{"ً":{"ٌ":192,"ٍ":"الأربعون العقدية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/arbaqdea/arbaqdea.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الأربعون العقدية، أربعون حديثا فى أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\nجمعها وشرحها: أبو عبد الرحمن أيمن إسماعيل\nقدم له: محمد حسن عبد الغفار\nالناشر: دار الآثار - مصر\nالطبعة: الأولى، ٢٠٢١ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3047,"ٕ":1,"ٖ":1780758492,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"إهداء","level":1,"page":1},{"title":"تقديم فضيلة الشيخ الدكتور/ محمد حسن عبد الغفار - حفظه الله -","level":1,"page":2},{"title":"المقدمة","level":1,"page":4},{"title":"الحديث الأول: ثمار الأراك في شرح حديث الافتراق","level":1,"page":13},{"title":"ذكر طرق حديث الافتراق","level":2,"page":13},{"title":"حديث الافتراق كثرة في الأعداد، لا في الأتباع","level":2,"page":17},{"title":"أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب","level":2,"page":18},{"title":"شبهات عند من يقول أن الشرك لن يقع في الأمة","level":2,"page":21},{"title":"بين تفرق السابقين، وتقليد اللاحقين","level":2,"page":23},{"title":"سمات وصفات الفرقة الناجية","level":2,"page":26},{"title":"الأدلة على أن الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة","level":2,"page":32},{"title":"قوله ﷺ: «كلها في النار، إلا واحدة»، هل هذا على التأبيد أم التأقيت؟","level":2,"page":40},{"title":"ضوابط الفرق الهالكة، وتعيينها","level":2,"page":43},{"title":"الفرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة","level":2,"page":45},{"title":"الحديث الثاني: البيان المناط بفوائد حديث ذات أنواط","level":1,"page":48},{"title":"حسن المقصد يحتاج إلى حسن العمل","level":2,"page":51},{"title":"فوائد وفروع على مسألة العذر بالجهل","level":2,"page":52},{"title":"أدلة العذر بالخطأ في مسائل التكفير","level":2,"page":53},{"title":"من الأعذار المانعة من التكفير التأويل السائغ","level":2,"page":53},{"title":"الجهل من الأعذار المانعة من التكفير","level":2,"page":58},{"title":"مسألة العذر بالجهل ليست على إطلاقها","level":2,"page":62},{"title":"الفارق بين فهم الحجة وقيام الحجة","level":2,"page":63},{"title":"قولهم ﴿اجعل لنا ذات أنواط﴾ هل هذا الطلب شرك أكبر أم شرك أصغر؟","level":2,"page":66},{"title":"أهم ضوابط التبرك المشروع","level":2,"page":68},{"title":"صفة التبارك لله -﷿- وأدلتها","level":2,"page":68},{"title":"الحديث الثالث: الصنوان في حكم من أتى العرافين والكهان","level":1,"page":74},{"title":"الفرق بين العراف والكاهن","level":2,"page":75},{"title":"قصة الكهان","level":2,"page":76},{"title":"هل استمر إستراق الجن للسمع بعد البعثة النبوية؟","level":2,"page":79},{"title":"أحوال وأحكام إتيان العرافين والكهان","level":2,"page":81},{"title":"أقسام الغيب والأحكام المتعلقة به","level":2,"page":85},{"title":"صور معاصرة لما يدعيه الكهان في هذا الزمان","level":2,"page":89},{"title":"حكم مطالعة الأبراج علي مواقع التواصل وغيرها","level":2,"page":90},{"title":"حكم تعلم علم التنجيم","level":2,"page":93},{"title":"الحديث الرابع: بلوغ العلم شرح حديث أول ما خلق الله القلم","level":1,"page":98},{"title":"بيان أول المخلوقات التي خلقها الله","level":2,"page":100},{"title":"الإيمان بالقدر وأهم مراتبه","level":2,"page":106},{"title":"المنازعون لأهل السنة في في مراتب القدر (القدرية)","level":2,"page":108},{"title":"شبهات الجبرية والرد عليها","level":2,"page":125},{"title":"قول الأشاعرة في القدر والرد عليهم","level":2,"page":129},{"title":"الأصول الأربعة التي تلخص باب القدر","level":2,"page":133},{"title":"الحديث الخامس: السنة المأثورة في شرح حديث الصورة","level":1,"page":137},{"title":"خلق الله آدم علي صورته، هل الهاء تعود علي الله، أم تعود علي آدم؟","level":2,"page":138},{"title":"هل نهى الإمام مالك عن التحديث بأحاديث الصورة؟","level":2,"page":138},{"title":"هل تثبت صفة الصورة لله ﷿؟","level":2,"page":140},{"title":"بيان بطلان نظرية التطور شرعا ونظرا","level":2,"page":153},{"title":"الحديث السادس: المنهاج في شرح حديث الاحتجاج","level":1,"page":155},{"title":"كيفية وقوع المناظرة بين آدم وموسى ﵉","level":2,"page":156},{"title":"بيان الراجح في اللوم الذي وقع من موسى لآدم ﵉","level":2,"page":159},{"title":"العبد بين المقدور والمأمور","level":2,"page":162},{"title":"الأوجه التى تؤيد أن اللوم من موسى كان علي مصيبة الخروج من الجنة","level":2,"page":165},{"title":"هل يحتج بالقدر على المعايب؟","level":2,"page":165},{"title":"تحريف أهل البدع لحديث احتجاج آدم وموسى","level":2,"page":166},{"title":"حديث الاحتجاج بين المدرسة الجبرية والمدرسة القدرية","level":2,"page":172},{"title":"الحديث السابع: بذل الأمل شرح حديث على ما كان من العمل","level":1,"page":177},{"title":"أركان يبنى عليها التوحيد","level":2,"page":179},{"title":"أنواع التوحيد","level":2,"page":180},{"title":"أدلة الكتاب والسنة علي وجود الجنة والنار","level":2,"page":189},{"title":"هل تفنى الجنة والنار؟","level":2,"page":193},{"title":"الرد على الفرق المخالفة في حديث الباب","level":2,"page":204},{"title":"الحديث الثامن: إتحاف الجماعة شرح حديث أسعد الناس بالشفاعة","level":1,"page":206},{"title":"أدلة الشفاعة وأهم أقسامها","level":2,"page":208},{"title":"شبهات نفاة الشفاعة لأصحاب الكبائر","level":2,"page":214},{"title":"الرد على نفاة الشفاعة","level":2,"page":218},{"title":"الشبهات العقلية التي استدل بها نفاة الشفاعة والرد عليها","level":2,"page":230},{"title":"أمور تحصل بها شفاعة النبي ﷺ","level":2,"page":231},{"title":"الحديث التاسع: الفرقان في بيان حقيقة الإيمان","level":1,"page":235},{"title":"جنس العمل ركن في الإيمان، لا آحاده، إلا بدليل","level":2,"page":244},{"title":"الإيمان يزيد وينقص، وأهم أدلة ذلك","level":2,"page":244},{"title":"الإيمان عند فرق المرجئة والرد عليهم","level":2,"page":247},{"title":"الإيمان عند الأشاعرة والماتريدية والرد عليهم","level":2,"page":252},{"title":"شبهات أخرى لكافة فرق مرجئة والرد عليها","level":2,"page":264},{"title":"الإيمان عند الخوارج والمعتزلة والرد عليهم","level":2,"page":266},{"title":"مسألة الاستثناء فى الإيمان، والراجح في ذلك","level":2,"page":268},{"title":"الحديث العاشر: تبيين المحظور في اتخاذ المساجد على القبور","level":1,"page":272},{"title":"كيف بدأ شرك القبور؟","level":2,"page":274},{"title":"على درب السابقين سار اللاحقون","level":2,"page":278},{"title":"صور اتخاذ القبور مساجد","level":2,"page":280},{"title":"حكم المساجد التي بنيت علي القبور، وحكم الصلاة فيها","level":2,"page":283},{"title":"شبهات المجوزين لبناء المساجد على القبور والرد عليها","level":2,"page":287},{"title":"الحديث الحادى عشر: حلة الكرامة شرح حديث \"هل نرى ربنا يوم القيامة؟ \"","level":1,"page":295},{"title":"الأدلة الشرعية والعقلية على إثبات الرؤية","level":2,"page":297},{"title":"المخالفون لأهل السنة في باب الرؤية","level":2,"page":297},{"title":"شبهات نفاة رؤية الله -تعالى- والرد عليها","level":2,"page":307},{"title":"أهم الأسباب الجالبة لرؤية الله -تعالى- في الآخرة","level":2,"page":323},{"title":"رؤية الكافرين لربهم يوم القيامة، والراجح في ذلك","level":2,"page":325},{"title":"رؤية النساء لربهم في الجنة","level":2,"page":330},{"title":"أقوال العلماء في فيما يستحقه من أنكر الرؤية","level":2,"page":331},{"title":"الحديث الثانى عشر: إعلام الطالبين بفوائد حديث السبعين","level":1,"page":333},{"title":"شروط الرقية الشرعية وطرقها الصحيحة","level":2,"page":340},{"title":"ما هو حكم الكي؟","level":2,"page":347},{"title":"هل الطيرة شرك أكبر أم أصغر؟","level":2,"page":350},{"title":"اختلاف العلماء في تأويل حديث (إنما الشؤم في ثلاثة)","level":2,"page":353},{"title":"حكم التوكل على غير الله ﷿","level":2,"page":359},{"title":"هل التوكل ينافي الأخذ بالأسباب؟","level":2,"page":359},{"title":"جواز استخدام المعاريض","level":2,"page":366},{"title":"هل الرؤى المنامية تصلح أن تكون مصدرا للأحكام الشرعية؟","level":2,"page":368},{"title":"حكم التداوي","level":2,"page":371},{"title":"الحديث الثالث عشر: بيان المسلمات في شرح \"حديث قلت بعدك أربع كلمات","level":1,"page":375},{"title":"إثبات صفة الكلام لله تعالى","level":2,"page":376},{"title":"أدلة الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن كلام الله غير مخلوق","level":2,"page":381},{"title":"تاريخ محنة الأمة","level":2,"page":385},{"title":"أقوال الفرق المخالفة والرد عليهم","level":2,"page":388},{"title":"مسألة اللفظية وحكمها","level":2,"page":395},{"title":"حكم من قال بخلق القرآن","level":2,"page":405},{"title":"الشبهات التي استدل بها من قال بخلق القرآن والرد عليها","level":2,"page":411},{"title":"الحديث الرابع عشر: حصد الفكرة شرح حديث كل مولود يولد على الفطرة","level":1,"page":416},{"title":"المواثيق الأربعة التي أخذها الله -تعالى- علي عباده","level":2,"page":417},{"title":"أدلة ميثاق الذر، وهل هو نفسه ميثاق الفطرة","level":2,"page":417},{"title":"أدلة ميثاق الفطرة","level":2,"page":419},{"title":"أدلة ميثاق الرسل","level":2,"page":424},{"title":"الميثاق الرابع \" الخاص بالنبيين\"","level":2,"page":425},{"title":"حكم أطفال المشركين، والراجح فيهم","level":2,"page":425},{"title":"الحديث الخامس عشر: منحة الغافر شرح حديث أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر","level":1,"page":445},{"title":"اختلاف أحوال العباد عند نزول المطر","level":2,"page":447},{"title":"أصل الأنواء","level":2,"page":454},{"title":"حكم من نسب المطر إلى النوء","level":2,"page":455},{"title":"حكم توقعات نشرات الطقس لنزول الأمطار","level":2,"page":462},{"title":"الحديث السادس عشر: البشارة بشرح حديث الإشارة","level":1,"page":464},{"title":"معتقد أهل السنة في أسماء الله تعالى","level":2,"page":466},{"title":"أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل على إثبات الأسماء والصفات","level":2,"page":466},{"title":"نفاة الأسماء والصفات الإلهية، وأهم شبهاتهم والرد عليهم","level":2,"page":470},{"title":"هل الصفات هي الله - تعالى- أم غيره؟","level":2,"page":487},{"title":"هل تشرع الإشارة في أحاديث الصفات؟","level":2,"page":495},{"title":"الحديث السابع عشر: التنبيه والإيماء شرح حديث لا تحلفوا بالأباء","level":1,"page":501},{"title":"حكم الحلف بغير الله تعالى","level":2,"page":506},{"title":"اليمين تنعقد بالله وصفاته العلية","level":2,"page":508},{"title":"الحلف بغير الله -تعالى- لا ينعقد به اليمين وكفارة ذلك","level":2,"page":510},{"title":"الرد على إشكال قسم الله -تعالي- بمخلوقاته","level":2,"page":513},{"title":"الرد على الإشكال في قوله ﷺ: \"أفلح وأبيه \"","level":2,"page":514},{"title":"الحديث الثامن عشر: الغرة والتحجيل بشرح حديث جبريل","level":1,"page":518},{"title":"أقسام التبرؤ في الشرع","level":2,"page":523},{"title":"أركان التوحيد وأصوله","level":2,"page":536},{"title":"أقسام الإيمان بالله تعالى","level":2,"page":537},{"title":"الإيمان بالملائكة","level":2,"page":540},{"title":"الإيمان بالكتب","level":2,"page":542},{"title":"الإيمان بالرسل واليوم الآخر","level":2,"page":545},{"title":"الحديث التاسع عشر: الموالاة بين التفريط والمغالاة \"نظرة على حديث حاطب","level":1,"page":559},{"title":"\"توجيهات قوله -ﷺ- عن رب العزة: \"اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم\"","level":2,"page":566},{"title":"حكم موالاة الكافرين، وتفصيل الحكم في ذلك","level":2,"page":573},{"title":"المظاهرة منها ما هو ردة، ومنها ما يكون كبيرة","level":2,"page":573},{"title":"هل حديث الباب قد يكون فيه موافقة للمرجئة؟","level":2,"page":573},{"title":"أمور مستثناه من الموالاة التى حرمها الشارع","level":2,"page":578},{"title":"الحديث العشرون: التوضيح شرح حديث نزول المسيح","level":1,"page":582},{"title":"معنى قوله -تعالى - عن عيسى: \" وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه\"","level":2,"page":585},{"title":"الإشارات القرآنية الدالة على نزول عيسى ﵇","level":2,"page":589},{"title":"الرد على القول بأن أحاديث نزول المسيح -﵇أحاديث آحاد","level":2,"page":597},{"title":"الرد على شبهة من يقول أن الله -تعالى - قد توفى عيسى -﵇- قبل رفعه إليه","level":2,"page":602},{"title":"قوله تعالى: ﴿قبل موته﴾ هل يعود على عيسى ﵇، أم على الكتابى؟","level":2,"page":603},{"title":"وفاة المسيح ﵇","level":2,"page":607},{"title":"الحديث الحادى والعشرون: السنة الجارية شرح حديث الجارية","level":1,"page":609},{"title":"إثبات صفة العلو لله ﷿ بالكتاب والسنة والإجماع","level":2,"page":610},{"title":"أقوال المخالفين في هذا الباب والرد عليهم","level":2,"page":617},{"title":"هل يصح إطلاق لفظ المكان والجهة في حق الله تعالى؟","level":2,"page":617},{"title":"الرد على القول بأن من لوازم إثبات العلو لله -تعالى - أن يكون متحيزا وذا جهة","level":2,"page":631},{"title":"شبهات أهل التحريف في رد حديث الجارية والرد عليها","level":2,"page":634},{"title":"الحديث الثانى والعشرون: كشف الالتباس عن حديث أمرت أن أقاتل الناس","level":1,"page":642},{"title":"هل كان تنصيب أبى بكر الصديق - ﵁ - للخلافة بالتنصيص، أم بالاختيار؟","level":2,"page":644},{"title":"الرد على زعم الرافضة أن أبا بكر - ﵁ - قد سبى المسلمين في قتال مانعي الزكاة","level":2,"page":652},{"title":"الأدلة الشرعية على قتال من التزم الشهادتين دون شريعة من شرائع الإسلام","level":2,"page":655},{"title":"تفسير قوله ﷺ: \" وحسابه على الله \"","level":2,"page":658},{"title":"الرد على من قال أن حديث الباب يوجب قتال الناس لإكراههم على الدخول في الإسلام","level":2,"page":660},{"title":"الحديث الثالث والعشرون: فتح البصير في بيان ما توسل به الضرير","level":1,"page":663},{"title":"أقسام التوسل وأحكامه","level":2,"page":666},{"title":"حكم طلب شفاعته ﷺ بعد موته","level":2,"page":674},{"title":"التوسل المختلف فيه","level":2,"page":675},{"title":"الحديث الرابع والعشرون: بيان الحكم في شرح حديث إن الله هو الحكم","level":1,"page":690},{"title":"الدليل من الكتاب والسنة على إثبات صفة \" الحكم \" لله عزوجل","level":2,"page":691},{"title":"الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله شركا","level":2,"page":693},{"title":"شبهات في مسألة الحاكمية والرد عليها","level":2,"page":709},{"title":"فتاوى أهل العلم المعاصرين في قضية الحاكمية","level":2,"page":716},{"title":"الحديث الخامس والعشرون: ذات العماد شرح حديث حق الله على العباد","level":1,"page":721},{"title":"قول المعتزلة والأشاعرة في مسألة الواجب على اللهوالرد عليهم","level":2,"page":724},{"title":"احتجاج المرجئة بحديث الباب في دعواهم أنه لا يضر مع الإيمان ذنب والرد عليهم","level":2,"page":735},{"title":"أحاديث الوعيد التي بنى عليها الخوارج والمعتزلة دعواهم الباطلة في تخليد أصحاب الكبيرة في النار","level":2,"page":744},{"title":"مسالك الجمع بين أحاديث الوعد والوعيد","level":2,"page":744},{"title":"الحديث السادس والعشرون: المشكاة في شرح حديث لا تعجز واستعن بالله","level":1,"page":754},{"title":"معنى المؤمن القوي وعلاماته","level":2,"page":756},{"title":"أدلة المجوزون للاستعانة الشركية، والرد عليها","level":2,"page":765},{"title":"حكم الاستعانة بالجن المسلم، والراجح فى ذلك","level":2,"page":767},{"title":"الحديث السابع والعشرون: بيان الحق نفسه في شرح حديث أينا لم يظلم نفسه","level":1,"page":773},{"title":"أقسام الظلم","level":2,"page":777},{"title":"حالات تحقيق العلاقة بين وقوع الظلم وتحقق الأمن والاهتداء","level":2,"page":779},{"title":"قول المخالفين في تعريف الظلم، والرد عليهم","level":2,"page":781},{"title":"الرد على من يقول الخلق ملك لله تعالى، فله أن يفعل فيه ما شاء","level":2,"page":781},{"title":"الرد على قولهم بأن \" الظلم الذى نفاه الله - تعالى - عن نفسه ممتنع لذاته \"","level":2,"page":787},{"title":"الحديث الثامن والعشرون: ضوء الثريا شرح حديث من عادى لى وليا","level":1,"page":789},{"title":"معنى الولاية عند الأشاعرة","level":2,"page":796},{"title":"احتجاج أهل البدع بحديث الباب بأن الله يحل في مخلوقاته","level":2,"page":799},{"title":"هل يوصف الله -تعالى- بصفة التردد؟","level":2,"page":808},{"title":"لا تعارض بين كون العبد وليا وكونه يكره الموت","level":2,"page":811},{"title":"الحديث التاسع والعشرون: المعانى الراسيات شرح حديث إنى معلمك كلمات","level":1,"page":812},{"title":"أنواع حفظ أمر الله للعبد","level":2,"page":814},{"title":"الجمع بين قوله ﷺ \"احفظ الله يحفظك \"، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن","level":2,"page":818},{"title":"الجمع بين قوله ﷺ رفعت الأقلام، وبين ما ظاهره التعارض من الأدلة الأخرى","level":2,"page":827},{"title":"أصل القضاء لا يعارض العمل","level":2,"page":829},{"title":"الحديث الثلاثون: نثر الجمان بفوائد حديث إنهما ليعذبان","level":1,"page":831},{"title":"أذلة الكتاب والسنة والإجماع على إثبات عذاب القبر","level":2,"page":832},{"title":"هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن؟","level":2,"page":839},{"title":"هل أنكر جمهور المعتزلة والأشاعرة عذاب القبر؟","level":2,"page":842},{"title":"حديث الباب أحد الأدلة التى تدحض منهج المرجئة والخوارج","level":2,"page":849},{"title":"حكم غرس الجريد عند القبر وبيان الراجح في ذلك","level":2,"page":853},{"title":"أدلة منع قراءة القرآن للميت عند القبر","level":2,"page":853},{"title":"الحديث الحادي والثلاثون: بلوغ الربى شرح حديث ضحك النبي تعجبا","level":1,"page":856},{"title":"أدلة إثبات صفة اليدين لله ﷿","level":2,"page":858},{"title":"إثبات الأنامل والكف واليمين لله ﷿","level":2,"page":860},{"title":"هل لله - تعالى- شمال؟ مع بيان الراجح فى ذلك","level":2,"page":861},{"title":"المخالفون لأهل السنة والجماعة في إثبات صفة اليدين","level":2,"page":864},{"title":"شبهات المخالفين في تحريفهم لليد أنها النعمة أو القدرة، والرد على ذلك","level":2,"page":864},{"title":"الرد على الذين يرمون أهل السنة بأنهم حشوية مجسمة","level":2,"page":873},{"title":"الحديث الثانى والثلاثون: فتح الأعز الأكرم شرح حديث أي الذنب أعظم","level":1,"page":879},{"title":"من أتى خلاف المعهود تجاوزت عاقبته الحدود","level":2,"page":880},{"title":"العلاقة بين أقسام التوحيد الثلاثة","level":2,"page":884},{"title":"تعريف الشرك وأقسامه والفرق بينها","level":2,"page":889},{"title":"هل اتخاذ الأنداد مع الله -تعالى- يعد من الشرك الأكبر، أم من الشرك الأصغر؟","level":2,"page":892},{"title":"الحديث الثالث والثلاثون: تلخيص الخطاب شرح حديث إنك تأتى أهل كتاب","level":1,"page":902},{"title":"بيان أول الواجبات على المكلف","level":2,"page":904},{"title":"مخالفة جماعة المعتزلة والأشاعرة والشيعة الإمامية لذلك","level":2,"page":904},{"title":"الفطرة دالة على نقض مذهب المتكلمين","level":2,"page":910},{"title":"أنواع التقليد فى الواجبات الشرعية","level":2,"page":912},{"title":"أدلة الكتاب والسنة والإجماع أن خبر الآحاد حجة فى الاعتقاد","level":2,"page":913},{"title":"اللوازم الباطلة لرد خبر الآحاد في مسائل الاعتقاد","level":2,"page":919},{"title":"التناقض البين عند القوم في رد خبر الآحاد","level":2,"page":922},{"title":"الحديث الرابع والثلاثون: درء الخوض في رد أحاديث الحوض","level":1,"page":925},{"title":"إثبات الحوض النبي وبيان أول من يرد عليه","level":2,"page":926},{"title":"صفة الحوض وبيان موضعه يوم القيامة","level":2,"page":929},{"title":"تحريف الخوارج والرافضة لحديث الباب والرد عليهم","level":2,"page":932},{"title":"ثبوت عدالة الصحابة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة","level":2,"page":942},{"title":"حكم سب الصحابة ﵃","level":2,"page":945},{"title":"الفرق بين الحوض والكوثر","level":2,"page":951},{"title":"الحديث الخامس والثلاثون: البيان والتتمة شرح حديث يكون بعدى أئمة","level":1,"page":953},{"title":"تعريف الإمامة وأهمية تنصيب الإمام","level":2,"page":955},{"title":"أدلة وجوب تنصيب الإمام وطرق ذلك","level":2,"page":957},{"title":"شبهات الروافض في أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة، والرد عليها","level":2,"page":970},{"title":"أدلة الشرع على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور","level":2,"page":972},{"title":"الرد على قولهم أن الطاعة لا تكون إلا لولي الأمر الذي يقوم على حفظ الدين","level":2,"page":977},{"title":"أدلة النهى عن الخروج على أئمة الجور","level":2,"page":988},{"title":"وسطية الأمة مع الأئمة","level":2,"page":988},{"title":"الجواب على من يدعي أن البيعة لا تكون إلا للإمام الأعظم","level":2,"page":989},{"title":"الحديث السادس والثلاثون: ردع الجاني على حديث إن الله أفتاني","level":1,"page":991},{"title":"هل السحر حقيقة أم خيال؟","level":2,"page":993},{"title":"أدلة ثبوت السحر بالكتاب والسنة والإجماع","level":2,"page":994},{"title":"هل يقع بالسحر انقلاب العين أو لا؟","level":2,"page":999},{"title":"حكم الساحر، والتفصيل في ذلك","level":2,"page":1003},{"title":"المخالفون لأهل السنة في هذا الباب والرد عليهم","level":2,"page":1008},{"title":"معنى النشرة وحكم التداوى بها","level":2,"page":1013},{"title":"الحديث السابع والثلاثون: دليل البيداء شرح حديث أنا أغنى الشركاء","level":1,"page":1020},{"title":"الأدلة على أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجه تعالى","level":2,"page":1022},{"title":"هل الرياء مبطل للعمل؟","level":2,"page":1025},{"title":"الشرك الخفي أشد خطورة من المسيح الدجال","level":2,"page":1026},{"title":"أمور ليست من الرياء","level":2,"page":1031},{"title":"الحديث الثامن والثلاثون: نيل المأرب شرح حديث طلوع الشمس من المغرب","level":1,"page":1041},{"title":"إثبات طلوع الشمس من مغربها بالكتاب والسنة","level":2,"page":1042},{"title":"بيان الحكمة من طلوع الشمس من مغربها","level":2,"page":1049},{"title":"المخالفون في مسألة سجود الشمس، والرد عليهم","level":2,"page":1050},{"title":"نكتة اعتزالية والرد عليها","level":2,"page":1052},{"title":"أدلة ثبوت العرش بالكتاب والسنة والإجماع، وما ورد في صفته","level":2,"page":1053},{"title":"المخالفون لأهل السنة في ثبوت العرش، والرد عليهم","level":2,"page":1061},{"title":"المخالفون لأهل السنة في صفة الاستواء والرد عليهم","level":2,"page":1065},{"title":"الحديث التاسع والثلاثون: بذل الطاقة شرح حديث صاحب البطاقة","level":1,"page":1076},{"title":"أدلة الشرع على إثبات الميزان","level":2,"page":1078},{"title":"المخالفون لأهل السنة في إثبات الميزان والرد عليهم","level":2,"page":1080},{"title":"أليس تأويل الميزان بالعدل يستقيم لغة؟","level":2,"page":1084},{"title":"ما الذي يوزن في الميزان يوم القيامة؟","level":2,"page":1087},{"title":"ما الحكمة من نصب الموازين، مع كونه عزوجل وسع علمه أعمال العباد ومآلاتهم؟","level":2,"page":1089},{"title":"حكم من مات على الشرك الأصغر","level":2,"page":1095},{"title":"الحديث الأربعون: مسك الختام شرح حديث إن الله لا ينام","level":1,"page":1103},{"title":"القاعدة في نفي صفات النقص عن الله تعالى","level":2,"page":1105},{"title":"المراد بقوله ﷺ: \"حجابه النور\"","level":2,"page":1108},{"title":"الأدلة على نفي رؤية العباد لربهم في الدنيا","level":2,"page":1113},{"title":"النور من أسماء الله تعالى","level":2,"page":1117},{"title":"إثبات صفة الوجه لله تعالى، والرد على شبهات النفاة في ذلك","level":2,"page":1126}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,55":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55,"1,64":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,83":74,"1,85":75,"1,86":76,"1,87":77,"1,88":78,"1,89":79,"1,90":80,"1,91":81,"1,92":82,"1,93":83,"1,94":84,"1,95":85,"1,96":86,"1,97":87,"1,98":88,"1,99":89,"1,100":90,"1,101":91,"1,102":92,"1,103":93,"1,104":94,"1,105":95,"1,106":96,"1,107":97,"1,109":98,"1,111":99,"1,112":100,"1,113":101,"1,114":102,"1,115":103,"1,116":104,"1,117":105,"1,118":106,"1,119":107,"1,120":108,"1,121":109,"1,122":110,"1,123":111,"1,124":112,"1,125":113,"1,126":114,"1,127":115,"1,128":116,"1,129":117,"1,130":118,"1,131":119,"1,132":120,"1,133":121,"1,134":122,"1,135":123,"1,136":124,"1,137":125,"1,138":126,"1,139":127,"1,140":128,"1,141":129,"1,142":130,"1,143":131,"1,144":132,"1,145":133,"1,146":134,"1,147":135,"1,148":136,"1,149":137,"1,151":138,"1,152":139,"1,153":140,"1,154":141,"1,155":142,"1,156":143,"1,158":144,"1,159":145,"1,160":146,"1,161":147,"1,162":148,"1,163":149,"1,164":150,"1,165":151,"1,166":152,"1,167":153,"1,168":154,"1,169":155,"1,171":156,"1,172":157,"1,173":158,"1,174":159,"1,175":160,"1,176":161,"1,177":162,"1,178":163,"1,179":164,"1,180":165,"1,181":166,"1,182":167,"1,183":168,"1,184":169,"1,185":170,"1,186":171,"1,187":172,"1,188":173,"1,189":174,"1,190":175,"1,191":176,"1,193":177,"1,195":178,"1,196":179,"1,197":180,"1,198":181,"1,199":182,"1,200":183,"1,201":184,"1,202":185,"1,203":186,"1,204":187,"1,205":188,"1,206":189,"1,207":190,"1,208":191,"1,209":192,"1,210":193,"1,211":194,"1,212":195,"1,213":196,"1,214":197,"1,215":198,"1,216":199,"1,217":200,"1,218":201,"1,219":202,"1,220":203,"1,221":204,"1,222":205,"1,223":206,"1,225":207,"1,226":208,"1,227":209,"1,228":210,"1,229":211,"1,230":212,"1,231":213,"1,232":214,"1,233":215,"1,234":216,"1,235":217,"1,236":218,"1,237":219,"1,238":220,"1,239":221,"1,240":222,"1,241":223,"1,242":224,"1,243":225,"1,244":226,"1,245":227,"1,246":228,"1,247":229,"1,248":230,"1,249":231,"1,250":232,"1,251":233,"1,252":234,"1,253":235,"1,255":236,"1,256":237,"1,257":238,"1,258":239,"1,259":240,"1,260":241,"1,261":242,"1,262":243,"1,263":244,"1,264":245,"1,265":246,"1,266":247,"1,267":248,"1,268":249,"1,269":250,"1,270":251,"1,271":252,"1,272":253,"1,273":254,"1,274":255,"1,275":256,"1,276":257,"1,277":258,"1,278":259,"1,279":260,"1,280":261,"1,281":262,"1,282":263,"1,283":264,"1,284":265,"1,285":266,"1,286":267,"1,287":268,"1,288":269,"1,289":270,"1,290":271,"1,291":272,"1,293":273,"1,294":274,"1,295":275,"1,296":276,"1,297":277,"1,298":278,"1,299":279,"1,300":280,"1,301":281,"1,302":282,"1,303":283,"1,304":284,"1,305":285,"1,306":286,"1,307":287,"1,308":288,"1,309":289,"1,310":290,"1,311":291,"1,312":292,"1,313":293,"1,314":294,"1,315":295,"1,317":296,"1,318":297,"1,319":298,"1,320":299,"1,321":300,"1,322":301,"1,323":302,"1,324":303,"1,325":304,"1,326":305,"1,327":306,"1,328":307,"1,329":308,"1,330":309,"1,331":310,"1,332":311,"1,333":312,"1,334":313,"1,335":314,"1,336":315,"1,337":316,"1,338":317,"1,339":318,"1,340":319,"1,341":320,"1,342":321,"1,343":322,"1,344":323,"1,345":324,"1,346":325,"1,347":326,"1,348":327,"1,349":328,"1,350":329,"1,351":330,"1,352":331,"1,353":332,"1,355":333,"1,357":334,"1,358":335,"1,359":336,"1,360":337,"1,361":338,"1,362":339,"1,363":340,"1,364":341,"1,365":342,"1,366":343,"1,367":344,"1,368":345,"1,369":346,"1,370":347,"1,371":348,"1,372":349,"1,373":350,"1,374":351,"1,375":352,"1,376":353,"1,377":354,"1,378":355,"1,379":356,"1,380":357,"1,381":358,"1,382":359,"1,383":360,"1,384":361,"1,385":362,"1,386":363,"1,387":364,"1,388":365,"1,389":366,"1,390":367,"1,391":368,"1,392":369,"1,393":370,"1,394":371,"1,395":372,"1,396":373,"1,397":374,"1,399":375,"1,401":376,"1,402":377,"1,403":378,"1,404":379,"1,405":380,"1,406":381,"1,407":382,"1,408":383,"1,409":384,"1,410":385,"1,411":386,"1,412":387,"1,413":388,"1,414":389,"1,415":390,"1,416":391,"1,417":392,"1,418":393,"1,419":394,"1,420":395,"1,421":396,"1,422":397,"1,423":398,"1,424":399,"1,425":400,"1,426":401,"1,427":402,"1,428":403,"1,429":404,"1,430":405,"1,431":406,"1,432":407,"1,433":408,"1,434":409,"1,435":410,"1,436":411,"1,437":412,"1,438":413,"1,439":414,"1,440":415,"1,441":416,"1,443":417,"1,444":418,"1,445":419,"1,446":420,"1,447":421,"1,448":422,"1,449":423,"1,450":424,"1,451":425,"1,452":426,"1,453":427,"1,454":428,"1,455":429,"1,456":430,"1,457":431,"1,458":432,"1,459":433,"1,460":434,"1,461":435,"1,462":436,"1,463":437,"1,464":438,"1,465":439,"1,466":440,"1,467":441,"1,468":442,"1,469":443,"1,470":444,"1,471":445,"1,473":446,"1,474":447,"1,475":448,"1,476":449,"1,477":450,"1,478":451,"1,479":452,"1,480":453,"1,481":454,"1,482":455,"1,483":456,"1,484":457,"1,485":458,"1,486":459,"1,487":460,"1,488":461,"1,489":462,"1,490":463,"1,491":464,"1,493":465,"1,494":466,"1,495":467,"1,496":468,"1,497":469,"1,498":470,"1,499":471,"1,500":472,"1,501":473,"1,502":474,"1,503":475,"1,504":476,"1,505":477,"1,506":478,"1,507":479,"1,508":480,"1,509":481,"1,510":482,"1,511":483,"1,512":484,"1,513":485,"1,514":486,"1,515":487,"1,516":488,"1,517":489,"1,518":490,"1,519":491,"1,520":492,"1,521":493,"1,522":494,"1,523":495,"1,524":496,"1,525":497,"1,526":498,"1,527":499,"1,528":500,"1,529":501,"1,531":502,"1,532":503,"1,533":504,"1,534":505,"1,535":506,"1,536":507,"1,537":508,"1,538":509,"1,539":510,"1,540":511,"1,541":512,"1,542":513,"1,543":514,"1,544":515,"1,545":516,"1,546":517,"1,547":518,"1,549":519,"1,550":520,"1,551":521,"1,552":522,"1,553":523,"1,554":524,"1,555":525,"1,556":526,"1,557":527,"1,558":528,"1,559":529,"1,560":530,"1,561":531,"1,562":532,"1,563":533,"1,564":534,"1,565":535,"1,566":536,"1,567":537,"1,568":538,"1,569":539,"1,570":540,"1,571":541,"1,572":542,"1,573":543,"1,574":544,"1,575":545,"1,576":546,"1,577":547,"1,578":548,"1,579":549,"1,580":550,"1,581":551,"1,582":552,"1,583":553,"1,584":554,"1,585":555,"1,586":556,"1,587":557,"1,588":558,"1,589":559,"1,591":560,"1,592":561,"1,593":562,"1,594":563,"1,595":564,"1,596":565,"1,597":566,"1,598":567,"1,599":568,"1,600":569,"1,601":570,"1,602":571,"1,603":572,"1,604":573,"1,605":574,"1,606":575,"1,607":576,"1,608":577,"1,609":578,"1,610":579,"1,611":580,"1,612":581,"1,613":582,"1,615":583,"1,616":584,"1,617":585,"1,618":586,"1,619":587,"1,620":588,"1,621":589,"1,622":590,"1,623":591,"1,624":592,"1,625":593,"1,626":594,"1,627":595,"1,628":596,"1,629":597,"1,630":598,"1,631":599,"1,632":600,"1,633":601,"1,634":602,"1,635":603,"1,636":604,"1,637":605,"1,638":606,"1,639":607,"1,640":608,"2,645":609,"2,647":610,"2,648":611,"2,649":612,"2,650":613,"2,651":614,"2,652":615,"2,653":616,"2,654":617,"2,655":618,"2,656":619,"2,657":620,"2,658":621,"2,659":622,"2,660":623,"2,661":624,"2,662":625,"2,663":626,"2,664":627,"2,665":628,"2,666":629,"2,667":630,"2,668":631,"2,669":632,"2,670":633,"2,671":634,"2,672":635,"2,673":636,"2,674":637,"2,675":638,"2,676":639,"2,677":640,"2,678":641,"2,679":642,"2,681":643,"2,682":644,"2,683":645,"2,684":646,"2,685":647,"2,686":648,"2,687":649,"2,688":650,"2,689":651,"2,690":652,"2,691":653,"2,692":654,"2,693":655,"2,694":656,"2,695":657,"2,696":658,"2,697":659,"2,698":660,"2,699":661,"2,700":662,"2,701":663,"2,703":664,"2,704":665,"2,705":666,"2,706":667,"2,707":668,"2,708":669,"2,709":670,"2,710":671,"2,711":672,"2,712":673,"2,713":674,"2,714":675,"2,715":676,"2,716":677,"2,717":678,"2,718":679,"2,719":680,"2,720":681,"2,721":682,"2,722":683,"2,723":684,"2,724":685,"2,725":686,"2,726":687,"2,727":688,"2,728":689,"2,729":690,"2,731":691,"2,732":692,"2,733":693,"2,734":694,"2,735":695,"2,736":696,"2,737":697,"2,738":698,"2,739":699,"2,740":700,"2,741":701,"2,742":702,"2,743":703,"2,744":704,"2,745":705,"2,746":706,"2,747":707,"2,748":708,"2,749":709,"2,750":710,"2,751":711,"2,752":712,"2,753":713,"2,754":714,"2,755":715,"2,756":716,"2,757":717,"2,758":718,"2,759":719,"2,760":720,"2,761":721,"2,763":722,"2,764":723,"2,765":724,"2,766":725,"2,767":726,"2,768":727,"2,769":728,"2,770":729,"2,771":730,"2,772":731,"2,773":732,"2,774":733,"2,775":734,"2,776":735,"2,777":736,"2,778":737,"2,779":738,"2,780":739,"2,781":740,"2,782":741,"2,783":742,"2,784":743,"2,785":744,"2,786":745,"2,787":746,"2,788":747,"2,789":748,"2,790":749,"2,791":750,"2,792":751,"2,793":752,"2,794":753,"2,795":754,"2,797":755,"2,798":756,"2,799":757,"2,800":758,"2,801":759,"2,802":760,"2,803":761,"2,804":762,"2,805":763,"2,806":764,"2,807":765,"2,808":766,"2,809":767,"2,810":768,"2,811":769,"2,812":770,"2,813":771,"2,814":772,"2,815":773,"2,817":774,"2,818":775,"2,819":776,"2,820":777,"2,821":778,"2,822":779,"2,823":780,"2,824":781,"2,825":782,"2,826":783,"2,827":784,"2,828":785,"2,829":786,"2,830":787,"2,831":788,"2,833":789,"2,835":790,"2,836":791,"2,837":792,"2,838":793,"2,839":794,"2,840":795,"2,841":796,"2,842":797,"2,843":798,"2,844":799,"2,845":800,"2,846":801,"2,847":802,"2,848":803,"2,849":804,"2,850":805,"2,851":806,"2,852":807,"2,853":808,"2,854":809,"2,855":810,"2,856":811,"2,857":812,"2,859":813,"2,860":814,"2,861":815,"2,862":816,"2,863":817,"2,864":818,"2,865":819,"2,866":820,"2,867":821,"2,868":822,"2,869":823,"2,870":824,"2,871":825,"2,872":826,"2,873":827,"2,874":828,"2,875":829,"2,876":830,"2,877":831,"2,879":832,"2,880":833,"2,881":834,"2,882":835,"2,883":836,"2,884":837,"2,885":838,"2,886":839,"2,887":840,"2,888":841,"2,889":842,"2,892":843,"2,893":844,"2,894":845,"2,895":846,"2,896":847,"2,897":848,"2,898":849,"2,899":850,"2,900":851,"2,901":852,"2,902":853,"2,903":854,"2,904":855,"2,905":856,"2,907":857,"2,908":858,"2,909":859,"2,910":860,"2,911":861,"2,912":862,"2,913":863,"2,914":864,"2,915":865,"2,916":866,"2,917":867,"2,918":868,"2,919":869,"2,920":870,"2,921":871,"2,922":872,"2,923":873,"2,924":874,"2,925":875,"2,926":876,"2,927":877,"2,928":878,"2,929":879,"2,931":880,"2,932":881,"2,933":882,"2,934":883,"2,935":884,"2,936":885,"2,937":886,"2,938":887,"2,939":888,"2,940":889,"2,941":890,"2,942":891,"2,943":892,"2,944":893,"2,945":894,"2,946":895,"2,947":896,"2,948":897,"2,949":898,"2,950":899,"2,951":900,"2,952":901,"2,953":902,"2,955":903,"2,956":904,"2,957":905,"2,958":906,"2,959":907,"2,960":908,"2,961":909,"2,962":910,"2,963":911,"2,964":912,"2,965":913,"2,966":914,"2,967":915,"2,968":916,"2,969":917,"2,970":918,"2,971":919,"2,972":920,"2,973":921,"2,974":922,"2,975":923,"2,976":924,"2,977":925,"2,979":926,"2,980":927,"2,981":928,"2,982":929,"2,983":930,"2,984":931,"2,985":932,"2,986":933,"2,987":934,"2,988":935,"2,989":936,"2,990":937,"2,991":938,"2,992":939,"2,993":940,"2,994":941,"2,995":942,"2,996":943,"2,997":944,"2,998":945,"2,999":946,"2,1000":947,"2,1001":948,"2,1002":949,"2,1003":950,"2,1004":951,"2,1005":952,"2,1007":953,"2,1009":954,"2,1010":955,"2,1011":956,"2,1012":957,"2,1013":958,"2,1014":959,"2,1015":960,"2,1016":961,"2,1017":962,"2,1018":963,"2,1019":964,"2,1020":965,"2,1021":966,"2,1022":967,"2,1023":968,"2,1024":969,"2,1025":970,"2,1026":971,"2,1027":972,"2,1028":973,"2,1029":974,"2,1030":975,"2,1031":976,"2,1032":977,"2,1033":978,"2,1034":979,"2,1035":980,"2,1036":981,"2,1037":982,"2,1038":983,"2,1039":984,"2,1040":985,"2,1041":986,"2,1042":987,"2,1043":988,"2,1044":989,"2,1045":990,"2,1047":991,"2,1049":992,"2,1050":993,"2,1051":994,"2,1052":995,"2,1053":996,"2,1054":997,"2,1055":998,"2,1056":999,"2,1057":1000,"2,1058":1001,"2,1059":1002,"2,1060":1003,"2,1061":1004,"2,1062":1005,"2,1063":1006,"2,1064":1007,"2,1065":1008,"2,1066":1009,"2,1067":1010,"2,1068":1011,"2,1069":1012,"2,1070":1013,"2,1071":1014,"2,1072":1015,"2,1073":1016,"2,1074":1017,"2,1075":1018,"2,1076":1019,"2,1077":1020,"2,1079":1021,"2,1080":1022,"2,1081":1023,"2,1082":1024,"2,1083":1025,"2,1084":1026,"2,1085":1027,"2,1086":1028,"2,1087":1029,"2,1088":1030,"2,1089":1031,"2,1090":1032,"2,1091":1033,"2,1092":1034,"2,1093":1035,"2,1094":1036,"2,1095":1037,"2,1096":1038,"2,1097":1039,"2,1098":1040,"2,1099":1041,"2,1101":1042,"2,1102":1043,"2,1103":1044,"2,1104":1045,"2,1105":1046,"2,1106":1047,"2,1107":1048,"2,1108":1049,"2,1109":1050,"2,1110":1051,"2,1111":1052,"2,1112":1053,"2,1113":1054,"2,1114":1055,"2,1115":1056,"2,1116":1057,"2,1117":1058,"2,1118":1059,"2,1119":1060,"2,1120":1061,"2,1121":1062,"2,1122":1063,"2,1123":1064,"2,1124":1065,"2,1125":1066,"2,1126":1067,"2,1127":1068,"2,1128":1069,"2,1129":1070,"2,1130":1071,"2,1131":1072,"2,1132":1073,"2,1133":1074,"2,1134":1075,"2,1135":1076,"2,1137":1077,"2,1138":1078,"2,1139":1079,"2,1140":1080,"2,1141":1081,"2,1142":1082,"2,1143":1083,"2,1144":1084,"2,1145":1085,"2,1146":1086,"2,1147":1087,"2,1148":1088,"2,1149":1089,"2,1150":1090,"2,1151":1091,"2,1152":1092,"2,1153":1093,"2,1154":1094,"2,1155":1095,"2,1156":1096,"2,1157":1097,"2,1158":1098,"2,1159":1099,"2,1160":1100,"2,1161":1101,"2,1162":1102,"2,1163":1103,"2,1165":1104,"2,1166":1105,"2,1167":1106,"2,1168":1107,"2,1169":1108,"2,1170":1109,"2,1171":1110,"2,1172":1111,"2,1173":1112,"2,1174":1113,"2,1175":1114,"2,1176":1115,"2,1177":1116,"2,1178":1117,"2,1179":1118,"2,1180":1119,"2,1181":1120,"2,1182":1121,"2,1183":1122,"2,1184":1123,"2,1185":1124,"2,1186":1125,"2,1187":1126},"ٜ":{"1":[4,640],"2":[645,1187]},"ٝ":["1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,55","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,83","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,109","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,193","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,355","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,399","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","2,645","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,833","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1007","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1047","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1084","2,1085","2,1086","2,1087","2,1088","2,1089","2,1090","2,1091","2,1092","2,1093","2,1094","2,1095","2,1096","2,1097","2,1098","2,1099","2,1101","2,1102","2,1103","2,1104","2,1105","2,1106","2,1107","2,1108","2,1109","2,1110","2,1111","2,1112","2,1113","2,1114","2,1115","2,1116","2,1117","2,1118","2,1119","2,1120","2,1121","2,1122","2,1123","2,1124","2,1125","2,1126","2,1127","2,1128","2,1129","2,1130","2,1131","2,1132","2,1133","2,1134","2,1135","2,1137","2,1138","2,1139","2,1140","2,1141","2,1142","2,1143","2,1144","2,1145","2,1146","2,1147","2,1148","2,1149","2,1150","2,1151","2,1152","2,1153","2,1154","2,1155","2,1156","2,1157","2,1158","2,1159","2,1160","2,1161","2,1162","2,1163","2,1165","2,1166","2,1167","2,1168","2,1169","2,1170","2,1171","2,1172","2,1173","2,1174","2,1175","2,1176","2,1177","2,1178","2,1179","2,1180","2,1181","2,1182","2,1183","2,1184","2,1185","2,1186","2,1187"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3],"13":[4,5],"17":[6],"18":[7],"21":[8],"23":[9],"26":[10],"32":[11],"40":[12],"43":[13],"45":[14],"48":[15],"51":[16],"52":[17],"53":[18,19],"58":[20],"62":[21],"63":[22],"66":[23],"68":[24,25],"74":[26],"75":[27],"76":[28],"79":[29],"81":[30],"85":[31],"89":[32],"90":[33],"93":[34],"98":[35],"100":[36],"106":[37],"108":[38],"125":[39],"129":[40],"133":[41],"137":[42],"138":[43,44],"140":[45],"153":[46],"155":[47],"156":[48],"159":[49],"162":[50],"165":[51,52],"166":[53],"172":[54],"177":[55],"179":[56],"180":[57],"189":[58],"193":[59],"204":[60],"206":[61],"208":[62],"214":[63],"218":[64],"230":[65],"231":[66],"235":[67],"244":[68,69],"247":[70],"252":[71],"264":[72],"266":[73],"268":[74],"272":[75],"274":[76],"278":[77],"280":[78],"283":[79],"287":[80],"295":[81],"297":[82,83],"307":[84],"323":[85],"325":[86],"330":[87],"331":[88],"333":[89],"340":[90],"347":[91],"350":[92],"353":[93],"359":[94,95],"366":[96],"368":[97],"371":[98],"375":[99],"376":[100],"381":[101],"385":[102],"388":[103],"395":[104],"405":[105],"411":[106],"416":[107],"417":[108,109],"419":[110],"424":[111],"425":[112,113],"445":[114],"447":[115],"454":[116],"455":[117],"462":[118],"464":[119],"466":[120,121],"470":[122],"487":[123],"495":[124],"501":[125],"506":[126],"508":[127],"510":[128],"513":[129],"514":[130],"518":[131],"523":[132],"536":[133],"537":[134],"540":[135],"542":[136],"545":[137],"559":[138],"566":[139],"573":[140,141,142],"578":[143],"582":[144],"585":[145],"589":[146],"597":[147],"602":[148],"603":[149],"607":[150],"609":[151],"610":[152],"617":[153,154],"631":[155],"634":[156],"642":[157],"644":[158],"652":[159],"655":[160],"658":[161],"660":[162],"663":[163],"666":[164],"674":[165],"675":[166],"690":[167],"691":[168],"693":[169],"709":[170],"716":[171],"721":[172],"724":[173],"735":[174],"744":[175,176],"754":[177],"756":[178],"765":[179],"767":[180],"773":[181],"777":[182],"779":[183],"781":[184,185],"787":[186],"789":[187],"796":[188],"799":[189],"808":[190],"811":[191],"812":[192],"814":[193],"818":[194],"827":[195],"829":[196],"831":[197],"832":[198],"839":[199],"842":[200],"849":[201],"853":[202,203],"856":[204],"858":[205],"860":[206],"861":[207],"864":[208,209],"873":[210],"879":[211],"880":[212],"884":[213],"889":[214],"892":[215],"902":[216],"904":[217,218],"910":[219],"912":[220],"913":[221],"919":[222],"922":[223],"925":[224],"926":[225],"929":[226],"932":[227],"942":[228],"945":[229],"951":[230],"953":[231],"955":[232],"957":[233],"970":[234],"972":[235],"977":[236],"988":[237,238],"989":[239],"991":[240],"993":[241],"994":[242],"999":[243],"1003":[244],"1008":[245],"1013":[246],"1020":[247],"1022":[248],"1025":[249],"1026":[250],"1031":[251],"1041":[252],"1042":[253],"1049":[254],"1050":[255],"1052":[256],"1053":[257],"1061":[258],"1065":[259],"1076":[260],"1078":[261],"1080":[262],"1084":[263],"1087":[264],"1089":[265],"1095":[266],"1103":[267],"1105":[268],"1108":[269],"1113":[270],"1117":[271],"1126":[272]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>إهداء</span>\nإلى من علَّمني حروفًا، فصارت غُيوثًا تموج بها أَسْطُرُ هذه الصفحات.\n* إلى أبي وأمي، إلى زوجتي وأبنائي، رُفَقاء دربي في المَضايق والمَسَرَّات.\n* إلى من واراه السِّتار، ولولا فضلهم -بعد الإله - ما رأى هذا السِّفْرُ نُور المنارات.\n** لهؤلاء أقول:\nعجز اللسان عن موافاة شكركم، فانبري لذلك القلم، فانتهى مِدادُهُ قبل أن يَصل إلى مبتغاه ومَداه.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تقديم فضيلة الشيخ الدكتور/ محمد حسن عبد الغفار - حفظه الله </span>-\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]\n ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]\n ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]\nإن خير الحديث، كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nأما بعد.. مما لا شك فيه، أن أهمية العقيدة للأمة الإسلامية لا يدانيها أهمية؛ فإن العقيدة أهميتها للقلب في سلامته وأستواءه، وهذا هو مدار القبول عند الله ﷿\nفإن الله ﷿ لا يقبل من العبد صرفًا ولا عدلًا، إلا إذا وافي ربه ﵎ بقلب سليم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] وقال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ","vol":"1","page":5},{"text":"رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] والقلب السليم، لا يكون إلا بالاعتقاد السليم.\nومن المستقرء في السنة الجارية، بين البشر أن الانحراف العقدي يؤثر سلبًا في الاعتقاد والعبادة، وعملًا وسلوكًا.\nوقد تفضَّل الأخ الكريم، أيمن إسماعيل في هذا الكتاب القيم، بذكر جملة من الأحاديث في أبواب الاعتقاد، جمعًا وتخريجًا وشرحًا، مع النظر في الملمح العقدي المهم الذي يستوي به القلب.\nوقد وقفت له في هذه الأحاديث على قاعدة قد جعلها نصب عينيه، وهذه القاعدة في الأصل هي قاعدة سلفية أصيلة، وهي أن الاعتقاد لا بد أن يتلو الاستدلال، ولذلك ما انحرف من انحرف من أهل البدع والضلالات إلا لما خالفوا هذا الأصل، فصاروا يعتقدون، ثم يستدلون، ولذا فقد عمدوا إلى أدلة الشرع؛ تحريفًا، وتبديلًا، وتقديمًا وتأخيرًا؛ لتوافق ما اعتقدوه، وصار من حرفتهم لي عنق الأدلة لتصير وفق أهوائهم.\nوختاما: نشكر أخانا الفاضل، على ما بذل من وسعه؛ في تقريب عقيدة السلف. ونسأل الله ﷿ أن يبارك جهده، وأن يجعل عمله خالصًا لوجه تعالي.\nفما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.\nكما نسأله تعالى أن ينفع به الأمة الإسلامية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\n* * *","vol":"1","page":6},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المقدّمة:</span>\nإنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفُسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسوله.\n ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nأمّا بعدُ:\nفإنّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله- تعالى-، وخير الهَدي هَديُ محمدﷺ-، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أمّا بعدُ\nفلا شكَّ أنّ أعظم زادٍ يلقى به العبد ربه- تعالى- يوم القيامة إنما هو صحة الاعتقاد في الله- تعالى- وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخِر.\nفمقام العقيدة مقام عظيم وخطير، فكم زلّت أقدام، وضلّت أفهام، وتشعبت فِرَق بسبب سوء الفهم واتباع الهوى.\nقال ابن القيّم:\n\"وهل أوقعَ القدَريّةَ والمُرجئةَ والخوارجَ والمعتزِلةَ والجَهْميةَ والرافضةَ وسائرَ الطوائف أهل البدع إلا سوءُ الفَهم عن الله ورسوله؟ حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجَب هذه الأفهام\". (^١)\nلِذا الواجبُ على كل مسلم أن يتعلم ما يُصلح به عقيدتَه، ولمَ لا؟ وهي رأس\n_________\n(^١) الروح (ص /٦٣).","vol":"1","page":7},{"text":"ماله وزادُه في مسيره إلى الله تعالى.\nقال تعالى:\n ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].\nوعن أنس﵁- عن النبيﷺ- أنه قال:\n «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ». (^١)\nفإن لم يكن طلب علم الاعتقاد فرضًا، فأيُّ علم يكون طلبه فرضًا بعد ذلك؟!\nويكفي في خطورة هذا الباب: أن الخطأ فيه ليس كالخطأ في غيره؛\nقال تعالى:\n ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].\nقال المُزَنِيّ:\n\"كنت عند الشافعي أُسائله عن مسائلَ بِلِسان أهل الكلام، قال: فجَعَلَ يسمعُ مني وينظرُ إليّ\nثم يُجيبُني عنها بأقصرِ جواب، فلما اكتفيت قال لي: يا بنيّ، أدلك على ما هو خير لك من هذا؟\nقلت: نعم، فقال:\n\"يا بنيّ، هذا علمٌ إن أنت أصبتَ فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه كَفَرْتَ\". (^٢)\nولما ذكر القُرطبي مسألة مهمة من مسائل إفراد الله- تعالى- بالعبادة، قال﵀-:\n\"وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه؛ لأنَّ جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهمْ ذلك\". (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤) وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٥)، وهو من حديث حفص بن سليمان. متروك، قال السخاوي: وحفص ضعيف جدًا، بل اتهمه بعضهم بالكذب والوضع. قال البيهقي: هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لا أعرف له إسنادًا يَثبت بمثله الحديث، والله أعلم.\nقال العراقي: قد صحح بعض الأئمة بعض طرق هذ الحديث. قال المزّي: إن طُرُقه تبلُغ به رتبة الحسن.\nتنبيه: قال السخاوي:\nقد ألحق بعض المصنفين بآخِرِ هذا الحديث زيادة \"ومُسْلِمَةٍ\"، وليس لها ذِكرٌ في شيء من طرقه، وإن كان معناها صحيحًا.\nوانظر المقاصد الحسنة (ص/٢٧٥)، والمدخل إلى السنن الكبرى (ص/٣٢٥)، ومأخذ العلم (ص/٥٩).\n (^٢) وانظر مناقب الشافعي (١/ ٤٦٠)، وطبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٩٨).\n (^٣) وانظر الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٧).","vol":"1","page":8},{"text":"فأرجى ما يلقى به العبد ربه﷿- أن يكون صحيح المعتقَد، فهذا سبيل النجاة.\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. قال مُجاهِد والحسَن: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يعني: من الشرك. وقال أبو عثمان النيسابوري: \"هو القلب الخالي من البدعة، المطْمئن إلى السنة\". (^١)\nوعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو﵄- أن رَسُولَ اللهِﷺ- قال:\n «إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟\nأَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟\nفَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ.\nقَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ». (^٢)\nوفي هذا المعنى قال ابن رجب:\n\"فإنْ كَملَ توحيدُ العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلِّها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت؛ أوجبَ ذلك مغفرةَ ما سلفَ من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكُلّية. فمن تحقَّق بكلمة التوحيد قلبه؛ أَخرجتْ منه كل ما سِوى اللهِ محبةً وتعظيمًا وإجلالًا ومهابةً وخشيةً ورجاءً وتوكلًا، وحينَئذٍ تَحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مِثل زَبَدِ البحر، ورُبّما قلَبتْها حسناتٍ\". (^٣)\nوقد حرَصتُ في هذا الكتاب على أن يشتمل في كل مبحث من مباحثه على أمور أربعة، بها يكمُل بنيان العقيدة في حياة طالب العلم:\nالأول: ذكر عقيدة أهل السنة في المسألة.\n_________\n(^١) وانظر جامع البيان في تأويل القرآن (١٩/ ٣٦٦)، وتفسير القرآن العظيم (٦/ ١٥٠).\n (^٢) أخرجه الترمذي (٢٦٣٩)، وقال: \"هذا حديث حسَن غريب \"، وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (ح: ١٣٥).\n (^٣) روائع التفسير (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":9},{"text":"الثاني: ذكر أدلة هذا المعتقَد من: الكتاب، والسنة، والإجماع، والنظَر.\nالثالث: ذكر شُبهات المخالفين لأهل السنة.\nالرابع: ذكر الرد على تلك الشبهات.\n* وهكذا يكون البناء العقَدي لطالب العلم مبنيًّا على ترسيخ التأسيس، وكشف التلبيس:\nترسيخ التأسيس: وذلك بمعرفة المعتقَد، ومعرفة أدلة هذا المعتقَد.\nكشف التلبيس: وذلك بالوقوف على شبهات المخالفين، الذين أبَوْا إلا أن يخالفوا نهج أهل السنة والجماعة، حتى حادُوا عن طريق البيّنات إلى بُنَيّات الطريق.\n* ولقد كان جُلُّ اهتمام العلماء في منشأِ الأمر متوجهًا نحو تأسيس عقيدة السلف وتبيينها، حتى اضطُرُّوا بعد ذلك إلى الرد على نابتة السوء من أهل البدع ومَن على شاكلتهم.\nقال الدارمي:\n\"وما ظَنَنّا أنا نُضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدَّعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتُلِينا بهذه العِصابة المُلحدة في آيات الله؛ فشغلونا بالاحتجاج لِما لم تختلف فيه الأمم قبلنا، وإلى الله نشكو ما أَوْهَتْ هذه العصابة مِن عُرَى الإسلام، وإليه نلجأ، وبه نستعين\". (^١)\n*وصدقَ ﵀، فحينما تقرأ في شبهات أهل البدع وأباطيلهم فسترى عقولًا فيها باضَ الشيطان وفرَخ، حتى أنتج لأوليائه فِكَرًا بلهاء، بل زندقة صلعاء، لا تملك أمامها إلا أن تحمد ربك على سلامة العقل، والعافية في الدين.\n* ولا شك أن الرد على أهل البدع من أفضل ما يتقرَّب به طالب العلم إلى الله ﷿، وهذا ضَرْبٌ من الجهاد في سبيل الله تعالى.\nوقد روجع شيخ الإسلام ابن تيمية في كثرةِ رده على أهل البدع، كما حكى ذلك\n_________\n(^١) الرد على الجهمية (ص/٢٦). قوله: \"ما أوهب هذه العصابة... \"، قال صاحب التاج: أوهبَ لك الشيءَ: أمكنك أن تأخذه وتناله. ا. هـ، فيكون المراد أنهم جعلوا عُرى الإسلام سهلة المَنال لأعداء الإسلام.","vol":"1","page":10},{"text":"عنه أحد تلامذته، وهو أبو حفصٍ البزَّار، حيث قال:\n\"ولقد أكثر شيخ الإسلام﵁- التصنيف في الأصول، فضلًا عن غيرها من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، فقال:\nإني رأيتُ أهل البدع والضلالات والأهواء قصدوا إبطال الشَّرِيعَة، وأوقعوا النَّاس فِي التشكيك فِي أصول دينهم، فبان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شُبَههم وأباطيلهم وَقطع حجتهم وأضاليلهم أن يَبْذُلَ جُهده ليكشف رذائلهم، ويُزيِّف دلائلهم ذبًّا عَن المِلّة الحنيفية والسّنّة الصحِيحَة الجليّة.\nفهذا ونحوُه هو الذي أَوْجَبَ أنّي صرَفتُ جُلَّ همّي إلى الأصول، وألزمَني أن أوردتُ مقالاتِهم وأجبتُ عنها بما أنعم الله- تعالى- به من الأجْوبة النقلية والعقلية\". (^١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإنّ بيان حالهم وتحذيرَ الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمدَ بنِ حنبل:\nالرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحبُّ إليك، أوْ يتكلم في أهل البدع؟\nفقال:\nإذا قام وصلَّى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضلُ\". (^٢)\n* وما فَتِئَ علماءُ الأمة وحُماة المِلّة يسطِّرون فى الرد على أهل البدع والأهواء،\nوأمثلة ذلك لا حصر لها، لكن من باب التمثيل نذكر:\nالرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل، والرد على المنطقيِّين لشيخ الإسلام ابن تيمية، والصواعق المرسَلة على الجهمية والمعطّلة لابن قيّم الجوزية، والرد على الجهمية للدارمي... وغير ذلك كثير.\n*ولا شكَّ أن الرد على أهل البدع وكسْرَ أقلامهم وقمْعَ نَهْجهم هو ضَرْبٌ من ضُروب الجهاد في سبيل الله تعالى.\n_________\n(^١) الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية (ص/٣٥).\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٣١)، وطبقات الحنابلة (٣/ ٤٠٠).","vol":"1","page":11},{"text":"*ومما يُستأنس به لهذا الأصل: ما قد رواه أَنَسٌ﵁- عن النَّبِيِّﷺ- أنه قالَ: «جاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ». (^١)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\n\"فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدَع مناظرةً تَقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلامَ حقَّه، ولا وفَّى بموجَب العلم والإيمان، ولا حَصَلَ بكلامه شفاءُ الصدور وطُمَأنينة النفوس، ولا أفاد كلامُه العلمَ واليقينَ.\nوقد أوجب الله- تعالى- على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه، ومِن الإيمان به تصديقُه في كل ما أخبر به، ومن الجهاد معه دفعُ كل مَن عارض ما جاء به وألحد في أسماء الله وآياته\". (^٢) وكان هذا دأبًا ومنهجًا لأبي العباس ابن تيمية فى جهاد أهل البدع بقلمه ويده، ما لم يترتب على ذلك مفسدة، كما حكى تلميذه ابن كثير قائلًا:\n\"وراح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مسجد النارنج، وأمرَ أصحابَه ومعهم حجَّارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر قَلُوط- تُزارُ ويُنذَرُ لها- فقطعَها، وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا\". (^٣)\nقال ابن القَيّم:\n\"وتبليغ سُنّته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نُحور العدوّ؛ لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السُّنَن فلا تَقُوم به إلا وَرَثة الأنبياء وخُلَفاؤهم في أُمَمهم، جعلَنا الله- تعالى- منهم بمَنّه وكرمه\". (^٤)\nقال الغَزالي:\n\"فهذا حُكم العقيدة التي تعبّد الخلق بها، وحُكم طريق النِّضال عنها وحِفظها، فأمّا إزالة الشبهة وكشف الحقائق ومعرفة الأشياء على ما هي عليه وإدراك الأسرار التي يُتَرْجمها ظاهرُ ألفاظ هذه العقيدة فلا مِفتاح له إلا المُجاهَدة... \". (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٢٢٤٦)، وأبو داود (٢٥٠٤)، وانظر صحيح أبي داود (٢٢٦٢).\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٦٥).\n (^٣) البداية والنهاية (١٨/ ٤٦).\n (^٤) جِلاء الأفهام (ص ٤١٥).\n (^٥) قواعد العقائد (ص ١١١).","vol":"1","page":12},{"text":"قال ابن رجب:\n\"وكذلك من يشتغل بالعلم؛ لأنه أحد نوعَي الجهاد، فيكون اشتغاله بالعلم للجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، فلْيأخذْ مِن أموال الفَيْء أو الوُقوف على العلم قَدْرَ الكِفاية ليتقوَّى على جهاده، ولا ينبغي أن يأخذ أكثر من كفايته من ذلك\". (^١)\nأقول:\nإنّ المتصفِّح لأسطُر هذا الكتاب سيقف على حقيقةٍ هي من الأهمية بمكان، وهي أنّ أخصَّ ما ميَّزَ أهل السنة والجماعة مِن غيرهم مِن فِرَق الأمة أمران:\n (تعظيم الأثَر، والثبات على المنهج).\nفتعظيم الأثر هو أحد أهمّ الدلائل على صحة الادّعاء أنّ أهل السنة والجماعة هم الفِرْقة الناجية.\nفاعتصام أهل السنة والجماعة بالآثار أمرٌ بيّنٌ واضحٌ وُضوحَ الشمس في رائعة النَّهار، وليس أدلّ على صحة هذا الأمر- الذي هو اتباع ظواهر النصوص والعَضّ عليها بالنَّواجِذ- مِن كونه صار سُبّةً يُرمى بها أهل السنة والجماعة.\nفالآثار هي غنيمة أهل السنة، ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾، فقد تمسَّكوا بالمسطور، ونبذوا محدَثات الأمور، حتى خرجت عقيدتهم مِن بَينِ فَرْثٍ ودمٍ لَبَنًا خالصًا سائغًا لِلشّاربينَ.\nوأما الأمر الثاني \"الثبات على المنهج\":\nفمن سمات أهل السنة والجماعة الثباتُ على المنهج، وهذه مما حَظِيَ به أهل السنة والجماعة دُونَ غيرهم من الفرق، فتقرأ كثيرًا عن الاختلاف البيِّن الواسع والتخبُّط الظاهر الشاسع بين المتقدمينَ والمتأخرينَ في كل فرقة من الفرق الضالّة، وتسمع كثيرًا قول القائل: متأخِّرو القدرية، ومتقدِّمو الأشاعرة... إلخ، ومِثل هذا لا تراه- بفضل الله- عند أهل السنة والجماعة.\nوكم من إمامٍ من الأئمة الكبار في تلك الفِرَق رأيناه يُظهر الندامة على عُمره الذي أضاعه في القِيلِ والقالِ، والطريقِ السقيمِ الضالّ؛ لِيُعلنَ العودة إلى سَواء السبيل وشِفاء العَليل، إلى آثار النُّبُوّة والتنزيل!\n_________\n(^١) الحِكَم الجديرة بالإذاعة (ص/٣٣).","vol":"1","page":13},{"text":"وأخيرًا...\nهذا جُهْدُ المُقِلِّ، قد أنفقتُ فيه جُهدي، وبذلت وُسْعي، وقد سطَّرته وأنا أعلمُ أنّه عملٌ بشريٌّ يعتريه الخطأ والتقصير، وهذا المعنى قد ذكره الله﷿- في قوله- تعالى-:\n ﴿... وَلَوْ كَانَ من عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nوفي هذا المعنى قال الصَّحابيُّ الجَليل عبد الله بنُ مسعود ﵁:\n\"فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فمِنَ اللَّهِ وإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ\". (^١)\nوأمّا أنا فقد اعترفتُ بقُصوري فيما اعتمدتُ عن الغاية، وتقصيري عن الانتهاء إلى النهاية، فأسأل الناظرَ فيه ألّا يعتمد العَنَتَ ولا يقصدَ قَصْدَ مَن إذا رأى حسنًا سَتَرَهُ، وعيبًا أَظْهَرَهُ، ولْيتأمَّلْهُ بعين الإنصاف لا الانحراف، فمَن طلبَ عيبًا وَجَدَّ وَجَدَ، ومَن افتقد زَلَلَ أخيه بعين الرِّضا فقد فَقَدَ. (^٢)\n*فيا أَيها القارئ لِما سطَّرتُه والناظرُ فيه، هذه بِضاعةُ صاحِبِها المُزْجاةُ مَسُوقةٌ إليك، وهذا فَهْمُهُ وعقله معروضٌ عليك، لك غُنْمُهُ، وعلى مؤلِّفه غُرْمُهُ، ولك ثمرتُه، وعليه عائدتُه، فإنْ عَدِمَ منك حمدًا وشكرًا، فلا يَعْدَم منك مَغفرةً وعُذْرًا، وإِنْ أَبَيْتَ إلا المَلامَ فبابُه مفتوح. (^٣)\nفاللهَ- تعالى- أسألُ أن يتقبل هذه الورقات بقَبولٍ حَسَنٍ، وأنْ يُنبتها- نشرًا وعملًا بين المسلمين- نباتًا حسنًا، وأن يجعلها خالصة لوجهه- تعالى- ولا يجعلَ لأحدٍ فيها شيئًا.\nولا يفوتُني أن ألتمس مِن كل من قرأ هذا الكتاب أن يتفضل مشكورًا بإبداء نُصحه وملاحظاته؛ فإنَّ المؤمن مِرْآة أخيه المؤمن، والله -تعالى- في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، واللهَ -تعالى-أسألُ أنْ يوفقَنا لِما فيه الصواب.\nوَنَادَيْتُ أللَّهُمَّ يَا خَيْرَ سَامِعٍ... أَعِذْنِي مِنَ التَّسْمِيعِ قَوْلًا وَمِفْعَلَا\nإِلَيكَ يَدِي مِنْكَ الأَيَادِي تَمُدُّهَا... أَجِرْنِي فَلا أَجْرِي بِجَوْرٍ فَأَخْطَلَا\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢١١٦).\n (^٢) مُعجَم الأدباء (١/ ١٦).\n (^٣) طريق الهجرتين (ص/٧).","vol":"1","page":14},{"text":"أَمِينَ وَأَمْنًا لِلأَمِينِ بِسِرِّهَا... وَإنْ عَثَرَتْ فَهْوَ الأَمُونُ تَحَمُّلَا\nأَقُولُ لِحُرٍّ وَالْمُرُوءةُ مَرْؤُهَا... لِإخْوَتِهِ الْمِرْآةُ ذُو النُّورِ مِكْحَلَا\nأَخي أَيُّهَا الْمُجْتَازُ نَظْمِي بِبَابِهِ... يُنَادَى عَلَيْهِ كَاسِدَ السُّوقِ أَجْمِلَا\nوَظُنَّ بِهِ خَيْرًا وَسَامِحْ نَسِيجَهُ... بِالِاغْضاءِ وَالْحُسْنَى وَإِنْ كانَ هَلْهَلَا\nوَسَلِّمْ لَإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِصَابَةٌ... وَالُاخْرَى اجْتِهادٌ رَامَ صَوْبًا فَأَمْحَلَا\nوَإِنْ كانَ خَرْقٌ فَادَّرِكْهُ بِفَضْلَةٍ... مِنَ الْحِلْمِ وَلْيُصْلِحْهُ مَنْ جَادَ مِقْوَلا (^١)\n\nللتواصل مع المؤلف الشيخ أيمن إسماعيل الموقع الرسمي للشيخ: https://aymenesmail.com\nالايميل: aymanismail ٧٠٠@gmail.com\nقناة اليوتيوب: https://youtube.com/user/ay mnismail\nالصفحة الرسمية على الفيس بوك: https://www.facebook.com/ayman.ismaeil ٦٦\n_________\n(^١) أبيات من متن الشاطبية (١/ ٦).","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الحديث الأول: ثمار الأراك في شرح حديث الافتراق</span>\nنص الحديث:\nعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ»، وفي رواية: «مَا كان على مِثل ما أَنَا عَلَيْهِ اليومَ وَأَصْحَابِي».\nتخريج الحديث، وطُرقه:\nهذا الحديث مستفيض، فقد ورد من حديث أبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنَس بن مالك، وعَوف بن مالك الأَشجَعِيّ، وأبي أُمامة الباهليّ، وسعد بن أبي وَقّاص، وعمرو بن عَوف المُزَنيّ، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي الدَّرداء، وواثِلة بن الأَسقع ﵃.\nورواية هذا الجمع الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب تَرقى بالحديث إلى حد التواتر، أوما هو قريب منه.\nكما أن كثيرًا من هذه الأحاديث أسانيدها نظيفة؛ كحديث أبي هريرة، ومعاوية، وعوف بن مالك، وأبي أمامة وغيرهم.\nوعلى فرْض أن أسانيد هذه الأحاديث في مفرداتها ضعف، فلا يشك من له أدنى","vol":"1","page":19},{"text":"خبرة بالصناعة الحديثية أن ضعفها ليس شديدًا، وهي بذلك ترتقي إلى درجة الصحة والثبوت والاحتجاج.\nأضف إلى ذلك أن أئمة الصنعة الحديثية قد حكموا على حديث (الفرقة الناجية) بالثبوت ولم يختلفوا في تصحيحه، ودُونَك سردًا بأسمائهم ومواطن قولهم:\nأولًا:\nحديث أبي هريرة ﵁ قال عنه الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\nوقال الحاكم (١/ ١٢٨): \"صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي.\nثانيًا:\nحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁.\nقال الحاكم: \"هذه أسانيد تقوم بها الحجة في تصحيح هذا الحديث\"، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حَجَر في تخريج أحاديث الكَشّاف (ص/ ٦٣) \"حديث حسن\".\nثالثًا:\nقال شيخ الإسلام في [مجموع الفتاوى] (٣/ ٣٤٥): \"الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد\".\nقال الشاطبي في [الاعتصام] (٢/ ١٨٦): \"حديث تفرُّق الأمة صح من حديث أبي هريرة ﵁\". وقال الحافظ ابن كَثير في [تفسيره] (٢/ ٤٨٢):\n\"هو حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ فِي الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا\".\nكذلك فقد ذكره السخاوي وأسهب في سرد طرقه في \"الأجوبة المرضية\" (٢/ ٥٦٩)\nرابعًا:\nوممّن نص على ثبوته: عبد القاهر البَغداديّ في [الفَرْق بين الفِرَق]، فقال: \"للحديث الوارد على افتراق الأمة أسانيدُ كثيرة\".\nخامسًا:\nوكذلك العلامة الأَلباني قد عقدَ في «الصحيحة» (٢٠٤/ ٢٠٥) بحثًا حديثيًا نفيسًا، وفنَّد شبهات المخالفين المضِّعفين للحديث، وردَّ عليها.\nكل هؤلاء الأعلام الفُحول جزموا بصحة الحديث وثبوته، خلافًا لبعض المعاصرين الذين تكلموا في غير فنهم فأتَوْا بالعجائب!","vol":"1","page":20},{"text":"ويمكن الجزم بتلقي أئمة الحديث هذا الحديثَ بالقبول بطريقتين:\n١) كثرة أصحاب السنن، والمسانيد، والمعاجم، وكتب التراجم، والعقائد الذين روَوْا هذا الحديث دون إنكارٍ لمتنه.\n٢) كثرة الكتب التي صُنفت في «الملل والنحل»، منها: [الفصل في الملل والأهواء والنِّحَل] لابن حزم، و[الفرْق بين الفرَق، وبيان الفرقة الناجية] لعبد القاهر البغدادي، و[مقالات الإسلاميين] لأبي الحَسن الأشعريّ (^١)\nوممن صححه: الذهبي، والعراقي، والشاطبي، والبيهقي، والبَغَوي، وابن حَجَر، وابن كَثير، والحاكم، والذَّهَبي، والتِّرمذي، والسيوطي، وابن الوزير، وقال فيه السخاوي: رجاله موثقون، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. فهوحديث أتى من جملة من الطرق يقوى بعضها بعضًا، فيرتقي إلى الصحة. والله أعلم (^٢).\nوقد ذكره الكتاني في كتابه [نَظْم المتناثر من الحديث المتواتر/ ١٨]. وكذلك عدَّه الإمام السيوطي من الأحاديث المتواترة (^٣)، ولكن دعوى القول بتواتره فيها نظر، بل نقول: إن التواتر في هذا الحديث تواترٌ معنويّ، فقد جاءت جملة من الأحاديث تحمل المعنى نفسَه، مثل: قول النبي ﷺ: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا»، وكذلك حديث الحوض، وأنه سيرِد ناس على الحوض، ثم يردُّون عنه، لأنهم قد خالفوا سنة النبي ﷺ، وتفرقوا واختلفوا.\nفالحاصل أن هذا الحديث حديث متواتر من حيث المعنى.\n* وقد تكلم البعض في تضعيفه، فمنهم من ضعفه بالرأي، ومنهم من ضعَّفه من ناحية إسناده، والذين ضعفوه بالرأي قالوا:\nإنه بناءً على هذا الحديث سيكون أكثر\n_________\n(^١) بشرى المشتاق لحديث الافتراق للشيخ سليم الهلالي.\n (^٢) قد صُنفت رسائل في جمع طرق حديث الافتراق، وبيان ألفاظه ومَخارجه على سبيل التفصيل، ومن ذلك: دفْع المِراء عن حديث الافتراق لحمد العثمان.\n (^٣) فيض القدير (٢/ ٢١).","vol":"1","page":21},{"text":"هذه الأمة هَلْكى؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة».\nيخالف ما أخبر عنه النبي ﷺ، أن أمته نصف أهل الجنة، كما ورد ذلك في الصحيحينِ.\nالرد على هذه الشبهة:\nقال أبو العباس ابن تيمية: \"الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية، فضلًا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة\". (^١).\nيقول الإمام الصَّنعانيّ:\n\"هذه الفرق المحكوم عليها بالهلاك قليلة العدد، لا يكون مجموعها أكثر من الفرقة الناجية. فلا يتم أكثرية الهلاك، فلا يرِد الإشكال.\nوإن قيل يمنع عن هذا أنه خلاف الظاهر من ذكر كثرة عدد فرق الهلاك، فإنّ الظاهر أنهم أكثر عددًا!! قلتُ: ليس ذكر العدد في الحديث لبيان كثرة الهالكين، وإنما هولبيان اتساع طرق الضلال وشعبها ووحدة طريق الحق\". اهـ (^٢).\nقال الشيخ صالح المُقْبلي:\n\"إن الناس عامة وخاصة، فالعامّة آخِرُهم كأولهم، كالنساء والعَبيد والفَلّاحين والسُّوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخِرهم من الابتداع كأولهم، وهم الأكثر عددًا قديمًا وحديثًا، وأما الخاصة فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها أصلًا يردُّ إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوامٌ مِن نَمَطِهِ في الفقه والتعصُّب، وهؤلاء هم المبتدعة حقًّا عند الله تعالى،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٥، ٣٤٦).\n (^٢) افتراق الأمة إلى نَيِّفٍ وسبعينَ فِرقةً (ص/٦٦).","vol":"1","page":22},{"text":"وأفراد الفرق المبتدعة وإن كَثُرَت الفرق، فلعله لَا يكون مجموع أفرادهم جزءًا من ألف جزء من سائر المسلمين؛ فتأملْ هذا تَسلَمْ من اعتقاد مُناقَضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة\". اهـ (^١).\nوعليه فهذه الفرق (كثرة في الأعداد، لا في الأتباع)\nفإن قيل: حديث الباب معارض لما ورد في قوله ﷺ:\n «أمتي هَذِهِ أُمَّةَ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ». (^٢)\nيقال:\nإن هذا الاختلاف الواقع بين فرق هذه الأمة -أمة الإجابة- هو اختلاف لا يؤدي بها إلى الخلود في النار، بل غاية ما فيه إنما هو استحقاق العذاب، ولا يعني بأنها مرحومة أنها لن تُعذَّب، بل تؤول الرحمة على نفي الخلود في النار، لا أصل العذاب.\n*وثمة جواب آخر: أن قوله ﷺ: «كلها في النار» غاية ما فيه: أن هذا الحديث من أحاديث الوعيد، فهذه الفرق قد أتت بما تستحق عليه العذاب، وأحاديث الوعيد قد يتخلَّف وقوعها لموانع أخرى، والتي منها: أن تدركهم رحمة الله تعالى، أو شفاعة النبي ﷺ، أو شفاعة الصالحين.\nبل إن نجاة الفرقة الناجية نفسِها لا يلزم منها عدمُ تعذيبها، فهم نَجَوْا بعقائدهم نَعَم، لكنهم سيحاسبون على أعمالهم، والمخالف منهم والعاصي مستحق للعذاب.\n_________\n(^١) العَلَمُ الشّامِخ في إِيثار الحقِّ على الآباء والمَشايخ (ص/ ٤١٤).\n (^٢) أخرجه أحمد (٤١٠) وأبوداود (٤٢٧٨) وذكره الألبانى في الصحيحة (٩٥٩)، وقال: \"قال الحافظ ابن حجر في \" بذل الماعون \": \" سنده حسن \".","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:</span>\nالفائدة الأولى:\nهذا الحديث قد ذكر تفرق الأمة يُعد عَلَمًا من أعلام النّبوّة الذي تنبأ به النبي ﷺ، وقد وقع بالفعل، والتفرق أمر قدَري كوني قد قدَّره الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].\nقال ابن كَثيرٍ:\n\"ولا يزال الخُلْفُ بين الناس في أديانهم واعتقادات مِللهم ونِحَلهم ومذاهبهم وآرائهم؛ وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أيْ: إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أُمروا به من الدين، فأهْلُ رَحْمَتِهِ لا يختلفون\" (^١).\nوعن خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: سَأَلْتُ رَبِّي -﷿ - ثَلَاثَ خِصَالٍ، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي ﷿ أَنْ لَا يُهْلِكَنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ رَبِّي -﷿ - أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْنَا عَدُوًّا مِنْ غَيْرِنَا، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يَلْبِسَنَا شِيَعًا، فَمَنَعَنِيهَا \" (^٢).\n٢ - الفائدة الثانية:\nقول النبي ﷺ: «وستفترق أمتي...».\nوهنا سؤال: ما المقصود بقوله ﷺ: «أمتي»؟\nنقول:\nقبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نعلم أولًا أن أمة النبي - ﷺ- تأتى على عدة معانٍ:\n١ - المعنى الأول: أمة الدعوة، وتسمَّى أيضًا \" أمة التبليغ \":\nفهُم جميع من بُعث إليهم النبي ﷺ، وقد بُعث ﷺ للناس كافة.\n_________\n(^١) فتْح القَدير (٢/ ٦٠٧)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦١).\n (^٢) رواه أحمد (٢١٠٥٣) والنسائي (١٦٣٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٤٣٣)","vol":"1","page":24},{"text":"قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨» (سبأ: ٢٨)\nوعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ:\n «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». (^١)\nوقال النبي ﷺ: «... وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً» (^٢)، فيدخل في ذلك: أهل الكتاب، وغيرُهم.\n٢ - المعنى الثاني: أمة الإجابة:\nوهم الذين استجابوا لدعوة الرسول ﷺ، ودانوا بدين الإسلام، وذلك يشمل كل مسلم، وإن كان واقعًا في جملة من البدع المفسقة التى لا تُخرج من دائرة الإسلام.\nوهم المعنيون بقوله ﷺ في حديث الباب:\n\" وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ، إِلَّا وَاحِدَةً \".\n٣ - المعنى الثالث: أمة الاتباع:\nوهم الذين سلكوا نهج أهل السنة والجماعة، فساروا على هَدى النبي ﷺ، وهم في ذلك ليسوا على درجة واحدة في الاتباع.\nوعليه فهُم أخصُّ من أمة الإجابة، فهي الفرقة الناجية التي وردت في حديث الباب، وذلك في قوله ﷺ: «مَا كان على مِثل ما أَنَا عَلَيْهِ اليومَ وَأَصْحَابِي»\nفهي كل من اتبع أصول الاعتقاد التي بُعث بها النبي ﷺ، فكان على الأصول العامة لمنهج أهل السنة والجماعة، حتى وإن كان مقصرًا في جانب العبادات العملية.\n*وهنا نعود للسؤال:\nلأي المعاني نوجه قوله ﷺ: «وستفترق أمتي...»؟\nهل هي أمة الدعوة أم أمة الإجابة أم الاتباع؟\nأما أهل البدع فتراهم يفسرون هذا الحديث فيقولون: إن النبي ﷺ إنما قصد بقوله «وستفترق أمتي...» أمة الدعوة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٣).\n (^٢) متفق عليه (١٠٣ (.","vol":"1","page":25},{"text":"فإذا سألتَ: فما مقصدهم من ذلك؟\nنقول:\nإنما أرادوا أن يؤسسوا أصلًا باطلًا، وهو أن الافتراق الذي عناه الرسول - ﷺ - إنما هو افتراق الناس إلى المِلل، وليس افتراق أهل الإسلام إلى مذاهب وفرق تنتسب إلى الإسلام، هكذا قالوا.\nوعليه فتكون الفرقةُ الناجيةُ التي قال عنها الرسول ﷺ: هي «الْجَمَاعَةُ» - وفي رواية: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» - على تفسيرهم:\nهي كل من قال: \"لا إله إلا الله، محمد رسول الله\"، سواء أكان جَهْميًا أم حُلوليًا أم قدَريًا أوقُبوريًا.\nوقالوا:\nإن الشرك لن يقع في الأمة؛ لحديث النَّبِي ﷺ:\n «وَاللَّهِ، مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا»، أي: أن تتنازعوا وتختصموا على الدنيا) (^١)، وقول النَّبِي ﷺ:\n «إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (^٢).\n*والصحيح - والله أعلم - أن المراد بقول ﷺ: \" «وستفترق أمتي...» \":\nهى أمة الإجابة، وليست أمة الدعوة؛ وإنما رجحنا هذا المعنى للسباق والسياق واللِّحاق، ففي السباق ذكر الرسولُ ﷺ افتراق اليهود والنصارى، وهي أمة الدعوة،، وفي اللحاق ذكرَ ﷺ الفرقةَ الناجية، فقال:\n «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي». وفي السياق ذكرَ ﷺ قوله: «وستفترق أمتي...»، فدل أن النبي ﷺ قصد أمة الإجابة فَقَطْ.\nومما يؤيد ذلك:\nقوله ﷺ: «وستفترق أمتي...»، أي: إنه أمرٌ سوف يحدث في المستقبل، وأما افتراق اليهود والنصارى فقد تفرقت قبل ذلك؛ ومما يؤيد ذلك: أن المتتبع لفظة \"أمتي\" التي وردت في الألفاظ النبوية يجد أنها\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٤٤).\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٨١٢).","vol":"1","page":26},{"text":"لم تخرج عن هذا المعنى المراد، الذى هو (أمة الإجابة).\nوقد ذكر الإمام الصنعاني ﵀ في كتابه [شرح حديث الافتراق] أنَّ المراد بقوله ﵊: «أمتي»، أي: أمة الإجابة، وردّ على من قال:\nإنَّها أمة الدعوة، وإنَّ الناجية أمة الإجابة كلُّها، وردَّ ذلك من خمسة أوجُه (^١).\nولما عدَّد أبو المظفر الأسفراييني الفرَق الثنتين والسبعين قال:\n\"والخطابية والحُلُولِيّة منهم فلا يُعدّون في زُمرة المسلمين؛ لأنهم كلهم يقولون بآلهية الأئمة\". (^٢)\n* وأما الرد على فريتهم بعدم وقوع الشرك في أمة الإسلام، فالجواب أن يقال:\nلا دلالة في تلك الأحاديث التي ذكروها على هذا القول الباطل الذي يريدون به أن يصححوا -والعياذ بالله - الشرك وعبادة القبور ودعاء الموتى، فقولهم:\nإن الشرك لا يقع في هذه الأُمَّة، هذا تكذيبٌ للنصوص الصحيحة الثابتة عن النبي ﵊ في هذا؛ فقد صح -في الصحيح وغيره- أن الشرك سيقع في آحاد الأمة قبل قيام الساعة، فقد روى الشَّيخانِ عن أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ:\n «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ» (^٣)، وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى» (^٤)، وفي رواية ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ» (^٥)، بل قد وقع هذا في العهود الأولى، فلقد\n_________\n(^١) شرح حديث الافتراق (ص/٥٦).\n (^٢) التبصير في الدِّين، وتمييز الفرقة الناجية عن الفرَق الهالكين (ص/٢٥).\n (^٣) أخرجه البخاري (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦).\n (^٤) أخرجه مسلم (٢٩٠٧).\n (^٥) أخرجه التِّرمذي (٢٢١٩)، وأبو داود (٤٢٥٢)، وصححه الألباني، وقد بوَّب الإمام محمد بن عبد الوهاب لهذا الحديث باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبُد الأوثان.","vol":"1","page":27},{"text":"قاتل الصحابة -﵃- مَن وقع في الكفر والردة، وذلك في حروب الردة.\n*أما ما استدلوا به من أثار، فنقول:\nالشرك الذي نفى الرَّسُول -ﷺ- وقوعه إنما هو على مجموع الأمة، وعليه فقد يقع ذلك في الآحاد من أفرادها؛ ولذا قال:\n «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ». وأشار بذكر \"الصلاة\"؛ لأنها أهم العبادات البدنية، فلا ينفي هذا أن يقع الشرك وعبادة الأوثان في بعض الأُمَّة كما وقع في كثير من الناس من هذه الأُمَّة في عبادة المقبورين، كما هو واقع في بلاد المسلمين إلى يومنا هذا كما هو مشاهَد.\nقال ابن حجر: \"قوله ﷺ: «ما أخافُ عليكم أن تُشركوا» أي:\nعلى مجموعكم؛ لأن ذلك قد وقع من البعض. أعاذنا الله تعالى منها! \" (^١).\nأما الأمة في مجموعها فهي لا ترتدّ جملةً، فقد عصمها الله تعالى من ذلك، فالأمة معصومة من أن تجتمع على ضلالة، فضلًا عن الشرك:\nعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «لا تَزالُ طائفةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ» (^٢)، وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ» (^٣).\n*وجوابٌ ثانٍ:\nأن قوله ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ...» كونه أيس فإن يأس الشيطان ليس معصومًا؛ لأنه يئس لما رأى ظهور الإسلام وظهور الدين فيئس أن يعبده المصلّون، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ...﴾ [المائدة: ٣]، فهو إخبار عن يأسه حينما رأى ظهور الدين (^٤).\nأو يُحمل يأسه على أنه يئسَ أن\n_________\n(^١) فتْح الباري شرْح صحيح البخاري (٣/ ٢١١).\n (^٢) أخرجه مسلم (١٩٢٠).\n (^٣) أخرجه الترمذي (٢١٦٧)، وانظر صَحِيح الْجَامِع (١٧٨٦).\n (^٤) القول المفيد (١/ ٢٢١).","vol":"1","page":28},{"text":"يجتمع الناس جميعُهم على الكفر؛ وهذا ما رجّحه ابن رجَب (^١).\n*قلت:\nويؤيده: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].\nجواب ثالث: أن يقال: إن نفي الشرك في الأمة خاص ببعض الأماكن دون بعض، كما في قوله ﷺ: «إنّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (^٢).\nجواب رابع:\nأن يقال: إنه في الصحابة -﵃- خاصة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «عليكم». قال الحافظ: \"فيه إنذار بما سيقع، فوقعَ كما قال ﷺ، وأن الصحابة لا يُشركون بعدَه؛ فكان كذلك، ووقعَ ما أنذر به من التنافس في الدنيا\" (^٣).\nجواب خامس:\nأن يقال: لعلّ النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يوحى إليه بأن طوائف من الأمة سوف يضلون ويشركون (^٤).\nوأقرب هذه الأَجْوِبة هو الجواب الأول، ثم الثاني. والله أعلمُ.\n*ومن الفوائد التي تتعلق بحديث الباب: تفرُّق السابقينَ، وتقليدُ اللاحقينَ:\nوالمعنى الذي ورد في الحديث من تفرق اليهود والنصارى قد ورد في عدة مواضع من القرآن، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ...﴾ [الشورى: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ...﴾ [آل عمران: ١٩].\n_________\n(^١) دعاوى المُناوئينَ (ص/٢٢٣).\n (^٢) ومما يضعّف هذا الوجهَ: أن أكثر من ارتدَّ بعد وفاة الرسول ﷺ إنما كانوا في جزيرة العرب.\n (^٣) فتْح الباري شرح صحيح البخاري (٦/ ٦١٤).\n (^٤) فتْح الباري شرح صحيح البخاري (٦/ ٦١٤)، ويُنظر لهذه الأوجُه ولغيرها: [أحاديث يُوهم ظاهرُها التعارُضَ] (ص/٢٦٦).","vol":"1","page":29},{"text":"وهنا إشكال في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ...﴾، فمن المعلوم أن السنة تجمِّع والبدعة تفرِّق، فكيف تَفرقوا بعدما جاءهم العلم؟\nالجواب: المعني أنّ تفرُّقهم واختلافهم لم يكن عن جهل منهم، إنما قد جاءهم العلم يأمرهم وينهاهم.، يأمرهم بعدم التفرق فكابروا وتمردوا، وأبَوا إلا الفُرقة، رغم قيام الحجة عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ...﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقولُه: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يحتمل قولين: أحدهما- وأضله الله؛ لعِلمه أنه يستحق ذلك. والآخر- وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس (^١).\nوالحاصل أنه قد تفرَّق السابقون من أهل الكتاب، وسار على تقليدهم اللاحقون من هذه الأمة، كما تنبأ النبي ﷺ بقوله: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَاعًا بِبَاعٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَشِبْرًا بِشِبْرٍ، حَتَّى لَو دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ فِيهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى؟\nقَالَ: «فَمَنْ إِذًا؟!» (^٢)، فساروا على درب السابقين واختلافهم، ونسُوا أو تناسَوْا أن الجماعة رحمة، وأن الفُرقة عذاب؛ فإن الأصول العامة للشرع قد نَهَتْ عن التفرق والاختلاف: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]،\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩].\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٦٨).\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":30},{"text":"وتأملوا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ...﴾، فهنا قد ذكر طريق الحق على سبيل الإفراد، فهو طريق واحد، وذكر سبل الشيطان على صيغة الجمع، فهي كثيرة متفرقة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، فجعلَ الظلماتِ جمعًا، والنورَ واحدًا.\nوالسنة قد أكدت هذا المعنى: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ»، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَهَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، ثُمَّ تَلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا...﴾ إلَى آخِرِ الآيةِ [الأنعام: ١٥٣] (^١).\nوعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا، وَيَقُولُ:\n «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِف قُلُوبُكُمْ» (^٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي القَدَرِ؛ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ، فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيهِ» (^٣).\nوعن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضَاعَةَ الْمَالِ» (^٤).\nقال النَّوَوِيّ: \"قوله ﷺ: «ولا تفرقوا» فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتألف\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٤٣٧)، وصححه الألباني في ظِلال الجنة (١٦).\n (^٢) أخرجه أبو داود (٦٦٤).\n (^٣) أخرجه الترمذي (٢١٣٣)،، وصححه شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ١٤١)\n (^٤) أخرجه مسلم (١٥١٧).","vol":"1","page":31},{"text":"بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام\". (^١).\nقال عبد الله بن مسعود ﵁: \"الزموا هذه الطاعة والجماعة، فإنه حبل الله الذي أمر به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة\". (^٢)\nواعلم أن الفرقة الناجية سبيلها واحد، نعَم قد يقع بينها خلاف، ولكن هذا الخلاف له سمات:\n١) السمة الأولى: هو خلاف في التطبيق، لا التأصيل.\nتوضيح هذه العبارة: بمعنى أن التأصيل واحد، ولكنَّ الخلاف قد يقع بينهم في التطبيق: مثال: اتفاق أهل السنة على إثبات صفات الله ﷿، ولكن قد يختلفون في بعض الآيات أو الأحاديث، هل هذه من آيات الصفات، أم لا.\nمثال ذلك: قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أخرج البيهقي وابن خُزَيمة عن مجاهد قال: \"وجه الله: قِبلة الله\".\nوقد نبَّه إلى ذلك الشافعيُّ وابنُ تيمية، وبيّنا أن قول مجاهد فيها صحيح، وأن هذا مما لم يخالفه فيه أحدٌ من الصحابة والتابعين، في حِينَ ذهبَ ابن خُزيمة في [التوحيد] والبيهقي في [الأسماء] أن هذه الآية من آيات الصفات.\nفهذا الاختلاف حاصل بينهم، مع اتفاق الجميع على إثبات صفة الوجه لله -تعالى- من الأدلة الأخرى الصريحة. والأمثلة على ذلك كثيرة.\n٢) السمة الثانية:\nأن خلافهم في الأحكام العملية، وليس في أصول الاعتقاد الكلّيّة كاختلاف الشافعية مع المالكية -مثلًا- في بعض الأحكام في أبواب الطهارة أو الصلاة، ونحن في ذلك لا نقول: فرقة الشافعية، أو فرقة المالكية مثلًا، بل نقول: المذهب الشافعي، والمذهب المالكي.\n_________\n(^١) المِنهاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (١٢/ ١١).\n (^٢) مصنف ابن أبي شَيبة (٣٨٤٩).","vol":"1","page":32},{"text":"لذا فلا يُحمل حديث الباب على الاختلاف في الأحكام العملية، ولا في المسائل والأقوال الفقهية، ولم يزَل الخلاف حاصلًا في الفروع بين أهل العلم من لَدُنِ الصحابة -﵃- إلى يوم الناس هذا، دون أن يُحدث هذا الأمر فرقة بينهم. ولم يزَل علماء الأمة يصنِّفون في مسائل الخلاف بين العلماء في الفروع الفقهية، ومن الأمثلة على ذلك:\nكتاب [اختلاف أبي حَنيفة وابن أبي ليلى] لأبي يوسف الأنصاري، وكتاب [اختلاف الفقهاء] للمَرْوَزِي، وكذلك [اختلاف الفقهاء] لابن جَرير، والأمثلة في ذلك كثيرة.\nقال الإمام أبو منصور التميميُّ:\nوقد عَلِم كلُّ ذي عقل من أصحاب المقالات المنسوبة أن النبي -ﷺ- لم يُرد بالفرق المذمومة التي هى من أهل النارفرَق الفقهاء الذين اختلفوا في فروع الفقه مع اتفاقهم على أصول الدين؛ لأن المسلمين فيما اختلفوا فيه من فروع الحلال والحرام، ليس فيما بينهم تكفير ولا تضليل فيما اختلفوا فيه من أحكام الفروع، وإنما فصَّل النبي ﵇ بذكر الفرق المذمومة فرق أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية في أبواب العدل والتوحيد، أو في الوعد والوعيد، أو في بابَي القدر والاستطاعة، أو في تقدير الخير والشر، أو في باب الهداية والضلالة، أو في باب الإرادة والمشيئة، أو في باب الرؤية والإدراك، أو في باب صفات الله ﷿ وأسمائه وأوصافه\" (^١).\nوهذا ما ذكره الامام الشاطبي معلقًا على حديث الباب كما في قوله: \"فلا يصح أن يراد مطلق الافتراق، بحيث يطلق صور لفظ الاختلاف على معنى واحد؛ لأنه يلزم أن يكون المختلفون في مسائل الفروع داخلينَ تحت إطلاق اللفظ، وذلك باطل بالإجماع؛ فإن الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية، ولم يَعِبْ أحد ذلك منهم، فكيف أن يكون الافتراق في المذاهب مما يقتضيه الحديث؟!\n_________\n(^١) [الفَرْق بين الفِرَق، وبيان الفرقة الناجية] (١/ ٢٦)،","vol":"1","page":33},{"text":"وإنما يراد افتراق مقيد، وإن لم يكن في الحديث نصٌّ عليه، ففي الآيات مما يدل عليه: قوله تعالى: ﴿... وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ...﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وما أشبهَ تلك الآياتِ الدالةَ على التفرُّق الذي صاروا به شِيعًا. ومعنى \"صاروا شيعًا\": جماعات، بعضهم قد فارق بعضًا، ليسوا على تآلُفٍ ولا تعاضُدٍ ولا تناصُرٍ، بل على ضد ذلك\"اهـ. (^١)\nقال الشيخ صالح المُقبلي: \"من المعلوم أنه ليس المراد من الفرقة الناجية: ألّا يقع منها أدنى اختلافٍ؛ فإن ذلك قد كان في فُضلاء الصحابة ﵃، إنما الكلام في مُخالفة تُصيِّر صاحبَها فِرقةً مستقلةً ابتدَعَها\". (^٢)\n*ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nقوله ﷺ في حديث الباب: «كلها في النارِ إلا واحدة...» يدل على أن الحق واحد لا يتعدد.\nقوله ﵊: «إلا واحدة» قد أعطى بنصّه أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحق فرَقٌ أيضًا لَما قال: «إلا واحدة» (^٣). وهذا ما تكاثرت عليه أدلة الشرع: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فهنا قد ذكر طريق الحق على سبيل الإفراد، فهو طريق واحد، وذكر سُبُل الشيطان على صيغة الجمع، فهي كثيرة متفرقة.\nوقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ...﴾ [الأنعام: ١]، فقد وحَّدَ الله تعالى لفظ \"النور\" وجمعَ \"الظلمات\"؛ لأن\n_________\n(^١) وانظرالاعتصام (٣/ ١٢٥)، والتيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ١٧٩).\n (^٢) العَلَمُ الشَّامِخ في إِيثَار الحقِّ على الآباء والمَشايخ (ص/٤١٤).\n (^٣) الاعتصام (٢/ ٧٥٥ (.","vol":"1","page":34},{"text":"الحق واحد والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة، وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ...﴾ [النحل: ٤٨]، وغير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعُّبه (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِين﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]،\nفأخبر الله -تعالى- أن سليمانَ -﵇- هوالمصيبُ، وحَمِدَه على إصابته، وأثنى على داودَ في اجتهاده، ولم يذمّه على خطئه، وهذا نصّ في إبطال قول من قال: إذا أخطأ المجتهد يجب أن يكون مذمومًا، فلو كان الحق بيدِ كل واحد منهما لَما كان لتخصيص سليمان بذلك معنًى.\nوقال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].\nقال ابن حزم:\n\"ومن ادَّعى أن الأقوال كلها حق، وأن كل مجتهد مصيب- فقد قال قولًا لم يأت به قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا معقول، وما كان هكذا فهو باطل؛ قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]،\nوقال تعالى: ﴿وَلَوكَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (^٢).\nوفي الحديث الذي رواه مسلم عن بريدة الأسلمي ﵁ أن الرسول ﷺ قال في الحديث الطويل:\n «... وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ: أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٨٥).\n (^٢) المحلَّى (١/ ٧٠).","vol":"1","page":35},{"text":"أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» رواه مسلم.\nقال أبو البركات مَجْدُ الدين ابن تيمية (الجَدّ) -﵀- معلقًا على هذا الحديث في كتابه [المنتقى]:\n\"وهو حجة في أن قبول الجزية لا يختص بأهل الكتاب، وأن ليس كل مجتهد مصيبًا، بل الحق عند الله واحد\". اهـ.\nكذلك يدل عليه:\nقول الرسول ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجرانِ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ» متفق عليه.\nقال الشوكاني:\n\"فقد دل -أي: الحديث- دلالةً بينةً أن للمجتهد المصيب أجرين، وللمجتهد المخطئ أجرًا، فسماه مخطئًا، وجعل له أجرًا، فالمخالف للحق بعد الاجتهاد مخطئ مأجور، وهو يردّ على من قال: إنه مصيب، ويرد على من قال: إنه آثم، ويرده ردًّا بينًا، ويدفعه دفعًا ظاهرًا\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"المجتهد إذا أدَّاه اجتهادُه إلى قول فعَمِلَ بموجَبه كلاهما مطيع لله، وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله وله أجر على ذلك، وليس مصيبًا بمعنى: أنه علم الحق المعيّن؛ فإن ذلك لا يكون إلا واحدًا، ومُصيبُهُ له أجران (^٢).\nوقال ابن القيم في [أحكام أهل الذمة] كلامًا رائعًا عن معنى (كل مجتهد مصيب): \"وإذا كان النبي ﷺ قد منع الأمير أن يُنزل أهل الحصن على حكم الله وقال: لعلك لا تدري أتصيبه أم لا؛ فما الظن بالشهادة على الله والحكم عليه بأنه كذا أوْ ليس كذا، والحديث صريح في أن حُكم الله سبحانه في الحادثة واحد معيَّن، وأن المجتهد يصيبه تارةً، ويُخْطئه تارة.\nوقد نص الأئمة الأربعة على ذلك صريحًا: قال أبو عمر ابنُ عبد البَرّ:\n\"ولا أعلم خلافًا بين الحُذّاق من شيوخ المالكيّينَ... ثم عدّهم،\n_________\n(^١) السيل الجَرّار (١/ ٢٠ (.\n (^٢) مجموع الفتاوَى (١٠/ ٤٧٨).","vol":"1","page":36},{"text":"ثم قال: \"كلٌّ يحكي أن مذهب \"مالك\" في اجتهاد المجتهدين والقائسين إذا اختلفوا فيما يجوز فيه التأويل من نَوازل الأحكام: أن الحق من ذلك عند الله واحد من أقوالهم واختلافهم، إلا أنّ كل مجتهد إذا اجتهد كما أُمِرَ وبالغَ ولم يألُ وكان من أهل الصناعة ومعه آلة الاجتهاد- فقد أدى ما عليه، وليس عليه غير ذلك، وهو مأجور على قصْده الصوابَ وإن كان الحق من ذلك واحدًا.\nقال: \"وهذا القول هو الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي\".\nقال: \"وهو المشهور من قول أبي حنيفة فيما حكاه محمد بن الحسَن وأبو يوسف والحُذّاق من أصحابهم\". قلت: قال القاضي عبد الوهاب:\n\"وقد نص \"مالك\" على منع القول بإصابة كل مجتهد، فقال:\n\"ليس في اختلاف أصحاب رسول الله -ﷺ، ورضي عنهم- سَعةٌ، إنما هو خطأ أو صواب\". وسئل أيضًا: ما تقول في قول من يقول:\nإنّ كل واحد من المجتهدين مصيب لما كلف؟ فقال:\n\"ما هذا هكذا، قولان مختلفان لا يكونان قطُّ صوابًا! \". وقد نص على ذلك الإمام أحمد، فقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه:\nإذا اختلفت الرواية عن النبي ﷺ فأخذَ رجل بأحد الحديثينِ وأخذ آخرُ بحديث آخرَ ضِدُّه فالحق عند الله واحد وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يدري أصابَ الحقَّ أم أخطأ. وأصول الأئمة الأربعة وقواعدهم ونصوصهم على هذا... إلخ\" (^١).\n*قلت:\nوعليه فلكل مجتهد نصيبٌ، أي: من الأجر، وليس كل مجتهد مصيبًا، بل المصيب واحد، والآخَر مخطئ. ومنهم من يعبّر عن ذلك بعبارة أخرى فيقول: «كل مجتهد مصيب، وليس كل اجتهاد صوابًا»،\nوالمعنى: أن \"كل مجتهد مصيب\" أي: عند نفسه؛ لاستفراغه وُسعَه،\n_________\n(^١) أحكام أهل الذِّمّة (١/ ١١٧).","vol":"1","page":37},{"text":"وسلوكِه المنهجَ العلمي والمسلكَ الشرعي في طلب الأحكام، وليس مصيبًا للحق نفسِه.\n\"وليس كل اجتهاد صوابًا\" أي: لاحتمال ألا يوافق الحقَّ في الأمر نفسِه.\nمن الفوائد في هذا الحديث:\nلما سئل النبي ﷺ عن الفرقة الناجية قال: «هي الجماعة»، فما معني الجماعة؟ الذى يتتبع الأحاديث التي وردت فيها كلمة \"الجماعة\" يجد أنها وردت على عدة معانٍ:\n١ - جماعة الصلاة: كما في قوله ﷺ: «صلاة الجماعة تزيد عن صلاة الفَذّ بسبعٍ وعشرين درجةً».\n٢ - جماعة الأبدان:\nوالتي هي جماعة المسلمين، كما في قول النبي ﷺ عن المرتد: «التارك لدينه المفارق للجماعة»، وفي حديث حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَكُونُ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ:\n «هُمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «فَالْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» (^١).\n٣ - جماعة الدين:\nوهم الذين اتبعوا سنة النبي ﷺ والتزموا الكتابَ والسنة، وهم المَعنيّون في حديث الباب، وهي الفرقة الناجية التي ورد في شأنها قولُه ﷺ في حديث الباب: «الجماعة»، فـ \"الجماعة\" أي: أهل القرآن والحديث والفقه والعلم، الذين اجتمعوا على اتباع آثاره ﷺ في جميع الأحوال كلها، ولم يبتدعوا بالتحريف والتغيير، ولم يبدلوا بالآراء الفاسدة (^٢).\nومن هنا ورد مصطلح \"أهل السنة والجماعة\" إشارةً إلى كل مَن سار على نهج\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) عَون المعبود، ومعه حاشية ابن القَيِّم (١٢/ ٢٢٣).","vol":"1","page":38},{"text":"الكتاب والسنة، فلفظ \"الجماعة\" مُستقًى من حديث الباب.\nأما مصطلح \"السنة\" فقد ورد في قوله ﷺ:\n... «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (^١).\nوكذلك رُوي عن ابن عباس -﵄- في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ...﴾ [آل عمران: ١٠٦]،\nقال: \"تبْيضُّ وجوه أهل السنة، وتسْوَدّ وجوه أهل البدع والضلالة\"اهـ (^٢).\nوصار مصطلح \"أهل السنة والجماعة\" يتوجه إلى أهل الاعتقاد الصحيح الذى كان عليه النبي ﷺ والقرون الخيرية الثلاثة، كما ورد في قول محمد بن سِيرين:\n\"كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم؛ فيُنْظر إلى أهل السنة فيُؤخذ حديثُهم، ويُنْظر إلى أهل البدعة فيُردّ حديثُهم\" (^٣)؛ فجَعَلَ \"أهل السنة\" في مقابلة \"أهل البدعة\".\nوقد دَرَجَ أهل العلم على تسمية مصنَّفاتهم التي تشتمل على معتقَد أهل الإسلام\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٦٧٦)، وصححه الألباني.\n (^٢) هذا الأثر قد ذكره اللالَكائيّ في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٧٩) من طريق عليّ بن قُدامة: ثَنا مجاشع بن عمرو، ثنا ميسرة بن عبد ربه، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وقد حكمَ محقِّق الكتاب نشأت بن كمال على إسناد هذا الأثر بقوله: \"كذب، موضوع، عليّ بن قدامة ضعيف، ومجاشع بن عمرو كان كذابًا -كما قال ابن مَعين، وغيره-، وميسرة بن عبد ربه كذلك كذاب\"اهـ.\nوكذلك قد تداولَه كثير من العلماء في كتم دون إنكار له، كابن تيمية -في مواضعَ كثيرة جدًّا-، وابن القيم، وابن كثير، والشاطبي، وغيرهم.\nقال مشهور حسن في تحقيقه لإعلام الموقِّعينَ: \"إسناده ضعيف جدًا إن لم يكن موضوعًا؛ ففيه: علي بن قدامة، ضعيف، وشيخه مجاشع بن عمرو اتُّهمَ بالكذب، وشيخه ميسرة مِثلُه.\nثم إن المتأمل في هذا التفسير يجد فيه نَكارة، وهي أنه مخالف لنص القرآن الكريم، فقد بيّن الله تعالى لنا مَن الذين تبْيضّ وجوههم، ومَن الذين تسْودّ وجوههم، فقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] \"اهـ.\n (^٣) المسنَد الصحيح بنقل العدل عن العدل إلى الرسول ﷺ (١/ ١٥).","vol":"1","page":39},{"text":"بهَذَيْنِ الاسمين (اعتقاد أهل السنة والجماعة) (^١).\nوقد وجد في كلام السلف كثيرًا مدحُ السنة، ووصْفُها بالغُرْبة، ووصْفُ أهلها بالقِلّة، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات (^٢).\nوكذلك قد صنف العلماء في بيان صفات أهل السنة والجماعة، وبينوا أنهم هم الفرقة الناجية، ومثال ذلك: [الإبانة الكبرى في بيان الفرقة الناجية] لابن بَطّة العكبرى.\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مطلع العقيدة الواسطية: \"هذا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ\".\nوقال ﵀: \"وبهذا يتبين أنّ أحقَّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسولَ الله ﷺ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمُهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها\" (^٣).\nقال عبد الرحمن بن حسن:\n\"الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين: هي التي تمسكت بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وعملوا بما في كتاب الله، وأخلصوا له العبادة، واتبعوا رسوله ﷺ؛ فإنّ أصل دين الإسلام: ألا يُعبد إلا اللهُ، وألا يُعبدَ إلا بما شَرَعَ\" (^٤).\nفإن قيل: وما دليلك على أن تلك الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، مع أن كل فرقة تزعُم أنها هي أهل السنة دون غيرها؟\nفالجواب أن يقال:\nيؤْثر عن عليّ ﵁ أنه قال: \"لا تَعرفِ الحق بالرجال. اعرِفِ\n_________\n(^١) ومِن أمثلة ذلك: أصول السّنّة للإمام أحمد، وأصول السنة لابن أبي زَمَنين المالكي، وكذلك صنف الإمام اللالَكائيّ كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. والأمثلة في هذا الباب كثيرة، فالمقصود هنا التمثيل لا الحَصْر.\n (^٢) كَشْف الكُرْبة في وصف أهل الغُرْبة (ص/٣١٩).\n (^٣) مَجموع الفتاوَى (٣/ ٣٤٧).\n (^٤) الدُّرَر السَّنِيّة في الأَجْوبة النَّجْدية (١١/ ٤٠٢).","vol":"1","page":40},{"text":"الحقَّ تَعرفْ أهله\" (^١). وهذا المعنى مستنبَط من كلام الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]\nقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ولم يقل: \"اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم\"؛ لأنه لو قال: \"اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم\" لَكان هذا يقتضي أن يُعرف الحق بالرجال، والقاعدة الشرعية: أن الرجال يُعرفون بالحق، وأن الحق لا يُعرف بالرجال، فلما قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ صار الصراط غير مضاف إلى أحد، وإنما هو الصراط المستقيم المَرضيّ عند الله (^٢).\nوقال بعض العلماء: \"من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال\".\nقال الشاطبي:\n\"ولقد زَلَّ -بسبب الإعراض عن الدليل، والاعتماد على الرجال- أقوامٌ خرجوا بسبب ذلك عن جادّة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم؛ فضلّوا عن سَواءِ السبيل\".\nولْنذكُرْ عشرة أمثلة: أحَدها، وهو أشدُّها- قول من جعل اتباع الآباء في أصل الدين هوالمرجوع إليه دون غيره، حتى ردوا بذلك براهينَ الرسالة وحجةَ القرآن ودليلَ العقل، فقالوا:\n_________\n(^١) قال الشيخ العلّامة عبيد بن عبد الله الجابري\nفي [أصول وقواعد في المنهج السلف] ما نصُّه: \"القاعدة الثانية- يُعرف الرجالُ بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال: ومعنى هذه القاعدة: أنَّ الإنسان يُوصف بالتمسك، وأنه من أهل السنة، وأنه على الحق الذي لم تَشُبْهُ شائبة البدعة والخُرافة إذا كان على الحق. العلامة الدالة عليه: ما انتهجه من حقّ في أقواله وأعماله؛ وهذا هوالشَّطر الأول. ولا يُعرف الحق بالرجال، والمعنى أنه ليس مجرد سلوك الرجل بقولٍ أو فعلٍ هو دلالة على أنه مُصيب، بل -كما قدَّمتُ لكم- الحُكمُ على الأقوال والأعمال عند السَّلفيّينَ، عند أهل السنة والجماعة، عند الطائفة المنصورة، عند أهل الحديث، عند الفرقة الناجية: ميزانان فقط: النص، والإجماع. (٤٤/ ١١)\n (^٢) دروس صوتية للشيخ محمد الحسن الددو الشَّنْقِيطيّ (٤٤/ ١١).","vol":"1","page":41},{"text":"﴿... إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ...﴾ [الزخرف: ٢٢] (^١).\n*والمراد مما سبق: أن تقديم أهل السنة والجماعة على غيرهم، وجعْلهم هم الفرقةَ الناجية ليس مصدره الهوى أو العصبية للرجال، وإنما بُني هذا على مقدمات قامت على العدل والإنصاف؛ فإنّ أخصَّ ما ميَّزَ أهل السنة والجماعة عن غيرهم مِن فرق الأمة أمران: (تعظيم الأثر، والثبات على المنهج).\n١) فأما الأمر الأول فنقول:\nتعظيم الأثر هذا أحد أهمّ الدلائل على صحة الادعاء أن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية.\nقال أبوالقاسم، الملقب بقِوام السنة:\n\"فإن قيل: كل فرقة تنتحلُ اتّباع السنة، وتَنسُبُ مخالفيها إلى خلاف الحق، فما الدليل على أنكم أهلُها دُونَ مَن خالفَكم؟ قلنا: الدليل على ذلك:\nقول الله تعالى: ﴿... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...﴾ [الحشر: ٧]، وقال النبي ﷺ: «عليكم بسنتي، ومَن رَغِبَ عن سنتي فليس مني»؛ وعرفْنا سنته بالآثار المروية بالأسانيد الصحيحة، وهذه الفرقة الذين هم أصحاب الحديث: لها أَطْلَبُ، وفيها أَرْغَبُ، ولِصحاحها أَتْبَعُ؛ فعلِمنا بالكتاب والسنة أنهم أهلها دون سائر الفرَق\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nإن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة؛ الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة؛ فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو\n_________\n(^١) الاعتصام (٢/ ٨٦٣).\n (^٢) [الحُجّة في بيان المَحَجّة، وشرح عقيدة أهل السنة] (٢/ ٤١١).","vol":"1","page":42},{"text":"الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه. (^١)\nفاعتصام أهل السنة والجماعة بالآثار أمر بيّنٌ واضحٌ وُضوحَ الشمس في رائعة النهار، وليس أدلّ على صحة هذا الأمر- الذي هو اتباع ظواهر النصوص والعَضّ عليها بالنَّواجِذ - من كونه صار سُبة يُرمى بها أهل السنة والجماعة.\nفقد أطلق المبتدعة على أهل السنة اسم \" الحشوية \"، والمعنى:\nأن أهل السنة والجماعة أصحاب حشْو في الكلام، أي: ما عندهم إلا \" قال الله، قال الرسول\"، ما عندهم قواعد عقلية، ما عندهم مقدمات منطقية.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وهؤلاء يَعيبون مُنازِعَهم: إما لجمعه حشوَ الحديث من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه، أو لكون اتّباع الحديث في مسائل الأصول من مذهب الحشْو؛ لأنها مسائل علمية، والحديث لا يفيد ذلك؛ لأن اتباع النصوص مطلقًا في المباحث الأصولية الكلامية حشو؛ لأن النصوص لا تَفي بذلك\" (^٢).\nوإن كانت هذه تُهْمةً فلَنِعْمَ التُّهَمُ، كما يُوثر عن الشافعي -﵀- أنه قال:\nإنْ كَانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ... فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّي رافِضِي (^٣).\nقال أبوالمظفَّر السمعاني:\nوالذي يَزيد ما قلناه إيضاحًا: أن النبي - ﷺ - حِينَ سُئل عن الفرقة الناجية قال: «ما أنا عليه وأصحابي»، بمعنى: من كان على ما أنا عليه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٧)\n (^٢) مجموع الفتاوَى (٤/ ٨٨ (قال الجرجاني: الحشو: هو في اللغة ما تملأ به الوسادة، وفي الاصطلاح: عبارة عن الزائد الذي لا طائل تحته. (التعريفات (ص/٨٥»\nمناقب الشافعي (٢/ ٧١). وقول الشافعي هذا نَظيرُ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١].\n (^٣) وسنده صحيح. الشريعة للآجُرّيّ (١/ ٣١٦ (.","vol":"1","page":43},{"text":"وأصحابي؛ فلا بد من تعرُّف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابُه، وليس طريق معرفته إلا النقل؛ فيجب الرجوع إلى ذلك\" (^١).\nأما المخالفون لأهل السنة والجماعة فقد تنكَّبوا الصراط، وخالفوا سبيل الرشاد؛ وذلك حينما جعلوا الدليل سَوْأة يجب سَتْرها بلباس العقل، وتَحْتَ هذا الانحراف خاضوا في التعطيل والتحريف والتشبيه والتكييف.\nقال ابن أبي العز:\n\"وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله مِن جناية! فهل قُتل عُثمانُ ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟! وكذا ما جرى في يوم الجَمَل وصِفِّين، ومَقْتَل الحُسين ﵁، والحَرّة، وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزِلة ورفضت الروافض وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقةً إلا بالتأويل الفاسد؟!. (^٢)\nوقال ﵀: \"وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أوعارَضَ النص بالمعقول؛ فقد ضاهى إبليسَ؛ حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. (^٣)\nفلما كانت مناهجهم مستقاة من العقول والأهواء، وليس من النص الثابت المحكَم؛ وقعَ لهم ما وقع من التضارُب والتخبُّط؛ وهذا جزاء مَن تركَ الكتاب والسنة وأقبلَ على علوم الكلام التي لا ترفع مِن جهلٍ ولا تُغني من جوع!\n*ولْنذكرْ لكم مثلًا على نظرة هؤلاء البؤساء إلى أدلة الشرع، ومكانتها عندهم:\nفقد ذكر الإمام الذهبي في ترجمة الشهرستانيّ محمد بن عبد الكريم بن أحمد:\nأنه كان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذَّبِّ عنهم، فلم يكن يذكر في مجالسه: \"قال الله\" ولا \"قال رسوله\"، فسأله يومًا سائل، فقال:\nسائر العلماء يذكرون في مجالسهم المسائل الشرعية، ويجيبون عنها بقول أبي حنيفة والشافعي، وأنت لا تفعل ذلك؟!\n_________\n(^١) الانتصار لأصحاب الحديث (١/ ٤٢).\n (^٢) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٠٨).\n (^٣) المصدر السابق (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":44},{"text":"فقال: مَثلي ومَثلكم كمَثل بني إسرائيل يأتيهم المَنُّ والسَّلْوى، فسألوا الثُّوم والبصل!! \" (^١).\n٢) وأما الأمر الثاني \"الثبات على المنهج\":\nفمن سمات أهل السنة والجماعة الثبات على المنهج، وهذه مما حَظِيَ به أهل السنة والجماعة دون غيرهم من الفرق، فتقرأ كثيرًا عن الاختلاف البيِّن الواسع والتخبُّط الظاهر الشاسع بين المتقدمينَ والمتأخرينَ في كل فرقة من الفرق الضالة، وتسمع كثيرًا قول القائل: متأخِّرو القدرية، ومتقدِّمو الأشاعرة... إلخ؛ وما ذلك إلا مصداق لقوله تعالى:\n ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ومِثل هذا لا تراه -بفضل الله- عند أهل السنة والجماعة.\nوكم من إمام من الأئمة الكبار في تلك الفرَق رأيناه يُظهر الندامة على عُمره الذي أضاعه في القِيلِ والقالِ والطريق السقيم الضالّ؛ لِيُعلنَ العودة إلى سواء السبيل وشِفاء العَليل، إلى آثار النبوة والتنزيل!\nيقول أحد رؤسائهم (^٢):\nلَعمري لقد طُفتُ المَعاهِدَ كلَّها... وسيّرتُ طرفي بينَ تلكَ المعالمِ\nفلم أَرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ... على ذِقنٍ أو قارعًا سِنَّ نادمِ\nويقول آخرُ (^٣):\nنهايةُ إقدامِ العُقولِ عقالُ... وأكثرُ سَعْيِ العالَمينَ ضلالُ\n_________\n(^١) سِير أعلام النُّبلاء (٢٠/ ٢٨٨).\n (^٢) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستانيّ، المتوفى سنة ثمانٍ وأربعين وخَمسمئة هجرية (٥٤٨). ذكرَهما في أول كتابه [نهاية الأقدام في علم الكلام] (ص ٣)، ونسبَهما إليه ابن أبي العز في [شرح العقيدة الطحاوية] (ص ٢٢٨)، وانظر [لوامع الأنوار] (١/ ١١٠).\n (^٣) هو فَخْر الدين محمد بن عمر الرازيّ (ت ٦٠٦ هـ)، ذكرَها في كتابه [أقسام اللذّات].\nانظر: دَرْء تعارُض العقل والنقل (١/ ١٥٩ - ١٦٠)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص/ ٢٢٧) وطبقات الشافعية للسُّبْكيّ (٨/ ٩٦)، ولَوامع الأنوار (١/ ١١٠ (.","vol":"1","page":45},{"text":"وأرواحُنا في وَحْشةٍ مِن جُسومِنا... وغايةُ دُنيانا أذًى ووَبالُ\nولم نسْتفدْ مِن بحثنا طُولَ عُمْرِنا... سِوَى أنْ جمعْنا فيه قِيلَ وقالوا\nوقد نُقل مثل هذا عن الجُويني والغزالي وغيرهم. ومثل هذا لا تراه -بفضل الله- عند أهل السنة والجماعة.\nومن الفوائد المهمة:\nقول النبي - ﷺعن الفرق الضالة: «كلها في النار، إلا واحدةً» (^١)، وهنا سؤال يطرح نفسه: هل هذا على التأبيد أم التأقيت؟ (^٢)\nالجواب:\nمن العلماء من قال: إنها على نوعين، منها: فرق أتت ببدع كفرية؛ فتستحق الخلود في النار، أمثال: الحلولية، والبهائية، والنُّصيرية، والباطنية، والجهمية، وغُلاة المتصوفة... \"فيخرج من الحساب:\nغلاة أهل البدع، ولا يُعدُّون من الأمة ولا من أهل القبلة، كنفاة الأعراض من القدَرية؛ لأنه لا طريق لحدوث العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت الأعراض، وكالحلولية، والمنصورية، وأشباههم من الغلاة\" (^٣).\nومنها: من أتى ببدع مفسِّقة، أمثال أصحاب البدع العلمية أو العملية، كالخوارج -على الراجح- وكمن خالف أهل السنة في بعض مسائل الصفات أو القدر؛ فيكون عذابها على التأقيت، وهي في ذلك تحتَ المشيئة.\n_________\n(^١) زيادة «كلها في النار إلا واحدةً» زيادة صحيحة قطعًا، فقد جاءت عن ستة من الصحابة بأسانيدَ وطرقٍ كثيرة، منها ما هو حسَن لذاته كحديث معاوية، والباقي يصحَّح بكثرة الطرق والشواهد.\n (^٢) قد وقعَ قلْبٌ لهذه اللفظة كما في حديث العقيليّ وابن عَدِيّ عن أنس مرفوعًا:\n «تفترق أمتي على بِضْعٍ وسبعين فرقةً، كلهم في الجنة إلا فرقةً واحدةً». وقد أورده ابن الجَوْزِيّ في الموضوعات (١/ ٢٦٨)،\nوقال ابن تيمية: \"لا أصل له، بل هو موضوع كذب باتفاق أهل العلم بالحديث\"اهـ.\nوانظر: نظْم المتناثر من الحديث المتواتر (١/ ٤٧).\n (^٣) الحوادث والبِدَع (ص/٣٦).","vol":"1","page":46},{"text":"والصحيح في ذلك:\nأن هذه الفرق المذكورة في حديث الباب إنما هي من أصحاب البدع المفسقة الذين هم داخل دائرة الإسلام، وأنها داخلة تحت الوعيد؛ فهذا الحديث من أحاديث الوعيد العامة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وهو قول جمهور أهل العلم.\nويؤيده:\nنص الحديث: قد ذكر الرسول ﷺ اليهود والنصارى، وهؤلاء من أمة الدعوة، ثم قال ﷺ: «... وستفترق أمتي...».\nفظاهر الحديث يقتضي أن ذلك الافتراق إنما هو مع كونهم من الأمة، وإلا فلو خرجوا من الأمة إلى الكفر لم يُعدّوا منها البَتّةَ (^١)؛ فدل ذلك على أن هذا التفرق الذى وقعَ إنما كان في فرق تنتسب إلى الإسلام، فلم تُخرجها بدعُها المحدَثة من دائرة الإسلام.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدمُ مَن بلغَنا أنه تكلم في تضليلهم: يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارَك، وهما إمامانِ جَليلان من أجلّاء أئمة المسلمين، قالا: أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدَرية والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد ﷺ.\nوكان يقول: \"إنا لَنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية! \"، وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: إن الجهمية كفار، فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم\n_________\n(^١) الاعتصام (٢/ ٧١٤).","vol":"1","page":47},{"text":"المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وهم الزنادقة (^١).\nوقال ﵀:\n\"وليس قوله: «ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة» بأعظمَ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وقولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]\nوقال ﵀:\n\"ومن قال إن الثِّنْتَيْنِ والسَّبعينَ فرقةً كلُّ واحد منهم يكفُر كفرًا ينقلُ عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- بَلْ وإجماعَ الأئمة الأربعة وغيرِ الأربعة، فليس فيهم مَن كفّر كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة\". (^٢)\nقال الذهبي:\n\"وإذا قال المسلم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] يقصد كل مَن سبقَه من قرون الأمة بالإيمان -وإنْ كان قد أخطأ في تأويلٍ تأوَّلَه فخالَفَ السنة أو أذنبَ ذنبًا- فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم، وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة؛ فإنه ما مِن فرقة إلا وفيها خلقٌ كثير ليسوا كفارًا، بل مؤمنون فيهم ضَلال وذنب، يستحقون به الوعيد كما يستحقه عصاة المؤمنين.\nوالنبي ﷺ لم يخرجهم من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل:\nإنهم يخلدون في النار؛ فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاتُه. (^٣)\nوقال البيهقي: \"والذي رُوينا عن الشافعي وغيره من الأئمة مِن تكفير هؤلاء المبتدعة فإنما أرادوا به كفرًا دُون كفرٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوَى (٣/ ٣٥١).\n (^٢) مجموع الفتاوَى (٧/ ٢١٨).\n (^٣) المنتقَى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال (ص/٣٣٤).\n (^٤) سُنن البيهقي الكُبرى (١٠/ ٢٠٧).","vol":"1","page":48},{"text":"المقصود:\nأن حُكمه -﵊- على جميع هذه الفرق أنها في النار إلا واحدة -وهي الفرقة الناجية- لا يراد به التعيين للطوائف، ولا التعيين -مِن بابِ أَوْلى- للأعيان (^١).\nضابط الفرق الهالكة، وتعيينها:\nهذه الفرق لم يعيّنها الرسول - ﷺ- بأسمائها؛ وقد اجتهد العلماء في تحديد أصولها وتعيينها (^٢)، وتكلموا كذلك في الضابط الذي يَنبني عليه تحديد هذه الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنة، فقالوا:\nكل فرقة خالفت أهل السنة في أصل من أصول الدين- تخرج بذلك عن أهل السنة والجماعة، وتدخل في هذه الفرق.\nقال الشاطبي:\n\"هذه الفرق إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنًى كلّيٍّ في الدين وقاعدةٍ من قواعد الشريعة، لا في جُزئيٍّ من الجزئيات؛ إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شِيَعًا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية\" (^٣).\nوعلامة هذه الفرق التي بها تُعرف:\nأنها تفارق الكتاب والسنة والإجماع بلا تأويل سائغ يتفق مع لغة القرآن وأصول الشريعة، حتى يُعذر به صاحبُه فيما أخطأ فيه.\nفهم الذين تستهويهم الظنون الكاذبة والأهواء المُضلة والتأويلات الباطلة، وقد ورد في رواية لحديث الباب أن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قال:\n «وَسَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا\n_________\n(^١) شرح حديث الافتراق ليوسف الغفيص (٣/ ٦).\n (^٢) ونظير ذلك: ما ورد في قوله ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»، فمحل الاتفاق إنما هو في عدد الأسماء التي لها هذه الميزة (أن من أحصاها دخل الجنة)، وأما محل الاختلاف والاجتهاد فهو في تعيين هذه الأسماء على التفصيل.\n (^٣) الاعتصام (٢/ ٧١٢).","vol":"1","page":49},{"text":"دَخَلَهُ» (^١)؛ فكل من كان كذلك هو مخالف للفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة.\n*أما تعيينها:\nفهذه الفرق لم يعيّنها الرسول ﷺ؛ وقد اجتهد العلماء في تحديد أصولها وتعيينها، وكلٌّ تكلَّمَ حسبَ اجتهادِه (^٢).\nوأقدمُ من تكلم في تعيين الفرق الضالة وتقسيمها: يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارك؛ كما نص على ذلك شيخ الإسلام في [مجموع الفتاوى] (٣/ ٣٥٠)،\nفقالا في تعيينها: إن أصل البدع أربعة:\n\" الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة\"\nوإنما لم يذكرا الجهمية على اعتبار أنها خارجة عن فرق المسلمين*.\nوممن قد ذهب إلى هذا التقسيم: البربهاري في [شرح السنة] (ص/ ٤٦)، والطرطوشي في [البدع والحوادث] (ص/ ٩٧).\nومن العلماء مَن ذكرهم على سبيل التفصيل:\nقال أبو المظفر الإسفرايني:\nفأما الاثنتان والسبعون: فعشرون منهم الروافض، وعشرون منهم الخوارج وعشرون منهم القدرية المعتزلة، وسبع فرق هم المرجئة، وفرقة هم الجهمية، والكَرّامِيّة وهم ثلاث فرق، والفرقة الثالثة والسبعون هي الناجية، وهم أهل السنة والجماعة\" (^٣).\nوقيل: إن أصول الفرق ستة:\nحرورية، وقدرية، وجهمية، ومرجئة، ورافضة، وجَبْرية، وانقسمت كل منها اثنتي عشرة فرقةً، فصارت اثنتين وسبعين فرقة؛ وهذا مما قد ذهب إليه ابن الجَوْزِيّ في [تلبيس إبليس] (ص/ ٢٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٩٣٧)، وسنده صحيح.\n (^٢) ونظير ذلك: ما ورد في قوله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»، فمحل الاتفاق إنما هوفي عدد الأسماء التي لها هذه الميزة \"أن من أحصاها دخل الجنة\"، وأما محل الاختلاف والاجتهاد فهوفي تعيين هذه الأسماء على التفصيل.\n (^٣) التبصير في الدين، وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين (١/ ٢٥).","vol":"1","page":50},{"text":"والصحيح في ذلك: هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال:\n\"وأما تعيين هذه الفرق فقد صنَّف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كُتب المقالات؛ لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لا بد له من دليل؛ فإنَّ الله حرَّم القول بلا علم عمومًا، وحرَّم القول عليه بلا علم خصوصًا\" (^١).\nومن العلماء من قال: أصول أهل البدع أربعة: (الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة).\nالصحيح والذي عليه عمل السلف هو: تحديد أصول أهل البدع، دون تعيين الفرق عينِها.\nفي ختام الحديث\nنطرح سؤالًا: هل هناك فرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة؟\nالجواب:\nنعم هناك فرق بينهما:\nأما الفرقة الناجية فهي أعم من الطائفة المنصورة، فالفرقة الناجية هي التي وردت في حديث الباب، وذلك في قوله ﷺ:\n «مَا كان على مِثل ما أَنَا عَلَيْهِ اليومَ وَأَصْحَابِي»؛ فهي كل من اتبع أصول الاعتقاد التي بُعث بها النبي ﷺ، فكان على الأصول العامة لأهل السنة والجماعة، وإن كان ذا تقصير في الاتباع الظاهر، فهي أمة الاتباع التي سبق ذِكرها في فوائد حديث الباب.\nأما الطائفة المنصورة فهم أخصّ من الفرقة الناجية، الذين وردَ ذكرُهم في قول رَسُول اللهِ ﷺ:\n «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَو خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (^٢).\nوخير توصيف لهذه الطائفة المنصورة: ما ذكره النووي -﵀- في شرحه لهذا الحديث «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ...»،\nحيث قال: \"وأما هذه الطائفة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى بتصرُّفٍ يسير (٣/ ٣٤٦).\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":51},{"text":"فقال البخاري: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهلَ الحديث فلا أدري مَن هم.\nقال القاضي عِياضٌ:\nإنما أراد أحمدُ أهلَ السنة والجماعة ومن يعتقدُ مذهب أهل الحديث.\nقلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرَّقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زُهّاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وفي حديثٍ عنه أنه -ﷺ- قال:\n «هم مَن كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». صار المتمسكون بالإسلام المَحْض الخالص عن الشَّوْب هم \"أهل السنة والجماعة\". وفيهم: الصِّدِّيقون، والشهداء، والصالحون. ومنهم: أعلام الهُدى، ومصابيح الدُّجَى، أُولُو المَناقبِ المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، ومنهم الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي -ﷺ-: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين؛ لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعةُ\" (^٢).\nفالحاصل أنها دوائر متداخلة:\n١) الدائرة الكبرى (أمة الدعوة):\nوهم كل من بُعث إليهم الرسول ﷺ، وقد بُعث إلى الناس عامّةً.\n٢) الدائرة الأقل منها (أمة الإجابة):\nكل من دخل في دين الإسلام، وإن لم يلتزم بأصول السنة، فوقع في جملة من البدع المفسِّقة، التي لم تُخرجه من دائرة الإسلام.\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (١٣/ ٦٦).\n (^٢) العقيدة الواسطية (ص/١٣٣).","vol":"1","page":52},{"text":"٣) الدائرة الأقل (أمة الاتباع):\nوهي الفرقة الناجية، هي التي وردت في حديث الباب، وهي كل من اتبع أصول الاعتقاد التي بُعث بها النبي ﷺ، فكان على الأصول العامة لأهل السنة والجماعة.\n٤) الدائرة الأقل (الطائفة المنصورة):\nوخير توصيف لها: ما ذكره الإمام النووي، أنها تشمل كل من قام لدين الله علمًا أو عملًا.\n... تم بحمد الله...","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الحديث الثاني: البيان المناط بفوائد حديث ذات أنواط</span>","vol":"1","page":55},{"text":"*نَصُّ الحديث:\nعن أبي واقِدٍ اللَّيْثِيّ -﵁- قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيَنُوطُونَ بِها أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَها: ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا:\nيَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ! إنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]،\nلَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».\n*تخريج الحديث:\nقال المُزَنِيّ: حدَّثَنا الشافعيُّ، قالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنانٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ... ثُمَّ ساقَ الحديثَ... (^١).\nوأخرجه أحمد في المُسنَد (٢١٨٩٧)، والمروزي في السُّنّة (٣٧)، والتِّرْمِذِيّ في باب الفِتَن (٢١٨٠)، وقالَ: \"حَسَن صحيح\"، والنَّسائيّ في التفسير مِن سُنَنه الكُبرى (١١١٢١)، وابن أَبي عاصمٍ في السُّنّة (٧٦)، وصححه الأَلبانيّ في [ظِلال الجَنّة] (٧٦)، وقال شُعَيبٌ الأرنؤوط: \"إسناده صحيح على شَرْطِ مُسلمٍ\". (^٢)\n_________\n(^١) السُّنن المأثورة للشافعي (١/ ٣٣٨).\n (^٢) تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (١١/ ١١٢)، جامع الأصول (١٠/ ٣٤)، وصحيح مَوارد الظمآن (١٥٤٠).","vol":"1","page":57},{"text":"*غَريب الحديث:\nقول الراوي: \"خرجْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ إلى حُنَيْنٍ\": (حُنَين) هي مَوْضِعٌ بَيْنَ الطّائفِ ومَكّةَ، وقعتْ فيه مَعْرَكة \"حُنين\" المشهورةُ.\nقوله: \"يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ\": قال الحَمَوِيّ:\n\"شجرة خضراءُ عظيمة، كانت الجاهلية تأتيها كُلَّ سَنةٍ؛ تعظيمًا لها، فتُعلِّقُ عليها أسلحتها، وتَذبحُ عندَها، وكانت قريبةً من مكةَ.\nوذُكِرَ هذا من كلام ياقوت الحموي أيضًا أنهم كانوا إذا أتَوْا يَحُجُّون يُعلّقون أَرْدِيَتَهم عليها، ويدخلون الحَرَم بغير أَرديةٍ؛ تعظيمًا للبيت؛ ولذلك سُمّيت ذاتَ أنواط، أو نقول: سُميت أنواطًا، يقال: ناطَ الشيءَ، يَنُوطُهُ، إذا عَلَّقَهُ\". (^١)\n*قوله ﷺ: «إِنَّهَا السُّنَنُ»: جَمْعُ سُنّة، و(السُّنّة) لغةً: الطَّريقة، حَسَنةً كانت أو سيّئةً، والمراد هنا: طريقة أهل الأهواء والبِدَع التي ابتدعوها مِن تِلقاءِ أنفُسهم بعد أنبيائهم، مِن تغيير دينهم، وتحريف كتابهم، كما أتى على بَني إسرائيل، حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ. (^٢)\nالمعنى العامّ لحديث الباب:\nقوله أبي واقِدٍ اللَّيْثِيّ -﵁-:\n\"خرجْنا مع رسول الله -ﷺ- يومَ حُنينٍ ونَحْنُ حديثو عهدٍ بكفرٍ\":\nيقصد بذلك مَن خرجَ معَ النبي ﷺ يومَ حُنين من الصحابة -﵃الذين أسلموا بعدَ فتح مكةَ، وكانوا يُطلَقُ عليهم \"مُسْلِمةُ الفَتْحِ\"؛ فخرجوا مع النبي -ﷺفي غَزْوَة حُنين.\nقال الراوي: \"وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا\": والعُكُوفُ للشّيء هو مُلازَمَتُه، كما في قول الله سبحانه عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ\n_________\n(^١) مُعْجَم البلدان (١/ ٢٧٣).\n (^٢) تحفة الأحوذي (٥ / ص ٤٧٢).","vol":"1","page":58},{"text":"لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢].\nقال الراوي: \"ويَنُوطُونَ عَلَيْها أَسْلِحَتَهُمْ\" أيْ: يعلِّقون عليها أسلحتهم.\n\"فقلنا: يا رسولَ الله، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ\" أي:\nاجعلْ لنا شجرةً نُعلِّق عليها أسلحتنا، كما لهم شجرةٌ يُعلِّقون عليها؛ فالمشركون كانوا يفعلون ذلك طلبًا للبَرَكة من هذه الأشجار؛ لتزداد الأسلحة قوةً -مثلًا- فلا تنكسرَ حالَ النِّزالِ في المَعارك.\nفقال هَؤلاءِ الذين أسلموا حديثًا للنبي ﷺ:\n\"اجعلْ لنا ذاتَ أَنواطٍ\" أي: لِنُعلّقَ عليها أسلحتنا. ومعنى \"أناط الشيءَ\": علَّقَه.\nفقال النبي ﷺ: «سُبْحانَ اللهِ»، وفي روايةٍ قال: «اللهُ أَكبرُ، قُلْتُم كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى...».\n*هذا الحديث فيه جُملةٌ من الفوائدِ:\n\nالفائدة الأولى: *<span data-type=\"title\" id=toc-16> حُسن المَقْصِد يحتاج إلى حُسن العَمَل</span>*\nوهذه القاعدة من الأهميّة بمَكانٍ، أي: إن النية الصحيحة السليمة وَحْدَها لا تكفي لإصلاح العمل الفاسد، بَلِ النية السليمة تحتاج -كذلك- إلى صحة العمل، الذي هو عمل الجَوارح.\nنَعَمْ، الأعمال بالنّيّات، ولكنَّ النية الصحيحة حتى يُقْبَلَ ما يترتّبُ عليها ويكونَ عليها الثوابُ- لا بُدّ أن يقترن بها عمل صالح موافقٌ لأصول الشرع؛ ولذلك قال ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]\nفنهى الله -﵎- عن الشرك -شرك النيات، وشرك الأفعال- وأمرَ بإصلاح النية، ولم يقتصر على ذلك، بل قال: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾، والعمل الصالح لا يكون صالحًا إلا إذا كان موافقًا للكتاب وسنة النبي ﷺ.\n* قال ابن كَثيرٍ:\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابَه وجزاءه الصالحَ","vol":"1","page":59},{"text":"﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ ما كان موافقًا لشرع الله، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وهو الذي يُراد به وَجْهُ الله وَحْدَه لا شريكَ له؛ وهَذانِ رُكْنا العملِ المتقبَّلِ: لا بد أن يكون خالصًا لله، صَوابًا على شريعة رسول الله ﷺ. (^١)\n* وتأمَّلْ:\nقد نهى النبيُّ -ﷺ- أصحابهرضي الله عنه- وأمّته عن الصلاة بالمساجد التي بها قبور مع علمه ﷺ أن أصحابه إذا دخلوا مسجدًا -ولو فيه ألف قبرٍ- يُصلّون لله تعالى، وهو على يقينٍ مِن ذلك، ويَعلم حُسن نيّتِهم، ولكنه ﷺ ما اكتفى بحُسن النية، ولكنْ أمرَهم بحُسن العمل، وذلك بِتَرْكِ الصلاة في المساجد التي بها قبور.\n*أما عن عَلاقة هذه القاعدة بحديث الباب:\nفإنَّ هؤلاء النَّفَرَ الذينَ كانوا حُدَثاءَ عهدٍ بكفرٍ- كان مَقصِدُهم مقصدًا حسنًا، فهم لم يَقصدوا شجرةً يتبرّكون بها ويتمسّحون بها كما فعلَه المشركون الذين تعلّقت قلوبهم بالشجرة حتى عكفوا لها وأناطوا بها أسلحتهم طلبًا للبَرَكة من ذات الشجرة؛ فلم يكن هَؤلاءِ الصَّحْبُ الكِرامُ قاصدينَ ذلك، بل كانت نيتهم نية حسنة، فهم ما أرادوا إلا شجرةً يعلّقون بها أسلحتهم للبركة، ويجلسون عندها للبركة؛ ومع ذلك فإن النبي -ﷺما اكتفى بحسن النية، بل قد سوَّى طلبهم بطلب من قال: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]\n٢ - الفائدة الثانية، وهي مسألة العذر بالجهل:\nأولًا: نقول:\nقال الله -﵎-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ...﴾ [النساء: ٤٨]، فما دُونَ الشرك فذلك كلُّه تحتَ المشيئة، قد يُغفر، وقد لا يُغفر، أما الشرك فهو خَطٌّ أحمرُ، فلو أتى المشركُ ربَّه -﵎- بقُرابِ الأَرضِ ذَهَبًا وفِضّةً لم يُقبَلْ منه! ولكنَّ العلماء قالوا: إن هناك أعذارًا إذا ما تَلَبَّسَ بها المَرْءُ ثُمَّ وقعَ في الشرك\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٠٥).","vol":"1","page":60},{"text":"فإنها تَرفع عنه وَصْفَ الشرك (تَرْفعُه عن الشخص، لا عن الفعل نفسِه).\n*ومن هذه الأعذار:\n*الجهل، والتأويل، والخطَأ، والنِّسْيان... * فمن وقعَ في شرك وكان جاهلًا أو مخطئًا أو ناسيًا أو متأوِّلًا- فهذه الأعذار تُسقط عنه حُكم الشرك، وهذا من حيث العَيْنُ لا النَّوْعُ، وهذا معنى مسألة العذر بالجهل.\n* من أدلة العذر بالخطأ:\n (١) قال تعالى: ﴿... وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥]\n (٢) قد ورد في حديث الرجُل الذي كان في فَلاةٍ، وكان على دابّةٍ عليها طعام وشراب، وفقدَ دابته بما عليها، فجلس ينتظر الموت، وإذ به يرى ناقته التي عليها الطعام والشراب أمام عينيه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. (^١)\nفهذا الرجل قد أخطأ من شدّة الفرح، حتى أنه قد نطق كفرًا، ولكنه لم يكفر بذلك؛ لِكَونه لم يُرِدْهُ، ولم يَقُلْه قاصدًا حقيقة مَعْناهُ، بل في حالة كان فيها كالغافل والذّاهل والنّاسي الذي لا يؤاخَذ بما يصدُر مِنْهُ. (^٢)\n*وكذلك من هذه الأعذار: التأويل:\nوالتأويل مِن معانيه: تفسير النصوص الشرعية على غير مَدلولها الشرعي الصحيح.\n* ويدل عليه:\nقوله تعالى) وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) (النحل: ١٠٦)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) فتْح الباري (١١/ ١٠٨)، وإعلام الموقِّعين (٣/ ٦٣).","vol":"1","page":61},{"text":"قال ابن الوزير:\nفقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ولكنْ من شرح بالكفر صدرًا﴾ يؤيد أن المتأولين غير كفار؛ لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعًا أو ظنًا أو تجويزًا أو احتمالًا.\nوقد يشهد لهم بذلك كلام أمير المؤمنين ﵇ وهو الصادق المصدوق في المشهور عنه حيث سئل عن كفر الخوارج، فقال: \" من الكفر فروا \"، فكذلك جميع أهل التأويل من أهل الملة وإن وقعوا في أفحش البدع والجهل فقد علم منهم أن حالهم في ذلك هي حال الخوارج. (^١)\n* يؤيده: قوله ﷺ:\n «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ...».\nقال أبو سُليمانَ الخَطّابيُّ:\n\"فيه دلالة على أن هذه الفِرَق كلَّها غيرُ خارجة من الدين؛ إذ النبي -ﷺ- جعلَهم كلَّهم من أمّته. وفيه: أن المتأوِّل لا يخرج من الملة، وإنْ أخطأ في تأوُّله\" اهـ - (^٢)\nوقد كان الإمام أحمد مع قوله بكفر من قال بخلق القرآن، كان لا يكفِّر الأعيان لكونه يراهم متأولين.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفِّروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة.\nوقد نُقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قومًا معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل.\n_________\n(^١) إيثار الحق على الخلق (ص/٤٣٧)\n (^٢) معالم السنن (٣/ ٥١٠).","vol":"1","page":62},{"text":"فيقال: من كفَّره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه هذه مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. (^١)\nوقال ﵀:\nفالإمام أحمد -رحمه الله تعالى- ترحَّم عليهم واستغفر لهم؛ لعلمه بأنهم لمن يتبين لهم أنهم مكذِّبون للرسول ﷺ، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلَّدوا من قال لهم ذلك. (^٢)\nويقرر ابن حزم العذر بمثل هذا التأويل قائلًا:\n\" ومن بلغه الأمر عن رسول اللهﷺ - من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأوَّل في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة فى ذلك فعاند فلا تأويل بعد قيام الحجة. (^٣)\n*وهنا فائدة: في ضوابط التأويل التى يُعذر بها المرء:\n١ - الضابط الأول:\nيُشترط كونُه من التأويل السائغ، وهو ما لا يعود على الدين بالإبطال، ويكون مقبولًا في لغة العرب، ويكون قاله قاصدًا أن يصيب الحقَّ، وقالَه وفْق قواعد العلم؛ ومِثل هؤلاء لهم أعذارٌ في وُقوعهم في التأويل.\nفلا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار. (^٤)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٩)\n (^٢) المصدر السابق (٢٣/ ٣٤٩)\n (^٣) الدرة فيما يجب اعتقاده (ص/٤١٤)\n (^٤) إيثار الحق على الخلق (ص/٤١٥)","vol":"1","page":63},{"text":"قال الشيخ ابن العثيمين وهو يبين التأويل السائغ من غيره:\nإنكار شيء من أسماء الله -تعالى- أو صفاته نوعان:\nالنوع الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسمًا من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة.\nالنوع الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يؤولها وهذا نوعان:\nالأول: أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر.\nالثاني:\nأن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية فهذا موجب للكفر، لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار تكذيبًا، مثل أن يقول: ليس لله -تعالى- يد حقيقة، ولا بمعنى النعمة، أو القوة، فهذا كافر؛ لأنه نفاها نفيًا مطلقًا فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ المراد بيديه السماوات والأرض فهو كافر، لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية فهو منكر مكذب.\nلكن إن قال: المراد باليد النعمة أو القوة فلا يكفر؛ لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة. (^١)\n٢ - الضابط الثانى:\nيشترط في ذلك التأويل أن لا يكون في أصل الدين الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وقبول شريعته؛ لأن هذا الأصل الذي هو الشهادتان لا يمكن تحقيقه مع حصول الشبهة فيه، ولهذا أجمع العلماء، على كفر الباطنية - مثلًا وأنهم لا يعذرون بالتأويل؛ لأن حقيقة مذهبهم الكفر بالله تعالى، وتمام عبادة الله وحده، وإسقاط شرائع الاسلام. (^٢)\n*وهنا الإشكال:\nقد يقول قائل: إن المناط في قيام الحجة على المعين مطلقًا هو\n_________\n(^١) فتاوى أركان الإسلام (ص/٩٢)\n (^٢) وانظر رسالة ضوابط التكفير (ص/٣٦٩) ونواقض الإيمان (ص/٧٨)","vol":"1","page":64},{"text":"مجرد بلوغها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عنده شبهة أو لا يكون. ومقتضى ذلك ألَّا يعذر أحد بالشبهة بعد بلوغ الحجة الرسالية.\nويستند من يقول هذا القول إلى أن الله -تعالى-قد حكم بالكفر على من وصفهم بأنهم لا يفقهون، وأنهم لا يعلمون، وأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ونحو ذلك.\nومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الإسراء: ٤٦)، وقول الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (الأنفال: ٢٢ - ٢٣).\nوقوله تعالي: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون﴾\n (الأعراف: ١٧٩)\nوالجواب أن هذا لا يعارض إعذار المتأول، ويتبين ذلك بوجهين:\nالأول:\nأن هناك فرقًا بين فهم الدلالة وفهم الهداية. فليس كل من بلغته الحجة وفهمها يهتدي بها.\nلكنَّ الله -تعالى- قد جعل فهم الدلالة شرطًا في تكليف عموم الناس مؤمنهم وكافرهم، ولم يجعل فهم الهداية والتوفيق إلا لمن أراد لهم ذلك، وهو محض فضل من الله تعالي، أو بفضل منه جزاء لمن سعي في طلب الهدي.\nفالفهم المشروط في قيام حجة الله -تعالى- على العباد غير الفهم الذي هو مقتضى هداية الله - تعالى -وتوفيقه، والشبهة التي تتعلق بفهم الحجة غير الشبهة التي هي لعدم الهداية ولو بلغت الحجة، وهذا فرق ظاهر.\nيبين ذلك أن الآيات التي قد يستدل بها من لا يفرق بين هذين الأمرين كلها فيما","vol":"1","page":65},{"text":"يتعلق بنفي العلم والفهم والعقل الذي هو مقتضى الهداية.\nولذلك فإن الله -تعالى- كما نفى عمن حكم بكفرهم في تلك الأيات العلم والفهم، فقد نفى عنهم أنهم يسمعون أو يبصرون. ومعلوم أن السمع والبصر المنفي هنا هو مقتضى الهداية لا أنهم صم لا يسمعون شيئًا عميٌ لا يرون شيئًا.\nفكذلك العقل والفهم المنفي عنهم هو مقتضى الهداية والتوفيق، لا أنهم مجانين لا يعرفون شيئًا ولا يفهمون ما يقال لهم. (^١)\n* ومن الأعذار في مسألة التكفير:\nمسألة الجهل:\nفالجهل بالحكم الشرعي أحد الأعذار التى يسقط بها حكم تكفير العين:\n* فمن أدلة الكتاب على ذلك:\nقال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) (التوبة: ١١٥)، وقال تعالى (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) (النساء: ١٦٥)\n* ومن أدلة السنة:\n١ - حديث الرجل الذي شك في قدرة الله -تعالى- على أن يجمعَه بعدَ حَرْقه.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:\n\" قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ: فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي البَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ، فَأَمَرَ اللَّهُ البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ \" (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:\n\"فهذا رجل شكَّ في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِّي، بل\n_________\n(^١) ضوابط التكفير عند أهل السنة لعلي القرني (ص/٢٤٢)\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":66},{"text":"اعتقدَ أنه لا يُعادُ -وهذا كفرٌ باتفاق المسلمينَ- لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف اللهَ أن يُعاقبَه؛ فغفر له بذلك. والمتأوِّل من أهل الاجتهاد، الحَريصُ على متابعة الرسول: أَوْلَى بالمغفرة مِن مِثل هذا\". (^١)\nقال ابن قتيبة:\nوهذا رجل مؤمن بالله تعالى، مقر به، خائف منه، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أُحرق وذرِّي الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله -تعالى- له بمعرفته ما بنيته، وبمخافته من عذابه وجهله بهذه الصفة من صفاته. (^٢)\n٢ - حديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...»، ومنهم: «... رَجُلٌ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ...» (^٣).\n٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ- أَنَّهُ قَالَ:\n «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^٤).\nقال يَحيَى بنَ حاطِبٍ: توُفِّىَ حاطِبٌ وكانَت له أمَةٌ نُوبيَّةٌ قَد صَلَّت وصامَت وهِىَ أعجَميَّةٌ لَم تَفقَهْ، فلَم تَرُعْه إلا بحَبَلِها، فذَهَبَ إلَى عُمَرَ - ﵁ - فحَدَّثَه فأفزَعَه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢١).\n (^٢) وانظرتأويل مختلف الحديث (ص/١٣٦) ونواقض الإيمان لعبدالعزيز بن عبد اللطيف (ص/٦٤)\n (^٣) أخرجه أحمد (١٦٣٤٥) والبيهقي في \"الاعتقاد\" (١٦٩) وقال البيهقي: \"وهذا إسناد صحيح\"، ونقله ابن كثير في تفسيره (الإسراء: ١٥) ولم يتعقبه، وصححه ابن حزم في الفصل (٣/ ١٣١). وقال الأرنؤوط: إسناده حسَن. وانظر [صَحِيحُ الْجَامِعِ: ٨٨١]\nقلت:\nوالفَتْرَةُ: ما بين كل نَبِيَّيْنِ من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة. وأَهْل الْفَتْرَةِ: الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهم الدَّعْوَة. ومذهب أهل جمهور السنة أنهم يختبرون في العرصات، ويرى الأشاعرة أن أهل الفترة ناجون، وإن عبدوا الأصنام. وانظر \"تحفة المريد\" (ص/٦٨)\n (^٤) أخرجه أحمد (٨٦٠٩)، ومسلم (١٥٣).","vol":"1","page":67},{"text":"ذَلِكَ. فأرسَلَ إلَيها عُمَرُ - ﵁ - فقالَ: أحَبَلتِ؟ فقالَت: نَعَم، مِن مَرغوشٍ بدِرهَمَينِ، فإِذا هِىَ تَستَهِلُّ بذَلِكَ لا تَكتُمُه، قال: وصادَفَ عَليًّا وعُثمانَ وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ ﵃، فقالَ: أشيروا عليَّ. وكانَ عثمانُ - ﵁ - جالِسًا فاضطَجَعَ، فقالَ عليٌّ وعَبدُ الرَّحمَنِ ﵄: قَد وقَعَ عَلَيها الحَدُّ، فقالَ: أشِرْ عليَّ يا عثمانُ. فقالَ: قَد أشارَ عَلَيكَ أخَواكَ.\nقال: أشِرْ عليَّ أنتَ، قال: أُراها تَستَهِلُّ به كأنَّها لا تَعلَمُه، ولَيسَ الحَدُّ إلا على مَن عَلِمَه، فقالَ: صَدَقتَ، والَّذِى نَفسِى بيَدِه ما الحَدُّ إلا على مَن عَلِمَه. فجَلَدَها عُمَرُ - ﵁ - مِائَةً، وغَرَّبَها عامًا. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:\n\"لهذا كنتُ أقولُ للجَهْميّة من الحُلوليّة والنُّفاةِ الذينَ نَفَوْا أن الله تعالى فوقَ العرش -لمّا وقعتْ مِحنتُهم-: أنا لو وافقتُكم كنتُ كافرًا؛ لأني أعلمُ أن قولكم كفرٌ، وأنتم عِندِي لا تَكفُرونَ؛ لأنكم جُهّالٌ\". (^٢)\nوقال ﵀:\n\"فإنّا -بعدَ معرفةِ ما جاء به الرسولُ- نَعلمُ بالضَّرورة أنه لم يشرع لأمّته أن تدعوَ أحَدًا من الأموات، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمّته السجود لميتٍ ولا لغير ميتٍ، ونحو ذلك؛ بل نَعلمُ أن ذلك من الشرك الذي حرّمه الله -تعالى- ورسولُه؛ لكنْ لِغَلَبةِ الجهل وقِلّة العلم بآثار الرسالة في كثيرٍ من المتأخرينَ لم يُمْكِنْ تكفيرُهم بذلك، حتى يَتبيَّنَ لهم ما جاء به الرسولُ ﷺ\" (^٣).\nقال ابن القَيِّم:\n\"وأما كُفرُ الجهل مع عدم قيام الحُجّة وعدمِ التمكُّن من\n_________\n(^١) السنن الكبرى للبيهقى (١٧٠٦٥) باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات. وانظر ضوابط التكفير (ص/٢٤٠)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٢٦). وليس المقصود بالحلولية هنا من يقول بعقيدة الحلول والاتحاد، وإنما المراد بهم الجهمية الذين ينفون علو الله -تعالى- على عرشه.\n (^٣) الرد على البكري (٢/ ٧٣١).","vol":"1","page":68},{"text":"مَعرفتها- فهذا الذي نفى اللهُ التعذيبَ عنه حتى تَقُومَ حُجّةُ الرسلِ\". (^١)\nقال الذهبي:\nوقد كان سادة الصحابة -﵃- بالحبشة، وينزل الواجب والتحريم على النبيﷺ- فلا يبْلغهم تحريمه إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأشهر معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، فكذا يعذر بالجهل كل من لم يعلم حتى يسمع النص. والله تعالى أعلم. (^٢)\nقال محمد بن عبد الوَهّاب:\n\"وإذا كُنّا لا نُكفّر مَن عبدَ الصَّنَمَ الذي على قبر \"عبد القادر\"، والصَّنَمَ الذي على قبر \"أحمدَ البدويِّ\" وأمثالهما لأجْلِ جهلِهم وعدمِ مَن يُنبّهُهُم... \". (^٣)\n*عَودٌ إلى حديث الباب:\nفهؤلاءِ جَمْعٌ من الصحابة -﵃- كانوا حُدَثاءَ عهدٍ بكفرٍ، وكان التبرُّك بالأشجار والأحجار والأصنام مما تَوارثُوهُ عن الجاهليّة، فكان عُذرُهم في هذا المَطلَبِ إنما هو الجهل الناشئ عن حداثة العهد بالإسلام، فطلبوا أمرًا من الشرك بمَكانٍ، والصحابي يذكُر عُذرًا في سياق الكلام، حيث قال: \"ونحنُ حدثاءُ عهدٍ بكفرٍ... \"، فعذرَهم النبي ﷺ في ذلك؛ لجهْلهم، لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفرٍ.\nقال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:\n\"اتفق الأئمة على أنّ مَن نشأَ بباديةٍ بعيدةٍ عن أهل العلم والإيمان، وكان حديثَ العهد بالإسلام، فأنكرَ شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المُتواترة- فإنه لا يُحكم بكفره حتى يَعرِفَ ما جاء به الرسولُ\". (^٤)\n* فهذا يُفيد أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كُفر وهو لا يَدري، فنُبِّهَ على ذلك، فتاب مِن ساعتِه- أنه لا يكفُر كما فعلَ بنو إسرائيل والذين سألوا النبيَّ ﷺ. (^٥)\n_________\n(^١) طريق الهِجرتينِ (ص/٦١١)، وضوابط تكفير المُعَيَّن (ص/ ٥٧).\n (^٢) الكبائر (ص/٢٥)\n (^٣) الدرر السّنيّة (١/ ٦٦).\n (^٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٧).\n (^٥) كشف الشبهات (ص/٩١)، والتكفير وضوابطه للسقار (ص/٦٩).","vol":"1","page":69},{"text":"* فرع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>مسألة العذر بالجهل ليست على إطلاقها</span>، فليس كلُّ جاهلٍ معذورًا بجهله، بل المسألة تختلف بحسب حال الجاهل، وحال المجهول:\nأ) بحسب حال الجاهل:\nفالشخص الذي نشأ في باديةٍ ليس فيها عِلمٌ منتشر، أو كان حديثَ عهدٍ بالإسلام كأصحاب حديث الباب، أو قد يكون سعى في طلب العلم فجانَبَهُ الصَّوابُ؛ فهذا الشخص يكون معذورًا بجهله، بخلاف شخصٍ آخرَ فرَّطَ في العلم الشرعي، أو يأتيه الدليلُ فيُعانِدُ ويُجادلُ فيه أو يُعْرِضُ عنه؛ كقوله تعالى: ﴿... وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]؛ فالحُكم في هَذَيْنِ مختلفٌ.\nقال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:\n\" وهذا العذر لا يكون عذرًا إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصَّر فيها لم يكن معذورًا. (^١)\nب) بحسب حال المجهول:\nوهي القضية التي وقع فيها الجهل، فمعنى قولنا \"بحسب المجهول\": أننا نفرِّق بين قضية خَفِيةٍ وقضية ظاهرة؛ فإنّ وُقوع الجهل -مثلًا- في قضية خفية، أو في قضية هي محلُّ نزاعٍ بين العلماء أو قضيةٍ تحتاج إلى إمْعانِ النَّظَر، فقال المخالِف قولًا من الكفر فليس هذا كمَنْ كفرَ بمسألة هي معلومةٌ من الدِّين بالضَّرورة.\nقال النووى:\nفأما اليوم وقد شاع دين الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرًا، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنى والخمر ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٨٠).","vol":"1","page":70},{"text":"إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده فإنه إذا أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه.\nفأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدا لا يرث وأن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة. (^١)\nومن نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية في التفريق بين المسائل الجَلِيّة والخَفِيّة:\nقولُه -﵀-:\n\" في المقالات الخفية قد يقال: إنه فيها مخطئ ضالّ، لم تقُم عليه الحجة التي يكفُر صاحبها؛ لكن ذلك يقع في طوائفَ منهم في الأمور الظاهرة التي تَعلَم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، مثل:\nأمْره بالصلوات الخمس، ومثل معاداته لليهود والنصارى، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك، ثم تجد كثيرًا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين. (^٢)\nقال الشافعى:\nوعلم عامة هو ما لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله -تعالى- على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرَّم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا، وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع\". (^٣)\n* لكن نقول:\nإذا كان الجهل عذرًا في عدم وصف الشخص الذي فعلَ كفرًا، فإنّ المراد بالجهل هُنا هو:\nعدم بلوغ الحُجة، وليس عدم فَهم الحجة.\nفإنْ قِيلَ: وما الفارق بينهما؟\nقلنا:\nأما قيام الحجة فهو أن تَصِلَه الأدلة الشرعية بِلُغةٍ يَفهمُها مِثْلُه، وبلسان\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٢٠٥)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٤).\n (^٣) الرسالة (ص/٣٥٧)","vol":"1","page":71},{"text":"قومه؛ فهُنا شَرطانِ في تحقُّق قيام الحجة: بُلوغها مع فَهمها بلسان قومه (وهو الفَهْمُ اللُّغَوِيّ): قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]\nوقال تعالى: ﴿... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]\nوإذا كان كذلك فإنّ فَهْمَ اللسان هذا لا بُدَّ منه، أي:\nإذا أتاك رجلٌ أَعجميٌّ فكلّمتَه بالحُجة الرِّساليّة باللغة العربية؛ فمِثلُ هذا لم تقُم عليه الحجة، وذلك لأنه لم يَفْهَمْ منها كَلِمةً، فلا تكون الحُجة قد قامت عليه حتّى يَبُلَغَه بما يَفهمُه بلسان قومه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ...﴾ [إبراهيم: ٤]\n*وأما فَهْمُ الحجة: فليس من شرط قيام الحجة أن يَفهمَ الحُجة فَهْمَ مَن أراد الله -تعالى- هِدايتَه وفَهْمَ التفقُّه المؤدي إلى الإذعان والانقياد - كفَهم أبي بكرٍ وعُمرَ والصحابة ﵃؛ لأنه لو قيل: إن قيام الحجة لا يتم إلا بفَهمها على هذا المعنى لَصار لا يكفر إلا مَن عانَدَ!\nواللهُ -﷿- قد بيّنَ في القرآن أن الكافرينَ قد قامت عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله تعالى:\n ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا...﴾ [الأنعام: ٢٥]\nفنَصَّ الله -تعالى- أنهم يستمعون سَماعَ مَن يَفهمُ المعنى ويَعقِلُه، لكنّهم لم يَفهموا الأدلة الشرعية فَهْمَ مَن أراد الله -جلّ وعلا- هدايتَه. (^١)\nولعلَّهم صُدُّوا عن السبيلِ، ومُنِعُوا الفَهْمَ؛ إمّا لِكِبْرِهم عن قَبول الحق، أو\n_________\n(^١) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٧/ ٢٢٠)، والنبذة الشريفة لحمد بن ناصر التميمي (ص/١١٧)، والجهل بمسائل الاعتقاد (ص/١٨٣).","vol":"1","page":72},{"text":"لتقليدهم الآباءَ والأَسْلافَ، أو لغير ذلكَ، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\nففارِقٌ بين الفَهم والعلم؛ قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].