمني: \"هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا يُنقص منهم أبدًا\". ثم قال للذي في شماله: \"هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا، قال أصحابه: ففيم العملُ يا رسول الله إن كان أمر قد فُرِغ منه؟ فقال: \"سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة وإن عَمِلَ أي عَمَلٍ، وإن صاحب النار يُختم له بعمل أهل النار وإن عَمِل أيَّ عملٍ\". ثم قال رسول الله ﷺ بيديه، فنبذهما، ثم قال: \"فَرَغَ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير\".\n٦٥٠ - * روى مسلم عن عِمران بن حُصينٍ ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: \" نعم\". قال: ففم يعمل العاملون؟ قال: \"كلٌ ميسرٌ لما خُلق له\".\nوفي رواية للبخاري (١)، أيُعرف أهل الجنة من النار؟ قال: \"نعم\". قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: \"كلٍّ يعمل لما خُلِق له\" أو \"لما يُسِّر له\".\nولمسلم (٢) من رواية أبي الأسود الدِّيلي، قال: قال لي عِمران بن حُصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيءٌ قُضي عليهم ومضى عليهم من قَدَرٍ قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيءٌ قُضي عليهم شيء ومضى عليهم. قال: أفلا يكون ظُلمًا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا، وقلت: كل شيءٍ خَلقُ الله ومِلك يده، فلا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك الله، إني\n_________\n= (سددوا وقاربوا) السداد: الصواب في القول والعمل، والمقاربة: القصد فيهما.\n(أجمل على آخرهم) أجملتُ الحسابَ: إذا جمعتُه وكملتُ أفراده، أي: جمعوا، يعني أهل الجنة وأهل النار عن آخرهم، وعقدت جملتهم، فلا يتطرق إليها زيادة ولا نقصان.\n٦٥٠ - مسلم (٤/ ٢٠٤١) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب كيفية الخلق الآدمي ... إلخ.\nوأبو داود (٤/ ٢٢٨) كتاب السنة، باب في القدر.\n(١) البخاري (١١/ ٤٩١) ٨٢ - كتاب القدر، ٢ - باب جف القلم على علم الله.\n(٢) مسلم: في الموضع السابق. =","vol":"2","page":677},{"text":"لم أُرِد بما سألتك إلا لأحرز عقلك، وإن رجلين من مُزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قُضي عليهم ومضى فيهم من قدرٍ [قد] سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم [به] نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: \"لا، بل شيء قضي عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ \" [الشمس: ٧، ٨].\n٦٥١ - * روى الترمذي عن ابن عباس: كنت خلف النبي ﷺ فقال لي: \"يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يخفظك، احفظ الله تجدةُ تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف\".\n٦٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازةٍ في نقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ، فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرةٌ، فنكس، وجعل ينكتُ بمخصرته، ثم قال: \"ما منكم من أحد إلا وقد كُتبَ مقعده من النار، ومقعدُه من الجنة\". فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: \"اعملوا، فكل مُيسرٌ لما خُلق له، أمَّا من كان من أهل السعادة، فسيصيرُ لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فسيصير لعمل [أهل] الشقاء\" ثم\n_________\n= (لأحزر عقلك): قال النووي: لأمتحن عقلك وفهمك ومعرفتك.\n٦٥١ - الترمذي (٤/ ٦٦٧) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٥٩ - باب حدثنا بشر ... إلخ وقال: حسن صحيح. وهو كما قال:\n(خلف النبي): خلف النبي على دابته.\n(احفظ الله): بملازمة تقواه واجتناب نواهيه.\n(تجده تجاهك): تجده معك بالحفظ والإحاطة والتأييد والإعانة.\n(رفعت الأقلام): تُركت الكتابة بها.\n(جفت الصحف): كناية عن تقدم كتابة المقادير والفراغ منها من أمد بعيد.\n٦٥٢ - البخاري (١١/ ٤٩٤) ٨٢ - كتاب القدر، ٤ - باب وكان أمل الله قدرًا مقدورًا.\nمسلم (٤/ ٢٠٣٩) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب كيفية الخلق الآدمي .... إلخ.","vol":"2","page":678},{"text":"قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. [الليل: ٥ - ٧].\nوفي رواية الترمذي (١) قال: كنا في جنازةٍ في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ، فقعد، وقعدنا حوله ومعه مِخصرةٌ، فجعل ينكت بها ثم قال: \"ما منكم من أحد\"- أو-\" [ما] من نفسٍ منفوسةٍ، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كُتبت شقيةً أو سعيدةً\". فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وتدع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة، ليكونن إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة، ليكونن إلى أهل الشقاوة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"بل اعملوا، فكل ميسرٌ، فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].\nوفي أخرى للترمذي (٢) قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ وهو يَنْكُتُ [في] الأرض، إذ رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: \"ما منكم من أحد إلا قد عُلم\"- وفي رواية: \"إلا قد كُتِبَ- مقعده من النار، ومقعده من الجنة\". قالوا: أفلا نتكل يا رسول الله؟ قال: \"لا، اعملوا، فكلٌّ مُيسرٌ لما خلق له\".\n٦٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كتب الله مقاديز الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: \"وعرشه على الماء\".\nوفي رواية الترمذي\": \" قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرضين قال النووي: (كتب الله مقادير الخلائق) قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير، فإن ذلك أزلي لا أول له.\n(وعرشه على الماء) أي قبل خلق السموات والأرض.\n_________\n(١) الترمذي: (٥/ ٤٤١) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٨١ - باب ومن سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. وقال: حسن صحيح.\n(٢) الترمذي (٤/ ٤٤٥) ٣٣ - كتاب القدر، ٣ - باب ما جاء في الشقاء والسعادة. وقال: حسن صحيح.\n(مِخصرة) كالسوط ونحوه مما يمسكه الإنسان بيده من عصىً ونحوها.\n(فنكس): أي خفض رأسه وطأطأه إلى الأرض على هيئة المهموم.\n٦٥٣ - مسلم (٤/ ٢٠٤٤) ٤٦ - كتاب القدر، ٢ - باب حجاج آدم وموسى ﵉.","vol":"2","page":679},{"text":"وفي رواية الترمذي (١): \"قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف سنةٍ\".\nقال النووي: (كتب الله مقادير الخلائق) قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير، فإن ذل أزلي لا أول له.\n(وعرشه على الماء) أي قبل خلق السموات والأرض.\nأقول: وقبل أن يخلق من الماء مجرات هذا الكون.\n٦٥٤ - * روى الطيراني عن أسامة بن زيد: قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما جُعِلَت منِيةُ عبدٍ بأرضٍ إلا جعل له فيها حاجةٌ\".\n٦٥٥ - * روى مسلم عن طاوس اليماني قال: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس\".\n٦٥٦ - * روى أحمد عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه\" وفي رواية: \"وعمله\".\n٦٥٧ - * روى الترمذي عن سعد رفعه: \"من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له\".\n_________\n(١) الترمذي (٤/ ٤٥٨) ٣٣ - كتاب القدر، ١٨ - باب حدثنا إبراهيم ... وقال: حسن صحيح غريب.\n٦٥٤ - المعجم الكبير (١/ ١٧٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ١٩٦). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n٦٥٥ - مسلم (٤/ ٢٠٤٥) ٤٦ - كتاب القدر، ٤ - باب كل شيء بقدر.\nوالموطأ (٢/ ٨٩٩) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب النهي عن القول بالقدر.\n(الكيس) العقل.\n٦٥٦ - مسند أحمد (٥/ ١٩٧).\nوكشف الأستار (٣/ ٢٤).\nمجمع الزوائد (٧/ ١٩٥). وقال: رواه أحمد والبزار الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات.\n٦٥٧ - الترمذي (٤/ ٤٥٥) ٣٣ - كتاب القدر، ١٥ - باب ما جاء في الرضا بالقضاء. =","vol":"2","page":680},{"text":"٦٥٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لواني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن [لو] تفتح عمل الشيطان\".\n* * *\n_________\n= قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن حميد وليس بالقوي. وقال في الميزان: ضعفوه. قال ابن حجر: وأورده أحمد باللفظ المذكور عن سعد وسنده حسن.\n٦٥٨ - مسلم (٤/ ٢٠٥٣) ٤٦ - كتاب القدر، ٨ - باب في الأمر بالقوة وترك العجز.","vol":"2","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>التلخيص</span>\n- القدر هو سرُّ الأسرار في العقيدة الإسلامية، ولذلك فإن من المستحسن عرضه من خلال النصوص فذلك أقرب إلى الإيمان والفهم والتسليم، وإنما كان سر الأسرار لارتباطه بصفات الذات الإلهية وارتباطه بمقام العبودية وارتباطه بتقرير فكرتي الكسب والاختيار مع التسليم أن كل شيء فِعْلُ الله وارتباطه بمعانٍ كبيرة أخرى.\n- القدرية المذمومون عند أهل السنة والجماعة قدريتان: أولى؛ انقرضت قبل انتهاء القرن الثاني الهجري وهي التي تنفي القدر وتقول: (إن الله لم يقدر الأمور أزلًا وإن الله يستأنف الأمر علمًا حال وقوعه) وهؤلاء كفار قطعًا، والقدرية الثانية؛ هم المعتزلة الذين ينسبون أفعال العباد إلى قدراتهم وهؤلاء مبتدعة إذا لم يجتمع لهم مع البدعة مُكَفَّر، قال صاحب الخريدة:\nومن يقل بالقوة المودعة ... فذاك بدعي فلا تلتفت\nهناك إيمان بالقضاء والقدر وتسليم لله فيها وأن كل ما قضاه وقدره ففيه الحكمة ﷻ، وهناك المقضي والمقدر على الإنسان، ومن هذا المعصيةُ، والواجب فيها: التوبة على أصحابها والإنكار من غيرهم. ومنه الطاعة، والواجب فيها من أهلها: الشكر عليها. ومنه الابتلاءات فالواجب فيها: الصبر والرضا عن الله والتسليم له. ومنه الإنعام بصنوف النعم، فواجب العبد فيها: الشكر.\nالإيمان بالقضاء والقدر لا ينفي الاختيار؛ ولذلك لا يجوز للعبد أن يحتج بالقدر قبل الوقوع توصلًا إليه، كأن يقول: (قدر الله عليَّ الزنا) وغرضه الوقوع فيه أو الاحتجاج به بعد الوقوع تخلصّا من الحد.\nوالإيمان بالقضاء والقدر جزء من التكليف، والعبد مطالب بالإيمان بالقضاء والقدر، ومطالب بالعمل، وحال رسول الله ﷺ وأصحابه حجة في ذلك، ومن ربط بين الإيمان والقدر والخمول وترك العمل فقد ضَلَّ وأضَل.\nآثار الإيمان بالقضاء والقدر محمودة كلها، فمن آثاره الشجاعة والجرأة والإقدام والصبر والتسليم والرضا من الله والتوكل وإنما يؤتى الجاهل من قِبَلِ جَهْلِهِ.","vol":"2","page":682},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الفصل الرابع\nفي الإيمان بالملائكة</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"2","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>المقدمة</span>\nالإيمان بالملائكة يأتي في ترتيب الأركان الستة كما وردت في الحديث الصحيح الركن الثاني، وهذا يشعر بأهميته بالنسبة لأركان الإيمان عند الذين يرون أن الواو لا تقتضي مطلق الجمع، وعند الذين يعتبرون التقديم مُشعِرًا بالأهمية أو بالفضل.\n* * *\nوأركان الإيمان كلها فطلها القرآن تفصيلًا كاملًا حتى لا يبقى لبس في شأنها، ومن ههنا كان للتفصيل القرآني حول الملائكة ما يكفي ويشفي، ومع ذلك فقد جاء في السُّنة كثير من التفصيلات عن الملائكة وبعض وظائفهم.\n* * *\nوإذا عرفنا أن كل ما خلقه الله ﷿ إنما خلقه ليتعرف المكلفون به على الله ﷿، فإنه من المناسب أن نعرف بعض الحكم في خَلْقِهِ ﷻ الملائكة.\nوأول هذه الحكم: أن يعرف الخلق مظاهر قدرته ﷻ، فالله قادر على أن يخلق: ما هو خير ولا يفعل إلا خيرًا كالملائكة. وقادر على أن يخلق: ما هو شرٌّ ولا يفعل إلا شرًا كالشياطين. وقادر على أن يخلق: ما هو قابل لفعل الخير والشر كالإنسان، وفي ذلك كله أنت تتعرف على الله ﷿.\nوثاني هذه الحكم: أن يعرف المكلفون عظمة مُلْكِه ومَمْلَكَتِه، وكثرة جنوده، الذين من أعظمهم وأكثرهم الملائكة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (١)، ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢).\nوثالث هذه الحكم: أن يعرف المكلفون لله تعالى الترتيب والطاعة والنظام فيتطلعون للارتقاء والاقتداء.\nورابع هذه الحكم: أن يعرف المكلفون استغناء الخالق عن طاعتهم فإنه مهما عصى من\n_________\n(١) المدثر: ٣١.\n(٢) الفتح: ٤.","vol":"2","page":685},{"text":"عصى فإن هناك من يطيع.\nوخامس هذه الحكم: أن يعرف المكلفون رعاية الله ﷿ لأهل الإيمان ولأهل الأرض من خلال معرفتهم لوظائف بعض الملائكة.\nوسادس هذه الحكم: أن يعرف المكلفون جلال الربوبية وعظمة الإلهية.\nهذا بالإضافة إلى حِكمٍ كثيرة في السموات والأرض والدنيا والآخرة والتكليف والمكلفين تعرفها من خلال النصوص.\nونصوص القرآن التي تحدثت عن الملائكة أو عن بعضهم كثيرة، ونصوص السنة كذلك كثيرة تجدها في أبواب متعددة؛ ففي سياق الطهارة والذكر والصلاة والدعاء وقراءة القرآن والجهاد والإنفاق والسفر والصور والبيوت والليل والنهار والفلك والملكوت والموت والجنائز، وغير ذلك تجد كلامًا عن الملائكة، ولذلك خص بعض المؤلفين هذا الركن من أركان الإيمان بالتأليف، ولو أراد الإنسان أن يجمع نصوص الكتاب والسنة مع تعليقات وتحقيقات العلماء في شأن الملائكة لجع الكثير الذي يحتاج إلى أكثر من مجلد، وقد اعتمدنا في هذا الكتاب أن نضع في كل فصل من فصوله ما هو ألصق بمضمون الفصل دون استقصاء، تاركين كثيرًا من الأمور لسياقها في مواطن أخرى ومن قرأ هذه السلسلة كلها لا يفوته التكامل في الموضوعات وإن فاته الجمع تحت العنوان الواحد.\nوفي هذا الفصل سننقل بعض النصوص القرآنية في شأن الملائكة ثم نتبع ذلك بذكر بعض النصوص من السنة.\n* * *","vol":"2","page":686},{"text":"(١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>بعض النصوص القرآنية في شأن الملائكة</span>\nأ- ذكر القرآن أنه مما ينبغي أن يؤمن به المؤمن الملائكة فقال تعالى:\n﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١).\nب- وقد نص القرآن على أنواع من الضلال وقعت به بعض الأمم أو بعض الناس في شأن الملائكة كوصف بعضهم الملائكة بأنهم إناث، ووصف بعضهم الملائكة بأنهم بنات الله، وتوجه بعضهم إلى الملائكة بالعبادة، وكلها مكفرات وضلالات:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٢).\n﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٣).\n﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (٤).\nبأن زعم بعض المشركين بأن بعض الجن تزوج ببعض الملائكة وزعموا أن الملائكة بنات الله.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ (٥).\nفهذه كلها كفريات وقع فيها أفراد أو أمم في شأن الملائكة وهناك من يقول أقوالًا أو يتصرف تصرفات تشي بهذه العقيدة. قال الشيخ وهبي سليمان في كتابه \"أران الإيمان\":\n(لذا قرر علماء التوحيد أن من نَسَبَ الملائكة إلى الأنوثة كفر؛ لأنه كذب صريح القرآن، ومن نسبهم إلى الذكورة فَسَق؛ لأنه نسب إليهم ما لم يأت به عن الله تعالى\n_________\n(١) النساء: ١٣٦.\n(٢) النجم: ٢٧، ٢٨.\n(٣) الزخرف: ١٩.\n(٤) الصافات: ١٥٨.\n(٥) سبأ: ٤٠، ٤١.","vol":"2","page":687},{"text":"ورسول الله ﷺ شيء.\nوعلى هذا يقال: من اعتقد في صور البنات والنساء الجميلات على أطرافها أجنحة- والتي تباع في الأسواق ويتبادل بها بعض المسلمين التهاني في الأفراح والعيدين- أنها تشبه صور الملائكة كفر لظاهر نسبة الملائكة إلى الأنوثة.\nومن اعتقد في صوت المرأة أنه ملائكي، أو في صورة الممرضة أنها صورة ملاك الرحمة كفر كذلك؛ لما ذكرنا). أ. هـ.\nجـ- وقد نص القرآن على معرفة الملائكة بالله ﷿ وطاعتهم وعبادتهم وخوفهم منه ﷻ وأدبهم الرفيع معه فقال الله تعالى:\n﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١).\n﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢).\n﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣).\n﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٤).\n﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٥).\n﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٦).\n﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٧).\n﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٨).\nومن هذه النصوص ندرك أن القصة التي سرت إلى بعضهم في شأن هاروت وماروت وأنهما ملكان عصيا الله تعالى بعد أن ركَّب فيهما الشهوة قصة لا أصل لها، وقد عرضنا لذلك\n_________\n(١) آل عمران: ١٨.\n(٢) الأنبياء: ٢٦، ٢٧.\n(٣) النحل: ٥٠.\n(٤) الأنبياء: ٢٨.\n(٥) فصلت: ٣٨.\n(٦) التحريم: ٦.\n(٧) الأنبياء: ١٩، ٢٠.\n(٨) النساء: ١٧٢.","vol":"2","page":688},{"text":"في التفسير، فإن كان لابد من فهم الآية على أنها في ملكين أنزلا من السماء إلى الأرض، فإنهما ملكان مكلفان مطيعان يعلمان الناس السحر ليفرقوا بينه وبين المعجزة، كا نَعلمُ خطأ من يظن أن السؤال الذي ذكره الله على لسانهم سؤال اعتراض في قوله تعالى:\n﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)؛ فسؤالهم كان سؤالًا عن الحكمة وليس اعتراضًا، وحاشاهم.\nد- وكما أن البشر متفاضلون عند الله، وأكرمهم عنده الرسل وهم عنده متفاضلون، فكذلك الملائكة؛ قال تعالى:\n﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢).\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣).\nومظاهر هذه الرسالة كثيرة؛ أولها الرسالة بالوحي: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٤)، والرسالة بالبشرى أو بالإنذار: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ (٥)، ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (٦)، ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٧). ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ (٨). وهناك الرسالة بالمهمات ومن ذلك قبض الأرواح: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ (٩)، فأي ملك كلف بمهمة في حق غيره فإنه رسول من الله إلى ذلك الغير.\nهـ- وأهل الإيمان يحبون الملائكة جميعًا: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى\n_________\n(١) البقرة: ٣٠.\n(٢) الحج: ٧٥.\n(٣) فاطر: ١.\n(٤) الشعراء: ١٩٣.\n(٥) آل عمران: ٣٩.\n(٦) آل عمران: ٤٢.\n(٧) آل عمران،: ٤٥.\n(٨) هود: ٧٧.\n(٩) الأنعام: ٦١.","vol":"2","page":689},{"text":"قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢). الملائكة مخلوقات نورانية خلقت من نور لكن عندهم قابلية للتشكل بالصور الشريفة وقد ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا﴾ [أي إلى مريم] ﴿رُوحَنَا﴾ [أي جبريل] ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٤). ونصوص السنة كثيرة في موضوع تشكل الملائكة بصورة البشر.\nز- وقد حدثنا القرآن عن بعض الملائكة وعن بعض وظائفهم:\n١ - من ذلك حملة العرش ومن حوله:\nفقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ (٥).\n٢ - ومن ذلك جبريل وميكال:\n﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٦).\n﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٧). ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ [أي عيسى] ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٨) [أي جبريل].\n﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (٩). والمراد بالروح جبريل ﵇.\n﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ\n_________\n(١) البقرة: ٩٧.\n(٢) البقرة: ٩٨.\n(٣) هود: ٦٩، ٧٠.\n(٤) مريم: ١٧.\n(٥) غافر: ٧.\n(٦) البقرة: ٩٨.\n(٧) الشعراء: ١٩٣، ١٩٤.\n(٨) البقرة: ٢٥٣.\n(٩) القدر: ٤.","vol":"2","page":690},{"text":"ظَهِيرٌ﴾ (١).\n﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (٢).\n﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٣).\n٣ - ومن ذلك إسرافيل الذي ينفخ في الصور:\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٤) فالنافخ اسرافيل ﵇.\n٤ - ومن ذلك ملك الموت وأعوانه:\n﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٥)، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦)، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٧)، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ (٨)، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٩).\n٥ - ومن ذلك زبانية جهنم وعلى رأسهم مالك:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ (١٠).\n_________\n(١) التحريم: ٤.\n(٢) التكوير: ١٩ - ٢١.\n(٣) النجم: ٥ - ٩.\n(٤) الزمر: ٦٨.\n(٥) السجدة: ١١.\n(٦) الأنعام: ٦١.\n(٧) الأنفال: ٥٠.\n(٨) النحل: ٢٨.\n(٩) الأنعام: ٩٣.\n(١٠) التحريم: ٦.","vol":"2","page":691},{"text":"﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ (١).\n﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٢).\n﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ (٣).\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ (٤).\n٦ - ومن ذلك خزنة الجنة والقائمون على تدبير شؤونها والمطمئنون لأهل الإيمان في الآخرة:\n﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٥). ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٦)، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٧).\n٧ - حملة العرش والحافون له يوم القيامة:\n﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (٨)، ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٩).\n٨ - ومن ذلك حفظة الإنسان:\n﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١٠).\n﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ (١١)، ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (١٢).\n_________\n(١) المدثر: ٣٠، ٣١.\n(٢) الزخرف: ٧٧.\n(٣) الزمر: ٧١.\n(٤) غافر: ٤٩.\n(٥) الأنبياء: ١٠٣.\n(٦) الزمر: ٧٣.\n(٧) الرعد: ٢٣، ٢٤.\n(٨) الحاقة: ١٧.\n(٩) الزمر: ٧٥.\n(١٠) الرعد: ١١.\n(١١) الأنعام: ٦١.\n(١٢) الطارق: ٤.","vol":"2","page":692},{"text":"٩ - ومن ذلك رقيب وعتيد، وهما وصفان للملكين اللذين يكتبان أعمال الناس:\n﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١).\n﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٣).\n١٠ - ومن ذلك المبشرون للمؤمنين عند الاحتضار:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٤).\n١١ - ومن ذلك تثبيت المؤمنين:\n﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٥). ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (٦).\n﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٧).\n١٢ - ومن ذلك الذين يشفعون لبعض المؤمنين يوم القيامة:\n﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٨).\n١٣ - ومن ذلك الدعاء والاستغفار للرسول وأهل الإيمان:\n_________\n(١) ق: ١٧، ١٨.\n(٢) الانفطار: ١٠ - ١٢.\n(٣) الزخرف: ٨٠.\n(٤) فصلت: ٣٠، ٣١.\n(٥) الأنفال: ١٢.\n(٦) آل عمران: ١٢٤، ١٢٥.\n(٧) الأنفال: ٩.\n(٨) الأنبياء: ٢٨.","vol":"2","page":693},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).\n﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٢).\n﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).\n﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤).\nولننتقل إلى ذكر بعض النصوص النبوية في شأن الملائكة وأعمالها وصفاتها وما إلى ذلك:\n_________\n(١) الأحزاب: ٥٦.\n(٢) الأحزاب: ٤٣.\n(٣) غافر: ٧.\n(٤) الشورى: ٥","vol":"2","page":694},{"text":"(٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>بعض النصوص النبوية</span>\n٦٥٩ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"ثم فتر عني الوحي فترةً، فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء فإذا الملك الذي قد جاءني بحراء قاعدٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجئثتُ منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (١) إلى قوله ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ \" (٢). قال أبو سلمة: والرجز الأوثان.\n٦٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ قال: \"كل ذلك؛ يأتيني الملك أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وهو أشده علي، ويتئل لي الملك أحيانًا رجلًا فيكلمني، فأعي ما يقول\".\n٦٦١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ عن مالكٍ بن صعصعة ﵄ قال: قال النبي ﷺ: \"بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان- وذكر يعني رجلًا بين الرجلين- فأتيت بطستٍ من ذهبٍ ملآن حكمةً وإيمانًا، فشق من النحر إلى مراق البطن، ثم غُسل البطن بماء رمرم، ثم ملئ حكمةً وإيمانًا. وأتيت بدابةٍ\n_________\n٦٥٩ - البخاري (٨/ ٦٧٦) ٦٥ - تاب التفسير، ١ - باب حدثني يحيى ... إلخ.\n(١) المدثر: ١.\n(٢) المدثر: ٥.\n(جئثت منه): فزعت وخِفت.\nوقال الحربي: أراد: جثثت، فجعل مكان الهمزة ثاء\n٦٦٠ - البخاري (١/ ١٨)، ١ - كتاب بدء الوحي، ٣ - باب حدثنا عبد الله بن يوسف.\nمسلم (٤/ ١٨١٦) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٢٣ - باب عرق النبي ﷺ في البرد، وحين يأتيه الوحي.\n٦٦١ - البخاري (٦/ ٣٠٢) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٦ - باب ذكر الملائكة.\nمسلم (١/ ١٤٩) ١ - كتاب الإيمان. ٧٤ باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات. وأحمد (٤/ ٢٠٧).","vol":"2","page":695},{"text":"أبيض دون البغل وفوق الحمار البُراق، فانطلقت مع جبريل، حتى أتينا السماء الدنيا، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به؛ ولنعم المجيء جاء. فأتيت على آدم فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل: أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على عيسى ويحيى، فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الثالثة. قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل وقد أرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. فأتيت على يوسف فسلمت، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الرابعة، قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ. قيل: وقد أرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. فأتيت على إدريس فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الخامسة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: ومن معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء. فأتينا على هارون، فسملت عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا على السماء السادسة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ. قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحبًا به، نعم المجيء جاء. فأتيت على موسى فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فلما جاوزت بكى، فقيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب، هذا الغلام الذى بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي. فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحبًا به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ. فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور، يُصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم. ورُفعت لي سدرةُ المنتهى، فإذا نَبِقُها كأنه قِلال هجر، وورقها","vol":"2","page":696},{"text":"كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهارٍ: نهران باطنان ونهران ظاهران. فسألت جبريل فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات. ثم فرضت عليَّ خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى فقال: ما صنعت؟ قلت: فرضت عليَّ خمسون صلاة. قال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا تطيق، فارجع إلى ربك فسله. فرجعت فسألته، فجعلها أربعين، ثم مثله ثم ثلاثين، ثم مثله فجعل عشرين، ثم مثله فجعل عشرًا. فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمسًا. فأتيت موسى فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمسًا. فقال مثله. قلت فسلمت. فنودي: إني قد أمضيت فريضتي. وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرًا\".\nأقول: حاول بعض العلماء أن يؤولوا هذا الحديث فأولوه تأويلات شتى، والظاهر أن من أنهار الجنة الفرات والنيل، فأهل الجنة يختار لهم من مسميات ما عرفوا في الدنيا ما يزدادون به أنسًا. وهناك اتجاهٌ إلى أن سيحان وجيحان والفرات والنيل التي ورد ذكرها مجتمعة في بعض النصوص قد شرفت بأن نسبت إلى الجنة في الدنيا إشارة إلى أنها ستكون من أنهار المسلمين في الدنيا فلها فضلها، ويمكن أن يكون في المسألة جانب غيبي يقتضي منا التسليم، فقد ذهب القاضي عياض إلى أن أصول سدرة المنتهى في الأرض بدليل أننا نشهد أن النيل والفرات ينبعان من الأرض، وقد ذكرنا أن السموات السبع والجنة والنار مغيبة عنا. هذا ولم نذكر قول عياض مؤيدين له إنما ذكرناه كنموذج لاحتمال أن يكون في المسألة جانب غيبي يجب التسليم فيه دون البحث عنه. وقال القرطبي: (... وقيل إنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهًا لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة. وعلى هذا فالنيل والفرات المذكوران في الحديث نهران موجودان في الجنة وهما غير الفرات والنيل الموجودين على الأرض، وفي ذلك إيناس لأهل الجنة وتشريف للنيل والفرات الأرضيين).\n٦٦٢ - * روى البخاريُّ ومسلم عن ابن عباسٍ ﵄ - عن النبي ﷺ قال:\n_________\n٦٦٢ - البخاري (٦/ ٣١٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٧ - باب إذا قال أحدكم آمين. =","vol":"2","page":697},{"text":"\"رأيت ليلة أسري بي موسى رجلًا آدم طوالًا جعدًا كأنه من رجال شنوءة- ورأيت عيسى رجلًا مربوعًا، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس. ورأيت مالكًا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مريةٍ من لقائه\". قال أنسٌ وأبو بكرة عن النبي ﷺ: \"تحرس الملائكة المدينة من الدجال\".\nأقول: ويبدو أنهم كانوا متميزين بشيء ما في الجسد أو الملبس حتى أصبح يشبه بهم بعض الناس.\n٦٦٣ - * روى مسلمٌ عن أبي هريرة، قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّرُ محمدٌ وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللاتِ والعُزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي. زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة.\nفقال رسول الله ﷺ: \"لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا\".\n٦٦٤ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يُصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي ﷺ فقال: \"لو فعله لأخذته الملائكة\". تابعه عمروبن خالد عن عبيد الله عن عبد الكريم.\n٦٦٥ - * روى البخاري عن عروة أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدثته أنها\n_________\n= مسلم (١/ ١٥١) ١ - كتاب الإيمان، ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ ... إلخ.\n(شنوءة): قبيلة معروفة ويقال: أزد شنوءة: وهم حي من اليمن. وسميت بذلك من قولك: رجل فيه شنوءة: شنؤة أي: تقزز، وقال الجوهري التقزز: التباعد من الأدناس.\n٦٦٣ - مسلم (٤/ ٢١٥٤) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ٦ - باب قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.\n٦٦٤ - البخاري (٨/ ٧٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير، ٤ - باب: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ...﴾.\n٦٦٥ - البخاري (٦/ ٣١٢) ٥٩ - تاب بدء الخلق، ٧ - باب إذا قال أحدكم أمين والملائكة ... إلخ. =","vol":"2","page":698},{"text":"قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحدٍ؟ قال: \"لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضتُ نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت. فانطلقت وأنا مهمومٌ، على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ ثم قال: يا محمدُ، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين\". فقال النبي ﷺ: \"بل، أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا\".\n٦٦٦ - * روى البخاري عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه- وكان أبوه من أهل بدر- قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدرٍ فيكم؟ قال: \"من أفضل المسلمين. أو كلمةً نحوها. قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.\n٦٦٧ - * روى مسلم عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمرُ فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابة، فلما قاموا قلت: يا رسول الله، استأذن عليك أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك. فقال: \"يا عائشة، ألا أستحي من رجل والله إن الملائكة تستحي منه.\nقال النووي: هذا الحديث مما يحتج به المالكية وغيرهم ممن يقول: (ليست الفخذ عورة). ولا حجة فيه؛ لأنه مشكوك في المكشوف هل هو الساقان أم الفخذان، فلا يلزم منه الجزم يجواز كشف الفخذ، وفي هذا الحديث جواز تدلل العالم والفاضل بحضرةِ من يُدلُّ\n_________\n= (الأخشبين): جبلا مكة: أبو قُبيسٍ والأحمر وجبلا مِنى. ومنه الأخشب: الجبل العظيم الخشن.\n٦٦٦ - البخاري (٧/ ١١٣) ٦٤ - كتاب المغازي، ١١ - باب شهود الملائكة بدرًا.\n٦٦٧ - مسلم (٤/ ١٨٦٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣ - باب من فضائل عثمان ﵁.\nوأحمد (٦/ ٦٢).","vol":"2","page":699},{"text":"عليه من فضلاء أصحابه، واستحباب ترك ذلك إذا حضر غريب أو صاحب يستحى منه. أ. هـ.\n٦٦٨ - * روى أحمد عن حذيفة قال: سألتني أمي: منذ متى عهدك بالنبي ﷺ؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا. قال: فنالت مني وسبتني. قال: فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي ﷺ فأصلي معه المغربَ ثم لا أدعهُ حتى يستغفر لي ولك. قال: فأتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب. فصلى النبي ﷺ العشاء ثم انفتل، فَتَبعْتُه فعرض له عارض فناجاه ثم ذهب فاتبعتُه فسمع صوتي فقال: \"من هذا؟ \" فقلت: حذيفة. قال: \"مالك\"؟ فحدثته بالأمر، فقال: \"غفر الله لك ولأمك. ثم قال: \"أما رأيت العارض الذي عرض لي قُبَيْلُ\". قال: قلت: بلى. قال: \"ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قَبْلَ هذه الليلة فاستأذن ربه أن يسلِّم عليَّ ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة سيدةُ نساء أهل الجنة\" ﵃.\n٦٦٩ - * روى أحمد عن وكيع أنه قال: حدثني عبد الله بن سعيد عن أبيه، عن عائشة أو أم سلمة، قال وكيعٌ: شكّ هو- يعني عبد الله بن سعيد- أن النبي ﷺ قال لإحداهما: \"لقد دخل عليَّ البيت ملكٌ لم يدخل عليَّ قبلها فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يُقتل بها\" قال: \"فأخرج تربة حمراء\".\n٦٧٠ - * روى أحمد عن عائشة، قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس. قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي. [يعني مس الأرض]. قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجنَّةً. قالت: فجلست إلى الأرض فمرَّ سعد وعليه دِرْع من حديد، قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطرافِ سعد. قالت: وكان سعدٌ من أعظم الناس وأطولهم. قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:\n_________\n٦٦٨ - أحمد (٥/ ٣٩١) وإسناده حسن.\n٦٦٩ - أحمد (٦/ ٢٩٤).\nمجمع الزوائد (٩/ ١٨٧). وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n٦٧٠ - أحمد (٦/ ١٤١).\nمجمع الزوائد (٦/ ١٣٦). وقال: في الصحيح بعض هذا الحديث عن عائشة متصل الإسناد. =","vol":"2","page":700},{"text":"لبث قليلًا يُدرك الهيجا جمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل\nقالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه سبغة له [يعني مِغفرًا] فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة وما يؤمنك أن يكون بلاءٌ أو يكون تحوز. قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذٍ فدخلت فيها. قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمرُ! ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أوالفرار إلا إلى الله ﷿. قالت: ويرمي سعدًا رجلٌ من المشركين يقال له ابن العرقة بسهم له، فقال له، (خذها وأنا ابن العرقة) فأصاب أكخله فقطعه، فدعا الله ﷿ سعدٌ فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قُريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قالت: فرقئ كلمه وبعث الله ﷿ الريح على المشركين، فكفى الله ﷿ المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدرٍ ومن معه بنجدٍ، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع الله ﷺ إلى المدينة، فوضَعَ السلاح وأمر بُقبةٍ من أدم فَضُرِبت على سعدٍ في المسجد. قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أقد وضعت السلاح، والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم.\n٦٧١ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباسٍ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة. ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: \"اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم آتِ ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض\". فما زال يهتف بربه، مادًا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، تم التزمه من ورائه،\n_________\n= (سبغة): السابغة الدرع الواسعة.\n(فرقئ): رقأ الدم من باب قطع، أي: انقطع سيلان الدم من الجرح.\n٦٧١ - مسلم (٣/ ١٣٨٣) ٣٧ - كتاب الجهاد والسير، ١٨ - باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر.","vol":"2","page":701},{"text":"وقال: يا نبي الله [كفاك] مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١). فأمدة الله بالملائكة.\n٦٧٢ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله يقول: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمةٌ والقلب يقظان. فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا. قال: فاضربوا له مثلًا. فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: مثلة كمثل رجلٍ بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا؛ فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يُجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها له يفقهها. فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد ﷺ، فمن أطاع محمدًا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا ﷺ فقد عصى الله، ومحمدٌ فَرْقٌ بين الناس\".\n٦٧٣ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله ﷺ الشفاعة فقال: \"إن الناس يُعرضون على جسر جهنم وعليه حسكٌ وكلاليب يُخطف الناسُ وبجنبتيه الملائكة يقولون: اللهم سلِّم سلِّم\".\n٦٧٤ - * روى مسلم عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمامٍ، مع كل زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرونها\".\n_________\n(١) الأنفال: ٩.\n٦٧٢ - البخاري (١٣/ ٢٤٩) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ٢ - باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ.\n(محمد فرْقٌ بين الناس): يَفْرُق بين المؤمنين والكافرين بتصديق المؤمنين وتكذيب الكافرين له، أو يُفرق بين الحق والباطل.\n٦٧٣ - أحمد (٣/ ٢٦).\nوهو في البخاري مطولًا عن أبي هريرة (١١/ ٤٤٤) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٢ - باب الصراط جسر جهنم.\nوفي مسلم مطولًا عن أبي سعيد (١/ ١٦٧) ١ - كتاب الإيمان، ٨١ - معرفة طريق الرؤية.\n٦٧٤ - مسلم (٤/ ٢١٨٤) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها، ١٢ - باب في شدة حر جهنم.\nوالترمذي (٤/ ٧٠١) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ١ - باب ما جاء في صفة النار.","vol":"2","page":702},{"text":"٦٧٥ - * روى أحمد عن عُقبة بن صهبان قال: سمعت أبا بكرة عن النبي ﷺ قال: \"يُحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتقادع بهم جنبة الضراط تقادع الفراش في النار\" قال: \"فينجي الله ﵎ برحمته من يشاء\". قال: \"ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون\". وزاد عفان مرة فقال أيضًا: \"ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان\".\n٦٧٦ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الملائكة تنزل في العنان\"- وهو السحاب- \"فتذكر الأمر قُضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون منها مائة كذبة من عند أنفسهم\".\n٦٧٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلةٌ على صفوان\"، قال عليٌ وقال غيره: \"صفوانٍ ينفذهم ذلك. فإذا فُزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربك؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير .... \".\n٦٧٨ - * روى أبو داود عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلةً كجر السلسلة على الصقا، فيصعقون،\n_________\n٦٧٥ - أحمد (٥/ ٤٣).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٩). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الصغير والكبير بنحوه، ورواه البزار أيضًا، ورجاله رجال الصحيح.\n(تقادع بهم): تميل.\n٦٧٦ - البخاري (٦/ ٣٣٨) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n٦٧٧ - البخاري (٨/ ٣٨٠) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.\n(فُزع عن قلوبهم): كُشِف عنها الفزع.\n٦٧٨ - أبو داود (٤/ ٢٣٥) كتاب السنة باب في القرآن.\nوالبخاري (١٣/ ٤٥٣) ٦٧ - كتاب التوحيد، ٣٣ - باب قول الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.\nوهو عنده موقوف علي ابن عباس.\n(صلصلة) الصلصلة: صوت الأجرام الصلبة بعضها على بعض.","vol":"2","page":703},{"text":"فلا يزالون كذلك، حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاء فُزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق. فيقولون: الحقَّ الحقَّ\".\n٦٧٩ - * روى الترمذي عن ابن عباس، أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول ﷺ: \"إن أول من حجد آدم ﵇ أو \"أول من حجد آدم، إن الله ﷿ لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو من ذراري إلى يوم القيامة فجعل [أي: الله] يعرضُ ذريته عليه فرأى فيهم رجلًا يزهر فقال: أي ربِّ! من هذا؟ قال: هذا ابنك داود. قال: أي ربِّ كم عمره؟ قال: ستون عامًا. قال: ربِّ زد في عمره. قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عامًا. فكتب الله ﷿ عليه بذلك كتابًا وشهاد عليه الملائكة فلما اختصر آدم وأتته الملائكة، لتقبضه قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا. فقيل: إنك قد وهبتها لابنك داود. قال: ما فعلت. وأبرز الله ﷿ عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة\".\n٦٨٠ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"أذن لي أن أحدث عن ملكٍ من ملائكة الله من حملة العرش: أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه، مسيرة سبعمائة عام\".\n٦٨١ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أُذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى\n_________\n٦٧٩ - الترمذي (٥/ ٢٦٧) ٤٨ - كتاب التفسير، ٨ - باب ومن سورة الأعراف.\nوأحمد (١/ ٢٥١).\nوالمستدرك (٢/ ٥٨٦). وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\n(يزهر) الأزهر: النير، ورِجل أزهر: أبيض مشرق.\n٦٨٠ - أبو دواد (٤/ ٢٣٢) كتاب السنة، باب في الجهمية. وإسناده صحيح.\nومجمع الزوائد (١/ ٨٠). وقال: رواه أبو داود خلا قوله \"سبعين عامًا\"، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. ورواه الضياء في المختارة.\n٦٨١ - مجمع الزوائد (١/ ٨٠). وقال رواه الطبراني في الأوسط، وقال: (تفرد به عبد الله بن المنكدر). قلت هو وأبوه ضعيفان.","vol":"2","page":704},{"text":"قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت\".\n٦٨٢ - * روى أحمد عن صفوان بن عسال ﵁ (رفعه): \"إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب\".\n٦٨٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقرب الملائكة عيرًا فيها جرس ولا بيتًا فيه جرس\".\n٦٨٤ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: واعد رسول الله ﷺ جبريل في ساعةٍ أن يأتيه، فجاءت تلك الساعةً، ولم يأته. قالت: وكان بيده عصا، فطرحها من يده، وهو يقول: \"ما يُخلف الله وعده، ولا رسله\". ثم التفت، فإذا جرو كلبٍ تحت سريرٍ، فقال: \"متى دخل هذا الكلب؟ \". فقلت: والله ما دريت به. فأمر به فأخرج، فجاءه جبريل، فقال له رسول الله ﷺ: \"وعدتني فجلست لك، ولم تأتني\"؟ فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة.\n٦٨٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: وعد رسول الله ﷺ جبريل أن يأتيه، فراث عليه، حتى اشتد على رسول الله ﷺ، فخرج، فلقيه جبريل، فشكا إليه، فقال: إنا لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ.\n_________\n٦٨٢ - أحمد (٤/ ٢٣٩).\nوأبو داود (٣/ ٣١٧) كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم.\n٦٨٣ - مجمع الزوائد (٥/ ١٧٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.\nوأحمد (٤/ ٢٣٩).\nوأبو داود (٣/ ٣١٧) كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم.\n٦٨٤ - مسلم (٣/ ١٦٦٤) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٦ - باب تحريم تصوير صورة الحيوان.\n٦٨٥ - البخاري (١٠/ ٣٩١) ٧٧ - كتاب اللباس، ٩٤ - باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة.\n(فراث) راث عليه: إذا أبطأ.","vol":"2","page":705},{"text":"٦٨٦ - * روى مسلم عن ميمونة- زوج النبي ﷺ﵂ أن رسول الله ﷺ أصبح عندها يومًا واجمًا؛ فقالت له: لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم. فقال: \"إن جبريل كان وعدني أن يلقاني، فلم يلقني، أما والله ما أخلفني\". فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلبٍ تحت فُسطاطٍ لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ [بيده] ماءً، فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال رسول الله ﷺ [له]: \"كنت وعدتني البارحة؟ \" قال: أجل، ولكنا لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة. فأصبح فأمر بقتل الكلاب يومئذ، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.\nوللنسائي (٢) أيضًا في أخرى قالت: إن رسول الله ﷺ قال له جبريل: إنا لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذٍ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه ليأمر بقتل الكلب الصغير.\n٦٨٧ - * روى البخاري ومسلم، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة تماثيل\".\n٦٨٨ - * روى أبو داود عن عمار ﵁ قال: قدمت على أهلي ليلًا وقد تشققت يداي، فضمخوني بالزعفران، فغدوت على رسول الله ﷺ، فسلمت عليه فلم يرد عليَّ ولم يرحب بي فقال: \"اغسل هذا\". قال: فذهبت فغسلته، ثم جئت وقد بقي عليّ منه\n_________\n٦٨٦ - مسلم (٣/ ١٦٦٤) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٦ - باب تحريم تصوير صورة الحيوان.\nوالنسائي (٧/ ١٨٦) ٤٢ - كتاب الصيد والذبائح، ١١ - باب امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب.\n(٢) النسائي (٧/ ١٨٤) ٤٢ - كتاب الصيد والذبائح، ٩ - باب الأمر بقتل الكلاب.\n(واجمًا) الواجمُ: المُطرِق المفكر من شدة الحزن. ... (فسطاط) الفسطاط: بيتٌ من شعر.\n٦٨٧ - البخاري (٦/ ٣١٢) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٧ - باب إذ قال أحدكم \"آمين\" والملائكة ... إلخ.\nمسلم (٣/ ١٦٦٥) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٦ - باب تحريم تصوير صورة الحيوان.\nوأحمد (٤/ ٢٨).\nوالترمذي (٥/ ١١٤) ٤٤ - كتاب الأدب، ٤٤ - باب ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ولا كلب.\n٦٨٨ - أبو داود (٤/ ٧٩) كتاب الترجل، باب في الخلوق للرجال.\nوأحمد (٤/ ٣٢).","vol":"2","page":706},{"text":"شيء فسلمتُ عليه، فلم يرد عليّ ولم يرحب بي، وقال: \"اغسل هذا عنك\". فذهبت فغسلته، ثم جئت فسلمت عليه فرد عليّ ورحَّب بي وقال: \"إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ولا المتضمخ بزعفران ولا الجنب\" ورخَّص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ.\n٦٨٩ - * روى أبو داود عن تميم الداري عن النبي ﷺ قال: \"أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمَّ، كتبت له تامةً، وإن لم يكن أتم، قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوعٍ فتكملون بها فريضته؟ ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك\".\n٦٩٠ - * روى أحمد عن عبد الله بن عامر الألهاني، قال: دخل السجد حابس بن سعدٍ الطائي من السحر- وقد أدرك النبي- فرأى الناس يصلون في مُقدم المسجد فقال: مُراؤون ورب الكعبة، أرعبوهم فمن أرعبهم فقد أطاع الله ورسوله. فأتاهم الناس فأخرجوهم. قال: فقال: إن الملائكة يصلون من السحر في مقدم المسجد.\n٦٩١ - * روى أبو داود عن أبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا أو صلَّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الغداة، ثم قال: \"أشاهد فلان؟ \" مرتين. قلنا: نعم، ولم يشهد الصلاة. ثم قال: \"أشاهد فلان؟ \" قلنا: نعم، ولم يشهد الصلاة. قال: \"إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو تعلمون ما فيهما من\n_________\n٦٨٩ - أبو داود (١/ ٢٢٩) كتاب الصلاة- باب قول النبي ﷺ: \"كلا صلاة لا يتمها صاحبها ... \".\nوأحمد (٤/ ٣٢٠).\nوابن ماجه (١/ ٤٥٨) ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ٢٠٢ - باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد.\nوالمستدرك (١/ ٢٦٢).\n٦٩٠ - أحمد (٤/ ١٠٥).\nمجمع الزوائد (٣/ ١٦)، وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن عامر الألهاني ولم أجد من ذكره.\n٦٩١ - أبو داود (١/ ١٥١) كتاب الصلاة، باب في فضل صلاة الجماعة.\nوالنسائي (٢/ ١٠٤) ١٠ - كتاب الإمامة، ٤٥ - باب الجماعة إذا كانوا اثنين.\nوأحمد (٥/ ١٤٠).\nوالمستدرك (١/ ٢٤٦).","vol":"2","page":707},{"text":"الرغائب لأتيتموهما، ولو حبوًا، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه، وان صلاتك مع رجلٍ أزكى من صلاتك وحدك، وإن صلاتك مع رجلين أزكى من صلاتك مع رجلٍ، وما اكثرت فهو أحب إلى الله\".\n٦٩٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: \"الملائكة يتعاقبون: ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، ثم يعرُج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم- وهو أعلم- فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فقالوا: تركناهم يُصلون، وأتيناهم يصلون\".\n٦٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده. فقالوا: اللهم ربنا لك الحمد. فإنه من وافق قوله قول الملائكة عفر له ما تقدم من ذنبه.\n٦٩٤ - * روى أحمد عن أبي عبد الرحمن قال سمعت عليًا ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن العبد إذا جلس في مصلاه بعد الصلاة صلت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. وإن جلس ينتظرُ الصلاة صلت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه\".\n٦٩٥ - * روى ابن ماجه عن مطرفٍ بن عبد الله بن الشخير أن نوفًا وعبد الله بن عمروٍ\n_________\n٦٩٢ - البخاري (٢/ ٣٣) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ١٦ - باب فضل صلاة العصر.\nمسلم (١/ ٤٣٩) ٥ - كتاب المساجد، ٣٧ - باب فضل صلاتي الصبح والعصر.\nوالنسائي (١/ ٢٤٠) ٥ - كتاب الصلاة، ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة.\nوالموطأ (١/ ١٧٠) ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر، ٢٤ - باب جامع الصلاة.\n٦٩٣ - البخاري (٢/ ٢٨٣) ١٠ - كتاب الأذان، ١٢٥ - باب فضل \"اللهم ربنا لك الحمد\".\nمسلم (١/ ٣٠٦) ٤ - كتاب الصلاة، ١٨ - باب التسميع والتحميد والتأمين.\nوالموطأ (١/ ٨٨) ٣ - كتاب الصلاة، ١١ - باب ما جاء في التأمين خلف الإمام.\n٦٩٤ - أحمد (١/ ١٤٤).\nمجمع الزوائد (٢/ ٣٦)، وقال: رواه أحمد، وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة، لكنه اختلط آخر عمره.\nوروى البخاري نحوه عن أبي هريرة (١/ ٥٦٤) ٨ - كتاب الصلاة، ٨٧ - باب الصلاة في مسجد السوق.\n٦٩٥ - ابن ماجه (١/ ٢٦٢) ٤ - كتاب المساجد والجماعات، ١٩ - باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة. وهو صحيح. =","vol":"2","page":708},{"text":"اجتمعا، فقال نوفٌ: فذكر الحديث، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: وأنا أحدثك عن النبي ﷺ؛ قال: صلينا مع النبي ﷺ ذات ليلةٍ فعقَّب من عقَّب، ورَجَع من رَجَع، فجاء رسول الله ﷺ قبل أن يثور الناس لصلاة العشاء، فجاء وقد حفزه النفس رافعًا أصبعه هكذا، وعقد تسعًا وعشرين وأشار بأصبعه السبابة إلى الماء وهو يقول: \"أبشروا معشر المسلمين، هذا ربكم ﷿ قد فتح بابًا من أبواب السماء يُباهي بكم الملائكة، يقول: ملائكتي، انظروا إلى عبادي أدوا فريضة وهم ينتظرون أخرى\".\n٦٩٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"إذا كان يوم الجمعة كان على كل بابٍ من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر\".\n٦٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن سالمٍ، عن ابن عمر، قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصَّها على رسول الله ﷺ. فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي ﷺ. قال: وكنت غلامًا شابًا عزبًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فرأيت في النوم كأن ملكينٍ أخذاني فذهبا بي إلى النار. فإذا هي مطوية كطي البئر. وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم. فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار. قال: فلقيهما ملكٌ فقال لي: لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ، فقال النبي صلى لله عليه وسلم: \"نعم الرجل عبد الله! لؤ كان يصلي من الليل\".\n_________\n= وأحمد (٢/ ١٨٦).\n(عقب) أي: بقي في المسجد حتى صلى الصلاة اللاحقة.\n(حفزه): أعجله.\n٦٩٦ - البخاري (٦/ ٣٠٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٦ - باب ذكر الملائكة.\n٦٩٧ - البخاري (١٢/ ٤١٩) ٩١ - كتاب التعبير، ٣٦ - باب الأخذ على اليمين في النوم.\nمسلم (٤/ ١٩٢٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣١ - باب فضائل عبد الله بن عمر.\nوأحمد (٢/ ١٤٦).","vol":"2","page":709},{"text":"قال سالم: فكان عبد الله، بعد ذلك، لا ينام من الليل إلا قليلًا.\n٦٩٨ - * روى البخاري عن أُسيد بن حضير، قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطٌ عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف. وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له: \"اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال: \"وتدري ما ذلك؟ \" قال: لا. قال: \"تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم\".\n٦٩٩ - * روى أحمد عن أنس أو غيره أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة، فقال: \"السلام عليكم ورحمة الله\" فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ، حتى سلم ثلاثًا وردّ عليه سعد ثلاثًا، ولم يُسمعه فرجع النبي ﷺ واتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما سلمت تسليمةٌ إلا هي بأُذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت فقرَّب له زبيبًا، فأكل نبي الله ﷺ فلا فرغ قال: \"أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندك الصائمون\".\nوفي رواية لأحمد وأبي داود (٣) عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر عند أهل بيت قال: \"أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرارُ وتنزلت عليكم الملائكة\".\n_________\n٦٩٨ - البخاري (٩/ ٦٣) ٩٦ - كتاب فضائل القرآن، ١٥ - باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن.\n٦٩٩ - أحمد (٣/ ١٣٨).\nمجمع الزوائد (٨/ ٣٤).\n(١) أحمد (٣/ ٢٠١).","vol":"2","page":710},{"text":"٧٠٠ - * روى مسلم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: أتيت الشام، فدخلت على أبي الدرداء فلم أجده ووجدتُ أم الدرداء فقالت: تريد الحج العام. قال: قلت: نعم. فقالت: فادع لنا بخير فإن النبي ﷺ كان يقول: \"إن دعوة المسلم مستجابةٌ لأخيه بظهر الغيب عند رأسه ملكٌ مؤكلٌ كلما دعا لأخيه بخيرٍ قال: آمين، ولك بمثل\".\n٧٠١ - * روى مسلم عن طلحة بن عُبيد الله بن كريز، قال: حدثتني أم الدرداء، قالت: حدثني سيدي؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثلٍ\".\n٧٠٢ - (٣) ما روى مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"أن رجلًا زار أخًا له في قريةٍ أخرى. فأرصد الله له على مدرجته ملكًا. فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمةٍ تربها؟ قال: لا. غير أني أحببته في الله ﷿. قال: فإني ژشول الله إليك: بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه\".\n٧٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا\".\n٧٠٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نفس عن\n_________\n٧٠٠ - مسلم (٤/ ٢٠٩٤) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢٣ - باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب.\nوأحمد (٥/ ١٩٥).\n٧٠١ - مسلم، الموضع السابق.\n٧٠٢ - مسلم (٤/ ١٩٨٨) ٤٥ - كتاب البر والصلة، ١٢ - باب في فضل الحب في الله.\n(تربها): أي تقوم بإصلاحها، وتنهض إليه بسبب ذلك.\n٧٠٣ - البخاري (٣/ ٣٠٤) ٢٤ - كتاب الزكاة، ٢٧ - باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾.\nمسلم (٢/ ٧٠٠) ١٢ - كتاب الزكاة، ١٧ - باب في المنفق والممسك.\n٧٠٤ - مسلم (٤/ ٢٠٧٤) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ١١ - فضل الاجتماع على تلاوة القرآن.","vol":"2","page":711},{"text":"مؤمنٍ كُربةً من كرب الدنيا، نفس الله عنة كربةً من كُرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينةُ، وعشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبته\".\n٧٠٥ - * روى أحمد عن أبي المدلة مولى أم المؤمنين، سمع أبا هريرة يقول: قلنا: يا رسول الله إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشتمنا النساء والأولاد قال: \"لو تكونون\" أو قال: \"لو أنكم تكونون على كل حالٍ على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم ولولم تذنبوا لجاء الله بقومٍ يذنبون كي يغفر لهم\".\n٧٠٦ - * روى الترمذي عن أنسٍ عن النبي ﷺ، قال: \"من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء، وكل إلى نفسه. ومن أكره عليه، أنزل الله عليه ملكًا يسدده\".\n٧٠٧ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب اختصم إليه مسلم ويهودي، فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضى له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق. فضربه عمر بن الخطاب بالدرة، ثم قال: وما يدريك؟ فقال له اليهودي: إنا نجد أنه ليس قاضي يقضي بالحق، إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملكٌ، يسددانه ويوفقانه للحقِّ- ما دام مع الحق- فإذا ترك الحق عرجًا وتركاه.\n_________\n٧٠٥ - أحمد (٢/ ٣٠٤). وإسناده لا بأس به.\n٧٠٦ - الترمذي (٣/ ٦١٤) ١٣ - كتاب الأحكام، ١ - باب ما جاء عن رسول الله ﷺ في القاضي.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وهو أصح من حديث إسرائيل عن عبد الأعلى.\nقال الحافظ في فتح الباري: وله طرق وقد ضعفه بعضهم.\n٧٠٧ - الموطأ (٢/ ٧١٩) ٢٦ - كتاب الأقضية، ١ - باب الترغيب في القضاء بالحق.","vol":"2","page":712},{"text":"٧٠٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"ما جلس قومٌ يذكرون الله، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده\".\n٧٠٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأي شيطانًا\".\n٧١٠ - * روى مسلمٌ عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ سُئل: أي الكلام أفضل؟ قال: \"ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده\".\n٧١١ - * روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"تفتح أبواب الجنة في كل اثنين وخميس\"- قال معمر وقال غير سهيل- \"وتعوض الأعمال في كل اثنين وخميس فيغفر الله ﷿ لكل عبد لا يشرك به شيئًا إلا المتشاحنين، يقول الله للملائكة: ذروهما حتى يصطلحا\".\n٧١٢ - * روى مسلم عن ابن سيرين: أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم ﷺ: \"من أشار إلى أخيه بحديدةٍ، فإن الملائكة تلعنه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه\".\n_________\n٧٠٨ - مسلم (٤/ ٢٠٧٤) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ١١ - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن.\nوأحمد (٣/ ٤٩).\nوالإحسان بترتيب ابن حبان (٢/ ١٠٨).\n٧٠٩ - البخاري (٦/ ٣٥٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٥ - باب خير مال المسلم غنمٌ .... إلخ.\n٧١٠ - مسلم (٤/ ٢٠٩٣) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢٢ - باب فضل سبحان الله وبحمده.\n٧١١ - مسلم (٤/ ١٩٨٧) ٤٥ - كتاب البر والصلة، ١١ - باب النهي عن الشحناء.\nوأحمد (٢/ ٤٠٠).\nوالموطأ (٢/ ٩٠٨) ٤٧ - كتاب حسن الخلق، ٤ - باب ما جاء في المهاجرة.\n(المتشاحنين) المتعاديين، والمشاحن: المعادي.\n٧١٢ - مسلم (٤/ ٢٠٢٠) ٤٥ - كتاب البر والصلة، ٣٥ - باب النهي عن الإشارة بالسلاح.\nوالترمذي (٤/ ٤٦٣) ٣٤ - كتاب الفتن، ٤ - باب ما جاء في إشارة المسلم إلى أخيه بالسلاح.","vol":"2","page":713},{"text":"٧١٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة؛ أن رجلًا شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يَعْجبُ ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالسٌ، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت. قال: \"إنه كان معك ملكٌ يرد عنك، فلما رددت عنه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان\".\n٧١٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن نافع، قال: عاد أبو موسي الاشعري الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، فقال له علي ﵁: أعائدًا جئت أم زائرًا؟ قال: لا، بل جئت عائدًا. قال عليٌّ ﵁: أما إنه ما من مسلم يعودُ مريضًا إلا خرج معه سبعون ألف ملكٍ، كلهم يستغفر له إن كان مصبحًا حتى يمسي، وكان له خريفٌ في الجنة، وإن كان ممسيًا خرج معه سبعون ألف ملك، كلهم يستغفر له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة.\n٧١٥ - * روى الترمذي عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطلت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها\n_________\n٧١٣ - أبو داود (٤/ ٢٧٤) كتاب الأدب، باب في الانتصار.\nوفيه محمد بن عجلان صدوق لكن اختلط عليه أحاديث أبي هريرة، ورواه أبو داود مرسلًا أيضًا، وذكرهما البخاري في تاريخه وقال: المرسل أصح.\nوأحمد (٢/ ٤٣٦).\n٧١٤ - أبو داود (٣/ ٨٥) كتاب الجنائز، باب في فضل العبادة على وضوء.\nوأحمد (١/ ٨١).\nوالمستدرك (١/ ٣٥٠). وهو صحيح.\nقوله (وكان له خريف في الجنة): قال في النهاية: \"المخارف جمع مخرف بالفتح وهو الحائط من النخل؛ أي أن العائد فيما يجوز من الثواب كأنه على نخل الجنة يخترف ثمارها، وقيل: المخارف جمع مخرفة، وهي سكةً بين صفين من نخل يخترف من أيهما شاء: أي يجتني. وقيل: المخرفة الطريق. أي أنه على طريق تؤديه إلى طريق الجنة\" أ. هـ.\n٧١٥ - الترمذي (٤/ ٥٥٦) ٣٧ - كتاب الزهد. ٩ - باب في قول النبي ﷺ: \"لو تعلمون ما أعلم ... \".\nوابن ماجه (٢/ ١٤٠٢) ٣٧ - كتاب الزهد، ١٩ - باب الحزن والبكاء.\nوأحمد (٥/ ١٧٣).\nوالمستدرك (٢/ ٥١٠). وهو حديث حسن.","vol":"2","page":714},{"text":"موضع أربع أصابع، إلا وملكٌ واضعٌ جبهته لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله\".\n٧١٦ - * روى الترمذي عن زيد بن ثابتٍ ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: \"طوبى للشام\". قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: \"إن ملائكة الرحمن باسطةٌ أجنحتها عليه\".\n٧١٧ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد\".\n٧١٨ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"لا تصلي الملائكة على نائحة ولا على مُرنةٍ\".\n٧١٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n= (الصعدات): الطرق، وهي جمع، وصُعُد: جمع صعيد. كطريقٍ وطرقٍ وطرقاتٍ.\n٧١٦ - الترمذي (٥/ ٧٣٤) ٥٠ - كتاب المناقب، ٧٥ - باب في فضل الشام واليمن.\nوأحمد (٥/ ١٨٥).\nوالمستدرك (٢/ ٢٢٩). وهو صحيح.\n٧١٧ - الترمذي (٣/ ٣٤١) ٨ - كتاب الجنائز، ٣٦ - باب فضل المصيبة إذا احتسب.\nوهو حديث حسن.\nوأحمد (٤/ ٤١٥).\n٧١٨ - أحمد (٢/ ٣٦٣).\nمجمع الزوائد (٣/ ١٣). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه أبو مرانة ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله ثقات.\n(المرنة) المصوتة.\n٧١٩ - البخاري (٦/ ٣١٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٧ - باب إذا قال أحدكم \"آمين\".\nمسلم (٢/ ١٠٦٠) ١٦ - كتاب النكاح، ٢٠ - باب تحريم امتناعها من فراش زوجها. =","vol":"2","page":715},{"text":"\"إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح\".\n٧٢٠ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: \"ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: ياربنا، عبدك فلان قد حبسته. فيقول الرب ﷿: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت\".\n٧٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري؛ أن نبي الله ﷺ قال: \"كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعةٌ وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم اهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فهل له من توبةٍ؟ فقال: لا. فقتله، فكمَّل به مائةً. ثم سأل عن أغلم أهل الأرض فدل على رجل عالمٍ، فقال: إنه قتل مائة نفسٍ، فهل له من توبة؟ فقال: نعم. ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت. فاختضمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ فقالت ملائكة الرخمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملكٌ في صورة آدميٍّ فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين؛ فإلى أيتهما كان أدنى، فهو له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضثة ملائكة الرحمة\".\n_________\n= وأحمد (٣/ ١٢٦).\n٧٢٠ - أحمد (٤/ ١٤٦).\nوالمعجم الكبير (١٧/ ٢٨٤).\nمجمع الزوائد (٢/ ٣٠٣). وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام.\nوالمستدرك (٤/ ٣٠٨).\n٧٢١ - البخاري (٦/ ٥١٢) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٥٤ - باب حدثنا أبو اليمان.\nمسلم (٤/ ٢١١٨) ٤٩ - كتاب التوبة، ٨ - باب قبول توبة القاتل.","vol":"2","page":716},{"text":"٧٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ ﵁ أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: \"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه- وإنه ليسمع قرع نعالهم- أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ. فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبذلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراها جميعًا.\nقال قتادة: وذُكِر لنا أنه يُفسح له في قبره. ثم رجع إلى حديث أنس قال: \"وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا در يت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربةً، فيصبيحُ صيحةً يسمعها من يليه غير الثقلين\".\n٧٢٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله ﷿: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها لة حسنةً ما لم يعمل. فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها. وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها\".\nوقال رسول الله ﷺ: \"قالت الملائكة: ربِّ، ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة (وهو أبصر به) فقال: ارقبوه. فإن عملها فاكتبوها له بمثلها. وإن تركها فاكتبوها له حسنةً. إنما تركها من جرَّاي\".\n٧٢٤ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله.\n_________\n٧٢٢ - البخاري (٣/ ٢٣٢) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر.\nمسلم (٤/ ٢٢٠٠) ٥١ - تاب الجنة، ١٧ - باب عرض مقعد الميت من الجنة.\nوأحمد (٢/ ١٢٦).\n٧٢٣ - مسلم (١/ ١١٧) ١ - كتاب الإيمان، ٥٩ - باب إذا هم العبد بحسنة.\n٧٢٤ - البخاري (١٣/ ١٠١) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٧ - باب لا يدخل الدجال المدينة.","vol":"2","page":717},{"text":"٧٢٥ - * روى البخاري عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل المدينة رُعب المسيح الدجال، ولها يومئذٍ سبعة أبوابٍ على كل بابٍ ملكان\".\nوبعد فإن ما مر معنا من النصوص كافٍ ليعرفنا على أن الملائكة مخلوقات نورانية متميزة، فلا هم ذكور ولا هم إناث ولا هم خناثى. وهم مستغرقون في العبادة والطاعة، ولهم وظائفهم المتعددة. ومن معرفة ما وصف به الملائكة ومن معرفة وظائفهم نعرف دقة الترتيب في المملكة الإلهية، فزيادة على هذا الترتيب الكوني المدهش وعلى هذا النظام الكوني البديع، فهناك عالم الملائكة، وهو جزء قائم بشؤون كثيرة من أمر مملكة الله في الدنيا والآخرة، ولعل ما مر معنا وسير تفصيل لأشياء كثيرة نتعرف بها على الله ومملكته ومالكيته، فلننتقل إلى فصل آخر من فصول الغيب لنرى علما آخر مغيبًا عنا وهو عالم الجن والشياطين.\n* * *\n_________\n٧٢٥ - البخاري (١٣/ ٩٠) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٦ - باب ذكر الدجال.","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الفصل الخامس\nفي:\nالجن والشياطين</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص وتلخيص ونقول ووصلان","vol":"2","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>المقدمة</span>\nنعقد هذا الفصل ههنا لأن الجن والشياطين من أمر الغيب، واخترنا أن نذكر هذا الفصل هنا؛ لأن الشياطين وهم جزء من الجن على القول الراجح هم الجهة المقابلة للملائكة من بعض الحيثيات؛ فالملائكة تفعل الخير وتأمر به وتثبت عليه، والشياطين تفعل الشر وتأمر به وتثبت عليه.\nومن ملاحظات السيد عبد الرزاق نوفل: (فإن لفظ الملائكة قد تكرر في القرآن الكريم ٦٨ مرةٍ وهو نفس العدد تمامًا الذي تكرر فيه لفظ الشيطان، وأن عدد ما ورد في الآيات الشريفة من مختلف صور لفظ الملائكة كملك ملكا وملكني وملائكة هو ٨٨ مرة، وهو نفس العدد تمامًا أيضًا الذي تكرر فيه مختلف صور لفظ الشيطان كالشياطين وشيطانًا وشياطينهم) ا. هـ. (الجن والملائكة لعبد الرزاق نوفل).\nوالجن مكلفون كالإنسان، وبالتالي فعندهم قدرة على إدراك الخطاب، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٢).\nوقد ذكرت بعض كتب العقائد أن الجن يكلفون من لحظة الولادة: لأنهم مؤهلون لإدراك الخطاب منذ اللحظة الأولى.\nومن آثارهم التي يستأنس بها على وجودهم الصرع الذي لم يزل موجودًا، وتكلم الجان على لسان شخص يتلبس به، وظهورهم لبعض الناس ومخاطبتهم إياهم بالوساوس التي يحسها الإنسان في قلبه كأثر منهم.\nوعالم الجن فيه الكافر والمؤمن والفاسق، قال تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (٣): أي أديانًا مختلفة.\n_________\n(١) الذاريات: ٥٦.\n(٢) الأنعام: ١٣٠.\n(٣) الجن: ١١.","vol":"2","page":721},{"text":"﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ (١): أي الجائرون.\nوهل الكافرون منهم هم الشياطين، أو الشياطين جنس آخر؟ فالجن مخلوقات هوائية والشياطين مخلوقات نارية: قولان للعلماء، والراجح أن الشياطين هم كفرة الجن.\nولا خلاف أن رسول الله محمدًا ﷺ أرسل إلى الإنس والجن، وأنه بلغ الرسالة للإنس والجن، وقد ذكر القرآن ذلك في أكثر من سورة، ولكن هل كان الرسل قبل محمد ﵊ يرسلون إلى الإنس والجن حيث أرسلوا، أو أنه قبل محمد ﵊ كانت ترسل رسل من الجن؟\nقولان للعلماء في ذلك؛ فابن عباس وآخرون يرون أنه لم يبعث الله رسولًا من الجن، وقال الضحاك وابن حزم وآخرون: إنه قد ابتعث الله من الجن أنبياء ورسلًا، ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا (٢).\n* * *\nوقد ألف أكثر من كتاب في الجن وأحكامها، منها القديم ومنها الحديث، عدا ما قاله المفسرون وشراح السنة بمناسبة ورود شيء من ذلك في سياقه، عدا ما تذكره كتب العقائد في الحديث عنهم على اعتبار أن الجن جزء من عالم الغيب، والإيمان بوجودهم من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي يكفر منكرها، وممن أفرد التآليف عن الجن قديمًا: ابن القيم في كتابه: \"لقط المرجان في أحكام الجان\". والقاضي بدر الدين الشبلي الحنفي في كتابه: \"آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان\". وقد حاول عبد الرزاق نوفل في كتابه عن \"الجن والملائكة\" أن يستأنس في بحثه ببعض معطيات عصرنا التي تشير إلى عالم الجن والشياطين، فاستأنس بكلام بعض علماء النفس الذين تحدثوا عن الدوافع الخفية التي تدفع الإنسان إلى اتجاهات معينة، وبكلام بعض علماء الطب بمناسبة العلاج الروحي والنفسي لبعض الأمراض، وتكلم عن معطيات أخرى، وربط الشيخ حسن أيوب بين ما\n_________\n(١) الجن: ١٥.\n(٢) الأنعام: ١٣٠.","vol":"2","page":722},{"text":"يجرى في عمليات تحضير الأرواح وعالم الجن.\nوعلماء الإسلام سلفًا وخلفًا يذكرون حوادث يقينية كان للجن حضورهم فيها، وهناك أعلام من العلماء تتلمذ عليهم أفراد من الجن، ولابن عابدين -من فقهاء الحنفية- رسالة في تلمذة الجن على شيخه مولانا الشيخ خالد النقشبندي ﵀. وإنه لموضوع حري أن يتتبع وتتبع أخباره في الشرق والغرب، وفي الكتب القديمة والحديثة، فذلك يدحض فرية افتراءات الماديين ويلقم الحجر للمشركين، ويكفي المسلم أن يعرف النصوص الواردة في ذلك أن يفهمها حق الفهم وأن يؤمن بها، وهذا الكتاب مقصور على مثل هذا.\nونحن سنذكر بعض نصوص القرآن في الجن، ثم نعقب ذلك بذكر بعض النصوص النبوية في هذا الشأن، مع شرح ما لابد من شرحه وبعض التعليقات المختصرة، ثم نعقب ذلك بتلخيص إجمالي هذا الموضوع، ثم بنقل بعض أقوال العلماء.\n* * *","vol":"2","page":723},{"text":"(١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>بعض نصوص القرآن في الجن والشياطين</span>\nيقرر القرآن أن الجن خلقوا من نار، قال تعالى:\n﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (١)، والمارج: هو اللهب الأزرق الخالي من الدخان.\n﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٢)، ونار السموم: هي المرتفعة الحرارة التي تنفذ حرارتها إلى الأجسام.\nويقرر القرآن أن إبليس من الجن، فالجن خلقت قبل أبينا آدم ﵇:\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٣).\nويذكر القرآن قصة إبليس مع أبينا آدم وما ترتب على ذلك من إهباط كل من إبليس وآدم، وحواء إلى الأرض، والبواعث التي بعثت إبليس على هذا الموقف، ومن ذلك: الكبر والحسد، ويحذرنا الله ﷿ أن نستجيب لوسوسة إبليس وجنوده أو لاتباع خطواته، ويعرفنا القرآن على مآتي الشيطان للإنسان وعلى أنواع إضلاله، وذلك يستغرق حيزًا كبيرًا من القرآن الكريم ومن ذلك:\n﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٤).\n﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (٥).\n﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي\n_________\n(١) الرحمن: ١٥.\n(٢) الحجر: ٢٧.\n(٣) الكهف: ٥٠.\n(٤) الأعراف: ١٧.\n(٥) الأعراف: ٢٧.","vol":"2","page":724},{"text":"الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (١).\n﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢).\nوتقرر السنة النبوية أنه ما من إنسان إلا وله قرين من الشياطين، ويذكر القرآن موضوع القرين في أكثر من مكان:\n﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (٣).\n﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ (٤).\n﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٥).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٦)، أي محل أمنيته وهم أفراد أمته.\n﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ (٧).\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ (٨).\n﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (٩).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١٠).\n_________\n(١) الإسراء: ٦٤.\n(٢) النساء: ١١٩.\n(٣) ق: ٢٧.\n(٤) النساء: ٢٨.\n(٥) الزخرف: ٣٦.\n(٦) الحج: ٥٢.\n(٧) الحشر: ١٦.\n(٨) الحج: ٣.\n(٩) الأنعام: ١٢١.\n(١٠) المائدة: ٩٠.","vol":"2","page":725},{"text":"﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (١).\n﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢).\n﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ (٣).\n﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يخوفكم أولياءه ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ (٤).\n﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٥).\n﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٦).\n﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٧).\n﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٨).\n﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩).\n﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١٠).\n﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١١).\nويقرر القرآن أن الشيطان يمكن أن يمس الإنسان فيصيبه بالصرع:\n﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١٢).\n_________\n(١) المائدة: ٩١.\n(٢) الإسراء: ٥٣.\n(٣) يوسف: ١٠٠.\n(٤) آل عمران: ١٧٥.\n(٥) الناس: ٥، ٦.\n(٦) النور: ٢١.\n(٧) البقرة: ٢٦٨.\n(٨) العنكبوت: ٣٨.\n(٩) الأنعام: ٤٣.\n(١٠) الأنعام: ٦٨.\n(١١) المجادلة: ١١.\n(١٢) البقرة: ٢٧٥.","vol":"2","page":726},{"text":"ويقرر القرآن أن للشيطان ذرية، وهذا يقتضي أن عالم الشياطين فيه تزاوج وتناسل؛ ففيه الذكر والأنثى:\n﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (١).\n﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (٢).\nوعالم الشياطين جزء من عالم الجن على القول الراجح، والجن كلهم مكلفون ومحاسبون ومجزيون بالجنة أو بالنار:\n﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ (٣).\n﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٤).\n﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (٥).\n﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ (٦).\n﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٧).\n﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾، أي الجائرون (٨).\n﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٩).\nفالجن مكلفون، ومحمد ﷺ قد أرسل إلى الإنس والجن بإجماعٍ، وهل أرسل قبل محمد إلى الجن رسل منهم، أو أن رسل الإنس رسل للجن في الوقت نفسه؟ قولان للعلماء: والراجح أنه لم يكن في الجن نبوة ولا رسالة وعلى كل الأحوال فالحجة قائمة عليهم:\n_________\n(١) الكهف: ٥٠.\n(٢) الرحمن: ٥٦.\n(٣) الأعراف: ٢٨.\n(٤) الجن: ١، ٢.\n(٥) الجن: ١١.\n(٦) الجن: ١٣.\n(٧) الأحقاف: ٢٩.\n(٨) الجن: ١٤.\n(٩) الذاريات: ٥٦.","vol":"2","page":727},{"text":"﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ (١).\nوللجن عامة قدرات:\n﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٢).\n﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (٣).\nوقال تعالى على لسان الجن:\n﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (٤).\nومن قدراتهم ما ذكره القرآن الكريم بقوله:\n﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ (٥).\n﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (٦).\n﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٧).\nوينفي القرآن عن الجن معرفة الغيب:\n﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٨).\n* * *\n_________\n(١) الأنعام: ١٣٠.\n(٢) النمل: ١٧.\n(٣) الرحمن: ٢٣.\n(٤) الجن: ٨، ٩.\n(٥) النمل: ٣٨، ٣٩.\n(٦) سبأ: ١٣.\n(٧) الأنبياء: ٨٢.\n(٨) سبأ: ١٤.","vol":"2","page":728},{"text":"(٢)<span data-type=\"title\" id=toc-195> النصوص النبوية</span>\n٧٢٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعودٍ قال استتبعني رسول الله ﷺ. قال: فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا فخط رسول الله ﷺ خطه فقال: \"كن بين ظهري هذه لا تخرج منها، فإنك إن خرجت منها هلكت\". قال: فكنت فيها. قال: فمضى رسول الله ﷺ فدق أو أبعد شيئًا. أو كما قال. ثم إنه ذكر هنينا كأنهم الزط -قال: أو كما قال عفان إن شاء الله- عليهم ثياب ولا أرى سوءاتهم، طوال، قليل لحمهم. قال: فأتوا فجعلوا يركبون رسول الله ﷺ. قال: وجعل رسول الله ﷺ يقرأ عليهم. قال: وجعلوا يأتون فيحتلون حولي ويعرضون. قال عبد الله: فأرعبت منهم رعبًا شديدًا. قال: فجلست -أو كما قال- فلما انشق عمود الصبح جعلوا يذهبون -أو كما قال- ثم إن رسول الله ﷺ جاء ثقيلا وجعًا أو يكاد أن يكون وجعا مما ركبوه، قال: \"إني أجدني ثقيلًا\" أو كما قال. قال: ثم إن هنينا أتوا عليهم ثياب بيض طوال -أو كما قال- وقد أغفى رسول الله ﷺ. قال عبد الله: فأرعبت أشد مما أرعبت في المرة الأولى. قال عارم في حديثه: فقال بعضهم لبعضٍ: هلم فلنضرب له مثلًا، أو كما قالوا. قال بعضهم لبعضٍ: اضربوا لهم مثلًا ونولي نحن أو نضرب نحن، وتولون أنتم. فقال بعضهم: مثله كمثل سيدٍ بنى بنيانًا حصينًا ثم أرسل إلى الناس بطعامٍ -أو كما قال- فمن لم يأت طعامه (أو قال لم يتبعه) عذب عذابًا شديدًا (أو كما قال الآخرون) أما السيد فهو رب العالمين، وأما البنيان فهو الإسلام، والطعام الجنة وهو الداعي، فمن اتبعه كان في الجنة -قال عارم في حديثه: أو كما قالوا- ومن لم يتبعه عذب أو كما قال. ثم إن رسول الله ﷺ قال: \"ما رأيت يا ابن أم عبدٍ؟ \". قال عبد الله: رأيت كذا وكذا. فقال نبي الله ﷺ: \"ما\n_________\n٧٢٦ - الترمذي (٥/ ١٤٥) ٤٥ - كتاب الأمثال، ١ - باب ما جاء في مثل الله لعباده.\nوروايته له مختصرة. وقال: حسن صحيح غريب.\nومسند أحمد (١/ ٣٩٩).\nمجمع الزوائد (٨/ ٢٦٠). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عمرو البكالي وذكره العجلي في ثقات التابعين وابن حبان وغيره في الصحابة.","vol":"2","page":729},{"text":"خفي علي شيء مما قالوا\". قال رسول الله ﷺ: \"هم نفر من الملائكة\". أو قال: \"هم من الملائكة\". أو كما شاء الله.\n٧٢٧ - * روى مسلم عن علقمة ﵀، قال: قلت لابن مسعودٍ: هل صحب النبي ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلةٍ ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير، أو اغتيل. فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل جراء. قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قوم. قال: \"أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن\". قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم وسألوه الزاد، فقال: \"لكم كل عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرةٍ علف لدوابكم\". فقال رسول الله ﷺ: \"فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم\".\nوفي رواية (١) بعد قوله: \"وآثار نيرانهم\"، قال الشعبي: وسألوه الزاد؟ وكانوا من جن الجزيرة -إلى آخر الحديث، من قول الشعبي مفصلًا من حديث عبد الله.\nورواه الترمذي (٢)، وذكر فيه قول الشعبي، كما سبق في هذه الرواية الآخرة، وزاد فيه: \"أو روثةٍ\".\n_________\n٧٢٧ - مسلم (١/ ٢٢٢) ٤ - كتاب الصلاة، ٣٣ - باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n(٢) الترمذي (٥/ ٣٨٢) ٤٨ - كتاب التفسير، ٤٧ - باب ومن سورة الأحقاف. وقال: حسن صحيح.\nقال النووي: قال الدارقطني: انتهى حديث ابن مسعود عند قوله: \"فآرانا آثارهم، وآثار نيرانهم\" وما بعده قول الشعبي، كما رواه أصحاب داود الراوي عن الشعبي، وابن علية، وابن زريع، وابن أبي زائدة، وابن إدريس وغيرهم. هكذا قاله الدارقطني وغيره. ومعنى قوله: إنه من كلام الشعبي. أنه ليس مرويًا عن ابن مسعود بهذا الإسناد، وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي ﷺ.\n(استطير) أي: طارت به الجن.\n(اغتيل): قتل سرًا، والغيلة: بكسر الغين، هي القتل خفية.\nقوله: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه)، قال بعض العلماء: هذا لمؤمنيهم. وأما غيرهم فجاء في حديث آخر \"أن طعامهم: ما لم يذكر اسم الله عليه\".","vol":"2","page":730},{"text":"وفي رواية لمسلم (١) أن ابن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ، ووددت أني كنت معه. لم يزد على هذا.\nوروى أبو داود (٢) منه طرفًا، قال: قلت لعبد الله بن مسعودٍ: من كان منكم ليلة الجن مع النبي ﷺ؟ فقال: ما كان معه منا أحد. لم يزد على هذا.\n٧٢٨ - * روى الطبراني عن الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: \"أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ \" فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثًا، فمر بي يمشي فأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض بزار فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستذفري ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله ﷺ بإبهام رجله في الأرض خطأ، فقال لي: \"اقعد في وسطه\". فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، ومضى النبي ﷺ بيني وبينهم فتلا قرآنًا رفيعًا حتى طلع الفجر، ثم أقبل حتى مر بي فقال لي: \"الحق\". فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال لي: \"التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟ \". قلت: يا رسول الله أرى سوادًا كثيرًا. فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض فنظم عظمًا بروثة ثم رمى به إليهم، ثم قال: \"رشد. أولئك مني، وفد قوم هم وفد نصيبين سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة\". قال الزبير: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة أبدًا.\n_________\n(١) مسلم (١/ ٢٢٢) نفس الكتاب والباب السابقين.\n(٢) أبو داود (١/ ٢٢) كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ.\n٧٢٧ - المعجم الكبير (١/ ١٢٥).\nمجمع الزوائد (١/ ٢٠٩). وقال: إسناده حسن، ليس فيه غير بقية وقد صرح بالتحديث.\n(خنست) خنس عنه: تأخر، وبابه دخل ونصر.\n(براز) البراز: الفضاء الواسع.","vol":"2","page":731},{"text":"٧٢٩ - * روى مسلم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ \"خلقت الملائكة من نورٍ. وخلق الجان من مارجٍ من نارٍ. وخلق آدم مما وصف لكم\".\n٧٣٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله (وفي رواية أبي كريب: يا ويلي) أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار\".\n٧٣١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الملائكة تنزل في العنان\" وهو السحاب- \"فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون منها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم\".\n٧٣٢ - * روى البخاري: قال ابن عباس ﵄: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمرادٍ، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحميرٍ، لآل ذي الكلاع. أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوحٍ. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.\n_________\n٧٢٩ - مسلم (٤/ ٢٢٩٤) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق، ١٠ - باب في أحاديث متفرقة.\nوأحمد (٦/ ١٥٣).\n٧٣٠ - مسلم (١/ ٨٧) ١ - كتاب الإيمان، ٣٥ - باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة.\nوأحمد (٢/ ٤٤٣) بلفظ مقارب.\nوابن ماجه (١/ ٣٣٤) ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ٧٠ - باب سجود القرآن.\n٧٣١ - البخاري (٦/ ٣٠٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٦ - باب ذكر الملائكة.\n٧٣٢ - البخاري (٨/ ٦٦٧) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب (وذا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق).\n(دومة): بضم الدال، اسم موضع.\nقال في لسان العرب: ويسميه أهل الحديث ذومة بالفتح وهو خطأ.\nوقال ابن الأثير: وقد وردت في الحديث، وتضم دالها وتفتح.","vol":"2","page":732},{"text":"٧٣٣ - * روى مسلم عن أنس بن مالكٍ: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان. فأخذه فصرعه فشق عن قلبه. فاستخرج القلب. فاستخرج منه علقة. فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم. ثم لأمه ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره) فقالوا: إن محمدًا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره\".\n٧٣٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن. بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل فقال عمر: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، علي الرجل. فدعي له، فقال له ذلك. فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجلٍ فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا أنت. فوثب القوم. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فقمت\n_________\n٧٣٣ - مسلم (١/ ١٤٧) ١ - كتاب الإيمان، ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ.\nوأحمد (٢/ ١٤٩).\n٧٣٤ - البخاري (٧/ ١٧٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار، ٣٥ - باب إسلام عمر بن الخطاب.\n(إبلاسها): الإبلاس: التحير والدهش.\n(يأسها): كأن الجن يأست مما كانت تدركه من بعثة النبي ﷺ.\n(إنكاسها): انقلابها عن أمرها.\n(القلاص): جمع القلوص وهي الناقة الشابة.\n(أحلاسها): الحلس: الكساء الذي يكون على ظهر البعير.\n(جليح): اسم رجل.\n(نجيح): النجيح: السريع، أو هو الظفر بالمطلوب من النجاح.\n(نشبنا): أي لبثنا.","vol":"2","page":733},{"text":"فما نشبنا أن قيل: هذا نبي.\n٧٣٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكل به قرينه من الجن\". قالوا: وإياك؟ يا رسول الله! قال: \"وإياي. إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير\".\nغير أن في حديث سفيان \"وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة\".\n٧٣٦ - * روى مسلم: قال عروة: إن عائشة، زوج النبي ﷺ حدثته؛ أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلًا. قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع. فقال: \"مالك؟ يا عائشة! أغرت؟ \" فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك فقال ﷺ: \"أقد جاءك شيطانك؟ \" قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: \"نعم\". قلت: ومع كل إنسانٍ؟ قال: \"نعم\" قلت: ومعك؟ يا رسول الله! قال: \"نعم. ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم\".\n٧٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: \"إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مراتٍ. فإن الشيطان يبيت على خياشيمه\".\n٧٣٨ - * روى مسلم عن عبد الله: قال: ذكر عند رسول الله ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح. قال: \"ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه\". أو قال: \"في أذنه\".\n_________\n= (نشينا): أي لبثنا.\n٧٣٥ - مسلم (٤/ ٢١٦٧) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ١٦ - باب تحريش الشيطان ... إلخ.\nوأحمد (١/ ٣٨٥).\n٧٣٦ - مسلم (٤/ ٢١٦٨) الموضع السابق.\n٧٣٧ - البخاري (٦/ ٣٣٩) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\nمسلم (١/ ٢١٣) ٢ - كتاب الطهارة، ٨ - باب الإيثار في الاستنثار والاستجمار.\nوالنسائي: (١/ ٦٧) ١ - كتاب الطهارة، ٧٣ - باب الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم.\n٧٣٨ - مسلم (١/ ٥٣٧) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٢٨ - باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح.","vol":"2","page":734},{"text":"قال النووي:\n(بال الشيطان في أذنيه) اختلفوا في معناه. فقال ابن قتيبة: معناه أفسده. وقال المهلب والطحاوي وآخرون: هو استعارة وإشارة إلى انقياده للشيطان وتحكمه فيه، عقده على قافية رأسه: عليك ليل طويل. وإذلاله له، وقيل: معناه استخف به واحتقره واستعلى عليه. يقال: لمن استخف بإنسان وخدعه: بال في أذنه. وأصل ذلك في دابة تفعل ذلك بالأسد، إذلالا له. وقال الحربي: معناه ظهر عليه وسخر منه. قال القاضي عياض: ولا يبعد أن يكون على ظاهره قال: وخص الأذن لأنها حاسة الانتباه. ا. هـ.\n٧٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ضحك الشيطان\".\n٧٤٠ - * روى مسلم عن سهيل بن أبي صالح، قال: سمعت ابنا لأبي سعيد الخدري يحدث أبي عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا تثاؤب أحدكم، فليمسك بيده على فيه. فإن الشيطان يدخل\".\n٧٤١ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة\".\n٧٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ:\n_________\n٧٣٩ - البخاري (٦/ ٣٣٨) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\nمسلم (٤/ ٢٢٩٣) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق، ٩ - باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب.\n٧٤٠ - مسلم: الموضع السابق.\n٧٤١ - مسلم (١/ ٥٣٩) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٢٩ - باب استحباب صلاة النافلة ...\nوالترمذي (٥/ ١٥٧) ٤٦ - كتاب فضائل القرآن، ٢ - باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي.\nوقال: حديث حسن صحيح.\nوأحمد (٢/ ٢٨٤).\n٧٤٢ - البخاري (٢/ ٨٤) ١٠ - كتاب الآذان، ٤ - باب فضل التأذين. =","vol":"2","page":735},{"text":"\"إذا نودي بالصلاة أبدر الشيطان وله ضراط، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضي أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا. حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا سجد سجدتي السهو\".\n٧٤٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيدٍ الخدري ﵁ قال له: \"إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة\". قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ.\n٧٤٤ - * روى أبو داود عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصفوف كأنها الحذف\".\n٧٤٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة فقال: \"إن الشيطان عرض لي فشد علي يقطع الصلاة علي، فأمكنني الله منه\".\n٧٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه سلم: \"إن عفريتًا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن\n_________\n= مسلم (١/ ٢٩١) ٤ - كتاب الصلاة، ٨ - باب فضل الآذان وهرب الشيطان عند سماعه.\nومالك (١/ ٦٩) ٢ - كتاب الصلاة، ١ - باب ما جاء في النداء للصلاة.\n٧٤٣ - البخاري (٢/ ٨٧) ١٠ - كتاب الآذان، ٥ - باب رفع الصوت بالنداء.\n٧٤٤ - أبو داود (١/ ١٧٩) كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف.\nوالنسائي (٢/ ٩٢) ١٠ - كتاب الإمامة، ٢٨ - باب حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها.\nوأحمد (٣/ ٢٨٣).\nوابن حبن (٣/ ٢١٨) كتاب الصلاة -باب فرض متابعة الإمام. وهو حديث صحيح.\n(الحذف): بفتحتين، غنم سود صفار من غنم الحجاز.\n٧٤٥ - البخاري (٣/ ٨٠) ٢١ - كتاب العمل في الصلاة، ١٠ - ما يجوز من العمل في الصلاة.\n٧٤٦ - البخاري (١/ ٥٥٤) ٨ - كتاب الصلاة، ٧٥ - باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد.","vol":"2","page":736},{"text":"أربطه على ساريةٍ من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددته خاسئًا\".\n٧٤٧ - * روى البزار عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: \"إن الشيطان عرض لي فجعل يلقي علي شرر النار فلولا دعوة أخي سليمان لأخذته\".\n(دعوة سليمان): قوله تعالى على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١).\n٧٤٨ - * روى الطبراني عن جابر عن النبي ﷺ قال: \"دخلت البيت فإذا شيطان خلف الباب فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، فلولا دعوة العبد الصالح لأصبح مربوطًا يراه الناس\".\n٧٤٩ - * روى أحمد عن عياض قال: قلت لأبي سعيد الخدري: أحدنا يصلي فلا يدري كم صلى. فقال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا صلى أحدكم فلا يدري كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس، وإذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك قد أحدثت فليقل: كذبت. إلا ما وجد ريحه بأنفه أو سمع صوته بأذنه\".\n_________\n= مسلم (١/ ٢٨٤) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٨ - باب جواز لعن الشيطان.\nوأحمد (٢/ ٢٦٨).\n(عفريت): متمرد من إنس أو جان.\n٧٤٧ - كشف الأستار: (٣/ ١٣١).\nمجمع الزوائد (٨/ ٢٢٩). وقال: ورجاله رجال الصحيح.\n(١) ص: ٣٥.\n٧٤٨ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٩).\n٧٤٩ - أحمد (٣/ ٥١، ٥٣).\nوأبو داود (١/ ٣٧٠) كتاب الصلاة، باب من قال يتم على أكبر ظنه.\nوالترمذي (٢/ ٢٤٣) أبواب الصلاة، ٢٩١ - باب ما جاء في الرجل يصلي فيشك ... إلخ.\nوقال: حديث حسن.","vol":"2","page":737},{"text":"٧٥٠ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ: \"إذا مر بين أحدكم شيء وهو يصلي فيلمنعه، فإن أبى فليمنعه فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان\".\n٧٥١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂: سألت النبي ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة فقال: \"هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم\".\n٧٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ: \"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقدٍ إذا نام. بكل عقدةٍ يضرب عليك ليلًا طويلًا. فإذا استيقظ، فذكر الله. انحلت عقدة، وإذا توضأ، انحلت عنه عقدتان. فإذا صلى انحلت العقد. فأصبح نشيطًا طيب النفس. وإلا أصبح خبيث النفس كسلان\".\n٧٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله، قال: لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا،\n_________\n٧٥٠ - البخاري (٦/ ٣٣٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n٧٥١ - البخاري (٢/ ٢٣٤) ١٠ - كتاب الأذان، ٩٣ - باب الالتفات في الصلاة.\nوأبو داود (١/ ٢٢٩) كتاب الصلاة، باب الالتفات في الصلاة.\nوالنسائي (٣/ ٨) ١٣ - كتاب السهو، ١٠ - باب التشديد في الالتفات في الصلاة.\nوأحمد (٦/ ١٠٦).\n٧٥٢ - البخاري (٣/ ٢٤) ١٩ - كتاب التهجد، ١٢ - باب عقد الشيطان على فاقية الرأس ...\nمسلم (١/ ٥٣٨) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٢٨ - باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح.\nوأحمد (٢/ ٢٤٣).\nقال النووي:\n(قافية رأس أحدكم): القافية آخر الرأس. وقافية كل شيء آخره. ومنه قافية الشعر.\n(عليك ليلًا طويلًا): هكذا هو في معظم نسخ بلادنا، بصحيح مسلم. وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين: عليك ليلًا طويلًا، بالنصب على الإغراء. ورواه بعضهم: عليك ليل طويل، بالرفع. أي بقي عليك ليل طويل. واختلف العلماء في هذه العقد. فقيل: هو عقد حقيقي بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من القيام. قال الله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد). فعلى هذا هو قول يقوله يؤثر في تثبيط النائم كتأثير السحر. وقيل: يحتمل أن يكون فعلًا يفعله كفعل النفاثات في العقد. وقيل: هو من عقد القلب وتصميمه، فكأنه يوسوس في نفسه ويحدثه بأن عليك ليلًا طويلًا، فتأخر عن القيام. وقيل: هو مجاز كنى به عن تثبيط الشيطان عن قيام الليل.\n٧٥٣ - مسلم (١/ ٤٩٢) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٧ - باب جواز الانصراف من الصلاة ... =","vol":"2","page":738},{"text":"لا يرى إلا حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه. أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله.\n٧٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين\".\n٧٥٥ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار. وذلك كل ليلةٍ\".\n٧٥٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان؛ فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺفذكر الحديث- فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي ﷺ: \"صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان\".\n٧٥٧ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن\n_________\n= قوله: (ينصرف عن شماله) أي: من الصلاة.\n٧٥٤ - البخاري (٤/ ١١٢) ٣٠ - كتاب الصوم، ٥ - باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ...\nمسلم (٢/ ٧٥٨) ١٣ - كتاب الصيام، ١ - باب فضل شهر رمضان.\nوأحمد (٢/ ٢٨١).\n٧٥٥ - الترمذي (٣/ ٦٦) ٦ - كتاب الصوم، ١ - باب ما جاء في فضل شهر رمضان.\nوابن ماجه (١/ ٥٢٦) ٧ - كتاب الصيام، ٢ - باب ما جاء في فضل شهر رمضان.\nوابن حبان (٥/ ١٨٣) كتاب الصوم -باب فضل رمضان.\nوالمستدرك (١/ ٤٢١) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. وهو حديث حسن.\n٧٥٦ - البخاري (٦/ ٣٣٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n٧٥٧ - البخاري (٦/ ٤٠٨) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ١٠ - باب حدثنا موسى ....","vol":"2","page":739},{"text":"والحسين ويقول: \"إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطانٍ وهامة، ومن كل عينٍ لامة\".\n٧٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدًا، لم يضره الشيطان\".\n٧٥٩ - * روى البخاري؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته\".\n٧٦٠ - * روى مالك في الموطأ عن خالد بن الوليد؛ قال لرسول الله ﷺ: إني أروع في منامي. فقال له رسول الله ﷺ: \"قل: أعوذ بكلمات الله التامة. من غضبه وعقابه وشر عباده. ومن همزات الشياطين. وأن يحضرن.\n٧٦١ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد؛ أنه قال: أسري برسول الله ﷺ فرأى عفريتا من الجن، يطلبه بشعلة من نارٍ، كلما التفت رسول الله ﷺ رآه. فقال له جبريل: أفلا أعلمك كلماتٍ تقولهن. إذا قلتهن طفئت شعلته، خر لفيه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"بلى\". فقال جبريل: فقل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله\n_________\n٧٥٨ - البخاري (٦/ ٣٣٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\nمسلم (٢/ ١٠٥٨) ١٦ - كتاب النكاح، ١٨ - باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع.\nوأحمد (١/ ٢١٧).\n٧٥٩ - البخاري (٦/ ٣٣٦) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n٧٦٠ - الموطأ (٢/ ٩٥٠) ٥١ - كتاب الشعر، ٤ - باب ما يؤمر به من التعوذ. وهو مرسل إلا أنه حسن بشواهده.\n(أروع): أي يحصل لي روع، أي فزع.\n(التامة): أي الفاضلة التي لا يدخلها نقص.\n(همزات الشياطين): نزغاتهم بما يوسوسون به.\n(وأن يحضرون): أي أن يصيبوني بسوء ويكونوا معي في مكان؛ لأنهم إنما يحضرون بالسوء.\n٧٦١ - الموطأ (٢/ ٩٥٠) ٥١ - كتاب الشعر، ٤ - باب ما يؤمر به من التعوذ. مرسلًا.\nوأحمد (٢/ ٤١٩) بمعناه. موصولًا بسند حسن.","vol":"2","page":740},{"text":"التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها، وشر ما ذرأ في الأرض وشر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقًا يطرق بخيرٍ يا رحمن.\n٧٦٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال النبي ﷺ: \"الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لا تضره\".\n٧٦٣ - * روى مسلم عن أبي قتادة، عن رسول الله ﷺ: أنه قال: \"الرؤيا الصالحة من الله. والرؤيا السوء من الشيطان. فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا فلينفث عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان، لا تضره. ولا يخبر بها أحدًا. فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر. ولا يخبر إلا من يحب\".\n٧٦٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال \"إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب. وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا. ورؤيا المسلم جزء من خمسٍ وأربعين جزءًا من النبوة. والرؤيا ثلاثة: [فالرؤيا] الصالحة بشرى من الله. ورؤيا تحزين من الشيطان. ورؤيا مما يحدث المرء نفسه. فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس\".\n٧٦٥ - * روى مسلم عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني. قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الرؤيا الصالحة من الله. فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب. وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها. ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره\".\n_________\n٧٦٢ - البخاري (١٢/ ٣٩٣) ٩١ - كتاب التعبير، ١٤ - باب الحلم من الشيطان ...\n٧٦٣ - مسلم (٤/ ١٧٧٢) ٤٢ - كتاب الرؤيا، ٣ - وحدثني أبو الطاهر ...\n٧٦٤ - مسلم (٤/ ١٧٧٢) ٤٢ - كتاب الرؤيا، ٦ - وحدثني محمد ...\n٧٦٥ - مسلم (٤/ ١٧٧٢) ٤٢ - كتاب الرؤيا، ٤ - حدثنا أبو بكر ...","vol":"2","page":741},{"text":"٧٦٦ - * روى البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]. جمعه: سعر. قال مجاهد: الغرور بالشيطان.\n٧٦٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله. ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان\".\n٧٦٨ - * روى البخاري ومسلم عن صفية بنت حيى، قالت: \"كان رسول الله ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني -وكان سكنها في دار أسامة بن زيدٍ -فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ: \"على رسلكما، إنها صفية بنت حيي\". فقالا: سبحان الله يا رسول الله. قال: \"إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في\n_________\n٧٦٦ - البخاري (١١/ ٢٤٩) ٨١ - كتاب الرقاق، ٨ - باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.\n٧٦٧ - مسلم (٤/ ٢٠٥٢) ٤٦ - كتاب القدر، ٨ - باب الأمر بالقوة وترك العجز ...\nوأحمد (٢/ ٢٦٦).\nقال النووي:\n(المؤمن القوي خير): المراد القوة، هنا، عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه. وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والصبر على الأذى في كل ذلك. واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها، ونحو ذلك.\n(وفي كل خير): معناه في كل من القوي والضعيف خير، لاشتراكهما في الإيمان، مع ما يأتي به الضعيف من العبادات.\n(احرص على ما ينفعك): معناه احرص على طاعة الله تعالى والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة ولا عن الإعانة. ا. هـ النووي.\nقوله (قدر الله): يحفظها بعضهم بتشديد الدال: قدر الله.\n٧٦٨ - البخاري (١٣/ ١٥٨) ٩٣ - كتاب الأحكام، ٢١ - الشهادة تكون عند الحاكم ...\nمسلم (٤/ ١٧١٢) ٣٩ - كتاب السلام، ٩ - باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليًا ...","vol":"2","page":742},{"text":"قلوبكما سوءًا\" -أو قال-: \"شيئًا\".\n٧٦٩ - * روى مسلم عن جابر؛ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة. فأتى امرأته زينب، وهي تمعس منيئة لها. فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال: \"إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطانٍ، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله. فإن ذلك يرد ما في نفسه\".\n٧٧٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير إلى المشرق فقال: \"ها إن الفتنة ها هنا، إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان\".\n٧٧١ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان\". أو \"الشيطان\". لا أدري أي ذلك قال هشام [أحد الرواة].\n٧٧٢ - * روى البخاري عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال: أشار رسول الله ﷺ بيده نحو اليمن فقال: \"الإيمان يمانٍ ها هنا، ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر\".\n٧٧٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: \"اضربوه\". قال أبو هريرة ﵁: فمنا الضارب بيده والضارب\n_________\n٧٦٩ - مسلم (٢/ ١٠٢١) ١٦ - كتاب النكاح، ٢ - باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه ...\n(تمعس منيئة): تدبغ إهابًا، والإهاب: الجلد. وأصل المعس: المعك والدلك.\nوأحمد (٣/ ٢٣٠).\n٧٧٠ - البخاري (٩/ ٤٣٦) ٦٨ - كتاب الطلاق، ٢٤ - باب الإشارة في الطلاق والأمور.\n٧٧١ - البخاري (٦/ ٣٣٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n٧٧٢ - البخاري (٦/ ٣٥٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٥ - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال.\n(الغدادين): أهل الوبر.\n٧٧٣ - البخاري (١٢/ ٦٦) ٨٦ - كتاب الحدود، ٤ - باب الضرب بالجريد والنعال.","vol":"2","page":743},{"text":"بنعله والضارب بثوبه. فلما انصرف قال: بعض القوم: أخزاك الله. قال: \"لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان\".\n٧٧٤ - * روى البخاري عن سعد بن أبي وقاصٍ قال: \"استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريشٍ يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله. قال: \"عجبت من هؤلاء اللائي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب\". قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن. ثم قال: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ؟ قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ. قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجا إلا سلك فجا غير فجك\".\n٧٧٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون، فصاح إبليس، أي عباد الله، أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله، أبي أبي. فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم. قال عروة: فما زالت في حذيفة منه بقية خير حتى لحق بالله\".\n٧٧٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا ثم قال: \"هذا سبيل الله\". ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال: \"هذه سبل\" قال يزيد: \"متفرقة على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه\". ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\n_________\n٧٧٤ - البخاري (٦/ ٣٣٩) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n٧٧٥ - البخاري (٦/ ٣٣٨) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n٧٧٦ - أحمد (١/ ٤٦٥).\nوالمستدرك (٢/ ٣١٨). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٢). وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف.","vol":"2","page":744},{"text":"٧٧٧ - * روى النسائي عن محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فسموا الله ﷿ ثم لا تقصروا عن حاجاتكم\".\n٧٧٨ - * روى أبو داود عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"العيافة والطيرة والطرق من الجبت\".\n٧٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ: \"لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح. فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار\".\n٧٨٠ - * روى أحمد عن عياض بن حمار، قال: قلت: يا رسول الله رجل من قومي يشتمني وهو دوني، علي بأس أن انتصر منه؟ قال: \"المستبان شيطانان يتهاذيان ويتكاذبان\".\n٧٨١ - * روى البخاري ومسلم عن هشام بن عامر أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحل لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاث ليالٍ، فإنهما تناكبان عن الحق ما داما\n_________\n٧٧٧ - النسائي في اليوم واليلة. وهو صحيح.\nوأحمد (٢/ ٤٩٤).\n٧٧٨ - أبو داود (٤/ ١٦) كتاب الطب، باب في الحظ وزجر الطير، وهو حديث حسن.\nوأحمد (٢/ ٤٧٧).\nقال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت: قال الحسن: إنه الشيطان.\n(العيافة): زجر الطير والتفاؤل بها، كما كانت العرب تفعله، عاف الطير يعيفه: إذا زجره.\n(الطرق): الضر بالعصا، وقيل: هو الخط في الرمل، كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه، وقد جاء في كتاب أبي داود، \"أن الطرق: الزجر، والعيافة: الخط\".\n(الجبت): كل ما عبد من دون الله، وقيل: هو الكاهن والشيطان.\n٧٧٩ - البخاري (١٣/ ٢٣) ٩٢ - كتاب الفتن، ٧ - باب قول النبي ﷺ: \"من حمل ... \".\nمسلم (٤/ ٢٠٢٠) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٣٥ - باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم ...\nوأحمد (٢/ ٣١٧).\n٧٨٠ - أحمد (٤/ ١٦٢).\n٧٨١ - البخاري (١٠/ ٤٩٢) ٧٨ - كتاب الأدب، ٦٢ - باب الهجرة وقول رسول الله ﷺ: \"لا يحل لرجل ... \".\nمسلم (٤/ ١٩٨٤) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٨ - باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي. =","vol":"2","page":745},{"text":"على صرامهما، وأولهما فيئًا يكون سبقه بالفيء كفارة له، وإن سلم فلم يقبل ورد عليه سلامه ردت عليه الملائكة، ورد على الآخر الشيطان، وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعًا أبدًا\".\n٧٨٢ - * روى البخاري عن سليمان بن صردٍ قال: \"كنت جالسًا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان، فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي ﷺ: \"إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد\". فقالوا له: إن النبي ﷺ قال: \"تعوذ بالله من الشيطان\". فقال: وهل بي جنون\"؟.\nأقول: إن الغضب يجر الإنسان من وضع سيء إلى وضع أسوأ، فهذا إنسان أحدث فيه الغضب ما أحدث، ثم استجره الغضب لأن يرد كلام رسول الله ﷺ جهلًا منه، لأنه ربط بين الاستعاذة والجنون، والأمر ليس كذلك، فالاستعاذة من الشيطان مطلوبة في أحوال منها: حالات الغضب؛ لأن للشيطان دوره في الغضب من ناحية، ولأنه بالغضب يستجر الشيطان الإنسان إلى مواقف لا تحمد عقباها دينًا ودنيا.\n٧٨٣ - * روى مسلم عن عبيد بن عميرٍ، قال: قالت أم سلمة: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غربةٍ، لأبكينه بكاء يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني فاستقبلها رسول الله ﷺ وقال: \"أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه\" مرتين، فكففت عن البكاء فلم أبك.\n٧٨٤ - * روى مسلم عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا وقعت لقمة\n_________\n= وأحمد (٤/ ٢٠).\n٧٨٢ - البخاري (١٠/ ٤٦٥) ٧٨ - كتاب الأدب -٤٤ - باب ما ينهى عن السباب واللعن.\n٧٨٣ - مسلم (٢/ ٦٢٥) ١١ - كتاب الجنائز، ٦ - باب البكاء على الميت.\n(إن تسعدني): أي تساعدها على النياحة.\n٧٨٤ - مسلم (٤/ ١٦٠٦) كتاب الأشربة، ١٨ - باب استحباب لعق الأصابع والقصعة ...\nقال النووي:\n(لا تدرون في أيه البركة): معناه، والله أعلم، أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة. ولا يدري أن تلك","vol":"2","page":746},{"text":"أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان. ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة\".\n٧٨٥ - * روى مسلم عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: لا تكونن إن استطعت، أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها. فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته.\n٧٨٦ - * روى مسلم عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن إبليس يضع عرشه على الماء. ثم يبعث سراياه. فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة. يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئًا\". قال: \"ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته\" قال: \"فيدنيه منه ويقول: نعم أنت\".\n٧٨٧ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر فجاء الله بخير، فنحن فيه. فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: \"نعم\". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: \"نعم\". قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: \"نعم\". قلت: كيف؟ قال: \"يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي. وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس\". قال: قلت: كيف\n_________\n= البركة فيما أكله أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة ... فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة. وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والإمتاع به. والمراد هنا، والله أعلم، ما يحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى، ويقوي على طاعة الله تعالى، وغير ذلك.\n(فليمط): معناه يزيل ويمحي. قال الجوهري: حكى أبو عبيد: ماطه وأماطه نحاه، وقال الأصمعي: أماطه، لا غير. ومنه: إماطة الأذى. ومطت أنا عنه، أي تنحيت.\n(أذى): المراد بالأذى، هنا المستعذر من غبار وتراب وقذى ونحو ذلك.\n(بالمنديل): معروف. قال ابن فارس في المجمل: لعله مأخوذ من الندل وهو النقل. قال أهل اللغة: يقال: تندلت بالمنديل. قال الجوهري: ويقال أيضًا: تمندلت. قال: وأنكر الكسائي تمندلت ا. هـ.\n٧٨٥ - مسلم (٤/ ١٩٠٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ١٦ - باب من فضائل أم سلمة ...\n٧٨٦ - مسلم (٤/ ٢١٦٧) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ١٦ - باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه ...\n٧٨٧ - مسلم (٣/ ١٤٧٦) ٣٣ - كتاب الإمارة، ١٣ - باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ...","vol":"2","page":747},{"text":"أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: \"تسمع وتطيع للأمير. وإن ضرب ظهرك. وأخذ مالك فاسمع واطع\".\n٧٨٨ - * روى البخاري عن المغيرة عن إبراهيم عن علقمة، قال قدمت الشام، قالوا: أبو الدرداء، قال: أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ وقال: الذي أجاره الله على لسان نبيه ﷺ، يعني عمارًا.\n٧٨٩ - * روى مسلم عن المقداد. قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد. فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ، فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله. فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي ﷺ: \"احتلبوا هذا اللبن بيننا\". قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسانٍ منا نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه. قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا. ويسمع اليقظان. قال: ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب. فأتاني الشيطان ذات ليلةٍ، وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة. فأتيتها فشربتها. فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل. قال: ندمني الشيطان. فقال: ويحك! ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك. وعلى شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي. وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت. قال: فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى. ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى\n_________\n٧٨٨ - البخاري (٧/ ٩٠) ٦٢ - فضائل الصحابة، ٢٠ - مناقب عمار وحذيفة ﵄.\n(قالوا: أبو الدرداء) أي أنه سأل من هذا، فقالوا: فلان. كما وضحت رواية أخرى، وسأل أبو الدرداء عقمة من أين؟ فقال: من الكوفة. فقال له: أفيكم ...\n٧٨٩ - مسلم (٣/ ١٦٣٥) ٢٦ - كتاب الأشربة، ٣٢ - باب إكرام الضيف وفضل إيثاره.\n(الجهد): بفتح الجيم، هو الجوع والمشقة.\n(فليس أحد منهم يقبلنا): هذا محمول على أن الذين عرضوا أنفسهم عليهم كانوا مقلين ليس عندهم شيء يواسون به.\n(ما به حاجة إلى هذه الجرعة): هي بضم الجيم وفتحها، حكاهما ابن السكيت وغيره. والفعل منه جرعت.\n(وغلت في بطني): أي دخلت وتمكنت منه.","vol":"2","page":748},{"text":"السماء. فقلت: الآن يدعو علي فأهلك. فقال: \"اللهم! أطعم من أطعمني. وأسق من أسقاني\". قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي. وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن. فعمدت إلى إناءٍ لآل محمدٍ ﷺ ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فجلبت فيه حتى علته رغوة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: \"أشربتم شرابكم الليلة؟ \" قال: قلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني. فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روي، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض. قال: فقال النبي ﷺ: \"إحدى سوآتك يا مقداد\". فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا. فقال النبي ﷺ: \"ما هذه إلا رحمة من الله. أفلا كنت آذتني، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها\". قال: فقلت: والذي بعثك بالحق! ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك، من أصابها من الناس.\n٧٩٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم\".\n٧٩١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم\".\n٧٩٢ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل\n_________\n٧٩٠ - مسلم (٤/ ٢١٦٦) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ١٦ - باب تحريش الشيطان ....\nوأحمد (٣/ ٢٥٤).\nوزاد مسلك: في جزيرة العرب.\n(ولكن في التحريش بينهم): التحريش: الإغراء بين الناس بعضهم ببعض، أي: ولكنه يسمى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن وغيرها.\n٧٩١ - البخاري (١٣/ ١٥٨) ١٣ - كتاب الأحكام، ٢١ - باب الشهادة تكون عند الحاكم ....\nمسلم (٤/ ١٧١٢) ٢٩ - كتاب السلام، ٩ - باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة ...\nوأبو داود (٢/ ٣٣٣) كتاب الصوم، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته. وإسناده صحيح.\n٧٩٢ - مسلم (١/ ١٢) المقدمة، ٤ - باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها.","vol":"2","page":749},{"text":"منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه، ولا أعرف اسمه، يحدث كذا وكذا.\n٧٩٣ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الشيطان لعنه الله لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث، أغدو عليه بهن وأروح بهن: أخذه من غير حله، وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه فيمنعه من حقه\".\n٧٩٤ - * روى ابن ماجه عن عثمان بن أبي العاص، قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله ﷺ فقال: \"ابن أبي العاص\"؟ قلت: نعم يا رسول الله قال: \"ما جاء بك\"؟ قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي حتى ما أدري ما أصلي. قال: \"ذاك الشيطان، ادن\" فدنوت منه فجلست على صدور قدمي قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال: \"اخرج عدو الله\". ففعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم قال: \"الحق بعملك\". قال: فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد.\n٧٩٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال \"الجرس مزمار الشيطان\".\n٧٩٦ - * روى البخاري عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إذا استجنح الليل\" -أو \"كان جنح الليل- فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر جينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله\".\n_________\n٧٩٣ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٥). وقال: رواه الطبراني، وإسناده حسن.\n٧٩٤ - ابن ماجه (٢/ ١١٧٤) ٢١ - كتاب الطب، ٤٦ - باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه.\nوفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. ورواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.\n٧٩٥ - مسلم (٣/ ١٦٧٢) ٢٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٧ - باب كراهة الكلب والجرس في السفر.\nوأحمد (٢/ ٢٦٦).\n٧٩٦ - البخاري (٦/ ٣٣٦) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.","vol":"2","page":750},{"text":"٧٩٧ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄رفعه- قال: \"خمروا الآنية. وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، وأكفئوا صبيانكم عند المساء، فإن للجن انتشارًا وخطفه، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت\".\n٧٩٨ - * روى أحمد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمار بالليل فتعوذوا بالله فإنهم يرون ما لا ترون\".\n* * *\n_________\n٧٤٨ - البخاري (٦/ ٣٥٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٦ - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ...\n(خمروا): أي غطوا.\n(الفويسقة): أي الفأرة.\n٧٤٨ - أحمد (٢/ ٣٥٥).\nوأخرجه البخاري في الأدب، وهو صحيح.","vol":"2","page":751},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>التلخيص</span>\nالجن مخلوقات غيبية، ودليل ثبوت وجودهم: الكتاب والسنة وإجماع العلماء، وهم مكلفون كالإنس ومجازون مثلهم، وهم مكلفون منذ النشأة لوجود الإدراك عندهم منذ النشأة، وقد ذكر ابن عبد البر أن الجن عند أهل اللغة على مراتب: فإن ذكروا الجن خالصًا قالوا جني، فإن كان ممن يسكن مع الناس سمي عامرًا والجمع عمار، فإن كان ممن يعرض للصبيان قالوا أرواح، فإن خبث وتمرد قالوا شيطان، فإن زاد على ذلك قالوا مارد، فإن زاد على ذلك وقوي قالوا عفريت والجمع عفاريت، وهناك من ذهب إلى أن الشياطين والجن جنس واحد. فالشياطين منهم من خبث وتمرد وهذا هو الرأي الراجح، ومن العلماء من ذهب إلى أن الجن مخلوقات هوائية، والشياطين مخلوقات نارية، وقد استنبط العلماء من مجموع النصوص أن الجن يتشكلون على خلاف بين العلماء؛ هل يتشكلون بالصور الشريفة كاملة كصورة الإنسان، أو لا يستطيعون التشكل إلا بصورة إنسان فيه نوع نقص أو بصورة مخلوقات أخرى؟ والراجح الأول؛ فهم يتشكلون بالأشكال الحسنة والقبيحة، ويأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون ويتناسلون، والشياطين منهم يوسوسون لنبي آدم ويحاولون إغواءهم، فما من أحد من الإنس ذكرًا أو أثنى إلا وله قرين من الشياطين، وقد يصاب الإنسان بسببهم بنوع من الأمراض كالصرع والجنون والتشنج، وقد يصلون إلى بعض الناس بنوع من الأذى، ومن الظواهر المشهورة أنهم قد يتلبسون أجسام بعض الناس وينطقون على ألسنتهم، ولعل بعض مظاهر تحضير الأرواح تكون من ذكل، وقد سخر الله ﷿ عالم الجن لسليمان ﵇ فكان ذلك خصوصية له، وهم لا يعلمون شيئًا عن المستقبل، لكن قد يعرفون بواسطة بعضهم بعضًا ما جرى وما يجري، فلا عجب أن يستطيع بعض من لهم صلة بالجن أن يكتشفوا سرقة أو يعرفوا ما جرى في أمكنة بعيدة، فليس ذلك من علم الغيب.\nوالتوقي من الجن والشياطين يكون بالذكر والاستعاذة وتلاوة القرآن والصلاة، ومن أصيب بسبب من الجن فبالإمكان معالجته بتلاوة المعوذات وآية الكرسي وقراءة سورة البقرة، ويصح التداوي بكل شيء تجيزه الفتوى، والجن في الجملة وإن كانوا مكلفين فهم في","vol":"2","page":752},{"text":"الكرامة أدنى من بني الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (١)، والجن يستطيعون الصعود إلى طبقات الجو العليا ويرصدون خبر السماء، قال تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ (٢) ومعنى لمسنا: قصدنا كما فسرها العلماء، وللجن قدرات خارقة نتعرف عليها مما ورد في قصة سليمان ﵇ في القرآن، ولو أن المتتبعين لبعض الظواهر الأرضية نظروا بعين الإنصاف لوجودوا أن كثيرًا من هذه الظواهر لا تعلل إلا إذ أعطينا للجن دورًا في صنعها، فقد قرأت مرة عن منطقة عبدت وصيغت صياغة لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كانت هنالك جهة تشرف عليها إشرافًا علويًا، وتوجه العاملين على الأرض، ومثل هذا لا تفسير له في الماضي إلا أن يكون للجن صلة بهذا الموضوع، وقصة سليمان ﵇ في القرآن تعطينا دليلًا قطعيًا على أن للجن دخلًا في بعض الأوابد التي أنشأها سليمان ﵇، وبالجملة فإنني أميل إلى أن بعض الأوابد الحاضرة التي لا تعلل بطاقة الإنسان قديمًا، ولا بإمكاناته العلمية، يمكن أن يكون للجن دخل فيها.\nولم تزل البشرية ولا تزال تحدثنا عن ظواهر ليس لها تعليل إلا بوجود عالم من الجن، ولم يزل أفراد يوجدون في كل مكان لهم صلة بالجن، ولم يزل هناك أفراد يشكون من حالات لا تعلل إلا بوجود الجن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>فائدة:</span>\nحاول بعض العلماء المربين في هذه الأمة أن يوجدوا قواعد وضوابط لتخريج الوارث الكامل أو الولي المرشد، وقد كتب كثير من العلماء في شروط المرشد الكامل، وما يجب أن يتوافر فيه من كمالات وصفات ومعارف، ولقد كان من رأي أحد شيوخنا أنه لا يكمل المرشد -حتى يكون صالحًا للإرشاد- إلا بمعرفته لآلية عمل الشيطان؛ فإن الذي يعرف أخلاق الشيطان وخطواته ومداخله على النفس البشرية هو الذي يستطيع أن يجنب نفسه وإخوانه مداخل الشيطان، ومثل هذا المرشد هو الذي يعرف الكمالات الإنسانية التي إذا تحقق بها\n_________\n(١) الإسراء: ٧٠.\n(٢) الجن: ٨.","vol":"2","page":753},{"text":"الإنسان خرج من أثر الشيطان وكيف يوصل إليها ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١).\nإن فقه مداخل الشيطان على الأنفس من أعظم أنواع الفقه، فإنما يصرف الإنسان عن الله واليوم الآخر الشيطان والنفس والهوى والدنيا.\nوالشيطان حادي ركب أهل النار.\nولقد حاول شيخنا الذي أشرت إلى فكرته أن يضع سلمًا لمسيرة الإنسان من الحضيض إلى الكمال، ومما ذكره أن الإنسان غير المعصوم إن استوفى كمالاته لم يبق للشيطان عليه مدخل إلا من قبل شهواته الحسية أو المعنوية.\nومن الشهوات المعنوية حب الجاه الدنيوي والتصدر الدنيوي والرئاسة التي لا يقصد بها وجه الله واليوم الآخر.\n* * *\n_________\n(١) الأعراف: ٢٠١.","vol":"2","page":754},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>نقول في ما قاله بعض العلماء في الجن</span>\nلم تزل أخبار الجن وقصصهم والحديث عنهم ومباشرتهم لخطاب بعض الناس تملأ الكثير من الكتب؛ ففي كتب العهد القديم والجديد وفي كتب الطب القديمة والحديثة وفي كتب العلماء والمحقيين وعند أهل الأديان عامة كلام كثير عن هذا الموضوع، وقد جاءتنا نصوص الكتاب والسنة بالخبر اليقين.\nلقد كتب عباس محمود العقاد كتابًا أسماه \"إبليس\"، والعقاد بشكل عام متأثر في بعض كتبه -ومنها هذا الكتاب- بالدراسات المقارنة، وهي دراسات تخبط في تيه وضياع وتتراوح وجهات النظر فيها كثيرًا بين طرفي الزاوية. وأهم جوانب الكتاب أنه يعطينا تصورًا عن تصورات الأمم عن الشيطان كما وصلت إلينا؛ فهو يحدثنا عن الشيطان في الحضارة المصرية والحضارة الهندية، وحضارات ما بين النهرين، وحضارة اليونان، وعن الشيطان في الديانة اليهودية والديانة النصرانية.\nومن كلامه عن الشيطان في الحضارة المصرية.\n(وقد شغل \"سيت\" وظيفة ضرورية في عهود الأزمات التي تنهزم فيها الدولة وتنضب الثروة ويختل نظام الحكم وتضطرب مرافق المعيشة. فقد كان \"سيت\" يبوء وحده بجريرة ذلك كله، وكانت عليه وحده تبعة كل آفة لا يستطاع دفعها، ومن هذه الآفات ريح السموم وعوارض الجفاف والقحط وأوبئة المرض، وسائر الأمراض التي كانت تنسب من قديم الزمن إلى الجن والعفاريت، وقد كانت عليه التبعة أيضًا في بقاء السحر والخبيث؛ لأنه كان على علم واسع بفنونه، ولم يكن في وسع الكهان والسحرة أن يعالجوا شروره ويبرئوا المرضى من آفاته بغير وسائله وأسراره، ولهذا كثرت عندهم التمائم والتعاويذ، ومنها ما بقي إلى اليوم في صور الجعل والحشرات والأساور والقلائد التي لا تصنع للزينة ولكنها تقرن بالأدوية والعقاقير طلبًا للشفاء، ويقول الأطباء الذين كانوا يشتغلون بالطب والسحر: إن الدواء هو الذي يشفي ويبرئ من المرض، ولكن التمائم والتعاويذ هي التي تمنع \"العكوس\" من فعل أرواح الشر وأطياف الظلام.","vol":"2","page":755},{"text":"وقد كان الفراعنة أنفسهم يلجأون إلى السحر لمغالبة الأرواح الخفية، فاستعان رمسيس الثاني بأصحاب التمائم والتعاويذ على مداواة أهل بيته، ولم يفعل ذلك جهلًا منه بالطب ولا تعظيمًا منه لقدر السحر، ولكنه فعله إيمانًا بضرورة اختيار الترياق من جنس المرض، ولك شيء آفة من جنسه كما قيل من قبل، ويقال في كل زمان).\nومن كلام العقاد عن الشيطان في الحضارة الهندية:\n(ومن ذلك في هذا الباب عقيدتهم في العفاريت الخبيئة أو العابثة التي يسمونها بالـ \"راكشا\" وينسبون إليها أعمالًا كأعمال الشياطين في الديانات الأخرى ... فالشياطين في صورة \"الراكشا\" هم \"الشر\" الذي أبغضه الآريون وصوروه لأبنائهم في الصورة التي تنفرهم منه وتحذرهم من كيده ...\nوليس في الديانة الهندية وفروعها المتشعبة شخصية واحدة تشبه شخصية الشيطان. غير الرب الذي يسمونه \"المارا\" من الموت ...\nوهذا الـ \"المارا\" هو الذي قيل في قصة \"بوذا\" إنه وسوس له وألح في وسواسه ليشغله عن النسك ويصرفه عن مسلكه من الحكمة وهو مسلك الزهد والاعتدال). اهـ.\n- ومن كلام العقاد عن الشيطان في حضارة ما بين النهرين دجلة والفرات وما جاورهما: تحدث عن \"الثنوية\" التي تفر من باهرمان وهو الروح الخبيث، وتحدث عن \"الزرداشيتة\" التي تؤمن بـ (يامة) الذي امتلأت نفسه بالخيلاء فسولت له نفسه أن يناظر الإله ... وأن يكاذب نفسه بخيلائه.\n- إن قضية الشيطان تعتبر قاسمًا مشتركًا في الثقافة الإنسانية وهي من بقايا الحق الذي تحدث عنه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما حرفت ديانات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الجهل والهوى والغلو فلقد كان من جملة ما دخل عليه التحريف قضية الشيطان، ونحن لا يهمنا من الدراسات المقارنة إلا إثبات أن هناك قضيا لها أصولها، وأن القرآن جاءنا بالحق اليقين في الأصول والفروع وأعطانا الحق واليقين والصواب مفصلًا في كل شيء.","vol":"2","page":756},{"text":"- وقد كتب عبد الرزاق نوف عن الجن والشياطين، وكان من كلامه:\nوتروي النسخ المتداولة من الأناجيل أن سيدنا عيسى قد أخرج الشيطان من كثير من المرضى الذين كان المس قد أصابهم بحالات مرضية وبجنون أيضًا ففي إنجيل متي نجد النص:\n(وفيما هما خارجان إذا إنسان أخرس مجنون قدموه إليه. فلما أخرج الشيطان تكلم الأخرس فتعجب الجموع قائلين: لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل. أما الفريسيون فقالوا برئيس الشياطين يخرج الشياطين).\nوفي إنجيل مرقس نجد النص:\n(وكان في مجمعهم رجل به روح نجس: فصرخ قائلًا آه ما لنا لك يا يسوع الناصري: أتيت لتهلكنا أنا أعرفك من أنت قدوس الله فانتهره يسوع قائلًا: اخرس واخرج منه. فصرعه الروح النجس وصاح بصوت عظيم وخرج منه).\nوفي إنجيل لوقا نجد نصًا يشير إلى أن الإنسان قد يمسه أكثر من شيطان إذ يقول:\n(وعلى أثر ذلك كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله معه الاثنا عشر وبعض النساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض. مريم التي تدعى المجدلية التي خرج منها سبعة شياطين).\nويمكن أن يستمر مس الشيطان للإنسان سنوات عديدة ففي إنجيل لوقا أن امرأة كان بها روح أضعفها وكانت منحنية بسببها ولم تقدر أن تنتصب ألبتة ثمانية عشرة عامًا فوضع سيدنا عيسى يده عليها فاستقامت وقال: (هذه هي ابنة إبراهيم قد ربطها الشيطان ثماني عشرة سنة أما كان ينبغي أن تحل من هذا الرباط في يوم السبت ...\nفنجد أبو قراط الذي عرف بأي الطب يهتم بوسائل العرافة والسحر ومحاربة الشياطين وهو الذي قال عن الصرع الذي وصفوه بأنه المرض المقدس: إنه خال من القداسة ... ثم جالين أمير الأطباء حيث يهتم باتخذا الجديد من طرق طرد الشياطين، ثم كرامر واسبرنجر وقد ذاع في زمانهما أنها قاتلا أكثر من سبعين أميرًا من الشياطين وسبعة ملايين وأربعمائة","vol":"2","page":757},{"text":"وخمسة آلاف وأكثر من الشياطين الأقل درجة منهم .. ولقد كانت الفكرة السائدة والتي ظلت فترة طويلة تبلغ مئات السنين هي المسيطرة على كل وسائل العلاج ... تلك التي كانت تقول بضرب الشيطان لإخراجه من جسد المريض بل وحتى إلى عهد قريب كان الجراح العظيم توماس ويليز من أكبر أطباء التشريح يقرر أن خير علاج لمرضى العقول هو الركل والقيد. ولذلك كان البروفسور كالين ينادي بأن معظم حالات الاضطرابات والتي لا سبب عضوي لها لا تشفى إلا بشدة الوثاق والضرب، وقد نادى الدكتور ريل الألماني والاخصائي في الأمراض العقلية بما يسميه العلاج التعذيبي الذي لا يضر.\nويقول العالم كارنجتون عضو جمعية البحوث النفسية الأمريكية في كتابه \"الظواهر الروحية الحديثة\" عن حالة المس: (واضح أن حالة المس هي على الأقل حالة واقعية لا يستطيع العلم بعد أن يهمل أمرها ما دامت توجد حقائق كثيرة مدهشة تؤيدها. وما دام الأمر كذلك فإن دراستها أصبحت لازمة وواجبة لا من الوجهة الأكاديمية فقط بل لأن مئات من الناس وألوفًا يعانون كثيرًا في الوقت الحاضر من هذه الحالة ولأن شفاءهم منها يستلزم الفحص السريع والعلاج الفوري. وإذا ما نحن قررنا مكنة المس من الوجهة النظرية انفتح أمامنا مجال فسيح للبحث والتقصي ويتطلب كل ما يتطلبه العلم الحديث والتفكير السيكولوجي من العناية والحذق والجلد).\nوفي كتاب \"تحليل الحالات غير العادية في علاج العقول المريضة\" يقول الدكتور بل: (لدينا الكثير الذي يصح أن نميط عنه اللثام، وعلى الأخص ما كان متعلقًا بحالة المس الروحي باعتباره عاملًا مسببًا للأمراض النفسية والعصبية ولقد ظهر لنا المس الروحي أكثر تعقيدًا مما كان يظن أولا. ولا تتألف الشخصية الماسة من نفس مخلوق غير مجسد من عقله وإرادته فقط بل هما في الواقع شخصية مؤلفة من أشياء كثيرة. والشخصية الماسة المركزية وهي الشخصية التي اصطدمت أولًا بمجمع حواس الشخص الممسوس وهي على وجه العموم قليلة المقاومة لإيحاءات الغير، ومن ثم تصبح هذه الشخصية مطية سهلة لأولئك الذين يرغبون في الاقتراب من أي إنسان بهذه الطريقة التي تبدو كأنها لا شأن لها إلا في الحصول على الترضية الخاصة لمجموع الأرواح الماسة كلها أو بعضها، وبمضي الزمن يزداد التضام في هذه العملية حتى يتم في النهاية تلاشي الشخص الممسوس الذي يعمل إلى مثل هذه الحال","vol":"2","page":758},{"text":"تلاشيًا تامًا .. ويظهر أن للأرواح الماسة ثلاث نقط اصطدام رئيسية هي: قاعدة المخ ومنطقة الضفيرة الشمسية والمركز المهيمن على أعضاء التناسل، وأما الضجة التي لابد أن تحدث بهذا المس وتفاعلات الشخص الممسوس فيمكن دراستها في مستشفيات الأمراض العقلية ... ومع ذلك فحينما يأتي ممارسو القوة الروحية الحديثون بالعجب العجاب في طرد الشياطين أو الأرواح الماسة ومداواة المرضى والمحزونين فلا يكون نصيبهم من بعض الأطباء إلا نظرة الزراية والاستخفاف).\nويقول الدكتور جيمس هايسلوب في كتابه عن المس: (إنه تأثير خارق للعادة تؤثر به شخصية واعية خارجية في عقل شخص وجسمه ولا يمكن إنكار مكنة حدوث المس) ويرى بعض الأطباء كالدكتور كارل ويكلاند أن الجنون قد ينشأ من استحواذ روح خبيث على الشخص المريض فيحدث اضطرابًا واختلالًا في اهتزازاته وأنه بالكهربائية الاستاتيكية تنظم الاهتزازات وتطرد الشخصية المستحوذة ويعود العقل إلى حالته الطبيعية دون تأثير شخصية ماسة له.\nولذلك فقد اهتم العلم مالحديث بوسائل علاج مثل هذه الحالات وإن اختلفت الألفاظ واللغات التي وردت فيها طرق العلاج من المس فإنها كلها تتفق في الجوهر والأصل، فالدكتور باورز أستاذ الأمراض العصبية في جامعة مينابوليس بأمريكا يقول في بيان هذا العلاج: كنت في أيام شبابي أضحك ساخرًا مستهزئًا بذلك الرأي القائل بأن الأرواح الخبيثة الشريرة المؤذية غير المتجسدة قد تحدث في ظروف خاصة اضطرابات جسيمة أو عقلية خطيرة لبعض الناس، وكنت أحمل في إحدى يدي كتاب بوخنر المسمى: القوة والمادة، وفي اليد الأخرى كتاب هكل المسمى: لغز الكون، وأسخر من الرأي القائل بأن أي روح ابتداء من يسوع المسيح إلى العمة ماريا تستطيع أن تساعد على إزالة بقايا الثوب الطيني الرث البالي الذي نرتديه الآن أو أن تزيل من العقل ذلك السم الروحي الذي يحول التفاعلات العقلية إلى هذيان الأبله المعتوه أو إلى خبل الجنون القاتل أو إلى يأس المالنخوليا المفجع. ولا يستطيع شخص ذكي أن ينكر أن هناك سببًا لمعظم الأمراض التي تصيب الإنسان وآه لو يعرف هذا السبب\" ا. هـ من كتاب الجن والملائكة.","vol":"2","page":759},{"text":"- ولابن عابدين الفقيه الحنفي المشهور -صاحب حاشية ابن عابدين المسماة: \"رد المحتار على الدر المختار\" وهي أعظم مرجع في فقه الحنفية كتبه المتأخرون- رسالة مطبوعة من رسائل أخرى طبعت تحت اسم \"رسائل ابن عابدين\" تحدث فيها عن تلمذة بعض الجن على شيخه خالد ﵀ واسم الرسالة \"سل الحسام الهندي لنصرة ملنا خالد القشبندي\"، ومن كلامه في هذه الرسالة:\n(في الطبقات الكبرى عن حرملة أنه قال: سمعت الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١) إلا أن يكون الزاعم نبيًا انتهى ... لكن هذا ينافي ما مر عن شرح المقاصد من حكاية مشاهدتهم عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات، فإن المتبادر أن المراد المشاهدة بدون تشكل إلا أن يكون ذلك من باب الكرامة، فإن ما صح أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي على ما مر فيه من الكلام مبسوطًا وكلام الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في غير أصحاب الكرامات عند عدم التشكل، وإلا فلا وجه لمنع رؤيتهم لكل أحد عند التشكل.\nوصح عن الأعمش أنه قال: تروح إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ قال: الأرز. قال: فأتيناهم به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدًا ... وفي آثار وأخبار أخرى أن مؤمنيهم يصلون ويصومون ويحجون ويطوفون ويقرؤن القرآن ويتعلمون العلوم ويأخذونها عن الإنس وإن لم يشعروا بهم وكذا رواية الحديث.\nتنبيه: قد تحصل مما ذكرنا سابقًا ولاحقًا جواز رؤية الجن بعد التشكل لكل أحد، وكذا بدون تشكل لمن شاء الله تعالى من عباده فضلًا عن حضورهم في مجالس الذكر وسماع أصواتهم\" اهـ.\nوقال الشيخ حسن أيوب:\n(وذكر صاحب كتاب \"آكام المرجان\" حكاية عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁:\n_________\n(١) الأعراف: ٢٧.","vol":"2","page":760},{"text":"هي أن المتوكل أنفذ إليه صاحبًا له يعلمه أن جارية بها صرع وسأله أن يدعو الله لها بالعافية. فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك - أي رباط - من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له وقال له: تمضي إلى دار أمير المؤمنين، وتجلس عند رأس هذه الجارية وتقول له (يعني الجني) قال لك أحمد: أيُّما أحبُّ إليك، تخرج من هذه الجارية، أو تصفع هذه النعل سبعين؟ فمضى إليه وقال له مثل ما قال له الإمام أحمد. فقال المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة. لو أمرنا أحمد ألا نقيم بالعراق ما أقمنا به. إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء. وخرج من الجارية. وهدأت ورزقت أولادًا) ا. هـ. (الإيمان بالرسل والكتب واليوم الآخر).\nوذكر الشيخ أبو بكر جابر الجزائري في كتابه: (عقيدة المؤمن) حادثة وقعت في بيت أهله، قال:\nإنه كان لي أخت أكبر مني تدعى (سعدية) وكنا يوما ونحن صغار نطلع عراجين التمر من أسفل البيت إلى سطحه بواسطة حبل يربط به القنو (العرجون) ونسحبه إلى السطح ونحن فوقه، فحصل أن أختي سعدية جرت الحبل، فضعفت عنه، فغلبها فوقعت على الأرض على أحد الجنون (١)، فكأنها بوقوعها عليه آذته أذًى شديدًا، فانتقم منها فكان يأتيها عند نومها في كل أسبوع مرتين أو ثلاثًا، أو أكثر فيخنقها، فترفس المسكينة برجليها، وتضطرب كالشاة المذبوحة ولا يتركها إلا بعد أن تصبح أشبه بميتة، ونطق مرةً على لسانها مصرحًا بأنه يفعل بها هذا لأنها آذته يوم كذا في مكان كذا .. ومازال يأتيها ويعذبها بصرعة تأتيها عند النوم فقط حتى قتلها بعد نحو عشر سنوات من العذاب الذي لا يطاق، فصرعها ليلة على عادته فما زالت ترفس برجليها وتضطرب حتى ماتت، غفر الله لها، ورحمها .. آمين.\nهذه الحادثة عشتها، وبعيني رأيتها، وما راءٍ كمن سمع!!!) ا. هـ.\n_________\n(١) يعني واحدًا من الجن.","vol":"2","page":761},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>الوصل الأول\nفي:\nظاهرة ابن صياد</span>\nوفيه:\nمقدمة ونقول ونصوص","vol":"2","page":763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>المقدمة</span>\nإنما ذكرنا هذا الفصل هنا لارتباطه بصلة الشيطان بالإنسان، فابن صياد رجل يهودي الأصل ثم أسلم بعد ذلك في الظاهر، وكان تجري على لسانه كلمات كفرية، وكانت له صلة بعالم الجن، فهو يمثل ظاهرة الوحي الشيطاني للإنسان، وقد اشتبه أمره على بعض الصحابة حتى ظنوه المسيح الدجال وليس هو يقينًا لكنه يشبهه وكان أمره ملتبسًا، ولأن هذا اللبس لا يترتب عليه عمل ولا خطر ولا خطأ، فإن رسول الله ﷺ أبقى هذا الاحتمال مفتوحًا لحكمة يعلمها هو ﵊، ونتوقع أن رسول الله ﷺ أراد بذلك أن يفتح لأمته باب الاجتهاد في فهم الأخبار المستقبلية التي أخبر عنها أنها كائنة بعده إذا وجد المجتهد ما يدعوه لذلك الاجتهاد، وكان النص أو الأمر يحتمل ذلك.\nقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١). وإيحاء الشياطين يظهر بمظاهر شتى منها الوسوسة التي يوسوس القرين - إلا من عصم الله - وهذه يحس بها أهل القلوب وأكثر الخلق عنها غافلون، وإن كان الإنسان لا يخلو عن شعور باطني بدوافع داخلية شريرة، ولذلك تكلم بعض علماء النفس عن أنواع من الدوافع الغريبة التي تلح عليها هذه الدوافع، وقد يأخذ إيحاء الشياطين مظهرًا أكثر انكشافًا لدى صاحبه، وظاهرة ابن صياد تمثل هذا الوضع.\nوقد رأينا في البحث السابق أن الجن يمكن أن يتلبسوا جسم الإنسان فيتكلموا على لسانه وهي ظاهرة مرئية مشاهدة، كما رأينا كيف أن بعض الإنس يكون لهم اتصال بعالم الجن، وظاهرة ابن صياد تدخل في هذا الموضوع فهو على اتصال بعالم الشياطين من عالم الجن.\nيظهر اضطراب بعض أهل التحقيق في تفسير هذه الظاهرة، وهل ابن صياد هو الدجال الذي يظهر في آخر الزمان أو هو دجال من الدجاجلة؟ والذي نجزم به قطعًا أنه دجال من الدجاجلة أبقى الرسول ﷺ الباب مفتوحًا للتعليل والتحليل في شأنه، فهو ظاهرة مهمة تظهر في الحياة البشرية بأجزاء من هذه الظاهرة أو بها كلها.\nوهاك تحقيقًا للإمام النووي حول ابن صياد ننقله من شرحه على صحيح مسلم:\n_________\n(١) الأنعام: ١٢١.","vol":"2","page":765},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>النقول</span>\nقال الإمام النووي ﵀:\nيقال له ابن صياد وابن صائد وسمي بهما في هذه الأحاديث واسمه صاف، قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه: هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره؟ ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحي إليه بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا قال لعمر ﵁: (إن يكن هو فلن تستطيع قتله) وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأن لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض. ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين: قوله للنبي ﷺ: (أتشهد أني رسول الله)، ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال. قال الخطابي: واختلف السلف في أمره بعد كبره فروى عنه أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم اشهدوا قال: وكان ابن عمر وجابر فيما روى يحلفان أن ابن صياد هو الدجال لا يشكان فيه فقيل لجابر: إنه أسلم فقال: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان في المدينة، فقال: وإن دخل. وروى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن جابرٍ قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة. وهذا يعطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلى عليه. وقد روى مسلم أن جابر بن عبد الله حلف بالله تعالى أن ابن صياد هو الدجال وأنه سمع عمر ﵁ يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ. وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: والله، ما أشك أن ابن صياد هو المسيح الدجال. قال البيهقي في كتابه (البعث والنشور): اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا كثيرًا هل هو","vol":"2","page":766},{"text":"الدجال؟ قال: ومن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة قال: ويجوز أن توافق صفة ابن صياد صفة الدجال كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن. وليس كما قال وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده فعصم الله تعالى منها المسلمين ووقاهم شرها. قال: وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر فيحتمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره ثم جاءه البيان أنه غيره كما صرح به في حديث تميم. هذا كلام البيهقي، وقد اختار أنه غيره وقد قدمنا أنه صح عن عمر وعن ابن عمر وجابر ﵃ أنه الدجال والله أعلم. فإن قيل: كيف لم يقتله النبي ﷺ مع أنه ادعى بحصرته النبوة؟ فالجواب من وجهين ذكرهما البيهقي وغيره، أحدهما: أنه كان غير بالغ، واختار القاضي عياض هذا الجواب، والثاني: أنه كان في أيام مهادنة اليهود وحلفائهم، وجزم الخطابي في معالم السنن بهذا الجواب الثاني، قال: لأن النبي ﷺ بعد قدومه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتاب صلح على أن لا يهاجوا ويتركوا على أمرهم وكان ابن صياد منهم أو دخيلًا فيهم. قال الخطابي: وأما امتحان النبي ﷺ بما خبأه له من آية الدخان فلأنه كان يبلغه ما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الكلام في الغيب فامتحنه ليعلم حقيقة حاله ويظهر إبطال حاله للصحابة وأنه كاهن ساحر يأتيه الشيطان فيلقي على لسانه ما يلقيه الشياطين إلى الكهنة فامتحنه بإضمار قول الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١) وقال: (خبأت لك خبيئًا) فقال: هو الدخ أي الدخان وهي لغة فيه فقال له النبي ﷺ: (اخسأ فلن تعدو قدرك) أي لا تجاوز قدرك وقدر أمثالك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء الشيطان كلمة واحدة من جملة كثيرة بخلاف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فإنهم يوحي الله تعالى إليهم من علم الغيب ما يوحي فيكون واضحًا كاملًا، وبخلاف ما يلهمه الله الأولياء من الكرامات والله أعلم. ا. هـ.\n* * *\n_________\n(١) الدخان: ١٠.","vol":"2","page":767},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>النصوص النبوية في ابن صياد</span>\n٧٩٩ - * روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: إن عمر ابن الخطاب انطلق مع رسول الله ﷺ في رهطٍ من أصحابه قبل ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (أتشهد أني رسول الله)؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ، وقال: (آمنت بالله وبرسله). ثم قال له رسول الله ﷺ: (ماذا ترى)؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال له رسول الله ﷺ: (خلط عليك الأمر). ثم قال له رسول الله ﷺ: (إني قد خبأت لك خبيئًا). فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال له رسول الله ﷺ: (اخسأ فلن تعدو قدرك) فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال له رسول الله ﷺ: (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله).\nوقال سالم: سمعت ابن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب الأنصارى إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صيادٍ شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشٍ في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ: (لو تركته بين).\nقال سالم: قال عبد الله بن عمر: فقام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو له أهلٌ، ثم ذكر الدجال، فقال: (إني لأنذركموه، ما من نبيٍّ إلا قد أنذره قومه،\n_________\n٧٩٩ - البخاري (١٠/ ٥٦٠، ٥٦١) ٧٨ - كتاب الأدب، ٩٧ - باب قول الرجل للرجل: اخسأ.\nمسلم (٤/ ٢٢٤٤، ٢٢٤٥) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد.\n(يختل): الختل: الأخذ عن طريق خفي.","vol":"2","page":768},{"text":"لقد أنذره نوحٌ قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلموا أنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور).\nوزاد مسلم (١): قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصارى: أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال - يوم حذر الناس الدجال -: (إنه مكتوب بين عينه كافرٌ، يقرؤه كل من كره عمله أو - يقرؤه كل مؤمن) - وقال: (تعلموا أنه لن يرى أحدٌ منكم ربه حتى يموت).\nوفي رواية الترمذي (٢)، أن رسول الله ﷺ مر بابن صياد في نفرٍ من أصحابه - منهم: عمر بن الخطاب - وهو يلعب مع الغلمان، عند أطم بني مغالة - وهو غلامٌ - فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده .. وذكر الحديث إلى قوله: (خلط عليك الأمر). وقال ثم قال رسول الله ﷺ: (إني قد خبأت خبيئًا). وخبأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال رسول الله ﷺ: (اخسأ، فلن تعدو قدرك). قال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ: (إن يك حقًا فلن تسلط عليه، وإن لا يك، فلا خير لك في قتله).\nوفي رواية لأبي داود (٣): زاد بعد قوله: (فلن تسلط عليه). قال: يعني الدجال.\n٨٠٠ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال لابن صياد: (ما ترى)؟ قال: أرى عرشًا على البحر وحوله الحيتان. قال رسول الله ﷺ: (ترى عرش إبليس).\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٤٥)، في الموضع السابق.\n(٢) الترمذي (٤/ ٥١٩) ٢٤ - كتاب الفتن، ٦٣ - باب ما جاء في ذكر ابن صائد.\n(٣) أبو داود (٤/ ١٢٠) كتاب الملاحم، باب في خبر ابن صائد.\n(الأطم): البناء المرتفع.\n(اخسأ): خسأت الكلب: إذا طردته.\n٨٠٠ - مسند أحمد (٣/ ٦٦، ٩٧، ٣٨٨).\nمجمع الزوئد (٨/ ٤). وقال: رواه أحمد، وفيه علي بن زيد وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات.","vol":"2","page":769},{"text":"٨٠١ - * روى البخاري ومسلم عن محمد بن المنكدر، قال: رأيت جابر بن عبد الله ﵄ يحلف بالله: أن ابن صياد الدجال، قال: قلت أتحلف بالله؟ قال: فإني سمعت عمر يحلف بالله على ذلك عند رسول الله ﷺ، فلا ينكره.\nوفي رواية لأبي داود بسند حسن (١): أنه قيل لجابر ﵁:\nإنه أسلم. فقال: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان بالمدينة. فقال: وإن دخل مكة.\n٨٠٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (ما تربة الجنة)؟ قال: درمكةٌ بيضاء مسك يا أبا القاسم. قال: (صدقت).\nوفي رواية (٢): أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة؟ فقال: (درمكةٌ بيضاء مسك خالصٌ).\nوالجمع بين الروايتين بأن رسول الله ﷺ أخبره ابتداءً ثم امتحنه بالسؤال ليعرف مدى حافظته.\nونقل القاضي عياض: إن بعض أهل النظر قالوا: الرواية الثانية أظهر.\n٨٠٣ - * روى مسلم عن نافع - مولى عبد الله بن عمر - ﵄، قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة، فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة،\n_________\n٨٠١ - البخاري (١٣/ ٣٢٣) ٩٦ - كتاب الاعتصام، ٢٣ - باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجةٌ ...\nمسلم (٤/ ٢٢٤٣) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد.\nوأبو داود (٤/ ١٢١) كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة.\n(١) أبو داود (٤/ ١١٩، ١٢٠) كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة.\n٨٠٢ - مسلم (٤/ ٢٢٤٣) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٤٣) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد.\n(درمكة بيضاء مسك): معناه أنها في البياض درمكة وفي الطيب مسك، والدرمك هو الدقيق الحواري الخالص البياض.\n٨٠٣ - مسلم: (٤/ ٢٢٤٦) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد.","vol":"2","page":770},{"text":"فدخل ابن عمر على حفصة - وقد بلغها - فقالت له: رحمك الله، ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: (إنما يخرج [أي الدجال] من غضبة يغضبها؟).\nوفي رواية (١): كان نافعٌ يقول: ابن صياد قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين، فلقيته مع قومه، فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو؟ قالوا: لا والله. قال: قلت: كذبتموني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا، وكذلك هو زعموا اليوم، قال: فتحدثنا، ثم فارقته. قال: فلقيته لقية أخرى، وقد نفرت عينه. قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه. قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت.\nقال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصًا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا: فوالله ما شعرت. قالوا: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين، فحدثها، فقالت: ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنه قد قال: (إن أول ما يبعثه على الناس غضبةٌ يغضبها؟).\n٨٠٤ - * روى أبو داود، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة.\n٨٠٥ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: صحبت ابن صياد إلى مكة، فقال لي: أما قد لقيت من الناس، يزعمون أني الدجال؟ ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه لا يولد له)؟ قال: قلت: بلى. قال: فقد ولد لي، أوليس سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل المدينة ولا مكة)؟ قال: قلت: بلى. قال: فقد ولدت بالمدينة، وها أنا ذا أريد مكة. ثم قال في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه، وأين هو. قال فلبسني.\n_________\n= مسلم (٤/ ٢٢٤٦، ٢٢٤٧) في الموضع السابق.\n٨٠٤ - أبو داود (٤/ ١٢١) كتاب الملاحم، باب في خبر ابن صياد.\nوإسناده صحيح. وصحح الحافظ في الفتح إسناده وقال: وهذا يضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة، وأنهم صلوا عليه وكشفوا عم وجهه.\n٨٠٥ - مسلم (٤/ ٢٢٤١، ٢٢٤٢) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد.","vol":"2","page":771},{"text":"وفي رواية (١): قال: قال لي ابن صائد - وأخذتني منه ذمامة - هذا عذرت الناس، مالي ولكم يا أصحاب محمد؟ ألم يقل نبي الله: (إنه يهودي). وقد أسلمت. وقال: (لا يولد له). وقد ولد لي. وقال: (إن الله حرم عليه مكة). وقد حججت؟\nقال: فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله. قال: فقال له: أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ قال: فقال: لو عرض على ما كرهت.\nوفي رواية (٢) قال: خرجنا حجاجًا - أو عمارًا - ومعنا ابن صائد، قال: فنزلنا منزلًا، فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديدٌ، فلو وضعته تحت تلك الشجرة؟ قال: ففعل. قال: فرفعت لنا غنم فانطلق فجاء بعس، فقال: اشرب أبا سعيد. فقلت: إن الحر شديدٌ، واللبن حارٌّ، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال: آخذ عن يده - فقال: أبا سعيد، لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد، من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ: (هو كافر)؟ وأنا مسلم. أو ليس قد قال رسول الله ﷺ: (هو عقيم لا يولد له ولد). وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ: (لا يدخل المدينة ولا مكة). وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد: حتى كدت أن أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن؟ قال: قلت له: تبًّا لك سائر اليوم.\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٤٢) في الموضع السابق.\n(ذمامة): الذمامة، بالذال المعجمة: الحياء والإشفاق من الذم، والمذمة: العار، وبالدال المهملة: قبح الوجه، والمراد الأول.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٤٢، ٢٢٤٣) في الموضع السابق.\n(العس): قدح ضخم يشرب فيه.\n(التب): الخسار والهلاك.","vol":"2","page":772},{"text":"٨٠٦ - * وروى الترمذي الرواية الآخرة إلى قوله: وقد تركت ولدي بالمدينة. وقال: ألم يقل رسول الله ﷺ: (إنه لا تحل له مكة)؟ ألست من أهل المدينة، وهو ذا أنطلق معك إلى مكة؟ قال: فوالله ما زال يجيء بهذا، حتى قلت: فلعله مكذوبٌ عليه. ثم قال: يا أبا سعيد، والله لأخبرنك خبرًا حقًّا، والله إني لأعرفه، وأعرف والده، وأين هو الساعة (أي: الآن) من الأرض؟ فقلت له: تبًّا لك سائر اليوم.\n٨٠٧ - * روى أبو داود عن نافع - مولى عبد الله بن عمر - أن ابن عمر ﵄ كان يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد.\n٨٠٨ - * وروى أحمد عن أبي ذرٍّ، أنه كان يقول - في ابن صياد - هو الدجال. وقال: قالت أمه: حملته اثنى عشر شهرًا، فلما وقع، صاح صياح ابن شهرين، وكان يشب في اليوم الواحد شباب الصبي لشهرٍ.\nروى الطبراني (٤) عن أبي ذر؛ لأن أحلف عشر مراتٍ أن ابن صائد هو الدجال أحب إلى من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به.\nأقول: وعلى الفرض أن ابن صياد هو الدجال، فهذه الفترة التي قضاها تمثل ظاهرة لها صلة بالجن والشياطين، لأنها فترة ما قبل خروجه. وإنما جزمت بأن ابن صياد غير الدجال لحديث تميم الداري الذي أقول: وعلى الفرض أن ابن صياد هو الدجال، فهذه الفترة التي قضاها تمثل ظاهرة لها صلة بالجن والشياطين، لأنها فترة ما قبل خروجه. وإنما جزمت بأن ابن صياد غير الدجال لحديث تميم الداري الذي سيمر معنا والذي فيه أنه رأى الدجال في جزيرة من الجزر، فكيف يجتمع ذلك مع أن ابن صياد الدجال، خاصة وقد أقر الرسول ﷺ تميمًا الداري على رؤيته؟.\n_________\n٨٠٦ - الترمذي (٤/ ٥١٦، ٥١٧) ٣٤ - كتاب الفتن، ٦٣ - باب ما جاء في ذكر ابن صائد.\n٨٠٧ - أبو داود (٤/ ١٢٠) كتاب الملاحم، باب في خبر ابن صائد.\nوإسناده صحيح.\n٨٠٨ - مسند أحمد (٥/ ١٤٨). وسنده حسن.\n(١) المعجم الكبير (١٠/ ١٣٤).\nمجمع الزوائد (٨/ ٤) وقال: إسناده حسن.\nوصححه الحافظ في الفتح. وقال: ومن حديث ابن مسعود نحوه لكن قال: سبعًا. بدل: عشر مرات.","vol":"2","page":773},{"text":"قال ابن كثير في النهاية:\n(قال بعض العلماء: إن ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال وهو ليس به إنما كان رجلًا صغيرًا).\n(وقد كان ابن صياد من يهود المدينة ولقبه عبد الله ويقال صاف وقد جاء هذا وهذا وقد يكون أصل اسمه صاف ثم تسمى لما أسلم بابن عبد الله وقد كان ابنه عمارة بن عبد الله من سادات التابعين وروى عنه مالك وغيره وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد وأن ابن صياد كان دجالا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك فأظهر الإسلام والله أعلم بضميره وسيرته).\n(والأحاديث الواردة في ابن صياد كثيرة، وفي بعضها التوقف في أمره هل هو الدجال أو لا؟ فالله أعلم ويحتمل أن يكون هذا قبل أن يوحى إلى رسول الله ﷺ في شأن الدجال وتعيينه، وقد تقدم حديث تميم الداري في ذلك وهو فاصل في هذا المقام).\n[وقال:] (وسنورد من الأحاديث ما يدل على أنه ليس بابن صياد والله تعالى أعلم وأحكم).\n(والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا وذلك لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية فإنه فيصل في هذا المقام والله أعلم) ا. هـ. من النهاية.\n* * *","vol":"2","page":774},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>الوصل الثاني\nفي:\nتحضير الأرواح</span>","vol":"2","page":775},{"text":"أخذت ظاهرة تحضير الأرواح حيزًا كبيرًا من تفكير الناس في عصرنا وفي القرن الماضي وذلك أن الناس أرادوا أن يتعلقوا بشيء غيبي بعد أن وصلت موجة الدعوة المادية إلى ذروتها وموجة التشكيك إلى غايتها، ولو أن الناس عرفوا حقيقة النبوة والرسالة وعرفوا القرآن والسنة وما فيهما من معجزات وعرفوا الولاية لأهل الولاية لما احتاجوا إلى التمسك بالظنيات والوهميات ولكن وضع العصر وما جرى فيه جعل الكثيرين يهتمون بالظواهر التي تدحض فرية المادية ومن ههنا أقبلوا على تتبع ظاهرة التلباثي وظاهرة التنويم المغناطيسي وظاهرة الأحلام وظاهرة تحضير الأرواح، وكلها ظواهر تثبت أن في الإنسان وفي الكون خفايا غيبية وإن اختلفت في الناس منازع التحليل والتعليل. والذين تحدثوا عن ظاهرة تحضير الأرواح اختلفوا فمنهم: من نفاها كلية واعتبروها شعوذة وكذبًا، ومنهم: من أثبتها وأخذ يتلقى عنها وكأنها وحي معصوم، وهؤلاء وهؤلاء أفرطوا فمن أعطى العصمة في أمر الغيب لغير الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فقد كفر، ومن اعتبر أن هناك جهة يتلقى عنها تشريعًا غير الوحي وما بني عليه باجتهاد من أهله فقد كفر. والظاهر أن مجموع ما يجري في حوادث تحضير الأرواح يثبت أن هناك شيئًا غير عادي يحدث فما هو التعليل الصحيح؟.\nيذهب الشيخ حسن أيوب في رسالته: (مع رسل الله وكتبه واليوم الآخر) أن كل ما يظهر من ظواهر في عمليات تحضير الأرواح يمكن أن تعلل بأنها من آثار عمل الجن والشياطين وينفي إمكانية أن تكون روح من أرواح الإنس يمكن أن يكون لها علاقة بهذا الشأن، والذي ذهب إليه هو الذي ترتاح له النفس ويطمئن القلب، ومن كلامه:\n(يمكن للجني أن يقلد أية شخصية حية أو ميتة بعد موتها، لأن أعمار الجن تصل أحيانًا إلى مئات السنين، كما ثبت ذلك في بعض الأحاديث والآثار، كما أن تكليم الجني للإنسان على لسان إنسان آخر أمر ثابت وتحريك الجني لقلم يكتب، أو سلسلة ترسم بوساطة قلم، أو لأثاث حجرة ليكسر أو لغير ذلك مما نسمع عنه أمر ممكن وواقع فيما مضى ويقع الآن كثيرًا، والمتتبع لهذا الأمر يجد الغرائب التي لا شك فيها) ا. هـ.\nومن كلام الشيخ سعيد رمضان البوطي في كبرى اليقينيات عن تحضير الأرواح:","vol":"2","page":777},{"text":"(وكما أن في الناس أشرارًا دأبهم الكذب والتلاعب بعقول الناس، فإن في الجن أيضًا كذلك، فمن أين لك أن الذي يناجيك أو يكتب لك جواب أسئلتك من قاع السلة، ليس شيطانًا مريدًا جاء ليلبس عليك دينك ويلهو بمخادعتك ويلتذ بالكذب عليك؟ أو لم تقرأ أن أكثر أسباب الحاقة في المنحرفين أو المجانين الذين ادعوا أنهم أنبياء أو عظماء إنما هو هواجس من هؤلاء الشياطين، إذ هتفوا في أعماق أفئدتهم أو على طبلة آذانهم أنهم أحباء الله وعظماؤه .. وأن الله قد أكرمهم بإسقاط تكاليفه عنهم، فربا الغرور في أوداجهم وثقلت رؤوسهم الفارغة بالخديعة وراحت تهتز منهم الأعطاف). اهـ.\n* * *","vol":"2","page":778},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الفصل السادس\nفي:\nالإيمان بالكتب</span>\nوفيه:\nمقدمة ووصل","vol":"2","page":779},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>المقدمة</span>\n- الإيمان بالكتب التي أنزلها الله ﷿ هو الركن الثالث من أركان الإيمان، والكتب التي أنزلها الله ﷿ غير محصورة بعدد معروف، لكن القرآن الكريم نص على أربعة منها، ونص على صحف إبراهم وموسى، فكا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام غير محصورين بعدد على القول الراجح، لكنه - أي القرآن - حدثنا عن خمسة وعشرين منهم تفصيلًا فكذلك الكتب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١).\nقال الفخر الرازي عند هذه الآية نقلًا عن القاضي: (ظاهر الآية يدل على أنه لا نبي إلا معه كتاب منزل فيه بيان الحق طال ذلك الكتاب أم قصر، ودون ذلك الكتاب أم لم يدون، وكان ذلك الكتاب معجزًا أم لم يكن، كذلك لأن كون الكتاب منزلًا معهم لا يقتضي شيئًا من ذلك). ا. هـ.\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ - أي بالمعجزات على القول الراجح - ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٢). وأخبرنا ﷻ عن المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣)، فسر بعض العلماء الكتاب في الآية الأخيرة بالكتابة والخط واحتل لها تفسيرًا آخر أنه المفروض؛ أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٤): أي فريضة مؤقتة بوقت، فالكتاب يأتي بمعنى المكتوب وهو المفروض، والحكمة معناها وضع الأمور في مواضعها، فقد آق الله ﷿ المسيح علم المفروضات على العباد، وأوتي الحكمة في الأقوال والأفعال، وأوتي التوراة حفظًا وفهمًا، وأنزل عليه الإنجيل كتابًا متميزًا.\nوالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يعرفون فرائض الله بتعريف الله إياهم،\n_________\n(١) البقرة: ٢١٣.\n(٢) الحديد: ٢٥.\n(٣) المائدة: ١١٠.\n(٤) النساء: ١٠٣.","vol":"2","page":781},{"text":"وكذلك كتابهم سواء دون أو لم يُدوّن، كبيرًا كان أو صغيرًا، تقل إلى الناس باللفظ والمعنى أو بالمعنى دون اللفظ.\nلكن القرآن خص بالذكر التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهم وموسى؛ فهذه لفظها ومعناها من الله ﷿، وخص القرآن من بينها بأنه معجز، كما خص بخصائص أخرى، منها أن الله تولى حفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). وقامت هذه الأمة بتوفيق الله لها بحفظ كتابها، بينما كلف أهل الكتب الأخرى بأن يتولوا حفظها فلم يقوموا بحق الله ﷿: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٢).\n- والظاهر أن الأسفار الخمسة الأولى من أسفار العهد القديم - وهي تعتبر عند اليهود التوراة - قد اختلطت فيها صحف موسى مع التوراة مع السيرة الذاتية لموسى ﵇ مع قومه ومع فرعون، وهذا واضح من أدنى قراءة لهذه الأسفار، هذا مع التبديل والتحريف والزيادة والنقص مما تدل عليه أدلة كثيرة، وفي كتابنا الرسول ﷺ، وفي تفسيرنا برهنا على ذلك من خلال نصوص هذه الأسفار، ويكفينا ما شهد به القرآن عنهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣)، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ (٤)، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٥) وهناك شيء آخر غير التوراة أنزل بمناسبات أخرى.\n- والظاهر أن الأناجيل الحالية قد أختلط فيها كذلك ما هو من الإنجيل وما هو سيرة ذاتية للمسيح ﵊ مع التحريف والتبديل، فالأناجيل المعتمدة عند نصارى اليوم مكتوبة بأقلام مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح، وهناك أناجيل أخرى لم تُعقد واندرست، وكل ما وصلنا مما يسمى إنجيلًا نجده وكأنه سيرة ذاتية للمسيح ﵊ فيه مقاطع؛ نحس بأنه بالإمكان أن تكون من الإنجيل، ولكنا لا نستطيع الجزم.\n_________\n(١) الحجر: ٩.\n(٢) المائدة: ٤٤.\n(٣) النساء: ٤٦.\n(٤) المائدة: ٤١.\n(٥) البقرة: ٧٩.","vol":"2","page":782},{"text":"- والظاهر أن الزبور الحالي قد اختلط فيه ما هو وحي رباني هو إنشاد لداود بما هو قصائد أخرى قالها غير داود، يظهر ذلك بأدنى تأمل، فهنا مزامير لا تذكر نسبتها وهناك مزامير تذكر أن داود قالها بمناسبات، وهناك مزامير أخرى تنسب لقائليها.\n- والراجح أن هناك بقية من صحف موسى في الأسفار الخمسة مخلوطة بغيرها.\nومن ههنا نعرف ﵀ ﷿ إذ خص محمدًا ﷺ بكتابه الحاكم والمهيمن والمعجز والمحفوظ لتفيء البشرية إليه، ويكون حجة على المكلفين، وجعل فيه من الخصائص مالا يحاط به.\nوتوجد عند أمم كثيرة غير اليهود والنصارى أسفار دينية قد تكون بعض أصولها مروية عن الأنبياء، ولكن ذلك لا نستطيع الجزم به، وإن كنا نجزم أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها من يلفها دعوة الله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١). وهؤلاء الرسل جميعًا بعثوا بتبيان المفروض على الناس، وتعليم الحكمة في التعامل مع الخالق والخلوق، وبعثوا بتزكية الأنفس: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (٢)، ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٣).\nوهذا كله يتم عبر تبليغ الوحي؛ سواء أشبه هذا الوحي الأحاديث القدسية في شريعتنا، أو أشبه السنة النبوية ثم سجله الناس عن أنبيائهم وحرفوه فيا بعد، ويحتمل أن يكون الله ﷿ قد أنزل كتبًا أخرى غير الذي ذكره لنا؛ فقد قال الله ﷿: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ (٤)، قال الفخر الرازي: (وللوحي خصائص وللكتب السماوية خصائص وسمات وخص القرآن بمزيد من هذه الخصائص والسمات)، وقد ذكرت في القرآن الكريم خصائصه وصفاته فهو: محكم، مثاني، حق، عدل، مفصل، يفرق بين الحق والباطل، يبين كل شيء يحتاجه المكلف في أمر دنياه وأخراه وفيه الهداية والرحمة، وآياته على نوعين: محكمة ومتشابهة، وفيه عرض لآيات الله في الكون والنفس، وفيه علم الساعة، وهو أعلى كتاب، وأحكم كتاب، وفيه الإنذار\n_________\n(١) فاطر: ٢٤.\n(٢) النازعات: ١٨، ١٩.\n(٣) البقرة: ١٢٩.\n(٤) البقرة: ٢١٣.","vol":"2","page":783},{"text":"والتبشير، وهو الحكم الفصل لكل ما أختلف فيه الناس، وهو شفاء لما في الصدور من أمراض وشكوك وأسئلة وحَيْرةٍ، وهذا وغيره تجده في القرآن الكريم مما وصف الله ﷿ كتابه، كما سنرى ذلك.\nوكلمة الإنجيل تعني البشارة، والنصوص القرآنية تذكر أن عيسى ﵇ جاء مبشرًا برسول اسمه أحمد، وقد وصف الله ﷿ رسالة عيسى بصفات تنطبق ضرورة على الإنجيل، كما وصف الإنجيل بصفات، ومن خلال ذلك تتحدد معالم الإنجيل: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١)، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣).\nوأما الزبور فلم يأت له وصف قرآني ولكن اسمه يوحي بأنه أقرب إلى الأنشودة والتذكير، قال ﷺ: (لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود) (٤). والمراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن.\n﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٥).\nوالمزامير الموجودة الآن في العهد القديم منها ما هو منسوب لداود ومنها ما هو منسوب لغيره، ويظهر من قراءتها وكأن بعضها عليه طابع الوحي، وبعضها نشيد لداود، نفسه وبعضها نشيد لغيره، والله أعلم.\n_________\n(١) الصف: ٦.\n(٢) المائدة: ٤٦.\n(٣) آل عمران: ٤٩.\n(٤) البخاري (٩/ ٩٢) - ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ٣١ - باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن.\nومسلم (١/ ٥٤٦) - ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - ٣٤ - باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن. والترمذي (٥/ ٦٩٣) - ٥٠ - كتاب المناقب - ٥٦ - باب في مناقب أبي موسى الأشعري ﵁. وقال: هذا حديث غريب.\nوالنسائي: (٢/ ١٨٠) - ١١ - كتاب الافتتاح - ٨٣ - باب تزيين القرآن بالصوت.\n(٥) الأنبياء: ١٠٥.","vol":"2","page":784},{"text":"وأما التوراة فقد وصفت في القرآن بأوصاف جامعة:\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (١)، ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ (٢).\nوأما صحف إبراهم وموسى فقد ذكر بعض ما فيها بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٣).\nوقد وردت إشارة إلى بعض ما في صحف إبراهيم بقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤).\nولم تصلنا كل أخبار الرسل السابقين وما أنزل عليهم وما بلغوه أقوامهم إلا ما جاء في القرآن والسنة، أما ما سوى ذلك فالأدلة الواضحات والتحقيقات القاطعات تشهد على التحريف والتبديل، ومن ههنا تكفل الله ﷿ بحفظ القرآن الكريم ليبقى الحجة القطعية على الخلق في كل ما بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد تضمن ذلك كله الآيات والمفروض والحكمة وتزكية النفس وزاد على ذلك، وقد جعله الله معجزًا لتقوم به الحجة على الخلق جيعًا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٥).\nوقد جاء بالأحكام التي تسع الزمان والمكان وخفف فيه عن المكلفين ما شدد على أمم سابقة عقوبة لهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٦).\n* * *\n_________\n(١) المائدة: ٤٤.\n(٢) الأعراف: ١٤٥.\n(٣) الأعلى: ١٤ - ١٩.\n(٤) النجم: ٣٧، ٣٨.\n(٥) المائدة: ٤٨.\n(٦) الأعراف: ١٥٧.","vol":"2","page":785},{"text":"والإيمان بالقرآن يدخل فيه الإيمان بحروفه وقراءاته ومضمونه، ويدخل فيه الإيمان بالسنة شارحة الكتاب: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).\n- وأسهل طريقة لنتعرف على خصائص القرآن أن نعرف ما وصف الله ﷿ به كتابه، أو ما سماه به، أو ما وصف به رسول ﷺ الله كتاب الله وسماه به، وقد أحصى الإمام الزركشي في كتابه (البرهان) ثمانية وأربعين اسمًا؛ من ذلك أنه روح: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (٢)، ومن ذلك النور: ﴿جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٣)، ومن ذلك الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (٥)، ومن ذلك الهدى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦)، ومن ذلك حبل الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٧)، ومن ذلك الحق: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ (٨)، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٩). ومن ذلك الشفاء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (١٠)، ومن ذلك الموعظة والرحمة: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١)، ومن ذلك المبين: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا﴾ (١٢)، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٣) ومن ذلك أحسن الحديث: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١٤)، ومن ذلك المحكم: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ\n_________\n(١) النحل: ٤٤.\n(٢) الشورى: ٥٢.\n(٣) المائدة: ١٥.\n(٤) الحجر: ٩.\n(٥) طه: ١٢٤.\n(٦) الإسراء: ٩.\n(٧) آل عمران: ١٠٣.\n(٨) الرعد: ١.\n(٩) فصلت: ٤٢.\n(١٠) فصلت: ٤٤.\n(١١) يونس: ٥٧.\n(١٢) المائدة: ١٥.\n(١٣) النحل: ٨٩.\n(١٤) الزمر: ٢٣.","vol":"2","page":786},{"text":"خَبِيرٍ﴾ (١). فكتاب اجتمعت فيه هذه الخصائص وغيرها مع عجز البشر أن يأتوا بأقصر سورة من سوره أو ثلاث آيات من آياته ففيه دليل أنه من الله ﷿.\n- إنك عندما تنظر إلى القرآن ككل تجده مدهشا بما اجتمع فيه من تناسق وتوافق وتكامل وبما فيه من كل في الأسلوب والفصاحة والمعاني: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).\n- والقرآن فيه إعجاز ومعجزات، فإعجازه قدر مشترك فيه، وذلك وحده معجزة محسة قامت بها الحجة على العالمين، إذ عجز الخاطبون وهم عاجزون إلى الأبد أن يأتوا بسورة من مثله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣). فالعجز عن الإتيان بأدنى سورة من سوره هو مظهر إعجازه، وهناك زيادة على الإعجاز معجزات تظهر حيثما وجدت شيئًا يستحيل أن يكون مصدره بشريًا كالآيات التي تتحدث عن كونيات لم يكتشفها الإنسان إلا مؤخرًا، وكإخباره عن الغيوب السابقة واللاحقة، وأسرار وحدته إلى غير ذلك من أمور أطنب الكتاب في شرحها وتحدثنا عن بعضها في كتابنا (الرسول) ﷺ وفصلنا الكثير منها في التفسير.\n- والحديث عن أسباب الإعجاز يطول وقد لا يدرك كل إنسان هذه الأسباب ولكن الحجة قائمة على البشر بالعجز وفي ذلك الكفاية، والأسهل على الخلق أن يتعرفوا على معجزاته، فقيام الحجة بها على العرب والعجم وكل مكلف لا يتمارى فيه، فمن معجزاته أنه قدم للمكلفين هداية كاملة في العقائد والعبادات والتشريع والأخلاق والآداب ومن معجزاته أنه قدم تصورًا عجيبًا عن الكون والحياة وعن الزمان والكان بما لم تعرف أبعاده إلا في عصرنا: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٤)، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا\n_________\n(١) هود: ١.\n(٢) النساء: ٨٢.\n(٣) البقرة: ٢٣، ٢٤.\n(٤) الحج: ٤٧.","vol":"2","page":787},{"text":"لَمُوسِعُونَ﴾ (١)، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٢)، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٣) ومن معجزاته ما حدثنا به عن كونيات لم تعرف إلا في عصرنا، ومن معجزاته ما أخبر به عن مستقبلٍ ووقع، ومن معجزاته ما أخبر به عن أمم سالفة ولم يكن العرب يعرفونها، ومن معجزاته تضمنه لكل ما في كتب أهل الكتاب من معان مع أن محمدًا ﷺ كان أميًا، ومن معجزاته التناسب في جميع ما تضنه ظاهرًا وباطنا من غير اختلاف فيه، ومن معجزاته وفاؤه بحاجات البشر في الهداية في كل شيء، ومن معجزاته التصرف في الأمثال والتصوير مما لا يخطر على قلب بشر: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٤).\n- ولا شك أن لمعاني القرآن دخلًا في إعجازه، ومع المعاني اجتمعت فصاحة لا مثيل لها، وبلاغة لا مثيل لها، وأسلوب لا مثيل له، ونظم لا مثيل له، وجزالة لا تصح من مخلوق بحال، وحسن بيان بالغ ذروة الكمال، وتصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي حتى يقع منهم الاتفاق على إصابته في وضع كل كلمة وكل حرف في موضعه، هذا مع ما اجتمع فيه من خصائص وصفات مع ما وجد فيه من روح وحياة كل ذلك عوامل في الإعجاز، والأمر أوسع من ذلك.\nوبعد، فالإيمان بالكتب يشمل:\n- الإيمان الإجمالي بكل كتاب أنزله الله ﷿ على كل نبي ورسول، والإيمان التفصيلي بما سماه الله ﷿ لنا وذكره، وهي: القرآن وهو أفضلها ثم التوراة وهي تالية له بالفضل ثم الإنجيل ثم الزبور ثم صحف إبراهيم وموسى.\n- ومقتضى الإيمان بالكتب الاعتقاد بأنها وحي من الله ﷿ للرسل الذين أنزلت عليهم هذه الكتب.\n_________\n(١) الذاريات: ٤٧.\n(٢) الواقعة: ٧٥، ٧٦.\n(٣) الأنبياء: ٣٠.\n(٤) الكهف: ١٠٩.","vol":"2","page":788},{"text":"- وأن الكتب السابقة على القرآن ضاعت أو خرقت أو بدلت أو غيرَت أو اختلطت بغيرها وجاء القرآن مؤكدًا لثوابتها وذاكرًا التكليفات المستمرة وناسخا للأحكام الخاصة.\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١).\n﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ (٢).\n﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣).\n- الإيمان بالقرآن يقتضي الإيمان بعموم الخطاب فيه للمكلفين من الإنس والجن جميعًا ويقتضي الإيمان بخلود هذا الخطاب وأن المكلفين من الإنس والجن مخاطبون به حتى يرث الله الأرض ومن عليها وأنه شامل كامل، وأنه الكتاب الوحيد الذي لم يداخله تغيير ولا تبديل، وأنه حاكم وناسخ لكل كتاب سابق.\nهذا وقد مرت معنا نصوص في القسم الأول من هذا الكتاب عن القرآن وستأتي نصوص في أقسام لاحقة في سياقاتها فلنكتف بما ذكرناه هنا كي لا يخلو هذا القسم من تذكير بكل ما يلزم في باب العقائد.\n* * *\n_________\n(١) المائدة: ٤٨.\n(٢) النساء: ١٣١.\n(٣) الأعراف: ١٥٧.","vol":"2","page":789},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الوصل\nفي:\nالتعريف على كتب بعض أهل الأديان</span>\nوفيه:\nمقدمة وتعريفات ونصوص","vol":"2","page":791},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المقدمة</span>\nلقد رأينا فيما مر اتجاها نقله الفخر الرازي ﵀ يفيد أنه ما من رسول إلا وأنزل معه كتاب، وذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١).\nكما أن ظاهر قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٢)؛ فإذا أخذنا بظاهر هذا القول وعرفنا أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول أو أكثر، فالمفروض أن تكون هناك كتب كثيرة ذات أصل سماوي، وقد خص القرآن بالذكر التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهم وصحف موسى، فكان القول الذي ذكره الفخر الرازي إن تخصيص هؤلاء بالذكر لا ينفي أن تكون هناك كتب أخرى، هذا مع أن الآيتين اللتين صدرنا بها هذا الوصل يمكن أن يحملا على محامل أخرى، كأن يراد بالكتاب المكتوب بمعنى المفروض، فيكون المعنى: وأنزل معهم المفروضات على أمهم، إلا أن المتتبع للدراسات المقارنة الحديثة يرجح أن تكون هناك كتب أخرى ذات أصول سماوية، ولكن هل هي كتب أنزلت من السماء ككتب، أو أنها الوحي الذي أنزل على رسل جمعه أقوامهم في كتب، فيكون المعنى الثاني هو المراد؟ الأمر يحتمل.\nوأيا كان الأمر فليس هناك كتاب ديني في العالم يستطيع أصحابه أن يدّعوا أنه منقول تواترًا من هذا العصر إلى صاحب رسالة إلا القرآن الكريم، ومن ههنا كان القرآن هو الحجة على كل التراث المنسوب إلى الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.\nولا شك أن كل كتاب قام عليه دين بعد القرآن الكريم فإنه مكذوب على الله ﷿ لأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين بنص القرآن: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣)، وإذ جعل الله ﷿ القرآن مفصلًا لكل شيء، ومصدقًا للوحي الحق الذي سبقه، ومهيمنًا عليه، فإنه يغني عن كل كتاب سابق، ويشهد ببطلان كل ما خالفه من أخبار، وينسخ\n_________\n(١) البقرة: ٢١٣.\n(٢) الحديد: ٢٥.\n(٣) الأحزاب: ٤٠.","vol":"2","page":793},{"text":"كل تشريع لم يقره، أما الأخبار التي لا تعارضه فليس على المسلم أن يصدقها أو يكذبها إذا كان مما يدخل في دائرة إمكانية القبول، أما التشريعات السّابقة على تشريعنا حتى ولو صحت نسبتها إلى نبي - وأنى يكون ذلك - فلا تدخل ضمن دائرة التكليف ولو سكت عنها شرعنا، إلا إذا نص عليها، وحتى في ذلك فإن الأصوليين مختلفون فيا لو قصر الله علينا شرع غيرنا دون أن ينسخه، هل يعتبر شرعًا لنا أو لا؟ والقول المشهور أن شرع من قبلنا شرع لنا مالم ينسخه شرعنا ولكن بشرط أن يأتينا عن طريق الوحي المنزل على رسولنا ﵊.\nولكي يكون عند المسلم تصور عن الكتب الدينية القديمة فإننا نذكر شيئًا عنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>أ - التعريف بكتب الهند الدينية</span>\n١ - كتب (الفيدا)، وهي أقدم الكتب الدينية عند اليهود، وهي أربعة كتب: (الريج فيدا) و(الياجور فيدا) و(الساما فيدا) و(أنار فيدا) وهذه الكتب هي أصول الديانة الهندوسية، ولا يعرف من وضعها، وهذا نموذج مترجم عن السنسكريتية من الكتاب الأول يتحدث عن الإله الأعلى:\n(هو الأعلى من كل شيء وهو الأسنى إله الآلهة ذو القوة العليا الذي أمام قدرته الغالبة ترتعد الأرض والسماوات العالية أبها الناس استمعوا لشعري إنما هو إندرا إله الكون. هو الذي قهر الشياطين في السحاب، وأجرى الأقمار السبعة الصافية الكبار، واقتحم كهوف الكآبة والأكدار، وأخرج البقرات الجميلة من الأرحام، وأضاء النار القديمة من البرق في الغمام. ذلك هو إندرا البطل الجسور الجيش المتقدم للهيجاء يناديه للنصرة يوم الحرب الأعزاء بصيته الذائع يهتفون، والأذلاء يذكرون اسمه بشفاههم وهمسون. وقائد الجيش على العجلة الحربية يدعو ويستنصر إندرا إله الحرب. الأرض والسماء تعترفان بسلطانه وكله، والجبال المرتعدة تخرُ له وتسجد لجلاله. هو الذي يرسل صواعق السماء على أعدائه فلتهد إليه السكائب المقدسة فإنه يقبل هذه الخمر: خمر سوما ويستمع للشعر وأغاني الولاء له. البقرات وأفراس الوغي له القرى والمساكن وعجلات الحرب هو يرفع الشمس بيده","vol":"2","page":794},{"text":"اليمنى ويفتح الأبواب الحر من شفق الفجر فيزق السحاب الأحمر تمزيقًا ويرسل شآبيب المطر لنصدق به تصديقًا) (١) ا. هـ.\nويعتقد الباحثون أن (الفيدا)، جاءت مع الشعوب الآرية التي غزت الهند، وهناك خلاف بين الباحثين حول منشأ الآريين الغزاة للهند، هل هو تركستان أو أوربا، وفي كلا الحالتين فإن الاحتمال الأكبر أن تكون الأصول السماوية الصحيحة للفيدا قد نزلت على هذه الجازم فيمن هو رسول وفيما هو وحي سماوي.\n٢ - (قوانين مانو) وهي التي سجل فيها أقسى نظام طبقي في العالم، وهذا نسقة (بوذا) بعد ذلك في ديانته.\n٣ - (المهابهارتا) وهي قصيدة طويلة، ومؤلفها شخص اسمه (وياس)، وهي أشبه بالإلياذة والأوديسة عند اليونان.\n٤ - (كينا) وهو منسوب إلى رجل اسمه (كرشنة) وكرشنة عند الهنود كالمسيح عند المسيحيين بعد تحريف ديانتهم، حتى إن كثيرًا مما وصف به المسيح ﵇ موصوف به كرشنة مما يعتقد معه أن أحد الجانبين أخذ من الآخر، ومن كلام كرشنة في هذا الكتاب:\n(لقد أضلت كلمات ويدا عقلك، فصرت لا تفهم قيمة الفرض وما يتبعه من الواجبات، والذين يتمسكون بألفاظ ويدا واحدها، ويرونها كل شيء، يركبون شططًا، نهم إنما يجرون وراء أهوائهم النفسية، يمنون أنفسهم بالجنة، لأنهم حريصون على لذائذ الحياة، فيقومون بطقوس يرونها تضمن لهم الجنة، ولذلك تبلبلت عقولهم، وتشعبت سُبلهم، وضلت أعمالهم، فهم في حيرة وارتباك، يجرون وراء شهواتهم، ولا يستطيعون حصر أفكارهم في نقطة واحدة).\n(أما أنت، فكن فوق القشور الويدية. لا تقلقك أفكار الراحة أو التعب، النجاح أو الخيبة، بل كن مطمئنًا منشرحًا في روحك، والعاقل الذي وصل إلى الحقيقة، ليست\n_________\n(١) (أديان الهند الكبرى) للدكتور/ أحمد شلبي.","vol":"2","page":795},{"text":"الكتب الويدية له إلا كبير في مكان ذي أنهار، فعليك أن تقوم بواجبك، لأنه واجب عليك، واجمع عقلك على هذه النقطة وحدها ..).\n(اعلم أن أشد أعداء الإنسان اثنتان: الشهوة والغضب. وهما اللذان يدفعانه إلى الذنوب، وكما يغطي الدخان النار، ويكدر الغبار صفاء المرأة؛ كذلك الشهوة والغضب يغطيان عقل الإنسان، فعلى الإنسان أن يقتل هذين العدوين).\n(والذي يقوم بواجبه كما قلت، يبزغ نور العرفان في داخله كما تبزغ الشمس في السماء، فيرى ربه بعين قلبه، ويسعد بالنجاة بعد أن تذهب ذنوبه وتحل محلها الحسنات) ا. هـ.\n٥ - (بوجاواسفسها) ولا يعرف مؤلف هذا الكتاب، وهو منظومة شعرية تحتوي على أربعة وسبعين ألفًا من الأبيات.\n٦ - (رامابانا) ولا يعرف مؤلفه ولا تاريخ تأليفه، وهو أقرب إلى أن يكون كتابا في أنظمة الحك. هذه هي أهم كتب الديانة الهندوسية (٢).