\nقال ابن القيم:\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم، فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعًا تقوم به عليهم حجته، فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم. (^١)\nقال الشيخ السِعدي: والسمع الذي نفاه الله -تعالى- عنهم، سمع المعنى المؤثر في القلب، وأما سمع الحجة، فقد قامت حجة الله -تعالى- عليهم بما سمعوه من آياته، وإنما لم يسمعهم السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيرا يصلحون به لسماع آياته. (^٢)\nقال عبد اللَّطيف بنُ حَسَن آل الشيخ في سياق كلامه عن قيام الحُجة: \"وإنما يُشترط فَهْمُ المُراد للمتكلِّم والمَقصود من الخطاب، لا أنّه حقٌّ؛ فَذاكَ طَوْرٌ ثانٍ. هذا هو المُستفادُ مِن نَصِّ الكتاب والسنة\". (^٣)\nوقال -﵀-: \"وينبغي أن يُعْلَمَ الفَرْقُ بين قيام الحجة وفَهْمِ الحجة؛ فإنّ مَن بلغتْه دعوةُ الرسل فقد قامت عليه الحجة إذا كان على وجهٍ يُمكنُ معه العلمُ، ولا يُشترطُ في قيام الحجة أن يَفهم عن الله ورسوله ما يفهمُه أهلُ الإيمان والقَبول والانقياد لِما جاء به الرسولُ؛ فافْهَمْ هذا يُكْشَفْ عنكَ شُبُهاتٌ كثيرةٌ في مسألة قيام الحجة.\nقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ\n_________\n(^١) شفاء العليل (ص/٩٧)\n (^٢) تيسير الكريم الرحمن (٣/ ١٥٥)\n (^٣) وانظر: مِصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام (١/ ٢٠٦)، والجهل بمسائل الاعتقاد (ص/١٨٧).","vol":"1","page":73},{"text":"غِشَاوَة﴾ [البقرة: ٧] \" (^١).\nإذَنْ فالفرقُ بين قيام الحجة وفهم الحجة:\nهو ما نقوله في الفرق بين هداية التوفيق وهداية البيان؛ فقيام الحجة الرسالية على أَيْدِي الرسل وأَتْباعهم هي هداية البيان، قال تعالى لنبيّه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وأما فَهْمُ الحجة والاقتناعُ بها فهذا من هداية التوفيق والإلهام، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (^٢)؛ فالفَهمُ هذا مِنّةٌ من الله تعالى، وقد قال الرسول ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدين» (^٣)\n* فرع: قولهم في الحديث:\n\"اجعلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما أنّ لهم ذات أنواط\" هل هذا الطلب شركٌ أصغرُ أم شركٌ أكبرُ؟\n*قَبْلَ الإجابة عن هذا السؤال نريد أن نبين أن التبرُّك بالأحجار والأشجار قد يكون شركًا أكبرَ، وقد يكون شركًا أصغرَ:\nأ) أمّا الحالات التى يكون فيها التبرك شركًا أكبرِ:\nفكمَنْ يَعمدُ إلى شجر أو قبر أو حَجَر، فيلتمس البركة من ذات الحجر، كما كان فِعل مُشركي العرب، فكانوا يلتمسون البركة من أصنامهم. ولا فرق بين مَن يلتمس البركة من ذات الصنم -وهو شركٌ أكبر- ومَن يلتمس\n_________\n(^١) كشف الشُّبهتينِ (ص/٩١) لسليمان بن سحمان. ومعنى قوله: \"إذا كان على وجه يمكن معه العلم\":\nألا يكون عديم العقل والتمييز كالصغير والمجنون، أو يكون ممن لا يفهم الخطاب ولم يَحضُر ترجمان يُتَرْجِمُ له.\n (^٢) فتأملوا في قوله ﷺ في الخوارج:\n «أينما لَقِيتموهم فاقْتلوهم»، وقوله: «شر قَتْلَى تحتَ أَدِيمِ السماءِ» مع كَوْنهم في عصر الصحابة، ويحقر الصحابةُ ﵃ عباداتهم إلى عباداتهم، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلوّ والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بَلَغَتْهم الحجة، ولكن لم يفهموها؛ لذلك لمّا ناظرهم ابن عباس رجع الكثير منهم عن أقوالهم.\n (^٣) متفق عليه.","vol":"1","page":74},{"text":"البركة من مقبور؛ هو يعتقد أن البركة تأتي من ذات القبر أو من ذات الصنم أو من ذات الشجر؛ فهذا شرك أكبرُ لأنه تعلق بغير الله سبحانه في حُصول البركة، وعُبّاد الأوثان إنما كانوا يطلبون البركة منها؛ فالتبرك بقُبور الصالحين كالتبرك باللّاتِ، والتبرك بالأشجار والأحجار كالتبرك بالعُزَّى ومَناةَ.\n** قال ابن القَيِّم:\n\"فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعُكوفُ حَوْلَها- اتخاذَ إلهٍ مع الله -تعالى- مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها؛ فما الظَّنُّ بالعُكوف حولَ القبر، والدعاء به، ودعائه، والدعاء عنده؟! فأيُّ نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهلُ الشرك والبدعة يعلمون! \". (^١)\n*وتأملوا: لما طلبوا شجرة يعلقون عليها الأسلحة -كما في حديث الباب- وسمَّوْا ذلك \"ذاتَ أنواط\" سمّاه الرسول ﷺ شِركًا، فقال: «قلتم كما قالت بنو إسرائيل: اجعلْ لنا إلهًا...»\nفدل ذلك على أن (العبرة في الأحكام: بالمقاصد والمعاني، وليست بالألفاظ والمَباني).\n* قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:\nالاعتبار في الأحكام: بالمعاني، لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبيُّ ﷺ طلبهم كطلب بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونِهم سمَّوْها \"ذاتَ أنواط\"؛ فالمشرِك مشرِك وإنْ سمَّى شركَه ما سمّاه؛ كمن يُسمِّي دعاء الأموات والذبحَ والنذرَ لهم ونحوَ ذلك- تعظيمًا ومَحَبّةً؛ فإنّ ذلك هو الشركُ وإنْ سمّاه ما سمّاه\". (^٢)\n*إذَنْ الحالة الأولى التي يكون فيها التبرك شركًا أكبر:\nأن يعتقد أن ذات القبر أو ذات الحجر أو ذات الشجرة هو مصدرٌ ومحلٌّ للبركة. وفي حديث الباب التنبيهُ على حُرمة ما يُفعل عند القبور من دعاء أصحابها\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان مِن مَصايد الشيطان (ص/٢٠٥).\n (^٢) فتْح المَجيد شرْح كتاب التوحيد (١/ ١٤٠).","vol":"1","page":75},{"text":"والاستغاثة بهم والذبح والنذر لهم؛ وهذا أعظمُ وأكبرُ مِن فِعل الذين اتخذوا أحبارهم ورُهبانهم أربابًا من دون الله، وأقبحُ من فعل الذين قالوا: \"اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط\".\n*الحالات التي يكون فيها التبرك شركًا أصغر:\nويكون ذلك فيمن يعتقد أن البركة من الله ﵎، لكنه يعتقد وجود أسباب البركة في أشياءَ مما ليس عليه دليلٌ: كمَوْضِعِ القبر الفُلانيّ، أو بُقْعةٍ معيَّنةٍ؛ لأن القاعدة تقول:\n\"كلُّ من اتخذ سببًا لم يُشرِّعْه اللهُ سببًا -لا شرعًا ولا قَدَرًا- فقد وقعَ في الشرك الأصغرِ\".\n* وهنا سؤال:\nالحاج حين يستلم الحَجَرَ الأَسودَ، هل يعتقد أن الحجر مصدر للبركة بذاته، أم يعتقد أن المسح على الحجر سبب للبركة؟\n*والجواب:\nمن التمس الحجر الأسود معتقدًا أن الحجر مصدر للبركة بذاته- فهذا من الشرك الأكبر؛ وأما من كان يعتقد أن المسح على الحجر سببٌ للبركة- فهذا من الشرك الأصغر؛ لِذا فالصحيحُ: أنه ينتوي في ذلك الاقتداءَ بفعل النبي ﷺ، وهو الذي بيَّنه عُمَرُ - ﵁-:\n\" لمَّا قَبَّلَ الْحَجَرَ قَالَ: \"أَمَا وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ\" (^١)\nفدلَّ ذلك على أن النية التي ينتويها مَن مَسَحَ على الحجر هي الاسْتِنان بسُنة النبي ﷺ، ولا شك أن ذات اتباع السنة من آكد أسباب حصول البركة.\n*إذَن.. نقول:\nالتبرك بالأشياء له ضوابطُ ثلاثةٌ:\n١) الاعتقاد أن البركة من الله -﷿- في أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله؛ فمِن صفات الله الذاتية الفعلية: صفة التَّبارُك: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ\n_________\n(^١) متفق عليه.","vol":"1","page":76},{"text":"قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]، وفي حديث أَيُّوبَ -﵇-:\n «لا غِنى لي عن بركتِكَ...» (^١).\nوكذلك يجعل الله البركة فيما شاء من مخلوقاته؛ قال تعالى حاكيًا عن المَسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ...﴾ [مريم: ٣١]. (^٢)\n٢) الأشياء التي جعل الله -تعالى- فيها البركة لا تُعرف إلا بأدلة الشرع.\n٣) الأشياء التي جعل الله -تعالى- فيها البركة لا تُستعمل إلا على الوصف الذي دَلَّتْ عليه أدلة الشرع.\n* نعود. للسؤال:\nعندما قال بعضُ الصحابة -﵃- للنبي ﷺ:\n\"اجعل لنا ذات أنواط كما أن لهم ذات أنواط\" هل هذا من الشرك الأكبر أم من الشرك الأصغر؟\nمن العلماء من قال: إنّ طلبهم هذا من الشرك الأكبر، ولكنْ عذرَهم الرسولُ ﷺ؛ لحَداثة عهدهم بالإسلام (^٣).\nلكن الراجح -واللهُ أعلم- أن هذا مِن الشرك الأصغر؛ وذلك لأُمورٍ:\n١ - الأمر الأول:\nأنهم طلبوا ولم يَفعلوا، وقد نص العلماء على أنهم طلبوا مُجَرَّدَ المُشابَهة في أن تكون لهم شجرةٌ يَنوطون بها السِّلاحَ يستمِدُّون بها النَّصرَ، لا منها؛ بسبب ما ينزل من البركة عليها مِن قِبَلِ اللهِ؛ ونَظيرُ ذلك:\nما وردَ في حديث النَّوْءِ «مُطرنا بنوء كذا»، أي: بسبب الكوكب، وليس منه؛ ففارقٌ بين نِسبة المطر إلى الكوكب على سبيل السببية، ونِسبة المطر إلى الكوكب على سبيل الخَلْق والإيجاد؛ فالأول شرك أصغرُ، والثاني شرك أكبرُ في باب الرُّبوبيّة؛ ولذلك سألوا النبي ﷺ ذلك، فقالوا:\n\"اجعلْ لنا ذات أنواط\"، فهُمْ ما ادَّعَوْا\n_________\n(^١) رواه البُخاريّ (٣٣٩١).\n (^٢) فارقٌ بين \"المبارِك\" و\"المبارك\": الأولى بكسر الراء، فهو الله تعالى، يجعل البركة فيمن شاء من مخلوقاته، أما بفتح الراء فهو الشيء تَحلّ فيه البَرَكة.\n (^٣) وهذا ما نحا إليه من المُعاصِرين أئمّة، منهم: ابن باز [شرح كتاب التوحيد]، ومحمد بن عبدالوهاب في [كشف الشبهات]، وعبدالرحمن بن حسن في شرحه لكتاب التوحيد.","vol":"1","page":77},{"text":"فيها هذا مِن قِبَلِ أنفُسهم، ولكن أرادوا أن يكون ذلك من الله عن طريق نبيّه ﷺ.\n٢ - الأمر الثاني:\nأن المحذور الذي وقعوا فيه هو مُشابَهتُهم للمشركين، كما فى قول النبيُّ ﷺ -:\n «قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة﴾»\nفالكاف في لغة العرب تفيد التشبيه لا المُماثَلة، ومن المعلوم أن المشبَّه يُشْبِهُ المشبَّه بِهِ في بعض الأَوْجُه دُونَ بَقيتها.\nقال ابن القيم:\nورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه وهذا كقوله: \"مدمن الخمر كعابد وثن \". (^١)\nقال الشاطبي:\nقوله ﵇: هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها». . . \" الحديث.\nفإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو بنفسه، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه، والله أعلم. (^٢)\n*ونظير ذلك: قوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر» (^٣)\nومن المعلوم أن التشبيه هنا في وصف الرؤية، وليس وَصْفِ المَرْئِيّ بِحالٍ.\n*لذا نقول:\nإن النبي -ﷺ- أراد أن يقطع مادّة المشابَهة من أصلها؛ فإنّ بَني إسرائيل طلبوا مشابهة المشركين ولكن في الشرك الأكبر، وأما من طلب ذلك النبيﷺ- فمع كون طلبهم من الشرك الأصغر لكنه قد يَؤول إلى الشرك الأكبر مع طُول الزمان؛ لأن الشرك الأصغر بَرِيدُ الشرك الأكبر.\nوأوّلُ شركٍ وقعَ على وجه الأرض كان بدايته تصوير الأصنام على صُوَرِ الصالحينَ، ثم لما تنسَّخ العلم عُبِدَتْ؛ فكان تصوير الأصنام ذَرِيعةً إلى الشرك الأكبر.\n* وكذلك فقد حُرِّم في شريعتنا بناء المساجد على القبور أيضًا لهذا المعنى، لأنها\n_________\n(^١) عدة الصابرين (ص/١١١)\n (^٢) الاعتصام (٢/ ٧٥٢)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"1","page":78},{"text":"تَؤول بأصحابها إلى الشرك الأكبر.\nوقد نص الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أن ساق الحديث في كتاب التوحيد، باب \"مَن تبرَّكَ بشجر أو حجر ونحوِهما\": \"فيه مَسائلُ:\nأن الشرك فيه أكبرُ وأصغرُ؛ لأنهم لم يرتدُّوا بهذا\" اهـ.\nقلتُ: فهذا نصٌّ من الشيخ أن القوم طلبوا الشرك الأصغر. (^١)\n*فإن قيل:\nفإنْ كان سؤالهم من الشرك الأصغر، فلِمَ قال ﷺ: «قلتم كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾»؟\nفالجواب عن ذلك:\nأن ذلك مِن قَبِيلِ الاستدلال بالآيات التي نزلت في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، كما قال حُذَيْفةُ -﵁- لمّا رأى رجلًا في عَضُدِه خَيْطٌ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]،\nأو يقال:\nإن ذلك مِن باب ما يَؤول إليه الأمرُ، كما في قوله -ﷺللرجل الذي قال له: \"ما شاء اللهُ وشِئْتَ\"، فقال ﷺ: «أجعلتَني للهِ نِدًّا؟»\nوهذا من باب ما يَؤول إليه الأمرُ. (^٢)\nقال الشّاطِبِيّ:\n\"قول النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمّتي بما أخذ القرونُ مِن قَبلِها» يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به في الأعيان أو الأشباه. والذي يدل على الثاني (أي: الأشباه): قولُه لمن قال: \"اجعل لنا ذات أنواط\":\n «هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجعل لنا إلهًا﴾»؛ فإنَّ اتخاذ ذات أنواط يُشْبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو بعينه؛ فلذلك لا يَلزم في الاعتبار بالمنصوص عليه أن يكون ما لم يُنَصَّ عليه مِثْلَه من كل وجهٍ، والله أعلم\". (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: كتاب العُذْر بالجهل تحتَ المِجْهر الشرعيّ لأبي يوسف آل فراج (ص/٢٤٤).\n (^٢) فالكلام قد يطلق: باعتبار ما كان عليه، كقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦]، وباعتبار ما سيؤول إليه، كما في حديث النَّبِيّ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ...»\n (^٣) بتصرُّفٍ يسيرٍ من [الاعْتِصَام] (٣/ ١٨٩).","vol":"1","page":79},{"text":"*قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:\n\"قوله ﷺ: «قلتم كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إنها السُّنن لتركبُنَّ سنن من كان قبلكم»، فأنكرَ النبيُّ ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحَهم؛ فكيف بما هو أعظمُ من ذلك مِن مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟!! \" (^١).\n** ونختم فوائد هذا الحديث بذكر صفة تتعلق بحديث الباب، وهي صفة التَّبارُك لله تعالى:\nصفةٌ ذاتيّةٌ. وفعلية لله ﷿.\nوقولنا: \"تَبارَكَ اللهُ\" أي: تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ وتَعالَى وتَعاظَمَ. لا تكونُ هذه الصِّفةُ لغيرِه، أي: تَطَهَّرَ. والقُدْسُ: الطُّهْر. (^٢)\nثابتةٌ. بالكتاب. والسّنّة:\n·الدليل. من. الكتاب: الكتاب:\n١ - قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣].\n٢ - قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١].\n·الدليل من السنة:\nحَديث أبي هُرَيْرَةَ -﵁- مرفوعًا:\n... «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى -وَعِزَّتِكَ- وَلَكِنْ لا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». (^٣)\nقال ابن القَيِّم ﵀: \"وأما صفتُه تبارك فمُخْتصّةٌ به تعالى كما أطلقَها على.\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم لمُخالَفة أصحاب الجَحيم (٢/ ١٥٧).\n (^٢) لِسان العَرَب (١٠/ ٣٩٥ برك).\n (^٣) أخرجه البخاري (٢٧٩).","vol":"1","page":80},{"text":"نَفْسِه... \". (^١)\nوقال -﵀- بعد أن ذكرَ عِدّةَ تفسيراتٍ لمعنى \"تَبارَك\":\n\"وقال الحُسينُ بنُ الفَضْلِ: تبارَك في ذاته، وبارَكَ مَن شاءَ مِن خَلْقِه. وهذا أحسنُ الأقوالِ، فتبارُكُه -سُبحانَه- وصْفُ ذاتٍ له، وصِفَةُ فِعلٍ... \". (^٢)\n** أنواع البركة:\nالبركة نوعان:\nأ) النوع الأول: بركةٌ هي فِعله ﷾، والفعلُ منها: بارَكَ. ويَتَعدَّى بنفسه تارةً، وبالحرف \"عَلَى\" تارةً، وبالحرف \"فِي\" تارةً. والمفعول منه: مُبارَكٌ، وهو: ما جُعل كذلك، فكان مبارَكًا كما يَجعلُه تعالى.\nب) النوع. الثاني:\nبركةٌ تُضاف إليه إضافةَ الرحمةِ والعِزّةِ، والفِعل منها: تَبارَكَ؛ ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يَصلُحُ إلا له -﷿-، فهو سُبحانَه المُبارِك، وعَبْدُه ورسولُه: المُبارَك، كما قال المَسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: ٣١]؛ فمَن بارك الله فيه وعليه فهو المُبارَك. وأما صفته تعالى فمختصّة به تعالى، كما أطلقها على نفسه بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. (^٣)\nتم بحمد الله\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٢/ ١٨٥).\n (^٢) جلاء الأفهام (ص/١٦٧)، وانظر: صفات الله في الكتاب والسنة (ص/١٨٢).\n (^٣) مختصر الأسئلة والأجوبة على العقيدة الواسطية لعبد المحسن السلمان (ص/٦٧).","vol":"1","page":81},{"text":"المجلس الثالث\n* الصنوان في حكم من أتى العرافين والكهَّان*","vol":"1","page":83},{"text":"نَصُّ حديث الباب:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:\n «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ»\nأخرجه أحمد (٩٥٣٢) والترمذي (١٣٥) وأبو داود (٣٩٠٤). (^١)\n* الفوائد المتعلِّقة بحديث الباب:\n\nالفائدة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-27> الفرق بين العَرَّاف والكاهِن:</span>\nوقع نوعُ خلافٍ بين العلماء في التفريق بينهما، ولكن الحاصل: أنَّ العَرَّاف هو من يسعى للوصول إلى بعض الأمور الغائبة، كشيء مسروق أو شيء غائب، مستخدِمًا\n_________\n(^١) وأخرجه النسائي في الكبرى (٨٩٦٨) والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٤٩٦) والحاكم (١٥)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرطهما جميعًا\"، ووافقه الذهبي، وقد أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨٤٨٢) من طريق جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵄- مرفوعًا...، وقال: \"رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، خلا عقبة بن سنان، وهو ثقة\". اهـ.، وقال ابن كثير: \"إسناده صحيح \"\nوقال أحمد شاكر: \"وهذا إسناد صحيح متصل\".\nوانظر تفسير القرآن العظيم (١/ ١٩٩) وصَحِيح الْجَامِع (٥٩٣٩) والسلسلة الصَّحِيحَة (٣٣٨٧)، وصَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب (٣٠٤٤).\n* وللحديث طرق أخرى بأسانيد موقوفة، فقد رواه ابن الجعد (١٩٥٤)، وابن أبي شيبة (٢٣٥١٥) عن علىٍّ وابن مسعود -﵃- موقوفًا، وهو وإن كان موقوفًا فإنَّ له حكم الرفع؛ فمثل هذا لا يقال بالاجتهاد.\nقال ابن حجر:\n\"ورد في ذم الكهانة: ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة رَفَعَه: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، وله شاهد من حديث جابر وعمران بن حصين، أخرجهما البزار بسندينِ جيدين، وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود بسند جيد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي\". فتح الباري (١٠/ ٢١٧).","vol":"1","page":85},{"text":"في ذلك الحدسَ والتخمين، مثل: قراءة الكَفّ والفنجان، أو رسم الخَطّ على الرِّمال.\nوأما الكاهن فهو الذي يستطلع الأمور الغيبية من الغيب النِّسْبيّ؛ وذلك عن طريق مُسْتَرِقِي السمع\nمن الجِنّ الذين يأتون الكُهّانَ بالأخبار.\n- قال الخطابي:\n\"الكاهن إنما يَتَعاطى الخبرَ عن الكوائن في مستقبَل الزمان، ويدّعي معرفة الأسرار، والعَرّاف هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضّالّة، ونحوهما من الأمور\". (^١)\n\n... الفائدة الثانية:<span data-type=\"title\" id=toc-28> قصة الْكُهَّان:</span>\nكان الكُهَّان منتشرينَ في جزيرة العرب قبل البعثة النبوية، وكان لكلِ كاهنٍ رَئِيٌّ من الجن يأتيه بالخبر من السماء، وقد ذكرَ الله -تعالى- عن الجن قولهم: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨ - ٩]، فإذا ما أوحى الله -تعالى- لملائكته الأمرَ من الوحي صَعِدَ الجنُّ ليَسْتَرِقُوا أخبارَ السماء؛ فتُرسَلُ عليهم الشُّهُبُ لتُحرقهم، فمن لم تُصِبْه الشهبُ ألقى إلى الكاهن الكلمةَ من الصِّدْقِ، فيَزيد عليها الكاهنُ مئة كَذْبةٍ، كما قال -﷿-: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣]، فالجن يُلقون إلى الكَهَنة ما يسمعون من الملائكة عند استراق السمع، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أي: الكهنة ﴿كَاذِبُونَ﴾؛ لأنهم كانوا يَخْلِطون ما يستمعون بِكذبٍ كثيرٍ. (^٢)\nوقد ورد في حديث النبي -ﷺ-: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ». (^٣)\n** قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:\n\"قد عَلِم الخاصّةُ والعامّة بالتجرِبة والتواتُر أنَّ\n_________\n(^١) وانظر معالم السنن (٣/ ١٠٤) والنهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢١٥).\n (^٢) فتح الرحمن في تفسير القرآن لمجير الدين المقدسي (٥/ ١٠٧).\n (^٣) أخرجه البخاري (٦٢١٣) ومسلم (٢٢٢٨).","vol":"1","page":86},{"text":"الأحكام التي يحكُم بها المنجِّمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق، والمنجِّمون قد خاطبتُهم بدِمشق، وحضرَ عندي رؤساؤهم، وبيَّنتُ فسادَ صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها، وقال رئيسٌ منهم: واللهِ إنّا نَكذب مئة كَذْبةٍ حتى نصدق في كلمة\". (^١)\nقال القُرطُبيّ:\n\"كان الجن يَقعُدون مَقاعِدَ لاستماع أخبار السماء، وهُمْ المَرَدةُ من الجن؛ كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يُلقوها إلى الكَهَنة، فحرسَها الله بالشهب المُحْرِقة، فقالت الجن حينَئذٍ: ﴿... فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] \". (^٢)\n- وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢).\n (^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٢)\n*فائدة:\nمن الجن من استرق السمع في بدء بعثة النبي -ﷺ- حتى أخبر الكهانَ بخبر البعثة النبوية، وقد ورد في قصة إسلام الصحابي سَواد بن قارِب الدَّوْسِيّ -﵁- الذي كان كاهنًا في الجاهلية أن سبب إسلامه أن تابعه من الجن أخبره ببعثة النبي -ﷺ-، ودعاه إلى اتّباعه، وذلك في قصة طويلة قصَّها على عمرَ ﵁- في خلافته، حيث قال: \"كنت كاهنًا في الجاهليّة، فبَيْنا أنا نائم إذ أتاني نَجِيِّي فضربَني برجله، ثم قال: يا سواد بن قارب، اسمعْ أقُلْ لك. قلتُ: هاتِ، قال:\nعَجِبْتُ لِلْجِنِّ وأَرْجاسِها... وَرَحْلِها الْعِيسَ بِأَحْلاسِها\nتَهْوِي إلى مَكّةَ تَبْغِي الْهُدَى... ما مُؤْمِنُوها مِثْلَ أنجاسها\nفارْحَلْ إلى الصّفوة من هاشم... واسم بعينيك إلى رأسها\nقال سواد -﵁-: فَأَصْبَحْتُ فَاقْتَعَدْتُ بَعِيرًا لِي حَتَّى أَتَيْتُ مَكَّةَ، فَإِذَا رَسولُ اللَّه -ﷺ- قَدْ ظَهَرَ، قَالَ: فَأَخبَرْتُه الْخَبَرَ وَبَايَعْتُهُ\".\nقال ابن حجر: وأصل هذه القصّة في صحيح البخاريّ من طريق سالم عن أبيه. وانظر الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ١٨٣) وتجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٤٨) والوافي بالوَفَيات (١٦/ ٣٥).","vol":"1","page":87},{"text":"- قال قَتادةُ: \"خُلقت النجوم لثلاثٍ:\n١ - زينة للسماء. ٢ - وهداية للناس. ٣ - ورُجومًا للشياطينِ\". (^١)\n** ووردَ بيانُ ذلك مفصَّلًا في رواية أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ:\n «إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾، قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ، فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا، ... لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ». (^٢)\n* وفي رواية عائشةَ -﵂- أن النبي -ﷺ- قال:\n «الملائكة تتحدث في العَنانِ -والعَنانُ: الغَمامُ- بالأَمْرِ يكونُ في الأرضِ، فتستمعُ الشياطينُ، فتَقَرُّها في أُذُنِ الكاهِنِ كَما تُقَرُّ القارُورةُ، فيَزيدون معها مئةَ كَذْبةٍ». (^٣)\n** ومثال ذلك في قصة ابن صَيّادٍ:\nعن ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَقالَ لَهُ النبيُّ -ﷺ-: «تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ، وَقَالَ:\n «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ»، فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا تَرَى؟»، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ. وَمَا تَرَى؟» قَالَ:\nأَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا -أَوْ كَاذِبَيْنِ وَصَادِقًا-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لُبِسَ عَلَيْهِ، دَعُوهُ»،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا (٤/ ١٠٧)، ووصلَه ابن حجر في التغليق (٣/ ٤٧٩).\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه البخاري (٣٢٨٨).","vol":"1","page":88},{"text":"ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا»، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، فَقَالَ: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» (^١)؛ فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ». (^٢)\n... مما سبق يَتبين أنَّ:\nالجن كانوا قبل البعثة النبوية يسترِقون السمع. وقد اختلف العلماء في استراق الجن للسمع بعد مبعث الرسول -ﷺ-:\n١ - فقال قوم: إن استراق الجن لأخبار السماء قد زال بمبعث الرسول -ﷺ-، ولذلك زالت الكِهانة.\n٢ - وقال آخرون: إن استراقهم باقٍ بعد مبعثه -﵊-.\n_________\n(^١) قال صاحب المطالع: \"الدُّخُّ\" لغة في الدُّخان، لم يستطع ابن صياد أن يُتم الكلمة، ولم يهتد من الآية إلا لهذين الحرفين على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن، أو من هواجس النفس؛ ولهذا قَالَ له: «اخسأ فلن تعدو قدرك». وهي كلمة زجرٍ وطرد، وهي مهموزة، تقول منه: خَسَأْتُ الكَلْبَ، ومنه: قوله -تعالى-: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٠/ ٩٠).\n (^٢) متفق عليه.\nقول ابن صياد \"الدُّخُّ\" أراد أن يقول \"الدُّخان\" فلم يستطع ولم يهتد إلى ذلك. وقوله -ﷺ-: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»، أي: لن تُجاوز قدرَك أن تعلم الغيب من قِبل الوحي ولا من قبيل الإلهام. قال القاضي عياض: \"وأصح الأقوال في قوله \"الدُّخُّ\": أنه لم يهتد من الآية التى أضمرها له -﵇- إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهّان؛ إذ إنما يلقي الشيطان إليهم بقدر ما يختطف قبل أن يدركه الشهابُ، ويدل عليه: قولُه  «اخسأ فلن تعدو قدرك»، أي: ابْعُدْ كاهنًا منخرصًا، فلن تعدو قدر هذا الصنف من الاهتداء إلى بعض الشيء، وما لا يتبين منه حقيقة\" (إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم (٨/ ٤٧٢».\nوقوله -ﷺ-: «إن يكنه فلن تسلط عليه» أي: إن كان هذا هو الدجال، فلست أنت الذي يقتله، وإنما يقتله عيسى بن مريم -﵇-. وامتحان النبي -ﷺ- لابن صياد، وقوله -ﷺ- لعمرَ: «إن يكنه فلن تسلط عليه» يدل على أن النبي -ﷺ- كان متوقفًا في أمره لأنه لم يُوحَ إليه أنه الدجال ولا غيره. والخلاف في كون ابن صياد هو المسيح الدجال أو هو دجال من الدجاجلة خلافٌ عريضٌ، والله أعلم.","vol":"1","page":89},{"text":"* والقول الراجح -والله أعلم-: أن استراقهم باقٍ بعد بعثة الرسول -﵊-، وكذلك رميُهم بالشهب كان واقعًا قبل مبعث الرسول -ﷺ-، ولكنه لم يكن في الشدة مثل ما كان بعد بعثته؛ وهو ما رجحه ابنُ كَثير والقُرطبيّ وغيرهم.\n** ومما يدل على ذلك:\n١) قوله -تعالى-: ﴿... فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩].\nقال ابن كَثير معلقًا على الآية السابقة: \"وقد كانت الكواكب يُرمى بها قبلَ ذلك، ولكن ليس بكثير، بل في الأحيان بعد الأحيان\". (^١)\nوقال القُرطُبيّ: \"والقول بالرمي أصحُّ؛ لقوله -تعالى-:  ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨]. وهذا إخبار عن الجن أنه زِيدَ في حَرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم\". (^٢)\n٢) وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ:\nأَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:\n «مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟\nفَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ...». قَالَ: «فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ بِهِ، فَمَا جَاءُوا\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٢٤١).\n (^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٣).","vol":"1","page":90},{"text":"بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ». (^١)\nفدل الحديث أنّ سعي الجن لاستراق السمع ورمْيَهم بالشهب لم ينقطع بالبعثة النبوية.\n٣ - الفائدة الثالثة: إتيان الكُهَّان والعَرّافينَ:\nنقول: الأصل العام الذي ورد في هذا الباب هو النهي عن إتيان الكهّان.\nعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ». (^٢)\nوهذا النهي الأصل فيه التحريم، فهؤلاء الكهان -فيما عُلم بشهادة الامتحان- قومٌ لهم أذهان حادّة، ونفوس شِرِّيرة، وطَبائعُ ناريّة، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات. ويختلف الحكم في ذلك بحسب حال من أتى العرَّافين والكَهَنة، وذلك على حالات:\n١) الحالة الأولى:\nأن يأتى رجلٌ الكاهنَ ليكشف كذبه وتدليسه وتزييفه؛ فهذا أمر مستحب من باب قوله -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ...﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقول النبي -ﷺ-: «من رأى منكم منكرًا فلْيغيِّره...»، فهذه الحالة مستحبة، بل قد تكون واجبة إذا ما انتشر فساد الكهان والعرّافين في بلدٍ ما، فأمَّهم الناسُ من كل مكان، فصاروا فتنة في بلاد المسلمين.\n** ومما يدل على مشروعية ذلك-مع الأدلة العامة-: أن النبي -ﷺ- قد أتى ابن صيَّاد ليبيِّن كذبه وتدليسه، وقد سبق قريبًا رواية الحديث.\n** وكذلك كان يفعل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مناقشته ومناظرته للبطائحية، والرفاعية، وغيرهم، وقال لهم لما دخلوا في النار، وزعموا أن أجسادهم لا تحترق\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٢٩).\n (^٢) أخرجه مسلم (٥٣٧).","vol":"1","page":91},{"text":"وكانوا قد طَلَوْا أجسادهم بالدهن: اغسلوها ثم ادخلوها لو كنتم صادقين، فبيّن عوارهم، وكشفَ دجلهم وباطِلهم أمام الناس مجتمعينَ.\n** فمن كان عنده من العلم ما يمكّنه من نصح هؤلاء العرَّافين والدجالين، فتَواصَلَ معهم، أو أتاهم في أماكنهم لينكر عليهم ويبين لهم حكم الشرع فيما يفعلون- لم يكن ذلك إتيانًا محرمًا؛ بل هو مشروع مأمور به في حق القادر عليه، إما وجوبًا، وإما استحبابًا، أيًّا كانت وسيلة التواصل معهم.\n٢) الحالة الثانية:\nأن يأتي رجلٌ الكاهنَ فيسأله عن شيء مجرد السؤال، دون أن يصدقه؛ فهذا محرم وكبيرة من الكبائر، وقد رتب عليها الشرع وعيدًا كبيرًا.\nروى مسلم عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^١)، وهذا وعيد شديد، فالجرم العظيم الذي وقع فيه هذا الذي ذهب إلى العرَّاف قد عادل ثواب الصلاة في أربعين صباحًا، فأسقطَه، وذلك مع كون الصلاة صحيحة. (^٢)\n** إذن فمعنى قولهﷺ-: «لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ...»:\nأنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجْزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها المرء على وجهها الكامل ترتَّبَ عليها أمران:\nالأول: سقوط المطالبة، وبراءة الذمة.\nالثانى: ترتُّب الأجر عليها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٣٠).\n (^٢) قوله -ﷺ-: «لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا» قال المناوي: \"وخَصَّ الصلاةَ لكونها عِمادَ الدين؛ فصومُه كذلك\" فيض القدير (٦/ ٢٢) قلتُ: وظاهر النص قصْر ذلك على الصلاة، والله أعلم.","vol":"1","page":92},{"text":"فالأول لا يكون إلا بتوافر الشروط، والثانى لا يكون إلا بانتفاء الموانع. (^١)\nففي هذا الحديث قد أتى المرء بشروط الصلاة، فقُبلت منه، وبرئت بها الذِّمّة، وسقط بها الطلب يومَ القيامة، فلا يطالَب بها يوم القيامة مطالَبةَ مَن تركَ الصلاة (^٢)، لكن -مع استيفائه للشروط- قد قام المانع من تحقق الثواب عليها، ألا وهو سؤاله للعرَّاف.\n** قال النووي:\n\"وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجْزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، فالواجبات إذا أُتِيَ بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب؛ ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرَّاف إعادةُ صلواتِ أربعينَ ليلةً؛ فوجبَ تأويله، والله أعلم\". (^٣)\nقال ابن القيم:\nوصلاة من أتى عرافًا فصدَّقه فإن البعض قد حقق أن صلاته لا تقبل، ومع هذا فلا يؤمر؛ لأن عدم قبول صلاته إنما هو في حصول الثواب، لا في\n_________\n(^١) فائدة:\nما ورد في العبادات من نفي القَبول هل يلزم منه نفيُ الصحة؟ للعلماء فيه قولان: الأول- أن القبول والصحة متلازمان؛ وعليه فإنه إذا نُفي أحدهما انتفى الآخر. الثاني- أن القبول والصحة مختلفان؛ وعليه فإنّ القبول أخصُّ من الصحة، إذ كل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولًا، فيكون القبول هو الثواب؛ ومثاله: قوله -ﷺ-: «من أتى عرافًا لم تُقبل له صلاة».\nوالصحيح في ذلك التفصيل: قَدْ يأتَي نَفْيُ الْقَبُول فِي الشَّرْعِ تَارَةً بِمَعْنَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ)، فنفي قبول صلاة المُحْدِث -مثلًا- ليس كنفي قبول صلاة مَن أتى عرّافًا؛ فالأول هو نفي للصحة، ولازمُ ذلك هو: نفْي القبول، وأما الثاني فهو نفي لقبول العمل، أي: لثوابه المترتب عليه.\n- ويمكن للتفريق بينهما أن يقال: إن المانع إذا كان متعلقًا بذات الفعل -كالحدث مع الصلاة- عادَ نفي القبول على نفي الصحة، وأما إذا عاد المانع لأمرٍ خارجٍ - كصلاة مَن أتى العرافَ- عادَ نفيُ القبول على نفي الثواب دُونَ الإجزاء.\n (^٢) وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: إذا كان لا أجر له، فلمَ تُطالِبونه بأداء الصلاة في الأربعين يومًا؟؟!!\nنقول: بل لا بد من فعلها؛ ليَسقُطَ بها الطلب بين يدي الله تعالى.\n (^٣) شرح النووي على مسلم بتصرُّفٍ يسير (٧/ ٣٩٢).","vol":"1","page":93},{"text":"سقوطها من ذمتهم. (^١)\nلذا فإن مذهب أهل السنة أن السيئات لا تُبطل الحسنات، ولا يُحبطها شئ إلا الكفرُ، وأن المراد بمعاقبته بترك قبول صلاته، هو قبول الرِّضا، وتضعيف الأجر، لا قَبول الأداء وسقوط العهدة. (^٢)\n... وتأملْ: إذا كان هذا حال السائل، فكيف بحال المسئول؟!!!\n٣) الحالة الثالثة:\nأن يأتيَ الكاهنَ فيسأله، ويصدقه بما أخبر به؛ فهذا كفر بالله -﷿- لأنه قد صدَّقه في دعوى علمه الغيبَ؛ والتصديق لدعوى علم الغيب تكذيب لقول الله-تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ...﴾ [النمل: ٦٥]، ولهذا جاء في حديث الباب: «من أتى كاهنًا فصدّقه بما يقول فقد كفرَ بما أنزل على محمدﷺ-». (^٣)\nقال الإمام البدر العينتابي (٨٥٥ هـ) في شرح حديث المفاتيح: \"مَن ادّعى أنه يعلم\n_________\n(^١) المنار المنيف (ص/١٥)\n (^٢) إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم (٧/ ١٥٤) والمُفْهِم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣/ ٢١٥)\n (^٣) هذه الرواية قد سبق تخريجها أولَ الرسالة، وفيها زيادة لفظة \"فصدَّقَه\"، وهي ليست مروية عند مسلم في الصحيح، ولكن قد عَزاها لصحيح مسلم بعضُ كتب أهل العلم قديمًا، منها: كتاب الترغيب والترهيب للمُنذري، ورياض الصالحين للنووي، ومنتقى الأخبار لابن تيمية الجَدّ، وفتاوى الرملي، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي، وغذاء الألباب للسفاريني، وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب.\nوقد رد الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد عبد الوهاب على جَدِّه -مؤلف كتاب التوحيد- نسبتَها لمسلم في [تيسير العزيز الحميد] (ص: ٣٤٧)، فقال: \"هذا الحديث رواه مسلم كما قال المصنف، ولفظه: حدثنا محمد بن المثنَّى العنْزي، ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله -في نسخة: عبد الله- عن نافع عن صفية عن بعض أزواج النبي -ﷺ- عن النبي -ﷺ- قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا وليلةً» - هكذا رواه، وليس فيه: \"فصدَّقَه\". اهـ.\n* وزيادة \"فصدَّقَه\" ثابتة في غير صحيح مسلم، فقد رواها الإمام أحمد بلفظ «من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا». وقال الأرناؤوط والألباني: \"إسناده صحيح على شرط مسلم\". اهـ.","vol":"1","page":94},{"text":"شيئًا من هذه الخمس-مفاتيح الغيب-فقد كفر بالقرآن العظيم\". (^١)\nوالقاعدة. هنا: \"كل من اعتقد في غير الله ما لا يُعتقد إلا في الله فقد وقعَ في الكفر الأكبر\".\n... واعلم أنَّ الغيب على قسمين:\n١) القسم الأول: الغيب المطلق (متعلِّق بالخالق):\nوهو الغيب الذي يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا مما قد استأْثَرَ اللهُ -﷿- به لنفسه، ولم يخبر به أحدًا من خلقه.\nقال-تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ...﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال-تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ...﴾ [النمل: ٦٥]\nفلما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله، كانت جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب-غيرَ الوحي-من. الضلال. المبين. (^٢)\n*ومن ذلك:\nقوله -تعالى- لنبيه ﷺ ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ...﴾ [الأنعام: ٥٠]، وكذلك قوله ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ...﴾ [الأعراف: ١٨٨].\n** عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ» (^٣).\n** وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\n\"مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا\n_________\n(^١) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القُبورية (٢/ ٩٢٨).\n (^٢) أضواء البيان (٢/ ١٩٧).\n (^٣) أخرجه البخاري (٤٦٩٧).","vol":"1","page":95},{"text":"مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ...» (^١).\n** وفي حديث جبريل -﵇- لما سأل النبيَّ -ﷺ- عن الساعة، قال النبي -ﷺ-: «ما المسئولُ عنها بأَعْلَمَ مِنَ السّائِلِ». وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن الملائكة لا يعلمون متى الساعةُ. ...\n** ولما سمع النَّبِيُّ -ﷺ- جاريةً تقول: \"وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدِ\" قَالَ لها -ﷺ-: «دَعِي هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ؛ ما يَعلمُ ما في غَدٍ إلا اللهُ» (^٢).\n٢) القسم الثاني- الغيب النسبي) متعلق بالمخلوق):\nوهو الذي يتعلق بالمخلوق، أي: يعلمه بعض المخلوقين ولا يعلمه بعضهم، فيكون بالنسبة لك غيبًا، وبالنسبة لغيرك معلومًا، فهذا إنما يُسمى غيبٌ بالنسبة للجاهل به الذي لا يعلمه، وليس بغيبٍ للذي يَعلمه. ** ومثال ذلك: في قول عيسى -﵇- لقومه: ﴿... وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ...﴾ [آل عمران: ٤٩].\n** والآيات في ذلك كثيرة، ومنها ما يلي:\nالحوادث التاريخية، فإنها غيب بالنسبة لمن لم يَعلم بها، لذلك قال الله -تعالى- للنبي -ﷺ-: ﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقوله -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ...﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وفي قوله: ﴿... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ...﴾ [آل عمران: ١٧٩].\nوبهذا يتبين أن النبي -ﷺ- لم يكن يعلم الغيب علمًا كليًّا، وإنما كان يعلمه علمًا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٣١٨)، وانظر الصحيحة (١٩٩).\n (^٢) أخرجه البخاري (٣٧٧٩) والترمذي (١٠٩٠).","vol":"1","page":96},{"text":"جزئيًّا في حدود ما أطلعَه الله - تعالى- عليه.\nفالله يوحي إلى الرسل ما يشاء، كما أوحى إلى نبينا -ﷺ- أشياء كثيرة من أمر الآخرة وأمر القيامة وأمر الجنة والنار، وما يكون في آخر الزمان من الدجال ونزول المسيح، وهدم الكعبة، ويأجوج ومأجوج، وغير ذلك مما يكون في آخر الزمان، كل هذا من علم الغيب أوحى الله إلى نبيه -ﷺ-، فعلمنا إياه وصار معلومًا للناس، وهكذا ما يعلمه الناس من أمور الغيب عند وقوعه.\n** وفي قصة موت سليمان -﵇- قال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]. (^١)\nقال قَتادةُ: \"... لو كان أحدٌ يَعلم الغيب لَعَلِمَ الجنُّ حيثُ مات سليمان -﵇- فلَبِثَتْ تَعملُ حَوْلًا في أشدِّ العذاب، وهم لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خَرَّ تبيَّنتِ الجنُّ أنْ لو كانت تعلم الغيبَ ما لَبِثوا في العذاب المُهين، وكانت الجن تقول مثل ذلك، أنها كانت تعلم الغيب، تعلم ما في غدٍ؛ فابتلاهم الله بذلك\". (^٢)\n* ومن خلال ما سبق مِن ذِكر أقسام الغيب، يكون حُكم من ادَّعى علم الغيب\n_________\n(^١) قال العلامة الآلوسي: \"وفي الآية دليل على أن الغيب لا يختص بالأمور المستقبَلة، بل يشمل الأمور الواقعة التي هي غائبة عن الشخص أيضا\" [روح المعاني] (٢٢٩/ ١١).\n** ومن القصص التي تتعلق بمسألة الغيب النسبي: ما وقع مع بعض الصالحين، لما دخل على بعض الأمراء وعنده عرّاف يقول للناس:\nخذوا ما شئتم من الحصى في أيديكم وأنا أعرف كم، فيأخذ الناس الحصى ويخبئونه عن ذلك الرجل، فيَعُدّونه، ثم يقول ذلك العرافُ: في يدك كذا من الحصى عدد كذا، ويكون كلامه صحيحًا، فلما جاء ذلك الرجلُ الصالح قال: أنا أتحداه أن يعرف ما في يدي، فأخذ قبضة من الحصى، فلم يَعُدَّها، قال: كم بِيَدي؟\nقال: كذا، فعَدَّها، فإذا هي بخلاف ما قال العرافُ. فقالوا له: كيف فعلتَ؟! قال: أنتم عددتم لَمّا قبضتم الحصى، فَعَدَّ معكم القَرينُ فأَخبرَه، وأنا لم أَعُدَّ، فلم يَعُدَّ معي القَرينُ، فلم يستطع أن يعرف!\n (^٢) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (١٦٥٣٦)، وانظر الشرك في القديم والحديث (ص/٤٧٢).","vol":"1","page":97},{"text":"ومَن صدَّقه في ذلك على تفصيل:\n١) من ادَّعى علم الغيب المطلق فقد كفرَ؛ لأنه مكذب لله -﷿-، قال الله -تعالى-:\n ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وإذا كان الله -﷿- قد حجبَ عن نبيه -ﷺ- علم الغيب، فهل أنتم تعلمونه؟!\nكذلك فإن علم الغيب هو من اختصاص الله -﷿-، فمن ادّعى معرفته فقد جعل نفسه شريكًا لله-تعالى-في ذلك!\n** كذلك يقال هنا:\n\"لمَّا تَمَدَّحَ -سُبحانَه- بعلم الغيب واستأثَرَ به دُونَ خَلْقِه، كان فيه دليلٌ على أنه لا يعلم الغيب أحدٌ سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعَهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعلَه معجزة لهم، ودلالة صادقة على نُبوّتهم، وليس المنجِّم ومَن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير- ممن ارتضاه من رسول فيُطلعه على ما يشاء من غيبه؛ بل هو كافر بالله، مفترٍ عليه بحدسه وتخمينه وكذبه\". (^١)\n** ومن اعتقد في منجم أو رَمَّال أنه يعلم الغيب فهو مشرك بالله؛ وذلك لأنه اعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله -﷿-.\n* قال السعدي:\n\"فإن الله -تعالى- هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك بكِهانة أو عِرافة أو غيرهما، أو صدّقَ من ادّعى ذلك، فقد جعل لله شريكًا فيما هو مِن خصائصه، وقد كذَّب اللهَ ورسولَه\". (^٢)\n... فالذي أُنزِل على محمد هو قول الله -تعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ...﴾ [النمل: ٦٥]، وهذا من أقوى طرق الحَصْر; لأن فيه النفي والإثبات; فالذي\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٨).\n (^٢) القول السديد (ص/١٠٠).","vol":"1","page":98},{"text":"يصدق الكاهن في علم الغيب وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا اللهُ فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة؛ وإن كان جاهلًا ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب فكُفرُه كفرٌ دونَ كفرٍ. (^١)\n٢ - أما من ما ادَّعى علم الغيب النسبي:\nكحال الكهّان والعرَّافين الذين يدَّعون معرفة الأمور الواقعة بين الخلق وغيرها، فإنهم لا يصلون إلى ذلك إلا إذا تقرَّبوا للجن بالعبادات والذبح والنذر وغيرها من الطرق الشركية.\nيقول الشيخ السِعدي:\n\"كثير من الكِهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله\". (^٢)\n** ومن الصور المعاصرة لِما يسلكه مَن يدعي علم الغيب:\nما يفعلونه عن طريق \" قراءة الكف\" أو \"النظر في الفنجان\" أو \"رسم الخط على الرمال\" أو \"قراءة الأبراج\" كبرج الثور وبرج العقرب وغيرها، ويزعمون بأن من وُلد في برج الثور مثلًا سيحدث له كذا، ويسافر إلى بلاد كذا، ونحوه مما فيه ادعاء علم الغيب. (^٣)\n*وممَّا يُلبِّسون به على العامة:\nترى طائفة من المنجِّمين المعاصرين الذين يستخبرون عن تواريخ مواليد الناس لربط ذلك بالأبراج، زعمًا منهم وُجودَ علاقة تأثير بين الأحوال الفلكية والحوادث\n_________\n(^١) القول المفيد (١/ ٥٣٩).\n (^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص/٨٤).\n (^٣) البروج: هي منازل الشمس، وهي اثنا عشر برجًا أقسمَ الله بها بقوله -تعالى-: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، وهي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسُّنْبُلة والمِيزان والعَقْرَب والقَوْس والجَدْي والدَّلو والحوت؛ وهي أشهرٌ عاديّة، ولا يعلم ما يحدث فيها إلا اللهُ-تعالى-، فمَن ادّعى أنه يحدث في برج الثور كذا أو في برج العقرب كذا فهو ممن يدعي علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.","vol":"1","page":99},{"text":"الأرضية. وما هؤلاء إلا ضرب من الكهانة، اختلفت أشكالهم وتوافقت مَشارِبُهم. وكثير من المسلمين قد تعلَّقت قلوبهم بمثل هذه الأمور، ولا شك أنّ من ادَّعى علم الطالع، أو ادّعى العلم بقراءة الكف- كاهن عرَّاف مكذِّب لله ورسوله.\nوغالب حال هؤلاء من الكهَّان والمنجِّمين يأتون بأخبار الناس من خلال استخدامهم للجن الذين يأتونهم بالأخبار التى تتعلق بالغيب النسبي.\nقال -تعالى-: ﴿... وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا...﴾ [الأنعام: ١٢٨]، والمعنى: تمتَّعَ كل من الجِنّي والإنسي بصاحبه، وانتفعَ به. فالجنّي يستمتع بطاعة الإنسي له وتعظيمه واستعاذته به، فيفعل الإنسي ما يُمليه عليه الجني من إهانة القرآن وكتابته بالدم ونحو ذلك. والإنسي يستمتع بخدمة الجِنّي له ببعض شهواته، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، فيأتيه بالأخبار الغائبة عن بعض الناس.\n** فلْيحذرِ المرء من هذه الأفعال التى تُحبط عمله من حيث لا يدري!\n* فمن طالعَ هذه الأبراج التى تنتشر على المجلات أو مواقع الشبكة العنكبوتية فقد وقع بين واحد من هذه المحظورات:\nأ) اعتقاد التأثير:\nأن يعتقد أن النجوم والأفلاك والكواكب تؤثر في الخَلق وأفعالهم، والاعتقاد بأنّ برجًا معينًا من النجوم هو الذي يجلب الحظ أو النّحس؛ فهذا اعتقادٌ شركيّ مخرج من الملة، ومُعتقِد ذلك مشرك؛ فقد جعل مع الله -تعالى- من يخلق أفعال العباد، واعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله.\nب) اعتقاد السببية:\nبأن يعتقد بوجود عَلاقة سببية بين ما يقع له من خير أو شر وبين مواقع الأبراج واختلاف توقيتاتها الزمنية، وصاحب هذا الاعتقاد واقع في الشرك الأصغر؛ فكل من اتخذ سببًا لم يشرعه الله -﷿- ورسوله -ﷺ- سببًا فقد وقع في الشرك الأصغر، قال","vol":"1","page":100},{"text":"-تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ...﴾ [الشورى: ٢١].\n**قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"والله -سبحانه- قد جعل في النجوم من المنافع لعباده وسخرها لهم ومن منافعها الظاهرة ما يجعله -سبحانه- بالشمس من الحَرِّ والبرد والليل والنهار، وإنضاج الثمار، وخلق الحيوان والنبات والمعادن، وكذلك ما يجعله بها من الترطيب والتيبيس وغير ذلك من الأمور المشهورة، كما جعل في النار الإشراق والإحراق، وفي الماء التطهير والسقي، فمن قال من أهل الكلام إنّ الله يفعل هذه الأمور عِنْدَها لا بها، فعِبارتُه مخالفة لكتاب الله-تعالى-والأمور المشهورة، كمن زعمَ أنها مستقلة بالفعل هو شرك مخالف للعقل والدين\". (^١)\nجـ) وإما أن يكون قد فعل ذلك من باب التسلية:\nفيقع تحت قول النَّبِيِّ -ﷺ-: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^٢).\nووالذي نفسي بيده فإن من ادّعى أنه يفعل ذلك من باب التسلّي فسَيَجِدُ تأثيرًا لما قرأَ على قلبه -ولا مَحالةَ- فالقلوب ضعيفة.\n... وتعظم الفتنة حينما يتوافق ما قرأَه مع ما قدّرَه الله-تعالى-: في بعض الأحيان قد يَصْدُقُ كلامُ الأبراج، ويكون هذا الأمر فتنة وامتحانًا، وليس دليلًا على صدقهم ولا على إبطال الشرع؛ فإن الدجال الأكبر يقول للسماء: أَمطري، فتُمطر، وللأرض: أَنبتي، فتُنبت، وللخَرِبة: أَخرجي كنوزك، فتُخرج كنوزها، تتبعه، ويقتل رجلًا ثم يمشي بين شِقَّيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ، فيقوم، ومع هذا فهو دجال، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وقال: \"يكون لأحدهم القرينُ من الشياطين يخبره\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦٧).\n (^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":101},{"text":"بكثير من المغيَّبات بما يستَرِقُه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب\".\nفالواجب عدم التعلُّقِ بقول هؤلاء، فَمَنْ تَعَلَّقَ بأقوالهم وَكَلَهُ اللهُ إليهم، وحَرَمَهُ مِن توفيقه وهدايته!\nد) وإما أن يكون قد فعل ذلك مصدِّقًا لكلام الكاهن أو العرَّاف:\nفيكون قد وقعَ تحت قوله -ﷺ-: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (^١).\n* وهذا الكفر يختلف بحسب حال السائل:\nأ) إن اعتقد أن الكاهن على علم بالغيب المطلق، فقد وقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة.\nب) وإن اعتقد أن الكاهن على علم بالغيب النسبي، فقد وقع في الكفر الأصغر.\n* ثم يقال أيضًا:\nمن التناقض البيِّن: الاعتقاد أنّ لمواليد كلّ برج صفاتٍ وخصائصَ متماثلة متفقة؛ فإنّه يولد في كلّ\nساعة الآلاف من البشر في العالم، ولم يَثبُت أنّ هؤلاء يحملون الصفاتِ نفسَها، فكيف يستقيم كلام المنجِّمين باتفاق خصائص مواليد الشهر نفسه أو البرج نفسه؟!\n* قال الشيخ علي الملا القاري:\n\"ومما يدل على فساد قولهم: أن يقال لهم: أخبرونا عن مولودَيْنِ وُلدا في وقت واحد؛ أليس يجب تساويهما في كل وجه، ولا تمييز بينهما في الصورة والقَدّ والمَنظر، وحتى لا تصيب أحدًا نكبةٌ إلا أصابَ الآخرَ، وحتى لا يفعل هذا شيئًا إلا والآخرُ يفعل مِثلَه؟ وليس في العالَمِ اثنانِ هذه صفتُهما\". (^٢)\n* وكذلك ظهر اختلاف المنجّمين في الأبراج التي يبنون عليها أحكامهم من عدّة وجوه؛ منها: أعداد البروج، وأسماؤها، ومدّة كلّ منها، ودلالاتها على خصائص\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n (^٢) وانظر مِرْقاة المفاتيح (٧/ ٢٩١١).","vol":"1","page":102},{"text":"المولودينَ فيها، وغير ذلك.\nوقد ذكر أحد علماء الفلك أن مسألة الأبراج تعبر عن حقيقة واحدة فقط، وهي كمية الغباء الموجودة عند المنجِّمين؛ وذلك لأن عدد الأبراج اثْنَا عَشَرَ بُرجًا، يبدأون دائمًا ببرج الحمل، وينتهون ببرج الحوت.\nوفي الواقع أن الشمس كانت في برج الحمل، وذلك قبل الميلاد بنحو ألف سنة؛ والآنَ الشمس واقعة في برج الحوت؛ فجماعة المنجمين لا يعلمون هذا الموضوع، فهل سينجِّم المنجِّمون بناءً على ما كان قبل ألف سنة أم بعد ذلك؟!!\n**وقال: إن الصِّحافة العالمية المرموقة -على حَدِّ تعبيره- تَخجل من وضع صفحة مثل (حظك اليوم)، إنما نجد ذلك في الصحافة المتخلفة أو في الكتب المتخلفة فحسْب.\n\n* فرع:<span data-type=\"title\" id=toc-34> حكم تعلّم \"علم التنجيم </span>\":\nتعريف \"علم التنجيم\":\nالتنجيم هو أحد أقسام الكِهانة؛ ولذا يسمي بعضهم المنجِّم كاهنًا.\nوقد اتخذ المنجِّمون علم النجوم وسيلةً لادّعاء علم الغيب وادعاء علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان كأوقات هبوب الرياح ومجيء الأمطار وتغير الأسعار وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تُدرَك بمعرفتها مسير الكواكب والنجوم. (^١)\n** وأما حكم تعلم هذا النوع من العلوم فهو على قسمين:\n١ - القسم الأول: علم التأثير.\n٢ - القسم الثاني: \"علم التسيير\".\n١) أما القسم الأول:\nفهو ما يُبنى على ادعاء علم الغيب وربط الأشياء وتأثيرها\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٢)، ومعالم السنن (٤/ ٢٢٩).","vol":"1","page":103},{"text":"بالتنجيم، والاستدلال بالأحوال الفلكية على الأحداث الأرضية، وهو ما يسمى \"علم التأثير\"، فهو محرَّم، وهو ضَرْبٌ من السحر، عن ابن عباس﵄قال:\nقال رسول اللهﷺ-: «مَن اقتبسَ عِلمًا مِن النجومِ اقتبسَ شُعْبَةً مِن السِّحْرِ، زادَ ما زادَ». (^١)\nوقد نصَّ الرافعي والنووي وغيرهما على أن تعلّم السحر وتعليمه حرام، ودرجاته متفاوتة، وهذا إن لم يحتج في تعليمه إلى اعتقادٍ هو كُفرٌ، وأما فِعله فيحرم إجماعًا، ومن اعتقد إباحتَه كفرَ، ولا يظهر السحر إلا على فاسق.\nفهذا القسم يحرم تعلمه؛ لأنه ينبني على دعوى علم الغيب، وهذا من الكفر المخرج من الملة. (^٢)\n*فالمحرَّم من علم النجوم إنما هو ما يزعم به أصحابه الاستدلالَ على الحوادث الأرضية، فيستدل مثلًا باقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني على أنه سيحدث كذا وكذا؛ وهذه أمور بيِّنة البطلان،\nفإن الأحوال الفلكية لا عَلاقة بينها وبين الحوادث الأرضية، كما أن قيام المنجّم بالاستدلال على الحوادث والوقائع عن طريق حركات النجوم هو من جنس الاستقسام بالأزلام، وقد قال-تعالى-في ذكره للمحرَّمات: ﴿... وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ...﴾ [المائدة: ٣]، وقد ورد في حديث الصحيحينِ، حديث زيد بن خالد عن النبيﷺمرفوعًا:\n «مَن قال: مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا وكذا، فذلكَ كافرٌ بي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ». (^٣)\nفمثل هذا النوع من علم النجوم قد حرّم الشرع تداوُلَه وأخْذ الأجرة عليه:\nعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ -﵁- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٠٠)، وأبو داود (٣٩٠٥)، وصححه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٣)، والنووي في رياض الصالحين ح (١٦٧٣)، وانظر الصحيحة (٧٩٣).\n (^٢) وانظر نواقض الإيمان القولية والعملية (ص/٥١٤)، وتنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين (ص/١٩١)، وتيسير العزيز الحميد (ص/٤٢٢).\n (^٣) متفق عليه.","vol":"1","page":104},{"text":"الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» (^١)\nوحُلْوان الكاهن:\nهو ما يُعطاه على كهانته. وقد نقل البغوي والقاضي عياض إجماع المسلمين على تحريمه؛ لنهيه -ﷺ- عنه.\n** قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"لا يجوز للإمام أن يعطيَ أحدًا لأجْل منفعةٍ محرمةٍ، كعَطِيّة العرَّافين من الكهان والمنجِّمين ونحوهم\". (^٢)\nوقال -﵀- ذامًّا هؤلاء المنجِّمين:\n\"فإنّ هؤلاء المَلاعينَ يقولون الإثم ويأكلون السُّحْت بإجماع المسلمين، وثبتَ عن النبي -ﷺ- برواية الصِّدِّيق عنه أنه قال: «إنّ الناس إذا رَأَوُا الْمُنْكَرَ ولم يُغيِّروه أَوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابٍ منهُ»؛ وأيُّ منكرٍ أنكرُ مِن عملِ هؤلاء الأَخابثِ، سُوسِ المُلْكِ، وأعداءِ الرُّسُلِ، وأَفْراخ الصابِئة عُبّادِ الكَواكِبِ؟!! \". (^٣)\nقال الماوردي:\n\"ويَمنع المُحْتَسِبُ مَن يكتسب بالكِهانة واللهو، ويؤدِّب عليه الآخِذ والمُعطي\". (^٤)\nقال ضياء الدين القرشي:\n\"وأما المنجِّمون فقد وردت أحاديث دالة على النهي عن الاشتغال بهذا العلم، وهو ليس علمًا يُعتمد فيه على شيء، بل جعلوه أُحْبُولةً لأخذ الرزق؛ وحينئذ يؤخذ عليهم ألا يجلسوا في دَرْبٍ، ولا زقاق، فإنّ معظم من يجلس عندهم النِّسْوانُ، وقد صار في هذا الزمان يجلس عند هؤلاء الكتاب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٦٧). و\"حُلوان الكاهن \" هو ما يعطاه على كهانته، يقال منه: حَلَوْتُهُ حُلْوانًا إذا أعطيتَه. قال الهروي وغيره: أصلُه من الحَلاوة، شُبِّه بالشيء الحُلْو من حيث إنه يأخذه سهلًا بلا كُلْفة ولا مقابلة مشقة، يقال: حَلَوْتُه إذا أطعمتَه الحُلْوَ، كما يقال: عَسَلْتُهُ إذا أطعمتَه العَسَلَ. وانظر المُعْلِم بفوائد مسلم (٢/ ٢٩١)، والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٠/ ٢٣٢).\n (^٢) السياسة الشرعية (ص/٤٣).\n (^٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٥).\n (^٤) الأحكام السلطانية (ص/٣٧٣).","vol":"1","page":105},{"text":"والمنجَّمين مَن لا له حاجة عندهم من الشباب وغيرهم، وليس لهم قصد سوى حضور امرأة تكشف نَجْمها أو تكتب رسالة أو حاجة لها، فيُشاكلها ويتمكن من الحديث معها بسبب جلوسه وجلوسها، ويؤدي ذلك إلى أشياء لا يَليق ذِكرُها؛ ولو وجد أحدًا يفعل ذلك عُزِّرَ ليَرتَدِعَ به غيرُه\". (^١)\n٢) القسم الثانى:\nما يُحتاج إليه لمعرفة ما يُدرَك بالمشاهدة كمعرفة ظِلّ الشمس وجِهَةِ القِبْلة ونحو ذلك؛ فلا يدخل تحت النهي، وهو ما يسمى \"علم التسيير\".\nوقد رخَّصَ في تعلُّم المنازل أحمدُ وإسحاقُ، وروى ابن المنذر عن مجاهد:\n\"أنه كان لا يرى بأسًا أن يتعلم الرجل منازل القمر\".\n*قال ابن رجب:\n\"المأذون في تعلمه: علم التسيير، لا علم التأثير؛ فإنه باطلٌ محرَّمٌ قليلُه وكثيرُه، وأما علم التسيير فيُتعلم ما يُحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائزٌ عند الجمهور\". (^٢)\nقال ابن بطة:\nوأمر النجوم على وجهين:\nفأحدهما واجب علمه والعمل به، فأما ما يجب علمه والعمل به فهو أن يتعلم من النجوم ما يهتدي به في ظلمات البر والبحر، ويعرف به القبلة والصلاة والطرقات، فبهذا العلم من النجوم نطق الكتاب ومضت السنة.\nوأما ما لا يجوز النظر فيه\n_________\n(^١) معالم القُرْبة في طلب الحِسْبة (ص/١٨٣)\nوقوله: \"جعلوه أُحْبُولة لأخذ الرزق\": الأُحْبُولة: مفرد حَبائِلُ، والأحبول: المِصْيَدة، يقال: أَوْقَعَتْهُ في أَحابِيلِها: في شِراك حُبّها [المعجم الوسيط (١/ ١٥٣)].\n** والذي يُطالع كتب التاريخ يجد مدى شغف الكثير من الملوك والأمراء قديمًا بتقريب المنجِّمين منهم؛ وذلك لسؤالهم عما سيقع لهم من أمور الولاية. ومن عجيب ما وردَ في هذا الأمر: ما حكاه أحمد بن علي القلقشندي في ذكره لخلافة هارون الرشيد، حيث قال عنه: \"ومن عجيب أمرِه: أنه لما اشتد به المرض أُحضر المنجِّمون فنظروا في مولده فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنَفةً بعد ذلك، فلم يَعِشْ بعدَ قولِهم غيرَ عشرةَ أيامٍ؛ فسُبْحانَ المستأْثِرِ بعلم الغيب! \"\nوانظر مآثر الإنافة في مَعالم الخلافة (ص/٢٢٥).\n (^٢) وانظر لذلك: فتح الباري شرح صحيح البخاري (٣/ ٦٩)، والزواجر للهيتمي (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":106},{"text":"والتصديق به، ويجب علينا الإمساك عنه من علم النجوم فهو أن لا يحكم للنجوم بفعل، ولا يقضي لها بحدوث أمره كما يدعي الجاهلون من علم الغيوب بعلم النجوم، ولا قوة إلا بالله. (^١)\nقال البربهاري:\nوأقلَّ النظر في النجوم، إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة، واَلْهَ عمَّا سوى ذلك، فإنه يدعو إلى الزندقة. (^٢)\n* وعلى هذا يقال:\nما يُنقل عن أحوال الطقس كلَّ يوم: ليس من ادَّعاء علم الغيب؛ بل هي من علم الشهادة؛ لأنَّ الأقمار الصناعية تصور السحاب وحركة المنخفِضات والمرتفِعات والرياح، وليس في ذلك شبهٌ بدعوى علم الغيب؛ فهو يستند إلى أمورٍ حسّيّة. (^٣)\nتم بحمد الله\n_________\n(^١) الإبانة الكبرى (١٢٨٢)\n (^٢) شرح السنة (ص/٣٨٤)\n (^٣) وجاء في بحثٍ عن ذلك كتبَه الدكتور عبد الشكور العروسي الأستاذ بقسم العقيدة- كلية الدعوة وأصول الدين- جامعة أُمّ القُرى، قال فيه:\n\"فإنْ قِيلَ: إذا كان الخَلق لا يعلمون ما يُستقبَلُ من الحوادث، فكيف استطاع الفَلَكِيُّونَ معرفة تواريخ الكسوف وساعاته، واستطاع مراقبو أحوال الطقس عن طريق المَراصد الجَوِّيّة الإخبارَ بأخباره قبل حدوثه؛ قِيلَ: إنّ ذلك من التجارِب البشرية المتكررة التي مكّنت العلماء الذين يقومون بالرصد المتواصل مِن توقُّع تلك الحوادث على سبيل التوقُّع والظن، لا على سبيل العلم واليقين، فكما يَستنتج أحدُنا تقابُلَ قطارينِ في نقطة معينة إذا كان انطلاقهما في وقت واحد وسرعة واحدة سائرًا كلٌّ منهما في الاتجاه المواجه للآخَر، فكذلك توقُّع الفلكيّينَ مرور القمر بين الأرض والشمس في موضع معين في ساعة معينة لا يدل على علم الغيب، وإنما هو توقعٌ مبنيٌّ على التجارِب والملاحظات المتواصلة والاختبارات المتكررة؛ وهذا مما لا يُجزَم بحدوثه ووقوعه، والعلم بالشيء هو الجزم بما هو عليه، أو بما سيقع لا مَحالةَ؛ فلْيُتأمَّلْ\". اهـ","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الحديث الرابع: بلوغ العلم شرح حديث أول ما خلق الله القلم</span>","vol":"1","page":109},{"text":"** نص حديث الباب:\nقالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُبَادَةَ: دَخَلْتُ عَلَى عُبَادَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَتَخَايَلُ فِيهِ الْمَوْتَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ أَوْصِنِي وَاجْتَهِدْ لِي. فَقَالَ: أَجْلِسُونِي. فَلَمَّا أَجْلَسُوهُ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَطْعَمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ، وَلَنْ تَبْلُغَ حَقَّ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ وَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ مَا خَيْرُ الْقَدَرِ مِنْ شَرِّهِ؟ قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ. يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ:\n... «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ: الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي».\n... تخريج الحديث:\nأخرجه أحمد (٢٢٧٠٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٩٢)، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥)، وابن أبي عاصم في السّنّة (١٠٧). قال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\". والحديث قد صححه الألباني في صَحِيح الْجَامِع (٢٠١٨) والسلسلة الصحيحة (١٣٣).\n-- وقد ورد المعنى العامّ لحديث الباب في الصحيحين:\nأ) فقد أخرج البخاري في صحيحه- كتاب القدر- (باب جَفَّ القلمُ على علمِ الله)،","vol":"1","page":111},{"text":"ثم روى قول أَبى هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ -ﷺ-: «جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاقٍ». (^١)\nب) وروى مسلم عن جابر -﵁- أن النبي -ﷺ- سُئل: فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟\nأَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ فقَالَ -ﷺ-: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ». (^٢)\n** أهم الفوائد المستخرجة من حديث الباب:\n\n١) الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-36> بيان أوّلُ المخلوقات التى خلقها الله </span>تعالى:\nللسلف في هذه المسألة قولان:\nالقول الاول:\nقال به ابن جَرير الطبري وابن الجوزي، قالوا: أول المخلوقات هو القلم، واستدلوا على ذلك بأدلة:\n١) حديث الباب، وذلك في قوله ﷺ:\n\" إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، ... \"\n٢) وعن ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-:\n «أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ -﷿-: الْقَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ -وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ- فَكَتَبَ الدُّنْيَا وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ، بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ فِي الذِّكْرِ»، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]». (^٣)\nالقول الثاني:\nأن العرش هو أول المخلوقات، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وشارحِ الطحاوية، وقال ابن حجرٍ نقلًا عن أبي العلاء الهمداني:\nإنه قول الجمهور، ومال إليه ابن حجر، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قول كثير من السلف والخلف، واستدلوا\n_________\n(^١) وقد علقه البخاري في كتاب القدر من الصحيح، بَابٌ: جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ (٨/ ١٢٢)، وقد وصله في كتاب النكاح (٥٠٧٦) - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ وَالخِصَاءِ.\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٦٤٨).\n (^٣) أخرجه الآجُرِّيّ في الشريعة (١٧٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٦)، وصححه الألباني في الصحيحة (٣١٣٦).","vol":"1","page":112},{"text":"على ذلك بأدلة:\n١) حديث البخاري الذي سُئل فيه النبي -ﷺ- عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ، فقَالَ -ﷺ-: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». (^١)\nوجه الدلالة: أنه في وقت حدوث الكتابة الأزلية كان العرش على الماء، فدلَّ ذلك على أنه لمَّا خُلق القلم كان العرش مخلوقًا على الماء؛ فدل ذلك على أن العرش هو أول المخلوقات.\n** قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"ولفظ الحديث المعروف عند علماء الحديث الذي أخرجه أصحاب الصحيح:\n «كان اللهُ ولا شيءَ معه، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء»\nوهذا إنما ينفي وجود المخلوقات من السماوات والأرض وما فيهما من الملائكة والإنس والجن، لا ينفي وجود العرش؛ ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إلى أن العرش متقدِّم على القلم واللَّوْح، مستدلّينَ بهذا الحديث\". (^٢)\n... يؤيد ذلك:\nما صح عن ابن عباس -﵄- موقوفًا:\n\" «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الْقَلَمَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (^٣)\nوهذا له حُكم الرفع؛ لأن هذا من الغيبيات التي لا تقال بالرأي.\n** قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على حديث الباب -حديث عبادة بن الصامت- ما نصُّه:\n\"فهذا القلم خلقه لمّا أمرَه بالتقدير المكتوب قَبْلَ خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان مخلوقًا قبلَ خلق السماوات والأرض، وهو أولُ ما خلق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤١٨) ومسلم (٢٦٥٣)، واللفظ للبخاري.\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٧٥).\n (^٣) أخرجه الدارميّ في الرد على الجهمية (٤٤)، والآجري في الشريعة (٣٥١)، وصححه الألباني في مختصر العلوّ (ص ٩٥).","vol":"1","page":113},{"text":"من هذا العالَم، وخلقه بَعْدَ العرش كما دلت عليه النصوص، وهو قول جمهور السلف\". (^١)\n** وهذا هو الراجح -والله أعلم-، أن العرش أولُ المخلوقات.\n** الرد على أدلة القول الأول:\nما استدلوا به من قوله -ﷺ- «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ: الْقَلَمُ...»؛\nفهذه الأولية لها توجيهانِ: إمّا أن تُحمل على الأولية النِّسْبيّة، أوتحمل على الأولية الظَّرْفِيّة:\nأ) أما الأولية النسبية:\nفهى ليست أولية مطلَقة، والمعنى: أن القلم ليس هو أول المخلوقات على الإطلاق، بل هو أول المخلوقات بالنسبة إلى ما عَدا العرش.\nقال شيخ الإسلام:\n\"وهو -أي: القلمُ- أولُ ما خلق من هذا العالَم، وخلقه بعد العرش كما دلت عليه النصوص، وهو قول جمهور السلف\". (^٢)\nب) الأولية الظرفية:\nوالمعنى: أن الأولية إنما هي راجعة إلى الكتابة لا إلى الخَلْق، فيكون المعنى: أنه عند أَوَّلِ خَلْقِ القلمِ قِيلَ له: «اكتُبْ ما هو كائنٌ...».\n-- ولذلك نظائرُ في الشرع واللغة:\nأما في الشرع:\nفعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنْ قَالَ:\n «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ». (^٣)\nفقوله -﵁-: \"وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنْ قَالَ... \" أي: أول كلامه بالمدينة، وليس -بالطَّبْعِ- أولَ كلامه على الإطلاق.\n* وأما في اللغة:\nإذا قال عمرو: \"أَوَّلَ ما رأيتُ زيدًا أطعمتُه\"، فهل معنى ذلك أنه رآه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٣).\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٣)، وقد نص على مثله ابنُ كثير كما في البداية والنهاية (١/ ١٣). وانظرتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح النونية (١/ ٣٧٧).\n (^٣) أخرجه أحمد (٢٣٨٣٥) والترمذي (٢٤٨٥)، وانظر صَحِيح الْجَامِع (٧٨٦٥).","vol":"1","page":114},{"text":"للمرة الأولى؟! لا، فهو قد رءاه كثيرًا من قبلُ، ولكنه في هذه المرة أولَ ما رآه أطعمَه.\n... قال خليل هرَّاس:\n\" قوله ﷺ-: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»، قَالَ: «وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» صريحٌ أن التقدير إنما وقعَ بعد خلق العرش، والتقدير وقعَ عند أول خَلْق القلم، بلا مُهْلة؛ لقوله -ﷺ-: «إنّ أولَ ما خلقَ اللهُ القلمَ، فقال له: اكتُبْ...»\nيعني: أنه عند أول خلقه للقلم قال له \"اكتب\" بدليل الرواية الأخرى:\n «أولَ ما خلقَ اللهُ القلمَ قال له: اكتب...» بنَصْب \"أوّل\" على الظرفية، ونصب \"القلم\" على المفعولية؛ وأما على رواية رفع \"أوّل\" و\"القلم\" فيتعيَّن حملُه على أنه أول المخلوقات من هذا العالَم -أي: عالَم الأقلام- ليتّفقَ الحديثانِ؛ إذْ حديث عبد الله بن عمرو صريحٌ في أن العرش سابق التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم، وفي اللفظ الآخَر: «لما خلق اللهُ القلمَ قال له: اكتبْ، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة بقُدْرة الله -﷿-». (^١)\nقال ابن القيم:\nوالنّاسُ مختلفونَ في القلمِ الذي... كُتِبَ القضاءُ بِهِ مِنَ الدَّيّانِ\nهَلْ كانَ قَبْلَ العرشِ أو هو قبلُهُ... قَوْلانِ عِنْدَ أبي العلا الهمداني\nوالحَقُّ أنَّ العرشَ قبلُ لِأَنَّهُ... عندَ الكتابةِ كان ذا أَرْكانِ. (^٢)\n... تنبيه مهم:\nإذا كان الخلاف في أول المخلوقات واقعًا فيما ذكرْنا أعلاهُ؛ فما هو مشتهرٌ بين العامّة من أنّ الرسول -ﷺ- هو أول خلْق الله تعالى هو مما لا يصح فيه دليل، فلو كان النبي -ﷺ- أولَ خلقِ الله -تعالى- لكانت هذه مَنْقَبة وفضيلة عظيمة تقتضي أن يُظهرها النبي -ﷺ- ويحدِّث بها أصحابَه -﵃- من باب قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا\n_________\n(^١) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية \"شرح النونية\" (١/ ١٦٨).\n (^٢) الكافية الشافية \"نونية ابن القيّم\" (ص/٦٥).","vol":"1","page":115},{"text":"بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، كما أخبرَهم -ﷺ- أنه خَليل الرحمن، وأنه خيرُ وَلَدِ آدمَ -﵇-. (^١)\n* فإن قيل:\nقد صح عن الرَّسُول -ﷺ- أنه سئل: متى كُتِبْتَ نَبِيًّا؟\nفقال: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» (^٢)؟\nفقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال:\n\"مُراده -ﷺ-: أن الله كتب نُبوته وأظهرَها وذكرَ اسمَه، ولهذا جعلَ ذلك في ذلك الوقت بعدَ خلْقِ جسد آدم وقبلَ\n_________\n(^١) أما الحديث المشهور على ألسنة الصوفية وفي رسائلهم «أولُ ما خلقَ اللهُ هو نُورُ نبيِّكَ يا جابرُ...»\nفهو حديث موضوع، لا أصل له في شيء من كتب الحديث، لم يثبت له سند متصل في كتب الحديث، حتى كُتب الموضوعات، وإنما هو مشتهر على ألسنة الصوفية ونحوِهم.\nقال السيوطي في كتابه الحاوي للفتاوى (١/ ٢٢٣): \"هو حديث ليس له إسناد يعتمد عليه\". ا. هـ.\nوقال محمد زياد التكلة في كتابه \"مجموع في كشف حقيقة الجزء المفقود من مصنف عبد الرزاق\": \"وهذا حديث باطل، لا أصل له. لعنَ الله واضعه! وفيه ما هو مصادم لعدة نصوص صريحة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة في الخلْق وغيره، وليس في شيء من كتب الإسلام مُسنَدًا\". =\n= كذلك يقال: ما ذُكر في الحديث السابق أن النبي -ﷺ- مخلوق من نور، فهذا كلام باطل؛ فقد صح عن النبي -ﷺ-: خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ ﵇ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ ففي ذلك إشارة أن الملائكة فحسْب هم الذين خُلقوا من نور، دون آدم وبنيه.\n* وكذلك هو خبر باطل؛ لمعارضته لبشرية النبي -ﷺ-، إذْ من المقطوع به أنه -ﷺ- من بني آدم، وآدم خُلق من طين لا من نور.\nوانظر خصائص المصطفى بين الغلوّ والجَفا (ص/٨٣ - ٨٩)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٥٨).\nوكان مبتدأ أمر هذا القول: عند متقدمي الإسماعيلية الباطنية، ففي كتبهم القديمة الكثير من الأحاديث المكذوبة في أن النبيﷺ- وعليًا -﵁- قد خُلقا من نور الله.\nانظر أصول الإسماعيلية للدكتور سليمان بن عبد الله السلومي (٢/ ٤٥٩).\n*أما كونه نورًا بما جاء به من الهدى فهذا مما لا شك فيه، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦].\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٠٥٩٦) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٥٨١).","vol":"1","page":116},{"text":"نفخ الرُّوح فيه، كما يُكتب رزق المولود وأجلُه وعملُه، وشقيٌّ هو أو سعيد بعدَ خلقِ جسده وقبلَ نفخ الرُّوح فيه\". (^١)\n... من الفوائد المتعلقة بحديث الباب: مسألة القدر:\nفقد ورد في حديث الباب: قوله -ﷺ-:\n «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ: الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ...»، فدلَّ الحديث على أصل عظيم من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، الذي هو إثبات القَدَر.\n... ومعنى (الإيمان بالقضاء والقدر) في الشرع:\nهو الإيمان بتقدير الله تعالى الأشياءَ في القِدَم، وعِلمِه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عندَه، وعلى صفات مخصوصة، وكتابتِه لذلك، ومَشيئتِه له، ووُقوعِها على حَسَبِ ما قَدَّرَها، وخَلْقِه لَهُ. (^٢)\nوهذا مما دل عليه: القرآنُ، والسُّنَّة، وإجماع الأمة:\nوأما القرآن:\nفقد قال الله -﷿-: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، ولهذه الآية سبب في نزولها: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: \"جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩]. (^٣)\nوقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقال -﷿-: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].\n** وأمَّا السُّنَّة:\nفقدْ عقدَ أئمة الحديث -كالبخاري ومسلم في صحيحَيْهِما كتابًا للقدر، اشتمل على عدة أحاديث في إثبات القدر، نذكر منها ما يلي:\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ:\n «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلامِهِ،\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدَّلَ دين المسيح (ص/٣٨٢).\n (^٢) القضاء والقدر (ص/ ٣٩) - د. عبد الرحمن المحمود.\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٦٥٦)، وانظر أسباب نزول القرآن للنيسابوري (ص/٤١٩).","vol":"1","page":117},{"text":"وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى -ثَلاثًا-» (^١)\n٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-:\n «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنِ: النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ: الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ». (^٢)\n٣) عَنْ حُذَيْفَةَ -﵁- قَالَ: \"لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ\". (^٣)\n٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:\n «لا يَأْتِ ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ القَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (^٤).\n٥) وعن عَبْد اللهِ بْن عُمَرَ -﵄ - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ، أَوِ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ». (^٥)\n... مراتب الإيمان بالقدر:\n١ - المرتبةُ الأولى: العِلْمُ:\nوهو علم الله الأَزَلِيُّ في كلِّ ما هو كائنٌ، فإنَّ كلَّ كائنٍ قد سبقَ به علمُ الله أَزَلًا، ولا يتجدَّد له علْمٌ بشيءٍ لَم يكن عالِمًا به أزلًا، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].\nوذلك يقتضي الإيمانَ بعلم الله -﷿- المُحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، والمُمْكِنات والمستحيلات، فعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو\n_________\n(^١) متفق عليه. وقد تم شرح هذا الحديث شرحًا مفصلًا في الحديث السادس، ضمن هذا الكتاب، حديث \"المنهاج شرح حديث الاحتجاج\"\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) أخرجه مسلم (٢٦٥٥)","vol":"1","page":118},{"text":"كان كيف يكون، وأنه عَلِمَ ما الخَلْقُ عاملون قبلَ أن يخلقهم، وعلمَ أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في\nجميع حركاتهم وسَكَناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومَن هو منهم من أهل الجنة ومَن هو منهم من أهل النار، مِن قَبْلِ أن يخلقهم، ومِن قبل أن يخلق الجنة والنار، عَلِمَ دقّ ذلك وجَليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسِرَّه وعلانيته، ومبدأه ومُنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي\nهو صِفَتُه ومقتضَى اسمِه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علَّام الغيوب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ...﴾ [الحشر: ٢٢]. (^١)\nوقد اتَّفَقَ على الإيمان بالعلم السابق الرُّسُلُ عليهم الصلاة والسلام من أوّلِهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومَن تَبِعهم من الأمّة، ولم يخالِفْ إلا مَجُوسُ الأمّة، غُلاةُ القَدَريّة. (^٢)\n** أقسام علم الله:\n (الله -﷿- يعلم ما كان، وما هو كائن، ويعلم ما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون)\nوالله تعالى يعلم ما كان من الأمور التي مَضَتْ منذُ بَدْءِ الخَلْق والآجال، ويعلم ما هو كائن، قال الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ويعلم ما سيكون، قال تعالى:\n ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]\nوالله -تعالى- يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، بمعنى: أن الله -تعالى- يعلم الأمور التي ما قدَّرَها، لو وقعتْ فكيف سيكون حال وقوعها.\n_________\n(^١) مَعارج القَبول (٣/ ٩٢٠).\n (^٢) شفاء العليل (ص/٢٩).","vol":"1","page":119},{"text":"* قال ابن كثير:\n\"أخبر الله -تعالى- بأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا، كما قال تعالى:\n ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨] والآيات في هذا كثيرة\". (^١)\n** ومن السّنّة::\nعن أبي هُريرةَ أنّ رسول الله -ﷺ- سُئل عن أولاد المشركين، فقال:\n «الله أعلمُ بما كانوا عاملينَ» (^٢).\n* قال النووي:\n\"وفي قوله -ﷺ-: «الله أعلم بما كانوا عاملين» بيانٌ لمذهب أهل الحق أنّ الله عَلِمَ ما كان، وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وقد سبق بيان نظائره من القرآن والحديث\". (^٣)\n... إشكال والرد عليه:\nقول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وأمثال هذه الآيات مُشْكِلة في الفهم؛ لِأنَّ ظاهرها قد يفهم منه تجدُّد علم الله -﷿- بعد وقوع الفعل؟\n* والرد على ذلك مِن وجهينِ:\n١ - الأول هو ردٌ إجمالي، فنقول:\nإنَّ غُلاة القدرية قد تعلَّقوا بمثل هذه الآيات في زعمهم أنّ علم الله -تعالى- بأفعال العباد مستأنَف، وأن الله لا يعلم الشيء إلا بعد\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٦٠).\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج (١٦/ ٢١١).","vol":"1","page":120},{"text":"وقوعه؛ فهؤلاء كَفَرةٌ بلا شكٍّ لإنكارهم ما دلَّ الكتابُ والسنة عليه دلالةً قطعيةً، وأجمعَ المسلمون على أزلية علم الله.\nفمثل هذه الآيات إنما هي من المتشابه الذي يُرَدُّ إلى المُحْكَم من الأدلة التي دلت أنّ علم\nالله -تعالى- واسع وشامل لكل شيء، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهذا عموم\nلا يقبل أي تخصيص.\n* ثانيًا، وهو ردٌ تفصيلي:\nقال ابن عثيمين: \"إن المراد بالعلم في هذه الآيات شيئانِ:\nأ) الأول:\nعلم رؤيةٍ وظُهورٍ ومُشاهَدةٍ، أي: لِنَرَى، ومعلومٌ أنّ عِلم ما سيكون ليس كعلم ما كان؛\nلأن علم الله -تعالى- بالشيء قبل وقوعه: علمٌ بأنه سيقع، ولكنْ بعدَ وقوعه:\nعلمٌ بأنه وَقَعَ.\nب) الثاني:\nأن المراد بالعلم إنما هو: الذي يترتب عليه الجزاء، أي: لِنَعْلَمَ عِلمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ...﴾ [محمد: ٣١].\nقَبْلَ أن يبتليَنا قد علمَ مَن هو المطيع ومَن هو العاصي؛ ولكن هذا لا يترتب عليه لا الجزاءُ ولا الثوابُ\". (^١)\n* قال القُرطبي:\n\"قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء؛ لأنه إنما يُجازيهم بأعمالهم، لا بعلمه القديم عليهم، فتأويلُه: \"حتّى نَعْلَمَ المجاهدينَ عِلْمَ شَهادةٍ\"، لِأنّهم إذا أُمِرُوا بالعمل يَشْهَدُ منهم ما عَمِلوا؛ فالجزاء بالثواب والعقاب يقعُ عَلَى علم الشهادة، \"ونبلوَ أخباركم\": نختبرها ونُظهرها\". ا. هـ (^٢)\n_________\n(^١) تفسير الكهف (ص/٢٤)\nقلت:\nبيان ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]،\nفلو أن الله -تعالى- عاقب أهل الكفر والعصيان بناءً على علمه الأزليّ السابق فيهم لَقالوا: لو جاءتنا الرسل لكُنّا مؤمنينَ؛ وهذه دعاوى كاذبة، فهم كما قال الله -تعالى- فيهم: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا...﴾ [الأنعام: ٢٥].\n (^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٥٤).","vol":"1","page":121},{"text":"*قال الشنقيطي:\n\"قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ...﴾ [البقرة: ١٤٣]، ظاهرُ هذه الآية قد يَتَوَهَّمُ منه الجاهلُ أنه -تعالى- يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يَعْلَمُهُ، -﷾- عن ذلك علوًّا كبيرًا، بل هو -تعالى- عالمٌ بكل ما سيكون قبل أن يكون، وقد بيَّن أنه لا يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه بقوله -جل وعلا-: ﴿... وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]\nفقوله: ﴿والله عليم بذات الصدور﴾ بعد قوله: ﴿ليبتلي﴾ دليلٌ قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئًا لم يكن عالمًا به، سبحانه، وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا; لأن العليم بذات الصدورغنيٌّ عن الاختبار\". (^١)\n* المرتبة الثانية: الكتابة:\nوهو الإيمان بأن الله -تعالى- كتبَ كل شيء في اللوح المحفوظ، فكل ما يكون من الذوات، والصفات والأقوال والأفعال، والحَرَكات والسَّكَنات، والرطب واليابس مكتوبٌ.\nودليل ذلك من القرآن:\nقال الله -تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وقال سبحانه:\n... ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠]، والمراد بالكتاب في هذه الآية هو اللوح المحفوظ، وهذه الآية فيها: إثبات العلم، وإثبات الكتابة.\nوقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وهو اللوح المحفوظ.\nوَقَدْ قَالَ تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:\n_________\n(^١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/ ٤٦).","vol":"1","page":122},{"text":"٣٤] (^١)، وقال سبحانه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].\n*ودليل ذلك من السّنّة:\n١) حديث الباب، وفيه قال الرَّسُول -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ: الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».\n٢) وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِرضي الله عنهما - قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ:\n\" كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ \" (^٢).\n* قال النووي:\n\"قال العلماء: المُراد: تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو\n_________\n(^١) أي: إن الإنسان لا يأخذ في هذه الدنيا إلا ما كتب له من الرزق والأجَل، فإذا جاء أجله لا يتقدَّم ولا يتأخر، فلكل إنسان أجلٌ محدد، حتى الذي قُتل ظلمًا وعدوانًا قد انتهى أجله، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: إن المقتول لو لم يُقتل لَعاشَ. فنحن نقول: بل المقتول قد انتهى أجلُه، لكن الأسباب مختلفة، فهذا أجله ينتهي على فراشه، وذاك أجله ينتهي بالمرض، وهذا أجله ينتهي بأن يُقتل، فالمقتول ميِّت بأجله. =\n=، وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أن القاتل قد قطع أجل المقتول، ولا شك في بطلان زعمهم.\nوقد سئل شيخ الإسلام عن المقتول: هل مات بأجله، أم قطع القاتلُ أجله؟\nفقال -﵀-:\n\"المقتول كغيره من الموتى، لا يموت أحد قبل أجله، ولا يتأخر أحد عن أجله.\nوالله يعلم ما كان قبل أن يكون، وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن أو ذات الجَنْب أو الغَرَق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا يموت مقتولًا.\nولو لم يُقتل المقتول: قال بعض القدرية: إنه كان يعيشُ. وقال بعض نفاة الأسباب: إنه يموت.\nوكلٌّ منهما خطأ؛ فإنّ الله علمَ أنه يموت بالقتل، فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا قد يعلمه بعض الناس، وقد لا يعلمه، فلو فرضْنا أنّ الله علمَ أنه لا يُقتل أمكنَ أن يكون قدّر موته في هذا الوقت، وأمكنَ أن يكون قدّر حياته إلى وقت آخرَ؛ فالجزْم بأحد هذين -على التقدير الذي لا يكون- جهلٌ. وانظر مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٨) والعقائد النسفية (ص/٢٣٤).\nقلتُ: وعليه، فمن الأخطاء الشائعة على ألسنة بعض الناس: قولهم: \"لو صبر القاتل على المقتول لَماتَ وحدَه\"، فالصواب أن القاتل لو لم يُقدم على قتل المقتول، لجاز أن يموت في ذلك الوقت، وألا يموت، فعليه فلا يجزم بأحد الأمرين.\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٦٥٣) والترمذي (٢١٥٦).","vol":"1","page":123},{"text":"غيرِه، لا أَصْلِ التقدير؛ فإنّ ذلك أزليٌّ لا أَوَّلَ له\". (^١)\nقال ابن القيم:\n\"وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أنّ كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أُمِّ الكتاب\". (^٢)\n** وهنا سؤال: هل هذه المرتبة من مراتب القدر -التي هى الكتابة- تَقْبَلُ التغيير؟\nالجواب:\nأما المكتوب في أُمّ الكتاب -وهو اللوح المحفوظ- فهذا لا تتغير الكتابة الموجودة فيه،\nوأما الكتابة التي هي في أيدي الملائكة من الصُّحُف فإنّ الله -تعالى- يمحو منها ما يشاء ويُثْبِتُ، وهذا معنى قوله -تعالى-: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، والمراد بأم الكتابِ: اللوح المحفوظ، فاللوح المحفوظ لا يتغير شيء مما كُتِبَ فيه، وأما ما في الصحف التي مع الملائكة فهذه التي يقع فيها المَحْوُ والتغيير.\nوالملائكة يكتبون ما يؤمرون به من آجالٍ وأرزاقٍ، كما ورد في قوله -ﷺ-:\n «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ،\nثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -﷿- إِلَيْهِ الْمَلَكَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: عَمَلُهُ، وَأَجَلُهُ، وَرِزْقُهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» (^٣)؛ فالمحو والإثبات بالنسبة لِما في علم المَلَك؛ وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله -تعالى- فلا مَحْوَ فيه البَتَّةَ، ويقال له: القَضاء المُبْرَمُ، ويقال للأوّل: القضاء المُعَلَّق. (^٤)\n... وعليه فالقضاءُ نوعانِ:\n١) قضاءٌ مُبْرَمٌ:\nوهو القدر الأزليّ، وهو لا يتغير، كما قال -تعالى-: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٦/ ٢٠٣) وتحفة الأحوذي (٥/ ٤٤٤) وفيض القدير شرح الجامع الصغير (٤/ ٥١٠).\n (^٢) شفاء العليل (ص/٤١).\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) فتح الباري (١٠/ ٤١٦).","vol":"1","page":124},{"text":"لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]، وقال الرسول -ﷺ- لأُمّ حَبيبةَ -﵂-: «قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ» (^١).\nقال النوويّ:\n\"إن الآجال والأرزاق مقدَّرة لا تتغير عمّا قدَّره الله -تعالى- وعَلِمَه في الأزل، فيَستحيلُ زيادتُها ونَقْصُها -حقيقةً- عن ذلك\". (^٢)\n٢) قضاء معلَّق:\nوهو الذي في الصُّحُف التي في أيدي الملائكة، فإنه يقال: اكْتُبوا عُمُرَ فُلانٍ إنْ لم يتصدَّقْ: كذا، وإنْ تصدَّقَ فهو كذا، وفي عِلم الله وقدره الأزليّ أنه سيتصدق أو لا يتصدق.\nفهذا النوع من القدر يَنفع فيه الدعاء والصدقة؛ لأنه معلَّق عليهما، وهو المراد بقوله -تعالى-: ﴿... لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٨ - ٣٩]؛ وهو معنى قوله -ﷺ-:\n ««لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ». (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٦٣).\n (^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٦/ ٢١٣).\n (^٣) شفاء الضرر بفهم القضاء والقدر (١/ ٣).\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية سؤالًا طويلًا، وفيه: هل شُرع في الدعاء أن يقول: اللهم إن كنت كتبتني كذا فامحني واكتبني كذا، فإنك قلتَ: = = ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾؟ وهل صح أن عمر كان يدعو بمثل هذا؟ فكان مما أجاب به -﵀-:\n\"والجواب المحقَّق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصلَ رحمَه زاد في ذلك المكتوب، وإنْ عملَ ما يُوجِب النقصَ نقصَ من ذلك المكتوب... وهذا معنى ما رُوي عن عمر أنه قال:\n\"اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت\"ـ والله سبحانه عالم بما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو يعلم ما كتبه له، وما يَزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علّمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إنّ المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف، ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات، وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات؟ على قولين، والله -﷾- أعلم\". ا. هـ. مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩١).\nوقال ابن القيم:\n\"المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه: الدعاء، فلم يقدَّر مجرَّدًا عن سببه، ولكن قُدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقعَ المقدورُ، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهكذا، كما قدر الشبع والرِّيّ بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر... وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدر وقوع المدعوّ به لم يصحَّ أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب\". اهـ. الجواب الكافي (ص/١٧).\n*وقال الغزالي: \"فإن قيل: ما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مَرَدَّ له؟\nفاعلم أنّ مِن جملة القضاء: رد البلاء بالدعاء، فإن الدعاء سبب رد البلاء ووجود الرحمة، كما أن البذر سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم؛ كذلك الدعاء يرد البلاء\". اهـ. وانظر كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه للسندي (١/ ٤٧).","vol":"1","page":125},{"text":"* قلت:\nوعلى ذلك يُحْمَلُ ما وردَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- مرفوعًا:\n «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟\nقَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ، فَقَالَ: رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟\nقَالَ: سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَيْ رَبِّ، زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا قُضِيَ عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ ...» (^١)، وكذلك قوله -ﷺ:\n «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحَمَه» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٧٠) والترمذي (٣٣٦٨)، قال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٥٥٧).\nقال الإمام النووي في شرح مسلم (٨/ ٣٥٦): \"قوله -ﷺ-:\n «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»:\n\"يُنسأ\": مهموز، أي: يؤخَّر، و\"الأَثَر\": الأجل؛ لأنه تابع للحياة في أثرها، وبسط الرزق: توسيعه وكثرته، وقيل: البركة فيه؛ وأما التأخير في الأجل ففيه سؤال مشهور، وهو أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]،\nوأجاب العلماء بأجوبةٍ، الصحيح منها: =\n=الأول:\nأن هذه الزيادة: بالبركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها من الضياع في غير ذلك.\nالثاني:\nأنه بالنسبة إلى ما يَظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك، فيَظهر لهم في اللوح \"أن عمره ستون سنة، إلا إن يصل رحمه، فإنْ وصلَها زيد له أربعون\"، وقد علم -﷾- ما سيقع له من ذلك، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، فيه النسبة إلى علم الله تعالى وما سبق به قدرُه، ولا زيادة، بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقينَ تُتصور الزيادة، وهو مراد الحديث، والله أعلم.","vol":"1","page":126},{"text":"قال أبو العباس ابن تيمية:\n\" ما كتبه الله -تعالى- وأعلمَ به الملائكةَ فهذا يَزيدُ ويَنْقُصُ بِحَسَبِ الأسباب، فإنّ الله يأمر الملائكة أن تكتب للعبد رزقًا، وإنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زاده الله على ذلك، كما ثبتَ في الصحيح عن النبيﷺأنه قال:\n... «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فلْيصلْ رحمه»\nوكذلك عُمُرُ داودَ زاد ستّينَ سنةً، فجعله الله -تعالى- مئةً بعدَ أن كان أربعين، رواه الترمذي وغيره-، ومن هذا الباب: قول عُمرَ:\n\"اللهم إنْ كتبْتَني شقيًّا فامْحُنِي واكْتُبْنِي سعيدًا، فإنّك تمحو ما تشاء وتُثْبِتُ\" \". (^١)\n٣ - المرتبة الثالثة: المشيئةُ:\nالمرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر هي المشيئة، المشيئة النافذة، أي: الماضية التي لا رادَّ لها. مِنْ: نَفَذَ السَّهْمُ نُفُوذًا إذا خَرَقَ الرَّمِيّة، فهي نافذة.\nفهذه المرتبة هي إثبات نُفوذ قدرته ومشيئته وشمول قُدرته، وهي الإيمان بأنّ ما شاء الله: كانَ، وما لم يشأ: لم يَكُنْ، فما في السماوات وما في الأرض من حركةٍ ولا سكون إلا بمشيئة الله، ولا يكون في مُلْكِه ما لا يُريدُ البَتَّةَ.\n** وهذه المرتبة ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، وأجمع عليها سلف الأمة:\nقال -تعالى-:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٤٠)، وانظر تأويل مختلف الحديث (ص/٢٣٨)، مشكل الآثار (٨/ ٨١، ٨٢).\nقلتُ:\nوأثر عمر - ﵁ - مشهور، قد رواه ابن بطة في الإبانة (١٥٦٥) واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (١٢٠٧).\nوقول عمر هذا يتنزل على ما في علم الملائكة، لا على ما في أم الكتاب، فإنه قال -﵁- بعد تلك الدعوة: \"فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب\". وممن دعا بمثل هذه الدعوة: ابنُ مسعود كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٦٨) وابنُ الزبير كما في أخبار مكة (١/ ٤٦٢).","vol":"1","page":127},{"text":"﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣]، وقال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال اللهُ -﷿-: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].\n*ومن السنة:\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:\n\" أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا، بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ \". (^١)\nومذهب أهل السنة والجماعة:\nأن الله -﷿- مُرِيدٌ لجميع أعمال العباد خَيْرِها وشَرِّها، ولم يؤمن أحدٌ إلا بمشيئته، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً...﴾ [هود: ١١٨]، ولو شاء ألّا يُعْصَى لَما خَلَقَ إبليسَ؛ فكُفْر الكافرينَ، وإيمان المؤمنينَ بقضائه -﷾- وقدرِه وإرادتِه ومشيئتِه، أراد كلَّ ذلك، وشاءه، وقَضاهُ. (^٢)\nوأهل السُّنَّة والجماعة وسَطٌ في هذه المرتبة بين الجبرية الغُلاة في إثبات مشيئة الرب، والقدَرية النُّفاة لمشيئته ﷿.\nفإنَّ أهل السنة والجماعة أثبتوا للرَّبِّ مشيئةً عامَّة، وأثبتوا للعبد مشيئةً، وجعلوا مشيئةَ العبد تابعةً لمشيئة الله تعالى، كما قال الله -﷿-: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، فلا يقع في مُلك الله ما لَم يشأْه الله -تعالى-. وبهذا يُجابُ عن السؤال الذي يتكرَّر طرحُه، وهو: هل العبدُ مُسَيَّرٌ أو مُخيَّر؟\nفلا يُقال: إنَّه مسَيَّرٌ بإطلاقٍ، ولا مُخيَّرٌ بإطلاقٍ، بل يُقال:\nإنَّه مُخيَّرٌ باعتبار أنَّ له مشيئةً وإرادةً، وأعماله كسبٌ له، يُثاب على حَسَنها ويُعاقَب على سيِّئها، وهو مسيَّرٌ باعتبار أنَّه لا يحصُل منه شيءٌ خارجٌ عن مشيئة الله وإرادته وخلْقه وإيجاده.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \" الأدب المفرد \" (٧٨٧) وأحمد (١٨٣٩) وانظر الصحيحة (ح: ١٣٩)\n (^٢) عقيدة السلفِ وأصحابِ الحديث (ص/٢٨٥).","vol":"1","page":128},{"text":"وبيان ذلك في قَول الرسول -ﷺ-:\n «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] الآيَةَ. (^١)\nوكلُّ ما يحصلُ من هداية وضلال: هو بمشيئة الله وإرادته، قال -تعالى-: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]\nوقد بيَّن الله -عزوجل- للعباد طريقَ السعادة وطريق الضلالة، وأعطاهم عقولًا يُميِّزون بها بين النافع والضارّ، فمَن اختار طريقَ السعادة فسلكَه انتهى به إلى السعادة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك فضلٌ من الله وإحسانٌ، ومَن اختار طريقَ الضلالة وسلكَه انتهى به إلى الشقاوة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك عَدْلٌ من الله سبحانه، قال الله -﷿-: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]، أي: طريقَي الخير والشرِّ.\nوقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].\n٤ - المَرْتَبة الرابعة: الخَلْقُ:\nوهى مرتبة ثابته بالقرآن والسنة وإجماع الأمة:\nقال -تعالى-: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تعالى ﴿... أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] (^٢)، وقال -تعالى-: ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) وقد وقع الخلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿وما تعملون﴾، هل (ما) هنا مصدرية، فيكون المعنى: خلقكم وخلقَ أعمالَكم، أم هي موصولة، ويكون المعنى: خلقكم وخلقَ الذي تعملون من أصنام وغيرها؟\n١ - القول الأول:\n١ - أنها مصدرية: فيكون المعنى: \"والله خلقكم، وخلق عملكم وفعلكم، \"قال البخاري: \"باب أفعال العباد، ثم روى عن حذيفة -﵁قال: قال النبي -ﷺ-: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته»، وتلا بعضهم عند ذلك: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦]، فأخبر أن الصناعاتِ وأهلَها مخلوقةٌ. ا. هـ\nوقد ذهب من أهل السنة إلى ترجيح أنها مصدرية لإثبات أن أفعال العباد مِن خلق الله؛ وفي ذلك إبطال لمذهب القدرية.\n٢ - القول الثاني:\n٢ - أنها موصولة: فيكون المعنى: والله خلقك، وخلق ما تصنعونه من أشياء، كالأصنام وغيرها.\nوالراجح -والله أعلم- أنها موصولة؛ لأن السياق يقتضي ذلك، فإن إبراهيم -﵇- إنما يقرر فساد عملهم في أنهم يعبدون ما هو مخلوق مثلهم.\nوتأملْ في أول الآيات يخبرْك عن آخرها، فإنه أولًا ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]، فالخطاب متوجِّهٌ لما يعبدون مما صنعتْه أيديهم؛ فيكون المعنى: أتعبدون ما تنحِت أيديكم، والله خلقكم وإياها؟!\n* وأما القول بأنها مصدرية، أي: خلقكم وعملكم، فسياق الآية يأباه، لأن إبراهيم -﵇ - إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتًا إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقًا لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقًا لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقًا له، بل الخشب أو الحجر لا غير.\nقال ابن القيم:\n\"أما استشهاد بعضهم بقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ بحمْل \"ما\" على المصدر، أي: \"خلقكم وأعمالَكم\" فالظاهر خلاف هذا، وأنها موصولة، أي: خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها؛ فهو يدل على خلق أعمالهم من جهة اللزوم، فإنّ \"الصنم\" اسم للآلهة التي حل فيها العمل المخصوص، فإذا كان مخلوقًا لله كان خلقه متناوِلًا لمادّته وصورته\". ا. هـ\n* ثم قال -﵀-:\n\"فإن كانت \"ما\" مصدرية -كما قدَّره بعضهم- فالاستدلال ظاهر، وليس بقويّ؛ إذ لا تناسُب بين إنكاره عليهم عبادةَ ما ينحتونه بأيديهم وبين إخبارهم بأن الله خالقُ أعمالهم من عبادة تلك الآلهة ونحْتها وغير ذلك؛ فالأَوْلى: أن تكون \"ما\" موصولة، أي: والله خلقكم وخلقَ آلهتكم التي عملتموها بأيديكم، فهي مخلوقة له، ليس فيها أنه يبرر شركَهم بالله، ويقول: إنّ عملكم مخلوق لله، فأنتم بريئون من اللوم عليه! كلّا! لأننا لو قلنا ذلك لكان يحتجّ لهم ولا يحتج عليهم، ولكنْ هو يحتج عليهم، وليس يحتج لهم\". ا. هـ.\n* تنبيه:\nقد رجَّح الزمخشري أنها موصولة، ولكنه أراد بذلك نصرة مذهبه الاعتزالي الذي يتبنى القول بأن أفعال العباد مِن خلقِهم هم، فقال وهو يرمي أهل السنة بالجبر: \"فإن قيل: فما أنكرتَ أن تكون \" ما \" مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى: \" والله خلقكم وعملكم \"، كما تقول المجبرة!! =\n= *وانظر لما سبق:\nدرء التعارض (٣/ ٢٦٠) وشفاء العليل (ص/١١٠) والكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (٤/ ٥١) وخلق أفعال العباد (ص/٣٣) ومباحث الربوبية (ص/١٩٠).","vol":"1","page":129},{"text":"[الرعد: ١٦]، وقال -﷿-: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]،\n* ومن السنة:\nعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\" إِنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ صَانِعٍ","vol":"1","page":130},{"text":"وَصَنْعَتَهُ \" (^١)\nوعن زيد بن أرقم -﵁- أن رسول الله - ﷺكان يقول: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكَّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليها ومولاها...» (^٢)،\nوالشاهد من هذا الحديث هو قوله: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكَّها...»؛ فالفاعل هو الله -تعالى-، فهوالذي يُطلب منه ذلك.\nقال أبو العباس ابن تيميةَ:\n\"ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر، وأن الله خالقُ كلِّ شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يُضل من يشاء، ويَهدي من يشاء... \" (^٣).\n... وهُنا إشكال في قوله -تعالى-: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فهل مِن خالقٍ مع الله؟\n*والجواب أن يقال:\nأنّ الخلق يطلق على فِعل الرب، ويُطلَق كذلك على فعل العبد، فأما إطلاق الخلق في فعل الله - تعالى - فعلى معنيين:\n١ - المعنى الأول: خلقٌ هو إيجاد من العدم:\nوهذا لا يكون إلا لله - تعالى- وحده، وهذا ما ورد في قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وقال -تعالى- بعد ذكره لخلق السماوات والجبال (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) (لقمان: ١١)، وقوله ﷿ في الحديث القدسي:\n... «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً». (^٤)\n٢ - المعنى الثاني: خلقٌ هو ٢ - خلق خلق إيجادلعدم:\n:\n٢ - المعنى الثاني: خلقٌ هو تحويل الشيء من صورة إلى صورة:\nفيكون إطلاق لفظ \"الخلق\" هنا بمعنى الصنع والتقدير، فالعرب تسمِّي كل صانع خالقًا: وهذا المعنى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٢٥) وابن أبي عاصم في السنة (٢٥٧، ٣٥٨)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٣٧).\n (^٢) رواه مسلم (٢٧٢٢).\n (^٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩).\n (^٤) أخرجه البخاري (٧٥٥٩).","vol":"1","page":131},{"text":"يقع في فعل الله تعالى، ويقع في فعل العبد، ولكنَّ الفرق كبير.\nكما في قول زهير بن أبي سلمى:\nوَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ... وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي.\nوالمعنى: أنت تنفذ ما خلقت أي: قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يريد، فالخلق التقدير، والفري التنفيذ.\nوكذلك يقع معنى \"الخلق \" على المعنى الثاني في فعل العبد، كما في قول إبراهيم -﵇- لقومه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا...﴾ [العنكبوت: ١٧]، أَي تقدرونه وتهيئونه، فسمّى نَحْتَهم للأصنام \"خَلقًا\".\nكذلك ما قد وردَ من فعل عيسي ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ...﴾ [آل عمران: ٤٩]\nفسمَّى فعله حين حوَّل الطين إلى هيئة الطير سمَّاه خلقًا.\n* ومن السنة:\nما ورد في قوله ﷺ:\n «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِيَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». (^١)\nومعلوم أنَّ المصوِّر لم يوجِد شيئًا من العدم، إنما حوَّلَ الطينَ أو الحَجَرَ إلى صورة إنسان أو طير.\nوعلى هذا المعنى الثاني يُحمل قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فيكون المعنى المراد: \" تبارك الله أحسن المقدِّرين \".\nومما يؤيد ذلك:\nأن الله تعالى إنما ذكر قوله عزوجل (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤» (المؤمنون: ١٤)، وقوله عزوجل (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣» (المرسلات: ٢٣)، بعد ذكره لمراحل خلق الإنسان في الموضعين، فتامل.\nقال مجاهد في قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قال:\n\" يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين \". (^٢)\nقال القرطبي:\n\"يقال لمن صنعَ شيئًا: خَلَقَهُ، ولا تُنفى اللفظة عَنِ البَشَرِ في معنى\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١٧/ ٢٥)","vol":"1","page":132},{"text":"الصُّنْع؛ وإنما هي منفيّة بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. (^١)\nقال ابن الجوزي:\nالخلق يكون بمعنى الإِيجاد، ولا موجِد سوى الله، ويكون بمعنى التقدير،\nفهذا المراد في قوله: \" أَحْسَنُ الْخالِقِينَ \"، أن بني آدم قد يصوِّرون ويقدِّرون ويصنعون الشيء، فالله -تعالى- خير المصوِّرين والمقدِّرين، وقال الأخفش: الخالقون ها هنا هم الصانعون، فاللهخير الخالقين\". (^٢)\n* المُنازِعونَ في مَراتِب القدر:\nأولًا القدرية:\nفرقة القدرية هي أولُ من نازعَ في هذه القضية العَقَدِيّة، حيث قامت أصولُهم على نفي خلق الله لأفعال العباد من خير وشر وطاعة ومعصية، وأن الله -تعالى- لم يقدِّرْها ولم يشأْها ولم يخلُقْها، ويزعمون أن الله -تعالى- أمرَ ونهى وهو لا يعلم مَن يطيعه ولا مَن يعصيه، وأن الأمر أُنُفٌ، أي: مستأنَف، أي: لم يَسْبِقْ به قَدَرٌ ولا عِلمٌ من الله -تعالى-، وإنما يَعلمه بعد وقوعه.\n** والقدرية قسمان: غلاة، ومتوسِّطونَ:\nأ) الغلاة المتقدِّمون:\nأنكروا المرتبتين الأُولَيَيْنِ (علم الله، وكتابته)، وهذا القول هو أولُ ما حدثَ في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وكان أول من أظهرَ ذلك بالبَصْرَةِ معبد الجهنيّ، وأخذَ عنه هذا المذهبَ غيلان الدمشقيّ؛ فردَّ عليه بقية الصحابة، كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم -﵃-.\nوهؤلاء الغلاة المتقدِّمون الذين أنكروا علم الله وكتابته لأفعال العباد هم الذين كفَّرَهم الأئمة، كمالك والشافعي وأحمد، وقال فيهم الإمام الشافعي:\n\"ناظِروا القدريةَ بالعلم، فإنْ أقرُّوا به خُصِموا، وإنْ أنكرُوه كفروا\"، وقال مثلَه عمرُ بن عبد العَزيز. (^٣)\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١١٠).\n (^٢) زاد المسير في علم التفسير (٣/ ٢٥٨)\n (^٣) يقال للقدري: أتؤمن أنَّ الله يعلم ما كَانَ وما سيكون إِلَى قيام الساعة، ويَعلم من سيطيعه ومن سيعصيه؟ فإذا أقرَّ بهذا خُصِمَ، حينئذ يقال له: مَن علمَ ذلك أليس هو الذي خلقَه؟! أليس هو الذي أوجدَه؟!\nأليس مبنيًا عَلَى العلم، والعلم مقتضاه الحكمة والعدل والرحمة؟! وإذا أنكروا علم الله كفروا؛ لأنهم أنكروا ما هو معلوم من كتاب الله وعند جميع الْمُسْلِمِينَ بالضرورة.\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي -﵀- وسأله عليّ بن الجهم عن: مَن قال بالقدر يكون كافرًا؟ قال: \"إذا جحدَ العلمَ، إذا قال: \"إن الله -﷿- لم يكن عالمًا حتى خلق علمًا فعَلِم\"، فجحدَ علم الله -﷿-، فهو كافر\".\nوانظر السنة لعبد الله بن أحمد (رقم: ٨٣٥)، والرد على الجهمية للدارمي (ص/١٠٨).","vol":"1","page":133},{"text":"وقد انعقدَ الإجماع على تكفير مَن جَحَدَ أن الله - تعالى - عالمٌ، أو غيرَ ذلك من صفاته الذاتية.\nقال أبو بكر، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن الله -﷿- لا يعلم الشيء حتى يكون، استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وفي رواية قال: \" إذا جحد كفر\". (^١)\nقال ابن القيم:\nوسلف القدرية كانوا ينكرون العلم، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم. (^٢)\nب) المتأخرون:\nآمنوا بمرتبتَي العلم والكتابة، ولكن جَحَدوا عُموم المَرتبتينِ الأُخْرَيَيْنِ، فأقروا علم الله المتقدِّمَ، وكتابتَه السابقةَ، وأنكروا عموم المشيئة والخَلْق؛ فخالَفُوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مَقْدُورةٌ لهم وواقعةٌ منهم على جِهة الاستقلال، وقالوا بعموم مشيئة الله وخلقه، إلا في باب أفعال العباد؛ فقالوا:\nإن الله على ما يشاء قدير، ولَمّا كانت أفعال العباد ليست مِمّا شاءه الله - تعالى - كانت لَيْسَتْ داخلةً تَحْتَ قُدرته.\nوهذا المذهب- مع كونه مذهبًا باطلًا أيضًا- هو أخفُّ من المذهب الأول.\nعن ابْنِ عُمَرَ -﵄ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\nالْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ\" (^٣)\n_________\n(^١) السنة للخلال (٨٧٢ - ٨٧٠) بأسانيد صحيحة.\n (^٢) انظر شفاء العليل (ص/٢٨) وأنوار البروق (٤/ ١٨٠)\nومن ضلال المعتزلة في نفي القدر: ما ورد عن عمرو بن عبيد في قوله: \"إذا كان ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ في اللوح المحفوظ، فما لله على ابن آدم حجةٌ، وما على الوليد من لومٍ\"!، يعني: في قوله: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾ [المدثر: ١١].\nانظر تاريخ بغداد (١٢/ ١٧١)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٣٦٩).\n (^٣) رواه أبو داود (٤٦٩١) وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢٦٨) والحاكم (٢٨٦)، وصححه ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٤٤٦)، قال الدارقطني في \": \"والصحيح الموقوف عن ابن عمر\". (العلل\"٤/ ٩٨)، وحسنه الألباني في \"صحيح أبي داود\". = =وإنما سموا قدرية؛ لأنهم أثبتوا القدر لأنفسهم، ونفوا عن الله -تعالى- خلق أفعالهم، فصاروا بإضافة بعض الخلق إليه دون بعض مضاهين للمجوس في قولهم بالأصلين النور والظلمة، وأن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة.\nقال أبو المظفر الأسفراييني:\nوإنما شبههم ﷺ بالمجوس لأن المجوس ينسبون بعض التقدير إلى يزدان وبعضه إلى أهرمن، فأثبتوا تقديرًا في مقابلة تقدير الباري ﷻ، وقالوا بجواز حصول أحد التقديرين دون الآخر، فكذلك القدرية أثبتوا تقديرين: \" أحدهما للرب ﵎، والآخر للعبد\". وانظر \"التبصير في الدين \" (ص/٢٨٩)","vol":"1","page":134},{"text":"وهؤلاء هم مَن قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية:\nهؤلاء فهُم مبتدعون ضالّون، لكنهم ليسُوا بمنزلةِ أولئكَ؛ وفي هؤلاء خلقٌ كثير من العلماء والعُبّاد كُتِبَ عنهم العلمُ، وأخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ لجماعةٍ منهم؛ لكن مَن كان داعية إليه لم يُخْرِجوا له\". (^١)\n* الرد على القدرية:\nاعلمْ أولًا أن أصل الخلط والسقط عند القدرية إنما هو في: عدم تفريقهم بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؛ فلا شك أن الله -تعالى- يُبغض الكُفر والفُسوق والعِصْيان، ولكنه قدَّر وجود هذه الأشياء لحِكَمٍ بليغة، وذلك وفْق إرادته الكونية، لا الشرعية؛ ولو أنهم فهِموا الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية لَنَجَوْا مِن تلك الفتنة!\n*أولًا: الإرادة الكونية:\nهي مُرادِفةٌ للمشيئة، وهذه الإرادة تَسْتلزم وقوعَ المُراد، ولا يَلزم أن يكون مرادها محبوبًا لله مُرْضِيًا له، بل قد يكون مكروهًا مسخوطًا له، ككُفر الكافرين، ومعاصي العاصين، ووجود المفسدين، وقد يكون معناها محبوبًا مُرضيًا لله -تعالى-، كوجود إيمان المؤمنين،، وطاعات الطائعين، ووجود رسل الله وعباده المخلصينَ.\nالثانية: الإرادة الشرعية:\nوهي إرادة دينية يحبها الله تعالى، ويَرضاها لعباده، وهي غير لازمة التحقُّق.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥).","vol":"1","page":135},{"text":"فبفهْمِ هاتين الإرادتين يدرك الإنسان أنّ كلًّا من الخير والشر بِيَدِ الله -تعالى-، وهو من تقديره -﷾-: فالإرادة الشرعية هي المتضمِّنة للمَحَبّة والرِّضا، والإرادة الكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث.\n** فإرادة الله للشيء قد تقتضي محبّتَه له، وقد لا تقتضي ذلك:\nقال تعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nفهذا الذي أضله الله -تعالى- لم يكن سبحانه محبً لإضلاله، ولكنه أضله لحكمته السابقة فيه، وأضله على علمه السابق فيه أنه لا يصلح معه إلا هذا الذي قدَّره عليه.\n*وتأملْ قول الله تعالى ﴿... وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فالله - تعالى- لا يحب وقوع الاختلاف والاقتتال، ولكنه شاءه - ﷿-، وقدَّر وقوعه، فهو سبحانه يفعلُ ما يريد، فلا يقع شيء في هذا الكون إلا بأمره وتقديره. (^١)\n... فإن سألوا:\nفكيف تستقيم الحكمة في تعذيب المكلَّفينَ على ذنوبهم، على القول إنّ الله - تعالى- خلقَها فيهم؛ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو فاعلُه وخالقُه فيهم؟ (^٢)\n_________\n(^١) وفي المناظرة التي دارت بين الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني والقاضي عبد الجبار المعتزلي\nقال عبد الجبار في ابتداء جلوسه للمناظرة سبحان من تنزَّه عن الفحشاء،\nفقال الأستاذ مجيبًا: \" سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء \"، فقال عبد الجبار: أفيشاء ربنا أن يعصى؟\nفقال الأستاذ أيعصى ربنا قهرًا؟\nفقال عبد الجبار: أفرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى أحسن إلي أم أسا؟ فقال الأستاذ: إن كان منعك ما هو لك فقد أسا، وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء. فانقطع عبد الجبار. وانظر طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٢٦٢).\n (^٢) لذا يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: قوله تعالى (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)\nيدل على قولنا فى العدل؛ لأنه بين أن هؤلاء الكفار الذين عدلوا عن طريقة الدين فاستحقوا العقاب والهلاك، هم الذين ظلموا أنفسهم، وأنه تعالى إذا عاقبهم لم يكن ظالما لهم، ولو كان الأمر على ما تقوله المجبرة لم يصح أن ينزِّه نفسه عن الظلم، مع أن جميعه من قبله، ولا يصح أن ينفى عن نفسه فعل الظلم، وهو الخالق له، ويضيفه إلى من لم يفعله! وانظر \"متشابه القرآن\" (ص/٣٦٤)","vol":"1","page":136},{"text":"** فالجواب من وجوه:\n١) الأول: إنه -تعالى- إنما يعذبهم على ما أحدثوه من ذنوب وكان بمشيئتهم وقدرتهم، وكونُه -تعالى- خالقًا أفعالَهم لا يمنع أن تكون أفعالهم مضافةً إليهم على الحقيقة؛ فلا تعارُض بين الأمرينِ إلا عند مَن ضاق أُفقُهُ.\n٢) الثاني:\nإنّ ما يُبتلَى به العبد من الذنوب، وإنْ كانت خَلقًا لله -تعالى- فهي عقوبة للعبد على ذنوبٍ قبلها، و﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، فالذنب يُكسب الذنب، ومِن عقاب السيئة: السيئةُ بعدها، فالذنوب يُورِث بعضُها بعضًا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\nثانيًا: الجبرية:\nالجَبْرِيَّة: هم أتباع الجَهْم بن صَفوانَ، ويرجع سبب التسمية بذلك إلى أنهم قالوا: إنّ العبد مُجْبَر على أفعاله، ولا اختيار له، ولا إرادة، ولا مشيئة، وإن الفاعل الحقيقي هو الله -تعالى-، وإن الله سبحانه أجبرَ العِبادَ على الإيمان أو الكفر.\nفالعبد عندهم مسيَّر، لا خِيارَ له أبدًا؛ فهو كالرِّيشة في مَهَبِّ الرِّيح، وعلى هذا فإنه يكفيه في مسألة الحساب والجزاء أن يؤمن بالله -تعالى- بقلبه فحسْب مَهْما فعلَ من الكفر والمعاصي، حتى الشِّرك. تعالى الله عمّا يقولون! فمن أشركَ بالله عندهم ما دام عارفًا بالله فهو مؤمن!\nفهؤلاء هم الجَبْريَّة الغلاة؛ لأنهم يرون أنه ما دام الفعل كله لله -تعالى-، فلا حسابَ على العباد إلا بما يتعلق بالمعرفة في القلب؛ فمن عرَفَ اللهَ سبحانه نجا، ومن أنكرَ اللهَ هَلَكَ، والمَرْءُ وإن كان عاصيًا لله فهو مُطيعٌ لإرادته. (^١)\n_________\n(^١) وقد قرأ قارئ بحَضْرةِ بعض الجَبْريَّة: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فقال:\nهو الله منعَه، ولو قال إبليس ذلك لكان صادقًا، وقد أخطأ إبليسُ الحجةَ، ولو كنتُ حاضرًا لقلتُ له: أنتَ منعتَه.\nوسمعَ بعض الجَبريَّة قارئًا يقرأ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فقال: ليس مِن هذا شيء، بل أضَلَّهم وأعماهم.","vol":"1","page":137},{"text":"ومذهب الجَبريَّة مِن أخبثِ المذاهبِ وأَبْطَلِها؛ لأنه يجعل الله -تعالى- ظالمًا لعباده. نعوذ بالله من الخذلان!\n*ومن شبهات الجَبريَّة:\nالأولى: استدلالهم بقوله -تعالى-: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].\nعلى أن الفعل ليس للإنسان، وإنما هو لله تعالى؛ لأن الله -تعالى- هو الذي رمى!\n**وقد رد أهل السنة عن هذه الشبهة:\nبأنّ المعنى: ما أَصَبْتَ الهدف، ولكن الله -تعالى-هو الذي وفَّقَ لإصابته؛ فأنت الذي رمَيتَ، والله -تعالى- هو الذي وفَّقَ للإصابة، بدليل: أنه -تعالى- أثبتَ لرسوله -ﷺ- ذاتَ الفعل، وأضافه له، فقال: \"إذ رميتَ) \"\n٢ - الثانية:\nقالوا: إنَّ العمل ليس سببًا في دخول الجنة؛ وذلك لما روى أَبِو هُرَيْرَةَ -﵁- أن رَسُول اللهِ - ﷺ - قال:\n «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» (^١)\nالرد على هذه الشبهة:\nقد بيَّن الله -تعالى- أن الأعمال الصالحة أسبابٌ لدخول الجنة، كما قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقال -تعالى-: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤» (الحاقة: ٢٤)\n*وأما الحديث: (وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ):\nفهو يبين أن دخولهم الجنة ليس بمجرد العمل، والمعنى:\nلن يدخل أحدكم الجنة عوضًا عن عمله، فيستحق الجنة، كما يستحق الأجير أجره، بل الدخول برحمة الله تعالى، فالباء المنفية في الحديث في قوله ﷺ: \"بعمله\": هى باء العِوض والمقابلة.\nوأما الباء المثبتة قوله سبحانه: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ فهى باء\n_________\n(^١) متفق عليه.","vol":"1","page":138},{"text":"السببية: يعني: أن دخلوكم للجنة بسبب ما كنتم تعملون.\nفيكون دخول الجنة برحمة الله تعالى، ولكن للفوز برحمة الله -تعالى- سبب رئيس ألا\nوهو العمل الصالح، فمن جاء بالسبب نال الرحمة، ومن لم يأتِ بالسبب لم ينل الرحمة، وبذلك تتفق النصوص ولا تختلف.\n-قال ابن القيم:\nتوارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد، فالمنفيّ استحقاقها بمجرد الأعمال، وكون الأعمال ثمنًا وعوضًا لها، ردًا على القدرية، والمعنى الذي أثبت به دخول الجنة في قوله (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فهذه باء السببية. (^١)\n** ومن الرد على الجَبريَّة أيضًا:\nقوله تعالى ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله تعالى ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقول رسول الله -ﷺ-:\n «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»\nوالأدلة كثيرة على أن فعل العبد صادرٌ باختياره، لكن هذا الاختيار تابع لمشيئة الله تعالى؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].\n... أمّا الدليل الواقعي:\nفإنّ كل إنسان يفعل الأفعال وهو لا يشعُر أنّ أحدًا يُجبره عليها، فيحضر إلى الدرس باختياره، ويغيب عن الدرس باختياره؛ ولهذا إذا وقعَ الفعل من غير اختيار لم يُنسَبْ إلى العبد، بل يُرفع عنه إثْمُه أو ثوابه.\n* الثالثة:\nاحتجاجهم بالقدر على المعاصي:\n_________\n(^١) التفسير القيِّم (ص/٩٣). وقال ﵀:\n\"أخبر النبي -ﷺ- أن دخول الجنة ليس في مقابلة عملِ أحدٍ، وأنه لولا تغمُّدُ اللهِ -سبحانه- لِعبده برحمتِه لَمّا أدخله الجنة، فليس عملُا للعبد -وإن تَناهَى- موجِبًا -بمجرَّده- لدخول الجنة، ولا عِوَضًا لها؛ فإنّ أعماله -وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه- فهي لا تُقاوِم نعمةَ الله التي أنعم بها عليه في دار الدنيا، ولا تُعادِلُها، بل لو حاسَبَه لَوقعتْ كلُّها في مقابَلة اليسير من نعمه، وتَبقى بقيّة النعم مقتضيةً لشُكرها، فلو عذَّبَه في هذه الحالة لعذّبَه وهو غير ظالمٍ، ولو رَحِمه لكانت رحمتُه خيرًا من عمله\". مفتاح دار السعادة (ص/ ١٨)","vol":"1","page":139},{"text":"*والجواب:\nقال النووي:\n\"إنْ قيل: فالعاصي منا لو قال: هذه المعصية قدَّرَها الله عليَّ، لم يَسقُطْ عنه اللوم والعقوبة بذلك، وإن كان صادقًا فيما قاله؛ فالجواب: أن هذا العاصي باقٍ في دار التكليف، جارٍ\nعليه أحكام المكلَّفينَ من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها، وفي لومه وعقوبته زجرٌ له ولغيره عن مِثل هذا الفعل، وهو مُحتاجٌ إلى الزجر ما لم يمُتْ\". (^١)\n... قال ابن العثيمين:\n\"أفعال العباد كلها من طاعات ومعاصٍ كلها مخلوقة لله، ولكن ليس ذلك حُجَّةً للعاصي على فعل المعصية؛ وذلك لأدلة كثيرة، منها:\n (١) أن الله أضاف عمل العبد إليه، وجعلَه كسبًا له، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولو لم يكن له اختيارٌ في الفعل وقدرةٌ عليه ما نُسِبَ إليه.\n (٢) أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلِّفْه إلا ما يستطيعُ؛ لقوله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولو كان مُجبَرًا على العمل لَما كان مستطيعًا الفعلَ أو الكَفَّ؛ لأن المُجبَر لا يستطيع التخلُّص.\n (٣) أن كل واحد يعلَم الفرق بين العمل الاختياري والعمل الإجباري، وأنّ الأول يستطيع التخلُّص منه.\n (٤) أن العاصي قبلَ أن يُقْدِمَ على المعصية لا يدري ما قُدر له، وهو باستطاعته أن يفعل أو يترك؛ فكيف يسلك الطريق الخطأ ويَحتجُّ بالقدَر المجهول؟ أليس مِن الأَحْرَى أن يسلك الطريق الصحيح ويقول: هذا ما قُدِّر لي؟!\n (٥) أن الله أخبر أنه أرسل الرسل لقطْع الحُجَّة، قال سبحانه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ولو كان القدر حُجَّة للعاصي لَما انقطعتْ بإرسال الرسل؛ ونعلم أن الله -﷾- ما أمرَ\n_________\n(^١) وانظر المنهاج للنووي (ـ ٨/ ٤٥٤).","vol":"1","page":140},{"text":"ولا نهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر على معصية، ولا اضطرَّه إلى ترك طاعةٍ؛ قال الله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال الله -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴿[غافر: ١٧]؛ فدلَّ ذلك على أن للعبد فعلًا وكسبًا، يُجزَى على حَسَنِه بالثواب، وعلى سَيِّئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره. (^١)\n* ثالثًا: قول الأَشاعرة:\nوهؤلاء أيضًا ممن خالفوا أهل السنة في هذا الباب، حيث قالوا بما يُعرف بنَظَرِيّة (الكَسْب)، وقالوا: إن العبد فاعلٌ بالاختيار، وهو يَفعلُ حقيقةً بقدرةٍ، لكنّ قدرته غيرُ مؤثِّرة.\nفوافقَ الأشاعرةُ أهلَ السنة في إثبات خلْق اللهِ أفعالَ العباد الاختياريةَ والاضطراريةَ، إلّا أنهم نسبوا فعل الإنسان الاختياريَّ إليه كَسْبًا لا خَلْقًا، وعرّفوا الكسْب -كما قال شارح [أُمّ البَراهين] (ص ٤٥) -: \"الكسْب: مقارَنةُ القدرةِ الحادثةِ للفعل مِن غيرِ تأثيرٍ\".\nفبذلك أرادوا الفرار من قول الجبرية، فقالوا بالكسب، وهو إثبات اختيار وقدرة حادثة للعبد.\n_________\n(^١) شرح لُمعة الاعتقاد (صـ: ٩٣ - ٩٤).\n** سؤال:\nمع اجتماع الشر في الجبرية والقدرية، أيُّهما أكثرُ شرًّا؟\nالجواب: الأكثر شرًا وضلالًا هم الجبرية. قال شيخ الإسلام: =\n=\"من أثبتَ القدر واحتج به على إبطال الأمر والنهي فهو شر ممن أثبت الأمر والنهي ولم يُثبت القدر، وهذا متفقٌ عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل، بل بين جميع الخلق، فإنّ مَن احتج بالقدر وشهود الربوبية العامة لجميع المخلوقات ولم يفرِّق بين المأمور والمحظور والمؤمنين والكفار وأهل الطاعة وأهل المعصية- لم يؤمن بأحد من الرسل ولا بشيء من الكتب، وكان عنده آدم وإبليس سواءً، ونوحٌ وقومه سواءً، وموسى وفرعون سواءً، والسابقون الأولون وكفار مكة سواءً! وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف والزهد\".\n*وقال -﵀-: \"ومعلوم عند كل من يؤمن بالله ورسوله أن المعتزلة والشيعة والقدرية المثبتينَ للأمر والنهي والوعد والوعيد- خيرٌ ممن يسوِّي بين المؤمن والكافر والبَر والفاجر والنبيِّ الصادق والمتنبِّي الكاذب وأولياءِ الله وأعدائه، بل هم أحقُّ من المعتزلة بالذم\". مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٣).","vol":"1","page":141},{"text":"كما أنهم أرادوا الفرار من قول المعتزلة، فقالوا بعدم تأثير قدرة العبد الحادثة في الفعل، فلا يوجَد تأثير للأسباب في مسبَّباتها.\nويقول السنوسي:\n\"وكما أن القدرة الحادثة لا أثر لها أصلًا في فعل من الأفعال، كذلك لا أثرَ للنار في شيء من الإحراق، بل أجرى الله العادة بإيجاد تلك الأمور عندها، لا بها؛ وقِسْ على هذا ما يوجد من القطع عند السِّكِّينِ، والألمِ عند الجوع، والشبع عند الطعام\". (^١)\nوقد خصَّص الرازي فصلًا طويلًا في [المطالب العالية] (٩/ ٤٧) لبيان عدم تأثير قدرة العبد.\n*وإنْ تعجبْ فعجبٌ قولُهم:\nفقد نقلَ السنوسي عن ابن دهاق في [شرح الإرشاد (ص/١٤٨)] أنّ مِن أصناف الشرك:\nاعتقادَ تأثيرِ السبب في مُسبَّبه، كاعتقاد أن النار تُحرق، والطعامَ يُشبع!!\n*الرد على الأشاعرة:\n١ - تفسيرالأشاعرة للكسْب بالاقتران:\nباطلٌ فى أصله؛ فالكسب في اللغة هو الطلب والجمْع.\nوكذلك في القرآن، كقوله -تعالى-: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]؛ إذ استُعمل في فعل كلٍّ من الصالحات والسيئات.\n٢ - كما أن فرارهم من قول المعتزلة أوقعَهم في الجبر المتوسط؛ وهذا ما دفعَ التفتازاني في (شرح المقاصد ٤/ ٢٦٣) إلى أن يقول: \"فالإنسان: مضطرٌّ في صورة المُختار\".\nونصَّ على مِثله السنوسي بقوله: \"والحقُّ أنّ العبد مجبورٌ في قالب مُختار\". (^٢)\n_________\n(^١) وانظر شرح أم البراهين (ص/٢١٩) وحاشية الدسوقي على أم البراهين (ص/١٨٥) وعقائد الأشاعرة (ص/٢٤٩).\n (^٢) وانظر شرح المقاصد (٤/ ٢٦٣) وشرح السنوسية الكبرى (ص/٢٩٤) وتحفة المريد (ص/١٧٧).","vol":"1","page":142},{"text":"وقال الرازيّ بعد أن أورد إشكالات على نظرية الكسب:\n\"وعند هذا التحقيق يَظهر أنّ الكسب اسمٌ بلا مُسمًّى\". (^١)\nوهذا حقيقة قولهم؛ إذ يَلزم من مقارَنة القدرة الحادثة للفعل القول بتكليف العاجز؛ لأن هذه المقارنة لا تؤثر أصلًا؛ إذ إنّ إثبات الأشاعرة مقارنة القدرة الحادثة للفعل ليس بشيءٍ،\nولا طائلَ تحتَه، إذْ لا مَزِيّةَ مِن إثباتها ما لم تؤثر في الفعل أصلًا.\nويقول السنوسي: \"ويسمَّى العبد عند خلق الله -تعالى- فيه هذه القدرةَ المقارنةَ للفعل: مختارًا\". (^٢)\nفيتضح من كلامه: أن الكسب يُطلق على خلق القدرة في العبد؛ وعليه فهو اختيار لا معنى له.\nلذلك أثبتَ شيخ الإسلام ابن تيمية في غيرما موضعٍ: أنّ مسألة الكسب عند الأشاعرة لا حقيقة لها؛ إذْ ما دام العبد ليس بفاعلٍ ولا له قدرة مؤثرة في الفعل، فالزعم بأنه كاسبٌ، وتسميةُ فعله كسبًا: لا حقيقة له.\n٣ - قولهم هذا خلافُ الشرعِ، والمشاهَدةِ، ويَلزم عليه لوازمُ باطلةٌ، وحقيقته رجوعٌ إلى قول الجبرية، ويَلزم عليه ما لَزمَ على قول الجبرية، حتى اعتبر الجُوينيّ القولَ إنّ قدرة العبد غير مؤثرة -وهو مذهب أصحابه الأشاعرة- تكذيبًا للرسل، وإلغاءً لأوامر الشرع.\nونقل الشهرستانيّ عنه أن \"إثبات قدرة لا أثر لها بوجهٍ، فهو كنفْي القدرة أصلًا\". (^٣)\n٤ - قولهم بالكسب على هذا النحو مخالف لقول جماهير أهل السنة، فمذهب سلف الأمة وأئمتها وجمهور أهل السنة المثبِتينَ للقدر من جميع الطوائف أنهم\n_________\n(^١) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (ص/٢٨٨).\n (^٢) شرح أم البراهين (ص/٢١٧).\n (^٣) المِلل والنِّحَل (١/ ٩٨).","vol":"1","page":143},{"text":"يقولون: إن العبد فاعلٌ لفعله حقيقةً، وإنّ له قدرةً حقيقيةً واستطاعة حقيقية (^١).\n**كما أنه يلزم عليه لوازم فاسدة كثيرة تفتح بابًا للإلحاد والكفر بهذا الدين، منها:\n١ - أنه لو كان العبد غير فاعل على الحقيقة واللهُ هو الفاعل حقيقةً، لَلَزِمَ أن يكون المصلي الصائم العابد هو اللهَ، وأن يكون الزاني السارق القاتل هو الله! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\n٢ - ولو كان العبد غير فاعل على الحقيقة، لَكانَ تعذيبه على المعاصي: ظلمًا وجُورًا، ولكان إثابته على الطاعات: عبثًا.\n٣ - لو كان العبد غير فاعل حقيقةً لَما كان لإرسال الرسل وإنزال الكتب والتبشير والإنذار مَعنًى؛ إذْ لا طائعَ ولا عاصيَ على الحقيقة!\nوكيف يكون العبد فاعلًا مختارًا، ثم يقال: إنه فاعلٌ مجازًا؟ فما وقع فعلٌ منه أصلًا!\nوأيُّ محذورٍ في أن يقال: إن العبد: فاعلٌ حقيقة، والله: خالِقه وخالق قدرته وإرادته؟! فلا خالقَ إلا اللهُ، وخالق السبب التامّ: خالقٌ للمسبَّب.\nثمّ إن هذا القول الباطل يَعلم بُطْلانه كلُّ عاقلٍ بالمشاهَدة، فنحن نرى زيدًا من الناس يأكل ويشرب ويَنكِح؛ فمَن الذي يفعل ذلك حقيقةً؟! أو: ليس له فاعل حقيقة؟!\n ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].\nوهذا القائل لو جاء زيدٌ هذا فضربَه وشَتَمَه وهَتَكَ عِرضه- هل يلومه على فعله، أم يَعذِرُه لأنه ليس فاعلًا حقيقةً؟!\nقال أبو العباس ابن تيمية:\n\"والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم. والعبد هو المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، والمصلي والصائم. وللعِبادِ القدرةُ على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم؛ كما قال الله -تعالى-: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":144},{"text":"وهذه الدرجة من القَدَر يكذِّب بها عامّةُ القدرية الذين سمَّاهم النبي -ﷺ-: مَجُوسَ هذه الأمّة\". (^١)\n... وختامًا نقول:\nإن باب القدر باب من الخطورة بمكانٍ، فَلَكَمْ زلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ.\nوصدقَ ابن القيم -﵀- إذ يقول:\n\"القدر بحرٌ محيطٌ لا ساحلَ له، وقد سلك الناس في هذا الباب في كلّ وادٍ، وخاضت فيه الفرَق على تبايُنها واختلافها، وصنَّفت فيه الطوائفُ على تنوُّع أصنافها، وكلٌّ قد اختار لنفسه مذهبًا لا يعتقد الصواب في سِواه،، وكلهم -إلا من اهتدى بالوحي- عن طريق الصواب مصدود، وباب الهُدى في وجهه مسدود، قد قَمَّشَ علمًا غير طائل، وارتوى من ماء آجِن \"، قد طاف على أبواب المذاهب، ففاز بأخسِّ الآراء والمَطالب\". (^٢)\nأقول:\nفعلى العبد إنْ قَصُرَ فَهمه عن إدراك حقيقة القدر من كتاب الله والسنة وما سطَّره الراسخون من الأئمة، فعليه أنْ يقف على هذه الأصول الأربعة، فإنها -إن شاء الله- تُلَمْلِمُ له شَتاتَ ذهنِه، وتُرشده لما قدَّره الله -تعالى- بحكمته وإذنه.\n... وهذه الأصول هي: (كمال المِلْكية / كمال العَدْل / كمال الحِكمة / كمال الاصطفاء).\n١) الأصل الأول: (كمال الملكية):\nقال -تعالى-: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقال اللَّه -تعالى-: ﴿قُلِ اللَّهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ...﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال النبي -ﷺ-:\n «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ -إذَا أَصابَهُ هَمٌّ أَوْ حَزَنٌ-: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ. أَسْأَلُكَ\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية، اعتقاد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة (ص/١٠٨).\n (^٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل (١/ ٤٤، ٤٥).","vol":"1","page":145},{"text":"بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ...» (^١)،\nهو مَلِكُ الناس حقًّا، وكلهم عبيده ومماليكه، فالمُلك مُلكه، والخَلق عبيده، وهو ربُّهم، ونَواصِيهِمْ بيده، يُصرِّفُ أمور عباده كما يحبّ، ويقلّبهم كما يشاء، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فالله -تعالى- لا يُسأل عما يفعل؛ لِكمال مِلكيته وحكمته وعدله.\nإنّ الخلْق لا يَرْضَى الواحد منهم أن يراجعه أحدٌ إذا تصرف فيما يَملكه؛ فكيف بمالِكِ المُلك؟!\n٢) الأصل الثانى: كمال العدل:\nقال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، وقال -تعالى-: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]،\nوقال النَّبِيُّ -ﷺ- فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ -﵎- أَنَّهُ قَالَ:\n «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا...» (^٢)،\nعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟\nفَيَقُول: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فَقَالَ:\nإِنَّكَ لَا تُظْلَمُ \"، قَالَ:\n «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» (^٣).\n**فالله -تعالى- الذي وَسِعَتْ قدرتُه كل شيء قد حرَّم الظلم على نفسه؛ وذلك لكمال عدله\n-﷿-، فما مِن جزاءٍ قضاه الله -تعالى- على عبد من عباده في الحال أو المَآل إلا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٣١٨) وانظر السلسلة الصحيحة (١٩٩).\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).\n (^٣) أخرجه الترمذي (٢٦٣٩) وقال «هذا حديث حسن غريب». وانظر صحيح الجامع (١٧٧٦) والسلسلة الصحيحة (١٣٥).","vol":"1","page":146},{"text":"وعَدْلُ الله -تعالى- ظاهرٌ بَيِّنٌ فيه، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا...﴾ [الأنعام: ١١٥]،\nومن شكَّ وارتاب في ذلك فإنَّ هذا ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].\nقال ابن كثير:\n\"ثم قال -تعالى-: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، أي: ونطقَ الكونُ أجمعُه -ناطقُه وبَهيمُه- لله رب العالمين بالحمد في حُكمه وعدْله؛ ولهذا لم يُسنِدِ القول إلى قائلٍ، بل أطلقَه؛ فدلَّ على أن جميع المخلوقات شَهِدَت له بالحمد. (^١)\nقال ابن القيّم:\n\" ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فحذَفَ فاعلَ القول لأنّه غيرُ معيَّنٍ، بل كلُّ أحدٍ يحمَده على ذلك الحكم الذي حكم فيه، فيحمده أهل السماوات وأهل الأرض، والأبرار والفجّار، والإنس والجن، حتى أهل النار. قال الحسن أو غيره: \"لقد دخلوا النار وإنّ حَمْدَه لفي قلوبهم، ما وجدوا عليه سبيلًا\". (^٢)\n... ألا ترى أنهم ما حَمِدوا ربهم إلا لمَّا رأوا آثار عدْله فيهم؟!\n٣) الأصل الثالث: كمال الحكمة:\nفلله -تعالى- الحجة البالغة، وله الحكمة الكاملة، ذكرَ - تعالى - حكمته فيما يزيد عن ثمانين موضعًا من كتابه باسمه وصفته.\nفهو (الحكيم) الذي يضع الأشياءَ مَواضِعَها، ويُنزلها منازلَها اللائقة بها في خلْقه وأمره، وهو ذو حكمة في قَسْمه وحُكمه، في هدايته وإضلاله لخلقه.\nالله أعلم حيث يجعل هدايته، هو الحكيم في أحكامه القدَرية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية، ومَن أحسنُ من الله حكمةً وحكمًا؟!!\nهدى هذا بقدَره، ولِعلمه أنّ قلبه أرض طيبة تَقبل الهدى وتتنتفع به، وأضلَّ ذاك بقدره، ولعلمه أنّ قلبه أرض خبيثة لا تقبل الهدى، فـ ﴿أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]،\nخذلَه عن مَحَجَّة الطريق\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ١٢٧).\n (^٢) روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص/٦٥).","vol":"1","page":147},{"text":"وسبيل الرشاد في سابق علمه على علمٍ منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية! (^١).\n ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨]؛ فكذلك القلوب لمّا خاطبَها نداءُ الإيمان وافى محلًّا محبًا في قلب المؤمن، ووافى محلًا سِباخًا في قلب الكافر.\n٤) الأصل الرابع: كمال الاصطفاء:\nاحمدْ ربك أن عافاك وهداك واصطفاك: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]. واستشعرْ فضله عليك: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨].\n ﴿قُلْ إنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. قال -تعالى- في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ...» (^٢).\nفاللهم ربَّنا لك الحمد عددَ خلْقِك، ورِضا نفْسِك، وزِنةَ عرشِك، ومِدادَ كلماتِك، اللهم لولا فضلك علينا ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزِلَنْ سكينةً علينا، وثبِّتِ الأقدام إنْ لاقَيْنا. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ...﴾ [الأعراف: ٤٣]، فاللهم أتْمِمْ نعمتك علينا حتى نسمعَ ما أخبر به رب العزة ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تعملون﴾ [الأعراف: ٤٣].\n...................................................،،،،،،،\n**تم بحمد الله...\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (٢٢/ ٧٦).\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الحديث الخامس: السنة المأثورة في شرح حديث الصورة</span>","vol":"1","page":149},{"text":"** نص. الحديث:\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:\n... «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ، وَطُولُهُ: سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: \"وَرَحْمَةُ اللَّهِ\"، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ: عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ».\nتخريج الحديث: أخرجه البخاري: كتاب الاستئذان، باب: بَدْء السلام (٦٢٢٧)، ومسلم:\nكتاب الجنة، باب: يدخل الجنة أقوامٌ أفئدتُهم مِثْلُ أفئدة الطير برقم (٢٨٤١).\n*وقفات مع فوائد حديث الباب:\n١ - الفائدة الأولى:\nقول النبي -ﷺ-: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ»:\nاختلف العلماء في مَرْجِعِ الهاء في قوله «صُورَتِهِ»، هل الهاء تعود إلى الله -﷿-، أم تعود إلى آدم -﵇-؟\n١» القول الأول:\nيُروى عن الإمام مالك أنه كان ينهى عن التحديث بهذا الحديث، وكان ينكر على من يحدّث به، وينهى عن التحدُّث بها. (^١)\n_________\n(^١) أصول السّنّة لابن أَبي زَمَنِينَ المالكيّ (ص/٧٥).\nوقد ذكرنا لفظة \"يُروى\" عند الكلام عن قول الإمام مالك؛ وذلك لأن الإسناد إليه في ذلك فيه مقال، فهو مرويّ عن مقدام بن داودَ، وقد تكلم بعض الأئمة في هذا الراوي.\n* ونَهْي مالك عن التحديث بحديث الصورة -على تقدير ثبوته عنه- محمول على توجهين:\n١ - الأول:\nضعف أسانيدها عنده، وهو ظاهر رواية ابن القاسم، وهو اختيار أبي بكر الأبهري والذهبي.\n٢ - الثاني:\nكان يخشى أن يكون في التحديث بذلك فتنة لبعض الناس، فيشبّهوا اللهَ بخلْقه، أو يتأولوا الحديث بما يوافق أقوال الجهمية.\nوهذا الذي رجحه ابن عبد البَرّ في \" التمهيد\" (٧/ ١٥٠)، وابن رشد في \"البيان والتحصيل\" (١٦/ ٤٠٢)، حيث قال الأول: \"وإنما كرِه ذلك مالكٌ خشيةَ الخوض في التشبيه بكيفٍ ها هُنا\"ا. هـ.\nوقد روى مسلم عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: \"ما أنت بمحدّث قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنة\".\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"الشيء قد يُمنع سماعُه لبعض الجهّال، وإن كان متفَقًا عليه بين علماء المسلمين\".\nوانظر \"بيان تلبيس الجهمية\" (٦/ ٤٤٥)، والضعفاء الكبير (٢/ ٢٥١)، و\"مسائل العقيدة قررها أئمة المالكية \" (ص/١٣٥) و\"عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن\" (ص/١٠).","vol":"1","page":151},{"text":"٢» القول الثاني:\nأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهو آدم -﵇-.\nويدل على ذلك السِّياق؛ فهو من المقيِّدات والمرجِّحات، ففي الحديث:\n «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَطُولُهُ: سِتُّونَ ذِرَاعًا»، فالجملة الثانية قد بُنيت على الأولى، والمعنى: أن آدم -﵇- له ميزة عن سائر الخلْق؛ فسائرُ الخلقِ يجري عليهم قولُه تعالى:\n ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [سورة المؤمنون: ١٢ - ١٤]\nأما آدم -﵇- فقد خلقه الله - تعالى - على صورته التي هو عليها، ستون ذراعًا، فلم يمرْ بأطوار الخلق التي مرَّ بها سائر الخلق مِن بعدِه، كما قال تعالى عنه ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩]. (^١)\n_________\n(^١) مع العلم بأن من أصحاب هذا القول من ينفي صفة الصورة عن الله -تعالى- بزعم التنزيه!\nوانظر \" أصول الدين \" (ص/٧٦) و[مُشْكِل الحديث، وبيانه] (ص/٥٢)، و[أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات] (ص/١٦٨).","vol":"1","page":152},{"text":"٣» القول الثالث:\nقالوا: إن الهاء تعود إلى الله ﷿.\nويقولون: الصورة هي وصف لآدم -﵇-، وإنما أضاف الله -﷿- صورة آدم -﵇- إلى نفسه إضافةَ تشريفٍ، أو مِلْكِيّةٍ.\nوممن قال بذلك: ابن خزيمة، والبيهقي، وابن حزم. (^١)\n٤» القول الرابع:\nوهو الراجح الصحيح الذي عليه جمهور أهل السنة، والذي نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جمهور السلف.\nهو أن الهاء تعود إلى الله -﷿-، وأن ذلك يقتضي القولَ بظاهر الحديث مع إثبات صفة الصورة لله -﷿- على ما يَليق به -سبحانه-.\nفالقول إن الله خلق آدم -﵇- على صورة الله -﷿- لا يَلزَمُ مِنه المماثلة؛ بدليل قوله -ﷺ-: «إنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ: عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» (^٢)،\nفمراده -ﷺ-: أن أول زمرة هم على صورة البَشَر، ولكنهم في الوضاءة والحُسْن والجمال واستدارة الوجه وما أشبهَ ذلك: على صورة القمر، فصُورتهم: فيها شَبَهٌ\n_________\n(^١) قال ابن خزيمة: \"... فصورة آدم ستون ذراعًا، التي أخبر النبي -ﷺ- أن آدم -﵇- خُلق عليها، لا على ما توهَّمَ بعضُ من لم يتحرَّ العلمَ، فظنَّ أنّ قوله «على صُورتِه» صورة الرحمن صفةً من صفات ذاته؛ جلَّ وعلا! قد نزَّهَ الله نَفْسَهُ وقَدَّسَ عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ... \"، وإنما إضافة الصورة إلى الرحمن هو إضافة الخلق إليه؛ لأن الخلق يضاف إلى الرحمن؛ إذِ اللهُ -تعالى-خلقَه، وكذلك الصورة تُضاف إلى الرحمن؛ لأنّ الله صوَّرها.\nوانظر كتاب [التوحيد] لابن خزيمة (ص/٩٣).\nوممن قال بقول ابن خزيمة: البيهقي في كتابه [الأسماء والصفات].\n* وقال ابن حزم: \"وكذلك القول في الحديث الثابت «خلق الله آدم على صورته» فهذه إضافة مِلكٍ، يريد:\nالصورة التي تخيَّرها الله -﷾- ليكون آدم مصوَّرًا عليها، وكلُّ فاضلٍ في طبقته فإنه يُنسبُ إلى الله -﷿- كما يقول: \"بيت الله تعالى\" عن الكعبة، والبيوت كلها بيوت الله تعالى... \" ا. هـ.\nوانظر [الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل] (٢/ ١٢٨)، و[إيضاح الدليل في قطْع حُجَج أهل التعطيل] (ص/١٥٥)، و[التوضيح لشرح الجامع الصحيح] (٢٩/ ١٢).\n*وهنا تنبيه مهم:\nفارقٌ بينَ من يحمل إضافة الصورة في قوله «على صورته» إلى الله -تعالى-، مَن يحملها على سبيل التشريف - وهو أحد الأوجه التي قال بها الشيخ العثيمين- مع إثبات صفة الصورة لله -تعالى- من النصوص الأخرى، وبين من يحملها على ذلك نفيًا لصفة الصورة عن الله -﷿-!\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":153},{"text":"بالقمر، لكن دُونَ مماثَلةٍ.\nفتبيَّنَ أنه: لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثِلًا له من كل وجهٍ، ولا يلزم أن يكون على مَثيل صورة القمر.\n** وقال شيخ الإسلام في ردِّه على الرازيّ في تأويله للحديث:\n\"لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاعٌ في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مُستفيضٌ من طُرُقٍ متعدِّدة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك، وهو أيضًا مذكور فيما عندَ أهل الكِتابَيْنِ، حتى ظهرَ الجهميةُ، فزعموا نسبة الهاء لآدم -﵇- تنزيهًا لله عن صفة الصورة\". (^١)\n* لما سئل الإمام أحمد عن حديث الصورة، وهل الهاء تعود إلى غير الله ﷿؟\nقال: \"مَن قال ذلك فهو جهميّ، وأيُّ صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلقه الله؟! \". (^٢)\n**قال ابن قُتيبة: \"والذي عندي -والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجبَ من اليدينِ والأصابعِ والعينِ، وإنما وقعَ الإلْفُ لتلك لمجيئها، ووقعت الوَحْشةُ من هذه لأنها لم تأتِ في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيءٍ منه بكيفيّةٍ ولا حَدٍّ\". (^٣)\nتنبيه:\nقد ذهب الجهمية والمعتزِلة إلى نفي الصورة عن الله -﷿- بدعوى نفْي المماثَلة والمشابَهة بين الله -تعالى- وخلْقه...\nقال القاضي عبد الجبار -وهو يعرِّض بأهل السنة-:\n\"ثم حَدَثَ قومٌ من المشبِّهة\n_________\n(^١) [بيان تلبيس الجهمية] (٢/ ٣٥٦).\nوقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على من زعمَ أن الهاء تعود إلى آدم -﵇- من ثلاثة عشر وجهًا.\nوانظر [تلبيس الجهمية] (٢/ ٣٤٦)\n (^٢) [طبقات الحنابلة] (١/ ٣٠٩).\nوفي رواية: قال إبراهيم بن أبان الموصلي: سمعت أبا عبد الله، وجاءه رجل فقال:\nإني سمعت أبا ثور يقول: إنّ اللَّه خلق آدم على صورة نفسه، فأَطْرَقَ طويلًا، ثم ضربَ بيده على وجهه، ثم قال:\n\"هذا كلام سوء، هذا كلامُ جَهْمٍ، هذا جهميٌّ، لا تَقْرَبُوه! \". [طبقات الحنابلة] (١/ ٩١)\n (^٣) [تأويل مختلف الحديث] (ص/٣٢٢).","vol":"1","page":154},{"text":"زعموا أن الله -تعالى- على صورة الإنسان، ورَوَوْا فيه خبرًا، وهو «إنّ اللهَ خلقَ آدمَ على صُورته»، ولو كان الله -تعالى- على صورةِ آدمَ لَما صَحَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] \". (^١)\n*ونَفْيُهم هذا بيِّنُ البُطْلانِ مِن وُجوهٍ:\n١ - الأول:\nمن ينظر في كتب الأئمة التي ألّفوها لبيان صفات الله -﷿- يجدُ أن أكثرَهم أوردَ فيها أحاديث الصورة:\nفقد أوردها ابن أبي عاصم في [السّنّة]، والآجريّ في [الشريعة]، واللالَكائيّ في [شرح اعتقاد أهل السنة]، والدارَقُطني في [الصفات]، وعبد الله ابن الإمام أحمد في [السّنّة].\nولا معنى لإيرادهم هذه الأحاديث إلا إثباتهم لمدلولها، وهو:\n (١) أن الله -تعالى- يوصف بأن له صورةً ليست كالصُّوَر.\n (٢) وأن آدم -﵇- خُلق على صورة الرحمن -﷿-؛ إذ ليس في هذه الأحاديث مما يتعلق بصفات الله -﷿- إلا هذين المدلولينِ، وهم أئمة ناقدون بصيرون متبوعون، فلو كان لهم فيها رأيٌ أو قول يخالف مدلولها أو شكٌّ في صحتها لَبيَّنُوه. (^٢)\n٢ - الثاني:\nوأما قولهم: \"ولو كان الله -تعالى- على صورة آدم﵇ - لعارض ذلك قوله تعالى:\n ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] \"\nفالرد عليه أن يقال:\nإنكم لم تعرفوا من الإثبات إلا ما كان لازمه التشبيه والتمثيل، فنظرتم لأدلة الصفات نظرةً قاصرةً، وأما أهل السنة فهم أسعد الناس بالأخذ عن الله -تعالى- وعن رسوله -ﷺ-، فقد أعملوا أدلة الصفات، فأثبتوها لله تعالى، وأعملوا أدلة التنزيه، فجعلوا الصفات الإلهية ثابتة لله -تعالى- على ما يليق به، فلا سَمِيَّ له، ولا كُفُؤَ له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ\n_________\n(^١) [فضل الاعتزال، وطبقات المعتزلة] (ص/١٠١ - ١٠٤).\n (^٢) الانتصار في الرد على المعتزلة (٢/ ٦٢٧).","vol":"1","page":155},{"text":"وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nثم إنكم ترمون غيركم بما هم في حِلٍّ منه؛ فإن أهل السنة إذْ يثبتون الصورة لله -﷿- ما كيّفُوها بكيفٍ، ولا شبَّهوها بغيرٍ؛ لأن مثل هذه الفروع التي هي التشبيه والتكييف إنما تُبنى على أصل لم يتحقق وجودُه، وهو رؤية الله تعالى.\n*فرع:\nهناك رواية صحيحة تَحْسِمُ هذا النزاع، رواية يرويها ابن أبي عاصمٍ في كتاب [السّنّة]، ورواها الحاكم، ورواها الآجري في [الشريعة]، هذه الرواية: «إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ». (^١)\n_________\n(^١) والحديث رواه عبد الله بن أحمد في [السُّنّة] (٤٩٨)، وابن أبي عاصم في [السنة] (ح/٥٢٩)، وابن خزيمة في [التوحيد] (١/ ٨٥)، والدارَقطني في [الصفات] (٤٥ - ٤٨)، وغيرهم من طريق جَرِير عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عَطاءٍ، عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ؛ فإنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»، وعُمْدة مَن ضعَّفَ هذا الحديث هو ابن خزيمة -﵀- في كتاب [التوحيد] (١/ ٨٧)، وقد أعلَّه بثلاث عِلَل:\nالأُولى: أنَّ الثَّوري قد خالف الأعْمش في إسناده، فأرسَلَه.\nالثانية: عَنْعَنةُ الأعمش، وهي مردودة؛ لأنَّه مدلِّس ما لم يصرِّح بالسَّماع من حبيب بن أبي ثابت.\nالثالثة: لا يُعلَم لحبيب بن أبي ثابت سَماعٌ من عطاء.\n*ذِكْرُ من صحَّحَ الحديث:\nأمَّا ما يُذكر من أنَّ ابن خُزَيمة ضعَّفَه، فقد صححه مَن هو أجَلُّ منه، صحَّحه إسحاقُ بنُ راهَوَيْهِ، وأحمدُ؛ ذلك لأن أحمد وإسحاق أعلمُ بالأسانيد والعِلل ممن أقدمَ على تضعيف الحديث بغير مستنَد صحيحٍ.\nوكذلك قد صححه الذهبي، وابن حجر، وشيخ الإسلام ابن تيمية. كما أن عبد الله بن أحمد بن حنبل وابن أبي عاصم والدارقطني والآجري قد رَوَوا الحديث، وأمرُّوه كما جاء، ولم يتعرضوا لتضعيفه، ولو كان في إسناده علة قادحة لَما سكتوا عن بيانها، وخصوصًا الدارقطني، فإنه من أئمة الجرح والتعديل وأهل العلم بعلل الأحاديث.\n*أما الجواب عن العلل التي ذكرها ابن خزيمة فيقال:\n١) أما مخالفة الثوري للأعمش، فإنها لا تؤثر في رواية الأعمش؛ لأنّ كلًا منهما حافظ إمام وشيخ من شيوخ الإسلام. قال ابن عيينة: \"كان الأعمش أقرأهم لكتاب الله وأحفظهم للحديث\"، وقال يحيى القَطّان: \"الأعمش علّامة الإسلام\"، وقال شُعْبة: \"ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمشُ\".\nوقد كان أحمد يَعلم إرسال الثوري، ولم يَقدح في الحديث عنده.\n٢) وأما عنعنة الأعمش في روايته عن حبيب بن أبي ثابت، فإنها لا تؤثر في صحة الإسناد؛ لأن الأعمش معدود من المرتبة الثانية من المدلِّسين الذين احتَمَلَ الأئمة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحيح؛ لإمامتهم وقلة تدليسهم في جَنْبِ\nما رَوَوْا.\n٣) وأما عنعنة حبيب بن أبي ثابت في روايته عن عطاء، فإنها لا تؤثر في صحة الإسناد؛ لأن الظاهر أنه لم يدلس في هذه الرواية. ويدل على ذلك: أنه كان يروي عن ابن عمر -﵄- مباشرة، فلو كان دلَّسَ في هذا الحديث لَكان جديرًا أن يرويَه عن ابن عمر -﵄- دُونَ واسطة بينهما ليَحصل له علوُّ الإسناد. =\n=* ومن جهة أخرى فإن للحديث شواهدُ تقوِّيه:\nأوَّلُها: عند ابن أبي عاصم (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨):\nحدَّثنا محمد بن ثعلبة بن سَواءٍ، حدَّثني عمِّي محمَّد بن سَواءٍ، عن سعيد بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادة، عن أبي رافعٍ، عن أبي هُرَيرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا قاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فإنَّ اللهَ - تعالى - خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ وَجْهِهِ». إسناده صحيح.\nالشيء الذي يَمنع تفسير ضمير «على صورته» بـ \"آدم\" الَّذي جاء من حديث أحمدَ عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إذا قاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ؛ فإنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (٢/ ٥١٢) ... غيرَ أنَّ الشيخ الألبانيّ ضعَّفَ زيادة «على صورة وجْهه».\nوفي ذلك نظَر؛ لأنَّ الزِّيادة إذا كانت بيانًا وليس فيها نوعُ مُنافاةٍ؛ فلا شُذُوذَ فيها وتكون مقبولة، كما قرَّرَه ابنُ الصَّلاح في مقدِّمته حيث قال في النوع الثاني من أنواع الزيادات: \"ألّا يكونَ فيه منافاةٌ ومخالَفةٌ أصْلًا لِما رَواهُ غَيْرُهُ... \".\nثانيها: ما رواه ابن أبي عاصم (٥٣٣) من طريق ابن أبي مَرْيمَ، حدَّثَنا ابن لَهيعةَ عن أبي يُونُسَ سُلَيْمِ بنِ جُبَيْرٍ عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-:\n «مَنْ قاتَلَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فإنَّ صُورَةَ وَجْهِ الْإنْسانِ: على صُورةِ وَجْهِ الرَّحْمَنِ». وابن لهيعة -وإن رُمِي بسُوء الحفْظ- حَديثه يُعتبر به، ويَصْلُح في الشَّواهد والمتابَعات\nوقد أخرج ابن أبي عاصم في [السنة] (١/ ٢٣٠)، والدَّارَقطني في [الصفات] (٤٩) من طريق ابن لَهيعة عن أبي يُونُسَ والأعرجِ، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال:\n «إذا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فإنَّ صُورةَ الْإنْسانِ: على صُورةِ الرحمنِ -﷿-». وهذا إسنادٌ رجاله ثقات، إلّا ابن لهيعة، وهو يَصْلح في الشواهد والمتابعات.