\nأما الديانة البوذية، فالمعروف أنها لم تسجل في حياة بوذا، وقد ظهر الاختلاف الكبير بين أتباعه فعقدوا مجلسا كبيرا بعد زمن من وفاته عام (٤٨٣ ق م)، وطلبوا من ثلاثة من أكبر تلامذته أن يتحدثوا عن موضوع رئيسي من تعاليم بوذا، فتحدث أحدهم عن العقائد وآخر عن الشريعة وآخر عن الحكايات، وهي مع ذلك بقيت تتناقل شفهيا حتى عهد الإمبراطور آسوكا عام (٢٤٢ ق م) ومن ههنا فإننا لا نستطيع الثقة بما سجل بعد هذه السنين الطويلة، وكان التحريف والتبديل والجهل عوامل انتقلت بالبوذيين من اعتبار بوذا حكيا ابتداء إلى تأليهه في النهاية، فحدث عندم ما حدث عند النصارى بينا يروى اتباعه عنه هذه الحكاية: (أن أحد تلاميذه قال له مرة: إنني أيها السيد أؤمن بكل قلبي أنه لم يوجد قط، ولا يوجد الآن، ولن يوجد إلى آخر الدهر مرشد أعظم قدرًا وأكثر عقلا من مرشدنا المبارك.\n_________\n(١) (أديان الهند الكبرى) للدكتور/ أحمد شلبي.\n(٢) راجع (أديان الهند الكبرى) لأحمد شلبي.","vol":"2","page":796},{"text":"فأجاب بوذا: هل أنت قد عرفت كل العارفين الذين سبقوني؟ وهل عرفت كل العارفين الذين يأتون بعدي؟\n- فأجاب التلميذ: لا يا سيدي فلم يتيسر لي ذلك.\nقال بوذا: هل عرفتني كل المعرفة؟ وتوغلت في نفسي كل التوغل؟\nفقال التلميذ: لا يا سيدي وكيف لي ذلك؟\nفقال بوذا: فلم إذًا أسرفت في قولك وجعلتني خير الناس وأنت لا تعرفني ولا تعرف الناس؟) (١) ا. هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>ب- التعريف ببعض كتب الصين الدينية</span>\nلانعرف شيئًا عن أديان الصين القديمة إلا عن دينين لازالا موجودين حتى الآن: الطاوية المنسوبة لـ (لوتس) والكونفوشيوسية المنسوبة (لكونفوشيوس)، وقد جُمِعَت آراء لوتس وأحاديثه في كتاب اسمه (كتاب الأخلاق) وهو يدعو إلى القناعة والزهد والتسامح المطلق ومقابلة السيئة بالحسنة، وقد اجتمع به كونفوشيوس في أخريات حياته، ويدعي أنه لم يوافقه على بعض آرائه، والكونفوشيوسية أكثر انتشارًا وقد جمع تلاميذ كونفوشيوس آراءه في كتاب (الحوار) وهو مترجم إلى اللغة العربية.\nوالمعروف عنه أنه لخص كثيرا من الكتب الصينية القديمة، ولا نعرف أنه ترجم منها شيء إلى اللغة العربية، فلربما استطاع الدارس أن يلمح فيها شيئًا يوصل إلى استئناس في شأن أديان الصين القديمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>ج- التعريف ببعض كتب الفرس الدينية</span>\nالمشهور من كتب الفرس الدينية كتاب (الزندافستا) المنسوب إلى (زردشت)، ويذكر أبو الكلام أزاد في رسالته عن ذي القرنين أن الرواية الفارسية تذكر أن صحيفة زرادشت\n_________\n(١) المرجع السابق.","vol":"2","page":797},{"text":"الدينية دونت في جلود اثني عشر ألف ثور بحبر من الذهب، واحترقت أيام حرب الإسكندر، فيقول أبو الكلام:\n(ولما تأسست الإمبراطورية الساسانية بعد خمسمائة سنة من الإسكندر، حاول الفرس لم شعث الدين الزرادشتى من جديد، فكما جمع عزرا التوراة بعد أسر بابل، كذلك يقال إن أردشير بايكان أمر يجمع كتاب أوستا من جديد إلا أن خصوصيات الدين الحقيقية كانت قد تحرفت بتغيرات وإضافات كثيرة، ومسخت حقيقتها، فالدين الزرادشتى في شكله الجديد، لم يكن دينا خالصا، بل أصبح خليطا من المجوسية القديمة، واليونانية، والزردشتية. وقد زاد الطين بلة الموبذون والمفسرون بحواشيهم وشروحهم وتفاسيرهم التي ذهبت بالدين بعيدا عن أصله) (١) ا. هـ.\nويقول البستاني في دائرة معارفه: (ولزرادشت كتاب آخر في الرؤيا صنعته علماء القرن الثاني والأول قبل الميلاد). اهـ.\nأقول: وفيما تبقى من (الزندافستا) الحالية بشارة واضحة برسولنا ﵊ ذكرها العقاد في كتابه مطلع النور ونقلناها في كتابنا (الرسول ﷺ) وهذا يشهد لرسالة زرادشت والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>د- التعريف ببعض الكتب اليهودية الدينية</span>\nالكتب الدينية لليهود قبل المسيح ﵇ تتألف من قسمين رئيسيين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>أولًا: أسفار العهد القديم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>ثانيًا: التلمود</span>، وتختلط في أسفار العهد القديم السير الذاتية للأنبياء بنصوص الوحي بالتاريخ اليهودي. ويكاد المؤرخون والمحققون يجمعون أن أكثر أسفار العهد القديم كتبت بعد مئات السنين من تاريخ أحداثها أو وجودها يقول (ويل ديورانت): (ويبدو أن أسفار التوراة الخمسة قد أخذت صورتها الحاضرة حوالي عام ٣٠٠ ق - م)، ويقرر (ويلز)\n_________\n(١) رسالة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾.","vol":"2","page":798},{"text":"(أن أسفار العهد القديم جمعت لأول مزة في بابل وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد).\nوقد جمعت هذه الأسفار من الروايات الشفهية المتوارثة ولذلك داخلها الخلط والخبط وأكبر مثال على ذلك أنك تجد زبور داود مختلطا بما هو وحي ليس منسوبا لأحد وبما هو قصائد منسوبة لداود قالها في مناسبات وبما هو قصائد منسوبة لغير داود.\nوأما التلمود فهو الروايات الشفهية التي تناقلها الحاخامات جيلًا بعد جيل وقد ابتدأ تدوين التلمود بعد مائة وخسين سنة من عهد المسيح نم تكامل تدوينه من بعد ويعتبره بعض اليهود أقوى إلزامًا من التوراة ومن هذا كله ندرك صعوبة معرفة ما هو وحي صحيح من مجموع هذا التراث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>هـ- التعريف ببعض كتب النصارى الدينية</span>\nأنزل الله على المسيح ﵇ إنجيلًا واحدًا، وكان للمسيح ﵇ سيرة ذاتية، والأناجيل الحالية المعتمدة عند النصارى يختلط فيها ما هو سيرة ذاتية للسيح بعظاته بما يمكن أن يعتبر من الإنجيل بما زاده المحرفون وكل ذلك من خلال رواية مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح واختلف مع الحواريين وخالفهم ويكن هو من تلاميذ السيح ﵇. وهذه الأناجيل الأربعة كتبت بعد سنة ٦٣ ميلادية، وكانت هناك أناجيل أخرى ورسائل للحواريين وكل ذلك ألغاه جمع نيقية عام ٣٢٥ ميلادية حيث تغلب فكر بولس ومدرسته القائلين بألوهية المسيح، جاء في كتاب المسيحية لأحمد شلي عن أسفار العهد الجديد بما في ذلك الأناجيل الأربعة:\n(إن هذه السبعة والعشرين سفرا أو الرسالة الموضوعة من قبل ثمانية كتاب لم تدخل في عداد الكتب المقدسة باعتبار مجموعة هيئتها بصورة رسمية إلا في القرن الرابع بإقرار جمع نيقية العام وحكمه (سنة ٣٢٥ م) لذلك لم تكن أي من هذه الرسائل مقبولة ومصدقة لدى الكنيسة وجميع العالم العيسوي قبل التاريخ المذكور، ثم جاء من الجماعات العيسوية في الأقسام المختلفة من كرة الأرض ما يزيد على ألفي مبعوث روحانيٍّ ومعهم عشرات الأناجيل\n_________\n(١) راجع (اليهودية) لأحمد شلبي.","vol":"2","page":799},{"text":"ومئات الرسائل إلى نيقية لأجل التدقيق، وهناك تم انتخاب الأناجيل الأربعة من أكثر من أربعين أو خمسين إنجيلًا وتم انتخاب الرسائل الإحدى والعشرين من رسائل لا تعد ولا تحصى وصودق عليها، وكانت الهيئة التي اختارت العهد الجديد هي تلك الهيئة التي قالت بألوهية المسيح. وكان اختيار كتب العهد الجديد على أساس رفض الكتب المسيحية المشتملة على تعاليم غير موافقة لعقيدة نيقية وإحراقها كلها حتى عمل بهذه الأناجيل الأربعة، مع أنه لو صح نسبة الأناجيل إلى أصحابها لكانت أسبق من الرسائل، ويؤكد هذا الكاتب: أن الأناجيل الأربعة لم تكن موجودة في زمن الحواريين الخمسة أو الستة الذين كتبوا تلك الرسائل لأن الرسائل لا تبحث عن محتويات هذه الأناجيل قطعًا ولا تشير إليها) (١) ا. هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>و- التعريف ببعض كتب الصابئة الدينية</span>\nوعند صابئة العراق الحاليين كتاب يتكتمون عليه ويدعون نسبته إلى شيث بن آدم وإدريس ﵈.\nهذا العرض السريع لبعض الكتب الدينية المعروفة في العالم ترينا أنه لا يوجد غير القرآن كتابًا إلهيّا قطعي النسبة إلى الله ومنقول لنا نقلًا قطعيّا، قال تعالى عن القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) فقد تعهد ﷻ بحفظ القرآن وكلف بحفظه المسلمين، أما غير القرآن فقد كلف أصحابه بحفظه ولم يتعهد بحفظه فقصر أصحابي ذلك بالحفظ بل بدلوا وغيروا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>فائدة:</span>\nذكر القرآن الكريم صحف إبراهم ﵇ وقد تعرض لذلك الشيخ عبد الرحمن حبنكة في كتابه العقيدة الإسلامية فذكر ما يلي:\n(لقد أخبرنا القرآن بأخباره الصريحة عن الصحف الأولى وذكر منها صحف إبراهم عليه\n_________\n(١) (المسيحية)، للدكتور أحمد شلبي.\n(٢) الحجر: ٩.","vol":"2","page":800},{"text":"السلام ولكن هذه الصحف مفقودة فلا يعرف منها شيء إلا بعض حقائق في الدين، أشار القرآن إلى أنها مما تضمنته هذه الصحف.\nأ - فمن ذلك قوله تعالى في سورة (النجم):\n﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ (١). أقنى: أعطى من الرزق والأموال ما يقتنى ويدخر، الشعرى: نجم وضاء يقال له: قرى قوم لوط، وسميت هذه القرى مؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها، أي انقلبت. أهوى: أي أوقعها وأسقطها - بعد رفعها عن أماكنها - من الأرض إلى الفضاء.\nفهذه الحقائق الدينية التي أعلنتها هذه الآيات مما أنزله الله في صحف إبراهم وموسى؛ كما هو ظاهر في مدلول الآيات.\nب- ومن ذلك قوله تعالى في سورة (الأعلى):\n﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٢).\nوننهي هذا الوصل بذكر نصوص تحدد الوقف من روايات اليهود والنصارى ومن باب أولى غيرهم ونذكر فيها بأدب المسلم في التمسك بالقرآن الكريم وإهمال ما عداه إلا لضرورة الخدمة الإسلامية:\n_________\n(١) النجم: ٣٦ - ٥٤.\n(٢) الأعلى: ١٤ - ١٩.","vol":"2","page":801},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>(النصوص)</span>\n٨٠٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تُصَدّقوا أهل الكتاب بما يُحَدّثونكم عن الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا، لأن الله تعالى أخبر أنهم كتبوا بأيديهم، وقالوا: هذا من عند الله).\nوفي رواية (٢) قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: (لا تصدّقوا أهل الكتاب ..) وذكر الحديث.\n٨١٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵂ قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابك الذي أنزل الله على نبيّكم أحدث الكتُب بالله، تقرؤونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله، وغيرُوه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنًا قليلًا؟ أفلا ينهاك ما جاءك من العلم عن مَسألتهم؟ ولا والله، ما رأينا منهم رجلًا قط يسألك عن الذي أنزل عليكم.\n٨١١ - * روى البخاري عن خميد بن عبد الرحمن ﵀، قال: سمعت معاوية ﵁ يحدّث رهطًا من قريش بالمدينة - وذكر كعب الأحبار - فقال: إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.\nأقول: إن كعبًا من الثقات إلا أن الكذب يطرأ على رواياته عن أهل الكتاب بسبب كذبهم هم. لا أنه كان يتعمد الكذب عليهم أو على غيرهم.\n_________\n٨٠٩ - البخاري (١٣/ ٣٣٣) - ٩٦ - كتاب الاعتمام بالكتاب والسنة - ٢٥ - باب قول النبي ﷺ: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء).\n(٢) البخاري (٨/ ١٧٠) - ٦٥ - كتاب التفسير - ١١ - باب ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾.\n٨١٠ - البخاري (١٢/ ٣٣٣) - ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - ٢٥ - باب قول النبي: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ).\n٨١١ - البخاري، الوضع السابق.","vol":"2","page":802},{"text":"٨١٢ - * روى أحمد عن ابن أبي نملة الأنصاري، أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبَرَهُ أنه بَيْنَما هُوَ جالس عند رسول الله ﷺ جَاءه رجلٌ من اليهود، ومر بجنازةٍ، فقال: يا مُحمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ: (الله أعلمُ). فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ: (ما حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم، ولا تُكذِّبُوهُمْ، وقولوا: آمنا بالله وكتُبهِ وَرُسُله، فإن كان باطلًا لم تُصَدَّقُوه، وإن كان حقًا لم تكذبوه).\nقال البغوي: وهذا أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور والعلوم. فلا يقضى فيه بجواز ولا بطلان، وعلى هذا كان السلف. ا. هـ.\n٨١٣ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ حين أتاه عمر، فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها. فقال: (أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً، ولو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي).\nقال البغوي: قوله: (أمتهوكون) أي: متحيرون أنتم في الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى!!\nوقوله: (بيضاء نقية) أراد الملة، لذلك جاء بالتأنيث، كقوله ﷾:\n_________\n٨١٢ - أحمد (٤/ ١٣٦).\nوأبو داود (٣/ ٣١٨) - كتاب العلم - باب رواية حديث أهل الكتاب.\nوشرح السنة (١/ ٢٦٨).\nقال الشيخ شعيب محقق شرح السنة:\n(وابن أبي نملة، وثقه ابن حبان، وأخرج حديثه في (صحيحه: رقم (١١٠) موارد، ويشهد له حديث أبي هريرة عند البخاري [الذي سبق] فيتقوى به. ا. هـ.\n٨١٣ - أحمد (٣/ ٣٨٧).\nوشرح السنة (١/ ٢٧٠).\nقال الشيخ شعيب محقق شرح السنة: حديث حسن ... [وفيه] مجالد ضعيف، وله شاهد بنحوه من حديث عبد الله بن شداد عند أحمد ٣/ ٤٧٠، ٤٧١ وفي سنده جابر الجعفي، وآخر من حديث عمر عند أبي يعلى، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو ضعيف، وانظر (مجمع الزوائد) ١/ ١٧٣، ١٧٤. ا. هـ.","vol":"2","page":803},{"text":"﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١) أي: تفسير الملة القيمة الحنيفية.\nوروي (٢) أن كعب الأحبار جاء إلى عُمَرَ بمصحف، فقال: يا أمير المؤمنين في هذا التوراة، أفأقرؤها؟ فقال: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سيناء فاقرأها، وإلا فلا.\nأقول:\nلم ننقل هاهنا كثيرًا من النصوص الحديثية المتعلقة بالقرآن لأنها ستأتي معنا في القسم اللاحق: قسم العبادات الرئيسية أثناء الكلام عن تلاوة القرآن وتفسيره فلتراجع هناك.\n* * *\n_________\n(١) البينة: ٥.\n(٢) شرح السنة (١/ ٢٧١).","vol":"2","page":804},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>الفصل السابع\nفي:\nالإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص ومسائل وفوائد ووصلان","vol":"2","page":805},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>المقدمة</span>\nمعرفة الرسل هي التي تتحقق بها معرفة الله ﷿ فالم يعرف الإنسان الرسل عليهم الصلاة والسلام ويؤمن بهم ويسلم لهم ويطيعهم فإنه لا يعرف الله ﷿، ولا يقوم بحقوقه، ولذلك نجد آية في كتاب الله أقامت بيعة الرسول مقام بيعة الله، كما نجد آية أخرى أقامت طاعة الرسول ﷺ مقام طاعة الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١). ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢).\nلقد ذكرنا أن الله ﷿ له الصفات العليا والأسماء الحسنى وله الربوبية والألوهية والمالكية ولا نعرف مقتضيات وتفصيلات حقوق هذه المعاني إلا من خلال الرسل عليهم الصلاة والسلام:\nفالعبادة والعبودية، والتشريع، والطريق إلى رضوان الله تعالى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالرسل عليهم الصلاة والسلام:\n﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤).\nومن ههنا وغيره فإن الذين لا يؤمنون برسل الله ليسوا مؤمنين، بل الكفر بواحد من الرسل كفر بالله وكفر بالرسل بأن واحد:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (٥).\nولذلك كان الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان وكان الدخول في الإسلام بالنطق بمجموع الشهادتين، وإنما يعرف الرسول ﷺ بصفاته وبالمعجزات التي يظهرها الله\n_________\n(١) الفتح: ١٠.\n(٢) النساء: ٨٠.\n(٣) النحل: ٢.\n(٤) الأنبياء: ٢٥.\n(٥) النساء: ١٥٠، ١٥١.","vol":"2","page":807},{"text":"على يديه والتي قد يكون منها النبوءات التي تتحقق، وبالثمرات الطيبة الخيرة، ورسولنا ﷺ كان له من الصفات أرقاها ومن المعجزات أكثرها وأخلدها وأظهرها ومن النبوءات ما يتحقق في الجيل بعد الجيل ومن الثمرات أحلاها وأطيبها وأعذبها، وقد بشرت به الرسل السابقون وقد تعرضنا لذلك تفصيلا في كتابنا (الرسول) صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.\nوقد أعطانا القرآن الكريم تصورًا كاملًا عن موضوع الرسل عليهم الصلاة والسلام.\n- مما ذكره أن النبوة والرسالة قائمة على الاصطفاء فليس للكسب فيها مدخل، وإن كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصفى الناس قلبًا وأعلام استعدادًا قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١)، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢)، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣). وقال في حق إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (٤) وقال في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥)، وقال في حق موسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٦) ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٧).\n- وبما ذكره القرآن أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٨) ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٩)، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (١٠)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (١١).\n_________\n(١) الأنعام: ١٢٤.\n(٢) الحج: ٧٥.\n(٣) النحل: ٢.\n(٤) ص: ٤٧.\n(٥) البقرة: ١٣٠.\n(٦) الأعراف: ١٤٤.\n(٧) طه: ١٣.\n(٨) النحل: ٣٦.\n(٩) فاطر: ٢٤.\n(١٠) القصص: ٥٩.\n(١١) إبراهيم: ٤.","vol":"2","page":808},{"text":"وقد ختم الله النبوة والرسالة بمحمد ﷺ وجعله رسولًا للعالمين من الإنس والجن ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)، وكما أنه رسول الله إلى كافة الإنس فهو رسول إلى الجن: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٦).\n- ومما ذكره القرآن أنه لم يقصص علينا نبأ المرسلين فقال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٧).\n﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٨).\nوالقول الراجح عند العلماء أن عدد الرسل الذين ذكروا في القرآن خمسة وعشرون على خلاف في ذي الكفل والراجح أنه رسول.\nوالرسل الذين ذكرهم القرآن هم:\nآدم - إدريس - نوح - هود - صالح - إبراهم - لوط - إسماعيل - إسحاق - يعقوب - يوسف - أيوب - شعيب - موسي - هارون - يونس - داود - سليمان - إلياس - اليسع - ذو الكفل - زكريا - يحيي - عيسي - محمد - عليهم الصلاة والسلام جميعًا.\n- وصف القرآن بعض الرسل بأنهم أولوا عزم لكثرة ما صبروا وتحملوا وما قاموا به قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٩) وهم المخصوصون بالذكر في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى\n_________\n(١) الأحزاب: ٤٠.\n(٢) سبأ: ٢٨.\n(٣) الأحقاف: ٢٩.\n(٤) التكوير: ٢٧.\n(٥) الأعراف: ١٥٨.\n(٦) آل عمران: ٨٥.\n(٧) غافر: ٧٨.\n(٨) النساء: ١٦٤.\n(٩) الأحقاف: ٣٥.","vol":"2","page":809},{"text":"ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (١).\nوهم في الفضل عند أهل العلم على الترتيب التالي:\nمحمد - إبراهيم - موسي - عيسي - نوح عليهم الصلاة والسلام.\nومما ميز الله به الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام الوحي:\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢).\n﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٤).\n- والوحي الذي خص به النبيون والمرسلون هو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه مخاطبًا به ذلك النبي بأنه نبي، وطرائق ذلك ما ذكره القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٥)، فهناك الإلقاء المباشر في قلب الرسول ﷺ وهناك الكلام المباشر من الله ﷿ من وراء حجاب وهناك الوحي بواسطة الملك، وصور الملك بالوحي كثيرة والرسول الرئيسي المكلف بالوحي هو جبريل ﵇: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٦).\n- والعقل والنقل متضافران على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لابد أن يتصفوا بأربع صفات رئيسية: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة.\nوالصدق هو مطابقة الخير للواقع، قال تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٧).\nوقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٨).\n_________\n(١) الأحزاب: ٧.\n(٢) الكهف: ١١٠.\n(٣) النساء: ١٦٣.\n(٤) الأنبياء: ٧.\n(٥) الشورى: ٥١.\n(٦) الشعراء: ١٩٣، ١٩٤.\n(٧) الأحزاب: ٢٣.\n(٨) الحاقة: ٤٤ - ٤٧.","vol":"2","page":810},{"text":"﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١).\nوأما الأمانة فهي العصمة ومعناها حفظ ظواهرهم وبواطنهم عن التلبس بمعصية فهي في اصطلاح العلماء القيام بالتكليف وهو الأمانة بمعناها العام: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٢).\nواتصافهم بالأمانة هو مقتضى التكليف الإلهي باتباعهم والاقتداء بهم:\n﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤).\n﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥).\n﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٦).\n﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٧).\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (٨).\nومعنى الفطانة القدرة على إقامة الحجة وما يستتبع ذلك من وفور عقل وقوة فهم وسرعة بديهة لأن مهمتهم إقامة الحجة بدين الله على المكلفين من خلق الله:\n﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٩).\n﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (١٠).\n﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ (١١).\n_________\n(١) الأنعام: ٣٣.\n(٢) الأحزاب: ٧٢.\n(٣) آل عمران: ٣١.\n(٤) النساء: ٦٤.\n(٥) الأحزاب: ٢١.\n(٦) الممتحنة: ٤.\n(٧) هود: ٨٨.\n(٨) الأنبياء: ٩٠.\n(٩) النساء: ١٦٥.\n(١٠) الأنعام: ٨٣.\n(١١) هود: ٣٢.","vol":"2","page":811},{"text":"ومعنى التبليغ إيصال رسالات الله إلى من أمروا بتبليغهم إياها:\n﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (١).\n﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢).\n﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣).\n- ومن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٤) أخذ العلماء أنه لم تكن نبوة ولا رسالة في جنس الإناث، أما خطاب الملائكة لمريم ﵍ فلم يكن بوصف النبوة بل كان كرامة لها من الله بوصف الصديقية، قال تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ (٥)، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ (٦)؛ فيحتمل أنه إلهام أو خطاب بواسطة ملك ولكن ليس بوصف النبوة بل هو كرامة وولاية.\n- وقد جعل الله ﷿ العلامة على صدق الرسول هي المعجزة الخارقة للعادة التي يعجز المخاطبون عن الإتيان بمثلها قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (٧) فما من رسول إلا وقد أوتي معجزة تقوم بها الحجة على المخاطبين برسالته وقد يكون للرسول معجزة واحدة وقد تكون له معجزات كثيرة، والمعجزة الرئيسية لرسولنا ﷺ هي القرآن، وهي معجزة فيها معجزات، ولكنه مع القرآن أوتي معجزات أخرى كثيرة ﵊.\nومن وظائف الرسل عليهم الصلاة والسلام:\n١ - إقامة العدل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٨).\n٢ - الدعوة إلى الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٩).\n_________\n(١) الأحزاب: ٣٩.\n(٢) المائدة: ٦٧.\n(٣) النحل: ١٢٥.\n(٤) الأنبياء: ٧.\n(٥) المائدة: ٧٥.\n(٦) القصص: ٧.\n(٧) الحديد: ٢٥.\n(٨) الحديد: ٢٥.\n(٩) يوسف: ١٠٨.","vol":"2","page":812},{"text":"﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١).\n٣ - تعليم الكتاب والحكمة وتزكية الأنفس وتعليم الناس ما لا يعلمونه إلا بواسطة الوحي مما يحتاجون إليه:\n﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٢).\n﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).\n- شرح الكتاب للناس:\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤).\n٥ - التبشير والإنذار:\n﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٥).\n- والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتفاضلون عند الله، قال تعالى:\n﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٦).\n﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٧).\n- كما أن أمم المرسلين تتفاضل: فقد فضل الله بني إسرائيل على عالم زمانهم:\n﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٨).\n- وقد جعل الله ﷿ أمة محمد خير الأمم:\n_________\n(١) النحل: ١٢٥.\n(٢) البقرة: ١٢٩.\n(٣) البقرة: ١٥١.\n(٤) النحل: ٤٤.\n(٥) النساء: ١٦٥.\n(٦) البقرة: ٢٥٣.\n(٧) الإسراء: ٥٥.\n(٨) الدخان: ٣٢.","vol":"2","page":813},{"text":"﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١).\n- وببعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام تقوم الحجة على المكلفين فيطالبون بالأصول والفروع ويستحقون العذاب في الدنيا والأخرة إذا عاندوا:\n﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢).\n﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣).\n﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ (٤).\n- ومن قوله تعالى:\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (٥).\nوأمثال ذلك بحث العلماء موضوع ما يجوز على الرسل عليهم الصلاة والسلام من أحكام البشرية:\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٦).\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٧).\n- ودعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام واحدة هي الدعوة إلى التوحيد والعبادة والعبودية والاستسلام لله ﷿ فيما أوحاه إلى أنبيائه.\n﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٨).\n_________\n(١) آل عمران: ١١٠.\n(٢) النساء: ١٦٥.\n(٣) الإسراء: ١٥.\n(٤) طه: ١٣٤.\n(٥) الأنبياء: ٧، ٨.\n(٦) الفرقان: ٢٠.\n(٧) الرعد: ٣٨.\n(٨) الشورى: ١٣.","vol":"2","page":814},{"text":"﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢).\n﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣).\n﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤).\nولكن تفصيلات العبودية لله قد تختلف من شريعة إلى شريعة والشريعة الخاتمة والناسخة لما خالفها هي شريعة محمد ﷺ:\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٥).\nوأعظم مظاهر الرحمة الإلهية إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام وأعظم ما تمثلت به هذه الرحمة بعثته لمحمد ﷺ:\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦).\nومن مظاهر هذه الرحمة تخليص الإنسان من عبودية غير الله وتعريفه للناس كيف يتعاملون وتعريفه للناس على الحق والعدل ومكارم الأخلاق وتعريفه للناس على ما يصلحهم ويذرون ما يضرهم وتعريفه للإنسان على مكانته وعلى ظواهر الوجود وبواطنه وعلى ما غاب عنه وتحقيقه بما يستأهل به الجنة ويقيه عذاب النار وبمحمد ﷺ وجدت القدوة الكاملة للإنسان.\n- ونصوص الكتاب والسنة التي تتحدث عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرة\n_________\n(١) البينة: ٥.\n(٢) الأنبياء: ٢٥.\n(٣) يوسف: ٣٨.\n(٤) يوسف: ٤٠.\n(٥) المائدة: ٤٨.\n(٦) الأنبياء: ١٠٧.","vol":"2","page":815},{"text":"وهي تأتي في سياقات متعددة وقد ذكرنا لك أمهات من معاني القرآن وها نحن نعرض عليك بعض نصوص السنة الواردة في الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهناك نصوص أخرى تأتي في سياقاتها من هذا الكتاب.\n* * *","vol":"2","page":816},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>النصوص النبوية في ذكر الأنبياء</span>\n٨١٤ - * روى أحمد عن أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: (يا أبا ذر هل صليت؟) فقلت: لا: قال: (قم فصل). قال: فقمت فصليت ثم جلست. فقال): (يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن). قال: قلت: يا رسول الله للإنس شياطينٌ؟ قال: (نعم). قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: (خيرٌ موضوعٌ، من شاء أقل ومن شاء أكثر). قال: قلت يا رسول الله فالصوم؟ قال: (فرضٌ مجزيٌّ وعند الله مزيدٌ). قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: (أضعافًا مُضاعفة). قال: قلت: فأيها أفضل؟ قال: (جُهدٌ من مقلٍّ أو سرٍّ إلى فقير). قلت؟ يا رسول الله: أي الأنبياء كان أول؟ قال: (آدم). قلت: يا رسول الله ونبي كان؟ قال: (نعم نبي مكلمٌ). قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: (ثلاثمائةٍ وبضعة عشرَ جما غفيرًا). أو قال مرة: (خمسة عشر). قلت: با رسول الله، آدم نبي؟ قال: (نعم مكلم). قال: قلت يا رسول الله! أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: (آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾) (١).\n٥١٨ - * روى الطبراني عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أنبيًا كان آدم؟\nمجمع الزوائد (٨/ ٢١٠). وقال: رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة: قلت: ورواه ابن حبان (٢٠٨٥)، وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٠١): وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه. وقال في المجمع (١/ ١٩٦): ورجاله رجال الصحيح. بعد أن نسبه إلى الأوسط. ا. هـ.\n_________\n٨١٤ - أحمد (٥/ ١٧٨).\nوروى النسائي صدره (٨/ ٢٧٥) - ٥٠ - كتاب الاستعاذة - ٤٨ - باب الاستعاذة من شر شياطين الإنس.\nوموارد الظمآن (٥٠٨) - ٣٤ - كتاب علامات النبوة. - ١ - باب في عدد الأنبياء والرسلين وما نزل من الكتب.\nوذكره مطولًا الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٧). وسكت عنه. قال الذهبي: فيه السعدي وليس بثقة.\nأقول: وإخراج الحاكم وابن حبان للحديث يفيد تصحيحها للحديث، لكن الذهبي تعقب الحاكم وذكر أن أحد رواة الحديث ليس بثقة، ومن العلماء من حكم بضعف الحديث وبعضهم حكم بوضعه. والقول الراجح عند العلماء أن تؤمن بالأنبياء والمرسلين دون تقييد ذلك بعدد حتى لا تخرج أحدًا منهم أو تدخل أحدًا فيهم بسبب التقييد مادام ثبوت النصوص الواردة في ذلك محل خلاف.\n(١) البقرة: ٢٥٥.\n٨١٥ - المعجم الكبير (٨/ ١٣٩).\nمجمع الزوائد (٨/ ٢١٠). وقال رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة. قلت: ورواه ابن حبان (٢٠٨٥)، وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٠١) وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه. وقال في المجمع (١/ ١٩٦): ورجاله رجال الصحيح. بعد أن نسبه إلى الأوسط. أ. هـ.","vol":"2","page":817},{"text":"قال: (نعم). قال: كم كان بينه وبين نوح؟ قال: (عشرة قرون). قال: كم كان بين نوحٍ وإبراهيم؟ قال: (عشرة قرون). قال: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: (ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر).\nأقول: هذا حديث آحاد، لا يكفي لتحديد ما أطلقه المتواتر أو سكت عنه، سواء في ذلك عدد الرسل، أو الزمن بين الرسل عليهم الصلاة والسلام، والقرن قد يراد به الجيل وقد يراد به مئة سنة، والظاهر أن المراد بالقرن هنا هو الجيل، لأن الناس كانوا يعمرون كثيرا في أول حياة البشرية كما رأينا من قبل، لذلك - وعلى كل حال - فالذي رجحه أئمة علماء العقائد وهم أئمة هذا الشأن أنه لا يحد الرسل ولا الأنبياء بعدد، كي لا نرتكب خطيئة إدخال أحد من الرسل ليس منهم، أو إخراج أحدٍ وهو منهم بحديث آحاد قد يكون وهم راويه أو نسي إلى غير ذلك مما يحتمل في حديث الآحاد.\n٨١٦ - * روى البزار عن أبي موسى رفعه: (لما أخرج الله آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة، وعلمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تغير، وتلك لا تغير).\n٨١٧ - * روى الطبراني عن عمران بن حصين وسمرة بن جندب أن الني ﷺ قال: (ولد نوحٍ ثلاثةٌ؛ فسامٌ أبو العرب، وحامٌ أبو الحبشة، ويافث أبو الروم).\n٨١٨ - * روى البخاري ومسل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولا الله ﷺ: (اختتن إبراهيم بالقدوم). وقال بعضهم: مخففًا، وقال أبو الزناد: (القدوم) مشددة: موضع\n_________\n٨١٦ - كشف الأستار (٣/ ١٠٢). قال في المجمع (٨/ ١٩٧): رواه البزار والطبراني ورجاله ثقات.\n٨١٧ - الطبراني (١٨/ ١٤٥). قال في المجمع (١/ ١٩٣): رجاله موثوقون.\nوالمستدرك (٢/ ٥٤٦) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وضعفه بعضهم.\n٨١٨ - البخاري (١١/ ٨٨) - ٧٩ - كتاب الاستئذان - ٥١ - باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط.\nمسلم (٤/ ١٨٣٩) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤١ - باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ.\n(بالقدوم): القدوم - بالتخفيف -: آلة النجار معروفة، وبالتشديد: اسم موضع، وقيل: هو بالتخفيف أيضًا.","vol":"2","page":818},{"text":"وزاد في رواية (١)، قال: (اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة).\n٨١٩ - * روى البزار عن أبي هريرة رفعه: (إن في الجنة قصرًا من درةٍ، لا صدع فيه ولا وهن، أعده الله لخليله إبراهيم نزلًا).\n٨٢٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن إبراهيم ﵇ يرى أباه يوم القيامة، عليه الغبرة والقترة).\nوفي رواية (٢): قال: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترةٌ وغبرةٌ، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي حزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فنظر، فإذا هو بذيخٍ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار).\n٨٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي، لأجبت).\nوللبخاري (٣) أيضًا أنه ﷺ قال: (يغفر الله للوطٍ، إن كان ليأوي إلى ركنٍ شديدٍ).\n_________\n(١) البخاري: الموضع السابق.\n٨١٩ - كشف الأستار (٣/ ١٠٢).\nمجمع الزوائد (٨/ ٢٠١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه، ورجالهما رجال الصحيح.\n٨٢٠ - البخاري (٨/ ٤٩٩) - ٦٥ - كتاب التفسير - ١ - باب ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.\n(٢) البخاري (٦/ ٣٨٧) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٨ - باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.\n(القترة): غبرة معها سواد.\n(بذيخ) الذيخ: ذكر الضباع، والأنثى: ذيخة.\n٨٢١ - البخاري (٦/ ٤١٨) - ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ١٩ - باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾.\nمسلم (١/ ١٣٣) - ١ - كتاب الإيمان - ٦٩ - باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.\n(٣) البخاري (٦/ ٤١٥) - ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ١٥ - باب ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.","vol":"2","page":819},{"text":"٨٢٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود، قال أعطي يوسف وأمه ثلثي حسن الناس في الوجه والبياض وغير ذلك. فكانت المرأة إذا أتته غطى وجهه مخافة أن تفتتن.\n٨٢٣ - * روى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس الخبر كالمعاينة إن الله ﷿ أخبر موسى ﵇ بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت).\n٨٢٤ - * روى البخاري عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن موسى ﵇ قال لفتاه: آتنا غداءنا. قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به).\n٨٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكة ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فرد الله إليه عينه، فقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثورٍ فله بكل ما غطت يده من شعرةٍ سنةٌ، قال:\n_________\n= والترمذي نحوه (٥/ ٢٩٣) - ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ١٣ - باب (ومن سورة يوسف).\n٨٢٢ - المعجم الكبير (٩/ ١١١).\nقال في المجمع (٨/ ٢٠٣): رواه الطبراني موقوفًا ورجاله رجال الصحيح.\n٨٢٣ - أحمد (١/ ٢٧١).\nوكشف الأستار (١/ ١١١).\nمجمع الزوائد (١/ ١٥٣). وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح وصححه ابن حبان.\n٨٢٤ - البخاري (٦/ ٣٣٦) - ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n(النصب): التعب.\n٨٢٥ - البخاري (٣/ ٢٠٦) - ٢٣ - كتاب الجنائز - ٦٨ - باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها.\nمسلم (٤/ ١٨٤٢) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤٢ - باب من فضائل موسى ﷺ.\nوالنسائي (٤/ ١١٨) - ٢١ - كتاب الجنائز - ١٢١ - باب نوع آخر.\n(الصك): الضرب باليد، كاللطم ونحوه.\n(فقأ): عينه: إذا بخصها وقلعها.=","vol":"2","page":820},{"text":"أي ربّ، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من ألأرض المقدسة رميةً بحجرٍ). قال رسول الله ﷺ: (فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر).\nولمسلم (١) قال: (جاء ملك الموت إلى موسى، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم عين ملك الموت، ففقأها ...) ثم ذكر معناه.\nقال الحافظ في الفتح: قال ابن خزيمة: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: إن كان موسى عرفه فقد استخفا به، وان كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقأ عينه، والجواب أن الله تعالى لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه إليه اختبارًا، وإنما لطم موسى ملك الموت، لأنه رأى آدميًا دخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقاء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن ا. هـ وانظر بقية كلام الحافظ في (الفتح).\n٨٢٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إنما سمي الخضر، لأنه جلس على فروةٍ بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء).\nأقول:\nذكرنا هذه الرواية هنا لأن هناك من يذهب إلى أن الخضر ﵇ كان نبيًا، والخلاف في شأنه معروف، فهناك من رجّح ولايته وهناك من رجح نبوته وهناك من يرى أنه لا زال حيًا وهناك من يرى أنه لا تصح هذه الدعوة والبخاري من هؤلاء وبنى ذلك على بعض النصوص العامة التي تنفي بقاء أحد ممن على وجه الأرض بعد فترة حددها\n_________\n= (الكثيب): المجتمع من الرمل.\n(١) مسلم، الموضع السابق.\n٨٢٦ - البخاري (٦/ ٤٣٣) - ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ٢٧ - باب حديث الخضر مع موسى ﵉.\nوالترمذي (٥/ ٣١٣) - ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ١٩ - باب (ومن سورة الكهف).\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(فروة): الفروة: قطعة نبات مجتمعة يابسة.","vol":"2","page":821},{"text":"رسول الله ﷺ.\n٨٢٧ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر داود ﷺ قال: (كان أعبد البشر).\n٨٢٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (خفف على داود القرآن، فكان يأمُرُ بدوابه أن تسرج، فيقرؤه قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عَمَل يديه).\nوفي رواية (١) مختصرًا قال: (إن داود ﵇ كان لا يأكل إلا من عمل يديه).\nقوله (خفف على داود القرآن): قال ابن حجر:\nقيل المراد بالقرآن القراءة، والأصل في هذه اللفظة الجمع وكل شيء جمعته فقد قرأته، وقيل المراد الزبور وقيل التوراة، وقراءة كل نبي تطلق على كتابه الذي أوحي إليه، ... وإنما ترددوا بين الزبور والتوراة لأن الزبور كله مواعظ، وكانوا يتلقون الأحكام من التوراة. قال قتادة: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء، ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، بل كان اعتماده على التوراة، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره. وفي الحديث أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير ا. هـ. (الفتح).\n(لا يأكل إلا من عمل يده): دليل على أنه أفضل المكاسب، فكان ينسج الدروع ويبيعها ولا يأكل إلا من ثمن ذلك مع كونه كان من كبار الملوك.\n٨٢٩ - * روى الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: (لقد قبض\n_________\n٨٢٧ - مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٦) وقال: رواه البزار في حديث طويل، وإسناده حسن.\n٨٢٧ - البخاري (٦/ ٤٥٣) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٣٧ - باب قوله تعالى ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.\n(١) البخاري (٤/ ٣٠٣) - ٣٤ - كتاب البيوع - ١٥ - باب كسب الرجل وعمله بيده.\n٨٢٩ - مجمع الزوائد (١/ ١٩١) وقال: رواه الطبراني ورجاله موثقون.","vol":"2","page":822},{"text":"الله روح داود ﵇ من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدّلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنةٍ).\nأقول:\nقوله: (من بين أصحابه) لا يشترط فيها أنه أثناء القبض كان أصحابه حوله بل يفيد أن أصحابه لم يغيروا بعد أن قبض من بينهم.\nوقوله (مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة): هذا يفيد أن الغلبة بقيت للدين الصحيح للمسيح ﵇ عند المنتسبين إليه مائتي سنة بعد رفعه إلى السماء ثم بعد ذلك تغلبت مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح ومن يومها حتى الآن فإن الغلبة لمدرسة بولس، وقد فرضت ديانة بولس من خلال أباطرة الرومان على النصارى فرضًا.\nولاحقوا مخالفيها حتى لم يبق منهم إلا القليل وقد لقي سلمان الفارسي آخرهم قبل أن يأتي إلى المدينة المنورة.\n٨٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رَضي الله عنة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (كانت امرأتان معها ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل رحمك الله، هو ابنها. فقضى به للصغرى).\nقال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية.\n٨٣١ - * روى البخاري ومسلم عن أي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n٨٣٠ - البخاري (٦/ ٤٥٨) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٤٠ - باب قوله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾.\nمسلم (٣/ ١٣٤٤) - ٣٠ - كتاب الأقضية - ١٠ - باب بيان اختلاف المجتهدين.\nوالنسائي (٨/ ٢٣٤) - ٤٩ - كتاب القضاة - ١٤ - باب الحاكم بعلمه.\n٨٣١ - البخاري (٦/ ٤٥١) - ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ٣٥ - باب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.","vol":"2","page":823},{"text":"(قال الله تعالى: لا ينبغي لعبدٍ لي) - وفي رواية: (لعبدي أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى).\nوللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: (من قال: أنا خيرٌ من يونس بن متى. فقد كذب).\nقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقال ههنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله ﷿ (فإن قيل) فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي فقال: أي خبيث؟ وعلى محمد ﷺ؟ فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ فاشتكى على المسلم فقال رسول الله ﷺ: (لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء). وفي رواية: (لا تفضلوا بين الأنبياء). فالجواب من وجوه (أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل وفي هذا نظر. (الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع. (الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. (الرابع): لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. (الخامس): ليس مقام التفضيل إليك وإنما هو إلى الله ﷿ وعليك الانقياد والتسليم له والإيمان به). ا. هـ. (تفسير القرآن العظيم).\n_________\n= مسلم (٤/ ١٨٤٦) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤٣ - باب في ذكر يونس ﵇.\n(١) البخاري (٨/ ٢٦٧) - ٦٥ - كتاب التفسير - ٢٦ - باب ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.","vol":"2","page":824},{"text":"٨٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: بينا يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئًا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجلٌ من الأنصار فقام فلطم وجهه، وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر، والنبي ﷺ بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: يا أبا القاسم: إن لي ذمةً وعهدًا، فما بال فلانٍ لطمني؟ فقال: (لم لطمُت وجهه)؟ فذكره، فغضب ﷺ حتى رئي في وجهه، ثم قال: (لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يُنفَخ فيه أخرى، فأكون أول من يُبعث، فإذا موسى آخذٌ بالعرش، فلا أدري أحوسبة بصعقة الطور أم بعث قبلي؟ ولا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى).\nقال ابن كثير في النهاية: (فقوله أم جوزي [وفي رواية: أحوسب وهي عندنا] بصعقة الطور يدل على أن هذا الصعق الذي يحصل للناس يوم القيامة، سببه تجلي الرب تعالى لعباده لفصل القضاء؛ فيصعق الناس من العظمة والجلال، كما صعق موسى يوم الطور. حين سأل الرؤية. ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾؛ فموسى ﵊ يوم القيامة إذا صعق الناس، إما أن يكون جُوزي بتلك الصعقة الأولى فما صعق عند هذا التجلي، وإما أن يكون صعق أخف من غيره، فأفاق قبل الناس كلهم. والله أعلم.) ا. هـ.\n٨٣٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (بينما أيوب يغتسل عريانًا خرّ عليه رجل جرادٍ من ذهب، فجعل يحثي في\n_________\n٨٣٢ - البخاري (١١/ ٣٦٧) - ٨١ - كتاب الرقاق - ٤٣ - باب نفخ الصور.\nمسلم (٤/ ١٨٤٤) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤٢ - باب من فضائل موسى ﷺ.\nوأبو داود (٤/ ٢١٧) - كتاب السنة - باب في التخيير بين الأنبياء.\nوالترمذي (٥/ ٣٧٣) - ٤٨ - كتاب التفسير - ٤١ - باب (ومن سورة الزمر).\n٨٣٣ - البخاري (٦/ ٤٢٠) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٢٠ - باب قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾.\nوالنسائي (١/ ٢٠١) - ٤ - كتاب الغسل - ٧ - باب الاستتار عند الاغتسال.\n(حر): إذا سقط من فوق.\n(رجل جرادٍ): الرجل: القطيع من الجراد.\n(يحثي): يجمع.","vol":"2","page":825},{"text":"ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك).\n٨٣٤ - * روى البزار، عن أنس بن مالكٍ أن رسول الله ﷺ قال: (إن نبي الله أيوب كان في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلان من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان إليه. فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب ذنبًا ما أذنبه أحدٌ. قال صاحبه وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يُرحَمُة الله فيكشف الله عنه. فلما راحا إليه لم يطير الرجل حتى ذكر ذلك له. قال أيوب: ما أدري ما تقول إلا أن الله يعلم كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنها كراهية أن يُذكر الله إلا في حقٍّ). قال: (وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ. فلما كان ذات يومٍ أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب في مكانه أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاستبطأته فتلقته تنظرُ وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أحدًا أشبه به مذ كان صحيحًا منك. قال: فإني أنا هو. وكان له أبدران أبدر القمح وأبدرُ الشعير، فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداها على أبدر القمح فرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى على أبدر الشعير الورق حتى فاض).\n٨٣٥ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا أدري: تُبَعَ العين هو؟) - وفي نسخة: (اللعين هو - أم لا؟ ولا أدري عزيرٌ نبيٌّ هو، أم لا؟).\n_________\n٨٣٤ - كشف الأستار (٣/ ١٠٧).\nمجمع الزوائد (٨/ ٢٠٨) - وقال: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح.\n(الأبدر): البيدر. وهو المكان الذي يفصل فيه الحب عن قشه بواسطة الدياس قديمًا.\n(الورق): الفضة.\n٨٣٥ - أبو داود (٤/ ٢١٨) - كتاب السنة - باب في التخيير بين الأنبياء وسنده صحيح.","vol":"2","page":826},{"text":"ومما نسبه ابن الأثير في جامعه إلى عبد الله بن عباس ﵂ هذا القول - الذي يدخل تحت قوله ﷻ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾:\n(إن أهل فارس لما مات نبيهم: كتب لهم إبليس المجوسية).\nوقد نسب ابن الأثير في جامعه هذا النص لأي داود والظاهر أنه موجود في نسخة من نسخ كتاب أبي داود ولا يوجد في كل نسخه.\n٨٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: وما من بني آدم من مولود إلا نخسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من نخسه إيّاه، إلا مريم وابنها).\nوفي رواية (١): (إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها). ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢).\nوللبخاري (٣) قال: (كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب).\nولمسلم (٤) قال: (كل بني آدم يمسّه الشيطان يوم ولدته أمه، إلا مريم وابنها).\n٨٣٧ - * روى الترمذي عن آبى هريرة ﵁ قال: يلقى عيسى حجته، لقاه\n_________\n٨٣٦ - البخاري (٦/ ٤٦٩) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٤٤ - باب قوله الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾.\nمسلم (٤/ ١٨٣٨) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤٠ - باب فضائل عيسى ﵇.\n(١) البخاري (٨/ ٢١٢) - ٦٥ - كتاب التفسير - سورة آل عمران؛ ٢ - باب ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾.\nمسلم، الموضع السابق.\n(٢) آل عمران: ٣٦.\n(٣) البخاري (٦/ ٣٣٧) - ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n(٤) مسلم، الموضع السابق.\n(فيستهل صارخًا): الاستهلال صياح المولود عند الولادة، والصراخ: الصياح والبكاء.\nوقوله: (فطعن في الحجاب) أي: في المشيمة، وهي التي يكون فيها المولود.\n٨٣٧ - الترمذي (٥/ ٢٦٠) - ٤٨ - كتاب التفسير - ٦ - باب (ومن سورة المائدة) وهو حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":827},{"text":"الله في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال أبو هريرة عن النبي ﷺ: (فلقاه الله ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾) الآية كلها (١).\n٨٣٨ - * روى مسلم عن أي هريرَة؛ قال: قال النبي ﷺ: (حين أسري بي لقيت موسى ﵇، فنعته النبي ﷺ (فإذا رَجُلٌ) حسبته قال: (مضطربٌ رجل الرّأس. كأنه من رجال شنوءة). قال: (وَلقيت عيسى) فنعته النبي ﷺ (فَإِذَا رَبعةٌ أحمرٌ كأنما خرج من ديماس) (يعني حمامًا) قال: (ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه. وأنا أشبه ولده به. قال: (فأتيت بإناءين في أحدهما لبنٌ وفي الآخر خمرٌ. فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته. فقال: هديت الفطرة) أو (أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك).\n٨٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: لا والله، ما قال النبي ﷺ لعيسى أحمر، ولكن قال: (بينما أنا نائمٌ أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر يهادى بين رجلين ينطف رأسه ماءً) أو (يهراق رأسه ماءً - فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم. فذهبت فإذا رجلٌ أحمر جسيمٌ جعد الرأس أعور عينه اليمنى كأن عينه عنبةٌ طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال. وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن). قال الزهري: رجلٌ من خزاعة هلك في الجاهلية.\n_________\n(١) المائدة: ١١٦.\n٨٣٨ - مسلم (١/ ١٥٤) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ.\n(مضطرب): هو مفتعل من الضرب. صرح به ابن الأثير في النهاية.\n(رجل الرأس): أي رجل الشعر أي قد سرحه ودهنه.\nقوله: (فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس):\nقال النووي: أما الربعة فيقال: رجل ربعة ومربوع أي بين الطويل والقصير. وأما الديماس فقال الجوهري في صحاحه في هذا الحديث: قوله خرج من ديماس، يعنى في نضارته وكثرة ماء وجهه كأنه خرج من كن. لأنه قال في وصفه: كأن رأسه يقطر ماء. ا. هـ.\n٨٣٩ - البخاري (١٢/ ٤١٧) - ٩١ - كتاب التعبير - ٣٣ - باب الطواف بالكعبة في المنام.\nمسلم (١/ ١٥٦) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٥ - باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال.","vol":"2","page":828},{"text":"قال ابن حجر: قوله (رجل الشعر) بكسر الجيم أي قد سرحه ودهنه، وفي رواية مالك (له لمة قد رَجّلها فهي تقطر ماء) وقد تقدم أنه يحتل أن يريد أنها تقطر من الماء الذي سرحها به أو المراد الاستنارة وكنى بذلك عن مزيد النظافة والنضارة، ووقع في رواية سالم الآتية في نعت عيسى (أنه آدم سبط الشعر) وفي الحديث الذي قبله في نعت عيسى (أنه جعد) والجعد ضد السبط فيكن أن يجمع بينهما بأنه سبط الشعر ووصفه لجعودة في جسمه لا شعره والمراد بذلك اجتماعه واكتنازه، وهذا الاختلاف نظير الاختلاف في كونه آدم أو أحمر، والأحمر عند العرب الشديد البياض مع الحرة، والآدم الأسمر، ويمكن الجمع بين الوصفين بأنه أحمر لونه بسبب كالتعب وهو في الأصل أسمر، وقد وافق أبو هريرة على أن عيسى أحمر فظهر أن ابن عمر أنكر شيئًا حفظه غيره، وأما قول الداودي إن رواية من قال (آدم) أثبت فلا أدري من أين وقع له ذلك مع اتفاق أبي هريرة وابن عباس على مخالفة ابن عمر. وقد وقع في رواية عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة في نعت عيسى (أنه مربوع إلى الحرة والبياض). والله أعلم ....\nقوله: (لا والله ما قال رسول الله ﷺ لعيسى أحمر) اللام في قوله (لعيسى) بمعنى عن وهي كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدم بيان الجمع بين ما أنكره ابن عمر وأثبته غيره، وفيه جواز البين على غلبة الظن لأن ابن عمر ظن أن الوصف اشتبه على الراوي وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجال لا عيسى، وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له المسيح وهي صفة مدح لعيسى وصفة ذم للدجال كما تقدم، وكأن ابن عمر قد سمع سماعًا جزمًا في وصف عيسى أنه آدم فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وصفه بأنه أحمر واهم. ا. هـ.\n٨٤٠ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُول الله ﷺ: (لقد رأيتني في الحجر، وَقرَيش تسألني عَن مسراي، فسألتني عَنْ أشياء\n_________\n٨٤٠ - البخاري (٨/ ٣٩١) - ٦٥ - كتاب التفسير - ٣ - باب ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.\nولفظه مختصر عن جابر.\nمسلم (١/ ١٥٦) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٥ - باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال. واللفظ له.","vol":"2","page":829},{"text":"من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربةً م اكربت مثله قط). قال: (فرفعه الله لي أنظر إليه. ما يسألوني عن شيءٍ إلا أنبأتهم به. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء. فإذا موسى قائمٌ يصلي. فإذا رجلٌ ضربٌ جعدٌ كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائمٌ يصلي. أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعودٍ الثقفي. وإذا إبراهيم ﵇ قائمٌ يصلي. أشبه الناس به صاحبكم) (يعني نفسه) (فحانت الصلاة فأممتهم. فلما فرغت من الصلاة قال قائلٌ: يا محمد! هذا مالكٌ صاحب النار فسلم عليه. فالتفت إليه فبدأني بالسلام).\n٨٤١ - * روى البخاري ومسلم، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمرٌ جعدٌ عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيمٌ سبطٌ كأنه من رجال الزط).\n٨٤٢ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، وإمامًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحدٌ، وحتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها).\n٨٤٣ - * روى الطبراني، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل عيسى ابن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة).\n٨٤٤ - * روى أحمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إني لأرجو إن طال بي\n_________\n٨٤١ - البخاري (٦ - ٤٧٧) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٤٨ - باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾.\nمسلم (١/ ١٥٣) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ.\nوالرواية في مسلم مختلفة، وليس فيها ذكر عيسى ﵇.\n(الزط): جيل أسمر من السند، له خصائص مميزة عن البشر.\n٨٤٢ - البخاري (٤/ ٤١٤) - ٣٤ - كتاب البيوع - ١٠٢ - باب قتل الخنزير.\nمسلم (١/ ١٣٥) - كتاب الإيمان - ٧١ - باب نزول عيسى ابن مريم.\n٨٤٣ - مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٥). وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.\n٨٤٤ - أحمد (٢/ ٢٩٨).\n=","vol":"2","page":830},{"text":"عمرٌ أن ألقى عيسى ابن مريم ﷺ فإن عجل بي موت فمن لقيه منكم فليقرئه مني السلام).\n٨٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبيٌّ، والأنبياء إخوةٌ، أبناء علاتٍ، أمهاتهم شتى ودينهم واحدٌ).\n٨٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد رفعه: (لا تخيروا بين الأنبياء).\nأقول:\nالإجماع منعقد على أن محمدًا ﷺ أفضل النبيين والمرسلين، والنصوص في ذلك كثيرة والقرآن نص على تفضيل بعض المرسلين على بعض: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (١). وما ورد في المنع من ذلك فهو محمول على التواضع وهضم النفس أو على ما يفهم من انتقاص المفضل عليه أو على ما يفهم من عصبية للمفضل على المفضل عليه، أو عندما لا يكون هناك نص يذكر التفضيل أو ما يوهم نقص مرتبة المفضل عليه.\n٨٤٧ - * روى البزار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون).\n_________\n= مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٥). وقال: رواه أحمد مرفوعًا وموقوفًا، ورجالهما رجال الصحيح.\n٨٤٥ - البخاري (٦/ ٤٧٨) - ٦٠ - كتاب الأنبياء- ٤٨ - باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾.\nمسلم (٤/ ١٨٣٧) - ٤٣ - كتاب الفضائل- ٤٠ - باب فضائل عيسى ﵇.\nوأبو داود (٤/ ٢١٩) - كتاب السنة- باب في التخيير بين الأنبياء.\nوهو عنده مختصر.\n(أبناء علات): إذا كان الإخوة لأب واحدٍ، وأمهاتٍ شتى، كانوا أبناء علاتٍ، وإذا كانوا لأم واحدة وآباءٍ شتى، فهم أبناء أخياف. وإذا كانوا لأب واحد، وأم واحدة، فهم أعيان.\n٨٤٦ - البخاري (١٢/ ٢٦٣) - ٨٧ - كتاب الديات- ٣٢ - باب إذا لطم المسلم يهوديًا.\nمسلم (٤/ ١٨٤٥) - ٤٣ - كتاب الفضائل- ٤٢ - باب من فضائل موسى وأبو داود (٤/ ١ - ٢١٧)، الموضع السابق.\nوهو عنده مختصر.\n(١) الإسراء: ٥٥.\n٨٤٧ - كشف الأستار (٣/ ١٠٠).\nمجمع الزوائد (٨/ ٢١١) وقال: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال أبي يعلى ثقات. =","vol":"2","page":831},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>المسائل والفوائد</span>\n- بعض العلماء يعتبر مقام الرسالة والنبوة واحدًا، فكل نبي رسول وكل رسول نبي، وبعضهم جعل وصف الرسالة فيه معنى زائد على معنى النبوة فالنبوة تحصل بمجرد الوحي على إنسان اصطفاه الله ﷿ للنبوة وأعلمه أنه نبي أما الرسالة فتكون بعد الأمر بالإنذار والتبليغ وهل هناك أنبياء يقتصر تكليفهم على أنفسهم؟ هناك من جوز ذلك. وهناك تعريفات أخرى تحدد صفات من ينطبق عليه وصف النبوة والرسالة بآن واحد فيتصف بالنبوة من كان تابعًا لرسول ولم يأت بإنذار جديد أو تبليغ جديد ولو نزل عليه وحي، فالنبي مهمته العمل والفتوى بشريعة رسول سابق له.\n- الوحي الذي تثبت به النبوة هو ما كان خطابًا مباشرًا من الملك أو من الله ﷿ في حالة اليقظة أما ما كان من رؤى أو إلهامات قبل ذلك فلا تثبت به النبوة وأما بعد النبوة فالرؤى والإلهامات من جملة الوحي.\n- من مباحث علماء التوحيد: ما يجب للرسل وما يستحيل في حقهم وما يجوز عليهم.\nويخصون بالذكر مما يجب عليهم: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة، ويخصون بالذكر مما يستحيل عليهم أضداد الصفات الكذب والمعصية والكتمان والغفلة والبلادة، ويذكرون من الجائزات في حقهم الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية، مما لا يخالف شرعًا ولا مروءة معتبرة شرعًا ولا مما يتناقض مع مقامهم، فيجوز في حقهم الأكل والشرب وإتيان النساء الحلال والنوم بعيونهم لا بقلوبهم والأمراض غير المنفرة، ومما مر ندرك أن المراد بالأمانة العصمة عن التلبس بمنهيّ عنه ولو نهي كراهة أو خلاف الأولى فأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم دائرة بين الواجب والمندوب وهم قبل النبوة معصومون عن كل ما ينفر عنهم، فهم معصومون عن الكبائر وعن المنفرات.\nمن شروط النبوة والرسالة: الحرية فلم يعرف أن الله ابتعث نبياّ غير حر- والذكورة والبشرية: فلم يبعث الله ﷿ رسلًا من الجن لا للبشر ولا للجن ولم يبعث رسولًا من الملائكة إلى البشر ليعيش معهم كما يشترط أن يكون النبي أو الرسول خاليًا من","vol":"2","page":832},{"text":"الأمراض المنفرة لأن وجود هذه أو هذه يمنع من الإفادة منه ويمنع من القربى منه وذلك يتناقض مع الحكمة من إرسال الرسل وبعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا يصح أن تتلبس امرأة نبي أو رسول بالزنى، وما ورد من اسرائليات في حق أيوب تصفه بالمرض المنفر فذلك غير صحيح، ومن شروط الرسالة أن يكون الرسول أعلم من جميع من بعث إليهم بأحكام الشريعة المبعوث بها أصلية أو فرعية:\n﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (١)، ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٢).\n- وإرسال الرسل ليس واجبا على الله كما زعم قوم ولا مستحيلًا كما زعم قوم، بل هو جائز في حقه وقد اختار أن يرسل فأرسل فوجب الإيمان.\n- وما ورد في الكتاب والسنة من كلام حول مؤاخذة الله الرسل عليهم الصلاة والسلام على بعض أعمال عملوها أو تصرفات فعلوها، فبعضها محمول على أنه كان قبل النبوة، وبعضها محمول على أنه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، وبعضها محمول على أنه كان اجتهادًا منهم حيث جاز لهم الاجتهاد ولم يوافقوا الصواب عند الله ﷿، فأخبرهم الله ﷿ بما هو الصواب عنده، وعلى هذا فالمسلم مكلف أن ينفي المعصية عن الرسل عليهم الصلاة والسلام بالمعنى الذي تحمل عليه في بقية الخلق، وأن يفهم النصوص على ضوء ذلك.\n- قد يخص بعض الأنبياء بخصوصية لا تقتضي أفضلية، وقد يخصون بخصوصية مع الأفضلية، ومما خص به رسولنا ﵊ أفضليته على جميع الخلق، وعموم رسالته إلى الإنس والجن، وأنه خاتم النبيين والمرسلين، وأن شريعته مهيمنة وحاكمة على الشرائع قبلها وناسخة لكل ما ناقضها، ومما خصه الله به نصره بالرعب مسيرة شهر بسير الإبل، وجعله الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا، وحل الغنائم له ولأمته وإعطاؤه الشفاعة العظمى يوم القيامة.\nنزول المسيح ﵇ في آخر الزمان لا يتناقض مع ختم النبوة بمحمد ﷺ؛ لأنه\n_________\n(١) مريم: ١٢.\n(٢) آل عمران: ٤٨.","vol":"2","page":833},{"text":"﵊ يأتي تابعًا لشريعة محمد ﷺ، فهو من هذه الحيثية واحد من أمته، ومن أهم الكتب التي ألفت في نزول المسيح ﵇ آخر الزمان كتاب \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\" للشيخ أنور الكشميري جمع فيه الشيخ (٧٥) حديثًا في رفع عيسى ونزوله، وأضاف محققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عشرة أحاديث سكت عنها المؤلف وخمسة وعشرين أثرًا عن الصحابة، فمن أنكر نزوله ﵊ فقد كفر لأن نزوله متواتر.\n- التحقيق أن الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الملائكة بإطلاق بمن في ذلك رؤساء الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ورضوان ....\n- المعجزة هي التي تثبت صدق الرسول ومن تعريفات العلماء للمعجزة:\nأمر خارق للعادة مقرون بالتحدي الذي هو دعوى الرسالة أو النبوة مع عدم المعارضة وقال السعد: هي أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عن تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرين عن الإتيان بمثله فحقيقة الإعجاز إثبات العجز.\nوقال الشيخ أبو الحسن: هي فعل من الله أو قائمة مقام الفعل يقصد بمثله التصديق.\nفخرج بذلك السحر والكهانة والشعوذة والعاديات العجيبة لأنها من عالم الأسباب وخرج بذلك الكرامة للأولياء، والمعونة للعوام والاستدراج للفساق، والإهانة وهي ما يظهر على يد الفاسق أو الكافر تكذيبًا له، ويخرج بذلك الخارقة التي لا توافق دعوى النبوة بل ترافقها دعوى واضحة البطلان كما يحدث للدجال، ومن أخطاء أهل العصر وصف ما يجري على يد غير الرسل عليهم الصلاة والسلام بالمعجزات.\n- المعجزة الرئيسية لرسولنا ﵊ هي القرآن وله معجزات أخرى كثيرة منها: نبع الماء من بين أصابعه، وانشقاق القمر، وحنين الجذع، وتكثير الطعام القليل، وشفاء المرضى والمصابين واستجابة الدعاء والإخبار عن مغيبات كثيرة وقعت ومنها إسراؤه ومعراجه، ومعجزات أخرى كثيرة ذكرنا بعضها في قسم السيرة من هذا الكتاب وكثير منها مثبوت في هذا الكتاب أثناء سياقات أبحاثه فقد كانت أدلة رسالته وأعلام نبوته ظاهرة في أموره كلها ﵊.","vol":"2","page":834},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>الوصل الأول\nفي:\nرفع خطأ التوهم بأن الرسل لم يبعثوا إلا في\nبقعة من الأرض وإلى بعض الأمم</span>\nوفيه:\nمقدمة ونقول","vol":"2","page":835},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>المقدمة</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١).\nلقد ذكرت الآية التي صدرنا بها هذا البحث أنه ما من أمة إلا بعث الله لها رسولًا، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٣).\nفدل هذا على أن الأمة ذات اللسان الواحد أرسل لها رسول بلسانها ثم ختم الله الرسالات بمحمد ﷺ الذي أرسله إلى الناس كافة بهذا القرآن المعجز ليكون حجة الله على العالمين ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥)، بعض هؤلاء الرسل قص الله علينا من أخبارهم وبعضهم لم يقصص علينا من أخبارهم، قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٦).\nوالأمم التي أرسل لها رسول كثيرة، قال ﵊: (إنكم تتمون سبعين أمة أنت خيرها وأكرمها على الله «٧) وعلم الآثار والحفريات الحديثة ودراسة التاريخ القديم والتعرف على الأديان البائدة والباقية كشف لنا عن بقايا من أديان حق اختلط بها باطل كثير وضلال كثير.\nوليس عندنا ميزان نتعرف به على الحق في الأديان البائدة أو الباقية إلا هذا القرآن وإلا السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ، فالقرآن منقول عن رسولنا تواترًا ينقله جيل عن جيل، وقد تولى الله حفظه، والسنة النبوية الثابتة منقولة لنا بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى رسول الله ﷺ دون انقطاع مع دقة في التحقيق تشمل السند والمتن، لذلك عرفوا\n_________\n(١) فاطر: ٢٤.\n(٢) النحل: ٣٦.\n(٣) إبراهيم: ١.\n(٤) الأحزاب: ٤٠.\n(٥) إبراهيم: ١.\n(٦) غافر: ٧٨.\n(٧) أحمد (٥/ ٣).\nوالترمذي (٥/ ٢٢٦) ٤٨ - كتاب التفسير ٤ - باب: ومن سورة آل عمران.\nابن ماجه (٢/ ١٤٣٣) ٣٧ - كتاب الزهد ٣٤ - باب صفة محمد ﷺ. وهو حديث حسن.","vol":"2","page":837},{"text":"الحديث الصحيح بأنه: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى رسول الله ﷺ، وسلم من الشذوذ والعلة. والشذوذ: هو أن يخالف الثقة من هو أوثق منه أو أن يخالف الثقة الثقات، والعلة هي عيب خفي يدركه الحذاق في الرواية وذلك شيء انفرد به دين محمد ﷺ بأن نصوصه محفوظة منقولة بأسانيد متصلة، بينما لا يستطيع أهل أي دين أن يثبتوا أن لهم أسانيد متصلة إلى المصدر الأول لدياناتهم. فمن المعروف تاريخيًا أن اليهود أعادوا كتابة كتبهم من مروياتهم الشفهية بعد السبي إلى بابل، وأن الأناجيل المعتمدة عند النصارى لا يوجد منه واحد متصل السند إلى المسيح ﵇، وأن آثار بوذا سجلت حوالي سنة (٣٥٠) قبل الميلاد، بينما كان ميلاد بوذا على القول الراجح حوالي سنة (٥٦٠) قبل الميلاد (أبو زهرة - مقارنات الأديان).\nوالمعروف أن آثار زرادشت أحرقها الإسكندر المقدوني: (دائرة معارف البستاني)، وليس عند البراهمة أسانيد متصلة إلى رسول، وهكذا قل في كل دين من الأديان، ومن ههنا نقول: إن الميزان الذي نعرف به ما إذا كان هناك بقية من حق في دين من الأديان إنما هو القرآن والسنة النبوية، ووجود شيء من ذلك في دينٍ لا يعني بالضرورة أن هذا الدين أصوله سماوية بل قد يكون تسلل إليه من دين سماوي، والملاحظ أن الدراسة المتعمقة لكثير من نصوص الديانات المندثرة أو الباقية تثبت وجود بعض الموافقات لبعض معاني القرآن والسنة وهذا يؤكد شيئين:\nالشيء الأول: أن أصول هذه الديانات كانت سماوية.\nوالشيء الثاني: أن كل أمة قد أرسل لها رسول، إلا أننا لا نستطيع أن نجزم برسالة أحد ونبوته إلا إذا جاءنا ذلك عن طريق الكتاب والسنة، وذلك لاحتمالات أن يكون بعض من نسب إليهم بقايا الحق هذه من المجددين أو من المتأثرين بآثار الأنبياء أو من أهل الباطل الذين حاولوا إنشاء ديانات هي مزيج من أفكار ومن بقايا أديان متوارثة قديمة.\nومن أجل أن يكون عندك تصور ما عن بقايا حق توافق بعض نصوص الكتاب والسنة في بعض الديانات المندثرة أو الباقية، فإننا ننقل لك بعض النقول عن الديانات المصرية والهندية والفارسية والصينية، أما النصرانية واليهودية فقد أكثرنا من أمثال هذه النقول عن كتبها في التفسير:","vol":"2","page":838},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>النقول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>١ - الديانات المصرية القديمة</span>\nنجد في الديانات المصرية القديمة فكرة الروح وخلودها وعودتها إلى الجسد مرة أخرى وفكرة اليوم الآخر والحساب.\nومن كلام أحد المتتبعين لتاريخ الديانات المصرية القديمة وهو (ماسيبرو):\n(وكان إله المصريين واحدًا فردًا، كاملًا، عالمًا، بصيرًا، لا يدرك بالحس، قائما بنفسه، حيًا، له الملك في السموات والأرض، لا يحتويه شيء، فهو أب الآباء، وأم الأمهات، لا يفنى، ولا يغيب يملأ الدنيا، ليس كمثله شيء، ويوجد في كل مكان) اهـ (مقارنات الأديان للإمام أبي زهرة).\nومما ورد في كتاب الموتى وهو كتاب مقدس عند المصريين القدماء: (... إنني حامل الحقيقة، إنني لم أخن أحدًا، ولم أغدر بأحد، ولم أجعل أحدًا من ذوي قرابتي في ضنك، ولم أقم بدنية في موئل الحقيقة، ولم أمازج عملي بشر قط، وجافيت الضر والأذى، ولم أعمل باعتباري رئيس أسرة ما ليس من عمل ربها، ولم أكن سببًا في خوف خائف، ولا إعواز معوز، ولا ألم متألم، ولا يؤس بائس، لم أقدم على ما لا يليق بالآلهة فلم أجع أحدًا، ولم أبك أحدًا، ولم أقتل نفسًا، وما حرضت أحدًا على قتل أو خيانة، ولم أكذب، ولم أسلب المعابد ذخائرها، ولا المومياء طعامها. ولم أرتكب أمرًا لا يليق مع كاهن في كهنوته، ولم أغل في الأسعار ولم أطفف الكيل والميزان، ولم أسرق الماشية من مرعاها، ولم أصد طير الآلهة، ولم أدفع الماء في عهد الفيضانات، ولم أحول مجرى ترعة، ولم أطفئ الشعلة في ساعتها، ولم أخدع الآلهة في قرابينها المختارة، فأنا نقي، أنا نقي، أنا نقي) اهـ (مقارنات الأديان لأبي زهرة).\nأقول: لاشك أن بعض الكلام الذي مر معنا عن الديانة المصرية القديمة لا يتفق مع الكتاب والسنة، ولكن قسمًا منه يتفق مع نصوص الكتاب والسنة من حيث المعنى، وهذا كافٍ للتدليل على ما ذكرناه ولقد حدثنا القرآن عن رسالتين في مصر: رسالة يوسف ورسالة","vol":"2","page":839},{"text":"موسى ﵉، ومما قال في يوسف ﵇ على لسان مؤمن آل فرعون:\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ (١) راجع (مقارنات الأديان لأبي زهرة).\nوواضح من نصوص القرآن أن الوثنية والشرك وادعاء الألوهية من قبل بعض حكام مصر كان موجودًا وواضح من الدراسات التاريخية والآثار وجود الشرك والوثنية في الديانات المصرية القديمة كما مر معنا من قبل، ولكن ما ذكرناه من موافقات مع نصوص الكتاب والسنة في الآثار المصرية وما نسب إلى \"أخناتون\" من كلمات توحيدية يشير إلى ما ذكرناه من وجود رسالات سماوية خوطبت بها مصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>٢ - بعض الديانات الهندية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>أ- الديانة البرهمية:</span>\nأقدم الديانات الهندية المعروفة ذات النصوص هي: (الديانة البرهمية) التي ترجع إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وفي أحد كتبها وهو (السامافيدا) بشارة برسولنا محمد ﷺ كما حقق ذلك (عبد الحق فديارتي) في كتابه: \"محمد في الأسفار الدينية العالمية\" ونقله \"العقاد\" في كتابه: (مطلع النور) ونقلناه في كتابنا: (الرسول ﷺ).\nومن أشهر من تتبع الديانة البرهمية بحق وفهم ودراسة لنصوصها: \"أبو الريحان البيروني\" من المؤرخين المسلمين وهو حجة بإجماعٍ فيها، ومن تحقيقاته عن أصول الديانة البرهمية قبل أن يطرأ عليها ما طرأ ما ذكره بقوله:\n(واعتقاد الهند في الله ﷾ أنه الواحد الأزلي، من غير ابتداء ولا انتهاء، المختار في فعله القادر الحكيم الحي المحيي المدبر. المنفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد، لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، ولنورد لك شيئًا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشيء المسموع فقط، قال السائل في كتاب باتنجل من هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته؟.\n_________\n(١) غافر: ٣٤.","vol":"2","page":840},{"text":"قال المجيب: هو المستغني بأزليته ووحدانيته عن فعل، لمكافأة عليه براحة تؤمل وترتجى، أو شدة تخاف وتتقى، والبريء عن الأفكار، لتعاليه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، والعالم بذاته سرمدًا، إذ العلم الطارئ يكون ما لم يكن بمعلوم، وليس الجهل بمتجه عليه في وقت ما أو حال، ثم يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ فيقول المجيب: العلو التام في القدر لا المكان، فإنه يجل عن التمكن، وهو الخير المحض التام الذي يشتاقه كل موجود، وهو العلم الخالص عن دنس الهوى والجهل. قال السائل: أفتصفه بالكلام، أم لا؟ قال المجيب: إذا كان عالمًا فهو لا محالة متكلم.\nقال السائل: فإن كان متكلمًا لأجل علمه، فما الفرق بينه وبين العلماء الحكماء الذين تكلموا من أجل علومهم؟ قال المجيب: الفرق بينهم هو الزمان فإنهم تعلموا فيه وتكلموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلمين، ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم، فكلامهم وإفادتهم في زمان، إذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتصال، فالله ﷾ عالم متكلم في الأزل، وهو الذي كلم براهم وغيره من ألأوائل على أنحاء شتى، فمنهم من ألقى إليه كتابًا، ومنهم من فتح له بواسطة بابًا، ومنهم من أوحى إليه فنال بالفكر ما أفاض عليه. قال السائل: فمن أين له هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله في الأزل، وإذ لم يجهل قط فذاته عالمة، لم تكتسب علمًا لم يكن له، كما قال في (بيذ) الذي أنزل على براهم: احمدوا وامدحوا من تكلم ببيذ، وكان قبل بيذ.\nقال السائل: كيف تعبد من لم يلحقه الإحساس؟ قال المجيب: تسميته تثبت أنيته فالخبر لا يكون إلا عن شيء، والاسم لا يكون إلا لمسمى، وهو إن غاب عن الحواس فلم تدركه، فقد عقلته النفس، وأحاطت بصفاته الفكرة.\nوهذه هي عبادته الخالصة، وبالمواظبة عليها تنال السعادة.). ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة).\nأقول:\nإن الكلام الذي مر معنا ما يعترض عليه، ولكن فيه الكثير مما يوافق الكتاب","vol":"2","page":841},{"text":"والسنة، وفيه ما يدل على أن براهما قد أنزل عليه كتاب، فإذا صح النقل فإن براهما يكون رسولًا قد غلا فيه قومه، ألهوه كما فعل النصارى بالمسيح ابن مريم ﵇.\nويؤكد (فريد وجدي) في دائرة معارفه ما ذكره (البيروني) مستدلًا بذلك على أن فكرة التثليث الموجودة حاليًا عند البراهمة ليس لها وجود في الكتب البرهمية القديمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>ب- الديانة البوذية:</span>\nومن الديانات الهندية القديمة: (الديانة البوذية) التي جاءت كما يبدو لتصحيح ما حدث من انحراف في الديانة البرهمية، والمتكلمون عن بوذا يصفونه بصفات الأنبياء ابتداء بنزول الوحي عليه، ثم يغلون فيه غلو النصارى في المسيح ابن مريم ﵇ حتى إن أبا زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) أثبت التوافق بين كثير من عبارات البوذيين في بوذا وعبارات النصارى في المسيح ابن مريم ولا نستطيع أن نعتمد على الروايات المأثورة عن بوذا لأنها كما قلنا سجلت بعد وفاته بفترة طويلة ولا نستطيع أن نجزم بشيء في أمره لكن بعض ما نسب إليه يتفق مع الوحي الذي أنزله الله ﷿ على رسولنا ومن ذلك مثلًا:\nأن من تعاليم بوذا: أن على الإنسان أن يكون مقيدًا نفسه بثمانية أمور:.\n(أ) الاتجاه الصحيح المستقيم: بأن يتجه إلى أي أمر يريده اتجاهًا صحيحًا مستقيمًا خاليًا من كل سلطان للشهوة واللذة وما تبعثه من أماني وأحلام فاسدة، فيجتهد عند الاتجاه إلى أي أمر في أن يخلص إرادته من شائبة اللذات أو الشهوات، وما يتصل بها من آمال تبعثها وأحلام تثيرها، وفي الجملة ينقي نفسه من كل ما يتصل باللذة عند الاتجاه.\n(ب) الإشراق الصحيح المستقيم: وذلك أن الإنسان عند الاتجاه إلى أمر من الأمور اتجاهًا مستقيمًا خاليًا من شوائب اللذات، تعتريه نورانية تجعله يستطيع الوصول إلى حقائق الأشياء من غير أن يرنق نظره أي درن من أدران اللذة، ولا يرين على عقله ما تثيره من أهواء.\n(ج) التفكير الصحيح المستقيم: وذلك أن العقل إن خلا من شوائب اللذة، ونال الإشراق الصحيح كان تفكيره مستقيمًا، وكانت العمليات العقلية التي يقوم بها في التفكير في","vol":"2","page":842},{"text":"هذا الأمر مستقيمة لا تؤثر فيها نزعة هوى، ولا جموح شهوة، ولا اضطراب الأماني والأحلام في قلبه.\n(د) ولا شك أن هذه المستقيمات الثلاثة السابقة: الاتجاه المستقيم والإشراق المستقيم، والتفكير المستقيم يترتب عليها أمر رابع مستقيم، وهو اطمئنان العقل والقلب إلى فكرة خاصة من بين ما يعرض لها من الأفكار والآراء والأنظار. وذلك هو الإيمان المستقيم، أو الاعتقاد المستقيم الذي يصحبه ارتياح واطمئنان، وبه يصير القلب في روح وريحان من النعيم المعنوي.\n(هـ) والذي يتمم الأمور الأربعة السابقة لفظ مستقيم، وذلك بأن يكون نطق الإنسان بما انتهى إليه من فكره مطابقًا تمام المطابقة لاعتقاده، ولما ارتاح إليه، وعمر قلبه بالسرور به.\n(و) السلوك المستقيم: وذلك هو الأمر السادس الذي لابد منه لسلوك الممر الوسط، والسلوك المستقيم ما يكون مطابقًا لكل ما قام بالقلب من اعتقاد فيكون العمل على وفق العلم، فلا مجافاة بينهما، ولا مناقضة، بل يكون كل منهما مؤكدًا للآخر أو متممًا له.\n(ز) الحياة الصحيحة: بأن يكون قوامها هجر اللذات هجرًا تامًا وأن يكون كل ما يجري فيها متطابقًا مع السلوك القويم، والعلم الصحيح، ولا يشذ فيها شيء عن مقتضى هذا السلوك وأحكامه.\n(ح) الجهد الصحيح: وذلك بأن تكون كل الجهود التي يبذلها الإنسان في سبيل أن تكون الحياة مستقيمة سائرة على مقتضى السلوك، والعلم والحق، ومنع كل ما له صلة باللذات، أو من شأنه أن يثير دواعيها. ويحفز إليها.\nهذه هي الأمور التي لو تمت على وجه مستقيم سار الشخص على الجادة، وسلك الممر الوسط الذي يوصل إلى حياة سعيدة خالية من الآلام خلوها من دواعيها، وهي الشهوات واللذات. ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة).","vol":"2","page":843},{"text":"ومن وصايا بوذا:\n(أ) لا تقتل أحدًا؛ ولا تقض على حياة حي.\n(ب) لا تأخذ مالًا لا يقدم إليك، فلا تسرق ولا تغصب.\n(ج) لا تكذب، ولا تقل قولًا غير صحيح.\n(د) لا تشرب خمرًا، ولا تتناول مسكرًا ما.\n(هـ) لا تزن، ولا تأت أي أمر يتصل بالحياة التناسلية إذا كان محرمًا.\n(و) لا ترقص، ولا تحضر مرقصًا ولا حفل غناء. أ. هـ (مقارنات الأديان - لأبي زهرة).\nومن الروايات عنه كما نقل ذلك فريد وجدي في دائرة معارفه:\n(كما أنه لا فرق بين جسم الأمير وجسم المتسول الفقير كذلك لا فرق بين روحيهما كل منهما أهل لإدراك الحقيقة والانتفاع بها في تخليص نفسه ...).\n(ومما يريك مذهب البوذية في صورته الحقيقية ما حدث من المحاورة بينه وبين أحد تلامذته، وكان ذلك التلميذ أراد التحول إلى قبيلة (سرونا بارانتا) للمكث بين طهرانيهم ودعوتهم للبوذية، فعلم البوذة أن تلك القبيلة المشهورة بالشراسة وسوء الجوار لا يلينها إلا الثابت الضليع فأراد أن يحول تلميذه عن عزمه، فقال له:\nإن رجال قبيلة (سرونا بارانتا) الذين تود أن تسكن بين ظهرانيهم متحمسون قساة سريعو الغضب، وأهل حمية وجحود، فإذا اتفق يابورنا ووجه إليك أولئك الناس ألفاظًا بذيئة خشنة وقحة ثم غضبوا عليك وسبوك فماذا كنت قائلًا؟\nفأجابه: أقول لا شك أن هؤلاء قم طيبون لينو العريكة لأنهم لم يضربوني بأيديهم ولم يرجموني بالأحجار.\nفقال البوذة: وإن ضربوك بأيديهم ورجموك بالأحجار فماذا كنت قائلًا؟","vol":"2","page":844},{"text":"قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ لم يضربوني بالعصي ولا بالسيوف.\nفقال البوذة: وإن ضربوك بالعصي والسيوف فماذا كنت قائلًا؟\nقال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ لم يحرموني الحياة نهائيًا.\nفقال البوذة: وإن حرموك الحياة فماذا كنت قائلًا؟\nقال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ خلصوا روحي من سجن هذا الجسد السيئ بلا كبير ألم.\nفقال له البوذة عند ذلك: أحسنت يا بورنا إنك تستطيع بما أوتيته من الصبر والثبات أن تسكن في بلاد قبيلة سرونا بارانتا فاذهب إليهم يا بورنا! وكما تخلصت فخلصهم وكما وصلت إلى الساحل فأوصلهم معك. وكما تعزيت فعزهم معك وكما وصلت إلى مقام النيرفانا الكاملة فأوصلهم إليها مثلك.\nفذهب بورنا إليهم وكانت النتيجة أن آمنوا كلهم بالبوذة واتبعوا مذهبه) ا. هـ. وجدي.\nأقول: وقد خالط الديانة البوذية ما خالطها ولكن الشذرات التي نقلناها توحي بأن لهذه التعاليم صلة برسالة سماوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>٣ - الديانة الزرادشتية:</span>\nيرجع (أبو الكلام أزاد) في كتابه عن (ذي القرنين) أن زرادشت قد عاصر ذا القرنين الذي يرجح أنه (قورش) الفاتح الفارسي المشهور، وأن قورش كان على ديانة زرادشت، وعلى هذا فإن ظهور زرادشت يكون في القرن السادس قبل الميلاد، ويفرق أبو الكلام أزاد بين الزرادشتية والمجوسية فالمجوسية أقدم من الزرادشتية، وقد جاء زرادشت ليخرج الناس من ضلالها، ولكنها في النهاية امتزجت مع الديانة الزرادشتية وأفسدتها، ويذكر أبو الكلام أزاد أن أساسا الدين الزرادشتي:\n(صدق النية وصدق القول وصدق العمل) وذلك يتفق مع الوحي الذي أنزله الله على","vol":"2","page":845},{"text":"رسولنا ﵊ ومما يذكره أبو الكلام أزاد عن الدين الزرادشتي: الإيمان باليوم الآخر، ويذكر أبو الكلام شهادة المؤرخين على بعد الزرادشتية عن الوثنية، ويؤكد أبو الكلام أن الزرادشتية لا تقول بإلوهية اثنين بل تقول بإلوهية الله وتحارب الشيطان أما الثنوية فطرأت طروءًا بعد ذلك على الديانة الفارسية.\nوقد نقل أبو الكلام بعض الكتابات المنحوتة في الصخر والتي لازالت موجودة حتى الآن والتي سجلها دارايوش خليفة قورش وابن عمه والذي يعتقد أنه كان على دين زرادشت الصحيح ما نصه:\n(إن الإله العلي، أهورامزدا، هو الذي خلق الأرض، ورفع السماء، وفتح سبل السعادة على البشر، وهو الذي أقام دارايوش وحده حاكمًا على الكثيرين، وجعله واضع الشرائع لهم).\nويقول في كتابه أخرى: (يعلن دارايوش للناس قاطبة بأن أهورا مزدا، قد وهبني الملك بفضله ورحمته، وقد نجحت بتوفيقه تعالى في تدعيم الأمن والسلام في الأرض، وإني أبتهل إلى أهورامزدا إلهي، أن يرعاني أنا، وأسرتي، وجميع البلاد التي جعلني حاكمًا عليها. يا رب، أهورامزدا، اسمع دعائي واستجبه!).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>الدعوة إلى الصراط المستقيم:</span>\nوكذلك يقول الملك:\n(يأيها الإنسان، أمرك أهو رامزدا ألا تخوض قط في الشر، ولا تحيد عن الصراط المستقيم أبدًا، واحذر الإثم في جميع الأحوال) ا. هـ. (ويسألونك عن ذي القرنين).\nويدلل أبو الكلام على أن أصول الزرادشتية سماوية: أن المسلمين عاملوا المجوس معاملة أهل الكتاب باستثناء الزواج منهم وأكل ذبائحهم.","vol":"2","page":846},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>٤ - الديانات الصينية</span>\nلا تزال في الصين ديانتان رئيسيتان هما الكونفوشيوسية والطاوية والكونفوشوسية نسبة إلى كونفوشيوس، والطاوية؛ نسبة إلى لوتس الذي أدركه كونفوشيوس في أخريات حياته ولا نستطيع الجزم بشيء حول الرجلين هل هما تابعان لرسالة سابقة أو لهما دور آخر، ولكن الثابت أن كثيرًا مما روي عن كونفوشيوس يتفق مع معان إسلامية فهل كان ذلك أثرًا عن دين سماوي استفاد منه كونفوشيوس أو كان هو له وضع ما؟ لا نستطيع الجزم بشيءٍ، والمعروف من سيرته تجواله لنشر دعوته والتزامه بالعبادة وتمسكه بالعدل والفضيلة ... وقد دون تلاميذه آراءه ولا ندري هل السند متصل أو لا، أو كانت هذه كل آرائه، وهل كان النقل دقيقًا وقد ترجم أهم الكتب التي تدرون آراءه تحت اسم الحوار إلى اللغة العربية، ترجمه محمد مكين، والمعروف أن كونفوشيوس لخص كثيرًا من الكتب السابقة عليه التي تمثل معارف الصين، ومما نسب إلى كونفوشيوس:\n(انصرفت إلى طلب العلم، وأنا في الخامسة عشرة من سني، وفى الثلاثين التزمت جادة الفضيلة، وفي الأربعين لم يكن في نفسي أي ريب في حقائق الأشياء وعلمت القضاء والقدر وأنا في الخمسين، وأصغت أذني إلى كل الحق عارفًا فاهمًا له وأنا في الستين، ولم أتجاوز حدود السلوك القويم وأنا في السبعين).\n(السياسة هي الإصلاح فإن جعلت صلاح نفسك أسوة حسنة لرعيتك، فمن الذي يجترئ على الفساد)؟.\n(إن أخلاق الرؤساء كالريح، وأخلاق المرءوسين كالعشب، وإلى أية جهة هبت الريح مال العشب).\n(من يعلم الحق دون من يولع بطلبه؛ ومن يولع بطلبه دون من يطمئن إليه دائمًا) فالمراتب عنده ثلاث:\n(١) معرفة للحق مجردة (٢) وشوق إلى الحق ومحبة له (٣) وعمل به وارتياح النفس إلى العمل به، مهما يكتنفها في العمل به من صعاب وشدائد ثم يقسم الناس بالنسبة للمعرفة","vol":"2","page":847},{"text":"إلى أربع درجات: الدرجة الأولى درجة رجل وهبته السماء المعرفة، وأوتي الإلهام، وهي أعلى الدرجات، والثانية درجة رجل لم يؤت إلهامًا ولكن فيه ذكاء؛ فتعلم ووصل إلى أقصى ما يتعلمه من لم يؤت إلهامًا، والدرجة الثالثة درجة الرجل الذي لم يؤت ذكاء، بل فيه غباء، يطلب المعرفة، وينال منها بمقدار طاقته، والدرجة الدنيا وهي الدرك الأسفل. رجل حائر بائر في غباء وبلادة فلم يعرف ولم يحاول معرفة).\n(الرجل الكامل الخلق يطلب الفضيلة؛ والرجل الناقص الخلق يطلب اللذة، والرجل الكامل الخلق يفكر في اجتناب الرذيلة وأداء الواجب، والرجل الناقص يفكر في كسب المنافع ... والرجل الكامل الخلق واقف على البر، والرجل الناقص الخلق واقف على الربح).\n(الرجل غير الفاضل لا يستطيع أن يبقى في الفاقة أو الثروة طويلًا، أما ذو الفضيلة فهو مستريح في فضيلته، حريص عليها).\n(ذو الفضيلة يستبشر بالماء الجاري؛ وذو الفضيلة يستبشر بالجبل الراسي؛ وذو الفضيلة نشيط، ورزين، ومعمر. فالفضيلة عنده روضة فيها الراح والريحان، والسر والاطمئنان، أما ذو الرذيلة فهو في شقاء وبلبال مستمر؛ وينزل عليه غضب السماء جزاء ما قدمت يداه واقترفت نفسه؛ ولذا يقول: (يولد الإنسان مستقيمًا فمن فقد الاستقامة واستمر حيًا؛ فنجاته من الموت من حسن حظه).\n(انظر إلى أعمال الناس، ولاحظ بواعثها، وراقب ما إليه يستريحون فأين يخفي الناس سرائرهم!! أين يخفي الناس سرائرهم!! ..).\nولقد قال أحد تلاميذه: (أراقب نفسي وأسألها كل يوم هل خانت عندما تولت شئون الناس؟ هل كذبت عندما عاملت؟ هل كانت غافلة عن العمل بما تلقته من العلوم؟).\n(إذا عزم المتعلم على طلب الطريقة الموافقة للفطرة السليمة وهو يأبى الملبس الخَلِق، والمطعم الجشب فهو خليق بأن يُحاضرَ).\n(... ثمرة الآداب حسن العشرة، وإنما تستحسن سنة السلف الصالح لاشتمالها على هذه","vol":"2","page":848},{"text":"الصفة التي تراعى في جميع الشئون صغيرها وكبيرها، ولكن لو روعي حسن المعاشرة من غير أن يضبط بالفضيلة ما استقامت الأمور).\n(الرجل الفاضل لا يتحيز، والرجل الفاضل لا يتعصب).\n(واجب الولد البر بأبويه إذا كان داخل المنزل، والاحترام لذوي الأسنان إذا كان خارجه، والصدق في أقواله، والرحمة بالناس في كل أفعال، وأن يتقرب إلى الفضلاء وإذا كان لديه فراغ من الوقت زجاه في كتب الأخلاق).\n(من الناس من نستطيع محادثته في العلم، ولا يمكن أن نحمله على السير معنا بمقتضى الفطرة، ومنهم من نستطيع أن نسير بهم على الفطرة من غير أن يكونوا ذوي قدم ثابتة فيها، منهم من يكون ذا خلق قويم شديد التمسك بالفطرة والكمال الإنساني، ولكن لا يمكننا مشاورته في تقدير الشئون).\n(... يقول في وصف آراء أستاذه وأثرها في نفسه: (إذا رفعت إلى آراء الأستاذ النظر رأيتها أعلي مما كنت أعتقد، وهي ملء نفسي، وتحيط بي، وتستغرق كل حسي، والأستاذ يرشد الناس بالتدريج إرشادًا حسنًا، وقد وسع بالعلوم مجال فكري. وضبط بالآداب سلوكي، حتى أني لو رغبت في ترك آرائه ما طاوعتني نفسي).\n(أتظنون أني أخفي عليكم شيئًا، ما من أمر أعمله إلا فيه إرشادكم، وهذه هي طريقتي في التربية).\n(لا يمكن أن أعاشر الطيور والوحوش، فلو لم أعاشر هذه الأمة، فمن الذي أعاشره؟ لو كانت البلاد تحت سيادة عادلة ما كنت في حاجة إلى محاولة لإعادة نظامها).\n(إذا كان واجب كل شخص من آحاد الأمة أن يعتزل في كهف من الكهوف، فمن الذي يبقى في المدن يعمرها، وفى الأرض يفلحها ويزرعها، وفي الصنائع يمر فيها، ومن الذي ينسل ويعمل ليبقى الكون عامرًا ببني الإنسان؟ وإذا كان الاعتزال مقصورًا على الحكماء والفضلاء فمن الذي يربي الإنسان ويؤدبه؟ أم يترك الناس حائرين لا هادي ولا مرشد).","vol":"2","page":849},{"text":"(إن في الفصل بين المتخاصمين كغيري من الناس، ولكن السياسة الحكيمة أن تهذب الرعية، حتى لا تكون مخاصمة).\n(إن الحاكم إذا شغف بالآداب الفاضلة لا يجترئ أحد من رعيته على إهانة غيره، وإذا شغف بالصدق لا يجترئ أحد على الكذب، ومن هذه حاله أقبل عليه الناس حاملين أولادهم على ظهورهم).\n(إن كان سلوك الرئيس مستقيمًا أطاعه المرءوسون من غير أن يأمرهم، وإن كان غير مستقيم لم يطيعوه ولو أمرهم ...).\n(الرعية إذا قدتها بالأحكام الصارمة والعقوبات الزاجرة فستحاول التخلص منها وهي غير مستحية من مخالفتها، وإذا قدتها بالفضائل وأصلحتها بالآداب تستحي من ارتكاب الجرائم وهي صالحة).\nسأله أحد تلاميذه عن ضروريات السياسة فقال: \"من ضروريات السياسة الأقوات الكافية وذخائر الحرب الواقية، وثقة الرعية\".\nفقال التلميذ: (لو اضطررنا إلى حذف واحد من هذه الثلاثة فبأيها نبتدئ بالحذف؟ قال: (احذفوا ذخائر الحرب) قال: (لو اضطررنا إلى حذف أحد هذين الأمرين فأيهما تحذف؟ وأيهما تبقى؟).\nقال: (احذفوا الأقوات، فإن الموت حظ الإنسان منذ الغابر من الأزمان، ولكن السياسة لا تقوم إلا بثقة الرعية).\nسأله أحد تلاميذه قائلًا: كيف يجعل الحاكم رعيته يجلونه ويثقون به مخلصين ويتواصون بالخير فيما بينهم؟.\nفقال مجيبًا: (إذا قابلهم بالسمت والوقار أجلوه. وإذا كان بارًا بوالديه شفيقًا على قومه أخلصوا له، وإذا رفع الصالحين وأعان العاجزين تواصوا بالخير).\nولقد سأله أمير مقاطعته قائلًا: (كيف تكتسب طاعة الرعية؟) فأجابه بقوله: (إذا أعلي الصالحون وأبعد الطالحون أطاعت الرعية، وإذا أقصى الصالحون، وأدنى الطالحون","vol":"2","page":850},{"text":"عصت الرعية ...).\n(... لو تداولت أيدي الصالحين شئون الدولة لمدن قرن واحد لتهذب الظالمون جميعًا، ولاستغنى الحاكم عن عقوبة الإعدام ...).\n(آمن بالحق، وأحب العلم، واتبع الفطرة، ولا تقم في مملكة سادتها الفوضى واطلب المنصب إذا كانت البلاد محكومة بسياسة حكيمة، واعتزل إذا كانت تحت سياسة غاشمة، فمن العار أن تفتقر وتبتعد، والبلاد تحت سياسة عادلة، ومن العار أن تغنى وتعتز والبلاد تحت سياسة غاشمة).\n(لا يكن همك أن تتولى المنصب، بل ليكن همك ما يؤهلك لهذا المنصب، ولا تهتم بجهل الناس قدرك، بل اهتم بالفضل الذي تريد أن يعرفوك به).\n(من يخدم الأمراء فليجعل العناية بأداء الواجب في المحل الأول، وأمر الراتب في المحل الثاني).\nذكر أحد تلاميذه أن وزيرًا من الوزراء تولى رياسة الوزارة ثلاث مرات، فلم يظهر على وجهه أمارة الابتهاج في واحدة منها، واستقال ثلاث مرات، فلم يبد في واحدة منها على وجهه الاكتئاب بل كان يخبر الوزير الجديد بجميع ما حصل في شئون الدولة في عهده، فقال كونفوشيوس: (قد كان مخلصًا).\nناقشته تلاميذه في اعتزاله مناصب الدولة قال لهم: (لماذا يهمكم أن يفقد أستاذكم منصبه!! إن البلاد قد خلت من العدل والاستقامة من زمن بعيد، وستتخذ السماء أستاذكم ناقوسًا ...).\nقال فيه أحد تلاميذه: (إن رتبة الأستاذ (كونفوشيوس) لا يمكن أن يصل إليها أحدكما، إن السماء لا يمكن أن يصعد إليها أحد: لو كان للأستاذ حظ من الإمارة أو الرياسة لصدق عليه قول القائل: إن أقام الرعية قاموا سراعا وإن هداهم سارعوا وإن أراحهم آووا منه إلى ظل وارف وإن عاش عاش جليلًا وإن مات لقيت بموته النفوس حسرات فكيف يمكن أن يصل إلى رتبته غيره!!) ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة).","vol":"2","page":851},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>٥ - ديانات ما بين الرافدين</span>\nلقد بعث نوح ﵇ في بلاد ما بين الرافدين، وبعث إبراهيم ﵇ في مدينة أور من بلاد الرافدين ثم هاجر إلي بلاد الشام، وقد بعث يونس ﵇ في الموصل من بلاد ما بين الرافدين، ولا زال في بلاد ما بين الرافدين أصحاب دين يسمون الصابئة، وهم يزعمون أنهم ينتسبون إلى إدريس ﵇، وإدريس كان قبل نوح ﵇ ولذالك فغن من المستبعد أن تسلم لهم هذه النسبة، على أن القرآن ذكر الصابئة القدماء في جملة أهل الأديان السماوية ابتداء، قال تعالى:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).\nعلى أن العلماء التفسير مختلفون هل المراد بالصابئة هنا قدماء صابئة أهل العراق ممن كانوا على دين صحيح، أو المراد بهم كل من ترك الدين الباطل إلى الدين الحق، ولعله من المفيد استكمالًا لأخذ تصور عام أن نذكر شيئًا قدمته الحفريات الأثرية عن رسالة نوح علية السلام وعن بعض ما قيل في الصابئة كأهل دين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>أ- بعض ما تذكره الحفريات عن نوح ﵇ وقصة الطوفان:</span>\nإن كثيرًا من الكتب الدينية السابقة قد تحدثت عن قصة نوح ﵇ وقصة الطوفان، كما أن قصة الطوفان ذكرت في الكثير من الألواح التي عثر عليها أثناء التنقيب عن الآثار ولا زالت المحاولات حتى يومنا هذا جادة في محاولة الثور على بقايا سفينة نوح على جبل أرارات.\nولكن الألواح التي تحدثت عن الطوفان كتبت بعد آلاف السنين من حادثة الطوفان. وقد رأينا أن الحفريات تثبت أن بين ساراجون الملك ونوح ﵇ قد حكم بعض الأسر في بلاد الرافدين خمسة وعشرين ألفًا من السنين، ومع عدم الثقة فى دقة ما تقدمه لنا ألواح الحفريات، فإن هناك قاسمًا مشتركًا بينهم وهو إثبات حادثة الطوفان، كنموذج على ذلك ننقل ما كتبه العقاد في كتابه إبراهيم ﵇ قال:\n_________\n(١) البقرة: ٦٢.","vol":"2","page":852},{"text":"(وتؤلف قصة الطوفان البابلية من اثني عشر فصلًا على حسب البروج: وراوي القصة يسمى (اسدبار) وقد عبر بحر الموت ليصعد إلى السماء ويلقى زستور الذي ارتفع إليها بعد نجاته من الطوفان، والباقي من ألواح هذه القصة في المتحف البريطاني يحكيها على هذا المثال:\n(ابن بيتًا واصنع سفينة تحفظ النبات والحيوان، واخزن البذور واخزن معها بذور الحياة من كل نوع تحمله السفينة، وليكن طولها ستمائة قدم في ستين عرضًا .. وتدخل السفينة وتحكم وإغلاقها، وتضع في وسطها الحبوب المتاع والأزواد والخدم والجند، وتضع فيها كذلك أجناس الوحش لحفظ ذريتها ...\nوقال الله ليلًا: إني سأرسل السماء مدرارًا، فادخل إلى جوف السفينة، وأغلق عليها بابها. وتغطي وجه الأرض وهلك كل ما عليه من الأحياء، وفار الماء حتى بلغ السماء، ولم ينتظر أخ أخاه ولم يعرف جار جاره. ستة أيام وست ليال، والرياح تعصف والأنواء تطغى، ثم كان اليوم السابع فانقطع المطر وسكنت العاصفة التي ماجت كموج الزلزال. سكنت العاصفة وانحسر البحر وانتهى الطوفان، وحج البحر بعد ذلك عجيجة، واستحال الناس طينا وطفت أجسادهم على وجه الماء.\nثم استوت السفينة على جبل نيزار .. وأرسلت أنا الحمامة فذهبت وعادت ولم تجد من مقر تهبط عليه، فأرسلت عصفور السمانة فعاد وما هبط على مكان، وأرسلت الغراب فراح ينهش الجثث الطافية فلم يرجع، ثم أطلقت الحيوانات في الجهات الأربعة وبنيت على رأس الجبل مذبحا فقربت لدية قربانا وفرقته في أنية سبعة وفرشت حوله الريحان ..).\nوقد علم المنقبون أن هذه القصة منسوخة من مصدر قديم أقدم منها، فهذه الألواح لا يقل تاريخها عن ألفين وخمسمائة سنة، والمصدر الذي نقلت منه يرجع إلى أوائل الألف الثالثة قبل الميلاد.\nوعلم المنقبون في جميع آثار الأرض التي كشفت في العالم القديم أو العالم الجديد إن قصة الطوفان عامة لا تنفرد بها الآثار البابلية، ولا يقل تاريخها في القدم عن تاريخه) اهـ. العقاد (إبراهيم أبو الأنبياء).","vol":"2","page":853},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>ب- الصابئة:</span>\nحاول الأستاذ عبد الرحمن حبنكة أن يعطينا تصورًا عن صائبة العراق في كتابه: (العقيدة الإسلامية) فقال.\n(يقول المؤرخون: إن أمة السريان أقدم الأمم، وملتهم هي ملة الصابئين -نسبة لصابي أحد أولاد شيث-، ويذكر الصابئون أنهم أخذوا دينهم عن شيث وإدريس، وأن لهم كتابًا يعزونه إلى شيث ويسمونه: (صحف شيث)، ويتضمن هذا الكتاب على ما يذكرون الأمر بمحاسن الأخلاق، والنهي عن الرذائل.\nوأصل دينهم التوحيد وعبادة الخالق جل وعلا. وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، والحض على الزهد في الدنيا، والعمل بالعدل.\nقالوا: وللصابئين عبادات منها: سبع صلوات في اليوم والليلة: خمس صلوات منهن توافق صلوات المسلمين، والسادسة صلاة الضحى، والسابعة صلاة يكون وقتها في الساعة السادسة من الليل. وصلاتهم تشبه صلاة المسلمين من حيث النية وعدم خلطها بشيء من غيرها.\nولهم صلاة على الميت بلا ركوع ولا سجود.\nوعندهم صيام شهر قمري من السنة ويصومون من ربع الليل الأخير حتى غروب قرص الشمس.\nويعظمون بيت مكة.\nقال ابن حزم: والدين الذي انتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر، وقد كان الغالب على الدنية إلى أن أحدثوا فيه الحوادث) ا. هـ. (العقيدة الإسلامية).\nوقد تحدث العقاد في كتابه: (إبراهيم أبو الأنبياء ﵇) عن الصابئة، وكان من كلامه:\nتدين بعقائد الصابئة ملة يبلغ عدد أبناؤها ستة ألاف بين رجل وامرأة وطفل، ولا يجوز بها المبالغ في عددها عشرة آلاف.\nوهي على قلة عددها تستقل بلغة (مقدسة) خاصة، [عندهم] ولهم كتابة أبجدية خاصة، وأحكام دينية في معيشتها ولا تشبه في جملتها دينًا واحدًا ولكنها تشبه في بعض","vol":"2","page":854},{"text":"أجزائها كل دين.\nومن ثم كان لها شأن في الدراسات الدينية.\nففيها ولا شك عقائد سابقة لجميع الأديان الكتابية، وعقائد سابقة لدين الخليل. بل فيها - على رأي بعض الباحثين- بقية من الديانتين المختلفتين في عصر الخليل، لأن الصائبة يدينون بمذاهب مختلفة يرد بعضها على بعض، ولا سيما مذاهب الكواكب والأصنام، مما تواترت الأخبار بالاختلاف عليه بين قوم إبراهيم ومن حاربوهم واضطروهم إلى الهجرة من بلادهم ...\nويقول رايت  wright  صاحب كتاب المطالعة العربية إن حروفهم الأبجدية تشبه الحروف النبطية، وإن لغتهم تشبه لغة التلمود الذي كتب في بابل، ويقولون هم إن لغتهم الأولى سريانية وإنهم كانوا بمصر على عهد الفراعنة الأول وتلقوا ديانتهم الأولى عن أحبارهم ثم هجروها حين تحول أهلها عن الدين القويم.\nوالمحقق من أمرهم أنهم يرجعون إلى أصل قديم، لأن استقلالهم باللغة الدينية والكتابة الأبجدية، لم ينشأ في عصر حديث ولهذا يفهم الدارسون للأديان أن تحقيق لغتهم وكتابتهم يؤدي إلى جلاء الغوامض عن كثير من تاريخ الكلدان في الزمن الذي قام فيه الخليل بدعوته، ويؤكد هذا الفهم أن هؤلاء الصابئة يقيمون في الأقاليم الجنوبية من العراق حيث أقام الخليل في رواية العهد القديم، ومنهم فئة تحج إلى حاران التي هاجر إليها، وينسب إليها الصابئة الحرانيون ...\nومع استقلال الصابئة باللغة الدينية والكتابة الأبجدية، يشتركون مع أصحاب الأديان في شعائر كثيرة، ولا يعرف دين من الأديان تخلو عقيدة الصابئة من مشابهة له في إحدى الشعائر. . فهم يشبهون البراهمة والمجوس والأورفيين أصحاب النحل السرية، كما يشبهون اليهود والنصارى والمسلمين، أو كما يشبهون الفلاسفة وأصحاب المذاهب العقلية في تفسير الوجود والموجودات.\nوهم كما يشبهون الجميع يخالفون الجميع.\nفمن مشابهتهم للبراهمة أنهم يتحرجون من ملامسة غيرهم، ويتطهرون إذا لمسوا غريبًا في","vol":"2","page":855},{"text":"حالة من حالات العبادة.\nومن مشابهتهم لأصحاب العقائد الأورفية - أو السرية - أنهم يكتمون كتبهم أشد الكتمان، ولا يباشرون شعائرهم مع الغرباء، ويتقاسمون الخبز المقدس علامة على الأخوة الروحية، ويعتقدون أن الكون كونان وأن الخلق خلقان. فالكون الظاهر غير الكون الباطن، ولكل مخلوق في العلانية صورة محجوبة في عالم الغيب .. حتى آدم وبنوه منهم أهل ظاهر وأهل باطن لا يراهم من يعيشون في العلانية.\nومن مشابهتهم للمجوس أنهم يتوجهون إلى قطب الشمال وإلى الكواكب عامة، ولكنهم لا يعبدونها، بل يحسبونها من مظاهر الروحانيات التي لا تبرز للعيان ..\nومن مشابهتهم للمسيحين أنهم يدينون بالعماد، ويبجلون يوحنا المعمدان أو يحي المغتسل. ولكن التعميد أعم عندهم من التعميد في المسيحية، ويندر منهم من يسكن بعيدًا من الأنهار لحاجتهم كل يوم إلى العماد، وإلى التطهر بالماء.\nومن مشابهتهم للمسلمين أنهم يقيمون الصلاة مرات في اليوم، ويقولون إنها فرضت عليهم سبعًا ثم أسقطها يوحنا عنهم وأدخل بعضها في بعض واكتفى منها بثلاث، ولكنهم لا يسجدون في صلاتهم بل يكتفون بالقيام والركوع، وهو يتوضأون قبل الصلاة ويغتسلون من الجنابة. ويعرفون نواقض الوضوء ولكنهم يغالون فيها.\nوعندهم ذبائح كذبائح اليهود، ويوم في ختام السنة كيوم اليهود. ولكنهم يحرمون الختان ولا يبنون لهم هيكلًا قائمًا، بل يبنون الهيكل من القصب كما تبنى الخيام، موقوتًا عند الحاجة إليه في الأعياد. فكأنها بقية أو أصل لعيد الظلال وللهيكل المنقول.\nومنهم من يحرم الطعام الذي حرمه أتباع فيثاغورس كالبصل، ويضيفون إليه أنواعًا من الخضر كالكرنب ولحوم الحيوان ذي الذنب، لأنهم يستوحون الغيب في الرؤيا، وهذه الأطعمة تمنع الرؤيا الصادقة.\nوالمشهور عن الصابئة أنهم يوقرون الكعبة في مكة، ويعتقدون أنها من بناء هرمس أو إدريس ﵇، وأنها بيت زحل أعلى الكواكب السيارة، وينقل عنهم عارفوهم أنهم قرأوا صفة محمد ﵇ في كتبهم، ويسمونه عندهم ملك العرب، لأن الشائع فيهم أنهم","vol":"2","page":856},{"text":"لا يؤمنون بالأنبياء إلا فرقة واحدة تذكر شيئًا وإدريس وإبراهيم ويحيى المغتسل، ويحسبونهم تارة من الأنبياء وتارة من عباد الله الخلص الذين وصلوا بالرياضة والعبادة إلى مقام الزلفى والإلهام.\nوقد كان الباحثون يعجبون لتنويه القرآن الكريم بهذه الملة مع قلة عددها وخفاء أمرها، ولكن الدراسات الحديثة بينت للباحثين العصريين شأن هذه الملة في دراسات الأديان كافة، فعادوا يبحثون عن عقائدهم الآن وعقائدهم في عصر الدعوة الإسلامية، وثبت لهم أنها تؤمن بالله واليوم الآخر، وتؤمن بالحساب والعقاب، وأن الأبرار يذهبون بعد الموت إلى عالم النور (آلمي دنهورو) وأن المذنبين يذهبون إلى عالم الظلام (آلمي دهشوخا) ويلبثون فيه زمنًا على حسب ذنوبهم، ثم ينقلون منه إلى عالم النور ..\nولهم كتاب يسمونه (كنزة) ولعله من مادة الكنز التي تفيد معنى النفاسة والكتمان، لأنهم يقدسونه ويخفونه فلا يطلعون أحدًا على أسراره ..\nإلا أن المتفق عليه أن اللغة التي كتب بها كتاب الكنزة وغيره من الكتب المقدسة عندهم هي لفة سامية الأصل قريبة من السريانية، وتكفي نظرة في مصطلحاتهم للجزم بهذه التقية ويوجبونها، ومن ذاك أنهم يحرمون الصيام باطنًا كما اشتهر عنهم، ولكنهم يصومون جهرًا، ويروي ابن النديم في الفهرست أنهم يصومون ثلاثين يومًا مفرقة على أشهر السنة، وقد يتنفلون بصيام أيام النسيء الخمسة، ويروى عنهم أنهم يصومون خمسة أسابيع يأكلون فيها الطعام نهارًا وليلًا ويجتنبون أكل اللحوم المباحة لهم وهي غير ذات الذنب، ويقال إن الصيام بنوعيه قديم عندهم ويرجع إلى أيام البابليين. ا. هـ. (إبراهيم أبو الأنبياء).\nوبعد:\nلقد ذكرنا هذا الوصل ليكون القارئ على بصيرة في فهم موضوع الرسالة، فلقد غلب على عض الناس فهم أن الرسالات لم تكن إلا في منطقتنا من هذا العالم، وهذا غلط، كما أن هناك ناسًا قد يسارعون في نسبة النبوة والرسالة إلى أحد دون تحقيق ودون عرض على","vol":"2","page":857},{"text":"النصوص، كما أن هناك ناسًا يغالطون ويغلطون فيذكرون أن عقيدة التوحيد كانت نتيجة تطور، وهم بذلك ينفون رسالات الله إلى الأمم، وينسون أن أول رسول هو آدم ﵇، فالتوحيد هو الأصل دائمًا يحدث الانحراف.\nومما يذكر في هذا الوصل وغيره، ندرك رحمة الله ونعمته على البشرية إذ أرسل محمدًا ﵌ بهذا الكتاب، وبهذا الدين الكامل الذي أخرج الناس جميعًا بما في ذلك بقايا أهل الأديان من الظلمات إلى النور.\nقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (١).\nلقد قلنا من قبل: إن الله ﷿ قد بعث محمدًا ﷺ ليكسر استمرارية أهل الأديان وغيرهم على الكفر، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢).\nومن هذا الإرسال وقيام الحجة به بهذا القرآن الخالد المعجز فإن الكثيرين لازالوا مستمرين على ما ورثوه من كفر وضلال، ولذلك حكمته.\nومن حكمته: أن الله ﷿ خلق النار وخلق لها أهلها، وقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٣).\nومن حكمته: أن يزداد أهل الإيمان يقينًا عندما يقارنون ويدرسون ويكتشفون أن حقائق القرآن هي التي ترجع الناس إلى فطرهم وحقائق أديانهم قبل التحريف والتبديل.\nولكن إذا كان في استمرارية أهل الكفر على كفرهم حكم فهذا شيء، وأن نقوم بحق الله في الدعوة إلى دينه الحق شيء آخر، فقد أوجب الله ﷿ علينا أن ندعو وأن نبلغ،\n_________\n(١) إبراهيم: ١ - ٣.\n(٢) البينة: ١ - ٣.\n(٣) السجدة: ١٣.","vol":"2","page":858},{"text":"وأعلمنا أن أهل الكتاب في شك من أمرهم ولذلك فإن علينا أن ندعوهم ونقيم الحجة عليهم، والشأن شأنهم أن يختاروا الجنة على النار، أو النار على الجنة. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ (١).\n* * *\n_________\n(١) الشورى: ١٣ - ١٥.","vol":"2","page":859},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>الوصل الثاني\nفي:\nوراثة الأنبياء وكرامات الأولياء</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"2","page":861},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>المقدمة</span>\nإن قلب المؤمن يحتاج إلى تثبيت مستمر، ولقد قال الله ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (١)، قال الله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (٢). وتثبيت فؤاد المؤمن إنما يكون بملازمة الذكر والطاعات، وبالاجتماع على القرآن والذكر، والكينونة مع أهل العلم والصدق، وتلقي الهداية على الأولياء المرشدين، ورؤية كرامات الأولياء وسيما الصالحين والانتساب لأهل الحق والعدل، إلى غير ذلك من وسائل جعلها الله أسبابًا لتثبيت أفئدة المتقين.\nومن أهم ما يصلح به حال الإنسان. ويقوم به دين الله أن يوجد الوراث الكاملون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الذين أجتمع لهم علم وولاية وإرشاد، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (٤)، فهذه الآية تدل على أن الغاية في الهداية هو الولي المرشد، فإذا ما وجد الوارث الكامل أصبح بالإمكان أن يتخرج على يديه النماذج العليا من البشر وهم الصديقون والشهداء والصالحون، وفي هذا الجو توجد كرامات والمعونات وتوجد الأجواء الإسلامية الصافية، ومن ههنا كان من أهم ما يحرص عليه المسلم أن يكون وارثًا نبويًا كاملا، بأن يكون عالما وليا مرشدا، ومن أهم ما يحرص عليه المسلم أن يتتلمذ على أمثال هؤلاء، وأن يعيش في أجوائهم وأن يحبهم هو وإخوانهم في الله، وقد حسن الهيثمي الحديث الذي يقول: \"كن عالمًا أو متعلمًا أو محبًا ولا تكن الخامسة فتهلك: أن تبغض العلم وأهله\" (٥).\nإن النبوة قد انقطعت وإنما يصلح حال البشر بوجود وراث الأنبياء وكرامات الأولياء، فبذلك تستمر أحوال الأنبياء ظاهرة في الأمة، وعن ذلك ينبثق كل خير، وبقدر ما يتولى وراث الأنبياء قيادة الأمة وريادتها وتلقين الناس آيات الله وتفهيمهم إياها، وتلقينهم\n_________\n(١) الفرقان: ٢٢.\n(٢) هود: ١٢٠.\n(٣) آل عمران: ٧٩.\n(٤) الكهف: ١٧.\n(٥) مجمع الزوائد: (١/ ١٢٢).","vol":"2","page":863},{"text":"الحكمة، لأنفس الناس وتعليم الناس الفقهين الكبير والأكبر فإن الأمر يكون مستقيمًا.\nأما إذا آل أمر الدعوة والتعليم والإرشاد إلى من ليس له في الوراثة الكاملة قدم فإن أمر الإسلام ينقص بقدر نقصان مقام الوراثة، والوراثة الكاملة كما قلنا علم وولاية وإرشاد.\nإن الأمة الإسلامية بحاجة إلى أن تجدد أمر الإسلام في حياتها وفي أنفسها وعلى كل مستوى، ومن تجديد أمر الإسلام أن نجدد حياة وحيوية كثير من المعاني التي ذكرها القرآن، ومفتاح ذلك كله هو وجود الوارث الكامل. فكما حدثنا القرآن الكريم عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وعن معجزاتهم فقد حدثنا عن الصفوة المختارة من أتباعهم، فحدثنا عن الربانيين وعن الحواريين والسابقين، وعن أهل اليمين وعن الصديقين والمحسنين والشاكرين، كما حدثنا عن كرامات تجري لهؤلاء أو على أيديهم، وبالكلام عن هؤلاء تستكمل الصورة المضيئة للحياة البشرية ولحياة القدوة والصفوة.\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ (١).\n﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٢).\n﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٣).\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٤).\n_________\n(١) آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨.\n(٢) آل عمران: ٧٩.\n(٣) المائدة: ٤٤.\n(٤) النساء: ٦٩.","vol":"2","page":864},{"text":"﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١).\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ (٢).\n﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (٣).\n﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٤).\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥).\n﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٦).\n﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ (٧).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٨).\n﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٩).\nإن من علامات الإسلام وحيويته أن يوجد أمثال هؤلاء الذين ذكرتهم هذه الآيات، وكما قلنا من قبل فإن مفتاح وجودهم هو الوارث الكامل الذي اجتمع له علم وولاية وإرشاد، فعلم بلا ولاية ولا إرشاد لا يفترق فيه صاحبه كثيرًا عن علماء القانون وهواة الدارسين إلا إذا صحت نيته فإنه مأجور، وعلم وإرشاد بلا ولاية مفيد ولكن لا تحيا به القلوب، وإرشاد بلا علم وولاية ضلال وتضليل، وولاية وعلم بلا إرشاد ولاية قاصرة إن كان\n_________\n(١) الحديد: ١٩.\n(٢) العنكبوت: ٩.\n(٣) الكهف: ١٧.\n(٤) يونس: ٦٢، ٦٣.\n(٥) الذاريات: ١٥ - ١٩.\n(٦) الواقعة: ١٠ - ١٢؟\n(٧) الواقعة: ٨٨، ٨٩.\n(٨) المؤمنون: ٥٧ - ٦١.\n(٩) الفجر: ٢٧ - ٣٠.","vol":"2","page":865},{"text":"لصاحبها عذر في ترك الإرشاد، وإلا فلا ولاية في هذه الحالة.\nومقام الولاية مقام ذكره القرآن وذكرته السنة ولعله من المناسب أن نقف وقفة نتحدث فيها عن الأولياء - نفعنا الله بهم - وكراماتهم، والأولياء هم الذين تحققوا بسلامة اعتقاد وحسن عمل على ضوء علم صحيح واتباع صحيح.\nوفي الحديث الذي رواه البخاري (١): \"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحيه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعادني لأعيذنه\". فالذي يقوم بالفرائض الظاهرة والباطنة ويكثر من النوافل هو مظنة استجابة الدعاء وتلبية الحاجات ومظنة أن يعاقب مؤذيه في الدنيا والآخرة، وهو مظنة تنزل الرحمات عليه وعلى من يحبط به قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٣)، وهم مكرمون بالبشارات ومؤيدون بالرؤى المبشرات ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٤).\nروى الطبراني، عن حذيفة بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"ذهبت النبوة فلا نبوة بعدس إلا المبشرات: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له\" (٥).\nوفي رواية لابن ماجه (٦): \"ذهبت النبوة وبقيت المبشرات\".\nوليس كل من ظهرت على يده خوارق العادة أو استجيب دعاؤه وليًا، فقد يستجيب\n_________\n(١) البخاري (١١/ ٣٤٠) ٠ - ٨١ - كتاب الرفاق - ٣٨ - باب التواضع.\n(٢) الأعراف: ٥٦.\n(٣) الأعراف: ١٥٦، ١٥٧.\n(٤) يونس: ٦٢ - ٦٤.\n(٥) المعجم الكبير (٣/ ١٧٩). وهو حديث حسن.\nمجمع الزوائد (٧/ ١٧٣). وقال: رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني ثقات.\n(٦) ابن ماجه (٢/ ١٢٨٣) - ٣٥ - كتاب تعبير الرؤيا - ١ - باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.\nوهو عنده عن أم كرز.","vol":"2","page":866},{"text":"الله لكافر أو فاسق: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (١)، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (٢)، وإنما نصف بالكرامة من اجتمع له صلاح واستقامة، فعندئذ إذا ظهرت على يده خارقة أو حدث توفيق خاص أو استجيب دعاؤه فذلك في حقه كرامة، فوصف الكرامة يتحقق إذا اجتمع بصاحبها صفات معينة ولذلك قالوا في تعريفها: (الكرامة هي أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح يلتزم بمتابعة النبي ﷺ مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح).\nوالمعونة عندهم صفة لتوفيق إلهي أو تفريج كرب أو خرق لعادة إذا ظهرت على يد عبد مستور الحال، فإذا ما ظهرت الخارقة على يد فاسق أو كافر فعي استدراج، فالعبرة للموصوف في إعطاء الصفة للخارقة. وقد حدث لبس في موضوع الولاية، فإذا ظهرت خارقة على يد إنسان فهناك من يعطيه صفة الولاية، ويرتب عليها عصمة وطاعة ومتابعة بصرف النظر عن الالتزام الشرعي أو العلم بالشريعة، ولذلك نجد كثيرًا من الناس طمحت أبصاره ليعرفوا بالولاية فيكون لهم احترام وتصدر جاه وإتباع، فالتبس الأمر على العامة، مع أنه في الأصل قد يكون الإنسان وليًا وليس كاملًا من كل الجهات، وقد يكون وليا ولكن لا يتجاوز به مقامه في العلم والمتابعة. ألا ترى إلى مالك ﵀ يقول: \"إن من شيوخي من أستسقي الله به ولا أقبل حديثه\".\nوقال ابن عطاء: ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه.\nفالولاية ثابتة بنصوص الكتاب والسنة ولكن من هو الولي؟.\nإنه الذي يتولى الله في العبادة والطاعة من غير تخلل معصية، مع جوازها عليه، ويتولاه الله بالرعاية والعناية، فهو عارف بالله وصفاته، مواظب على الطاعات مجتنب للمعاصي، غير منهمك باللذات والشهوات المباحة، وإذا ارتكب معصية أو حدثت له غفلة أحدث توبة.\nوالكرامة ثابتة بنصوص الكتاب والسنة، فهذا القرآن يذكر لنا عن مريم ﵍:\n_________\n(١) النمل: ٦٢.\n(٢) الإسراء: ٦٧.","vol":"2","page":867},{"text":"﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١).\nويذكر قصة صاحب سليمان إذ أتى بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان إليه، ويذكر قصة أصحاب الكهف ونومتهم الطويلة وبقاء حياتهم بلا طعام ولا شراب، وهذه السنة الثابتة تذكر حادثة عمر مع سارية، وإضاءة العصا لأسيد بن حضير وعباد بن بشر، وما رزق الله خبيثًا من الرزق وهو أسير بمكة، ولكن لا تصف أحداُ بالكرامة إلا إذا كان مظهرًا للاستقامة.\nومع وجود الكرامة والولاية فلا يتجاوز بالولي مقامه ومؤهلاته، فإن كان أهلًا للإمامة قدم، وإن كان أهلًا للعلم أخذ منه، وما يظهر منه أو له يوزن بميزان الشريعة. فالشريعة معصومة، ومن سوى الأنبياء فليس بمعصوم: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nلقد كان للخضر مقامه العظيم في الولاية على رأي من يقول بولايته، ولكن الإمامة والرسالة كانت لموسى ﵇، فهو الذي طولب قومه بإتباعه والتلقي عنه والأخذ منه، وهذا شيء، وأن تقدم لمن عرفناه بالولاية أو من هو مظنتها الاحترام والأدب والتوقير شيء آخر، فأدبنا مع أمثال هؤلاء مؤكد واحترامنا لهم مطلوب، والمسلم الحكيم يضع كل شيء في محله.\nوإذا فما نعرف به الولي: استقامته وظهور الكرامة على يده، وشيء آخر هو حب أهل الصلاح له وثناؤهم عليه.\nولنعد إلى ما بدأنا به هذا الوصل: فالمطلوب هو الوارث الكامل، الذي في صفاته الولاية، ومن صفاته الأخرى العلم والإرشاد، والقيام بمهام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبذلك تستقيم الحياة البشرية.\n_________\n(١) آل عمران: ٣٧.\n(٢) الجاثية: ١٨.","vol":"2","page":868},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>النصوص</span>\n٨٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: إن أصحاب الصفة كانوا ناسًا فقراء، وإن النبي ﷺ قال مرة: \"من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة، فليذهب بخامس، بسادس\" - أو كان قال - وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة، قال: فهو أنا وأبي وأمي - ولا أدري هل قال: وامرأتي - وخادم [بين] بيتنا وبيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ، ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله ﷺ - وفي رواية: حتى نعس رسول الله ﷺ - فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك - أو قالت: ضيفك-؟ فقال أو ما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، وقد عرضوا عليهم [فغلبوهم]. قال: فذهبت أنا فاختبأت، فقال: يا غنثر. فجدع وسب، وقال: كلوا، لا هنيئا. وقال: والله لا أطعمه أبدًا. قال: ويم الله، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ريا من أسفلها أكثر منها، حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر، فإذا هي كما هي، أو أكثر، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ قالت: لا، وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات. فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان - يعني يمينه -. ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي ﷺ، فأصبحت عنده. قال: وكان بيننا وبين قوم عهد، فمضى الأجل فتفرقنا اثني عشر رجلًا، مع كل رجلٍ منهم أناس - والله أعلم كم مع كل رجل؟ - فأكلوا منها أجمعون. أو كما قال.\n_________\n٨٤٨ - البخاري (٢/ ٧٥) - ٩ - كتاب مواقيت الصلاة - ٤١ - باب السمر مع الضيف.\nمسلم (٣/ ١٦٢٧، ١٦٢٨) - ٣٦ - كتاب الأشربة - ٣٢ - باب إكرام الضيف وفضل إيثاره.\n(غنثر): روي بضم الغين وفتحها، وهو من الغثارة، وهي الجهل.\nوقيل: هو من الغنثرة، وهي شرب الماء من غير عطش، وذلك من الحمق، وقيل: \"غنثر\" كلمة يقولها الغضب إذا ضاق صدره من شيء جرى على غير ما أراده، قال بعض أهل اللغة: أحسبه الثقيل الوخم.\nوقد ذكر الزمخشري: إنها رويت بالعين المهملة مفتوحة والتاء المعجمة بنقطتين: وهو الذباب الأزرق، شبهه به تحقيراُ له، ويجوز أن يكون شبهه به لكثره أذه\".\n(فجدع): المجادعة: المخاصمة.\n(ربا): الشيء يربو: إذا زاد وارتفع.","vol":"2","page":869},{"text":"وفي رواية (١) قال: جاء أبو بكر يضيف له - وأضاف له - فأمسى عند النبي ﷺ، فلما جاء، قالت له أمي: احتبست عند ضيفك - أو أضيافك - الليلة. فقال: أما عشيتيهم؟ فقالت: عرضنا عليه - أو عليهم - فأبوا. (أو أبى). فغضب أبو بكر، فسب وجدع، وحلف لا يطعمه، فاختبأت أنا فقال: با عنثر، فحلفت المرأة لا تطعمه، فحلف الضيف - أو الأضياف - أن لا يطعمه - أو لا يطعموه - حتى يطعمه، فقال أبو بكر: هذه من الشيطان. فدعا بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسقلها أكثر منها، فقال: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ فقالت: وقرة عيني إنها الآن لأكثر [منها] قبل أن تأكل. فأكلوا، وبعث بها إلى النبي ﷺ، فذكر أنه أكل منها.\nوفي أخرى (٢): أنا أبا بكر تضيف رهطًا، فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى النبي ﷺ، فافرغ من قراهم قبل أن أجيء. فانطلق عبد الرحمن، فأتاهم بما عنده، فقال: اطعموا. فقالوا: أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا. قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا. قال: اقبلوا عنا قراكم، فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقين منه. فأبوا، فعرفت أنه يجد علي، فلما جاء تنحيت عنه، قال: ما صنعتم؟ فأخبروه، فقال: يا عبد الرحمن فسكت، فقال: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت. فخرجت فقلت: سل أضيافك. فقالوا: صدق، أتانا به. فقال: إنما انتظرتموني، والله لا أطعمه الليلة. فقال الآخرون: والله لا نطعمه حتى نطعمه. قال: لم أر في الشر كالليلة، ويلكم، ما لكم لا تقبلون عنا قراكم؟ هات طعامك. فجاء به فوضع يده، فقال: بسم الله، الأولى للشيطان. فأكل وأكلوا.\nزاد في رواية (٣): فلما أصبح غدا على النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، بروا وحنثت. قال: وأخبره، فقال: \"بل أنت أبرهم وأخيرهم\" قال: ولم تبلغني كفارة.\n_________\n(١) البخاري (١٠/ ٥٣٥) - ٧٨ - كتاب الأدب - ٨٨ - باب قول الضيف لصاحبه: والله لا آكل حق تأكل.\n(٢) البخاري (١٠/ ٥٣٤) - ٧٨ - كتاب الأدب - ٨٧ - باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف.\nومسلم (٣/ ١٦٢٩) - ٣٦ - كتاب الأشربة - ٣٢ - باب إكرام الضيف.\n(٣) مسلم: الموضع السابق.\n(بر): الرجل فهو بار؛ إذا صدق.\n(حنث) في اليمين: إذا نقض ما حلف عليه وخالفه.","vol":"2","page":870},{"text":"وفي رواية أبي داود (١) قال: نزلنا بنا أضياف لنا، وكان أبو يتحدث عند رسول الله ﷺ، فقال: لا أرجعن إليك حتى تفرغ من ضيافة هؤلاء، ومن قراهم. فأتاهم بقراهم، فقالوا: لا نطعمه حتى يأتي أبو بكر. فجاء فقال: ما فعل أضيافكم؟ أفرغتم من قراهم؟ قالوا: لا. قلت: قد أتيتهم بقراهم، فقالوا: لا نطعمه حتى يجيء. فقالوا: صدق، قد أتانا به، فأبينا حتى تجيء. قال: فما منعكم؟ قال: مكانك. قال: فوالله لا أطعمه الليلة. قال: فقالوا: ونحن، والله لأطعمه حتى تطعمه. قال: ما رأيت في الشر كالليلة قط. قال: قربوا طعامكم. قال: فقرب طعامهم، ثم قال: بسم الله، فطعم وطعموا، فأخبرت أنه أصبح، فغدا على النبي ﷺ، فأخبره بالذي صنع وصنعوا، فقال: \"بل أنت أبرهم وأصدقهم\".\nزاد في رواية (٢) قال: ولم يبلغني كفارة.\n* * *\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ٣٢٧) - كتاب الأيمان والنذور - باب فيمن حلف على طعام.\n(٢) مسلم (٣/ ١٦٣٠): الموضع السابق.","vol":"2","page":871},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>الفصل الثامن\nفي:\nالقصص النبوي</span>\nوفيه:\nمقدمة وفقرتان","vol":"2","page":873},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المقدمة</span>\nمناسبة هذا الفصل للذي قبله واضحة، وأما مناسبته لباب الإيمان بالغيب فلأن القصص النبوي يشبه القصص القرآني والله ﷿ قال عن قصة نوح في القرآن: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (١)، وقال تعالى عن قصة الاقتراع على كفالة مريم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٢) فما قصه الله ﷿ من أنباء الأولين هو من فصول الإيمان بالغيب، وكذلك ما قصه عليما رسول الله ﷺ، وكما أن القصص القرآني تجتمع فيه الحقيقة والتربية والتثبيت والقدوة: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (٣)، فإن القصص النبوي تجتمع فيه هذه المعاني كلها.\nوسنذكر في هذا الفصل فقرتين:\nالفقرة الأولى: في الموقف من القصص بإطلاق وما يراد به.\nالفقرة الثانية: في القصص النبوي.\n_________\n(١) هود: ٤٩.\n(٢) آل عمران: ٤٤.\n(٣) هود: ١٢٠.","vol":"2","page":875},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>الفقرة الأولى\nفي:\nالموقف من القصص بإطلاق وما يراد به</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>المقدمة</span>\nتطلق كلمة القصص ويراد بها قص القصة أي التحديث بها، وهذا لا حرج فيه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (١) وهناك خلاف بين الفقهاء حول جواز قراءة القصص المخترع، فقد أجاز فقهاء الحنفية قراءة قصة عنترة وأشباهها، وتطلق كلمة القصص في الاصطلاح الشرعي ويراد بها الوعظ، وتطلق ويراد بها التوجيه مطلقًا، وتطلق ويراد بها خطبة الجمعة، وتطلق ويراد بها التصدر للفتوى لأنها تستتبع محادثة وقصة.\nولا شك أن ضبط القصص بالمعاني الأربعة الأخيرة مطلوب شرعًا لما يترتب عليه من آثار حسنة أو شيئة، فقد يعظ الناس من هو مبتدع، وقد يوجه إنسان الناس إلى ما هو فتنة، وخطبة الجمعة قد يقوم بها مبتدع أو خطيب فتنة، وخطبة الجمعة قد يقوم بها مبتدع أو خطيب فتنة، وإذا لم يتعين الخطيب، فقد يؤدي ذلك إلى الفوضى، والتصدر لإفتاء الناس من غير أهله قد يؤدي إلى إضلالهم، وكل ذلك يجب أن يحتاط له ومن ههنا أوجب الشارع ألا يقص بهذه المعاني الأربعة إلا صاحب الحق في ذلك، وهو الأمير بحق أو من أمره الأمير بحق.\nوالأصل في الإمرة في الإسلام أن تكون عن فقه، قال عمر بن الخطاب ﵁: تفقهوا قبل أن تسودوا.\nفإذا انفصلت الإمرة عن الفقه فمن الأمير حكما؟ هل هو الفقيه؟ أم ولي الأمر الجاهل؟\n_________\n(١) يوسف: ٣.","vol":"2","page":876},{"text":"مذهب ابن عباس: أن أولي الأمر في الأمة الإسلامية حكما هم الفقهاء.\nولذلك تقول بمناسبة موضوعنا: إنه إذا ولي الأمر العالم الفقيه العادل، فإنه هو الذي يضبط أمر الوعظ والتوجيه وخطب الجمعة، والتصدر للإفتاء، يضبط ذلك: بأن يقوم هو بنفسه في هذه الشؤون أو يعين لها من يقوم بها، فإذا لم يوجد مثل هذا الأمير، فالأصل أن يقوم العلماء المجازون عن أشياخهم بهذا الشأن، ومن ثم وجدت الإجازة عند العلماء وهي بمثابة الأمر لمن يأخذها بالقيام بالوعظ والتوجيه، والخطبة والإفتاء، ومنذ فقدت الخلافة الراشدة تنازع هذا الحق أولياء الأمور والعلماء. فولي الأمر يعتبر أن من حقه التدخل في هذه الشؤون بسيف السلطة، والعلماء يعتبرون أن هذا الحق لهم بسيف الحق.\nوالذي نراه من وجهة النظر الشرعية أنه حيثما كان تدخل ولي الأمر في هذه الشؤون بالعدل والحق فهو نافذ الأمر، ولمن عينه أن يقوم بهذه الشؤون مبرورًا مأجورًا.\nولمن أجيز من أشياخ الحق والعدل والعلم والعمل أن يقوم بهذه الشؤون إذا فتح لهم طريق ذلك، وإجازتهم له تكون من باب الأمر له من أهله.\nوبذلك يدخل في الحديث: \"لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور\" (١)، فهو بعد الإجازة من شيوخه أمير ومأمور معًا.\nوأما فيما سوى هذه الشؤون الأربعة فكل مسلم مجاز من الشارع نفسه، بل مأمور أن يعلم ما تعلمه من الحق، وأن يبلغ عن الشارع ولو آية، وأن يدعو إلى الله على بصيرة، وأن يأمر بمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير، فهذا كله مطلوب من المسلم لا يحتاج فيه إلى إذن ولا استئذان.\nوحصر حق القصص بمعانية الأربعة بالأمير والمأمور في كل من المعاني التي ذكرناها نوع من التأديب للمجتمع الإسلامي، فلا يتطاول إنسان لغير مقامه فيسيء الأدب، ويعرف كل إنسان حدوده، وتضبط الأنفس فلا تدفعها الهوى إلى الكلام وما يجره ذلك من رغبة في التصدر والرياء، ويحال بذلك بين الغلط وتسربه إلى الناس.\n_________\n(١) أبو داود (٢/ ٢٢٣) - كتاب العلم - باب في القصص.\nوابن ماجه (٢/ ١٢٣٥) ٣٣ - كتاب الأدب - ٤٠ - باب القصص.","vol":"2","page":877},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>النصوص</span>\n٨٤٩ - * روى أبو داود عن عوف عن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يقص إلا أمير، أو مأمور، أو مختال\".\nقال ابن الأثير: (لا يقص إلا أمير أو مأمور الخ) أراد بهذا الخطب، وذلك: أن الأمراء كانوا يتولونها بأنفسهم، فيقصون فيها على الناس ويعظونهم، فأما المأمور: فهو من يقيمه الأمير ويختاره الأئمة، فينصبونه لذلك، ولا يكادون يختارون إلا رضيا من الناس، فاضلًا، وما سوى ذلك فلا يكاد ينتدب له من الناس إلا مراء مختال، فإن المختال ينصب نفسه لذلك من غير أن يأمره أحد من أولي الأمر، طلبًا للرياسة، فهو يرائي بذلك ويختال وقيل: أراد به الفتوى في الأحكام. اهـ.\nأقول: لقد قال ﷿: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (١) فهذا يدل على أن من فقه عليه أن يفقه، ولا يحتاج ذلك إلى إذن، ويدل عليه حديث الأشعريين الذي يأتي في جزء العلم: \"ما بال أقوام لا يفقون جيرانه ... \" (٢) كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٣). فقد أخذ الله العهد على العالم أن يعلم، وعلى الجاهل أن يتعلم وهذا لا يحتاج إلى إذن أحد، وقد يحتاج إلى إجازة من العلماء من أجل أن يعرف أن القائم بذلك ثقة مأمون، وكما أن العلم والتعليم من أهلها لا يحتاجان إلى إذن فإن الدعوة إلى الله لا تحتاج إلى إذن من أحد، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤)، وقال رسول الله ﷺ: \"بلغوا عني ولو آية\" (٥)، ولذلك فإن الكثير من شراح الحديث خصصوا هذا\n_________\n٨٤٩ - أبو داود (٣/ ٢٢٣) - كتاب العلم - باب في القصص.\nوهو حديث صحيح.\n(١) التوبة: ١٢٢.\n(٢) مجمع الزوائد (١/ ١٦٤). وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بكير بن معروف: قال البخاري: ارم به.\nووثقه أحمد في رواية وضعفه في أخرى، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.\n(٣) آل عمران: ١٨٧.\n(٤) آل عمران: ١٠٤.\n(٥) البخاري (٦/ ٤٩٦) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل.\nوالترمذي (٥/ ٤٠) - ٤٢ - كتاب العلم - ١٣ - باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل.","vol":"2","page":878},{"text":"الحديث بأن المراد به خطبة الجمعة أو التصدر للفتوى. أقول: وهذا التخصيص يحتاج إلى تخصيص؛ لأن ذلك إنما يكون عندما تكون حكومة إسلامية راشدة وعدل وقسط ورغبة في تعميم الإسلام صافيًا تقيًا، أما إذا اختلط الأمر فحتى هذا التخصيص يجب أن ينقل إلى ورثة الأنبياء من العلماء فعنهم تؤخذ الإجازة وعنهم يتلقى الأمر، لكن هذا قد يحدث فوضى، فما جاء من قبل السلطة الرسمية مما يدخل في باب المعروف الأصل أن تقبله، وما كان فيه شذوذ أو باطل أو دعوة إلى ضلالة وأمكن لعلماء الإسلام أن يقولوا كلمة الحق فهم أصحاب الأمر والإجازة في كل شيء، ومع أننا نرى أن العلم والدعوة لا يحتاجان إلى إذن بشر فإننا نفضل إحياء سنة العلماء في الإجازة فلا يتصدر أحد لعلم أو تربية أو دعوة أو إفتاء أو خطبة إلا بإجازة من عالم ثقة، ولا يدخل في ذلك الحالات العفوية والطارئة واليومية العابرة وحالات الضرورة وحالات وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحالات وجوب التبليغ، فالواجب لا يحتاج إلى إذن أو إجازة من أحد.\n٨٥٠ - * روى الطبراني: عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: \"لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف\".\n٨٥١ - * روى أحمد عن عبد الجبار الخولاني، قال: دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ المسجد فإذا كعب يقص، قال: من هذا؟ قالوا: كعب يقص. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال\". قال: فبلغ ذلك كعبًا فما رئي بعد يقص.\nأقول: كعب عالم ومن حقه أن يقص ولكن ترك اجتهاده خوف اللبس.\n٨٥٢ - * روى ابن ماجه عن ابن عمر قال: لم يكن القصص في زمن رسول الله ﷺ ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر.\n_________\n٨٥٠ - مجمع الزوائد (١/ ١٩٠). وقال: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن.\n٨٥١ - أحمد (٤/ ٢٣٣).\nمجمع الزوائد (١/ ١٩٠). وقال: رواه أحمد، وإسناده حسن.\n٨٥٢ - ابن ماجه (٢/ ١٢٣٥) - ٣٣ - كتاب الأدب - ٤٠ - باب القصص.\nوإسناده حسن.","vol":"2","page":879},{"text":"(القصص) المراد بالقصص هنا: الوعظ، فكأن مجالس الوعظ لم تكن في تلك العهود إلا ما كان يقوم به رسول الله ﷺ والخليفتان من بعده من توجيه.\n٨٥٣ - * روى البخاري عن ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: \"بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي معتمدًا فليتبوأ مقعده من النار\".\n٨٥٤ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: لا تملوا الناس فيملوا الذكر.\n٨٥٥ - * روى أحمد، عن الشعبي قال: قالت عائشة لابن أبي السائب قاص أهل المدينة: ثلاثًا لتتابعني عليهن أو لأناجزنك. قال: وما هن، بل أتباعك أنا يا أم المؤمنين. قالت: اجتنب السجع في الدعاء، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك. وقص على الناس في كل جمعة مرة، فإن أبيت فثنتين، فإن أبيت فثلاث ولا تملن الناس هذا الكتاب ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديثهم، ولكن اتركهم فإذا حدوك عليه وأمروك به فحدثهم.\n_________\n٨٥٣ - البخاري (٦/ ٤٩٦) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل.\n٨٥٤ - المعجم الكبير (٩/ ١٣٥).\nمجمع الزوائد (١/ ١٩١). وقال: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده صحيح.\n٨٥٥ - أحمد (/٢١٧).\nمجمع الزوائد (١/ ١٩١). وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، رواه أبو يعلى بنحوه.\n(قاص أهل المدينة): المراد بقاص المدينة هنا: واعظها.","vol":"2","page":880},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>الفقرة الثانية\nفي:\nالقصص النبوي</span>\nوفيها:\nنصوص\n٨٥٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي عنهما قال: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، ما يقوم إلا إلى عظم صلاة.\n٨٦٧ - * روى أحمد عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا إلى عظم صلاة.\nورواه ابن خزيمة وقال: \"فالنبي ﷺ قد كان يحدثهم بعد العشاء عن بني إسرائيل ليتعظوا مما قد نالهم من العقوبة في الدنيا مع ما أعد الله لهم من العقاب في الآخرة لما عصوا رسولهم ولم يؤمنوا، فجائز للمرء أن يحدث بكل ما يعلم أن السامع ينتفع به من أمر دينه بعد العشاء، إذ النبي ﷺ قد كان يسمر بعد العشاء في الأمر من أمور المسلمين مما يرجع إلى منفعتهم عاجلًا وآجلًا، دينًا ودنيا، وكان يحدث أصحابه عن بني إسرائيل لينتفعوا بحديثه، فدل فعله ﷺ على أن كراهة الحديث بعد العشاء بما لا منفعة فيه دينا ولا دنيا، ويخطر ببالي أن كراهته ﷺ الاشتغال بالسمر لأن ذلك يثبط عن قيام الليل، لأنه إذا اشتغل أول الليل بالسمر ثقل عليه النوم آخر الليل فلم يستيقظ، وإن استيقظ لم ينشط للقيام\" اهـ.\n٨٥٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله. فلم يقل ونسي، فأطاف بهن، ولم تلد\n_________\n٨٥٦ - أبو داود (٣/ ٢٢٢) - كتاب العلم - باب الحديث عن بني إسرائيل.\n٨٥٧ - أحمد (٤/ ٤٣٧).\nمجمع الزوائد (٨/ ٢٦٤). قال: وفي رواية يعني الفريضة المكتوبة. رواه أحمد وإسناده حسن.\n٨٥٨ - البخاري (٩/ ٢٣٩) - ٦٧ - كتاب النكاح ١١٩ - باب قول الرجل: لأطوفن.","vol":"2","page":881},{"text":"منهن إلا امرأة نصفه إنسان\".\nقال النبي ﷺ: \"لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته\".\n٨٥٩ - * روى مسلم عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلامًا أعلمه السحر. فبعث إليه غلامًا يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي. وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم: الساحر أفضل، أو الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس. فرماها، فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، وقد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الأكمة والأبرض، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك - كان قد عمي - فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني. قال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله ﷿، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمنت بالله فشفاك. فآمن به، فشفاه الله، فأتى الملك، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه، فلم يزل يعذبه، حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمة والأبرص، وتفعل وتفعل؟ قال: فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله. فأخذه. فلم يزل يعذبه، حتى ذل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار على مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له ارجع\n_________\n٨٥٩ - مسلم (٤/ ٢٢٩٩) - ٥٣ - كتاب الزهد والرقاق - ١٧ - باب قصة أصحاب الأخدود.\n(بالمنشار) أشرت الخشبة بالمنشار: إذا شققتها، ووشرتها بالميشار - غير مهموز - لغة فيه - والميشار والمنشار سواء. =","vol":"2","page":882},{"text":"عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أسحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه. فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه، وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت. فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارم، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، وأخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام. ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام. آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناش. فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخدت، وأضرم فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها - أو قيل له: اقتحم. (١)\n_________\n= (قرقور) القرقور: سفينة صغيرة.\n(فانكفأت) السفينة، أي: انقلبت، ومنه: كفأت القدر: إذا كببتها.\n(الصعيد): وجه الأرض، وأراد: أنه جمعهم في أرض واحدة منبسط ليشاهدوه.\n(من كنانتي) الكنانة: الجعبة التي يكون فيها النشاب.\n(كبد القوس): وسطها، والمراد به: موضع السهم من الوتر والقوس.\n(بالأخدود) الأخدود: الشق في الأرض، وجمعه الأخاديد.\n(السكك): جمع سكة، وهي الطريق.\n(أضرمت): النار: إذا أوقدتها وأثرتها.\n(اقتحم): الاقتحام: الوقوع في الشيء من غير روية ولا تثبت.","vol":"2","page":883},{"text":"ففعلوا، حتى جاءت امرأة، ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه، اصبري، فإنك على الحق\".\nوفي رواية الترمذي (١) قال: كان رسول الله ﷺ: إذا صلى العصر همس - والهمس في بعض قولهم: تحرك شفتيه، كأنه يتكلم - فقيل له: يا رسول الله، إنك إذا صليت العصر همست؟ قال: \"إن نبيا من الأنبياء كان أعجب بأمته، قال: من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه: أن خيرهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أسلط عليهم عدوهم. فاختاروا النقمة، فسلط الله عليهم الموت، فمات في يوم سبعين ألفًا\".\nوكان إذا حدث بهذا الحديث الآخر، قال: \"كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلامًا فهما - أو قال: فطنا - لقنا فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموت، فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه\". قال: \"فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه، فجعل يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة\" قال معمر [أحد رواة الحديث]: أحب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين - قال: \"فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به، فلم يزل حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله\". قال: \"فجعل الغلام ويمكث عند الراهب، ويبطئ عن الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام: أنه لا يكاد يحضرني. فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك الكاهن: أين كنت؟ فقل: عند أهلي. وإذا قال لك أهلك: أين كنت؟ فأخبرهم أنك كنت عند الكاهن\". قال: \"فبينما الغلام على ذلك، إذ مر بجماعة من الناس كثير، قد حبستهم دابة - فقال بعضهم: إن تلك الدابة كانت أسدًا - فأخذ الغلام حجرًا، فقال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حقا فأسألك أن أقتله. ثم رمى به، فقتل الدابة، فقال الناس: من قتلها؟ فقالوا: الغان. ففزع الناس،\n_________\n= (فتقاعست) التقاعس: التأخر والمشي إلى وراء.\n(١) الترمذي (٥/ ٤٣٧) - ٤٨ - كتاب التفسير - ٧٧ - باب \"ومن سورة البروج\".\n(الهمس): الكلام الخفي الذي لا يكاد يسمع.\n(اللقين): الرجل الفهم الذكي.","vol":"2","page":884},{"text":"وقالوا: قد علم هذا الغلام علمًا لم يعلمه أحد\". قال: \"فسمع به أعمى، فقال له: إن أنت رددت بصري، فلك كذا وكذا. قال: لا أريد منك هذا، ولكن أرأيت إن رجع إليك بصرك أتؤمن بالذي ررده عليك؟ قال: نعم\". قال: \"فدعا الله، فرد عليه بصره، فآمن الأعمى، فبلغ الملك أمرهم، فدعاهم، فأتي بهم، فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه. فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى، فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فأبقوه من رأسه. فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه، جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل، ويتردون، حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه، وأنجاه، فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني، وتقول إذا رميتني: بسم الله رب هذا الغلام. قال: فأمر به فصلب، ثم رماه فقال: بسم الله رب هذا الغلام\". قال: \"فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي، ثم مات، فقال الناس، لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام\". قال: \"فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة؟ فهذا العالم كلهم قد خالفوك\". قال: \"فخذ أخدودا ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس، فقال: من رجع عن دينه تركناه ومن ثم يرجع ألقيناه في النار. فجعل يلقيهم في تلك الأخدود\" قال: \"يقول الله ﵎: (قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود) حتى بلغ - (العزيز الحميد) (١). قال \"فأم الغالم: فإنه دفن\". قال: فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه، كما وضعها حين قتل.\nأقول: قوله: \"إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر\"؛ يفيد أنه في حالة قسوة الظروف وفي الأحوال الصعبة\n_________\n(التهافت): الوقوع في الشيء مثل التساقط.\n(١) البروج: ٤ - ٨.","vol":"2","page":885},{"text":"الاستثنائية يتوسع في الكلام ليحمي الإنسان نفسه. وقوله: \"فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب\"، مع أن الراهب أوصاه ألا يدل عليه، يفيد أنه تحت العذاب يمكن أن يفشي أصدق الصديقين الأسرار المؤتمن عليها بما يؤدي إلى قتل الأولياء، وهو في ذلك معذور، بدليل أن الغلام لم ينقص مقامه عند الله فبقيت الكرامات تجري على يده بعد ذلك.\nوفي الحديث عبر كثيرة في فقه الدعوة خاصة في مثل الظروف والأوضاع الموجودة في كثير من البلدان. اهـ.\n٨٦٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال \"لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يارب، أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد، أتته وهو يصلي، فقال: يا جريج. فقال: يارب، أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يارب، أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بني إسرايل جريجًا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه [لكم] \". قال: \"فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج. فأتوه، فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك. فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: دعوني أصلي. فصلى، فلما انصرف أتى الصبي قطعن في بطنه، وقال: يا غلام، من أبوك؟ فقال: فلان الراعي\". قال: \"فأقبلوا على جريج يقبلونه، ويتمسحون به،\n_________\n٨٦٠ - مسلم (٤/ ١٩٧٦) - ٤٥ - متاب البر والصلة - ٢ - باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها.\n(المومسات): الزواني: جمع موسة، وهي الفاجرة، والمياميس كذلك.\n(والبغي): الزانية أيضًا.\n(يتمثل بحسنها): أي يعجب به، ويقال: لكل من يستحسن: هذا مثل فلانة في الحسن.=","vol":"2","page":886},{"text":"وقالوا: نبني صومعتك من ذهب. قال: لا، أعيدوها من لبن كما كانت. ففعلوا وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهةٍ وشارة حسنةٍ، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا. فترك الثدي وأقبل إليه، فنظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديه، فجعل يرتضع\" - قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها قال: \"ومروا بجارية وهم يضربونها، ويقولون: زنيت، سرقت. وهي تقول: حسبي الله، ونعم الوكيل. فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فترك الرضاع ونظر إليها، فقال: اللهم اجعلني مثلها. فهناك تراجعا الحديث، فقالت: حلقي! مر رجل حسن الهيئة، فقلت: اللهم اجعل ابني مثله. فقلت: اللهم لا تجعلني مثله. ومروا بهذه الأمة وهو يضربونها، ويقولون: زنيت، سرقت، فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فقلت: اللهم اجعلني مثلها! فقالت: إ'ن ذلك الرجل كان جبارًا، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله. وإن هذه يقولون لها: زنيت، ولم تزن. وسرقت، ولم تسرق. فقلت: اللهم اجعلني مثلها\".\n٨٦١ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"كان ببني إسرائيل تاجر وكان ينقص مرة ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التجارة خير، لألتمسن تجارة هي خير من هذه. فبنى صومعة وترهب فيها\".\n٨٦٢ - (٢) ورى الترمذي عن أبي وائل ﵀ عن رجل من ربيعة - وهو الحارث بن يزيد البكري - قال: قدمت المدينة، فدخلت على رسول الله ﷺ والمسجد غاص بأهله،\n_________\n= (والشارة الحسنة): جمال الظاهر في الهيئة والملبس والمركب ونحو ذلك.\nقوله: (فقالت: حلقى): أي أنها خطبت نفسها داعية أن يصيبها بوجع في حلقها: أي هي حلقى، وليس المراد الدعاء وإنما هو التقديم لمساءلة ابنها.\n(الجبار): العاتي للتكبر القاهر للناس.\n٨٦١ - أحمد (٢/ ٤٣٤). مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٦).\n٨٦٢ - الترمذي (٥/ ٣٩١) - ٤٨ - كتاب التفسير - ٥٢ - باب \"ومن سورة الذاريات\".\nوهو حديث حسن.","vol":"2","page":887},{"text":"وإذا رايات سود تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: رسول الله ﷺ يريد أن يبعث عمرو بن العاص نحو ربيعة، فقلت: أعوذ بالله أن أكون مثل وافد عادٍ. فقال رسول الله ﷺ: \"وما وافد عاد؟ \" فقلت: على الخبير سقطت، إن عادًا لما أقحطت بعثت قيلًا يستسقى لها، فنزل على بكر ابن معاوية، فسقاه الخمر، وغنته الجرادتان، ثم خرج يريد جبال مهرة، فقال: اللهم إني لم آتك لمرضٍ فأداويه، ولا لأسير فأفاديه فاسق عبدك ما كنت مسقيه، واسق معه بكر ابن معاوية- يشكر له الخمر الذي سقاه-. فرفع له ثلاث سحائب: حمراء وبيضاء، وسوداء، فقيل له: اختر إحداهن، فاختار السوداء منهن، فقيل له: خذها رمادا رمددا لا تذر من عادٍ أحدًا. فقال رسول الله ﷺ: \"إنه لم يرسل [من الريح] إلا مقدار هذه الحلقة يعني حلقة الخاتم. ثم قرأ: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ الآية (١).\n٨٦٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: فائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فاتخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، فقال: اللهم إنك تعلم آني تسلفت فلانًا دينار، فسألني كفيلًا. فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي\n_________\n= (خفقت) الرايات: إذا حركها الهواء وجاء صوتها.\n(قحط) القحط: الغلاء، وأصله من انقطاع المطر، وهو سبب الغلاء.\n(رمادًا): الرماد معروف، (والرمدد): أدق ما يكون منه، ويقال: رماد رمدد، أي: هالك، جعلوه صفة له.\n(الريح العقيم) هي التي لا تلقح الشجر، ولا تأتي بالمطر.\n(١) الذاريات: ٤١، ٤٢.\n٨٦٣ - البخاري (٤/ ٤٦٩) - ٣٩ - كتاب الكفالة - ١ - باب الكفالة في القرض.\n(زجج): موضعها: أي، سوى موضع النقر وأصلحه، من تزجيج الحواجب، وهو حذف زوائد الشعر، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزج بأن يكون النقر في طرف الخشبة، فيشد عليه زجًا ليمسكه ويحفظ ما في جوفه.","vol":"2","page":888},{"text":"بك، وسألني شهيدًا. فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أيعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإني استودعتكما. فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، وأتى بألف دينار، فقال: والله مازلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي جئت به. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدًا.\n٨٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غارٍ، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلب شجرٍ يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر\" - زاد بعض الرواة: \"والصبية يتضاغون عند قدمي - فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج\". قال النبي ﷺ: \"قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم، كانت أجب الناس إلي فأردتها على نفسها، وامتنعت مني، حتى ألمت بنها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلي بيني وبين نفسها،\n_________\n٨٦٤ - البخاري (٤/ ٤٤٩) - ٣٧ - كتاب الإجازة ١٢ - باب من استأجر أجيرًا ... الخ.\nمسلم (٤/ ٢٠٩٩) - ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء - ٢٧ - باب قصة أصحاب الغار الثلاثة.\n(الغبوق): شراب آخر النهار، والمراد: إنني ما كنت أقدم عليهما في شراب حظهما من اللبن أحدًا.\n(يتضاعون): أي: يضجون ويصيحون من الجوع.\n(السنة): الجدب والقحط.\n(ألمت بها): بها: إذا قرب منها ودنا الجدب.\n(فأردتها): أي راودتها وطلبت منها أن تمكنني من نفسها.=","vol":"2","page":889},{"text":"ففعلت حق إذا قدرت عليها، قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها\". قال النبي ﷺ: \"وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء، وأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحدٍ، ترك الذي له وذهب، فثمرت أجرة حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أد إلي أجري. فقلت: كل ما ترى من أجرك، من الإبل، والبقر والغنم، والرقيق. فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي. فقلت: إني لا أستهزئ بك. فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون\".\nوفي رواية (١): أن رسول الله ﷺ قال: \"بينما نفر ممن قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار، فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه. فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز، فذهب وتركه، وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره إلى أن اشتريت منه بقرًا، وإنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فسقها. فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق. فساقها، فإن كنت تعلم إني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساحت عنهم الصخرة ... \".\nوذكر باقي الحديث بقريب من معنى ما سبق.\n_________\n= (تفض الخاتم): كناية عن الجماع والوطء.\n(التحرج): الهرب من الحرج، وهو الإثم والضيق.\n(١) البخاري (٦/ ٥٠٥) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٣ - باب حديث الغأر.\n(فرق): الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلًا. أي حوالي خمسة كيلو غرامات ونيقًا.\n(فانساحت) بالحاء المهملة، أي: انفسحت وتنحت.","vol":"2","page":890},{"text":"ولهما روايات بنحو ذلك.\nورواه أبو داود (١) مجملًا، وهذا لفظه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:؟ \"من استطاع منكم أن يكوم مثل صاحب فرق الأرز فليكن مثله\". قالوا: ومن صاحب فرق الأرز يا رسول الله؟ ... فذكر حديث الغار حين سقط عليهم الجبل، \"فقال كل واحد منهم: اذكروا أحسن عملكم\". قال: \"فقال الثالث: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجيرًا بفرق أرز، فلما أمسيت عرضت عليه حقه، فأبى أن يأخذه، وذهب فثمرته له، حتى جمعت له بقرا ورعاءها، فلقيني، فقال: أعطني حقي. فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها، فخذها. فذهب فاستاقها\".\n٨٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول \"إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس\". قال: \"فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطى لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا. قال: فأي المال أحب إليظ؟ قال: الإبل\" - أو قال: \"البقر\" شك إسحاق: إلا أن الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإبل. وقال الآخر\" البقر - قال: \"فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها\". قال: \"فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس\". قال: \"فمسحه فذهب عنه\". قال: \"وأعطي شعرًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرةً حاملًا، قال: بارك الله لك فيها\". قال: \"فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك. قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ٢٥٦) - كتاب البيوع - باب في الرجل يتجر في مال الرجل.\nوالحديث في روايته مختصر.\n٨٦٥ - البخاري (٦/ ٥٠٠) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥١ - باب حديث أبرص وأعمى وأقرع.\nمسلم (٤/ ٢٢٧٥) - ٥٣ - كتاب الزهد - ١٠ - باب حدثنا شيبان بن فروخ ... الخ.\n(ناقة عشراء) إذا كانت حاملا، وقيل: إذا عليها لحملها عشرة أشهر.","vol":"2","page":891},{"text":"به الناس\". قال: \"فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدًا، فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم\". قال: \"ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقظعت بي الجبال، في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرًا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت\". قال: \"وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثلما قال لهذا، فرد عليه مثل مارد على هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت\". قال: \"وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكينٌ، وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلوغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلى بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك، وسخط على صاحبيك\".\n٨٦٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة الله عنه قال: قال النبي ﷺ: \"اشترى رجل من رجلْ عقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره\n_________\n= (شاة والدا) الشاة الوالد: هي التي قد عرف منها كثرة الولد والنتاج.\n(فأنتج) أنتجها، أي: افتقدها عند الولادة - هكذا جاء لفظ الحديث \"أنتج\" - وإنما يقال: نتجت الناقة أنتجها، والناتج للنوق كالقابلة للنساء وقوله: \"وولد هذا\" أي فعل في شاته كما فعل ذلك في إبله وبقره.\n(الحبال): جمع حبل، وهو العهد والذمام والأمان والوسياة، وكل ما يرجو منه خيرًا أو فرجًا، أو يستدفع به ضررًا، والحبل: السبب، فكأنه قال: انقطعت بي الأسباب.\n(فلا بلاغ): أي ليس لي ما أبلغ به غرضي.\n(كابرًا بي كابر): أي: ورثته عن آبائي وأجدادي.\n(لا أجهدك): أي: لا أشق عليك في الأخذ والامتنان.\n٨٦٦ - البخاري (٦/ ٥١٢) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٤ - باب حدثنا أبو اليمان.\nمسلم (٣/ ١٣٤٥) - ٣٠ - كتاب الأقضية - ١١ - باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين.\nوابن ماجه (٢/ ٨٣٩) ١٨ - كتاب اللقطة، ٤ - باب من أصل ركازًا.=","vol":"2","page":892},{"text":"جرة فيها ذهب: فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب. وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما إلى جلٍ، فقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما إلى رجلٍ، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدقا\".\n٨٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"فقدت أمة من بني إسرائيل، لا يدرى ما فعلت؟ وإني لا أرها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شرت؟ \" قال أبو هريرة: فحدثت كعبا بهذا، فقال: أنت سمعت النبي ﷺ يقوله؟ قلت: نعم. فقال لي مرارًا، فقلت: أأقرأ التوراة؟\nقال ابن حجر:\n\"قوله: (وإني لا أراها إلا الفأر) فإسكان الهمزة، وعند مسلم من طريق أخرى عن ابن سيرين بلفظ \"الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه، ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تشربه\".\nقوله: (فحدثت كعبًا) قائل ذلك هو أبو هريرة، ووقع في رواية مسلم: فقال له كعب أنت سمعت هذا.\nقوله: (فقلت: أفأقرأ التوراة) هو استفهام إنكار، وفي رواية مسلم: أفأنزلت علي التوراة. وفيه أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب، وأن الصحابي الذي يكون إذا أخير بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه يكون للحديث حكم الرفع، وفي سكوت كعب عن الرد على أبي هريرة دلالة على تورعه، وكأنها جميعًا لم يبلغهما حديث ابن مسعود، قال: وذكر عبد النبي ﷺ القردة والخنازير فقال: \"إن الله لم يجعل للمسخ نسلًا ولا عقبًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك\". وعلى هذا يحمل قوله ﷺ: \"لا أراها إلا الفأر\". وكأن كان يظن ذلك ثم أعلم بأنها ليست هي\" اهـ.\n_________\n٨١٧ - البخاري (٦/ ٣٥٠) - ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ١٥ - باب خير مال المسلم غنم.\nمسلم (٤/ ٢٢٩٤) - ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق - ١١ - باب في الفأر وأنه مسخ.","vol":"2","page":893},{"text":"أقول: وحديث ابن مسعود صحيح، فإن الله لم يمسخ أمة إلا أماتها بعد ذلك، فأنواع الحيوانات كلها أمم بعينها ليس منها شيء ممسوخ؛ وبعد أن تبين هذا عن رسول الله ﷺ فإنه يدل على أنه جاءه اليقين بأن الفأرة وغيرها ليست ممسوخة، لأن كلامه في الأصل مبني على قياس واجتهاد منه ﵊.\n٨٦٨ - * روى أحمد عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: \"انتسب رجلان من بني إسرائيل على عهد موسى ﷺ أحدهما مسلم والآخر مشرك، فانتسب المشرك فقال: أنا فلام بن فلان. حتى عد تسعة آباء، ثم قال لصاحبه: انتسب لا أم لك. فقال: أنا فلان بن فلان وأنا بريء مما وراء ذلك. فنادى موسى في الناس فجمعهم ثم قال: قد قضي بينكما، أما أنت الذي انتسبت إلى تسعة آباء فإنك توفيهم العاشر في النار، وأما أنت الذي انتسب إلى أبويه فأنت امرؤ من أهل الإسلام\".\n٨٦٩ - * روى عبد الله بن أحمد عن أبي بن كعب قال: انتسب رجلان على عهد رسول الله ﷺ فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان فمن أنت لا أم لك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"انتسب رجلان على عهد موسى ﷺ فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان - حتى عد تسعة - فمن أنت لا أم لك؟ فقال: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام\" قال: \"فأوحى الله تعالى إلى موسى ﷺ: إن هذين المنتسبين أما أنت أيها المنتمي أو المنتسب إلى تسعة في النار فأنت عاشرهم، وأما أنت يا هذا المنتسب إلى اثنين في الجنة فأنت ثالثهما في الجنة\".\n٨٧٠ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كان رجلان في بني إسرائيل متواخيان، وكان أحدهما مذنبًا، والآخر مجتهدًا في\n_________\n٨٦٨ - أحمد (٥/ ٢٤١).\nوالمعجم الكبير (٢٠/ ١٣٩).\nمجمع الزوائد (٨/ ٨٥). وقال: رواه الطبراني، وأحمد موقوفًا على معاذ، وأحد أسانيد الطبراني رجاله رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد.\n٨٦٩ - أحمد (٥/ ١٢٨).\nمجمع الزوائد (٨/ ٨٥). وقال: رواه عبد الله بن أحمد. ورجاله الصحيح، غير يزيد بن زياد بن أبي الجعد وهو ثقة.\n٨٧٠ - أحمد (٢/ ٣٢٣).=","vol":"2","page":894},{"text":"العبادة، وكان لا يزال المجتهد يرى على الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجده يومًا على ذنبٍ، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبًا؟! فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لت يدخلك الله الجنة. فقبض روحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرًا؟! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار\".\nأقول: إنما عذب المجتهد لأنه تألى على الله وليس لأنه أنكر على المذنب، فالإنكار عليه واجب، ومن هنا نأخذ أدبًا أن ننكر على المذنب ولا نفتات على الله بما سيفعله.\n٨٧١ - * روى البخاري عن خباب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كان الرجل قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، ما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصبٍ، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون\".\n٨٧٢ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود أن رجلًا لم يعمل من الخير شيئًا قط إلا التوحيد فلما حضرته الوفاة قال لأهله: إذا أنا مت فخذوني فاحرقوني حتى تدعوني حممه ثم اطحنوني ثم ذروني في البحر في يوم راحٍ. قال: ففعلوا به ذلك، فإذا هو في قبضة الله ﷿. فقال الله ﷿: ما حملك على ما صنعت. قال: مخافتك. قال: فغفر الله ﷿ له.\n_________\n= وأبو داود (٤/ ٢٧٥) - كتاب الآداب - باب في النهي عن البغي.\nوهو صحيح.\n٨٧١ - البخاري (٦/ ٦١٩) - ٦١ - كتاب المناقب - ٢٥ - باب علامات النبوة.\nوأحمد (٥/ ١٠٩).\n٨٧٢ - أحمد (١/ ٣٩٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ١٩٤). وقال: رواه أحمد، وإسناد ابن مسعود حسن.\n(حممة): فحمة.\n(يوم راح): أي ذي ريح.","vol":"2","page":895},{"text":"أقول: وقد روي هذا الحديث روايات متعددة، وبعض رواياته عند مسلم، وللعلماء كلام كثير في هذا الحديث: والظاهر أن هذا الرجل لم يبلغه من هدي الأنبياء على الكمال والتمام ما تقوم به حجة كاملة عليه، بل بلغه من بقايا هدي الأنبياء ما جعله يتوهم في حق الله ﷿ ما لا يصح، مع وجود أصل الإيمان بالله، فغفر الله ﷿ له توهمه بسبب من حسن نيته في الخوف من الله وبسبب من أنه لم يبلغه شرع الله ﷿ كاملًا عن طريق صحيح، والله أعلم. وبعض روايات الحديث لا تدل على التوهم، فليس فيها إشكال.\n٨٧٣ - * روى أبو يعلى عن عبد الله قال: كان رجل كثير المال لما حضره الموت قال لأهله: إن فعلتم ما أمرتكم به أورثتكم مالًا كثيرًا. قالوا: نعم. قال: إذا مت فاحرقوني ثم اطحنوني، فإذا كان يوم ريحٍ فارتقوا فوق قلة جبلٍ فاذروني، فإن الله إن قدر علي لم يغفر لي. ففعل ذلك به، فاجتمع في يدي الله فقال: ما حملك على ما صنعت. قال: يارب مخافتك. قال: فاذهب فقد غفرت لك. وفي رواية: كان الرجل نباشًا فغفر له خوفه.\nأقول: إن قول الرجل وفعله يدلان علة جهل بالله، فلعله كان من أهل فترة عنده بقايا من دين صحيح، فعامله الله ﷿ برحمته على ما عنده من بقايا خيرٍ، وهو خوفه من الله ﷿.\n٨٧٤ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ: \"إن نبي إسرائيل استخلفوا خليفة عليهم بعد موسى ﷺ فقام يصلي ذات ليلة فوق بيت المقدس في القمر، فذكر أمورًا كان صنعها، فخرج فتدلى بسبب، فأصبح السبب معلقًا في المسجد وقد ذهب\". قال: \"فانطلق حتى أتى قومًا على شط البحر، فوجدهم يضربون لبنا، فسألهم: كيف تأخذون على هذا اللبن؟ \" قال: \"فأخبروه فلبن\n_________\n٨٧٣ - مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٤). وقال: رواه أبو يعلى بسندين، ورجالها رجال الصحيح.\nأحمد (٥/ ٣٨٣) وهو عنده عن معاوية بن خيدة. ورجاله ثقات.\n(قلة جيل): أعلاه.\n٨٧٤ - كشف الأستار (٤/ ٢٦٧).\nوالمعجم الكبير (١٠/ ٢١٦).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢١٨). وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير، وإسناده حسن.\n(تدلى بسبب): تدلى بحبل.=","vol":"2","page":896},{"text":"معهم، فكان يأكل من عمل يده، فإذا كان حين الصلاة قام يصلي، فرفع ذلك العمال إلى دهقانهم، أن فينا رجلًا يفعل كذا وكذا، فأرسل إليه، فأبى أن يأتيه ثلاث مرات، ثم إنه جاء\" [أي: الدهقان] \"يسير على دابته، فلما رآه فر\" [أي: الملك] \"فاتبعه فسبقه، فقال: أنظرني أكلمك\". قال: \"فقام حتى كلمه. فأخبره خبره، فلما أخبره أنه كان ملكًا وأنه فر من رهبة ربه قال: إني لأظنني لاحقًا بك\". قال: \"فاتبعه، فعبدا الله، حتى ماتا برميلة مصر\". قال عبد الله: لو أني كنت ثم لاهتديت إلى قبريهما بصفة رسول الله ﷺ التي وصف لنا.\n٨٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا فسأله، فقال له: ألي توبة؟ قال: لا. فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه: أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه: أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجداه إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له\".\n٨٧٦ - * روى الطبراني عن أبي عبد رب أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن رجلًا أسرف على نفسه فلقي رجلًا فقال: إن الآخر قتل تسعًا وتسعين نفسًا كلهم ظلما فهل لي من توبة؟ قال: لا. فقتله وأتى آخر فقال: إن الآخر قتل مائة نفسٍ كلها ظلمًا فهل تجد لي من توبةٍ؟ فقال: إن حدثتك على أن الله لا يتوب على من تاب كذبتك. ههنا قوم يتعبدون فائتهم تعبد الله معهم. فتوجه إليهم فمات على ذلك. فاجتمعت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فبعث الله إليهم ملكًا فقال: قيسوا ما بين\n_________\n= (جهقانهم): الدهقان رئيس القرية.\n٨٧٥ - البخاري (٦/ ٥١٢) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٤ - باب حدثنا أبو اليمان.\nمسلم ٢١١٩ - ٤٩ - كتاب التوبة - ٨ - باب قبول توبة القاتل.\n٨٧٦ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢١١). وقال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، غير أبي عبد رب وهو ثقة، ورواه أبو يعلى بنحوه كذلك.","vol":"2","page":897},{"text":"المكانبن فأيهم كان أقرب فهو منهم. فوجوده أقرب إلى دير التوابين بأنملة فغفر له\".\nأقول: ينبغي في كل حال أن يكون للمسلم إخوانه في الله، وأن يكون له انتساب للعلماء الأولياء الصادقين لتتم له فضيلة الأخوة الخالصة في الله والكينونة مع أهل الله، ويتأكد هذا المعنى حين غلبة الشر، وكثرة الفتن، فعلى المسلم في هذه الحالة أن يلجأ إلى البيئات الفاضلة العابدة، فذلك هو معتصمه بعد الله، وليحذر أن يختلط عليه الأمر، فيلجأ إلى بيئة يظنها عابدة صالحة وهي على شذوذ في الاعتقاد أو على بدعة في العمل أو على فتور في العبادة أو على دعوى عريضة في اللسان ويكذب ذلك أفعالها.\n* * *","vol":"2","page":898},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>الفصل التاسع\nفي:\nالإيمان باليوم الآخر</span>\nوفيه:\nمقدمة ووصول","vol":"2","page":899},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>المقدمة</span>\nفي الإسلام تنبثق الفروع عن أصول، والأصول نفسها ترجع إلى أصول أجمع وأكثر كلية، وهكذا فمرجع الإسلام كله إلى الشهادتين، فالشهدتان تنطوي فيهما أركان الإيمان وعنهما ينبثق الإسلام، ويمكن أن نرجع الإسلام والإيمان إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، فمن عرف الله عرف أنه عادل، ومن تمام عدله أن يكون هناك يوم آخر، ومن تمام عدله ألا يحاسب ويعاقب إلا على شيء قد تقدم به إلى الناس، ومن ههنا يأتي الوحي والرسالة، والوحي والرسالة تتنزل بها الملائكة.\nوهكذا نجد أن فروع الإسلام ترجع في النهاية إلى أصول قليلة، ولكن ينبثق عن هذه الأصول ما لا يعد من فروع وشعب للفروع.\nوالتركيز على الإيمان بالله واليوم الآخر هو باب الإيمان والتقوى والإحسان والشكر والعمل، فهذان الركنان هما محل التركيز المستمر في هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولذلك كان الحديث عنهما في الكتاب والسنة كثيرًا، بينما قل الحديث عنهما في كلام الناس في عصرنا مما ينبغي أن يتلافى.\nإنه عن الإيمان بالله واليوم الآخر ينبثق الإخلاص والتوكل والزهد والمحبة والصدق، كما أن الإيمان باليوم الآخر يستدعي المحاسبة والتأمل والتفكر والاعتبار والخوف والرجاء.\nوعن الغفلة عن الله واليوم الآخر يتفرع الخبث كله من كفر ومعصية وخيانة وحسد وعجب وكبر ورياء.\nإنك إذا تأملت القرآن الحكيم فإنك لا تجد صفحات إلا وفيها حديث عن الله ﷿ أو عن اليوم الآخر أو عن الله واليوم الآخر، وعندما ندرس نصوص السنة نجد كثرة النصوص المترتبطة بهذا أو بهذا؛ لأن ذلك هو محور الرسالة، قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١).\n_________\n(١) العنكبوت: ٣٦.","vol":"2","page":901},{"text":"﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١). والطريقة الأساسية للرسل في البلاغ هي التبشير والإنذار: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢).\nوالتبشير والإنذار إنما هما تبشير برضوان الله الذي ينال أهله الجنة، وإنذار بسخط الله الذي يستأهل أهله النار، ولو أنك تأملت النصوص ثم تأملت الواقع لرأيت أنه لا صلاح للنفس البشرية ولا للحياة البشرية ولا لهذا العالم إلا بالإيمان واليوم الآخر وأن تظهر ثمرة ذلك على السلوك. وتأمل هذه النصوص:\n﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٣).\n﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٤).\n﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (٥).\n﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٦).\n﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٧).\n﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٨).\nوتتوضع حول الإيمان باليوم الآخر موضوعات كثيرة تتصل به بشكل مباشر أو غير مباشر، منها:\n_________\n(١) الأحزاب ٢١.\n(٢) النساء: ١٦٥.\n(٣) الماعون: ١ - ٣.\n(٤) المجادلة: ٢٢.\n(٥) التوبة: ١٨.\n(٦) التوبة: ٤٤.\n(٧) الأنعام: ٩٢.\n(٨) ص: ٤٥، ٤٦.","vol":"2","page":902},{"text":"الإيمان بالموت وبالحياة البرزخية، والساعة وأشراطها، وما يكون بعد الساعة من حشر ونشر وحساب وجنة ونار إلى غير ذلك، ويرتبط بهذا كله موضوعات متعددة كثيرة وكلها مرتبطة بالإيمان بالغيب.\n* * *\nوقد تولى القرآن الكريم مناقشة الكافرين باليوم الآخر والشاكين فيه بما لا مزيد عليه، ولا ينبغي للمؤمن أن يمر عليه دون أن يطالع كتاب الله ﷿ لكي يتزكى قلبه فيمتلئ يقينًا ويتأمل، ويتذكر حين يمر على هذه المعاني وقد كررها القرآن كثيرًا لتثبت وتستقر كدأب القرآن في عرضه للقضايا الأكثر أهمية فهو يكرر القضية بحسب احتياج القلب البشري إليها.\nوموضوع اليوم الآخر يحتاجه القلب كثيرًا ولذلك فإن القرآن يكاد يكون كله وصفًا لليوم الآخر حتى إن بعضهم فسر (الضمير) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (١) بالقرآن، أي: وإن القرآن علم للساعة.\nإن أدلة وجود الله أكثر من أن تحصى، ومن عرف الله ﷿ وعرف صفاته العليا وأسماءه الحسنى آمن باليوم الآخر وعرف حقيقة وجوده واستغرب إنكاره، فمن عرف قدرة الله ﷿ لم يستغرب أن يقيم الله ﷿ القيامة وأن يعيد خلق الإنسان وغيره مما شاء، ومن عرف علم الله لا يستغرب الإعادة مع تفرق الأجزاء، ومن عرف عدل الله آمن بما أخبره عن وجود يوم ودار يكون فيهما الحساب والجزاء.\n- ومن عرف الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعرف صدقهم وكمالاتهم ومعجزاتهم، وعرف أنهم أخبروا وبشروا وأنذروا باليوم الآخر أعطاه ذلك يقينًا.\n- ومن عرف ما في القرآن من إعجاز ومعجزات، وعرف أن هذا القرآن أخبر عن الساعة وما يكون بعدها من حشر ونشر، أيقن باليوم الآخر.\n_________\n(١) الزخرف: ٦١.","vol":"2","page":903},{"text":"- ومن عرف أن رسول الله ﷺ أخبر عن مئات الأحدث التي ستقع بعده، وأن قسمًا كبيرًا مما أخبر عنه قد وقع، عرف أن ما لم يقع واقع لا محالة، ومن ذلك ما يكون بين يدي الساعة وما يكون بعدها.\n- ومن عرف قصة أهل الكهف وأن الحكمة في فعل الله بأصحابها إثبات البعث زاده ذلك يقينًا.\n- ومن تأمل كثرة البشارات والإنذارات في بقايا الوحي الإلهي الذي تقل لنا عن الرسل السابقين - على ما خالطه من تغيير وتبديل - أدرك أن التبشير باليوم الآخر، والإنذار مما يكون فيه كان قاسمًا مشتركًا في هداية الرسل عليهم الصلاة والسلام.\n- ولو أنك تأملت سورة الروم في القرآن لوجدت أن الله ﷿ يدلل على صدق موعوده بغلبة الروم على الفرس بصدق موعوده بأن اليوم الآخر كائن، وهذا يجعلنا نفطن لأهمية ما أخبرنا به رسول الله ﷺ عن واقعات ستقع بعده وقد وقعت لنتحقق بذلك أن ما أخبرنا عنه واقع، سواء في ذلك ما يكون من أحداث قبل قيام الساعة أو ما يكون بعدها، ومن ههنا سيكون الوصل الأول في هذا الفصل في الحديث عن بعض ما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ كم أحداث بين يدي الساعة، قد وقع بعضها، وبعضها لم يقع وهو واقع لإخبار الله في كتابه أو لإخبار الرسول ﷺ في سنته أو لورود الخبر في الكتاب والسنة معاص، وسيكون الوصل الثاني في هذا الفصل عن الموت والحياة البرزخية، وسيكون الوصل الثالث عن الساعة وعما سيكون بعدها.\n* * *","vol":"2","page":904},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>الوصول</span>\nالوصل الأول: بين يدي الساعة\nالوصل الثاني: الموت والحياة البرزخية\nالوصل الثالث: الساعة وما يأتي بعدها","vol":"2","page":905},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>الوصل الأول\nبين يدي الساعة</span>\nوفيه:\nمقدمة وفقرات","vol":"2","page":907},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المقدمة</span>\nتحدث رسول الله ﷺ عما يكون بين يدي الساعة من أحداث كبرى وأحياناُ عن أحداث صغيرة لكنها مهمة، وذلك من معجزاته المتجددة على مدى القرون، فما من عصر تقريبًا إلا ولرسول الله ﷺ أخبار عن غيب تراه هذه الأمة فيه، فيكون معجزة له وعاملًا من عوامل تجديد الإيمان وتعميق اليقين وتثبيت الأفئدة.\nإن بعض الأحداث التي مرت أو ستمر في تاريخ العالم أو على الأمة الإسلامية تزلزل القلوب من هولها وفظاعتها، فعندما يكون عند المسلم علم غنها فإنه يتلقاها باليقين بدلًا من أن تكون سببًا لزعزعة هذا اليقين.\nوفي ذكر بعض الأحداث إيجاد نوع من الجاهزية عند المسلم للتعامل مع هذه الأحداث إذا وقعت، ثم إن بعض هذه الأحداث لها أحكام شرعية فاقتضى ذلك بيانًا، وبعض هذه الأحكام يقاس عليه أشباهه، وفي ذلك إغناء للشريعة وتنوير للمسلم.\nوهناك الدعوات الكافرة أو الضالة التي يدعو إليها مرتدون أو كافرون أو ضالون، وبعض هذه الدعوات تستند إلى شبه في زعمهم، فأن تجيء في أهلها نصوص فذلك قطع لدابر التردد في شأنها عند أهل الإنصاف والهدى.\nوفي كثير من الأحيان تأتي حوادث ظالمة مظلمة يظن الناس أنها أبدية، فتأتي النصوص لتوضح جليتها أو توقيتها فيكون ذلك باعثًا على الأمل والعمل.\nوهناك حالات ينبغي أن تقطع الدعاوى في شأنها فأن يدعي ممر من المعمرين أنه رأى رسول الله ﷺ، ذلك يترتب عليه ما يترتب، فجاءت النصوص لتحدد عمر الجيل الذي عايش رسول الله ﷺ ورآه.\nثم إن قيام القيامة يعني نهاية نظام هذا العالم هو أعظم الأحداث بعد خلق العالم، فما هي مقدماته الكبرى أو الصغرة ليعرف ذلك للمسلمون ويبنوا عليه ما ينبغي البناء.\nهذا بعض الحكم في ذكر ما يحدث بين يدي الساعة بواسطة الوحي.\n* * *","vol":"2","page":909},{"text":"إن النصوص التي تتحدث عما يكون بين يدي الساعة على أنواعها: فمنها ما يتحدث عن دعوات الكفر أو الضلال والفرق التي ستنشق عن جسم الأمة الإسلامية بكفر أو ابتداع.\nومنها ما يتحدث عن بشارات وانتصارات لهذه الأمة. ومنها ما يتحدث عن أحوال ضعف تعتري هذه الأمة. ومنها ما يتحدث عن حالات مرضية تصيب بعض أجيال هذه الأمة. ومنها ما يتحدث عن صراعات كبرى تخوضها هذه الأمة تغلب فيها أو تغلب.\nومنها نصوص تتحدث عن أشخاص بأعيانهم أو أحداث بأعيانها. ومنها النصوص التي تتحدث عن أشراط الساعة الكبرى التي تكون بين يدي الساعة مباشرة.\n* * *\nوقسم من هذه الشؤون قد مر معنا من قبل أو سير معنا في سياقات موضوعات هذا الكتاب، فقد ذكرنا بابا في قسم السيرة عن بعض ما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ من غيوب وقعت. ومر معنا أثناء الكلام عن الفرق الإسلامية بعض مما له علاقة بهذا الموضوع. ومر معنا أثناء الكلام عن الصحابة كثير مما أخبر به ﷺ ووقع. وستمر معنا بعض النصوص بمناسبة الكلام عن مكة والمدينة، أو أثناء الكلام عن الخلافة. وقد نضطر في هذه الشئون لشيء من التكرار، وفي كتابنا الرسول ﷺ تحدثنا عن عدد من الحوادث المستقبلية التي ستقع بعده وقد وقعت ومنها الذي وقع في عصرنا فليراجع.\n* * *\nلقد ركز رسول الله ﷺ بوحي من الله على معانٍ كثيرة فيما يأتي بعده، فتحدث عن الشقاق والخلاف والنزاع والقتال والفتن التي تكون بين أبناء الأمة الإسلامية، وذلك ليعرفها المسلمون فلا يشاركوا في الخطأ، وليتوبوا إذا شاركوا وليعتبروا فلا يكرروا.\nوبشر رسول الله ﷺ بالفتوحات التي ستكون بعده ليندفع المسلمون في عملية الفتح، وليعرفوا أن ذلك من الله فيشكروا، وإذا حدثت انتكاسة فلا ييأسون ولا يستسلمون.\nوركز رسول الله ﷺ على الدعوات الباطلة بعده، سواء جاءت من مدعي نبوة كاذبين أو دعاة ضلالة ليحذر المسلمون وليجتنبوا. وركز على ضعف الالتزام وأنواع من الانحرافات","vol":"2","page":910},{"text":"سيقع فيها بعض المسلمين؛ ليعرفها الصالحون فيعالجوها ويتجنبوها، وليتخذوا الموقف الصحيح من أهلها إذا وقعت. وركَّز على علامات الساعة الصُّغرى ليستأنس المسلمون بذلك فيعرفوا المرحلة التي هم فيها، فعلى ضوء الأحداث التي لم تقع بعد مما أخبر عنه رسول الله ﷺ يستطيع المسلمون أن يعملوا ويخطِّطوا، وفي الأصل فقد ربَّانا رسول الله ﷺ على العمل حتى لو علمنا أن الساعة مصبحة أو ممسية.\nوركَّز على أشراط الساعة الكبرى كأهم شيء يتقدَّم تغيير نظام العالم.\nوركَّز على أن الساعة تقوم على شِرار الخلق ليُعْرَف للمسلم فضله وفضيلة وجوده، فما دام في الأرض مسلم صالح فلا تقوم الساعة، فوجود المسلم أمانٌ لأهل الأرض جميعًا.\n* * *","vol":"2","page":911},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>الفقرات</span>\nالفقرة الأولى في: أنَّ رسول الله ﷺ أخبر عما سيكون بين يدي الساعة.\nالفقرة الثانية في: قُرْب الساعة نسبيًَّا.\nالفقرة الثالثة في: مدَّة قرن النبوَّة.\nالفقرة الرابعة في: بعض أحداث المرحلتين الراشدة والأمويَّة مما أخبر عنه رسول الله ﷺ أنه كائن بين يدي الساعة.\nالفقرة الخامسة في: حديث جامع.\nالفقرة السادسة في: فتح القسطنطينيَّة الأولى.\nالفقرة السابعة في: قتال التتار والمغول والأتراك قبل إسلامهم.\nالفقرة الثامنة في: تمزقات الأمَّة الإسلاميَّة وصراعاتها.\nالفقرة التاسعة في: التجديد والمجدِّدين.\nالفقرة العاشرة في: نار الحجاز.\nالفقرة الحادية عشر في: استقلال أقطار الأمَّة الإسلاميَّة عن بعضها وانفراط عقد الوحدة الإسلاميَّة.\nالفقرة الثانية عشر في: غربة الإسلام.\nالفقرة الثالثة عشر في: مدَّعي النبوَّة والدجالين.\nالفقرة الرابعة عشر في: أعلام وأشراط متفرقة تكون بين يدي الساعة وقد وقعت.\nالفقرة الخامسة عشر في: أشراط صغرى لم تقع بعد.\nالفقرة السادسة عشر في: انحسار الفرات عن جبل من ذهب.\nالفقرة السابعة عشر في: أشراط الساعة الكبرى.","vol":"2","page":913},{"text":"الفقرة الثامنة عشر في: المهدي ﵇.\nالفقرة التاسعة عشر في: الدَّجَّال.\nالفقرة العشرون في: صفة المسيح بن مريم ﵇ ونزوله.\nالفقرة الحادية والعشرون في: يأجوج ومأجوج.\nالفقرة الثانية والعشرون في: لا تقوم الساعة إلا على شِرار الخلق.\nالفقرة الثالثة والعشرون في: نار عدن.","vol":"2","page":914},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الفقرة الأولى\nفي:\nأن رسول الله ﷺ أخبر عما سيكون بين يدي الساعة</span>\n٨٧٧ - * روى مسلم عن عَمْرو بن أخطبَ الأنصاري عنه، قال: صَلَّى رسول الله ﷺ يومًا الفجرَ، وصَعِدَ على المِنْبَرِ، فَخَطَبَنَا حتى حَضَرتِ الظهرُ، فنزلَ فصلَّى، ثمَّ صَعِدَ المنبر، فخطبنا حتى حضرتِ العصرُ، ثمَّ نزل فصلَّى، ثمَّ صَعِدَ المنبر حتى غَرَبَتِ الشمسُ، فأخبرنا بما [كان، وبما] هو كائن إلى يومِ القيامةِ، قال: فأعلَمنا أحفظَنا.\n٨٧٨ - * روى أبو داود حُذيْفَة بنِ اليمان ﵄، وقال: والله ما أَدْرِي أنَسي أصحابي أَم تناسَوْا؟ والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائدٍ فتنةٍ إلى انقضاء الدنيا، يَبلغُ مَن معه ثلاثَمائة فصاعدًا، إلا قد سمَّاه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته.\n٨٧٩ - * روى مسلم عن أبي ادريس الخولاني قال: قال حذيفةُ ﵁: والله إني لأُعَلِّم الناس بكلِّ فِتنَةٍ هي كائنةٌ فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله ﷺ في ذلك شيئًالم يُحدِّثه غيري، ولكنَّ رسول الله ﷺ قال يومًا- وهو في مجلسٍ يَتَحَدَّثُ فيه عَنِ الفتن ويَعُدُّهُنَّ-: (منها ثلاثٌ لا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شيئًا، ومنها فِتَنٌ كرياح الصيفِ، منها صِغارٌ، ومنها كِبارٌ) فذهب أُولئِكَ الرَّهْطُ الذين سَمِعُوه معي كلهم غيري.\n_________\n٨٧٧ - مسلم (٤/ ٢٢١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.\n٨٧٨ - أبو داود (٤/ ٩٥) كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها، وإسناده حسن.\n٨٧٩ - مسلم (٤/ ٢٢١٦) - كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة. (كرياح الصيف): يريد أن فيها بعض الشدة، وإنما خص الصيف لأن رياح الشتاء أقوى.","vol":"2","page":915},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>الفقرة الثانية\nفي:\nقُرب الساعة نسبيًّا</span>\n٨٨٠ - * روى الطبراني في الثلاثة عن ابنِ عمْرَان أن رسول الله ﷺ قال: \"إنما أَجَلَكم فيما خَلا من الأمم كما بين صلاةِ العصر إلى مَغْرِبِ الشمسِ\"\n٨٨١ - * روى أبو داود عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"إني لأرجو أن لا يُعجِزَ اللهُ أُمَّتي عند ربِّها: أن يُؤَخِّرَهم نِصفَ يوم\".\nقيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال خمسُمائة سنةٍ.\nوأقول: في الحديث إشارة إلى أن رسول الله ﷺ لم يكن يعلم الزمن المحدد لقيام الساعة، وكان يعلم قربها لذلك رجا الزمن المذكور وقد بارك الله لهذه الأمَّة أجلها ليكثر أتباع رسول الله ﷺ، والمرجو أن يبارك فيما يأتي فلم تزل كثير من إخبارات رسول الله ﷺ عما هو كأئن قبيل الساعة لم تقع.\n٨٨٢ - * روى الطبراني عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقْتَرَبَتِ الساعَةُ ولا تَزْدادُ منهم إلا بُعدًا\".\n_________\n٨٨٠ - المعجم الكبير (١٢/ ٣٢٨).\nوالروض الداني إلى المعجم الصغير للطبراني (١/ ٥٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢١١). وقال: رواه الطبراني في الثلاثة إلا أنه قال في الكبير: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ والشمس على قُعَيْقِعَانَ بعد العصر فقال: \"ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقى من هذا النهار فيما مضى منه\". ورجال الصغير والأوسط رجال الصحيح، وفي أحد إسنادي الكبير شريك وقد وثق، بقيَّة رجاله رجال الصحيح.\n(قُعَيْقِعَان): جبل بمكَّة، سُمِّي بذلك لأن جُرْهُمَا لما تحاربوا كثرت قعقة السلاح هناك.\n٨٨١ - أبو داود (٤/ ١٢٨) كتبا الملاحم، باب قيام الساعة. وإسناده صحيح.\n٨٨٢ - المعجم الكبير (١٠/ ١٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٣١). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير الشيخ الطبراني وهو ثقة ثبت.","vol":"2","page":916},{"text":"أقول:\nقوله: (ولا تزداد منهم إلا بُعدًا): إشارة إلى غفلة الناس عن الساعة كلما تقارب وقوعها.\n٨٨٣ - (١) عن بريدَة قال سمعت النبي ﷺ يقول: \"بُعِثْتُ أنا والساعة جميعًا إن كادت لتسْبِقَني\".\n٨٨٤ - * روى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"مَثَلُ المسلمين واليهود والنَّصارى، كمَثَلِ رجلٍ اسْتَأجَرَ قومًا يعملون له عملًا إلى الليل على أجرٍ معلومٍ، فعَمِلا له إلى نِصفِ النهارِ، فقالوا: لا حاجةَ لنا إلى أَجْرِكَ الذي شَرَطْتَ لنا، وما عَمَلِنَا باطلٌ. فقال: لا تفعلوا، أكملوا بقيَّة عَمَلِكُم، وخُذوا أجْرَكم كاملًا. فَأَبَوْا وتَرَكُوا، واستأجَرَ آخَرِين بعدَهم، فقال: أَكْمِلوا بقيَّةَ يومِكم، ولكم الذي شَرَطْتُ لهم من الأَجْرِ. فَعَمِلُوا حتى إذا كان حين صَلاةِ العصر، قالوا: لك ما عَمِلْنَا باطلٌ، ولك الأجْرُ الذي جَعَلْتَ لنا. فقال أَكْمِلُوا بقيَّة عَمَلِكم، فإنَّ ما بَقِيَ من النهار شيءٌ يسير. فَأَبَوْا، فاسْتأجَرَ قومًا أن يَعْمَلوا بَقيَّةَ يومِهم، حتَّى غَابَتِ الشَّمس، فاسْتَكْمَلوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهما، فذَلِك مَثَلُهم ومَثَلُ ما قَبِلوا من هذا النُّورِ\".\n٨٨٥ - * روى البخاري عن عبدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵄، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ وهو قائمٌ على المِنْبَر يقول: \"إنما بَقاؤُكم فيمن سَلَفَ قَبلَكم من الأُمم، كما بين صلاة العصر إلى غُرُوب الشمسِ، أُوتِيَ أهلُ التوراةِ التوراةَ فعمِلوا بها حتى انتصفَ النهارُ، ثمَّ عَجَزوا، فأعْطوا قِيراطًا قِيراطًا. ثمَّ أُوتِيَ أهلُ الإنجيل الإنجيلَ، فعمِلوا\n_________\n٨٨٣ - مسند أحمد (٨/ ٢٤٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٣١). وقال: رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: \"بُعثتُ أنا والساعة كهاتين\" وضمَّ أصبَعَيه السَّبَّابة والوسطى، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n٨٨٤ - البخاري (٤/ ٤٤٧) ٢٧ - كتاب الإجارة- باب الإجارة من العصر إلى الليل.\n٨٨٥ - البخاري (١٢/ ٤٤٦) ١٧ - كتاب التوحيد- ٣١ - باب في المشيئة والإرادة.","vol":"2","page":917},{"text":"إلى صلاة العصر فَعَجَزوا، فأُعْطوا قِيراطًا قِيراطًا. ثم أُوتينا القرآن، فَعمِلْنا إلى غُروبِ الشمسِ، فأُعطينا قِيراطين قِيراطين. فقال أهلُ الكتابين: أيْ ربّنا، أعطيتَ هؤلاء قِيراطين قِيراطين، وأعطيتَنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كُنَّا أكثرَ عملًا؟! قال الله ﷿: هل ظَلَمْتُكم من أَجْرِكم من شيءٍ؟ قالوا: لا. قال فهو فَضلي أُوتِيه مَن أشاء\".\nوفي رواية (١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَثَلْكُم وَمَثَلُ أهلِ الكِتابَين كمثل رجل استأجَر أُجَرَاء، فقال: مَنْ يَعْمَلُ لي من غَدْوَةٍ إلى نصف النهارِ على قِيراطٍ؟ فعملَتِ اليهودُ. ثم قال: مَنْ يَعْمَلُ لي من نصفِ النهارِ إلى صلاةِ العصر على قِيراطٍ؟ فَعَمِلت النصارى. ثم قال: مَنْ يَعْمَل لي من العصر إلى أن تغيبَ الشمسُ على قِيراطين؟ فأنتم هم، فَغَضِبَت اليهود والنصارى، فقالوا: مالنا أكثرُ عَمَلًا، وأقلُّ عطاءً؟ قالَ: هل نَقَصْتُكُم من حَقِّكُم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فَضْلي أُؤتيه مَن أَشاءُ\".\nوفي أخرى (٢) قال: \"إنما أجلْكم في أجَلِ مَن خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنَّما مثلُكم ومثلُ اليهود والنصارى، كرجل استعمل عُمَّالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط ... \" فذكر نحوه، وفي آخره: \"ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، ألا لكم الأجْرُ مرتين، فغضبَتِ اليهود والنصارى\" ... وذكر نحو ما قبله.\n* * *\n_________\n(١) البخاري (٤/ ٤٤٥) ٢٧ - كتاب الإجازة ٨ - باب الإجازة إلى نصف النهار.\n(٢) البخاري (٦/ ٤٩٥) ٦٠ - كتاب حديث الأنبياء ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل.","vol":"2","page":918},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>الفقرة الثالثة\nفي:\nمُدَّة قرن النُّبُوَّة</span>\n٨٨٦ - * روى مسلم عن أبي الزُّبَيْرِ، أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول- قبل أن يموت بشهر: \"تسألوني عن الساعة؟ وإنَّما عِلمُها عند اللهِ، وأُقْسِمُ باللهِ ما على الأرضِ من نَفْسٍ منفوسةٍ اليومَ يأتي عليها مائةُ سنةٍ وهي حيَّةٌ يومئذٍ\". قال: فسَّرها عبدُ الرحمن صاحبُ السِّقَايةِ، قال بعضُهم: هو نَقْصُ العُمْرِ.\nوفي رواية للترمذي (١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما مِنْ نفسٍ منفوسةٍ تبلُغُ مائةَ سنةٍ\" -قال سَالمٌ بن أبي الجَعْدِ وتذاكرنا ذلك عنده-: إنما هي نفسٌ مخلوقةٌ يومئذٍ.\nولهما وللبخاري وأبي داود عن أبي عمر بنحوه (٢)، وفيه: يريد بذلك أنْ ينخرم ذلك القرن.\n٨٨٧ - (٤) ري ومسلم عن عائشة ﵂، قالت: كان الأعرابُ إذا قَدِمُوا على رسول الله ﷺ سألوه عن السَّاعة، متى السَّاعة؟ فينظر إلى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ\n_________\n٨٨٦ - مسلم (٤/ ١٩٦٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة ٥٣ - باب قوله ﷺ: \"لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسةٍ اليوم\".\n(١) الترمذي (٤/ ٥٢٠) - كتاب الفِتَن ٦٤ - باب حدثنا هناد. وقال: حسن.\n(٢) مسلم (٤/ ١٩٦٥) نفس الكتاب والباب السابقين.\nالترمذي: في الموضع السابق.\nوالبخاري (٢/ ٧٤) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة ٤٠ - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء.\nوأبو داود (٤/ ١٧٥) كتاب الملاحم، باب قيام السَّاعة.\n(نفس منفوسة) النفس المنفوسة: هي المولودة، نفست المرأة بفتح النون وضمها- إذا ولدت، والمعنى في الحديث: أن كل من هو موجود الآن، يعني ذلك الوقت إلى انقضاء ذلك الأمد اللعين: يكونون قد ماتوا؛ ولا بقي منهم على الأرض أحد، فتكون قيامة أهل ذلك العصر قد قامت.\nأقول: وعلى هذا الحديث استدلّ البخاري وغيره، وأَنَّ الخَضِرَ ليس حيّاَ بعد تلك المئة.\n٨٨٧ - البخاري (١١/ ٢٦١) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٢ - باب سكرات الموت.\nمسلم (٤/ ٢٦٩) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٢٧ - باب قرب الساعة","vol":"2","page":919},{"text":"منهم، فيقولُ: \"إن يَعش هذا: لَم يُدرِكْه الهَرمُ، حتى قامتْ عليكم الساعةُ\". قالَ هشامٌ: يعني موتَهم.\n٨٨٨ - * روى مسلم عن أنَس بن مالكٍ ﵁، أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ متى الساعة؟ فَسَكَتَ رسولُ الله ﷺ هُنَيْهَةً، ثم نظر إلى غُلام بين يديه من أَزْدِ شَنُوءة، فقال: \"إنَّ عُمُرَ هذا الغُلامَ: لم يُدْرِكْهُ الهرَمُ حتى تقوم الساعةُ\". قال أنس: وذلك الغلامُ من أترابي يومئذٍ.\nوفي رواية (١): وعنده غلام من الأنصار، يقال له: محمد ... وذكر الحديث.\nأقول:\nقوله: لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة: أي ساعة المخاطَبِين: أي موتهم. وذلك من التذكير للمُخاطَبِ بالأهم في حقه.\nقال ابن كثير في النهاية:\nوذلك أن من مات فقد دخل في حُكْم يوم القيامة؛ فعالم البرزخ قريب من عالم يوم القيامة. وفيه من الدنيا أيضًا، ولكن هو أشبه بالآخرة، ثم إذا تناهت المدة المضروبة للدنيا، أمر الله بقيام الساعة. فُيجمع الأولون والآخرون لميقات يوم معلوم. أ. هـ.\n* * *\n_________\n٨٨٨ - مسلم (٤/ ٢٧٠) ٥٢ - كتاب الفِتَن وأشراط السَّاعة، ٢٧ - باب قرب الساعة.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٩) نفس الكتاب والباب السابقين.","vol":"2","page":920},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>الفقرة الرابعة\nفي:\nبعض أحداث المرحلتين: الراشِدة والأمويَّة</span>\nمما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ أنه كائن بين يدي الساعة.\n٨٨٩ - روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليَمانِ ﵄، قال: كنا عند عُمَر، فقال أَيُّكم يَحفظُ حديثَ رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقلت: أنا أَحْفَظُهُ كما قال. قال: هاتِ، إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، وكيف قال؟ قلتُ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"فِتْنَةُ الرجل في أهلِه ومالِه ونفسٍه وولدِه وجارِه، يكفِّرها الصيامُ والصلاةُ والصدقةُ، والأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ\". فقال عُمَر: ليسَ هذا أريدُ، إنما أريدُ التي تموجُ كموج البحر. قال: قلتُ: مالكَ ولها يا أميرَ المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مُغْلَقًَا. قال: فَيُكْسَرُ الباب أو يُفْتَح؟ قال: قلتُ: لا، بل يُكْسَر، قال: ذاك أَحْرَى أن لا يُغْلَق أبدًا. قال: فقلنا لحُذَيْفة: هل عمر يَعْلَم مَنِ البابُ؟ قال: نعم، كما يعلم أن دُون غَدٍ الليلة، إنِّي حَدَّثته حديثًا ليس بالأغاليطِ. قال: فَهِبْنا أن نسألَ حذيفة: مَنِ البابُ؟ فقلنا لمسروقٍ: سَلْهُ. فسأله، فقال: عُمَر.\nورواه الترمذي (١) إلى قوله: بل يُكْسَرُ. قال: إذًا لا يُغْلَق إلى يوم القيامة. قال أبو وائل: فقلت لمسروق، سَلْ حُذَيْفة عن الباب. فسأله فقالَ: عُمَر.\nأقول: هذا الحديث من معجزاته ﵊، إذ فيه تصريح باستشهاد عمر وما سيحدث بعد ذلك من فِتَن.\n_________\n٨٨٩ - البخاري (٢/ ٨) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٤ - باب الصلاة كفَّارة.\nمسلم (١/ ١٢٨) ١ - كتاب الإيمان، ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا ...\n(١) الترمذي (٤/ ٥٢٤) ٢٤ - كتاب الفتن، ٧١ - باب حدثنا محمود بن غيلان ..\nوقال: هذا حديث صحيح.\n(لَجريء) الجرأة: الإقدام على الأمر العظيم.\n(بالأغاليط) جمع أغلوطة، وهي المسائل التي يغلَّط بها، والأحاديث التي تذكر للتكذيب.","vol":"2","page":921},{"text":"٨٩٠ - * روى الحاكم عن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِذَا افْتَتَحْتُمُ مِصْرَ فاسْتَوْصُوا بالقِبْطِ\". وفي رواية: \"فَاستَوصُوا بِأَهلِهَا خَيْرًَا فإنَّ لهم ذِمَّة وَرَحِمًا\".\n٨٩١ - * روى مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ: \"إنكم سَتَفْتَحُونَ أرضًا يُذكَر ُ فيها القِيراطُ فاسْتَوصوا بأهلها خيرًا فإن لهم ذمةً ورحمًا\".\nوقال ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين (١): \"إذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعده وإذا هلك كِسْرَى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده ليُنْفِقُنَّ كنوزهما في سبيل الله\".\nأقول: استؤصلت دولة الأكاسرة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ولم تعد ولن تعود بإذن الله تعالى، واستؤصلت دولة القياصرة بفتح القسطنطينيَّة على يد محمد الفاتح ﵀، فبعد أن سقط كسرى لم يظهر كسرى بعده، وبعد أن سقط قيصر لم يظهر قيصر بعده.\n٨٩٢ - * روى مسلم عن عامر بنِ سعدِ بنِ أبي وقَّاص: كتبتُ إلى جابرِ بن سَمُرةَ مع غلامي نافعٍ: أن أخبرني بشيءٍ سمعتَهُ من رسول اللهِ ﷺ. فكتب إليَّ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ في يوم جمعة، عَشِيَّةَ رَجِمَ الأسلميُّ، قال: \"لا يزال الدِّين قائمًا حتى تقوم الساعةُ، أو أن يكونَ عليكُم اثنا عَشَرَ خليفةً؛ كُلُّهم مِن قُرَيشٍ\". وسمعته يقول: \"عُصَيبة من المسلمين يفتتحون البيتَ الأبيضَ: بَيْتَ كِسرى- أو آل كِسرى\". وسمعتُه يقول: إنَّ بينَ يدي الساعة كذَّابِين، فاحذروهم\". وسمعته يقول: \"إذا أعطى اللهُ\n_________\n٨٩٠ - المستدرك (٢/ ٥٥٣). وقال: صحيح على شرط الشيخين.\nومجمع الزوائد (١/ ٦٢). وقال: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح.\n(ذمة): الحق والحُرمة، وهي هنا بمعنى الذمام.\n(رَحِمًا) الرَّحِم: لكَوْنِ هاجر أم إسماعيل منهم.\nوقد افتتحها عمرو بن العاص في سنة عشرين أيام عمر بن الخطاب ﵄.\n٨٩١ - مسلم (٤/ ١٩٧٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٥٦ - باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر.\n(١) البخاري (٦/ ٦٢٥) ٦١ - كتاب المناتب، ٢٥ - باب علامات النُّبوَّة في الإسلام.\nمسلم (٤/ ٢٢٢٦) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٧ - باب لا تقوم الساعة ...\n٨٩٢ - مسلم (٢/ ١٤٥٣) ٣٣ - باب الإمارة، ١ - باب الناس تبع لقريش ... =","vol":"2","page":922},{"text":"أحدَكم خَيْرًَا فليبدأَ بنفسهِ وأهلِ بيته\". وسمعته يقول: \"أنا الفَرَطُ على الحوضِ\".\nوفي رواية سِماكِ بن حربٍ (١) عن جابرِ بنِ سَمُرةَ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"لَتَفْتَحَنَّ عِصابةٌ من المسلمين أو المؤمنين كَنْزَ آلِ كِسْرى الذي في الأبيض\".\nوفي رواية أخرى (٢) قال: \"لَنْ يَبْرَح هذا الدِّين قائمًا يقاتِل عليه عِصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعةُ\".\nأقول: قد وجد من خلفاء أمته القريشين الكثير، فالخلفاء الراشدون والخلفاء الأمويون والخلفاء العباسيون كلهم قرشيون، وتخصيص الإثنى عشر خليفة بالذكر إشارة إلى خلفاء يكون لقيام الدين في عصرهم شان خاص، فإذا كان المراد بالحديث الإثنى عشر خليفة الأوَّل في تاريخ لأمَّة الإسلاميَّة، والذين يستكملون بعمر بن عبد العزيز ﵀، فالمراد بذلك قيامُ الدِّينِ بسبب من قوَّة اليقين عند الصحابة وكبار التابعين، وفي الرواية أكثر من مُعْجِزةٍ وقَعتْ كفتحِ المدائِن وبعضها قائمٌ، وهو أن هذا الدين لا تزال طائفة تحمله.\n٨٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أَبي هُرَيرَة ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: \"لَاتَقُومُ السَّاعةُ حَتَّى تَقْتَتِل فِئَتَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقتلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ\".\nأقول: الظاهر أن في الحديث إشارة إلى ما وقع بين علي ﵁ من جهة وبين عائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى، فكل من الجهتين كانت دعواه نصرة الحق، فالجهتان مجتهدات والصواب مع علي ﵁، أو ما جرى بين علي ومعاوية ﵄\n_________\n= (الفَرَط): الذي يتقدَّم الورَّاد، فيهيئ لهم الجبال والدِّلاء والحياض ويستقي لهم، وهو فَعَل بمعنى فاعل، يقال: رجل فَرَطٌ، وقوم فرط.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٢٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل ... إلخ.\n(٢) مسلم (٣/ ١٥٢٤) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٥٣ - باب قوله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ... \" إلخ.\n٨٩٣ - البخاري (١٣/ ٨١) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٥ - باب حدَّثنا مسدد حدثنا يحيى ... إلخ.\nمسلم (٤/ ٢٢١٤) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٤ - باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.","vol":"2","page":923},{"text":"فكلاهما كان يدعي نصرة الحق، والصواب كان مع علي، وما جرى بين علي والآخرين وردت فيه نصوص كثيرة وكلها من معجزاته ﵊، وقد ذكرناها في القسم الأول من هذا الكتاب.\n٨٩٤ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لا تقومُ السَّاعةُ حتى تَقْتُلُوا إِمَامكم، وتَجتَلِدُوا بأَسْيَافكم، ويَرِثُ دُنياكم شِرارُكم\".\nأقول: في الحديث إشارة إلى قتل عثمان ﵁، وقد وردت في ذلك نصوص صريحة ذكرناها في القسم الأول، وكلها من معجزاته ﵊.\n٨٩٥ - * روى أبو داود عن سعيد بنِ زيدٍ ﵁، قال: كنَّا عندَ رسول الله ﷺ، فذكر فتنةٌ عَظُمَ أَمْرَهَا، فقلنا- أو قالوا-: يا رسولَ الله، لئن أّدْرَكَتْنَا هذه لَنَهْلِكنَّ. فقال رسول الله ﷺ: \"كَلَّا إنّ بِحَسْبِكم القتل\".\nقال سعيد: فرأيت إخواني قُتِلوا.\n٨٩٦ - * روى أبو يعلي عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: \"تَزْعُمون أني من آخِرِكم وفاةً ألا وإني من أولكم وفاة وَلَتتَّبِعُني أفنادًا يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعض\".\nوفي لفظ الطبراني عن معاوية بن أبي سفيان، قال: كنا جلوسًا في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: \"إنكم تتحدثون أني من آخركم وفاة ألا وإني من أولكم وفاة وَلَتتَّبِعُني أفنادًا يَضْرِبُ بعضُكم بعضًا\" ثم نَزَع بهذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ\n_________\n٨٩٤ - الترمذي (٤/ ٤٦٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٩ - باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوقال: هذا حديث حسن.\nوابن ماجه (٢/ ١٣٩٤) ٢٩ - كتاب الفتن، ٢٥ - باب أشراط الساعة.\n٨٩٥ - أبو داود (٤/ ١٠٥) -كتاب الفتن والملاحم، باب ما يرجى في القتل. إسناده صحيح.\n(بحسْبكم القتلَ) أي: إنَّ القتل كافيكم ومقنعكم.\n٨٩٦ - مجمع الزوائد: (٧/ ٢٠٦). وقال: رواه أبو يعلي والطبراني في الأوسط والكبير ولفظه فيه عن معاوية ..، ورجالهما ثقات.\n(أفنادًا): جماعات متفرقين قومًا بعد قوم.","vol":"2","page":924},{"text":"يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١). ثم قال: \"لا تبرح عِصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين لا يبالون خُذلان من خَذَلهم ولا من خالَفهم حتى يأتي أمر الله على ذلك\". ثم نَزَع بهذه الآية: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).\n٨٩٧ - * روى مسلم عن نافع بن عتبة أن رسول الله ﷺ قال: \"تغزون جزيرة العرب فيفتحُها الله ثم فارسَ فيفتحها الله ثم تغزون الرومَ فيفتحها اللهُ ثم تغزون الدجالَ فيفتحه الله\".\nأقول: في الحديث أكثر من معجزة، منها الإشارة إلى فتح قبرص، وقد كان ذلك، وافتتحها المسلمون في زمن عثمان ﵁.\n٨٩٨ - * روى البخاري عن سعيد بن المسيِّب ﵀ قال: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأولى- يعني مقتلَ عثمانَ- فلم يبقَ ن أصحاب بدرِ أحدٌ، ثم وقعت الفتنةُ الثانية- يعني الحرةَ، فلم يبق من أصحاب الحُديْبِيَّة أحدٌ، ثم وقعت الفتنة الثالثة، فلم ترتفعُ وبالناس طَبَاخٌ.\n٨٩٩ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: \"تَدُورُ رَحَى الإسلام لخمسٍ وثلاثين- أو سِتٍّ وثلاثين، أو سبعٍ وثلاثين- فإن يَهْلِكُوا\n_________\n(١) الأنعام: ٦٥، ٦٦، ٦٧.\n(٢) آل عمران: ٥٥.\n٨٩٧ - مسلم (٤/ ٢٢٢٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٢ - باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال.\n٨٩٨ - البخاري (٧/ ٢١٣) ٦٤ - كتاب المغازي، ١٢ - باب حدثني خليفةُ حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ... إلخ.\n(طَبَّاخ) أصل الطَّبَّاخ: القوَّة والسِّمَنُ، ثم استعمل في غيره، فقيل: فلان لا طباخ له، أي لا عقل له ولا خير عند، المراد: أنها لم تبقِ في الناسِ من الصحابة أحدًا.\n٨٩٩ - أحمد (١/ ٣٩٠).\nوأبو داود (٤/ ٩٨) - أول كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها. وإسناده صحيح. وابن حبان (٨/ ٢٣١). وصححه في المستدرك (٤/ ٥٢١). وقال هذا حديث الإسناد. ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":925},{"text":"فسبيلُ مَنْ هَلَكَ، وإن يَقُم لهم دينهم: يَقُمْ لهم سَبعين عامًا\". قال: قلت: أَمِمَّا بقى، أو مما مضى؟ قال: \"مما مضى\".\nقال ابن الأثير:\nتدور رَحى الإسلام، يُقال: دارت رَحى الحرب: إذا قامت على ساقها، والمعنى فيما قيل: إن الإسلام عند قيام أمره على سُنن الإستقامة، والبعد من أحداث الظُّلمة إلى أن تنقضي هذه المدة التي ذكرها وهي خمس وثلاثون سنة، ووجهه: أن يكون قاله وقد بقي عمره ﷺ خمس سنين أو ست سنين، فإذا انضمَّت إلى مدَّة خلافة الخلفاء الراشدين- وهي ثلاثون سنة- كانت بالغة ذلك المبلغ، وإن كان أراد خمس وثلاثين سنة من الهجرة، ففيها خرج أهل مصر وحصروا عثمان، وإن كانت سنة ست وثلاثين، ففيها كانت وَقْعَة الجمل، وإن كانت سنة سبع وثلاثين، ففيها كانت وَقْعَة صِفِّين. أ. هـ.\nأقول:\nوأما قوله: (يقم لهم سبعين عامًا): فقد يكون المراد به قيام الدين على سنن الاستقامة، وغلبة أهل الحق على أهل الأهواء والبِدع، حتى تقوم الحجَّة وتوجد الأسس التي يستمر بها الدين الحق على كثرة أهل الضلالة والمنحرفين.\n٩٠٠ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"تعوذوا بالله من رأس السَّبعينَ ومن إمارةِ الصبيانِ\". وقال: \"لا تذهبُ الدنيا حتى تصيرَ لِلُكَعٍ ابنِ لُكَعٍ\".\nأقول:\nوكان أبو هريرة ﵁ يستعيذ من أن تدركه سنة ستين وإمرة الصبيان، وسنة ستين هي السنة التي تأمَّر فيها يزيد بن معاوية، وبعد وفاته أمَّر ابنه معاوية وكان صغيرًا\n_________\n٩٠٠ - أحمد (٢/ ٣٢٩). ورجاله رجال الصحيح غير كامل بن العلاء وهو ثقة وقال في التقريب: صدوق يخطئ. وكشف الأستار (٤/ ١٢٦).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٢٠). وقال: رواه احمد والبزار ورجال أحمد رجال الصجحيح غير الكامل بن العلاء وهو ثقة. وقال في التقريب: صدوق يخطئ.\n(اللُكَع): العبد، واستعمل في الحمق والذم.","vol":"2","page":926},{"text":"ولكنه استقال واعتزل، ثم كانت الفتنة والقتال بين ابن الزبير وبني أُميَّة، فسنة سبعين كانت سنة سبقتها إمرة الصبيان.\n٩٠١ - * روى ابن ماجه عن أبي موسى؛ حدَّثَنَا رسول الله ﷺ: \"إنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعة لَهَرْجًَا\". قال: قلتُ: يا رسولَ الله، ما الهَرْجُ؟ قال: \"القَتْلُ\". فقال بعضُ المسلمين: يا رسول الله، إِنَّا نَقتُل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ: \"ليس بقتل المشركين ولكن يقتل بعضكم بعضًا، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته\". فقال بعض القوم: يا رسول الله، ومعنا عقولنا، ذلك اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا. تنزع عقول أكثر ذلك الزمان. ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم\".\nثم قال الأشعري: وأيْم الله، إنِّي لأظنها مدركتي وإيَّاكُم. وأيم الله، مَا لي ولكم مِنْها مخرج، إن أدركتنا فيما عَهِد إلينا نبينا ﷺ، إلا أن نخرج كما دخلنا فيها.\nأقول: في الحديث إشارة إلى وقعة الحرة، وما بعدها من قتال على الملك والعصبيَّة دون تعقُّل. والله أعلم.\n٩٠٢ - * روى ابن ماجه عن أبي ذرِّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنت يا أبا ذرّ، وموتًا يُصيب الناسَ حتى يقومَ البيتُ بالوصيفِ؟ \". (يعني القبر).\n_________\n٩٠١ - ابن ماجه (٢/ ١٣٠٩) كتاب الفتن، ١٠ - باب التثبيت في الفتنة. والحديث صحيح. ونحوه أحمد (٢/ ٢٩٤).\n(لا) أي لا عقل معكم ذلك اليوم، ثمَّ بين ذلك بقوله: تنزع: أي لا يكون ذلك مع عقولكم بل تنزع عقول أكثر ذلك ذلك الزمان، لشدة الحرص والجهل.\n(هباء) الهباء الذرات التي تظهر في الكوة بشعاع الشمس. والمراد: الحثالة مع الناس.\n(إني لأظنها) أي تلك الحالة.\n٩٠٢ - ابن ماجه (٢/ ١٣٠٨) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٠ - باب التثبيت في الفتنة.\nوأبو داود (٤/ ١٠١) كتاب الفتن والملاحم، باب في النهي عن السعي في الفتنة. وهو حسن.\n(حتى يقوِّم): من التقويم، أي يقوم البيت بالوصيف.\n(بالوصيف): المراد بالبيت القبر، وبالوصيف الخادم والعبد. أي يكون العبد قيمة القبر بسبب كثرة الأموال. وقيل: المراد بالبيت المتعارف. والمعنى أن البيوت تصير رخيصة لكثرة الموت وقلَّة من يسكنها، فيباع البيت بعبدٍ. =","vol":"2","page":927},{"text":"قُلْتُ: مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ. (أَوْ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). قَالَ: \"تَصَبَّرْ\" قَالَ: \"كَيْفَ أَنْتَ وَجُوعًَا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تَأْتِي مَسْجِدَكَ فَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى فِرَاشِكَ، وَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَقُومَ مِن ْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِك؟ \" قَالَ: قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. (أَوْ مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ). قَالَ: \"عَلَيْكَ بِالْعِفَّةِ\". ثُمَّ قَالَ: \"كَيْفَ أَنْتَ وَقَتْلًَا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ بِالدَّمِ؟ \" قُلْتُ: مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ. قَالَ: \"الحَقْ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ\". قَالَ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا آخُذُ سَيْفِي فَأَضْرِبَ بِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذًَا! فَإِنْ دَخَلَ بَيْتِي؟ قَالَ: \"إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَك شُعَاعُ السَّيْف، فَأَلْقِ طَرَف رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ فَيَبُوءَ بِإِثْمِه وإِثْمِكَ، فَيَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ\".\nأقول: في الحديث إشارة إلى الطاعون الذي أصاب جيش الصَّحابة في الشَّام، وفيه إشارة إلى المجاعة التي حدثت في زمن عُمَر وسُمِّي عامها عام الرمادة، وفيه إِشارة إلى وقعة الحرة. وكل ذلك قد وقع، ففي الحديث معجزات متعددة وفي الحديث التالي ذِكر لبعض مما مر في هذا الحديث.\n٩.٣ - * روى أبو داود عن أبي ذر الغِفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا ذَرٍّ\". قلتُ: لَبَّيْك يا رسول الله وسعديك ... فذكر الحدث. كذا قال أبو داود، ولم يذكر لفظه، وقال فيه: \"كيف أنت إذا أَصابَ الناسَ موتٌ يكون البيت فيه بالوَصيف؟ \" قلتُ: الله ورسوله أعلم- أو قال: ما خارَ اللهُ لي ورسولُه- قال: \"عليك بالصبر\"- أو قال: \"تَصَبَّر\"- ثم قال لي: \"يا أَبا ذَرٍّ\". قلت: لبيك\n_________\n= (حجارة الزيت) موضع بالمدينة في الحرة سمي بها لسواد الحجارة، كأنها طُلِيَّت بالزيت، أي الدم يعلو حجارة الزيت ويسترها لكثرة القتلى وهذا إشارة إلى وقعة الحرة التي كانت في زمن يزيد.\n(بمن أنت منه) أي بأهلك وعشيرتك.\n(إن خشيت أن يُبْهِرك شعاع السيف) أي إن غلبك ضوء السيف وبريقه، فَغَطِّ وجهك حتى يقتلك.\n(يبوء) باء بالإثمِ يبوء: إذا رجع حاملًا له.\n٩٠٣ - أبو داود (٤/ ١٠١) كتاب الفتن باب النهي عن السَّعي في الفتنة، وهو حديثٌ حسن.","vol":"2","page":928},{"text":"وسعديك. قال: \"كيف أنتَ إذا رأيتَ أحجارَ الزيت قد غَرِقَتْ بالدَّم؟ \" قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: \"عليك بمن أنتَ منه\". قلتُ: يا رسول الله، أفلا آخذ سيفي فأضَعْهُ على عاتقي؟ قال: \"شاركتَ القومَ إذًا\". قلت: فما تأمُرْني؟ قال: \"تَلْزَمُ بَيْتَكَ\". قُلت: فإن دَخل عليَّ بيتي؟. قال: \"إن خشيت أن يَبْهَرَك شعاعُ السَّيف، فألقِ ثوبك على وجهك، يبوء بإثمِكَ وإثمِهِ\".\n٩٠٤ - * روى البخاري عن سعيد بن عَمْرو بن سعيد ين العاص، قال: كنتُ مع مَرْوَانَ وأبي هُريرة في مسجد النبي ﷺ، فسمعتُ أبا هُريرة يقول: سمعتُ الصادقَ الصدوقَ يقول: \"هَلاكُ أُمَّتي على يَدَي أُغَلْلِمةٍ من قريش\". فقال مروان: غِلْمَةٌ. قال أبو هريرة: إن شئت أن أُسَمِّهم بني فلانٍ وبني فلان.\nوفي رواية (٢): قال عَمرو بن يحيى بنِ سعيد: أخبرني جدِّي قال: كنتُ جالسًا مع أبي هُريرة في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة ومَعَنا مروانُ، فقال أبو هريرة: سمعتُ الصادق الصدوق يقول: \"هَلَكَةُ أُمَّتي على يَدَيِّ غِلْمَةٍ من قُرَيْشٍ\". قال مروانُ: لعنةُ الله عليهم غِلْمَةً؟ فقال أبو هريرة: لو شئتُ أن أقولَ: بنو فلانٍ لَفَعَلْتُ. قال: فكنتُ أخْرُجُ مع جدي سعيد إلى الشام، حين مَلَكَهُ بنو مروانَ، فإذا رآهم غِلمانًا أحداثًا، قال لنا: عسى هؤلاء الذين عَنى أبو هُريرة، فقلت: أنتَ أعلمُ.\n٩٠٥ - * روى الطبراني عن عُمَيْرِ بنِ سعيدٍ، قال: كنا جلوسًا مع ابن مسعود، وأبو موسى عندَه، وأخذ الوالي رجلًا فَضَرَبَهُ وحَمَلَهُ على جملٍ. فجعل الناسُ يقولون الجملُ الجملُ. فقال رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمن هذا الجملُ الذي كنَّا نسمعُ. قال: فأينَ البَارقةُ.\n_________\n٩٠٤ - البخاري (٦/ ٦١٢) ٦١ - كتاب المناقب، ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.\n(الصادق الصدوق): هو النبي ﷺ، وصَدَق في قوله وما أخبر به، وصدَّق فيما جيء به إليه من الوحي.\n(أَغْيْلِمة) تصغير: أغلمة في التقدير\n(١) البخاري: (١٣/ ٩) ٩٣ - كتاب الفتن، ٣ - باب قول النبي ﷺ: \"هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء\".\n٩٠٥ - مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٧). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":929},{"text":"أقول:\nتشير الرواية إلى أن الصحابة كان عندهم علم عن رسولهم ﵊ بأن أمراءَ سيستعملون أنواعًا من العقوبات؛ منها عقوبة التشهير بإركاب المعاقَب على جملٍ والتشهير به. والبارقة: السيوف.\n٩٠٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"في ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ\".\nقال الترمذي: ويقال: الكذَّاب: المختارُ بن أبي عُبَيْد، والمبير: الحجَّاج بن يوسفَ.\n٩٠٧ - * روى البخاري عن الزبير بن عُدَي، قال: دَخَلْنا على أنس بن مالك فَشَكَوْنا إليه ما نَلْقي من الحَجَّاجِ، فقال: \"اصْبِرُوا، لا يأتي عليكم زمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلْقَوْا ربَّكم\". سمعتُ هذا من نبيكم.\nأقول:\nقوله: \"حتى تلقوا ربكم\": هل المراد جيل الصحابة أو المراد الأمة الإسلامية بإطلاق؟ أرجع الأول للحديث الحسن: \"أُمَّتي كالمطر لا يُدرى أوَّله خيرٌ أم آخره\".\nوقد حمله بعضهم على العموم، واعتبر ما يحدث من تجديد في القرون، وما يحدث من انتعاشات وانتصارات للإسلام لا يتنافى مع إطلاق الحديث، فالحديث لا ينفي أنه لا يوجد خير بعد الزمن الأول، ولكن الخيريَّة نسبيَّة فهي تتضاءل بمجموعها في الزمن اللاحق بالنسبة للزمن السابق. وأرجح أن الحديث خاص بجيل الصحابة.\n_________\n٩٠٦ - الترمذي (٤/ ٤٩٩) ٢٤ - كتاب الفتن، ٤٤ - باب ما جاء في ثقيف كذاب ومبير. وهو حديث صحيح.\n(المبير): المهلك، من البوار: الهلاك.\n٩٠٧ - البخاري (١٣/ ١٩) ٩٢ - كتاب الفتن، ٦ - باب لا يأتي إلا بعده شر منه.\nوالترمذي (٤/ ٤٩٢) ٢٤ - كتاب الفتن، ٢٥ - باب \"منه\". وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":930},{"text":"٩٠٨ - * روى أحمد عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو مستند إلى الكعبة، وهو يقول: ورب الكعبة لقد لعن رسول الله ﷺ فلانًا وما ولد من صلبه.\nأقول:\nاللعنة تنصبُّ على الكافرين من أبناء الحكم، وهذا التخصيص لا بد منه؛ لأن من أسلم من ذريَّة الحكم لا تنصب عليه اللعنة إلا إذا كان في قلبه نفاق أو عمل أعمالًا يستحق بها اللعنة.\n٩٠٩ - * روى البزار عن عبد الله البَهيِّ مولى الزبير قال: كنتُ في المسجد ومروان يَخطبُ فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: والله ما استخلف [أي رسول الله ﷺ] أحدًا من أهله. فقال مروان: أنت الذي نزلت فيك: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ (١). فقال عبد الرحمن: كَذّبْتَ ولكن رسول الله ﷺ لَعَنَ أباك.\n٩١٠ - * روى احمد عن عبد الله بن عمرو قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقتي فقال ونحن عنده: \"ليدخلن عليكم رجلٌ لعين\". فوالله ما زلت وجلًا أتشوف خارجًا وداخلًا حتى دخل فلان (يعني الحكم).\nوعن أبي هريرة (٢) أن النبي ﷺ رأى في منامِهِ كأنَّ بني الحكم يَنْزَونَ على مِنْبَرِهِ\n_________\n٩٠٨ - أحمد (٤/ ٥). وكشف الأستار (٢/ ٩٤٧). والمعجم الكبير (٤/ ٤٨١).\nمجمع الزوائد (٥/ ٢٤١) وقال: رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: لعن الله الحكم وما ولد على لسان نبيه ﷺ، والطبراني ... بنحوه وعنده رواية كرواية أحمد، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n٩٠٩ - كشف الأستار (٢/ ٢٤٧). مجمع الزوائد (٥/ ٢٤١) وقال: رواه البزار وإسناده حسن.\n(١) الأحقاف: ١٧.\n٩١٠ - أحمد (٢/ ١٦٣). وكشف الأستار (٢/ ٢٤٧).\nمجمع الزوائد (٥/ ٢٤١) وقال: رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: دخل الحكم بن أبي العاص، والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(٢) مجمع الزوائد (٥/ ٢٤٣). وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير وهو ثقة.","vol":"2","page":931},{"text":"ويَنزِلون، فأَصْبَحَ كالْمُتَغَيِّظِ، وقال: \"مالي رأيتُ بني الحكم يَنْزَونَ على منبري نَزَوُّ القِرَدَةِ\". فما رأيته ﷺ مُسْتَجْمِعًَا ضاحِكًا بعدَ ذلك حتى مات.\n٩١١ - * روى الترمذي عن هشام بن حسَّان، قال: أُحْصِي ما قَتلَ الحجَّاج صَبْرًَا، فَوُجِدَ مائةَ ألفٍ وعشرين ألفًا.\n٩١٢ - * روى أحمد عن عمر بن الخطاب قال: وُلِدَ لأخي أم سلمةَ زوج النبي ﷺ غلامٌ فسَمَّوْهُ الوليدَ فقال النبي ﷺ: \"سميتُموه باسم فَراعِنَتِكُم لِيَكونَنَّ في هذه الأمة رجل يقال له الوليدُ لهو أشرُّ على هذه الأمةِ من فرعون لِقومِهِ\"\nأقول: لعل المراد بالحديث هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان من شأنه أن استغرق باللهو وظهرت عليه أمارات الجبروت، وقد قتله بنو أُميَّة أخيرًا.\nوكان الأوزاعي يحمل هذا الحديث على ما ذكرناه كما أورده ابن الحجر في الفتح. وذكر له ابن حجر شاهدًا عن أم سلمة أخرجه إبراهيم الحربي في \"غريب الحديث\" من رواية محمد ابن إسحق عن محمد بن عمرو عن عطاء عن زينب بنت أم سلمة عن أمها قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد، فقال: \"من هذا؟ \" قلت: الوليد، قال: \"قد اتخذتم الوليد حنانا، غيروا اسمه فإنه سيكون في هذه الأمة فرعون يقال له الوليد\" (١).\n_________\n= (يَنْزَوْن): يُقَال نَزَوْتُ عَلَى الشَّيْءِ أَنْزُو نَزْوًَا، إذا وَثَبْتُ عليه.\nويقال: نَزَا يَنْزُو نَزَاءٌ ونَزْوًَا ونَزْوَانًا.\n٩١١ - الترمذي (٤/ ٤٩٩) ٢٤ - كتاب الفتن، باب ما جاء في ثقيف .. إلخ. وإسناد الترمذي إلى هشام بن حسَّان صحيح (صبرًا) قتلته صبرًا: إذا حبسته على القتل، فكل من فتل في غير حرب ولا اختلاس- كمن يُضرب عنقه، أو يُحبَس إلى أن يموت، أو يُصلَب، أو نحو ذلك من هيئات القتل- فهو مقتول صبرًا.\n٩١٢ - أحمد (١/ ١٨). مجمع الزوائد (٧/ ٣١٣). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n(١) انظر فتح الباري (١٠/ ٥٨٠/٥٨١).","vol":"2","page":932},{"text":"٩١٣ - * روى أحمد عَنْ أَبِي بُرْدَةَ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: \"إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وفُرْقَةٌ واخْتِلَافٌ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَاتِ بِسَيْفِكَ أُحُدا، فَاضْرِبْهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ. ثمَّ اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ حَتَّى تَأْتِيكَ يَدٌّ خَاطِئَةٌ، أَوْ مَنِيَّةٌ قَاِضيَةٌ\".\nفَقَدْ وَقَعَت. وَفَعَعلْتُ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nأقول: ما أخبر عنه رسول الله ﷺ قد وقع وشارك بعض الصحابة في قتال مجتهدين وبعضهم اعتزل، وكان ممن اعتزل محمد بن مسلمة، والسؤال كيف لم يعتزل بقية الصحابة مع وجود مثل هذه الروايات؟ والجواب أنه بالإمكان حمل مثل هذه الرواية على أنها فتوى خاصة لأناس مخصوصين.\n٩١٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول وهو على المنبر: \"ألا إن الفتنةَ هاهُنا\" ويُشِيرُ إلى المشرق. \"من حيثُ يطلَع قَرْنُ الشَّيْطَانِ\" وفي رواية قال- وهو مستقبِل المشرق: \"هَا، إن الفتنة هاهنا\" ثلاثًا- وذكره. وفي أخرى (١) أنه سمع النبي ﷺ- وهو مستقبِل المشرق- يقول: \"ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلعُ قرنُ الشيطان\".\nوللبخاري (٢) قال: قام النبي ﷺ خطيبًا، فأشار نحو مسكنِ عائشةَ، فقال: \"هنا الفتنة- ثلاثًا- من حيث يطلع قرن الشيطان\".\nوللبخاري (٣) بزيادة في أوله: أن النبي ﷺ قال: \"اللهم بارِكْ لنا في شامِنا، اللهم بارِك لنا في يَمنِنا\". قالوا: وفي نَجْدِنا، قال: \" اللهم بارِكْ لنا في شامِنا،\n_________\n٩١٣ - أحمد (٣/ ٤٩٣). وابن ماجه (٢/ ١٣١٠) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٠ - باب التثبيت في الفتنة. وهو حديث صحيح.\n٩١٤ - البخاري (١٢/ ٤٥) ٩٢ - كتاب الفتن، ١٦ - باب قول النبي ﷺ: \"الفتنة من قِبَل المشرق\".\nمسلم (٤/ ٢٢٢٨)، ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٦ - باب الفتنة من المشرق ...\n(١) البخاري (١٣/ ٤٥) ٩٢ - كتاب الفتن، ١٦ - باب قول النبي ﷺ: \"الفتنة من قِبَل المشرق\".\n(٢) البخاري (٦/ ٢١٠) ٥٧ - كتاب فرض الخمس، ٤ - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ...\n(٣) البخاري (١٣/ ٤٥) ٩٢ - كتاب الفتن، ١٦ - باب قول النبي ﷺ: \"الفتنة من قِبَل المشرق\"","vol":"2","page":933},{"text":"اللهم بارِك لنا في يَمنِنا\". قالوا: وفي نجدِنا؟ قال: \"اللهم بارِكْ لنا في شامِنا، اللهم بارِك لنا في يَمنِنا\". قالوا: يا رسول الله، وفي نجدِنا؟ فأظنه قال في الثالثة: \"هنالك الزَّلازِلُ والفِتَنُ، ومنها يطلِعُ قَرْنُ الشَّيطَان\". وقد اختُلف على ابن عَوْنٍ فيهِ، فروى عنه مسندًا، وروى عنه موقوفًا على ابن عمر من قوله.\nوله في رواية أخرى (١) قال: رأيت النبي ﷺ يشير إلى المشرق، ويقول: \"ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان\".\nولمسلم (٢) قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة، فقال: \"رأسُ الكُفْرِ من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان\".\nوفي أخرى له (٣) عن سالم: أنه قال: يا أهل العراق، ما أَسْأَلَكُم عن الصغيرة، وأَرْكَبَكُم للكبيرة!! سمعتُ أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إن الفتنة تجيء من ها هنا\"- وأومأَ بيده نحو المشرق- \"من حيث يطلعُ قَرْنُ الشيطان\". وأنتم يَضرِبُ بعضكم رِقابَ بعضٍ، وإنما قَتَل موسى الذي قَتَلَ من آل فرعون خطأً، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ طه: ٤٠.\nوفي أخرى (٤) له أنَّ رسول الله ﷺ قام عند باب حفصةَ- وقال بعض الرواة: عند باب عائشةَ- فقال بيده، نحو المشرق: \"الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان\"- قالها مرتين أو ثلاثًا.\n٩١٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأسُ الكُفْرِ نَحْو المَشرقِ، والفَخْرُ والخُيلاءُ في أهل الخيْلِ والإبلِ: الفَدَّادينَ\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٢٢٦) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٩) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٦ - باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان\n(٣) مسلم: الموضع السابق.\n(٤) مسلم: الموضع السابق.\n٩١٥ - البخاري (٦/ ٢٥٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٥ - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال.\nمسلم (١/ ٧٢) ١ - كتاب الإيمان، ٢١ - باب تفاضل أهل الإيمان. =","vol":"2","page":934},{"text":"أهلِ الوبرِ، السكينةُ في أهل الغنم\".\nولمسلم (١) أنه قال: \"الإيمانُ يمانٍ، والكفرُ قِبَلُ المشرق، والسكينةُ في أهل الغنم، والفخر والرياءُ في الفدَّادين أهلِ الخير والوبر\".\n٩١٦ - (٢) اري عن ابن مسعودٍ البَدْري ﵁، يبلُغُ به النبي ﷺ قال: \"من ها هنا جاءتِ الفتنُ نحو المَشرقِ، والجَفاءُ والقسوةُ وغِلَظُ القلوبِ في الفدَّادين، أهلِ الوبَر عند أصولِ أذناب الإبل والبقر، في ربيعةَ ومُضَرَ\".\nأقول: في النصوص التي مرَّت آنفًا ذِكر المشرق بإطلاق، وذكرت نجد والعراق: إن كان المراد بنجد نجدًا المعروفة ففي النص إشارة إلى مسليمة الكذَّاب وفتنة القرامطة وأمثال ذلك، وأمَّا العراق فقد ظهرت فيها الخارجيَّة وفتنة الحجَّاج، وفي كل الأحوال ففي النصوص معجزة وقعت.\nتعقيب: لقد كثرت الأحاديث التي تتحدَّت عما سيكون بعده ﵊ في جيل الصحابة، وعن مرحلة الخلافة الراشدة والأمويَّة، فإنك تجد مئات المعجزات أخبر رسول الله ﷺ أنها كائنة ووقعت.\nولقد مرَّ معنا في هذا القسم الكثير منها أثناء الكلام عن الفرق والفتن خاصة فتنة الخوارج، أمَّا القسم الأكبر منها فقد مرَّ معنا في قسم السيرة النبويَّة أثناء الكلام عن النبوءات وعن تراجم الأزواج والآل والخلفاء الراشدين وبعض الصحابة مما يعتبر كله جزءًا من هذه الفقرة، فليراجع رسالته ﵊، فكيف وأعلام رسالته أكثر من أن يُحاط بها.\n* * *\n_________\n=والموطأ (٢/ ٩٧٠) ٥٤ - كتاب الاستئذان، ٦ - باب ما جاء في أمر الغنم.\n(١) مسلم (١/ ٧٢) ١ - كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان.\n٩١٦ - البخازي (٦/ ٥٢٦) ٦١ - كتاب المناقبظن ١ - باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾.\n(الجفاء): الغِلظة والقسوة والصلابة.","vol":"2","page":935},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>الفقرة الخامسة\nحديث جامع</span>\n٩١٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعةُ حتى يَقْتَتِل فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يكون بينهما مُقْتَلَةٌ عظيمةٌ دعواهما واحدةٌ، وحتى يُبْعَثُ دجَّالون كذَّابون، قريبٌ من ثلاثين، كلُّهم يزعم أنه رسولُ الله، حتى يُقْبَضَ العلمُ، وتكثُرَ الزلازلُ، ويتقاربَ الزمانُ، وتظهرَ الفِتَنُ، ويكثُرَ الهَرْجُ\"- وهو القتْلُ القتْلُ- \"وحتى يكثُرَ فيكم المالُ فَيَفيضَ حتى يُهِمَّ ربّ المال مَن يقْبَلُ صَدَقَتَه، وحتى يعرضَه، فيقولَ الذي عرَضَه عليه: لا أرَب لي فيه، وحتى يَتَطَاول الناسُ في البُنْيَان، وحتى تَطْلُعَ الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا طلعتْ ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، فذلك حينَ لا ينفعُ نفسًا إِيمانُها لم تكنْ آمنتْ من قَبلُ، أو كسبَت في إيمانها خيرًا، ولتقومنَّ الساعةُ وقد نَشَرَ الرجلان ثوبَهما بينهما، فلا يَتَبايَعانه، ولا يَطويانه، ولتقومنَّ الساعةُ وقد انصرفَ الرجلُ بَلبنِ لِقْحَتِهِ، فلا يَطعَمَهُ، ولتقومنَّ الساعةَ وهو يَليطُ حوضَهُ فلا يَسقِي فيه، ولتقومَنَّ الساعةَ وقد رَفَعَ أكلته إلى فِيهِ، فلا يطْعَمْها\".\nولمسلم (١) في رواية: أن رسولَ الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعةُ حتى يخرجَ قريبٌ من ثلاثين كذَّابينَ دجَّالين، كلهم يقول: إنه نبيّ. ولا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ويؤمن الناس أجمعون، فيومئذٍ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكنْ آمنتْ من قَبل أو كسبت من إيمانها خيرًا، ولا تقوم الساعةُ حتى تقاتلوا اليهودَ، فيفرَّ اليهوديّ وراء الحجر، فيقولُ: يا عبدَ الله، يا مسلم، هذا يهوديٌّ ورائي.\n* * *\n_________\n٩١٧ - البخاري (٦/ ٦١٦) ٦١ - كتاب المناقب. ٢٥ - باب علامات النبوَّة.\nمسلم (٤/ ٢٢١٤) ٥٢ - كتاب الفتن، ٤ - باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٤٠) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ...\n(يليطه): لاط الحوض يليطه ويلوطه لَيْطًَا ولُوطًَا: إذا لطخه بالطين وأصلحه به.\n(أكلته): الأُكلة بضمّ الهمزة: اللقمة.","vol":"2","page":936},{"text":"ولا تقوم الساعةَ حتى تقاتلوا قومًا نِعالهم الشَّعَر\".\nوله (١) في أخرى قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعةُ حتى يكثر فيكم المال ويَفيضَ، وحتى يَخرجَ الرجل بزكاة ماله، فلا يجدُ أحدًا يَقبلها منه، وحتى تعود أرضُ العربِ مُرُوجًا وأنهارًا\".\nوفي أخرى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى يكثُر فيكم المالُ ويفيضَ، حتى يَهِمُّ ربَّ المال منْ يقْبَلَهث منه صدقةً، يدعو إليه الرجلَ، فيقول: لا أرَبَ لي فيه\".\nأقول: في الحديث معجزات كثيرة ففيه شيء رأته الأمة وفيه شيء نراه الآن. ومما نرى بداياته الآن: قوله ﵊: \"وحتى تعود بلاد العرب مروجًا وأنهارًا\".\nفنحن الآن نشهد بدايات ذلك.\nوقوله ﵊: \"حتى تعود\" إشارة إلى أنها كانت كذلك، وهذا الذي تدل عليه الدراسات الحديثة كما يدل عليه وجود البترول. ففي هذه العبارة وحدها معجزتان من معجزاته، وعصرنا يشهد كثرة الزلازل، وشهد الحربين العالميتين، ولا زال يشهد كثرة القتل، كما يشهد عصرنا تطاول الناس في البنيان بأكثر مما شهده أي عصر سابق.\n_________\n(١) مسلم (٢/ ٧٠١) ١٢ - كتاب الزكاة، ١٨ - باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها.\n(٢) مسلم: الموضع السابق.","vol":"2","page":937},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الفقرة السادسة\nفي:\nفتح القسطنطينيَّة الأول</span>\n٩١٨ - * روى الدارمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن عند النبي ﷺ نكتب، إِذ سُئِل: أي المدينتين تُفْتَحُ أوَّلًا: قسطنطينيَّة أو روميَّة؟ فقال: \"لا بل مدينةُ هَرقَلَ أولًا\".\nأقول: في هذا الحديث بشارتان: بشارة بفتح القسطنطينيَّة، وبشارة بفتح روما، وقد فتحنا القسطنطينية ولم نفتح روما. وفي ذلك ما يُعْطينا أنه لا يزال بيننا وبين الساعة أمدٌّ نسبيًَّا. فهناك أمور أخبرنا رسول الله ﷺ عن حدوثها قبل قيام الساعة لم تقع بعد، ومن جملتها: ظهور الإسلام على العالم كله تحقيقًا لقوله ﵊ في الحديث.\n٩١٩ - * روى أحمد عن المقداد بن الأسود يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلامِ بعزِّ عزيزٍ أو ذُلِّ ذليلٍ إما يُعِزِّهم لله ﷿ فيجعلهم من أهلها أو يُذِلَّهم فَيَدِنون لها\".\nوفي رواية لأحمد أيضًا (١): عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بِعِزِّ عزيز أو بِذُلِّ ذليل عِزًَّا يُعِزّ الله به الإسلامَ وذُلًَّا يُذِلُّ الله به الكُفْر\". وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي؛ لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعزّ، وقد أصاب من كان منهم كافرًا الذُّلّ والصغار والجزية.\nفهذا الحديث يشير إلى أنَّ هذا الظهور يكون قبل نزول المسيح ﵇، لأن\n_________\n٩١٨ - الدارمي (١/ ١٢٦) المقدمة، ٤٢ - باب من رخص في كتابة العلم. وهو حديث صالح.\n٩١٩ - أحمد (٦/ ٤). وهو حديث صحيح.\n(١) أحمد (٤/ ١٠٣).","vol":"2","page":938},{"text":"المسيح لا يقبل الجزية، وفي الحديث إشارة إلى الجزية، وسنرى أن هناك نصوصًا تتحدَّث عن فتح آخر للقسطنطينيَّة يكون بين يدي ظهور الدَّجال مباشرة، وأنَّ القائمين بذلك من غير العرب، وسنرى نصوصًا تتحدَّث عن أنَّ العرب يوم ظهور الدَّجَّال يكونون قليلين، وأنَّ الخلافة الإسلاميَّة حين ظهور المسيح الدَّجَّال ونزول عيسى بن مريم تكون بالقدس، والقول المشهور عند العلماء إن المهدي ﵇ يكون في زمن عيسى ﵇، وكل ذلك يشير إلى أن بيننا وبين علامات الساعة الكبرى أمدًا نسبيًَّا. والله أعلم.\nكما أن هذه النصوص فيها إشارات ضمنيَّة من جملة إشاراتٍ كثيرة نجدها متفرقة في النصوص تدل، على أن اليهود الذين وفدوا إلى فلسطين وقامت لهم دولة في عصرنا ليسوا هم اليهود الذين يقاتلهم المسلمون عند نزول المسيح ﵇، إنما هم الذين يفدون مع المسيح الدَّجال. فعاصمة الخلافة وقت ذلك تكون القدسن وقبل ذلك ستكون دولة إسلاميَّة عالميَّة، وكل ذلك يتنافى مع بقاء السلطان الحالي لليهود في فاسطين.\n* * *","vol":"2","page":939},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>الفقرة السابعة\nفي:\nقتال التتار والمغول والأتراك قبل إسلامهم</span>\n٩٢٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هُريْرَة ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: \"لا تقوم السَّاعة حتى تُقَاتِلوا قوْمًا نِعالهم الشَّعَر، ولا تقُوم الساعةُ حتَّى تُقَاتلوا قومًا كأن وجوهم المجانُ للمطرقةُ\".\nقال سفيان: زاد فيهِ في روايةٍ (١): \"صِغَارَ الأعينِ ذُلْفَ الأُنُوفِ، كأنّ وجوههم المجان المطرقة\".\nوفي رواية قال (٢): قال رسول الله ﷺ: \"تقاتلون بين يدي الساعة قومًا نعالهم الشَّعَر، كأنَّ وجوههم المجان المطرقة، حُمْرُ الوجوهِ، صِغار الأعْيُنِ\".\nوللبخاري (٣) عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا أبا هُرَيْرة، فقال: صحبتُ رسول الله ﷺ ثلاث سنين، لم أكن في سنِّي أحرص على أن أعي الحديثَ مِنِّي فيهنَّ، سَمِعتُه يقول- وقال هكذا بيده-: \"بين يدي الساعةِ تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وهو هذا البارزُ\". قال سفيان مرة: وهم أهلُ البازرِ، ويعني بأهل البازر أهلَ فارس، كذا هو بلغتهم.\nوللبخاري أيضًا (٤): وزاد في آخره \"وتجدن خيرَ الناس أَشدَّهم كراهيَّةً لهذا الأمر، حتى يقع فيه، والنَّاس معادنُ، خِيارُهم في الجاهليَّة خِيارُهم في الإسلام،\n_________\n٩٢٠ - البخاري (٦/ ١٠٤) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٩٦ - باب قتال الذين ينتعلون الشعر.\nمسلم (٤/ ٢٢٢٣) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل .. إلخ.\n(١) البخاري: الموضع السابق.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٣): الموضع السابق.\n(٣) البخاري (٦/ ٦٠٤) ٦١ - كتاب المناقب، ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام. (والبازر سوق الفسوق الذي لهم)\n(٤) البخاري: الموضع السابق.","vol":"2","page":940},{"text":"إذا فقهوا، وليأتِيَنَّ على أحدكم زمانٌ لأَن يراني أحبُّ إليه من أن يكون له مثلُ أهلِهِ ومالِه\".\nوله أيضًا (١): قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقومُ الساعةُ حتى تقاتلوا خُوزًَا وكِرمانَ من الأعاجم، حُمْرَ الوجوه، فُطْسَ الأنوفِ، صِغارٍ الأعين، وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر\".\nولمسلم (٢): أنّ رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى يُقَاتِل المسلمون التُّركَ، قومًا وجوهمم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر\".\nأقول: المراد من الترك هنا: ما هو أعمُّ من الشعب التركي بدليل الأوصاف، فكأن المراد: الترك ومن وراءهم من المغول والتتار الذين تنطبق عليهم الأوصاف التي وردت في الحديث.\n٩٢١ - * روى البخاري عن عمرو بن تغلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّ من أشراط الساعة: أن تُقَاتِلوا قومًا يَنْتَعِلون نِعال الشَّعَرِ، وإنَّ من أَشراط الساعة: أن تقاتلوا قومًا عِراض الوجوهِ، كأَنَّ وجوههم المجان المطرقة\".\nقال في الفتح: قوله (ينتعلون نعال الشعر) ... [الظاهر من الحديث]:\nأن الذين ينتعلون الشعر غير لترك. وقد وقع للإسماعيلي من طريق محمد بن عباد\n_________\n(١) البخاري: الموضع السابق.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٣): الموضع السابق.\n(المجان لمطرقة): المجان جمع مجن، وهو الترس. والمطرقة، بإسكان الطاء وتخفيف الراء من أطرق. هذا هو الفصيح المشهور في الرواية وفي كتب اللغة العربية والغريب. وحكي فتح الطاء وتشديد الراء، من طَرَّق، والمعروف الأول.\nقال العلماء: هي التي ألبست العقب وأُطرقت به طاقة فوق طاقة. قالوا: ومعناه تشبيه وجوه الترك في عرضها وتلوُّن جنانها بالترسة المطرقة.\n(ذلف الأنوف): جمع أذلف، كأحمر، ومعناه فطس الأنوف، وقصارها مع انبطاح. وقيل: هو غلظ في أرنبة الأنف. وقيل\\: تطامن فيها. وكله متقارب.\n(يلبسون الشعر ويمشون في الشعر): معناه ينتعلون الشعر. كما صرَّح به في الرواية الأخرى: نعالهم الشعر.\n٩٢١ - البخاري (٦/ ١٠٣، ١٠٤) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٩٥ - باب قتال الترك.","vol":"2","page":941},{"text":"قال: بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر. قلت [أي ابن حجر]: بابك بموحدتين مفتوحتين وآخره كاف يقال له الخُرَّمي بضم المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيَّام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد لعجم كطبرستان والري، إلى أن قتل بابك المذكور في أيام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين\" أ. هـ ابن حجر.\nأقول: لقد قاتل المسلمون زنادقة انطلقوا من بلاد فارس، وقاتلوا قبائل انطلقوا من أرض الترك، وقاتلوا الأتراك قبل دخولهم في الإسلام، وقاتلوا قبائل انطلقوا مما وراء بلاد الترك كالمغول والتتار، وفي أحاديث هذه الفقرة ما يشير إلى ذلك كله، وذلك من معجزاته ﵊.\n٩٢٢ - * روى أحمد عن بريدة قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعتُ النبي ﷺ يقول: \"إن أمتي يسوقُها قومٌ عِراض الوجوه صِغار الأعين كأن وجوههم الجُحَفُ ثلاث مرات حتى يُلْحِقوكم بجزيرة العرب؛ أما السائقة الأولى فينجو مَنْ هرب منهم، وأمَّا الثانية فينجو بعضٌ ويهلِكُ بعضٌ، وأمَّا الثالثة فيصطلمون من بقي منهم\". قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: \"الترك، أمَّا والذي نفسي بيده لَيَربُطَنَّ خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين\". قال: وكان بريدةُ لا يفارقه بعيران أو ثلاثةٌ ومتاعٌ السفر والأسقيَّة، ويُعِدُّ ذلك للهرب مما سُمِع من النبي ﷺ من البلاء من الترك.\nأقول: هذا الحديث أشبه بأن يكون محمولًا على قتال التتار والمغول، والظاهر أن كلمة الترك تطلق في النصوص بأوسع ممَّا هو متعارف عليه الآن في تعريف الأتراك، ولذلك حمل\n_________\n٩٢٢ - أحمد (٥/ ٢٤٨). وكشف الأستار (٤/ ١٢٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢١١) وقال: رواه أحمد والبزار باختصار ورجاله رجال الصحيح.\n(الجُحْف): بمعنى الترس.\n(يصطلمون): يقطعون","vol":"2","page":942},{"text":"شرَّاح السنّة بعض الروايات المذكورة في هذه الفقرة على المأساة التي وقعت للمسلمين على يدي المغول والتتار.\nقال في عون المعبود شرح سنن أبي داود (المجلد الرابع):\nقال النووي: معناه ينتعلون الشعر كما صرح به في الرواية الأخرى نعالهم الشعر، وقد وجدوا في زماننا هكذا- انتهى. قلت: رواية مسلم بلفظ يلبسون الشعر ويمشون في الشعر تدل دلالة واضحة على أنه يكون لباسهم أيضًا من الشعر، كما أن نعالهم تكون من الشعر، وهو الظاهر لما في بلادهم من ثلج عظيم لا يكون في عيرها على ما قال ابن دحية وغيره.\nوقال القرطبي في التذكرة: والحديث الأوَّل، أي حديث أحمد على خروجهم وقتالهم للمسلمين وقتلهم، وقد وقع ذلك على نحو ما أخبر به ﷺ، فخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله ولا يردهم عن المسلمين إلا الله حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، فخرج منهم في جمادى الأولى سنة سبع عشر وست مائة جيش من الترك يقال له الططر [أي التتر] عظم في قتله الخطب والخطر، وقُضِي له في قتل النفوس المؤمنة الوَطر، فقتلوا ما وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان ومحوا رسوم ملك بني سامان، وخربوا البنيان وأطلقوا الماء على المدينة من نهر جيجان، فغرق منها مباني الدار والأركان ثم وصلوا إلى بلاد نهشان، فخربوا مدينة الري وقزوين ومدينة أرديل ومدينة مراغة كرسي بلاد أذربيجان وغير ذلك، واستأصلوا ساقة من هذه البلاد من العلماء والأعيان واستباحوا قتل النساء وذبح الولدان، ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصبهان ودَور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع والإتقان، وأهلها مشتغلون بعلم الحديث فحفظهم الله بهذا الشأن أنزل عليهم مواد التأييد والإحسان فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان، وحققوا الخبر بأنها بلاد الفرسان واجتمع فيها مائة ألف إنسان وأبرز الططر [أي التتار] القتل في مضاجعهم وساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم، فمرقوا عن أصبهان مروق السهم من الرمي منهم فرار الشيطان في يوم بدر وله حصاص ورأوا أنهم إن وقفوا لم يكن لهم","vol":"2","page":943},{"text":"من الهلاك خلاص، ووصلوا السير بالسير إلى أن صعدوا جبل أربد فقتلوا جميع من فيه من صلحاء المسلمين وخربوا ما فيه من الجنات والبساتين، وكانت استطالتهم على ثلثي بلاد المشرق الأعلى وقتلوا وخربوا ما فيه من الخلائق ما لا يُحصى وقتلوا في العراق الثاني عدةً يبعد أن تحصى، ربط خيولهم إلى سواري المساجد والجوامع كما جاء في الحديث المنذر بخروجهم- إلى أن قال-: وقطعوا السبيل وأخافوها وجاسوا خلال الديار وطافوها، وملأوا قلوب المسلمين رُعبًا وسحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحبًا، ولا شكَّ أنهم هم المنذر بهم في الحديث وأن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الأخيرة منها. وقال القرطبي: فقد كملت بحمد الله خرجاتهم ولم يبق قتلهم وقتالهم فخرجوا عن العراق الثاني والأول كما ذكرنا، وخرجوا من هذا الوقت على العراق الثالث بغداد وما اتصل بها من البلاد وقتلوا من فيها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد، واستباحوا جميع من فيها من المسلمين وعبروا الفلاة إلى حلب وقتلوا جميع من فيها وخربوا إلى أن تركوها خالية، ثم أَوْغَلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة من الأيام وفلقوا بسيوفهم الرؤوس والهام، ودخل رعبهم الديار المصريَّة ولم يبق إلا اللحوق بالديار الأخروية فخرج إليهم من مصر الملك المظفَّر الملقَّب بظفر ﵁ بجميع من معه من العساكر وقد بلغت القلوب الحناجر، إلى أن التقى بهم بعين جالوت فكأن له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت، فقتل منهم جمع كثير وعدد غزيز وارتحلوا إلى الشام من ساعتهم ورجع جميعه كما كان للإسلام وعدوا الفرات منهزمين ورأوا ما لم يشاهدوه من زمان ولا حين، وراحوا خائبين وخاسئين مدحورين أذلاء صاغرين ... انتهى كلام القرطبي باختصار. وقال الإمام ابن الأثير في الكامل: حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى التي عمقت الدهور عن مثلها، عمَّت الخلائق وخصّت المسلمين فلو قال قائل: (إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها) لكان صادق فإن التواريخ لم تتضمَّن ما يقاربها .. انتهى. وقال الذهبي: وكانت بليَّة لم يُصَب الإسلام بمثلها .. انتهى.\nقال النووي في شرح مسلم: وهذه كلها معجزات لرسول الله ﷺ، فقد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين. انتهى مختصرًا. أ. هـ.","vol":"2","page":944},{"text":"نقلا عن (عون المعبود).\nفائدة: يلاحظ أن النصوص التي تتحدَّث عن خوز وكرمان وعن الترك، تتحدَّث عن أقوام لهم صفات واحدة وهي الصفات التي تنطبق على المغول والتتار، وذلك أنه جرت العادة أن يُطلق اسم الترك على الشعوب التي تقطن وراء جبال القفقاس، وقد قاتل المسلمون بعض هذه الشعوب على أرضها، وأسلمت بعض هذه الشعوب، وبعض هذه الشعوب هربت أمام موجات التتار والمغول وهي مسلمة، فجاءت إلى الشرق كبني عثمان، والظاهر أن النصوص التي تصف الأقوام الغازية بأنهم من خوز وكرمان وتُرْك إنما تريد التتار والمغول، بل إن ابن كثير يذهب في كتابه \"النهاية\" إلى أن يأجوج ومأجوج هم من التُّرك كما سنرى، وذلك كما قلنا أّخْذٌ من الاصطلاح الذي أشرنا إليه، وينقل ابن كثير في مقطع من كتابه \"النهاية\" ثلاثة نصوص، نصًّا يتحدَّث عن قتال الترك ويصفهم، ونصًّا يتحدَّث عن خوز وكرمان ويصفهم، ونصًّا مطلقًا يذكر بعض الأوصاف، ثم يعلق ذلك بما يفيد أن هؤلاء جميعًا هم الترك.\nوأقول: إن المراد بالترك هنا عندهم هم أهل منطقة ما وراء جبال القفقاس مع أن وراء هذه المنطقة شعوبًا متعدِّدة، والذين تنطبق عليهم الأوصاف التي وردت في الأحاديث هم المغول والتتار وهو الذين فعلوا بالمسلمين الأفاعيل، بينما نجد شعوبًا أُخرى ممن يُطلَق عليهم اسم الترك دخلوا في الإسلام وحملوه. صحيح أن المسلمين قاتلوا ابتداء هذه الشعوب، لكن لم يدم ذلك طويلًا، وعلى ضوء ما قلناه، فلنفهم من هذه الصفحة من كلام ابن كثير في \"النهاية\" ومرادنا من نقلها لنثبت ما ذكرنا آنفًا.\nقال ابن كثير في النهاية: عن أبي هُرَيْرة أن النبي ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم حمر الوجوه فطس الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر\" أخرجه الجماعة سوى النسائي.\nعن أبي هريرة فذكر نحوه. قال سفيان بن عيينة: وهم أهل البارز- كذا يقول سفيان- ولعل البارز هو سوق الفسوق الذي لهم. وقال أحم حدَّثنا عفَّان حدَّثنا جرير بن حازم سمعتُ الحسن حدَّثنا عمرو بن ثعلب سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:","vol":"2","page":945},{"text":"\"إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا عِراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة\". ورواه البخاري من حديث جرير بن حازم، والمقصود أن الترك قاتلهم الصحابة فهزموهم وغنموهم وسبوا نساءهم وأبناءهم، وظاهر هذا الحديث يقتضي أن يكون هذا من أشراط الساعة، فإن كانت أشراط الساعة لا تكون إلا بين يديها قريبًا، فقد يكون هذا أيضًا واقعًا مرَّة أخرى عظيمة بين المسلمين وبين الترك حتى يكون آخر ذلك خروج يأجوج ومأجوج كما سيأتي ذكر أمرهم، وإن كانت أشراط الساعة أعمُّ من أن تكون بين يديها قريبًا منها، فإنها تكون مما يقع في الجملة ولو تقدَّم قبلها بدهر طويل إلا أنه مما وقع بعد زمن النبي ﷺ، وهذا هو الذي ظهر بعد تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب). أ. هـ\n(النهاية في الفتن والملاحم).","vol":"2","page":946},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>الفقرة الثامنة\nفي:\nتمزقات الأمة الإسلاميَّة وصراعاتها</span>\n٩٢٣ - * روى الترمذي عن خبَّاب بن الأرَتّ ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً فأطالها، فقالوا: يا رسول الله، صليْتَ صلاةً لم تكن تُصلِّيها؟ قال: \"أجل، إنها صلاةُ رغبةٍ ورهبةٍ، إنِّي سألتُ الله ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألتُه أنه لا يُهلك أمَّتي بِسَنَةٍ، فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُسلِّط عليهم عدوًَّا من غيرهم، فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمنعنيها\".\nوفي رواية النسائي (١)؛ أنَّ خبايَّا رَقَبَ رسول الله ﷺ في ليلةٍ صلَّاها، فلمَّا فَرَغَ من صلاتِه جاءه خبَّابٌ فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمِّي، لقد صلَّيْتَ الليلة صلاةً ما رأيتُك صلَّيْتَ نحوها؟ قال رسول الله ﷺ: \"أجل؛ إنها صلاةُ رَغَبٍ ورَهَبٍ، سألتُ ربِّي ﷿ ثلاث خِصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً، سألتُ ربِّي: أن لا يُهلِكنا بما أَهْلَكَ به الأُممَ، فأعطانيها، وسألتُ ربِّي: أن لا يُظهِر علينا عدوًَّا من غيرنا، فأعطانيها، وسألتُ ربِّي أن لا يُلبِسَنا شِيَعًا، فَمَنَعَنِيها\".\nأقول: لقد بدأ الصراع بين المسلمين منذ الفتنة الكبرى التي وقعت زمن عثمان ﵁ وأدَّت إلى قتله، ومن يومها حتَّى يومنا هذا لم تهدأ الصراعات بين المسلمين، وفي عصرنا نجد\n_________\n٩٢٣ - الترمذي (٤/ ٤٧٦) ٢٤ - كتاب الفتن، ١٤ - باب م جاء في سؤال النبي ﷺ\nثلاثًا في أمته.\nوقال: حديث حسن صحيح، قال محقق الجامع: وهو كما قال.\n(١) النسائي (٣/ ٢١٦) ٢٠ - كتاب قيام الليل وتطوُّع النهار، ١٦ - باب إحياء الليل.\n(رغبة): الرَّغب: الرغبة، هو حبُّ الشيء وإيثاره.\n(والرهَب): الرهبة، وهو الخوف.\n(يُلبِسنا): أي يختلط أمرنا خلط اضطراب واختلافَ أهواءٍ.\n(شِيَعًَا): الشِّيَع: الفِرَق جمع شيعة.","vol":"2","page":947},{"text":"ذلك على أشُدِّه، فما ذكرته من نصوص هذه الفقرة من أعلام نُبُوَّته ﵊.\n٩٢٤ - (١) راني عن نافع بن خالد الخَزَاعِي عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى والناسُ حَوْله صلى صلاةً خفيفةً تامة الركوع والسُّجود، فجلسَ يومًا فأطال السجودَ حتى أَوْمأَ بعضنا إلى بعضٍ أن اسكتوا فإن رسول الله ﷺ يُوحَى إليه. فلمَّا فَرَغَ قال بعض القوم: يا رسول الله أطَلْتَ الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أنَّه يُنَزَّل عليكَ. قال: \"لا، ولكنها صلاةُ رغبةٍ ورهبةٍ سألتُ الله فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يُعذِّبَكُم بعذابٍ عَذَّب به من كان قبلكم، وسألته أن لا يُسلِّط على عامتكم عدوًَّا يَستَبيحها، فأعطانيهما، وسألته أن لا يَلْبِسَكُم شيعًا ويُذيق بعضكم بأسَ بعضٍ فمنعنيها\". قلتُ له: أبوك سَمِعها من رسول الله ﷺ. قال: نعم، سمعته يقول إنه سمعها من رسول الله ﷺ عدد أصابعي هذه العشرِ الأصابع.\n٩٢٥ - * روى مسلم عن عامر بن سعد أبي وقَّاص ﵀ عن أبيه، أنَّه أقْبَل مع النبيّ ﷺ ذات يومٍ من العَاليةِ، حتى إذا مرَّ بمسجدِ بني معاويةَ دَخَلَ فركعَ فيه ركعتين، وصَلَّيْنا معه، ودعا ربَّه طويلًا، ثمّ انصرف إلينا فقال: \"سألتُ ربِّي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألتً ربي أن لا يُهلِكَ أُمَّتي بالسِّنَّة فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلِك أمتي بالغَرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأْسَهم بينهم، فَمَنَعَنِيها\".\nأقول: الغرق الجزئي لأجزاء في الأرض الإسلاميَّة لا يدخل في الحديث، وكذلك المجاعة الجزئيَّة فالمنفى هو استئصال الأمَّة الإسلاميَّة كلها بغرق أو مجاعة أو غير ذلك، وكذلك التسليط على الأمَّة الإسلاميَّة من غيرها لا يكون شاملًا، أمَّا التسليط الجزئي فغير منفي في النصوص، ولو أنَّك تأمَّلت أشدَّ مراحل الضعف التي مرَّت بها الأمَّة الإسلاميَّة\n_________\n٩٢٤ - المعجم (٤/ ١٩٤).\nكشف الأستار (٤/ ٩٩).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٢٢، ٢٢٣). وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح غير نافع بن خالد وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد ورواه البزار.\n٩٢٥ - مسلم (٤/ ٢٢١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٦ - باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.","vol":"2","page":948},{"text":"فإنك لا تجد مرحلة تسلط بها الكافرون على كل شبر من الأرض الإسلاميَّة، ففي موجة التتار بقيت أقطار إسلاميَّة كمصر وما وراءها والجزيرة العربيَّة بعيدة عن سيطرتهم، وفي الحروب الصليبية لم تستعمر إلا أقطار محدودة، وفي مرحلة الإستعمار الحديث بقيت أقطار إسلاميَّة لم يستعمرها الكافرون كاليمن والحجاز ونجد. ففي النصوص بشارة وهي من أعلام نبُوَّته ﵊.\n٩٢٦ - * روى مسلم عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوى لي منها، وأُعطِيتُ الكنْزين الأحمر والأبْيض، وإنِّي سألتُ ربِّي لأمَّتي؛ أن لا يُهلِكها بِسَنَةٍ عامَّةٍ، وأن لا يسلِّط عليهم عدوًَّا من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بَيْضَتَهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاءٌ فإنه لا يرَدُّ، وإني أعطيتك لأُمتك: أن لا أُهْلِكاهم بِسَنَةٍ عامَّةٍ، ولا أُسلِّط عليهم عدُوًّا [من] سوى أنفسهم يستبيحُ بيضتَهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها- أو قال: مَن بين أقطارِها- حتَّى يكون بعضهم يُهلِكُ بعضًا، ويَسبي بعضهم بعضًا\".\nوفي رواية (١): أنَّ النبي ﷺ قال: \"إن الله زَوَى لي الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكَنْزَين: الأحمر والأبيض\" ثمَّ ذكر نحوه.\n_________\n٩٢٦ - مسلم (٤/ ٢٢١٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٥ - باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض.\nقال ابن الأثير:\n(بِسَنَةٍ عَامَّةٍ) السَّنة: الجذب والشِّدَّة، والعامَّة: التي تَعُمُّ الكل.\n(زوى لي): رَوَيْت الشيء لفلان، أي جمعته له وضممته إليه، وقوله: \"وإن مُلكَ أُمَّتي سيبلغُ ما زُوِيَ لي منها\" من معجزاته ﷺ، لأنّ مُلك أمته بلغ من المشارق والمغارب كثيرًا واسعًا.\nوأمَّا جهة الجنوب وجهة الشَّمال: فلم يبلغ ملك الأمة الإسلامية فيهما كثيرًا مبلغه من جهتي الشرق والغرب، فكان هذا منه ﷺ إخبارًا عمَّا يقع في المستقبل.\n(بيضة الناس): مجتمعهم ومعظمهم، وبيضة البلد، وسطه ومعظمه، و\"استباحهم\": جعلهم مُباحًا، يأخذهم أسرًا وقتلًا، ويتصرَّف فيهم كيف شاء. أهـ. ابن الأثير (جامع الأصول).\n(١) مسلم: الموضع السابق.","vol":"2","page":949},{"text":"وزاد أبو داود (١): \"وإنما أخاف على أمَّتي الأئمَّة المُضلِّين، وإذا وُضِع السَّيف في أمَّتي لم يُرفَع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تَلْتَحِق قبائِلٌ من أمَّتي بالمشركين، وحتَّى تَعْبُدَ قبائل من أمَّتي الأوثان، وإنَّه سيكون في أُمَّتي كذَّابون ثلاثون، كُلُّهم يزعُم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي ولا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحق ظاهرين لا يَضرُّهم من خالفهم حتَّى يأتي أمرُ الله\".\nوقد روى مسلم (٢) بعض هذه الزيادة عن ثوبان، وهي قوله: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... \" إلى آخرها.\nوروى الترمذي (٣) الزيادة كلها مفردة.\nأقول: إنّ أعظم منابع الثروة في العالم موجود في العالم الإسلامي، وفي الحديث إشارة إلى ذلك، وذلك من أعلام نبوَّتِه ﵊، وفي الحديث بِشارة باستمرار وجود من يحمل الإسلام كلما وقع وذلك من أعلام نبوَّته ﵊، وفي الحديث بِشارة بالتوسُّع المطَّرِد للإسلام وهة حاصل، ونحن الآن نشهد بداية مدٍّ إسلامي جديد نرجو أن يكون مآله سيطرة الإسلام على العالم تحقيقًا لقوله تعالى:\n﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وتحقيقًا لبشارته ﵊ بذلك.\n٩٢٧ - * روى أحمد عن شداد بن أَوسٍ أنّ النبي ﷺ قال: \"إنَّ الله زَوَى لي الأرض فرأيت مَشارِقَها ومَغَارِبَها وإني أعطِيتُ الكنزين: الأبيضَ والأحمرَ،\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ١٧) كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفِتَن ودلائلها.\n(٢) مسلم (٢/ ١٥٢٣) ٢٣ - كتاب الإمارة، ٥٣ - باب قوله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمَّتي ... \"\n(٣) الترمذي (٤/ ٥٠٤) ٣٤ - كتاب الفتن، ٥١ - باب ما جاء في الأئمَّة المضلين. وقال: حديث صحيح.\n٩٢٧ - أحمد (٥/ ٢٤٨).\nوكشف الأستار (٤/ ١٠٠).\nومجمع الزوائد (٧/ ٢٢١). وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(زوى): جمع. =","vol":"2","page":950},{"text":"وإني سألت ربي ﷿: أن لا يهلك أمتي بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض. فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا بعامة فيهلكوهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا وبعضهم يقتل بعضًا وبعضهم يسبي بعضًا\". قال: وقال رسول الله ﷺ: \"إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين. وإذا وضع السيف في أمتي لا يرفع عنهم إلى يوم القيامة\".\n٩٢٨ - * روى الطبراني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"سألت ربي لأمتي أربع خلال فمنعني واحدة وأعطاني ثلاثا: سألته أن لا يكفر أمتي صفقةَ وحدةً فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم هدوًا من غيرهم فأعطاينها، وسألته أن لا يعذبهم بما يعذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها\".\n٩٢٩ - * روى الطبراني عن أبي بردة قال: خرجت من عند عبيد الله بن زياد فرأيته يعاقب عقوبة شديدة، فجلست إلى رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: قال رسول الله ﷺ: \"عقوبة هذه الأمة بالسيف\".\n٩٣٠ - * روى أبو داود عن عوف بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لن يجمع لله على هذه الأمة سيفين: سيفًا منها، وسيفًا من عدوها\".\nأقول: في الحديث إشارة وبشارة، فعندما يكون المسلمون قائمين بالجهاد يقاتلون عدوًا أو يقاتلهم عدو فيتحدون وتتوجه قلوبهم لجهاد غيرهم، فإذا ركد سوق الجهاد لأعداء الله\n_________\n= (بسنة): السنة: القحط والمجاعة.\n(بعامة): العامة: التي تعم الكل.\n٩٢٨ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٢) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. ورواه البزار إلا أنه قال: سألت ربي ثلاثًا.\nوكشف الأستار (٤/ ٩٩).\n٩٢٩ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٥). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n٩٣٠ - أبو داود (٤/ ١١٢) كتاب الملاحم، باب ارتفاع الفتنة في الملاحم. وإسناده حسن.","vol":"2","page":951},{"text":"قاتلوا بعضهم.\nومن فقه أبي بكر ﵁ أنه بعد أن أنهى الردة حرك المسلمين باتجاه فارس والروم، وكذلك فعل عمر، فلما خفت المشاركة بالجهاد المشاركة بالجهاد زمن عثمان على كثرة الفتوح وقعت الفتنة.\n* * *","vol":"2","page":952},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>الفقرة التاسعة\nفي:\nالتجديد والمجددين</span>\n٩٣١ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها\".\nقال ابن الأثير: (من يجدد لها دينها) قد تكلم العلماء في تأويل هذا الحديث، كل واحد في زمانه، وأشاروا إلى القائم الذي يجدد للناس دينهم على رأس كل مائة سنة، وكأن كل قائل قد مال إلى مذهبه، وحمل تأويل الحديث عليه، والأولى أن يحمل الحديث على العموم، فإن قوله ﷺ: \"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها\" ولا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا واحدًا، وإنما قد يكون واحدًا، وقد يكون أكثر منه؛ فإن لفظة \"من\" تقع على الواحد والجمع، وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث: الفقهاء خاصة، كما ذهب إليه بعض العلماء، فإن انتفاع الأمة بالفقهاء، وإن كان نفعًا عاما في أمور الدين، فإن انتفاعهم بغيرهم أيضًا كثير مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد، فإن كل قوم ينفعون بفن لا ينفع به الآخر، إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء ويتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر، وكذلك أصحاب الحديث ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع، والقراء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا، فكل واحد ينفع بغير ما به الآخر، لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة: رجلًا مشهورًا معروفًا، مشارًا إليه في كل فن من هذه الفنون، فإذا حمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعد من التهمة، وأشبه بالحكمة، فإن اختلاف الأئمة رحمة، وتقرير أقوال المجتهدين متعين، فإذا ذهبنا إلى تخصيص\n_________\n٩٣١ - أبو داود (٤/ ١٠٩) كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة. وإسناده صحيح.\nوالمستدرك (٤/ ٥٢٢). وصحح الحاكم ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":953},{"text":"القول على أحد المذاهب، وأولنا الحديث عليه، بقيت المذاهب الأخرى خارجة عن احتمال الحديث لها، وكان ذلك طعنا فيها.\nفالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة، يجددون للناس دينهم، ويحفظون مذاهبهم التي قلدوا فيها مجتهد يهم وأئمتهم. اهـ. (جامع الأصول).\nأقول: رأس القرن أوله، والظاهر المتبادر من الحدي أن القائم بالتجديد في كل قرن واحد، وهو الذي يغلب على كلام العلماء، ولكن كلام ابن الأثير وجيه، والموضوع يحتاج إلى تحقيق من خلال الواقع، وهذا بحث يستأهل أن يتفرغ له، فتحديد الذين أثروا في تاريخ الإسلام مجددين للهدى وعلى الهدى يضع بيد الأمة ثروة هائلة من القدوة والسوابق، وإذا كان التحديد لا يحتمل المقام هاهنا لكثرة الاختلاف في أهل التجديد، فإننا نكتفي بالقول؛ إن تجديد الإسلام قائم وحاصل يدل على ذلك: وصول هذا الدين إلينا نقيًا صافيًا، وانتشاره في الأرض طولًا وعرضًا على كثرة الكوارث والأعداء، ونحب أن نلفت نظر الراغبين في التجديد في هذا القرن إلى بعض الملاحظات:\nإن على القائمين بالدعوة إلى الله أن يلحظوا ما يحتاجه كل قرن من تجديد، فتجديد كل قرن على حسبه، ولكل قرن جديده الذي يحتاج إلى عمل مكافئ ومناسب، فهناك تجديد علوم الإسلام وهناك التجديد في أساليب العمل لإحياء أسهم الإسلام ومقاماته ومفاهيمه وقيمة، وهناك التجديد الذي تحتاجه المستجدات، فإقامة الجهاد في عصرنا تحتاج من الوسائل والأساليب ما فرضته مستجدات العصر، وإقامة فروض العين وفروض الكفاية تحتاج من الجهد والأساليب والإحاطة والتعبئة ما تقضيه مستجدات كل عصر، وكثيرون من الناس يسيرون على معالم تجديد المجددين في قرون سابقة دون أن يلحظوا المتغيرات والمستجدات والزمان والمكان والبيئة والمعطيات والمتغيرات ونفسيات الناس.\nوبعد هذه الملاحظات لابد من الإشارة إلى أن في الحديث معجزة ظاهرة، فلم يزل على رأس كل قرن يظهر من نوابغ الإسلام ومن الحركات الإسلامية والتحركات الجادة لنصرة الإسلام بتأييد الحق والرد على أهل الباطل وإضعافهم ما هو ظاهر واضح، ولكثرة ظهور","vol":"2","page":954},{"text":"هذا الأمر في كثيرين، تجد العلماء يختلفون من هو المجدد الأول أو الأقوى أو الأوحد في كل قرن وما كان الاختلاف إلا بسبب الوجود، ومذهب ابن الأثير يقلل من الخلاف حتى يجعله في حده الأدنى.\n* * *","vol":"2","page":955},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>الفقرة العاشرة\nفي:\nنار الحجاز</span>\n٩٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصري\".\nقال الحافظ ابن حجر: \"قوله (حتى تخرج نار من أرض الحجاز) قال القرطبي في \"التذكرة\": قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادي الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجالًا يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة ومن جابل بصري. وقال النووي: تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام. وقال أبو شامة في \"ذيل الروضتين\": وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها في تصديق لما في الصحيحين، فذكر هذا الحديث، قال: فأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب، فمن الكتب .. فذكر نحو ما تقدم، ومن ذلك أن في بعض الكتب: ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقي المدينة نار\n_________\n٩٣٢ - البخاري (١٢/ ٧٨) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٤ - باب خروج النار.\nمسلم (٤/ ٢٢٢٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٤ - باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز.","vol":"2","page":956},{"text":"عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد. وفي كتاب آخر: انبجست الأرض من الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد المدينة وهي براي العين من المدينة، وسال منها واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الأرض ويخرج منه مهاد وجبال صغار. وفي كتاب آخر: ظهر ضوؤها إلى أن رأوها من مكة، قال ولا أقدر أصف عظمها، ولها دوي. قال أبو شامة: ونظم الناس في هذا أشعارًا، ودام أمرها أشهرا، ثم خمدت. والذي ظهر لي أن النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره، وأما النار التي تحضر الناس فنار أخرى. وقد وقع في بعض بلاد الحجاز في الجاهلية نحو هذه النار التي ظهرت بنواحي المدينة في زمن خالد بن سنان العبسي، فقام في أمرها حتى أخمدها ومات بعد ذلك في قصة له ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في \"كتاب الجماجم\" وأوردها الحاكم في \"المستدرك\" من طريق يعلى بن مهدي عن أبي عوانة عن أبي يونس عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلًا من بني عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه إني اطفي عنكم نار الحدثان فذكر القصة وفيها فانطلق وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع فذكر القصة في دخوله الشق والنار كأنها جبل سقر فضربها بعصاه حتى أدخلها وخرج. وقد أوردت لهذه القصة طرفًا من ترجمته في كتابي في الصحابة. قوله (تضيء أعناق الإبل ببصري) قال ابن التين: يعني من آخرها يبلغ ضوؤها إلى الإبل التي تكون ببصري وهي من أرض الشام.\nوبصري بضم الموحدة وسكون المهملة مقصور بلد بالشام وهي حوران. وقال أبو البقاء: أعناق بالنصب على أن تضيء متعمد، والفاعل النار أي تجعل على أعناق الإبل ضوءًا، قال: ولو روي بالرفع لكان متجهًا أي تضيء أعناق الإبل به كما جاء في حديث آخر \"أضاءت له قصور الشام\" وقد وردت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن جزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب يرفعه: \"لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار تضيء له أعناق الإبل ببصري\" وعمر ذكره ابن حبان في الثقات ولينه","vol":"2","page":957},{"text":"ابن عدي والدارقطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت في المائة السابعة. وأخرج أيضًا الطبراني في آخر حديث حذيفة بن أسيد الذي مضى التنبيه عليه: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان أو ركوبة تضيء منها أعناق الإبل ببصري\" قلت: وركوبة ثنية صعبة المرتقي في طريق المدينة إلى الشام مر بها النبي ﷺ في غزوة تبوك ذكره البكري، ورومان لم يذكره البكري ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة، فجمع في هذا الحديث بين النارين وأن إحداهما تقع قبل قيام الساعة مع جملة الأمور التي أخبر بها الصادق ﷺ؛ والأخرى هي التي يعقبها قيام الساعة بغير تخلل شيء آخر، وتقدم الثانية على الأولى في الذكر لا يضر والله أعلم\" اهـ. (فتح الباري: ١٣/ ٧٩).\nأقول: المراد بالنار الثانية التي أخبر عنها رسول الله ﷺ هي النار التي تخرج من حضرموت، وسيأتي الكلام عنها في فقرة لاحقة.\n* * *","vol":"2","page":958},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>الفقرة الحادية عشر\nفي:\nاستقلالية أقطار الأمة الإسلامية عن بعضها\nوانفراط عقد الوحدة الإسلامية</span>\n٩٣٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم\". شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.\nوفي رواية أبي داود (٢) قال: \"منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، ثم عدتم من حيث بدأتم\" ثم قالها زهير ثلاث مرات، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.\nقال ابن الأثير: \" (منعت) وأما قوله: \"منعت\" فله معنيان، أحدهما: أن النبي ﷺ أخبر أنه سيسلمون وسيسقط ما وظف عليهم بإسلامهم، فصاروا بإسلامهم مانعين ما كان عليهم من الوظائف، واستدل على هذا بقوله: \"وعدتم من حيث بدأتم\" لأن بدءهم في علم الله وفي قضائه وقدره: أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا، والوجه الثاني: أنهم يرجعون عن الطاعة، ويعضده الحديث الذي أورده البخاري في \"صحيحه\" عن أبي هريرة قال: كيف أنتم إذا لم تجبوا دينارًا ولا درهمًا؟ فقيل: كيف ترى ذلك كائنًا؟ قال: إي والذي نفسي بيده عن قول الصادق المصدوق قيل: عم ذاك؟ قال: تهتك حرمة الله، وذمة رسوله فيشد الله على قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم\". اهـ\nأقول: في الحديث إشارة إلى ماجد في زماننا حيث عادت الدعوة الإسلامية إلى بداياتها بعد الردة الهائلة وبعد أن لم تعد للمسلمين خلافة مركزية يخضعون لها وتقودهم وتسوسهم.\n٩٣٤ - * روى مسلم عن جابر ﵁ قال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قال أبو نضرة: قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، ثم سكت هنية، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا، لا يعده عدًا\" قال: قلت لأبي نضرة، وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ قالا: لا.\n_________\n٩٣٣ - مسلم (٤/ ٢٢٢٠) ٥٢ - كتاب الفتن وإشراط الساعة ٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يحسر ... إلخ.\n(٢) أبو داود (٣/ ١٦٦) كتاب الإمارة، باب في إيقاف أرض السواد وأرض العنوة.","vol":"2","page":959},{"text":"أقول: لقد كان العراق حاضرة الأمة الإسلامية وعاصمتها أكثر من مرة واستعصت عليه جهات كثيرة من المعجم، ولقد كان الشام حاضرة للأمة الإسلامية وعاصمتها واستعصى عليه الروم الجيران الشماليون له وقتذاك أكثر من مرة ومنعوه الجزية، وفي الحديث إشارة إلى الخلافة الراشدة في آخر الزمان والتي تكون بعد الملك الجبري كما نصت على ذلك نصوص منها:\n٩٣٥ - * روى أحمد عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء\n_________\n٩٣٤ - مسلم (٤/ ٢٢٣٤) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل ..\n(المدي): مكيال لأهل الشام يسع خمسة وأربعين رطلًا، و\"القفيز\" لأهل العراق ثمانية مكاكيك، و\"الإردب\" لأهل مصر أربعة وستون منًا وأربعة وعشرون صاعًا على أن الصاع خمسة أرطال وثلث.\n(الصاع) = ٢٧٥١ غم على رأي الشافعية.\n(ويساوي أيضًا) = ٣٨٠٠ غم على رأي الأحناف.\n(القفيز) = ١٢ صاع.\n(المدي) = ٥ ر ٢٢ صاع\n(الإردب) = ٢٤ صاع و= ٦٤ منًا.\n(المن): = رطلان. والرطل البغدادي ٤٠٨ غم.\n٩٣٥ - أحمد (٤/ ٢٧٣).\nوكشف الأستار (٢/ ٢٣١).\nمجمع الزوائد (٥/ ١٨٨) وقال: رواه أحمد في ترجمة النعمان والبزار أتم منه والطبراني ببعضه في الأوسط ورجاله ثقات.","vol":"2","page":960},{"text":"أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة\" ثم سكت.\nأقول: إن أحاديث هذه الفقرة قد وقعت وذلك من أعلام نبوته ﵊، وعصرنا يشهد استقلالية الأقطار الإسلامية عن بعضها وذلك خلاف الأصل، فلابد أن تكون للمسلمين وحدتهم وخليفتهم، وعل علماء المسلمين أن يعلموا لذلك بالقدر المتاح والممكن، وأن يقترحوا الصيغ الأكثر تطويرًا لتحسين العلاقات وتمتين أواصر الأخوة والوحدة وذلك من واجبات العصر.\n* * *","vol":"2","page":961},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>الفقرة الثانية عشرة\nفي:\nغربة الإسلام</span>\n٩٣٦ - * روى مسلم عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها\".\n٩٣٧ - * روى الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: \"بدأ الإسلام غيرًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبي للغرباء\". قالوا يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: \"الذين يصلحون عند فساد الناس\".\n٩٣٨ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الإيمان بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبي يومئذ للغرباء إذ فسد الناس والذي نفس أبي القاسم بيده ليأرزن الإيمان إلى بين هذين المسجدين كما تأرز الحية إلى حجرها\".\n٩٣٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ (رفعه): \"إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبي للغرباء\".\n_________\n٩٣٦ - مسلم (١/ ١٣١) ١ - كتاب الإيمان، ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، وإنه يأرز بين المسجدين.\n٩٣٧ - المعجم الكبير (٦/ ١٦٤).\nوالروض الداني (١/ ١٨٣).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٧٨) وقال: رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله رجال الصحيح غير بكر بن سليم وهو ثقة.\n٩٢٨ - أحمد (١/ ١٨٤).\n(ليأرزن): أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض.\nوكشف الأستار (٤/ ٩٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٧٧) وقال: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح.\n٩٢٩ - مسلم (١/ ١٣١) ١ - كتاب الإيمان، ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، وإنه يأرز بين المسجدين. =","vol":"2","page":962},{"text":"أقول: هذه الأحاديث من أعلام نبوته ﵊، ولقد شهدنا غربة الإسلام في عصرنا وما سبقه، وكانت مظاهر غربة الإسلام كثيرة، فقد طغت على أرض الإسلام الأفكار العلمانية والإلحاد وكثرت الأحزاب الكافرة والفلسفات والأفكار الفاسدة وظهرت أنواع من المؤسسات تنشر الكفر والتشكيك، ومرت فترات كنت لا تجد في الجامعات والمدارس من يصلي وإذا صلى صلى مستخفيًا حتى لا يهزأ به أو يشكك في عقله، ونحن نشهد الآن في بداية القرن الخامس عشر الهجري شيئًا من التحسن في بعض الأقطار واستشراء للردة في أقطار أخرى، والمرجو من فضل الله وكرمه أن تنتهي موجة غربة الإسلام. (١)\n* * *\n_________\n= وابن ماجه (٢/ ١٣٢٠) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٥ - باب بدأ الإسلام غريبًا.","vol":"2","page":963},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>الفقرة الثالثة عشرة\nفي:\nمدعي النبوة والدجالين</span>\n٩٤٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى يبعث كذابون دجالون، قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله\".\nوفي رواية أبي داود (١): \"حتى يخرج ثلاثون دجالون كلهم يزعم أنه رسول الله\". وفي أخرى (٢) \"حتى يخرج ثلاثون كذابًا دجالًا، كلهم يكذب على الله وعلى رسوله\".\nويف رواية عبيدة السلماني بهذا الخبر (٣) ..، فقلت له: أترى هذا معهم؟ يعني: المختار- فقال عبيدة: أما إنه من الرؤوس.\nقال محقق الجامع: ليس المراد بالبعث الإرسال المقارن للنبوة، بل هو كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤) وليس المراد أيضًا من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم لا يحصون كثرة، لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة وبدت لهم شبهة. اهـ.\n٩٤١ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن بين يدي الساعة كذابين\". وفي رواية: \"فاحذروهم\" (٥).\n_________\n٩٤٠ - الترمذي (٤/ ٤٩٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٤٣ - باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(١) أبو داود: (٤/ ١٢٠) كتاب الملاحم، باب في خبر ابن صائد.\n(٢) أبو داود: الموضوع السابق.\n(٣) أبو داود: الموضع السابق.\n(٤) مريم: ٨٣.\n٩٤١ - مسلم (٤/ ٢٢٣٩) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ... .\nوأحمد (٥/ ٨٦).\n(٥) مسلم: الموضع السابق.","vol":"2","page":964},{"text":"٩٤٢ - * روى أحمد عن حذيفة أن نبي الله ﷺ قال: \"في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي\".\n٩٤٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم\".\nوفي رواية: (١) \"يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتوكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنت ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم\".\n٩٤٤ - * روى أحمد عن أبي بكرة قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة قبل أن يقول رسول الله ﷺ فيه شيئًا فقام رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: \"أما بعد ففي شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم فيه وإنه كذاب من ثلاثين كذابًا يخرجون بين يدي الساعة وإنه ليس من بلد إلا يبلغها رعب المسيح\".\nأقول: إن هذه الأحاديث من أعلام نبوته ﵊ فقد ابتدأت سلسلة مدعي النبوة بمسيلمة وسجاح والأسود العنسي وآخر من ظهرت له فتنة منتشرة منهم غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة وأعلن نسخ الشريعة المحمدية.\n٩٤٥ - * روى أبو يعلى عن أبي الجلاس قال: سمعت عليا يقول لعبد الله السبئي: ويلك والله ما أفضى إلى بشيء كتمه أحدًا من الناس ولكن سمعته يقول: \"إن بين يدي\n_________\n٩٤٢ - أحمد (٥/ ٣٩٦).\nوالمعجم الكبير (٣/ ١٦٩).\nوكشف الأستار (٤/ ١٣٢).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٣٢). وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار. ورجال البزار رجال الصحيح.\n٩٤٣ - مسلم (١/ ١٢) المقدمة، ٤ - باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n٩٤٤ - أحمد (٥/ ٤١).\nمجمع الزوائد: (٧/ ٣٣٢). وقال: رواه أحمد والطبراني، وأحمد أسانيد أحمد والطبراني رجاله رجال الصحيح.\n(المسيح): المراد بالمسيح هنا: المسيح الدجال.\n٩٤٥ - مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٣). وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.","vol":"2","page":965},{"text":"الساعة ثلاثين كذابًا\". وإنك لأحدهم.\nأقول: عبد الله السبئي هو المشهور بابن السوداء، وهو يهودي أظهر الإسلام وقاد الفتنة الكبرى فكريًا وتخطيطًا ودعويًا ضد عثمان، ولم يزل يلقي بالأفكار المكفرة تحت شعار محبة علي ﵁، وتعتبر أفكار غلاة الشيعة والباطنيين منهم خاصة امتدادًا لأفكاره، والرواية التي مرت معنا تحدثنا عن موقف علي ﵁ منه، وتشير الرواية إلى أن فهم علي ﵁ لقضية الكذابين والدجالين أنه لا يشترط حتى يطلق على واحد منهم هذا اللقب أن يدعي النبوة، وما أكثر الدجالين والكذابين في عصورنا المتأخرة الذين يدعون أنهم مسلمون ويدعون إلى الكفر البواح.\n* * *","vol":"2","page":966},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>الفقرة الرابعة عشرة\nفي:\nأعلام وأشراط متفرقة تكون بين يدي الساعة وقد وقعت</span>\n٩٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أن رسول الله ﷺ قال: \"لا إله إلا الله، ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه\" وخلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم إذا كثر الخبث\".\nأقول: قد وقع هذا بموجتي التتار والمغول وما أحدثاه من آثار مدمرة في الأرض الإسلامية عامة والأرض العربية خاصة، وكارثة بغداد معروفة.\n٩٤٧ - * روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف\". فقال له رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: \"إذا ظهرت القيان والمعارف وشربت الخمور\".\n٩٤٨ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف\" قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم، إذا ظهر الخبث\".\nأقول: قد وقع بعض هذا في الأمة، وأشهر أحداث الخسف في عصرنا خسف أغادير في المغرب إذ خسف بها كاملة خلال أربع ثوان، وما حدث في منطقة الأصنام في الجزائر وما حدث في منطقة ذمار في اليمن وأشهر أحداث القذف في عصرنا ما حدث في بعض القرى\n_________\n٩٤٦ - البخاري (١٣/ ١١) ٩٢ - كتاب الفتن، ٤ - باب قول النبي ﷺ: ويل للعرب من شر قد اقترب\nمسلم (٤/ ٢٢٠٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١ - باب اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج.\n٩٤٧ - الترمذي (٤/ ٤٩٥) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٨ - باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف.\nوقال: حديث غريب. وهو حديث حسن يشهد له الذي بعده.\n٩٤٨ - الترمذي (٤/ ٤٧٩) ٣٤ - كتاب الفتن، ٢١ - باب ما جاء في الخسف.\nوقال: حديث غريب. وهو حديث حسن يشهد له الذي قبله.","vol":"2","page":967},{"text":"التركية إذ جاءها عذاب من فوقها ومن تحتها.\nأما المسخ الباطني فما أكثره فلقد شهدنا قلوب الشياطين في جثمان إنس، وقلوب الذئاب في لبوس الضأن، وكلها معان تحدثت عنها النصوص.\n٩٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال -عند قرب وفاته: ألا أحدثكم حديثًا عن رسول الله ﷺ، لا يحدثكم به أحد عنه بعدي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تقوم الساعة\" -أو قال: \"إن من أشراط الساعة -: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنا، ويذهب الرجال، ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد\".\nوفي رواية (١): \"يظهر الزنا، ويقل الرجال، ويكثر النساء\".\nأقول: قوله ﵊ (أن يرفع العلم): يفسره الحديث الذي يذكر أن رفع العلم يكون بموت العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وقد ظهر مثل هذا في عصرنا والمراد بالعلم: العلم الشرعي، ولكن المرجو أن نكون على أبواب نهضة علمية يتلافى فيها مثل هذا، وقد يتكرر ظهور مثل هذا الشأن.\nوقوله ﵊ (حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد): ذكرنا أن مثل هذا وقع في بعض الأقطار أثناء الحرب العالمية الأولى ويحتمل أن ذلك كائن فيما بعد.\nوقد قلت بمناسبة هذا الحديث بمناسبة ما يلي: لقد أصبح الخمر في أكثر بلدان الإسلام مرخصًا به من أكثر الحكومات وأصبحت قوانين أكثر البلدان الإسلامية تعتبر الزنا جريمة من النوع الثالث أو الرابع، وأصبح الزنا بالتراضي كثيرًا شائعًا، بل وجد المتخصصون في المتاجرة بالزنا.\n_________\n٩٤٩ - البخاري (١/ ١٧٨) ٣ - كتاب العلم، ٢١ - باب رفع العلم وظهور الجهل.\nمسلم (٤/ ٢٠٥٦) ٤٧ - كتاب العلم، ٥ - باب رفع العلم وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان.\nوالترمذي: (٤/ ٤٩١) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٤ - ما جاء في أشراط الساعة. وقال حديث: حسن صحيح.\n(قيم واحد) قيم المرأة: زوجها، لأنه يقوم بأمرها، وبما يحتاج إليه من نفقة وغيرها.\n(١) البخاري (١٢/ ١١٣، ١١٤) ٨٦ - كتاب الحدود، ٢٠ - باب إثم الزناة.","vol":"2","page":968},{"text":"وفي الحرب العالمية الأولى لم يبق إلا القليل من الرجال في كثير من بلدان العالم الإسلامي حيث سحب الرجال إلى الحرب وشهدت تلك الفترة نفسها ندرة العلم حتى إنك لا تجد في الحي الواحد من يحسن الكتابة، ولا زالت الأمية بالإسلام وانتشار الزنا وشرب الخمر وفشو الربا مما نعاني منه حتى كتابة هذه السطور.\n٩٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: \"إن بين يدي الساعة أيامًا ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل\".\nوللبخاري (١)، أن أبا موسى قال لعبد الله: أتعلم الأيام التي ذكر فيها النبي ﷺ أيام الهرج؟ ... فذكر نحوه.\nوقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله علي وسلم يقول ... .\nورواه الترمذي (٢) عن أبي موسى وحده قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من ورائكم أيامًا يرفع فها العلم، ويكثر فيها الهرج\" قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: \"القتل\".\nأقول: قوله ﵊ (ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل): قد مر منه كثيرًا، وفي كل عام تسمع عن مذابح المسلمين، لقد ذهب في عصرنا في الجزائر حوالي مليون شهيد، وفي أفغانستان لا نعرف إلى أي حد سيبلغ عدد القتلى، ومذبحة حماة وغيرها من المدن السورية ومذابح لبنان عامة وطرابلس خاصة، ومذابح الصراع في المغرب، ومن قبل صراعات المسلمين الكثيرة فيما بينهم، ومذابح التتار والصليبيين والمستعمرين.\n٩٥١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n٩٥٠ - البخاري (١٣/ ١٣) ٩٢ - كتاب الفتن، ٥ - باب ظهور الفتن.\nمسلم (٤/ ٢٠٥٦) ٤٧ - كتاب العلم، ٥ - باب رفع العلم وقبضته وظهور الجهل والفتن ف آخر الزمان.\n(١) البخاري (١٣/ ١٤): الموضع السابق.\n(٢) الترمذي (٤/ ٤٨٩) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣١ - باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه. وقال: حديث صحيح.\n٩٥١ - البخاري (٢/ ٥٢١) -١٥ - كتاب الاستسقاء، ٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات. =","vol":"2","page":969},{"text":"\"إن من أشراط الساعة أن يقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج\" قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: \"القتل القتل\".\nوفي رواية (١) \"أن يرفع العلم، ويثبت الجهل\"- أو قال: \"ويظهر الجهل\".\nوفي رواية أبي داود (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \"يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج\" قيل: يا رسول الله أيم هو؟ قال: \"القتل، القتل\".\nأقول: قوله ﵇ (يتقارب الزمان): قد يكون فيه إشارة إلى المواصلات الحديثة ووسائل الاتصال حتى ليقضى في الزمان القليل ما كان يحتاج إلى أزمنة متطاولة.\n٩٥٢ - * روى الطبراني عن أبي أمية الجمحي رفعه: \"إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر\".\nأقول: إن جيلنا شهد حالة عجيبة وهي أنه قد غلب اليأس على كثير من العلماء فلم يعودوا يتصدرون للدعوة والإرشاد والتعليم، ونشط للدعوة الشباب فأصبحوا هم الذين يتصدرون لمثل هذه الشؤون، والتف الكثيرون حولهم حتى إذا ما جلس كبار العلماء لم يجدوا من يسمع منهم، وللمسألة استثناءاتها.\n٩٥٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال له رسول الله ﷺ: \"يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قومًا في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله\".\n_________\n= مسلم (/ ٤/ ٢٠٥٧) ٤٧ - كتاب العلم، ٥ - باب رفع العلم وظهور الجهل والفتن، في آخر الزمان.\n(١) مسلم (٤/ ٢٠٥٦): الموضع السابق.\n(٢) أبو داود (٤/ ٩٩) كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها.\n٩٥٢ - مجمع الزوائد (١/ ١٣٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.\n٩٥٣ - مسلم (٤/ ٢١٩٣) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء.","vol":"2","page":970},{"text":"وفي رواية: (١) \"إن طالت بك مدة أوشكت أن ترى قومًا يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر\".\nأقول: إن من عرف ما يجري في دوائر المخابرات في كثير من بلدان العالم الإسلامي عرف مضمون هذا الحديث.\n٩٥٤ - * روى أحمد عن طارق بن شهاب قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا فجاء رجل فقال: قد أقيمت الصلاة، فقام وقمنا معه فلما دخلنا المسجد رأينا الناس ركوعًا في مقدم المسجد فكبر وركع وركعنا ومشينا وصنعنا مثل الذي صنع، فمر رجل يسرع فقال: عليك السلام أبا عبد الرحمن فقال: صدق الله ورسوله وبلغت رسله. فلما صلينا ورجعنا ودخل إلى أهله جلسنا فقال بعضنا: أما سمعتم رده على الرجل: صدق الله ورسوله وبلغت رسله أيكم يسأله؟ فقال طارق: أنا أسأله فسأله حين خرج، فذكر عن النبي ﷺ: \"إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حين تعين المرأة زوجها وقطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق وظهور العلم\".\nوفي رواية (٢) قال رسول الله ﷺ: \"إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل لا يسلم إلا للمعرفة\". والبزار (٣) ببعضه وزاد \"وأن يجتاز الرجل بالمسجد فلا يصلي فيه\" والطبراني (٤) إلا أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة\" وإن هذا عرفني من بينكم فسلم علي \"وحتى تتخذ المساجد طرقًا فلا يسجد لله فيها وحتى يبعث الغلام الشيخ بريدًا بين الأفقين وحتى يبلغ التاجر بين الأفقين فلا يجد ربحًا\" وفي رواية (٥) عنده: \"وأن تغلو النساء والخيل ثم ترخص فلا تغلوا إلى يوم القيامة وأن يتجر الرجل والمرأة جميعًا\".\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢١٩٣): الموضع السابق.\n٩٥٤ - أحمد (١/ ٤٠٧).\n(٢) أحمد: الموضع السابق.\n(٣) كشف الأستار (٤/ ١٤٧).\n(٤)، (٥)، مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٩). وقال: رواه أحمد، والبزار ببعض والطبراني إلا أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تقوم الساعة ... \" وفي رواية عنده \"وأن تغلو النساء ... \". ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح.","vol":"2","page":971},{"text":"أقول: في الحديث معجزات كثيرة منها: (حتى يبعث الغلام الشيخ بريدًا بين الأفقين) وكأن في ذلك إشارة إلى الطيران واستخدام الأصغر سنًا من هو أكبر منه.\nومنها:\n(وفشو التجارة حين تعين المرأة زوجها).\n(وأن يتجر الرجل والمرأة جميعًا).\nومن رأى في عصرنا كثرة المحلات التي تشارك في أعمالها المرأة رأى مصداق ذلك.\n٩٥٥ - * روى أحمد عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: رسول الله ﷺ: \"عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار عصابة تغزو الهند وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم\".\nأقول: وقد غزا المسلمون الند وحكموها حوال ثمانمائة سنة وها هي دولة باكستان ودولة البنغال قائمتان والمسلمون في الهند كثيرون والحمد لله.\n٩٥٦ - * روى البزار عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: \"إن بين يدي الساعة سنين خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة\" قيل: يا رسول الله وما الرويبضة؟ قال: \"الامرؤ التافه يتكلم في أمر العامة\" قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن دينار عن أنس عن النبي ﷺ قال بنحوه.\nأقول: وهذا عصرنا يشهد ما ذكره رسول الله ﷺ تفصيلًا.\n_________\n٩٥٥ - أحمد (٥/ ٢٧٨).\nوالنسائي (٦/ ٤٢) كتاب الجهاد، ٤١ - باب غزوة الهند.\nمجمع الزوائد (٥/ ٢٨٢). وقال: رواه الطبراني في الأوسط وسقط تابعيه والظاهر أنه راشد بن سعد، وبقية رجاله ثقات.\n٩٥٦ - كشف الأستار (٤/ ١٣٢).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٨٤). وقال: رواه البزار. وقد صرح ابن إسحاق بالسماع من عبد الله بن دينار وبقية رجاله ثقات.","vol":"2","page":972},{"text":"٩٥٧ - * روى الطبراني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم تسلك بعضهم على بعض\".\n٩٥٨ - * روى أحمد عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي فكسروا قسيكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم\".\nأقول: إن دقة الوصف في هذا الحديث لمعجزة، فقد مرت عصور في الماضي كان الرجل يمسى مؤمنًا ويصبح كافرًا بسبب كثرة دعاة الباطل كالزنادقة والقرامطة والباطنية، ولقد شهد عصرنا كذلك مثل هذه المرحلة إذ تجد المسلم يصبح على إسلام ويمسى على مذهب حزب كافر وفكرة كافرة، وقد مر معنا من قبل موقف المسلم من الفتن، فالأحاديث التي تطالب المسلم بالاستسلام لقاتله أو بالعزلة الكاملة محمولة على أوضاع لها خصوصياتها كأن يكون القاتل مسلمًا، والفتنة تدفعه إلى القتل.\nأما إذا غزيت دار الإسلام فقد وجب على المسلم القتال، وعلى كل الأحوال فالمسلم تحكمه الفتوى البصيرة من أهلها في كل ظروفه وأحواله، فلا يصح لمسلم أن يعتمد على بعض النصوص العامة، فيعطل واجبًا تفرضه الفتوى من أهلها.\n٩٥٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن يزيد الحطمي قال: قال رسول الله ﷺ: \"عذاب أمتي في دنياها\".\n_________\n٩٥٧ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٧). وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.\n(المطيطاء): وهي مشية بتبختر ومد اليدين، ومططت بمعنى: مددت.\nأقول: وقد خدمت هذه الأمة فارس والروم، ووقعت الحروب فيما بين هذه الأمة.\n٩٥٨ - أحمد (/ ٤/ ٧٧٢).\nوأبو داود (٤/ ١٠٠) كتاب الفتن والملاحم، باب في النهي عن السعي في الفتنة.\nوابن ماجه (٢/ ١٣١٠) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٠ - باب التثبيت في الفتنة.\nوالمستدرك (٤/ ٤٤٠). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ولم يخرجاه.\n٩٥٩ - الروض الداني (٢/ ١٢٣).=","vol":"2","page":973},{"text":"٩٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار ويوضع الأخيار ويقبح القول ويخزن العمل وتتلى في القوم المثناة\". قلت: وما المثناة؟ قال: \"ما كتب سوى كتاب الله\".\nقال ابن الأثير في النهاية:\n(المثناة): قيل: هي أن أحبار بني إسرائيل وضعوا كتابًا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله. ا. هـ.\nأقول: والمعروف أن عند اليهود أكثر من كتاب ضم كلام علمائهم وأشهر هذه الكتب هو التلمود.\nوقد ذكر العقاد في كتابه: \"إبراهيم ﵇\" أن أهم الراجع الإسرائيلية بعد التوراة هي كتب المشنا القديمة. ومن المشنا التلمود في نشأته الأولى.\nوأصل مادة الكلمة من شنا: أي كرر. وهي تقابل في العربية مادة ثني أي: أعاد ثانية (١).\nأقول: وفي الحديث أكثر من معجزة يشهدها عصرنا من علو الأشرار على الأخيار، ومن عرف ما يدعو إليه التقدميون عرف بعض مضمونات هذه المعجزة، ومن عرف تساتير الأحزاب الكافرة والمواثيق السياسية المحاربة للإسلام وكثرة الكتب المضللة التي تنشر في أرض الإسلام رأى مصداق ما ورد في الرواية:\nوما المثناة؟ قال: ما كتب سوى كتاب الله.\n_________\n= والمستدرك (/ ١/ ٥٠).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٢٤). وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله ثقات.\n٩٦٠ - مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٦) ولفظه \" ... ويحسن العمل وتفري في القوم المساءة\" قلت وما المساءة؟ قال: \"ما كتب سوى كتاب الله\". وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(١) انظر: كتاب (إبراهيم أبو الأنبياء) ص: ٣٦.","vol":"2","page":974},{"text":"٩٦١ - * روى أحمد عن حذيفة قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ فقال: \"لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها، وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال\".\n٩٦٢ - * روى البزار عن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يقول لنا: \"إنكم توشكون أن تكونوا في الناس كالملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح\".\n٩٦٣ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع\".\n٩٦٤ - * روى الطبراني عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يزداد الأمر إلا شدة ولا يزداد الناس إلا شجًا ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس\".\n٩٦٥ - * روى البخاري عن واقد بن محمد ﵀ عن أبيه عن ابن عمر -أو ابن عمرو -قال: شبك النبي ﷺ أصابعه، وقال: \"كيف أنت يا عبد الله بن عمرو، إذا بقين في حثالة قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا\"، قال: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: \"تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم\".\n_________\n٩٦١ - أحمد (٥/ ٣٨٩).\nوكشف الأستار (٤/ ١٤٠).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٣٥). وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.\n٩٦٢ - كشف الأستار (٣/ ٢٩١).\nوالمعجم الكبير (٧/ ٢٦٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ١٨). وقال: رواه البزار والطبراني وإسناد الطبراني حسن.\n٩٦٣ - الترمذي (٤/ ٤٩٣) -٣٤ كتاب الفتن، ٣٧ - باب منه. وقال: حديث حسن غريب.\n(لكع بن لكع): الحقير التافه، وهي في الأصل: العبد أو اللئيم أو القذر.\n٩٦٤ - مجمع الزوائد (٨/ ١٣، ١٤). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n٩٦٥ - البخاري (١/ ٥٦٤) ٨ - كتاب الصلاة، ٨٨ - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره.\nقال ابن حجر .. \"وقد ساقه الحميدي في الجمع بين الصحيحين نقلًا عن أبي مسعود، وزاد هو \"قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا\". وهذه الزيادة ليست في أحاديث الباب.","vol":"2","page":975},{"text":"وفي (١) حديث عاصم بن محمد بن زيد قال: سمعت هذا من أبي، فلم أحفظه، فقومه لي واقد عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: \"يا عبد الله بن عمرو، كيف أنت إذا بقيت\" .. وذكر الحديث.\nوفي رواية أوردها رزين (٢)، أن رسول الله ﷺ قال: \"كيف بكم وبزمان تغربل الناس فيه غربلة، ثم تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا هكذا\" -وشبك بين أصابعه -قالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: \"تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم\".\nوفي أخرى (٣)، بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ، إذ ذكر الفتنة، فقال: \"إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا\" -وشبك بين أصابعه -قال ابن عمرو: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟\nقال: \"ألزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة\".\n٩٦٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنت يا عبد الله بن عمرو وإذا كنت في حثالة من الناس\" قال: فذاك ما هو يا رسول الله؟\n_________\n(١) البخاري: (١/ ٥٦٤) الموضع السابق.\nقال محقق الجامع: قال الحافظ في الفتح: وصلة إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، أقول: [أي المحقق] واللفظ الذي أورده المصنف رواه أحمد في المسند وهو حديث صحيح. ا. هـ.\n(حثالة): الحثالة: ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر، وكل ذي قشر إذا نقي، وحثالة الدهن، وكأنه الرديء من كل شيء.\n(المرج): الاختلاط والاختلاف، مرجت عهودهم: إذا اختلفت.\n(غربلة): الناس: إماتة الأخيار، وبقاء الأشرار، كما ينقي الغربال من حثالة ما يغربله ورديئه.\n(٢) قال محقق الجامع: هذه الرواية عند ابن ماجه ورواه أيضًا أحمد في المسند. وهو حديث صحيح. ا. هـ.\n(٣) قال محقق الجامع: هذه الرواية رواها أبو داود وأحمد والحاكم وصححها ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ا. هـ.\n٩٦٦ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٨٣). وقال: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح.\nوابن ماجه (٢/ ١٣٠٧) -٣٦ كتاب الفتن -١٠ باب التثبيت في الفتنة. وهو عنده بلفظ \"كيف بكم وبزمان .. \" والباقي نحوه.","vol":"2","page":976},{"text":"قال: ذاك إذا مرجت أماناتهم وعهودهم فصاروا هكذا\" وشبك بين أصابعه، قال: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: \"تعمل بما تعرف وتدع ما تنكر وتعمل بخاصة نفسك وتدع عوام الناس\".\nأقول:\nفي عصرنا كل حزب يأخذ عهدًا ومن يتصدر لإمرة الجماعات الإسلامية والمشيخة يأخذون عهودًا، وكل حكم جديد يأخذ عهدًا وتختلط العهود ويصبح العهد وكأنه لا قيمة له، ففي الأحاديث معجزة وقعت وتقع، وفيها تعريف للمسلم كيف يتصرف في مثل هذه الأحوال وعلى علماء المسلمين أن يكثروا دائرة الخواص، وأن يكون فيما بينهم تواص وتواصل وتشاور فيما ينبغي.\n٩٦٧ - * روى البزار عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله، وحتى يمطر الناس مطرًا ولا تنبت الأرض وحتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد وحتى تمر المرأة بالنعل فتقول لقد كان لها مرة رجل\".\nأقول:\nالقسم الأول من الحديث يكون بعد وفاة المسيح ﵊ ووفاة المؤمنين جميعًا، ولقد مرت على بعض المسلمين في الحرب العالمية الأولى الصورة التي ذكرتها تتمة الحديث إذ حشر الرجال للحرب ولم يبق إلا النساء. وقوله ﵇: (وحتى تمر المرأة بالنعل): معناه أن المرأة ترى نعال الرجال ولا تجد أصحابها فتذكر أن هذه النعال كان يلبسها ناس ذهبوا.\n٩٦٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n٩٦٧ - كشف الأستار (٤/ ١٥٠).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٣١). وقال: في الصحيح بعضه. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\n٩٦٨ - مسلم (٤/ ٢٢٢٨) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة -١٥ - باب سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة.","vol":"2","page":977},{"text":"\"ليست السنة بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئًا\".\nأقول: من المظاهر التي شهدناها أن ينزل مطر غزير ثم يكون جفاف كثير ثم ينزل مطر غزير ثم يكون جفاف كثير، فلا كثير، فلا تستفيد الأرضون من هذا المطر.\n٩٦٩ - * روى أحمد عن حذيفة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة، قال: \"علمها عند ربي ولا يجعلها لوقتها إلا وهو ولكن أخبرك بمشاريطها وما يكون بين يديها إن بين يديها فتنة وهرجًا\" قالوا يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج؟ قال: \"بلسان الحبشة القتل\" قال: ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدًا\".\nأقول: من مظاهر التناكر في عصرنا أنك تجد أصحاب البناية الواحدة لا يعرف بعضهم بعضًا ولا يزور بعضهم بعضًا.\n٩٧٠ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون إليه، فأتيتهم، فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزلنا منزلًا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ، فقال: \"إنه لم يكن نبي قبلي، إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيزلق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح\n_________\n= (السنة): الجذب والقحط.\n٩٦٩ - أحمد (٥/ ٣٨٩).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٠٩) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n٩٧٠ - مسلم (٣/ ١٤٧٣) ٣٣ - كتاب الإمارة، ١٠ - باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول.","vol":"2","page":978},{"text":"عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم والآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر\" قال: فدنوت منه، فقلت: أنشدك الله، أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وتقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فسكت عني ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.\n(ينتضل) الانتضال: الرمي بالسهام.\n(جشره) الجشر: المال بمن المواشي التي ترعى أمام البيوت والديار، وقال: \"حشر يرعى في مكانه لا يراجع إلى أهله\" يقال: جشرنا دوابنا: أخرجناها إلى المرعى نجشرها جشرًا، ولا نروح إلى أهلنا.\n(فيزلق) أزلقت بعضها بعضًا: دفع بعضها بعضًا، كأن الثانية تزحم الأولى، لسرعة ورودها عليها، ويزلق بعضها بعضًا: يعجلها، والإزلاق: الإعجال. اهـ.\n٩٧١ - * روى أبو داود عن أبي البختري ﵀ قال: أخبرني من سمع النبي ﷺوفي رواية: حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: \"لن يهلك الناس، أو يعذروا من أنفسهم\".\n٩٧٢ - * روى ابن ماجه عن أبي الدرداء ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه. فقال \"الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن\n_________\n٩٧١ - أبو داود (٤/ ١٢٥) -كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي. وإسناده حسن. وفيه: \"لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم\".\n٩٧٢ - ابن ماجه (١/ ٤) المقدمة، ١ - باب اتباع سنة رسول الله ﷺ.\n(لتخوفه): أي نظهر الخوف. (الفقر) بمد الهمزة على الاستفهام. وهو مفعول مقدم. =","vol":"2","page":979},{"text":"عليكم الدنيا صبًا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاعة إلا هيه، وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء\".\nقال أبو الدرداء: صدق، والله، رسول الله ﷺ تركنا، والله، على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء.\n٩٧٣ - * روى البزار عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت فاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم قط الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر\".\n٩٧٤ - * روى أحمد عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوشك أن يملأ الله ﷿ أيديكم من العجم ثم يكونون أسدًا لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيئكم\".\nأقول:\nلقد حدث هذا بعد موجات كثيرة من الفتح، يظهر ذلك في مثل معركة بواتيه التي قتل فيها عبد الرحمن الغافقي ﵀، وفي استعصاء أوروبا على الغزو العثماني، ثم مقاومة هذا الغزو حتى انحسر، ثم انتقال الكافرين من دور الدفاع إلى الهجوم فأخذوا إسبانيا، واستولوا على أقسام من الأرض في موجات، نشهد في هذا العصر منها الكثير.\n٩٧٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمشي كافرًا، ويسمي\n_________\n(إلا هيه): هي، ضمير الدنيا. والهاء في آخره للسكت. أي لا يميل قلب أحدكم إلا الدنيا.\n(على مثل البيضاء): المعنى: على قلوب بيضاء نقية عن الميل إلى الباطل، لا يميلها عن الإقبال على الله تعالى السراء والضراء.\n٩٧٣ - كشف الأستار (٤/ ١٠٤).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٦٩). وقال: رواه البزار. ورجاله رجال الصحيح غير رجاء بن محمد، وهو ثقة.\n٩٧٤ - أحمد (٥/ ١١).\nوكشف الأستار (٤/ ١٢٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣١٠). وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني. ورجال أحمد رجال الصحيح.\n٩٧٥ - مسلم (١/ ١١٠) ١ - كتاب الإيمان، ٥١ - باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن.","vol":"2","page":980},{"text":"مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا\".\n٩٧٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا\".\nأقول:\nإن ظهور ما ورد في هاتين الروايتين في عصرنا بين فإنك تجد الإنسان مؤمنًا في الصباح ويمسي على شيوعية أو وجودية أو قومية جاهلية أو حزبية كافرة أو ولاء كافر أو انتساب لأنواع من الكفر وأهله، ونجده مؤمنًا في المساء ويصبح على شيء مما ذكرناه في الصباح من أجل مصلحة أو منفعة لا تساويان شيئًا.\n٩٧٧ - * روى البزار عن نهيك بن صريم السكوني قال: قال رسول الله ﷺ: \"لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنت شرقيه وهم غربيه ولا أدري أين الأردن يومئذ\".\nأقوال: الظاهر أن الدجال الوارد في هذا الحديث ليس هو الدجال الأكبر، لأن الدجال الأكبر يقتله المسيح في باب لد بفلسطين نفسها وتكون القدس عاصمة الخلافة فلا يتصور وقتذاك أن يكون المسلمون شرقي النهر والدجال غربيه، فالحديث فيه إشارة إلى الوضع الحالي للمسلمين حيث سيطر اليهود وهم جند الدجاجلة على فلسطين فأصبحوا غرب النهر والمسلمون شرقية، وقد حدثت معركة الكرامة بين المسلمين واليهود عندما تجاوز اليهود النهر واندحروا.\n_________\n= والترمذي (٤/ ٤٨٧) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٠ - باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n٩٧٦ - الترمذي (٤/ ٤٨٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٠ - باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم. وقال: هذا حديث غريب، (كقطع): قطع الليل: طائفة منه.\n٩٧٧ - كشف الأستار (٤/ ١٣٨).\nمجمع الزوائد: (٧/ ٣٤٨). وقال: رواه الطبراني والبزار ورجال البزار ثقات.","vol":"2","page":981},{"text":"٩٧٨ - * روى أحمد عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها\" فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: \"بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن\" قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: \"حب الدنيا، وكراهية الموت\".\n٩٧٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لثوبان: \"كيف بك يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيكم على قصعة الطعام تصيبون منه\". قال ثوبان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أمن قلة بنا؟ قال: \"لا أنتم يومئذ كثير ولكن يلقى في قلوبكم الوهن\" قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: \"حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال\".\nأقول: في هذا الحديث معجزة كبرى من معجزاته ﵊، ومن عرف مرحلة وقوع العالم الإسلامي في براثن الاستعمار حتى أصحبت لكثير من الدول الكافرة مستعمراتها، ولا زالت بعض البلدان الإسلامية مستعمرة، ومن عرف موقف الدول الكافرة مما أمسى بمسألة الرجل المريض ويريدون بذلك الدولة العثمانية أدرك مصداق ذلك، وقد ذكر الحديث العلاج، فالعلاج للخلاص من الغثائية: العلم والذكر والخصائص والتخصص، ومن أهم الخصائص الزهد في الدنيا وحب الشهادة في سبيل الله.\n٩٨٠ - * روى أحمد عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: \"يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي\"،\n_________\n٩٧٨ - أحمد (٥/ ٢٧٨).\nوأبو داود (٤/ ١١١) كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام. وهو حديث صحيح.\n(تداعى): التداعي: التتابع، أي: يدعو بعضها بعضًا فتجيب.\n(الأكلة): جمع آكل.\n(غثاء): الغثاء: ما يلقيه السيل.\n٩٧٩ - أحمد (٢/ ٣٥٩).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٨٧). وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط بنحوه. وإسناد أحمد جيد.\n٩٨٠ - أحمد (٣/ ٤٨٩).=","vol":"2","page":982},{"text":"فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال: \"السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى\". ثم أقبل علي فقال: \"يا أبا مويهبة: إني قد أوتيت خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ﷿ والجنة\" قال: قلت بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة قال: \"لا والله يا أبا مويهبة: لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة\" ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف، فبدأ رسول الله ﷺ في وجعه النذي قبضه الله ﷿ حين أصبح وفي رواية (١) عنه أيضًا قال: أمر رسول الله ﷺ أن يصلي على أهل البقيع فصلى عليهم رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلما كانت الثالثة قال: \"يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي\" قال فركب ومشيت حتى انتهى إليهم فنزل عن دابته وأمسكت الدابة.\n٩٨١ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵄، قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا وقد سألته إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟\nأقول: لقد جلا أهل المدينة المنورة عنها في الحرب العالمية الأولى.\n٩٨٢ - * روى الطبراني عن ميمونة قالت قال نبي الله ﷺ لنا ذات يوم: \"ما أنتم إذا مرج الدين وسفك الدماء وظهرت الزينة وشرف البنيان واختلف الإخوان وحرق البيت العتيق\" وفي رواية: \"واختلف الأحبار\" بدل الإخوان.\n_________\n= (١) أحمد الموضع نفسه.\nمجمع الزوائد: (٩/ ٢٤). وقال: رواه أحمد والطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات إلا أن الإسناد الأول عن عبيد بن حنين عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة، والثاني عن عبيد بن حنين عن أبي مويهبة.\n٩٨١ - مسلم (٤/ ٢٢١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة -٦ باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.\n٩٨٢ - المعجم الكبير (٢٤/ ١٠).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣١٠). وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.","vol":"2","page":983},{"text":"أقول:\nإن بعضًا مما ورد في الحديث نراه في عصرنا عيانًا. وقد رمي البيت العتيق يوم حاصر الحجاج ابن الزبير.\n٩٨٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا قعودًا عند رسول الله ﷺ، فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله، وما فتنة الأحلاس؟ قال: \"هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء، دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني، وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على جل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمةً، فإذا قيل انقضت تماذت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه، أو من غده\".\nأقول: (الدهيماء): تصغير الدهماء، وقد أصبحت تطلق كلمة الدهماء على العامة، وبين كلمة العامة والدهماء صلة واضحة، فلم تزل كلمة سواد الناس تطلق على العامة.\nالظاهر أن فتنة الدهماء هو ما نحن فيه، فإنها هي الفتنة التي لم يسلم أحد من ضربة من\n_________\n٩٨٣ - أبو داود (٤/ ٩٤) كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها.\n(الأحلاس): قال ابن الأثير في النهاية: الأحلاس: جمع جلس، وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبهها به للزومها ودوامها. ا. هـ.\n(وحرب): الحرب بفتح الراء: ذهاب المال والأهل، يقال: حرب الرجل، فهو حريب: إذا سلب أهله وماله.\n(دخنها): إثارتها وهيجها، شبهها بالدخان الذي يرتفع، أي أن أصل ظهورها من هذا الرجل. وقوله \"من تحت قدمي رجل\" يعني: أنه يكون سبب إثارتها.\n(كورك على ضلع): مثل، أي أنه لا يستقل بالملك، ولا يلائمه، كما أن الورك لا تلائم الصلع.\n(فتنة الدهيماء): أراد بالدهيماء: السوداء المظلمة.\n(فسطاطين): الفسطاط: الخيمة الكبيرة، وتسمى مدينة مصر: الفسطاط، والمراد به في هذا الحديث: الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى، تشبيهًا بانفراد الخيمة عن الأخرى، أو تشبيهًا بانفراد المدينة عن الأخرى، حملًا على تسمية مصر بالفسطاط، ويروى بضم الفاء وكسرها.","vol":"2","page":984},{"text":"ضرباتها بشكل من الأشكال، إما فكريًا وإما روحيًا وإما اقتصاديًا وإما سياسيًا، وإما أخلاقيًا وإما اضطهادًا إلى آخر ما يحسه كل فرد من أفراد هذه الأمة في هذا العصر أنه قد ضرب ضربة من هذه الفتنة. ولكن بعض الناس تكون ضربتهم مميتة وبعضهم تكون ضربتهم طويلة، وبعضهم يصحو بسرعة. وإني لأعرف خيارًا من الناس قد فتنوا بشيء ما، ثم فاؤوا.\nولم أذكر شيئًا عن فتنة السراء مع غلبة الظن أنها وقعت، لأن تعيين القائم بها مختلف فيه. فقد كان شيخنا الحامد ﵀ يعينه، وكنت أرى رأيًا آخر، وكلا الرأيين أحتفظ به لأسباب شتى.\n٩٨٤ - * روى البخاري عن أسامة بن زيد ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء\".\nأقول:\nلم تظهر فتنة النساء كما ظهرت في عصرنا، إذ ظهرت النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات اللواتي ذكرهن الحديث الصحيح الذي هو من أعلام نبوته ﵊.\n٩٨٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"صنفان من أهل النار، لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا.\n_________\n٩٨٤ - البخاري (٩/ ١٣٧) ٦٧ - كتاب النكاح، ١٧ - باب ما يتقى من شؤم المرأة وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾.\nمسلم (٤/ ٢٠٩٧) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ٢٦ - باب بيان أكثر أهل الجنة ..... إلخ.\nوالترمذي (٥/ ١٠٣) ٤٤ - كتاب الأدب، ٣١ - باب ما جاء في تحذير فتنة النساء. وقال: حديث حسن صحيح.\n٩٨٥ - مسلم (٣/ ١٦٨٠) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٣٤ - باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات.","vol":"2","page":985},{"text":"قال ابن الأثير: (كاسيات عاريات): المعنى: أنهن يكشفن بعض أجسامهن، ويسدلن الخمر من ورائهن، فيكشفن صدورهن، فهن كاسيات عاريات، إذ بعض ذلك منكشف، وقيل: هو أن يلبسن ثيابًا رقاقًا تصف ما تحتها، فهن كاسيات في ظاهر الأمر، عاريات في الحقيقة.\n(مائلات مميلات): مائلات، أي: زائغات عن طاعة الله وعما يلزمهن من حفظ الفروج، ومميلات: يعلمن غيرهن: الدخول في مثل فعلهن، وقيل: مائلات، أي: متبخترات في مشيهن، مميلات، أي: يملن أعطافهن وأكتافهن وقيل: مائلات إلى الشر، مميلات للرجال إلى الفتنة.\n(رؤوسهن كأسنمة البخت): أراد تشبيه رؤوسهن بأسنمة البخت بما يكبرن رؤوسهن به من المقانع والخمر والعمائم، أو بصلة الشعور. ا. هـ.\nأقول:\nما ذكرناه من شرح للحديث هو بعض ما شرحه به ابن الأثير ﵀، ولكن الشرح الحقيقي للحديث هو ما نراه في عصرنا هذا، سواء في ذلك وجود رجال مهمتهم تعذيب خلق الله بالباطل ووجود نساء يتصفن بما ذكره رسول الله ﷺ في الحديث حتى إن دقة الوصف في الحديث لما نشاهده عند كثير من نساء عصرنا لهو وحده معجزة من أكبر المعجزات فلقد تفنن كثير من النساء بأنواع من اللباس يظهر معه عري الجميل من الجسد، كما تفنن في أنواع تسريحات الشعر وتقليعات الرؤوس، حتى إن بعض التقليعات سميت في عصرنا بتسريحة السد العالي إشارة إلى نوع من تسريحات الشعور يرتفع بها شعر المرأة فوق رأسها كسنام الجمل، وكل ذلك تفعله الكثيرات وتخرج به أو تظهر به أمام أجهزة الإعلام.\nأما المشاهد الأكثر ابتذالًا من ظهور المرأة \"بالمايوه\" الذي يكشف ما سوى السوأتين في كثير من الأحوال وعرض ذلك في وسائل الإعلام فحدث عنه ولا حرج، فالواقع: الأمر أكبر من أن يصور بالكلمة.","vol":"2","page":986},{"text":"٩٨٦ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\".\n٩٨٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن بسر قال: لقد سمعت حديثًا منذ زمان إذا كنت في قوم عشرين رجلا أو أقل أو أكثر فتصفحت وجوههم فلم تر فيهم رجلًا يهاب في الله ﷿ فاعلم أن الأمر قد رق.\n٩٨٨ - * روى أحمد عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله ﷺ قال: \"لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة\".\n٩٨٩ - * روى أحمد عن سلمة بن نفيل السكوني قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ إذ قال قائل: يا رسول الله هل أتيت بطعام من السماء؟ قال: \"نعم، أنزل علي طعام في مسخنة\". قال: فهل كان فيها فضل عنك؟ قال: \"نعم\". قال: فما فعل به قال: \"رفع وهو يوحى إلى أني مكفوت غير لابث فيكم ولستم لابثين بعدي إلا\n_________\n٩٨٦ - مسلم (٤/ ٢٠٩٨) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار -٢٦ باب أكثر أهل الجنة الفقراء ... إلخ.\nوابن ماجه (٢/ ١٣٢٥) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٩ - باب فتنة النساء.\n(مستخلفكم فيها): أي: جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فينظر هل تعلمون بطاعته، أم بمعصيته وشهواتكم. (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء): أي احذروا الافتتان بهما.\n٩٨٧ - أحمد (٤/ ١٨٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٧٦). وقال: رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد جيد.\n٩٨٨ - أحمد (٥/ ٢٥١). ورجاله رجال الصحيح.\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٨١). وقال: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، إلا أن في الأصل عن حبيب بن سليمان عن أبي أمامة وصوابه سليمان بن حبيب المحاربي فإنه روى عن أبي أمامة وروى عنه عبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله.\n٩٨٩ - أحمد (٤/ ١٠٤).\nوالمستدرك (٤/ ٤٤٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي: لم يخرجا لأرطاة وهو ثبت والخبر من غرائب الصحاح.\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٠٦) وقال: رواه أحمد والطبراني والبزار وأبو يعلي ورجاله ثقات.\n(مسخنة): قدر كالتور، يسخن فيها الطعام -والتور: إناء يشرب فيه.","vol":"2","page":987},{"text":"قليلًا حتى تقولوا متى وستأتوني أفنادًا يفني بعضكم بعضًا وبين يدي الساعة موتان شديد وبعده سنوات الزلازل\".\nأقول:\nقوله ﵊ (بين يدي الساعة موتان شديد وبعده سنوات الزلازل) يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وما أعقبهما من كثرة الزلازل حتى إنك كثيرًا ما تسمع عن وقوع زلزلة في مكان ما، وقد يكون فيه إشارة إلى حرب عالمية أخرى يكثر فيها الفناء والبلاء والاحتمال الأكبر إذا وقعت حرب عالمية ثالثة ألا يبقى في الأرض أحد إلا قليلًا.\n٩٩٠ - * روى أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد\".\n٩٩١ - * روى أبو داود عن يزيد بن عميرة، وكان من أصحاب معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: كان لا يجلس مجلسًا للذكر، إلا قال حين يجلس: الله حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يومًا: إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والعبد والحر، والصغير والكبير، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ وما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإنما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق يقول كلمة\n_________\n= (موتان): بضم الميم، موتان على وزن بطلان،: وهو الموت الكثير الوقوع.\n٩٩٠ - أحمد (٣/ ١٣٤).\nوابن ماجه (١/ ٢٤٤) ٤ - كتاب المساجد والجماعات، ٢ - باب تشييد المساجد. والحديث صحيح.\n٩٩١ - أبو داود (٤/ ٢٠٢) كتاب السنة، باب لزوم السنة.\n(القسط): العدل.\n(زيغة الحكيم): الزيغ، وأراد به: الميل عن الحق، والحكيم: العالم العارف، أراد به: الزلل والخطأ الذي يعرض للعالم العارف، أو يتعمده لقلة دينه.","vol":"2","page":988},{"text":"الحق؟ قال: بلى: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا.\nوفي أخرى قال: بلى، ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟\n٩٩٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: بينا رسول الله ﷺ في مجلس يحدث القوم، إذ جاءه أعرابي، فقال؛ متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكرة ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: \"أين السائل عن الساعة؟ \" قال: هاأنا ذا يا رسول الله، قال: \"إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة\" قال: وكيف إضاعتها؟ قال: \"إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة\".\n٩٩٣ - * روى البخاري عن أبي مالك -أو أبي عامر -الأشعريين ﵄ قال عبد الرحمن بن غنم الأشعري: حدثني أبو عامر -أو أبو مالك الأشعري -والله ما كذبني، سمع النبي ﷺ يقول: \"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم تروح عليهم سارحة لهم، فيأتيهم رجل لحاجة، فيقولن: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة\".\nوفي رواية أبي داود (١): أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير\" .. وذكر كلامًا، قال: \"يمسخ منهم آخرين قردة\n_________\n٩٩٢ - البخاري (١/ ١٤٢) ٣ - كتاب العلم، ٢ - باب من سئل علمًا وهو مشتغل ... إلخ.\n(وسد الأمر إلى غير أهله): إذا أسند إليه، هذا كناية عن استقامة الناس وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه وهو غير أهل لذلك.\n٩٩٣ - البخاري (١٠/ ٥١) ٧٤ - كتاب اللباس، ٦ - باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه.\n(الحر): الفرج.\n(العلم): الجبل وما يهتدي به في البرية، من بناء أو جدار أو غير ذلك.\n(١) أبو داود (٤/ ٤٦) كتاب اللباس، باب ما جاء في الخز. وهو حديث صحيح، ومن ضعفه كابن حزم في المحلى وغيره فما أصاب.","vol":"2","page":989},{"text":"وخنازي إلى يوم القيامة\".\nأقول:\nلقد ظهر استحلال الفروج والحرير والخمر والمعازف في هذه الأمة بأكثر من صورة، فالقائلون بسقوط التكليف يستحلون ذلك، وبعض طوائف الباطنية يستحلون ذلك، وكثير من العامة لا يبالون في ارتكاب هذه المحظورات، وبعضهم يتكلم كلام المستحل.\nأما ما ورد من تهديد لأمثال هؤلاء فلا نعرف أنه وقع حتى الآن، وإن كان المسخ المعنوي حاصلًا.\n٩٩٤ - * روى الطبراني عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يأتي على الناس زمان يتمنون فيه الدجال\". قلت يا رسول الله بأبي وأمي مم ذاك قال: \"مما يلقون من العناء والعناء\".\nأقول: لقد مرت على الأمة الإسلامية أحداث ولا زالت تمر تجعل المسلم يتمنى قيام الساعة، ولا تقوم الساعة قبل أن يظهر الدجال لذلك يتمنون ظهور الدجال وما يكون بين يديه من ظهور المهدي ﵇ وما يعقب ظهوره من نزول المسيح عيسى بن مريم ﵇، وهانحن اليوم نجد كثيرًا من المسلمين يتطلعون إلى ظهور المهدي ﵇ كمخرج للإنقاذ، ولكن الظاهر من النصوص أن بيننا وبين ظهوره أمدًا كما سنرى والله أعلم.\n٩٩٥ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثًا من الموالي هم أكرم العرب فرسًا وأجوده سلاحًا يؤيد الله بهم الدين.\n_________\n٩٩٤ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٨٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، ورواه البزار بنحوه ورجاله ثقات. وكشف الأستار (٤/ ١٤٠).\n٩٩٥ - ابن ماجه (٢/ ١٣٦٩) ٣٦ - كتاب الفتن، ٣٥ - باب الملاحم.\nوفي الزوائد: إسناده حسن، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه.\nوالمستدرك (٤/ ٥٤٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، وقال الذهبي: على شرط مسلم وضعفه بعضهم وفي رواية الحاكم: \"بعثًا من الموالي من دمشق\".","vol":"2","page":990},{"text":"أقول:\nالظاهر أن المراد بالملاحم هنا ما حدث من غزو الصليبيين والتتار، فلقد قام أيام هذه الملاحم وبعدها بنصرة الإسلام شعوب غير عربية كالأكراد والأتراك والبربر فيوسف بن تاشفين بربري وصلاح الدين كردي ونور الدين الشهيد تركي، ثم ظهرت دولة آل عثمان فقامت بدور كبير، وهؤلاء وأمثالهم قاموا بحق الله عليهم وبعضهم كان مقره دمشق وبعضهم كان مقره في غيرها، ولا ننسى أن قطزًا صاحب معكرة عين جالوت وبيبرس الذي كان له دور كبير في الجهاد من الموالى، ولا ننسى أن دمشق كانت حاضرة لنور الدين وصلاح الدين وبيبيرس.\n٩٦٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"تبلغ المساكن إهاب أو يهاب\".\nقال زهير: قلت لسهيل وكم ذلك من المدينة قال: كذا وكذا مثلًا.\n٩٩٧ - * روى مسلم عن موسى بن علي عن أبيه، قال: قال المستورد القرشي عند عمرو ابن العاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تقوم الساعة والروم أكثر الناس\" فقال له عمرو: أبصر ما تقول قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ: قال لئن قلت ذاك فإن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحكم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة؛ وأوشكهم كرةً بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.\nأقول: تطلق كلمة الروم ويراد بها النصارى، والمعروف أن روسيا القيصرية وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية كلها واستراليا كلها نصارى، ولا زالت خريطة العالم فيها أكثرية من الروم إذا اعتبرنا سكان أوروبا والقسم الآسيوي من الاتحاد السوفياتي وأمريكا الشمالية والجنوبية يشكلون بالنسبة للعالم حجمًا لا بأس به.\n_________\n٩٦٦ - مسلم (٤/ ٢٢٢٨) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٥ - باب في سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة.\n(إهاب): اسم مكان قريب من المدينة.\nأقول: ومن رأى النهضة العمرانية الموجودة في زمننا في المدينة المنورة، وامتداد العمران المتصاعد فيها رأى مصداق الحديث.\n٩٩٧ - مسلم (٤/ ٢٢٢٢) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٠ - باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس.","vol":"2","page":991},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>الفقرة الخامسة عشرة\nفي:\nأشراط صغرى لم تقع بعد</span>\n٩٩٨ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى تكلم السباغ الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده\".\nأقول: شهد عصرنا إمكانية تسجيل ما يجري من أحاديث بوسائل كهربائية دقيقة قد يبلغ حجمها حجم عذبة السوط أو أقل، وأصبح بالإمكان التنصت على ما يجري داخل الأبواب وفي الاجتماعات بوسائل دقيقة جدًا ومع ذلك لا نستطيع حمل هذا الحديث على هذا الذي يجري لأن الظاهر أن ما أخبر عنه الحديث سيكون بشكل خارق للعادة والله أعلم.\n٩٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى يقوم رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه\".\nأقول: يجمع النساب العرب على أن الأكراد أصولهن عربية قحطانية، وممن حكم من الأكراد ودان له الناس السلطان صلاح الدين الأيوبي العالم المجاهد العابد، فهل هو المراد بالحديث أو غيره؟ الله أعلم.\nوقد ذهب بعضهم إلى أن الحديث لم يقع وإنما وقوعه قبيل قيام الساعة بعد وفاة المسيح ﵇.\n_________\n٩٩٨ - الترمذي (٤/ ٤٧٦) ٣٤ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ما جاء في كلام السباع. وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوهو كما قال.\n(عذبة سوطه): السير المعلق في طرفه.\n٩٩٩ - البخاري (١٣/ ٧٦) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٣ - باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان.\nمسلم (٤/ ٢٢٣٣) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ... إلخ.\n(يسوق الناس بعصاه): لم يرد العصا نفسها، وإنما ضربها مثلًا لطاعتهم، واستيلائه عليهم.","vol":"2","page":992},{"text":"١٠٠٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لا ترم الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين، ما به إلا البلاء\".\nوفي رواية (١): قال: \"لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه\".\n١٠٠١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تذهب الليالي والأيام حتى يملك رجل من الموالي، يقال له: الجهجاه\" وفي نسخة: الجهجل.\n١٠٠٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: \"سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ \" قالوا: نعم. يا رسول الله! قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق فإذا جاؤها نزلوا. فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط أحد جانبيها\".\nقال ثور: لا أعلمه إلا قال: \"الذي في البحر. ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر. ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر. فيفرج لهم. فيدخلوها فيغنموا. فبينما هم يقتسمون المغانم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج. فيتركون كل شيء، ويرجعون\".\nأقول: في هذا الحديث كلام عن الفتح الثاني للقسطنطينية، وأن هذا الفتح سيكون\n_________\n١٠٠٠ - مسلم (٤/ ٢٢٣١): الموضع السابق.\n(١) البخاري (١٣/ ١٧) ٩٢ - كتاب الفتن، ١٢ - باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور.\nومسلم (٤/ ٢٢٣١): الموضع السابق.\n١٠٠١ - مسلم (٤/ ٢٢٣٣): الموضع السابق.\n١٠٠٢ - مسلم (٤/ ٢٢٢٨): الموضع السابق.","vol":"2","page":993},{"text":"بخارق للعادة، وأن القائمين ليسوا عربًا في أصولهم بل أصولهم من بني إسحاق، والمعروف أن إسحاق له أكثر من ولد، فله غير يعقوب جد بني إسرائيل. وحول قوله من بني إسحاق قال القاضي:\nكذا هو في جميع أصول مسلم: \"من بني إسحاق\". قال: قال بعضهم: المعروف المحفوظ: \"من بني إسرائيل\"، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه لأنه إنما أراد العرب، وهذه المدينة هي القسطنطينية. ا. هـ.\n١٠٠٣ - * روى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ \"إنكم ستفتحون مدينة هرقل أو قيصر وتقتسمون أموالها بالترسة ويسمعهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في أهاليهم فيلقون ما معهم ويخرجون فيقاتلون\".\nأقول:\nلقد مر معنا إخبار رسول الله ﷺ بفتح القسطنطينية قبل روما، وقد حدث هذا الفتح، وههنا تشير النصوص إلى فتح آخر للقسطنطينية يكون قبل الدجال مباشرة، وهذا يفيد تغير ما سيطرأ على الوضع الدولي قبيل ظهور المسيح الدجال، تكون القسطنطينية فيه دار كفر، وكون القسطنطينية اليوم لا يحكمها الروم فذلك من جملة العلامات على أن بيننا وبين المهدي زمنًا، لأن المهدي يجتمع والمسيح ابن مريم ﵇.\n١٠٠٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق -أو بدابق -فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله، كيف نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم؟ فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلثهم\n_________\n١٠٠٣ - مجمع الزوائد: (٧/ ٣٤٩). وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.\n(الترسة): جمع ترس.\n١٠٠٤ - مسلم (٤/ ٢٢٢١) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب.","vol":"2","page":994},{"text":"أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هو يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذا صاح فيهم الشيطان: إن المسيح الدجال قد خلفكم في أهاليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينا هم يعدون للقتال، يسوون صفوفهم، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده -يعني المسيح -فيريهم دمه في حربته\".\nقوله: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة:\n(الشك من الراوي. قال العلامة ياقوت الحموي في \"معجم البلدان\": \"الأعماق جاء بلفظ الجمع، والمراد به العمق، وهي كورة -أي ناحية -قرب دابق بين حلب وأنطاكية\". ثم قال: \"دابق: قرية قرب حلب من أعمال عزاز، بينها وبين حلب أربعة فراسخ\"). ا. هـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).\n(خلفكم) خلفت الرجل في أهله: إذا قمت فيهم مقامه، وخلفهم العدو: إذا طرقهم وهم غائبون عنهم.\nقوله: (فإذا جاءوا الشام خرج): قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: (أي إذا جاءوا من قسطنطينية إلى بلاد الشام ودخلوا القدس -كما في رواية -خرج حينئذ المسيح الدجال. ا. هـ. (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).\nأقول:\nقوله ﵇ (قد علقوا سيوفهم بالزيتون): يحتمل أن يكون المراد بالسيوف: الأسلحة، كما سيذكر نصًا في رواية ستأتي بعد قليل، ومن المعروف أن البندقية الحالية وهي أداة المقاتل الرئيسية لا تنفك عن الحربة التي هي سيف مصغر، ويحتمل أن يكون المراد بالسيوف: السيوف المعروفة، وهذا يقتضي أن طوارئ ستطرأ على الأوضاع الحالية","vol":"2","page":995},{"text":"للحضارة يرجع الناس فيها إلى أدوات القتال المعروفة قديمًا، ومن المعلوم أن كثيرين من العسكريين يتوقعون إذا قامت حرب عالمية ثالثة أن تفنى هذه الحضارة وأن توجد معطيات جديدة، وفي الحديث إجمال ستفصله نصوص أخرى، فالمسيح ﵇ ينزل في المنارة البيضاء شرقي دمشق ثم يذهب إلى القدس، وتكون القدس عاصمة الخلافة الإسلامية وقتذاك، وعلى أرض فلسطين يقتل المسيح ﵇ المسيح الدجال، ويقتل المسلمون اليهود الذين يأتون مع المسيح الدجال، وعلى هذا يحمل الحديث: \" ... إن الحجر والشجر يقولان: يا عبد الله يا عبد الرحمن هذا يهودي فاقتله\". وهذا كله يدل على أن دولة اليهود القائمة الآن وجودها عارض.\n١٠٠٥ - * روى مسلم عن يسير بن جابر -أو أسير -﵁، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى إلا: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة، قال: فقعد -وكان متكئًا -فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا -ونحاها نحو الشام -فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام، قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، ويكون عند ذلكم القتال ردة شديدة، فيتشرط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يتشرط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء، وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يتشرط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدائرة عليهم، فيقتتلون مقتلة -إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها -حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم\n_________\n١٠٠٥ - مسلم (٤/ ٢٢٢٣) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١١ - باب إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال.\n(هجيرى): هجيراه، أي: عادته وديدنه.\n(شرطة): الشرطة: أول طائفة من الجيش يشهد الوقعة، والتشرط: تفعل منه.\n(نهد): الجيش لقتال العدو: إذا نهضوا إليه.","vol":"2","page":996},{"text":"حتى يخر ميتًا، فيتعاد بنو الأم كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما بأيديهم، ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله ﷺ: \"إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ\" أو قال: \"من خير فوارس\".\nأقول:\nفي هذا الحديث تفصيل للملحمة التي تكون بين يدي الساعة، وكلمة الروم تطلق على النصارى في عصر النبوة، فالملحمة الكبرى ستكون بين النصارى والمسلمين ويكون النصر للمسلمين ثم يتابعون النصر فيفتحون القسطنطينية التي تكون وقتذاك بيد النصارى مرة ثانية -والذي يبدو أن ذلك سيكون بعد قيام دولة الإسلام العالمية التي تحدثنا عنها من قبل -ثم يظهر الدجال وينزل عيسى بن مريم فيقتله في فلسطين عند باب لد الشرقي.\n١٠٠٦ - * روى البخاري عن عوف بن مالك ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة أدم، فقال: \"أعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم، كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال، حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا\".\n_________\n= (فيتعاد): التعاد: تفاعل من العد، أي يعد بعضهم بعضًا.\n(البأس): الخوف والشدة.\n١٠٠٦ - البخاري (٦/ ٢٧٧) ٥٨ - كتاب الجزية والموادعة، ١٥ - باب ما يحذر من الغدر.\n(موتان): الموتان بضم المليم: وهو الموت الكثير الوقوع.\n(القعاس): داء يأخذ الغنم، لا يلبثها أن تموت، وقد حدث هذا في الطاعون الذي وقع في بلاد الشام زمن عمر ﵁.\n(غاية): الغاية: بالغين المعجمة: الراية، ومنه غاية الخمار، وهي خرقة يرفعها على بابه، ومن رواه بالباء: =","vol":"2","page":997},{"text":"أقول:\nبعض ما ورد في هذا النص وقع، وبعضه لم يقع، ومنه الفتنة التي لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، والتي سيكون بعدها قيام دار العدل يلجأ إليها المسلمون، وهذه الدار تكون في هدنة مع النصارى، ويبدو كما سنرى في نص آخر أنه يعقب ذلك تحالف مع النصارى على قتال عدو ولا يبعد أن تكون هذا العدو هو الشيوعيين، فينتصر المسلمون والنصارى عليهم ثم يغدر النصارى ويكون النصر للمسلمين في المال فيتابعون الحرب حتى تفتح لهم القسطنطينية.\n١٠٠٧ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة. عن نافع بن عتبة قال: قال رسول الله ﷺ: \"تغزون جزيرة العرب، فيفتحها الله ثم فارس، فيفتحها الله. ثم تغزون الروم، فيفتحها الله. ثم تغزون الدجال، فيفتحه الله\" قال فقال نافع: يا جابر لا ترى الدجال يخرج حتى تفتح الروم.\nأقول:\nهذا الحديث يوضح ما مر معنا من قبل أن ردة ستقوم يقضي عليها أهل الإسلام وعلى رأسهم خليفة المسلمين في بيت المقدس، والظاهر أنه المهدي ﵇ فإن مركز الخلافة أيام هذه الأحداث هو القدس كما سيمر معنا.\n١٠٠٨ - * روى أحمد عن ذي مخبر (رفعه): \"ستصالحون الروم صلحًا آمنا فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائهم، فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول فيقوم رجل من الروم فيرفع الصليب، ويقول: غلب الصليب! فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فيغدر القوم، وتكون الملاحم\".\n_________\n= فإنه أراد الأجمة: شبه كثرة رماح العسكر بها.\n١٠٠٧ - مسلم (٤/ ٢٢٢٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١١ - باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال.\n١٠٠٨ - أحمد (٤/ ٩١).\nوأبو داود (٤/ ١٠٩) كتاب الملاحم، باب ما يذكر من ملاحم الروم.\nوابن ماجه (٢/ ١٣٦٩) ٣٦ - كتاب الفتن، ٣٥ - باب الملاحم. وهو حديث صحيح.","vol":"2","page":998},{"text":"وفي رواية (١): \"ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة\".\nأقول: هذا النص هو الذي أشرنا إليه من قبل من أن المسلمين يكونون في هدنة مع النصارى ثم في تحالف على قتال عدو ثم في صراع مع المسلمين ثم يكون الدجال، كما أنه هو الحديث الذي يذكر كلمة (الأسلحة) وهو الذي جعلنا نحتمل أن كلمة السيوف التي وردت في حديث مسلم يمكن أن يراد بها الأسلحة.\n١٠٠٩ - * روى أبو داود عن أبي الدرداء، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام\".\n١٠١٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة، حتى يكون أبعد مسالحهم: سلاح\" قال الزهري: سلاح قريب من خيبر.\n(مسالحهم): المسالح جمع مسلحة، وهم قوم ذوو سلاح، والمسلحة أيضًا كالثغر والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم، فإذا رأوه: أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له.\n١٠١١ - * روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم\". قالت، قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم!؟ قال: \"يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم\".\n_________\n(١) أبو داود: (٤/ ١١٠) الموضع السابق.\n١٠٠٩ - أبو داود (٤/ ١١١) كتاب الملاحم، باب في المعقل من الملاحم. وهو صحيح.\n١٠١٠ - أبو داود: الموضع السابق. وهو صحيح.\n١٠١١ - البخاري (٤/ ٣٣٨) ٣٤ - كتاب البيوع، ٤٩ - باب ما ذكر في الأسواق. واللفظ له.\nمسلم (٤/ ٢٢٠٩). ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٢ - باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت.","vol":"2","page":999},{"text":"١٠١٢ - * روى أبو داود عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: \"عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية؛ وفتح القسطنطينية خروج الدجال\" قال: ثم ضرب بيده على فخذ إلي حدثه أو منكبه ثم قال: \"إن هذا لحق مثل ما إنك ها هنا أو كما أنك قاعد\".\n١٠١٣ - * روى ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان؛ قال: قال رسول الله ﷺ \"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب. حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. وليسرى على كتاب الله، ﷿، في ليلة. فلا يبقى في الأرض منه آية. وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز. يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله. فنحن نقولها\" فقال له صلة: ما تغنى عنهم: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا. كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة! تنجيهم من النار. ثلاثًا.\nأقول:\nالظاهر أن هذا سيكون بعد نزول المسيح ﵇.\n* * *\n_________\n١٠١٢ - أبو داود (٤/ ١١٠) كتاب الملاحم باب في أمارات الملاحم. والحديث رواه أبو داود عن عباس العنبري عن أبي النضر هاشم بن القاسم به، وقال: هذا إسناد جيد وحديث حسن.\n١٠١٣ - ابن ماجه (٢/ ١٣٤٤) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٤ - باب ذهاب القرآن والعلم.\nوفي الزوائد: إسناده صحيح. ورجاله ثقات.\nوالمستدرك (٤/ ٤٧٣) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(يدرس الإسلام): من درس الرسم دروسًا، إذا عفا وهلك. ومن درس الثوب درسًا إذا صار عتيقًا.\n(وشي الثوب) نقشه.\n(وليسرى على كتاب الله) أي يذهب بالليل.","vol":"2","page":1000},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>الفقرة السادسة عشرة\nفي:\nانحسار الفرات عن جبل من ذهب</span>\n١٠١٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، فيقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا أنجو\".\nوفي رواية: (١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا\".\nوفي رواية لأبي داود (٢) مثل الثانية وقال: \"عن جبل من ذهب\".\n١٠١٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ﵁، قال: كنت واقفًا مع أبي بن كعب، فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا، قلت: أجل، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يوشك الفرات أن يحسر عن جبل ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله\" قال: \"فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون\".\n_________\n١٠١٤ - البخاري (١٣/ ٧٩) ٩٢ - كتاب الفتن. ٢٤ - باب خروج النار.\nمسلم (٤/ ٢٢١٩) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة. ٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٢٠) الموضع السابق.\nوأبو داود (٤/ ١١٥) كتاب الملاحم، باب حسر الفرات عن كنز.\nوالترمذي (٤/ ٦٩٨) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٢٦ - باب حدثنا أبو سعيد الأشج ..\nوقال: حديث حسن صحيح.\n(٢) أبو داود: الموضع السابق.\n١٠١٥ - مسلم: الموضع السابق.","vol":"2","page":1001},{"text":"وفي رواية: وقفت أنا وأبي بن كعب في ظل أطم حسان.\nأقول:\nلقد مر معنا أن الملحمة الكبرى يقتل فيها من المسلمين من كل مائة تسعة وتسعون وههنا ترد النصوص لتذكر أنه بسبب ظهور ذهب الفرات يقتل من كل مائة تسعة وتسعون فهل لذهب الفرات علاقة بغدر النصارى وهو عامل في طمعهم وقتالهم أو المسلمين أنفسهم يقتتلون على ذهب الفرات حتى يفني بعضهم بعضًا ويكون ذلك سابقًا على مرحلة الملحمة الكبرى كأن تتنازع الدول التي يمر فيها الفرات على ما يظهر في مجراه؟ الأمر محتمل.\n* * *","vol":"2","page":1002},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>الفقرة السابعة عشرة\nفي:\nأشراط الساعة الكبرى إجمالًا\nوفي:\nبعض أشراط أخرى تكون بين\nيدي الساعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>المقدمة</span>\nإن تغير النظام الكوني ووجود نظام آخر حدث يعدل حدث خلق العالم أول مرة، ولذلك تسبقه أحداث كبرى خارقة للعادة تكون كالمقدمة له، منها: الدخان، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١). ومنها: خروج دابة الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). ومنها خروج الدجال الذي وردت فيه أحاديث جعلت خروجه من باب المتواتر المعنوي الذي يكفر منكره. ومنها: نزول المسيح ﵇ الذي أشارت إلى نزوله آيات قرآنية ثلاث: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٣)، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٤)، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٥)، وقد فسرها بعضهم بأن الوفاة تكون بعد الرفع والنزول.\nوقد ورد فيه من الأحاديث أكثر من ثمانين حديثًا ومن الآثار عن الصحابة أكثر من أربعين أثرًا ومن الكتب التي ألفت فيه (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) فمنكر نزوله كافر.\n_________\n(١) الدخان: ١٠.\n(٢) النمل: ٨٢.\n(٣) الزخرف: ٦١.\n(٤) النساء: ١٥٩.\n(٥) آل عمران: ٥٥.","vol":"2","page":1003},{"text":"ومن علامات الساعة الكبرى: ظهور يأجوج ومأجوج، ومنها خروج الشمس من مغربها، وقد أشارت إلى ذلك الآية: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (١).\nومما يحدث بين يدي الساعة: هدم الكعبة وإلقاء أحجارها في البحر، ومنها: هبوب ريح تقبض روح كل مؤمن، فلا تقوم الساعة إلا على كافر.\nومن أشراط الساعة الكبرى: خروج نار من عدن تسوق الناس إلى أرض المحشر بشكل خارق، وقبل ذلك كله تنزل الخلافة الأرض المقدسة فتكون عاصمة المسلمين القدس ويظهر المهدي ﵇ وكل ذلك يكون بين يدي الحدث الأكبر وهو قيام الساعة وما يكون فيه ويكون بعده.\n_________\n(١) الأنعام: ١٥٨.","vol":"2","page":1004},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>النصوص</span>\n١٠١٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"الآيات كخرزات منظومات في سلك فانقطع السلك فتبع بعضها بعضًا\". وقد ضعف عامة المحدثين علي بن زيد إلا أن معنى الحديث يشهد له الحديث الذي بعده، فالمعنى صحيح. والحديث إن لم يكن حسن بذاته فهو حسن بشواهده.\n١٠١٧ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"خروج الآيات بعضها على أثر بعض تتابعن كما تتابع الخرز في النظام\".\n١٠١٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن حذيفة بن أسيد (أراه رفعه): \"تخرج الدابة من أعظم المساجد، فبينما هم كذلك إذ رنت الأرض، فبينما هم كذلك إذ تصدعت\". قال ابن عيينة: تخرج حين يسير الإمام من جمع، وإنما جعل سابقًا ليخبر الناس أن الدابة لم تخرج.\n١٠١٩ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال. حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول الآيات خروجًا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا\".\nوفي رواية (١) جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين فسمعوه وهو يحدث عن الآيات: أن أولها خروجًا: الدجال، فقال عبد الله بن عمرو: لم يقل مروان\n_________\n١٠١٦ - أحمد (٢/ ٢١٩).\nمجمع الزوائد: (٧/ ٣٢١). وقال: رواه أحمد وفيه علي بن زيد وهو حسن الحديث.\n١٠١٧ - مجمع الزوائد (٧/ ٣٢١). وقال: رواه الطبراني في الأوسط. ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وداود الزهواني، وكلاهما ثقة.\n١٠١٨ - مجمع الزوائد (٨/ ٧). وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.\n١٠١٩ - مسلم (٤/ ٢٢٦٠) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٢٣ - باب في خروج الدجال .... إلخ.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٦٠). الموضع السابق.","vol":"2","page":1005},{"text":"شيئًا، قد حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعد، سمعته يقول: \"أول الآيات خروجًا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا\".\nوروى أبو داود نحو الثانية (١)، وقال في آخرها: قال عبد الله: وكان يقرأ الكتب، وأظن أولها خروجا: طلوع الشمس من مغربها.\n١٠٢٠ - * روى الترمذي عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: دخلت المسجد حين غابت الشمس والنبي ﷺ جالس، فقال: \"يا أبا ذر، أين تذهب هذه؟ \" قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإنها تذهب تستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها\" قال: ثم قرأ (وذلك مستقر لها) يس: ٣٨. وقال: وذلك في قراءة عبد الله بن مسعود.\nأقول:\nقوله ﵊ (أين تذهب هذه؟): فيه من الحكمة النبوية مالا يحاط به فالشمس كما هو مقرر الآن تدور حول نفسها، وهي جزء من مجرتها تدور بدورتها، ودورة المجرة تستغرق ملايين السنين، والشمس مع مجموعتها من الكواكب تسير نحو كوكبة الجاثي بسرعة هائلة، فإذا تأملنا هذا وتأملنا قراءة ابن مسعود التي تعتبر تفسيرًا للحالة التي تسبق خروج الشمس من مغربها: \"وذلك مستقر لها\"، فبالإمكان أن نحتمل أن نقطة ما في الفضاء لن تتجاوزها الشمس في سيرها ثم تؤمر بالرجوع فيحدث نتيجة لذلك هذا الحدث الضخم الذي من آثاره أن تظهر الشمس من مغربها ثم يعود الأمر إلى ما كان، وعلى مقتضى ما نعرفه الآن من دوران الأرض، فالظاهر أن الأرض نفسها سيحدث لها شيء ما لفترة محدودة بأن ترجع إلى الوراء فتظهر الشمس وكأنها تشرق من المغرب ثم يعود الأمر إلى ما كان. وذلك نقوله بناء على معطيات عصرنا في أن الأرض تدور حول نفسها وأنها تدور\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ١١٤) كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة.\n١٠٢٠ - الترمذي (٥/ ٣٦٤) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٣٧ - باب ومن سورة يس. وقال: حديث حسن صحيح.\nقال ابن الأثير: وقد أخرج البخاري ومسلم هذا المعنى بأطول منه.","vol":"2","page":1006},{"text":"حول الشمس، إلا أنا لا نجزم بشيء في هذا الموضوع إلا ما ذكره النص، وكيفية ذلك عند الله علمها، وإنما نضطر أحيانًا لذر بعض المعاني من باب تقريب الأمور لأنواع من الدارسين، وفي مسألتنا هذه ما أسهل على الله ﷿ أن يرجع الله دورة الكرة الأرضية إلى الوراء فتظهر الشمس من مغربها، إلا أنا ذكرنا الاحتمال الآخر، لأنه يجري على مقتضى عالم الأسباب، فبعض علماء الكون يذكرون احتمالًا أن تصل الشمس إلى نقطة ما في سيرها نحو كوكبة الجاثي ثم لا تتجاوزها.\nوإنما شجعنا على أن نحاول هذه المحاولة في فهم النص أن للعلماء أكثر من اتجاه في فهمه. وكنموذج على تعدد الآراء فيه نذكر ما قاله النووي ﵀ في شرح مسلم.\nقال النووي:\nهذا مما اختلف المفسرون فيه. قال جماعة بظاهر الحديث، قال الواحدي وعلى هذا القول إذا غربت ك ل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع من مغربها. وقال قتادة ومقاتل: معناه تجري إلى وقت لها وأجل لا تتعداه قال الواحدي: وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا. وهذا اختيار الزجاج وقال الكلبي تسير في منازلها حتى تنتهي إلى آخر مستقرها الذي لا تجاوزه ثم ترجع إلى أول منازلها واختار ابن قتيبة هذا القول والله أعلم. وأما سجود الشمس فهو بتمييز وإدراك بخلق الله تعالى فيها. أ. هـ.\n١٠٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن مَنْ عليها\".\nوفي رواية (١): \"فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، فذلك حين\n_________\n١٠٢١ - البخاري (٨/ ٢٩٦، ٢٩٧) ٦٥ - كتاب التفسير، ٦ - سورة الأنعام، ٩ - باب ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾.\nمسلم (١/ ١٣٧) ١ - كتاب الإيمان، ٧٣ - باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان.\nوأبو داود (٤/ ١١٥) كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة.\n(١) البخاري (١١/ ٣٥٢) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٠ - باب حدثنا أبو اليمان.\nومسلم: الموضع السابق.","vol":"2","page":1007},{"text":"لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيرًا\".\n١٠٢٢ - * روى ابن ماجه عن صفوان بن عسال قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من قِبَل مغرب الشمس بابًا مفتوحًا عرضه سبعون سنةً فلا يزال ذلك الباب مفتوحًا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت مِن قبلُ أو كسبت في إيمانها خيرًا\".\n١٠٢٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة\".\nوفي رواية مثله (١)، والجميع بواو العطف، وفي آخره: \"وخُويصة أحدكم\".\n(خويصة): خويصة تصغير خاصة الإنسان، وهي ما يخصه دون غيره.\nأقول:\nلاحظ قوله ﵇: (وأمر العامة) وتأمل ما يجري في عصرنا حيث يراد ألا يكون للعلماء أي دور في توجيه أمور العامة، والأمر خطط له أو يخطط بحيث يكون الأمر بيد العامة.\n١٠٢٤ - * روى مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁، قال: اطلع رسول الله ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: \"ما تذكرون؟ \" قلنا: نذكر الساعة. قال: \"إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آياتٍ\" فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسفٌ\n_________\n١٠٢٢ - ابن ماجه (٢/ ١٣٥٣) ٣٦ - كتاب الفتن، ٢٢ - باب طلوع الشمس من مغربها.\n١٠٢٣ - مسلم (٢/ ٢٢٦٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٢٥ - باب في بقية من أحاديث الدجال.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٦٧) الموضع نفسه.\n(خويصة): خويصة تصغير خاصة الإنسان، وهي ما يخصه دون غيره.\n١٠٢٤ - مسلم (٤/ ٢٢٢٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٢ - باب في الآيات التي تكون قبل الساعة.","vol":"2","page":1008},{"text":"بالمشرق وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخِر ذلك: نارٌ تطرد الناس إلى محشرهم.\nوفي رواية (١) قال: كان النبي ﷺ في غُرفةٍ ونحن أسفل منه، فاطلع إلينا ... وذكر نحوه.\nوفي أخرى (٢) نحوه وقال أحدهما في العاشرة: نزول عيسى ابن مريم، وقال الآخر: وريح تُلقي الناس في البحر.\nوفي رواية أبي داود (٣)، قال: كُنا قعودًا في ظل غُرفةٍ لرسول الله ﷺ، فذكرنا الساعة، فارتفعت أصواتنا، فقال رسول الله ﷺ: \"لن تكون- أو لن تقوم- حتى يكون قبلها عشرُ آيات: طلوع الشمس من مغربها، وخروجٌ الدابة، وخروجُ يأجوج ومأجوج، والدجالُ، وعيسى ابنُ مريم، والدخانُ، وثلاث خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، وآخِرُ ذلك: تخرجُ نارٌ من اليمن، من قعرِ عدن، تسوق الناس إلى المحشر\".\nوفي رواية الترمذي (٤) نحو الأولى، وزاد في ذكر النار قال: \"ونار تخرج من قعر عدن، تسوق الناس- أو تحشر الناس- فتبيتُ معهم حيثُ باتوا، وتقيلُ معهم حيث قالوا\".\nأقول:\nقوله ﵇ في هذا الحديث (والدخان) وقول الراوي (فذكر الدخان) وقوله في الحديث السابق الذي رواه مسلم (أو الدخان) حمله بعض العلماء على دخان يكون بين يدي الساعة ويعتبر من أشراطها الكبرى. وعلى ذلك فسروا قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٢٦): الموضع نفسه.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٦): الموضع نفسه.\n(٣) أبو داود (٤/ ١١٤) كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة.\n(٤) الترمذي (٤/ ٤٧٧) ٣٤ - كتاب الفتن، ٢١ - باب ما جاء في الخفس. وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":1009},{"text":"تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. وقد ذكر بعضهم أنه أول أشراط الساعة الكبرى ظهورًا، وهناك اتجاهات أخرى في تفسير الدخان في الآية منها ما ذكره البخاري عن ابن مسعود أنه: ما أصاب قريشًا من قحطٍ جاعوا معه فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، والقول الراجح عند العلماء أن الدخان من أشراط الساعة الكبرى وأنه لم يجيء بعد، والظاهر أنه يعم العالم، ومن عرف الأسلحة الذرية اليوم واحتمالات تفجيرها وأن سحابها يمكن أن يغطي العالم احتمل أن تكون النصوص تشير إلى مثل ذلك، لكن ظاهر النصوص يشير إلى أنه عقوبة ربانية مباشرة، وقد ذكر الألوسي رواية تنص على أنه يبقى أربعين يومًا أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنه ودبره، ومع أن القول الراجح عند العلماء التوقف والتفويض في تسلسل وقوع بعض أشراط الساعة الكبرى، إلا أن تسلسل بعضها يقيني، لكن بعضهم رجح من خلال الاستقراء أن التسلسل يكون على الشكل التالي: الدخان ثم خروج الدجال ثم نزول عيسى ﵇ ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم خروج الدابة ثم طلوع الشمس من مغربها ثم ريحها تقبض روح كل مؤمن فلا يبقى إلا كافر، ثم نار تخرج من عدن تسوق الناس جميعًا إلى أرض المحشر أي أرض الشام ثم تكون القايمة.\nأما الخسوف فلا يشترط أن يكون بعد ذلك لأن حرف العطف (الواو) يقتضي مطلق الجمع، وقد شهدنا في عصرنا خسف مدينة أغادير في المغرب حيث إن أحد فنادقها الذي يبلغ أكثر من عشرين طابقًا لم يبق منه على وجه الأرض إلا لافتتهُ التي كانت منصوبة على الطابق الأخير، وقد عرفنا خسفًا وقع في عصرنا في إيران، ولكن هل المراد بأمثال هذه الخسوف هو ما ذكرته النصوص أو المراد خسوف أخرى. وعلى كل فتسلسل علامات الساعة التي وردت في الحديث لا يؤخذ من نص الحديث لأن الواو في العربية لمطلق الجمع لا للترتيب، والذين تكلفوا ذكر التسلسل أخذوه من استقراءات شاملة للنصوص لا من لفظ الحديث نفسه.\n١٠٢٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: \"ثلاثٌ\n_________\n١٠٢٥ - مسلم (١/ ١٣٨) ١ - كتاب الإيمان، ٧٢ - باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. =","vol":"2","page":1010},{"text":"إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنتْ من قبلُ: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض\".\nأقول:\nهذا محمول على من بلغته الدعوة وكان عاقلًا بالغًا واختار الكفر وظهرت له واحدة من هذه الأشراط الثلاثة لأنه في حكم من انكشف له الغيب، فالمعروف أن المحتضر متى انكشف له شيء من أمر الغيب عند خروج روحه لم تعد تنفعه توبة ولا يقبل منه إيمان، وكذلك من رأى شرطًا من هذه الأشراط الثلاثة.\nويمكن أن يحمل الحديث على أن المراد بذلك الإخبار بالنسبة للدابة والدجال بمعنى أنه متى ظهر الدجال أو الدابة فالكافر مستمر على كفره لا بمعنى أنه لا يقبل إسلام من أسلم، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١). فأما بالنسبة للشمس فلا شك أنه بعد ظهورها من المغرب ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾، أما بالنسبة للدجال والدابة فظاهر النص الذي بين أيدينا أن الأمر كذلك ولكن الاحتمال الثاني يبقى قائمًا لكثرة النصوص في موضوع الشمس وقلتها بالنسبة للدجال والدابة في موضوع عدم قبول الإيمان.\nقال الألوسي ﵀ بعد أن ذكر أن من علامات الساعة الكبرى: خروج الدابة وظهور الدجال وطلوع الشمس من مغربها أن بعض المفسرين فسر قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٢). بهذه الآيات الثلاث، وعلى هذا القول فإن أيًا من هذه الآيات الثلاث إذا خرجت لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. لكنه ذكر أن هذا القول قد استشل ولذلك فنحن في تعليقنا راعينا هذا الإشكال فذكرنا احتمالين للنص الذي رواه الإمام مسلم.\n_________\n= والترمذي: (٥/ ٢٦٤) ٤٨ - كتاب التفسير، ٧ - باب ومن سورة الأنعام.\nوقال: حديث حسن صحيح.\n(١) الأنعام: ١٥٨.","vol":"2","page":1011},{"text":"وفيما يلي كلام الألوسي ﵀:\nوببعضها على ما قيل: الدجال. والدابة. وطلوع الشمس من مغربها وهو المراد بالبعض أيضًا في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (١). وروى مسلم. وأحمد. والترمذي. وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعًا ما هو صريح في ذلك: واستشكل ذلك بأن خروج عيسى ﵇ بعد الدجال عليه اللعنة وهو ﵇ يدعو الناس إلى الإيمان ويقبله منهم وفي زمنه خير كثير دنيوي وأخروي، وأجيب عنه بما لا يخلو عن نظر. والحق أن المراد بهذا البعض الذي لا ينفع الإيمان عنده طلوع الشمس من مغربها\" أ. هـ. (روح المعاني).\n١٠٢٦ - * روى أحمد عن أبي أُمامة عن النبي ﷺ قال: \"تخرجُ الدابةُ، فتسمُ الناس على خراطيمهم، ثم يُعمرون فيكم، حتى يشتري الرجل الدابة، فيقال: ممن اشتريت؟ فيقول من الرجل المخطم\".\nفائدة:\nقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عن الدابة:\nهي المعنية بقوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.\nقال الاحافظ ابن كثير في \"تفسيره ٣: ٣٧٤: \"هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق! يُخرج الله لهم دابةً من الأرض فتكلم الناس على ذلك\". قال الألوسي في \"روح المعاني\" ٦: ٣١٤: \"أي تكلمهم بأنهم لا يتيقنون بآيات الله تعالى الناطقة بمجيء الساعة ومباديها، أو بجميع آياته التي من جملتها تلك الآيات. وقُثصارى - أي غايةُ - ما أقول في هذه الدابة أنها دابةً عظيمة ذات قوائم،\n_________\n(١) الأنعام: ١٥٨.\n١٠٢٦ - أحمد (٥/ ٢٦٨).\nمجمع الزوائد (٨/ ٦). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عمر بن عبد الرحمن بن عطية وهو ثقة.","vol":"2","page":1012},{"text":"ليست من نوع الإنسان أصلًا، يُخرجها الله تعالى آخر الزمان من الأرض، وتخرُجُ وفي الناس مؤمن وكافر.\nويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" ص ٣٣٤، وأحمد في \"مسنده\" ٢: ٢٩٥ و٤٩١، والترمذي في \"سننه\" ١٢: ٦٣ وحسنهُ، وابن ماجه في \"سننه\" ٢: ١٣٥١ واللفظُ له، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان بن داود، وعصا موسى بن عمران، ﵉، فتجلو وجه المؤمن- أي تنوره وتبيضه- بالعصا، وتخطم أنف الكافر- أي تسمه وتجعل عليه علامةً - بالخاتم، حتى إن أهل الحِواء- أي أهل الحي الذين يجمعهم ماء يستقون منه- ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر\". ثم قال الألوسي: وهذا الخبر أقرب الأخبار المذكورة في الدابة للقبول\". انتهى.\nواستظهر الحاكم أبو عبد الله النيسابوري أن طلوع الشمس من مغربها يسبقُ خروج الدابة، ثم تخرجُ الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه. قال الحافظ ابن حجر بعد نقله قول الحاكم في \"فتح الباري\" ١١: ٣٠٤: \"والحكمةُ في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يُغلق بابُ التوبة فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة\". انتهى. ففي المسألة قولان، رجح الحافظ ابن حجر منهما أسبقية طلوع الشمس من مغربها. أ. هـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).\nأقول:\nمر معنا حديث مسلم الذي يذكر أن الدابة والدجال والشمس إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها فإذا كانت الدابة بعد طلوع الشمس من مغربها فلا إشكال أما إذا كانت قبل ذلك فعندئذٍ يكون لحديث مسلم الاحتمالان اللذان ذكرناهما هناك، وأما الحديث الذي أورده الشيخ عبد الفتاح في فائدته فبعض فقراته لها شواهد وبعض فقراته ضعفها بعضهم، والحديث وُجِدَ مَنْ حَسَّنه ووُجدَ من ضعفه.","vol":"2","page":1013},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الفقرة الثامنة عشرة\nفي:\nالمهدي ﵇</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>مقدمة</span>\n- تزيد الروايات الواردة بالتبشير بخليفة راشد يكون من بيت النبوة على العشرين، وهذا يجعلنا نقطع بورود هذا المعنى عن رسولنا ﵊.\n- وهناك نص صحيح يذكر عودة الخلافة الراشدة بعد الملك الجبري.\n- وهناك نص عند مسلم يتحدث عن خليفة في آخر الزمان يحثي المال حثيًا ولا يعده عدًا، وهناك روايات متعددة تذكر خليفة من آل بيت النبوة.\n- وهناك روايات تذكر أن الخلافة إذا نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والفتن.\n- وهناك روايات تذكر أن المسيح ينزل وللمسلمين إمام في القدس، فهل هذا الإمام هو المهدي؟ يرى بعضهم ذلك والأمر محتمل.\n- ولكن إذا كان المهدي هو الخليفة الذي يكون في زمن المسيح ﵇، فهل الخلافة الإسلامية لا توجد إلا به؟ الظاهر من النصوص أنه إذا كان المهدي سيكون في زمن المسيح ﵇ فهناك خلافة تسبق ذلك بدليل النصوص التي تذكر فتح روما وتشير إلى قيام دولة عالمية للإسلام، بينما الخلافة التي تسبق نزول عيسى بن مريم تفتح القسطنطينية الفتح الثاني وتدخل في معركة لاهبة مع النصارى على الأرض الإسلامية نفسها ويكون فسطاط المسلمين يوم الملحمة ف يالغوطة قرب دمشق كما ورد في بعض الروايات، أما إذا كان المهدي ليس هو الخليفة الذي يكون في زمن عيسى ﵇ فالأمر عندئذٍ يحتمل أن يكون أول الخلفاء أو أحد الخلفاء الذين يقودون الأمة الإسلامية في طريق الظفر والنصر للسيطرة على العالم.\n- وقد وقع كثير من المسلمين في أغلاط بسبب قضية المهدي:","vol":"2","page":1014},{"text":"- فالشيعة الإمامية استقر الأمر عندهم على أن محمدًا الحجة الذي اختفى بزعمهم في سرداب في سامراء هو المهدي وهم ينتظرون خروجه.\n- وبعض المسلمين علّقوا فكرة العمل للخلافة على ظهور المهدي مع أن العمل لإيجاد خليفة للمسلمين فريضة شرعية، فلا يصح أن يعلق العمل لها حتى يظهر شخص ما.\n- وبعض المسلمين ادّعى المهدوية وتابعه ناس، ولا زلنا نسمع بين الفينة والفينة من يدعي المهدوية.\n- وأغلب الذين ينتظرون خروج المهدي يعتبرونه كائنًا بين يدي نزول المسيح ﵇ ويتوقعون مع هذا أن ظهوره أصبح قريبًا مع أن ظواهر النصوص تشير إ لى أن بيننا وبين نزول المسيح ﵇ أمدًا، ففلسطين لا تكون وقتذاك مقرًا لليهود بل اليهود الذين يأتون إليها وقتذاك يأتون مع المسيح الدجال كما رأينا وتكون فلسطين وقتذاك مقرًا للخلافة الراشدة، وهذا يدل على أن دولة اليهود الحالية ستنتهي.\nوإذن فمع إيماننا بظهور المهدي بالصفات التي ذكرها رسول الله ﷺ فلا يصح لنا أن نعلق إقامة الفرائض المطلوبة منا شرعًا سواء كانت فروضًا عينية أو كفائية على ظهوره، لكنا ننوي أنه إذا ظهر وعرفناه بصفاته أن نكون من جنده وأنصاره بإذن الله.\nوهذه بعض النصوص والتعليقات والمسائل والفوائد التي لها علاقة بهذا الشأن:","vol":"2","page":1015},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>النصوص</span>\n١٠٢٧ - * روى أبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"المهديُّ مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قِسطًا وعدلًا، كما مُلئت جورًا وظلمًا، ويملك سبع سنين\".\nوفي رواية الترمذي (١) قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدثٌ، فسألنا نبي الله ﷺ، فقال: \"إن في أمتي المهدي يخرج، يعيش خمسًا، أو سبعًا، أو تسعًا\" - زيدٌ العميُّ الشاك- قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: \"سنين\" قال: \"فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي، أعطني، أعطني\". قال: فيحثني له في ثوبه ما استطاع أن يحمله\".\n١٠٢٨ - * روى أبو داود، عن عبد الله بن زُغب الإيادي قال: نزل عليَّ عبد الله بن حوالة الأزدي، فقال لي: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا، فرجعنا لم نغنم شيئًا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا، فقال: \"اللهم لا تكلهم إليَّ فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم\". ثم وضع يده على رأسي- أو قال: على هامتي- ثم قال: \"يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل، والبلابلُ، والأمور العظام، والساعة يومئذٍ أقربُ من الناس من يدي هذه من رأسك\".\n_________\n١٠٢٧ - أبو داود (٤/ ١٠٧) كتاب المهدي، باب حدثنا عمرو بن عثمان ... إلخ. وإسناده حسن.\n(١) الترمذي (٤/ ٥٠٦) ٣٤ - كتاب الفتن، باب ٥٣ - حدثنا محمد بن بشار ... إلخ.\nوهو في مسند أحمد (٣/ ٢١).\nوابن ماجه (٢/ ١٣٦٦، ١٣٦٧) ٣٦ - كتاب الفتن، ٣٤ - باب خروج المهدي.\nوفي سنده زيد بن الحواري العمي، وهو ضعيف، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غيره وجه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ.\n(أجلى الجبهة): يقال: رجل أجلى: إذا ذهب شعر رأسه إلى نصفه.\n(أقنى الأنف): القنا: احديداب في الأنفس.\n١٠٢٨ - أبو داود (٣/ ١٩) كتاب الجهاد، باب في الرجل يغزو يلتمس الأجر والغنيمة.\nقال محقق الجامع: عبد الله بن زغب الإيادي مختلف في صحبته، وساق له أبو نعيم عن الطبراني حديث من كذب عليّ متعمدًا، صرح فيه بسماعه من النبي ﷺ. قال الحافظ ابن حجر في \"التهذيب: والإسناد لا بأس به. أ. هـ.","vol":"2","page":1016},{"text":"أقول: قوله ﵇: \"إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام والساعة يومئذٍ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك\": الظاهر أن الحديث في خلافة تكون عاصمتها القدس، وإلى القدس يذهب المسيح ﵇ بعد نزوله في دمشق، وهذا يشير إلى أن فلسطين وقتذاك بيد المسلمين، وأن دولة اليهود الحالية ذاهبة منتهية فإذا كان المراد في الحديث خلافة المهدي وهو الاتجاه الأقوى عند العلماء فهذا يدل على أن بيننا وبين المهدي ﵇ أمدًا. والدليل على أن المراد بالحديث خلافة مقرها فلسطين وعاصمتها القدس أن القرآن الكريم وصف فلسطين بالأرض المقدسة، فقال على لسان موسى ﵇: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١). والمعروف أن الأرض التي رفضوا دخولها هي فلسطين، وأن يشع بن نون ﵇ خليفة موسى عندما بدأ تنفيذ أمر موسى كان ذلك بدخوله أرض فلسطين. وبلاد الشام إنما تأخذ قدسيتها من كونها محيطة بالمسجد الأقصى، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٢). فالبركة مقرها المسجد الأقصى وكل ما قرب منه فهو أكثر قدسية، ولذلك حملنا الحديث على أن المراد به خلافة تكون عاصمتها القدس وقاعدتها أرض فلسطين، ومثل هذا لم يحدث من قبل، والظاهر أن ذلك سابق على نزول المسيح ﵇، لأن المسيح يأتي إلى القدس وهي بيد المسلمين ويخرج منها إلى الدجال فيقتله بباب لدّ، وأكثر جند الدجال من اليهود القادمين معه من الخارج بدليل الحديث الصحيح: \"يخرج مع الدجال سبعون ألفًا من يهود أصفهان عليهم الطيالسة\". فهؤلاء اليهود الآتون من الخارج هم الذين يقتلهم المسلمون ويدل الحجر والشجر عليهم لأن الوقت وقت خوارق تكون بين يديّ الساعة، فهذا كله وغيره كثير يدلنا على أن دولة اليهود الحالية غير مستمرة إلى وقت نزول المسيح، لا كما يظن كثيرون ومما يدل على ذلك أن الحديث الصحيح يبشر بفتح روما ولم تفتح روما حتى الآن مما يدل على أن دولة عالمية للإسلام ستقوم وهذا لم يحدث ووجودها يتنافى مع بقاء دولة اليهود الحالية ف قلب أقطار الأمة الإسلامية والأمر\n_________\n(١) المائدة: ٢١.\n(٢) الإسراء: ١.","vol":"2","page":1017},{"text":"كله بيد الله، وإذا أراد الله شيئًا هيأ أسبابه. أما متى تكون هذه الأمور فغيب لا يعلمه إلا الله ﷿.\nأقول: وإنما ذكرنا هذا الحديث هنا لأن الاتجاه الأقوى عند العلماء أن المهدي عاصمته القدس، وعندما ينزل عيسى ﵇ يكون هو خليفة المسلمين، فرأينا أن نذكر هذا الحديث في هذه الفقرة لهذا السبب.\n١٠٢٩ - * روى أبو داود، عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول \"المهدي من عترتي من ولد فاطمة\".\n١٠٣٠ - * روى مسلم، عن أبي سعيد وجابر ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"يكون خليفةً من خلفائكم في آخر الزمان، يحثو المال ولا يَعُده\".\nوفي رواية (١): \"يُعطي الناس بغير عددٍ\".\n١٠٣١ - * روى أبو داود عن ابن مسعود، يرفعه: \"لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحدٌ، لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلًا مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما مُلئت ظلمًا وجورًا\".\n١٠٣٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال يكون في أمتي المهدي إن قَصُر فسبعٌ وإلا فثمان وإلا فتسعٌ تنعم أمتي فيها نعمةً لم ينعموا مثلها، يُرسل السماء عليهم مدرارًا ولا تدخر الأرض شيئًا من النبات والمال كدوس يقوم الرجل يقول: يا مهدي أعطني فيقولُ خُذْ\".\n_________\n١٠٢٩ - أبو داود (٤/ ١٠٧) كتاب المهدي، باب حدثنا عمرو بن عثمان ... إلخ. وإسناده حسن.\n١٠٣٠ - مسلم (٤/ ٢٢٣٥) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل ... إلخ.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n١٠٣١ - أبو داود (٤/ ١٠٦) كتاب المهدي، باب من حدثنا عمرو بن عثمان ... إلخ.\nوالترمذي (٤/ ٥٠٥) ٣٤ - كتاب الفتن، ٥٢ - باب ما جاء في المهدي. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n١٠٣٢ - مجمع الزوائد (٧/ ٣١٧). وقال: رواه الطبراني في الأوسط رجاله ثقات.","vol":"2","page":1018},{"text":"١٠٣٣ - * روى مسلم عن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم قفيزٌ ولا درهمٌ قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبل العجم، يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يُجبى إليهم دينارٌ ولا مُديٌ قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قِبل الروم. ثم سكت هُنيةً، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"يكونُ في آخر أمتي خليفةٌ يحثي المال حثيًا، ولا يَعُده عددًا\". قال: قلتُ لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنه عُمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا.\nقال النووي: والحثو هو الحفن باليدين وهذا الحثو الذي يفعله هذا الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه.\n١٠٣٤ - * روى الحاكم، عن أبي سعيدٍ الخُدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها ويُعطي المال صحاحًا وتكثر الماشية وتعظم الأمة يعيش سبعًا أو ثمانيًا\" يعني حججًا.\nوفي رواية (١) أحمد عن أبي سعيد: قال له رجل: ما صحاحًا؟ قال: \"بالسوية بين الناس\".\n١٠٣٥ - * روى الترمذي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: \"يلي رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي\". قال عاصم: أخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة، قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ لطول الله ذل اليوم حتى يلي.\n_________\n١٠٣٣ - مسلم (٤/ ٢٢٣٤) ٥٢ - كتاب الفتن ١٨ - باب لا تقوم الساعة ... إلخ.\nومسند أحمد (٣/ ٣١٧).\n(مُدي): مكيال للشام ومصر = ٢٢.٥ صاعًا، والصاع= ٢٧٥١ غم عند الشافعي وعند أبي حنيفة الصاع= ٣٨٠٠ غم.\n(القفيز): مكيال= ١٢ صاعًا.\n١٠٣٤ - المستدرك (٤/ ٥٥٨).\nوقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح.\n(١) مسند أحمد (٣/ ٣٧).\n(حِجَجًا): الحِجج كذا بالنسبة للسنة، والفرد منها حجةً.\n١٠٣٥ - الترمذي (٤/ ٥٠٥) ٣٤ - كتاب الفتن، ٥٢ - باب ما جاء في المهدي. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":1019},{"text":"١٠٣٦ - * روى الترمذي، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي\".\nقوله: (حتى يملك العرب):\n\"قال الطيبي: لم يذكر العجم وهم مرادون أيضًا، لأنه إذا ملك العرب واتفقت كلمتهم وكانوا يدًا واحدة قهروا سائر الأمم، ويؤيده حديث أم سلمة يعني المذكور في المشكاة في الفصل الثاني من باب أشراط الساعة وفيه: ويعمل في الناس بسنة نبيهم ويلقي الإسلام بجِرانِهِ في الأرض فيلبثُ سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون\" أ. هـ.\n١٠٣٧ - * روى الحاكم، عن أمير المؤمنين علي ﵁ قال: ستكون فتنةٌ يُحصلُ الناس منها كما يحصل الذهب في المعدن فلا تسبوا أهل الشام وسبوا ظلمتهم، فإن فيهم الأبدال وسيرسل الله إليهم سيبًا من السماء فيغرقهم حتى لو قاتلهم الثعالب غلبتهم، ثم يبعث الله عند ذل رجلًا من عترة الرسول ﷺ في اثني عشر ألفًا إن قلوا أو خمسة عشر ألفًا إن كثروا، أمارتهم أو علامتهم أمِت أمِت على ثلاثِ راياتٍ يقاتلهم أهلُ سبع راياتٍ، ليس من صاحب راية إلا وهو يطمع بالملك فيقتتلون ويهزمون ثم يظهر الهاشمي فيرد الله إلى الناس ألفتهم ونعمتهم فيكونون على ذلك حتى يخرج الدجال.\n_________\n١٠٣٦ - الترمذي: في الموضع السابق.\nوقال الترمذي: وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة وهذا حسن صحيح. أ. هـ.\n(بجِرانه): ضرب الحق بجرانه: أي قرَّ قراره واستقام وأصل الجِران باطن العنق.\n١٠٣٧ - المستدرك (٤/ ٥٥٣). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وقال الذهبي: صحيح.\n(سيبًا): يقال ساب الماء فهو سائب إذا سال.","vol":"2","page":1020},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>المسائل والفوائد</span>\nالأحاديث التي وردت في المهدي كثيرة ولذلك فقد صرح كثير من العلماء بتواترها. وهذه نقول عن أهل العلم في ذلك:\nذكر العلامة الشوكاني في كتابه \"التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر، والدجال، والمسيح\":\n\"والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول. وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك\" اهـ.\nوقال العلامة الشوكاني أيضًا بعد أن ساق الأحاديث الواردة في ذلك:\n(فتقرر أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدَّجال متواترة والأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم متواترة). اهـ.\nوقال المحدث أبو الطيب صديق بن حسن الحسيني البخاري القنوجي في كتاب \"الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة\":\n\"والأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا تبلغ حد التواتر وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد\" اهـ.\nوقال أيضًا بعد كلام له:\n\"وأحاديث المهدي بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار\". اهـ.\nوقال الشيخ محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى في كتابه: \"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\":","vol":"2","page":1021},{"text":"(وقد ذكروا أن نزول سيدنا عيسى ﵇ ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. ثم قال: والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجَّال وفي نزول سيدنا عيسى ابن مريم ﵇) ا. هـ.\nهناك أكثر من اتجاه في المرحلة التي يوجد فيها المهدي، فهناك من ذهب إلى أنه يكون بين يدي المسيح ﵇ فينزل عيسى وهو خليفة المسلمين. وهناك اتجاه إلى أنه يكون قبل ذلك، وإمام المسلمين الذي ينزل في عهده عيسى ﵇ رجل صالح، فهو أحد المهديين وليس هو بالمهدي الذي تحدثت عنه النصوص. وعلى كل من هذين الاتجاهين فإن عاصمة الخلافة زمن نزول عيسى ﵇ تكون في القدس.\nوقد نقل كثير من العلماء نصوصًا وسكتوا عنها تفيد أن نزول المسيح في زمن المهدي، وهذا الذي جعل هذا الأمر ينطبع في أذهان كثير من العلماء: أن المهدي مرتبط زمانه بزمان المسيح ﵇، فإن صح هذا الاتجاه فهذا يفيد أنه سيكون قبل ذلك خلافة على منهاج النبوة، تكتسح الأرض كلها. وستفتح الأمة الإسلامية العالم، ولا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام بعز عزيز وذل ذليل، ومظهر الذلة دفع الجزية، بينما المسيح ﵇ لا يقبلها.\nوسنرى أثناء كلامنا عن عيسى ﵇ أن الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، مؤلف كتاب (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) -الذي علق عليه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة- يرى أن المسيح ﵇ لا تكون له سيطرة على العالم كله، لأنه لم يؤثر في النصوص أن له مثل هذا التحرك، وممن ذهب إلى أن المهدي يكون بين يدي نزول المسيح ﵇ مباشرة عدد من العلماء وهذه نقول في هذا الشأن:\nقال المباركفوري في شرح تحفة الأحوذي لصحيح جامع الترمذي:\n\"اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط","vol":"2","page":1022},{"text":"الساعة الثابتة في الصحيح على أثره وأن عيسى ﵇ ينزل من بعده فيقتل الدجال وينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته\" ا. هـ.\nوقال ابن حجر في شرح الحديث الذي أورده البخاري في باب نزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام -والذي يقول فيه ﷺ: \"كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم\" الفتح جـ ٦ ص ٤٩١.\nقال: \"وعند أحمد من حديث جابر في قصة الدجال ونزول عيسى\" وإذا هم بعيسى فيقال تقدم يا روح الله، فيقول ليتقدم إمامكم فليصل بكم\". ولابن ماجه في حديث أبي أمامة الطويل في الدجال قال: \"وكلهم -أي المسلمون- ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح قد تقدم ليصلي بهم، إذا نزل عيسى فرجع الإمام ينكص ليتقدم عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه ثم يقول: تقدم فغنها لك أقيمت\" وقال أبو الحسن الخسعي الآدبي في مناقب الشافعي تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك ردًا للحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس وفيه \"ولا مهدي إلا عيسى\" اهـ. (الفتح جـ ٦ ص ٤٩٣ - ٤٩٤).\nبل إن ابن ماجه قد أورد عددًا من الأحاديث الصحيحة التي تبشر بالمهدي.\nأقول: هذا تتمة الكلام في الرد على رواية لابن ماجه: \"ولا مهدي إلا عيسى\" وذلك أنه هو يروي روايات تذكر أن المهدي غير عيسى ابن مريم.\n١٠٣٨ - * روى النسائي عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها\".\nقال الشيخ عبد الفتاح: \"المراد بالوسط ما قبل الآخر لأن نزول عيسى ﵇ لقتل الدجال يكون في زمن المهدي، ويصلي سيدنا عيسى خلفه كما جاءت به الأخبار\".\nوإليك بعض النصوص والآثار التي سكت عنها المحدثون نقلها الشيخ عبد الفتاح في\n_________\n١٠٣٨ - رواه النسائي، وأبو نعيم في \"أخبار المهدي والحاكم وابن عساكر في \"تاريخيهما\"، وهو حديث حسن كما في \"السراج المنير بشرح الجامع الصغير\" للعزيزي.","vol":"2","page":1023},{"text":"كتاب \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\" وتفيد أن في عهد المهدي ينزل المسيح عيسى ابن مريم ﵊.\n١٠٣٩ - * روى أبو نعيم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله لهذه الأمة\".\n١٠٤٠ - * روى أبو عمرو الداني عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس، ينزل على المهدي فيقال: تقدم يا نبي الله فصل بنا، فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض\".