\nقال الحافظ في [النُّزْهة]:\n\"ومَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعتَبَرٍ، وكذا المستورُ والمُرْسِلُ والمدلِّسُ- صار حديثُهم حَسَنًا، لا لِذاته، بل بالمجموع\".\nلذا صحَّح الحديثَ كلٌّ من الذَّهبيّ في [الميزان]، والهيثميّ في [مجمع الزوائد]، وابن حجر العسقلانيّ في [الفتح]،\n*ومن المعاصرينَ:\nحماد بن محمد الأنصاري في رسالته [تعريف أهل الإيمان بصحة حديث إن آدم خلق على صورة الرحمن]، وحمود التويجري في [عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن]، والشيخ عبد الله الغنيمان في [شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري]. منقول من [إثبات صفة الصورة لله -جل وعلا-] لعبد الجليل مبرور.\nوانظر [عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن] (ص/٢٤).","vol":"1","page":156},{"text":"*تنبيه مهم:\nما يُروى عن الإمام مالك -﵀- من كراهته التحديثَ بأحاديث الصورة، فالجواب عليه مِن وُجوهٍ:\n١ - أن الإسناد إليه في ذلك فيه مَقالٌ، فهو مرويّ عن مِقدامِ بنِ داودَ، وقد تكلم بعض الأئمة في هذا الراوي.\n٢ - أن الإمام مالكًا لم يَبْلُغْه حديثُ الصورة.\nقال الذهبيّ: \"أنكر الإمام ذلك؛ لأنه لم يثبُت عندَه ولا اتّصلَ به، فهو معذورٌ\". (^١)\n٣ - أنّ الإمام مالك -على تقدير أنه ثَبَتَ عنه النهي عن التحديث بحديث الصورة- لعلَّه كان يخشى أن يكون في التحديث بذلك فتنةٌ لبعض الناس، فيشبّهوا اللهَ بخلقه، أو يتأولوا الحديثَ بما يوافق أقوال الجهمية.\nوهذا الذي رجحه ابن عبد البَرّ، حيث قال: \"وإنما كَرِهَ ذلك مالكٌ خشيةَ الخوض في التشبيه بكيفٍ هاهُنا\". (^٢)\nوقد قال ابن مسعود -﵁- أنه قال: \"ما أنتَ بمُحَدِّثٍ قومًا حديثًا لا تَبْلُغُه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنةً\". (^٣)\nقال ابن قُدامةَ:\n\"ومِن أجْل ذلك فقد صحَّ عن عمرَ بن الخطاب -﵁- أنْ عاقَبَ صبيغ العراقيّ لأجْل سؤاله عن المتشابه\".\nوقد قيل لعمر بن الخطاب -﵁-: يا أمير المؤمنين، إنّا لَقِينا رجلًا يسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهُمَّ أَمْكِنِّي منه. قال: فبَيْنَما عُمَرُ -﵁- ذاتَ يوم يغدي الناس إذْ جاءه عليه ثياب وعِمامة، فتغدى حتى إذا فَرَغَ قال: يا أمير المؤمنين، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا *\n_________\n(^١) وانظر [سِيَر أعلام النبلاء] (٨/ ١٠٤)، و[دفع إيهام التشبيه] (ص/١٧٨).\n (^٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٥٠)\n (^٣) مقدمة صحيح مسلم (١/ ١١).","vol":"1","page":158},{"text":"فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾\n [الذاريات: ١ - ٢]، فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه، فحَسَرَ عن ذراعيه، فلم يَزَلْ يَجلِده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفسي بيده، لو وجدتك محلوقًا لَضربتُ رأسك، أَلْبِسوه ثيابَه، واحْمِلُوه على قتب، ثم أَخْرِجوه حتّى تَقْدُموا به بلادَه، ثُمَّ لْيَقُمْ خطيبٌ، ثمَّ لْيَقُلْ:\nإنّ صبيغًا طلبَ العلمَ فأخطأَ، فلم يَزَلْ وضيعًا في قومه حتى هَلَكَ وكان سيّدَ قومِه. وهو ظاهر الدلالة على ما ذهب إليه مالك. (^١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"الشيء قد يُمنع سماعُه لبعض الجُهّال وإنْ كان متفَقًا عليه بين علماء المسلمين\". (^٢)\n** ولكنّ القول ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وأما إنْ قيل: إنّ مالكًا كرِه التحدُّثَ بذلك مُطلَقًا فَهَذَا مَرْدُودٌ على مَن قالَه؛ فقدْ حدَّثَ بهذه الأحاديثِ مَن هم أجلُّ مِن مالكٍ عند نفسه وعند المسلمين، كعبد الله بن عمرَ، وأبي هريرة، وابن عباس، وعطاء بن أبي رَباحٍ، وقد حدَّثَ بها نظراؤه، كسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، وابن عُيينة؛ والثوريُّ أعلمُ من مالكٍ بالحديث، وأحفظه له\". (^٣)\n*فرع: معنى الصورة:\nالصورة في اللغة: الشكل، والهيئة، والحقيقة، والصفة، فكل موجود لا بد أن يكون له صورة.\nقال ابن الأَثير: \"الصُّورة تَرِد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى مَعْنَى: حقيقة\n_________\n(^١) [قاعدة مهمة فيما ظاهرُه التأويلُ من صفات الرب] (ص/٨٧). وأثرُ عمرَ -﵁- قد أخرجه الآجريّ في [الشريعة] (١/ ٢١٠)، وابن بَطّة في [الإبانة] (٣٣٠)، وسنده صحيح.\n (^٢) [بيان تلبيس الجهمية] (٦/ ٤٤٥).\nوقد ترجم البخاري لمثل هذا المعنى، فقال -﵀فى الصحيح: \"باب مَن تركَ بعض الاختيار مَخافَةَ أنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بعضِ الناسِ عنهُ، فيقعوا في أشدَّ مِنْهُ\"، وفي باب آخر قال:\n\"باب مَن خَصَّ بالعِلم قومًا دُونَ قَوْمٍ كَراهِيَةَ ألّا يَفهموا\"، وأوردَ بعدَه قولِ عليٍّ: \"حدِّثوا الناسَ بما يَعرفون! أتُحبّونَ أن يكذَّب اللهُ ورسولُه؟! \".\nوانظر [الضعفاء الكبير] (٢/ ٢٥١)، و[عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن] (ص/١٠).\n (^٣) [دقائق التفسير] (٢/ ١٧٢).","vol":"1","page":159},{"text":"الشيء وهيئته، وعلى معنى: صفته\". (^١)\nفأهل السنة قد أثبتوا صفة الصورة لله -﷿- على ظاهرها، وقالوا بمعناها على مقتضاها في لغة العرب، فالصورة في اللغة غير مجهولة، وكيفيتها غير معقولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وإنما لم يتعرَّضِ السَّلَفُ للكلام عن الكيف لأنّ الكَيْف مجهولٌ.\n** أما ما نُقل عن بعض الأئمة من القول بتفويض معنى الصورة -كالنووي، والذهبي (^٢) - فهو خلاف ما ثبت عن جماهير السلف: فالصورة ليست حروفًا لا يُعلم معانيها كما يقال -مثلًا -في الحروف المقطَّعة \"الم\" أو \"عسق\"، بل الصورة في اللغة معلومة.\nوأما المفوِّضة فقد جعلوا الصفات -ومنها صفةُ الصورة- من حيث المعنى: كالحروف المقطَّعة.\n*وقد نصَّ الإمام الآجريّ على صحيح قول جماهير السلف في صفة الصورة، فقال:\n\"هذه من السُّنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها: كيف؟ ولِمَ؟ بل تُستقبل بالتسليم والتصديق وترْك النظر، كما قال مَن تقدَّمَ من أئمة المسلمين\". اهـ. (^٣)\n_________\n(^١) [النهاية] (٣/ ٥٩).\n (^٢) قد نصَّ النوويُّ أن: جمهور السلف على ترك التعرض لمعنى الصورة، حيث قال:\n\"وأما قوله -ﷺ-: «فإنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صُورته» فهو من أحاديث الصفات... وأنّ مِن العلماء مَن يُمسك عن تأويلها، ويقول: نؤمن بأنها حق، وأنّ ظاهرَها غيرُ مرادٍ، ولها معنًى يَليق بها. وهذا مذهب جمهور السلف، وهو أحوطُ وأسلمُ\" ا. هـ.\n [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج] (١٦/ ١٦٥ - ١٦٦).\nوممن قالوا بذلك: الإمام الحافظ الذهبيّ، حيث قال:\n\"أما معنى حديث الصورة فنرُدُّ عِلمه إلى الله ورسوله، ونَسكُتُ كما سكتَ السلفُ، مع الجَزْمِ بأنّ الله ليس كمثله شيءٌ\". [ميزان الاعتدال] (٢/ ٤٢٠)\nوفي موضعٍ آخرَ في كتابه [سير أعلام النبلاء] (٥/ ٤٥٠) قال عَقِبَ حديثِ الصورة:\n\"فنؤمن، ونفوِّض، ونُسَلِّم، ولا نخوض فيما لا يَعنينا، معَ عِلمِنا بأن الله ليس كمثله شيء\". اهـ.\n* وكذلك قال المباركفوري:\n\"ذهبَ السلفُ في أمثال هذا الحديث -إذا صحَّ-: أنْ يُؤمَنَ بظاهره، ولا يفسَّر بما يفسَّرُ به صفات الخلق، بل يُنفى عنه الكيفية، ويُوكَل عِلمُ باطنه إلى الله تعالى\" [تحفة الأَحْوَذِيّ] (٩/ ٧٣).\nوكل هذا كلامٌ فيه نظرٌ.\n (^٣) وانظر [الشريعة] (رقم/٧٢٥).","vol":"1","page":160},{"text":"وهنا سؤال: إذا كان هذا هو القول الراجح، فما تأويل الحديث؟\n*والجواب:\nأن الله -تعالى- خلق آدم -﵇- على صورته، أي: على صورة الله ﷿، ولكن ليست الصورة كالصورة، فلله -تعالى- صورة، وله وجه، وله يد، وله عين...، والله -﷿- خلق آدم على صورته، ولكن ليست اليد كاليد، وليست العين كالعين، وليس الوجه كالوجه، والقاعدة هنا أنّ التساوي في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمَّى.\n*ومثاله:\nأنني حينما أقول للإنسان يد، وللفيل يد، فهل استلزم من تساوي الاسم وقوع التساوي في المسمَّى؟!\n، وحينما أقول: \" أمسكت بيد أخي\"، فهذا لا يشبه بوجه قولى \"أمسكت بيد الإبريق\"، فهذه مخلوقات تشابهت بينها الأسماء دون الدلالات، فكيف بالفارق بين الخالق والمخلوق؟!!\n* وكذلك مُطلَق المشابَهة لا يستلزم المشابَهة المطلَقة، فوجود مشابَهة بين الله -تعالى- وعباده في\nالأسماء لا يستلزم المشابَهة المطلَقة الكاملة فى ذات المسمَّى، فقوله -ﷺ-:\n «خلقَ اللهُ آدمَ على صورته» يقتضي نوعًا من المشابهة، ولا يقتضي تماثلًا في حقيقة ولا قدْر، ومن المعلوم أنّ الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوُت العظيم بين جنس ذاتيهما وقدر ذاتيهما.\n** قال ابن عباس ﵄:\n\" لا يُشبه شَيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء\"، وفي رواية: \"ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماءُ\". (^١)\nوهذا مصداقًا لقوله تعالى عن أهل الجنة (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) (البقرة: ٢٥)﴾، يعني في اللون والمرأى وليس يشبه في الطعم.\nفإذا كانت المشابهة بين ما في الدنيا وما في الجنة لا تكون إلا في الأسماء فحسْب،\n_________\n(^١) رواه ابن جَرير في تفسيره (١/ ٦٦)، وصححه الألباني في [صحيح الترغيب] (٣٧٦٩).","vol":"1","page":161},{"text":"وهي مخلوقات مِن خلْق الله -﷿-؛ فما بالُكَ في الفارق بين الخالق والمخلوق؟!\nفالذين يفرّون من حديث الصورة لم يعرفوا مِن إثبات الصفات إلا ما كان لازِمُه التشبيه، ففرُّوا من الإثبات، فوقعوا في التعطيل!\nوفي قوله ﷺ: \" أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ \" (^١)، هل معنى ذلك أنهم يدخلون في صورة القمر، لا رؤوس لهم، ولا عيون، ولا مَلامِح؟!\n- ٣ ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nإثبات الصورة لله -﷿-:\nوهي صفة ذاتية خبرية لله -﷿-، وقد ثبتت بالسنة والإجماع، ومن أدلة ثبوتها:\n١ - حديث الباب، وذلك على ما ذكرْنا ورجّحنا أنَّ الهاء تعود إلى الله -﷿-، وذلك في قوله -ﷺ-: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ»، وما ذكرناه من صحة رواية «على صُورةِ الرَّحْمَنِ».\n٢ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\n «أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي -﵎- فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ ...» (^٢).\nقال أبو يَعْلَى: \"قوله -ﷺ-: «رأيتُ ربِّي في أحسنِ صُورةٍ»، هذا فيه جواز إطلاق الصورة على الله تعالى\". (^٣)\n٣ - وعن أبي هريرة -﵁- أنَّ ناسًا قالوا لرسول الله -ﷺ-: يا رسول الله، هَلْ نَرَى ربَّنا يَوْمَ القيامةِ؟ فقال -﵊-: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟»، قالوا: لا يا رسول الله... ... ... وفيه:\n «يَجْمَعُ الله الناسَ يومَ القيامةِ، فيقولُ: مَن كان\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه أحمد (٣٤٨٤)، والترمذي (٣٢٣٣)، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح. سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n (^٣) [إبطال التأويلات] (١/ ١٢٦).","vol":"1","page":162},{"text":"يعبدُ شيئًا فلْيَتَّبِعْهُ، فيَتَّبِعُ مَن كان يعبدُ الشمسَ الشمسَ، ويتّبعُ مَن كانَ يعبدُ القمرَ القمرَ، ويتّبعُ مَن كان يعبدُ الطواغيتَ الطواغيتَ، وتَبقى هذه الأُمَّة فيها مُنافِقوها، فيأتِيهِمُ اللهُ - ﵎ - في صُورةٍ غيرِ صورتِه التي يَعْرِفونَ، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: نعوذُ بالله منكَ، هذا مَكانُنا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عَرَفناه، فيأتِيهِمُ الله - تعالى - في صورته التي يعرفون، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: أنت ربُّنا، فيتّبعونه». (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لفظ \"الصورة\" في الحديث: كسائر ما وردَ من الأسماء والصفات التي قد يسمَّى المخلوقُ بها على وجه التقييد، وإذا أُطْلِقَتْ على الله اختصّت به، مثل: العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل خَلْقه بيديه، واستوائه على العرش، ونحو ذلك\". (^٢)\n** قال أبو محمدٍ ابنُ قُتيبةَ:\n\"والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصُّورة ليست بأعجبَ من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقعَ الإلْفُ لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشةُ من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيءٍ منه بكيفية ولا حدٍّ\". (^٣)\n* فرع:\nوهنا مسألة من الأهمية بمكان:\nإن مخالفة إمام من أئمة أهل السنة لجماهير العلماء في إثبات صفةٍ ما: لا يُعَدُّ قَدْحًا في ذلك الإمام، ولا يُخرجه عن كونه من أئمة أهل السنة والجماعة، وإلا فلو أنّ كل عالِمٍ توقَّفَ فيه العلماءُ لِزلّة لَما سَلِمَ لنا عالِم... لذا لا بد هنا من التفريق بين إمام من أئمة السنة نَفَى صفةً عن الله -﷿- باجتهادٍ قد أَدَّى به إلى ذلكَ لِكَوْنِه رأى هذا الدليلَ بعينه ليس صريحًا في إثبات تلك الصفة، مع كونه متفقًا مع أهل السنة في إثبات سائر الصفات لله -﷿-، وبينَ مَن جعلَ نفْي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢).\n (^٢) [نَقْضُ التأسيس] (٣/ ٣٩٦).\n (^٣) [تأويل مختلف الحديث] (٢٦١).","vol":"1","page":163},{"text":"الصفات كُلِّيَّةً أصلًا يَرْكَنُ إليه، ويطعن -أيضًا- فيمن أثبتَ الصفاتِ الإلهيّةَ، ويَرميه بالتجسيم والتشبيه! (^١)\n... وتطبيق ذلك:\nما نص عليه العلماء من مخالفة الإمام ابن خُزيمة في تأويله لحديث الصورة تأويلًا قد خالف فيه جماهيرَ السلف لاجتهادٍ منه في ذلك، مع كونه موافقًا لجماهير السلف في أصل إثبات الصفات الإلهية (^٢) ...\nفقد نص الإمام أحمد -﵀- لَمّا سُئل عن حديث الصورة ومَن يقول فيه:\nإن الله خلق آدم على صورته: أي: على صورة آدم، أو على صورة المضروب، أو نحو ذلك؛ قال الإمام أحمد: \"هذا قول الجهمية\".\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"ومِثلُ هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعة المسلمينَ يوالون عليه ويعادون- كان من نوع الخطأ. واللهُ -تعالى- يغفرُ للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك! \". [مجموع الفتاوى] (٣/ ٣٤٩).\nهذه إشارة إلى معنى في فقه السلف -﵏- لأحكام المخالفين، وهو أن: من اختص ببدعة من البدع ونَصَبَها شِعارًا يُوالي ويعادي عليه وفارَقَ به الإجماعَ الذي عليه الصحابة -﵃- فهذا الانتصار لا يكون إلا من طُرق أهل البدع الخارجينَ عن السنة والجماعة؛ وهؤلاء -في الجُملة- على قدر من التفريط والتقصير في تحقيق ما يجب عليهم من العلم والعمل.\n* وذلك يخالف ما وردَ من أقوال لبعض الأعيان من أهل السنة هي من البدع المخالفة للإجماع، وقد عَرَضَ له شيء من الخطأ في بعض مقامات أصول الدين عُروضًا قد يَخفى فيما هو مِن مثل هذا؛ فهذا -وإنْ كان قوله الذي عَرَضَ له بدعةً مخالفة للإجماع، وقد أنكره السلفُ، وشددوا فيه- صاحِبُه لا يخرج به عن السنة والجماعة ويجعله من أصحاب البدع، بل يُعد من أصحاب السنة على هذا القدْر من التعليق في شأنه، ويكون خطؤه في الجملة من باب الخطأ الذي اجتهد فيه، والنبي -ﷺ- قال: «وإذا اجتهدَ فأخطأَ فله أَجْرٌ» كما في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين. =\n=وهذا يَعني أنّ ثَمَّةَ أقوالًا هي في الأصل من أقوال أهل البدع والضلال عَرَضَتْ لبعض الفضلاء من الفقهاء أو من أصحاب السنة والجماعة... فهذه الأقوال سمَّاها السلف بأسماءٍ، إلّا أنّ مَن عَرَضَتْ له لا يجوز أن يسمَّى بأسماء هذه الكلمات؛ فلا يَلزم من تسمية السلف لهذه: أنّ مَن عرضت له هذه الكلمات يسمى بهذه الأسماء من جهة الخُروج من السنة، فضلًا عن جهة التكفير، فضلًا عما هو فوق ذلك كالمآلات في الآخرة!\n (ذكره يوسف الغفيص تعليقًا على الكلام السابق لشيخ الإسلام).\n (^٢) قال ابن خزيمة بعد أن أورد أحاديث الصورة: \"توهَّمَ بعضُ من لم يتحرَّ العلمَ أنّ قوله «على صورته» يُريدُ صورةَ الرحمن! عزَّ ربُّنا وجلَّ عن أن يكون هذا معنى الخبرِ\". [التوحيد] لابن خزيمة (ص/ ٨٤).","vol":"1","page":164},{"text":"ومع هذا فإن إمام الأئمة ابنَ خزيمة -﵀- عَرَضَ له هذا القول، ولم يكن تجهُّمًا من ابن خزيمة، ولا يجوز أن يسمى جهميًا، ولا أن يقال: إنّ حُكمه حُكم الجهمية، ولا أن يقال: إنه يُذم بما ذم السلفُ به الجهميةَ... إلى أمثال ذلك.\nوإنْ كان قول ابن خزيمة -﵀- ليس من أقوال أهل السنة وإنما دخلَ عليه من أقوال أهل البدع، فإنّ أهل السنة قولُهم في هذا معروف محفوظ. ** وقد اعتذر له الإمام الذهبيّ، فقال: \"ولابنِ خزيمةَ عظمةٌ في النفوس، وجلالةٌ في القلوب؛ لِعلمه ودينه واتباعه السنةَ. وكتابه في (التوحيد) مجلَّد كبير، وقد تأوَّلَ في ذلك حديثَ الصورة؛ فلْيَعْذُر مَن تأوَّلَ بعضَ الصفات، وأما السلفُ فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفوَّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله.\nولو أنّ كل مَن أخطأ في اجتهاده -مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتّباع الحق- أهدرناه وبدَّعناه، لَقَلَّ مَن يسلَم من الأئمة معنا. رَحِمَ الله الجميع بِمَنِّهِ وكَرَمه! \". (^١)\n** وقد نقل شيخ الإسلام عن الحافظ أبي موسى المديني فيما جَمَعَه من مناقب الإمام الملقَّب بقِوام السّنّة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التَّيْمِيّ، صاحب كتاب [الترغيب والترهيب]، قال:\n\"سمعته يقول:\n\"أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذُ عنه فحسْب.\nقال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قَلَّ مِن إمامٍ إلا وله زَلّةٌ، فإذا تُرك ذلك الإمامُ لأجل زَلّته تُرك الكثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يُفعلَ\". اهـ. (^٢)\nقال الشاطبيّ:\n\"زلة العالم لا يصح اعتمادها، ولا الأخذُ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالَفة للشرع، كما أنه لا ينبغي أن يُنسب صاحبُها إلى التقصير، ولا أن يُشَنَّعَ عليه بها، ولا يُنتقصُ من أجْلها، أو يُعتقدُ فيه الإقدام على المخالفة بَحْتًا؛ فإنّ\n_________\n(^١) [سير أعلام النبلاء] (١٤/ ٣٧٤)\n (^٢) [بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بِدَعهم الكلامية] (٦/ ٤١٠).","vol":"1","page":165},{"text":"هذا كله خلافُ ما تقتضي رُتْبَتُه في الدِّين\". (^١)\n** قلت:\n... مَن أراد شيخًا بلا زَلّة فلا يزال عِلْمُه إلى قِلّة...\n* ثم يقال:\nوهل يُجْزَمُ بأنّ الإمام ابن خُزيمةَ -﵀- ينفي أصل صفة الصورة عن الله -﷿-؟ بل غاية ما في المسألة: أنه رأى أن نَصًّا بعينه ليس دالًّا على إثباتها، مع كون صفة الصورة ثابتة بالأدلة الأخرى.\n* ولو تنزلنا وقلنا إنه لا يقول بأصل ثبوتها، فقد أثبتَ -﵀- سائر صفات الرب على طريقة السلف.\nوبهذا يتبين لنا أصلٌ من الأهمية بمكان، ألا وهو أن ما وقع من اختلاف بين السلف في مسائل الاعتقاد -على قلّته- إنما هو اختلاف في التطبيق، وليس اختلافًا في التأصيل (^٢)، بمعنى: أنهم مع اتفاقهم على أصل إثبات الصفات لله تعالى، قد يختلفون في نصٍّ ما هل هو من نصوص الصفات أم لا.\n* الفائدة الأخيرة:\nفي حديث الباب دلالة واضحة على إبطال نظرية (دَارْوِن) Darwin \" \" التي نصّت على مسألة تطور الجنس البشري، وأن الإنسان أصله قِرْد.\nوهي نظرية كاذبة خاطئة، قد لَفَظَها كثيرٌ من الجامعات في الخارج... فما نصَّتْ عليه هو كلام منكر وباطل، ومخالف لكتاب الله -﷿-، ولسُنة رسوله -﵊-، ولإجماع سلف الأمة.\nوقد اشتَهَرَ هذا القول عن المدعوّ دَارْوِنْ، وهو كاذب فيما قال، بلْ أصلُ الإنسان\n_________\n(^١) [الموافَقات] (ص/١٣٧).\n (^٢) كاختلافهم -مثلًا- في إثبات صفة (الشِّمال) لله -﷿- مع أصل اتفاقهم على إثبات صفة (اليد) لله تعالى، وكاختلافهم في رؤية النبي -ﷺ- لربه ليلةَ المِعْراج مع اتفاقهم أن الله -تعالى- يُرى في الآخرةِ.","vol":"1","page":166},{"text":"هو أصل الإنسان على حاله المعروفة، ليس أصله قردًا، بل أصل الإنسان: آدم -﵇- الذي خلقه الله من تراب كما قال -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]،\nوقال النَّبِيُّ -ﷺ-: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ: عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ» (^١)\nفهو مخلوق من التراب، خلقَه الله -تعالى- على صورته، طوله ستون ذراعًا في السماء، ثم لم يَزَلِ الخلق ينقصُ حتى الآن.\nفهو مخلوق على هذه الصفة التي نشاهدها، فأولاده كأبيهم، مخلوقون على خِلقة أبيهم، وليسوا على شكل القِرَدة، بل القِرَدةُ أمّة مستقلة لها خِلْقتها ونشأتها وخصائصها.\nقال الشيخ أحمد شاكر:\nآيات القرآن الصريحة المتكاثرة، والأحاديث الصحيحة المتواترة كلها قاطعة الدلالة على أن الله -تعالى- خلق آدم على صورته وهيئته التي توارثها عنه أبناؤه إلى اليوم، والتي يتوارثها من سيكون من نسله إلى قيام الساعة.\nوهي أدلة صريحة لا تحتمل تأويلًا، ولا تقبل جدلًا في دلالتها.\nفمن عجب أن يأتي من ينتسبون إلى الإسلام، ويتسمون بأسماء المسلمين، فيقبلوا نظرية التطور الإفرنجية، التي يقول داروين وأتباعه وأشباهه يقبلونها ويسلِّمون بها، ويؤمنون إيمانهم بالقطعي من الدين، بل أشد وأوثق.\nثم يتأولون الدلائل القطعية الثبوت والدلالة، من الكتاب والسنة، فيحرفونها عن مواضعها، كما فعل اليهود في دينهم من قبل، ثم لا يستحون أن ينكروا الأحاديث المتواترة المعنى في ذلك.\nثم يدور كلامهم وأدبهم وعلومهم على حساب هذه النظرية التي لم تثبت قط، والتي لا تقوم أمام النقد، والتي تتهافت تهافتًا شديدًا.\nثم يزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون، ويسمون أنفسهم علماء وهم مقلدون! تعالى الله عمَّا يفترون. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٢٦).\n (^٢) حكم الجاهلية (ص/١٩٠)","vol":"1","page":167},{"text":"-ويقول محمد الغزالي:\nومع أن النظرية منقوضة من جوانب كثيرة، ومع أن هناك من علماء الأحياء من رفضها جملة وتفصيلًا، فإن أعدادًا من الناس لا تزال تروج لها، بل إن هذه النظرية لا تزال تدرس في بلادنا وكانها حقيقة علمية! والسبب في ذلك أن سدنة المذاهب وسماسرة الإلحاد الزاحف من الشرق والغرب يريدون إقناعنا بأننا من الأرض وحدها تخلقنا، وأن الروح الذي نسمو به ونسود بقية الأحياء لم يجئ من الله!\nفهم لا يعترفون به!\nإنه ظاهرة أرضية بحتة!\nإن آدم اكتسب مكانته وكرامته بعد أن نفخ الله -تعالى- فيه من روحه بهذه النفخة العلوية أضحي كائنًا جديرًا بأن تسجد له الملائكة.\nولولا هذه النفخة لكنت نوعًا من الأنواع التي تحدث داروين عنها، ولكنت من أسرة متفاوتة الأفراد من زواحف وسباع ومن طيور وأنعام!! (^١)\n** وعليه فالأظهرُ -والله أعلم- أنّ من قال بهذه النظرية الكاذبة -بعد علمه بما جاء به الشرعُ- يكون كافرًا؛ لأنه مكذِّب لله -تعالى -ورسوله صلى اله عليه وسلم، مكذِّب للكتاب والسنة وإجماع الأمة.\n** ويؤيِّده:\nلو كان الأمر كما قال صاحب تلك النظرية لَما جعل الله -تعالى- مَسْخَ مَن تحايَلَ على شرعِهِ عقوبةً رادعةً، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].\nتم بحمد الله\n_________\n(^١) وانظر \"مائة سؤال عن الإسلام\" (ص/١٨٤)","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الحديث السادس: المنهاج في شرح حديث الاحتجاج</span>","vol":"1","page":169},{"text":"* نَصُّ حديث الباب::\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى -﵉- عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى،\nقَالَ مُوسَى:\nأَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ،\nفَقَالَ آدَمُ:\nأَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟»،\nقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».\n... تخريح الحديث:\nرواه البخاري (٦٦١٤) بَابُ: تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ، ومسلم (٢٦٥٢) بَابُ: حِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى -﵉-. واللفظ لمسلمٍ.\n* الفوائد المهمة في حديث الباب:\n\n١ - الفائدة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-48> كيفية وقوع المناظرة بين آدم وموسى ﵉:</span>\nفي مطلع الحديث يقول النبي -ﷺ-:\n «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى -﵉- عِنْدَ رَبِّهِمَا...»، وقد يقع سؤال يتبادر إلى الذهن، وهو:\nكيف وقعت هذه المناظرة بين موسى وآدم","vol":"1","page":171},{"text":"-﵉-؟\n** نقول أوّلًا: هذا السؤال في كيفية وقوع المناظرة لا بد أن يسبقه أمر مهم، وهو أننا نسلّم بما جاء عن الله على مراد الله، ونسلّم بما جاء عن رسول الله -ﷺ- على مراد رسول الله -ﷺ-، وذلك على طريقة الراسخين في العلم، قال - تَعالَى -: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، بلا خوضٍ في الغيب.\n** ثانيًا: اختلف العلماء في كيفية وقوع هذه المناظرة على أوجُهٍ:\n* الوجه الأول:\nقيل: إن هذه المناظرة وقعت بين رُوحَيْهِما في السماء:\nوقال بذلك: أبو الحسن القابسي، وابن عبد البَرّ.\nوهذا لا يَبعُد، خاصّةً أنه ورد في رواية مسلم: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا...»، وهذا الحديث ترجم له البخاري بقوله: \"بَابُ: تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَىُ عِنْدَ اللَّهِ»، وبناءً على هذا الوجه يكون ذلك من الأمور البَرْزَخِيّة التي تَؤول كيفيّتُها إلى الله - تَعالَى -؛ فإن الحياة البرزخية لا تَجري عليها سُنن الحياة الدنيوية.\n* وقد وقع للنبي -ﷺ- نظير لذلك في حادثة الإسراء والمعراج، فقد صلى النبي -ﷺ- بالأنبياء. (^١)\n* الوجه الثاني:\nقيل: يُحتمل أنَّ ذلك كان في حياة موسى -﵇- وأنه سأل ربَّه أن يُريَه آدمَ -﵇-، فاستجاب الله -تعالى- له ذلك، فوقعت بينهما تلك المناظرة.\n_________\n(^١) هل كان التقاء النبي -ﷺ- بالأنبياء بأجسادهم مع أرواحهم، أم بأرواحهم دُونَ أجسادهم؟ قولان لأهل العلم... قال الحافظ ابن حجر:\n\"وقد استُشْكَلَ رؤيةُ الأنبياء في السماوات مع أنّ أجسادهم مستقرّة في قُبورهم بالأرض، وأُجِيبَ بأنّ:\nأرواحهم تشكّلت بصُوَر أجسادهم، أو أُحْضِرَتْ أجسادُهم لملاقاة النبي ﷺ تلك الليلةَ، تشريفًا له وتكريمًا\" ا. هـ.\nوالراجح -والله أعلم- أنه التقى أرواحَهم متشكِّلةً بصُوَر أجسادهم، باستثناء عيسى -﵇-، حيث رُفع برُوحه وبَدَنه. فالأنبياء -﵈- أبدانهم في قبورهم، وأرواحهم في السماء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"رأى أرواحَهم مصوَّرةً في صُوَر أبدانهم\".\nوانظر فتح الباري (٧/ ٢١٠) ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٨).","vol":"1","page":172},{"text":"ومما يُستدل به لذلك: الرواية الصحيحة التي رواها أبو داود في سننه من حديث عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ». (^١)\n** التوجيه الثالث:\nإنَّ هذه المناظرة على الحقيقة؛ إمضاءً للحديث على ظاهره، كما رجّحه النووي والقرطبي، وذكرَ ابن الجوزي احتمال التقائهما في البرزخ. (^٢)\nلكن نقول ما قاله ابنُ حَجَر:\n\"وهذا مما يجب الإيمان به؛ لثُبوته عن خبر الصادق وإنْ لم يُطَّلَعْ على كيفيّة الحال، وليس هو بأوّلِ ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نَقِفْ على حقيقة معناه، كعذاب القبر ونعيمه، ومتى ضاقت الحِيَلُ في كشف المُشكِلات لم يَبْقَ إلا التسليمُ\". (^٣)\nوقال ابن عبد البر:\n\"مِثل هذا عندي يجب فيه التسليم، ولا يُوقَفُ فيه على التحقيق؛ لأنّا لم نُؤْتَ مِن جِنس هذا العلمِ إلا قَليلًا\". (^٤)\n* الفائدة الثانية:\nفي قول موسى﵇- لآدم﵇-: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إلَى الْأَرْضِ».\n_________\n(^١) طَرْحُ التثريب في شرحِ التقريب (٨/ ٢٤٧).\n (^٢) إِكمال المُعْلِم بفَوَائِد مسْلم (٨/ ١٣٧)، المِنهاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (٨/ ٤٥٠).\n (^٣) فتْح الباري (١١/ ٥٠٧)، وكَشْفُ المُشْكِلِ مِن حديث الصحيحينِ (٣/ ٣٨٣)\nوقد ذكر الإمام ابن كثيرٍ أن هارُونَ الرشيدَ قد حدَّثَه أبو مُعاويةَ الضَّريرُ يومًا بحديث احتجاج آدمَ وموسى، فقال عمُّ الرشيد: أين التقيا يا أبا معاويةَ؟ فغَضِبَ الرشيد من ذلك غضبًا شديدًا، وقال:\nأتعترض على الحديث؟! عليَّ بالنَّطْعِ والسَّيْفِ، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه يشفعون فيه، فقال الرشيد: هذه زَنْدَقةٌ! ثم أمرَ بسَجْنِه، وأقسمَ أنْ لا يخرجُ حتى يخبرني مَن ألقى إليه هذا، فأقسمَ عمُّه بالأَيْمان المغلَّظة ما قال هذا له أحدٌ، وإنما كانت هذه الكلمة بادرةً منّي، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها \"، فأطلقَه.\n [البداية والنهاية] (١٠/ ٢١٥).\n (^٤) التمهيد لما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد (١٨/ ١٦).","vol":"1","page":173},{"text":"*وهنا سؤال مهم:\n*هل هذا اللوم الذي وقع من موسى لآدمَ -﵉- كان لومًا على أصل المعصية -التي هي الأكل من الشجرة المحرمة-، أم أنه لامه على ما ترتَّبَ على المعصية -الذي هو مصيبة الخروج من الجنة-؟\nوالجواب:\nأن الذي عليه جمهور العلماء، ورجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح:\nأن اللوم من موسى لآدم -﵉- لم يكن على أصل المعصية، وإنما لامه على ما ترتب على تلك المعصية، وهو مصيبة الخروج من الجنة، ومما يؤيِّد ذلك: جملةٌ من الوجوه:\n*الوجه الأول:\nتتبُّع روايات الحديث في الصحيحينِ وغيرهما يؤكِّد ذلك:\nففي رواية البخاري: يقول موسى لآدمَ -﵉-: «أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ...»،\nوكذلك في رواية الصحيحينِ: «أَنْتَ أَبُونا خَيَّبْتَنا، وَأَخْرَجْتَنا مِنَ الْجَنَّةِ»، ولم يقُل مثلًا: \"عصيتَ ربَّك، فأخرجتَنا من الجَنّةِ... \"،\nوكذلك في رواية أخرى عند البخاري: «أَنْتَ آدَمُ أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الْجَنّةِ»،\nوفي رواية عند مسلم: «قالَ: يا آدَمُ، أَغْوَيْتَ النّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنّةِ»،\nوفي رواية أخرى عند مسلم: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ».\n*فمن مجموع هذه الروايات ترى أن هذا اللوم الذي توجَّهَ من موسى لآدم -﵉- كان ينصبُّ على مصيبة الخروج من الجنة.\n*الوجه الثاني:\nقول آدم -﵇-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ؟!»،\nووجه الدلالة: أن آدم -﵇- في رده على موسى -﵇- احتجَّ بقدَر الله - ﵎ -، فلو كان اللوم من موسى لآدم -﵉- على ذات المعصية لَكانَ لازمُ ذلك: أن آدم -﵇- يحتجُّ بالقدر على فعله للمعصية؛ وهذا من البُطْلان بمكانٍ، فإنَّ آحادَ بَنِيهِ من المؤمنينَ لا يحتجّون بالقدر على المعصية، فكيف يَصدُر هذا من","vol":"1","page":174},{"text":"آدم -﵇-، وهو النبي المكلَّم؟!! (^١)\n* قال ابن عبد البَرِّ:\n\"أجمع العلماء على أنه غير جائز لأحدٍ أن يجعل القدَر حُجّة إذا أتى ما نهاه الله عنه، فيقول: أتلومني على أن قتلتُ وقد سَبَقَ في علم الله أنْ أَقْتُلَ؟!\nفهذا ما لا يسوغ لأحد أن يجعله حجة لنفسه! والأمّة مجتمِعةٌ على أنه جائزٌ لومُ مَن أتى ما يُلام عليه من معاصي ربِّه، كما أنهم مُجمعون على حمْد مَن أطاع ربَّه، وأتى مِن الأمور المحمودة ما يُحمد عليه\". (^٢)\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وموسى﵇- قال لآدم -﵇-: «لِماذا أَخْرَجْتَنا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟»، فلامَهُ على المصيبة التي حَصَلَتْ بسبب فعله، لا لأجْل كونِها ذَنْبًا؛ ولِهذا احتجَّ آدم عليه بالقدر. وأمّا كونُه لأجْل الذنْب كما يَظُنُّه كثيرٌ من الناس فَلَيْسَ بمُرادٍ بالحديث، فإنَّ آدم﵇- كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومُ التائب باتّفاقِ الناسِ، ولأن آدم -﵇- احتج بالقدر، وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمينَ وسائر أهل المِلَلِ وسائر العُقلاء\". (^٣)\n** الوجه الثالث:\nإنه مما يؤكد أن آدم -﵇- لم يحتج بالقدر على فعله للمعصية:\nأن هذا خلافُ ما ذكرَه القرآن، فإن آدم -﵇- قد اعترف بعِصْيانه، فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ولم يقل مثلًا: \"ربِّ أنتَ قدَّرتَ عليَّ ذلك\".\n** فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعصية جائزًا ونافعًا لَاحتجَّ به آدمُ -﵇- عند\n_________\n(^١) عن أبى أُمامةَ -﵁- أن رجلًا قال: يا رسول الله، أنبيًّا كان آدمُ؟\nقال: «نعمْ، مُكلَّمٌ»، قال: فكَمْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ؟ قال: «عَشَرَةُ قُرُونٍ». أخرجه ابن حبان (٦١٩٠)، والطبراني في الكبير (٧٥٤٥)، واللفظ لابن حبان، وسنده صحيح. وانظر السلسلة الصحيحة (٢٦٦٨).\n (^٢) الاستذكار (٨/ ٢٦٠).\n (^٣) وانظر مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩)، ورفْع الشُّبهة والغَرَر عمَّن يحتجُّ على فعل المعاصي بالقَدَر (ص/٣٢).","vol":"1","page":175},{"text":"ربه، فهذا المقامُ كان الأَوْلَى له أن يفعله أَمامَ مُعاتَبةِ موسى له.\nوهذا من باب التنزُّل.\n** نعمْ، كانت المعصية بقدر الله - تَعالَى -، لا شك في ذلك، قال - تَعالَى -: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال - تَعالَى -: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصّافّات: ٩٦]؛ ولكنْ كان ذلك أيضًا بإرادة آدم -﵇- ومشيئتِه، قال - تَعالَى -: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].\n* فلمّا تاب آدم -﵇- من معصيته واستغفرَ ربَّه وأنابَ، دلَّ ذلك أنه -﵇- ما احتجَّ بالقدر على المعصية، بَلِ احتج بالقدر على مصيبة الخروج من الجنة، فقال: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ؟».\n* لذا نقول: إن آدم -﵇- لم يحتجَّ بالقدر على الذنب، وإنما احتج به على المصيبة، وهذا هو اعتقاد أهل السّنّة، فإنَّ القدَر إنّما يُحتجُّ به على المصائب، ولا يُحتجُّ به على الذنوب والمَعايب.\nفالمؤمن مأمورٌ أن يَرْجِعَ إلى القدر عند المصائب، لا عند الذنوب والمعايب، فيصبر على المصائب، ويستغفر من الذنوب والمعايب، كما قال - تَعالَى -:\n... ﴿فَاصبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، فالمرء يدور حاله بين الصبرِ حالَ المصائبِ، والاستغفارِ حالَ المَعايبِ. (^١)\n** ومِثل هذا يُسْتَقَى من قول رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: \"قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ\"؛ فَإِنَّ \"لَوْ\" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». (^٢)\nوتأمَّلْ في قوله: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ»،\nوهذه هي طريقة المُهْتدينَ، على خلاف طريقة الضّالّينَ الذين\n_________\n(^١) الرسالة التدْمريّة (ص/٢٣٠)، ولوامع الأنوار البَهِيّة (١/ ٣٤٧).\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).","vol":"1","page":176},{"text":"قَلَبُوا الآية؛ لِذا تراهم يحتجّون بالقدر في حال المعايب، يقولون: هذا بقدَر الله!.\nوهنا كلام بديع لشيخ الإسلام ابن تيمية، يقول:\n\"وأمّا آدم -﵇- فإنه قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، فمَنِ استغفرَ وتاب كان آدميًّا سعيدًا، ومَن أصرَّ واحتجَّ بالقدر كان إبليسيًّا شقيًّا؛ وقد قال - تَعالَى - لإبليس: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ \". (^١)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-50> العبد بين المقدور والمأمور:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وجِماعُ ذلك: أنّهُ لا بُدَّ له في الأمر مِن أصلينِ:\nففي \" الأمر \":\nعليه الاجتهاد في الامتثال علمًا وعملًا، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعدّيهِ الحدودَ؛ ولِهذا كان من المشروع أن يَختمَ جميع الأعمال بالاستغفار، فكان النبي -ﷺ- إذا انصرفَ مِن صلاته استغفرَ ثلاثًا، وقد قال الله - تَعالَى -: ﴿... وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، فقاموا بالليل، وختموه بالاستغفار، وآخرُ سورةٍ نزلت: قولُ الله - تَعالَى -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]، وفي الصحيح: أنه كان -ﷺ- يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأوَّلُ القرآنَ.\nوأما في \" القدَر \":\nفعَلَيْهِ أن يستعين بالله في فعل ما أُمر به، ويتوكلَ عليه، ويدعوَه، ويَرْغَبَ إليه، ويَستعيذَ به، ويكونَ مُفتقرًا إليه في طلب الخير وترْك الشر؛ وعليه أن يصبر على المقدور، ويَعْلَمَ أنّ ما أصابَهُ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخطأَهُ لم يكُن لِيُصِيبَهُ؛ وإذا آذاه الناسُ عَلِمَ أنّ ذلك مقدَّرٌ عليه. وقد جَمَعَ الله -سبحانه- بينَ هذينِ الأصلينِ في مواضعَ، كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ\n_________\n(^١) مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٧٤).","vol":"1","page":177},{"text":"نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] \" ا. هـ (^١)\n** نعود فنقول:\nإنَّ آدم -﵇- أعلمُ بالله -تعالى- مِن أن يحتجَّ بالقدر على المعصية؛ فليست هذه طريقةَ المؤمنينَ، فَضْلًا عن النبيّينَ! فالاحتجاج بالقدر على المعصية إنما هي طريقة المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا...﴾ [الأنعام: ١٤٨].\nوهي طريقة إبليسَ، كَبيرِهِمُ الذي علَّمَهم الشركَ، إبليس الذي احتج بالقدر على كِبْرِهِ وغِوايَتِهِ، فـ ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦].\nوالاحتجاجُ بالقدر على المعصية: طريقة الجَبْريّة، تِلْكَ الفِرْقةِ الضّالّة، التي جعلت القدَر ذَريعةً للخَوْضِ في الكفر والفُسوق والعِصْيان. (^٢)\n* الوجه الرابع:\nلو كان هذا اللوم من موسى لآدم -﵉- على المعصية، فأجابَ آدمُ -مَثَلًا-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ...» لَكانَ لموسى الحجة على آدم -﵉-، ولَقالَ موسى: يا آدمُ، أتحْتجُّ بالقدر على المعصية؟! لكنْ لمّا انقطعَ موسى -﵇- عن لومه، دلَّ ذلك أن: الحُجة كانت لآدم -﵇-، وهذا الذي نصَّ\n_________\n(^١) التدْمريّة: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص/٢٢٩).\n (^٢) لذا فمَنْ فَهِمَ الحديث على هذا الفَهم بأنّ موسى -﵇- قد لام آدم -﵇- على المعصية، فاحتج آدم -﵇- بالقدر على فعله للمعصية، وبناءً على هذا الفهم قد ذهبَ مَن ذهبَ إلى تكذيب الحديث، والطعنِ في أصل ثبوته.\nومن أمثال هؤلاء: الضالُّ المُضِلُّ (عدنان إبراهيم)، الذي قال:\nإن هذا الحديث قد وضعه (بَنُو أُمَيّةَ)؛ وذلك تسويغًا لِما فعلَه معاويةُ بن أبي سفيان -﵁- يومَ أنْ خرجَ في مَوقِعة (صفّين)، ويومَها قال معاويةُ: \"ما جئنا إلى صفّين إلّا بقدر الله، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] \".\n* أقول:\nولعل القارئ يستقرئ من خلال ذلك: أنّ هذا المدعوّ (عدنان إبراهيم) ما هو إلا شخص رافضيٌّ خبيث، فلقدْ صرَّح أنّ معاوية بن أبي سفيان -﵁- كان يستحلُّ الخمر ورِبا الفَضْلِ.\nوكمْ طعنَ هذا الضالُّ في أبي بكرٍ وعمرَ وأبي هريرةَ وعائشةَ وأنسٍ... -﵃-!\nومن أراد الوقوف على أقوال هذا الضالّ في صحابة النبي -ﷺ- فلْيرجعْ إلى مقال \"حقيقة الدكتور عدنان إبراهيم المتشيِّع\" لـ داود العتيبي.http://www.saaid.net/bahoth/171.htm","vol":"1","page":178},{"text":"عليه الحديثُ في قول النَّبِيِّ -ﷺ-: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» ثَلَاثًا.\n* الوجه الخامس:\nأنَّ بابينِ عظيمينِ يمنعانِ أن يكون لوم موسى لآدم -﵉- لومًا على ذات المعصية: باب الأدب، وباب العلم...\nأمّا باب الأدب:\nفإنّ موسى -﵇- آدَبُ مِنْ أنْ يُعَيِّرَ أباه آدمَ -﵇- على معصية قد تاب منها بالفِعْل، فمِثْلُ هذا لا يقع من التلميذ لشيخه؛ فكيفَ بموسى الكَلِيمِ أنْ يلوم أباه على معصيةٍ فَعَلَها، وقد تابَ منها بالفِعْلِ؟!\nولهذا لم يقُل له موسى -﵇-: لماذا أكلتَ من الشجرة؟ وإنما قال له: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟» (^١).\nوهذا اللفظ قد رُوي في بعض طرق الحديث، وإنْ لم يكن في جميعها؛ فهو مبيِّنٌ لِما وقعت عليه المَلامة. (^٢)\n** أمّا باب العلم:\nفإنّ موسى -﵇- أعلمُ بالله -﷿- من أن يلوم آدم -﵇- على معصية قد تاب منها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فأدبُ موسى -﵇- وعلمُه يَمنعانِهِ من أن يفعل ذلك!\n*ولو أنّ آدم -﵇- فَهِمَ أنّ اللوم هو على الذنب لَقالَ -مثلًا-: يا موسى، وأيُّ مَلامةٍ عليَّ وأنا قد تُبْتُ بالفِعْلِ؟!\nفلمّا احتجَّ بالكتابة لا بالتوبة، دلَّ ذلك على المراد.\n* وعَلَيْهِ فلا وَجْهَ لِأَنْ يُلامَ آدمُ -﵇- لا شرعًا، ولا قدَرًا:\nلا شرعًا: لأنه قد تاب من ذنبه،\nولا قدَرًا: لأنّ خروجه من الجنة كان بقدَر الله - ﵎ -.\nثم يقال:\nولو أنَّ موسى لَامَ آدم -﵉- على الذنْب لَأجابَهُ: إنني\n_________\n(^١) وهذه اللفظة قد أخرجها البخاري (٤٧٣٦) ومسلم (٢٦٥٢) وأحمد (٧٣٨٧).\n (^٢) شِفاء العَليل في مسائل القضاء والقدر والحِكْمة والتعليل (١/ ١٤)، ورفع الشُّبْهة والغَرَر عمن يحتجُّ على فعل المعاصي بالقدر (ص/٣٢).","vol":"1","page":179},{"text":"أذنبتُ فتُبْتُ، فتابَ اللهُ عليَّ، ولَقالَ له: وأنت يا موسى أيضًا قتلتَ نَفْسًا، وألقيتَ الألواح... إلى غير ذلك، إنما احتج موسى بالمصيبة، فحَجَّهُ آدمُ بالقدَر. (^١)\n* ولكن أَنَّى لموسى -﵇- أن يلوم أباه آدم -﵇- على أمرٍ وهو نفسُه لم يَسْلَمْ؛ فقد قَتَلَ نفسًا لم يؤمرْ بقتلها، وسألَ اللهَ -تعالى- أن يغفرَ له ذلك، فقال - تَعالَى -: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].\nقال أبو العَبّاسِ ابنُ تيمية:\n\"وذلك أنّ موسى لم يكن عَتبُه لآدم لأجْل الذنب؛ فإنّ آدم قد كان تابَ منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكنْ لأجْل المصيبة التي لَحِقَتْهُمْ مِن ذلك. وهُمْ مأمورونَ أن يَنظُروا إلى القدَر في المصائب، وأن يستغفروا مِن المَعايب، كما قال - تَعالَى -: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] \".\n** ويقول ﵀:\n\"الصَّوابُ في قصة آدم وموسى: أنّ موسى لم يَلُمْ آدمَ إلّا مِن جِهَةِ المُصيبة التي أصابته وذُرِّيَّتَهُ بما فَعَلَ، لا لأجْل أنّ تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ؛ ولِهذا قال:\n «لِماذا أَخْرَجْتَنا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟»، لم يقل: لماذا خالفتَ الأمر؟ ولماذا عصيتَ؟\nوالناس مأمورون -عندَ المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم- بالتسليم للقدر، وشُهودِ الربوبية؛ كما قال - تَعالَى -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال ابن مسعود أو غيرُه: \"هو الرجل تصيبه المصيبة، فيَعلمُ أنّها مِن عند الله، فيَرضى ويسلِّمُ\". (^٢)\nوهذا هو الراجح في هذه المسألة، والله أعلمُ.\n* هناك جواب لابن القيِّم قال فيه:\n\"وقد يتوجَّهُ جوابٌ آخرُ، وهو أنّ الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في مَوْضِعٍ، ويضرّ في موضعٍ:\nفينفع إذا احتجَّ به بعد وقوعِه والتوبةِ منه وتَرك مُعاوَدته كما فعلَ آدمُ، فيكون في ذِكر\n_________\n(^١) انظر: الاحتجاجُ بالقدر لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٨ - ٢٢).\n (^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٩).","vol":"1","page":180},{"text":"القدَر إذْ ذاكَ من التوحيد ومعرفة أسماء الرَّبِّ وصفاته...\nوأمّا الموضعُ الذي يضرُّ الاحتجاج به ففي: الحال، والمستقبَل؛ بأنْ يَرتكب فعلًا محرَّمًا، أو يتركَ واجبًا، فيلومَه عليه لائمٌ، فيحتجَّ بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطلَ بالاحتجاج به حَقًّا، ويَرتكبَ باطلًا، كما احتجَّ به المُصرّون على شركهم وعبادتهم غيرَ الله، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]،\n... ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] ... فإذا لامه لائمٌ بعد ذلك قال: كان ما كان بقدَر الله! \" ا. هـ (^١)\n* ومفاد كلام ابن القيّم:\nمشروعيّةُ الاحتجاج بالقدر للتّائب مِن ذنبه، ولنا أن نستأنس في هذا المقام بما ورد في قوله تَعالَى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]؛ فقوله تَعالَى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا...﴾ وقد بُنِيَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعلُه- فيه إشارةٌ إلى أنّ ما وقعوا فيه مِن تخلُّفهم عن رسول الله -ﷺ- وقد تابوا ونَدِموا على ذلك قد وقعَ بقدر الله -﷿-؛ ولِذا فمِنْ عظيم لُطفه ورحمته بهم لم يَقُلْ - تَعالَى -:\n\"وعلى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تخلَّفوا... \"، فتَبقى الآيةُ مُوجِعةً لقلوبهم ومؤلمة لأسماعهم.\n*ومن فوائد حديث الباب:\n** فائدة في قول النبي -ﷺ- في ختام الحديث: «فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى» ...\n... وقد عمدَ أهلُ التحريف وسَعَوْا إلى تحريف هذه اللفظة تحريفًا لفظيًّا، ومعنويًا:\n** أولًا: التحريف اللفظيّ:\nوأصلُ مَن فتحَ هذا البابَ هم اليهود، فلقد أخذوا بنصيبٍ وافرٍ من هذه الصفة لمّا أُمِروا أن يقولوا: \"حِطَّة\"، فقالوا: \"حِنْطَة\"، فقد قال الله تَعالَى\n ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ\n_________\n(^١) شفاء العليل (ص/١٨).","vol":"1","page":181},{"text":"نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٨ - ٥٩]\n* وهذا ما فعلَه محرِّفةُ هذه الأمّة في أدلة الشرع التي تخالف أهواءهم، وعلى الطريق السَّقيم نفسِه سارَ أهلُ التحريف من المعتزِلة القدَريّة، فحرَّفوا آياتِ الكتاب وأحاديثَ النبي -ﷺ-؛ وذلك لِلهوى، ولنُصْرة بِدَعهم، وذلك\nلأنّ نَصَّ الحديث يخالف أصول مذهبهم في نَفْيهم للقدر. (^١)\n* لِذا حرَّفوا قول الله - تَعالَى -: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، كما\nروى ذلك أصحاب السِّيَر هذه القصّة التي وقعت لعمرو بنِ عبيدٍ، أحد كِبار المعتزِلة، فقد قَالَ لأبي عمرو ابن العلاء أحد القُرّاء السبعة المعروفين المشهورين: أريد أن تقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ بنَصْبِ اسم الله؛ وذلك ليكون موسى هو المتكلم، وليس الله، قال أبو عمرو:\nهَبْ أنّي قرأتُ هذه الآية كما تقول، فكيف تصنعُ بقوله - تَعالَى -: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ...﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ فبُهِتَ المُعتزليُّ. (^٢)\n*وكذلك مما يُنقل عن المعتزلة في هذا الباب:\nتحريفهم لقوله - تَعالَى -: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقالوا: إنه من الكَلْم (بسكون اللام)، أي: الجَرْح، ويكون المعنى: جَرَحَ اللهُ موسى بأَظافِرِ المِحَنِ ومَخالِبِ الفِتَنِ.\nوالذي حملَهم على ذلك هو فرارهم من إثبات صفة الكلام لله؛ فوقعوا في التحريف. (^٣)\nقال المتنبِّي:\nوكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا... وآفتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ\n_________\n(^١) وذلك لأن -على ما دل عليه الحديث- آدم -﵇- قد احتج بالقدرعلى ما وقع له من مصيبة الخروج من الجنة بعد أكله من الشجرة التي حرّمها الله -تعالى- عليه وعلى زوجه.\n (^٢) انظر: الصواعق المرسَلة (٣/ ١٠٣٧)، وشرح الطّحاويّة (ص/١٧٠).\n (^٣) الكَشّاف (١/ ٣١٤)، ومفاتيح الغيب (١١/ ٨٧).","vol":"1","page":182},{"text":"* ومن هذا الباب:\nما فعلوه في حديث الاحتجاج، فقد ضبط رواة الحديث من أهل السّنّة لفظةَ \"فحَجَّ آدمُ موسى\" برفْع لفظة \"آدمُ\"؛ لأنه هو الفاعل الذي له الحُجّة، فقد غلب آدمُ موسى -﵇- بالحجة، وظَهَرَ عليه بها.\nأما المعتزلة القدرية -المنكرون للقدر- فقد حرَّفوا لفظ حديث الباب؛ لأنه صريح في إثبات القدر السابق، وذلك في قول آدم -﵇-:\n «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً»؛ وبِناءً عليه قد عمدوا إلى تحريف الحديث.\n* أمّا قولهم بتحريف الحديث فقالوا في ضبط هذه الكلمة: \"فحَجَّ آدمَ موسى\" بنصْب \"آدم\"؛ فتكون الحُجّة لموسى!\n** وجواب ذلك أنْ:\nنأتيَكم بقاصمة الظهر فيما رواه أحمدُ وابنُ بَطّةَ وعبد الرّزّاق وابنُ أبي شَيبةَ بسندٍ صحيحٍ كالشَّمْسِ عنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ الَّذِي أَدْخَلْتَ ذُرِّيَّتَكَ النَّارَ؟ فَقَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ، فَهَلْ وَجَدْتَ أَنِّي أَهْبِطُ؟ قَالَ: نَعَمْ»،\nقَالَ: «فَحَجَّهُ آدَمُ». (^١)\n... لذلك قال أحمدُ بن ثابتٍ الطَّرقيّ:\nسَمِعْتُ ابنَ الخاضبة يقولُ: كان مسعود بن ناصر السَّجْزِيّ قَدَريًّا، وسمعته يقرأُ: «فحَجَّ آدمَ مُوسَى» بالنصْب،\nفقال الحافظ ابن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٦٣٥) وعبد الرّزّاق (٢٠٠٦٧)، وابن أبي عاصمٍ في السّنّة (١٤٨)، والدارميُّ في الرد على الجهمية (ص/٨٦)، والآجريّ في الشريعة (ص/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\nوقال الدارَقُطْنِيُّ: \"والمحفوظ: حديث الزُّهْرِيِّ عن سعيدٍ (ابن المسيّب)، وحديثُه -أي: الزُّهْرِيِّ- عن أبي سَلَمةَ: ليس بمحفوظٍ عن الزهريّ\". [العلل] (٧/ ٢٨٤).\nوقال الحافظ ابن حَجَر عن هذه الرواية: \"قد أخرجها أحمد من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فإنّ رُواتها أئمّةٌ حُفّاظٌ، والزهريُّ من كبار الفقهاء الحُفّاظ، فروايته هي المعتمَدةُ في ذلك\".\nوانظر: فتح الباري (١١/ ٥٠٩)، ومُستخرَج أَبي عوانةَ (٢٠/ ٢٤٦).\nوقد صحح الأَلبانيُّ إسناد هذا الحديث في ظِلال الجَنّة (١/ ٦٨) رقم/ ١٤٨.","vol":"1","page":183},{"text":"حَجَرٍ رَدًّا على مسعود السَّجزيّ:\n\"هو محجوج بالاتفاق قَبْلَهُ على أنّ \"آدم\" بالرفع على أنه الفاعل، وقد أخرجه أحمدُ من رواية الزُّهْريّ عن أبي سَلَمةَ عن أبي هُريرةَ بلفظِ: «فحَجَّهُ آدَمُ»، وهذا يرفعُ الإشكالَ؛ فإنّ رُواته أئمّةٌ حُفّاظٌ، والزُّهْرِيُّ مِن كبار الفقهاء الحُفّاظ؛ فروايتُه هي المعتمَدةُ في ذلك\". (^١)\nقال النووي:\n\"قول النبي -ﷺ-: «فَحَجَّ آدمُ مُوسَى» هكذا الروايةُ في جميع كتب الحديث باتفاق الناقلينَ والرُّواةِ والشُّرّاحِ وأهلِ الغَريب، بِرَفْعِ \"آدَمَ\"، وهو فاعلٌ، أي: غَلَبَهُ بالحُجّة وظَهَرَ عليه بها\". (^٢)\n* ثانيًا: التحريف المعنويّ:\nوهو تحريف المعنى، مع بقاء اللفظ على ما هو عليه،\nوالمقصود به: صرْف اللفظ عن ظاهره وما يَفهمه كلُّ عربيٍّ من معناه،\nوهو الذي يسميه بعض المتأخرين بالتأويل، وهو أكثرُ خَفاءً من النوع الأول.\nوباب التأويل الفاسد وغير المستساغ بابٌ عريضٌ دخلَ منه الزَّنادِقَةُ لِهَدْمِ الإسلام! حيثُ حرَّفوا النصوص، وصَرَفُوهاعن مَعانيها الحقيقية، وحَمَّلُوها من المعاني ما يشتهون، فسَمَّوا التَّحريفَ \"تأويلًا\"؛ تزيينًا له وزَخْرفةً، لِيُقْبَلَ منهم!\nوهذه طريقة إبليسَ الذي حرَّفَ اللفظ عن موضعه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]، فسمَّى شجرةَ التحريم \"شجرة الخُلْد\"!\nوقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال الله - تَعالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوالعِبرة بالحقائق والمعاني، وليست بالألفاظ والتراكيب والمَباني، فكَمْ مِن باطلٍ أُقِيمَ على دليلٍ مُزَخْرَفٍ عُورِضَ به دليلُ الحَقِّ... !\n_________\n(^١) سِيَرُ أعلام النُّبَلاءِ (١٤/ ٥٤)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٩).\n (^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٦/ ٢٠٢)، وطرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٤٧).","vol":"1","page":184},{"text":"* ومن أمثلة هذا التحريف:\n١ - تأويل المبتدِعة لآيات الصفات، كتفسيرهم صِفةَ (الغَضَب) بإرادة الانتقام، وتفسيرهم (الرحمة) بإرادة الإنعام، وقولِهم: إنّ المُراد بـ (اليَدَيْنِ) النِّعْمة، أو القُدْرة... وغير ذلك.\n** ومن هذا الباب ولجَ المُحَرِّفةُ إلى تحريف حديث الباب:\nفلمّا عَجزوا عن التحريف اللفظيّ للرِّواية الصحيحة الصريحة جاءُوا إلى التحريف المعنويّ، فقالوا: إنّ الحجة إنما كانت لآدمَ -﵇- لَيْسَ لأنّ الحقَّ كان معه، وإنما كانت له الحُجّةُ لِأُمورٍ:\n١ - أنَّ آدم -﵇- كان هو (الأَبَ)، وموسى -﵇- في مَقام (الابن)، فكيف للابن أن يَغلب أباه في الحُجّة؟!\n** الرد على ذلك:\nفهذا كلام باطل، فإنَّ الحق يؤخذ مِن كل مَن جاء به، ولو كان كافرًا؛ فالله -﵎- ذَكَرَ الحق الذي جاءت به اليهود وجاءت به النصارى، قال - تَعالَى -: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، وكذلك قول الله - تَعالَى -: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، فاللهُ قَبِلَ قولَهم إنّ آباءهم قاموا بذلك، ورَدَّ قولَهم إنّ الله -تعالى- أمرَهم بها؛ بَلْ إنّ النبيّ -ﷺ- قد قَبِلَ الحقَّ مِن الدَّجّالِ في حديث الجسّاسة في صحيح مسلم، حيث قال الدجالُ: \"أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ\"، وكذلك حديث تعليم آية (الكُرْسِيّ) عندَ النوم، ذَكَرَهُ الشيطانُ للصّاحبِ الجَليلِ أَبي هُريرةَ -﵁-، وأقرَّه الرسولُ ﷺ.\n*وعليه نقولُ:\nإنّ قولكم \"إنّ الحُجّة إنما كانت لآدم -﵇- لأنه هو الأب، وموسى -﵇- هو الابن، وليس للابن أن يَحجَّ أباه\" هذا كلام باطل... أَلَمْ يَكُنْ إبراهيمُ -﵇- هو الابن، وكانت له الحُجّة على أبيه (آزَرَ)؟!\n*قال ابن القَيِّم:\n\"وهذا الكلامُ لا محصّلَ فيه البَتّةَ؛ فإنّ حجة الله يجب المَصيرُ","vol":"1","page":185},{"text":"إليها، مع الأب كانت، أو الابنِ، أو العَبْدِ، أو السَّيِّدِ، ولو حَجَّ الرجلُ أباه بحقٍّ وَجَبَ المَصيرُ إلى الحجة\". (^١)\n٢ - كذلك قالوا في تحريفهم المعنويّ:\nإنّ الحجة إنما كانت لآدم -﵇- لأنَّ هذه المناظَرة كانت في دارٍ لا تكليفَ فيها، أي: لم تكن في الدنيا!\nوهذا باطلٌ من وجهينِ:\nالوجه الأول: انظروا في جواب آدم -﵇-، هل قال مثلًا: \"يا موسى، أنتَ قد لُمْتَنِي في غير دار التكليف\"؟\nوالجواب: لا، فلم يتعرّض لذلك، بل استدلَّ بالقدر.\nفهل أنتم أعلمُ بالاستدلال الصحيح من آدمَ -﵇-؟\n* الوجه الثاني:\nلو تنزَّلْنا معكم، فإنّ المَلامةَ في غير دار التكليف لا تمتنعُ، فالله -﷿- يلوم المشركينَ يومَ القيامة، بل إنّ أمّة محمد -ﷺ- تلومُ الأُمَمَ الأخرى التي كَفَرَتْ في عَرَصات القيامة؛ ولَيستْ هي بِدارِ تكليفٍ!\n٣ - كذلك قالوا في تحريفهم المعنويّ:\nإنّ الحجة كانت لآدم -﵇- لأنّ ذَنبه كان في شريعته، واللوم من موسى -﵇- ليس له وِجْهةٌ؛ لاختلافِ الشرائعِ بَيْنَهما، فليس لموسى أن يلوم غيرَه على شيءٍ ليس من شريعته!\n* والجواب:\nوهذا كلام باطل؛ فإنّ أمّة محمد -ﷺ- تلوم الأممَ السابقة على ذنوبها في عَرَصات القيامة.\n* وخِتامًا:\nقالوا: إنّ الحجة إنما كانت لآدم -﵇- لأنّه قد وَصَلَ إلى درجة (اليقين)، وهي درجة عالية من العلم، والمَرْءُ إذا وَصَلَ إليها استوت عندَه المعصيةُ والطاعةُ.\n** الجواب:\nوهذه طريقة الصُّوفِيّةِ الغُلَاةِ الّذينَ يُسقطون التكاليف عن المَرْءِ إذا\n_________\n(^١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (١/ ١٤).","vol":"1","page":186},{"text":"وَصَلَ إلى مَرْحَلَة (اليقين)؛ مستدِلِّينَ بقوله - تَعالَى -: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].\nوكلامُهم هذا بَيِّنُ البُطْلانِ، وإلّا فَلَوِ استَوَتِ الطاعةُ والمعصيةُ في حقِّ آدمَ -﵇- فلِمَ أخرجَهُ ربُّه من الجنة، وقال عنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، ولِمَ قال له ولزوجه: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾؟! (^١)\n* بَيْنَ التحريفِ والمُغالاةِ:\nكما أنّ المعتزلة القدرية من أصحاب التحريف قد سَلَكوا مَسْلَكَ ردِّ حديث الباب، وذلك لأنهم يَنْفُونَ القَدَرَ، تأتي على الجانب الآخَرِ فِرْقةُ (الجَبْرِيّة) ...\nفتراهم يَطيرون فَرَحًا بحديث الباب؛ فَهْمًا منهم أنّ الحجة كانت لآدم\n-﵇-، ليس لأنه احتجَّ بالقدر على المصيبة -كما عليه أهلُ السنة-، بل لأنّ آدم -﵇- احتج بالقدر على المعصية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الإنسان مجبور على أفعاله، فلا إرادةَ له فيها، ولا مشيئة!\n* ففي الرد عليهم نقولُ:\nأولًا:\nإن آدم -﵇- فعلَ ما فعلَ بإرادته، نعمْ، كان الأمرُ بقدر الله، ولكنْ كان لآدم -﵇- إرادةٌ ومشيئةٌ، والدليل في روايةٍ عند مسلم، وفيها: «قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ؟»؛ فثَبَتَ بذلكَ الأمرانِ:\nأ) كتابة القدر.\nب) الإرادة والمشيئة لآدمَ ﵇.\n* قال ابنُ المُلَقّنِ:\n\"وأمّا قولُ الجَهْميّة: إنّ الله - تَعالَى - أجبرَ العباد على أفعالهم، وهم مكرَهون على الطاعة والمعصية، واحتجّوا بقول آدمَ: «أتلومُني...» إلى آخره- فلا\n_________\n(^١) وانظر لهذه الأوجُهِ: الفُرْقانُ بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص/١٣٥)، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (١/ ١٤)، ورفع الشبهة والغَرَر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر لمرعي الحنبليّ (١/ ٢٩).\nوقد قال ابن عبد البَرِّ -﵀- وهو يُشيرُ مِن بَعيدٍ إلى هذه الأوجه الباطلة التي تَذَرَّعَ بها أهلُ البدع لردِّ حديث الباب: \"... وأمّا أهلُ البدع فيُنكرونه، ويَدفعونه، ويعترضون فيه بدُروبٍ من القول، كَرِهْتُ ذِكْرَ ذلك لأنّ كِتابَنا هذا كِتابُ سُنّةٍ واتّباعٍ، لا كتابُ جِدالٍ وابتداعٍ\". وانظر: الاستذكار (٨/ ٢٥٧)","vol":"1","page":187},{"text":"حُجّةَ لَهُمْ فيه أيضًا؛ لأنّ الموجود بالاعتبار والمشاهَدة خلافُ قولِهم، وذلك أنّ العباد لا يأتون الذنوبَ إلا مُشْتَهِينَ لها، راغبينَ فيها، والإجبارُ عند أهل اللغة: هو اضطرار المَرْءِ إلى الفعل، وإدخالُه فيه، غيرَ راغبٍ فيه، ولا مُحِبٍّ له، كالمسحوبِ على وجهه، والمُرْتَعِشِ من الحُمَّى والفالِجِ\". (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"إنَّ القَدَرَ ليس حُجَّةً لأحدٍ على اللهِ، ولا على خَلْقِهِ؛ ولو جازَ لأحدٍ أن يحتجَّ بالقَدَر على ما يفعلُه من السيِّئات لَمْ يُعاقَبِ الظّالِمُ، ولَمْ يُقْتَلِ المُشْرِكُ، ولَمْ يُقَمْ حَدٌّ، ولَمْ يُكَفَّ أَحَدٌ عن ظُلْمِ أحدٍ، وهذا من الفساد في الدين والدنيا المَعلومِ ضَرُورةً\". (^٢)\nثانيًا:\nإننا لا نسلِّم لَكُمْ أنّ احتجاج آدم -﵇- احتجاجٌ بالقدر على المعصية، وإنما كان احتجاجه على المصيبة التي ترتَّبَ عليها إخراجُ آدمَ -﵇- وذريتِه من الجنة، كما سبقَ ذِكرُه مفصَّلًا.\n** ولو تنزّلْنا معكم أنّ آدم﵇- قد احتج بالقدر على المعصية، فهو قد تاب من ذلك، وأنابَ؛ ولِلعاصي أن يحتجَّ بالقدر إذا تاب من معصيته، كما تَبَنَّى ذلك ابنُ القَيِّمِ. (^٣)\n* ومما سبق يتبيّنُ أنّ الفِرقتينِ قد تَنازَعُوا الحديثَ بينَ الجُفُوِّ والغُلُوِّ:\nأ) أمّا الجبرية:\nفجعلوا الحديثَ حجةً لهم على الاحتجاج بالقدر على فعل\n_________\n(^١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ١٦٥).\n (^٢) مجموعة الرسائل الكبرى (١/ ٣٥٣).\n (^٣) قال اللَّيْثُ بن سَعْدٍ: \"وإنّما صَحَّتِ الحُجّةُ في هذِه القصة لآدمَ على موسى؛ مِن أجْل أنّ الله قد غفرَ لآدمَ وتاب عليه، فلم يكنْ لموسى أنْ يُعيِّرَه بما قد غفرها الله له؛ ولذلك قال له آدمُ: أنت موسى الذي آتاك اللهُ التوراةَ، وفيها عِلمُ كل شيء، فوجدتَ فيها أنّ الله قد قدّر عليّ المعصية، وقدّر عليّ التوبة منها، وأسقطَ بذلك اللومَ عنّي، أفتلومني أنت، واللهُ لا يلومني؟!\nوبِمِثْلِ هذا احتجَّ ابن عمر على الذي قال له: إنّ عثمان فرَّ يومَ أُحُدٍ، فقال ابنُ عمرَ: \"ما على عثمانَ ذَنْبٌ؛ لأنّ الله قد عفا عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] \".\nوانظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ١٦٣).\nوقد ذكر ابن عبد البر جوابًا ثالثًا في مسألة اعتذار التائب بالقدر، فقال: \"هو خاصٌّ بآدم -﵇- لأنّ الله -﷿- أخبره أنه تاب عليه؛ فيجوز له أن يحتج بالقدر، وأمّا غيرُه فلا يَعلمُ بتوبة الله عليه، فلا يَحتجّ بالقدر\".\nوانظر: الاستذكار (٨/ ٢٥٨)، والقضاء والقدر لعبد الرحمن بن المحمود (ص/٤١١).","vol":"1","page":188},{"text":"المعاصي، وجعلوا قولَ آدم -﵇-: «كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ» أي: أجبرَني عليه.\nب) أمّا القدرية:\nفحرَّفوا الحديث تحريفًا لفظيًّا ومعنويًّا؛ لِيجعلوا الحجةَ لموسى -﵇- في نَفْيِ القَدَرِ السابق.\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وهذا الحديثُ ضَلَّتْ فيه طائفتانِ: طائفةٌ كذَّبتْ له لمّا ظَنُّوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عَمَّنْ عصى اللَّهَ لأجْل القدر، وطائفةٌ شرٌّ مِن هؤلاءِ جعلوه حجةً\". (^١)\n** فرعٌ:\nمن مسالك أهل البِدَع في رد حديث الباب: الطَّعْنُ في سَنَده:\n* قال البركانيّ للجبّائِيّ المُعتزليّ: ما تقولُ في حديثِ أَبي الزِّنادِ عن الأَعْرَجِ عن أبي هُريرةَ عن النبي -ﷺ-: «لا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِها وَلا خالَتِها»؟ فقال الجبائي: هو صحيح. قال: فبهذا الإسناد نقل حديث «حَجَّ آدَمُ مُوسَى»، فقال الجبائي: هذا الخبر باطل، فقال البركاني:\n\"حديثانِ بإسنادٍ واحدٍ، صَحَّحْتَ أَحَدَهُما، وأَبْطَلْتَ الآخَرَ؟! \" (^٢)\n** والقول بتضعيف الحديث قول مردود باطل...\nفهذا الحديث ثابت عن النبي -ﷺ- بألفاظ مختلفة، وطرق متكاثِرة، وهو في عُلْيا درجات الصحة، وقد اتفق الإمامانِ البُخاريُّ ومُسلمٌ على إخراجه في صحيحَيْهِما،\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص/١٣٤).\nوقوله -﵀-: \"وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذّبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجْل القدر\"... هؤلاء هم المعتزلة، فقد كذّبوا بالحديث، وقالوا: إنّ هذا الحديث باطل. قالوا هذا مع أنه في الصحيحينِ، ومتفقٌ على صحته!\nثم يقول: \"وطائفةٌ شرٌّ مِن هؤلاء، جعلوه حجةً\"، أي: إذا كان المعتزلة نُبدِّعُهم ونُضلِّلُهم لأنهم أبطلوا حديثًا واحدًا؛ فالجَبْرِيّةُ سيُبطلون الشريعة كلها، سيبطلون الصلاة والصوم والزكاة، وحُرْمةَ الزنى وحرمةَ شُرْبِ الخمر؛ ولذلك هُمْ شرٌّ من المعتزلة.\n (^٢) طبقات المعتزلة (ص/٨١).","vol":"1","page":189},{"text":"كما أقرَّ بصحّته واحتجَّ به أهلُ العلم قاطبةً.\nيقول الحافظ ابنُ عبد البَرِّ:\n\"هذا الحديث -عند جماعة أهل العلم بالحديث- صحيحٌ من جهة الإسناد، وكلُّهم يرويه ويُقِرُّ بصحّته، ويحتجُّ به أهل الحديث والفقه -وهم أهلُ السّنّة- في إثبات قِدَمِ علمِ الله -﷿ ذِكرُه-\".\nوقد نصَّ بعضُ أهل العلم على تواتُره عن أبي هريرة -﵁-، وأنّه لا يردُّه ولا يعترض عليه إلا مبتدعٌ معانِدٌ... يقول الحافظ ابن كَثيرٍ -﵀-:\n\"ومَن كذَّبَ بهذا الحديث فمُعاندٌ؛ لأنّه متواتِرٌ عن أبى هريرة -﵁-، وناهِيكَ به عَدالةً وحِفْظًا وإتقانًا\". (^١)\n- قال ابن القيِّم:\n\"هذا حديث صحيح متّفَقٌ على صحته، لَمْ تَزَلِ الأمّة تتلقّاه بالقَبُول مِن عَهْدِ نبيِّها قَرْنًا بعدَ قَرْنٍ، وتُقابِلُهُ بالتصديق والتسليم، ورواه أهلُ الحديث في كُتبهم، وشَهِدوا به على رسول الله -ﷺ- أنّه قالَهُ؛ فما لِأَجْهَلِ الناسِ بالسّنّةِ وهذا الشَّأْنِ؟! ولَمْ يَزَلْ أهلُ الكلامِ الباطلِ المذمومِ مُوكَّلينَ بِرَدِّ أحاديثِ رسول الله -ﷺ- التي تخالف قواعدَهم الباطلةَ وعقائدَهم الفاسدةَ! \". (^٢)\n* وقد ذكرَ ابن منده حديثَ الاحتجاج هذا من عدة روايات وطرق، ثم قال:\n\"وهذه الأحاديث صِحاحٌ ثابتةٌ، لا مَدْفَعَ لها، ولِهذا الحديثِ طرقٌ عن أبي هريرةَ، منها: أبو سَلَمةَ، ومحمدُ بنُ سِيرينُ، والأَعرجُ، وسعيدُ بنُ المسيّبِ، وغيرُهم\". (^٣)\nوختامًا:\nقد جاء في الحديث: أنّ آدم قال لموسى -﵉-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟» ...\nوهنا الإشكال:\nفالذي ثبتَ في الصحيح: أنّ الله - تعالى - قدَّرَ مقاديرَ الخَلائقِ قبلَ أن\n_________\n(^١) الاستذكار (٨/ ٢٥٨)، وقصص الأنبياء (١/ ٣٧).\n (^٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (١/ ١٤).\n (^٣) من عقائد السلف (الرد على الجهمية) لابن مَنْدَه (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":190},{"text":"يخلق السماوات والأرض بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وهُنا في حديث الباب يقول آدمُ -﵇-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟» ... فكيف الردُّ على هذا الإشكال؟؟؟\nردَّ العلماء بعدة أجوبةٍ:\nالأول:\nأنّ هذه المُدّة -التي هي (أربعون سنة) - إنما كانت بَيْنَ أنْ خُلِقَ آدمُ -﵇من الطين وبين أن نُفِخَ الرُّوحُ فيه.\nالثاني:\nأنّ هذه المدة يُقصَدُ بها: ما كُتِبَ في التوراة مِن أنّ آدمَ سيُخْرَجُ من الجنة، كما وردَ في الرواية: «فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا».\nفإنْ قِيلَ: ما معنى تحديد (أربعين سنةً) في المكتوب، وفي الحديث: «إنَّ اللهَ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»؟\n* فالجواب:\nأنّ المعلوماتِ كلَّها قد أحاطَ بها العِلمُ القَديمُ قبلَ وُجودِ مخلوقٍ، ولكنَّه كتبَها في زمانٍ؛ فجائزٌ أنْ يكونَ كَتَبَ خطيئةَ آدمَ قبلَ أنْ يخلقَه بأربعينَ عامًا، وجائزٌ أن تكون الإشارة إلى مُدّةِ لُبْثِهِ طِينًا، فإنّه بَقِيَ أربعينَ سنةً طِينًا، فكأنه يقول: \"كتبَ عليَّ قبلَ أنْ أَعْصِيَ منذُ سوَّاني طِينًا قبلَ أنْ ينفخَ فيَّ الرُّوح\". (^١)\nوصلى الله وسلَّمَ على نبينا محمد، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ\nتمَّ بحمد الله\n_________\n(^١) كشف المُشْكِل من حديث الصحيحينِ (٣/ ٣٨٣).","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الحديث السابع: بذل الأمل شرح حديث على ما كان من العمل</span>","vol":"1","page":193},{"text":"بذل الأمل شرح حديث على ما كان من العمل\nنص الحديث:\nعَنْ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ- أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ»،\nوفي رواية: «أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ».\n... تخريج الحديث، وبيان فضله:\nأخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء (٣٤٣٥)، ومسلم في صحيحه - كتاب الإِيمان (٢٨)، وأحمدُ في المسنَد (٢٢٦٧٥)، وابنُ مَنْدَه في كتاب الإيمان (٤٤، ٤٠٥)، والنسائيُّ في سُننه الكبرى (١٠٩٠٤).\nقال النووي:\n\"هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمعُ -أو مِن أجمعِ- الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه -ﷺ- جمعَ فيه ما يُخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعُدهم، فاختصرَ -ﷺ- في هذه الأحرُفِ على ما يباين به جميعهم\". (^١)\n* شرح حديث الباب:\nيقول النَّبِيُّ -ﷺ-: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٢٢٧).","vol":"1","page":195},{"text":"وَرَسُولُهُ...».\nوهنا فوائدُ:\nالفائدة الأولى: دليل شهادة أن لا إله إلا الله:\nمن القرآن:\nقال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]،\nوقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]،\n* ومن السنة:\nوعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «بُنِيَ الْإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (^١)\n*الفائدة الثانية:\nفي معنى شهادة أن لا إله إلا الله:\nأيْ: لا معبود بحقٍّ إلا اللهُ، فكلُّ معبود سِوى الله -تعالى- هو معبود باطل، فمعنى \"لا إله إلا الله\": نفْي العبادة عمَّن سِوى الله، وإثباتُها لله -﷾-، أيْ: إبطال عبادة كل ما سوى الله، وإثباتُ العبادة لله، فآلهة المشركين قد سمَّاها الله -تعالى- آلهة:\nقال -تعالى-: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، لكنها آلهة معبودة بغير حق، فهي باطلة؛ بل قال -تعالى-: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فأطلقَ على الهوى اسم \"إله\"، ولكنها بلا شك آلهة كاذبة خاطئة.\nلذلك فإنّ تفسير كلمة التوحيد بأن يقال: \"لا إله موجود إلا الله\" هو تفسير باطل؛ لأن هذا يَلزمُ منه أنّ كل معبود في الوجود هو الله!\nفقوله \"لا إله\": هذا إبطال لجميع المعبودات مِن دون الله -﷿-، وإنكار لها،\nوقوله \"إلا اللهُ\": هذا إثباتٌ للعبادة لله -تعالى- وحدَه لا شريك له.\nقال -تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ\n_________\n(^١) متفق عليه.","vol":"1","page":196},{"text":"وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. (^١)\n**الفائدة الثالثة:\nمقتضى كلمة \"لا إله إلا الله\":\nالمقصود الأعظم من هذه الكلمة إنما هو: تحقيق معناها في القلب، مع النطق بها باللسان، والقيام بمقتضاها بالجوارح.\nولا أدلَّ على ذلك مِنْ: إجماع السلف على أنّ مَن نطقَ الشهادة ولم يعتقدْ معناها ولم يعملْ بمقتضاها، فإنه لا يكون مسلمًا، ويُقاتَلُ على ذلك، حتّى يعملَ بما دلَّت عليه من النفي والإثبات.\n*قال عبد الرحمن بن حسن:\nفقوله -ﷺ- «مَنْ شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ...» أيْ:\nمَن تكلّمَ بها عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا؛ فلا بد في الشهادتينِ من العلم واليقين والعملِ بمدلولهما، كما قال الله -تعالى-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]؛\nأمّا النطق بها مِن غير معرفة لمعناها ولا يقينٍ ولا عملٍ بما تقتضيه -مِن: البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل (قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح) - فغيرُ نافع بالإجماع، وفي الحديث ما يدلّ على هذا، وهو قوله: «مَنْ شَهِدَ»؛ إذْ كيفَ يَشهدُ وهو لا يَعلمُ، ومجرَّدُ النطقِ بالشيء لا يسمَّى شَهادةً به\". (^٢)\n* الفائدة الرابعة:\n\"لا إله إلا الله\" مركَّبة من: نفي، وإثبات، وهما رُكْنا شهادة التوحيد، فقوله \"لا إله\" فيه نفي استحقاق العبادة عمَّن سوى الله، وقولُه \"إلا الله\" فيه إثبات العبادة لله -تعالى- وحده لا شريك له.\n** وتحقيق كلمة التوحيد إنما يُبنى على النفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد؛ فالنفي المَحْضُ ليس بتوحيدٍ، وكذلك الإثبات دُونَ نفيٍ لا يمنع المشارَكةَ، فلا يكون\n_________\n(^١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٦١).\n (^٢) انظر فتح المَجيد (٣٩ - ٤١)، والمختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد (ص/٧١).","vol":"1","page":197},{"text":"التوحيد إلا متضمِّنًا للنفي والإثبات. (^١)\n** وهذا ما نستقرئه من مواضعَ عديدةٍ:\nفمن القرآن:\nقال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ لأبيه وَقَوْمِهِ إنني بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِى فَطَرَنِى...﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]،\nوقوله -تعالى- على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]،\nوقال -تعالى-: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]،\nوقال -﷿-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]،\n*ومن السنة:\nفي حديث جبريل -﵇- قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ -ﷺ-:\n «الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا». (^٢)\n** ولا أدلَّ على ذلك مِنْ حرصِ الرسول -ﷺ- على تأكيد هذا الأصل دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ، فكان يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». (^٣)\n** وهذا الأصل -الذي هو النفي والإثبات- لا يُحقَّق التوحيد إلا به، فالإثبات وحدَه لا يكفي للحكم بإسلام المرء، فمَن أثبتَ العبادة لله قولًا وعملًا، ولكنْ ما نفاها عن غيره، فسوَّغَ لغيره -مثلًا- أن يعبد غيرَ الله -تعالى- فهذا كافرٌ، حتى لو أفردَ العبادة لله -تعالى-؛ لأنّ هذا اعترافٌ منه أنّ غير الله -تعالى- يستحق أن يُعبد.\n* ولقد قاتلَ الرسول -ﷺ- المشركين الذين حقّقوا طرفًا من الإثبات على عِوَجٍ منهم في ذلك؛ لأنهم ما حققوا نفي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى، وقد حكى الله\n_________\n(^١) التّخَلّي عن التقليد والتّحلّي بالأصل المفيد (ص/٧٣).\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه مسلم (٥٩٤).","vol":"1","page":198},{"text":"عنهم قائلًا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى...﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]\nفهُم ما أشركوا إلّا لمّا دُعوا إلى تحقيق نفي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا...﴾ [الأعراف: ٧٠]، فهم ما أنكروا على رسلهم أصلَ قضية الدعوة إلى الله، بل كان إنكارهم لتحقيق نفْي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى.\n* وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ»، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ، وَمَا مَلَكَ. (^١)\n** عَودٌ إلى حديث الباب...\nقوله ﷺ: «وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه»:\nوهذه مَنزلة التوسُّط بين الإفراط والتفريط في حق النبي -ﷺ-،\nوهذا الذي نصَّ عليه كتابُ الله -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ...﴾ [الكهف: ١١٠]، فوصْفه -ﷺ- بمقام العبودية والبشرية فيه ردٌّ على الغلاة الذين بالغوا في شأن النبي -ﷺ-، حتى قالوا في حقه ما لا يقال إلا في حق الله تعالى، وحتّى جَوَّزُوا الاستغاثة بالنبي -ﷺ-، وقاموا يسألونه عند المُلِمّات لكَشف الكُرُبات!\n* وكم كان الرسول -ﷺ- حريصًا على إغلاق باب الغلو فيه -ﷺ-، وسدّ كل الذرائع المُفْضِية إلى ذلك!\n* عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَجَعَلْتَنِي لِلهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ». (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٨٥).\n (^٢) أخرجه أحمد (١٨٣٩). انظر السلسلة الصحيحة (١٣٦).","vol":"1","page":199},{"text":"* ولمّا قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَد، قالَ لها النَّبِيُّ -ﷺ-:\n «لا تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ». (^١)\n* وقال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». (^٢)\n** وقوله -ﷺ- «فإنّما أنا عبدُ الله ورسولُه» هو من أساليب اللغة في الحصر، أي: ما هو -ﷺ- إلا عبدٌ رسولٌ، وجاء هذا الحصرُ بعد فاءِ التعليل؛ لِبيانِ أنّ العلة في عدم الإطْراء هي كَونُه -فحسْبُ- عبدًا رسولًا، فهو عبدٌ لا يُعبد، ورسولٌ لا يكذب. (^٣)\nهكذا مقام عدم الإفراط...\nوأما عدم التفريط فإنّ النبي -ﷺ- هو نبيُّ الله وَرَسُولُهُ، فقد جاءت البِشارة به في: التوراة، والإنجيل، والقرآن.\nقال -تعالى-: ﴿الذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]\nوقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ...﴾ [الصف: ٦]، وعن عبد الله بن عمرو - ﵄- وقد سُئل عن صِفة رسول الله -ﷺ- المذكورة في التوراة، قال:\n\"وَرَدَ في التوراة: \"يا أيها النبيُّ، إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشِّرًا ونذيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنتَ عَبْدي ورسولي، سَمَّيْتُكَ (المُتَوَكِّلَ)، ليسَ بِفَظٍّ ولا غليظٍ ولا صَخّابٍ في الأسواق، ولا يَدفعُ بالسيئةِ السيئةَ، ولكنْ يعفو ويَغفرُ\". (^٤)\n*وأدلة ذلك في القرآن كثيرة:\nقال -تعالى-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...﴾ [الفتح:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠٠١).\n (^٢) أخرجه أحمد (١٦٤)، والبخاري (٣٢٦١).\n (^٣) التوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/١٤٧).\n (^٤) أخرجه أحمد (٦٦٢٢)، والبخاري (٢١٢٥).","vol":"1","page":200},{"text":"٢٩]،\nوقال -تعالى-: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\n** مَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ:\nالذي تقتضيه هذه الشهادةُ هو تصديق القلب أنّ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ رسولٌ مِن عند الله، والتصديق واليقين بأنّه رسول الله إلى جميع الناس، وكذلك تصديقه في كل ما أخبرَ به عن رب العِزّة.\nوهذا التصديق لا ينفع صاحبَه إلا إذا قُرن بطاعته -ﷺ- فيما به أَمَرَ، وفيما عنه نَهى وزَجَرَ.\nقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وليس مجرَّد التصديق فحسْب، وإلّا فاليهودُ كانوا على يقينٍ أنه رسول الله: قال -﵎-: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]؛ فلم ينفعْهم ذلك!\nوقد نفى الله -تعالى- الإيمان عمّن ادّعى تصديق الرسول -ﷺ- ثم أعرضَ عن اتّباعه: قال -تعالى-: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧].\n** قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"الله -تعالى- خلقَ الخَلْق لعبادته، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإنّما تَعَبَّدَهُمْ بطاعته وطاعةِ رسوله -ﷺ-\". (^١)\n** واعلمْ أنَّ الشهادتين تَشمَلان نوعينِ من التوحيد: (توحيد العبادة)، و(توحيد الاتّباع).\nفكما نشهد أنّه \"لا معبودَ بحقٍّ إلا اللهُ\" -وهذا هو توحيد العبادة- نشهد كذلك\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٤).","vol":"1","page":201},{"text":"أنّه \"لا متبوعَ بحقٍّ إلا رسولُ الله -ﷺ-\".\n** وهذا ما ذكره الله -تعالى- في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وذلك تحقيق الشهادتينِ.\n** قال -تعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].\nقال الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ:\n\"أحسنُ العملِ: أخلصُه وأصوبُه، فإنّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبلْ، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبلْ، حتّى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السّنّة\". (^١)\n*قال ابن كَثيرٍ:\n\"لا يكون العمل حَسَنًا حتى يكون خالصًا لله على شريعة رسول الله، فمتى فقدَ العملُ واحدًا من هذينِ الشرطينِ حَبِطَ وبَطَلَ\". ا. هـ (^٢)\n* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وجِماع الدِّين شيئانِ: أحدُهما: ألّا نعبد إلا اللهَ -تعالى-، والثاني: أن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبِدَع، كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ... وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهم اجعلْ عملي كلَّه صالحًا، واجعلْه لوجهك خالصًا، ولا تجعلْ لأحدٍ فيه شيئًا\". (^٣)\n* قال ابن القيم:\n\"العمل بغير إخلاصٍ ولا اقتداءٍ كالمسافر يملأ جِرابَه رَمْلًا، يُثْقله، ولا ينفعُه! \". (^٤)\n* قال ابن القيم في نونيّته:\nفقِيامُ دِينِ اللهِ: بِالإخلاصِ... والإحسانِ، إنَّهُمَا لَهُ أَصْلانِ\nلَمْ يَنْجُ مِن غَضَبِ الإلهِ ونارِهِ... إلّا الذِي قَامَتْ بِهِ الأَصْلانِ\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٧٨).\n (^٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٥٧٤).\n (^٣) المجموع (٢٨/ ٢٣).\n (^٤) الفوائد (ص/٤٩).","vol":"1","page":202},{"text":"واللهُ لا يَرضَى بِكَثْرةِ فِعْلِنا... لكنْ بأحسَنِهِ معَ الإيمانِ (^١)\n*وهُنا فائدة مهمة في قول ابن القيم:\nواللهُ لا يَرضى بكثرةِ فعلِنا... لكنْ بأحسنِه معَ الإيمانِ\nوهي أنّ إصابة السنة خيرٌ من كثرة العمل، وهذا الذي دلَّ عليه حديث أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: \"خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»، وَقَالَ لِلْآخَرِ: «لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». (^٢)\nفقد قال النَّبي -ﷺ- للذى لم يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأتْكَ صَلاتُكَ»، وقال للذي أعاد صلاته: «لكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ»: أجرٌ للصلاة الأولى، وأَجْرٌ للصلاة الثانية؛ ولكنَّ إصابة السنَّة أفضلُ من ذلك. (^٣)\n_________\n(^١) النونيّة الكافية الشافية (ص/٣٥).\n (^٢) أبو داود (٣٣٨)، والنسائي (٤٣٣)، وصححه الألباني.\n (^٣) توضِيح الأحكام مِن بُلوغ المَرام (١/ ٤٢٥).\n** قال الشيخ ابن العثيمين -﵀-:\n\"ومِن فوائد هذا الحديث: أنّ الإنسان إذا فعلَ العبادة يَظنُّ أنّ فِعلها واجبٌ عليه، فإنّه يُثابُ على ذلك ولو أخطأَ؛ لأنه عَمِلَ طاعةً لله، وتقرُّبًا إليه، فيؤجرُ على هذا.\nومن فوائد هذا الحديث: أنّ إصابة السنة خيرٌ من كثرة العمل؛ لقول النبي -ﷺ- للرجل الذي لم يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنّةَ»، ومعلومٌ أنّ إصابة السنة خيرٌ من كثرة العمل.\nفإن قال قائل: وهل لو أعاد أحدٌ الآنَ بعد أن تبيّنت السنةُ، لو أعاد الصلاةَ بعد وجود الماء، هل يؤجر أو لا يؤجر؟\nنقول: إنه لو كان عَلِمَ بالسنة فإنه لا يؤجرُ، بل لو قيل: إنه يأثم لَكانَ له وجهٌ؛ لأنه إذا وجدَ الماء بعد انتهاء الصلاة، فإنه ليس عليه إعادة؛\nلكنه لو لم يَعلم بالسنة وأعادَ بناءً على أنّ ذلك هو الواجب عليه، فإنّ الحُكم واحد، بمَعنى: أنّ الحُكم الذي حكمَ به الرسولُ -ﷺ- للرجل الذي أعاد ينطبقُ تمامًا على مَن جَهِلَ السنّة في عصرٍ وأعادَ\". ا. هـ\nوانظر فتْح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المَرام (١/ ٣٧٠).","vol":"1","page":203},{"text":"** عَودٌ إلى حديث الباب...\nقوله -ﷺ-: «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ...»:\nفي قوله -ﷺ- «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ...» رد على النصارى، وفي قوله -ﷺ- «ورَسولُهُ» رد على اليهود.\nوهكذا تكون شهادة الحق لعيسى -﵇- بين المغالاة والمجافاة، بين غلوّ النصارى الذين أَلَّهُوه مِن دُون الله، وبين جفوِّ اليهود الذين كذَّبوه، وزعَموا أنهم صلَبوه!\n**وبَيْنَ هذا وذاك جاءت وسطية أمّة الإسلام، أمة الإسلام التي هي أَوْلى بكلِّ نبيٍّ كذَّبَه قومُه، وقد تجلَّت هذه الوسطية في نبي الله عيسى -﵇- كما ورد في حديث الباب، وذلك باعتقاد بَشَرية عيسى -﵇-، مع الإيمان برسالته إلى بني إسرائيل.\n** وما ورد في حديث الباب من الاعتقاد في عيسى -﵇- قد نص عليه كتاب الله -تعالى-: قال -تعالى-: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، فَأَرْسَلَ اللهُ -تعالى- إِلَيْهَا رُوحَه جبريلَ -﵇- فنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فنزلت النَّفْخةُ حتى وَلَجَتْ فَرْجَها، فصارت حاملًا مِن ساعَتِها.\n* قال ابن كثيرٍ:\n\"أَمَرَ اللَّهُ -تعالَى- جِبريلَ أَنْ يَنْفُخَ بِفِيهِ فِي جَيْب دِرْعِها، فَنَزَلَت النَّفْخَةُ، فَوَلجتْ في فَرْجِها، فَكَانَ مِنْهُ الْحَمْلُ بعِيسَى -﵇-\". (^١)\n* وقوله تعالى: «وكَلِمتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ»:\nفعيسى كلمةُ الله، وقد سُمِّيَ عيسى -﵇- \"كلمةَ الله\"؛ لوُجوده ولخَلْقه بكلمةٍ من الله مِن غيرِ أبٍ: قال -تعالى-: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ فبقوله -تعالى- ﴿كُن﴾ خُلِقَ عيسى -﵇-، فإنّ \"كن\" هي كلمة الله -﷿-، وهي الكلمة التي ألقاها إلى مريم، وكلمةُ الله ليست مخلوقة، وعيسى -﵇- مخلوقٌ.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ١٧٣).","vol":"1","page":204},{"text":"* أمّا قولُه -تعالى- «ورُوحٌ مِنْهُ»:\nفالمعنى: أنّ رُوح عيسى -﵇- مبتدَأة من الله -تعالى-، وأنّ الله خلقَها، كما قال الله عما خلقَ في السماوات والأرض: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فكلُّ ذلك من الله -تعالى-، هو الذي ابتدأ خلْقه وأوجدَه وأعطاه ووهبَه، فلقدْ خُلق عيسى -﵇- مِن أثر نَفخة جبريل -﵇- في جَيب دِرع مريم -﵍- بأمْر الله إياه بذلك، فنُسِبَ إلى أنه رُوح من الله، فنُسبت رُوح عيسى -﵇- إلى الله -تعالى-؛ لأنها وصلت إلى مريم -﵍- في آيةٍ من آيات الله، فقدْ حَملتْ بعيسى من غير أب؛ فبهذا امتاز عن بقيّة الأرواح.\nعَودٌ إلى حديث الباب...\n «والجَنّةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ»:\nأيْ: وشَهِدَ أنّ الجنة التي أخبر الله -تعالى- بها في كتابه حقٌّ، مخلوقةٌ موجودةٌ الآنَ، لا شكَّ فيها، وشَهِدَ أنّ النار التي أخبر الله -تعالى- بها في كتابه حقٌّ مخلوقةٌ موجودةٌ الآنَ لا شكَّ فيها.\nقال -تعالى-: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، وقال -تعالى-: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال -تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].\nوهذا الفعل ﴿أُعِدَّتْ﴾ في الآيات هو فعلٌ ماضٍ، دلَّ على أنّ الجنة مخلوقة موجودة الآنَ، وكذلك النارُ.","vol":"1","page":205},{"text":"** ومن السنة:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِبِلَالٍ:\n «يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَ بِلَالٌ: \"مَا عَمِلْتُ أُصَلِّيَ\". (^١)\n** وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَدْخُلَهُ -يَا بْنَ الْخَطَّابِ- إِلَّا مَا أَعْلَمُ مِنْ غَيْرَتِكَ»، قَالَ: \"وَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! \". (^٢)\n**وعن أنسٍ -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ ما رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قالوا: \"وما رَأَيْتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ \" قال: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ والنّارَ». (^٣)\nوعن عِمْرانِ بنِ حُصَينٍ عن النبي -ﷺ- قال: «اطَّلَعْتُ فِي النّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِها النِّساءَ». (^٤)\nوقد عقدَ البخاريُّ في صحيحه بابًا قال فيه: \"باب: ما جاء في صفة الجَنة، وأنها مخلوقة\"، وذكرَ أحاديثَ، منها: ما تقدَّمَ مِن أنّ الله يُري الميتَ مَقعدَه من الجنة والنار بعدَ أن يُوضعَ في قَبْرِهِ. (^٥)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه أحمد (١٢٠٠٨).\n (^٣) صحيح مسلم (٦٤٦).\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) تنبيه:\nمِن العلماء مَن استدل على مسألة الباب بقوله -تعالى-: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، حيثُ ذكرَ الله -تعالى- قصة آدمَ وحوّاءَ -﵉-، وإسكانهما الجَنّةَ، فلو لم تكُن الجنةُ موجودةً لَمَا كانَ هناك مَعنًى لإسكانهما بها، وإذا ثبتَ خلْقُ الجنة ثبتَ خلْقُ النار؛ لأنه لا قائلَ بالفَصْل.\nقالوا: ومما يدل على أنها جنة الخُلْد: أنّ الله -تعالى- ذكرَ لآدم -﵇- أوصافَ هذه الجنة عندَ إدخالِه إياها، وهذه الأوصاف لا تكون إلا في جنة الخلد، وهذه الأوصاف لا تُعقل إلا في الجنة الموعودة، قال -تعالى-: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا= =يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٧ - ١١٩]، أخبرَ أنه لو خرجَ من الجنة يَشقى، وأنه في الجنة لا يجوع ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، وهذا من صفات جناتِ عَدْنٍ، لا مِن صفات جنّات الدنيا؛ فدلّتْنا هذه الآية أنّ آدم -﵇- كان في جنات عدنٍ.\n*يؤيّده:\nأنّ اللام في لفظ \"الجنة\" هي لام العَهْد، فقوله -تعالى- لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ذكرَ الجنة بلام التعريف، فيَنصرفُ إلى ما هو المعلومُ عند المسلمينَ، وليس ذلك إلا دارَ الثوابِ\".\nوانظر لذلك [خلْق الجنة والنار بين (أهل السنة والجماعة) و(المعتزلة)] - د. محمد النويهي (ص/١٤٠).","vol":"1","page":206},{"text":"*الإجماع:\nقال القاضي عِياضٌ:\n\"مَن أنكرَ الجنة أو النار فهو كافرٌ بإجماعٍ؛ للنَّصِّ عليه، وإجماعِ الأمة على صِحّة نَقلِه متواتِرًا، وكذلك مَن اعترفَ بذلك ولكنه قال: إنّ المراد بالجنة والنار معنًى غيرُ ظاهِرِه، وإنّها لَذّاتٌ روحانية ومعانٍ باطنةٌ، كقول النصارى والفلاسفة والباطنية وبعضِ المتصوِّفة\". (^١)\nالدليل العقلي على خلق الجنة والنار:\nدليل الإمكان:\nيُقصد بهذا الدليل: أنّ العقل لو تُرك ونفْسه دُونَ مؤثِّرٍ خارجيٍّ لَحَكَمَ بجواز خلْق الجنة والنار، فلا يُرتَّبُ على خَلْقِهما أيُّ مُحالٍ.\nوفي ذلك يقول القيروانيُّ: \"واعلمْ أنّه لا إحالة في خلْق الجَنّة\". (^٢)\nالشاهد من ذلك: أنَّ الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآنَ بإجماع أهل السنة.\n* ولَمْ يَزَلْ على ذلك أهلُ السنة حتى ظهرَ المخالفون في ذلك، ومنهم:\n١) الجهمية والمعتزلة:\nلم يقعْ خلاف بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة في حقيقة الجنة والنار\n_________\n(^١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٢٩٠).\n (^٢) وانظر النُّكَتُ المفيدة في شرح الخُطبة والعقيدة (ص/ ١٣٢).\nبل إنّ الرازيّ يجعل دليل الإمكان مع ورود النص ضابطًا لثُبوتِ مِثلِ هذه القضية العقدية الغيبية، فيقول: \"والضابط في جميع هذه الأبواب: أنّ كل ذلك مُمْكِنٌ، وقد وردَ الخبرُ الصِّدْقُ به؛ فوجبَ تصديقُه\".\nوانظر الإشارة في أصول الدين (ص/٣٥٢).","vol":"1","page":207},{"text":"وثُبوتهما؛ لأنَّها من المسائل العقدية التي لا تحتمل الخلاف، لوُرودها بأدلة قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة.\n* يقول القاضي عبدُ الجبّار:\n\"فإنّ الأمة أجمعتْ على أنْ لا دارَ غيْر الجنة والنار\". (^١)\nوإنما خالف أهل البدع جماهير أهل السنة في وجودهما، فقد أنكر الجهمية وأكثرُ المعتزلة أن تكون الجنة والنار مخلوقتينِ الآنَ، وقالوا: إنهما تُخلقانِ يوم الجزاء، بل قد زاد في الضلالة مدًا ذلك الذي وصف من يقول بوجودهما الآن بالكفر، وهو هشام بن عمرو الفوطي، وكان من جملة القدرية وزاد عليهم في بدع كثيرة.\nوالذي حملَهم على هذا: إنما هو القياس الفاسد؛ حيث قاسوا أفعال الله -تعالى- على أفعال خلقه، وقالوا: إن الله ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا!!\n** فقالوا:\nخلْق الجنة والنار قبلَ الجزاء عَبَثٌ؛ لأنهما تَصيرانِ معطَّلتينِ مُدَدًا مُتطاوِلة!!\nفردُّوا من النصوص ما خالفَ هذه الشريعةَ الباطلةَ التي وضعوها للرب -تعالى-، وحرَّفوا النصوص عن مواضعها، وضلّلوا مَن خالفَ قولَهم وبدَّعوه. (^٢)\n* والصحيح الذي عليه جماهير أهل السنة، والذي قد دل عليه الكتاب والسنة:\nأنّ الجنة والنار مخلوقتانِ الآن؛ فهذا ما أفادَه النقلُ، وأمّا العقلُ فسواءٌ في ذلك\n_________\n(^١) شرح الأصول الخمسة (ص/٦٢٣).\n (^٢) وانظر التبصير في الدين (ص/٢٦٥) وشرح العقيدة الطحاوية (١/ ٤٢٠)، والفصل في المِلَل والأهواء والنِّحَل (٤/ ٦٨).\nوممن قال بذلك من رُءوس المعتزلة: أبو هاشم، وعبد الجبار.\nوقد خالفهم في ذلك: أبو علي الجبائي، وأبو الحسين البصريّ، وبِشْر بن المعتمر، فقالوا بقول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة. ... وانظر شرح العقائد النسفية\" (ص/٢٥٣)، و\"خلق الجنة والنار بين أهل السنة والجماعة، والمعتزلة \" (ص/١٤٨).","vol":"1","page":208},{"text":"أعَلِمَ الحِكمة من وُجودهما أم لَمْ يَعلم، فمَدارُ الأمر على التسليم.\nوقد نصَّ البيجوري على انعقاد الإجماع على أن الجنة والنار مخلوقتانِ الآنَ، وذلك قَبْلَ ظُهور المُخالِف. (^١)\nقال الغزالي:\n\"قوله -تعالى- عن الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾: دليلٌ على أنها مخلوقة، فيجب إجراؤه على الظاهر؛ إذْ لا استحالةَ فيه، ولا يُقال: لا فائدةَ في خلْقهما قبلَ يومِ الجزاء؛ لأن الله -تعالى- ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] \". (^٢)\n٢) الفلاسفة، والمَلاحدة:\nقالوا: ليس عندنا جنة ولا نار، إنما الربُّ يذكُر ذلك في القرآن من باب زجْر الناس فحسْب.\n** فرعٌ: مكانُ الجنة والنار:\nأمّا الجنة: فهي فوقَ السماء السابعة، وتحتَ عَرْشِ الرحمنِ.\nقال -تعالى-: ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤ - ١٥]،\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا سَأَلْتُمُ اللهَ فاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فإنَّهُ أَوْسَطَ الجَنّةِ، وأعلى الجَنّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنْهُ تفَجَّرُ أَنْهارُ الجَنّةِ». (^٣)\nفثبتَ بهذا الحديث أنّ: الجنة تحت عرش الرحمن.\nوقد ثبتَ في حديث قصة الإسراء في صحيح مسلم (١٦٢): أنّ سِدْرة المنتهَى فوقَ السماء السابعة؛ وعليه فالجنةُ يقينًا -والعلمُ الحق عند الله- فوقَ السماء السابعة، وتحتَ عرش الرحمن، كما دل عليه هذانِ الحديثانِ.\n* أمّا مكانُ النار:\nففي الأرض السابعة: قال -تعالى-: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٧ - ٩].\n_________\n(^١) تُحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص/٥٠٢).\n (^٢) قواعد العقائد (ص/٢٢٧).\n (^٣) البخاري (٧٤٢٣).","vol":"1","page":209},{"text":"و\"سِجِّينٌ\": الأرض السُّفْلَى؛ فالنَّار: في الأرض.\nوقد رُوِيَ في هذا أحاديثُ، لكنها ضعيفة، ورُوِيَ آثارٌ عن السَّلف كابن عباس وابن مسعود، وهو ظاهر القرآن: قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، والذين كذَّبوا بالآيات واستكبروا عنها \"لا شَكَّ أنّهم في النّار\". (^١)\n* وفي حديث البراء -﵁- في حق الكافر، يقول الله: «اكْتُبُوا كِتابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى، فتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا». (^٢)\n* قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى (كلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧» (المطففين: ٧):\nوالصحيح أن \"سجينا\" مأخوذ من السجن، وهو الضيق؛ فإنَّ المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق، والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة. (^٣)\nوالحاصلُ: أنّ الجنة فوقَ السماء السابعة، وسَقْفُها العرشُ، وأنّ النار في الأرض السابعة على الصحيح المعتمَد، والله أعلم. (^٤)\n\n... مسألة:<span data-type=\"title\" id=toc-59> هل تَفْنَى الجنة والنار</span>؟\nذهبَ الجهمية إلى القول بفناء الجنة والنار.\nوهو قول الجَهْم بن صَفوانَ، ووافقه عليه أبو الهذيل العلّاف شيخُ المعتزلة، وبعضُ الروافض.\nوقالوا: إذا كانت الجنة والنار حادثتينِ، فما ثبتَ حُدوثُه استحال بقاؤه، وزاد على\n_________\n(^١) الشرح الممتع (٣/ ١٧٤ - ١٧٥ (.\n (^٢) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وسنده صحيح.\n (^٣): تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٩٨)\n (^٤) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٣٩).","vol":"1","page":210},{"text":"ذلك غيرهم فقالوا: بل يتحول عذابها إلى نعيم، كما قال بذلك ابن عربي وعبد الكريم الجيلي. (^١)\nوقد حكى الإمام أحمد في آخر كتابه [الرد على الزنادقة] مذهبَ الجهمية أنّ النار والجنة تَفنيانِ، وردَّ عليهم ذاكرًا النصوصَ الدالة على عدم فنائهما. (^٢)\nقال ابن القيم:\n\"وأما القول بفناء الجنة والنار فهو قولٌ قالَهُ جهمُ بنُ صفوانَ إمامُ المعطِّلة الجهمية، وليس له فيه سلفٌ قَطُّ من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام، ولا قال به أحدٌ من أهل السنة، وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتْباعه أئمةُ الإسلام، وكفّروهم به\". (^٣)\n*مذهب أهل السنة والجماعة:\nالجنة والنار حق، وهما موجودتانِ الآن، ولا يفنيان.\nوقد تَضافرتْ أدلة الكتاب والسنة على تقرير هذا المعتقَد، فمِن أدلة القرآن:\nقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩» (النساء: ١٦٨ - ١٦٩)، وقال عزوجل ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، وقال تعالى ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]،\nوقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، وقال تعالى ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٨].\n** ومن أدلة السنة:\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يُؤْتَى\n_________\n(^١) وانظر [مقالات الجَهْم] (ص/٦٥٩)، وإبطال القول بوحدة الوجود (ص/٧١) والتبصير في الدين (ص/٣٠٩) وتفسير المنار (٨/ ٦٠)\n (^٢) قال الإمام أحمد: \"تأوّلت الجهميةُ مِن قول الله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، فقالوا: يكون الله الآخِرَ بعدَ الخَلْق، فلا يبقى شيء ولا أرض ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب ولا عرش ولا كرسيّ\". [الرد على الزنادقة] (ص/١٦٨)\n (^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٣٤٨).","vol":"1","page":211},{"text":"بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ»، ثُمَّ قَرَأَ:\n ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]. (^١)\n** وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:\n... «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ». (^٢)\n* الإجماع:\nقال أبو منصور البغدادي:\nأجمع أهل السنة وكل من سلف من أخيار الأمة على دوام بقاء الجنة والنار، وعلى دوام نعيم أهل الجنة، ودوام عذاب الكفرة في النار. (^٣)\nقال ابن حزم:\n\"اتفقت فِرق الأمة كلُّها على أنّه لا فَناءَ للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لِعذابها، إلا الجهمَ بنَ صَفوانَ، وأبا الهذيل العلّافَ، وقومًا من الروافض\". (^٤)\nوممن نقل هذا الإجماع:\nالإمامان الحافظان الرازيَّان أبو حاتم وأبو زرعة كما في \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" (١/ ١٩٩)، ومرعي بن يوسف الحنبلي في رسالته \" توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين\" (ص/٦٤)، وصدِّيق حسن خان في \" يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار \" (ص/١١٧)\n** مسألة فناء نار الكافرين:\nقد نُسبت هذه المقالة لعدد من الصحابة -﵃-، ومنهم:\nعمر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أجمعين، وهنا\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٥٠٨٧).\n (^٢) أخرجه مسلم (١٨٥).\n (^٣) أصول الدين (ص/٢٣٨)\n (^٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٤٥).","vol":"1","page":212},{"text":"أمران:\n١ - الأول:\nأنه لم يصحَّ ذلك عن أحد من الصحابة -﵃- من ذلك شيء. (^١)\nالثاني:\nما روي في ذلك واحتمل سنده الصحة، مثل ما ذكره ابن القيم عن أبي هريرة - ﵁ أنه - قال:\nما أنا بالذي لا أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرا قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الآية. (^٢)\nفيقال فيه أمور:\n١ - الأول:\nأن يتم تأويله ليكون موافقًا لما هو محكم من أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على عدم فناء نار الكافرين، فيؤول كما قال عبيد الله -وهو أحد رواة أثر أبي هريرة السابق -:\n\" كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين\"، فحمل هذا الأثر على الطبقة الي فيها عصاة المسلمين متعيّن؛ وذلك لأنه به يحصل الجمع بين الأدلة.\nونص على مثل صاحب الزواجر، وذكر توجيه الكلام على التنزل بصحة سنده، فقال:\n\" لم يصح عن الصحابة -﵃- من ذلك شيء، وعلى التنزل فمعنى كلامهم كما قاله العلماء ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين، أما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم، لا يخرجون عنها أبدًا، كما ذكره الله -تعالى- في آيات كثيرة \". (^٣)\nونص على مثل هذا التوجيه الخازن في تفسيره، وزاد عليه قائلًا:\n\"وهذا إن صح عن ابن مسعود وأبي هريرة﵃- فمحمول عند أهل السنة على إخلاء أماكن المؤمنين الذين استحقوا النار بعد إخراجهم منها، لأنه ثبت بالدليل الصحيح القاطع إخراج جميع الموحدين وخلود الكفار فيها، أو يكون محمولًا على إخراج الكفار من حر\n_________\n(^١) وقد ذكرَ طرفًا من ذلك تقيُّ الدين السبكي في رسالته [الاعتبار ببقاء الجنة والنار]، ثم ردَّ عليها، وبيَّن ضعف الآثار الواردة عن الصحابة -﵃- في هذا الباب.\n*وممن صنَّف في ذلك: سليمان بن ناصر العلوان في رسالة \"تنبيه المحتار على عدم صحة القول بفناء النار عن الصحابة الأخيار\"، فقد أتى على كل الأثار التي نُسبت للصحابة -﵃وبيّن ضعفها.\n (^٢) وانظر حادي الأرواح (ص/٣٥٩) والدر المنثور (٤/ ٤٧٨)\n (^٣) وانظر \"الزواجر عن اقتراف الكبائر\" (١/ ٣٧)","vol":"1","page":213},{"text":"النار إلى برد الزمهرير ليزدادوا عذابًا فوق عذابهم، والله أعلم. (^١)\n٢ - الوجه الثاني:\nإن أبي المخالف إلا أن يحمل ما هذا الأثر على فناء النار، فإنه يقال: هذا قول صحابي، وقول الصحابي إذا خالف القرآن أو خالف السنة لا يقبل، بل نقل ابن عقيل الإجماع على أن قول الصحابي على صحابي مثله ليس بحجة، فكيف إذا خالف القرآن والسنة وإجماع الأمة؟!!\n* تنبيه مهم:\nقد نُسب لشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه ابن القيّم القولُ بفناء نار الكافرين. (^٢)\nقال الشيخ مقبل الوادعي:\n\"ورَدِّي على الإمام الشَّوكاني لا يُنقص مِن قَدْره، وليس هو أوّلَ واحدٍ أخطأ، فذَلِكُمْ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية، وتلميذُه ابنُ القيّم زَلّتْ أقدامُهما في القول بفناء النار، وقد ردَّ عليهما الصَّنعانيُّ في كتاب \" رفع الأستار في الرد على القائلين بفناء النار \"!! (^٣)\n*نقول أولًا: أما نسبة هذا القول إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فهي باطلة؛ وذلك لأمورٍ:\n١ - الأول:\nأن شيخ الإسلام -﵀- قد سئل عن حديث أنس بن مالك عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «سبعة لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء: النار وسكانها واللوح والقلم والكرسي والعرش»، أهذا الحديثُ صحيح أم لا؟\nفأجاب:\n\"هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي -ﷺ-، وإنما هو من كلام بعض العلماء، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتُها وسائرُ أهل السنة والجماعة على أنّ من المخلوقات ما لا يعدم ولا يَفنى بالكُلّيّة، كالجنة والنار والعرش، وغير ذلك\". (^٤)\n_________\n(^١) وانظر\" لباب التأويل في معاني التنزيل \" (٢/ ٥٠٤) ونص على مثله البغوي في تفسيره (٢/ ٤٠٣)\n (^٢) وممن نسب ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه ابن القيّم السفَّاريني في لوامع الأنوارالبهية (٢/ ٢٣٥) والصنعاني في رسالة سمَّاها\" رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار\".\n (^٣) انظر مقدمة [تحفة الشاب الربّاني في الرد على الشوكاني] (ص/١١)، وهي رد على كتاب الشوكاني [بلوغ المُنَى في حُكم الاستمناء].\n (^٤) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧)، وقد نص على مثله في \"نقض التأسيس\" (١/ ٥٨١)، وانظر \"توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين\" (ص/٣٥)","vol":"1","page":214},{"text":"٢ - الثاني:\nأن شيخ الإسلام قد ذكرَ قول الجهم بن صفوان إنّ الجنة والنار تَفنيانِ ويَفنَى أهلُهما، فقال معقِّبًا: \"وقال أهل الإسلام جميعًا: ليس للجنة والنار آخِرٌ، وإنهما لا تزالان باقيتينِ، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعَّمون، وأهل النار في النار يُعذَّبون، ليس لذلك آخِرٌ\". (^١)\n*ويقول رحمه اللهوهو يقرر شذوذ هذا القول:\n\" يقول هؤلاء: لا نسلم أن ما كان وعدم أو ما سيكون، إذا قدّر أن بعضه أقل من بعض يجب أن يكون متناهيًا، والمؤمنون بأن نعيم الجنة دائم لا ينقضي من المسلمين وأهل الكتاب يسلّمون ذلك، ولم ينازع فيه من أهل الكلام إلا الجهم ومن وافقه على فناء النعيم، وأبو الهذيل القائل بفناء الحركات، وهما قولان شاذان قد اتفق السلف والأئمة وجماهير المسلمين على تضليل القائلين بهما، ومن أعظم ما أنكروه السلف والأئمة على الجهمية: قولهم بفناء الجنة. (^٢)\n٣ - الأمر الثالث:\nأن شيخ الإسلام ابن تيمية لمّا ذكرَ طرفًا ممّا سيكون يوم القيامة من قبض الأرض وطيّ السماوات، قال:\n\" ثمَّ أخبرَ ببقاء الجنة والنار بقاءً مُطلَقًا \". (^٣)\nويقول ﵀:\nوكذلك لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها، أن السماوات والأرض لم تخلقا من مادة، بل المتواتر عنهم أنهما خلقتا من مادة وفي مدة، كما دل عليه القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ\n_________\n(^١) دَرْء تعارُض العقل والنقل (٢/ ٥٠٣).\n (^٢) المصدر السابق (٢/ ٥٠٢)\n (^٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":215},{"text":"عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].\nوهذا الذي يذكره كثير من أهل الكلام، الجهمية ونحوهم في الابتداء، نظير ما يذكرونه في الانتهاء، من أنه تفنى أجسام العالم حتى الجنة والنار، أو الحركات، أو ينكرون وجود النفس، وأن لها نعيمًا وعذابًا، ويقولون: إن ذلك إنما هو للبدن بلا نفس، ويزعمون أن الروح عرَض من أعراض البدن، ونحو ذلك من المقالات التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، إذ كانوا فيها هم والفلاسفة على طرفي نقيض، وهذا الذي ابتدعه المتكلمون باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها. (^١)\n* ومما يُثبت أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية لا يقول بفناء نار الكافرين:\nأنّ النصوص التي يستدل بها القائلون إنّ أبا العباس ابنَ تيمية يرى فناء النار- هي نصوصٌ مجملة، غير صريحة في ذلك،\nأمّا النصوص التي يستدل بها القائلون إنه يرى أبدية النار- فهي صريحة في أنه يرى أبديّتها.\nومن القواعد المقرّرة عند أهل العلم أن \"المجمل مِمّا في نصوص الكتاب والسنة يُرَدُّ إلى المُحْكَم\"، فلا يَتعلق بالمتشابِه والمُجمل ويَتركُ المُحْكَمَ والمُبينَ إلا أهلُ الزَّيغ والضلال.\n* ومما يؤيِّد ذلك:\nأن ابن حزم لما ذكر في كتابه \" مراتب الإجماع \" هذه المسألة فقال:\n\"وأن النار حقٌّ، وأنها دار عذاب أبدًا، لا تفنى، ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية\"، فإن شيخ الإسلام لم يتعقَّب هذا الإجماع كما تعقَّب غيرها من المسائل في نقده لهذه المراتب. (^٢)\n*ثم يقال:\nلو تنزلنا مع الخصم - تجوّزًا - وسلّمنا بصحة نسبة هذا القول لشيخ الإسلام -ولم يُنقل عنه نصٌّ صريحٌ على ذلك- فإنّ غاية ما فيه:\nأن يكون رأيًا رآه في أول حياته، ثم تبيَّن له خلافُه؛ وذلك جَمْعًا بين ما ثبتَ عنه من نقل الاتفاق على عدم فناء النار، وما يُنسب له من القول بفنائها،\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ١٥٢)\n (^٢) انظر مراتب الإجماع (ص/٣٤٣) و\"توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين\" (ص/٣٥)","vol":"1","page":216},{"text":"ولا يمكن أن يَنقل الاتفاق على ذلك ثم يقولَ بخلافه! وقد قال شيخ الإسلام بحياة الخَضِر -﵇-، ثم تبيَّن له الصوابُ في خلافه. (^١)\nأما نسبة هذا القول -الذي هو فناء نار الكافرين- إلى ابن القيم:\nفالذي يَظهر -بعد البحث في هذه المسألة- أنّ ابن القيم له في مسألة فناء النار ثلاثة أقوال:\n*القول الأول:\nذكر فيه الخلاف في مسألة القول بفناء النار، ونقلَ جملة من الآثار عن الصحابة -﵃- في ذلك، ومال إلى تصحيحها، كما نَفَى دلالة القرآن على عدم فناء نار الكافرين، فقال:\n\"فأينَ في القرآن دليلٌ واحدٌ يدل على بقاء النار وعدم فنائها؟ نعم، الذي دل عليه القرآن:\nأنّ الكفار خالدون في النار أبدًا، وأنهم غيرُ خارجينَ منها، وأنه لا يُفَتَّرُ عنهم عذابُها،\nوأنهم لا يموتون فيها؛ وهذا كلُّه مِمّا لا نزاع فيه بين الصحابة -﵃- والتابعين\nوأئمة المسلمين، وليس هذا مَوْرِدَ النزاع، وإنما النزاعُ في أمرٍ آخرَ، وهو أنّه هل النار أبَديّة، أو مما كتب الله عليه الفناءَ؟\nوأمّا كونُ الكفار لا يخرجون منها، ولا يفتَّر عنهم من عذابها، ولا يُقضى عليهم فيموتوا،\nولا يدخلون الجنة حتى يَلِجَ الجملُ في سَمِّ الخِياط، فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة، وإنما خالف في ذلك مَن قد حَكَيْنا أقوالهم من اليهود والاتّحادية، وبعض\nأهل البدع\". (^٢)\n*القول الثاني:\nوقد ذكر فيه التوقُّف في هذه المسألة، فقال:\n\"إنْ قيل: إلى أين انتهى قدمك في هذه المسألة العظيمة؟ قيل: إلى قوله -تعالى-:\n ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:\n_________\n(^١) قد قال شيخ الإسلام بحياة الخَضِر -﵇- وأنه اجتمع بالنبي -ﷺ- [مجموع الفتاوى (٤/ ٣٣٩)]، ثم لمّا تبيَّن له أن الصواب في خلافه قال: \"والصواب الذي عليه المحقِّقون: أنه ميتٌ، وأنه لم يدرك الإسلامَ، ولو كان موجودًا في زمن النبي -﵌- لَوجبَ عليه أن يؤمنَ به، ويجاهدَ معه\". [مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٠٠)]\n (^٢) حادي الأرواح (ص/٣٦٣). وتلاحظ هنا أنّ ابن القيم يفرِّق -لِرأيٍ رآهُ- بينَ مسألة خلود الكفار في النار، والقول بفناء النار.","vol":"1","page":217},{"text":"١٠٧]، وإلى هُنا انتهى قدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب -﵁-\". (^١)\n*القول الثالث:\nوهو القول بما أجمع عليه أهل السنة، وهو دوام نار الكافرين، فقال فى كتابه [الوابل الصَّيِّب] -وهو من أواخر ما ألّفَ:\n\"ولمّا كان الناس على ثلاث طبقاتٍ: طيِّبٌ لا يَشِينُهُ خبثٌ، وخَبيثٌ لا طيبَ فيه، وآخَرونَ فيهم خبثٌ وطيبٌ- كانت دُورُهم ثلاثًا:\nدار الطيب المَحْضِ، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تَفنيانِ، ودارٌ لِمَنْ معه خبثٌ وطيبٌ، وهي الدار التي لا تفنى، وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنّمَ مِن عُصاة الموحِّدينَ أحدٌ، فإنّهم إذا عُذِّبوا بقدر جزائهم أُخْرِجوا من النار فأُدْخِلُوا الجنةَ، ولا يبقى إلا دارُ الطيب المحض، ودارُ الخبث المحض\". (^٢)\nوقال في كتابه \"طريق الهجرتينِ \":\n\"فاقتضتْ حكمتُه -سبحانه- أنْ خلقَ دارًا لِطالِبي رِضاهُ، العاملينَ بطاعته، المُؤْثِرِينَ لِأَمْره، القائمينَ بمَحابِّه، وهي الجنة، وجعلَها محلَّ كلِّ طيِّبٍ من الذوات والصفات والأقوال، وخلقَ دارًا أخرى لِطالبي أسبابِ غَضَبه وسَخَطه، المُؤْثِرينَ لأغراضهم وحُظوظهم على مَرْضاته، العاملينَ بأنواع مخالَفته، القائمينَ بما يَكره من الأعمال والأقوال، وهي جهنّمُ، وأودَعَها كلَّ شيء مكروهٍ، وجعلَ الشر بحَذافيره فيها، وجعلَها محلَّ كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال، فهاتان الداران هما دارا القَرار\". (^٣)\n*وقال في النونية وهو يسرد عقيدة جهم:\nوقضى بأنّ النَّار لَم تُخْلَقْ وَلا... جنّاتُ عدْنٍ بلْ هُمَا عَدَمَانِ\nفإذا هُمَا خُلِقَا ليومِ معادِنَا... فهُما عَلى الأوقاتِ فانِيَتانِ. (^٤)\n* نقول:\nولقد غلَّبَ بعضُ الباحثينَ الظنَّ أنّ ما قاله ابن القيم في [الوابل الصيِّب]\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص/٣٨٧).\n (^٢) الوابل الصيِّب (ص/٢٠)\n (^٣) طريق الهجرتين (ص/١٦١)\n (^٤) الكافية الشافية بشرح الهرَّاس (١/ ٣٩)","vol":"1","page":218},{"text":"و[طريق الهجرتينِ] -وهو الذي يوافق فيه جماهيرَ أهل السنة مِن عدم فناء نار الكافرين، وهو الناسخُ لِما ذكرَه في [حادي الأرواح] و[شفاء العَليل]. (^١)\n*يدل عليه:\nأن كتابه \"الوابل الصيّب\"، والذي يقرر فيه القول بعدم فناء نار الكافرين، قد صنَّفه عندما كان مسجونًا مع شيخه أبي العباس ابن تيمية، وذلك قبل بوفاة ابن القيم بفترة قليلة، وعليه يقال أن كل كلام له في هذه المسألة جاء مجملًا فهو مردود إلى ما ذكره في \"الوابل الصيّب\"، فيكون كلامه هذا المتأخر-ولو على أقل احتمال- ناسخًا لما ذكره في كتبه المتقدمة. ...\n* والخلاصة هذا المبحث:\nأن القول بعدم فناء النار هو أقرب الأقوال لمذهب ابن القيم؛ وذلك لأنه مِن آخرِ ما كَتَبَ،\nوالمقرَّر عند أهل العلم:\n\" أنّ العالِم إذا كان له قولان لم يتبين المتأخِّر منهما، فإنّه يرجَّحُ منهما ما كان موافقًا لمذهب السلف، وقد قُرِّرَ أنّ مذهبَهم: عدمُ فناء النار -أعاذنا الله منها وجميعَ المسلمينَ! -.\n* ثم نقول:\nأمّا الآثارُ التي استدل بها من يقول بفناء النار، فإنّ الصنعانيّ -في كتابه [رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار] - ومحقِّقَه العلّامة الألبانيّ قد بيَّنا أنها آثارٌ لا تصحُّ، والصحيح منها غير صريح؛ فكيف يخالَفُ بها الإجماعُ المنقول عن سلف الأمة وأئمتها؟!\nثم نقول:\nومما يؤيد أن ابن تيمية وابن القيم لم يقولا بفناء النار:\nأنه لم يَنقل أحدٌ من تلامذتهما عنهما هذا القولَ، وتلاميذهما علماءُ محقِّقونَ، وهم كُثْرٌ، أمثال الذهبي، وابن رجب، وابن كثير، والمزّيّ، وابن مُفلح.\n_________\n(^١) وقد أيَّد هذا الاستنتاجَ ببعض الحُجَج الدكتور عليُّ بن علي جابر الحربي اليماني المدرس بجامعة أمّ القرى في جزء سمَّاه [كشف الأستار لإبطال ادّعاء فناء النار]، وهي رسالة في تبرئة أبي العباس ابن تيمية وتلميذِه ابن القيم مِن القول بفناء النار.","vol":"1","page":219},{"text":"* وهنا تنبيه:\nأنه لم يحصل إجماع على تخطئة القول بفناء نار الكافرين وعَدِّه من البدع -كما زعم بعضُهم، فالمسألة خلافية، وإن كان الجمهور لا يرَوْن القول بذلك، لكنه لم يتمَّ إجماعٌ على إنكاره، وإنما هو من المسائل الخلافية التي لا يُبتدع فيها.\nفالقول بفناء النار وَحْدَها - وإنْ كان مخالفًا للصواب ومجانِبًا للحق ولكنّ وصْفُه بالبدعة فضلًا عن وصفه بالكفر محلُّ نظرٍ؛ لاعتماد القائلين به على اجتهادٍ في فَهْم بعض النصوص الشرعية وآثارٍ تُروَى عن السلف في ذلك.\n* عَودٌ إلى حديث الباب:\nقوله -ﷺ-: «أدخلَه اللهُ الجنةَ على ما كان من عملٍ»:\nقوله: «على ما كان من العمل» يحتمل أمرينِ:\nأ) الأول:\nأن يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، على حَسَبِ أعمال كلِّ واحد منهم تكون الدرجات (^١)، كما قال -تعالى-: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩].\nب) الثاني:\nيعني أنّ: مآل العبد هو الجنة ما دام آتيًا بهذه الشهادات الخَمْس مَهْما وقع في ذنوب، وإنْ أصابه قَبْلَ ذلك ما أصابه.\nقال القرطبيّ:\n\"قوله «على ما كان من عمل» أيْ: يُدخله الجنَّة -ولا بُدَّ- سواءٌ كان عمله صالحًا أو سيئًا، وذلك بأن يغفر له السيّئَ بسبب هذه الأقوال، أو يُربيَ ثوابَها على ذلك العملِ السيئِ، وكلُّ ذلك يحصل إن شاء الله -تعالى- لِمن مات على تلك الأقوال، إمّا مع السلامة المطلَقة، وإمّا بَعْدَ المؤاخَذةِ بالكبائر\". اهـ (^٢)\nفي قَوْلِهِ -ﷺ- «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ على ما كانَ منَ الْعَمَلِ»:\nفيه ردٌّ على الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون صاحب الكبيرة، ويخلِّدونه في النار إنْ مات مُصِرًّا عليها،\n_________\n(^١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٦/ ٤٧٥).\n (^٢) الكوكب الوَهّاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (٢/ ٢٦١).","vol":"1","page":220},{"text":"وكذلك فيه ردٌّ على الجهمية وغُلاة المرجئة القائلين: إنه لا يضر مع الإيمان ذنبٌ.\nفالحديث يمثل وسطية أهل السنة والجماعة بين هاتينِ الطائفتينِ.\nوبيان ذلك: أنّ حديث الباب ردّ على المعتزلة في مقامينِ:\nأحدهما: أنّ العصاة من أهل القِبْلة لا يخلَّدون في النار؛ لِعُموم قوله -ﷺ-: «مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ».\nالثاني: أنّ الله -تعالى- قد يعفو عن السيئات قَبْلَ التوبة واستيفاءِ العقوبة؛ فإنّ قولَه: «عَلَى ما كانَ مِنَ الْعَمَلِ» حالٌ مِن الهاء في قولِه: «أَدخلَهُ الجنةَ». (^١)\n** وأمّا المرجئة:\nفكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: إنه مِن العُمومات التي يحتجُّ بها المرجئة: قولُه «مَن شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وأنّ عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، ورُوحٌ منه- أدخلَهُ اللهُ الجَنّةَ»، ونحوُ ذلك من النصوص. (^٢)\n** ولكنّ حديث الباب فيه ردٌّ عليهم:\nحيث ورد في معنى قوله -ﷺ- «أدخلَهُ اللهُ الجَنّةَ على ما كانَ مِنَ الْعَمَلِ»: أنّ المرء قد يؤاخَذُ على ذنوبه التي مات مصرًّا عليها، ثم يكونُ مآلُه إلى الجنة.\nقَالَ البقاعي:\n\" (لا إلَهَ إلَّا اللهُ) أَي: انْتَفَى انْتِفَاءً عَظِيمًا أَنْ يكونَ معبودًا بِحَقٍّ غيرُ الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ، فَإِنّ هَذَا الْعِلمَ هُوَ أعظمُ الذِّكْرَى المُنجيةِ من أهوال السَّاعَة، وَإِنَّمَا يكونُ عِلمًا إِذا كَانَ نَافِعًا، وَإِنَّمَا يكونُ نَافِعًا إِذا كَانَ مَعَ الْإِذعانِ وَالْعَمَلِ بِمَا تَقْتَضِيهِ، وَإلّا فَهُوَ جهلٌ صِرْفٌ\". (^٣)\n-- قال الشيخ العلامة حمد بن محمد بن عتيق -﵀- معلقًا على قوله -ﷺ- «مَنْ شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ»:\n\"أيْ: مَن شهد أنْ لا معبودَ بحقٍّ إلا اللهُ، وقامَ بوظائف هذه الكلمة من إخلاص\n_________\n(^١) فيض القدير شرح الجامع الصغير (٦/ ١٥٩).\n (^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٣، ٦١٤).\n (^٣) فتح الْمَجِيد (ص/ ٣٨)، وتيسير الْعَزِيز الحميد (ص/ ٥٦).","vol":"1","page":221},{"text":"العبادة بجميع أنواعها لله، وتبرَّأَ مِن كل المعبودات سِواهُ، سواءٌ كان ذلك المعبودُ نبيًّا أو غيرَه، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، الصادقُ المصدوقُ، أفضلُ الرسلِ، فهو عبدُ اللهِ ورسولُه، أوجبَ اللهُ -تعالى- على الخلْق طاعتَه، ونهى عن عبادته، وأمرَ بإخلاص العبادة لله بجميع أنواعها، كما قال: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وليس المُرادُ أنّ الإنسان إذا شهِد بهذا من غيرِ عملٍ بمقتضاه يحصل له دخولُ الجنة، بل المراد به: الشهادة لله بالتوحيد، والعمل بما تقتضيه شهادةُ أنْ لا إله إلا الله من الإخلاص، وما تقتضيه شهادة أنّ محمدًا عبده ورسوله من الإيمان به، وتصديقه، واتّباعه\". (^١)\nوعليه، إنما تقوم الشهادتانِ على أركانٍ ثلاثة:\nالعلم، والعمل، والصدق.\nبالعلم يباين طريقة النصارى، وبالعمل يباين طريقة اليهود، وبالصدق يباين طريقة المنافقين.\nفهذه الطوائف الثلاث هي شر الطوائف على وجه الأرض، اليهود والنصارى والمنافقون.\nبالعلم يُباين طريقة النصارى، وبالعمل يباين طريقة اليهود، وبالصدق يباين طريقة المنافقين. (^٢)\nتمَّ بحمد الله\n_________\n(^١) إبطال التنديد باختصار كتاب التوحيد (ص ٢١)، والموسوعة العقدية (٤/ ٤٧٩).\n (^٢) شرح كتاب التوحيد للحازميّ (دروس صوتية - الدرس السابع والتسعون).","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الحديث الثامن: إتحاف الجماعة شرح حديث أسعد الناس بالشفاعة</span>","vol":"1","page":223},{"text":"إتحاف الجماعة شرح حديث أسعد الناس بالشفاعة\n* نص الحديث:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلّا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ قَالَ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ».\n** تخريح الحديث:\nأخرجه البخاري (٤٩٩٩) بَابُ: الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ، وأحمد (٨٨٤٥).\n** معنى الشفاعة في اللغة والاصطلاح:\nالشفاعة في لغة العرب: مشتقة من \"الشفْع\" الذي هو خلاف \"الوتْر\"، والشفع: ما كان من العدد أزواجًا، تقول: كان وترًا فشفعتُه بالآخَر حتى صار شفعًا، وتقول: أعطيتك كتابًا ثم شفعتُه بآخَرَ، أي: صار ما معك زوجًا بعد أن كان وترًا. (^١)\nقال ابن منظور: الشفع: خلاف الوتر، وهو الزوج، تقول: كان وترًا فشفعته شفعًا، وشفعَ الوترَ من العدد شفعًا: صيّره زوجًا، والشَّفيع من الأعداد: ما كان زوجًا، تقول: كان وترًا فشفعتُه بآخرَ. (^٢)\nوسُمي الشافع شافعًا؛ لأنه يضمّ طلبه ورجاءه إلى طلب المشفوع له.\n_________\n(^١) وانظر كتاب العين (١/ ٢٦٠)، وتاج العروس (ص/٢٨٠).\n (^٢) لسان العرب (٨/ ١٨٣).","vol":"1","page":225},{"text":"** الشفاعة في الاصطلاح:\nالتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.\nومناسَبتها للاشتقاق ظاهرة؛ لأنك إذا توسّطتَ له صِرْتَ معه شفعًا تشفعه.\n* والشفاعة تنقسم إلى قسمين:\nشفاعة باطلة، وشفاعة صحيحة.\n- أما الشفاعة الباطلة:\nما يتعلق به المشركون في أصنامهم؛ حيث يعبدونهم ويزعُمون أنهم شفعاء لهم عند الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].\n- وأما الشفاعة الصحيحة فهي ما جمعت شروطًا ثلاثة:\nالأول: رضا الله - تعالى - عن الشافع.\nالثاني: رضاه - تعالى - عن المشفوع له.\nالثالث: إذنه - تعالى - بالشفاعة.\nوهذه الشروط الثلاثة مجموعة في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴿[النجم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].\n** أدلة الشفاعة:\nأمّا من القرآن:\nفقد ذُكِرت الشفاعة في كتاب الله -تعالى- في أكثرَ من عشرين موضعًا، منها:\nقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].\nوأدلة الشفاعة الواردة في القرآن تدل بمُجمَلها على ثبوت الشفاعة يوم القيامة.\nمع العلم بأن كل نص قرآني يفيد نفي الشفاعة عن الكافرين فهو في ذاته دليلٌ على إثباتها لأهل التوحيد، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:","vol":"1","page":226},{"text":"٤٨]؛ إذ لو كانت الشفاعة منفية عن الجميع لم يكُن في نفيها عن الكافرين فائدةٌ.\n*وأما أدلة السنة:\nقد عدَّ السيوطي أحاديث الشفاعة من الأحاديث المتواترة، وذكرَ أنه قد رواها اثنا عشر صحابيًّا. (^١)\nوقد جاءت الأحاديث النبوية مصرِّحةً بذلك، ومن تلك الأحاديث:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:\n «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا». (^٢)\n- وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ:\n «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: ...»، وذكرَ منها: «وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». (^٣)\n* وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ:\n «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ- حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (^٤)\n*أما من الإجماع:\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"أجمع المسلمون على أن النبي -ﷺ- يشفع للخلق يوم القيامة، بعد أن يسأل الناسُ ذلك، وبعد أن يأذنَ اللهُ له في الشفاعة\". (^٥)\n** قال المرداوي:\n\"شفاعة النبي -ﷺ- نوع من السمعيّات، قد وردت بها الآثار حتّى بلغت مبلغَ التواتُرِ المعنويِّ، وانعقد عليها إجماع أهل الحق، قبلَ ظهور الخوارج\n_________\n(^١) وانظر قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة (ص/٣٠٣).\n (^٢) أخرجه مسلم (٣٣٩)، وأحمد (٢١٣١٤).\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ١٠).","vol":"1","page":227},{"text":"الذين ينكرون الشفاعة\". (^١)\n... أقسام الشفاعة:\nالشفاعة العظمى:\nقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهذا المقام المحمود هو الشفاعة العظمى.\nوفي حديث ابن عُمَرَ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-:\n «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ». (^٢)\n** وقد ذكرَ البخاري في صحيحه: باب قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، ثم روى قول ابْنِ عُمَرَ -﵄-:\n\"إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا، يَقُولُونَ: يَا فُلانُ اشْفَعْ، يَا فُلانُ اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ\". (^٣)\nوعن حُذَيْفةَ بنِ اليَمانِ - ﵁ - أنه قال:\n\"يَجْمَعُ اللهُ النّاسَ يَوْمَ الْقِيامةِ فِي صَعِيدٍ واحِدٍ حُفَاةً عُرَاةً كَما خُلِقُوا، يُسْمِعُهُمُ الدّاعِي، وينفذهم الْبَصَرُ، ولا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بإذْنِهِ؛ فأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى: محمد، فَيَقُول:\nلَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ، والْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، ومِنْكَ، وإلَيْكَ، ولا مَلْجَأَ مِنْكَ إلّا إلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وتَعالَيْتَ، وعَلَى عَرْشِكَ اسْتَوَيْتَ، سُبْحانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: اشْفَعْ\". قال: \"فذلك الْمَقامُ المحمودُ الذي وَعَدَهُ اللهُ -﷿-\". (^٤)\n_________\n(^١) اللآلي البهيّة (ص/٩٤).\n (^٢) أخرجه البخاري (١٤٧٥).\n (^٣) أخرجه البخاري (٤٧١٨).\n (^٤) صحيح موقوف. أخرجه ابن أبي زمنينَ في أصول السنة (رقم: ٩٩)، وابن أبي شيبة في مصنَّفه (١١/ ٤٨٤). وانظر الصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين (ص/٢٧١).","vol":"1","page":228},{"text":"** وهذا القسم من الشفاعة هو من خصائصه -ﷺ-؛ فقد ورد في الصحيح من حديث الشفاعة الطويل:\n «يَطُولُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَلَى النَّاسِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى مَنْ يَشْفَعُ إِلَى رَبِّنَا -﷿-... فَيَأْتُونَ آدَمَ ونُوحًا ومُوسَى وعِيسَى -﵈-، كُلُّهُمْ يَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا غَيْرِي... فَيَأْتُونِي، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا». (^١)\n* وقد ذكرَ شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد البر وابن جَرير وغيرُهم أن المقام المحمود المراد في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] هو الشفاعة العظمى، وذكروا أن هذا هو المأثور في تفسير هذه الآية عن الصحابة - ﵃ -، وهو قول جمهور المفسرين. (^٢)\nالشفاعة لأهل الجنة ليدخلوها:\nعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n «إِنِّي لَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ، آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ». (^٣)\nشفاعة النبي - ﷺ - لعمه أبي طالب:\n* عن العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ - ﵁ - أنه قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ- مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟\nقَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٩٠)، وجامع البيان في تأويل القرآن (١٧/ ٥٢٧).\n (^٣) أخرجه مسلم (١٩٧)، وأحمد (١٢٤٢٠).\n (^٤) متفق عليه.\nوقوله \"يَحُوطُكَ\" هو مِن الْحِيَاطَة، وَهِيَ الْمُرَاعَاةُ، وأمّا الضَّحْضَاحُ فهو: مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ \"يُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ\" - فتْح الباري (ج ١١/ ص ٢١٠).","vol":"1","page":229},{"text":"وفي رواية: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ» (^١).\nوهذا النوع من الشفاعة هو من خصائص الرسول -ﷺ-، فالشفاعة منفية عن الكافرين؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وإنما خُصَّ منها أبو طالب عمُّ النبي -ﷺ-؛ لِما كان يقدّمه مِن دفاع عن النبي -ﷺ-، وليس ذلك لقَرابته من الرسول -ﷺ-؛ فقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي\". (^٢)\n* وروى أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:\n «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَلّا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟\nفَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ». (^٣)\n* وهذا يعلمنا درسًا بليغًا ألا وهو فضل العمل للدين، فالله -عزوجل- قد قبل شفاعة نبيه -ﷺ- في كافر لأنه قد ذبَّ عن شخص النبي -ﷺ- وأمَّنه ليبلغ دعوة ربه. فإذا كان هذا أثر العمل للدين من شخص ليس من أهله، فكيف إذا كان من أهله؟!!\nوكم من أناس ماتوا في حياة النبي -ﷺ- فلم يعمد إلى قبر أحدهم للصلاة عليه كما فعل مع المرأة التى\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه مسلم (٩٧٦).\n (^٣) أخرجه البخاري (٣٣٥٠).\nالذيخ: ذَكَرُ الضَّبْعِ الكثيرُ الشَّعَرِ. أُرِيَ أباه على غير هيئته ومنظره؛ ليُسرعَ إلى التبرّؤ منه.\n\"متلطخ\": ملوَّث بالدم ونحوِه.","vol":"1","page":230},{"text":"كانت تقم المسجد النبوي، وما أراه -والله أعلم- فعل ذلك إلا لعظيم فعلها في العمل لدين الله عزوجل.\nالشفاعة فيمن دخل النار ليخرج منها:\nوهذه الشفاعة حاصلة للنبي -ﷺ- ولسائر النبيّينَ والصِّدِّيقِينَ وغيرهم.\nوالأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، بل متواترة، نذكر منها ما يلي:\n- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ». (^١)\n** وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «أَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ»،\nقَالَ: فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: «فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ». (^٢)\n* وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- ذكرَ الصِّراطَ، ثم قَالَ:\n «فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٥).\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":231},{"text":"فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ:\nارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا، فَيَقُولُ اللهُ -﷿-: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ - وفي رواية: «فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي» - فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ». (^١)\nالشفاعة لأُناسٍ قد استحقوا النار في ألّا يدخلوها.:\nوهذه قد يُستدل لها بقول الرسول ﷺ:\n «ما مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جنازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا- إلّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» (^٢)\nفإنّ هذه شفاعة قبل أن يدخل النار، فيشفّعهم الله في ذلك.\nالشفاعة لأناس من أهل الإيمان -قد استحقوا الجنة- أن يزدادوا رِفعةً في الجنة:\nعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه مسلم (١٥٧٧).","vol":"1","page":232},{"text":"فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». (^١)\n... أقسام الناس مع الشفاعة:\nالكلام في قضية الشفاعة يدور بين الغلو والجفو، و﴿هَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]:\nفالمشركون قد غالَوْا في إثبات الشفاعة، فقاموا يستشفعون بالآلهة الباطلة التي عبدوها من دون الله، أو معه؛ ظنًّا منهم أنّ عبادتها وسيلةٌ لأنْ يشفعَ لهم أصحابُها عند الله -﷿-، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]،\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، فالله -﷿- أبطل هذه الشفاعة الشركية، وحكمَ على من تلبَّسَ بها أنه كاذب كَفَّار.\n... وعلى الجانب الآخَرِ...\nيَجيءُ أصحاب المُجافاة من النُّفاة، وهُمْ: الخوارج، والجهمية، والمعتزلة، الذين أنكروا شفاعة النبي - ﷺ - في العصاة من أهل الكبائر، الذين ماتوا دون توبة.\nوأمّا الجهمية:\nفلمّا كان الإيمان عندهم هو المعرفة، والأعمال خارجة عن مسمَّى الإيمان، والكفر محصور في الجهل بالله -تعالى- فحسْبُ، ولا يُتصور عندهم أن يُعذَّب أحدٌ على ذنبٍ- فإنّ قولهم بإنكار الشفاعة مبني على عدم وجود من تَحْصُلُ له أصلًا.\n* وأمّا الخوارج والمعتزلة:\nفلمّا تبنَّوُا الْقولَ إنّ فعل الكبيرة يَسْتوجب أن يخلَّد صاحبُها في نار جهنم، فيرَوْن\nأنّ مَن زنى - مثلًا - ومات مصرًّا على ذلك لا تنفعه الشفاعة، ولن يأذن الله -تعالى-\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٢٠).","vol":"1","page":233},{"text":"لأحدٍ بالشفاعة له. (^١)\nيقول القاضي عبد الجبار- أحد كبار مشايخ المعتزلة - في بيان رأي المعتزلة في الشفاعة:\n\"لا خلاف بين الأمة في أنَّ شفاعة النبي -ﷺ- ثابتة للأمة، وإنما الخلاف في أنها تَثبُتُ لِمَنْ؟ \"،\nثم قال: \"فعندنا أن الشفاعة: للتائبين من المؤمنين\".\nويقول في موضع آخر: \"... فحصلَ لك -بهذه الجُملةِ- العلمُ بأنّ الشفاعة ثابتة للمؤمنين، دُونَ الفُسّاقِ من أهل الصلاة\". (^٢)\n* وأوّلُ مَن أنكرَ الشفاعة في أهل الكبائر هم الخوارج، وذلك في آخِرِ عصر الصحابة -﵃-، ثم سار على دربهم -في إنكار الشفاعة في أهل الكبائر- المعتزلةُ الذين ظهروا في عصر التابعينَ، ووافقوا الخوارج في مآلِ فاعل الكبيرة، فقالوا بخلوده في النار.\n** وقد أنكر الصحابة -﵃- مذهب الخوارج في ذلك، وحدَّثوهم بما سمعوا من النبي -ﷺ- في ذلك.\nقَالَ يَزِيدُ الْفَقِيرُ:\nكُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ:\nفَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، قَالَ:\nفَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللهُ يَقُولُ:\n ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وَ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟\nقَالَ: فَقَالَ: «أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟»\nقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ ﵇ - يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللهُ فِيهِ -؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:\n «فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ»، قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ\n_________\n(^١) وانظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص/١٢٨)، ومقالات الجهم (ص/٦٨٤).\n (^٢) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/٦٨٨)، ونص على مثله في\" فضلُ الاعتزال، وطبقاتُ المعتزلة \" (ص/٧٣).","vol":"1","page":234},{"text":"الصِّرَاطِ، وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ، - قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ - قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا، قَالَ: - يَعْنِي - فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، قَالَ:\n «فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ»، فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ أَتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَرَجَعْنَا، فَلَا وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ واحد. (^١)\nقال أنس بن مالك ﵁:\n «يخرج قَومٌ مِن النَّار، ولا نُكَذِّبُ بها كَما يُكَذِّبُ بها أَهلُ حَرُورَاءَ». (^٢)\n* قال ابن حجر:\n\"إنّ الخوارج - الطائفة المشهورة المبتدعة - كانوا ينكرون الشفاعة، وكان الصحابة ينكرون إنكارَهم، ويحدّثون بما سمعوا من النبي -ﷺ- في ذلك... \"، ثم ذكرَ -﵀- جملة من الآثار في ذلك. (^٣)\n** مما سبق يتضح لنا:\nأن مسألة التكذيب بالشفاعة مسألة قديمة تصدَّى لها الصحابة -﵃-، وبيَّنوا زَيْفها وبطلانها.\n** وأمّا الذي حملَ الخوارج والمعتزلة على إنكار الشفاعة لأصحاب الكبائر فهو جملة من الأمور:\n١) آياتٌ ظاهرُها نفْي الشفاعة عن أصحاب الكبائر.\n٢) أدلةٌ أفادَ ظاهرُها كُفْرَ فاعل الكبيرة.\n٣) دعوى أنّ أحاديث الشفاعة من أحاديث الآحاد التي لا تثبت بها مسائل الاعتقاد.\n٤) دعوى أنّ أحاديث الشفاعة محمولة على الذين تابوا من أصحاب الكبائر.\n٥) شبهات عقلية.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩١)\n (^٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٤/ ٣٤٦)، والبيهقي في البعث (٤٦٧).\n (^٣) فتح الباري (١١/ ٤٢٦).","vol":"1","page":235},{"text":"الجواب عن أصول الشبهات التي استدل بها نفاة الشفاعة:\n١ - أولًا: الشبهة الأولى:\nركنوا إلى جملة من الآيات التي أفادت نفي الشفاعة عن الكافرين، فأنزلوها على عصاة المسلمين من أصحاب الكبائر، كما روى البخاري عن ابْنُ عُمَرَ﵁- أنه كان يَرَاهُم شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ، وَقَالَ عنهم:\n «إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الكُفَّارِ، فَجَعَلُوهَا عَلَى المُؤْمِنِينَ». (^١)\nكقوله تعالى: ﴿واتقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. (^٢)\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ) [الشعراء: ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]\n* والرد أن يقال:\nإنّ مقتضَى الفقه في الدين، واتباع سبيل المؤمنين هو الأخذ بمجموع ما وردَ في الكتاب والسنة، وعدم اجتزاء نصوصهما، وعدم الأخذ ببعض الكتاب والإعراض عن بعض؛ فإنّ ذلك دليلُ هَوى، ومَسْلَكُ زَيغ.\nفجميع ما استدل به نفاة الشفاعة من الآيات هي ليست أصلًا في محل النزاع.\nقال الإمام أبو بكر الآجري:\n\"إنّ المكذّب بالشفاعة أخطأ في تأويله خطأً فاحشًًا، خرجَ به عن الكتاب والسنة؛ وذلك أنه عمدَ إلى آيات من القرآن نزلت في أهل الكفر، أخبر الله -﷿- أنهم إذا دخلوا النار فهم غير خارجين منها، فجعلَها المكذِّب بالشفاعة: في الموحِّدينَ، ولم يلتفت إلى أن أخبار رسول الله -ﷺ- في إثبات الشفاعة إنما هي\n_________\n(^١) ذكره البخاري معلقًا في باب \" قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم\"، وقال ابن حجر:\n\"وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار، وسنده صحيح\". وانظر فتح الباري (١٢/ ٤٠١) والوعد الأخروي (٢/ ٥٨٠)\n (^٢) قال الزمخشري مستدلًّا بهذه الآية على نفي الشفاعة: \"فإنْ قلتَ: هل فيه دليلٌ على أنّ الشفاعة لا تُقبلُ للعُصاة؟ قلتُ: نَعَمْ؛ لأنه نَفَى أن تَقضيَ نفسٌ عن نفسٍ حقًّا أخلّت به مِن فعلٍ أو تركٍ، ثُمَّ نَفَى أنْ يُقبلَ منها شفاعةُ شَفيعٍ؛ فعُلِمَ أنّها لا تُقبلُ للعُصاة\". وانظر الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":236},{"text":"لأهل الكبائر، والقرآن يدل على هذا\". (^١)\n** فأما الرد على استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]\nفحال من يستدل بهذه الآية على نفي الشفاعة كحال من يقول بحرمة الصلاة مستدلًا على ذلك بقول الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤]، فاجتزاء النصوص من سياقاتها هو طريقة أهل البدع؛ فقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ إنما هو في نفي الشفاعة عن المشركين، وسياق الآيات يدل على ذلك، فقد قال -تعالى- قبلها:\n ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾\n [المدثر: ٤٦].\nبل لنا أن نقول:\nإن هذه الآية دليل عليهم، فلما نفَى الله -تعالى- الشفاعة عن الكافرين دل ذلك على وجودها لِمن سِواهم، وإلا لَمَا كان في نفيها عنهم فائدةٌ.\nقال الذهبي:\n\"قال الله في حق الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، فمفهوم أنّ غير الكفار تنفعهم شفاعة الشافعين\". (^٢)\n** وكذلك يقال في الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾؛ فسياق الآيات يتناول نفي الشفاعة عن الكافرين الذين اتخذوا أندادًا مع الله -﷿-: قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ [الشعراء].\n** الرد على استدلالهم بقوله تعالى: ﴿واتقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]:\nاستدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر باطلٌ؛ وذلك لأن الشفاعةَ المنفية في الآية الشفاعةُ للكافرين، ويدل على ذلك وُجوهٌ:\n_________\n(^١) وانظرالشريعة (٣/ ١٢٠٣) والوعد الأخروي (٢/ ٥٨٠).\n (^٢) إثبات الشفاعة (ص/٢٠).","vol":"1","page":237},{"text":"أولًا: إجماع المفسرين على أن المراد بالنَّفْس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا...﴾ هي النفس الكافرة، لا كلُّ نفسٍ، فهي من العامّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ.\nيقول القرطبي:\n\"أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ...﴾ الآية: النفس الكافرة، لا كل نفس\". (^١)\nويقول الطبري:\n\"قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ...﴾ الآية إنما هي لمن مات على كفره غيرَ تائب إلى الله -﷿-؛ فعلى هذا يكونُ من العامِّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ\". (^٢)\nثانيًا:\nأن السِّباق والسِّياق واللحاق من المقيِّدات والمرجِّحات، فالآية التي قبلَها، والآية التي بعدها إنما يوجَّه فيهما الخطاب إلى بني اسرائيل: فقد قال -تعالى- قبلها: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ...﴾، وقال بعدها: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ...﴾؛ فتعَّينَ بذلك أنهم هم المَعْنِيُّونَ بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ...﴾.\nثالثًا:\nأن الآية ليست دليلًا لمُنكِرِي الشفاعة؛ لأنّ قوله تعالى: \"يومًا\" أخرجَه مُنكَّرًا، ولا شكَّ أنّ في القيامة مَواطنَ، ويَومُها معدودٌ بخمسينَ ألفَ سَنةٍ، فبعض أوقاتها ليس زمانًا للشفاعة، وبعضها هو الوقت الموعود، وفيه المقام المحمود لسيِّد البشر -عليه أفضل الصلاة والسلام-.\nقد وردت آيٌ كثيرةٌ تُرشد إلى تعدُّد أيامها واختلاف أوقاتها، منها: قوله تعالى: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] مع قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]؛ فيتعيَّن حملُ الآيتين على يومين مختلفين متغايِرَيْنِ: أحدهما محلٌّ للتساؤل، والآخرُ ليس محلًّا له؛ وكذلك الشفاعة\". (^٣)\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٧٩)\n (^٢) جامع البيان في تأويل القرآن (١/ ٢٣).\n (^٣) الانتصاف فيما تضمَّنه الكشّاف (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":238},{"text":"ثانيًا: الرد على الأصل الثاني الذي بنَوْا عليه ردَّهم لأحاديث الشفاعة:\nقد بنَوْا قولهم في رد الشفاعة في أصحاب الكبائر على جملة من الأدلة التي أفاد ظاهرُها كُفرَ فاعل الكبيرة وخلودَه في النار؛ وعليه قد جعلَ المعتزلةُ\n\"مسألة الوعيد\" هي أحدَ أُصولِهم الخمسة، ومفادها: أنّ المسلم إذا خرج من الدنيا بكبيرة من الكبائر دون أن يتوب منها- يستحق الخلود في النار، ولا يدخل تحت المشيئة. (^١)\nالأدلة التي بنوا عليها هذا الأصل:\nقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا...﴾ [النساء: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان]\nوقول النَّبِيِّ ﷺ:\n\" مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا\". (^٢)\nوقوله ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٣)، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث.\n_________\n(^١) والأَوْلى أن يقال:\nإنّ القول بخلود فاعل الكبيرة في النار على التأبيد- إنّما هو قول جمهور المعتزلة، لا جميعِهم، أمّا ما نقله القاضى عبد الجبّار من إجماع المعتزلة على كفر فاعل الكبيرة، وأنه مخلَّد في النار كالكافر- فهذا إجماعٌ منه فيه نظرٌ؛ فقد قال البغداديّ:\n\"دعوى إجماع المعتزلة على أن الله - سبحانه - لا يغفر لمُرتكبي الكبائر من غير توبةٍ منهم- غلطٌ مِنْهُ عليهمْ؛ لأنّ محمد بن شبيب البصريَّ والصالحيَّ والخالديَّ هؤلاءِ الثلاثة مِن شيوخ المعتزلة، وهم واقفيّةٌ في وعيد مرتكبي الكبائر، وقد أجازوا من الله - تعالى - مغفرةَ ذنوبِهم مِن غير توبةٍ\"؛ لذا قد خصَّ الأشعري الإجماعَ بأهل الوعيد منهم، فقال:\n\"وأجمعَ أصحاب الوعيد من المعتزلة أنَّ مَن أدخله الله -تعالى- النارَ خلَّدَه فيها\".\nوانظر الفَرْقُ بين الفِرَقِ (ص/٩٦) والوعد الأخروي (١/ ٤٥٩)،.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) متفق عليه.","vol":"1","page":239},{"text":"* أمّا الرد على استدلالهم بقوله تعالى:\n... ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] فهذه الآية نزلت في اليهود بدلالة الآية التي سبقتها، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]، فالآية إخبار عن اليهود فيما نقلوه وادَّعَوْه لأنفُسهم من أنْ لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة كما ذكرَ ابن كثير في تفسيره.\nكذلك قد ذكرَ القرطبي أنّ كلمة \"سيئةً\" تعني في الآية: الشِّرْكَ، كما نقلَه ابن جريج عن عطاء. (^١)\n* قال عبد الرحمن السِّعْدي:\n\"قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] قد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية؛ وهي حجة عليهم، فإنها ظاهرة في الشرك، بدليل قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، أيْ: أحاطت بعامِلِها، فلم تَدَعْ له مَنفذًا، وهذا لا يكون إلا الشرك، فإنّ مَن معه الإيمانُ لا تُحيطُ به خطيئتُه؛ وهكذا كلُّ مُبْطِلٍ يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حُجّةٌ عليه\". (^٢)\n* استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]:\nاستدل المعتزلة بهذه الآية على أن قتل المؤمن على وجه التعمُّد- يستحق به الخلود في النار، ولا يمكن حمل الكلام في الآية على الكافر؛ لأنّ \"مَنْ\" لفظٌ عامٌّ، ولأنّ الله جعل ذلك الجزاء لهذا الفعل المخصوص. (^٣)\n_________\n(^١) انظر تفسير القرطبي (٢/ ١٢)، ومختصر تفسير ابن كثير (١/ ٧١).\n (^٢) وانظر تيسير الكريم الرحمن (١/ ٧٥)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/٢٢١).\n (^٣) وهذه الآية أحد الأدلة التي استدل بها القاضي عبد الجبار المعتزليُّ على كفر فاعل الكبيرة. وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/٦٥٩).","vol":"1","page":240},{"text":"-- وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة من وُجوهٍ:\nالأول:\nإن الخلود في الآية إنما هو لمُستحِلِّ القتل، فهذا كافر إجماعًا، وفي هذا يقول الطبري عند تفسير هذه الآية: \"قوله: \"متعمدًا\" أيْ: مستحِلًّا قَتْلَه\".\nويقول القرطبي حاكيًا ما رُوي عن ابن عباس في معنى قوله تعالى: \"متعمدًا\" أنّه قال: \"متعمدًا أيْ: مستحلًا لقتْله، وهو ما يؤدي إلى الكفر إجماعًا، والكافر مخلَّد في النار\". (^١)\nالثاني:\nإن القول بخلود شخص في النار - ومن ذلك القاتل عمدًا - لا بد فيه من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ومن هذه الموانع التي تمنع من الخلود في النار:\nأن يموت القاتل على التوحيد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقوله تعالى:\n ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]\nوقوله ﷺ: «إنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ \"لا إلَهَ إلّا اللهُ\" يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ» (^٢).\nومِثل هذا الجواب يقال في كل دليلٍ نصَّ على خلود فاعل الكبيرة في النار.\n** ومما يدل على أنّ لفظ \"الخُلود\" في حق أصحاب الكبائر ليس على ظاهره: أنّ قوله -ﷺ-:\n «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» أنه قد جاء في حديث آخرَ يبيّن أن قاتل نفسه ليس بكافر.\nفقد روى جابر - ﵁ - أن رَجُلًا مَرِض فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟\nفَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (٦/ ٩١)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ٣٣٤).\n (^٢) متفق عليه. والمراد: تحريم التخليد، أو تحريم دخول النار المُعَدّة للكافرينَ، لا الطَّبَقةِ المعَدّة للعُصاة.","vol":"1","page":241},{"text":"رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ» (^١).\nقال النووي:\n\"في هذا الحديث حُجّةٌ لقاعدة عظيمة لأهل السنة: أنّ مَن قتلَ نفسَه أو ارتكبَ معصيةً غيرَها وماتَ مِن غيرِ توبةٍ- فليس بكافر، ولا يُقطعُ له بالنار، بل هو في حُكم المشيئة.\nوهذا الحديث شرحٌ للأحاديث التي قبلَه المُوهِمِ ظاهِرُها تَخليدَ قاتل النفس وغيرِه من أصحاب الكبائر في النار\". (^٢)\n* وأمّا قوله ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» فتأويلُه على: الكفر غيرِ المُخرجِ من المِلّة.\n* ذكرَ الشالنجي أنه سأل أحمد بن حنبل عن المُصِرِّ على الكبائر يطلُبُها بجهده -أي: يطلب الذنب بجهده- إلّا أنّه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم؛ هل يكون مُصرًّا مَن كانت هذه حالَهُ؟ قال: \"هو مُصِرٌّ، مثل قوله:\n «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» يَخرجُ من الإيمان، ويَقَعُ في الإسلام! ومِن نَحْوِ قولِه: «ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»، ومِن نحوِ قولِ ابنِ عبّاسٍ في قوله:\n ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فقلتُ له: ما هذا الكفرُ؟ قال: كُفرٌ لا يَنقلُ عن المِلّة، مثل الإيمان بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ\". (^٣)\n* قال أبو عبيد:\n\"وأمّا الآثارُ المرويّات بذِكر الكفر والشرك ووُجوبهما بالمعاصي- فإنّ معناها عندنا: ليست تُثبتُ على أهلها كفرًا ولا شركًا يُزيلانِ الإيمانَ عن صاحبه، إنّما وجوهها: أنّها من الأخلاق والسُّنن التي عليها الكفّارُ\". (^٤)\n* وهذا ما دلت عليه الأدلة الأخرى التي أبقت على مُسمَّى الإيمان والأخوّة بين المتقاتلين: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا...﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٦).\n (^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٣٢).\n (^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٥٤).\n (^٤) الإيمان لأبي عبيد (ص/٩٣).","vol":"1","page":242},{"text":"[الحجرات: ٩]، وقوله -﷿-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].\n* قال ابن حزم:\n\"حجة قاطعة على المعتزلة المُسْقِطة اسمَ الإيمان عن القاتل، وعلى كل مَن أسقطَ عن صاحب الكبائر اسمَ الإيمان، وليس لِأَحَدٍ أن يقول: إنّه -تعالى- إنّما جعلَهم إخوانَنا إذا تابوا؛ لأنّ نصَّ الآيةِ أنّهم إخوانٌ في حال البغي، وقَبْلَ الفئةِ إلى الحق\". (^١)\n*وكذلك قوله ﷺ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ». (^٢)\nقال ابن حجر معقِّبًا على هذا الحديث:\n\"وفيها رد على الخوارج الذين كانوا يكفّرون عليًّا ومَن معه ومعاويةَ ومَن معه بشهادة النبي - ﷺ - للطائفتينِ بأنهم من المسلمينَ؛ ومِن ثَمَّ كان سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ يقولُ عقبَ هذا الحديث: \"قوله \"مِنَ المُسلمينَ\" يُعجبُنا جِدًّا\". (^٣) *ومما استدل به نفاة الشفاعة:\nما يُروى عن النبي - ﷺ- أنه قال:\n\" لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي \" (^٤)، وهذا مما لا يصح له سند.\nقال أبو عبد الرحمن الحوت:\nخبر: \" لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي \"، لم يصح، وهو من أكاذيب المعتزلة. (^٥)\nقال مقبل الوادعي:\nبعض الأحاديث الموضوعة تستغلها بعض الطوائف المنحرفة لترويج باطلها، وإليك مثالًا على ذلك وهو ما قرأناه في \"العقد الثمين في معرفة رب العالمين\" ونحن بصعدة \" ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي\"، فهذا حديث ليس له أصل، إنّما هو من أباطيل المعتزلة. (^٦)\n_________\n(^١) الفصل في المِلَل (٣/ ١٣٢).\n (^٢) أخرجه البخاري (٢٧٠٤).\n (^٣) فتح الباري (١٣/ ٦٦).\n (^٤) وانظرالأصول العشرة للإباضية (ص/٢١٢)\n (^٥) أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (ص/١١٦)\n (^٦) وانظر الشفاعة \" (ص/٢٢، ورسالة \"العقد الثمين في معرفة رب العالمين\" من رسائل الهادوية الشيعة التى تدرس في صعدة عند الشيعة.","vol":"1","page":243},{"text":"*نقول:\nبل الذي صح هو خلاف ذلك، فعن أنس بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n «شَفاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». (^١)\n*ومن أدلة حدوث الشفاعة لأهل الكبائر:\nما ورد في حديث أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، فَأَخْبَرَنِي - أَوْ قَالَ:\nبَشَّرَنِي - أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى؟ وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ». (^٢)\nفدلَّ الحديثُ على عدم كفر صاحب الكبيرة الذي مات مصرًَّا عليها، وأنّ مآله إلى الجنة، وإنْ أصابه قبلَ ذلك ما أصابه.\nكما جاء ذلك مفصّلًا في حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أنه - ﷺ - قال لأصحابه:\n «بَايِعُونِي عَلَى أَلّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا- فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». (^٣)\nفدلّتْ هذه الرواية على أن مرتكب الكبيرة الذي لم يتُب منها داخلٌ تحتَ المشيئة، وأن وعيد الله -تعالى- في أمثال هؤلاء قابلٌ للخلف.\n* قال المازني:\n\"في حديث عبادة رد على الخوارج الذين يكفّرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبةٍ؛ لأن النبي - ﷺ- أَخبرَ بأنه\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٣٥)، وأبو داود (٤٧٣٩)، وأحمد (١٣٢٢٢).\nقال ابن كثير: \"إسناد صحيح على شرط الشيخين\". قال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\". وصححه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٧)، وابن حبان (٦٤٦٨)، وابن أبي عاصم، وصححه الحاكم، وصححه الذهبي في رسالته [إثبات الشفاعة]، وصححه الألباني في [المشكاة] (٥٥٩٨ - ٥٥٩٩).\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) متفق عليه.","vol":"1","page":244},{"text":"تحت المشيئة، ولم يقُل: لا بد أن يعذّبه\". (^١)\n*يؤيّده:\nلم تَزَل الأمّة مِن زمن النبي -ﷺ- إلى يومِ الناسِ هذا يُصلُّون على كلِّ مَن مات من أهل القِبلة، وإنْ كان من أهل الكبائر؛ فهذا منهم إجماعٌ ضِمْنِيٌّ على بقاء اسم الإيمان مع كبيرته؛ لأن الصلاة لا تجوز على غير المؤمن بالإجماع. (^٢)\n* قال أحمد:\n\"ومن مات من أهل القبلة موحِّدًا- يُصلَّى عليه، ويُستغفر له، ولا يُحجب عنه الاستغفارُ، ولا تُترك الصلاة عليه لذنبٍ أذنبَه - صغيرًا كان أو كبيرًا - أمره إلى الله تعالى\". (^٣)\n... مما سبقَ يتبيّن لنا:\nالفرق بين طريقة الراسخين في العلم في تناول وفَهم النصوص، وطريقة أهل البدع، ومفاد ذلك في قوله تعالى:\n ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾\n [آل عمران: ٧]؛ فأمّا أهلُ البدع فيتعلقون بما يوافق أهواءهم مِن نُصوص المتشابه، ويغضُّون الطَّرْفَ عن المُحْكَمِ منها، وأمّا أهل العلم الذين هم أهلُه فتراهم يحملون المتشابِه منها على المُحْكم، فيجتمعُ عندهم الحقُّ كلُّه.