\n١٠٤١ - * روى أبو عمرو الداني عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يلتفت المهدي وقد نزل عيسى ابن مريم، كأنما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدم صل بالناس، فيقول عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك فيصلي خلف رجلٍ من ولدي\" الحديث.\n١٠٤٢ - * روى نعيم بن حماد عن عبد الله بن عمرو أيضًا قال: المهدي ينزل عليه عيسى ابن مريم، ويصلي خلفه عيسى.\n١٠٤٣ - * روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: المهدي من هذه الأمة وهو الذي يوم عيسى ابن مريم ﵉.\nأقول: من خلال ما مر نرى أن أهل التحقيق لا يختلفون في أن خليفة من آل بيت\n_________\n١٠٣٩ - أخرجه أبو نعيم في \"أخبار المهدي\" كما في \"الحاوي\" للسيوطي في رسالة \"العرف الوردي في أخبار المهدي\" ٢: ٦٤.\n١٠٤٠ - أخرجه أبو عمرو الداني في \"سننه\" كما في \"الحاوي\" للسيوطي في رسالة \"العرف الوردي\" ٢: ٨٣.\n١٠٤١ - أخرجه أبو عمرو الداني في \"سننه\" كما في \"الحاوي\" للسيوطي في رسالة \"العرف الوردي\" ٢: ٨١.\n١٠٤٢ - أخرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن كما في \"الحاوي\" للسيوطي كما في \"رسالة العرف الوردي في أخبار المهدي\" ٢: ٧٨.\n١٠٤٣ - أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\". كما في \"الحاوي\" للسيوطي في رسالة \"العرف الوردي\" ٢: ٦٥.","vol":"2","page":1024},{"text":"النبوة يكون في آخر الزمان، وهذا الذي اتفقوا عليه هو الذي درج التعبير عنه على لسان العامة والخاصة بأنه المهدي، وقد انطبع في أذهان الكثير من العلماء بسبب نصوص تحتاج إلى تحقيق في أسانيدها ولكنها كثيرة أن المهدي ينزل في عهده عيسى ﵊ فإذا كان الأمر كذلك، فالأمد بيننا وبين المهدي بحسب الظاهر من نصوص أخرى لا زال فسيحًا، لأن هناك بعض ما أخبر عنه رسول الله ﷺ لم يقع، فمثلًا بيدي يدي نزول المسيح ﵇ يفتح المسلمون القسطنطينية فتحًا ثابتًا، وتكون القسطنطينية وقت ذاك بيد النصارى، وهي الآن مسلمة وبيد المسلمين، والبشارة بفتح روما مرتبطة في الظاهر بفتوحات عالمية وانتصار عالمي للإسلام، والنصوص الواردة في المهدي وعيسى ﵉ لا تدل على مثل هذا كما سنرى من تحقيقات الشيخ أنور الكشميري نفسه.\nهذا الكلام كله مبني على أن المهدي يعاصر نزول المسيح ابن مريم ﵈، إلا أن النصوص الواردة في معاصرة المهدي للمسيح تحتاج إلى تحقيق وهناك نصوص في المهدي تحتاج إلى تحقيق كذلك، وبعضها من باب الضعيف، يفهم منها أنه لا ارتباط بين نزول المسيح ﵇ والمهدي، فعلى هذا الاتجاه يمكن أن نتصور أن الخلافة التي تكون على منهاج النبوة والتي تأتي بعد الملك الجبري كما ورد في بعض النصوص الصحيحة يمكن أن تبدأ بالمهدي أو يكون المهدي واحدًا من سلسلة خلفائها، وقد تكون هذه الخلافة التي تأتي بعد الملك الجبري هي التي يحصل بها انتصار عالمي للإسلام كما ورد في أكثر من حديث كما مر معنا.\nوفي كل الأحوال لابد أن ننبه على قضايا:\nأولًا: أن دولة اليهود الحالية على كل الاتجاهات في الفهم للنصوص ستنتهي، وليست نهايتها معلقة بنزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وأن النصوص الواردة في أن الحجر والشجر يدلان المسلم على اليهودي ليقتله ليست واردة في هؤلاء اليهود بل في يهود يقدمون مع الدجال.\nثانيًا: أن العمل من أجل استئناف وجود الخلافة الراشدة فريضة إسلامية شرعية يجب على كل مسلم أن يعمل لها، وتتأكد الفرضية في حق القادرين على ذلك من حكام وعلماء ودعاة، ولا يعجز المسلمون إذا صدق حكامهم وعلماؤهم ودعاتهم أن يوجدوا الصيغ التي","vol":"2","page":1025},{"text":"تناسب واقع المسلمين وأحوال العصر بحيث تقام الخلافة فتكون بركة على الجميع، ولا تسبب ضررًا لأحد ولا ينتقض بوجودها سلطان أحد ممن بيده السلطان إذا كانوا مسلمين حقًا.\nفنحن إذن نؤمن بخليفة سيظهر له مواصفات معينة وننوي -ونسأل الله أن يعيننا على تحقيق النية- أن نكون من جنده إذا ظهر، ولكنا لا نعلق العمل لنصرة الإسلام وإقامة الخلافة على ظهوره، لأنه إن كان من خلافة كان أحد الخلفاء الذين يسبق وجودهم نزول عيسى ابن مريم بزمن، فلا يشترط أن يكون أول الخلفاء، وإن كان هو الذي ينزل في عهده عيسى ﵇ فلا يجوز أن نعطل العمل لإقامة فريضة شرعية انتظارًا لشيء أخبرنا الله ﷿ عنه، فكما أن الصلاة لا نؤخرها عن وقتها فكذلك فرائض العصر لا نؤخر العمل لها تعليقًا على شيء لم يكلفنا الله ﷿ أن نعلق عملًا مفروضًا حتى ظهوره.\n* * *","vol":"2","page":1026},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>الفقرة التاسعة عشرة\nفي:\nالدّجَال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>مقدمة</span>\nهناك دجّالون كثيرون يظهرون في تاريخ البشرية عامة وفي تاريخ الأمة الإسلامية خاصة، ولكن الدجال الأكبر الذي يعتبر ظهوره من علامات الساعة الكبرى هو أعظم فتنة تحدث على وجه الأرض وذلك أن هذا الخبيث يدعى الألوهية وتظهر على يده من الخوارق ما يفتن أكثر الخلق، ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون هذا الخبيث ظاهر النقص بأنه أعور لتقوم الحجة على العامة والخاصة أنه كذاب في دعواه، والخاصة يعرفون كذب دعواه بما عندهم من العلم بالله وصفاته وأنه منزه عن صفات المخلوقين وبما عندهم من العلم عن رسول الله ﷺ في شأنه، والظاهر من بعض الروايات أنه يخرج من منطقة إيران الحالية والنصوص تذكر أنه يتبعه من يهود أصفهان سبعون ألفًا، والظاهر أن ظهوره يكون في زمن خلافة المهدي ﵇، وأن عاصمة الخلافة وقتذاك هي القدس، والنصوص تذكر أن خروجه يكون بعد الفتح الثاني للقسطنطينية وبعد قتال مرير مع النصارى وأن العرب حين ظهوره يكونون قليلين وهذا كله يجعلنا نستانس أن بيننا وبينه أمدًا، فالأوضاع الحالية لعصرنا وما فيه لا تشير إلى قرب ظهوره، فاليهود الآتي يتجمعون في فلسطين ولهم فيها دولة ويصرون على أن تكون عاصمتهم القدس بينما النصوص تذكر أن عاصمة الخلافة حين ظهوره تكون في القدس، ومع أننا لم نستقص كل ما ورد في المسيح الدجال فإن الروايات التي سنذكرها من الكثرة بمكان ما يدل على أهمية هذا الحدث وعلى كثرة ما ركز عليه رسول الله ﷺ في شأنه وهذا يلقي مسؤولية كبيرة على العلماء والوعاظ والدعاة أن يعطوا إظهار هذا الأمر ما يقتضيه من الأهمية.","vol":"2","page":1027},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>نصوص</span>\n١٠٤٤ - * روى مسلم، عن النواس بن سمعان ﵁، قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداةٍ، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: \"ما شأنكم؟ \" قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه، ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: \"غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامروء حجيج لنفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بـ \"عبد العزى بن قطن\"، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح (سورة الكهف)، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا، وعاث شمالًا، يا عباد الله، فأثبتوا\". قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\". قلنا: يا رسول الله، فذاك اليوم الذي كسنةٍ: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: \"لا، اقدروا له قدره\". قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث استديرته الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت درًا، وأسبغه ضروعًا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف\n_________\n١٠٤٤ - مسلم (٤/ ٢٢٥٠ - ٢٢٥٥) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٠ - باب ذكر الدجال وصفته وما معه.\n(طائفة النخل) ناحيته وجانبه، والطائفة: القطعة من الشيء.\n(الحجيج): الحاجج، وهو المجادل والمخاصم الذي يطلب الحجة، وهي الدليل.\n(القطط): الشعر الجعد.\n(طافئة): الحبة الطافئة من العنب هي التي قد خرجت عن حد نبات أخواتها في العنقود ونتأت، قال الخطابي: مر علي زمان وأنا أعتقد أن معنى قوله: \"كأنها عنبة طافئة\" أنه الحبة من العنب التي تسقط في الماء فيدخلها الماء، فتنتفخ فتطفو على الماء، إلى أن وقفت عليه في موضع أنه الحبة التي تخرج عن حد أخواتها. قوله: \"إنه خارج خلة\" أي: أنه يخرج قصدًا وطريقًا بين الجهتين والتخلل: الدخول في الشيء.\n(فعاث) العيث: أشد الفساد.\n(سارحتهم) السارحة: الماشية، لأنها تسرح إلى المرعى.\n(درًا) الدر: اللبن، وإنما يكثر بالخصب وكثرة المرعى.","vol":"2","page":1028},{"text":"عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى ابن مريم: إني قد أخرجت عبادًا لي، لا لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدبٍ ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة مساء، ويحصر نبي الله ﵇ وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينارٍ، فيرغب\n_________\n= (الممحل): الذي قد أجدبت أرضه وقحطت وغلت أسعاره.\n(يعاسيب): جمع يعسوب، وهو محل النحل ورئيسها.\n(جزلتين): الجزلة بالكسر: القطعة.\n(القرض): الهدف الذي يرمى بالنشاب.\n(مهرودتين) رويت هذه اللفظة بالدال والذال، يقال: إن الثوب إذا صبغ بالورس ثم بالزعفران، جاء لونه مثل زهرة الحوذانة، فذلك الثوب مهرود، وقيل: أراد بالمهرود: الثوب المصبوغ بالهرد، وهو صبغ أصفر، قيل: إنه الكركم، وقيل اراد في شقتين من الهرد، وهو القطع.\n(جمان) جمع جمانة، وهي حبة تؤخذ من النقرة، كاللؤلؤة، وقد يطلق على اللؤلؤ مجازًا. وشبه في الحديث عرقه بالجمان.\n(لا يدان لأحد بقتالهم): يقال: مالي بهذا الأمر يدان، أي: لا أقدر عليه وأنا عاجز عنه، كما يقال: لا طاقة لي به، لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه.\n(فحرز): أي: احرز واحفظ واجعلهم في الحرز.\n(الحدب): الأكمة والمرتفع من الأرض. وينسلون أي يسرعون.","vol":"2","page":1029},{"text":"نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى، كموت نفسٍ واحدٍة، ثم يهبط نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملاه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيثما شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدرٍ ولا وبرٍ، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيؤمئذٍ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمنٍ ومسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة\". (١)\nوفي رواية (٢) نحوه، وزاد بعد قوله: \"لقد كان بهذه مرة ماءً\": \"ثم يسيرون حتى\n_________\n= (النغف): دود يكون في آنوف الإبل والغنم، واحدها: نغفة.\n(فرسى): جميع فريس، وهو القتيل.\n(الزهمة): الريح المنتنة، والزغم: مصدر زغمت يده من ريح اللحم.\n(المدر): طين قد استحجر، والمراد به: البيوت المبنية دون الخيام.\n(الزلفة): المرآة: وجمعها زلف: وقيل: هي المصنعة من الماء، فمن شبهها بالمرآة: أراد لاستوائها ونظافتها، ومن شبهها بالمضغة: أراد امتلاءها من الماء، والأول أشبه لسياق الحديث.\n(العصابة): الجماعة من الناس قبل أن يبلغوا أربعين.\n(القحف): للرأس معروف. والمراد به في الحديث: قشر الرمانة.\n(رسل): الرسل بكسر الراء: اللبن.\n(لقحة): اللقحة الناقة التي يكون لها ابن.\n(الفئام): الجماعة من الناس.\n(الفخذ): من الناس دون القبيلة.\n(لقحة): اللقحة الناقة التي يكون لها لبن.\n(الفئام): الجماعة من الناس.\n(الفخذ): من الناس دون القبيلة.\n(التهاريج): الاختلاف والاختلاط، وأصله، القتل.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٥٥)، في الموضع السابق.","vol":"2","page":1030},{"text":"ينتهوا إلى جبل الخمر -وهو جبل بيت المقدس- فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا\".\nورواه الترمذي (١)، وزاد في أوله بعد قوله: \"في طائفة النخل\" قال: \"فانصرفنا من عند رسول الله ﷺ، ثم رحنا إليه\" وقال فيه \"عينه قائمة\" بدل \"طافئة\" ولم يقل: \"خلة\" وقال: \"فيأتي القوم فيدعوهم، فيكذبونه ويردون عليه قوله، فينصرف عنهم فتتبعه أموالهم، ويصبحون ليس بأيديهم شيء، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له ويصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم كأطول ما كانت درا، وأمده خواصر، وأدره ضروعًا، ثم يأتي الخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فينصرف عنها، فتتبعه كيعاسيب النحل .. \" وذكر الحديث بنحو ما سبق إلى قوله: \"لقد كان بهذه مرة ماء\". وقال: \"ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، فلهم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم محمرا دمًا، ويحاصر عيسى ابن مريم وأصحابه حتى يكون رأس الثور يومئذ خيرًا لهم من مائة دينار لأحدكم اليوم ... \". وذكر الحديث، وقال: \"قد ملأته زهمتهم ونتنهم ودماؤهم\" قال: \"فيرغب عيسى إلى الله وأصحابه فيرسل الله عليهم طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم بالمهبل، ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين، ويرسل الله عليهم مطرًا لا يكن منه بيت وبر ولا مدرٍ، فيغسل الأرض فيتركها كالزلفة\" قال: \"ثم يقال للأرض: أخرجي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن الفئام من الناس ليكتفون باللقحة من الإبل، وإن القبيلة ليكتفون باللقحة من\n_________\n= (إلى جبل الخمر): الخمر هو الشجر الملتف الذي يستر من فيه وفسر في الحديث أنه جبل بيت المقدس لكثرة شجره.\n(١) الترمذي (٤/ ٥١٠ - ٥١٣) ٣٤ - كتاب الفتن، ٥٩ - باب ما جاء في فتنة الدجال.","vol":"2","page":1031},{"text":"البقر، وإن الفخذ ليكتفون باللقحة من الغنم، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله عليهم ريحًا، فقبضت روح كل مؤمن، ويبقى سائر الناس يتهارجون كما يتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة\".\n\"فخفض فيه ورفع\": قال الشيخ عبد الفتاح: (قال النووي في \"شرح صحيح مسلم\" ١٨: ٦٣ في معناه قولان:\nالأول: أن معنى \"خفض فيه\": حقره، ومعنى \"رفع\" فيه: عظمه وفخمه، فمن تحقيره، قوله ﷺ: إنه أعور العين، وإنه أهون على الله من ذلك، وإنه لا يقدر على قتل أحدٍ إلا ذلك كالرجل ثم يعجز عنه، وإنه يضحمل أمره ويقتل بعد ذلك. ومن تفخيمه وتعظيم فتنته قوله صلى الله العظيم وسلم: \"ليس بين يدي الساعة خلق أعظم من الدجال، وما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب\". وتلك الأمور الخارقة للعادة التي تقع له.\nالقول الثاني: في معنى \"خفض فيه ورفع\": أنه خفض من صوته لكثرة ما تكلم في شأن الدجال، فخفض بعد طول الكلام والتعب ليستريح، ثم رفع ليبلغ صوته كل أحد\". انتهى. اهـ. من (التصريح).\nأقول: إن أشراط الساعة وما يكون بعدها تفسيرها وقوعها: قال تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) (١) ومع ذلك فقد تشتبه على بعض الناس بعض النصوص فاقتضى ذلك كلامًا، ومما قد يشتبه على بعض الناس هذا الجزء من الحديث السابق:\n(قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\" قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: \"لا اقدروا له قدرة\").\nوسبب الإشكال أنه إذا كان يوم كسنة فهذا يقتضي -إلا إذا كان الحديث له تفسير غير المتبادر إلى الأذهان -أن يكون هناك ليل طويل يقابل هذه السنة في مكان آخر من\n_________\n(١) الأعراف: ٥٣.","vol":"2","page":1032},{"text":"الأرض، والمعروف أن هذه الحالة لا تكون إلا عند طلوع الشمس من مغربها، ولذلك فإننا نحمل هذا الحديث على أن المراد باليوم الذي كسنة واليوم الذي كشهر واليوم الذي كجمعة بأنها كذلك في الشدة والبلاء بدليل أن هناك روايات تذكر أن مكثه في الأرض أربعون سنة وإنما هي أربعون سنة في الشدة والبلاء وإلا فمكثه أربعون يومًا.\nقال ابن حجر في الفتح\n\"وقع في حديث جابر: \"يسيح في الأرض أربعين يومًا يرد كل بلدة غير هاتين البلدتين مكة والمدينة حرمهما الله تعالى عليه، يوم من أيامه كالسنة ويوم كالشهر ويوم كالجمعة وبقية أيامه كأيامكم هذه\". أخرجه الطبراني وهو عند أحمد بنحوه بسند جيد ولفظه \"تطوى له الأرض في أربعين يومًا إلا ما كان من طيبة\" ... الحديث وأصله عند مسلم من حديث النواس بن سمعان بلفظ: قلنا يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يومًا\". فذكره وزاد: قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كالسنة يكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: \"لا اقدروا له قدره\". قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث استدبرته الريح\". وله عن عبد الله بن عمرو: \"يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا\". الحديث، والجزم بأنها أربعون يومًا مقدم على هذا الترديد، فقد أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بن بلفظ: \"يخرج -يعني الدجال- فيمكث في الأرض أربعين صباحًا يرد فيها كل منهل إلا الكعبة. والمدينة وبيت المقدس\". الحديث ووقع في حديث سمرة .. \"يظهر على الأرض كلها إلا الحرمين وبيت المقدس فيحصر المؤمنين فيه ثم يهلكه الله\" [قوله ﵇: \"فيحصر المؤمنين في بيت المقدس\" علق عليه الشيخ عبد الفتاح: \"كذا في رواية الإمام أحمد ي \"المسند\" ٥: ١٦. وجاء في \"مجمع الزوائد\" للهيثمي ٧: ٣٤١ هكذا: (وإنه يحصر المؤمنون). أي بالبناء للمجهول للفعل وبرفع ما بعده. ا. هـ. (التصريح بما تواتر في نزول المسيح)].\nوفي حديث جنادة بن أبي أمية: أتينا رجلًا من الأنصار من الصحابة قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: \"أنذركم المسيح\" ... الحديث وفيه \"يمكث في الأرض أربعين","vol":"2","page":1033},{"text":"صباحًا، يبلغ سلطانه كل منهل، لا يأتي أربعة مساجد: الكعبة ومسجد الرسول ومسجد الأقصى والطور\" أخرجه أحمد ورجاله ثقات. ا. هـ. (فتح الباري).\nفهذا الذي حملنا على أن نفسر اليوم كسنة بأنه سنة في الشدة، ولما فهم الصحابة الحديث على ظاهره أعطاهم الرسول ﷺ حكمًا فقهيًا للحالات التي يكون فيها اليوم طويلًا كأيام القطب الشمالي والجنوبي حيث يكون النهار ستة أشهر والليل ستة أشهر.\nوأما قوله ﵇: \"ثم يقال للأرض أخرجي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى إن الفئام من الناس ليكتفون باللقحة من الإبل\".\nفيه إشارة إلى ما طرأ على الأرض وعلى البركة بسبب الفساد في الأرض: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (١). وقد ذكر كتاب ظهر عن \"القطب\" حيث المعاصي معدومة أن بعض المزروعات تنمو أضعافًا مضاعفة عنها في العالم المعروف فذلك نموذج على بركة الأرض حيث لم تتلوث بمعاصي بني آدم.\nوقد علق الشيخ عبد الفتاح على هذا القسم من الحديث بما يلي:\n\"وقال الحافظ ابن القيم في كتابه \"الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي\" ص ٨٣ - ٨٦، في الفصل -٢٦ - من فصول الكتاب:\n\"فصل: ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nقال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبًا، أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة. والظاهر -والله أعلم- أن الفساد- المشار إليه في الآية -المراد به الذنوب وموجباتها، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾. فهذا حالنا، وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا، فلو أذاقنا كل أعمالنا، لما ترك على ظهرها من دابة!.\n_________\n(١) الروم: ٤١.","vol":"2","page":1034},{"text":"ومن تأثير معاصي الله تعالى في الأرض، ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها، وقد مر رسول الله ﷺ على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شرب مياههم، ومن الاستقساء من آبارهم، حتى أمر أن لا يعلف العجين الذي عجن بمياههم لنواضح الإبل، لتأثير شؤم المعصية في الماء.\nوكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما يرى بها من الآفات، وقد ذكر الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢: ٢٩٦، في ضمن حديثٍ قال: وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطة، الحبة بقدر نواة التمرة، وهي في صرةٍ مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن العدل.\nوكثير من هذه الآفات أحدثها الله ﷾، بما أحدث العباد من الذنوب. وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها، لم يكونوا يعرفونها، وإنما حدثت من قرب.\nوأما تأثير الذنوب في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في \"جامعه\" عن النبي ﷺ أنه قال: \"خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعًا، ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن\".\nفإذا أراد الله أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والغجرة، يخرج عبدًا من عباده، من أهل بيت نبيه ﷺ، فيملأ الأرض قسطًا كما ملئت جورًا، ويقتل المسيح: اليهود والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله، وتخرج الأرض بركاتها، وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس، ليأكلون الرمانة ويستظلون بقحفها، ويكون العنقود من العنب وقر بعير، ولبن اللقحة الواحدة -أي الناقة ذات اللبن- يكفي الفئام من الناس- أي الجماعة من الناس-.\nوهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي، ظهرت فيها آثار البركة من الله تعالى، التي محقتها الذنوب والكفر. ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض، بقية آثارها سارية في الأرض، تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم، فهذه الآثار في الأرض، من آثار العقوبات، كما أن هذه المعاصي من آثار الجرائم\". انتهى كلام الحافظ ابن القيم.","vol":"2","page":1035},{"text":"وقال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٥: ٣٦٤، عند قوله تعالى في سورة الروم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\n\"المراد بالبر هنا: الفيافي، وبالبحر: الأمصار والقرى. ومعنى قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي إن النقض في الزروع والثمار بسبب المعاصي.\nوقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض، فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: \"لحد يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا\".\nوالسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت، انكف الناس أو أكثرهم أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات، وإذا تركت المعاصي، كان ذلك سببًا في حصول البركات من السماء والأرض.\nولهذا إذا نزل عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان، يحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت، من قتل الخنزير، وكسر الصليب، ووضع الجزية وهو تركها، فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه، ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض: أخرجي بركتك، فيأكل من الرمانة الفئام من الناس، ويستظلون بقحفها، ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس.\nوما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد ﷺ، فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير، ولهذا ثبت في \"الصحيحين\": \"أن الفاجر إذا مات يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب\".\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد والحسين. قالا: حدثنا عوف، عن أبي قحذمٍ، قال: وجد رجل في زمان زياد -بن أبيه المتوفي سنة ٥٣ -، أو ابن زياد- عبيد الله ابن زياد بن أبيه المتوفي سنة ٦٧ -: صرة فيها حب، يعني من بر أمثال النوى،","vol":"2","page":1036},{"text":"مكتوب فيها -أي في الصرة-: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل. انتهى. اهـ (التصريح).\nأقول: وفي الحديث الذي مر معنا إشارة إلى الريح التي تقبض نفس كل مؤمن، وقد يظن قارئ الحديث أن ذلك كائن زمن المسيح ﵊، والأمر ليس كذلك، فهي تأتي بعد نزول المسيح ﵊، والناس لا زالوا يعيشون في آثار من بركة وجوده ﵊.\n١٠٤٥ - * روى أبو داود، عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إني حدثتكم عن الدجال، حتى خشيت أن لا تعقلوا، إن المسيح الدجال قصير أفحج، جعد أعور، مطموس العين، ليست بناتئةٍ ولا جحراء، فإن التبس عليكم، فاعلموا أن ربكم ليس بأعور\".\n١٠٤٦ - * روى مسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس، فقال: \"إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة\".\nوفي رواية الترمذي (١): أن النبي ﷺ سئل عن الدجال؟ فقال: \"ألا إن ربكم ليس بأعور، ألا وإنه أعور، عينه اليمنى كأنها عنبة طافئة\".\nوفي رواية البخاري (٢): أن المسيح ذكر بين ظهراني الناس، فقال النبي ﷺ: \"إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأنها عنبة طافئة\".\n_________\n١٠٤٥ - أبو داود (٤/ ١١٦، ١١٧) كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، وإسناده حسن.\n(الفحج): تباعد ما بين الفخذين، والرجل أفحج.\n(عين حجراء): أي غائرة مختفية، كأنها قد انجحرت، أي: دخلت في جحر، وهو الثقب، قال الهروي: وأقرأنيه الأزهري جخراء -بالجيم والخاء المعجمة- وأنكره بالحاء المهملة، قال: معناه الضيقة فيها رمض وغمص.\n١٠٤٦ - مسلم (٤/ ٢٢٤٧) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٠ - باب ذكر الدجال وصفته وما معه.\n(١) الترمذي (٤/ ٥١٤) ٣٤ - كتاب الفتن، ٦٠ - باب ما جاء في صفة الدجال.\n(٢) البخاري (١٣/ ٣٨٩) ٩٧ - كتاب التوحيد، ١٧ - باب قول الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.","vol":"2","page":1037},{"text":"وفي أخرى له ولمسلم (١): أن النبي ﷺ ذكر الدجال فقال: \"إنه أعور عين اليمنى، كأنها عنبة طافئة\".\nوفي رواية أبي داود (٢) قال: قام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله ... فذكر الدجال، فقال: \"إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه، ولقد أنذره نوح قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور\".\nوفي أخرى للترمذي (٣): قال: قام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله ... ثم ذكر الدجال، فقال: \"إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكني سأقول فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وإن الله ليس بأعور\".\nقال الزهري: فأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري: أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ قال يومئذ للناس وهو يحذرهم فتنته: \"تعلمون أنه ليس يرى أحد منكم ربه حتى يموت، وأنه مكتوب بين عينيه، كافر، يقرؤه كل من كره عمله\".\nقوله ﵇: \"إنه أعور العين اليمنى\": قال النووي: \"وأما قوله ﷺ: \"أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية\" فروي بالهمز وبغير همز فمن همز معناه ذهب ضوؤها ومن لم يهمز معناه ناتئة بارزة ثم إنه جاء هنا أعور العين اليمنى وجاء في رواية أخرى أعور العين اليسرى وقد ذكرهما جميعًا مسلم في آخر الكتاب، وكلاهما صحيح قال القاضي عياض ﵀: روينا هذا الحرف عن أكثر شيوخنا بغير همز وهو الذي صححه أكثرهم قال: وهو الذي ذهب إليه الأخفش ومعناه ناتئة كنتوء حبة العنب من بين صواحبها قال:\n_________\n(١) البخاري (٨/ ١٠٦) ٦٤ - كتاب المغازي، ٧٧ - باب حجة الوداع.\nمسلم (١/ ١٥٥) ١ - كتاب الإيمان، ٧٥ - باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال.\n(٢) أبو داود (٤/ ٢٤١) كتاب السنة، باب في الدجال.\n(٣) الترمذي (٤/ ٥٠٨) ٢٤ - كتاب الفتن، ٥٦ - باب ما جاء في علامة الدجال.","vol":"2","page":1038},{"text":"وضبطه بعض شيوخنا بالهمز وأنكره بعضهم ولا وجه لإنكاره، وقد وصف في الحديث بأنه ممسوح العين وأنها ليست جحراء ولا ناتئة بل مطموسة وهذه صفة حبة العنب إذا سأل ماؤها وهذا يصحح رواية الهمز. وأما ما جاء في الأحاديث الأخر جاحظ العين وكأنها كوكب وفي رواية لها حدقة جاحظة كأنها نخاعة في حائط فتصبح رواية ترك الهمزة ولكن يجمع بين الأحاديث وتصحح الروايات جميعًا بأن تكون المطموسة والممسوحة والتي ليست بجحراء ولا ناتئة هي العوراء الطافئة بالهمز وهي العين اليمنى كما جاء هنا وتكون الجاحظة والتي كأنها كوكب وكأنها نخاعة هي الطافية بغير همز وهي العين اليسرى كما جاء في الرواية الأخرى وهذا جمع بين الأحاديث والروايات في الطافية بالهمز وبتركه. وأعور العين اليمنى واليسرى لأن كل واحدة منهما عوراء فإن الأعور من كل شيء المعيب لا سيما ما يختص بالعين وكلا عيني الدجال معيبة عوراء إحداهما بذهابها والأخرى بعيبها. هذا آخر كلام القاضي وهو في نهاية من الحسن والله أعلم\". ا. هـ (شرح النووي على مسلم).\n١٠٤٧ - * روى البخاري ومسلم، عن ربعي بن حراشٍ: انطلقت أنا وعقبة ابن عمرو إلى حذيفة، فقال عقبة: حدثني بما سمعت من رسول الله ﷺ في الدجال، فقال: سمعته يقول: \"إن مع الدجال إذا خرج ماء ونارا، فأما الذي يرى الناس أنه نار: فماء بارد، وأما الذي يرى الناس أنه ماء: فنار تحرق، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنه نار، فإنه ماء عذب بارد\". قال حذيفة: وسمعته يقول: \"إن رجلا ممن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه، فقال: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئًا، غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا، فأنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة\". وسمعته يقول: \"إن رجلًا حضره الموت، فلما يئس من الحياة، أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، جزلًا، ثم أوقدوا فيه نارًا حتى إذا أكلت لحمي،\n_________\n١٠٤٧ - البخاري (٦/ ٤٩٤) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل.\nمسلم (٤/ ٢٢٥٠) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٠ - باب ذكر الدجال وصفته وما معه.\n(إنظار المعسر): تأخير ما عليه من الدين إلى حال يساره.\n(جزلًا): الحطب الجزل: القوي الغليظ.\n(الامتحاش): الاحتراق، امتحشت النار العظم: إذا أحرقته.\n(راحا): يوم راح: كثير الريح شديده.\n(فاذروه في اليم): أي: فرموه في البحر وألقوه فيه، كما يذرى الطعام، واليم: البحر.","vol":"2","page":1039},{"text":"وخلصت إلى عظمي، وامتحشت، فخذوها فاطحنوها، ثم انظروا يومًا راحا فاروه في اليم، ففعلوا، فجمعه الله ﷿ إليه، فقال؛ لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك\". قال: \"فغفر الله له\". فقال عقبة: وأنا سمعته يقول ذلك، وكان نباشًا.\nوفي رواية (١) عن حذيفة مختصرا: أنه ﵇ قال في الدجال: \"إن معه ماء ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار، فلا تهلكوا\".\nقال أبو مسعود: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ.\nولمسلم (٢): أن رسول الله ﷺ قال: \"لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان، أحدهما: رأي العين ماء أبيض، والآخر: رأي العين نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارًا، وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فليشرب منه، فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن، كاتب وغير كاتبٍ\".\nوفي رواية لمسلم (٣) قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار\".\nوفي رواية أبي داود (٤) قال: اجتمع حذيفة، وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا بما مع\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٤٩)، في الموضع السابق.\n(٢) المصدر السابق.\n(تأجج) النار: اتقادها.\n(ظفرة): الظفرة -بالتحريك- جليدة تغشى ناتئة من الجانب الذي يلي الأنف على بياض العين إلى سوادها.\n(٣) المصدر السابق.\n(شعر جفال): كثير ملتف.\n(٤) أبو داود (٤/ ١١٥، ١١٦)، كتاب الملاحم، باب خروج الدجال.","vol":"2","page":1040},{"text":"الدجال أعلم منه، إن معه بحرًا من ماء، ونهرًا من نار، فالذي ترون أنه نار ماء، والذي ترون أنه ماء نار، فمن أدرك ذلك منكم فأراد الماء فليشرب من الذي يرى أنه نار، فإنه سيجده ماء قال أبو مسعود: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول.\n١٠٤٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"يتبع الدجال من يهود أصفهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة\". قال النووي في شرح مسلم: وأصبهان بفتح الهمزة وكسرها وبالباء وبالفاء. ا. هـ.\nأقول: في الحديث إشعار لأهل عصرنا بأكثر من معنى، فهؤلاء اليهود الذين يتابعون الدجال ويأتون معه يوم ظهوره إلى القدس حيث تكون عاصمة الخلافة الإسلامية هم الذين تتحدث عنهم النصوص أن الحجر والشجر يدلان المسلم عن مكان الواحد منهم ليقتله ما عدا شجر الغرقد.\nوكون الخلافة الإسلامية عاصمتها القدس وقتذاك فذلك يشير إلى أن دولة اليهود الحالية لن تستمر في فلسطين، وكون هذا العدد الكبير من اليهود سيخرج من أصبهان فذلك يشير إلى هجرة لليهود لبلاد إيران من جديد، وفي ذلك كله إشارة إلى أن هناك بعدًا نسبيًا بيننا وبين ظهور الدجال ونزول عيسى ابن مريم وظهور المهدي إذا كان المهدي سيظهر بين يدي نزول المسيح عيسى ابن مريم.\n١٠٤٩ - * روى مسلم عن أبي الزبير ﵀ سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: أخبرتني أم شريك: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليفرن الناس من الدجال في الجبال\".\nقالت أم شريك: قلت: يا رسول الله، فأين العرب يومئذ؟ قال: \"هم قليل\".\nأقول: في هذا الحديث إشارة أخرى إلى أن بيننا وبين ظهور الدجال بعدًا نسبيًا فالعرب\n_________\n١٠٤٨ - مسلم (٤/ ٢٢٦٦) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٥ - باب في بقية من أحاديث الدجال.\n١٠٤٩ - مسلم، في الموضع السابق.\nوالترمذي (٥/ ٧٢٣) ٥٠ - كتاب المناقب، ٧٠ - باب مناقب في فضل العرب.","vol":"2","page":1041},{"text":"اليوم كثير وهذا يجعلنا نستشعر خطورة الأحداث العالمية والمحلية على العرب بين يدي الساعة.\n١٠٥٠ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أحدثكم حديثًا عن الدجال ما حدث به نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء بمثال الجنة والنار، فالتي يقول: إنها الجنة: هي النار، وإني أنذركم به، كما أنذر به نوح قومه.\n١٠٥١ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثًا طويلًا عن الدجال، فكان فيما حدثنا به أن قال: \"يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي بالمدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس -أو من خير الناس- فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله ﷺ حديثه. فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا. فيقتله، ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم. فيقول الدجال: اقتله. ولا يسلط عليه\".\nولمسلم (١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج الدجال، فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فتلقاه المسالح -مسالح الدجال- فيقولون له: أين تعمد؟ فقال:\n_________\n١٠٥٠ - البخاري (٦/ ٣٧٠، ٣٧١) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٣ - باب قول الله ﷿: (ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه).\nمسلم (٤/ ٢٢٥٠) ٥٣ - كتاب الفتن، ٢٠ - باب ذكر الدجال وصفته وما معه.\n١٠٥١ - البخاري (٤/ ٩٥، ٩٦) ٢٩ - كتاب فضائل المدينة، ٩ - باب لا يدخل الدجال المدينة.\nمسلم (٤/ ٢٢٥٦) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢١ - باب في صفة الدجال وتحريم المدينة عليه ... إلخ.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٥٦، ٢٢٥٧)، في الموضع السابق.\n(السباخ): الأراضي التي لا تنبت المرعى.\n(بصيرة) البصيرة: المعرفة واليقين.\n(المسالح): جمع مسلحة، وهم قوم معهم سلاح، والمسلحة: كالثغر والمرقب وهو الذي يكون فيه قوم يرقبون العدو، لئلا يهجم عليهم، ويسمى بالأعجمية: اليزك.","vol":"2","page":1042},{"text":"أعمد إلى هذا الذي خرج\". قال: \"فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء. فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعض: أليس نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟ \" قال: \"فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس، هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ\". قال: \"فيأمر الدجال به فيشج، فيقول: خذوه وشجوه. فيوسع ظهره وبطنه ضربًا\". قال: \"فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب؟ قال: \"فيؤمر به، فيؤشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه\". قال: \"ثم يمشي الدجال بين القطعتين\". قال: \"ثم يقول له: قم فيستوي قائمًا\". قال: \"ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة؟ \" قال: \"ثم يقول: يا أيها الناس: إنه لا يفعل بعدي بأحدٍ من الناس\". قال: \"فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلًا\". قال: \"فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة\". فقال رسول الله ﷺ: \"هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين\".\n١٠٥٢ - * روى البخاري ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ﷿ ليس بأعور، مكتوب بين عينيه (ك ف ر) \".\nوفي رواية لمسلم (١): أن نبي الله ﷺ قال: \"الدجال مكتوب بين عينيه (ك ف ر) أي كافر\".\nوفي أخرى (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه\n_________\n= (فيؤشر): أشرته بالمنشار، وشرته: إذا شققته به.\n١٠٥٢ - البخاري (١٣/ ٣٨٩) ٩٧ - كتاب التوحيد، ١٧ - باب قول الله تعالى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.\nمسلم (٤/ ٢٢٤٨) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٠ - باب ذكر الدجال وصفته وما معه.\nوالترمذي (٤/ ٥١٦) ٢٤ - كتاب الفتن ٦٢ - باب ما جاء في قتل عيسى ابن مريم الدجال.\nوأبو داود (٤/ ١١٦)، كتاب الملاحم، باب خروج الدجال.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٤٨) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٠ - باب ذكر الدجال ... إلخ.\n(٢) المرجع السابق.","vol":"2","page":1043},{"text":"(كافر) \". ثم تهجاها \" (ك ف ر) يقرؤه كل مسلم\".\nوفي رواية لأبي داود (١) \"بين عينيه كافر\".\nوفي أخرى (٢) \"يقرؤه كل مسلم\".\n١٠٥٣ - * روى البخاري، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: كنا نتحدث عن حجة الوداع، والنبي ﷺ بين أظهرنا، ولا ندري ما حجة الوداع، حتى حمد الله رسول الله ﷺ وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح الدجال، فأطنب في ذكره، وقال: \"ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته: أنذره نوح والنبيون من بعده، وإنه يخرج فيكم، فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم، إن ربكم ليس بأعور، إنه أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ \". قالوا: نعم. قال: \"اللهم اشهد\" ثلاثًا -\"ويلكم\"- أو \"ويحكم- انظروا، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\".\nوروى مسلم طرفا منه (٣)، وهو قوله: \"ويحكم، أو قال: \"ويلكم- لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ\".\nقال البخاري (٤): وقال هشام بن الغاز: عن نافعٍ عن ابن عمر: وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، وقال: \"أي يومٍ هذا؟ \" -وذكر نحو ما سبق أولًا- وقال: \"هذا يوم الحج الأكبر\". فطفق النبي ﷺ يقول: \"اللهم اشهد\". ثم ودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع\".\nأقول: (ويحكم -أو قال: ويلكم-): قال القاضي: هما كلمتان استعملتهما العرب بمعنى\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ١١٦) كتاب الملاحم، باب خروج الدجال.\n(٢) المرجع السابق.\n١٠٥٣ - البخاري (٨/ ١٠٦) ٦٤ - كتاب المغازي، ٧٧ - باب حجة الوداع.\n(٣) مسلم (١/ ٨٢) ١ - كتاب الإيمان، ٢٩ - باب بيان معنى قول النبي ﷺ ... إلخ.\n(٤) البخاري (٣/ ٥٧٤) ٢٥ - كتاب الحج، ١٢٢ - باب الخطبة أيام منى.","vol":"2","page":1044},{"text":"التعجب والتوجع. قال سيبويه: ويل: كلمة لمن وقع في هلكه. وويح: ترحم. وحكي عنه: ويح: زجر لمن أشرف على الهلكة.\n١٠٥٤ - * روى أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ ذكر جهدًا يكون بين يدي الدجال فقالوا: أي المال خير يومئذ؟ قال: \"غلام شديد يسقي أهله الماء وأما الطعام فليس\". قالوا: فما طعام المؤمنين يومئذ؟ قال: \"التسبيح والتكبير والتهليل\". قالت عائشة: فأين العرب يومئذ؟ قال: \"العرب يومئذ قليل\".\n١٠٥٥ - * روى أحمد، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ \"الدجال أعور عين الشمال بين عينيه مكتوب كافر يقرؤه الأمي والكاتب\".\n١٠٥٦ - * روى أبو داود، عن عمران بن حصين ﵁، أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: \"من سمع بالدجال، فلينأ منه، فوالله: إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه، مما يبعث به من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات\".\n١٠٥٧ - * روى البخاري ومسلم، عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: ما سأل أحد رسول الله ﷺ عن الدجال أكثر مما سألته، وإنه قال لي: \"ما يضرك منه؟ \" قلت: إنهم يقولون؛ إن معه جبل خبزٍ، ونهر ماءٍ. قال: \"هو أهون على الله من ذلك\".\nوفي رواية (١): قال لي: \"يا بني، وما ينصبك منه؟ إنه لن يضرك\". قال:\n_________\n١٠٥٤ - مسند أحمد (٦/ ٧٥، ٧٦).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٣٥). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح.\n١٠٥٥ - مسند أحمد (٥/ ٣٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٣٧). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n١٠٥٦ - أبو داود (٤/ ١١٦) كتاب الملاحم، باب خروج الدجال. وإسناده صحيح.\n١٠٥٧ - البخاري (١٣/ ٨٩) ١٢ - كتاب الفتن، ٢٦ - باب ذكر الدجال.\nمسلم (٤/ ٢٢٥٨) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٢ - باب في الدجال ... إلخ.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٥٧، ٢٢٥٨)، في الموضع السابق.\n(ما ينصبك): النصب: التعب، أي ما يتعبك منه.","vol":"2","page":1045},{"text":"قلت: إنهم يزعمون أن معه أنهار الماء، وجبال الخبز. قال: \"هو أهون على الله من ذلك\".\nوفي أخرى (١): إنهم يقولون: إن معه جبال خبز ولحمٍ، ونهر ماءٍ قال: \"هو أهون على الله من ذلك\".\nعلق ابن حجر على قوله ﵊: \"هو أهون على الله من ذلك\":\n\"قال عياض: معناه هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا ويرتاب الذين في قلوبهم مرض فهو مثل قول الذي يقتله ما كنت أشد بصيرة مني فيك، لا أن قوله \"هو أهون على الله من ذلك\" أنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد أهون من أن يجعل شيئًا من ذلك آية على صدقه، ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره يقرؤها من قرأ ومن لا يقرأ زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه. قلت: الحامل على هذا التأويل أنه ورد في حديث آخر مرفوع \"ومعه جل من خبز ونهر من ماء\" أخرجه أحمد والبيهقي في البعث من طريق جنادة بن أبي أمية عن مجاهد قال: انطلقنا إلى رجل من الأنصار فقلنا حدثنا بما سمعت من رسول الله ﷺ في الدجال ولا تحدثنا عن غيره. فذكر حديثًا فيه \"تمطر الأرض ولا ينبت الشجر، ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار معه جبل خبز ... \" الحديث بطوله ورجاله ثقات، ولأحمد من وجه آخر عن جناده عن رجل من الأنصار: \"مع جبال الخبز وأنهار الماء\" ولأحمد من حديث جابر: \"معه جبال من خبز والناس في جهد إلا من تبعه، ومعه نهران\" الحديث، فدل ما ثبت من ذلك على أن قوله: \"هو أهون على الله من ذلك\" ليس المراد به ظاهره وأنه لا يجعل على يديه شيئًا من ذلك، بل هو على التأويل المذكور\" اهـ (فتح الباري).\n١٠٥٨ - * روى الترمذي، عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: حدثنا رسول الله ﷺ قال: \"الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها: خراسان يتبعه أقام كأن\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٥٨)، في الموضع السابق.\n١٠٥٨ - الترمذي (٤/ ٥٠٩) ٣٤ - كتاب الفتن، ٥٧ - باب ما جاء من أين يخرج الدجال. =","vol":"2","page":1046},{"text":"وجوههم المجان المطرقة\".\n١٠٥٩ - * روى مسلم، عن عامر بن شراحيل الشعبي ﵀، أنه سأل فاطمة بنت قيسٍ أخت الضحاك بن قيسٍ -وكانت من المهاجرات الأول- فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله ﷺ، لا تسنديه إلى أحدٍ غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقال: أجل حدثيني. فقالت: نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب قريشٍ يومئذ، فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله ﷺ، فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب محمد ﷺ، وخطبني رسول الله ﷺ على مولاة أسامة بن زيدٍ، وكنت قد حدثت أن رسول الله ﷺ قال: \"من أحبني فليحب أسامة\". فلما كلمني رسول الله ﷺ قلت أمري بيدك فأنكحني من شئت. فقال: \"انتقلي إلى أم شريك\". وأم شريك امرأة غنية من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل. قال: \"لا تفعلي، إن أم شريك كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك حمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم\". وهو رجل من بني فهر -فهر قريش- وهو من البطن الذي هي منه، فانتقلت إليه، فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي -منادي رسول الله ﷺ- ينادي: الصلاة جامعة. فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله ﷺ، فكنت في النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: \"ليلزم كل إنسانٍ مصلاه\". ثم قال: \"أتدرون لم جمعتكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"إني والله ما جمعتكم لرغبةٍ، ولا لرهبةٍ، ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلًا نصرانيًا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح\n_________\n= وهو حديث حسن. وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب.\n(المجان المطرقة): المجان جمع مجنة -وهو الترس، والمطرقة- التي ضوعف عليها العقب وألبسته شيئًا فوق شيء، يقال: أطرقت الترس: إذا فعلت به ذلك، وطارقت النعل: إذا جعلتها طبقًا فوق طبق وخصفتها.\n١٠٥٩ - مسلم (٤/ ٢٢٦١ - ٢٢٦٤) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٤ - باب قصة الجساسة.\n(تأيمت): المرأة: مات زوجها، أو فارقها.\n(المسيح الدجال): الدجال: الكذاب، وهو اسم لهذا الرجل المشار إليه في الشرائع، وقيل سمي به لتمويهه على ... =","vol":"2","page":1047},{"text":"الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابةٌ أهلبُ، كثيرُ الشعر، لا يدرون ما قُبله من دُبره، فقالوا: ويلك، ما أنتِ؟ قالت: أنا الجساسةُ. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم: انطلقوا إلى هذا الرجل الذي في الدَّير، فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلًا، فرِقنا منها أن تكون شيطانةً. قال: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدّيرَ، فإذا فيه أعظمُ إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعةً يداه إلى عنقه، ما بين ربتيه إلى كعبيه باحلديد قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتُم على خبري، فأخبروني: ما أنتم؟ قالوا: نحن أناسٌ من العرب، ركِبنا في سفينةٍ بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموجُ شهرًا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابةٌ أهلبُ، كثير الشعر، لا ندري ما قُبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنتِ؟ فقالت: أنا الجساسةُ قلنا: وما الجساسةُ؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل الذي في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. (١)\n_________\n= الناس وتلبسيه، يقال: دجل: إذا لبس وموه، وإنما سمي مسيحًا، لأن إحدى عينيه ممسوحة لا يبصر بها، والأعور يسمى مسيحًا، وأما تسمية عيسى ﵇ بالمسيح، فقيل: لمسح زكريا ﵇ إياه، وقيل: لأنه يمسح الأرض، أي يقطعها، وقيل: لأنه كان يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل: المسيح الصديق.\n(أرفأت): السفينة: قربتها إلى الشط وأدنيتها من البر، وذلك الموضع مرفأ.\n(أقرب): القارب: سفينة صغيرة تكون إلى جانب السفن البحرية يستعجلون بها حوائجهم من البر، وتكون معهم خوفًا من غرق المركب فليجؤون إليها، فأما \"أقرب\" فلعله جمع قارب. قال الخطابي: إنه جمع على غير قياس.\n(أهلب): الهلب: ما غلظ من الشعر، والأهلب: الغليظ الشعر الخشن.\n(الجساسة): فعالة من التجسس، وهو الفحص عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال ذلك في الشر.\nقال النووي: \"سميت بذلك لتجسها الأخبار للدجال، وجاء عن عبد الرحمن بن عمرو بن العاص أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن\" اهـ.\n(فرقنا): خفنا.\n(اغتلام): البحر: اضطراب أمواجه واهتياجه. =","vol":"2","page":1048},{"text":"فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر، قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء، وله يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين، ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب، وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني، أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة، أو واحدًأ منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها\". قالت: قال رسول الله ﷺوطعن بمخصرته في المنبر-: \"هذه طيبة، هذه طيبة\" -يعني: المدينة- \"ألا هل كنت حدثتكم عن ذلك؟ \" فقال الناس: نعم. قال: \"فإنه أعجبني حديث تميم: أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو\". وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ. (١)\n_________\n= (عين زغر): بلدة في الجانب القبلي من الشام.\n(الأمي): الذي لا يعرف الكتابة، وكذلك كانت العرب، وسمي رسول الله ﷺ أميًا لذلك، وكأنه في الأصل منسوب إلى أمه، أي على حالته التي ولدته أمه عليها.\n(صلتا): الصلت: المسلول من غمده، المهيأ للضرب به.\n(أنقابها): النقب: الطريق في الجبل، وجمعه: أنقاب ونقاب.\n(المخصرة): غصا، أو قضيب، أو سوط، كانت تكون بيد الخطيب أو الملك إذا تكلم.\n(لا، بل من قبل المشرق ما هو): \"ما\" زائدة، لا نافية، والمراد: إثبات أنه في جهة المشرق.","vol":"2","page":1049},{"text":"وفي رواية (١): ثم قالت: فنودي في الناس: إن الصلاة جامعة. قالت: فانطلقت فيمن انطلق من الناس. قالت: فكنت في الصف المقدم من النساء، وهو يلي المؤخر من الرجال. قالت: فسمعت النبي ﷺ وهو على المنبر يخطب، فقال: \"إن بني عم لتميم الداري ربكوا في البحر ... \" وساق الحديث، وفيه: قالت: فكأنما انظر إلى النبي ﷺ وأهوى بمخصرته إلى الأرض، وقال: \"هذه طيبة\" يعني المدينة.\nوفي رواية (٢) قالت: قدم على رسول الله ﷺ تميم الداري، فأخبر رسول الله ﷺ: أنه ركب البحر، فتاهت به سفينته، فسقط إلى جزيرة، فخرج إليها يلتمس الماء، فلقي إنسانًا يجر شعره ... واقتص الحديث، وفيه: ثم قال: أما إنه لو قد أذن لي في الخروج قد وطئت لبلاد كلها غير طيبة. فأخرجه رسول الله ﷺ إلى الناس فحدثهم، وقال: \"هذه طيبة\" وذاك الدجال\".\nوفي أخرى (٣): أن رسول الله ﷺ قعد على المنبر، فقال: \"أيها الناس، حدثني تميم الداري: أن أناسًا من قومه كانوا في البحر في سفينة لهم فانكسرت بهم، فركب بعضهم على لوح من ألواح السفينة، فخرجوا إلى جزيرة في البحر ... \" وساق الحديث.\nوفي رواية أبي داود (٤): قالت: سمعت منادي رسول الله ﷺ ينادي: إن الصلاة جامعة ... وساق الحديث، نحو مسلم إلى قوله: \"مجموعة يداه إلى عنقه\". ثم قال ... فذكر الحديث، وسألهم عن نخل بيسان، وعن عيون زغر، وعن النبي الأمي، قال: إني أنا المسيح، وأنه يوشك أن يؤذن لي في الخروج، قال النبي ﷺ: \"وإنه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا، بل من قبل المشرق، ما هو\" -مرتين- وقالت: حفظت هذا من رسول الله ﷺ ... وساق الحديث.\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٦٤، ٢٢٦٥)، ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٤ - باب قصة الجساسة.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٦٥)، في الموضع السابق.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) أبو داود (٤/ ١١٨، ١١٩) كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة.","vol":"2","page":1050},{"text":"وله في أخرى (١) قال الشعبي: أخبرتني فاطمة بنت قيسٍ: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، ثم صعد المنبر، وكان لا يصعد عليه إلا يوم الجمعة قبل يومئذ ... ثم ذكر هذه القصة.\nوله في أخرى (٢): أن رسول الله ﷺ أخر العشاء الآخرة ذات ليلةٍ، ثم خرج، فقال: \"إنه حبسني حديث كان يحدثنيه تميم الداري عن رجل كان في جزيرة من جزائر البحر، فإذا بامرأة تجر شعرها، فقال: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، اذهب إلى هذا القصر. فأتيته، فإذا رجل يجر شعره، مسلسل في الأغلال، ينزو فيما بين السماء والأرض، فقلت: من أنت؟ قال: أنا الدجال، خرج نبي الأميين بعد؟ قلت: نعم. قال: أطاعوه، أم عصوه؟ قلت: بل أطاعوه. قال: ذلك خير لهم\".\nورواه الترمذي (٣)، وهذا لفظه: قالت: إن نبي الله ﷺ صعد المنبر، فضحك، فقال: \"إن تميمًا الداري حدثني بحديثٍ، ففرحت، فأحببت أن أحدثكم. إن ناسًا من أهل فلسطين ركبوا سفينة في البحر، فجالت بهم حتى قذفتهم في جزيرة من جزائر البحر، فإذا هم بدابة لباسة ناشرة شعرها، فقالوا: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: فأخبرينا. قالت: لا أخبركم ولا أستخبركم، ولكن ائتوا أقصى القرية، فإن ثم من يخبركم ويستخبركم. فأتينا أقصى القرية، فإذا رجل موثق بسلسلة، فقال: أخبروني عن عين زغر. قلنا: ملأى تدفق. قال: أخبروني نخل بيسان الذي بين الأردن وفلسطين، هل أطعم؟ قلنا: نعم. قال: أخبروني عن النبي ﷺ، هل بعث؟ قلنا: نعم. قال: أخبروني، كيف الناس إليه؟ قلنا: سراع. فنزا نزوة، حتى كاد، قلنا. فما أنت؟ قال: أنا الدجال. وإنه يدخل الأمصار كلها، إلا طيبة\". وطيبة: المدينة.\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ١١٩)، في الموضع السابق.\n(٢) أبو داود (٤/ ١١٨)، في الموضع السابق.\n(٣) الترمذي (٤/ ٥٣١، ٥٢٢) ٣٤ - كتاب الفتن، ٦٦ - باب حدثنا محمد بن بشار ... إلخ. =","vol":"2","page":1051},{"text":"أقول: ورد في الحديث قول الدجال: (وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكية وطيبة) يؤيد ما ذكرناه أن مكثه في الأرض أربعون يومًا عادية، لكن لشدة الهول والبلاء والفتنة بخروجه يكون اليوم الأول على الناس كسنة واليوم الثاني كشهر واليوم الثالث كجمعة في الشدة ثم بعد ذلك يألف الناس الحدث وتذهب عنهم شدة الصدمة، ومما يستأنس به لما ذهبنا إليه حديث لابن ماجه، يذكر أن مكثه في الأرض أربعون سنة فهذه الرواية يمكن الجمع بينها وبين الروايات الصحيحة -التي تذكر أن مكثه أربعون يومًا- بأن المراد أربعون سنة في الشدة وهي أربعون يومًا في المدة.\n١٠٦٠ - * روى مسلم، عن حميد بن هلال، ﵁، عن رهطٍ -منهم أبو الدهماء وأبو قتادة- قالوا: كنا نمر على هشام بن عامر، نأتي عمران بن حصين، فقال ذات يوم: إنكم لتجاوزونني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله ﷺ مني، ولا أعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال\".\nوفي رواية (١): \"أمر أكبر من الدجال\".\n١٠٦١ - * روى الترمذي، عن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يقتل ابن مريم الدجال بباب لد\".\n١٠٦٢ - * روى أحمد، عن عبد الله بن حوالة أن رسول الله ﷺ قال: \"من نجا من\n_________\n= (النزو): الوثوب: نزا ينزو نزوا، والنزوة: المرة الواحدة.\n(حتى كاد): أي: أن يتخلص من الوثاق.\n١٠٦٠ - مسلم (٤/ ٢٢٦٦، ٢٢٦٧) ٥٣ - كتاب الفتن، ٢٥ - باب في بقية من أحاديث الدجال.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٦٧). في الموضع السابق.\n١٠٦١ - الترمذي (٤/ ٥١٥) ٣٤ - كتاب الفتن، ٦٢ - باب ما جاء في قتل عيسى ابن مريم الدجال.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n١٠٦٢ - مسند أحمد (٤/ ١١٠).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٣٤). وقال: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير بيعة بن لقيط وهو ثقة.","vol":"2","page":1052},{"text":"ثلاثٍ فقد نجا\" ثلاث مراتٍ \"موتي والدجال وقتل خليفةٍ مصطبر بالحق يعطيه\".\nأقول: قوله ﵊: \"وقتل خليفةٍ مصطبرٍ بالحق يعطيه\". إشارة إلى قتل عثمان ﵁ فمن نجا من المشاركة في قتله أو الرضا في قتله فإنه يكون قد نجا من مهلكة من المهلكات، اللهم أنا نبرأ إليك من قتله ومن قتلته، وفي النص معجزة من معجزاته ﵊.\n١٠٦٣ - * روى أحمد، عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وأنا أبكي فقال: \"ما يبكيك؟ \" قلت: يا رسول الله، ذكرت الدجال فبكيت. فقال رسول الله ﷺ: \"إن يخرج وأنا فيكم كفيتموه وإن يخرج بعدي فإن ربكم ﷿ ليس بأعور إنه يخرج من يهودية أصبهان حتى يأتي المدينة فينزل ناحيتها ولها يومئذ سبعة أبوابٍ على كل نقبٍ منها ملكان فيخرج إليه شرار أهلها حتى يأتي الشام مدينة فلطسين بباب لد فينزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله ويمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إمامًا عدلًا وحكمًا مقسطًا\".\n١٠٦٤ - * روى أحمد، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال في الدجال: \"أعور هجان أزهر كأن رأسه أصله أشبه الناس بعبد العزى بن قطنٍ فإما هلك الهلك فإن ربكم ﵎ ليس بأعور\".\n_________\n١٠٦٣ - مسند أحمد (٦/ ٧٥).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٣٨). وقال: رواه أحمد ورجال رجاله الصحيح غير الحضرمي بن لاحق، وهو ثقة.\n١٠٦٤ - مسند أحمد (١/ ٢٤٠).\nوالمعجم الكبير (١١/ ٣٣٧).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٣٧). وقال: رواه: أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح.\n(هجان): الهجان: الأبيض.\n(أزهر): أي أبيض.\n(الأصلة): الحية العظيمة، والعرب تشبه الرأس الصغير الكثير الحركة برأس الحية.\n(هلك): بالضم والتشديد جمع هالك، أي فإن هلك به ناس جاهلون وضلوا فاعلموا أن الله ليس بأعور فكأنه قال فكيفما كان الأمر فإن ربكم ليس بأعور، أي منزه عن النقائص والعيوب.","vol":"2","page":1053},{"text":"وفي رواية (١) عند الطبراني عن النبي ﷺ قال: \"رأيت الدجال هجانًا ضخمًا فيلمانيا كأن شعره أغصان شجرةٍ أعور كأن إحدى عينيه كوكب الصبح أشبه بعبد العزى بن قطنٍ رجلٍ من خزاعة\".\n١٠٦٥ - * روى أحمد، عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال: \"إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء وتعوذوا بالله من عذاب القبر\".\n١٠٦٦ - * روى أحمد، عن جنادة بن أبي أمية قال: أتينا رجلًا من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ فدخلنا عليه فقلنا: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ولا تحدثنا ما سمعت من الناس فشددنا عليه، فقال: قام رسول الله ﷺ فينا فقال \"أنذركم المسيح وهو ممسوح العين\" أحسبه قال العين اليسرى -\"تسير معه جبال الخبز وأنهار الماء علامته يمكث في الأرض أربعين صباحًا، يبلغ سلطانه كل منهلٍ، لا يأتي أربعة مساجد الكعبة ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى والطور، ومهما كان من ذلك فاعلموا أن الله ﷿ ليس بأعور\" قال ابن عونٍ أحسبه قال: \"يسلط على رجل فيقتله ثم يحييه ولا يسلط على غيره\".\nأقول: قوله ﵊: \"يمكث في الأرض أربعين صباحًا: يؤيد ما ذكرناه عن أن أيامه أيام عادية، لكن بعضها يشعر بطوله لشدة البلاء وقوة الصدمة.\nوأما قوله: \"ولا يسلط على غيره\" أي: ثم لا يسلط على غيره.\n_________\n(١) المعجم الكبير (١١/ ٣١٣).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٣٧، ٣٣٨). وقال: ورجاله رجال الصحيح.\n(فيلمانيًا): الفيلم من الرجال العظيم، وقيل: عظيم الحجة.\n١٠٦٥ - مسند أحمد (٥/ ١٢٣، ١٢٤).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٢٧). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n١٠٦٦ - مسند أحمد (٥/ ٤٣٤).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٤٣). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":1054},{"text":"١٠٦٧ - * روى أحمد، عن أبي قلابة قال: رأيت رجلًا بالمدينة قد أطاف الناس به وهو يقول: قال رسول الله ﷺفإذا رجل من أصحاب النبي ﷺ- قال: فسمعته وهو يقول: \"إن بعدكم الكذاب المضل وإن رأسه من ورائه حبك حبك حبك وإنه سيقول: أنا ربكم، فمن قال: لست بربنا ولكن ربنا الله عليه توكلنا وإليه أنبنا نعوذ بالله من شرك، لم يكن له عليه سلطان\".\n١٠٦٨ - * روى أحمد، عن محجن بن الأذرع أن رسول الله ﷺ قال: \"يوم الخلاص وما يوم الخلاص، يوم الخلاص وما يوم الخلاص\". ثلاثًا، فقيل له: وما يوم الخلاص؟ قال: \"يجيء الدجال فيصعد أحدًا فيقول لأصحابه: أترون هذا القصر الأبيض، هذا مسجد أحمد ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقبٍ منها ملكًا مصلتا فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه ثم ترجف المدينة ثلاث رجفاتٍ فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه فذلك يوم الخلاص\".\n١٠٦٩ - * روى البزار، عن الفلتان بن عاصمٍ قال قال رسول الله ﷺ: \"أريت ليلة القدر ثم أنسيتها ورأيت مسيح الضلالة فإذا رجلان في أندر فلانٍ يتلاحيان فحجزت بينهما، فأنسيتها، فاطلبوها في العشر الأواخر، وأما مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة ممسوح العين اليسرى عريض النحر كأنه عبد العزى بن قطنٍ\".\n١٠٧٠ - * روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: \"لتقاتلن اليهود، فلتقتلنهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي\n_________\n١٠٦٧ - مسند أحمد (٥/ ٣٧٢).\nمجمع الزوائد (٧/ ٣٤٣). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(حبك): أي شعر رأسه متكسر من الجعودة.\n١٠٦٨ - مسند أحمد (٤/ ٣٣٨).\nمجمع الزوائد (٣/ ٢٠٨). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n١٠٦٩ - كشف الأستار (٤/ ١٣٦، ١٣٧).\nمجمع الزوائد: (٧/ ٢٤٨). وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\n١٠٧٠ - البخاري (٦/ ١٠٣) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٩٤ - باب قتال اليهود. =","vol":"2","page":1055},{"text":"فتعال فاقتله\".\nوفي أخرى (١) قال: \"تقتتلون أنتم ويهود، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي ورائي، تعال فاقتله\".\nوفي أخرى (٢): \"تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ... \" الحديث.\n١٠٧١ - * روى مسلم، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله. إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود\".\nوفي رواية (٣) أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي، فاقتله\".\nأقول: الظاهر أن هذين الحديثين ينطبقان على اليهود الذين يأتون مع الدجال كما ورد في روايات أخرى، قد مرت معنا، وليسا في اليهود الذين يحتلون فلسطين الآن، فهؤلاء سينتهون ويخرجون. والله أعلم.\n١٠٧٢ - * روى أحمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لينزلن الدجال بحوران وكرمان في سبعين ألفًا وجوههم كالمجان المطرقة\".\n_________\n= مسلم (٤/ ٢٢٣٨) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل ... إلخ.\nوالترمذي (٤/ ٥٠٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٥٦ - باب ما جاء في علامة الدجال.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٣٨، ٢٢٣٩) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل ... إلخ.\n(٢) البخاري (٦/ ٦٠٤، ٦٠٥) ٦١ - كتاب المناقب، ٢٥ - باب علامات النبوة .... إلخ.\nومسلم (٤/ ٢٢٣٩) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٨ - باب لا تقوم الساعة ... إلخ.\nوالترمذي (٤/ ٥٠٨) ٢٤ - كتاب الفتن، ٥٦ - باب ما جاء في علامة الدجال.\n١٠٧١ - مسلم (٤/ ٢٢٣٩) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٨ - باب لا تقوم الساعة ... إلخ.\n(٣) البخاري (٦/ ١٠٣) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٩٤ - باب قتال اليهود.\n١٠٧٢ - مسند أحمد (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨). قال ابن كثير: إسناده جيد قوي حسن. =","vol":"2","page":1056},{"text":"١٠٧٣ - * روى أحمد، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج الدجال في خفةٍ من الدين، وإدبارٍ من العلم، وله أربعون يومًا يسيحها في الأرض اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه وله حمار يركبه، عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا فيقول للناس: أنا ربكم. وهو أعور. وإن ربكم ليس بأعور. مكتوب بين عينيه: (كافر)، ك ف ر، مهجاة، يقرؤه كل مؤمنٍ كاتب وغير كاتب يرد كل ماءٍ ومنهلٍ إلا المدينة ومكة حرمهما الله تعالى عليه، وقامت الملائكة بأبوابهما. ومعه جبال من خبز، والناس في جهدٍ إلا من تبعه. ومعه نهران أنا أعلم بهما منه. نهر يقول: الجنة. ونهر يقول: النار. فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهو النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنة ويبعث الله معه شياطين تكلم الناس ومعه فتنة عظيمة: يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفسًا ثم يحييها فيما يرى الناس، لا يسلط على غيرها من الناس. ويقول: يا أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلا الرب ﷿؟ فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم فيحاصرهم فيشتد حصارهم، ويجهدهم جهدًا شديدًا.\nثم ينزل عيسى ابن مريم من السحر، فيقول: يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل جني. فينطلقون فإذا هم بعيسى ابن مريم ﵇، فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله.\n_________\n= مجمع الزوائد (٧/ ٣٤٥). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس. ورواه البزار أتم.\n١٠٧٣ - مسند أحمد (٣/ ٣٦٧، ٣٦٨).\nوالمستدرك (٤/ ٥٣٠). وصححه ورجاله ثقات.\nقال الشيخ عبد الفتاح: (وقال الذهبي في \"تلخيص المستدرك\" ٤: ٥٣٠ هو على شرط مسلم\"، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧: ٣٤٤ وقال: \"رواه أحمد بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح\"). انتهى. (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).\nقال الشيخ عبد الفتاح: قوله (في خفة من الدين): أي في حال ضعف من الدين وقلة أهله.\n(اليوم منها كالسنة): هذا كناية عن شدة أذاه. =","vol":"2","page":1057},{"text":"فيقول: ليتقدم إمامكم فيلصل بكم. فإذا صلى صلاة الصبح خرجوا إليه. فحين يراه الكذاب ينماث كل ينماث الملح في الماء فيمشي إليه فيقتله، حتى إن الشجر والحجر ينادي يا روح الله هذا اليهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحدًا إلا قتله\".\n١٠٧٤ - * روى الحاكم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران أحدهما: نار تأجج في عين من رآه، والآخر ماء أبيض، فإن أدركه أحد منكم فليغمض. وليشرب من الذي يراه نارًا فإنه ماء بارد، وإياكم والآخر فإنه الفتنة واعلموا أنه مكتوب بين عينيه (كافر)، يقرأه من يكتب ومن لا يكتب، وإن إحدى عينيه ممسوحة، عليها ظفرة، إنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن على ثنية أفيقٍ، وكل واحدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وإنه يقتل من المسلمين ثلثا، ويهزم ثلثا، ويبقى ثلاث. ويجن عليهم الليل فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم؟ من كان عنده فضل طعام\n_________\n= (ينماث): أي يختفي ويتوارى كما يذوب الملح في الماء. اهـ (التصريح). ...\n١٠٧٤ - المستدرك (٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢). وقال: صحيح على شرط مسلم.\nورواه ابن عساكر كما في \"كنز العمال\".\nورواه مسلم مختصرًا (٤/ ٢٢٤٩) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٠ - باب ذكر الدجال وصفته وما معه.\nوصححه الحافظ ابن حجر في فتح الباري.\nشرح (الشيخ عبد الفتاح وتعليقاته:\n(نار تأجج): أي تتوقد.\n(ظفرة): الظفرة: لحمة تنبت عند موق العين وقد تمتد إلى سواد العين فتغشيه.\nقوله: (إنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن): هو بمعنى قوله في الحديث السابق (ثم يسير حتى يأتي الشام): إذ الأردن من الشام.\n(ثنية أفيق): الثنية هنا معناها: العقبة، وهي المرتفع العالي من الأرض، فيكون (ثنية أفيق) بمعنى (عقبة أفيق). قال العلامة ياقوت في \"معجم البلدان\" عند ذكر (أفيق):\n\"هي قرية من حوران في طريق الغور في أول العقبة المعروفة بعقبة أفيق تنزل في هذه العقبة إلى الغور وهو الأردن وهي عقبة طويلة نحو ميلين\".\nقوله: (وكل واحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطنٍ الأردن): يعني: تجمع المسلمين في أرض الشام يومئذٍ.\n(ويجن عليهم الليل): أي: يسترهم الليل بسواده. =","vol":"2","page":1058},{"text":"فليعد به على أخيه، صلوا حين ينفجر الفجر، وعجلوا الصلاة ثم أقبلوا على عدوكم فلما قاموا يصلون نزل عيسى ابن مريم ﵇ أمامهم فصلى بهم، فلما انصرف قال: هكذا أفرجوا بيني وبين عدو الله\". قال أبو حازم: قال أبو هريرة ﵁: فيذوب كما تذوب الإهالة في الشمس. وقال عبد الله بن عمرو ﵁: كما يذوب الملح في الماء. \"ويسلط الله عليهم المسلمين فيقتلونهم، حتى إن الشجر والحجر لينادي: يا عبد الله يا عبد الرحمن يا مسلم هذا يهودي فاقتله. فيفنيهم الله تعالى ويظهر المسلمون، فيكسرون الصليب، ويقتلون الخنزير، ويضعون الجزية فبينما هم كذلك إذخ أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة، ويجيء آخرهم وقد انتشفوه فما يدعون فيه قطرة، فيقولون: قد كان ها هنا أثر ماءٍ.\nفيجيء نبي الله وأصحابه وراءه حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يقال لها: لد. فيقولون: ظهرنا على من في الأرض فتعالوا نقاتل من في السماء! فيدعو الله نبيه عند ذلك، فيبعث الله قرحة في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر، فتؤذي ريحهم المسلمين، فيدعو عيسى -صلوات الله عليه وسلامه- عليهم فيرسل الله عليهم ريحًا فتقذفهم في البحر أجمعين\".\n١٠٧٥ - * روى ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال. وحذرناه. فكان من قوله أن قال: \"إنه لم\n_________\n= (فيلعد به على أخيه): أي: فليقدمه إلى أخيه.\nقوله: (فصلى بهم): أي صلى معهم مقتديًا بإمامهم، ويجيء الباء بمعنى (مع) شائع في لغة العرب، قال تعالى: يا نوح اهبط بسلامٍ منا، أي: مع سلامٍ منا.\nوهذا التأويل موافق للحديث: \"وإمامكم منكم\"، وموافق للأحاديث التي أفادت أن سيدنا عيسى يقتدي بإمام تلك الصلاة التي أقيمت. وهي صلاة الفجر.\nقوله قال: هكذا أفرجوا بيني وبين عدو الله، أي أشار بيده قائلًا: أخلو بيني وبينه.\n(الإعالة): كل ذهنٍ يوتدم به.\n(فيشرب أولهم البحيرة): أي بحيرة طبرية.\n(انتشفوه): أي شربوا الماء كله. ا. هـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).\n١٠٧٥ - ابن ماجه (٢/ ١٣٥٩ - ١٣٦٣)، ٣٦ - كتاب الفتن، ٣٢ - باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم. =","vol":"2","page":1059},{"text":"تكن فتنة في الأرض، منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنة الدجال. وإن الله لم يبعث نبيًا إلا حذر أمته الدجال. وأنا آخر الأنبياء. وأنتم آخر الأمم. وهو خارج فيكم لا محالة. وإن يخرج وأنا بين ظهراتيكم، فأنا حجيج لكل مسلمٍ. وإن يخرج من بعدي، فكل امرئ حجيج نفسه. والله خليفتي على كل مسلمٍ. وإنه يخرج من خلةٍ بين الشام والعراق. فيعيث يمينًا ويعيث شمالًا. يا عباد الله فاثبتوا. فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي. إنه يبدأ فيقول: أنا نبي ولا نبي بعدي. ثم يثني فيقول: أنا ربكم. ولا ترون ربكم حتى تموتوا. وإنه أعور. وإن ربكم ليس بأعور. وإنه مكتوب بين عينيه: كافر. يقرؤه كل مؤمنٍ، كاتبٍ أو غير كاتبٍ. وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا فناؤه جنة وجنته نار. فمن ابتلي بناره، فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا. كما كانت النار على إبراهيم. وإن من فتنته أن يقول، لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه. فيقولان: يا بني اتبعه، فإنه ربك. وإن من فتنته أن يسلط على نفسٍ واحدةٍ، (١)\n_________\n= وإسناده قوي.\nوساق أبو داود سنده -وهو سند صحيح- إلى أبي أمامة عن النبي ﷺ ثم قال: \"تحوه، وذكر الصلوات مثل معناه\" يعني نحو حديث النواس بن سمعان.\nوحديث النواس بن سمعان رواه أبو داود (٤/ ١١٧) كتاب الملاحم، باب خروج الدجال. وصححه ابن خزيمة.\nورواه الحاكم: المستدرك (٤/ ٣٥٦، ٥٣٧) وقال: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي.\nوأورد الحافظ ابن حجر جعلًا منه في \"فتح الباري\" مستشهدًا بها، فهو عنده حديث صحيح أو حسن.\nقال الشيخ عبد الفتاح (قال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ١: ٥٨١ بعد أن ساق الحديث من رواية ابن ماجه بكامله: \"هذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه، ولبعضه شواهد من أحاديث أخر، ثم ساق رحمه الله تعالى شواهد لبعض من \"صحيح مسلم\" اهـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).\nقوله: (وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا، فناره جنة وجنته نار):\nقال الشيخ عبد الفتاح: (قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٨٨: وهذا يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي، فإما أن يكون الدجال ساحرًا فيخيل الشيء بصوره عكسه، وإما أن يجعل الله باطن الجنة التي يسخرها الدجال نارًا، وباطن النار جنة، وهذا الراجح اهـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).","vol":"2","page":1060},{"text":"فيقتلها، وينشرها بالمنشار، حتى يلقى شقتين. ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا. فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربًا غيري. فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله. أنت الدجال. والله ما كنت، بعد، أشد بصيرة بك مني اليوم\".\nقال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي. ثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة\".\nقال: قال أبو سعيدٍ: والله! ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر ابن الخطاب. حتى مضى لسبيله.\nقال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع. قال: \"وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت. وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، يأمر الأرض أن تبنت فتنبت، حتى تروح مواشيهم، من يوهم ذلك، أسمن ما كانت وأعظمه، وأمده خواصر، وأدره ضروعًا. وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقبٍ من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته حتى ينزل عند الظريب الأحمر، عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفاتٍ. فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه. فتنفي البخث منها كما ينفي الكير خبث الحديد. ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص\". (١)\n_________\n= (نائب): هو طريق بين جبلين.\n(صلتة): أي مجردة. يقال: أصلت السيف، إذا جرده من غمده، وضربه بالسيف صلتا وصلتا.\n(الظريب): تصغير ظرب، بوزن كتف. والظراب الجبال الصغار.\n(السبخة): هي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر.\n(ترجف): أصل الرجف الحركة والاضطراب. أي تتزلزل وتضطرب.\n(الخبث): هو ما تلقيه النار من وسخ الفضة والنحاس وغيرهما إذا أذيبا.=","vol":"2","page":1061},{"text":"فقالت أُمُّ شريك بنت أَبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذٍ؟ قال: \"هم يومئذٍ قليل. وجُلُّهم ببيت المقدس. وإمامهم رجلٌ صالح فبينما إمامهم قد تقدَّم يُصلِّي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك، فرجع ذلك الإمام ينكص، ويمشي القهقرى، ليتقدَّم عيسى يُصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتِفيه ثمَّ يقول له: تقدَّم فصلِّ فإنَّها لك أُقِيمت. فيصلِّي بهم إمامهم، فإذا انصرفَ قال عيسى ﵇: افتحوا الباب. فيُفتَح، ووراءه الدَّجَّال، معاه سبعون ألفِ يهودي، كلُّهم ذو سيف مُحلَّى وساجِ، فإذا نظر إليه ذابَ كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها. فيُدرِكه عند باب اللِّدِّ الشرقي فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابَّة (إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم، لا ينطق) إلا قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي فتعال اقتله\".\nقال رسول الله ﷺ: \"وإن أيامه أربعون سنةً. السنةُ كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة. يصبح أحدكم على باب المدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمسي\". فقيل له: يا رسول الله! كيف نًصلِّي في تلك الأيام القِصار؟ قال: \"تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطِوال، ثمَّ صلُّوا\". قال رسول الله ﷺ: \"فيكون عيسى ابن مريم ﵇ (١)\n_________\n= (ينكص): النكوص الرجوع إلى الوراء. وهو القهقري.\n(وساج): الساج هو الطيلسان الأخضر. وقيل: الطيلسان اللقور، ينسج كذلك.\n(لن تسبقني بها): أي لن تفوتها علي.\n(باب اللد): في النهاية: لد موضع بالشام، وقيل بفلسطين.\n(الفرقدة): هو ضرب من شجر العضاء وشجر الشوك.\n(كالشررة): واحدة الشرر. وهو ما يتطاير من النار. =","vol":"2","page":1062},{"text":"في أمَّتي حكَمًا عدْلًا، وإمامًا مُقسِطًا. يدقُّ الصليب، ويذبح الخنزر، ويضع الجِزيَة، ويترك الصدَقَة، فلا يسعى على شاةٍ ولا بعيرٍ. وتُرْفَع الشحْناء والتباغُض، وتُنْزَع حُمَةُ كل ذاتِ حُمَةٍ، حتى يُدْخِل الوليد يده في الحيَّة، فلا تضُرُّه. وتُفِرُّ الوليدة الأسد، فلا يضُرُّها. ويكون الذئب في الغنم كأَّنه كلبها. وتُمْلَأُ الأرضُ من السِّلم كما يُمْلَأُ الإناء من الماء. وتكون الكلمة واحدةً، فلا يُعْبَدُ إلا الله وتضع الحرب أوزارها. وتُسْلَبُ قُريش مُلكها. وتكون الأرض كفاثور الفضَّة، تُنْبِتُ نباتها بعهد آدم. حتَّى يجتمع النفر على القُطف من العنب فيُشْبِعُهم، ويجتمع النفر على الرُّمَّانة فتُشْبِعُهم. ويكون الثور بكذا وكذا، من المال. وتكون الفرس بدُرَيْهِمات\" قالوا: يا رسول الله! وما يُرْخِص الفَرَس؟ قال: \"لا تُرْكَبُ لحربٍ أبدًا\" قِيلَ له: فما يُغْلِي الثَّوْر؟ قال: \"تُحْرَثُ الأرض كلَّها. وإن قبل خروج خروج الدَّحَّال ثلاث سنواتٍ شدادٍ، يُصِيبُ الناس فيها جوعٌ شديدٌ. يأمرُ اللهُ السماءَ في السنة الأولى أن تحبس ثُلثَ مطرها، ويأمُرُ الأرض فتحبِس ثُلُث نباتها. ثم يأمر السماء في الثانية، فتحبِسُ ثُلُثَي نباتها. ثمَّ يأمر الله (١)\n_________\n= (حكمًا): أي حاكمًا بين الناس.\n(مقسطًا): أي عادلًا في الحكم.\n(يدق الصليب): أي يكسره بحيث لا يبقى من جنس الصليب شيء.\n(ويذبح الخنزير): أي يحرم أكله، أو يقتله بحيث لا يوجد في الأرض ليأكله أحد والحاصل أنه يبطل دين النصارى.\n(ويضع الجزية): أي لا يقبلها من أحد الكفرة، بل يدعوهم إلى الإسلام.\n(ويترك الصدقة): أي الزكاة، لكثرة الأموال.\n(فلا يسعى): قال في النهاية: أن يترك زكاتها فلا يكون لها ساع.\n(حمة): بالتخفيف السم. ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة، لأن السم منها يخرج.\n(تفر): أي تحمله على الفرار.\n(وتسلب قريش ملكها): أي: تسترده من أيدي الكفرة والظلمة، لأن المهدي من قريش.\n(كفاثور الفضة): الفاثور: الخوان. وقيل: هو طست أوجام من فضة أو ذهب.\n(القطف): العنقود. وهو اسم لكل ما يقطف كالذبح والطحن. =","vol":"2","page":1063},{"text":"(١) السماء، وفي السَّنة الثالثة، فتحبس مطرها كلَّه، فلا تقطُر قطرةٌ، ويأمر الأرض، فتحبس نباتها كلَّه، فلا تُنْبِتُ خضراءَ. فلا تبقى ذات ظِلْفٍ إلَّا هَلَكَتْ إلا ما شاء الله\". قيل: فما يُعِيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: \"التهليلُ والتكبيرُ والتسبيحُ والتحميدُ، ويُجْرِي ذلك عليهم مُجْرِي الطعام\".\nقال أبو عبد الله: سمعتُ أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعتُ عبد الرجمن المحاربي يقول: ينبغي أن يُدْفَع هذا الحديث إلى المؤدِّب، حتى يُعلمَّه الصبيان في الكتاب.\n١٠٧٦ - * روى الحاكم عن حُذَيفة بن أُسَيْدٍ ﵁، قال أبو الطفيل الليثي: كنت بالكوفة، فقيل: قد خرج الدَّجَّال! فأتينا حُذَيفة بن أسيد، فقلت: هذا الدَّجَّال قد خرج! فقال: اجلس فجلست، فنُودِيَ إنَّه كِذْبةُ صبَّاغ.\nفقال حُذَيْفة: إن الدَّجَّال لو خرج في زمانكم لرمته الصبيان بالخَذَف، ولكنه يخرج في نقصٍ من الناس، وخِفَّةٍ من الدّين، وسوء ذات بَيْنٍ، فيَرِدُ كلُّ مَنْهَلٍ، وتُطْوَى له الأرض طيّ فَرْوَة الكبش حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها، ويُمنَع داخلها، ثم جبلَ إيلياء فيُحاصِر عصابة من المسلمين.\nفيقول لهم الذي عليهم: ما تَنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تَلْحقوا بالله أو يُفْتَحَ\n_________\n= (فلا تقطر قطرة): في المصباح؛ يتعدَّى ولا يتعدَّى. هذا قول الأصمعي. وقال أبو زيد: لا يتعدَّى بنفسه. بل بالألف.\n(الظلف): في المنجد: هو لما اجترَّ من الحيوانات كالبقرة والظبي، بمنزلة الحافر للفرس.\n١٠٧٦ - المستدرك (٤/ ٢٥٩، ٥٣٠). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وأقرَّه الذهبي. والحديث موقوف لفظًا، مرفوع حُكمًا.\nقال الشيخ عبد الفتاح.\n(كذبة صبَّاغ) أي كذبة كذَّاب. وأطلقوا لفظ الصبَّاغ على الكذَّاب لأنَّه يصبُغُ الحديث، أي يُلوِّنه ويُغَيِره كما يفعل الصبَّاغ بالثياب.\n(الحذف): صغار الحصى.\n(وسوء ذات بَيْنٍ): اي يخرج والعداوات متأجِّجة بين الناس: الأقارب والأباعد.\n(مَنْهَل): المنهل: مَوْرِدُ الماء الذي يُشرَب منه.\n(فروة الكبش): أي جِلْد الكبش من الغنم. وهنا كناية عن سرعة سَيْره في قطع المسافات.\n(إيلياء): بيت لمقدس. ويعني بجبلها: جبل الطَّور. =","vol":"2","page":1064},{"text":"لكم؟ فيأتمرون أن يقتلوه إذا أصبحوا، فيُصبِحون ومعهم عيسى ابن مريم، فيَقتل الدَّجَّال ويهزِم أصحابه. حتى أن الشَّجر والحجر والمَدَر يقول: يا مؤمن هذا يهودي عندي فاقتله.\nقال: وفيه ثلاثُ علامات، هو أعور، وربُّكم ليس بأعور. ومكتوبٌ بين عينيه: (كافر)، يقرأُه كلُّ مؤمنٍ أُمِّي وكاتبٍ ولا يثسخَّر له من المطايا إلا الحمار، فهو رِجسٌ على رجسٍ.\nثمَّ قال: أنا لغير الدَّجَّال أخوف ُ عليَّ وعليكم! فقلنا: ما هو؟ قال: فِتَن كأنَّها قِطَع الليل المظلِم. قال: فقلنا: أي الناس فيها خير؟ قال: كلُّ غنيّ خفي. قال: فقلتُ: ما أنا بالغني ولا بالخفي، قال: فكن كابنِ اللَّبُون: لا ظَهْر فيركب، ولا ضَرْعَ فيُحْلَب.\n١٠٧٧ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁، ذُكِر عنده الدَّجَّال فقال: يفترق على الناسُ عند خُروجه ثلاثَ فِرقٍ: فِرقة تتبعه، وفِرقة تلْحَق بأرض آبائِها بمنابتِ الشِّيح، وفِرقة تأخذُ شطَّ الفُرات فيُقاتِلُهم ويُقاتِلُونه حتى يَجتمع المؤمنون بقُرى الشَّام، فيَبعثون إليه طلِيعة فيهم فارسٌ على فرسٍ أشقر أو أبلق، فيُقتلُون لا يرجع منهم أحدٌ. ثم إن المسيح ﵇ ينزل فيقتله.\n_________\n= (فهو رجس على رجس): أي فهو قذر على قذر.\n(خطيب مِصقع): أي كلُّ خطيب بليغ اللسان. ويريد به الخطيب البليغ الذي يُخْدَع ببلاغته وفصاحته العقول والألباب، فيريها الباطل حقًّا والحقُّ باطلًا\n(راكب مُوضِع): أي مُسْرِع. ويريد به من يَخفُّ ويُسرِع في الفتنة ونُصرة الباطل وتأييذ دُعاته.\n(كل غني خفي): أي كل غني النفس معتزل عن الناس، مُختفٍ عليهم مكانه منقطع إلى العبادة والشغل بأمور نفسه أيام الفتن والأهواء.\n(اللبون): الناقة ذات اللبن تُرضِعه ولدها. وابن اللَّبون هو ولدها الصغير الذي مايزال يرضع لبن أمه. فهو لضِغره لا يُمكِن أن يُركَب عليه لقتال ونحوه. ولا أن يكون فيه لبنٌ ليُحلَب فيُتضغَذَّى بلبنه. فيبقى بعيدأ عن أن يُستعان به في أمرٍ من أمور الفتنة. أهـ. من التصريح بما تواتر في نزول المسيح.\n١٠٧٧ - المستدرك (٤/ ٤٩٦ - ٤٩٨). وقال: صحيح على شرط الشيْخَين.\nولم يتكلَّم عليه الذهبي بشيء سوى أنه من رواية أبي الزغراء عبد الله بن هانئ. انتهى. ولا شمَّ أن أبا الزعراء ثِقة، كما صرَّح به ف \"التهذيب\" وغيره، فعدم، فَعدم تخريجهما عنه لا يضُّر بصحَّة الحديث.\nقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: =","vol":"2","page":1065},{"text":"ثم يخرج يأجوج ومأجوج فيموجون في الأرض فيفسدون فيها، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (١). ثمّ يبعث الله عليهم دابَّة مثل النَّغف، فتدخل في أسماعهم ومناخِرهم فيموتون منها، فتُنتن الأرض منها، فيَجأُ أهلُ الأرض إلى الله، فيرسلُ الله ماءً فيُطهِّر الأرض منهم، ثم يبعث الله ريحًا فيها زمهريرُ باردة، فلا تَدَعُ على وجه الأرض مؤمنًا إلا كفأته تلك الريح. ثم تقوم الساعةُ على شِرارِ الناس.\nثم يقوم ملك الصُّور بين السَّماء والأرض، فينفُخ فيه فلا يَبقى خلق لله في السماوات والأرض إلا مات إلا من شاء ربك. ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم خلق إلا وفي الأرض منه شيء. ثمَّ يرسل الله ماءً من تحتِ العرش كَمِنيَ الرِّجال، فتنبتُ جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء، كما تنبُتُ الأرض من الرَّي، ثمَّ قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٢).\nثم يقوم ملك بالصور بين السَّماء والأرض، فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه، فيقومون فيجبون تجبِيَة رجلٍ واحدٍ قيامًا لربِّ العالمين. ثم يتمثَّل الله تعالى للخلق فيلقاهم، فليس أحدٌ من الخلق يعبد من دون الله شيئًاإلا وهو مرفوع له يتبعه.\n_________\n=تعليق الذهبي على هذا كلام الحاكم إنما علَّقه على سياقة الحاكم هذه في كتاب الأهوال من \"المستدرك\" ٤: ٥٩٨ - ٦٠٠، ولكن الحاكم ساقه قبل ذلك في موضعين من كتاب الفِتَن، ومن طريق أبي الزَّغراء أيضًا، مطولًا كسياقة كتاب الأهوال في ٤: ٤٩٦ - ٤٩٨. ومختصرًا في ٤: ٥٥٦. وقال في كلا الموضعين: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\". وأقرَّه الذهبي فرمز إلى أنه على شرطهما، فكان الذهبي جَنْح في هذين الموطنين إلى إقرار الحاكم ذهابًا منه إلى أن أبا الزغراءثقة فهو على شرطهما من حيث كونه ثقة وإن لم يُخرجا له.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ١١: ٣٢٠ بعد ذكره طرفًا من الحديث في رواية البيهقي من طريق أبي الزغراء: ورواتُه ثقات إلا أنَّه موقوف\" أهـ (التصريح).\nوالمعجم الكبير (٩/ ٤١٣ - ٤١٦).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٨ - ٢٣٠). وقال: رواه الطبراني وهو موقوف مخالف للحديث الصحيح وقول النبي ﷺ: \"أنا أوَّل شافع\".\nورواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في \"البعث والنشور\"؛ الدُّر المنثور- نفسير سورة القلم (٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨)\n(١) الأنبياء: ٩٦.\n(٢) فاطر: ٩.","vol":"2","page":1066},{"text":"فيلقى اليهود فيقول: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد عُزيرًا، فيقول: هل يسرُّكم الماء؟ فيقولون نعم، فيُريهم جهنَّم كهيئةِ السَّراب، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ (١).\nثم يلقي النصارى فيقول: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيح، فيقول: هل يسرُّكم الماء؟ فيقولون نعم، فيُريهم جهنَّم كهيئةِ السَّراب.\nثم كذلك كلُّ من كان يعبد من دون الله شيئًا، ثمَّ قرأ عبد الله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (٢).\nثم يتمثَّل الله تعالى للخلق حتى يبقى المسلمون فيلقاهم، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبدُ الله ولا نُشرِك به شيئًا، فينْتَهِرهم مرتين أو ثلاثًا فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبدُ الله ولا نُشرِك به شيئًا، فيقول هل تعرفون ربَّكم؟ فيقولون: سبحانه إذ تعرَّف لنا عرفناه، فعند ذلك يُكْشَفً عن ساق، فلا يبقى مؤمنٌ إلا خرّ لله ساجدًا ويبقى المنافقون ظُهورهم طبقٌ واحد، كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربَّنا! قد كنتم تُدعَون إلى السجود وأنتم سالمون.\nثمَّ يأمر الله سبحانه بالصراط، فيُضرَب على جهنَّم، فيمرُّ الناس بقدر أعمالهم زُمرًا أوائلهم كلمحِ البرق، ثمَّ كمرِّ الريح، ثمَّ كمرِّ الطير، ثمَّ كأسرع البهائم، ثم كذلك حتى يمرُّ الرَّجل سعيًا، حتى يمرُّ الرجل مشيًا حتى يجيء آخرهم رجلٌ يتلبَّط على بطنه، فيقول، يا رب لمَ أبطأتَ بي؟ فيقول: لم أُبطِئ بك، إنَّما أبطأبك عملك!\nثم يأذن الله تعالى في الشفاعة، فيكون أوَّل شافع روح القُدُس جبريل، ثمّ إبراهيم خليل الله، ثم موسى، أو قال: عيسى، ثمَّ يقوم نبيكم رابعًا، لا يشفع أحدٌ بعده فيما يشفع فيه وهو المقام المحمود الذي وعده الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٣).\nفليس من نفسٍ إلا وهي تنظر إلى بيتٍ في الجنَّة، وبيتٍ في النَّار، وهو يوم الحسرة!\n_________\n(١) الكهف: ١٠٠.\n(٢) الصافات: ٢٤.\n(٣) الإسراء: ٧٩.","vol":"2","page":1067},{"text":"فيُرى أهل النار البيت الذي في الجنَّة فيقال: لو عملتم؟! فتأخذهم الحسرة! ويرى أهل الجنَّة البيت الذي في النَّار فيقال: لولا أن مَنَّ الله عليكم.\nثمّ يشفع الملائكة والنبيُّون والشهداء والصالحون والمؤمنون فيُشفِّعهم الله تعالى.\nثمّ يقول الله: أنا أرحم الراحمين. فيجرخ من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق برحمته، حتى لا يترك فيها أحدًا فيه خير. ثم قرأ عبد الله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (١). فعقد عبد الله بيده أربعًا ثم قال: هل ترون من هؤلاء أحدًا فيه خير؟ لا، وما يترك فيها أحدٌ فيه خير!\nفإذا أراد الله أن لا يُخرِج منها أحدًا غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين فيُشَفَّع، فيقال له: من عرف أحدًا فليُخرِجه. فيجيء الرجل فينظر فلا يعرِف أحدًا، فيناديه الرجل فيقول: يا فلان أنا فلان. فيقول: ما أعرِفك. فعند ذلك يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (٢) فيقول عند ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٣). فإذا قال ذلك أُطبِقت عليهم فلا يُخرَج منهم أحدٌ!\nشرح الشيخ عبد الفتاح وتعليقاته:\n(الشّيح): يعني: البدية، إذ الشِّيح: نبْتٌ يخرج في البادية.\n(الطَّليعة): جماعة يتقدَّمون الجيش ليكشفوا أحوال العدو.\n(أبلق): أي فيه سواد وبياض.\n(النغف): هو دُودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم.\n(يجأرون): أي يتضرَّعون إلى الله بالدعاء.\n(الزمهرير): شِدَّة البرد، ووصْفة بالباردة نظرًا لمعناه وإشارة إلى بالغ برودته. وفي\n_________\n(١) المدثَّر: ٤٢ - ٤٦\n(٢) المؤمنون: ١٠٧.\n(٣) المؤمنون ١٠٨.","vol":"2","page":1068},{"text":"رواية للحاكم: ٤: ٥٥٦، \"زمهرير بارد\".\n(كفأته): أي أمالته ميتًا بلُطفٍ وراحة.\n(الصُّور): هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇.\nقوله: (فليس من بني آدم خلق إلا وفي الأرض منه شيء)\n(أي ليس من بني آدم مخلوقٌ إلا وفي الأرض جزءٌ منه. وهذا الجزء كما قال سفيان الثوري: (عَجْبُ الذنب) كما في (تذكرة القرطبي) و(مختصرها) للشعراني ص ٤٠. وعَجْب الذّنب- ويقال: عجم الذَّنب بالميم-: هو عظم لطيف كحبَّة الخردل في أصل الصُّلب، وهو رأس العُصْعُص بين الأليتين، وهو مكان الذَنَب من الحيوانات ذوات الأربع، كما قاله الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) ٨: ٤٢٤.\nقد روى البخاري ٨: ٤٢٤، ومسلم ١٨: ٩٢ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كل ابن آدم يأكله التُّراب إلا عَجْب الذَّنْب، ومنه خُلِق، ومنه يُرَكَّب الخلق يوم القيامة\".\nقال الحافظ ابن حجر: \"قال الشيخ ابن عقيل الحنبلي: لله ﷿ في هذ سرٌّ لا نعلمه، لأنّ من يُظهر الوجود من العدَم لا يحتاج إلى شيءٍ يبني عليه\". انتهى.\n(كمني الرجال): أي من حيثُ شكله وصورته، لا من حيث الحقيقة. ويُقال لذلك الماء: ماءُ الحياة، مطر الحياة.\n(جسمانهم ولحمانهم): أي أجسادهم ولحومهم.\n(من الرَّي): أي من ارتوائها بالماء. وفي رواية \"من الثَّرى\" أي التُّراب النديّ.\n(فيجيبون): أي يضعون أيديهم على رُكبَهُم وهم قائمون. كما في \"النهاية\".\n(يتمثَّل الله تعالى للخلق): أي يتجلَّى لهم سبحانه.\n(السَّراب): ما تراه في شدَّة الحر على وجه الأرض كالماء.","vol":"2","page":1069},{"text":"تعليقاُ على قوله: (من كان يعبد من دون الله شيئاُ):\n\"وفي حديث أبي هريرة عند البخاري ١٣: ٣٥٧ ومسلم ٣: ١٨ قوله ﷺ: \"يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبُد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمسُ الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمرُ القمرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيتُ الطواغيتَ، وتبقى هذه الأمَّة فيها شافعوها\".\nوفي حديث أبي سعيد الخدري ١٣: ٣٥٨ ومسلم ٣: ٢٦ قوله ﷺ: \"ثم ينادي منادٍ: ليذهب كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع ألهتم، فلا يَبقى أحدٌ كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النَّار\".\n(إذا تعرَّف لنا عرفناه):\n\"أي إذا ظهر لنا على وجه لا يشبه المخلوقين، في مُلكٍ لا ينبغي لغيره، وعظَمةٍ لا تشبه شيئًا من مخلوقاته: عرفناه أنه ربَّنَا سبحانه فيتجلَّى لهم سبحانه، فإذا تجلَّى فلا يبقى مؤمنًا إلآ خرَّ له ساجدًا\".\nتعليقًا على قوله: (فيكشف عن ساق):\n\"وفي صحيح مسلم\" ٣: ٢٧ - ٢٨ من حديث أبي سعيد الخدري قوله ﷺ:: \"فيُكشَف عن ساقٍ، فلا يبقى من كان يسجُد لله من تلقاء نفسه إلا أَذِنَ الله له بالسجود- أي سهَّل له وهوَّن عليه- ولا يبقى من كان يسجُد اتقاءً ورِياءً إلا جعل الله ظهره طبقةً واحدةً، كلَّما أراد أن يسجُدَ خرَّ على قفاه\".\n(السفافيد): هي جمع سفُّود، وهو الحديدة التي يُشْوى فيها اللحم.\n(يأمر الله سبحانه بالصراط): أي يأمر الله سبحانه أن يُضرَب الجِسر على جهنَّم ليعبر","vol":"2","page":1070},{"text":"المؤمنون عليه إلى الجنَّة. وفي حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري ١٣: ٣٥٩ ومسلم ٣: ٢٩ قلنا: يا رسول الله وكما الجسر! قال: \"\"٠ مَدْحضة مَزَلَّة- أي تَزْلق عليه الأقدام وتزِلُّ- عليه خطاطيف وكلاليب وحسك- شوكٌ صُلبٌ من حديد- لها شوكة عقيفة- ملتوية- فيمرّ المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مسلمٌ، ومخدوشٌ مرسَلٌ- أي مطلق من العذاب بعد أن أصابه- ومكدوس- مدفوع مصروع- في نار جهنَّم\".\n(زمرًا): أي جماعات.\n(سعيًا): أي ركضًا.\n(يتلبط): أي يتقلَّب على بطنه.\nتعليقًا على قوله: (ثمَّ يقوم نبيُّكم رابعًا):\nقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ١١: ٣١٩ عقب حديث ابن مسعود: وهذا الحديث لم يُصرَّح برفعه، وقد ضعّفه البخاري وقال: المشهور قوله ﷺ: \"أنا أوَّل شافع\". ثمّ قال الحافظ ابن حجر: وعلى تقدير ثبوته فليس من طُرُقه التصريح بأنَّه المقام المحمود. انتهى.\nقلت: في السياقة المذكورة التصريحُ بذكر المقام المحمود، فالحق ما قاله الإمام البخاري والحافظ الهيثمي.\nتعليقًا على قوله: (فيُرى أهل النار البيت الذي في الجنَّة ... ويُرى أهل الجنَّة البيت الذي في النار):\nعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل أحدٌ الجنَّة إلا أُرِيَ مقعده في النار- لو أساء* ليزداد شكرًا. ولا يدخل أحد النار أحدٌ إلا أُرِيَ مقعده في الجنَّة-","vol":"2","page":1071},{"text":"لو أحسن- ليكون عليه حسرة\" رواه البخاري ١١: ٣٨٤.\n(فيه خير): أي إيمان ولو كحبَّة خردل. يعني يُخرِج الله من النار- بعد خروج الذين عُذِّبوا فيها من المؤمنين بشفاعة الأنبياء والملائكة والصالحين ... - كلُّ من كان في قلبه إيمان بالله ولو كحبَّة خردل، ولكن بعد أن يُصيبَه من عذاب جهنَّم ما يُصيبه! اهـ.\n(التصريح بما تواتر في نزول المسيح).\nأقول:\nرأينا ملاحظة ابن حجر على بعض ما وَرَدَ في حديث ابن مسعود الأخير وموافقة الشيخ عبد الفتَّاح له، والحديث بشكل عام يعرض علينا مشاهد مما يكون قبل يوم القيامة ومما يكون بعدها، وكثير من مشاهده تحتاج إلى وضعها في الإطار الكلِّي لما يكون بين يدي الساعة وما بعدها، وقد مرَّ معنا وسيمرُّ معنا ما يوضِّح هذا الإطار الكلِّي، ونعرف محل كل جزء من الحديث بالنسبة للإطار الكلِّي.\nوالمشهور عند لعلماء أنَّ المقام المحمود هو الشَّفاعة لفصل الخطاب ثمَّ الشفاعة لعبور الصراط، ثمَّ الشفاعة لدخول الحنَّة، والحديث وصف المقام المحمود بغير ذلك، وهو محمول على مقام محمود لرسول الله ﷺ عامَّةً وليس المراد به المقام المحمود المخصوص بالذِّكر في النصوص، ولا مانع أن تكون هناك شفاعة من الشفاعات يكون البادئ فيها جبريل ﵇ ويكون رسولنا ﵊ هو الرابع، وهذه غير الشفاعة التي يكون فيها رسولنا ﵊ هو أوَّل الشافعين.","vol":"2","page":1072},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>فوائد ومسائل</span>\n(١)\nقال ابن كثير في كتابه (النهاية في الفِتَن والملاحِم):\nقد سأل سائل سؤالا فقال:\nما الحكمة في أن الدجَّال مع كثرة شرِّه وفجوره وانتشار أمره ودعواه الربوبيَّة وهو في ذلك ظاهر الكذب والإفتراء وقد حذِّر منه جميع الأنبياء لم يُذكَر في القرآن ويُحذَّر منه ويُصرَّح باسمه ويُنَوَّه بكذبه وعناده؟\nوالجواب: من وجوه، أحدها: أنه قد أُشِير إلى ذكره في قوله تعالى:\n﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١) الاية.\nقال أبو عيسى الترمذي (٢) عند تفسيرها: حدَّثنا عبد بن حميد حدَّثنا يعلي بن عُبيد عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هُريرة عن النبي ﷺ قال:\n\"ثلاثٌ إذا خرجنَ لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: الدَّجَّال والدَّابة وطلوع الشمس من المغرب أو من مغاربها\".\nثم قال: هذا حديث حسن صحيح.\nالثاني: أن عيسى ابن مريم ينزل من السماء الدنيا كما تقدَّم وكما سيأتي وقد ذُكِر في القرآن نزوله في قوله تعالى:\n﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا\n_________\n(١) الأنعام: ١٥٨\n(٢) الترمذي (٥/ ٢٦٤) ٤٨ - كتاب التفسير، ٧ - باب \"ومن سورة الأنعام\".","vol":"2","page":1073},{"text":"لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١).\nوقد قرَّرنا في التفسير أن الضمير في قوله قبل موته عائد على عيسى أي سينزل إلى الأرض ويؤمن به أهل الكتاب الذين اختلفوا فيه اختلافًا متباينًا؛ فمِن مُدَّعي الإلهيَّة كالنصارى، ومن قائل فيه قولًا عظيمًا وهو أنه وُلِدَ رِيبَةً وهم اليهود، فإذا نزل قبل يوم القيامة تحقَّق كل من الفريقين كذب نفسه فيما يدَّعيه من الافتراء ...\nوعلى هذا فيكون ذِكر نزول المسيح عيسى ابن مريم إشارة إلى المسيح الدَّجال شيخ الضلال وهو ضد مسيح الهدى ومن عادة العرب أنها تكتفي بِذِكر أحد الضدَّيْن عن ذكر الآخر كما هو مقرر في موضعه.\nالثالث: أنه لم يُذكر اسمه في القرآن احتقارًا له حيث يدَّعي الإلهيَّة وهو ليس ينافي حالة جلال الرّب وعظَمَته وكبريائه وتنزيهه عن النقص فكان أمره عند الرَّب أحقر من أن يُذكر وأصغر وأدخر من أن يُحكى عن أمر دعواه ويحذِّر؛ ولكن انتصر الرُّسل بجناب الرَّب ﷿ فكشفوا لأمَمِهم عن أمره وحذَّروهم ما معه من الفتن المُضِلَّة والخوارق المضمحلَّة فاكتُفِيَ بإخبار الأنبياء، وتواتر ذلك عن سيد ولد آدم إمام الأتقياء عن أن يذكر أمره الحقير بالنسبة إلى جلال الله في القرآن العظيم، ووكَّلَ بيان أمره إلى كل نبيٍّ كريم. أ. هـ.\n(النهاية).\n(٢)\nمرَّ معنا حديث المغيرة بن شُعبة والذي فيه عن الدَّجَّال: \"وهو أهون على الله من ذلك\". وقد علَّق ابن كثير في النهاية على هذا الحديث فذكر رواية مسلم، وذكر أنَّ البخاري رواه أيضًا، ومن كلامه:\nعن المغيرة بن شُعبة قال ما سأل أحد النبي ﷺ عن الدَّجَّال أكثر مما سألته، قال وما سؤالك؟ قال: إنهم يقولون: إن معه جبالًا من خبزٍ ولحمٍ ونهرًا من ماء؟ قال:\n\"هو أهون على الله من ذلك\".\n_________\n(١) النساء ١٥٧ - ١٥٩.","vol":"2","page":1074},{"text":"وقد تقدَّم حديث حُذَيْفة وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد وإنما ذلك في رأي العين، وقد تمسَّك بهذا الحديث طائفة من العلماء كابن حزم والطحاوي وغيرهما في أنّ الدَّجَّال ممخرق مموِّه لا حقيقة لما يُبْدِي للناس من الأمور التي تُشَاهَد في زمانه بل كلها خيالات ضد هؤلاء.\nوالذي يظهر من الأحاديث المتقدمة أن الدَّجَّال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق لمشاهدة في زمانه كما تقدَّم أن من استجاب له يأمر السماء لتمطرهم والأرض فتنبت لهم زرعًا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم وترجع إليهم سٍمانًا ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره تصيبهم السنة والجدب والقحط والعلَّة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات. وأنَّه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل. ويقتل ذلك الشاب ثم/َّ يُحييه. وهذا كله ليس بمخرقة بل له حقيقة امتحن الله به عباده في ذلك الزمان فيُضِلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا، يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا. وقد حمل القاضي عياض وغيره على هذا المعنى معنى الحديث:\n\"هو أهون على الله من ذلك\".\nأي هو أقل من أن يكون معه ما يُضِلُّ به عباده المؤمنين. وما ذاك إلا لأنه ظاهر النقص والفجور والظُّلم، وإن كان معه ما معه من الخوارق. أهـ (النهاية).\n(٣)\nقال الشيخ عبد الفتَّاح أبو غدة:\nوقد بيَّن سيدنا رسول الله ﷺ اوصاف هذا الدَّجَّال وأحواله وأفعاله ونهايته أوفى بيان، ...\nوإليك بعض أحواله كما ذكره الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ١٣: ٨٦ و٨٩ - ٩٠ مما رواه- خاصَّةً- الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري ﵁، قال: إنَّ النبي ﷺ قال:\n\"إنَّه يهودي، وإنَّه لا يُولد له ولد، وإنَّه لا يدخل المدينة ولا مكَّة\". رواه","vol":"2","page":1075},{"text":"مسلم في \"صحيحه\" ١٨: ٥٠، \"وإنَّ عينه اليمنى عوراءُ، جاحظة، لا تخفى، كأنها نُخاعة- أي نُخامة- في حائط مُجَصَّص، عينه اليسرى كأنها كوكبٌ دُرِيٌ- يعني شدَّة اتقادها- معه من كل لسان، ومعه صورة الجنَّة خضراء تجي فيها الماء، وصورة النار سوداء\". رواه أحمد في \"مسنده\" ٣: ٧٩، \"وبين يديه رَجُلان يُنذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية دخل أوائله\" رواه أبو يعلي والبزَّار.\nوذكر الحافظ ابن حجر موطن خروجه فقال في \"فتح الباري\" أيضًا ١٣: ٧٩: وسيكون خروجه مِن قِبَل المشرق جزمًا، ثمَّ جاء في رواية أنه يخرج من خُراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي رواية أخرى أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم. ويخرج أولًا فيدَّعي الإيمان والصلاح، ثم يدَّعي النُّبُوَّة، ثمَّ يدعي الإلهيَّة!.\nثم قال الحافظ رحمه الله تعالى في \"فتح الباري\" ١٣: ٩١ - ٩٣ \"قال الخَطَّابي: فإن قيل كيف يجوز أن يُجرِي الله الآية على يد الكافر؟ فإنَّ إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء، فكيف ينالها الدَّجَّال وهو كذاب مُفْترٍ يدَّعي الربوبيَّة؟ \"\nفالجواب: أنه على سبيل الفتنة للعباد، إذ كان عندهم ما يدُلُّ على أنه مُبْطِل غير محقٍّ في دعواه، وهو أنه أعور، مكتوب على جبهته: كافر، يقرأه كل مسلم. فدعواه داحضة مع وسم الكفر، ونقص الذات والقَدْر، إذ لو كان إلهًا لأزال ذلك عن وجهه وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة، فلا يشتبِهان\"\nثمّ قال الحافظ ابن حجر بعد كلام الخطابي هذا: وفي الدَّجَّال دلالةٌ بيِّنةٌ- لمن عقِلَ- على كذبه، لأنه ذو أجزاءٍ مؤلفة، وتأثير الصَّنعة فيه ظاهر، مع ظهور الآفة به من عور عينيهِ، -أي عيبهما- فإذا دعدا الناس إلى أنَّه ربهم، فأسواء حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنه لم يكن ليُسَوِّي خلق غيره ويُعدِّلَه ويُحسِّنه ولا يدفع النقص عن نفسه. فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنه خالق السماء والأرض، صوِّر نفسك وعدِّلها، وأزل عنها العاهة! فإن زعمت أن الرَّب لا يُحدِث في نفسه شيئًا فأزِل ما هو مكتوبٌ بين عينيك!\nثم قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقال القاضي عِيَاض: في هذه الأحاديث حُجَّة لأهلِ","vol":"2","page":1076},{"text":"الشُّنَّة في صحَّة وجود الدجَّال، وأنَّه شخص معيَّن، يبتلي الله به العباد، ويُقدِره على أشياء كإحياء الميت الذي يقتله، وظهور الخِصب، والأنهار، والجنَّة والنَّار، واتِّباع كنوز الأرض له فتُنبِت، وكل ذلك بمشيئة الله تعالى، ثم يُعجِزَه الله فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ثم يُبطِل أمره، ويقتله عيسى ابن مريم ﵊.\nوقال الشيخ أبو بكر بن العربي: الذي يظهر على يد الدَّجَّال من الآيات: من إنزال المطر والخِصب على من يُصدِّقه، والجدب على من يكذِّبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنَّةٍ ونار، ومياه تجري، كل ذلك مِحْنة من الله واختبار، ليهلك المرتاب وينجو المتيقِّن، وكل ذلك أمر مُخوِّف، ولهذا قال ﷺ: \"لا فِتنة أعظم مِن فِتنة الدَّجَّال، وكان ﷺ يستعيذُ منها في صلاته تشريعًا لأمته ﷺ\".\nوقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في \"شرح صحيح مسلم\" ١٨: ٥٨ - ٥٩، بعد ذِكر أحاديث الدَّجَّال ... [وبعد ذِكر كلام القاضي عِياض السابق ذكره]:\nهذا مذهب أهل السُّنَّة والجماعة وجميع المحدِّثين والفقهاء والنُّظَّار خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهْميَّة وبعض المعتزلة .. أهـ (التصريح).\nأقول:\nوقد ذهب بعض أهل العصر إلى مقولة لم يقلها أحد من قبل، فأّوَّل أحاديث الدجَّال بأن المراد بها الحضارة الغربيَّة لأنَّها حضارة عوراء وهو تأويل يكفر به من يعتقد أن النصوص لا تحتمل ذلك بحال من الأحوال، وهي نصوص متواترة والإجماع منعقد على أنها تصف شخصًا بعينه، وهناك فارق بين ما يحتمل التأويل وبين ما لا يحتمله، وهذا الفارق لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، فإذا تنطَّع له من ليس مظنة العلم والاستقامة ضلَّ وأضَلَّ.\nوهل الفِرَق الباطنية المجمع على كفرها إلا أصحاب التأويل الفاسد الذي يُخرِج قطعيات الشريعة إلى معانٍ أخرى؟!","vol":"2","page":1077},{"text":"(٤)\nقال الشيخ عبد الفتَّاح تعليقًا على قوله ﵊: \"يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة .. \":\n(وقال العلامة ابن ملك: \"وهذا القول في تفسير امتداد الأيام الثلاثة جارٍ على حقيقته، لا امتناع فيه، لأن الله قادرٌ على أن يزيد كل جزء من أجزاء اليوم الأوَّل حتى يصير مقدار سنة، خارقًا للعادة، كما يزيد في أجزاء ساعة من ساعات اليوم\".\nوقال العلامة علي القاري في \"المرقاة شرح المشكاة\" ٥: ١٩٥ بعد نقله كلام ابن ملكٍ المذكور: وهذا القول الذي قررهُ لا يفيد إلا بسط الزمان كما وقع له ﷺ في قصَّة الإسراء مع زيادةٍ على المكان.\nلكن لا يخفى أن كلِّ صلاة إنما هو وقتها المقدَّر من طلوع صبح، وزوال شمس، وغروبها، وغيبوبة شفقها، وهذا لا يُتَصوَّر إلا بتحقُّق تعدُّد الأيَّام والليالي على وجه الحقيقة، وهو مفقود.\nفنقول- وبالله التوفيق ومنه المعونة في التحقيق- قد تبيَّن لنا بإخبار الصادق المصدوق صلوات الله تعالى وسلامه عليه أنَّ الدَّجَّال يبعث معه من المشبهات ويفيض على يديه من التمويهات. ما يسلب عن ذوي العقول عقولهم، ويخطف من ذوي الأبصار أبصارهم، فمن ذلك تسخير الشياطين له، ومجيئه بجنَّة ونار، وإحياء الميت على ما يدَّعيه، وتقويته على من يُريد إضلاله تارةٌ بالمطر والعُشب، وتارةٌ بالأزمة والجدب.\nثم لا خفاء أنه أسحر الناس، فلم يستقم لنا تأويل هذا القول إلا أن نقول: إنه يأخذ بأسماع الناس وأبصارهم، حتى يُخَيَّل إليهم أن الزمان قد استمرَّ على حالةٍ واحدة: إسفارٌ بلا ظلام، وصباحٌ بلا مساء، يحسبون أن الليل لا يمدُّ عليهم رِواقه، وأن الشمس لا تطوي عنهم ضياءها، فيبقون في حيرة والتباس من امتداد الزمان، ويدخل عليهم دواخل باختفاء الآيت الظاهرة في اختلاف الليل والنهار، فأمرهم ﷺ أن يجتهدوا عند مصادمة تلك الأحوال، ويُقدِّروا لكل صلاةٍ قدرها، إلى أن يكشف الله عنهم تلك الغُمَّة. هذا الذي اهتدينا إليه من","vol":"2","page":1078},{"text":"التأويل، والله الموفق لإصابة الحق وهو حسبنا ونعم الوكيل. انتهى) أهـ (التصريح).\nأقول:\nالذي ذهبت إليه أثناء العرض للنصوص أن اليوم الأول كَسَنة في الشِّدة واليوم الثاني كشهر في الشِّدة واليوم الثالث كأسبوع في الشِّدة، وبكلام فضيلة الشيخ عبد الفتاح أصبح أمامك اتجاهان يمكن أن يحمل عليهنا النص، ولا يبعد أن يكون هناك سبب وراء ذلك الطول في تلك الأيام، فالذي دعانا إلى حمل هذه النصوص على غير ظاهرها نصوص أخرى من ناحية، ومن ناحية أخرى أن بقاء يوم مستمر سنة كاملة قبل طلوع الشمس من مغربها لا يُستغرَب معه أن تطلع الشمس من مغربها بعد ذلك، مع أن الشارع رتب على هذه القضية ما رتَّب، ثم إذ لم تكن المسألة محمولة على شيءٍ ما لا نستطيع تصوره فإن اليوم الذي كسنة في حق بعض الناس سيكون منيرًا في حقهم مظلمًا بحق ناس آخرين بسبب كروية الأرض، فهذه الأشياء وأمثالها دعت إلى التأويل أو إلى التفسير مع احتمال أن يكون للمسألة سرها الذي يُعَرَّف في إبانه، ولذلك فمع أننا ذهبنا إلى ما ذهبنا إليه ونقلنا ما نقلناه فإننا نرجِّح التسليم خاصةً وسياق النصوص ليس صالح للتأويل.\n(٥)\nتعليقًا على قوله ﵊: \"وآخر أيامه كالشررة\". الوارد في حديث ابن ماجه عن أبي أمامة قال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله:\nهذا يخالف ما تقدَّم في حديث النوَّاس بن سمعان، فقد جاء فيه أن إقامة الدجَّال في الأرض: \"أربعون يومًا، يومٌ كَسَنة، ويومٌ كشهر، ويومٌ كجمعة، وسئر أيامه كأيامكم\". وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد كما تقدَّم. وحديث أبي أُمامة هذا- على صحته- في سنده مقال فيُقدَّم عليه الحديث الصحيح الذي لا كلام في سنده.\nوالظاهر أن ما وقع في هذا الحديث من مغايرة للحديث الصحيح في مُدَّة ُمُكْثِ الدَّجَّال في الأرض: إنما هو من اشتباه بعض الرُّوَاة وتصرفاتهم، كما قرَّره المؤلِّف الإمام الكشميري","vol":"2","page":1079},{"text":"رحمه الله تعالى في قاعدةله تراها في كتابه \"فيض الباري على صحيح البخاري\" (٤: ٤٤ - ٤٧).\nوبعد ما استظهرتُ هذا الاستظهار رأيتُ حديثَ أبي إمامة في \"مستدرك الحاكم\" ٤: ٥٣٦ - ٥٣٧، وقد جاء في تحديد مكث الدجال موافقًا لما جاء في \"صحيح مسلم\"، ولفظه: \"وإن أيامه أربعون، فيومٌ كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، ويوم كالأيام، وآخِرُ أيامه كالسَّراب، يُصبِح الرَّجُل عند باب المدينة فيُمسي قبل أن يبلغ بابها الآخر\". فجزمت بأن الرواية الواقعة في \"سنن ابن ماجه\" وقع فيها اشتباهٌ وتصرفٌ من بعض الرواة، كما قرَّره شيخ شيوحنا المؤلِّف إمام العصر الكشميري في قاعدته المشار إليها، فرحمةُ الله عليه ورضوانه العظيم، وجَزَى الله خير الجزاء أستاذنا العلامة المفيد الشيخ محمَّد بدر عالَم على تبسيطه قاعدة شيخه المؤلِّف الإمام الكشميري فيما علَّقه عليها.\nوعلى فرض قبول هذه الرواية مع التحديد لإقامة الدَّجَّال قال العلامة علي القاري في \"المرقاة شرح المشكاة\" ٥: ٢١١ \"ولعلَّ وجه الجمع بين الروايتين اختلاف الكميَّة والكيفيَّة، كما يُشيرُ إليه قوله: السنة كشهر. فإنه محمول على سرعة الانقضاء، كما أن ما سبق من قوله: يومٌ كسنةٍ، محمولٌ على أنَّ الشِّدَّة في غاية الاستقصاء، على أنه يمكن اختلافه باختلاف الأحوال والرِّجال. انتهى. أهـ (التصريح).\nأقول:\nما ذكره الشيخ ملا علي القاري يمكن أن نستأنس به لِما ذهبنا إليه أن اليوم الأوَّل كسنة في الشِّدَّة، وهكذا، ومن المعروف أن استغراق الإنسان في أمر ما ينسيه الوقت فلا يحس به، ولذلك كان الشعور بالوقت نسبيًَّا، فمن كان شِدَّة أحسَّ بطول الوقت ومن كان في لذَّة لم يشعر بالوقت، ومن كان مستغرقًا في أمر لم يحس بمرور الزمن، فلعلَّ المراد هو ذلك.\n(٦)\nقال الشيخ عبد الفتاح في السؤال والجواب الواردين: \"ما إسراعه في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الريح ... \":","vol":"2","page":1080},{"text":"(وفي رواية \"الدُّر المنثور\" للسيوطي ٤: ٢٣٧ \"كالغيث يشتدُّ به الريح\". والمراد بالغيث هنا: الغيم، إطلاقًا للمُسَبِّب على السبب، أي يُسرع في الأرض إسراع الغَيْم تسوقه الريح بقوَّة وعنف. وإنَّما يُسرعُ هذا الإسراع كي لا يتأمَّل الرُّعاع المغترُّون به حاله ودلائل نقصه وعيوبه، فينكشفَ لهم دَجَلَه، ويتَّضح لهم كذبه، وتبطل عندهم دعاويه الباطلة المزوَّرة) أهـ (التصريح).\n(٧)\nقال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله:\nوقد عقد العلامة السَّفَارينيُّ المتوفِّي سنة ١١٨٨ رحمه الله تعالى في شرح منظومته في العقيدة المسمَّى \"لوامع الأسرار البهيَّة\" ٢: ١٠٦ تنبيهاتٍ، وقال: التنبيه الثالث: مما ينبغي لكل عالمٍ: أن يبِثَّ أحاديث الدَّجَّال بين الأولاد والنساء والرِّجال، وقد قام الإمام ابن ماجه: سمعتُ المحاربي يقول: ينبغي أن يُدفع هذا الحديثُ يعني حديث الدَّجَّال إلى المؤدِّب حتى يعلمَّه الصبيان في الكُتَّاب. وقد وردَ أن من علامات خروجه نسيان ذكره على المنابر. وقد أخرج الإمام أحمد وابن خزيمة وأبو يعلي والحاكم عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: \"يخرج الدَّجَّال في خِفةٍ من الدين، وإدبارٍ من العلم\". فينبغي لكلِّ عالِم التذكير به ولا سيما في زماننا هذا الذي اشرأبَّت فيه الفِتَن، وكثُرَت فيه المِحَن، واندرسَت فيه معالم السُّنَن، وصارت السُّنَّة فيه كالبِدَع، والبدعةُ شرع يُتَّبَع!). أهـ (التصريح).\n(٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>الدَّجَّال في سطور</span>\nتأليف العلَّامة الشيخ محمَّد شفيع، وننقله هنا من التصريح مع شيءٍ من الحذف:\n* خروج الدَّجَّال قبل نزول عيسى ﵇:\n- يخرج الدَّجَّال من بين الشام والعراق.","vol":"2","page":1081},{"text":"* أمارات الدَّجَّال وأوصافه:\n- مكتوب بين عينيه كافر بشكل ك ف ر.\n- يكون أعور العين اليسرى.\n- بعينه اليمنى ظفرة غليظة.\n- يدور في جميع أنحاء العالم.\n- ولا يبقى على وجه الأرض موضع محفوظ من شرِّه إلا مكَّة والمدينة.\n- يحرس الملائكة أبوابهما ولا يستطيع الدَّجَّال أن يدخلهما.\n- ويقيم حيث ينتهي السبيخة من الظريب الأحمر بعدما يدفعه الملائكة من الحرمين؟\n- يأخذ أرض المدينة زلازل تُخرِج المنافقين من المدينة، ويلتحق المنافقون رجالهم ونساؤهم بالدَّجَّال.\n- يكون معه نهران يقول لأحدهما: أنه جنَّة. ولثانيهما: إنه النار. فمن أدخل الذي يسميه الجنَّة فهو النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنَّة.\n-يركب حمارًا عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا.\n-يكون معه شياطين تُكلِّم الناس.\n* أحوال الدجَّال الأكبر:\n- يأمر السحاب فيمطر.\n- وتجدب الأرض متى شاء.\n- يُبرئ الأكمه والأبرص.\n- يأمر كنوز الأرض فتخرج وتتبعه.\n- يقتل شابًا ويقطعه بالسَّيف نصفين ثمَّ يدعوه فيأتي حيًَّا ضاحكًا.","vol":"2","page":1082},{"text":"- يكون معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلي وساج.\n- يقترف الناس ثلاث فِرَق: فِرقَة تتبعه، وفِرقة تلحق آبائها، وفِرقة تقاتله على شاطئ الفرات.\n- يجتمع المسلمون بقرى الشام فيبعثون إليه طليعة.\n- يكون في هذه الطليعة فارس على فرَس أشقر أو أبلق فيقتلون ولا يرجع منهم أحد.\n- حينما ينظر الدَّجَّال إلى المسيح ﵇ يذوب كما يذوب الملح في الماء.\n- وحينئذٍ ينهزم جميع اليهود.\nأهـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).","vol":"2","page":1083},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلاَةُ وَالسّلامُ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ\nرَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ\nراجع هذا القسم ودققه\nفضيلة الشيخ\nعبد الحميد الأحدب\nحفظه الله","vol":"3","page":1090},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>الفقرة العشرون\nفي:\nصفة المسيح ابن مريم ﵇ ونزوله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>مقدمة</span>\nقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١) والتوفي هو: القبض، أي قابضك من الدنيا ورافعك إلي، وقد رفعه الله إلى السماء الثانية وهناك رآه رسول الله ﷺ ليلة الإسراء والمعراج، وقد غلط غلطًا كبيرًا من فسر الوفاة بالآية بالموت لأن ذلك يتعارض مع فكرة نزوله مرة ثانية إلى الأرض كما هو متواتر، فالمراد بالوفاة التنويم أو القبض أو أن الآية تشير إلى أنه معصوم من القتل فهو سيرفع إلى السماء ثم سينزل إلى الأرض ويتوفى وفاة لا كما زعم أنه قتل وصلب.\nقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٢). فالذي قتل رجل ألقي عليه شبهه، ومن تأمل الروايات النصرانية التي تذكر القتل والصلب يعرف أنه يستحيل أن تصدر من المسيح ﵇ التصرفات التي ظهرت من القتيل المصلوب يوم ذاك، وفي قوله تعالى: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. دليل على أن المسيح لم يمت وأنه سينزل في آخر الزمان، وأن النصارى سيؤمنون به وقتذاك.\nوقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٣). وفي قراءة: (وإنه لعلمٌ للساعة). وقد فسر أكثر العلماء الآية بأن نزول المسيح من أعلام الساعة، وجاءت النصوص المتواترة بنزوله وقد جمعت أكثر هذه النصوص في كتاب: (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) للشيخ محمد أنور الكشميري، وقد حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وأضاف إليه وعلق\n_________\n(١) آل عمران: ٥٥.\n(٢) النساء: ١٥٧ - ١٥٩.\n(٣) الزخرف: ٦١.","vol":"3","page":1091},{"text":"عليه ما زاد به الكتاب قيمة على قيمته وفضلًا على فضله، وقد ذكر في الكتاب حوالي خمسة وثمانين حديثًا عن رسول الله ﷺ وآثارًا كثيرة عن الصحابة، فنزول المسيح ﵇ قضية متواترة يكفر منكرها، وهو ﵇ ينزل حاكما بشريعة رسولنا ﵊، فلا يتناقض نزوله مع فكرة ختم النبوة، فهو ﵇ ينزل تابعًا لمحمد ﷺ، أخرج أحمد (١) عن رسول الله ﷺ: \"لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي\".\nوأحاديث نزول المسيح ﵇ مرتبطة بأحاديث ظهور الدجال وأحاديث خروج يأجوج ومأجوج وقد ذكرنا الكثير عنها في هاتين الفقرتين، ومع ذلك خصصنا هذه الفقرة لها.\n_________\n(١) مسند أحمد (٣/ ٣٨٧).","vol":"3","page":1092},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>نصوص</span>\n١٠٧٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد\".\nزاد في رواية (١): \"وحتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها\". ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ...﴾ الآية. [النساء: ١٥٦].\nوفي أخرى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \"وكيف أنتم إذ نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟ \".\nوفي رواية (٣): \"فأمكم\". وفي أخرى (٤): \"فأمكم منكم\". قال ابن أبي ذئب: تدري. ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني. قال: فأمكم بكتاب ربكم ﷿ وسنة نبيكم ﷺ.\nوفي أخرى (٥) قال: قال رسول الله ﷺ: \"والله لينزلن ابن مريم حكما عادلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد\".\n_________\n١٠٧٨ - البخاري (٤/ ٤١٤) ٣٤ - كتاب البيوع، ١٠٣ - باب قتل الخنزير ... الخ.\nمسلم (١/ ١٣٥) ١ - كتاب الإيمان، ٧١ - باب نزول عيسى ابن مريم ... الخ.\n(١) البخاري (٦/ ٤٩٠، ٤٩١) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٤٩ - باب نزول عيسى ابن مريم ... الخ.\nمسلم (١/ ١٣٥، ١٣٦) في الموضع السابق.\n(٢) البخاري (٦/ ٤٩١) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٤٩ - باب نزول عيسى ... الخ.\nمسلم (١/ ١٣٦) في الموضع السابق.\n(٣) مسلم في الموضع السابق.\n(٤) مسلم (١/ ١٣٧) في الموضع السابق.\n(٥) مسلم (١/ ١٣٦) في الموضع السابق.","vol":"3","page":1093},{"text":"وفي رواية أبي داود (١): أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس بيني وبينه\" -يعنى المسيح- \"نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، وينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفي، ويصلي عليه المسلمون\".\n(الحكم): الحاكم الذي يقضي بين الناس، والأمير الذي يلي أمورهم.\n(مقسطا): المقسط: العادل، والقاسط: الجائر.\n(فيكسر الصليب): قال الشيخ عبد الفتاح:\n\"قال الحافظ ابن حجر: أي يبطل دين النصرانية، بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه\" ا. هـ (التصريح).\n(ويقتل الخنزير): قال الشيخ عبد الفتاح:\nقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري: ٤/ ٣٤٣\": أي يأمر بإعدام الخنزير، مبالغو في تحريم أكله. وفيه توبيخ عظيم للنصارى الذين يدعون أنهم على طريقة عيسى ﵇، ثم يستحلون أكل الخنزير، ويبالغون في محبته. اهـ (التصريح).\n(وضع الجزية) هو إسقاطها عن أهل الكتاب، وإلزامهم بالإسلام، ولا يقبل منهم غيره، فذلك معنى وضعها.\n(حكمًا عادلًا): قال الشيخ عبد الفتاح:\nأي حاكمًا عادلًا. قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٦: ٣٥٦ \"والمعنى أنه ﵇ ينزل حاكمًا بهذه الشريعة، فغن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى ﵇ حاكمًا من حكام هذه الأمة. وعند الإمام أحمد من حديث عائشة: \"ويمكث\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ١١٧، ١١٨) كتاب الملاحم، باب خروج الدجال.","vol":"3","page":1094},{"text":"عيسى في الأرض أربعين سنة\". وللطبراني من حديث عبد الله بن مغفل: \"ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد على ملته\". انتهى.\nوقال القرطبي في \"التذكرة بأحوال الآخرة\" ص ٦٧٨ عند ذكره لنزول سيدنا عيسى ﵇ في آخر الزمان:\nقال العلماء ﵃: وإذا نزل عيسى ﵇ في آخر الزمان، يكون مقررا لشريعة محمد ﷺ ومجددا لها، لأنه لا نبي بعد رسول الله ﷺ يحكم بشريعة غير شريعة محمد ﷺ، لأنها آخر الشرائع، ونبيها خاتم النبيين. فيكون عيسى حكمًا مقسطًا، لأنه لا سلطان يومئذ للمسلمين، ولا إمام ولا قاضي ولا مفتي لهم، وقد قبض الله العلم وخلا الناس منه.\nفينزل وقد علم بأمر الله تعالى له في السماء قبل أن ينزل، ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة، ليحكم به بين الناس. وليعمل به في نفسه فيجتمع المؤمنون عند ذلك ويحكمونه على أنفسهم، إذ لا أحد يصلح لذلك غيره، ولأن تعطيل الحكم غير جائز، وأيضًا فإن بقاء الدنيا إنما يكون بالتكليف، فلا يزال التكليف قائمًا إلى أن لا يبقى على وجه الأرض من يقول: الله، الله. انتهى من \"مختصر تذكرة القرطبي\" للشعراني ص ١٧٩ - ١٨٠ من طبعة القاهرة سنة ١٣٠٨.\nوجاء في \"صحيح مسلم\" ١٥: ١٧٤: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى\"، إلا أنه لا نبي بعدي\".\nقال الإمام النووي في شرحه ١٥: ١٧٤ \"قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن عيسى ابن مريم ﷺ، إذا نزل في آخر الزمان نزل حكما من حكام هذه الأمة، يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ، ولا ينزل نبيا ... \" اهـ (التصريح).\n(القلاص): جمع قلوص، وهي الناقة.\n(الشحناء): العداوة.","vol":"3","page":1095},{"text":"(ممصرتين) ثوب ممصر: إذا كان فيه صفرة خفيفة يسيرة.\n(ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام):\nقال الشيخ عبد الفتاح \"يعلق على قوله: (فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام) بما يلي:\nهذا النص في الحديث، يفيد شمول طهارة الأرض من الشرك والكفر، وانبساط الإسلام عليها، وهو يخالف ما ذهب إليه المؤلف الكشميري في كتابه \"فيض الباري\" ٣: ١٩٥، وأنقله لينظر فيه.\nقال رحمه الله تعالى: \"ما اشتهر على الألسنة أن دين الإسلام يبسط في زمن عيسى ﵊ على البسيطة كلها، ليس في الأحاديث، والذي فيها أنه لا يقبل اليهودية والنصرانية بعد نزوله، فينقذ نفسه من أسلم، ويقتل من أبى. وهذا أيضا حيث يغزو نبي الله عيسى ﵊.\nوملخص الأحاديث: أن اليوم تجري الأديان الثلاثة، فإذا نزل عيسى ﵊ لا يقبل إلا الإسلام، وحينئذ يكون الدين كله لله.\nفهذا بيان للمسألة، لا إخبار بما يكون في الخارج، فيجوز أن يبقى الكفر والكفار أيضًا، لكن إن يبلغ إليهم عيسى ﵊، لا يقبل منهم إلا دين الإسلام، لا الجزية، كما هو اليوم.\nويستفاد من الأحاديث أن الغلبة المعهودة، إنما تكون في الشام ونواحيه، حيث ينزل عيسى ﵊، وفساد يأجوج ومأجوج في هذه الأطراف، والجزيرة طبرية: أيضا نحو الشام.\nوبالجملة: لم نجد في حديث أن عيسى ﵊ أيضًا يدور في الأرض كدور الدجال، فلا تكون غلبة موعودة إلا في موضع نزوله، أما سائر البلاد فمسكوت عنها، والله تعالى أعلم بما يكون فيها. انتهى.","vol":"3","page":1096},{"text":"وقال المؤلف الكشميري أيضًا في كتابه \"فيض الباري\" ١: ١٧٢، عند حديث \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون\": \"أي لا يخلو زمان إلا وتوجد فيه تلك الطائفة القائمة على الحق، لا أنهم يكثرون في كل زمان، ولا أنهم يغلبون على من سواهم، كما سبق إلى بعض الأفهام.\nحتى أن غلبة الدين في زمن عيسى ﵊ عندي ليس كما اشتهر على الألسنة، بل الموعود هو الغلبة، حيث يظهر ﵊ فيما حواليه، أما فيما وراء ذلك فلم يتعرض إليه الحديث، والعمومات كلها واردة في البلاد التي يظهر فيها، ولا تتجاوز فيما وراءها، وإنما هو من بداهة الوهم والسبق إلى ما اشتهر بين الأنام\". انتهى كلام الشيخ الكشميري، فتأمل. اهـ. (التصريح).\nأقول:\nإذا صح ما ذكره الشيخ الكشميري في تفسيره لهلاك الملل فهذا يرجح ما ذهبنا إليه أن بيننا وبين نزول المسيح ﵊ أمدًا تقوم به دولة عالمية للإسلام كما ورد في مضمون بعض النصوص التي وردت معنا، ثم يحدث انحسار بالإسلام لدرجة القسطنطينية نفسها يحكمها النصارى من جديد ويفتحها المسلمون مرة أخرى، وبعد الفتح الثاني يظهر الدجال وينزل عيسى ابن مريم ﵊، ولاشك أن ذكره الكشميري في عدم وجود نصوص تدل على تحرك عالمي للمسيح حق، ولكن إذا عرفنا أن يأجوج ومأجوج وهم الذين يسيطرون على العالم وقتذاك يهلكون في زمن المسيح ﵇، وأن المسيح ﵇ يقتل اليهود الذين يكونون مع الدجال، ولا يقبل من يهودي أو نصراني جزية فإن هذا يدل على هلاك للملل التي تكون في دائرة وجوده وسلطانه، وهل يعم ذلك العالم كله أو لا؟ الأمر محتمل وتفسيره وقوعه.\n(ثم يمكث في الأرض أربعين سنة): قال الشيخ عبد الفتاح:\n\"يعلق على قوله: (ثم يمكث عيسى ﵇ أربعين سنة) بما يلي:\nهذه الأداة العاطفة (ثم) للترتيب الذكري لا الزمني، إذ مكثه ﵇ في الأرض","vol":"3","page":1097},{"text":"كله أربعون سنة منذ نزوله حتى وفاته، وليس ابتداؤها بعد قتله الدجال، كما هو ظاهر العبارة. قاله العلامة الشيخ ناجي أبو صالح حفظه الله تعالى\". اهـ (التصريح).\n١٠٧٩ - * روى أحمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ينزل ابن مريم إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويرجع السلم ويتخذ السيوف مناجل ويذهب حمة كل ذات حمة. وينزل من السماء رزقها، وتخرج من الأرض بركتها، حتى يلعب الصبي بالثعبان ولا يضره، وترعى الغنم والذئب ولا يضرها، ويرعى الأسد والبقر ولا يضرها\".\n١٠٨٠ - * روى الترمذي عن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يقتل ابن مريم الدجال بباب لُد\".\n١٠٨١ - * روى الطبراني، عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ قال: \"ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء في دمشق\".\n١٠٨٢ - * روى مسلم، عن يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵁وجاءه رجل- فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به الناس؟ تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا، فقال: سبحان الله! - أو لا إله إلا الله، أو كلمه نحوها- لقد هممت أن لا أحدث شيئًا أبدًا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا؛ يحرق البيت، ويكونُ ويكونُ. ثم سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n١٠٧٩ - مسند أحمد (٢/ ٤٨٢، ٤٨٣).\nقال ابن كثير في النهاية: تفرد به أحمد وإسناده جيد قوي صالح.\n١٠٨٠ - الترمذي (٤/ ٥١٥ (٣٤ - كتاب الفتن، ٦٢ - باب ما جاء في قتل عيسى ابن مريم للدجال.\nوقال: هذا حديث صحيح.\nوأحمد (٢/ ٤٣٠). وفي بعض طرقه: \"إلى جانب باب لد\".\n(لد): بلدة في فلسطين قريبة من بيت القدس.\n١٠٨١ - المعجم الكبير (١/ ٢١٧).\nمجمع الزوائد (٨/ ٢٠٥). وقال: رواة الطبراني ورجاله ثقاب.\n١٠٨٢ - مسلم (٤/ ٢٢٥٨، ٢٢٥٩) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٣ - باب في خروج الدجال ومكثه ... الخ\nمسند أحمد (٢/ ١٦٦). =","vol":"3","page":1098},{"text":"\"يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين\". لا أدري -وفي رواية قال ابن عمرو: لا أدري أربعين يوما، أو شهرًا، أو عامًا- \"فيبعث الله عيسى بن مريم، كأنه غزوة ابن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ﷿ ريحًا باردةً من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه\". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ. قال: \"فيبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله\" قال: \"فيصعق، ويصعق الناس\". قال: \"ثم يرسل الله\" -أو قال: \"ينزل الله مطرًا كأنه الطل، أو الظل\"- نعمان [أحد رواة الحديث] يشك- \"فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال لهم: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين\" قال: \"فذاك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق\".\nأقول: كثيرًا ما يحدث أثناء الكلام عن الساعة وأشراطها وعما يكون بعدها أن يطوي بعض الرواة بعض المشاهد، أو يفهم بعض الرواة عن المحدثين فهما فيصوغه بعبارته، فيحدث لبس أو وهم، فمثلًا: ورد في هذا النص قول ابن عمرو: (ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ﷿ ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى\n_________\n= (كبد جبل): كبد الجبل: استعارة، والمراد: ما غمض من بواطنه.\n(أصغى ليتا): الليت: صفحة العنق، وإصغاءه: إمالته. ...\n(يصعق): يغشى عليه ويموت\n(الطل): الندى الذي ينزل من السماء في الصحو.","vol":"3","page":1099},{"text":"على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته) فهذه الرواية تفهم:\nأن بعد سبع سنين من قتل الدجال يبعث الله هذه الريح ويصفها أنها تأتي من قبل الشام مع أن المعروف المشهور: أن عيسى ﵇ يمكث في الأرض أربعين سنة، وبعد وفته يبقى الناس على فترة من الزمان على خير، ثم تأتي ريح من قبل اليمن فتقبض روح أهل الإيمان. فالحديث يحتاج إلى توجيه ومن ثم قال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله معقبا على رواية عبد الله بن عمرو: (ثم يمكث الناس سبع سنين) بما يلي:\n\"هكذا جاء في جميع نسخ \"صحيح مسلم\" التي رجعت إليها وهي مختلفة الطبعات، وهكذا جاء في \"المسند\" و\"الدر المنثور\" و\"المستدرك\" في جميعها بلفظ (ثم يمكث الناس سبع سنين) برفع (الناس) على الفاعلية، وهي رواية صحيحة واضحة، ومعناها عندي- والله أعلم- أن الناس يعيشون متحابين ليس بينهم عداوة ولا بغضاء سنين طويلة، وهي أربعون سنة كما بينها رواية أبي داود وأحمد المتقدمة في ص ٩٦، ونصها: \"فيمكث- أي سيدنا عيسى- في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون\". ويكون ذكر (سبع سنين) هنا رمزًا للكثرة لا للحصر كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ إذ التمثيل فيها للتكثير لا للحصر، وكقوله سبحانه: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾. قال الألوسي في \"تفسيره\" ٦: ٤٨٦ عند هذه الآية \"المراد بالسبعة الكثرة بحيث تشمل المائة والألف مثلًا، لا خصوص العدد المعروف، كما في قوله ﵊: \"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء\". انتهى\nأما الرواية التي وقعت قديمًا في بعض نسخ \"صحيح مسلم\" بلفظ \"ثم يمكث الناس سبع سنين\" كما جاء منقولًا عن \"صحيح مسلم\" بهذا اللفظ في \"مشكاة المصابيح\" من طبعة الهند ص ٤٨١ ومن طبعة دمشق ٣: ٥١ وفي نسخة \"المرقاة شرح المشكاة\" للعلامة على القاري ٥: ٢٢٧ فتحتاج إلى تأويل، إذ الضمير فيها في \"يمكث سبع سنين\" عائد إلى سيدنا عيسى، فلهذا علق عليها كل من الحافظ ابن كثير والحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى.","vol":"3","page":1100},{"text":"قال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ١: ٥٨٣ \"جاء في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة أن عيسى ﵇ يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة. رواه الإمام أحمد، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم أنه يمكث سبع سنين. فيحتمل والله أعلم أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة في الصحيح\". انتهى.\nقلت: لكن الحافظ ابن حجر لم يرتض هذا الجمع، فلذا حط كلامه على أن مدة إقامته بعد نزوله. ﵇ أربعين سنة إذ ذكر رواية \"سبع سنين\" ثم أعقبها بروايات صحيحة فيها ذكر \"أربعين سنة\" وسكت عليها مرتضيًا لها، وهذه عبارته في \"فتح الباري\" ٦: ٣٥٧ \"روى مسلم من حديث ابن عمرو في مدة إقامة عيسى بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين. وروى نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث ابن عباس أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض ويقيم بها تسع عشرة سنة، وبإسناد فيه راو مبهم عن أبي هريرة يقيم بها أربعين سنة، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فيمكث -أي عيسى- في الأرض أربعين سنة\". انتهى. فليكن هو المعول عليه، والله تعالى أعلم.\" اهـ (من التصريح).\n١٠٨٣ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة\" قال: \"فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال فصل فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة\".\nفسر بعضهم أحاديث الطائفة بأنهم أهل الشام وممن فسرها بذلك قتادة، وعلق الشيخ عبد الفتاح على تفسير قتادة بقوله:\n\"هذا التفسير من قتادة لـ (العصابة) هو أحد أقوال عشرة لخصها شيخنا عبد الله الغماري في \"إقامة البرهان\" ص ٣٠، وحكى أن الإمام النووي في \"شرح صحيح مسلم\"\n_________\n١٠٨٣ - مسلم (١/ ١٣٧) ١ - كتاب الإيمان، ٧١ - باب نزول عيسى بن مريم .. إلخ.\nوأحمد (٣/ ٣٨٤).","vol":"3","page":1101},{"text":"١٣: ٦٣ ارتاح إلى أن هذه العصابة عامة مفرقة بين أنواع المؤمنين، فمنهم علماء محدثون، ومنهم فقهاء، ومنهم زهاد، ومنهم مجاهدون مقاتلون، ومنهم قائمون بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إلى غير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد أو قطر واحد\" اهـ (التصريح).\n١٠٨٤ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ \" وفي رواية لمسلم (١): \"فأمكم\" وفي رواية أخرى (٢): \"فأمكم منكم\".\nورواه أحمد (٣)؛ قال: \"كيف بكم إذا نزل ...؟ \".\nقال الشيخ عبد الفتاح:\n\"قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٦: ٣٥٨: \"وعند أحمد من حديث جابر في قصة الدجال ونزول عيسى: \"وإذا هم بعيسى، فيقال: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم\". ولابن ماجه في حديث أبي أمامة:\n\"وكلهم- أي المسلمون- ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، قد تقدم ليصلي بهم، إذ نزل عيسى، فرجع الإمام ينكص ليتقدم عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه ثم يقول: تقدم فإنها لك أقيمت\". وعند مسلم من حديث جابر: \"فيقال له: صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة\".\nقال الحافظ ابن حجر بعد هذه الأحاديث: \"وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه\n_________\n١٠٨٤ - البخاري (٦/ ٤٩١) ٦٠ - كتاب الانبياء، ٤٩ - باب نزول عيسى ... إلخ.\nمسلم (١/ ١٣٦) ١ - كتاب الإيمان، ٧١ - باب نزول عيسى .. إلخ.\n(١) مسلم (١/ ١٣٦) في الموضع السابق.\n(٢) مسلم (١/ ١٣٧) في الموضع السابق.\n(٣) مسند أحمد (٢/ ٢٧٢).\nوذكره البيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\"، وعزاه البخاري ومسلم، ولفظه: \"إذا نزل ابن مريم من السماء فيكم، وإمامكم منكم\".","vol":"3","page":1102},{"text":"الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة: دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة، والله أعلم\". انتهى. وقبل. في معنى (وإمامكم منكم): وهو منكم أي عيسى، فوضع الاسم المظهر موضع الاسم المضمر تعظيمًا له وتربية للمهابة في النفوس\". اهـ (التصريح).\n١٠٨٥ - * روى مسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده: ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا، أو ليثنينهما\".\nوأخرجه أحمد في مسنده (١) ولفظه: \"ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء، فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما\". وتلا أبو هريرة ﵁: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي ﷺ؟ أو شيء قاله أبو هريرة؟\nوأخرجه الحاكم (٢) وصححه كما في الدر المنثور ولفظه: \"ليهبطن ابن مريم حكما عدلًا، وإماما مقسطًا، وليسلكن فجا حاجا أو معتمرًا، وليأتين قبري حتى يسلم علي، ولأردن عليه\". يقول أبو هريرة: أي نبي أخي! إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام.\nقال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله:\n\"معنى (ليهلن): ليرفعن صوته بالتلبية قائلًا: لبيك اللهم لبيك، محرما بحج أو بعمرة. ومعنى (أو ليثنينهما): أو ليجمعن بين الحج والعمرة. وفج الروحاء: مكان في طريق النبي ﷺ من المدينة إلى بدر. قيل يبعد عن المدينة ستة أميال.\n_________\n١٠٨٥ - مسلم (٢/ ٩١٥) ١٥ - كتاب الحج، ٣٤ - باب إهلال النبي ﷺ وهديه.\n(١) مسند أحمد (٢/ ٢٩٠، ٢٩١).\n(٢) المستدرك (٢/ ٥٩٥)، وقال صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":1103},{"text":"(وتجمع له الصلاة): أي يصير هو الإمام في الصلاة مع قيامه بأعباء الإمامة العظمى. وإمامته بالصلاة إنما تكون بعد صلاته الصبح فور نزوله مؤتما بإمام المسلمين إظهارًا لكرامة هذه الأمة وفضلها.\n(فزعم حنظلة): هو حنظلة الأسلمي المدني، تابعي روى هذا الحديث عن أبي هريرة. ومعنى (زعم): قال صادقًا. فإن الزعم كما يطلق على القول الكذب أو المشكوك فيه، يطلق أيضًا على القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه\". اهـ (التصريح).\n١٠٨٦ - * روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: لا والله ما قال النبي ﷺ لعيسى: \"أحمر\" ولكن قال: \"بينما أنا نائم أطوف بالبيت، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يهادى بين رجلين، ينطف رأسه ماء\" أو \"يهراق رأسه ماء\"، \"فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس، أعو عينه اليمنى، كان عينه اليمنى عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال، وأقرب الناس به شبها ابن قطن\". قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، ليس عند مسلم قول الزهري.\nوفي رواية (١) قال: ذكر رسول الله ﷺ يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: \"إن الله ﵎ ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية\". قال: وقال رسول الله ﷺ \"أراني الليلة في المنام عند الكعبة، فإذا رجل آدم، كأحسن ما ترى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا بيديه على منكبي رجلين، هو بينهما، يطوف بالبيت. فقلت: من هذا؟ فقالوا: المسيح ابن مريم، ورأيت\n_________\n١٠٨٦ - البخاري (١٢/ ٤١٧) ٩١ - كتاب التعبير، ٣٣ - باب الطواف بالكعبة في المنام.\nمسلم (١/ ١٥٦) ١ - كتاب الإيمان، ٧٥ - باب في ذكر المسيح ابن مريم .. إلخ.\nوالموطأ (٢/ ٩٢٠) ٤٩ - كتاب صفة النبي ﷺ، ٢ - باب ما جاء في صفة عيسى ... إلخ.\n(١) البخاري (٦/ ٤٧٧) ٦٠ - كتاب الانبياء، ٤٨ - باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ...﴾.\nمسلم (١/ ١٥٥) في الموضع السابق.\nوالموطأ: في الموضع السابق.","vol":"3","page":1104},{"text":"وراءه رجلًا جعدًا قططًا، أعور عين اليمنى، كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن، واضعًا يديه على منكبي رجلين، يطوف البيت، فقلت: من هذا؟ فقالة: هذا المسيح الدجال\".\nوفي رواية (١) قال: قال النبي ﷺ: \"رأيت عيسى وموسى وإبراهيم ﵈، فأما عيسى: فأحمر جعد، عريض الصدر، وأما موسى: فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط\".\n(آدم): رجل آدم: شديد السمرة.\n(يهادى): تهادى الرجل في مشيته: إذا تمايل، ورأيت فلانا يهادى بين رجلين: إذا كان يمشي متكئا [عليهما] من ضعف وتمايل.\n(ينطف): أي: يقطر.\n(عنبة طافية): إذا كانت خارجة القد والسمت عن أخواتها في العنقود.\n(لمته): اللمة: شعر الرأس.\n(رجل الشعر): شعر رجل، أي: مسرح غير شعث.\n(قططًا): شعر قطط: متناهي الجعودة.\n(الزط): جيل من الهند والسودان، معرب \"جت\".\nقال محقق الجامع:\n\"قال الحافظ في الفتح: اللام في قوله: \"لعيسى\" بمعنى \"عن\" وهي كقوله تعالى:\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٤٧٧) ٦٠ - كتاب الانبياء، ٤٨ - باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ...﴾.\nهكذا في كتاب البخاري، وليس فيه ذكر إبراهيم.\nوقد ذكره البرقاني فيما حكله الحميدي، فقيل له: فإبراهيم؟ قال: \"شبيه صاحبكم\" وقال الحميدي: قال أبو مسعود [الدمشقي]: كذا في البخاري في سائر النسخ، عن مجاهد عن ابن عمر، وإنما رواه الناس عن محمد بن كثير، فقالوا: مجاهد عن ابن عباس، وعلى روايتهم اعتمد أبو بكر البرقاني، فأخرجه في مسند ابن عباس.","vol":"3","page":1105},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ قال: وفيه جواز اليمين على غلبة الظن، لأن ابن عمر ظن أن الوصف اشتبه على الراوي، وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجال، لا عيسى، وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له: المسيح، وهي صفة مدح لعيسى، وصفة ذم للدجال، قال: وكان ابن عمر قد سمع سماعًا جزمًا في وصف عيسى أنه آدم، فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وصفه بأنه أحمر واهم\". اهـ.\nأقول:\nلقد مرت معنا رواية تصف المسيح ﵊ بالحمرة والبياض، فليس ما رده ابن عمر في وصف المسيح صحيحًا، بل هو الحق، ولذلك استعمل ابن حجر تعبير الوهم أثناء الكلام عن موقف ابن عمر في وصفه المسيح بالسمرة ونفيه الحمرة عنه.\nقال محقق الجامع:\n\"ابن قطن: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، قال الحافظ في \"الفتح\": اسمه: عبد العزى بن قطن بن عمرو بن جندب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن المصطلق، وأمه هالة بنت خويلد، أفاده الدمياطي، قال: وقال ذلك أيضًا عن أكثم بن أبي الجون، وأنه قال: يا رسول الله هل يضرني شبهه؟ قال: \"لا، أنت مسلم وهو كافر\". حكاه عن ابن سعد، والمعروف في الذي شبه به ﷺ أكثم بن عمرو بن لحي جد خزاعة، لا الدجال، كذلك أخرجه أحمد وغيره، وفيه دلالة على أن قوله ﷺ: \"إن الدجال لا يدخل المدينة ولا مكة\". أي في زمن خروجه، ولم يرد بذلك نفي دخوله في الزمن الماضي، والله أعلم\". اهـ.\n١٠٨٧ - * روى أحمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى ابن مريم ﷺ، فإن عجل بي موت فمن لقيه منكم فليقرئه منى السلام\".\n_________\n١٠٨٧ - مسند أحمد (٢/ ٢١٨).\nمجمع الزوائد: (٨/ ٥) وقال رواه أحمد بإسنادين، مرفوع وهو هذا، وموقوف، ورجالهما رجال الصحيح.","vol":"3","page":1106},{"text":"١٠٨٨ - * روى أبو سعيد النقاش، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"طوبي لعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات، حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت، وحتى يمر الرجل على الأسد فلا يضره، ويطأ على الحية فلا تضره، ولا تشاح، ولا تحاسد، ولا تباغض\".\nأقول:\nهذا دليل على أن بعد وفاة عيسى ﵇ يبقى الخير ويستمر السلام والبركة، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين كما سيمر معنا تكون بعد ذلك، وهذا النص يؤكد أن النص المروي عن ابن عمرو الذي علقنا عليه وعلق عليه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة قد حصل فيه وهم أو لبس أو اختصار مخل من أحد الرواة.\n_________\n١٠٨٨ - فوائد العراقيين.\nورواه عنه أبو نعيم كما في \"كنز العمال\". ورمز السيوطي إلى حسنه، وقوى الغماري إسناده.\nوقال المناوي (فيض القدير ٤/ ٢٧٥): ظاهر عدول المصنف للنقاش أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير، وهو غفلة فقد خرجه أبو نعيم والديلمي وغيرهما.\n(طوبي): طوبي من الطيب، ومعناها هنا: فرح وقرة عين وقد يطلق لفظ (طوبي) ويراد به الجنة أو شجرة فيها.\n(الصفا): أي الحجر الأملس الأصم.","vol":"3","page":1107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>مسائل وفوائد</span>\n(١)\nمن أعظم الكتب التي ألفت في نزول المسيح ﵇ كتاب \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\" الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله، فقد ذكر فيه مؤلف الكتاب الشيخ محمد أنور شاه الكشميري ستة وسبعين حديثًا في نزول المسيح، وأضاف إليها الشيخ عبد الفتاح حفظه الله عشرة أحاديث استدركها على الشيخ فأصبحت الأحاديث الواردة في نزول المسيح ﵇ ستة وثمانين، ثم ذكر الشيخ أنور من الآثار عن الصحابة والتابعين خمسة وعشرين أثرًا، واستدرك عليه الشيخ عشرة أثار فبلغت الآثار عن الصحابة والتابعين خمسة وثلاثين، فيكون مجموع الوارد في نزول المسيح ما بين خبر وأثر (١٢١)، فدل ذلك على أن هذه المسألة من القطعيات في الشريعة من أنكرها فقد كفر.\nوفي سياق هذه الآثار والأخبار تمر نصوص كثيرة لها علاقة بالدجال ويأجوج ومأجوج والمهدي ﵇ وأشراط الساعة، مما يضاف على ما ورد من أحاديث مفردة في بعض هذه الشؤون ليقويها، ومن ها هنا كانت أحاديث الدجال متواترة وكذلك أحاديث المهدي ﵇. وفي الكتاب من الفوائد ما لو وزن الكتاب بالذهب لكان قليلًا في حقه.\n(٢)\nورد في القرآن الكريم أربع آيات تشير إلى نزول المسيح ﵇ في آخر الزمان وهي:\n١ - ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).\n٢ - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ (٢).\n_________\n(١) آل عمران: ٤٥، ٤٦.\n(٢) المائدة: ١١٠.","vol":"3","page":1108},{"text":"٣ - ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١).\n٤ - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (٢). ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣). ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤).\nأشارت الآية الأولى والثانية إلى نزوله بتكليمه الناس كهلا والصحيح أنه رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين والكهولة فوق هذه السن.\nوأشارت الآية الثالثة إلى نزوله بإيمان أهل الكتاب به إيمانًا صحيحًا قبل أن يموت وذلك بعد نزوله.\nوأشارت الآية الرابعة إلى المسيح علم للساعة على قراءة: أي علامة، و(علم) في قراءة، فهو في كل الأحوال يدل بنزوله على أن الساعة أصبحت قريبة.\nروى ابن حبان (٥)، عن أبي يحيى مولى ابن عفراء، عن عبد الله بن عباس ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة) قال: \"نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة\".\nوعن ابن عباس (٦) ﵁ في قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة) قال: خروج عيسى ﵇ قبل يوم القيامة).\n_________\n(١) النساء: ١٥٧ - ١٥٩\n(٢) الزخرف: ٥٧\n(٣) الزخرف: ٥٩\n(٤) الزخرف: ٦١\n(٥) الإحسان بترتيب ابن حبان (٨/ ٢٨٨).\n(٦) مجمع الزوائد (٧/ ١٠٤) وقال: رواه أحمد والطبراني بنحوه.\nوأخرجه ابن جرير.","vol":"3","page":1109},{"text":"قال الشيخ عبد الفتاح:\n\"أي أن سيدنا عيسى ﵇والمراد نزوله- أمارة وعلامة على قرب وقوع الساعة. والآية المذكورة من سورة الزخرف: ٦١. وهذه قراءة ابن عباس وأبي هريرة وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم كما في \"تفسير ابن كثير\": ٤: ١٣٢، وهي قراءة الأعمش من القراء أصحاب القراءات كما في \"إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر\" للدمياطي ص ٣٨٦. وقراءة الجمهور: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. وفي هذه القراءة أيضًا الضمير عائد إلى عيسى ﵇. والمراد أن عيسى ﵇ بحدوثه من غير أب وبإحيائه الموتى: يكفي دليلًا على صحة البعث وإعادة الخلق يوم القيامة، وهو ﵇ أيضًا علم للساعة أي تعلم لنزوله، فهو أمارة وعلامة عليها، قال الزمخشري في \"الكشاف\" ٣: ٤٢٤ ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي أن عيسى ﵇ شرط -علامة- من أشراطها تعلم به، فسمي الشرط علما لحصول العلم به. انتهى وهكذا فسر الآية أبو حيان الأندلسي في تفسيره \"البحر\" ٨: ٢٦ وابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص ٤٠٠ وغيرهم من المفسرين، وتكون الآية بقراءتيها ناطقة أن عيسى ﵇ علم وعلامة على الساعة بنزوله من السماء قبل قيامها\". اهـ (التصريح).\nوروى ابن جرير (١)، عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: قد كلمهم عيسى ﵇ في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل.\nوروى ابن جرير وابن أب حاتم (٢)، عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى.\n_________\n(١) الدر المنثور: تفسير آل عمران (٢/ ٢٥).\n(٢) الدر المنثور: تفسير النساء (٢/ ٢٤١).\nوأشار إليه ابن حجر وصحح إسناده في الفتح: ٦/ ٤٩٢ (٦٠ - كتاب الانبياء، ٤٩ - باب نزول عيسى).","vol":"3","page":1110},{"text":"(٣)\nصرح جماعة من الراسخين في العلم أن الأحاديث في نزول عيسى ﵇ متواترة، فقال العلامة السيد محمود الألوسي في تفسيره: \"روح المعاني\": \"ولا يقدح في ذلك- أي في ختم النبوة- ما أجمعت الأمة عليه، واشتهرت فيه الأخبار -ولعلها بلغت مبلغ التواتر المعنوي- ونطق به الكتاب على قول- ووجب الإيمان به. وأكفر منكره كالفلاسفة: من نزول عيسى ﵇ آخر الزمان، لأنه كان نبيا قبل تحلي نبينا ﷺ بالنبوة في هذه النشأة\". اهـ.\nوقال العلامة الألوسي في تفسيره بعد هذا: \"ثم إن عيسى ﵇ حين ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها مجال، لكنه لا يتعبد بها لنسخها في حقه وحق غيره، وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلًا وفرعًا، فلا يكون إليه ﵇ وحي ولا نصب أحكام، بل يكون خليفة لرسول الله ﷺ، وحاكمًا من حكام ملته بين أمته بما علمه في السماء قبل نزوله من شريعته ﵊ كما في بعض الآثار\". اهـ.\nوبه صرح الحافظ عماد الدين ابن كثير، حيث قال في \"تفسيره\" في تفسير سورة الزخرف عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: \"وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة \"إمامًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا\" اهـ. وصرح به في تفسير سورة النساء أيضًا.\nوقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة:\n\" [ومنهم]: الإمام ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" عند قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٣: ٢٠٣، فقد قال بعد أن ذكر الأقوال في معنى التوفي: \"وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال معنى ذلك: أني قابضك من الأرض ورافعك إلي. لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال ... \".\nقال شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى في كتابه: \"نظرة عابرة في مزاعم من ينكر","vol":"3","page":1111},{"text":"نزول عيسى ﵇ قبل الآخرة\" ص ٣١: \"وليس في قول الإمام ابن جرير الطبري: \"وأولى الأقوال بالصحة) ما يحتج به أن تلك الأقوال مشتركة في أصل الصحة، وكيف وقد ذكر بينها ما هو معزو إلى النصارى؟ ولا يتصور أن يصح ذلك في نظره، بل كلامه هذا من قبيل ما يقال: فلان أذكى من حمار، وأفقه من جدار، كما يظهر من عادة ابن جرير في \"تفسيره\" عند نقله لروايات مختلفة، كائنة ما كانت قيمتها العلمية، وقد يكون بينها ما هو باطل حتمًا، فلا يكون لأحد إمكان التمسك بمثل تلك العبارة في تقوية الروايات المردودة\".\nقلت: وهذه قاعدة وفائدة تستفاد لفهم كلام ابن جرير في \"تفسيره\" فاعلمها واشدد عليها بيديك، فغنها من العلم المكنون.\nومنهم: الإمام المفسر ابن عطية الغرناطي الأندلسي، فقد قال في \"تفسيره\": \"وأجمعت الامة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، وتظهر به ملة محمد ﷺ، ويحج البيت، ويعتمر\". انتهى\nومنهم: العلامة الشوكاني اليمني، قال في كتابه: \"التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح\" بعد أن ساق الأحاديث الواردة في ذلك: \"فتقرر أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والاحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم متواترة\". كما نقله عنه أستاذنا العلامة الشيخ عبد الله ابن الصديق الغماري فرج الله عنه في كتابه: \"عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇\" ص ١١.\nومنهم: شيخ شيوخنا العلامة المحدث الشريف سيدي محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى في كتابه: \"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\": ص ١٤٧ حيث قال: \"وقد ذكروا أن نزول سيدنا عيسى ﵇ ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. ثم قال: والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجال وفي نزول عيسى ابن مريم ﵇\" اهـ (التصريح).","vol":"3","page":1112},{"text":"(٤)\nقال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله:\n(تواردت النصوص المتواترة على نزول سيدنا عيسى ﵇، ولكن لا توقيت فيها لزمن نزوله بالتحديد والتعيين، وإنما التوقيت فيها بالأمارات والعلامات الدالة على نزوله.\nقال الإمام ابن جرير الطبري في مقدمة \"تفسيره\": ١: ٧٤ و٩٢: \"تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة: أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وما أشبه ذلك.\nفإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها، لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه، وبذلك أنزل ربنا محكم كتابه، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).\nوكان نبينا محمد ﷺ إذا ذكر شيئًا من ذلك، لم يدل عليه إلا بأشراطه، دون تحديده بوقته، كالذي روي عنه ﷺ أنه قال لأصحابه، إذ ذكر الدجال: \"إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه، وإن يخرج بعدي، فالله خليفتي عليكم\". وما أشبه ذلك من الأخبار الدالة على أنه ﷺ، لم يكن عنده علم أوقات شيء منه بمقادير السنين والأيام، وأن الله جل ثناؤه إنما عرفه مجيئه بأشراطه، ووقته بأدلته\") اهـ (التصريح).\n_________\n(١) الأعراف: ١٨٧.","vol":"3","page":1113},{"text":"(٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>جدول ما ثبت بالقرآن والسنة من أمارات المسيح عيسى ﵇</span>\nتأليف العلامة المحقق الجليل الشيخ محمد شفيع\nمفتي باكستان حفظه الله تعالى\nننقلها مع شيء من الحذف:\n- اسمه السامي: عيسى، يدل عليه ما لا يحصى من الآيات والأحاديث.\n- كنيته: ابن مريم ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مريم: ٣٤.\n- لقبه: المسيح.\n- و: كلمة الله.\n- و: روح منه ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ النساء: ١٧١.\n- والدته: مريم، يدل عليه ما لا يحصى من الآيات والأحاديث.\n- نفي الوالد: ولد عيسى من غير أب بمحض قدرة الله تعالى.\n- والد أمه: عمران ﵇ ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ التحريم: ١٢.\n- خاله: هارون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ مريم: ٢٨.\n- والدة أمه: امرأة عمران -حنة- ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ آل عمران: ٣٥.\n- نذر جدته حملها للوقف على بيت المقدس: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ آل عمران: ٣٥.\n- ولادة حملها أنثى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ آل عمران: ٣٦.\n- اعتذارها في حضرة الله بأنها وضعتها أنثى وهي لا تليق أن تخدم بيت المقدس:","vol":"3","page":1114},{"text":"﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ آل عمران: ٣٦.\n- تسميتها مريم: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ آل عمران: ٣٦.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>بعض ما ورد من أحوال أمه ﵉</span>\n- استعاذتها: من مس الشيطان: ﴿أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ آل عمران: ٣٦. وقد نص الحديث النبوي بأن هذا مما خص الله به مريم ﵍ كما في صحيحي البخاري ومسلم.\n- اختصام مجاوري بيت المقدس في تربية مريم وكفالة زكريا ﵇ لها: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ آل عمران: ٤٤.\n- إقامتها بالمحراب ورزقها من الغيب: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ آل عمران: ٣٧.\n- سؤال زكريا عن الرزق وجوابها أنه من عند الله: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ آل عمران: ٣٧.\n- مخاطبة الملائكة إياها: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ﴾ آل عمران: ٤٢.\n- كونها مقبولة عند الله: ﴿اصْطَفَاكِ﴾ آل عمران: ٤٢.\n- كونها طاهرة من الحيض: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ آل عمران: ٤٢.\nكونها أفضل نساء زمنها: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران: ٤٢.\n- ذهابها إلى زاوية: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ مريم: ١٦.\n- كون الزاوية في جانب شرقي: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ مريم: ١٦.\n- اتخاذها حجابًا: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ مريم: ١٧.\n- وجاءها ملك بشكل إنسان ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ مريم: ١٧","vol":"3","page":1115},{"text":"- استعاذتها: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ مريم: ١٨.\n- ثم بشرها الملك بولادة عيسى ﵇: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ مريم: ١٩.\n- تعجبها بهذا الخبر ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مريم: ٢٠.\n- إخبار الملك بأن ذلك ليس بصعب على الله ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مريم: ٢١.\n- حملها عيسى بمحض قدرة الله من غير أن يمسها رجل: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ مريم: ٢٢.\n- ذهابها إلى جذع نخلة وقت المخاض: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ مريم: ٢٣.\nوقال العلماء: إن كلما حصل لمريم ﵍ من خوارق العادة كان في الأصل إرهاصات تبشر بنبوة عيسى ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>محل ولادته ﵇ وكيفية ذلك</span>\n- ولد في زاوية بستان بعيد من العمارة ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ مريم: ٢٢.\n- كانت متكئة إلى جذع نخلة: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ مريم: ٢٣.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>أحوال مريم بعد ولادته ﵇</span>\n- اضطرابها حياء وخوفًا من تهمة الناس: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ مريم: ٢٣.\n- نداء الملك من تحت الشجرة أن لا تحزني فقد منحك الله ابنًا من سادة الناس: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ مريم: ٢٤.\n- رزقها الله تعالى رطبًا جنيًا: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ مريم: ٢٥.\n- إتيانها قومها بعيسى ﵇ في حجرها: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ مريم: ٢٧.\n- تهمة القوم للسيدة مريم: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ مريم: ٢٧.\n- كلام سيدنا عيسى ﵇ في حجرها: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ مريم: ٣٠.","vol":"3","page":1116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>وجاهة عيسى ﵇</span>\n- ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ آل عمران: ٤٥.\n- قامته معتدلة.\n- لونه أبيض مشرب بالحمرة.\n- شعر رأسه يمتد إلى منكبيه.\n- شعره أسود كأنه يقطر وإن لم يصبه بلل.\n- شعره جعد، في بعض الروايات أنه سبط، ويمكن أن هذا الاختلاف باختلاف الأوقات.\n- نظيره في الحلية: يشابهه من الصحابة عروة بن مسعود ﵁\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>خصائص عيسى المسيح ﵇</span>\n- إحياؤه الموتى بإذن الله ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ آل عمران: ٤٩.\n- إبراء الأكمه بإذن الله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ آل عمران: ٤٩.\n- إبراء الأبرص بإذن الله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ آل عمران: ٤٩.\n- النفخ في تراب حتى يصير طيرًا ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ آل عمران: ٤٩.\n- الإخبار بما أكله الناس وما ادخروا في بيوتهم: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ آل عمران: ٤٩.\n- عزم بني إسرائيل على قتله، وحفظ الله تعالى له: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ آل عمران: ٥٤.\n- رفع الله تعالى له إلى السماء حيًا: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ آل عمران: ٥٥.\n- نزوله ﵇ من السماء إلى الدنيا ثانيًا في قرب من يوم القيامة.","vol":"3","page":1117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>حليته ﵇ وقت نزوله</span>\n- يلبس ثوبين أصفرين.\n- على رأسه قلنسوة طويلة.\n- يلبس درعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>بعض أحواله ﵇ وقت نزوله</span>\n- ينزل واضعًا يديه على أجنحة ملكين.\n- في يده حربة يقتل بها الدجال.\n- لا يجد كافر ريح نفسه إلا ويموت.\n- يبلغ نفسه إلى ما يبلغ طرفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>محل نزوله ﵇ ووقت نزوله</span>\n- ينزل في الشام.\n- ينزل في الجانب الشرقي من دمشق.\n- ينزل عند المنارة البيضاء.\n- وقت نزوله: عند صلاة الفجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>أحوال الحاضرين في المسجد وقت نزوله ﵇</span>\n- جماعة من المسلمين يقودهم المهدي يجتمعون لقتال الدجال.\n- يؤمهم الإمام المهدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>بعض أحواله بعد نزوله ﵇</span>\n- يدعوه الإمام المهدي لإمامة الصلاة بالناس فيأبى.","vol":"3","page":1118},{"text":"- حينما يريد الإمام المهدي أن يتخلف يضع عيسى ﵇ يده على ظهره ولا يرضى إلا أن يكون المهدي إمامًا.\n- ثم يتقدم الإمام المهدي ويصلي بهم.\n- اقامته في الدنيا بعد نزوله أربعين سنة.\n- نكاحه بعد النزول وأولاده: يتزوج عيسى ﵇ بعد النزول.\n- يتزوج عيسى بامرأة من قوم شعيب ﵉.\n- يولد له بعد النزول أولاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>المشروعات التي يقوم بها بعد نزوله ﵇</span>\n- يكسر الصليب ويستأصل عبادته ولا يبقي في الدنيا من النصرانية شيئًا.\n- يقتل الخنازير.\n- يفتح باب المسجد بعد الفراغ من الصلاة فيرى وراءه الدجال وقوما من اليهود.\n- يقاتل ﵇ الدجال وأعوانه من اليهود.\n- يقتل الدجال.\n- يقتل ﵇ الدجال في أرض فلسطين عند باب لد.\n- ثم يقتل ﵇ ما بقي من اليهود.\n- ولا يجد يهودي ملجأ.\n- حتى تشهد الحجارة والأشجار على أن وراءها يهوديًا.\n- ومن أجل ذلك لا يبقى حكم الجزية.\n- ويعم ﵇ الناس بالمال حتى لا يبقى من يقبل الصدقات.","vol":"3","page":1119},{"text":"- ويؤم ﵇ الناس بعد صلاة الفجر الأولى التي صلاها مقتديًا بالإمام المهدي.\n- يسافر إلى موضع فج الروحاء.\n- يحج أو يعتمر أو يؤدي كلا النسكين.\n- يسافر إلى روضة سيد الأنبياء ﷺ.\n- ويرد على سلامه سيد الأنبياء ﷺ.\n- مذهبه الذي يدعو إليه الناس: يعمل بالقرآن والسنة ويحث الناس عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>البركات الظاهرة والباطنة في زمنه ﵇</span>\n- ينزل في زمنه بركات دينية ودنيوية من كل نوع.\n- ويخرج الحقد والضغينة من أفئدة الناس.\n- يكون الرمان في زمانه كبيرًا حتى تكفي الرمانة الواحدة لجماعة من الناس.\n- ويكفي لبن ناقة واحدة لجماعة من الناس.\n- ويكفي لبن شاة واحدة لقبيلة واحدة.\n- وتنزع الحمة من كل ذي حمة حتى يدخل الوليد يده في فم الحية فلا تضره.\n-وتكشف الوليدة عن أسنان الأسد فلا يضرها.\n- ويكون الذئب مع الغنم كأنه كلبها.\n- وتمتلئ الأرض من السلم كما يمتلئ الإناء من الماء.\n- ولا يوجد فقير وتترك الصدقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>أحوال العرب في ذلك الزمان</span>\n- العرب يومئذ قليل وأكثرهم ببيت المقدس","vol":"3","page":1120},{"text":"- يجتمع المسلمون بجبل أفيق حذرًا من الدجال.\n-ويصيب المسلمين بؤس ومجاعة شديدة حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه ويأكله.\n- ثم ينادي مناد: يا أيها الناس أتاكم الغوث.\n- فيتعجب منه الناس ويقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>وفاته ﵇ وبعض الأحوال قبل وفاته</span>\n- ويأمر المسيح ﵇ بأن يستخلفوا بعده رجلًا من بني تميم اسمه: المقعد.\n- ثم يتوفاه الله تعالى.\n- قبره ﵇: ويدفن في روضة النبي ﷺ بجنب أبي بكر وعمر ﵄\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>أحوال المسلمين بعد وفاته ﵇</span>\n- ويستخلف الناس (المقعد) كما أمرهم المسيح ﵇\nاهـ من (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).\n* * *","vol":"3","page":1121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>الفقرة الحادية والعشرون\nفي:\nيأجوج ومأجوج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>مقدمة</span>\nذكر الله ﷿ يأجوج ومأجوج في موضعين من كتابه، مرة في سياق بناء السد الذي بناه ذو القرنين ليحمي به أقوامًا من إفسادهم: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ....﴾ (١).\nوذكرهم القرآن مرة أخرى في سورة الأنبياء (٢):\n﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.\nوقد أخذ الكلام عن يأجوج ومأجوج وعن ذي القرنين وعن السد الذي بناه كل مأخذ وتشتت بالمفسرين المذاهب والافتراضات والحد الذي لا خلاف عليه هو أن مجيء يأجوج ومأجوج إلى بلاد الشام زمن عيسى ابن مريم وما يحدث لهم هو من أشراط الساعة الكبرى.\nونقطة البداية الصحيحة في البحث هو أن الذي توجه بالسؤال عن ذي القرنين هم اليهود أو قريش بإيحاء من اليهود وكان السؤال امتحانًا لنبوة رسول الله ﷺ فيكون الجواب الصحيح من أعلام النبوة ومعجزاتها، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الجواب معروفا عند السائلين أو الدافعين للسؤال، وبالجواب الصحيح تقوم الحجة عليهم وتثبت بذلك الحجية برسالة محمد ﷺ غلى أهل السؤال وغيرهم، وقد انطلق من هذا العلامة الهندي الكبير أبو الكلام\n_________\n(١) الكهف: ٩٤ - ٩٧.\n(٢) الآيتان ٩٦، ٩٧.","vol":"3","page":1122},{"text":"أزاد في بحثه الذي نشر تحت عنوان (يسألونك عن ذي القرنين) فأتى به بما يثبت المعجزة ويقيم الحجة، وقد استغرق البحث مائة وثلاث صفحات تحدث فيه عن شخصية ذي القرنين كما ذكرها القرآن ثم تحدث فيه عن حيرة المفسرين في تعيين شخصه ثم وصل إلى أن المفروض أن تكون نقطة البداية في البحث هي في كتب العهد القديم على اعتبار أن السائلين أو الدافعين للسؤال هم اليهود فعثر على نقطة البداية في سفر دانيال وهذه هي:\n\"في السنة الثالثة لجلوس بيلش فر الملك كنت بمدينة سوس هيرا من أعمال عيلام على شاطئ النهر أولائي، فرأيت الرؤيا للمرة الثانية، رأيت كبشًا واقفًا على شاطئ النهر له قرنان عاليان. وكان الواحد منهما منحرفًا إلى ظهره، ورأيت الكبش ينطح بقرنيه غربًا وشرقًا وجنوبًا لا قبل لحيوان بالوقوف أمامه فهو يفعل ما يشاء وصار هو كبيرًا جدًا وبينما أنا أفكر في هذه الظاهرة إذ رأيت تيسا أقبل من جهة الغرب وغشي وجه الأرض كلها، وكان بارزا بين عيني التيس قرن عجيب. ثم إن التيس اقترب من الكبش ذي القرنين ونفر منه مغضبا ثم عمد إليه فكسر قرنيه وصرعه وداسه فأصبح الكبش ذو القرنين عاجزًا عن مقاومته، محروما من ناصر ينصره عليه- \"سفر دانيال ٨: ١\".\nثم ذكر الكتاب على لسان دانيال أن الملك جبريل ظهر له وشرح رؤياه قائلًا: إن الكبش ذا القرنين يمثل اتحاد المملكتين، مادا وفارس، فيملكهما ملك قوي لا تقدر دولة على مواجهته. أما التيس ذو القرن الواحد الذي رآه بعد الكبش، فالمراد منه ملك اليونان، والقرن البارز بين عيني التيس، يدل على أول ملك من اليونان (٨: ١٥). اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).\nومظهر هذه النبوءة المتفق عليه هو الملك (قورش) أو (غورش) والذي يسميه اليونان (سائرس) واليهود (خورس) وهو الذي وحد مملكتي مادا وفارس واستولى على بابل وكانت له ثلاث توجهات في حروبه: توجه نحو الغرب حارب فيه اليونان وقهرهم، وتوجه نحو الشرق حارب فيه قبائل رحلا، وتوجه نحو الشمال سيطر فيه على القبائل الجبلية، وكان من صفاته الرحمة والعدل والحرص على الرعية، وكان على الدين الصحيح لزرادشت الذي قام دينه على التوحيد ثم حرفته الديانة المجوسية التي كانت سابقة على دين","vol":"3","page":1123},{"text":"زرادشت، ويرجع أبو الكلام أن (قورش) كان معاصرًا لزرادشت، وأن هذه المملكة التي أقامها قورش أنهاها بعد فترة الإسكندر المقدوني وهو الذي ذكرته رؤيا دانيال بأنه ذو القرن، ومن نبوات أشعيا في (قورش) ما يلي:\n\"وإني أقول في حق خورس (غورش) بأنه راع لي وهو يتم مرضاتي كلها .. يقول الرب في شأن مسيحه خورس، أنا أخذت بيده اليمنى لأجعل الأمم في حوزته وأنزع القوة من سواعد الملوك وأفتح له الأبواب تلو الأبواب. أجل، إني أمشي بين يديك وأقوم ما اعوج من سبلك، وأكسر الأبواب النحاسية، وأمنحك الخزائن المدفونة والكنوز التي في البيوت المغيبة. أفعل كل ذلك لتعلم أنني أنا الرب، إله إسرائيل الذي ناداك باسمك صراحة لأجل إسرائيل، شعبة المختار\" (٤٥: ١).\nوشبه غورش بعقاب الشرق في مكان آخر من الكتاب فقال: \"ها! انظروا إني أدعو عقابًا من الشرق أدعو ذلك الرجل الذي يأتي من أرض بعيدة ويتم سائر مرضاتي\" (٤٦: ١١) اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).\nفسفر أشعيا يشبه قورش بالعقاب، وسفر دانيال يصفه أنه ذو القرنين، وقد عثر على تمثال لقورش يعتبر من أعظم الآثار الفارسية القديمة لقورش فيه جناحا عقاب وقرنان، ومن المعروف أن قورش هو الذي أنقذ اليهود من أسر بابل، ولذلك فإن له مقامًا كبيرًا عندهم.\nكان ظهور أمر قورش في سنة (٥٥٩) ق. م. في ظروف لم تكن مقدماتها لتؤهل إلى أن يصل قورش إلى الملك ولم يكد يستقر له الملك حتى دانت له مادا وفارس تلقائيًا ثم خضعت له ولايات ومهد لخضوع ولايات لخلفائه فكانت مجموع الولايات التي خضعت له ولخلفائه ثمانية وعشرين ولاية حتى انتهى هذا الوضع للإسكندر المقدوني، وكانت حملته الأولى نحو الغرب إلى بلاد الأناضول التي كانت يونانية وقتذاك وهي التي بدأت الحرب فانتصر عليها وعاملها برحمة ووصل بحربه هذه إلى شاطئ البحر وكان هجومه الثاني نحو الشرق ففتح ما يسمى الآن بمكران وبلوخستان وبلخ، والغالب أنه فتح بلاد السند في حملته هذه.","vol":"3","page":1124},{"text":"وكانت في هذه المناطق قبائل همجية يغلب على معظمها الترحل، ثم فتح بعد ذلك بابل وأنقذ اليهود من الأسر، ثم كان هجومه الثالث نحو الشمال أي نحو البلاد التي سميت فيما بعد بالقوقاز، وقد وصل غورش في حربه هذه إلى نهر أطلق عليه ولا يزال يطلق عليه اسم (نهر سائرس) أي نهر غوروش، وهناك بني سدًا حديديًا في الممر الجبلي الوحيد الذي يمكن أن يعبر منه سكان شرقي تلك البلاد إلى أرض القوقاز وكانت وفاته سنة (٥٢٩) قبل الميلاد ومن المجمع عليه عند كل من كتب عنه من صديق وعدو أنه كان عادلًا رحيمًا حكيمًا، وأسفار العهد القديم تصفه بالتوحيد والعبودية الخالصة لله ﷿، وتعليل ذلك أنه كان من أتباع زرادشت نبي الفرس على القول الراجح وذلك قبل أن يحرف دين زرادشت.\nوبعد أن يعرض أبو الكلام أزاد هذا العرض يأتي بالنص القرآني الوارد في حق ذي القرنين ويبرهن على أنه ينطبق على قورش، وبالنسبة للعين الحمئة التي وقف عندها ذو القرنين يقول أبو الكلام:\n\"لنضع خريطة الساحل الغربي لآسيا الصغرى أمامنا. نرى فيها معظم الساحل قد تقطع في خلج صغيرة، لا سيما على مقربة من أزمير، حيث اتخذ الخليج صورة عين. كانت سارديز على مقربة الساحل الغربي، ولا تبعد كثيرًا عن أزمير الحاضرة. فلنا أن نقول إن غوروش لما تقدم بعد استيلائه على سارديز، وصل من ساحل بحر أيجة إلى مكان قريب من أزمير، ورأى الساحل قد اتخذ صورة تشبه العين، وكان الماء قد انكدر من وحل الساحل، فرأى الشمس تغرب مساء في هذه العين، هذا هو ما عبر عنه القرآن بقوله ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (١). أي أنه تراءى له كأن الشمس تغرب في بقعة كدرة من الماء.\nومن المعروف أن الشمس لا تغرب في مكان ما، ولكنك إن وقفت على ساحل بحري، رأيت الشمس كأنها تغرب رويدًا رويدًا في البحر\" اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).\nثم يتحدث أبو الكلام أزاد عن المهمة الشرقية ويذكر أن كلا من المؤرخين اليونانيين\n_________\n(١) الكهف: ٨٦.","vol":"3","page":1125},{"text":"هيرودوتس وني سياز يذكرانها ويقولان:\n\"إن طغيان بعض القبائل الهمجية الصحراوية حمله على القيام بهذه المهمة\".\nيقول أبو الكلام: (وهذا يطابق ما قاله القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ (١). أي أنه لما وصل إلى نهاية الشرق، رأى الشمس تطلع على قوم ليس لديهم ما يستترون به من قيظها، يعني أنهم كانوا من القبائل الرحالة التي لا تسكن المدن ولا تبني لها البيوت) اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).\nثم يتحدث أبو الكلام عن المهمة الشمالية وسد يأجوج ومأجوج. قال أبو الكلام:\nكانت هذه مهمته الثالثة، وصل بها، تاركًا على يمينه بحر الخزر، إلى جبال القوقاز  Caueasus  حيث وجد مضيقًا بين جبلين منها.\nذكر القرآن هذا الخبر قائلًا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ (٢). أي انهم كانوا جبليين متوحشين، حرموا من المدينة والعقل والفهم.\nوالمقصود بسدين، مضيق في جبال القوقاز. وإنك تجد على يمين القوقاز، بحر الخزر الذي يسد طريق الحافة الشرقية منها، وعلى اليسار البحر الأسود الذي يسد طريق الحافة الغربية، وترى في الوسط سلسلة جبالها الشاهقة التي صارت جدارًا طبيعيًا، فلم يكن هنالك منفذ للمهاجمين من الشمال إلا مضيق وسطى في هذه الجبال، يجتازه المهاجمون ويشنون الغارات على البلاد الواقعة وراءه. فبنى غوروش في هذا المضيق سدًا حديديًا، أخذ به الطريق على المغيرين. ولم يأمن أهل سهول قوقاز وحدهم بهذا السد بل أصبح السد بابًا مقفلًا منيعًا لسلامة سائر بلاد آسيا الغربية فأمنت جميع الشعوب القاطبة في آسيا الغربية وفي مصر من جهة الشمال. اهـ.\n_________\n(١) الكهف: ٩٠.\n(٢) الكهف: ٩٣.","vol":"3","page":1126},{"text":"وقال أبو الكلام:\n\"أما القوم الذي وجدهم ذو القرنين هنالك، وكانوا خلوا من العقل، فيحتمل أن يكونوا القوم الذين ذكرهم اليونان باسم \"كولشي\" وذكروا في لوحة دارديوش باسم \"كوشيا\". هؤلاء الذين شكوا إلى غوروش هجمات يأجوج ومأجوج، ولما كانوا مجردين من الحضارة، وصفهم القرآن بقوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ (١). أي لا يفهون الكلام\" اهـ.\nوبعد أن يبرهن أبو الكلام على أن كل ما وصف به القرآن ذا القرنين ينطبق على قورش ينقل عن مؤرخين يونانيين هما في الأصل من أمة معادية للفرس ما قالاه في قورش:\nويقول هيرودوتس: \"كان (غوروش) ملكا كريما، جوادا سمحا للغاية، لم يكن حريصًا على جمع المال كغيره من الملوك، بل كان حرصه على الكرم والعطاء. يبذل العدل للمظلومين، ويحب كل ما فيه خير البشر\".\nويقول زينوفن: \"كان ملكًا عاقلًا رحيمًا، اجتمعت فيه مع نبل الملوك فضائل الحكماء، همته تفوق عظمته، وجوده يغلب جلالته، خدمة الإنسانية شعاره، وبذل العدل للمظلومين ديدنه. حل فيه -مكان الكبر والعجب- التواضع والسماحة\". اهـ.\nوبعد كلام طويل ينتقل إلى الحديث عن سد يأجوج ومأجوج. فيقول أبو الكلام:\n(علينا أن نتذكر في معالجة هذا البحث أن القرآن ذكر أمرين عن السد بخصوصية، وهما أنه، أي السد، بني في مكان ارتفعت الجبال كجدارين على جانبيه، أي كان المكان مضيقًا جبليًا، وأن السد الذي أقيم به، استخدمت فيه زبر الحديد، وأفرغ عليها النحاس المذاب، وعلى ذلك يجب أن نجد السد في مضيق جبلي، ويجب أن يكون هو جدارًا حديديًا، لا جدارًا من الحجر والآجر، ويكون قد سد طريق المضيق الجبلي) اهـ.\n_________\n(١) الكهف: ٩٣.","vol":"3","page":1127},{"text":"ثم يتحدث عن يأجوج ومأجوج فيقول:\n(إن كلمتي \" يأجوج\" و\"مأجوج\" تبدوان كأنهما عبريتان، ولكنهما في أصلهما قد لا تكونان عبريتان. إنهما كلمتان أجنبيتان اتخذتا الصورة العبرية، فهما تنطقان باليونانية \"غاغ\" (Gog)  و\"ماغاغ\" (Magog)  وقد ذكرتا بهذا الشكل في الترجمة السبعينية للتوراة، وراجتا بالشكل نفسه في سائر اللغات الأوروبية.\nوقد ورد هذا الاسم لأول مرة في التوراة في كتاب الخلق عند ذكره خروج أمم العالم من ذرية نوح، فقال: \"ولد ليافث بن نوح، جمر، ومأجوج، ومادي، ويونان، وتوبال، ومسك، وتيراس\" (١٠: ٣) ثم تكرر ذكرهم في الصحف الأخرى، وقد ذكروا بصراحة وتعيين واضحين في صحيفة حزقيال كما ستراه. وكذلك جاءت نبوءة بظهورهم في مكاشفات يوحنا من العهد الجديد.\nفمن كان هؤلاء القوم يا ترى؟ لقد تضافرت الشواهد التاريخية على أنهم لم يكونوا إلا قبائل همجية بدوية من السهول الشمالية الشرقية، تدفقت سيولها من قبل العصر التاريخي إلى القرن التاسع الميلادي نحو البلاد الغربية والجنوبية. وقد سميت هي بأسماء مختلفة في عصور مختلفة، وعرف قسم منها في الزمن المتأخر باسم \"ميغر\" في أوروبا، وباسم التتار في آسيا. ولاشك أن فرعا لهؤلاء القوم، كان قد انتشر على سواحل البحر الأسود في سنة ٦٠٠ ق. م. وأغار على آسيا الغربية نازلًا من جبال القوقاز. وقد سماه اليونان باسم \"سي تهين\" (Sythians)  وذكر بنفس هذا الاسم في كتابه دارايوش باستخر. ولنا أن نجزم بأن هؤلاء هم الذين شكت غاراتهم الشعوب الجبلية إلى غوروش، فبنى السد الحديدي لمنعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>القبائل المنغولية واليواشية:</span>\nتسمى هذه البقعة الشمالية الشرقية من الأرض \"منغوليا\" وقبائلها الرحالة \"منغول\" وتقول لنا المصادر الصينية إن أصل كلمة منغول، هو \"منكوك (بالكاف الفارسية بعد النون) أو \"منجوك (بالجيم الفارسية) وفي الحالتين تقرب الكلمة من النطق العبري \"ماكوك\" (بالكافين الفارسيتين) والنطق اليوناني \"ميكاك\" (بالكافين الفارسيتين).","vol":"3","page":1128},{"text":"ويخبرنا تاريخ الصين عن قبيلة أخرى من هذه البقعة، كانت تعرف باسم \"يواشي\" والظاهر أن هذه الكلمة ما زالت تحرف عند الأمم حتى أصبحت \"يأجوج\" في العبرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>منغوليا، مهد الشعوب القديمة:</span>\nإن الجزء المرتفع من الكرة الأرضية الواقع في الشمال الشرقي الذي يسمى الآن بمنغوليا وتركستان الصينية، كان مهدًا لشعوب قديمة لا تحصى. إنه كان معينًا بشريًا، تتدفق مياهه وتتجمع، حتى إذا بلغت النهاية طغت وانصبت إلى الغرب والجنوب، وجدت الصين في الشرق منه، وآسيا الغربية والجنوبية في غربه وجنوبه، وأوروبا في الشمال الغربي منه، فما زالت سيول القبائل والشعوب تتدفق، فيستوطن بعض القبائل آسيا الوسطى والبعض الآخر يتقدم فيصل إلى أوروبا، أو ينزل بآسيا الغربية والجنوبية. وكانت هذه القبائل بعد خروجها من مسقط رأسها، وحط رحالها في البلاد الجديدة، تفقد خصائصها الأولى وتصطبغ بصبغة أوطانها الجديدة، فتصير على مرور الأيام شعوبًا بنفسها. ولما كان موطنها القديم لا تتغير أحواله، لم تزل تنشأ فيه قبائل جديدة، وتتدفق في دورها إلى الخارج كأخواتها السابقة، دون أن تتغير هذه البقعة بل تظل على همجيتها القديمة، ولكن الذين كانوا ينسحبون منها ويسكنون البلاد الأخرى، كانوا يتحضرون مع مر الزمن، فتختلف حالتهم الجديدة من الحالة القديمة، فبينما المدنية تهذبهم وتزيل بربريتهم، فيشتغلون بالزراعة والصناعات، ويعيشون عيشة سهلة هنية، يبقى إخوانهم في مسقط رأسهم على حالتهم الأولى من الهمجية والخشونة والقسوة، ولذلك يظلون شبحا مخيفًا للمتحضرين) اهـ.\nثم يتحدث أبو الكلام عما عرف تاريخيًا من موجات متعاقبة لخروج يأجوج ومأجوج، فموجة كانت نحو آسيا الوسطى، وموجة نحو آسيا الغربية، وموجة نحو آسيا الغربية التي أوقفها (قورش) وموجة نحو الصين اقتضت من إمبراطور الصين (شين هوانغ تي) أن يبني جدار الصين العظيم، وموجة نحو أوروبا بقيادة أتيلا أنهت الإمبراطورية الرومانية، وموجة نحو الشرق العربي بقيادة جنكيز خان كان من آثارها تدمير أكثر البلدان الإسلامية ومنها بغداد (أقول: ولعلها المشار إليها بالحديث: \"ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج كذا\" وحلق الرسول ﷺ بين أصبعيه).","vol":"3","page":1129},{"text":"\"ويذكر أبو الكلام نبوءة لحزقيال عن يأجوج ومأجوج تذكر جوج بأنه رئيس منسك وتوبال فيقول ليس منسك إلا ما نسميه الآن موسكو، أما توبال فهي بلاد البحر الأسود المرتفعة\"، ومن كلام أبي الكلام نفهم أن يأجوج ومأجوج يشكلون الشعوب التي تعتبر وراء جبال القوقاز كما يشكلون بالموجات التي انساحوا فيها في البلاد شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا وسيطروا عليها وامتزجوا بها بشعوب أخرى، إنهم يشكلون أكثرية سكان هذا العالم، وهذا الذي يشير إليه الحديث الصحيح الذي يذكر أن الله يأمر آدم يوم القيامة أن يخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، وأن سبب كثرة بعث النار وجود أمتين يأجوج ومأجوج ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، فسكان أوروبا وآسيا الشرقية بما في ذلك الصين وسيبيريا ومنغوليا وحتى الجنس الآري كله مظنة ان يكون لهم صلة بيأجوج ومأجوج، واما من هم الذين انصبت عليهم النصوص بأن خروجهم ومجيئهم إلى بلاد الشام قبيل يوم القيامة، فأمر غيبي يعرف ساعة وقوعه ولنعد إلى كلام أبي الكلام أزاد: يخصص أبو الكلام آخر بحثه عن سد يأجوج ومأجوج ومن كلامه:\n(توجد في البقعة الواقعة بين بحر الخزر والبحر الأسود سلسلة جبال قوقاز كأنها جدار طبيعي، وقد سد هذا الجدار الجبلي الطرق الموصلة بين الشمال والجنوب، إلا طريقًا واحدًا بقي مفتوحًا، وهو مضيق في وسط سلسلة الجبال، يوصل بين الشمال والجنوب، ويسمى هذا المضيق في أيامنا هذه بمضيق داريال، ويشار إلى موضعه في الأطالس الحاضرة بين ولادي كيوكز  Vladi Koukas  وطفليس، حيث يوجد إلى الآن جدار حديدي من قديم الأزمان، ولا ريب أن هذا هو الجدار الذي بناه غوروش إذ تنطبق عليه الأوصاف التي وصف بها القرآن سد ذي القرنين قائلًا إنه استخدمت في بنائه زبر الحديد وأفرغ عليه النحاس بعد أن أذابوه لتتصل مفاصله، فلا يبقي به خلل، وقال إنه بني بين جدارين جبليين. وهذا هو ما نراه في مضيق داريال جدارين جبليين شاهقين أقيم بينهما هذا السد الحديدي الذي قفل باتصاله بالجدارين الطريق الذي كان مفتوحًا بينهما.\nوإن الكتابات الأرمنية لها أهمية كبيرة في المسألة، لأنها لقرب المكان أصبحت بمنزلة الشهادة المحلية، قد سمى هذا السد أو الجدار الحديدي في اللغة الأرمنية من الدهور السالفة","vol":"3","page":1130},{"text":"بـ\"بهاك غورائي\" و\"كابان غورائي\" ومعنى الكلمتين واحد وهو \"مضيق غوروش\" أو \"ممر غوروش\". ولا يخفى أن \"غور\" جزء لاسم غوروش بلا ريب. أفلا يثبت هذا أن غوروش هو الذي بنى الجدار وإليه نسبوه من قديم الزمان؟\nوهناك شهادة أخرى لا تقل في أهميتها عن الأولى، وهي شهادة لغة بلاد جورجيا التي هي القوقاز بعينها، فقد سمي هذا المضيق باللغة الجورجية من الدهور الغابرة \"الباب الحديدي\" وترجمه الأتراك إلى لغتهم \"دامركبو\" وهو مشهور إلى الآن عندهم.\nألف الكاتب التركي وأستاذ التركية والفارسية في سنت بتربورغ، كاظم بك في سنة ١٨٤٥ تاريخًا لهذه الجهات باسم \"دربند نامه\" وترجم الكتاب إلى الإنجليزية باسم تاريخدربند، فراجعه، ص ٢١.\nأما المؤرخون القدماء، فأول من ذكره منهم، هو الرحالة اليهودي الشهير، يوسف الذي كان عائشا في القرن الأول الميلادي ثم ذكره بعد أن عاينه بنفسه المؤرخ بروكويس  Procopius  في القرن السادس الميلادي، وذلك أن القائد الروماني، بلي ساريس  Bolisarius  لما أغار على هذه الجهة في سنة ٥٢٨ م كان الرجل معه فشاهد الأرض وما عليها.\nسبق لنا أن أشرنا إلى \"نهر سائرس\" الذي يثبت وصول غوروش إلى هذه البقعة، فهنالك في القوقاز أنهار، ينبع كلها من هذه الجبال. وقد سمى واحد منها بنهر سائرس أي غوروش. وقد وثقت المصادر الأرمنية والكرجية هذا الاسم. وذكره كذلك بعض السياح الأوروبيين من القرن السادس عشر، فهذا أنتوني جن كنسن  Anthonie Jenkinson  الذي أرسلته شركة تجارية في لندرة إلى إيران من طريق روسيا سنة ١٥٥٧ م، يذكر هذا النهر في رحلته قائلًا بأنه يسمى بنهر سائرس، ثم إن جميع الخرائط التي وضعت لهذه الجهات في القرن الثامن عشر، ذكرت \"نهر سائرس\" هذا بصراحة تامة). اهـ.\nثم يتحدث أبو الكلام عن خطأ شائع سببه وجود سد آخر على ساحل بحر الخزر تسمى دربند وسماها العرب باب الأبواب فاختلط على بعضهم الأمر فظنوا أن سد دربند هو سد ذي القرنين مع أن هذا السد بني بالحجارة ولا يوجد بين جبلين، فيؤكد أن سد ذي القرنين","vol":"3","page":1131},{"text":"هو الأول ويرجح أن هذا السد بني متأخرا وأن الذي بناه هو كسرى أنوشروان لضرورات دفاعية، ومن كلام أبي الكلام عن سد دربند:\n\"توجد على ساحل بحر الخزر الغربي بلدة، اشتهرت من العصر الساساني باسم \"دربند\" وسمتها العرب \"باب الأبواب\" وهي واقعة في نفس المكان الذي انتهت إليه سلسلة جبال القوقاز واتصلت بساحل بحر الخزر. وقد وجد هاهنا جدار حجري من الزمن القديم، يبتدئ من ساحل البحر ويرتفع على منحدرات الجبل صاعدًا إلى مرتفعاته، حتى يبلغ طوله نحو ثلاثين ميلًا.\nوتفصيل ذلك أنك تجد قبل وصولك بلدة دربند، جدارًا يسد الطريق كله من الساحل إلى مرتفعات الجبل، فلا يمكنك الدخول في البلدة إلا من باب في الجدار نفسه، وكذلك إذا خرجت من البلدة، وجدت جدارًا آخر مثل الأول يسد الطريق، إلا أن به كذلك بابًا يمكنك من التقدم. ويمتد الجداران جنبًا إلى مرتفعات الجبل، وينقص الفصل بينهما كلما تقدما، حتى يصبح عند الساحل خمسمائة ياردة. وفي هذا الفصل تقع البلدة ثم ينقص الفصل بعد ميلين كذلك، فلا يجاوز مائة ياردة. وهنا تنتهي سلسلة الجدارين، فيصيران جدارًا واحدًا. ويمتد هذا الجدار إلى ثمانية وعشرين ميلًا، وينتهي على المرتفعات العالية من الجبل. وكانت قد اشتهرت سلسلة الجدارين عند الفرس باسم \"دوبارة\" والمكان الذي انتهت إليه هذه السلسلة أقيمت فيه قلعة.\nوقد سدت هذه السلسلة جميع الطرق الموصلة بين الشمال والجنوب سدًا محكمًا، لأنها توغلت إلى داخل البحر، فسدت طريق الساحل كلية، ثم امتدت فوق الجبل إلى ثلاثين ميلًا، فسدت سائر الطرق التي وجدت في منحدرات الجبل سدًا تامًا، وليس لأحد أن يخترق من الشمال إلى الجنوب إلا بطريق واحد وهو الطريق الذي يفتحه البابان في سلسلة الجدار نفسه.\nومن المحقق أن هذا الجدار العظيم وجد قبل الإسلام وسمي المكان في العصر الساساني \"دربند\" لوجود الجدار به أي باب المملكة المقفل. وقد ذكر الإصطخري، والسعودي، والمقدسي، وياقوت الحموي، والقزويني وغيرهم من المؤرخين والجغرافيين العرب هذا المكان","vol":"3","page":1132},{"text":"باسم \"دربند\" قائلين إنه كان يعد أهم مكان في العصر الساساني. لأن المتغيرين ما كانوا يستطيعون مهاجمة إيران الشمالية إلا من هذا الطريق، فكان المكان مفتوحًا للمملكة الإيرانية، يملكها من يملكه.\nولما فتح العرب هذه الجهات في القرن الأول من الهجرة، أدركوا أهمية المكان كالساسانيين، فدعوه \"باب الأبواب\" عوضًا من \"دربند\" وسماه البعض \"باب الخزر\" أو \"باب الترك\" لأنه كان الطريق لغارات هذه الشعوب. والاسم ترجمة حرفية لاسمه الرومي \"كاسبين بورتا\" أي باب الخزر\". اهـ.\nويختم أبو الكلام حديثه بقوله:\n\"لقد كان في عصر غوروش أكبر خطر على آسيا الغربية من جهة قبائل سي تهين، وكان طريق غاراتهم من مضيق داريال، ولكن الوضع الجغرافي تغير بعد ألف عام، فلم يبق خطر من قبل سي تهين، ولكن حلت محله أخطار أخرى، كان أكبرها من جهة الإمبراطورية الرومانية الشرقية في بيزنطة التي كانت تنافس الإمبراطورية الفارسية، وتحاول القضاء عليها. وهي لم تكتف بطرق آسيا الصغرى المطروقة في حروبها، بل كانت تطرق هذا الطريق كذلك. ثم كانت هناك القبائل التركية في سهول بحيرة يورال وبحر الخزر التي انتشرت جماهيرها في الشمال، وكانت هي تهاجم الجهات الشمالية من الإمبراطورية الفارسية، فكان لزاما أن يحصن هذا المكان باهتمام كبير، وعلى ذلك شيد أنوشروان جدار دربند وسد به هذا الطريق في وجه المهاجمين\". اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).\nأقول:\nإن هذا التوجه الذي اتجه إليه أبو الكلام هو الذي يناسب سبب النزول وهو الذي تقوم به الحجة، وهو الذي تتحقق به المعجزة فيكون ذلك علمًا من أعلام نبوة رسولنا ﵊، وهو الذي ينسجم مع الواقع الحالي للمعرفة البشرية، كما أنه ينسجم مع حديث: \"ويل للعرب من شر قد اقترب\". وينسجم مع حديث: \"أخرج بعث النار ... \". ولا يتعارض مع نص قرآني إذ يمكن أن تفهم النصوص على ضوئه فقوله","vol":"3","page":1133},{"text":"تعالى على لسان ذي القرنين: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (١) لا يشترط في فهمه أن يكون الوعد هو يوم القيامة بل هو اليوم الموعود لخرابه، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ (٢). لا يشترط أن يكون خروجهم بين يدي الساعة منوطًا بوجود السد بل المراد خروجهم من مواطنهم غازين هذا العالم ومنه بلاد الشام، ويحتمل أن يكونوا هم شيوعي هذا العالم -إن بقوا-، ويحتمل أن يكونوا شعوب الاتحاد السوفياتي خاصة، ويحتمل أن يكونوا الصينيين خاصة، ويحتمل أن يكونوا غيرهم ولا يتحددون إلا بظهورهم بين يدي الساعة.\nإن تحقيقات العلماء كلها منصبة على أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم من ولد يافث ابن نوح ويدخل في ذرية يافث الروم والترك والجنس الآري والجنس الصيني، وعلى ذلك فسكان الهند والصين وشعوب شرقي آسيا وشعوب أوروبا أكثريتهم من ولد يافث ابن نوح، فمن هم الذين يعتبر خروجهم ومجيئهم بكثرتهم الكاثرة إلى بلاد الشام؟ هم يأجوج ومأجوج الذين يعتبر خروجهم من أشراط الساعة؟ الاحتمالات متعددة، والظاهر أنهم يأتون من الشرق.\nلقد غزا في عصرنا الاتحاد السوفياتي أفغانستان وأصبح بينه وبين بلدان الخليج أقل من أربعمائة كيلو متر وهذا نموذج على ما يمكن أن يفعله شيوعيو الاتحاد السوفياتي -إن بقوا- في يوم ما تجاه منطقتنا، والصينيون يبلغون اليوم مليارًا، ولا يبعد أن يجتاحوا آسيا في يوم من الأيام وهذا نموذج على ما يمكن أن يحدث.\nوقد وجدت روايات كاذبة حول السد ويأجوج ومأجوج، ووجدت روايات ضعيفة، فإذا ما وجد تحقيق قوى يمكن أن تفهم على ضوئه النصوص القرآنية والنصوص الحديثية الصحيحة والحسنة فإنه يكون مقدمًا حتى يأتي تحقيق آخر أقوى منه.\nومع ذلك كله فالأسلم التسليم والتفويض.\nوقد مرت معنا بمناسبة الكلام عن عيسى ابن مريم وفي أحاديث الدجال أحاديث كثيرة لها علاقة بيأجوج ومأجوج ومع ذلك أفردنا لها هذه الفقرة.\n_________\n(١) الكهف: ٩٨.\n(٢) الأنبياء: ٩٦.","vol":"3","page":1134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>نصوص</span>\n١٠٨٩ - * روى أحمد عن ابن حرملة وهو خالد بن عبد الله بن حرملة عن خالته قال خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه من لدغة عقرب فقال: \"إنكم تقولون لا عدو وإنكم لن تزالوا تقاتلون حتى يأتي يأجوج ومأجوج عراض الوجوه صغار العيون صهب الشعاف ومن كل حدب ينسلون كأن وجهوهم المجان المطرقة\".\n١٠٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعا يقول: \"لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها\" فقال زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم، إذا كثر الخبث\".\nهذه رواية البخاري ومسلم.\nوفي رواية الترمذي (١) قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من النوم محمرا وجهه، يقول: \"لا إله إلا الله ... \"وذكر نحوه. وفيه: وعقد عشرا.\nقوله: \"ويل للعرب\" إنما خص الويل بهم، لأن معظم مفسدتهم راجع إليهم، وقد وقع بعض ما أخبر به ﷺ حيث قال: \"إن يأجوج ومأجوج هم الترك\" وقد أهلكوا الخليفة المستعصم، وجرى ما جرى ببغداد، قاله الكرماني.\nقال النووي: \"الخبث\" هو بفتح الخاء والباء. وفسره الجمهور: بالفسوق والفجور. وقيل: المراد به: الزنا خاصة. وقيل أولاد الزنا. والظاهر: أنه المعاصي مطلقًا.\n_________\n١٠٨٩ - أحمد (٥/ ٢٧١).\nمجمع الزوائد (٨/ ٦) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح.\n(صهيب الشغاف) صهيب الشعور، والصهبة: الشقرة.\n١٠٩٠ - البخاري (١٣/ ١٠٦) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٨ - باب يأجوج ومأجوج.\nمسلم (٤/ ٢٢٠٨) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١ - باب اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج.\n(١) الترمذي (٤/ ٤٨٠) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٣ - باب ما جاء في خروج يأجوج ومأجوج.","vol":"3","page":1135},{"text":"\"ونهلك\" بكسر اللام، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحكي فتحها، وهو ضعيف أو فاسد. ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر، فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون.\n١٠٩١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد بيده تسعين\".\nقال النووي: \"فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه\" وعقد سفيان بيده عشرة، هكذا وقع في رواية سفيان عن الزهري. ووقع بعده في رواية يونس \"وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها\".\nوفي حديث أبي هريرة بعده \"وعقد وهب بيده تسعين\" فأما روايتا سفيان ويوسف، فمتفقتان في المعنى، وأما رواية أبي هريرة فمخالفة لهما؛ لأن عقد التسعين أضيق من العشرة.\nقال القاضي: لعل حديث أبي هريرة متقدم، فزاد قدر الفتح بعد هذا القدر، قال: أو يكون المراد: التقريب للتمثيل، لا حقيقة التحديد، و\"يأجوج ومأجوج\" غير مهموزين ومهموزان، قرئ في السبع بالوجهين، والجمهور بترك الهمزة\".\n_________\n١٠٩١ - البخاري (١٣/ ١٠٦) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٨ - باب يأجوج ومأجوج.\nمسلم (٤/ ٢٢٠٨) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١ - باب اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج.\n(ردم): ردمت الثلمة ردما: إذا سددتها، والاسم والمصدر سواء: الردم.\n(حلق وعقد عشرًا): حلق: أي جعل أصبعه كالحلقة، وعقد عشرًا: هي من مواضعات الحساب، وهو أن تجعل رأس أصبعك السبابة في وسط أصبعك الإبهام من باطنها شبه الحلقة، وعقد التسعين مثلها، إلا أنها أضيق منها حتى لا يبين في الحلقة إلا خلل يسير","vol":"3","page":1136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>مسائل وفوائد</span>\n(١)\nقد مر معنا من قبل حديث النواس بن سمعان وفيه:\n\"فبينما هو كذلك (أي عيسى ﵇) إذ أوحى الله إلى عيسى ﵇ إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ... \" (١).\n_________\n(لايدان): أي لا قدرة ولا طاقة لاحد بمقاتلتهم.\n(فحرز عبادي إلى الطور): أي ضمهم إلى الطور واجعله لهم حرزا. والطور هو الجبل الذي ناجى عليه سيدنا موسى ﵇ ربه، وهو بالقرب من مصر عند موضع يسمى مدين كما قاله ياقوت في معجم البلدان.\n(الحدب): المرتفع من الأرض.\n(ينسلون): يسرعون.\n(يحصر نبي الله عيسى وأصحابه): أي يحاصرون ويحبسون في جبل الطور.\n(فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله: أي يدعون الله ويرغبون إليه في إهلاكهم.\n(النغف): دود يكون في أنوف الإبل والغنم.\n(فرسى): أي موتى.\n(يهبط نبي الله عيسى وأصحابه): أي ينزلون من جبل الطور.\n(نتنهم): رائحتهم الكريهة.\n(البخت): الإبل ذات الاعناق الطويلة القوية.\n(لا يكن): أي لا يحفظ منه بيت تراب أو حجر أو صوف أو شعر.\n(كالزلفة): أي كالمرآة في صفاتها ونظافتها.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٥٠) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٢٠ - باب ذكر الدجال وصفته وما معه.","vol":"3","page":1137},{"text":"(٢)\nقال ابن كثير في النهاية:\n\"يأجوج ومأجوج طائفتان من الترك من ذرية آدم ﵇ كما ثبت في الصحيح، يقول الله تعالى يوم القيامة:\n\"يا آدم فيقول: لبيك وسعديك فينادي بصوت: ابعث بعث النار فيقول كم؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون على النار وواحد إلى الجنة، فيومئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها؛ فيقال: أبشروا؛ فإن في يأجوج ومأجوج لكم فداء؛ وفي رواية فيقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج\"\n\"وهم يشبهون الناس كأبناء جنسهم من الأتراك المخرومة عيونهم الزلف أنوفهم الصهب شعورهم على أشكالهم وألوانهم، ومن زعم أن منهم الطويل الذي كالنخلة السحوق أو أطول، ومنهم القصير الذي هو كالشيء الحقير، ومنهم من له أذنان يتغطى بإحداهما ويتوطى بالأخرى، فقد تكلف ما لا علم له به، وقال ما لا دليل عليه\". اهـ (النهاية في الفتن والملاحم).\nأقول: تطلق كلمة الأتراك على الأقوام القاطنة وراء جبال تركستان، فلا ينبغي أن ترتبط كلمة الترك بما هو مشهور ومعروف الآن: أن الأتراك هم سكان آسيا الصغرى في شمال بلاد الشام، فهناك أتراك مسلمون كانت لهم أدوار كبيرة في خمة الإسلام والمسلمين، فهؤلاء من الأمة الإسلامية ولا يدخلون فيما ورد من كلام للعلماء في كفار الترك.\n(٣)\nقال الشيخ عبد الفتاح:\n\"ويأجوج ومأجوج كل واحد من هذين اللفظين: اسم لقبيل وأمة من الناس، مسكنهم في أقصى الشرق، وما يقال في خلقتهم وصفاتهم مما يخيل إلى سامعه أنهم ليسوا من طبيعة البشر ولا على خلقة الناس فكذب لا أصل له. قال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" في تفسير سورة الكهف ٣: ١٠٣ - ١٠٤: \"هم من سلالة آدم ﵇، كما ثبت في \"الصحيحين\": أن الله تعالى يقول -أي يوم القيامة- يا آدم فيقول: لبيك وسعديك،","vol":"3","page":1138},{"text":"فيقول: ابعث بعث النار -أي ميز أهل النار من غيرهم- فيقول: وما بعث النار؟ -أي وما مقدارهم؟ - فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير! وتضع كل ذات حمل حملها! فقال -أي رسول الله ﷺ-: إن فيكم أمتين ما كانت في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج\". انتهى.\nقال العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى في تفسيره \"محاسن التأويل\" عند ذكرهم في سورة الكهف ١١: ٤١١٦: \"قال بعض المحققين: كان يوجد من وراء جبل من جبال القوقاز المعروف عند العرب بجبل قاف في إقليم داغستان: قبيلتان، تسمى إحداهما: (آقوق)، والثانية (ماقوق)، فعربها العرب باسم (يأجوج) و(مأجوج)، وهما معروفان عند كثير من الأمم، وورد ذكرهما في كتب أهل الكتاب، ومنهما تناسل كثير من أمم الشمال والشرق في روسيا وآسيا\".\nثم قال الحافظ ابن كثير: \"وما يذكر في الأثر عن وهب بن منبه في أشكالهم وصفاتهم وآذانهم وطولهم وقصر بعضهم ففيه غرابة ونكارة. وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها\". انتهى. وقال الشيح أبو حيان الاندلسي في تفسيره: \"البحر\" ٦: ١٦٣ \"قد اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصح في ذلك شيء\". ونقله عنه العلامة الألوسي في تفسيره \"روح المعاني\" ٥: ١٤٢ مرتضيًا له. ويعني أبو حيان أن الأخبار التي تروى في ذلك ضعيفة لا تثبت على محك النقد.\nوقد اتفقت كلمة القرآن الكريم والحديث الشريف على كثرة يأجوج ومأجوج، وشدة إفسادهم كما هو صريح في ... [حديث النواس بن سمعان]، وكما هو صريح في حديث \"الصحيحين\" الذي نقلناه عن الحافظ ابن كثير ...، وكما جاء ذلك في أحاديث كثيرة لا تحصى.\nوقد أفصح القرآن الكريم عن هذا أيضًا فقال تعالى في سورة الكهف مخبرًا عن ذي القرنين وعنهم: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا","vol":"3","page":1139},{"text":"عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (١)؟ ثم قال سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ (٢).\nوقال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٣: ١٠٥ \"وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ (٣) قال: ذاك حين يخرجون على الناس. وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ (٤). وقال عند هذه الآية في سورة الأنبياء ٣: ١٩٥: \"وهذه صفتهم في حال خروجهم\".\nاهـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح)\n* * *\n_________\n(١) الكهف: ٩٣ - ٩٤.\n(٢) الكهف: ٩٩.\n(٣) الكهف: ٩٩.\n(٤) الأنبياء ٩٦ - ٩٧.","vol":"3","page":1140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الفقرة الثانية والعشرون\nفي\nلا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>مقدمة</span>\nبعد وفاة المسيح علية السلام بفترة ما يرسل الله ريحًا تقبض روح كل مؤمن كما مر معنا من قبل، وأصل هذا الموضوع وهو أن ريحًا تكون بعد المسيح ﵇ بزمن ما تقبض روح كل مؤمن فلا يبقى إلا شرار الخلق عليهم تقوم الساعة، هذا القدر فيه نصوص كثيرة منها حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكرناه من قبل وناقشنا بعض أجزائه، والذي فيه (١):\n\" ... ثم يرسل الله ريحا فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتي لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان\".\nوفي رواية لأحمد ومسلم وغيرهما (٢) \" ... فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة. فتأخذهم تحت آباطهم. فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة\".\n(يتهارجون تهارج الحمر): قال الشيخ عبد الفتاح:\n\"أي يتسافدون في الأرض تسافد الحمر، أي يجامع الرجال علانية النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك. والهرج: الجماع. وهذا نموذج لشيوع الفساد والفواحش حينذاك \" اهـ (التصريح).\n_________\n(١) انظر الحديث وتخريجه ص ١٠٩٨.\n(٢) انظر الحديث وتخريجه ص ١٠٢٨، ١٠٣٢.","vol":"3","page":1141},{"text":"وهذه نصوص أخرى تؤكد هذا الشأن:\n١٠٩٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يبعث ريحًا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته\".\nوفي رواية (١): \"مثقال ذرة\".\n١٠٩٣ - * روى مسلم عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة إلا على أشرار الناس\".\n١٠٩٤ - * روى مسلم بن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة على أحدٍ يقول: الله الله\".\nوفي رواية (٢) \"حتى لا يقال في الأرض: الله الله\".\n١٠٩٥ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض فيبقى فيها عجاج لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرا\".\n_________\n١٠٩٢ - مسلم (١/ ١٠٩) ١ - كتاب الإيمان، ٥٠ - باب في الريح التي تكون قرب القيامة تقبض من في قلبه شيء من الإيمان.\n(١) مسلم: الموضع نفسه\n١٠٩٣ - مسلم (٤/ ٢٢٦٨) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٢٧ - باب قرب الساعة.\n١٠٩٤ - مسلم (١/ ١٣٠) ١ - كتاب الإيمان، ٦٦ - باب ذهاب الإيمان آخر الزمان.\n(٢) مسلم: الموضع نفسه\nوالترمذي (٤/ ٤٩٢) ٢٤ - كتاب الفتن، ٣٥ - باب حدثنا محمد بن بشار.\nوقال الترمذي: وروي عنه غير مرفوع، وهو أصح.\n١٠٩٥ - أحمد (٢/ ٢١٠).\nمجمع الزوائد (٨/ ١٣)، وقال الهيثمي: رواه أحمد مرفوعًا وموقوفًا، ورجالها رجال الصحيح.\n(العجاج): الغوغاء والأراذل ومن لا خير فيه.","vol":"3","page":1142},{"text":"١٠٩٦ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله\".\n١٠٩٧ - * روى أحمد عن علباء السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول \"لا تقوم الساعة إلا على حثالة من الناس\".\n١٠٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة\" وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية.\nوفي رواية: (١) وذو الخلصة: صنم كان يعبده دوس في الجاهلية بتبالة.\n١٠٩٩ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يذهب الليل والنهار، حتى تعبد اللات والعزى\" قلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ الصف: ٩. أن ذلك تام، قال: \"إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتتوفى كل من كان في قلبه مثقال\n_________\n١٠٩٦ - أحمد (٣/ ١٠٧).\nمجمع الزوائد (٨/ ١٣)، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n١٠٩٧ - أحمد (٣/ ٤٩٩).\nوالمعجم الكبير (١٨/ ٨٤).\nمجمع الزوائد (٨/ ١٣)، وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني، ورجاله ثقات.\n١٠٩٨ - البخاري (١٣/ ٧٦) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٣ - باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان.\nمسلم (٤/ ٢٢٣٠) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٧ - لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة.\n(١) مسلم الموضع السابق\n(أليات نساء دوس على ذي الخلصة): ذو الخلصة: بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة، ومن كل ببلادهم من العرب: قيل: هو صنم، وكان عمرو بن لحي نصبه بأسفل مكة، حين نصب الأصنام في مواضع شتى، فكانوا يلبسونه القلائد، ويعلقون عليه بيض النعام، ويذبحون عنده، فكان معناهم في تسميتهم بذلك: أن عباده خلصةـ، وقيل: هو الكعبة اليمانية، والمعنى: أنهم يرتدون ويرجعون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان، فترمل نساء دوس طائفات حوله فترنح أردافهن.\n١٠٩٩ - مسلم (٤/ ٢٢٣٠) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٧ - باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة.","vol":"3","page":1143},{"text":"حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم\".\n١١٠٠ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة ﵀، قال: كنت عند مسلمه ابن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله، لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم، فينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمه: يا عقبه، اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك\"، قال عبد الله: أجل، \"ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة\".\n* * *\n_________\n١١٠٠ - مسلم (٣/ ١٥٢٣) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٥٢ - باب قوله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي ... إلخ.","vol":"3","page":1144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>الفقرة الثالثة والعشرون\nفي:\nنار عدن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>مقدمة</span>\nإن آخر الآيات التي تكون بين يدي الساعة هي خروج نار من قعر عدن تسوق الناس إلى أرض المحشر، وقد حاول بعض العلماء أن يحمل الأحاديث الواردة في ذلك على ما ظهر في أرض العرب من بترول استعمل في السيارات وغيرها بحيث يستطيع الإنسان أن يسافر من اليمن إلى الشام على راحته فيطفئ محرك السيارة حيث شاء ويمشي حيث شاء وذلك فهم خاطئ للنصوص، فالنار الواردة في النصوص حادثة خارقة تكون بين يدي الساعة تحشر الناس بشكل خارق حتي تلحقهم إلى الشام مركز الحشر ثم تقوم الساعة على الناس، ولا تقوم الساعة إلا على كافر كما رأينا في الفقرة السابقة.\nوهذه بعض النصوص الواردة في هذا الشأن وقد مر معنا بعضها من قبل:","vol":"3","page":1145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>النصوص</span>\n١١٠١ - * روى مسلم عن حذيفة بن أسد الغفاري رفعه: \"إنها لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان والدجال والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالشرق وخسف بالغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تطرد الناس إلى محشرهم\".\nوفي رواية (١): \"وريح تلقي الناس بالبحر\".\nوفي أخرى (٢): \"ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس فتبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا\".\n١١٠٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا يكون لها ما سقط منهم وتخلف وتسوقهم الجمل الكسير\".\n١١٠٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ستخرج نار من حضر موت -أو من بحر حضر موت- قبل القيامة تحشر الناس\" قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: \"عليكم بالشام\".\n_________\n١١٠١ - مسلم (٤/ ٢٢٢٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٣ - باب في الآيات التي تكون قبل الساعة\nوأبو داود (٤/ ١١٤) كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة.\nوالترمذي (٤/ ٤٧٧) ٣٤ - كتاب الفتن، ٢١ - باب ما جاء في الخسف. وقال: هذا حديث حسن صحيح\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٢٦): الموضع السابق.\n(٢) الترمذي: الموضع السابق.\n١١٠٢ - مجمع الزوائد (٨/ ١٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات.\n١١٠٣ - الترمذي (٤/ ٤٩٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٤٢ - باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.","vol":"3","page":1146},{"text":"١١٠٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن بن عبد الله بن سلام عن النبي ﷺ أنه سئل عن أول أشراط الساعة فقال النبي ﷺ: \"إن أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق وتحشرهم إلى المغرب\".\n١١٠٥ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"أول أشراط الساعة: نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب\".\n(قال الحافظ في \"الفتح\": وصلة المصنف في باب الهجرة في قصة إسلام عبه الله بن سلام موصولًا من طريق حميد عن أنس بلفظ: \"وأما أول أشراط الساعة، فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب\" ووصله أيضًا في الأنبياء من وجه آخر عن حميد بلفظ: \"نار تحشر الناس ... \".\nأقول: الأولية هنا نسبية فهي آخر الأشراط من ناحية وهي الأولى بالنسبة لما بعدها من ناحية أخرى.\n١١٠٦ - * روى أحمد عن رافع بن بشير السلمي عن أبية أن رسول الله ﷺ قال: \"يوشك أن تخرج نار من حبس سيل تسير بسير بطيئة الإبل تسير النهار وتقيم الليل تغدو وتروح يقال: غدت النار أيها الناس فاغدوا، قالت النار أيها الناس قيلوا، راحت النار أيها الناس روحوا، من أدركته أكلته\".\n_________\n١١٠٤ - مجمع الزوائد (٨/ ١٢) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.\n١١٠٥ - البخاري (١٣/ ٧٨) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٤ - باب خروج النار. وقد رواه تعليقًا.\n١١٠٦ - أحمد (٣/ ٤٤٣).\nوالمعجم الكبير (٢/ ٤٢).\nمجمع الزوائد (٨/ ١٢) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير رافع وهو ثقة.","vol":"3","page":1147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>مسائل وفوائد</span>\n(١)\nقال ابن كثير بمناسبة الكلام عن نار عدن:\n\"فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا، من أقطار [إلى] محلة المحشر، وهي أرض الشام، ...، وهي [أي: هذه النار] التي تخرج من قعر عدن، فتحيط بالناس، من ورائهم، تسوقهم من كل جانب، إلى أرض المحشر، ومن تخلف منهم أكلته النار، وهذا كلة مما يدل على أن هذا في آخر الدنيا، ...، وحيث يهلك المتخلفون منهم بالنار، ولوكان هذا بعد نفخة البعث، لم يبق موت ... ولا أكل ولا شرب، ولا لبس في العرصات\". أهـ (النهاية في القتن والملاحم).\n(٢)\nعلق الشيخ عبد الفتاح حفظه الله على الأحاديث التي تذكر أن النار تخرج من عدن أو من المشرق بما يلي:\n(قال الحافظ بن حجر: ووجه الجمع بين هذه الأخبار أن كون النار تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها. والمقصود بقوله ﷺ: \"تحشر الناس من المشرق إلى المغرب\": إرادة تعميم الحشر، لا خصوص المشرق والمغرب، وأما جعل الغاية إلى المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق: مغرب\". انتهى بزيادة وتصرف.\nوقد تضمنت هذه الأحاديث بيان مكان خروج النار، وبيان وقت خروجها، وكيفية سوقها للناس، ومنتهاها بهم. وجاء في حديث آخر بيان حال الناس حين يساقون إلى المحشر في الشام:\nروى البخاري في \"صحيحة\" ١١: ٣٢٦ ومسلم في \"صحيحة\" أيضًا ١٧: ١٩٤ عن أبي هريرة ﵁ ان النبي ﷺ قال: \"يحشر الناس -أي إلى الشام قبل قيام الساعة","vol":"3","page":1148},{"text":"وهم أحياء -على ثلاث طرق- أي غلى ثلاث أحوال- راغبين وراهبين، واثناء على بعير- هذا معطوف على محذوف تقديره: واحد على بعير، واثنان على بعير- وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير- أي أنهم يتعاقبون على ركوب البعير الواحد، فيركب بعضهم ويمشي بعضهم- وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا\" أي تلازمهم كل الملازمة إلى ان يصلوا إلى مكان الحشر، نسأل الله السلامة والعون). أهـ (التصريح).\n* * *","vol":"3","page":1149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>الوصل الثاني\nفي\nالموت والحياة البرزخية</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص ومسائل وفوائد","vol":"3","page":1151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>المقدمة</span>\nفي الموت جانب محسوس وهو محل الرؤية والتعليل الطبي، وفي الموت جانب غيبي، فقد أخبرنا الكتاب والسنة عن مفارقة الروح للجسد، وعن قبض الروح بواسطة ملك الموت وأعوانه فهذا القدر داخل في الاعتقاد:\n﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (١).\n﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٢).\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٣).\nوتحدث عن الموت معان كانكشاف شيء غيبي للإنسان، ويرافق الموت معان، ويحدث للروح بعد الموت معان، وهناك نوع تعلق للروح في جسدها بعد الوفاة، ومن ههنا يأتي نعيم القبر وعذابة وهي قضايا غيبية، ثم إن لروح المؤمن والشهيد أوضاعًا خاصة في عالم البرزخ ولروح الكافر أوضاع أخرى، فهناك حياة برزخية فيما بعد وفاة الإنسان حتي النفخة الأولى إذ تقوم القيامة الكبرى فعندئذ تبدأ مرحلة جديدة في رحلة الإنسان، وكل هذه قضايا غيبية يجب الإيمان بها وهي مرتبطة بالإيمان باليوم الآخر فالموت هو القيامة الصغرى وبالنفخة الأولى تقوم القيامة الكبرى.\n* * *\nويتوضح حول الموت أكثر من موضوع فهناك أدب التعامل مع الموت وهناك الصلاة على الميت وهناك الجانب الغيبي في الموت، فأما أدب التعامل مع الموت فسنذكره في القسم الرابع في (الأخلاقيات وأحكام الحياتيات والعاديات)، والجانب الغيبي محله هنا في قسم (العقائد) وهو محل بحثنا هنا، والقرآن فيه تفصيل كل شيء ومن جملة ذلك الجانب الغيبي في أمر الحياة والموت:\n﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٤).\n_________\n(١) الزمر: ٤٢.\n(٢) السجدة: ١١.\n(٣) الأنعام: ٦١.\n(٤) تبارك: ٢.","vol":"3","page":1153},{"text":"﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (١).\n﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢).\n﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٣).\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٥).\n﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٦).\nونصوص السنة توضح وتبين وتزيد التفصيل تفصيلًا.\n* * *\nوالملحدون والماديون وبعض أهل الفلسفة ينكرون الروح وذلك كفر، كيف والروح تعبر عن نفسها بحركة الجنين بعد أن يمر عليه أربعة أشهر ونيف وتدل على ذاتها بالنوم وبالتنويم المغناطيسي وتعبر عن نفسها وتطلعاتها الأصلية أو الملابسة بأنواع التطلعات.\nوبعض الماديين ينكرون ما ورد في بعض النصوص من ذكر أن عذاب القبر يحس به ما سوى الإنس والجن مع أن ذلك مشاهد عند بعض الحيوان فكثيرا ما تصغي الخيل إذا مرت بالقبور، ثم إنه من الثابت أن أذن الإنسان إنما تسمع الأصوات التي تكون ذبذباتها ضمن حد معين بينما المخلوقات الأخرى لها عتبات أخرى، وإنما نذكر هنا من باب التقريب، وإلا فحيث ثبت النص فواجبنا التسليم:\n_________\n(١) الأنعام: ٦١.\n(٢) إبراهيم: ٢٧.\n(٣) غافر: ٤٦.\n(٤) آل عمران: ١٦٩.\n(٥) الأعراف: ٤٠.\n(٦) الفجر: ٢٧ - ٣٠.","vol":"3","page":1154},{"text":"﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١).\n* * *\nلقد أعطانا الله صورة مصغرة عن الموت بالنوم ورد في حديث صحيح: \"النوم أخو الموت\" وفي الآية ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢). وكما أن النائم يفرح ويتألم ويتلذذ ويتعذب ولا يحس بما يحدث له من يراقبه فكذلك شأن الميت مع الفارق بين الحالين.\nوهاك عرضًا إجماليًا لموضوع الموت والحياة البرزخية:\nالأمم لها آجال والحيوانات لها آجال وأفراد الإنس والجن لهم آجال فلا يموت أحد حتى يستوفي أجله الذي قدره الله له، قال تعالى:\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣).\n﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (٤).\n﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٥).\n﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٦).\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٧).\n﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٨).\n﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩).\n_________\n(١) الكهف: ٢٩.\n(٢) الزمر: ٤٢.\n(٣) الأعراف: ٣٤.\n(٤) الأنعام: ٣٨.\n(٥) آل عمران: ١٥٤.\n(٦) الزمر: ٣٠.\n(٧) آل عمران: ١٨٥.\n(٨) المنافقون: ١١.\n(٩) آل عمران: ١٥٨.","vol":"3","page":1155},{"text":"﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١).\n-وإذا كان الموت قادمًا بالنسبة للإنسان فعليه أن يستعد له، قال تعالى:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٢).\n﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣).\n-وإنما يتم الموت بنقض روح الإنسان من قبل الملك الموكل بذلك وأعوانه ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٤).\nوالملائكة تبشر أهل الاستقامة عند قبض أرواحهم وتبكت الكافرين:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٥).\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٦).\n-وعند الموت وبعده تنكشف للإنسان الكثير من الغيوب فيستبشر المؤمن ويتحسر الكافر ويتمنى الرجوع ويندم ولات حين مندم:\n﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (٧).\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٨).\n_________\n(١) الرحمن: ٢٦ - ٢٧.\n(٢) الحشر: ١٨.\n(٣) البقرة: ١٩٧.\n(٤) الأنعام: ٦١.\n(٥) فصلت: ٣٠ - ٣١.\n(٦) الأنعام: ٩٣.\n(٧) ق: ١٩.\n(٨) المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠.","vol":"3","page":1156},{"text":"-ومن قوله تعالى ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١) سمى العالم الذي ينتقل إليه الإنسان بعالم البرزخ فالبرزخ هو الواقع بين الشيئين فالبرزخ هو العالم الذي ينتقل إليه الإنسان بعد الموت ويبقى فيه إلى يوم البعث فجميع الأموات يصيرون إلى عالم البرزخ قبروا أو لم يقبروا.\n-فإذا قبضت روح الإنسان ذهب بها إلى السماء فإن كان صاحبها مؤمنًا دخلت السماء لتلقى ربها راضية مرضية على الوجه الذي يشاؤه ربنا ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (٢) ثم ترجع إلى الأرض ليكون لها نوع لقاء بجسمها سواء مقبورًا أو مذرورا فتكون ضمة قبر وسؤال ونعيم برزخي وإن كان صاحبها كافرًا أو منافقًا لا تفتح لها أبواب السماء وترد نوع رد إلى جسمها لتسأل وتعذب:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (٣).\n-وأرواح الأنبياء والشهداء وبعض المؤمنين لها نفحاتها الخاصة في الجنة:\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤).\n-ولعالم الروح في البرزخ أحوال على حسب وضع صاحبها، وللأرواح لقاءات وزيارات وصلات فعالم البرزخ أوسع بما لا يقاس من عالم الدنيا بل هو بالنسبة لعالم الدنيا كعالم الدنيا بالنسبة لعالم البطن.\nومن المتفق عليه بين أهل السنة والجماعة: أن الميت منعم أو معذب على حسب وضعة وحاله، ولكن هل هذا النعيم أو العذاب للروح فقط أو للجسد صلة بشكل ما مع الروح في النعيم والعذاب؟ الذي عليه جماهير أهل السبة والجماعة: أن هذا النعيم أو العذاب للروح وللجسد بكيفية علمها عند الله؛ قال تعالى:\n﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ\n_________\n(١) المؤمنون: ١٠٠.\n(٢) الأحزاب: ٤٤.\n(٣) الأعراف: ٤٠.\n(٤) آل عمران: ١٦٩.","vol":"3","page":1157},{"text":"الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ (١).\n﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢).\n﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٣).\n-والأموات ينتفعون بدعاء الأحياء لهم وبما يعتبر استمرارًا لخير قدموه قال تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤).\n﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٥).\n-وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة حول الموت والحياة البرزخية وألفت في ذلك الكتب الكثيرة، ولو أردنا أن نتعرض لكل ما ورد لطال بنا المقام ولذلك فإننا سنقتصر على ذكر بعض نصوص السنة النبوية هنا، وهناك نصوص تأتي في سياقات أخرى كالكلام عن الشهداء وكالكلام عن أدب التعامل مع الموت وكالكلام عن صلاة الجنازة.\n-ومن العناوين التي ذكرها الشيخ عبد الله سراج الدين في كتابه (الإيمان بعوالم الآخرة ومواقفها) نعرف سعة هذا الموضوع فقد ذكر العناوين الآتية:\nالموت وحقيقه -كلمات حول الروح الإنساني- بشارة الملائكة ﵈ عند الموت- إنذار الملائكة ﵈ للكفار عند موته بالعذاب- حسرات الكافرين والعصاة حين ينزل بهم الموت وتمنيهم العودة إلى الدنيا- عالم البرزخ- الناس على مراتب في لقاء\n_________\n(١) الواقعة: ٨٨ - ٩٤.\n(٢) الفجر: ٢٧ - ٣٠.\n(٣) غافر: ٤٥ - ٤٦.\n(٤) الحشر: ١٠.\n(٥) يس: ١٢.","vol":"3","page":1158},{"text":"ربهم- السؤال في البرزخ- نعيم القبر وعذابه- تعوذه ﷺ من عذاب القبر وأمره بذلك- أسباب عذاب القبر- نعيم القبر على مراتب متعددة- تكليم الله ﷾ أولياءه ونظرهم إليه سبحانه في عالم البرزخ- اطلال أهل البرزخ وسماعهم- انتفاع الأموات بالأعمال الصالحة والأقوال الطيبة التي يهديها إليهم الاحياء- عرض الأعمال على سيدنا محمد ﷺ- عرض الأعمال على الأقارب والعشيرة في البرزخ- حال أهل البرزخ من حيث الأعمال التعبدية- تلاقي الأموات في عالم البرزخ وتساؤلهم وتزاورهم- التقاء أهل الدنيا بأهل البرزخ واتصالهم بهم.\nفالموضوع واسع وما لا يدرك كله لا يترك جله. وسنذكر هنا من النصوص ما هو الألصق بموضوعنا:","vol":"3","page":1159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>بعض النصوص القرآنية</span>\nالتي تتحدث عن الموت والحياة البرزخية\n﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾: أي إذا بلغت الروح أعالي الصدر، فالتراقي جمع ترقوة، وللإنسان ترقوتان، وهما أعلى عظمين في الصدر يكتنفان العنق من جهة الأمام.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ من الرقية، أي من يرقيه ليشفيه، والرقية: تكون بتلاوة قرآن أو دعاء. وفسرها بعضهم بأن المراد بذلك: من يرقى بروحه: ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: قد يراد بها التصاق الساقين وقد يراد بها اجتماع الشدة بالشدة، فقد اجتمعت عليه شدة النزع في الدنيا وشدة ما سيلقى بعد الموت.\nوقال السدي: المراد بذلك: لف الساقين بالكفن.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾: أي المرجع والمآب، وذلك أن الروح بعد الموت يصعد بها إلى السماء، فإن كانت مؤمنة فتحت لها أبواب السماء ثم ردت إلى الأرض مكرمة، وإن كانت غير مؤمنة لا تفتح لها أبواب السماء، وردت إلى الأرض مسخوطًا عليها.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (٢).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا\n_________\n(١) القيامة: ٢٦ - ٣٣.\n(٢) آل عمران: ١٨٥.","vol":"3","page":1160},{"text":"وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أي عند الموت قائلين: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾: أي مما تقدمون عليه من أمر الآخرة ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: على ما خلفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال ودين، فأنا نخلفكم فيه.\nورجح ابن كثير: أن المراد بتنزيل الملائكة: تنزلهم عند الموت وفي القبر وحين البعث.\n﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾: أي الروح، ﴿الْحُلْقُومَ﴾: أي الحلق.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾: أي إلى المحتضر وما يكابده دون أن تستطيعوا أن تفعلوا له شيئًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾: أي مقهورين بالموت ومجزبين على أعمالكم. ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾: أي فارجعوا هذه الروح إلى جسدها وامنعوا عنها الموت.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾: أي المحتضر حاله واحدًا من أحوال ثلاثة، فلكل حالة جزاؤها بعد الموت، فالمقرب وصاحب اليمين: مبشران، والآخر: فإنه مؤنب معذب.\nالروح: الرحمة. \"الريحان\": الرزق. و\"النزل\": الضيافة.\n﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ\n_________\n(١) فصلت: ٣٠ - ٣٣.\n(٢) الواقعة: ٨٣ - ٩٤.","vol":"3","page":1161},{"text":"فِيهَا خَالِدُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي ينالهم ما كتب عليهم جزاء على أعمالهم، وفي الآية دليل على أن الملائكة تقرع الكافر عند نزل روحه، وأن الكافر يعرف حقيقة ما كان عليه من الضلال عند نزع الروح.\n_________\n(١) الأعراف: ٣٥ - ٣٧.","vol":"3","page":1162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>النصوص الحديثية</span>\n١١٠٧ - * روى الترمذي عن أبي عزة، يسار بن عبد، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا قضي الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة، [أو بها حاجة] \".\n١١٠٨ - * روى النسائي عن عبد الله بن عمرو: مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم قال: \"يا ليته مات بغير مولده\" قالوا ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: \"إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس من مولده إلى منقطع أثره في الجنة\".\n١١٠٩ - * روى رزين عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها\".\n١١١٠ - * روى أبو يعلى عن يحيى بن طلحة قال: رأى عمر طلحة بن عبيد الله حزيبا فقال مالك؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إني لأعلم كلمات لا يقولهن عبد عند الموت إلا نفس الله عنه وأشرق له من لونه ما يسره\"، قال فما يمنعني أن أسأله\n_________\n١١٠٧ - الترمذي (٤/ ٤٥٣) ٣٣ - كتاب القدر، ١١ - باب ما جاء أن النفس تموت حيث ما كتب لها.\nوقال: هذا حديث صحيح.\n١١٠٨ - النسائي (٤/ ٧) كتاب الجنائز، ٨ - باب الموت بغير مولده. وإسناده حسن\nوابن ماجة (١/ ٥١٥) ٦ - كتاب الجنائز، ٦١ - باب ما جاء فيمن مات غريبًا.\n١١٠٩ - أخرجه رزين، كما في الجامع. وقد رواه أبو نعيم في \"الحلية\" من حديث أبي أمامه، وابن حيان والحاكم وابن ماجه من حديث جابر، والحاكم من حديث ابن مسعود، والبزار من حديث حذيفة، وابن حيان والبزار والطبراني عن أبي الدرداء، وأبو يعلي عن أبي هريرة، وابن ماجة عن أبي حميد الساعدي مطولًا ومختصرًا، وهو حديث صحيح، وانظر فيض القدير (٢/ ٤٠٥).\n(روح القدس): القدس: الطهارة، وروح القدس: اسم جبريل ﵇ أي: الروح المقدسة الطاهرة.\n(نفث في روعي): النفث: النفخ بالفم، والروع: النفس، يقول: نفث في روعي، أي: ألقى في قلبي، وأوقع في نفسي، وألهمني.\n١١١٠ - مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٤) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1163},{"text":"عنها إلا القدرة عليها، فقال عمر: إني لأعلم ما هي، قال طلحة: ما هي؟ قال: هل تعلم كلمة أفضل من كلمة دعا إليها رسول الله ﷺ عمه عند الموت؟ قال طلحة: هي والله هي: لا إله إلا الله.\n١١١١ - * روى ابن ماجه عن عائشة أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها حميم لها يخنقه الموت فلما رأى النبي ﷺ ما بها قال لها: \"لا تبتئسي على حميمك فإن ذلك من حسناته\".\n١١١٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود رفعه قال: \"لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإن نفي المؤمن تخرج رشحا ونفس الكافر تخرج من شدقه كما تخرج نفس الحمار\".\n١١١٣ - * روى البزار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله ﵎ للنفس اخرجي قالت لا أخرج إلا كارهة قال اخرجي وإن كرهت\".\n١١١٤ - * روى الطبراني عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: قلت: يا رسول الله إذا أمتنا صلى لنا عثمان بن مظعون حتى تأتينا فقال لها رسول الله ﷺ: \"لو تعلمين ما أعلم عن الموت يا بنت زمعة علمت أنه أشد مما تقدرين\".\n_________\n١١١١ - ابن ماجه (١/ ٤٦٧) ٦ - كتاب الجنائز، ٥ - باب ما جاء في المؤمن يؤجر في النزع.\nوفي الزوائد: هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات.\n(حميم): قريب، عزيز.\n١١١٢ - المعجم الكبير (١٠/ ٢٣٣).\nمجمع الزوائد (٢/ ٣٢٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن.\n١١١٣ - كشف الأستار (١/ ٣٧١).\nمجمع الزوائد (٢/ ٣٢٥) وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات.\n١١١٤ - المعجم الكبير (٢٤/ ٣٤).\nمجمع الزوائد (٢/ ٢١٩) وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.\nأقول: لقد مات عثمان بن مظعون مبكرًا بالنسبة لسودة ولذلك قالت هذا الكلام.","vol":"3","page":1164},{"text":"١١١٥ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لم يلق ابن آدم شيئًا قط منذ خلقه الله أشد عليه من الموت\" قال: \"ثم إن الموت لأهون مما بعده\".\n١١١٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر\".\n١١١٧ - * روى الترمذي عن بريدة بن الحصيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"المؤمن يموت بعرق الجنين\".\nوفي أخرى (١) للنسائي: \"موت المؤمن بعرق الجبين\".\n١١١٨ - * روى رزين عن عبيد بن خالد السلمي- رجل من أصحاب النبي ﷺ- أن رسول الله ﷺ قال: \"موت الفجاءة: أخذة أسف للكافر ورحمة للمؤمن\".\nوفي رواية (٢) عن عبيد قال مرة: عن النبي ﷺ، وقال مرة: عن عبيد \"موت\n_________\n١١١٥ - أحمد (٣/ ١٥٤).\nمجمع الزوائد (٢/ ٣١٩) وقال: رواه أحمد ورجاله موثقون.\n١١١٦ - الترمذي (٣/ ٣٨٦) ٨ - كتاب الجنائز، ٧٢ - باب ما جاء فيمن مات يوم الجمعة. وقال: هذا حديث غريب. وأحمد (٢/ ١٦٩).\n١١١٧ - الترمذي (٢/ ٣١٠) ٨ - كتاب الجنائز، ١٠ - ما جاء أن المؤمن يموت بعرق الجبين. وقال: هذا حديث حسن. وهو كما قال.\nوالنسائي (٤/ ٥) ٢١ - كتاب الجنائز، ٥ - باب علامة موت المؤمن.\n(١) النسائي (٤/ ٦) الموضع السابق.\nوأحمد (٥/ ٣٥٧).\nوابن ماجه (١/ ٤٦٧٩) ٦ - كتاب الجنائز، ٥ - باب ما جاء في المؤمن يؤجر في النزع.\nوالإحسان بترتيب ابن حيان (٥/ ٦).\nوالحاكم (١/ ٣٦١) وقال حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n١١١٨ - رواه رزين: انظر جامع الأصول بتحقيق محمد حامد الفقي (١١/ ٣٩٧، ٣٩٨).\nوأحمد نحوه في المسند (٦/ ١٣٦) عن عائشة وإسنادها ضعيف.\nورواه أيضًا البيهقي في سنته. وذكره الحافظ في الفتح ونسبه لابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عائشة وابن مسعود، فالمرجو أن ترتقي إلى رتبة الحسن عند ابن حجر إن شاء الله.\n(٢) أحمد (٣/ ٤٢٤).","vol":"3","page":1165},{"text":"الفجاءة: أخذة أسف\".\n١١١٩ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة\".\n١١٢٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" زاد البخاري في رواية (٣) من طريق همام عن قتادة: فقالت عائشة- أو بعض أزواجه-: إنا لنكره الموت، قال: \"ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه\".\n_________\n= وأبو داود (٣/ ١٨٨) كتاب الجنائز، باب موت الفجأة. وإسنادها صحيح.\n(اسفًا): الأسف: الغضبان.\n١١١٩ - البخاري (٣/ ٢٤٣) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٨٩ - باب الميت يعرض على مقعده بالغداة والعشي.\nمسلم (٤/ ٢١٩٩) ٥١ - كتاب الجنة، ١٧ - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه.\nوالنسائي (٤/ ١٠٧) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٦ - باب وضع الجريدة على القبر.\nوابن ماجه (٢/ ١٤٢٧) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٢ - باب ذكر القبر والبلي.\n١١٢٠ - البخاري (١١/ ٣٥٧) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤١ - باب من احب لقاء الله أحب الله لقاءه.\nمسلم (٤/ ٢٠٦٥) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ٥ - باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن ... إلخ.\nوالترمذي (٣/ ٣٧٩) ٨ - كتاب الجنائز، ٦٧ - باب ما جاء فيمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.\nوقال: حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٤/ ١٠) ٢١ - كتاب الجنائز، ١٠ - باب فيمن أحب لقاء الله.\n(١) البخاري (١١/ ٣٥٧) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤١ - باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.\n(حضر): الإنسان، واحتضر: إذا نزل به الموت.","vol":"3","page":1166},{"text":"١١٢١ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵄، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" فقلت: يا نبي الله، أكراهية الموت، فكلنا نكره الموت؟ قال: \"ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته: أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله، فكره الله لقاءه\".\nولمسلم (١) قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، والموت قبل لقاء الله\".\nوفي رواية (٢): قال شريح بن هانئ: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" قال شريح: فأتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله ﷺ حديثا، إن كان كذلك، فقد هلكنا، فقالت: إن الهالك من هلك بقول رسول الله ﷺ، وما ذاك؟ قلت: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت، فقالت: قد قاله رسول الله ﷺ، وليس الذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع، فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه.\n١١٢٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألم\n_________\n١١٢١ - البخاري (١١/ ٣٥٧) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤١ - باب من احب لقاء الله أحب الله لقاءه.\nمسلم (٤/ ٢٠٦٥) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ٥ - باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن ... إلخ.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n(٢) مسلم: الموضع السابق.\n(شخص): شخوص البصر: امتداده إلى السماء، والميت إذا أشرف على مفارقة الدنيا شخص بصره إلى السماء.\n(حشرج): الحشرجة: الغرغرة عند الموت وتردد النفس.\n(تشنجت): تشنج الأصابع: اجتماعها وانقباضها متقلصة.\n١١٢٢ - مسلم (٢/ ٦٣٥) ١١ - كتاب الجنائز، ٥ - باب في شخوص بصر الميت يتبع نفسه ..","vol":"3","page":1167},{"text":"تروا إلى الإنسان: إذا مات شخص بصره\"؟ قالوا: بلى، قال: \"فذلك حين يتبع بصره نفسه\".\n١١٢٣ - * روى مسلم عن أم سلمة رصي الله عنهما، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة- وقد شق بصره- فأغمضه، ثم قال: \"إن الروح إذا قبض تبعه البصر\" فضج ناس من أهله، فقال: \"لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون\" ثم قال: \"اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في القبور، ونور له فيه\".\nوفي رواية (١) \"واخلفه في تركته\" وقال: \"اللهم أوسع له في قبره\" ودعوة أخرى سابعة نسيتها.\nوفي أخرى (٢) قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا حضرتم المريض- أو الميت- فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون\" قالت: فلما مات أبو سلمة، أتيت النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله، أبا سلمة قد مات، قال: \"قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبي حسنة\" قالت:: فقلت، فأعقبني الله من هو خير لي منه: محمد ﷺ.\n١١٢٤ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁، أن بني الله ﷺ قال: \"إذا حضر المؤمن، أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيا عنك إلى روح من الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك. حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا، حتى يأتوا به أبواب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح\n_________\n١١٢٣ - مسلم (٢/ ٦٣٤) ١١ - كتاب الجنائز، ٤ - باب في إغماض الميت والدعاء له، إذا حضر.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n(٢) مسلم (٢/ ٦٣٣) الموضع السابق.\n١١٢٤ - والنسائي (٤/ ٨) ٢١ - كتاب الجنائز، ٩ - باب ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه.","vol":"3","page":1168},{"text":"المؤمنين، فلهم أشد فرحا من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا، فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا حضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله ﷿، فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار\".\n١١٢٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها\" قال حماد في روايته: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك- قال: \"فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل\" قال: \"وإن الكافر إذا خرجت روحه\" قال حماد: وذكر من نتنها- فرد رسول الله ﷺ ريطة كانت عليه على أنفه- هكذا- وذكر لعنا \"ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل\".\n١١٢٦ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"الميت تحضره الملائكة. فإذا كان الرجل صالحا، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة! كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها، حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء. فيفتح لها. فيقال: من هذا؟ فيقولون فلان. فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب. ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿. وإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة! كانت في\n_________\n١١٢٥ - مسلم (٤/ ٢٢٠٢) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٧ - باب عرض مقعد الميت من الجنة أالنار ... إلخ.\n(الريطة): كل ملاءة لا تكون لفقين.\n١١٢٦ - ابن ماجه (٢/ ١٤٣٣) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣١ - باب ذكر الموت والاستعداد له. وإسناده صحيح.","vol":"3","page":1169},{"text":"الجسد الخبيث. اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق. وآخر من شكله أزواج. فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج. ثم يعرج بها إلى السماء. فلا يفتح لها. فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة. فإنها لا تفتح لك أبواب السماء. فيرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر\".\n١١٢٧ - * روى أبو داود عن عثمان بن عفان ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ عن دفن الميت وقف عليه، وقال: \"استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الأن يسأل\".\n١١٢٨ - * روى النسائي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"هذا [يعني سعد بن معاذ ﵁] الذي تحرك له العرش، وفتحت أبواب السماء، وشهده سبعون ألف من الملائكة، لقد ضم ضمة، ثم فرج عنه\".\n١١٢٩ - * روى الطبراني عن أبي أيوب أن صبيا دفن فقال رسول الله ﷺ: \"لو ألفت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي\".\n١١٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن العبد إذا وضع في قبر، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، إذا انصرفوا: أتاه الملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت في هذا الرجل، محمد؟ فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنة\" قال النبي ﷺ: \"فيراهما جميعًا\" قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبر- ثم رجع إلى حديث أنس: \"وأما الكافر- أو- المنافق\" وفي رواية \"وأما الكافر والمنافق- فيقول: لا أدري، كنت\n_________\n١١٢٧ - أبو داود (٣/ ٢١٥) كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف. وإسناده صحيح.\n١١٢٨ - النسائي (٤/ ١٠٠) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٣ - باب ضمة القبر وضغطته.\n١١٢٩ - مجمع الزوائد (٣/ ٤٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.\n١١٣٠ - البخاري (٣/ ٢٣٢) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر\" ... إلخ ..\nمسلم (٤/ ٢٢٠٠) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٧ - باب عرض مقعد الميت .. إلخ.","vol":"3","page":1170},{"text":"أقول ما يقول فيه- فيقال لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من جديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين\".\nولمسلم (١) أن النبي ﷺ قال: \"إن العبد إذا وضع في قبره\" ثم ذكر نحو ما تقدم إلى قوله: لنا أنه \"يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلي يوم يبعثون\" لم يزد على هذا.\nوفي رواية أبي داود (٢): أن رسول الله ﷺ قال: \"إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك، فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه، قال: كنت أعبد الله، فيقول: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء بعدها، فينطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقال له: هذا كان لك، ولكن الله عصمك، فأبدلك به إلى بيتًا في الجنة، فيراه، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن\".\nقال: \"وإن الكافر، أو المنافق إذا وضع في قبره: أتاه ملك فينهضه، فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيقال له: ماكنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس، فيضربه بمطراق بين أذنيه، فيصيح صيحه يسمعها الخلق غير الثقلين\".\nوفي رواية أبي داود (٣) أن نبي الله ﷺ دخل نخلا لبني النجار فسمع صوتًا، ففزع، فقال: \"من أصحاب هذه\"؟ قالوا: يا رسول الله، ناس ماتوا في الجاهلية، قال: \"تعوذوا بالله من عذاب القبر، ومن فتنة الدجال\" قالوا: ومم ذاك يا رسول الله\" قال: \"إن\n_________\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n(٢) أبو داود (٤/ ٣٣٨) كتاب السنة، باب في المسألة في القبر، وعذاب القبر.\n(ولا تليت): يقال: لا دريت ولا تليت، أي: لا تبعت الناس بأن تقول شيئا يقولونه، وقيل: هو من قولهم: تلا فلان تلو غير عاقل: إذا عَمِلَ عَمَلَ الجُهال، يعني: هلكت فخرجت من القبيلتين، وقيل: معناه: ولا قرأت، وقلبت الواو ياء للازدواج.\n(٣) أبو داود: الموضع السابق.","vol":"3","page":1171},{"text":"المؤمن إذا وضع في قبره ... \" وذكر نحو ما تقدم أولًا.\n١١٣١ - * روى أحمد عن أم مبشر قالت: دخل رسول الله ﷺ وانا في حائط من حوائط بني النجار فيه قبور منهم قد ماتوا من الجاهلية، فسمعهم يعذبون فخرج وهو يقول: \"استعيذوا بالله من عذاب القبر\" قالت: قلت: يا رسول الله وإنهم ليعذبون في قبورهم؟ قال: \"نعم عذابا تسمعه البهائم\".\n١١٣٢ - * روى أحمد عن أنس ﵁ قال: أخبرني من لا أتهم من أصحاب النبي ﷺ قال: بينما رسول الله ﷺ وبلال يمشيان بالبقيع إذ قال رسول الله ﷺ: \"يا بلال هل تسمع ما أسمع\"؟ قال: والله يا رسول الله ما أسمعه، قال: \"ألا تسمع أهل هذه القبور يعذبون\" يعني قبور أهل الجاهلية.\n١١٣٣ - * روى أحمد عن أنس ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في نخل لأبي طلحة يبرز لحاجته قال وبلال يمشي وراءه يكرم نبي الله ﷺ أن يمشي إلى جنبه، فمر نبي الله ﷺ بقبر فقام حتى تم إليه بلال فقال: \"ويحك يا بلال هل تسمع ما أسمع\"؟ قال: ما أسمع شيئًا؛ قال: \"صاحب القبر يعذب\" فسأل عنه فوجده يهوديا.\n١١٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ بعد ما غربت الشمس، فسمع صوتًا، فقال: \"يهود تعذب في قبورها\".\n_________\n١١٣١ - أحمد (٦/ ٣٦٢)\nمجمع الزوائد (٣/ ٥٦) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n١١٣٢ - أحمد (٣/ ٢٥٩)\nمجمع الزوائد (٣/ ٥٦) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n١١٣٣ - أحمد (٣/ ١٥١).\nمجمع الزوائد (٣/ ٥٦) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n١١٣٤ - البخاري (٣/ ٢٤١) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٨٧ - باب التعوذ من عذاب القبر.\nمسلم (٤/ ٢٢٠٠) ٥١ - ككتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٧ - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه.\nوالنسائي (٤/ ١٠٢) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٤ - باب عذاب القبر.","vol":"3","page":1172},{"text":"١١٣٥ - * روى مسلم عن زيد بن ثابت ﵁، قال: بينما رسول الله ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة، أو خمسة، فقال: \"من يعرف أصحاب هذه الأقبر\"؟ قال رجل: أنا، قال: \"فمتي ماتوا\"؟ قال: في الشرك، فقال: \"إن هذه الأمة تبتلي في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه\" ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: \"تعوذوا بالله من عذاب القبر\" قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: \"تعوذوا بالله من عذاب النار\" قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، قال: \"تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن\" قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر ومنها وما بطن قال: \"تعوذوا بالله من فتنة الدجال\" قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال.\nأقوال:\nلقد مر معنا من قبل أن أهل الجاهلية إذا بلغهم شيء من الدين الحق عن طريق صحيح كأن بلغهم شيء من دين إبراهيم عن طريق صحيح فإن الحجة قائمة عليهم ويستأهلون العذاب، واليهود مكلفون بالشريعة الحقة، ومكلفون بالإيمان بعيسى ﵇ ثم بمحمد ﵊ بعد بلوغهم بعثته فإذا لم يؤمنوا استحقوا العذاب، وهذا في فهمنا هو السر الذي استحق به العذاب من ذكرهم رسول الله ﷺ في الروايات الآنفة الذكر، وهذا التخريج يمشي على مذهب الأشاعرة الذين يرون أنه لا تكليف بأصول وفروع إلا بعد التبليغ من رسول مرسل، أما على قول الماتريدية الذين هم من أهل السنة والجماعة الذين يرون أن الإنس والجن مكلفون بمعرفة الله بمحض العقل وعلى قدر استطاعتهم فإن كل إنسان لم يعرف وجود الله وصفاته التي يتوصل إليها بمحض العقل فإنه معذب ولو لم تبلغه دعوة رسول، وعلى هذا فلا إشكال في تعذيب بعض أهل الجاهلية، ويشهد لاتجاه الماتريدية الحديث الصحيح الذي يخبر فيه رسول الله ﷺ أن \"الله تعالى يقول لآدم: أخرج\n_________\n١١٣٥ - مسلم (٤/ ٢١٩٩) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٧ - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه.\n(حادت): حاد عن الطريق: إذا مال عنه، حادت به: أي مالت به.","vol":"3","page":1173},{"text":"بعث النار. فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعين\".\n١١٣٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا قبر الميت\" أو قال: \"أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول، هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون قولا، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك\".\n١١٣٧ - * روى الترمذي عن مولى عثمان بن عفان قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى، حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر فتبكي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه\" قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما رأيت منظرا قط إلا القبر أفظع منه\".\n١١٣٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مرّ\n_________\n١١٣٦ - الترمذي (٣/ ٣٨٣) ٨ - كتاب الجنائز، ٧٠ - باب ما جاء في عذاب القبر.\nوقال: حسن غريب. وهو كما قال.\n١١٣٧ - الترمذي (٤/ ٥٥٣) ٣٧ - كتاب الزهد، ٥ - باب حدثنا هناد وحدثنا يحيى بن معين.\nوقال: حديث حسن غريب، وإسناده حسن.\n(أفظع): الفظيع الشديد الشنيع.\n١١٣٨ - البخاري (١/ ٣٢٢) ٤ - كتاب الوضوء، ٥٦ - باب جاء في غسل البول.\nمسلم (١/ ٢٤٠) ٢ - كتاب الطهارة، ٣٤ - باب الدليل على نجاسة البول، ووجوب الاستبراء منه. =","vol":"3","page":1174},{"text":"رسول الله ﷺ على قبرين، فقال: \"أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير\" ثم قال: \"يلى، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستتر من بوله\" قال: فدعا بعسيب رطب، فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدًا، وعلى هذا واحدًا، ثم قال: \"لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا\"\nوفي رواية (١) \"لا يستبرئ من البول\".\nوفي أخرى (٢) \"لا يستنزه عن البول\".\nأقول: في الحديث إشارة إلى أهمية وجود النبات على القبر ومن ذلك نأخذ أن من أداب المسلمين مع المقابر أن يجعلوها خضرة بل لو جعلوها كالحدائق لكان لذلك وجه.\n١١٣٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ على قبر فقال: \"ائتوني بجريدتين\" فجعل إحداهما على رأسه والأخرى عند رجليه فقيل: يل رسول الله أينفعه ذلك؟ قال: \"لن يزال يخفف عن بعض عذاب القبر ما دام فيهما ندو\".\n١١٤٠ - * روى النسائي عن عبد الله بن دينار، قال: كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلا توفي، مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهيدا جنازته، فقال أحدهما للأخر: ألم يقل رسول الله ﷺ: \"من يقتله بطنه\n_________\n= (وما يعذبان في كبير): أي: لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما، أو يشق فعله لو أراد أن يفعلاه، وهو التنزه عن البول وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة.\n(بعسيب): العسيب من سعف النخل: ما بين الكرب ومنبت الخوص وما عليه الخوص، فهو سعف، والجريد: السعف أيضًا.\n(١) النسائي (٤/ ١٠٦) ٢١ - كتاب الجنائز، ١٦٦ - باب وضع الجريدة على القبر.\n(٢) مسلم (١/ ٢٤٠) ٢ - كتاب الطهارة، ٣٤ - باب الدليل علة نجاسة البول ... إلخ.\n١١٣٩ - أحمد (٢/ ٤٤١).\nمجمع الزوائد (٢/ ٥٧) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n(ندو): يريد نداؤه.\n١١٤٠ - النسائي (٤/ ٩٨) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١١ - كتاب من قتله بطنه. =","vol":"3","page":1175},{"text":"لم يعذب في قبره؟ \" فقال الآخر: بلى.\nواختصره الترمذي (١): أن سليمان بن صرد قال لخالد بن عرفطة- أو خالد لسليمان- أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من قتله بطنه لم يعذب في قبره\"؟ فقال أحدهما لصاحبه: نعم.\n١١٤١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه\".\n١١٤٢ - * روى البزار عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله تبتلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.\n١١٤٣ - * روى الطبراني عن عبد الله قال إذا حدثتكم بحديث أنبئكم بتصديق ذلك: إن المؤمن إذا مات جليس في قبره فيقال: من ربك ما دينك من نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد ﷺ فيوسع له في قبره ويفرح له فيه، ثم قرأ عبد الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾.\n١١٤٤ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵁، أن رسول الله ﷺ\n_________\n(١) الترمذي (٣/ ٣٧٧) ٨ - كتاب الجنائز، ٦٥ - باب ما جاء في الشهداء من هم.\nوقال: حديث حسن. غريب. وهو حديث صحيح.\n١١٤١ - الترمذي (٣/ ٣٨٩) ٨ - كتاب الجنائز، ٧٦ - باب ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: \"نفس المؤمن ... \"\nوقال: هذا حديث حسن. وإسناده حسن.\n١١٤٢ - كشف الأستار (١/ ٤١٠).\nمجمع الزوائد (٣/ ٥٣) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\n١١٤٣ - المعجم الكبير (٣/ ٢٦٦).\nمجمع الزوائد: (٣/ ٥٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.\n١١٤٤ - البخاري (٣/ ٢٣٢) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر .. إلخ.\nمسلم (٤/ ٢٢٠١) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٧ - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه.\nوأبو داود (٤/ ٢٢٨) كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر. =","vol":"3","page":1176},{"text":"قرأ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (١) قال: \"نزلت في عذاب القبر\".\nوفي رواية (٢): أن النبي ﷺ قال: \"المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ \".\nوفي أخرى (٣) قال: \" ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. \"نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وبني محمد ﷺ\".\n١١٤٥ - * روى البخاري عن أم خالد بنت سعيد بن العاص ﵄: إنها سمعت رسول الله ﷺ: يتعوذ من عذاب القبر.\n١١٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، قالت عائشة: فسألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر؟ فقال: \"نعم، عذاب القبر حق\"، قالت: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.\nوفي رواية (٤) لها قالت: دخلت على عجوزان من عجوز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل على رسول الله ﷺ، فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجوز يهود المدينة دخلتا علي فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: \"صدقتا، إنهم يعذبون عذابا تسمعه\n_________\n=والترمذي (٥/ ٢٩٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ١٥ - باب ومن سورة إبراهيم ﵇.\nوقال: حديث حسن.\n(١) إبراهيم: ٢٧.\n(٢) البخاري: الموضع السابق.\n(٣) مسلم: الموضع السابق.\n١١٤٥ - البخاري (٣/ ٢٤١) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٨٧ - باب التعوذ من عذاب القبر.\n١١٤٦ - البخاري (٣/ ٢٣٢) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر .... إلخ.\nمسلم (١/ ٤١٠) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢٤ - باب استحباب التعوذ من عذاب القبر.\n(٤) مسلم: الموضع السابق.","vol":"3","page":1177},{"text":"البهائم\"، ثم ما رأيته بعد في صلاته إلا يتعوذ من عذاب القبر.\nوفي رواية النسائي (١): أنها سألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: \"نعم، عذاب القبر حق\"، قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ يصلي صلاة بعد إلا تعوذ من عذاب القبر.\nوفي أخرى (٢) له قالت: دخلت علي امرأة من اليهود، فقالت: إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت، فقال: \"صدقت\"، قالت: فما صلى بعد يومئذ إلا قال في دبر الصلاة: \"رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أعذني من حر النار، وعذاب القبر\".\nوفي أخرى (٣) قالت: دخلت يهودية عليها، فاستوهبتها شيئًا، فوهبت لها عائشة، فقالت: أجارك الله من عذاب القبر، قالت عائشة: فوقع في نفسي من ذلك، حتى جاء رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له فقال: \"إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم\".\n١١٤٧ - * روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة.\nوزاد النسائي (٤): حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ، فلما سكت ضجتهم، قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله لك، ماذا قال رسول الله ﷺ آخر قوله؟ قال: \"قد أوحي إلي، أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال\".\n_________\n(١) النسائي (٣/ ٥٦) ١٣ - كتاب السهو، ٦٣ - باب التعوذ في الصلاة.\n(٢) النسائي (٣/ ٧٢) ١٣ - كتاب السهو، ٨٨ - باب نوع آخر من الذكر والدعاء بعد التسليم.\n(٣) النسائي (٤/ ١٠٥) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٥ - باب التعوذ من عذاب القبر.\n١١٤٧ - البخاري (٣/ ٢٣٢) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر .. إلخ.\n(٤) النسائي (٤/ ١٠٥) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٥ - باب التعوذ من عذاب القبر.","vol":"3","page":1178},{"text":"١١٤٨ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح في قبره، غير فزع ولا مشعوف. ثم يقال له: فيم كنت: فيقول: كنت في الإسلام. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله ﷺ، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله؛ فيفرج له فرجة قبل النار. فينظر إليها يحطم بعضها بعضا. فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله. ثم يفرج له قبل الجنة. فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له: هذا مقعدك. ويقال له: على اليقين كنت. وعليه مت، وعليه تبعث، أن شاء الله. ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مشعوفا. فيقال له: فيم كنت؟ فيقولك لا أدري. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلته. فيفرج له قبل الجنة. فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك. ثم يفرج له فرجة قبل النار. فينظر إليها. يحطم بعضها بعضا. فيقال له: هذا مقعدك. علي الشك كنت. وعليه مت، وعليه بعثت، إن شاء الله تعالى\".\n١١٤٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة فقال\n_________\n١١٤٨ - ابن ماجه (٢/ ١٤٢٦) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٢ - باب ذكر القبر والبلي. وفي الزوائد: إسناده صحيح.\n(ولا مشعوف): الشغف شدة الفزع حتى يذهب بالقلب.\n(فيم كنت): أي في أي دين.\n(ها هذا الرجل): أي الرجل المشهور بين أظهركم. ولا يلزم منه الحضور. وترك ما يشعر بالتعظيم لئلا يصير تلقينا. وهو لا يناسب موضع الاختبار.\n(يحطم بعضها بعضا): من شدة المزاحمة.\n(على اليقين كنت): يدل على أن من كان على اليقين في الدنيا، يموت عليه عادة وكذا في جانب الشك.\n(إن شاء الله): للتبرك لا للشك.\n(سمعت الناس): يريد أنه كان مقلدًا في دينه للناس، ولم يكن منفردا عنهم بمذهب.\n(على الشك): أي خلاف اليقين اللائق بالإنسان.\n١١٤٩ - أحمد (٢/ ٣).\nوكشف الأستار ٠١/ ٤١٢). =","vol":"3","page":1179},{"text":"رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس إن الأمة تبتلي في قبورها فإذا الإنسان دفن فتفرق عن أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فيقول له: صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقول هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا أمنت بربك فهذا منزلك فيفتح له باب من الجنة فيريد أن ينهض إليه فيقول له اسكن ويفسح له في قبره. وإن كان كافرًا أو منافقًا يقول له ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا. فيقول لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت بربك فإن الله ﷿ أبدلك هذا ويفتح له باب إلى النار ثم يقمعه مقمعه بالمطراق يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين\" فقال بعض القوم: يا رسول الله ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هيل عند ذلك. فقال رسول الله ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ \" وزاد البزار: \" ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ \".\n١١٥٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: \"إن الموتى ليعذبون في قبورهم حتى إن البهائم تسمع أصواتهم\".\n١١٥١ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ ذكر فتان القبر فقال عمر أترد عقولنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم كهيئتكم اليوم\" فقال عمر: بفيه الحجر.\n١١٥٢ - * روى أبو داود عن البراء بن عازب ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله\n_________\n=مجمع الزوائد (٣/ ٤٧). وقال: رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح.\n١١٥٠ - المعجم الكبير (١٠/ ٢٤٧).\nمجمع الزوائد (٣/ ٥٦) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.\n١١٥١ - أحمد (٢/ ١٧٢).\nمجمع الزوائد (٣/ ٤٧). وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n١١٥٢ - أبو داود (٤/ ٢٣٩) كتاب الجنائز، باب في المسألة في القبر، وعذاب القبر. وإسناده حسن.","vol":"3","page":1180},{"text":"ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: \"تعوذوا بالله من عذاب القبر\" مرتين، أو ثلاثا.\nزاد في رواية (١): وقال: \"أن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا، من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ \".\nوفي رواية (٢): \"ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فبقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، آمنت به، وصدقت\".\nزاد في رواية (٣) \"فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ثم اتفقنا: \"فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، وفسح له في قبره مد بصره، وإن الكافر ... \" فذكر موته، قال: \"فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه\".\n_________\n= (ينكث): نكت في الأرض بيده وبقضيب: إذا أثر فيها بذلك\n(١) أبو داود: الموضع السابق.\n(٢) أبو داود: الموضع السابق.\n(٣) أبو داود: الموضع السابق.\n(هاه هاه): من عادة المشدوه الحائر إذا خوطب أن يقول: هاه هاه، كأنه يستفهم عما يسأل عنه.","vol":"3","page":1181},{"text":"زاد في رواية (١): \"ثم يقيض له أعمى أبكم، معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا، فيضربه بها ضربة يسمعها من بيت المشرق والمغرب، إلا الثقلين، فيصيرا ترابًا، ثم تعاد فيه الروح\".\n١١٥٣ - * روى أحمد عن البراء بن عازب ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الانصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: \"استعيذوا بالله من عذاب القبر\" مرتين أو ثلاثا، ثم قال: \"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال في الآخرة نزل الله ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجهوهم شمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ويجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفره من الله ورضوان قال: فتخرج فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان\" قال: \"فتخرج عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض\" قال \"فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون لهم فيشيعهم من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول اله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول ربي الله فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: رسول الله. فيقولان له: ما عملك؟ فيقول:\n_________\n(١) أبو داود: الموضع السابق.\n(أبكم): الأبكم: الذي خلق أخرس.\n١١٥٣ - أحمد (٤/ ٢٨٧).\nمجمع الزوائد (٣/ ٤٩) وقال: هو في الصحيح وغيره باختصار، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. =","vol":"3","page":1182},{"text":"قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته فينادي منادي من السماء: أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال: \"فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره\" قال: \"ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي بشرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن جيفة على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الخبيثة فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمي بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ثم تطرح روحه طرحًا\" ثم تلا: \" ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ فيعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة\".\n_________\n= (السفود): الحديدة التي يشوى بها اللحم.","vol":"3","page":1183},{"text":"وفى رواية عنه (١) أيضًا نحو هذا وزاد فيه \"فيأتيه آت قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بهوان من الله وعذاب مقيم فيقول: فبشرك الله بالشر من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث كنت بطيئا عن طاعة الله سريعًا في معصيته فجزاك الله شرًا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابًا فيضربه ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله ما كان فيضربه ضربه أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين\". قال البراء ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فراش النار.\n١١٥٤ - * روى أحمد عن أسماء، أنها كانت تحدث عن النبي ﷺ قالت: \"إذا دخل الإنسان قبره فإن مؤمنًا أحف به عمله الصلاة والصيام\" قال: \"فيأتيه الملك من نحو الصلاة فيرده ومن نحو الصيام فيرده فيناديه اجلس\" قال: \"فيجلس فيقول له: ما تقول في هذا الرجل\"؟ يعني النبي ﷺ \"قال من؟ قال: محمد، قال: أشهد أنه رسول الله\" قال: \"يقول: على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث\". قال: \"وإن كان فاجرًا أو كافرًا\" قال: \"جاء ملك ليس بينه وبينه شيء يرده\". قال \"فأجلسه قال: اجلس ماذا تقول عن هذا الرجل؟ قال أي رجل؟ قال: محمد، يقول: ما أدري والله سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. قال له الملك: على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث وتسلط عليه دابة في قبره معها سوط ثمرته جمرة مثل البعير تضربه ما شاء الله صماء لا تسمع صوته فترحمه\".\n١١٥٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه فإذا كان مؤمنًا\n_________\n(١) أحمد: الموضع السابق.\nمجمع الزوائد (٢/ ٤٩) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n١١٥٤ - احمد (٦/ ٢٥٢).\nوالمعجم الكبير (٢٤/ ١٠٥).\nمجمع الزوائد (٣/ ٥١) وقال: رواه أحمد وروى الطبراني منه طرفا في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n١١٥٥ - مجمع الزوائد (٣/ ٥١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن، ولأبي هريرة في الأوسط أيضًا رفعه =","vol":"3","page":1184},{"text":"كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله وفعل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس من قبل رجليه، فيؤتي من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ليس قبلي مدخل، فيؤتي عن يمينه، فتقول الزكاة: ليس قبلي مدخل، ويؤتي من قبل شماله فيقول الصوم: ليس قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه: فيقول فعل الخيرات إلى الناس: ليس من قبلي مدخل فيقال له أجلس فيجلس وقد مثلت له الشمس للغروب فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان قبلكم يعني النبي ﷺ فقال: أشهد أنه رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات من عند ربنا فصدقناه واتبعناه، فيقال له: صدقت وعلى هذا حييت وعلى هذا مت وعليه تبعث إن شاء الله ويفسح له قبره مد بصره فذلك قول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ويقال: افتحوا له بابا إلى النار فيقال: هذا كان منزلك لو عصيت الله ﷿ فيزداد غبطة وسرورا. ويقال: افتحوا له بابا إلى الجنة فيفتح له فيقال: هذا منزلك وما أعده الله لك فيزداد غبطةٌ وسرورًا، فيعاد الجلد إلى ما بدا منه، ويجعل روحه في نسم طير يعلق في شجر الجنة، وأما الكافر فيؤتي من قبل رأسه فلا يوجد شيء، فيؤتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء، فيجلس خائفًا مرعوبًا فيقال له: ما تقول في هذا الرجل كان فيكم وما تشهد به؟ فلا يهتدي لاسمه فيقال: محمد ﷺ فيقول: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت كما قالوا فيقال له: صدقت على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ويضيق عليه قبره حتي تختلف أضلاعه فذلك قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فيقال: افتحوا له بابا إلى الجنة فيقال له: هذا كان منزلك وما أعد الله لك لو أطعته، فيزاد حسرة وثبورا ثم يقال: افتحوا له بابا إلى النار فيفتح له إليها فيقال: هذا\n_________\n= قال: يؤتي الرجل في قبره فإذا أتى من قبل رأسه دفعته تلاوة القرآن وإذا أتى من قبل يديه رفعته الصدقة وإذا أتى من قبل رجليه دفعه مشيه إلى المساجد والصبر حجره فقال: أما إني لو رأيت خليلًا كنت صاحبه.\nوروى البزار طرفًا منه. (كشف الأستار ١/ ٤١٣).\n(ويجعل روحه): الروح تذكر وتؤنث.","vol":"3","page":1185},{"text":"منزلك وما أعد الله لك فيزداد حسرةً وثبورًا\". قال أبو عمر يعني الضرير قلت لحماد ابن سلمة كان هذا من أهل القبلة؟ قال: نعم: قال أبو عمر كأنه يشهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قلبه كأن يسمع الناس يقولون شيئًا فيقوله.\n١١٥٦ - * روى ابن ماجه عن سالم عن أبيه، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان، فأين هو؟ قال: \"في النار\" قال فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ فقال رسول الله ﷺ \"حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار\" قال فأسلم الأعرابي بعد وقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.\n١١٥٧ - * روى الطبراني عن قتادة أن أنسا دفن ابنا له فقال: اللهم جاف الأرض عن جنبيه وافتح أبواب السماء لروحه وأبدله دارًا خيرًا من داره.\n١١٥٨ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يأكل التراب كل الإنسان إلا عجب ذنبه\" قيل: وما مثله يا رسول الله؟ قال: \"مثل حبة الخردل منه تنبتون\".\n١١٥٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.\n_________\n١١٥٦ - ابن ماجه (١/ ٥٠١) ٦ - كتاب الجنائز، ٤٨ - باب ما جاء في زيارة قبور المشركين.\nوقال في الزوائد: إسناد هذا الحديث صحيح.\n١١٥٧ - المعجم الكبير (١/ ٢٤٤).\nمجمع الزوائد (٣/ ٤٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.\n١١٥٨ - أحمد (٣/ ٢٨) ... مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٢) وقال رواه أحمد، وإسناده حسن.\n١١٥٩ - مسلم (٢/ ١٢٥٥) ٢٥ - كتاب الوصية، ٣ - باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.\nوأبو داود (٣/ ١١٧) كتاب الصيد، باب ما جاء في الصدقة عن الميت.\nوالترمذي (٢/ ٦٦٠) ١٣ - كتاب الأحكام، ٣٦ - باب في الوقف.، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٦/ ٢٥١) ٣٠ - كتاب الوصايا، ٨ - فضل الصدقة عن الميت.\n(صدقة جارية): الصدقة الجارية: هي الدارة المتصلة، كالوقف وما يجري مجراه.","vol":"3","page":1186},{"text":"١١٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ \"يتبع الميت ثلاث: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله\".\n١١٦١ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب، قال: لما حضرته الوفاة أتته أم مبشر فقالت اقرأ على النبي السلام. فقال لها: أو ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"روح المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يبعث يوم القيامة\" قالت: بلى ولكن ذهلت.\n١١٦٢ - * روى مالك بن كعب بن مالك ﵁، كان يحدث أن النبي ﷺ: \"إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة يرجعه الله في جسده يوم يبعثه\".\nأقول: الظاهر أن هذا ليس عامًا في كل مؤمن بل هو خاص بالشهداء وبمن يكرمه الله ﷿ من أهل خاصته.\n١١٦٣ - * روى مسلم عن مسروق ﵀ قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١) فقال: أما إن قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ؟ فقال: \"أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى\n_________\n١١٦٠ - البخاري (١١/ ٣٦٢) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٢ - باب سكرات الموت\nمسلم (٤/ ٢٢٧٣) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق، حديث (٥).\nوالترمذي (٤/ ٥٨٩) ٣٧ - كتاب الزهد، ٤٦ - باب ما جاء مثل ابن آدم وأهله وولده وماله وعمله.\nوقال: حديث حسن صحيح.\n١١٦١ - مجمع الزوائد (٢/ ٢٢٩) وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.\n١١٦٢ - الموطأ (١/ ٢٤٠) ١٦ - كتاب الجنائز، ١٦ - باب جامع الجنائز.\nوالنسائي (٤/ ١٠٨) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٧ - باب أرواح المؤمنين.\n(النسمة): الروح والنفس، و\"يعلق\" أي يأكل.\n١١٦٣ - مسلم (٣/ ١٥٠٢) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٣٣ - باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون.\n(١) آل عمران: ١٦٩.","vol":"3","page":1187},{"text":"تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد علينا أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا\".\nوفي رواية الترمذي (١): أنه سئل عن قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فأخبرنا أن: \"أرواحهم في طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فاطلع ربك اطلاعه، فقال: هل تستزيدون شيئا، فأزيدكم؟ قالوا: ربنا، وما نستزيد ونحن في الجنة نسرح حيث شئنا؟! ثم اطلع إليهم الثانية، فقال: هل تستزيدون شيئا، فأزيدكم؟ فلما رأوا أنهم لا يتركون، قالوا: تعيد أرواحنا في أجسادنا حتى نرجع إلى الدنيا فنقتل في سبيلك مرة أخرى\".\nوللترمذي (٢) في رواية أخرى- مثله- وزاد: \"وتقرئ نبينا السلام، وتخبره أن قد رضينا، ورضي عنا\".\n١١٦٤ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا\".\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ٢٣١) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٤ - باب ومن سورة آل عمران. وقال: حديث حسن صحيح.\n(سرحت): الماشية: إذا ذهبت للرعي، فاستعاره الطير.\n(٢) الترمذي الموضع السابق. وقال: حديث حسن.\n١١٦٤ - أحمد (١/ ٢٦٦).\nوالمعجم الكبير (١٠/ ٤٠٥).\nمجمع الزوائد (٥/ ٢٩٤) وقال: رواه أحمد وإسناده رجاله ثقات، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط.","vol":"3","page":1188},{"text":"١١٦٥ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشهداء على باب بارق نهر بباب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا\".\n* * *\n_________\n١١٦٥ - أحمد (١/ ٢٦٦).\nوالمعجم الكبير (١٠/ ٤٠٥).\nمجمع الزوائد (٥/ ٢٩٨) وقال: رواه أحمد، والطبراني ورجال أحمد ثقات.","vol":"3","page":1189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>مسائل وفوائد</span>\nذكر أخونا الشيخ الشهيد أديب كيلاني في شرحه لعقائد أهل السنة والجماعة عن الموت والحياة البرزخية ما نأخذ منه هذه المقتطفات:\n- \"ولابد من سؤال الميت، ولو تمزقت أعضاؤه أو أكلته السباع في أجوافها؛ إذ لا يبعد أن الله تعالى يعيد له الروح في أعضائه ولو كانت متفرقة، لأن قدرته تعالى صالحة لذلك. وإن مات جماعة في وقت واحد بأقاليم مختلفة، فقد ذهب القرطبي إلى جواز أن الملكين يعظمان فيسألان الجميع بوقت واحد أو أن ملائكة السؤال عديدون، كما ذهب إليه الحافظ السيوطي ووافقه عليه الحليمي.\n- والأنبياء لا يسألون، وقيل يسألون عن الوحي وجبريل، وكذلك الصديقون والشهداء والمرابطون والملازمون لقراءة سورة الملك كل ليلة من حين بلوغ الخبر إليهم ولا يضر الترك مرة بعذر، وذكر بعضهم سورة السجدة كذلك، وكذلك من قرأ بمرض موته سورة الإخلاص، ومريض البطن، والميت بالطاعون أو بغيره في زمنه صابرًا محتسبًا، والميت ليلة الجمعة أو يومها. والراجح أن غير الأنبياء وشهداء المعركة يسألون سؤالًا خفيفًا. والظاهر كما جزم به الجلال السيوطي وغيره اختصاص السؤال بالمكلفين بخلاف الأطفال ...\n-مما يجب اعتقاده عذاب القبر، وإنما أضيف العذاب للقبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه عذب، قبر أو لم يقبر، ولو غرق أو صلب أو التهمته الضواري أو حرق ثم ذرته الرياح، وتفتت الأعضاء لا يمنع من وجود العذاب.\n- والعذاب للكافر والمنافق دائم ديمومة البرزخ. وينقطع عن المؤمن العاصي إن خفت جرائمه، كما يرفع بالدعاء أو الصدقة، أو غير ذلك، كما قال ابن القيم وكل من لا يسأل في القبر لا يعذب. وضغطة القبر من عذابه، وهي التقاء حافتيه التقاءً برزخيًا يتناسب مع عالم البرزخ، وما يحكمه من قوانين، فتضمه الأرض حتى تختلف أضلاعه ولا ينجو من الضمة أحد حتى الصلحاء، ما خلا الأنبياء.","vol":"3","page":1190},{"text":"- وأما المؤمنون الصالحون الذين قدر الله لهم ألا يعذبون فهم في نعيم القبر. وقد بلغت النصوص في نعيمه مبلغ التواتر. وكما أن العذاب لا يختص بالقبر فكذلك النعيم، فهو يشمل كل ميت قدر له، قبر أو لم يقبر، ولا يختص بالمؤمنين في هذه الأمة، ولا بالمكلفين ومن النعيم توسيع القبر، وفتح طاقة فيه من الجنة، وامتلاؤه بالريحان وجعله روضة من رياض الجنة وتنويره حتى يغدو كالقمر ليلة البدر، وكل هذا بما يتناسب مع عالم البرزخ.\nوالأنبياء- وإن كانوا جميعهم أحياء حياة برزخية- أكمل حياة من الشهداء، والشهداء أكمل حياة من بقية الأموات.\n- وعلى كل فهي أمور خارقة للعادة فلا يقاس عليها غيرها، ويجب اعتقاد أن الله تعالى يرزق شهيد الحرب من محبوب نعيم الجنات، إلا إنه يتناولون الأكل والشرب للتلذذ، لا للاحتياج.\n- وإنما سمي الشهيد شهيدًا لشهادة الله وملائكته له بالجنة والرضا عنه.\n- ولأن روحه شهدت دار السلام بخلاف غيره، فإنه لا يشهدها إلا يوم القيامة. وقد قال النسفي: بأن أرواح المسلمين- إن دخلت الجنة الآن، كما دلت عليه الأحاديث- لا تكون كالشهيد في الحياة والرزق بل لا تأكل فيها ولا تتمتع. أهـ.\nأقول: وكخاتمة لهذا الوصل، وكجسر للكلام عن الوصل اللاحق نذكر لك ما قاله صاحب الإحياء وهو يوصيك عما ينبغي أن يكون عليه عقلك وقلبك بالنسبة للنصوص التي تتحدث عن اليوم الآخر:\nقال الإمام الغزالي في الإحياء:\n\"إياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفته قياس ما في الدنيا، فإنك لو لم تكن شاهت عجائب الدنيا، ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارًا لها، وفي طبع الآدمي إنكار كل ما لم يأنس به!\nولو لم يشاهد الإنسان الحيه وهي تمشي على بطنها كالبرق الخاطف لأنكر تصور المشي على غير رجل والمشي بالرجل أيضًا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك. ولولم يشاهد","vol":"3","page":1191},{"text":"الإنسان توالد الحيوان، وقيل له: إن له صانعًا يصنع من النطفة القذرة مثل هذا الآدمي: المصور، العاقل، المتكلم، المتصرف ... لاشتد نفور باطنه عن التصديق به.\nففي خلق الآدمي مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه: أعاجيب تزيد على الأعاجيب في بعثه وإعادته، فكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته: من يشاهد ذلك في صنعته وقدرته؟! فإن كان في إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر في النشأة الأولى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (١) بلى إن الله على كل شيء قدير\". أهـ.\n* * *\n_________\n(١) القيامة: ٣٦ - ٤٠.","vol":"3","page":1192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>الوصل الثالث\nفي\nالساعة وما يأتي بعدها</span>\nوفيه:\nمقدمات وفقرات وخاتمة","vol":"3","page":1193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>المقدمة</span>\nهذا الموضوع من أهم قضايا العقيدة، لأنه يصف أخطر شيء وأعظم حقيقة يغفل عنها الإنسان، وهو من أهم الأمور في التربية وأهمها في التعليم، ومن أهمها فيما ينبغي أن يكون الإنسان منه على تذكر دائم، ومن ههنا كل التأمل فيه وتذكره يوميًا من أساسيات السير إلى الله ﷿، وهو زاد الوعظ وزاد جلسات المذاكرة وهو طريق المسلم للوصول إلى مقام المخلص (بفتح اللام).\nفالحسن البصري ﵀ يقول: \"الناس هلكي إلا العالمين، والعالمون هلكي إلا العاملين، والعاملون هلكي إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم\".\nفإذا كان المخلصون على خطر فمن هم الناجون؟ يذكر الله ﷿ سياسة إبليس عليه اللعنة: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١) فالمخلص هو الذي سار في طريق النجاة، وطريق الوصول إلى مقامه هو تذكر الآخرة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٢) فلقد وصلوا إلى مقام المخلص بعمل خالص هو تذكر الدار الآخرة.\nوما أكثر الكفر بالآخرة والشك في شأنها والغفلة عنها، فيا ويح الكافرين والغافلين بماذا يكفرون ولماذا يغفلون؟ أيغفلون عن الجنة والنار؟\nوقضية الآخرة منوطة بالإيمان بالله فمن عرف قدرة الله الذي خلق كل شيء وعرف علم الله الذي لا يغيب عنه شيء وعرف عدله وفضله وكرمه آمن بالآخرة، وقضية الآخرة كذلك منوطة بالإيمان بالرسول ﷺ فمن آمن به عرف الآخرة لأن عليها مدار البعثة فالبعثة يترتب عليها تكليف ومسؤولية وجزاء.\nومن عرف أن القرآن كتاب الله وعرف معجزاته وإعجازة لا يشك في اليوم الآخر.\n_________\n(١) الحجر: ٣٩، ٤٠.\n(٢) ص ٤٥، ٤٦.","vol":"3","page":1195},{"text":"وأمر اليوم الآخر مداره على الإيمان والتسليم فتلك عوالم نحن مقبلون عليها لا نعرف عنها إلا ما أخبرنا عنه الله ﷿ ورسوله، وواجبنا في الأخبار: الإيمان والتسليم دون الاعتراض والتشكك: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١).\nولذلك فنحن سنقلل من التعليق على أحاديث هذا الوصول حتى لا نفسد على القارئ تفاعله مع النص وتأثره فيه وسنقسم أبحاث هذا الوصول إلى فقرات مع الملاحظة أن كثيرًا من النصوص تتعلق بأكثر من فِقرة.\n_________\n(١) الأعراف: ٥٣.","vol":"3","page":1196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>الفقرات</span>\nالفقرة الأولى: في عرض إجمالي.\nالفقرة الثانية: في النفختين وفي يوم القيامة.\nالفقرة الثالثة: في الحشر.\nالفقرة الرابعة: في مشاهد من القرآن الكريم فيما يجري في اليوم الآخر من حوار.\nالفقرة الخامسة: في أحاديث جامعة تصف بعض ما في الموقف وما بعده.\nالفقرة السادسة: في الحوض.\nالفقرة السابعة: في الحساب والميزان.\nالفقرة الثامنة: في الصراط.\nالفقرة التاسعة: في الشفاعات.\nالفقرة العاشرة: في الجنة والنار.\nالفقرة الحادية عشر: في ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾.","vol":"3","page":1197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>الفقرة الأولى\nعرض إجمالي</span>\nتحكم الإنسان وهو في بطن أمه أسباب تختلف نوعا ما عن الأسباب التي تحكمه بعد ولادته، ولهذا العالم أسبابه وقوانينه، ولعالم البرزخ أسبابه وقوانينه، وللقيامة وما يكون بعدها أسباب وقوانين، وكل ذلك بعلم الله وإرادته وقدرته، فإذا ما جاءت النصوص القرآنية أو النصوص الحديثية الثابتة عن رسول الله ﷺ، فلا يصح أن يستغرب شيء منها لأن ذلك كفر بوجود الله وصفاته أصلًا، ومن رأى عظمة هذا الكون وامتداده ملايين السبين الضوئية وأنه كله بقدرة الله كيف يستغرب شيئًا على هذه القدرة أخبر الله ﷿ عنه أو أخبر رسوله ﷺ أن الله فاعله.\n- قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).\n- لقد خلق الله ﷿ الماء والعرش، ثم من الماء خلق مجرات هذا الكون ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (٢) ثم خلق الأرض بعد السماء ثم خلق السماوات السبع بعد الأرض، فال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٣)، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٤)، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ (٥) ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ (٦). والسماوات السبع والكرسي والعرش مغيبة عنا في فهمي بدليل أن رسول الله ﷺ قال في حديث صحيح: \"والله لقد رأيت ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم\" (٧) قال الشيخ\n_________\n(١) الرعد: ٥\n(٢) الذاريات: ٤٧.\n(٣) النازعات: ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠\n(٤) البقرة: ٢٩.\n(٥) الطلاق: ١٢.\n(٦) فصلت: ١٢\n(٧) المستدرك (١/ ٣٣٠) وصححه، ووافقه الذهبي، وقد ورد تقريبا من هذا المعنى في سياقات عند البخاري ومسلم.","vol":"3","page":1199},{"text":"عبد الفتاح أبو غدة في كتاب (التصريح بما تواتر في نزول المسيح ﵇):\nوظاهر الحديث في رؤية الجنة والنار أنه ﷺ رآهما رؤية عين، فمن العلماء من حمل ذلك على أن الحجب كشف له ﷺ دونها، فرآهما على حقيقتهما، ومنهم من حمل ذلك على أنها مثلتا له في الحائط كما ينطبع الصورة في المرآة، فرآي جميع ما فيها. ويشهد لكل من هذين القولين أحاديث ذكرها الحافظ بن حجر في \"فتح الباري\" ٢: ٤٤٨. وقال القاضي عياض: القول الأول- وهو أنها رؤية عين حقيقة- أولى كما حكاه عن النووي في \"شرح صحيح مسلم\" ٦: ٢٠٧، وأقره. أ. هـ.\nأقول: وجمهور العلماء يذهبون أن الجنة الأن فوق السماء السابعة فهي كالجزء منها، فإذا رآها الرسول الله ﷺ لم يرها غيره، فذلك دليل على إنها مغيبة، وهذا يجعلنا نستأنس أن السماوات السبع كلها مغيبة عنا.\n- وجعل الكرسي سقفا للسماوات السبع: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (١). وجعل العرش سقفا لهذا العالم: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٢). وقد ورد في الحديث: \"ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض\" (٣).\n- وخلق الملائكة والإنس والجن والحيوانات والنباتات والجنة والنار.\n- وكما أن الخلق كان بقدرة الله ﷿ ابتداء فإنه يحتاج إلى إمداد الله باستمرار، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ (٤)، ولذلك شبه بعضهم هذا الكون للإمداد الإلهي كنور الكهرباء في احتياجه لإمداد المولد الكهربائي ولله المثل الأعلى، ولذلك فلا محل لتساؤل من يتساءل أنه إذا مات الإنسان والحيوان وتفرقت أجزاؤهما فأصبحت في أجسام أخرى كيف تحشر هذه الأجسام نفسها فذرة الآن غير ذرة اللحظة السابقة واللاحقة، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٥)، ولا محل للتساؤل كيف تعرض الأعمال كلها تعرض الأيام والليالي وكيف تشهد الأرض والأعضاء مع\n_________\n(١) البقرة: ٢٥٥.\n(٢) هود: ٧.\n(٣) الحديث رواه ابن جرير، وهو صحيح.\n(٤) الإسراء: ٢٠.\n(٥) يس: ١٣.","vol":"3","page":1200},{"text":"أن بعض الأعضاء في الأحياء تتجدد.\nنقول هذا بمناسبة أن علماء أهل السنة والجماعة يذكرون أن ما مر على الأجساد من أعراض وما مر من أزمنة يعرض كذلك على قول قوي لعلماء العقائد في الإسلام، فالزمن وما حدث فيه والأعراض التي مر عليها الإنسان والأحوال كلها تعرض يوم القيامة على الأنسان، قال الشيخ أديب الكيلاني ﵀ وهو يشرح عقائد أهل السنة والجماعة: فما كان من الأعراض الملازمة للذات من بياض وطول ونحوه يعاد متعلقًا بها، وما كان من غير ذلك- كالكفر والمعاصي والإيمان والطاعة- فإنه يعاد مصورًا بصور حية، فتكون حسنة من الحسنات وقبيحة في السيئات، هذا هو الظاهر. وهذه الإعادة ليست دفعة واحدة بل هي على التدرج حسبما كانت في الدنيا، لكنها تمر كلمح البصر، وربك على كل شيء قدير.\nقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) اهـ.\nوقال: الأرجح أن جميع أزمنة الأجسام- التي مرت عليها في الدنيا- تعاد لتشهد الإنسان وعليه، بما أوقع فيها من الطاعات والآثام، لكنها إعادة على التدريج حسبما مرت في الدنيا وإن كانت في الآخرة أسرع أهـ.\nونعود للسياق الرئيسي في موضوعنا:\n- هذا الكون بما فيه ماذا سيحدث له؟\nإنه سيكون هناك نفخة في الصور يحدث فيها ما يحدث وهي التي تسمى نفخة الصعق ثم تكون نفخة أخرى يكون فيها بعث كل من مات من الأحياء، وبالنفخة الأولى تقوم القيامة وبالنفخة الثانية يبدأ اليوم الآخر على قول: قال الشيخ أديب الكيلاني ﵀: إن اول اليوم الآخر من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى على الصحيح. وقيل حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وإنما سمي آخرًا لأنه متصل لآخر أيام الدنيا لا أنه آخرها.\n_________\n(١) غافر: ١٧.","vol":"3","page":1201},{"text":"وسمي يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم بين يدي خالقهم، ولقيام الحجة لهم أو عليهم وله أسماء نحو الثلاثمائة أهـ.\nومنهم من يرى أن هناك نفخة قبل النفخة الأولى تسمى نفخة الفزع، والقول الراجح أنهما نفختان فقط.\n- فماذا يحدث في النفخة الأولى وما بعدها:\nأما السموات السبع فتطوى، والأرضون الست ماعدا أرضنا تجمع: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١)، ومجرات هذا الكون كلها تطوى فكما كانت كتلة واحدة ثم انفصلت ترجع كتلة واحدة: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٢) أما البشر والجن والحيوانات الموجودة وقتذاك فتصعق وتموت، وأما الأرض فتؤجج بحارها نارًا وتدك جبالها وتنسف وتمد بعد أن كانت كروية فتصبح كالبساط الواحد لا معلم فيها من جبال أو وديان أو أنهار أو غير ذلك.\nأما الملائكة فيصعقون إلا بعضهم، ثم هؤلاء المستثنون على قول، وأما الأرواح التي قبضت من قبل فتصعق إلا روح موسى ﵇- على قول- وأما الجنة وما فيها من الحور العين فلا يحدث لها شيء والنار لا يحدث لها شيء والعرش والكرسي في الظاهر لا يصيبهما مما يحدث شيء وقد أخذ العلماء هذه الاستثناءات من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٣)، ومن استقراءات وتحقيقات كثيرة يرد معنا بعضها.\nأما الشمس والقمر فيكوران ويجمعان مع بعضهما كما ورد في نص صحيح، ويحتمل أن يدمجا مع بقية العوالم والمجرات ليعود الكون كله كتلة واحدة وذلك كله مقدمة لتكوين جديد ووضع جديد.\n- وفي النفخة الثانية يتم البعث والنشر للمخلوقات جميعًا، والنصوص تحدثنا بإجمال عن\n_________\n(١) الزمر: ٦٧.\n(٢) الأنبياء: ١٠٤.\n(٣) الزمر: ٦٨.","vol":"3","page":1202},{"text":"حشر الحيوانات لتحقيق العدل ثم إفناؤها فتكون ترابًا، وتحدثنا بشيء من التفصيل عن أوضاع للحيوانات لها ارتباط بقضايا الإنسان كالحيوانات التي تجب فيها الزكاة ولا يؤدي الإنسان زكاتها، وعن الحيوانات التي يقتلها الإنسان عبثًا.\nقال الشيخ الأديب الكيلاني ﵀ عن البعث والحشر:\nالبعث عبارة عن إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم بعد جمع الاجزاء الأصلية وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ولو قطعت قبل موته بخلاف التي ليس نت شأنها ذلك، كالظفر مثلًا، والحشر عبارة عن سوقهم جميعًا إلى الموقف، وهو الموضع الذي يقفون فيه لفصل القضاء، ووزن الاعمال، ومنه إما إلى جنة أو إلى نار، وهو أرض لم يعص الله عليها.\nولا فرق في الحشر بين من يجازي ومن لا يجازي، كالبهائم والوحوش، على ما ذهب إليه المحققون، وصححه النووي. وذهبت طائفة إلى أنه لا يحشر إلا من يجازي، أما السقط -إن لم ينفخ فيه الروح- فكسائر الأجسام التي لا روح فيها، وأما -إن نفخت فيه- فيحشر ويصير عند دخول الجنة كأهلها في الجمال والطول. اهـ.\n- ويوم القيامة مدته خمسون ألف سنة قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١)، وقد ورد في نصوص حديثية صحيحة هذا التحديد، ويختلف حال الناس في استشعار طوله وفي مكثهم في الموقف واستقرارهم في الجنة أو النار.\n- وبعد البعث يحشر الناس إلى أرض المحشر ومركزها بلاد الشام، وهناك يكون الموقف، فمن الخلق من يكون في ظل الرحمن، ومنهم من يكون بالعراء، ويخلق الله شمسًا دانية من العباد وتكون شدة الحر أكثر منحر الدنيا بعشرة أمثال، ويؤمر الناس بالاصطفاف والوقوف استعدادًا كوقفة الجندي وصف العساكر \"ويؤتى بالنار لها سبعون ألف زمام على كل زمام سبعون ألف ملك ويؤتى بالجنة فتكون ملاصقة للنار وعلى النار الصراط\".\n_________\n(١) المعارج: ٤.","vol":"3","page":1203},{"text":"- ويطول الوقوف ويفزع الناس إلى الأنبياء ليشفعوا لهم ليبدأ فصل القضاء إما إلى جنة وإما إلى نار فلا يشفع لفصل الخطاب إلا محمد ﷺ وعندئذ تبدأ مواقف جديدة متعددة، فمن ذلك ما يصفه الله ﷿ بقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١). وتؤمر كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد من دون الله، وتميز الأمم عن بعضها بعضًا، ويكون هناك جدال وعتاب ومعاذير وإقامة حجج، ويكون هناك في موقف من المواقف عرض للأمم كلها على النار فتجثوا الأمم كلها باركة على ركبها حول النار، وفي موقف من المواقف تشهد الأنبياء على أممها، وتشهد أمتنا لصدق الرسول ﷺ، يكون هناك حوار بين الأتباع والمتبوعين، وفي موقف من المواقف يدعى أئمة الهدى وأئمة الضلالة، فيرجع أئمة الهدى بالبشرى لمن تابعهم، ويرجع أئمة الضلالة ببشارة السوء لمن تابعهم. وفي هذه الأجواء تكون براءة من المتبوعين على الضلال، ويتمنى الأتباع لو أنهم أعيدوا إلى الحياة الدنيا ليتبرأوا ممن اتبعوهم، ثم يطير صحف أعمال العباد فآخذ بيمينه وآخذ بشماله وآخذ وراء ظهره، ويقال إن الآخذين وراء ظهورهم هم أصحاب الشمال أنفسهم، ثم يبدأ الحساب وهو قبل الوزن والميزان.\nقال الشيخ الأديب الكيلاني ﵀: والحساب حق: أي ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وهو توقيف الله الناس على أعمالهم خيرًا كانت أم شرًا، قولًا كان أو فعلًا، بعد أخذهم كتبها، ويشمل الحساب المؤمن والكافر من الإنس والجن، إلا من استثنى الله تعالى منهم اهـ.\nوالنصوص تدل على أن بعض أهل الجنة لا يحاسبون. ويذهب بعض الناس إلى أن بعض أهل الكفر لا يحاسبون، ولكن الظاهر أن هذا القول مرجوح، لأن إدخال أهل الجنة بدون حساب فضل، أما أهل النار فمن سنة الله ﷿ أن يقيم عليهم الحجج كاملة. قال الشيخ أديب: ولا يشغله سبحانه محاسبة أحد عن أحد بل يحاسب الناس جميعًا معًا، حتى أن كل أحد يرى أنه المحاسب وحده وكيفية الحساب مختلفة، فمنه اليسير والعسير، والسر والجهر، والتوبيخ والفضل والعدل. اهـ.\n_________\n(١) البقرة: ٢١٠.","vol":"3","page":1204},{"text":"وفي مقام الحساب وفي مقامات أخرى تكون شهادات، قال الشيخ الأديب الكيلاني ﵀: وفيه شهادة الألسنة والأيدي والأرجل والسمع والجلد والأرض والليل والنهار والحفظة، أما الانبياء والأولياء وسائر الصلحاء فهم عن كل هذا مبعدون اهـ.\nوبعد الحساب: يكون الوزن والميزان فتدعى الأمم كلها إلى الوزن والميزان، فتحضر الأمم للوزن جاثية على ركبها. قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ (١).\nوهكذا يحضر الناس وبيد كل واحد منهم صحيفته، قال الشيخ الأديب الكيلاني ﵀: إن أخذ الصحف واجب لوروده بالكتاب والسنة ولانعقاد الإجماع عليه، فمن أنكره كفر، والصحف هي الكتب التي كتب فيها الملائكة ما فعله العباد في الدنيا، ولكل مكلف صحيفة واحدة يوم القيامة، وإن كانت متعددة في الدنيا اهـ.\nفكل إنسان بيده صحيفته، ولكل إنسان كتابه الذي ضم ما سجلته الملائكة عليه، وهناك الكتاب الذي سجل فيه كل شيء على الأفراد والأمم.\nويبدأ الوزن والميزان، أما الكافرون فلا قيمة لأعمالهم ولا وزن، وأما المؤمنون فتوزن حسناتهم وسيئاتهم إلا من يستثنى ممن لا حساب عليهم أصلًا، وفي هذا المقام يقول الشيخ أديب ﵀: والميزان: هو ميزان واحد على الراجح له قصبة وعمود وكفتان، كل منهما أوسع من أطباق السموات والأرض، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه وميكائيل أمين عليه، ومحله بعد الحساب، وقيل لكل عامل موازين يوزن بكل منها صنف من عمله.\nوقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، فيجب الإيمان به، ونمسك عن تعيين حقيقته.\nوقال: أما الكفر فلا فائدة في وزنه، لأن عذابه دائم، وقد ورد في كلام القرطبي ما يدل على أنه يوزن حيث قال: فتجمع له هذه الأمور وتوضع في ميزان الكافر فيرجح الكفر بها.\nوقال: اختلف العلماء في الموزون فذهب جمهور المفسرين، إلى أن الموزون هي الكتب\n_________\n(١) الجاثية: ٢٨.","vol":"3","page":1205},{"text":"المشتملة على أعمال العباد بناء على أن الحسنات مميزة بكتاب، والسيئات بآخر.\nوذهب بعضهم إلى أن الموزون أعيان الأعمال، فتصور الاعمال الصالحة بصورة حسنة نورانية، ثم تطرح في كفة النور، وهي اليمنى، فتثقل بفضل الله سبحانه. وتصور الأعمال السيئة بصورة قبيحة ظلمانية، ثم تطرح في كفة الظلمة، وهي الشمال، فتخف وهذا في المؤمن. أما الكافر فتخف حسناته وتثقل سيئاته بعدل الله ﷾. وقيل: قد يوزن الشخص نفسه.\nوقال: يجازي الله على السيئات بعقاب يليق بها، إن جازى عليها، وله أن يعفو عنها إن لم تكن كفرًا، وإلا خلد صاحبه في النار، والسيئة ما يذم فاعلها عليها شرعًا، صغيرة كانت أو كبيرة. وسميت سيئة لأن فاعلها يساء عند المقابلة عليها يوم القيامة. والمراد بها التي عملها العبد حقيقة، أو حكمًا بأن طرحت عليه لظلامة اجترحها بعد نفاد حسناته، فإنه يؤخذ من حسنات الظالم ويعطى للمظلوم، فإذا نفدت حسنات الظالم طرح عليه من سيئات المظلوم، ثم قذف بالظالم في النار.\nأما الحسنات فيضاعفها الله تعالى بفضله، إذ لا يجب عليه ذلك. والحسنة مما يمدح عليها صاحبها شرعًا، وسميت حسنة لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها يوم القيامة، المراد الحسنات المقبولة المعمولة للعبد أو ما في حكمها بأن عملها عنه غيره كما إذا تصدق غيره عنه بصدقة. أما الحسنات المأخوذة نظير ظلامة فلا تضاعف. والحسنات المردودة ما خالطها الرياء، فهذه لا ثواب فيها أصلًا. الحسنة التي يهم الإنسان بفعلها ولكنه لا يفعلها تكتب حسنة واحدة من غير تضعيف .. وأقل مراتب التضعيف عشر مراتب، وقد تضاعف إلى سبعين، إلى سبعمائة، أو أكثر من غير انتهاء إلى حد تقف عنده. وتفاوت هذه المراتب إنما هو تبع لما يقترن بالحسنة من إخلاص، وحسن نية اهـ.\nويعرف بالوزن والميزان كل إنسان نتيجة عمله والظاهر أنه قبل الوزن يحاول الناس أن يشربوا من أحواض أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، وتشرب هذه الأمة من حوض رسولها ﷺ، فيرد من يرد ويشرب من يشرب ويحبس الناس في الظلمة دون الصراط، وههنا","vol":"3","page":1206},{"text":"يحدث تبدل جديد للأرض، فمال الأرض في النهاية إلى أن تكون خبزة يأكلها أهل الجنة وتوجد سموات جديدة، والظاهر أنه في هذا الموقف يؤمر آدم بأن يخرج بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ويخرج عنق من النار فيأخذ أصنافًا من الناس ويبدأ أهل النار يردون على النار أفواجًا أفواجًا كل أمة مع أئمتها في الضلال وأئمة الضلال يدخلون النار قبل أتباعهم، والسابقون من الأمم في الغواية يدخلون النار قبل اللاحقين، فكل شيء في الآخرة على غاية من الترتيب والنظام والعدل والانضباط.\nومن كتب له المرور على الصراط لا يمر إلا بعد شفاعة جديدة من رسولنا ﷺ، فبعد أن يلجأ الناس إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مرة ثانية فيحيلون الأمر إلى رسولنا ﵊ فيشفع ويؤذن بالمرور على الصراط، والظاهر أن المنافقين يبقون مع المؤمنين طامعين فيأن يعبروا معهم على الصراط، فيضرب بينهم وبين المؤمنين بسور باطنه فيه الرحمة وظاهرة من قبله العذاب، فبعض العلماء يقولون إن هذا السور يضرب في أول الصراط، والظاهر أنه لا يعبر على الصراط إلا من له نور مهما كان هذا النور ضعيفًا، والذين يمرون على الصراط بعضهم تكون سيئاتهم أكثر من حسناتهم فلا يعبرون بل يسقطون في النار، وبعضهم تكون حسناتهم أكثر فيعبرون، وبعضهم تتساوى حسناتهم وسيئاتهم فيعبرون، وهؤلاء هم أهل الأعراف الذين يكونون في مكان بين الجنة والنار أمدًا من الزمن، ومالهم إلى الجنة بإذن الله.\nوعلى ضوء صحائف الأعمال التي تكون بيد المارين على الصراط تقتص الملائكة من بعض المؤمنين لبعض، فينجو من نجا، ويسقط في النار من لا تكفي حسناته الزائدة على سيئاته ليأخذها من له عليه حق، حتى إذا تجاوز الناجون الصراط يبقى بعضهم على الأعراف، ويحبس الأخرون فلا يؤذن لهم بدخول الجنة حتى يشفع بذلك رسول الله ﷺ، فهذه شفاعة ثالثة تكون بعد أن يلجأ الناس إلى الأنبياء فيحيلونهم على رسولنا ﵊.\nوفي هذا المقام تنزع الاحقاد من القلوب، وتبدأ شفاعات بمن دخل النار من أهل الإيمان، ثم يدخل أهل الجنة الجنة وتستمر الشفاعات، ويخرج أهل الإيمان من النار،","vol":"3","page":1207},{"text":"وعندئذ يذبح الموت بين الجنة والنار، ويكتب الخلود لكل من أهل الجنة والنار، وكل في موطنه، وفي ذبح الموت أعظم بشارة لأهل الجنة وأعظم كآبة لأهل النار.\nومن كلام الشيخ أديب الكيلاني ﵀ عن الصراط والجنة والنار ما يلي:\nكذا الصراط ... [أي] في وجوب الإيمان به، لورود الدليل السمعي، مثل أخذ العباد الصحف ومثل الوزن والميزان. ومعناه -لغة- الطريق الواضح، لأنه يصرط المارة أي يبتلعهم، وشرعًا: هو جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون حتى الكفار. إلا أن الحليمي ذهب إلى أنهم لا يمرون، ويجوز أنه قصد بالكفار الذين لا يمرون من تلقي بهم الملائكة في النار من الموقف. وكل من يمر ساكت إلا الأنبياء يقولون: \"اللهم سلم سلم\".\nوفي بعض الروايات \"أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف\"، وهو المشهور ونازع في ذلك العز بن عبد السلام والشيخ القرافي، وغيرهما كالبدر الزركشي. قالوا: على فرض صحة ذلك فهو محمول على غير ظاهره، بان يؤول: بأنه كناية عن شدة المشقة، وحينئذ فلا ينافي ما ورد في الأحاديث الدالة على قيام الملائكة على جنبيه، وكون الكلاليب فيه. وزاد القرافي: والصحيح أنه عريض، وفيه طريقان يمنى ويسرى، فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات، كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم. وقال بعضهم: إنه يدق ويتسع بحسب ضيق النور وانتشاره، فعرض صراط كل أحد بقدر انتشار نوره فإن نور كل إنسان لا يتعداه إلى غيره. ومن هنا كان دقيقًا في حق قوم، عريضًا في حق آخرين.\nوتفاوتهم في المرور إنما هو بحسب تفاوتهم في الإعراض عن حرمات الله تعالى، فمن كان منهم أسرع إعراضًا عما حرم الله كان أسرع مرورًا في ذلك اليوم.\nالنار التي هي دار العذاب ثابتة بالكتاب والسنة، واتفاق علماء الامة. أوجدها الله تعالى فيما مضى كالجنة التي هي دار الثواب. فالنار حق كالجنة، وهما موجودتان الآن.\nولم يرد نص صريح في تعيين مكانهما، كما في شرح المقاصد. إلا أن الكثيرين على أن الجنة فوق السموات السبع وتحت العرش، وأن النار تحت الارضين السبع. والحق تفويض","vol":"3","page":1208},{"text":"علم ذلك إلى اللطيف الخبير.\nواختلف في الجنة هل هي سبع جنات متجاورات، أو أربع، أو جنة واحدة؟ فذهب ابن عباس إلى أنها سبع، أفضلها وأوسطها الفردوس وهي أعلاها، والمجاورة لا تنافي العلو، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تنفجر أنهار الجنة، ويليها في الأفضلية \"عدن\" ثم \"الخلد\" ثم \"النعيم\" ثم \"المأوى\" ثم \"دار السلام\" ثم \"دار الجلال.\nوذهب الجمهور إلى أنها واحدة، وهذه الأسماء كلها جارية عليها لتحقق معانيها.\nوأولاد المشركين في الجنة على الصحيح، ولا فرق في السعادة والشقاوة بين إنسي وجني.\nالناس في الموقف على حالتهم التي ماتوا عليها. ثم يدخل المؤمنون الجنة جردًا مردًا أبناء ثلاث وثلاثين سنة، طول كل واحد منهم ستون ذراعًا، وعرضه سبعة أذرع، ثم لا يزيدون ولا ينقصون اهـ.\n-ومما مر معنا نعرف أن لرسولنا ﷺ ثلاث شفاعات متميزة، لا يشاركه فيها غيره، وهذه الشفاعات الثلاث هي المقام المحمود، يطلق على ثلاثتها المقام المحمود، ويطلق على كل منها المقام المحمود، وله شفاعات أخرى، فالمقام المحمود يتمثل بثلاث شفاعات:\nالشفاعة الأولى: بعد طول المقام في الموقف وهي التي تسمى الشفاعة لفصل الخطاب وهي التي يكون بعدها الجدال والمعازير والشهادات والحساب والميزان.\nالشفاعة الثانية: للإذن لعبور الصراط وتكون بعد لجوء إلى الأنبياء وإحالة على رسول الله صلوات الله وتسليماته.\nالشفاعة الثالثة: تكون كذلك بعد لجوء إلى الأنبياء وإحالة إلى رسول الله ﷺ وهي الشفاعة للإذن بدخول الجنة.\n-وكثيرًا ما يحدث أن رواة الاحاديث يتحدثون بمناسبة الكلام عن المقام المحمود عن شفاعة من هذه الشفاعات الثلاث ويطوون غيرها، فيلتبس الفهم على القارئ، والتحقيق أن الأمر كذلك.","vol":"3","page":1209},{"text":"- ونحن إذا نعرض نصوص السنة قد لا تقف لبيان هذه الحقيقة اكتفاء بما ذكرناه هنا، فليبق القارئ على ذكر لذلك.\n- ومن عقائد أهل السنة والجماعة أنه في الموقف وفي الصراط وفي الجنة وفي النار يكون للملائكة وظائفهم.\n- وفي الموقف يرى أهل الإيمان الله ﷿ نوع رؤية وإنما تكون الرؤية للجلال والجمال في الجنة وذلك أعظم نعيم أهل الجنة.\n- والنار على طبقات والجنة على درجات ومنازل وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من أصناف الملذات والنعيم والبهجة والسرور والمتعة.\n- والجن المؤمنون لهم ما للإنس المؤمنين، والكافرون من الجن لهم ما للإنس الكافرين، وكذلك شأن الفساق من الجن.\n- ومشاهد القيامة ووصف النار والجنة يأخذ من الكتاب والسنة حيزًا كبيرًا؛ لأن ذلك هو المقصد الثاني من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام بعد معرفة الله ﷿، وقد أعاد بعض المفسرين الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (١) على القرآن، فمن أعظم مقاصد القرآن تبيان أمر اليوم الآخر، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢).\n- ولكي تقوم الحجة على الخلق قيامًا كاملًا جعل الله ﷿ كتابه القرآن معجزًا، وجعل فيه من المعجزات الكثير، وجعل أمر محمد ﷺ بينًا، وأظهر على يديه وعلى لسانه من المعجزات الكثير، وأرسل قبله الرسل وبعث الأنبياء مبشرين بما بشر به، ومنذرين بما أنذر به ليكون ذلك توطئة وتمهيدًا وتشييدًا لصرح الإيمان.\n- وقد رأينا في هذا القسم كيف أن الأديان السابقة فيها شواهد على صحة المعاني\n_________\n(١) الزخرف: ٦١.\n(٢) الأعراف: ٥٣.","vol":"3","page":1210},{"text":"الكبرى التي بعث بها محمد ﷺ، ورأينا أنها حرفت وبدلت وطمست معالمها وأصبحت أحكامها ضائعة أو بحاجة إلى تغيير فجاءت الرسالة الخاتمة مصححة وناسخة ومبينة ومطالبة للإنس والجن باتباعها وحدها.\n- ولا مطمع لمن يريد أن يعرف تفصيلات ما يجري في اليوم الآخر إلا بأن يستعرض نصوص الكتاب والسنة وفهوم الراسخين في العلم من علماء هذه الأمة.\n- ونختم هذا العرض الإجمالي بالتذكير: أن الله ﷿ يجعل لرسولنا ﵊ ولأمتنا من الكرامة والفضل ما يمتازون به على غيرهم من الأمم يظهر ذلك في الموقف وفيما بعده وفي الجنة.\n- وهذا لا ينفي أن يكون للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين من كل الأمم ميزانهم، وهناك تفصيلات ستمر معنا، وبعضه قد مر من قبل في القسم السابق عند الكلام عن فضل الأمة المحمدية.\n- وها نحن سنعرض عليك نصوصًا من الكتاب والسنة في فقرات متعددة تجعلك على بيان في هذه الحقيقة العظمى التي غفل عنها أكثر الخلق.\nفائدة:\nمن عقائد أهل السنة والجماعة ما ذكره الشيخ اللقاني:\nوواجب تعذيب بعض ارتكب ... كبيرة ثم الخلود مجتنب\nوقد شرح هذا البيت أديب الكيلاني بقوله:\nوواجب تعذيب بعض: إن تعذيب بعض غير معين من عصاة هذه الأمة، ارتكبوا الكبيرة، من غير تأويل ويعذرون به، وماتوا بلا توبة، ثابت وواقع شرعًا، بخلاف من ارتكب صغيرة أو كبيرة بتأويل، كما يقع من البغاة المتأولين، أو ارتكبها من غير تأويل لكنه مات بعد التوبة. والمقصود هنا أمة الإجابة. والمراد ببعض طائفة، ولو واحدًا من كل صنف من أصناف العصاة كالزناة، وقتلة الأنفس، وشاربي الخمر. فلابد من نفوذ","vol":"3","page":1211},{"text":"الوعيد في طائفة من كل صنف، أقلها واحد. وهذه المسألة على طريقة الماتريدية، من أنه لا يجوز تخلف الوعيد. وذهب الأشاعرة إلى جواز تخلفه، لأنه على تقدير المشيئة، فإن شاء عذب، وإن شاء غفر. نعم، قد ورد تعذيب بعض الموحدين، والشفاعة فيهم، لكن لا يعم الأنواع كلها. والحاصل: أن الناس قسمان مؤمن وكافر فالكافر مخلد -إجماعًا- في النار. والمؤمن قسمان، طائع وعاص، فالطائع -إجماعًا- في الجنة، والعاصي على قسمين، تائب وغير تائب فالتائب -إجماعًا- في الجنة، وغير التائب متروك للمشيئة، وعلى تقدير عذابه لا يخلد في النار اهـ (شرح جوهرة التوحيد).\n* * *","vol":"3","page":1212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>الفقرة الثانية\nفي:\nالنفختين وفي: يوم القيامة</span>\nبمناسبة الكلام عن يوم القيامة يمر علينا ذكر الصوم الذي تتم فيه النفختان: النفخة الأولى، والنفخة الثانية، نفخة الإماتة وما يعقبها، ونفخة الإحياء وما يعقبها، والصور أشبه بالقرن والنافخ فيه هو إسرافيل بإجماع العلماء.\n- وبمناسبة الكلام عن النفخة الأولى يمر معنا أن هناك خلقًا مستثنين من الإماتة قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١)، وهناك تحقيقات للعلماء فيمن يستثنى من الصعق. والمطلوب منا الإيمان بالاستثناء إجمالًا دون الدخول في التفصيلات، وكما أن بعض الأحياء مستثناة من الصعق فهناك بعض المخلوقات لا يدخل عليها تغير بسبب النفخة الأولى كالعرش.\n- وبمناسبة الكلام عن النفخة الثانية تمر معنا كلمة عجب الذنب وهو العظم اللطيف الذي هو في أسفل الصلب وهو رأس العصعص وهو أول ما يجمع من الأرض في ابن آدم يوم القيامة، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه والظاهر أن هذا الجزء من الإنسان إذا مات لا يدخل في تركيب أي جسم آخر، وليس المراد ببقائه أنه لا يتحلل، بل المشاهد أنه يحترق ويتحلل، ولكن الله ﷿ يحفظ أجزاءه فحيثما ذهبت فهي محفوظة، وهي أول ما تجمع يوم القيامة ثم يبنى عليها الإنسان من المطر الذي ينزله الله ﷿ ويتضمن أجزاء المخلوقات ليذهب كل جزء إلى صاحبه.\n- وبمناسبة الكلام عن النفختين نذكر المدة بينهما، ومجموع الروايات تفيد أنها أربعون سنة والله أعلم.\n- وبمناسبة الكلام عن النفخة الأولى يذكر ما يحدث للأرض، فالأرض لها تبدلات متعددة، والتبدل الأول هو ما يحدث من تسجير البحر بأن تصبح نارًا، والجبال تندك فتكون كالصوف المندوف ثم تصبح كالهباء المنبث في الهواء، ثم تسوى الأرض جميعًا فلا\n_________\n(١) الزمر: ٦٨.","vol":"3","page":1213},{"text":"يبقى فيها ارتفاع أو انخفاض، ثم تمد مدًا بعد أن كانت كروية، ثم تحدث لها تبدلات أخرى كما ذكرنا من قبل وكما سنرى من بعد، فقد نقل الألوسي عن بعضهم أن الأرض تبدل صفتها ابتداء ثم تبدل ذاتها بعد أن تحدث أخبارها قال: ولا مانع أن تكون هناك تبدلات على أنحاء شتى.\nقال ابن كثير في النهاية:\nوفي صحيح مسلم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ: سئل أين يكون الناس يوم تبدل الأرض والسموات؟ فقال: \"في الظلمة دون الجسر\".\nوقد يكون المراد بذلك تبدلًا آخر غير هذا المذكور في هذا الحديث، وهو أن تبدل معالم الأرض فيما بين النفختين، نفخة الصعق، ونفخة البعث، فتسير الجبال، وتميد الأرض، ويبقى الجميع صعيدًا واحدًا، لا اعوجاج فيها ولا روابي ولا أودية قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (١). أي لا انخفاض فيها ولا ارتفاع وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ (٥). اهـ (النهاية في الفتن والملاحم).\n- وبمناسبة النفخة الثانية تذكر بعض النصوص الصحيحة أن أول من تنشق عنه الأرض رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر.\nوالنصوص القرآنية والحديثية كثيرة وحسبنا أن نذكر ههنا بعضها مع ملاحظة أن النصوص كثيرًا ما تتحدث عن أكثر من مشهد من مشاهد يوم القيامة.\n_________\n(١) طه: ١٠٥ - ١٠٧.\n(٢) النبأ: ٢٠.\n(٣) القارعة: ٥.\n(٤) الحاقة: ١٤.\n(٥) الكهف: ٤٧، ٤٨.","vol":"3","page":1214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>١ - النصوص القرآنية</span>\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ (١).\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢).\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٣).\n﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤).\n_________\n(١) تبارك: ٢٥، ٢٦، ٢٧.\n(زلفة): أي رأوا العذاب قريبًا منهم.\n(سيئت وجوه الذين كفروا): كئبت واسودت غمًا ودلًا.\n(٢) يس: ٤٨ - ٥٤.\n(وهم يخصمون): يختصمون في أمورهم غافلين.\n(الأجداث): القبور.\n(ينسلون): يسرعون في الخروج ٤٢ - ٤٦.\nفي الآيات نص على النفختين الأولى والثانية.\n(٣) النازعات: ٤٢ - ٤٦.\n(مرساها): إرساؤها أي إقامتها وإثباتها.\n(منتهاها): أي إلى ربك مردها ومرجعها، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين.\n(٤) الأنبياء: ١٠٤.\n(السجل): هو ما تحفظ الأوراق بين دفتيه وهذا يفيد أن مجرات هذا الكون وسماواته كلها تصبح كتلة واحدة، كما أنها كتلة واحدة ثم انفصلت عن بعضها","vol":"3","page":1215},{"text":"﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (١).\nالتبدل يكون بالذات والصفات، وأول تبدل للأرض يكون بالصفات يوم القيامة عند النفخة الأولى، ثم يكون التبدل بالذات بعد انتهاء الحساب والناس محبوسون قبل الصراط، وللسموات تبدلان كذلك، تبدل في الصفات بأن يجمع الكون كله إلا ما شاء الله كتلة واحدة وذلك في النفخة الأولى، ثم تبدل آخر مع التبدل الثاني للأرض.\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٢).\nفي الآيات دليل على طي السموات وقد رأينا ذلك من قبل فهي تطوى مع غيرها إلا ما شاء الله استثناءه.\nوقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يحتمل اللوح المحفوظ ويحتمل صحف الأعمال وذلك يكون بعد الموقف الطويل والشفاعة لفصل الخطاب وبعد العرضتين الأولى والثانية وعندئذ يكون الحساب والميزان والظاهر أن شهادة الأنبياء وغيرهم إنما تكون في هذا المقام قبل بدء الحساب والله أعلم.\n﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (٣).\n_________\n(١) إبراهيم: ٤٨ - ٥٠.\n(الأصفاد): القيود. (مقرنين في الأصفاد): أي مجموعة أيديهم إلى أرجلهم أو أن كل كافر مقرون مع شيطانه بالأغلال.\n(٢) الزمر: ٦٧ - ٧٠.\n(٣) القيامة: ٧ - ١٥. وقوله تعالى: ﴿لَا وَزَرَ﴾: أي لا ملجأ.","vol":"3","page":1216},{"text":"والظاهر أن جمع الشمس مع القمر يكون مع طي السموات وغيرها وذلك في النفخة الأولى.\n﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ (١).\nالتكوير: اللف للرفع. والمراد هنا: ذهاب ضوئها بين يدي دمجها مع غيرها في كتلة واحدة. انكدار النجوم: انقضاؤها بدمجها مع بعضها ومه ما شاء الله. تسيير الجبال: يكون بعد دكها حتى تكون هباء فتسوى مع بقية الأرض، تسجير البحر: جعلها نارًا، وذلك كله يكون بالنفخة الأولى. العشار: هي الإبل. وتعطيلها: عدم وجود مالك لها، وحشر الوحوش: دليل على أن الحيوانات تبعث لإقامة العدل ثم تكون ترابًا، وهذا وهذا مع تزويج الأنفس للأجساد، وما جاء بعد ذلك في الآيات يكون بعد النفخة الثانية، والله أعلم.\n﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢).\n﴿طُمِسَتْ﴾ طمس النجوم: ذهاب ضوئها بين يدي دمجها مع غيرها، وفسرها بعضهم بالانسحاق وما ذكرناه هو تفسيرها، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾: أي صدعت وانشقت بين يدي دمجها مع غيرها، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾: أي عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على أممها وذلك -الله أعلم- بعد الشفاعة لفصل الخطاب وقبل الحساب والميزان\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا\n_________\n(١) التكوير ١ - ١٤.\n(٢) المرسلات: ٨ - ١٥.","vol":"3","page":1217},{"text":"وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (١).\nذكر البيضاوي عند قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ عن علي ﵁ أنها تشق من المجرة، وهذا يكون مقدمة لدمجها مع بعضها. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي بسطت وزالت جبالها وآكامها وخرجت من الكروية إلى الانبساط، وهذا وهذا يكون بالنفخة الأولى. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ ألقت ما في جوفها من الكنوز والأموات وتكلفت في الخلو أقصى جهدها حتى لم يبق شيء في باطنها والظاهر أن هذه الأخيرة في النفخة الثانية وما سبقها يكون في النفخة الأولى.\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (٢).\n(الانفطار): الانشقاق، وهو وانتثار الكواكب مقدمة لجمعها كتلة واحدة، وتفجير البحار: أي فتحها على بعضها وذلك مقدمة لتسجيرها ثم لجعل الأرض لا ارتفاع فيها ولا انخفاض وذلك في النفخة الأولى، يحدث بهذه النفخة نوع من بعثرة القبور، والظاهر أن مقدمة ذلك في النفخة الأولى حتى إذا كانت النفخة الثانية كان الإحياء والبعث.\n﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (٣).\nالظاهر أن هذا المشهد يتحدث عن النفخة الثانية في أوله، وفي آخره يتحدث عما يكون في النفخة الأولى.\n﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (٤).\n_________\n(١) الانشقاق: ١ - ٥.\n(٢) الانفطار: ١ - ٥.\n(٣) عم: ١٧ - ٢٠.\n(٤) الحاقة: ١٣ - ١٨.","vol":"3","page":1218},{"text":"بدأ هذا المشهد في الحديث عما يكون في النفخة الأولى ثم انتقل إلى الحديث عما يكون في النفخة الثانية، وقد عرض النص مجريات الأمور بما أفاد أن ما يجري في النفخة الثانية استمرار لما يجري في النفخة الأولى.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (١).\nللمفسرين أكثر من قول حول هذا المشهد متى يكون، فبعضهم جعل هذه زلزلة هائلة تكون قبل طلوع الشمس من مغربها وبعضهم جعلها زلزلة تكون بعد النشور، وبعض النصوص تشير إلى أنها زلزلة معنوية تكون في أحد مشاهد يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم ﵇ أخرج بعث النار، فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين.\n﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). المراد بالزلزال: النفختان الأولى والثانية على رأي بعض المفسرين، وإخراج الأرض أثقالها كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، وتتمة السورة تتحدث عما يكون بعد النفخة الثانية.\n﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (٣).\nالمراد بالقارعة ما يحدث في النفخة الأولى، ثم السورة تتحدث عن بعض آثار النفخة الأولى، وعما يجري في النفخة الثانية.\n_________\n(١) الحج: ١ - ٢.\n(٢) الزلزلة: ١ - ٨.\n(٣) القارعة: ١ - ١١.","vol":"3","page":1219},{"text":"﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (١).\n﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ يدل على أن هناك خلقًا يثبت الله قلوبهم فلا يصيبهم الفزع، وقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ أي كل من المحشورين يأتون إلى المحشر طائعين خاضعين، وقد يراد بقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾: الذلة فعندئذ يراد بها المجرمون والذين يصيبهم الفزع، أما أولياؤه ﷻ فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الأخرة.\n﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (٣).\nفي هذا المشهد حديث عما يكون بعد النفخة الثانية وإجابة على سؤال له صلة بالنفخة الأولى.\nوهذا المشهد يتحدث عن كون المجرمين يحشرون عميا زرق العيون لعماهم، وهناك نصوص تذكر أنهم يحشرون سود الوجوه، ومن هول الموقف فإنهم يتناجون سرا، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ أي ملكًا يدعوهم إلى مكان الحشر وقوله في وصفهم لاتباع الداعي: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه. ومعنى: ﴿وَعَنَتِ\n_________\n(١) العاديات: ٩ - ١١.\n(٢) النمل: ٨٧.\n(٣) طه: ١٠٢ - ١١٢.","vol":"3","page":1220},{"text":"الْوُجُوهُ﴾ أي ذلت وخضعت وذلك وصف لوجوه المجرمين يوم القيامة.\n﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ (١).\nدك الأرض يكون بالنفخة الأولى ومجيء الملائكة واصطفافهم يكون بعد أن يجمع الناس في المحشر وبعد ذلك يؤتى بجهنم تجرها الملائكة.\nويكون المآل أن الكافرين يوثقون وثاقًا لا مثل له في الدنيا ويعذبون عذابًا لا مثل له في الدنيا.\n﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٢).\n* * *\n_________\n(١) الفجر: ٢١ - ٢٦.\n(٢) النازعات: ٣٤ - ٤١.","vol":"3","page":1221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>٢ - النصوص الحديثية</span>\n١١٦٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \" ... ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها\".\n١١٦٧ - * روى الطبراني عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: \"ما هلك قوم لوط إلا في الأذان ولا تقوم الساعة إلا في الأذان\". قال الطبراني معناه عندي والله أعلم في وقت أذان الفجر وهو وقت الاستغفار والدعاء.\n١١٦٨ - * روى الطبراني عن أبي رزين قال قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال: \"أو ما مررت بوادي قومك محلًا ثم يمر به محلا ثم به خضرًا ثم تمر به محلا ثم تمر به خضرا كذلك يحيي الله الموتى\".\n١١٦٩ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لتقمصن بكم قماص البكر\" يعني الأرض.\nأقول: هل هذا يكون قبل النفخة الأولى أو أن المراد به النفخة الاولى؟ قولان للعلماء.\n_________\n١١٦٦ - البخاري (١١/ ٣٥٢) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٠ - باب حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب .. إلخ\nوروي نحوه أحمد (٢/ ٣٦٩).\nوروي نحوه مسلم (٤/ ٢٢٧٠) ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٧ - باب قرب الساعة.\n(يليط حوضه): يطينه ويصلحه.\n١١٦٧ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٢). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير آدم بن علي، وهو ثقة.\n١١٦٨ - مجمع الزوائد (١/ ٨٥). وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.\n١١٦٩ - كشف الأستار (٤/ ١٥٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٢). وقال: رواه البزار ورجاله ثقات\n(قماص): الحركة والاضطراب. ...\n(البكر): الناقة، وفي رواية: البقر. ... (لتقمصن بكم الأرض): يريد الزلازل.","vol":"3","page":1222},{"text":"١١٧٠ - * روى الطبراني عن عقبة بن عامر: قال: قال رسول الله ﷺ: \"يطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فلا تزال ترفع في السماء وتنتشر حتى تملأ السماء ثم ينادي مناد أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلون\". قال رسول الله ﷺ: \"فو الذي نفسي بيده إن الرجلين ينشران الثوب فلا يطويانه وإن الرجل ليمدر حوضه فلا يسقي منه شيئًا أبدا والرجلين ينشران الثوب فلا يطويانه وإن الرجل ليمدر حوضه فلا يسقي منه شيئًا أبدا والرجل يحلب ناقته فلا يشربه أبدا.\n١١٧١ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنا جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يومر فينفخ؟ \" فكأن ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: فكيف نفعل يا رسول الله، أو نقول؟ قال: \"قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا\". وربما قال: \"توكلنا على الله\". وفي رواية: (\"كيف أنتم ... \".\nقال الحافظ في \"الفتح\" ١١/ ٣١٧: بعد ذكر حديث أبي سعيد هذا: وأخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم، وابن مردويه من حديث أبي هريرة، ولأحمد والبيهقي من حديث ابن عباس، وفيه جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وهو صاحب الطور يعني إسرافيل، وفي أسانيد كل منها مقال، وللحاكم بسند حسن عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ورفعه: إن طرف صاحب الصور منذ وكل بعد مستعد، وينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن إليه طرفه كان عينيه كوكبان دريان.\n١١٧٢ - * روى البخاري (تعليقًا) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال في قوله\n_________\n١١٧٠ - المعجم الكبير (١٧/ ٣٢٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٢١). رواه الطبراني وقال: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة، وهو ثقة.\n(يمدر حوضه): يطينه ويصلحه بالمدر وهو الطين المتماسك، لئلا يخرج الماء من الحوض.\n١١٧١ - الترمذي (٤/ ٦٢٠) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٨ - باب ما جاء في شأن الصور. وقال: هذا حديث حسن.\n١١٧٢ - البخاري (١١/ ٣٦٧) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٣، باب نفخ الصور. وقال الحافظ في الفتح: وصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.","vol":"3","page":1223},{"text":"تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]: الصور، قال: والراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: الثانية.\n١١٧٣ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: ما الصور؟ قال: \"قرن ينفخ فيه\".\n١١٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما بين النفختين أربعون\" قيل: أربعون يومًا؟ قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. \"ثم ينزل من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا بلي، إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة\".\nولمسلم (١) طرف في ذكر عجب الذنب، قال: \"إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا، فيه يركب يوم القيامة\" قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: \"عجب الذنب\".\nوفي رواية (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل ابن آدم تأكله الأرض، إلا عجب\n_________\n١١٧٣ - أحمد (٢/ ١٢٦).\nوأبو داود (٤/ ٢٣٦) كتاب السنة، باب في الشفاعة.\nوالترمذي (٥/ ٣٧٣) ٤٨ - كتاب التفسير، ٤١ - باب ومن سورة الزمر. وقال: حديث حسن صحيح.\nوالدارمي (٢/ ٣٢٥) كتاب الرقائق، باب في نفخ الصور.\nوابن حيان (٩/ ٢٠٩).\nوالمستدرك (٢/ ٥٠٢).\n١١٧٤ - البخاري (٨/ ٦٨٩) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب يوم ينفخ في الصور (سورة ٧٨) عم يتساءلون.\nمسلم (٤/ ٢٢٧٠) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٢٨ - باب ما بين النفختين.\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٧١) الموضع السابق.\n(٢) مسلم (٤/ ٢٢٧١) الموضع السابق.\nوالموطأ (١/ ٢٣٩) ١٦ - كتاب الجنائز، ١٦ - باب جامع الجنائز.\nوأبو داود (٤/ ٢٣٦) كتاب السنة، باب ذكر البعث والصور.\nوالنسائي (٤/ ١١١) كتاب الجنائز، ١١٧ - باب أرواح المؤمنين.\n(عجب الذنب): هو عظم الصلب المستدير الذي يكون في أصل العجز، وأصل الذنب. =","vol":"3","page":1224},{"text":"الذنب، منه خلق، وفيه يركب\".\nأقول: الظاهر أن أجزاء عجب الذنب لا يدخل في تركيب أجزاء أخرى فليس المراد ألا تتحلل، والمشاهد أنها تحترق وتتحلل، ولكن لهذا الجزء من الأنسان ميزه على غيره، بحيث يحفظ الله أجزاءه ثم تجمع يوم القيامة ويعاد بناء الإنسان عليها.\n١١٧٥ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة؛ قال: قال رجل من اليهود، بسوق المدينة: والذي اصطفي موسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه، قال: تقول هذا؟ وفينا رسول الله ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: \"قال الله ﷿: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١) فأكون أول من رفع رأسه. فإذا أنا بموسى أخذ بقائمة من قوائم العرش. فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله ﷿. ومن قال: أنا خير من يونس بن متى، كذب\".\nأقول: لا يصح لأحد أن يفضل أحدًا عند الله إلا بوحي، وعلى هذا فلا يصلح أن يفضل أحدًا أحدًا على يونس ﵇ من عنه نفسه، وإلا فالنصوص تذكر صراحة تفاضل النبيين وأن محمدًا ﷺ أفضلهم. وقل مثل ذلك في أي تفضيل بين البشر ومن ذلك التفضيل بين الصحابة فمن من عند نفسه فقد افترى، ومن فضل بحق بناء على نص فقد اهتدى، وعلى ذلك يحمل كلام بعض الدعاة إلى الله إذ ينهون عن التفضيل بين الصحابة، فمرادهم التفضيل بلا نص.\n١١٧٦ - * روى مالك عن كعب بن مالك ﵁ كان يحدث أن النبي ﷺ قال: \"إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله في جسده يوم يبعثه\".\n_________\n١١٧٥ - ابن ماجه (٢/ ١٤٢٨) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٣ - باب ذكر البعث. وفي الزوائد إسناده صحيح، ورجاله ثقات.\n(١) الزمر: ٦٨\n١١٧٦ - الموطأ (١/ ٢٤٠) ١٦ - كتاب الجنائز، ١٦ - باب جامع الجنائز.\nوالنسائي (٤/ ١٠٨) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٧ - باب أرواح المؤمنين ولم يذكر \"يعلق\".\nوابن ماجه (٢/ ١٤٢٨) ٣٧ - كتاب الزهد، ٢٢ - باب ذكر القبر والبلى.\n(النسمة): الروح والنفس ... (يعلق): يأكل.","vol":"3","page":1225},{"text":"أقول: رزق الشهداء في الجنة واضح في النصوص، وهذا الحديث يوسع الدائرة فيعمم، والظاهرة أنه مخصوص ببعض النصوص الأخرى، فهو في الجملة يدل على أن بعض المؤمنين ولو كانوا غير شهداء فإن لهم عند ربهم كرامة الكينونة في الجنة في الحياة البرزخية، ولا شك أن مقام الرسل والانبياء أرقى من مقام الشهداء ويوم عرج برسول الله ﷺ رأى عددًا من الأنبياء في السماوات فقد رأى في كل سماء رسولًا من الرسل كما ورد في قصة الإسراء.\n* * *","vol":"3","page":1226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>٣ - بعض ما يكون بالنفخة الأولى</span>\nقال تعالى:\n﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (١).\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (٢).\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ (٣).\n﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (٤).\n(بست الجبال): فتتت.\n﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٥).\n﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ (٦).\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٧).\n﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (٨).\n﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (٩).\n_________\n(١) التكوير: ١ - ٦.\n(٢) الانفطار: ١ - ٣.\n(٣) الانشقاق: ١ - ٣.\n(٤) الواقعة: ١ - ٥.\n(٥) الأنبياء: ١٠٤.\n(٦) المرسلات: ٨ - ١٠.\n(٧) الزمر: ٦٨.\n(٨) الحاقة: ١٣ - ١٦.\n(٩) القيامة: ٧ - ١٢.","vol":"3","page":1227},{"text":"١١٧٧ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ، وهو على المنبر يقول: \"يأخذ الجبار سماواته وأرضيته بيده\" وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها ثم يقول: \"أنا الجبار. أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ \" قال ويتمايل رسول الله ﷺ عن يمينه وعن شماله. حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ؟.\n(يأخذ الجبار) هذا الحديث كالتفسير لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.\nأقول: لقد كان رسول الله ﷺ إذا تحدث عن يوم القيامة ومشاهدها ظهر التأثر البالغ عليه ﵊ وهذا أدب ينبغي أن يفطن له كل مسلم وخاصة الدعاء إلى الله، فلا يمرون بمشاهد يوم القيامة إلا وقلوبهم يقظى وتأثرهم بها بالغ مبلغة من أنفسهم ومن سامعيه.\n١١٧٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: الشمس والقمر مكوران يوم القيامة. قال ابن الأثير: (مكوران) التكوير: لف العمامة، والمراد: أن السماء والأرض تجمعان وتلفان كما تلف العمامة.\n_________\n١١٧٧ - ابن ماجه (٢/ ١٤٢٩) ٣٧ - كتاب الزهد، ٢٢ - باب ذكر البعث.\nوأخرجه نحوه مسلم (٤/ ٢١٤٨) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين، الحديث الرابع والعشرون.\nوأحمد (٢/ ٨٨).\nمجمع الزوائد (١/ ٨٤). وقال: رواه الطبراني في الكبير، وقال: هكذا رواه يحيى بن بكير فقال عن عبد الله ابن عمر. ورجاله رجال الصحيح.\n١١٧٨ - البخاري (٦/ ٢٩٧) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٤ - باب صفة الشمس والقمر.","vol":"3","page":1228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>٤ - بعض ما يكون بالنفخة الثانية</span>\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١).\n﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (٢).\n﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٣).\n﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٤).\n﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٥).\n١١٧٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تقيء الأرض أفلاذ كبدها، مثل الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع، فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق، فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا\".\nوفي رواية الترمذي مثله ولم يذكر السارق وقطع يده (٦).\nقال ابن كثير في النهاية:\nوذكرنا في التفسير: أن الكافر إذا قام من قبره أخذ بيده الشيطان، فيلزمه ولا يفارقه حتى يرمى بهما إلى النار، وقال تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ (٧). اهـ (النهاية في الفتن والملاحم).\n_________\n(١) الزمر: ٦٨.\n(٢) التكوير: ٤، ٥، ٧.\n(٣) النمل: ٨٧.\n(٤) القارعة: ٤ - ٥.\n(٥) الأنعام: ٣٨.\n١١٧٩ - مسلم (٢/ ٧٠١) ١٢ - كتاب الزكاة، ١٨ - باب الترغيب في الصدقة قبل أن يوجد من لا يقبلها.\n(٦) الترمذي (٤/ ٤٩٣) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٦ - باب (منه) حدثنا واصل بن عبد الأعلى.\nوقال: حديث حسن صحيح غريب.\n(تقئ الأرض أفلاذ كبدها): الأفلاذ: القطع جمع فلذة، والقيء: مستعار لهما في إخراج كنوزها، كما يخرج القيء الطعام من الجوف.\n(٧) ق: ٢٧، ٢٨.","vol":"3","page":1229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>الفقرة الثالثة\nفي\nالحشر</span>\n- بعد البعث والنشر يكون الحشر، ومركز الحشر بلاد الشام، والحشر سوق الناس والجن ومن يبعثهم الله من الخلائق إلى مكان الحساب الذي تجتمع فيه الخلائق وفيه يحاسبون وتوزن أعمالهم ويعرف كل مصيره؛ فالحشر جمع الخلائق كلهم إلى الموقف بعد بعثهم وإحيائهم قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (١).\n- وكربات الحشر والموقف وما يكون فيه وما يكون يعده شيء هائل إلا على أهل هذا المقام ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢).\n- والناس يحشرون عراه حفاه مختونين ومن تحقيقات العلماء أخذًا من بعض النصوص أن رسولنا ﵊ يبعث كاسيًا وأن إبراهيم ﵇ أول من يكسى في الموقف.\n- ويجمع الناس في الموقف ويخلق الله شمسًا تدنو من رؤوس العباد فيصيب الناس من الحر عشرة أضعاف حر الدنيا إلا من يظله الله بظله وفي مرحلة يؤتى بالنار إلى المحشر كما ورد في نصوص صحيحة، ويؤتى بالجنة فتكون قريبة، قال تعالى ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (٤)، وذلك لكي يبتهج المتقون ويستبشروا ويحزن الآخرون ويخافوا ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ (٥).\nوفوق النار الصراط والصراط طريق العبور إلى ما بعده، ومن هناك إلى الجنة بعد الشفاعة الثالثة لرسول الله ﷺ.\n_________\n(١) الكهف: ٤٧.\n(٢) الأنعام: ٨٢.\n(٣) التكوير: ١٣.\n(٤) ق: ٣١.\n(٥) الشعراء: ٩٠، ٩١.","vol":"3","page":1230},{"text":"ويطول الموقف بعد الحشر على الناس وهم في الحر والعرق إلا من وردت النصوص أنهم في ظل الله يومذاك ومن الوقافين عند الحق، والذين ينظرون المعسرين أو يضعون عنهم، والواصلون الأرحام، والأمهات اللواتي ترعى يتامى زوجها، والمطعمون الطعام، والعارفون بالله والمتحابون بالله وأصحاب الأخلاق الحسنة والقائمون بحقوق الله، ومنهم السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله الذين ورد فيهم الحديث الصحيح المعروف.\n- وعلى طول يوم القيامة وهو خمسون ألف سنة فإنه يخفف على المؤمن فلا يحس بطوله بل هو عليه كوقت قصير من نهار.\n- وبعض أهل الموقف يخصون بمزيد من العذاب.\n- ويطول الموقف والناس صافون أقدامهم رافعو رؤوسهم ينتظرون فصل القضاء.\n- وأهل الإيمان في الظل محشورون مع من يحبونه من أهل الفضل. ولواء الحمد بيد رسول الله ﷺ، والكافرون محشورون مع من يحبونهم.\nوبعد طول المقام يفزع الناس إلى الأنبياء ليشفعوا في فضل القضاء فلا يستجيبون إلا رسولنا ﵊ فإنه يَشْفَع ويُشَفَّعُ.\nوبعد شفاعته ﵊ لفصل الخطاب تحدث أحداث كبرى، فتتبع كل أمة ما كانت تعبد من دون الله، وتتميز الأمم عن بعضها، وتكون هناك عرضتان فيهما جدال ومعاذير ثم تطير الصحف آخذ بيمينه وآخذ بشماله وآخذ وراء ظهره وفي هذه المقامات تكون هناك شهادات الأنبياء على أقوامهم وشهادات أخرى، ويستدعى دعاة الضلالة ودعاة الهداية ليرجع أولئك ببشارة السوء امن تابعهم، ويرجع هؤلاء ببشارة الخير لمن تابعهم، ويزداد عطش الناس فيردون على أحواض أنبيائهم، فمنهم من يشرب ومنهم من يرد، ويكون الحساب والميزان، وبعد الحساب والميزان يحبس الناس قبل الصراط، وعندئذ يحدث تبدل جديد للسموات والأرض ثم يفزع الناس إلى الأنبياء ليؤذن لهم بالمرور على الصراط فيحيلون الأمر إلى رسول الله ﷺ فتكون الشفاعة الثانية، ويؤذن بالمرور على الصراط.","vol":"3","page":1231},{"text":"وعند الحساب والميزان تكون شفاعات وبعد ذلك تكون شفاعات.\nوالحيوانات يقضى بينها ثم تكون ترابًا.\nومن الحشر إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار تكون هناك مظاهر الجلال الإلهي وتتجلى هيبة الملائكة من ربهم وطاعتهم له، وتظهر مظاهر من كثرة جند الله وضبطهم للأمور على مقتضى أمر الله وتظهر الجندية الكاملة للملائكة ويظهر من جلال الله ما تزداد به قلوب المؤمنين رهبة وتبلغ قلوب الكافرين الحناجر، وكل وصف إلا وصف النصوص لما يرجى في عرصات اليوم الآخر قاصر عن تأدية المراد، ومع دقة الوصف في النصوص، فالنصوص تذكر أنه يوم يأتي تأويلها على أرض الواقع يظهر للكثيرين أكثر مما قدروه أو توقعوه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٢)، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء، فخطب، فقال: \"عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا\". قال فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه. قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين (٣).\nوالنصوص في الحشر والموقف وما يكون في ذلك اليوم الطويل كثيرة.\nنسأل الله أن يجعلنا من أهل كرامته وولايته وهذه بعض نصوص من الكتاب والسنة في هذا الشأن وقد مرت وستمر معنا نصوص كثيرة لها علاقة بهذا المقام.\n_________\n(١) الزمر: ٦٧.\n(٢) الزمر: ٤٧.\n(٣) البخاري (٨/ ٢٨٠) ٦٥ - كتاب التفسير، ١٢ - باب ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ...﴾.\nومسلم (٤/ ١٨٣٢) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٣٧ - باب توقيره ﷺ. ولهما روايات أخرى.","vol":"3","page":1232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>١ - النصوص القرآنية</span>\n﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (١).\nأقول: إن الحديث الصحيح الذي يتحدث عن عذاب من لا يؤدي زكاة الأنعام يذكر صراحة أن يوم القيامة مدته خمسون ألف سنة وذلك صريح في مدة يوم القيامة كما نصت عليه سورة المعارج.\n﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٢).\n_________\n(١) المعارج: ١ - ١٨.\n(المعارج): مصاعد الملائكة.\n(المهل): المعدن المذاب.\n(العهن): الصوف المصبوغ ألوانًا.\n(الحميم): الصديق أو القريب المشفق.\n(الفصيلة): العشيرة.\n(الشوى): جلد الرأس.\n(أوعى): أمسك ماله في وعاء وربط عليه.\n(٢) المعارج: ٤٢ - ٤٤.\n(نصب): أحجار عظموها في الجاهلية.\n(يوفضون): يسرعون.\n(ترهقهم ذلة): تغشاهم مهانة شديدة.","vol":"3","page":1233},{"text":"﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (١).\nأقول: وللمفسرين أكثر من اتجاه في فهم الآية فبعض المفسرين ذهب إلى أن هذا يحدث لهم بعد الموقف حيث يؤمر بهم إلى النار، وبعضهم حملها على أنهم يحشرون بعد نشرهم إلى أرض المحشر هكذا، وبعضهم حملها محامل أخرى والكلام يراد به الكافرون والظاهر أن الكافر يوم القيامة تكون له أكثر من حالة بالنسبة للعمى والصم والبكم، ففي بعض المواقف يكون أعمى وأصم وأبكم وفي بعض المواقف يكون بصيرًا سميعًا متكلمًا وفي بعض المواقف قد يسلب منه السمع أو البصر أو الكلام. والله أعلم.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢).\nأقول: وهذا الحوار يكون بين المشركين وبين ما كانوا يعبدون من دون الله أو بينهم وبين ما يصورون لهم ممن كانوا يعبدون من دون الله وهذا يكون بعد شفاعة فصل الخطاب إذ تؤمر كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد من دون الله.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (٣).\n﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٤) ﴿يَوْمَ\n_________\n(١) الإسراء: ٦٧.\n(البكم): الخرس.\n(٢) يونس: ٢٨ - ٣٠.\n(فزيلنا بينهم): أي فرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم.\n(٣) يونس: ٤٥.\n(٤) يونس: ٥٤.","vol":"3","page":1234},{"text":"يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١).\n﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أي يبعثكم ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ أي: فتنبعثون للمحاسبة والجزاء. وقوله ﴿بِحَمْدِهِ﴾: حامدين الله على كمال قدرته، والظاهر أن هذا يقوله الكافر والمؤمن بعد إذ انكشف الغطاء فليس أمام الكافر إلا إعلان الولاء والحمد لله ولا ينفعه ذلك.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢).\nإن لكل نبي أمته وبعض أمم الأنبياء منهم مسلمون ومنهم كافرون، وبعض الأمم كلهم كافرون، والمراد بالآية والله أعلم أن الكافرين من أمة كل رسول يحشرون مع بعضهم بعضًا، وقوله تعالى (يوزعون) أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا جميعًا، وتكون المخاطبة والمحاسبة والظاهر أن الخطاب يكون بعد الشفاعة لفصل الخطاب، وتميز كل أمة كانت تعبد شيئًا سوى الله عن غيرها، ومواقف القيامة متعددة وفي كل موقف قد توجد حال لا تكون في موقف آخر.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣).\nالظاهر أن هذا المشهد يكون بعد إذ يخاطب المشركون مجتمعين مع ما أشركوا به بعد شفاعة فصل الخطاب، فيغيب عنهم شركاؤهم بعد إذ يجمعون بهم أو بما يخيل لهم أنهم شركاؤهم، ويحدث الجدال فيما بينهم فيخاطبون بعد غيب الشركاء، ويحلفون كاذبين أنهم لم يكونوا مشركين والمراد بالفتنة في الآية كذبهم الذي هو مظهر خبثهم كما أن النار تفتن الذهب فتخلص زيفه من جوهره.\n_________\n(١) الإسراء: ٥٢.\n(٢) النمل: ٨٣ - ٨٥.\n(٣) الأنعام: ٢٢ - ٢٤.","vol":"3","page":1235},{"text":"﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (١).\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (٢).\nمن مواقف يوم القيامة أن يعرض الكافرون على النار وحدهم، ومن المواقف أن تجثو الأمم كلها حول النار كما سنرى، ولكن الموقف الذي يتحدث عنه هذا النص خاص بعرض الكافرين وحدهم على النار ليندموا على ما فعلوا ثم يعرضون بعد ذلك على ربهم ليعترفوا بأن ما بعث به الرسل ﵈ كان حقًا.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ (٣).\nيتحدث هذا المشهد عما يكون من تقريع وتوبيخ من الله ﷿ للشياطين ولأتباعهم من الإنس إذ استمتع الشياطين بطاعة الإنس واستمتع أتباعهم من الإنس بالملذات والشهوات التي دعاهم إليها الشياطين. والظاهر أن هذا الخطاب للفريقين يكون في إحدى العرضتين اللتين تكونان بعد الشفاعة لفصل الخطاب.\n_________\n(١) الأنعام: ٢٧ - ٢٩.\n(٢) الأنعام: ٣٠، ٣١.\n(٣) الأنعام: ١٢٨ - ١٣٠.","vol":"3","page":1236},{"text":"﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (١).\nبعد الموقف الطويل والشفاعة لفصل الخطاب والجدال والمعاذير وبعد تطاير الصحف فإن أحد مشاهد يوم القيامة أن تجثو الأمم على ركبها كل منهم معه صحيفته.\nوهناك الكتاب الذي يجمع ما كتبته الملائكة عن فعل كل مكلف من الأمم ليكون ذلك بيد يدي الحساب والميزان، ومن المعلوم أنه من أنواع العذاب أن يجلس الإنسان على ركبتيه وأطراف أصابعه فذلك لا يتحمله الإنسان في الدنيا كثيرًا، والظاهر أن هناك أكثر من موقف من مواقف القيامة يجثو الناس على ركبهم من الهول كما سنرى.\n﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ (٢).\nقوله تعالى ﴿وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾: أي بشماله من وراء ظهره، وذلك يكون عند تطاير الصحف وبعد الشفاعة لفصل الخطاب وبعد عرضتين من عرضات ثلاث يكون في كل منها إقامة حجة.\n_________\n(١) الجاثية: ٢٧ - ٣٥.\n(٢) الانشقاق: ٦ - ١٥.","vol":"3","page":1237},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَحُورَ﴾: لن يرجع أي كان غير مؤمن باليوم الآخر.\n- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا * وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: إشارة إلى رؤيتهم الملائكة عند الموت والضمير في قوله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قد يرجع إلى الكفار وقد يرجع إلى الملائكة فإن رجع إلى الكفار فالمراد أنهم يطلبون أن يحال بينهم وبين لقاء الله وإن رجع الضمير على الملائكة فالمراد أن الملائكة تقول لهم: حرامًا محرمًا عليكم الجنة والبشرى. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ أي أبطلنا أعمالهم فلا قيمة لها ولا وزن لأن شرط قبول العمل هو الإيمان، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ فيه إشارة إلى غمام يكون بعد شفاعة فصل الخطاب وعند تطاير صحف الأعمال وعندئذ يكون نزول الملائكة مع أن للملائكة نزولًا ووجودًا قبل ذلك وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢).\n﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا\n_________\n(١) الفرقان: ٢١ - ٢٩\n(٢) البقرة: ٢١٠","vol":"3","page":1238},{"text":"اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المراد به على رأي بعض المفسرين الموقف الذي ينفصل فيه أهل الإيمان عن أهل الكفر ذلك يكون بعد شفاعة فصل الخطاب إذ يأمر الله ﷿ كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد من دون الله، وقوله تعالى ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ هذا يكون يوم القيامة في أكثر من موقف يكون عند الحساب وعند الميزان ويكون قبل ذلك عندما ينكرون ما كانوا عليه من الشرك، وهذا الموقف قد يتعدد والله أعلم بتفصيلاته وإنما استأنسنا لما ذكرناه استئناسًا ببعض النصوص.\nوفي تميز أهل الإيمان عن أهل الكفر قال ابن كثير في النهاية:\nفإذا نصب كرسي فصل القضاء انماز الكافرون عن المؤمنين في الموقف إلى ناحية الشمال، وبقي المؤمنون عن يمين العرش، ومنهم من يكون بين يديه، قال الله تعالى:\n﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ (٣). اهـ. (النهاية في الفتن والملاحم).\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤).\nقوله تعالى عن الكاذبين على الله بأن وصفوه بما هو منزه عنه أو لم يعطوا الألوهية حقها وجوههم مسودة ذكر البيضاوي في تفسيرها: مسودة مما ينالهم من الشدة أو مما يتخيل عليها من ظلمة الجهل. أقول ولا مانع من حملها على ظاهرها بأن يعاقبهم الله بأن تكون وجوههم سوداء مظلمة. والظاهر أن الكافرين تصيبهم تلونات قبيحة متعددة يوم القيامة فإنهم يحشرون زرقًا وإذا رأوا صحائفهم سوداء اسودت وجوههم ومن قبل ذلك تسود\n_________\n(١) يس: ٥٩ - ٦٧.\n(٢) يس: ٥٩.\n(٣) يونس: ٢٨.\n(٤) الزمر: ٦٠ - ٦١.","vol":"3","page":1239},{"text":"وجوهم، وهكذا سواد على سواد وظلمة على ظلمه، ولعل الذين يفتخرون ببياض الألوان في هذه الدنيا وينتقصون من كانت خلقتهم سوداء ويعاقبون بما عابوا عليه غيرهم في الدنيا إذا كانوا من أهل الإيمان، والمعروف أن المسلم لا عبرة عنده للسواد الخلقي وأن الكافرين وحدهم هم الذين يعطون لهذا الأمر وضعه المقيت في الدنيا. والمفازة هي الفلاح.\n﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١).\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ (٢).\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣).\n_________\n(١) الكهف: ٤٧ - ٤٩.\nقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ أي مصطفين كالجند في وقفة هيبة وخوف.\nوقوله تعالى ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي عراه غير مختونين لا شيء معكم ..\nوقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي صحائف الأعمال وذلك يكون قبل الحساب وبعد مواقف متعددة تكون يوم القيامة.\n(٢) إبراهيم: ٤٢ - ٤٥.\nقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ محلقين مقبلين بأبصارهم لا تطرف هيبة وخوفًا.\nقوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين إلى الداعي. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: رافعيها.\n﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ تبقي شاخصة لا تطرف أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظرون إلى أنفسهم.\n﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾: أي خالية عن الفهم لفرط الدهشة والحيرة أو هي من الخوف كأنها غير موجودة.\n(٣) هود: ١٨.\n﴿الْأَشْهَادُ﴾: الملائكة والنبيون والجوارح.","vol":"3","page":1240},{"text":"قوله تعالى ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي في أحد مشاهد الموقف بعد شفاعة الخطاب بأن يحسبوا وتعرض أعمالهم.\n﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (١).\nهذا يدل على أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة، وأنهم يكونون يوم القيامة في غاية الخوف.\n﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢).\n﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٣).\n﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ عمله المقدر له. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ أي كتاب أعماله وهذا يكون قبيل الحساب والميزان. وفي الآية دليل على أنه لا يدخل النار أحد إلا بحساب على خلاف من قال: كما أن بعض أهل الجنة يدخلون الجنة بلا حساب فبعض أهل النار يدخلون النار بلا حساب.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ (٤).\nأقول: إنما ينتفع الوالد بالولد والولد بالوالد يوم القيامة إذا كانا مؤمنين وأراد لله ذلك أما من سوى أهل الإيمان فلا ينتفع أحد بأحد.\n_________\n(١) غافر: ١٨.\n(الآزفة): يوم القيامة لقربها. (كاظمين) ممسكين على الغم الممتلئين منه (الحميم): القريب المشفق أو الصديق القريب.\n(٢) غافر: ٣٢، ٣٣.\n(يوم التناد) يوم القيامة للنداء فيه إلى المحشر. (يوم تولون مدبرين): ذاهبين هاربين.\n(٣) الإسراء: ١٣، ١٤.\n(٤) لقمان: ٣٣.","vol":"3","page":1241},{"text":"﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (١).\n(المعيشة الضنك): المعيشة الضيقة، وحملها بعضهم على الشقاء النفسي والجسدي في الدنيا لغير أهل الإيمان، وحملها بعضهم على الحياة البرزخية، وقوله تعالى ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ دليل لمن ذهب أن أول ما يحشر الكافر يوم القيامة يحشر وهو أعمى وهناك اتجاه يقول: إن هذا الحشر يكون بعد إذ يؤمر بالكافرين إلى النار فيحشرون عميًا بكمًا صمًا ليدخلوا النار وهم كذلك.\n﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ هذه صفة للكيفية التي يذهب بها الكفار إلى النار وهى أنهم يساقون كما تساق البهائم وتدفع دفعا ويدخلون النار وهم عطاش.\n﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (٣).\n﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٤).\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٥).\n_________\n(١) طه: ١٢٣ - ١٢٦.\n(٢) مريم: ٨٥ - ٨٧.\n(٣) الأحقاف: ٢٠.\n(٤) الأحقاف: ٣٤.\n(٥) النساء: ٦٩.","vol":"3","page":1242},{"text":"في هذه الآية دليل على أن أهل الإيمان يحشرون مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فهم معهم في المواقف وهم معهم في الجنة، ولذلك فإن على أهل الإيمان أن يطيعوا الله والرسول وأن يحبوا الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فإن المرء يحشر مع من أحب.\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدل على أن هناك أئمة ضلال كما أن هناك أئمة هداية وكما أن المؤمن يحشر مع أئمته فإن الكافر يحشر مع أئمته ويدخل النار معهم.\n﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي بنبيهم أو بمقدمهم في الدين ويحتمل النص معاني أخرى وعلى المعنى المذكور فالآية تدل على أنه في موقف من مواقف يوم القيامة يدعى كل إمام لقوم فأئمة الهدى يكرمون ويرجعون إلى أتباعهم مبشرين وأئمة الضلال يهانون ويرجعون إلى أتباعهم يائسين موئيسين بائسين مبئسين.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾: أي إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال وهذا دليل على أن إمام القوم في الهدى أو في الضلالة يكون معه أتباعه إما إلى جنه إن كان من\n_________\n(١) القصص: ٤١، ٤٢.\n(٢) الإسراء: ٧١، ٧٢.\n(الفتيل). أدنى شيء وأقله.\n(٣) هود: ٩٦ - ٩٩.","vol":"3","page":1243},{"text":"أهل الهداية وإما إلى نار إن كان من أهل الضلال وهذا يجعلنا نؤكد على أن يحب الإنسان الصالحين وأن يكون له إمام في الخير ينتسب إليه ويتعاون معه على ما يرضي الله ويطيعه في المعروف.\n﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (١).\n﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم على آخرهم. وشهادات الأعضاء على الإنسان من زيادة إقامة الحجة.\nوالشهادة تكون عند الحساب والميزان وتكون في مواقف أخرى، ولا يدخل احد النار إلا أن تقول عليه الحجة كاملة بشهادة الملائكة والأنبياء والأعضاء.\nوقوله تعالى ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي يطلبوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبون.\n﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً\n_________\n(١) فصلت: ٤٧، ٤٨.\n(آذناك): أخبرناك وأعلمناك.\n(محيص): مهرب ومفر من العذاب.\n(٢) فصلت: ١٩ - ٢٤.","vol":"3","page":1244},{"text":"بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا﴾: أي وقدرنا.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (٢).\nقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: الداع هنا: إسرافيل إذ ينفخ في الصور. ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾: فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله وهو هول القيامة، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ مسرعين مادين أعناقهم إليه أو ناظرين إليه، ويحتمل أن يكون الداعي هنا إسرافيل ويحتمل أن يكون ملكا آخر يدعو الناس إلى مركز الحشر.\n﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣).\n﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ هو اليوم الذي يجمع الله ﷿ فيه الملائكة والإنس والجن والوحوش والأنعام، ﴿الْجَمْعِ ذَلِكَ﴾ أي اليوم الذي يغبن فيه الناس بأن يأخذ المؤمنون منازلهم في الجنة ويأخذ الكافرون منازل المؤمنين في النار لو كانوا كفارا.\n﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٤).\nفي الآية دليل على أن موقفًا من مواقف يوم القيامة يكون للرسل عليهم الصلاة والسلام اجتماع بأمر الله فيسألهم ربهم عما أجابتهم به أقوامهم توبيخًا لهذه الأقوام فينفون العلم إما لهول الموقف أو ينفون العلم المحيط قال البيضاوي: أي لا علم لنا بما كنت تعلمه إنك أنت علام الغيوب فتعلم ما نعلمه مما أجابونا وأظهروا لنا وما لا نعلم مما أضمروا في قلوبهم.\n_________\n(١) فصلت: ٢٥ - ٢٩.\n(٢) القمر: ٤ - ٨.\n(٣) التغابن: ٩، ١٠.\n(٤) المائدة: ١٠٩.","vol":"3","page":1245},{"text":"وقيل: لا علم لنا إلى جنب علمك أو لا علم لنا بما احدثوا بعدنا وإنما الحكم للخاتمة اهـ. (تفسير البيضاوي).\n﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١).\n﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (٢).\n﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣).\nقوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ المراد بالشهيد هنا: نبي الأمة فهو يشهد عل إجابة أمته، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ الخطاب للرسول ﷺ والمراد بكلمه هؤلاء إما أمته وإما الأنبياء جميعا وإما المؤمنون ممن استجاب له فإنه يشهد لهم وإما الكفرة. والآية تدل على أن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام شهادة على أقوامهم أنهم بلغوهم رسالات الله.\n﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤).\n﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾] (٥).\nقوله تعالى ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ متذللين متقاصرين مما يحلقهم من الذل ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي يبتدئ نظرهم إلى النار من تحريك لأجفانهم ضعيف، وقد رأينا وسنرى أن النار يؤتى بها إلى المحشر كما رأينا أن الكافرين يعرضون على النار في أحد مواقف يوم القيامة والآيات التي تدل على أن هناك حالات يبصر بها الكافرون يوم القيامة تشير إلى أن للكافرين بالنسبة للإبصار والصم البكم حالات يوم القيامة فتارة ينطقون ويسمعون ويبصرون وأخرى لا يكون لهم ذلك، ويوم\n_________\n(١) المجادلة: ١٨.\n(٢) الإنسان: ٣٧.\n(٣) النساء: ٤١، ٤٢.\n(٤) الشورى: ٤٤.\n(٥) الشورى: ٤٥.","vol":"3","page":1246},{"text":"القيامة طويل وأحواله كثيرة.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (١).\nقوله تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ إنكار لما اقترفوه لأنه مدون في صحائف أعمالكم تشهد عليه جوارحكم.\n﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢).\nهناك بياض وسواد خلقيان في الدنيا فهذا وهذا لا يقربان من الله او يبعدان بل العبرة في الدنيا والآخرة للتقوى، وأما السواد الذي يصيب الكافرين يوم القيامة فإنه عقوبة لهم والبياض إكرام لأهل الإيمان وجعل بعضهم النص على ظاهره لكن البيضاوي في تفسيره قال البياض والسواد كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه وقيل يوسم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعى النور بين يديه ويمينه وأهل الباطل بأضداد ذلك ا. هـ (تفسير البيضاوي).\n﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٣).\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٤).\n_________\n(١) الشورى: ٤٥ - ٤٧.\n(٢) آل عمران: ١٠٦، ١٠٧.\n(٣) آل عمران: ٣٠.\n(٤) الأنبياء: ٣٨ - ٤٠.","vol":"3","page":1247},{"text":"﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ (١).\nقوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: دليل على أن من عبد من دون الله مآله النار إلا من عبد وهو كاره فهذا تحدثت عنه الآية اللاحقة ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، و﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وهو ما يرمى به إليها وتهيج به وهذه الآية تشبه الآية ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣).\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤).\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥).\nفي هذا المشهد ثلاثة خطابات للكافرين من الله تعالى خطاب يسألهم فيه عما أشركوا وخطاب يسألهم فيه عما أجابوا المرسلين وخطاب يسألهم فيه مرة أخرى عما أشركوا وفي الخطاب الأول يتبرأ الشياطين والمعبودون ممن أشرك بهم وفي الخطاب الثاني يتحير الكافرون بماذا يجيبون وفى الخطاب الثالث يطلب من الأنبياء أن يشهدوا على أقوامهم وعلى تبليغهم رسالات الله وهذه الخطابات تكون بعد شفاعة نبينا ﷺ لفصل الخطاب وبعد أن تتميز\n_________\n(١) الأنبياء: ٩٧ - ١٠٠.\n(٢) البقرة: ٢٤.\n(٣) الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣.\n(٤) القصص: ٦٢ - ٦٦.\n(٥) القصص: ٧٤، ٧٥.","vol":"3","page":1248},{"text":"الأمم عن بعضها بعضا والله أعلم.\n﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (١).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (٢).\n﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).\nقوله تعالى ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي قربت بحيث يرونها ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي أظهرت حتى يروها والمعروف أن النار يؤتى بها إلى المحشر وكذلك الجنة ولكن الجنة تكون بعد النار والعبور إليها يكون على الصراط، والجنة والنار مرئيتان لأهل الموقف.\nوقوله تعالى ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ أي في النار (هم والغاوون) أي الضالون والمراد بالكبكبة تكرير الكب حتى يستقروا في قعرها. والضمير (هم) يعود عل الآلهة المعبودة من دون الله فهم وعبادهم يكبكبون في النار هذه الكبكبة الهائلة.\n﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ\n_________\n(١) طه: ٧٤ - ٧٦.\n(٢) البروج: ١٠، ١١.\n(٣) الشعراء: ٩٠ - ١٠٢.","vol":"3","page":1249},{"text":"الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ (١). من المعلوم أنه بعد الشفاعة بفصل الخطاب وبعد العرضتين اللتين يكون فيها جدال ومعاذير تطير صحف الأعمال فالمؤمنون يأخذونها بأيمانهم والكافرين يأخذونها بشمالهم وقوله تعالى ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أي اجعلوا الأغلال في عنقه ويديه ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي أدخلوه أو احرقوه فيها، ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قال البيضاوي: \"أي أدخلوه فيها بأن تلفوها على جسده وهو فيها بينها مرهق لا يقدر على حركه\"، والغسلين: صديد أهل النار.\n﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢).\nالآية الأولى تدل على أن أهل الإيمان آمنون مما يصيب الكافرين من هلع وفزع وجزع وإهانة وسوء مصير.\n﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣).\nقوله تعالى ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي إلى النار ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ أي إلى ظل دخان جهنم وهو يتشعب لعظمه وهو كقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ (٤)، وللتأكيد على أن ظل الدخان فيه مزيد من العذاب قال ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾، وقوله تعالى عن النار ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ الشرر هو ما تطاير من النار متفرقًا، كالقصر: كالبناء المشيد في العظم والارتفاع ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ كأن الشرر إبل سود في الكثرة والتتابع وسرعة الحركة واللون.\n-وتطلق العرب على الجمل الأسود الأصفر (الجمالة) جمع جمل.\n_________\n(١) الحاقة: ٢٥ - ٣٧.\n(٢) النمل: ٨٩ - ٩٠.\n(٣) المرسلات: ٢٩ - ٣٤.\n(٤) الواقعة: ٤٣ - ٤٤.","vol":"3","page":1250},{"text":"﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١).\nقوله تعالى ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ معناه أي بما لا ينفع أو لا ينطقون أصلا ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ لأنه لا محل لاعتذارهم بعد ما فعلوه. والظاهر أن عدم النطق وعدم السماح بالاعتذار يكون في بعض المواقف وإلا فقد أخبرنا الله ﷿ أن كل نفس تجادل عن نفسها: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ (٢)، ولكن هناك مرحله في الموقف لا محل فيها لنطق أو اعتذار لهيبة الموقف وهناك مرحلة ينتهي فيها النطق والاعتذار لأن الحجج قد قامت على أهل النار من جهات متعددة فلا فائدة في نطق ولا اعتذار.\n﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣).\n﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ أي بين الحق والمبطل.\n﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ (٤).\nيرى المؤمنون الله ﷿ في عرصات القيامة كما يرونه في الجنة والظاهر أن الآية تتحدث عن رؤيته في عرصات القيامة بدليل ما بعد ذلك وقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ أي بهية متهللة، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ أي شديدة العبوس. ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ أي تتوقع داهية تكسر فقار الظهور.\n﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (٥).\n﴿الصَّاخَّةُ﴾ أي النفخة، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ أي مضيئة ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي\n_________\n(١) المرسلات: ٣٥ - ٣٧.\n(٢) النحل: ١١١.\n(٣) المرسلات: ٣٨ - ٤٠.\n(٤) القيامة: ٢٠ - ٢٥.\n(٥) عبس: ٣٣ - ٤٢.","vol":"3","page":1251},{"text":"غبار وكدورة ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي يغشاها سواد وظلمه.\n﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١).\n﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢).\nوقوله تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أي لنحشرن كل كافر مع شيطانه مقرونا به. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ الظاهر أن هذا يكون لجميع الخلق ليزداد السعيد سعادة بأن أنجى من هذه النار ويزداد الكافر هولا بما يرى من مال ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي من كل أمة ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أي أكثر عصيانا فنطرحهم فيها ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ أي أولى بالعذاب بالنار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الكافرون يردونها مسجونين فيها أبدًا وعصاة المؤمنين يسجنون فيها مؤقتا والمؤمنون يردون عليها فوق الصراط في طريقهم إلى الجنة، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ كان ورودهم واجبًا أوجبه الله على نفسه وقضى بأن وعد به وعدًا لا يمكن خلفه وقيل أقسم عليه. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بأن يعبروا إلى الجنة ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ أي باركين على الكرب كما كانوا جاثين حولها والظاهر أن الآيات تتحدث عن مشهد من مشاهد يوم القيامة وذلك بعد الحساب والميزان فإن الجميع يؤخذ بهم حتى يجثوا حول النار فيشاهدوها عن قرب.\n﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) (٣).\nهذا المشهد يكون بعد أن تميز الأمم عن بعضها بعضًا ويرى المؤمنون ربهم ويتعرفون عليه فعندئذ يسجد أهل الإيمان ويريد أهل النفاق أن يسجدوا فلا يستطيعون وذلك بعد\n_________\n(١) الفرقان: ٣٤.\n(٢) مريم: ٦٨ - ٧٢.\n(٣) ن: ٤٢، ٤٣.","vol":"3","page":1252},{"text":"الشفاعة لفصل الخطاب.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (١).\n﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي من الحياء والخزي قائلين: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي أبصرنا ما وعدتنا وسمعنا منك تصديق رسلك والظاهر أن هذا المشهد يكون بعد أن تقوم عليهم الحجة بشهادة الملائكة والنبيين والأعضاء.\n_________\n(١) السجدة: ١٢.","vol":"3","page":1253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>٢ - نصوص حديثية</span>\n١١٨٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا\".\nأقول: هذه النار التي تحشر الناس إلى الموقف غير النار التي مر ذكرها معنا على أنها آخر أشراط الساعة فتلك تكون قبل قيام الساعة.\n١١٨١ - * روى الترمذي عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم\"، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: \"إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك\".\n١١٨٢ - * روى الترمذي عن بهز بن حكيم ﵀ عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنكم تحشرون رجالًا وركبانا، وتجرون على وجوهكم\".\n_________\n١١٨٠ - البخاري (١١/ ٣٧٧) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٥ - باب الحشر.\nمسلم (٤/ ٢١٩٥) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٤ - باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة.\nوالنسائي (٤/ ١١٥) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٨ - باب البعث.\n(طرائق): جمع طريقة: وهي الحالة.\n(تقيل): من القائلة، والقيلولة: كسر الحر.\n١١٨١ - الترمذي (٥/ ٣٠٥) ٤٨ - كتاب التفسير، ١٨ - باب ومن سورة بني إسرائيل. وقال: حديث حسن.\n١١٨٢ - الترمذي (٥/ ٣٠٥) ٤٨ - كتاب التفسير، ١٨ - باب ومن سورة بني إسرائيل. وقال: حديث حسن. وهو حسن بشواهده.","vol":"3","page":1254},{"text":"١١٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ (٢) أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ: \"أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ \" قال قتادة حين بلغه: بلى، وعزة ربنا.\n١١٨٤ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول لله ﷺ: \"يبعث كل عبد على ما مات عليه\".\n١١٨٥ - * روى الطبراني عن جرير عن النبي ﷺ قال: \"من يتزود من الدنيا ينفعه في الآخرة\".\n١١٨٦ - * روى أبو يعلى عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنتم الغر المحجلون\".\n١١٨٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: كنت عند رسول الله ﷺ يوما وطلعت الشمس فقال: \"يأتي قوم يوم القيامة نورهم كنور الشمس\" قال أبو بكر: نحن هم يا رسول الله؟ قال: \"لا ولكم خير كثير، ولكنهم الفقراء المهاجرون الذين يحشرون من أقطار الأرض\".\n_________\n١١٨٣ - البخاري (٨/ ٤٩٢) ٦٥ - كتاب التفسير، تفسير سورة (٢٥)، ١ - باب الذين يحشرون على وجوههم ... إلخ.\nمسلم (٤/ ٢١٦١) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين، ١١ - باب يحشر الكافر على وجهه.\n(٢) الفرقان: ٣٤\n١١٨٤ - مسلم (٤/ ٢٢٠٦) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٩ - باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت.\n١١٨٥ - المعجم الكبير (٢/ ٣٠٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣١١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n١١٨٦ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٤) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح.\n١١٨٧ - أحمد (٢/ ٢٢٢).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٨). وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير وزاد في الكبير: (ثم قال: طوبي للغرباء طوبي للغرباء، قيل: من الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم). وفي رواية: فقال أبو بكر وعمر: نحن هم. وله في الكبير أسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح.","vol":"3","page":1255},{"text":"أقول: الخصوصية لا تقتضي الأفضلية، فالذين ذكروا ليس أفضل من أبى بكر ولكن لهم خصوصية.\n١١٨٨ - * روى الطبراني عن أبى أمامة أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة قامت ثلة من الناس يسدون الأفق، نورهم كالشمس، فيقال: النبي الأمي فيتحشحش لها كل نبي فيقال محمد وأمته، ثم تقوم ثلة أخرى تسدما بين الأفق، نورهم مثل كل كوكب في السماء فيقال النبي الأمي فيتحشحش لها كل نبي ثم يحثى حثيتين فيقال: هذا لك يا محمد وهذا منى لك يا محمد ثم يوضع المزان ويؤخذ في الحساب\".\n١١٨٩ - * روى أبو يعلى عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت الناس جمعوا للحساب\".\n١١٩٠ - (٣) روي الطبراني عن ابن مسعود قال: \"إنكم مجموعون بصعيد واحد ينفذكم البصر وتسمعون الداعي\".\n١١٩١ - * روى البزار عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ كان يقول لنا: \"إنكم تحشرون إلى بيت المقدس ثم تجتمعون يوم القيامة\".\nأقول: من المعلوم أن نار عدن التي تخرج قبيل الساعة تحشر الناس إلى الشام فالنص يحتمل الإشارة إلى هذا ويحتمل الإشارة إلى ما يحدث من اجتماع المؤمنين في مرحلة نزول المسيح ﵇ ويحتمل الحشر بعد البعث وفي كل الأحوال فإن مركز الحشر بلاد الشام ومركز بلاد الشام بيت المقدس.\n_________\n١١٨٨ - مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠٨). قال: رواه الطبراني، ورجاله وثقوا.\nالتحشحش: التحرك للنهوض.\n١١٨٩ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٥). وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.\n١١٩٠ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٣). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير رباح النخفي وهو ثقة.\n١١٩١ - كشف الأستار (٤/ ١٥٣).\nوالمعجم الكبير (٧/ ٢٦٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٣). وقال: رواه البزار والطبراني، وإسناده الطبراني حسن.","vol":"3","page":1256},{"text":"١١٩٢ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد\".\nوفي رواية (١) إلى قوله (كقرصة النقي) ثم قال: قال سهل، أو غيره \"ليس فيها معلم لأحد\".\n١١٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يحشر الناس حفاة عراة غرلا\" قالت عائشة، فقلت: الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: \"الأمر أشد من أن يهمهم ذلك\".\nوفى رواية (٢) \"من أن ينظر بعضهم إلى بعض\".\nوللنسائي (٣) في أخري قال: \"لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه\".\n١١٩٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يقول: \"إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا\" وزاد في رواية (٤) في أوله: \"مشاة\" وزاد في رواية (٥): قال سفيان هذا مما يعد أن ابن عباس\n_________\n١١٩٢ - البخاري (١١/ ٣٧٢) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٤ - باب يقبض الله الأرض يوم القيامة.\nمسلم (٤/ ٢١٥٠) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ٢ - باب في البعث والنشور ... إلخ.\n(عفراء): أرض عفراء: بيضاء، والعفرة: البياض.\n(النقي): أراد به الخبز الأبيض الحوارى.\n(١) البخاري (١١/ ٣٧٢): الموضع السابق.\n١١٩٣ - البخاري (١١/ ٣٧٢) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٥ - باب الحشر.\nمسلم (٤/ ٢١٩٤) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٤ - باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة.\nوالنسائي (٤/ ١١٤) ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٨ - باب البعث.\n(٢) مسلم (٤/ ٢١٩٤): الموضع السابق\n(٣) النسائي (٤/ ١١٤): الموضع السابق\n١١٩٤ - البخاري (١١/ ٣٧٧) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٥ - باب الحشر.\nمسلم (٤/ ٢١٩٥) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٤ - باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة.\n(٤) البخاري (١١/ ٣٧٧): الموضع السابق.\n(٥) البخاري (١١/ ٣٧٧): الموضع السابق.","vol":"3","page":1257},{"text":"سمعه من النبي ﷺ.\nوفي أخرى (١) قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: \"يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٢) إلا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة: إبراهيم ﵇، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) قال: \"فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم\".\nزاد في رواية (٤): \"فأقول: فسحقًا، فسحقًا\".\nأقول: هذا النص محمول على من ارتد من أصحابه بعد وفاته وقتل وهو مرتد وهؤلاء الذين حدث لهم ذلك ناس قليلون من جفاة الأعراب الذين لم يتأثروا بالتربية النبوية وسمير معنا هذا الموضوع بمناسبة الكلام عن الحوض وننقل هناك بعض ما ذكره ابن حجر حوله.\n١١٩٥ - * روى البخاري ومسلم عن نافع مولي ابن عمر عن ابن عمر ﵁ من النبي ﷺ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) قال: \"يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه\".\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢١٩٥): الموضع السابق.\n(٢) الأنبياء: ١٠٤.\n(٣) المائدة: ١١٧، ١١٨.\n(٤) البخاري (١١/ ٤٦٤) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض.\n١١٩٥ - البخاري (١١/ ٣٩٢) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٧ - باب قوله تعالى ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ...﴾.\nمسلم (٤/ ٢١٩٥) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٥ - باب في صفة يوم القيامة، أعاننا الله على أهوالها.\nوالترمذي (٤/ ٦١٥) ٧٨ - كتاب صفة القيامة، ٢ - باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص.\nوقال: حديث حسن صحيح.\n(٥) المطففين: ٦.","vol":"3","page":1258},{"text":"١١٩٦ - * روى مسلم عن المقداد الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار الميل\" زاد الترمذي \"أو اثنين\" قال سليم بن عامر: فو الله ما أدري ما يعنى بالميل: أمسافة الأرض، أو الميل الذي تكحل به العين؟ - قال: \"فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما\" وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه.\nوفي رواية الترمذي (١) قال: \"فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر اعمالهم\" ... الحديث.\nأقول: مر معنا من قبل أن الشمس والقمر يكوران يوم القيامة وهذا يفيد أن شمسنا الحالية لا تبقى فالشمس المذكورة في الحديث شمس أخرى والله أعلم فأمر القيامة غيب.\n١١٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يعرق الناس يوم القيامة، حتى يذهب في الأرض عرقهم سبعين ذراعا، وإنه يلجمهم حتى يبلغ آذانهم\".\n١١٩٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد العزيز العطار عن أنس بن مالك لا أعلمه إلا رفعه قال \"لم يلق ابن آدم شيئا منذ خلقه الله ﷿ أشد عليه من الموت\n_________\n١١٩٦ - مسلم (٤/ ٢١٩٦) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٥ - باب في صفة يوم القيامة، أعاننا الله على أهوالها.\nوالترمذي (٤/ ٦١٤) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٢ - باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص.\nوقال: حديث حسن صحيح\n(١) الترمذي (٤/ ٦١٤): نفس الموضع.\n(حقويه): الحقو: مشد الإزار عند الخصر.\n١١٩٧ - البخاري (١١/ ٣٩٢) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٧ - باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ...﴾.\nمسلم (٤/ ٢١٩٦) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٥ - باب في صفة يوم القيامة، أعاننا الله على أهوالها.\n١١٩٨ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٤). وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد.\nورواه أحمد (٣/ ١٥٤) باختصار عنه ولم يشك في رفعه، وإسناده جيد.","vol":"3","page":1259},{"text":"أهون مما بعده وإنهم ليقلون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم العرق حتى إن السفن لو أجريت فيه لجرت\".\n١١٩٩ - * روى مسلم عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بالنار يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها\".\n١٢٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجمع الله الناس يوم القيامة، فيهتمون لذلك\" وفى رواية: \"فيلهمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكانتنا هذا؟ \" قال: \"فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك. اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب. فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض\" قال: \"فيأتون نوحا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، وذكر خطيئته التي أصاب، فيستحى ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله وأعطاه التوراة\" قال: \"فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمد، عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر\" قال: قال رسول الله ﷺ: \"فيأتونني، فاستأذن على ربى، فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع، قل يسمع، سل تعطه اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربى\n_________\n١١٩٩ - مسلم (٤/ ٢١٨٤) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٢ - باب في شدة حر نار جهنم، ... إلخ.