\nالشبهة الثالثة:\nأمّا دعوى نفاة الشفاعة أنّ أحاديث الشفاعة أحاديث آحاد- فدعوى مردودةٌ على أصحابها؛ إذْ قدْ نصَّ أهلُ العلم على أن أحاديث الشفاعة متواترة، وممّن نصَّ على ذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر، والسخاوي، والقاضي عياض، وغيرهم.\n** قال الذهبي:\n\"فمن رَدَّ شفاعتَه ورَدَّ أحاديثَها جَهْلًا منه- فهو ضالٌّ جاهلٌ قد ظنَّ أنها أخبار آحاد؛ وليس الأمر كذلك، بل هي من المتواتر القطعيّ، مع ما في القرآن من\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٦٨).\n (^٢) الوعد الأخروي (٢/ ٥١٦).\n (^٣) أصول السنة (ص/٦٠).","vol":"1","page":245},{"text":"ذلك: قال الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] \". ا. هـ (^١)\n- قال الباقلاني:\n\"والأخبار في الشفاعة أكثرُ مِن أن يُؤْتَى عليها، وهي كلُّها متواترة متوافية على خروج الموحِّدينَ من النار بشفاعة الرسول -ﷺ وآلِه-، وإنِ اختلفتْ ألفاظُها، وقد أطبقَ سلفُ الأمة على تسليم هذه الرواية وصحّتها مع ظهورها وانتشارها.\nولو كانت مِمّا لم تقُم الحُجّة بها لَطَعَنَ طاعنٌ فيها بدفْع العقل والسمع لها -على\nما يقوله المعتزلة-، ولَكان الصحابةُ -﵃- أعلمَ بذلك وأشدَّ تسرُّعًا إلى إنكارها؛ وفي العلم بفساد ذلك دليلٌ على ثبوت خبر الشفاعة وبُطلانِ قول المعتزلة\". (^٢)\nقال القاضي عياض:\n\"وقد جاءت الآثار -التي بلغت بمجموعها التواتُرَ- بصحة الشفاعة في الآخرة لمُذنِبِي المسلمينَ، وأجمعَ السلف والخلف ومَن بعدَهم مِن أهل السنن عليها\". (^٣)\n* قال الشيخ التاودي في حواشيه على الصحيح:\nوقد نَظَمْتُ ذلك فقلتُ:\nمِمّا تَواتَرَ: حَدِيثُ «مَنْ كَذَبْ» ... و«مَن بَنَى لِله بَيْتًا وَاحْتَسَبْ»\nورُؤْيةٌ، شَفاعةٌ، والحَوْضُ... ومَسْحُ خُفَّيْنِ، وهَذِي بَعْضُ. (^٤)\n*ثم يقال ها هُنا:\nولو تنزلنا وقلنا: \" إن أحاديث الشفاعة أحاديث آحاد\"، فإنّ القول بالتفريق بين الأحاديث المتواترة والآحاد في الاحتجاج في العقائد قولٌ باطل مُبتدَع\n_________\n(^١) إثبات الشفاعة للذهبي (ص/٢٠).\n (^٢) تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل (ص/٤١٩).\n (^٣) شرح مسلم للنووي (٣/ ٣١).\n (^٤) نظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/١٩).","vol":"1","page":246},{"text":"مُحْدَث، لا أصل له في الشريعة، لم يَعرفه السلف، ولم يُنقل عن أحد منهم، بل هذا تفريقٌ مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع الأمة. (^١)\nقال ابن القيم:\n\"وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنّها لم تَزَلْ تحتجُّ بهذه الأحاديث في الخَبَرِيَّات، كما تحتج بها في الطَّلَبِيّاتِ العَمَلِيّاتِ\". (^٢)\nكذلك قد نقلَ مثلَ هذا الإجماعِ: الشافعيُّ في الرسالة، وابنُ عبد البر في التمهيد.\n** فإذا ما سألتَ:\nوما الذي حملَ أهلَ البدع على رد الاحتجاج بأحاديث الآحاد في الاعتقاد خاصّةً؟ فالجواب: ما قاله ابن القَاصّ:\n\"وإنّما دَفَعَ خبرَ الآحاد بعضُ أهل الكلام؛ لعجزه - واللهُ أعلمُ - عن علم السُّنن، زعم أنه لا يقبل منها إلا ما تَواترتْ به أخبارُ مَن لا يجوز عليه الغلطُ والنسيانُ؛ وهذا عندَنا مِنْهُ ذَريعةٌ إلى إبطال سُنن المصطفى ﷺ. (^٣)\n** وهل نقلت إلينا رُءوس مسائل الاعتقاد وأُصولها إلا بنقل الآحاد؟!\nقال ابن حبّانَ:\n\"مَن تنكَّبَ عن قبول أخبار الآحاد فقد عمدَ إلى ترْك السنن كلها؛ لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد\". (^٤)\n٤ - رابعًا: دعوى أنّ أحاديث الشفاعة للذين تابوا من أصحاب الكبائر:\nكما جنح إلى ذلك القاضي عبد عبد الجبار، فجعل أحاديث الشفاعة بناءً على هذا الأصل راجعة إلى نفع التفضل على المشفوع له، ورفعة الدرجات له. (^٥)\n_________\n(^١) لذا فمما نص عليه القاضي عبد الجبار قوله أن حديث \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\" لم يثبت، ولو صح فإنه منقول بطريق االآحاد، فلا يصح الاحتجاج به!! (شرح الأصول الخمسة (ص/٦٩٠»\nقد فصّلنا القول في هذه المسألة بأدلتها في رسالتنا [البيان الأَثِيث في قواعد علم الحديث].\n (^٢) الصواعق المرسَلة (٢/ ٤١٢).\n (^٣) الفقيه والمتفقِّه (ص/ ٢٨١)، وابن القاص هو أحمد بن أبي أحمد الطبري، أبو العباس، الإمام الفقيه، شيخ الشافعية، تلميذ أبي العباس بن سريج، قال ابن خلِّكانَ: \"كان إمامَ وقتِه في طبرستان\"، تُوفي سنةَ (٣٣٥ هـ).\n (^٤) مقدمة صحيح ابن حبان (١/ ١٥٦).\n (^٥) وانظر فضل الاعتزال (ص/٢١٠) ومنهج المتكلمين (٢/ ٦٨١)","vol":"1","page":247},{"text":"ولا شك أن هذا خلاف ظاهر الأدلة الواردة في أحاديث الشفاعة، وذلك من وجوه:\n١ - عموم قوله ﷺ: \"إنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا \". (^١). فهذا يدخل فيه دخولًا أوليًا بلا شك أمسُّ الناس لشفاعته يوم القيامة، وهو أصحاب الكبائر.\n٢ - أن حمل المخالف لقوله ﷺ: «شَفاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». (^٢) على الذين تابوا!! فهذا بلا شك من تحريف الكلام عن مواضعه؛ فلو أن أصحاب الكبائر قد ماتوا على توبة لما قيل في حقهم أهل الكبائر، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكفاهم فضل الله -تعالى- بقبول توبتهم عن حاجتهم لشفاعة الشافعين.\n٣ - قد ثبت في نصوص أحاديث الشفاعة وقوعها لأناس من أهل الكبائر دخلوا النار بالفعل، ثم أدركتهم شفاعة الشافعين فخرجوا منها ودخلوا الجنة، فلو كانوا تائبين لما دخلوها أصلًا؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.\n*خامسًا: الشبهات العقلية التي استدل بها نفاة الشفاعة:\nقول القاضي عبد الجبار:\n\"لقد دلت الدلائل على أن العقوبة تُستحق على طريق الدَّوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة الرسول -ﷺ-، والحالُ ما تقدَّمَ؟! \" (^٣).\n* وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة العقلية:\nبأنّ الأدلة على دوام العقوبة عامّةٌ، وأدلة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر خاصّةٌ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامّ؛ فوجبَ القطعُ بأنّ النصوص التي دلت على الشفاعة مقدَّمة على العمومات الدالّة على دوام العقوبة. (^٤)\n* كذا يُقالُ:\nإنّ هذه الشبهة هي نتيجة قد بُنيت على مقدمة باطلة، وهي أنّ صاحب الكبيرة مآلُهُ الخلودُ في النار، وهذا مما سبقَ بيانُ بُطلانِهِ، وإذا فسدت المقدماتُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٧٣٥)، وسنده صحيح.\n (^٢) سبق تخريجه.\n (^٣) شرح الأصول الخمسة (٦٨٩)\n (^٤) نقد الأصول الخمسة للمعتزلة (ص/٢٤٣).","vol":"1","page":248},{"text":"تَبِعَتْها النتائجُ.\n... ومن شبهاتهم العقلية في رد الشفاعة في أهل الكبائر:\nأن الأمة مُجمِعة على أنه ينبغي أن نَرغب إلى الله -تعالى- في أن يجعلنا من أهل شفاعته -﵇-، ويقولون في جملة أدعيتهم: \"واجعلْنا مِن أهل شفاعته\"؛ فلو كان المستحِقُّ للشفاعة هو الذي خرجَ من الدنيا مُصرًّا على الكبائر لَكانوا قد رَغِبُوا إلى الله -تعالى- في أن يَختم لهم مُصِرّينَ على الكبائر!!! (^١)\n* والجواب من وجوه:\n١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ...» (^٢)، فهلْ أنسٌ -﵁- قد رغِب إلى الله -تعالى- أن يموت مصرًّا على الكبائر؟! وهل يُقرّه الرسول - ﷺ - على ذلك؟!\n٢) أن الشفاعة كما تكون في أصحاب الكبائر حاصلةٌ لأهل الإيمان -كما سبق ذكره- في رَفْعهم في الجنة، وفي استفتاح أبواب الجنة، وفي دخول الجنة بغير حساب.\n٣) وهو ما نص عليه القرطبي، فقال:\n\"إنما يطلب كلُّ مسلمٍ شفاعةَ الرسول -ﷺ-، ويرغب إلى الله في أن تَنالَهُ؛ لاعتقاده أنه غيرُ سالِمٍ من الذنوب، ولا قائمٍ لله -سبحانه- بكل ما افترض عليه، بلْ كلُّ واحدٍ معترفٌ على نفسه بالنقص؛ فهو لذلك يخاف العقاب، ويرجو النجاة، وقال ﷺ:\n «لا يَنْجُو أَحَدٌ إلّا بِرَحْمَةِ اللهِ -تعالى-»، فقيل: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ فقال:\n «وَلا أَنا، إلّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ» \". (^٣)\n\n...<span data-type=\"title\" id=toc-66> أمور تحصل بها شفاعة النبي -ﷺ</span>-:\n١) الإخلاص:\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ:\nقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ -يَا أَبَا هُرَيْرَةَ- أَلّا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٣/ ٤٩٧).\n (^٢) أخرجه أحمد (١٢٨٤٨)، وانظر الصَّحِيحَة (٢٦٣٠).\n (^٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٨٠)، ونقد أصول المعتزلة (ص/٢٤٤).","vol":"1","page":249},{"text":"أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ.\nأَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ قَالَ: \"لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\" خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ». (^١)\n* قال ابن القيم:\n\"وفي قوله «أسعد الناس بشفاعتي: من قال: لا إله إلا الله» سرٌّ من أسرار التوحيد، وهو أنّ الشفاعة إنما تُنالُ بتجريد التوحيد، فمَن كان أكملَ توحيدًا كان أَحْرَى بالشفاعة، لا أنّها تُنال بالشِّرْك بالشَّفيع-كما عليه أكثرُ المشركينَ-، وباللهِ التوفيقُ\". (^٢)\n٢) الحرص على تحقيق التوحيد الخالص:\nعَنْ أَبِي مُوسَى﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِمَنْ كَانَ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَ شَفَاعَةً، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي، ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا». (^٣)\nوفي رواية: «إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي -﷿- الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ -إِنْ شَاءَ اللهُ- مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ -﷿- شَيْئًا». (^٤)\n٣) الموت بالمدينة:\nعنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِيَ الْحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ:\n «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا، فَيَمُوتَ- إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا - أَوْ شَهِيدًا - يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٩).\n (^٢) عون المعبود (١٠/ ٢٥٩).\n (^٣) أخرجه أحمد (١٩٧٣٥)، وسنده صحيح.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) أخرجه مسلم (١٣٧٨).\nقوله \"لأْوائها\": قال أهل اللغة: اللأواء: الشِّدّة والجُوع.\nقوله ﷺ: \"شفيعًا أو شهيدًا\": \"أو\" بمعنى الواو، أو للتقسيم، أيْ: شفيعًا للعصاة منهم، وشهيدًا للطائعين.\nقال القاضي عياض: \"إنّ هذا الحديث رواه جابر وسعد وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عُمَيس وصفيّة بنت أبي عبيد -﵃- عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ، ويَبعُد اتفاقُ جميعِهم أو رُواتِهم على الشك وتطابُقُهم فيه على صيغة واحدة، بَلِ الأظهرُ: أنّه قاله -ﷺ- هكذا\".\nوانظر شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ١٣٧).","vol":"1","page":250},{"text":"وفي رواية: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اسْتَطاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِها، فَإنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِها». (^١)\n٤) الدعاء بعد الأَذان:\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ﵄- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ؛ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ». (^٢)\n٥) كثرة السُّجود:\nعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ -﵁- قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى رَبِّكَ، فَيُعْتِقَنِي مِنَ النَّارِ، فَصَمَتَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ لِي: «إِنِّي فَاعِلٌ، فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». (^٣)\n... أماكنُ حُصُولِ الشَّفَاعَةِ:\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ»، قُلْتُ: فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:\n «اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ»، قُلْتُ: فَإِذَا لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟\nقَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟\nقَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ، فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ مَوَاطِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (^٤)\n... وختامًا:\nتَبقى مسألة الشفاعة مِن أهمّ العلامات الفارقة بين أهل السنة وأرباب البِدَع،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٩١٧)، وصححه الألباني.\n (^٢) أخرجه مسلم (٣٨٤).\n (^٣) أخرجه أحمد (١٦٥٧٩)، وحسنه الألباني.\n (^٤) أخرجه أحمد (١٢٨٤٨)، وانظر الصَّحِيحَة (٢٦٣٠).","vol":"1","page":251},{"text":"فترى كلَّ مَن صنَّفَ في مُعتقَد أهل السنة يسطّر هذه المسألة، ويَسوقُها بأدلتها، ويبيّن زَيْفَ مَن زاغ عن سبيلها، ويوضحُ أنّ مَن نفاها إنّما بنى قوله على سَرابٍ يَحسبه الظَّمْآن ماءً.\nألَا يَخشى هؤلاءِ أن يُحرَموا فضلَ الله ورحمتَه بعباده؟ ألا يَخشَوْنَ أن يُحرموا مَن يشفعُ لهم يوم القيامة؟\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: \"مَن كذَّبَ بالشفاعة، فلا نَصيبَ له فيها\". (^١)\n** قال أبو بكر ابن أبي عاصم:\n\"والأخبار التي روينا عن نبيّنا -ﷺ- فيما فضّله اللهُ -تعالى- به من الشفاعة، وتَشْفيعِهِ إيّاهُ فيما يشفعُ فيه- أخبارٌ ثابتة موجبة بعلم حقيقة ما حَوَتْ على ما اقتصصنا، والصادُّ عن الأخبار المُوجِبة للعلم المتواترة: كافرٌ، وقد ذكرناها... ما دل على عقده من الكتاب. جعلَنا الله وكُلَّ مؤمنٍ بها مؤمِّلٍ لها مِن أهلِها\". (^٢)\nتم بحمد الله\n_________\n(^١) رواه الآجريّ في الشريعة، وصحّحَ إسناده الحافظُ ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٢٦)، ومِثلُ هذا لا يُقال بالرأي. وقد سئل الدارقطنيُّ -كما في [العلل] (١٢/ ١٠٢) - عن حديث عاصم الأَحْول، عن أنس، قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ كَذَّبَ بِالشَّفاعةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْها نَصِيبٌ»، فقال: \"يرويه هارون بن حيان، عن عاصم الأحول، عن أنسٍ مرفوعًا، وخالفه ابن المبارك وأبو معاوية الضرير، فروياه عن عاصم، عن أنس موقوفًا؛ وهو الصوابُ\".\n (^٢) السنة (٢/ ٣٩٩).","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الحديث التاسع: الفرقان في بيان حقيقة الإيمان</span>","vol":"1","page":253},{"text":"الفرقان في بيان حقيقة الإيمان\nنص الحديث\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- عَنِ النَّبِيِّﷺ- قَالَ:\n\" الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ \".\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٩)، كتب، باب الإيمان: \"باب أمور الإيمان، ومسلم (٣٥)، كتاب الإيمان \" باب شعب الإيمان \"\".\n*مقدمة:\nهذا الحديث يعد من أصول المسائل العقدية التي اهتم بها السلف، وذلك لكونه يتضمن مسألة الإيمان.\nولا شك أن مسألة الإيمان من المسائل الفارقة بين أهل السنة وأهل البدعة، وهي من أصول المسائل التى حرص السلف على تبيينها وتفصيلها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوكلام الناس في هذا الاسم -أي الإيمان - ومسمَّاه كثير؛ لأنه قطب الدين الذي يدور عليه، وليس في القول اسم عُلِّقَ به السعادة والشقاء والمدح والذم والثواب والعقاب أعظم من اسم الإيمان والكفر؛ ولهذا سمَّي هذا الأصل \" مسائل الأسماء والأحكام \". (^١)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٨)","vol":"1","page":255},{"text":"-الإيمان لغة:\nمصدر آمن يؤمن إيمانًا؛ فهو مؤمن، ومعنى الإيمان عند العرب: التصديق، فيُدْعَى المصدِّق بالشيء قولًا مؤمنًا به، ويُدْعى المصدِّق قولَه بفِعْله مؤمنًا. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [سورة يوسف: ١٧]، والمعنى: وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا. (^١)\n... والإيمان يكون متعديًا بنفسه ومتعديًا بغيره:\n١ - بنفسه:\nيقال آمنته أى جعلت له الأمن، وهو التأمين من الخوف، قال الله تعالى: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ * وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)\n* قال النبي -ﷺ: \" أنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون \". (^٢)\nومنه اسم الله تعالى: \"المؤمن \"؛ لأنه يؤمِّن عباده من الخوف والفزع يوم القيامة.\n٢ - يتعدى بالباء:\nفيكون معناه: التصديق، فتقول: آمنت بالله أو آمنت برسول الله، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٦]\nولما جاء الرجل يستنصح النبي -ﷺقال: (قل: آمنت بالله ثم استقم). (^٣)\n٣ - ويتعدى باللام:\nويكون معناه: الاتباع والانقياد والإذعان، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]،\n، فيقال آمنت لله أي: أذعنت وخضعت وانقدت لأحكام الله وأوامره.\n* وعليه: فالإيمان ليس قاصرًاعلى التصديق فحسب، بل يشتمل على معنى التصديق والإقرار والانقياد. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر جامع البيان في تأويل القرآن (١/ ٢٣٥)\n (^٢) أخرجه مسلم (٦٦٢٩)\n (^٣) أخرجه مسلم (٣٨)\n (^٤) وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على من جعل الإيمان مجرد التصديق من ستة عشر وجهًا فى كتاب الإيمان (ص/٩٩) ومجموع الفتاوى (٧/ ١٢٢) ومفاد ذلك أن من حصر الإيمان فى التصديق فقوله مردود من وجوه حيث أن الإيمان يقابله الكفر والتصديق يقابله التكذيب، والكفر يكون بالتكذيب وغيره. =\n= كما أن الإيمان لا يفيد معنى التصديق إلا إذا عدِّى باللام (آمن له) (وما أنت بمؤمن لنا) وقد ورد لفظ الإيمان متعدِّيًا بـ (اللام/الباء / وبنفسه)، فدل أن لفظ الإيمان أوسع دائرة من لفظ التصديق، ولو سلمنا أن الإيمان هو التصديق فحسب، فإن التصديق لغة يشمل الأفعال كما فى الحديث (العينان تزني............ والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)\n- ولو سلمنا أن الإيمان هو التصديق لغة فإن قول الشرع مقدّم على اللغة حال التعارض، والشرع قد أوسع دائرة الإيمان فجعل فيها تصديق الجنان وقول اللسان وعمل الأركان، ونظيره.\nلفظ الصلاة لغة - هى الدعاء، ولكن زادها الشرع بإلزام الركوع والسجود فيها مع القراءة..\nوانظر المسائل العقدية التى حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص/٥١٧) وحقيقة الإيمان وبدع الإرجاء (٥٦)","vol":"1","page":256},{"text":"- تعريف الإيمان اصطلاحًا:\nهو قول وعمل ونية واعتقاد، هذا فى الجملة؛ فإنَّ ألفاظ السلف تنوعت فى تفسير الإيمان، وإن كان مقصودهم واحدًا.\n** الإيمان حقيقة مركبة من أربعة أجزاء:\nقول ظاهر وباطن، وعمل ظاهر وباطن، وهذا يعنى أمرين لا نزاع فيهما عند أهل السنة:\n (١) لا يجزئ القول من دون العمل، وهذا بإجماع أئمة السلف.\n (٢) أن الكفر يكون بالقول والعمل، كما يكون بالاعتقاد والترك.\nفالإيمان قول وعمل ونية، أما قول القلب: فهو تصديقه وإقراره ويقينه ومعرفته. أما عمل القلب: فهو تحركه وارادته، مثل الإخلاص والتوكل والرجاء والخوف والوجل والمحبة. (^١)\nوأما قول اللسان:\nفهو الإقرار بالله وبما جاء من عنده، والشهادة لله بالتوحيد ولرسوله - ﷺ - بالرسالة.\n_________\n(^١) والفرق بين قول القلب وعمل القلب:\nأن قول القلب هو العقائد التى يعترف بها ويعتقدها، وأما عمل القلب فهو حركته التى يحبها الله ورسوله ﷺ، وهى محبة الخير وإرادته الجازمة، وكراهية الشر والعزم على تركه.","vol":"1","page":257},{"text":"** الأدلة أنَّ قول القلب من الإيمان:\n١ - أدلة القرآن:\nقال تعالى (إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون/١)\nفقد أثبت عليهم حكم النفاق ونفى عنهم الإيمان؛ وذلك لانتفاء قول القلب، والذي هو الإقرار والتصديق.\nوفي الآية دلالة أن الشهادة ليست قاصرة على قول اللسان، بل يدخل فيها قول القلب، وإن كان الإسلام في الظاهر يكفي فيه نطق الشهادتين.\nوأما أدلة السنة:\nعن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله - ﷺ:\n\" يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ\". (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفمجرد علم القلب بالحق إن لم يقترن به عمل القلب بموجب علمه، مثل محبة القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه بل أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه. (^٢)\n** ثانيًا: أدلة اشتراط قول اللسان:\nقال تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة/١٣٦)\n*وعن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٦)\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٧١)","vol":"1","page":258},{"text":"لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام. (^١)\n- وكذلك أجمع العلماء على ثبوت حكم الإسلام للكافرإذا نطق الشهادتين، نقل هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم، كابن القيم وابن حزم.\nقال ابن رجب:\nومن المعلوم بالضرورة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يقبل مِنْ كل منْ جاءه يريدُ الدخولَ في الإسلامِ الشهادتين فقط، ويَعْصِمُ دَمَه بذلك، ويجعله مسلمًا، فقد أنكر على أسامة بن زيد قتلَه لمن قال: لا إله إلا الله، لما رفع عليه السيفَ، واشتدَّ نكيرُه عليه. (^٢)\nثالثًا: أدلة اشتراط عمل القلب:\nومن أدلة القرآن: قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (البقرة/١٦٥)\nوقال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٧٥)\n* ومن السنة:\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\nالْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ. (^٣)\nوعن أنس مَالِكٍ﵁قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n\" لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٣)\n (^٢) وانظر جامع العلوم والحكم (ص/ ٢٢٨)\n... تنبيه مهم:\nليس المقصود بالشهادتين مجرد الإخبار عما فى النفس من العلم والجزم بأن لا إله إلا الله بل لابد أن يكون ذلك على وجه الإنشاء المتضمن الإلتزام والانقياد، ولهذا لم ينفع اليهود وغيرهم اعترافهم بالنبى - ﷺ - مع قولهم بالتوحيد؛ لأنَّ ذلك كان على سبيل الإخبار دون الرضا والانقياد للشريعة.\n (^٣) متفق عليه","vol":"1","page":259},{"text":"بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوالمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب، حتى عامة فرق المرجئة تقول بذلك. (^٢)\nقال ابن القيم:\nأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب. (^٣)\n* فوائد:\nالأولى:\nلا يكفي مجرد الإقرار بكفر أبي لهب مثلًا، بل إن عمل القلب يستلزم بغضه فى الله، قال تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) (المجادلة/٢٢).\nالثانية:\nعمل القلب من أركان الإيمان وبفقده ينعدم الإيمان فى القلب، فإنَّ كفر فرعون ما كان إلا لانتفاء عمل القلب، بالإضافة الى انتفاء قول اللسان، ومثله كفر أبى طالب، قال تعالى عن آل فرعون (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» (النمل/١٤)\nوقال - تعالى-عن موسى - ﵇فى خطابه لفرعون (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) (الإسراء/١٠٢)\nفلقد أبى فرعون أن ينطق بكلمة التوحيد رغم استيقانه بهذه الكلمة، ومثله ما كان من كفر إبليس، فلقد كفر إبليس من باب الكبر والاستكبار على أمر الله تعالى، رغم ما كان عليه من الاعتقاد القلبى بتوحيد الله، ونطقه بذلك، ومن هذا الباب كفر اليهود فكان من باب زوال عمل القلب، وهم كما قال الله (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٤١)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٠)\n (^٣) الصلاة وأحكام تاركها (ص/٥٦)","vol":"1","page":260},{"text":"رابعًا: عمل الجوارح:\nفعمل الجوارح أصل من أصول الإيمان، وأحد أركانه ودليل ذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب:\nفقد قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البيِّنة/٥)\nفنص الله -تَعَالَى - على أَن عبَادَته فِي حَال الإخلاص وَأقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة الواردتين فِي الشَّرِيعَة كُله دين الْقيمَة. (^١)\nوقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (النساء: ٦٥)\nفنص تَعَالَى وَأقسم بنفسه أَنه لَا يكون المرء مُؤمنا إِلَّا بتحكيم النَّبِي - ﷺ - فِي كل ماعن ثمَّ يسلم بِقَلْبِه، ثم لَا يجد فِي نَفسه حرجًا مِمَّا قضى، فصح أَن التَّحْكِيم شَيْء غير التَّسْلِيم بِالْقَلْب، وَأَنه هُوَ الْإِيمَان الَّذِي لَا إِيمَان لمن لم يَأْتِ بِهِ فصح يَقِينا أَن الْإِيمَان اسْم وَاقع على الْأَعْمَال فِي كل مَا فِي الشَّرِيعَة. (^٢)\n*وأما السنة:\nعن ابن عباس - ﵄قَالَ: قال النبي ﷺ:\n\" أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ \". (^٣)\n* الإجماع: الإيمان\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومعنى ذلك أنه قول القلب وعمل القلب، ثم قول اللسان وعمل الجوارح. (^٤)\nقال الشافعي:\nوكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ممن أدركناهم:\n_________\n(^١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١٠٩)\n (^٢) المصدر السابق (٣/ ١٠٩)\n (^٣) متفق عليه. وترجم له البخارى بقوله: بَاب أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنْ الْإِيمَانِ.\n (^٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧)","vol":"1","page":261},{"text":"أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر. (^١)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nالإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، فالقول تصديق الرسول والعمل تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنًا، والقول الذي يصير به مؤمن قول مخصوص وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة. (^٢)\nوهذا نص من شيخ الإسلام أنه جعل جنس العمل الظاهر ركنًا في الإيمان، وأنه قد حكم على من ترك جنس العمل الظاهر بالكفر والخروج من الإيمان.\nوقال ﵀:\nومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح. (^٣)\n* فائدة:\nلا تعارض بين القول بتكفير تارك العمل بالكلية، كما هو إجماع أهل السنة، وبين الخلاف بينهم في تكفير تارك الصلاة، فالقائل بالمسألة الأولى لا يلزم أن يقول بالثانية، ولا يلزم من حكم الجنس حكم الأفراد، فأهل السنة مجمعون على أنه لا يصح الإيمان مع ترك العمل الظاهر بالكلية، وإن اختلفوا في ترك آحاد العمل كالصلاة.\nلذا فالذي عليه أهل السنة أن العمل الذى هو ركن فى الإيمان إنما هو جنس الأعمال، وليس كل فرد من أفراد العمل الظاهر، إلا إذا دل دليل خاص على أن عملًا بعينه من أعمال الجوارح تركه كفر، كترك الصلاة، على الراجح من أقوال أهل العلم.\nفالقاعدة هنا:\n:\n\"جنس العمل ركن في الإيمان لا آحاده، إلا بدليل \"\nوأما الذي عليه المعتزلة والخوارج:\nأنَّ كل فرد من أفراد العمل ركن فى الإيمان، يُفقد الإيمان بفقده،\n_________\n(^١) شرح اعتقاد أهل السنة (٤/ ١٤٩)\n (^٢) شرح العمدة (٢/ ٨٦)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١١)","vol":"1","page":262},{"text":"لذا فلا يجتمع عندهم فى الشخص الواحد حسنات وسيئات وثواب وعقاب، ومن وقع فى كبيرة فقد خرج من الإيمان. (^١)\n_ قال أبو العباس ابن تيمية:\nولا منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرُحم ويُحب من وجه ويُعذَّب ويبغض من وجه آخر، ويثاب من وجه ويُعاقب من وجه؛ فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن الشخص الواحد يجتمع فيه الأمران، خلافًا لما يزعمه الخوارج ونحوهم من المعتزلة، فإن عندهم أن من استحق العذاب من أهل القبلة لا يخرج من النار فأوجبوا خلود أهل التوحيد. (^٢)\n* فصل في: الإيمان يزيد وينقص، وأدلة ذلك:\nوهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة:\nوأما أدلة القرآن: قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر /٣٢)\n* فالآية تضمنت ثلاث درجات:\nالأولى:\nمن حقق كمال الإيمان المستحب، فهم السابقون بالخيرات الذين أدوا\n_________\n(^١) وعليه فقد جعل المعتزلة \" مسألة الوعيد\" هي أحد أصولهم الخمسة، والتي مفادها أن المسلم إذا خرج من\nالدنيا بكبيرة من الكبائر دون أن يتوب منها فإنه يستحق الخلود في النار، ولا يدخل تحت المشيئة.\nوالذي يقال هنا -من باب الإنصاف-أن القول بخلود فاعل الكبيرة في النار على التأبيد إنما هو قول جمهور المعتزلة، لا جمعيهم؛ أما ما نقله القاضى عبدالجبارمن إجماع المعتزلة على كفر فاعل الكبيرة، وأنه مخلد\nفي النار كالكافر، فهذا إجماع منه فيه نظر؛ فقد قال البغدادي:\n\" دعوى إجماع المعتزلة على أن الله - سبحانه -لا يغفر لمرتكبى الكبائر من غير توبة منهم غلط منه عليهم،\nلأن محمد بن شبيب البصرى والصالحى والخالدى هؤلاء الثلاثة من شيوخ المعتزلة وهم واقفية فى وعيد مرتكبى الكبائر، وقد أجازوا من الله تعالى مغفرة ذنوبهم من غير توبة \" لذا فقد خص الأشعري الإجماع بأهل الوعيد منهم، فقال (وأجمع أصحاب الوعيد من المعتزلة أن من أدخله الله - تعالى- النار خلَّده فيها).\nوانظر الوعد الأخروي (١/ ٤٥٩) والفَرق بين الفِرق (ص/٩٦)\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٩٤)","vol":"1","page":263},{"text":"الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرَّمات والمكروهات، بل وما قد يقدح في كمال توكلهم، كالاسترقاء والكي، فهؤلاء هم المقرَّبون السابقون بالخيرات.\nالثانية: من حقق كمال الإيمان الواجب:\nوهم المقتصدون الذين اقتصروا على أداء الواجبات وترك المحرَّمات، دون أن يزيدوا على ذلك بفعل النوافل، كما فى حديث (أفلح إن صدق) (^١)\nالثالثة: من حقق أصل الإيمان:\nوهم الذين معهم أصل التوحيد، وقد اجترؤوا على فعل المحرَّمات دون توبة، وقصَّروا في فعل بعض الواجبات، فهؤلاء هم الظالمون لأنفسهم، وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه، والمقتصد والسابق. (^٢)\n٢) قال تعالى (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب/٢٢)\nوقال تعالى (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا) (مريم/٧٦)\n* ومن السنة:\nعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁عَنْ النَّبِيِّ -ﷺقَالَ:\nيَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ \". (^٣)\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال:\n\" ما رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ\n_________\n(^١) وهذا الحديث فيه دلالة أن من حقق كمال الإيمان الواجب، دخل الجنة من أول وهلة، لذا فقد ترجم القرطبي لهذا الحديث عند شرحه لمسلم بقوله (باب / من اقتصر على فعل ما وجب عليه وترك ماحرم عليه دخل الجنة)\n (^٢) فائدة:\nالله عزوجل بعدذكره لهذه الأقسام الثلاثة قال (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) والواو في قوله (يدخلونها) شاملة للظالم، والمقتصد والسابق، على التحقيق. ولذا قال بعض أهل العلم:\nحق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم الظالم لنفسه يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن الأقسام الثلاثة، ولذا قال بعدها متصلًا بها ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنّم﴾ [فاطر: ٣٦]، وانظر أضواء البيان (٥/ ٤٩٠)\n (^٣) متفق عليه، وقد بوَّب الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: بَابٌ: تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ.","vol":"1","page":264},{"text":"وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ:\nأَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: \"بَلَى\"، قَالَ:\nفَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ بَلَى، قَالَ:\nفَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا \". (^١)\nوَفِيهِ بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه، وأَنَّ النَّقْصَ مِنَ الطَّاعَاتِ نَقْصٌ مِنَ الدِّينِ (^٢).\n*عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ-:\n «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». (^٣)\nوكان معَاذ بن جبل -﵁- يَقُول للرجل من إخوانه: \" اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً \". (^٤)\n* وكان عمر بن الخطاب -﵁- يقول لأصحابه: «هلموا نزداد إيمانًا، فيذكرون الله تعالى». (^٥)\n*الإجماع على أن الإيمان يزيد وينقص:\nقال ابن عبد البر:\nأجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان. (^٦)\nوقال ابن كثير:\nفالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملًا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (^٧)\n* الإيمان عند الفِرَق وأقوالهم فيه:\nتدور رحى المخالفين لأهل السنة في باب\n_________\n(^١) متفق عليه، وقد بوَّب له الترمذي بقوله: بَاب: \" ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه \".\nقال شيخ الإسلام:\nوجعل من نقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وبهذا استدل غير واحد على أنه ينقص.\nوانظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٥١)\n (^٢) وانظر شرح النووي على مسلم (٢/ ٦٧) وشرح السنة للبغوي (١/ ٣٨)\n (^٣) أخرجه أبو داود (٢٤٨٧) والترمذي (٢٦١٢)، قال الترمذي: \"هذا حديث حسن\".\n (^٤) أخرجه البخاري معلقًا، باب الإيمان، ووصله ابن حجر في التغليق وصححه (٢/ ٢١)\n (^٥) أخرجه الآجري في الشريعة (١/ ٢٦٢) وصححه عمرو عبد المنعم سليم، وانظر الإيمان لأبي يعلى (ص/٤٣٠) والإبانة لابن بطة (٢/ ٨٤٦).\n (^٦) التمهيد (٤/ ٢٠٧)\n (^٧) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٦٥)","vol":"1","page":265},{"text":"الإيمان بين غلاة التكفير، وهم الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، وبين دعاة الإرجاء على اختلاف دركاتهم، بدءًا من غلاة الإرجاء وهم الجهمية، حتى مرجئة الفقهاء.\n* ذكر فرق الإرجاء:\nوقد أطلق مصطلح الإرجاء لأحد أمرين:\n (١) لأن أصحابه غلَّبوا جانب الرجاء.\n (٢) أن الإرجاء من تأخيرالعمل الجوارح، وإخراجه من الإيمان.\nوقد ذكر أبو الحسن الأشعري فرق الإرجاء فبلغ بها اثنتا عشرة فرقة (^١)، نذكر أهمها وهو أربعة:\n (الجهمية - الكرَّامية - مرجئة الفقهاء - الأشاعرة والماتردية)\n١ - أولًا: الجهمية:\nوهم من يطلق عليهم غلاة المرجئة، فإن الإيمان عندهم هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط، فجهم قد حصرالإيمان فى معرفة القلب.\n* ولكن هنا فوائد:\n... (١) لا يرى شيخ الإسلام ابن تيمية ثمة فرق بين القول بأن الإيمان هو المعرفة، وبين القول بأنه مجرد التصديق.\nقال ﵀:\n\" وأيضا فإنَّ الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد الذي يُجعل قول القلب؛ أمر دقيق وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلَّاب والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق \".\nإلى أن قال:\nوالمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقًا مجردًا عن انقياد وغيره من\n_________\n(^١) فالمرجئة عند أصحاب المقالات أربعة أصناف:\n\" مرجئة القدرية، ومرجئة الخوارج، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة \"، والأخيرة هى التى يُطلق على مرجئة أهل السنة، وذلك إشارة إلى المرجئة الخالصة التى لم تجمع بين الإرجاء وغيره من البدع المشهورة، وهذا بخلاف مرجئة الفقهاء، وسيأتى بيانهم.\nوانظر مقالات الإسلاميين (ص/٨١ - ٩٣) والفَرق بين الفِرق (ص/١٧٨ - ١٨٦)","vol":"1","page":266},{"text":"أعمال القلب بأنه صادق. (^١)\n (٢) جهم وإن حصر الكفر فى جهل القلب، إلا أنه التزم القول بأن من أتى المكفِّرات الظاهرة فهو كافر فى أحكام الدنيا، مع الحكم بأنه مؤمن فى الباطن، وأنه من أهل الجنة.\n (٣) قد تخبَّط جهم - بناء على أصوله الفاسدة فى الإيمان - فى حكم تكفيرفرعون؛ ففي \" الفتوحات \" يحكم عليه بالكفر زاعمًا أنه لم يكن فى قلبه شيء من المعرفة بالله، وأما فى \"الفصوص\" فيقول:\n\"إن فرعون مات مؤمنًا، وقُبض طاهرًا مطهَّرًا \"!! (^٢)\n* الرد على قول الجهمية:\n١ - لقد كان إبليس عارفًا بالله مصدِّقًا بربوبيته، قال الله -تعالى- حاكيًا عن إبليس (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر/٣٩) وقال (فَبِعِزّتك لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (ص/٨٢)\nوكذلك كان فرعون قال تعالى (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) (الإسراء/١٠٢)، وقال تعالى عن فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل/١٤)\nممَّا يدل على أن إبليس وفرعون كانا يصدِّقان بوجود الله - تعالى - ويعرفونه، ومع ذلك لم ينفعهم هذا التصديق وحكما عيهم بالخلود في النار، فدل ذلك أن المعرفة وحدها لا يصح بها الإيمان، وأن الكفر لا يختص بالجهل كما زعم جهم ومن وافقه.\n٢ - قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحقَ وَهمْ يعلَمونَ) فأخبر الله - تعالى - بمعرفة اليهود لصدق النبيﷺ- ومع ذلك لم ينفعهم ذلك، بل قاتلهم الرسول - ﷺ- وأخرجهم من ديارهم.\n_________\n(^١) وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٧ - ٤٠٠) والإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل (١/ ١٩٧)\n (^٢) وانظر فصوص الحكم (ص/٢٩١) والفتوحات المكية (١/ ٣٠١)","vol":"1","page":267},{"text":"قال ابن حزم:\nقد نَص الله -﷿على أَن الْيَهُود يعْرفُونَ النَّبِي - ﷺ - كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَأَنَّهُمْ يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَقَالَ تَعَالَى\n ﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ وَأخْبر تَعَالَى عَن الْكفَّار فَقَالَ\n ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله﴾ فَأخْبر- تَعَالَى- أَنهم يعْرفُونَ صدقه وَلَا يكذبونه، وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى وهم كفَّار بِلَا خلاف من أحد من الْأمة، وَمن أنكر كفرهم\nفَلَا خلاف من أحد من الْأمة فِي كفره وَخُرُوجه عَن الْإِسْلَام، وَنَصّ تَعَالَى\nعَن إِبْلِيس أَنه عَارِف بِاللَّه تَعَالَى وبملائكته وبرسله وبالبعث وَأَنه قَالَ ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ وَقَالَ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وَهُوَ مَعَ ذَلِك كُله كَافِربِلَا خلاف. (^١)\nقال ابن القيم:\nأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسولﷺ - بل ويقرُّون به سرًا وجهرًا، ويقولون ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به. (^٢).\n٣ - زعمهم أن إتيان الكفر بالجوارح واللسان ليس بذاته كفرًا، بل يكون دالًا على\nما في قلوبهم من الكفر فهذه منهم دعاوى كاذبة مفتراة، لا دليل لهم عليها ولا برهان لا من نص ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من حجة عقل أصلًا ولا من إجماع ولا من قياس ولا من قول أحد من السلف قبل اللعين جهم بن صفوان.\nقد قَالَ تعالى ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ (التوبة: ٧٤)، فنص تَعَالَى على أَن من الْكَلَام مَا هُوَ كفر.\nوَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (النساء: ١٤٠)\nفنص تَعَالَى أَن من الْكَلَام فِي آيَات الله - تَعَالَى - مَا هُوَ كفر بِعَيْنِه مسموع.\nوَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ\n_________\n(^١) الفِصَل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١١٠)\n (^٢) الصلاة وحكم تاركها (ص/٥٦)","vol":"1","page":268},{"text":"وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (التوبة: ٦٥)\nفنص تَعَالَى على أَن الِاسْتِهْزَاء بِاللَّه -تَعَالَى- أَو بآياته أَو برَسُول من رسله كفر، فَخرج عَن الْإِيمَان، وَلم يقل تَعَالَى فِي ذَلِك أَنِّي علمت أَن فِي قُلُوبكُمْ كفرًا، بل جعلهم كفَّارًا بِنَفس الِاسْتِهْزَاء، وَمن ادّعى غير هَذَا فقد قَوَّل الله -تَعَالَى - مَا لم يقل، وَكذب على الله تَعَالَى. (^١)\n٤ - من اللوازم الباطلة لقول الجهمية:\nأ) الحكم بالإيمان على كل من صدَّق الرسول ﷺ، وإن حارب دعوته وعارض شريعته، ولم يلتزم متابعته لا ظاهرًا ولا باطنًا.\nب) أن المصدِّق بقلبه لا يضره أن يجحد بلسانه، لأن الإيمان الذي يبنى على مجرد المعرفة لا يزول بجحود اللسان.\n٢) ثانيًا: الإيمان عند الكرَّامية:\nوالإيمان عند الكرَّامية هو قول اللسان، وهو قول مجرد، لا هذا القول الذي يقوله القائل الآن أنه لا إله إلا الله، ولكن هذا القول الذي صدر عن ذرية آدم في وقت الميثاق. وأنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى فيه، دون اشتراط تصديق القلب أوعمل الجوارح في أحكام الدنيا، فمن تكلَّم بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان؛ لأن النبي - ﷺ - قَبِل إسلام الناس بمجرد قولهم للشهادتين.\n* لذا فالمنافق - وإن أظهر نفاقًا واضحًا - فهو عندهم مؤمن، إلا إنه يخلَّد فى النار. (^٢)\n_________\n(^١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٤)\n (^٢) وانظر الإيمان لابن منده (١/ ٣٣١) والتبصير في الدين (ص/٣١٨) ومقالات الإسلاميين (ص/٨٦)\nوللحق نقول:\nما نسبه ابن حزم إلى الكرَّامية أنهم يقولون بنجاة المنافق الذي يعتقد النفاق بقلبه من الخلود في النار فغير صحيح، لذا فقد فإن شيخ الإسلام ابن تيمية قد خطَّأ من حكى عن الكرَّامية ذلك، وذكر أن المؤمن المستحق للجنة لابد أن يكون مؤمنًا في الظاهر والباطن باتفاق أهل الملة.\nوقال ﵀:\nقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة وهو غلط عليهم؛ إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم، بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل. وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ١٤١ - ٢١٦)","vol":"1","page":269},{"text":"* الرد على الكرَّامية:\nقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا قول الكرَّامية في الإيمان هو قول ابتدعته، ولم يسبقها أحد إلى هذا القول، وهو آخر ما أُحدث من الأقوال في الإيمان.\nقد قال تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤» ... (الحجرات/١٤)\nومعلوم أنه قد وقع منهم القول الظاهر، الذي هو الإقراربالشهادتين، ولم يجعلهم بذلك مؤمنين؛ لعدم دخول الإيمان في قلوبهم بعد. (^١)\nالإجماع:\nقال النووي:\nومن أقوى ما يُرد به على الكرَّامية إجماع الأمة على إكفَّار المنافقين. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوالكرَّامية يقولون: من تكلَّم به بلسانه دون قلبه فهو مؤمن كامل الإيمان وإنه من أهل النار، فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذَّبًا في النار، بل يكون مخلَّدًا فيها، وقد تواتر عن النبي - ﷺأنه ﴿يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان﴾، وإن قالوا لا يخلَّد وهو منافق لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، والمنافقون قد قال الله فيهم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. (^٣)\n** قَالَ أَبُو مُصْعَب الْمَدَنِي: مَنْ قال الْإِيمَان قَول يستتَاب، فَإِن تَاب وَإِلَّا ضُرِبَت عُنقه. (^٤).\n_________\n(^١) وانظر الإيمان لأبي يعلى (ص/٣٩٤)\n (^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ١٤٧)\n (^٣) بتصرف يسيرمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٦)\n (^٤) سنن الترمذي (٢٦٢٢)","vol":"1","page":270},{"text":"*ثم نقول:\nأننا نتفق معكم أن نطق الشهادتين يكفي في الحكم بإسلام قائلها ظاهرًا، وبها يُعصم مال المرء ودمه، ولكنه إذا أظهر نفاقًا جليًا واضحًا، حكمنا بنفاقه النفاق المخرج من الملة؛ فإنّ الأحاديث التي نصت على عصمة المال والنفس لمن نطق بكلمة التوحيد ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بالآيات التي دلت على الحكم بالنفاق على أناس نطقوا الشهادتين، وقد أتوا بالنفاق الأكبر المخرج من الملة.\n* الإيمان عند الأشاعرة والماتريدية:\n١ - الإيمان عند الأشاعرة هو التصديق بالقلب، ولولم ينطق بلسانه، فقول اللسان عندهم شرط فقط لإجراء الأحكام الدنيوية، من التوارث والتناكح والصلاة خلف المرء وعليه، ودفنه في مقابر المسلمين.\nفمن صدَّق بقلبه ولم ينطق فهو مؤمن، إلا إذا دُعِى للنطق بالشهادتين فأبى، فهنا تجري عليه أحكام الكفَّار في الدنيا والآخرة.\n٢ - أعمال الجوارح ليست داخلة في الإيمان، بل هي شرط كمال فيه، والإيمان يزيد وينقص. (^١)\nالبيجوري:\nوالعمل شرط كمال من المختار عند أهل السنة -يقصد الأشاعرة - فمن أتى به حصَّل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوَّت على نفسه الكمال، إذ لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشرع أو شك، إلا فهو كافر فيما عُلِم من الدين بالضرورة. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر شرح المواقف للجرجاني (٨/ ٣٥١) والإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/٣٩٧) وشرح الصاوي على الجوهرة (ص/١٣٢)\n (^٢) وانظر شرح العقائد النسفية (ص/٢٧٥) وشرح جوهرة التوحيد (ص/٨٨)\n* تنبيه مهم:\nقد رجَّح صاحب الجوهرة أن قول اللسان مع تصديق القلب شرط فى صحة الإيمان، ولكنَّ الأشاعرة فيما ذهبوا إليه فى مسألة الإيمان فهم غير ملزمين بالقول بإيمان أبي طالب مثلًا؛ لأنهم يقولون أن الذى يُطلب منه قول اللسان فيتركه إباءً فهو كافر، كما نص عليه البيجوري في التحفة (ص/٤٥).\nوقد ذكرنا فيما سبق ضعف قولهم بأن قول اللسان ليس شرطًا فى صحة الإيمان؛ فقول اللسان مع عمل القلب وقوله. وعمل الجوارح هو مجموع ما يحصل به أصل الإيمان بإجماع أهل السنة والجماعة.\nفإن قيل:\nفما الفارق بين قول الجهمية فى الإيمان الذى هو المعرفة، وقول الأشاعرة الذى هو التصديق؟\nفالجواب:\nأنَّ متأخرى الأشاعرة لا يُثبتون تصديقًا مجردًا عن أعمال القلوب، بل يُدخلون فى التصديق الإذعان والإنقياد والقبول، كما أنهم يُكفِّرون المشركين الذين عرفوا الحق ولم ينقادوا له.\nوانظرنقد الجوهرة (ص/٨٩)","vol":"1","page":271},{"text":"- وقال وعن القول بأن نطق اللسان شرط لصحة الإيمان:\nهو قول ضعيف، كالقول بأنه شطر منه، والراجح أنه شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، فهي شرط كمال في الإيمان على التحقيق. (^١)\n٣ - قد ذهب جمهور الأشاعرة إلى القول بزيادة ونقصان الإيمان، وهذا عندهم باعتبار التصديق القلبي، وهو ما نص عليه البيجوري فى تحفة المريد، ومنهم من لم يجعل التصديق محلًا للزيادة والنقصان، وقصر ذلك على أعمال الجوارح وقول اللسان\nفقط، والتي لا تدخل عندهم أصالة في الإيمان. (^٢)\nيقول سعد الدين التفتازاني:\nحقيقة الإيمان لا تزيد ولا تنقص، لما مر من أنه- أي الإيمان- التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يُتصور فيه زيادة ولا نقصان. (^٣)\n٤ - تبنّت طائفة من الأشاعرة بقول الجهمية في الإيمان، ولكنهم لم يلتزموا بلوازم هذا القول، بل التزم الأشعري التناقض الواضح عندما قبل أن يقول أن إبليس لمَّا كفَّر نُزعت منه المعرفة، وكذا وقع لفرعون، ولكن لمَّا لم يلتزم بلازم قوله دل على تناقضه، وبطلان أصل القول؛ لأن القول إذا لزم منه البطلان كان باطلًا. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر حاشية البيجوري على متن السنوسية الصغرى (ص/٥٧) والإيمان عند السلف (١/ ٢٣١)\n (^٢) وللأشاعرة فى مسألة زيادة ونقصان الإيمان أربعة أقوال، لكن جمهورهم على ما ذكرنا أعلاه.\nانظر لذلك:\nالعقيدة النظامية للجوينى (ص/٢٦٨) والمجرد لابن فورك (ص/١٥٣) وتحفة المريد (ص/١٥٠) والاقتصاد للغزالي (ص/١٢٢)\n (^٣) العقائد النسفية (ص/٢٧٨)\n (^٤) وانظر إبطال القول بوحدة الوجود (ص/١٠٩ - ١٠١)\n*تنبيه:\nوأما قول أبى الحسن الأشعري في الإيمان فله فيه قولان:\nالأول الذي ذكره في كتبه (المقالات، والإبانة) وهو موافقة أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والثاني: ما ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن أبا الحسن يقول بقول الصالحي في الإيمان، أنه هو معرفة الله، والكفر هو الجهل به، ونص أنه أشهر قولي أبي الحسن.\nوانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٥٤٤ - ٥٨٢) والإيمان عند السلف (١/ ٢٢٣)","vol":"1","page":272},{"text":"٥ - الذي أوقع الأشاعرة في القول بإخراج أعمال الجوارح من مسمَّى الإيمان هو ظنهم أن هذا القول هو الذي يبطل دعوى الوعيدية القائلين بتكفير صاحب الكبيرة، كما نص على ذلك الجويني في الإرشاد.\n* الرد على الأشاعرة من وجوه:\n١ - الوجه الأول:\nأما قولهم بإخراجهم عمل الجوارح من الإيمان لرد دعوى الوعيدية بتكفير فاعل الكبيرة، فيقال:\nأن الرد على أهل الباطل لا يحصل بنقد ما ثبت من الحق، وإنما يكون بإظهار الحق الذي خفي على أهل الباطل.\nفقد دلت أدلة الكتاب والسنة والإجماع على أن أعمال الجوارح من الإيمان، بل لا يصح الإيمان إلا بوجود جنس عمل الجوارح.\nفمن أدلة ذلك:\nقال الله ﷿ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴿[الروم: ٣١].\nفرتَّب الله -عزوجل - أخوة الدين على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذه أعمال جوارح.\nقال الأوزاعي:\nفوصف الله الدين قولًا وعملًا، فقال: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، والتوبة من الشرك، وهو من الإيمان، والصلاة والزكاة عمل. (^١)\n*وعن ابن عباس -﵄- أن الرسول - ﷺ- قَالَ:\n «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:\n «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ\n_________\n(^١) وانظرالسنة للخلال (٣/ ٨٣) وبراءة أهل الحديث من بدعة الإرجاء (١٥٥)","vol":"1","page":273},{"text":"الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». (^١)\nقال البخاري: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عند البَيْت. (^٢)\n* سئل سفيان بن عيينة عن الإرجاء، فقال:\n\" يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرًّا بقلبه على ترك الفرائض، وسمُّوا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر. (^٣)\n٢ - الوجه الثاني:\nأما قولهم أن كمال الدين مجرد التصديق، وعليه فقد جعلوا إيمان أفجر الناس كإيمان جبريل وأبي بكر الصديق ﵁.\n*فهذا يرده الإجماع الذى نقله ابن أبى مليكة، حيث قال:\n\" أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ - كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ \". (^٤)\n* وقد قِيلَ لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ إِنَّهُ يُجَالِسُكَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ إِيمَانَهُ مِثْلُ إِيمَانِ جِبْرِيلَ ﵇، فقَالَ:\nسبحان الله! \" وَاللهِ لَقَدْ فَضَّلَ اللهُ جِبْرِيلَ فِي الثَّنَاءِ فَقَالَ:\n ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ، ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] (^٥)\nقال ابن حجر:\nوفي هذا- أي في كلام ابن أبي مليكة - إشارة إلى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان، خلافا للمرجئة القائلين: بأن إيمان\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) ذكره البخاري تحت باب: الصلاة من الإيمان، وقد ذكر عدة أبواب على ذلك النحو، فقال:\nباب اتباع الجنائز من الإيمان، باب: صوم رمضان احتسابا من الإيمان، باب: الجهاد من الإيمان...\n (^٣) وانظر السنة لعبد الله بن أحمد (ص/٣٤٧) والتوسط والاقتصاد أن الشرك يكون بالقول والفعل والاعتقاد (ص/٢٦)\n (^٤) أخرجه البخارى معلقًا فى كتاب الإيمان، باب (٣٦) وانظر حقيقة الإيمان وبدع الإرجاء (ص/٤٢)\n (^٥) الإيمان لأبي عبيد (ص/٦٣)","vol":"1","page":274},{"text":"الصدِّيقين وغيرهم بمنزلة واحدة. (^١)\n٣ - الوجه الثالث:\nأما حصرهم للإيمان هو التصديق؛ بناءً على ما ذهبوا اليه أنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن هذا محله لا يكون إلا فى التصديق!!\nمردود بأنَّ التصديق القلبي كذلك يزيد وينقص، وقد سبق ذكر أدلته بما يغني عن إعادته.\nفمن صدّق فى الأمورالعملية والاعتقادية من أسماء الله -تعالى- وصفاته وأمور الغيب والملائكة يزيد إيمانه عمَّن خلا قلبه من هذا التصديق؛ لعدم علمه بهذه التفصيلات في مسائل الاعتقاد.\nفكلما زاد علم المرء بهذه الأمور وصدّق بها فهو أكمل إيمانًا ممَّن لم يعلمها، وعليه فتصديق القلب يتفاوت بين الأشخاص، يزيد وينقص بقدر ما في الشخص من العلم والتصديق.\nقال النووي:\nفالأظهر -والله أعلم- أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيِّرة، وإن اختلفت عليهمَ الْأَحوال. (^٢)\nقال السبكي:\nلا يشك عاقل في أن إيمان الصديق ليس كإيمان آحاد الناس حق، ففرقٌ بين إيمانٍ ثبت ورسخ وصار لا يقبل تزلزلًا، وإيمان بخلافه. (^٣)\n* ثم يقال:\nالقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هو قول متأخري الأشاعرة، فقد ذهب جماعة من المتقدِّمين منهم إلى خلاف ذلك، فقالوا بزيادة الإيمان ونقصانه، كما قول البيهقي وعبد القاهر البغدادي والآمدي وأبي القاسم القشيري وتقي الدين السبكي. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر فتح الباري (١/ ١٦٩)\n (^٢) شرح مسلم النووي (١/ ٦٩)\n (^٣) وانظر طبقات الشافعية للسبكي (١/ ١٣٣) والمسائل التي نقل فيها ابن تيمية الإجماع (ص/٥٣٧)\n (^٤) وانظر الاعتقاد للبيهقي (ص/١٩١) وشرح النووي على مسلم (١/)","vol":"1","page":275},{"text":"٤ - الوجه الرابع:\nأما تفسيرهم للتصديق -الذي هو معنى الإيمان عندهم - بالإذعان والقبول، وليس مجرد وقوع نسبة الصدق في القلب بلا إذعان ولا قبول، فيلزمهم أحد أمرين:\nالأول:\nأن يُدخلوا أعمال الجوارح أيضًا، لأنهم أثبتوا أن الإيمان ليس شيئًا واحدًا، بل مركبٌ من التصديق وعمل القلب، فليركِّبوه من عمل الجوارح أيضًا.\nالثاني:\nأن يخرجوا أعمال القلوب، فيصير مذهبهم مطابقًا لمذهب الجهم بن صفوان في أن الإيمان هو الصديق، وهذا القول يلزم منه إيمان فرعون واليهود، وقد كفَّر أبو عبيد القاسم بن سلام الجهمية بهذا القول، وكذا وكيعُ وأحمدُ بن حنبل.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nإذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضًا. (^١)\n٥ - الوجه الخامس:\nوأما قولهم بعد اشتراط نطق اللسان إلا لإجراء الأحكام الدنيوية:\nفقد سبق ذكر أدلة اشتراط قول اللسان لثبوت صحة الإيمان من الكتاب والسنة وإجماع الأمة عند الحديث عن أركان الإيمان في أول شرحنا لحديث الباب.\nفمن آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم نطق الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام.\n* الإيمان عند مرجئة الفقهاء:\nوقد اختلف في أول من أظهر مذهب مرجئة الفقهاء، فذكرالإمام أحمد أنه ذر بن عبدالله الهمداني، وقيل هو حمَّاد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وتلميذ إبراهيم النخعي، وذكر الأوزاعي أن أول من تكلم فى الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس الماصر، وقيل غير ذلك، والعلم عند الله. (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٩٤)، ونظر \"مقالات في تناقضات الأشاعرة\" (ص/١٤٤)\n (^٢) وأما قول أبى حنيفة بالإرجاء فهو ثابت عنه، أثبته معاصروه ومن جاء بعده، وأما ما نسب إليه من كتاب الفقه الأكبر والوصية، وهى كتب شملت على جملة من المخالفات لمنهج أهل السنة، ففى سنده مجاهيل، وثبوتها إليه فيه نظر. وانظر مسائل الإمام أحمد لإسحاق ابن إبراهيم (٢/ ١٦٢) وتهذيب التهذيب (٧/ ٤٩٠) والوعد الأخروي (٢/ ٥٨٧).","vol":"1","page":276},{"text":"وأما سبب ظهوره فكان هو قصد جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفارًا، وذلك ردًا على الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون بالكبيرة، فصاروا طرفًا آخر.\nوقد كان وقت ظهور القول بالإرجاء في الكوفة بعد أن ظهر الحجاج بن يوسف الثقفي على عبدالرحمن بن الأشعث.\nوأما الإيمان عند مرجئة الفقهاء فهو تصديق القلب وقول اللسان، أما عمل الجوارح فهو خارج عن مسمَّى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى منه.\nمع قولهم أن مرتكب الكبيرة معرَّض للوعيد، وهو تحت المشيئة، وأما عمل القلب فمنهم من يدخله فى الإيمان، ومنهم من يجعله خارجًا عنه.\nفالحاصل أن:\nأعمال الجوارح عندهم ليست من الإيمان، ولكنها من لوازمه، فالعلاقة بينهما كعلاقة دائرتين متلازمتين لا تنفك إحدهما عن الأخرى، ويقولون:\nانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. (^١)\n*وعليه:\nفالناس عندهم فى أصل الإيمان سواء، وإنما التفاضل فى لازم الإيمان، الذى هو عمل الجوارح، فهم يتفاضلون فى الجنة بحسب أعمالهم الظاهرة، وهذا ما نص عليه صاحب الطحاوية.\nوأما صاحب الكبيرة فقالوا: فهو تحت المشيئة، ويُخشى عليه من العذاب. (^٢)\n_________\n(^١) انظرحقيقة الإيمان (ص/٣٦)\n (^٢) أوجه الوفاق والخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء:\n (١) أما الموافقات فتتمثل فيما يلي:\n (إدخال اعتقاد القلب والنطق باللسان في الإيمان - أن أهل الكبائر تحت الوعيد - الإيمان مع ترك العمل يعرِّض صاحبه للذم والعقاب)\n (٢) وأما مواضع الخلاف ففي أمرين:\nأ) فيمن قال ولم يعمل:\nفهو عند مرجئة الفقهاء مؤمن كامل الإيمان؛ لأنه أتى بما يمنعه من الخلود فى النار وهو الاعتقاد والقول، ومستحق للذم لتركه عمل الجوارح، وأما أهل السنة فيعدونه كافرًا؛ لتركه عمل الجوارح بالكلية.\nب) قولهم بالتساوي بين الناس فى الإيمان:\nفجعلوا إيمان أفجر الناس كإيمان جبريل، فمرتكب الكبيرة مؤمن تام الإيمان، إيمانه كإيمان كجبريل، وأهل السنة يقولون: أن مرتكب الكبيرة مؤمن بأصل إيمانه، فاسق بكبيرته، مع قولهم أنه مستحق لدخول النار، فهم يخالفون أهل الحديث فى الاسم لا الحكم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفهؤلاء -أي المرجئة -لا ينازعون أهل السنة والحديث في حكمه في الآخرة، وإنما ينازعونهم في الاسم، وينازعون أيضًا فيمن قال ولم يفعل، وكثير من متكلمة المرجئة تقول لا نعلم أن أحدًا من أهل القبلة من أهل الكبائر يدخل النار، ولا أن أحدًا منهم لا يدخلها، بل يجوز أن يدخلها جميع الفسَّاق، ويجوز أن لا يدخلها أحد منهم، ويجوز دخول بعضهم.\nانظر منهاج السنة (٥/ ١٥٠) وشرح العقيدة الأصفهانية (ص/١٣٨) وبراءة أهل الحديث من بدعة الإرجاء (ص/٢٦١)، الإيمان عند االسلف (١/ ٢٩٦)","vol":"1","page":277},{"text":"*الرد على مرجئة الفقهاء:\nوإذا نظرنا إلى العلة التى من أجلها ذهب مرجئة الفقهاء إلى جعل أعمال الجوارح ليست داخلة فى مسمَّى الإيمان، فهى علة عليلة، مفادها أن عدُّ العمل ركنًا يجر إلى معتقد الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون بترك العمل!!\n** وجواب ذلك أن يقال:\nفرق بين أن تجعل أعمال الجوارح ركنًا فيبطل الإيمان بتركها كليةً، وهو ما تفيده نصوص الشرع، وهو مذهب أهل السنة، وبين أن تجعل كل عمل من أعمال الجوارح ركنًا يبطل الإيمان بتركه، كالزكاة أوالصوم أو الحج مثلًا، وهو مذهب الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون بترك أى واجب من واجبات الشرع أو بإيتاء كبيرة من الكبائر، فتأمل.\nفالذي عليه أهل السنة أن العمل الذى هو ركن في الإيمان إنما هو جنس الأعمال، وليس كل فرد من العمل الظاهر.\nفالقاعدة هنا \" جنس العمل ركن في الإيمان، لا آحاده، إلا بدليل \"\n*وأما قول مرجئة الفقهاء: أن الناس فى أصل الإيمان سواء، والتفاضل فى لازم الإيمان!! (^١)\n_________\n(^١) وهذا مما قد نص عليه صاحب الطحاوية، فقال: \"والإيمان واحد، وأهله فيه سواء\"\nوهذا غلط؛ لأن الإيمان ليس واحدًا، وليس أهله سواءً، بل الإيمان يتفاضل، ويزيد وينقص، والتصديق بالقلب ليس الناس فيه سواءً، فليس إيمان أبي بكر الصديق كإيمان الفاسق من المسلمين.\nكذلك من ناحية العمل، الناس يتفاضلون في العمل، منهم كما قال الله ﷿: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) هذا العاصي الذي معصيته دون الشرك، فإنه ظالم لنفسه (ومنهم مقتصد) وهو الذي= =يعمل الواجبات ويتجنب المحرمات. (ومنهم سابق بالخيرات) وهذا هو الذي يعمل الواجبات والمستحبات، ويترك المحرمات والمكروهات وبعض المباحات من باب الاحتياط، فدل على أن الإيمان متفاضل. وانظر التعليقات على متن الطحاوية للفوزان (ص/١٤٥)","vol":"1","page":278},{"text":"*فالرد عليه:\nأن التفاضل ليس فقط فى عمل الجوارح، بل أيضًا فى عمل القلب، فنفس تصديق القلب يزيد وينقص، ومن أدلة ذلك:\n١ - عنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺقَالَ:\nيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ) (^١)\n٢) قال عمر بن الخطاب﵁- يوم الحديبية:\nوَاللَّهِ مَا شكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. (^٢)\n٣) وعن أبيَّ بن كعب -﵁- لما اختلف القرَّاءُ في قراءة بعض الآيات قال:\n «فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ- مَا قَدْ غَشِيَنِي، ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ ﷿ فَرَقًا، ..». (^٣)\nولا يرتاب عاقل أن إيمان هذا الصحابي عند تلك الغشية دون إيمانه قبلها وبعدها.\n٤) وعن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ:\nشَهِدْنَا خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢) وترجم له البخاري بقوله \"باب: زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى\"\n (^٢) أخرجه ابن حبان (٧/ ٢٢٢) وصححه الألباني. وهو -﵁- لم يشك فى رسالة النبى -ﷺ - فهو على يقين من ذلك، وإنما شك أن الرسول - ﷺ- قد جانبه الصواب فى اجتهاده لما قبل الصلح على هذه الشروط.\n (^٣) أخرجه مسلم (٨٢٠)\nقال القاضي عياض: معنى قوله \"سقط في نفسي\" أنه اعترته حيرة ودهشة، وقوله \" ولا إذ كنت في الجاهلية \" معناه: أن الشيطان نزغ في نفسه تكذيبا لم يعتقده، وهذه الخواطر إذا لم يستمر عليها لا يؤاخذ بها.\nشرح مسلم للنووي (٦/ ١٠٢)","vol":"1","page":279},{"text":"يَدَّعِي الإِسْلَامَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ القِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحَةُ، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، .. \". (^١)\n* ومن النظر:\nلا يرتاب عاقل أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتًا عظيمًا، وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في اليقين، فإننا نرى أحوالهم في اتقاء الضرر الدنيوي لا يتفاوت ذاك التفاوت، بل إنك تجد من نفسك أنه قد يقوى عندك الإيمان فترغب نفسك في الطاعة وترغب عن المعصية، وقد يضعف فتتهاون بذلك.\nوكذلك تجد ذلك عندما تطلع على الأدلة أو الشبهات، فقد يقف العالم على عدة نصوص من الكتاب والسنة فيتبين له أن بعضها يصدق بعضًا، وقد يتراءى له أنها تتناقض.\nوقد يرى نصوصًا في العقائد، فيتبين له أن العقل موافق لها وقد يتراءى له أنه يخالفها. ويرى نصوصًا في الأحكام فيتبين له أنها موافقة للرأي والنظر والحكمة والقياس، وقد يتراءى له أنها مخالفة لذلك.\nولا أدرى عاقلًا يتصور حاله وحال الملائكة والأنبياء ويقول: إن يقينه مثل يقينهم. (^٢)\nقال الفضيل بن عياض:\nقال أصحاب الرأي: ليس الصلاة ولا الزكاة ولا شيء من الفرائض من الإيمان افتراء على الله -﷿وخلافا لكتابه وسنة نبيه ﷺ، ولو كان القول كما يقولون لم يقاتل أبو بكر -﵁- أهل الردة \".\nوقال ﵀:\n\" يقول أهل البدع: الإيمان الإقرار بلا عمل والإيمان واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال، ولا يتفاضلون بالإيمان، ومن قال ذلك فقد خالف الأثر ورد على رسول الله ﷺ قوله. (^٣)\n* ومن الردود العامة على فرق المرجئة:\nوأما قول المرجئة:\n\" لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة\". (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢٠٣)\n (^٢) القائد إلى تصحيح العقائد (ص/١٢٩)\n (^٣) وانظر السنة لعبد الله (٨١٨) وبراءة أهل الحديث (ص/١٦١)\n (^٤) وأما قولهم \" لا يضر مع الإيمان ذنب \" فهذا مما نص عليه صاحب الطحاوية؛ بناءً على قول مرجئة الفقهاء بإخراج عمل الجوارح من الإيمان. والصواب أن الذنوب تؤثر في الإيمان، فمنها ما يزيله بالكلية، كترك الصلاة = =، الترك الكلي، ومنها ما ينقصه فقط كسائر الذنوب الأخرى.\nوانظر التعليقات المختصرة على الطحاوية للفوزان (ص/١٤٠)","vol":"1","page":280},{"text":"فالرد عليه في حديث حُذَيْفَة - ﵁ - سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \" تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ \". (^١)\nوالمعنى أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي، دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإيمان. (^٢).\n*ومن اللوازم الباطلة لقول المرجئة في باب الإيمان:\n١ - لما كان الإيمان عند المرجئة منحصرأ في التصديق ترتب على ذلك أن يكون\nالكفر لا يحصل إلا بالتكذيب، وعليه فمن لطخ المصحف - مثلا - أوسجد لصنم فلا يكفر، وعمله هذا لا يكون كفرًا، بل هذا عندهم دال على انتفاء الإيمان من قلبه.\nوأهل السنة يقولون أن ذات الفعل يكون كفرًا، لذا فمذهب الإرجاء قد ترتب عليه المفاسد العظيمة، حيث حصروا الكفر في كفر الاستحلال والجحود. (^٣)\nقال ابن حزم:\nوأما سب الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد، إلا أن الجهمية، والأشعرية - وهما طائفتان لا يعتد بهما - يصرِّحون بأن سب\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٨٦)\n (^٢) الكوكب الوهَّاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٠)\n (^٣) وعليه نقول:\nأن من قال أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص، وجعل أعمال الجوارح شرط كمال، ويقول \" لا كفر إلا باعتقاد وجحود\" وينسب ذلك لأهل السنة، فقد نسب لأهل السنة ما ليس منهم.\nوقد سئل الشيخ صالح الفوزان: هل تصح هذه المقولة: \" من قال الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص فقد بريء من الإرجاء كله حتى لو قال لا كفر إلا باعتقاد وجحود \"؟\nفقال:\nهذا تناقض!! إذا قال لا كفر إلا باعتقاد أو جحود فهذا يناقض قوله إن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، لأنه إذا كان الإيمان قول باللسان واعتقاد الجنان وعمل بالجوارح وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية... فمعناه أنه من تخلى من شيء من ذلك فإنه لا يكون مؤمنًا. وانظر أسئلة وأجوبة في مسائل الإيمان والكفر (ص/٥)","vol":"1","page":281},{"text":"الله تعالى، وإعلان الكفر، ليس كفرًا، ولكنه دليل على أنه يعتقد الكفر، وهذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام.\nثم يقال لهم:\nإذ ليس شتم الله- تعالى- كفرًا عندكم، فمن أين قلتم: إنه دليل على الكفر؟\nفإن قالوا: لأنه محكوم على قائله بحكم الكفر؟ قيل لهم: نعم، محكوم عليه بنفس قوله، لا بمغيَّب ضميره الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فإنما حكم له بالكفر بقوله فقط، فقوله هو الكفر، ومن قطع على أنه في ضميره، وقد أخبر الله تعالى عن قوم ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ [آل عمران: ١٦٧] فكانوا بذلك كفارًا، كاليهود الذين عرفوا صحة نبوة رسول الله - ﵌ - كما يعرفون أبناءهم، وهم مع ذلك كفَّار بالله -تعالى- قطعًا بيقين، إذ أعلنوا كلمة الكفر. (^١)\n* فإن قيل:\nفما تأويل قول صاحب الطحاوية: ولا نكفِّر أحدًا بذنب ما لم يستحله؟\nفالجواب:\nما نص عليه شيخ الإسلام أن هذه العبارة سيقت ردًا على الخوارج الذين يكفِّرون بالكبيرة.\n٢ - فتح باب التخلِّي عن الواجبات والوقوع فى المحرمات، كما إن فيه تجسير لكل فاسق وقاطع طريق على الموبقات، مما يؤدي إلى الإنسلاخ من الدين، وهتك حرمات الإسلام، نعوذ بالله من الخذلان. (^٢).\n* تنبيهات مهمة:\n١ - المرجئة يقولون نحن مؤمنون عند الله؛ حيث إن التصديق لا يقبل النقصان ولا الشك، فمجرد أن آمنوا ثبت لهم كمال الإيمان، أما أهل السنة فيقولون: نحن مؤمنون بالاقرار؛ فالمؤمن يقر بإيمانه، لكنه لا\n_________\n(^١) المحلى بالآثار (١١/ ٥٢٦)\n (^٢) انظر درء الفتنة عن أهل السنة (ص/٣٩) ومزيد من اللوازم الباطلة لمذهب المرجئة\nقد ذكرها شيخ الإسلام فى مجموع الفتاوى (٧/ ١٨٨ - ١٩٠)","vol":"1","page":282},{"text":"يجزم بالنجاة، بل يرجو ربه ذلك.\n٢ - المرجئة لا يمتنعون من القول بدخول الأعمال فى الإيمان إذا كان لا يترتب على زوالها زوال الإيمان، فالعمل ركن من الإيمان الكامل، وليس بركن من أصل الإيمان الذى لا نجاة من الخلود فى النار إلا به.\n*شبهات أخرى لكافة فرق المرجئة:\n١ - الشبهة الأولى:\nقالوا: العمل ليس من الإيمان؛ لأن الله فرَّق بينهما فقال (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)!!\nوالرد على ذلك أن يقال:\nأولًا: هذا من باب عطف العام على الخاص، ورَد نظير ذلك قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ...) (البقرة/٢٧٧) وقول النبى -ﷺ- (اتقوا الدنيا، واتقوا النساء...........) ولازم قولكم أن فتنة النساء ليست من فتن الدنيا.\nوَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾ وَلَا خلاف\nفِي أَن جِبْرِيل وَمِيكَائِيل من جملَة الْمَلَائِكَة، وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ وَالرُّمَّان\nمن الْفَاكِهَة. وَالْقُرْآن نزل بلغَة الْعَرَب، وَالْعرب تعيد الشَّيْء باسمه وَإِن كَانَت قد أجملت\nذكره تَأْكِيدًا لأَمره (^١).\nثانيًا: إعمال الأدلة أولى من إهمالها، وكافة النصوص الأخرى دلت أن الإيمان قول وعمل، فهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.\n٢ - الشبهة الثانية:\nما ورد في حديث جبريل - ﵇في بيان الإسلام والإيمان والإحسان؛ حيث جعل أعمال الجوارح، من الصوم والزكاة والصيام والحج ليست من الإيمان!!!\n* وجواب ذلك ما قاله البغوي:\nجعل النبي -ﷺفي هذا الحديث الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل\n_________\n(^١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١٢٤)","vol":"1","page":283},{"text":"لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال: «ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» .. (^١).\n** ثم نقول:\n: أليس الذى عرَّف الإيمان بالتصديق الباطن في حديث جبريل هو -ﷺالذي عرَّفه بأعمال الجوارح في قوله: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:\n «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنَّ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ؟!!!\n٣_ الشبهة الثالثة:\nقوله تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) فجعل محل الإيمان هو القلب، وعمل الجوارح ليست من الإيمان!!!\n** وجواب ذلك أن يقال:\nليس في الآية ما يشير إلى إخراج عمل الجوارح من الإيمان، بل غاية ما فيها هو التأكيد على ضرورة الاعتقاد القلبي في ثبوت الإيمان، فالآية في الحقيقة حجة على من استدل بها، لا حجة له؛ وذلك من وجهين:\n١ - الأول: ما ذكره الطبري بقوله:\nوهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ، وهو أن يقولوا أسلمنا، بمعنى: دخلنا في الملة لحفظ الأنفس والأموال بالشهادة الحق (^٢).\n٢ - الثاني: ما ذُكر في الآية التي تليها مباشرة، في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادقون﴾ فلقد جعل الجهاد بالنفس والمال من الإيمان، وهى أعمال جوارح، فتأمل.\n_________\n(^١) شرح السنة (١/ ١١)\n (^٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٢٢/ ٣١٣)","vol":"1","page":284},{"text":"* ثانيًا: الإيمان عند الخوارج والمعتزلة:\nفهو فعل الطاعات المفترضة كلها، فهو قول اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح، ويرون أنَّ كل فرد من أفراد العمل ركن في الإيمان وجزء منه، فإذا ذهب بعض الإيمان سائره، وعليه فإنه لا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب؛ فمن ارتكب كبيرة فقد خرج من الإيمان ودخل في الكفر عند الخوارج، وصار عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين، واتفق الفريقان أن مآله الخلود في النار، ولكنَّ المعتزلة يقولون أن عذاب أصحاب الكبائر دون عذاب الكفَّار.\nويقولون الإيمان شئ واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يُستثنى فيه. (^١)\n* الرد على الخوارج والمعتزلة:\n١ - وممن يرد به على الوعيدية في قولهم أن الإيمان لا يتجزأ، وأن ذهاب بعض الإيمان هو ذهاب للإيمان كله:\nما رواه أَبو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ﵁- عَنِ النَّبِيِّﷺ- قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:\n\" أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ\". (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالقول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار؛ فإن هذا القول من البدع المشهورة وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان؛ وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلَّد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضا على أن نبينا -ﷺيشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، ففي \" الصحيحين \" عنه أنه قال: ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر الإيمان لابن منده (١/ ٣٣١) والفِصل (٣/ ٢٢٧) ومسائل الإيمان لأبي يعلى (ص/١٥٦)\n*قلت:\nوالعجيب في أمر المعتزلة أن أحد الأصول الخمسة عندهم هو العدل، وبنوا عليه قولهم بنفي خلق أفعال العباد، ثم يقولون أن من فعل كبيرة واحدة ألغت جميع الأعمال الصالحة، ولو كانت هذه الأعمال الصالحة أمثال الجبال.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) مجموع الفتاوي (٧/ ٢٢٢)","vol":"1","page":285},{"text":"وطريقة أهل السنة في علاقة عمل الجوارح بمسألة الإيمان أنهم جعلوا جنس الأعمال ركنًا من أركان الإيمان، وليس كل فرد من أفراده ركنًا فيه، وعليه فإنه يجتمع عندهم في الشخص الواحد حسنات وسيئات.\nكما أنهم لم يجعلوا كل الأعمال شرطًا في صحة الإيمان، بل جعلوا كثيرًا منها شرطًا في الكمال، والمعتزلة جعلوها كلها شرطًا في الصحة. (^١)\nوالقاعدة التي توضح لك منهج أهل السنة في ذلك أن يقال:\n.\n.\n**جنس الأعمال ركن الإيمان لا آحاده، إلا بدليل **\nوالمعنى:\nأن الذي يتحقق به الكفر إنما هو ترك العمل كلية، عمل القلب أو عمل الجوارح، وليس آحاد العمل، كما نص عليه الخوارج والمعتزلة، ثم جاء الاستثناء \" إلا بدليل\": أي إلا إذا دل الدليل على أن عملًا بعينه يكفر المرء بتركه كلية، كما هو الحال في ترك الصلاة بالكلية.\n* أما ما ذهبوا إليه من القول بكفر فاعل الكبيرة فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد استوفينا الرد عليه في رسالتنا \" إتحاف الجماعة بشرح حديث أسعد الناس بالشفاعة\" بما يغني عن إعادتها هنا. (^٢)\n** ومما نزيده هنا أن يقال:\nالنصوص المتواترة على عدم خروج مرتكب الكبيرة من مطلق الإيمان، ولذلك فإنَّ العقوبات الشرعية من القصاص والحدود تُطبَّق على شارب الخمر والزانى والسارق، ولو كان يخرج بالكبيرة من الإيمان لطبق عليه حد الردة وقتل، ولما طبقت عليه تلك الحدود.\nقال الأوزاعي:\nقال: أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة، ولا يفرِّقون بين الإيمان والعمل، ولا يعدُّون الذنوب كفرًا ولا شركًا. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر معارج القبول (٢/ ٣٠) وبراءة أهل الحديث (ص/٦٦) ودرء الفتنة عن أهل السنة (٣٨)\n (^٢) هذه الرسالة ملحقة بكتابنا \"الأربعون العقدية\"\n (^٣) أخرجه حرب الكرماني فى مسائل أحمد واسحاق بن راهوية (ص/٣٦٨) وانظر الإيمان عند السلف وحقيقته بالعمل (٢/ ١١)","vol":"1","page":286},{"text":"*مسألة الاستثناء فى الإيمان:\nومعنى الاستثناء في الإيمان أن يقول \" أنا مؤمن إن شاء الله \"\".\nالأقوال في هذه المسألة:\n١) القول الأول:\nحرمة الاستثناء فى الإيمان:\nقال به الجهمية والمرجئة الكرامية؛ لأن الإيمان عندهم واحد يعلمه المرء من نفسه، فإن استثنى كان ذلك دليلًا على شكه، فالأصل فى الإيمان الجزم؛ لقوله تعالى\n... (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات/١٥) وممن قال بهذا القول الحنفية \" مرجئة الفقهاء \"، وهو لازم قول الخوارج والمعتزلة بهذا الاعتبار.\nفأصحاب هذا القول يعدُّون الاستثناء فى الإيمان شكًا، ويطلقون على من استثنى فى إيمانه اسم \"الشكَّاكة\" (^١).\n- القول الثانى:\nوهو وجوب الاستثناء في الإيمان، وقال به بعض أهل السنة والكلَّابية:\nوذلك باعتبار الحال والمآل:\n١ - فأما المآل:\nفلأنَّ المرء لا يعلم خاتمته، وعلى أي شيء يموت، وعليه فمن لم يستثن في الإيمان فقد جزم لنفسه بالجنة.\n٢ - وأما الحال:\nفلأن الإيمان إنما هو فعل المأمورات وترك المحظورات، وهذا لا يجزم به أحد؛ للنقص الذى يعتري المرء.\n٣ - كما أن الجزم بالإيمان فيه تزكية للنفس، وقد قال الله تعالى (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم/٣٢)\n*والراجح في ذلك هو التفصيل:\n (١) حالات يحرم فيها الاستثناء، وذلك إن كان الاستثناء عن شك:\nفهو محرم، بل\n_________\n(^١) وذهب بعضهم الى تكفير المستثنى بحجة أنه شاك فى إيمانه، ولهذا منع بعض الحنفية من تزويج القائل بالاستثناء في الإيمان من المرأة الحنفية، ثم جوزوا نكاح الحنفى من الشافعية - التي تقول بالاستثناء - قياسًا على نكاح أهل الكتاب، ولكن المحققين منهم على خلاف ذلك كله.","vol":"1","page":287},{"text":"هو كفر؛ لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات/١٥)\nوذلك لأن اليقين شرط من شروط صحة \" لا إله إلا الله \". (^١)\n (٢) حالات يشرع فىها الاستثناء:\nأ- الاستثناء لمن يخشى تزكية النفس، أو باعتبارالموافاة فهو حق.\nكما أدَّب الله -تعالى- أنبيائه على ذلك، كما فى قول إبراهيم ﵇ (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) (الأنعام: ٨٠)\nقال ابن بطة:\nالاستثناء يصح من وجهين:\nأحدهما:\nنفي التزكية لئلا يشهد الإنسان على نفسه بحقائق الإيمان وكوامله، فإن من قطع على نفسه بهذه الأوصاف شهد لها بالجنة والرضوان، ومن شهد لنفسه بهذه الشهادة كان خليقًا بضدها.\nالوجه الآخر:\nيقع على مستقبل الأعمال ومستأنف الأفعال وعلى الخاتمة، وبقية الأعمار، ويريد إني مؤمن إن ختم الله لي بأعمال المؤمنين، وإن كنت عند الله -تعالى- مثبتًا في ديوان أهل الإيمان، وإن كان ما أنا عليه من أفعال المؤمنين أمرا يدوم لي ويبقى علي حتى ألقى الله -تعالى- به، ولا أدري هل أصبح وأمسي على الإيمان أم لا؟ (^٢)\n* قَالَ اسحاق بن منصور:\nوَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:\n... «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»، الِاسْتِثْنَاءُ هَاهُنَا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَقَعُ؟\nقَالَ: «عَلَى الْبِقَاعِ، لَا يَدْرِي أَيُدْفَنُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِمْ أَوْ غَيْرِهِ» (^٣)\nب- أن يتوجه الاستثناء إلى الإيمان المطلق:\nلأن عدم الاستثناء يتضمن أن العبد فعل جميع ما أمر به، وفى ذلك تزكية للنفس، ومن هذا الباب قوله ﷺ: وَاللَّهِ إِنِّى\n_________\n(^١) الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح (ص/١٨١)\n (^٢) وانظر الإبانة الكبرى (٢/ ٨٦٥) ونص على مثله البغوى في شرح السنة (١/ ٤١) والغزالي فى قواعد العقائد (ص/٢٧٠)\n (^٣) انظر السنة للخلال (١٠٦٥)","vol":"1","page":288},{"text":"لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِى (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفمن قال: أنا مؤمن إن شاء الله وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات ويخاف أن لا يكون قائما بها فقد أحسن ولهذا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم (^٢).\nقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: سفيان يقول: من كره أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فهو عندنا مرجئ. (^٣).\nوَقَال - ﵀-:\nخالفنا المرجئة في ثلاث، نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل. ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص. ونحن نقول: نحن مؤمنون بالإقرار، وهم يقولون: نحن مؤمنون عند الله. (^٤)\nقال الإمام أ حمد:\nالإيمان قول، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل، فيعجبني أن نستثني في الإيمان، نقول: \" أنا مؤمن إن شاء الله\". (^٥)\nوقد ورد عن جماعة من السلف الإستثناء فى الإيمان، كابن مسعود وغيره. (^٦)\n٣ - أن يتوجه الاستثناء إلى مطلق الإيمان، الذى هو أصله:\nفهنا يجب ترك الاستثناء؛ فالمرء عليه أن يجزم بالإيمان قاصدًا التصديق بما يعتقده، كما حكى الله عن المؤمنين (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٥٣) (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ\n_________\n(^١) رواه مسلم (١١١٠)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٨١)\n (^٣) تاريخ الإسلام (٤/ ٣٨٢)\n (^٤) شرح السنة للبغوي (١/ ٤٠) فالمرجيء لا يستثني في الإيمان لأمرين:\nالأول: أنه حصر الإيمان في التصديق، وهذا عنده لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وعليه فإن الاستثناء فيه لا يكون إلا شكًا.\nوالثاني: لأنهم أخرجوا الأعمال من الإيمان.\n (^٥) وانظر السنة للخلال (١٠٦٥) ومسائل ابن هانئ (ص/٤١٤)\n (^٦) انظر حقيقة الإيمان وبدع الإرجاء (ص /٤٣)","vol":"1","page":289},{"text":"الرَّاحِمِينَ) (المؤمنون/١٠٩)\nومثل هذا هو ما أمرنا به، كما في قوله تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة /١٣٦)\n* عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ: إِنِّي مُؤْمِنٌ، فقَالَ عبد الله: \" قُلْ: إِنِّي فِي الْجَنَّةِ!\nوَلَكِنَّا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ \". (^١)\nقال أبو يعلى:\nلا يكون الاستثناء شكًا إنما هي سنة ماضية عند العلماء، فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول:\nأنا مؤمن إن شاء الله، ويقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. (^٢)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) الإيمان لابن أبي شيبة (ص/٢٦٥) وسنده صحيح.\n (^٢) الاعتقاد (ص/٢٤)","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الحديث العاشر: تبيين المحظور في اتخاذ المساجد على القبور</span>","vol":"1","page":291},{"text":"**نص الحديث **\nعن عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهم- قَالَا:\n\" لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا \". (^١)\nلا شك أن المستقرأ لأصول هذا الشرع الحنيف يقف على حقيقة مهمة ألا وهي أن نصوص الكتاب والسنة قد عنت عناية كبيرة بمسائل التوحيد، فكانت في ذلك جامعة مانعة؛ جامعة للأصول التى تحقق للمرء اكتمال البناء العقدي التوحيدي، ومانعة من كل الذرائع التي توقعه في حبائل الشرك.\n* وهذا مثال فقط للتدليل على صدق ذلك:\nعن ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ - ﵁- قَالَ: جاء رَجُلٌ إلى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَال النَّبِىُّ -ﷺ -:\n «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟، قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ النبيُّ -ﷺ -: أَوْفِ بِنَذْرِكَ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٥) باب بَابُ الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ، ومسلم (٥٣١) باب النهي عن بناء المساجد على القبور.\n (^٢) أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، قال ابن تيمية: أصل هذا الحديث فى الصحيحين، وهذا الإِسناد على شرط الصحيحين وإسناده كلهم ثقات مشاهير. وقال ابن الملقن في البدر المنير: كل رجاله أئمة، مجمع على عدالتهم. ونص الحديث من غير هذه القصة\nقد رواه مسلم (١٦٤١)","vol":"1","page":293},{"text":"فتأمل:\nقد سأل النبي - ﷺ- عن أمرين: عن الشرك، ووسائله.\nفسؤاله عن الشرك في قوله: هل كان فيها وثن؟، وسؤاله عن وسائله في قوله:\nهل كان فيها عيد من أعيادهم؟. (^١)\nفقوله ﷺ: (فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله)\nدل على أن مشابهة المشركين في أفعالهم، ولو ظاهرًا إنما هو معصية لله عزوجل، وعندها لايغنى عن المرء صدق نيته، بل لا بد أن يقرن بصدق النية حسن العمل.\n... ومن هذا الباب فقد سد الشرع الباب على أناس يغالون في الصالحين ويرفعونهم فوق مكانتهم، لئلا يقع منهم شرك في المحبة والدعاء.\nوقد وقع المحظور حتي تعلَّقت القلوب بالقبور، وتوجهوا إليها بما لا يُتوجه به إلا لله عزوجل، واعتقدوا فيها ما لا يُعتقد إلا في الله عزوجل.\n\n*وهذا فيه عدة مسائل: المسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-76> كيف بدأ شرك القبور</span>؟؟\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: ذَكَرَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ - ﵄ - لِلنَّبِيِّ - ﷺ - كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ:\n\" إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" (^٢)\n*فمن هنا جاءت بداية تزيين الشيطان لعبادة وتعظيم الصالحين والتعلق بالقبور.\nفكانوا إذا مات منهم الرجل الصالح جاء الشيطان لقومه فأوحى إليهم:\nأن اصنعوا له صورة؛ حتي اذا ما رأيتم صورته ذكرتم عبادته وصلاحه وتقواه؛\nفيكون هذا حافزًا لكم علي ان تقتضوا بفعله وهديه.\nعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ:\nصَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ\n_________\n(^١) القول المفيد شرح كتاب التوحيد (١/ ٢٣٦)\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":294},{"text":"بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا، أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ:\nأَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. (^١)\nفمن هنا جاءت بداية عبادة القبور ونشأة القبورية، حيث أن الشيطان قد استدرج الناس بحيله ومَكره إلى الشرك بعبادة القبور، وذلك حين قال لهم:\nهل لكم أن أصورهم لكم إذا نظرتم إليهم - ذكرتموهم فيذهب حزنكم وتنشطون في العبادة، فقلوا: نعم، فصورهم لهم.\nثم لما تقدَّم الزمن وانقرض الآباء والأبناء وأبناء الأبناء ونُسِي العلمُ، جاء الشيطان في صورة الإنسان وقال لمن بعدهم:\nإن من كان قبلكم من سلفكم كانوا يعبدونهم؛ فعبدوهم، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية.\nوبذلك فقد صار قوم نوح -﵇- أول فرقة مشركة قبورية وثنية - ظهرت على وجه الأرض في تاريخ البشرية.\nوكما نص الحافظ ابن كثير أن أصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها.\n* فعبادة القبور هي أصل شرك العالم، وأن المشركين القبوريين قد ظهروا في عهد نوح -﵇ - بسبب عبادة هؤلاء الأولياء الخمسة، وعكوف القبورية في ذلك العهد على قبورهم، وبذلك وجدت القبورية على الأرض، ثم تطورت القبورية حتى انتشرت في العرب وغيرهم. (^٢)\nوقد أورد ابن حجرعن السهيلي أن يغوث هو ابن شيث بن آدم فيما نقل،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٩٢٠) في كتاب التفسير، بَابُ ﴿وَدًّا وَلَا سُواعًا، وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣]\n (^٢) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (١/ ٤٠٧)","vol":"1","page":295},{"text":"وكذلك سواع وما بعده، وكانوا يتبركون بدعائهم، فلما مات منهم أحد مثلوا صورته فتمسحوا بها إلى زمن مهلائيل فعبدوا بتدريج الشيطان لهم. (^١)\n-- وهكذا حاد الشيطان بالناس عن صراط الله المستقيم إلى طريقه السقيم.\nعن عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ - خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ:\n... (إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي فِي يَوْمِي هَذَا:\n، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ). (^٢)\n*وعن ابن عباس - ﵄- قال في تفسير قوله الله ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾\n... [البقرة: من الآية ٢١٣]: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام\" (^٣)\n-- ومما سبق نخلص بقضية مهمة:\n\" \"أن أول شرك وقع في الأرض إنما كان سببه تعظيم الصالحين والغلو فيهم \".\nفالمبالغة في مدح الصالحين قد أدت بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في شرك الربوبية ومن ثَم شرك الألوهية وشرك الأسماء والصفات:\nأ) شرك الربوبية:\nوذلك باعتقاد أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب.\nب) شرك الألوهية:\nفترتب على وقوعوهم في شرك الربوبية قيامهم بدعاء الأموات من دون الله، والإستغاثة بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك.\nج) شرك الأسماء والصفات:\nقال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى (٢٠) ﴿فسمَّوا \"اللات\" من \"الإله \" المستحق للعبادة، و\"العزّى\" من \"العزيز\" و\"مناة\"\n_________\n(^١) فتح الباري (٨/ ٦٦٨)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)\n (^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٣٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":296},{"text":"من \"المنان\" إلحادًا في أسماء الله وتجريًا على الشرك به. (^١)\nلذا فقد حذَّر النبي -ﷺ- من الغلو في مدحه، فقال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ». (^٢)\nولما قال رجل لرسول الله - ﷺ- \" ما شاء اللُه وشئتَ \"، عقَّب عليه، وقال: «أجعلتني لله ندًا بل ما شاء الله وحده» (^٣)\nوإذا كان هذا في حقه ﷺ، فغيره من البشر أولى. (^٤)\nوصدق شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال:\n\"والنفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فلأن يُشرَك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجرعلى تمثاله. (^٥)\n* وتأمل في فعل صحابة النبى - ﷺ - في سد الذرائع الموصلة إلى شرك الغلو في الصالحين:\nلما فتح الصحابة -﵃- مدينة تستر وجدوا جسد النبي دانيال -﵇- الذى قُدّر أنه مات قبل ثلاثمائة سنة من البعثة النبوية تقريبًا، وجدوه وما تغير منه شئ، فحفروا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفنوه، وقاموا بتسوية القبور كلها، لتعمية قبره على الناس؛ فقد رأوا أنَّ السماء كانت إذا حبست عن الناس أبرزوا السرير فيمطرون، فأراد الصحابة -﵃- غلق هذا الباب من الفتنة. (^٦)\nقال ابن القيم﵀- تعقيبًا على ذلك:\nففى هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به،\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (٢٢/ ٥٢٢) وتيسير الكريم الرحمن (ص/٨١٩)\n (^٢) رواه البخاري (٣٤٤٥)\n (^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص/١١٦) وحسنه الألباني في الصحيحة (١/ ٥٦ - ٥٧)\n (^٤) الدرر السنية (٣/ ٢٤٧)\n (^٥) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٩٢)\n (^٦) قال صاحب كتاب التوضيح الرشيد في شرح التوحيد \" وهو أثر صحيح. أورده الربعي -﵀ - في كتاب فضائل الشام، انظر تخريج كتاب فضائل الشام (ص ٥١)، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في أشرطة فتاوى سلسلة الهدى والنور (ش/ ٣٠٤).","vol":"1","page":297},{"text":"ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانًا من لا يداني هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد. (^١)\n\n... المسألة الثانية: و<span data-type=\"title\" id=toc-77>على درب السابقين سار اللاحقون:</span>\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\nلَتَتَّبِعُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بَاعًا بِبَاعٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَشِبْرًا بِشِبْرٍ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. (^٢)\nوصدق النبى - ﷺ - فيما حدَّث ووقع ما به تنبأ، فقد سار على درب اليهود والنصارى فئام من المسلمين فاتخَذوا قبور الصالحين مساجد، فهذه كانت\nسنة اليهود والنصارى؛ فعن ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَال:\nلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ:\n\" لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ \". (^٣)\nفظهرت جملة من البدع والشركيات من النذروالذبح للمقبور والطواف حول القبر، ودعاء الموتى وطلب الشفاعة منهم والتوسل بهم.\nوالذي تسبب في كل ذلك ليس إلا الغلو في تعظيم الصالحين، فكهذا فعل الغلو في أهله.\n* قال ابْنُ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- قَالَ لى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - غَدَاةَ الْعَقَبَةِ،\n\"هَاتِ الْقُطْ لي حَصَيَاتٍ هِيَ حَصَا الْخَذْفِ \"، فَلَمَّا وُضِعْنَ فِي يَدِهِ، قَالَ:\n\"بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ\". (^٤)\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٢٠٤)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) أخرجه مالك مرسلًا (٤١٤)، وقال ابن عبد البر: \" هذا الحديث صحيح عند من قال بمراسيل الثقات، وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد له وهو ممن تقبل زيادته \" (التمهيد (٥/ ٤١»\nورواه أحمد (٧٣٥٢) وابن حبان (٣٨٧١)، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية فى \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (ص/ ٢٨٨) وقال: هدا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وصححه الألباني في حجة النبي (ص/٨٠)","vol":"1","page":298},{"text":"تأمل:\nيحذِّر النبيﷺ - أمته من الغلو في الدين، ولو كان الأمر في بضع حصيات، فكيف بالغلو المؤدي إلى الشركيات؟؟!!!\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو\nذلك. ا. هـ (^١)\n* وهل سلك اليهود طريق الكفر إلا من باب الغلو في الأحبار والرهبان، قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]\n* وهل سلك النصارى طريق الكفر إلا من باب الغلو في المسيح ﵇، قال الله ﷿ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].\n* لذا فقد أغلق الشرع كل السبل وسد كل الذرائع الموصلة إلى الغلو في الصالحين،\nفنهى عن اتخاذ القبور مساجد، ونهى عن الصلاة عند القبور، وعن تعليتها:\n* قال ﷺ قال: \"اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ\" (^٢)\n- قال ابن عبدالبر:\nوكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول اللهﷺ- على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم: كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم، وذلك الشرك الأكبر فكان النبيُّ - ﷺ - يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم. (^٣)\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/٢٨٩)\n (^٢) أخرجه أحمد (٧٣٥٨) وصححه الألباني في فقه السيرة (ص ٥٣) الوثن: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن، صنما كان أو غير صنم.\n (^٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٥/ ٤٥)","vol":"1","page":299},{"text":"* وعن عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قال:\nبَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ لَا أدعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ \". (^١)\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nنهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا، وحرَّم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدًا للذريعة. (^٢)\n- قال الصنعاني:\nاتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأوَّلهم وآخرهم من لدن الصحابة﵃- إلى هذا الوقت: أنَّ رفعَ القبور والبناء عليها بدعةٌ من البدع التي ثبت النهيُ عنها، واشتدَّ وعيدُ رسول الله لفاعلها. (^٣)\n... المسألة الثالثة: قَوله - ﷺ - في حديث الباب:\n\" أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ \"\n\nقد نهي النبي -صلي الله عليه وسلم - عن اتخاذ القبور مساجد، فما هي<span data-type=\"title\" id=toc-78> صور اتخاذ القبور مساجد</span>؟\nالجواب:\nإنما يُتخذ القبر مسجدًا بواحدة من هذه الصور:\nالصورة الأولى:\n١ - أن يأتي المرء إلى الصلاة فيكون القبر بينه وبين القبلة؛ وهذا مما قد ورد النهى عنه؛ فعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:\n «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» (^٤)\nوالنهى عن الصلاة إلى القبورإنما ورد تحذيرًا للأمة عن التذّرع إلى عبادة الموتى من تعظيم القبور، والظاهر أن النهي يشمل الصلاة في محل فيه قبر، سواء تأخر عن المصلي أو تقدم كالصلاة في القباب والمشاهد والنهي للتحريم. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٣)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤١)\n (^٣) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد (ص/١٠٢)\n (^٤) أخرجه مسلم (٩٧٢)\n (^٥) التنوير شرح الجامع الصغير (٥/ ٥٤٨)","vol":"1","page":300},{"text":"* ومن ذلك ما ذكرته عائشة -﵂- تعقيبًا على قوله - ﷺ - \" لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ \"، قَالَتْرضي الله عنها-:\nيُحَذِّرُهُمْ مِمَّا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا \".\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nومن ذلك الصلاة عندها (القبور)، وإن لم يبن هناك مسجد، فإن ذلك أيضًا اتخاذها مسجدًا، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا».\nولم تقصد عائشة - ﵂ - مجرد بناء مسجد، فإن الصحابة -﵃ - لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره،\nوكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلي فيه فإنه يسمى\nمسجدًا، وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي ﷺ:\n «جعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا» (^١)\n- قال القرطبي:\nقوله ﷺ \"لا تصلوا إلى القبور\"؛ أى لا تتخذوها قبلة، وكلّ ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهَّال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها، فيؤدِّي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. (^٢)\nالصورة الثانية:\nأن يأتي شخص إلى قبر فيسجد عليه، عن أبي سعيد الخدري ﵁:\n «أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلي عليها. (^٣)\n* قال ابن حجر الهيتمي:\n «واتخاذ القبر مسجدًا معناه: الصلاة عليه أو إليه» (^٤).\n** الصورة الثالثة:\nأن يُعْمد إلى قبر لمعظِّم فيُبنى عليه مسجد، كما ورد في قوله - ﷺ - عن النصارى:\n\" إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٨٩)\n (^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ٦٢٨) وانظر أحكام المقابر في الشريعة الإسلامية (ص/٣٣٧)\n (^٣) رواه أبو يعلى (٦٦/ ٢) وصححه الألبانى.\n (^٤) الزواجر (١/ ١٢١) وانظر تحذيرالساجد للعلامة الألبانى (ص/٢٩)","vol":"1","page":301},{"text":"مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \". (^١)\nوقد ترجم البخاري -﵀- لحديث (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا) بقوله: (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور)؛ فجعل من معنى الاتخاذ البناء على القبور المساجد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nاتخاذ القبور مساجد يتناول شيئين: أن يبني عليها مسجدًا، أو يصلي عندها من غير بناء، ... وهو الذي خافه النبيﷺ - وخافته الصحابة إذا دفنوه بارزا: خافوا أن يُصلي عنده فيتخذ قبره مسجدًا. (^٢)\n... المسألة الرابعة: حكم المساجد التي بنيت علي القبور:\nوالمعنى:\nهذه المساجد التى بها قبور ويؤمها الناس للصلاة فيها، هل ينبش هذا القبر وينقل إلى المقابر العامة، أم يُهدم المسجد نفسه؟؟\n*نقول أولًا:\nقال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ.....) فالأصل في المسجد أن يُبنى لله - تعالى- وحده لا شريك له. وقال عزوجل (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا..) فما أُسست المساجد ولا شرعت في الإسلام إلا لإقامة ذكر الله.\nوقال ﵎ (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ...)\nعن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺقَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: مَهْ مَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ:\n «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْقَذَرِ وَالْبَوْلِ وَالْخَلَاءِ؛ إِنَّمَا هِيَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ». (^٣)\nتأمل:\nإذا كانت المساجد لا تصلح للقذر والنجس الحسي، وهذه أشياء يطهرها\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٠٦)\n (^٣) رواه مسلم (٢٨٥)","vol":"1","page":302},{"text":"مثل الدلو من الماء، فكيف تصلح لأن تكون محلًا للنجس المعنوى، من الشركيات، والتقرب إلى غير الله بما لا\nيُتقرب به إلا لله تعالى؟!!!\nعودٌ إلى الجواب عن سؤال الباب في حكم المساجد التى بها قبور، وجواب ذلك على تفصيل:\nأ) الصورة الأولى:\nإن كان القبر قد وضع أولًا ثم بُنى عليه المسجد، وهذا فعل محرم باتفاق الأئمة الأربعة، فيجب هدم المسجد باتفاق أهل العلم؛ وذلك لأن هذا المسجد مما لم يُرد به وجه الله تعالى، فقد أُسس على غير تقوى من الله -تعالى - ولا رضوان.\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائنًا من كان الميت؛ فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان. (^١)\n- وقال ﵀:\nليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور ولو لم يقصد الصلاة عندها. فلا يقبل ذلك لا اتفاقا ولا ابتغاء لما في ذلك من التشبه بالمشركين والذريعة إلى الشرك. (^٢)\n* قال ابن القيم:\nلا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها يوما واحدًا، فإنها شعائر الكفر، وهذا حكم المشاهد التي بُنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تُعبد من دون الله، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها، وبها. (^٣)\n* وتأمل:\nقال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ\n_________\n(^١) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٥٤) وكشَّاف القناع عن متن الإقناع (٢/ ١٤١)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٨٨)\n (^٣) زاد المعاد (ص/٤٤٣)","vol":"1","page":303},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (التوبة/١٠٧/ ١٠٨)\nفقد نهى الله -تعالى- النبيَ -ﷺ- عن الصلاة في مسجد الضرار لكونه أُسس لتفريق كلمة المسلمين وللكفر بالله - تعالى -ورسوله ﷺ، فيقاس عليه المساجد التى أُسست على الأضرحة تعظيمًا لها، والتى يُفعل عندها من الشركيات الموبقة ما لا يعلمه إلا الله تعالى.\n* قال ابن حجر الهيتمي:\nويجب المبادرة لهدمها -أي المساجد التى على القبور - إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسول الله - ﷺ -، لأنه نهى عن ذلك وأمر - ﷺ - بهدم القبور المشرفة. (^١)\n* قال ابن القيم:\nحرق رسول الله - ﷺ - مسجد الضرار وأمر بهدمه؛ لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بالهدم وأوجب. (^٢)\n* أقول:\nوإذا كان الشرع قد أمر بتسوية القبور المشرفة (أى المرتفعة)؛ منعًا من التشبه بمن كان يعظّم القبور ويعبدها، فتسوَّى سدًا للذريعة، فلأن تُهدم هذه المساجد التى يُتقرب فيها إلى صاحب الضريح بما لا يُتقرب به إلا إلى الله -تعالى -فهذا من باب أولى.\n_________\n(^١) الزواجر (١/ ٣٢٨)\n (^٢) المصدر السابق (ص/٥٠٠)\n*فائدة: ذكر الشيخ الألبانى﵀- أن حديث: \" أن النبى -ﷺحرق مسجد الضرار، وأمر بهدمه \" = =هو حديث مشهور فى كتب السيرة، وليس له إسناد يصح. وقال: أورده الحافظ ابن كثير من طريق ابن إسحاق عن الزهرى عن الجماعة المذكورين مرسلًا، وهو فى السيرة لابن هشام بدون إسناد. ا. هـ إرواء الغليل (٥/ ٣٧١)","vol":"1","page":304},{"text":"ب) الصورة الثانية:\nأن يُبنى المسجد أولًا في محلة ما ثم يُؤتى بقبر فيُدخل في المسجد، فهنا لا بد من نبش القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين؛ فإن المساجد ليست محلًا للدفن، وإنما قد أذن الله -تعالى-\nللمساجد أن تُرفع لإقامة الصلاة وليذكر فيها اسم الله تعالى.\n* وعليه فإنه يُهدم المسجد إذا بُني على قبر، كما يُنبش الميت إذا دُفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر مُنع منه، وكان الحكم للسابق. (^١)\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nلا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّرَ: إما بتسوية القبر وإما بنبشه، إن كان جديدًا. وإن كان المسجد بُني بعد القبر: فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلي فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه. (^٢)\n... المسألة الخامسة: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور؟\nوللصلاة في مسجد فيه قبر داخل حدوده حالتان:\n١ - إذا كان ذلك بقصد التبرك بالقبر:\nفقد اتفق أهل العلم على منع الصلاة عند القبر إذا كان ذلك بقصد التبرك، واعتقاد فضيلة الصلاة في مسجد به قبر عن غيره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوكل من قال: إنَّ قصد الصلاة عند قبر أحد أو عند مسجد بني على قبر أو مشهد أو غير ذلك: أمر مشروع بحيث يستحب ذلك ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه:\nفقد مرق من الدين، وخالف إجماع المسلمين. (^٣)\n* قال الآلوسي:\nقصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا به، عين المحادة لله تعالى\n_________\n(^١) زاد المعاد (٣/ ٥٠١)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٩٥)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٨٨)","vol":"1","page":305},{"text":"ورسوله ﷺ، وإبداع دين لم يأذن به الله ﷿؛ للنهي عنها، ثم إجماعًا، وتجب المبادرة لهدمها وهدم\nالقباب التي على القبور؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسوله ﷺ. (^١)\n• وتبطل صلاته إن قصد التبرك بالصلاة عند القبر على الصحيح من أقوال أهل العلم، كما هو مذهب الحنابلة، لنهي النبي - ﷺعن ذلك، والأصل أن النهي في مثل هذه الحالة يقتضي فساد المنهي عنه.\nالحالة الثانية:\nألا يقصد التبرك بالقبر: وهذه المسالة مما اختلفت فيها أقوال العلماء:\nالقول الأول:\nذهب الحنابلة والظاهرية إلى تحريم الصلاة في المقبرة مطلقًا، وأن الصلاة فيها باطلة.\n* لقول النبي ﷺ \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\"، ومطلق النهى يقتضى الفساد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nتكره الصلاة في المساجد المبنية على القبور من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك. (^٢)\n- قال ابن حزم: قال أحمد بن حنبل: من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدًا. (^٣)\n* القول الثانى:\nوالذي عليه جمهور أهل العلم وهو صحة الصلاة في المسجد الذى به قبر. (^٤)\nوهذا هو الراجح، والله أعلم.\nقال البخاري:\nرَأَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - ﵁أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -﵁- يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ:\n... «القَبْرَ القَبْرَ، قال أنس: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهُ يَقُولُ\n_________\n(^١) روح المعاني (٨/ ٢٢٦) وانظر جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (٣/ ١٦٤٢) وقد نص على مثل هذا شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٨٠)\n (^٢) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٨٧) وانظر الإنصاف (١/ ٤٨٩،) والمحلى (٢/ ٣٤٥) والفروع (٢/ ٢١٣)\n (^٣) المحلي (٢/ ٣٥٠)\n (^٤) مواهب الجليل (١/ ٤١٩) والمجموع (٣/ ١٥٨).","vol":"1","page":306},{"text":"الْقَمَرَ.\nفَقَالَ: إِنَّمَا أَقُولُ الْقَبْرَ، لَا تصل إليه. قال البخاري: وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ». (^١)\n- قال ابن بطال:\nنهى عُمر أنسًا عن الصلاة إلى القبر، وكان له مندوحة عن استقباله وكان يمكنه الانحراف عنه يمنة أو يسرة، ولمَّا لم يأمره بإعادة الصلاة علم أن صلاته جائزة. (^٢)\n... المسألة السادسة: شبهات المجوِّزين لبناء المساجد علي القبور:\nالشبهة الأولى:\nقال تعالى﴾ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿(الكهف/٢١)\nقالوا: ففي ذلك دلالة على مشروعية بناء المسجد على القبر؛ لأن الله - تعالى- لم يذم طلبهم هذا في كتابه، بل ذُكِرِ دون استنكار، ولو كان في ذلك شيء من الباطل لكان من المناسب أن تشير إليه.\n** والرد على ذلك من وجوه:\nالأول:\nأن الله ﷿ لم يصف أولئك المتغلبين، بوصف يمدحون لأجله، وإنما وصفهم بالغلبة! وإطلاقها دون قرنها بعدل أو حق: يدل على التسلط والهوى والظلم، ولا يدل على علم ولا هدى، ولا صلاح ولا فلاح. (^٣)\nوعلى مثل هذا نص ابن رجب ﵀، حيث قال:\nقال ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فجعل اتخاذ القبور على المساجد\nمن فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بان مستند القهر والغلبة واتباع الهوى، وانه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما انزل الله على رسله من الهدى. (^٤)\nوممَّن نص على ذلك ابن كثير والقرطبي، وحكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين:\n_________\n(^١) الجامع المسند الصحيح المختصر (١/ ٩٣) ووصله ابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٠)\n (^٢) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٢/ ٧٩)\n (^٣) مجانبة أهل الثبور المصلين في المشاهد والقبور (ص/١٢٨)\n (^٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٣/ ١٩٣)","vol":"1","page":307},{"text":"أحدهما:\nإنهم المسلمون منهم، والثاني: أهل الشرك منهم. (^١)\nومما يؤيد ما ذهب إليه ابن رجب:\nأن اتخاذ القبور مساجد لم يكن جائزًا حتي في شرع من كان قبلنا، كما دلت على ذلك الأحاديث المصرحة بلعن اليهود والنصارى على ذلك الفعل. (^٢)\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجدًا كانوا من النصارى، الذين لعنهم النبي - ﷺ - حيث قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. (^٣)\nالثانى:\nلماذا يُحتج بقول الطائفة الثانية التي علامتها الغلبة، ولا يُحتج بالأولى - وهي المنازعة للثانية\n ﴿إذ يتنازعون بينهم﴾ وقد جاء من صفتها تسليم العلم بحال أهل الكهف إلى الله تعالى ﴿ربهم أعلم بهم﴾ وهذا أولى بالاقتداء من الذين وصفوا بالغلبة فقط. (^٤)\nالثالث:\nغاية ما في الأمر أن هذه الأية من المتشابه الذي أتت المحكمات برده، فأما طريقة أهل الزيغ فكما قال الله تعالى﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ.... ﴿فالمحكمات في ذلك هى أدلة السنة الصريحة الصحيحة في حرمة اتخاذ القبور مساجد، (^٥) وإجماع الأمة على ذلك.\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nبناء المساجد على القبور ليس من دين المسلمين. بل\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (١٧/ ٦٣٩) وتفسير القرآن العظيم (٥/ ١٤٧) والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٥١)\n (^٢) وعليه فلا يقال أن الأية محمولة على أنه كان أمرًا مشروعًا في شرع من قبلنا، فإن اتخاذ القبور مساجد أمر محرم في شرع من قبلنا. مستفاد من \"مجانبة أهل الثبور\" لعبد العزيز الراجحي (ص/١٣١)\n (^٣) الاستغاثة في الرد على البكري (ص/٣١١)\n (^٤) المصدر السابق (ص/١٦٢)\n (^٥) وقد نص ابن حزم أن أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد أحاديث متواترة، وتعقبه الحافظ العراقي بأنها متواترة مشهورة من حيث المعنى. وانظر التوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/١٦٠)","vol":"1","page":308},{"text":"هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ، واتفاق أئمة الدين.\nبل لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها، أو بقصد الصلاة عندها، بل أئمة الدين متفقون على النهي عن ذلك. (^١)\nالرابع:\nبل يقال أن هذه الأية قد استدل العلماء على بطلان هذا الفعل، فهى حجة على المستدل بها.\nفقد بوَّب الشيخ محمد بن عبدالوهاب: باب: \" ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان \"\nثم ذكر قوله تعالى ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.\n٢) الشبهة الثانية: قولهم \" المسجد النبوي - ثانى أعظم المساجد بعد المسجد الحرام - به قبر النبي ﷺ:\nوالجواب على هذه الشبهة من جوانب ثلاثة:﴾ رد تاريخي، ورد عقدي، ورد أصولي ﴿أولًا الرد التاريخي:\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ- لَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَقْبُرُونَهُ، حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ، قَالَ:\n\" مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ، ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ. فَأَخَّرُوا فِرَاشَهُ وَحَفَرُوا لَهُ تَحْتَ فِرَاشِهِ. (^٢)\nلذا فقد دُفن النبيُ -صلي الله عليه وسلم - في حجرته في بيت عائشة ﵂.\nوقد كانت حجرتها ملاصقة للمسجد النبوى.\nوفي عهد الخلفاء الأربعة -﵃- زاد عدد المسلمين واحتيج إلي توسعة المسجد النبوي، فقاموا بتلك التوسعات وكانوا لعلمهم وفقههم يتجنبون ادخال الحجرة التى بها قبر الرسول - صلي الله عليه وسلم - في المسجد.\n- ففي خلافة عثمان -﵁- لما أراد توَسعة المسجد النبوي الشريف احترز مِن أن يكون ذلك مِن جِهة الحُجرات، ولم يُدخلها فيه، وهذا عَيْن ما صَنَعه سَلَفُه عمر بن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٨٨)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٧) وصححه الألبانى في صَحِيح الْجَامِع (٥٦٠٥)","vol":"1","page":309},{"text":"الخطاب -﵃.\n- فلمَّا كان في خلافة الوليد بن عبد الملك في السَّنَة الثامِنة والثَّمانين من الهجرة، فقد أراد الوليد أن يوسِّع المسجد النبوي، فأمر عامله علي المدينة - عمر بن عبد العزيز- أن يدخل جميع حجرات زوجات النبي -صلي الله عليه وسلم - في المسجد بما في ذلك حجرة عائشة ﵂.\nفاجتمع عمر بن العزيز﵀- بعلماء المدينة ليشاورهم في الأمر، وكان عامَّةُ الصحابة -﵃- قد ماتوا، وكان آخرهم موتًا جابر بن عبد الله -﵁-، فشَقَّ ذلك على الفقهاء والعلماء، وكان فيهم سعيدُ بنُ المُسَيَّب، فلم يرض سعيد بن المسيَّب بذلك؛ لئلا يدخل القبر في المسجد النبوي. (^١)\nقال ابن كثير:\nجمع عمربن عبد العزيزالفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد، فشق عليهم ذلك، فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم، فأرسل إليه يأمره ببناء المسجد على ما ذكر. (^٢)\nومع إصرار الوليد بن عبد الملك علي ذلك فقد تم إدخال جميع حجرات أمهات المؤمنين إلي المسجد، بما في ذلك حجرة عائشة ﵂. (^٣)\n_________\n(^١) قال ابن كثير: ويُحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد- كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدًا - والله أعلم. وانظر البداية والنهاية (١٢/ ٤١٥) وتنبيه الأفهام شرح عمدة االأحكام (ص/٤١٩)\n (^٢) انظر البداية والنهاية (١٢/ ٤١٥)\n (^٣) ومما ذكره المؤرخون في التوسعة التى أحدثها الوليد بن عبد الملك أنه أول من غالى في أمور الزخرفة والنقوش، حيث نقش حيطانه بالفسيفساء والمرمر وعمل سقفه من الساج وحلاه بماء الذهب، ونقش رؤوس الأساطين والأعتاب بالذهب.\nوفي صدد المقارنة بين ما حدث في عهد عثمان -﵁وما حدث في عهد الوليد يمكن الاستفادة من الخبر التالي:\n\"لمّا حج الوليد وقدم إلى المدينة بعد فراغ عمر من عمارة المسجد، أخذ ينظر في جدره وسقفه ونقوشه وجميل شكله، حتى إذا تم النظر، التفت إلى أبان بن عثمان وقال: أين بناؤنا من بنائكم؟ قال أبان:\nبنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس.. \" يقصد المغالاة في ذلك.\nوهذا يدل على أن زخرفة عثمان كانت أمرًا يسيرًا.\nوانظر تاريخ مكة المشرفة والمدينة الشريفة (ص/٢٨٣) والعناصر المعمارية في المسجد النبوي لصالح الشامى.","vol":"1","page":310},{"text":"لذا لنا أن نقول في هذا الجانب أن ما فعله الوليد بن عبدالملك في هذا الباب يشبه ما ذكره الله - تعالى- في قصة فتية الكهف﴾ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿وبهذا يتضح لنا أمر مهم:\nأن القبر الشريف -على صاحبه الصلاة والسلام- إنما دخل في المسجد من جرَّاء التوسعات. ** وعليه يقال:\nلا بُنى المسجد النبوى على القبر الشريف، ولا قُبِرَ النبيُ -ﷺ- في المسجد النبوى.\n٢ - الرد الأصولي:\nاذا كان النبي -ﷺ - قد نهي عن اتخاذ القبور مساجد سدًا للذريعة وحسمًا لمادة الفتنة التى تتمثل في الغلو في الصالحين، فالقاعدة الأصولية تنص على أن:\n\"ما منع سدًا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة\"\nفالمصلحة العظيمة للصلاة في المسجد النبوى، حيث تتضاعف أجر الصلاة فيه ألف صلاة عن الصلاة في غيره، تترجح على منع ذلك سدًا للذرائع المذكورة.\nوكلا الأمرين منتفٍ في حق المساجد الأخرى التى بها أضرحة؛ فلا الصلاة فيها متضاعفة حتى نرجَّح جانب المصلحة بالصلاة فيها، ولا نحن أمنا وقوع البدع الشركية كما هو واقع عند المشاهد والأضرحة.\n٣ - الرد العقدي:\nقد نهي النبي - ﷺ - عن اتخاذ القبور مساجد سدًا لذريعة الشرك، كما سبق بيانه آنفًا،\nوهذه العلة انتفت عن المسجد النبوي؛ وذلك من وجوه:\n١) الأول:\nالقبر النبوي الشريف ليس ظاهرًا كما هو حال الأضرحة في المساجد الأخري، والتى تراها.\nقال النووي وهو يذكر وضع القبر الشريف:\nقد بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي المحذور، ثم بنوا","vol":"1","page":311},{"text":"جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا؛ حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر.\nولهذا قال في الحديث \" ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا \" (^١).\nفأين هذا من تلك الأضرحة التى أبرزت في المساجد، فأخذت زخرفها وأزيَّنت تسر الناظرين.\n٢ ا-الأمر الثاني:\nالنبي -ﷺ - قد دعا ربه فقال: \" اللهم لا تجعلْ قبرى وثنًا يُعبد\" (^٢)\nوهذه الدعوة - بفضل الله- استجيبت للنبي ﷺ؛ فقد وضعت التحصينات والحواجز التى تحول دون الوصول للقبر الشريف، ويُطرد عن القبر كل من يظهر أمرًا من المغالاة أو المبالغة عند القبر النبوى.\n- قال أبو العباس ابن تيمية:\nوقد استجاب الله دعاء نبيه ﷺ، فلم يُتخذ - ولله الحمد - قبره وثنًا يعبد، ولا يمكن أن يفعل عنده ما هو دون هذا وذريعة إليه مما نهى عنه، فلا يستطيع أحد أن يفعل عند قبره منكرًا. (^٣)\n- لذا قال ابن القيم:\nفأجاب ربُ العالمين دعاءه... وأحاطه بثلاثة الجدران\nحتى غدت أرجاؤه بدعائه... في عزة وحماية وصيان. (^٤)\n* نقول:\nفأين هذا مما يفعل عند الأضرحة من البدع الشركية مما يعجز القلم عن حصره، ويستحي من ذكره\nحيث الافتتان بالقبور وتحبيس الأموال عليها وطلب الدعاء منها والاستغاثة بها عند الضراء، وتقديم النذور لهم. (^٥)\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٥/ ١٤)\n (^٢) سبق تخريجه.\n (^٣) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص/١٠٣)\n (^٤) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص/٢٦١)\n (^٥) ويُذكر أن رجلًا نذر خروفًا للبدوي إن نجح ابنه في الثانوية -والنذر لغير الله شرك- فشاء الله أن يمرض ويموت الخروف، فإذا بالرجل يقول: يا بدوي لم استعجلت عليه؟!! كنت سآتيك به بعد أيام!!!\nفأثبت له أنه يحيي ويميت من دون الله ﷿.\nوكذلك هذه قصة أخرى تدل على جهل هؤلاء الذين يطوفون بالقبور:\nيُذكر أن رجلين جاءا بجحش ودفناه، وأعدا له مقامًا ليطوف الناس به، وفعلًا عندما كان الناس يأتون إلى المسجد يطوفون بالقبر، وتقول: مقام سيدي جحش! فاختلف الرجلان على صندوق النذور -لأنه يجلب الكثير- فقال أحدهما للآخر: ما تنساش إن إحنا دافنينه سوا! وانظر التعليق على العدة شرح العمدة لأسامة سليمان (١٢/ ٧)\nوكم من هذه الأضرحة التى هي في الحقيقة أضرحة مكذوبة، كما هو الحال في ضريح الحسين ﵇.\n* كذلك فقد كشفت قناة العاصمة المصرية عن سر عمره ٤٠ عامًا؛ وذلك أن شجارا وقع بين عائلتين بمحافظة السويس حول أحقية رعاية مقام \"سيدي أبوسريع\" واقتسام النذور التي تصل إلى نحو مليون جنيه سنويًا.\nفبعد أن اعتاد مواطنون من أبناء السويس وخارجها على زيارة المقام، مقدمين له النذور ومتبركين به، تبين حين حاولت العائلتان نقل رفاته، وبعد هذه الأعوام، أن ما دُفن داخل المقام هو رأس عجل، ولا يوجد أي أثر للمدعو.","vol":"1","page":312},{"text":"* وتأمل في قول الشيخ محمد بن عبدالوهاب:\nوإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم.... (^١)\nفسمَّي هذه الأضرحة أصنامًا، وسمَّى أفعالهم لها عبادة. وصدق ﵀؛ فالعبرة في الأفعال بالمقاصد والمعانى، وليست بالألفاظ والمبانى.\nيقول حافظ إبراهيم -﵀- وهو يصور لنا حقيقة هذا الواقع المرير:\nأحياؤُنا لا يُرزَقونَ بِدِرهَمٍ... وَبِأَلفِ أَلفٍ تُرزَقُ الأَمواتُ\nمَن لي بِحَظِّ النائِمينَ بِحُفرَةٍ... قامَت عَلى أَحجارِها الصَلَواتُ\nيَسعى الأَنامُ لَها وَيَجري حَولَها... بَحرُ النُذورِ وَتُقرَأُ الآياتُ\nوَيُقالُ: هَذا القُطبُ بابُ المُصطَفى... وَوَسيلَةٌ تُقضى بِها الحاجاتُ. (^٢)\n... أقول:\nومما سبق من هذه الوجوه كله فى الرد على شبهة وجود القبر النبوي\n_________\n(^١) الدرر السنية (١/ ٦٦)\n (^٢) ديوان حافظ إبراهيم (١/ ٣١٨)","vol":"1","page":313},{"text":"الشريف بالمسجد فقد كره العلماء كثرة تردد المصلِّين على زيارة القبر الشريف.\nفقد سئل مالك -﵀ - عن الغريب يأتي قبر النبي كل يوم، فقال:\nما هذا من الأمر، وذكر حديث: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد)\nقال ابن رشد:\nفيُكره أن يُكثر المرور به، والسلام عليه، والإتيان كل يوم إليه لئلا يُجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك بقوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا) \". (^١)\nوسئل القاضي عياض عن أناس من أهل المدينة يقفون على القبر في اليوم مرة أو أكثر، ويسلمون ويدعون ساعة، فقال:\n\" لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولَها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك \". (^٢)\n* وختامًا:\nوبعد ذكر هذه الوجوه التى ذكرناها في الرد على شبهة المسجد النبوي، فإن الاستدلال بوجود القبر الشريف في المسجد على مشروعية وجود الأضرحة في المساجد هو نوع من ركوب الهوى الذي أعمى القلب عن الهداية والعقل عن الفهم.\nقال تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢»\n (سورة فاطر: ١٩ - ٢٢)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (١٨/ ٤٤٤ - ٤٤٥):\n (^٢) \" الشفا بتعريف حقوق المصطفى \" (٢/ ٦٧٦)","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الحديث الحادى عشر: حلة الكرامة شرح حديث \"هل نرى ربنا يوم القيامة</span>؟ \"","vol":"1","page":315},{"text":"** نص الحديث **\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟»، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَهَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ ﷺ:\n... «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ».\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٧٤٣٧) بَابُ: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ومسلم (١٨٢) بَابُ: مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ.\nوهذا حديث يمثل أحد أهم ركائز الاعتقاد في بنيان أهل السنة والجماعة والتى تعد أحد العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع.\nلذا فقد حرص كل من كتب في عقيدة أهل السنة والجماعة على ذكر رؤية المؤمنين لربهم تعالى.\nقال يزيد بن هارون، وهو أحد رواة هذا الحديث:\nمن كذَّب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله، حلف غير مرة، وقد عقَّب الطبري قائلًا: وأقول أنا: صدق رسول الله، وصدق يزيد وقال الحق. (^١)\nورؤية الله -عزوجل- ثابتة بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع والعقل، وكما ذكر ابن حجر -﵀- ذلك بقوله:\nوأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك -أى رؤية الله- في الآخرة\n_________\n(^١) صريح السنة للطبري (ص/٢٠)","vol":"1","page":317},{"text":"لأهل الإيمان دون غيرهم. (^١)\n* قال ابن حزم:\nوالآية والأحاديث الصحاح مأثورة في رؤية الله -تعالى- يوم القيامة موجبة القبول لتظاهرها وتباعد ديار الناقلين لها، ورؤية الله -﷿- يوم القيامة كرامة للمؤمنين لا حرمنا الله ذلك بفضله. (^٢)\nوفيما يلى تبيين ذلك بشيء من التفصيل:\n... أولًا: أدلة الكتاب على إثبات الرؤية:\n١) قال تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]\nو\"الزيادة \" في هذه الأية قد فسرها النبيﷺ- برؤية الله تعالى.\nعَنْ صُهَيْبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نُودُوا: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا لَمْ تَرَوْهُ، فَقَالُوا: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ، وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟ \"، قَالَ: \" فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ \" ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. (^٣)\n٢) قال تعالى﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴿(القيامة: ٢٢/ ٢٣)\nعَنْ عِكْرِمَةَ: تَنْظُرُ إِلَى رَبِّهَا ﷿ نَظَرًا. (^٤)\nقال ابن القيم: وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث. (^٥)\n_________\n(^١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٤٢٦)\n (^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٣)\n (^٣) أخرجه مسلم (١٨١) وأحمد (١٨٩٣٥)\n (^٤) أخرجه الآجري في الشريعة (٥٨٦) وسنده صحيح، وأما ما ورد عن ابن عباس فسنده ضعيف.\nوكذلك ما ورد مرفوعًا عند أحمد (٥٣١٧) والترمذي (٢٥٥٣) ولفظه (إِنَّ أَكْرَمَ أهل الجنة عَلَى اللَّهِ، مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فهو ضعيف جدًا؛ في سنده ابن أبي فاختة -، ضعفه غير واحد من الأئمة، وفيه كذلك: علي بن الجنيد، قال عنه الدارقطني: متروك.\n (^٥) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٢٩٦) وقد بوّب البخاري: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ثم ذكر تحته أحاديث الرؤية.","vol":"1","page":318},{"text":"قال عبدالله بن أحمد:\nوجدت في كتاب أبي بخط يده مما يحتج به على الجهمية من القرآن الكريم قوله تعالى\n (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣». (^١)\nفقوله تعالى ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هنا عدي النظر بـ (إلى) الدالة على الغاية، وهو نظر صادر من الوجوه، والنظر الصادر من الوجوه يكون بالعين؛ بخلاف النظر الصادر من القلوب؛ فإنه يكون بالبصيرة والتدبر والتفكر؛ فهنا صدر النظر من الوجوه إلى الرب ﷿؛ لقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾. (^٢)\n٣) قال تعالى﴾ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴿(المطففين/١٥)\nقال رجل لمالك: يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟\nفقال ﵀: \" لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير اللهُ الكفارَ بالحجاب، فقال: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. (^٣)\nقال الشافعى:\nفلما حجبهم في السخط كان هذا دليلًا على أنهم يرونه في الرضا، وبه أدين اللَّه، لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى اللَّه لما عبد اللَّه ﷿. (^٤)\n٤) قال تعالى﴾ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴿(الأعراف/١٤٣)\nفلما طلب موسى -﵇- رؤية ربه -عزوجل- دل ذلك على جواز أصل حصولها وتحققها، وأن رؤيته -تعالى - ليست ممتنعة في الأصل، وإنما جاء المانع لأمر خارج ألا وهو ضعف أهل الدنيا وعدم تحملهم لذلك الأمر.\nوإذا كان الجبل لم\n_________\n(^١) السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل (ص/٥١٢)\n (^٢) شرح العقيدة الواسطية لابن العثيمين (ص/٤٤٨)\n (^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٨٠٨)\n (^٤) أحكام القرآن (ص/٤٠) ومناقب الشافعي (١/ ٤١٩) قال ابن كثير: وهذا الذي قاله الإمام الشافعي﵀- في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية. تفسير القرآن العظيم (٨/ ٣٥١)\nقلت:\nوقد ثبت مثل هذا الاستدلال بهذه الأية على رؤية الله -تعالى- عن الإمام أحمد فى كتابه \"الرد على الجهمية والزنادقة\" (ص/١٣٣)، ونقله عنه ابن بطة فى إبانته الكبرى (١/ ١٠٤)","vol":"1","page":319},{"text":"يثبت لما تجلَّى الله - عزوجل- له، فالبشر أضعف بلا شك. (^١)\n*يؤيده:\nقد أظهرت الأية - لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد- العلة المانعة من تحقق رؤية موسى -﵇ - لربه -عزوجل- والتى هى ضعف الطبيعة البشرية عن تحمل ذلك؛ وذلك قد اتضح بما وقع للجبل لما تجلى له ربه، أما في الآخرة فالأمر مختلف، والقاعدة تقول:\nالأحكام تدور مع علتها وجودًا وعدمًا، توجد بوجودها وتنتفي بزوالها.\n٥) قال تعالى (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) (الأحزاب/٤٤) وكذلك قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرالْمُؤْمِنِينَ) (البقرة/٢٢٣)\nوكل الأدلة التى أثبتت اللقاء بين الله -تعالى- وبين خلقه فهى من أدلة إثبات الرؤية، ... كقوله ﷺ \"\"لَيَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ:\nأَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ أَلَمْ أَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ (^٢).\n* قال أبو العباس أحمد بن يحيي:\nأجمع أهل اللغة على أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار. (^٣)\n* قال أبو العباس ابن تيمية:\nأما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير؛ وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ﷾، واحتجوا بآيات \" اللقاء \"\nعلى من أنكر رؤية الله في الآخرة من الجهمية كالمعتزلة وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٢٨٦) وقد ذكر ابن القيم سبعة وجوه في الاستدلال بهذه الأية على رؤية الله -عزوجل - فراجعه إن شئت.\nومن عجيب التحريف المعنوي لهذه الآية عند نفاة الرؤية ما تأوله الأصم والكعبي، وهم من المعتزلة بقولهم: إن قول موسى \" أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ\":\nأي أرني آية أعلمك بها، كما أعلم ما أنظر إليه. فتنتفي الشكوك والشُّبه!! وانظر \"شرح العقائد النسفية\" (ص/٢٠٤).\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٨)\n (^٣) ذكره ابن القيم مسندًا ثم قال: وحسبك بهذا الإسناد صحة. وانظر حادي الأرواح (ص/٢٨٨)\n (^٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٢)","vol":"1","page":320},{"text":"٦) قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) ﴿(المطففين/٣٥)\nوجه الدلالة: القاعدة \" حذف المفعول يؤذن بالعموم \"\nبمعني:\nأنه لمَّا لم يُذكرْالمنظورإليه، كان هذاعامًا لكل ما يتنعمون بالنظرإليه، ولا شك أن أعلى النعيم فيما يُنظرإليه في الجنة إنما هوالنظرإلى وجه الله تعالى؛ كما قال النبي ﷺ:\n\" فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿ \". (^١)\nوعليه فتبقي الأية في سياق العموم، فمن خصها بشيء دون شيء كان ملزمًا بالمخصِص.\n٧) قال تعالى﴾ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴿أه (الأعراف/١٤٣)\nوجه الدلالة:\nوالدليل على أنه ممكن أن يُرى في الآخرة بشرطه في الرؤية ما يمكن من استقرار الجبل ولا يستحيل وقوعه، ولو كان محالًا كون الرؤية لقيدها بما يستحيل وجوده، كما فعل بدخول الكافرين الجنة، قيَّد قبل ذلك بما يستحيل من دخول الجمل سمَّ الخياط. (^٢)\nقال أبو الحسن الأشعري:\nفإن قال قائل: فلِم لا قلتم إن قول الله تعالى (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) تبعيد للرؤية؟\nقيل له:\nلو أراد الله -﷿- تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، ولم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلما قرنه باستقرار الجبل، وذلك أمر مقدور لله ﷾،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨١)\n (^٢) أفاده ابن عبدالبر في التمهيد (٧/ ١٥٣)\nومن التقوّل الباطل للمعتزلة على هذه الحجة زعمهم أن المراد بقوله تعالى (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) أي: إن استقر مكانه حال تحركه، وهذا ليس بجائز، بل محال، والمعلّق على المحال محال، وهذا بلا شك افتراء واضح المعالم، كامل الأركان، مثال صارخ لمن يعتقد ثم يستدل.","vol":"1","page":321},{"text":"دل ذلك على أنه جائز أن يُرى الله تعالى.\nألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربًا على أخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت:\nولا أصالح قومًا كنت حربَهمُ... حتى تعود بياضًا حُلْكَةَ القارِ \" (^١)\n* ثانيا: الأحاديث النبوية في إثبات الرؤية:\nقد ثبت بالنقل المتواتر المعنوي من أحاديث النبي -صلي الله عليه وسلم - ما يفيد ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.\nفلقد روي ما يزيد عن ثلاثين صحابيًا أحاديث الرؤية، فالنصوص فيها قطعية الثبوت والدلالة؛ لأنها في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم.\nوأنشدوا في هذا المعني:\nمما تواتر حديث من كذب... ومن بني لله بيتًا واحتسب\nورؤية وشفاعة والحوض... ومسح الخفين وهذي بعض.\n* قال ابن كثير:\nوقد ثبتت رؤية المؤمنين لله -﷿- في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام. (^٢)\nقال ابن حجر:\nجمع الدارقطني طرق الأحاديث الواردة في رؤية الله-تعالى-في الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن القيم في حادي الأرواح فبلغت الثلاثين، وأكثرها جياد. (^٣)\nوممن نص على تواتر أحاديث الرؤية من الأئمة:\nالذهبي وشيخ الإسلام ابن\n_________\n(^١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/٤٥)\n (^٢) تفسير القرآن العظيم (/٢٧٩)\n (^٣) فتح الباري (١٣/ ٤٣٤)","vol":"1","page":322},{"text":"تيمية وابن القيم والآجري، والكتاني صاحب كتاب \"المتناثر في نظم المتواتر\"، والبيهقي فى كتاب الرؤية. (^١)\n... وإليك طرفٌ من هذه الأحاديث الصحاح:\n١ ما ورد فى حديث الباب:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- من قوله ﷺ:\n «هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟، هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ فقَالَ ﷺ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ».\nوما أخبر به النبي -ﷺ- من أنَّ المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر فهذا من باب تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي؛ فإن الله -تعالى- لا شبيه له ولا نظير، فإنه ليس المقصود تشبيه الله -تعالى - بالقمر، وإنما تشبيه رؤية الله -﷿ - برؤية القمر، وهذا كقوله ﷺ:\n\" أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ\" (^٢)، ولم يلزم من ذلك أنهم مماثلون في الحقيقة للقمر، وهذا مستقر بأصل العقل، والعرب تارة تذكر التشبيه للصفة، وتارةً تذكر التشبيه للموصوف. (^٣)\n٢ - عنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - قَالَ:\nإِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لَا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ، أَفْحَجُ، جَعْدٌ، أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ، لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ، وَلَا حَجْرَاءَ، فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ -﷿ - حَتَّى يَمُوتَ. (^٤)\nفقوله ﷺ:\n\" تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ -﷿ - حَتَّى يَمُوتَ\":\nدل أن الرؤية ليست منفية على كل حال، فما بعد كلمة \"حتى\" يغاير في الحكم ما قبلها. ونظير ذلك قوله تعالى (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)\n_________\n(^١) وانظر الانتقاد الرجيح شرح الاعتقاد الصحيح (ص/١١٩)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) وانظرالتدمرية (ص/٨٧) ولمعة الاعتقاد (ص/٢٢) وشرح الطحاوية ليوسف الغفيص (ص/٧)\n (^٤) رواه مسلم (٢٩٣١) وأبو داود (٤٣٢٠) وأحمد (٢٢٧٦٤)","vol":"1","page":323},{"text":"٣ - وعن عَمَّارِ بْنُ يَاسِرٍ - ﵁ - قال:\nكان من دُعَاء النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ. (^١)\nقال ابن خزيمة:\nألا يعقل ذوو الحِجَا - يا طلاب العلم - أن النبي - ﷺ - لا يسأل ربه ما لا يجوز كونه، ففي مسألة النبي - ﷺ - ربه لذة النظر إلى وجهه أبين البيان وأوضح الوضوح أن لله - ﷿وجهًا يتلذذ بالنظر إليه. (^٢)\n٤ - عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِعَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». (^٣)\n٥ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ:\n «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ:\n ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ (^٤)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ:\n\" لا تضامون \" يروى بالتخفيف، أي لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيئ الحسن كالهلال، فإنه يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى، وهو سبحانه يتجلى تجليًا ظاهرًا، فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته، وهذه الرواية المشهورة.\nوقيل:\n\" لا تَضامّون \": بالتشديد، أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، كما يَتَضَامّ الناس عند رؤية الشيئ الخفي كالهلال... (^٥) \"\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٣٥١)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: صحيح.\n (^٢) وانظر التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿ (ص/١٣) ومذهب أهل التفويض فى الصفات (ص/٤١٣)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) مجموع الفتاوى (١٦/ ٨٥).","vol":"1","page":324},{"text":"ثالثًا: الإجماع: وقد نقل الإجماع على ذلك جمع كبير من أهل العلم:\n* قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، فقالا: \" أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: ..... وأنه ﵎ يُرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم. (^١)\nقال أبو سعيد الدارمي:\nأحاديث الرؤية قد أدركنا عليها مشايخنا، ولم يزل المسلمون يروونها ويؤمنون بها ولا يستنكرونها، ومن أنكرها نسبوه إلي الضلال. (^٢)\n- قال ابن جرير الطبري:\nالصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ يوم القيامة، وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة، فهو: أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبارعن رسول الله ﷺ. (^٣)\n*وكذا نقل الإجماع:\nالذهبي وابن القيم وابن كثيروأبو الحسن الأشعري والنووي وغيرهم. (^٤)\n*رابعًا: دليل العقل على إثبات الرؤية:\nيتردد الدليل العقلي على إثبات رؤية الله تعالى بين وجهين، أحدهما أرجح وأقوى دلالة من الآخر:\n١) الأول: دليل الوجود:\nفالعقل شاهد بذلك؛ فإن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود، وما كان أكمل وجودًا كان أحق بأن يُرى، فإن الله -تعالى-أحق بأن يُرى من كل ما سواه؛ لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه، إذ المعدوم هو الذى لا يُرى. (^٥)\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٧)\n (^٢) الرد على الجهمية (ص/١٢٤)\n (^٣) صريح السنة (ص/٢٠)\n (^٤) راجع لذلك سير أعلام النبلاء (٢/ ١٦٧) وحادى الأرواح (ص/٣٣٧) وتفسير القرآن العظيم (٨/ ٣٠٤) والإبانة (١/ ٤٠٢)\n (^٥) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٠١) وشرح الطحاوية لأبي العز (ص/٢٠٥)","vol":"1","page":325},{"text":"* قال أبو الحسن الأشعري:\nومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار؛ أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله ﷿، وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما كان الله -﷿- موجودًا مثبتًا، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ﷿. (^١)\n٢) الثانى: دليل الكمال:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة، فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود، وحينئذ فيكون الله- وله المثل الأعلى- أحقّ بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا، كما لانستطيع التحديق في شعاع\nالشمس. (^٢)\n* وإنما كان الدليل الثانى هو الأقوى دلالة والأوقع في الحجية العقلية من الأول لأنه ليس كل موجود جائزًا أن يُري؛ فهناك موجودات لا نستطيع رؤيتها، لذا قلنا إن الله -تعالى- إنما أمكننا من رؤيته لكمال ذاته تعالى. (^٣)\n... المخالفون لأهل السنة في باب الرؤية:\nهم أهل البدع الذين أبوا إلا أن يخالفوا نهج أهل السنة في هذا الباب، حيث عمدوا إلى إنكار رؤية الله -تعالى- في الأخرة، بل وجعلوا المثبتين لها قوم مشبهة، وزعموا أن الأثار التي تمسك بها من قال بالنظر إلى وجه الله -تعالى -توجب التشبيه؛ لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة. (^٤)\n_________\n(^١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/٣٣)\n (^٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣١)\n (^٣) المنحة الربانية في أدلة الصفات الإلهية (ص/٧١٧)\n (^٤) قال الزمخشري: وزعمت المشبِّهة - يقصد بهم أهل السنة- أن الزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى، وجاءت بحديث مرقوع- أى مفترى - «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه....) ا. هـ\nوقال كذلك عند تفسيره لقوله تعالى (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) أي: قد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط اللَّه والعذاب السرمد، ونيل رضوان اللَّه والنعيم المخلد!\nقلت:\nأشار به إلى عدم الرؤية؛ لأنَّ رؤيةَ اللَّهِ- تعالى- تُعتبرُ غايةً وراءَ النجاةِ مِن سَخطِ اللَّهِ والنجاةِ من النارِ، وهكذا يتم دس الاعتزاليات بين السطور.\nحيث أنَّ طريقةَ الزمخشريِّ في إثباتِ بدعةِ المعتزلةِ ليست بطريقةِ المتقدِّمين من المعتزلةِ الذين يقولون: هذه الآيةُ تدلُّ على كذا مثلًا. ولكنه يأتي بعبارة ظاهرها السلامة وباطنها مشتمل على ما يُريدُ ذِكره من البِدعِ التي تخْفَى على غيرِ المتخصِّصِ.\nقال البلقيني: استخرجت من الكشَّاف اعتزالًا بالمناقيش.\nوانظرالكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ٢٤٣) والإتقان في علوم القرآن (ص/٢٤٤)","vol":"1","page":326},{"text":"وممن أنكر رؤية الله -تعالى-من الفرق:\nالجهمية والمعتزلة والزيدية والإباضية وجمهورالشيعة.\nقال القاضي عبد الجبار:\nوأما أهل العدل بأسرهم والخوارج والزيدية وأكثر المرجئة، فإنهم قالوا: لا يجوز أن يُرى الله -تعالى- بالبصر؛ لأنه ذلك يستحيل.\nوقال عن أحاديث الرؤية:\nأكثرها يتضمن التشبيه، فيجب القطع على أنه ﷺ لم يقله. (^١)\n* ما هو حكم من أنكر رؤية الله في الأخرة؟؟\nالذي عليه جمهورالسلف أن من جحد رؤية الله -تعالى- في الدار الآخرة فهو كافر؛ لأنه منكر لما تواتر نقله في الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة.\nفإن كان المنكر لذلك ممن يجهل العلم بذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر؛ وذلك أنه هذه المسألة بتكاثرهاوتواردها قد بلغت مبلغ القطع الذى لا يحتمل معه أى تأويل أو شبهة.\n*عن الفضل بن زياد قال:\nسمعت أحمد بن حنبل، وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله تعالى لا يُرى في الآخرة، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال:\nمن قال بأن الله تعالى لا يُرى\n_________\n(^١) وانظرالمغنى فى أبواب العدل والتوحيد (٤/ ١٣٩) والأصول العشرة للإباضية (ص/١٩٩) ومختصر التحفة الاثنى عشرية (ص/٩٦) والمعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/١٢٧)","vol":"1","page":327},{"text":"في الآخرة فقد كفر، عليه لعنة الله وغضبه، من كان من الناس. (^١)\n* قال الآجري:\nفإن قال الجهمي: أنا لا أؤمن أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة، قيل له:\nكفرتَ بالله العظيم، فإن قال: وما الحجة. قيل: لأنك رددتَ القرآن والسنة وقول الصحابة ﵃، وقول علماء المسلمين، واتبعتَ غير سبيل المؤمنين، وكنت ممَّن قال الله تعالى ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. (^٢)\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nأجمعت المعتزلة على أن الله -تعالى- لا يُرى بالأبصار، واختلفت هل يُرى بالقلوب. (^٣)\n\n...<span data-type=\"title\" id=toc-84> شبهات نفاة رؤية الله -تعالى- والرد عليها:</span>\nاستند جمهور الجهمية والمعتزلة في قولهم بنفي الرؤية على جملة من الشبهات العقلية والنقلية، والتى جعلوها مستندًا لهم في القول بنفي الرؤية، بل إنهم تجاوزا هذه المرحلة حتى قالوا بكفر من أثبت الرؤية، كما نقل ذلك عنهم ابن الجوزى وابن عبدالبر وأبوالحسن الأشعري. (^٤)\n* ونذكر طرفًا من هذه الشبهات مع الجواب عليها:\n١) قال تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَوَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣» فقال النفاة: قد نفت الأية رؤية الله، فكما أن الله يدرك الأبصارفي الدنيا والأخرة، فكذلك أبصار العباد لا تدركه لا في لدنيا ولا في الأخرة. (^٥)\n_________\n(^١) الشريعة (٢/ ٩٨٦)\n (^٢) الشريعة (٢/ ٩٧٦)\n (^٣) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٢/ ٥٤٤)\n (^٤) قال ابن عبدالبر: وأهل البدع المخالفون لنا في هذا التأويل يقولون إن من جوَّز مثل هذا -أى رؤية الله -وأمكن عنده فقد كفر. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٥٥)\n (^٥) وهذه أحد الأدلة التى شغَّب بها القاضي عبدالجبار في كتابه \"متشابه القرآن\" (ص/٢٥٥)، وانظر \"شرح الأصول الخمسة\" (ص/٢٣٣)","vol":"1","page":328},{"text":"الجواب:\nنريد منكم أن تفرَّقوا بين الرؤية والإدراك، فالأمر الذى نفته الأية بلا شك إنما هو الإدراك لا الرؤية، فالله -عزوجل -لا تدركه الأبصار، ولا تحويه ﷿، وهو-عزوجل- يُرى من غير إدراك، كما يقول الرجل:\nرأيتُ البحر، مع أنه لم يدركه، لذا فإن الإدراك أخص من مطلق الرؤية، لأن الادراك رؤية خاصة؛ وهي الرؤية علي جهة الإحاطة، كما في قوله تعالي:\n (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا) فلم ينف موسي -﵇- الرؤية، وإنمانفي الإدراك. وكذلك قوله تعالى:\n ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ ومعلوم أنه لم يخف الرؤية وإنما خاف الإحاطة. (^١).\nونظيرذلك::\nالفرق بين العلم بالله والإحاطة به سبحانه، فالذى قال (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّااللَّهُ) هو سبحانه الذى قال (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)\nفالله -تعالي-يُري ولا يُدْرك، كما أنه يُعلْم ولا يُحاط به علمًا.\nوعليه فمن يستدل على نفى الرؤية بنفي الإدراك فهو ممن يجهل الفرق بين الأمرين.\nوكم من عائب قولًا صحيحًا... * وآفته من الفهم السقيم.\n* يؤيده:\nقال ابن القيم:\nوتأمل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ \" لا \" الدالة على طول النفي ودوامه، فإنه لا يدرك أبدًا وإن رآه المؤمنون، فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق، وكيف نفى الرؤية بـ \" لن \" فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ لأن النفي بها لا يتأبد. (^٢)\n*بل يقال هنا: أن هذه الأية تصلح لأن تكون دليلًا لأهل السنة:\n_________\n(^١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (ص/٦٤٨)\n (^٢) بدائع الفوائد (١/ ٩٦)","vol":"1","page":329},{"text":"قال ابن العثيمين:\nنفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ولو كان الأعم منتفيًا لوجب نفيه وقيل: لا تراه الأبصار، لأن نفيه يقتضي نفي الأخص ولا عكس، ولأنه لو كان الأعم منتفيًا لكان نفي الأخص إيهامًا وتلبيسًا ينزه عنه كلام الله ﷿. (^١)\nثم يقال:\nولو تنزلنا مع الخصم وقلنا إن الرؤية هى الإدراك -على مستوى فهمهم- فيقال هنا بحمل الرؤية المنفية في هذه الأية على حال الحياة الدنيا. (^٢)\n٢) ومن شبهات النفاة:\nقوله تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) قالوا: قوله تعالي: (لن تراني): يفيد نفي الرؤية مطلقًا؛ وذلك لأن \" لن \" تفيد النفي المؤبد، والنفي خبر، وخبر الله صدق لا يدخله النسخ. (^٣)\nالجواب:\nقد أجاب أهل العلم على ذلك فقالوا: حرف \"لن\" يفيد النفي المؤبد، مردود شرعًا ولغة\nأما شرعًا:\nفإن النفي إذا جاء بـ \" لن\" فلا يفيد النفى المؤبد؛ وإنما يفيد النفي المؤقت، بدليل قوله تعالي في اليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ\n_________\n(^١) شرح الواسطية (ص/٤٥٦)\n (^٢) يعني لو كان الإدراك بمعنى الرؤية لوجب التخصيص في الأية حتي تتفق مع أحاديث الرؤية. وممن ذهب إلى تفسير الإدراك بالرؤية: عائشة ﵂، والدارمي والبيهقي ونعيم بن حماد وابن قتيبة.\nقال ابن قتيبة وأما قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فليس ناقضًا لقوله ﷺ: \"ترون ربكم يوم القيامة \"؛ لأنه أراد -جل وعز- بقوله: \"لا تدركه الأبصار\" في الدنيا. ا. هـ\nنقول:\nوإن كان التوجيه الأقوي والأرجح شرعا ولغة هو التوجيه الأول، والله أعلم.\nأما شرعًا: فلأن النبي -صلي الله عليه وسلم - قد نفي الرؤية في الدنيا بقوله \" لن تروا ربكم حتى تموتوا\"، فمن باب أولي أن يكون في ذلك تفي للإدراك، لأنه رؤية وزيادة. أما لغة: فقد سبق ذكره.\nوانظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص/٢٩٨) والرد على الجهمية (ص/١٢٤) وكتاب التوحيد لابن خزيمة بتعليق خليل هراس (ص/١٦٨)\n (^٣) دراسات فى الفرق الإسلامية (ص/١٧٠)","vol":"1","page":330},{"text":"أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) ﴿فنفت الأية عن اليهود أن يتمنوا الموت بقوله تعالى (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا)\nومع ذلك فهم يتمنونه في الآخرة، حين يقولون: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف/ ٧٧]، مما دل على أن \" لن\" ليست للتأبيد.\nقلت: وإذا كان النفي مع التأبيد المصرح به كما في قوله تعالي: \" وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا\"، لم يدل على النفي المؤبد، لأنهم تمنوا الموت بعد ذلك، فكيف يفيده النفي غير المقرون بالتأبيد؟!! فتأمل.\nأما لغة:\nفإن \" لن\" لا تفيد النفي المؤبد. قال جمال الدين ابن مالك في \" الكافية\":\nومن رأي النفي بـ لن مؤبدًا... فقوله أردد وسواه فأعضدا\n* يؤيده:\nلو كانت تفيد النفي المؤبد لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد ورد ذلك في قوله تعالي:\n ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿. (^١)\n* قال ابن القيم:\nوتأمل قوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ \" لا \" الدالة على طول النفي ودوامه، فإنه لا يُدرَك أبدًا وإن رآه المؤمنون. وكيف نفى الرؤية بـ \" لن\" فقال:\n ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لأن النفي بها لا يتأبد وقد كذَّبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ لن بقوله (وقالوا يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) فهذا تمنٍّ للموت.\nفلو اقتضت \" لن \" دوام النفي لتناقض الكلام. (^٢)\n* وعند التحقيق نقول:\nأن المستقرئ لاستعمالات حرف \"لن\" يجد أنها تستعمل على المعنيين:\n (التأقيت والتأبيد) ومثال المعنى الأول ما ورد في الأية (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)\nوقد ترد\n_________\n(^١) ذكره أبو العز الحنفي في شرحه للطحاوية (ص/٢١٤)\nقلت: فتأويل الأية: لن أبرح الأرض لعلة، فإذا انتفت فعلت، وكذا يقال في الرؤية: لن تراني لعلة وهي ضعفك، فإذا كان أمر الأخرة تحقق الرؤية.\n (^٢) بدائع الفوائد (ص/٩٦)","vol":"1","page":331},{"text":"لن للتأبيد: كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا)، وقوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا....)\nوإنما الذي يحدد أصح الاستعمالين إنما هو السياق مع القرائن الأخري، فالشرع إنما يؤخذ من مجموعه، وقد دلت الأدلة الأخرى بتواترها وتواردها على المراد بـ \" لن \" في قوله تعالى (لن تراني) هو نفي التأقيت لا التأبيد، فتأمل.\n... وقد رد أهل السنة على المخالفين المستدلين بهذه الأية على نفي الرؤية من وجوه عديدة تزيد عن تسعة أوجه مبثوثة في كتب أهل السنة، قد تركت ذكرها خشية الإطالة. (^١)\nمما يُبين أنها دليل أظهر لمن يثبت الرؤية وليس لمن ينفيها.\nوصدق ابن القيم -﵀حين ذكر في مَعرِض كلامه عن إنكار المعتزلة للرؤية يقول:\nوبدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي، وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبًا عن فهم القرآن. (^٢)\n** ومن شبهات النفاة:\nقالت المعتزلة: قوله تعالي﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴿إنما هو نظر الانتظار، لا نظر الرؤية!!