\n١٢٠٠ - البخاري (٨/ ١٦٠) ٦٥ - كتاب التفسير، سورة البقرة، ١ - باب قول الله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.\nمسلم (١/ ١٨٠) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.","vol":"3","page":1260},{"text":"بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد، قل يسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة\" قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة \"فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن\" أي وجب عليه الخلود.\nأقول: بدأ الحديث يذكر طلب الشفاعة لفصل القضاء، ثم ذكر الشفاعة للإخراج من النار ودخول الجنة، فالحديث طوى ما حدث من شفاعة لفصل الخطاب لأنها قد حصلت وذكر شفاعات أخرى لأن السامع يفهم ذلك من سياق الخطاب. قال ابن كثير في توضيح هذا المعنى في كتابه النهاية:\nوالعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى في أن يأتي الرب لفصل القضاء كما ورد هذا في حديث الصور كما تقدم وهو المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث أن الناس إنما يستغيثون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء طمعًا في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم ذلك كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه فإذا وصلوا إلى المحشر فإنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار، وكان مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها يذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث. اهـ.\n١٢٠١ - * روى البزار موقوفا عن حذيفة قال: يجمع الله الناس في صعيد واحد ولا تكلم نفس فأول من -أحسبه قال- يتكلم محمد ﷺ فيقول: \"لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك\n_________\n١٢٠١ - كشف الأستار (٤/ ١٦٧).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٧) وقال: رواه البزار موقوفًا ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1261},{"text":"ومنك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت\" فهذا قوله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.\n١٢٠٢ - * روى أحمد عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: \"يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود\".\nأقول: المقام المحمود هو الذي يشفع فيه رسول الله ﷺ لأهل الموقف بعد طول الوقوف ليفصل الله ﷿ في شأنهم وهذه الشفاعة هي التي تسمى شفاعة فصل الخطاب ولرسول الله ﷺ شفاعتان بعدها تكونان بعد أن يلجأ الناس إلى الأنبياء، فيحال الأمر عليه، وهي الشفاعة لجواز الصراط، والشفاعة لدخول الجنة وله مع ذلك ست شفاعات أخرى سنراها والشفاعات الثلاثة الأولى كلها تدخل تحت ما يسمى المقام المحمود.\n١٢٠٣ - * روى الطبراني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن شئتم أنبأكم بأول ما يقول الله ﷿ للمؤمنين يوم القيامة وبأول ما يقولون\". قالوا: نعم قال: \"إن الله ﷿ يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا، فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا رجمتك وعفوك. فيقول: فقد وجبت لكم رحمتي\".\n١٢٠٤ - * روى الترمذي عن عمرة بن شعيب ﵀ عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: \"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم، يقال\n_________\n١٢٠٢ - أحمد (٣/ ٤٥٦).\nمجمع الزوائد (٧/ ٥١) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٠٣ - المعجم الكبير (٢٠/ ١٢٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٨). وقال: رواه الطبراني بسندين أحدهما حسن.\n١٢٠٤ - الترمذي (٤/ ٦٥٥) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٤٧ - باب حدثنا سويد بن نصر.\nوقال: حديث حسن صحيح. =","vol":"3","page":1262},{"text":"له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال\".\n١٢٠٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"أول من يدعى يوم القيامة: آدم ﵇، فتراءى ذريته، فيقال لهم: هذا أبوكم آدم؟ فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يا رب، كم أخرج؟ فيقول: اخرج من كل مائة تسعة وتسعين\"، فقالوا: يا رسول الله، إذا أخذ منا من كل مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى ما؟ قال: \"إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود\".\n١٢٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك\" زاد في رواية: \"والخير في يديك فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ \" (١) فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم. زاد بعض الرواة (٢): قالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ: \"من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد -ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في\n_________\n= (طينة الخبال): جاء تفسيرها في بعض الحديث: قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: \"هي صديد أهل النار\".\n١٢٠٥ - البخاري (١١/ ٣٧٨) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٥ - باب الحشر.\n١٢٠٦ - البخاري (٨/ ٤٤١) ٦٥ - كتاب التفسير، تفسير سورة الحج، ١ - باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾.\nمسلم (١/ ٢٠١) ١ - كتاب الإيمان، ٩٦ - باب قوله: \"يقول الله لآدم أخرج بعث النار ... \"\n(١) الحج: ٢.\n(٢) البخاري (٨/ ٤٤١) الموضع السابق","vol":"3","page":1263},{"text":"جنب الثور الأسود\".\nوفي رواية (١): \"أو كالرقمة في ذراع الحمار- وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\"، فكبرنا، ثم قال: \"ثلث أهل الجنة\" فكبرنا، ثم قال: \"شطر أهل الجنة\" فكبرنا.\n١٢٠٧ - * روى البخاري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يدي\". قال: \"يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكرى وما هم بسكرى ولكن عذاب الله شديد\". فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ قال: \"أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل\". ثم قال: \"والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة\". قال فحمدنا الله وكبرنا. ثم قال: \"والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار\".\nقال ابن حجر في فتح الباري:\nقوله (أخرج بعث النار) ... معناها هنا ميز أهل النار من غيرهم، وإنما خص بذلك آدم لكونه والد الجميع ولكونه كان قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاء، فقد رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء وعن يمينه أسودة ... وعن شماله أسودة الحديث كما تقدم في حديث الإسراء، وقد أخرج ابن أبي الدنيا من مرسل الحسن قال: يقول الله لآدم: يا آدم أنت اليوم عدل بيني وبين ذريتك، قم فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم ... وفي التوفيق بين العددين من كل ألف واحد ومن كل مائة واحد قال الكرماني: والمقصود\n_________\n(١) مسلم (١/ ٢٠٢) الموضع السابق.\n١٢٠٧ - البخاري (١١/ ٣٨٨) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٦ - باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.","vol":"3","page":1264},{"text":"من العددين واحد وهو تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين اهـ. قلت: ومقتضى كلامه الأول تقديم حديث أبي هريرة على حديث أبي سعيد فإنه يشتمل على زيادة، فإن حديث أبي سعيد يدل على أن نصيب أهل الجنة من كل ألف واحد، وحديث أبي هريرة يدل على عشرة فالحكم للزائد، ومقتضى كلامه الأخير أن لا ينظر إلى العدد أصلا بل القدر المشترك بينهما ما ذكره من تقليل العدد، وقد فتح الله تعالى في ذلك بأجوبة أخر وهو حمل حديث أبي سعيد ومن وافقه على جميع ذرية آدم فيكون من كل ألف واحد، وحمل حديث أبي هريرة ومن وافقه على من عدا يأجوج ومأجوج فيكون من كل ألف عشرة، ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة، ويحتمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق والثاني بخصوص هذه الأمة، ويقربه قوله في حديث أبي هريرة \"إذا أخذ منا\" لكن في حديث ابن عباس \"وإنما أمتي جزء من ألف جزء\" ويحتمل أن تقع القسمة مرتين مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة فيكون من كل ألف واحد ومرة من هذه الأمة فقط فيكون من كل ألف عشرة، ويحتمل أن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخلها من العصاة فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعون كافرًا ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصيًا والعلم عند الله تعالى. قوله (فذاك حين يشيب الصغير وتضع، وساق إلى قوله شديد) ظاهرة: أن ذلك يقع في الموقف، وقد اسشكل بأن ذلك الوقت لا حمل فيه ولا وضع ولا شيب، ومن ثم قال بعض المفسرين: إن ذلك قبل يوم القيامة، لكن الحديث يرد عليه، وأجاب الكرماني بأن ذلك وقع على سبيل التمثيل والتهويل، وسبق إلى ذلك النووي فقال: فيه وجهان للعلماء فذكرهما وقال: التقدير أن الحال ينتهي إلى أنه لو كانت النساء حينئذ حوامل لوضعت: كما تقول العرب: وأصابنا أمر يشيب منه الوليد، وأقول: يحتمل أن يحمل على حقيقته، فإن كل أحد يبعث على ما مات عليه فتبعث الحامل حاملًا والمرضع مرضعة والطفل طفلًا، فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم ورأى الناس آدم وسمعوا ما قيل له وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحمل ويشيب له الطفل وتذهل به المرضعة). اهـ (الفتح).","vol":"3","page":1265},{"text":"أقول: وقع في رواية أبي هريرة (أول من يدعى يوم القيامة آدم ﵇): هذه الأولية هنا تحتمل الأولية المطلقة وتحتمل الاولية النسبية فإن كان المراد الأولية المطلقة فذلك يكون حين يميز أهل النار من أهل الجنة في الموقف قبل الحساب والميزان وإقامة الحجج، وإن كان المراد الأولية النسبية وهي ما تدل عليه النصوص التي تذكر خطاب الله لرسولنا ﵊ آذنا له بالشفاعة لفصل الخطاب، فذلك يكون في موقف من مواقف يوم القيامة وذلك بعد أن يتم الحساب والميزان وعندئذ ينادى آدم ليخرج بعث النار، وهذا الذي أرجحه في هذا المقام، وهذه النصوص الواردة في بعث النار تدل على كثرة يأجوج ومأجوج بالنسبة لسكان الأرض، وهذا يرجح ما ذكرناه أثناء الكلام عن يأجوج ومأجوج ويرد على من يزعم أن سد يأجوج ومأجوج لا زال موجودًا يحجزهم عن الخروج وأنهم وإياه في مكان ما على الأرض لا زال مجهولًا، فهذا يتعارض تعارضًا صريحًا مع الواقع المعروف ومع هذه النصوص، ثم إن النصوص القرآنية الواردة في يأجوج ومأجوج لا تفيد ما يذكره هؤلاء بل هي محمولة على ما اتجهنا إليه دون تكلف.\n١٢٠٨ - * روى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: \"إن الله ﷿ يقول يوم القيامة لآدم ﵇: قم فجهز من ذريتك تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدًا إلى الجنة\"، فبكى أصحابه وبكوا ثم قال لهم رسول الله ﷺ: \"ارفعوا رؤوسكم فو الذي نفسي بيده ما أمتي في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود\" فخفف ذلك عنهم.\n١٢٠٩ - (٢) روي أبو يعلي عن أنس قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ على النبي ﷺ في مسير له فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: \"أتدرون أي يوم هذا؟ يوم يقول الله لآدم: قم فابعث بعثًا إلى النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحدًا إلى الجنة\" فكبر ذلك\n_________\n١٢٠٨ - أحمد (٦/ ٤٤١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٣) وقال: رواه أحمد والطبراني وإسناده جيد.\n١٢٠٩ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٤) وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن مهدي، وهو ثقة.","vol":"3","page":1266},{"text":"على المسلمين فقال النبي ﷺ: \"سددوا وقاربوا وأبشروا فو الذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة. إن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والإنس\".\n١٢١٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة، بمن جعل مع الله إلها آخر، وبكل جبار عنيد، وبالمصورين\".\nأقول: الظاهر أن هذا العنق يخرج بعد أن تقام الحجة على الناس قيامًا كاملًا بالشهادات وبالصحف وبالوزن والميزان.\n١٢١١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: \"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان، فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله\".\nأقول: وقد تعجب ابن كثير في كتابه النهاية من تضعيف الترمذي للحديث وناقش ذلك.\nالظاهر أنه بعد الوقوف الطويل والإذن بالشفاعة لفصل القضاء تكون العرضة الأولى ويكون السؤال عن الشرك وعن الاستجابة للرسل ويكون تنصل وعتاب، وفي العرضة الثانية تشهد الرسل وينكر الكافرون ويشهد محمد ﷺ وأمته على صدق شهادة الرسل وتقوم\n_________\n١٢١٠ - الترمذي (٤/ ٧٠١) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ١ - باب ما جاء في صفة النار.\nوقال: حديث حسن صحيح غريب.\n(عنق): العنق: طائفة من الناس، والمراد به: طائفة من النار كالعنق.\n(جبار عنيد): الجبار: القهار المتكبر، والعنيد: الجائر عن الحق، كالمعاند له.\n١٢١١ - الترمذي (٤/ ٦١٧) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٤ - باب ما جاء في العرض. وقال: لا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى.\nوإسناده ضعيف فإن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة ولا من أبي موسى الأشعري، قال الحافظ في \"الفتح\" بعد نقل كلام الترمذي هذا: وأخرجه البيهقي في \"البعث\" بسند حسن عن عبد الله بن مسعود موقوفًا.","vol":"3","page":1267},{"text":"الحجة على الخلق، ثم تطير الصحف فيعرف كل إنسان ذنوبه ثم يكون الحساب والميزان وقد ذهب ابن كثير في كتابه النهاية إلى أن الحساب يكون قبل الميزان، قال ﵀:\nقال أبو عبد الله القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب، كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لنفس الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، فيكون الجزاء بحسبها قال: وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يحتمل أن يكون ثم موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله ﷾ أعلم. اهـ (النهاية في الفتن والملاحم).\nوبمناسبة الكلام عن حديث العرضات الثلاث نقل ابن حجر في فتح الباري ما يلي:\nقال الترمذي الحكيم: الجدال للكفار يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا، والمعاذير اعتذار الله لآدم وأنبيائه بإقامته الحجة على أعدائه، والثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر. اهـ.\nأقول: أما ما ذكره الترمذي الحكيم في الجدال فمسلم، أما ما بعده فغير مسلم؛ فكيف يعتذر الله ﷿ والموقف موقف جلال، وتخصيص العرضة الثالثة بالمؤمنين يتنافى مع النص: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (١).\n١٢١٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء\".\n١٢١٣ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يقتص\n_________\n(١) الإسراء: ١٣.\n١٢١٢ - مسلم (٤/ ١٩٩٧) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ١٥ - باب تحريم الظلم.\nوالترمذي (٤/ ٦١٤) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٢ - باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص.\nوقال: حديث حسن صحيح.\n(الجلحاء) شاة جلحاء: لا قرن لها.\n١٢١٣ - أحمد (٢/ ٣٦٣). =","vol":"3","page":1268},{"text":"للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة\".\nأقول: الظاهر أن الاقتصاص للحيوانات من بعضها بعضا يتقدم على حساب المكلفين لأنه بعد أن يتقص منها يقال لها كوني ترابًا فتكون ترابًا فيتمنى الكافر لو أنه كان معها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (١)، غير أن هناك الحيوانات التي لم تؤد زكاتها، فهذه يعذب أهلها بها، فهذه قد تؤخر، على أن النصوص لم تحدد المقام الذي يقال فيه للحيوانات كوني ترابًا، فتكون ترابًا.\n١٢١٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم، أن يقال له: ألم نصح لك جسمك؟ ونروك من الماء البارد؟ \"؟\n١٢١٥ - * روى الترمذي عن أبي سهيد الخدري، وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا؟ وسخرت لك الأنعام والحرث؟ وتركتك ترأس وتربع؟ فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني\".\nوقال: معنى قوله \"اليوم أنساك كما نسيتني\": اليوم أتركك في العذاب.\n_________\n= مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٢) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n(١) النبأ: ٣٨ - ٤٠.\n١٢١٤ - الترمذي (٥/ ٤٤٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٨٩ - باب ومن سورة التكاثر. وقال: حديث غريب. وإسناده قوي، وصححه ابن حيان.\n١٢١٥ - الترمذي (٤/ ٦١٩) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٦ - باب (منة) حدثنا عبد الله بن محمد ... إلخ.\nوقال: حديث صحيح غريب. وإسناده حسن.\n(ترأس): الترؤس: التقدم على القوم وأن يصير رئيسهم.\n(وتربع): أي: تأخذ المرباع، وهو ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه من المغانم وهو ربعها، وقد روي \"تربع\" بتاءين من التنعم والرتع، يقال: رتعت الإبل، وأرتعها صاحبها: إذا كانت في موضع خصيب.","vol":"3","page":1269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>الفقرة الرابعة\nفي:\nمشاهد من القرآن الكريم فيما يجري في\nاليوم الآخر من حوار</span>\nإن الإنسان في الدنيا عندما يجد نفسه في خطر فإنه يبذل غاية وسعه للخلاص من الخطر، وعندما يكون للإنسان حق يجادله فيه الآخرون، ثم يظهر حقه فإن له مقالًا، وعندما يقهر الظالمون يعتذرون، فالإنسان له طبيعته ومواقفه، واليوم الآخر هو يوم الفصل فيما كان الناس يختلفون فيه، وهو اليوم الذي تظهر فيه الأمور على حقائقها، وينكشف فيه صدق الرسل، ويرى الناس تحقق الوعد والوعيد. وفي هذا كله تجد الإنسان يجادل عن نفسه أقصى الجدال لعل ذلك ينفعه، وترى أهل الباطل يعتذرون أشد الاعتذار لعل ذلك ينفعهم، وترى الحوار بين أهل الباطل فيما بينهم، وترى الحوار بين أهل الحق فيما بينهم، وترى الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، وترى مناشدة أهل النار للملائكة وأهل الجنة، وترى الكلمة الطيبة من الملائكة لأهل الجنة، وكل ذلك تجد تفصيلاته في القرآن. وفي هذه الفقرة سنعرض نماذج على ذلك للتذكير كي لا يخلو الكتاب من هذا الجانب المهم من مشاهد اليوم الآخر:\n﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ *","vol":"3","page":1270},{"text":"لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ السائق والشهيد ملكان، وقيل: السائق كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾: المراد بالقرين الملك الموكل عليه، والعتيد الحاضر، أي يقول الملك هذا ما هو مكتوب عندي حاضر لدي. ﴿أَلْقِيَا﴾ هذا خطاب للملكين السائق والشهيد. قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ القرين هنا هو الشيطان المقيض له والمقيد معه ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أي ما أضللته، وكأن هذا جواب على شكوى من الإنسان باتهام الشيطان؛ ولذلك قال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾، وهذا يفيد أن حوارًا يجري بين الشيطان وبين قرينه من الإنس يحمل كل منهما الآخر مسؤولية الضلال. والظاهر أن هذا الحوار بين الشيطان وقرينه في موقف الحساب.\n﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢).\nقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) هذان السؤالان قائمان في موقف الحساب: يسأل الذين أرسل إليهم عن قبول الرسالة وإجابة الرسل، ويسأل المرسلون عن البلاغ وعما أجابتهم به أقوامهم، وفي هذه الآيات نموذج على سؤال المرسلين، والمرسل إليهم ينكرون عادة أن رسلهم بلغتهم ويتبرؤون، فيشهد محمد ﷺ وأمته أن الرسل قد بلغت ومن خلال هذا النص الذي معنا نفهم أن النصارى الذين أشركوا\n_________\n(١) ق: ١٩ - ٣٥.\n(٢) المائدة: ١١٦ - ١١٩.\n(٣) الأعراف: ٦.","vol":"3","page":1271},{"text":"يزعمون أن دعوة عيسى كانت أمرًا لهم بأن يتخذوه وأمه إلهين، وعيسى ﵊ ينفي ويرد.\n﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ (١).\nالظاهر أن القائلين للمجرمين في النار هم الملائكة. والمشركون عندئذ يعرفون أنهم ما كانوا يدعون جهة يعتد بها، والظاهر أن هذا السؤال يكون في مرحلة تسبق المرحلة التي يقرن فيها مع المشركين ما كانوا أشركوا به.\n﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الظاهر أن هذا على الصراط، وذكر الأيمان لأن فيها صحائف الاعمال المنيرة، وقوله تعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ القائل للمنافقين هذا القول هو المؤمنون أو الملائكة ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ أي اطلبوا النور إما من الموقف أو من الدنيا إشعارًا لهم بأن النور إنما يكون من العقائد الصالحة والأعمال الطيبة في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ أي بحائط له باب يدخل منه المؤمنون فيؤول بهم إلى الجنة، ولذلك قال: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ وذلك لئلا يقرب هذا الباب المنافقون. ويبدو أن هذا كائن إما في أول الصراط\n_________\n(١) غافر: ٧١ - ٧٤.\n(٢) الحديد: ١٢ - ١٥.","vol":"3","page":1272},{"text":"أو في آخر الصراط أو في مكان ما على الصراط.\n﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي يتعام عن القرآن ويعرض عنه ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ نسلط ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ أي مصاحب ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الضمير في الكلمتين يعود على الإنسان الضال وقرينه؛ فإن هؤلاء يتعاونون على صد الخلق عن سبيل الله، وهم يتصورون أنهم مهتدون بذلك كما نرى حال الكافرين في عصرنا دعاة ومدعوين، فكل صاحب دعوة يتوهم أنه يدعو الناس إلى هداية، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ أي ذلك الإنسان الذي أضله الشيطان ﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، وذلك أن الكفار يحشرون مقرنين مع شياطينهم.\n﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٢).\n﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ أي المتبعون ممن كانوا يتبعونهم، ويدخل في المتبعين هما أئمة الضلال ومن عبد من دون الله، والظاهر أن هذا يكون بعد شفاعة فصل الخطاب. وقوله تعالى: (وتقطعت بهم الأسباب) أي الوصل التي كانت بينهم من الاتباع والاتفاق على الدين والأغراض الداعية إلى ذلك وهذا نموذج على الحوار بين الأتباع والمتبوعين عندما تؤمر كل طائفة أن تتبع ما كانت تعبد من دون الله أو عندما يدعى كل أناس بإمامهم وذلك بعد شفاعة فصل الخطاب.\n﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا\n_________\n(١) الزخرف: ٣٦ - ٣٩.\n(٢) البقرة: ١٦٥ - ١٦٧.","vol":"3","page":1273},{"text":"وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ * ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١).\nهذا نموذج على ما تتلقى به الملائكة أصحاب النار من سؤال، وهو سؤال يأتي بعد أن قامت عليهم الحجة، وهم يجيبون على هذا السؤال معترفين مقرين بعد إذ رأوا أن إنكارهم من قبل لم يفدهم لكثرة الشهود ولقطعية الشهادات.\n﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢).\nهذا نموذج على نوع مما يحدث من خطاب لأهل النار من الله ﷿، ومن دعاء وجواب من أهل النار، وظاهر النص أن الخطاب مباشر من الله ﷿ لأهل النار، وبعض المفسرين ذهب إلى أنه بالواسطة.\n﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ * وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ\n_________\n(١) تبارك: ٦ - ١٢.\n(٢) المؤمنون: ١٠١ - ١١٥.","vol":"3","page":1274},{"text":"عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ * إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يحتمل هذا النص أن يكون من إجابة بعضهم لبعض، أو من إجابة الملائكة لهم، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أي وأشباهم، والخطاب من الله ﷿، وهذا يفيد أن عباد الأصنام أو عباد صنم ما أو عباد الكواكب أو عباد كوكب ما، وهكذا قل في سائر المشركين أنهم يحشرون مع بعضهم بعضًا، والأمر بحشر الأصناف بعضها مع بعض من الله ﷿. والظاهر كما أنه تحشر الأصناف مع بعضها فإنها تدخل النار مع بعضها وهذا مقتضى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي فعرفوهم طريقها ليسلكوها ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ عن عقائدهم وأعمالهم، ومعنى قوله ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ أي واحبسوهم يوم الموقف. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ هذا سؤال يوجه إليهم تبكيتا\n_________\n(١) الصافات: ١٩ - ٦٨.\n(٢) الملك: ٨.","vol":"3","page":1275},{"text":"وتوبيخًا، والسائل إما الله تعالى، وإما الملائكة، وفي السؤال إشارة إلى أن سر اشتراكهم في الكفر هو التناصر، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي الرؤساء والأتباع أو الكفرة والقرناء ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي بأقوى ما تستطيعون أن تأتونا به من الشبه لتضلونا، فيجيب المتبوعون ما يجيبون به، وفي النص نموذج على حوار متعدد بين أكثر من متكلم.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا * وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي محبوسون عند ربهم وذلك يكون في موقف الحساب قبل الوزن والميزان وبعد الشفاعة لفصل الخطاب. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ أي يتحاورون وهذا الحوار بين المتبوعين من الأنس من السادة والكبراء وأئمة الضلالة وبين أتباعهم، وقوله تعالى على لسان المستضعفين: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي بل مكركم في الليل والنهار حتى فتنتمونا وأمررتم علينا ضلالكم فأضللتمونا، ومن يشهد في عصرنا سهر الدوائر الكافرة ودأبها على الإضلال يرى ما ذكرته الآية واقعًا حيًا وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد بذلك ما يقيدون به في النار بعد إذ يدخلونها.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ (٢).\n_________\n(١) سبأ: ٣١ - ٣٣.\n(٢) سبأ: ٤٠ - ٤٢.","vol":"3","page":1276},{"text":"هذا نموذج على سؤال الله والملائكة وجوابهم فهناك ناس عبدوا الملائكة من دون الله وأظهر ما يظهر ذلك في ديانة الصابئة الموجودين في العراق حاليًا إذ يعبدون الأرواح العلوية.\n﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ * وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ * إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١).\nهذا نموذج للحوار بين أئمة الضلالة وأتباعهم في النار، كما أنه نموذج على حوار أهل النار للملائكة وطلبهم منهم تخفيف العذاب ولو يومًا واحدًا ورد الملائكة عليهم، وأمثال هذه النصوص التي تتحدث عن الحوار بين الأتباع والمتبوعين تؤكد أن على المسلم أن يختار للاقتداء والاتباع من يطمئن إلى ربانيته وولايته، وأن يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وذلك بحبهم وطاعتهم.\n﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي نبيا يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر، وفي هذا المقام مقام شهادة الأنبياء على الأمم ﴿لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي ولا هم يسترضون. وبعد هذا المقام يشكو المشركين متبوعيهم إما من باب\n_________\n(١) غافر: ٤٧ - ٥٢.\n(٢) غافر: ٧٠.\n(٣) النحل: ٨٤ - ٨٧.","vol":"3","page":1277},{"text":"الطلب أن يضاعف لهم العذاب، وإما من باب الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين، ويكذبهم المتبوعون ويستسلم الجميع لحكم رب العالمين حين لا ينفعهم الاستسلام الذي كان مطلوبا منهم في الدنيا بأن يدخلوا الإسلام ويستسلموا لله فيه.\nوتتمة المشهد هو: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ (١) وقد مر معنا من قبل.\n﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ أي عن ذاتها وتسعى في خلاصها لا يهمها غيرها فتقول نفسي نفسي ولكن النفس الكافرة لابد أن توفى أعمالها أما النفس المؤمنة فلله فيها مشيئة وهناك شفاعات تصيبها وتنفعها.\n﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣).\nوهذا نموذج آخر على ما يكون من سؤال وجواب وحوار يوم القيامة وفيه دعوة للكينونة من أهل التقوى والبعد عن الشرك ومظاهره.\n﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا * وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ (٤).\n_________\n(١) النحل: ٨٩.\n(٢) النحل: ١١١.\n(٣) النحل: ٢٧ - ٣٢.\n(٤) الكهف: ٥٢ - ٥٣.","vol":"3","page":1278},{"text":"﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي الله تعالى للكافرين: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي زعمتم أنهم شركائي أو شفعاؤكم يمنعونكم من عذابي والمراد ما بعد من دونه، وقيل إبليس وذريته (فَدَعَوْهُمْ﴾ أي فنادوهم (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الكافرين وآلهتهم ﴿مَوْبِقًا﴾ مهلكا يشتركون فيه وهو النار أو عداوة هي في شدتها هلاك.\n﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي لما أحكم وفرغ منه ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فإن الشيطان يقوم خطيبا في الأشقياء من الثقلين، وفي النص نموذج على الحوار بن الأتباع والمتبوعين في النار ومحاولة الشيطان أن يخرج من لوم اللائمين على إغوائهم وقوله ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم تغيثونني.\n﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ (٢).\nقوله تعالى: ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أي شراب يغلي، والغساق صديد أهل النار ﴿وَآخَرُ﴾ أي وعذاب آخر ﴿مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ من مثله أجناس.\n﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا النَّارِ﴾ (٣).\n_________\n(١) إبراهيم: ٢١ - ٢٢.\n(٢) ص: ٥٥ - ٥٨.\n(٣) ص: ٥٩ - ٦١.","vol":"3","page":1279},{"text":"النص يدل على أن أئمة الضلال يدخلون النار قبل أتباعهم فيكون بين الأتباع والمتبوعين هذا التخاصم الذي ذكره النص الكريم.\n﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ (١).\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٢).\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي للجزاء ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي كل معبود سواه ﴿فَيَقُولُ﴾ أي الله تعالى للمعبودين ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾. ﴿قَالُوا﴾ الظاهر من السياق أن المراد بذلك أن من عبد فلم يرض أو عبد ولم يشعر يقولون ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أي هالكين ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا﴾ أي دفعًا للعذاب عنكم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ يعينكم أحد عليه، وفي النص دليل على أن كثيرا ممن عبد من دون الله لا مسؤولية عليهم.\n﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٣).\nفي النص دليل على أن الأمم المتقدمة في الزمن تدخل النار قبل الأمم المتأخرة في الزمن، ومن سبق في الضلال فتابعه عليه لاحقون يلومون السابقين، والسابقون يشمتون\n_________\n(١) ص: ٦٢ - ٦٤.\n(٢) الفرقان: ١٧ - ١٩.\n(٣) الأعراف: ٣٨ - ٣٩.","vol":"3","page":1280},{"text":"بهم؛ لأن اللاحقين يدعون فضلًا على المتقدمين كما نرى في عصرنا؛ إذ يرى اللاحقون أنهم قد سبقوا المتقدمين في العلم والتقدم، وبعد استكمال النار أهلها يدعو اللاحقون أن يضاعف الله للسابقين العذاب فيعرفهم أن العذاب المضاعف للجميع لمن ضل وأضل بسبب ضلاله وإضلاله، ولمن ضل متابعا للأولين بسبب ضلاله وتقوية الضلال وأهله بتقليد الضالين.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ * وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (١).\n(أهل الأعراف): قوم تساوت سيئاتهم وحسناتهم فلا هم استحقوا النار فيدخلونها، ولا استحقوا الجنة فيدخلونها لكنهم يطمعون أن يدخلوها بفضل الله وهم داخلون في المآل، ويكونون قبل دخولهم الجنة بين أهل الجنة والنار، والنص يدل على أن حوارًا يجري بين أهل الجنة والنار، وبين أهل الأعراف وأهل النار وهذا يفيد أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار وذلك من تمام النعمة والاعتبار ليشكروا.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٢).\n﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ * ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ\n_________\n(١) الأعراف: ٤٤ - ٤٩.\n(٢) الأعراف: ٥٠ - ٥١.","vol":"3","page":1281},{"text":"أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ * كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ * كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (١).\nهذا نموذج آخر على حوار بين أهل الجنة وأهل النار.\n﴿النَّاقُورِ﴾ الصور ﴿نُقِرَ﴾ نفخ ﴿لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أي معاندًا جاحدًا للحق. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سأكلفه عذابًا شاقا لا يطاق. ﴿وَبَسَرَ﴾ اشتد في العبوس وكلوح وجهه ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ سأدخله جهنم ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ مسودة للجلود محرقة لها ﴿الْكُبَرِ﴾ الدواهي العظيمة ﴿رَهِينَةٌ﴾ أي مرهونة عنده تعالى بعملها ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ما أدخلكم ﴿حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ حمر وحشية شديدة النفار ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ أسد.\n﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ\n_________\n(١) المدثر: ٨ - ٥١.","vol":"3","page":1282},{"text":"الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (١).\nهذا نموذج على حوار بين أهل الجنة فيما بينهم ونموذج على أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار.\nوالمراد بالقرين في الآيات الصاحب الكافر في الدنيا، والذي يجمعه مع المؤمن سبب من عمل مشترك أو جوار أو غير ذلك من الأسباب التي تجعل المؤمن يجالس الكافر، وكيف أن الكافر كان ينكر على المؤمن إيمانه. فههنا المؤمن يخاطب الكافر هذا الخطاب المذكور في الآية وقد جاءت هذه الآيات بعد الكلام عن اجتماع أهل الجنة على شرابهم فهم يتحدثون ويجرهم الحديث إلى هذا الموقف.\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي خيارًا أو عدولًا مزكين بالعلم والعمل ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ أي على معاصريكم وعلى من قبلكم وبعدكم ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فيشهد لكم بالعدالة، وشهادته لكم بالعدالة في الموقف تأكيد لشهادتكم على الأمم، وهذا يكون عندما تنكر الأمم أن رسلها قد بلغتها وذلك في موقف من مواقف القيامة.\n* * *\nوبعد:\nفلقد حرصنا ألا يخلو الكلام عن اليوم الآخر من الإكثار من النصوص القرآنية ليزداد المسلم فهما وبصيرة بما يجري في اليوم الآخر، وحرصنا أن نبين ما استطعنا تسلسل الأحداث في اليوم الآخر لأن الكتابة في هذا الشأن قليلة فاقتضى هذا منا الإكثار من النصوص والنقول والتعليقات\n_________\n(١) الصافات: ٥٠ - ٦١.\n(٢) البقرة: ١٤٣.","vol":"3","page":1283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>الفقرة الخامسة\nفي:\nأحاديث تصف بعض ما في الموقف وما بعده</span>\n١٢١٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: \"هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة\"؟ قالوا: لا، قال: \"فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة\"؟ قالوا: لا. قال: \"فو الذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، فيلقى العبد ربه، فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل: ألم أكرمك وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث، فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: أي رب: آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول ها هنا إذن، ثم يقول: الآن نبعث شاهدا عليك، فيتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليه؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعلمه، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق ذلك الذي يسخط الله عليه\".\nأقول: في الحديث عن الرؤية وهي خاصة بأهل الإيمان، وكلام عن المحاسبة والمخاطبة في موقف من مواقف القيامة وهي عامة كما هو ظاهر من الحديث.\n_________\n١٢١٦ - مسلم (٤/ ٢٢٧١) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم (١٦).\n(تضارون): روي بتخفيف الراء من الضير، يقال: ضاره يضيره.","vol":"3","page":1284},{"text":"١٢١٧ - * روى البخاري عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: \"هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب\"؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: \"فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب\"؟ قالوا: لا، قال: \"فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمه فيها منافقوها، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتنا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فيدعوهم، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان\"؟ قالوا: نعم، قال \"فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار\" وفي رواية: \"فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى- حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار، إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبه في حميل السيل،\n_________\n١٢١٧ - البخاري (٢/ ٢٩٢) ١٠ - كتاب الأذان، ١٢٩ - باب فضل السجود.\n(السعدان): نبت ذو شوك معقف من مراعي الإبل.\n(يوبق): أوبقته الذنوب، أي: أهلكته.\n(يخردل) المخردل: المرمي المصروع، وقيل: هو المقطع، والمعنى أنه تقطعه كلاليب الصراط، حتى يقع في النار.\n(امتحشوا): الامتحاش: الاحتراق، وقيل: هو أن تذهب النار الجلد، وتبدي العظم.\n(الحبة): بكسر الحاء: البرورات، وبفتحها، كالحنطة والشعير.\n(حميل السيل): الزبد وما يلقيه على شاطئئه، وهو فعيل بمعنى مفعول. =","vol":"3","page":1285},{"text":"ثم يَفرُغُ الله من القصاص بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار- وهو اخر أهل النار دخولا الجنة- مقبل بوجهه قبل النار، فيقول: يارب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاها، فيدعو الله بما شاء أن يدعوه، فيقول: هل عسيت إن أفعل ذلك تسأل غير ذلك؟ فبقول: لا وعزتك، فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهة عن النار، فإذا أقبل بوجهه على الجنة، ورأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكون أشفى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غير هذا، فيعطى ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها، رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور\"\n- وفى رواية (١): \"فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة: فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله: ويحك! يا ابن ادم ما اغدرك؟ أليس قد أعطيت العهود أن لا تسأل غير الذي قد أعطيت؟ فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمن. فيتمنى، حتى إذا انقطع أمنيه، قال الله تعالى: تمن من كذا وكذا -يذكره ربه- حتى إذا انتهت به الأماني قال الله: لك ذلك ومثله معه\"\nقال أبو سعيد الخدري لأبى هريرة ﵄: إن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله\" قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ، إلا\n_________\n= (قشبني ريحها): آذاني، والقشب، السم، والقشيب: المسموم، فكأنه قال: قد سمني ريحها.\n(ذكاها): ذكا النار، مفتوح الأول مقصورًا: اشتعالها ولهبها.\n(الزهرة): الحسن والنضارة والبهجة.\n(١) البخاري (١٣/ ٤١٩) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ...﴾.\n(انفهقت): أي انفتحت واتسعت.\n(الحبرة): السرور والنعمة","vol":"3","page":1286},{"text":"قوله: \"لك ذلك ومثله معه\" قال أبو سعيد: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لك ذلك وعشرة أمثاله\" قال أبو هريرة: وذلك الرجل اخر أهل النار دخولا الجنة.\nوفي رواية مسلم (١) عن عطاء وابن المسيب، وقال أبو هريرة: إن الناس قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ .... وساق الحديث بمثله. هكذا قال مسلم، ولم يذكر لفظه، وأخرجه البخاري عن عطاء وحده بنحوه.\nورواه الترمذي (٢) عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أخصر من هذا: أن رسول ﷺ قال: \"يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يتبع كل إنسان ما كان يعبد، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك نعوذ بالله منك، الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا، وهو يأمرهم ويثبتهم\". قالوا: وهل نراه يا رسول الله؟ قال: \"وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر \"؟ قالوا: لا، يا رسول الله قال: \" فإنكم لا تضارون في رؤيته تلك الساعة، ثم يتوارى، ثم يطلع، فيعرفهم نفسه، ثم يقول: أنا ربكم فاتبعوني، فيقوم المسلمون، ويوضع الصراط، فيمر عليه مثل جياد الخيل والركاب وقولهم عليه: سلم سلم، ويبقى أهل النار، فيطرح منهم فيها فوج فيقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ ثم يطرح فيها فوج، فيقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن قدمه فيها، وأزوى بعضها إلى بعض، ثم قال: قط، قالت: قط قط، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: أتي بالموت ملببا فيوقف\n_________\n(١) مسلم (١/ ١٦٣ - ١٦٧) ١ - كتاب الإيمان، ٨١ - باب معرفة طريق الرؤية.\n(٢) الترمذي (٤/ ٦٩١٠ ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٢٠ - باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار.\n(زويت): الشيء إلى الشيء: ضمت بعضه إلى بعض، وجمعته إليه.\n(قط قط): بمعنى حسبي وكفاني.\n(ملببا): كأنه أخذ بتلابيبه، وهو استعارة، والأخذ بالتلابيب: أن يجمع على الإنسان ثوبه، ويأخذ بمقدمه فيجر به.","vol":"3","page":1287},{"text":"على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين، يرجون الشفاعة، فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقول- هؤلاء وهؤلاء- قد عرفناه، هو الموت الذي وكل بنا، فيضجع، فيذبح ذبحا على السور، ثم يقال لهم: يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار، خلود لا موت\".\nوروى النسائي (١) منه طرفا من وسطه، وهو قوله: \"فتأتي الملائكة فتشفع ويشفع الرسل\" وذكر الصراط، فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم: \"فأكون أول من يجيز، فإذا فرغ الله من القضاء بين خلقه، وأخرج من النار من يريد أن يخرج، أمر الله الملائكة والرسل أن تشفع، فيشفعون بعلاماتهم، إن النار تأكل كل شيء من بني آدم إلا موضع السجود، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحية في السيل\".\nأقول: في النص الذي مر معنا عدد من مشاهد يوم القيامة وهى بعض من كل، وهي تعطينا تصورا عن تعليم رسول الله ﷺ وعن طريقة وعظه، فالنص ابتدأ بالإجابة على سؤال ثم كان هناك تذكير بأكثر من مشهد من مشاهد يوم القيامة مما يناسب حال السامعين، وقد طوى النص مشاهد كثيرة من مشاهد يوم القيامة جاءت بمناسبات أخرى أو ذكرها القرآن الكريم ومنه نعلم أن الواعظ يتخير لوعظه ما يناسب حال السامعين، والمحدث يتخير لحديثه ما يناسب حال المخاطبين وقل مثل ذلك في المحاضرة والخطبة والدرس والعلم والتعليم وقد حاولنا أثناء العرض الإجمالي ومن خلال التعليقات أن ننقل أكبر قدر من مشاهد يوم القيامة مع إبراز تسلسل الأحداث بالقدر الذي أسعفتنا فيه المراجع ولم نقف عند الكثير من النصوص؛ لأن أمر القيامة غيب والمسلم مستقر في قلبه التنزيه والتسليم فلا يفوته أن يفهم النصوص على ضوء التنزيه ولا يفوته مع التنزيه أن يسلم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ (٢).\n_________\n(١) النسائي (٢/ ٢٢٩) ١٢ - كتاب التطبيق، ٨١ - باب موضع السجود.\n(٢) الأعراف: (٥٣).","vol":"3","page":1288},{"text":"١٢١٨ - * روى مسلم عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: أن ناسا في زمن رسول الله ﷺ- وفي رواية: قال: قلنا- يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: \"نعم، فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البد صحوا ليس فيها سحاب\"؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: \"ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله -من الأصنام والأنصاب- إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبر أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرا ابن الله، فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنظرون؟ تتبع كل أمه ما كنت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا -مرتين أو ثلاثا- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله به بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد الله\n_________\n١٢١٨ - مسلم (١/ ١٦٧) ١ - كتاب الإيمان، ٨١ - باب معرفة طريق الرؤية.\n(غبر): جمع غابر، وهو الباقي، وغبرات جمع الجمع.\n(الحطم): الكسر والدق، أي ينكسر بعضها على بعض. =","vol":"3","page":1289},{"text":"اتقاء ورياء، إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صوبته التي رأوه فيها أول مره، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم\" قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: \"دحض منزلة، فيه خطاطيف وكلاليب، وحسكه تكون بنجد، فيها شويكة، ويقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق والريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذي نفسى بيده، ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنون يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار\" وفي رواية \"فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد مجوا في إخوانهم، فيقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخدت النار إلى نضف ساقه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها أحدًا ممن\n_________\n= (اتقاء): فعلت ذلك اتقاء، أي خوفا.\n(طبقة): الطبقة والطبق: الصحيفة الواحدة.\n(دحض): الدحض: الزلق، وهو الماء والطين.\n(مزلة): موضع الزلل، وأن لا يثبت القدم على شيء فيسقط صاحبها.\n(خطاطيف): الخطاطيف كالكلاليب. المعقفة: المعوجة.\n(كأجاويد الخيل): الجواد: الفرس الرائع للذكر والأنثي، والجمع جياد وأجاويد، وكأن أجاويد جمع الجمع.\n(مخدوش): المخدوش: المجروح، و\"المكدوس\" قال الحميدي: كذا وقع في الروايات: مكدوس، وقد سمعت بعضهم يقول: إنه تصحيف من الرواة، وإنما هو مكردس، فإن صحت الرواية في مكدوس، فلعله من الكدس، وهو المجتمع من الطعام، فكأن الإنسان تجمع يداه ورجلاه ويشد، ويلقى في النار، وهو بمعنى المكردس، وقد جاء في بعض نسخ مسلم \"مكدوش\" بالشين المعجمة، فإن صح، فهو من الكدش بمعنى الخدش، والكدش أيضًا: السوق الشديد، والكدس -بالسين المهملة- إسراع المثقل في السير، فيجوز أن يكون منه، كأنه مثقل بذنوبه، ولهمن يحثه على المشي، وذلك أكد في تعذيبه وتعبه.=","vol":"3","page":1290},{"text":"أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا\" وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). \"فيقول الله ﷿: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعلوا خير قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلا الظل، يكون أبيض\"؟ فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: \"فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدا\".\nقال مسلم: قرأت على عيسى بن حماد- زغبة- المصري هذا الحديث في الشفاعة، وقلت له: أحدث بهذا الحديث عنك، أنك سمعته من الليث بن سعد؟ فقال: نعم.\nوقال مسلم عن أبي سعيد: إنه قال: قلنا: يا رسول الله، أنرى ربنا؟ قال: \"هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان يوم صحو\"؟ قلنا. لا ... وساق الحديث، حتى انقضى إلى أخره، وزاد بعد قول: \"بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه\": \"فقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه\". قال أبوسعيد: بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد\n_________\n(١) النساء: ٤٠.\n(حمما): جمع حممة، وهي الفحمة.","vol":"3","page":1291},{"text":"من السيف، وليس فيه: \"فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين\" وما بعده.\nوفي رواية (١) قال: قلنا: يا رسول الله هل نرى ربنا؟ قال: \"هل تضارون في رؤية الشمس إذا كانت صحوا\"؟ قلنا: لا، قال: \"فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتها\". قال: \"ثم ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله ﷿ من بر وفاجر، وغبرات من اهل الكتاب، ثم يؤتي بجهنم تعرض كأنها السراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا بعبد عزيرا ابن الله، فقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليهم اليوم، فإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم ما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقال: نعم، الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كل يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهرة طبقًا واحدًا ثم يؤتي بالجسر، فيجعله بين ظهري جهنم\" قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: \"مدحضة مزلة، عليها خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة،\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٤٢٠) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٤ - باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ....﴾.\n(مفلطحة): المفلطح: الذي فيه عرض.","vol":"3","page":1292},{"text":"لها شوكة عقيفة تكون بنجد، يقال لها: السعدان، يمر المؤمن عليها كالطرف وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم، يسحب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، فإذا رأوا أنهم قد نجوا شفعوا في إخوانهم، يقولون: ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله ﷿: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار بذنوبهم، فبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجوه من عرفوا- قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني، فاقرؤوا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) - فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، فما كان من الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى جانب الظل منها كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه\".\nوفي رواية النسائي (٢) طرف منه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما مجادلة أحدكم في الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين\n_________\n(عقيفة). المعفف: الملوى مثل الصنارة، والتعقيف: التعويج.\n(مناشدة) \" المناشدة: المسألة.\n(١) النساء: ٤٠.\n(٢) النسائي (٨/ ١١٢) ١ - كتاب القيامة، ١٨ - باب زيادة الإيمان.","vol":"3","page":1293},{"text":"أُدخلوا النار\"، قال: \"ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، فأدخلهم النار\"؟ قال: \"فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم\" قال: \"فيأتون فيعرفونهم بصورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذتم إلى كعبيه، فيخرجونهم، فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا\" قال: \"ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من إيمان، ثم من كان في وزن بصف دينار، حتى يقول: من كان في قلبه وزن ذرة\" قال أبو سعيد: فمن لم يصدق، فليقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\nأقول: الملاحظ أن الروايات التي مرت معنا وبعض الروايات التي ستمر معنا في هذه الفقرة تتحدث عن رؤية الله ﷿ في المحشر قبل دخول الجنة ورؤية الله ﷿ ثانية لأهل الإيمان في المحشر وفي الجنة، وفي حديث أبي سعيد تركيز على مواقف بعينها أما محل هذه المواقف بالنسبة لتسلسل الأحداث يوم القيامة فإنه يحتاج إلى استشراف لعامة النصوص. والظاهر من النصوص أن إدخال أهل النار النار وإدخال أهل الجنة الجنة أنه يكون بعد إقامة أنواع من الحجج ولكن كما ذكر ابن كثير في النهاية أن بعض الرواة يطوون ذكر بعض المشاهد ويركزون على بعض المشاهد، ردا على جاحد أو مبتدع وقد يكون هذا الطي من رسول الله ﷺ لتركيز معنى معين عند أصحابه في جلسة من الجلسات ثم يركز على معنى آخر في جلسة أخرى فقد كان من سنته ﵊ تركيز المعاني في الأنفس حتى إنه كان يكرر الكلمة ثلاثا لتعقل منه.\nوقد مرت معنا في رواية أبي سعيد كلمة يحسن أن نقف عندها لأنها تصادفنا كثيرًا وهي قوله عن الصراط: \"بلغني أن الجسر أدق من الشعر واحد من السيف\" فهذه العبارة حملها بعضهم على الحقيقة، والتحقيق آنها محمولة على المجاز كما مر معنا في العرض الإجمالي لأن نصوصًا أخرى تتحدث عن جنبتي الصراط وليس لحد السيف جانبان.\n_________\n(١) النساء: ٤٠.","vol":"3","page":1294},{"text":"١٢١٩ - * روى مسلم عن أبي الزبير ﵁ سمع جابرًا يسأل عن الورود؟ فقال نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا، انظر- أي ذلك فوق الناس- قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فنقول: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر أليك، فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم، ويتبعون، ويعطى كل إنسان منهم- منافق أو مؤمن- نورا ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنين، فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفا، لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء. ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفاء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء، حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل، ويذهب حراقه، ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها.\n١٢٢٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: \"يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء\" قال: \"وينزل الله ﷿ في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي مناد أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولى كل أناس منكم ما كانوا يعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلا من ربكم؟ قالوا بلى\" قال: \"فيطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويقولون في الدنيا\". قال: \"فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر والأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون\" قال: \"ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير، ويبقى محمد ﷺ وأمته\" قال:\n_________\n١٢١٩ - مسلم (١/ ١٧٧) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.\n١٢٢٠ - المعجم الكبير (٩/ ٤١٧).\nمجمع الزوائد: (١٠/ ٣٤٠) وقال: رواه كله الطبراني من طرق، ورجاله أحدهما رجال الصحيح، غير أبي خالد الدالاني وهو ثقه.\nقال الحافظ ابن حجر: أبو خالد الدالاني صدوق يخطئ كثيرًا وكان يدلس.\nأقول: وطيق الطبراني الأخرى حسنة السند متصلة والله أعلم.","vol":"3","page":1295},{"text":"\"فيتمثل الرب ﵎ فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كانطلاق الناس فيقولون: إن لنا لإلها ما رأيناه. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها\". قال: \"فيقول: ما هي فنقول: يكشف عن ساقه\" قال: \"فعند ذلك يكشف عن ساقه فيخر كل من كان نظره ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ومنهم من يعطى مثل النخلة بيده، ومنهم من يعطى أصغر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة فإذا أضاء قدم قدمه وإذا طفئ قام\". قال: \"والرب ﵎ أمامهم، حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف\" قال: \"فيقول: مروا فيمرون على قدر نورهم: منهم من يمر كطرفة العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس، ومنهم من يمر كشد الرحل حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه يجثو على وجهه ويدية ورجليه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها فقال: الحمد لله فقد أعطاني الله ما لم يعط أحدًا إذ نجاني منها بعد إذ رأيتها\". قال: \"فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلل الباب فيقول رب أدخلني الجنة فيقول الله: أتسأل الجنة وقد نجيتك من النار؟ فيقول: رب اجعل بيني وبينها حجابا لا أسمع حسيسها\" قال: \"فيدخل الجنة ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك كأن ما هو فيه إليه حلم فيقول: رب أعطني ذلك المنزل، فيقول له: لعلك إن أعطيتكه تسأل غيره، فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره، وأنى منزل أحسن منه، فيعطى فينزله. ويرى أمام ذلك منزلا كأن ما هو فيه إليه حلم، قال: رب أعطني ذلك المنزل، فيقول الله ﵎ له: فلعلك إن أعطيتكه تسأل","vol":"3","page":1296},{"text":"غيره فيقول وعزتك يا رب وأنى منزل يكون أحسن منه، فيعطاه وينزله ثم يسكت فيقول الله جل ذكره: مالك لا تسأل؟ فيقول: رب قد سألتك حتى قد استحييتك وأقسمت حتى استحييتك. فيقول الله جل ذكره: ألم ترض أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتنا إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه، فيقول: أتهزأ بي وأنت رب العزة؟ فيضحك الرب ﵎ من قوله\" قال: فرأيت عبدالله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، قد سمعتك تحدث هذا الحديث مرارا كلما بلغت المكان ضحكت، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يحدث هذا الحديث مرارا كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى يبدو أضراسه قال: \"فيقول الرب جل ذكره: لا ولكني على ذلك قادر، سل: فيقول: ألحقني بالناس، فيقول الحق بالناس\" قال: \"فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من الناس رفع له قصر من درة فيخر ساجدًا فيقال له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربي أو تراءى لي ربي فيقال له: إنما هو منزل من منازلك\" قال: \"ثم يلقى رجلا فيتهيأ للسجود له، فيقال له، مه. فيقول: رأيت أنك ملك من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازن من خزانك وعبد من عبيدك، تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه\" قال: \"فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر\" قال: \"وهو من درة مجوفة، سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة خضراء مبطنة كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوارء عيناء عليها سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضه ازدادت في عينه سبعين ضعفًا عما كانت قبل ذلك فيقول لها: والله لقد ازدادت في عينه سبعين ضعفًا عما كانت قبل ذلك فيقول لها: والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا وتقول له: وأنت ازددت في عيني سبعين ضعفًا، فيقال له: أشرف فيشرف. فيقال له: ملك ميسرة مائة عام ينفذه بصرك\" قال: فقال عمر ألا تسمع ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلًا فكيف أعلاهم؟ قال: يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. إن الله جل ذكره خلق دارًا جعل فيها ما شاء","vol":"3","page":1297},{"text":"من الأزواج والثمرات والأشربة ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قال كعب ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) قال: وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلفه، ثم قال: من كان كتابه غي عليين نزل في تلك الدار التي لم يرها أحد حتى أن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه فلا تبقى خيمة من خيم الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون لريحه، فيقولون: واها لهذا الريح، هذا ريح رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكه، قال: ويحك يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها. فقال كعب: إن لجهنم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا لركبتيه حتى إن إبراهيم خليل الله ليقول: رب نفسي نفسي. حتى لو كان لك عمل سبعين نبيًا إلى عملك لظننت أن لا تنجو. وفي رواية قال رسول الله ﷺ: \"يقوم الناس لرب العالمين ألف سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء\" قال: فذكر مثل حديث زيد بن أبي أنيسة.\nأقول:\nمن الملاحظ أنه قد ورد معنا في هذا النص تحديد للزمن الذي يسبق فصل الخطاب، فأول الرواية ذكرت أربعين سنة، وآخر النص ذكر رواية أخرى حددته بألف عام، ولمثل هذا كان للتحقيق من أهله محله في فهم النصوص، وفي جمع بعضها مع بعض وفي ترجيح الأخذ ببعضها، وبسبب من هذا وجد في كل علم أئمة هدى سلمت لهم الأمة فمع إيماننا بعدالة الصحابة جميعًا ومع ثقتنا بالعدول من الرواة فإن للوهم أو للخطأ محلًا في الرواية، ولذلك أحالنا القرآن في سياقه على الراسخين في العلم في كل ما تشابه من القرآن، وهو المنقول تواترًا والمحفوظ من الله ﷿ فكيف بما تشابه من نصوص السنة التي لم يوجد في كل نص منها تواتر بل وجد في بعضها تواتر لفظي أو معنوي وبعضها لم يوجد فيه تواتر أصلًا، ثم هي لم يدخل كل نص منها بالتحديد في دائرة الحفظ الإلهي، ومن هنا كان الرجوع في فهم غير القطعيات في الشريعة إلى فهوم الراسخين في العلم من أئمة الهدى هو الذي ينبغي أن\n_________\n(١) السجدة: ١٧.","vol":"3","page":1298},{"text":"يكون ملاذ المؤمن قال ﵊ في الحديث الصحيح: \"وبين ذلك امور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس\" ثم إن رسول الله ﷺ علمنا \"فرب مبلغ أوعى من سامع\"، وكما يكون هذا يكون العكس فرب مبلغ لا يعي أن يضع النصوص في مواضعها، ولا يحملها على محاملها الصحيحة ولا يعطيها محلها في مجموعة النصوص الواردة في الموضوع الواحد، ومن ههنا فإننا لا نعطي حق الإمامة في الدين والاجتهاد في الفهم إلا لمن توافرت فيه شروطه، ثم إن الصحابة أنفسهم قد يوجد عند بعضهم من العلم مالا يوجد عند الآخر مع أن الجميع لا يفوتهم قطعي في الشريعة ولا معلوم من الدين بالضرورة، ولكن قد يفوت بعضهم ما عند الآخر فإذا جمع ما عند الجميع وترك ما خالف فيه الثقة الثقات وما كان فيه عله تمنع الأخذ به استقام الأمر ويبقى القرآن هو الأصل والسنة شارحة له وكل ذلك يجعلنا نحتاج لتحقيقات الراسخين في العلم. وعلى كل الأحوال إذا فاتنا أن نعرف تحقيقات الراسخين في العلم فلا يفوتنا ونحن نقرأ نصوص السنة الثابتة التسليم، وإذا وجدنا تعارضا مع القطعيات المرجع، وإذا لم يكن هناك قطعيات فالتفويض لله والتصديق بما ورد على لسان رسول الله ﷺ- كما أراده رسول الله ﷺ- هو العاصم، كما لا يفوتنا في كل الأحوال ونحن نقرأ نصوص الكتاب والسنة أن يكون من جملة أهدافنا التأثر والجد والتشمير ليوم النشور، وهذا يتحقق في كل الأحوال سواء عرفنا تحقيق أهل التحقيق في الفهم الدقيق نتيجة الرسوخ في العلم والتدبر العميق أو لم نعرفه، ولنحذر أهل الشذوذ الذين يخالفون إجماع الراسخين في العلم ممن يسيئون الظن الهدى الذين أجمعت الأمة على إمامتهم.\n١٢٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في دعوة، فرفع إليه الذراع- وكانت تعجبه- فنهس منها نهسه وقال: \"أنا سيد الناس\n_________\n١٢٢١ - البخاري (٨/ ٢٩٥) ٦٥ - كتاب التفسير، ٥ - باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.\nوله طرف فيه: (٦/ ٣٧١) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٣ - باب قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾.\nمسلم (١/ ١٨٤) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.\nوالترمذي (٤/ ٦٢٢) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ١٠ - باب ما جاء في الشفاعة. وقال: حديث حسن صحيح.\n(فنهس): النهس: أخذ اللحم بمقدم الأسنان.","vol":"3","page":1299},{"text":"يوم القيامة هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والأخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فقال: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيت، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا وشكورًا، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا تشفع لنا عند ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله، ولن يغضب بعد مثله، وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت بني الله، وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، إما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعد مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات ... فذكرها نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: أنت رسول الله، فضلك برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغصب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى، إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي، نفسي، نفسي،","vol":"3","page":1300},{"text":"اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمدًا ﷺ \"وفي رواية \"فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، إلا ترى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع راسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب\" ثم قال \"والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر- أو كما بين مكة وب صرى\" وفي كتاب البخاري: \"كما بين مكة وحمير\".\nأقول: مر معنا أن رسولنا ﷺ ثلاث شفاعات كلها تدخل تحت مسمى المقام المحمود سوى شفاعاته الأخرى: شفاعة لفصل الخطاب، وشفاعة لعبور الصراط، وشفاعة لدخول الجنة، وكل هذه الشفاعات تكون بعد أن يلجأ الناس إلى بعض الأنبياء فيحيل كل منهم على آخر حتى يصل الأمر إلى رسولنا ﵊، وكثيرًا ما تتشابه النصوص فلا يعرف القارئ أي شفاعة من هذه الشفاعات يراد بنص من نصوص الشفاعة العظمى، ولا يكلف المسلم أن يعرف كيف يحمل كل نص من هذه النصوص على مقام بعينه بل يخشى عليه من الخطأ فيكفيه أن يعرف أصل المسألة مع التسليم والتفويض والجد والتشمير. وبمناسبة هذا الحديث الذي مر معنا نقول: إن العلماء يخشون أن يفهم فاهم من هذا الحديث وامثاله ما يتنافى مع عصمة الأنبياء وهي قضية مجمع عليها عند أهل السنة والجماعة فما يرد من ذكر المعاصي في حق الأنبياء محمول على أنها كانت قبل النبوة قال فرعون لموسى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ (١). أي قتله القبطي فقال موسى ﵇ ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٢) ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) أو هي محمولة على أنها من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو أنها محمولة على اجتهاد مأذون لهم فيه فلم\n_________\n(١) الشعراء: ١١.\n(٢) الشعراء: ٢٠.\n(٣) الشعراء: ٢١.","vol":"3","page":1301},{"text":"يصلوا باجتهادهم إلى ما هو الصواب عند الله فلهم أجر واحد وهذا ليس معصية، وحتى بالنسبة للخطأ في الاجتهاد هم معصومون مآلا لأن الله يصحح لهم، وعلى هذا فما خلقه لنا رسول الله ﷺ معصوم قطعًا عن الخطأ وغيره، لأنه إن حدث خطأ في الاجتهاد فإنهم يكونون مأجورين فيه ثم يصحح لهم، فالعصمة بالنسبة للمعاصي ثابتة لهم ابتداء وانتهاء، والعصمة بالنسبة للاجتهاد ثابتة لهم انتهاء، وعلى هذا فإنه يجب أن كل ما ورثناه عن رسولنا مما هو من سننه فعلا فإنه معصوم ولكن الرواة غير معصومين، ومن ههنا وجد التحقيق والمحققون والاجتهاد والمجتهدون والرواية والمحدثون والجرح والتعديل إلى غير ذلك مما تحتاجه خدمة الشرعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>تعليق وتأكيد:</span>\n- ذكر في هذه الأحاديث الجامعة مشاهد من الموقف ما يكون بعده، واختصرت فيها مواقف، فلم تذكر أخذ الصحف والحساب والورود على الحوض، ذلك أن رسول الله ﷺ كان من سنته أن يجمع بين تبشير وإنذار، ومن ههنا كان يذكر مشهدًا من مشاهد الإنذار ثم يسارع إلى ذكر مشهد من مشاهد التبشير وقد يطوي أشياء تحدث بين المشاهد ليفصلها في مقام آخر.\n- رأينا في بعض النصوص أن بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام يعتذرون عن أفعال فعلوها أو فعلتها أقوامهم وقد يتوهم متوهم أنهم يعتذرون عن ذنوب تنقض مبدأ العصمة للرسل ﵊ وهذا وهم خاطئ؛ فالرسل معصومون منه إنما يعتذرون منه لا لأنه ذنب بل لأنهم يعرفون من جلال الله ما يقتضي منهم كثرة الخوف من أفعال هم مأجورون عليها لأنهم فعلوها باجتهاد أو ترخصوا بها في موقف يجوز فيه الترخص، أوهي من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين كما ذكرنا.\n* * *","vol":"3","page":1302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>الفقرة السادسة\nفي\nالحوض</span>\n- أحاديث الحوض بلغت مبلغ التواتر ولذلك يكفر منكر الحوض.\n- ولكل رسول من الرسل حوضه الذي يرد عليه أمته، وحوض رسولنا ﷺ هو أكثرهم واردًا.\n- واختلف العلماء في مكان الحوض هل هو قبل الصراط أو بعده، والراجح أنه قبل الصراط فالناس يعطشون في الموقف. والنصوص تذكر أنه عن الحوض أقوام لكفرهم وردتهم ونفاقهم، والصراط لا يجاوزه إلا أهل الإيمان.\n- الثابت أن رسول الله ﷺ تعرض عليه أعمال أمته، وبعض أحاديث الحوض يذكر أنه ﵊ يرد عليه بعض أمته، فتحول الملائكة بينهم وبين الحوض، وأن رسول الله رسول الله صلى الله عليه يتساءل عن سبب ذلك فيخبر أن هؤلاء قد ارتدوا، فهو إذن يجهل ردتهم مما يشير إلى آنه ﵊ تعرض عليه أعمال آهل الإيمان ولا تعرض عليه أعمال أهل الكفر.\n- وحوض رسولنا ﵊ يأتي ماؤه من نهر الكوثر، ونهر الكوثر في الجنة، فمن فضل الله وكرمه أن يخرج من كوثر الجنة ما يصب بالحوض.\n- والشرب من الحوض يحمي من الظمأ أبدًا فمن شرب منه لا يظمأ بعده وإنما يشرب بعد ذلك تلذذًا.\nقال الشيخ اديب الكيلاني:\nقال ملا علي القاري: حديث الحوض رواه من الصحابة بضع وثلاثون وكاد أن يكون متواترًا وقال الدكتور البوطي: الأحاديث الواردة في شأن الحوض ووصفه كثيرة جدًا زات عن حد التواتر. أه. في تعليقه على (شرح جوهرة التوحيد).\nأقول: ومع أن أحاديث الحوض بلغت مبلغ التواتر إلا أن بعض أهل السنة والجماعة لا","vol":"3","page":1303},{"text":"حكم بكفر منكرها بل يحكم بفسوقه أو ضلاله، وقد لحظنا عبارة ملا علي القاري إذ قال \"وكاد أن يكون متواترًا فهناك خلاف حوال التواتر.\n- والنصوص الواردة في الحوض تجدها في أكثر من سياق فهي تذكر مثلًا في الضوء، وتذكر في باب الردة، وهذه بعض نصوص في الحوض:","vol":"3","page":1304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>النصوص</span>\n١٢٢٢ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما آنية الحوض؟ قال: \"والذي نفس محمد بيده، لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة، من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل\".\nأقول: قوله ﵇: \"لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المصحية\" إشارة إلي أن عدد نجوم السماء كلها أكثر من آنية الحوض، ولكن آنية الحوض أكثر من النجوم المنظورة في الليلة المظلمة المصحية. وفي هذا التعبير معجزة عظمى فلم تنكشف كثرة نجوم هذا الكون إلا في عصرنا. وعلى هذا الحديث تحمل النصوص التي تطلق أن عدد كيزانه كنجوم السماء.\n١٢٢٣ - * روى أبو داود عن عبد السلام بن أبي حازم أبي طالوت قال: شهدت أبا برزة ﵁ دخل على عبيد الله بن زياد، فحدثني فلان سماه مسلم- يعني ابن إبراهيم- وكان في السماط، فلما رآه عبيد الله، قال: إن محمد يكم هذا لدحداح، ففهمها الشيخ، فقال: ما كنت أحسب أن أبقى في قوم يعير ونني بصحبة محمد ﷺ، فقال له عبيد الله: إن صحبة محمد ﷺ لكم زين غير شين، ثم قال: إنما بعثت إليك لأسألك عن الحوض، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر فيه شيئًا؟ قال أبو برزة نعم، ولا مرتين، ولا ثلاثا، ولا أربعا، ولا خمسا، فمن كذب فلا سقاه الله منه، ثم خرج مغضبًا.\n_________\n١٢٢٢ - مسلم (٤/ ١٧٩٨) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\nوالترمذي (٤/ ٦٣٠) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ١٥ - باب ما جاء في صفة أواني الحوض، وقال: حديث حسن صحيح غريب. وليس عنده: \"يشخب فيه ميزانان في الجنة\".\n(يشخب): شخب ويشخب شخبا: سال وجرى كما يجري الميزاب.\n١٢٢٣ - أبو داود (٤/ ٢٣٨) كتاب السنة، باب في الحوض، وإسناده صحيح.\n(السماط): الصف من الناس. (الدحداح): القصير.","vol":"3","page":1305},{"text":"١٢٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، قال نبي الله ﷺ: \"يرى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نحوم السماء\".\n١٢٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحة أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منه لا يظمأ أبدًا\".\nوفي رواية (١) \"مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق ... \" وذكر نحوه.\n١٢٢٦ - * روى مسام عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن حوضي لأبعد من أيلة من عدن، والذي نفسي بيده: إني لأذود عنه الرجال، كما يذود الرجال الإبل الغريبة عن حوضه\"، قالوا: يا رسول الله وتعرفنا؟ قال: \"نعم، يردون على غرا محجلين من آثار الوضوء، ليست لأحد غيركم\".\nأقول: وصف هنا بعد الحوض كما بين أيله وعدن وفي حديث سابق ما بين عمان وأيله، وأيله تقع في نهاية البحر الأحمر نحو الشمال على خليج العقبة، والمسافتان بين عدن وبينها أو بين عمان وبينها متقاربة وقد يكون المخاطبون بمسافة من المسافات يعرفون هذه أكثر من غيرها.\n_________\n١٢٢٤ - البخاري (١١/ ٤٦٣) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض، وقوله الله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.\nمسلم (٤/ ١٨٠١) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\nوالترمذي (٤/ ٦٢٨) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ١٤ - باب ما جاء في صفة الحوض.\nوقال: حديث حسن صحيح غريب.\nوابن ماجة (٢/ ١٤٣٩) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٦ - باب ذكر الحوض. وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ واللفظ له.\n١٢٢٥ - البخاري (١١/ ٤٦٣) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض، وقوله الله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.\nمسلم (٤/ ١٨٠١) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n(١) مسلم (٤/ ١٧٩٣) الموضع السابق.\n(الورق): الفضة.\n١٢٢٦ - مسلم (١/ ٢١٧) ٢ - كتاب الطهارة، ١٢ - باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الضوء.","vol":"3","page":1306},{"text":"١٢٢٧ - * روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده: لأذودن رجالا عن حوضي، كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض\".\n١٢٢٨ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه: \"إني على الحوض انظر من يرد على منكم، فو الله ليقتطعن دوني رجال، فلأ قولن: أي رب، مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، مازالوا يرجعون على أعقابهم\".\n١٢٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أنا فرطكم على الحوض\".\n١٢٣٠ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا إني فرط لكم على الحوض، وإن بعد ما بين طرفيه: كما بين صنعاء وأيله، كأن الأباريق فيه النجوم\".\n١٢٣١ - * روى ابن ماجه عن الصنابح الأحمسي قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا إني فرطكم على الحوض وإني مكاثر بكم الأمم فلا تقتلن بعدي\".\n_________\n١٢٢٧ - (البخاري) (٥/ ٤٣) ٤٢ - كتاب المساقات، ١٠ - باب من رأي أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه.\nمسلم (٤/ ١٨٠١) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n١٢٢٨ - مسلم (٤/ ١٨٠١) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n(ليقتطعن): الاقتطاع: أخذ طائفة من الشيء، تقول: اقتطعت طائفة من أصحابه إذا أخذتهم دونه.\n١٢٢٩ - البخاري (١١/ ٤٦٣) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض، وقوله الله: (إنا أعطيناك الكوثر).\nمسلم (٤/ ١٨٠١) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n١٢٣٠ - مسلم (٤/ ١٨٠١) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n(الفرط): المتقدم على القوم الواردين الماء.\n١٢٣١ - ابن ماجة (٢/ ١٣٠٠) ٣٩ - كتاب الفتن، ٥ - باب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض\nوفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1307},{"text":"١٢٣٢ - * روى البزار عن أنس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يا معشر الأنصار موعدكم حوضي\".\n١٢٣٣ - * روى أبو داود عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فنزلنا منزلا، فقال: \"ما أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يرد علي الحوض\"، قيل: كم كنتم يومئذ؟ قال: \"سبعمائة أو ثمانمائة\".\n١٢٣٤ - * روى مسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم\"، فسئل عن عرضه؟ فقال: \"من مقامي إلى عمان\"، وسئل عن شرابه؟ فقال: \"أشد بياض من اللبن، وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق\".\nأقول: ذكر النووي أن المسافات التي وصفت الحوض يدخل فيها القليل تحت الكثير.\nأقول: والمراد أن يعرف السامع سعة حجمه، على أن راوية مسلم عن ثوبان التي تذكر مسافة أقل يرويها الترمذي في الرواية اللاحقة فيذكر نفس المسافة التي وردت في أحاديث أخرى.\n_________\n١٢٣٢ - كشف الأستار (٤/ ١٧٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٦١).\nوقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٣٣ - أبو داود (٤/ ٢٣٧) كتاب السنة، باب في الحوض. وإسناده صحيح.\n١٢٣٤ - مسلم (٤/ ١٨٠١) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n(بعقر حوضي أذود: عقر الحوض: مؤخره، وقوله: \"لأهل اليمن\" أي: لأجل أن يرد أهل اليمن، والذود: الطرد والدفع.\n(يرفض): يتفرق، وارفض الدمع: إذا جرى متفرقا مترششا، والمراد حتى يسيل عليهم ماء الحوض.\n(يغت): غت الماء يغت: إذا جرى جريا له صوت، وقيل: يدفق الماء فيه دفقًا متتابعًا.","vol":"3","page":1308},{"text":"وفي رواية الترمذي (١)، عن أبي سلام الحبشي ممطور، قال: بعث إلى عمر بن عبد العزيز، فحملت على البريد، فلما دخلت إليه، قلت: يا أمير المؤمنين، لقد شق علي مركبي البريد، فقال: يا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك، ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان عن رسول الله ﷺ في الحوض، فأحببت أن تشافهني به، فقلت: حدثني ثوبان: أن رسول الله ﷺ قال: \"حوضي مثل ما بين عدن إلى عمان البقاء؛ ماؤه أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس ورودًا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسًا، الدنس ثيابًا، الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد، لا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ.\nأقول: وعمان البلقاء هي عمان الأردن التي هي عاصمة المملكة الهاشمية الأردنية في عصرنا، ورغبة عمر في سماع الحديث مشافهة أصل كبير من الأصول التي كان يحرص عليها السلف الصالح، فقد كانوا حريصين على التلقي المباشر ولذلك آثار في التربية القلبية والروحية والسلوكية، فالتلقي من أهل الأنوار، والتلقي من أهل العلم العاملين يعطي طالب العلم سمتا وأدبا وتواضعًا.\n١٢٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال: حوضه: \"ما بين صنعاء والمدينة\"، فقال المستورد: ألم تسمه قال: الأواني؟ قال: لا، قال المستورد: ترى فيه الآنية مثل الكوكب.\n_________\n(١) والترمذي (٤/ ٦٢٩) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ١٤ - باب ما جاء في صفة أواني الحوض.\nوقال: حديث غريب. وهو حديث حسن.\n(البريد): خيل البريد: هي المرصدة في الطريق لحمل الأخبار من البلاد.\n١٢٣٥ - البخاري (١١/ ٤٦٥) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض، وقوله الله: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ).\nمسلم (٤/ ١٧٩٧) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.","vol":"3","page":1309},{"text":"أقول: المسافة الواردة في هذه الرواية وبعض الروايات اللاحقة ورواية مسلم السابقة أقل من المسافة التي ذكرتها روايات أخرى، وقد يكون في ذلك إشارة إلى تناقض حجم الحوض لكثرة الشاربين، فهي تصفه في مرحلة من المراحل أو أن القليل يدخل في الكثير كما ذكر النووي فقال:\nقال القاضي عياض: وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجبا للاضطراب، فإنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعة من الصحابة سمعوها في مواطن مختلفة ضربها النبي ﷺ في كل واحد منها مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته وقرب ذلك من الأفهام لبعد ما بين البلاد المذكورة لا على التقدير الموضوع للتحديد بل للإعلام بعظم هذه المسافة، فبهذا تجمع الروايات. هذا كلام القاضي. قلت: [أي النووي] ليس في القليل من هذه منع الكثير، والكثير على ظاهر الحديث ولا معارضة والله أعلم أهـ.\n١٢٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أمامكم حوضي، ما بين جنبيه كما بين جربا وأذرح\" قال بعض الرواة: هما قريتان بالشام، بينهما مسيرة ثلاث ليال.\nوفي رواية (٢): \"وفيه أباريق كنجوم السماء، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا.\n١٢٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ما بين ناحيتي حوضي، كما بين صنعاء والمدينة.\n_________\n١٢٣٦ - البخاري (١١/ ٤٦٣) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض.\nمسلم (٤/ ١٧٩٨) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\nوأبو داود (٤/ ٢٣٧) كتاب السنة، باب في الحوض.\n(١) مسلم (٤/ ١٧٩٨) الموضع السابق.\n١٢٣٧ - البخاري (١١/ ٤٦٥) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض، وقوله الله: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ).\nمسلم (٤/ ١٧٩٧) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.","vol":"3","page":1310},{"text":"وفي رواية (١): \"مثل ما بين المدينة وعمان\".\nوفي أخرى (٢): \"ما بين لابتي حوضي\".\nوفي أخرى (٣) قال: \"يرى فيه أباريق الذهب والفضة، كعدد نجوم السماء\".\nوفي أخرى (٤) مثله، وزاد: \"أو أكثر من عدد نجوم السماء\".\nوفي أخرى (٥) قال: \"إن قدر حوضي كما بين أليه وصنعاء اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء\".\n١٢٣٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن انس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"صنفان من أمتي لا يردان الحوض، ولا يدخلان الجنة: القدرية والمرجئة\".\n١٢٣٩ - * روى الطبراني عن العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: \"لتزدحمن هذه الأمة على الحوض ازدحام الإبل وردت لخمس\".\n١٢٤٠ - * روى أحمد عن خولة بنت حكيم قالت: قلت: يا رسول الله إن لك حوضًا؟ قال: \"نعم. وأحب على من يرده قومك\" ...\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٨٠١) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n(٢) مسلم (٤/ ١٨٠١) الموضع السابق.\n(لابتي حوضي): اللابة. الحرة، وأراد بها ههنا: الجانب.\n(٣) مسلم (٤/ ١٨٠١) الموضع السابق.\n(٤) مسلم (٤/ ١٨٠١) الموضع السابق.\n(٥) مسلم (٤/ ١٨٠١) الموضع السابق.\n١٢٣٨ - مجمع الزوائد: (٧/ ٢٠٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة. قال في التقريب: لا بأس به.\n١٢٣٩ - المعجم الكبير (١٨/ ٢٥٣).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٥) وقال: رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما حسن.\n(وردت لخمس): وردت على الماء بعد عطش خمس ليالي\n١٢٤٠ - أحمد (٦/ ٤١٠)\nوالمعجم الكبير (٢٤/ ٢٣٣). =","vol":"3","page":1311},{"text":"١٢٤١ - * روى أحمد عن يحنش بن عبد الله أن حمزة بن عبد المطلب لما قدم المدينة تزوج خولة بنت قيس بن فهد الأنصارية من بني النجار، قال: وكان رسول الله ﷺ يزور حمزة في بيتها، وكانت تحدث عنه أحاديث، قالت: فأتانا رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله: إنه بلغني عنك أنك تحدث أن لك يوم القيامة حوضًا ما بين كذا إلى كذا، قال: \"نعم وأحب الناس علي أن يروى منه قومك\" قال: فقدمت إليه برمة فيها حريرة، فوضع رسول الله ﷺ يده في البرمة ليأكل فأحرقت أصابعه فقال: \"حس\" ثم قال: \"ابن آدم إن أصابه البرد قال حس وإن أصابه الحر قال حس\".\n١٢٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إلي، اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب، أصحابي، أصحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك\".\nوفي رواية (١) \"ليردن علي ناس من أمتي ... \" الحديث، وفي آخره: \"فأقول: سحقًا لمن بدل بعدي\".\n_________\n= مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦١). وقال: رواه أحمد والطبراني وقال: هكذا رواه أبو خالد الأحمر عن خولة بنت حكيم، وقال الناس: عن خولة بنت قيس، ورجالها رجال الصحيح.\n١٢٤١ - أحمد (٦/ ٤١٠).\nوالمعجم الكبير (٢٤/ ٢٣١). مختصرًا.\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٦١). وقال: رواه أحمد ورواه الطبراني باختصار. وقال: \"وأحب الناس إلى أو من أحب الناس إلى، أن يرده\"، وقال فيه: فقدمت إليه العصيدة. ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(البرمة): القدر مطلقا وجمعها برام.\n(الحريرة): الحسا المطبوخ من الدقيق والدسم والماء.\n(حس): كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما أقتضه أو أحرقه غفلة.\n١٢٤٢ - البخاري (١١/ ٤٦٤) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في حوض وقوله الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.\nمسلم (٤/ ١٨٠٠) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n(١) البخاري (١١/ ٤٦٤) موضع سابق.\nومسلم (٤/ ١٧٩٣) كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.","vol":"3","page":1312},{"text":"١٢٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلى رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ \".\n١٢٤٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي حازم ﵀ عم سهل بن سعد ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن على أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم\"، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلا يقول؟ فقلت: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي\".\n١٢٤٥ - * روى مالك عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ أنه أتى المقبرة فسلم على المقبرة فقال: \"السلام عليكم، دار قوم مؤمنين! وإنا، إن شاء الله تعالى، بكم لاحقون\" ثم قال: \"لوددنا أنا قد رأينا إخواننا\" قالوا: يا رسول الله! أولسنا إخوانك؟ قال: \"أنتم أصحابي. وإخواني الذين يأتون من بعدي. وأنا فرطكم على الحوض\" قالوا: يا رسول الله! كيف تعرف من لم يأت من أمتك؟ قال:\n_________\n١٢٤٣ - البخاري (١٣/ ٣) ٩٢ - كتاب الفتن، ١ - باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا .....﴾.\nمسلم (٤/ ١٧٩٦) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n(اختلجوا): أي استلبوا، وأخذوا بسرعة.\n١٢٤٤ - البخاري (١٣/ ٣) ٩٢ - كتاب الفتن، ١ - باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا ..﴾.\nمسلم (٤/ ١٧٩٣) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.\n١٢٤٥ - الموطأ (١/ ٢٨) ٢ - كتاب الطهارة، ٦ - باب جامع الوضوء.\nوابن ماجه (٢/ ١٤٣٩) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٦ - باب ذكر الحوض.\nومسلم بنحوه (١/ ٢١٨) ٢ - كتاب الطهارة، ١٢ - باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء. =","vol":"3","page":1313},{"text":"\"أرأيتم لو أن رجلًا له خيل غُر محجلة بين ظهراني خيل دهم بهم، ألم يكن يعرفها؟ \" قالوا: بلى. قال: \"فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين، من أثر الوضوء\" قال: \"أنا فرطكم على الحوض\" ثم قال: \"ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. فأناديهم: ألا هلموا! فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم، فأقول: ألا سحقًا! سحقًا! \".\nأقول: الروايات التي تذكر أن هناك أناسا يردون عن الحوض متعددة يمكن أن يحمل بعضها على أمة الدعوة دون إشكال، إلا أن بعضها مما ذكر لفظ الأصحاب، استغله بعض المبتدعة فشككوا في الصحابة رضوان الله عليهم، والأمر لا يحتمل ما ذهبوا إليه، وقد ناقش ابن حجر العسقلاني مناقشة مطولة فيما قيل، وجميع الروايات الواردة في هذه الشؤون.\nوأبسط ما يقال في هذا الشأن إن المراد بالأصحاب في الحديث هم بعض من مات رسول الله ﷺ وقد دخلوا في الإسلام ثم ارتدوا وحاربهم أبو بكر وماتوا على الردة، أو بعض من الذين تظاهروا بالإسلام وهو منافقون. ومما قاله ابن حجر:\nقال الفربري: ذكر عن أبي عبد الله البخاري عن قبيصة قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر، يعني حتى قتلوا وماتوا على الكفر. وقد وصله الإسماعيلي من وجه آخر عن قبيصة. وقال الخطابي: لم يريد من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين. ويدل قوله \"أصحابي\" بالتصغير على قلة عددهم. أهـ (فتح الباري).\n_________\n= (دهم): جمع أدهم، والدهمة السواد.\n(بهم): جمع بهيم: هو الأسود أيضًا، وقيل: الذي لا يخالطه لونه لون سواه، سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر، بل يكون لونه خالصًا.","vol":"3","page":1314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>فوائد</span>\nقال ابن كثير في النهاية:\nإن قال قائل: فهل يكون الحوض قبل الجواز على الصراط أو بعده؟ قلت: إن ظاهر ما تقدم من الأحاديث يقتضى كونه فبل الصراط، لأنه يذاد عنه أقوال يقال عنهم إنهم لم يزالوا يريدون على أعقابهم منذ فارقتهم، فإن كان هؤلاء كفارًا عصاة فهم من المسلمين فيبعد حجبهم عن الحوض لا سيما وعليهم سيما الضوء، وقد قال ﷺ:\n\"أعرفكم غرًا محجلين من آثار الضوء\".\nثم من جاوز لا يكون ناجيا مسلما فمثل هذا لا يحجب عن الحوض فالأشبه والله أعلم أن الحوض قبل الصراط.\nوإذا كان الظاهر كونه قبل الصراط، فهل يكون ذلك قبل وضع الكرسي للفصل؟ أو بعد ذلك؟ هذا مما يحتمل كلا من الأمرين؟ ولم أر في ذلك شيئًا فاصلًا، فالله أعلم أي ذلك يكون.\nوقال العلامة أبو عبد الله القطبي في التذكر أيضا: واختلف في كون الحوض قبل الميزان، قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل، قال القرطبي: والمعنى يقتضيه، فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم كما تقدم، فيقدم على الميزان والصراط، قال أبو حامد الغزالي في كتاب علم كشف الآخرة: حكى بعض السلف من أهل الصنيف: أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله. قال القرطبي: هو كما قال، ثم أورد حديث منع المرتدين على اعقابهم القهقرى عنه. ثم قال: وهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط، لأن الصراط من جاز عليه سلم .. أهـ (النهاية في الفتن والملاحم).\n* * *","vol":"3","page":1315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>الفقرة السابعة\nفي:\nالحساب والميزان\nعرض إجمالي</span>\n- مر معنا أنه في الوقف يحشر الناس ويجمعون مصطفين وينتظرون ثم تكون الشفاعة لفصل القضاء، ثم يعرض الناس على ربهم عرضة يكون فيها جدال واعتذارات وتنصلات وأسئلة وإجابات، ثم تكون عرضة أخرى وتكون بها إقامة حجة، فتشهد الرسل وتشهد هذه الأمة وتشهد الأرض وتقوم الحجة على الخلق، ثم تطير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله وآخذ وراء ظهره، ويكون في هذه المرحلة أو قبلها شرب من الحوض.\n- ثم يكون الحساب والميزان فيسأل عما كلف به، يسأل عن سمعه وعن بصره وعن فؤاده: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١).\nويسأل عما استرعاه الله، ويسأل عن العمر والعلم والمال والجسم والشباب ويسأل عن النعيم: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٢). ويسأل عن الآلاء والنعم، ويحاسب على أعماله ما أراد بها فيسأله عن النيات والإخلاص: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، ويحاسب الإنسان على أعمال الظاهر والباطن وخطايا الظاهر والباطن ويحاسب على أمراض القلوب: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).\n﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا\n_________\n(١) الإسراء: ٣٦.\n(٢) التكاثر: ٨.\n(٣) هود: ١٥ - ١٦.\n(٤) البقرة: ٢٨٤.","vol":"3","page":1316},{"text":"وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (١). وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة، وأول ما يحاسب عليه من حقوق العباد الدماء، ومن أشد ما يحاسب عليه العبد الزكاة والعقوبة عليها تبدأ عند الموت وتستمر في القبر وتكون في الحشر والموقف ويحتسب عليها.\n- وشهادات يوم القيامة كثيرة والشهداء كثر: فهناك شهادة الأنبياء وشهادة الملائكة وشهادة الجوارح وشهادة العباد بعضهم على بعض، وشهادة الأرض وكل من هؤلاء يؤدي شهادته في الوقت المناسب يوم القيامة:\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٢).\n﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٣).\n﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).\n﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥).\n﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٦).\n﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٧).\n- وسيجد الكلفون أن الأمو ر مضبوطة في غاية الضبط فكتاب عام محصى فيه كل شيء، وكتاب خاص لكل مكلف على حدة:\n﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨).\n_________\n(١) آل عمران: ٣٠.\n(٢) النحل: ٨٩.\n(٣) ق: ٢١.\n(٤) النور: ٢٤.\n(٥) يس: ٦٥.\n(٦) فصلت: ٢١.\n(٧) الزلزلة: ١ - ٨.\n(٨) الجاثية: ٢٩.","vol":"3","page":1317},{"text":"﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١).\n﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (٢).\n﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (٣).\n﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٤).\n﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ (٥).\n﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٦).\nوالنصوص القرآنية في الحساب والميزان وما يتعلق بذلك كثيرة، منها:\n﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) (٧).\n﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٨).\n﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ (٩).\n﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (١٠).\n_________\n(١) المؤمنون: ٦٣.\n(٢) القمر: ٥٣.\n(٣) القمر: ٥٢.\n(٤) الإسراء: ١٣، ١٤.\n(٥) التكوير: ١٠.\n(٦) الكهف: ٤٩.\n(٧) الإسراء: ١٣.\n(٨) الحاقة: ٢٥ - ٣٤.\n(٩) الانشقاق: ٧ - ١٢.\n(١٠) الأنبياء: ٤٧.","vol":"3","page":1318},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (١).\n﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (٢).\n﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣)، ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ (٤).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥).\n﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٦).\n﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (٧).\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٨).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٩).\n﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١٠).\n﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (١١).\n﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (١٢).\n_________\n(١) ص: ٢٦.\n(٢) الغاشية: ٢٥، ٢٦.\n(٣) الرعد: ٤١.\n(٤) الرعد: ٢١.\n(٥) النساء: ٤٠.\n(٦) الأنبياء: ٤٧.\n(٧) القارعة: ٦ - ١١.\n(٨) الزمر: ٣١.\n(٩) النمل: ٧٨.\n(١٠) آل عمران: ٥٥.\n(١١) النبأ: ١٧.\n(١٢) الزمر: ٦٩ - ٧٠.","vol":"3","page":1319},{"text":"﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).\n- وحقوق العباد يشدد فيها أكثر مما يشدد في حقوق الله إلا حق التوحيد ومع شدة الهول يوم القيامة فإن الله ﷿ خلق مائة رحمة تسعا وتسعين منها أخرها إلى يوم القيامة، ولعل المسلم يخرج من قراءة النصوص الواردة في هذه الفقرة بنية جازمة ألا يظلم أحدًا، وأن يقوم بحقوق الله وحقوق التكليف كاملة ويسعى ليكون من الذين لا حساب عليهم، وقد استقرأ بعضهم النصوص التي وعد أهلها بألا يحاسبوا فذكر من أهل ذلك أنهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، ومن ذلك قوام الليل وقراء القرآن والمخلصون والمؤذنون والدعاة إلى الله ومن قام بحق الله وحق العباد والعلماء العاملون والشهداء والعافون عن الناس والحمادون الله على كل حال.\nوقد مر معنا من قبل كلام ابن كثير في النهاية أن الحساب يكون قبل الميزان غير أنه من الصعب التمييز بين مجموع النصوص الواردة في الحساب والميزان أيها يكون في الحساب وأيها يكون عند الميزان، وإن كان بعضها واضحًا أنه في الحساب أو أنه في الميزان، ولذلك دمجنا الكلام عن هذين الموضوعين في فقرة واحدة، ولا يدخل في دائرة التكليف أن يعرف المسلم على ما يحمل عليه كل نص مما ورد في الحساب والميزان إلا إذا كان قطعي الثبوت وقطعي الدلالة والمهم بالنسبة للمسلم أن يؤمن بالحساب والميزان وأن يسلم بالنصوص الواردة في ذلك وأن تحمله النصوص الواردة في ذلك على تحرير الاعتقاد وإحسان العمل والبعد عن كل ما يسخط الله ﷿ مما يشتد بسببه الحساب أو يخف بسببه الميزان.\n_________\n(١) المجادلة: ٦.","vol":"3","page":1320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>النصوص</span>\n١٢٤٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو شيء منه، فليتحلله منه اليوم، من قبل أن لا تكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه\".\nوفي رواية (١) الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ: \"رحم الله عبدًا كانت لأخيه عنده مظلمة ... \" الحديث.\n١٢٤٧ - * روى البزار عن ابن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نوقش الحساب هلك\".\n١٢٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبن أبي مليكة، قال: إن عائشة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وإن النبي ﷺ قال: \"من نوقش الحساب عذب\"، فقالت: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]؟ فقال: \"إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك\".\nوفي رواية (٢) \"وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب\".\nوفي أخرى (٣) قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ليس أحد يحاسب إلا هلك\".\n_________\n١٢٤٦ - البخاري (٥/ ١٠١) ٤٦ - كتاب المظالم، ١٠ - باب من كانت له مظلمة عند الرجل .. إلخ.\n(١) الترمذي (٤/ ٦٩٣) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٢ - باب ما جاء في شأن الحساب القصاص.\n١٢٤٧ - كشف الأستار (٤/ ١٥٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٠)، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال البزار والكبير رجال الصحيح، وكذلك رجال الأوسط غير عمرو بن أب عاصم النبيل، وهو ثقة.\n١٢٤٨ - البخاري (١١/ ٤٠٠) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٩ - باب من نوقش الحساب عذب.\nمسلم (٤/ ٢٢٠٤) ٥١ - كتاب الجنة، ١٨ - باب إثبات الحساب.\n(٢) البخاري (١١/ ٤٠٠) موضع سابق\n(٣) البخاري (٨/ ٦٩٧) ٦٥ - كتاب التفسير، سورة الانشقاق ١ - باب (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا). =","vol":"3","page":1321},{"text":"قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداك، أليس الله تعالى يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: \"ذلك العرض تعرضون، ومن نوقش الحساب هلك\".\n١٢٤٩ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"من حوسب عذب\". وهو حديث حسن يشهد له الذي قبله.\n١٢٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما ابن عمر ﵁ يطوف، إذ عرض له رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أخبرني ما سمعت من رسول الله ﷺ في النجوى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يدنى المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: أعرف رب، أعرف -مرتين- فيقول: سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الآخرون- أو الكفار، أو المنافقون- فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين\".\n١٢٥١ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: جاء رجل، فقعد بين يدي رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم: كان كفافًا، لا لك، ولا عليك، وإن كانعقابك إياهم دون ذنوبهم،\n_________\n(١) (نوقش): المناقشة في الحساب: تحقيقه وتدقيقه، والاستقصاء فيه.\n١٢٤٩ - الترمذي (٤/ ٦١٧) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٥ - باب منه (أي العرض). وقال: حديث صحيح حسن.\n١٢٥٠ - البخاري (٨/ ٣٥٣) ٦٥ - كتاب التفسير، سورة هود، ٤ - باب ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ ...﴾.\nمسلم (٤/ ٢١٢٠) ٤٩ - كتاب التوبة ٨٢ - باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله.\n(النجوى): في الأصل: السر، والمراد به: مناجاه الله تعالى للعبد يوم القيامة، وسياق الحديث يدل عليه.\n(كنفه): يقال: أنا في كنف فلان، أي: في ظله وجانبه.\n١٢٥١ - الترمذي (٥/ ٣٢٠) ٤٨ - كتاب التفسير القرآن، ٣٢ - باب ومن سورة الأنبياء ﵈.\nوقال: حديث غريب. وهو حديث حسن.","vol":"3","page":1322},{"text":"كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل\" فتنحى الرجل وجعل يهتف ويبكي، فقال له رسول الله ﷺ: \"أما تقرأ قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (١) \" فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء ولهؤلاء شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدك أنهم كلهم أحرار.\n١٢٥٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يومًا: \"أتدرون ما المفلس؟ \" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: \"إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عيله، ثم يطرح في النار\".\n١٢٥٣ - * روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟ \".\n١٢٥٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه، حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيا أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ \".\n_________\n(١) الأنبياء: ٤٧.\n١٢٥٢ - مسلم (٤/ ١٩٩٧) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ١٥ - باب تحريم الظلم.\nوالترمذي (٤/ ٦١٣) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٢ - باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص.\n١٢٥٣ - والترمذي (٤/ ٦١٣) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ١ - باب في القيامة. وقال: حديث حسن صحيح، وهو كما قال.\n١٢٥٤ - والترمذي (٤/ ٦١٣) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ١ - باب في القيامة\nوقال: حديث غريب. وهو حديث حسن، يشهد له الذي قبله.","vol":"3","page":1323},{"text":"١٢٥٥ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ: \"أول خصمين يوم القيامة جاران\".\n١٢٥٦ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: \"تجتمعون يوم القيامة فيقال أين فقراء هذه الأمة ومساكينها؟ فيقومون، فيقول: ماذا عملتم؟ فيقولون ربنا ابتليتنا فصبرنا ووليت الامور والسلطان غيرنا فيقول الله جل ذكره صدقتم -أو نحو هذا- فيدخلون الجنة قبل الناس بزمان ويبقى شدة الحساب على ذوي الامور والسلطان\" قالوا: فأين المؤمنون يومئذ. قال: \"يوضع لهم منابر من نور يظلل عليهم الغمام يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار\".\n١٢٥٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملناه في الجاهلية؟ قال: \"من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر\".\nقال النووي:\nأما معنى الحديث فالصحيح فيه ما قاله جماعة من المحققين أن المراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا وأن يكون مسلما حقيقيا فهذا يغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز والحديث الصحيح الإسلام يهدم ما قبله وبإجماع المسلمين والمراد بالإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه بل يكون منقادا في الظاهر مظهرا للشهادتين غير معتقد للإسلام بقلبه فهذا منافق باق على كفره بإجماع المسلمين فيؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام وبما عمل بعد إظهارها لأنه مستمر على كفره وهذا معروف في استعمال الشرع يقولون حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص وساء إسلامه أو لم يحسن إسلامه إذا لم يكن كذلك والله أعلم اهـ. (شرح النووي على مسلم).\n_________\n١٢٥٥ - أحمد (٤/ ١٥١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٩). وقال: رواه أحمد بإسناد حسن.\n١٢٥٦ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٧). وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أبي كثير الزبيدي وهو ثقة.\n١٢٥٧ - البخاري (١٢/ ٢٦٥) ٨٨ - كتاب استتابة المرتدين، ١ - باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والأخرة.\nمسلم (١/ ١١١) ١ - كتاب الإيمان، ٥٣ - باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية؟","vol":"3","page":1324},{"text":"١٢٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء\".\nوللنسائي (١): أن رسول الله ﷺ قال: \"أول ما يحاسب عليه العبد: الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس: في الدماء\".\n١٢٥٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"قال الرب ﷿: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة فيقيض بعضها ببعض فإن بقيت حسنة واحدة أدخله الله الجنة\". قال: قلت: فإن لم يبق؟ قال: \" ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ \": قال قلت: أرأيت قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. قال: \"هو العبد يعمل السر أسره الله له يوم القيامة فيرى قرة أعين\".\n١٢٦٠ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فضحك، فقال: \"هل تدرون مم أضحك؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: \"من مخاطبة العبد ربه، فيقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ \" قال \"يقول بلى، فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا إلا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، والكرام الكاتبين شهودا\" قال \"فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا\n_________\n١٢٥٨ - البخاري (١٢/ ١٨٧) ٨٧ - كتاب الديات، ١ - باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.\nمسلم (٣/ ١٣٠٤) ٢٨ - كتاب القسامة، ٨ - باب المجازاة بالدماء في الآخرة.\nوالترمذي (٤/ ١٧) ١٤ - كتاب الديات، ٨ - باب الحكم في الدماء.\nوالنسائي (٧/ ٨٣) ٣٧ - كتاب تحريم الدم، ٢ - باب تعظيم الدم.\n(١) النسائي (٧/ ٨٣) الموضع السابق.\n١٢٤٥٩ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٧). وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد.\n(يقيض): قايضه مقايضة بادله بمتاع.\n١٢٦٠ - مسلم (٤/ ٢٢٨٠) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق، الحديث السابع عشر.\n(لا أجيز اليوم): أي: لا أمضى ولا أقبل على شاهدًا. =","vol":"3","page":1325},{"text":"لَكُن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل\".\n١٢٦١ - * روى أحمد عن عبد الله بن أنيس أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"يحشر الله العباد يوم القيامة\" أو قال: \"الناس عراة غرلا بهما\" قال قلنا: وما بهما؟ قال: \"ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الديان أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة\" قال: قلنا كيف: وإنما نأتي عراة بهما قال: \"الحسنات والسيئات\".\n١٢٦٢ - * روى أحمد عن حريث بن قبيصة قال: قدمت المدينة، فقلت: اللهم يسر لي جليسا صالحا، قال: فجلست إلى أبي هريرة ﵁، فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليسا صالحا، فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، لعل الله أن ينفعني به، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله: صلاته، فغن صلحت، فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت، فقد خاب وخسر، فغن انتقص من فريضته شيءيا، قال الرب ﵎: انظروا، هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك\".\n_________\n= (المناضلة): النضال في السهام: أن ترمي أنت ورام آخر، يطلب كل منكما غلبة صاحبه. والمراد به ها هنا: المجادلة والمخاصمة.\n١٢٦١ - أحمد (٣/ ٤٩٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥١). وقال: هو عند أحمد والطبراني في الاوسط بإسناد حسن.\n(أقصه): أقتص له.\n١٢٦٢ - أحمد (٤/ ١٠٣) وهو حديث صحيح بشواهد.\nوالترمذي (٢/ ٢٦٩) أبواب الصلاة، ٣٠٥ - باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة.\nوقال: حسن غريب.\nوالنسائي (١/ ٤٦٤) ٥ - كتاب الصلاة، ٩ - باب المحاسبة على الصلاة.\nواسم الراوي حريث بن قبيصة ويقال: قبيصة بن حريث، والثاني أشهر.","vol":"3","page":1326},{"text":"وفي أخرى (١) عن أبي هريرة بمعناه أخصر منه.\n١٢٦٣ - * روى أبو داود عن تميم الداري ﵁ عن رسول الله ﷺ بهذا المعنى قال: \"ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك\".\n١٢٦٤ - * روى الطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثير\".\n١٢٦٥ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر انه سمع النبي ﷺ يقول: \"إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال\".\n١٢٦٦ - * روى أحمد عن معاوية بن حيدة قال: أتيت النبي ﷺ فقال: \"مالي آخذ بحجزكم عن النار ألا إن ربي ﷿ داعي وإنه سائلي هل بلغت عبادي، وإني قائل رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد منكم الغائب ثم إنكم مدعوون مقدمة أفواهكم بالفدام، إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه\" قلت يا نبي الله: هذا ديننا قال: \"هذا دينكم وأينما تحسن يكفك\".\n١٢٦٧ - * روى أحمد عن أبي عسيب قال: خرج رسول الله ﷺ يوما فمر بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر ﵀ فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه\n_________\n(١) النسائي (١/ ٢٣٣) ٥ - كتاب الصلاة، ٩ - باب المحاسبة على الصلاة\n١٢٦٣ - أبو داود (١/ ٢٢٩) كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ: \"كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه\".\n١٢٦٤ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٧). وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد.\n١٢٦٥ - أحمد (٤/ ١٥١).\nوالمعجم الكبير (١٧/ ٣٣٣).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥١). وقال: رواه أحمد في حديث طويل ورجاله ثقات.\n١٢٦٦ - أحمد (٥/ ٤، ٥) بلفظ: \"مالي أمسك بحجزكم ... \"\n(الفدام ٩: ما يشهد على فم الإبرايق أو الكوز من خرقة لتصفية الشراب، أي أنهم يمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم.\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥١). وقال: رواه أحمد في حديث طويل ورجاله ثقات.\n١٢٦٧ - أحمد (٥/ ٨١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٧) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات. =","vol":"3","page":1327},{"text":"فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط \"أطعمنا\" فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه ثم دعا بماء بارد فشرب فقال: \"لتسألن عن هذا يوم القيامة\" قال: فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ﷺ ثم قال يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: \"نعم إلا من ثلاث: خرقة كف بها عورته أو كسرة سد بها جوعته أو جحر يتدخل فيه من الحر والقر\".\n١٢٦٨ - * روى أبو يعلي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قال: كان النبي ﷺ في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له -أولها- حتى استبان الغضب في وجهه فخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة فقالت ألا أراك تعلبين بهذه البهمة ورسول الله ﷺ يدعوك فقالت لا والذي بعثك بالحق ما سمعتك: فقال رسول الله ﷺ \"لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك\"، وفي رواية: \"لولا القصاص لضربتك بهذا السواك\"، وفي رواية: \"لولا مخافة القصاص لأوجعتك بهذا السواك\".\n١٢٦٩ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: \"من ضرب سوطا ظلما اقتص منه يوم القيامة\".\n١٢٧٠ - * روى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله\n_________\n= (الحائط): البستان.\n(العذق): العرجون بما فيه من الثمر.\n(البسر): التمر قبل ـن يكون رطبًا.\n١٢٦٨ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٣). وقال: روى هذا كله أبو يعلي والطبراني بنحوه، وقال: دعا وصيفة له ولم يشك، وقال: لولا مخافة القود يوم القيامة، وإسناده جيد عند أبي يعلي والطبراني.\n(بهمة): هي ولد الضأن ذكرا كان أو أنثى.\n١٢٦٩ - كشف الأستار (٤/ ١٦٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٣). وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وإسنادهما حسن.\n١٢٧٠ - البخاري (١١/ ٤٠٠) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٩ - باب من نوقش الحساب عذب.\nمسلم (٢/ ٧٠٣) ١٢ - كتاب الزكاة، ٢٠ - باب الحث على الصدقة، ولو بشق تمرة .. إلخ.\nوالترمذي (٤/ ٦١١) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ١ - باب في القيامة. وقال: حديث حسن صحيح.\nوابن ماجه (١/ ٦٦) المقدمة، ١٣ - باب فيما أنكرت الجهمية. =","vol":"3","page":1328},{"text":"ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة\". زاد في رواية (١): \"فمن لم يجد فبكلمة طيبة\".\n١٢٧١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعو وتسعين سجلا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول الله تعالى: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء\".\n* * *\n_________\n= (ترجمان) الترجمان: ناقل الكلام من لغة إلى لغة.\n(أيمن منه وأشام منه): يعني عن يمينه وشماله، واليد اليسرى تسمى: الشؤمى.\n(١) البخاري الموضع السابق، ومسلم: الموضع السابق\n١٢٧١ - الترمذي (٥/ ٢٤) ٤١ - كتاب الإيمان، ١٧ - باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله.\nوقال: حسن غريب.\nوابن ماجة (٢/ ١٤٣٧) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٥ - باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.\n(سجل): السجل: الكتاب الكبير.\n(بطاقة): البطاقة: رقيعة صغيرة، وهي ما تجعل في طي الثوب يكتب فيها ثمنه.\n(طاشت): خفت.","vol":"3","page":1329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>الفقرة الثامنة\nفي:\nالصراط\nعرض إجمالي</span>\n- بعد الحساب والميزان تقرر النتيجة ويكون الحشر إلى أرض أخرى قبل جهنم، وهناك تبدل أرضنا هذه أرضا أخرى وتبدل السموات ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (١)، فهذا تبدل آخر للأرض كائن، والناس في الظلمة دون الصراط.\n- والنار مظلمة، الصراط مظلم، وهذه الأرض مظلمة، وإنما ينير لكل إنسان نوره الذي اكتسبه بالإيمان والعمل الصالح.\n- ويفزع أهل الإيمان إلى الأنبياء ليؤذن للناس بالمرور على الصراط فيعتذرون إلا محمدا ﷺ فيشفع ويشفع ويكون هو وأمته أول من يجوز على الصراط وهذا الجواز هو الذى فسر فيه بعضهم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢).\n- ويمر الناس على الصراط بسرعات مختلفة وأنوار مختلفة، والمنافقون لا نور لهم قال تعالى:\n﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ\n_________\n(١) إبراهيم: ٤٨.\n(٢) مريم: ٧١ - ٧٢.","vol":"3","page":1330},{"text":"اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).\n- ولهول المرور على الصراط يقول الانبياء وتقول الملائكة: اللهم سلم سلم.\n- وعلى ضوء نتيجة الحساب والميزان تدقق الملائكة بأحوال المارين، وقد ورد في حديث صحيح أنه يحبس المؤمنون في قنطرة بين الجنة والنار ليقتص من بعضهم لبعض، وقد فهم بعضهم أن على الصراط قناطر يدقق في كل قنطرة على نوع من الأعمال.\n- ثم الناس بعد تجاوز قناطر الصراط على نوعين: نوع تساوت حسناتهم وسيئاتهم فهؤلاء أهل الأعراف، وهو سور بين النار والجنة ونوع يكون من أهل الجنان ومن هناك تبدأ مناشدة أهل الجنة ربهم بإخوانهم المؤمنين الذين أدخلوا النار، ولرسولنا ﷺ في هذا المقام شفاعات: منها الشفاعة بدخول الجنة، فيكون هو وأمته أول الداخلين، ومنها شفاعته لبعض أهل الإيمان من أهل النار. وللأنبياء في ذلك المقام شفاعات بأفراد من أممهم، وللأطفال شفاعات بآبائهم وأمهاتهم، وللعلماء شفاعات بأصحابهم، وللمؤمنين شفاعات بإخوانهم.\n- وقد ورد في وصف الصراط نصوص يحتمل بعضها المجاز، ولكن الأصل هو الحمل على الظاهر والتسليم حتى يقع: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣).\n- ومما يخفف على المؤمن هول المرور على الصراط ملازمته المساجد، والإحسان في الصدقة، وإقالة المسلم بمصيبته وعثرته، وتيسير الإنسان ما عسر على غيره، وإعانة العباد في حاجاتهم والمشي في قضاء مهماتهم وحماية المؤمن من المنافقين.\n_________\n(١) الحديد: ١٢ - ١٥.\n(٢) التحريم: ٨.\n(٣) الأعراف: ٥٣.","vol":"3","page":1331},{"text":"- وبعد أن ينقى أهل الإيمان ولم يبق إلا دخول الجنة يعطيهم الله خلقهم الذى قدره لهم في الجنة كطول آدم وعرضه ويعطيهم شبابا وحسنا ونضارة.\n- وإذا كان أهل الإيمان يمرون على الصراط، وبعض العصاة منهم يتساقطون في النار، فإن أهل النفاق لا يعبرون على الصراط أصلا على قول للعلماء، وبعض العلماء يقول: إن السور الذي يضرب بينهم وبين أهل الإيمان يكون في آخر أو في مكان ما منه، وعلى هذا القول فإن أهل النفاق يمرون على الصراط أو على بعضه، ولكنهم لا نور لهم فيسقطون في جهنم وعلى القول بأن السور يضرب بينهم وبين أهل الإيمان قبل الصراط فإن حالهم حال الكافرين الذين يذهب بهم إلى النار، وقد رأينا بعض النصوص التي تفصل فيما يجرى لأهل النار وعليهم، والظاهر أنه بعد الحساب والميزان يخرج ادم بعث النار، ويخرج عنق من النار فيأخذ أصنافا من الناس إلى النار، وكما أنه لا يوجد شيء في هذا الكون إلا على غاية النظام والترتيب والانضباط فكذلك الحال في اليوم الاخر كل شيء بترتيب ونظام وانضباط.\n- والنصوص الواردة في الصراط كثيرة تمر بمناسبات متعددة وهذه بعض الروايات في ذلك:","vol":"3","page":1332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>النصوص</span>\n١٢٧٢ - * روى أحمد عن أبى سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوضع الصراط بين ظهراني جهنم. على حسك كحسك السعدان. ثم يستجيز الناس. فناج مسلم ومخدوج به. ثم ناج ومحتبس به. ومنكوس فيها\".\n١٢٧٣ - * روى أحمد عن أبى بكرة عن النبي ﷺ قال: \"يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار، فينجى الله تعالى برحمته من يشاء\" قال: \"ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون فيشفعون ويخرجون\" زاد عفان \"مرة ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان\".\nأقول: الملاحظ أن هذا الحديث يذكر أن للصراط جنبتين وهذا يرجح تأويل ما ورد في وصف الصراط بأنه كحد السيف، بأن المرد بذلك صعوبة المرور عليه وأن المرور عليه مخيف وقد ذهب بعضهم إلى أن صراط كل إنسان على حسب حاله.\n_________\n١٢٧٢ - أحمد (٢/ ١١).\nوابن ماجة (٢/ ١٤٣٠) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٣ - باب ذكر البعث. وهو صحيح.\nوروى مسلم نحوه (١/ ١٦٤) ١ - كتاب الإيمان، ٨١ - باب معرفة طريقة الرؤية.\n(حسك): جمع حسكة. نبات تعلق بصوف الغنم. ورقة كورق الرجلة وادق. وعند ورقه شوك ملز صلب ذو ثلاث شعب اهـ قاموس.\n(السعدان): نبت ذو شول، وهو من جيد مراعي الإبل تسمن عليه.\n(فناج مسلم إلخ): أي يكونون على أنحاء: فبعضهم مسلمون من آفته. وبعضهم مخدوجون أي ناقصون من خلقتهم. وبعضهم منكوس أي يلقى في النار على رأسه.\n١٢٧٣ - أحمد (٥/ ٤٣).\nوالروض الداني (٢/ ١٤٢)\nوكشف الأستار (٤/ ١٧١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٩). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الصغير والكبير بنحوه، ورواه البزار أيضًا ورجاله رجال الصحيح.\n(تتقادع): أي تسقطهم فيها بعضهم فوق بعض.","vol":"3","page":1333},{"text":"١٢٧٤ - * روى الترمذي عن مجاهد بن جبر قال: قال ابن عباس: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلت: لا، قال: اجل والله ما تدري، حدثتني عائشة: أنها سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] قالت: قلت: فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: \"على جسر جهنم\".\nأقول: وراد في حديث آخر: \"في الظلمة دون الجسر\" والجمع بينهما أن يكون بعضهم قد بدأ الجواز على الصراط وبعضهم ينتظر.\n١٢٧٥ - * روى الترمذي عن المغيرة بن شعبه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"شعار المؤمنين على الصراط يوم القيامة: يا رب سلم سلم\".\n١٢٧٦ - * روى البخاري عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطره بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا\".\n١٢٧٧ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجئ الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به فما يبرح الذين ظلموا يقصون من الذين ظلموا حتى ينزعوا ما في أيديهم من الحسنات فإن لم تكن لهم حسنات رد عليهم من سيئاتهم حتى يورد الدرك الأسفل من النار\".\n_________\n١٢٧٤ - الترمذي (٥/ ٣٧٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٤١ - باب ومن سورة الزمر.\nوقال: حديث حسن صحيح غريب.\n١٢٧٥ - الترمذي (٤/ ٦٢١) ٢٨ - كتاب صفة القيامة، ٩ - باب ما جاء في شأن الصور.\nوقال: هذا حديث غريب. وهو حديث حسن بشواهده.\n١٢٧٦ - البخاري (١١/ ٣٩٥) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٨ - باب القصاص يوم القيامة.\n١٢٧٧ - ومجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٤). وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا.","vol":"3","page":1334},{"text":"فائدة:\nقال ابن كثير في النهاية بمناسبة الكلام عن الصراط:\nثم ينتهي الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف، إلى الظلمة التي دون الصراط وهي على جسر جهنم كما تقدم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ سئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: \"هم في الظلمة دون الجسر\".\nوفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم وبينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم كما قال تعالى:\n﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١).\nوقال تعالى:\n﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).\nوعن عبيد بن عمير، أنه كان يقول: أيها الناس إنه جسر مجسور، اعلاه دحض منزلة، والملائكة على جنبات الجسر يقولون: رب سلم قال: وإن الصراط مثل السيف على جسر جهنم، وإن عليه كلاليب وحسكا، والذي نفسي بيده، إنه ليؤخذ بالكلاب الواحد أكثر من ربيعيه ومضر.\n_________\n(١) الحديد: ١٣ - ١٥.\n(٢) التحريم: ٨.","vol":"3","page":1335},{"text":"وعن سعيد بن أبي هلال قال:\nبلغنا أن الصراط يوم القيامة وهو على الجسر يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع. رواه ابن أبي الدنيا. اهـ (النهاية في الفتن).\n* * *","vol":"3","page":1336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>الفقرة التاسعة\nفي:\nالشفاعات</span>\n- الشفاعة سؤال الخير للغير وهي تكون يوم القيامة من الأنبياء والملائكة والعلماء العاملين والشهداء والصالحين والمؤمنين وأولاد المؤمنين والمؤمنات ممن ماتوا صغيرًا، وتشفع بعض الأعمال فيشفع القرآن ويشفع الصيام.\n- والشفاعة عند الله لا تكون إلا بإذنه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١) ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٢).\n- ومن أعظم شفاعات رسول الله ﷺ شفاعته لفصل القضاء ثم شفاعته لعبور الصراط ثم شفاعته لدخول الجنة ومن شفاعاته ﵊ شفاعته في قوم يدخلهم الجنة بغير حساب، ومنها شفاعته في قوم حوسبوا واستحقوا العذاب ألا يعذبوا، ومنها الشفاعة في إخراج عصاة المؤمنين من النار، ومنها شفاعته ﵊ لأقوام أن ترفع درجاتهم في الجنة.\n- ومن الأسباب في أن ينال العبد المؤمن شفاعته ﵊: الدعاء عقب الأذان، وسؤال الوسيلة والمقام المحمود لرسول الله ﷺ. ومن أسباب الشفاعة الموت في أحد الحرمين، ومن أسبابها كثرة الصلاة على رسول الله ﷺ.\n- قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٣) دلت الآية بمفهومها على أن غير الكافرين تنفعهم شفاعة الشافعين من رسل وأنبياء وملائكة وصديقين وشهداء وصالحين وآخرين من أهل الإيمان، وقد مرت معنا نصوص في الشفاعة وستمر معنا نصوص في سياقات أخرى.\n_________\n(١) البقرة: ٢٥٥.\n(٢) الأنبياء: ٢٨.\n(٣) المدثر: ٤٨.","vol":"3","page":1337},{"text":"قال ابن كثير في النهاية ذاكرًا أنواع شفاعاته ﵊:\nفالنوع الأول منها: شفاعته الأولى. وهي العظمى، الخاصة به، من بين سائر إخوانه، من المؤمنين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين وهي التي يرغب إليها فيها الخلق كلهم. حتى الخليل إبراهيم وموسى الكليم. ويتوسل الناس إلى آدم، فمن بعده من المرسلين، فكل يحيد عندها. ويقول: لست بصاحبها. حتى ينتهي الأمر إلى سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة. محمد رسول الله ﷺ دائمًا. فيقول: \"أنا لها. أنا لها\" فيذهب، فيشفع عند الله ﷿ في أن يأتي للفصل بين عباده، ويريحهم من مقامهم ذلك. ويميز بين مؤمنهم وكافرهم، بمجازاه المؤمنين بالجنة. والكافرين بالنار.\nالنوع الثاني والثالث من الشفاعة: شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم ليدخلوا الجنة. وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار، أن لا يدخلوا.\nالنوع الرابع من الشفاعة: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها، فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.\nوقد ذكر القاضي عياض وغيره نوعًا أخر من الشفاعة. وهو: الخامس: في أقوام يدخلون الجنة بغير حساب، ولم أر لهذا شاهدًا فيما علمت، ولم يذكر القاضي فيما رأيت مستند ذلك، ثم تذكرت حديث عكاشة بن محصن حين دعا له رسول الله ﷺ، أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب والحديث مخرج في الصحيحين، كما تقدم، وهو يناسب هذا المقام.\nوذكر أبو عبد الله القرطبي في التذكرة:\nنوعا آخر سادسًا من الشفاعة: وهو شفاعته في عمه أبي طالب، أن يخفف عذابه ...\nواستشهد بحديث أبي سعيد في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ ذكر عنده أبو طالب فقال:\n\"لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه\".","vol":"3","page":1338},{"text":"ثم قال: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (١).\nقيل له: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين. الذين يخرجون منها، ويدخلون الجنة.\nالنوع السابع من الشفاعة: شفاعته ﷺ لجميع المؤمنين قاطبة، في أن يؤذن لهم في دخول الجنة.\nالنوع الثامن من الشفاعة: شفاعته في أهل الكبائر من أمة محمد ممن دخل النار، فيخرجون منها وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث. اهـ (النهاية في الفتن).\nأقول: والتحقيق أنها عشر شفاعات: فهناك شفاعة فصل الخطاب، وهناك الشفاعة لجواز الصراط وهناك الشفاعة لدخول الجنة، وفي كل من هذه الشفاعات الثلاث يفزع الناس إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، ثم يؤول الأمر إلى أن يشفع محمد ﷺ ولم يذكر في كلام ابن كثير الشفاعة لجواز الصراط والشفاعة لدخول الجنة مع أن الرسول ﷺ يذكر أن الناس يفزعون إليه ثلاث فزعات يوم القيامة، ولغموض هذا المقام فإنه يلتبس على البعض حمل بعض النصوص على محاملها الصحيحة وقد مرت معنا من قبل نصوص كثيرة في الشفاعة وفيما يأتي نذكر بعض النصوص:\n_________\n(١) المدثر: ٤٨.","vol":"3","page":1339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>النصوص</span>\n١٢٧٨ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ -آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر\" قال: \"فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبونا آدم، فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: إني أذنبت ذنبا فأهبطت به إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحًا، فيأتون نوحًا، فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات\"، ثم قال رسول الله ﷺ: \"ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله، ولكن ائتوا موسى، فيأتون موسى، فيقول: قد قتلت نفسا، ولكن ائتوا عيسى، فيأتون عيسى، فيقول: إني عبدت من دون الله، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ، فيأتوني، فأنطلق معهم\". قال ابن جدعان: قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ، قال: \"فآخذ بحلقة باب الجنة، فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي ويرحبون، فيقولون: مرحبا، فأخر ساجدًا، فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال لي: ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تشفع، وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) \" قال سفيان: ليس عن أنس إلا هذه الكلمة: \"فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها\".\nأقول: تحدث ﵊ عن الفزعات الثلاث ثم اختصر، ففصل في الفزعة الأخيرة وهي الفزعة لدخول الجنة والفزعة الأولى لفصل القضاء والفزعة الثانية لعبور الصراط.\n_________\n١٢٧٨ - الترمذي (٥/ ٣٠٨) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ١٨ - باب ومن سورة بني إسرائيل (الإسراء).\nوقال: هذا حديث حسن. قال محقق الجامع: وهو كما قال.\n(فيفزع): فزعت إلى فلان: إذا لجأت إليه، واعتمدت عليه.\n(ما حل): المماحلة: المخاصمة والمجادلة.\n(١) الإسراء: ٧٩.","vol":"3","page":1340},{"text":"١٢٧٩ - * روى البخاري ومسلم أبن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل نبي سأل سؤالًا\"- أو قال: \"لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته- وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة\".\nولمسلم قال (١) قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة\".\n١٢٨٠ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان، وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: \"يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة، إلا خطيئة أبيكم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، قال: \"فيقولون إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه تكليمًا\" قال: \"فيأتون موسى، فيقول: ليست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدًا ﷺ، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق\"، قال: قلت بأبي وأمي: أي شيء كالبرق، قال: \"ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال، تجري بهم أ'مالهم، ونبيكم قائم على الصراط، فيقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجئ الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا\".\nأقول: مر معنا أن الناس يفزعون إلى رسول الله ﷺ ثلاث فزعات وله كل منها\n_________\n١٢٧٩ - البخاري (١١/ ٩٦) ٨٠ - كتاب الدعوات، ١ - باب لكل نبي دعوة مستجابة.\nمسلم (١/ ١٨٨) ١ - كتاب الإيمان، ٨٦ - باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته.\n(١) مسلم (١/ ١٨٨) ١ - كتاب الإيمان، ٨٥ - باب في قول النبي ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع ... \".\n١٢٨٠ - مسلم (١/ ١٨٦) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة.\n(تزلفت): أي: تقرب وتدني.\n(شد): الشد: العدو.","vol":"3","page":1341},{"text":"شفاعة ففزعة لفصل الخطاب وفزعة لدخول الجنة وفزعة للإذن بالمرور على الصراط، وهذا الحديث تحدث عن هذه الفزعة.\n١٢٨١ - * روى البخاري ومسلم عن معبد بن هلال العنزي، قال: انطلقنا إلى أنس بن مالك، وتشفعنا بثابت، فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى فاستأذن لنا ثابت، فدخلنا عليه، وأجلس ثابتًا معه على سريره فقال له: يا أبا حمزة، إن أخوانك من أهل البصرة يسألونك أ، تحدثهم حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد ﷺ، قال: \"إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم، فيقولون: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيؤتي موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيؤتي عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، فأوتي فأقول: أنا لها، ثم أنطلق فاستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها، ثم آخر لربنا ساجدًا، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب أمتي أمتي، فيقول: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي أحمد بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب، أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان\n_________\n١٢٨١ - البخاري (١٢/ ٤٧٣) ٧٩ - كتاب التوحيد، ٣٦ - باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم.\nمسلم (١/ ١٨٢) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة.\n(يلهمنيها): الإلهام: ضرب من الوحي الذي يلقيه الله في قلوب عباده الصالحين.","vol":"3","page":1342},{"text":"فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل\" هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده، فلما كنا يظهر الجبان، قلنا: لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة؟ قال: فدخلنا عليه، فسلمنا عليه، قلنا: يا أبا سعيد، جئنا من عند أخيك أبي حمزة، فلم نسمع بمثل حديث حدثناه في الشفاعة، قال: هيه، فحدثناه الحديث، فقال: هيه، قلنا: ما زادنا؟ قال: قد حدثنا به منذ عشرين سنة، وهو يومئذ جميع، ولقد ترك شيئا ما أدري: أنسى الشيخ، أم كره أن يحدثكم فتتكلوا؟ قلنا له: حدثنا، فضحك وقال: خلق الإنسان من عجل، ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه، قال: \"ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمدًا، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يارب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: فليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله\" قال: فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك- أراه قال: قبل عشرين سنة- وهو يومئذ جميع.\n١٢٨٢ - * روى البخاري تعليقا: عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: \"يحبس المؤمنون يوم القيامة ... \" وذكر نحوه، وفي آخره: \"ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن\". أي وجب عليه الخلود، ثم تلا هذه الآية ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) قال: وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم ﷺ. زاد في رواية (٢): فقال النبي ﷺ: \"يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة\".\nأقول: هذا الحديث يتحدث عن الفزعة الثالثة (الفزعة التي لدخول الجنة) إلا أنه\n_________\n= (الجبان): والجبانة: المقابر.\n١٢٨٢ - البخاري (١٢/ ٤٢٢) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ....﴾.\n(١) الإسراء: ٧٩.\n(٢) البخاري (١٢/ ٢٩٢) ٩٧ - كتاب التوحيد، ١٩ - باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.","vol":"3","page":1343},{"text":"يطوى الكلام عنها لحصولها كما ذكرنا من قبل، ويتحدث عن شفاعة رسول الله ﷺ لأهل الإيمان ممن دخلوا النار.\n١٢٨٣ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: \"أنا فاعل إن شاء الله\" قلت: فأين أطلبك؟ قال: \" أول ما تطلبني على الصراط\" قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: \"فاطلبني عند الميزان\" قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: \"فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن\".\n١٢٨٤ - * روى الترمذي عن عوف بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، فهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئًا\".\n١٢٨٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ \"يفتقد أهل الجنة ناسًا كانوا يعرفونهم في الدنيا فيأتون الأنبياء فيذكرونهم فيشفعون فيهم فيشفعون يقال لهم الطلقاء وكلهم طلقاء يصب عليهم ماء الحياة\".\n١٢٨٦ - * روى الطبراني الأوسط والصغير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل من أهل هذه القبلة النار من لا يحصي عددهم إلا الله ما عصوا الله واجترؤوا على معصيته وخالفوا طاعته فيؤذن لي في الشفاعة فأثني على الله ساجدًا كما أثنى عليه قائما فيقال لي: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع\".\n_________\n١٢٨٣ - الترمذي (٤/ ٦٢١) ٣٨ - صفة القيامة، ٩ - باب ما جاء في شأن الصراط.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\n١٢٨٤ - الترمذي (٤/ ٦٢٧) ٣٨ - صفة القيامة، ١٣ - باب [منه]. وسنده حسن.\nوابن ماجه بنحوه (٢٨١٤٤١) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٧ - باب ذكر الشفاعة.\nوهو عنده عن أبي موسى الأشعري. وفي الزوائد صحيح ورجاله ثقات.\n١٢٨٥ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٩). وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.\n١٢٨٦ - الروض الدائي (١/ ٨٠).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٦): وقال: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وإسناده حسن.","vol":"3","page":1344},{"text":"١٢٨٧ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم- أو قال: بخطاياهم- فأمانتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجئ بهم ضائر ضائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل\" فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية.\n١٢٨٨ - * روى البخاري عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ، فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين\".\n١٢٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج من النار قوم بالشفاعة، كأنهم الثعارير\"، قلنا: ما الثعارير؟ قال: \"الطغابيس\".\nوفي رواية (١): \"إن الله يخرج ناسًا من النار فيدخلهم الجنة\".\nوفي أخرى (٢): \"إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة\".\n١٢٩٠ - * روى ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة. فاخترت الشفاعة.\n_________\n١٢٨٧ - مسلم (١/ ١٧٢) ١ - كتاب الإيمان، ٨٢ - باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار.\n(ضبائر ضبائر): الضبائر: جماعات الناس، تقول: رأيتهم ضبائر: أي جماعات في تفرقة، جمع ضبارة.\n١٢٨٨ - البخاري (١١/ ٤١٦) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥١ - باب صفة الجنة والنار.\nوأبو داود (٤/ ٢٢٦) كتاب السنة، باب في الشفاعة.\nوالترمذي (٤/ ٧١٥) كتاب صفة جهنم، ١٠ - باب [منه].\n١٢٨٩ - البخاري (١١/ ٤١٦) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥١ - باب صفة الجنة والنار.\nمسلم (١/ ١٧٨) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلًا.\n(الثعارير): صغار القثاء، وهي الضغاييس أيضًا.\n(١) مسلم: الوضع السابق.\n(٢) مسلم: الوضع السابق.\n١٢٩٠ - ابن ماجه (٢/ ١٤٤١) ٢٧ - كتاب الزهد، ٢٧ - باب ذكر الشفاعة.\nوفي الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1345},{"text":"لأنها أعم وأكفى. أترونها للمتقين؟ لا. ولكنها للمذنبين، الخطائين المتلوثين\".\n١٢٩١ - * روى الطبراني عن أبي إمامة عن رسول الله ﷺ: \"صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق\".\n١٢٩٢ - * روى أحمد عن أبي موسى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فعرس بنا رسول الله ﷺ، فانتهيت في بعض الليل إلى مناخ رسول الله ﷺ فلم أجده فخرجت أطلبه بارزًا، فإذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يطلب ما أطلب. قال فبينا نحن كذلك، إذ أتجه إلينا رسول الله ﷺ. قال: فقلنا يا رسول الله: أنت بأرض حرب ولا نأمن عليك، فلولا إذ بدت لك حاجة قلت لبعض أصحابك فقام معك فقال رسول الله ﷺ: \"إني سمعت هزيزا كهزيز الرحا، وحنينا كحنين النحل، وأتاني آت من ربي فخيرني بين أن يدخل ثلث أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت لهم شفاعتي وعلمت أنها أوسع لهم\" قال: فقلنا: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهل شفاعتك فدعا لهما ثم إنهما انتهينا إلى أصحاب رسول الله ﷺ وأخبراهم بقول رسول الله ﷺ قال: فجعلوا يأتونه ويقولون: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهل شفاعتك فيدعو لهم. فلما أضب عليه القوم وكثروا قال رسول الله ﷺ: \"إنها لمن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله\".\nوفي رواية عند الطبراني (١): فسرنا حتى إذا كنا بقريب من الصبح نزل فاجتمعنا حوله وكذلك كنا نفعل فعقل ناقته ثم جعل خده على عقالها ثم نام وتفرقنا فرفعت رأسي فإذا أنا لا أراه في مكانه فذعرني ذلك، فقمت فإذا أنا أسمع مثل هزيز الرحاء من قبل الوادي، إذ جاء رسول الله ﷺ مستبشرًا قال: قلت يا رسول الله أين كنت؟ قال: \"كأنه راعك\n_________\n١٢٩١ - المعجم الكبير (٨/ ٣٣٧).\nمجمع الزوائد (٥/ ٢٣٥) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجال الكبير ثفات.\n١٢٩٢ - أحمد (٤/ ٤١٥).\n(١) مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٨) وقال: رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد الطبراني رجاله ثقات، وقد رواه في الصغير بنحوه.","vol":"3","page":1346},{"text":"حين لم ترني في مكاني؟ \"قلت: أي والله، قد راعني. قال \"أتاني جبريل ﵇ آنفا فخيرني بين الشفاعة وبين أن يغفر لنصف أمتي فاخترت الشفاعة\" فنهض القوم إليه فقالوا: يا رسول الله اشفع لنا قال: \"شفاعتي لكم\" فلما أكثروا عليه قال: \"من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة\".\n١٢٩٣ - * روى البزار عن عبد الرحمن بن أبي عقيل قال: انطلقت في وفد إلي رسول الله ﷺ فأتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فما خرجنا حتى ما كان في الناس أحب إلينا من رجل دخلنا عليه فقال قائل منا: يا رسول الله إلا سألت ربك ملكًا كملك سليمان قال: فضحك ثم قال: \"فلعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان، إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، منهم من اتخذ بها دنياه فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة\".\n١٢٩٤ - * روى البزار عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر على عدوي، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك بالله شيئًا.\n١٢٩٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ \"إن ناسًا من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١).\n_________\n١٢٩٣ - كشف الأستار (٤/ ١٦٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٠) وقال: رواه الطبراني والبزار، ورجالهما ثقات.\n١٢٩٤ - كشف الأستار (٤/ ١٦٦).\nمجمع الزوائد (٨/ ٢٥٩) وقال: رواه البزار بإسنادين حسنين.\n١٢٩٥ - مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي وهو ثقة.\n(١) الحجر: ٢.","vol":"3","page":1347},{"text":"١٢٩٦ - * روى الطبراني عن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام منا فآتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك سؤالا، قال: \"وما هو؟ \" قال: أسألك أن تجعلني ممن تشفع له يوم القيامة. قال: \"من أمرك هذا- أو- من علمك هذا- أو- من دلك على هذا؟ \" قال: ما أمرني به أحد إلا نفسي: قال: \"فإنك ممن أشفع له يوم القيامة\".\n١٢٩٧ - * روى أحمد عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إنه يقال للوالدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة فيقولون: يارب حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا\" قال: \"فيأبون\". قال: \"فيقولون الله ﷿: ما لي أراهم محبنطئين ادخلوا الجنة\" قال: \"فيقولون: يارب آباؤنا فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم\".\n١٢٩٨ - * روى الترمذي عن عبد الله بن شقيق ﵀ كنت مع رهط بإيلياء، فقال عبد الله بن أبي الجدعاء: سمعت رسول الله ﷺ قال: \"يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي: أكثر من بني تميم\"، قلنا: سواك يا رسول الله؟ قال: \"نعم سواي\".\n١٢٩٩ - * روى أحمد عن أبي برزة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن من أمتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر وإن من أمتي لمن يعظم للنار حتى يكون ركنا من أركانها\".\n١٣٠٠ - * روى أحمد عن أبي إمامة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليدخلن\n* * *\n_________\n١٢٩٦ - المعجم الكبير (٢٠/ ٣٦٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٩). وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n١٢٩٧ - أحمد (٤/ ١٠٥).\nمجمع الزوائد (٣/ ١١). وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات.\n(محببئطين): قال ابن الأثير: المحبنطي هو الممتع امتناع طلبة لا امتناع إباء.\n١٢٩٨ - الترمذي (٤/ ٦٢٦) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ١٢ - باب [منه].\nوقال: حديث حسن صحيح غريب. وهو كما قال.\n١٢٩٩ - أحمد (٤/ ٢١٢).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٨١)، وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات.\n١٣٠٠ - أحمد (٥/ ٢٥٧).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٨١) وقال: رواه أحمد الطبراني بأسانيد، ورجال أ؛ مد وأحد أسانيد الطبراني ورجالهم رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن ميسرة: وهو ثقة.","vol":"3","page":1348},{"text":"الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين ربيعة ومضر\" فقال رجل: يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر قال: \"إنما أقول ما أقول\".\n١٣٠١ - * روى البزار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة\".\n١٣٠٢ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أمتي من يشفع في الفئام من الناس، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم يشفع للواحد، حتى يدخلوا الجنة\".\nوزاد رزين: \"وإنما شفاعتي في أهل الكبائر، وإنه ليؤمر برجل إلى النار، فيمر برجل كان قد سقاه شربة ماء على ظمأ، فيقول: إلا تشفع لي؟ فيقول: ومن أ، ت؟ فيقول: ألست أنا سقيتك الماء يوم كذا وكذا؟ فيعرفه؟ فيشفع فيه، فيرد من النار إلى الجنة\".\n* * *\n_________\n١٣٠١ - كشف الأستار (٤/ ١٧٣).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٢) وقال: رواه البزار، ورجاله رجال صحيح.\n١٣٠٢ - الترمذي (٤/ ٣٢٧) ٢٨ - كتاب صفة القيامة، ١٢ - باب [منه] وقال: هذا حديث حسن.\n(الفئام): الجماعة من الناس.","vol":"3","page":1349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>الفقرة العاشرة\nفي:\nالجنة والنار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>١ - المقدمة</span>\nإن نهايتكم أيها الإنس والجن إما إلى جنة وإما إلى نار فهل أنتم متذكرون أو غافلون؟\n- من أجل أن نتذكر هذه النهاية بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت الكتب وكانت المعجزات وظهرت الكرامات لتقوم الحجة على الخلق.\n- وها إن القرآن بين يديك وهو معجزة فيها معجزات يحدثك عما سيكون بين يديك، وها إن محمدًا ﷺ- من كان القرآن معجزته وأكرمه الله بمعجزات أخرى، ومن بشر به من قبله من الرسل، ومن كانت صفاته وثمراته تدل عليه- أنذرك وبشرك.\n- وها أنت ترى بقايا الوحي الإلهي في كثير من الأديان مع كثرة التغيير والتبديل تحدثك عما أعده الله لأهل طاعته وأوعد به أهل معصيته.\nوكما أن الأصل في الأمور الغيبية أن نتلقاها عن المعصوم محمد ﷺ فإذا ثبتت عنه كان من واجبنا التسليم فإن أمر الآخرة كله كذلك وأمر الجنة والنار من ذلك.\nوهناك قضايا من أمر الإيمان يكفي فيها الإيمان الإجمالي وهناك قضايا لابد فيها من الإيمان التفصيلي، وفي كل الأحوال فالإيمان التفصيلي الذي هو أثر عن معرفة النصوص كلها وفهمها حق الفهم على ضوء تحقيقات العلماء الراسخين في العلم من أهل السنة والجماعة هو الأرقى.\nوإذا مر معك وأنت تقرأ النصوص ما لم تعتد أن تشاهده في الدنيا من أمر الآخرة ففر إلى الإيمان وفر إلى تصديق الله، وفر إلى تصديق رسول الله ﷺ، فلا أصدق من الله ورسوله (وصدق الله ورسوله) (١) (ومن أصدق من الله حيثا) (٢) اللهم لا أحد.\n_________\n(١) الأحزاب: ٢٢.\n(٢) النساء: ٨٧.","vol":"3","page":1350},{"text":"والنار هي السجن الذي أعده الله للكافرين والعصاة قال تعالى: (وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) (١) والجنة هي دار السلام ودار النعيم المقيم أعدها الله لأهل الإيمان فكل ما فيها سلام وكل ما فيها سلام قال تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم) (٢).\n- والجنة والنار قد خلقهما من قبل فهما موجودتان قال تعالى عن النار (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) (٣)، (إنا أعتدنا للظالمين نارا) (٤). وقال عن الجنة (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) (٥)، فكل من الجنة والنار قد خلق وأعد وكتب له الخلود، والجنة علوية وهي الآن فوق السماء السابعة والنار مغيبة لا يعلم مكانها إلا الله ومن أطلعه الله على ذلك ويوم القيامة يؤتي بالنار ويؤتي بالجنة فتكونان متلاصقتين ويعبر الناس من أرض الحشر إلى الجنة على الصراط وقد مرت معنا نصوص كثيرة تدل على ذلك.\n- والنار من السعة بمها يهول قال تعالى: (يوم نقول لجنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد) (٦) والجنة من السعة بما يهول قال تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) (٧) (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض) (٨).\nولا تستغربن عرض الجنة أن يكون كذلك فمحيط الدائرة أوسع من قطرها والسموات السبع على القول الراجح كروية فإذا كانت الجنة فوق السماء السابعة فمحيط السماء السابعة أكبر من قطرها الذي عرض السموات والأرض.\n- والجنة والنار باقيتان أبدًا وأما قوله تعالى ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ (٩) فالمراد والله أعلم أنهم يعذبون العذاب أحقابًا ثم يكون عذاب أشد أو أنه كلما انتهى حقب بدأ حقب إلى ما لا نهاية له.\n_________\n(١) الإسراء: ٨.\n(٢) الأنعام: ١٢٧.\n(٣) البقرة: ٢٤.\n(٤) الكهف: ٢٩.\n(٥) آل عمران: ١٣٣.\n(٦) ق: ٣٠.\n(٧) الحديد: ٢١.\n(٨) آل عمران: ١٢٣.\n(٩) النبأ: ٢٣ - ٢٥.","vol":"3","page":1351},{"text":"- وأما قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (١) أي غير مقطوع، فليس المراد بالاستثناء نفي الديمومة بل المراد بالاستثناء أن الجنة والنار خالدتان خلود السموات والأرض باستثناء ما حدث للسموات والأرض يوم القيامة فإن ذلك لا يصيبهما وللعلماء اتجاهات أخرى في فهم الآيتين، فمن قطيعات الاعتقاد الإيمان بديمومة الجنة والنار فمن أنكر ذلك وقع في الضلال المبين.\nقال ابن كثير وهو يتحدث عن أهل الجنة:\n\"وثبت أن أول زمرة منهم على صورة القمر ثم الذين يلونهم في البهاء كأضوأ كوكب دري في السناء، وأنهم يجامعون ولا يتناسلون ولا يتوالدون إلا ما يشاؤون. وأنهم لا يموتون ولا ينامون، لكمال حياتهم وكثرة لذاتهم وتوالي نعيمهم ومسراتهم، وكلما ازدادوا خلودًا ازدادوا حسنًا وجمالًا وشبابًا وقوة وكمالًا، وازدادت لهم الجنة حسنًا وبهاء وطيبًا وضياء، وكانوا أرغب شيء فيها وأحرص عليها وكانت عندهم أعز وأغلى وألذ وأحلى، كما قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ \" (٢). أهـ. (النهاية في الفتن والملاحم).\nوقال ابن كثير وهو يتحدث عن أهل النار:\n\"إذا خرج أهل المعاصي من النار فلم يبق فيها غير الكافرين فلا يموتون ولا يحييون كما قال تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (٣). فلا خروج لهم منها ولا محيد لهم بل هم خالدون فيها أبدًا وهم الذين حبسهم القرآن وحكم عليهم بالخلود، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٤). وقال تعالى في سورة النساء ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ\n_________\n(١) هود: ١٠٦ - ١٠٨.\n(٢) الكهف: ١٠٨.\n(٣) الأعلى: ١١ - ١٢.\n(٤) الأحزاب: ٦٤، ٦٥.","vol":"3","page":1352},{"text":"ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (١) أهـ (النهاية في الفتن والملاحم).\nولشيخ الإسلام تقي الدين السبكي رسالة سماها: \"الاعتبار ببقاء الجنة والنار\"، رد فيها على من ادعى غير ذلك وجمع فيها النصوص القطعية الواردة في ذلك وختمها بقوله: \"فهذه الآيات التي استحضرناها في بقاء الجنة والنار وبدأنا لأنا وقفنا على تصنيف لبعض أهل العصر في فنائها. وقد ذكرنا نحو مائة آية منها من ستين في النار، ونحو من أربعين في الجنة، وقد ذكرنا الخلود وما اشتق منه في أربع وثلاثين آية في النار وثمان وثلاثين في الجنة، وذكرنا التأبيد في ثلاث في النار مع الخلود، وفي ثمان في الجنة منها سبع من الخلود. وذكر التصريح بعدم الخروج أو بمعناه في أكثر من ثلاثين. وتضافر هذه الآيات ونظائرها يفيد القطع بإرادة حقيقة معناها، وأن ذلك ليس مما استعمال فيه الظاهر في غير المراد، ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك ونقلوه خلفًا عن سلف عن نبيهم ﷺ وهو مركوز في فطرة المسلمين معلوم من الدين بالضرورة، بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون ذلك، ومن رد ذلك فهو كافر ومن تأوله فهو كمن تأول الآيات الواردة في البعث الجسماني وهو كافر أيضًا\" أهـ (الاعتبار).\n- فحدد يا أخي بصر الإيمان إلى مقرك ومستقرك وأقبل على الله بالذكر والفكر والتأمل في المصير وأكثر من قراءة القرآن فإنه الذي يذكرك بكل شيء، وها نحن نعرض عليك بعض النصوص حول الجنة والنار مع شيء من التعليقات بما يتناسب مع غرض الكتاب، وهي نصوص من الكتاب والسنة فيما وصفت به النار والجنة وبعض نعيم أهل الجنة وبعض عذاب أهل النار وفي بعض ما استحق به أهل الجنة وأهل النار النار ونبدأ هذه الفقرة بذكر مشاهد من القرآن الكريم حول ما ذكرناه.\n_________\n(١) النساء: ١٦٨، ١٦٩.","vol":"3","page":1353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>٢ - مشاهد من القرآن الكريم</span>\n﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا * وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ * وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١).\nجاءت سورة الواقعة بعد سورة الرحمن وقد ختمت سورة الرحمن بالحديث عن أهل النار وبالجنتين اللتين أعدهما الله للمحسنين ووصفتهما ثم بالحديث عن الجنتين اللتين أعدهما الله لأهل اليمين ووصفتهما، ثم جاءت سورة الواقعة فبدأت بالحديث عن أن الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: أهل يمين وأهل الشمال وسابقون وفصلت فيما أعد الله لكل، وختمت سورة الواقعة بما أعد الله للمقربين، وهم السابقون، وما أعده لأهل اليمين وما أعده لأهل الشمال. فالصورتان تتكاملان في العرض وقد بدأنا بذكر ما ورد في أوائل سورة الواقعة مما أعده الله\n_________\n(١) الواقعة: ١ - ٥٦.","vol":"3","page":1354},{"text":"﷿ للسابقين وأهل اليمين وأهل الشمال، ونكتفي بتفسير الكلمات التي تحتاج إلى تفسير: ﴿الْوَاقِعَةُ﴾: القيامة. ﴿كَاذِبَةٌ﴾: نفس الكاذبة تنكر وقوعها. ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: خافضة للأشقياء رافعة للسعداء. ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ زلزلت. ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ﴾: فتتت. ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾: غبار متفرقًا منتشرًا. ﴿أَزْوَاجًا﴾ أصنافًا. ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾: اليمن أو اليمين. ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ الشؤم أو الشمال. ﴿ثُلَّةٌ﴾: أمة كثيرة من الناس. ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ منسوجة من الذهب بإحكام. ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: مبقون على هيئة الولدان في البهاء. ﴿بِأَكْوَابٍ﴾: أقداح. ﴿وَأَبَارِيقَ﴾: أوان لها عرى وخراطيم. ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾: قدح من خمر جارية من العيون. ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾: لا يصيبهم صداع بشربها. ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾: لا تذهب عقولهم. ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾: نساء بيض واسعات الأعين حسناتها. ﴿اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ المصون في أصدافه. ﴿لَغْوًا﴾ كلامًا باطلًا لا خير فيه ﴿تَأْثِيمًا﴾: نسبة إلى الإثم. ﴿سِدْرٍ﴾: شجر النبق. ﴿مَخْضُودٍ﴾: مقطوع شوكه ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ شجر الموز أو مثله نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: دائمًا يتقلص. ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾: مصبوب يجري في غير أخاديد. ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ متحببات إلى أزواجهن مستويات في السن. ﴿سَمُومٍ﴾: ريح شديد الحرارة تدخل المسام. ﴿حَمِيمٍ﴾ ماء بالغ الحرارة. ﴿يَحْمُومٍ﴾ دخان شديد السواد. ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾: لا نافع من أذى الحر. ﴿الْحِنْثِ﴾: الذنب العظيم- الشرك- ﴿زَقُّومٍ﴾ شجر كريه جدًا في النار ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ الإبل العطاش التي لا تروى.\n﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ","vol":"3","page":1355},{"text":"رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١).\nهذه الآيات من سورة الرحمن جاءت مباشرة قبل الآيات التي مرت معنا من سورة الواقعة وهي تتحدث عن مضمونها مع تفصيلات هنا أو هناك في الوصف فيما أعده الله لأهل الشمال أو لأهل اليمين أو للسابقين، وقد بدأ الحديث في سورة الواقعة عما أعده الله للسابقين وبدأ الحديث هنا عما أعده الله لأهل النار ثم ثني بالكلام عما أعده الله للمحسنين السابقين بدليل ختم الآيات التي تتحدث عن ذلك بقوله تعالى ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٢) ثم تحدثت عن الجنتين اللتين أعدهما الله لأهل اليمين وهما دون تلك الجنتين، وقوله تعالى ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (٣) هل المراد به الانشقاق الذي يكون يوم القيامة ثم ما يؤول إليه حال الناس بعد الموقف والسؤال والحساب أو المراد به انشقاق آخر يكون في جهة العلو يسبق إدخال أهل النار النار؟ الآية تحتمل هذا وهذا. وقوله تعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (٤) يرجع القول الذي يقول بأنه انشقاق آخر غير الانشقاق الأول، فكأن هذا الانشقاق يكون بعد أن يتم الحساب والميزان وتقوم الحجة على الخلق ولم يبق إلا أن يدخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة، ومما قاله\n_________\n(١) الرحمن: ٢٧ - ٧٨.\n(٢) الرحمن: ٦٠.\n(٣) الرحمن: ٢٧.\n(٤) الرحمن: ٣٩.","vol":"3","page":1356},{"text":"صاحب كتاب \"كلمات القرآن تفسير وبيان\" في شرحه الكلمات التي تحتاج إلى شرح في هذا النص ما يلي:\n﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾: كالوردة في الحمرة.\n﴿كَالدِّهَانِ﴾: كدهن الزيت في الذوبان.\n﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بسواد الوجوه، وزرقه العيون.\n﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي﴾: بشعور مقدم الرؤوس.\n﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾: ماء حار تناهي حرة.\n﴿جَنَّتَانِ﴾: بستان داخل القصر وآخر خارجه.\n﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾: أغصان. أو أنواع من الثمار.\n﴿عَيْنَانِ﴾: التسنين والسلسبيل.\n﴿زَوْجَانِ﴾: صنفان: معروف وغريب.\n﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾: غليظ الديباج.\n﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ﴾: ما يجني من ثمارها.\n﴿دَانٍ﴾: قريب من يد المتناول.\n﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: قصرن أبصارهن على أزواجهن.\n﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: لم يقتضهن قبل أزواجهن.\n﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾: .... أدنى من السابقتين.\n﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: خضراوان شديدتا الخضرة.\n﴿نَضَّاخَتَانِ﴾: فوارتان بالماء لا تنقطعان.","vol":"3","page":1357},{"text":"﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾: خيرات الأخلاق حسان الوجوه.\n﴿حُورٌ﴾: نساء بيض حسان.\n﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾: مخدرات في بيوت من اللؤلؤ.\n﴿رَفْرَفٍ﴾: وسائد أو فرش مرتفعة.\n﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾: بسط ذات خمل رقيق.\n﴿تَبَارَكَ﴾: تعالى. أو كثر خيره وإحسانه.\n﴿ذِي الْجَلَالِ﴾: العظمة والاستغناء المطلق.\n﴿وَالْإِكْرَامِ﴾: الفضل التام والإحسان. أهـ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (١).\n﴿يُحَلَّوْنَ﴾: أي يلبسون الحلي في أيديهم من الذهب كما يحلون باللؤلؤ إما مرصع به الذهب في الأيدي أو يحلون فيه أعناقهم، وكلام أهل الجنة هو الكلم الطيب، وهم مهديون هداية كاملة خلقية إلى كل ما يحبه الله ويرضاه فالجنة دار السلام.\n﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢).\n﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي جنات إقامة أو هي الجنات التي في وسط الجنة.\nوالآية تدل على أن أزواج الصالحين وآباءهم وذرياتهم يقربون من منازل من هم أعلى منهم إذا اجتمع للأولين على منزلة ولهؤلاء صلاح وأن الملائكة تدخل على أصحاب الجنة منازلهم مسلمة عليهم مقدمة لهم ما أراد الله من هدايا وتحف وكل ذلك لزيادة الإكرام والإيناس.\n_________\n(١) الحج: ٢٣، ٢٤.\n(٢) الرعد: ٢٣، ٢٤.","vol":"3","page":1358},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١).\n﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي يلون أمرها وهم الزبانية، وعدتهم كما ورد في سورة المدثر تسعة عشر وهم غلاظ الأقوال شداد الأفعال أو غلاظ الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة، ونهى الكافرين عن الاعتذار لا ينفي وقوع الاعتذار منهم ولكنه تأكيد بأن الاعتذار لا ينفعهم.\n﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ (٢).\n﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ أي ثمرها دائم لا ينقطع وظلها لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس والمراد بكلمة ﴿عُقْبَى﴾ المال والمنتهى.\n﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٣).\nالماء الآسن: الماء الذي تغير طعمه وريحه. وخمر الجنة غير خمر الدنيا. وقوله تعالى عن أهل النار ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ أي بدل تلك الأشربة التي لأهل الجنة يشربون ماء حارًا يقطع أمعاءهم من فرط الحرارة.\n﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا *\n_________\n(١) التحريم: ٦، ٧.\n(٢) الرعد: ٣٥.\n(٣) محمد: ١٥.","vol":"3","page":1359},{"text":"إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ (١).\nقال صاحب (كلمات القرآن تفسير وبيان) في شرح المفردات ما يلي:\n﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾: بينا له طريق الهداية والضلال.\n﴿سَلَاسِلَ﴾: بها يفادون وفي النار يسحبون.\n﴿أَغْلَالًا﴾: بها تجمع أيديهم إلى أعناقهم ويقيدون.\n﴿كَأْسٍ﴾: خمر أو زجاجة فيها خمر.\n﴿مِزَاجُهَا﴾: ما تمزج الكأس به وتخلط.\n﴿عَيْنًا﴾: ماء عين أو خمر عين.\n﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾: يشرب منها. أو يرتوي بها.\n﴿يُفَجِّرُونَهَا﴾: يجرونها حيث شاءوا من منازلهم.\n﴿مُسْتَطِيرًا﴾: فاشيا منتشرًا غاية الانتشار.\n﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾: تكلح فيه الوجوه لهوله.\n﴿قَمْطَرِيرًا﴾: شديد العبوس.\n_________\n(١) الإنسان: ٣ - ٢٣.","vol":"3","page":1360},{"text":"﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾: أعطاهم حسنا وبهجة في الوجوه.\n﴿الْأَرَائِكِ﴾: السرر في الحجال. والحجال: جمع حجلة متحركة بيت يزين بالقباب والأسرة والستور.\n﴿زَمْهَرِيرًا﴾: بردا شديدًا.\n﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: قريبة منهم ظلال أشجارها.\n﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾: قربت ثمارها لتناولها.\n﴿وَأَكْوَابٍ﴾: أقداح بلا عري وخراطيم.\n﴿قَوَارِيرَ﴾: كالزجاجات في الصفاء.\n﴿قَدَّرُوهَا﴾: جعلوا شرابها على قدر الري.\n﴿كَأْسًا﴾: خمرًا أو زجاجة فيها خمر.\n﴿مِزَاجُهَا﴾: ما تمزج به وتخلط.\n﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: يوصف شرابها بالسلاسة في الانسياغ.\n﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: مبقون على هيئة الولدان في البهاء.\n﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾: كاللؤلؤ المفرق في الحسن والصفاء.\n﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾: ثياب من ديباج رقيق\". أهـ.\n﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾: الديباج الغليظ. والكافور والزنجبيل معروفان وهما في الآخرة غيرهما في الدنيا في الطعم واللذة.\n﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ","vol":"3","page":1361},{"text":"النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (١).\n(النزل): الضيافة، فأهل الجنة ضيوف الله ولكنها ضيافة أبدية وإذا طالب الله العبد أن يكرم ضيفه فكيف تكون ضيافة الله لأهل ضيافته من الإكرام والكرامة مما يزداد إلى ما لا نهاية.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ (٢).\n﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ مما يستقذر من المرأة في الدنيا خلقًا أو خلقًا. (الظل الظليل) الظل الدائم الذي لا ينسخه شيء.\n﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٣).\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٤).\n﴿تُحْبَرُونَ﴾ تسرون سرورًا ظاهر الأثر.\n﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا﴾ (٥).\n﴿مُتَشَابِهًا﴾: أي مع مثله في الدنيا في الصورة مختلفًا في الطعم والمقدار.\n_________\n(١) السجدة: ١٩، ٢٠.\n(٢) النساء: ٥٧.\n(٣) الحديد: ٢١.\n(٤) الزخرف: ٦٦ - ٧٣.\n(٥) البقرة: ٢٥.","vol":"3","page":1362},{"text":"﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١).\nقال صاحب \"كلمات القرآن تفسير وبيان\" في شرح المفردات ما يلي:\n﴿كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾: ما يكتب من أعمالهم.\n﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: لمثبت في ديوان الخير.\n﴿الْأَرَائِكِ﴾: الأسرة في الحجال. والحجال: جمع حجلة- محركة- يتزين بالقباب والأسرة والستور.\n﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾: بهجته ورونقه وبهاءه.\n﴿رَحِيقٍ﴾: أجود الخمر وأصفاه.\n﴿مَخْتُومٍ﴾: إناؤه حتى يفكه الأبرار.\n﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: ختام إنائه المسك بدل الطين.\n﴿فَلْيَتَنَافَسِ﴾: فليتسارع أو فليستبق.\n﴿وَمِزَاجُهُ﴾: ما يمزج به ويخلط.\n﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين عالية شرابها أشرف.\n﴿يَشْرَبُ﴾: يشرب منها.\n_________\n(١) المصطفين: ١٨ - ٣٦.","vol":"3","page":1363},{"text":"﴿يَتَغَامَزُونَ﴾: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.\n﴿فَكِهِينَ﴾: متلذذين باستخفافهم بالمؤمنين.\n﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾: جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين أهـ.\n﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (١).\n﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أي مشهود فيه أهل السموات والأرضين، أي كثير شاهدوه، فالجن والإنس والملائكة ممن يشهدونه. ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: أي بإذن الله تعالى وهذا في موقف. وقوله تعالى ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٢) في موقف آخر. والاستثناء في قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ إشارة إلى أن الخلود الحالي للسموات والأرض خلود نسبي ينقطع بيوم القيامة أما خلود الجنة والنار فخلود لا ينقطع بما حدث بمشيئة الله بقيام القيامة. (الزفير) إخراج النفس والشهيق رده بصورتين منكرتين ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي غير مقطوع. وقد ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ الوارد في أهل الجنة والنار توجيها آخر فقال في كتابه: \"كبري اليقينيات الكونية\" عند هذه الآية: إن الاستثناء إنما هو من قوله: ﴿شَقُوا﴾ و﴿سُعِدُوا﴾ أي: جميع الأشقياء خالدون في النار إلا من شاء الله منهم ألا يخلد فيها، وهم العصاة من أهل الإيمان والتوحيد، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة الأخرى. وجميع أهل السعادة خالدون في الجنة إلا ما شاء الله منهم أن يعذب في النار إلى أمد قبل ذلك، وهو أولئك الذين غمرت حياتهم بالمعاصي والأوزار من المؤمنين، ولم تكتب\n_________\n(١) هود: ١٠٢ - ١٠٨.\n(٢) المرسلات: ٢٥، ٣٦.","vol":"3","page":1364},{"text":"لهم الشفاعة أولًا. وإنما لم يأت الاستثناء بصيغة إلا من شاء الله، لأن المراد من المستثنى منه العدد المجرد، وذلك كقوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فقد عبر عن النساء \"بما\" لملاحظة العدد\". أهـ.\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).\nكما يزوج أهل الجنة من الحور العين فإن لهم زوجاتهم من أهل الدنيا، فليس في الجنة أعزب ولا عزباء والمزوجات من أهل الدنيا يكن أجمل في أعين أزواجهن من الحور العين على جمالهن.\n﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢).\nهناك ناس يريدون العلو لأنفسهم- لا في سبيل الله- ولا يريدون فسادا، وهناك ناس يريدون الفساد مع العلو وهناك ناس يريدون الفساد بلا علو، والذين ينالون رضوان الله هم الذين لا يريدون علوا ولا فسادا وإنما يريدون العلو لكلمة الله بأنفسهم أو بغيرهم مع الإخلاص لله تعالى ومع البعد عن الفساد والإفساد.\n﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (٣).\n﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ\n_________\n(١) الدخان: ٥١ - ٥٧.\n(٢) القصص: ٨٣.\n(٣) الحاقة: ١٩ - ٢٤.","vol":"3","page":1365},{"text":"وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١).\n﴿زُمَرًا﴾ جمع زمرة والمراد بها الجماعة، وإنما يساقون إلى الجنة زمرًا للإسراع بهم ولأن أهل الجنة يتفاوتون في الدرجات فأهل كل درجة يساقون مع بعضهم وقول الملائكة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي لا يعتريكم بعد مكروه. ﴿طِبْتُمْ﴾ أي حلهرتم من دنس المعاصي وهذا يدل على أن أهل الجنة لا يدخلونها إلا بعد أن ينقبوا تنقية كاملة ظاهرًا وباطنًا، ومن آثامهم وظلمهم. ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ ذهب بعضهم إلى أن المراد بالأرض هنا أرض الجنة وحملها بعضهم على التبدل الذي يطرأ على الأرض فتكون به خبرة يأكلها أهل الجنة فتكون لهم وراثة الأرض خالصة لا منازع.\n﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).\n﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ﴾ أي أيها الداخل إلى الجنة ﴿حَافِّينَ﴾ أي محدقين ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي بين الخلق بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار والضمير في ﴿وَقِيلَ﴾ يعود على الملائكة أو على أهل الجنة.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٣).\n﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٤).\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥).\n_________\n(١) الزمر: ٧٣، ٧٤.\n(٢) الزمر: ٧٥.\n(٣) العنكبوت: ٥٨.\n(٤) الزمر: ٢٠.\n(٥) الذاريات: ١٥ - ١٩.","vol":"3","page":1366},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).\n﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢).\n﴿الْحُسْنَى﴾ أي الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ أي النظر إلى وجه الله الكريم ﴿وَلَا يَرْهَقُ﴾ أي ولا يغشى. ﴿قَتَرٌ﴾ غبرة فيها سواد.\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٣).\nنزع الغل من قلوب المؤمنين يكون قبل إدخالهم الجنة.\n﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٤).\n(المفاز): فوز وظفر بكل محبوب. (الكواعب): هن نساء الجنة وهن النسوة اللواتي لهن تهود مستديرة بأجمل ما يكون من الأحجام. (الأتراب): المتساويات في السن.\n﴿الرُّوحُ﴾: إما جبريل وإما الملك الموكل بالأرواح أو خلق عظيم أعظم من الملائكة وإذا كانت الملائكة والروح على جلالة قدرهم يقفون مصطفين ولا يتكلمون إلا بعد إذن وبشرط أن يكون الكلام صوابًا فهذا يدل على جلالة الموقف وقوة الانضباط فيه. ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾: قيل في تفسيرها إن ذلك يقوله الكافر بعد أن\n_________\n(١) يونس: ٩، ١٠.\n(٢) يونس: ٢٦.\n(٣) الحجر: ٤٥ - ٤٨.\n(٤) النبأ: ٣١ - ٤٠.","vol":"3","page":1367},{"text":"يرى أن الحيوانات أصبحت ترابًا بأمرا الله بعد أن يقتص من بعضها لبعض فيتمنى أن لو كان ماله كذلك وقيل غير ذلك.\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (١).\n﴿عِينٍ﴾ جمع عيناء وهي ذات العين الواسعة الجميلة. ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي في دخلوا الجنة بشرط وجود الإيمان وهذا يدل على أن صلاح الآباء ينفع الأبناء إذا كانوا مؤمنين. ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي وما أنقصناهم. ﴿رَهِينٌ﴾ أي مرهون عند الله فلا يكفه إلا إيمانه وعمله الصالح. ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا﴾ يتجاذبون. ﴿كَأْسًا﴾ خمرًا. ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ لا كلام ساقط. ﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ ولا فعل يوجب الإثم على خلاف خمر الدنيا التي يرافقها اللغو والإثم. ﴿اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ المصون. ﴿عَذَابَ السَّمُومِ﴾ نار جهنم النافذة من المسام.\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (٢).\n(النمارق المصفوفة): الوسائد والمرافق يتكأ عليها موضوع بعضها إلى جنب بعض.\n(الزرابي المبثوثة): البسط الفاخرة المفرقة في المجالس.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ لَهُمْ\n_________\n(١) الطور: ١٧ - ٢٨.\n(٢) الغاشية: ٨ - ١٦.","vol":"3","page":1368},{"text":"جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (١).\n﴿الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة وهي ما يتكأ عليه ويراد به هنا- والله أعلم- السرر التي عليها الأرائك.\n﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٢).\n﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ أي ما له من انقطاع وفناء.\n﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ (٣).\n﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: فسرها بعضهم بأن المراد بذلك الديمومة فلا صباح ومساء في الجنة، وفسرها بعضهم بأن ذلك جرى على عادة أهل الرفاه في الدنيا وذلك عدا ما يشتهونه فهو موفر لهم في كل حال.\n﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (٤).\n﴿الْحَزَنَ﴾: كل ما يحزن ويغم. (النصب): التعب والمشقة. (اللغوب): الإعياء من التعب والفتور.\n﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَهُمْ فِيهَا مَا\n_________\n(١) الكهف: ٢٠ - ٢١.\n(٢) ص: ٤٩ - ٥٤.\n(٣) مريم: ٦١ - ٦٣.\n(٤) فاطر: ٣٣، ٣٥.","vol":"3","page":1369},{"text":"مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ (١).\n﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٢).\n﴿شُغُلٍ﴾: نعيم عظيم يلهيهم عما سواه. ﴿فَاكِهُونَ﴾ متلذذون أو فرحون. ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ أي ما يتمنون أو يطلبون. وقال البيذاوي عند قوله تعالى: ﴿فِي شُغُلٍ: أنه أبهم (الشغل) تعظيمًا لما هم فيه من البهجة والتلذذ وتنبيها على أنه أعلى ما يحيط الأفهام ويعرب عن كنهه الكلام أهـ.\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٤).\n﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) (٥).\n﴿وَيْلٌ﴾: عذاب أو هلاك أو واد في جهنم.\n﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: طعان غياب غياب الناس.\n﴿وَعَدَّدَهُ﴾: أحصاه. أوعده للنوائب.\n﴿أَخْلَدَهُ﴾: يخلده في الدنيا.\n_________\n(١) الفرقان: ١٥ - ١٦.\n(٢) يس: ٥٥ - ٥٧.\n(٣) المرسلات: ٤١ - ٤٥.\n(٤) المائدة: ٣٦ - ٣٧.\n(٥) الهمزة: ١ - ٩.","vol":"3","page":1370},{"text":"﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾: ليطرحن.\n﴿الْحُطَمَةِ﴾: جهنم. لحطمها كل ما يلقي فيها.\n﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾: تغشى حرارتها أوساط القلوب.\n﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: مطبقة مغلقة أبوابها.\n﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: بأعمدة ممدودة على أبوابها.\nوهذا وصف يؤكد أن جهنم سجن ولكنه ليس كسجون الدنيا.\n﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ (١).\n﴿تَبَّتْ﴾: هلكت أو خسرت أو خابت.\n﴿وَتَبَّ﴾: وقد هلك أو خسر أو خاب.\n﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ﴾: ما دفع التباب عنه.\n﴿وَمَا كَسَبَ﴾: الذي كسبه بنفسه.\n﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾: سيدخلها أو يقاسي حرها.\n﴿فِي جِيدِهَا﴾: في عنقها.\n﴿مِنْ مَسَدٍ﴾: مما يفتل قويًا من الحبال.\nقال البيضاوي ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي حبل من نار أهـ.\nأقول: والذين فسروه بأنه حبل من ليف أخذوه على معناه في الدنيا ولا غرابة فالنار فيها شجر الزقوم فحال الآخرة غير حال الدنيا فإذا احترق الشجر والليف في نار الدنيا فإن لنار الآخرة خصائصها، وعلى كل الأحوال فإن النص يفيد الإذلال والمهانة على ما كانت\n_________\n(١) المسد: ١ - ٥.","vol":"3","page":1371},{"text":"تفعله في الدنيا.\n﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (١).\n﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾: هذان فوجان اختصموا في اله: وهم المؤمنون والكافرون وقد ذكر الله ﷿ ما أعد للكافرين الذين يخاصمون المؤمنين في الله فقد قدرت لهم على مقادير جثثهم ثياب من النار تحيط بهم إحاطة الثياب، وهل المراد بذلك أن النار التي تحيط بهم هي الثياب أو أن لهم ثيابًا من نار زيادة على نار جهنم؟ النص يحتمل هذا وهذا. والحميم الماء الحار. ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ سياط من حديد يجلدون بها.\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٢).\nأي في الطبقة التي في قعر جهنم لأنهم أخبث الكفرة فقد ضموا إلى الكفر استهزاء بالله وخداعًا للمسلمين.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٣).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ العفائف ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عما قذفن به المؤمنات بالله ورسوله، إن الذين يرمون هؤلاء أي يقذفونهن بالزنا. وقد قيل إن الوعيد المذكور في النص في حق المنافقين الذين قذفوا عائشة ﵂ وقيل إنه في كل قاذف ما لم يتب وتقبل توبته ويعف أصحاب الحقوق عن حقوقهم وما أشد هذا الوعيد في حق كل من يقذف أعراض المؤمنين والمؤمنات.\n_________\n(١) الحج: ١٩ - ٣٢.\n(٢) النساء: ١٤٥.\n(٣) النور: ٢٣ - ٢٥.","vol":"3","page":1372},{"text":"﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).\n﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ أي يسحبون بها في النار.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢).\nأي يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى أو يزال عنه أثر الإحراق ليعود إحساسه للعذاب كما قال ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي ليدوم لهم ذوقه وقيل يخلق مكانه جلدًا آخر والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية.\nأقول: من أقوال علماء التشريح في عصرنا أن أشد أنواع الأعصاب حساسية بالألم هي أعصاب الجلود، فالآية فيها معجزة علمية من معجزات القرآن.\n﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).\nدل النص على أن أهل النار يأكلون ويتمتعون في الدنيا وهم غافلون عن الله، وما كلفهم به، وبذلك استحقوا ما استحقوه من العذاب.\n﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٤).\nهذا الوعيد لمن لا يؤدى حق الله في ماله فإنه يعذب به في نار جهنم، وهناك العذاب في الموقف بوطء الأنعام لمن لم يؤد زكاتها في الدنيا كما ورد في حديث سنورده في جزء الزكاة.\n_________\n(١) الرعد: ٥.\n(٢) النساء: ٥٦.\n(٣) المرسلات: ٤٦ - ٥٠.\n(٤) التوبة: ٢٤ - ٣٥.","vol":"3","page":1373},{"text":"﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (١).\n﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ لا يخفف عنهم. ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من النجاة. و﴿مَالِكِ﴾ هو خازن النار ورئيس الزبانية وقولهم ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي ليتنا فيكون الجواب ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ أي مقيمون أبدًا لا خلاص بموت أو غيره وهذا من أعظم الأدلة على كفر القائلين بفناء النار.\n﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).\nورد في حديث صحيح أن الذي لا يؤدي زكاة ماله يطوقه الله ﷿ يوم القيامة بثعبان يطوق عنقه يأخذ بشدقيه وسيمر معنا الحديث في جزء الزكاة، وهذا يدل على أن من بخل بزكاة الأموال من ذهب وفضة وأمثالهما له عذابه في الحشر، وإذا دخل النار كان له عذاب خاص بسبب ما كنز مما لم يؤد زكاته.\n﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (٣).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤).\n﴿يَشْتَرُونَ﴾ يستبدلون. ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أي بما عاهدوه عليه. ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ أي بما أقسموا أنه لو جاءهم الرسول الحق لأمنوا به ولنصروه. ﴿لَا خَلَاقَ﴾ لا نصيب لهم من رحمة الله في الآخرة. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بما يسرهم أو لا يكلمهم أصلًا سخطًا منه عليهم لما\n_________\n(١) الزخرف: ٧٤ - ٧٧.\n(٢) آل عمران: ١٨٠.\n(٣) الأحزاب: ٦٦ - ٦٨.\n(٤) آل عمران: ٧٧.","vol":"3","page":1374},{"text":"قامت عليهم من الحجج ثم أصروا على الكفر. ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ نظرة رحمة. ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي ولا يثني عليهم جزاء على فعلهم في الدنيا إذ أنهم من حبهم للثناء في الدنيا عرفوا الحق وتركوه إرضاء للناس. وعلى القول بأنه لا يكلمهم أصلًا فإن ذلك محمول على بعض مواقف يوم القيامة.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).\nكما أن من كفر أصلا له من العذاب ما ذكر في ما قبل هذا النص فإن من يكتم ما أنزل الله وهو قادر على إظهاره فإن له هذا العذاب الذي ذكرته الآية، وكذلك من يسأل عن علم يفترض عليه تعليمه فيكتمه يلجم يوم القيامة بلجام من نار، وقوله تعالى ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ فسرها البيضاوي بقوله: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾: إما في الحال لأنهم أكلوا ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه، أو في المال أي لا يأكلون يوم القيامة إلا النار في بطونهم ملء بطونهم أهـ.\n﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).\nهناك ناس يرتدون ولا أمل في رجوعهم إلى الإسلام لأنهم ارتدوا بعد قيام الحجة كاملة عليهم، فهؤلاء ينفي الله أن يكونوا محل هدايته مرة أخرى وهؤلاء يستأهلون اللعنة من الله والملائكة والمؤمنين ومن الناس أجمعين في الدنيا وفي الآخرة، وهناك ناس يرتدون ثم يرجعون فيتوبون ويصلحون فهؤلاء يعدهم الله ﷿ مغفرة منه ورحمة.\n﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي\n_________\n(١) البقرة: ١٧٤.\n(٢) آل عمران: ٨٦ - ٨٩.","vol":"3","page":1375},{"text":"كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (١).\n﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾: أي أنهم لا يرون الله ﷿ لا في عرصات القيامة ولا بعد دخولهم النار فهم محرومون من هذه الرؤية على خلاف المؤمنين الذين يرون ربهم في عرصات القيامة ويرونه بعد أن يدخلون الجنة.\n﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢).\n﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣).\n﴿وَالطُّورِ﴾ قسم بجبل طور سيناء الذي كلم الله عنده موسى. ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ مكتوب على وجه الانتظام والمراد به القرآن أو اللوح المحفوظ ﴿فِي رَقٍّ﴾ ما يكتب فيه جلدًا أو غيره ﴿مَنْشُورٍ﴾ مبسوط غير مختوم عليه وقد استعير للكتاب المراد في الآية السابقة ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ إما كعبة الأرض وإما كعبة السماء وهي في السماء الرابعة والمراد يوم القيامة ﴿إِنَّ عَذَابَ﴾ جواب القسم بما سبق ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ﴾ تضطرب وتدور كالرحى وذلك بين يدي طيها كطي السجل ﴿فَوَيْلٌ﴾ هلاك أو حسرة أو شدة عذاب ﴿خَوْضٍ﴾ اندفاع في الأباطيل والأكاذيب ﴿يُدَعُّونَ﴾ يدفعون بعنف وشدة ﴿اصْلَوْهَا﴾ ادخلوها أو قاسوا حرها.\n﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا\n_________\n(١) المطففين: ١٥ - ١٧.\n(٢) البقرة: ٢٤.\n(٣) الطور: ١ - ١٦.","vol":"3","page":1376},{"text":"بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (١).\nقال صاحب \"كلمات القرآن تفسير وبيان\" في شرح المفردات ما يلي:\n﴿كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: موضع ترصد وترقب للكافرين.\n﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾: مرجعا ومأوى لهم.\n﴿أَحْقَابًا﴾: دهورًا متتابعة لا نهاية لها.\n﴿بَرْدًا﴾: نومًا أو روحًا من حر النار.\n﴿حَمِيمًا﴾: ماء بالغًا نهاية الحرارة.\n﴿وَغَسَّاقًا﴾: صديدًا يسيل من جلودهم.\n﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾: جزيناهم جزاء موافقًا لأعمالهم.\n﴿كِذَّابًا﴾: تكذيبًا شديدًا.\n﴿أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾: حفظناه وضبطناه مكتوبًا إما في اللوح المحفوظ أو في صحف الحفظة من الملائكة أو في الكتاب الذي ينسخ عن صحف الملائكة وقد كفر قوم بفهمهم من قوله تعالى ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ إذ وهموا فظنوا أن النار تفنى في النهاية وهو خلاف الإجماع والنصوص المحكمة القطعية، والمراد ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ فهناك أحقاب يكون هذا عذابهم ثم تأتي أحقاب أخرى فيجمع إلى هذا العذاب عذاب آخر قال تعالى ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ أو أن المراد أنه كلما انتهى حقب جاء حقب آخر إلى ما لا نهاية.\n﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٢).\n﴿حَصِيرًا﴾ أي سجنًا يحصرون فيه وبعضهم فسرها بأن المراد فيها أنها فراش ومهاد لهم وهذا لا ينفي كونها سجنًا لقوله تعالى ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾.\n_________\n(١) النبأ: ٢١ - ٣٠.\n(٢) الإسراء: ٨.","vol":"3","page":1377},{"text":"﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).\nقوله تعالى ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي تغشاهم ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ أي لفرط سوادها وظلمتها والسواد يصيب الكافرين في الحشر وفي النار وهو في النار أشد.\n﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٢).\nقال البيضاوي: لها سبعة أبواب: يدخلون فيها لكثرتهم أو طبقات ينلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ من الأتباع ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أفرز له، فأعلاها للموحدين العصاة والثاني لليهود والثالث للنصارى والرابع للصابئين والخامس والسادس للمشركين والسابع للمنافقين. أهـ.\nأقول: هذا اتجاه للعلماء فهموه استقراء وأما الجنة فلها ثمانية أبواب كما ورد في نصوص كثيرة.\n﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ: ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٣).\nمن عادة الناس في الدنيا أنهم يحمون وجوهم بأيديهم أما في النار فإنهم يحمون أنفسهم بوجوهم، قال البيضاوي ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ أي يجعله درقة يقي به نفسه لأنه يكون مغلولًا يداه إلى عنقه فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه) أهـ.\n﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ\n_________\n(١) يونس: ٢٧.\n(٢) الحجر: ٤٢ - ٤٤.\n(٣) الزمر: ٢٤.","vol":"3","page":1378},{"text":"فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١).\n﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب أو هي كالمحيطة بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها. ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي من جميع جوانبهم ﴿وَيَقُولُ﴾ أي الله أو الملائكة بأمر الله ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي جزاءه.\n﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢).\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ (٣).\n﴿فَزِعُوا﴾ خافوا عند الموت أو البعث. ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ فلا مهرب ولا نجاة من العذاب. ﴿مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ موقف الحساب. ﴿التَّنَاوُشُ﴾ تناول الإيمان والتوبة. ﴿مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ هو الآخرة. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يرجمون بالظنون. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ يمكن أن يراد أن مما يعذبون به أن يحال بينهم وبين شواتهم ويمكن أن يراد به أنهم يشتهون الإيمان والعمل الصالح لينجوا بذلك من النار وقد حيل بينهم وبينه لأن محل ذلك الدنيا. ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ بأمثالهم من الكفار. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة والقلق.\n﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ (٤).\n_________\n(١) العنكبوت: ٥٤ - ٥٥.\n(٢) الزمر: ٧١ - ٧٢.\n(٣) سبأ: ٥١ - ٥٤.\n(٤) الغاشية: ١ - ٧.","vol":"3","page":1379},{"text":"قال صاحب \"كلمات القرآن تفسير وبيان\" في شرح المفردات ما يلي:\n﴿الْغَاشِيَةِ﴾: القيامة تغشى الناس بأهوالها.\n﴿خَاشِعَةٌ﴾: ذليلة خاضعة من الخزي.\n﴿عَامِلَةٌ﴾: تجر السلاسل والأغلال في النار.\n﴿نَاصِبَةٌ﴾: تعبة مما تلاقيه فيها من العذاب.\n﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾: تدخل أو تقاسي نارًا تناهي حرها.\n﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: بلغت أناها (غايتها) في الحرارة.\n﴿ضَرِيعٍ﴾: شيء في النار، كالشوك مر منتن.\n﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾: لا يدفع عنهم جوعا أهـ.\n﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (١).\n﴿الْخَاسِرِينَ﴾ الكاملين في الخسران. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالضلال وأهليهم بالإضلال. ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي أطباق من النار. ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ سمى ما تحتهم لأنه أطباق بالنسبة لمن تحتهم.\n﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ (٢).\n﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ يوم القيامة والحساب. ﴿شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ من أخبث الشجر تنبت\n_________\n(١) الزمر: ١٥ - ١٦.\n(٢) الدخان: ٤٠ - ٥٠.","vol":"3","page":1380},{"text":"في النار، قال عنها ربنا: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ (١).: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ كالمعدن المذاب. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ فجروه بعنف وقهر. ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ وسط النار. ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ يدل على أن لأئمة الكفر عذابًا أشد من عذاب غيرهم فمقرهم وسط الجحيم ﴿بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ تجادلون وتمارون.\n﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (٢).\nفسر بعضهم السرادق هنا بما يحيط بالبيت، وفسرها بعضهم بالجدار وقد وردت نصوص في كثافة وعرض جدران النار ستمر معنا. ﴿كَالْمُهْلِ﴾ كالمعدن المذاب. ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ساءت مكانًا يقر فيه الإنسان ويسكنه وكأنه محل ارتفاقه وهذا شأ، هـ في الهول والعذاب.\n﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ (٣).\n﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي استنصر الرسل بالله على الظالمين. ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ﴾ خسر وهلك كل متعاظم متكبر. ﴿عَنِيدٍ﴾ معاند للحق بجانب له. ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ أي أمامه أو من وراء حياته. ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ أي ما يسيل من جلود أهل النار. ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يتكلف بلعه لحرارته ومرارته. ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي لا يكاد يبتلعه لشدة كراهيته ونتنه. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أي أمامه في كل وقت يستقبل عذابًا أشد مما هو فيه وقيل هو الخلود في النار.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا\n_________\n(١) الصافات: ٦٤ - ٦٧.\n(٢) الكهف: ٢٩.\n(٣) إبراهيم: ١٥ - ١٧.","vol":"3","page":1381},{"text":"نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (١).\n﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ رد على من كفر بقوله إن عذاب أهل النار ينقلب عليهم عذوبة فيتلذذون به وهذا من الكفر الذي اشتهر وانتشر في بعض الدوائر.\n﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (٢).\n﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أي إذا كانت بمرأى منهم وكانوا على مرأى منها. ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ وهو أقصى ما يمكن أن ترى منه. ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ سمعوا لها- على بعد المكان- تغيظًا وزفيرًا أي صوت تغيظ، شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه. ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا﴾ أي في مكان. ﴿ضَيِّقًا﴾ وذلك لزيادة عذابهم فكلما ضاق المكان على الإنسان كان ذلك أشد في عذابه. ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ﴾ ينادون في ذلك المكان. ﴿ثُبُورًا﴾ الثبور الهلاك، أي يطلبون الهلاك ولا يجدونه.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ (٣).\n﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: كيف يصرفون عن الآيات مع صدقها ووضوحها. ﴿الْأَغْلَالُ﴾ القيود، تجمع الأيدي إلى الأعناق، ومع الأغلال فإن هناك سلاسل يلفون بها ويسحبون بها زيادة في الإهانة والعذاب. ﴿الْحَمِيمِ﴾ الماء البالغ نهاية الحرارة. ﴿يُسْجَرُونَ﴾ أي يحرقون فتزداد النار بهم إيقادًا. قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.\nونختم هذه المشاهد بذكر وصف الكافرين في الدنيا ومواقفهم من الحق فاستحقوا بذلك\n_________\n(١) فاطر: ٣٦ - ٣٧.\n(٢) الفرقان: ١١ - ١٤.\n(٣) غافر: ٦٩ - ٧٢.","vol":"3","page":1382},{"text":"﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١).\n﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ أي قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢). ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ أي غير مرئية حيث لا تغني عنهم الآيات والنذر ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ أي الأغلال واصلة إلى أذقانهم فلا تخليهم يطأطئون رؤوسهم. ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي أحاط بهم سدان من أمامهم ومن خلفهم فإن نظروا أمامهم لا يبصرون وإن نظروا خلفهم لا يبصرون وإن نظروا إلى المستقبل لا يبصرون وإن نظروا إلى ماضيهم لا يعتبرون وإن نظروا إلى ماضي الأمم لا يعتبرون. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي ألبسنا أبصارهم وبصائرهم غشاوة- فأحمد الله يا أخي على أن كنت من أهل الإسلام ولم تكن من هؤلاء الذين تراهم واقعًا يتحرك.\n_________\n(١) يس: ٧ - ٩.\n(٢) هود: ١١٩.","vol":"3","page":1383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>٢ - نصوص حديثيه في النار</span>\n١٣٠٣ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم\".\n١٣٠٤ - * روى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتدرون مثل ناركم هذه من نار جهنم لهي أشد من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفًا\".\n١٣٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ناركم هذه التي توقدون: جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم\"، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: \"فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا، كلها مثل حرها\".\nأقول:\nنحن نعلم أن نار الدنيا ليست واحدة في الحرارة فهناك نار في الدنيا هي جزء من مائة جزء من نار جهنم وهناك نار في الدنيا هي جزء من سبعين جزءًا.\n١٣٠٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ، إذ سمع وجبة، فقال: \"أتدرون ما هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: \"هذا\n_________\n١٣٠٣ - أحمد (٢/ ٣٧٩).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٧) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٠٤ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله الصحيح.\n١٣٠٥ - البخاري (٦/ ٢٣٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٠ - باب صفة النار.\nمسلم (٤/ ٢١٨٤) ٥١ - كتاب الجنة، ١٢ - في شدة حر نار جهنم.\nوالترمذي (٤/ ٧٠٩) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ٧ - باب ما جاء في صفة جهنم.\nوالموطأ (٢/ ٩٩٤) ٥٧ - كتاب جهنم، ١ - باب ما جاء في صفة جهنم.\nوليس في الموطأ \"كلها مثل حرها\".\n١٣٠٦ - مسلم (٤/ ٢١٨٤) ٥١ - كتاب الجنة، ١٧ - باب في شدة حر نار جهنم.\n(وجبة): الوجبة: صوت وقع الشئ.","vol":"3","page":1384},{"text":"حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار الآن حيث انتهى إلى قعرها\" زاد في رواية (١): \"فسمعتم وجبتها\".\nأقول:\nهذا النص يدل على أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسمعون شيئا من أمر الغيب.\n١٣٠٧ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أن رصاصة مثل هذه- وأشار إلى مثل الجمجمة- أرسلت من السماء إلى الأرض- وهي مسيرة خمسمائة سنة- لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفًا الليل والنهار، قبل أن تبلغ أصلها، أو قعرها\".\nوفي كتاب الترمذي المطبوع لو أن رضاضة- بالضاد المعجمة- والرضاضة فتات الشيء وفيه شرح السنة: لو أن رضراضة والرضاض: الحصى الصغار.\nقال محقق الجامع: وإسناده حسن، وقال الترمذي: هذا إسناد حسن صحيح.\nوحسن إسناده أيضًا الشيخ شعيب في شرح السنة ١٥/ ٢٤٩. لكن ضعفه بعضهم، وظني أن ذلك لوجود دراج أبي السمح إذ قال عنه ابن حجر في التقريب: (صدوق في حديثه عن أبي الهيثم، ضعيف) أ. هـ.\nلكن الناظر في ترجمته في التهذيب يرى أنه وجد من وثقه ومن ضعفه وها أنذا أنقل ما قيل فيه:\n\"قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه منكر، وقال أبو داود لما سئل عنه: سمعت أحمد يقول: الشأن في دراج، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، قال عثمان: دراج ومشرح بن هامان ليسا بكل ذاك، وهما صدوقان. وقال الدوري عن ابن معين: دراج\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢١٨٥) في الكتاب والباب السابقين.\n١٣٠٧ - الترمذي (٤/ ٧٠٩) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ١٦ - باب حدثنا سويد ... الخ.","vol":"3","page":1385},{"text":"ثقة، وأبو الهيثم ثقة، وقال الآجري عن أبي داوود: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وقال النسائي: ليس بالقوى. وقال في موضع آخر: منكر الحديث. وقال أبو الحاتم في حديثه ضعف، وقال الدارقطني: ضعيف. وقال في موضع آخر: متروك. وقال فضلك الرازي لما ذكر له أن ابن معين قال دراج ثقة؛ فقال: ليس بثقة ولا كرامة. وقال ابن عدي: عامة الأحاديث التي أمليتها عن دراج مما لا يتابع عليه، ومما ينكر من حديث: أصدق الرؤيا بالأسحار، والشتاء ربيع المؤمن، والشباع حرام، وأكثروا من ذكر الله حتى يقال: مجنون، ولا حليم إلا ذو عثرات. وأرجو أن أحاديثه بع هذه التي أنكرت عليه لا بأس بها. وقال ابن يونس: كان يقص بمصر، يقال توفي سنة (١٢٦). قلت: وذكره ابن حبان في الثقات في عبد الرحمن، وذكر أن أسم أبيه السمح وخرج حديثه في صحيحه، وذكر ابن أبي حاتم عن أحمد بن صالح المصري: دراج لا يعرف اسم أبيه وحكي ابن عدي عن أحمد بن حنبل أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف، وقال ابن شاهين في الثقات: ما كان بهذا الإسناد فليس به بأس. أهـ تهذيب التهذيب (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\nأقول: يستأنس بهذا النص أن السموات السبع قريبة نسبيًا من الأرض بالنسبة لما نعرفه الآن من أبعاد بين النجوم من جهة وبين المجرات من جهة، وهذا من جملة الأسباب التي حملتنا على القول بأن السموات السبع مغيبة عنا وأنها من أمر الغيب.\n١٣٠٨ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول ﷺ قرأ هذه الآية ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) فقال: \"لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامهم؟ \".\n_________\n١٣٠٨ - الترمذي (٤/ ٧٠٦) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ٤ - باب ما جاء في صفة شراب أهل جهنم.\nوقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.\n(١) آل عمران: ١٠٢.\nالزقوم: هو ما وصفه الله تعالى في كتابه العزيز فقال: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ الصافات: ٦٤، ٦٥.","vol":"3","page":1386},{"text":"١٣٠٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب، أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما ترون من الزمهرير\".\nوللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلى ربها، فأذن لهم في كل عام بنفسين: نفس في الشتاء، وفي نفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير\".\nولمسلم (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \"قالت النار: رب أكل بعضي بعضا، فأذن لي أتنفس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم\".\nوفي أخرى (٣) له: أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا كان الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم\"، وذكر: \"أن النار اشتكت إلى ربها، فأذن لها في كل عام بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف\".\nأقول:\nإن أمر النار غيب ومحلها غيب وكيفية تنفسها. وتأثيرها على الأرض وأهلها غيب وواجبنا في ذلك كله التسليم لأن أمر الغيب لا يدخل في دائرة البحث المادي ولا يتناقض معه بل يكمله.\n_________\n١٣٠٩ - البخاري (٢/ ١٨) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٩ - باب الإيراد بالظهر.\nمسلم (١/ ٤٣١) ٥ - كتاب المساجد، ٣٢ - باب استحباب الإيراد بالظهر.\n(١) البخاري (٢/ ١٨) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٩ - باب في الإيراد بالظهر.\n(٢) مسلم (١/ ٤٣٢) ٥ - كتاب المساجد، ٩ - باب الإيراد بالظهر.\n(٣) مسلم (١/ ٤٣٢) ٥ - كتاب المساجد، ٩ - باب الإيراد بالظهر.","vol":"3","page":1387},{"text":"١٣١٠ - * روى البخاري ومسلم عن النعمانين بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه\".\nوفي رواية (١): \"له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وأنه لأهمنهم عذابًا\".\n١٣١١ - * روى مسلم عن سمرة بن جندب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته\".\nوفي أخرى (٢) له: \"إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى حجرته، ومنهم من تأخذه إلى عنقه\".\nوفي أخرى (٣) مثل الأولى، وجعل مكان \"حجزته\": \"حقويه\".\n١٣١٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الحميم ليصب على رؤوسهم، فينفذ حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه- وهو الصهر- ثم يعاد كما كان\".\n_________\n١٣١٠ - البخاري (١١/ ٤١٧) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥١ - باب صفة الجنة والنار.\nمسلم (١/ ١٩٦) ١ - كتاب الإيمان، ٩١ - باب أهون أهل النار عذابًا.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n١٣١١ - مسلم (٤/ ٣١٨٥) ٥١ - كتاب الجنة، ١٢ - باب في شدة حر نار جهنم.\n(٢) مسلم (٤/ ٣١٨٥) ٥١ - كتاب الجنة، ١٢ - باب في شدة حر نار جهنم.\n(٣) مسلم: الموضع السابق.\n١٣١٢ - الترمذي (٤/ ٧٠٥) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ٤ - باب ما جاء في صفة شراب أهل النار.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(الحميم): الماء الحار المتناهي الحرارة.\n(فينفذ): نفذ ينفذ: إذا خرق وجاز في الشئ.\n(فيسلت): أي: يحلق ويستأصل ما في جوفه.\n(يمرق): مرق السهم يمرق: إذا نفذ في الرمية.\n(المهر): الإذابة، صهرت الشحم أصهره: إذا أذبته.","vol":"3","page":1388},{"text":"١٣١٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"ضرس الكافر- أو ناب الكافر- مثل أحد، وغلظ جلده: مسيرة ثلاث\".\nوفي رواية الترمذي (١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده في النار مسيرة ثلاث مثل الربذة\" يعني كما بينها وبين المدينة، والبيضاء: جبل، وقيل: مدينة من مدائن المغرب.\nوله في أخرى (٢): \"ضرس الكافر مثل أحد\".\nوفي أخرى (٣) قال: \"إن غلظ جلد الكافر: اثنان وأربعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة\".\nأقول: من المعروف في الدنيا أن الأشياء تتمدد بالحرارة والظاهر أن جسم الكافر في تمدد دائم بسبب النار ليزداد عذابًا كلما طالت مدة مكثه في النار.\n١٣١٤ - * روى الطبراني عن سليم بن عامر الكلاعي قال: قلنا للمقدام بن معدي كرب الكندي: يا أبا كريمة إن الناس يزعمون أنك لم تر رسول الله ﷺ فقال: بلى والله لقد رأيته ولقد أخذ بشحمة أدنى هذه وأنا أمشي مع عم لي ثم قال لعمي: \"أترى أنه يذكره\". قلنا يا أبا كريمة حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ. قال: سمعته يقول: \"يحشر ما بين السقط إلى الشيخ الفاني يوم القيامة في خلق آدم وقلب أيوب وحسن يوسف مردًا مكحلين\" فقلنا يا رسول الله فكيف بالكافر قال: \"يغلظ للنار حتى يكون غلظ جلده أربعين ذراعًا وقريضة الناب من أسنانه مثل أحد\".\n_________\n١٣١ - مسلم (٤/ ٢١٨٩) ٥١ - كتاب الجنة، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون.\n(١) الترمذي (٤/ ٧٠٣) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ٣ - باب ما جاء في عظم أهل النار.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) الترمذي (٤/ ٧٠٤): في الموضع السابق.\n(٣) الترمذي (٤/ ٧٠٤): في الموضع السابق.\n١٣١٤ - المعجم الكبير (٢٠/ ٢٨٠)\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٣) وقال: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما حسن.","vol":"3","page":1389},{"text":"١٣١٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ يرفعه، قال: \"ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع\". وفي رواية لم يذكر \"في النار\".\n١٣١٦ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشئ الله لها خلقًا، فيسكنهم فضل الجنة\".\nوفي رواية (١): أن النبي ﷺ قال: \"لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض\".\nأقول: أجمع أهل السنة والجماعة على أن كل ما ورد في حق الله ﷿ من صفات وأوصاف محمول على ما يليق بجلاله وتنزيهه عن مشابهة خلقه ويفضلون التسليم مع التنزيه ولا ينكرون على الراسخين في العلم من أئمة الهدى إذا أدلوا بما يجمع بين التنزيه وما تحتمله لغة العرب في الخطاب وبما لا يتناقض مع محكم.\nتقول هذا بمناسبة ذكر القدم في النص وقد مرت معنا من قبل نصوص كانت تقتضي منا مثل هذا التعليق فليكن هذا على ذكر من القارئ حيثما ورد وصف قد يحمله الغافل أو الجاهل على ما لا يليق بالله ﷿ مما يتنافى مع التنزيه أي عن مشابهة الله بخلقه.\n١٣١٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه ويلم: \"يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ثم يقول: انظروا من\n_________\n١٣١٥ - مسلم (٤/ ٢١٨٩) ٥١ - كتاب الجنة، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون.\n١٣١٦ - البخاري (١٣/ ٢٦٩) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٧ باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nمسلم (٤/ ٢١٨٨) ٥١ - كتاب الجنة، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون.\n(١) مسلم (٤/ ٢١٨٧): الموضع السابق.\n(قط قط): بمعنى حسبي وكفايتي.\n١٣١٧ - البخاري (١/ ٧٣) ٢ - كتاب الإيمان، ١٥ - باب تفاضل أهل الإيمان.\nمسلم (١/ ١٧٢) ١ - كتاب الإيمان، ٨٣ - باب إثبات الشفاعة.","vol":"3","page":1390},{"text":"وجدتم في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمان فأخرجوه، فيخرجون منها حممًا قد امتحشوا فيلقون في نهر الحياة-أو الحيا-فينبتون فيه كما تنبت الحبة إلى جانب السيل، ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتوية؟ \"هذا لفظ مسلم\".\nوعند البخاري: \"فيخرجون منها قد اسودوا\" وقال: \" من خردل من خير\".\n١٣١٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه: \"إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم، حتي يدخلو الجنة\".\nوقد جاء في حديث آخر (١): \"إن النار لا تأكل مواضع السجود\".\n١٣١٩ - * رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حممًا، ثم تدركهم الرحمة، فيخرجون، فيطرحون على أبواب الجنة\"، قال: فيرش عليهم أهل الجنة الماء، فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل، ثم يدخلون الجنة\".\n\n١٣٢٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: \"تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود\".\n_________\n١٣١٨ - (مسلم ١/ ١٧٨) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أذنى أهل الجنة منزلة.\n(١) النسائي (٢/ ٣٢٩) ١٢ - كتاب التطبيق، ٨١ - باب موضع السجود.\n(دارات): جمع دارة، وهي ما يحيط بالوجه من جوانبه، أراد: أن وجوههم لا تأكلها النار؛ لأنها محل السجود.\n١٣١٩ - الترمذي (٤/ ٧١٢) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ١٠ - باب منه.\n١٣٢٠ - البخاري (١٣/ ٤١٩) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٤ - باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾.\nمسلم (١/ ١٦٣) ١ - كتاب الإيمان، ٨١ - باب معرفة طريق الرؤية.\nوابن ماجه (/١٤٤٦) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٨ - باب صفة النار.\nواللفظ لأبن ماجه.","vol":"3","page":1391},{"text":"أقول:\nهؤلاء الذين يخرجون من النار بعد احتراق ما يحترق مهم هم أهل توحيد، ومن رحم الله ﷿ ببعض أهل التوحيد أنه يميتهم في النار حتى يخرجهم منها فإذا لم يبق في النار إلا كافر فعندئذٍ يذبح الموت بين الجنة والنار، وإذا كان أمثال ما ذكرنا مآلهم إلى الجنة فمن باب أولى أهل الأعراف.\n١٣٢١ - * روى الطبراني عند عبد الله بن عمرو وقال: أهل النار يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يقول: إنكم ماكثون، ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فلا يجيبهم مثل الدنيا، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير أولها شهيق وآخرها زفير.\n١٣٢٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود في قول الله ﷿ ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ ... قال: زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال.\n١٣٢٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن سعيد بن جبير قال: قالت بنو إسرائيل يا موسى يخلق ربك ﷿ خلقًا ثم يعذبهم، فأوحى الله إليه: أن أزرع فزرع، ثم قال أحصد فحصد، ثم قال دره فدراه فاجتمع القماش، فقال: لأي شيءٍ يصلح هذا؟ قال: للنار، قال: فكذلك لا أعذب من خلقي إلا من استأهل النار.\nفائدة:\nقال ابن كثير في النهاية ذاكرًا وجهة النظر التي تذكر أن النار طبقات ولكل طبقة اسم:\n_________\n١٣٢١ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٦) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٢٢ - المعجم الكبير (٩/ ٢٥٨).\nمجمع الزوائد (٧/ ٤٨). وقال: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح.\n١٣٢٣ - مجمع الزوائد (٧/ ٢٠١).\nوقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1392},{"text":"قال القرطبي: قال العلماء: \"أعلى الدركات جهنم. وهي المختصة بالعصاة من أمة محمد ﷺ، وهي التي تخلى من أهلها فتصفق الرياح أبوابها، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية\".\nفأما المنافقون: ففي الدرك الأسفل من النار بنص القرآن لا محالة.\nقال القرطبي:\n\" ومن هذه الأسماء ما هو علم للنار كلها لجملتها، نحو جهنم، وسعير، ولظى. فهذه أعلام، وليست لباب دون باب\".\nوصدق فيما قال، ﵁. اهـ (الفتن والملاحم).","vol":"3","page":1393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>٤ - نصوص حديثية\nفي ما وصف به أهل الجنة وبعض نعيم أهلها</span>\n١٣٢٤ - * روى مسلم عن أنس وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"من يدخل الجنة ينعم، ولا ييأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه\".\n١٣٢٥ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"دخل أهل الجنة الجنة، ينادي منادٍ: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا\"-وفي رواية: تبتئسوا-فذلك قوله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١).\n١٣٢٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" قال الله ﷿: اعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ\" وأقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٢).\nوفي رواية (٣)، قال أبو هريرة، أقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.\nوفي أخرى (٤)، قال: \"يقول الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا\n_________\n١٣٢٤ - مسلم (٤/ ٢١٨١) ٥١ - كتاب الجنة، ٧ - باب في صفات الجنة وأهلها.\n١٣٢٥ - مسلم (٤/ ٢١٨٢) ٥١ - كتاب الجنة، ٨ - باب في دوام نعيم اهل الجنة.\nوالترمذي (٥/ ٣٧٤) ٤٨ - كتاب التفسير، ٤١ باب \"ومن سورة الزمر\".\n(١) الأعراف: ٤٣.\n١٣٢٦ - البخاري (٨/ ٥١٥) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ ...﴾.\nمسلم (٤/ ٢١٧٤) ٥١ - كتاب الجنة، الحديث الثاني.\n(٢) السجدة: ١٧.\n(٣) البخاري: الموضع السابق.\n(٤) مسلم (٤/ ٢١٧٥) ٥١ - كتاب الجنة، الحديث الرابع.","vol":"3","page":1394},{"text":"عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ ذخرًا، بله ما أطلعكم عليه\" ثم قرأ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.\nوفي رواية (١) \"من قرات اعين\".\nوللبخاري إلى قوله: \"على قلب بشر\" (٢) ولمسلم نحو الثلاثة، ولم يذكر الآية، وقال: \"بله ما أطلعكم الله عليه\" (٢).\nقال محقق الجامع: قال البخاري تعليقًا: وقال أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح: قرأ أبو هريرة: قرات أعين، قال الحافظ: \"الفتح\": وصله أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب \"فضائل القرآن\" له عن أبي معاوية بهذا الإسناد مثله سواء، وقال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤٠: وقرأ أبو الدرداء، وأبو هريرة، وأبو عبد الرحمن السلمي، والشعبي وقتادة: قرات أعين، وقال الحافظ في \"الفتح\" ٨/ ٣٩٦: وقال: أبو عبيد ورأيتها في المصحف الذي يقال له: الإمام \"قرة\" بالهاء على الوحدة، وهيي قراءة أهل الأمصار. أهـ.\n١٣٢٧ - * روى مسلم عن سهل بن سعد ﵁ قال: شهدت من رسول الله ﷺ مجلسًا وصف فيه الجنة، حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: \"فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ\" ثم اقترأ هاتين الآيتين ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).\nقال أبو صخر حميد بن زيادٍ، فأخبرت بها محمد بن كعب القرظي، فقال: أبو حازم حدثك بهذا؟ قلت نعم، قال: إن ثم لكيسًا كثيرًا، إنهم أخفوا لله عملًا، فأخفى الله لهم\n_________\n(١)، (٢) البخاري: الموضع السابق.\n(٢) مسلم: (٤/ ٢١٧٤) ٥١ - كتاب الجنة، الحديث الثالث.\n١٣٢٧ - مسلم (٤/ ٢١٧٤) ٥١ - كتاب الجنة، الحديث الخامس.\n(٤) السجدة: ١٦، ١٧.\n(كيسًا): عقلًا وفطنة.","vol":"3","page":1395},{"text":"ثوابًا، ولو قدموا عليه أقر تلك الأعين.\n١٣٢٨ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن موضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها\" واقرؤوا إن شئتم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١).\n١٣٢٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"لما خلق الله جنة عدنٍ خلق فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها تكلمي فقالت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ \"، وفي رواية للطبراني (٢) \"خلق الله جنة عدن بيده ودلى فيها ثمارها وشق فيها أنهارها ثم نظر فيها فقال لها تكلمي فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقال وعزتي لا يجاورني فيك بخيل\".\n١٣٣٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا مكحلين\".\n١٣٣١ - * روى الترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: \"يدخل أهل الجنة جردًا مردًا مكحلين، أبناء ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة\".\n١٣٣٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"أهل\n_________\n١٣٢٨ - الترمذي (٥/ ٢٣٢) ٤٨ - كتاب التفسير، ٤ - باب \"ومن سورة آل عمران\".\nوقال هذا حديث حسن صحيح. وهو كما قال.\n(١) آل عمران: ١٨٨.\n١٣٢٩ - المعجم الكبير (١١/ ١٨٤)\n(٢) مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٦). وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وأحد إسنادي الطبراني في الأوسط جيد.\n١٣٣٠ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٨).\nوقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد.\n١٣٣١ - الترمذي (٤/ ٦٨٢) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ١٢ - باب ما جاء في سن أهل الجنة.\nوقال: هذا حديث حسن غريب. وهو حديث حسن بشواهده.\n(جردًا): الجرد جمع أجرد، وهو الذي لا شعر عليه.\n١٣٣٢ - الترمذي (٤/ ٦٧٩) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٨ - باب ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة.\nوقال: هذا حديث حسن غريب. وهو حديث حسن بشواهده. =","vol":"3","page":1396},{"text":"الجنة، جرد، مرد، كحلى، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم\".\n١٣٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول زمرةٍ يدخلون الجنة: على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكبٍ دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة- الألنجوج عود الطيب-أزواجهم الحور العين، على خلق رجلٍ واحدٍ، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء\".\nوفي رواية (٢) قال: قال رسول الله ﷺ \"أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلبٌ واحدٌ، يسبحون الله بكرة وعشيا\".\nوللبخاري (٣) في رواية نحو الثانية، وفيه: \"ووقود مجامرهم الألوة\" قال أبو اليمان: يعني العود.\nوفي أخرى (٤): قال النبي ﷺ: \" أول زمرةٍ تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكبٍ دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلبٍ واحدٍ، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، لك أمرئ زوجتان من الحور العين، يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم\".\n_________\n= (كحلي): جمع كحيل، مثل قتيل وقتلى، والكحيل: الذي تبين أجفانه كأنها مكحولة من غير كحل.\n١٣٣٣ - البخاري (٦/ ٣٦٢) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء، ١٠ - باب خلق آدم وذريته.\nمسلم (٤/ ٢١٨٠) ٥١ - كتاب الجنة، ٧ - باب من صفات الجنة وأهلها.\n(الألوة): الألنجوج: من أسماء العود الذي يتبخر به، ومن أسمائه الكباء.\n(١) البخاري (٦/ ٣١٨) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٨ - باب ما جاء في صفة أهل الجنة.\nومسلم: الموضع السابق.\n(٢)، (٣) البخاري: الموضع السابق.","vol":"3","page":1397},{"text":"ولمسلم (١): أن النبي ﷺ قال: \"أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجمٍ ساطع في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل\".\nثم ذكر نحو الأولى، وفيه قال ابن أبي شيبة: \"على خلق رجل\" وقال أبو كريب \"على خلق رجلٍ\".\nوفي أخرى من رواية محمد (٢) بن سيرين قال: إما تفاخروا، وإما تذاكروا: الرجال أكثر في الجنة، أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أولم يقل أبو القاسم ﷺ \"إن أول زمرةٍ تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكبٍ دري في السماء، لكل أمريء منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب\"؟.\nوفي رواية ابن عيينة (٣): اختصم الرجال والنساء: أيهم في الجنة أكثر؟ فسألوا أبا هريرة فقال قال أبو القاسم ﷺ ... وذكر مثل ذلك.\nقوله \" لكل أمريء منهم زوجتان اثنتان\": قال النووي: إن ظاهره أن النساء أكثر أهل الجنة، وفي الحديث الآخر أنهن أكثر اهل النار فيخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم. وهذا كله في الآدميات، وإلا فقد جاء للواحد من أهل الجنة من الحور العدد الكثير. أهـ.\nوقال ابن حجر:\n(قوله \"ولكل واحد منهم زوجتان\" أي من نساء الدنيا، فقدر روى أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا في صفة أدنى أهل الجنة منزلة \"وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا\" في سنده شهر بن حوشب وفيه مقال، ولأبي يعلي في حديث الصور الطويل من وجه آخر عن أبي هريرة في حديث\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢١٧٩) ٥١ - كتاب الجنة، ٦ - باب أول زمرة تدخل الجنة.\n(٢)، (٣) مسلم: الموضع السابق.","vol":"3","page":1398},{"text":"مرفوع \"فيدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله وزوجتين من ولد آدم\"، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد رفعه \"إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم وثنتان وسبعون زوجة\" وقال غريب، ومن حديث المقدام بن معد يكرب عنده: \"للشهيد ست خصال\" الحديث وفيه: \"ويتزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين\"، وفي حديث أبي أُمامة عند ابن ماجه والدرامي رفعه: \"ما أحد يدخل الجنة إلا زوجه الله ثنتين وسبعين من الحور العين وسبعين وثنتين من أهل الدنيا\" وسنده ضعيف جدًا، وأكثر ما وقفت عليه من ذلك ما أخرج أبو الشيخ في \"العظمة\" والبيهقي في \"البعث\" من حديث عبد الله ابن أبي أوفى رفعه: \"إن الرجل من أهل الجنة ليزوج خمسمائة حوراء أو إنه ليفضي إلى أربعة ألاف بكر وثمانية آلاف ثيب\" وفيه راوٍ لم يسم، وفي الطبراني من حديث ابن عباس: \"إن الرجل من أهل الجنة ليفضي إلى مائة عذراء\" وقال ابن القيم: ليس في الأحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين سوى ما في حديث أبي موسى: \"إن في الجنة للمؤمن لخيمة من لؤلؤة له فيها أهلون يطوف عليهم\" قلت: الحديث الأخير صححه الضياء، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم في صفة أدنى أهل الجنة: \"ثم يدخل عليه زوجتاه\"، وقد أجاب بعضهم باحتمال أن تكون التثنية تنظيرًا لقوله جنتان وعينان ونحو ذلك، أو المراد تثنية التكثير والتعظيم نحو لبيك وسعديك، ولا يخفى ما فيه. واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال كما أخرجه مسلم من طريق ابن سيرين عنه، وهو واضح لكن يعارضه قوله ﷺ في حديث الكسوف المتقدم: \"رأيتكن أكثر أهل النار\" ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة، لكن يشكل على ذلك قوله ﷺ في الحديث الآخر: \"اطلعت في الجنة فرأيت أقل سكانها النساء\" ويحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من كونهن أكثر سكاني النار يلزم منه أن يكن أقل سكاني الجنة، وليس ذلك بلازم لما قدمته، ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة، والله اعلم) أهـ (الفتح).","vol":"3","page":1399},{"text":"١٣٣٤ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا ينفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون\" قالوا: فما بال الطعام؟ قال: \"جشأ ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس\".\nوفي رواية (٢) بدل \"التحميد\" \"الحمد\" وفي أخرى (٣) \"التكبير\".\nوأخرج أبو داود (٤) منه \"إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون\" لم يزد.\n١٣٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق إلى المغرب، لتفاضل ما بينهم\" قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم؟ قال: \"بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\".\n١٣٣٦ - * روى البزار عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: \"خلق الله ﵎ الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضةٍ وملاطها المسك، وقال لها تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقالت الملائكة طوباك منزل الملوك\".\n١٣٣٧ - * روى البزار عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"الجنة لبنة من فضةٍ\n_________\n١٣٣٤ - مسلم (٤/ ٢١٨٠) ٥١ - كتاب الجنة، ٧ - باب في صفات أهل الجنة.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n(٢) مسلم: الموضع السابق.\n(٣) أبو داود (٤/ ٢٣٦) كتاب السنة، باب في الشفاعة.\n١٣٣٥ - البخاري (٦/ ٣٢٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٨ - باب ما جاء في صفة أهل الجنة.\nمسلم (٤/ ٢١٧٧) ٥١ - كتاب الجنة، ٣ - باب ترائي أهل الجنة اهل الغرف.\n١٣٣٦ - كشف الأستار (٤/ ١٨٩).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧). وقال: رواه البزار مرفوعًا وموقوفًا، والطبراني في الأوسط إلا أنه قال عن النبي ﷺ ... قال: إن الله خلق جنة عدن بيده لبنة من ذهب ولبنة من فضة والباقي بنحوه، ورجال الموقوف رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف.\n١٣٣٧ - كشف الأستار (٤/ ١٩٠).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٦). وقال: رواه البزار، والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. =","vol":"3","page":1400},{"text":"ولبنة من ذهب وملاطها المسك\".\n١٣٣٨ - * روى محمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا، وزهدنا في الدنيا، وكانت الآخرة كأنها رأي عينٍ؟ فإذا خرجنا من عندك فأنسنا في أهالينا، وشممنا أولادنا: أنكرنا أنفسنا؟ قال: \"لو أنكم إذا خرجتم تكونون على حالكم عندي: لزارتكم الملائكة في بيوتكم، ولصافحتكم في طرقكم، ولو لم تذنبوا لذهب بكم ولجاء الله بخلقٍ جديدٍ يذنبون، فيغفر لهم\"، قال: قلت: يا رسول الله مما خلق الخلق؟ قال: \"من الماء\"، قلت: الجنة ما بناؤها؟ قال: \"لبنة من فضةٍ ولبنة من ذهب، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم، ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم\" ثم قال: \"ثلاثة لا ترد دعواهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب ﵎: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين\".\n١٣٣٩ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: سئل النبي ﷺ عن الجنة فقال \"من يدخل الجنة يحيا فيها لا يموت وينعم فيها لا يبأس، لا تبلي ثيابه، ولا يفنى شبابه\" قيل يا رسول الله ما بناؤها؟ قال: \"لبنة من ذهبٍ ولبنة من فضة ملاطها\n_________\n= (الملاط): الطين الذي يجعل بين أحجار البناء.\n١٣٣٨ - أحمد (٢/ ٣٠٤).\nالترمذي (٤/ ٦٧٢) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٢ - باب ما جاء في صفة أهل الجنة.\nوقال: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل.\nوقد روى هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي مدله عن أبي هريرة.\nوقال محقق الجامع: لفقراته شواهد، فهو حسن بشواهده.\nوابن ماجه (١/ ٥٧٧) ٧ - كتاب الصيام، ٤٨ - باب في الصائم لا ترد دعوته.\nوالإحسان بترتيب ابن حبان (٥/ ١٨٠).\n(الأذفر): مسك أذفر: إذا كان طيب الريح، والذفر: يقال في الطيب والكريه.\n(يبأس): بئس يبأس، إذا أفتقر واشتدت حاجته فهو بائس.\n١٣٣٩ - مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧) وقال: رواه الطبراني بإسناد حسن.","vol":"3","page":1401},{"text":"المسك وترابها الزعفران حصباؤها اللؤلؤ والياقوت\".\n١٣٤٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"جنتان من فضةٍ، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهبٍ، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدنٍ\".\nوفي رواية الترمذي روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (١) \"إن في الجنة جنتين من فضة ... \" وذكر الحديث.\nقال ابن حجر: ويعارضه حديث أبي هريرة: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: \"لبنة من ذهب ولبنة من فضة\" الحديث أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان، وله شاهد عن ابن عمر أخرجه الطبراني وسنده حسن وآخر عن أبي سعيد أخرج البزار ولفظه: \"خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة\" الحديث، ويجمع بأن الأول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها، والثاني صفة حوائط الجنان كلها، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في البعث في حديث أبي سعيد: \"أن الله أحاط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة\" وعلى هذا فقوله \"آنيتهما وما فيهما\" بدل من قوله \"من ذهب\" ويترجح الاحتمال الثاني أهـ (الفتح).\n١٣٤١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤةٍ واحدةٍ مجوفةٍ، طولها في السماء ستون ميلًا-وفي رواية: عرضها-للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا\".\nوفي رواية الترمذي (٢) \"إن في الجنة خيمة من لؤلؤة: مجوفةٍ، عرضها ستون\n_________\n١٣٤٠ - البخاري (١٣/ ٤٢٣) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ...﴾.\nمسلم (١/ ١٦٣) ١ - كتاب الإيمان، ٨٠ - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾.\n(١) الترمذي (٤/ ٦٧٤) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٣ - باب ما جاء في صفة غرف الجنة.\n١٣٤١ - البخاري (٨/ ٦٢٤) ٦٥ - كتاب التفسير، ٢ - باب (حور مقصورات في الخيام).\nمسلم (٤/ ٢١٨٢) ٥١ - كتاب الجنة، ٩ - باب في صفة خيام الجنة.\n(٢) الترمذي (٤/ ٦٧٤) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٣ - باب ما جاء في صفة غرف الجنة.","vol":"3","page":1402},{"text":"ميلًا في كل زاوية منها للمؤمن أهلٌ، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن\".\n١٣٤٢ - * روى الترمذي عن عبد الله ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلةً، حتى يرى مخها، وذلك بأن الله ﷿ يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (١) \"فأما الياقوت، فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكًا ثم استصفيته لأريته من ورائها\".\n١٣٤٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينها ريحًا ولأضاءت ما بينهما، ولتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيها\".\n١٣٤٤ - * روى الترمذي عن أنس (رفعه): \"غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قده في الجنة خير من الدنيا\n_________\n١٣٤٢ - الترمذي (٤/ ٦٧٦) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٥ - باب في صفة نساء أهل الجنة.\nوقال: وروي عن ابن مسعود، ولم يرفعه، وهو أصح من حديث عبيدة بن حميد.\nوالإحسان بترتيب ابن حبان (٩/ ٢٤٤).\n(١) الرحمن: ٥٨.\n١٣٤٣ - مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٨) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد.\n١٣٤٤ - الترمذي (٤/ ١٨١) ٢٣ - كتاب فضائل الجهاد، ١٧ - باب ما جاء فضل ما جاء في فضل الغدو والرواح.\nوقال: هذا حديث صحيح.\nوروى أحمد نحوه (٣/ ١٤١).\nوللبخاري نحوه (٦/ ١٥) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٦ - باب الحور العين.\nولمسلم نحوه (٣/ ١٤٩٩) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٣٠ - باب فضل الغدوة والروحة.\nقوله (ولقاب قوس أحدكم) قال ابن الأثير:\n(القاب والقيب): بمعنى القدر، وعينها واو، من قولهم قوبوا في هذه الأرض: أي أثروا فيها بوطئهم، وجعلوا في مسافتها علامات. ...\nيقال: يبني وبينه وقاب رمح وقاب قوس: أي مقدارهما) أهـ.\nوحكى الهروي عن مجاهد: (قاب قوسين: أي مقدار ذراعين. قال مجاهد: والقوس: الذراع، بلغة أزد شنوءة) أهـ.\n(قده): القد: السوط، والمعنى لقدر قوس أحدكم والموضع الذي يسع سوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها.","vol":"3","page":1403},{"text":"وما فيها ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت الدنيا وما فيها ولملأت ما بينها ريحًا، ولنصيفها-يعني: خمارها-خير من الدنيا وما فيها\".\n١٣٤٥ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت له ما بين خواف السموات والأرض، ولو أن رجلًا من أهل الجنة اطلع، فبدا سواره، لطمس ضوء الشمس، كما تطمس الشمس ضوء النجوم\".\n١٣٤٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع\" قيل: يا رسول الله أو يطيق ذلك؟ قال: \"يعطى قوة مائة \".\n١٣٤٧ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله: أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: \"أي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء\".\n_________\n١٣٤٥ - أحمد (١/ ١٦٩).\nوالترمذي (٤/ ٦٧٨) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٧ - باب ما جاء في صفة أهل الجنة.\nوقال: هذا حديث غريب، وهو حديث حسن.\n(يقل) أقل الشيء يقله: إذا حمله.\n(تزخرفت): الزخرفة: الزينة، والزخرف: الذهب.\n(خوافق) السماء: الجهات التي تخرج منها الرياح الأربع.\n١٣٤٦ - الترمذي (٤/ ٦٧٧) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٦ - باب ما جاء في صفة جماع أهل الجنة ...\nوقال: هذا حديث غريب، وهو حديث حسن.\nوالدرامي (٢/ ٣٤٤). باب في أهل الجنة ونعيمها.\nوإسناده صحيح من حديث زيد بن أرقم.\n١٣٤٧ - كشف الأستار (٤/ ١٩٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤١٧) وقال: رواه البزار والطبراني في الصغير والأوسط، ورجال هذه الرواية الثانية رجال الصحيح غير محمد بن ثواب وهو ثقة.\nقال عنه في التقريب: صدوق ضعفه مسلمة بلا حجة.","vol":"3","page":1404},{"text":"١٣٤٨ - * روى الطبراني عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ فقال يا أبا القاسم: تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون قال: \"نعم، والذي نفسي بيده إن الرجل ليعطي قوة مائة رجل في الأكل والشرب والشهوة والجماع\" فقال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة والجنة مطهرة، قال: \"حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده كريح المسك فإذا بطنه قد ضمر\".\nوفي رواية (١): بينما نحن عن النبي ﷺ إذا أقبل رجل من اليهود يقال له ثعلبة بن الحارث فقال: السلام عليك يا محمد فقال: \"وعليكم\". فقال: اليهود تزعم أن في الجنة طعامًا وشرابًا وأزواجًا. فقال: النبي ﷺ: \"نعم، تؤمن بشجرة المسك\" قال: نعم قال \"وتجدها في كتابكم\" قال: نعم قال \"وتجدها في كتابكم\" قال: نعم قال: \"فإن البول والجنابة عرق يسيل من تحت ذوائبهم إلى أقدامهم مسك\".\n١٣٤٩ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أزواج الجنة ليغنين بأحسن أصواتٍ سمعها أحدٌ قطٌ، إن مما يغنين: نحن الخيرات الحسان أزواج قومٍ كرام ينظرن بقرة أعيان. وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا نمتنه نحن الآمنات فلا يخفنه نحن المقيمات فلا يظغنه\".\n١٣٥٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: \" إن الحور في الجنة يغنين يقلن: نحن الحور الحسان هدين لأزواجٍ كرام\".\n١٣٥١ - * روى الطبراني عن عقبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسًا مع النبي ﷺ\n_________\n١٣٤٨ - المعجم الكبير (٥/ ١٧٧).\nوكشف الستار (٤/ ١٩٧).\n(١) المعجم الكبير (٥/ ١٧٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤١٦) وقال: رواه كله الطبراني في الأوسط وفي الكبير بنحوه وأحمد إلا أنه قال يا أبا القاسم ألست تزعم ان أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، وقال لأصحابه إن أقر لي بهذه خصمته، والباقي بنحوه. ورواه البزار ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح غير ثمامة بن عقبة وهو ثقة.\n١٣٤٩ - مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٩) وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٥٠ - مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٩).\nوقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا به\n١٣٥١ - مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1405},{"text":"فجاء إعرابي فقال يا رسول الله: أسمعك تذكر في الجنة لا اعلم أكثر شوكًا منها-يعني الطلح-فقال رسول الله ﷺ \"يُجعل مكان كل شوكةٍ منها خصوة التيس الملهود- يعني الخصى منها-سبعون لونًا من الطعام لا يشبه لونٌ آخر\".\n١٣٥٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهبٍ\".\n١٣٥٣ - * روى الطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة مستقلةً على ساقٍ واحدٍ، عرض ساقها ثنتان وسبعون\".\n١٣٥٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنةٍ، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (١) ولقاب قوس أحدكم في الجنة خيرٌ مما طلعت عليه الشمس أو تغرب\".\nوفي رواية (٢) يبلغ به النبي ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾.\nوفي رواية مسلم (٣) مثل الأولى إلى قوله: \"سنة\" ومثل الثانية إلى قوله: \"يقطعها\" وأخرج الترمذي إلى قوله: \"سنة\".\nوأخرج الترمذي الأولى (٤)، وله في أخرى (٥) زيادة: \"وفي الجنة شجرة يسير\n_________\n١٣٥٢ - الترمذي (٤/ ٦٧١) ٣٨ - كتاب صفة الجنة، ١ - باب ما جاء في صفة شجر الجنة.\nوقال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي سعيد. وإسناده حسن.\n١٣٥٣ - المعجم الكبير (٧/ ٢٦٦).\nكشف الأستار (٤/ ١٩٩).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤) وقال: رواه البزار والطبراني، وإسناد الطبراني حسن.\n١٣٥٤ - البخاري (٦/ ٣١٩) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٨ - باب ما جاء في صفة الجنة.\n(١) الواقعة: ٢٠.\n(٢) البخاري (٨/ ٦٣٧) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾.\n(٣) مسلم (٤/ ٢١٧٥) ٥١ - كتاب الجنة، ١ - باب إن في الجنة شجرة ..\n(ولقاب) القابُ: القدر.\n(٤) الترمذي (٤/ ٦٧١) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ١ - باب ما جاء في صفة شجر الجنة.\n(٥) الترمذي (٥/ ٤٠٠) ٤٨ - كتاب التفسير، ٥٧ - باب \"ومن سورة الواقعة\". =","vol":"3","page":1406},{"text":"الراكب في ظلها مائة عامٍ لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ \" (١).\n١٣٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي حازم ﵀ عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\" قال: فحدثتها النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عامٍ لا يقطعها\".\n١٣٥٦ - * روى الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺوذكر سدرة المنتهى-قال: \"يسير الراكب في ظل الفنن منها: مائة سنةٍ، أو يستظل بظلها مائة راكب-شك يحيي-فيها فراش الذهب، كأن ثمرها القلال\".\n١٣٥٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: \"في الجنة مائة درجةٍ، ما بين كل درجتين مائة عامٍ\".\n١٣٥٨ - * روى الترمذي عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n= وهذه الزيادة قد أخرجها البخاري ومسلم مفردة.\n(١) آل عمران ١٨٥.\n١٣٥٥ - البخاري (١١/ ٤١٥) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥١ - باب صفة الجنة والنار.\nمسلم (٤/ ٢١٧٦) ٥١ - كتاب الجنة، ١ - باب إن في الجنة شجرة.\n١٣٥٦ - الترمذي (٤/ ٦٨٠) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٩ - باب ما جاء في صفة ثمار أهل الجنة.\nوقال هذا حديث حسن غريب. وهو حديث حسن.\n(الفنن): الغصن، وجمعه أفنان.\n(القلال): جمع قلة وهي حب يسع مزادة من الماء.\n١٣٥٧ - الترمذي (٤/ ٦٧٤) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٤ - باب ما جاء في صفة درجات الجنة.\nوقال هذا حديث حسن غريب. وهو حديث حسن.\n١٣٥٨ - الترمذي (٤/ ٦٧٥) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٤ - باب ما جاء في صفة درجات الجنة. =","vol":"3","page":1407},{"text":"\"في الجنة مائة درجةٍ، ما بين كل درجةٍ ودرجةٍ كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة، منها تفجر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس\".\n١٣٥٩ - * روى البزار عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ \"إن سألتم الله فسلوه الفردوس\".\n١٣٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تكون الأرض يوم القيامة خبزةً واحدةً، يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر، نزلًا لأهل الجنة\" فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: \"بلى\" قال: تكون الأرض خبزةً واحدةً، كما قال النبي ﷺ، فنظر النبي ﷺ إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: \"بلى\" قال: إدامهم بالام ونون. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا.\n١٣٦١ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ لليهود: \"إني سائلهم عن تربة الجنة وهي درمكة بيضاء\" فسألهم، فقالوا: خبزة يا أبا القاسم، فقال النبي ﷺ: \"الخبز من الدرمك\".\n_________\n= وهو حديث صحيح، وعن البخاري أتم منه.\n١٣٥٩ - كشف الأستار (٤/ ١٩١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٨) وقال: رواه البزار، ورجال ثقات.\n١٣٦٠ - البخاري (١١/ ٣٧٢) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٤ - باب يقبض الله الأرض يوم القيامة.\nمسلم (٤/ ٢١٥١) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين، ٣ - باب نزل أهل الجنة.\n(يتكفؤها الجبار): الجبار: اسم من أسماء الله ﷿، ويتكفؤها أي: يقلبها ويميلها، من قولك: كفأت الإناء: إذا قلبته وكببته.\n(نزلًا) النزل: ما يعد للضيف من الطعام والشراب.\n(بالام): قد جاء في متن الحديث أنه الثور، ولعل اللفظة عبرانية. و\"النون\": الحوت، وهو عربي.\n١٣٦١ - أحمد (٣/ ٣٦١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٩) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير مجالد، ووثقه غير واحد، وإسناده حسن. =","vol":"3","page":1408},{"text":"١٣٦٢ - * روى الطبري عن طارق بن شهاب قال: جاءت اليهود إلى النبي ﷺ: فقالوا: أخبرنا ما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوا؟ قال: \"أول ما يأكلون كبد الحوت\".\n١٣٦٣ - * روى الترمذي عن معاوية: هو جد بهز بن حكيم﵁أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة بحر العسل، وبحر الخمر، وبحر اللبن، وبحر الماء، ثم تنشق النهار بعد\".\n١٣٦٤ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ ما الكوثر؟ فقال: \"ذلك نهر أعطانيه الله-يعني في الجنة-أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر\" قال عمر: إن هذه لنعامة، قال رسول الله ﷺ: \"أكلتها أنعم منها\".\n١٣٦٥ - * روى الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب مجراه على الياقوت والدر، تربته أطيب من المسك، ماؤه أحلى من العسل وأشد بياضًا من الثلج\".\n١٣٦٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر: لما نزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١)\n_________\n= (الدرمك): الدقيق.\n١٣٦٢ - المعجم الكبير (٣٨٦).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤١٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن بهرام وهو ثقة.\n١٣٦٣ - الترمذي (٤/ ٦٩٩) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ١١ - باب ما جاء في صفة أنهار الجنة.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو ما قال.\n١٣٦٤ - الترمذي (٤/ ٦٨٠) ٣٩ - كتاب صفة الجنة ١٠ - باب ما جاء في صفة طير الجنة.\nوقال: هذا حديث حسن غريب. وهو حديث حسن.\n(الجزر): جمع جزور، وهو البعير ذكرًا أو أنثى، إلا أن اللفظة مؤنثة.\n١٣٦٥ - الترمذي (٥/ ٤٥٠) ٤٨ - كتاب التفسير، ٩١ - باب \"ومن سورة النصر\".\nوقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو حديث صحيح.\nوابن ماجه (٢/ ١٤٥٠) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٩ - باب صفة الجنة.\n١٣٦٦ - الترمذي (٥/ ٤٤٩) ٤٨ - كتاب التفسير، ٩٠ - باب \"ومن سورة الكوثر\". وصححه.\n(١) الكوثر.","vol":"3","page":1409},{"text":"قال رسول الله ﷺ: \"هو نهر في الجنة حافتاه من ذهبٍ يجري على الدر والياقوت، تربته أطيب من ريح المسك، وطعمه أحلى من العسل، وماؤه أشد بياضًا من الثلج\".\n١٣٦٧ - * روى أحمد عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة\" فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة. فقال: \" أكلتها أنعم منها-قالها ثلاثًا-وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها\".\n١٣٦٨ - * روى أبو يعلي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"عرضت على الجنة فذهبت أتناول منها قطفًا أريكموه فحيل بيني وبينه\". فقال رجل يا رسول الله: ما مثل الحبة من العنب قال: \"كأعظم دلوٍ فرت أمك قط\".\n١٣٦٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول، ثم تأتيه امرأته فينظر وجهه في حدها أصفى من المرأة، وإن أدنى لؤلؤةٍ عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه فيرد السلام ويسألها من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد. وإنه ليكون\n_________\n(١) والدرامي (٢/ ٢٣٧) كتاب الرقاق، باب في الكوثر.\nوأخرج البخاري نحوه (١١/ ٤٦٣) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض.\nوأخرج مسلم نحوه أيضًا (١/ ٣٠٠) ٤ - كتاب الصلاة، ١٤ - باب حجة من قال ... الخ.\n١٣٦٧ - أحمد (٣/ ٢٣١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤) وقال: رواه الترمذي باختصار، ورواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير سيار بن حلتم وهو ثقة.\nوقال عنه الحافظ بالتقريب: صدوق له أوهام.\n(البخت): جمال طوال الأعناق.\n١٣٦٨ - مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤).\nوقال: رواه أبو يعلي وإسناده حسن.\n(القطف) العنقود.\n(فرت) أصل الفري: القطع. يقال: فريت الشيء أفريه فريًا إذا شققته وقطعته للإصلاح، فهو مفري\nوفري، وأفريته: إذا شققته على وجه الإفساد. تقول العرب: تركته يفري الفري: إذا عمل العمل فأجاده. (من النهاية).\n١٣٦٩ - أحمد (٣/ ٧٥). =","vol":"3","page":1410},{"text":"عليها سبعون ثوبًا أدناها مثل النعمان، من طوبى فينفذها حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب\".\n١٣٧٠ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة سوقًا يأتونها كل جمعةٍ، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم حسنًا وجمالًا\".\n١٣٧١ - * روى البزار عن عبد الله بن عمرو قال: وقام آخر فقال: يا رسول الله أخبرنا عن ثياب أهل الجنة أخلق يخلق أم نسج ينسج فضحك بعض القوم. فقال رسول الله ﷺ: \"من جاهل يسأل عالمًا؟ \" أين السائل؟ قال: أنا ذا يا رسول الله. قال: \"تنشق عنها ثمار الجنة\".\n١٣٧٢ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن ساعدة قال كنت أحب الخيل فقلت: يا رسول الله هل في الجنة خيل؟ فقال: \"إن أدخلك الله الجنة يا عبد الرحمن كان لك فيها فرس من ياقوت له جناحان يطير بك حيث شئت\".\n١٣٧٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة، من يقول له: تمن فيتمنى، ويتمنى، فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول، نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه\".\n_________\n= مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٩) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي، وإسنادهما حسن.\n(النعمان): قد يراد بالنعمان في الحديث اللون الأحمر وقد يراد به ما يتنعم به.\n١٣٧٠ - مسلم (٤/ ٢١٧٨) ٥١ - كتاب الجنة، ٥ - باب في سوق الجنة.\n١٣٧١ - كشف الأستار (٤/ ١٩٦).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤١٥) وقال: رواه البزار في حديث طويل، ورجاله ثقات\n١٣٧٢ - مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٣) وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n١٣٧٣ - مسلم (١/ ١٦٧) ١ - كتاب الإيمان، ٨١ - باب معرفة طريق الرؤية.","vol":"3","page":1411},{"text":"١٣٧٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول\" إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة لمن يقوم على رأسه عشرة ألاف بندٍ لكل واحد صحيفتان؛ واحدة من ذهبٍ والأخرى من فضةٍ في كل واحدةٍ لون ليس في الأخرى كمثله، يأكل من آخرها مثل ما يأكل من أولها، يجد لآخرها من الطيب واللذة مثل الذي يجد لأولها ثم يكون ذلك ريح المسك والأذفر، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون إخوانًا على سرر متقابلين\".\n١٣٧٥ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال سئل رسول الله ﷺ: فقيل يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون\".\n_________\n١٣٧٤ - مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.\n١٣٧٥ - كشف الأستار (٤/ ١٩٣).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤١٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح.","vol":"3","page":1412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>٥ - في بعض ما ورد في آخر أهل النار خروجًا منه</span>\n١٣٧٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة: رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله له: أذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله ﷿: أذهب فادخل الجنة\" قال: \" فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله ﷿: أذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا، وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول الله ﷿ له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا، وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي- أو أتضحك بي-وأنت الملك؟ \" قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة.\nقال محقق الجامع:\nقال الحافظ في \"الفتح\": قائل \"وكان يقال\" هو الراوي، وأما قائل المقالة المذكورة، فهو النبي ﷺ، ثبت ذلك في أول حديث أبي سعيد عند مسلم، ولفظه: \"أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار\" ... وساق القصة.\nولمسلم (١) قال: قال رسول الله ﷺ: \" إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، يخرج منه زحفًا، فيقال له: انطلق فادخل الجنة\" قال: \"فيذهب فيدخل الجنة، فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول نعم، فيقال له: تمن، فيتمنى، فيقال له: لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ \" قال: فلقد رأيت رسول الله يضحك حتى بدت نواجذه.\nأقول: بالنسبة لآخر أهل الجنة دخولًا إليها هناك آخرية مطلقة، وهناك آخرية\n_________\n١٣٧٦ - البخاري (١١/ ٤١٨) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥١ - باب صفة الجنة والنار. ...\nمسلم (١/ ١٧٣) ١ - كتاب الإيمان، ٨٣ - باب آخر أهل النار خروجًا.\n(١) مسلم: الموضع السابق.","vol":"3","page":1413},{"text":"نسبية، فالآخرية المطلقة يراد بها آخر من يبقى من أهل الإيمان في النار ثم يخرج منها، والآخرية النسبية متعددة فهناك آخر من يحاسب ممن يستأهل دخول الجنة، وهناك آخر من يعبر الصراط من أهل الجنة، وهناك آخر من يدخل ممن استحقوا دخولها وسبقهم غيرهم، وهناك آخر من يدخل الجنة بالشفاعات. وقد مرت من قبل نصوص في شأن آخر من يدخل الجنة وههنا نصوص وبعضها محمول على آخرية مطلقة وبعضها محمول على آخرية نسبية والتفصيل في ذلك مظنة الخطأ ومظنة الخلط بين المواقف والعبرة الحاصلة بدون هذا التفصيل وإنما أشرنا هذه الإشارة ليعرف القارئ أن من أسباب اختلاف الروايات في هذا الشأن هو ما ذكرناه.\n١٣٧٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة، فيقول: يا رب أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله ﷿: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا، يارب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها\" قال: \"وربه ﷿ يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرةً هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب، أدنني من هذه لأشرب من مائها واستظل بظلها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه تعالى يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، وهي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب، أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها،، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن\n_________\n١٣٧٧ - مسلم (١/ ١٧٤) ١ - كتاب الإيمان، ٨٣ - باب آخر أهل النار خروجًا.\n(ما يصريني): منك، أي: مالذي يرضيك ويقطع مسألتك، وأصل التصرية: القطع والجمع، ومنه الشاة المصراة، وهي التي جمع لبنها وقطع حلبه.\n=","vol":"3","page":1414},{"text":"لا تسألني غيرها؟ قال: بلى، يارب، هذه لا أسألك غيرها- وربه ﷿ يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك، أيرضيك أن اعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال يارب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين\" فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مما تضحك؟ فقال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: \"من ضحك رب العالمين، حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر\".\n١٣٧٨ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة، رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة، ومثل له شجرةً ذات ظل، فقال: أي ورب، قربني من هذه الشجرة لأكون في ظلها ... \" وساق الحديث بنحو حديث ابن مسعود، ولم يذكر: فيقول: \"يا ابن آدم، ما يصريني منك؟ ... \" إلى آخر الحديث.\nوزاد فيه \"ويذكره الله، سل كذا وكذا، إذا انقطعت به الأماني، قال الله: هو لك وعشرة أمثاله\" قال: \"ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فيقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك\"، قال: \"فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت\".\n١٣٧٩ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها: رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال أعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه\n_________\n١٣٧٨ - مسلم (١/ ١٧٥) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة.\n١٣٧٩ - مسلم (١/ ١٧٧) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة. ...\nوالترمذي (٤/ ٧١٣) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ١٠ - باب حدثنا هناد ... إلخ.","vol":"3","page":1415},{"text":"كبارها، فيعرض عليها صغارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا، وكذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، وكذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب، قد عملت أشياء لا أراها ههنا\" قال: فرأيت رسول الله ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه.\n١٣٨٠ - * روى مسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: \"سأل موسى ﵇ ربه: ما أدنى اهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أما ترضى أن يكون لك مثل ملك ملكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال رب، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر\"، قال: ومصداقه في كتاب الله ﷿: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ...﴾ (١) \".\n_________\n١٣٨٠ - مسلم (١/ ١٧٦) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة. ...\nوالترمذي (٤/ ٣٤٧) ٤٨ - كتاب التفسير، ٢٣ - باب \"ومن سورة السجدة\".\nوقد أخرجه إلى قوله: \"فيقول رضيت رب\" في الثالثة.\n(١) السجدة ١٧.\nقال ابن الأثير:\n(أخذاتهم): أخذ الناس أخذاتهم، أي نزلوا منازلهم المختصة بهم، زاد الحميدي في غريبه: واستوفوا مراتبهم.\nوالإخاذة: الأرض يأخذها الرجل لنفسه يحوزها، قاله ابن فارس. أهـ.","vol":"3","page":1416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>٦ - رؤية الله تعالى في الآخرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>مقدمة</span>\nقال تعالى عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١).\nوهذا يفيد أن ذلك عقوبة لهم ويفيد أن أهل الإيمان يرونه.\nوقال تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢).\nوقال تعالى عن موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (٣).\nفطلبُ موسى الرؤية وهو العارف بربه دليل على إمكانها، وتعليق الله ﷿ إياها على ممكن دليل على إمكانها، ولذلك أجمع أهل السنة على أن رؤية الله تعالى ممكنة عقلًا واجبة نقلًا واقعة فعلًا للمؤمنين دون الكافرين بلا كيف ولا انحصار: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٤)، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٥).\nومن كلام أهل السنة والجماعة أن من أدعى رؤية الله تعالى في الدنيا يقظة فقد كفر واختلفوا في ثبوت الرؤية فى الدنيا لرسول الله ﷺ ليلة الإسراء والمعراج؛ فالجمهور على ثبوتها والمسألة خلافية منذ عصر الصحابة، والراجح ثبوت الرؤية له ﵊.\nقال النووي: \"أعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلًا، وأجمعوا أيضًا على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين، وزعمت طائفة من أهل البدع: المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلًا، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الآمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين ورواها نحو عشرين صحابيًا عن رسول الله\n_________\n(١) المطففين: ١٥.\n(٢) القيامة: ٢٢، ٢٣.\n(٣) الأعراف: ١٤٣.\n(٤) الشورى: ١١.\n(٥) طه: ١١٠.","vol":"3","page":1417},{"text":"ﷺ، وآيات القرآن فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة، وكذلك باقي شبههم وهي مستقصاة في كتب الكلام وليس بنا ضرورة إلى ذكرها هنا، وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فقد قدمنا أنها ممكنة ولكن الجمهور من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم أنه لا تقع في الدنيا وحكم الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته المعروفة عن الإمام أبي بكر بن فورك أنه حكى فيها قولين للإمام أبي الحسن الأشعري: أحدهما وقوعها، والثاني لا تقع، ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضًا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على سبيل الاشتراط. وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بدلائله الجلية، ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة تعالي ن ذلك؛ بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة والله أعلم\". أهـ (شرح النووي على مسلم).\nوقال ابن حجر:\nوأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لأهل الإيمان دون غيرهم، ومنع ذلك في الدنيا إلا أنه اختلف في نبينا ﷺ وما ذكروه من الفرق بين الدنيا والآخرة أن أبصار أهل الدنيا فانية وأبصارهم في الآخرة باقية جيد، ولكن لا يمنع تخصيص ذلك بمن ثبت وقوعه له، ومنع جمهور المعتزلة من الرؤية متمسكين بأن من شرط المرئي أن يكون في وجهة؛ والله منزل عن الجهة، واتفقوا على أنه يرى عباده، فهو راء لا من جهة، واختلف من أثبت الرؤية في معناها فقال قوم: يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيات، وهو على وفق قوله في حديث الباب: \"كما ترون القمر\" إلا أنه منزه عن الجهة والكيفية، وذلك أمر زائد على العلم وقال بعضهم: إن المراد بالرؤية العلم. وعبر عنها بعضهم بأنها حصول حالة في الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الإبصار إلى المرئيات، وقال بعضهم: رؤية المؤمن لله نوع كشف وعلم، إلا أنه أتم وأوضح من العلم وهذا أقرب إلى الصواب من الأول، وتعقب الأول، بأنه حينئذٍ لا اختصاص لبعض دون بعض؛ لأن العلم لا يتفاوت، وتعقبه ابن التين بأن الرؤية بمعنى العلم تتعدى لمفعولين تقول: رأيت زيدًا","vol":"3","page":1418},{"text":"ففيها أي علمته، فإن قلت رأيت زيدًا منطلقًا لم يفهم منه إلا رؤية البصر، ويزيده تحقيقًا قوته في الخبر: \"إنكم سترون ربكم عيانًا\"، لأن اقتران الرؤية بالعيان لا يحتمل أن يكون بمعنى العلم، وقال ابن بطال: ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة، وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثًا وحالًا في مكان، وأولوا قوله ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بمنتظرة وهو خطأ لأنه لا يتعدى بإلى، ثم ذكر نحو ما تقدم ثم قال وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود، والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم، فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي. قال وتعلقوا بقوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وبقوله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ والجواب عن الأول: أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا، جمعًا بين دليلي الآيتين، وبأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته، وعن الثاني: المراد لن تراني في الدنيا جمعًا أيضًا، ولأن نفي الشيء لا يقتضي إحالته مع ما جاء من الأحاديث الثابتة على وفق الآية. وقد تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف، وقال القرطبي: أشترط النفاة في الرؤية شروطًا عقلية كالبنية المخصوصة والمقابلة واتصال الأشعة وزوال الموانع كالبعد والحجب في خبط لهم وتحكم، وأهل السنة لا يشترطون شيئًا من ذلك سوى وجود المرئي، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي فيرى المرئي وتقترن بها أحوال يجوز تبدلها والعلم عند الله تعالى. أ. هـ. (فتح الباري).\nوقد مرت معنا نصوص حول الرؤية في ما مضى وهذه نصوص أخرى ولقد خصصنا لهذا البحث عنوانًا لأهميته في عقائد أهل السنة والجماعة:","vol":"3","page":1419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>النصوص</span>\n١٣٨١ - * روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال: \"إنكم سترون ربكم عيانًا، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا\" ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (١).\n١٣٨٢ - * روى الطبراني عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"أتاني جبريل ﷺ وفي يده مرآة بيضاء فيها نكتة سودا، فقلت: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدًا ولقومك من بعدك، تكون أنت الأول، وتكون اليهود والنصارى من بعدك\" قال: \"ما لنا فيها؟ قال: لكم فيها خير، لكم فيها ساعة من دعا ربه فيها بخير هو له قسمٌ إلا أعطاه إياه، أو ليس له بقسم إلا أدخر له ما هو أعظم منه، قلت: ما هذه النكتة السوداء فيها؟ قال: هي الساعة تقوم يوم الجمعة، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه في الآخرة: يوم المزيد\" قال: \"قلت: لم تدعونه يوم المزيد؟ قال: إن ربك ﷿ أتخذ في الجنة واديًا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل ﵎ من عليين على كرسيه ثم حف الكرسي بمنابر من نور، وجاء النبيون\n_________\n١٣٨١ - البخاري (٨/ ٥٩٧) ٦٥ - كتاب التفسير، ٢ - باب ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾.\nمسلم (١/ ٤٣٩) ٥ - كتاب المساجد، ٣٧ - باب فضل صلاتي الصبح والعصر.\nوأبو داود (٤/ ٢٣٣) كتاب السنة، باب في الرؤية. ...\nوالترمذي (٤/ ٦٨٧) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ١٦ - باب ما جاء في رؤية الرب ﵎.\n(لا تضامون): لا يزدحم بكم في رؤيته.\n(١) ق: ٣٩.\n١٣٨٢ - مجمع الزوائد (١٠/ ٤٢١).\nوقال رواه البزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وأبو يعلي باختصار، ورجال أبي يعلي رجال الصحيح، وأحد إسنادي الطبراني ...\nرجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وقد وثقه غير واحد وضعفه غيرهم، وإسناد البزار فيه خلاف.","vol":"3","page":1420},{"text":"حتى يجلسوا عليها، ثم حف المنابر بكرسي من ذهبٍ، ثم جاء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها، ثم يجيء أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثيب، فيتجلى لهم ربهم ﵎ حتى ينظروا إلى وجهه، وهو يقول: أنا الذي صدقتم وعدي، وأتممتم عليكم نعمتي، هذا محل كرامتي فسلوني، فيسألونه الرضى، فيقول ﷿: رضائي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم عند ذلك ما لا عينٌ، رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر إلى مقدار منصرف الناس يوم الجمعة، ثم يصعد ﵎ على كرسيه، فيصعد معه الشهداء والصديقون-أحسبه قال-: ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، درة بيضاء لا فصم فيها ولا قسم، أو ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء منها غرفها وأبوابها، مطردة فيها أنهارها، متدلية فيه ثمارها، فيها أزواجها وخدمها فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فيه كرامة، وليزدادوا فيه نظرًا إلى وجهه ﵎، ولذلك دُعي يوم المزيد\".\n١٣٨٣ - * روى مسلم عن صهيب الرومي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ \" قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﵎\" زاد في رواية: ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١).\n١٣٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هل تضارون في القمر ليلة البدر\"؟\n_________\n١٣٨٣ - مسلم (١/ ١٦٣) ١ - كتاب الإيمان، ٨٠ - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة- ربهم سبحانه.\nوالترمذي (٤/ ٦٨٧) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ١٦ - باب ما جاء في رؤية الرب ﵎.\n(١) يونس: ٢٦.\n١٣٨٤ - البخاري (١٣/ ٤١٩) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ...﴾.\nمسلم (١/ ١٦٣) ١ - كتاب الإيمان، ٨١ - باب معرفة طريق الرؤية. وهو جزء من حديث طويل.","vol":"3","page":1421},{"text":"قالوا: لا يا رسول الله، قال: \"فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول من كان يعبد شيءٍ فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، -شك إبراهيم-فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جار ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجزيها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم ... \".\nأقول:\nفالرؤية للمؤمنين ثابتة وكذلك هي بعض مواقف يوم القيامة، وهي ثابتة لبعض المؤمنين في البرزخ، فقد ورد في حديث صحيح أن الله ﷿ كلم والد جابر بعد أن أستشهد كفاحًا أي ليس من وراء حجاب.\nقال الخطابي عن رؤية الله ﷿ في مواقف القيامة:\nوهذه الرؤية التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي في الجنة لكرامة أولياء الله وإنما هذه للامتحان والله أعلم.\n١٣٨٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: \"هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ \" قلنا: لا، قال: \"فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما\" ثم قال: \"ينادي منادٍ ليذهب كل قوم إلى ما كانوا عليه يعبدون فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع\n_________\n١٣٨٤ - البخاري (١٣/ ٤٢٠) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾.\nمسلم (١/ ١٦٧) ١ - كتاب الإيمان، ٨٠ - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه.\nوهو حديث من جزء طويل.","vol":"3","page":1422},{"text":"أوثانهم وأصحاب كل آلهةٍ مع آلهتهم، حتى يبقي من كان يعبد الله من بر أو فاجرٍ وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد عزيزًا ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن له صاحبة ولا ولد فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن له صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون نريد أن تسقينا، فيقال اشربوا فيتساقطون حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجرٍ، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا\". قال: \"فيأتيهم الجبار في صور غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً فيذهب كي ما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا ... \".","vol":"3","page":1423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>٧ - في ذبح الموت</span>\n١٣٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: يؤتي بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي مناد: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودً فلا موت، ويا أهل النار خلودً فلا موت\"، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) وأشار بيده إلى الدنيا.\nوأخرجه (٢) الترمذي قال: \"إذا كان يوم القيامة أُتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار\".\n١٣٨٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت، حتى يجعل بين الجنة والنار، فيذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، وأهل النار حزنًا إلى حزنهم\".\n_________\n١٣٨٦ - البخاري (١٣/ ٤٢٨) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ).\nمسلم (٤/ ٢١٨٨) ٥١ - كتاب الجنة، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون.\n(١) مريم: ٣٩.\n(٢) الترمذي (٥/ ٣١٥) ٤٨ - كتاب التفسير، ٢٠ - باب \"ومن سورة مريم\".\nوقال: حديث حسن صحيح.\n(كبش أملح) الأملح: المختلط البياض والسواد.\n(فيشرئبون) اشرأب إلى الشيء: إذا تطلع ينظر إليه، ومالت نحوه نفسه.\n١٣٨٧ - البخاري (١١/ ٤١٥) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥١ - باب صفة الجنة والنار.\nمسلم (٤/ ٢١٨٩) ٥١ - كتاب الجنة، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون ... إلخ. =","vol":"3","page":1424},{"text":"وفي رواية (١): أن النبي ﷺ قال: \"يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم، فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كلٌ خالدٌ فيما هو فيه\".\n_________\n(١) مسلم: الموضع السابق.","vol":"3","page":1425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>٨ - في متفرقات\nفي الجنة والنار وبعض صفات أهلهما\nوبعض ما يحصل لأهل كل منهما</span>\n١٣٨٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحدٍ قبلك\".\n١٣٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا\".\n١٣٩٠ - * روى أبو يعلي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم\".\n١٣٩١ - * روى أحمد عن مطرف قال: قال لي عمران: إني لأحدثك بالحديث اليوم\n_________\n١٣٨٨ - مسلم (٤/ ١٨٨) ١ - كتاب الإيمان، ٨٥ - باب في قول النبي ﷺ \"أنا أول الناس يشفع ... \".\n١٣٨٩ - البخاري (١١/ ٤١٥) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥١ - باب صفة الجنة والنار.\nمسلم (٤/ ٢١٧٦) ٥١ - كتاب الجنة، ٢ - باب إحلال الرضوان.\nوالترمذي (٤/ ٦٨٩) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ١٨ - باب حدثنا سويد بن نصر. وقال: حديث حسن صحيح.\n١٣٩٠ - مجمع الزوائد (٧/ ٢١٩).\nوقال: رواه أبو يعلي من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح غير بن عبد الرحمن بن المتوكل وهو ثقة، ولفظها: سألت الله.\nاللاهين من ذرية البشر فأعطانيهم.\n(اللاهين): قيل هم البله الغافلون وقيل الذين لم يتعمدوا الذنوب وإنما فرط منهم سهوًا ونسيانًا وقيل هم الذين لم يقترفوا ذنبًا.\n١٣٩١ - أحمد (٤/ ٤٣٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٩٥) وقال: رواه أحمد موقوفًا وهو شبه المرفوع، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1426},{"text":"لعل الله ينفعك به بعد اليوم: أعلم أن خيار عبد الله يوم القيامة الحمادون.\n١٣٩٢ - * روى مسلم عن أبي التياح قال: كان لمطرف بن عبد الله الشخير امرأتان، فخرج من عند إحداهما، فلما رجع قالت له: أتيت من عند فلانة؟ قال: أتيت من عند عمران بن حصين، فحدثنا: أن رسول الله ﷺ قال \"إن أقل ساكني الجنة النساء\".\n١٣٩٣ - * روى أحمد عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة بخيلً ولا خبٌ ولا خائنً ولا سيء الملكة، وأول من يقرع باب الجنة المملوكون إذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله ﷿، وفيما بينهم وبين مواليهم\".\n١٣٩٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد، وعفيف متعفف، وعبدٌ أحسن عبادة الله ونصح لمواليه\".\n١٣٩٥ - * روى البخاري عن طريف بن تميمة قال: شهدت صفوان وجندبًا وأصحابه وهو يوصيهم فقالوا: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا؟ قال: سمعته يقول: \"من سمع سمع الله به يوم القيامة\"، قال: \"ومن شاق شقق الله عليه يوم القيامة\" فقالوا: أوصنا، فقال: \"إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبًا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف\n_________\n١٣٩٢ - مسلم (٤/ ٢٠٩٧) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢٦ - باب أكثر أهل الجنة الفقراء.\n١٣٩٣ - أحمد (١/ ٤).\nوالترمذي (٤/ ٣٤٣) ٢٨ - كتاب البر والصلة، ٤١ - باب ما جاء في البخيل.\nوقال: هذا حديث حسن غريب.\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤١١) وقال: قلت رواه الترمذي وابن ماجه باختصار-رواه أحمد وأبو يعلي وقد حسنه الترمذي بهذا\nالإسناد.\n(الخب): الخداع.\n(سيء الملكة): أي سيء المعاملة لمملوكيه.\n١٣٩٤ - الترمذي (٤/ ١٧٦) ٢٣ - كتاب فضائل الجهاد، ١٣ - باب ما جاء في ثواب الشهداء.\nقال محقق الجامع: وراه أيضًا أحمد في المسند والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو كما قال.\n١٣٩٥ - البخاري (١٣/ ١٢٨) ٩٣ - كتاب الأحكام، ٩ - باب من شاق شق الله عليه.","vol":"3","page":1427},{"text":"من دم هراقه فليفعل\". قلت [أي راوي كتاب البخاري] لأبي عبد الله: من يقول: سمعت رسول الله ﷺ، جندب؟ قال: نعم جندب.\nمما قال بن حجر في شرحه: (قوله: \"من شاق شقق الله عليه\": من أدخل على الناس المشقة أدخل الله عليه المشقة فهو من: الجزاء من جنس العمل. قوله: \"من سمع سمع الله به\": من عمل عملًا على غير إخلاص وإنما يريد ان يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه، وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ... وقيل من شهر بغيره ... فيكون أيضًا من: الجزاء من جنس العمل، والمراد في الحديث النهي عن القول القبيح في المؤمنين وكشف مساويهم وعيوبهم وترك مخالفة سبيل المؤمنين ولزوم جماعتهم والنهي عن إدخال المشقة عليهم والإضرار بهم وكانت وصية صفوان هذه لمجموعة من الخوارج).\nوزيد في رواية: قال: فبكى القوم فقال جندب: لم أر كاليوم قط قومًا أحق بالنجاة من هؤلاء إن كانوا صادقين- ولقد صدقت فراسته لذا قال: إن كانوا صادقين فإنهم لما خرجوا بذلوا السيف في المسلمين وقتلوا الرجال والأطفال وعظم البلاء بهم.\nوفي رواية (١): عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"من استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دمٍ يهريقه كأنما يذبح دجاجة كلما يعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه، ومن استطاع منكم أن لا يجعل، في بطنه إلا طيبًا فإن أول ما ينتن من الإنسان بطنه\".\n١٣٩٦ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"سألت ربي عز فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا على صورة القمر ليلة البدر، فاستزدته فزادني مع كل ألفٍ سبعين الفًا، فقلت: أي رب إن لم يكن هؤلاء\n_________\n(١) المعجم الكبير (٢/ ١٦٠).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٩٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله رجال الصحيح.\n١٣٩٦ - أحمد (٢/ ٣٥٩).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤٠٤) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1428},{"text":"مهاجر أمتي قال إذًا أكملهم لك من الأعراب\".\n١٣٩٧ - * روى أحمد عن معاوية بن حيدة أن رسول الله ﷺ قال: \"أنتم توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله ﷿\".\n١٣٩٨ - * روى أحمد عن حذيفة قال: غاب عنا رسول الله فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج، فلما خرج سجد سجدةً حتى ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: \"إن ربي ﷿ استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ قلت: ما شئت ربي هم خلقك وعبادك. فاستشارني الثانية، فقلت له: كذلك، فقال لا نخزيك في أمتك يا محمد، وأخبرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا مع كل ألف سبعون ألف ليس عليهم حساب، ثم أرسل إلى، فقال: أدع تجب وسل تعطه، فقلت لرسوله، أو معطي ربي ﷿ سؤالي؟ قال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد اعطاني ربي ﷿ ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر وأنا أمشي حيًا صحيحًا واعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر من الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسير بين يدي ولأمتي شهرًا، وأعطاني إني أول الأنبياء أدخل الجنة وطيب لي ولأمتي الغنيمة وأحل لنا كثيًرا مما شدد على من قبلنا ولم يجعل علينا من حرج\".\n١٣٩٩ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ﷿ وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف\" فقال أبو بكر زدنا يا رسول الله، قال: \"وهكذا\" وجمع كفيه فذكر نحوه.\n١٤٠٠ - * روى أحمد عن أنس أن النبي ﷺ قال: \"وعدني ربي ﷿ أن\n_________\n١٣٩٧ - أحمد (٥/ ٣).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧) وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات.\n١٣٩٨ - أحمد (٥/ ٣٥٩).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٨٦) وقال: رواه أحمد، وإسناده حسن.\n١٣٩٩ - أحمد (٣/ ١٦٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤٠٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.\n١٤٠٠ - أحمد (٣/ ١٩٣). =","vol":"3","page":1429},{"text":"يدخل الجنة من أمتي مائة الفٍ\" فقال أبو بكر ﵁: زدنا يا رسول الله، قال: \"وهكذا\" وأشار بيده، قال: يا نبي الله زدنا قال \"وهكذا\" قال عمر: قطك يا أبا بكر قال: ما لنا ولك يا ابن الخطاب. قال عمر: إن الله إن شاء يدخل الناس الجنة كلهم بحفنةٍ قال النبي ﷺ: \"صدق الله عمر\"\n١٤٠١ - * روى أحمد عن ابن مسعودٍ قال: قال لنا رسول الله ﷺ \"كيف أنتم وربع أهل الجنة، لكم ربعها ولسائر الناس ثلاثة أرباعها\"، فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فكيف أنتم وثلثها\" قالوا: فذاك أكثر. فقال رسول الله ﷺ: \"أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف أنتم منها ثمانون صفًا.\n١٤٠٢ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ﷿؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله ﷿ لمن يشاء من ملائكته: أئتوهم فحيوهم. فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم\" قال: \"إنهم كانوا عبادًا يعبدوني لا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء\". قال: \"فتأتيهم الملائكة عند\n_________\n= مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.\n(قطك): حسبك.\n١٤٠١ - أحمد (١/ ٤٥٣).\nوالمعجم الكبير (١٠/ ٢٠٨).\nوكشف الأستار (٤/ ٢٠١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤٠٣) وقال: قلت: هو في الصحيح باختصار رواه أحمد وأبو يعلي والبزار والطبراني في الثلاثة، ورجالهم\nرجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وقد وثق.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\n١٤٠٢ - أحمد (٢/ ١٦٨).\nوكشف الأستار (٤/ ٢٥٦).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٩) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1430},{"text":"ذلك فيدخلون عليهم من كل بابٍ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١) \".\n١٤٠٣ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمر وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ثلةٍ تدخل الفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإذا كان لرجلٍ مهم حاجةٌ إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، والله ﷿ يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: إن عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في سبيلي وجاهدوا أدخلوا الجنة فيدخلونها بغير حساب\".\n١٤٠٤ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"تدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا\"، فقيل: صفهم لنا. فقال: الدنسة ثيابهم، الشعثة رؤوسهم، الذين لا يؤذن لهم على السدات، ولا ينكحون المتنعمات، توكل بهم مشارق الأرض ومغاربها، كل الذي عليهم ولا يعطون كل الذي لههم\".\n١٤٠٥ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ \"إن المتحابين في الله لترى غرفهم في الجنة كالكواكب الطالع الشرقي أو الغربي، فيقال: من هؤلاء؟ فيقال هؤلاء المتحابون في الله ﷿\".\n_________\n(١) الرعد: ٢٤.\n١٤٠٣ - أحمد (٢/ ١٦٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٩) وقال: رواه أحمد والطبراني وزاد فيه: \"أدخلوا الجنة بلا عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون ربنا نحن نسبحك الليل والنهار ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الله جل ذكره: عبادي الذين قاتلوا في سبيلي فأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار\"، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عشانة وهو ثقة.\n(ثلة): الجماعة من الناس.\n١٤٠٤ - المعجم الكبير: (١٢/ ٣١٦).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٠) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات. ...\n(السدات): جمع سدة بالضم: باب الدار.\n١٤٠٥ - أحمد (٣/ ٨٧).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤٢٢) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1431},{"text":"١٤٠٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة رفعه: \"يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير\".\nقال النووي: (قيل مثلها في رقتها وضعفها كالحديث الآخر أهل اليمن أرق قلوبًا وأضعف أفئدة وقيل في الخوف والهيبة، والخوف أكثر الحيوان خوفًا وفزعًا كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وكان المراد قوم غلب عليهم الخوف كما جاء عن جماعات من السلف في شدة خوفهم، وقيل المراد متوكلون) أهـ (شرح النووي على مسلم).\n١٤٠٧ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بمن يحرم على النار، وبمن تحرم عليه النار؟ على كل قريبٍ هينٍ سهلٍ\".\n١٤٠٨ - * روى البزار عن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل من في الجنة؟ قال: \"النبي في الجنة، والشهيد في الجنة والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة\".\n١٣٠٩ - * روى أحمد عن أبي أُمامة قال: أستضحك رسول الله ﷺ يومًا، فقيل له: يا رسول الله ما يضحكك؟ قال: \"قومٌ يساقون إلى الجنة مقرنين في السلاسل\".\nأقول: المراد بهؤلاء والله أعلم الأسرى الذين يسلمون بعد أسرهم.\n١٤١٠ - * روى الطبراني عن شريك بن طريفٍ قال: قال: رسول الله ﷺ: \"لن\n_________\n١٤٠٦ - مسلم (٤/ ٢١٨٣) ٥١ - كتاب الجنة، ١١ - باب يدخل الجنة أقوام ... الخ.\n١٤٠٧ - الترمذي (٤/ ٦٥٤) ٣٨ - كتاب القيامة، ٤٥ - باب حدثنا هناد.\nوقال هذا حديث حسن غريب، وهو كما قال.\n١٤٠٨ - كشف الأستار (٣/ ٣٠).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢١٩) وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن معاوية بن مالج، وهو ثقة.\nوفي التقريب: صدوق ربما وهم.\n١٤٠٩ - أحمد (٥/ ٢٥٦).\nومجمع الزوائد (٥/ ٢٣٣) وقال: رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح.\n١٤١٠ - المعجم الكبير (٧/ ٣٠٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٧) وقال: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدهما رجال الصحيح.","vol":"3","page":1432},{"text":"لن يدخل الجنة أحدٌ منك بعملٍ\" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ\".\n١٤١١ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: لن يدخل الجنة أحدُ إلا برحمة الله\" قالوا: ولا أنت؟ قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله\" وقال بيده فوق رأسه.\n١٤١٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يتحدث-وعنده رجل من أهل البادية- \"أن رجلًا استأذن ربه في الزرع، فقال: ألست فيما شئت؟ يقول: بلى، ولكن أحب ذلك، فيؤذن له، فيبذر، فيبادر الطرف نباته واستحصاده، وتكويره أمثال الجبال، فيقول الرب سبحانه: دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء\" فقال الأعرابي: إنك لن تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم أصحاب زرعٍ، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرعٍ، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجدذه.\n١٤١٣ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن المؤمن إذا أشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسته في ساعةٍ واحدة كما يشتهي\".\n١٤١٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"صنفان من أهل النار، لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها\n_________\n١٤١١ - أحمد (٣/ ٥٢).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٦) وقال: رواه أحمد، وإسناده حسن.\n١٤١٢ - البخاري (١٣/ ٤٨٧) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٣٨ - باب كلام الرب مع أهل الجنة\n١٤١٣ - الترمذي (٤/ ٦٩٥) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٢٣ - باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة.\nوقال هذا حديث حسن غريب.\nوأحمد (٣/ ٩).\nوابن ماجه (٢/ ١٤٥٢) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٩ - باب صفة الجنة.\nوالإحسان بترتيب ابن حبان (٩/ ٢٤٧).\nوالدرامي (٣/ ٣٣٧) كتاب الرقاق، باب في ولد أهل الجنة.\nوقال محقق الجامع: إسناده حسن.\n١٤١٤ - مسلم (٣/ ١٦٨٠) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٣٤ - باب النساء الكاسيات العاريات. =","vol":"3","page":1433},{"text":"الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا\".\n١٤١٥ - * روى أحمد عن عمارة بن خزينة قال: بينما نحن عند عمرو بن العاص في حج أو عمرةٍ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في هذه الشعب: إذ قال: \"أنظروا هل ترون شيئًا\" فقلنا نرى غربانًا منها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين. فقال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل الجنة من النساء إلا من كان منهن مثل هذا الغراب في الغربان\".\nأقول: المؤمنات من النساء كثيرات بفضل الله تعالى، ومآلهن الجنة، ولكن قسمًا كبيرًا منهن يدخلن النار بما يفعلنه من موجبات دخول النار، ثم يكون المآل إلى الجنة بفضل الله تعالى، فالنص يتحدث عن مرحلة متقدمة بالنسبة للجنة.\n١٤١٦ - * روى أحمد عن عبد الرحمن بن شبلٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الفساق أهل النار\"، قالوا يا رسول الله: ومن الفساق؟ قال: \"النساء\" قال رجل: يا رسول الله أولسن أمهاتنا ونساؤنا وأزواجنا وبناتنا؟ قال: \"بلى! ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن\".\n١٤١٧ - * روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال النبي\n_________\n= (كاسيات عاريات): أي يكشفن بعض أجسامهن وقيل: هو أن يلبسن ثيابًا رقاقًا تصف ما تحتها، فهن كاسيات في ظاهر الأمر، عاريات في الحقيقة.\n(مائلات مميلات): مائلات، أي: زائغات عن طاعة الله وعما يلزمهن من حفظ الفروج، ومميلات: يعلمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن، وقيل: مائلات، أي: متبخترات في مشيهن، مميلات، أي: يملن أعطافهن وأكتافهن وقيل: مائلات إلى الشر، مميلات للرجال إلى الفتنة.\n(رؤوسهن كأسنمة البخت): البخت: جمال طوال الأعناق.\n١٤١٥ - أحمد (٤/ ١٩٧).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٩) وقال: وفي رواية كنا مع عمرو بن العاص في حج أو عمرة حتى إذا كنا بمر الظهران إذا امرأة في\nهودجها فذكر نحوه، رواه أحمد ورجاله ثقات.\n(الظهران): موضع بالقرب من مكة.\n١٤١٦ - أحمد (٣/ ٤٢٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٤) وقال: ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي راشد الخيراتي، وهو ثقة.\n١٤١٧ - البخاري (١١/ ٤١٥) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥١ - باب صفة الجنة والنار ... . =","vol":"3","page":1434},{"text":"ﷺ: \"قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء\".\n١٤١٨ - * روى أحمد عن عبد الله بن عباس قال قال رسول الله ﷺ: \"اطلعت في الجنة فرأيت اكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء\".\n١٤١٩ - * روى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب ﵁ سمع رسول الله ﷺ: يقول \"ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر\".\nولمسلم (١) في رواية: \"ألا أخبركم بأهل الجنة؟ \" قالوا: بلى ... وذكره، وكذلك في أهل النار، قالوا: بلى. وله في أخرى (٢) مثله، وقال في ذكر أهل النار: \"كل جواظ زنيم متكبر\".\n١٤٢٠ - * روى مسلم عن عياض بن حماد المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: \"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم\n_________\n= مسلم (٤/ ٢٠٩٦) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢٦ - باب أكثر أهل الجنة الفقراء.\nالجد: الحظ والسعادة.\n١٤١٨ - أحمد (١/ ٣٣٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٢٦١) وقال: رواه أحمد، وإسناده جيد.\n١٤١٩ - البخاري (٨/ ٦٦٣) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب (عتل بعد ذلك زنيم). ...\nمسلم (٤/ ٢١٩٠) ٥١ - كتاب الجنة، ١٣ - باب حدثنا محمود.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\n(٢) مسلم: الموضع السابق.\n(عتل): العتل: الغليظ الجافي الذي لا ينقاد إلى الخير.\n(جواظ): الغليظ الفظ.\n(زنيم): الزنيم: الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، وقيل: هو اللئيم.\n١٤٢٠ - مسلم (٤/ ٢١٩٧) ٥١ - كتاب الجنة، ١٦ - باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة ... إلخ.","vol":"3","page":1435},{"text":"الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وأن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: أنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت: رب إذًا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما أخرجوك، واغزهم نعنك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك، قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يتبعون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفي له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك\" وذكر البخل أو الكذب \"والشنظير الفحاش\".\nزاد في (١) رواية: \"وإن الله أوحى إلى: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدً على أحدٍ، ولا يبغي أحدً على أحد\".\nوقال في حديثه: \"وهم فيكم تبعًا\"، لا يبغون أهلًا ولا مالًا\" فقلت: فيكون ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها.\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢١٩٨) ٥١ - كتاب الجنة، ١٦ - باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة ... إلخ.\n(اجتالتهم الشياطين): أي: استخفتهم، فجالوا معهم، ويقال للقوم إذا تركوا القصد والهدى، اجتالتهم الشياطين، أي: جالوا معهم في الضلالة.\n(أمرني أن أحرق قريشًا): كناية عن القتل، ومثله في ذكر قتال أهل الردة، فلم يزل يحرق اعضاءهم حتى أدخلهم من الباب الذي خرجوا منه، ومنه حديث المواقع في رمضان: \"احترقت\" أي: هلكت.\n(الشلغ): الشدخ، وقيل: هو فضحك الشيء الرطب بالشيء اليابس.\n(لا زبر له) أي: لا عقل له، ولا تماسك، وهو الأصل مصدر.\n(الشنظير): من $$$ الخلق، والفحاش: المبالغ في الفحش.","vol":"3","page":1436},{"text":"١٤٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره\".\n١٤٢٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك\".\n١٤٢٣ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات\".\n١٤٢٤ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: أذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. فحفها بالمكاره، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب إليها ثم جاء وقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد\" قال: \"ولما خلق الله النار، قال لجبريل: أذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فلما رجع، قال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها\".\nوزاد النسائي (١) في ذكر الجنة بعد قوله: \"قال لجبريل: اذهب إليها\": \"وإلى\n_________\n١٤٢١ - البخاري (١١/ ٣٢٠) ٨١ - كتاب الرقاق، ٢٨ - باب حجبت النار بالشهوات.\nمسلم (٤/ ٢١٧٤) ٥١ - كتاب الجنة، الحديث الثاني.\nوله \"حفت\" بد \"حجبت\".\n١٤٢٢ - البخاري (١١/ ٣٢١) ٨١ - كتاب الرقاق، ٢٩ - باب الجنة أقرب إلى أحدكم ... الخ.\n١٤٢٣ - مسلم (٤/ ٢١٧٤) ٥١ - كتاب الجنة، الحديث الأول.\nوالترمذي (٤/ ٦٩٣) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٢١ - باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره.\nوقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه الصحيح.\n١٤٢٤ - أبو داود (٤/ ٢٣٦) كتاب السنة، في باب خلق الجنة والنار.\nوالترمذي (٤/ ٦٩٣) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٢١ - باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو كما قال.\n(١) النسائي (٧/ ٣) ٣٥ - كتاب الإيمان والنذور، ٣ - باب الحلف بعزة الله تعالى.\nوالإحسان بترتيب ابن حبان (٩/ ٢٤٣).\nوالمستدرك (١/ ٢٧).","vol":"3","page":1437},{"text":"ما أعددت لأهلها فيها\" وكذلك زاد في ذكر النار مثل.\n١٤٢٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يخرج من النار أربعة، فيعرضون على الله ﷿، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب، إذا أخرجتني منها فلا تعدني فيها، فينجيه الله منها\".\n١٤٢٦ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني فتكون عليه حسرة\" قال: \"وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له شكرًا\".\nوفي رواية (٣): \"لا يدخل أحدً النار إلا رأى مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرةً، ولا يدخل أحدً الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرًا\".\n١٤٢٧ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بمك من نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا من أهل الجنة فيصبغ صبغةً في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا والله يارب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط\".\n١٤٢٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين،\n_________\n١٤٢٥ - مسلم (١/ ١٨٠) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة.\n١٤٢٦ - أحمد (٢/ ٥١٢)\n(٣) أحمد (٢/ ٥٤١).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٩) وقال: رواه كله أحمد، ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح.\n١٤٢٧ - مسلم (٤/ ٢١٦٢) ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة.\nوالترمذي (٤/ ٦٩٣) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين، ١٢ - باب صبغ أنعم أهل الدنيا ... الخ.\n(فيصبغ): أي: يغمس في الجنة أو النار غمسة، كأنه يدخل إليها إدخالة واحدة.\n١٤٢٨ - البخاري (٨/ ٥٩٥) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. =","vol":"3","page":1438},{"text":"وقال الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ \".\nزاد في رواية (١): \"وغرتهم فقال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدةٍ منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله\".\nوفي رواية (٢): \"حتى يضع الله ﵎ رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلق أحدًان وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا\".\nوللبخاري (٣) قال: \"اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقال الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم: وقال النار: يعني أوثرت بالمتكبرين، فقال الله للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدةٍ منهما ملؤها، فأما الجنة، فان الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض، وتقول قط قط قط\".\nقال معلق فتح الباري:\nجزم ابن القيم بأن هذا غلط من الراوي، صوابه \"ينشئ للجنة\" كما تقدم برقم ٤٨٥٠ من طريق عبد الرازق عن همام عن أبي هريرة، وكما في رقم ٧٣٨٤ من طريق قتادة عن أنس، فتبين منهما أن الراوي هنا سبق لفظه من الجنة إلى النار، ويسمونه في مصطلح الحديث (المنقلب) أهـ.\nوقال ابن حجر: قال أبو الحسن القابسي المعروف في هذا الموضع إن الله ينشئ للجنة\n_________\n= مسلم (٤/ ٢١٨٦) ٥١ - كتاب الجنة، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون ... إلخ.\n(١)، (٢) مسلم (٤/ ٢١٨٧): الموضع السابق.\n(٢) البخاري (١٣/ ٤٣٤) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٥ - باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ ....﴾.\nقط: حسبي وكفاني.","vol":"3","page":1439},{"text":"خلقًا وأما النار فيضع فيها قدمه فقال: ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار خلقًا إلا هذا. أهـ.\n١٤٢٩ - * روى أحمد عن علي بن خالد أن أبا أمامة مر على خالد بن يزيد بن معاوية فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" ألا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله\".\n١٤٣٠ - * روى أبو داود عن حارثة بن وهب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل الجنة الجواظ، ولا الجعظري\" قال: والجواظ: الغليظ الفظ.\n١٤٣١ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: عند ذكر أهل النار \"وكل جعظري جواظٍ مستكبرٍ جماعٍ مناعٍ، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون\".\n١٤٣٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: \"أتيت ليلة أسري بي على رجال تقرض شفاهم بمقاريض من نار قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون\".\n١٤٣٣ - * روى أحمد عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج عنق من\n_________\n١٤٢٩ - أحمد (٥/ ٢٥٨).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤٠٣) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير علي بن خالد المدني، وهو ثقة.\n١٤٣٠ - أبو داود (٤/ ٢٥٣) كتاب الأدب، باب في حسن الخلق.\nوإسناده حسن.\n(الجواظ): المنوع، وقيل: السمين المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين.\n(الجعظري): الفظ الغليظ المتكبر.\n١٤٣١ - أحمد (٢/ ٢١٤).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٣) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n١٤٣٢ - كشف الأستار (٤/ ١١٢).\nمجمع الزوائد (٧/ ٢٧٦) وقال بعد أن ذكر نحو هذا الحديث: رواها كلها أبو يعلي والبزار ببعضها والطبراني في الأوسط، وأحد أسانيد أبي يعلي رجاله رجال الصحيح.\n١٤٣٣ - أحمد (٢/ ٣٣٦). وروايته مختصرة عن أبي هريرة ﵁. =","vol":"3","page":1440},{"text":"النار يوم القيامة فتكلم بلسان طلقٍ زلقٍ لها عينان تبصر بهما ولها لسان تكلم به فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلهًا آخر، وبكل جبارٍ عنيد، وبمن قتل نفسٍ بغير نفس، فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام\".\n١٤٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن اصحاب الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: أحيوا ما خلقتم\".\n١٤٣٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا كلها، أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم فيقول: قد أردت منك أيسر من هذا، وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي ولأدخلك النار، وأدخلك الجنة، فأبيت إلا الشرك\".\nوفي رواية له (١) وللبخاري قال: \"يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: لقد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بي\".\n_________\n= وكشف الأستار (٤/ ١٨٥).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٢) وقال: وفي رواية: \"فتنطوي عليهم فتقذفهم في جهنم\"رواه البزار واللفظ له وأحمد باختصار وأبو يعلي بنحوه، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح.\n١٤٣٤ - البخاري (١٣/ ٥٢٨) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٥٦ - باب قوله الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون). ...\nمسلم (٣/ ١٦٦٩) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٦ - باب تحريم تصوير صورة الحيوان .... الخ.\nوأحمد (٦/ ٨٠).\nوابن ماجه (٢/ ٧٢٨) ١٢ - كتاب التجارات ٥ - باب الصناعات.\n١٤٣٥ - مسلم (٤/ ٢١٦٠) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين، ١٠ - باب طلب الكافر الفداء .... الخ.\n(١) مسلم (٤/ ٢١٦١): الموضع السابق.\nالبخاري (١١/ ٤٠٠) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٩ - باب من نوقش الحساب عذب.","vol":"3","page":1441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>٩ - الجنة والنار مخلوقتان موجودتان</span>\nقال ابن كثير في كتاب النهاية رادًا على من زعم أن الجنة والنار ستخلقان وليستا موجودتين الآن:\nقال تعالى:\n﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).\nوقال تعالى:\n﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢).\nوقال تعالى:\n﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣).\nوقال في حق آل فرعون:\n﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٤).\nوقال تعالى:\n﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).\nوثبت في الصحيحين (٦) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \"يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على\n_________\n(١) آل عمران: ١٣.\n(٢) الحديد: ٢١.\n(٣) آل عمران: ١٣١.\n(٤) غافر: ٤٦.\n(٥) السجدة: ١٧\n(٦) البخاري (٨/ ٥١٥/٥١٦) ٦٥ - كتاب التفسير، تفسير سورة السجدة. =","vol":"3","page":1442},{"text":"قلب بشر ذخرًا بله ما أطلعتم عليه\". ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. الآية\n[بله: تأتي هنا بمعنى فضلًا عما أطلعتم عليه، ومعناها في الأصل: دع].\nوفي الصحيحين (١)، من حديث مالك؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أحدكم إذا مات. عرض عليه مقعده بالغداة والعشي. إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، فقيل: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة\".\nوفي صحيح مسلم (٢)، عن أبي مسعود: \"أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقةٍ في العرش\".\nوروينا من حديث الإمام أحمد بن حنبل (٣)، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب مالك، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: \"إنما نسمة المؤمن في طائر معلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم يبعثه\".\nوتقدم الحديث المتفق عليه (٤): من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات\".\nوذكر الحديث المروي (٥) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن\n_________\n= مسلم (٤/ ٢١٧٥) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث ٤.\n(١) البخاري (٣/ ٢٤٣) ٣٣ - كتاب الجنائز، ٨٩ - باب الميت يعرض عليه مقعده. ...\nمسلم (٤/ ٢١٩٩) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٧ - باب عرض مقعد الميت .... إلخ\n(٢) مسلم (٣/ ١٥٠٢) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٣٣ - باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة .... إلخ.\nوهو مرفوع للنبي ﷺ.\n(٣) أحمد (٣/ ٤٥٥).\n(٤) البخاري (١١/ ٣٢٠) ٨١ - كتاب الرقاق، ٢٨ - باب حجبت النار بالشهوات.\nمسلم (٤/ ٢١٧٤) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث ١.\n(٥) الترمذي (٤/ ٦٩٣، ٦٩٤) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٢١ - باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره .... إلخ. =","vol":"3","page":1443},{"text":"أبي هريرة مرفوعًا: \"لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها\" الحديث.\nوتقدم الحديث الآخر (١): \"لما خلق الله الجنة، قال لها تكلمي: فقالت: قد أفلح المؤمنون\".\nوفي الصحيحين (٢): عن أبي هريرة، وعند مسلم: عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"تحاجت الجنة والنار\". الحديث.\nوفيهما (٣) عن ابن عمر، مرفوعًا: \"الحمى من فحيح جهنم\".\nوفيهما (٤): عن أبي ذر، مرفوعًا: \"إذا أشتد فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم\".\nوفي الصحيحين (٥): \"إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار\".\nوقد ذكرنا في حديث الإسراء: أن رسول الله ﷺ، رأي الجنة والنار ليلتئذ.\nوقال الله تعالى (٦): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾.\n_________\n= وقال: حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٧/ ٣/٤) ٣٥ - كتاب الإيمان والنذور، ٣ - باب الحلف بعزة الله تعالى.\n(١) مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧)\n(٢) البخاري (٨/ ٥٩٥) ٦٥ - كتاب التفسير، سورة \"ق\".\nمسلم (٤/ ٢١٨٦، ٢١٨٧) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون ... الخ\"\n(٣) البخاري (٦/ ٢٣٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٠ - باب صفة النار وأنها مخلوقة.\nمسلم (٤/ ١٧٣١) ٣٩ - كتاب السلام، ٢٦ - باب لكل داء دواء واستحباب التداوي.\n(٤) البخاري (٢/ ١٨) ٩ - كتاب المواقيت، ٩ - باب الإبراد بالظهر في شدة الحر.\nمسلم (١/ ٤٣١) ٥ - كتاب المساجد، ٣٢ - باب استحباب الإبراد بالظهر ... الخ.\n(٥) البخاري (٤/ ١١٢) ٣٠ - كتاب الصوم، ٥ - باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان .... الخ.\nمسلم (٢/ ٧٥٨) ١٣ - كتاب الصيام، ١ - باب فضل شهر رمضان.\n(٦) النجم: ١٣ - ١٥.","vol":"3","page":1444},{"text":"وفي الصحيحين (١) \"ثم أدخلت الجنة، فإذا جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك\".\n[جنابذ اللؤلؤ: قباب اللؤلؤ واحدتها جنبذة].\nوفي صحيح (٢) مسلم: من طريق قتادة: عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: \"بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك \".\nوفي مناقب عمر: أنه ﷺ قال: \"أدخلت الجنة فرأيت جارية تتوضأ عند قصرٍ، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لعمر بن الخطاب. فأردت أن أدخله، فذكرت غيرتك\". فبكى عمر وقال: أو عليك أغار يا رسول الله؟!.\nوالحديث في الصحيحين (٣)، عن جابر.\nوقال لبلال (٤): \"دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك بين يدي في الجنة، فأخبرني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام\" فقال: ما عملت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة من إني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعةٍ من ليل ولا نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.\nوأخبرني عن الرميصاء أنه رآها في الجنة.\nأخرجاه (٥) عن جابر بن عبد الله.\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٣٧٥) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٥ - باب ذكر إدريس ﵇ ... إلخ.\nمسلم (١/ ١٤٩) ١ - كتاب الإيمان، ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ ... إلخ.\n(٢) وهو في البخاري (١١/ ٤٦٤) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض ... إلخ.\nوأحمد (٣/ ١٩١).\n(٣) البخاري (٩/ ٣٢٠) ٦٧ - كتاب النكاح، ١٠٧ - باب الغيرة.\nمسلم (٤/ ١٨٦٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٢ - باب من فضائل عمر ﵁.\n(٤) مسلم (٤/ ١٩١٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٢١ - باب من فضائل بلال ﵁.\nأحمد (٢/ ٣٢٣).\n(٥) البخاري (٧/ ١٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة، ٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب.\nمسلم (٤/ ١٩٠٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ١٩ - باب من فضائل أم سليم.","vol":"3","page":1445},{"text":"[الرميصاء: قال ابن الأثير: (يقال غمصت العين ورمصت، من الغمص والرمص، وهو البياض الذي تقطعه العين ويجتمع في زوايا الأجفان، والرمص: الرطب منه، والغمص: اليابس، والغمص والرمص: جمع أغمص وأرمص، وانتصبا على الحال لا على الخبر، لأن أصبح تامة، وهي بمعنى الدخول في الصباح. قاله الزمخشري) أهـ من النهاية].\nوأخبر في يوم صلاة الكسوف (١)، أنه عرضت عليه الجنة والنار، وأنه دنت منه الجنة، وأنه هم أن يأخذ منها قطفًا من عنب.\nوفي الصحيحين (٢): من طريق الزهري: عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ\": رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي ... يجر قصبة في النار\".\n[قصبه: القصب: المعى].\nوقال في الحديث الآخر (٣): \"ورأيت فيها صاحب المحجن\".\nوقال رسول الله ﷺ (٤) \"دخلت امرأة النار، في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض\" \"ولقد رأيتها تخمشها\".\nوأخبر (٥) عن الرجل الذي ينحي غصن شوكٍ عن طريق المارة، فقال: \"فلقد رأيته يستظل به في الجنة\".\nوفي الحديث في صحيح مسلم (٦): عن أبي هريرة، بلفظ آخر.\n_________\n(١) البخاري (٢/ ٥٤٠) ١٦ - كتاب الكسوف، ٩ - باب صلاة الكسوف.\nومسلم (٢/ ٦٢٦) ١٠ - كتاب الكسوف، ٣ - باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف ... الخ.\nوابن ماجه (١/ ٤٠٢) ٥ - كتاب إقامة الصلاة، ١٥٢ - باب ما جاء في صلاة الكسوف.\nوالنسائي (٣/ ١٣٧/١٣٩) ١٦ - كتاب الكسوف، ١٤ - باب نوع آخر.\n(٢) البخاري (٦/ ٥٤٧) ٦١ - كتاب المناقب، ٩ - باب قصة خزاعة.\nمسلم (٤/ ٢١٩٢) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون ... الخ.\n(٣) النسائي (٣/ ١٣٩) ١٦ - كتاب الكسوف، ١٤ - باب نوع آخر\n(٤) البخاري (٥/ ٤١) ٤٢ - كتاب المساقاة، ٩ - باب فضل سقي الماء\n(٥) مسند أحمد (٣/ ١٥٤).\n(٦) مسلم (٤/ ٢٠٢١) ٤٥ - كتاب البر والصلة، ٣٦ - باب فضل إزالة الأذى عن الطريق.","vol":"3","page":1446},{"text":"وفي الصحيحين (١): عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: \"اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء\".\nوفي صحيح مسلم (٢): من طريق المختار بن فلفل المخزومي: عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا\" قالوا: يا رسول الله فما رأيت؟ قال: \"رأيت الجنة والنار\".\nوأخبر (٣) أن المتوضئ إذا تشهد بعد وضوئه فإنه تفتح له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء.\nوفي صحيح البخاري (٤): من حديث شعبة، عن عدي بن ثابتٍ، عن البراء بن عازبٍ، قال: لما توفي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ قال: \"إن له لمرضعًا في الجنة\".\nوقال البيهقي (٥): أخبرنا الحاكم .... [وساق سنده].\nعن أبي هريرة (٦)، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أولاد المؤمنين في جبل الجنة، يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة\".\nوكذا رواه وكيع: عن سفيان-وهو الثوري-والأحاديث في هذه كثيرة جدًا.\nوقال الله تعالى (٧): ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nوالجمهور على أن هذه جنة المأوى أهـ (النهاية في الفتن والملاحم).\n_________\n(١) البخاري (٩/ ٢٩٨) ٦٧ - كتاب النكاح، ٨٨ - كفران العشير.\nومسلم (٤/ ٢٠٩٦) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ٣٦ - باب أكثر أهل الجنة الفقراء.\nوهو عند مسلم عن ابن عباس، وليس عن عمران.\n(٢) مسلم (١/ ٣٢٠) ٤ - كتاب الصلاة، ٢٥ - باب تحريم سبق الإمام.\n(٣) مسلم (١/ ٢١٠) ٢ - كتاب الطهارة، ٦ - باب الذكر المستحب عقب الوضوء.\n(٤) البخاري (٦/ ٣٢٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٨ - باب ما جاء في صفة الجنة.\n(٥) السنن الكبرى (٤/ ٩) كتاب الجنائز، باب السقط يغسل ويكفن.\n(٦) أحمد (٢/ ٣٢٦).\nوالمستدرك (١/ ٣٨٤) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(٧) البقرة: ٣٥.","vol":"3","page":1447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>الفقرة الحادية عشر\n﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾</span>\nفي تاريخ العالم ظهرت ممالك ودول وإمارات وظهر ملوك ورؤساء وأمراء، وكل ذلك يخلقه ﷻ بعلمه وإرادته وقدرته وكل ما خلقه الله ﷿ إنما خلقه ليتعرف المكلفون على مملكته وأسمائه، فمن خلال معرفة الحكم والملك تعرف أسمي الله: الحكم والملك، ومن خلال سعة الكون تعرف عظمة الله وتعرف أسم الله: العظيم، ولكن مهما تأمل الإنسان وتفكر فإنه لا يقدر الله حق قدره، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٢). أنظر إلى اسم الملك وتدبر ما مر معنا في هذا القسم فهل تقدر هذا الاسم حق قدره؟.\nأنظر إلى سعة هذا الكون وما فيه من مخلوقات غيبية وحسية تعرف سعة مملكته وهو قادر على أن يخلق ما لا يتناهى من أمثالها وغير أمثالها، ثم أنظر إلى انتظام مملكته وحسن تقديره وبديع صنعه ولطيف حكمته وجميل إحسانه، ثم أنظر إلى أن كل ما قضاه أن يكون مسجلًا في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وإن كل ما يجري لا يخرج عما سجله القلم، وأنت ترى عجز الملوك والحكام عن التخطيط الشامل، وترى عجزهم عند تنفيذ كل ما سطروه، ثم أنظر إلى ترتيبات شيءون الملائكة لتعرف أي جند جنده، ثم أنظر إلى اصطفاء الرسل وإنزال الشرائع لتعرف أي كمال في رسله ورسالاته، ثم أنظر إلى قهره في الدنيا وإمداده لتعرف انتقامه وحلمه، ثم تأمل أي سجن أعده للمخالفين عن أمره: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٣). وتأمل مكافأة أوليائه بالجنة، ثم تأمل كيف يقيم الحجة على خلقه بالإشهاد والكتابة والحساب لتعرف عدله، ثم تأمل هول الموقف إذ يقف الناس صافين أقدامهم رافعي رؤوسهم غاية الاستعداد والخوف، وكيف تأتي الملائكة صفًا صفًا وكيف تحف الملائكة بالعرش لتعرف أي جلال جلاله. ثم أنظر إلى قبول شفاعة الشفعاء لتعرف أي إكرام إكرامه.\n_________\n(١) الأنعام: ٩١.\n(٢) طه: ١١٠.\n(٣) الإسراء: ٨.","vol":"3","page":1448},{"text":"إن غاية ما ذكر من جلال الملوك ومن ترتيباتهم ومن عدلهم ومن قهرهم ومن سعة سلطانهم ومن أعمالهم أن تتعرف من خلال نقصهم على كماله ومن خلال كمالاتهم على حقارة ذلك بالنسبة لكمالاته.\nفاعرف أيها المسلم أن الملك الحق هو الله ﷿ وكن له عبدًا بكل ما تقتضيه صفات العبودية وترنم مع الحداة:\nلا تدعني إلا بيا عبده ... فإنه أشرف أسمائي\n* * *","vol":"3","page":1449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>خاتمة الباب الثاني</span>\nذكرنا في فصل اليوم الآخر بعض ما يكون بين يدي الساعة، كما ذكرنا عن الموت والحياة البرزخية.\nوذكرنا بعض ما يكون يوم القيامة وما بعد ذلك، وما ذكرناه في هذا الفصل هو بعض ما ورد في اليوم الآخر، فالنصوص في شأن اليوم الآخر أوسع؛ لأن الكلام عن اليوم الآخر نجده من الكثرة في نصوص الكتاب والسنة بحيث يحتاج الإنسان لاستكمال المعرفة للمكنة إلى دراسة الكتاب والدراسة، ولكن الحاجة إلى التعليم تقتضي التبويب.\nوالمطلوب من المسلم أن يكون عنده تصور إجمالي عن اليوم الآخر، ويندب له أن يعرف التفصيلات ما استطاع إلى ذلك سبيلا، كما يطالب المسلم بالتصديق والتسليم، وألا يفر إلى التأويل في شأن اليوم الآخر، إلا إذا وجد الراسخين في العلم من أهل السنة والجماعة يؤولون، فله بهم أسوة، والتفويض أسلم وأحكم وأدل على الإيمان، كما أن مما يندب للمسلم أن يتأمل في ما هو كائن من أحداث اليوم الآخر فيتأمل ما أخبر به الرسول ﷺ ووقع، ليزيد ذلك يقينًا فيما أخبر عنه ولم يقع، أنه واقع، فيتذكر قرب الساعة ويتذكر ما يكون بين يديها من أهوال وفتن، فينوي ويدعو أن يكون ظاهرًا وباطنًا على ما هو الأحب إلى الله تعالى.\nثم ليتذكر الموت وليتأمل ما ورد في الحياة البرزخية ويجدد مع الله نية، ثم يتذكر النفخة الأولى وما يكون فيها ما يحدث للأرض والسموات، وما يحدث للمخلوقات، ثم يتذكر النفخة الثانية وما يكون بعدها من نشر وحشر، وموقف وشفاعة لرسول الله ﷺ لفصل الخطاب، وما يكون بعد ذلك من جدال ومعاذير، وإقامة حجة وتميز لأهل التوحيد والإيمان عن أهل الشرك والكفر، وليتذكر بعث النار، وليتذكر قبل ذلك الجنة والنار وقد جيء بهما ثم ليتذكر حال العطش، وأن الري لا يكون إلا من الحوض، وليحذر أن يرد عن الحوض، ثم ليتذكر الحساب والميزان وليطلب من ربه أن يكون من الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وليتذكر انحباس الناس دون الصراط فلا يعبرون إلا","vol":"3","page":1451},{"text":"بشفاعة جديدة من رسول الله ﷺ، ثم ليتذكر المرور على الصراط، ويتذكر أن على الصراط قناطر، فيتذكر هول المرور وهول المقاصة، ثم ليتذكر أنه حتى إذا تجاوز الصراط فإنه لا دخول إلى الجنة إلا بعد أن يتطهر من أمراضه القلبية كلها، ليكون مؤهلا لهيئة أهل الجنة في طولهم وحسنهم وعرضهم، ثم ليتذكر أنه لا دخول إلى الجنة إلا بشفاعة جديدة من رسول الله ﷺ، فيعرف لهذا الرسول ﷺ بعض قدره، ثم ليتذكر الجنة وما أعده الله فيها، وليذكر تفاوت الناس في منازلهم فيطلب ويعمل ليكون من أهل عليين وليتذكر النار وأهلها الباقين فيها، وأهلها الذين يخرجون بشفاعات الشافعين، فينوى ويعمل ويدعو ويبكي من أجل أن يكون من الشافعين، وهكذا فلتكن لك يا أخي المسلم جولات من التأملات اليومية فيما سيكون، فهذا باب كثرت عنه الغفلة، فقل داخلوه وهو الذي لو عقل الناس ما نسوه طرفة عين، ومع هذا كله فإنه مما ينبغي أن يكون له من يومك نصيب تلاوة القرآن الكريم والتأمل في كل آية، فإن فيه علم الأولين والآخرين، وتأمل الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر وتدبرها وأعطها حقها من الرهبة والرغبة، فتلك من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام، ثم ليكن لك نظرك في السنة النبوية وما فيها من تذكير بما يستقبل الإنسان، فإن استطعت أن تبكي فتلك علامة على سلامة القلب وعلى تشربه العلم والحكمة، ولينبثق عن ذلك كله قيام بحق الله ابتداء بكثرة العبادة والذكر، وتوسطًا بالقيام بحقوق الله، وحقوق العباد في المعاملة وانتهاء بتعلق القلب بالله وبيعًا للنفس في مرضاته.\nولننتقل الآن إلى الباب الثالث من قسم العقائد وهو تحت عنوان: (مباحث عقدية).","vol":"3","page":1452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>الباب الثالث\nفي:\nمباحث عقدية</span>\nوفيه:\nمقدمة وفصول","vol":"3","page":1453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>المقدمة</span>\nذكرنا في قسم السيرة النبوية الكثير من معجزاته ﵊، وندر أن يمر معنا قسم إلا وفيه من أعلام نبوته ﵊، وأثناء تفسيرنا للقرآن مرت معنا معجزات كثيرة، والمعجزة القرآنية هي أعظم المعجزات على الإطلاق في كل العصور لظهورها وديمومتها، وظهور المعجزة على يد الرسول علامة الرسالة.\nولقد كان من سنة الله ﷿ ليتأصل الإيمان ويتعمق ولتبقى حجج الله على خلقه متوالية أن جعل الكرامات على يد أوليائه استمرارًا للمعجزات وتثبيتًا لأهل الإيمان.\nومع الكرامات نجد المعونات والتأييدات والتوفيقات التي يكرم الله ﷿ بها عباده المؤمنين على مقتضى الأسباب ولكن بما يظهر معه توفيق الله للمؤمنين أو بركته.\nومن المكرمات أو المعونات استجابة الدعاء، وإنما جعل ﷻ المعجزات بالقدر الذي تقوم به الحجة حتى لا تصبح عادة فتضعف بذلك حجيتها، ومن ناحية أخرى فإن الذين يكذبون بالآيات بعد ظهورها يستحقون العذاب:\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (١).\nولقد جعل الله ﷿ ظواهر الكون ومظاهره بحيث يعرف بها الله ﷿، وجعل ﷿ في المعجزات والكرامات والمعونات مزيدًا من الحجج وعلامة على قدرته، ﷻ، ومن خلال ذلك يعرف المكلف ربه ﷿ ويعرف رسل ربه وأولياءه، ويقتضي ذلك منه إيمانًا والتزامًا بوحي الله ﷿، وإجلالًا لله ولرسله وأوليائه.\nوهذا هو دين الله الإسلام، الذي هو معرفة الله ورسوله والتصديق بقول الله ورسوله، والالتزام بأمر الله ورسوله، وإذا كان الكون وقوانينه وما فيه من روائع وخدمات مسخرًا للإنسان:\n_________\n(١) الإسراء: ٥٩.","vol":"3","page":1455},{"text":"﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١).\n﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (٢).\n﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٣).\nوإذا كان الإنسان باحثًا عن المصلحة والمنفعة حريصا عليهما لايني يبحث عن أمور دنياه ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٤).\nفقد جعل الله ﷿ أمر استكشاف الدنيا للإنسان ومن ههنا جاء قوله ﵊: \"أنتم أعلم بأمور دنياكم\" (٥).\nوقال ﷻ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٦).\nومن هذا وغيره قسم علماء العقائد الأحكام التي يصدرها الإنسان إلى ثلاثة: فهناك الحكم العقلي الذي يدرك بمحض العقل.\nوهناك الحكم العملي الذي يدرك بالتجربة والاستقراء والاستنتاج وهو الذي يسمونه بالحكم العادي.\nوهناك الحكم الشرعي الذي يعرف بواسطة الوحي.\nولكل مجاله، ولكل وسائل البحث فيه ومن لم يعرف أنه لا يتناقض حكم عادي مع حكم عقلي أو شرعي ولا حكم عقلي مع حكم عادي أو شرعي، ولا حكم شرعي مع عقلي أو عادي فقد أخطأ التصور، ومن طلب من الشرع أن يعرفه على الحكم العادي إلا بقدر ما يحتاجه الحكم الشرعي، أو طلب من الشرع أن يعرفه بالحكم العقلي إلا الأحكام العقلية\n_________\n(١) البقرة: ٢١.\n(٢) هود: ٦١.\n(٣) لقمان: ٢٠.\n(٤) الأعلى: ١٦، ١٧.\n(٥) مسلم (٤/ ١٨٣٦) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٢٨ - باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا ...\n(٦) الروم: ٧.","vol":"3","page":1456},{"text":"التي تحتاجها إقامة الحجة على صحة الشرع فإنه يأتي البيوت من غير أبوابها، نعم فقد يخرق الله الحكم العادي بمعجزة أو كرامة لتقوم الحجة على الخلق أو ليزداد أهل الإيمان إيمانًا.\nوهناك حالة من خرق العوائد تأتي استدراجًا لأصحابها كما يظهر على يد المسيح الدجال وذلا لا يكون إلا إذا كانت حجة الله على أصحاب ذلك قائمة بأنهم كاذبون في دعواهم.\nإن معرفة هذه القضايا تأتي بالدرجة العليا من الأهمية في قسم العقائد ولذلك أحببنا الإشارة إليها هنا مؤكدين ما مر معنا من قبل، وبمناسبة أننا ضممنا هذا الباب كلاما عن المشوشات على المعجزات والكرامات والمعونات.\nإن في المعجزات والكرامات حجة لله على خلقه، ويشوش على ذلك في حق بعض الناس الخوارق التي هي من باب الاستدراج كما يظهر على يد المسيح الدجال، وإنما جعل الله ﷿ هذا النوع من الخوارق ليبقى للعقل وللشرع دوره في الإثبات والنفي. فالاستقامة على الشرع شرط وجود الكرامة وإلا فهي استدراج، وموافقة الدعوى للحكم العقلي شرط وجود الخارقة التي هي حجة لصاحبها، فعندما يدعى المسيح الدجال الألوهية وهو أعور، وهو جسد فدعواه تنقضها العقول، فالعقول تثبت أن الله صفات الكمال وأنه تنزه عن صفات الحوادث.\nومن ههنا إن هذا النوع من الخوارق تشويشًا على المعجزة والكرامة في حق الجاهلية والسفهاء، وهناك مشوشات أخرى على المعجزات والكرامات:\nفهناك الكهانة والتنجيم اللذان يشوشان على النبوءة والكشف، واللذان هما أثر عن إيحاء الشياطين وإنما يعرف أصحاب ذلك من الكذب وعدم الاستقامة.\nومن المشوشات على المعجزة والكرامة السحر، وهناك فارق بين السحر والخارق: أن السحر يجري على مقتضى عالم الأسباب، بينما المعجزة والكرامة خرق لعالم الأسباب.\nومن ههنا أدخلنا في هذا الباب فصولًا حول هذه المشوشات:\nوقد وقع أهل الجاهلية في إسفافات خطيرة من جملتها قضية تحكيم الأزلام والطيرة التي تعني في النهاية تحكيم الجماد والطير في قرار الإنسان، وقد أبدلنا الله بهما الاستخارة فلا","vol":"3","page":1457},{"text":"أروع ولا أشرف.\nومن طبيعة الإنسان التفاؤل والتشاؤم، ولذلك تأثيره على سلوك الإنسان وهو بشكل من الأشكال له علاقة بالتوكل، فالتفاؤل يرافقه توكل والتشاؤم إضعاف للتوكل وضعف فيه.\nوالإنسان بطبيعته إذا أصابته مصيبة يفر إلى غيره فإذا كان الفرار إلى الله فما أحلاه، ولكنه يفر أحيانًا إلى عالم الأسباب، فإذا كان فراره مقيدًا بالحكم الشرعي فلا حرج، ومما يفر إليه الإنسان أن ينسب أشياء إلى عالم الأسباب ناسيًا خالقها، ومما يفر إليه الإنسان التميمة والرقي، فإذا فر إلى مباح شرعًا فذلك له وجهه وإلا فقد وقع في المحظور، وقد أدخلنا هذه الأبحاث في هذا الباب لأن لها صلة بالعقائد.\nولا زال هذا الإنسان مجهولًا، ولا زال بعض الناس لهم خاصيات، ومن الخواص التي ذكرها الشارع خاصية العين، ولورودها في كلام الشارع ولأن فيها جانبًا غيبيًا أدخلناها في هذا الباب.\nوانتقال المرض من إنسان لإنسان ومن حيوان لحيوان أو من حيوان لإنسان أو من إنسان لحيوان مشاهد معروف، ولكن هذه قضية متداخلة ومتسلسلة وخفية ولذلك أهدرها الشارع، وعلى هذا نفهم قوله ﵊: \"لا عدوى\" (١) فليس المراد بذلك أن أحدًا لا يعدي أحدًا بمرض فذلك منفي بالمشاهدة ومنفي في أحاديث أخرى لرسول الله ﷺ؛ وإنما المراد أن العدوى لا يترتب عليها حكم ولا مسألة، ولالتباس هذا الأمر أدخلناه في العقائد.\nوكان أهل الجاهلية ينذرون لأصنامهم وأوثانهم، والنذر عبادة، ثم إن النذر يعني في النهاية إنشاء لعبادة يوجبها الإنسان على نفسه، وهي قضية يختلف فيها الحكم الفقهي بالحكم الاعتقادي ويقع فيها لبس قد يوصل إلى شرك أو إثم فأدخلنا موضوع النذر ههنا، واليمين\n_________\n(١) البخاري (١/ ١٧١) ٦٧ - كتاب الطب، ٢٥ - باب لا صفر.\nومسلم (٤/ ١٧٤٢) ٣٩ - كتاب السلام، ٢٢ - باب لا عدوى ولا طيرة.","vol":"3","page":1458},{"text":"بالله فيه معنى التعظيم لله واليمين بغيره فيه تعظيم لذلك الغير، وفي كل الأحوال فإن الأمر مرتبط بالعقائد بشكل من الأشكال وإن كانت تفريعات من مسائل الإيمان تدخل في كتب الفقه، فأدخلنا هذا الموضوع ههنا.\nفهذه موضوعات هذا الباب الذي أسميناه: مباحث عقدية:\nالسحر والكهانة والتنجيم وقطع نسبة الأشياء إلى الله والطيرة والفأل والشؤم والعدوى والعين والرقي والنذور والإيمان وقد جعلناها في فصول هذا الباب:\nالفصل الأول: في بعض المشوشات الزائفة على النبوة: السحر والكهانة والتنجيم.\nالفصل الثاني: في نسبة الحادثات إلى الأسباب مقطوعة عن الله ﷿.\nالفصل الثالث: في الطيرة والفأل والشؤم والعدوى وما يجري مجراها.\nالفصل الرابع: في العين والتمائم والرقي.\nالفصل الخامس: في النذر.\nالفصل السادس: في اليمين.\n* * *","vol":"3","page":1459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>الفصل الأول\nفي:\nبعض المشوشات الزائفة على النبوة\nالسحر والكهانة والتنجيم</span>\nوفيه:\nمقدمة ونقول ونصوص","vol":"3","page":1461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>المقدمة</span>\nإذا أردت أن تقيم الحجة على الناس برسالات الرسل، فإن من جملة ما تحتج به خوارق العادات التي تظهر على أيديهم أو معهم، وهي التي تسمى بالمعجزات ومن جملة ذلك: إخبار الرسل عن مستقبل لم يقع فيقع كما أخبروا فإذا ما احتججت على الناس بهذا فر بعض الناس من هذه الحجج: فتحدثوا عن السحر وعن الكهانة وعن التنجيم وكأنهم يعتبرون أن ما يظهر على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام هو من هذا القبيل.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (١).\nوغاب عن هؤلاء أن المعجزة لا دخل لعالم الأسباب بها، أما السحر فهو جزء من عالم الأسباب، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وكذلك قل فيما يحصل من غرائب بسبب رياضة روحية أو تدريبات خاصة، فما هي إلا من عالم الأسباب، أما المعجزة فليست كذلك، ولذلك كان من المهم جدًا أن يكون عند المسلم معرفة المسلم معرفة يفرق بها بين ما هو سحر وخارق للعادة سواء كان معجزة لرسول أو كرامة لولي، كذلك من المهم جدًا أن تكون عند المسلم معرفة يفرق بها بين ما هو كهانة أو تنجيم، وبين ما هو نبوءة نبي، فنبوءات الأنبياء حق خالص فما أخبروا به أنه واقع، فإنه كائن حتمًا، أما الكهانة والتنجيم فإنهما يختلط فيهما الحدس والتوسم والكذب والاحتمال، فالفارق كبير بين وحي هو أثر عن علم الله المحيط، وبين إيحاءات الشياطين وهواجس الكاذبين، وإذا صدق الكاهن يومًا فهي مرة مختلطة بأكاذيب، وهي إما بالحدس أو من باب إلقاءات الشياطين الذين قد يسمعون الكلمة من الملائكة حال استراقهم السمع فيخلطون بها ما يخلطون.\nالمهم أن يكون عند المسلم معرفة يميز بها بين ما هو سحر وتنجيم وكهانة، وبين ما هو معجزة وكرامة ونبوءة صادقة، والإسلام إذ ذكر المعجزة والكرامة، وأنباء الغيب لم ينف أن يكون هناك سحر وكهانة وتنجيم، إلا أنه حرم السحر والكهانة والتنجيم، وحرم على المسلم أن يكون ساحرًا أو يتبع الساحر أو يصدق الكاهن والمنجم، ومن ههنا فإن التعرف\n_________\n(١) القمر: ٢.","vol":"3","page":1463},{"text":"على السحر والكهانة والتنجيم له ثلاثة آثار عملية.\nالأثر الأول: التمييز بين ذلك، وما يصدر عن الأنبياء والأولياء.\nالأثر الثاني: ينأى المسلم بنفسه أن يدخل في دائرة دعاوي السحرة والكهنة والمنجمين.\nالأثر الثالث: أن يعتقد أن السحر والكهانة لهما وجودهما، فلقد نص القرآن في أكثر من مكان على أن للسحر وجودًا قال تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (١)، والكهانة ذكرت في السنة النبوية وإّا كان الأمر كذلك فقد عقدنا هذا الفصل ليكون المسلم على ذكر لهذه الأمور، وهذه تقول ونصوص تشير إلى بعض ما ذكرناه:\n_________\n(١) البقرة: ١٠٢.","vol":"3","page":1464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>نُقول\nفي:\nالسحر والكهانة والتنجيم</span>\nقال فريد وجدي في دائرة معارفه عن السحر:\nقال العلماء هو ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشياطين مما لا يقدر عليه الإنسان.\nقال ابن خلدون في مقدمته: هو علم بكيفية الاستعدادات، تقتدر النفوس البشرية به على التأثيرات في عالم العناصر ...\nولما كانت هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره؛ كانت كتبها كالمفقودة بين الناس إلا ما وجد في كتب الأمم والأقدمين فيما قيل نبوة موسى ﵇ مثل النبط والكلدانيين، وكانت هذه العلوم في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين، وفي أهل مصر من القبط وغيرهم، وكان لهم فيها التأليف والآثار، ولم يترجم لنا كتبهم فيها إلا القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل فأخذ الناس منها هذا العلم، وتفننوا فيه ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طمطم الهندي في صور الدرج والكواكب وغيرهم.\n[و] أعلم أن وجود السحر لامرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه وقد نطق به القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١).\nوقد شاهد الأوربيون أن في الأقيانوسية عقيدة تأثير الساحر على الإنسان منتشرة كل\n_________\n(١) البقرة: ١٠٢.","vol":"3","page":1465},{"text":"الانتشار، ويكيفه للاستيلاء عليه أن يملك خصلة من شعره أو أي قطعة من جسمه وقد لا يعوزه غير خرقة كانت له.\nوللسحرة في أفريقيا شأن يذكر؛ فأين يتوجه السائح يجد الساحر معتبرًا كأنه شخص إلهي عنده الأسرار الملكوتية يشفي من الأمراض ويطرد المردة والجنة وينزل الأمطار على الأماكن المجدية. فلا يتحول ملك الصقع الذي هو فيه لمحاربة عدو أو لسكني جهة أو للبحث عن أنعام ضالة إلا استشارة، وجعل رأيه متنزلًا من حكيم حميد، ويدعونه هناك مانجانا أو نيانجا.\n[و] تكثر عند الأفريقيين القائم والتعاويذ والطلاسم فإنهم يعزون لها أمورا خارقة للعادة تحفظ من الحسد وتشفي من الأمراض وتجلب الرزق وتوجب المحبة والانعطاف فإذا بدا لأحدهم أن طلسما أخطأ غرضا ولم ينتج النتيجة المنتظرة منه لا يشك في أصله ولا يزيد على أن يبدله بسواه معتقدًا فيه العقيدة عينها التي كانت عنده لسابقه.\nولما احتل الإسبانيون أمريكا وجدوا للسحر الاعتبار نفسه الذي لأمثالهم في جميع بقاع الأرض. رأوهم منقطعين في الفيافي يأوون إلى الغيران صائمين متقشفين محافظين على رسوم محدودة من الرياضة يزعمون أنها وصلتهم إلى مناجاة الأرواح والتسلط على نواميس الطبيعة.\nورأوا للسحرة في أمريكا الشمالية اطلاعًا واسعًا على خواص النباتات، فكانوا يصفونها للأمراض المختلفة، وكانوا يزعمون أنهم بالتأثير على صورة الشخص أو تمثاله ينتقل ذلك التأثير إلى صاحب الصورة أو التمثال فيضره أو ينفعه كما يريد الساحر.\nوقد دلت المخطوطات المصرية القديمة التي وجدت على ورق البردي أن السحر كان له في مصر الاعتبار الأعلى عند جميع الطوائف حتى رتبت له رسوم وطقوس وجعلت له وظائف يقوم بها رجال الدين.\n[و] الأمم التي تعتبر أنبغ الأمم في السحر والنجامة هم الكلدانيون.\nوقد ذكر القرآن الكريم السحر في مواضيع كثيرة وقد مضى متقدمو الأمة معتقدين","vol":"3","page":1466},{"text":"وجدوه وأنه من العلوم السرية التي يتحصل عليها بالرياضة وغيرها. ومال بعضهم وكثير من المتأخرين إلى زعم أن السحر سرعة في اليد وصناعة في التمويه وليس لها سبب ما وراء الطبيعة. وهو قول ليس له دليل يسنده، كما أنه ليس لنا دليل على إثبات السحر إلا لما نص عليه القرآن، ثم ما تقرؤه في كتب الخوارق التي ظهرت في أوروبا من منذ تسعين سنة باسم اسبرتزم وغيره مما يرينا جليًا أن هنالك عالمًا روحانيًا وفيه من الكائنات ما لا نتصوره وأننا نستطيع أن نناجي تلك الكائنات وتناجيا بوسائل خاصة. ومتى كان هذا ممكنا وتقرر أن الوجود عامر بالآيات المغيبة عنا فلا يبعد أن يكون السحر تابعًا لقوى روحانية وأنه ليس بمجرد صناعة أو سرعة في يد الساحر. أهـ.\nوقال فريد وجدي في دائرة معارفه عن التنجيم:\nقال العلامة ابن خلدون في مقدمته:\nهذه الصناعة يزعم أصحابها أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها من قبل معرفة قوى الكواكب وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة.\nثم إنه يشترط مع العلم بقوى النجوم وتأثيراتها مزيد حدس وتخمين وحينئذ يحصل عنده الظن بوقوع الكائن.\nوقد بان لك بطلان هذه الصناعة من طريق الشرع، وضعف مداركها مع ذلك عن طريق العقل مع مالها من المضار في العمران الإنساني بما تبعث في عقائد العوام من الفساد، إذا اتفق الصدق من أحكامها في بعض الأحايين اتفاقًا لا يرجع إلى تعليل ولا تحقيق فيلهج بذلك من لا معرفة له ويظن أطراد الصدق في سائر أحكامها وليس كذلك فيقع في رد الأشياء إلى غير خالقها. ثم ما ينشأ عنها كثيرًا في الدول من توقع القواطع وما يبعث عليه ذلك التوقع من تطاول الأعداء والمتربصين إلى الفتك والثورة، وقد شاهدنا من ذلك كثيرًا فينبغي أن تحظر هذه الصناعة على جميع أهل العمران لما ينشأ عنها من المضار في الدين والدول.\nولكن لا يجوز لنا الانتقال من هذه المادة حتى نورد تاريخ علم التنجيم من المصادر","vol":"3","page":1467},{"text":"الأوروبية ليكون المبحث تامًا من كل وجه فنقول:\nيطلق التنجيم عند الأوروبيين على صناعة الإنباء بالحوادث المستقبلية من النظر في الكواكب والحوادث العلوية. وقد رأى العلماء الباحثون في أساطير كل أمة أقوالا عن هذه الصناعة وإن لم تكن بالغة من الإتقان مبلغًا يرفعها إلى درجة العلوم المقررة. أول أمة رقت هذا العلم إلى درجته المعروفة هي أمة الكلدانيين، ثم أخذه عنهم المصريون الأقدمون وعن هؤلاء أخذه اليونان فنقله عنهم الهنديون والرومانيون. وانتقل هذا العلم من العالم القديم إلى القرون الوسطى، واشتغل به ناس كثيرون وعكفوا عليه وما زال آخذًا من الأذهان محلا إلى القرن الماضي حيث انتشرت العلوم الكونية وعرف الناس حقائق الأجرام السماوية فقل الاشتغال به وكاد يزول لولا أن العالم لا يخلو في كل زمان من رؤوس لا ترى لها لذة إلا التمسك بكل قديم وإن ناقض العقل والحس معًا، ولا تزال هذه الصناعة تأوي إلى رؤوس في الشرق والغرب فيتلقف بعض الناس ما يقوله أهلها كأنه الوحي، ويذهبون في النظر فيه وتأويله وتوجيهه كل مذهب ويلتمسون لقائليه الأعذار مهما كذبتهم الحوادث حتى إننا لنرى أن من الناس من يسهل عليه أن يتهم عقله في فهم أقوال أولئك الأفاكين ولا يسهل عليه أن يتهمهم بالإفك.\nعلى أن مبنى هذه الصناعة ظاهر البطلان، لا يحتاج إلى إطالة بيان، وذلك أن أكثر الأقدمين كانوا يؤلهون الكواكب ويعبدونها وكانوا يتخيلون أن لكل منها نصيبًا من إرادة الكون، وكان الكلدانيون والمصريون من أكثر الأمم تشبثًا بهذه العقيدة، فلا عجب أن تكون صناعة التنجيم نتيجة لازمة لهذه العقائد الباطلة، فما دامت الكواكب آلهة وأبناء آلهة وأن لها أرواحًا وحياة وتصريفًا في الكون فما الذي يمنع من تعرف إرادتها، بوجهة حركاتها، أو بوقت اقترانها بسواها، فلما جاء الإسلام وأسقط الآلهية الخيالية والحسية وقرر عبادة الخالق الحق وحده لم يبق لصناعة التنجيم مجال لأن طبيعة الإسلام تنافي التأثير لغير الله أهـ.\nوقال فريد وجدي في دائرة معارفه عن الكهانة:\nوالكهانة هي استخدام الجن في معرفة الأمور المغيبة، وقد كانت هذه الصناعة معروفة عند العرب فكان إذا ناب أحدهم أمر يريد معرفة دخيلته أو مستقبله منه ذهب إلى الكاهن","vol":"3","page":1468},{"text":"فأخبره بما يهمه منه. وكان لكل كاهن منهم صاحب من الجن يحضر إليه فيخبره بما يريد، وليس هذا الاستخدام ببعيد عن العقل؛ فإن ما يحصل في أوروبا من استحضار الأرواح يسهل فهمه على الباحثين أهـ.\nوقال البغوي في شرح ألسنة:\n\"فالكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، ومطالعة علم الغيب، وكان في العرب كهنة يدعون معرفة الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيسًا من الجن، وتابعة تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه. والعراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، كالمسروق من الذي سرقها، ومعرفة مكان الضالة، وتتهم المرأة بالزنى، فيقول: من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور. ومنهم من يسمى المنجم كاهنًا\" أهـ.\nوقال البغوي في شرح السنة (١) مثبتًا السحر وإمكانية تأثيره على أجساد الأنبياء وأن ذلك لا يترتب عليه ضرر في مهمات الرسل:\nقال الله ﷾: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢) وقال جل ذكره: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٣) وقال ﷾: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٤). وقال ﷾: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٥).\nفنفي السحر جهل، والرد على من نفاه لغو وفضل.\nفأما زعموا من دخول الضرر في الشرع بإثباته، فليس كذلك، لأن السحر إنما يعمل في أبدانهم [أي في أبدان الأنبياء] وهم بشر يجوز عليهم من العلل والأمراض ما يجوز على\n_________\n(١) شرح السنة (١٢/ ١٨٤).\n(٢) البقرة: ١٠٢.\n(٣) طه: ٦٩.\n(٤) الفلق: ٤. (والنفاثات): السواحر تنفث، أي: تنفل بلا ريق.\n(٥) طه: ٦٦.\n(يخيل): أي. يشبه، والتخايل: كل ما لا أصل له.","vol":"3","page":1469},{"text":"غيرهم، وليس تأثير السحر في أبدانهم بأكثر من القتل، وتأثير السم، وعوارض الأسقام فيهم، وقد قتل زكريا وابنه وسم نبينا ﷺ بخيبر. فأما أمر الدين، فإنهم معصومون فيما بعثهم الله جل ذكره، وأرصدهم له، وهو جل ذكره حافظ لدينه، وحارس لوحيه أن يلحقه فساد أو تبديل، وإنما كان خيل إليه أنه يفعل الشيء من أمر النساء خصوصًا، وهذا من جملة ما تضمنه قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (١). فلا ضرر إذا يلحقه فيما لحقه من السحر على نبوته وشريعته والحمد لله على ذلك، والسحر من عمل الشيطان يفعل في الإنسان بنفثه، ونفخه، وهمزه، ووسوسته، ويتلقاه الساحر بتعليمه إياه، ومعونته عليه، فإذا تلقاه عنه، استعمله في غيره بالقول والنفث في العقد، وللكلام تأثير في الطباع والنفوس، ولذلك صار الإنسان إذا سمع ما كره يحمي ويغضب، وربما حم منه، وقد مات قوم بكلام سمعوه، ويقول امتعضوا منه، ولولا طول الكتاب لذكرناهم. هذا كلام الخطابي في كتابه أهـ.\nوقال النووي ﵀ في شرح مسلم (٢):\nعمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي ﷺ من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر، كفر واستبيت منه، ولا يقتل، فإن تاب، قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر، عزر، وعن مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق، قال عياض: وبقول مالك قال أحمد وجماعة من التابعين. أهـ.\n_________\n(١) البقرة: ١٠٢.\n(٢) شرح مسلم (١٤/ ١٧٦).","vol":"3","page":1470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>نصوص\nفي:\nالسحر والكهانة والتنجيم</span>\n١٤٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: \"سحر رسول الله ﷺ حتى إنه ليخيل إليه فعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي، دعا الله ودعاه، ثم قال: \"أشعرت يا عائشة، أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ \" قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: \"جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، من بني زريق، قال: فماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان- ومن الرواة من قال: في بئر ذروان، قال: في بئر ذروان، قال: وذروان: بئر في بني زريق- فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها، وعليها نخل، قال: ثم رجع إلى عائشة، فقال: \"والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين\" قلت: يا رسول الله، أفأخرجته؟ قال: \"لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن أثور على الناس منه شرًا، وأمر بها فدفنت\".\nوفي رواية (١): كان رسول الله ﷺ سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن.\nوفيها: رجل من بني زريق حليف ليهودي وكان منافقًا.\nقال محقق الجامع: قال النووي في شرح مسلم: قال القاضي عياض: كل ما جاء في\n_________\n١٤٣٦ - البخاري (١٠/ ٢٢٥) ٧٦ - كتاب الطب، ٥٠ - باب السحر.\nمسلم (٤/ ١٧١٩) ٢٩ - كتاب السلام، ١٧ - باب السحر.\n(١) البخاري (١٠/ ١٧١٩) ٧٦ - كتاب الطب، ٤٩ - باب هل يستخرج السحر؟.\n(مطبوب) المطبوب: السحور، سمي بذلك تفاؤلا بالطب الذي هو العلاج، كما قيل المديغ: سليم تفاؤلا بالسلامة.\n(جف طلعة) الجف: وعاء الطلع وغشاؤه الذي يكنه.\n(أثور) بمعنى: أثير، أي: أظهر وأهيج.","vol":"3","page":1471},{"text":"الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبسا على الرسالة ولا طعنًا لأهل الضلالة، قال: وقد جاء روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده.\n١٤٣٧ - * روى النسائي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول الله ﷺ فاستخرجها فحلها، فقام رسول الله ﷺ كأنما أنشط من عقال، فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط.\nأقول: والظاهر أن هذه حادثة أخرى غير التي ذكرتها الرواية السابقة.\n١٤٣٨ - * روى مالك عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها أعتقت جارية لها عن دبر منها، ثم إن عائشة مرضت، فدخل عليها سندي، فقال: إنك مطبوبة، فقالت: من طببني؟ قال: امرأة من نعتها كذا وكذا، وقد بال في حجرها صبي، فقالت عائشة: ادع لي فلانة، لجارية لها تخدمها، فوجدوها في بيت جيران لها، في حجرها صبي قد بال، فقالت: حتى اغسل بول هذا الصبي، فغسلته: ثم جاءت فقالت لها عائشة: أسحرتيني؟ فقالت: نعم، فقالت: لم؟ قالت: أحببت العتق، قالت عائشة: والله لا تعتقي أبدًا، فأمرت ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيئ ملكتها، ثم اتبع بثمنها رقبة حتى أعتقها، ففعلت. قالت عمرة: فلبثت عائشة ما شاء الله من الزمان، ثم إنها رأت في النوم أن اغتسلي من ثلاث أبور يمد بعضها بعضا، فإنك تشفين فاغتسلت، فشفيت\".\n_________\n١٤٣٧ - النسائي (٧/ ١١٢) ٢٧ - كتاب تحريم الدم، ٢٠ - سحرة أهل الكتاب.\nوإسناده صحيح.\n١٤٣٨ - رواه مالك وإسناده صحيح.\nقال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٨٩): وهو مما انفرد بروايته أبو مصعب الزهري العوفي قاضي المدينة أخذ رواه الموطأ عن مالك، وقد قالوا: إن في موطئه زيادة نحو مائة حديث عن سائر الموطآت، وهو من آخر الموطآت التي عرضت على مالك ﵀.","vol":"3","page":1472},{"text":"أقول: إن كلام السندي لعائشة يدل على أن هناك ناسًا يكتشفون السحر والساحر، وقد وجد في البيئات الإسلامية من يحلون السحر إذا وقع بطريق مشروع، مثل هذا لا حجر عليه ولا إنكار فيه، وهناك فارق بين الساحر وبين من يحل السحر أو يكتشفه.\n١٤٣٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد\".\n١٤٤٠ - * روى البخاري عن قتادة بن دعامة قال: خلق الله هذه النجوم لثلاث، جعلها الله زينة السماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات نهتدي بها، فمن تأول فيها غير هذا، فقد أخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا يعنيه، وما لا علم له به، وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة، صلوات الله عليهم أجمعين.\nوعن الربيع مثله، وزاد: والله ما جعل الله في نجم حياة أحدٍ ولا رزقة ولا موته، وإنما يفترون على الله الكذب، ويتعللون بالنجوم.\nقال محقق الجامع:\nذكره البخاري تعليقًا ٦/ ٢١١ في بدء الخلق، باب في النجوم إلى قوله: ولا علم له به، قال الحافظ في \"الفتح\": وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عنه به، وزاد في آخره: و'ن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما في النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر شيء من هذا الغيب. أهـ.\nأقول: إنما ترمى الشياطين بالشهب، والشهب جزء من عالم النجوم، فأطلق هنا الكل وأريد الجزء وذلك من باب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ\n_________\n١٤٣٩ - أبو داود (٤/ ١٥) كتاب الطب ٢٢٠ - باب في النجوم.\nوابن ماجه (٣/ ١٢٢٨) ٣٢ - كتاب الأدب، ٢٨ - باب تعلم النجوم.\nوهو حديث حسن.\n١٤٤٠ - البخاري (٦/ ٢٩٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٢ - باب في النجوم.","vol":"3","page":1473},{"text":"فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ (١).\nقال ابن الأثير:\n(الرجوم) جمع رجم، وهو مصدر سمي به ما يرجم به، ومعنى كونها رجومًا لهم: أن الشهب التي تنقض لرمي الشياطين، منفصلة من نار الكواكب، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها، لأنها ثابتة في الفلك على حالها، وما ذاك إلا كقيس يؤخذ من نار، والنار ثابتة في مكانها. أهـ.\nأقول: ليس شرطًا أن تكون الشهب منفصلة عن الكواكب المرئية، بل قد تكون قطعًا من كواكب منفجرة، والمعروف أن في مجموعتنا الشمسية كوكبًا متفجرًا أضحت أجزاؤه مبعثرة، وموقعه بين المريخ والمشتري.\n١٤٤١ - * روى مسلم عن صفية بنت أبي عبيد رحمها الله عن بعض أزواج رسول الله ﷺ، عن النبي ﷺ قال: \"من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقة/ لم تقبل له صلاة أربعين يومًا\".\n١٤٤٢ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة\".\n١٤٤٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من أتى كاهنًا فصدقة بما يقول، أو أتى امرأة في دبرها- في رواية: امرأة حائضًا- فقد برئ مما أنزل على محمد\".\n_________\n(١) آل عمران: ١٧٢.\n١٤٤١ - مسلم (٤/ ١٧٥١) ٢٩ - كتاب السلام، ٢٥ - باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان.\n(غراقًا) العراف كالكاهن، وقيل: هو الساحر.\n١٤٤٢ - مجمع الزائد (٥/ ١١٨) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.\n١٤٤٣ - أبو داود (٤/ ١٥) كتاب الطب، باب الكاهن.\nوأحمد (٢/ ٤٠٨).\nوالترمذي (١/ ٢٤٣) كتاب الطهارة، ١٠٢ - باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض. =","vol":"3","page":1474},{"text":"أقول: هناك ناس لهم صلة بجن مؤمنين، فهؤلاء يمكن أن يعرفوا بواسطة هؤلاء الجن بعض أحداث وقعت، فإذا ثبت صدقهم فإن هؤلاء لا يدخلون في باب الكهانة والعرافة وما يقدمونه من خدمات ليس بمستنكر إذا كانوا لا يلبسون على الناس، ولا يقربون محرمًا، وأمرهم ولا يستعملون وسيلة حركها الشارع.\n١٤٤٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا قضي الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع- ومسترقو السمع هكذا، بعضه فوق بعض- ووصف سفيان بكفه، فحرقها، وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيان الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركها الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء\" وذكر في رواية: قراءة من قرأ (فرغ) وقال سفيان عن عمرو: (فزع) قال: وهي قراءتنا.\nأقول: إن الناقل إلى الكاهن هو شيطان من الشياطين، وهو غير مؤتمن على النقل عن الملائكة أو غيرهم، وهذا فارق كبير بين وحي الأنبياء وكهانة الكهان، وحي الأنبياء معصوم، لأنه يصل إلينا بواسطة معصومين من الملائكة والنبيين، وغير ذلك محله الاتهام\n_________\n= وابن ماجه (١/ ٢٠١) ١ - كتاب الطهارة، ١٢٢ - باب النهي عن إتيان الحائض.\nوالدرامي (١/ ٢٥١) كتاب الصلاة والطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها.\nوهو حديث صحيح.\n١٤٤٤ - البخاري (٨/ ٥٢٧) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا ...﴾.\nوالترمذي (٥/ ٣٦٢) ٤٨ - كتاب التفسير، ٣٥ - باب ومن سورة سبأ- وقال حديث حسن صحيح.\n(خضعانًا) الخاضع: المطيع المنقاد الذليل، وخضعانًا جمعه.\n(صفوان) الصفوان: الحجر الأملس.\n(فزع عن قلوبهم) أي: كشف عنها الفزع، ومن قرأ (فزع) بالراء والغين المعجمة، أراد: فرغت قلوبهم من الخوف.\n(فحرفها) حرفها: أي أمالها عن جهتها المستقيمة.","vol":"3","page":1475},{"text":"والتكذيب، وقد يصدق الكذوب.\n١٤٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الكهان؟ فقال: \"ليسوا بشيء\" قالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحيانًا بالشيء، فيكون حقًا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقذفها في أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة\".\nزاد في رواية (١): \"فيرقوها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة\".\nوفي رواية (٢): \"فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة\".\nوفي رواية (٣)، قالت: سألت أنا رسول الله ﷺ .... وذكرت مثله.\nوللبخاري في رواية (٤)، قال: \"الملائكة تحدث في العنان- والعنان: الغمام- بالأمر يكون في السماء، فتسمع الشياطين الكلمة، فتقرها في أذن الكاهن كما تقر\n_________\n١٤٤٥ - البخاري (١٠/ ٢١٦) ٧٦ - كتاب الطب، ٤٦ - باب الكهانة.\nمسلم (٤/ ١٧٥٠) ٢٩ - كتاب السلام، ٢٥ - باب تحريم الكهانة.\n(الكهان): جمع كاهن، وهو الذي يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضًا ويخطئ أبعاضًا، برغم أن الجن تخبره بذلك كما كان يفعله في الجاهلية شق وسطيح، وغيرهما من الكهان، وهو ما أبطله الإسلام وحرمه، ونهى عن الذهاب إليه، واستماع كلامه وتصديقه بما يخبر به.\n(يخطفها): أي: يسلبها بسرعة.\n(فيقذفها) يقذفها: أي يلقيها إليه.\n(١) البخاري (١٣/ ٢٥٢) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٥٧ - باب قراءة الفاجر والمنافق.\n(كقرقرة الدجاجة) القرقرة: ترديدك الكلام في أذن الأضم حتى يفهم كما يستخرج ما في القارورة شيئًا بعد شيء إذا أفرغت، ومن رواه كقر الدجاجة، أراد: صوتها إذا قطعته، يقال: قرت الدجاجة تقر قرا وقريرا: إذا قطعت صوتها، فإن رددته قيل: قرقرت قرقرة، ومنه ضر الباب: إذا صوت، وصرصر البازي، لما في صوته من الترديد، والمعنى: أن الجني يقذف تلك الكلمة إلى وليه الكاهن فيتسامع به الشياطين، كما تؤذن الدجاجة بصوتها صاحباتها فتتجاوب، ومن شأنها: أن الواحدة منهن إذا صاحت صاح سائرهن. قال الخطابي: ويجوز أن تكون الرواية \"كقر الزجاجة\" بالزاي، وتغضدها الرواية الأخرى \"كما تقر القارورة\" والقارورة: الزجاجة.\nيقول: فيقره في أّن الكاهن، كما يقر الشيء في القارورة وفي الزجاجة، والله علم.\n(٢) مسلم (٤/ ١٧٥٠) ٢٩ - كتاب السلام، ٣٥ - باب تحريم الكهانة.\n(٣) مسلم: نفس الوضع السابق.\n(٤) البخاري (٦/ ٣٣٨) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.","vol":"3","page":1476},{"text":"القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة\".\nوفي أخرى له نحوه، وزاد في آخره، \"من عند أنفسهم\".\nقال البغوي في شرح السنة في تفسير الخطف: يخطفها الجني. أي: يأخذها ويستلبها بسرعة، كما قال الله ﷾: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ (١) أي استرق السمع بسرعة أهـ.\nأقول: لابد من التفريق بين ما هو إخبار عن المستقبل وبين ما هو إخبار عن حاصل، وبين صلة إنسان مسلم بجني مسلم، وبين صلة بالشياطين، فصلة الإنسان المسلم بجني مسلم ثابتة وواقعة، وقد يترتب عليها شيء من نفع.\n١٤٤٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: أنهم بينا هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم واستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ: \"فإنها لا يرمى بها لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن ربنا- تبارك اسمه- إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبروهم ما قال، فيستخير بعض أهل السموات بعضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فيخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون\".\n_________\n(١) الصافات: ١٠.\n١٤٤٦ - مسلم (٤/ ١٧٥٠) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٥ - باب تحريم الكهانة.\nوالترمذي: (٥/ ٣٦٢) ٤٨ - كتاب التفسير، ٣٥ - باب ومن سورة سبأ.\nوقال: حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":1477},{"text":"وفي رواية (١): رجال من أصحاب رسول الله ﷺ\" وزاد \"وقال الله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢).\nوللترمذي (٣) في أخرى: أن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ جالس ... وذكر الحديث، ولم يذكر فيه: عن رجل من الأنصار.\n١٤٤٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: من أتى كاهنا أو عرافًا وتيقن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ.\n* * *\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٧٥١) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٥ - باب تحريم الكهانة.\n(٢) سبأ: ٣٢.\n(٣) الترمذي (٥/ ٣٦٣) ٤٨ - كتاب التفسير، ٣٥ - باب \"ومن سورة نبأ\". وقال: حديث حسن صحيح.\n١٤٤٧ - المعجم الكبير: (١٠/ ٩٣).\nمجمع الزوائد: (٥/ ١١٨) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال فصدقه. وكذلك رواية البزار ورجال الكبير والبزار ثقات.","vol":"3","page":1478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>الفصل الثاني\nفي:\nنسبة الحادثات إلى الأسباب\nمقطوعة عن الله ﷿</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"3","page":1479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>مقدمة</span>\nالإيمان بالأسباب جزء من عقيدة المسلم. ولكن الجزء الآخر من عقيدة المسلم ألا يعتمد عليها، فهذا ينافي التوكل، وألا يجعل لها تأثيرًا فهذا يتنافى مع الإيمان بشمول تعلق الإرادة الإلهية بالحوادث وشمول تعلق القدرة الإلهية بما تعلقت به الإرادة، وذلك قول بالقوة المودعة التي ذهب إليها المعتزلة وهو نوع شرك يصل بصاحبه إلى ضلال أو كفر، ولذلك قال علماؤنا: من عطل الأسباب فقد كفر، ومن جعل لها تأثيرًا فقد أشرك.\nفالمسلم لا ينفي ارتباط الأسباب ببعضها ولكن يعتقد أن كل ما جرى ويجري إنما هو بعلم الله وإرادته وقدرته ولذلك كان من أذكار المسلم: لا حول ولا قوة إلا بالله. وكنموذج على ما قلناه لنأخذ حادثة المطر، فأن يتعرف الإنسان على احتمالات نزول المطر فهذا شيء مقر والله ﷿ قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (١)، ومن القديم كان العربي من خلال شمه للرياح ورؤيته للسحاب يدرك إمكانية نزول المطر، فهذا جزء من عالم الأسباب لا اعتراض ولا إنكار بل ينبغي إثباته وقد طورت في عصرنا وسائل لاستكشاف احتمالات ما يجري ولكن ما تقدمه هذه الوسائل يبقى في حدود الاحتمالات، ولكن الشيء الذي يكمل هذا التصور أن نعتقد أن ما يحدث هو بإرادة الله وعلمه وقدرته، وأن إنزال المطر النافع هو أثر رحمته وعنايته، فمن غفل عن ذلك مع صحة الاعتقاد فلا إثم عليه، ومن اعتقد أنه لا تدخل لله في ما يجري، ونسب ما يحدث إلى الأسباب قاطعًا إياها عن المسبب فهو ضال إن كان يقول بالقوة المودعة، وكافر إن كان يؤمن بأنه لا دخل ابتداء وانتهاء لله فيما يجري.\nوهذا موضوع مباحثه طويلة وأدلته كثيرة وقد وفق أهل السنة والجماعة فيه للحق، وضل عنه كثيرون، وكنموذج على بعض ما ورد في هذا الشأن ما ورد في موضوع نزول المطر، فالله ﷿ قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ (٢)، وقال ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى\n_________\n(١) الأعراف: ٥٧.\n(٢) فاطر: ٢٧.","vol":"3","page":1481},{"text":"مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢).\nومن ههنا لفت رسول الله ﷺ النظر إلى أن المسلم يستقبل المطر بنسبته إلى الله كدأب المسلم في كل شيء، وهذا لا ينفي الإيمان بعالم الأسباب.\nوهذه نصوص في هذه المسألة تعرف منها موقف الإسلام بالقول بالأسباب، وألا يجعل لها تأثيرًا بل المؤثر هو الله، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٣).\n_________\n(١) الروم: ٤٨ - ٥٠.\n(٢) النور: ٤٣.\n(٣) الرحمن: ٢٩.","vol":"3","page":1482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>النصوص</span>\n١٤٤٨ - * روى البخاري ومسلم عند زيد بن خالد ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف، أقبل على الناس، فقال: \"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: \"أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب.\nوفي رواية (١) النسائي قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ، فقال: \"ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح طائفة منهم كافرين، يقولون: مطرنا بنوء كذا، ونوء كذا، فأما من آمن بس وحمدني على سقياي، فذلك الذي آمن بي، وكفر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك الذي كفر بي، وآمن بالكوكب\".\nقال ابن الأثير:\n(إثر سماء) السماء هاهنا: المطر، سمي بذلك، لأنه ينزل من السماء.\n(النوء): واحد الأنواء، وهي ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ويسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة، وطلوع رقيبها: يكون مطر، فينسبون المطر إلى المنزلة، ويقولون: \"مطرنا بنوء كذا\" وإنما سمي نوءًا، لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ينوء نوءًا، أي:\n_________\n١٤٤٨ - البخاري (٢/ ٣٣٣) ١٠ - كتاب الأذان، ١٥٦ - باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم.\nمسلم) ١/ ٨٣) ١ - كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء.\nوأبو داود (٤/ ١٦) كتاب الطب، ٢٢ - باب في النجوم.\nوالموطأ (١/ ١١٣) ١٢ - كتاب الاستقساء، ٢ - باب الاستطار بالنجوم.\n(١) النسائي (٢/ ١٦٤) ١٧ - كتاب الاستسقاء، ١٦ - باب كراهية الاستمطار بالكوكب.","vol":"3","page":1483},{"text":"نهض وطلع، وقيل: إن \"النوء\": هو الغروب فهو من الأضداد، قال أبو عبيد: لم نسمع في النوء أنه السقوط، إلا في هذا الموضع، وإنما غلظ النبي ﷺ في أمر الأنواء، لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى، وأراد بقوله: \"مطرنا بنوء كذا\" أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز، فقد قيل: \"إن عمر بن الخطاب ﵁: أراد أن يستسقى، فنادي بالعباس بن عبد المطلب: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها، فما مضت تلك السبع حتى غيث الناس، وأراد عمر: كم بقي من الوقت الذي قد جرت العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر، وأما قوله: \"كافر بي\" فيحتمل أنه أراد به الكفر الذي هو ضد الإيمان، ويحتمل أنه أراد به الكفر الذي هو ضد الشكر، يعني أنه كفر نعمة الله، حيث نسبها إلى غيره.\nوعلى النجوم المنهي عنه: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكائنات والحوادث التي لم تقع وستجئ في المستقبل، وأنهم يدركون معرفتها بتسيير الكواكب، وانتقالاتها واجتماعها وافتراقها، وأن لها تأثيرًا أختياريًا في العالم، فأما من يعرف من النجوم لمعرفة الأوقات، والاهتداء بها في الطرقات، ومعرفة القبلة وأشباه ذلك، فليس به بأس. أهـ.\n١٤٤٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب، وبالكوكب\".\nوفي رواية (١): أن رسول الله ﷺ قال: \"ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله الغيث، فيقولون: الكوكب كذا وكذا\".\nوفي رواية النسائي (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله ﷿ ما أنعمت\n_________\n١٤٤٩ - مسلم (١/ ٨٤) ١ - كتاب الإيمان، ٢٢ - باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء.\n(١) مسلم: نفس الموضع.\n(٢) النسائي (٣/ ١٦٤) ١٧ - كتاب الاستسقاء، ١٦ - باب كراهية الاستمطار بالكوكب.","vol":"3","page":1484},{"text":"على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب، وبالكوكب\".\n١٤٥٠ - * روى النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أمسك الله القطر عن عباده خمس سنين، ثم أرسله لأصبحت طائفة من الناس كافرين، يقولون: سقينا بنوء المجدح\".\n١٤٥١ - * روى الطبراني عن العباس بن عبد المطلب قال: خرجت مع رسول الله ﷺ من المدينة فالتفت إليها فقال: \"إن الله قد برأ هذه الجزيرة من الشرك ولكن أخاف أن تضلهم النجوم\"، قال: \"ينزل الغيث فيقولون مطرنا بنوء كذا وكذا\".\n* * *\n_________\n١٤٥٠ - النسائي (٣/ ١٦٥) ١٧ - كتاب الاستسقاء، ١٦ - باب كراهية الاستمطار بالكوكب.\nوفي سنده عتاب بن حنين ويقال ابن أبي حنين: المكي، لم يوثقه غير ابن حيان، وباقي رجاله ثقات.\n(المجدح): بكسر الميم: نجم يقال له: \"الدبران\" وبعضهم بضم الميم.\n١٤٥١ - مجمع الزوائد (٨/ ١١٤). وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط باختصار، وإسناد أبى يعلى حسن.","vol":"3","page":1485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>الفصل الثالث\nفي:\nالطيرة والفأل والشؤم والعدوى\nوما يجري مجراها</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"3","page":1487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>المقدمة</span>\nللوهم تأثيره على الإنسان حتى قالوا: ما قادك شيء مثل الوهم. وكثيرًا ما تعصف الأوهام بالإنسان، فتخرجه من دوائر الطمأنينة والتعقل إلى دوائر القلق والحيرة والخرق، وجاءت شريعة الإسلام وأعطت الإنسان التثبت والتعقل والطمأنينة من خلال الذكر والتوكل والتشريع بحيث غدا حرًا من تعبد الأوهام.\nومن مظاهر تعبد الإنسان للوهم أن يحكم في تصرفاته الجمادات والحيوانات، فترى أهل الجاهلية يستقسمون بالأزلام بأن يضعوا أقلامًا في شيء ما، وبعض هذه الأقلام مكتوب عليها: نعم أو لا، فإذا أراد الإنسان السفر أو غيره أدخل يده هو أو غيره فإذا خرج سهم يقول له: لا، ترك، وإذا خرج سهم يقول: نعم، فعل، فهذا مظهر من تحكيم الجماد بالإنسان، وكان من عاداتهم الطيرة التي نهى عنها الشرع، ومن صورها: إذا أراد إنسان أن يسافر أو يعمل عملا أرسل الطير، فإن رجعت عن يمينه تفاءل فأقدم، وإن رجعت عن شماله تشاءم وأحجم، فهذا مظهر من مظاهر تحكيم الحيوان بالإنسان، وعدا عن كون هذا وهذا استخفافًا في العقل البشري فهو كذلك تحكيم للوهم في إرادة الإنسان، ولذلك تأثيراته على أعصاب الإنسان وجسمه وقلبه، ولا زال بعض الناس يفعلون شبيهًا بهذا فترى بعضهم يبحث عن حظه يضربه نرد أو بإلقاء علبة أو بغير ذلك من صور، كلها تحوي فكرة تعبيد النفس للوهم، والتشاؤم كله تعبيد للنفس للوهم، وما يترتب على ذلك من انعكاسات تظهر في أمراض نفسية شتى، وما أكثر أمراض النفس التي تعد في عصرنا من اكتئاب إلى السويداء إلى الخوف إلى القلق والتشاؤم دخل في هذه الأمراض، وللعدوى دخل كبير في الوهم مع أنها حاصلة إلا أن كثرة الخشية من العدوى تورث التوهم الذي يؤدي إلى خلل مع علاقات الناس، كما أنها قد تؤدي إلى شرور بين الناس خاصة إذا أخذ الناس يرفعون دعاوي على بعضهم بأن فلانًا أعداني، أو أن إبل فلان أعدت إبلي، وهي قضايا ظنية، ومن الناحية الطبية، فالعدوى في كثير من الأحيان إنما توجد إذا وجد عند الجهة الأخرى استعداد للعدوى.\nومن ههنا أقر الشارع العدوى كحقيقة، وعلم الإنسان الاحتياط ولكنه أهدر آثارها.","vol":"3","page":1489},{"text":"وهكذا عالج الإسلام الذي أنزله الله طبًا للإنسان في كل شيء، عالج الوهم في حياة الإنسان وحرره من أن يتعبد للجمادات أو الحيوانات أو للأوهام بأي شكل من أشكال التعبد والطاعة، ومن ههنا حرم الإسلام والاستسقام بالأزلام وحرم الطيرة وعالج التشاؤم وأهدر العدوى، فلم يعلق عليه آية مسؤولية، وأبدلنا كله توكلا على الله وطمأنينته قلب لقضائه، واستخارة حيث تندب الاستخارة، واستشارة حيث تندب الاستشارة، وحسن ظن بالله، وحسن ظن في الخلق في محله، وغير ذلك مما يكون عليه المسلم السوي في اعتقاده وأعماله وفي نفسه وقلبه وعقله، وهذه قضايا لا يعرف قيمتها إلا من عرف كيف تتمزق النفس بالأوهام عندما يكون إسلام أو عندما لا يكون إسلام، لم يصل بعد إلى القلب فيجعله يستقر باليقين، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١).\nولارتباط هذه المعاني بالعقيدة والإيمان فقد عقدنا هذا الفصل في هذا الباب.\n_________\n(١) الرعد: ٢٨.","vol":"3","page":1490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>النصوص</span>\n١٤٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: \"لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة\" فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال إبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب، فيدخل فيها فيجربها كلها؟ فقال: \"فمن أعدى الأول\".\nقال البخاري: ورواه الزهري عن أبي سلمه عن عبد الرحمن، وسنان بن أبي سنان، وفي رواية سنان وحده: بنحو ذلك.\nوفي رواية لأبي سلمه (١): أنه سمع أبا هريرة بعد يقول: قال النبي ﷺ: \"لا يوردن ممرض على مصح\". وأنكر أبو هريرة حديث الأول، قلنا: ألم تحدث: أنه \"لا عدوى؟ \" فرطن بالحبشية، قال أبو سلمه: فما رأيته نسي حديثًا غيره.\nوفي رواية أخرى (٢) عن أبي سلمه: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا عدوى\" وتحدث: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يورد ممرض على مصح\". قال الزهري: قال أبو سلمه: كان أبو هريرة يحدث بهما كليهما عن رسول الله ﷺ، ثم صممت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: \"لا عدوى\"، وأقام على أن \"لا يورد ممرض على مصح\". قال: فقال الحارث بن أ [ي ذباب- وهو ابن عم أبي هريرة- قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله ﷺ \"لا عدوى\" فأبي أبو هريرة أن يعرف ذلك، وقال: \"لا يورد ممرض على مصح\". فماراه الحارث في ذلك حق غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا، أبو هريرة: إني قلت: \"أتيت\". قال أبو سلمه: ولعمري، لقد كان أبو هريرة يحدثنا: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا عدوى\". فلا\n_________\n١٤٥٢ - البخاري (١٠/ ١٧١) ٧٦ - كتاب الطب، ٢٥ - باب لا صفر.\nمسلم (٤/ ١٧٤٢) ٢٩ - كتاب السلام، ٢٣ - باب لا عدوى ولا طيرة.\n(١) البخاري (١٠/ ٢٤١) ٧٦ - كتاب الطب، ٥٣ - باب لا هامة.\n(٢) مسلم (٤/ ١٧٤٣) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٣ - باب لا عدوى ولا طيرة.","vol":"3","page":1491},{"text":"أدري: أنسي أبي هريرة، أو نسخ أحد القولين الآخر؟\nوفي رواية أخرى (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا طيرة، وخيرها الفأل\". قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: \"الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم\".\nوعند البخاري (٢): أن رسول الله ﷺ قال: \"لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر\".\nوله في أخرى (٣) زيادة: \"وفر من المجذوم كما تفر من الأسد\".\nوفي رواية لمسلم (٤): أن رسول الله ﷺ قال: \"لا عدوى، ولا هامة، ولا نوء، ولا صفر\".\nوفي أخرى (٥): \"لا عدوى، ولا هامة، ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح\".\nقال أبو داود: قال بقية: سألت محمد بن راشد عن قوله: \"ولا هامة\"؟ فقال: كان أهل الجاهلية يقولون: ليس أحد يموت فيدفن إلا خرج من قبره هامة. وعن قوله: \"ولا صفر\"؟ قال: كانوا يستشئمون بدخول صفر، فقال النبي ﷺ: \"لا صفر\". قال: وسمعت من يقول: هو وجع يأخذ في البطن، يزعمون أنه يعدي. قال أبو داود: وقال مالك: كان أهل الجاهلية يحلون صفر عامًا، ويحرمونه عامًا، فقال رسول الله ﷺ: \"لا صفر\".\n(ولا هامة) الهام جمع هامة، وهو طائر كانت العرب تزعم أن عظام الميت تصير هامة فتطير، وكانوا يقولون: إن القتيل تخرج من هامته - أي: رأسه- هامة، فلا تزال تقول: اسقوني، حتى يقتل قاتله.\n_________\n(١) البخاري (١٠/ ٢١٢) ٧٦ - كتاب الطب، ٤٣ - باب الطيرة.\nومسلم (٤/ ١٧٤٥) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٤ - باب الطيرة والفأل.\n(٢) البخاري (١٠/ ٢١٥) ٧٦ - كتاب الطب، ٤٣ - باب لا هامة.\n(٣) البخاري (١٠/ ١٥٨) ٧٦ - كتاب الطب، ٤٣ - باب الجذام.\n(٤) مسلم (٤/ ١٧٤٤) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٣ - باب لا عدوى ولا طيرة.\n(٥) مسلم (٤/ ١٧٤٦) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٤ - باب الطيرة والفأل.","vol":"3","page":1492},{"text":"(لا يورد مُمرض على مُصح) الممرض: هو الذي إبله مراض، والمصح: الذي إبله صحاح، فنهى أن يورد اصحب الإبل المراض إبله على إبل ذي الإبل الصحاح.\n(فرطن) الرطانة: التكلم بالعجمية أي لغة كانت.\n(فماراه) المماراة والمجادلة: المخاصمة.\n(أتيت) أي: ذهبت وتغير عليك حسك، فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحًا.\n(خيرها الفأل) هو مثل أن يكون الرجل مريضًا، فيسمع آخر يقول: يا سالم. أو يكون طالبًا، فيسمع آخر يقول: يا واجد. فيقع في ظنه أن يبرأ من مرضه، ويجد ضالته، فيتوقع صحة هذه البشرى، ويتنفس بذلك نفسه؛ لأنه وقع من القائل على جهة الاتفاق، تقول منه: تفاءلت، والافتئال: افتعال منه، فالفأل: فيما يرجى وقوعه من الخير، ويتحسن ظاهره ويسر، والطيرة: لا تكون إلا فيما يسوء، وإنما أحب النبي ﷺ الفأل: لأن الناس إذا أملوا فائدة من الله، ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي: فهم على خير، وإن لم يدركوا ما أملوا، فقد أصابوا في الرجاء من الله وطلب ما عنده، وفي الرجاء لهم خير معجل، ألا ترى أنهم إذا قطعوا أملهم ورجاهم من الله كان ذلك من الشر؟. فأما الطيرة: فإن فيها سوء الظن، وقطع الرجاء، وتوقع البلاء وقنوط النفس من الخير، وذلك مذموم بين العقلاء، منهي عنه من جهة الشرع.\n(ولا نوء) النوء: واحد الأنواء، وهو ثمانية وعشرون نجمًا، هي منازل القمر، تسقط كل ثلاث عشرة ليلة، منها منزلة من طلوع الفجر وتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي هذه الثمانية والعشرون مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع نظيرها يكون مطر، فينسبون المطر إلى المنزلة، ويقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، أي: طلع ونهض، وقيل: إن النوء هو الغروب، وهو من الأضداد، قال أبو عبيد: ولم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع.\nوإنما غلظ النبي ﷺ في أمر الأنواء، لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من","vol":"3","page":1493},{"text":"جعل المطر من فعل الله ﷿، وأراد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز.\nوفي معنى النوء قال البغوي في شرح السنة:\nقوله: \"ولا نوء\" أراد به ما كانت العرب تنسب المطر إلى أنواء الكواكب الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، وتقول: مطرنا بنوء كذا، فأبطل الشرع أن يكون بنوء النجوم شيء إلا بإذن الله أ. هـ.\nأقول: لقد لاحظنا في الحديث الذي مر معنا إثبات العدوى، ولذلك ورد: لا يوردن ممرض على مصح. كما رأينا أن فيه نفي العدوى، والجمع بينهما أن الشارع أثبت العدوى كواقع، وطالب بالاحتياط منها، ونفى أن يترتب على العدوى مسؤولية قضائية.\nوقد مر في الحديث النهي عن التشاؤم بذكر ما جرت عادة العرب أن تتشاءم منه، ومن ذلك التشاؤم من صفر، وأبطل الحديث خرافة الهامة التي كانت موجودة عند العرب في الجاهلية ولا زالت بعض الشعوب تتشاءم حيث لا ينبغي التشاؤم، ومن ذلك تشاؤم الغربيين بالعدد رقم- ١٣ -، وهو من قبيل تشاؤم الجاهلية.\n١٤٥٣ - * روى الترمذي عن عبيد الله بن مسعود ﵁، قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، فقال: \"لا يعدي شيء شيئًا\". فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل يأتيها البعير الأجرب الحشفة بذنبه فيجربها كلها؟ فقال رسول الله ﷺ: \"فمن أجرب الأول منها؟ ألا لا عدوى ولا صفر، إن الله خلق كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها ومحابها\".\n١٤٥٤ - * روى مسلم عن عمرو بن الشريد ﵁، عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ: \"إنا قد بايعناك، فارجع\".\n_________\n١٤٥٣ - الترمذي (٤/ ٤٥٠، ٥٤١) ٣٣ - كتاب القدر، ٩ - باب ما جاء لا عدوى، وهو حديث حسن.\nقال ابن الأثير:\n(يعدي): أعدى المريض: إذا تجاوز من واحد إلى آخر، كما يتعدى الجرب.\n١٤٥٤ - مسلم (٤/ ١٧٥٢) ٢٩ - كتاب السلام، ٣٦ - باب اجتناب المجذوم ونحوه.","vol":"3","page":1494},{"text":"أقول: هذا الحديث أحد الأدلة على أن العدوى ثابتة بالشرع، وإنما المنفي هو إثبات المسؤولية المادية بسببها.\n١٤٥٥ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا عدوى\"، فقال أعرابي: يا رسول الله فإنا نأخذ الشاة الجربة فنطرحها في الغنم فتجرب. فقال رسول الله ﷺ: \"يا أعرابي من أجرب الأولى\".\n١٤٥٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"الطيرة شرك، الطيرة شرط، الطيرة شرك\"- ثلاثًا- \"وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل\".\nوفي رواية الترمذي (١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"الطيرة من الشرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل\".\nورواه أيضًا ابن حبان (٢).\n(الطيرة) ما يتشاءم به من الفأل الرديء وغيره، واشتقاقها من الطير، وكانت العرب تتطير من الغراب والأخيل ونحوهما من الطير، وتتشاءم به، وترى أن ذلك مانع من الخير، فنفى الإسلام ذلك، وقال: \"ولا طيرة\": وهو مصدر، كالتطير، تطير الرجل تطيرًا وطيرة، كما قالوا: تخيرت الشيء تخيرًا وخيرة، ولم يجئ من المصادر على هذا القياس غيرهما.