\nوقالوا: إنما هو نظر إلي ثواب ربها أي: إلي ثواب ربها ناظرة!! (^٣)، واستدلوا بأن هذا هو تفسير مجاهد للآية. (^٤)\n_________\n(^١) ومن أراد الوقوف عليها فليراجع: حادي الأرواح (ص/٢٨٧) وشرح العقيدة الطحاوية (ص/٢١٣) والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٦٤٢)\n (^٢) المصدر السابق (ص/٩٦)\n (^٣) نص على ذلك القاضي عبد الجبار في\"تنزيه القرآن عن المطاعن\" (ص/٤٤٧)، وذكره أبو القاسم البلخي عن الجبَّائي في \"كتاب المقالات\" (ص/١١١) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/٢٤٥)\n (^٤) حيث فسر مجاهد الأية بقوله \"تنتظر الثواب من ربها\"، وذكره عنه الطبري في جامع البيان (٢٤/ ٧٢)، والقرطبي في تفسيره، وقال القرطبي: لم يُنقل ذلك إلا عن مجاهد. وقد تلقف القاضي عبد الجبار قول مجاهد فطار به، وقال:\n\"إذا صح ذلك فالصحيح عندنا أنه النظر إلى ثوابه... \".\nوانظر الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠٨) والمغني في أبواب التوحيد والعدل (٤/ ٢١٢) و\"مجاهد المفسِّروالتفسير\" (ص/٥٣٦)","vol":"1","page":332},{"text":"الجواب أن يقال:\nالنظر له استعمالات متعددة، فمنها:\n١) أن يتعدى بنفسه، ومعناه: التوقف والانتظار، كقوله ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (الحديد: ١٣)\nوالمقصود: انتظرونا وأمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به، لننجو من العذاب، وهذا يقوله المنافقون للمؤمنين يوم القيامة.\n٢) أن يتعدي بـ (في) كان معناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، يعني: يعتبروا ويتفكروا.\n٣) أن يتعدى بـ (إلى) فمعناه: نظر العين، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، انظروا يعني: بالعين. فهذا النظر بمعنى الإبصار\nفلا يجوز أن يكون الله -﷿- عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار.\nولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، فإذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم.\nوإذا فسدت الأقسام لم يبق إلا أن يكون المقصود بالأية أنه نظر رؤية العين.\n*كما أن تفسير الأية بأنه انتظار للثواب مخالف لظاهر النص:\n*قال ابن حزم:\nوقال بعضهم ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ معناه إلى ثواب ربها ناظرة أي منتظرة،\nوهذا فاسد جدًا؛ لأنه لا يقال في اللغة نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته، وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع؛ لأن من فعل غير ذلك أفسد الحقائق كلها والشرائع كلها والمعقول كله. (^١)\n_________\n(^١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٣) وانظرالاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد (ص/١٢٢)","vol":"1","page":333},{"text":"قال ابن القيم:\nما أطرد استعماله على وجه واحد استحال تأويله بم يخالف ظاهره؛ لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء نادرًا خارجًا عن نظائره.\nونظير هذا إطراد النصوص بالنظر إلى الله تعالى، هكذا ترون ربكم، تنظرون إلى ربكم، ﴿إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ٢٣]، ولم يجئ في موضع واحد ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره. (^١)\nأما ما نقل عن مجاهد فجوابه ما قاله ابن عبد البر:\nقول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي -ﷺوأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم ﷺ. وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ. (^٢)\n*وما أجمل ما قاله الدارمي في مناقشة المخالفين، حيث قال:\nفكيف ألزمتم أنفسكم اتباع المشتبه من آثار مجاهد وحده، وتركتم الصحيح المنصوص من آثار الرسول -ﷺ- وأصحابه ونظراء مجاهد من التابعين، إلا من ريبة وشذوذ عن الحق، والذي يريد الشذوذ عن الحق، يتبع الشاذ من قول العلماء، ويتعلق بزلاتهم، والذي يؤم الحق في نفسه يتبع المشهور من قول جماعتهم، وينقلب مع جمهورهم، فهما آيتان بينتان يستدل بهما على اتباع الرجل، وعلى ابتداعه. (^٣)\n... ومن جملة الشبهات التي استدل بها نفاة الرؤية قالوا:\nالقول بإثبات الرؤية يلزم منه إثبات الجهة لله، وإثبات الجهة يلزم منه التجسيم، وهذا منتفٍ في حق الله. (^٤)\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (١/ ٦٣)\n (^٢) التمهيد (٧/ ١٥٧)\n (^٣) الرد على الجهمية (ص/١٢٤)\n (^٤) فقد نص القاضي عبد الجبار في كتابه \"تنزيه القرآن عن المطاعن\" (ص/٤٤٧) على أن الرؤية هي تقليب العين نحو الشيء طلبًا لرؤيته، وذلك لا يصح إلا في الأجسام، أي أنه لا يُرى إلا ما كان جسمًا!!\nومن هذا الباب حكم المعتزلة بكفر من أثبت الرؤية، كما نقل ذلك عنهم ابن الجوزى وابن عبدالبر وأبو الحسن الأشعري.\nقال ابن عبدالبر: وأهل البدع المخالفون لنا في هذا التأويل يقولون إن من جوَّز مثل هذا -أى رؤية الله - وأمكن عنده فقد كفر. التمهيد (٧/ ١٥٥)","vol":"1","page":334},{"text":"والجواب أن يقال:\nأما قولكم بنفي الجهة عن الله ﷿؛ فيقال:\n١ - لفظة \"جهة \" في حق الله -تعالي- من الألفاظ المجملة، والقاعدة هنا إن\n\"الألفاظ المجملة في حق الله، لا نثبتها مطلقًا ولا ننفيها مطلقًا، بل نثبتها حال الكمال وننفيها حال النقص\".\nأ- فإن فُهِم من لفظة الجهة الله، أن لله -تعالى-مكانًا ما يظله أو يقله، فهذا المعنى ننفيه عن الله تعالي، لأنه عندها يكون صفة نقص في حقه تعالي؛ فالله -﷿- هو الباطن الذي ليس دونه شئ، وهوالظاهر الذي ليس فوقه شئ. كرسيه قد وسع السماوات والأرض، والكرسي إلى عرشه كحلقة في فلاة، فما أدراكم بذاته تعالى؟!\nب- وإن فُهم من الجهة لله أن الله -﷿- مستوٍ علي عرشه بائنٌ من خلقه، ليس حالّا في شيء من مخلوقاته، فهذا معني نقول به، ولم لا نقول به وقد تواردت وتواترت النصوص الشرعية على إثباته.\n** أما قولهم: إثبات الجهة يلزم منه الجسمية!!\nفجوابه:\nأن لفظة الجسمية في حق الله -تعالي - مما لم يرد به نص من كتاب أو سنة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nلم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم؛ بل النفي والإثبات بدعة في الشرع. (^١)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٣٥)","vol":"1","page":335},{"text":"وقال ﵀:\nلم ينطق كتاب ولا سنة ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا، فليس لأحد أن يبتدع اسمًا مجملًا يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويعلّق به دين المسلمين. (^١)\n** أما قولكم أن إثبات الرؤية يلزم منه إثبات الجهة الله تعالي!!!\nفإن كان وصف الجهة في حق الله -تعالى- على المعنى اللائق الذي سبق أن فَصَّلنَاه فنحن نقول بإثبات الرؤية على هذا المعنى.\nوما زال السلف يثبتون أحاديث الرؤية، ولا يقولون كيف، فحرام على العقول أن تكيّف أو تمثل.\nقال الذهبي:\nالمبالغة في إثبات الصفات وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف -﷿- لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه، فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدسة نقر بها، ونعتقد أنها حق ولا نمثلها أصلا ولا نتشكلها. (^٢)\n*ومن شبهاتهم في نفي الرؤية:\nقالوا:\nالرؤية التي ذكرت في الأحاديث إنما يُقصد بها العلم، ونظير ذلك قوله تعالى:\n ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴿(الفجر: ٦) أي: ألم تعلم. (^٣)\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٧/ ٣١٨)\n (^٢) سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٧)\nوكلام الإمام الذهبي -﵀وإن كان يقصد به المشبَّهة، فإن الجهمية المعطلة ما عطّلوا الصفات إلا لما اعتقدوا نوع مشابهة بين الخالق والمخلوق، ففروا من التشبيه إلي التعطيل، فكانوا كما قيل.... كالمستجير من النار بالرمضاء.\n (^٣) فمذهب المعتزلة نفي رؤية الله -﷿- بالأبصار، وتأويل الرؤية في قوله ﷺ: \"سترون ربكم\" بالعلم، يقول القاضي عبد الجبار في ذلك: \"ثم نتناوله - أي حديث سترون ربكم - نحن على وجه يوافق دلالة العقل فنقول: المراد به سترون ربكم= =يوم القيامة أي ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر\" انظر: \"شرح الأصول الخمسة (ص/ ٢٣٢، ٢٧٠) المقالات (١/ ٢٨٩\".","vol":"1","page":336},{"text":"فجوابه:\nفإنه يستحيل، لأنا نعلمه في الدنيا أيضا؛ فأي فائدة في هذا الخبر إذا كان الأمر في يوم القيامة وفي الدنيا واحدًا؟؟!. (^١)\n* كذلك:\nفإن لفظة \"رأى\" تارة تكون قلبية وتارة تكون بصرية، والقرائن هي التي تُخلّص أحد المعاني وترجحه، وأي بيان وقرينة فوق قوله: \"ترون ربكم كما ترون الشمس \"، فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟! وهل يخفي مثل هذا إلا على من أعمي الله قلبه؟!! (^٢)\n* ومن شبهاتهم على نفي الرؤية:\nقالوا: أحاديث الرؤية هي من أخبار الآحاد التى لا تفيد العلم في أبواب العقائد. (^٣)\n فجوابه من وجوه:\n1) قد سلف لنا ذكر ما يؤيد أن أحاديث الرؤية إنما هي من الأحاديث المتواترة، وذكرنا أقوال العلماء فى ذلك.\n2) وإن قلنا - تنزلنًا- بأن أحاديث الرؤية من الآحاد فالصحيح أن خبر الواحد يفيد العلم النظري إذا احتفت به القرائن، سواء في ذلك ما ورد منها في العقائد أو العبادات. وهذا ما اختاره ابن تيمية وابن حجر وابن الصلاح والآمدي وابن القيم وغيرهم. (^4)\n_________\n(^1) تأويل مختلف الحديث (ص/300)\n (^2) شرح العقيدة الطحاوية (ص/211)\n (^3) وممن نص على ذلك:\nالقاضى عبد الجبارفى \"المغنى فى أبواب العدل والتوحيد \" (4/ 225) والرازي في أساس التقديس (ص/168) والباقلانى في تمهيد الأوئل (1/ 266) وابن فورك في مشكل الحديث (1/ 270) وانظر المعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/134) والمنحة الإلهية في الصفات الربانية (ص/282)\n (^4) وقد ذكرنا أدلة ذلك في رسالتنا \"البيان الأثيث في قواعد علم الحديث\"، عند الكلام على قاعدة (خبر الآحاد حجة في الاعتقاد).","vol":"1","page":337},{"text":"* قال ابن حجر:\nوقد يقع فيها -أي الآحاد-ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، كأن يخرِّج الخبر الشيخان في صحيحهما، أو يكون مشهورًا وله طرق سالمة من ضعف الرواة والعلل. (^١)\n٣) من اللوازم الباطلة لهذا القول:\nنسبة أمر الأمة جميعها إلى الخطأ؛ فقد أجمع أهل الإسلام على رواية الأحاديث في صفات الله -﷿- وفي مسائل القدر والرؤية والإيمان والشفاعة والحوض، فإذا قلنا إن خبر الواحد لا يوجب العلم حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبارعلى الخطأ، وجعلناهم لاغين هاذين مشتغلين بما لا يفيد أحدا شيئًا ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه. (^٢)\n* ثم نقول:\nالتفريق في القبول بين الخبريات والعمليات بناءً على التواتر من عدمه قول محدث شغَّب بها أهل البدع لرد أصول الاعتقاد التى لا توافق أهواءهم.\n* قال السمعانى:\nقولهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم وهذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار وطلب الدليل من النظر والاعتبار. وهذا شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار.\nوالخبر إذا صح عن رسول الله -ﷺ - ورواه الثقات، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم، هذا قول عامة أهل الحديث. (^٣)\n_________\n(^١) نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (ص/٥٤)\nومعني قوله العلم النظري: أي الذي يحتاج إلي قرائن لتقوي صحه ثبوته، بعكس العلم اليقيني الذي يفيده الخبر المتواتر.\nومثال ذلك:\nحديث الأعمال بالنيات، فهذا من خير الآحاد التي احتفت به القرآئن التي دلت علي صحته وأوجبت العمل والعلم به، ومن هذه القرآئن بل وأقواها كونه في الصحيحين، وقد تلقته الأمة بالقبول، كما أنه برواية الثقات الأثبات بعضهم عن بعض.\n (^٢) الانتصارلأصحاب الحديث (ص/٣٧)\n (^٣) المصدر السابق (ص/٣٦)","vol":"1","page":338},{"text":"قول الأشاعرة في مسألة الرؤية:\nوأما الأشاعرة فأرادوا الخروج من جلباب المعتزلة، ليقولوا بإثبات الرؤية؛ وكذلك أرادوا ألا يقولوا بقول أهل السنة بإثبات علو الله -تعالى- على عرشه، فقالوا:\nإن الله -تعالى- يُري، ولكن لا في جهة؛ لأن الجهة -على زعمهم- من لوازم الأجسام.\nقال صاحب الجوهرة:\n\" ومنه أن يُنظر بالأبصار.... لكن بلا كيفٍ ولا انحصار\".\nوعليه فقد جعل الأشاعرةُ أهلَ السنة مجسِّمة من هذا الباب. (^١)\nقال الغزالي:\nأما الحشوية -وهو يقصد أهل السنة - فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية، وأما المعتزلة فقد نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، وخالفوا به قواطع الشرع، وظنوا أن في إثباتها إثبات الجهة.\nفهؤلاء تغلغلوا في التنزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا، والحشوية أثبتوا الجهة احترازًا من التعطيل فشبهوا، فوفق الله -سبحانه- أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا وعرفوا أن الجهة منقية لأنها للجسمية تابعة، وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم؛ فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها، وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية. (^٢)\n_________\n(^١) لذا فقد فسَّر الأشاعرة: \" لا تضامّون \" بالتشديد بأن معناه: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، معناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى عن جهة.\nالاعتقاد للبيهقي (ص/٥١).\n (^٢) وانظر الاقتصاد في الاعتقاد (ص/٤٧) وشرح العقائد النسفية (ص/٢٠٦)\nقلت: قال اللقاني شارح \"جوهرة التوحيد\": والمشبهة -يقصد أهل السنة- على تجويز الرؤية في مكان؛ لاعتقادهم بالجسمية، فتعالى الله على قولهم علوًا كبيرًا!! وقد ورد في أبيات الجوهرة:\n\" ومنه أن ينظر بالأبصار... لكن بلا كيف ولا انحصار\".\nوقوله: (بلا انحصار: أي بلا جهة ولا حد) وقد ذكر محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق في كتابه \"مباحث في علم التوحيد\" هذا القول ونسبه لأهل السنة، وإنما قصد بذلك الأشاعرة، فقال: وأهل السنة يثبتون الرؤية بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة.\nوانظر هداية المريد شرح جوهرة التوحيد (ص/٦٨) وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص/٣٢٢)","vol":"1","page":339},{"text":"* تأمل:\nكيف يشنع الغزالي على أهل السنة فيصفهم بالحشوية والمشبهة لإثباتهم رؤية الله - تعالى- في الآخرة.\nوعلى منواله قد نسج الزمخشري الذى تفوَّه بسب أهل السنة بفاحش اللفظ، حيث قال:\n\" ثم تعجب من المتسمّين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة -يقصد إثبات رؤية الله- مذهبًا، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم! والقول ما قال بعض العدلية فيهم:\nلجماعةٌ سمُّوا هواهم سنّة... جماعة حُمُرٌ لَعَمْري موْكَفة\nقد شبّهوه بخلقه فتخوّفوا... شَنَع الورى فتستّروا بالبلكفه. (^١)\n* وفى تفسيرهم لحديث \" إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، .. \" قالوا بما بوافق مذهبهم القائل بنفي الجهة مع إثبات الرؤية، كما قال بذلك البيهقي، وشيخه ابن فورك، وغيرهما، حيث فسَّروا \" تضامّون \": بالتشديد بأن معناه:\nلا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، ومعناه:\nلا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى\nعن جهة!! (^٢)\n* الرد على قول الأشاعرة:\n١) أولًا:\nقول الأشاعرة في الرؤية هو قول محدث مخالف للكتاب والسنة\n_________\n(^١) الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ١٥٦)\nوقوله: موكفة: أى موضوع عليها الاكاف وهى البردعة؛ مبالغة في التشبيه.\nقد شبهوه: أى الله -﷿- بخلقه حيث قالوا: إنه يرى بالعين، فخافوا تشنيع الناس عليهم فتستروا\n\" بالبلكفه \" أى أنهم قالوا: إنه يُرى بلا كيف.\n (^٢) الاعتقاد للبيهقي (ص/٥١)","vol":"1","page":340},{"text":"وإجماع الأمة، فمجموع أدلة الشرع أثبتت لله -تعالى- كلا الأمرين إثبات العلو والمباينة، وإثبات الرؤية، وقد قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾\nوأما السنة:\nقوله ﷺ: «سترون ربكم كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»،:\nأنَّ الشرع ورد بثبوت الرؤية لله - تعالى - بالأبصار فحُمِلَ ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، لأنه لا يُتصورأن يكون هناك موجود مرئي في غير جهة، وذلك لا يقتضي تحديدًا ولا تجسيمًا لله تعالى، كما لا يقتضي العلم به تحديدًا له ولا تجسيمًا.\nوأما الإجماع:\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nوقد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- عند علماء الحديث، وجمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عيانًا مواجهة، كما هو المعروف بالعقل. (^١)\n٢) ثانيًا:\nلا شك أن التناقض البيِّن في قول الأشاعرة هو أكبر دليل على سقوط هذا القول فقد وقعوا في التناقض، وانفردوا بقول لم يقل به أنس قبلهم ولا جآن.\nفالعقل فضلًا عن النقل يرفض مثل هذا الجمع بين النقيضين؛ فكيف يُعقل أن تثبت رؤية بغير مقابلة، ولهذا قيل فيهم:\n\"من أنكر الجهة وأثبت الرؤية فقد أضحك الناسَ على عقله\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nجمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عيانًا مواجهة، كما هو المعروف بالعقل، ولا ريب أن جمهورالعقلاء من مثبتي الرؤية ونفاتها يقولون: إن قول الأشاعرة معلوم الفساد بالضرورة؛ ولهذا يذكر الرازي أن جميع فرق الأمة تخالفهم في ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٤١)\n (^٢) المصدر السابق (٣/ ٣٤٣)","vol":"1","page":341},{"text":"قال الإمام أبو العز الحنفي:\nوهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يُرى لا في جهة، فليراجع عقله!!\nفإما أن يكون مكابرًا لعقله أو في عقله شيء، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة؟!! (^١)\nقال ابن رشد:\nوأما الأشاعرة فراموا الجمع بين الاعتقادين، انتفاء الجسمية وجواز الرؤية فعسر ذلك عليهم ولجأوا إلى حجج سوفسطائية مموهة كاذبة.\nوقال أيضًا:\nولولا النشأ على هذه الأقاويل وتعظيم القائلين بها لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة. (^٢)\nيقول ابن القيم:\nإذْ رُؤيَةٌ لَا فِي مُقَابَلَةٍ مِنَ الرَّ... ائِى مُحَالٌ لَيْسَ فِي الإِمْكَانِ\nوَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا سِوَى ذَا كَانَ دَعـ... وَاهُ مُكَابَرَةً عَلَى الأَذْهَانِ. (^٣)\n* وتأمل:\n\" فلكل مقدمة باطلة نتائج عنها معبرة \"، فها هو الرازى قد أورد أثني عشر سؤالًا هي حجة على الأشاعرة في إثبات الرؤية، واعترف بالعجز عن الجواب عنها. (^٤)\n٣) ثالثًا:\nأن شيوخ الأشاعرة المتقدمون يثبتون لله -عزوجل- العلو، ولم يُحفظ عنهم إثبات رؤية بلا جهة، فهل يقال إن شيوخ الأشاعرة مجسمة؟!! (^٥)\n٤) رابعًا:\nإن المتأمل لقول الأشاعرة في هذا الباب يصل إلى حقيقة الرؤية التى قالوا بها، والتى اعترف بها المنصفون منهم لا المكابرون: أن الرؤية ما هى إلا نوع\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (ص/٢٢٠)\n (^٢) الكشف عن مناهج الأدلة (ص/٧٧ - ٨١) وانظر المنحة الربانية (ص/٧٢٥)\n (^٣) متن القصيدة النونية (ص/٨٣)\n (^٤) وانظر \" الأربعون في أصول الدين\" (١/ ٢٩٥)\n (^٥) وانظر \" دراسة نقدية لمنظومة الجوهرة \" (ص/٣٦٢)","vol":"1","page":342},{"text":"إدراك وكشف وزيادة استيضاح لذات الله عزوجل. (^١)\nلذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nصار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي. (^٢)\n* وفي ذلك يقول ابن القيم:\nولذاك قال محققٌ منكم لأهل... الاعتزال مقالة بأمان\nما بيننا خلف وبينكم لذي... التحقيق في معنى فيا إخواني\nشدوا بأجمعنا لنحمل حملة... نذر المجسم في أذل هوان\nإذ قال إن إلهنا حقا يُرى... يوم المعاد كما يُرى القمران. (^٣)\n* فلعلك لاحظت أن إثبات الأشاعرة للرؤية ونفي لازمها إنما هو نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم.\nلذلك كان المعتزلة أكثر منطقية مع أنفسهم\n_________\n(^١) قال الآمدي:\nوبما حققناه يندفع ما يهول به الخصوم -يقصد أهل السنة-ويعتمدون عليه ويستندون في الإلزام اليه وهو قولهم إن الرؤية تستدعى المقابلة، والمقابة تستدعى الجهة والجهة توجب كونه جوهرا أو عرضًا، فإنهم لم يبنوا ذلك إلا على فاسد أصولهم في أن الأدراك بالبصر لا يكون إلا بانبعاث الأشعة من العين، وذلك كله قد ابطلناه وبيَّنا أنه ليس الإدراك إلا نوع من العلوم يخلقه الله -تعالى - في البصرا. هـ\nوقد أكد الرازي في \"نهاية العقول\" على أن حقيقة الرؤية هي مزيد كشف، وضرب من التخيل.\nوانظر غاية المرام درء تعارض العقل والنقل في علم الكلام (ص/١٦٨) والاقتصاد في الاعتقاد (ص/٦٦) ومقالات في تناقضات الأشاعرة (ص/١٣٨)\n (^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٠)\nوقد اعترف الرازي بأن الخلاف في مسألة الرؤية مع المعتزلة خلاف قريب من الخلاف اللفظي، وهكذا كان سمت المتأخرين من الأشاعرة تراهم يسعون سعيًا حثيثًا لإذابة الخلاف بينهم وبين المعتزلة، وتراهم يسارعون فيهم، أذلة على المعتزلة أشدة على أهل السنة، لا يتورعون عن وصف أئمة أهل السنة بالمجسمة والحشوية والصفاتية والحمير والخصوم والحنابلة والوهابية....،.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يصفهم:\nوأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم، وقدَّموهم على أهل السنة والإثبات وخالفوا أوليهم. الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٧٢)\n (^٣) القصيدة النونية (ص/٨٤)","vol":"1","page":343},{"text":"حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارًا من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة. (^١)\nوصدق من قال:\n\" الأشاعرة لُحاء سنة، ومخ اعتزال \"\nومن المسائل المتعلقة بهذا البحث؛ مسألة مهمة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>أهم الأسباب الجالبة لرؤية الله -تعالى- في الآخرة</span>؟؟\nعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ:\n «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ (^٢)\nفقوله صلي الله عليه وسلم: \"فافعلوا\":\nيقتضي أن المحافظة عليها هنا لأجل ابتغاء هذه الرؤية، ويقتضي أن المحافظة سبب لهذه الرؤية. ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال، فهما أفضل الصلوات فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى. (^٣)\n* قال الدارقطني:\nيزورون ربهم -تبارك وتعالي- ويرفع الحجاب بينه وبينهم، فينظرون إليه وينظر إليهم، وذلك قوله \"قال تعالى (ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا). (^٤)\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوالرسول -ﷺ- قد جعل صلاتي الغداة والعشي سببًا \" للرؤية \" وصلاة الجمعة سببًا \" للرؤية \" في وقتها؛ مع ما في الصلاة من مناسبة الرؤية كان العلم بمجموع هذه الأمور يفيد ظنا قويا أن هاتين الصلاتين سبب للرؤية في وقتهما في الآخرة والله أعلم بحقيقة الحال. (^٥)\n_________\n(^١) البيهقي وموقفه من الإلهيات (ص/٣٩١)\n (^٢) متفق عليه. وقد بؤب له البخاري بقوله: فضل صلاة الفجر، مما يدل على أن المحافظة على صلاة الفجر من أهم الأسباب التي يُرزق بها المرء رؤية الله في الأخرة.\n (^٣) مجموع الفتاوي (٦/ ٤٢٣) وفتح الباري (ج ٢ / ص ٣٢٩)\n (^٤) رؤية الله (ص/١٦٩)\n (^٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٢٦)","vol":"1","page":344},{"text":"*قال ابن رجب:\nولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عيانًا، فتتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته، وسماع كلامه، ولا سيما في أوقات الصلوات في الدنيا، كالجمع والأعياد، والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين: بكرة وعشيا في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم، حض عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر. (^١)\nذكر ما صح في رؤية الله -تعالي - تكون في الآخرة يوم الجمعة:\nعن ابن عباس -﵄- أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال:\n\"إن أهل الجنة يرون ربهم -تعالي- في كل يوم جمعة في رمال الكافور، وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرهم غدوًا \" (^٢)\nوعن أنسرضي الله عنه- مرفوعًا:\nإذا كان يوم الجمعة تجلي الله -تعالي- لأهل الجنة، فينظرون إلي وجهه ﷿، فَلَيْسَ هُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَشْوَقَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا نَظَرًا إِلَى رَبِّهِمْ ﷿ وَكَرَامَتِهِ، وَلِذَلِكَ دُعِيَ يَوْمَ الْمَزِيدِ. (^٣)\n* قال عبد الله بن مسعود ﵁:\nسارعوا إلى الجمعة؛ فإن الله -﷿- يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض، فيكونون في الدنو منه على مقدار مسارعتهم في الدنيا إلى الجمعة. .\nقال أبوعبيدة بن عبد الله بن مسعود:\nفكان عبد الله لا يسبقه أحد إلى الجمعة، فجاء يومًا وقد سبقه رجلان، فقال: (رجلان وأنا الثالث، إن شاء الله يبارك في الثالث). (^٤)\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص/٢٠١)\n (^٢) أخرجه ابن بطة في الإبانة (ح/٣٠) وقال محققه: حسن لغيره.\nقلت: يشهد له أثر ابن مسعودرضي الله عنه- الأتي بعده، الموقوف وله حكم الرفع.\n (^٣) أخرجه الأجري في الشريعة (ح/٦١٢) والطبراني في الأوسط (٢٠٨٤)\nقال ابن القيم في حادي الأرواح (ص/٣١٣) وهذا حديث عظيم الشان، رواه أئمة السنة وتلقوه بالقبول، وجمَّل به الشافعي مسنده. وقال الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٦١): حسن لغيره.\n (^٤) أخرجه الدارقطني في \"رؤية الله\" (ح/١٦٦) وابن بطة في الإبانة (ح/٣١) وصححه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوي (٦/ ٤٠٣) ثم قال ﵀:\nوهذا الذي أخبر به ابن مسعود -﵁- أمر قد أخذه عن النبي ﷺ، ولا يجوز أن يكون أخذه عن أهل الكتاب؛ لوجوه:\n (أحدها) أن الصحابة -﵃قد نهوا عن تصديق أهل الكتاب فيما يخبرونهم به: فمن المحال أن يحدث ابن مسعود -﵁بما أخبر به اليهود على سبيل التعليم ويبني عليه حكما.\n (الثاني): أن ابن مسعود - ﵁ - خصوصًا كان من أشد الصحابة - ﵃ - إنكارًا لمن يأخذ من أحاديث أهل الكتاب.\n (الثالث) أن الجمعة لم تشرع إلا لنا، والتبكير فيها ليس إلا في شريعتنا، فيبعد مثل أخذ هذا عن الأنبياء المتقدمين ويبعد أن اليهودي يحدث بمثل هذه الفضيلة لهذه الأمة وهم الموصوفون بكتمان العلم والبخل به وحسد هذه الأمة.\nوانظرمجموع الفتاوي (٦/ ٤٠٥) ومسالك أهل السنة فيما أشكل من نصوص العقيدة (٢/ ٢٧١)","vol":"1","page":345},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر جملة من لأحاديث فى رؤية المؤمنين لربهم -تعالى- يوم الجمعة:\nوهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر؛ بل قد يقتضي القطع بها، وأيضا فقد روي عن الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، ومثل هذا لا يُقال بالرأي؛ وإنما يقال بالتوقيف. (^١)\nقال ابن القيم:\nأوما سمعت بشأنهم يوم المزيـ... د وأنه شأن عظيم الشان\nهو يوم جمعتنا ويوم زيارة الـ... رحمان وقت صلاتنا وأذان\nوالسابقون إلى الصلاة هم الألى... فازوا بذاك السبق بالإحسان\nسبق بسبق والمؤخر ههنا... متأخر في ذلك الميدان\nوالأقربون إلى الإمام فهم أولو... الزلفى هناك فها هنا قربان. (^٢)\n... ومن فروع هذا المبحث: رؤية الكافرين لربهم يوم القيامة:\n* من المسائل التى وقع فيها الخلاف بين أهل السنة:\nمسألة رؤية الله - تعالى- في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي (٦/ ٤٠٣)\n (^٢) القصيدة النونية (ب/٣٤٧)","vol":"1","page":346},{"text":"العرصات، هل هي حاصلة لجميع الناس، بمن فيهم من الكافرين والمنافقين، أم هي للمؤمنين خاصة؟؟\nاختلف العلماء في ذلك على أقوال:\nالقول الأول:\nرؤية حاصلة يوم القيامة لجميع أهل الموقف، وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، واختاره ابن حزم، وأدلة هذا القول:\n١) قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) (الإنسان/٦)\nفالأية ذكرت لفظ الإنسان، فيعم كل على عرصات يوم القيامة، واللقاء يدل على الرؤية والمعاينة.\n* قال أبو العباس أحمد بن يحيي:\nأجمع أهل اللغة على أن اللقاء لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار. (^١)\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nأما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير؛ وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ﷾. (^٢)\n*ومن أدلة السنة.\nقال الرسول ﷺ:\n\"لَيَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ أَلَمْ أَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ: فَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي (^٣).\nفهذا الحديث قد ذكر اللقاء الدال على الرؤية، والحديث في سياق لقاء العبد الكافر الذى أنكر البعث والحساب.\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوهذا حديث صحيح. وفيه أن الكافر والمنافق يلقى ربه. ويقال: ظاهره أن الخلق جميعهم يرون ربهم. (^٤)\n_________\n(^١) ذكره ابن القيم مسندًا ثم قال: وحسبك بهذا الإسناد صحة. وانظر المصدر السابق (ص/٢٨٨)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٢)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩١)","vol":"1","page":347},{"text":"٢) عن أبي هريرة -﵁ أن النبيﷺ - قال:\nيجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ ربنا. (^١)\nففيه دلالة: على رؤية الناس جميعهم لله تعالى في العرصات، وذلك قبل التمييز.\n٣) عن أبي سعيد الخدري - ﵁- قال: سئل النبي - ﷺ - هل نرى ربنا يوم القيامة؟\nفذكر الحديث، وفيه تساقط اليهود والنصارى في النار، ثم قال \" حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ العَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا. (^٢)\nفقوله ﷺ: (في أدنى صورة من التي رأوه فيها):\nفيه دلالة على أن جميع أهل الموقف قد رأوه في صورته قبل التمييز وسقوط اليهود والنصارى في النار.\n* قال ابن القيم:\nدلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة. (^٣)\nالقول الثاني:\nأن رؤية الله - عزوجل إنما - هي للمؤمنين والمنافقين فقط، وقال به أبو بكر ابن خزيمة، ورجحه ابن العثميين، واستدلوا بما يلي:\n١ - قال تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).\nوجه الدلالة: ثبت بالسنة رؤية المؤمنين والمنافقين، فتبين بذلك أن هذه الآية في حق الكفار لا غير.\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) حادى الأرواح (ص/٢٨٨)","vol":"1","page":348},{"text":"*قال ابن خزيمة معقبًا على الأية:\nأراد الكفار الذين كانوا يكذبون بيوم الدين، بضمائرهم، فينكرون ذلك بألسنتهم، دون المنافقين الذين كانوا يكذبون بضمائرهم ويقرون بألسنتهم بيوم الدين. (^١)\n٢ - حديث جابررضي الله عنه - مرفوعًا:\nثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مُنَافِقًا، أَوْ مُؤْمِنًا نُورًا، فيتجلى لهم يضحك، قال فينطلق بهم ويتبعونه، ويُعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن، نورا. . (^٢)\n٣ - القول الثالث:\nبأن الكفار لا يرون ربهم بحال، لا المظهر للكفر ولا المسرّ له، وهذا الذي عليه أكثر المتأخرين وجمهور أصحاب الإمام أحمد وهو قول الجمهور، ورجحه النووي، واستدلوا بما يلي:\n١ - قال تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).\n٢ - الرؤية أعظم النعيم، فلا حظ فيها للكافرين من المعلنين أو المسرّين. (^٣)\nوالراجح هو القول الأول:\nأن الكفار والمنافقين يرون ربهم؛ وهي رؤية تعريف وتوبيخ وتعذيب - كاللص إذا رأى السلطان - وليست رؤية كرامة ولا نعيم.\nفإن اللقاء ينقسم إلى: لقاء على وجه الإكرام ولقاء على وجه العذاب، فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء.\n_________\n(^١) التوحيد (ص/٤٢٨)\n (^٢) أخرجه مسلم (١٩١)\n (^٣) كما تري من الأقوال التى ذكرناها أعلاه يتبين لنا أن هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل السنة، لذا فما ادعاه القاضي أبو يعلى من إجماع السلف على نفي رؤية الكافرين لربهم فهذا إجماع فيه نظر.\nقال شيخ الإسلام:\nفأما \" مسألة رؤية الكفار \" فأول ما انتشر الكلام فيها وتنازع الناس فيها - فيما بلغنا - بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم من العلماء وتكلم فيها آخرون فاختلفوا فيها على \" ثلاثة أقوال \" مع أني ما علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها؛ إذ في الفرق الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب سنة. مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٦)","vol":"1","page":349},{"text":"وقد سئل أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج: كيف القدوم على الله؟ فقال:\nالمحسن كالغائب يقدم على مولاه، وأما المسئ كالآبق يقدم به على مولاه.\nأما استدلال المخالف بقوله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).\nفجوابه: فهذا الحجب إنما يكون بعد المحاسبة، فإنه قد يقال \"حجبت فلانا عنى\"،\nوإن كان قد تقدَّم الحجب نوع رؤية، وهذا حجب عام متصل، وبهذا الحجب يحصل الفرق بينهم وبين المؤمنين. (^١)\nفإن قيل: قد قال تعالى (ولا ينظر إليهم)؟!\nفجوابه: أن هذا تأويله: نفي نظر الرحمة والتكريم؛ لا مطلق النظر، أرأيت قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) مع قوله تعالى (وقفوهم إنهم مسئولون).\nفالمنفي في السؤال هو سؤال الاستعتاب كما في قوله (ولاهم يستعتبون).\nوإنما يسئلون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين). (^2)\n- أما استدلالهم بحديث تجلّي الله ضاحكًا للمؤمنين والمنافقين؟!\nفجوابه:\nفهذا واقع بعد إتيان الله -تعالى- لأهل الموقف جميعهم في صورته، كما سبق ذكره كما في قوله (فيأتيهم في أدنى صورة من التي رأوه فيها).\n* أما ما ذكره الإمام ابن خزيمة بأن الاستدلال على إثبات رؤية الكفار بثبوت اللقاء لا يصح، لأن اللقاء غير الرؤية؟!\nفجوابه:\nنعم اللقاء غير الرؤية، ولكن اللقاء مستلزم للرؤية، فلا يقال لقي فلان\n_________\n(^1) مجموع الفتاوى (6/ 503)\n (^2) قاله الحسن البصري. وانظر الجامع لأحكام القرآن (6/ 478)\nقلت:\nيؤيد هذا الجمع ما ذكره ابن تيمية: أن القرآن والسنة يدلان على أن الله يكلم الكفار تكليم توبيخ وتقريع وتبكيت، لا تعليم تقريب وتكريم ورحمة.\nوقيل في الجمع وجه آخر: أن المنفى إنما هو سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة، أى قد علم الله ذنوبهم فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها.، ذكره ابن القيم في طريق الهجرتين (ص/424) وهو قول ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":350},{"text":"فلانا إلا إذا تقابلا ورأى أحدهما الآخر. (^١)\nوقد نقلنا آنفا الإجماع الذي نقله ابن القيم على أن اللقاء متي نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية.\n\n*ختامًا:<span data-type=\"title\" id=toc-87> رؤية النساء لربهم في الجنة:</span>\nالصحيح من أقوال أهل العلم في ذلك هو أن النساء يرين الله -﷿- في الجنة، والدليل على ذلك عموم النصوص؛ فإن النصوص التي في إثبات الرؤية مثل:\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، تدل على دخول المؤمنات في الجنة في هذه الرؤية؛ لأن العموم يشملهنَّ.\nوأما قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]، وإن كان قد ورد الذين بصيغة المذكر، فتدخل النساء أيضًا؛ إن مسألة دخول النساء في عموم النصوص الواردة بصيغة الذكور، مسألة معروفة ومشهورة عند أهل العلم، وهناك نصوص تدل على دخولهن في العموم، ومن ذلك قول الله ﷾ عن مريم في سورة التحريم: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].\nوالقانتين: جمع مذكر سالم لقانت، فجعلها داخلة في عموم جمع المذكر السالم.\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالدليل على أنهن يرينه أن النصوص المخبرة بالرؤية في الآخرة للمؤمنين تشمل النساء لفظًا ومعنى، ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي إخراجهن من ذلك فيجب القول بالدليل السالم عن المعارض المقاوم. (^٢)\n* وقال ﵀:\nوأما حديث ابن مسعود ففي جميع طرقه - مرفوعها وموقوفها -التصريح أن النساء يرين ربهم في الأعياد؛ وإسناد حديث ابن مسعود أجود من جميع\n_________\n(^١) ذكره خليل هراس في تعليقاته على كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص/١٦٨).\n (^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٣٠)","vol":"1","page":351},{"text":"أسانيد هذا الباب. (^١)\n... وفي ختام الكلام.....\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-88>أقوال العلماء في فيما يستحقه من أنكر الرؤية:</span>\nقال أبو عبد الله الماجشون - وهو من أقران مالك - في كلام له:\nفورب السماء والأرض ليجعل الله رؤيته يوم القيامة للمخلصين ثوابًا، فتنضر بها وجوههم دون المجرمين، وتفلج بها حجتهم علي الجاحدين: جهم وشيعته، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، لا يرونه كما زعموا أنه لا يُري. (^٢)\nقال ابن القيم:\nاتفق الأنبياء وجميع الصحابة والأئمة على رؤية الله ﷿، وأنكرها أهل البدع المارقون من الجهمية والفرعونية والرافضة والباطنية، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون. (^٣)\nذكر الخطيب البغدادي أن بشر المريسي لما مات لم يشهد جنازته من أهل العلم إلا عبيد الشونيزي، فلما رجع من الجنازة أقبل عليه أهل السنة والجماعة، قالوا:\nيا عدو الله تنتحل السنة وتشهد جنازة المريسي؟!\nقال: أنظروني حتى أخبركم، لما وضع في موضع الجنائز قمت في الصف، فقلت:\nاللهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون.\nاللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم فعذّبه اليوم في قبره عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين.\nاللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفف ميزانه يوم القيامة.\nاللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفع فيه أحدًا من خلقك يوم القيامة.\nقال: فسكتوا عنه وضحكوا. (^٤)\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ٤٠١)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٠)\n (^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٢٨٥)\n (^٤) تاريخ بغداد (٥/ ٧٣١)","vol":"1","page":352},{"text":"وأقول:\nفسيعلم هؤلاء النفر الذين أنكروا رؤية المؤمنين لربهم - عزوجل- في الآخرة خطأهم وبطلان قولهم، وذلك حين يعلمون علم اليقين حصول رؤية المؤمنين لربهم، وصدق الله: (يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) (الأعراف/٥٣).\nوستعلم حين ينكشف البيان... أفرس تحتك أم أتان.\nأما نحن الذين نوقن علم اليقين برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فنسأل الله- تعالى- أن يرزقنا عين اليقين فينضر وجوهنا بالنظر إلى وجه الكريم.\nفاللهم كما نضّرت وجوه عبادك المؤمنين في الدنيا بسماع حديث النبي -ﷺ - ونقله والعمل بها، فنضر وجوهنا في الآخرة بالنظر إلى وجهك الكريم.\nوصلى الله على النبي ﷺ.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الحديث الثانى عشر: إعلام الطالبين بفوائد حديث السبعين</span>","vol":"1","page":355},{"text":"** نص الحديث **\nعن ابْنُ عَبَّاسٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n\" عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى ﷺ وَقَوْمُهُ، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي:\nانْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:\nفَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ:\n... «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: \" ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ؟» ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».\n** تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٦٥٤١) وترجم له: بَابٌ: يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ. ومسلم (٢٢٠) بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى دُخُولِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.","vol":"1","page":357},{"text":"* قال ابن كثير:\nثبت بالتواتر عن رسول الله -ﷺ- أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب. (^١)\n** شرح وفوائد الحديث:\nالفائدة الأولى: قول الرسول ﷺ:\n\" عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ \":\nأي رآهم النبي -ﷺ - بما سيؤول إليه أمرهم يوم القيامة، فهم مُثَّلِوا له في الرؤيا، ورؤيا الأنبياء وحى، وهذا ما سوف يقع للنبيﷺ - يوم القيامة.\n٢ - الفائدة الثانية:\nقولهﷺ -: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ:\nوالرهيط تصغير الرهط، والرهط هم الجماعة دون العشرة.\nقوله ﷺ: \" إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى - ﷺ- وَقَوْمُهُ \":\n* فإن قيل:\nكيف لم يعرف أمته حتى ظن أن أمة موسي - ﷺ- هي أمته، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرةرضي الله عنه عند - أنه - ﷺ- يعرفهم من آثار الغرة والتحجيل؟\n*والجواب:\nالأشخاص التي رآها في الأفق لا يُدرك منها إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم، وأما ما في حديث أبي هريرة -﵁- فمحمول على ما إذا قربوا منه، وهذا كما يرى الشخص شخصًا على بعد فيكلمه ولا يعرف أنه أخوه، فإذا صار بحيث يتميَّز عن غيره عرفه. (^٢)\n* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nقوله ﷺ: فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.... \"\nقد ورد في غير الصحيحين روايات فيها زيادة عن السبعين ألفًا الوارد ذكرهم عند البخاري ومسلم، ومن ذلك ما يلى:\nففي حديث أبي هريرة﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ -\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٥١٩)\n (^٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١١/ ٤٠٨)","vol":"1","page":358},{"text":"يقول:\n\" وعدني ربي أنْ يدخلَ الجنةَ مِنْ أمتي سبعينَ ألفًا لا حسابَ عليهم ولا عذابَ، مع كلِ ألفٍ سبعونَ ألفًا \". (^١)\nوفي رواية أبي أمامة - ﵁- مرفوعًا: \" إنَّ ربِّي قَدْ وَعَدَنِي سَبْعِينَ ألْفًا، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَزَادَنِي حَثَيَاتٍ من حثيات ربي \" (^٢)\nومن مجموع هذه الروايات تبين أن عدد هؤلاء السابقين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب يزيد عن السبعين ألفًا الوارد ذكرهم في رواية الصحيحين، فيقرب العدد بمجموع الروايات من خمسة ملايين، أضف إلى ذلك ما ورد من رواية \" وَزَادَنِي حَثَيَاتٍ من حثيات ربي \"، وهذا فضل الله -تعالى- الذى يُوَفَّى بغير حساب.\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nثُمَّ نَهَضَ النبي -ﷺ - فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ...\n* وفيه من الفوائد:\nقوله: (فخاض الناس): أي تكلموا وتناظروا، وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق، والله أعلم. (^٣)\n** فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِﷺ - فَقَالَ:\n «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، ولا يَكْتَوون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»،\nتبيه: ورد عند الإمام مسلم لفظة (لَا يَرْقُونَ...\nوهذه اللفظة مما قد انفرد بها الإمام مسلم في صحيحه، فلم يروها الإمام البخاري، وهي لفظة -على الراجح-\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٧٠٧) والبيهقي في البعث (٣٢٨)\nقال ابن حجر: سنده جيد، في الباب عن أبي أيوب عند الطبراني وعن حذيفة عند أحمد وعن أنس عند البزار، وعن ثوبان عند بن أبي عاصم، فهذه طرق يقوي بعضها بعضًا. انظرفتح الباري (١١/ ٤١٠)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٢١٥٦) والترمذي (٢٤٣٧) وابن حبان في صحيحه (٧٢٤٦) وحسَّنه الترمذي، وصححه الألبانى في ظلال الجنة (١/ ٢٦٠).\n (^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٣/ ٩٥)","vol":"1","page":359},{"text":"شاذة من جهة السند والمتن:\n* أما من جهة السند:\nفإن اللفظ المحفوظ الذى اتفق عليه الثقات الذين رووا هذا الحديث هو:\n «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فهذا الذى اتفق عليه الشيخان وغيرهما من أصحاب السنن في حديث ابن عباس ﵄، وإن كان عند البعض تقديم وتأخير.\nلكن جاء في رواية سعيد بن منصور عند مسلم قال: \" هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، \"، بدلًا من: \"لا يكتُوون\"، فهى زيادة شاذة. (^١)\n* أما من جهة المتن:\nفإن النبي -ﷺ - رقى نفسه وغيره، لكنه لم يسترق، فالمسترقي طالب للدعاء من غيره، بخلاف الشخص الذى يرقي غيره فإنه يدعو له في صورة الرقية الشرعية.\nفإن الراقي محسن إلى أخيه، وقد قال النبي - ﷺ - وقد سئل عن الرقية فقال:\n «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (^٢)، وقال: «\"اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، وَلَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا\n_________\n(^١) فإن قيل: ألا يقال أن لفظة \"لا يَرقون\" زيادة ثقة مقبولة؛ لأنها من رواية سعيد بن منصور، وهو ثقة حافظ تُقبل زيادته؟\nوالجواب:\nأما زيادة الثقة فلا شك في قبولها، ولكن هذه اللفظة ليست من هذا الباب؛ لأن الوهم وقع للرواي فخالف الثقات فأبدل لفظة مكان أخري، والوهم قد يقع للثقة كما يقع لغيره، فليس الثقة الذي لا يخطأ قط، إنما الثقة الذى قلَّ خطئه، فوافق الثقات في غالب مروياته.\nقال الشافعي: \"إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ وهم عدد \"ا. هـ\nفأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أوالأكثر عددًا أنها تكون مردودة.\nوفي سؤالات السلمي للدارقطني: عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؛ مثل أن يروي الثوري حديثا، ويخالفه فيه مالك، والطريق إلى كل واحد منهما صحيح؟\nفقال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان يحكم بصحته، أو جاء بلفظة زائدة تثبت، تقبل منه تلك الزيادة، ويحكم لأكثرهم حفظا وثبتًا على من دونه.\nوانظر سؤالات السلمي للدارقطني (ص/٣٦٠) والنكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (ص/٦٨٨)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢١٩٩)","vol":"1","page":360},{"text":"لَمْ يَكُنْ شِرْكًا\"» (^١)، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعطٍ ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع.\nوإنما الحديث \" «هم الذين لا يسترقون»؛ فهؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب، لكمال توحيدهم،\nولهذا نفى عنهم الاسترقاء، وقال في آخر الحديث: «وعلى ربهم يتوكلون»، فلكمال توكلهم على ربهم وسكونهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به لا يسألون الناس شيئًا. (^٢)\n** عودٌ إلى حديث الباب: قوله ﷺ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ....\nوالاسترقاء: هو طلب الرقية من الغير، وهذه هي أولى الصفات التى اختص بها السابقين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ووجه المدح فيها أنهم قد تركوا طلب الرقية من الغير لكمال توكلهم على الله عزوجل.\nفلا شك أن الطلب والسؤال من الناس فيه افتقار القلب والتفاته إلى غير الله، وهذا نوع من الفقر للمخلوق، فهم لقوة اعتمادهم على الله -﷿ولعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله تركوا الاسترقاء.\nفليس محرمًا أن يطلب أحد من شخص أن يرقيه، ولكن من فعل ذلك فقد فاته الكمال والسبق، وقد فعل خلاف الأفضل والأكمل. وعليه يُحمل قوله ﷺ:\n\" \" مَنِ اكْتَوَى، أَوْ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ \" \" (^٣)، والمراد هنا هو نفي كمال التوكل المستحب؛ وما ذلك إلا لفعله ما كان الأولى له التنزه عنه، والذى هو الاحتياج للغير.\nوقد يتوجه النفي إلى أصل التوكل، وذلك لمن اكتوى أو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٠٠)\n (^٢) وانظر لذلك اقتضاء الصراط المستقيم (ص/٣٦٧) ومجموع الفتاوى (٢٨/ ١٢٣) ومفتاح دار السعادة\n (ص/٥٨٠) وزاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٤٧٦)\n (^٣) أخرجه أحمد (١٨١٨٠) والترمذي (٢٠٥٥) وقال الترمذي: حسن صحيح. وانظر صحيح الجامع (٦٠٨١)","vol":"1","page":361},{"text":"استرقى متوجهًا حال ذلك بكلية توكله على غير الله تعالى.\n* قال الإمام أحمد:\nيشبه أن يكون هذا -أى مدح عدم الاسترقاء- ترغيبًا في التوكل على الله ﷿، وقطع القلوب عن الأسباب التي كانوا في الجاهلية يرجون منها الشفاء دون من جعلها أسبابًا لها. (^١)\n* لذا فإن الرقية مندوبة في حق الراقي؛ لأنها من باب الإحسان، ولما فيها من النفع، وهي جائزة في حق المرقي، إلا أنه لا ينبغي له أن يبتدئ بطلبها، فإن من كمال توكل العبد وقوة يقينه أن لا يسأل أحدًا من الخلق لا رقية ولا غيرها، وهذا من أسرار تحقيق التوحيد ومعانيه البديعة التي لا يوفَّق للتفقه فيها والعمل بها إلا الكمَّل من العباد. (^٢)\nوهذا إن دل إنما يدل على أثر تفاوت أعمال القلوب على رفعة الدرجات والسبق إلى الجنان، كما قال تعالى \" هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ \"، فهذا الارتقاء عند الله -تعالى- يكون بأعمال القلوب كما يكون بأعمال الجوارح.\n* فوائد تتعلق بمسألة الاسترقاء:\n١) من طلب الرقية لزوجته أو لولده مثلًا، فهذا داخل في معنى الاسترقاء، هذا بخلاف من أرشد أولياء المريض أن يسترقوا له، هذا من باب النصح والإرشاد، ودليل ذلك ما روته أُمّ سَلَمَةَ﵂ - عن النَّبِيَّ - ﷺ - أنه رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فَقَالَ:\n «اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ». (^٣)\nأى اطلبوا لها من يرقيها، \" فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ \" أى أصيبت بالعين، والسفعة هي صفرة بالوجه.\n* إشكال والرد عليه:\nعَنْ عَائِشَةَ -﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا\n_________\n(^١) معرفة السنن والآثار (١٤/ ١٢٠)\n (^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص/٥٠)\n (^٣) أخرجه البخاري (٥٧٣٩) ومسلم (٢١٩٧)","vol":"1","page":362},{"text":"وَجْهَهُ، وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ» قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ». (^١)\nأليس هذا من الاسترقاء؟؟؟\n* والرد عليه:\nأنه كان -ﷺ - هو الذى ينفث على نفسه، وضعفه ووجعه يمنعه من إمرار يده\nعلى جسده كله، فكان يأمر عائشةرضي الله عنها- أن تمر بيده على جسده بعد نفثه هو، وليس\nذلك من الاسترقاء في شيء. وهي لم تقل \" كان يأمرني أن أرقيه \"، وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على جسده، ثم قالت: كان يأمرني أن أفعل ذلك به، أي: أن أمسح جسده بيده، كما كان هو يفعل. (^٢)\n... شروط الرقية الشرعية:\n١) أن تكون من الكتاب والسنة، فلا تتضمن شركًا:\nقال النبي - ﷺ-: \" اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِا شِرْكٌ. (^٣)\nوعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂- وَهِيَ تَشْتَكِي، وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ \". (^٤)\nوعليه فإنه ما ورد من أحاديث تنهى عن الرقية فهى تحمل على الرقى الشركية، التى يُستعان فيها بغير الله عزوجل، أو على من كانوا يعتقدون نفعها وتأثيرها بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يزعمون.\n*قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالرقى والعزائم الأعجمية هي تتضمن أسماء رجال من الجن يُدعون ويُستغاث بهم ويُقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور من جنس السحر والشرك.\nقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٤٧٨)\n (^٣) سبق تخريجه قريبًا.\n (^٤) رواه مالك في الموطأ (١٩٨٢) وسنده صحيح.","vol":"1","page":363},{"text":"النَّاسَ السِّحْرَ ﴿. (^١)\n٢) أن تكون باللغة العربية: واضحة الألفاظ ومفهومة المعني:\nوقد أجاز قوم كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن قد دل الحديث على أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطًا. (^٢) .. فالرقية تكون محرمة إذا حوت على أسماء لا يُفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك، ولا يؤمن أن يكون في الكلام الذى لا يُفهم معناه شيء من الشرك، فلا بد أن يكون من الكلام المفهوم.\nقال القرافي:\nمن الرقى ما هو مشروع، كالفاتحة والمعوذتين، ومنها ما هو غير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهما، وربما كان كفرًا؛ ولذلك نهى مالك وغيره عن الرقى بالعجمية لاحتمال أن يكون فيه محرَّم. (^٣)\nتحدّث شيخ الإسلام ﵀ عنها، وذكر حرمتها في موضع آخر فقال:\n\"وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية، فيها ما هو شرك بالجنّ. ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك. (^٤)\nوأما من كان لا يحسن العربية فرقي بلغة أخري بكلام مفهوم المعنى فلا حرج في ذلك.\n٣ - ألا يعتقد المرء أن الرقية تنفع بذاتها:\nفالرقية سبب يقع أثره بتقدير الله عزوجل، فلا تأثير لها إلا بإذن الله غير وجل، فقد يتوفر السبب ويتخلف التأثير، وقد يقع التأثير -الذى هو الشفاء-بغير سبب.\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٣٢٩)\n (^٢) فتح الباري بتصرف يسير (١٠/ ١٩٥)\n (^٣) أنوار البروق في أنواء الفروق (٣/ ١٢٩٥)\n (^٤) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣)","vol":"1","page":364},{"text":"قال البيهقي:\nقد نهى عن الرقية إذا كان فيها شرك، أو استعمل شئ من ذلك، على الوجه الذي كانوا يستعملونه في الجاهلية من إضافة الشفاء إليها دون الله ﷿. (^١)\nوقد نقل ابن حجر والسيوطى إجماع العلماء على هذه الشروط الثلاثة.\nقال ابن حجر:\nأجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله -تعالى- أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى. (^٢)\n** فوائد مهمة تتعلق بالرقية:\n١) الرقية توفيقية وليست توقيفية:\nبمعنى ان الرقى لا يجب فيها الإلتزام بنص أو بذكر معين، بل إن رقى بذكر أو قراءة، فرأى أثرها الطيب، فله أن يكررها ما لم يكن فيها محذور يخالف صحيح العقيدة؛ ذلك لأن التداوي بالرقي من جنس التداوي بالأدوية، فهي مبنية على التجربة، لا على التلقي.\nيؤيد ذلك: قوله ﷺ: «اعرضوا علىَّ رقاكم»، فلم يلزمهم بذكر بعينه، مع إرشادهم لأنفع أوراد الرقية الشرعية. (^٣)\n٢) من استرقى وهو لا يعلم بحديث السبعين، وأن طلب الرقية مخرج من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وأنه خلاف الأولى، فإذا علم ذلك فأقلع عن الاسترقاء، وحقق الصفات الأخرى المذكورة في الحديث فهو معدود - بإذن الله - في السبعين ألفًا، فالعبرة في ذلك بمن علم الحديث ثم فعل ذلك بعد علمه به.\n* ومما يؤيد ذلك أمور منها:\n١) عن عمران بن حصينرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- نَهَى عَنِ الكَيِّ، قَالَ: فَابْتُلِينَا\n_________\n(^١) معرفة السنن والآثار (١٤/ ١٢٠)\n (^٢) فتح الباري (١٠/ ١٩٥)\n (^٣) وتأملوا الفارق بين قوله ﷺ: «اعرضوا على رقاكم» وقوله (صلوا كما رأيتونى صلى) وقوله (خذوا عنى مناسككم) فهذا مما يوضح لنا الفارق بين الأمور التوقيفية، والأمور التوفيقية.","vol":"1","page":365},{"text":"فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا\".\nقال أبو داود: وكان يسمع تسليم الملائكة، فلما اكتوى انقطع عنه، فلما ترك رجع إليه\". (^١)\n٢) أن العبرة بالخواتيم؛ فلقد كان الصحابة - ﵃- قبل إسلامهم كفارًا، فأسلموا وحسن إسلامهم، وصاروا خير أمة أخرجت للناس، وهذا فيمن ترك الإيمان ثم عاد إليه، فمن باب أولى أن الذي يترك كمال التوكل، حين يطلب الإسترقاء، ثم يعود إليه يقبل منه.\n٣) مراتب وحالات الرقية:\nهناك ثلاث مراتب للرقية:\nالمرتبة الأولى: أن يطلب من يرقيه، وهذا هو الاسترقاء، وهذا قد فاته الكمال.\nالمرتبة الثانية: أن يمنع من يرقيه، وهذا خلاف السنة; فإن النبي -ﷺ- لم يمنع جبريل -﵇- أن يرقيه، وكذلك الصحابة -﵃لم يمنعوا أحدًا أن يرقيهم؛ لأن هذا لا يؤثر في التوكل.\nالمرتبة الثالثة: أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال; لأنه لم يسترق ولم يطلب. (^٢)\nوعليه فلا بأس أن يقبل المرء الرقية ممن يعرضها عليه؛ لأن هذا ليس فيه طلب ولا مسألة، بل عُرِض عليه عرضًا.\nفعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدريرضي الله عنه- أَنَّ جِبْرِيلَ، أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ:\nيَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ». (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٣٨٦٥) والترمذي (٢٠٤٩)، قال الترمذي: \" هذا حديث حسن صحيح \"، وقال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٥٥) سنده قوي.\n (^٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ١١١)\n (^٣) أخرجه مسلم (٢١٨٦)","vol":"1","page":366},{"text":"* سؤال: إذا طلب منك شخص أن ترقيه، فهل تمتنع من ذلك وتخبره بالحديث أم ترقيه؟\nالجواب: ترقيه لأنه طلب بالفعل، ثم تخبره بحديث الاسترقاء، وبيان فضل من ترك الاسترقاء.\n٤) جواز أخذ الأجرة على الرقية:\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺفِي سَفْرَةٍ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟\nفَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ:\n «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا. (^١)\nوعَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ -﵁- أن عَمَّهِ قد رَقَى رجلًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا، فَقَالَ له النَّبِيُّ ﷺ: «كُلْ، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ». (^٢)\nفهذا الأثار دالة على جواز أخذ الأجرة على الرقية، بل وأمرهم أن يضربوا له معهم سهمًا، فجمع ﷺ في ذلك بين السنة الفعلية والسنة الإقرارية.\n... طرق الرقية الشرعية:\n١) النفث بالمعوذات على المريض:\nبأن يقرأ بالمعوذات بين يديه، ثم يخرج ريقه أثناء القراءة، ويجعله في يديه ويمسح بها على موضع الألم من نفسه أو لغيره.\nقالت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٧٦) ومسلم (٢٢٠١) وقد ترجم له البخاري: بَابُ مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ.\nوقد ورد في رواية الترمذى (٢٠٦٣) أن الصحابي الذى ذهب لرقية اللديغ هو أبو سعيد الخدري ﵁، وأنه قد قرأ علي اللديغ \" الحمد لله \" سبع مرات،.\n (^٢) أخرجه أحمد (٢١٨٣٥) وأبوداود (٣٤٢٠) وصححه الألبانى.","vol":"1","page":367},{"text":"عائشة - ﵂كان النبي -ﷺ - في مرضه يرقي نفسه بالمعوذات وينفث، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيد نفسه؛ رجاء بركتها» (^١)\n٢) المسح مع القراءة لمن به وجع:\nعن عثمان بن أبي العاص - ﵁ - أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺوَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n ««ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ». \" قَالَ: «فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ ﷿ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ». (^٢)\n٣) الرقية من تربة الأرض:\nعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا «بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا». (^٣)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٢٠٢) وأبوداود (٣٨٩١)\n (^٣) متفق عليه.\nومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح.\nوليس هذا مخصوصًا بريقه ﷺعلى الراجح- لقوله \" بِرِيقَةِ بَعْضِنَا \"؛ فهذا عام في ريق المؤمنين.\n* قال جمهورالعلماء المراد بقوله ﷺ \" تُرْبَةُ أَرْضِنَا \" جملة الأرض، وليس أرض المدينة خاصة.\n* قال ابن القيم: وهل المراد بقوله تربة أرضنا جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة؟؟\nفيه قولان:\nولا ريب أن من التربة ما يكون فيه خاصية ينفع بها من أدواء كثيرة ويشفي بها أسقاما ردية.\nقال جالينوس: رأيت بالإسكندرية أناسًا يستعملون طين مصر على سوقهم وأفخاذهم، فينتفعون به منفعة بينة. وإذا كان هذا في هذه التربات فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها وقد خالطت ريق رسول الله وقاربت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه.\nقال القاضى عياض:\nهذا من فعله - ﵇ - حقيقة الطب مع التبرك باسم الله والتشفى به، وذلك أن تراب الأرض لبرده ويبسه يقوِّى الموضع الذى به الألم، ويمنع انصباب المواد إليه يبسه وتجفيفه مع منعته فى تجفيف الجراح وإدمالها.\nوانظرزاد المعاد (٤/ ١٧٢) وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (١٠/ ٢٦٦) وإِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِد مسلم (٧/ ٩٠)","vol":"1","page":368},{"text":"٤) القراءة مع جمع البزاق والتفل:\nكما مر بنا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ حين رقي سيد القوم الذي لُدغ،\nقال أبوسعيد -﵁ -: فقرأت فاتحة الكتاب، وجعلت أجمع بزاقي وأتفل، فبرأ الرجل.\n٥) الرقية بالأدعية والأذكار:\nكما مر بنا في حديث رقية جبريل -﵇ - للنبي ﷺ، حيث قال له:\nيَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ». (^١)\n٦) القراءة على الماء وشربه:\nقال ابن القيم:\nولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بالفاتحة آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارًا، ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع. (^٢)\n* تنبيه مهم:\nمن طرق الرقية البدعية التى تنتشر بين الناس، وليس لها أصل:\nالرقية بالبخور وخز الورقة بالإبرة ثم إحراقها بغرض دفع الحسد والعين، وعقد العقد.\n... نعود إلى أصل الحديث:\nقوله ﷺ: \" ولا يكتوون.....»\n_________\n(^١) سبق تخريحه قريبًا.\n (^٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (٤/ ١٦٤)\n* قلت: لا يشترط أن يكون الماء المقروء عليه ماء زمزم، بل أي ماء، وإن كان زمزم هو أفضل ماء على وجه الأرض، ونفعه أبلغ.\n** ويتفرع على ذلك:\nكتابة آيات من القرآن في طبق أو ورق بمادة طاهرة غير مضرة كالزعفران أو ماء الورد، ثم شرب هذا الماء أو وضعه على موضع الألم، لورود ذلك عن جماعة من السلف. وقد نص عليه الإمام أحمد ونقله عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر ويأمر بأن تسقى لمن به داء، وهذا يقتضي أن لذلك بركة. وجوَّزه شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال ﵀:\nوإذا كتب شيء من القرآن أو الذكر في إناء أو لوح ومحي بالماء وغيره وشرب ذلك فلا بأس به ا. هـ\nوانظرمجموع الفتاوى (١٢/ ٥٩٩) وزاد المعاد (٤/ ١٧٠)","vol":"1","page":369},{"text":"فهاهي الصفة الثانية من صفات السابقين الأولين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب أنهم لا يكتوون؛ وذلك لكمال توكلهم على الله ﷿، واستسلامهم لقضائه، وصبرًا عليه.\nفقد استغنوا عن الخلق، ولجؤوا إلى الخالق، ولما في الاكتواء من شدة الألم مع ضعف احتمال الشفاء.\n\nسؤال:<span data-type=\"title\" id=toc-91> ما هو حكم الكي</span>؟\nالجواب أولا: وردت أحاديث تشير إلى جواز الكي، نذكر منها ما يلي:\n١ - عَنْ جَابِرٍرضي الله عنه- قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذ -﵁فِي أَكْحَلِهِ، قَالَ:\n «فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ - ﷺ- بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ» (^١)\n٢ - قال ابن عباس -﵄-: قال الرسُولَ - ﷺ -:\nإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ. (^٢)\nثانيًا: قد وردت أحاديث في النهي عن الكي منها:\n١) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - نَهَى عَنِ الكَيِّ. قَالَ: فَابْتُلِينَا فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا. (^٣)\nوعن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -ﷺ - قال: .....، وأنا أنهي أمتي عن الكي \". (^٤)\n* فكيف الجمع بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض؟\nنقول: اختلفت مسالك العلماء في الجمع بين هذه الآثار، على أقوال:\n١ - القول بالنسخ: أن أحاديث الإباحة قد نسخت أحاديث النهي عن الكي. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٠٨) وأحمد (١٤٣٤٣) والحسم هو الكي. والمشقص: \"هو نصل السهم الطويل غير العريض. وجمعه: مشاقص. وانظر مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٦/ ٧٣)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه أبوداود (٣٨٦٥) والترمذى (٢٠٤٩) وقال الترمذى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢١)","vol":"1","page":370},{"text":"٢ - حمل أحاديث النهي على من فعل ذلك قبل نزول البلاء؛ وذلك دفعًا للقدر قبل نزوله. (^١)\n٣ - حمل أحاديث النهي على نهي التنزيه، وذلك لما ورد من أحاديث قد أباحت الكي لمن به علة؛ وإنما قد نُهى عن الكى لما في الإكتواء من الألم الشديد مع ضعف احتمال الشفاء، ولهذا وصفه النبي - ﷺ - ونهى عنه؛ وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها \" آخر الدواء الكي \".\nوهذا -والله أعلم-هو الصحيح في الجمع بين تلك الأحاديث. (^٢)\nقال ابن القيم:\nفقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء. (^٣)\n... وتنقسم حالات الكي إلى عدة أحكام:\n١) من استعمل الكي لغير علة، بل دفعا لنزول البلاء، فهذا حكمه التحريم؛ لأنه\n_________\n(^١) فقد ذكر ذلك ابن قتيبة في \"تأويل مختلف الحديث\"، فقال: وقد رأيت بخراسان رجلًا من أطباء الترك يعالج بالكي، يكوى العليل لعلته، ويكوى الصحيح لئلا يسقم؛ فتطول صحته.\nوانظرتأويل مختلف الحديث (ص/٤٦٣)\n (^٢) أما القول بالنسخ فهذا يرده عدم العلم بالتاريخ وإمكانية الجمع بين الأدلة، وأما حمل أحاديث\nالنهي على من فعله قبل نزول البلاء، فليس هذا هو الأغلب في أفعال الناس، بل إنهم في الأغلب لا يكتوون إلا لعلة.\n (^٣) الزاد (٤/ ٦٠)","vol":"1","page":371},{"text":"إيلام للبدن بغير سبب، كما أن فاعله ظن أن الاكتواء يدفع عنه قدر الله، ولو توكل على الله ﷿ لما فعل ذلك.\n٢) من استعمل الكي لعلة قد غلب على ظنه نفع الكي في علاجها، فلا يكره الكي هنا، مثل الكي من ذات الجنب.\n٣) أن يكون العلاج بالكي مترددًا بين النفع وعدمه، فلا يشرع الكي، لأنه ايلام بالنار، وربما حصل مضاعفات أكثر من المرض.\n٤) ما لا يظن نفعه، ولكن يغلب فيها ضرر الكي، فالأقرب التحريم، لأنه تعدي على البدن. (^١) ... عودٌ إلى حديث الباب: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.....\nوها هي الصفة الثالثة التى ارتقت بالقوم إلى منازل السابقين: أنهم لا يتطيرون:\nوالتطير: أصله من زجر الطير، ومروره سانحًا أو بارحًا (السانح ما تيمّن، والبارح عكس ذلك)، ومنه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغيره. (^٢)\nكان العرب في الجاهلية إذا همَّ الواحد منهم بأمر ما أتى بطير فأطلقه، فإن تيمّن الطائر تفاءل المرء ومضى في حاجته، وإن طار الطائر ناحية الشمال تشاءم المرء ورجع عن حاجته، ومنه جاء التطير وصار يطلق على: التشاؤم بمسموع أو مرئي أو معلوم.\n* حكم التطير في الشرع:\nنهى الشرع عن التطير بكل صوره، بل وعدَّه النبى -ﷺشركًا، والمتتبع لآيات القرآن وأحاديث السنة يجد أن التطير ما ورد إلا مذمومًا، أو على لسان المشركين.\nفأما من القرآن فقد قال الله تعالى ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ (الاعراف: ١٣١)\n_________\n(^١) ذكر هذا التقسيم الشيخ محمد بن صالح العثيمين في تعليقه على صحيح البخاري.\n (^٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٤/ ٢٤٣)","vol":"1","page":372},{"text":"وقال تعالى (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يس: ١٨)\n*وأما في السنة:\n١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -\n: \"مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ \". (^١)\n٢) عن أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ -ﷺقَالَ: \" لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ. (^٢) والنفى المذكور للطيرة في الحديث ليس نفيًا لوجودها، فهى موجودة في اعتقاد الكثير، وإنما النفي هنا هو إبطال لهذا الاعتقاد الباطل؛ فإن الطيرة لا تأثير لها، لا بذاتها ولا بسببها.\n٣) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ -﵁- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نَتَطَيَّرُ فى الجاهلية. قَالَ: \"ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ \" (^٣)\nفأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه هو الذي يطيره ويصدّه، لا ما رآه وسمعه، فالله-سبحانه- لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه، لتطمئن قلوبهم ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيتة تعالى. (^٤)\n** فرع في: حكم التطير:\nهناك أحاديث صرحت بأن الطيرة شرك، فهل هي شرك أكبر أم أصغر؟\nنقول: الأصل أن الطيرة شرك أصغر، ودليل هذه المسألة ما يلي:\n- الأحاديث التي صرحت بأن الطيرة شرك؛ جاء فيها لفظ (شرك) نكرة، والقاعدة التي قعَّدها العلماء في هذا الباب: \" كل كفر أو شرك جاء نكرة فهو شرك أصغر \"\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، وصححه الألبانى في صحيح الجامع (٦٢٦٤)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه مسلم (١٢١) وأبوداود (٣٩٠٩)\n (^٤) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٣٤)","vol":"1","page":373},{"text":"ودليل هذه القاعدة هو التتبع والاستقراء للأدلة الشرعية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالشرك \" شركان \": شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء، وقال النبي ﷺ ﴿الطيرة شرك﴾. (^١)\n-يؤيده: أن النبي -ﷺ - قدجعل للطيرة كفَّارة، والشرك الأكبر ليس له كفَّارة، لأن الشرك الأكبر تجب فية التوبة والنطق بكلمة التوحيد، ودليل الكفَّارة في الطيرة؛ ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو -﵄قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -:\n\"مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟،\nقَالَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: \"اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ \". (^٢)\n-يؤيده:\nأن الذى يتطير بشيء ما فإنه -في الأغلب- لا يعتقد فيه ضرًا ولا نفعًا، وإنما يعتقد أنه سبب في ذلك، وهذا الاعتقاد شرك أصغر، لأن كل من اتخذ سببًا لم يشرِّعه الله -تعالى- سببًا فقد وقع في الشرك الأصغر.\nلكن قد يصل التطير إلى الشرك الأكبر، وذلك إن اعتقد المرء أن الشيء الذي يتطير به بذاته يجلب له ضرًا أويمنع عنه نفعًا، ومن اعتقد أن شيئًا سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال، فقد أشرك شركًا جليًا.\nقال العظيم آبادي:\nوإنما كانت الطيرة شركًا لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا، فمن اعتقد أن شيئًا سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك شركًا جليًا. (^٣)\n* ومن صور التشاؤم المعاصرة:\n١ - من يتشاءم برقم معين أو شخص معين أو ساعة معينة، كالجهال الذين\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٢٩)\n (^٢) أخرجه أحمد (٧٠٤٥) وصححه الألبانى في صحيح الجامع (٦٢٦٤)\nقوله ﷺ: (لا طير إلا طيرك): أى أن كل ما يحدث للإنسان من الحوادث المكروهة؛ فإنها واقعة بقدر الله وجل، كما قال تعالى (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ) (الأعراف/ ١٣١)\n (^٣) عون المعبود (١٠/ ٢٨٨)","vol":"1","page":374},{"text":"يقولون أن في الجمعة ساعة نحس، وكذبوا بل في يوم الجمعة ساعة إجابة. (^١)\n٢ - حال كثير من النساء اللاتي يتشائمن بحدوث اضطراب في العين، وهو ما يسمى (عيني بترف). (^٢)\n٣ - فتح المصحف على صفحة دون سابق تحديد، والنظر في أول سطر يخرج منها، فإن كانت آية رحمة وبشرى أقدم على ما يريد، وإن كانت آية عذاب ونحوه أحجم ورجع، ولا شك أن هذا من البدع المحدثة، وهو من نوع الاستسقام بالأزلام. (^٣)\n_________\n(^١) عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال:\n «في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه» (متفق عليه)\nوعن جابر بن عبدالله - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال:\n (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، فيها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر»؛ أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه جمع من العلماء، منهم: المنذري، وابن حجر، ومن المعاصرين: الألباني\nوالذى عليه جمهور العلماء انها الساعة الأخيرة قبل الغروب.\n (^٢) وما هذا إلا فعل الشيطان الذي ينخس عين ابن آدم ليتشاءم، كما جاء في حديث امرأة ابن مسعود -﵂- قالت: كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقاها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله - ﷺ- يقول:\n\"أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما \"\nأخرجه أبوداود (٣٨٨٣)، وأصله في الصحيحين.\n (^٣) وحكي أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يومًا في المصحف فخرج له قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]\nفمزق المصحف، وأنشأ يقول:\nأتوعد كل جبار عنيد... فها أنا ذاك جبار عنيد\nإذا ما جئت ربك يوم حشر... فقل يا رب مزقني الوليد\nفلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، فنعوذ بالله من البغي ومصارعه، والشيطان ومكائده، وهو حسبنا وعليه توكلنا. وانظر \"أدب الدنيا والدين\" (ص/٣١٧) و\"مسائل العقيدة قررها أئمة المالكية \" (ص/١٠٨)","vol":"1","page":375},{"text":"*وفي هذا الموضع من البحث إشكال:\nعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ﵄- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺيَقُولُ:\n\" إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ، وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ. (^١)، فإذا كان الشؤم محرَّمًا، فما تأويل هذا الحديث؟\n*نقول: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال:\nالقول الأول: نفي الشؤم والتطير مطلقًا؛ لقوله ﷺ: (لا طيرة...)، وحملوا حديث: «الشؤم في ثلاثة..» على رواية أخرى للحديث بلفظ (إن كان الشؤم ففي ثلاثة........) (^٢)\nفقالوا: هذه الرواية الثانية للحديث توافق النهي العام عن التطير، لذا فإن رواية الإثبات ليست على ظاهرها، بل لها محامل أخرى. (^٣)\nالقول الثاني:\nقالوا: بالنسخ، أي أن أحاديث إثبات الشؤم قد نُسخت بأحاديث النهي عن الطيرة والشؤم. (^٤)\n٣) القول الثالث:\nوهو الراجح -والله أعلم-: في هذه المسألة وهو القول بظاهر حديث الإثبات: (إنما الشؤم في ثلاثة..)، ولكنَّ الفرق بيَّنٌ واضح بين تشاؤم الجاهلية الذى بُنى على الظنون والهواجس العارية عن الواقع، وأنها مؤثرة بذاتها، وبين الشؤم الذى أثبته النص في هذه الثلاثة لأسباب ظاهرة متحققة فيها.\nوهو قول مالك وابن قتيبة والشوكاني. (^٥)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) ومن هذه المحامل ما قد ذهبت إليه عائشةرضي الله عنها- حين خطّأت أبا هريرة -﵁في روايته للحديث بإثبات الشؤم في هذه الثلاثة، فَغَضِبَتْ غَضَبًا شَدِيدا وقالت: لم يسمع أبو هريرة، إنما قال النبي ﷺ (كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة) رواه أحمد (٢٦٠٨٨) وإسناده صحيح، وهذا القول ذهب إليه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٥١)\n (^٤) قال ابن عبدالبر:\nوقد يحتمل أن يكون قول رسول الله ﷺ الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس كان في أول الإسلام خبرا عما كانت تعتقده العرب في جاهليتها على ما قالت (عائشة) ثم نسخ ذلك وأبطله القرآن والسنن. وانظرالتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٤/ ٢٤٣)\n (^٥) فيض القدير (٢/ ٥٦٠) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٦٠٢) والمعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٠٤) وأحاديث يوهم ظاهرها التعارض (ص/١٣٣)","vol":"1","page":376},{"text":"* قلت:\nومما يرجح ذلك: أنه إذا تعارضت روايات الإثبات مع روايات النفي، قدمنا روايات الإثبات، فالمثبَت مقدَّم على المنفي.\n* ثم يقال:\nإن هذه رواية أبي هريرة -﵁وهو حافظ الأمة، الذى لو انفرد برواية لفظ لكان حجة، كيف وقد وافقه على رواية الحديث بالإثبات غيره من الصحابة: مثل ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وجابر ﵃. ولذلك قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره الرواية عن عائشة -﵂بإنكار ذلك: ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة، مع موافقة من ذكرنا من الصحابة. (^١)\nقال ابن الجوزي:\nالخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على رد عائشة ﵂، والصحيح أن المعنى إن خيف من شئ أن يكون سببًا لما يخاف شره ويتشاءم به، فهذه الأشياء لا على السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأسباب تأثيرًا. (^٢)\n* ويكون تأويل الحديث: أن هذه الأعيان الثلاثة المذكورة قد يقع منها من الأمور المحسوسة المشاهدة ما يجعل المرء يتضرر إذا ما قارنها، وليس لمجرد هواجس وظنون كاذبة لا أساس لها كما هو في التطير المحرم، لذا يلزمه أن يفارق هذه الثلاثة التى ذكرها الحديث درءأً لشؤمها وشرها. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٤) وفتح الباري (٦/ ٦١)\n (^٢) كشف المشكل من حدبث الصحيحين (٢/ ٢٦٨) والإجابة لما استدركت عائشة على الصحابة (١/ ١٠٧)\n (^٣) وهذه الأمور المحسوسة قد ذكرها معمر في قوله: سمعت من تفسير الحديث: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليها، وشؤم الدارفي جار السوء، أخرجه البيهقي في الكبري (١٦٥٢٧) وسنده صحيح.\nوانظر المعارج القبول (٢/ ٣١٤)\nوقد سئل الشيخ ابن العثيمين في \" لقاءات الباب المفتوح\": كيف التوفيق بين النهي عن الشؤم وقوله ﷺ (الشؤم في ثلاثة)؟ =\n=فقال: مراد النبيﷺأن نفس هذه الأشياء قد يكون فيها شؤم، مثل أن يشتري سيارة فتكثر حوادثها، والمرأة تكون سليطة اللسان، والدار يضيق صدره إذا دخلها، فهذا هو شؤم هذه الأشياء، فليس هذا من الشؤم المنهي عنه الذي ليس له أصل.","vol":"1","page":377},{"text":"قال ابن القيم:\nفإخباره بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها وإنما غايته أن الله -سبحانه -قد يخلق منها أعيانًا مشؤومة على من قاربها وسكنها، وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر. (^١)\n*ومما يؤيد هذا القول:\nما رواه سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه- عن الرسول -ﷺ- أنه قال:\n\" \" مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ \". (^٢)\n*وأما الرد على القول الأول:\nالذى عارض رواية الإثبات بالحديث النافى الذى نصه (لا طيرة) فإن الشرع يؤخذ من مجموعه، فتحمل رواية النفى على العموم، ويُخص منها راوية الإثبات، فلا تعارض بين العام والخاص عند الجمع بين الأدلة، فكل طيرة محرمة لأنها مبنية على الظنون إلا ما خصه الدليل.\n* وأما القول بالنسخ فلا يصار إليه إلا عند تعذّر الجمع والعلم بالتاريخ، وكلا الأمرين قد انتفى في مسألة الباب.\n* ونختم مسألة الطيرة بمبحث مهم وهو \" الفأل الحسن\"\nإذا كان الشرع قد حرّم الشؤم والتطير وعدَّه شركًا، لكنه فقد فتح بابًا آخر من الفأل الحسن الذي يدخل السرور والانشراح على الصدر، ويجعل المرء مستبشرًا بما سيمضي له في قدر الله غير وجل.\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٧)\n (^٢) أخرجه أحمد (١٤٤٥) والحاكم (٢/ ١٤٤) وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي، وانظرالصحيحة (٢٨٢)","vol":"1","page":378},{"text":"عن أبي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺيَقُولُ:\n «لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الفَأْلُ» قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ». (^١)\n*ومن صور تفاؤل الرسولﷺ- بالكلم الطيب:\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺكَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَنْ يَسْمَعَ: يَا رَاشِدُ، يَا نَجِيحُ. (^٢)\n*وعن عبد الله بن السائب -﵁- أَنَّ سُهَيْلًا قَدْ أَرْسَلَهُ قومه عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فقال ﷺ: (أَتَى سُهَيْلٌ، سَهَّلَ اللَّهُ أَمْرَكُمْ) (^٣)\n-قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوالفأل الذي يحبه الله هو أن يفعل الأمر أو يعزم عليه متوكلًا على الله فيسمع الكلمة الحسنة التي تسره، مثل أن يسمع: \"يا نجيح، يا مفلح، ياسعيد، يا منصور \"، ونحو ذلك، كما لقى ﷺ في سفر الهجرة رجلًا فقال: ما اسمك؟ قال: بريدة، قال: \" يا أبا بكر بَرُدَ أمْرُنا \". (^٤)\n* سؤال: ما الفرق بين الطيرة المحرمة والفأل الحسن؟؟\n١ - أما الطيرة فهى شرك حرَّمه الشرع لما فيه من سوء ظن بالله -﷿وتوقع للبلاء والسوء بناءً على الأوهام والظنون الكاذبة.\nأما الفأل الحسن: فهو حسن ظن بالله ﷿، والعبد مأمور أن يحسن الظن بربه ﷿.\n٢ - المتطير قد ضعف تعلُّق قلبه بالله وتوكله عليه، فترى قلبه مشوّشًا مشغولًا بما يتطير به من مسموع أو مرأي، معتقدًا في أسباب هى من ظن الجاهلية.\nأما صاحب الفأل الحسن: فقلبه متوكل على الله -عزوجل- متعلِّق به، معتقد في حسن تدبير الله له، مستأنسًا في ذلك بما يرد على سمعه من الكلم الطيب.\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه الترمذى (١٦١٦) انظر صحيح الجامع (٤٩٧٨) ومعني يا راشد: يا واجد الطريق المستقيم، ومعني يا نجيح: يا من قضيت حاجته.\n (^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩١٥) قال الألبانى: حسن لغيره.\n (^٤) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٧)","vol":"1","page":379},{"text":"قال العلامة السعدي:\nوالفأل الحسن لا يخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله، بل فيه تقوية النفوس على المطالب النافعة، أما الطيرة ففيها تعلق القلب بسماع أو رؤية ما يكره، فتراه يترك ما عزم عليه، وهذا من ضعف التوحيد والتوكل ومن طرق الشرك ووسائله. (^١)\n*لذا فإن الفأل والطيرة يتفقان ويفترقان:\n١ - يتفقان: في التأثير إقدامًا أو إحجامًا، حيث أن المتطير يقدم على الشيء أو يحجم عنه لرؤية الشيء أو لسماع الصوت، كذلك صاحب الفأل يقدم على الشيء بسماع كلمة طيبة، فالأول محرم والثاني جائز محمود.\n٢ - يفترقان: أما المتطير فيمضي أو يحجم متوكلا على حركة الطير، وقلبه معلق بما رأي أو سمع، أما صاحب الفأل الحسن فيضي متوكلا على الله ﷿، يعلم أن شأنه معلق بقدر الله لا بأحد سواه.\n... وبعد ذكر الداء الذي هو التطير يأتيك الدواء، وذلك بأمور:\n١ - الأول: ذكر كفارة التطير:\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -: \"مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟، قَالَ:\nأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. (^٢)\n٢ - الثاني: حسن التوكل على الله ﷿:\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍرضي الله عنه-عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺقَالَ:\n\"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، ثَلَاثًا، وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ\". (^٣)\n_________\n(^١) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص/١٠٦)\n (^٢) سبق تخريجه.\n (^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧١٠) وأبوداود (٣٩١٠) والترمذي (١٦١٤)، قال الترمذي: حسن صحيح. وانظر الصحيحة (٤٢٩)\nتنبيه مهم:\nجملة «وما منا، ولكن يذهبه الله بالتوكل»، هي مدرجة في الحديث من كلام ابن مسعود، قاله أحمد، كما نقله البيهقي في «الشعب»، قال الخطابي: قال البخاري: كان سليمان بن حرب ينكر هذه الجملة، ويقول:\nهذا عندي من كلام ابن مسعود. ذكر الترمذي ذلك في العلل الكبير (٢/ ٦٩٠ - ٦٩١)\nوصوَّبه ابن القيم في \"مفتاح دار السعادة\" (٣/ ٢٨٤) وابن حجر فى الفتح (١٠/ ٢١٣). وإليه مال جمع من الحفاظ كالبخاري والترمذي والمنذري وغيرهم.\nكما أن النبي -ﷺمعصوم من أن يقع في الطيرة.\nومن العلماء من جعل جملة: (وما منا....) من كلام النبي ﷺ، وتأولها بمعني: وما من أمة المسلمين، والراجح الأول، والله أعلم.\nوانظررسالة الشرك ومظاهره (ص/٢٢١)","vol":"1","page":380},{"text":"٣) الثالث: أن يمضي في أمره بلا تردد:\nعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ -﵁- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نَتَطَيَّرُ فى الجاهلية. قَالَ: \"ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ \". (^١)\nوالطيرة الشركية هي الانقباض القلبي الذي يستتبع عملًا بموجبه من إمضاء أو رد؛ ولهذا علَّق النهي بالعمل بموجب الطيرة، فقال: \" فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ \"، أما مجرد الانقباض القلبي فهو انفعال لا يتعلق به التكليف، ولا يكاد يسلم منه أحد، لذا قال ابن مسعود ﵁:\n\" وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ\".\nيقول ابن الأثير: في هذا الكلام محذوف تقديره \" وما منا إلا ويعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة له \"، فحذف ذلك اختصارًا، واعتمادًا على فهم السامع \". (^٢)\nقال ابن القيم:\nفأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه. (^٣)\n* عودٌ إلى حديث الباب: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.....\nوهي الصفة الرابعة من صفات هؤلاء السابقين إلى الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب، وهي التوكل على الله ﷿، فما هو التوكل؟؟\nالتوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله -عز جل- في استجلاب المنافع ودفع المضار، من أمور الدنيا والآخرة مع الأخذ بالأسباب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١) وأبوداود (٣٩٠٩)\n (^٢) جامع الأصول (٧/ ٦٣٠)\n (^٣) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٣٤)","vol":"1","page":381},{"text":"والتوكل على الله واجب من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله -تعالى- واجب، وقد أمر الله عباده بالتوكل عليه في كل أمر من أمورهم.\nوهو عبادة من أعظم العبادات، قال تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة: ٢٣)\nفقد أمر الله -﷿- عباده بالتوكل، والله لا يأمر إلا بما يحب، فلما كان التوكل محبوبًا لله دل ذلك أنه عباده.\n*ومن السنة: قوله ﷺ في صفات السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب: (وعلى ربهم يتوكلون).\nووجه الدلالة:\nلما عدَّ النبي -ﷺ- التوكل على الله من صفات أهل الجنة، دل ذلك على أنه عبادة لله ﷿، فالعبادات هي الأسباب الموصلة إلى جنة الله ﷿، بعد أن يتغمدنا الله -تعالى-برحمته.\nوعليه نقول: لما ثبت أن التوكل عبادة، فإنه تجري عليه القاعدة التي تسير على كل العبادات:\n (كل ما ثبت بالكتاب والسنة أنه عبادة، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك)\n*فإن قيل: التوكل على غير الله ﷿، هل هو شرك أكبر أم شرك أصغر؟؟\nفجوابه على تفصيل:\n١ - الحالة الأولى: أن يكون شركًا أكبر، وهو أن يتوكل على أحد من الخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله عزوجل، كجلب نفعٍ أو دفع ضرٍ.\n٢ - الحالة الثانية: أن يكون شركًا أصغر:\nإن اعتمد على مخلوق في أمر أقدره الله ﷿ عليه من جلب رزق أو دفع أذي أو قضاء حاجة من مصالح الدنيا، مع اعتقاده أن الأمر كله لله ﷿، ولكن صرف جزءًا من توكله إلى هذا المخلوق، فهو شرك أصغر.\n\n*سؤال:<span data-type=\"title\" id=toc-95> هل التوكل ينافي الأخذ بالأسباب</span>؟\nالتوكل على الله -﷿- لا يعني ترك الأسباب ولا ينافي الأخذ بها، فإن الله الذي أمر بالتوكل عليه هو الذي أمر بالأخذ بالأسباب وتعاطيها، قال تعالى (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ","vol":"1","page":382},{"text":"أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)، وقال عزوجل (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)\nفالتوكل عمل القلب والأخذ بالأسباب عمل الجوارح، وكلاهما طاعة أمر العبد بها، لذا فإن الذي يطعن في التوكل إنما هو يطعن في الإيمان، والذي يطعن في الأسباب يطعن في السنة. فلا تعارض بين الأمرين، فالذى قال (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) هو -تعالى- الذى قال (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nالتوكل لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، فمن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط وإن كان متوكلًا على الله، ومن ظن أن التوكل يغني عن الأسباب فهو ضال. (^١)\n- عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- قال: قال النَبِيّ -ﷺ -\n\" لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا \" (^٢)\nفتأمل في هذا الحديث:\nفلقد جعل النبي -ﷺ - كمال التوكل على الله -تعالى- في الأخذ بالأسباب، حيث جعل كمال التوكل عند الطير أنها تغدو وتروح ولا تنتظر رزقها في أعشاشها.\n* عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. (^٣)\n*قال ابن الجوزي: سئل أحمد: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده، وقال لا أعمل شيئًا، وسوف يأتي رزقي؟؟\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٢٨)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢١٥) والترمذى (٢٣٤٤) وصححه الألبانى. وانظر: صحيح الجامع (٢٢٥٤)\nقوله: تغدو خماصا: أى ضامرة البطون من الجوع، (تروح بطانًا): ترجع آخر النهار ممتلئة البطون.\n (^٣) أخرجه البخاري (١٥٢٣)","vol":"1","page":383},{"text":"فأجاب:\nهذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي ﷺ: (وجُعل رزقي تحت ظل رمحي)، وقوله ﷺ: (تغدو خماصًا وتروح بطانًا). (^١)\nقال الغزالي:\nقد يظن الجهَّال أن شرط التوكل ترك الكسب وتركُ التداوي والاستسلامُ للمهلكات، وذلك خطأ؛ لأنَّ ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على التوكل، وندب إِليه، فكيف يُنال ذلك بمحظوره؟! (^٢)\n*قال ابن القيم:\nمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله، وحال بدنه قيامه بالأسباب. (^٣)\n* ولقد كان النبي -ﷺأعظم المتوكلين، ومع ذلك كان -ﷺيأخذ بالأسباب، ومن ذلك:\n١ - لما خرج النبي -ﷺإلى غزوة أحد ظاهر بين درعين. (^٤)\n٢ - لما خرج النبيﷺ- مهاجرًا إلى المدينة استأجر دليلًا يدله على الطريق، واختبأ في الغار.\n٣ - عَنْ عُمَرَ -﵁أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ. (^٥)\n_________\n(^١) الآداب الشرعية والمنح المرعية (٣/ ١٦٨)\nوفي رواية قال المروذي: قلت لأحمد: هؤلاء المتوكلة يقولون نقعد وأرزاقنا على الله ﷿؟!!\nفقال: ذا قول خبيث، قال تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (الجمعة/ ٩) فإيش هذا إلا البيع والشراء.\nوانظر \"الحث على التجارة والصناعة والعمل والإنكار على من يدعي التوكل في ترك العمل والحجة عليهم في ذلك (ص/٢٦)\n (^٢) الأربعين في أصول الدين (ص/٤٢١)\n (^٣) مدارج السالكين (٢/ ١٢٠)\n (^٤) أخرجه أحمد (١٥٧٢٢) والحاكم في المستدرك (٤٣١٢) وصححه الحاكم والذهبي، قال شعيب الأرنؤوط: صحيح على شرط الشيخين.\nقال السندي: قوله: \"ظاهر بين درعين\" أي أوقع الظهار بينهما، بأن جعل أحدهما ظِهارًا للأخرى، والظهار بمعنى المعاونة، والمراد أنه لبسهما، وفيه أن التوكل لا يقتضي ترك مراعاة الأسباب.\n (^٥) متفق عليه.","vol":"1","page":384},{"text":"هذا هو فعله في توكله ﷺ، وهكذا جاء وصفه في التوراة عنه:\nقال عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو﵄- وقد سئل عن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺفِي التَّوْرَاةِ؟: \" أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ. (^١)\n* وهذا داود -﵇ - كان يسعى ويأكل من عمل يده. قال ﷺ:\n «وإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». (^٢)\n*ومريم -﵍- رغم ما كانت عليه من الضعف، حال نفاسها، تؤمر أن تأخذ بالأسباب بأن تهز جذع النخلة، وكان من الممكن أن يسقط التمر بلا سعى منها، ولكنه درس بليغ، فتأمل.\nوتوكل على الرحمن في كل حاجة... ولا تؤثرنَّ العجز يومًا على الطلب\nألم تر أن الله قال لمريم... وهزي إليكِ الجذع يساقط الرطب\nولو شاء أن تجنيه من غير هزها... لجنته ولكن كل شي له سبب. (^٣)\nهكذا انقسم الناس في باب التوكل إلى ثلاثة أقسام:\n١ - قسم أفرطوا: كحال أهل التصوف الذين قالوا \" نتوكل على الله فهو كافينا \" فقعدوا عن الأخذ بالأسباب، بل جعلوا أن الأخذ بالأسباب قدحٌ في التوكل. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٢٥)\n (^٢) أخرجه البخاري (٢٠٧٢)\n (^٣) الأداب الشرعية والمنح المرعية (٣/ ١٧٨)\n (^٤) وهكذا حال الصوفية، كما ذكر ذلك القرطبي فقال: قالت طائفة من الصوفية لا يستحق اسم المتوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله، حتى لو هجم عليه أسد لم ينزعج، وحتى لا يسعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى لذلك الأمر.\nوقد أحسن الحسن البصري حين قال -للمخبر عن عامر بن عبد الله أنه نزل مع أصحابه على ماء حال الأسد بينهم وبين الماء، فجاء عامر إلى الماء فأخذ منه حاجته، فقيل له: لقد خاطرت بنفسك! قال:\nلأن تختلف الأسنة في جوفي أحب إلى أن يعلم الله أني أخاف شيئا سواه.\nفقال الحسن البصري: قد خاف من كان خيرًا من عامر، موسى - ﵇، قال تعالى ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، وقال ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)، فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله عليه نفوس بني آدم كاذب، وقد طبعهم الله على الهرب مما يضرهم.\nوانظر المُفهم لما أشكل من صحيح مسلم (١/ ٤٦٧) والكوكب الوَّهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٤٤) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٧/ ٤١١)","vol":"1","page":385},{"text":"٢ - قسم فرَّطوا: وهم المعتزلة والجهمية، نفاة القدر الذين جعلوا العبد مستقلًا بعمله، فلا سلطان لله عليه، لذا فلا يتوكل على الله تعالى.\n٣ - قسم ثالث:\nوهم الذين توسّطوا بين الفريقين، كما قال الله -﷿- عنهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، وهم أهل السنة والجماعة الذين قالوا: نتوكل على الله ونأخذ بالأسباب، فلا توكل مجرد عن الأسباب، ولا اعتماد على الأسباب بلا توكل، وهذا هو معنى هذه القاعدة:\n\"والالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع\"\nويجمع هذا قول النبي -ﷺ - الذي أوتي جوامع الكلم: «استعن بالله، ولا تعجز» (^١)\nفقوله ﷺ: «استعن بالله»: هذا هو التوكل. وقوله ﷺ:\n (ولا تعجز): هذا هو الأخذ بالأسباب.\n- وقال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: \"اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ\". (^٢)\nقال الطبري:\nمن وثق بالله وايقن أن قضاءه عليه ماضٍ، لم يقدح في توكله تعاطيه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٦٤)\n (^٢) أخرجه الترمذى (٢٥١٧) وابن حبان (٧٣١) قال الألباني: حسن لغيره.","vol":"1","page":386},{"text":"للأسباب إتباعًا لسنة الرسول ﷺ، فلقد قال للرجل: «اعقلها وتوكل»، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل. (^١)\n... تنبيهات:\n١ - التوكل عبادة قلبية، مبناها على تفويض الأمر لله عزوجل، فالمخلوق ليس له نصيب من التوكل عليه؛ فإن التوكل إنما هو تفويض الأمر والالتجاء بالقلب إلى من بيده الأمر، وعليه فلا يجوز قول القائل لشخص ما: (توكلت على الله ثم عليك).\nيؤيد ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كنتم مؤمنين﴾، فقوله \"على الله\" متعلقة بقوله: \"فتوكلوا\"، وتقديم المعمول يدل على الحصر; أي: على الله، لا على غيره. (^٢)\n٢ - يدخل في معنى التوكل الذي لا يصرف إلا الله: \"الحسب \"، فإنه لا يجوز صرفه لغير الله عزوجل، قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ: (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون) (الزمر ٣٨)\nوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: ١٤)\nقال ابن القيم:\nقيل في معنى الآية أي حسبك الله وحسبك المؤمنون، وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل، وعليه فإن معنى الآية: أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك. (^٣)\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٢١٢)\n (^٢) ومن أهل العلم من قال: إن هذه العبارة لا بأس بها؛ وذلك باعتبارأن العامة لا تقصد بها التوكل التعبدى، وإنما تريد معنى \"اعتمدت عليك\"، ومثل وكَّلْتُك ونحو ذلك، لكن مع ذلك فالأولى المنع لأن هذا الباب ينبغي أن يُسد. وإذا كان هذا فى قولهم \" توكلت على الله ثم عليك \"، فكيف بمن يقول: توكلت على الله وعليك، بل كيف بمن يقول: توكلت عليك يا فلان؟!\n (^٣) زاد المعاد (١/ ٣٨)\nوتأمل في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) [التوبة: ٥٤]. فهنا جعل الله -﷿الإيتاء له تعالى ولرسوله ﷺ، أما الحسب والرغبة فخصهما لنفسه تعالى ولم يشرك فيهما رسوله، مع عظم قدره ﷺ، فلأن يخرج غيره من باب أولى.","vol":"1","page":387},{"text":"عودٌ إلى حديث الباب:\nفَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: \" ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ؟» .........\nفما أن سمع الصحابة -﵃- بتلك البشارة النبوية حتى اشرأبت قلوبهم وآمالهم أن يدخلوا في زمرة هؤلاء السبعين، لذا قام عكَّاشة بن محصنرضي الله عنه-فقال يارسول الله: ادع الله أن أكون منهم، قال ﷺ: (أنت منهم). (^١)\n* وهنا فوائد هامة:\n١ - حرص الصحابة -﵃على الخير، لذا بادروا إلى طلب السبق إلى المعالي.\n٢ - وردت بشارة النبي -ﷺ- لعكَّاشة -﵁- في الصحيحين بصيغة الخبر، فعند البخاري لما سأله: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وفي رواية مسلم قال ﷺ لعكاشة:\n\" أنت منهم \"، وأما ما جاء في رواية في الصحيحين أيضًا أن النبي ﷺ قال: «اللهم اجعله منهم» بصيغة الدعاء لا الخبر، فهنا يقال:\n١ - إما أن يحمل قوله ﷺ: (أنت منهم) على أنه خبر بمعنى الدعاء أي:\n (اللهم اجعله منهم» (^٢).\n٢ - وإما أن يقال أن ما ورد بصيغة الدعاء كان في أول الأمر، فلما جاء الوحي\n_________\n(^١) عكَّاشة بن محصن: بتشديد الكاف وتخفيفها، وقد ترجم الذهبي لعكاشة فقال: الشهيد السعيد، أبو محصن الأسدي، من السابقين الأولين البدربين أهل الجنة، قد أبلى بلاء حسنا يوم بدر وانكسر سيفه في يده، فأعطاء النبي -ﷺ- عرجونا من نخل أو عود، فعاد بإذن الله في يده سيفًا، فقاتل به. قاتل مع خالد بن الوليد في حروب الردة، فقتل يوم اليمامة، قتله طليحة الأسدي، وكان طليحة قد ارتد بعد وفاة النبي -ﷺ - ثم أسلم بعد ذلك وحسن اسلامه واستشهد في موقعة الجسر.\nوانظر سير أعلام النبلاء (٣/ ١٨٩)\nقلت:\nوفي مثل هذا يصدق قول النبي ﷺ): يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة، يقاتل هذا قيُقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد) (متفق عليه)\n (^٢) حيث أن الخبر قد يطلق ويراد به الدعاء، كما في قولنا \"صلى الله على محمد\"فهي جملة خبرية، لكنها تتضمن معنى الدعاء والطلب، أى: اللهم صل على محمد. وكما في قولنا عن الصحابة \"﵃ \".","vol":"1","page":388},{"text":"بإجابة الدعوة، قال النبي -ﷺ- له: \"أنت منهم \"\n** عودٌ إلى حديث الباب: ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ ﷺ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».\n*وقد اختلف العلماء في سبب قول النبي ﷺ للرجل الثاني: (سبقك بها عكاشة)، فلم يدع له كما فعله مع عكاشة ﵁؟؟\nاختلفوا في ذلك على أقوال:\n١ - القول الأول: كان الرجل الثاني منافقًا، لذا رد النبي -ﷺ- طلبه، وهو توجيه ضعيف. (^١)\n٢ - القول الثاني: رد النبي -ﷺ - الرجل الثاني لئلا ينفتح الباب، فيقوم الثاني والثالث والرابع، إلى ما لا نهاية، وليس كل الناس يصلح لذلك. (^٢)\n٣ - القول الثالث: وهو الأقرب -والله أعلم-أن النبي -ﷺقد علم من حال عكاشة -﵁ما يؤهله لأن يدعو له، وأما الآخر فلم يكن في منزلة عكاشة، فعلم -ﷺ - أنه يُجاب في عكاشة ولا يجاب في الثاني فلذا رده. (^٣)\n\n*ومن فوائد ذلك:<span data-type=\"title\" id=toc-96> جواز استخدام المعاريض:</span>\nوهذا يتضح في قوله ﷺ: (سبقك بها عكاشة) حيث أنه -ﷺلم يظهر للرجل الثاني أن سبب رده هو سبق عكاشة -﵁وعلو منزلته مما أَهَلَه لأن يجاب، بل أظهر له أن سبب رده هو أن الإيجاب إنما وقع لعكاشة لمجرد السبق في\n_________\n(^١) وهذا أضعف الأقوال، بل وأبطلها وذلك لوجهين:\n١ - الأصل في الصحابة -﵃- صدق الإيمان، فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح.\n٢ - قلَّ أن يصدر هذا من منافق، بل لا يصدر إلا عن قصد صحيح ويقين وتصديق للنبي ﷺ، وإلى هذا مال شيخ الإسلام ابن تيمية. انظرفتح الباري (١١/ ٤١٢) والمفهم (١/ ٤٦٩)\n (^٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢١/ ٣١٢)\n (^٣) وهذا الوجه أختاره القرطبي والقاضي عياض والنووي، وهو الأقرب، والله اعلم","vol":"1","page":389},{"text":"الطلب، وهذا من حسن خلق النبي ﷺ حيث رد بكلام لا كراهة فيه ولا غضاضة.\nوالمعاريض من الأمور التي جوَّزها الشرع، ودليل ذلك:\nما صح من أقوال الصحابة -﵃قالوا: «إن المعاريض لمندوحة عن الكذب» (^١)\n*والمعنى: المعاريض من التعريض: ضد التصريح، وهو التورية بالشيء عن الشيء، وهو إفهام المعني بالشيء المحتمل له ولغيره، وهو من عرض الشيء وهو جانبه، كأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره.\nومعنى: مندوحة: متسع، يقال: منه: انتدح فلان بكذا ينتدح به انتداحًا؛ إذا اتسع به. (^٢)\n*أمثلة من المعاريض التي ورد بها الشرع:\n١ - قال تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) (البقرة: ٢٣٥).\nوذلك بأن يقول لمن يريد الزواج منها: إنكِ لنافقه، وإن حاجتي في النساء أو إن الله لسائق إليكِ خيرًا.\n٢ - عن عائشة -﵂قالت: قال النبي ﷺ: (إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف) (^٣)\nقال الخطابي: إنما أمره النبي -ﷺ - بذلك؛ ليوهم القوم أن به رعافًا وذلك من باب\n_________\n(^١) قد روي هذا الأثرمرفوعًا من عدة طرق كلها ضعيفة، فقد رواه مرفوعًا ابن الجوزي في\nمنهاج القاصدين (١/ ١٨٧) والبيهقي في السنن الكبري (٢٠٨٨١) وابن الأعرابي في معجمه (١/ ٩٧) قال البيهقي: قد تفرد برفعه داود بن الزبرقان. وقد تركوا الرواية عنه.\nفالحاصل أن الحديث لا يصح مرفوعًا، بل قد صح موقوفًا، فقد رواه البيهقي موقوفًا على عمر بن الخطاب وعمران بن حصين، وصححه وقفه.\nقال الحافظ: أثر عمران رجاله ثقات. وقد صححه الألباني موقوفًا على عمران في صحيح الأدب المفرد (ص/٣١٩)، وانظر السنن الكبرى للبيهقي (٢٠٨٨٠) والسلسلة الضعيفة (١٠٩٩)\n (^٢) انظرالجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٨٨) والفائق في غريب الحديث (٢/ ٤١٩) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (باب/١١٦)\n (^٣) أخرجه أبوداود (١١١٤) وصححه الحاكم والذهبي. وانظرالسلسلة الصحيحة (٢٩٧٦)","vol":"1","page":390},{"text":"إخفاء القبيح، والتورية بما هو أحسن، وليس من باب الكذب. (^١)\n٣ - عن أبي هريرة -﵁قال النبي ﷺ: لم يكذب إبراهيم -﵇- في شئ قط إلا في ثلاث: قوله: إني سقيم؛ ولم يكن سقيمًا، وقوله لسارة: أختي؛ وقوله:\n (بل فعله كبيرهم هذا). (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوتباح المعاريض عند الحاجة الشرعية، وهي قد تسمى كذبًا بإعتبار الإفهام؛ فإنها ليست على ما يفهمه المخاطب، وإن كانت لا تعد كذبًا بإعتبار الغاية السائغة، ومن ذلك قوله ﷺ: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات. (^٣)\n٤ - قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -﵁- أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺإِلَى المَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ -ﷺشَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ:\nفَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الخَيْرِ. (^٤)\n** ومن الفوائد المهمة التي اشتمل عليها حديث الباب:\nما جاء في قوله ﷺ: (عُرِضَتْ علىَّ الأُممُ)\n\nوهذا الذي عُرض على النبي -ﷺ - إنما كان في رؤيا منامية، ف<span data-type=\"title\" id=toc-97>هل الرؤى المنامية تصلح أن تكون مصدرًا للأحكام الشرعية</span>؟؟\nالجواب على تفصيل:\n١ - القسم الأول:\nأما رؤيا الأنبياء فهي وحي وشرع؛ مثله مثل ما يأتيهم حال اليقظة، وعليه فهي مصدر للأحكام الشرعية.\n_________\n(^١) وانظر معالم السنن (١/ ٢٥٠)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٢٣)\n (^٤) أخرجه البخاري (٣٩١١)","vol":"1","page":391},{"text":"قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (الصافات: ١٠٢).\n* وجه الدلالة من أمرين:\n١ - لو لم تكن رؤيا الأنبياء وحيًا لما جاز لإبراهيم -﵇ - أن يقدم على ذبح ولده.\n٢ - قول إسماعيل ﵇ (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) دل أنه من أمر الله ﷿.\nقال عبيد بن عمير: (رؤيا الأنبياء وحي)، ثم قرأ هذه الآية ﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (^١)\nقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن رؤيا الأنبياء وحي لهذه الآية، وهذا واضح والحمد لله. (^٢)\n*ومن السنة:\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵄- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَقُولُ: ... «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ». (^٣)\n٢ - القسم الثاني:\nرؤيا غير الأنبياء وهي على تفصيل:\n١ - رؤيا بعض الصحابة -﵁- على عهد النبي ﷺ؛ وهي التي تحمل أحكامًا شرعية؛ فهي مصدر للأحكام بإقرار النبي -ﷺ - لها، ومن ذلك:\n (أ) حديث عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍرضي الله عنه- لما طَافَ به رجل وَهو نَائِمٌ، فَلَمَّا أَصْبَح أَتَيْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْه بِمَا رَأَيْ، فَقَالَ النبي ﷺ:\n\" إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ \" (^٤)\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٨)\n (^٢) الاستذكار (٨/ ٤٥٦)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) أخرجه أحمد (١٦٤٧٨) وصححه ابن حجر والترمذى، وقال الترمذى في علله الكبير: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: هو عندي صحيح، وانظر نصب الراية (١/ ٢٥٩) وإرواء الغليل (٢٤٦)","vol":"1","page":392},{"text":"(ب) وعن ابْنِ عُمَرَ - ﵄- أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺأُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». (^١)\nفمثل هذه المنامات مصدر للأحكام الشرعية بالإتفاق؛ وذلك لإقرار النبيﷺلها.\n٢) الرؤيا المنامية بعد عهد النبي ﷺ:\nفهذه قد اتفق أهل العلم على أنها لا تصلح أن تكون مصدرًا للأحكام الشرعية، وإنما هي تبشير وتنبيه تصلح للإستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.\nومثال ذلك: ما ذكره أَبَو جَمْرَةَ الضُّبَعِيَّ قال:\nتَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِهَا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ:\n «اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ». (^٢)\nأما ما سوى ذلك من الرؤى التي يراها آحاد الناس فليست بالاتفاق مصدرًا للأحكام الشرعية.\nقال الشوكاني:\nولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله -﷿- لنا على لسان نبينا -ﷺقد كمل كما في قوله تعالى\" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ \" (المائدة: ٣)، ولم يأتنا دليل على أن رؤيته في النوم بعد موته -ﷺإذا قال فيها بقول يكون دليلًا وحجة، وبهذا تعلم أن لو قدّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله -ﷺأو فعله حجة عليه، ولا على غيره من الأمة. (^٣)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه مسلم (١٢٤٢)\n (^٣) إرشاد الفحول (٢/ ٢٠٢)","vol":"1","page":393},{"text":"وقال الحافظ زين الدين العراقي:\nلو أخبر صادق عن النبي -ﷺ - في النوم بحكم شرعي مخالف لما تقرر في الشريعة لم نعتمده، وقد حكى القاضي حسين أن شخصًا قال له ليلة الشك: رأيتُ النبيَ -ﷺ - وقال لي صم غدًا، فقال القاضي له: قد قال لنا في اليقظة لا تصوموا غدًا، فنحن نعتمد ذلك.\nوقد حكى القاضي عياض الإجماع على عدم اعتماد المنام في الأحكام الشرعية. (^١)\n\n... ومن الفوائد المهمة التى تتعلق بحديث الباب:<span data-type=\"title\" id=toc-98> حكم التداوي:</span>\nقد يفهم من سياق حديث السبعين أنه يفضل ترك التداوي على الإطلاق، وأن المرء إذا ما تداوي فقد خرج من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهذا خلاف الصحيح.\nنقول: قد دلت الأدلة العامة على مشروعية التداوي، ومن ذلك:\n، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: عَادَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ - رَجُلًا بِهِ جُرْحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" ادْعُوا لَهُ طَبِيبَ بَنِي فُلَانٍ \"، قَالَ: فَدَعَوْهُ فَجَاءَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَيُغْنِي الدَّوَاءُ شَيْئًا؟ فَقَالَ: \" سُبْحَانَ اللهِ، وَهَلْ أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دَاءٍ فِي الْأَرْضِ، إِلَّا جَعَلَ لَهُ شِفَاءً. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر طرح التثريب (٨/ ٢١٥)\nقلت: وفيما ذكرناه من أقوال العلماء الكفاية في رد أباطيل الصوفية الذين يدَّعون رؤية النبي -ﷺ- في المنام، وأنه قد أمرهم بجملة من الأحكام الشرعية!!!\nفإن قيل:\nألم يقل النبي ﷺ: من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي؟\nقلنا: بلى، فالممتنع على الشيطان أن يتمثل بشخص النبي -ﷺوصورته، أما أن يتمثل في صورة حسنة مغايرة لشخص النبي -ﷺ- ثم يقول: أنا رسول الله، فمثل هذا لا يمتنع أن يفعله الشيطان مع هؤلاء المخدوعين من أرباب الصوفية، وخاصة أنهم لا يعرفون الصورة الحقيقة لشخص النبي.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوهذا قد وقع كثيرًا لطوائف جهَّال العبَّاد يظن أحدهم أنه رأى النبي -ﷺ - أو الخضر، وإنما هو شيطان. وانظر \" مجموع الفتاوي\" (١/ ١٧٢)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٣١٥٦) قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحبح.","vol":"1","page":394},{"text":"*وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ -﵁قَالَ: جاءت الْأَعْرَابُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَتَدَاوَى؟\nقَالَ: \" نَعَمْ، تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ\". (^١)\nقال الإمام ابن القيم:\nفي هذه الأحاديث الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، بل إن تعطيل هذه الأسباب يقدح في التوكل. (^٢)\n* أقوال العلماء في حكم التداوي:\nذهب الحنفية والمالكية إلى أن التداوي مباح. وذهب الشافعية إلى استحبابه، لقول النبي ﷺ:\n\"إنَّ الله ﷿ أنْزَلَ الدَّاءَ والدَّواء، وجَعَلَ لِكُل داءٍ دَوَاءً، فَتَداووا، ولا تَدَاووا بحرَام\". (^٣)\nوغير ذلك من الأحاديث الواردة، والتي فيها الأمر بالتداوي، ومحل الاستحباب عند الشافعية عند عدم القطع بإفادته، أما لو قُطِع بإفادته (كعَصْب الجُرح) فإنه واجب (ومن أمثلة ذلك في عصرنا نقل الدم في بعض الحالات.).\n* وذهب الحنابلة إلى أن تركه أفضل، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال:\n\" أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي، من شرب الدواء وغيره \"، واستدلوا لذلك بأدلة منها حديث الباب.\nوكذلك قد علَّلوا رأيهم: بأن تركه تفضلًا واختيارًا لما اختاره الله تعالى، ورضًا بما قدَّر وتسليمًا له.\n* واعلم أن التداوي على أقسام:\n١ - من غلب على ظنه أو تيقن الهلاك إذا ما ترك التداوي؛ صار التداوي في حقه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٤٥٤) وابن حبان (١٣٩٥) وانظر صحيح الجامع (٢٩٣٠)\n (^٢) زاد المعاد (٤/ ١٤)\n (^٣) أخرجه أحمد (٣٥٧٨) وأبوداود (٣٨٧٤) وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر.","vol":"1","page":395},{"text":"واجبًا، يأثم بتركه. فيدخل في ذلك إيقاف النزيف، وخياطة الجروح، وبتر العضو التالف المؤدي إلى تلف بقية البدن، ونحو ذلك مما يجزم الأطباء بنفعه وضرورته، وأن تركه يؤدي إلى التلف أو الهلاك.\n٢ - من غلب على ظنه أو تيقن عدم نفع التداوي لمرضه؛ فهنا يشرع له ترك التداوي. (^١)\n٣ - إذا ما تداوي بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها، عندها يكون التداوي مكروهًا، كما هو الحال في التداوي بالكى.\n٤ - إذا ما أدى ترك التداوي إلى ضعف في البدن وهزال، عندها يكون ترك التداوي مستحبًا.\n٥ - إذا ما تداوي بدواء محرم؛ صار التداوي محرمًا. (^٢)\n*وعليه فإن حديث السبعين لا يشير إلى أن كمال التوحيد في ترك التداوي مطلقًا، فهذا غلط، لأن النبي -ﷺقد تداوي وأمر بالتداوي، فليس في الحديث أن أولئك لا يباشرون الأسباب مطلقًا، أو لا يباشرون أسباب الدواء، وإنما خص الحديث الإسترقاء والكي لأنه يكثر تعلَّق القلب والتفاته إلى الراقي أو الكاوي ففيها إنقاص من مقام التوكل. (^٣)\n*قلت:\nوعليه فإن الاستدلال بحديث الباب على القول باستحباب ترك التداوي مطلقًا فهذا مما يقال فيه أن \"الدليل أخص من الدعوى \"، بل غاية ما فيه أن هؤلاء\n_________\n(^١) ومثال ذلك ما رواه الشيخان من حديث عَائِشَةُ -﵂- قالت:\nلَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺفِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: «لَا تَلُدُّونِي» قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي». =\n= فهنا قد نهاهم -ﷺ- لأن هذا الدواء لم يكن ملائما لدائه، حيث ظن الصحابةرضي الله عنهم- أن النبي -ﷺ - به ذات الجنب، ولم يكن الأمر كذلك. ومعنى \" لد المريض \":\nأن يؤخذ بلسانه فيمد إلى أحد شقي الفم وصب الدواء في الشق الآخر.\n (^٢) الفِقْه الإسلامي وأدلَّته (٧/ ٥٢٠٤)\n (^٣) التمهيد شرح كتاب التوحيد (١/ ٤٠)","vol":"1","page":396},{"text":"المعنيين في حديث الباب لما كمل عندهم صدق توجه القلب إلى الرب فقد أغناهم ذلك عن الإنشغال والالتفات إلى مباشرة الأسباب. فلما كمل توكلهم فى ذلك فقد ارتقوا إلى هذه المنزلة العليَّة. (^١)\nقال ابن القيم:\nوإذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب إليه عند بعض العلماء، فلا يلتفت إلى قول قوم قد رأوا أن التداوي خارج من التوكل؛ لأن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل، وقد تداوى الرسول -ﷺوأمر بالتداوي، ولم يخرج بذلك من التوكل. (^٢)\nتم بحمد الله\n_________\n(^١) ونظير ذلك ما ورد في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فهؤلاء لما حققوا الإيمان المطلق الذى لا تشوبه شائبة شرك تحقق لهم الأمن المطلق.\n (^٢) تلبيس إبليس (ص/٢٥٥) وقد بوَّب ابن القيم باب: \"ذكر تلبيس إبليس عَلَى الصوفية فِي ترك التداوي \"، ثم ذكر الكلام المذكور أعلاه.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الحديث الثالث عشر\n\nبيان المسلَّمات في شرح\nحديث قلت بَعْدَكِ أربع كلمات</span>","vol":"1","page":399},{"text":"* نص حديث الباب:\nعَنْ جُوَيْرِيَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n\" لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ \".\n* تخريج الحديث:\nأخرجه مسلم (٢٧٢٦) كتاب \" الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار\"، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، وأحمد (٢٦٧٥٨)\n* نقول:\nمذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة الكلام لله ﷿، فهى صفة ثابتة لله -تعالى- بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nفإن الله -تعالي - لم يزل ولا يزال متكلمًا إذا شاء، بحرف وصوت، وهي صفة ذاتية فعلية.\n*ومن أدلة ذلك من القرآن:\n١ - قال تعالى (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء: ١٦٤)\n٢ - قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (الأعراف/١٤٣)","vol":"1","page":401},{"text":"وأما أدلة السنة:\n١ - ا لأحاديث القدسية التي يرويها النبي -ﷺفيها دلالة بينَّة على إثبات صفة الكلام لله ﷿، ومن ذلك:\n١ - ما رواه أبو هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ \". (^١)\n*ومن الأحاديث النبوية الدالة على ذلك:\n١ - حيث الباب:\nفقول النبي ﷺ:\n\" لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، .... ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ... ومِدَادَ كَلِمَاتِهِ \".\nقد أضاف الكلام إلى الله -عزوجل - إضافة صفة إلى موصوف، فدل ذلك على أنها صفة حقيقة لله تعالى، وذلك على ما يليق به تعالى.\n٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n\"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ \". (^٢)\n٣ - وعن جابر بن عبد الله﵄ - قال:\nلما قُتل عبد الله -يعني أباه-قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:\n\" مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا \". (^٣)\n٤ - وعن أبي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ \". (^٤)\n** أما الإجماع:\nفقد أجمع السلف على إثبات صفة الكلام لله ﷿.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٧٩٩٩) ومسلم (٢٩٨٥)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) رواه الترمذي (١٠٣٠)، وانظر صحيح الجامع (٧٩٠٥).\nوقوله صلي الله عليه وسلم: \" كفاحًا: أي مواجهة، ليس بينه وبين الله -تعالى- حجاب ولا رسول.\n (^٤) متفق عليه.","vol":"1","page":402},{"text":"قال ابن القيم:\nوقول أتباع الرسل هو إثبات صفة الكلام، وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه وتعالي يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل. (^١)\n... والعقل يثبت صفة الكلام لله ﷿:\nنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون متكلمًا أكمل ممن لا يكون كذلك، فإذا كان مجرد إثبات هذه الصفة من الكمال، ومجرد سلبها من النقص؛ وجب ثبوتها لله تعالي. (^٢)\n*فوائد مهمة:\n١ - الله - تعالى- يتكلم بصوت:\nقال تعالى (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الشعراء/١٠)\nوجه الدلالة: النداء لا يكون إلا بصوت مسموع.\n* ومن السنة:\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n\" يَقُولُ اللَّهُ ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ، يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ \". (^٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nإن ما أخبر الله -تعالي - به في كتابه من تكليم موسى، وسماع موسى لكلام الله -تعالى- يدل على أنه كلمه بصوت، فإنه لا يسمع إلا الصوت، وصوته - تعالى- ليس كأصوات شيء من مخلوقاته، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من الصفات، فمن شبَّه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (^٤)\nوقال ﵀:\nقد أخبر الله - تعالى - في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتًا باتفاق أهل اللغة وسائر الناس. (^٥)\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (ص/٥٠١)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٩٠)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) بتصرف يسير من مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣١).\n (^٥) منهاج السنة النبوية (٥/ ٤٢٣)\nوممن نص على ذلك:\nالبخاري في خلق أفعال العباد (ص/٩٨) والنووي في رسالته \"ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات \" (ص/٥٦) وأحمد في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص/٢٨٠)","vol":"1","page":403},{"text":"٢) الله - ﷿ - يتكلم بحرف:\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ. (^١)\nقال ابن قدامة:\nولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن حرفًا متفقًا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف. (^٢)\n*فإن قيل:\nإنَّ إثبات الحرف والصوت في صفة الكلام لله - ﷿ - يلزم منه إثبات المخارج، وهذا مما لا يثبت في حق الله ﷿؟ (^٣)\nفالرد أن يقال:\n١ - هذا يخالف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الذين أثبتوا الصوت والحرف في صفة كلام الله ﷿.\n٢ - من المخلوقات من نطق بصوت وحرف ولم يعلم لها مخارج، فقد تكلمت الجنة والنار والسماوات والأرض والطعام والحجر والجلود....، وغيرها، وهذه الأشياء مما لم ينكر أحد كلامها بدعوى أنه لا مخارج لها.\nفإذا كان هذا في حق المخلوقات، فكيف في حق الخالق؟!\nأما قول القائل: أن المخارج مما لا يثبت في حق الله!!\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٩١٠) وصححه الألباني في (الصَّحِيحَة: ٣٣٢٧).\n (^٢) وانظر لمعة الاعتقاد (ص/٢١)\n (^٣) وهذا مما اعترض به البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (ص/٢٩٦) حيث قال:\nثم إن كان المتكلم ذا مخارج، سمع كلامه ذا حروف وأصوات، وإن كان المتكلم غير ذي مخارج سمع كلامه غير ذي حروف وأصوات، والباري -جل ثناؤه - ليس بذي مخارج، وكلامه ليس بحرف ولا صوت.","vol":"1","page":404},{"text":"نقول: وهذا مما سكت عنه السلف، ولم يتكلموا فيه نفيًا ولا إثباتًا.\nفقولنا في مثل هذا المقام أن نتوقف حيث أوقفنا الشرع، وأن يسعنا ما وسع سلفنا، ومن لم يسعه ما وسع السلف فلا وسَّع الله عليه.\nقال ابن حجر:\nوحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنه عهد أنها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخارج، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان بها، ثم إما التفويض وإما التأويل. (^١)\n*وكذا مما اعترض به المخالفون:\n١ - أن الصوت لا يثبت في حق الله ﷿، لما فيه من المشابهة، حيث قالوا:\n\" تعالي الله عن شبه المخلوقين علوًا كبيرًا \"\n٢ - الأحاديث الواردة في إثبات صفة الصوت لله -﷿- ضعيفة.\n، وإن صحت فليست على ظاهرها، بل يراد به صوت الملَك، لا صوت الله. (^٢)\nفجوابه:\nأما الاعتراض الأول فجوابه:\nإذا كان إثبات صفة الكلام لله -﷿- على ما يليق بالله ﷿وهذا مما تقول به- فلماذا لا تثبت لله -﷿ - صفة الصوت على ما يليق بالله\n_________\n(^١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٦٤٠)\nفائدة:\nقوله -﵀في آخر كلامه \" إما التفويض وإما التأويل \"\nقلت: بل هو التفويض الذي نكل فيه العلم بالكيفية إلي الله ﷿، وليس تفويض المعني، أما التأويل فإن\nكان المقصود به صرف اللفظ عن ظاهره فلا، وإن قصد به ما كان تفسيرًا لمعني فنعم، فالصوت في اللغة غير مجهول، والكيف به غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\n (^٢) نص على ذلك البيهقي في \"الأسماء والصفات \" (ص/٢٧٩)، وممن ذهب إلى إنكار الصوت والحرف: الغزالي، فقال عن صفة الكلام:\nفليس بصوتٍ يحدث من انسلال هواء واصطكاك أجرام، ولا حرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان!!\nأن موسى﵇- سمع كلام اللّه بغير صوت ولا حرف.\nوكذلك ممن نفى صفة الصوت عن الله عزوجل: ابن حزم الظاهري، حيث قال: \" ولا يجوز أن يكون شيء من هذا بصوت أصلًا \".\nوانظر الأربعين في اصول الدين (ص/٧٧) والفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٤٥)","vol":"1","page":405},{"text":"﷿، دون أن يلزم من ذلك مشابهة بين الخالق والمخلوق؟!\n*أما القول بتضعيف الأحاديث الواردة في إثبات صفة الصوت...\nفجوابه:\nبل هي أحاديث صحيحة قد رواها أصحاب الصحاح، كالبخاري ومسلم، وهما أصح كتابين بعد كتاب الله ﷿ بإجماع الأمة.\n... أما اعتراضه الثالث فجوابه:\nهذا خلاف ظاهر الأحاديث فقد قال صلي الله عليه وسلم:\n\"يَحْشر اللهُ العبادَ فيناديهم بصوتٍ.... \" فهل يقال في مثل هذا في صوت الملَك؟؟!\nويلزم من القول بنفي الصوت عن كلام الله -﷿- أن الله لم يُسمع أحدًا من ملائكته ورسله كلامه، بل ألهمهم إياه.\nالأدلة من الكتاب على أن القرآن كلام الله غير مخلوق:\nأولًا: أدلة الكتاب:\n١ - قال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦» (التوبة: ٦).\nوجه الشاهد: قوله تعالي: \" كلام الله\":\nووجه الدلالة:\nأضاف الكلام إلى نفسه إضافة صفة إلي موصوف، مما يدل على أنَّ كلام الله -ومنه القرآن-هو صفة من صفات الله، وصفاته تعالي غير مخلوقة.\n٢ - قال تعالى (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)\n... (الأعراف: ٥٤)\nوجه الدلالة:\nالقاعدة: \"الأصل في العطف المغايرة \"، فلما عطف الأمر على الخلق، والقرآن من الأمر، بدليل قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: ٥٢)، دل ذلك على أن القرآن كلامه تعالى غير مخلوق. (^١)\n_________\n(^١) وقد نازع في هذا الدليل القاضي عبد الجبارفي كتابه \"تنزيه القرآن\" (ص/١٧٣)، وذكر أن ورود الأمر بعد ذكر الخلق لا يدل على أنه غيره، وأن للغة نظائر في ذكر الخاص بعد العام.\n*ولكن نقول هنا:\nنعم قد يرد الخاص بعد العام للتأكيد والتنبيه، ولكنَّ هذا خلاف الأصل، فالأصل في الكلام أن العطف للمغايرة، وحمل الكلام على الأصل أولى من حمله على الفرع، سيّما إذا أيَّد هذا الأصل أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن القرآن كلام الله -تعالى- غير مخلوق، فتأمل.","vol":"1","page":406},{"text":"قال سفيان بن عيينة:\nما يقول هذه الدويبة؟ يعني بشرا المريسي قالوا:\nيا أبا محمد يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب قال الله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ فالخلق: خلق الله، والأمر القرآن. (^١)\nقال أبو الحسن الأشعري:\nقوله \" ألا له الخلق \" في جميع الخلق، ثم قال بعد ذكره الخلق \" والأمر \": فأبان الأمر من الخلق، وأمرُ الله كلامه، وهذا يوجب أن كلام الله غير مخلوق. (^٢)\n٣ - قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢» (يس: ٨٢)\nوقد احتج سفيان بن عيينة وغيره من السلف على أن كلام الله -تعالى- غير مخلوق بأن الله خلق الأشياء بـ \" كن \"، فلو كانت \" كن \" مخلوقة للزم أن يكون خلق مخلوقًا بمخلوق، فيلزم التسلسل الباطل، وذلك أنه إذا لم يخلق إلا بـ \" كن \" فلو كانت \" كن \" مخلوقة للزم أن لا يخلق شيئًا، وهو الدور الممتنع. (^٣)\n٤ - قال تعالى (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣» (السجدة/١٣)\nقوله تعالي: \" حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي \":\nدل على أن كلام الله﷿من الله، فمن زعم أن كلام الله مخلوق؛ فقد زعم أن من الله شيئًا مخلوقًا، ومن قال بذلك فقد كفر.\nوقد فسَّره بذلك: سفيان بن عيينه وأحمد بن حنبل، ونعيم بن حمَّاد، والحسن بن الصباح البزار، وعبد العزيز بن يحيى الكناني. (^٤)\n_________\n(^١) رواه الشريعة للآجري (١١٧) وسنده حسن.\n (^٢) وانظر الإبانة عن أصول الديانة (ص/٧٢)\n (^٣) وانظر مجموع الفتاوي (١٦/ ٣٧٨) وخلق أفعال العباد (ص/٣٠)\n (^٤) ذكره ابن بطه في الإبانة (٥/ ٢١٨) واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٢/ ٣٤٤)","vol":"1","page":407},{"text":"٥ - قال تعالى (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ) (الرحمن: ١ - ٣).\nفلما جمع في الذكر بين القرآن الذي هو كلامه وصفته، وبين الإنسان الذي هو خلقه ومصنوعه، خص القرآن بالتعليم، والإنسان بالتخليق، فلو كان القرآن مخلوقًا كالإنسان لقال: خلق القرآن والإنسان. (^١)\n٦ - قال تعالى (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة/١٤٥)، وقال تعالى (فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) (هود/١٤)\nسئل الإمام أَحْمَد عمن يقول القرآن مخلوق؟\nفقال: كنت لا أكفِّرهم حتى قرأت آياتٍ من القرآن \" وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ \" (البقرة: ١٢٠)، وقوله \" بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العلم \" وقوله \"\nأنزله بعلمه \" فالقرآن من علم اللَّه تعالى، ومن زعم أن علم اللَّه - تعالى- مخلوق\nفهو كافر. (^٢)\nثانيًا: أدلة السنة:\n١ - حديث الباب:\nوذلك في قوله ﷺ:\n\" سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ.\nوجه الدلالة:\nفي الحديث دلالة على أن كلام الله غير مخلوق؛ وذلك حين عطف كلمات الله -تعالى- على مخلوقاته، والأصل في العطف المغايرة، فلو كانت كلمات الله من خلقه لما غاير بينهما.\n٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ»، ثُمَّ يَقُولُ: «كَانَ أَبُوكُمْ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ»\nقَالَ أَبُو دَاود: هَذَا دَلِيلٌ عَلى أَنَّ الْقُرْآنَ لَيس بِمخلُوق. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر الاعتقاد للبيهقي (ص/٨٧)\n (^٢) وانظر طبقات الحنابلة (ص/١٨) والمحلى بالأثار (١/ ٣٢) وتناقضات الأشاعرة (ص/٨٤)\n (^٣) رواه أبوداود (٤٧٣٧) وأحمد (٢١١٢) وصححه الألباني.","vol":"1","page":408},{"text":"وجه الدلالة:\nاستعاذ النبي -صلي الله عليه وسلم -بكلام الله ﷿، فلو كان كلام الله -تعالى- مخلوقًا لما جوَّز الشرع الاستعاذة به، وذلك لإجماع أهل العلماء على أن الاستعادة بالمخلوق شرك.\nوكان الإمام أحمد بن حنبل يستدل بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق. (^١)\nقال ابن بطة:\nفهل يجوز أن يُعوِّذ النبي - ﷺ - بمخلوق، وهل يأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟!! (^٢)\n٣ - عن عُبَادَةَ بن الصامت -﵁- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - يَقُولُ:\n\" إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ \". (^٣)\nقد كان الكلام قبل خلق القلم، وإذا كان أول خلق الله من شيء القلم دل على أن\nكلامه ليس بمخلوق؛ ولأنه قبل خلق الأشياء. (^٤)\n٤ - عن أبي هريرة ﵁ - عن النبي -ﷺقال:\n\" فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه \". (^٥)\nفلو كان كلام الله مخلوقًا لم يكن فضل ما بينه وبين سائر الكلام كفضل الله على خلقه. (^٦)\nثالثًا: الإجماع:\nقال أحمد بن حنبل:\n- أجمع العلماء والأئمة المتقدِّمون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، هذا الذي أدركت عليه الشيوخ. (^٧)\n_________\n(^١) ذكره الخطابي في معالم السنن (٣/ ٥٥٧) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص/٢١٦).\n (^٢) وانظر الإبانة الكبرى (٥/ ٢٦١)\n (^٣) أخرجه أحمد (٢٢٧٠٥) وأبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٢١٥٥) وابن أبي عاصم في السنة (١٠٧) وصححه الألباني في صَحِيح الْجَامِع (٢٠١٨) والسلسلة الصحيحة (١٣٣)\n (^٤) انظر الشريعة للآجري (١/ ٢٢٤) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٣٤٢)\n (^٥) أخرجه أبو داود (٤٧٣٤) والترمذي (٢٩٢٥) وصححه الترمذي.\n (^٦) انظر الرد على الجهمية لعثمان الدارمي (ص /١٦٢)\n (^٧) طبقات الحنابلة (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":409},{"text":"قال البغوي: وقد مضى سلف الأمة وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله ووحيه وليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلاله وبدعة. (^١)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-102>تاريخ محنة الأمة:</span>\nإنها محنة خلق القرآن، تلك المحنة التي تعرضت لها أمة الإسلام في أواخر عصر التابعين، حين ظهر القول بخلق القرآن علي يد أُناس قد جحدوا ما وصف الله ﷿ به نفسه تعمقًا وتكلفًا، فعدلوا عن وحي الرحمن إلي وحي الشيطان\n﴾ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴿(الأنعام: ١٢١)\nوتاريخ هذه المحنة يعودإلي عصر التابعين، ففي ذلك العصر بدأ ظهور هذا القول المحدث. (^٢)\nولا خلاف بين الأمة أن أول من قال بخلق القرآن هو الجعد بن درهم ثم أخذ عنه ذلك جهم بن صفوان ولهم في ذلك أصول.\nحيث كانت النسبة لهذا النبت الخبيث تعود إلى الرجل اليهودي لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي صلي الله عليه وسلم، والذي منه بدأت سلسلة الحطب حيث أخذ عنه هذه العقيدة التالفة ابن أخته طالوت، وأخذها عن طالوت بيان بن سمعان وأخذها عن بيان الجعد بن درهم، وأخذها عن الجعد الجهمُ بن صفوان، وإليه نسبت جماعة الجهمية؛ لأنه\n_________\n(^١) وانظر شرح السنة (١/ ١٦٨).\n (^٢) فائدة:\nوعليه فكل ما ورد من آثار مرفوعة أو موقوفة في هذا الباب فمما لا يصح سنده.\nومن ذلك ما ورد مرفوعًا: \"القرآنُ كَلامُ اللهِ غيرُ مخلوق\" قد ورد من عدة طرق فيها \" أبو الدرداء وابن مسعود وجابر \"، ولكن لا يصح منها شيء، وأسانيدها مظلمة لا يحتج بها ولا يستشهد بها.\nقال ابن القيسراني: وهذا مما يعد في منكرات محمد بن حميد الرازي. وكذلك ممن وضعها:\nمحمد السمرقندي الذى كان يحدث بأحاديث مناكير، وقد نص على وضع هذه الأحاديث: البيهقي وابن حجر.\nوقال السخاوي:\nوهذا الحديث من جميع طرقه باطل، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.\nوانظر الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة (ص/٦٣) وسؤالات حمزة بن يوسف السهمي للدار قطني (ص/٥٨) وذخيرة الحفاظ (ح/٣٣٨٢) وترتيب موضوعات ابن الجوزي للذهبي (ص/١٧) =\n=*وكذلك فإنه لا يصح عن الصحابة -﵃- شيء في هذا الباب، حيث أنه لم تكن قد ظهرت في عصرهم، إنما ظهرت كما ذكرنا في عصر التابعين.","vol":"1","page":410},{"text":"هو الذي أشاع مذهبهم المخذول.\nثم نقله عن الجهم بشر بن غيَّاث المريسي، شيخ المعتزلة وأحد من أضل المأمون وجدَّد القول بخلق القرآن.\nثم تقلَّد عن بشر المريسي ذلك المذهب قاضي المحنة أحمد بن أبي دؤاد. (^١)\nوقد كان ابن أبي دؤاد مقرَّبًا عند الخليفة المأمون فلبَّس عليه بمقالة خلق القرآن، حتى حملها عليها واستماله إليها. ثم صار قاضيًا عند المعتصم والواثق واشتدت المحنة على علماء الأمة بسبب مقالته تلك.\nوكان بسبب ذلك من اضطهاد لعلماء السنة من الحبس والضرب والقتل، فمن العلماء من أجابهم إلى ذلك، ورأى أن هذا موضع إكراه، ومنهم من عرَّض بالقول؛ ليأمن شرهم. (^٢)\nومنهم من ثبت على قول الحق، قول أهل السنة والجماعة، ورأي أن هذا موطن جهاد لا يسوغ النكوص ولا الاستسلام.\n_________\n(^١) وتأمل في خواتيم أهل البدع كيف تكون؛ أما الجعد بن درهم فقتله أمير الكوفة خالد بن عبد الله القسري، قتله يوم عيد الأضحى، وذلك أن خالدًا خطب الناس فقال:\nأيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم؛ فإني مضحٍ بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسي تكليمًا، ثم نزل وذبحه. وقد نص الذهبي وابن حجر على شهرة هذه القصة.\nوانظر مختصر العلو (ص/١٣٣) وخلق أفعال العباد (ص/٨)\nوأما الجهم بن صفوان فقد قتله سلم بن أحوز نائب أصبهان. ذكر ذلك الذهبي في تاريخ الإسلام (٣/ ٣٨٩)\nوأما أحمد بن أبي دؤاد فقد ابتلي بالفالج قبل موته بأربع سنين حتى أهلكه الله -تعالى- سنة أربعين ومائتين.\n (^٢) وكان ممن أجابهم إلي القول بذلك، الإمام علي بن المديني ﵀، فقد كان يقول عن هؤلاء المنتحلين لهذه المقالة: هم كفار ضلال، وكان يكفِّر من يقول بخلق القرآن، بل ويعيد الجُمع إذا صلاَّها خلف المأمون، ولكنه -﵀ - كما قال عنه ابن معين: رجل خاف فقال. =\n=وقال هوعن نفسه: \" خفتُ أن أقتل، وأعلم ضعفي، أني لو ضربت سوطًا لمت، وقال: قوِي أحمد على السياط، ولم أقدر. سير أعلام النبلاء (٩/ ١١٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ٢١٩).","vol":"1","page":411},{"text":"وكان على رأس من ثبتهم الله -﷿- في هذه المحنة هو الإمام أحمد بن حنبل الذي صدع بالحق رغم ضرب السياط والحبس.\nلذا قال علي بن المديني: إن الله نصر الدين بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة. (^١)\n*وكذلك: فمن الأئمة الذين ثبتوا على القول الحق في هذا الباب:\nأبو مسهر عالم دمشق، ونعيم بن حمَّاد عالم مصر، والبويطي فقيه مصر، وعفَّان بن مسلم الصفار محدث العراق، والفضل بن دكين الذي قال يومها: \"عنقي أهون عندي من زرِّي هذا\"، وأحمد بن نصر الخزاعي.\nوطائفة سواهم، وقد مات الإمام البويطي في حبسه مقيدًا في الأغلال؛ لثباته علي الحق، كذلك ثبت الإمام محمد بن نوح حتى مات في السجن، وأماأحمد بن نصر فقد قتله الواثق وصلبه.\nلقد أدرك هؤلاء الأئمة - ﵏ - أن القول بخلق القرآن يلزم منه وصف الله بالنقص؛ إذ إن الله -تعالى- ليس متكلمًا، بل خلق كلامًا كسائر ما خلق من مخلوقاته؛ إذن ففي حقيقة قولهم الباطل هو نفي صفة الكلام عن الله ﷿، تعالي الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nلذا رأى هؤلاء الأئمة - ﵏أن الثبات في هذه المحنة هو جهاد في سبيل الله ﷿؛ صيانة للدين وحماية للأمة.\nلقد توالى غِيام هذه المحنة في سماء الأمة فى عصر المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، حتى أذن الله -تبارك وتعالي - لهذه المحنة أن ترفع، وذلك حينما تولى الخليفة المتوكل، وكان إمامًا محبًا لعقيدة السلف، فأبطل المحنة وأبطل القول بخلق القرآن.\nوقد بويع المتوكل بن المعتصم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وعمره ست وعشرون سنة فاظهر الله -﷿- به السُنة، وكشف تلك الغمة، وأمر العلماء أن يجلسوا\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة (١/ ٢٨)","vol":"1","page":412},{"text":"للناس، وان يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية.\nوجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا.\n (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧) (الرعد: ١٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>أقوال الفرق المخالفة والرد عليهم:</span>\nالجهمية والمعتزلة والخوارج:\nقالوا:\nإن الله - تعالى - يتكلم بكلام يسمع، وبحرف، ومتى شاء، وبما شاء، ولكن ليس كلامه صفة فيه، بل كلامه مخلوق من مخلوقاته بائن منه.\nوعليه كلام الله -تعالى- عندهم لا يعد معنى يقوم بذات الله ﷿، بل هو شيء من مخلوقاته كالسماء والأرض والناقة، فكلام الله حروف خلقها الله وسمَّاها كلامًا، كما خلق الناقة وسماها ناقة الله، وكما خلق البيت وسمّاه بيت الله، وإنما نسب الله الكلام إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا.\n* وعلى هذا المذهب لا يوصف الله -تعالى- بالكلام في الواقع، وإنما يوصف بأنه خالق الكلام، ومن ثم بنوا على هذا قولهم: إن القرآن مخلوق.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (القصص: ٣٠)\nفقالوا:\nقوله تعالى: \"من الشجرة \":\nفيه دلالة أن الله خلق الكلام في الشجرة، فسمعه موسي -﵇منها. (^١)\n_________\n(^١) فائدة مهمة: =\n=الجهمية المعطلة نفاة صفة الكلام، هم كفار نوعًا وعينًا، كما أنهم خارجون عن الثنتين وسبعين فرقة، فهم زنادقة كفار بإجماع العلماء.\nأما المعتزلة: فهم لم ينفوا كلام الله صراحة، بل قالوا: كلم الله موسي ولكن جعلوا كلام الله مخلوقًا، فهذه شبهة قد منعت من تكفيرهم، وإن كان الخلاف قائمًا في جعلهم ضمن فرق الأمة، والراجح.\nأنهم ضمن فرق الأمة، وذلك لأن التأويل من موانع التكفير.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالمتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في= =المسائل العملية.\nوأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية.\nوانظر منهاج السنة النبوية (٥/ ١٢٣).\nوهذا يوضح لنا الجمع بين قول أحمد بن حنبل بتكفير من قال بخلق القرآن، مع عدم تكفيره لأعيان المعتزلة القائلين بذلك، وعدم خروجه على المأمون وقتاله إياه.","vol":"1","page":413},{"text":"*الرد على الجهمية والمعتزلة:\nأما قولهم أن الله - تعالى - يتكلم، ولكنَّ كلامه ليس صفة له، بل كلامه مخلوق...\nفالرد من وجوه:\n١ - هل يجوز لمخلوق أن يقول (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، فمن قال ذلك فقد زعم أن غير الله ادعي الربوبية. ولو كان كما قال الجهمي: لكان قول ذلك المخلوق: (يا موسي إن الله رب العالمين فاعبده.....)\n٢ - ولو كان كلام الله -تعالى- قد خلقه في الشجرة فسمعه موسي -﵇ - لترتب على ذلك:\nأن كل كلام يمكن أن يكون كلام الله، حتى كلام البشر يمكن أن نقول إنه كلام الله، لأنه مخلوق في الإنسان، بل إن كلام البشر-على قاعدتكم - يكون أشرف من كلام الله؛ لأنه مسموع من البشر الذي فضَّله الله على كثير ممن خلق تفضيلًا، وكلام الله عندكم مسموع من الشجرة.\n*أيضًا نقول:\nولو سمع موسى﵇ - كلام الله من غيره -كما تقول المعتزلة-لما كان لموسى ﵇ مزية ولا فضل علي غيره من البشر، لأننا نسمع كلام الله ﷿ على الحقيقة.\n*وإذا كانت الشجرة هي التي خلق فيها كلام الله، فسمعه موسي﵇ - منها بزعمكم، للزم من ذلك أن يكون من سمع كلام الله من محمد -صلي الله عليه وسلم - أفضل مرتبة من موسي، لأنه سمعه من شجرة. (^١)\n_________\n(^١) وانظر درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٤٣٦) والفصل في الملل والنحل (٢/ ٣٧) وشرح السفَّارينية لابن العثيمين (ص/١٧٦)","vol":"1","page":414},{"text":"* كذلك يقال:\nقال تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء/٦٤)\nقال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازًا.\nفإذا قال تكليما وجب أن يكون كلاما على الحقيقة التي تعقل.\nقال القرطبي:\n\"تكليمًا\" مصدر معناه التأكيد، يدل على بطلان من يقول:\nخلق لنفسه كلامًا في الشجرة، بل هو الكلام الحقيقي على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازًا. (^١)\nأما قولهم:\nكلام الله هو حروف خلقها وسمّاها كلامًا، كما سمَّى الناقة: ناقة الله، والبيت: بيت الله.\nفجوابه: أن المضاف إلي الله ﷿ على نوعين:\nأ-أعيان ب-معاني\nأما الأعيان: فتضاف إلي الله﷿- إما:\n (إضافة تشريف أو إضافة ملكية)\nوكلا النوعين جمعتهما الآية (ويَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ)\nفقوله تعالى (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ) هذه إضافة تشريف، وقوله (فِي أَرْضِ الله) هي إضافة ملكية.\nأما المعاني فتضاف إلي الله -﷿على نوعين:\n١ - معنى لا يقوم بالله؛ فيكون إضافته إلى الله على سبيل التشريف، كما ورد في الحديث القدسي \"مرضتُ فلم تعدني\".\n٢ - أن يكون المعنى المضاف لله هو معنى يقوم بالله -تعالى- وصفة له:\nفتكون إضافته إلى الله -عزوجل- إضافة صفة إلى موصوف، ويدخل في هذا الباب\n_________\n(^١) وانظر الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٨) وفتح الباري (١٣/ ٦٧٥)","vol":"1","page":415},{"text":"إضافة الكلام إلي الله تعالى، كما في قوله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) (التوبة: ٦)\nوفي قول النبي ﷺ، كما في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﵄- قَالَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ:\n\" هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي \". (^١) فقوله صلى لله عليه وسلم: \" كَلَامَ رَبِّي\":\nهو من باب إضافة الكلام إلى الله -تعالى- إضافة صفة إلى موصوف.\nوكذلك ما ورد في حديث جَابِرٍ﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ:\n «أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ». (^٢)\n*ومن الرد عليهم:\nأن قولهم في صفة الكلام لله -﷿- قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، هو مناقض لأقوال الأنبياء صلي الله عليهم وسلم أجمعين.\nكما أنه خلاف المعقول لأن الكلام صفة للمتكلم، وليس شيئًا قائمًا بنفسه منفصلًا عن المتكلم.\nكما أنه لا يُعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام وإنما قام الكلام بغيره. (^٣)\nقال تعالى (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) (الأنعام: ١١٤).\nفيه بيان أن القرآن قد أنزله الله سبحانه وتعالي، وليس من مخلوق من المخلوقات، لهذا قال السلف:\nمنه بدأ، أي: هو الذي تكلم به ولم يبتدأ من غيره، كما أدعته الخلقية.\nقال أحمد بن حنبل:\nكلام الله من الله، ليس بائنًا منه، وإذا كان المخلوق كلامه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥١٩٢) والترمذي (٢٩٢٥)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وانظر الصحيحة السلسلة (١٩٤٧)\n (^٢) أخرجه النسائي (١٣١١)، وصححه الألباني في المشكاة (٩٥٦)\n (^٣) وانظر لمعة الاعتقاد (ص/١٨) وشرح الطحاوية (ص/١٣٨)","vol":"1","page":416},{"text":"منه، لا من غيره، دل أن الكلام إنما يقوم بالمتكلم. (^١)\n*أما ما استدلوا به من قوله تعالى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠» (القصص/٣٠)\nفجوابه أن نقول:\nالنداء هو الكلام من بعد، فقد سمع موسي -﵇- النداء الذي كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت، فيكون معنى \"من البيت\" لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم؛ إذ لو كان الكلام مخلوقًا من الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. (^٢)\n٢ - قول الكلابية والأشاعرة:\nأما الكلاَّبية:\nفسبب هذه التسمية يعود إلى أول من أشتهر بهذا القول، وهوعبد الله بن سعيد بن كلّاب. (^٣)\nأما قولهم في صفة الكلام فإنهم قالوا:\nأن الله يتكلم بغير مشيئة، بل كلامه هو معنى قديم لازم قائم بذات الرب كلزوم الحياة والعلم، وأنه لا يُسمع منه على الحقيقة، بل المسموع هو حروف وأصوات مخلوقة منفصلة عن الرب، دالة على ذلك المعني القديم وهو القرآن، وهو غير مخلوق.\n*أماالأشاعرة:\nفقالوا:\nإن كلام الله صفة من صفاته وليس بمخلوق، فكلامه-تعالى- صفة أزلية قائمة بذاته، بغير صوت ولا حرف، وأما اللفظ فهو مخلوق ليدل على ذلك المعنى.\nفالكلام النفسي عندهم هو معنى واحد، لا يتجزأ ولا يتبعض، هو الأمر والنهي،\n_________\n(^١) بتصرف يسير من مجموع الفتاوي (١٢/ ٢٩٧)، وفي كلام أحمد رد على الجهمية والمعتزلة القائلين بأن الله قد خلق كلامه في بعض مخلوقاته، وأن كلامه ليس منه.\n (^٢) وانظر شرح الطحاوية (ص/١٣٤).\n (^٣) قال الذهبي: ابن كلاب رأس المتكلمين، وكان يلقّب كلابًا لأن يجر الخصم إلي مذهبه ببلاغته، أراد معارضة من قال بخلق القرآن فقال بقولٍ لم يسبق عليه. سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٥)","vol":"1","page":417},{"text":"والخبر والاستخبار.\nإن عبَّر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبَّر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبَّر عنه بالسريانية كان إنجيلًا. (^١)\nوقد نص الجوينى والرازي على إثبات الكلام لله على المعنى القائم بالنفس. (^٢)\n* فإذا سألت: وما وجهة الأشاعرة فيما ذهبوا إليه؟\n*والجواب:\nأن الأشاعرة لا يقولون بإثبات الصفات الفعلية، ويجعلون كلام الله هو الكلام النفسي القديم وليس متعلقًا بوقت معين، والقرآن عندهم إنما هو عبارة عن كلام الله.\nوبهذا تراهم جمعوا بين متناقضات حين جعلوا القرآن من حيث معناه:\nغير مخلوق، ومن حيث حروفه إنما هو من عند مخلوق.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nأنهم - أى الأشاعرة- لما ناظروا المعتزلة في إثبات الصفات، وأن القرآن ليس بمخلوق، رأوا أن ذلك لا يتم إلا إذا كان القرآن قديمًا، وأنه لا يكون قديمًا إلا إذا كان معني قائمًا بنفس الله كعلمه؛ وذلك لامتناع قيام الأمور الحادثة به، فخالفوا بذلك جمهور المسلمين. (^٣)\nفالحاصل أن الأشاعرة والمعتزلة متفقان أن حروف القرآن وألفاظه مخلوقة، أما الأشاعرة فيقولون القرآن هو الكلام النفسي، وهذا قديم غير مخلوق، ويطلق على الألفاظ قرآن إما مجازًا أو اشتراكًا.\nوالمعتزلة يخالفونهم في ذلك، فلا يثبتون كلامًا نفسيًا، ويقولون الكلام لا يتصور\n_________\n(^١) وانظر حاشية البيجوري على الجوهرة (ص/١٢٩) وبغية الطالب للتلمساني (ص/٢٢٠) وعقائدالأشاعرة (ص/١٤٧) مصطفى باحو.\n (^٢) وانظر الإرشاد (ص/١٠٩) والأربعين في أصول الدين (١/ ٢٤٩)\n (^٣) نظر مجموع الفتاوي (١٢/ ٥٧٩)\n* فائدة مهمة:\nتنبه للفرق بين الأشاعرة والكلابية، فإن الكلابية قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله والأشاعرة قالوا:\nعبارة عن كلام الله، والعبارة أدق من الحكاية، فمعني عبارة: أن معناه طبق الأصل لكلام الله النفسي، وعند الكلابية قالوا بالحكاية؛ لأن الحكاية يكون فيها شيء من السعة، أوسع من العبارة","vol":"1","page":418},{"text":"من دون اللفظ، وإنما هو العلم والإرادة.\nوإذا تحققت من أن الكلام النفسي يؤول ويرجع - ولا بد - إلى العلم والإرادة - أو العلم وحده - كان الخلاف بينهما لفظيًا.\nفحقيقة الخلاف اللفظي هو الخلاف الراجع لمجرد اختلاف العبارة، أو هو الخلاف الذي لا ثمرة له، أو هو الخلاف الذي لو اطلع كل مخالف على حقيقة قول مخالفه لما خالفه.\n*وقد فطن إلى ذلك المحققون من أهل السنة، وكذا محققوالأشاعرة من المتأخرين، ممن حقق الأقوال وعرف لوازمها. (^١)\n*تأمل:\nالفرق بين الخلقية كالجهمية والمعتزلة وبين الأشاعرة والكلابية.\nحيث أن الخلقية (الجهمية والمعتزلة) يقولون:\nلا يقوم بذات الله كلام، ولكنه مخلوق يتعلق بمشيئة الله.\nأما الأشاعرة والكلابية فقالوا:\nلله كلام هو معني قديم قائم بذاته لا يتعلق بالمشيئة. (^٢)\n*الرد على الأشعرية والكلابية:\n١ - قولكم هذا مما لم يظهر في الأمة إلا من بعد ظهور ابن كلَّاب، وعنه تقلَّده أبو الحسن الأشعري وسائر أئمة الأشعرية. (^٣)\n_________\n(^١) من مقال \" لم كان القول بخلق القرآن كفرًا؟ \" (للشيخ: عمرو بسيوني).\n (^٢) وعليه فإن الجهمية والمعتزلة خير من الأشاعرة من هذا الوجه؛ حيث علَّقوا صفة الكلام بمشيئة الله، في حين أن الأشاعرة جعلوا كلام الله هو معني قديم لا يتعلق بمشيئة الله ولا إرادته.\nقال السجزي:\n\" اعلموا- أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نِحَلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب، والقلانسي، والصالحي، والأشعري، وأقرانهم، الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة، وهم معهم، بل أخس حالًا منهم في الباطن. وانظر رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص/١٧)\n (^٣) تجدر الإشارة هنا إلى أن أبا الحسن الأشعري -﵀قد رجع عن عقيدة الكلابية وألَّف رسائل على عقيدة السلف، وإن كان فيها بعض الشوائب العالقة إثر تركه لعقيدة المعتزلة، ومن ثم تركه لعقيدة الكلابية.\nومن هذه المؤلفات التي سار فيها الأشعري على نهج السلف:\nكتابه الإبانة وكتابه رسالة إلى أهل الثغر، وكتابه مقالات الإسلاميين.\nويعد أبو الحسن من متكلمي أهل الإثبات، ومن متكلمة الصفاتية، ويعتبر من أقربهم إلى السنة وأتبعهم لأحمد = = بن حنبل، بل هو أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد، الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل وابن الجوزي. وانظر حقيقة البدعة وأحكامها (ص/١٦٦)","vol":"1","page":419},{"text":"فقولكم بالكلام النفسي قد خالفتم به الكتاب والسنة وإجماع الأمة التي أثبتت لله-تعالى- صفة الكلام بحرف وصوت على الحقيقة، وليس كلامًا نفسيًا أو معنى قائمًا بالنفس كما تزعمون.\n٢ - قال تعالى \" وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١» (الشورى: ٥١)\nفلما فرَّق الله بين التكليم والوحي العام؛ دل ذلك على إبطال القول بأن كلام الله هو معني واحد قائم بذاته.\n٣ - قال تعالى (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الشعراء/١٠)\nوجه الدلالة:\nالنداء لا يكون إلا بصوتٍ مسموع باتفاق أهل اللغة وسائر الناس.\n* عن عبد الله بن أُنيس -﵁- أن النَّبِيَّ - ﷺ - قال: \" يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ:\nأَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ \" (^١)\nقلت: وهذا بينٌ جلى أن المتكلم بصوت هو الله تعالى، فما كان ينبغى لملَك من الملائكة أن يقول: \" أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ \".\nوقد أخبر الله -تعالي -به في كتابه من تكليم موسي، وسمع موسى لكلام الله يدل على أنه كلمه بصوت، فإنه لا يسمع إلا الصوت، وصوته تعالي ليس كأصوات شيء من مخلوقاته، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شئ من الصفات، فمن شبَّه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (^٢)\n*أما قولهم بأن صفة الكلام هو المعني القائم بالنفس!!\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) وحسَّنه ابن القيم في الصواعق (١/ ٤٦٧) وابن حجر في الفتح (١/ ٧٤) وانظر صحيح الْأَدَبِ الْمُفْرَد (٥٧٠)\n (^٢) بتصرف يسير من مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣١)","vol":"1","page":420},{"text":"فهذه دعوى يكذبها الشرع واللغة.\nأما الشرع: فلأن الله تعالي وصف القرآن بأنه كلمه؛ والأصل أن الصفة حقيقة في موصوفها، وهذا القرآن مسموع وبحروف مما يدل على بطلان دعواكم أن القرآن معني يقوم بالنفس.\nأما اللغة: فإنه لا يقال في اللغة للكلام كلام حتى يخرج باللسان، وإنما يذكر الكلام القائم بالنفس كلامًا مفيدًا، فيقال: حديث نفس أو يقول في نفسه.\nأما عند الإطلاق: فإن القول والكلام لا يقال إلا لما يسمع ويكون بحروف.\nفإن قالوا: قال تعالى (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)\nفجعل ما في النفس قولًا؟\nقلنا: هذه عليكم وليست لكم؛ لأن الله لما أراد حديث النفس قال \"ويقولون في أنفسهم\"، ولما أراد حديث اللسان قال \"بما نقول\"، فأطلق ولم يقل \" بما يقولون\nفي أنفسهم \"، فحديث النفس لا يسمى قولًا ولا كلامًا إلا مقيدًا.\n*فإن قالوا:\nقول الشاعر:\nإن الكلام لفي الفؤاد وإنما\nجعل اللسان على الفؤاد دليلًا. (^١)\nقالوا: فسمَّى ما في الفؤاد من المعاني كلامًا؟؟\nفجوابه: أن هذا البيت مما قد تكلم العلماء في صحته رسمًا ونسبًا.\nأما نسبًا:\nفقد تكلم العلماء في صحة نسبته إلي ديوان الأخطل، فقد قال أبو محمد الخشَّاب نحويُ العراق: فتَّشت شعر الأخطل فما وجدت هذا البيت.\nرسمًا:\nمن حيث تحريف لفظه، حيث إن لفظه الصحيح هو \"إن البيان لفي الفؤاد\"، قال أبو البيان الدمشقي: أنا رأيته في ديوانه كذلك، فحرَّفه بعض النفاة وقالوا:\n_________\n(^١) وهذا البيت قد نسبه للأخطل: ابن هشام في \"شذور الذهب \" (ص/٣٥)، وأبو معين النسفي في \"تبصرة الأدلة \" (١/ ٢٨٣)، وانظر \"شرح العقائد النسفية\" (ص/ ١٧٩)","vol":"1","page":421},{"text":"إن الكلام لفي الفؤاد. (^١)\n*ثم نقول:\nوعلي فرض صحته ونسبته فإنه لا يجوز أن نستدل به، لأن الأخطل من النصاري؛ هؤلاء الذين ضلوا في معني الكلام حتى زعموا أن عيسى -﵇هو نفس كلمة الله، وأن اللاهوت قد اتحد بالناسوت، وإن قولًا يستشهد له بأقوال النصارى لقول مبني على شفا جرف هار.\nقال أبو العز الحنفي:\nكما أن معنى البيت غير صحيح، إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلمًا، لقيام الكلام بقلبه، وإن لم ينطق به ولم يُسمع منه. (^٢)\n*كذلك يرد دعواهم بأن الكلام هو معنى قائم بالنفس:\n\" قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزا (٤١»\nفمع كون زكريا -﵇- قد أشار إليهم، كما في قوله تعالى\n (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، فلم يكن ذلك المعني القائم بنفسه الذي عبَّر عنه بالإشارة كلامًا.\nوكذلك في قصة مريم ﵍ (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ)، مع كونها قد نذرت الامتناع عن الكلام، (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)\nوقد اتفق أهل اللسان على أن الكلام: اسم وفعل وحرف، كما أجمع الفقهاء علي أن من حلف ألا يتكلم لا يحنث بحديث النفس، وإنما يحنث بالكلام. (^٣)\n* كذلك يرد دعواهم بأن الكلام هو معنى يقوم بالنفس:\nحديث أبي هريرة -﵁ - أن\n_________\n(^١) ذكر االذهبي أن الشيخ أبا البيان محمد بن محفوظ الدمشقي الشافعي اللغوي، جاءه ابن تميم الذي يدعي الشيخ الأمين، فقال له الشيخ أبو البيان بعد كلام جرى بينهما: ويحك، الحنابلة إذا قيل لهم:\nما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت؟ قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، وأنتم إذ قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى \"قائم\" في النفس؟ قلتم: قال الأخطل \"إن الكلام لفي الفؤاد\"، إيش هذا الأخطل؟! نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله، وتركتم الكتاب والسنة!\nوانظر العلو للعلي الغفار (ص/٢٨٤)\n (^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص/١٤٥)\n (^٣) مذكرة في أصول الفقه (ص/٢٢٥).","vol":"1","page":422},{"text":"النبي - ﷺ - قال:\n\"إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدَّثت بها أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به \". (^١)\nوجه الدلالة:\nقد أخبر النبي -صلي الله عليه وسلم- أن الله -تعالى-عفى عن حديث النفس، إلا أن تتكلم، ففَّرق بين حديث النفس وبين كلام اللسان.\nكذلك في قوله ﷺ:\n\"إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ \". (^٢)\nفقد اتفق العلماء أن من تكلم وهو يصلي عامدًا بطلت صلاته، واتفقوا على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب، لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلَّم بذلك، فعلم إتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. (^٣)\n*أما قولهم:\nأن الله لا يتكلم بقدرته ولا مشيئته، بل الكلام لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته.\n* فالرد عليه:\nقوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾ وقوله تعالى ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ فإنه وقَّت النداء بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه. (^٤)\nوفي حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \" أَلَمْ تَسْمَعُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟. (^٥)\nفجعل الكلام موقتًا بظرف محدد.\nوباتفاق الأنبياء -﵈ - فإن الله يتكلم، ومن لم يقل إن يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا يقوم بذاته لم يقل إنه يتكلم. وعلى هذا أئمة السنة، كأحمد والبخاري\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) رواه مسلم (٥٣٧) وأحمد (٢٣٨١٣)\n (^٣) وانظر شرح العقيدة الطحاوية (ص/١٤٦)\n (^٤) انظر مجموع الفتاوي (١٢/ ١٣١)\n (^٥) أخرجه النسائي (١٥٢٥) وصححه الألباني.","vol":"1","page":423},{"text":"وابن خزيمة وغيرهم متفقون على أن الله -تعالى- يتكلم بمشيئته وقدرته، ولم يقل أحد منهم إن القرآن قديم.\n** ثم نقول:\nوأصل قولهم أن كلام الله -تعالى-لا يتعلق بالمشيئة فمبناه على دعواهم نفي قيام الحوادث بالله!!!\nوجواب ذلك:\nأننا لا بد أن نفرق بين أصل صفة الكلام وبين آحاده، فالله﷿- متصف بصفة الكلام من الأزل، فهي صفة ذات له ﷿، لم يزل - سبحانه - ولا يزال متكلمًا.\nوأما آحاد الكلام - والذى منه القرآن - فهو بعض كلام الله - ﷿- تكلم به متى شاء، وعليه فصفة الكلام قديمة الجنس، حادثة الآحاد.\nقال تعالى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ)\nفالحداثة إنما هي وصف آحاد الكلام، وليس لأصل الصفة، فتنبَّه.\nقال ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: \" يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه -ﷺ- أحدث الأخبار بالله \" (^١)\nأما قولهم: القرآن هو حكاية وعبارة عن كلام الله!!\nفجوابه:\nأن هذا القول لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين من المتقدمين من الصحابة والتابعين، فدل أن ذلك من البدع المحدثة.\nونقول:\nلو كان ما في المصحف عبارة أو حكاية عن كلم الله، وليس هو كلم الله حقيقة؛ لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولما حرم على الجنب قراءة القرآن.\n*أما قولهم بالكلام النفسي الذى هو عندهم معنى واحد، هو الأمر والنهي، والخبر والاستخبار!!\nفجوابه أن جمهور العقلاء يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام، فإنا إذا عرَّبنا التوراة والإنجيل لم يكن معناهما معنى القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا، وكذلك \" ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] ليس هو معنى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٨٥)","vol":"1","page":424},{"text":"﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] \" ولا معنى آية الكرسي آية الدَين.\nوإذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة، فاعترف أئمة هذا القول بأن هذا الإلزام ليس لهم عنه جواب عقلي.\nورحم الله الإمام العز بن عبد السلام -وهو من كبار أئمة الأشعرية - حيث سئل في مسألة القرآن: كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي، وخبر واستخبار؟\nفقال: ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري. (^١)\n* ومن التناقض البيِّن:\nأنك تري الأشاعرة يقولون بإثبات صفات لله -تعالى- لها معانٍ زائدة عن الذات، مخالفة للجهمية النفاة، ثم تراهم يقولون بأن كلام الله معنى واحد قائم بالذات. (^٢) *وحقيقة الأمر:\nأن الكلام الذي تثبته الأشاعرة لله -تعالى- لا حقيقة له؛ ومعناه قريب من معنى العلم؛ إذ أن حديث النفس الذي هو الكلام عندهم هو علم بمعانى معينة، فليس فى النفس إلا معانى معلومة، فآل الكلام إلى العلم.\nلذا فقد نص الشيرازى على ذلك بالتصريح دون التلميح، فقال:\n\"سماعنا كلامه كعلمنا به \" (^٣)\nقول الكرامية في صفة الكلام:\nقالوا: كلام الله صفة له وهو كلام بحرف وصوت، ولكن الله -تعالى-قد تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، فالكلام صفة حادثة له. (^٤)\n* الرد على الكرامية:\nفقد وصفتم الله -﷿- بصفات البشر، حيث أن المرء لم يكن متكلمًا ثم تكلم، وهذا\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية (ص/١٦٦) والتسعينية (٣/ ٩٥٢) وتناقضات الأشعرية (ص/٦٣)\n (^٢) وانظر تناقضات الأشاعرة (ص/ ٦٠)\n (^٣) وانظر الإشارة (ص/٢١٦) وعقائد الأشاعرة (ص/١٥٢)\n (^٤) ويعود أصل الكرامية إلي محمد بن كرَّام السجستاني، قال عنه ابن حجر: العابد المتكلم شيخ الكرامية، ساقط الحديث على بدعته. قال ابن حبان: خذل حتى التقط من المذاهب أردأها.\nوقد دعا ابن كرَّام الناس إلى تجسيم معبوده، وزعم أنه جسم له حد ونهاية، بل شابه النصارى في وصف الإله بأنه جوهر، وانظر الفَرق بين الفِرق (ص/١٨٩)","vol":"1","page":425},{"text":"نقص في حق الله -﷿ننزه ربنا تبارك وتعالي عنه.\nثم قولوا لنا: ما الفرق بين القول بأن الله -تعالى -تكلم بالقرآن الكريم بعد أن لم يكن متكلما به، والقول بأنه مخلوق؟؟!!\n*كما أنه يلزم من قولكم هذا لوازم باطلة منها:\n١ - أن الله -تعالى-قد كان ناقصًا في صفاته ثم كمل، تعالي الله عما يقول الظالمون علوًا عظيمًا.\n٢ - إن الله -تعالى-تحل فيه الحوادث، ومن تحل فيه الحوادث فهو حادث.\n** قول الواقفة في كلام الله ﷿:\nوبدعة الوقف هي بدعة تابعة لبدعة خلق القرآن، وأصحابها إنما أظهروا هذا الوقف في كلام الله -تعالى- بعد أن أُستخلف المتوكل علي المسلمين فقمع بدعة خلق القرآن، فاحتال ناس ممن كانوا يعتقدون بقول جهم لترويج بدعتهم، فاخترعوا قولًا لم يفصحوا فيه بخلق القرآن خوفاُ على أنفسهم، فقالوا لا ندري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله.\nوهؤلاء قد ذمَّهم السلف على ذلك، وعدُّوا أن من وقف في حكمه على كلام الله-تعالى- فهو جهمي. كما نص على ذلك: أحمد وسفيان بن عيينة، وغيرهما. (^١)\n_________\n(^١) فائدة مهمة:\nوالذين توقفوا في مسألة خلق القرآن طائفتان:\n١) الأولى:\nكانت تعتقد جزمًا أن القرآن كلام الله -تعالى-غير مخلوق، كما هو اعتقاد السلف، لكنها توقفت وتركت الخوض في هذه النازلة تورعًا وكرهت الدخول فيها باعتبار أنها مسألة محدثة. وهذا مما ذمهم العلماء عليه؛ فليس هذا موطن تورع وسكوت، بل هو موطن الصدع بالحق والجهاد بالعلم.\nقال ابن قتيبة:\nليس في غرائز الناس احتمال الإمساك عن أمر في الدين قد انتشر هذا الانتشار وظهر هذا الظهور، ولو أمسك عقلاؤهم ما أمسك جهلاؤهم، ولو أمسكت الألسنة ما أمسكت القلوب، فالشك لا يداوى بالوقوف، والبدعة لا تدفع إلا بالسنة، وإنما يقوى الباطل أن تبصره وتمسك عنه. وانظر \"الاختلاف اللفظ \" (ص/٢٤٦)\n٢) الثانية:\nوهم المعنيون بالحديث عنهم، الذين توقفوا عن الخوض في هذه المسألة لأنهم لم يتبين لهم الحق فيها، فهم شكاكة. ذكره الدكتور أحمد حمدان محقق كتاب شرح أصول اعتقاد السنة للالكائي (٢/ ٣٢٣)","vol":"1","page":426},{"text":"قال عثمان بن أبي شيبة:\n «الواقفة شر من الجهمية بعشرين مرة، هؤلاء شكَّوا في الله». (^١)\n**الرد على الواقفة:\n١ - وأما قولكم هذا فهو في حقيقته شك في كلام الله ﷿، لأنه ما توقف إلا لما شك في إضافة هذه الصفة إلي الله ﷿ إضافة صفة إلى موصوف، والشك في دين الله كفر؛ وذلك لأن الشك فى الصفة شك فى الموصوف.\n*سئل عنهم الإمام أحمد فقال:\nهؤلاء أضر من الجهمية على الناس، فإن لم تقولوا ليس بمخلوق فقولوا مخلوق. ومن يشك في هذا. سبحان الله أفي هذا شك؟! (^٢)\nقال الدارمي:\nلا ينبغي لمصلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يشك في شئ من صفات الله وكلامه، كما أنكم حين شككتم في ذلك لم تأمنوا أن يكون كلام الله مخلوقًا، فكيف تنسبون من قال بخلق القرآن إلى البدعة، وأنتم في شك من أمرهم. (^٣)\n** قول الروافض في القرآن:\nهم في ذلك على فرقتين:\n١ - هشام بن الحكم وأصحابه: يقولون إن القرآن لا خالق ولا مخلوق، وهو كلام الله كما قاله جعفر بن محمد وسائر أئمة السنة.\n٢ - والفرقة الثانية: يزعمون أنه مخلوق محدث لم يكن ثم كان كما تزعم المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من المتأخرين منهم. (^٤)\n_________\n(^١) الإبانة الكبرى (١/ ٢٩٠)\n (^٢) وانظر الإبانة عن أصول الديانة (٢/ ٩٨١)\n (^٣) الرد على الجهمية (ص/١٧٦)\n (^٤) وقد نقل الطبري في صريح السنة (ص/٢٢) عن جعفر الصادق أنه سئل عن القرآن، فقال: أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، وإنما هو كلام الله ﷿.\n (أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص/١٠٧) وقال: (صحيح مشهور)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما شيوخ الإمامية فكانوا يقولون: القرآن ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله كما قاله جعفر بن محمد وسائر أئمة السنة، ولكن لا أعرف هل يقولون بدوام كونه متكلما بمشيئته، كما يقوله= = أئمة أهل السنة، أم يقولون: تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، كما تقوله الكرامية وغيرهم.\nوانظر منهاج السنة النبوية (٢/ ٢٤٧) ومقالات الإسلاميين (ص/٣٢) وشرح السنة (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":427},{"text":"*تنبيه:\nالرد على الروافض في قولهم بخلق القرآن سبق في الرد على المعتزلة والجهمية.\n*الرد على الفلاسفة:\nوقال الفلاسفة إن القرآن أنه ليس كلام الله ﷿، بل هو محض تخيلات، وعليه فإنه ليس مصدرًا للأحكام الشرعية، على زعمكم.\nقال ابن تيمية:\nوما ذكروه من حدوث أصوات في نفس الإنسان يسمعها: إما يقظة وإما منامًا، يحصل لآحاد الناس في كثير من الأوقات، وسمع الإنسان للهواتف في نفسه أكثر\nمن أن يحصى، فإن كان تكليم موسى من هذا الجنس، فآحاد الناس شركاؤه في هذا، فكيف بالأنبياء، فكيف بالمرسلين؟! (^١)\n.\n** مسألة اللفظية وحكمها:\nوهي من المسائل التي تتعلق بهذا المبحث مسألة، حيث ظهر من يقول: أن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة.\nوأول من قال بها الحسين بن علي الكرابيسي، فلما علم الإمام أحمد بن حنبل بهذه المقالة أنكرها وأمر بهجر الكرابيسي، بل وقال: اللفظية جهمية.\nومقالة \" لفظي بالقرآن مخلوق \" جملة مجملة، والقاعدة في الألفاظ المجملة:\n\"كل كلام مجمل في حق الله، فلا يُقبل مطلقًا ولا يرد مطلقًا \"\nفإن اللفظ يطلق على معنيين:\nأ-المصدر: الذي هو فعل الفاعل، أي التلفظ.\nب-الملفوظ به: وهو القرآن نفسه.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٥/ ٣٣٣)","vol":"1","page":428},{"text":"وعليه نقول:\nإن قصد قائل لهذه العبارة المعني الأول، الذي هو التلفظ؛ فلا شك أن ألفاظنا بالقرآن وغير القرآن مخلوقة، وإنْ قصد المعني الثاني، فهي عبارة الجهمية والمعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن.\nقال أحمد: اللفظ بالقرآن غير مخلوق. (^١)\nوقال عبدالله بن أحمد سمعت أبي يقول:\nكل من يقصد إلى القرآن بلفظ أو غير ذلك يريد به مخلوق فهو جهمي. (^٢)\nفائدة:\nواعلم أن الكلمة التي تحتمل التفصيل المذكور آنفًا هو قوله \"لفظي بالقرآن مخلوق\"، أما إن قال: أقول \"القرآن مخلوق\" وأقصد حركات القارئ وصوته!!\nقلنا:\nكان هذا المعني -وإن كان صحيحًا-ليس هو مفهوم كلامه، ولا معني قوله،\n_________\n(^١) نقله عنه إبراهيم بن سعيد في طبقات الحنابلة (١/ ١٢٠)\n (^٢) وانظر السنة (ص/ ٦٧)\n* تنبيه مهم:\nهذا التقييد في قول أحمد -﵀- في مسألة اللفظية مما قد غفل عنه من قد حكي قوله على الإطلاق.\nفما قد ورد عن أحمد من الإطلاق بأن اللفظية جهمية فهو محمول على من قصد منهم باللفظ الملفوظ، الذي هو القرآن نفسه، كما نقله عنه ابنه عبد الله والإمام البيهقي، وكذا ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي، فقد قال شيخ الإسلام:\nولهذا قال أحمد في بعض كلامه: من قال\" لفظي بالقرآن مخلوق \"، يريد به القرآن فهو جهمي احترازًا عما إذا أراد به فعله وصوته. =\n= وعليه فما ورد من إطلاقات الإمام أحمد على اللفظية إنهم جهمية فهو محمول على علمه أن هؤلاء إنما أرادوا التستر خلف هذه الكلمة للقول بخلق القرآن.\nوكذلك يقال فيما ورد عن الإمام أحمد من روايات مطلقة في تكفير اللفظية، فهي هذه الروايات ينبغي حملها على الرواية التي قال فيها:\nمن قال لفظي بالقرآن مخلوق -يريد به القرآن-فهو كافر؛ فإن هذا التقييد قد حفظه عن أحمد ابنه عبد الله.\n* نقول:\nوفي الجملة فقد كان الإمام أحمد يغلق الباب فى مسألة اللفظية، لئلا يُتذرع بها الخلقية في فتنتهم، وقد اشتد أحمد كثيرًا على الخلال لما نسب إليه القول بأن \" لفظي بالقرآن غير مخلوق \"، وأمره بمحوها؛ لأنه كان زمان فتنة، فأراد أحمد قطع الاستشراف في هذه المسألة من باب سد الذرائع.\nقال الذهبي:\nكان الإمام أحمد لا يرى الخوض في هذا البحث خوفًا من أن يتذرع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولي.\nوانظر سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٩٠) ودرء التعارض (١/ ٢٥١) وفتح البرية بتلخيص الحموية (ص/٨٢٠) والرسالة الواضحة (ص/٧١٣)","vol":"1","page":429},{"text":"فإن المسلمين إذا قالوا: القرآن كلام الله؛ لم يريدوا بذلك أن أصوات القارئين وحركاتهم قائمة بذات الله وإذا قالوا:\nهذا الكلام حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ لم يريدوا بذلك أن حركات المحدِّث وصوته قامت بذات النبي صلي الله عليه وسلم. (^١)\nوخير ما نختم به مسألة اللفظية:\n*قال الذهبي:\nوالقرآن العظيم حروفه وألفاظه كلام رب العالمين غير مخلوق، وتلفظنا به وأصواتنا به من أعمالنا ا لمخلوقة، ولكن لمَّا كان الملفوظ لا يستقل إلا بتلفظنا والمتلو لا يسمع إلا بتلاوة تالٍ صعب فهم المسألة وعسر إفراز اللفظ الذي هو الملفوظ من اللفظ الذي يعني به التلفظ، والخوض في هذا خطر، نسأل الله السلامة في الدين، وفي المسألة بحوث طويلة الكف عنها أولي، وخاصة في هذه الأزمنة المزمنة. (^٢)\n*قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوكان الأئمة الكبار يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما توقعه من الإشتباه والفتنة، فإذا لم يكن اللفظ منقولًا\nولا معناه معقولًا ظهر الجفاء والأهواء، لذا قال مالك ر حمه الله\" إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء\". (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>حكم من قال بخلق القرآن:</span>\nأما تكفير من قال بخلق القرآن فقد ورد عن سائر أئمة السلف في عصر مالك والثوري ثم عصر ابن المبارك ووكيع ثم عصر الشافعي وعفان والقعنبي ثم عصر أحمد ابن حنبل وعلي بن المديني ثم عصر البخاري وأبي زرعة الرازي ثم عصر محمد بن نصر المروزي والنسائي ومحمد بن جرير وابن خزيمة. (^٤)\n_________\n(^١) ذكره ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٤٨)\n (^٢) وانظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠١)\n (^٣) وانظر درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٥)\n (^٤) العلو للعلي الغفار (ص/١٧٣)","vol":"1","page":430},{"text":"قال عبد الله بن المبارك:\nسمعت الناس منذ تسعة وأربعين عامًا يقولون: من قال بأن القرآن مخلوق، فامرأته طالق ثلاثًا البتة. (^١)\nقال سفيان بن عيينه:\nمن قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. (^٢)\n*قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي -﵀- يقول:\nمن قال: القرآن مخلوق فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله ﷿، قال الله ﷿ ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾، ومن قال علم الله مخلوق فهو كافر؛ لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه. (^٣)\n*وقد عدَّ اللالكائي أسماء كثيرة من طبقات شتى، ثم قال ﵀:\nقالوا كلهم: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر. فهؤلاء خمس مائة وخمسون نفسا، أو أكثر، من التابعين، وأتباع التابعين، سوى الصحابة الخيرين، على اختلاف الأعصار، ومضي السنين والأعوام، ونقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر، لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه. (^٤)\n*فوائد مهمة:\n١ - ما روي مرفوعًا: \"من قال القرآن مخلوق فهو كافر\"، لا يصح نسبته للنبي ﷺ. (^٥)\n_________\n(^١) انظر شرح اعتقاد أهل السنة (٢/ ٣٨٦) وكذلك ممن أفتي بكفر من قال بخلق القرآن الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري.\n (^٢) أخرجه عبدالله بن أحمد في السنة (ص/٢٨) وسنده حسن.\n (^٣) وانظر المصدر السابق (ص/١٨)\n (^٤) شرح أصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٤)\n (^٥) أما روايته مرفوعًا فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٠٧) والسيوطي في اللآلى المصنوعة (١/ ١١)\nقال الدارقطني: في سنده محمد بن عبيد يكذب ويضع الحديث. وقال الذهبي: روي من وجوه باطلة. قال الشوكاني: في إسناده محمد بن عبد الله بن عامر السمرقندي وضاع. وكذا رواه ابن عدي والخطيب بأسانيد فيها مجاهيل. وانظر اللآلئ المصنوعة (١/ ١١) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة (١/ ١٣٤) وترتيب موضوعات ابن الجوزي للذهبي (ص/١٧).","vol":"1","page":431},{"text":"٢ - كفر من قال بخلق القرآن إنما هو من كفر وشرك التعطيل، والذي يكون متعلقًا بذات المعبود وأسمائه وصفاته، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون وأشباهه، فالشرك والتعطيل متلازمان.\nوالقول بخلق القرآن كفر ظاهر؛ إذ هو تكذيب لنصوص الوحيين، وإلحاد في أسماء الله وصفاته، وتشبيه الله -تعالى- بخلقه، وهذا كفر محض.\n٣ - قول الأئمة بتكفير القائل بخلق القرآن يتوجه على أنه كفر نوع لا كفر عين،\nفلا يكفر القائل بهذا حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، فإن أصر بعدها كان كافرًا نوعًا وعينًا.\nلذا فالحكم على الأعيان، كالقول إن فلانًا القائل بخلق القرآن كافر؛ فهذا أمر آخر، يحكم به القاضي، أو العالم المتأهل للكلام في ذلك، بناء على صحة إيقاع الوصف على المعين، باستيفائه شروطه، وانتفاء الموانع المؤثرة عنه.\n*واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا التفريق بأن الإمام أحمد - وغيره من السلف - لم يكفِّر كل من قال بخلق القرآن، فقال:\nإن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره. ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام؛ لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة؛ صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة.\nوقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قومًا معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان؛ ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال:\nأ) من كفَّره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه. ب) من لم يكفَّره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه، مع إطلاق قوله بالتكفير على","vol":"1","page":432},{"text":"سبيل العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. (^١)\n*وهذا التفريق السابق بين النوع والعين يفسر لنا ما قد يرد من الإشكال في فعل الإمام أحمد الذى كان يُكفِّر الجهمية، مع كونه كان يصلي خلف أئمة عصره القائلين بخلق القرآن، بل ويدعو ويستغفر لهم ويعتقد إمامتهم وينهى عن الخروج عليهم.\nالشبهات التي استدل بها من قال بخلق القرآن، والرد عليها:\n١ - الشبهة الأولى: قوله تعالي: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (^٢)\nوجه الدلالة:\nالقرآن شئ، فيدخل في عموم الآية، فالله خالق وما سواه مخلوق.\nقال القاضي عبد الجبار:\nقوله تعالى \" اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ\" يدل على حدوث القرآن، وأنه تعالى خلقه بعموم الآية، ولولا قيام الدلالة على إخراج أفعال العباد منه لوجب دخوله في العموم. (^٣)\nالجواب على هذه الشبهة أن يقال:\nقوله تعالي: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) هذا من العام الذي يراد به الخاص، ونظير ذلك قوه تعالي عن ملكة سبأ (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣»\n (النمل: ٢٣)\nمع أنه لم يدخل في ملكها شيء كثير، مثل ملك سليمان ﵇.\nكذلك قوله \" تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا \"، فهذا العموم ليس على ظاهره، فهي لم تدمر السماوات والأرض.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٩).\n (^٢) نقول:\nهذه الآية مما استدل به القاضي أحمد بن دؤاد علي قوله بخلق القرآن، وهذا من أعاجيب المعتزلة، وذلك أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالي، وإنما يخلقها العباد، فأخرجوها من عموم الآية، وأدخلوا كلام الله في عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة.\n (^٣) المغني (٧/ ٩٤)\nقلت:\nتأمل كيف أخرج القاضي عبد الجبار خلق الله -تعالى- لأفعال العباد من عموم هذه الآية، رغم أن أدلة الكتاب والسنة والإجماع على خلاف ذلك، ثم تراه يدخل في عمومها خلق القرآن، رغم أن أدلة الكتاب والسنة والإجماع على خلاف ذلك.\nعجيب والله أمر الهوى إذا ما تلاعب باعتقاد المرء، فعندها لا نملك إلا أن نحمد الله - تعالى - على سلامة العقل، والعافية في الدين.","vol":"1","page":433},{"text":"وعليه نقول: أن قوله تعالى (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) إنما يتوجه لكل ما هو قابل لأن يكون مخلوقًا، والقرآن الذي هو كلام الله صفة من صفات الله ﷿ ليس مخلوقًا، لأن الله -﷿- لم يزل ولا يزال متصفًا بصفاته الحسني.\n*وكذلك يقال:\nأن عموم هذه الآية لا يتناول القرآن؛ لأنه بهذه الآية التي هي من القرآن قد حصل الإعلام بكونه خالقًا لكل شيء، وما حصل به الإعلام لم يكن داخلًا تحت الخبر، ولو أن شخصًا قال: لا أتكلم اليوم كلامًا، إلا كان كذبًا، لم يدخل إخباره تحت ما أخبر به.\nوهذا نفسه مذكور في القرآن في قوله تعالي في قصة مريم ﵍\n (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦» (مريم: ٢٦)\nبه حصل الإخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلًا تحت الخبر، وإلا كان قولها هذا مخالفًا لنذرها. (^١)\n*وكذلك يقال:\nأرأيتم قوله تعالى (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ) فقد أخبر الله -تعالى- عن نفسه أنه شيء، فهل ترونه -تعالى- داخلًا في عموم قوله (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، فجوابكم سيكون بالنفي؛ لأنه سبحانه هو الخالق، نقول:\nفكذلك قولوا في صفاته -ومنها الكلام- أنها غير مخلوقة، فالكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات.\n٢ - الشبهة الثانية:\nقوله تعالى ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] والذكر هاهنا هو القرآن، وقد وصفه بالحدوث، والحادث لا يكون إلا مخلوقًا!!! (^٢)\n_________\n(^١) وانظر بدائع الفوائد (٤/ ٢١٨).\n (^٢) وهذه الآية مما عورض بها الإمام أحمد﵀- في إحدى مناظرات خلق القرآن، وكان ذلك في حضرة المعتصم.\n*وقد أجيب عن ذلك بأن الذكر ليس هو القرآن، بل هو الرسل بدليل قوله تعالى\n (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ) [الطلاق: ١٠، ١١]\nوانظر سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٤٥) والإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية (ص/٤٣٥)\nوالراجح -والله أعلم- أن الذكر المقصود في الآية هو القرآن، والرد ما ذكرناه أعلاه.","vol":"1","page":434},{"text":"قال القاضي عبد الجبار:\nقوله تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) (الزمر: ٢٣)، وقوله تعالى (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) (الأعراف: ١٨٥)، فلا يجوز أن يوصف بذلك إلا وهو محدث. (^١)\n*وجواب ذلك:\nأننا لا بد أن نفرق بين أصل صفة الكلام وبين آحاده، فالله﷿- متصف بصفة الكلام من الأزل، فهي صفة ذات له ﷿، لم يزل - سبحانه - ولا يزال متكلمًا.\nوأما آحاد الكلام - والذى منه القرآن - فهو بعض كلام الله - ﷿- تكلم به متى شاء، وعليه فصفة الكلام قديمة الجنس، حادثة الآحاد.\nفقوله تعالى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ)\nفالحداثة إنما هي وصف لآحاد الكلام، وليس لأصل الصفة، فتنبَّه.\nقال ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -:\n\" يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه -ﷺ- أحدث الأخبار بالله \". (^٢)\nقال الذهبي:\nقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتيهم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبّهم مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتمعُوْهُ وَهُمْ يَلعبُوْنَ﴾\nعنى بحدوثه هو إنزاله إلى الأمة على لسان نبيها ﷺ. (^٣)\n٣ - الشبهة الثالثة:\n- قوله تعالي: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْه «النساء: ١٧١)\nفقالوا: بالإجماع فإن عيسى -﵇- مخلوق، فلمَّا كان عيسى -﵇كلمة الله، دل أن كلام الله مخلوق!!\nوجواب ذلك:\nأن المقصود بقوله تعالي: \"وكلمته\" هو أن عيسى﵇ - إنما خُلق بكلمة الله، وهي قوله تعالي: \"كن\"، فإن عيسى -﵇ - لم يُخلق من أبوين كسائر\n_________\n(^١) المغني (٧/ ٨٩)\n (^٢) أخرجه البخاري (٢٦٨٥)\n (^٣) سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٤٢)","vol":"1","page":435},{"text":"الخلق. وإنما كان بكلمة \"كن \"، وليس هو الكلمة، وإنما أضيف إلى الله على سبيل التشريف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: كن فكان عيسى بكن، وليس عيسى هو الكن، ولكن كان بكن، فالكن من الله قول، وليس الكن من الله مخلوقًا. (^١)\n٤ - الشبهة الرابعة:\nقالوا:\nقال الله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ (الزخرف: ٣)\nوالجعل في اللغة: هو الخلق، بدلالة قوله تعالي (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) (الأنعام: ١) أي خلقها، فالمجعول لا يكون إلا مخلوقًا. (^٢)\n*والرد على هذه الشبهة:\nقد تعددت استعمالات \" الجعل \" في لغة العرب، لذا يقول ابن فارس:\n\" الجيم، والعين، واللام \" كلمات غير منقاسة، لا يشبه بعضها بعضًا. (^٣)\nفنذكر من معاني الجعل ما يلي:\n١ - قد يأتي الجعل بمعنى التسمية والحكم، كما ورد في قوله تعالى (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا (١٩» (الزخرف: ١٩)، وقوله تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) (الأنعام: ١٠٠)\n٢ - وقد يأتي الجعل بمعني الخلق، كما في قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وقوله تعالى (الْحَمْدُ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤١٨)\nوالمتأمل في هذه الآية يدرك كم تجارت الأهواء بأهلها، فبهذه الآية يستدل النصاري على أن عيسى -﵇- من الله؛ لأنه كلمة الله التي هي صفته، وبهذه الآية يستدل الخلقية على أن كلام الله مخلوق؛ لأن عيسى كلمة الله وعيسى مخلوق، وأما أهل الحق فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.\n (^٢) وهذه من الشبهات التى استدل بها القاضي عبد الجبار في \"المغني\" (٧/ ٨٩)\n (^٣) مقاييس اللغة (١/ ٤٦٠)","vol":"1","page":436},{"text":"لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) (الأنعام: ١).\n٣ - وقد يأتي الجعل بمعنى التصيير والتقدير، كما في قوله تعالى ﴿فجعلهم جذاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]، وقوله تعالى ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥]، وقول إبراهيم ﵇ (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ) (إبراهيم: ٤٠)\nفقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾ إنما يُحمل على المعنى الثالث، فالله -﷿ - قدَّره وصيَّره كلامًا عربيًا لنزوله على العرب، مصداقًا لقوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم: ٤)\n*فإن قيل:\nولم حملتم قوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾ على المعنى الثالث دون الثاني؟\n*فالجواب من وجوه:\n١ - الأول:\nما دل عليه الكتاب والسنة وإجماعات أهل السنة أن القرآن كلام الله غير مخلوق.\n٢ - الثاني:\nأنَّ \"جعل\" إذا تعدت إلى مفعول واحد كانت بمعنى \" خلق \"، وأما إذا تعدت إلى مفعولين لم تكن بمعنى خلق، بل كانت بمعني التقديروالتتصيير، مما يبطل دعوى الاستدلال بقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾ أن القرآن مخلوق.\n*وما أجمل ما قاله الآلوسي في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾:\nوالجعل هنا بمعني التصيير، لا بمعنى الخلق المعدَّى لواحد، لأن ذلك يأباه ذوق المقام؛ لأن الكلام لم يسق لتأكيد كونه مخلوقًا، وما كان إنكارهم متوجهًا عليه، بل هو مسوق لإثبات كونه قرآنًا عربيًا، لا يعسر عليهم فهم معانيه. (^١)\n-هذا وقد ذكر علماء التفسير كالطبري والقرطبي وابن كثير في تفسير قوله تعالي \"إنا جعلناه\".\n_________\n(^١) روح المعاني (١٣/ ٦).","vol":"1","page":437},{"text":"قالوا: أنزلناه، وقيل سمَّيناه، وقيل: وصفناه.\n٥ - الشبهة الخامسة:\n٤ - عن أبي أُمامة﵁- أن النبي -ﷺ - قال:\nالبقرة وآل عمران تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا \". (^١)\nفقالوا: فما كان غمامة أو غياية فلابد أن يكون مخلوقًا.\nوكذلك فمما احتج به الجهمية علي الإمام أحمد في قولهم بخلق القرآن: حديث النبي ﷺ:\n\" إِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِب \". (^٢)\nفقالوا: فما كان يأتي ويجئ فلابد أن يكون مخلوقًا.\n*والرد على هذه الشبهة:\nنقول: أما قولهم أن مجيء سور القرآن يدل علي أنه مخلوق!!\nفالجواب عليه من وجوه:\n١ - قد ثبت بالكتاب والسنة أن الله -﷿- يجئ ويأتي، فهل يقول أحد بأن الله مخلوق؟! (^٣)\nفعلي فرض أن الذي يأتي هو القرآن نفسه، فليس في مجيئه دلالة على أنه مخلوق.\n٢ - ثم نقول أن الذي يأتي هو ثواب قراءة القرآن، وثواب قراءة القرآن مخلوق\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨٠٤) وأحمد (٢٢٢٦٧) =\n=وكان إسماعيل بن عليَّه ممن يذكر هذا الحديث في القول بخلق القرآن ويقول: \" يحاجان بلسان \"، كما ذكر ذلك الذهبي في السير (٩/ ١١١)، ولكنه تاب ورجع عن قوله بخلق القرآن، وقال: ليس من الله شيء مخلوق، كما ذكر ذلك الذهبي في ميزان الاعتدال (١/ ٢٢٠) واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٤٣٥)، وانظر \"الآثار الواردة عن السلفلافي العقيدة\" (١/ ٢٩٦)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٥٠)، وانظر الصحيحة (٢٨٢٩)\n (^٣) وهذا مما أجاب به أحمد علي الجهمية في استدلالهم بهذا الحديث على خلق القرآن، وانظر مجموع الفتاوي لابن تيمية (٥/ ٣٩٨)","vol":"1","page":438},{"text":"باتفاق أئمة الإسلام. (^١)\nفإن قلتم: ظاهر الأحاديث هو مجيء البقرة وآل عمران، فلما تؤلون المجيء بأنه مجيء الثواب؟؟\nفجوابه:\nالعجيب في أمركم أنكم -أي المعتزلة القائلون بخلق القرآن- قد أقررتم تأويلكم بأن مجيء الله -﷿- هو مجيء أمره، رغم أنه تأويل بلا قرينة، ثم تنكرون تأويل مجيء البقرة وآل عمران بأنه مجيء الثواب، وهو تأويل صحيح قد دلت القرائن من الكتاب والسنة والإجماع. (^٢)\n٦ - الشبهة السادسة:\nقولهم: قال تعالي: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).\nوصف القرآن بأنه منزل يدل على أنه مخلوق، كما في قوله عن إنزال المطر والحديد والأنعام!!\nجوابه:\nأما الآيات التي ذكرت إنزال القرآن فهو إنزال مقيد؛ حيث ذكرت أنه إنزال من الله -﷿كما في قوله تعالي: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ)\nوهذا بخلاف الإنزال المطلق كما في قوله: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)\nونزيد على ذلك:\nأن المنزل إما أن يكون عينًا قائمة بنفسها، وعندها يكون مخلوقًا، لأنه بائن من الله ﷿.\nوإما أن يكون وصفًا لا يقوم إلا بغيره، وحينئذ يجب أن يكون من صفات الله،\n_________\n(^١) انظر المصدر السابق (٥/ ٣٩٩)\n (^٢) وعلى هذا فمثل تفسير المعتزلة لأحاديث الصفات إنما هو من التأويل الباطل، وذلك لأنهم صرفوا الألفاظ عن ظاهرها بلا قرينة، أما فعل السلف فهو التأويل الصحيح لأنهم يصرفون اللفظ عن ظاهره بالقرائن، لذا فلقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ دقيقًا في قوله:\nنؤمن بكل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله -ﷺ - من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل.\nولم يقل بلا تأويل؛ وذلك لأن التأويل يكون سائغًا إذا كان بالقرائن المحتفة، أما التأويل بلا قرينة فهو في حقيقته تحريف، وهو طريقة المتكلمين فقد نقل ابن القيم إجماع غير واحد من السلف على بطلانه.","vol":"1","page":439},{"text":"والكلام وصف لا يقوم إلا بغيره، فإذا أضاف الله الكلام إلى نفسه فهو صفة من صفاته، أما أن الحديد فلا يكون صفة لله، فهذا غير معقول وكذا الماء النازل والأنعام، فهذه كلها أعيان قائمة بنفسها. (^١)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) وانظر شرح العقيدة السفارينية لابن العثيمين (ص/١٨٧).","vol":"1","page":440},{"text":"الحديث الرابع عشر: حصد الفكر: شرح حديث كل مولود يولد على الفطرة","vol":"1","page":441},{"text":"نص حديث الباب:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n... «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟» ثُمَّ يَقُولُ:\nأَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -:\nوَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] الْآيَةَ.\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (١٣٥٨) بَابُ: إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلَامُ، ومسلم (٢٦٥٨) بَابُ: مَعْنَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَحُكْمِ مَوْتِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ.\nفي هذا الحديث يذكر الرسول -ﷺ - ميثاقًا من المواثيق الذي أخذها الله -عزوجل-علي عباده، وهو ميثاق الفطرة؛ وذلك في قوله -ﷺ-: \" مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ \"\n\nوميثاق الفطرة أحد<span data-type=\"title\" id=toc-108> المواثيق الأربعة التي أخذها الله -تعالى- علي عباده</span>.\n*وهنا نذكر هذه المواثيق بشئ من الإيجاز:\n١ - الميثاق الأول \" ميثاق الذر\":\nودليل هذا الميثاق ما قد ورد في قوله تعالى:\n﴾ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴿(الأعراف/١٧٢)\nفهذا الميثاق قد أخذه الله -عزوجل-على عباده وهم في ظهر آدم -﵇-، أخرجهم جميعًا وكلَّمهم وسألهم فأجابوا:﴾ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴿","vol":"1","page":443},{"text":"قال ابن رجب:\nوقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في تفسير الآية أنه تعالى استنطقهم حينئذ، فأقرُّوا كلهم بوحدانيته، وأشهدهم على أنفسهم، وأشهد عليهم أباهم آدم والملائكة. (^١)\nقال ابن الأنبارى:\nمذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن الله -تعالى- أخرج ذرية آدم - ﵇- من صلبه وأصلاب أولاده وهم في صور الذر، فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون فاعترفوا بذلك وقبلوا ذلك. (^٢)\n*وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\nأَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ ذُرِّيَّةً ذَرَاهَا فَنَثَرَهُمْ نَثْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ، فَقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟\nقَالُوا: بَلَى، شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ، وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ \". (^٣)\n*يؤيده:\nما رواه أَنَسُ بْن مَالِكٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- أنه قَالَ:\nيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ:\nأَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي \". (^٤)\n_________\n(^١) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص/١٣)\n (^٢) الروح لابن القيم (ص/١٦٣)\n (^٣) أخرجه أحمد (٢٤٥٥) والنسائي (١١١٩) والحاكم (٧٥)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر. ووافقه الذهبي.\nوكلثوم هذا قد وثقه أحمد وابن معين، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ.\n*تنبيه:\nمن العلماء من روى أثر ابن عباس -﵁- موقوفًا، وأعل به المرفوع، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.\n، والحديث قد ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣١٠)، وتكلم في تعليله، وجعل كثرة رواة وقفه علة في رد رواية من رفعه.\nوصحح الشيخ أحمد شاكر إسناده مرفوعًا، ثم قال في تحقيقه للمسند (٣/ ١١٨):\n\" وكأن ابن كثير يريد تعليل المرفوع بالموقوف! وما هذه بعلة، والرفع زيادة من ثقة، فهي مقبولة صحيحة\".\n، ورجَّح الألباني وقفه، ونص أن هذا مما لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع.\nوانظر صَحِيح الْجَامِع (١٧٠١) والسلسلة الصحيحة (١٦٢٣)\n (^٤) متفق عليه.","vol":"1","page":444},{"text":"قال القاضي عياض:\nقوله ﷺ (وأنت في صلب آدم): يشير بذلك إلى قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم.....) الآية، فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم. (^١)\n* تنبيه مهم:\nقد حمل ابن كثيرقوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ....)\nعلى أنه ميثاق الفطرة الوارد في حديث (كلُ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ....)،\nوتكلم في تعليل الحديث المرفوع الوارد في هذه المسألة، وجعل كثرة رواة وقفه علة في رد رواية من رفعه.\nوممن قال بأن المراد بميثاق الذر ليس هو الاستخراج والاستنطاق، وإنما هو نفسه ميثاق الفطرة:\nحمَّاد بن سلمة والحسن البصري وابن بطة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. (^٢)\n*والصحيح -والله أعلم - هو القول الأول، أن المراد بميثاق الذر هو ما ورد في حديث ابن عباس من الاستخراج والاستنطاق.\nولا شك أن الرفع الوراد في حديث ابن عباس - ﵄- هى زيادة من ثقة، فهي مقبولة صحيحة.\nوقد ورد مرفوعًا كذلك عن:\nابن عمر وأبي هريرة وأنس ﵃. ولو سلمنا بوقفه فإن له حكم الرفع؛ وذلك لأنه حكم غيبي لا يعرف إلا بوحي.\n*تنبيه مهم:\nيجب ملاحظة أن شيخ الإسلام ومن وافقه من الأئمة لا ينفون إخراج ذرية آدم من صلبه وتمييزهم إلى فريقين، لثبوت الأحاديث المرفوعة فيه، وإنما الذي ينفونه هو أخذ العهد والميثاق عليهم حينئذ؛ وذلك لعدم صحة الأحاديث المرفوعة في ذلك عندهم.\nفهم يدورون مع النص حيت دار، ويقفون معه حيث وقف.\n_________\n(^١) انظر إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٣٣٧) وفتح الباري (١١/ ٥٦٢)\n (^٢) وانظر لذلك:\nتفسير القرآن العظيم (٣/ ٣١٠) ودرء التعارض (٨/ ٤٤٧) والروح (ص/١٦١) والإبانه الكبرى (٤/ ٧٠) وشرح مشكل الأثار (١٠/ ٣٢)","vol":"1","page":445},{"text":"وبها يعلم الفرق بين قول هؤلاء الأئمة المحققين من أئمة أهل السنة في هذه المسألة، وبين قول المعتزلة فيها، فإن المعتزلة يقولون أنه لم يكن هناك إخراجٌ من صلب آدم في عالم الذر أصلًا، ناهيك عن الاستشهاد وأخذ الميثاق، وذلك لأن أحاديث الإخراج فيها إثبات القدر، فهم يردُّون جميع الأحاديث الواردة في الباب، والتي فيها إثبات القدر السابق بتمييز الناس إلى فريقين:\nأهل سعادة وأهل شقاوة، وما ذلك إلا موافقة للهوى.\n٢ - الميثاق الثاني \"ميثاق الفطرة\":\nومن أدلة هذا الميثاق: قوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم/٣٠)\nوفي الحديث القدسي:\nعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- قال:\nقال الله تعالى \" إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا.. \" (^١)\n* ومن السنة حديث الباب:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟، ثُمَّ يَقُولُ:\nأَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -:\nوَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾. (^٢)\nوقوله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة): هذا نص في العموم، فيشمل كل من وُلد من أبوَين، مسلمَين كانا أوغير مسلمَين.\nفإذا سألت: ما المراد بالفطرة في قوله ﷺ: \" مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ.. \"؟؟\nفالجواب:\nالراجح- والله أعلم -أن المراد بالفطرة هنا هو ملة الإسلام، ويؤيد هذا وجوه:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)\n (^٢) سبق تخريجه تقريبًا.","vol":"1","page":446},{"text":"١ - الأول:\nأن خير ما يُفسر به الحديث هو ما يرد في سياقه ومجموع مروياته:\nأ- وأما سياقه:\nفقوله ﷺ: \" مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، .... \"\nفلما ذكر التهويد والتنصير والتمجيس في مقابل الفطرة، دل ذلك على أن المراد بالفطرة هي الإسلام.\nب- وأما مجموع مروياته:\nفقد ورد في رواية مسلم مرفوعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ:\n «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ». (^١)\nفدل ذلك على أن المراد بالفطرة هى دين الإسلام. (^٢)\n٢ - الثاني:\nلو لم تكن الفطرة هي الإسلام لما سأل الصحابة - ﵃- عقب ذلك عمَّن يموت من أطفال المشركين، لأنهم عرفوا أن الكبار منهم قد تغيرت فطرهم فلا إشكال فيه، فأشكل عليهم الصغار الذين ما زالوا على الفطرة هل لهم حكم أبويهم، أم يحكم لهم بالإسلام بناءً على فطرتهم؟\n٢ - الثالث:\nقوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)\nحيث جعلت الآية الفطرة بدلًا عن الدين، وهذا من بدل المطابقة، فدل ذلك على أن المراد بالفطرة التى فطر الله -تعالى - الناس عليها إنما هى دين الله عزوجل.\nفإن الله -﵎- خلق العبد مجبولًا بفطرته على معرفة الله وتوحيده، فالمرء يُولد على محبَّته لفاطره، وإقراره له بالربوبية، يُولد مجبولًا على الفطرة السليمة، التى هي دين الإسلام.\nقال البخاري: بَابُ ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أي: لِدِينِ اللَّهِ، وَالفِطْرَةُ الإِسْلَامُ، ثم ذكر حديث الباب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٥٨)\n (^٢) وهذا اختيار أبي هريرة -﵁- ومجاهد وسعيد بن جبير والزهري وعكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة وابن القيم.\nوانظرالتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ٢٤٤) ودرء تعارض العقل والنقل (٤/ ٣٩٤)","vol":"1","page":447},{"text":"٤ - الرابع:\nما ورد من حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- قَالَ:\nقال الله تعالى: \" إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، .. \"، (^١) وفي رواية \"حنفاء مسلمين \"، وهذا الحديث نص في موضع النزاع.\n٥ - الخامس:\nعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ﵁- قَالَ:\nأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَغَزَوْتُ مَعَهُ فَأَصَبْتُ ظَهْرًا، فَقَتَلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ حَتَّى قَتَلُوا الْوِلْدَانَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ:\n\" مَا بَالُ أَقْوَامٍ جَاوَزَهُمُ الْقَتْلُ الْيَوْمَ حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ \" فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمْ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ:\n\" أَلَا إِنَّ خِيَارَكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ \"، ثُمَّ قالَ:\n\" أَلَا لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً، أَلَا لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً \" قَالَ: \" كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا وَيُنَصِّرَانِهَا \". (^٢)\nلو لم تكن الفطرة هي الإسلام لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده ﷺ من نهية لهم عن قتل أولاد المشركين.\nوكذلك فقوله: \" حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا، .. \":\nفجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز، فحينئذ يثبت له أحد الأمرين، ولو كان كافرًا في الباطن بكفر الأبوين، لكان ذلك من حين يولد، قبل أن يعرب عنه لسانه. (^٣)\n* أقوال العلماء في ذلك:\nقال ابن حجر:\nوأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام، وقال ابن عبد البر وهو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الإسلام، وقد قال أحمد من مات أبواه وهما كافران حكم بإسلامه، واستدل بحديث الباب،\nفدل على أنه فسر الفطرة بالإسلام. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)\n (^٢) أخرجه أحمد (١٥٥٨٩) وانظر السلسلة الصحيحة (٤٠٢)\n (^٣): درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٣٢ - ٤٦٢)\n (^٤) فتح الباري (٣/ ٣٥٨)","vol":"1","page":448},{"text":"وقد سئل أحمد عن: الفطرة الأولى التي فطر اللَّه ﷿ عليها، هي الدين؟\nقال: نعم. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالصواب أنها فطرة الله -تعالى- التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها. (^٢)\nقال ابن القيم:\nقراءة قوله تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عقب الحديث صريح في أن المراد بها فطرة الإسلام؛ ولأن تشبيه المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء وهي الكاملة الخلق ثم تشبيهه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جدعها أهلها فقطعوا أذنها دليل على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة.\nوما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة، ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقة معرفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام. (^٣)\n*فإن قيل:\nلو فسرنا الفطرة على أنها الإسلام يلزم من ذلك أنه لو مات يُصلى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين!!\nفنقول: هناك فرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، لأنه لو مات دون البلوغ فأحكامه في الدنيا تابعة لأبويه، فلا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولو قتله مسلم في الجهاد لا دية له... وهكذا.\nقال ابن حجر:\nوتفسير الفطرة بالإسلام تعقبه بعضهم بأنه كان يلزم أن لا يصح استرقافه ولا يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه والحق أن الحديث سيق لبيان ما هو في نفس الأمر لا لبيان الأحكام\nفي الدنيا. (^٤)\nوسيأتى مزيد تفصيل لهذه المسألة عند توجيه حديث النبيﷺ- عن أطفال\n_________\n(^١) أحكام أهل الملل (١/ ٧٨ - ٧٩)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٥)\n (^٣) انظر تعقيبات ابن القيم على سنن أبي داود (٨/ ٩٥)\n (^٤) فتح الباري (٣/ ٣٥٨)","vol":"1","page":449},{"text":"المشركين: \"هم مع آبائهم \".\n٣ - الميثاق الثالث \"ميثاق الرُسل\":\nودليله من الكتاب:\nقوله تعالى (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء/١٦٥)\nوقال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) (القصص: ٥٩).\nقال ابن القيم:\nوكذلك قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء/١٥)\n ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]\n* ومن السنة:\nعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍرضي الله عنه- أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ - قَالَ:\nأَرْبَعَةٌ يحتجون يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ..... وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، يَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ:\nفَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا. (^١)\nفلأن الله -﵎- يحب الإعذار، لذا فما اكتفى بالميثاق الأول والثاني، بل قد أكد ذلك بميثاق الرسل، بل وجعله هو الحجة التي ينبنى عليه الثواب والعقاب والمسآلة يوم القيامة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٣٠١) وابن حبان (٧٣٥٧) وابن أبي عاصم في \" السنة \" (٣٥٥).\nقال ابن القيم:\nطرق هذا الحديث قد تضافرت، وكثرت بحيث يشد بعضها بعضا، فيبعد كل البعد أن تكون باطلة على رسول الله - ﷺ - لم يتكلم بها، وقد رواها أئمة الإسلام ودونوها، ولم يطعنوا فيها.\nوقد صحح الحفاظ بعضها، كما صحح البيهقي وعبد الحق وغيرهما حديث الأسود بن سريع، ورواية أبي هريرة إسنادها صحيح متصل.\nوقال ﵀: إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التى يحتج بها فى الأحكام، ولهذا رواه الأئمة، أحمد وإسحق وعلى بن المدينى.\nوانظرأحكام أهل الذمة (٢/ ٤٤٦) وطريق الهجرتين (ص/٤٠٠) والسلسلة الصحيحة (١٤٣٤)","vol":"1","page":450},{"text":"قال ابن القيم:\nفلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطَرَ عبادَه عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يُعذِّب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم. (^١)\n٤ - الميثاق الرابع \" خاص بالنبيين\":\nقال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٨١)\n... عودٌ إلى حديث الباب:\nقوله ﷺ:\n «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، .....\nاستدل بالحديث على إسلام الطفل إذا كان من أبوَين مسلمَين، أو كان أحد أبويه مسلمًا استصحابًا لأصل الفطرة، حيث لم يغيره أبواه، فيصلى عليه إن استهل صارخًا، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء.\nوهنا مسألة مهمة تتعلق ببحثنا هنا وهي:\n*حكم أبناء المشركين:\nوقبل ذكر الخلاف في حكم أطفال المشركين يجب أن ننوِّه على أمرين:\n١ - الأمر الأول:\nأن هذا الخلاف إنما هو في حكم أطفال المشركين، فلا يدخل في هذا الخلاف أطفال المسلمين، لأنهم بالنص والإجماع في الجنة.\nفمن القرآن:\nقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (الطور: ٢١)\nقال ابن عباس ﵄: إن الله - ﵎- يرفع للمؤمن ذريته وإن كانوا\n_________\n(^١) زاد المعاد (٣/ ٥٩٩)","vol":"1","page":451},{"text":"دونه في العمل؛ ليقرَّ الله بهم عينه. (^١)\n* ومن السنة:\n١ - عَنْ أَبِي حَسَّانَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-:\nإِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِيَ ابْنَانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: قَالَ:\nنَعَمْ، «صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ - أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ -، فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ - أَوْ قَالَ بِيَدِهِ -، كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا، فَلَا يَتَنَاهَى -أَوْ قَالَ فَلَا يَنْتَهِي - حَتَّى يُدْخِلَهُ اللهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ». (^٢)\n٢ - أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ، يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». (^٣)\nووجه انتزاع ذلك أن من يكون سببا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يحجب هو لأنه أصل الرحمة وسببها. (^٤)\n* الإجماع:\nوقد نقل الإجماع على ذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية والنووي وغيرهم. (^٥)\nوقد نقل ابن رجب هذا الإجماع عن الإمام أحمد، فى كتابه \"أهوال القبور \" (ص/١٠١)، وفى رواية الميموني عنه: \"لا أحد يشك فى هذا\"\nقال ابن عبدالبر:\nأجمع العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافًا، إلا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة، وهو قول\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (٢٢/ ٤٦٧)، وقال الألبانى: صحيح موقوف، وله حكم الرفع.\nوانظرسلسلة الأحاديث الصجيحة (٢٤٩٠)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٦٣٥)\nوقوله (دعاميص) واحد دُعموص أي صغار أهلها وأصل الدُعموص دوبية تكون في الماء لا تفارقه، أي أن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها.\n (^٣) أخرجه البخاري (١٣٨١) وقد ترجم له: بَابُ مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ المُسْلِمِينَ. فهذا بيان أنه مذهب البخاري في هذه المسألة أنهم في الجنة.\n (^٤) فتح الباري (٣/ ٣٥٢)\n (^٥) المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ١٠٦) وطريق الهجرتين (ص/٤٤٥) وشرح النووي على مسلم (٨/ ٤٦٢) وحاشية البيجوري على الجوهرة (ص/٩٢)","vol":"1","page":452},{"text":"شاذ مهجور مردود بإجماع الجماعة. (^١) - بل قد نقل أبومنصور البغدادي الإجماع على أن الطفل من أبناء المسلمين إذا أظهر كلمة الردة لم يكن مرتدًا، فإن مات على ذلك ورثه المسلمان من أبويه، ودفن في مقابر\nالمسلمين. (^٢)\n* إشكال:\nقد توقّف البعض في حكم أطفال المسلمين لما روت عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ﵂- قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ:\nيَا رَسُولَ اللهِ طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ:\n «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ». (^٣)\nوالجواب عنه:\nأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة. (^٤)\nقلت: ثم هم محجوجون بالإجماع الوارد في المسألة. لذا فقد نص النووي أن التوقف في حكم أطفال المسلمين قول لا يعتد به.\n٢ - الأمر الثاني:\nأن الخلاف في حكم أطفال المشركين إنما هو في حكمهم في الآخرة، أما حكمهم في الدنيا فهم مع آبائهم، كما صح في ذلك الحديث؛ وذلك من حيث القتال والإرث والدفن في مقابر المشركين.\nوالدليل:\nما ورد عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ - قِيلَ لَهُ:\nلَوْ أَنَّ خَيْلًا أَغَارَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: «هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ». (^٥)\n_________\n(^١) وانظر التمهيد (٦/ ٣٦٩) والأجوبة المستوعبة (ص/١٧٨)\n (^٢) وانظرأصول الدين (ص/٢٥٩)\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٦٦٢\n (^٤) شرح النووي على مسلم (٨/ ٤٦٢)\n (^٥) متفق عليه.\nقوله ﷺ: \"هم من آبائهم \":\nأي لا حرج في إصابة أطفال المشركين إذا كانوا مختلطين معهم حال الحرب. ولم يتحقق الوصول إلى قتل الكبار إلا بقتلهم فلا حرج، لأن أحكام آبائهم جارية علي أطفالهم في القتال والميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات.\nوأما النهي عن قتل النساء والصبيان، فالمراد به إذا تميزوا، فلا يجوز قتلهم بطريق القصد إليهم بذلك.\nوانظر شرح النووي لمسلم (٦/ ٢٩٣)","vol":"1","page":453},{"text":"* أما الخلاف في مسألة حكم أطفال المشركين في الآخرة فللناس فيهم عشرة أقوال، نذكر منها ما يلي: (^١)\n١ - القول الأول: أنهم في النار.\n٢ - القول الثانى: التوقف في أمرهم.\n٣ - القول الثالث: أنهم يُختبرون في العرصات.\n٤ - القول الرابع: أنهم من أهل الجنة.\n١ - القول الأول: أنهم في النار:\nوقال به ابن بطة، والأزارقة من الخوارج، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد، واختاره القاضي أبو يعلى، وهو قول لجماعة من المتكلمين وأهل التفسير. (^٢)\nواستدلوا على ذلك بجملة من الأدلة منها ما يلى:\n١ - قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (الطور/٢١)\nووجه الدلالة:\nقياس الشبه؛ فإذا ألحق الله -تعالى-بالذين آمنوا ذريتهم، أُلحق بالكافرين ذريتهم.\n٢ - الحديث الذي ذكرناه قريبًا أن النبي -ﷺ- عندما سُئل عن أبناء المشركين فقال: هم مع آبائهم.\nفدل الحديث أنهم لاحقون بآبائهم، فيعم ذلك أحكام الدارين.\n_________\n(^١) وقد فصَّل هذه المذاهب بأقوالها ابن حجر في الفتح (٣/ ٣٥٧) وابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٥) وابن القيم في أحكام أهل الذمة (٢/ ٤٢٢) وطريق الهجرتين (ص/٤٤٥) والقرطبي في التذكرة (ص/٤٥٠)\n (^٢) وانظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٢) وطريق الهجرتين (ص/ ٤٤٩) والاعتقاد لأبي يعلى (ص/٣٤).","vol":"1","page":454},{"text":"٣ - عَنْ عَائِشَةَ -﵁أَنَّهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ - أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: \" إِنْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ \". (^١)\n٤ - عَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ -﵂النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" هُمَا فِي النَّارِ \". قَالَ: فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ:\n\" لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا \"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَلَدِي مِنْكَ؟ قَالَ: \" فِي الْجَنَّةِ \" قَالَ:\nثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلادَهُمْ فِي النَّارِ \"، ثمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ، أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ (١» [الطور: ٢١]. (^٢)\n٥ - قال البَرَاء بن عازب -﵁-: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ﵇، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ». (^٣)\nفإذا كان أبناء المسلمين في الجنة، فأبناء المشركين مآلهم إلى النار.\n*ومن النظر:\nالحكم بأنهم من أهل الجنة يلزم منه أنهم مؤمنين؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، فإن كانوا مؤمنين للزم أن يُدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين، كذلك يلزم منه أنه إذا\nبلغ الطفل والتزم دين أبيه لكان ذلك ردة وخروجًا عن الإسلام. (^٤)\n٢ - القول الثاني: التوقف في أمرهم:\nفلا يُحكم لهم بجنة ولا بنار، بل نتوقف في أمرهم، يفعل الله -تعالى - بهم ما يشاء، سبحانه لا يُسئل عما يفعل وهم يُسألون، ولأن طريق إثبات مآلهم هو النص، ولا نص في المسألة.\nوممن ذهب إلى هذا حمَّاد بن زيد، وحمَّاد بن سلمة وأبو حنيفة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥٧٤٣) وسيأتي بيان حكمه.\n (^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه (١١٣١) وابن أبي عاصم (ص/٨٨)\n (^٣) أخرجه البخاري (١٣٨٢)\n (^٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٣٨٠)","vol":"1","page":455},{"text":"وأحمد في رواية، وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأبو بكر الأثرم، وقال ابن عبدالبر: وهو مقتضى صنيع مالك. (^١)\n-واستدلوا على ذلك بما يلى:\n١ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَرضي الله عنها- قَالَتْ:\nدُعِيَ رَسُولُ اللهِﷺ- إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ ﷺ:\n «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ». (^٢)\nفقد نهى الرسول - ﷺ - عائشةَ -﵂- عن الحكم لصغار المسلمين بالجنة، فكيف بأطفال المشركين؟!\n٢ - ما رواه أبوهريرة -﵁ - أنه قال: قال النبي - ﷺ -:\n\"ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه\"\nووجه الدلالة في هذا الحديث أنه دل على أن المولود يولد على الفطرة، وما دام أنه يولد على الفطرة فلا يُدرى ماذا سيعمل إذا بلغ، لذا يوكَل أمره إلى الله.\n٣ - وكذلك استدلوا بما صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ:\nسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺعَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيرًا، فَقَالَ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» (^٣).\nقال ابن قتيبة:\nقوله ﷺ: \"الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين\" المعنى: لو أبقاهم. يريد: فلا تحكموا عليهم بكفر آبائهم إذا لم يبلغوا فيكفروا، ولا تحكموا عليهم بميثاق الفطرة التي ولدوا عليها، لأنهم لم يبلغوا فيؤمنوا. (^٤)\n٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَأَنَا أَقُولُ:\nأَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ\n_________\n(^١) وانظر فتح الباري (٣/ ٣٥٥) والاستذكار (٣/ ١٠٨)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٢) وأحمد (٢٤١٣٢)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ٣٦٦)","vol":"1","page":456},{"text":"الْمُسْلِمِينَ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى حَدَّثَنِي فُلَانٌ، عَنْ فُلَانٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، سُئِلَ عَنْهُمْ، فَقَالَ:\n\" اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ \"، قَالَ: فَلَقِيتُ الرَّجُلَ فَأَخْبَرَنِي، فَأَمْسَكْتُ عَنْ قَوْلِي. (^١)\n٣ - القول الثالث: إنهم يمتحنون في عرصات القيامة:\nوذلك بأن يُرسَل إليهم رسول؛ فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ﵁- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحْسِبُهُ قَالَ:\n\" يُؤْتَى بِالْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمَوْلُودِ، فَيَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ: لَمْ يَأْتِنِي كِتَابٌ وَلا رَسُولٌ، وَيَقُولُ الْمَعْتُوهُ: أَيْ رَبِّ لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَعْقِلُ بِهِ خَيْرًا وَلا شَرًّا، وَيَقُولُ الْمَوْلُودُ: لَمْ أُدْرِكِ الْعَمَلَ، قَالَ: فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ، فَيُقَالُ لَهُمْ: رِدُوَها، أَوْ قَالَ: ادْخُلُوهَا، فَيَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا، إِنْ لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ \".\nقَالَ: \" وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا إِنْ لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ، فَيَقُولُ ﵎: إِيَّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلِي بِالْغَيْبِ \". \". (^٢)\nوممّن قال بهذا القول واختاره: شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والبيهقي.\nواستدلوا على ذلك ببعض الروايات التى ورد فيها اختبار المولود فى العرصات. (^٣)\nوقال ابن القيم: فعلم أن الذى تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأْتلف به النصوص، ومقتضى الحكمة هذا القول، والله أعلم. (^٤)\n٤ - القول الرابع: أنهم من أهل الجنة:\nوقال به البخاري والنووي وابن الجوزي وابن حزم وابن حجروالقرطبي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٦٩٧) وابن أبي عاصم (ح/٢١٤) وصححه الألبانى فى ظلال الجنة (ص/٩٠)\n (^٢) أخرجه البزار (٢١٧٦) وأبو يعلى (٤٢٢٤)\n (^٣) انظر مجموع الفتاوي (٢٤/ ٣٧٢) وطريق الهجرتين (ص/٤٥٨) والاعتقاد للبيهقي (ص/ ١٧٥).\n (^٤) انظرطريق الهجرتين (ص/٤٦٤) والرسالة الواضحة (ص/٩٥٩)","vol":"1","page":457},{"text":"والسخاوي، والجبائي من المعتزلة. (^١)\nوهذا هو الراجح والله أعلم.\nومما يدل على هذا القول:\n١ - قوله تعالى (وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَني آدَمَ مِن ظُهورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وَأَشهَدَهُم عَلى أَنفُسِهِم أَلَستُ بِرَبِّكُم قالوا بَلى شَهِدنا)\nفمن هؤلاء أطفال المشركين قد ماتوا على الميثاق الأول وشهدوا بربوبية الله تعالى، فهم على أصل فطرتهم السليمة.\nوكذلك قوله تعالى: \" وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولًا\"\nووجه الدلالة:\nهو قياس الأولى؛ فإذا كان الله -عزوجل- لا يعذِّب من بلغ ما لم يأته رسول حتى يُختبر يوم القيامة، فكيف يعذِّب الطفل الذي مات على أصل الفطرة السليمة.\n٢ - عمومات الآيات القرآنية التى أفادت بالقطع أن العذاب لا يكون إلا لمن أساء وظلم، كقوله تعالى ﴿لا يَصْلاهاَ إِلا الأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]، وقوله - تعالى- لإبليس: ﴿لأَملأَنَ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٨٥]، وكقوله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]\n*ومن السنة:\n١ - عن أبي هريرة -﵁قال: سئل رسول الله - ﷺعن أطفال المشركين من يموت منهم صغيرًا، فقال ﷺ:\n\"الله أعلم بما كانوا عاملين\" (^٢).\n*وجه الدلالة من هذا الحديث:\nقوله \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" هذا يعني إذا بلغوا وصاروا مكلفين، أما إذا لم يبلغوا فهم ليسوا بمكلفين فهم في الجنة. (^٣)\n٢ - عن سَمُرَة بْن جُنْدُبٍ -﵁- قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وقَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، ....\nفَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ، فِيهَا مِنْ\n_________\n(^١) وانظر الفصل في الملل والنحل (٣/ ٣٨٨) وشرح النووي على مسلم (٨/ ٤٥٨) والأجوبة المرضية (٢/ ٤٤٨) والتذكرة (ص/٤٥٢) وشرح الأصول الخمسة (ص/ ٤٧٧)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أهل الفترة ومن في حكمهم (ص/٩٠)","vol":"1","page":458},{"text":"كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ \" قَالَ: \" قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ؟ قالا:\nوَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ \" قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ؟\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ \". (^١)\nوفيه أن الرسول - ﷺ - ألحق أولاد المشركين بأولاد المسلمين في حكم الآخرة.\nقال ابن الوزير:\nوهذا نص في موضع النزاع من أصح كتب الإسلام عند أئمة الحديث، وأما كونه رؤيا فلا يضر لوجهين:\nأحدهما:\nأن رؤيا الأنبياء -﵈ - وحي وحق؛ ولذلك عزم الخليل -﵇على ذبح ولده بسببها، وهذا إجماع.\nوثانيهما:\nأن هذا السؤال عن أولاد المشركين، وجوابه كان في اليقظة، لا في الرؤيا. (^٢)\n٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ يَكْفُلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ فِي الْجَنَّةِ» (^٣)\n٤ - عموم قوله ﷺ: \" الْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ \". (^٤)\n* يؤيده:\nعموم الأدلة التى أشارت إلى طهارة الفطرة البشرية قبل أن تلوث بالتهوُّد أو التنصُّر، كما في قول النبي- اللهِ -ﷺ- قال:\nقال الله (إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، .......) وقوله -ﷺ - في حديث الباب: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ...)\n*ومن النظر:\nوأيضا فلو عذَّب الأطفال لكان تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان، أو بدون\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٨٦) وقد ترجم له البخاري بقوله: \" بَابُ مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ \".\n (^٢) إيثار الحق على الخلق (ص/٣٤٠)\n (^٣) أخرجه أحمد (٨٣٢٤) وابن حبان (٧٤٤٦) والحاكم (٣٣٩٩) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n (^٤) أخرجه أبوداود (٢٥١٨) وأحمد (٢٢٩٦٥) وحسَّنه الحافظ في الفتح (٣/ ٢٤٦)","vol":"1","page":459},{"text":"التكليف، والقسمان ممتنعان:\nأما الأول: فلاستحالة تكليف من لا تمييز له، ولا عقل أصلًا.\nوأما الثاني: فممتنع أيضا بالنصوص التي ذكرناها، وأمثالها من أن الله -تعالى - لا يعذِّب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه.\nقالوا: وأيضا، فتعذيبهم إما أن يكون لعدم وقوع الإيمان منهم، وإما لوجود الكفر منهم، والقسمان باطلان:\nأما الثاني: فظاهر؛ لأن من لا عقل له ولا تمييز لا يعرف الكفر حتى يختاره.\nوأما الأول: فلو عُذِّبوا لعدم وجود الإيمان الفعلي منهم لاشتركوا هم وأطفال المسلمين في ذلك، لاشتراكهم في سببه. (^١)\n*أضف إلى ذلك أن:\nالجنة دار فضل والنار دار عدل، فالجنة يُدخلها الله من يشاء من عباده، أما النار فلا يدخلها إلا من أساء وظلم وأشرك وعصى.\nففارق بين النار التى تقول هل من مزيد، فيضع رجله فتقول قط قط، وبين الجنة التى يُنشئ الله -عزوجل - لها خلقًا آخر لم يعملوا خيرًا قط.\nفإذا كان الله يُنشئ للجنة خلقًا آخر يدخلهم إياها بلا عمل، فالأطفال الذين ولدوا في الدنيا أولى بها.\nفالله -تعالى- وسعت رحمته كل شيء، وقد سبقت رحمته غضبه، ومن فضله أن يُدخل أبناء المشركين الجنة، وإن لم يقدِّموا خيرًا؛ وذلك لبقاءهم على أصل فطرتهم السليمة.\n*والراجح -والله أعلم- في هذه المسألة هو القول الرابع لما ذكرنا من أدلة.\n.\n* ولكن يبقى لنا الرد على المخالف:\nأما أصحاب القول أن أطفال المشركين في النار، فقد استدلوا بما يلى:\n١ - قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)\nحيث\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة (٢/ ٤٣٥)","vol":"1","page":460},{"text":"أعملوا في الآية قياس الشبه، كما سبق بيانه.\nوالجواب هنا أنه لا قياس في مقابلة النصوص التى أفادت أن أطفال المشركين في الجنة.\n٢ - وأما حديث النبي -ﷺ- عندما سُئل عن أبناء المشركين فقال:\n\"هم مع آبائهم \".\nفالاستدلال بهذا الحديث مما يقال فيه \" الدليل أخص من الدعوى \"؛ فقوله ﷺ \"هم مع آبائهم \": إنما يخص أحكام الدنيا، ومما يؤيد ذلك:\nأ) سياق الحديث:\nفقد ورد في حكم خاص، حيث سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺعَنِ الذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؟ يُبَيَّتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ \"، فَقَالَ:\n «هُمْ مِنْهُمْ»، والسياق من المقيدات والمرجحات، فتأويل هذا الحديث:\nأي لا بأس بقتل أطفال المشركين إذا وقع ذلك وفاقًا لا قصدًا؛ لأن أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات، وغير ذلك من أحكام الدنيا.\nب) الإجماع الذي نقله ابن بطة وابن عبدالبر على أن تأويل قوله ﷺ:\n\"هم مع آبائهم \": إنما ورد في أحكام الجهاد، وذلك إذا ما أصيب أطفال المشركين في التبييت والغارة. (^١)\nقال ابن القيم: قال شيخنا:\nفإذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة. (^٢)\nقال حنبل: قال أبو عبد اللَّه: إذا أسلم أبواه ثم مات وهو صغير صُلي عليه ودُفن في مقابر المسلمين، وإن مات وهما مشركان كان تبعًا لهما. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر الإبانة الكبرى (٤/ ٨٢) والإستذكار (٣/ ١١١) وأحاديث يوهم ظاهرها التعارض (ص/٥٩٩)\n (^٢) أحكام أهل الذمة (٢/ ٤٠٥)\n (^٣) أحكام أهل الملل للخلال (١/ ٧٩)","vol":"1","page":461},{"text":"٣ - وأما ما يُذكر عن النبي -ﷺ - أنه سئل عن أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ:\n (إِنْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ)، فهذا مما لا يصح سنده. (^١)\n٤ - وأما ما يُروى عن النبي ﷺ:\n\" إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلادَهُمْ فِي النَّارِ \"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ، أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ)، فهذا مما لا يصح له إسناد. (^٢)\nمع ما فيه من النكارة؛ ووجه ذلك أنه يخالف النصوص الصريحة الصحيحة التى دلت على أن أطفال المشركين في الجنة.\n٥ - وأما استدلالهم بحديث إِبْرَاهِيم ابن النبي ﷺ:\n... «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ». (^٣)\nفسبق الجواب على مثله عند الرد على استدلالهم بالآية الأولى.\n*وأما استدلالهم من النظر بقولهم:\nأن الحكم بأنهم من أهل الجنة يلزم منه أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥٧٤٣) وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١٥٤١) والكامل في الضعفاء (٢/ ٢٥٩)\nقال ابن حجر:\nوهو حديث ضعيف جدًا؛ لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية؛ وهو متروك\"\nقال ابن الجوزي:\n\" هذا حديث لا يصح، قال أحمد بن حنبل: يحيى بن المتوكل يروي عن بهية أحاديث منكرة، وهو واهي الحديث، وقال النسائي: هو ضعيف، وقال ابن حبان: \"ينفرد بأشياء ليس لها أصول، وقال السعدي: سألت عن بهية كي أعرفها فأعيانا (العلل المتناهية (٢/ ٤٤٢)\nوقال ابن عدي: وهذه الأحاديث لأبي عقيل عن بهية عن عائشة غير محفوظة، ولا يروي عن بهية غير أبي عقيل هذا.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحديث كذب موضوع عند أهل الحديث، ومن هو دون أحمد من أئمة الحديث يعرف هذا، فضلًا عن مثل أحمد\"ا. هـ.\nوقال ان القيم: يحيى بن المتوكل لا يحتج بحديثه، فإنه فى غاية من الضعف.\nوانظرمنهاج السنة (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤) وفتح الباري (٣/ ٣٥٢) وطريق الهجرتين (ص/٤٥٠) والمسند لأحمد بتحقيق شعيب الأرنؤوط (ح / ٢٥٧٤٣)\n (^٢) قال ابن الجوزي: \" في سنده محمد بن عثمان لا يُقبل حديثه، ولا يصحّ في تعذيب الأطفال حديث \".\nوقال ابن حبّان:\nلا يجوز الاحتجاج بمحمّد بن عثمان بحال. فهو مجهول؛ قال الذهبي: لا يُدرى من هو؟\nفتشت عنه في أماكن، وله خبر منكر. ثم ساق له هذا الحديث. قال الهيثمي في \" المجمّع\" (٧/ ٢١٧):\n\" فيه محمد بن عثمان، ولم أعرفه \".\nوانظر جامع المسانيد (٢/ ٥١٢) وميزان الاعتدال (٣/ ٦٤٢) والسلسلة الضعيفة (٥٧٩١)\n (^٣) أخرجه البخاري (١٣٨٢)","vol":"1","page":462},{"text":"تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين..\n* فجوابه من وجوه:\n١ - الأول:\nأن هذا نظر في مقابلة أثر، فقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال عن أبناء المشركين: \" هم منهم \"، وفي رواية \"هم مع آباءهم\"، فهذا مع قوله - ﷺ - أنهم مع الجنة، فلا سبيل للجمع بين هذين إلا بحمل قوله:\n\"هم مع آباءهم\" على أحكام الدنيا، أي مع آبائهم فلا يُصلى عليهم، ولا يُدفنوا في مقابر المسلمين، وكذلك في أحكام القود والدية.\nوفي هذا إعمال للأدلة الواردة في هذا الباب، وهذا هو أصل مهمات الشرع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوكون الصغير يتبع أباه في أحكام الدنيا، هو لضرورة حياته في الدنيا، فإنه لا بد من مربٍّ يربيِّه، وإنما يُربيِّه أبواه، فكان تابعًا لهما ضرورة، ولهذا متى سُبي منفردًا عنهما صار تابعًا لسابيه عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم، لكونه هو الذي يربيه، وإذا سبي منفردًا عن أحدهما أو معهما، ففيه نزاعٌ للعلماء. (^١)\nوقد أجاب ابن حزم على من يعارض القول بأن أطفال في الجنة أن لازمه أن نصلي عليهم ونورِّثهم فقال:\nفليس تركنا للصلاة عليهم يوجب أنهم ليسوا مؤمنين، فهؤلاء الشهداء وهم أفاضل المؤمنين لا يصلى عليهم، وأما انقطاع المواريث بيننا وبينهم فلا حجة في ذلك على أنهم ليسوا مؤمنين؛ فإن العبد مؤمنٌ فاضل لا يرث ولا يورَّث، وقد يأخذ المسلم مال عبده الكافر إذا مات. (^٢)\nوالشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني يتبع أبوية في الدين في أحكام الدنيا، فيحكم له بحكم الكفر في أنه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه المسلمون، ويجوز استرقاقهم، ونحو ذلك - فلم يجز لأحد أن\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٢١)\n (^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٣٨٤)","vol":"1","page":463},{"text":"يحتج بحديث: \" كل مولود يولد على الفطرة... \"على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ألسنتهم. (^١)\n٢ - الثاني:\nأن منشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن أولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم أحكام الكفر في أمور الدنيا، مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم، وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثة بينهم وبين آبائهم، واسترقاقهم إذا كان آبائهم محاربين، وغير ذلك - صار يظن من يظن أنهم كفّار في نفس الأمر، كالذي تكلم بالكفر وعمل به.\nوقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن يكتم إيمانه مَن لا يعلم المسلمون حاله إذا قاتلوا الكفار، فيقتلونه ولا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن مع المشركين، وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فحكم الدار الآخرة غير أحكام الدار الدنيا. (^٢)\n*وعليه يقال: \"لا تلازم بين أحكام الكفر في الدنيا وأحكام الكفر في الآخرة \".\n* ثانيًا: الرد على الواقفة:\nفالرد أن يقال بأن القاعدة هنا:\n١ - من علم حجة على من لم يعلم، فالحكم لهم بالجنة إنما كان لنص، وهو فصل في النزاع. وعليه فلا معنى للتوقف في مسألة حكم فيه الشرع.\n٢ - أما إنكاره -ﷺ- على عائشة -﵂- لما قالت:\nعُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، فقَالَ: (أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ)\n* فجوابه من وجهين:\n١ - أن لفظة \" أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ \" مما قد استنكرها العلماء على طلحة بن\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٤/ ٣٩٩)\n (^٢) المصدر السابق (٨/ ٤٢٢)","vol":"1","page":464},{"text":"يحيي، وقد ذكرها مسلم ﵀ في المتابعات دون الأصول، وطلحة بن يحيي ممن تكلم فيه علماء الجرح والتعديل. (^١)\n٢ - وعلى فرض صحة هذا الحرف فتأويله يُحمل على النهي عن الجزم في الأمور الغيبية، وذلك من باب سد الذرائع.\nفنهاها أن تتسرع وتتكلم في أمر لا تعلمه فتجزم لشخص ما بالجنة. فإنه لا يُجزم لأحد بجنة أو بنار، إلا من شهد له الرسول الله ﷺ.\n٣ - وأما قولهم:\nأنه إذا كان المولود يولد على الفطرة، وعليه فلا يُدرى ماذا سيعمل لو بلغ، لذا يُتوقَّف فيه ويوكَل أمره إلى الله.\nفالرد عليه:\nأن النزاع هنا على حكمهم حال الصغر، لا حال الكبَر، فالتوقف إنما يقال على الحال الثانى دون الأول، وعليه يُحمل قوله ﷺ:\n «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».\n٤ - وكذلك استدلوا بما صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ:\nسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيرًا، فَقَالَ:\n «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». (^٢)\nفهذا محمول على حالهم بعد البلوغ، وهذا مما قد أختص الله -تعالى- بعلمه، وهذا من باب علم الله فيما لم يكن، لو كان كيف سيكون، فهؤلاء الصغار لو بلغوا فالله - تعالى -أعلم هل سيستمرون على الكفر أم يُختم لهم بخاتمة السعادة؟\nقال ابن القيم:\nوفى استدلال بقوله: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\"، على ما ذهبت إليه هذه الفرقة نظر؛ فإن النبى -ﷺ- لم يجب فيهم بالوقف، وإنما وكل علم ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله ﷾. والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا.\n_________\n(^١) قال ابن حجر: وطلحة إنما أنكر عليه حديث عصفور من عصافير الجنة. وقال البخاري منكر الحديث.\nوقال أبو داود: ليس به بأس وقال أبو زرعة والنسائي صالح.\nوانظر تهذيب التهذيب (٣/ ٢١) والأجوبة المستوعبة بتحقيق عمروعبدالمنعم (ص/١٧٧)\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":465},{"text":"فهو ﷾ يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو عاش، والقابل منهم للكفر المؤثر له لو عاش، ولكن لا يدل هذا على أنه يجزيهم بمجردعلمه فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل على أنه ﷾ يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم. (^١)\n٥ - وأما ما ورد في توقف ابن عباس -رضي لله عنهما - في حكم أطفال المشركين:\nفلا شك أنه قد أحسن من انتهى إلى ما قد علم، ولكن لما ورد النص في بيان الحكم الشرعي لزم القول به واعتقاده.\n* ثالثًا: الرد على من قال أنهم يختبرون في عرصات القيامة:\nواستدلوا على ذلك ببعض الروايات التى ورد فيها اختبار المولود فى العرصات.\nوجوابه:\nأن الحديث الذي استدلوا به لم يرد في رواية صحيحة ذكر المولود، فالرواية الصحيحة أن الأربعة الذين ستكون لهم الحجة هم: \" الأحمق، والهرِم، والأصم، ورجل مات في الفترة \"\n، فليس فيهم المولود، وأما الرواية التى ذُكر فيها أن \" الهالك صغيرًا \" ضمن من يُختبرون، فقد رواها الطبراني في المعجم الكبير (ح/١٥٨) والهيثمى في المجمع (٧/ ٢١٦)، وفي سندها عمرو بن واقد، وهو متروك، قد رُمي بالكذب، فلا يحتج به.\nوقد وردت من طرق أخرى كلها لا يخلو من مقال، وعليه فهى بجميع طرقها لا تجابه ما ورد في الصحيح من كون أطفال المشركين في الجنة. (^٢)\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص/٤٤٧)\n (^٢) ومن ذلك: ما يُروي عَنْ النبي ﷺ: \" يُؤْتَى بِأَرْبَعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: بِالْمَوْلُودِ، وَبِالْمَعْتُوهِ، وَبِمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، وَالشَّيْخِ الْفَانِي، كُلُّهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ.....)\nرواه أبو يعلى (٤٢٢٤) والبزار في كشف الأستار (٣/ ٣٤)، في سنده ليث بن أبي سليم: قال الحافظ: \" صدوق، اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك. وكذلك في سنده عبد الوارث مولي أنس، قال الترمذي - عن البخاري: عبد الوارث منكر الحديث.\nوقال ابن معين: مجهول. وضعَّفه الدارقطني وأحمد وأبوزعة وأبوحاتم الرازيان، وللحديث طريق آخر من رواية أبي هريرة ﵁، لكن في سنده علي بن زيد، قال عنه ابن الجوزي:\n\" وهذا الحديث ليس بشيء، فإن علي بن زيد لا يحتج به. قال أحمد ويحيى: ليس بشيء. \"\nوانظر تهذيب التهذيب (٤/ ٦١٢) وميزان الاعتدال (٢/ ٦٧٨) وكشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ٣٦٧)","vol":"1","page":466},{"text":"قال ابن عبد البر عن أحاديث امتحان أطفال المشركين في العرصات:\nوهي كلها أسانيد ليست بالقوية، ولا يقوم بها حجة، وقد ذكرناها بأسانيدها في التمهيد. (^١)\n* إشكالات نختم بها بحثنًا، والجواب عنه:\nالإشكال الأول:\nعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" إنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا. (^٢)\nفظاهرالحديث يعارض في الفهم حديث الباب الذى أفاد أن كل مولود يولد على الفطرة.\n* وجوابه من وجهين:\nالأول:\nعموم حديث الباب (كل مولود يولد على الفطرة..) مخصَصٌ بحديث غلام الخضر، ومما يؤيد ذلك:\nما ورد في حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍرضي الله عنه- الذى كان يَقُولُ:\nالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ثم يروي حديث النَّبِيَّ - ﷺ - أنه قَالَ:\n\" يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ:\nيَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟. (^٣)\nالثاني:\nأن غلام الخضر مولود على الفطرة كسائر الخلق، لكنه كتب في علم الله -تعالى- أنه إذا بلغ فيسصير إلى الكفر والفسوق والعصيان، وهذا تفسير قوله ﷺ:\n\" الله أعلم بما كانوا عاملين \"، فيكون هذا من باب علم ما لم يكن لو كان كيف سيكون.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nأئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من إيمان وكفر، كما في الحديث (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا) والطبع الكتاب، أي كتب كافرًا كما قال: (فيكتب رزقه، وأجله وعمله،\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ١١٤)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٦٦١)\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٦٤٤)","vol":"1","page":467},{"text":"وشقي أو سعيد)\nوليس إذا كان الله قد كتبه كافرًا، يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير، كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء، وقد سبق في علمه أنها تجدع، كتب أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة، لا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة. (^١)\nفتبين أن المراد به حالة ثانية طرأت عليه من التهيؤ للكفر وقبوله عليه، غير الفطرة التى ولد عليها. (^٢)\n٢ - الإشكال الثانى:\nقد احتج القدرية بحديث الباب على تأكيد أصلهم الباطل أن الإنسان هو الذى يخلق فعل نفسه؛ وذلك لقوله: ﷺ:\n\" مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ..... \"\nفقوله: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ.. دل أن الإضلال إنما يقع بفعل العبد نفسه!!!\nوجواب ذلك:\n١ - من أصول أهل السنة التي ثبتت عندهم بالكتاب والسنة والإجماع أن الهداية والإضلال إنما تقع للعبد بقدر الله تعالى، قال عزوجل (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) (الأنعام/١٢٥)\nوقال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) (الجاثية/٢٣)\nوقال تعالى (مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الأنعام/٣٩)\nوورد في قوله ﷺ:\n\" إنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا \"\n*وأما قوله ﷺ: \" فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه... \"\nفغاية ما في إنما هو ربط الأقدار بأسبابها، فالمتسبّب في إضلال هؤلاء بالتهويد أو التنصير أو التمجيس إنما هم آباءهم، مع كون الجميع مما قدَّره الله -تعالى- وكتبه.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٤/ ٤٠٢)\n (^٢) إِكمَال المعلِم بفَوَائد مسلم (٨/ ١٤٧)","vol":"1","page":468},{"text":"*ونظير ذلك:\nما ورد في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ) (الأعراف/٥٧)\nفلا شك أن الله - تعالى- جعل الرياح التى تحمل السحاب سببًا لإنزال المطر، مع كون الجميع من خلق الله وتقديره.\n* يؤيده:\nقوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات/٩٦)\nفمما يدخل في عموم خلق الله - تعالى- أعمال العباد، فهى مخلوقة لله بنص الآية، ومن أعمال العباد ما ورد في الحديث الذى أشكلوا عليه، والذى هو قيامهم بتهويد وتنصير أبناءهم.\n*وقد ورد عن ابن وهب قال: سمعت مالكًا وقيل له إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث؛ يعني قوله \" فأبواه يهودانه أو ينصرانه \"، فقال مالك:\nاحْتجَّ عليهم بآخره. (^١)\n* وقول مالك: \" احْتجَّ عليهم بآخره \": يقصد ما ورد في إحدى روايات حديث الباب أن النبي -ﷺ - قال:\n «مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تَنْتِجُونَ الْإِبِلَ، فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ:\nأَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا؟\nقَالَ ﷺ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». (^٢)\nووجه ذلك:\nأن أهل القدر استدلوا على أن الله -تعالى - لا يضل أحدًا، وإنما يضل الكافرَ أبواه، فأشار مالك إلى الرد عليهم بقوله ﷺ:\n\" الله أعلم بما كانوا عاملين \"؛ فهو دال على أن الله -تعالى- يعلم بما يصيرون إليه من الهدى أو الضلالة، فهو دليل على تقدم العلم الذي ينكره غلاتهم، ومن ثم قال الشافعي عن أهل القدر: إن أثبتوا العلم خُصموا.\nفقوله فأبواه يهودانه... محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٤٧١٥) وصححه الألبانى.\n (^٢) متفق عليه","vol":"1","page":469},{"text":"قال أبو العباس ابن تيمية:\nوالمولود ولد على الفطرة سليمًا، وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان، كما قدَّر الله - تعالى - ذلك وكتبه، كما مثَّل النبي - ﷺ- ذلك بقوله:\n «كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء»، فبيَّن أن البهيمة تولد سليمة، ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا، ثم يفسده أبواه، وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره. (^١)\n*وكذلك فمن الرد عليهم من نفس الحديث:\nما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وقد قلب الدليل عليهم، كما هي عادته في الرد على أهل البدع، حيث قال ﵀:\nوإن احتجت القدرية بقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» من جهة كونه أضاف التغيير إلى الأبوين - فيقال لهم: أنتم تقولون: إنه لا يقدر: لا الله ولا أحد من مخلوقاته، على أن يجعلهما يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، بل هما فعلا بأنفسهما ذلك، بلا قدرة من غيرهما، ولا فعل من غيرهما، فحينئذ لا حجة لكم في قوله: «فأبواه يهودانه». (^٢)\nتم بحمدالله تعالى.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٣٦٠)\n (^٢) المصدر السابق (٨/ ٣٧٨)، وانظر شفاء العليل (ص/٥٧٥)","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الحديث الخامس عشر: منحة الغافر شرح حديث أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر</span>","vol":"1","page":471},{"text":"منحة الغافر شرح حديث أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر\n\nنص حديث الباب:\nعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵁ - قَالَ:\nصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِي ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ\"\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (١٠٣٨) بَابُ: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾\nومسلم (٧١) بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ.\n،\n* أهم الفوائد التى نستنبطها من حديث الباب:\nأولًا: عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵁ - قَالَ:\nصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ\nوكان ذلك لما خرج النبى -ﷺ - هو وأصحابه إلى عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ٦ هـ، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة.\nولما علم المشركون بمقدم الرسول -ﷺ - عزموا على صده عن البيت الحرام، ولكن انتهى الأمر إلى صلح الحديِّبية الذى سمَّاه الله -عزوجل- فتحًا مبينًا.\nوكان من بنود هذا الصلح أن يرجع الرسول -ﷺ - من عامه، فلا يدخل مكة إلا في العام الذى بعده.\n*قول زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵁ - قَالَ:\nصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ:\nقوله «عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ»:\nوالإثر: هو ما يعقب الشيء، والسماء المطر، كما في","vol":"1","page":473},{"text":"قوله ﷺ: \" وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ \"، وسُمِّي المطر سماءً لنزوله من جهة السماء، وهو العلو، وذلك من باب استعارة اسم الشيء لغيره إذا كان مجاورًا له.\nقال الشاعر:\nإِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا. (^١)\nفالمعنى العام:\nأن الصحابي زيد بن خالد - ﵁- يخبر أن رسول الله -ﷺ - قد صلَّى بالمسلمين صلاة الصبح على إثر سماء، أى أن ذلك قد صادف سقوط المطر.\n*ثم قال ﵁:\n\" فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ:\n «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ:\n*وهنا فوائد:\n١) الأولى:\nقوله: فلما انصرف من صلاته ﷺ أقبل على الناس:\nفقد كان من هدي النبي - ﷺ - أن يُعلْم أصحابه -﵃- ويُخبرهم بما استُجد من أمور الوحي.\n٢) الثانية:\nفَقَالَ ﷺ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟\nوهذا سؤال بدأ به النبي - ﷺ - حديثه للصحابة ﵃. وكان هذا من هدي النبي - ﷺ - في تعليمه لأصحابه - ﵃ - أن يبدأ حديثه بسؤال للفت الإنتباه وجذب الأسماع فيطرح سؤالًا على السامعين، ولهذا نظائر كثيرة، نذكر منها:\nحديث المفلس، يقول ﷺ: أتدرون من المفلس؟\nوقوله ﷺ: أتدرون ما الغيبة؟\nويقول ﷺ: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟\nويقول ﷺ: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟\n*ومن هذا الباب حديث الباب: يقول النبى - ﷺ - فى بدء كلامه: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟\n_________\n(^١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٦/ ٤٠٦) مطالع الأنوارعلى صحاح الآثار (٥/ ٥١١)","vol":"1","page":474},{"text":"٣) الثالثة:\nقوله ﷺ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟\nوهذا حديث يروى فيه النبي - ﷺ - حديثًا قدسيًا عن رب العزة، والأحاديث القدسية من أدلة أهل السنة على إثبات صفة الكلام لله عزوجل؛ وذلك لما فيها من نسبة الكلام وإضافته إلى الله -تعالى- إضافة صفة إلى موصوف.\nلذا فقد أخرج البخاري -﵀- حديث الباب في صحيحه كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١١٥]\nقال ابن بطال:\nأراد بهذه الترجمة وأحاديثها أن كلام الله -تعالى- صفة قائمة به، وأنه لم يزل متكلمًا ولا يزال. (^١)\n* وقد ورد فى رواية النسائي قوله ﷺ:\nأَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ (^٢)\nوهذه فيها زيادة فائدة في صفة كلام الله تعالى؛ فهي تدل على أن الله -تعالى- يتكلم بمشيئته واختياره، فصفة الكلام لله -تعالى- صفة ذاتية فعلية، ذاتية باعتبار الأصل، وفعلية باعتبار تجدّد آحاد الكلام.\nفهذا معنى ما قعَّده العلماء فى كلام الله تعالى بقولهم أنه:\n\" قديم النوع، حادث الأفراد \"، وقولهم \" حادث الأفراد \":\nليس معناه أن كلامه مخلوق؛ بل كلامه - تعالى - متعلق بمشيئته، فإذا شاء تكلم، وإذا شاء لم يتكلم سبحانه. (^٣)\nفالله -عزوجل- إنما قال لموسى (لَنْ تَرَانِي)، في وقت بعينه وذلك (َ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)، وليس من الأزل يقول ذلك.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٦٦٠)\n (^٢) السنن الكبرى (١٨٤٧) والطبرانى في الكبير (٥٢١٣) وانظر صحيح الجامع (٢٣٦٢)\n (^٣) وفارق بين المخلوق والحادث، فالمخلوق هو ما جاء أصله من العدم، كحال الإنسان، قال تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ..)، فلأن الإنسان مخلوق، فقبل خلقه لم يكن شيئًا يُذكر، وأما الحادث فهو المتجدد الوقوع مع وجود أصله للمتصف به.\nفمن هذا الباب يقال أن كلام الله -عزوجل - حادث وليس بمخلوق، وبيان ذلك يقال:\nكلامه -سبحانه- قديم من حيث أنه تعالى لم يزل متصفًا به من الأزل، حادث في آحاده وأفراده، قال تعالى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ)","vol":"1","page":475},{"text":"وقال تعالى (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) لما طلب الحواريون المائدة من عيسى -﵇ - فقالوا (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nكلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء، ولم يقل أحد من السلف أن الله تكلم بغير مشيئته وقدرته، ولا قال أحد منهم أن نفس الكلام المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أوغير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلي. (^١)\n* عودٌ إلى حديث الباب: فَقَالَ ﷺ:\n... «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ...\nوهذا من أدب الصحابة -﵃- حيث وقفوا عن الخوض فيما لا يعلمون، وهذا مما أدَّبهم القرآن وربَّاهم عليه، كما ورد في الأية قوله تعالى\n... (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)\n*فإن قيل:\nقول الصحابة ﵃: \" اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ \"، أليس قد ورد النهي عن مثل هذه الصيغ التى يُجمع فيها بين الله -تعالى- ورسوله ﷺ؟؟\nكما في قوله - ﷺ - لمن قال له: مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:\n\" أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا، بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ \". (^٢)\n* والرد أن يقال:\nأن النبي - ﷺ- أنما أراد في باب النهي عن ذلك حسم المادة وسد الذريعة، وغلق باب المغالاة في شخص الرسول ﷺ.\nفمثل هذه العبارات قد تُوهم أن مشيئةَ العبد في درجة مشيئة الرب ﷾، مع كون العبد له مشيئة، ولكنها تابعة لمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)\nوأما ما يتعلق بحديث الباب:\nففي إقراره ﷺ للصحابة -﵃- على قولهم:\n\" اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ \"، بيانٌ أن ذلك جائز من حيث الأصل لمن يُؤمَن عليه الوقوع في علة النهي.\n*وقيل في الجمع وجه آخر:\nأن النهي إنما يتوجه في الأمور الكونية، ومنها المشيئة، وأما الأمور الشرعية المتعلقة بالوحي والتشريع فهذه ممَّا علَّمه الله -تعالى- لنبيه - - ﷺ - فلا\n_________\n(^١) مجموعة الرسائل والمسائل (٣/ ٦٨)\n (^٢) أخرجه أحمد (١٨٣٩) وصححه الألبانى في الصَّحِيحَة (١٣٩)","vol":"1","page":476},{"text":"حرج عندها أن يقال:\n\" اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ \".\n*عودٌ إلى حديث الباب:\nلما قَالَ النبي ﷺ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟\nقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:\n\" أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ..\nفيذكر النبي - ﷺاختلاف حال العباد عند نزول المطر، فتراهم بين قسمين:\n١) القسم الأول:\nحال المؤمنين الذين ينسبون الفضل لله تعالى، فالمطر إنما هو من فضل الله -تعالى- ومن رحمته بالعباد، قال تعالى (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) (النمل/٦٣)، وقال تعالى\n (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشوري/٢٨)\nلذا صار من السنن القولية التى تقال إثر سقوط المطر:\n\"مُطرنا بفضل الله ورحمته \"، وهذا من شكر الله تعالى.\nقال النووي:\nويُستحبّ أن يشكر الله - ﷾على هذه النعمة، أعني نزول المطر. (^١)\nوكذلك كان ﷺ كان إذا رأى المطر قال:\n\" اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا \". (^٢)، \"والصيِّب هو المطر\"\n*وكان ﷺ إذا ما قلَّ نزول المطر قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا \".\nوأما إذا زاد نزول المطر إلى حد الهلكة فكان ﷺ يرَفَعَ يدَيْهِ ويقول:\n «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». (^٣)\n* كما يشرع الدعاء عند نزول المطر:\nأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ثَابت -﵁ - قَالَ:\nبلغنَا\n_________\n(^١) الأذكار (ح/٤٦٧)\n (^٢) رواه البخاري (١٠٣٢) بَابُ مَا يُقَالُ إِذَا مَطَرَتْ.\n (^٣) متفق عليه. وقال النووي: قال أهل اللغة الإكام بكسر الهمزة جمع أكمة، ويقال في جمعها آكام، وهي دون الجبل وأعلى من الرابية، وقيل دون الرابية، (والظراب) واحدها ظرب، وهي الروابي الصغار.","vol":"1","page":477},{"text":"أَنه يُسْتَجَاب الدُّعَاء عِنْد الْمَطَر ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿وَهُوَ الَّذِي ينزل الْغَيْث من بعد مَا قَنطُوا﴾ (^١)\nوقد نصَّ على استحباب الدعاء عند المطر غير واحد من الأئمة، ومنهم:\nشيخ الإسلام ابن تيمية والشافعي والقرطبي. (^٢)\nوأما الأحاديث الواردة في استحباب الدعاء عند نزول المطر فلا تخلوا أسانيدها من المقال.\n* ومن السنن الفعلية عند نزول المطر\"التعرض لماء المطر \":\nلا شك أن ماء المطر ماء مبارك، قال تعالى (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) (ق/٩)\nوبركة المطر ظاهرة بيِّنة في آثاره على البلاد والعباد، قال تعالى بعد ذكره لنزول المطر (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) (الروم/٥٠)\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللهِﷺقَالَ:\n\" مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ\nاللهُ الْغَيْثَ فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا \". (^٣)\nلذا كان من هدى النبي -ﷺ- التعرُّض لماء المطر:\nقَالَ أَنَسٌ ﵁:\nأَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا:\nيَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟\nقَالَ ﷺ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى». (^٤)\n*والمعنى:\nأنه ﷺ قد حسر- أي كشف بعض بدنه - لماء المطر؛ لأنه (حديث عهد بربه): أي بتكوين ربه إيَّاه، ومعناه أن ماء المطر قريب العهد بخلق الله - تعالى - لها؛ فيتبرك به.\nقال النووي:\nهذا الحديث دليل لقول أصحابنا أنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته ليناله المطر. (^٥)\n_________\n(^١) الدر المنثور (٧/ ٣٥٤)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٢٩) والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٨٤) شعب الإيمان (٢/ ٣٧٥)\n (^٣) أخرجه مسلم (٧٢)\n (^٤) أخرجه مسلم (٨٩٨)\n (^٥) شرح مسلم للنووي (٦/ ١٩٦)","vol":"1","page":478},{"text":"*وعن أنس بن مالك - ﵁ - في استسقاء النبي -ﷺ- المطر على المنبر، قال ﵁:\n\" ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ \". (^١)\nوقد ترجم له البخاري، باب: من تَمَطَّرَ في المطر حتى يتحادر على لحيته.\nقال ابن حجر:\nكأن المصنف أراد أن يبين أن تحادُرَ المطر على لحيته - ﷺ- لم يكن اتفاقًا، وإنما كان قصدًا، فلذلك ترجم بقوله:\n\" من تمطَّر \"، أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ﷺ. (^٢)\n*وعن ابن أبي مليكة قال:\nكان ابن عباس -﵄- إذا مطَّرت السماء يقول: يَا جَارِيَةُ! أَخْرِجِي سَرْجِي، أَخْرِجِي ثِيَابِي، وَيَقُولُ:\n ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾. (^٣)\n٢) القسم الثاني:\nحال من ينسب المطر إلى النوء، فيقول مُطرنا بنوء كذا وكذا....\nفما حكم هذا القائل بنسبة المطر إلى النوء؟\nنقول أولًا:\nكان من عادة أهل الجاهلية أنهم ينسبون كثيرًا من الأحداث التى تقع في الأرض بحركة النجوم والكواكب، ومما يدل على ذلك:\nما رواه ابْنَ عَبَّاسٍ -﵄قَالَ:\nأنه قد رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ- لأصحابه:\n «مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟»\nقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ:\n\" الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٠٣٣)\n (^٢) فتح الباري (٢/ ٥٢٠)\n (^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢٢٨)، وصححه الألبانى في صحيح الأدب المفرد (ص/٢٩٨)\nوالسرج ما يوضع على ظهر الفرس.","vol":"1","page":479},{"text":"قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ:\nقَالَ فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ بِهِ \". (^١)\n*وفي رواية المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁قَالَ:\nكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللَّهَ». (^٢)\n* نقول:\nومن هذا الباب قد كان أهل الجاهلية ينسبون المطر إلى النوء، كما قد ورد في حديث الباب.\nوعن أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ. (^٣)\nوقد ترجم البخاري باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾\n [الواقعة: ٨٢]، ثم روي حديث الباب: \" أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ..... \".\nوكذلك روي مسلم بَابُ: بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ:\nعن ابْنُ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ:\n\" أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا \" قَالَ:\nفأنزل الله قوله ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. (^٤)\n* والمعنى:\nأى أن هذا الرزق الذى ساقه الله إليكم، والذى هو المطر كان يستحق منكم أن تشكروا الله - تعالى- عليه، ولكنكم جعلتم موضع الشكر التكذيب؛ وذلك لما نسبتم المطر إلى النوء، وهو قول جمهور المفسرين. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٢٩)\n (^٢) متفق عليه. و(إبراهيم) وهو ابن النبي - ﷺ - من مارية القبطية، توفي وعمره ثمانية عشر شهرًا.\n (^٣) أخرجه مسلم (٩٣٤)\n (^٤) أخرجه مسلم (٧٣)\n (^٥) وقال ابن القيم في تفسير الأية: أي تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم - يعني القرآن - التكذيب به، وهو قول الحسن.\nوالراجح هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين؛ وذلك لقول ابن عباس -﵄- أن سبب نزول الأية إنما هو نسبة المطر للأنواء، وهذا مما يأخذ حكم الرفع. وانظر التبيان في أقسام القرآن (ص/٢٣٦)\nوفتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص/٤٢٩)","vol":"1","page":480},{"text":"قال أبوعمر:\nالرزق في هذه الآية بمعنى الشكر، كأنه قال: وتجعلون شكركم لله على ما رزقكم من الماء أن تنسبوا ذلك الرزق إلى الكوكب. (^١)\nوالظاهر من فعل المشركين -والله أعلم- أنهم كانوا يقصدون بقولهم:\n... «مطرنا بنوء كذا وكذا»:\nأن حركة النوء هى التى تسببت في إسقاط المطر، لا أنها هي الفاعلة بذاتها لذلك؛ يدل عليه قوله تعالى\n (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (العنكبوت/٦٣)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-116> أصل الأنواء:</span>\nأنْوَاء: جمع نَوء، وناء النجم أى طلع ونهض، والمعنى:\nسقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق في كل ليلة، وإنما سُمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع - أي: نهض وطلع- وذلك الطلوع هو النوء، وبعضهم يجعل النوء السقوط، كأنه من الأضداد. (^٢)\nوقد كان أهل الجاهلية ينسبون نزول المطر إلى النجوم، فيقولون:\nمُطرنا بنوء كذا، ويعتقدون أنه إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر، وإذا طلع النجم الفلاني جاء المطر. (^٣)\n_________\n(^١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٦/ ٤٠٧)\n (^٢) الإتحافات السنية للمناوى (ص/٤٠) وشرح السنة (٤/ ٤٢٠) والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٢٢)\n (^٣) والأنواء هي: منازل تُعرف للنجوم كانت معروفة عند العرب وهذه المنازل ينزل كل واحد من هذه النجوم أو يسقط في الشرق ينوءُ -أي يصعد - في مقابله نجمٌ في الغرب، كل ثلاثة عشر يومًا\nفسميَ النجم بالنوء لأنه يصعد فيكون في مقابل ما سقط من النجم، وهم ثمانيةُ وعشرون منزلًا، وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، كل منزلًا فى ثلاثة عشر يومًا، فإذا ضربت ثماني وعشرون في ثلاثة عشر كان المحصلة عدد أيام السنة ثلاثمائة وأربع وستون يومًا.\n*ولذلك كانوا يترقبون هذه الأنواء ويتابعونها حتى يعلموا النجم الذي سقط وما يتبعه من نجم ينئو أو يرتفع ويعلو بمقابله، وكانوا يرون أنه عند حدوث ما يكون من سقوط نجم ونوء نجم أخر أن ذلك يكون سبب في سقوط المطر، ويقولون مُطرنا بنوء كذا.","vol":"1","page":481},{"text":"لذا فقد أخبرالنَّبِيُّ - ﷺ - عن خصال أهل الجاهلية، والتى كان منها: \" الْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ... \".\nفتعلَّقت نفس القائل بهذا السبب، ونسي نعمة الله عزوجل، وهذا الكفر لا يخرج من الملة، لأن المراد نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب، وليس إلى النوء على أنه فاعل، وهذا مما يُطلق عليه \" كفر النعمة \". (^١)\n* ومما يدل على ما ذكرناه:\nمن القرآن:\nقال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢» (النحل: ١١٢)\n*ومن السنة:\nما رواه أبو هُرَيْرَةَ -﵁- أنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" إِنَّ اللهَ ﷿ لَيُبَيِّتُ الْقَوْمَ بِالنِّعْمَةِ، ثُمَّ يُصْبِحُونَ، وَأَكْثَرُهُمْ كَافِرُونَ، يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا \". (^٢)\n* وهنا نطرح سؤالًا:\nما حكم هذا القائل بنسبة المطر إلى النوء؟؟\n* وجواب هذا السؤال على تفصيل: (^٣)\n١ - نسبة المطر إلى النوء على سبيل الاستقلالية:\nوأما من نسب المطر إلى النوء على أنه الخالق له المنزل له فلا شك في كفر هذا القائل لذلك، وهذا شرك في الربوبية، وهو من كفر التشريك، والقاعدة عند أهل العلم في ذلك:\n\" كل من اعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله -تعالى - فقد وقع في الكفر الأكبر \"\nفالله -عزوجل- هو الخالق والمنزل للمطر، قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) (الواقعة/٦٩).\nوالمطر مربوب لله تعالى، كما ورد في قوله - ﷺ - عن المطر: (أنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ نسبة)، وعليه فإن نسبة المطر إلى النوء على سبيل\n_________\n(^١) الفروع لابن مفلح (١/ ٥٦٨)\n (^٢) أخرجه أحمد (١٠٨٠٠) وحسَّنه الأرنؤوط.\n (^٣) هذا التفصيل قد ورد بمعناه في عدة مواضع من كلام أهل العلم، منها ما نقله البيهقي عن الشافعى في\n\" السنن الكبري\" (٣/ ٤٩٩) ونص عليه الباجي في \" المنتقى\" (١/ ٣٣٥)","vol":"1","page":482},{"text":"الاستقلالية إنما هو شرك في الربوبية.\n* وكذلك هو شرك في الأسماء والصفات:\nفقد قال تعالى (ِإنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان/٣٤)\nوقال النَّبِيُّ - ﷺ:\n «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ، لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللهُ». (^١)\nفقد أخبر ﷺ أنه لا يعلم متى يجيء المطر إلا الله، فلو كان المطر من قبل الأنواء -على ما زعموا - لما اختص الله -تعالى- بعلم وقت سقوط المطر، ولكان النوء شريكًا لله -تعالى- في صفة علمه عزوجل للغيب. (^٢)\n* ومما يدل أيضًا على أن ذلك من الشرك الأكبر:\nأن هذا من الإلحاد فى آيات الله، فآيات الله نوعان:\n (١) آيات كونية. ... (٢) آيات شرعية.\nفمن يحرِّف آيات الله -تعالى- فهذا من الإلحاد في آياته الشرعية، قال تعالى\n (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) (النساء: ٤٦)\nوأما الإلحاد فى آيات الله الكونية:\nفذلك بأن يربطها بغير فعل الله تعالى، كمن يقول: «غضب الطبيعة»، هذا من الإلحاد فى آيات الله الكونية؛ لأن الطبيعة مخلوقة لله عزوجل.\nويدخل في الإلحاد في آيات الله -تعالى-الكونية:\nنسبة المطر إلى غير الله تعالى.\nقال ابن رجب:\nفإضافة نزول الغيث إلى الأنواء، إن اعتقد أن الأنواء هي الفاعلة لذلك،\nالمدبرة له دون الله ﷿، فقد كفر بالله وأشرك به كفرًا ينقله عن ملة\nالإسلام. (^٣)\n٢) نسبة المطر إلى النوء على سبيل السببية:\nكأن يقول \" مُطرنا بنوء كذا وكذا \"،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٣٩)\n (^٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٨/ ٢٩٤)\n (^٣) فتح الباري لابن رجب (٩/ ٢٦٠)","vol":"1","page":483},{"text":"معتقدًا أن النوء إذا ما ظهر أو تحرك تسبَّب ذلك في نزول المطر، فهنا يكون قد نسب نزول المطر إلى سبب لم يجعله الله سببًا، لا شرعًا ولا قدرًا.\nوقاعدة الباب هنا:\n\" كل من اعتقد في سبب لم يقدَّره الله -تعالى- سببًا، لا شرعًا ولا قدرًا فقد وقع في الشرك الأصغر\"؛ وعلة ذلك أنه شارك الله - تعالى - من الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله -تعالى - لم يجعله سببًا.\nفمن المعلوم بالقطع شرعًا وقدرًا أن حركة النوء ظهورًا أو اختفاءً لا علاقة لها بنزول المطر، فلا نصوص الشرع قالت بهذا، ولا كلام علماء الأرصاد والمناخ نص على ذلك.\n٣) نسبة المطر إلى النوء على سبيل الموافقة الزمنية:\nوتوصيف هذه الحالة أن القائل بها لا يعتقد علاقة الاستقلالية ولا السببية بين المطر والنوء، وإنما هى علاقة الظرفية، حيث يرى القائل بها حدوث الموافقة الزمنية بين ظهور النجم الفلانى ونزول المطر، وهذا قاله بناءً على جريان العادة، وما توافق عند القائل وتواتر من تكرر نزول المطر في أوقات بعينها يصعد فيها نجم أو يسقط.\nوعليه صارت الباء في قوله \" مُطرنا بنوء كذا \" هي باء الظرفية، كما ورد في قوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨»\nوأما حكم هذه الحالة فمحل خلاف بين العلماء بين المجوِّز لها والمانع.\nقال الشافعي:\nأما من قال: مُطرنا بنوء كذا على معنى مُطرنا بوقت كذا، فإنما ذلك كقوله مُطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفرًا، وغيره من الكلام أحب إليَّ منه، أحب أن يقول مُطرنا في وقت كذا. (^١)\nوحجة الشافعى فى ذلك ما ذكره البيهقى بقوله:\nقال الشافعي:\nوقد روي عن عمر﵁- أنه قال وهو على المنبر:\n\" كم بقي من نوء الثريا؟\n_________\n(^١) الأم (٢/ ٢٢٢) وهذا ما رجحه أيضًا ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٢٢)،\nفقد قال ﵀:\nأما من جعل المطر من فعل الله -تعالى- وأراد بقوله: «مطرنا بنوء كذا» أي في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز: أي إن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات.","vol":"1","page":484},{"text":"فقام العباس -﵁- فقال:\nلم يبق منه شيء إلا العواء، فدعا ودعا الناس حتى نزل عن المنبر، فمطر مطرًا أحيا الناس منه \"\nفقال الشافعي:\nوقول عمر - ﵁- هذا يبين ما وصفتُ؛ لأنه إنما أراد كم بقي من وقت الثريا، لمعرفتهم بأن الله - تعالى - قدَّر الأمطار في أوقات فيما جرَّبوا، كما علموا أنه قدَّر الحرَّ والبرد فيما جرَّبوا في أوقات. (^١)\nقال ابن الجوزي:\nوأما قول عمر - ﵁ - كم بقي من نوء الثريا؟ \":\nفإنه أراد كم بقي من الوقت الذي جرت العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر؟\nومن لم يكن اعتقاده أن الكوكب يفعل لم يضره هذا القول، وقد أجاز العلماء أن يقال: مطرنا في نوء كذا، ولا يقال بنوء كذا. (^٢)\n* والراجح -والله أعلم- المنع من هذه العبارة.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:\nوإما أن يقول: مُطرنا بنوء كذا مثلًا، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، ولكن أجري العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز. (^٣)\n* ومما يؤيد ذلك أمور:\n١) الأول:\nسد ذريعة الوصول إلى العبارات الأخري الموافقة لها في اللفظ، وإن اختلف المقصد عند القائل.\nوهذا أصل معتبر في الشرع، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا\n_________\n(^١) معرفة السنن والآثار (٣/ ١٠١)\nوأثر عمر -﵁- قد أخرجه الطبري في \"جامع البيان في تأويل القرآن \" (٢٣/ ١٥٥) بإسناد فيه مجهول، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس، فالإسناد ضعيف.\nوذكره ابن قتيبة في كتابه \"الأنواء\" (ص/١٤) وابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ١١٤٩) من غير سند. وانظر الموافقات بتحقيق: أبى عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان (٢/ ١١٧)\n (^٢) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ٢٦٢)\nوهذا أيضًا ما وجَّه به قال الحافظ ابن كثير كلام عمر - رضى الله الله عن- حيث قال:\nوهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثّر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهيّ عن اعتقاده. \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٢٩٩)\n (^٣): الشرك في القديم والحديث (ص/٤٥٧)","vol":"1","page":485},{"text":"رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة/١٠٤)\nففي الأية دلالة بيَّنة على النهي عن اللفظ ولو كان جائزًا، لئلا يُتوصل به إلى ما هو غير جائز.\n* وقد كان أبوهريرة - ﵁ - يقول إذا أصبح وقد مُطر الناس:\nمُطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] (^١)\nأي: فتح ربنا علينا، فاستعمل النوء في الفتح الإلهي للإشارة إلى رد معتقد الجاهلية من إسناده للكواكب، كأنه يقول:\nإذا لم تعدلوا عن لفظ نوء فأضيفوه إلى الفتح، وهذا منه - ﵁ - تأكيدًا لما ذكرنا من غلق هذا الباب سدًا للذريعة، وهذ نفسه مما يؤخذ من قول الشافعي السابق: \" وغيره من الكلام أحب إليّ \"، فإنما قصد به حسم المادة.\n\" أما إن قال ذلك -أى مُطرنا بنوء كذا -على معنى أن العادة نزول المطر عند نوء من الأنواء، وأن ذلك النوء لا تأثير له في نزوله، وأن المنفرد بإنزاله الله، فلا يكفر مع أن هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجه، وإن لم يعتقد ما ذكرنا لورود الشرع بالمنع منه، ولما فيه من إيهام السامع، كما أنه يُنهى عن إطلاق ذلك لئلا يعتقد أحد اعتقاد أهل الجاهلية، ولا يتشبه بهم في نُطقهم. (^٢)\n٢) الثانى:\nلم يُعرف لا بالنصوص الشرعية ولا بالأسباب القدرية الكونية ولا حتى بمجرد الموافقة الزمنية أية علاقة بين نزول المطر وحركة النجوم والأنواء.\nبل الذى ورد في أدلة الشرع هو نفى علاقة النوء بسقوط المطر؛ وذلك كما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلَا صَفَرَ\" (^٣)\n*والنفي يرد على أربعة أنواع:\n (١) نفي وجود. (٢) نفي تأثير. (٣) نفي صحة. (٤) نفي كمال.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٦٥٥) في الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم، بلاغًا، وإسناده منقطع.\n (^٢) وانظر شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٦٥٦) والكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ٥٤٦)\n (^٣) أخرجه أحمد (٩١٦٥) ومسلم (٢٢٢٠)","vol":"1","page":486},{"text":"*ومثال النوع الأول:\nقوله ﷺ \" لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ \" (^١)، فهذا نفي لوجود أى شخص أغير من الله تعالى، وكذلك قولنا \"لا إله إلا الله \"، فهذا في حقيقته نفي لوجود أي إله بحق إلا الله عزوجل.\n*ومثال النوع الثانى:\nقوله ﷺ: (لاعدوى ولاطيرة). (^٢) هذا نفي للتأثير، والمعنى:\nأنه لا عدوى مؤثرة بذاتها كما كان يعتقد أهل الجاهلية، وكذلك قوله: \" لا طيرة \" مؤثرة في دفع ضر أو جلب نفع فالنفي هنا نفى تأثير لا نفى وجود.\n*ومثال النوع الثالث:\nقوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». (^٣)\nوالمعنى: لا صلاة صحيحة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.\n*ومثال النوع الرابع:\nقوله ﷺ: (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ) (^٤)\nفهذا نفي لكمال الإيمان الواجب، وليس لأصله، كما ذهب إليه الخوارج.\n*فإذا سألت:\nقوله ﷺ: \" لَا نَوْءَ \" يتبع أى قسم؟\n* فالجواب:\nهو تابع للقسم الثانى؛ حيث كان أهل الجاهلية عند سقوط مطر ينسبونه إلى النجم الساقط والنجم الغارب، يقولون: مُطرنا بنوء كذا، فقيل لهم:\n\" لا نوء \": أي لا أثر لنجم في نزول المطر، وإنما المطر من الله تعالى.\n*تنبيه:\nما يتم تدواله في المطبوعات من تقسيم السنة إلى النوَّات، كنوَّة الغطاس والمَكنسة وأعياد الميلاد...، وكذلك ما يتناقله البعض من قولهم نوَّة كذا أو كذا، فينسبون المطر إلى هذه النوَّات، فهذا مما يتبع القسم الثالث الذى ذكرناه في نسبة المطر إلى النوء من باب الموافقة الزمنية لا غير، وقد وضحنا حكم هذه الصورة، وذكرنا الراجح فيها.\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) أخرجه أحمد (١٢٤٠٦)، انظر صَحِيح الْجَامِع (٧١٧٩)","vol":"1","page":487},{"text":"* فرع:\nالله -تعالى- قد قدَّر الأسباب:\nأ) وجعل ﷾ الالتفات إليها إعتمادًا وتوكلًا عليها قدحًا في التوحيد. لأنه ليس هناك شيء يستقل بالتأثير بدون مشيئة الله تعالى، قال الله تعالى في السحرة: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة/١٠٢).\nب) وجعل سبحانه الإعراض عنها بالكلية من القدح في الشرع.\nج) وجعل سبحانه الأخذ بها علامة من علامات التوحيد الصحيح.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع. (^١)\n* ومن هذا الباب نقول:\nإذا تحقق إنتفاء العلاقة بين النوء ونزول المطر من كل وجه بقي أن يُعلم أن الله -تعالى -قد قدَّر لنزول المطرأسبابًا، وهي إرسال الرياح.\nقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف/٥٧)\nفقوله تعالى (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ...) هذه باء السببية، والضمير بعدها يعود إلى قوله الأول (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ...)\n* وتأمل قوله تعالى ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]\nوهو أن الرياح تُلِّقح السحاب بما ينزل بسببه المطر. (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٦٩)\nفالله -عزوجل- خالق الأسباب والمسببات، والمسبب هو الأثر المترتب على وجود السبب.\nومن حكمة الله - تعالى - أنه ربط الأسباب بمسبباتها، ولكن لا يلزم من وجود الأسباب وجود المسببات، وقد توجد المسبّبات مع غياب الأسباب، فالأمر ليس معادلة رياضية، فقد يتواجد السبب ويتخلَّف الأثر، كما وقع لإبراهيم - ﵇- لما أُلقي في النار، وقد يوجد الأثر مع تخلُّف السبب، كما وقع لمريم - ﵍ - لما حملت بلا مس من البشر.\nوقد توسعنا في بسط ذلك في رسالة مستقلة سمَّيناها \"إيقاف الطالبين على فوائد حديث السبعين\"\n (^٢) أشار القرآن الكريم إلى وظيفة هامة تقوم بها الرياح، هذه الوظيفة هي عملية التلقيح، يقول تعالى:\n ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]\nفتقوم الرياح بالتلقيح الريحي للنباتات، وكشف العلم عن نوع آخر من التلقيح هو تلقيح السحاب، فالرياح بمشيئة الله تعالى تثير السحاب بتزويد الهواء بالرطوبة اللازمة، وإن إرسال الرياح بنوى التكثف المختلفة يعين بخار الماء الذي بالسحاب على التكثف، كما يعين قطيرات الماء المتكثفة في السحاب على مزيد من النمو حتى تصل إلى الكتلة التي تسمح لها بالنزول مطرًا أو ثلجًا أو بردًا بإذن الله تعالى.\n (ذكره عادل الصعدي نقلًا من موقع: \" جامعةالإيمان\"","vol":"1","page":488},{"text":"* سؤال وجواب:\nهل معرفة توقعات نزول الأمطار من نشرة أحوال الطقس تدخل في ادعاء علم الغيب؟\n* الجواب:\nمعرفة أحوال الطقس لا تدخل في ادعاء علم الغيب، وإنما تبنى على توقعات بهبوب رياح جرت العادة على مجيئها نفس هذا لتوقيت من كل عام مثلًا، فتسبب نزول الأمطار.\nفهذه أمور حسية وتجارب لها مقدمات ونتائج بنيت على علوم تطبيقية عُرف من خلالها أوقات الكسوف والخسوف وأوقات هبوب الرياح ونزول الأمطار.\nوهذا النوع من العلوم مما يُحتاج إليه لمعرفة ما يدرك بالمشاهدة كمعرفة ظل الشمس وجهة القبلة، ونحو ذلك، فلا يدخل تحت النهي، وهو ما يسمَّى \"علم التسيير\".\nوقد رخَّص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق، وروى ابن المنذر عن مجاهد: \"أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر\".\n* وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفي قول أهل التقاويم في أن الرابع عشر من هذا الشهر يخسف القمر، وفي التاسع والعشرين تكسف الشمس، فهل يُصدَّقون في ذلك؟؟\nالجواب:\nالحمد لله الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت مقدر، وذلك مما أجرى الله عادته بالليل والنهار والشتاء والصيف، وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر، وذلك من آيات الله تعالى.\nوقد أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار، وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار، ووقت إبداره هي الليالي البيض التي يستحب صيام أيامها.\nوالعلم بالعادة في الكسوف والخسوف، فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما،","vol":"1","page":489},{"text":"وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه فيها أعظم من صدقه، فإن ذلك قول بلا علم ثابت وبناء على غير أصل صحيح. (^١)\nقال ابن رجب:\nالمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه -أي علم التأثير- باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة، والطرق، جائز عند الجمهور. (^٢)\n* وعلى هذا يقال:\nما يُنقل عن أحوال الطقس كل يوم ليس من ادَّعاء علم الغيب؛ بل هي من علم الشهادة؛ لأنَّ الأقمار الصناعية تصور السحاب وحركة المنخفضات والمرتفعات والرياح، وليس في ذلك شبهة بدعوى علم الغيب؛ فهو يستند إلى أمور حسية. (^٣)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٤/ ٤٢٤)\n (^٢) وانظر لذلك فتح الباري شرح صحيح البخاري (٣/ ٦٩) والزواجر للهيتمي (٢/ ١٩٣)\n (^٣) وجاء في بحث عن ذلك كتبه الدكتور عبد الشكورالعروسي الأستاذ بقسم العقيدة - كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى قال فيه:\nفإن قيل:\nإذا كان الخلق لا يعلمون ما يستقبل من الحوادث، فكيف استطاع الفلكيون معرفة تواريخ الكسوف وساعاته، واستطاع مراقبو أحوال الطقس عن طريق المراصد الجوية الإخبار بأخباره قبل حدوثه؟\nقيل:\nإن ذلك من التجارب البشرية المتكررة التي مكنت العلماء الذين يقومون بالرصد المتواصل من توقع تلك الحوادث على سبيل التوقع والظن، لا على سبيل العلم واليقين، فكما يستنتج أحدنا تقابل قطارين في نقطة معينة إذا كان انطلاقها في وقت واحد وسرعة واحدة سائرًا كلًا منهما في الاتجاه المواجه للآخر.\nفكذلك توقع الفلكيين مرور القمر بين الأرض والشمس في موضع معين في ساعة معينة لا يدل على علم الغيب، وإنما هو توقع مبني على التجارب والملاحظات المتواصلة، والاختبارات المتكررة. وهذا مما لا يجزم بحدوثه ووقوعه، والعلم بالشيء هو الجزم بما هو عليه، أو بما سيقع لا محالة، فليتأمل. اهـ","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>الحديث السادس عشر: البشارة بشرح حديث الإشارة</span>","vol":"1","page":491},{"text":"*نص حديث الباب:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: \" رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَة: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وَيَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ.\n*تخريج الحديث:\nأخرجه أبوداود (٤٧٢٨) باب: في الجهمية، وقال: «وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ»،\nوابن خزيمة في التوحيد (ص/٤٢)، وابن حبان (٢٦٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص/٢٠٩) والحاكم (٢٩٢٥)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nوقال ابن حجر: أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم.\nوقال اللالكائي: وهو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه. (^١)\n* جملة من الفوائد المهمة: -\n١ - الأولى:\nفي قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾\nفهذه الأية تشتمل على إثبات اسمين من أسماء الله الحسنى، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف/١٨٠)\nوهما: السميع والبصير.\n_________\n(^١) قال في \" أنيس الساري \": إسناده صحيح، إلا أنّ مسلمًا لم يُخرج رواية أبي عبد الرحمن المقرئ عن حرملة بن عمران، ولا رواية حرملة بن عمران عن سليم بن جُبير.\nوانظرفتح الباري (١٣/ ٥٢٨) وأنِيسُ السَّاري في تخريج أحاديث فَتح البَاري (٣/ ١٨٢٢) والسلسلة الصحيحة تحت الحديث (٣٠٨١)","vol":"1","page":493},{"text":"فوائد تتعلق ب<span data-type=\"title\" id=toc-120>معتقد أهل السنة في أسماء الله تعالى:</span>\n١ - الفائدة الأولى:\n- أسماء الله -تعالى - ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والنظر:\nقال تعالى (هُوَ اللَّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ المَلِكُ القُدّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ العَزيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبحانَ اللَّهِ عَمّا يُشرِكونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسماءُ الحُسنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ\") (الحشر/٢٤)\n*وكذلك الصفات ثابتة لله عزوجل:\nفمن أدلة الكتاب:\nقال تعالى (وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)﴾ النحل: ٦٠ ﴿\nأي: ولله الوَصفُ الأفضَلُ والأطيَبُ والأحسَنُ، مِن تَوحيدِه، وتنَزُّهِه عن الولَدِ، وأنَّ له جميعَ صِفاتِ الكَمالِ المُطلَقِ مِن جَميعِ الوُجوهِ. (^١)\nوقوله (الأعلى) صيغة أفعل التفضيل، أي أعلى من غيره، وهذا إنما يدل عَلَى أن الكمال المطلق في أي صفة من صفات الكمال فهو لله ﷾.\n٢ - وقال تعالى (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام) (الرحمن/ ٢٧)\nوقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات/ ٥٨)\nوقال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦» (البروج/١٦)\nووجه الشاهد من هذه الآيات على إثبات الصفات في قوله تعالى (ذو الجلال..) وقوله (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)\nووجه الدلالة:\nالقاعدة: \" الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد \"، والمعنى أن ذكر قوله تعالى \" ذو القوة \" يضيف معنى جديدًا عن قوله \" القوي \"، فالأول يعطى معنى صفة لله تعالى، وأما الثاني فإنما يُراد به الاسم، فتغير بنية الكلمة يؤسس معنى جديدًا، ولا يؤكد على نفس المعنى.\n*وأما أدلة السنة على إثبات الأسماء والصفات:\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ -\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١١٩) وتفسير القرأن العظيم (٤/ ٥٧٨)","vol":"1","page":494},{"text":"قَالَ:\n\" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ \" (^١)\n*وعن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ -﵁- قَالَ:\nسَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ:\n\"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ\"، قَالَ: فَقَالَ ﷺ:\n\"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أعطى. (^٢)\n* عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذكروا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ:\nلِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا.\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. (^٣)\n* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - إِنَّ الْيَهُودَ جَاءَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالُوا:\nيَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد\" (^٤)\n*وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n\" بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٧٧) والترمذي (٣٥٠٨)\n (^٢) أخرجه الترمذى (٣٤٧٥) وأبوداود (١٤٩٤) وصححه الألبانى.\n (^٣) متفق عليه.\nوقد ذكر ابن حزم في سياق كلامه عن إنكار الصفات هذا الحديث وأشار إلى ضعفه، حيث غمز في أحد رواته وهو سعيد ابن أبي هلال، ولا شك أن هذا الكلام عارٍ عن الصحة، فقد وثّق هذا الراوي:\nالذهبي والخطيب وابن حبان والدارقطني وابن خزيمة وابن عبد البر، وأخرج له الشيخان، وقال عنه ابن حجر: \"ثقة ثبت، ضعفه ابن حزم وحده \".\nوانظر الفصل (١/ ٣٧٨) وسير أعلام النبلاء (٦/ ١٢٨) ولسان الميزان (٣١٤١)\n (^٤) رواه أحمد (٢١٢١٩) والواحدي في \"أسباب النزول\" (٢٦٢) والترمذي (٣٣٦٤)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" رقم (٦٠٨)، وابن حزيمة في \"التوحيد\" (٤٥)، الدارمي في \"الرد على الجهمية برقم (٢٨) من حديث أبي بن كعب ﵁، والحاكم (٣٩٨٧) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسَّن الحافظ إسناده في الفتح «١٣/ ٣٥٦)، وحسَّنه الألباني في \"صحيح سنن الترمذي (٢٦٨).","vol":"1","page":495},{"text":"تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ \". (^١)\nووجه الدلالة من ذلك:\nأن أيوب -﵇- قد أقسم بصفة من صفات الله تعالى، ومعلوم بالنص والإجماع حرمة القسم إلا بالله تعالى، فدل ذلك أن صفاته -تعالى- منه، وقائمة به تعالى.\n*وأما الإجماع:\nفقد أجمع أهل السنة على إثبات الأسماء والصفات لله - تعالى - على مايليق به\n (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشوري/١١)\nقال ابن عبد البر:\nأهل السنة مجموعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيّفون شيئا من ذلك ولا يحدُّون فيه صفة محصورة. (^٢)\n*ومن العقل من وجهين:\n*الأول:\n\" كل صفة كمال اتصف بها المخلوق فالله - ﷾ - أولى بالاتصاف بها، وأن كل صفة نقص هي عيب في المخلوق فالله - ﷾ - منزه عنها من باب أولى \". وهذا هو قياس الأولى، فإذا كان الإنسان يُمدح بأن له صفات كمال -على ما يليق به- وهو مخلوق، فمن باب أولى أن يُوصف الخالق -سبحانه - بصفات الكمال كلها. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٩١) وأحمد (١٠٦٣٨)\n (^٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٣/ ٣٥١)\n (^٣) تنبيه:\nقولنا \" كل صفة كمال اتصف بها المخلوق فالله أولى أن يتصف بها..، فهذا متعلق بصفات الكمال المطلق، كالعزة والقوة والحكمة، لا الكمال النسبي، كصفة الولد -مثلًا- صفة كمال في المخلوق، وهي نقص في الخالق. وكذا يقال في صفات: النوم والطعام.\nوكذلك قولنا \"وكل صفة نقص في المخلوق فالله منزه عنها من باب أولى \" فهذا متعلق أيضًا بصفات النقص المطلق، كالعجز والفقر، لا الكمال النسبي، كصفة الكبر -مثلًا- فهي صفة كمال لله تعالى، وصفة نقص من ناحية الشرع في حق المخلوق.","vol":"1","page":496},{"text":"*الثاني:\nأن الذي لا وصف له هو المعدوم، ومن ثم فإن نفاة صفات لله -تعالى - إنما في الحقيقة يعبدون عدمًا.\nلذا فهم في الحقيقة لم يثبتوا خالقًا، فقولهم:\nبأن الله -تعالى - لا يعلم، ولا يتكلم، ولا يسمع، ولا يرى، وليس له يد، وليس له وجه، ولا قدرة ولا إرادة وليس فوق السماوات ولا تحتها، وقولهم بنفى جميع الأسماء والصفات عن الله -تعالى -هذا في الحقيقة ما أفاد شيئا؛ لأنه لا يوجد شيء مسلوب الأسماء والصفات إلا العدم، فكل موجود لا بد له من صفات، حتى الجماد، لذا فقد آل الأمر بالمعطلة النفاة إلى أن صاروا يعبدون عدمًا، ولا يثبتون خالقًا.\nفالجهمية النفاة غالوا في التنزية فعبدوا عدمًا، والمقاتلية والرافضة المجسمة غالوا في التشبية فعبدوا صنمًا. (^١)\nوأهل السنة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل هم أسعد الناس بقوله تعالى﴾ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿.\nقال أبو يوسف القاضي:\nصنفان ما على وجه الأرض شر منهما: الجهمية والمقاتلية. (^٢)\n٢ - الفائدة الثانية: أسماء الله حسنى:\nقال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الآية. فأخبر الله -تعالى - أنّ له الأسماء وأنّها حُسنى.\nوإنما سُمِّيت بذلك لأنها دالة على معاني\n_________\n(^١) والمقاتلية: أتباع مقاتل بن سليمان البلخي، قال أبو حنيفة قال:\nأتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبّه \". وقال عنه ابن حبان:\nكان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبهًًا يشبّه الرب بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك الحديث.\nوانظر \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ١٦٤) و\"المجروحين من المحدِّثين \" (١٦/ ٣٤٨)\n*تنبيه:\nمقاتل بن سليمان الخراساني، إمام مشهور من أئمة التفسير، والخلاف في نسبة مقالة التشبيه إليه طويل، ويحتاج ذلك إلى تحرير ومراجعة تاريخية، وقد نفى بعض الدارسين هذه المقالة عن مقاتل، وذلك بناءً على عدد من الأدلة والشواهد. وانظر العقود الذهبية (١/ ١٧٣)\n (^٢) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٠٨).","vol":"1","page":497},{"text":"الحسن والجمال والجلال والعظمة، والحسنى: أي: البالغة في الحُسن أعلاه، لا شيء أحسن منها، فالحسنى هي: المتناهِيّة في الحُسن، فكلُّ أسماء الله حسنى.\nوهذا هو معنى قول أهل السنة إن أسماء الله -تعالى- مشتقّة، فالمراد أنها ليست أعلامًا محضة كما يقول المعتزلة، بل إن كل اسم يتضمن صفة حسن وعظمة، فكل اسم من أسمائه - تعالى - يدل على الذات المسمَّاة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nالله - سبحانه - له الأسماء الحسنى كما سمَّى نفسه بذلك وأنزل به كتبه وعلمه من شاء من خلقه، كاسمه الحيَّ والعليم والرحيم والحكيم والأول والآخر والعليَّ والعظيم والكبير ونحو ذلك، وهذه الأسماء كلها أسماء مدح وحمد تدل على ما يحمد به، ولا يكون معناها مذمومًا. (^١)\n*وقد خالف في هذا المعتزلة الذين جعلوا أسماء الله -تعالى- جامدة وليست مشتقة، والمعنى أنهم قالوا إن أسماء الله -تعالى - ليست دالة على أوصاف ومعاني لله تعالى، فقالوا: لفظ الجلالة \" الله\" مجرد علَم يدل على ذات الله عزوجل، وليس علَمًا متضمنًا لمعاني الكمال والعظمة.\nوقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، فجعلوا دلالة الأسماء مقصورة على الذات فقط دون الصفة. (^٢)\n*وفعل المعتزلة هذا إنما يعد من الإلحاد في أسماء الله، فإن الإلحاد في الأسماء\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٢٩٨)\n (^٢) وبذلك فالمعتزلة جعلوا أسماء الله -تعالى- في منزلة أسماء البشر، يراد بها الدلالة على الذات فقط دون الوصف، فقد يسمَّى الشخص \"كريم\"وهو من أشد الناس بخلًا،، وتتلخص شبهة القوم في إنكار صفات الله -عزوجل-في زعمهم أن اتصافه - تعالى- بالصفات يلزم منه إثبات التعدد، لهذا نفوا عن الله -تعالى- سائر الصفات وسمُّوا لذلك أنفسهم أهل التوحيد، ومرادهم بذلك أنهم هم الذين حققوا وصف الله بالواحد بنفي الصفات.","vol":"1","page":498},{"text":"الحسنى له عدّة معانٍ منها:\nالمعنى الأول:\nجُحودها ونفيُها كما نفتْها الجهميّة.\nوهذا أعظم الإلحاد فيها، فالذي يقول: \"إن الله ليس له أسماء، لأنّ الأسماء موجودة في المخلوقين، فإذا أثبتناها صار تشبيهًا\".\nفهذا جاحدٌ لأسماء الله، ملحِدٌ فيها- والعياذُ بالله- أعظم الإلحاد، وهذا كُفرٌ بالله ﷿.\nب) المعنى الثاني:\nتأويلُها عما دلّت عليه، كما فعلت المعتزلة فإنهم يُثبتون الأسماء ولكنّهم ينفون معانيها وما تدل عليه من الصّفات، فالذي لا يُثْبِتُ الصّفات مُلحدٌ في أسماء الله، لأنّه جحد معانيها، وجعلها ألفاظًا مجرَّدة لا تدلّ على شيء. (^١)\nجـ) المعنى الثالث:\nأن يدخل فيها ما ليس منها.\nد) المعنى الرابع:\nتعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنَّها ألفاظٌ مجردةٌ لا تتضمن صفات ولا معاني.\n٣) الفائدة الثالثة:\nأسماء الله - تعالى - توقيفية:\nوهذا الذى عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة، أن أسماء الله -تعالى- لا تُعرف إلا بما ورد به الأثر الصحيح.\nفلا نثبت لله -تعالى- اسمًا إلا بدليل من كتاب أو سنة، ومن أدلة ذلك:\nأ) قوله تعالى (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة /٣)\nفأصل من أصول الإيمان هو الإيمان بالغيب، ومن الإيمان بالغيب أن نؤمن بمجمله دون الخوض فيما لا نعلم، وأسماء الله -تعالى- من هذا الباب الغيبي الذى لا سبيل للعلم به إلا بوحى.\nب) قوله تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)\nفقوله: الأسماء: (الـ) هذه تسمى العهدية، أي التي تعهدونها، ونحن لا نعهد من الأسماء إلا ماجاء به الشرع.\n_________\n(^١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٥٥٤)","vol":"1","page":499},{"text":"كما أن قوله ﷾: ﴿فَادْعُوهُ بِها﴾ يعني ادعوا الله بأسمائه التي سمَّى بها نفسه أو سمَّاه بها رسوله، ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية.\nفمن ادَّعى أن الله -تعالى- من أسمائه اسم كذا... فعليه الدليل، وإلا دخل فى قوله تعالى \" إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) \" (يونس/٦٨ - ٦٩)\nوقوله تعالى \" وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ \" (الإسراء/٣٦).\nفتسمية الله بما لم يسمِ به نفسه أو إنكارما سمَّى به نفسه جناية فى حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب فى ذلك.\nوالتوقيف في أسماء الله - تعالى- يقتضى ألا نسميه -تعالى- إلا بما ورد به النص، فإنه يُسَمَّى جَوادا ولا يُسَمَّى سَخِيًّا، وإن كان في معنى الجواد، ويُسَمَّى رَحِيمًا ولا يُسَمَّى رَقيقا، ويُسَمَّى عَالِمًا، ولا يُسَمَّى عاقلًا. (^١)\nقال أحمد:\n\"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة\". (^٢)\nقال ابن حزم:\nونرد على من أقدم على أن يسمِّى الله - تعالى - بغير نص، فنقول:\nلا تتعد ما جاء به النص. (^٣)\nوقال أبو القاسم القشيري:\nالأسماء تؤخذ توقيفًا من الكتاب والسنة والإجماع، فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه، وما لم يرد لا يجوز، ولو صح معناه. (^٤)\n*ومن النظر:\nفمن المعلوم أنه لا يجوز تسمية الرسول -ﷺبما ليس من أسمائه،\n_________\n(^١) لباب التأويل في معاني التنزيل (٢/ ٢٧٦) وتفسير القرآن للسمعاني (٢/ ٢٣٥) والقواعد المثلى (ص/١٣)\n (^٢) لمعة الاعتقاد (ص/ ٩).\n (^٣) الفصل والملل (١/ ٤٢١) وممن نص على ذلك من الأئمة: السجزي في رسالته إلى أهل زبيد (ص/١٢٢)\nوقوام السنة الأصبهانى في \" الحجة في بيان المحجة \" (٢/ ٣٨٣)\n (^٤) شرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٨)\nوأبو القاسم القشيري هو عبد الكريم بن هوازن النيسابوري الشافعي، الملقب بـ \"زين الإسلام\"، قال ابن السبكي:\n\"كان فقيها بارعا، أصوليًا محققًا، متكلمًا سنيًا، محدثًا حافظًا، مفسرًا متقنًا، نحويا لغويًا أديبا. أشهر كتبه \" التفسير الكبير\" و\"الرسالة\" وغيرها. توفي سنة ٤٦٥ هـ. انظرترجمته في طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٥٣)","vol":"1","page":500},{"text":"وكذا كل كبير من الخلق، فإذا امتنع ذلك في حق المخلوقين فامتناعه في حق الله تعالى أولى. (^١)\nقال السفاريني:\nوالحق أن أسماءه توقيفية... ولنا بذا أدلة وفيِّة \" (^٢)\n*وقد عدَّ العلماء أن من أنواع الإلحاد التى حذَّر الله -تعالى - منها في قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾\nأن يدخل فيها ما ليس منها.\nقال البغوي:\nقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يتسم به ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ. (^٣)\nلأنّ القاعدة في أسماء الله:\n\" أن لا يُسمّى إلاّ بما سمّى به نفسَه، أو سمّاه به رسولُه ﷺ \" فما لم يسمِّ الله به نفسَه ولم يسمِّه به رسولُه ﷺ فلا يجوز أن يُطلَق على الله تعالى.\n* تنبيه:\nإذا كانت الأسماء والصفات لابد أن تكون توقيفية وأن تكون حسنى، فمثل هذا مما يُغتفر في مقام الإخبار عن الله تعالى.\nفالأخبار لا يشترط فيها الحسن، ولكن يشترط ألا تنزل إلى مرتبة السوء والنقص، ومثال ذلك: قولنا - مثلًا - \" حرَّم الشارع شرب الخمر \"، فالشارع هنا ليس اسمًا لله -تعالى- ولا صفة؛ فإنه لا حُسن فيه، وإنما هو خبرعن الله تعالى.\n*ولهذا نظائر في الكتاب والسنة:\nفمن الكتاب:\nقوله تعالى (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)\nففي الأية جاء السؤال: أى شيء؟؟،\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٩) والمقصد الأسنى (ص/١٠٩)\n (^٢) لوامع الأنوار البهية (ص/١٢٤)\n (^٣) معالم التنزيل (٣/ ٣٥٧).","vol":"1","page":501},{"text":"وجاء الجواب: قل الله...\n* ومن السنة:\nقول النبي ﷺ: \" لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ \" (^١)\nفقد أخبر ﷺ عن الله -تعالى- بلفظ \" شخص \".\nوعن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ \". (^٢)\nفالدهر ليس اسمًا لله -تعالى - ولا صفة له؛ وذلك لأمرين: -\n١ - أنه لا حُسْن فيه من كل وجه.\n٢ - أنه قد ورد فى نص الحديث قوله تعالى:\n\" وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ\"\nقال الله \"بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\" فتبين أن معنى أن الله -تعالى- هو الدهر أي: أن الله هو المتصرف فى أمور الدهر.\n* يؤيده:\nقوله تعالى\" وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ\" (الجاثية/٢٤)، فلو كان الدهر اسمًا من أسماء الله -تعالى- لما كفر الدهريون.\n* وعليه فالقاعدة: \" يُغتفر في باب الأخبار ما لا يُغتفر في غيره \"\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل، وبه يظهر الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه وجل مما هو حق ثابت، لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال، ونفي ما تنزه عنه ﷿ من العيوب والنقائص، فإنه الملك القدوس السلام، سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nوقال تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠] مع قوله ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ [الأنعام: ١٩]،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٩٩)\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":502},{"text":"ولا يقال في الدعاء: يا شيء. (^١)\nقال ابن القيم:\nما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفًا، كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه. (^٢)\nسؤال: - كم اسمًا الله تعالى؟\nالصحيح فى هذه المسألة أن أسماء الله -تعالى- لا تحصر بعدد معين، بل لله -تعالى- أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهذا قول جماهير العلماء وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على هذا، وقد نقل النووي اتفاق العلماء على هذا. (^٣)\nومن أدلة ذلك: -\n١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\"مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا\". (^٤)\nوبهذا الحديث قد استدل الخطابي وابن كثير وابن القيم وغيرهم على أن اسماء الله -تعالى-لا حصر، فقوله \" أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ \":\nدليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها غيره. (^٥)\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٩٨) والنهج الأسمى في شرح الأسماء الحسنى (ص/٣٣)\n (^٢) بدائع الفوائد (١/ ١٤٥)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢) وشرح النووي على مسلم (٩/ ٥)\n (^٤) أخرجه أحمد (٣٧١٢) والحاكم (١٨٧٧) وصححه، وصححه ابن القيم في شفاء العليل (ص/ ٢٧٤) والألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٣٣٦) وصححه الشيخ أحمدشاكر.\n (^٥) شفاء العليل (ص/٢٧٧)","vol":"1","page":503},{"text":"٢) وروى الشيخان من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- في حديث الشفاعة الطويل: يَقُولُ أهل الموقف: يَا مُحَمَّدُ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَلِيَقْضِ بَيْنَنَا \" قَالَ:\n\" فَأَقُولُ: نَعَمْ، فَآتِي بَابَ الْجَنَّةِ، فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيُقَالُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدُ فَيُفْتَحُ لِي فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي، وَلَا يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ بَعْدِي، فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي \". (^١)\nففي قوله ﷺ: \"فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي \"، وفي رواية \" فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآنَ، يُلْهِمُنِيهِ اللهُ \"\nدلالة أنه ﷺ يتعلم تلك المحامد يوم القيامة.\n٣) عَنْ عَائِشَةَرضي الله عنها- قَالَتْ:\nفَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ:\n «اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ،\nلَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفإذا كان أفضل الخلق لا يحصي ثناء عليه ولا يعرف الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة؛ فكيف يكون غيره عارفًا بجميع محامد الله والثناء عليه، وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه داخل في محامده. (^٣)\n*ومن النظر:\nكثرة الأسماء تدل على عظم المسمَّى، ولا شيء أعظم من الله -تعالى- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.\n* إشكال والجواب عليه:\n-عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ - قَالَ:\n\" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ \" (^٤)\nاستدل البعض بهذا الحديث على حصر أسماء الله -تعالى- في هذا العدد فقط. (^٥)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه مسلم (٤٨٦) والترمذى (٣٤٩٣)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٧٤)\n (^٤) أخرجه مسلم (٢٦٧٧) والترمذي (٣٥٠٨)\n (^٥) وقد ذهب ابن قدامة فى كتابه (المناظرة فى القرآن الكريم) إلى أن أسماء الله -تعالى - تسعة وتسعين اسمًا فقط؛ وذلك لحديث (إن لله تسعًا وتسعين اسمًا....)\nوأما ابن حزم فزعم أن من زاد شيئًا في الأسماء عن التسعة والتسعين فقد ألحد في أسمائه، وهو مع قوله بهذه الأسماء الحسنى فلم يثبت منها إلا الألفاظ المجردة من المعاني المثبتة للصفات. وانظر (المحلى (١/ ٣٠) ومقدمة \"الدرة\" (ص/١٦٠)","vol":"1","page":504},{"text":"*والجواب:\nأن هذا الحديث لم يسق لحصر أسماء الله -تعالى- في هذا العدد، وإنما سيق لبيان مسألة مهمة وهي تفاضل أسماء الله تعالى.\nوالمعنى أن الله -تعالى-كما فاضل بين خلقه ورسله -﵈- فقال عزوجل (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة/٢٥٣)\nفكذلك فقد فاضل الله -تعالى- بين أسماءه وصفاته، ولهذا أدلة كثيرة (^١)،\nومنها هذا الحديث، فقد أفاد أن الله -تعالى- مع كثرة أسمائه التى لا حصر لها قد جعل لهذه الأسماء خاصة ميِّزة ليست في غيرها من سائر الأسماء ألا وهي أن من أحصاها دخل الجنة.\nقال الخطابي:\nقوله ﷺ \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا \": فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذ العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء؛ لأنها أشهر الأسماء، وأبينها معاني وأظهرها، وجملة قوله:\n\"إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة\" قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الفائدة في خبر \"إن\" في قوله: \"من أحصاها دخل الجنة\"، لا في قوله.: \"تسعة وتسعين اسما\"، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة..\nوهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، وإنما دلالته: أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم. (^٢)\n* أضف إلى ذلك:\nأن لفظ الحديث أصالة لم يفد الحصر، ففارق بين قولك\n_________\n(^١) ومن ذلك قوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾\n، وكذلك دعائه ﷺ: \" اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك\"، فالرضا والسخط صفتان لله - تعالى - وقد فاضل بينهما الرسول ﷺ.\nوقول الرسول ﷺ: يا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (أخرجه مسلم)\n (^٢) ذكره في شأن الدعاء (ص/٢٤) وقد ذكر مثله ابن القيم \" فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى\" (ص/٤٠)","vol":"1","page":505},{"text":"\"أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا \"، وهو ما قد يكون حجة لمن ادَّعى حصر الأسماء في هذا العدد، وقولك \" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا... \" وهو نص الحديث.