\nوقال البغوي في شرح السنة مبينًا ماهية الطيرة:\nوذلك أن العرب كانت تتطير ببروح الطير وسنوحها، فيصدهم ذلك عما يمموه من مقاصدهم، فأبطل النبي ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب نفع، أو ضر، ويقال:\n_________\n١٤٥٥ - المعجم الكبير: (١١/ ٢٢٨).\nمجمع الزوائد: (٥/ ١٠٢) وقال: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح.\n١٤٥٦ - أبو داود (٤/ ١٧) كتاب الطب، باب في الطيرة.\n(١) الترمذي (٤/ ١٦٠ - ١٦١) ٢٢ - كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) الإحسان بترتيب ابن حبان: (٧/ ٦٤٢).","vol":"3","page":1495},{"text":"الطيرة أن يخرج لأمر، فإذا رأي ما يحب، مضى، وإن رأى ما يكره انصرف، فأما ما يقع في قلبه من محبوب ذلك ومكرهه، فليس بطيرة، إذا مضى لحاجته، وتوكل على ربه. قال ابن عباس: إن مضيت، فمتوكل، وإن نكصت فمتطير. وقال إبراهيم: قال عبد الله: لا تضر الطيرة إلا من تطير. أهـ.\n(وما منا إلا) في هذا الكلام محذوف، تقديره: وما منا إلا ويعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة له، فحذف ذلك اختصارًا واعتمادًا على فهم السامع، وقد جاء في كتاب الترمذي أن هذا من كلام ابن مسعود، وليس من الحديث، والله أعلم.\n١٤٥٧ - * روى أحمد عن بريدة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه؟ فإذا أعجبه فرح به، ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئى كراهية ذلك في وجهه.\nقال ابن الأثير:\n(بشر) البشر: طلاقة الوجه وأمارات الفرح التي تظهر على الإنسان عند رؤية ما يسر، أو سماعه. أهـ.\nقال البغوي: وينبغي للإنسان أن يختار لولده وخدمة الأسماء الحسنة أ. هـ.\n١٤٥٨ - * روى مسلم عن معاوية بن الحكم، قال: قلت يا رسول الله: منا رجال يتطيرون؟ قال: \"ذلك شيء تجدونه في أنفسكم، فلا يصدنكم\". قال: قلت: ومنا رجال يأتون الكهان؟ قال: \"فلا تأتوهم\". قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: \"خط نبي، فمن وافق علمه علم\".\n_________\n١٤٥٧ - أحمد (٥/ ٢٣٧).\nوأبو داود (٤/ ١٩): كتاب الطب، ٣٤ - باب في الطيرة.\n١٤٥٨ - مسلم (١/ ٣٨٣) ٥ - كتاب المساجد، ٧ - باب تحريم الكلام في الصلاة.","vol":"3","page":1496},{"text":"قال البغوي في شرح السنة في تفسير قوله ﵇ \"يخطون\":\nقال الخطابي: فقد يحتمل أن يكون معناه: الزجر عنه، إذ كان من بعده لا يوافق خطه، ولا ينال حظه من الصواب؛ لأن ذلك إنما كان آية لذلك النبي، وعلمً لنبوته، فليس لمن بعده أن يتعطاه طمعًا في نيله والله أعلم. روي عن طاووس قال: سمعت ابن عباس يقول: إن قومًا يحسبون بأبي جاد، وينظرون في النجوم، وما أرى لمن فعل ذلك من خلاق أهـ.\nأقول: أبي جاد: المراد بها الأحرف الأبجدية نسبة على (أبجد هوز) والمعروف أن العرب تعطي لكل حرف منها عددًا، وبعض الناس يحسبون أعداد الأحرف لشيء ما وعلى ضوء ذلك يقدمون أو يحجمون. وهذا الذي نهى عنه ابن عباس وسفه أهله لأنه تحكم وتحكيم لغير العاقل بالعاقل، وهو في الأصل شيء غير معقول المعنى ولم يأت به شرع.\n١٤٥٩ - * روى البخاري ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل\". قالوا: وما الفأل؟ قال: \"كلمة طيبة\".\nوروى البخاري مثله (١)، وقال: \"ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة\".\nوروى مسلم مثله (٢)، وقال: \"ويعجبني الفأل: الكلمة الحسنة، الكلمة الطيبة\".\nقال ابن الأثير:\n(لا عدوى) يقال: أعداه المريض: إذا أصابه منه بمقارنته ومجاورته أو مؤاكلته ومباشرته.\n_________\n١٤٥٩ - البخاري (١٠/ ٢٤٤) ٧٦ - كتاب الطب، ٥٤ - باب لا عدوى.\nمسلم (٤/ ١٧٤٦) ٢٩ - كتاب السلام، ٣٤ - باب الطيرة والفأل.\n(١) البخاري (١٠/ ٢١٤) ٧٦ - كتاب الطب، ٤٤ - باب الفأل.\n(٢) مسلم (٤/ ١٧٤٦) ٢٩ - كتاب السلام، ٣٤ - باب الطيرة والفأل.","vol":"3","page":1497},{"text":"١٤٦٠ - * روى الطبراني، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من يبلغنا من لقاحنا\". فقام رجل فقال: أنا. فقال له رسول الله ﷺ: \"ما اسمك\"؟ قال: صخر أو جندل. فقال له رسول الله ﷺ: \"اجلس\". ثم قال: \"من يبلغنا لبن لقاحنا\"؟ فقام رجل آخر فقال له رسول الله ﷺ: \"ما اسمك\" قال: يعيش. قال: \"بلغنا من لقاحنا\".\n١٤٦١ - * روى الترمذي، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه إذا خرج لحاجة: أن يسمع: يا راشد، يا نجيح.\nوفي الصحيحين (١) معناه عن أبي هريرة ﵁.\n١٤٦٢ - * روى الطبراني، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"لن ينال الدرجات العلى من تكهن أو استقم أو رجع من سفر تطيرًا\". وفي رواية: \"أو تطير طيرة ترده عن سفر لم ينظر إلى الدرجات العلى\".\n١٤٦٣ - * روى أبو داود عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"العيافة والطيرة والطرق: من الخبث\".\nقال ابن الأثير:\n(العيافة): زجر الطير والتفاؤل بها، كما كانت العرب تفعله، عاف الطير يعيفه: إذا زجره.\n_________\n١٤٦٠ - المعجم الكبير: (١٧/ ٢٩٢).\nمجمع الزوائد (٥/ ١٠٦) وقال: رواه الطبراني، وفيه سعيد بن أسد بن موسى، روى عنه أبو زرعة الرازي ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله ثقات.\n١٤٦١ - الترمذي (٤/ ١٦١) ٢٢ - كتاب السير، ٤٧ - باب ما جاء في الطيرة.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.\n(١) البخاري (١٠/ ٢١٤) ٧٦ - كتاب الطب، ٤٤ - باب الفأل.\nمسلم (٤/ ١٧٤٥) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٤ - باب الطيرة والفأل.\n١٤٦٢ - مجمع الزوائد (٥/ ١١٨). وقال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.\n١٤٦٣ - أبو داود (٤/ ١٦) كتاب الطب، باب في الخط وزجر الطير، وهو حديث حسن، وقال أبو داود: الطرق: الزجر، والعيافة: الخط.","vol":"3","page":1498},{"text":"(الطرق): الضرب بالعصا، وقيل: هو الخط في الرمل، كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه، وقد جاء في كتاب أبي داود: أن الطرق: الزجر، والعيافة: الخط.\n(الجبت) كل ما عبد من دون الله، وقيل: هو الكاهن والشيطان.\nقال البغوي في شرح السنة:\nوأراد بالعيافة: زجر الطير. والطرق: هو الضرب بالحصى، وأصل الطرق: الضرب: ومنه سميت مطرقة الصائغ والحداد؛ لأنه يطرق بها. وقال ابن سيرين: الجبت: الساحر، والطارق: الكاهن.\nقال ابن جرير في (جامع البيان) ٨/ ٤٦٥:\nوالصواب من القول في تأويل ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إليهن، وذلك أن \"الجبت\" و\"الطاغوت\" اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له كائنًا مال كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان، وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله، فقد كان جبوتًا وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولًا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. أهـ.\nأقول: الحاصل أن الحديث نهى عن ضرب الرمل الذي عرفنا فيما مضى أن الخط فيه لاستخراج أمر كان معجزة لنبي، وقد حرم في شريعتنا، كما حرم في الحديث الطيرة التي هي زجر الطير والبناء على خط سيرها سلبًا أو إيجابًا من العمل، كما نهى الحديث عن ضرب الحصى للبناء على ذلك، كأن يضرب الإنسان حصاة فإذا وقعت في مكان مضى لشانه وإلا أحجم، فكل ذلك وكل ما أدخله الشراح في شرح الحديث من صور على اختلاف تفسيراتهم، كل ذلك يدخل في إتباع خطوات الشيطان، فهي من الجبت الذي هو عبادة غير الله والخضوع له.","vol":"3","page":1499},{"text":"١٤٦٤ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"لا عدوى، ولا صفر، ولا غول\".\nقال ابن الأثير:\n(ولا غول) الغول: هذا الحيوان التي كانت العرب تزعم أنه يعرض لها في بضع الأوقات والطرق، فيغتال الناس، وإنه ضرب من الشياطين، وليس قوله: \"ولا غول\" نفيًا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في اغتياله وتلونه في الصور المختلفة، يقول: لا تصدقوا بذلك. أهـ.\nأقول: إن النصوص أثبتت إمكانية تشكل الجن ببعض الصور، فهذه الحيثية ليست منفية في الحديث، ولكن تصورًا وهميًا من تصورات الجاهلية عن شيء يسمونه الغول فيتوهمون بسببه، قد أبطله الإسلام.\nوقد قال الله ﷿ عن الإنسان: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) فالإنسان، محفوظ إلا إذا قضى الله عليه قضاء، ولذلك فإن المسلم يغلب عليه حال التوكل فلا يخشى إلا الله، فإذا داهمه أمر عمل بمقتضى أمر الله.\n١٤٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاث: في الفرس، والمرأة، والدار\".\nوفي رواية (٢) قال: ذكروا الشؤم عند النبي ﷺ، فقال: \"إن كان الشؤم: ففي الدار، والمرأة، والفرس\".\n_________\n١٤٦٤ - مسلم (٤/ ١٧٤٥) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٣ - باب لا عدوى ولا طيرة.\n(١) الرعد: ١١.\n١٤٦٥ - البخاري (١٠/ ٢١٢) ٧٦ - كتاب الطب، ٤٣ - باب الطيرة.\nمسلم (٤/ ١٧٤٧) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٤ - باب الطيرة والفأل.\n(٢) البخاري (٦/ ٦٠) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٤٧ - باب ما يذكر من شؤم الفرس.\nمسلم (٤/ ١٧٤٨) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٤ - باب الطيرة والفأل.","vol":"3","page":1500},{"text":"ولمسلم (١): \"في المرأة والفرس والمسكن\".\n١٤٦٦ - * روى أبو داود عن سعد بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"لا هامة، ولا عدوى، ولا طيرة، وغن تكن الطيرة في شيء: ففي الفرس، والمرأة، والدار\".\n١٤٦٧ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال وجل: يا رسول الله، غنا كنا في دار، كثر فيها عددنا، وكثر فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا، فقال رسول الله ﷺ \"ذروها ذميمة\".\nقال ابن الأثير:\n(ذروها ذميمة) أي: اتركوها مذمومة، وإنما أمرهم بالتحول عنها إبطالًا لما وقع في نفوسهم من أن المكروه غنما أصابهم بسبب الدار وسكناها، فإذا تحولوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم، وزال ما خامرهم من الشبهة والوهم الفاسد، والله أعلم.\n١٤٦٨ - * روى أحمد عن أبي حسان نحوه وفيه: قالت عائشة: والذي أنزل القرآن على محمد ما قالها رسول الله ﷺ قط إنما قال: \"كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك\".\nوفي رواية (٢): \"كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في الدار والمرأة والدابة\".\nثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٣) الآية.\n_________\n(١) مسلم الموضع السابق.\n١٤٦٦ - أبو داود (٤/ ١٩) كتاب الطب، باب في الطيرة.\nوهو حديث صحيح.\n١٤٦٧ - أبو داود (٤/ ١٩) كتاب الطب، باب في الطيرة.\nوإسناده حسن.\n١٤٦٨ - مسند أحمد (٦/ ٢٤٠).\n(٢) مسند أحمد (٦/ ٢٤٦).\nمجمع الزوائد (٥/ ١٠٤). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(٣) الحديد: ٢٢.","vol":"3","page":1501},{"text":"١٤٦٩ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن كان في شيء: ففي الفرس والمرأة والمسكن\". يعني: الشؤم.\nوفي رواية مسلم والنسائي عن جابر مثله (١).\nقال ابن الأثير:\n(إن كان الشؤم في شيء) يعني: إن كان ما يكره ويخاف عاقبته ففي هذه الثلاثة، وتخصيصه المرأة والفرس والربع والدار؛ لأنه لما أبطل مذهب العرب في التطهير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحو ذلك، قال: فإن كان لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس لا يعجبه ارتباطه، فليفارقها، بأن ينتقل عن الدار، ويبيع الفرس، ويطلق الزوجة، وكان محل هذا الكلام محل استثناء الشيء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من كلام إلى غيره.\nوقد قيل: إن شؤم الدار. ضيقها وسوء جارها، وشؤم الفرس: أن لا يغزى عليها، وشؤم المرأة: أن لا تلد.\nقال ابن حجر حول هذا الحديث:\nقال ابن قتيبة: ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون فنهاهم النبي ﷺ وأعلمهم أن لا طيرة، فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة. قلت: فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله: أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره، قال القرطبي: ولا يظن به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته فإن ذلك خطأ، وإنما عنى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره.\n_________\n١٤٦٩ - البخاري (٦/ ٦٠) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٤٧ - باب ما يذكر من شؤم الناس.\nمسلم (٤/ ١٧٤٨) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٤ - باب الطيرة والفأل.\nوالموطأ (٣/ ٩٧٢) ٥٤ - كتاب الاستئذان، ٨ - باب ما يتقى من الشؤم.\n(١) مسلم (٤/ ١٧٤٨) ٣٩ - كتاب السلام، ٣٤ - باب الطيرة والفأل ...\nوالنسائي (٦/ ٢٣٠) ٢٨ - كتاب الخيل ٥٠ - باب شؤم الخيل.","vol":"3","page":1502},{"text":"قال ابن العربي: معناه إن كان خلق الله الشؤم في شيء مما جرى من بعض العادة فإنما يخلقه في هذه الأشياء، قال المازري: مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقًا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها. وجاء عن عائشة أنها أنكرت هذا الحديث، فروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن محمد بن راشد عن مكحول قال: قيل لعائشة إن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشؤم في ثلاثة\". فقالت: لم يحفظ، إنه دخل وهو يقول: \"قاتل الله اليهود، يقولون الشؤم في ثلاثة\". فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله. قلت: ومكحول لم يسمع من عائشة فهو منقطع، لكن روى أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان، أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: غن رسول الله ﷺ قال: \"الطيرة في الفرس والمرأة والدار\". فغضبت غضبًا شديدًا وقالت: ما قاله، وإنما قال: \"إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك\". انتهى. ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك، وقد تأوله غيرها على أن ذلك سبق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه إخبار من النبي ﷺ بثبوت ذلك، وسياق الأحاديث الصحيحة يبعد هذا التأويل لأنه ﷺ. إنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه.\nقال عبد الرزاق في مصنفه عن معمر: سمعت من يفسر هذا الحديث يقول: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه، وشؤم الدار جار السوء، وروى أبو داود في الطب عن ابن القاسم عن مالك، أنه سئل عنه فقال: كم من دار سكنها ناس فهلكوا. قال المازري: فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أن قدر الله ربما اتفق ما يكره عن سكني الدار فتصير في تلك كالسبب فتسامح في إضافة الشيء إليه اتساعًا. وقال ابن العربي: لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وغنما هو عبارة عن جري العادة فيها فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل. وقيل: معنى الحديث أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها لملازمتها بالسكنى والصحبية ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب. أ. هـ (فتح الباري).","vol":"3","page":1503},{"text":"أقول: في النصوص التي ذكرت الشؤم في الدار والمرأة والفرس حض على حسن الاختيار للمرأة والمسكن والفرس وإباحة لمفارقة ما يكرهه الإنسان منها، فكأن هذه النصوص تبين أن هذا النوع الذي يمكن أن يدخل في مسمى الطيرة لا يعتبر من الطيرة المنهى عنها والتي كان عليها الجاهلية، ويبدو أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون في بعض الأحوال من مجرد رؤية المرأة أو الفرس أو الدار، فهذا النوع من الطيرة منفي في الإسلام وعلى هذا يحمل كلام عائشة ﵂، وعلى الأول تحمل الروايات الأخرى.\n* * *","vol":"3","page":1504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>الفصل الرابع\nفي:\nالعين والتمائم والرقي</span>\nوفيه:\nمقدمة ونصوص","vol":"3","page":1505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>المقدمة</span>\nلم تزل في الإنسان عوالم مجهولة، ولم تزل تستكشف في الإنسان خواص وخصائص، ولم يزل الإنسان يستكشف من دقائق أسرار الكون ما يقرب إليه فهم الكثير من المغيبات، فتأثير الإشعاعات المختلفة على الجسم البشري مثلًا يقرب إلينا فكرة أن يكون لبعض أعين الناس خاصية التأثير في إنسان آخر أو في شيء ما، وهذا كلام تقوله لتقريب فكرة الإصابة بالعين التي أثبتها الشارع، إنه من خلال استقراء لحوادث كثيرة نجد أن إنسانًا ما تعرض لنوع من الضرر أو المرض بسبب رؤية من إنسان رافقتها كلمة أو لم ترافقها وهذا الموضوع أثبته الشارع وتكلم عنه وفيه جانب غيبي، ولذلك رأينا الحديث عنه وإثباته في هذا الباب، ونحن وإن كنا قد حاولنا في ما مر أنفًا أن تقرب موضع الإصابة بالعين إلى الأذهان بما ذكرناه، إلا أن أصل الموضوع لا يبحث هكذا في العادة، فالله ﷿ إذا أراد أن يصيب إنسانًا بإصابة، أصابه بها عن طريق عالم الأسباب أو بشكل مباشر، وقد جعل الله ﷿ جزءًا من عالم الأسباب أن يصيب أناسًا بأعين ناس، وجعل لهذا النوع من الإصابات وقاية كي لا يقع وعلاجًا إن وقع.\nوبعض نصوص هذا الفصل تتحدث عن هذه الشؤون. والإنسان إذا وقع في مأزق يفر في العادة فرارين، فرارًا إلى الله بالدعاء، وفرارًا إلى عالم الأسباب بأخذ بها، فمثلًا إذا مرض المريض دعا وبحث عن العلاج، واجتماع هذين الفرارين مباح للمسلم بل مطلوب منه، ومن ههنا نجد أن الإسلام حض على الوقاية كما حض على التداوي وأذن مع التداوي بالرقية وهي نوع دعاء من الأخ لأخيه أو من الإنسان لنفسه أو هي طلب استشفاء أو شفاء من الله تعالى لنفس الإنسان أو لأخيه.\nومن ههنا وجدت نصوص في الرقية وإذا كان للرقية دخل في أمر الغيب لأنها طلب فاء من الله مباشرة فقد أدخلناها في أبحاث هذا الفصل، وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز حمل نوع من المكتوبات يعلقها الإنسان على نفسه وعلى أهله، ليحرزهم من شر وهي ما يسمى بالتمائم، والذين أجازوهم بشروط من مثل أن تكون مفهومة وأن لا يكون فيها","vol":"3","page":1507},{"text":"شرك وأن تكون بشيء مشروع؛ وإذ كان الأمر يختلط فيه ما هو مخل بالاعتقاد بما هو مباح فقد رأينا لذلك أن ندخل هذا البحث ههنا وهكذا كان عنوان الفصل: في: العين والتمائم والرقي.","vol":"3","page":1508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>النصوص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>١ - في: العين</span>\n١٤٧٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ عن رسول الله صلى الله عله وسلم: \"العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغتسلوا\".\n(إذا استغسلتم فاغسلوا) كان من عادتهم: أن الإنسان إذا أصابته العين من\nاحد جاء إلى العائن، فجرد من ثيابه وغسل جسده ومعاطفه ووجهه وأطرافه، وأخذ المعين ذلك الماء فصبه عليه، فيبرأ بإذن الله تعالى.\nقال الشوكاني في نيل الأوطار:\nظاهرة: إثبات العين التي تصيب إما بما جعل الله تعالى فيها من ذلك وأودعه إياها، وإما بإجراء العادة بحدوث الضرر عند تحديد النظر.\nقال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث وأنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى: لأن كل شيء ليس محالًا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا فساد دليل فهو من مجوزات العقول فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به في الآخرة من الأمور. أهـ.\n١٤٧١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂، قالت: كان يؤمر العائن، فيتوضأ، ثم يغتسل منه المعين.\n١٤٧٢ - * روى أحمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"العين حق\n_________\n١٤٧٠ - مسلم (٤/ ١٧١٩) ٣٩ - كتاب السلام، ١٦ - باب الطب والمرضى والرقي.\n١٤٧١ - أبو داود (٤/ ٩) كتاب الطب، باب ما جاء في العين.\nوإسناده حسن. (العائن): الذي تصيب عينه.\n(المعين): المصاب بالعين.\n١٤٧٢ - مسند أحمد (٢/ ٤٣٩).\nمجمع الزوائد (٥/ ١٠٧). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1509},{"text":"ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم\".\nأقول: ذكر الحسد بمناسبة الإصابة بالعين فيه إشارة إلى التأثير النفسي، فالإنسان يمكن أن يؤثر نفسيًا في إنسان آخر، وتختلف قوة التأثير من إنسان لآخر، وكم كلمة أمرضت إنسانًا، فكيف إذا اجتمع على نفس التأثير النفسي والكلمة الحاسدة ووسوسة الشيطان، وما يمكن أن يكون في أعين بعض الناس من خواص.\n١٤٧٣ - * روى البزار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: \"أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدر بالأنفس\". قال البزار: يعني بالعين.\nأقول: ذكرت هذا الحديث هنا لتفسير البزار الأنفس بالأعين، وعندي أن النفس هنا قد يراد بها معنى آخر، فقد يراد بالنفس الدم، ومن عناوين الفقهاء: (ما لا نفس سائلة له) أي ما لا دم سائلًا له، فإذا كان المراد بالنفس هنا الدم ففي الحديث معجزة طبية، فما عرف في عصرنا أن أمراض الدم وما يطرأ عليه هي من أكثر مسببات الموت.\n١٤٧٤ - * روى أبو داود عن شيبان القتباني أن مسلمة بن مخلد استعمل رويفع بن ثابت على أسفل الأرض، قال شيبان: فسرنا معه من كوم شريك إلى علقماء- أو من علقماء إلى قوم شريك - يريد: علقام، فقال رويفع: إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه، على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش، وللآخر القدح، ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدًا منه بريء\".\n١٤٧٥ - * روى أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن العين لتولع\n_________\n١٤٧٣ - كشف الأستار (٣/ ٤٠٣)، وقال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد.\nمجمع الزوائد (٥/ ١٠٦). وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا طالب بن حبيب بن عمرو وهو ثقة.\n١٤٧٤ - أبو داود (١/ ٩) كتاب الطهارة، باب ما ينهى عنه أن يستنجى به.\n(تقلد وترًا): كانوا يتقلدون الأوتار، ويزعمون أنها ترد العينـ وتدفع عنهم المكاره، فنهوا عن ذلك.\n١٤٧٥ - أحمد (٥/ ١٦٧). =","vol":"3","page":1510},{"text":"الرجل بإذن الله حتى يصعد حالقًا ثم يتردى منه\".\n١٤٧٦ - * روى مالك عن محمد بن أبي أسامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي - سهل بن حنيف - بالخرار، فنزع جبة كانت عليه؛ وعامر بن ربيعة ينظر إليه. وكان سهل شديد البياض، حسن الجلد، فقال عامر: ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبأة عذراء، فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه، فأخبر رسول الله ﷺ بوعكه، فقيل له: ما يرفع رأسه. وكان قد اكتتب في جيش. فقالوا له: هو غير رائح معك يا رسول الله، والله ما يرفع رأسه. فقال: \"هل تتهمون أحدًا؟ \" قالوا: عامر بن ربيعة. فدعاه رسول الله، فتغيظ عليه، وقال: \"علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟ اغتسل له\". فغسل عامر وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخله إزاره، في قدح، ثم صب عليه من ورائه، فبرأ سهل من ساعته.\nوفي رواية (١) نحوه على قوله: واشتد وعكه وبعده: فأتى رسول الله ﷺ، فأخبره بالذي كان من شأن عامر، فقال رسول الله ﷺ: \"علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟ إن العين حق، توضأ له\". فتوضأ له عامر، وصب عليه من خلفه، فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس.\nوفي بيان ما ينبغي فعله للمصاب قال البغوي:\nقال الزهري: يؤتي الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على كفه اليمنى في\n_________\n= وكشف الأستار (٣/ ٤٠٣). وقال: لا نعلم صحابيًا رواه غير أبي ذر، ولا نعلم له إلا هذا الطريق.\nمجمع الزوائد (٥/ ١٠٦). وقال: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد ثقات.\n١٤٧٦ - الموطأ (٢/ ٩٣٩) ٥٠ - كتاب العين، ١ - باب الوضوء من العين.\n(مخبأة عذراء): المخبأة: المخدرة، والعذراء: البكر، والجمع: العذارى.\n(ألا بركت): من البركة، وهي الزيادة والنماء، أو الثبات والدوام، أي: هلا دعوت له بالبركة.\n(داخلة إزاره): هي الطرف الذي يلي جسد المؤتزر. وقيل: أراد موضع داخلة إزاره من جسده، لا إزاره.\n(١) الموطأ (٢/ ٩٣٨) الموضع السابق.\nقال محقق الجامع: وهو حديث حسن.","vol":"3","page":1511},{"text":"القدح، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبة واحدة.\nواختلفوا في غسل داخلة الإزار: قال أبو عبيد: إنما أراد بداخلة إزاره، طرف إزاره: الذي يلي جسده، مما يلي الجانب الأيمن، فهو الذي يغسل قال: ولا أعلمه إلا جاء مفسرًا في بعض الحديث هكذا. أهـ.\nوقال البغوي في شرح السنة مبينًا أدب الرؤية لما يعجب:\nوروى هاشم بن عروة، عن أبيه انه كان إذا رأى من ماله شيئًا يعجبه، أو دخل حائطًا من حيطانه قال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، وروي عن عائشة أنها كانت لا ترى بأسًا أن يعوذ في الماء، ثم يعالج به المريض، وقال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله، ويسقيه المريض، ومثله عن أبي قلابة، وكرهه النخعي، وابن سيرين.\nوروي عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادتها، آيتين من القرآن وكلمات، ثم يغسل وتسقى. وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتبت كتابًا من القرآن، ثم غسله بماء، وسقاه رجلًا كان به وجع، يعني: الجنون أهـ.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار:\nأرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة \"ألا بركت عليه\" وفي رواية ابن ماجه: \"فليدع بالبركة\". ومثله عند ابن السني من حديث عامر ابن ربيعة. وأخرج البزار وابن السني من حديث أنس رفعه: \"من رأى شيئًا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره\". وقد اختلف في القصاص بذلك، فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك","vol":"3","page":1512},{"text":"منه بحيث يصير عادة وهو في ذلك كالساحر. قال الحافظ: ولم تتعرض الشافعية للقصاص في ذلك بل منعوه وقالوا: إنه لا يقتل غالبًا ولا يعد مهلكًا. وقال النووي في الروضة: ولا دية فيه ولا كفاترة؛ لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال مما لا انضباط له كيف ولم يقع منه فعل أصلًا وإنما غايته حسد وتمن لزوال نعمة، وأيضًا فالذي ينشأ عن الإصابة حصول مكروه لذلك الشخص ولا يتعين المكروه في زوال الحياة فقدي حصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر بمنعه من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع أكله من حضور الجماعة. قال النووي: هذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه. أهـ.\n١٤٧٧ - (١) روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: \"إن العين حق\". ونهى عن الوشم.\n١٤٧٨ - * روى ابن ماجة عن أبي سعيد، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان ثم أعين الإنس، فلما نزل المعوذتان أخذهما وترك ما سوي ذلك.\n١٤٧٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: رخص رسول الله صلي الله عليه وسلم في الرقية من العين، والحمة، والنملة.\nوفي رواية أبي داود (١) قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: \"لا رقية إلا من عين أو حمة\n_________\n١٤٧٧ - البخاري (١٠/ ٢٠٣) ٧٦ - كتاب الطب، ٣٦ - باب العين حق.\nمسلم (٤/ ١٧١٩) ٣٩ - كتاب السلام، ١٦ - باب الطب والمرض والرقي.\n(الوشم): هو الذي يغير به لون موضع الجسم، بنيل أو كحل، بأن يغرز الجلد بإبرة ويحشى مخارزها بذلك، فيبقى أثره أبدًا.\n١٤٧٨ - ابن ماجه (٢/ ١١٦١) ٣١ - كتاب الطب، ٣٣ - باب من استرقي من العين.\n١٤٧٩ - مسلم (٤/ ١٧٢٥) ٣٩ - كتاب السلام، ٢١ - باب استحباب الرقية من العين والعلة والحمة والنظرة.\nوالترمذي (٤/ ٣٩٣) ٢٩ - كتاب الطب، ١٥ - باب ما جاء في الرخصة في ذلك. وقال: حديث حسن غريب.\n(١) أبو داود (٤/ ١١) كتاب الطب- باب ما جاء في الرقي.","vol":"3","page":1513},{"text":"أو دم يرقأ\".\nوفي رواية لم يذكر العين.\nقال ابن الأثير:\n(النملة): قروح تخرج في الجنبين، وقد تخرج في غير الجنب، ترقى فتذهب بإذن الله تعالى.\n(لا رُقية إلا من عين أو حُمة) تخصيصه العين والحمة لا يمنع جواز الرقية في غيرهما من الأمراض، لأنه قد ثبت أنه رقى بعض أصحابه من غيرهما، وإنما معناه: لا رقية أولى وأنفع من رقية العين والسم، كما قيل في المثل: لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار.\n١٤٨٠ - * روى البخاري عن أم سلمة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال لجارية في بيتها رأى في وجهها سفعة - يعني: صفرة - فقال: \"بها نظرة، استرقوا لها\".\n١٤٨١ - * روى مالك عن عروة بن الزبير ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل بيت أم سلمة وفي بيتها صبي يبكي، فذكروا أن به العين، فقال أن رسول الله ﷺ: \"ألا تسترقون له من العين؟ \".\n١٤٨٢ - * روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا رقية إلا من عين أو حمة\".\n_________\n١٤٨٠ - البخاري (١٠/ ١٩٩) ٧٦ - كتاب الطب، ٣٥ - باب رقية العين.\nمسلم (٤/ ١٧٢٥) ٣٩ - كتاب السلام، ٢١ - باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة.\n(نظرة): يقال به نظرة: إذا أصابته العين من الجن، وقد يطلق أيضًا على الإنس.\n١٤٨١ - الموطأ (٢/ ٩٤٠) ٥٠ - كتاب العين، ٢ - باب الرقية من العين.\nوهو مرسل، فإن عروة بن الزبير لم يدرك رسول الله ﷺ، قال أبو عمر بن عبد البر: مرسل عند جدميع رواة الموطأ، وهو حديث صحيح.\n١٤٨٢ - الترمذي (٤/ ٣٩٤) ٢٩ - كتاب الطب، ١٥ - باب ما جاء في الرخصة في ذلك.\nوأبو داود (٤/ ١١) كتاب الطب، باب ما جاء في الرقى.","vol":"3","page":1514},{"text":"١٤٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يأمر أن نسترقي من العين. وفي رواية: (١) \"أمرني\".\n١٤٨٤ - * روى الترمذي عن عبيد الله بن رفاعة الزرقي ﵁، أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله، إن ولد جعفر تسرع إليهم العين. أفأسترقي لهم؟ قال: \"نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين\".\n_________\n١٤٨٣ - البخاري (١٠/ ١٩٩) ٧٦ - كتاب الطب، ٣٥ - باب رقية العين.\nمسلم (٤/ ١٧٢٥) ٣٩ - كتاب السلام، ٢١ - باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة.\n(١) البخاري: الموضع السابق.\n١٤٨٤ - الترمذي (٤/ ٣٩٥) ٢٩ - كتاب الطب، ١٧ - باب ما جاء في الرقية من العين.\nوقال: حديث حسن صحيح. وهو كما قال.","vol":"3","page":1515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>٢ - في: التمائم</span>\nقال البغوي في شرح السنة:\nالتمائم: جمع التميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين بزعمهم، فأبطلها الشرع، ويقال: التميمة: قلادة يعلق فيها العود.\nوقال عطاء: لا يعد من التمائم ما يكتب من القرآن. وسئل سعيد بن المسيب عن الصحف الصغار يكتب فيه القرآن، فيعلق على النساء والصبيان؟ فقال: لا بأس بذلك إذا جعل في كير من ورق، أو حديد، أو يخرز عليه. أهـ.\n١٤٨٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا فرغ أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعذابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره\". وكان عبد الله يلقنها من بلغ من أولاده، ومن لمي بلغ منهم، كتبها في صك وغلقها في عنقه.\nقال محقق الجامع:\nهذا عمل صحابي، وقد اختلف العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم في تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو عمل عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره من الصحابة والتابعين، وحملوا حديث \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك\" على التمائم التي فيها شرك، وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين، والأفضل ترك تعليق التمائم من القرآن وغيره، واستعمال الترقية بالمعوذات وغيرهما كما ورد ذلك عن الصادق المصدوق ﷺ في\n_________\n١٤٨٥ - الترمذي (٥/ ٥٤١) ٤٩ - كتاب الدعوات ٩٤ - باب حدثنا محمود بن غيلان ... إلخ. وقال: هذا حديث حسن غريب.\nوأبو داود (٤/ ١٢) كتاب الطب، باب كيف الرقي؟ ولم يذكر \"النوم\" إنما قال: إن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع كلمات ...، وذكر الحديث، وهو حسن بشواهده.\n(صك): الصك: الكتاب يكتب به وثيقة بشيء.","vol":"3","page":1516},{"text":"أحاديث كثيرة.\n١٤٨٦ - * روى أحمد عن مالك بن أنس ﵀ سئل عن تعليق التمائم والخرز فقال: ذلك شرك، وقال: بلغني أن ابن عمر قال: سكعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما يبالي ما أتى من شرب ترياقًا، أو تعلق تميمة\".\n١٤٨٧ - * روى الترمذي عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن عكيم - أبي معبد الجهني- أعوده وبه حمرة، فقلت: ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله ﷺ: \"من تعلق شيئًا وكل إليه\".\n١٤٨٨ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة، فقال: \"هو من عمل الشيطان\".\nقال ابن الأثير:\n(النشرة) كالتعويذ والرقية، يقال: نشرته تنشيرًا: إذا رقيته وعوذته، وإنما سميت نشرة، لأنها يتشر بها عن المريض، أي: يحل عنه ما خامره من الداء .. أهـ.\nوالنشرة المنهي عنها: هي النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به.\nقال البغوي في شرح السنة:\nوالنشرة: ضرب من الرؤية يعالج بها من كان يظن به مس الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه، أي: يحل عنه ما خامره من الداء، وكرهها غير واحد، منهم إبراهيم وحكي عن الحسن أنه قال: النشرة من السحر، وقال سعيد بن المسيب: لا بأس بها. أهـ.\n_________\n١٤٨٦ - أحمد (٢/ ٢٢٣) بنحوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرجه رزين، وهو حديث حسن.\n(ترياقًا): الترياق والدرياق معروف، وليس شربه مكروهًا من أجل أن التداوي به حرام، ولكن من أجل ما يقع من لحوم الأفاعي وغيرها من النجاسات، وهي محرمة، وما لم يكن فيه حرام ولا نجس فلا بأس به.\n١٤٨٧ - الترمذي (٤/ ٤٠٣) ٢٩ - كتاب الطب، ٢٤ - باب ما جاء في كراهية التعليق. وهو حديث حسن بشواهده.\n١٤٨٨ - أبو داود (٤/ ٦) كتاب الطب، باب في النشرة. وإسناده صحيح.","vol":"3","page":1517},{"text":"١٤٨٩ - * روى ابن ماجة عن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر فقال: \"ما هذه الحلقة\"؟ قال: هذه من الواهنة، قال: \"انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا.\n١٤٩٠ - * روى أحمد عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ: أبصر على عضد رجل حلقة أراه قال: من صفر قال: \"ويحك ما هذه؟ \" قال: من الواهنة. قال: \"أما أنها لا تزيدك إلا وهنًا انبذها عنك فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا\".\n١٤٩١ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من يعلق تميمة فلا أتم الله له ومن يعلق ودعة فلا ودع الله له\".\n١٤٩٢ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد فقيل له يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال: \"إن عليه تميمة\" فأدخل يده فقطعها فبايعه. وقال: \"من علق تميمة فقد أشرك\".\n_________\n١٤٨٩ - ابن ماجه (٢/ ١١٦٧) ٣١ - كتاب الطب، ٣٩ - باب تعليق التمائم.\nوفي الزوائد: إسناده حسن.\n١٤٩٠ - أحمد (٤/ ٤٤٥).\nومجمع الزوائد (٥/ ١٠٣). وقال: رواه أحمد والطبراني وقال: إن مت وهي عليك وكلت إليها: قال وفي رواية موقوفة: انبذها عنك؛ فإنك لو مت وأنت ترى أنها تنفعك لمت على غير الفطرة\". وفيه مبارك بن فضالة وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\n(الواهنة): في النهاية: عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها، فيرقى منها. وقيل: هو مرض يأخذ في العضد وربما علق عليه جنس من الخرز يقال له خرز الواهنة. وهي تأخذ الرجال دون النساء. وإنما نهاه عنها؛ لأنه إنما أخذها على أنها تعصمه من الألم، فكانت عنده في معنى التمائم المنهي عنها.\n(انبذها): نبذه: ألقاه، من باب ضرب.\n١٤٩١ - أحمد (٤/ ١٥٦).\nوالمعجم الكبير (١٧/ ٢٩٧).\nمجمع الزوائد (٥/ ١٠٣) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني، ورجالهم ثقات.\n(الودع): جمع ودعة، وهو شيء أبيض يجلب من البحر يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم، وإنما نهى عنها؛ لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين.\n١٤٩٢ - أحمد (٤/ ١٥٦).\nوالمعجم الكبير (١٧/ ٢٩٧).\nمجمع الزوائد (٥/ ١٠٣) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات.","vol":"3","page":1518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>٣ - في: الرقى</span>\nقال البغوي في شرح السنة:\nوالمنهي من الرقي ما كان فيه شرك، أو كان بذكر مردة الشياطين، أو ما كان منها بغير لسان العرب، ولا يدرى ما هو، ولعله يدخله سحر، أو كفر، فأما ما كان بالقرآن، وبذكر الله ﷿، فإنه جائز مستحب. أهـ.\nقال الشوكاني في نيل الأوطار:\nقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن ترقى بكتاب الله وبما تعرف من ذكر الله. قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وذكر الله. أهـ.\nأقول: وللشافعي فيما ذهب إليه من جواز رقية أهل الكتاب للمسلمين ما يستدل به كما سنرى، وإذا حدث شفاء فإن ذلك ليس من باب الكرامة للراقي، وإنما هو من باب المعجزة لرسوله.\n١٤٩٣ - * روى مسلم عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ: \" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب\" قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: \"هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون\"، فقام عكاشة فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: \"أنت منهم\"، فقام رجل فقال: يا نبي الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: \"سبقك بها عكاشة\".\nوفي رواية (١) نحوه، وزاد فيه \"ولا يتطيرون\" ولم يذكر فيها قول عكاشة إلى آخره.\n_________\n١٤٩٣ - مسلم (١/ ١٩٨) ١ - كتاب الإيمان، ٩٤ - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب.\n(١) مسلم: الموضع السابق.","vol":"3","page":1519},{"text":"١٤٩٤ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال التزمنا الحديث عند رسول الله ﷺ ذات ليلة ثم غدونا إليه فقال: \"عرضت على الأنبياء الليلة بأتمها فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة والنبي يمر ومعه العصابة، والنبي يمر ومعه النفر، والنبي ليس معه أحد، حتى مر على موسى ﵁ معه كبكبة من بني إسرائيل فأعجبوني فقلت: من هؤلاء؟ فقيل هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل\" قال: \"فقلت فأين أمتي؟ فقيل: لي: انظر عن يمينك فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال فقيل لي أرضيت؟ فقلت: رضيت رب\" قال: \"فقيل لي إن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب\" فقال النبي ﷺ: \"فدى لكم أبي وأمي وإن استطعتم أن تكونوا من السبعين الألف فافعلوا، فإن قصرتم فكونوا من أهل الضراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق فأني قد رأيت ثم ناسًا يتهاوشون\": فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني من السبعين، فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم فقال: \"سبقك بها عكاشة\". ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف؟ فقال: قوم ولدوا في الإسلام ثم لم يشركوا بالله شيئًا حتى ماتوا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: \"هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون\".\n١٤٩٥ - * روى البخاري عن عامر عن عمران بن حصين قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: حدثنا ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"عرضت على الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم، فقلن: ما هذا؟ أمتى هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد عظيم قد ملأ الأفق، ثم\n_________\n١٤٩٤ - أحمد (١/ ٤٠١).\nوالمعجم الكبير (١٠/ ٦).\nوكشف الأستار (٤/ ٢٠٣).\nمجمع الزوائد (١٠/ ٤٠٥). وقال: رواه أحمد بأسانيد، والزار أتم منه، والطبراني وأبو يعلي باختصار كثير، وأحد أسانيد أحمد والبزار رجاله رجال الصحيح.\n١٤٩٥ - البخاري (١٠/ ١٥٥) ٧٦ - كتاب الطب، ١٧ - باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو.","vol":"3","page":1520},{"text":"قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء، فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب\" ثم دخل ولم يبين لهم، فأفاض القوم، وقالوا: نحن الذين آمنا بالله، واتبعنا رسوله، فنحن هم، أم أولادنا الذين ولدوا في الإسلام، فإنا ولدنا في الجاهلية، فبلغ النبي ﷺ، فخرج فقال: \"هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون\"، فقال عكاشة بن محصن: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: \"نعم\"، فقال آخر: أمنهم أنا؟ فقال: \"سبقك بها عكاشة\".\nوللبخاري في أخرى (١) على ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا، فقال: \"عرضت على الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى، ثم قيل: انظر، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب\" فتفرق الناس، ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب النبي ﷺ، فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ، فقال: \"هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون\" فقام عكاشة ابن محصن، فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: \"نعم\"، فقال آخر: أمنهم أنا؟ فقال: \"سبقك بها عكاشة\".\nأقول: الرقية في حق بعض الناس ليست هي الأكمل؛ لأن لهم قدمًا عظيمًا في التوكل، والإشارة في هذه الأحاديث إلى فضل ترك الاسترقاء من أمثال هؤلاء لا ينفي جواز الرقية فقد فعلها رسول الله ﷺ.\nقال البغوي عند قوله: \"لا رقية إلا من عين أو حمة أو نملة\"\n_________\n(١) البخاري (١٠/ ٢١١) الموضع السابق.","vol":"3","page":1521},{"text":"ولم يرد به نفي جواز الرقية في غيرهما، بل تجوز الرقية بذكر الله ﷾ في جميع الأوجاع.\nومعنى الحديث: لا رقية أولى وأنفع منهما. أهـ.\n١٤٩٦ - * روى الترمذي عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اكتوى أو استرقى، فقد برئ من التوكل\".\nأقول: التقدير: فقد برئ من التوكل الكامل بدليل ما سيأتي من أن بعض الصحابة قد استرقوا وبعضهم قد اكتوى ففعلهم لا ينفي أن أصل التوكل موجود عندهم لكن كمال التوكل يقتضي عدم الاكتواء والاسترقاء وهو مقام أصحابه في الأمة الإسلامية قلة.\n١٤٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ رخص لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة.\nوفي رواية (١) قال: سألت عائشة عن الرقية من الحمة؟ فقالت: رخص رسول الله ﷺ في الرقية من كل ذي حمة.\nأقول: لقد رأينا كلام العلماء أكثر من مرة: في أن الترخيص في الرقية المقيدة لا ينفي الإطلاق بدليل فعل الرسول ﷺ والصحابة كما سنرى.\n١٤٩٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁، قال: أذن رسول الله ﷺ لآل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة والأذن، قال أنس: كويت من ذات الجنب\n_________\n١٤٩٦ - الترمذي (٤/ ٣٩٣) ٢٩ - كتاب الطب، ١٤ - باب ما جاء في كراهية الرقية. وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد (٤/ ٢٤٩).\nوابن ماجه (٢/ ١١٥٤) ٣١ - كتاب الطب، ٢٣ - باب الكي.\nوابن حبان (٧/ ٦٢٩)\n١٤٩٧ - البخاري ٠١٠/ ٢٠٥) ٧٦ - كتاب الطب، ٢٧ - باب رقية الحية والعقرب.\nمسلم (٤/ ١٧٢٤) ٢٩ - كتاب السلام، ٢١ - باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة.\n(١) البخاري: الموضع السابق.\n١٤٩٨ - البخاري (١٠/ ١٧٢) ٧٦ - كتاب الطب، ٢٦ - باب ذات الجنب.","vol":"3","page":1522},{"text":"ورسول الله ﷺ حي، وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر، وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني.\nقال ابن الأثير:\n(الحمة) بالتخفيف: سم العقرب ونحوها، كالزنبور وغيره، وقد تسمى إبرة العقرب والزنبور حمة.\n١٤٩٩ - * روى أبو داود عن الشفاء بنت عبد الله ﵂، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة، فقال: \"ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟ \".\n١٥٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال بإصبعه هكذا - وضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها- وقال: \"بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا\".\n١٥٠١ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخضري ﵁ أن النبي ﷺ كان يتعوذ ويقول: \"أعوذ بالله من الجان، ومن عين الإنسان\" فلما نزلت المعوذتان، أخذ بهما، وترك ما سواهما.\n١٥٠٢ - * روى البخاري عن عبد العزيز بن صهيب قال: دخلت أنا وثابت على أنس ابن مالك، فقال ثابت يا أبا حمزة، اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله\n_________\n١٤٩٩ - أبو داود (٤/ ١١) كتاب الطب، باب ما جاء في الرقى.\n(النملة): قروح في الجنب.\n١٥٠٠ - البخاري (١٠/ ٢٠٦) ٧٦ - كتاب الطب، ٣٨ - باب رقية النبي.\nمسلم (٤/ ١٧٢٤) ٣٩ - كتاب السلام، ٢١ - باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة.\n١٥٠١ - الترمذي (٤/ ٣٩٥) ٢٩ - كتاب الطب، ١٦ - باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين. وقال: حديث حسن غريب، قال محقق الجامع، وهو كما قال.\n١٥٠٢ - البخاري (١٠/ ٢٠٦) ٧٦ - كتاب الطب، ٣٨ - باب رقية النبي.\nوأبو داود (٤/ ١١) كتاب الطب، باب كيف الرقى. =","vol":"3","page":1523},{"text":"ﷺ؟ قال: بلى، قال: \"اللهم رب الناس، مذهب الباس، أشف، أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا\".\n١٥٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: \"اللهم رب الناس، مذهب الباس، أشف، أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا\".\nوفي رواية (١): فلما مرض ﷺ وثقل، أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي، ثم قال: \"اللهم اغفر لي، واجعلني مع الرفيق الأعلى، \" فذهبت أنظر فإذا هو قد قضى.\n١٥٠٤ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ، فقال: يا محمد، اشتكيت؟ فقال: \"نعم\". قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك.\n١٥٠٥ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى رقاه جبريل، يقول: باسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين.\n١٥٠٦ - * روى مسلم عن عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له: \"ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاث مرات، وقل سبع مرات: أعوذ بالله\n_________\n= والترمذي (٣/ ٣٠٣) ٨ - كتاب الجنائز، ٤ - باب ما جاء في التعوذ للمريض. وقال حديث حسن صحيح.\n١٥٠٣ - البخاري (١٠/ ٢٠٦) ٧٦ - كتاب الطب، ٣٨ - باب رقية النبي ﷺ.\nمسلم (٤/ ١٧٢٢) ٣٩ - كتاب السلام، ١٩ - باب استحباب رقية المريض.\n(١) مسلم (٤/ ١٧٢٢) الموضع السابق.\n١٥٠٤ - مسلم (٤/ ١٧١٨) ٣٩ - كتاب السلام، ١٦ - باب الطب والمرض والرقى.\nوالترمذي (٣/ ٣٠٣) ٨ - كتاب الجنائز، ٤ - باب ما جاء في التعوذ للمريض. وقال حديث حسن صحيح.\n١٥٠٥ - مسلم (٤/ ١٧١٨) ٣٩ - كتاب السلام، ١٦ - باب الطب والمرض والرقى.\n١٥٠٦ - مسلم (٤/ ١٧٢٨) ٣٩ - كتاب السلام، ٢٤ - باب استحباب وضع يده على موضع الألم، مع الدعاء.","vol":"3","page":1524},{"text":"وقدرته من شر ما أجد وأحاذر\".\nوعند الموطأ (١) \"بعزة الله وقدرته من شر ما أجد\" قال: فقلت ذلك، فاذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم.\nوفي رواية الترمذي (٢) وأبي داود (٣) مثل الموطأ، وأول حديثهما: أتاني رسول الله ﷺ وبي وجع قد كاد يهلكني، فقال رسول الله ﷺ: \"امسح بيمينك سبع مرات، وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته\" .. الحديث.\n١٥٠٧ - * روى الترمذي عن محمد بن سالم الربعي البصري قال: قال لي ثابت البناني: يا محمد، إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي، ثم قل: \"باسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا\"، ثم ارفع يدك، ثم أعد ذلك وترًا، فإن أنس بن مالك حدثني: أن رسول الله ﷺ حدثه بذلك.\n١٥٠٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ مروا بماء فيهم لديغ- أو سليم - فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل منكم من راق، فإن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا؟ فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، قبرًا، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله\".\n١٥٠٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا في مسير\n_________\n(١) الموطأ (٢/ ٩٤٢) ٥٠ - كتاب العين، ٤ - باب التعوذ والرقية في المرض.\n(٢) الترمذي (٤/ ٤٠٨) ٢٦ - كتاب الطب، ٢٩ - باب حدثنا إسحاق بن موسى، وقال: حديث حسن صحيح.\n(٣) أبو داود (٤/ ١٢) ٢٧ - كتاب الطب، باب كيف الرقى.\n١٥٠٧ - الترمذي (٥/ ٥٧٤) ٤٩ - كتاب الدعوات، ١٢٦ - باب في الرقية إذا اشتكى.\nوقال حسن غريب من هذا الوجه، قال محقق الجامع: وهو كما قال.\n١٥٠٨ - البخاري (١٠/ ١٩٨) ٧٦ - كتاب الطب، ٣٤ - الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب.\n١٥٠٩ - البخاري (٩/ ٥٤) ٦٦ - فضائل القرآن، ٩ - باب فضل فاتحة الكتاب.\nمسلم (٤/ ١٧٢٨) ٣٩ - كتاب السلام، ٢٣ - باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار.","vol":"3","page":1525},{"text":"لنا، فنزلنا منزلًا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سليم، وغن نفرنا غيب، فهل منكم راق، فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية؟ أو: كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي - أو نسأل - رسول الله ﷺ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي، فقال: \"وما كان يدريه أنها رقية، اقسموا، واضربوا لي بسهم\".\nوفي رواية (١) قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا علي حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا بكم، لعلك عندهم بعض شيء؟ فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحدكم منكم من شيء؟ فقال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيقونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قلبه، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، وقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا به، فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له، فقال: \"وما يدريك أنها رقية؟ \" ثم قال: \"قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهمًا\"، وضحك النبي ﷺ.\nوفي رواية الترمذي (٢) قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية ... وكذر نحوه، وفيه \"أن أبا سعيد هو الذي رقاه، وفيه: أنه قرأ ﴿الْحَمْدُ﴾ سبع مرات، وأن الغنم كانت ثلاثين شاة.\n_________\n(١) البخاري (٤/ ٤٥٣) ٢٧ - كتاب الإجارة، ١٦ - باب ما يعطي في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب.\n(٢) الترمذي (٤/ ٣٩٨) ٢٩ - كتاب الطب، ٢٠ - باب ما جاء في أخذ الأجرة على التعويذ.\nوقال هذا حديث حسن.","vol":"3","page":1526},{"text":"قال ابن الأثير:\n(سليم) السليم: اللديغ: سمي به تفاؤلًا له بالسلامة.\n(النفر) هاهنا: الرجال خاصة، أرادت: أن رجالنا غيب، والغيب: الغائبون عن الحي، جمع غائب.\n(نأبنه) أبنه بكذا يأبنه ويأبنه: إذا اتهمه به.\n(جعلًا) الجعل: الأجرة التي تجعل لك على أمر تفعله.\n(يتفل) التفل: أكثر من النفث، فإن النفث لا يكون معه بزاق يرى، والتفل لابد له من ذلك.\n(أنشط من عقال) العقال: الحبل الذي تشد به ركبة البعير لئلا يسرح، وأنشطت البعير\" إذا حللت عقاله، ونشطته: إذا شددته، وقد جاء في بعض الروايات: \"كأنما نشط من عقال، والمعروف: أنشط.\n(قلبة) ما به قلبة، أي: ما به علة، قيل: هو مأخوذ من القلاب وهو داء يأخذ البعير، فيشتكي منه قلبه، فيموتا من يومه.\n١٥١٠ - * روى أبو داود عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه علاقة بن صحار قال: أقبلنا من عند رسول الله ﷺ، فأتينا على حي من العرب، فقالوا: إنا قد أنبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم من دواء، أو رقية، فإن عندنا معتوهًا في القيود؟ قال: فقلنا: نعم، قال: فجاؤوا بمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمتها أجمع بزاقي، ثم أتفل، قال: فكأنما أنشط من عقال، فأعطوني جعلًا، فقلت: لا، حتى أسأل النبي ﷺ فقال: \"كل، فلعمري من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق\".\n_________\n١٥١٠ - أبو داود (٤/ ١٤) كتاب الطب، باب كيف الرقى؟.\n(معتوه): المعتوه: المجنون.","vol":"3","page":1527},{"text":"وفي رواية (١) عن عمه أنه أتى النبي ﷺ فأسلم، ثم أقبل راجعًا من عنده، فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله: إنا حدثنا أن صاحبكم هذا جاءكم بخير، فهل عندك شيء تداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوني مائة شاة، فأتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته قال: \"هل إلا هذا؟ \"- وفي رواية (٢): \"هل قلت غير هذا؟ \"- قلت: لا، قال: \"خذها، فلعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق\".\n١٥١١ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أرخص رسول الله ﷺ في رقية الحية لبني عمرو بن حزم، قال أبو الزبير: فسمعت جابر بن عبد الله يقول: لدغت رجلًا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ، فقال رجل: يا رسول الله، أرقي؟ قال: \"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل\".\nوفي رواية (٣) قال: رخص النبي ﷺ لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس: \"مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة، تصيبهم الحاجة\"، قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: \"ارقيهم\"، قالت: فعرضت عليه، فقال: \"ارقيهم\".\nوفي أخرى (٤) قال جابر: كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه، فقال، يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وإني أرقي من العقرب؟ فقال: \"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل\".\nوفي أخرى (٥) قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، وإنك نهيت\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ١٣) الموضع نفسه.\n(٢) أبو داود (٤/ ١٣) الموضع نفسه.\n١٥١١ - مسلم (٤/ ١٧٢٦) ٢٩ - كتاب السلام، ٢١ - باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة.\n(٣) مسلم: الموضع السابق.\n(ضارعة): رجل ضارع الجسم، أي: ضعيف الجسم، ناحل الجسم.\n(٤) مسلم: الموضع السابق.\n(ضارعة): رجل ضارع الجسم، أي: ضعيف الجسم، ناحل الجسم.\n(٥) مسلم: الموضع السابق.\n(ضارعة): رجل ضارع الجسم، أي: ضعيف الجسم، ناحل الجسم.","vol":"3","page":1528},{"text":"عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: \"ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل\".\n١٥١٢ - * روى ابن ماجة عن أبي هريرة؛ قال: لدغت عقرب رجلًا فلم ينم ليلته. فقيل للنبي ﷺ: إن فلانًا لدغته عقرب فلم ينم ليلته. فقال: \"أما إنه لو قال، حين أمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ما ضره لدغ عقرب حتى يصبح\".\nقال في النهاية:\n(أعوذ بكلمات الله التامات): إنما وصف كلامه بالتمام لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب. كما يكون في كلام الناس. وقيل: معنى التمام ههنا أنها تنفع المتعوذ بها وتحفظه من الآفات وتكفيه.\n١٥١٣ - * روى ابن ماجة عن عائشة، أن النبي ﷺ كان ينفث في الرقية.\n١٥١٤ - * روى الترمذي عن أبي خزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقاة نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها: هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: \"هو من قدر الله\".\n١٥١٥ - * روى مالك عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي أبو بكر ويهودية ترقيني، فقال: ارقيها بكتاب الله.\nأخرجه الموطأ عن عمرة: أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها ...\n_________\n١٥١٢ - ابن ماجة (٢/ ١١٦٢) ٣١ - كتاب الطب، ٣٥ - باب رقية الحية والعقرب.\nفي الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات.\n١٥١٣ - ابن ماجة (٢/ ١١٦٦) ٣١ - كتاب الطب، ٣٨ - باب النفث في الرقية. وإسناده صحيح.\n١٥١٤ - الترمذي (٤/ ٣٩٩) ٢٩ - كتاب الطب، ٢١ - باب ما جاء في الرقى والأدوية، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(تقاة): التقاة: ما يتقي ويحذر.\n١٥١٥ - الموطأ (٢/ ٩٤٣) ٥٠ - كتاب العين، ٤ - باب التعوذ والرقية في المرض، ورجاله إسناده ثقات.","vol":"3","page":1529},{"text":"١٥١٦ - * ابن ماجة عن شقيق بن سلمة قال: سمعت عبد الله يقول: عليكم بالشفاءين: القرآن، والعسل.\n١٥١٧ - * روى أحمد عن محمد بن حاطب قال: دنيت إلى قدر وهي تغلي، فأدخلت يدي فيها فاحترقت، أو قال فورمت. فذهبت بي أمي إلى رجل بالبطحاء فقال شيئًا ونفث، فلما كان في إمرة عثمان قلت لأمي: من كان ذلك الرجل؟ قالت: رسول الله ﷺ. ورواه الطبراني بنحوه (١)، إلا أنها قالت: يا محمد احترقت يد محمد.\nوفي رواية (٢) عنده: فانطلقت بي أمي إلى رجل جالس في الجبانة فقالت: يا رسول الله، فقال: يا لبيك وسعديك، ثم أدنتني منه، فجعل ينفث ويتكلم بكلام لا أدري ما هو، فسألت أمي بعد ذلك ما كان يقول؟ قالت: كان يقول: \"أذهب الباس رب الناس أشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت\".\n١٥١٨ - * روى أحمد عن محمد بن حاطب قال: انصب على يدي شيء من قدر، فذهب بي أمي إلى رسول الله ﷺ وهو في مكان: قال: فقال كلامًا فيه: \"أذهب الباس رب الناس\" أحسبه قال: \"وأشف أنت الشافي\" قال: وكان يتفل.\n١٥١٩ - * روى الطبراني عن علي قال: لدغت النبي ﷺ عقرب وهو يصلي فلما فرغ قال: \"لعن الله العقرب لا تدع مصليًا ولا غيره\" ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها\n_________\n١٥١٦ - ابن ماجة (٢/ ١١٤٢) ٣١ - كتاب الطب)، ٧ - باب العسل.\nفي الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات.\nوالحاكم (٣/ ٣٠٠) وصححه، ووافقه الذهبي.\nوفيض القدير (٤/ ٣٤٢) وقال المناوي: قال البيهقي في \"شعب الإيمان\": الصحيح موقوف على ابن مسعود.\n١٥١٧ - أحمد (٣/ ٤١٨)،\nومجمع الزوائد (٥/ ١١٢). وقال ورجال أحمد، ورجال هذا الطريق رجال الصحيح.\n(١) مجمع الزوائد (٥/ ١١٣).\n(٢) أحمد: الموضع السابق.\n١٥١٨ - أحمد (٤/ ٢٥٩)، (٣/ ٤١٨).\nمجمع الزوائد (٥/ ١١٢). وقال: رجال أحمد رجال الصحيح.\n١٥١٩ - الروض الداني (٢/ ٨٧).\nمجمع الزوائد (٥/ ١١١)، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير وإسناده حسن.","vol":"3","page":1530},{"text":"ويقرأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.\n١٥٢٠ - * روى مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ قال: \"اعرضوا على رقاكم\"، ثم قال: \"لا بأس بما ليس فيه شرك\".\n١٥٢١ - * روى الطبراني عن عبادة بن الصامت قال: كنت أرقي من حمة العين في الجاهلية، فلما أسلمت ذكرتها لرسول الله ﷺ، فقال: \"اعرضها علي\" فعرضتها عليه فقال: \"أرق بها فلا بأس بها\" ولولا ذلك ما رقيت بها إنسانًا أبدًا.\n١٥٢٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قالت زينب امرأته قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك\"، قالت: قلت: لم تقول هذا؟ والله، لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي فيرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: \"أذهب الباس، رب الناس، أشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا\".\nقال البغوي في شرح السنة:\nوالتولة: ضرب منن السحر. قال الأصمعي: وهو الذي يحبب المرأة إلى زوجها، وهو بكسر التاء، فأما التولة بضم التاء: فهو الداهية أهـ.\n_________\n١٥٢٠ - مسلم (٤/ ١٧٢٧) ٢٩ - كتاب السلام، ٣٢ - باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك.\nوأبو داود (٤/ ١٠) كتاب الطب- باب ما جاء في الرقى.\n١٥٢١ - مجمع الزوائد (٥/ ١١١) وقال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن.\n١٥٢٢ - أبو داود (٤/ ٦) كتاب الطب - بباب في تعليق التمائم.\n(التولة): بكسر التاء وفتح الواو: ما يحبب المرأة إلى زوجها من أنواع السحر، وقيل: التولة: بكسر التاء وضمها- شبيه بالسحر.","vol":"3","page":1531},{"text":"١٥٢٣ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵁، رفعه: \"من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات\": أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه من ذلك المرض\".\n١٥٢٤ - * روى الطبراني عن رافع بن خديج قال دخل رسول الله ﷺ على ابن نعيمان فقال: \"أذهب الباس رب الناس إله الناس\".\n* * *\n_________\n١٥٢٣ - أبو داود (٣/ ١٨٧) كتاب الجنائز- باب الدعاء للمريض عند العيادة.\nوالترمذي (٤/ ٤١٠) ٢١ - كتاب الطب، ٢ - باب حدثنا محمد بن المثنى ... وقال: حديث حسن غريب.\nوالمستدرك: (٣/ ٢١٣) وصححه، ووافقه الذهبي.\n١٥٢٤ - معجم الزوائد (٥/ ١١٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>الفصل الخامس\nفي\nالنذر</span>\nوفيه:\nعرض إجمالي وفقرات ومسائل وفوائد","vol":"3","page":1533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>عرض إجمالي</span>\nأدخلنا فصل النذر في مباحث العقائد؛ لأن النذر في الأصل إنشاء عبادة، وقد وقع بعض الناس في صور من الغلو في النذر تقتضي تصحيحًا، ومن ههنا أدخلناه في مباحث العقيدة، وإن جرت عادة الفقهاء أن يدخلوه في أبواب الفقه. ونحن إذا أدخلناه ههنا فإنا سنتحدث عن بعض مسائله في الأقسام التالية: فأول ما نتكلم به عن النذر هو أن الأصل في المسلم أن يبتعد عن النذور، وأن يفعل الخير ما استطاع دون أن ينذر؛ لأنه إذا نذر ما يجب الوفاء به فقد يدخله ذلك في دائرة الحرج؛ لأنه قبل النذر يكون في فسحة، فإذا نذر ما يجب الوفاء به افترض عليه الوفاء لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (١)، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٢)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣)، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ (٤) ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٥)، والنذر نوع من العهد من الناذر مع الله ﷿ ويدخل في العقود والعهود.\nومن ثم قال الشافعية والحنابلة: النذر مكروه كراهة تنزيه لا تحريم: وقال الحنفية:؛ هو مباح في الطاعات. وفرق المالكية بين النذر المطلق واعتبروه مندوبًا، وبين النذر المكرر، كصوم كل يوم خميس مثلًا فمكروه.\nولا يصح النذر من الصبي أو المجنون أو الكافر. والنذر على أنواع: الأول: قربة، فيجب الوفاء بها على تفصيل بين المذاهب، الثاني: معصية، فيحرم الوفاء بها، وهناك خلاف حول وجوب كفارة اليمين بمثل هذا النذر، الثالث: المكروه: فيكره الوفاء به، وهو كسابقه في وجوب كفارة اليمين في الخلاف، والنوع الرابع: النذر المباح، فيباح الوفاء به وتركه وفيه تفصيلات:\nأما بالنسبة للنذر بقربة، فيفرق الحنفية بين القربة المقصودة لذاتها من جنسها واجب، وبين القربة التي ليست مقصودة بذاتها وليس من جنسها واجب.\n_________\n(١) الحج: ٢٩.\n(٢) الإنسان: ٧.\n(٣) المائدة: ١.\n(٤) الإسراء: ٣٤.\n(٥) النحل: ٩١.","vol":"3","page":1535},{"text":"فالشافعية: أوجبوا الوفاء بكل قربة كعيادة المريض والسلام والزيارة والصوم والحج والاعتكاف، وأما الحنفية: فلم يوجبوا الوفاء إلا بنذر عبادة مقصودة لذاتها من جنسها واجب: كصلاة وصيام، أما ما لم يكن من جنسها واجب فلا يجب الوفاء به كعيادة المرضى والوضوء وتكفين الميت ومس المصحف والأذان وبناء المساجد ومن نذر المعصية يحرم عليه الوفاء بها ولا يجب عند الجمهور على الناذر شيئًا، وقال أبو حنيفة والحنابلة: عليه كفارة يمين.\nوكذلك النذر بالمكروه: يكره الوفاء به وعلى صاحبه كفارة يمين عند الحنفية.\nوأما إذا نذر المباح، فيباح له أن يفعله أو أن يتركه، وقال الحنفية والمالكية والشافعية: في الأصح لا كفارة عليه إن لم يف بنذره، وقال الحنابلة: إن لم يف فعليه كفارة يمين.\nوالصيغة التي ينعقد بها النذر عند الحنفية هو النذر لله صراحة أو صمنًا مثل قوله: لله علي كذا، أو علي كذا، أو علي نذر أو هذا هدي أو صدقة، أو مالي صدقة أو ما أملاك صدقة.\nوالنذر في العادة على نوعين: مطلق ومقيد، فالمطلق مثل أن يقول: علي أن أصوم كذا، أو أصلي كذا، وأما المقيد فهو المعلق بشرط كقوله: إن قدم فلان أو شفى الله مريضي فعلي كذا.\nوكلا النوعين يجب الوفاء به إذا تحققت شروط وجوب الوفاء.\nولا يعتبر النذر بالفريضة أو الواجب سواء عينيًا أو كفائيًا من باب النذر؛ لأنه واجب في أصل الشرع، ولكنه يتأكد القيام به.\nومن كلام الشافعية: أن نذر اللجاج يسمى أيضًا يمين اللجاج والغضب، ويمين الغلق، وهو الذي قصد به الناذر حث نفسه على فعل شيء أو منعها غير قاصد للنذر ولا القربة، مثل قوله: إن لكمت فلانًا فلله علي صوم، فالأظهر عندهم في هذا النوع أن الناذر بالخيار إن شاء وفى بما التزم، وإن شاء كفر كفارة يمين. وقال الحنابلة مثل ذلك.","vol":"3","page":1536},{"text":"وإن نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام فأداها في ما هو أقل شرفًا منه أو في ارض عادية أجزأه عند أئمة الحنفية ما عدا زفر، وقال المالكية: يلزمه أن يؤدي الصلاة والاعتكاف في المكان الذي سمى، وقال الشافعية إذا نذر الصلاة أو الاعتكاف في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد الأقصى، لزمه الأداء في المكان وكذلك قال الحنابلة.\n* * *","vol":"3","page":1537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>الفقرات</span>\nالفقرة الأولى: في حكم النذر ومتى يجب الوفاء به.\nالفقرة الثانية: في النذر فيما لا يطيق.\nالفقرة الثالثة: في حكم مراعاة المكان في النذر.\nالفقرة الرابعة: في قضاء الحي نذر الميت.\nالفقرة الخامسة: في نذر الجاهلية إذا وافق عبادة إسلامية.\nالفقرة السادسة: في متى يكون للنذر حكم يمين.\nالفقرة السابعة: في نذر صيام يوم النحر.\nالفقرة الثامنة: في نذر المقيم بمكة أو بالمدينة المنورة الصلاة ببيت المقدس.\nالفقرة التاسعة: في موضوعات متعددة.","vol":"3","page":1539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>الفقرة الأولى\nفي:\nحكم النذر ومتى يجب الوفاء به</span>.\n١٥٢٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، فيستخرج به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل\".\nوفي رواية (١): أن النبي ﷺ قال: \"لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، يستخرج به من البخيل\".\nوأخرج مسلم (٢): أن النبي ﷺ قال: \"إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن قدر له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج\".\nوفي أخرى له (٣) عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: \"أنه لا يرد من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل\".\nوفي أخرى (٤) أن النبي ﷺ قال: \"لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل\".\n_________\n١٥٢٥ - البخاري (١١/ ٥٧٦) ٨٣ - كتاب الإيمان والنذور، ٢٦ - باب الوفاء بالنذر، وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.\nقال ابن حجر في (فتح الباري): هذا من الأحاديث القدسية لكن سقط منه التصريح بنسبته إلى الله ﷿.\n(١) البخاري (١١/ ٤٩٩) ٨٢ - كتاب القدر، ٦ - باب إلقاء العبد النذر إلى القدر.\n(٢) مسلم (٣/ ١٢٦٢) ٢٦ - كتاب النذر، ٢٠ باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئًا.\n(٣) مسلم: الموضع السابق.\n(٤) مسلم: الموضع السابق.","vol":"3","page":1541},{"text":"قال ابن الأثير:\n(النهي عن النذر) إنما هو تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل، لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصيةً، فلا يلزم الوفاء به، وإنما وجه الحديث: أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًا، ولا يرد قضاءً، فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم، أو يصرف به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم.\n١٥٢٦ - * روى الطيراني عن ابن عمر: نهى النبي ﷺ عن النذر وأمر بالوفاء به.\nوفي أصل النذر قالت المذاهب الأربعة ما يلي:\nالحنابلة- قالوا: النذر مكروه ولو عبادة لنهيه ﵊ عنه وقال: \"إنه لم يأت بخير\" \"وإنما يستخرج به من البخيل\"، والنذر لا يرد قضاء ولا يملك الناذر به شيئًا جديدًا ولا يرفع واقعًا، فإذا وقع منه وجب الوفاء به ... [على تفصيل].\nالمالكية- قالوا: النذر المطلق مندوب، وهو ما أوجبه على نفسه شكرًا لله تعالى على ما حصل ووقع فعلا من نعمة أو دفع نقمة، كمن نجاه الله من كربة أو شفى مريضه أو رزقه مالًا أو علمًا فنذر لله قربة يفعلها شكرًا، فالإقدام على مثل هذا النذر مندوب والوفاء به فرض لازم. أما النذر المعلق: وهو أن ينذر قربة معلقا على شيء في المستقبل محبوب وليس للعبد فيه مدخل كقوله: إن شفى الله مريضي فعلي كذا فاختلف فيه؛ فبعضهم يقول بالكراهة وبعضهم يقول بالجواز، ومحل هذا فيمن لا يعتقد أن مثل هذا النذر نافع في حصول غرضه، وإلا كان محرمًا والناذر الذي يعتقد أن نذره ينفع يخالف قول النبي ﷺ، إنه لا ينفع فإذا وقع يجب الوفاء به، وإذا علق النظر على أمر من فعل العبد كقوله: إن فعلت كذا فعلي كذا فإنه مكروه بلا خوف وكذا إذا نذر نذرا مكروها كأن نذر أن يصوم كل يوم فإنه يثقل على النفس فعله فيكره ويجب الوفاء بهما بعد وقوعهما على أي حال. أما\n_________\n١٥٢٦ - مجمع الزوائد (٤/ ١٨٥) وقال: رواه الطبراني في الكبير بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.","vol":"3","page":1542},{"text":"نذر ما لا طاقة له به فهو حرام.\nالحنفية- قالوا: النذر الصحيح المستكمل للشروط الآتية قربة مشروعة، أما كونه قربة فلما يلازمه من القرب كالصلاة والصوم والحج ونحوهما، وأما كونه مشروعًا فللأوامر الوردة بإيفائه.\nالشافعية- قالوا: الإقدام على النذر قربة في نذر التبرر، لأنه مناجاة لله تعالى، ولذلك لا يصح من الكافر. مكروه في نذر اللجاج. اهـ (من الفقه على المذاهب الأربعة). وها نحن ننقل لك من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ما تعرف به شروط وجوب النذر عند الحنفية:\nقال صاحب كتاب الفقه على المذاهب الأربعة معرفًا النذر وذاكرًا شروط وجوب الوفاء به على مذهب الحنفية:\nالنذر هو أن يوجب المكلف على نفسه أمرًا لم يلزمه به الشارع.\nوحكمه وجوب الوفاء به متى كان صحيحًا مستكملا للشرائط الآتي بيانها لقول الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾.\nولابد للناذر من أن ينذر لله تعالى، فلا يحل النذر لولي ولا لمقرب وإن وقع يكون باطلًا. ويشترط لصحة النذر سبعة شروط:\nالأول: أن يكون من جنس المنذور فرض أو واجب اصطلاحي على الأصح كالصوم والصلاة والصدقة، فإذا نذر أن يصوم تطوعًا فإنه يجب عليه الوفاء؛ لأن الصوم من جنسه فرض وهو صوم رمضان. وكذا إذا نذر أن يصلي نافلة فإنه يجب عليه الوفاء؛ لأن الصلاة من جنسها واجب هو الصلوات الخمس. وكذا إذا نذر أن يتصدق فإن الصدقة من جنسها واجب وهو الزكاة إلا الاعتكاف فإنه يجب عليه الوفاء بنذره، مع أنه ليس من جنسه واجب على التحقيق، لأن الإجماع منعقد على وجوب الوفاء بنذره.\nوإذا لم يكن من جنس المنذور فرض أو واجب اصطلاحي فإنه لا يجب على الناذر الوفاء به كعيادة المريض، ودخول المسجد ولو مسجد الرسول ﷺ، أو المسجد الأقصى. أو","vol":"3","page":1543},{"text":"الحرم المكي، لأنه ليس من جنسها فرض مقصود. وكذا لو نذر تسبيحًا أو دعاء عقب الصلاة فإنه لا يجب الوفاء به؛ لأنه ليس من جنسه فرض. أما إذا نذر تكبيرًا فإنه يجب الوفاء به؛ لأن التكبير من جنسه فرض وهي تكبيرة الإحرام. وكذا إذا نذر الصلاة على النبي ﷺ فإنه يجب الوفاء به على الصحيح؛ لأنه من جنسها فرض وهو الصلاة عليه في العمر مرة.\nالثاني: أن يكون المنذور عبادة مقصودة، فلا يصح النذر بما هو وسيلة كالوضوء، والاغتسال، ومس المصحف، والأذان، وتشييع الجنازة وعيادة المريض، وبناء المساجد وغير ذلك، فهذه الأمور وإن كانت قربة إلا أنها غير مقصودة لذاتها، بل المقصود هو ما يترتب عليها، فالضابط الكلي في صحة النذر: أن يكون المنذور عبادة مقصودة من جنسها فرض.\nالثالث: أن لا يكون المنذور معصية لذاته، فإذا نذر أن يقتل فلانا أو يشرب الخمر أو يزني كان يمينًا ولزمته الكفارة بالحنث. أما إذا نذر أن يصوم يوم عيد الفطر أو الأضحى فإنه يكون قد نذر محرمًا لعارض لا لذاتها، فإن الصيام في ذاته طاعة، وتحريمه في هذا اليوم عارض بنهي الشارع، فيصح نذره ويلغو لأنه يوم العيد فيجب قضاؤه في يوم آخر. ومثله ما إذا نذر أن يصلي ركعتين من غير وضوء، فإنه يصح نذره؛ لأن نذر الصلاة صحيح ويلغو قيد من غير وضوء، فيجب أن يصلي ركعتين بوضوء، لأن التزام المشروط وهو الصلاة التزام الشرط وهو الوضوء، وكذا نذر أن يصلي ركعة واحدة فإنه يلزمه أن يصلي ركعتين. وكذا نذر أن يصلي ثلاثة فإنه يلزم بأربعة.\nالرابع: أن لا يكون فرضًا عليه قبل النذر، فلو نذر حجة الإسلام لم يلزمه شيء غيرها.\nالخامس: أن لا يكون ما التزمه أكثر مما يملكه، فلو نذر ألفا وهو لا يملك إلا مائة يلزم بالمائة فقط.\nالسادس: أن يكون ممكن الوقوع، فلو نذر مستحيلًا كأن يصوم أمس فإنه لا يصح نذره، وكذا إذا نذرت الحائض أن تصوم أيام حيضها فهو باطل؛ لأن صوم أيام الحيض","vol":"3","page":1544},{"text":"مستحيل شرعًا، وكذا إذا نذرت أن تصوم غدًا ثم أصبحت حائضًا فإن نذرها باطل، وهذا عند محمد، وقال أبو يوسف: يجب عليها القضاء في الصورة الثانية.\nالسابع: أن لا يكون ملكًا للغير.\nواعلم أن النذر المطلق لا يتقيد بزمان ولا مكان ولا دراهم ولا فقير، فإذا نذر أن يتصدق يوم الجمعة بهذا الدرهم على فلان فتصدق يوم الخميس أو يوم السبت بغير هذا الدرهم على شخص آخر جاز. وكذا لو عين شهرًا للاعتكاف أو للصوم فجعل صح، وكذا إذا نذر أن يحج سنة كذا فحج سنة قبلها صح، أما النذر المعلق فإنه يتعين فيه الوقت فقط: إذ لا يصح تقديمه على وقوع المعلق عليه بخلاف تأخيره عنه فإنه جائز. أما تعيين الفقير والدرهم. والمكان فيه فليس بلازم، فيصح أن يدفع غير الدرهم للنذور لفقير آخر غير الذي ذكره، فلو نذر لفقراء مكة جاز الصرف لفقراء غيرها، سواء كان النذر مطلقًا أو معلقًا.\nوالنذر عمل اللسان، والقياس يقتضي أنه لا ينعقد إلا بلفظ: لله علي كذا، أو علي كذا، أما إذا قال: إن عوفيت صمت كذا، فإنه لا ينعقد به النذر قياسًا، وينعقد استحسانًا. اهـ.\n* * *","vol":"3","page":1545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>الفقرة الثانية\nفي:\nالنذر فيما لا يطيق</span>\n١٥٢٧ - * روى البخاري ومسلم عن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ، فاستفتيته فقال: \"لتمش ولتركب\".\nوفي رواية الترمذي (١): حافيةً غير مختمرةٍ، فقال: \"مروها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام\".\nوأخرج أبو داود الروايتين (٢)، وأخرج النسائي (٣) الثانية.\nقال البغوي في شرح السنة:\n\"نذرها ترك الاختمار معصية، لأن ستر الرأس واجب على المرأة، فلم ينعقد فيه نذرها، وكذلك الحفاء، ولو نذر رجل أن يحج حافيًا، فلا يلزم الحفاء أيضًا لما فيه من إتعاب البدن، ولو نذر أن يحج ماشيًا يلزمه المشي إلا أن يعجز، فيركب من حيث عجز، ويلزمه المشي من دويرة أهله، وقيل: من الميقات، وإذا ركب لعجز هل يلزمه شيء أم لا؟ اختلف أهل العلم فيه، فذهب أكثرهم إلى أن عليه دم شاة، وهو قول مالك، وأظهر قولي الشافعي، وأصحهما، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب إلا على وجه الاحتياط لحديث أنس أنه أمره بالركوب مطلقًا، ولم يأمره بفدية وحيث أمر، فاستحباب، كما روي: \"ولتهد بدنة\"، ولا تجب البدنة لزومًا\" اهـ.\n_________\n١٥٢٧ - البخاري (٤/ ٧٩) ٢٨ - كتاب جزاء الصيد، ٢٧ - باب من نذر المشي إلى الكعبة.\nمسلم (٢/ ١٢٦٤) ٢٦ - كتاب النذر، ٤ - باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة.\n(١) الترمذي (٤/ ١١٦) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، باب حدثنا محمود بن غيلان ... إلخ. وقال: حديث حسن.\n(٢) أبو داود (٣/ ٢٣٣) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في النذر في المعصية.\n(٣) النسائي (٧/ ١٩) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور ٣٢ - باب من نذر أن يمشي إلى بيت الله تعالى.","vol":"3","page":1546},{"text":"١٥٢٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت- أو قال: أن تحج ماشيةٌ- فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا فلتحج راكبةً، ولتكفر يمينها\".\nأقول: إن على المسلم أن يحتاط فلا ينذر، وإذا نذر فبما يطيق ويتورط كثيرون من الناس، فينذرون ما لا يطيقون، والحديث يفتيهم أن يدفعوا كفارة يمين عما عجزوا عن الوفاء به.\n١٥٢٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن أخت عقبة بن عامرٍ نذرت أن تحج ماشية، وإنها لا تطيق ذلك، فقال النبي ﷺ: \"إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب، ولتهد بدنة\".\nوفي أخرى (١): \"إن الله تعالى لا يصنع بمشي أختك إلى البيت شيئًا\".\nأقول: مر معنا قول البغوي: إن قوله ﵊: \"ولتهد بدنة\" ليس محمولا على اللزوم، وإذن فهو محمول على الاستحباب.\n١٥٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، فقال: \"ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: \"إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغنيٌ، وأمره أن يركب\".\n_________\n١٥٢٨ - أبو داود (٣/ ٢٣٤) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في النذر في المعصية. وهو حديث صحيح.\n١٥٢٩ - أبو داود (٣/ ٢٣٤) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في النذر في المعصية. وهو حديث صحيح.\n(١) أبو داود (٣/ ٢٣٦): الموضع السابق. وهو عن عقبة بن عامر في هذه الرواية\n١٥٣٠ - البخاري (٤/ ٧٨) ٢٨ - كتاب جزاء الصيد، ٢٧ - باب من نذر المشي إلى الكعبة.\nمسلم (٣/ ١٢٦٣) ٢٦ - كتاب النذر، ٤ - باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة.\nوأبو داود (٣/ ٢٣٥) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في النذر في المعصية.\nوالترمذي (٤/ ١١١) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٩ - باب ما جاء فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع.\nوالنسائي (٧/ ٣٠) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٤٢ - باب ما الواجب على من أوجب على نفسه نذرًا فعجز عنه.\nوابن ماجه (١/ ٨٩) ١١ - كتاب الكفارات، ٢٠ - باب من نذر أن يحج ماشيا.\nقال ابن الأثير: (يهادى) جاء فلان يهادى بين رجلين، أي: يمشي متكئًا عليهما من ضعفه.","vol":"3","page":1547},{"text":"١٥٣١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أدرك شيخًا يمشي بين ابنيه، يتوكأ عليهما، فقال النبي ﷺ: \"ما شأن هذا؟ \" قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر، فقال النبي ﷺ: \"اركب أيها الشيخ فإن الله غني عنك وعن نذرك\".\n١٥٣٢ - * روى الترمذي عن أنس ﵁ قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: \"إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب\".\nأقول: هذه نذرت حجًا والحج فريضة وعبادة مقصودة، ونذرت مشيًا، وهو ليس من جنسه واجب، وليس عبادة مقصودة، وقد رأينا قول الحنفية: أن النذر في كل من هاتين الحالتين لا يجب.\nولذلك نجد النص ألغى المشي وأوجب الحج، ولكن لاحترام كلمة النذر لله أوجبت بعض النصوص لمن عجز عن الوفاء بنذر أن يعتبر كلامه يمينًا ويكفر عن يمينه، وبعضهم حمل ذلك على الندب حيث لا يجب الوفاء، وعلى الوجوب حيث يجب الوفاء وعجز.\n١٥٣٣ - * روى مالك عن عروة بن أذينة الليثي قال: خرجت مع جدةٍ لي عليها مشي إلى بيت الله، حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لها يسأل ابن عمر ﵄، فخرجت معه، فسأل ابن عمر؟ فقال له: مرها فلتركب ثم لتمش، من حيث عجزت.\nأقول: الظاهر أن ابن عمر أفتى بأن تجمع بين المشي والركوب بعد المكان الذي عجزت فيه، وذلك مذهبه لكن صاحب كتاب الفقه الإسلامي وأدلته قال: من قال: لله علي أن\n_________\n١٥٣١ - مسلم (٣/ ١٢٦٤) ٢٦ - كتاب النذر، ٤ - باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة.\nوأبو داود: (٢/ ٢٣٥) كتاب الأيمان والنذور، ٢١ - باب ما جاء في النذر في المعصية.\n١٥٣٢ - الترمذي (٤/ ١١١) ٢١ - كتاب الأيمان والنذور، ٩ - باب ما جاء فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال: وفي الباب عن أبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عباس.\n١٥٣٣ - الموطأ (٢/ ٤٧٣) ٢٢ - كتاب النذور والأيمان، ٢ - باب فيمن نذر مشيًا إلى بيت الله فعجز. ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1548},{"text":"أحج ماشيًا يلزمه الحج ماشيًا ... فإن عجز عن المشي ركب وعليه دم عند الحنفية والمالكية والشافعية وفي رواية عن أحمد، والدم عند المالكية بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد بدنة أو بقرة، والأرجح عند الحنابلة أنه إذا عجز عن المشي ركب وعليه كفارة.\n* * *","vol":"3","page":1549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>الفقرة الثالثة\nفي:\nحكم مراعاة المكان في النذر</span>\n١٥٣٤ - * روى أبو داود عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا ببوانة، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: \"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ \" قالوا: لا، قال: \"هل كان فيها عيد من أعيادهم\"؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: \"أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم\".\nأقول: نص فقهاء الحنفية أن تعيين المكان والفقير والدرهم ليس بلازم، وعلى هذا فإن الذبح ببوانة يحمل الحنفية الوفاء به على الندب لا على اللزوم.\n١٥٣٥ - * روى أبو داود عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن انصرفت من غزوتك سالمًا غانمًا أن أضرب على رأسك بالدف؟ قال: \"إن كنت نذرت فأوفي بنذرك، وإلا فلا\"، قالت: ونذرت أن أذبح لمكان كذا وكذا- مكانٍ يذبح فيه أهل الجاهلية- فقال: \"هل كان بذلك المكان وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟ \" قالت: لا، قال: \"هل كان فيه عيدٌ من أعيادهم؟ \" قالت: لا، قال رسول الله ﷺ: \"أوفي بنذرك\".\nأقول: الضرب بالدف ليس من جنسه فريضة أو واجب وعلى هذا ففتوى الحنفية أنه لا يجب الوفاء به والأمر بالوفاء هنا محمول على الندب.\n_________\n١٥٣٤ - أبو داود (٣/ ٢٣٨) كتاب الأيمان والنذور، باب ما يؤمر به من الوفاء للنذر. وإسناده صحيح.\n(بوانة): اسم موضع في أسفل مكى دون ياسلم.\n١٥٣٥ - أبو داود (٣/ ٢٣٧) كتاب الأيمان والنذور، باب ما يؤمر به من الوفاء بالنذر. وإسناده صحيح.\nوأحمد (٥/ ٣٥٦). وإسناده حسن أيضًا.\nومسلم (٤/ ١٩٣٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت، ﵁.","vol":"3","page":1550},{"text":"وقال البغوي- وهو شافعي- في شرح السنة:\nقال أبو سليمان الخطابي: ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يتعلق بها النذور، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم من بعض غزواته، وكانت فيه مساءة الكفار، وإرغام المنافقين، صار فعله كبعض القرب، ولهذا استحب ضرب الدف في النكاح لما فيه من إظهاره، والخروج به عن معنى السفاح الذي لا يظهر، ومما يشبه هذا المعنى قول النبي ﷺ في هجاء الكفار: \"اهجوا قريشًا فإنه أشد عليها من رشقٍ بالنبل\" أخرجه مسلم (١). اهـ.\nأقول: لا كفارة على من نذر مباحًا، ولا يجب عليه الوفاء عند الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح، وقال الحنابلة عليه كفارة يمين إذا لم يف بنذر مباح.\nومن كلام صاحب الفقه الإسلامي: لو نذر صدقة ما لا يملك لا يصح نذره بالاتفاق، فإذا قال: كل ما أملك في المستقبل فهو صدقة، وكل ما أشتريه أو أرثه فهو صدقة صح النذر خلافًا للشافعية.\n* * *\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٩٣٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣٤ - فضائل حسان بن ثابت ﵁.","vol":"3","page":1551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>الفقرة الرابعة\nفي:\nقضاء الحي نذر الميت</span>\n١٥٣٦ - * روى مالك عن عبد الله بن أبي بكرٍ بن عمرو بن حزم عن عمته أنها حدثته عن جدته أنها كانت جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباسٍ ابنتها أن تمشي عنها.\nأقول: أصل هذا النذر لا يجب الوفاء به إلا على الاستحباب، ولا يجب على أحد وفاء نذر الميت إلا إذا تطوع، فإذا تطوع إنسان بذلك فالمرجو أن يسقط النذر عن صاحبه.\n١٥٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذرٍ كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأمره أن يقضيه عنها.\nوفي أخرى للنسائي (١): \"أن سعدًا أتى النبي ﷺ، فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر، أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: \"أعتق عن أمك\".\n١٥٣٨ - * روى الطبراني عن مروان بن قيسٍ- وكان قد أخذ الرعية عن أهله على عهد\n_________\n١٥٣٦ - الموطأ (٢/ ٤٧٢) ٢٢ - كتاب النذور والأيمان، ١ - باب ما يجب من النذور في المشي. ورجاله ثقات.\n١٥٣٧ - البخاري (٥/ ٣٨٩) ٥٥ - كتاب الوصايا، ١٩ - باب ما يستحب لمن توفي فجاءة أن يتصدقوا عنه.\nمسلم (٣/ ١٢٦٠) ٢٦ - كتاب النذر، ١ - باب الأمر بقضاء النذر.\nوأبو داود (٣/ ٢٣٦) كتاب الأيمان والنذور، باب في قضاء النذر عن الميت.\nوالترمذي (٤/ ١١٧) ٢١ - كتاب الأيمان والنذور، ١٨ - باب ما جاء في قضاء النذر عن الميت.\nوقال: حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٧/ ٢٠) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٣٥ - باب من مات وعليه نذر.\nوابن ماجه (١/ ٦٨٩) ١١ - كتاب الكفارات، ١٩ - باب من مات وعليه نذر.\n(١) النسائي (٦/ ٢٥٣) ٣٠ - كتاب الوصايا، ١ - باب الكراهية في تأخير الوصية.\n١٥٣٨ - المعجم الكبير (٢٠/ ٢٥٩).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٩٢) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1552},{"text":"النبي ﷺ- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي توفي وقد جعل عليه أن يمشي إلى مكة وأن ينحر بدنةً ولم يترك مالا فهل يقضى عنه أن يمشى عنه وأن ينحر عنه بدنة من مالي؟ فقال النبي ﷺ: \"تعم اقض عنه وانحر عنه، وامش عنه أرأيت لو كان على أبيك دين لرجل فقضيت عنه من مالك أليس يرجع الرجل راضيًا؟ فإن الله تعالى أحق أن يرضى\".\nأقول: يلاحظ أن الرسول ﷺ كان يعمق فكرة الوفاء بالنذر سواء كان الوفاء به مباحًا أو مندوبًا، أو مفروضًا، وذلك لتعميق الأدب مع الله ألا يعد الإنسان ربه وعدًا إلا وفى به، وهذا يقتضي من المربين شيئين، أولًا: أن يعظموا على المسلم فكرة الالتزام مع الله، وأن يؤدبوه على عدم الإقدام على ذلك فيما لا مندوحة عنه. ثانيًا: إذا التزم بنذر أو وعد مع الله أن يفي به، فإذا كان الالتزام مع المخلوق أو الوعد له يطلب الوفاء به، فحق الله أولى.\n* * *","vol":"3","page":1553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>الفقرة الخامسة\nفي:\nنذر الجاهلية إذا وافق عبادة إسلامية</span>\n١٥٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف يومًا في المسجد الحرام؟ قال: \"أوف بنذرك\".\nقال المالكية: يندب للكافر بعد إسلامه فعل النذر المشروع في الإسلام الذي نذره حال كفره، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الوفاء لهذا النذر، حتى إن بعضهم ذهب إلى أنه يجب الوفاء به أسلم أو لم يسلم، وهذا مبني على القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما أنهم مخاطبون بأصولها.\n* * *\n_________\n١٥٣٩ - البخاري (٤/ ٢٧٤) ٣٣ - كتاب الاعتكاف، ٥ - باب الاعتكاف ليلًا.\nمسلم (٣/ ١٢٧٧) ٢٧ - كتاب الأيمان، ٧ - باب نذر الكافر، وما يفعل فيه إذا أسلم.\nوأبو داود (٢/ ٢٤٢) كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام.\nوالترمذي (٤ - ١١٢) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ١١ - باب ما جاء في النذر وجعله عن ابن عمر عن عمر.\nوقال: حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٧/ ٢١) كتاب الأيمان والنذور، ٢٦ - باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي.","vol":"3","page":1554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>الفقرة السادسة\nفي:\nمتى يكون للنذر حكم اليمين</span>\nقال الحنابلة وهم يذكرون الصور التي ينقلب فيها النذر إلى يمين:\nينقسم النذر المنعقد إلى ستة أقسام:\nالأول: النذر المطلق وهو أن يقول: على نذر، أو لله علي نذر ولم ينو بنذره شيئًا معينًا سواء قال: إن فعلت كذا، أو لم يقل، فيلزمه بهذا كفارة يمين.\nالثاني: نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق النذر بشرط يقصد منه الناذر المنع من المعلق عليه، أو الحث عليه، أو التصديق عليه إن كان خبرًا كقول: إن كلمتك فعلي صوم كذا، يريد منع نفسه من كلامه وكقول: إن لم أضربك فعلي صلاة كذا، يريد حث نفسه على ضربه. وكقول: إن لم أكن صادقًا فعلي صوم كذا يريد تحقيق الخبر، وحكم هذا النذر أن الناذر مخير بين كفارة اليمين إذا وجد الشرط وبين فعل المنذور.\nالثالث: نذر المباح كقوله: لله علي أن ألبس ثوبي أو أركب دابتي، وحكم هذا أن الناذر مخير أيضًا بين فعل المنذور وكفارة اليمين. فنذر المباح كالحلف بفعله، فإنه إذا حلف أنه يأكل أو يشرب فإنه يكفر أو يفعل.\nالرابع: نذر المكروه كالطلاق وأكل الثوم والبصل وترك السنة ونحو ذلك، وحكم هذا أنه يستحب للناذر أن يكفر كفارة اليمين، فإذا فعل المكروه فلا كفارة عليه؛ لأنه وفى بنذره.\nالخامس: نذر المعصية كشرب الخمر، وصوم يوم الحيض والنفاس، ويوم العيد، وأيام التشريق، وحكم هذا أنه لا يجوز الوفاء به، ويقضي الصوم في أيام أخرى وعليه كفارة، فإن وفى أثم ولا كفارة بنذره عليه.","vol":"3","page":1555},{"text":"وقال الحنفية:\nينقسم النذر إلى قسمين: نذر معلق على شرط، ونذر مطلق. والنذر المعلق ينقسم إلى قسمين:\nالأول: معلق على شيء يراد وقوعه كقوله: إن شفى الله مريضي فلله علي كذا، فإنه معلق على شفاء المريض وهو مرغوب في حصوله للناذر.، وحكم هذا لزوم الوفاء به عند تحقيق المعلق عليه متى استوفى الشروط ...\nالثاني: معلق على شيء لا يراد حصوله كقوله: إذا دخلت الدار فعلي كذا نذر، أو إن كلمت فلانا. وهذا القسم هو يسمى نذر اللجاج عند الشافعية، لأن المقصود منه المنع عن الفعل. وحكمه أن ناذره مخير بين فعل المنذور وبين كفارة اليمين.\nوقال المالكية:\nتجب الكفارة بأربعة أمور: الأول: النذر المبهم، وهو الذي لم يعين فيه المنذور كأن يقول: لله علي نذر، أو نذر لله علي إن فعلت كذا، أو إن لم أفعل كذا فإنه تجب فيه الكفارة إن حنث، وكذا إذا قال: إن شفى الله مريضي علي نذر، أو لله علي نذر فشفى الله مريضه، فإنه يجب عليه كفارة اليمين اهـ من (الفقه على المذاهب الأربعة).\nوقال الشافعية:\nمن نذر يريد البر فيجب عليه الوفاء، ومن نذر اللجاج ويسمى نذر الغضب ويمين الغلق، وهو النذر المرتبط بما لا يريد وقوعه بأن يقصد الناذر حث نفسه على شيء أو منعها مثل: إن كلمت فلانًا فلله علي صوم، فالناذر هاهنا بالخيار إن شاء وفى وإن شاء كفر كفارة يمين.","vol":"3","page":1556},{"text":"١٥٤٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"من نذر نذرًا لم يسمه، فكفارته كفارة يمينٍ، ومن نذر نذرًا لا يطيقه، فكفارته كفارة يمينٍ، ومن نذر نذرًا أطاقه، فليف به\" وفي رواية: إنه موقوف.\n١٥٤١ - * روى مسلم عن عقبة بن عامرٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كفارة النذر إذا لم يسم شيئًا، كفارة اليمين\".\n١٥٤٢ - * روى مالك عن عائشة ﵂ سئلت عن رجلٍ، قال: مالي في رتاج الكعبة؟ فقالت: يكفره ما يكفر اليمين.\nأقول: نص فقهاء الحنفية على أن نذر العبادة غير المقصودة لذاتها لا ينعقد به النذر، ومن ذلك ما هو وسائل للعبادة كبناء المساجد، ومن ههنا كان نذر الإنسان مالا للكعبة لا ينعقد نذرًا وفيه كفارة يمين على مذهب عائشة ﵂، واعتبر هذا النذر الوارد في النص فقهاء الشافعية وآخرون أنه نذر لجاج وغضب وكفارته كفارة يمين.\n١٥٤٣ - * روى أبو داود عن سعيد بن المسيب ﵀ أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما أخاه القسمة، فقال له الآخر: إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة، فعاد يسأله، فأتى عمر، فقال له: إن الكعبة لغنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك\".\n_________\n١٥٤٠ - أبو داود (٣/ ٢٤١) كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر نذرًا لا يطيقه.\nروى هذا الحديث وكيع وغيره عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، أوقفوه على ابن عباس، والوقوف أصح.\n١٥٤١ - مسلم (٣/ ١٢٦٥) ٢٦ - كتاب النذر، ٥ - باب في كفارة النذر. ولم يقل: \"إذا لم يسم شيئًا\".\nوأبو داود (٣/ ٢٤١) كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر نذرًا لم يسمه، ولم يقل: \"إذا لم يسم شيئًا\".\nوالترمذي (٤/ ١٠٦) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٤ - باب ما جاء في كفارة النذر إذا لم يسم.\nوقال: حديث حسن صحيح غريب.\nوالنسائي (٧/ ٢٦) ٢٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٤١ - باب كفارة النذر. ولم يقل: \"إذا لم يسم شيئًا\".\n١٥٤٢ - الموطأ (٣/ ٤٨١) كتاب النذور والأيمان، ٩ - باب جامع الأيمان.\n١٥٤٣ - أبو داود (٣/ ٢٣٧) كتاب الأيمان والنذور، باب اليمين في قطيعة الرحم.","vol":"3","page":1557},{"text":"قال ابن الأثير:\n(الرتاج): الباب، يقال: جعلت مالي في رتاج الكعبة، أي: جعلته لها، وليس المراد الباب نفسه، وإنما المعنى: أن يكون ماله هديًا إلى الكعبة أو في كسوتها والنفقة عليها.\nأقول: في هذه الرواية نموذج على ما يسمى بنذر اللجاج وهي إحدى الصور التي نص عليها فقهاء الحنابلة والشافعية أنها تنقلب يمينًا.\n١٥٤٤ - * روى النسائي عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا نذر في معصيةٍ، ولا فيما لا يملك ابن آدم\".\nوفي أخرى (١) له قال: \"لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمينٍ\".\nوفى أخرى (٢) \"لا نذر في غضب الله، وكفارته كفارة يمينٍ\".\nوهذا طرف من حديث طويل أخرجه مسلم وأبو داود (٤).\n١٥٤٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا نذر في معصيةٍ، وكفارته كفارة يمينٍ\".\n١٥٤٦ - * روى مالك عن يحيى بن سعيدٍ ﵀ أنه سمع القاسم بن محمدٍ يقول:\n_________\n١٥٤٤ - النسائي (٧/ ١٩) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٣١ - باب النذر فيما لا يملك.\n(١) النسائي (٧/ ٢٦) الموضع السابق.\nالنسائي (٧/ ٢٨) الموضع السابق.\n(٢) مسلم (٢/ ١٢٦٢) ٣٦ - كتاب النذر، ٣ - باب لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد.\nأبو داود: (٣/ ٢٣٩) كتاب الأيمان والنذور، ٣٧ - باب في النذر فيما لا يملك.\n١٥٤٥ - أبو داود (٣/ ٢٣٢) كتاب الأيمان والنذور، ٢١ - باب ما جاء في النذر في المعصية.\nوالترمذي (٤/ ١٠٣) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ١ - باب ما جاء عن رسول الله ...\nوقال: هذا حديث لا يصح.\nوالنسائي (٧/ ٢٨) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٤١ - كفارة النذر.\n(الكفارة) معروفة، وأصلها من: التغطية والستر، وهي فعالة من ذلك.\n١٥٤٦ - الموطأ (٢/ ٤٧٦) ٢٢ - كتاب النذور والأيمان، ٤ - باب مالا يجوز من النذور في معصية الله.\nوإسناده صحيح.","vol":"3","page":1558},{"text":"أتت امرأة إلى عبد الله بن عباسٍ، فقالت: إني نذرت أن أنحر ابني، فقال ابن عباسٍ: لا تنحري ابنك، وكفري عن يمينك فقال شيخ عند ابن عباس: إن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت.\nأقول: من نذر أن يذبح ولده نحر شاةً عند أبي حنيفة وجزورًا عند مالك، وقال الشافعية: لا شيء عليه. وقال أحمد في رواية عنه: عليه كفارة يمين، ومن نذر ذبح نفسه أو أجنبي فهو نذر معصية ولا قياس فيه، وعليه كفارة يمين عند أحمد أو ذبح كبش ويطعمه المساكين، ولا شيء عليه عند الشافعية وآخرين.\n١٥٤٧ - * روى الطبراني عن مسروقٍ قال: أتي عبد الله بضرعٍ فأخذ يأكل منه فقال للقوم: ادنوا: فدنا القوم وتنحى رجل منهم، فقال عبد الله: ما شأنك؟ قال: إني حرمت الضرع. قال: هذا من خطوات الشيطان: ادن وكل وكفر يمينك، ثم تلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nأقول: لا يعتبر فقهاء الحنفية نذر المعصية منعقدًا ولا يوجبون فيه شيئًا، وما ورد من أن كفارته كفارة يمين فمحمول على الندب. ونص فقهاء الحنابلة على أن نذر المعصية يحرم الوفاء به وتجب به كفارة يمين، أما تحريم الحلال ففيه كفارة يمين بنص القرآن قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١)، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢).\n* * *\n_________\n١٥٤٧ - المعجم الكبير (٩/ ٢٠٦).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٩). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.\n(١) التحريم: ١.\n(٢) التحريم: ٢.","vol":"3","page":1559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>الفقرة السابعة\nفي:\nنذر صيام يوم النحر</span>\n١٥٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، سأله رجلٌ فقال: نذرت أن أصوم كل يوم ثلاثاء، أو أربعاء، ما عشت، فوافقت هذا اليوم يوم النحر، قال: أمر الله بوفاء النذر، ونهانا أن نصوم يوم النحر، فأعاد عليه، فرد مثله، لا يزيد عليه.\nوفي روايةٍ (١) قال: أمر النبي ﷺ بوفاء النذر، ونهى عن صوم هذا اليوم.\nوللبخاري (٢) من حديث حكيم بن أبي حرة الأسلمي، أنه سمع ابن عمر في رجلٍ نذر أن لا يأتي عليه يوم- سماه- إلا صام، فوافق يوم أضحى أو فطرٍ، فقال: لقد كان لك في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ، لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر، ولا يرى صيامهما.\nوفي أخرى (٣)، أنه سئل عمن وافق نذره في الصوم أضحى أو فطرًا؟ فقال: أمر رسول الله ﷺ بوفاء النذر، ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذين اليومين، فأعاد عليه ولم يرد على هذا.\nأقول: فتوى الحنفية أنه يجب على الناذر أن يفطر وأن يقضي يومًا بدله، وكذلك صوم أيام التشريق ويوم الفطر، والحنابلة أنه يجب عليه أن يفطر وعليه كفارة يمين، وعلى كل من المذهبين فإنه إن صام أجزأ عنه وأثم. وجمهور العلماء على أنه لا يصح نذره ولا يجوز له أن يصوم ولا يجب عليه أن يقضيه.\n_________\n١٥٤٨ - البخاري (١١/ ٥٩١) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٣٢ - باب من نذر أن يصوم أيامًا فوافق النحر أو الفطر.\nمسلم (٢/ ٨٠٠) ١٣ - كتاب الصيام، ٢٢ - باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.\n(١) البخاري (٤/ ٢٤٠) ٣٠ - كتاب الصوم ٦٧ - باب صوم يوم النحر.\n(٢) البخاري (١١/ ٥٩٠) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور ٣٢ - باب من نذر أن يصوم أيامًا ...\n(٣) البخاري (١١/ ٥٩٠) الموضع السابق.","vol":"3","page":1560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>الفقرة الثامنة\nفي:\nنذر المقيم بمكة أو بالمدينة المنورة الصلاة ببيت المقدس</span>\n١٥٤٩ - * روى الطبراني عن عطاء بن أبي رباحٍ قال: جاء الشريد إلى رسول الله ﷺ يومًا فقال: يا رسول الله إني نذرت إن الله ﷿ فتح عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. فقال النبي ﷺ: \"ههنا فصل\". ثلاث مرات.\n١٥٥٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن امرأةً شكت شكوى، فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة تسلم عليها، فأخبرتها بذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول ﷺ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد الكعبة\".\n١٥٥١ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلًا قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله، إني نذرت لله ﷿ إن فتح الله عليك مكة: أن أصلي صلاة في بيت المقدس- زاد في روايةٍ: ركعتين- فقال: \"صل ها هنا\"، ثم أعاد عليه، فقال: \"صل ها هنا\"، ثم أعاد عليه: فقال: \"فشأنك إذًا\".\nأقول: من نذر أن يصلي في مكان أو يتصدق في مكان حيث ما صلى أو تصدق جازت صلاته وصدقته، فكيف إذا كان في المكان الذي صلى فيه فضل على غيره، إلا أنه لو فعل فلا حرج عليه، وهذا مذهب الحنفية.\nوقد مر معنا أن من نذر أن يصلي ركعتين في المساجد الثلاثة، فصلاها في أي مكان\n_________\n١٥٤٩ - مجمع الزوائد (٤/ ١٩٢)، وقال: رواه الطبراني في الكبير مرسلًا ورجاله ثقات.\n١٥٥٠ - مسلم (٢/ ١٠١٤) ١٥ - كتاب الحج، ٩٤ - باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة.\n١٥٥١ - أبو داود (٣/ ٣٣٦) كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر أن يصلي في بيت المقدس.\nوالدارمي (٢/ ١٨٤) - ومن كتاب النذور والأيمان، باب من نذر أن يصلي في بيت المقدس ...","vol":"3","page":1561},{"text":"أجزأ عنه عند أبي حنيفة وصاحبيه، وقال المالكية لزمه أن يصلي حيث ألزم نفسه.\nوقال الشافعية: من نذر صلاة في مكان جاز له أن يصلي في غيره إلا إذا نذر الصلاة في مسجد من المساجد الثلاثة فيجب عليه الوفاء كما نذر وكذلك قال الحنابلة.\n* * *","vol":"3","page":1562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>الفقرة التاسعة\nفي:\nموضوعات متعددة</span>\n١٥٥٢ - * روى الطبراني عن علي بن أبي طالبٍ قال: حفظت لكم من رسول الله ﷺ ستًا: \"لا طلاق إلا من بعد نكاحٍ، ولا عتاق إلا من بعد ملكٍ، ولا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ، ولا يتم بعد حلمٍ، ولا صمات يومٍ إلى الليل، ولا وصال في الصيام\".\n١٥٥٣ - * روى أحمد عن جابر عن النبي ﷺ قال: \"لا وفاء لنذر في معصية الله ﷿\".\nقال البغوي في شرح السنة- وهو شافعي-:\nفيه بيان أن النذر لا ينعقد في المعصية، ولا يلزمه به شيءٌ حتى لو نذر صوم يوم العيد لا يجب عليه شيء. ولو نذر نحر ولده، فباطل، وإليه ذهب جماعة من أصحاب النبي ﷺ، منهم ابن عمر، وهو قول مالك، والشافعي، وذهب قوم إلى أن من نذر معصية يلزمه كفارة يمين، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق اهـ.\n١٥٥٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا نذر إلا فيما أطيع الله ﷿ فيه، ولا مذر في قطيعة رحمٍ، ولا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك\".\n_________\n١٥٥٢ - الروض الداني (١/ ١٦٩).\nمجمع الزوائد (٤/ ٢٣٤) وقال: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات.\n١٥٥٣ - أحمد (٣/ ٢٩٧).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٨٦) وقال. رواه أحمد، وسليمان بن موسى قيل: إنه لم يسمع من جابر. ورواه برجال الصحيح وهو موقوف على جابر.\n١٥٥٤ - المعجم الكبير (١١/ ٢٧).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٨٦). قال: ورواه الطبراني في الأوسط وزاد: \"ولا يمين في غضب\" وأسقط: \"ولا نذر في قطيعة رحم\" ورجال الكبير ثقات.","vol":"3","page":1563},{"text":"١٥٥٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ويصوم ولا يفطر بنهارٍ، ولا يستظل ولا يتكلم، فقال رسول الله ﷺ: \"مروه فليستظل، وليقعد، وليتكلم، وليتم صومه\".\nقال مالك: فأمره رسول الله ﷺ بإتمام ما كان لله طاعة، وترك ما كان معصيةٌ، ولم يبلغني أنه أمره بكفارة.\nأقول: من مثل هذا الحديث نعرف موقف الإسلام من تعذيب الجسد لمجرد التعذيب، وهي قضية كانت تراها بعض الأديان عبادة، وحرمها الإٍسلام، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، وهذا من مظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢).\n١٥٥٦ - * روى الترمذي عن ثابت بن الضحاك ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"ليس على العبد نذرٌ فيما لا يملك\".\n١٥٥٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله تعالى، ولا يمين في قطيعة رحمٍ\".\n_________\n١٥٥٥ - البخاري (١١/ ٥٨٦) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٣١ - باب النذر فيما لا يملك وفي معصية.\nوأبو داود (٣/ ٢٣٥) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في النذر في المعصية.\n(١) الأعراف: ١٥٧.\n(٢) الأنبياء: ١٠٧.\n١٥٥٦ - الترمذي (٤/ ١٠٥) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٣ - باب ما جاء لا نذر فيما لا يملك ابن آدم.\nوهو طرف من حديث طويل قد أخرجه الجماعة إلا الموطأ.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال، قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين.\n١٥٥٧ - أبو داود (٣/ ٢٣٨) كتاب الأيمان والنذور. باب في اليمين في قطيعة الرحم.","vol":"3","page":1564},{"text":"قال ابن الأثير:\n(قطيعة الرحم): أن يقطع بره وإحسانه عن أقاربه وأهله.\n١٥٥٨ - * روى البخاري عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من نذر أن يطيع الله فليف بنذره، ومن نذر أن يعصي الله فلا يف به\".\nوفي رواية (١) \"فليطعه، ولا يعصه\".\n١٥٥٩ - * روى أحمد عن عمران بن حصين قال: ما قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا إلا أمرنا بالصداقة ونهانا عن المثلة قال: وقال: \"إن من المثلة أن ينذر الرجل أن يحج ماشيًا فليهد وليركب\".\n١٥٦٠ - * روى الطبراني عن عطاء بن أبي رباح أن رجلًا أتي ابن عباسٍ فقال: إني نذرت لأذبحن نفسي فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\nأقول: لقد مر معنا من قبل ما نعرف به توجيهات هذه النصوص، فالنذر في المعصية لا ينعقد عند بعضهم أصلا، ومن ذلك أن ينذر الإنسان أن يذبح نفسه أو أن يذبح ولده\n_________\n١٥٥٨ - البخاري (١١/ ٥٨٥) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٣١ - باب النذر فيما لا يملك وفي معصية.\nوالترمذي (٤/ ١٠٤) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٢ - باب من نذر أن يطيع الله فليطعه.\nوقال: حديث حسن صحيح.\nوأبو داود (٣/ ٢٣٢) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في النذر في المعصية.\nوالنسائي (٧/ ١٧) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٣٧ - باب النذر في الطاعة.\n(١) النسائي: الموضع السابق.\n١٥٥٩ - أحمد (٤/ ٤٢٩)\nوالمعجم الكبير (١٨/ ١٥٨). مجمع الزوائد (٤/ ١٨٩) وقال: رواه أحمد والبزار بنحوه والطبراني في الكبير.\nورجال أحمد رجال الصحيح.\n١٥٦٠ - المعجم الكبير (١١/ ١٨٦).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٩٠). قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط.\nوفي رواية في الكبير عن ابن عباس قال: من نذر أن ينحر نفسه أو ولده فليذبح كبشًا، فذكر نحوه، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1565},{"text":"أو أن يقطع رحمه، وبعض الفقهاء أوجب كفارة يمين، وهذا ابن عباس يفتي: من نذر أن يذبح نفسه بأن يذبح كبشًا أخذًا مما فعله إبراهيم ﵇ إذ أراد أن يذبح ابنه ففداه الله بكبش، وأما النذر فيما لا يملك فله أكثر من صورة: أن ينذر أن يتصدق أو ينحر ملك الغير، فهذا لا ينفذ حتمًا، وأما إن كان هو نفسه لا يملك شيئًا ونذر أن يتصدق، فهل هذا النذر دينًا في ذمته أو أنه لا يجب عليه؟ من العلماء من ذهب إلى أنه لا يجب عليه كما مر معنا.\n* * *","vol":"3","page":1566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>نقول ومسائل وفوائد</span>\nقال الشوكاني ﵀:\nالراجح عند الكثير من العلماء وجوب الوفاء ممن التزم أن يتصدق بجميع ماله إذا كان على سبيل القربة. وقيل إن كان مليًا لزمه، وإن كان فقيرًا فعليه كفارة يمين، وهذا قول الليث ووافقه ابن وهب وزاد وإن كان متوسطًا يخرج قدر زكاة ماله. والأخير عن أبي حنيفة بغير تفصيل وهو قول ربيعة. وعن الشعبي وابن أبي ليلى لا يلزمه شيء أصلا. وعن قتادة يلزم الغني العشر والمتوسط السبع والمملق الخمس. وقيل يلزم الكل إلا في نذر اللجاج فكفارة يمين. وعن سحنون يلزمه أن يخرج ما لا يضر به. وعن الثوري والأوزاعي وجماعة يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل. وعن النخعي يلزمه الكل بغير تفصيل. وإذا تقرر ذلك فقد دل حديث كعب أنه يشرع لمن أراد التصدق بجميع ماله أن يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنه لو نجزه لم ينفذ، وقيل إن التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال: فمن كان قويًا على ذلك يعلم من نفسه الصبر لم يمنه وعليه يتنزل فعل أبي بكر الصديق وإيثار الأنصار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن لم يكن كذلك فلا، وعليه يتنزل \"لا صدقة إلا عن ظهر غني\"، وفي لفظ: \"أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى\" اهـ.\nقال الشرنبلالي في مراقي الفلاح وهو من الحنفية:\nوعيادة فلان بعينه لا يكون معنى القربة فيه مقصودًا للناذر، بل مراعاة حق فلان، فلا يصح التزامه بالنذر. وفي ظاهر الرواية: عيادة المريض وتشييع الجنازة وإن كان فيه معنى حق الله تعالى فالمقصود حق المريض والميت، والناذر إنما يلتزم بنذره ما يكون مشروعًا حقا لله تعالى مقصودًا. اهـ.\nقال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح:\n(قوله: بل مراعاة حق فلان) هو المقصود له. (قوله: فلا يصح التزامه) منه يؤخذ عدم صحة النذر للأموات.","vol":"3","page":1567},{"text":"قال في الدر: واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام، وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقربا إليهم فهو باطل وحرام. اهـ.\nقال في البحر: لوجوه:\nمنها: أنه نذر لمخلوق، ولا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق.\nومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك.\nومنها: أنه إن ظن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى كفر، اللهم إلا أن يقول يا الله: إني نذرت لك إن شفيت مريضي، أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة نفيسة، أو الفقراء الذين بباب الإمام الشافعي ﵁، أو الإمام الليث، أو أشتري حصرًا لمساجدهم، أو زيتًا لوقودها. أو دراهم لمن يقوم بشعائرهم إلى غير ذلك مما يكون فيه نفع للفقراء والنذر لله ﷿.\nوذكر الشيخ: إنما هو بيان لمحل صرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده فيجوز بهذا الاعتبار، إذ مصرف النذر الفقراء وقد وجد، ولا يجوز أن يصرف ذلك إلى غني غير محتاج إليه ولا لشريف منصب، لأنه لا يحل له الأخذ مالم يكن محتاجًا فقيرًا، ولا لذي نسب لأجل نسبه ما لم يكن فقيرًا، ولا لذي علم لأجل علمه ما لم يكن فقيرًا، ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء للإجماع على حرمة النذر للمخلوق، ولا ينعقد ولا تشتغل به الذمة، وإنه حرام بل سحت. اهـ.\nأقول: قد مر معنا أن فقهاء الحنفية يرون أن من نذر أن يتصدق على فقير فله أن يتصدق على غيره، وإن نذر أن يتصدق على فقراء مكان فله أن يتصدق على فقراء مكانٍ آخر.\n* * *","vol":"3","page":1568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>الفصل السادس\nفي:\nاليمين</span>\nوفيه:\nعرض إجمالي وفقرات ومسائل وفوائد","vol":"3","page":1569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>عرض إجمالي</span>\nجعلنا بحث الأيمان في قسم العقائد؛ لأن اليمين بالله أحد المظاهر الكبرى لاستشعار الإنسان عظمة الله، ولذلك تجده عفويًا على كل لسان وفي كل دين، ولما كان بعض الناس يحلفون بغير الله، وفي ذلك نوع تعظيم يشابه تعظيم الله، فقد ورد التغليظ في ذلك ومنع منه الشارع.\nوهناك حالات تساهل فيها الشارع لانتفاء شبهة المشابهة في التعظيم، وهذه معان تتعلق بالعقائد تعلقًا صريحًا، ولذلك أدخلناها هاهنا.\nولما كان هناك حرمة اسم الله عظيمًا، فقد رتب الشارع على أنواع من الأيمان أحكامًا.\nوترى المسائل الداخلة في أبحاث الأيمان كثيرة جدًا لكثرة ما يستحدثه الناس في هذا الشأن، ونحن سنحاول أن نعرض لأمهاتٍ من أحكام الأيمان بين يدي النصوص. نقول وبالله التوفيق:\nاتفق الفقهاء على مشروعية اليمين، إلا أنهم كرهوا الإفراط في الحلف بالله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (١) وقال الشافعي: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا، وتتأكد كراهة الأيمان إذا حالت بين الإنسان وبين البر لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢) وذكر الحنابلة أن الأيمان خمسة أنواع: أحدها واجب، وهي التي تنجي إنسانًا معصومًا من الهلاك. والثاني مندوب: وهو الذي تتعلق به مصلحة كالإصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر. والثالث المباح: مثل الحلف على فعل مباح أو تركه. والرابع المكروه: وهو الحلف على مكروه أو ترك مندوب. والخامس المحرم: وهو الحلف الكاذب.\nومن حلف بالأصنام ونحوها معتقدًا تعظيمها فإنه يكفر بذلك، وإذا جرت على لسانه\n_________\n(١) القلم: ١٠.\n(٢) البقرة: ٢٢٤.","vol":"3","page":1571},{"text":"بشكل عفوي ولا يقصد التعظيم فقد واقع الحرام وعليه في الحالين أن يتوب وأن ينطق بالشهادتين.\nوصيغة اليمين المشروعة هي: أن يقسم الإنسان باسم من أسماء الله الحسنى أو بصفة من صفات الله. وهناك صور كثيرة اعتبرها العلماء يمينًا وأوجبوا فيها الكفارة، وهناك صور اختلف الفقهاء في اعتبارها أيمانًا تجب فيها الكفارة.\nوالأيمان على ثلاثة أقسام: يمين منعقدة، وهي التي يجب على من حنث بها الكفارة. ويمين لغو، وهي التي لا يجب على صاحبها شيء. ويمين غموس، وهي التي تغمس صاحبها في النار، وقد اختلف في شأنها، هل تجب فيها الكفارة مع التوبة، أو أن صاحبها يأثم ولا تلزمه كفارة لعظم جريمته. وتعريف اليمين الغموس عند الحنفية والمالكية: بأنها اليمين الكاذبة قصدًا في الماضي أو الحال، أو هي الحلف على أمر ماض أو في الحال متعمدًا الكذب فيه نفيًا أو إثباتًا، وقد ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة على الراجح عندهم: أنه يأثم صاحبها ولا كفارة عليه لعظم الجناية ويجب عليه التوبة والاستغفار. وقال الشافعية كما تجب التوبة تجب الكفارة في اليمين الغموس. وقد عرف عامة الفقهاء اليمين اللغو وهو: أن يحلف على أمر يظنه كذلك وليس كذلك. وعرفها الشافعية بأنها التي يسبق اللسان إلى لفظها بلا قصدٍ لمعناها أو يريد اليمين على شيء فيسبق لسانه إلى غيره، فهي اليمين التي لم تنعقد عليها النية. وقد اتفق الفقهاء على أن يمين اللغو لا كفارة فيها. وأما تعريف اليمين المنعقدة: فهي أن يحلف على أمر في المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وحكم هذه اليمين وجوب الكفارة عند الحنث مهما كان الشيء المحلوف عليه، فإن كان المحلوف عليه معصية فإنه يفترض عليه أن يحنث وأن يكفر عن يمينه، وإذا اقتصر الحالف على لفظ: أقسم أو أحلف أو أشهد أو أعزم يكون يمينًا عند الحنفية والحنابلة وفي الأصح عند الشافعية، وقال المالكية يكون يمينًا إن نوى وأراد اليمين بالله. وحروف القسم هي: الباء والواو والتاء.\nوإذا لم يذكر الحالف شيئًا من هذه الأحرف كأن قال: الله لا أفعل كذا يكون يمينًا عند الجمهور. وقال الشافعية: لا يكون يمينًا إلا بنية، وإذا قال: وايم الله أو وأيمن الله يعتبر يمينًا عند المالكية والحنابلة والحنفية، وقال الشافعية إن نوى اليمين كانت يمينًا. وإلا","vol":"3","page":1572},{"text":"لم تكن يمينًا، ومن حلف على غيره أن يفعل شيئًا ما إن نوى يمين نفسه فهو يمين عند الشافعية وآخرين، ويسن للمخاطب أن يبر الحالف ولا يجب عليه، فإن لم يبره المحلوف عليه؛ فالكفارة على الحالف، وإن أراد يمين المخاطب أو لم يرد يمينًا، بل أراد التشفع بالله ﷿ في الفعل لم يكن يمينًا ومن قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام فقد أفتى الحنفية بأن ذلك يكون يمينًا موجبة للكفارة إذا فعل الشيء المحلوف عليه مع الإثم.\nوقال المالكية والشافعية وبعض الحنابلة لا يعتبر يمينًا ولا تجب فيه الكفارة، وقد ارتكب بقوله كبيرة من الكبائر، أما لو قالها على قصد الرضى بالكفر أو فعل الفعل كفر في الحال، فإن لم يعرف قصده فقد رجح الشافعية عدم الحكم بكفره، أما إذا قال مثل هذا الكلام كاذبا على فعل فعله في الماضي، فقد كفر بمجرد القول عند كثير من الفقهاء ولا كفارة عليه وإنما عليه التوبة والتشهد، ومن حرم شيئًا من ماله على نفسه أو حرم حلالا على نفسه فإنه يمين عند الحنابلة والحنفية، واتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون على نية المستحلف، وأما في غير الدعاوى فقد قال الحنفية: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلومًا، وعلى نية المستحلف إن كان ظالمًا، ومن حلف بغير الله وأسمائه وصفاته، فإن كان مما يجري على اللسان ولا يراد به التعظيم، فإنه لا كفارة عليه إجماعًا لكنه مكروه. وقال الشافعي: أخشى أن يكون معصيةً. وبعضهم ذهب إلى أن ما جرى على ألسنة العرب ولا يراد به التعظيم فالأمر فيه واسع. وقال المالكية والحنفية: إذا حلف الحالف على شيء واحد بعينه مرارًا ولا يريد إلا التأكيد فليس عليه إلا كفارة. واحدة، أما إذا لم ينو التأكيد ففي كل يمين كفارة، وقال الحنابلة: ليس عليه إلا كفارة واحدة. ومن حلف فاستثنى بأن قال: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله أو إن أعانني الله أو يسر الله، أو بمعونة الله أو بتيسيره، أو إلا أن أحب غير ذلك ونحوه، وكان ذلك متصلًا مع لفظ اليمين لم تنعقد اليمين، وإن فصل الاستثناء عن لفظ اليمين انعقدت. وقال الشافعي لا بأس بالسكتة الخفية للتذكر أو للتنفس أو لانقطاع الصوت. وذكر المالكية أن السعال أو العطاس أو التثاؤب لا يعتبر فصلًا.","vol":"3","page":1573},{"text":"والأيمان عند الحنفية: مبنية على العرف والعادة. وقال الشافعية: الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية إلا إذا احتمل اللفظ شيئًا آخر ونواه الحالف فيعمل بنيته. وقال مالك في المشهور من مذهبه: المعتبر في الأيمان: النية فإن عدمت فقرينة الحال، فإن عدمت فعرف اللفظ، فإن عدم فدلالة اللغة.\nوالعبرة عند الحنابلة للنية، فإن لم ينو شيئًا رجع إلى سبب اليمين، ويتفرع على هذا البحث خلافات كثيرة في كثيرة من المسائل، وهناك يمين يسميها الحنفية يمين الغور: وهو أن يخلف الإنسان على شيء في المستقبل، فتكون دلالة الحال ظاهرة على أنه يريد التأقيت كأن يقول شخص لآخر: تعال تغدى معي، فيقول: والله لا أتغدى، ثم رجع إلى منزله فتغدى. ومثل ذلك كل حالة أراد بها صاحب التوقيت ولم يرد الديمومة وكانت دلالة الحال تدل على ذلك إلا أن زفر- من فقهاء الحنفية- اعتبر هذه اليمين منعقدة كغيرها.\nومن حلف على شيء غير متصور الوجود أصلا بأن يكون مستحيلا عقلا. كأن قال: والله لأشربن ماء هذا الكوز وليس في الكوز ماء، فقد أفتى أبو حنيفة ومحمد ومالك وبعض الحنابلة بأن هذه اليمين لا تنعقد.\nأما إذا حلف على ما هو مستحيل عادة لا عقلا فإن الجمهور على أن يمينه منعقدة. وقال الشافعية والحنابلة: لا كفارة ولا حنث على غير المكلف كالصبي والمجنون والنائم، ولا كفارة على المغمى عليه والمخدر لضرورة والساهي والمكره.\nومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فإنه يستحب له أن يحنث ويكفر عن يمينه، ولا يجوز أن يكفر قبل اليمين باتفاق العلماء، أما إذا حلف وأراد الحنث فقد قال الحنابلة: يجوز فعل الكفارة قبل الحنث وبعده، وكذلك قال الشافعية، إلا أنهم قالوا: الكفارة بعد الحنث أفضل، وقال أبو حنيفة لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ولا تجب الكفارة على الغور بل هي واجبة على التراخي، والاستعجال بها أفضل، والموسر يخير في الكفارة بين أحد أمور ثلاثة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو إعتاق رقبة فإذا عجز الإنسان عن الخصال الثلاثة المذكورة لزمه صوم ثلاثة أيام، ولا يصح الصيام إلا إذا كان الإنسان عاجزًا عن المال الذي يصرفه في الكفارة زائدًا عن كفايته في يومه وليلته وكفاية","vol":"3","page":1574},{"text":"من تلزمه نفقته، والعبرة للعجز وقت الأداء لا وقت الوجوب عند الحنفية والمالكية والشافعية، والمعتبر عند الحنابلة وقت الوجوب، أي حاله عند الحنث. والإطعام هو أن يقيت الإنسان عشرة مساكين أو مسكينًا واحدًا أيام غداءً وعشاءً، ويكفي عند الحنفية دعوة المساكين إلى الطعام وإباحته لهم، وعند غير الحنفية لابد من التمليك بالفعل أخذًا، ويكفي عند الحنفية أن يدفع للمسكين عن اليوم الواحد نصف صاع من حنطة أو ما يعدل عند الحنفية حوالي ألفي غرام إلا قليلًا أو ثمنه.\nأما مقدار طعام الإباحة عند الحنفية فأكلتان مشبعتان غداءً وعشاءً أو فطرًا وسحورًا أو غداءين في يومين، فذلك يجزئ عن إطعام مسكين يومًا واحدًا. والعبرة أن يطعمهم مما يطعم أهله، وأجاز أبو حنيفة وأبو محمد إعطاء فقراء أهل الذمة كفارة الأيمان وغيرها من الكفارات والنذور.\nويشترط في المدفوع إليهم الطعام أن يكونوا مساكين أحرارًا وإن كان صغيرًا يأكل الطعام يجزئ، وأما الكسوة فلابد من تمليكها عند عامة الفقهاء، وأدنى الكسوة عند الحنفية ما يستر عامة البدن. وقال الحنابلة: تتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه مراعى في ذلك حالة الرجل والمرأة. وقال المالكية: أقل ذك للرجل ثوب يستر جميع بدنه، وللمرأة ما يجوز لها فيه الصلاة وذلك ثوب وخمار. وقال الشافعية: يجزئ أقل ما يطلق عليه اسم الكسوة من إزار أو قميص أو ملحفة فيجوز عند الشافعية الكسوة بالسراويل والعمامة. أما الرقبة فيشترط عند الحنفية أن تكون مملوكة ملكًا كاملًا للمعتق، وأن تكون كاملة الرق سليمة من العيوب سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ذكرًا أو أنثى، مسلمة أو كافرة.\nواتفق الفقهاء على أن الحانث إن لم يجد طعامًا ولا كسوة ولا عتقًا يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، واشترط الحنفية والحنابلة أن تكون متتابعة، ولا يشترط التتابع عند المالكية والشافعية ولكنه يستحب، ومن أوجب التتابع فإنه يوجب على من قطع التتابع ولو لعذر كمرض أو سفر أو حيض أن يستأنف الصوم من جديد مرة أخرى، وكذلك إذا بدأ صيامه قبل يومي العيد وأيام التشريق فعليه أن يفطر ويبطل التتابع وعليه أن يستأنف الصيام من جديد.","vol":"3","page":1575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>الفقرات</span>\nالفقرة الأولى: في أقوال العلماء في اليمين.\nالفقرة الثانية: في بعض ما ورد في القرآن الكريم في اليمين.\nالفقرة الثالثة: في بعض ما ورد في الحلف بغير الله.\nالفقرة الرابعة: في اليمين الغموس.\nالفقرة الخامسة: في أن الاستثناء في اليمين يلغي اليمين.\nالفقرة السادسة: في من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها.\nالفقرة السابعة: في متفرقات في الأيمان.","vol":"3","page":1577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>الفقرة الأولى:\nفي:\nبعض أقوال العلماء في اليمين</span>\nقال البغوي في شرح السنة:\nوقال بعضهم: قيل للحلف: يمين باسم يمين اليد، وكانوا يبسطون أيمانهم إذا تحالفوا، ويقولون في اليمين: وايمن الله، ويحذف بعضهم النون، فيقول: وايم الله. اهـ.\nوقال صاحب الهداية- وهو من فقهاء الحنفية-:\nالأيمان على ثلاثة أضرب: اليمين الغموس، ويمين منعقدة، ويمين لغو. فالغموس: هو الحلف على أمر ماض يتعمد الكذب فيه، فهذه اليمين يأثم فيها صاحبها، لقوله ﵊: \"من حلف كاذبا أدخله الله النار، ولا كفارة فيها إلا التوبة والاستغفار.\nوقال الشافعي ﵀: فيها الكفارة لأنها شرعت لرفع ذنب هتك حرمة اسم الله تعالى، وقد تحقق بالاستشهاد بالله كاذبا فأشبه المعقودة. ولنا أنها كبيرة محضة والكفارة عبادة تتأدى بالصوم، ويشترط فيها النية فلا تناط بها بخلاف المعقودة لأنها مباحة ولو كان فيها ذنب فهو متأخر متعلق باختيار مبتدأ، وما في الغموس ملازم فيمتنع الإلحاق، والمنعقدة ما يحلف على أمر في المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وإذا حنث في ذلك لزمته الكفارة لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١) وهو ما ذكرنا. واليمين اللغو أن يحلف على أمر ماض وهو يظن أنه كما قال والأمر بخلافه، فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها. ومن اللغو أن يقول: والله إنه لزيد وهو يظنه زيدًا، وإنما هو عمرو، والأصل فيه قوله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ الآية إلا أنه علقه بالرجاء للاختلاف في تفسيره اهـ.\nوقال صاحب كتاب الفقه على المذاهب الأربعة في حكم اليمين:\n_________\n(١) المائدة: ٨٩.","vol":"3","page":1579},{"text":"يختلف حكم الحلف باختلاف الأحوال، فتارة يكون واجبًا إذا توقف عليه واجب، كما إذا توقف عليه إنقاذ إنسان بريء مصون الدم من الهلاك، وقد يكون حرامًا كما إذا حلف على ارتكاب محرم أو حلف بما لا يباح الحلف به. اهـ.\nومن كلام المالكية:\nالأصل في اليمين أن يكون جائزًا متى كان باسم الله تعالى أو بصفة من صفاته ولو لم يطلب منه الحلف، وقد يستحب إذا كان فيه تفخيم أمر من أمور الدين أو حث عليه أو تنفير من محذور، على أن تكثير الحلف من غير ضرورة من البدع الحادثة بعد السلف، ومتى كان اليمين مباحًا كان الحنث مباحًا وعليه الكفارة، إلا أن يكون الخير في الحنث فإنه حينئذ يتبع ذلك في الحكم، فإن حلف على ترك واجب وجب الحنث، وإن حلف على فعل معصية وجب الحنث، وينعكس الحكم إذا حلف على فعل واجب أو ترك معصية وهكذا.\nوالحنابلة:\nقالوا: الحلف يكون واجبًا وحرامًا كما ذكر، ويكون مكروها إذا كان على فعل مكروه أو على ترك مندوب. ومن الحلف المكروه: الحلف على البيع والشراء لحديث: \"الحلف منفق للسلعة ممحق للبركة\" (١).\nويكون مندوبا إذا تغلقت به مصلحة كإصلاح بين متخاصمين ولو كان الحالف أحد المتخاصمين، أو إزالة حقد في قلب مسلم أو دفع شر عنه أو عن غيره. أما الحلف على فعل الطاعة وترك المعصية فليس بمندوب.\nويكون مباحا كالحلف على فعل المباح أو تركه، أو على الخبر بشيء هو صادق فيه أو يظن أنه صادق فيه، ومنه الحلف على فعل الطاعة وترك المعصية اهـ (الفقه على المذاهب الأربعة).\n_________\n(١) ابن ماجة (٢/ ٧٤٥) ١٢ - كتاب التجارات، ٣٠ - باب ما جاء في كراهية الأيمان في الشراء والبيع.","vol":"3","page":1580},{"text":"ومن كلام الشافعية:\nالأصل في الحلف الكراهة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، وقد يكون مباحًا غير مكروه كما إذا حلف على فعل طاعة أو ترك مكروه، أو في دعوى عند حاكم مع الصدق، أو كان لتأكيد أمر في حاجة إلى التأكيد، أو كان لتعظيم شأن أمر. ويكون مندوبا إذا توقف عليه فعل مندوب أو ترك مكروه.\nأما الحنث فتعتريه الأحكام الخمسة، فتارة يكون واجبًا كما إذا حلف على معصية أو ترك واجب، فمن حلف ليشربن الخمر، أو لا يصلي فإنه يفترض عليه أن يحنث وعليه الكفارة. وتارة يكون حرامًا إذا كان بالعكس، كما إذا حلف أن يقيم الصلاة المفروضة أو لا يزني فإنه يفترض عليه البر باليمين ويحرم عليه الحنث، وتارة يكون مندوبًا كما إذا حلف على فعل مندوب وترك مكروه، وتارة يكون مكروهًا كما إذا حلف على ترك مندوب وفعل مكروه. وتارة يكون خلاف الأولى كما إذا حلف على فعل مباح أو تركه كالأكل والشرب، فالأولى أن يبر باليمين صونًا لاسم الله تعالى وهو في جميع الأحوال تجب عليه الكفارة إذا حنث اهـ (الفقه على المذاهب الأربعة).\nومن كلام الحنفية:\nالأصل في اليمين بالله أو بصفة من صفاته أن يكون جائزًا، ولكن الأولى أن لا يكثر منه اهـ (الفقه على المذاهب الأربعة).\nوقال في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة:\nلا ينعقد اليمين بغير الله تعالى كالحلف بالنبي ﷺ، والكعبة، وجبريل، والولي وغير ذلك من كل معظم، ولا كفارة على الحنث في الحلف به، وإذا قصد الحالف بذلك إشراك غير الله معه في التعظيم كان ذلك شركًا، وإذا قصد الاستهانة بالحلف بالنبي والرسول ونحو ذلك كفر اهـ.\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٤.","vol":"3","page":1581},{"text":"أقول: وقد تفنن الناس خلال العصور أنواعًا من الأيمان وأنواعًا من الطرق لتأكيد ما يريدون فاقتضى ذلك فتاوى مطولة وأبحاثًا كثيرة. وها نحن أولًا ننقل لك صورًا من أقوال المذاهب تبين لك نماذج ما ذكرناه، وإذا أردت التوسع في معرفة ذلك فأمامك كتب المذاهب الفقهية التي تجد فيها مئات الصفحات عن الأيمان وأنواعها وما يترتب على كل صيغة من آثار وأحيانًا من بلاء:\nالحنفية- قالوا: الحلف بالتعليق نحو: علي الطلاق لا أفعل كذا، أو إن فعلت كذا يلزمني الطلاق، إن كان الغرض منه الوثيقة أي اتشاق الخصم بصدق الحالف جاز بدون كراهة، وإن لم يكن الغرض منه ذلك أو كان حلفًا على الماضي فإنه يكره، وكذلك الحلف بنحو: وأبيك ولعمرك ونحو ذلك.\nالشافعية- قالوا: يكره الحلف بغير الله تعالى ويكره الحلف بالطلاق.\nالحنابلة- قالوا: يحرم الحلف بغير الله تعالى وصفاته ولو بنبي أو ولي، فمن حلف بذلك يستغفر الله تعالى ويتوب ويندم على ما فرط منه ولا كفارة عليه. ويكره الحلف بالطلاق والعتاق.\nالمالكية- قالوا: الحلف بمعظم شرعا كالنبي والكعبة ونحوهما فيه قولان: الحرمة، والكراهة والمشهور: الحرمة، أما الحلف بما ليس بمعظم شرعا كالحلف بالأنصاب والدماء التي كان يحلف بها في الجاهلية، أو بشيء من المعبودات دون الله تعالى فلا خلاف في تحريمه إذا لم يقصد تعظيمها، وإلا كفر .. وكذلك لا ينبغي الاختلاف في تحريم الحلف بالآباء والأشراف ورؤوس السلاطين وحياتهم وما شاكل ذلك.\nأقول: المذاهب الأربعة على كراهة الحلف بالطلاق، وعلى وقوع الطلاق إذا حنث بما حلف عليه.\nإذا حلف على غيره أو سأله بالله:\nإذا قال لغيره: أقسم عليك بالله، أو أحلف عليك بالله لتفعلن كذا، أو لا تفعل كذا ففيه تفصيل المذاهب:","vol":"3","page":1582},{"text":"الحنفية- قالوا: إذا قال رجل لآخر: والله لتفعلن كذا وكذا، أو بالله لتفعلن كذا، فإن أراد به استحلاف المخاطب ولم يرد أن يحلف هو فلا يكون يمينًا ولا شيء عليهما، وإن أراد أن يحلف بذلك أو لم يرد شيئًا فإنه يكون يمينًا، ويحنث إذا لم يطعه المخاطب.\nوإذا قال له: أقسمت لتفعلن كذا، أو قال: أقسمت بالله، أو أشهد بالله، أو أحلف بالله أو أعزم بالله لتفعلن كذا، سواء قال عليك أو لم يقل فإنه ينعقد يمينًا يلزم به الحالف، ولا شيء على المخاطب إلا إذا أراد به الاستفهام فإنه لا يكون يمينًا حينئذ.\nالمالكية- قالوا: إذا حلف على رجل بأن قال له: حلفت عليك بالله لتفعلن كذا، أو لا تفعل كذا فلم يطعه حنث الحالف وعليه الكفارة، ولا شيء على الآخر: وكذلك إذا قال: أقسمت عليك فإنه إن لم يطعه وجبت الكفارة على من أقسم إلا إذا قصد بذلك غير اليمين، فإنه في هذه الحالة فيه خلاف، والمشهور أنه لا شيء عليه، وكذا إذا لم يقصد شيئًا.\nولو قال: حلفت عليك ولم يقل بالله ولم ينوه فلا كفارة عليه. وكذا لو قال: أعزم عليك بالله، أو عزمت عليك بالله، أو سألتك بالله ولم يقصد به اليمين، فالأصح أنه لا يكون يمينًا.\nويندب لمن سأله أحد بالله أو أقسم عليه به أن يبر قسمه، وأن يجيبه إلى طلبه إذا لم يكن هناك مانع شرعي ولم يتذرع السائل بذلك إلى الإلحاف ومضايقة الناس، ويتأكد الندب فيما تجب فيه الكفارة.\nالشافعية- قالوا: إذا قال لغيره: أقسم عليك بالله أو أسألك بالله لتفعلن كذا، فإنه يكون يمينًا إذا قصد به يمين نفسه، أما إذا قصد به يمين المخاطب، أو قصد الشفاعة عنده، أو لم يقصد شيئًا فإنه لا يكون يمينًا، فإذا حلف الشخص على آخر أنه يأكل فإذا أراد تحقيق الأكل وأنه لابد منه كان يمينًا، وإن أراد أتشفع عندك بالله أنك تأكل، أو أراد يمين المخاطب كأن قصد جعله حالفا بالله فلا يكون يمينًا، لأنه لم يحلف حينئذ لا هو ولا المخاطب، ويحمل عند الإطلاق على الشفاعة، ويسن للمخاطب إبراره في القسم إذا أراد","vol":"3","page":1583},{"text":"به يمين نفسه.\nالحنابلة- قالوا: إذا أقسم على غيره فإن قال: والله لتفعلن يا فلان كذا، أو لا تفعلن كذا فلم يطعه حنث الحالف وعليه الكفارة. لا على من لم يطعه على الراجح. وإن قال: أسألك بالله لتفعلن كذا، وأراد بذلك اليمين يكون يمينًا، والكفارة على الحالف أيضًا. أما إذا أراد به الشفاعة فإنه لا يكون يمينًا، ويسن إبرار القسم كما تسن إجابة السؤال بالله. اهـ.","vol":"3","page":1584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>الفقرة الثانية\nفي:\nبعض ما ورد في القرآن الكريم في اليمين</span>\n- قال تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) (١) أي: لا تجعلوا أيمانكم حائلة بينكم وبين البر والتقوى والإصلاح بين الناس، وقد جاءت النصوص الكثيرة تحض من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها أن يكفر عن يمينه ويأتي بالذي هو خير.\n- وقال تعالى في اليمين الكاذبة: (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) (٢).\n- وقال تعالى في اليمين اللغو واليمين المنعقدة: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) (٣).\n- وقال تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما كست قلوبكم) (٤).\n- وقال تعالى: (واحفظوا أيمانكم) (٥).\n- وقال تعالى: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) (٦).\n- وقال تعال: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا) (٧).\nأقول: وقد بينت السنة الحالات التي يجوز للإنسان أن يحنث فيها وهناك حالات يفترض على الإنسان فيها، أن يحنث، وهناك حالات يندب للإنسان أن يحنث فيها.\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٤.\n(٢) المجادلة: ١٤.\n(٣) المائدة: ٨٩.\n(٤) البقرة: ٢٢٥.\n(٥) المائدة: ٨٩.\n(٦) النحل: ٩١.\n(٧) النور: ٢٢.\n(ولا يأتل): أي لا يحلف ولا يمتنع.","vol":"3","page":1585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>الفقرة الثالثة\nفي:\nبعض ما ورد في الحلف بغير الله</span>\n١٥٦١ - * روى النسائي عن قتيلة (امرأةٌ من جهينة) أن يهوديًا أنى النبي ﷺ فقال: إنكم تندون وتشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا، أن يقولوا: \"ورب الكعبة\": ويقول أحدهم: \"ما شاء الله، ثم شئت\".\nقال ابن الأثير:\n(ما شاء الله وشئت) إنما فرق بين قوله: \"ما شاء الله وشئت؛ وما شاء الله ثم شئت\" لأن الواو قد ذهب قوم إلى أنها موضوعة للجمع والمشاركة، لا للترتيب، فإذا قال: \"ما شاء الله وشئت\" كان قد جمع بينه وبين الله ﷿ في المشيئة، ولهذا قال القائل بهذا: إذا قلت: (قام زيد وعمرو) يجوز أن يكون عمرو قد قام قبل زيدٍ، فأما إذا قال: \"ما شاء الله ثم شئت\" ترتبت مشيئة الله تعالى قبل مشيئته فلهذا قال لهم النبي ﷺ: قولوا: \"ما شاء ثم شئت\".\n١٥٦٢ - * روى أحمد والترمذي عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال له: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\". وقال الترمذي: هذا على التغليظ.\n_________\n١٥٦١ - النسائي (٧/ ٦) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٩ - باب الحلف بالكعبة.\nوإسناده حسن.\n١٥٦٢ - أحمد (٢/ ١٢٥).\nوالترمذي (٤/ ١١٠) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٨ - باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله.\nوقال: هذا حديث حسن. وهو كما قال.\nوالإحسان بترتيب ابن حبان (٦/ ٢٧٨).\nوالمستدرك (٤/ ٢٧٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"3","page":1586},{"text":"أقول: قول الترمذي: \"هذا على التغليظ\" يفيد أن ابن عمر لا يريد الكفر الحقيقي، وإجماع العلماء منعقد على أن الحلف بالكعبة لا يعتبر يمينًا، والراجح عند العلماء أنه مكروه، وذهب بعضهم إلى أنه حرام.\n١٥٦٣ - * روى الطبراني عن عبد الله قال: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره وأنا صادق.\nأقول: هذا من عبد الله ﵁: يؤكد حرمة الحلف بغير الله حتى إنه ليراه أفظع من اليمين الغموس.\n١٥٦٤ - * روى أبو داود عن طلحة بن عبيد الله ﵁ يعني في قصة الأعرابي: فقال النبي ﷺ: \"أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق\".\nقال ابن الأثير:\n(أفلح وأبيه) هذه كلمة جارية على ألسن العرب، تستعملها كثيرًا في خطابها وتريد التأكيد، وأما نهي رسول الله ﷺ أن يحلف الرجل بأبيه، فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي، ويحتمل أن يكون جرى منه على عادة الكلام الجاري على اللسان، وهو لا يقصد به القسم، كاليمين المعفو عنها من قبيل اللغو، أو أنه أراد التأكيد، لا اليمين، فإن هذه اللفظة تجري في كلام العرب على ضربين: للتعظيم، والتأكيد، والتعظيم: هو المنهي عنه، وأما التأكيد، فلا، لقوله:\nلعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم ... لقد كلفتني خطة لا أريدها\nفهذا توكيد، لأنه لا يقصد أن يقسم بأبي الواشين، وهذا في كلامهم كثير. اهـ.\nأقول: من كلام ابن الأثير نعرف أن بعض العلماء اعتبر أن هذا الحديث منسوخ، وأن\n_________\n١٥٦٣ - المعجم الكبير (٩/ ٢٠٥).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٧٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٦٤ - أبو داود (٣/ ٢٢٣) كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهية الحلف بالآباء.","vol":"3","page":1587},{"text":"بعضهم اعتبره أنه مما يجري على ألسنة الناس دون أن يراد فيه القسم ولا التعظيم، وبالإجماع لا كفارة فيه.\nوهو في أدنى حالاته مكروه بعد ورود النهي الصريح عن الحلف بالآباء عن رسول الله ﷺ عند بعضهم، وعند بعضهم مباح إذا لم يرافقه اعتقاد فاسد.\n١٥٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم\".\nوزادوا فيها، قال: قال عمر: فو الله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها، ذاكرًا ولا آثرًا.\nوفي أخرى (١) أن النبي ﷺ سمع عمر يقول: وأبي، وأبي، فقال: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله، أو ليسكت\".\nوفي أخرى (٢) قال: قال النبي ﷺ: \"من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله\". وكانت قريش تحلف بأبنائها، فقال: \"لا تحلفوا بآبائكم\".\nوللبخاري (٣): أن النبي ﷺ قال: \"من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\".\nوله في أخرى (٤) أنه قال: \"لا تحلفوا بآبائكم\" وكانت العرب تحلف بآبائها.\n_________\n١٥٦٥ - البخاري (١١/ ٥٣٠) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٤ - باب لا تحلفوا بآبائكم.\nمسلم (٣/ ١٢٦٦) ٢٧ - كتاب الأيمان، ١ - باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى.\nوأبو داود (٣/ ٢٢٢) كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بالآباء.\nوالترمذي (٤/ ١٠٩) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٨ - باب في كراهية الحلف بغير الله.\nوقال: حديث حسن صحيح.\nوالنسائي: (٧/ ٤) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٥ - باب الحلف بالآباء.\nقوله: (ولا آثرًا) أي: ولا راويًا لها عن أحد.\n(١) الترمذي (٤/ ١١٠) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٨ - باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله.\nوقال: حديث حسن صحيح.\n(٢) مسلم (٣/ ١٢٦٧) ٢٧ - كتاب الأيمان، ١ - باب النهي عن الحلف بغير الله.\n(٣) البخاري (١١/ ٥٣٠) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٤ - باب لا تحلفوا بآبائكم.\n(٤) البخاري نفس الموضع. وليس فيه: \"وكانت العرب تحلف بآبائها\".","vol":"3","page":1588},{"text":"١٥٦٦ - * روى ابن ماجة عن ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يحلف بأبيه، فقال: \"لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن أحلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله\".\n١٥٦٧ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله ﷿ إلا وأنتم صادقون\".\n١٥٦٨ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم\".\nوفي رواية النسائي (١) \"لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت\".\nقال ابن الأثير:\n(الطواغي) والطواغيت: الأوثان، وهو ما كانوا يعبدونه، وكذلك الشياطين، وكل رأس في ضلالة فهو طاغوت، والجمع: طواغيت، والطواغيت: جمع طاغية.\n١٥٦٩ - * روى أحمد عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف بالأمانة فليس منا\".\nقال ابن الأثير:\n(من حلف بالأمانة فليس منا) قال الخطابي: يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه أمر أن يحلف بالله وصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي من أوامره، وفرض\n_________\n١٥٦٦ - ابن ماجه (١/ ٦٧٩) ١١ - كتاب الكفارات، ٤ - باب من حلف له بالله فليرض.\nقال في الزوائد: رجال إسناده ثقات.\n١٥٦٧ - أبو داود (٣/ ٢٢٢) كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهية الحلف بالآباء.\nوالنسائي (٧/ ٥) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٦ - باب الحلف بالأمهات. إسناده صحيح.\n١٥٦٨ - مسلم (٣/ ١٢٧٨) ٢٧ - كتاب الأيمان، ٣ - باب من حلف باللات أو العزى.\n(١) النسائي (٧/ ٧) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ١٠ - باب الحلف بالطواغيت.\n١٥٦٩ - أحمد (٥/ ٣٥٢).\nأبو داود (٣/ ٣٢٣) كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهية الحلف بالأمانة.","vol":"3","page":1589},{"text":"من فروضه، فنهوا عنه، لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله وصفاته، على أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: إذا قال: وأمانة الله،. فهي يمين، وعليه الكفارة، وخالفهم الشافعي في الأمرين.\nأقول: ووافق الحنفية المالكية والحنابلة، ووافق الطحاوي من الحنفية الشافعية فلم يعتبره يمينًا، وعلى كل الأحوال فالوارد في النصوص: \"الحلف بالأمانة\" والمسألة المختلف فيها: \"الحلف بأمانة الله\".\n١٥٧٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر، أن رجلا سمع رجلا يحلف بالأمانة فقال: ألست الذي تحلف بالأمانة.\nأقول: استفهام ابن عمر للإنكار.\n١٥٧١ - * روى أبو داود عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف، فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا، فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا\".\nأقول: إن الجرأة على مثل هذا اليمين حتى لو كان الإنسان صادقًا تعتبر مثلبة ونقصًا في دين الرجل. أما من حيث اعتباره يمينًا فقد قال الحنفية وفي رواية عن أحمد يكون يمينًا موجبة للكفارة إذا فعل الشيء المحلوف عليه. وقال المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الصحيحة عندهم: لا يكون يمينًا ولا كفارة عليه بالحنث فيه، والحلف به معصية إذا قصد تبعيد نفسه عن المحلوف عليه. أما لو حلف على قصد الرضا بالكفر فقد كفر في الحال، فإن لم يعرف قصده فقد رجح الشافعية عدم الحكم بكفره، هذا إذا أضاف قوله إلى المستقبل، أما إذا أضاف قوله إلى الماضي وكان قد واقع ما أراد البراءة منه فقد اختلف في\n_________\n١٥٧٠ - مجمع الزوائد (٤/ ١٧٨) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.\n١٥٧١ - أبو داود (٣/ ٢٢٤) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام.\nوالنسائي (٧/ ٦) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور- باب الحلف بالبراءة من الإسلام. وإسناده حسن.\nوابن ماجة (١/ ٦٧٩) ١١ - كتاب الكفارات، ٣ - باب من حلف بملة غير الإسلام.\nوالمستدرك: (٤/ ٢٩٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.","vol":"3","page":1590},{"text":"تكفيره ومن لم يكفره بنى عدم تكفيره على أنه لم يقصد الكفر وإنما قصد ترويح كلامه وتصديقه فيه.\n١٥٧٢ - * روى الترمذي عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف بملةٍ غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال\".\nقال ابن الأثير:\n(فهو كما قال) معنى هذا القول: هو أن يقول الإنسان في يمينه: إن كان كذا وكذا، فأنا كافر أو يهوديٌ أو نصرانيٌ، ونحو ذلك، ويكون كاذبًا في قوله، قال النبي ﷺ: إذا قال ذلك وهو كاذب، فقد صار إلى ما قاله من الكفر وغيره، وهذا ينعقد به يمين عند أبي حنيفة، فإنه لا يوجب فيه إلا كفارة يمينٍ، وأما الشافعي: فلا ينعقد عنده بذلك يمين ولا كفارة فيه.\nقال البغوي في شرح السنة:\nإذا حلف الرجل بغير الإسلام، فقال إن فعل كذا، فهو يهودي، أو نصراني، أو بريء عن الإسلام، ففعل، ذهب جماعة من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلى أن عليه كفارة اليمين، وبه قال النخعي، وإليه ذهب الأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، وذهب قوم إلى أنه أتى بأمر عظيم، ولا كفارة عليه، وهو قول أهل المدينة، وبه يقول مالك، والشافعي، وأبو عبيد ا. هـ.\nأقول: وعليه أن يجدد إيمانه بلفظ الشهادتين، وعليه أن يستغفر ويتوب، وعلى مذهب الحنفية عليه أن يجدد عقد زواجه إن حكم بكفره على رأي من يقول بأن من حلف على أمر\n_________\n١٥٧٢ - الترمذي (٤/ ١١٥) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ١٥ - باب ما جاء في كراهية الحلف بغير ملة الإسلام.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوأبو داود (٣/ ٢٢٤) كتاب الأيمان والنذور، باب في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام.\nوالنسائي (٧/ ١٩) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٣١ - النذر فيما لا يملك.\nوهو طرفٌ من حديث قد أخرجه البخاري والترمذي وأبو داود.\nوزاد النسائي في هذا الطرف زيادة أخرى، هي من جملة الحديث الطويل قال \"ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله به في نار جهنم\".","vol":"3","page":1591},{"text":"ماضٍ بمثل هذه الأيمان وكان يعلم أن كلامه لا يوافق ما قاله.\n١٥٧٣ - * روى النسائي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا نذكر بعض الأمر، وأنا حديث عهد بالجاهلية، فحلفت باللات والعزى، فقال لي أصحاب رسول الله ﷺ: بئس ما قلت، ائت رسول الله ﷺ فأخبره، فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فلقيته فأخبرته، فقال: \"قل: لا إله إلا الله وحده- ثلاث مراتٍ- وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ثلاث مراتٍ- واتقل عن شمالك- ثلاث مراتٍ- ولا تعد له\".\nوفي أخرى (١) قال: حلفت باللات والعزى، فقال لي أصحابي: بئسما قلت، قلت هجرًا، فأتيت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: \"قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٍ، وانفث عن يسارك- ثلاثًا- وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم لا تعد\".\nقال ابن الأثير:\n(فليقل: لا إله إلا الله) قال الخطابي، وفي قوله: \"من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله\" دليل على أن الحالف بهما وبما كان في معناهما لا يلزمه كفارة اليمين، وإنما يلزمه الإنابة والاستغفار، وهو مذهب الشافعي.\nأقول: الحلف باللات والعزى وما شابه ذلك إن أراد به صاحبة التعظيم فقد كفر وعليه تجديد إيمانه كما يجب عليه تجديد عقد زواجه عند الحنفية.\nأما إذا جرت على لسانه من غير قصد فكذلك يجب عليه تجديد إيمانه والاستغفار وهذه حالة دون الحالة الأولى.\n١٥٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"من حلف منكم، فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال\n_________\n١٥٧٣ - النسائي (٧/ ٧) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ١٣ - باب الحلف باللات والعزى.\n(١) النسائي: الموضع السابق.\n١٥٧٤ - البخاري (١١/ ٩١) ٧٩ - كتاب الاستئذان، ٥٢ - باب كل لهو لباطل إذا شغله عن طاعة الله.\nمسلم (٢/ ١٢٦٧) ٢٧ - كتاب الأيمان، ٢ - باب من حلف باللات والعزى؛ فليقل لا إله إلا الله.","vol":"3","page":1592},{"text":"لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق\" قال أبو داود: \"يعني بشيء\".\nوقال مسلمٌ: هذا الحرف- يعني قوله: \"تعالى أقامرك فليتصدق\" لا يرويه أحد غير الزهري، قال: وللزهري نحو من تسعين حرفًا يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد، بأسانيد جيادٍ.\n(فليتصدق) قال الخطابي: فليتصدق بقدر ما كان جعله خطرًا في القمار.\nأقول: وهذا من باب: \"وأتبع السيئة الحسنة تمحها\".\nقال أبو بكر (ابن خزيمة): فلم يأمر النبي ﷺ الحالف باللات ولا القائل لصاحبه تعالى أقامرك، بإحداث وضوء فالخبر دال على أن الفحش في المنطق وما زجر المرء عن النطق به لا يوجب وضوءًا خلاف قول من زعم أن الكلام السيئ يوجب الوضوء.\nأقول: قال الحنفية: يندب الوضوء لمن قال قولا فيه إساءة، ودليلهم على ذلك الأحاديث الكثيرة التي تذكر أن الوضوء يغسل الخطايا.\n* * *\n_________\n= وأبو داود (٢/ ٢٢٢) كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بالأنداد.\nوالترمذي (٤/ ١١٧) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ١٧ - باب: حدثنا إسحاق بن منصور.\nوقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٧/ ٧) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ١١ - باب باللات.\nوابن ماجة (١/ ٦٧٨) ١١ - كتاب الكفارات، ٢ - باب النهي أن يحلف بغير الله.","vol":"3","page":1593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>الفقرة الرابعة\nفي:\nاليمين الغموس</span>\n١٥٧٥ - * روى أبود داود عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمينٍ آثمةٍ، ولو على سواكٍ أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار\".\nوفي رواية الموطأ (٢): أن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف على منبري بيمينٍ آثمةٍ تبوأ مقعده من النار\".\n١٥٧٦ - * روى الطبراني عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله ﷺ قال على المنبر: \"لا يحلف أحد على يمين كاذبةٍ إلا تبوأ مقعده من النار\".\n١٥٧٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من عبدٍ أو أمةٍ تحلف عند هذا المنبر على يمين آثمة ولو على سواكٍ رطبٍ إلا وجبت له النار\".\n١٥٧٨ - * روى الطبراني عن عمران بن حصين قال: كنا نعد اليمين الغموس من الكبائر.\nأقول: مر معنا أن هناك خلافًا بين الفقهاء حول ما يكفر اليمين الغموس:\n_________\n١٥٧٥ - أبو داود (٣/ ٢٢١) كتاب الأيمان والنذور- ٣، باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي ﷺ.\nوالموطأ (٢/ ٧٢٧) ٣٦ - كتاب الأقضية، ٨ - باب ما جاء في الحنث على منبر النبي ﷺ. وإسناده صحيح.\n١٥٧٦ - مجمع الزوائد (٤/ ١٨٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله ثقات.\n١٥٧٧ - أحمد (٢/ ٢٢٩).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٧٩). وقال رواه أحمد ورجاله الثقات.\n١٥٧٨ - مجمع الزوائد (٤/ ١٨١) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه كثير أبو الفضل، روى عن جماعة، ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله ثقات.","vol":"3","page":1594},{"text":"فالحنفية قالوا: ليس فيه كفارة يمين وعليه التوبة والاستغفار. والشافعية قالوا: عليه كفارة يمين والتوبة والاستغفار. والجميع متفقون على أنه لابد من رد الحقوق إلى أصحابها. وممن وافق الحنفية في أنه لا تجب فيه الكفارة المالكية وهو الراجح عند الحنابلة.\n* * *","vol":"3","page":1595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>الفقرة الخامسة\nفي:\nأن الاستثناء في اليمين يلغي اليمين</span>\nقال البغوي في شرح السنة:\n(والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين، فلا حنث عليه، ولا فرق بين اليمين بالله، أو بالطلاق والعتاق عند أكثر أهل العلم. وقال مالك، والأوزاعي: إذا حلف بطلاق أو عتق، فالاستثناء لا يغني عنه شيئًا، ويقع الطلاق والعتاق، وقال أصحاب مالك: الاستثناء إنما يعمل في يمين يدخلها الكفارة حتى قال مالك: إذا حلف بالمشي إلى بيت الله، واستثنى، فاستثناؤه ساقط، والحنث له لازم.\nواختلف أهل العلم في الاستثناء إذا كان منفصلًا عن اليمين، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يعمل إلا أن يكون بين اليمين والاستثناء سكتة يسيرة كسكتة الرجل للتذكر، أو للعي، أو للتنفس، فإن طال الفصل، أو اشتغل بكلام آخر بينهما، ثم استثنى، فلا يصح.\nوذهب بعضهم إلى أن الاستثناء جائز مادام في المجلس، روي ذلك عن طاووس، والحسن، وقال قتادة: له أن يستثنى مالم يتكلم، أو يقم، وقال أحمد: له أن يستثنى ما دام في ذلك الأمر، وقال ابن عباس: له الاستثناء بعد حين، وقال مجاهد: بعد سنين، وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر) اهـ.\n١٥٧٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف، فقال: إن شاء الله، لم يحنث\".\nوعند النسائي (١): أن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف على يمينٍ، فقال: إن شاء الله، فقد استثنى\".\n_________\n١٥٧٩ - الترمذي (٤/ ١٠٨) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٧ - باب ما جاء في الاستثناء في اليمين.\n(١) النسائي: (٧/ ٣٠) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٤٣ - باب الاستثناء.","vol":"3","page":1596},{"text":"١٥٨٠ - * روى النسائي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف على يمينٍ، فقال: إن شاء الله، فقد استثنى\".\nوفي أخرى (١): \"من حلف على يمينٍ فاستثنى، فإن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حنثٍ\".\nوفي رواية الترمذي (٢): أن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف على يمينٍ، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه\" قال الترمذي: وقد روي موقوفًا.\nوفي رواية الموطأ (٣) موقوفًا عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: من قال والله ثم قال: إن شاء الله، ثم لم يفعل الذي حلف عليه، لم يحنث.\n١٥٨١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"والله لأغزون قريشًا\". ثم قال: \"إن شاء الله\". ثم قال: \"والله لأغزون قريشًا\". ثم قال: \"إن شاء الله\". ثم قال: \"والله لأغزون قريشًا\" ثم قال: \"إن شاء الله\".\n١٥٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كل امرأةٍ تأتي بفارسٍ يجاهد في سبيل الله، فقال له الملك قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأةٌ واحدةٌ، جاءت بشق رجلٍ، فقال وايم الذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون\".\n_________\n١٥٨٠ - النسائي (٧/ ٣٥) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ٣٩ - باب الاستثناء.\n(١) النسائي: نفس الموضع.\n(٢) الترمذي (٤/ ١٠٨) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٧ - باب ما جاء في الاستثناء في اليمين. وقال: هو حديث حسن يشهد له حديث أبي هريرة.\n(٣) الموطأ (٢/ ٤٧٧) ٣٣ - كتاب النذور والأيمان، ٦ - باب ما لا تجب فيه الكفارة من اليمين.\n١٥٨١ - مجمع الزوائد (٤/ ١٨٢)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. ورواه أبو يعلى أيضًا.\n١٥٨٢ - البخاري (١١/ ٥٢٤) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٣ - كيف كان يمين النبي ﷺ؟.\nمسلم (٣/ ١٢٧٦) ٢٧ - كتاب الأيمان، ٥ - باب الاستثناء.\n(الشق): من كل شيء: نسفه.","vol":"3","page":1597},{"text":"وفي رواية (١) عن أبي هريرة قال: \"قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة بمائة امرأةٍ، تلد كل امرأةٍ منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونسي، فطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان\"، قال النبي ﷺ \"لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته\".\nوفي رواية نحوه (٢)، وقال: \"تسعين امرأة\" قال: \"ولو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا له في حاجته\" قال: \"وقال مرة: قال رسول الله ﷺ: \"لو استثنى\" وفي رواية (٣): \"سبعين امرأةٌ\".\nوفي أخرى (٤) قال: \"كان لسليمان ستون امرأة، فقال: لأطوفن عليهن الليلة\" وذكر نحوه، وفي آخره: فقال رسول الله ﷺ: \"ولو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله\".\nوللبخاري (٥): أن رسول الله ﷺ قال: \"قال سليمان ابن داود: لأطوفن الليلة على مائة امرأةٍ، وتسعةٍ وتسعين .... \" وذكر نحوه، وفيه: \"والذي نفس محمدٍ بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون\".\nوله في أخرى (٦) نحوه، وقال: \"على سبعين امرأة\"، وفيه: \"ولم تحمل شيئًا\".\nأقول: لا تنافي بين الروايات في ذكر أعداد مختلفة، فبعضها عبر عن الكثرة، وبعضها ذكر أزواجه فيما يبدو دون سراريه، وبعضها ذكر طوافًا على أزواج وسرارٍ.\n_________\n(١) البخاري (٩/ ٢٣٩) ٦٧ - كتاب النكاح، ١١٩ - باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائي.\n(٢) البخاري (١١/ ٦٠٠) ٨٤ - كتاب كفارات الأيمان، ٩ - باب الاستثناء في اليمين.\n(دركا): الدرك: اللحوق بالشيء.\n(٣) البخاري (٦/ ٤٥٨) ٦ - كتاب أحاديث الأنبياء، ٤٠ - باب قول الله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان ...).\n(٤) مسلم (٣/ ١٢٧٥) ٢٧ - كتاب الأيمان، ٥ - باب الاستثناء.\n(٥) البخاري (٦/ ٣٤) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٢٣ - باب من طلب الولد للجهاد.\n(٦) البخاري (٦/ ٤٥٨) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء، ٤٠ - باب قول الله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب).","vol":"3","page":1598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>الفقرة السادسة\nفي\nمن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها</span>\nقال البغوي في شرح السنة:\nقال الله ﷾: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ (١) الآية.\nقال الأزهري: ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ أي: مانعًا لكم عن البر، والاعتراض: المنع، وكل شيء منعك عن أمر تريده فقد اعترض عليك، وتعرض لك، والأصل فيه: الطريق المسلوك يعترض فيه بناءً أو شيء يمنع السابلة من سلوكه، وقيل: العرضة: الاعتراض في الخير والشر يقول: لا تعترضوا باليمين في كل ساعة ألا تبروا ولا تتقوا. اهـ\n١٥٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أتتك عن مسألةٍ وكلت إليها، وإن أتتك عن غير مسألةٍ أعنت عليها، وإذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرًا منها، فائت الذي هو خيرٌ، وكفر عن يمينك\".\nوفي رواية لأبي داود (٢): لم يذكر حديث \"الإمارة\" وأول حديثه: \"إذا حلفت\".\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٤.\n١٥٨٣ - البخاري (١١/ ٥١٦) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ١ - باب قول الله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم).\nمسلم (٣/ ١٣٧٣) ٣٧ - كتاب الأيمان، ٣ - باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها، أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه.\nوالترمذي (٤/ ١٠٦) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٥ - باب ما جاء فيمن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها. وقال: حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٨/ ٢٢٥) ٤٩ - كتاب آداب القضاة، ٥ - باب النهي عن مسألة الإمارة.\n(٢) أبو داود (٣/ ٢٢٩) كتاب الأيمان والنذور، باب الرجل يكفر قبل أن يحنث.","vol":"3","page":1599},{"text":"وله في أخرى (١): \"فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير\".\nوللنسائي (٢) أيضا قال: \" إذا حلف أحدكم على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، ولينظر الذي هو خير فليأته\".\nأقول: يدخل في هذا الشأن أمور متعددة:\nفأول ما يدخل فيه: الحلف على المعصية، فيحرم على الإنسان أن يفعلها وتجب في ذلك الكفارة، كما لا يصح للإنسان أن يبر إذا حلف على مكروه وعليه الكفارة، وإذا حلف على مباح فرأى المصلحة في غيرها فله أن يحنث وعليه الكفارة، وهناك حالات تحتاج الموازنة فيها بين الخيرية وغيرها إلى علم وفقه أو فتوى من أهل ذلك، وذلك في الأوضاع الاستثنائية، كأن يكون الإنسان بين ضررين أو شرين فالأخف في الضرر والأخف في الشر يعتبر خيرًا بالنسبة للحالف والأحاديث الواردة في موضع فعل الخير وترك ما دونه كثيرة كما سنرى في هذه الفقرة.\nومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها هل يجوز له أن يكفر قبل الحنث؟\nقال أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث مطلقًا، وأجاز تقديم الكفارة على الحنث الحنابلة والشافعية والمالكية، والأفضل عند المالكية والشافعية تأخير الكفارة إلى ما بعد الحنث مراعاة للخلاف.\n١٥٨٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف على يمينِ، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل\" زاد في رواية (٣) \"الذي هو خير\".\n_________\n(١) أبو داود: الموضع السابق.\n(٢) النسائي (٧/ ١١) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ١٦ - باب الكفارة بعد الحنث.\n١٥٨٤ - مسلم (٣/ ١٢٧٣) ٢٧ - كتاب الأيمان، ٣ - باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها، أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه.\n(٣) مسلم: الموضع نفسه.","vol":"3","page":1600},{"text":"وفي رواية (١) قال: أعتم رجل عند النبي ﷺ، ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، فأته أهله بطعامه، فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا له فأكلن فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه\".\n١٥٨٥ - * روى مسلم عن تميم بن طرفة الطائي ﵁، قال: جاء سائلٌ إلى عدي بن حاتم يسأله نفقةً- أو في ثمن خادمٍ، أو في بعض ثمن خادمٍ- فقال: ليس عندي ما أعطيك، إلا درعي ومغفري، فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها، قال: فلم يرض، فغضب عدي، فقال: أما والله لا أعطيك شيئًا، ثم إن الرجل رضي، فقال: أما والله لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من حلف على يمينٍ، ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى\" ما حنثت في يميني.\nوفي أخرى (٢) أن النبي ﷺ قال: \"إذا حلف أحدكم على اليمين، فرأى خيرًا منها، فليكفرها، وليأت الذي هو خيرٌ\".\nوفي أخرى للنسائي (٣): \"فليأت الذي هو خيرٌ، وليترك يمينه\".\n١٥٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"نحن الآخرون السابقون\" وقال رسول الله ﷺ: \"لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله\n_________\n(١) مسلم: (٣/ ١٣٧١) الموضع السابق.\nوالموطأ (٢/ ٤٧٨)، ٢٢ - كتاب النذور والأيمان، ٧ - باب ما تجب فيه الكفارة من الأيمان.\nوالترمذي (٤/ ١٠٦) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ٥ - باب ما جاء فيمن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(أعتم) الإنسان: إذا دخل في العتمة، وهي ظلمة أول الليل.\n١٥٨٥ - مسلم (٣/ ١٣٧٢) ٢٧ - كتاب الأيمان، ٢ - باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها، أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه.\n(المغفر): زرد يلبس على الرأس.\n(٢) مسلم: الموضع نفسه.\n(٣) النسائي (٧/ ١١) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ١٦ - باب الكفارة بعد الحنث.\n١٥٨٦ - البخاري (١١/ ٥١٧) ٨٢ - كتاب الأيمان والنذور، ١ - باب قول الله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) ...","vol":"3","page":1601},{"text":"آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه\".\nوللبخاري (١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"من استلج في أهله بيمين، فهو أعظم إثمًا ليبر، يعني الكفارة\".\nقال ابن الأثير:\n(لج واستلج) في يمينه: إذا لج في الاستمرار عليها، وترك تكفيرها ورأى أنه صادق فيها، وقيل: هو أن يحلف ويرى أن غيرها خير منها، فيقيم على ترك الكفارة والرجوع إلى ما هو خير.\n(آثم): أكثر إثمًا، لأنه قد أمر أن يأتي الذي هو خير.\nأقول:\nاختلف العلماء في القائل (أعاهد الله) هل هو يمين أو لا، فعلى القول بأنها يمين فمن رأى غير ما عاهد عليه الله أبر أو عجز عن الوفاء فإن عليه الكفارة، وعلى القول: إنها ليست بيمين فإنه لا كفارة على صاحبها، وإذا عجز أو رأى غيرها خيرًا منها بالمعيار الشرعي فليأت الذي هو خير ولا كفارة عليه.\nقال البغوي في شرح السنة:\nولو قال: علي عهد الله وميثاقه، فليس بيمين إلا أن يريد به اليمين، وكذلك لو قال: شهدت بالله، أو أشهد بالله، أو عزمت بالله، أو أعزم بالله، فلا يكون يمينا إلا أن يريده، ولو قال: أقسمت بالله، أو حلفت بالله، أو أقسم بالله، أو أحلف بالله، فإن أراد بالأول إخبارًا عن يمين في الماضي، أو أراد بالثاني وعد يمين في المستقبل، فليس بيمين، وإن أراد بها يمينًا في الوقت، فهو يمين، وإن أطلق، ففيه قولان، ولو قال: شهدت أو أشهد، أو عزمت، أو أعزم أو أقسمت، أو أقسم، ولم يقيده بذكر الله، فليس بيمين وإن\n_________\nمسلم (٢/ ٥٨٥) ٧ - كتاب الجمعة، ٦ - باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة.\n(١) البخاري: الموضع السابق","vol":"3","page":1602},{"text":"نواه، وعند أبي حنيفة: كلها يمين أهـ\n١٥٨٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂، قالت: ما كان أبو بكر يحنث قط في يمين، حتى نزلت كفارة اليمين، فلما نزلت حنث إذا رأى غيرها خيرا منها، وكفر.\nوفي رواية (١)، أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين قط، حتى أنزل الله ﷿ كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني.\nوفي أخرى (٢)، إلا قبلت رخصة الله، وفعلت الذى هو خير.\n١٥٨٨ - * روى أبو داود عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير\". أو قال: \"إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني\".\nوعند النسائي (٣) قال: قال النبي ﷺ: \"ما على الأرض يمين أحلف عليهما فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيته\".\nوله في أخرى (٤) قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله، فقال: \"والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه\"، ثم لبثنا ما شاء الله، فأتي يا بل فأمر بثلات ذود، فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض: لا يبارك الله لنا، أتينا\n_________\n١٥٨٧ - البخاري (١١/ ٥١٦) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ١ - باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾.\n(١) البخاري: الموضع السابق\n(٢) البخاري (٨/ ٢٧٥) ٦٥ - كتاب التفسير، ٨ - باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.\n١٥٨٨ - أبو داود (٣/ ٣٢٩) كتاب الأيمان والنذور، باب الرجل يكفر قبل أن يحنث.\n(٣) النسائي (٧/ ٩) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ١ - باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.\n(٤) النسائي: الموضع السابق.","vol":"3","page":1603},{"text":"رسول الله ﷺ نستحمله، فحلف لا يحملنا، قال أبو موسى: فأتينا النبي ﷺ، فذكرنا ذلك له، فقال: \"ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، إني والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير\".\nوفي رواية البخاري ومسلم (١) نحو هذه التي للنسائي، وزاد فيها: \"فأمر لنا بثلاث ذود عز الذرى\" وفيها: \"وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، ثم أرى غيرها خيرًا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير\".\nزاد في رواية (٢): \"وأتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني\".\nقال ابن الأثير:\n(نستحمله) استحملت الإنسان: إذا طلبت منه شيئًا تركبه، أو تحمل عليه متاعك.\n(الذود) من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى التسع من الإناث خاصة، وقيل: ليس للإناث به اختصاص، إنما اللفظية مؤنثة.\n(الذرى): الأسنمة، وصفها أنها \"غر\" أي: أنها بيض حسان لسمنها.\nأقول: يلاحظ أن بعض الروايات تذكر التكفير ثم الحنث، وبعض الروايات تذكر الحنث ثم التكفير ومن هاهنا وجد من الفقهاء من يقول: إذا كفر ثم حنث تجب عليه إعادة الكفارة، ومنهم من يقول: تجزئ الكفارة ولو كانت قبل الحنث وقد مر معنا هذا من قبل ونزيد الأمر وضوحًا:\nقال البغوي في شرح السنة:\nاختلف أهل العلم في تقديم كفارة اليمين على الحنث، فذهب أكثر أهل من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلى حوازه، كما ورد به الحديث، ويروى ذلك عن ابن عمر، وابن\n_________\n(١) البخاري (١١/ ٥١٧) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ١ - باب قول الله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم).\nمسلم (٣/ ١٢٧١) ٢٧ - كتاب الأيمان، ٣ - باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منه ... إلخ\n(٢) البخاري: الموضع السابق.","vol":"3","page":1604},{"text":"عباس، وعائشة، وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، إلا أن الشافعي يقول: إن كفر بالصوم قبل الحنث، لا يجوز، إنما يجوز تقديم العتق أو الإطعام، او الكسوة، كما يجوز تقديم الزكاة على الحول. ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته.\nوذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، وهو قول أصحاب الرأي، وجوزوا تعجيل الزكاة، وجوز تعجيل الكفارة، وقال الثوري: إن كفر بعد الحنث أحب إلي، وإن كفر قبل الحنث، أجزأه. أهـ.\n١٥٨٩ - * روى النسائي عن الأحوص عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت ابن عم لي، آتيه أسأله، فلا يعطيني ولا يصلني، ثم يحتاج إلى فيأتيني فيسألني، وقد حلفت أن لا أعطيه ولا أصله؟ فأمرني أن آتي الذي هو خير وأكفر عن يميني.\n* * *\n_________\n١٥٨٩ - النسائي (٧/ ١١) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ١٦ باب الكفارة بعد الحنث.","vol":"3","page":1605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>الفقرة السابعة\nفي:\nمتفرقات في الإيمان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>اليمين على نية المستحلف:</span>\n١٥٩٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"اليمين على نيه المستحلف\".\nوفي رواية قال (١): \"يمينك على ما يصدقك به صاحبك\"\nاليمين اللغو:\n١٥٩١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂، قالت: أنزلت هذه الآية (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم). [المائدة: ٨٩] في قول الرجل: لا والله، بلى والله\".\nوفي رواية أبي داود (٢) في اللغو في اليمين، قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ: \"هو قول الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله\".\nقال ابن الأثير:\n(اللغو) من الكلام: مالا ينعقد عليه القلب، هذا أصلة، وقيل: اللغو من الكلام: الباطل، وقيل: الكلام المختلط، والكل متقارب، وهو لفظ الحديث قد ذكر معناه، وقيل: هو أن يحلف الإنسان على شيء وهو يرى أنه صادق، ثم تبين له خلافه، وهو\n_________\n١٥٩٠ - مسلم (٣/ ١٢٧٤) ٣٧ - كتاب الأيمان، ٤ - باب يمين الحالف على نية المستحلف.\n(١) مسلم الموضع السابق\n١٥٩١ - البخاري (١١/ ٥٤٧) ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ١٤ - باب: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ..).\nوالموطأ (٢/ ٤٧٧) ٢٢ - كتاب النذور والأيمان، ٥ - باب اللغو في اليمين.\n(٢) أبو داود (٣/ ٢٢٣) كتاب الأيمان والنذور، باب لغة اليمين.\nورواه أيضًا عنها موقوفا. وصحح الدارقطني الوقف على عائشة ﵂ دون الرفع.","vol":"3","page":1606},{"text":"الخطأ وقيل: هو اليمين في المعصية، وقيل: في الغضب، وقيل: في الهزل والمرء، وقيل: في النسيان.\nإبرار المقسم:\n١٥٩٢ - * روى ابن ماجه عن البراء عازب قال: أمرنا رسول الله ﷺ بإبرار المقسم.\n١٥٩٣ - * روى أحمد عن عائشة قالت أهدت امرأة إليها تمرا في طبق فأكلت بعضها وبقي بعض فقالت: أقسم عليك إلا أكلت بقيته فقال النبي ﷺ: \"أبريها، فإن الإثم على المحنث\".\n١٥٩٤ - * روى الطبراني عن أبي حازم أن ابن عمر مر على رجل ومعه غنيمات له فقال: بكم تبيع غنمك هذه، بكذا وكذا؟. فحلف أن لا يبيعها. فانطلق ابن عمر فقضى حاجته فمر عليه فقال: يا أبا عبد الرحمن خذها بالذي أعيتني قال حلفت على يمين فلم أكن لأعين الشيطان عليك وأن أحنثك.\nأقول: هذا ورع من ابن عمر، وإلا فقد كان بإمكانه أن يشتريها منه، وأن يأمره بدفع الكفارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>بعض ما حلف به رسول الله ﷺ أو حلف:</span>\n١٥٩٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵂، قال: أكثر ما كان رسول الله ﷺ يحلف: \"لا، ومقلب القلوب\".\n_________\n١٥٩٢ - ابن ماجه (١/ ٦٨٣) ١١ - كتاب الكفارات، ١٢ - باب إبراز القسم.\nوهو جزء من حديث أخرجه البخاري (١١/ ٥٤١) كتاب الأيمان والنذور، ٩ - باب قول الله تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانهم).\n١٥٩٣ - أحمد (٦/ ١١٤).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٨٢) وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح.\n١٥٩٤ - مجمع الزوائد (٤/ ١٨٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.\n١٥٩٥ - البخاري (١٣/ ٣٧٧) ٩٧ - كتاب التوحيد، ١١ - باب مقلب القلوب، وقول الله تعالى: (وتقلب أفئدتهم وأبصارهم).","vol":"3","page":1607},{"text":"وأرسله مالك (١) قال: بلغني أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"لا، ومقلب القلوب\".\nوعند الترمذي (٢) وأبي داود (٣): كثيرًا ما كان يحلف بهذه اليمين: \"لا، ومقلب القلوب\".\nوفي رواية النسائي (٤) قال: كانت يمين يحلف عليها رسول الله ﷺ \"لا، ومقلب القلوب\"\nوفي أخرى (٥) له: كانت يمين رسول الله ﷺ التي يحلف بها: \"لا، ومصرف القلوب\".\n١٥٩٦ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي اله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اجتهد في اليمين قال: \"والذي نفس أبي القاسم بيده\".\n١٥٩٧ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: كانت يمين رسول الله ﷺ \"لا واستغفر الله\".\nهذا نموذج يعلمنا فيه رسول الله ﷺ التأكيد بصورة يمين دون أن يكون يمينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>هل للحلف مكان</span>؟\n١٥٩٨ - * روى مالك عن أبي غطفان بن طريف المري فال: اختصم زيد ابن ثابت\n_________\n(١) الموطأ (٤/ ٤٨٠) ٢٢ - كتاب النذور والأيمان، ٩ - باب جامع الأيمان.\n(٢) الترمذي (٤/ ١١٣) ٢١ - كتاب النذور والأيمان، ١٢ - باب ما جاء كيف كان يمين النبي ﷺ.\nوقال حديث حسن صحيح.\n(٣) أبو داود (٣/ ٢٢٥) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في يمين النبي ﷺ ما كانت.\n(٤) النسائي (٧/ ٢) ٣٥ - كتاب الأيمان والنذور، ١ - باب أخبرنا أحمد بن سليمان ....\n(٥) النسائي: الموضع السابق\n١٥٩٦ - أبو داود (٣/ ٢٢٦) كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في يمين النبي ﷺ ما كانت. وهو حديث حسن.\n١٥٩٧ - ابن ماجه (١/ ٦٧٧) ١١ - كتاب الكفارات، ١ - باب يمين رسول الله ﷺ التي كان يحلف بها. وإسناده حسن.\n١٥٩٨ - الموطأ (٢/ ٧٢٨) ٣٦ - كتاب الأقضية، ٩ - باب جامع ما جاء في اليمين على المنبر. وإسناده صحيح.=","vol":"3","page":1608},{"text":"وابن مطيع إلى مروان وهو أمير المدينة في دار كانت بينهما، فقضى مروان على زيد بن ثابت على المنبر، فقال زيد: أحلف له مكاني هذا، فقال مروان: لا والله، إلا عند مقاطع الحقوق، فجعل زيد يحلف أن حقه لحق، وأبى أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>الترهيب من اقتطاع الحقوق بالإيمان وفي أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر:</span>\n١٥٩٩ - * روى الطبراني عن الحارث بن البرصاء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يمشي بين جمرتين من الجمار وهو يقول: \"من أخذ شيئا من مال امرئ مسلم بيمين فاجرة فليتبوا بيتًا في النار\".\n١٦٠٠ - * روى الطبراني عن أبي السمعي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أسرق السراق من يسرق لسان الأمير، وإن من اعظم الخطايا من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، وإن من الحسنات عيادة المريض، وغن من تمام عيادته أن تضع يدك عليه وتسأله كيف هو، وإن من أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتى تجمع بينهما، وإن لبسة الأنبياء قبلي السراويل وإن مما يستجاب عنده الدعاء العطس\".\n١٦٠١ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من حلف على امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان\" قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من الكتاب الله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n= وأخرج البخاري نحوه (٥/ ٣٨٤) ٥٢ - كتاب الشهادات، ٢٣ - باب يحلف المدعي عليه حيثما وجبت عليه اليمين.\n١٥٩٩ - المعجم الكبير (٣/ ٢٥٦).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٨١) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.\n١٦٠٠ - مجمع الزوائد (٤/ ١٨١) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وفي بعضهم كلام لا يضر.\n١٦٠١ - البخاري (١٣/ ٤٢٣) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.","vol":"3","page":1609},{"text":"يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...﴾ إلى آخر الآية (١).\nزاد في رواية (٢) بمعناه، قال: فدخل الأشعث بن قيس الكندي فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ: \"شاهداك، أو يمينه\"، قلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ: \"من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاخر، لقي الله وهو عليه غضبان\" ونزلت الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية.\n١٦٠٢ - * روى أحمد عن عياض بن خالد قال: رأيت رجلين يختصمان عند معقل بن يسار. فقال معقل بن يسار قال رسول الله ﷺ: \"من حلف على يمين ليقتطع بها مال رجل لقي الله ﵎ وهو عليه غضبان\".\n١٦٠٣ - * روى أبو داود عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف على يمين مصبورة كاذبًا، فليتبوا بوجهه مقعده من النار\".\nقال ابن الأثير:\n(مصبورة) أصل الصبر: الحبس، وقتل فلان صبرًا، أي: حبسا على القتل، وقهرًا عليه، ويمين الصبر: هو أن يلزم الحاكم الخصم اليمين حتى يحلف ويقفه ويلزمه بها، وقوله: \"يمين مصبورة\" يعني: لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لليمين: مصبورة- وإن كان\n_________\n(١) آل عمران: ٧٧\n(٢) البخاري (٨/ ٢١٣) ٦٥ - كتاب التفسير، ٣ - باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.\nومسلم (١/ ١٢٣) كتاب الإيمان، ٦١ - باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار\nوأبو داود (٣/ ٢٢٠) كتاب الأيمان والنذور، ٢ - باب فيمن حلف ليقطع بها مالا لأحد.\nوالترمذي (٣/ ٦٢٥) ١٣ - كتاب الأحكام، ١٣ - باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.\nوقال: حديث حسن صحيح.\nالاقتطاع: أخذ الشيء والاستبداد به، كأنه قطع بعض من كل.\n١٦٠٢ - أحمد (١/ ٤٢٦)\nمجمع الزوائد (٤/ ١٧٩) وقال: ورجال أحمد ثقات.\n١٦٠٣ - أبو داود (٣/ ٢٢٠) كتاب الأيمان والنذور، ١ - باب التغليط في الأيمان الفاجرة. وإسناده صحيح.","vol":"3","page":1610},{"text":"صاحبها في الحقيقة: هو المصبور-؛ لأنه إنما صبر من أجلها، فأضيف الصبر إلى اليمين مجازا واتساعًا.\n(فليتبوأ) تبوأت المنزل: إذا اتخذته سكنا تنزل فيه وتسكنه.\n١٦٠٤ - * روى أحمد عن عدي بن عميرة قال: خاصم رجل من كندة يقال له امرؤ القيس بن عباس رجلا من حضرموت إلى رسول الله ﷺ فقضى على الحضرمي بالبينة فلم يكن له بينة فقضى على امرؤ القيس باليمين. فقال الحضرمي: أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبت والله- أو ورب الكعبة- أرضي فقال النبي ﷺ: \"من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان\". قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ قال: \"الجنة\" قال: أني قد تركتها له كلها.\n١٦٠٥ - * روى مسلم عن وائل بن حجر ﵁، قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كنده، إلى رسول الله ﷺ: فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي، أزرعها، ليس له فيها حق، فقال البني ﷺ للحضرمي: \"ألك بينة؟ \" قال: لا، قال: \"فلك يمينه\"، قال يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء، فقال: \"ليس لك من إلا ذلك\"، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: \"أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما: ليلقين الله وهو عنه معرض\".\nوفي رواية (١) قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض\n_________\n١٦٠٤ - أحمد (٤/ ١٩١).\nوالمعجم الكبير (١٧/ ١٠٨).\nمجمع الزوائد (٤/ ١٧٨) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجالهما ثقات.\n١٦٠٥ - مسلم (١/ ١٢٣) ١ - كتاب الإيمان، ٦١ - باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار.\n(١) مسلم: الموضع السابق.","vol":"3","page":1611},{"text":"فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية -وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه: ربيعة بن عبدان- فقال: \"بينتك\"، فقال: ليس لي بينة، قال: \"يمينه\" قال: إذن يذهب بها، قال: \"ليس لك إلا ذلك\"، قال: فلما قام ليحلف، قال رسول الله ﷺ: \"من اقتطع أرضا ظالما، لقي الله وهو عليه غضبان\"، وفي رواية: ربيعة بن عيدان\".\n١٦٠٦ - * روى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"لو يعطى الناس بدعاويهم ادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه\".\nولمسلم وللبخاري (١) أن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه.\nوللبخاري (٢) أن أمرأتين كانتا تخرزان في بيت، وفي الحجرة، فخرجت إحداهما، وقد أنقذ بإشفى في كفها، فادعت على الأخرى، فرفع ذلك إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: \"لو يعطى الناس بدعواهم، لذهب دماؤهم وأموالهم\"، ذكروها بالله، واقرؤوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ (٣) فذكروها فاعترفت، فقال ابن عباس: قال النبي ﷺ: \"اليمين على المدعى عليه\". عليه\".\n١٦٠٧ - * روى مسلم عن إياس بن ثعلبة الحارثي -وهو أبو أمامة- أن رسول الله ﷺ قال: \"من اقتطع حق امري مسلم بيمين، حرم الله عليه الجنة، وأوجب له\n_________\n= (انتزى على أرضي) أي: \" وثب عليها وغلبني على أخذها، والتنزي والانتزاء: تسرع الإنسان إلى الشر، ووثوبه إلى ما ليس له الوثوب إليه.\n١٦٠٦ - مسلم (٣/ ١٣٣٦) ٣٠ - كتاب الأقضية، ١ - باب اليمين على المدعى عليه.\nوابن ماجه (٢/ ٧٧٨) ١٣ - كتاب الأحكام، ٧ - باب البينة على المدعى، واليمين على المدعي عليه.\n(١) مسلم: الموضع السابق.\nوالبخاري (٨/ ٢١٢) ٦٥ - كتاب التفسير، ٣ - سورة آل عمران، ٣ - باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾.\n(٢) البخاري (٨/ ٢١٣) الموضع السابق.\n(الإشفي): آلة الخرز للإسكاف. وتنون ولا تنون.\n(٣) آل عمران: ٧٧.\n١٦٠٧ - مسلم (١/ ١٢٢) ١ - كتاب الأيمان، ٦١ - باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار.\nوالنسائي (٨/ ٢٤٦) ٤٩ - كتاب آداب القضاة، ٣٠ - القضاء في قليل المال وكثيره.","vol":"3","page":1612},{"text":"النار\" قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: \"وإن كان قضيبا من أراك\".\nوفي رواية الموطأ (١): \"وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك\". قالها ثلاث مرات.\n١٦٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"رأى عيسى رجلا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله، وكذبت عيني\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>كفارة الأيمان المنعقدة:</span>\n١٦٠٩ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من حلف بيمين فوكدها، ثم حنث، فعليه عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساكين، ومن حلف بيمين فلم يؤكدها، ثم حنث، فعليه إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من حنطة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.\nوفي رواية (٢) أن ابن عمر كان يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من حنطة، وكان يعتق المرار، إذا وكد اليمين.\nأقول: هذا التفريق بين اليمين المؤكدة وغيرها لابن عمر، وإلا فالفقهاء لا يفرقون، فمتى كانت اليمين منعقدة فكفارتها واحدة، وهي ما ذكره الله تعالى بقوله:\n﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٣).\n_________\n(١) الموطأ (٢/ ٧٢٧) ٣٦ - كتاب الأقضية، ٨ - باب ما جاء في الحنث على منبر النبي ﷺ\n١٦٠٨ - البخاري (٦/ ٤٧٨) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء، ٤٨ - باب قول الله [١٦: مريم] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾.\nمسلم (٤/ ١٨٣٨) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٤٠ - فضائل عيسى ﵇.\n١٦٠٩ - الموطأ (٢/ ٤٧٩) ٣٣ - كتاب النذور والأيمان، ٨ - باب العمل في كفارة اليمين. وإسناده صحيح.\n(٢) الموطأ: الموضع السابق.\n(المد): مكيال رطلين أو رطل وثلثأو ملء كفي الإنسان المعتدل.\n(المرار): الجواري الناعمة.\n(٣) المائدة: ٨٩.","vol":"3","page":1613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>المسائل والفوائد</span>\n- الكفارة تجب في اليمين المنعقدة عند الحنفية والمالكية سواء كان الحانث عامدًا أو ساهيًا أو مخطئًا أو نائمًا أو مغمى عليه أو مجنونًا أو مكرهًا.\n- إذا حلف شخص أن يقضي حق غيره في وقت فقضاه قبله لم يحنث بيمينه عند الحنفية والحنابلة.\n- صفات الله تعالى التي ترد في باب القسم ثلاثة:\nأحدها: ما لا يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إلا في وصف الله كقولهم وعزة الله وعظمته.\nوالثاني: صفة تستعمل لله ولغيره كالقدرة والإرادة والمشيئة فهذه كالأولى يعتبر الحلف بها إذا أضيفت إلى الله يمينًا.\nالثالث: الحلف بصفة تستعمل لله تعالى ولغيره ولكن يمكن أن يراد بها أكثر من معنى، فمثلا علم الله قد يراد به الصفة وقد يراد له المعلوم فالأصل في مثل هذه الصفات أن الحلف بها يمين إلا أن ينوي الحالف بالعلم المعلوم وبالقدرة المقدور، هذا ما قاله الشافعية والحنابلة في هذا الموضوع والحنفية لا يفرقون بين هذا النوع من الحلف والذي قبله؛ لان العبرة عندهم للعرف فما دام المتعارف عليه أن يحلف بصفات الله فكل صفة له ﷻ يعتبر الحلف بها يمينا مطلقًا.\n- إذا قال قائل وعهد الله فهو يمين عند الحنفية والمالكية والحنابلة وفي وجه ضعيف عند الشافعية والراجح عندهم أنها لا تعتبر يمينًا ما لم ينو الحالف بها اليمين.\n- إذا قال الحالف: ووجه الله فهو يمين.\n- لو حلف إنسان بالمصحف أو بالقرآن فإن المالكية والشافعية والحنابلة يعتبرونه يمينًا واختلف الحنفية في ذلك وقدماؤهم مجمعون على أن ذلك لا يعتبر يمينًا. ومع أن الشافعية والمالكية والحنابلة اعتبروه يمينًا فإنهم استثنوا من ذلك ما إذا أراد الحالف بهذا الحلف الخطبة","vol":"3","page":1614},{"text":"أو الصلاة أو ورق المصحف أو جلده أو نقوشه، وإنما اعتبروه يمينا، لان القرآن كلام الله فالحلف به كالحلف بصفة من صفات الله ﷿.\n- ومن حلف بحق الله فأنه يمين عند المالكية والحنابلة والشافعية في الأصح ومن باب أولى أن يحلف بالحق، لأنه اسم من أسماء الله تعالى، وقد اختلف الحنفية في الحلف بحق الله فقال أبو حنيفة ومحمد في رواية عن أبي يوسف: لا يكون يمينًا.\n- ومن قال حالفًا: لعمر الله فغن الجمهور يعتبرها يمينًا موجبة الكفارة، وقال الشافعي: إن قصد اليمين فهي يمين وإلا فلا.\n* * *","vol":"3","page":1615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>خاتمة قسم العقائد\nمؤمنون لا فلاسفة</span>","vol":"3","page":1617},{"text":"خاتمة قسم العقائد\nمؤمنون لا فلاسفة\nلقد أعطى الإسلام للبحث العقلي وللنظر العلمي مداهما الصحيح، والمسلم إذ يدرس النصوص يبقى مطمئنًا أن النصوص لا تخالف عقلا، ولا علمًا، وهو إذ يدرس العلوم الإسلامية باستيعاب عقل ودقة فهم وتحقيق عليم لا يفوته أن يعرف أدبه مع النصوص فهو بعد إذ يطمئن إلى سلامة الفهم، وإلى مواطأة فهمه لفهوم الراسخين في العلم يعرف أن أدبه مع النص التلقي بالتسليم، والتفاعل القلبي والعملي مع النص بما يقتضيه المقام، فمعرفته أن الله سميع تقتضي منه أن يستشعر أن الله يسمعه، ومعرفته أن الله ليس كمثله شيء تقتضيه أن ينزه الله ﷿ عن كل ما يخطر بباله، ومعرفته أن الله ﷿ ينزل كل يوم في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا تقتضيه أن يكون له في ذلك الوقت تهجد ودعاء واستغفار، ومعرفته بالرسل تقتضي اقتداء، ومعرفته بالملائكة تقتضيه حياء، ومعرفته بالقرآن تقتضيه خشوعا وتأثرا وبكاء واتباعا، ومعرفته بالسنة تقتضي التزاما واهتداء، فهو يتلقى النصوص بعقل مسلم وقلب مخبت، ويعطي كل نص حكمه وحقه، فالمسلم ليس فيلسوفا يسبح في خيالات الأوهام، أو في متاهات الأحلام يتعبد لأصنام العقل، أو يبقى في دائرة الفكر، وإنما هو عقل وقلب وشعور وجسد، وهو في هذا كله يتفاعل مع النصوص تفاعل المؤمن لا تفاعل المتردد، وتفاعل المخبت المطيع الخاشع لا تفاعل العقل الجامد أو القلب القاسي.\n'ن أعظم ما تعبد الله ﷿ به عباده، هو معرفته، وإنما يعرف ﷻ حق المعرفة بما خلق وبما أنزل، والخلق نوعان: مشهود ومغيب، وقد أنزل الكتاب وجعل السنة من الوحي وهي شارحة للكتاب، وبذلك كله يعرف الله ﷿ حق المعرفة.\nوموقف المسلم العارف بالله من الكتاب والسنة الإيمان بالنصوص والتسليم لله في الحكم سواء في ذلك أحكامه في العقائد أو في العبادات أو في مناهج الحياة، وقد أخذت تصورًا في هذا القسم عن عقائد الإسلام وها إنك في القسم اللاحق تأخذ تصورًا عن عباداته الرئيسية،","vol":"3","page":1619},{"text":"وفي القسمين الأخيرين تأخذ تصورًا عن مناهج الحياة في الإسلام.\nفإلى القسم الثالث من أقسام (الأساس في السنة وفقهها) وهو في العبادات الرئيسية، وليعلم أنه بإقامة العبادات تكون للعقيدة حياتها وحيويتها، ومظهر الحياة والحيوية إقامة العبودية كاملة، وذلك بإقامة مناهج الحياة، وليعلم أن الذكر والفكر مفتاحان من مفاتيح الإسلام للعقل وللقلب، فليكثر المسلم منهما، وليقبل على الأخذ عن الراسخين في العلم، وبدع أهل الشذوذ والأهواء والجدل، فذلك من جملة ما يحفظه ثابت القدم، على الصراط المستقيم. والحمد لله رب العالمين.\n* * *","vol":"3","page":1620}]}