\n*وهنا فوائد:\n١) الأولى:\nلم يصح حديث في تعيين أسماء الله -تعالى- الحسنى، وقد ورد في رواية حديث \" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا.... \" زيادة عند الترمذى وابن ماجه والحاكم فيها سرد هذه الأسماء على التفصيل، ولكن كل طرقها ضعيفة (^١).\nقال ابن حجر:\nوقد ساق الترمذي وابن حبان الأسماء، والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nلم يرد في تعيين التسعة والتسعين اسمًا حديث صحيح عن النبي ﷺ. (^٣)\n_________\n(^١) تعيين هذه الأسماء إنما جاء في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجه، وفي رواية عبد العزيز بن الحصين عن أيوب عن محمد بن سيرين عند الحاكم في المستدرك، وقد تكلم العلماء في هذه الطرق بما يوجب ضعفها سندًا ومتنًا.\n*وأما رواية الترمذي في سرد هذه الأسماء فقد ضعفها ابن حزم وابن كثير والبغوى وابن القيم، وذلك للاضطراب الشديد في متنها، من حيث الزيادة والنقص في الأسماء، كما أن في سندها الوليد بن مسلم وهو مدلس. وقد قال الترمذي بعد روايتها: غريب، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -. ولا نعلم في كثير من الروايات ذكرالأسماء إلا في هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا= =الحديث بإسناد غير هذا، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - وليس له إسناد صحيح.\n* وأما رواية ابن ماجه (٣٨٦١) فهى رواية ضعيفة لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني.\nقال الذهبي: ليس بحجة. قال ابن حجر: لين الحديث، وقال ابن حبان: وكان يجيب فيما يسئل عنه ينفرد بالموضوعات، لا يجوز الاحتجاج بروايته.\n*أما رواية الحاكم ففي سندها العزيز بن حصين الترجمان، قال البخاري: ليس بالقوي، وقال مسلم وابن معين: ذاهب الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث، وضعفه ابن عدي. وقال الحافظ: أورد له العقيلي في الضعفاء \" حديث الأسماء \" وحديثًا آخر، وقال: لا يتابع عليهما وكلاهما فيه لين واضطراب.\nوانظر الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (١/ ٦٦٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ٥١٢) والمجروحين من المحدّثين (٢/ ١٣٨) ولسان الميزان (٥/ ٢٠٢)\n (^٢) بلوغ المرام (ح/١٣٨٢)\n (^٣) الفتاوى الكبرى (٢/ ٣٨٠)","vol":"1","page":506},{"text":"٢) الثانية:\nمعنى من أحصاها: ورد فيها أقوال وأرجحها أنَّ أحصاها:\nأي عدَّها وحفظها وتعرَّف على معانيها، وأثنى على الله -تعالى- بها، ودعاه بها، وتعبَّد لله بمقتضاها. فإذا علمتَ أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمتَ أنه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمتَ أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمتَ أنه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه. (^١)\n* ومما يدخل في معنى الإحصاء:\nالاتصاف بما تضمنه أسماء الله -تعالى- من المعاني، إلا ما خصه دليل التحريم.\nوهذا الأمر دل عليه ما ثبت من قول النبي ﷺ: (إن الله جميل يحب الجمال) (^٢).\nومثال ذلك:\nتعلم أن الله -﷿رحيم كريم: فتكن أنت كذلك رحيمًا كريمًا. (^٣)\n* فرع:\nباب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأن الصفات تتعلق بأفعال الله، وأفعاله -تعالى- لا حصر لها.\n٢ - كل اسم ثبت لله -عزوجل- فهو متضمن لصفة، ولا عكس.\nفكل اسم يشتق منه صفة: اسم الرحمن يتضمن صفة الرحمة، واسم العظيم يتضمن صفة العظمة، ... وأما الصفات والأفعال فلا يشتق منهما أسماء لله تعالى.\n_________\n(^١) القول المفيد شرح كتاب التوحيد (٣/ ٩٠)\n (^٢) أخرجه مسلم (٩١)\n (^٣) ويستثنى من ذلك الصفات التى اختص الله -تعالى- بها نفسه، فجعلها -سبحانه - مما يحرم على العبد أن يتصف بها: ومن ذلك صفات: الكبر والمَن، فالقائل سبحانه عن نفسه ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾\n [الحشر / ٢٣]\nقد ذم من وُصف من بعض المخلوقين بأنه جبار متكبر قال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر / ٣٥]\nوقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" قَالَ اللهُ - ﷿ -: الْعِزُّ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي بِشَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ) (أخرجه مسلم (٢٦٢٠)\nوقال ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (أخرجه مسلم /١٠٦)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nمن أسمائه وصفاته ما يحمد العبد على الاتصاف به كالعلم والرحمة والحكمة وغير ذلك، ومنها ما يذم العبد على الاتصاف به كالإلهية والتجبروالتكبر. (الصفدية (٢/ ٣٣٨»","vol":"1","page":507},{"text":"فصفة الإرادة مثلًا لا يشتق منها صفة المريد، وكذلك صفة الإستواء والإتيان والكتابة.... (^١)\nقال ابن القيم:\nوقد أخطأ - أقبح خطأ - من اشتق له من كل فعل اسمًا، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف، فسمَّاه الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد ونحو ذلك، وكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به، فإنه يخبر عنه بأنه شيء، وموجود، ومذكور، ومعلوم، ومراد، ولا يسمَّى بذلك. (^٢)\n* ومثال لما ذكره ابن القيم من التوسع فى باب الاشتقاق:\nقد ذكر الأصبهانى اسم \"الباقي \" ضمن أسماء الله تعالى، واستدل بقوله تعالى (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧» (الرحمن: ٢٧)\nوعقَّب بابطين فى \"لوامع الأنوار\" أن إطلاق اسم \"الباقي \"على الله -تعالى - فيه نظر؛ فالتعبير عن الصفة بالفعل لا يعنى أن يشتق له اسم منها. (^٣)\n*تقسيم الصفات:\nتنقسم الصفات الإلهية إلى ثبوتية وسلبية: -\n١ - أولًا الصفات السلبية: - وضابطها أن تبدأ بـ (لا، ما)، ومن أمثلة ذلك:\nقوله تعالى (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، وقوله تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، وقوله تعالى (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)\nوقول النبي ﷺ (إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) (^٤)، وقوله ﷺ:\n (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (^٥)\nفمثل هذه الصفات السلبية ننفيها عن الله -تعالى - مع\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ١٦٢) وصفات الله في الكتاب والسنة (ص/٢٢)\n (^٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٤٨)\nوقد ذكر - ﵀فى كتابه طريق الهجرتين (ص/٣٣٠) عدة وجوه في بيان خطأ اشتقاق أسماء لله -تعالى- من الأفعال، فليرجع إليه من شاء.\n (^٣) وانظر الحجة على تارك المحجة (١/ ٤٥) وتعليق الشيخ بابطين على لوامع الأنوار (١/ ٣٩)\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) متفق عليه.\nوإن كان البعض يتحرج من تسمية مثل هذا النوع من صفات الله بالسلبية، ويقول نسميها المنفية؛ لأن من معاني السلب:\nنزع الشئ على سبيل القهر، إلا أن هذا لا يمنع أن أحد معاني السلب النفي، وعليه فلا بأس أن نسميها سلبية؛ فإنه هناك من الصفات التى وصف الله بها نفسه وهي تقتضي النقص علي بعض المعانى، والكمال على المعنى الاخر، فوصف الله بها نفسه على معنى الكمال، فإن جاز في ذلك، فهو فيما دونه أولى بالجواز.","vol":"1","page":508},{"text":"إثبات كمال الضد، وإنما يقال \" مع إثبات كمال الضد \": لأن النفي المحض ليس بكمال، ونظير ذلك قوله تعالى\n (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) (فاطر/٤٤) فقد نفي الله -تعالى- العجز عن نفسه وأثبت كمال قدرته، وكذلك (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) فالله -تعالى- قد نفي عن نفسه -تعالى السِنة والنوم لكمال قيوميته.\nوكذلك يقال في قوله ﷺ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا) (^١)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nوينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض. (^٢)\n* كذلك فالصفات السلبية تكون على الإجمال لا التفصيل؛ لأن هذا هو الأدب مع الله -تعالى-والأبلغ في تعظيم الله، أما الثبوتية فتكون على التفصيل، كما تجد بيان ذلك في آية الكرسي وأواخر سورة الحشر وفواتح سورة الحديد.\n*ثانيًا: الصفات الثبوتية: وهى تنقسم إلى (ذاتية -فعلية - خبرية)\n١ - الصفات الذاتية:\nوهي الصفات التي لا تنفك عن الله تبارك وتعالى، كالقدرة والعلم والعزة والعلو، ...\nفلم يزل ولا يزال متصفًا بها ﷾. فمثل هذه الصفات لا يمكن أن تتعلق بالمشيئة.\n٢ - الصفات الفعلية:\nوهذه الصفات هى التى تتعلق بالمشيئة، يفعلها عزوجل إذا شاء، ولا يفعلها إذا شاء.\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥)","vol":"1","page":509},{"text":"مثال: (الضحك - الإستواء - النزول - الغضب - المجئ - الإتيان - الكلام - الكتابة) وضابطها \" إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل \"\n٣ - الخبرية:\nوهى الصفات التى مسمَّاها عندنا أبعاض وأجزاء، وهى لله -تعالى-صفات تليق بكماله وعظمته مثال: (الساق - اليد - الوجه - الكف - الأنامل - الأصابع - القدم - الرْجل)\n* نفاة الصفات الإلهية، وأهم شبهاتهم:\nوالقول بنفي الصفات الإلهية قول محدث فى أمة الإسلام، كما نص على ذلك أبو العباس ابن تيمية بقوله:\nومن له عناية بآثار السلف يعلم علمًا يقينًا أن قول النفاة إنما حدث فيهم في أثناء المائة الثانية، وأن أول من ظهر ذلك عنه الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وقد قتلهما المسلمون. (^١)\nوقد ذهب الجهمية إلى نفي الصفات الإلهية بدعاوى باطلة وشبهات ساقطة.\nقال عبد القادر الجيلاني:\nأنكر الجهمية جميع صفات الحق عزوجل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. (^٢)\nبل قد نفى جهم بن صفوان عن الله -تعالى - كل صفة قد يتصف بها البشر، بدعوى نفى المشابهة، فنفى كونه حيًا أو عالمًا أو موجودًا أو مريدًا. (^٣)\n* وأما المعتزلة:\nفلم يثبتوا من الصفات إلا ثلاثة فقط، وهى من الصفات الذاتية:\n\" الحياة والعلم والقدرة \"، ولكنهم ما جعلوها معانٍ قائمة بذات الله تعالى، بل هى صفات أزلية ملازمة للذات.\nفجمهور المعتزلة يرون أن الله -تعالى-عالم بذاته، أوعالم بعلم وعلمه ذاته، لا بعلم زائد على ذاته، وقادر بقدرة، وقدرته ذاته، وحي بحياة، وحياته ذاته... \"، وهكذا في سائر الصفات. (^٤)\n_________\n(^١) درء التعارض (٧/ ٦٣)\n (^٢) وانظر الغنية (ص/١١٤) ومقالات الجهم بن صفوان (ص/٣٨٥)\n (^٣) انظر التبصير في الدين (١/ ١٠٨) والملل والنحل (١/ ٧٣)\n (^٤) والفرق بين هذين الرأيين أن القول بأن \" الله عالم بذاته لا بعلم \"، هو نفي للصفة، أما القول أن الله عالم بعلم، وعلمه ذاته فقد أثبت صفةً هي بعينها الذات \"، فالخلاف لا يتعدَّى أن يكون خلافًا لفظيًا.\nوانظر الملل والنحل (١/ ٥٣) ومختصر التحفة االاثنى عشرية (ص/٨٠) والتأويل في الصفات الإلهية (ص/١٦٩)","vol":"1","page":510},{"text":"قال القاضي عبد الجبار وهو يبيّن معنى التوحيد عند المعتزلة:\nوأجمع مشايخنا أن الله واحد فى صفاته، وأن كل صفات الله أنها للذات، أوترجع إلى الذات، وقالوا قادر لذاته؛ وليس قادرًا بقدرة، ..... فهذا قول مشايخنا فى التوحيد. (^١)\nوقد نقل ابن المرتضى تلميذ القاضي عبد الجبار إجماع المعتزلة على قولهم في الصفات، فقال:\n\"وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعوا على أن للعالَم مُحدِثًا، قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا، لا لمعانٍ. (^٢)\nومعنى هذا الإجماع:\nأن هذه الصفات ليست معاني تقوم بذات الله، وإنما هي أحكام تضاف إلى الله عزوجل.\nوأما الأسماء التى أثبتوها فقد جعلوها أسماءً جامدة لا تدل على أية معانٍ، فقالوا سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر.\n* نقول:\nوالقول المؤيد بالأدلة العقلية والنقلية أن صفات الله- تعالى - داخلة في مسمَّى أسمائه، فمن استعاذ بصفة من صفات الله-عزوجل - أو حلف بها فإنما استعاذ بالله، وحلف به تعالى، ويشهد لهذا الاستعاذة التي علمها النبي - ﷺ - أمته، كما في قوله:\n\" أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ \"، ومنه قوله ﵊: \" اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ \". (^٣)\n*كما أن إنكارالصفات يعد من الإلحاد في أسماء الله -تعالى - وصفاته.\nقال ابن القيم في بيان أنواع الإلحاد في أسمائه وصفاته:\nورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنَّها ألفاظٌ مجردةٌ لا\n_________\n(^١) الأصول الخمسة (ص/٣٦٣)\n (^٢) وانظر المنية والأمل في شرح الملل والنحل (٥٦).\n (^٣) الصفات الإلهية في الكتاب والسنة (ص/٣٤٣)","vol":"1","page":511},{"text":"تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد، ويقولون:\nلا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به.\nوهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإنَّ أولئك أعطوا أسمائه وصفاته لآلتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحدٌ في أسمائه. (^١)\n*ومن شبهات نفاة الصفات:\n١ - الشبهة الأولى: قالوا:\nتعدَّد الصفات يلزم منه تعدَّد الذوات، فالقول بالتوحيد عندالمعتزلة مستلزم لنفي الصفات! (^٢)\nوفي ذلك يقول أبو الثناء اللامشى:\nفلو كان شيء من هذه الصفات ثابتة لله - تعالى - لكانت غير الله، لا ذاته، وإذا كانت غيره فلا يخلو إما أن تكون قديمة أو محدثة:\nوالأول يلزم منه القول بتعدد القدماء، والثاني غير جائز على الله تعالى؛ لأن ذات\n_________\n(^١) فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى (ص/٤٨)\n (^٢) فالتوحيد هو أحد الأصول الخمسة للمعتزلة، ومعناه عندهم لا يتحقق إلا بنفي الصفات، ويعد واصل بن عطاء رأس المعتزلة في ذلك، فهو من أصل وأسس للقول بنفي الصفات، وكان يقول في إشارات منه إلى ذلك: \"إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين\". =\n=وانظر \"الصواعق المرسلة\" (١/ ١٣٦) و\"الملل والنحل\" (١/ ٦٧)\nوقد نص أبوالحسن الأشعري على أن المعتزلة لم تقدر أن تفصح بذلك خوفًا من السيف فأتت بمعناه، وقالت:\nإن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية، من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر\".\nوقال البيجورى وهو يبين شبهة المعتزلة فى نفيهم للصفات:\nوإذا كانت قديمة فيلزم تعدد القدماء، وهو كفر بإجماع المسلمين، وقد كفرت النصارى بزيادة قديمين على الذات العلية، كما قال تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) (المائدة: ٧٣)، فكيف بالأكثر؟!!\nوانظرالإبانة (ص/١٤٣) وتحفة المريد (ص/١٤١)\nوحاصل هذا الإشكال عند المعتزلة زعمهم أنهم إذا أثبتوا أن الله -﷿ - متصف بصفة زائدة على ذاته، فإن ذلك يستلزم أن تكون هذه الصفة قديمة، وهذا يؤدي إلى تعدد القدماء، وهو محال.","vol":"1","page":512},{"text":"البارى حينئذ تكون محلًا للحوادث، وقبول الحوداث من أمارات الحدوث. (^١)\n*وعلى الجانب الأخر ترى الشيعة الإمامية يفرون من هذا اللازم الذى التزمه المعتزلة، حيث نص الشيعة على أن صفات الله هي عين ذاته، وليست زائدة على الذات، فقدرته هي حياته، وحياته هي قدرته. (^٢)\n*والرد:\n١ - قد توسَّط أهل السنة في هذا الباب، فلم يقولوا أن الصفات هى عين الذات، ولم يقولوا هي غيرها، بل الصفات في الحقيقة إنما هى معانٍ وأعراض قائمة بالذات، فليست هى عين الذات، فيكون لازم ذلك وحقيقته هو نفي الصفات، وليست أعيانًا قائمة بذاتها حتى يقال إنَّ إثباتها منافٍ لحقيقة التوحيد.\nفإنما يصح قولكم إذا كانت الصفة عينًا قائمة بذاتها منفصلة عمن يتصف بها. وأنت ترى وتقبل أن تتعدد صفات المخلوق الواحد على ما فيه من ضعف وعجز، فكيف لا تقبل ذلك في خالق هذا الشخص على كماله وعلو قدره سبحانه؟؟!!\n*وقد ضرب الإمام أحمد مثلًا بديعًا للرد عليهم فقال ﵀:\nإذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟! وضربنا لهم في ذلك مثلًا.\nفقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة؟ أليس لها جذع وكرب، وليف وسعف وخوص وجمار؟ .. واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد. (^٣)\nوقال ﵀:\nوقد سمَّى الله رجلا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾، وقد كان هذا الذي سمَّاه الله وحيدًا له عينان وأذنان ولسان\n_________\n(^١) التمهيد لقواعد التوحيد (ص/٦٦)\n (^٢) عقائد الإمامية الأثنى عشرية (ص/٢٧)\n (^٣) الرد على الجهمية والزنادقة (ص/٢٨٣)","vol":"1","page":513},{"text":"وشفتان ويدان ورجلان، وجوارح كثيرة. قد سمَّاه الله وحيدا بجميع صفاته. فكذلك الله، وله المثل الأعلى، هو بجميع صفاته إله واحد. (^١)\n* وتأمل في قول أحمد:\n\" لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره \".\nفالصفة لا تضاف إلى الموصوف على سبيل العطف الذى يتقتضى المغايرة، وإنما\nتضاف إليه من باب إضافة الصفة إلى موصوف.\nقال أبوالعباس ابن تيمية:\nفلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له، فإن لا صفة له لا وجود له في الوجود. (^٢)\nوهذا كلام من شيخ الإسلام - ﵀- من الأهمية بمكان ومفاده أن إثبات الواحدانية لا يفيد شرعًا ولا لغةً نفي الصفات.\nولا يتصور بحال من الأحوال أن تخلوا ذات عن الصفات، فالمعدوم هو الذى لا صفة له، فلا بد إذا كانت الذات موجودة أن تكون موصوفة ولو بصفة الوجود فقط، لهذا لا مفر للمعتزلة ولا غيرهم من أن يثبتوا ذاتًا موصوفة بالصفات.\nوهم أثبتوا صفة الوجود الأزلي وهو ما يعبرون عنه بالقديم، وهذه صفة للذات وليست هي الذات، فيلزمهم من ذلك قبول هذا الأصل الذى هو إن القول بالصفات لا ينافي القول بالتوحيد.\nومن العقل:\nأن الصفات ليست ذوات قائمة بنفسها حتى يلزم من تعددها تعدد الذوات، بل هى نعوت قائمة بالموصوف.\n*ومن اللغة:\nفإن الصفة: ليست ذاتًا مستقلة، بل هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل وقصير وعاقل وأحمق، وغيرها، وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها. (^٣)\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص/٢٨٤)\n (^٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٨٢)\n (^٣) وانظرالتعريفات (ص/١٣٣) والمصباح المنير (ص/٣٩٣)","vol":"1","page":514},{"text":"* ثم نقول:\nقولكم إن إثبات الصفات لازمه تعدد الذوات لازم متناقض؛ إذ إنكم قلتم بإثبات الأسماء لله تعالى، فلمَ لم تقولوا إن تعدَّد الأسماء يلزم منه تعدد الذوات؟\nأليس هذا من التناقض البيِّن؟!!\nفإما أن تخرجوا من هذا التناقض البيّن فتقولوا بنفي الأسماء وتلحقوا في ذلك بركب الجهمية، وإما أن تقولوا بإثبات الأسماء وما يتبعها من إثبات الصفات وتنضووا تحت راية أهل السنة والأثر.\n* ثم يقال: قولكم \"ولا يمكن أن يكون علمًا قديمًا؛ لأنه يوجب تعدد القدماء. . \".\nونقول:\n\"إن قولكم هذا فيه إجمال، لا نجيبكم عليه حتى نعرف مرادكم منه؛ إن أردتم بقولكم \". . علمًا قديمًا\" بمعنى القائم بنفسه المستقل عن موصوفه؛ فصفة العلم ليست قديمة بهذا الاعتبار، بل هي صفة القديم.\nوإن أردتم بقولكم \" قديمًا \": بمعنى أنه لا ابتداء له، ولم يسبقه عدم مطلق، فصفة العلم قديمة بقدم موصوفها، وإذا كان قدمها تابعا لقدم موصوفها:\nفليس هناك تعدد قدماء كما تزعمون، بل هناك قديم وصفته، ولا يلزم من كون الصفة قديمة لقدم موصوفها أن يكون هناك تعدد، وإلا للزم أن تكون صفة الإله إلهًا، وصفة الإنسان إنسانًا. (^١)\nوشبهة المعتزلة هذه ولّدت شبهة وبدعة أخرى، وهي:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-123>هل الصفات هي الله - تعالى - أم غيره</span>؟\nوالجواب:\nأنه لا يقال إن الصفات غير الله تعالى؛ لأنه يفُهم من ذلك أن الصفات أعيان قائمة بذاتها منفصلة عن الله تعالى، ولا يقال إن الصفات هي الله؛ لأنه يُفهم من ذلك نفيها بالكلية.\nفلا يقال هى الله ولا يقال غيره، بل نقول: هى معانٍ قائمة بالله تعالى، مضافة إليه - سبحانه - إضافة صفة إلى موصوف.\nقال ابن القيم:\nليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله، فلفظة الغير\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٢/ ٩٥)، بتصرف.","vol":"1","page":515},{"text":"يراد بهما معنيين: أحدهما المغاير لتلك الذات المسماة بالله، وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقًا، ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها، فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحًا، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أريد أن العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلًا لفظًا ومعنى. (^١)\n٢ - الشبهة الثانية:\nقالوا: لقول بالصفات يلزم منه تشبيه الله -تعالى- بخلقه، ووصفه بالجسمية\" (^٢)\n*والرد عليهم من وجوه:\n*أولًا:\nأما دعواهم أن القول بالصفات يلزم منه تشبيه الله بخلقه:\nفهى دعوى باطلة، فإن نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة دالة على إثبات ما أثبته الله -تعالى- لنفسه من غير تمثيل ولا تشبيه.\nوقد اتخذا نفاة الصفات دعوى التشبيه مطيَّة لنفي الصفات الإلهية، بل وكفَّروا مخالفيهم من أهل السنة المثبتين للصفات، ومثال ذلك ما صنَّفه بشر المريسي وسمَّاه (كفر المشبهة)\nوتأمل الفرق بين تكفير أهل السنة للمشبهة، كما فى قول نعيم من حماد:\n\"من شبَّه الله بخلقه فقد كفر\"، وبين تكفير الجهمية ومن على نحلتهم للمشبهة:\nأ) فأما تكفير أهل السنة للمشبهة:\nفإنما يكفِّرون من أثبت صفات الله - تعالى- على نحو يشابه صفات البشر.\nب) وأما تكفير الجهمية ومن على نحلتهم للمشبهة:\nفإنما يكفِّرون من أثبت\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ١٩)\n (^٢) قال القاضي عبد الجبار: كل ما كان مما لا يجوز إلا على الأجسام يجب نفيه عن الله تعالى، وإذا ورد في القرآن آيات تقتضي بظاهرها التشبيه، وجب تأويلها؛ لأن الألفاظ معرضة للاحتمال، ودليل العقل بعيد عن الاحتمال.!! (المحيط بالتكليف (ص/٢٠٠»","vol":"1","page":516},{"text":"أصل الصفات الإلهية، وحتى لو قال المثبت لها أنا أثبت صفات الله - تعالى- على ما يليق به، وعلى نحو لا يشابه ولا يماثل صفات البشر. * وأما دعواهم أن القول بالصفات يلزم منه تشبيه الله -تعالى- بخلقه:\nفهو كلام بيِّن البهتان وظاهر البطلان، مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس: نقول أولًا:\nقد أثبتت الأدلة المحكمة نفي المماثلة بين الله وخلقه:\nقال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١» (الشورى: ١١)\nوقال عزوجل (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥» (مريم: ٦٥)، وقال تعالى (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤» (الإخلاص: ٤) وعن هَانِئٍ بْنِ يَزِيدَ - ﵁ - قَالَ:\nسَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُمْ يَكْنُونِي أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَانِي ﷺ - فَقَالَ لِي:\nإِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟\nفَقُلْتُ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنْ الْوُلْدِ؟\n\"، فَقُلْتُ: لِي شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَمُسْلِمٌ، قَالَ: \" فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟\nقُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: \" فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ \". (^١)\nووجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ- قد عمد إلى تغيير كنية الرجل لما رأى نوع مشابهة بين فعل الرجل في حكمه بين الناس وبين فعل الله تعالى.\nفقد يُظن أن إطلاق ذلك أن يكون المخلوق مماثلًا للخالق، فيقال له: هذا باطل؛ فإن الله -تعالى- موجود حقيقة والعبد موجود حقيقة، وله تعالي ذات حقيقة والعبد له ذات حقيقة، وليس ذاته تعالى كذات المخلوقات.\nوكذلك له علم وسمع وبصر حقيقة، وللعبد سمع وبصر وعلم حقيقة، وليس علمه وسمعه وبصره مثل علم العبد وسمعه وبصره، ولله كلام حقيقة، وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨١١) وأبو داود (٤١٤٥) وصححه الألباني.\n (^٢) الانتقاد الرجيح (ص/٨١)","vol":"1","page":517},{"text":"* ثانيًا: قد أثبتت الأدلة المحكمة ثبوت الصفات لله عزوجل:\nقال تعالى (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦»\nفلا سبيل للجمع بين هذه المحكمات إلا بالقول بثبوت الصفات الإلهية على ما يليق به عزوجل.\nفالذي قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]. قد نفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]\nفعلمنا من ذلك أن:\n\" الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسمَّيات والموصوفات \"\n* وأما العقل:\nفمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه.\nولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.\n* وأما الحس:\nفإننا نشاهد للفيل جسمًا وأقدامًا وقوة، وللبعوضة جسمًا وأقدامًا وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وأقدامهما، وقوتيهما.\nفإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقًا ممكنًا، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع؛ والاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة.\n* وأما زعمهم أن القول بالصفات يلزم وصف الله -تعالى - بالجسمية:\nفهذا لازم باطل؛ لأن هناك من الأشياء ما لها صفات وليست بجسم، كقولك\n\" الليل طويل \"، فالليل","vol":"1","page":518},{"text":"ليس له جسم، ومع ذلك وُصف بالطول. (^١)\n*ثالثًا:\nأن لفظ الجسمية من الألفاظ المحدثة التى لم يقل به السلف، وقد توقَّف فيه أهل السنة والجماعة نفيًا وإثباتًا؛ حيث أنه لم يأت دليل يثبت ولا دليل ينفي.\n*رابعًا:\nإن كان إثبات الصفات البشرية على إختلافها يستلزم الجسمية فهذا مما ينتفى وقوعه في حق الخالق سبحانه؛ فقد وصف الله -تعالى- نفسه بالسمع والبصر كما ورد في حديث الباب من قوله تعالى (إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)\n، وقد وصف بعض الحوادث بالسمع والبصر، قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فالسمع والبصر لله -تعالى - حقيقيان على ما يليق به سبحانه. وهما كذلك للمخلوق على ما يليق بعجزه وضعفه.\nوكذلك قد وصف الله -تعالى -نفسه بالحياة قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ووصف بعض المخلوقين بالحياة قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾، ... وحياة الله - تعالى- حياة حقيقية لائقة بكماله وجلاله. كما أن حياة المخلوق مناسبة لحاله وعجزه وفنائه.\n* خامسًا:\nمن الجهل البيّن وصف أهل السنة بالمجسمة، وهم يثبتون صفات الله -تعالى- على ما يليق به سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ويقولون عن صفات الله - تعالى: المعنى غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أجمعوا على تكفير من شبَّه الله -تعالى - بخلقه، فهل بعد ذلك يقال عنهم مجسمة؟!!\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nاتفاق المسمّيَين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز\n_________\n(^١) تقريب التدمرية (ص/٢١)","vol":"1","page":519},{"text":"أن يَشركه فيه مخلوق، ولا يُشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾.\nوأما ما نفيتَه فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه. ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل. (^١)\nفلو كان الإنصاف منهجهم حقًا لكان الأولى بتهمة التجسيم أصحاب المعتقدات المنحرفة في عقيدتها، كالهشامية وهم أتباع هشام بن الحكم الرافضي، الذين زعموا أن معبودهم (جسم وله نهاية، وله حد، طوله كعرضه وعمقه) إلى آخر كلام طويل كله تشبيه وتجسيم. وهشام بن الحكم هو أول من أظهر إطلاق لفظ (التجسيم) من متكلمة الرافضة.\nوتوجد هشامية أخرى أتباع هشام بن سالم الجواليقي، التي تزعم أن معبودها على صورة الإنسان، وينكرون أن يكون لحمًا ودمًا، إلى آخر تلك الأوصاف الكفرية، فهما طائفتان جمعهما الإلحاد بالتشبيه والتجسيد وفرقتهما كيفية ذلك التشبيه والصورة. (^٢)\n*ومن الفوائد المهمة المتعلقة بحديث الباب:\n١) الأولى:\nأن النبي -ﷺ- لما قرأ في حديث الباب قوله تعالى﴾ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ. وهذه الإشارة من النبي - ﷺ - فيها دلالة بيِّنة واضحة على إثبات صفتي السمع والبصر لله - تعالى - على ما يليق به سبحانه، فليس السمع والبصر هما الذات أو العلم.\nوحديث\n_________\n(^١) رسالة التدمرية (ص/٣٦)\n (^٢) وقد حكى أبو الحسن الأشعري في \"مقالات الإسلاميين \" (ص/١٣٢) طرفًا من أقوال المجسمة الهشامية، وانظر الفرق بين الفِرق (ص/٦٥) والموسوعة الميسرة (٢/ ١٠١١)","vol":"1","page":520},{"text":"الباب يدل على بطلان زعم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن معنى كونه سميعًا بصيرًا: أى أنه عالم بالمسموعات والمبصرات؛ إذ أنه لو كان السمع والبصر بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب؛ لأنه محل العلوم منا، ولما أشار إلى محليِّ السمع والبصر. (^١)\nقال أبوالعباس ابن تيمية:\nووصفه بأنه سميع بصير لا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى؛ لأن الله -تعالى- فرّق بين العلم وبين السمع والبصر، وفرّق بين السمع والبصر وهو لا يفرق بين علم وعلم لتنوع المعلومات، ووضعه -ﷺ- إبهامه على أذنه وسبابته على عينه، ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة لا تمثيل الخالق بالمخلوق، فلو كان السمع والبصر: العلم لم يصح ذلك. (^٢)\n*يؤيده:\nفهْم رواة الحديث، فلما قال أبو هريرة ﵁:\n «رأيت رسول الله -ﷺ- يقرؤها ويضع إصبعيه»، قال عبد الله بن يزيد المقرئ -أحد رواة الحديث- يعني: إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعًا وبصرًا.\nقال أبو داود: «وهذا رد على الجهمية» (^٣)\nقال ابن القيم:\nقرأ النبيﷺ - قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] وضع إبهامه على أذنه وعينه؛ رفعًا لتوهم متوهم أن السمع والبصر غير الصفتين المعلومتين. (^٤)\nفدل حديث الباب على ثبوت صفتي السمع والبصر لله - تعالى- حقيقة، وبطلان تأويلهما بالعلم.\n* وأدلة الكتاب والسنة طافحة بالتنصيص على هاتين الصفتين، صفتي السمع والبصر، ومنها حديث الباب.\n_________\n(^١) وانظر الأسماء والصفات للبيهقى (ص/٢٠٩) والفصل في الملل (١/ ٣٩٨)\n (^٢) شرح العقيدة الأصفهانية (ص/١٢٣)\n (^٣) وإن تعجب فعجب تحريفهم:\nقالوا عن إشارة النبي - ﷺ- في حديث الباب: \" يحتمل لو صح أن يكون النبي -ﷺ - وضع يده الكريمة عليها اتفاقًا؛ لحكة أو مسح عليها.!!\nوانظر إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص/٢٨١)\n (^٤) مختصر الصواعق المرسلة (١/ ٦٧)","vol":"1","page":521},{"text":"كما نقل الإجماع عليهما شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو الحسن الأشعري وابن بطة العكبري، وغيرهم كثير. (^١)\nوالعقل كذلك يثبتهما لله تعالى:\nقال الغزالي:\nوأما المسلك العقلي، فهو أن نقول: معلوم أن الخالق أكمل من المخلوق، ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر، والسميع أكمل ممن لا يسمع، فيستحيل أن يثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق. (^٢)\nوقد ذهب المعتزلة إلى القول بأن السمع والبصر ليست صفات قائمة بذاته تعالى. (^٣)\nقال الدارمي:\nوادَّعى المريسي في قول الله تعالى ﴿إن الله سميع بصير (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]، ... ﴿والله بصير بالعباد (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥]: أنه يسمع الأصوات، ويعرف الألوان، بلا سمع ولا بصر، وأن قوله: ﴿بصير بالعباد (١٥)﴾ يعني: عالم بهم، لا أنه يبصرهم ببصر، ولا ينظر إليهم بعين، فقد يقال لأعمى: ما أبصره، أي:\nما أعلمه، وإن كان لا يبصر بعين. (^٤)\nقال ابن بطال:\nغرضه فى هذا الباب أن يرد على من يقول: إن معنى سميع بصير\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي (٥/ ١٩٦) ورسالة إلى أهل الثغر (ص/١٢٧) والإبانة (١/ ٥٥٧)\n (^٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص/٧٢)\n (^٣) وقد اختلف قول المعتزلة فى تأويل صفتى السمع والبصر بين البصريين أتباع الجبائي والبغداديين أتباع النظَّام، فأما البصريون منهم فقالوا:\nمعنى أن الله سميع بصير، أى أنه حي لا آفة به تمنعه من إدراك المسموع والمرئي إذا وجدا.\nقال أبوعلى الجبائي في نهاية الإقدام (ص/٣٤٤): إنَّ الحى إذا سلمت نفسه عن الآفة سُمَّى سمعيا بصيرًا.\nوأما البغداديون فقالوا: أن الله تعالى لا يسمع، ولا يبصر شيئًا على الحقيقة، وتأولوا وصفه بالسميع والبصير، على معنى العلم بالمسموعات والمرئيات. وانظرالمنحة الإلهية في الصفات الربانية (ص/٦٣٠)\n (^٤) النقض على بشر المريسي (ص/١٦٠)\nوهو من أهم الكتب في الرد على أهل التعطيل للإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي\nالمتوفى سنة ٢٨٠ هـ، وله أيضًا كتاب \"الرد على الجهمية \"، وهذان الكتابان هما اللذان قال عنهما الإمام ابن القيم:\nكتاباه من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جدًا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما. انظر اجتماع الجيوش الإسلامية (١/ ٣٤٨)","vol":"1","page":522},{"text":"معنى عليم لا غير؛ لأن كونه كذلك يوجب مساواته تعالى للأعمى والأصم الذى يعلم أن السماء خضراء ولا يراها، وأن فى العالم أصواتًا ولا يسمعها. (^١)\n٢) الثانية:\nجوازالإشارة في الصفات:\nورد في حديث الباب أن أَبا هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ:\n\" رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَة: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وَيَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ.\nففي هذا الحديث قد أشار النبي - ﷺ - بالسبابة والإبهام إلى العين والأذن، وليس ذلك لأثبات صفتى العين والأذن، وإنما لإثبات صفتي السمع والبصر، وهى من صفات الله -تعالى- الذاتيه. (^٢)\n\n* وهنا السؤال:<span data-type=\"title\" id=toc-124> هل تُشرع الإشارة في أحاديث الصفات</span>؟؟\nالصحيح أن الإشارة في أحاديث الصفات الإلهية إنما تكون بضوابط:\n*الضابط الأول: أن تكون الإشارة على سبيل التوقيف:\nبمعنى أنها تكون فقط في الأحاديث التى وردت فيها الإشارة، ومن ذلك ما يلى:\n١) عن ابْنِ عُمَرَ -﵄ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" يَأْخُذُ اللهُ ﷿ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ \"، قال ابن عمر:\nحَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ:\nأَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؟ (^٣)\n٢) عَنْ ابن عمر -﵄- قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَ:\n «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى\n_________\n(^١) ذكره تعليقًا على قول البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب قوله تَعَالَى: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: ٥٨]، وانظر شرح صحيح البخارى لابن بطال (١٠/ ٤١٦)\n (^٢) وأما صفة العين لله -تعالى- في ثابتة له عزوجل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وأما صفة الأذن فهذه مما نتوقف فيها لعدم ورود أدلة الشرع بإثباتها ولا نفيها.\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٧٨٨)","vol":"1","page":523},{"text":"عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»». (^١)\n٢) الضابط الثاني: \"أن تكون الإشارة لتحقيق المعنى، دون الكيف\":\nفقوله تعالى (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) وقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، مع ما ورد في غير ما موضع من السنة من أحاديث الإشارة لا يدل إلا على حقيقة واحدة وهى أن المراد بالإشارة في أحاديث الصفات -ومنها حديث الباب -إنما هو لإثبات المعنى، دون أن يتعلق ذلك بتشبيه ولا تمثيل لصفات الله - تعالى- بشيء من خلقه.\nومحل التمثيل فيها ما كان من نطقها، أما ما كان بالإشارة فلا يسمى تمثيلًا.\nوالإشارة إلى ذلك يقصد بها تفهيم الناس معنى الصفة، ولا يقصد بها تشبيه ذلك بالمخلوق، فالتمثيل معناه:\nذكر المثال أو المِثل، فالمثال منفي عن الله قطعًا؛ لأنه لا مثل له، والمثل منه ما هو منفي، ومنه ما هو مثبت، فهو ينقسم إلى قسمين: الأول: مثل للتشبيه وهو منفي عنه قطعًا، والثاني: مثَل للتفهيم. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوفي السنن عن النبيّ - ﷺ- أنه قرأ على المنبر (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) ووضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه، ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة، لا تمثيل الخالق بالمخلوق. (^٣)\n٣ - الضابط الثالث \"الأمن من وقوع الفتنة\":\nوذلك بأن نأمن على السامعين ألا يقعوا في فتنة التشبيه، بحيث أنك إذا ما ذكرت أحاديث الإشارة عند البعض فقد يظن أن صفات الخالق تشابه صفات المخلوقين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٠٧)\n (^٢) سلسلة الأسماء والصفات للددو (٣/ ٥)\n (^٣) شرح العقيدة الأصفهانية (ص/١٣٣)","vol":"1","page":524},{"text":"*فالقاعدة هنا: \" ليس كل ما يُعرف يُقال \"\nوهى قاعدة مستنبطة من عدة أدلة شرعية:\nمنها حديث معاذرضي الله عنه- لما استأذن النبيَّ -ﷺ - أن يحدِّث بحديث فضل الشهادتين، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟\nقَالَ ﷺ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» (^١)\nوقد بوَّب البخاري لهذا الحديث بقوله: باب \" مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا\"، ثم ذكر تحته أيضًا قول عَلِيّ بن أبي طالب ﵁: (حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (^٢)\nثم ذكربعده حديث معاذرضي الله عنه- السابق، وإنما لم يذكره معاذ إلا عند موته؛ لأن النبيﷺ- لم يأذن له في ذلك؛ لمَّا خشي من تنزيله غير منزلته، وَعَلَّمَهُ معاذًا لأنه من أهله.\nقال ابن حجر:\nوقول عليِّ فيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوِّي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم. (^٣)\nوعند مسلم باب: \" بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ\"،\nوقد أسند تحته قول عَبْد اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁:\n «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً». (^٤)\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁ - قَالَ:\nحَفِظْتُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ- وِعَاءيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِي النَّاسِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ، لَقُطِعَ هَذَا البُلْعُوْمُ. (^٥)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) ذكره البخاري معلقًا (١٢٧) ووصله مسندًا القاضي المحدث المهلب بن أبي صفرة التميمي المالكي الأندلسي في \" المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح\":\nأنبانَا عُبَيْدُ الله بن موسي، عَنْ مَعْرُوفٍ بْنُ خَرَّبُوذَ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ الله ﷿ وَرَسُولُهُ ﷺ)\n (^٣) فتح الباري (١/ ٣٣٠)\n (^٤) صحيح مسلم (١/ ١٠٧)\n (^٥) رواه البخاري (١٢٠)\nوقد حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم.\nوقد كان أبو هريرة -﵁- يكني عن بعضه، ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة.\nوقال ابن المنير:\nجعل بعضهم هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وذلك الباطل، إنما حاصله الانحلال من الدين، وإنما أراد أبو هريرة -﵁- بقوله:\nقطع، أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الاحكام الشرعية ما وسعه كتمانها.\nقال القرطبي:\n\" قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة -﵁- وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين، والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى، والله تعالى أعلم \" انتهى.\nوانظر كوثَر المَعَاني كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري (٤/ ٧٦) وفتح الباري (١/ ٢١٧) و\"الجامع لأحكام القرآن \" (٢/ ١٨٦)","vol":"1","page":525},{"text":"وقال الذهبي - معلقًا على قول أبي هريرة -:\nهذا دالٌّ على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرّك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح أو الذم، أما حديث يتعلّق بحِلٍّ أو حرام فلا يجوز كتمانه بوجه\" (^١).\nولَمَّا طعن بعض المغرضين في شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان من جملة ما شنَّعوا به عليه أنه يحدِّث الناسَ بدقائق المسائل التي لا تتحملها عقولهم؛ ردّ ﵀ عن نفسه هذه الفرية قائلًا:\n\"وأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: لا يَتَعَرَّضُ لأحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِهَا عند الْعَوَامِّ: فأَنا ما فاتَحْت عَامِّيًّا في شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَطُّ \". (^٢)\nقال الشاطبي:\nالتحدُّث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل مغزاه هو من باب وضع الحكمة غير موضعها، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها، وهو الغالب، وذلك فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، وإلى العمل بالباطل، وإما لا يفهم منها شيئًا، وهو أسلم، ولكن المحدِّث لم يعطِ الحكمة حقها من الصون، بل صار التحدُّث بها\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٩٧)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦٦)","vol":"1","page":526},{"text":"كالعابث بنعمة الله، ومقتضى الحكمة لا تعلَّم الغرائب إلا بعد إحكام الأصول، وإلا دخلت الفتنة. (^١)\nفالضابط الثالث هذا أهم هذه الضوابط؛ وذلك حسمًا لمادة التشبيه التى نفتها أدلة الكتاب والسنة والإجماع والنظر.\n* فإن قيل:\nقول الإمام مالك:\nمن وصف شيئًا من ذات الله مثل قوله ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ فأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله ﴿وهو السميع البصير﴾ فأشار إلى عينه وأذنه أو شيئا من يديه قطع ذلك منه؛ لأنه شبَّه الله بنفسه. (^٢)، فهو يمنع الإشارة عند الحديث عن الصفات الإلهية.\n*والجواب من وجوه:\n١ - الأول:\nهذه الرواية عن مالك منقطعة، لذا فثبوتها عن مالك غير متحقق.\n٢ - على فرض صحة سندها فإن النصوص الشرعية التي أفادت جواز الإشارة بالضوابط السابقة لا شك أنها مقدَّمة على ما سواها من أقوال.\n٣ - أن غير مالك من الأئمة في زمنه وبعد زمنه رووا هذه الأحاديث، فكانوا يشيرون بأيديهم لتقريب المعنى، ومن دلائل ذلك:\nأ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَقَالَ:\n «إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ﷿ يُقَلِّبُهَا»، وَأَشَارَ الْأَعْمَشُ بِإِصْبَعَيْهِ. (^٣)\nب) قال عبد الله بن أحمد:\nسمعت أبي ﵀، ثنا يحيى بن سعيد، بحديث سفيان عن الأعمش، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ»،\n_________\n(^١) الاعتصام (ص/٢٧٢)\n (^٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٤١٦) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٣/ ٣٥١)\n (^٣) اخرجه ابن ماجه (٣٨٣٤) وصححه الألبانى.","vol":"1","page":527},{"text":"قَالَ أَبِي ﵀:\nجَعَلَ يَحْيَى يُشِيرُ بِأَصَابِعِهِ، وَأَرَانِي أَبِي كَيْفَ جَعَلَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ يَضَعُ أُصْبُعًا أُصْبُعًا، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا. (^١)\nج) قال ابن منده بعد أن روى حديث: «إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن» هكذا، قال:\nووصف سفيان الثوري بالسبابة والوسطى فحركهما، وهذا حديث ثابت باتفاق، وكذلك حديث النواس بن سمعان حديثًا ثابتًا رواه الأئمة المشاهير ممن لا يمكن الطعن على واحد منهم. (^٢)\nوصلى الله على النبي وعلى آله وصحبه وسلم.\n_________\n(^١) السنة (٤٨٩)\n (^٢) وانظر الرد على الجهمية (٤٧) والعقود الذهبية (١/ ١٧٦)","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الحديث السابع عشر: التنبيه والإيماء شرح حديث لا تحلفوا بالأباء</span>","vol":"1","page":529},{"text":"*نص حديث الباب:\nعَنْ عُمَرَبن الخطاب - ﵁ - قَالَ:\nكُنْتُ فِي رَكْبٍ أَسِيرُ فِي غَزَاةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَحَلَفْتُ فَقُلْتُ: لَا وَأَبِي، فَسَمِعَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ:\nلَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللهَ - ﷿ - يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ.\nقَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا.\n* أخرجه البخاري (٦٦٤٧) بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، ومسلم (١٦٤٦) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى.\n*أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\n١ - الفائدة الأولى: نقض مسائل الجاهلية:\nلا شك أن شريعة الإسلام التى بُعث بها النبي - ﷺ - إنما عنت في المقام الأول بهدم علائق الجاهلية في قلوب الناس وأفعاهم وأقوالهم، وهذا دلائله كثيرة في الكتاب والسنة قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة /٥٠)، وقال تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب /٣٣)،\nوقال عزوجل (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) (الفتح/٢٦)\n* ومن ذلك أيضًا ما ورد في السنة:\nفي حديث أبي ذر - ﵁- قال:\nسَابَبْتُ رَجُلًا","vol":"1","page":531},{"text":"فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فقال لي النَّبِيُّ ﷺ:\nيَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. (^١)\nوعن عَبْدِ اللهِ بن مسعود - ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». (^٢)\nوقد جمع الرسول - ﷺ - ما سبق في حديث ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ:\nيَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْلَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، النَّاسُ رَجُلَانِ:\nبَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللهُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. (^٣)\nوالأمثلة في هذا الباب كثيرة، ومنها ما ورد في حديث الباب:\nفقد كانت عادة العرب القسم بما جل قدره وعظم خطره وكثر نفعه عند الخلق من السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار ونحو ذلك.\nومن هذا الباب فقد كان من الشائع عند أهل الجاهلية الافتخار بالأباء وتعظيمهم، وكم من أمة كفرت بالله -عزوجل - من هذا الباب، قال تعالى:\n... (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤» (المائدة/١٠٤)\nوهذا كثير الذكر في كتاب الله تعالى،\n_________\n(^١) متفق عليه. أي عيَّره بسبب أمه، وكانت سوداء، فقال له يا ابن السوداء. وقوله ﷺ (فيك جاهلية): أى فيك خصلة من خصال الجاهلية، وهي التفاخر بالآباء.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه أحمد (٨٧٣٦) والترمذى (٣٢٧٠) قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.\nعُبِّيَّة الجاهلية: بضم عين مهملة، وكسر موحدة مشددة، وفتح ياء مثناة من تحت مشددة، نَخْوتُها وكبرها وفخرها وتعاظمها. \"مؤمن تقي، وفاجر شقي\"، أي: الناس رجلان: مؤمن تقي فهو الخير الفاضل، وإن لم يكن حسيبًا في قومه. وفاجر شقي فهو الدنيء، وإن كان في أهله شريفًا رفيعًا. (معالم السنن (٣/ ٦٢٢»","vol":"1","page":532},{"text":"كذلك كانوا يكثرون الحلف بالأباء في أيمانهم،\nكما ورد في حديث ابْنَ عُمَرَرضي الله عنهما- قَالَ:\nكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ ﷺ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (^١)\n* لذا فقد أراد النبي - ﷺ - أن يغلق هذا الباب لحسم المادة وسد الذريعة الموصلة إلى تعظيم الأباء والطواغيت من دون الله - تعالى- فنهاهم عن الحلف بالآباء، كما في حديث الباب، وليس هذا النهى خاصًا عن الحلف بالآباء؛ بل بكل محلوف به سوى الله عزوجل، وإنما خرج الحديث على الغالب فلا مفهوم له.\nفالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالقسم لا يكون إلا بمعظَّم، فيعم الحكم كل مقسَم به غير الله تعالى.\nكما أن النهى خص الحلف بالأباء لأنه هو سبب ورود الحديث، وذلك لما حلف عمر بن الخطاب -﵁- فقال: \" وأبي\".\n*يؤيده:\nما ورد في الروايات الأخرى، فعن عبدالرحمن بن سمرةرضي الله عنه- قال:\nقال النبي ﷺ -: «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلَا بِآبَائِكُمْ». (^٢)\nوفي رواية أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ \". (^٣)\nوعن بريدةرضي الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ \" (^٤)\nقال الخطابي:\nهذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وبصفاته وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٤٦)\n (^٢) أخرجه مسلم (١٦٤٨) أحمد (٢٠٦٢٤) والمراد (بالطواغي) هي الأصنام، وقد سُمي باسم المصدر لطغيان الكفار بعبادته؛ لأنه سبب طغيانهم وكفرهم، وكل ما جاوز الحد في تعظيم أو غيره فقد طغى. فالطغيان المجاوزة للحد\nومنه قوله تعالى ﴿لما طغى الماء﴾ أي جاوز الحد. وانظر شرح مسلم للنووى (٦/ ١٢٠) والعين (٤/ ٤٣٥) والتوضيح لابن الملقن (٣٠/ ٢٦٣)\n (^٣) أخرجه النسائي (٣٧٦٩) وأبو داود (٣٢٤٨)\nالأنداد: جمع ند، وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره، ويناده، أي: يخالفه، ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من\nدون الله.\n (^٤) أخرجه أحمد (٢٢٩٨٠) وأبو داود (٣٢٥٣) والحاكم (٧٨١٦) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":533},{"text":"فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله ﷿ وصفاته. (^١)\nقال المهلب:\nكانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم؛ لينسيهم ذكر كل شيء سواه ويبقي ذكره، لأنه الحق المعبود؛ فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء. (^٢)\n٢ - الفائدة الثانية: الحلف بغير الله تعالى، حكمه وحكمته:\n* نقول أولًا:\nقد دل حديث الباب على نهي الشرع عن الحلف بغير الله تعالى، والحكمة من ذلك هى أن الحلف يقتضى تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله - تعالى - لا شريك له فيها؛ فإنها إزاره والكبرياء رداءه فمن نازعه فيهما قصمه، كما صح في الأحاديث الصحيحة حكاية عنه ﷾، فلا يضاهى به غيره. (^٣)\nكذلك قَال تعالى (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢)\nقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nالأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ، فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ، وَحَيَاتِكَ يَا فُلانَةُ، وَحَيَاتِي. (^٤)\nفدل ذلك على أنّ هذه الألفاظ التي ذكرها ابن عبّاس -﵄- تجري على ألسنة\nكثيرٍ من النّاس وهي من الشّرك، لكنه شرك أصغر، ويسمّى شرك الألفاظ، ولو لم يقصد بقلبه، وهو من اتّخاذ الأنداد، فالحلف بغير الله - تعالى - من اتّخاذ الأنداد لله ﷾،\nلأنّ النّد معناه:\nالنّظير والشّبيه، فالذي يحلف بغير الله -تعالى- يجعل المحلوف به\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٥٢٠)\n (^٢) وانظر فتح الباري (١١/ ٣٣٥) رسالة الشرك ومظاهره (ص/٤٠٩)\nالمهلب المذكور هو: المهلب بن أحمد بن أبي صفرة، أسيد بن عبد الله الأسدي الأندلسي المريي، وهو مصنف (شرح صحيح البخاري). وكان أحد الأئمة الفصحاء، الموصوفين بالذكاء، وقد أكثر الإمام ابن حجر النقل عنه في فتح الباري شرح صحيح البخاري، توفي في شوال سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. (سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٥٧٩).\n (^٣) المجموع للنووي (١٩/ ١١٥) والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩/ ٢٥٥)\n (^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٩٩) وابن حبان (١/ ٦٢) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":534},{"text":"نِدًّا لله -تعالى - وشبيهًا لله ﷾. (^١)\n* وعن قتيلة- بالتصغير﵂- أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ:\nإِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا:\nوَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ شِئْتَ. (^٢)\nقال ابن مسعود ﵁:\nلأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا. (^٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nلأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. (^٤)\n\n* أما<span data-type=\"title\" id=toc-126> حكم الحلف بغير الله - تعالى </span>- فهو على تفصيل:\nأ) الحالة الأولى:\nمن أقسم بغير الله -تعالى- معتقدًا في المحلوف به من التعظيم ما لا يعتقده إلا في الله - تعالى-، أو اعتقد لزوم يمينه بغير الله -تعالى- كاعتقاد لزومها بالله فهذا كفر وردة عن دين الله عزوجل، وعليه يُحمل قوله ﷺ:\n.\n... «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشْرَكَ». (^٥)\nقال الشوكانى:\nوقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء المقبورين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك أو الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق.\n_________\n(^١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٥٠٦)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٧٠٩٣) والنسائي (٣٧٧٣) والحاكم (٧٨١٥) وصححه ابن حجر فى الإِصابة (٤/ ٣٨٩) والنسائي، كما في فتح الباري (١١/ ٥٤٠) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبى.\n (^٣) أخرجه عبدالرزاق (١٥٩٢٩)، وقال المنذري في \" الترغيب \" (٥/ ٢٠٩): \" ورواته رواة الصحيح \"، وقال الهيثمي في \" المجمع \" (٤/ ١٧٧): \" ورجاله رجال الصحيح \". وصححه الألباني في الإرواء (٢٥٦٢)\n (^٤) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٢٣) والفروع (٤/ ٤٣٣)\n (^٥) أخرجه أبوداود (٣٢٥١) والترمذى (١٥٣٥) قال الترمذى: هذا حديث حسن. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":535},{"text":"وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال:\nإنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟!\nوأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟! (^١)\nقال سليمان بن عبد الله:\nالذي يفعله عبَّاد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبًا. فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. (^٢)\nب) الحالة الثانية:\nمن أقسم بغير الله -تعالى- معتقدًا في المحلوف به من التعظيم دون ما يعتقده في الله - تعالى- فهذا مما يقع تحت الشرك الأصغر الذى لا يُخرج من الملة.\nوإنما سُمَّى شركًا لأن من حلف بغير الله-تعالى- فقد جعل من حلف به كما الله- تعالى - محلوفًا به، وإن لم يكن معظمًا له كتعظيمه لله عزوجل، وهذا مما يعد من شرك الأعمال، ولا يدخل في شرك الاعتقاد. (^٣)\nجـ) الحالة الثالثة:\nمن أقسم بغير الله -تعالى- دون أن يعتقد في المحلوف به تعظيمًا، سواء في ذلك أكان هذا المحلوف به معظَّمًا، كالملائكة والأنبياء والكعبة، أم غير معظم كالأباء والأبناء، وهذه التى وقع فيها الخلاف بين العلماء على قولين:\n١) القول الأول:\nالكراهة:\nوهو قول المالكية وجمهور الشافعية والظاهرية، وهو قول عند\n_________\n(^١) وانظر نيل الأوطار (٤/ ١٢٠) والزواجر عن اقتراف الكبائر (٢/ ٣٤٤)\n (^٢) تيسير العزيز الحميد (ص/٥١٤)\nقلت:\nولا شك أن كلام الشوكانى وسليمان بن عبد الله يوضح لك الفرق الذى يعسرعلى البعض الوقوف عليه، وهو الفرق بين من يقسم بغير الله -تعالى- معظمًا لمن يقسم به كتعظيمه لله أو أشد وهو الشرك الأكبر، وبين من يقسم بغير الله -تعالى- معظمًا لمن يقسم به دون تعظيمه لله تعالى.\n (^٣) شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٩٠) وعارضة الاحوذى (٧/ ١٩)","vol":"1","page":536},{"text":"الحنفية والحنابلة. (^١)\n٢) القول الثانى:\nالتحريم: وهو المشهور عند الحنفية والحنابلة، وقول أهل الظاهر وهو قول عند المالكية والشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح والله أعلم. (^٢)\nيدل عليه:\nأ) النهى الذى قد ورد في حديث الباب، حديث عمر بن الخطاب -﵁-:\n (من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله)، فهو نهى عن الحلف بغير الله تعالى، والأصل في النهى التحريم.\nقال القرطبي:\nقوله: (من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله) فظاهر النهي التحريم، ولا ينبغي أن يختلف في تحريمه. (^٣)\nب) وعن سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَاصٍ -﵁- قَالَ:\nحَلَفْت بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ أصْحَابِي: قُلْتَ هُجْرًا، فَأتَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْعَهدَ كَانَ قَريبًا، وَحَلَفْتُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ رسول اللهِ - ﷺ -: \"قُلْ لا إله إِلاَّ الله وَحْدَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ اتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًَا، وَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ،\nوَلَا تَعُدْ\". (^٤)\nفقوله \" ﷺ -: وَلَا تَعُدْ\" نهى عن العودة للحلف بغير الله تعالى، والأصل في النهى التحريم.\n٣ - الفائدة الثالثة:\nاتفق العلماء أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية،\n_________\n(^١) الروضة (٤/ ٤٦٦) وابن مفلح في الفروع (٤/ ٤٣٣) وفتح الباري (١١/ ٥٣)\n (^٢) وانظرمجموع الفتاوى (١/ ٣٣٥) وفتح الباري (١١/ ٥٣١) والمسائل العقدية التى حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص/٢٢٩)\n (^٣) المُفْهِم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٦٢١) وانظر \"أحاديث يوهم ظاهرها التعارض\" (ص/ ٢٣٣)\n (^٤) أخرجه أحمد (١٥٩٠) وابن حبان (١١٧٨) صححه الشيخ أحمد شاكر، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ فقد أخرج الشيخان في صحيحهما لأبي إسحاق من رواية إسرائيل.","vol":"1","page":537},{"text":"فمن أقسم بالله - تعالى - أو بصفة من صفاته أو بفعل من أفعاله فقد انعقدت ييمينه، فإن حنث فعليه الكفارة، وهذا مما لا خلاف فيه بين علماء الأمصار، إلا ما ذكر عن الشافعى على أصله على من اشترط نية اليمين فى الحالف بالصفات. (^١)\nوكان النبي - ﷺ - يقسم بالله وصفاته وأفعاله:\nعَنْ أُمِّ العَلَاءِ - ﵁- قَالَتْ:\nاشْتَكَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ -﵁- فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\nوَمَا يُدْرِيكِ، أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ. (^٢)\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر - ﵄- قَالَ:\nكَثِيرًا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّﷺ - يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ. (^٣)\nوعن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ». (^٤)\nوعن أَبُى هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قال:\n «يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا». (^٥)\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁- قال:\nمن حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن\n_________\n(^١) وانظر المحلى (٨/ ٤٣) وإكمال المعلم بفوائد مسلم (٥/ ٤٠١)\nقال ابن رشد:\nوأما من منع الحلف بصفات الله وبأفعاله فضعيف، وسبب اختلافهم هو هل يقتصر بالحديث على ما جاء من تعليق الحكم فيه بالاسم فقط; أو يُعدَّى إلى الصفات والأفعال، لكن تعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط جمود كثير، وهو أشبه بمذهب= =أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب، حكاه اللخمي عن محمد بن المواز. وشذت فرقة فمنعت اليمين بالله ﷿، والحديث نص في مخالفة هذا المذهب. بداية المجتهد (١/ ٧١٩)\n (^٢) أخرجه البخاري (٣٩٢٩)\n (^٣) أخرجه البخاري (٦٦١٧)\n (^٤) أخرجه البخاري (٣١٢٠) ومسلم (٢٩١٨)\n (^٥) متفق عليه.","vol":"1","page":538},{"text":"كَفَرَ بحرف منه كَفَرَ به أجمع. (^١)\nففي هذه الأحاديث حجة على جواز الحلف بأسماء الله -تعالى - وصفاته وأفعاله، فإذا حنث فقد وجبت عليه الكفارة، ولا نزاع في أصل ذلك وإنما الخلاف في أي صفة تنعقد بها اليمين، والتحقيق أنها مختصة بالتي لا يشاركه فيها غيره كمقلب القلوب. (^٢)\nقال ابن الملقن:\nأهل السنة أجمعوا على أن صفات الله أسماء له (^٣)، ولا يجوز أن تكون صفات غيره، فالحلف بها كالحلف في أسمائه يجب فيها الكفارة، ألا ترى أنه - ﵇ - كثيرًا ما كان يحلف \"لا ومقلب القلوب\"، وتقليبه لقلوب عباده صفة من صفاته، ولا يجوز على الشارع أن يحلف بما ليس بيمين؛ لأنه قال: \"من كان حالفًا فليحلف بالله \". (^٤)\nقال ابن هبيرة:\nأجمعوا على أن اليمين منعقدة بالله وبجميع أسمائه الحسنى وبجميع صفات ذاته، كعزته وجلاله وعلمه وقوته وقدرته. (^٥)\n*يؤيده:\nأن الحلف بصفات الله -تعالى- كالاستعاذة بها، فإذا كانت الاستعاذة لا تكون إلا بالله في مثل قول النبي ﷺ ﴿أعوذ بوجهك﴾ ﴿وأعوذ بكلمات الله التامات﴾ ﴿وأعوذ برضاك من سخطك﴾ ونحو ذلك، فكذلك الحلف، وهذا أمر متقرر عند العلماء. (^٦)\n٤ - الفائدة الرابعة:\nقد دل حديث الباب على أن الحلف بغير الله -تعالى - منهى عنه، ولا ينعقد به يمين، ووجه الدلالة أن عمر -﵁ - لما قال: لَا وَأَبِي، سَمِعَه رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ:\nلَا\n_________\n(^١) أخرجه مسدد (المطالب ٢/ ٢٣٦) وانظر \" ما صح من آثار الصحابة في الفقه \" لزكريا بن قادر الباكستاني (٣/ ١١٣٠)\n (^٢) وانظر فتح الباري شرح صحيح البخاري (١١/ ٧٣٥) وتحفة الأحوذي (٥/ ١٢٠) وتفسير القرطبي (٦/ ١٧٤)\n (^٣) يقصد المصنف بصفات الله الصفات المعنوية لأن الاشاعرة الذين عبر عنهم في السياق بأهل السنة لا يثبتون غيرها.\n (^٤) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ٢٩٤)\n (^٥) وانظرإجماع الأئمة الأربعة واختلافهم (٢/ ٢٣٩) واقتضاء الصراط المستقيم (ص/٥٥٤) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ٢٥٦)\n (^٦) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٧٣)","vol":"1","page":539},{"text":"تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللهَ - ﷿ - يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ \"، ولم يأمره بكفارة.\n* يؤيده:\nما روي أَبِو هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:\n «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي يَمِينِهِ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَى أُقَامِرُك فَلْيَتَصَدَّقْ» (^١)؛ لأنه لم يذكر فيه الكفارة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nلا يُقسَم بمخلوق مطلقًا، وهذا القسم منهي عنه، غير منعقد باتفاق الأئمة، ولا كفارة في الحلف بذلك. (^٢)\nوقد ذهب أبوحنيفة إلى القول بوجوب الكفارة في الحلف بما لا يجوز من هذا النوع، وقد تعلَّق بان الله - سبحانه - أوجب على المظاهر الكفارة، وعلل بأنه منكر من القول وزور، والحلف بهذا منكر من القول وزور. (^٣)\nوقول الجمهور هو الراجح؛ وذلك للأحاديث التى استدلوا بها، فلا عبرة لنظر في وجود نص.\n*فرع:\nاختلف العلماء فمن حلف فقال \" إن فعل كذا فهو يهودى أو نصرانى، أو هو بريء من الإسلام \"،\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) وانظر مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٤) والتمهيد (٥/ ٥٥٧) والمنتقى شرح الموطإ (٣/ ٢٥٩)\nوقال أحمد في رواية عنه فقال تنعقد يمين من أقسم بالنبي - ﷺ - خاصة؛ لأنه ﷺ أحد شرطى الشهادة فالحلف به موجب للكفارة كالحلف باسم الله تعالى، والجمهور على خلافه، وقولهم هو الراجح؛ لقول النبي - ﷺ (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت).\nولأنه حلف بغير الله - تعالى - فلم توجب الكفارة بالحنث فيه كسائر الأنبياء، ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كالحلف بإبراهيم ﵇، ولأنه ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص، ولا يصح قياس اسم غير الله -تعالى- على اسمه لعدم الشبه وانتفاء المماثلة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصواب ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق، لا النبي - ﷺ - ولاغيره. ا. هـ\nوانظر إجماع الأئمة الأربعة (٤/ ٢٧٣) والمغنى (٨/ ٧٠٤) والاستغاثة في الرد على البكري (ص/٢٤٣) والشرح الكبير\nمع المقنع والإنصاف (٢٧/ ٤٦٧)\n (^٣) المبسوط (٨/ ١٣٠) وإكمال المعلم بفوائد مسلم (٥/ ٤٠٠)","vol":"1","page":540},{"text":"فذهب المالكية والشافعية إلى أنه ليس بيمين منعقد، ولا كفارة على قائله؛ وعلة ذلك أن الأيمان إنما تنعقد بمن لزمت طاعته وعظمت حرمته، وهذ لا يكون إلا لله تعالى، وعليه ففي هذه الحال يجب عليه أن يستغفر الله، ويقول \" لا إله إلا الله \".\nفي حين أوجب أصحاب الرأي عليه كفارة يمين. وهو قول أحمد وإسحاق، وذلك إذا\nأراد قائله اليمين؛ وذلك بناءً على أن الأيمان تنعقد بكل ما عظم الشرع حرمته، لأن الحلف بالتعظيم كالحلف بترك التعظيم، وذلك أنه كما يجب التعظيم يجب أن لا يترك التعظيم، فكما أن من حلف بوجوب حق الله عليه لزمه، كذلك من حلف بترك وجوبه لزمه. (^١)\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول.\n٥ - الفائدة الخامسة: كفارة الحلف بغير الله تعالى:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ \". (^٢)\n*وعن سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَاصٍ -﵁- قَالَ:\nحَلَفْت بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ أصْحَابِي: قُلْتَ هُجْرًا، فَأتَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْعَهدَ كَانَ قَريبًا، وَحَلَفْتُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ رسول اللهِ - ﷺ -: \"قُلْ لا إله إِلاَّ الله وَحْدَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ اتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًَا، وَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ،\nلَا تَعُدْ\". (^٣)\nوبيان ذلك أن الحلف بغير الله -تعالى- سيئة، والحسنة تمحو السيئة، ولأن من حلف بغير الله -تعالى- معتقدًا في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله - تعالى- أو دون ذلك فقد أشرك غير الله مع الله - تعالى - في تعظيمه بالقسم به، ولهذا سُمَّى شركًا،\n_________\n(^١) المجموع للنووي (١٩/ ١١٥) وبدائع الصنائع (٤/ ٣١) وبداية المجتهد (١/ ٧٢٢)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه أحمد (١٥٩٠) وابن حبان (١١٧٨) صححه الشيخ أحمد شاكر، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ فقد أخرج الشيخان في صحيحهما لأبي إسحاق من رواية إسرائيل.","vol":"1","page":541},{"text":"لذا فقد وجب علي أن يقول: \" لا إله إلا الله \"؛ توحيدًا لله - تعالى- وبراءة من الشرك. (^١)\n-\n* ختامًا: إشكالات والرد عنها:\nالإشكال الأول:\nقد أقسم الله -تعالى - في كتابه بكثير من مخلوقاته، مثل قوله: ﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١]، وقوله: ﴿والنجم إذا هوى﴾ [النجم: ١] إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في القرآن،\nوقد ورد في حديث الباب أن النبي - ﵊ - قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، فكيف الجواب عن هذا الإشكال؟؟\n*نقول:\nقبل الرد عن هذا الإشكال لابد أن نقعِّد أصلًا مهمًا في هذا الباب:\nفلابد أن نعلم أن الله - تعالى- فعَّال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وليس للعبد أن يسأل الرب عن فعله لم فعله، وإنما الواجب عليه أن يفعل ما يأمره الله -تعالى - به، ممتثلين في ذلك قول الذين﴾ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿.\n*ثم الرد عن ذلك من وجوه:\nأ) الأول:\nقيل أن هذه الأشياء المقسَم بها في كتاب الله -تعالى - فيها إضمار تقديرُه محذوف، وهو الله ﵎، فتقدير الكلام: \" ورب النجم، ورب السماء\". (^٢)\nوهذا جواب مرجوح؛ فالأصل في الكلام عدم التقدير.\nب) الثانى:\nقيل أن المقصود بالنهى في حديث الباب إنما هو ألا يُعَظَّمَ مَنْ لَمْ يُعَظِّمِ الشَّرْعُ، بدليل قوله فيه: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، وأن هذا من باب الخاص الذي أريد به العام، أجاز الحلف بكل معظم في الشرع. (^٣)\nوعليه فلا حرج في القسم بما عظَّمه الشرع، ومن ذلك آيات الله -تعالى - وبديع مخلوقاته.\nوهذا جواب مرجوح، يرده ما ورد فى حديث الباب:\n\" إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ\n_________\n(^١) المغنى (١٣/ ٤٣٨)\n (^٢) التمهيد (٥/ ٢٠٣) والفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (٤/ ٢٤٤٢)\n (^٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ٧١٨)","vol":"1","page":542},{"text":"دُونَ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ\" فحرّم القسم بكل ما سوى الله -تعالى- ولو كان المقسَم به معظمًا في الشرع.\nج) الثالث وهو الراجح، والله أعلم:\nأن الله - تعالى - قد أقسم بذات هذه المخلوقات؛ وذلك لحكم بالغة، نذكر منها:\n١) التنبيه على دلائل قدرته وعظمته، فهو خالقها وربها.\n٢) أن الإقسام بهذه المخلوقات هى دعوة للعباد ليتفكروا في عظمة هذه المخلوقات، ويعلموا أن هذا الخلق دليل من أدلة كثيرة على أنه ﷾ خالقهم لا خالق لهم سواه؛ فيكون المستحق للعبادة وحده. (^١)\nقال الشعبي:\nالخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق.\nوقال مطرف بن عبد الله:\nإنما أقسم الله بهذه الأشياء ليُعَجْبَ بها المخلوقين، ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته وعزته، فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع. (^٣)\n*الإشكال الثانى:\nقول الرَسُول -ﷺ - للرجل الذى قال له:\n\" وَاللهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ \": \" أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ \"!!\n* وقد أجاب العلماء ذلك من وجوه:\n١) الأول:\nأن لفظة \" وأبيه \" غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها، وهو إسماعيل بن جعفر بلفظ: «أَفْلَحَ وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ»، وهذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ: \" أفلح\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١١٧) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ٢٥٩)\n (^٢) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٦/ ٩٧)\n (^٣) مجموع الفتاوى (١/ ٢٩٠)","vol":"1","page":543},{"text":"وأبيه \"، لأنها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح، ولم تقع في رواية مالك أصلًا. (^١)\n*وجواب ذلك ما قاله ابن الملقن:\nوهذا عجيب، فالزيادة بـ \" وأبيه \" لا شك في صحتها ولا مرية. (^٢)\nقلت:\nومما يؤيد ذلك أنه قد ورد لهذه اللفظة نظائر في في موضعين من الصحيح:\nما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ:\n\" أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ. (^٣)\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ:\nيَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ، نَعَمْ، وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ». (^٤)\n٢) الثانى:\nأن ذلك كان قبل النهي عن الحلف يغبر الله تعالى، قاله الماوردي والطحاوى، وقال السبكي أكثر الشرَّاح عليه، ونص ابن عبد البر ابن قدامة على أن لفظة \" وأبيه \" إن صحت فهى منسوخة. (^٥)\nواستدلوا على ذلك بحديث قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ الْجُهَنِيَّةِ -﵂- قَالتْ:\nأَتَى حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، فَقَالَ:\n\" سُبْحَانَ اللهِ \" قَالَ: إنَّكُمْ تَقُولُونَ إذَا حَلَفْتُمْ وَالْكَعْبَةِ قَالَ: فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: \" إنَّهُ قَدْ قَالَ لِمَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ \". (^٦)\nفكان في هذا الحديث ذكر سبب النهي من رسول الله - ﷺ - عن الحلف بغير الله تعالى، وكان في ذلك ما قد دل على أن المتأخر من المعنيين المختلفين اللذين\n_________\n(^١) التمهيد (٥/ ٥٥٧) وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التّوحيد (ص/٥١٢)\n (^٢) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩/ ٢٥٥)\n (^٣) أخرجه مسلم (١٠٣٢)\n (^٤) أخرجه مسلم (٢٥٤٨)\n (^٥) مشكل الأثار (٢/ ٢٩٤) وفتح الباري (١١/ ٧٤٥) والمغنى (١١/ ١٦٣)\n (^٦) سبق تخريجه.","vol":"1","page":544},{"text":"ذكرناهما في هذا الباب هو النهي عن الحلف بغير الله تعالى لا الإباحة. (^١)\n٤) الثالث:\nأن فيه إضمار اسم الرب، كأنه قال \" ورب أبيه \"، ذكره الخطابي. (^٢)\n* ويجاب على ذلك:\nبأنه خلاف الأصل؛ فالأصل في الكلام عدم التقدير.\n٥) الرابع:\nأن ذلك خاص بالشارع دون غيره من أمته.\nوتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، فالأصل العام أن أفعال الرسول - ﷺ - وأقواله هى من باب التشريع، إلا ما خصه الدليل.\n٣) الخامس:\nأن لفظة \" وأبيه \" تقع على وجهين:\nأحدهما للتعظيم والآخر للتأكيد، فقوله \" وأبيه \"في الحديث إنما هى من باب التأكيد، فقد كانت هذه كلمة جارية على ألسنتهم من باب التأكيد لا التعظيم، كقوله \" ولعمري \" (^٣)، والنهي إنما وقع عمن قصد بها التعظيم؛ لأن هذا هو مقصود اليمين الشرعى.\nيؤيده:\nأن فيه ذكر أبي الأعرابي، ولا يُحلف بأبي الغير تعظيمًا وتوقيرًا. (^٤)\nفكانت كلمة \"وأبيه \" لا يقصد بها القسم، ونظير ذلك ما جرى على لسانهم من قول:\n\" عقرى حلقى، وثكلتك أمك، وتربت يمينك \"، وهذا مما لا شك فيه أن قائله لا يقصد به الدعاء على الشخص المخَاطب بها، وقال به البيهقى والقاضى عياض والقرطبي.\n_________\n(^١) شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٩٥)\n (^٢) معالم السنن (١/ ١٥٧)\n (^٣) عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ فَأَتَوْهُ بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ، فَرَقَاهُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، وَكُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ، ثُمَّ تَفَلَ فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرَهُ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n\"كُلْ؛ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ\" (أخرجه أبوداود (٣٤٢٠)، وصححه الألبانى)\nوقد ورد في المدونة الكبري أن الإمام مالكًا - ﵀ - سئل: أرأيتَ قولة (لعمري) أتكون هذه يمينًا؟\nقال: «لا تكون يمينًا». وانظر كشف شبهات الصوفية (ص/١٣٠)\n (^٤) المجموع للنووي (١٤/ ١١٦) وشرح السنة (١٠/ ٧)","vol":"1","page":545},{"text":"قال النووي:\n «أفلح وأبيه» ليس حلفًا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به ومضاهاته به الله ﷾، فهذا هو الجواب المُرضي. (^١)\n*ومما يؤيد هذا الجواب:\nبأن سياق حديث الباب الوارد عن عمر -﵁ - يدل على أنه كان يحلف؛ لأنه\nقال \" وأبي \"، فقيل له: \" لا تحلفوا بآباءكم \"، فدل ذلك على الفارق بين كلمتى:\n\" وأبى، وأبيه \".\n* والراجح -والله أعلم - هو المسلك الخامس، فهو أقرب الأقوال للصواب، يليه في القوة المسلك الثانى الذى جنح إلى القول بالنسخ.\nوصلى الله على النبي -ﷺ- وعلى آله وصحبه وسلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٨٢)، وانظر السُّنن الكبير (١٠/ ٢٩) وإِكمَال المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم (٥/ ٤٠٠)","vol":"1","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الحديث الثامن عشر: الغرة والتحجيل بشرح حديث جبريل</span>","vol":"1","page":547},{"text":"*نص حديث الباب:\n* عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ - أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ - فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ:\nأَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» ثُمَّ قَالَ:\nحَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ.\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ،\nقَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ","vol":"1","page":549},{"text":"السَّائِلِ» قَالَ:\nفَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ:\n «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»\n*تخريج حديث الباب:\nأخرجه البخاري (٥٠) كِتَابُ الْإِيمَانَ بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ.\nومسلم (٩) كِتَابُ الْإِيمَانَ بَابُ: معرفة الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، والقَدَرِ وَعَلَامَةِ السَّاعَةِ. (^١)\n*أهمية حديث الباب:\nلا شك أن هذا الحديث يعد أصلًا من أصول هذا الدين وعمادًا من أعمدته التى تنير درب السالكين في مدارجهم لشرائع دين الإسلام.\nقال القاضى عياض:\nوهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه، وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاث ألفنا كتابنا الذى سمَّيناه بـ\"المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان \"، إذ لا يشذ شئ من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات\n_________\n(^١) وقد ذكرنا في حديث الباب لفظ الإمام مسلم ﵀؛ فهو من أتم وأكمل المواضع التى جمعت ألفاظ حديث جبريل ﵇. وهذا مما خص الله -تعالى- به مسلمًا عن غيره من أصحاب الحديث.\nقال ابن حجر: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل؛ وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير بقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق عن النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه وحفظت منهم أكثر من عشرين إمامًا ممن صنف المستخرج على مسلم فسبحان المعطي الوَّهاب. تهذيب التهذيب (٥/ ٤٢٦)","vol":"1","page":550},{"text":"والمكروهات عن أقسامه الثلاث. (^١)\nقال النووي:\nواعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعًا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف، بل هو أصل الإسلام. (^٢)\nقال القرطبي:\nفيصلح هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة: أم الكتاب؛ لما تضمنته من جمل معاني القرآن. (^٣)\n* شرح فوائد حديث الباب:\nتبدأ قصة حديث الباب لما توجه يحيى بن يعمر وصاحبه حميد عبدالرحمن إلى عبدالله بن عمررضي الله عنهما- يسألانه عن فتنة من الفتن الى أطلت برأسها في أواخر عصر الصحابة ﵃، وهى فتتنة القول بنفي القدر، وأن الله -تعالى - لم يخلق أفعال العباد.\nوهذا هو معنى قول يحْيَى بْنِ يَعْمَرَ في أول حديث الباب:\n\" كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ... \" (^٤)، أى أنه تكلم في القدر نفيًا له،، وقول الراوى: \" يزعمون أنَّ الأمرَ أُنف \"، أي:\nمستأنف لم يسبق لله - تعالى - فيه علم، وقد عُرف أصحاب هذه البدعة فيما بعد باسم \" القدرية \"؛ وسمُّوا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه.\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٢٠٤)\nورسالة \" المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان \" للقاضى عياض قد ذكرها ابنه، وقال: إنه لم يكملها، ويغلب على الظن أنها مفقودة، فلم أجد لها ذكرًا فى غير هذين الموضعين. الديباج المذهَّب في معرفة أعيان علماء المذهب (٢/ ٤٩)\n (^٢) صحيح مسلم شرح النووي (١/ ١٩٤)\n (^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ١٥٢)\n (^٤) يحيى بن يعمر أبوسليمان العدواني الفقيه، العلامة، أحد قرَّاء البصرة، وقاضي مرو. حدَّث عن: عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعدة. وقرأ القرآن على: أبي الأسود الدؤلي. قيل: إنه كان أول من نقَّط المصاحف، وذلك قبل أن يوجد تشكيل الكتابة بمدة طويلة، وكان ذا لسان وفصاحة، توفي قبل التسعين. وانظروفيات الأعيان (٦/ ١٧٣) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٢)","vol":"1","page":551},{"text":"وأهل السنة والجماعة على أن الله -تعالى - يعلم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه، وقدرته، وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة ﵃.\nوقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها.\nقال القرطبي:\nقد انقرض هذا المذهب، ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين، والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مذهب باطل، مع كونه أخف من المذهب الأول.\nوأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد، فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سلم القدري بالعلم خصم. يعني يقال له:\nأيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟، فإن منع، وافق قول أهل السنة، وإن أجاز، لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك. (^١)\nوحديث الباب يفيد أن معبدًا هو أول من قال بالقدربالبصرة، وتكاد المصادر التى ترجمت لمعبد أن تُجمع على ذلك، وأن معبدًا قد تشَّرب ذلك المنهج الضال من رجل من أهل البصرة كان نصرانيًا، فأسلم، ثم تنصَّر يقال له: سيسويه أو سوسن، وهو من أبناء المجوس، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير وابن الأثير وأبوحاتم وغيرهم.\nوكان من حسنات الخليفة عبد الملك بن مروان أنه أمر بقتل معبد الجهنى. (^٢)\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ١٧٢)\n (^٢) ومعبد الجهني هذا بخلاف الصحابي معبد بن خالد الجُهني، أبو زرعة. الذى له صحبة ورواية، كما نص على ذلك ابن أبي حاتم.\nقال ابن حجر: وقيل: هو هو، وهذا باطل، فإن القدري وافق هذا الصحابي في اسم أبيه ونسبه، واختلف في اسم أبيه، فقيل خالد مثل الصحابي، وقيل عبد اللَّه بن عويم، وقيل عبد بن عكيم.\nانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٤) والبداية والنهاية (٩/ ٣٤) وتاريخ الإسلام (٢/ ١٠٠٦) والإصابة في تمييز الصحابة (٦/ ١٣٠)","vol":"1","page":552},{"text":"*عود إلى حديث الباب:\nقَال ابن عمر ﵄:\n\" فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بالقدر\" بِالْقَدَر\"\nهنا قد تبرأ ابن عمر -﵄- من هؤلاء الضآلين الذين خاضوا في تلك البدعة الكفرية، والتبرؤ يأتى في الشرع على نوعين:\n١ - تبرؤ من الشخص:\nوهذا كما يقع من الأنبياء والمؤمنين حينما يتبرؤن من المشركين، وقد وردت سورة كاملة باسم \"سورة التوبة \" أو كما هى مشهورة باسم \"سورة براءة \"، في التبرؤ من أعيان المشركين، قال تعالى (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) (التوبة/٢)\nوكذلك الخليل إبراهيم -﵇- لما تبرأ من أبيه وقومه، كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) (الزخرف/٢٦)، فهذا تبرؤ من الشخص لمفارقته أهل الإيمان بالكلية.\nوكذلك يقال في قول الله تعالى ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء/٢١٦)\n٢ - تبرؤ من الفعل:\nوهذا يكون فيمن فعل فعلًا فيه مخالفة شرعية، لكنها لا تُخرجه من دائرة الإسلام، فالتبرؤ هنا يكون من فعله لا من شخصه، ولهذا أمثلة كثيرة:\nأ) لما بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ -﵁إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، فلما علم النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ:\n «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ» (^١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٨٩)","vol":"1","page":553},{"text":"فهنا قد تبرأ الرسول -﵊ - مما صنع خالد ومن عمله ﵁، دون شخص خالد، وذلك لأن خالدًا كان متأولًا معذورًا عند الله تعالى، ولم يكن ذلك منه معصية تعمد فعلها، بل محض خطأ أداه إليه اجتهاده، ومما يدل على ذلك أن النبي - ﷺ - لم يعزله بعد ذلك عن قيادة الجيش.\nب) عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ:\nإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ \". (^١)\n* وهنا يقال:\nإن قول ابن عمر - ﵄ - في هؤلاء الذين قالوا بنفي القدر «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي» يبين أن التبرؤ هنا إنما هو من القسم الأول؛ يدل عليه قوله: «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»\nفمثل هذا المعنى قد ورد في الكتاب والسنة فى حق الكافرين.\nفمن الكتاب قول تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ)، قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة/٣٦)\nوقوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: ٤٧)\nومن السنة:\nما ورد في حديث أنَسَ بْنَ مَالِكٍ﵁- أنِّ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ:\n\" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي \". (^٢)\n_________\n(^١) متفق عليه. السالقة، والصالقة لغتان، وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة.\n (^٢) متفق عليه. وقد دلت الأدلة الشرعية وإجماع الأمة على كفر القدرية من نفاة علم الله تعالى.","vol":"1","page":554},{"text":"*عود إلى حديث الباب:\nقول. عُمَرُبْنُ. الْخَطَّابِ. رضى. الله. عنه:\n\" بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ... \"\nومن الفوائد هنا أن جبريل -﵇ - قد جاء إلى النَّبِيِّ - ﷺ - في صورة بشرية، حتى قد رأه الصحابة - ﵃- بأعينهم، فظنوا أنه رجل من خارج المدينة، ولكن الذى جعلهم يستغربون أمره أنه شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، ولا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من صحابة النبي ﷺ.\nوالملائكة مخلوقات نورانية له أجنحة، قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١» (فاطر/١)\nوعن عبدالله بن مسعود -﵁- قال: رأى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - جبريلَ في صورتِه على السِّدرةِ لهُ ستُّمائةِ جَناحٍ. (^١)\n*وفي حديث الباب قد أتى جبريل -﵇- إلى النبي - ﷺ - في صورة بشرية، ومجئ الملائكة في الصورة البشرية قد ورد في غير ما موضع في الكتاب والسنة، كما في قصة إبراهيم ﵇، قال تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (الذاريات /٢٥)، وكذلك في قصة لوط ﵇، كما قال تعالى (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) ... (الحجر/٦٢).\nوفي قصة مريم ﵍، قال تعالى (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (مريم /١٧) وورد كذلك في قصة الأبرص والأقرع والأعمى، والأمثلة كثيرة.\n_________\n(^١) متفق عليه.","vol":"1","page":555},{"text":"وقد كان جبريل -﵇- كثيرًا ما يأتى النبيَّ - ﷺ - في صورة الصحابي الجليل دحية الكلبى ﵁:\nففى حديث أُمّ سَلَمَةَ -﵂- أن جبريل -﵇ - جعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ: «مَنْ هَذَا؟» أَوْ كَمَا قَالَ، قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ، فَلَمَّا قَامَ، قَالَتْ:\nوَاللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ. (^١).\n*عودٌ إلى حديث الباب:\nقَالَ جبريل: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\nالْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.....\nوهنا فوائد: الفائدة الأولى:\n١) قول جبريل -﵇- \" يا مُحَمَّد \"، حيث ناداه باسمه المجرد، وإنما فعل ذلك لأنه أراد التعمية على السامعين، فصنع صنيع الأعراب. (^٢)\n٢) * الفائدة الثانية:\nشهادة \" أن لا إله إلا الله \": تشمل على أنواع التوحيد الثلاثة \" توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات \".\nفهي تدل على توحيد الألوهية بدلالة المطابقة، لأن معنى \" لا إله إلا الله \": أي لا معبود بحق إلا الله.\nوهى تدل على التوحيد ربوبية بدلالة التضمن؛ لأنَّ مَن عبد الله -تعالى- ولم يشركْ به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.\n_________\n(^١) متفق عليه.\nودحية الكلبي هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي القضاعي، صاحب النبي -ﷺ- ورسوله بكتابه إلى عظيم بصرى، ليوصله إلى هرقل. أسلم دحية قبل بدر، ولم يشهدها، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان يشبه بجبريل، عَنْ أَنَسٍ:\nأَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُوْلُ: (يَأْتِيْنِي جِبْرِيْلُ فِي صُوْرَةِ دِحْيَةَ، وَكَانَ دِحْيَةُ جَمِيْلًا) أورده الحافظ في\nالإصابة عن النسائي، وصحح إسناده.\nقال الذهبي: لا ريب أن دحية كان أجمل الصحابة الموجودين بالمدينة، وهو معروف، فلذا كان جبريل ربما نزل في صورته. وقد شهد دحية اليرموك، وقد نزل دمشق وسكن المنزّة، وعاش إلى خلافة معاوية. وانظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٥٠) والإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٣٢١)\n (^٢) النكت على صحيح البخاري (٢/ ٩)","vol":"1","page":556},{"text":"وقد ورد هذا المعنى في أول أمر في القرأن في قوله تعالى (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١» (البقرة/٢١) فالذى انفرد بالخلق هو المستحق للعبادة دون غيره.\nقال ابن القيم:\nوالإلهية التى دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هى العبادة والتأليه، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذى أقر به المشركون، فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلوهية. (^١)\nومعنى كلام ابن القيِّم أنَّ الله - تعالى - احتجَّ على المشركين بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية والعبادة لا العكس، فتبيَّن بذلك أنَّ توحيد الربوبية والأسماء والصفات وحده لا يكفي لإدخال صاحبه في الإسلام، ولا يُنقذه من النار، ولا يعصم مالَه ودمه إلاَّ بتوحيد الألوهية والعبادة.\n*وكذلك فإن شهادة \" أن لا إله إلا الله \":\nتدل على توحيد الأسماء والصفات بدلالة المطابقة، لشمولها على اسم الله عزوجل، ودلالة التضمن لأن الأدلة الشرعية قد دلت على إثبات الأسماء والتى تتضمن صفات الله تعالى، قال تعالى (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء/١١٠) فاسم \" الله \" يتضمن صفة الألوهية، والله مألوه أي معبود تحبه القلوب وتأله.\n* الفائدة الثالثة:\nقوله ﷺ \" أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.... \"\nوهكذا التوحيد الصحيح إنما ينبني على ركنين: \" ركن النفي، ركن الإثبات\". نفي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى، وإثبات الألوهية لله وحده لا شريك له، فالنفي المحض ليس بتوحيد، والإثبات المحض ليس بتوحيد، حتى يجمع بينهما.\nوالذي يستقرئ أدلة الكتاب والسنة يقف على هذا المعنى:\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٣٥)","vol":"1","page":557},{"text":"فمن الكتاب:\nقال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (الزخرف/٢٧)، وكذلك قوله تعالى (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧» (الشعراء/٧٧)\nوقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل/٣٦)\nوقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (النساء/٣٦)، وما من نبي إلا دعا قومه قائلًا (يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف/٥٩)\nلذا فقد جاءت بعثة النبي -ﷺ- لتحقيق هذا الأصل، فعَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (^١)\nولَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ:\n\" يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ \". (^٢)\nفالمشركون الذين بُعث فيهم النبي - ﷺ- لم يشفع لهم ما حققوه من طرف خفي في باب توحيد الربوبية؛ (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)؛ وذلك لأنهم أهدروا توحيد الألوهية في إشراكهم بالله -عزوجل -بعبادة الطواغيت والأصنام وقالوا﴾ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴿فهم لم يعتقدوا في اللات والعزّى أنها تخلق أو ترزق أو تحيي أو تميت، وإنما جاء شركهم أنهم أشركوها في الدعاء والعبادة، كما قال تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥» (العنكبوت/٦٥)، وتبع ذلك إشراكهم فى توحيد الأسماء والصفات،\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":558},{"text":"وذلك لما اشتقوا من أسماء الله -تعالى - أسماءً لآلهتهم، فاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nقال ﷺ: \" وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ... \":\nوهذا هو الشق الثانى من الشهادة، أن تشهد أن محمدًا نبي الله ورسوله إلى العالمين، إنسهم وجنهم، المبشر به في التوراة والإنجيل، ونذكر من أدلة ذلك ما يلى:\nقال تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (الفتح/٢٩)، وقال تعالى (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) (سبأ/٢٨)، وقال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (الأعراف/ ١٥٧)\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ:\n... «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^١)\nوعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵄ - فقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي التَّوْرَاةِ؟\nقَالَ: \" أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ:\n... ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا \". (^٢)\n*وشهادة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رسول الله تقتضى طاعته فيما أمر ونهى؛ لأن طاعته من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٣) باب وجوب إيمان أهل الكتاب برسالة الإسلام.\n (^٢) أخرجه البخاري (٢١٢٥)","vol":"1","page":559},{"text":"طاعة الله عزوجل، قال تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء/٨٠)\nوعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\nأَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: مَا نَدْرِي مَا هَذَا، عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ لَيْسَ هَذَا فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللهُ. (^١)\nلذا فإن الشهادتين تشتملان على نوعين من التوحيد:\nأ) توحيد العبادة:\nوهذا لله -عزوجل- وحده لا شريك له، فلا معبود بحق إلا الله تعالى.\nب) توحيد الاتباع: وهذا للنبي - ﷺ - دون غيره، فلا متبوع بحق إلا رسول الله. * عودٌ إلى حديث الباب:\nقال ﷺ: \" وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًًا \".\nفهذه التى ذكرها النبي - ﷺ - بعد الشهادتين هى أركان الإسلام.\nوأما الصلاة فهى ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، والخلاف في حكم تاركها كسلًا خلاف عريض، وهذا إن دل إنما يدل على عظم هذا الركن.\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁ - في حديث الإسراء المشهور، وفيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:\nفَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧١٧٤) وأبوداود (٤٦٠٤)، وانظر السلسلة الصحيحة (ح/ ٨٨٢)\nومن فوائد هذا الحديث:\nقال الطيبي:\nفي تكرير كلمة \" ألا \" توبيخ وتقريع، نشأ من غضب عظيم على من ترك السنة والعمل بالحديث استغناء بالكتاب، فكيف بمن رجح الراي على الحديث؟!! أ. هـ\nقوله ﷺ: \" مُتَّكِئًا شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ \": أى على سريره، وفي ذلك إشارة إلى منشأ جهله وعدم اطلاعه على السنن، فرد كلام النبي - ﷺ - بقلة نظره، ودوام غفلته بتعهد الاتكاء والرقاد.\nوقال القاري: يعني الذي لزم البيت، وقعد عن طلب العلم، فهذه الصفة للترفه والدعة، كما هو عادة المتكبر المتجبر القليل الاهتمام بأمر الدين. وانظرعون المعبود (٧/ ٣٥) وتحفة الأحوذي (٦/ ٤٦٣)","vol":"1","page":560},{"text":"ﷺ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ.. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً) (^١) فكان فرض الصلاة حين عرج النبي -ﷺ - وذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات.\nوفرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فلما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة أقرت صلاة السفر، وزيدت في صلاة الفجر، فصارت الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والعشاء أربعًا، وبقيت الفجر على ركعتين لأنه يطول فيها القراءة، وبقيت المغرب على ثلاث لأنها وتر النهار. (^٢)\nعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَرضي الله عنها- قَالَتْ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ». (^٣)\n*وأما الزكاة:\nفهى قرينة الصلاة في الكتاب والسنة، قال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾\n [البقرة: ٤٣]\nوقال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة/١٠٣)\nعَنِ ابْنِ عُمَرَرضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:\n «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (^٤)\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ:\nدُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) وقد ذهب جماعة من أهل العلم أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة وإنما كانت ركعتان بالغداة وركعتان بالعشى يشهد لذلك قول الله تعالى: \"واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا \"سورة المزمل.... وقوله تعالى: \"وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار\" سورة غافر... ثم قوله تعالى: \"أرأيت الذى ينهى عبدا إذا صلى\" سورة العلق.\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.","vol":"1","page":561},{"text":"دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قَالَ:\n... «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا». (^١)\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﷺ - قَالَ:\nلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ \"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁:\nوَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا، وفي رواية \" عَنَاقًا \" (^٢) كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. (^٣)\nوتطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو، والزكاة أمر مقطوع به في الشرع يُستغنى عن تكلف الاحتجاج له وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعه وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر.\n*وتعريفها في الشرع:\nإعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مطلبي ثم لها ركن وهو الإخلاص وشرط هو السبب وهو ملك النصاب الحولي.\nوشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية، ولها حكم وهو سقوط الواجب في الدنيا وحصول الثواب في الأخرى، وحكمة وهي التطهير من الأدناس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٧) بَابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، ومسلم (١٤)\n (^٢) قوله (عناقا): هى الأنثى من ولد المعز التي لم تبلغ سنة. وأما رواية \"عقالًا\": فقد ذهب كثير من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير.\n (^٣) متفق عليه.","vol":"1","page":562},{"text":"ورفع الدرجة. (^١)\n* ومما ورد في الترهيب من ترك الزكاة:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n... «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ، وَجَبِينُهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. (^٢)\n*وأما الصوم:\nفقد فرضه الله -تعالى- في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وصام الرسول - ﷺ - تسعة رمضانات.\nوقد فرض الله - تعالى- الصيام على ثلاث مراحل:\nالأولى:\nفي السنة الأولى من الهجرة كان الفرض على المسلم هو صيام عاشوراء فقط، وذلك قبل فرض صيام رمضان، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄- قَالَ: «صَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ» (^٣).\nالثانية:\nفي السنة الثانية من الهجرة فُرض رمضان، وكان فيها التخيير بين الصيام وبين الإطعام، لمن لا يريد الصيام، حتى نزل الحكم بفرضية الصوم على كل مستطيع، ولكن كان هذا الإلزام بالصيام على هيئة خاصة، نذكرها في المرحلة الثالثة.\nعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ:\n\" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا \". (^٤)\n_________\n(^١) تحفة الأحوذى (٣/ ١٩٥) وفتح الباري (٣/ ٢٦٢)\n (^٢) أخرجه مسلم (٩٨٧)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.\nوقوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية) المعنى الذين يستطيعون الصوم ويفطرون بدون عذر عليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكينًا، وكان هذا أول ما فرض الصوم إذ كان المسلمون مخيرين بين الصوم والفدية، فلما نزل قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ نُسخ هذا الحكم، وأصبح الصوم هو المحتم على المستطيع.","vol":"1","page":563},{"text":"الثالثة:\nإذا كان الرجل صائمًا وحضر الإفطار ونام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، يعني إذا غربت الشمس فإنه يحل له أن يفطر، ولكن إذا ناموا قبل الأكل فإنه يلزمه الإمساك إلى مغيب الشمس من الغد.\nفعَنِ البَرَاءِ - ﵁ - قَالَ:\n\" كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ:\nخَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. (^١)\nوعبادة الصوم من أجل وأعظم العبادات التى يتقرب بها العبد إلى ربه عزوجل، ولو لم يأت في فضل الصوم إلا قوله تعالى \" كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" (^٢) لكفى.\n*ومما ورد في الترهيب من ترك الصوم:\nعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\" بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ ثُمَّ انْطَلَقَا بِي، ... فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟، قَالَا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨١٦)، والترمذى (٢٩٦٨)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٩٨٦) والحاكم (١٥٦٨)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط مسلم.","vol":"1","page":564},{"text":"قال الذهبي:\nوعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا غرض أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكُّون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال. (^١)\n* ثم قال ﷺ: \" وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا \":\nقال تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧» (آل عمران/٩٧)\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ:\nخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ \" (^٢)\nوالحج من أجلِّ وأعظم العبادات التى تجمع بين الجهاد بالنفس والجهاد بالمال، ولو لم يأت في فضل الحج إلا حديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - الذى قَالَ فيها: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٣) لكفى.\nوقد انعقد إجماع الأمَّة على كون الحجِّ فرضًا على كلِّ مسلمٍ قادرٍ مرَّةً واحدةً في حياته، وأنَّ فرضيته ممَّا هو معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة؛ أي يكفُر من أنكره وجحده.\nوقد فرض الله -تعالى - الحج كان في السنة التاسعة لما نزل قوله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ\n_________\n(^١) الكبائر (ص/٤٤)\n (^٢) أخرجه مسلم (١٣٣٧)\n (^٣) متفق عليه.\nقال القاضى: هذا من قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾. والرفث: الفحش فى القول، وقيل: الجماع، قال الله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾. وقيل: هو كناية عن الجماع، وقيل: الرفث: التصريح بذكر الجماع، قال الأزهرى: هى كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وكان ابن عباس يخصه بما خوطب به النساء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: و(الرفث) هو الجماع وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث فلهذا ميز بينه وبين الفسوق. وأما سائر المحظورات: كاللباس والطيب فإنه وإن كان يأثم بها فلا تفسد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين. إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٤٦٢) (٢٦/ ١٠٨)","vol":"1","page":565},{"text":"حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وقد حج النبي -ﷺ - حجة واحدة هى حجة الوداع، وهى التي لم يحج من المدينة منذ هاجر إليها غيرها، وكانت في السنة العاشرة من الهجرة، وقد وردت أحداث هذه الحجة مفصلة في حديث جابر ﵁. (^١)\n* فإن قيل:\nإذا كان الحج قد فُرض -على الراجح - في العام التاسع، فلِمَ أخرّ النبي - ﷺ - حجه للعام العاشر؟؟؟\n*فالرد من وجوه:\nقيل: لأن العام التاسع كان عام الوفود، فلما أذعنت العرب وصاروا يأتون أفواجا إلى رسول الله - ﷺ - في المدينة فكان ﷺ في المدينة ليلتقي هؤلاء الوفود ليعلمهم دينهم ﵊.\nوقيل: أنه في السنة التاسعة حج المشركون مع المسلمين فأراد النبي - ﷺ - أن يكون حجه خالصًا للمسلمين؛ ولهذا أذن في التاسعة ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. (^٢)\n* عود إلى حديث الباب:\nقَالَ جبريل: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ ﷺ:\n «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»\n* أما الإيمان بالله فهو الاعتقاد الجازم بوجوده ﷾، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، والعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد.\n_________\n(^١) قال النووى:\nحديث جابر حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم.\nقال القاضي: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنَّف فيه ابن المنذر جزءً وخرَّج من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، لو تقصّى لزيد على هذا القدر قريب منه. شرح النووي على مسلم (٤/ ٤٢٩)\n (^٢) شرح حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ (ص/٨٠)","vol":"1","page":566},{"text":"وأما الإيمان بالله فيتضمن أربعة أمور:\n١ - الأمر الأول: الإيمان بوجود الله تعالى:\nوهذا أمر فطري، فإن كل مولود يولد وهو عارف بربه، وهو مفطور على معرفة الله تعالى؛ لذا فهذا الأمر لا يحتاج إلى سرد الأدلة وحشد البراهين.\nوالمستقرء لكتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - ﷺ - لا يرى الإكثار من الحديث عن إثبات وجود الله ﷿، وإنما يجد عامة الأيات والأحاديث إنما تدعو إلى الإيمان بالله تعالى.\nفالإيمان بوجود الله -تعالى- أمر مركوز في الفطر السليمة، فلم يؤثر عن أمة من الأمم إنكارها لوجود الله تعالى، إلا ما نسب إلى فرعون، والدهرية.\nحتى من أنكر وجود الله تعالى، فهذا فقط جحود في الظاهر، فهو مغلوب بإقراره بوجود الله في الباطن؛ كما ذكر الله - تعالى -عن فرعون وقومه في تعاملهم مع آيات الله سبحانه: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ (النمل: ١٤)، وقال تعالى حاكيًا عن موسى -﵇ - في مناظرته لفرعون (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) (الإسراء/١٠٢)\nوأما في عصرنا فقد كثر الملاحدة والمشككون بسبب طغيان الحضارة المادية الجارفة، فكثر لأجل ذلك السعي إلى الاستدلال على وجود الباري سبحانه، فنذكر طرفًا من أدلة وجود الله تعالى، والتى منها:\n١ - الفطرة السليمة:\nوهذا ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع:\nقال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]\nوعن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قال النَّبِيُّ ﷺ:\n «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾","vol":"1","page":567},{"text":"[الروم: ٣٠] الآيَةَ. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nأهل الفطرة كلهم متفقون على الإقرار بالصانع، وأنه فوق العالم، وأنهم حين دعائه يتوجهون إلى فوق بقلوبهم وعيونهم وأيديهم. (^٢)\n٢ - ما هو مشاهد من النظام المحكم الحكيم في حركة المخلوقات لهو أبين الأدلة على وجود الله تعالى، قال تعالى (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠» (يس/٤٠)، وقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ\nالْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢» (الأنبياء/٢٢) (^٣)\n٣ - ما نسمع ونشاهد من إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين ما يدل دلالة قاطعة على وجوده ﷾؛ فإن الداعي يشعر بحاجته وفقره إلى ربه وخالقه، فإذا ألمَّ بالانسان ضرأو وقع في محنة شديدة لا يبقى في ظنه رجاء المعاونة من أحد، فهو بأصل خلقته يتضرع إلى من يخلصه منها، ويجد نفسه يفزع إلى خالقه ويستغيث به، وما ذاك إلا شهادة الفطرة بالافتقار إلى الصانع المدبر.\nفرجوع الإنسان الى ربه -تعالى- عند الشدائد دليل على أنه يقر بالفطرة بربه ﷾. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٦٨)\n (^٣) وفي المناظرة المشهورة بين أبى حنيفة وبعض الملاحدة، وقد تعمد أبو حنيفة أن يتأخر عليهم وقت عقد تلك المناظرة، فلما دخل عليهم قالوا له: لماذا تأخرت؟!!\nفقال أبوحنيفة: لما أردت أن أجاوز النهر لأصل إلى بيت الأمير لم أجد مركبًا يحملني، فانطلقتْ صاعقة عظيمة فضربت شجرة بجانبي فقسمت الشجرة إلى نصفين، فانطلقت قطعة حديد فدخلت هذا الغصن وتحول إلى فأس، ثم أقبل هذا الفأس وجعل يضرب في الشجرة التى انقسمت حتى صنع منها مركبًا صغيرًا فركبت فيه حتى وصلت إليكم.\nفقالوا: قارب كامل يوجد صدفة؟!!\nفقال لهم: سبحان الله! أنتم تقولون إن السموات والأرض والجبال والبحار والإنسان والحيوانات والشمس والقمر والنجوم كل هذا وجد صدفة، ولا تصدقوني بأن قاربًا واحدا وُجد صدفة!!","vol":"1","page":568},{"text":"أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. (^١)\n٢ - الأمر الثاني:\nالإيمان بربوبية الله تعالى:\nوهو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتقدير والتدبير، فهو فعل الرب تجاه العبد.\nقال الله ﷿ (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤» (النمل/٦٤)\nوقال تعالى (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١» (يونس/٣١) وهذا القسم من أقسام الإيمان ممَّا أقرّ به عامة الخلق، إلا من شذ من البشر، قال تعالى\n﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) ﴿(العنكبوت/٦١)، وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)\n (الزخرف/٧٨)\n٣ - الأمر الثالث: الإيمان بألوهية الله تعالى\nوألوهية الله -تعالى- هي إفراد الله ﷾ بالعبادة والإلوهية، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وقد سبق أن تحدثنا عن توحيد الألوهية.\n٤ - الأمر الرابع:\nتوحيد الأسماء والصفات أو معرفة الله بأسمائه وصفاته، وذلك بإثبات صفات الله - تعالى - وأسمائه على الوجه الذي يليق به ﷾، وبنفي مشابهته ومماثلته للمخلوقات، كما قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nفقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيه رد على المشبهة، وهو نفي للتشبيه والتمثيل،\n_________\n(^١) وقد نشرت \" مجلة المختار\" المترجمة عن مجلة \"ريدر دايجست\" مقالة أيام الحرب لشاب من جنود المظلات يروي قصته فيقول: \"إنه نشأ في بيت ليس فيه من يذكر الله أو يصلي، ودرس في مدارس ليس فيها دروس للدين، ولا مدرس متدين، نشأ نشأة علمانية مادية، أي مثل نشأة الحيوانات التي لا تعرف إلا الأكل والشرب والنكاح، ولكنه لما = =هبط أول مرة، ورأى نفسه ساقطًا في الفضاء قبل أن تنفتح المظلة جعل يقول: يا الله، يا رب، ويدعو من قلبه وهو يتعجب من أين جاه هذا الإيمان؟!!","vol":"1","page":569},{"text":"وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فيه رد على المعطلة النفاة، وهو دليل على الإثبات أيضًا.\nقال ابن القيم:\nوشرف العلم تابع لشرف معلومه، ولا ريب أن أجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيُّوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين الموصوف بالكمال كله المنزَّه عن كل عيب ونقص وعن كل تمثيل وتشبيه في كماله.\nولا ريب أن العلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومة إلى سائر المعلومات، وكما أن العلم به أجل العلوم وأشرفها فهو أصلها كلها. (^١) * أقول:\nوقد خلَّط أناس وتخبطوا في هذا الباب من العلم الشريف، ما بين مشبهه ومعطل ومكيِّف ومفوض ومحرَّف، وهدى الله -تعالى- الذين أمنوا لما أُختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.\nفأثبتوا ما أثبته الله لنفسه من غير تمثيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تعطيل، وفي شرح هذه الكلمات الأربع التى سطرها شيخ الإسلام ابن تيمية قد سُطِّرت المطولات والمختصرات، وتم الرد فيها على أهل الزيغ والشبهات.\n* عود إلى حديث الباب:\nقَوله ﷺ لما سئل عن الإيمان:\n «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-135> الإيمان بالملائكة:</span>\nفهذا ركن من أركان الإيمان، فمن أنكرهم ولم يؤمن بهم فقد كفر، قال تعالى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء/١٣٦) (^٢)\nوهم خلق من خلق الله تعالى، خلقهم الله من نور، عَنْ عَائِشَةَرضي الله عنها- قَالَتْ:\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (١/ ٨٦)\n (^٢) وقد أنكرت الفلاسفة وجودَ الملائكة والجنّ، وعبّروا عنهما بالقوّة التخييليّة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من أقوال الملاحدة المتفلسفة الذين يجعلون \" الملائكة \" قوى النفس الصالحة، \" والشياطين \" قوى النفس الخبيثة.\nمجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٦)","vol":"1","page":570},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». (^١)\nومما ورد في صفة خلق الملائكة أن خلقتهم عظيمة ولهم أجنحة، قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١» (فاطر/١)\nوعن عبدالله بن مسعود -﵁- قال: رأى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - جبريلَ في صورتِه على السِّدرةِ لهُ ستُّمائةِ جَناحٍ. (^٢)\nوقال النبي -ﷺ - في وصف جبريل: (لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) (^٣)\nوقد وصف النبي -ﷺ - أحد حملة العرش كما في الحديث الذى رواه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِرضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n\"أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ). (^٤)\nوهم جند من جنود الله، قادرون على التمثل بأمثال الأشياء، والتشكل بأشكال جسمانية، كما سبق بيانه أول هذه الرسالة، وهم مربوبون مسخَّرون، عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملُّون ولا يتعبون، قال تعالى (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠» (الأنبياء/٢٠)\nوعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٩٦)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه مسلم (١٧٧)\n (^٤) أخرجه أبوداود (٤٧٤٢) وصححه ابن حجر.","vol":"1","page":571},{"text":"تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا). (^١)\n*ومما صح به الدليل في وظائفهم وأسمائهم:\nوللملائكة أعمال ومهمات معينة كلفهم بها الله -تعالى- ينفذونها، فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل موكل بالمطر، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومالك خازن النار، والملكان اللذان يأتيان في القبر، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير. ومن الملائكة الذين صرح القرآن بأسمائهم هاروت وماروت، قال تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) (البقرة/١٠٢)\nوقد اشتهر على ألسنة الناس أن اسم ملك الموت عزرائيل، وهذه التسمية لم ترد في حديث صحيح، وقد ذكره الله - تعالى - بوظيفته لا باسمه، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ (السجدة: ١١)\nوكذلك قد اشتهر على ألسنة الناس أن اسم \"رضوان\" خازن الجنة، وهذه التسمية لم ترد في حديث صحيح.\n\n*وأما<span data-type=\"title\" id=toc-136> الإيمان بالكتب:</span>\nفمن أركان عقيدة المسلم أن يؤمن بالقرآن الذى أنزله الله -تعالى- على محمد ﷺ، وكذلك يؤمن بجميع الكتب التى أُنزلت على الأنبياء السابقين.\nقال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) ... (النساء/١٣٦) وقال سبحانه ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥]\nومن الكتب التي ثبتت تسميتها في القرآن الكريم:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٣١٢) وابن ماجه (٤١٩٠)، انظر الصَّحِيحَة (ح/ ١٧٢٢)\nالأطيط: نقيض صوت المحامل والرحال إذا ثقل عليها الركبان. لسان العرب - (ج ٧ / ص ٢٥٦)","vol":"1","page":572},{"text":"١ - التوراة المنزلة على موسى ﵇. قال تعالى) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) [المائدة: ٤٤].\n٢ - الإنجيل المنزل على عيسى ﵇. قال تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) [المائدة: ٤٦].\n٣ - الزبور المنزل على داود ﵇. قال تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [النساء: ١٦٣]\n٤ - صحف إبراهيم ﵇. قال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) [الأعلى: ١٨ - ١٩].\n٥ - القرآن العزيز الذي أنزل على نبينا محمد ﷺ. قال تعالى: (طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: ١ - ٢)\nومما خص الله -تعالى- به القرآن دون غيره من الكتب المنزلة أنه تعالى قد تكفل بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرَ: ٩]\nلذا فمن ادَّعى أن القرأن قد ناله تحريف فهذا كافر مكذب لما أخبر الله -تعالى - بحفظه له. وقد نقل الإجماع على كفر من ادَّعى ذلك جماعة من أهل العلم.\nقال ابن قدامة:\nولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن من جحد آية أو كلمة متفقا عليها أو حرفا متفقا عليه أنه كافر. (^١)\n_________\n(^١) حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة (ص/٣٣)\nوقد نص ابن حزم على أن الإمامية كلها قديما وحديثا على القول بأن القرآن مبدل، زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير، وبدل منه كثير. ثم قال ﵀: والقول بأن بين اللوحين تبديلًا كفر صحيح وتكذيب لرسول الله ﷺ. انظر الفصل (٣/ ١١٤)\nوقد كثرت التهم على الشيعة الامامية بالقول والاعتقاد بأنة القرآن الكريم محرَّف؛ وذلك لقرائن عدة منها:\n١) المصحف الموجود لديهم واسمه \" مصحف فاطمة \":\nويروي الكُليني في كتابه الكافي في صفحة ٥٧ طبعة ١٢٧٨ هـ عن أبي بصير أي \"جعفر الصادق\":\n\"وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍، قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه حرف واحد من قرآنكم\".\nوينكر بعض الشيعة المعاصرون \" مصحف فاطمة \" لكن هذا موجودة في كتبهم ولم يتبرأ منها علماؤهم على رؤوس الأشهاد وبين الشيعة أنفسهم، مما يوحي أن هذا الإنكار هو من باب التقية التي يطبقونها مع الفرق الإسلامية الأخرى مثل التظاهر بأداء بعض العبادات علانية ومخالفتها سرًا.\nوانظرالموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (ص/٥٥)\n٢) ما ألفه المحدّث الشيعي حسين النوري الطبرسي في ذلك المعنى وسمَّاه \" كتاب فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب \"، وإن كان علمائهم يتبرأون من ذلك الكتاب، يقول بعض المعاصرين من علماء الشيعة الإثني عشريَّة أنَّه\n «لو سلمنا أنَّ الشيخ النوري يعتقد بنقصان القرآن، فهو قوله، لا قول الطائفة، قول الواحد لا ينسب إلى الطائفة»","vol":"1","page":573},{"text":"وكذلك جعل الله -تعالى- القرآن مهيمنًا على سائر الكتب، قال تعالى (وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة/٤٨)\nقال ابن كثير:\nوالمهيمن هو الأمين والشاهد والحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره. (^١)\n*إشكال والرد عليه:\nيقول الله تعالى (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) (المائدة/٦٨)\nأخبر الله - تعالى -عن أهل الكتاب أنهم ليسو على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل، ومعلوم أن القرآن نسخ الكتب السابقة، والخطاب كان موجهًا في الآية لمن هم في زمن النبي ﷺ.\n*والرد عليه من وجوه:\n١) أن التوراة والإنجيل اللذين أمر الله -تعالى - أهل الكتاب باتباعهما قد نصا على نبوءة النبي ﷺ، كما قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (الأعراف/١٥٧)، وقال تعالى (وَإِذْ\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٢٨)","vol":"1","page":574},{"text":"قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف/٦)\nلذا فإن اتباعهما للتوراة والإنجيل - على زعمهم - يوجب عليهم اتباع الرسول - ﷺ- والدخول في شريعته.\nثم يقال إن قوله تعالى \"وما أنزل إليكم من ربكم\"، فهو القرآن الكريم، فهم ليسوا على شئ حتى يقيموا التوراة الصحيحة والإنجيل الصحيح والقرآن المنزل، وهذا كله لا يمكن بلوغه إلا بالقرآن المصدَّق المهيمن على سائر الكتب.\nقال ابن حزم:\nوَأما قَول الله عزوجل ﴿يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ فَحق لامرية فِيهِ، وَهَكَذَا نقُول وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى إِقَامَتهَا أبدا لرفع مَا أسقطوا مِنْهَا فليسوا على شَيْء إِلَّا بِالْإِيمَان بِمُحَمد ﷺ، فيكونوا حِينَئِذٍ مقيمين للتوراة وَالْإِنْجِيل، كلهم يُؤمنُونَ حِينَئِذٍ بِمَا أنزل الله مِنْهُمَا وُجِد أَو عُدِم، ويكذبون بِمَا بُدِّل فيهمَا مِمَّا لم ينزله الله تَعَالَى فيهمَا وَهَذِه هِيَ إقامتهما حَقًا فلاح صدق قَوْلنَا مُوَافقا لنَصّ الْآيَة بِلَا تَأْوِيل. وأما قوله تعالى ﴿وليحكمْ أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ فحق على ظاهره؛ لأن الله -تعالى- أنزل فيه الإيمان بمحمد ﷺ، واتباع دينه ولا يكونون أبدا حاكمين بما أنزل الله تعالى فيه إلا باتباعهم دين محمد ﷺ. (^١)\n*وأما الإيمان بالرسل:\nفمن أركان عقيدة المسلم أن تؤمن بالرسل والأنبياء السابقين، قال تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة/٢٨٥)\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا\n_________\n(^١) الفصل (١/ ٢٤٠)","vol":"1","page":575},{"text":"مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (النساء/١٥٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوالمسلمون آمنوا بالأنبياء كلهم، ولم يفرقوا بين أحد منهم؛ فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم، ومن سب نبيًا من الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء. (^١)\nولذا فمن كذَّب رسولًا من رسل الله -تعالى- فقد كذَّب كل الرسل، يدل عليه قوله تعالى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء/١٠٥)، فأوقع التكذيب على المرسلين، وهم لم يكذبوا إلا الرسول المرسل إليهم؛ لأن من كذَّب رسولًا فقد كذَّب الرسل، لأن كل رسول يأمر بتصديق غيره من الرسل، ولكونهم متفقين في الدعوة إلى الله عزوجل. (^٢)\n* يؤيده:\nما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- أَنَّهُ قَالَ:\n «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَا يُؤْمِنُ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». (^٣)\nوهذا لمن أبين الأدلة القاطعة على وجوب اتباع النبي ﷺ، وأن شرعته ناسخة لما سبقها من الشرائع.\nفلو فُرض أنه وُجد اليوم نصرانى يشهد بوحدانية الله -تعالى - وبشرية المسيح عيسى الرسول ﵇، فلن يطأ الجنة حتى ينضوي تحت لواء وشريعة النبي ﷺ.\n* ومن الإيمان بالرسل أن نؤمن بأن الله - ﷾ - بعث رسلًا لا يحصيهم إلاّ هو سبحانه، وأن تؤمن بمن سمَّاه الله منهم، قال تعالى (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (النساء/١٦٤)\nفقوله تعالى (وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: خلقًا آخرين لم يُذكروا في القرآن.\n_________\n(^١) وانظرالصفدية (ص/٣١١) ونواقض الإيمان (ص/١٧٨)\n (^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ١١٩) وفتح القدير (٣/ ١٧٦)\n (^٣) أخرجه مسلم (١٥٣) وأحمد (٨٢٠٣)","vol":"1","page":576},{"text":"ودل الإجمالُ في ذكر \"الملائكة والكتب والرسل\" في حديث الباب عَلى الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل، إلا من ثبتت تسميته فيجب الإيمان به عَلى التعْيين.\nقد اختلف أهل العلم في عدد الأنبياء والمرسلين، وذلك بحسب ما ثبت عندهم من الأحاديث الوارد فيها ذِكر عددهم، فمن حسَّنها أو صححها فقد قال بمقتضاها، ومن ضعَّفها فقد قال بأن العدد لا يُعرف إلا بالوحي فيُتوقف في إثبات العدد. (^١)\n* وقد فاضل الله -تعالى- بين رسله وأنبيائه، كما قال تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة/٢٥٣)، وقال تعالى (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) (الإسراء/٥٥)\nفجعل الخُلة لإبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وجعل محمدًا -ﷺ- خير النبيين والرسل. فعن أَبُى هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (^٢)\nفإن قيل:\nقال تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) (البقرة/٢٨٥) فنهى عن التفريق بين الرسل!!\nفالرد عليه:\nعندنا أمران: التفريق والتفضيل، فالنهى الوارد هنا إنما هو عن\n_________\n(^١) وقد ورد عن أبي ذررضي الله عنه- أنه قال: قلت: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمِ الْمُرْسَلُونَ؟ قَالَ: \"ثَلَاثُ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا \"، وَقَالَ مَرَّةً: \"خَمْسَةَ عَشَرَ \". أخرجه أحمد (٢١٥٤٦)\n، وهو حديث ضعيف جدًّا، إسناده ضعيف جدًا لجهالة عبيد بن الخشخاش، ولضعف أبي عمر الدمشقي، وقال الدارقطني: المسعودي عن أبي عمر الدمشقي متروك. المسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة.\nوأخرجه ابنُ حبان في صحيحه (٣٦١)، وفيه إبراهيم بن هشام الغسَّاني، قال الذهبي عنه: متروك، بل قال أبو حاتم: كذّاب، ومن هنا فقد حكم ابن الجوزي على الحديث بأنه موضوع مكذوب. ذكره شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوهذا الذي ذكره أحمد، وذكره محمد بن نصر، وغيرهما، يبين أنهم لم يعلموا عدد الكتب والرسل، وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم. وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٤٠٩).\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٢٧٨)","vol":"1","page":577},{"text":"التفريق بين الرسل في أصل الإيمان بهم، فالواجب على المسلم أن يؤمن بكل الرسل والأنبياء، ولا يكن كحال اليهود والنصارى الذين قال الله تعالى عنهم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) (النساء/١٥١)، وأما التفضيل فهذا مما سوَّغه الشرع في غير ما دليل.\n*فإن قيل:\nروى ابن عباسرضي الله عنهما- عن النبي - ﷺ - قال:\n\" لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى \" (^١)\n*فجوابه:\nأن هذا النهى متوجه إلى من قال ذلك على سبيل التنقّص من نبى الله يونس ﵇. فالتفضيل بين الأنبياء يكون محرمًا إذا تضمن التنقص لبعضهم أو الازدراء ببعضهم، وإلا فالتفضيل والمفاضلة بينهم منصوص عليها في القرآن: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة/٢٥٣].\nوإنما خص بالذكر يونس -﵇ - لقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ) وهو يونس بن متى، ﵇، أي:\nولا تشابهه في الحال، التي أوصلته، وأوجبت له الانحباس في بطن الحوت، وهو عدم صبره على قومه الصبر المطلوب منه، وذهابه مغاضبًا لربه عزوجل.\n*فإن قيل:\nقد روى أَنَس بْن مَالِكٍ - ﵁- أنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇». (^٢)\nفالرد عليه:\nأن هذا قد قاله النبي - ﷺ - تواضعًا منه، وإلا فهو ﷺ أفضل الرسل وأفضل الخلق على الإطلاق.\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٣٦٩)","vol":"1","page":578},{"text":"أويقال أن كان قبل أن يُوحى إليه أنه خير الخلق أجمعين.\n* عود إلى حديث الباب:\nقَالَ ﷺ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»\nوأماالإيمان بالْيَوْمِ الْآخِرِ فهو أحد أركان الإيمان الستة التي ينبني عليها إيمان العبد، وتستقيم بها عقيدته، ولا يصح بدونها دينه. فهو ركن من أركان الإيمان، فَرْضٌ الإيمان به، ولا يصح إيمانُ أحد ولا إسلامه حتى يؤمن باليوم الآخر، فمن أنكر البعث أو اليوم الآخر فإنه كافر.\nقال تعالى (وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) (الرعد/٥)\nقال السفَّارينى:\nاعلم أن المعاد الجسماني حق واقع وصدق صادق دل عليه النقل الصحيح ولم يمنعه العقل فوجب الإيمان به، والتصديق بموجبه لأنه جاء في السماع الصحيح المنقول ودل عليه عند الجمهور صريح المعقول، وهذا مما يجب اعتقاده ويكفر منكره، وقد أنكره الطبائعيون والدهرية والملحدة وفيه تكذيب للنقل الصريح والعقل الصحيح على ما قرره المحققون من أهل الملة. (^١)\n* وأول ما يكون في اليوم الآخر هو البعث، الذي هو إعادة الناس وإحياؤهم بعد تفرق أشلائهم وأجزائهم، وبعد صيرورتهم ترابًا ورفاتًا، هذا أول ما يكون في ذلك اليوم.\nقال تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة/١٧٧)\nوعَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: \" بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ:\nلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٥٧)","vol":"1","page":579},{"text":"الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ، وَالِدَاهُ \" وَقَالَ: \" بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ مَنْ لَقِيَ اللهَ مُسْتَيْقِنًا بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ: يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْحِسَابِ \" (^١)\n*وقد جعل الله -تعالى- الكفر باليوم الآخر نظير الكفر به سبحانه، فقال عزوجل (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا) [النساء: ١٣٦]\nبل إن المتتبع لنصوص القرآن يجد أن الآيات الذى جاءت لإثبات البعث بعد الموت أكثر من تلك التي وردت في إثبت وجود الرب؛ وسبب ذلك إنما هو كثرة المنكرين للبعث مقارنة بمن أنكر وجود الرب عزوجل؛ فإن الإقرار بالرب أمر فطري في بني آدم، فكلهم يقرُّون بالرب فطرة، إلا من عاند، كفرعون والنمرود.\n*ولاشك أن الإيمان باليوم الآخر له ثمرات عظيمة، وأعظمها على الإطلاق أنه يدفع صاحبه دفعًا إلى ملازمة العمل الصالح وحسن الامتثال لأوامر الشرع، لذا فالمستقرئ لأدلة الشرع يرى أن الكثير من الأدلة الشرعية قد ربطت بين الامتثال والإيمان باليوم الآخر.\n*فمن أدلة القرآن:\nقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب/٢١)\n*ومن أدلة السنة:\nعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَرضي الله عنها -قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ:\n «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ» (^٢)\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:\n\"لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ \". (^٣)\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n... «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٦٦٢) وابن حبان (٨٣٣)، وانظرالصحيحة (١٢٠٤).\n (^٢) أخرجه البخارى (٥٣٤٢)\n (^٣) أخرجه مسلم (١٣٣٩)","vol":"1","page":580},{"text":"فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (^١)\n*والإيمان باليوم الآخر يتضمن كل ما يكون ذلك اليوم بمشاهده المتلاحقة المتتابعة، من قيام الساعة والبعث من القبور، حين يأمر الله - تعالى - إسرافيل -﵇ - بالنفخ في الصور النفخة الثانية، ويبعث الله ﵎ الموتى من القبور.\nثم يُحشرالناس إلى أرض الموقف، ثم العرض والسؤال وتطاير الصحف، وأخذ كتب الأعمال والحساب والميزان، ثم المرور على الصراط: وهو جسر منصوب فوق جهنم يمر عليه جميع الناس، ورود الحوض، ثم الجنة والنار.\nونفي شيء من هذه المشاهد هو إنكار للقرآن ومتواتر السنة وإجماع الأمة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوأما طوائف من الكفار وغيرهم من الصابئة والفلاسفة ومن وافقهم فيقرون بحشر الأرواح فقط، وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط. وطوائف من الكفار والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية، فلا يقرون: لا بمعاد الأرواح، ولا الأجساد. ... وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة فإنهم يحرِّفون الكلم عن مواضعه، ويقولون هذه أمثال ضربت لنفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية... ومثل المتفلسفة الصابئة...، هؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان... . (^٢)\nقال القاضي عياض:\n\"... وكذلك من أنكر الجنة أو النار، أو البعث، أو الحساب، أو القيامة فهو كافر بإجماع؛ للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا، وكذلك من اعترف بذلك، ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٤) وانظر شرح منظومة الإيمان للبشير المراكشي (ص/٢٠٤)","vol":"1","page":581},{"text":"والثواب والعقاب معنى غير ظاهره، وإنها لذَّات روحانية، ومعان باطنة. (^١)\n* عود إلى حديث الباب:\nقَالَ ﷺ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»\nوأما الإيمان بالقدر وهو الركن السادس من أركان الإيمان، وهذا ركن من الأركان التى يمتاز بها أهل السنة عن أهل البدع، والمخالفون في هذا الباب من أوائل أهل البدع الذين ظهروا في صدر الإسلام.\nوقد ذكرنا في أول شرحنا لهذا الحديث أن مناسبته إنما جاءت لما خرجت نابتة سوء تخوض جهلًا وتنطق كفرًا بنفى القدر وأن الأمر أُنُف، فتصدَّى لها أهل العلم من سلف الأمة من الصحابة -﵃- والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الناس هذا.\n... وأما معنى الإيمان بالقضاء والقدر ومراتبه، وما يتعلق بهذا الباب من شبهات والرد عليه فقد سبق ذكره مفصلًا عند شرحنا للحديث الرابع من هذا الكتاب، حديث \"بلوغ العَلَم شرح حديث أول ما خلق الله القلم\"، بما يغني عن إعادته.\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nقَالَ جبريل ﵇: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ؟\nقَالَ النبي ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»\nوالمرتبة الثالثة من مراتب الدين هى الإحسان، وهذه المرتبة لها ركنان وهما:\nأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه ذروة مراتب الدين وأعلاها، وهو تمام الإخلاص.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]\nقوله ﷺ (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)، وهذا يدفع إلى العمل، ويشعر بمراقبة الله --تعالى- ومعيته مع الإنسان؛ فإن رؤية الله -تعالى- لما تعذَّرت في الحياة الدنيا فعلى المرء أن يستشعر هذا المعنى مما يجعله يزداد إقبالًا ومحبة لربه تعالى.\n_________\n(^١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٦١٥)","vol":"1","page":582},{"text":"قال النووي:\nوهذا مقام المشاهدة، فمن قدر أن يشاهد الملك استحى أن يلتفت إلى غيره في الصلاة وأن يشغل قلبه بغيره. (^١)\nقوله ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»:\nكما قال تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]\nولهذه المرتبة ثمرات عظيمة ومنها أن الشخص إذا ما استحضر مراقبة الله -تعالى- له فإنه يزداد لله -تعالى- خشية ورهبة، مما يحمله على زجر النفس عن المعصية وحملها على الطاعة، قال تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن /٤٦)، وقال تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (عبس/٤١)\nقال عبد الرحمن بن قاسم:\nهذا القدر من الحديث أصل من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد العلم، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ، فإن إحسان العبادة: هو الإخلاص فيها، والخضوع، وفراغ البال حال التلبس بها، ومراقبة المعبود، وأشار في الجواب إلى حالتين:\nأرفعهما: أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه، والثانية: أن يستحضر الحق - تعالى - مطلعًا عليه، يرى كل ما يعمل. (^٢)\n* عود إلى حديث الباب:\nقَالَ جبريل ﵇: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْسَاعة؟\nقَالَ النبي ﷺ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» معنى قوله: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أن علم الساعة استوى الخلق فيه، حتى الملائكة والرسل لا يعلمون ذلك، وإنما هو مستأثر عند الله جل وعلا، لا يعلم وقتها إلا الله تعالى.\nفهى من علم الله - ﷿ - الخاص به الذي لم يطلع عليه أحد،\n_________\n(^١) شرح الأربعين (ص/٢٢)\n (^٢) حاشية عبد الرحمن بن قاسم على الأصول الثلاثة (ص/١١٨)","vol":"1","page":583},{"text":"قال تعالى ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] فهي واقعة، ولكن وقت وقوعها غير معلوم.\nوقال تعالى (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) (الأحزاب/٦٣)\nوسبب السؤال عن الساعة زجر الناس عن السؤال عنها، فإنهم أكثروا السؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يسألك الناس عن الساعة﴾، فلما أجيبوا بأنه لا يعلمها إلا الله -سبحانه- كفوا؛ لأن معنى: \" ما المسؤول عنها بأعلم من السائل \": لا علم لى ولا لك ولا لأحد به. (^١)\nقَالَ جبريل ﵇: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟، قَالَ ﷺ:\n «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»،\nوقوله ﷺ: (أن تلد الأمةُ ربتَها):\nاختلف العلماء في معنى ذلك عَلى سبعة أوجه، لكنها متداخلة، وتلخص على أربعة أقوال:\nالقول الأول:\nقال الخطابي: معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنّه ولد سيدها، قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين.\nواعترض الحافظ ابن حجر على ذلك فقال:\nلكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاء الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع مالم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة.\nالقول الثاني:\nإن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك.\n_________\n(^١) وانظر صحيح مسلم وشرحه المسمى \" إكمال إكمال المعلم \" (١/ ٦٩) لمحمد بن خلفة الوشتاني الأبي المتوفى (٨٢٧ - ٨٢٨ هـ)","vol":"1","page":584},{"text":"القول الثالث:\nقال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرًا من غير سيدها بوطء شبهةٍ، أو رقيقًا بنكاح، أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أوابنتها.\nالقول الرابع:\nأن يكثر العقوق في الأولاد فيُعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة\nبالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أوالمراد بالرب المربي فيكون حقيقة.\nوالراجح - والله أعلم -القول الرابع، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر، وقال بعد أن ذكر الترجيح:\nولأن المقام يدل على المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور. بحيث يصير المربى مربيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: (أن تصير الحفاة ملوك الأرض) (^١).\n*ثم قال النبي ﷺ:\n\" وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ \" فهذه هى العلامة الثانية، وهى كون البدو رعاء الشاء - رعاة الغنم والإبل- أهل تمدن يتطاولون في البنيان، أي: يتنافسون في البناء وحسنه وارتفاعه، وهذا حصل في مراحل متعددة من تاريخ المسلمين.\nقَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ ﷺ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»\n* فوائد فى الختام:\nالفائدة الأولى:\nهل يستدل بحديث الباب على أن أعمال الجوارح ليست من الإيمان، لأنه ذكرها في معرض السؤال عن الإسلام؟؟؟\nوالجواب:\nقد جعل النبي - ﷺ - الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا\n_________\n(^١) انظر فتح الباري (١/ ١٦٢) وصحيح مسلم شرح النووي (١/ ١٧٧)","vol":"1","page":585},{"text":"لما بطن من الاعتقاد، وليس ذَلِكَ؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذَلِكَ تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين؛ ولهذا قَالَ - ﷺ -: \"أتاكم جبريل يعلمكم دينكم\". والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا، يدل عليه قوله ﷾: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ [آل عمران: ٨٥]\nفأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولن يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل. (^١)\nثم يقال هنا:\nكما فُسر الإيمان بالإعتقاد في حديث جبريل -﵇ - فقد فُسر بالعمل، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة:\nقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤» (الأنفال /٤)\nوقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥» (الحجرات/١٥)\nوفي حديث وَفْد عَبْدِ القَيْسِ، فقد قَالَ لهم النبي ﷺ:\n «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». (^٢)\nقال الخطابي:\nفضم هذه الأعمال إلى كلمة الشهادة وجعلها كلها إيمانًا، وهذا يبين لك أن اسم الإيمان قد يدخل على الإسلام واسم الإسلام يدخل على\n_________\n(^١) وانظر شرح السنة (١/ ٥٩) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢/ ٤٥٧)\n (^٢) متفق عليه.","vol":"1","page":586},{"text":"الإيمان، وذلك لأن معنى الإيمان التصديق ومعنى الإسلام الاستسلام، وقد يتحقق معنى القول بفعل الجوارح ثم يتحقق الفعل ويصح بتصديق القلب نية وعزيمة، وجماع ذلك كله الدين، وهو معنى قوله جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. (^١)\nودفعًا لِتوهّم التعارض بين حديث جبريل وحديث وفد عبد القيس، فقد جمع السلف بينهما - على أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا. وإذا افترقا اجتمعا. فالإيمان والإسلام إذا ذُكرا مجتمعَين، كما في حديث جبريل، فإنه يراد من كل منهما غير ما يراد من الآخر، فيراد من الإيمان ما في القلب، من الإيمان بالله وملائكته... إلى آخر ما ذُكر في الحديث. ويراد بالإسلام الشهادتان بتوابعهما من الأعمال الظاهرة. وإذا ذُكر أحدهما مجردًا عن الآخر دخل الآخر فيه، كما في حديث وفد عبد القيس.\nفما يسمى إسلامًا يسمى إيمانًا، وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، فإذا ذُكر أحدهما دخل فيه الآخر.\nفلا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهرإلا بإيمان باطن، وأن الإيمان والعمل قرينان، لا ينفع أحدهما بدون صاحبه. (^٢)\nوخلاصة ما سبق أن يقال:\nوالإسلام والإيمان إذا ذكرا جميعا فالإسلام معناه الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة، أعمال القلوب، وما يقوم به من التصديق والعلم، ولا بد من الإسلام والإيمان جميعا، الإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة؛ لقوله ﷺ: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب»، فإن ذكرا جميعا صار لكل واحد معنى خاص به، وإذا ذكر واحد منهما دخل فيه الآخر، إذا ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان؛ لأنه لا يصح إسلام\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ٥٣٨)\n (^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ١٣٨) والإيمان بين السلف والمتكلمين (ص/٣٧)","vol":"1","page":587},{"text":"بدون إيمان، ولا يصح إيمان بدون إسلام، لا بد من الاثنين، فهما متلازمان، ولهذا يقولون: إن الإسلام والإيمان من الأسماء التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا انفردت اجتمعت، أي: يدخل بعضها في بعض لأنهما متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر. (^١) تم بحمد الله.\n_________\n(^١) شرح الأصول الثلاثة لصالح الفوزان (ص/٢٣٣)","vol":"1","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الحديث التاسع عشر: الموالاة بين التفريط والمغالاة \"نظرة على حديث حاطب</span>","vol":"1","page":589},{"text":"* نص حديث الباب:\nعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ:\nبَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَأْتُونِي بِهَا.\nفَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَرْأَة، فَقُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْتُ: والذى يُحْلَفُ بِهِ، لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَأُجَرِّدَنَّكِ قَالَ:\nفَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ مِنِّي أَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَإِذَا فِيهِ:\n\" مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرَادَ غَزْوَهُمْ \"\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟ \"، فَقَالَ:\nلَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ غِشًّا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلَا نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ: لَقَدْ صَدَقَكُمْ، وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا.\nفَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ؛ إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ.\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أَتَقْتُلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟، مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":591},{"text":"تخريح الحديث:\nأخرجه البخاري (٣٠٠٧) بَابُ الجَاسُوسِ.\nومسلم (٢٤٩٤) باب من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة.\nمقدمة بين يدى الحديث:\nلا شك أن قضية الولاء والبراء قد شغلت حيزًا عريضًا من الكتاب والسنة، وهذا إن دل إنما يدل على عظم هذه القضية.\nقال الشيخ حمد بن عتيق:\nفأما معاداة الكفار والمشركين، فاعلم أن الله - ﷾- أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرَّم موالاتهم، وشدَّد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم، بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده. (^١)\nقال ابن القيم:\nالله - سبحانه - يجب أن يعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته ومعارضة أعدائه، وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها وهو أحب أنواعها إليه. (^٢)\nقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] ... وقال الله تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَت لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنهُمْ فَاسِقُونَ) [المائدة: ٨٠، ٨١]\nفقد جعل الله -تعالى- من علامات صدق الإيمان به وبرسوله - ﷺ - ترك موالاة الذين كفروا بالله عزوجل.\nقال شيخ الإسلام أبوالعباس ابن تيمية:\nفإذا قوي ما في القلب من التصديق\n_________\n(^١) سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشرك (ص/ ٣٦٣) ضمن مجموعة التوحيد.\n (^٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص/٢٢٢)","vol":"1","page":592},{"text":"والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾. (^١)\nوقال تعالى: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]\nفإذا وجدنا من يواد ويوالي ويعظِّم الكافرين المحادِّين لله ورسوله؛ علمنا أنه ليس بمؤمن، لأنَّ المؤمنين لا يكونون كذلك، فالمؤمن يتبرأ من أعداء الله، كما قال تعالى «قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤُاْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤].\nإنها سورة كاملة في كتاب لله -تعالى- تؤسس وتؤصل لهذا المعنى الذى هوالتبرؤ من المشركين، وهى سورة براءة الكبرى وهى سورة التوبة، وسورة براءة الصغرى وهى سورة الكافرون.\n* قَالَ جَرِيرٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵁: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يُبَايِعُ، فَقُلْتُ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ:\n\"أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَبْرَأُ مِنَ الْكَافِرِ \". (^٢)\nفدل الحديث أن البراءة من الكافر أحد الأصول التى بُنيت عليها مبايعة الصحابة -﵃- للرسول ﷺ.\n* وسدًا وحسمًا لهذه المادة فقد نهى الشرع عن مساكنة المشركين في ديارهم: عن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" «لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَلَيْسَ مِنَّا». (^٣)\n*قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nولأجل هذا الأصل:\nوقع التأثَّر والتأثير في بني آدم،\n_________\n(^١) الإيمان الأوسط (ص/٤٠٢)\n (^٢) أخرجه أحمد (١٩١٦٥) والنسائي (٤١٧٧) وصححه الألبانى.\n (^٣) أخرجه الحاكم (٢٦٢٧) وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقال الذهبي في تلخيصه على شرط الشيخين. وحسَّنه الألبانى في الصحيحة بمجموع الطرق (٢٣٣٠)","vol":"1","page":593},{"text":"واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة، وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعًا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه، ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمَّالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة، من أخلاق الجمال والبغال، وكذلك الكلَّابون، وصار الحيوان الإنسي، فيه بعض أخلاق الناس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة.\nفالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي.\nوقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفرًا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضا مناسبة وائتلافًا، وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضا أمر محسوس. (^١)\nوقد كره مالك أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف، فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن وتعبد فيه من دونه الأوثان، لا تستقر نفس أحد على هذا إلا وهو مسلم سوء مريض الإيمان. (^٢)\n* بل قد حث الشرع على التمسك بهذا الأصل الذى هو الولاء والبراء حتى بعد موت الكافر، فيبقي الولاء للمسلمين حتى بعد موتهم، ويبقي التبرء من المشركين حتى بعد موتهم.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وماتوا وهم فاسقون﴾ (التوبة: ٨٤)\nوكذلك فالسنة لمن مر على مقابر المسلمين أن يسلِّم عليهم ويدعو لهم، فقد كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ- يُعَلِّمُ أصحابه إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ أن يَقُولُوا:\nالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وَإِنَّا إِنْ\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/٣١٢)\n (^٢) الْمُقدمَات الممهداَت (ص/٦١٢)","vol":"1","page":594},{"text":"شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ. (^١)\nوأما من مر على مقابر المشركين فالسنة أن يبشرهم بالنار، وما ذاك إلا إمعانًا في التبرؤ من سبيلهم ونهجهم:\nعن سعدٍ بن أبى الوقاصرضي الله عنه-قالَ: أن النبيِّ - ﷺ - قالَ لأعرابي: «حيثُما مررتَ بقبرِ كافرٍ فبشِّرْه بالنارِ \". (^٢)\n* وما أجمل ما سطَّر ابن عقيل قائلًا:\nإذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة. (^٣)\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nالمعنى العام للحديث:\nفى العام الثامن من الهجرة النبوية عزم النبي - ﷺ - على فتح مكة، وكان حريصًا على ألا يُعرف ذلك لئلا يصل الأمر إلى قريش، فلما علم حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - بذلك كاتب كفارَ مكّة سِرًّا، يخبرهم بعزم رسول الله - ﷺ - أن يغزوهم، فعلم النبي - ﷺ بذلك - فأرسل مَن أخذ الكتاب مِمّن خرج ليصل به إلى كفار مكة. ودعا حاطبًا، فقال له ﷺ: يا حاطب، ما هذا؟!\nفبيَّن حاطب أنه كان له فى مكة قرابة فخشى أن يلحق بهم أذى من قريش، وتأول إنه يريد أن يضع يدًا عندهم ليحموا بها أهله وعشيرته، فهذا عذره وهو صادق في ذلك، وقال ﵁:\nفأحببتُ-إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتّخذَ فيهم يدًا، يحمون بها قرابتي. ولم أفعلْه كُفْرًا، ولا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٥)\n (^٢) أخرجه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٠٠٥) والبزار في \"البحر الزخار\" (١٠٨٩)\nقال: سليم الهلالي في (عُجالةُ الرّاغِب/٢/ ٦٧٣) وهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات معروفون.\nوقال حسين سليم أسد: أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" ١/ ١٩١ - ١٩٢، وابن السنيّ في \"عمل اليوم اليوم والليلة\" بدون رقم بعد الحديث (٥٩٥) من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص... وهذا إسناد صحيح. وانظر مجمع الزوائد وومنبع الفوائد (٢/ ٢٠٩).\nوقد صحح الألباني إسناده في الصحيحة (١٨)\n (^٣) الآداب الشرعية (١/ ٢٣٨)","vol":"1","page":595},{"text":"ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام.\nفقال النبي ﷺ: «لقد صدقكم».\n* وهذه من فوائد حدبث الباب: فقوله ﷺ: \" لَقَدْ صَدَقَكُمْ \":\nفيه أن حكم المتأول في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمد؛ لاستحالته من غير تأويل، وأن من أتى محظورًا أو ادَّعى فيه ما يحتمل التأويل قُبل وإن كان غالب الظن خلافه.\nوقد أطلق عمررضي الله عنه-على حاطب اسم النفاق؛ لأنه والى كفار قريش، وإنما فعل حاطب -﵁- ذلك متأولًا في غير ضرر لرسول الله - ﷺ - فصدق الله بنيته فنجَّاه من ذلك. (^١)\nقال أبو العباس القرطبي:\nلكن حاطبًا لم ينافق في قلبه، ولا ارتد عن دينه، وإنما تأول فيما فعل من ذلك: أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله - ﷺ - لا يضر رسول الله - ﷺ - ويخوِّف قريشًا، ويُحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله ﷺ، وأنهم لا طاقة لهم به، يُخوفهم بذلك ليخرجوا عن مكة، ويفروا منها، وحَسَّنَ له هذا التأويلَ تعلقُ خاطره بأهله وولده، إذ هم قطعة من كبده، ولقد أبلغ من قال: قلَّما يفلحُ من كان له عيالٌ، لكن لطف الله به، ونجاه لما علم من صحة إيمانه، وصدقه، وغفر له بسابقة بدر، وسبقه. (^٢)\n* وكما وقع فعل حاطب متأولًا، كذلك فقد أقدم عمر بن الخطاب على رمى حاطب بالنفاق متأولًا، لذا فقد ترجم البخاري: باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا، ثم قال تحته: وقال عمر لحاطب بن أبي بلتعة:\nإنه منافق، فقال النبي ﷺ: \" وما يدريك، لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: قد غفرت لكم \"\nقال البيهقي:\nومن كفَّر مسلمًا على الإطلاق بتأويل لم يخرج بتكفيره إياه بالتأويل عن الملة، وإنما يكفر من كفَّر مسلمًا بغير تأويل، وقد روينا عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في حاطب بن أبي بلتعة حين خان رسول الله ﷺ بالكتابة إلى مكة:\n_________\n(^١) وانظر معالم السنن (٢/ ٢٥٨) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٨/ ١٦٥) وكشف المشكل (١/ ١٤١)\n (^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٤٤٠)","vol":"1","page":596},{"text":"\" دعني أضرب عنق هذا المنافق \" \" فسمَّاه عمر منافقًا، ولم يكن منافقًا فقد صدَّقه النبي - ﷺ - فيما أخبر عن نفسه، ولم يصر به عمر كافرًا لأنه أكفره بالتأويل، وكأنَّ ما ذهب إليه عمر يحتمل. (^١)\n* قوله ﷺ:\n\" لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ \"\nولهذا الترجى توجيهان:\nأ) الأول:\nأن الترجي من الله واقع محقق للنبي ﷺ بدليل ما ذكر الله تعالى في قصة أهل بدر في آل عمران والأنفال من ثنائه عليهم وعفوه عنهم، وبدليل قوله ﷺ للذي قال في حاطب إنه يدخل النار وأقسم عليه:\n\" كذبت، لا يدخلها؛ فإنه شهد بدرًا \"، فهذا إخبار محقق لا احتمال فيه ولا تجوُّز. (^٢)\nب) الثانى:\nقد وقع في حديث أبي هريرة -﵁عند بن أبي شيبة بصيغة الجزم. (^٣)\n* قوله ﷺ: \"اعملوا ما شئتم\":\nوفي توجيه هذا قولان:\nالأول:\nقيل ليس هو على الاستقبال، وإنما هو للماضي، تقديره: اعملوا ما شئتم أي عمل كان لكم فقد غفر، ويدل على هذا شيئان:\nالأول: أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر.\nوالثاني:\nأنه كأن يكون إطلاقًا في الذنوب، ولا وجه لذلك، ويوضحه أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد؛ فلهذا كان عمر يقول: يا حذيفة أنا منهم؟\nوقال به ابن الجوزي.\nالقول الثانى:\nأن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف يضمن أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا أن يغفر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم، لا أنهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحية أن يُغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود\n_________\n(^١) شعب الإيمان (١/ ١٧٥)\n (^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٤٤٠)\n (^٣) فتح الباري (٨/ ٦٨٧)","vol":"1","page":597},{"text":"الصلاحية لشيءٍ ما وجود ذلك الشيء، إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب. (^١)\n*قوله ﷺ: (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ):\nوهذه بشارة لأهل بدر بمغفرة الذنوب وما ذلك إلا لسبقهم في البذل والجهاد، ولهذا فقد اتفق جمهورالعلماء أن أفضل الصحابة هم على الترتيب:\nالخلفاء الراشدون ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان.\nقال ابن القيم:\nمن قواعد الشرع والحكمة ايضا أنّ من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره ويعفي عنه مالا يعفي عن غيره؛ فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه لا يحمل أدنى خبث، ومن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر:\n\"وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\". (^٢)\nوقال ﵀:\nأن الكبيرةَ العظيمَةَ مما دون الشركِ قد تُكَفَّرُ بالحسنةِ الكبيرةِ الماحية، كما وقع الجَسُّ مِن حاطب مكفرًا بشهوده بدرًا. (^٣)\n* وقوله تعالى (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) فيه أمور:\n١) الأول:\nأن هذا الوعد بالغفران لهم إنما يكون في الآخرة، وإلا فإنْ توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد على أن من ثبت عليه، وقد ضرب النبي - ﷺ - مِسطحًا الحد وكان بدريًا، وأقامه عمر - ﵁- على بعضهم. (^٤)\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٤٤١)\n (^٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٢٩)\n (^٣) زاد المعاد (٣/ ٤٢٤)\n (^٤) وانظر المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٢٩٣) وإكمال المعلم (٧/ ٥٣٩)","vol":"1","page":598},{"text":"قال ابن بطال:\nأجمعت الأمة أن كل من ركب من أهل بدر ذنبًا بينه وبين الله فيه حد، أو بينه وبين الخلق من القذف أو الجرح أو القتل فإنه عليه فيه الحد والقصاص. (^١)\n* وقد ذكر الطحاوى إشكالًا قال فيه:\nفقال قائل:\nكيف تقبلون عن رسول الله -ﷺ - في تركه العقوبة على حاطب فيما كان منه، فإن قلتم: لأنه قد كان من أهل بدر، وقد سبق لهم من الله ما سبق، قيل لكم: فقدامة قد كان له من بدر في شهوده إياها كما كان لحاطب في مثل ذلك، ولم ير عمر ولا عليُّ ولا من كان بحضرتهما دفع العقوبة عنه لذلك على جرمه الذي كان منه!! (^٢)\nفكان جوابنا له في ذلك:\nأن من سنة رسول الله - ﷺ - أمره بإقالة ذوي الهيئات عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى، وكان حاطب لشهوده بدرًا، ولما كان عليه من الأمور المحمودة من ذوي الهيئة، ولم يكن الذي أتى مما يوجب حدًا، إنما يوجب عقوبة ليست بحد، فرفعها عنه رسول الله - ﷺ - لما كان معه من الهيئة، وكان الذي كان من قدامة فيه حد لله فلم يرفعه عمر ولا عليُّ، ولا من سواهما لهيئته؛ لأن الهيئة إنما ترفع العقوبات التي ليست حدودًا، ولا ترفع العقوبات التي هي حدود. (^٣)\n* يؤيده:\nما ورد عَنْ عَائِشَةَ - ﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" أَقِيلُو ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ \". (^٤)\n_________\n(^١) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٨/ ٥٩٨)\n (^٢) وكان قدامة -﵁- قد شر الخمر متأولًا قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]\n (^٣) شرح مشكل الآثار (١١/ ٢٧٦)\n (^٤) أخرجه أحمد (٢٥٤٧٤) وأبو داود (٤٣٧٥) قال ابن حجر: الحديث المشهور من طرق ربما يبلغ درجة الحسن، بل صححه ابن حبان بغير استثناء. وانظرالصحيحة (٦٣٨)\nالمقصود بالإقالة: رفع العقوبة، والعثرات: الزلات والسقطات.\nقال أحمد: وإنما أراد بهذا، والله أعلم، الأئمة يقيلون ذوي الهيئات عثراتهم ما لم يكن حد، فإذا كان حدا وبلغ الإمام فلا يدعه، ولا ينبغي لأحد أن يشفع فيه.\nقال ابن الأثير: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم: هم الذين لا يُعرَفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة. انظر معرفة السنن والآثار (٦/ ٤٧١) والنهاية (٥/ ٢٨٥)","vol":"1","page":599},{"text":"٢) الثانى:\nقوله تعالى (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ):\nوهذه المغفرة إنما حصلت لهم بذات العمل الذى أسلفوه والذى هو شهود بدر، لذا فما وقعوا فيه بعد ذلك إنما هو مغفور لهم بذلك وإن لم يحدثوا لذلك توبة، وهذا المعنى يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:\nوالله - تعالى- لم يشترط في الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة، وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي - ﷺ -، فلما أراد عمر - ﵁- قتله قال النبي - ﷺ -: \"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\"، وكذلك ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه قال: \" لا يدخل النارَ أحدٌ بايعَ تحت الشجرةِ \".\nوهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل. (^١) * الثالث:\nقوله ﷺ: (وما يدريك أنَّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).\nفإذا سأل سائل:\nهل المراد بقوله تعالى (فقد غفرتُ لكم) مغفرة الكبائر أم الصغائر فقط؟\nفالجواب:\nأن من شهد بدرًا فإنه يُغفر له الكبائر؛ إذ لو قيل تُغفر لهم الصغائر إذا تاب،\nفلا فرق إذن بين أهل بدر وغيرهم، فمن المعلوم أن كل واحد تغفر له الصغائر باجتناب الكبائر، وكل واحد يُغفر له بالتوبة، ولما كان ثمة خصيصة بهذا لأهل بدر، فدل على أن المراد بالمغفرة إنما هو ما يتعلق بالكبائر، والله أعلم.\n_________\n(^١) الإيمان الأوسط (ص/٣٣٥)","vol":"1","page":600},{"text":"* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nالرد على المرجئة والكرامية الذين قالوا بحصر الإيمان في القول دون العمل، وقالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، وأنه لا كفر إلا بالجحود أو الاستحلال. (^١)\nوحديث الباب قد بيَّن أن الإيمان كما يُنقض بالقول فكذلك يُنقض بالعمل، فقد ذكر عمر بن الخطاب - ﵁- نفاق من والى أعداء الله - تعالى- وأنه عمل مستحق لضرب العنق فما أنكر عليه الرَسُولَ ﷺ.\nكذلك في قول حاطب ﵁: (وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ غِشًّا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلَا نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا..) فجعل الردة حاصلة بفعل الجوارح كما تحصل بعمل القلب.\n*وإنما جاء الاستثناء في شأن حاطب - ﵁ - لأمرين:\n١) أنه ما فعل ذلك نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بالْكفر بعد الْإسلَام، بل كان متأولًا، مع صدق نيته؛ ولذلك فقد عفا الله -تعالى- عنه.\n٢) كونه بدريًا، وقد قال رسول الله ﷺ:\n\" لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم \"\nوعليه فإن الحكم العام فيمن أظهر نفاقًا أكبر، كحال موالاة أعداء الله - تعالى- نِفَاقًا وَارْتِدَادًا، وَرِضًا بالْكفر بعد الْإسلَام، فهذا كفر مخرج من الملة، وإن كان ينطق الشهادتين.\n* والكتاب والسنة قد دلا على ذلك:\nقال تعالى (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١» (المنافقون: ١)\nوكذلك فقد أمر الله -تعالى - رسوله - ﷺ - بقتال أمثال هؤلاء، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ\n_________\n(^١) والإيمان عند الكرامية هو قول اللسان، دون اشتراط تصديق القلب أوعمل الجوارح في أحكام الدنيا، فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان؛ لأن النبي - ﷺ - قَبِل إسلام الناس بمجرد قولهم للشهادتين.\n* لذا فالمنافق - وإن أظهر نفاقًا واضحًا - فهو عندهم مؤمن، إلا إنه يخلد فى النار.\nوقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا القول هو الذي اختصت به الكرامية وابتدعته، ولم يسبقها أحد إلى هذا القول، وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان.\nوانظر لتفصيل ذلك رسالتنا الفرقان في بيان حقيقة الإيمان (ص/١٣)","vol":"1","page":601},{"text":"جَاهِدِ الْكُفَّارَوَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحريم/٩)\nوقال تعالى (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (الأحزاب/٦٠)\n* ومن السنة:\nما ورد عن عبدالله بن سلول الذي كان يؤذي النبي -ﷺ - كثيرًا، كما روى أبو هُرَيْرَةَ - ﵁- قالَ:\nمَرَّ رَسول الله - ﷺ- عَلَى عَبْدِ الله بْنِ أَبَيّ ابْن سَلُولٍ فَقَالَ:\nقَدْ غَبَّرَ عَلَيْنَا ابْنُ أبى كَبْشَةَ، فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله:\nوَالَّذِي أَكْرَمَكَ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَئِنْ شئْتَ لأتِيَنَّكَ بِرَأْسِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لا، وَلكِن بِرَّ أَبَاكَ، وَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُ. (^١)\nوفي حديث جَابِر﵁ - قال:\nغَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ...... وفيه: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ:\nأَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (^٢)\nفجعل الرسول - ﷺ - العلة المانعة من قتله ليس أنه غير مستحق للقتل، بل لعلة أخرى وهى ألا يتناقل الناس أن النبي - ﷺ - يقتل أصحابه، فينفر ذلك الناس عن دين الله عزوجل.\n* ويتفرع على هذا فرع مهم:\nفي حكم موالاة الكافرين: وموالاة الكافرين تنقسم بحسب القصد والنية إلى قسمين:\n١) القسم الأول: الموالاة الصغرى: (^٣)\nوذلك إذا كانت موالاتهم لمصلحة دنيوية، لأجل منصب أو مال أو دفعًا لأذاهم، وليس رغبة في نصرة دينهم، فمثل هذا لا يكون\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤٢٨) وانظر الصحيحة (٣٢٢٣)\nوقال الحافظ ابن حبان:\nأبو كبشة هذا والد أم أم رسول الله - ﷺ- كان قد خرج إلى الشام فاستحسن دين النصارى، فرجع إلى قريش وأظهره، فعاتبته قريش حيث جاء بدين غير دينهم، فكانت قريش تعير النبي - ﷺ- وتنسبه إليه، يعنون به أنه جاء بدين غير دينهم كما جاء أبوكبشة بدين غير دينهم. (صحيح ابن حبان (٢/ ١٧٠)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) تسميتها صغرى ليس لأنها من الصغائر؛ ولكن للتفريق بينها وبين الكبرى، وإلا فإن الموالاة الصغرى شأنُها عظيم كما تقدَّم فهو باب لا يُستهان به.","vol":"1","page":602},{"text":"كفرًا، بل كبيرة من كبائر الذنوب، لأنها لا تتضمن ما ينافي أصل الإيمان من محبة الكفر والرضا به.\nوفى مثل نزل قوله تعالى في قصة حاطب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) ... إلى قوله (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (الممتحنة/١)\nومما يدل على أنَّ فاعل مثل هذا لا يكفر بما وقع منه: أن الله - تعالى- خاطب حاطبًا باسم الإيمان بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ (^١)\nفحصل بذلك وجود أصل الإيمان ولم يسلب عن فاعله مع وجود الموالاة، فدل على على عدم الكفر بمثل هذا النوع من الموالاة، وإنما يستحق فاعل هذا النوع من الموالاة القتل، أوالتعزير، حسب ما يرى الإمام، وإنما اندفعت العقوبة عن حاطب - ﵁ - لكونه من أهل بدر، كما بيَّن النبي - ﷺ - ذلك، والله أعلم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوقد يحصل من الرجال نوع من موادتهم لرحم أو حاجة، فيكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - ﷺ -، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\nلَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ\nالْحَقِّ﴾ الآية. [الممتحنة: ١] (^٢)\nقال القرطبى:\nمن كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين. (^٣)\n*وهنا إشكالات:\n١) إن قيل:\nفعل حاطب - ﵁- لم يكن مظاهرة للمشركين، بل غاية ما فيه أنه\n_________\n(^١) وانظر الاستيعاب في بيان الأسباب (٣/ ٣٧٥) والوعد الأخروي (٢/ ٧٩٦)\n (^٢) الإيمان الأوسط (ص/٤٠٣)\n (^٣) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٢)","vol":"1","page":603},{"text":"جَسَّ على المسلمين، وعليه فلا يستدل به على كون<span data-type=\"title\" id=toc-141> المظاهرة منها ما هو ردة ومنها ما يكون كبيرة</span>؟\n*والرد عليه:\nإذا ثبت أن ما فعله حاطب - ﵁- ليس ردة، وهذا مجمع عليه مع أن رسالته لو وصلت إلى مشركي مكة لاستعدَّت قريش للحرب، وهذا خلاف ما قصد إليه النبي - ﷺ - من تعمية خبر غزوه لهم، فما عمله حاطب - ﵁- إعانةٌ عظيمة للكفار في حربهم للمسلمين في غزوة من أهم الغزوات الفاصلة في الإسلام، إذا ثبت ذلك عُلم أن الإعانة لا تكون كفرًا حتى يكون الحامل عليها محبة الكفار والرغبة في انتصارهم على المسلمين، وعلم\nأن القول بأن إعانة الكفار على المسلمين كفر وردة مهما كان الحامل عليها كما\nهو ظاهر كلام ابن حزم في المحلى مستدلًا ببعض أحاديث الوعيد فيه نظر ظاهر. (^١)\n* كما يقال هنا أن التجسس على أخبار المسلمين في حقيقته هو نوع مظاهرة للمشركين، فكل ما كان مؤديًا لأن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلًا فهو من المظاهرة التى حرَّمها الشرع.\n٢) فإن قيل:\nالقول بحمل حديث الباب على أن فعل حاطب -﵁- كان من الموالاة العملية التى لا تُخرج من الملة، قد يكون فيه موافقة للمرجئة القائلين بحصر الكفر الأكبر في أعمال القلوب، وأنه لا كفر إلا بالحجود أو الاستحلال!!!\n* والرد عليه أن يقال:\nلا يستدل بترجيحٍ في مسألة ما على كون ذلك منهجًا عامًا للقائل، فلو أن إمامًا من أئمة السنة يثبت صفات الله -تعالى- ثم رأيناه قد تأول أية من أيات الصفات على غير ظاهرها فلا يقال عندها بنسبته للنفاة أو المحرَّفة.\nوكذلك هنا نقول، \" أن عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم \"، بمعنى أن عدم حمل حديث الباب على الكفر الأكبر لا يعنى أننا نحصر الكفر في أعمال القلوب، كما يدعى المنازع، ولكنَّا حملناه على ذلك للقرائن والمقدمات التى تم ذكرها آنفا.\n_________\n(^١) تسهيل العقيدة الإسلامية (ص/٥٧١)","vol":"1","page":604},{"text":"* أضف إلى ذلك:\nأن النبي - صلى لله عليه وسلم - لما وقف على أمر حاطب قال له:\nما حملك على ذلك؟\nفلو كان أصل فعله بذاته لا يحتمل التفصيل لما استفصل النبي ﷺ، فإذا كان \" ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال \"، فإن الاستفصال في مقام الاحتمال لا ينزل منزلة العموم في المقال، بل يكون الحكم فيه تفصيل وتبيين.\n (٣ فإن قيل:\nألا يستدل بقوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧» (النحل/١٠٧) على كفر من والى أعداء الله -تعالى- ولو لغرض دنيوى؟؟؟\nوالرد على ذلك:\nأن الاستدلال بهذه الأية كفر كل من قدَّم أمر الدنيا على الآخرة مما يقال فيه إنَّ \" الدليل أخص من الدعوى\"؛ فقد ورد سياق هذه الأية فيمن أُكره على كلمة الكفر، حيث رُخص له في ذلك مادام قلبه مطمئنًا بالإيمان، ثم ذكر الله -تعالى- في مقابل ذلك \" مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا \" فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم.\nقال ابن كثير:\nلأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله - تعالى - قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم. (^١)\n٢) القسم الثانى: الموالاة الكبرى:\nأن تكون موالاتهم لنصرة دينهم وتسلطهم على دين الإسلام والمسلمين، فمثل هذا يكون كفرًا أكبر مخرجًا من دين الإسلام. فمن ظاهر المشركين وعاونهم على المسلمين لأجل دينهم فلاشك في كفره.\nوفى مثل هذا قال الله تعالى (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٠٥)","vol":"1","page":605},{"text":"الْمَصِيرُ (٢٨» [آل عمران: ٢٨]\nقال ابن جرير الطبرى قوله تعالى: (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ)\nيعني:، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر. (^١)\nوقال تعالى ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال القرطبي في قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أي:\nمن يعاضدهم ويناصرهم على المسلمين، فحكمه كحكمهم في الكفر والجزاء، وهذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة، وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين. (^٢)\nقال ابن حزم:\nوصح أن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾\nإنما هو ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين. (^٣)\n*قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن:\nإن الموالاة تنقسم إلى قسمين:\n١) موالاة مطلقة عامة:\nوهذه كفر صريح، وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التولي لأجل الدين، وعلى ذلك تُحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار، وأن من والاهم فقد كفر.\n٢) موالاة خاصة:\nوهي موالاة الكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سر رسول الله - ﷺ - في غزو مكة كما هو مذكور في سبب نزول سورة الممتحنة. (^٤)\nومثل هذا الكلام في تقسيم الموالاة إلى عامة مطلقة وخاصة منقول عن القرطبي وابن الجوزى وابن العربي وسليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب وصاحب الأضواء. (^٥)\n_________\n(^١) انظر جامع البيان في تأويل القرآن (٦/ ٣١٣)\n (^٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢١٧) وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٧٨٢)\n (^٣) انظرالمحلى (١١/ ١٣٨) أحكام أهل الذمة (١/ ٦٧)\n (^٤) انظر الدرر السنّية (١/ ٢٣٥، ٢٣٦)\n (^٥) وانظر زاد المسير (ص/٣٩٠) ونوافض الإيمان القولية والعملية (ص/ ٢٧٧) وأضواء البيان (٢/ ١١١)","vol":"1","page":606},{"text":"قال الشيخ السعدى:\n ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا، صار ذلك كفرًا مخرجًا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ، وما هو دون ذلك. (^١)\n* وعليه نقول:\n*وعليه فلابد من التنبيه على مسألة:\nأن الاستدلال بحديث حاطب على أن كل موالاة لأعداء الإسلام لا تخرج من الملة فهذا مما يقال فيه إنَّ الدليل أخص من الدعوى.\nومن المعلوم أن قضايا الأعيان لا ترد نقضًا على الكلّيات لاحتمالها.\nفقد تقرّر في القرأن أنّ نصرة أهل الكفر على أهل الإسلام كفر ونفاق، وتواردت الآيات والآثار وإجماع العلماء على ذلك حتى صار أصلًا مطردًا في الباب؛ فما وَرَد مُوهِمًا خلافَ الأصل مثل قصة حاطب -﵁- فلا يرد نقضًا على الأصل؛ لأنّ قضايا الأعيان لا تقدح في الأصول، إما لاحتمالها في ذاتها، أو لإمكان ردّها إلى الأصل المعلوم بتأويل يمنع التخلّف عن الأصل، أو يجزم بعدم دخولها في الأصل لمأخذٍ آخر فلا تكون الواقعة من أفراد الأصل.\nلذا فالقول بأن كل موالاة لأعداء الله - تعالى- نفاق أكبر مخرج من الملة فليس هذا على عمومه، فقد دلَّ حديث الباب أن النصرة العملية ذنب، لكنها ليست كفرًا وحدها؛ لأن ما وقع من حاطب لم يكن حُبًّا ولا تفضيلًا، ولا فعل ذلك عن تَمَنٍّ لنصرة دين الكفار على الإسلام.\nبل إن شيخ الإسلام مع تكفيره للتتار، قال عمَّن يقاتل المسلمين مع التتار:\n\" وأيضًا لا يقاتل معهم - غير مكره - إلا فاسق، أو مبتدع، أو زنديق. . \".\nفها هو فصل أصناف المقاتلين معهم، ولم يجعلهم قسمًا واحدًا، ولم يكفر بمجرد القتال معهم. (^٢)\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن (ص/٨٥٦)\n (^٢) انظر مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٥٢) والولاء والبراء بين الغلو والجفاء (ص/١٦)","vol":"1","page":607},{"text":"* ويتبين لنا مما سبق أمور:\nالأول:\nمناط التكفير في باب الولاء والبراء إنما هو على عمل القلب لا على آثاره وثمراته، فإذا اجتمعا حكم به، وإذا اختلفا فالحكم لعمل القلب دون عمل الجوارح.\nفحب الكافر لكفره أو تمني انتصار دين الكفار على دين المسلمين هذا هو الكفر في باب الولاء والبراء. (^١)\nالثانى:\nمظاهرة الكافرين لنصرتهم على المسلمين لا يجيزه حتى حال الإكراه المعتبر،\nقال الطبرى تعليقًا على قوله تعالى \" إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً \":\nإلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل. (^٢)\nوقد أجمع أهل العلم على أن الإكراه لا يبيح الاعتداء على المسليمن، فمن أكره على قتل مسلم فقتله فإنه يُقتل به.\nولذا فالإكراه لا يغير حكم المظاهرة، ومهما بلغ هذا الإكراه فلا يجيز إعانة الكفار على المسلمين بحال لما في ذلك من ظهور دينهم وتسلطهم على ديار المسلمين. (^٣)\n*ومما يُلحق بالموالاة المخرجة من الملة:\nأن يلحق المسلم بدار الكفر المحاربة لدارالإسلام ويظاهرهم في عداء أهل الإسلام.\nقال ابن حزم:\nمن لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك، لأن رسول الله - ﷺ - لم يبرأ من مسلم. (^٤)\n_________\n(^١) الولاء والبراء والعداء في الإسلام (ص/٣٩)\n (^٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٦/ ٣١٣)\n (^٣) البيان الثاقب شرح حديث حاطب (ص/٥)\n (^٤) المحلى (١١/ ٢٥١)","vol":"1","page":608},{"text":"* فوائد في الختام:\n١) يستثنى من الموالاة التى حرَّمها الشارع أمور:\nالأول: المعاملات العامة:\nلا يدخل في موالاة الكافرين التى حرَّمها الشرع معاملتهم بالتجارة والبيع والشراء، ففارق بين الموالاة والمعاملة، فالمعاملات مع المشركين في المتاجرات لا شيء فيها؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]\nوقد روت عَائِشَةُ - ﵂ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺتُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. (^١)\nوقد ترجم البخاري باب: باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة، ثم روى تحته حديث عَبْدِ اللَّهِ بن عمر﵁ - قَالَ:\n... «أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ اليَهُودَ، أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا». (^٢)\n*الثانى: الحب الجبلِّى:\nالموالاة التى حرَّمها الشرع إنما تكون بمحبتهم لأجل دينهم، فلا شك أن محبة غير دين الإسلام إنما هى يتفرع على تسويغ ذلك الدين والرضا به، فلا شك في كفر من فعل ذلك ولو كان مبتغيًا لدين الإسلام شرعة ودينًا؛ يدل على ذلك قوله ﷺ، يَقُولُ \" مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ، وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ \" (^٣)، وعليه فمن أحب الكفر وأهله، أو سوَّغ لغيره دينًا غير الإسلام فهذا لم يكفر بما يُعبد من دون الله تعالى.\nوأما من أحب كافرًا حبًا جبليًا لقرابته مثلًا، أو كمن تزوج كتابية فكان حبه لها من هذا الباب فلا يدخل هذا من الموالاة المحرمة.\nوقد ورد في قول الله تعالى لنبيه ﷺ (إنك لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص/٥٦)\nقال الطبري:\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: (إِنَّكَ) يا محمد (لا تَهْدِي مَنْ\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه البخارى (٢٤٩٩)\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٣)","vol":"1","page":609},{"text":"أَحْبَبْتَ) هدايته (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أن يهديه من خلقه، بتوفيقه للإيمان به وبرسوله. ولو قيل: معناه: إنك لا تهدي من أحببته لقرابته منك، كان مذهبًا. (^١) ويستأنس لذلك بحديث الباب؛ حيث إن النبي - ﷺ - لم ينكر على حاطب حرصه وخوفه على ألا يلحق الأذى بقرابته بمكة، وإنما توجه الإنكار على مراسلته للحربيين من قريش الذين نصبوا الحرب والعداء لله - تعالى- ورسوله ﷺ.\n٣) الثالث: الإحسان إليهم بالهبة والصلة:\nوذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ولعموم حديث \" في كل كبد رطبة أجر\" (^٢).\nقال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]\nوالمعنى: لم يمنعكم من الإكرام وحسن الصلة لغير المسلمين طالما أنهم لم يناصبوكم العداء ولم يسعوا في إيذائكم ولم يقاتلوكم بسبب دينكم لا سيما إن كانوا أقرباء وذوي رحم.\nقال ابن القيم:\nإن الله - سبحانه - لما نهى في أول السورة -سورة الممتحنة-عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء وقطع المودة بينهم وبينهم، تَوَهَّم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه، وكتبه على كل شيء. (^٣)\nوقد ترجم البخاري باب: بَابُ الهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ (٢٦٢٠)، وفي موضع آخرقال بَابُ صِلَةِ الوَالِدِ المُشْرِكِ (٥٩٧٨)، ثم روى عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄- قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قُلْتُ: وَهِيَ\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (١٩/ ٥٩٨)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أحكام أهل الذمة (١/ ٢١٣)","vol":"1","page":610},{"text":"رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ». (^١)\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ﵄- قَالَ: رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَى رَجُلٍ تُبَاعُ، فَقَالَ\nلِلنَّبِيِّ ﷺ: ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَإِذَا جَاءَكَ الوَفْدُ؟\nفَقَالَ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ»، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْهَا، بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ:\nكَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ:\n «إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا تَبِيعُهَا، أَوْ تَكْسُوهَا»، فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. (^٢)\n* وكذا يقال في قبول الهدية من المشرك:\nإذ الأصل هو جواز قبول الهدية من الكافر، تأليفًا لقلبه وترغيبًا له في الإسلام، كما قبل النبي - ﷺ - هدايا بعض الكفار، كهدية المقوقس وغيره.\nوقد بوَّب البخاري في صحيحه: باب قبول الهدية من المشركين، قال ﵀: \" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - بِسَارَةَ فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ أَعْطُوهَا آجَرَ.\n* وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﵁- أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا، قَالَ: «لَا»، فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. (^٣)\nوختامًا:\nفإذا أردنا أن نعطِّرالمجلس بكلمة في حق الصحابي الجليل حاطب -﵁ - فلن نجد أفضل ما قاله ابن القيم، ولنعم ما قال:\nفتأمل قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر، وبذله نفسه مع رسول الله - ﷺ - وإيثاره الله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم، ولم يثن ذلك عنان عزمه، ولا فَل من حد إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء\n_________\n(^١) متفق عليه. وقولها (راغبة) أي في الإسلام وقيل عنه أي كارهة له.\n (^٢) رواه البخاري (٢٦١٩) بَابُ الهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ.\n (^٣) متفق عليه. وكلمة (لهوات) جمع لهاة، وهي ما يبدو من الفم عند التبسم، وقيل هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم.","vol":"1","page":611},{"text":"مرض الجسِّ برزت إليه هذه القوة، وكان البُحرانُ صالحًا فاندفع المرض، وقام المريض كأن لم يكن به قلبة، ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسِّه وقهرته، قال لمن أراد فصده: لا يحتاج هذا العارض إلى فصاد:\n... «وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»\nوعكس هذا ذو الخويصرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حد يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: \" «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» \" وقال:\n\" «اقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم» \". وقال:\n\" «شر قتلى تحت أديم السماء» \" فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة واستحالت فاسدة.\nوتأمل في حال إبليس لما كانت المادة المهلكة كامنة في نفسه، لم ينتفع معها بما سلف من طاعاته، ورجع إلى شاكلته وما هو أولى به، وكذلك الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وأضرابه وأشكاله، فالمعول على السرائر، والمقاصد، والنيات، والهمم، فهي الإكسير الذي يقلب نحاس الأعمال ذهبًا، أو يردها خبثًا، وبالله التوفيق. (^١)\nتم بحمد الله تعالى.\n_________\n(^١) زاد المعاد (٣/ ٣٧٦)","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الحديث العشرون: التوضيح شرح حديث نزول المسيح</span>","vol":"1","page":613},{"text":"عن أبى هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»\nثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: \" وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]\n*تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٣٤٤٨) بَابُ: نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉.\nومسلم (١٥٥) بَابُ: نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ حَاكِمًا بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.\nنقول أولًا: مقدمة بين يدى حديث الباب:\nلا شك أن قصة المسيح عيسى -﵇- من أعظم القصص الوارد ذكرها في كتاب الله تعالى، وصدق الله - تعالى- حين أجمل هذه القصة فى قوله عزوجل (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ..)، فلقد كان عيسى - ﵇- آية في حمله ومهده ورفعه، ونزوله آخر الزمان.\nبل قد صار الإيمان به وبما جرى في قصته من الأيات والمعجزات أحد أصول الإيمان في دين الإسلام.\nفعن عُبَادَةَ بن الصامت - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ","vol":"1","page":615},{"text":"لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» (^١)\nومن خلال هذا الحديث تتجلى وسطية هذه الأمة كما وصفها الله -تعالى - في كتابه؛ فقوله ﷺ (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ...)\nقوله ﷺ (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ....)\nرد على النصارى، وفي قوله ﷺ: \" ورسوله \":\nرد على اليهود.\nوهكذا تكون شهادة الحق لعيسى - ﵇ - بين المغالاة والمجافاة،\nبين غلو النصاري الذين ألَّهوه من دون الله، وبين جفو اليهود الذين كذَّبوه، وزعموا أنهم صلبوه. (^٢)\n**وبين هذا وذلك جاءت وسطية أمة الإسلام، أمة الإسلام التي هى أولى\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) واليهود يتفقون مع النصارى في أن المسيح -﵇ - مات مصلوبًا.\nوإنما موضع الاختلاف بينهما في زعم اليهود أن المسيح كفر بالله؛ لهذا حملوا عليه وطالبوا بدمه وزعموا أنه مات مصلوبًا.\nوالموت على الصليب يستلزم اللعنة عندهم، فقد ورد في سفر التثنية (٢١/ ٢٢) \"وإذا كان على إنسان خطيئة حقها الموت فقتل وعلقته على خشبة فلا تبت جثته على الخشبة، بل تدفنها في ذلك اليوم. لأن المعلَّق ملعون من الله\". أما النصارى: فهم يعتقدون كذلك أن المسيح مات مصلوبا إلا أنهم يعللون ذلك بأنه:\nصلب فداءًا للبشر لتخليصهم من خطيئة أبيهم آدم ﵇، وهي أكله من الشجرة التي نهي عنها، فانتقلت تلك الخطيئة إلى أبنائه، وأغضبت الله عليهم أيضًا، فكان لابد من وسيط يتحمل هذا الإثم ويرضى بأن يموت على الصليب، وهذا الوسيط المخلص في زعمهم لابد أن يكون ذا وضع متميز خال من الإثم والخطأ، ولا يكون هذا إلا ابن الله - الذي هو الله في زعمهم - ثم لابد أن يكتسب الخطيئة عن طريق الجسد.\nفهذا ما جعله يتجسد في صورة عيسى، ويخرج من بطن مريم ثم يموت على الصليب فداءًا للبشر، فيرضى الله بذلك عن بني آدم وترتفع عنهم تلك الخطيئة، لأنهم يزعمون أن الله جل وعلا منذ وقع آدم في الخطيئة، وهو غضبان على بني آدم بسبب الخطيئة، فأنزل ابنه ليكون الوسيط والفداء الذي يقع عليه العدل؛ فيعذب على الصليب حتى الموت فيكون موته فداءًا لبني آدم فيمكن بعد ذلك رحمة بني آدم لأن العقاب قد حل بالوسيط المخلص، فكان بهذا المسيح هو الذي جمع بين عدل الله ورحمته وفتح باب رحمة الله لخلقه مرة أخرى.\nوانظر دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية (ص/٣٠٤)","vol":"1","page":616},{"text":"بكل نبي كذَّبه قومه.\nوقد تجلَّت هذه الوسطية في نبي الله عيسى ﵇، وذلك كما ورد في حديث الباب، وذلك بالاعتقاد ببشرية عيسى ﵇، مع الإيمان برسالته إلى بني اسرائيل.\n** وما ورد في حديث عبادة بن الصامت -﵁- السابق من الاعتقاد في عيسى -﵇ - قد نص عليه كتاب الله تعالى.\nقال تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم/١٢)\nفَأَرْسَلْ الله -تعالى- إِلَيْهَا رُوحَه - جبريل ﵇- فنفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت فرجها، فصارت حاملًا من ساعتها.\n* قال ابن كثير:\nأَمرَاللَّهُ -تعالَى- جبريل أَنْ يَنْفُخَ بِفِيه فِي جَيْب درعهَا، فَنَزَلَت النَّفْخَةُ فَولَجَت في فَرْجها، فَكَانَ مِنْهُ الْحَمْلُ بعِيسى ﵇. (^١)\n* قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (النساء/١٧١)\n... وقوله تعالى (وكلمته ألقاها إلى مريم)\nفعيسى كلمة الله، وقد سُمِّيَ عيسى -﵇- كلمة الله لوجوده ولخلقه بكلمة من الله، من غير أب، قال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران/٥٩) فبقوله تعالى ﴿كُن﴾ خُلق عيسى ﵇. فـ (كن) هي كلمة الله ﷿، وهي الكلمة التي ألقاها إلى مريم، وكلمة الله ليست مخلوقة، وعيسى -﵇ - مخلوق.\n* قال شاذ بن يحيي في قول الله: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى. (^٢).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ١٧٣)\n (^٢) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (٦٣١٠)","vol":"1","page":617},{"text":"*قال الإمام أحمد:\nالكلمة التي ألقاها الله - تعالى- إلى مريم -﵍- حين قال له:\nكن، فكان عيسى: بكن، وليس عيسى هو الكُنُّ، ولَكِنْ بالكُنِّ كَانَ، فالكُنُّ من الله قول، وليس الكن مخلوقًا. وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا:\nعيسى روح الله وكلمته، لأن الكلمة مخلوقة، وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. وكلمته من ذات الله. كما يقال:\nإن هذه الخرقة من هذا الثوب، وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة. (^١)\n* تنبيه:\nما ذكره الإمام أحمد في قوله (وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. وكلمته من ذات الله....) فهذا هو معتقد القوم في المسيح ﵇، إذ يقول الإنجيل \"في البدء كان الكلمة... وكان الكلمة الله\" (يوحنا ١: ١). ويكمل الإنجيل موضحا أنَّ كلمة الله هذا قد تجسَّد في إنسان، بقوله:\n\"والكلمة صار جسدًا\" (يوحنا ١: ١٤).\nأي أن كلمة الله قد حل في جسد المسيح وتجلَّى فيه،، لذلك هم يقولون:\n\"لا نؤمن بجسد تأَّله، إنما نؤمن بإله تجسَّد\". (^٢)\n_________\n(^١) الرد على الجهمية والزنادقة (١/ ١٢٦)\nوقال الدارمي في \"رده على المريسي الجهمي العنيد\" (٦٧٤/ ٢ - ٦٨٥) فيقال لهذا المعارض: فإذا قال: \"كن\" كان، فهذا المخرج من أنه كان بإرادته وبكلمته، لا أنه نفس الكلمة التي خرجت منه، ولكن بالكلمة كان، فالكلمة من الله \" كن \" غير مخلوقة، والكائن بها مخلوق.\n (^٢) ومما ورد في هذا المعنى من تخاريف القوم، ما رود في إنجيب يوحنا (ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ إِلَى الأَرْضِ، يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ، وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ) (١ يوحنا ٥: ٢٠) وورد في \"إنجيل لوقا\" (١: ٣٤ - ٣٥):\n\" «فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا عذراء، لا أعرف رجلًا؟ فأجابها الملاك: الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك؛ لذلك فالقدوس الذي يولد منك يدعى ابن الله\".)\nويجدر ملاحظة أن لفظة (كلمة) التي ذكرت في الإنجيل هنا يشار إليها على أنها مذكر فيقول (في البدء كان الكلمة) وليس (كانت الكلمة) وأيضًا في قوله: \"والكلمة صار جسدًا\" وليس (الكلمة صارت جسدا). فلفظة \"الكلمة \" هنا إذًا تدل على أنها ليست مجرد كلمة عادية، لأن الكلمة العادية مؤنثة وليست مذكرا. وحيث أن لفظة الكلمة بالإنجيل هنا يشار إليها على أنها مذكر إذن فالمقصود بها هو أنها (الله نفسه) كما جاء في الإنجيل المقدس \" وكان الكلمة الله\" (يوحنا ١: ١)\n*ومما جاء فيما يسمى \"قانون الإيمان المسيحي\" الذي صدرعن \" مجمع \" نيقية \" الذي انعقد سنة ٣٢٥ للميلاد:\n «يسوع المسيح (عيسى ﵇) (هو) ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسَّد من الروح القدس...»\n [بعد ذلك توالت المجمعات الكنائسية التي أتت بالطامات، والذي تقرر: أن مريم العذراء ولدت إلهنا ربنا يسوع المسيح \"الذي هو مع أبيه في الطبيعة الإهية ومع الناس في الطبيعة الإنسانية وشهدوا أن المسيح له طبيعتان، وأنه اتخذ اللاهوت والناسوت فيه أن المسيح إله وقضية الجوهر القديم والابن والآب وروح القدس ا. هـ تعالى الله عما يقول الضآلون علوًا كبيرًا.\n** نقول:\nوأصل هذا المعتقد في النصرانية إنما ينبني على زعمهم الباطل أن الله برحمة منه جسَّد كلمته في صورة بشرية، وهو ابنه المسيح المخلص،، ليكون فداءً للخطيئة الأولى،،، وورد في انجيل يوحنا عن المسيح انه قال قال \" لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم \" (يو ١٢: ٤٧) وانظر محاضرات في النصرانية (ص/١٣٦)\n* نقول:\nإن أفضل تشبيه لهذه العقيدة الباطلة، ما سطره صاحب كتاب (براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح)، حيث شبّه الأمر بقصة ملك تمرد عليه شعبه، فأرسل إليهم رسلا يدعونهم إلى الخير فقتلوهم، فقرر الملك أن يبعث ابنه الوحيد ليضربوه ويقتلوه ويهينوه؛ كفارة عن معاصيهم، فمن صدق ذلك فهو عنده الكريم المغفور له، مهما ارتكب من آثام وموبقات وجرائم.\n*وقد كانت حيثيات هذا القرار:\nأن الملك عادل، ومن عدله يقتص من المجرمين المخربين المفسدين في مملكته، ولكنه حبًا لهم، وحتى لا يُهلك كل من في المملكة، رضي بأن يقتص من ابنه الوحيد البريء، الذي يعدل القصاص منه كل جرائم شعبه، وأمر بأن يعذب ثم يصلب!!!!\nفلو قيل لعاقل تجنن وقل هذيًا، لما قال بمثل هذا.","vol":"1","page":618},{"text":"* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nكلام الله قد يراد به الكلام الذي هو الصفة، كقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾، وقوله: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾.\nويراد به ما فُعل بالكلمة، كالمسيح الذي قال له (كن) فكان، فخلقه من غير أب على غير الوجه المعتاد المعروف في الآدميين، فصار مخلوقًا بمجرد الكلمة دون جمهور الآدميين، كما خلق آدم وحواء أيضًا على غير الوجه المعتاد، فصار عيسى -﵇- مخلوقًا بمجرد الكلمة دون سائر الآدميين. ا. هـ (^١)\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٦٣)","vol":"1","page":619},{"text":"أما قوله تعالى «وروح منه»:\n·والمعنى:\nأن روح عيسى﵇- مبتدَأة من الله تعالى، وأن الله خلقها، كما قال الله عما خُلق في السماوات والأرض قال) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) [الجاثية: ١٣]\nفكل ذلك من الله تعالى، هو الذي ابتدأ خلقه وأوجده، وأعطاه ووهبه.\nفلقد خُلق عيسى - ﵇ - من أثر نفخة جبريل -﵇ - في جيب درع مريم﵍- بأمر الله إياه بذلك، فنسب إلى أنه روح من الله، فنسبت روح عيسى -﵇إلى الله -تعالى-لأنها وصلت إلى مريم -﵍ - في آية من آيات الله، فقد حملت بعيسى من غير أب، فبهذا امتاز عن بقية الأرواح.\nفي حين أن النصارى يزعمون أن تأويل قوله \" روح منه \" على معنى التبعيض.\n* قال ابن كثير:\nقوله تعالى «وروح منه»:\nأي من خلقه ومن عنده، وليست \"من\" للتبعيض، كما تقوله النصارى\nبل هي لابتداء الغاية، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: ﴿هذه ناقة الله﴾ [هود: ٦٤] وفي قوله: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ [الحج: ٢٦] (^١)\n... ثم نتنزل معكم:\nأن قوله تعالى (وروحٌ مِنه)\nمن المتشابه الذي يحتمل قولنا وقولكم، فحال أهل العلم عند المتشابه أن يحملوا المتشابه على المُحكم.\nفالمُحكم هو قوله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٧٩) قول ابن كثير (وليست \"من\" للتبعيض، كما تقوله النصارى..) فهو يشير\n-﵀إلى زعم النصارى أن عيسى من الله، وأنه المولود من الآب قبل كل الدهور، مستدلين على ذلك أن قوله \"\"رورح منه \" أي جزء منه.\nوقد ذكر الآلوسي أن طبيبا نصرانيا حاذقا للرشيد قد ناظرعلي بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى ﵇ جزء منه تعالى، وتلا هذه الآية، فقرأ الواقدي قوله تعالى\n (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ» [الجاثية: ١٣] فقال:\nإذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءا منه، ﷾ علوا كبيرًا. فانقطع النصراني وأسلم، وفرح الرشيد فرحًا شديدًا.\nوانظر روح المعاني في تفسيرالقرآن العظيم والسبع المثاني (٣/ ٢٠٠)","vol":"1","page":620},{"text":"وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤»\nوالمُحكم هو قوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (المائدة: ١٧)، المُحكم هو قوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) (المائدة: ٧٣)\nالمُحكم (وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠» (التوبة: ٣٠)\nالمحكم قوله تعالى (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)\nإذًا: عيسى مخلوق.\nالمحكم في أول ما نطق المسيح في المهد (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ...)\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nقوله ﷺ): ليوشكنَّ أَن ينزل ابْن مَرْيَم حكمًا مقسطًا..)\nالوشيك: القريب، وأراد قرب ذلك الأمر.\nونزول المسيح ثابت بإشارات من القرآن، كما سيأتى بيانه، وبالسنة المتواترة عن النبي ﷺ، كما في حديث الباب، وإجماع الأمة.\n\n*فمن<span data-type=\"title\" id=toc-146> الإشارات القرآنية الدالة على نزول عيسى ﵇:</span>\n١) قال تعالى (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف/٦١)\nوالذى عليه جمهور المفسرين أن الهاء في قوله تعالى \" وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ \" إنما تعود على عيسى ﵇.\nقال ابن كثير:\nالصحيح أن الضمير في قوله (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ...) عائد على عيسى ﵇، فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، كما قال ﵎: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ أي:\nقبل موت عيسى، ﵊. (^١)\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٣٦) وانظر أصول السنة (ص/٢٣٧) والرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات (ص/٢٤٣)\n* فائدة:\nقرأ الجمهور: «لَعِلْمٌ» بكسر العين وتسكين اللام، وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو عبد الرحمن وقتادة وحميد وابن محيصن بفتحهما. قال ابن قتيبة: من قرأ بكسر العين فالمعنى أنه يُعْلَم به قُرْبُ الساعة، ومن فتح العين واللام فإنه بمعنى العلامة والدليل. زاد المسير في علم التفسير (٤/ ٨٢) وقراءة \"لعَلَم للساعة \" قراءة الأعمش، وهى شاذة. .","vol":"1","page":621},{"text":"قال الشنقيطى:\nالتحقيق أن الضمير في قوله: (وإنه) راجع إلى عيسى لا إلى القرآن، ولا إلى النبي - ﷺ -.\nومعنى قوله: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) على القول الحق الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم والسنة المتواترة - هو أن نزول عيسى في آخر الزمان حيا علم للساعة، أي علامة لقرب مجيئها; لأنه من أشراطها الدالة على قربها. (^١)\n* وعن ابن عَبَّاسٍرضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قَالَ: \" نزول عيسى بن مريم من قبل يوم القيامة \". (^٢)\n٢) قال تعالى (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (النساء/١٥٩)\nوهذه الأية تشير إلى نزول المسيح عيسى ﵇، وقد قرأها أبوهريرة -﵁- بعد روايته لحديث الباب الذى نص على نزول عيسى ﵇، وسيأتى مزيد من بيان ذلك في موضعه.\n٣) قول الله ﷿، لعيسى ابن مريم ﵇ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]\nوهذه فيها إشارة إلى نزوله؛ فقد دلت الأية على رفع المسيح ﵇، كما دل الإجماع الذى نقله شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال:\nوأجمعت الأمة\n_________\n(^١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٧/ ١٢٨)\n (^٢) أخرجه ابن حبان (٦٨١٧) وترجم له: ذكر البيان بأن نزول عيسى ابن مريم من أعلام الساعة، وأخرجه والحاكم (٣٠٠٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى.\nقال الألبانى في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: حسن صحيح (٩/ ٤٥١). وصححه سليم الهلالي في الروض الريان (١/ ٨٥٣) وقد رواه الحاكم كذلك موقوفًا على ابن عباس -﵄ (٣٦٧٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":622},{"text":"على أن الله رفع عيسى إلى السماوات. (^١)\nفإذا كان النص والإجماع على رفع المسيح حيًا، فهذه دلالة على نزوله ليكون في الأرض موته ودفنه؛ وذلك لقوله تعالى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥].\n٤) قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران/٤٦)، وقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ (المائدة/١١٠)\nفأشارت هاتان الآيتان إلى آيتين من آيات المسيح ﵇:\nالأولى: تكلمه في المهد، والثانية: تكلمه بعد نزوله قبل يوم القيامة وهو في حال الكهولة، وإلا فإن كلام الكهل في معتاد الأحوال أمر مألوف فلا وجه لعطفه على كلام الطفولة. (^٢)\n* وكذلك ثبت نزول عيسى -﵇- بالسنة المتواترة:\nوممن نص على تواتر أحاديث نزول المسيح:\nالطبري والنووى والقاضى عياض وأبو العباس ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن حجر وغيرهم.\nوكذلك فقد نص الشوكانى في كتابه \" التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح \" على تواتر أحاديث نزول المسيح ﵇، وذكر من جملة ذلك تسعة وعشرين حديثًا، ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر. (^٣)\nوللإمام الشيخ محمد أنور شاه الكشميري كتاب جمع فيه هذه الأخبار، وسمَّاه:\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٢٥)\n (^٢) انظر جامع البيان (٦/ ٤٢٠) روح المعاني (٤/ ١٧٩) وفصل المقال في نزول عيسى وقتله الدجال (ص/٢٠)\n (^٣) وانظر تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٣٦) ونظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/٢٣٠) ونظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى قبل الآخرة (ص/٦٩)","vol":"1","page":623},{"text":"\"التصريح بما تواتر في نزول المسيح \"، قد ذكر فيه نحوًا من سبعين حديثًا عن نحو ثلاثين صحابيًا.\nقال الألبانى:\nوقد تيقَّنت - أنا شخصيًا - بتواتر أحاديث الدجال وعيسى، وقد بلغت الطرق التي تجمعت عندي أكثر من أربعين طريقًا عن نحو أربعين صحابيًّا، بعضها على شرط الصحة، وسائرها أكثر شواهدها معتبرة...، ثم ذكر أسماء الصحابة -رضى لله عنهم -الذين رووا أحاديث نزول المسيح، فبلغوا أربعة عشر صحابيًا، ثم قال:\nومن هذا العرض السريع لطرق حديث عيسى ﵇، ورواتها من الصحابة الكرام الصادقين؛ ليتبين لكل ذي عينين أن الحديث متواتر بذلك. (^١)\n* ومن أدلة السنة:\nحديث أبى هريرةرضي الله عنه- الذى صدَّرنا به الباب.\nوعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَرضي الله عنه- قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الدَّجَّالَ، فَقَالَ:\nإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ\"، قُلْنَا: وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟\nقَالَ ﷺ:\n\" أَرْبَعُونَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ \"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟\nقَالَ ﷺ:\n\" لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ، ثُمَّ يبَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى:\nإِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي،\n_________\n(^١) قصة المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇ (ص/٢٥)","vol":"1","page":624},{"text":"لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ \". (^١)\n*وأما الإجماع:\nقال ابن أبي زَمَنِين المالكي:\nوأهل السنة يؤمنون بنزول عيسى وقتله الدجال وقال ﷿ \" وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ \" يعني عيسى. (^٢)\nقال المناوى:\nوقد حكى في المطامح إجماع الأمة على نزوله، وأنكر على ابن حزم ما حكاه في مراتب الإجماع من الخلاف في نزوله قبل يوم القيامة، وقال: هذا نقل مضطرب، ولم يخالف أحد من أهل الشريعة في ذلك وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة. (^٣) وممن حكى هذا الإجماع:\nالأشعري فى المقالات (١/ ٢٩٥) والقاضى عياض فى شرح مسلم (١٨/ ٧٥)\nومما استنبط منه شيخ الإسلام ابن تيمية واستدل به على نزول عيسى - ﵇قوله:\n\"والمسيح - ﵇ وعلى سائر النبيين- لا بد أن ينزل إلى الأرض كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية، مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون، لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره \". (^٤)\nوقد درج أئمة السنة في مصنفاتهم على ذكر نزول عيسى -﵇ - آخر الزمان، حتى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧) أحمد (١٧٦٢٩) وأبوداود (٤٣٢١)\nوهذه المنارة هي المنارة البيضاء الموجودة اليوم على الباب الشرقي لمدينة دمشق القديمة، وقد بناها السلطان نور الدين محمود بن زنكي في القرن السادس.\nوهذه المنارة تقع شرقي دمشق، وتسمى الآن \" مئذنة عيسى \"، وهي منطقة يسكنها النصارى اليوم وفيها كنائسهم ونزول عيسى - ﵇ - فيها مناسب لأنهم يدَّعون ألوهيته وهو ﵇ عند نزوله سيكسر الصليب ويقتل الحنزير.\nوقوله صلى الله عيه وسلم \" فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ \"، وباب لّد الشرقي من أرض فلسطين، بالقرب من الرملة على نحو ميلين منها. وانظر عقيدة عبد الغني المقدسي (ص/٩٥)\n (^٢) أصول السنة (ص/١٩٢)\n (^٣) فيض القدير (٥/ ٥١٩) وكذلك ممن نقل هذا الإجماع:\nابن عطية في المحرر الوجيز (٣/ ١٠٥) والسفاريني في \" لوامع الأنوار\" (٢/ ٩٤)، وانظر \" منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة \" (ص/٨٥٧)\n (^٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٩).","vol":"1","page":625},{"text":"صار ذلك من أعلام الاعتقاد التى يمتازون بها. (^١)\n* فإن قيل:\nوما الحكمة من نزول عيسى -﵇- آخر الزمان دون غيره من الرسل؟\n* والجواب هنا ما نص عليه ابن كثير، حيث قال:\nأن المقصود إنما تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى -﵇وصلبه، وتسليم من سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله -تعالى - أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باقٍ حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، يعني لا يقبلها من أحد. (^٢)\nوقوله ﷺ): حكمًا مقسطًا..)\nوالحكم: الحاكم.\nقال النووى:\nوالمعنى أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة؛ فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ بل يكون عيسى حاكمًا من حكام هذه الأمة. (^٣)\nوالمقسط: العادل. يقال: أقسط فهو مقسط: إذا عدل، ومنه قوله عزوجل:\n ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ومنه قوله ﷺ:\n\"إذا حكموا عَدَلوا، وإذا قَسَموا أقسطوا\". (^٤)\nوأما قسط فهو قاسط: إذا جار، قال تعالى (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) (الجن/١٥)\nقوله ﷺ: \" فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ... \":\nوإنما قصد إلى كسر الصليب وقتل الخنزير من أجل أنهما فى دين النصارى المغترين المعتدين فى شريعتهم إليه،\n_________\n(^١) وانظر أصول السنة أحمد (ص/٣٤) وشرح العقيدة الطحاوية (ص/٤٩٩) ومقالات الإسلاميين (ص/٣٤٥) والشريعة للآجري (٣٨١)\n (^٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٥)\n (^٣) شرح مسلم للنووى (٢/ ١٩٠)\n (^٤) أخرجه أحمد (١٩٥٤١) بسند حسن. وانظر البحرُ المحيط الثجَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٤/ ٢٧١)","vol":"1","page":626},{"text":"فأخبر النبى - ﷺ- أن عيسى - ﵇- سيغير ما نسبوه إليه كما غيَّره محمد ﷺ. (^١)\nقال القاضي عياض:\nفيه دليلٌ على تغييرآلات الباطل وكسرها، ودليلٌ على تغيير ما نسبته النصارى إلى شرعهم، وترك إقرارهم على شيء منه، وأنه يأتي ملتزمًا لشريعتنا. (^٢)\nوأما قتله للخنزير فدليل على أن الخنزير حرام في شريعة عيسى ﵇، وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال في شريعتهم.\n* قال ﷺ: وَيَضَع الجزية:\nقيل في قوله: (ويضع الجزية) وجوه:\nالأول:\nأنه يحمل الناس على دين الإسلام، ولا يبقى أحد تجري عليه الجزية، فلا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل الجزية منهم لم يكف عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل. وقال بهذا ورجحه النووى والخطابي وابن حجر. (^٣)\nالثاني:\nأنه يفرض الجزية على أهل الكتاب، فلا يبقى في الناس فقير يحتاج إلى المال، وإنما كانت تؤخذ الجزية فتصرف في المصالح، فإذا لم يبق للدين خصم عُدمت الوجوه التي تصرف فيها الجزية فسقطت.\nالثالث:\nوهو أنه يضرب الجزية، أى يفرضها على أهل الكتاب؛ وذلك لأن شرعه نسخ، فلما نزل استعمل شرعنا، ومن شرعنا ضرب الجزية. (^٤)\nوالراجح الصحيح -والله أعلم- هو الوجه الأول.\n*وأما ما ورد أن المراد بوضع الجزية: أي فرضها على أهل الكتاب فيرده أمور:\nالأول: رواية أحمد عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا:\n\" يَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَتَكُونَ الدَّعْوَةُ وَاحِدَةً \". (^٥)\n_________\n(^١) وانظر التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٤/ ٥٥٥) وشرح صحيح البخارى لابن بطال (٦/ ٦٠٤)\n (^٢) إكمال المعلم (١/ ٦٠٨).\n (^٣) وانظر معالم السنن (٣/ ٣٧٤) وشرح النووى على مسلم (١/ ٤٦٨) وفتح الباري (٦/ ٦٨٦)\n (^٤) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٣٢٥) والمفهم (١/ ٣٧٠)\n (^٥) أخرجه أحمد (٩١٢١)، وحسَّنه الأرنؤوط.","vol":"1","page":627},{"text":"الثانى: حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ -﵁- قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الدَّجَّالَ.. وورد فيه: فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ \". (^١)\nالثالث: ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، ... وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ \". (^٢)\nوهذه الرواية كالنص في المسألة.\nقال العراقي:\n\" ويظهر لي أن قبول الجزية من اليهود والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل، وتعلقهم - بزعمهم - بشرع قديم؛ فإذا نزل عيسى، زالت تلك الشبهة لحصول معاينته؛ فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم، وانكشاف أمرهم؛ فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال علته \". (^٣)\n** وما ذكرناه في الوجه الأول يبين لنا كذلك أمرين:\nأولهما: أن المراد بوضع الجزية إنما هو نسخها، وليس فرضها.\nوالثانى: أن العلة من نسخ مشروعية الجزية إنما هو سيادة شريعة الإسلام وسقوط خيار الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام أو القتل، وهذا مثال لنسخ القرآن -الذى ثبتت به الجزية - بالسنة المتواترة التي دلت على نزول عيسى -﵇- ووضعه للجزية. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧)\n (^٢) أخرجه أحمد (٩٢٧٠) وأبو داود (٤٣٢٤) وابن حبان (٦٨٢١) صححه الحافظ ابن حجرفي \"الفتح (٦/ ٤٩٣) وقال ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٨٨): هذا إسناد جيد قوي.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٥٩٥) عن عفان بن مسلم، بهذا الإسناد وصححه، ووافقه الذهبي.\n (^٣) طرح التثريب (٧/ ٢٦٦)\n (^٤) وبهذا يتبين لنا أن العلة من نسخ الجزية إنما هو عدم قبول إلا الإسلام أو القتل، خلافًا لما ذهب إليه الطحاوى من أن العلة من نسخها هو أن المال إذا عاد في الناس آخر الزمان إلى أن صار لا يقبله أحد، صاروا بذلك جميعًا أغنياء وذهب الفقر والمسكنة، وعليه فإن الجزية التى جعلها الله - تعالى-على من جعلها عليه لتصرف فيما يحتاج إليه من قتال ومما سواه مما يجب صرفها فيه، فإذا ذهب ذلك ولم يكن لها أهل= =تصرف إليهم سقط فرضها. فكلامه هذا خلاف ما دل عليه النص والمعنى.\nوانظر مشكل الأثار (١/ ١٠٠)","vol":"1","page":628},{"text":"*وهنا شبهات تتعلق بنزول عيسى ﵇:\nذهب الجهمية وجماعة من المعتزلة إلى إنكار نزول المسيح -﵇- آخر الزمان، وقد استدلوا على ذلك بجملة من الشبهات (^١)، نذكر منها مايلى:\n١) الشبهة الأولى:\nأن أحاديث نزول المسيح -﵇أحاديث آحاد متعلقة بأمر اعتقادي، فلا يؤخذ بها؛ لأن مسائل الاعتقاد لا تؤخذ إلا بالقطعي المتواتر النقل.\nلذا فقد ادَّعى الشيخ محمود شلتوت بعدم صحة القول بنزول المسيح -﵇آخر الزمان، بزعم أن الأثار الواردة فى ذلك من أخبار الآحاد ظنية الدلالة، فلا ينبنى عليها مسائل\n_________\n(^١) والمخالفون لأهل السنة في قضية نزول عيسى -﵇- تدور أقوالهم بين الإنكار والتحريف:\nأ) أما أهل التحريف:\nفهم الذين يدَّعون نزولًا لأشخاص وفق عقائدهم الباطلة، ومثال ذلك \" القاديانية \":\nأتباع ميرزا غلام أحمد (ت: ١٩٠٨ م)، الذي ظهر في شبه القارة الهندية، وادَّعى النبوة، وأنه هو المسيح الذي ينزل في آخر الزمان، وادَّعى أن الأحاديث التي فيها إخبار بنزول عيسى إنما المقصود بها نزول مثيله، وأنه هو ذلك المثيل، وأن عيسى ﵇ قد مات ودُفن في كشمير!\nب) أما المنكرون لنزول المسيح:\nفيمثلهم ما يسمى بالمدرسة العقلية الحديثة، وهي مدرسة محمد عبده وتلاميذه ومنهم الشيخ رشيد رضا والشيخ المراغي والشيخ شلتوت رحم الله الجميع.\nفهؤلاء قد تمهَّروا في نهج المدرسة العقلية القديمة «المعتزلة»، وفي فلسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر،\nفلم تتسع الفلسفات المادية في تفكيرللإيمان بالمعجزات والخوارق من انشقاق البحر لموسى والعصا له،\nوآيات عيسى بن مريم -﵇ - ورفعه للسماء ونزوله وخروج الدجال والدابة وطلوع الشمس من\nمغربها وانشقاق القمر وغيرهما من الآيات.\nلذا فقد عمدوا إلى تأويلها في القرآن والتشكيك في أحاديثها. فتأولوا نزول المسيح بغلبة روحه وسر رسالته على الناس.\nبل قال صاحب مجلة المنار:\n\" أن القول بنزول المسيح هى عقيدة أكثر النصارى، وقد حاولوا بثها في المسلمين \"\nومع هذا فلا بد من الاذعان للشيخ رشيد -﵀- رضا في ذبه عن حياض الدين ضد الطاعنين فيه. وانظرلذلك: منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة (ص/٨٦٢)","vol":"1","page":629},{"text":"الاعتقاد، بل قد زعم الإجماع على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها فى شأن المغيَّبات.\nفهذا هو المسلك الأول: أنها غير قطعية الورود، وأما المسلك الثانى:\nفقد ذكر الشيخ شلتوت أن الأثار فى ذلك ظنية الدلالة، وعليه فلا يجب حملها على ظاهرها، ولا يمتنع تأويلها.\nثم قال:\nومن ذلك أحاديث نزول المسيح، ولذا فقد أوَّلها بعض العلماء بأن المراد بها هو اندفاع الشر وظهور الخير!!\nوقد نقل كذلك هذين المسلكين الشيخ رشيد رضا عن شيخه محمد عبده فى المنار وأقره عليهما. (^١)\n*والرد على ذلك أن يقال:\n١ - أما الزعم أن الأثار الواردة فى نزول المسيح -﵇- من أخبار الآحاد:\nفكلام مردود على قائله؛ فقد سبق البيان قريبًا أن هذه الأحاديث متواترة.\n*ولو تنزلَّنا بأنها أحاديث آحاد فيقال:\nأ- إن القول بأن أحاديث الآحاد لا ينبنى عليها مسائل الاعتقاد ونقل الإجماع على ذلك لا شك أنه كلام مردود بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nب- إن أحاديث نزول المسيح - مروية فى الصحيحين، وتلقتها الأمة بالقبول خلفًا عن سلف، فتحتم الأخذ بها. (^٢)\nوسيأتى مزيد بيان عن اعتبار أخبار الآحاد فى الاعتقاد عند شرحنا للحديث الثالث والثلاثين \"حديث بعث معاذ -﵁- إلى اليمن\".\n٢ - وأما القول بتأويل بعض العلماء أن المراد بأحاديث نزول المسيح هو اندفاع الشر وظهور الخير، فلا شك أن هذا من التحريف البيِّن المخالف لصريح أحاديث\n_________\n(^١) وانظر كتاب \"الفتاوى \" للشيخ شتلوت (ص/٥٢) وتفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٣/ ٢٦١) ونظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى - ﵇ - قبل الآخرة (ص/٥٢)\n (^٢) نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ﵇ قبل الآخرة (ص/١١٤)","vol":"1","page":630},{"text":"نزول المسيح ﵇؛ فإن هذه الأحاديث لم تقتصر على ذكر مجرد النزول، بل قد ذكرت تفاصيل ذلك من حياة المسيح -﵇- على الأرض وصلاته مع المسلمين، ثم وفاته وصلاة المسلمين عليه، فكل هذا يبطل القول بهذا التحريف الباطل.\nوما أجمل قول القائل:\nإذا وصل التقوُّل على النصوص والتحريف للأدلة إلى هذا الحد، فلا نقول إلا:\n\"نحمدك ربنا على سلامة الدين والعقل \"، ونسكت.\n٢ - الشبهة الثانية:\nقد روى الشيخان عن النبي -ﷺ - أنه قال: \" إِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، \" فهو خاتم النبيين، وشريعته ناسخة لشرائع من قبله من الرسل، فكيف ينزل عيسي -﵇ - بعده، بل وينسخ الجزية؟ (^١)\n* وجواب ذلك أن يقال:\nأولًا:\nنزول عيسى -﵇- في آخر الزمان يختلف عن وجوده وقت أن بعثه الله -تعالى- إلى بني إسرائيل، فقد كان بين بني إسرائيل رسولًا بشريعة الإنجيل، أما نزوله في آخر الزمان فسيكون فيه تابعًا لشريعة النبي ﷺ، وحاكمًا بما يُستجد وقتها من أحكام الشريعة الإسلامية، من كسر الصليب ورفض الجزية، ومما يؤيد هذا ما يلي:\n*أولًا:\nأنه يأبى عند أول نزوله أن يؤم المسلمين في الصلاة، وفي هذا إشارة منه لهذا المعنى الذى ذكرناه.\nفقد روى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ -﵄ - قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ:\n «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ \". (^٢)\n_________\n(^١) وهذا الذى حدا بابن حزم أن ينقل الخلاف فى مراتب الإجماع (ص/٣٤٤) فى مسألة نزول المسيح -﵇- ظنًا بوجود معارضة بين قوله ﷺ: \"لا نبي بعدي \"، وبين أحاديث نزول المسيح ﵇.\nمع أنه نص فى المحلى (١/ ١١) وفىالفصل (١/ ٩٥) على نزول عيسى ﵇، فلنا قوله الذى يوافق فيه جماهير أهل السنة، وأما ما نقله من خلاف فمردود؛ إذ لا معارضة بين الأثار فى هذا الباب كما ذكرنا ذلك فى الرد على الشبهة الثانية أعلاه.\n (^٢) أخرجه مسلم (١٥٦)\n*تنبيه:\nقد ورد في الأثار أن أميرالمسلمين الذى يصلى خلفه عيسى -﵇عند نزوله هو محمد بن عبدالله المهدى، فقد روى الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍرضي الله عنه- قَالَ قال رسول الله ﷺ:\n\"يَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمُ الْمَهْدِيُّ تَعَالَ صَلِّ بِنَا، فَيَقُولُ: \" لا، إِنَّ بَعْضَهُمْ أَمِيرُ بَعْضٍ؛ تَكْرِمَةُا للَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ \". قال ابن القيم: وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.\nوخروج المهدى ثابت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة، وقد روى أحاديث خروجه ما يقرب من ستة وعشرين صحابيًا، ورواها أئمة الصحاح والمسانيد.\nوانظر تنبيه الغافلين شرح علامات يوم الدين (ص/١٩٩)\n*وأما ما يُروى مرفوعًا \"لا مهدي إلا عيسى ابن مريم\"\"، فهو مما تفرد به محمد بن خالد. وقد ذكره ابن الجوزي في \" العلل المتناهية في الأحاديث الواهية \" (ح/ ١٤٤٧)\n=قال محمد بن الحسين الآبري: محمد بن خالد الجندي غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺيعني في المهدي ا. هـ.\nوقال البيهقى:\nمحمد بن خالد الجندي مجهول، عن أبان بن أبي عياش وهو متروك عن الحسن عن النبي - ﷺ - وهو منقطع، والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا \".\nقال ابن القيم:\nلا يصح حديث \" لا مهدي إلا عيسى ابن مريم \"، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله ﷺ وبين الساعة. ا. هـ وقد حكم الذهبي في \"الميزان\" في ترجمة محمَّد بن خالد على حديث: \"لا مهدي إلا عيسى ابن مريم\" بالنكارة.\nوانظر مناقب الشافعى (ص/٩٥) والمنار المنيف (ص/١٤٨) وميزان الاعتدال في نقد الرجال (٣/ ٣٥٣)","vol":"1","page":631},{"text":"قال ابن الجوزى:\nاعلم أنه لو تقدَّم عيسى -﵇لوقع في النفوس إشكال، ولقيل:\nأتراه تقدم على وجه النيابة أم ابتدأ شرعًا؟، فيصلي مأمومًا لئلًا يتدنس بغبار الشبهة، وجه قوله: (لا نبي بعدي). (^١)\nقال ابن العربي:\nإن ذلك- أى امتناع عيسى من التقدم للإمامة - إبقاء لشريعة النبى - ﷺ- واتباع له، وإسخان لأعين النصارى، وإقامة الحجة عليهم. (^٢)\n*الثانى:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:\n\" كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ \". (^٣)\nقال ابن أبي ذئب: «فأمَّكم بكتاب ربكم ﵎، وسنة نبيكم ﷺ»\n_________\n(^١) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٨٨) وانظر الروض الرَّيان (١/ ٨٤٥)\n (^٢) عارضة الأحوذي (٩/ ٧٨)\n (^٣) أخرجه مسلم (١٥٥)","vol":"1","page":632},{"text":"* ثم يقال:\nوإذا كان من هو أفضل من عيسى -﵇- وهو موسى -﵇ - لو كان حيًا لما وسعه إلا إتباع النبي -ﷺ- كما قال ﵊:\n\" وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي، لَاتَّبَعَنِي» (^١)، فلأن يقال ذلك في حق عيسى -﵇- من باب أولى.\nثانيًا:\nأن الجزية وإن كانت مشروعة في هذه الشريعة فقبولها ليس بحكم مستمر إلى يوم القيامة، بل إن ذلك مقيد بنزول عيسى ﵇، كما في حديث الباب، وليس عيسى -﵇- بناسخ لحكم الجزية، بل - نبينا ﷺ - هو المبين للنسخ بقوله وإخباره بنزول عيسى. (^٢)\nقال بدر الدين العيني:\nفإن قلتَ: هذا يدل على أن عيسى، ﵊، ينسخ الحكم الذي كان في شرعنا، والحال أنه تابع لشرع نبينا ﷺ.\nقلتُ: ليس هو بناسخ، بل نبينا ﷺ هو الذي بين بالنسخ. وأن عيسى، ﵊، يفعل ذلك بأمر نبينا ﷺ. (^٣)\n* وبناءً على ما سبق:\nمن كون المسيح عيسى -﵇ - سوف ينزل إلى الأرض آخر الزمان، كما سبق بيانه، ويحكم بشريعة النبي محمد - ﷺ - بإسقاط الجزية وقتل الخنزير، أنه رفع حيّا، وأنه اجتمع بالنبيّ -ﷺ - ببيت المقدس فقد نص ابن حجر على كون عيسى -﵇ - صحابيًا، وترجم له في كتابه \" الإصابة في تمييز الصحابة\"، وقال ﵀:\nذكره الذّهبيّ «في التّجريد»، مستدركًا على من قبله، فقال: عيسى ابن مريم رسول اللَّه، رأى النبيّ - ﷺليلة الإسراء، وسلم عليه، فهو نبيّ وصحابيّ، وهو آخر من يموت من الصحابة، وألغزه القاضي تاج الدين السبكي في قصيدته في آخر القواعد له، فقال:\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي (٤٩٩) وحسنه الألبانى.\n (^٢) شرح مسلم للنووى (١/ ٤٦٩)\n (^٣) عمدة القاري (١٣/ ٢٨)","vol":"1","page":633},{"text":"من باتّفاق جميع الخلق أفضل من... خير الصّحاب أبي بكر ومن عمر\nومن عليّ ومن عثمان وهو فتى... من أمّة المصطفى المختار من مضر. (^١)\n* الشبهة الثالثة:\nقال تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا...) (آل عمران/٥٥) وَقَوْلِهِ (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) [المائدة / ١١٧]\nأفادت هذه الأيات أن الله -تعالى - قد توفى عيسى -﵇- قبل رفعه إليه، في حين أن الأحاديث قد أفادت أن عيسى -﵇- سينزل آخر الزمان وسيموت ويصلى عليه المسلمون، فكيف الجواب؟\n* وجواب ذلك من وجوه:\n١) قيل أن: المراد بالتوفي هنا النوم، وكأن عيسى -﵇- قد نام فرفعه الله -تعالى- نائمًا إلى السماء، ويطلق على النوم وفاة، كما قال الله تعالى: \" وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ\" (الأنعام: ٦٠)\nوعَنْ حُذَيْفَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». (^٢)\nوهذا القول مروي عن الحسن، ومال إليه ابن كثير. (^٣)\n٢) وقيل أن قوله تعالى (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ) يحمل على الوفاة بمعنى الموت على الحقيقة، ولكنَّ الله -تعالى- عطف الرفع على الوفاة، والعطف إنما يفيد مطلق الجمع دون الترتيب، وكأنَّ المعنى: أنى رافعك إلىّ ومتوفيك بعد ذلك.\nويروى هذا القول عن ابن عباس وقتادة ووهب بن منبه، وهو قول ابن حزم ومحمد بن اسحاق. (^٤)\n_________\n(^١) الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٦٣٣)\n (^٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٤)\n (^٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٨)\n (^٤) وانظر تنزيه القرآن عن المطاعن (ص/٨٨) والدرة (ص/١٠٩) وفصل المقال للهرَّاس (ص/١٠)","vol":"1","page":634},{"text":"٣) أن قوله: متوفيك حقيقة لغوية في استيفاء الشيء وأخذه كاملًا غير ناقص،، والعرب تقول: توفى فلان دينه يتوفاه فهو متوفٍ له إذا قبضه وحازه إليه كاملًا من غير نقص.\nفمعنى: إني متوفيك في الوضع اللغوي، أي حائزك ومستوفيك إليَّ كاملًا بروحك وجسمك. (^١)\nوهذا هو الراجح، والله أعلم، وهذا ما رجَّحه الطبري والقرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد البر وابن الجوزي. (^٢)\nقال الألوسي:\nوالصحيح كما قاله القرطبي أن الله -تعالى - رفعه من غير وفاة ولا نوم، وهو اختيار الطبري والرواية الصحيحة عن ابن عباس ﵄. (^٣)\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: \" وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]\nومعنى الأية: أي لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى -﵇- إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة - ﵁ - إلى أن الضمير في قوله تعالى (إلا ليؤمنن به..) وكذلك في قوله تعالى (قبل موته..) يعود على عيسى ﵇\n\nوإن كانت هذه الأية مما قد اختلف المفسرون في تفسيرها، وذلك في توجيه الضمير في<span data-type=\"title\" id=toc-149> قوله تعالى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ هل يعود على عيسى ﵇، أم على الكتابىِّ</span>؟\nعلى قولين:\nالقول الأول:\nأنه يعود على عيسى ﵇، أي: لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ بعيسى -﵇قبل موته، أى موت عيسى ﵇، وذلك بعد نزوله من السماء،\n_________\n(^١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٧/ ١٣١)\n (^٢) وانظر الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٦٥) وزاد المسير في علم التفسير (١/ ٢٨٧) والتمهيد (٥/ ٤٤٢)\n (^٣) روح المعاني (٢/ ١٧٢)، ولمزيد بيان لذلك: ينظر في: جامع البيان في تأويل القرآن (٦/ ٤٥٨) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٤/ ٢٠٢)","vol":"1","page":635},{"text":"وهذا قول أبي هريرة -﵁- راوي الحديث، حيث قال بعد روايته لحديث نزول المسيح ﵇: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾\nوقال به ابن عباس، ولا مخالف لهما من الصحابة ﵃.\nقال ابن حجر: وبهذا جزم ابن عباس -﵄- فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح. (^١)\nقال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾\nقال: قبل موت عيسى، والله إنه الآن لحيٌّ عند الله تعالى، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. (^٢)\nوقال به قتادة وابن زيد واختاره الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية وأبو حيَّان وابن كثير والشوكاني والقاسمي والشنقيطي. (^٣)\nقال ابن كثير:\nولا شك أن الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي، في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى -﵇- وصلبه، وتسليم من سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك. (^٤)\n* القول الثاني:\nأن الضمير في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعود على على الكتابىِّ، والمعنى:\nوما من كتابيِّ إلا ليؤمننَّ بعيسى -﵇قبل موت الكتابيِّ، وذلك عند المعاينة والاحتضار، فيؤمن بما أنزل الله -تعالى -من الحق، وبالمسيح عيسى ابن مريم ﵇، وهذه منّة مَنّ الله -تعالى -بها على عيسى ﵇، إذ جعل أعداءه لا يخرجون من الدنيا إلاّ وقد آمنوا به جزاء له على ما لقي من تكذيبهم، لأنّه لم يتمتّع\n_________\n(^١) نص عليه ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٨٦) والرواية فى ذلك عن ابن عباس -﵄- مستفيضة من عدة طرق.\n (^٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٩/ ٣٨٠) وسنده صحيح. وانظرالصحيح المسند من الملاحم والفتن (ص/٥١٥)\n (^٣) وانظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٨٣) وفتح القدير (١/ ٧١٣)\n (^٤) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٠٢)","vol":"1","page":636},{"text":"بمشاهدة أمّةٍ تتبعه. وهذا قول مجاهد، والضحاك، وابن سيرين، وجويبر، وذهب إلى ذلك ابن عاشور وابن عطية والرازي والألوسي.\nوقد استدل أصحاب القول الثانى بما ورد في قراءة أبَي بن كعب (إلا ليؤمننَّ به قبل موتهم). (^١)\n* والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ سيِّما أن ما ورد في قراءة أبَي بن كعب\n (إلا ليؤمننَّ به قبل موتهم) فهذه ليست قراءة سبعية، بل هى قراءة شاذة. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nعند أكثر العلماء معناه \" قبل موت المسيح \"، وقد قيل: قبل موت اليهودي، وهو ضعيف. (^٣)\nثم بيِّن أوجه الضغف فى ذلك، فكان مما قال:\nفقوله ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ هذا يعم اليهود والنصارى،\nفدل ذلك على أن جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح، وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنه رسول الله ليس كاذبًا، كما يقول اليهود، ولا هو الله، كما تقوله النصارى.\nوالمحافظة على هذا العموم أولى من أن يدَّعي أن كل كتابيّ ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابي، فإن هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني، وهذا خلاف الواقع. (^٤)\nوقال صاحب الأضواء:\nوكون الضمير راجعًا إلى عيسى -﵇ - فهذا مما يجب المصير إليه، دون القول الآخر; لأنه أرجح منه من أربعة أوجه:\nالوجه الأول:\nأنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض.\nوالقول الآخر بخلاف ذلك.\n_________\n(^١) وانظر قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور (ص/٦٣٥)\n (^٢) وهذه القراءة (إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ،) قد ذكرها ابن حيان في البحر المحيط (٤/ ١٣٠) ونسبها لأبى بن كعب، وهي قراءة شاذة من المرتبة الثالثة، والتى تُنقل على سبيل القراءات التفسيرية، كما ورد في قراءة ابن عباس وابْنِ مَسْعُودٍ: «وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا». ذكره الدكتور محمد سكر حفظه الله.\n (^٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٨٥)\n (^٤) دقائق التفسير (٢/ ٩٥)","vol":"1","page":637},{"text":"وإيضاح هذا أن الله - تعالى - قال: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله..) ثم قال - تعالى -) وما قتلوه) أي عيسى، (وما صلبوه) أي عيسى، (ولكن شُبِّه لهم..) أي عيسى، (وإنْ الذين اختلفوا فيه..) أي عيسى، (لفي شك منه..) أي عيسى، (ما لهم به من علم..) أي عيسى، (وما قتلوه يقينًا...) أي عيسى، (بل رفعه الله..) أي عيسى، (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به...)، أي عيسى، (قبل موته..) أي عيسى، (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا)، أي يكون هو - أي عيسى - عليهم شهيدًا.\nالوجه الثاني:\nأنه على القول الراجح فإن مفسر الضمير ملفوظ مصرح به في قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ).\nوأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكورا في الآية أصلًا، بل هو مقدر، تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر.\nومما لا شك فيه أن ما لا يحتاج إلى تقدير أرجح وأولى مما يحتاج إلى تقدير.\nالوجه الثالث:\nأن النبي - ﷺ - قد تواترت عنه الأحاديث بأن عيسى -﵇حي الآن، وأنه سينزل في آخر الزمان حكمًا مقسطًا. ولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر، وممن نص على تواتر أحاديث نزول عيسى -﵇- ابن كثير في تفسير قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ) (الزخرف/٦١)\nوأما القول بأن الضمير في قوله: قبل موته راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة.\nالوجه الرابع:\nهو أن القول الأول الصحيح واضح لا إشكال فيه، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص، بخلاف القول الآخر، فهو مشكل لا يكاد يصدْق إلا مع تخصيص، كمن فاجأه الموت من أهل الكتاب، كالذي يسقط من عالٍ إلى أسفل، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل، والذي يموت في نومه ونحو ذلك، فلا يصدق","vol":"1","page":638},{"text":"هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع من أهل الكتاب، إلا إذا ادَّعى إخراجهم منه بمخصص. (^١)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-150>وفاة المسيح ﵇:</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه - أَنَّ- النَّبِيَّ ﷺ - قَالَ:\n\" الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُودُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ، لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ \" (^٢)\n*وصية النبي صلى الله ﵇:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ:\n\" إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ طَالَ بِي عُمُرٌ أَنْ أَلْقَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنْ عَجِلَ بِي مَوْتٌ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ \" (^٣)\n* تنبيهات:\n١) ما ينقل من أن عيسى - ﵇ - قد رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فهذا مما لا دليل عليه قال ابن القيم:\nوأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون\n_________\n(^١) بتصرف يسير من أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٧/ ١٣٠)\n (^٢) أخرجه أحمد (٩٢٧٠) وأبو داود (٤٣٢٤) وابن حبان (٦٨٢١) صححه الحافظ ابن حجرفي \"الفتح (٦/ ٤٩٣) وقال ابن كثير في \"البداية والنهاية \" (١/ ١٨٨): هذا إسناد جيد قوي.\n (^٣) أخرجه أحمد (٧٩٧٠) واختُلف في وقفه ورفعه، فرفعه محمد بن جعفر في روايته له عن شعبة، بينما رواه يزيد بن هارون عن شعبة فوقفه على أبي هريرة -﵁- كما عند أحمد برقم (٧٩٧١) و(٧٩٧٨)، محمد بن جعفر أثبت في روايته عن شعبة من غيره. وقد رجَّح الشيخ أحمد شاكر رفعه باعتباره زيادة ثقة، وشعبة كثيرًا ما يقف المرفوعات، ثم إنه في حكم المرفوع؛ إذ هو من الغيبيات.\nوقال شعيب الأرنؤوط عن رفعه: إسناده صحيح على شرطهما. وانظر الصحيحة (٢٣٠٨)","vol":"1","page":639},{"text":"سنة فهذا لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه. (^١).\n٢) ما ورد أن المسيح عيسى -﵇ - يُدفن بجوار النبي - ﷺ - فهذا مما لا دليل عليه.\nقال ابن كثير:\nقيل في الحجرة النبوية عند رسول الله - ﷺ - وصاحبيه. وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح - ﵇ - في كتابه عن عائشة -﵂- مرفوعا أنه يُدفن مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر في الحجرة النبوية، ولكن لا يصح إسناده. (^٢)\nتنبيه:\nوقد روى عن عبد الله بن سلام -﵁- أنه قال:\n (مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَه)، ولكن ضعفه البخارى. (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٨٤)\n (^٢) البداية والنهاية (٢/ ١١٧)\n (^٣) وقد أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢٦٣)، والترمذي (٣٦١٧) - واللفظ له- والمزي في \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٣٩٥) من طريق عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده، فذكره. قال البخاري: وهذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه.","vol":"1","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>الحديث الحادى والعشرون: السنة الجارية شرح حديث الجارية</span>","vol":"2","page":645},{"text":"* حديث الباب:\nعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ:\nكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: \" ائْتِنِي بِهَا \"، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: \" أَيْنَ اللهُ؟ \"، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: \" مَنْ أَنَا؟، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قال: \" أعتِقْها، فإنها مُؤمنةَ \".\n* تخريج الحديث:\nأخرجه مسلم (٥٣٧)، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته. والنسائي (١٢١٨) باب: الْكَلام فِي الصلَاة، وأخرجه أحمد (٢٣٧٦٢)\n* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nالأولى: هذا الحديث من أحاديث الصفات:\nذهب جماهير أهل السنة والجماعة إلى أن حديث الباب هذا من أحاديث الصفات الدالة على صفة ذاتية لله -عزوجل - قد دل الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والعقل على إثباتها، وهي صفة العلو، فالله -تعالى - مستوٍ على عرشه، فوق سماواته بائن من خلقه، أي منفصل عنهم. وهو قول الكلابية والكرامية ومتقدمى الشيعة الإمامية.\nأولًا: أدلة القرآن:\nقال تعالى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (الأعلى /١) فأخبر أنه أعلى من خلقه.\nوقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] فأخبر أنه فوق الملائكة، ومن مقتضيات اللغة أنَّ مجيء (من) قبل الظرف (فوق) تدل بظهور على أنَّ الفوقية فوقية","vol":"2","page":647},{"text":"ذات؛ لأنَّ فوقية الصفة أو القَهْرْ أو القَدْرْ لا يُؤتى فيها بـ (من)، فلا يُقَال \" الذهب من فوق الحديد \" ويُعنى به علو الصفة، أو\" الملك من فوق الرعية \" ويعنى بها من الصفات. (^١)\nوقد أخبرنا الله - تعالى - أنه في السماء على العرش، فقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فهل يكون الصعود إلا إلى ما علا؟!!\nوقال لعيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣» (الإنسان/٢٣)\nوقال ﷿: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقال تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]\nقوله تعالى ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (الْقَصَص/ ٣٨)\nفَفي الأية دلالة على أَن مُوسَى -﵇ - أخبر فرعون بِأَن ربه -تعالى- فَوق السَّمَاء؛ وَلِهَذَا قَالَ ﴿وَإِنِّي لأظنه من الْكَاذِبين﴾. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nقد وصف الله - تعالى - نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله - تعالى - عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده. (^٣)\n* وأما أدلة السنة:\n١) حديث الباب:\nفقد قَالَ النبي -ﷺ- للجارية: \" أَيْنَ اللهُ؟ \"، فقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ،\n_________\n(^١) إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٤٨٤)\n (^٢) النصيحة في صفات الرب جل وعلا (ص/١٢) وإثبات صفة العلو (ص/١٨٨)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢١)","vol":"2","page":648},{"text":"قَالَ: \" مَنْ أَنَا؟، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قال: \" أعتِقْها، فإنها مُؤمنةَ \"\nومعنى كونه -تعالى - في السماء:\nإذا أريد بالسماء العلو فـ (في) للظرفية وهو أن الله جل وعلا في العلو بائن من خلقه ﷾ عالٍ على مخلوقاته بائن من خلقه.\nوأما إذا أريد بالسماء: السماء المبنية وهي السبع الطباق فمعنى (في) هنا: بمعنى على يعني: على السماء كما في قوله تعالى: ﴿سِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام: آية ١١] يعني: على الأرض، وكما في قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: آية ٧١] يعني: على جذوع النخل.\nوقول رسول الله ﷺ: \" فإنها مؤمنة \":\nدليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله - تعالى - في السماء لم تكن مؤمنة.\n٢) وعن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: الْمَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم، مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ، ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر، ثمَّ يعرج إِلَيْهِ الَّذين باتوا فِيكُم فيسألهم، وَهُوَ أعلم بهم كَيفَ تركْتُم عبَادي؟ فَيَقُولُونَ: أتيناهم وهم يصلُّونَ، وتركناهم وَهُوَ يصلُّونَ \" (^١)\n٣) وعن جابر -﵁- في خطبة عرفة أن رسول الله -ﷺ - قال:\nوَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ اشْهَدْ». (^٢)\n٤) عَنْ أَبِي مُوسَى -﵁ - قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ:\n\" إِنَّ اللهَ ﷿ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ. (^٣)\n٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - قَالَ: \" يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه مسلم (١٢١٨)\n (^٣) أخرجه مسلم (١٧٩)","vol":"2","page":649},{"text":"إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ \" (^١)\n٦) عَنْ سَلْمَانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٢)\n٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَنْفَجِرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - ﷿. (^٣)\n٨) عن أبي مُوسى - ﵁ - قال:\nقام فِيَنا رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات فقال:\n «إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ، ولا ينبغِي له أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِليهِ عَمَلُ الليلِ قَبْلَ النَّهارِ، وعملُ النهار قبلَ الليل حِجَابُهُ النُّورُ، لو كَشَفَهَا؛ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كلَّ شيءٍ أَدْرَكَه بَصَرُهُ» (^٤)\nقال أبو سعيد الدارمى:\nفإِلى مَنْ تُرْفَعُ الأعمالُ؟!!، والله بِزعمِكُم الكاذِب مع العامل بنفسه، في بيته ومسجده ومنقلبه ومثواه، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. (^٥)\n٩) حديث العروج ليلة الإسراء، وفيه يقول أَنَسُ بْن مَالِكٍ ﵁:\n\" لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، أجَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَعَلَا بِهِ -أى جبريل - إِلَى الجَبَّارِ... \" (^٦)\n* الإجماع:\nقال أبو الحسن الأشعري:\nوأجمعوا على أنه - ﷿ - فوق سماواته على عرشه، دون أرضه. (^٧)\n_________\n(^١) متفق عليه. وهو حديث كثير الطرق، متواتر من جهة النقل، كما ذكر ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٢٨)\n (^٢) أخرجه الترمذى (٣٥٥٦) وأبوداود (١٤٨٨) وجوّد الحافظ إسناد هذا الحديث في الفتح (١١/ ١٤٣)\n (^٣) أخرجه البخاري (٢٦٣٧)، وأحمد (٨٤٠٢)\n (^٤) أخرجه مسلم (١٧٩)\n (^٥) الرد على الجهمية (ص/٤٩)\n (^٦) متفق عليه.\n (^٧) رسالة إلى أهل الثغر (ص/٧٥)","vol":"2","page":650},{"text":"وقال ابن بطة:\nوأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله -﵎- على عرشه فوق سماواته بائنٌ من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه لا يأبى ذلك ولا يكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية، وهم قوم زاغت قلوبهم واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين. (^١)\nقال أبوحاتم وأبوزرعة:\nأدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم أن الله - تعالى - على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾. (^٢)\n*وكذلك ممن نقل الإجماع على ذلك:\nشيخ الإسلام ابن تيمية وأبوسعيد الدارمي، وقد نقل الذهبي ما يزيد على المائة نيفًا من أسماء الأئمة الذين صرحوا بأن الله -تعالى - في السماء عاليًا على خلقه، منذ ظهور مقالة الجهمية - نفاة العلو- إلى نهاية القرن الثالث. (^٣)\n* ومما ورد عن الصحابة -﵃- في ذلك:\nقال ابن مسعود ﵁:\nالعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. (^٤) وقال ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَلَى عَائِشَةَ -﵂- قبل موتها، وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ، فقَالَ:\n «فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ». (^٥)\n٨) وعن أنس -﵁- قال: كَانَتْ زَيْنَبُ -﵂- تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - تَقُولُ:\n_________\n(^١) الإبانة (٣/ ١٣٦)\n (^٢) أورده اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، برقم: (٣٢١) وانظر إثبات صفة العلو (ص/١٨٤)\n (^٣) وانظرمجموع الفتاوى (١٦/ ١١٠) والرد على الجهمية (ص/٤٩) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية (٧/ ١٣٦) ونقد الجوهرة (ص/٢٤٠)\n (^٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٦٥٩) والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٥١) وقال الذهبي في \" العلو \": إسناده صحيح، ووافقه الألباني في مختصر العلو (ص/١٠٣).\n (^٥) أخرجه البخاري (٤٧٥٣)","vol":"2","page":651},{"text":"زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ. (^١)\n*وأما العقل:\nفدلالة العقل على علو الله - تعالى- من وجوه، نذكر منها وجهين:\nأ) الأول:\nوهو أنّ الله - ﷿ - موجود بالاتّفاق، الوجود قَدْرٌ مشترك، فالله - ﷿ - موجود، وخلق الله - ﷿ - أيضا موجودون، وهذان الوجودان إما أن يتمايزا، وإما أن يتداخلا:\nفإن تداخلا -يعني صار أحدهما داخل الآخر-:\nفإما أن يكون الخَلْقْ محيطين بالله تعالى، وإما أن يكون الخَلْقْ في داخل الله ﷿.\nوخَلْقْ الله - ﷿ - والكائنات منها أشياء مستقبحة ومستقذرة وقبيحة، مثل النجاسات ومثل القاذورات، وهذه لا أحد - من جميع من يبحث هذه المسائل- يقول بجواز أن تكون في داخل الله ﷿.\nفإذًا تَحَصَّلَ الأمر إلى أنَّه يتعَيَّنْ أن يكون الله - ﷿ - عاليًا على خلقه؛ لأنَّ الإختلاط يقتضي هذا المعنى العقلي الفاسد، وكون الله - ﷿ - في داخل خلقه هذا فيه نَقص لله تعالى. (^٢)\nب) الثانى:\nثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله -تعالى- يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة وُصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل وصف بالعلم دون الجهل، والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلوه القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم، كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذيًا له، ولا سافلًا عنه، ولمَّا كان العلو صفة كمال، كان ذلك كم لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، لا يكون قط غير عالٍ عليه. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٢٠)\n (^٢) إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٤٨٧)\n (^٣) انظر درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥ - ٦) ومن أراد الاستزادة من دلالات العقل على ذلك فليراجع \" الرد على الزنادقة \" (ص/٩٥) ومختصر الصواعق (١/ ٢٨٠)","vol":"2","page":652},{"text":"* الفطرة:\nقال الدارمي:\nوقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها، فكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية. (^١)\nوهكذا رأينا كل من يسأل أين الله؟ يبادر بفطرته ويقول في السماء.\nفلم يقل قائل: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، بحيث لا يمكن دفع هذه الضرورة عن القلوب ولا يلتفت الداعي يمنة ولا يسرة، وهذا الوجه يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو، وتوجههم عند دعاءه إلى العلو، والأول يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك، فهذا فطرة واضطرار إلى العلم والتصديق والإقرار، وذلك اضطرار إلى القصد والإرادة والعمل متضمن للعلم والتصديق والإقرار. (^٢)\n* والعرب في جاهليتهم- مع شركهم- كانت عندهم الفطرة السليمة في هذا المقام، حتى كان عنترة وهو من شعراء الجاهلية يقول:\nيا عبل أين من المنية مهربُ... إن كان ربي في السماء قضاها. (^٣)\nوقال ابن القيم:\nوعلوه فوق الخليقة كلها... فطرت عليه الخلق والثقلان\nلا يستطيع معطل تبديلها... أبدا وذلك سنة الرحمن\nكل إذا ما نابه أمر يرى... متوجها بضرورة الإنسان\nنحو العلو فليس يطلب خلفه... وأمامه أو جانب الإنسان. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد (١/ ٢٢٩)\n (^٢) وانظر العلو للعلى الغفار (ص/٨١) ودرء التعارض (٧/ ٥) وأقاويل الثقات في تأويل الأسماءوالصفات (ص/٤١)\n (^٣) شرح الواسطية ليوسف الغفيص (ص/٢٤٩)\n (^٤) متن القصيدة النونية (ص/٧٥)","vol":"2","page":653},{"text":"* المخالفون لأهل السنة في هذا الباب:\n*قول الجهمية:\nوهم في هذا الباب طائفتان، جهمية معطلة، وجهمية حلولية: وهما يتفقان ويفترقان:\nأ) أما وجه الاتفاق بينهما:\nفهو في نفى صفة العلو عن الله- تعالى- بدعوى أن إثبات العلو لله -تعالى- يلزم منه القول بالحد والجهة، وهذه الأمور- حسب زعمهم- لازمها إثبات الجسمية، والأجسام حادثة، والله منزَّه عن الحوادث!! (^١)\nب) وأما وجه الافتراق فهو في إثبات المكان:\nفأما المثبتة وهم الجهمية الحلولية، فيقولون: \"إن الله في كل مكان \"، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nوأما النفاة وهم الجهمية المعطلة فقالوا:\nأن الله منزَّه عن المكان والجهة، فلا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل.\nوقد بلغ بالطائفتين أن لقبوا سلف الأمة المتمسكين بإثبات صفة العلو لله -تعالى- بلقب \" الحشوية. (^٢)\n* وإليك بيان ذلك:\nأ) الجهمية المعطلة:\nساروا على قاعدتهم في نفي صفات الله ﷿، حيث إنهم أخلوا الله جل وعلا عن أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله ﷺ، وهؤلاء هم الذين قالوا: إن الله ليس في السماء وإنه ليس على العرش، ومن أقوالهم أيضًا: (إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، وإنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع)، وأكثر المعتزلة على هذا القول.\n_________\n(^١) كما نص على ذلك الرازي في \"الأربعين في أصول الدين\" (١/ ١٤٩)\n (^٢) فالخواص من أهل البدع يقصدون بهذا الاسم أن المسمَّى به -وهم أهل السنة- حشوٌ في الوجود، وفضلة في الناس، لا يُعْبَأ بهم، ولا يقام لهم وزن؛ إذ لم يتبعوا آراءهم الكاسدة، وأفكارهم الفاسدة.\n*وأما العوام منهم فيظنون أن تسمية السلف بالحشوية لقولهم بالفوقية، وكون الإله في السماء، بمعنى أنهم اعتقدوا - وحاشاهم - أن الله تعالى حَشْوُ هذا الوجود، وأنه داخلَ الكون - تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا -، وهذا بهتان عظيم على أهل الحديث. على أن هذا القول لم يقل به أحد.","vol":"2","page":654},{"text":"قال ابن حزم:\nالله -تعالى- لا في مكان ولا في زمان أصلًا وهو قول الجمهور من أهل السنة!!، وبه نقول، وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان كل ما عداه؛ ولقوله تعالى ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾ فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان، إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطًا به من جهة ما أو من جهات، وهذا منتف عن الباري تعالى بنص الآية. (^١)\nب) الجهمية الحلولية:\nوهم القائلون بالحلول العام (^٢):\nوالمعنى أن الله بذاته في كل مكان، ونفوا كونه على عرشه، وهذا المذهب قد غلب على عُبَّادهم وصوفيتهم وعامتهم، وقال به النجارية من المعتزلة. (^٣)\n* ومن شبهاتهم في هذا الباب:\n١ - قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) (الأنعام: ٣)\n٢ - قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) (المجادلة: ٧).\n٣ - قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (٤» (الحديد: ٤)\n* تنبيه:\nيُلحق بالجهمية الحلولية في هذا الباب \" المتصوفة الحلولية \":\nوهم القائلون بحلول الله في كل مكان، وقد ذكرهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والرازي أيضًا\n_________\n(^١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (١/ ٣٨٣)\n (^٢) وإنما ذكرنا مصطلح \"الحلول العام \" تمييزًا له عما يعرف بـ \" الحلول الخاص \":\nوهو قول النسطورية من النصارى ومن نحا نحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت. فمصدر هذا القول إنما هو من النصارى، ولكن دخل في الإسلام بواسطة الرافضة الغلاة الذين قالوا: إن الله حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، كما قال به الصوفية المنتسبة إلى الإسلام الذين يقولون بأن الله حلَّ في الأولياء.\nوانظر الشرك في القديم والحديث (ص/٨٤٠)\n (^٣) وقد أبان شيخ الإسلام ابن تيمية أن قول نفاة المكان هو قول خاصة الجهمية، وقول الحلول قول عامتهم، وقال في بيان علة التفريق:\n\" ولهذا كان العامة من الجهمية إنما يعتقدون أنه في كل مكان، وخاصتهم لا تظهر لعامتهم إلا هذا، لأن العقول تنفر عن التعطل أعظم من نفرتها عن الحلول، وتنكر قول من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، أعظم مما تنكر أنه في كل مكان، فكان السلف يردون خير قوليهم وأقربهما إلى المعقول، وذلك مستلزم فساد القول الآخر بطرق الأولى. \" انظر درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٥٤)","vol":"2","page":655},{"text":"في بعض مصنفاته. (^١)\nوهؤلاء لهم جميعًا من بدع القول الكفرية والضلالات ما يستحيي القلم عن تسطيره، ونذكر من بعض أقوالهم لبيان قبح منهجهم وشؤم سيرتهم وسريرتهم:\n١) قال داود بن علي: كان المريسي - لا ﵀ - يقول:\n\" سبحان ربي الأسفل\". (^٢)\n٢) ويقول الحلاج، وهو أول من قال بالحلول من المتصوفة في الإسلام:\nأنا من أهوى ومن أهوى أنا... ليس في المرآة شيء غيرنا\nقدسها المنشد إذ أنشده... نحن روحان حللنا بدنا\nلا أناديه ولا أذكره... إن ذكري وندائي يا أنا. (^٣)\n*ومن الجواب عليهم:\n١) قول الجهمية بنوعيهم مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة\n_________\n(^١) وقد ذكروا في أقسام المتصوفة ما يلى:\n١ - المتصوفة الحلولية: وهم القائلون بحلول الله في بعض مخلوقاته.\n٢ - المتصوفة الوجودية: وهم القائلون بوحدة الوجود.\n٣ - المتصوفة الإباحية: وهم القائلون بسقوط التكاليف وإباحة المحرمات.\n٤ - المتصوفة القبورية: وهم الداعون إلى دعاء الأنبياء والأولياء أحياءً وأمواتًا، من دون الله أو مع الله، والمستغيثون بهم، والطالبون لكشف الكربات وقضاء الحاجات منهم. الشرك في القديم والحديث (ص/٨٥٩)\n (^٢) العلو للعلي الغفار (ص/٢١٦)\n (^٣) هو الحسين بن منصور بن محمى الملقب بالحلاج، ولد عام ٢٤٤ هـ، في أطراف واسط، له ضلالات كثيرة، والتى منها: اطلاق اسم الموحد العاصى على إبليس، وأن الحج لا يلزم له السفر لبيت الله الحرام،\nبل لك أن تحج في بيتك، وتأتى ثالثة الأثافي حينما ادَّعى الألوهية، فقام حامد بن العباس وزير الدولة العباسية بالقبض عليه، ولما تمت مواجهته بذلك أنكر، وبالضغط على أتباعه اعترفوا عليه بذلك، حتى قالت زوجة ابنه أنه أمرها بالسجود له، فلما قالت له:\n\"الله فى السماء\"، قال: \"واحد فى السماء، وواحد فى الأرض\"، حتى حُكم عليه بالجلد ألف جلدة، وصُلب وقُطعت أطرافه بباب خراسان ٣٠٩ هـ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nمن اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: \" أنا الله \" ا. هـ\nمجموع الفتاوى (٢/ ٤٨٠)","vol":"2","page":656},{"text":"السليمة، كما تقدَّم ذكر ذلك في أدلة كل قسم من أدلة هذه الأقسام.\n٢) في قول الرسولﷺ - أين الله؟، تكذيب لقول من يقول:\nهو في كل مكان، لا يوصف بأين؛ لأن شيئًا لا يخلو منه مكان؛ يستحيل أن يقال: أين هو، ولا يقال \" أين \" إلا لمن هو في مكان يخلو منه مكان. (^١)\n٣) وأما قولهم: إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع، فهذا مما قد أبطله النص والإجماع، فقد ثبت في الصحيح من أن النبي - ﷺ - لما خطب يوم عرفات، جعل يقول:\n (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»\nقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ). (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالإشارة إلى فوق إلى الله في الدعاء وغير الدعاء باليد والأصبع أو العين أو الرأس أو غير ذلك من الإشارات الحسية قد تواترت به السنن عن النبي ﷺ، واتفق عليه المسلمون وغير المسلمين. (^٣)\n٤) زعمكم حصر العلو في\" علو الشأن وعلو القهر \"هو في حقيقته تعطيل لدلالات النصوص الشرعية التى أفادت قسمًا ثالثًا وهو علو الذات، وبهذا يحصل العلو المطلق في حق الله تعالى دون تقييد لنوع دون آخر، والقاعدة هنا:\n\" اعتبار الدلالات زيادة في الكمالات \"\n٥) قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]\nفيقال للجهمي: وكيف تجلى للجبل وهو في الجبل؟!!\nوكذلك: لو أن الله -﷿- لو كان في كل موضع، لكان متجليًا لكل شيء، ولجعلها دكًا كما جعل الله الجبل الذي تجلى له دكًا.\n، وقال الله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور\n_________\n(^١) الردعلى الجهمية (ص/٥٢)\n (^٢) سبق تخريجه قريبًا.\n (^٣) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٤٩٧)","vol":"2","page":657},{"text":"ربها﴾ [الزمر: ٦٩]، فيقال للجهمي:\nهل الله نور؟ فيقول: هو نور كله، قيل له: فالله في كل مكان؟ قال:\nنعم، قلنا: فما بال البيت المظلم لا يضيء من النور الذي هو فيه، ونحن نرى سراجًا فيه فتيلة يدخل البيت المظلم فيضيء؟!!، فعندها يتبين لك كذب الجهمي، وعظيم فريته على ربه. (^١)\n٦) هذا القول الفاسد الباطل أشد كفرًا ونفاقًا من قول النصاري، فإذا كان معتقد النصارى أن الله -تعالى- قد حلَّ فى المسيح ﵇، فقد جعل الجهمية الحلولية أن الله -تعالى - قد حل في كل مخلوقاته.\n٧) لهذا القول الفاسد من اللوازم الباطلة ما يكفى لرده ودحضه، ومن ذلك أنه الله -تعالى - يحل أجواف العباد وأجسادهم، وأجواف الكلاب، والخنازير، والحشوش، والأماكن القذرة، تعالى الله عما يقوله أهل الزيغ والإلحاد علوًا كبيرًا.\n٨) كل آية في القرآن تبين أن لله ما في السموات والأرض وما بينهما ونحو ذلك فإنها تبطل هذا القول؛ فإن السموات والأرض وما بينهما وما فيهما إذا كان الجميع له وملكه ومخلوقه امتنع أن يكون شيء من ذلك ذاته؛ فإن المملوك ليس هو المالك والمربوب ليس هو الرب والمخلوق ليس هو الخالق؛ ولهذا كان حقيقة قول الاتحادية أن المخلوق هو الخالق والمصنوع هو الصانع لا يفرقون بينهما. (^٢)\nقال عبد الله بن المبارك:\nنعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه، لا نقول كما قالت الجهمية. (^٣)\n٥) وأما قول الجهمية المعطلة:\n\" إن الله - تَعَالَى - ليس داخل العالم ولا خارجه \":\n_________\n(^١) وانظر الإبانة الكبرى (٧/ ١٣٩) والتوحيد لابن خزيمة (ص/١١٢)\n (^٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٢٥٢) وانظر المسائل التى حكى فيها شيخ الإسلام الإجماع (ص/ ٤٠٧)\n (^٣) رواه البيهقي في الأسماء والصفات (رقم/٩٠٣) والبخاري في خلق أفعال العباد (ص/٣٠) وسنده صحيح.","vol":"2","page":658},{"text":"فهذا نفي للنقيضين، ويقول علماء المنطق \"النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان معًا \"، فلا يمكن أن نقول: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يمكن أن يكون داخل العالم وخارجه في نفس الوقت، فالنقيضان يستحيل في العقل ارتفاعهما معًا، كما يستحيل في العقل اجتماعهما معًا، بل لابد من ثبوت أحدهما وانتفاء الأخر. (^١)\nولذلك قال أحد العقلاء لمن ادَّعى ذلك في الخالق:\nميِّز لنا بين هذا الرب الذي تعتقده وبين المعدوم؛ لأنه الذي لا داخل ولا خارج ولا ولا هذا هو الذي لا وجود له.\n٦) ولهذا القول الفاسد - قول الجهمية المعطلة - من اللوازم الباطلة ما يكفى لرده ودحضه، وذلك أن نفى قبول أحد الوصفين -الدخول والخروج- من شأنه أن ينفى إمكان وجوده، فضلًا أن يكون واجب الوجود، بل هذا يجعله من قبيل المعدوم الممتنع.\n٧) ومن هذه اللوازم الباطلة:\nقولكم إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه لأنهما من خصائص الأجسام!! ... مثله في البطلان كمثل قول الفلاسفة أن القيام بالنفس والقيام بالغير كلاهما منفى عن الله؛ لأنهما من خصائص الممكن، فكلاكما ينفي الإله حقيقة؛ إذ أن النفيين في ميزان العقل سواء. (^٢)\n*أما الرد على شبهاتهم:\nفقد تأولت الجهمية قول الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] فقالوا: إن الله معنا وفينا!!\n* وجواب ذلك:\nأن المعية في لغة العرب: معناها مطلق المصاحبة، وهي تختلف باختلاف ما أضيفت إليه، فتقول العرب: لا زلنا نسير والقمر معنا، ويقول القائل: معي زوجتي، وإن كانت زوجته في بلد وهو في بلد.\nفقوله تعالى- يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾،\nثم قال: ﴿مَا\n_________\n(^١) وانظر نقد جوهرة التوحيد (ص/٢٧٥) وشرح العقيدة الطحاوية د سفر الحوالى (ص/٤٠٥)\n (^٢) وانظرتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد (ص/٣٩٢) وشرح النونية لخليل هراس (١/ ١٨١)","vol":"2","page":659},{"text":"يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني الله بعلمه، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادسهم﴾ يعني بعلمه ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني بعلمه فيهم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليم﴾ فعاد الوصف على العلم، وبيَّن أنه إنما أراد بذلك العلم، وأنه عليم بأمورهم كلها، فقد فتح الخبر بعلمه، وختم الخبر بعلمه. (^١)\nقال أبوسعيد الدارمي:\nأنكم جهلتم معناها؛ فضللتم عن سواء السبيل، وتعلَّقتم بوسط الآية، وأغفلتم فاتحتها وخاتمتها؛ لأن الله - ﷿ - افتتح الآية بالعلم، وختمها به؛ ففي هذا دليل على أنه أراد العلم بهم وبأعمالهم، لا بأنه نفسه في كل مكان معهم كما زعمتم، فهذه حجة بالغة لو عقلتم. (^٢)\nقال الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾\n: هو على عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا. قال أحمد: هذه السنة. (^٣)\n* والإجماع قائم على حمل هذه الآيات على معية العلم:\nوقد نقل هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره (٤/ ٨).\nقال أبو عمر:\nعلماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله ﷿: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج بقوله. (^٤)\nقال أبو عمرو الطلمنكي الأندلسي:\nوأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء. (^٥)\n_________\n(^١) انظر الرد على الزنادقة (ص/٢٩٦) والإبانة (٣/ ١٤٤) ومقدمة رسالة العرش (ص/١٥٧)\n (^٢) وانظر الرَّدُّ عَلى الجَهَمِّيَة للدارمى (ص/٤٩) وذم التأويل (ص/٥٩) ومنهج المتكلمين (٢/ ٨٣٢)\n (^٣) أخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٣٩) وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (١/ ٣٠٤) وابن بطة في \"الإبانة\" (رقم /١٠٩) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٣٤١/٩٠٩) وإسناده حسن.\n (^٤) وانظر التمهيد (٧/ ١٣٩) وإثبات صفة العلو (ص/١٦٦)\n (^٥) وانظر درء التعارض (٦/ ٢٥٠) واجتماع الجيوش الإسلامية (ص/٧٦)","vol":"2","page":660},{"text":"وقال مالك:\n\"اللهُ تعالى في السماء، وعلمه في كل مكانٍ؛ لا يخلو منه شيء\". (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل «القمر» آية من آيات الله، من أصغر مخلوقاته، هو موضوع في السماء، وهو مع المسافر، وغير المسافر أينما كان. (^٢)\nقال ابن القيم:\nوقوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤» (الحديد: ٤)\nمن أدل شيء على مباينة الرب لخلقه، فإنه لم يخلقهم في ذاته، بل خلقهم خارج عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هم عليه، فيراهم وينفذهم بصره ويحيط بهم علمًا وقدرة وإرادة وسمعًا وبصرًا، فهذا معنى كونه سبحانه \" معهم أينما كانوا \". (^٣)\n*والحاصل مما سبق ذكره:\nأن سياق هذه الأية التى شغبوا بها قد حدد المعنى المراد؛ واعتبار سياق الكلام مخصص لمدلولات الألفاظ، فالسياق كالنص في إفادة القطع وعدم قبول التأويل.\nقال ابن القيم في النونية:\nوأصغ لفائدة جليل قدرهَا... ... تهديك للتحقيق والعرفان\nإِن الْكَلَام إِذا أَتَى بسياقه... يُبْدِي المُرَاد لمن لَهُ أذنان\nأضحى كنص قَاطع لَا يقبل الـ.... تأْوِيل يعرف ذَا أولو الأذهان\nفسياقه الْأَلْفَاظ مثل شَوَاهِد الـ..... أَحْوَال إنَّهُمَا لنا صنْوَان\n_________\n(^١) أخرجه ابن قدامة في \"إثبات صفة العلو\" (٧٦) وأبو داود في \" مسائل الإمام أحمد\" (ص/ ٢٦٣)، وسنده حسن. وانظرالصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين (٢/ ٤٧)\n (^٢) اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة (ص/٨٤)\n (^٣) وانظرحادي الأرواح (ص/٢٩٥) والانتقاد الرجيح (ص/٧٣)","vol":"2","page":661},{"text":"* وعليه يقال:\nأنه لا منافاة بين علوه -تعالى - وبين معيته لخلقه:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nأخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ، وأجمع عليه سلف الأمة أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه، عليٌ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. (^١)\n* وقد ضرب الإمام أحمد لرد ظاهر هذا التعارض مثالين، فقال:\nلو أن رجلًا كان في يديه قدح من قوارير صافٍ، وفيه شراب صافٍ، لكان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح. والله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه.\nوخصلة أخرى:\nلو أن رجلًا بنى دارًا، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون في جوف الدار، فالله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خلق، وعلم كيف هو من غير أن يكون في شيء مما خلق. (^٢)\n* فالله - تعالى - مستوٍ على عرشه استواءً لائقًا بكماله وجلاله، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل، فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام، ونفوذ القدرة ﷾ علوًا كبيرًا.\nألا ترى - ولله المثل الأعلى- أن أحدنا لو جعل في يده حبة من خردل أنه ليس داخلًا في شيء من أجزاء تلك الحبة، مع أنه محيط بجميع أجزائها، والسماوات والأرض ومن فيهما في يده - تعالى - أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى، فهو أقرب إلى الواحد منا من عنق راحلته، مع أنه مستوٍ على عرشه. (^٣)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٢)\n (^٢) الرد على الجهمية والزنادقة (ص/١٤٩)\n (^٣) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (ص/٢٣٠)","vol":"2","page":662},{"text":"* فإن قيل:\nقد استشكل بعض المتكلمين المتأخرين ذلك وقالوا:\nإن السلف وقع في كلامهم مادة من التأويل، وذلك في مسألة المعية، حيث قالوا في آيات المعية أنها معية علم!!\nوجواب ذلك:\nظن المتكلمون أن هذا من باب التأويل، والأمر ليس كذلك؛ لأن التأويل باصطلاح أصحابه خروج عن المعنى الظاهر إلى المعنى الخفي لقرينة، أو خروج من حقيقة الكلام إلى مجازه، وآيات المعية ليس فيها خروج عن الحقيقة إلى المجاز؛ لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن.\n*وإذا ما تنزلنا بأن هذا تأويل، فهنا أمران:\n١) لو كان تأويلًا فما نحن تأولنا، وإنما السلف الذين وجب اتباعهم؛ فإن ابن عباس والضحاك ومالكًا وسفيان وكثيرًا من العلماء قالوا في قوله ﴿وهو معكم﴾ أي علمه. ثم قد ثبت بكتاب الله والمتواترعن رسول الله ﷺ وإجماع السلف أن الله - تعالى - في السماء على عرشه، وجاءت هذه اللفظة مع قرائن محفوفة بها دالة على إرادة العلم منها وهو قوله ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾ [المجادلة ٧]\nثم قال في آخرها ﴿أن الله بكل شيء عليم﴾ فبدأها بالعلم وختمها به ثم سياقها لتخويفهم بعلم الله -تعالى - بحالهم، وأنه ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ويجازيهم عليه.\n٢) التأويل هو المعنى المجازي للسياق، باصطلاح أهل التأويل، فما هو المعنى الحقيقي للسياق الذي خرجنا عنه؟\nسيقال أن المعنى الحقيقى هو القول بالمعية على ظاهرها كما هو قول أهل الحلول والإتحاد، لأنه ظاهر السياق، وهذا مما لا يقال به لغة ولا عقلًا، بل المتبادر عقلًا والممكن عقلًا أن معية الله - ﷾- إنما هى معيتان:\nأ) معية عامة:\nوهى معية العلم، كما في قوله تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (الحديد/٤)","vol":"2","page":663},{"text":"ب) معية خاصة:\nوهى معية الحفظ النصروالحفظ والتأييد، كما في قوله تعالى ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة/٤٠)، وقوله تعالى (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦» (طه/٤٦) (^١)\n٢) ومن شبهاتهم:\nقوله تعالى (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) (الأنعام/٣)، وقوله تعالى\n (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) (الزخرف/٨٤)\nفمعنى الآية: أي هو إله من في السموات، وإله من في الأرض.\nقال ابن عبد البر:\n\"فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، .... وقوله \" وفي الأرض إله \": فالإجماع والاتفاق قد بيَّن المراد بأنه معبود من أهل الأرض، فتدبر هذا فإنه قاطع إن شاء الله. (^٢)\nوروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: \"هو إلهٌ يعبد في السماء، وإلهٌ يعبد في الأرض \". (^٣)\nقال أحمد:\nإنما معنى قوله ﵎: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ [الأنعام: ٣] يقول: هو إله من في السموات، وإله من في الأرض. (^٤)\nفقوله تعالى (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)\nمعناه: أن الله -تعالى- هو المألوه الذي تألهه القلوب، المعبود ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين في السماوات والأرض.\n_________\n(^١) وانظر ذم التأويل (ص/٤٦) وشرح الواسطية ليوسف الغفيص (ص/٢٤٩)\n (^٢) التمهيد (٣/ ٣٤٢)\n (^٣) الشريعة (٢/ ٨٣) وقال محققه: \"أثر قتادة لا بأس به\"\n (^٤) وانظر الردعلى الزنادقة والجهمية (ص/٢٩٢) وقد أجاب عن هذه الشبهة جمع من السلف، فليراجع لذلك مجموع الفتاوى (٢/ ٤٠٤) والرسالة الوافية (ص/١٣٢) وتفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٩) والصواعق المرسلة (٤/ ١٣٠٠) والإبانة الكبري (٧/ ١٤٣)","vol":"2","page":664},{"text":"والألوهية: هي العبودية، والتأله: هو التعبُّد، وهكذا معناها الاصطلاحي، فكل كلمة إله في القرآن فإن المراد بها المعبود.\n٣) ومن شبهاتهم التى شغَّبوا بها:\nقوله تعالى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد الآية /٣)!\nقال محمد بن الحسين الآجري:\nومما يحتج به الحلولية، مما يلبسون به على من لا علم معه يقول الله ﷿: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ وقد فسر أهل العلم هذه الآية: هو الأول: قبل كل شيء؛ من حياة وموت، والآخر: بعد كل شيء؛ بعد الخلق، وهو الظاهر: فوق كل شيء -يعني ما في السموات- وهو الباطن: دون كل شيء يعلم ما تحت الأرضين، ودل على هذا آخر الآية ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. (^١)\n* قول الأشاعرة:\nيعد الأشاعرة من نفاة علو الله تعالى، فقد شابهوا الجهمية المعطلة بنفى المكان عن الله تعالى، فقالوا أن الله لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه.\n*وشبهة الأشاعرة فيما قالوه من نفى العلو أنهم قد جعلوا إثبات العلو ونفي التحيز تناقضًا، وجعلوا من لوازم إثبات علو لله -تعالى - أن يكون متحيزًا وذا جهة وحد يحده، فقالوا:\nلو كان الله -تعالى- في جهة العلو بذاته لأشبه المخلوقات، لأن ذلك يعني أن يكون الله في مكان، والمكان يقتضي التحيز والتجسيم، وهذه من خصائص المخلوقين، لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق مجسم!!\nقال الغزالى:\nأما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية. (^٢)\n_________\n(^١) الشريعة (٢/ ٨١)\n (^٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص/٤٧)\nويكشِفُ السبكي عن مُرادِ الأشاعرةِ بالحَشويَّةِ فيقول:\n\" وقد عرفتَ أن الخلاف في المسألة مع الحشوية: وهم طائفة ضلوا عن سواء السبيل، وعميت أبصارهم يجرون آيات الصفات على ظاهرها \" ا. هـ.\nوقال القرافى وهو يتكلم عمن يثبتون الجهة والمكان، قال: =\n=وهو مذهب الحشوية، ومذهب أهل الحق استحالة جميع ذلك على الله تعالى وفي تكفير الحشوية بذلك قولان والصحيح عدم التكفير.\nوانظرالإبهاج في شرح المنهاج (١/ ٣٦١) والفُروقَ (٤/ ٢٧١)","vol":"2","page":665},{"text":"وفي ذلك يقول صاحب الجوهرة: \"ويستحيل ضِدُ ذى الصفات في حقه كالكون في الجهات \" (^١)\n* الرد على الأشاعرة:\n١) كل ما سبق ذكره في الرد على الجهمية المعطلة يقال هنا ردًا على الأشاعرة. ٢) الاستحالة التى يبنى عليها الأشاعرة نفيهم لصفة العلو، والتى نص عليها صاحب الجوهرة ومن يسير على طريقته (^٢)، هى استحالة عقلية اتخذها الأشاعرة دينًا حكمًا على النصوص الشرعية، على طريقة \" وما آتاكم العقل فخذوها، وما نهاكم عنه فانتهوا \"\nقال أبوالعباس ابن تيمية:\nإن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفًا على أن يقوم عليه دليلٌ عقليٌّ على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسولﷺ- إذا أخبرنا بشيءٍ من صفات الله- تعالى - وجب علينا التصديق به، وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا، ومن لم يقرّ بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].\nومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنًا بالرسول، ولا متلقيًّا عنه الأخبار\n_________\n(^١) قال البيجوري في شرح هذا البيت (فليس -أي الله ﵎- فوق العرش ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله... فليس له فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال..) شرح جوهرة التوحيد (ص ١٦٣).\n (^٢) وقد نص على مثل ذلك: الباقلانى والآمدى واللقانى، كما فى الإنصاف (ص/٥١) وهداية المريد (ص/١٥٩) وغاية المرام (ص/٣٠١).","vol":"2","page":666},{"text":"بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيءٍ من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به، بل يُؤَوِّله أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده، وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق». (^١)\n٣) من التناقض البّيِن فيما انتحله الأشاعرة في هذا الباب:\nأنهم مع نفيهم لعلو الله عزوجل، تراهم يقرون أن الفطرة دالة على علوه، لذا فقد حمل هذا التناقض البيَّن جملة من كبار الأشاعرة على الرجوع عن هذا اللحن الجلى لنصوص الشريعة، وإن لم يكونوا قد رجعوا إلى الحق، ولكن يكفى تركهم للباطل. فقد ذكر محمّد بن طاهر المقدسي أن أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلّم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان.\nفقال الشيخ أبو جعفر:\nأخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرووة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط:\nيا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلوّ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا، قال: فلطم أبو المعالي رأسه ونزل. وقال:\nحيّرني الهمداني حيّرني. (^٢)\n* قلت:\nوهذه ثمرة من اتبع قضية عقلية - زعموا- مخالفة للنقل والفطرة، بل وللعقل السليم، فلما كان طرحهم من عند غير الله -تعالى- وجدنا فيه اختلافًا كثيرًا، وانظر ماذا فعل بهم هذا الترنح لما نفوا علو الله -تعالى - ثم زعموا إثبات رؤيته في\n_________\n(^١) شرح الأصفهانية (ص ١٠ - ١١).\n (^٢) وانظر البيهقي وموقفه من الإلهيات (ص/٣٥٤) ومقالات في تناقض الأشعرية (ص/١٠٩)\nقال الألبانى: هذه قصة مسلسلة بالحفاظ. وممن أعلّ هذه القصة تاج الدين السبكى كما في طبقات الشافعية (٥/ ١٩١) فأتى بكلام لا وزن له عند أهل التحقيق.","vol":"2","page":667},{"text":"الآخرة من غير جهة، فجاءوا بقول لم يقل به أنس قبلهم ولا جآن.\n٣) ما ذهب إليه المتأخرون من الأشاعرة من قولهم بنفى الجهة عن الله - مع مخالفتهم لجماهير أهل السنة - قد خالفوا فيه إمامهم خاصة، وهو الإمام أبو الحسن الأشعرى الذى ذكرنا آنفًا نقله لإجماع أهل السنة على إثبات علو الله تعالى.\nوكذلك خالفوا فيه أئمتهم المتقدمين أمثال: الباقلاني الذى قال بعلو الله -تعالى- على عرشه، وكذلك ممن صرح بإثبات العلو:\nابن كلاب وأبو الحسن الطبري تلميذ الأشعري والحارث المحاسبي.\nوقد نقل ذلك عنهم كل من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذيه الذهبي وابن القيم، لتقزم بذلك الحجة على منأخريهم الذين خالفوا نهج أئمتهم فقالوا بنفى الجهة، كالغزالي والجويني والآمدي وغيرهم الذين أخذوا قول الجهمية والمعتزلة فى هذا الباب.\n*وإذا كان أبو الحسن الأشعري وابن كلاب موافقان للسلف في إثبات العلو، وعليه فإن كل من يزعم الانتساب إليهما مع مخالفته لهما فدعواه باطلة. (^١)\n* وأما قولهم:\nأن لوازم إثبات علو لله -تعالى - أن يكون متحيزًا وذا جهة وحد يحده!!\nلو كان الله -تعالى- في جهة العلو بذاته لأشبه المخلوقات، لأن ذلك يعني أن يكون الله في مكان، والمكان يقتضي التحيز والتجسيم، وهذه من خصائص المخلوقين، لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق مجسم!!\n* فالجواب أن يقال:\nأما قولكم أن إثبات العلو لله - تعالى - يقتضي التحيز والحد والمكان، وهذه من خصائص المخلوقين!!\n_________\n(^١) انظر التمهيد للباقلانى (ص/ ٣٠١) والفتوى الحموية (ص/٥٨) والعلو للذهبي (ص/ ١٦٨) واجتماع الجيوش الإسلامية (ص/ ١١١) والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (ص/١٢١) بتحقيق سعود بن عبد العزيز الخلف، والأشاعرة في ميزان أهل السنة (ص/٤٦٦) والمنحة الإلهية في الصفات الربانية (ص/٤٣٧)","vol":"2","page":668},{"text":"فيقال أولًا:\nأن الله - تعالى - ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، ولا يدرك بقياس،، وقد اتفق المسلمون وكل ذي لب أن الذى ليس في مكان فهو عدم.\nوقد صح في العقول، وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا. (^١)\n*ثانيًا:\nقولهم هذا إنما ينبنى على عقول لم تعرف من الإثبات إلا تحقق المشابهة، ففرت من ذلك إلى التحريف والتعطيل، فما قدروا الله -تعالى - حق قدره.\nفلا يتصور زعمهم باقتضاء العلو للتحيز والحد إلا في حق المخلوق، وأما الله -عزوجل - فلا سمَّى له، ولا نظير له.\nوأى تحيز أو حد يتصور في إثبات علو الله عزوجل؟!!!\n* تأملوا في عظم مخلوقات الله تعالى، فكيف بخالقها؟!!\nقال ابن مسعود ﵁:\n\"رَأَى رَسُولُ اللَّهِﷺ - جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ\" سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ» (^٢)\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ \" (^٣)\n* وهل من عاقل يخطر بفكره أن قول الجارية أن الله -تعالى - في السماء يلزم منه أن السماء تظله أو تحويه؟؟!!!\nقال تعالى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، \" فما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في الأرض الفلاة \" (^٤)، فإذا كان الكرسي قد وسع السماوات والأرض، فكيف بالعرش؟! ثم كيف بمن فوق العرش ﷾؟!!\n_________\n(^١) \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" ص ٩٧.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه أبوداود (٤٧٢٧)، وانظر صَحِيح الْجَامِع (٨٥٤)\n (^٤) ورد هذ عن مجاهد، أخرجه سعيد بن منصور في \" تفسيره \"وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٢٢)","vol":"2","page":669},{"text":"* هذا خلق الله، فأرونى أى عقل جهول يتوقف افي إثبات صفات الله - كالعلو - خشية الوقوع فى القول بالتحيز أو التشبيه أو المماثلة؟!! وصدق الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾\n* وأما إطلاق لفظ المكان في حق الله تعالى:\nإطلاق لفظ المكان في حق الله ﷿ نفيًا أو إثباتًا من الأمور التي لم يرد بها كتاب ولا سنة، بل ينبغي الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ، والوقوف عند ما ورد به النص من استواء الله على عرشه فوق سماواته. لأن لفظ المكان من الأمور التي تحتمل حقًا وباطلًا، ولأهل العلم تفصيل في ذلك:\n٢ - فقد يراد بالمكان أمر عدمي:\nوهو ما فوق العالم من العلو، والله ﷾ فوق العالم غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته. فيصح إطلاق أن الله في مكان بهذا المعنى.\nوإن كان الأولى الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ نفيًا أو إثباتًا، حيث أن النصوص قد انتهت إلى إثبات العلو المطلق في حقه ﷾، وأنه مستوٍ على عرشه كما أخبر.\n٢ - وقد يراد بالمكان أمر وجودي:\nوهو ما يحوي الشيء ويحيط به، أو ما يستقر الشيء عليه بحيث يكون محتاجًا إليه، والله - ﷿ - منزه عن المكان بهذا المعنى الذي يقتضي الإحاطة والافتقار. (^١)\n* وبهذا التفصيل يتبين الوجهة عند من نفى من السلف المكان عن الله تعالى، كما ورد ذلك فى قول ابن حاتم السجزيّ:\n\" وعند أهل الحق أن الله - سبحانه - مباين لخلقه بذاته، فوق العرش بلا كيفية، بحيث لا مكان \" (^٢).\n*وهل يصح إطلاق لفظ الجهة في حق الله تعالى؟؟\nوالجواب:\nنقول أولًا:\nأن لفظ \" الجهة \"مما لم يرد إثباته ولا نفيه في أدلة الشرع، ويغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء، كما هو وارد في حديث الباب.\nثانيًا:\nننظر إلى المعتقَد للقائل بالجهة:\n_________\n(^١) منهاح السنة ٢/ ١٠٦\" و\"الألباني: مقدمة مختصر العلو (ص/ ٧٢).\n (^٢) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص/٧٨)","vol":"2","page":670},{"text":"أ) إن كان يعتقد أن الله - تعالى - في داخل المخلوقات، وتحويه المصنوعات، وتحصره السماوات، فهذا مبتدع ضال؛ فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء.\nب) وإن كان يعتقد أن الخالق -تعالى - بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سماواته على عرشه بائن من مخلوقاته، فإنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فهذا مصيب في اعتقاده، موافق لسلف الأمة وأئمتها. (^١)\nوفي معنى الإثبات على الوجه الصحيح يقول الإمام القرطبي:\nوقد كان السلف الأول - ﵃ - لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله - تعالى - كما نطق كتابه، وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه تعالى استولى على العرش حقيقة. (^٢)\n*ما ورد في طريقة أهل التحريف مع حديث الجارية:\nعمد المخالفون لأهل السنة في هذا الباب إلى الخوض بالباطل حديث الجارية، بالطعن في صحته تارة، وبتحريفه تارة أخرى.\n*وأما طنعهم في صحة الحديث:\nفلا شك في بطلان هذه الدعوى؛ فهو حديث صحيح خرّجه جمع كبير من أئمة الحديث وحفّاظهم من طرق صحيحة كالشمس في واضحة النهار، ولكنَّ أهل البدع لا يعقلون، فيعلّون الحديث تارة بالاضطراب! وتارة بالشذوذ!! ولا اضطراب إلا في عقولهم، ولا شذوذ إلا في أفكارهم، والله المستعان وحده، ولا حول ولا قوة إلا به. (^٣) ولا شك في بطلان هذه الدعوى،\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٨)\n (^٢) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢١٩)\n (^٣) وممن أعل الحديث ووصفه بالإضطراب محمد زاهد الكوثري حين علَّق عليه في هامش كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، إلا أن قدحه هذا غير وارد لأنه تعسف واضح وتجن بيّن، وقد فنَّده ورد عليه الشيخ الألباني في اختصاره لكتاب العلو للذهبي (ص/٨٢)، والكوثري هذا صاحب مواقف مغرضة وظالمة من أئمة السلف.\nوانظرتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم (٢/ ٦٧)","vol":"2","page":671},{"text":"قال ابن عدوان:\nوقد جاء لفظ \" الأين \" من قول صادق... رسول إله العالمين محمد\nكما قد رواه مسلم في صحيحه... كذلك أبو داود والنسائي قد. (^١)\n* وكذلك فقد عمدوا إلى تحريف الحديث تحريفًا لفظيًا ومعنويًا:\n*ومن التحريف المعنوى للحديث:\nقالوا: إنما أراد الرسولﷺ - بالسؤال بـ \" أين \" الاستفهام عن المكانة لا المكان، فيكون النبي -ﷺ - قد سألها عن المنزلة والرتبة في صدرها، كما يقال: أين فلان من فلان؟ وأين زيد منك؟ توسّعًا في الكلام، ولا يراد بذلك إلا الرتبة والمنزلة.\nويقول الإنسان لصاحبه أين محلي منك؟ فيقول في السماء يريد أعلى محل!!! فجعلوا السؤال بأداة \" أين \" التى يستفهم بها عن المكان ممتنعًا في حق الله تعالى؛ لأنها لازمها إثبات الظرفية. (^٢)\nوقد بيَّن ذلك ابن القيم في النونية:\nوتقول أين الله والأين فممتنع...\nعليه وليس في الإمكان\nلو قلت من كان الصواب كما ترى... في القبر يسأل ذلك الملكان\nأي: يقول الجهمي للرسول - ﷺ- إنك تقول أين الله؟ والأين ممتنع على الله تعالى ومحال، وليس بممكن، والصواب أن تقول:\nمن الله؟ كما يسأل الملكان في القبر الميت فيقولان: من\n_________\n(^١) وانظر العقيدة الواسطية بتعليق ابن مانع (ص/١٢)\n (^٢) وانظر أساس التقديس (ص/٢١٢) ومشكل الحديث (ص/٦٠) وموقف المتكلمين (٢/ ٥٣٢)","vol":"2","page":672},{"text":"ربك؟ وما دينك؟\nومن نبيك؟ (^١)\n.\n* وقد تصدى العلماء لهذا التحريف البيِّن لحديث النبي ﷺ:\nقال الذهبى:\nففي الخبر -أى خبر الجارية - مسألتان: إحداهما شرعية، قول المسلم أين الله؟\nوثانيهما: قول المسؤول \" في السماء \"، فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ﷺ. (^٢)\nقال عبد الغني المقدسي:\nومن أجهل جهلًا، وأسخف عقلًا، وأضل سبيلًا ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله \" أين الله \"؟! (^٣)\nويقول محمد خليل هراس:\nهذا الحديث يتألق نصاعة ووضوحًا، وهو صاعقة على رؤوس أهل التعطيل، فقد امتحن الرسول - ﷺ - إيمانها، فكان السؤال الذي اختاره لهذا الامتحان هو (أين الله؟) ولما أجابت بأنه في السماء، رضي جوابها وشهد لها بالإيمان. ولو أنك قلت لمعطل: أين الله؟ لحكم عليك بالكفران. (^٤)\n*وكذلك يقال:\nأما الظرفية في قول الجارية \" في السماء \" فليست مرادةً بإجماع العلماء، وإنّما معناها العلّو بالإجماع.\nفجوابها بأن الله تعالى \" في السماء \" أي: في العلّو - سبحانه\n_________\n(^١) وانظرتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم (٢/ ٦٧)\n (^٢) العلو للعلى الغفار بتحقيق الألبانى (ص/٨١)\n (^٣) الاقتصاد في الاعتقاد (ص/٨٨)\nيقول الدكتور محمد أمان الجامي: ولقد ذكرني هذا السؤال النبوي عبارة تقليدية كنت درستها وأنا طالب ضمن ما درسته في بعض كتب الأشعرية وهي: لا يسئل عن الله بالألفاظ الآتية:\n١ - أين؟ ٢ - وكيف؟ ٣ - ومتى؟ ٤ - وكم؟\nكان من مشايخنا لا يسمحون لنا بشرح هذه الألفاظ، والسؤال عن الجواب لو سئل الإنسان عنها، ويقولون: هكذا تؤخذ، ولا تناقش لأن النقاش في هذه المواضيع غير جائز.\nوانظر الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص/٢٣١)\n (^٤) انظر حاشية التوحيد لابن خزيمة (ص/١٢١).","vol":"2","page":673},{"text":"وتعالى -، لا بمعنى أن السَّماء تحويه وتحيط به، وهذا ضلال وكذب وافتراء، فالله - ﷾ - لا يحيط به أي شيء.\nوقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - شبهة من يقول بأن السَّماء تحويه، وبيّن زيفها، فقال:\nمن توهم أن كون الله في السَّماء بمعنى أن السَّماء تحيط به وتحويه فهو كاذب ضال، وما سمعنا أحدًا يفهم هذا من اللّفظ، ولو سئل سائر المسلمين هل يفهمون من قول الله ورسوله: (إن الله في السَّماء) أن السَّماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعلّه لم يخطر ببالنا.\nوقد علم المسلمون أن كرسيه - ﷾ - وسع السموات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه؟!\nوقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾، وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بمعنى (على)، ونحو ذلك، وهو كلام عربي حقيقة لا مجازًا، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة. (^١)\n*قلت:\nويؤيد هذا ما ورد في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- عَن النَّبِي - ﷺ - قال: \" ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ \" (^٢) فكما وجب تأويل قوله \" مَنْ فِي الأَرْضِ \"أى: من على الأرض، فكذا يقال\n- ولابد - في قول النَّبِيّﷺ -\" مَنْ فِي السَّمَاءِ \": أى من على السماء. .\n* ومن التحريف المعنوى كذلك:\nأن ما تكلم به الرّسول -ﷺ - في حديث الجارية إنما قاله على سبيل التّمثيل والتّقريب لعقول النّاس! فلمّا رسخت أقدامهم في الدّين؛ عرفوا الحقّ بأنفسهم!!!\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٦)\n (^٢) أخرجه الترمذى (١٩٢٤) وأبوداود (٤٩٤١) قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":674},{"text":"* والجواب:\nهذا يلزم عليه: أنّ النّبيّﷺ - لم يُدْخِل النّاس في الدّين إلَّا بالكذب المحض - والعياذ بالله ـ! وأنّهم عرفوا الحقّ من عند أنفسهم، لا من الرسول ﷺ.\nوأنّ الرسولﷺ- لم يُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم؛ بل غشّهم وكتم عنهم ما فيه هدى ونور لهم! فأيّ كفر أعظم، وأيّ مصيبة أطمّ، وأيّ ذنب أقبح، وأيّ بلاء على الإسلام والمسلمين أعمّ من هذا؟!\nومن ذلك قولهم:\nإنّ الرّسول - ﷺ- أقرّ الجارية على قولها موافقة لها على عقلها؛ لأنّ عقلها يقصر عن معرفة أدِلّة النّظر!\nفيُقال لهم:\nهل أقرّها - ﷺ - على حقّ أم باطل؟ فإن كان الأوّل:\nفقد ارتفع النّزاع، ولزم أن تُجيبوا مَن سألكم بـ «أين الله؟» بقولكم: في السّماء، وتشهدون له بالإيمان، ونحن نراكم تُضلّلون وتكفّرون مَن سأل عن الله بـ «أين؟»، والمجيب له بأنّ: الله في السّماء.\nوإن كان الثّاني:\nلزمكم القول بما ألزمنا سابقًا من أنّه ﷺ كان يقرّ النّاس على الكفر! بل يتكلّم بما ظاهره كفر صراح من غير أن يؤوّله لهم! وهل الكفر الذي ما فوقه كفر إلَّا مثل هذا؟! وهل ثَمّ تنقيص لرتبة النّبيّ - ﷺ - أعظم ولا أحطّ قدرًا من هذا؟! (^١)\n* ومما ورد في تحريف حديث الباب:\nأن حكمه ﷺ بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء، فقد انكشف به أيضًا إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو، وكان النبيﷺ- يظن أنها من عبدة الأوثان فاستنطقت بمعبودها\"\nفعرّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس من الأصنام!! (^٢)\nوالجواب أن يقال:\nأولًا: ما ورد أن الجارية كانت خرساء، وأنها أجابت بالإشارة فهذا مما لا يصح سنده.\nثانيًا: أن النبي - ﷺ- سألها عن الله، ولم يسألها عن معبودها، ثم إن السؤال لو كان\n_________\n(^١) الكَشْف المُبْدِي لتمويه أبي الحسن السُّبكيّ (ص/٢١٦)\n (^٢) نص عليه الغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد (ص/٣٥)","vol":"2","page":675},{"text":"عن المعبود فقط لكانت الإشارة-على فرض صحتها - إلى السماء غير كافية في الدلالة على الإيمان بالله، لأن في جهة العلو من عبد دون الله، كمن عبد الشمس أو القمر أو الملائكة. (^١)\n* ومن تحريفهم في هذا الباب:\nقالوا: أن رفع الأيدي في الدعاء إلى السماء ليس دالًا على صفة العلو، إنما هو لكونها قبلة الدعاء، كما أن البيت قبلة الصلاة.\nكما أن رفع الأيدي إلى السماء معارض لوضع الجبهة على الأرض. (^٢)\n* وجواب ذلك من وجوه:\n\"الأول:\nإن القول بأن السماء قبلة الدعاء قول لم ينزل الله به سلطانًا، ولم يرد عن أحد من السلف، وهو من الأمور الشرعية الدينية التي لا يجوز أن تخفى عن الأمة وعلمائها.\nالثاني:\nأن هذا خلاف الثابت الصحيح أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، كما كان النبي - ﷺ - في مواطن كثيرة، ومن زعم أن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة فقد ابتدع بالدين وخالف جماعة المسلمين. (^٣)\n* وأما القول بأن رفع الأيدي إلى السماء معارض لوضع الجبهة على الأرض.\nفالرد عليه من وجوه:\n١ - الأول:\nأن وضع الجبهة على الأرض لم يتضمن قصدهم لأحد في السفل، بل السجود بها يعقل أنه تواضع وخضوع للمسجود له، لا طلب وقصد ممن هو في السفل، بخلاف رفع الأيدي إلى العلو عند الدعاء، فإنهم يقصدون به الطلب ممن هو في العلو.\n٢ - الثانى:\nأن الواحد منهم إذا اجتهد في الدعاء حال سجوده يجد قلبه بقصد\n_________\n(^١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار بتحقيق سعود بن عبد العزيز الخلف (ص/٦٢٣)\n (^٢) كما نص على ذلك الغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد (ص/٣٢)، وفى قواعد العقائد (ص/ ١٦٥)،\nقال:\nفأما العوام فقد يعتقدون أن معبودهم في السماء، فيكون ذلك أحد أسباب إشاراتهم، تعالى رب الأرباب عما اعتقد الزائغون علوًا كبيرًا.!!!\n (^٣) شرح الطحاوية (ص/ ٣٢٧) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد (ص/٤٠٠)","vol":"2","page":676},{"text":"العلو، مع أن وجهه يلي الأرض، بل كلما ازداد وجهه ذلًا وتواضعًا، ازداد قلبه قصدًا للعلو، كما قال تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩].\nوقال النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».\nفعلم أنهم يفرقون بين توجه وجوههم في حال السجود إلى الأرض.\nوتوجيه القلوب في حال الدعاء إلى من في السماء. (^١)\n* ومن شبهاتهم:\nقد جاء الوعيد في السنة الصحيحة في نهي المصلِّي عن النظر إلى السماء، فلو كان الله في جهة العلو لما ناسب ذلك ورود هذا النهى!!\nوالجواب ما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ﵀:\nوليس نهي المصلي عن رفع بصره في الصلاة ردًا على \" أهل الإثبات \" الذين يقولون: إنه على العرش كما يظنه بعض جهال الجهمية؛ فلو كان الأمر كذلك لكان النهي عن رفع البصر شاملًا لجميع أحوال العبد، وقد قال تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾، فليس العبد يُنهى عن رفع بصره مطلقًا، وإنما نهي في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع، كما قال تعالى: ﴿خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث﴾ وقال تعالى: ﴿وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾.\nوأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء وليس في السماء إله لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات.\nولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو لبيَّن لهم ذلك كما بيَّن لهم سائر الأحكام، فكيف وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول سلف الأمة حرف واحد يذكر فيه أنه ليس الله فوق العرش، أو أنه ليس فوق السماء أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايث له ولا\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٦)","vol":"2","page":677},{"text":"مباين له أو أنه لا يقصد العبد إذا دعاه العلو دون سائر الجهات؟! (^١)\n* بل قد جعل الإمام ابن القيم هذا الحديث حجة على علو الله تعالى، فقال: اشتد نهي النبي - ﷺ - للمصلي أن يزيغ بصره إلى السماء وتوعدهم على ذلك بخطف أبصارهم؛ إذ هذا من كمال الأدب مع من المصلي واقف بين يديه بل ينبغي له أن يقف ناكس الرأس مطرقًا إلى الأرض، ولولا أن عظمة رب العالمين - سبحانه - فوق سماواته على عرشه، لم يكن فرق بين النظر إلى فوق أو إلى أسفل. (^٢)\n* أضف إلى ذلك أن هذا الحديث الذى شغبوا به في هذه الشبهة من أحاديث الآحاد، فإما أن يكون صالحًا للدلالة في كل موطن، وهذا مما يخالف أصولهم، وإما أن يتركوا الاستدلال به مطلقًا، لا يستدلوا به إذا ما ظنوا أنه يوافق اعتقادهم، ويردوه إذا ظنوا خلاف ذلك. (^٣)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) وانظر مجموع الفتاوي (٦/ ٥٧٨)\n (^٢) روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص/١٨٨)\n (^٣) مقالات في تناقضات الأشعرية (ص/١١١)","vol":"2","page":678},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الحديث الثانى والعشرون: كشف الالتباس عن حديث أمرت أن أقاتل الناس</span>","vol":"2","page":679},{"text":"*نص الحديث:\nعن أَبَى هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ -ﷺ - وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ:\nيَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ.\nفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.\n*تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٦٩٢٤) بَابُ: قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الفَرَائِضِ، وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ. ومسلم (٢٠) بَابُ: الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. وهو حديث متواتر كما قال نص على ذلك السيوطي في \" الجامع الصغير \"، والكتانى، فقد ورد عن تسعة عشر نفسًا من الصحابة -رضى لله عنهم- بألفاظ متقاربة، بل قد رواه عن أبي هريرة -﵁ - وحده ثلاثون نفسًا. (^١)\n* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\n١) الفائدة الأولى:\nقول أَبَى هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ -ﷺ - وَاسْتُخْلِفَ\n_________\n(^١) وانظرالجامع الكبير (٢/ ٨٢) ونظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/٤٠) والتنوير شرح الجامع الصغير (٣/ ٢٤٤) والسلسلة الصحيحة (ح/٤٠٧)","vol":"2","page":681},{"text":"أَبُو بَكْرٍ، ...\nمن المسائل التى نشأ فيها الخلاف بين العلماء مسألة تنصيب أبى بكر الصديق - ﵁ - للخلافة، هل كانت بالتنصيص عليها من النبي ﷺ؟ أم كانت باختيار أهل الحل والعقد من صحابة النبي ﷺ؟\n١) القول الأول:\nأن خلافة أبي بكر﵁ - إنما ثبتت بالاستخلاف؛ وذلك لما ورد من الإشارات الدالة على ذلك، وممن قال بذلك: ابن حجر الهيتمي، والحسن البصري، وهو رواية عن أحمد، وهو قول الطبري، وابن حزم الظاهري، واستدلوا بما يلى:\n١) قَوْله تَعَالَى ﴿قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ (الفتح/١٦)\nوقد استدل ابن أبي حاتم وابن قتيبة وغيرهما بهذه الآية على حجية خلافة الصديق ﵁؛ لأنه هو الذي دعا إلى قتالهم، بل نص ابن سريج على أن خلافة الصديق ثابتة في القرآن بهذه الآية. (^١)\n٢) عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -﵁- قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ، فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِن جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تُرِيدُ المَوْتَ - قَالَ:\n «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي، فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ». (^٢)\n٣) وعن عائشة -﵂- أن النَّبِيّ - ﷺ - قال:\n\" لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ: أَنْ يَقُولَ\nالقَائِلُونَ - أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ - ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ \" (^٣)\nوقوله: \"أو يتمنى المتمنون\".\nيريد - والله أعلم - تتمنوا غير خلافة أبي بكر.\nوقوله: أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَأَعْهَدَ: العهد بالخلافة، وهو ظاهر السياق. (^٤)\n_________\n(^١) الصواعق المحرقة (ص/٥٠)\n (^٢) متفق عليه. وقد ترجم له البخاري، بَابُ الِاسْتِخْلَافِ.\n (^٣) أخرجه البخاري (٥٦٦٦) وقد رواه البخاري تحت باب الِاسْتِخْلَافِ.\n (^٤) وانظرفتح الباري (١٠/ ١٢٥) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٢/ ٦٠٨)","vol":"2","page":682},{"text":"٤) وعن عائشة -﵂- قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأُذِّنَ فَقَالَ ﷺ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» (^١)\nوفي حديث سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁:\nكَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِبِلَالٍ: \"يَا بِلَالُ إِذَا حَضَرَ الْعَصْرُ وَلَمْ آتِ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ\". (^٢)\nوهذا ما استنبطه الفاروق عمربن الخطاب -﵁- يوم السقيفة، كما روى عَبْدِ اللهِ بن عمر -﵁-، قَالَ:\nلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ - قَالَتِ الْأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَأَتَاهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ؟!! (^٣) فاستدل بالإمامة الصغري على أحقية الصدِّيقرضي الله عنه - بالإمامة الكبرى. قال الشافعى: وهذا وغيره صريح في إنابة النبي - ﷺ - أبا بكر في الصلاة وهي الإمامة الصغرى والإختيار لها اختيار للكبرى. (^٤)\n*وقد سئل أحمد عن حديث النبي ﷺ: \"مروا أبا بكرٍ فليصلِ بالناس\"، أليس هو خلاف قوله ﷺ \" يؤم القوم أقرؤهم \"؟\nفقال: \" إنما أراد الخلافة \". (^٥)\n٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ، غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» (^٦)\nأما سد الخَوْخ فالمراد بها طاقات كانت في المسجد يستقربون الدخول منها،\n_________\n(^١) متفق عليه. وقد بوَّب ابن حبان لهذا الحديث فقال: ذكر خبر فيه كالدليل على أن الخليفة بعد رسول الله - ﷺكان أبوبكر الصديق ﵁\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٢٨١٦) والنسائي (٧٨٤) قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين..\n (^٣) أخرجه أحمد (١٣٣) وحسنه الأرنؤوط.\n (^٤) مسند الشافعى (٣٣٩)\n (^٥) وانظر \" السنة \" للخلال (١/ ٧١) والإمامة العظمى (ص/١٢٩)\nوهذا الترجيح في الجمع بين الحديثين هو المقدَّم على قول من قال أن تقديم أبي بكر -﵁- إنما كان لكون الأقرأ؛ فإن هذا مخالف لصريح قوله ﷺ: \" أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.. \" وانظر الصواعق المحرقة (ص/٦١)\n (^٦) متفق عليه. (خوخة) هو موضع المرور، كالباب","vol":"2","page":683},{"text":"فأمر بسدها إلا خوخة أبي بكر ﵁، وفي ذلك أشارة إلى استخلاف أبي بكررضي الله عنه؛ لأنَّ الخليفة يحتاج إلى المسجد كثيرًا. (^١)\n٦) عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ- يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ\nأَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الخَطَّابِ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ» (^٢)\nقال العلماء - ومنهم زين الدين العراقي والقاضى عياض والنووى والخطابي-: هذا الحديث إشارة إلى نيابة أبي بكر -رض الله عنه - وخلافته بعده. وقوله ﷺ: (فأخذها أبو بكر) ولم يقل: فأعطيتها؛ فإن ذلك يدل على أن هذا يكون بعد موت النبي ﷺ، وأنه لا يأخذها عن وصية صريحة؛ إذ لو كان ذلك لكان يقول: فناولتها إياه أو أعطيتها إياه. (^٣)\n٢ - القول الثاني:\nأن تنصيب أبي بكر -﵁ - إنما عُقد باختيار أهل الحل والعقد له، وذلك في سقيفة بني ساعدة، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلماء، وهو قول المعتزلة، والخوارج وأدلتهم على ذلك:\n١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟\nقَالَ: «إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». (^٤)\nووجه الدلالة: نص عمر -﵁أن النبي - ﷺ - لم يستخلف أبا بكررضى الله عنه.\n_________\n(^١) الفتاوى الفقهية الكبرى (٣/ ١٦٠)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) وانظر طرح التثريب (٨/ ٧٧) وإكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٣٩٦) صحيح مسلم شرح النووي (٨/ ١٦٠)\n (^٤) متفق عليه.","vol":"2","page":684},{"text":"٢) قال ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ سَمِعْتُ عَائِشَةَرضي الله عنها- وَسُئِلَتْ:\n\" مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا مَنْ؟ بَعْدَ عُمَرَ، قَالَتْ:\nأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا. (^١)\nقال النووي:\nهذا فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن خلافة أبي بكر -﵁- ليست بنص من رسول الله - ﷺ - على خلافته صريحًا، بل أجمعت الصحابة - ﵃ - على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته، ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم. (^٢)\n* الترجيح:\nبعد استعراض المذهبين نستطيع أن نقرر ما يلي:\n١ - لم يأت نص صريح عن النبي -ﷺ- في التنصيص على خلافة الصديق ﵁، وهذا بالإجماع الذي نقله النووي، بل ورد النص فى ذلك عامًا، كما في قوله ﷺ: (الْأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ) (^٣)\nوهو قول جمهور الصحابة ﵃، والعلماء من بعدهم.\n٢ - الراجح - والله أعلم - أن أبا بكر - ﵁ - تولَّي الخلافة باختيار أهل الحل والعقد، ذلك الاختيار الذى قد قام بناءً على إشارات نبوية تزكِّى هذا الاختيار، تلك الإشارات التى تم ذكرها عند سرد أدلة القول الأول.\nوهى إشارات لها دلالات لا تغيب عن فهم أولى الألباب من صحابة النبي ﷺ.\n* ومما يؤيد ذلك:\nقول عمربن الخطاب -﵁- وهو يحكى ما وقع يوم السقيفة:\n\" فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ مما قال:\nوَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ \" (^٤)\nفإنه لو كان ثمة تنصيص سابق واستخلاف لأبي بكر - ﵁ - لما فعل ذلك.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على حديث «لقد هممتُ أن أرسلَ إلى أبي بكرٍ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٨٥)\n (^٢) وانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ١٦٢) والأجوبة المرضية (٣/ ٩٢٤)\n (^٣) أخرجه أحمد (١٩٨١٨)، انظر صَحِيح الْجَامِع (٢٧٨٨)\n (^٤) متفق عليه.","vol":"2","page":685},{"text":"وأَعهَدُ....»:\n\" فبيَّن ﷺ أنه يريد أن يكتب كتابا خوفًا، ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه، فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح الجلي، فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم أو لسوء القصد، وكلا الأمرين منتفٍ، فإن العلم بفضيلة أبي بكر جلي، وسوء القصد لا يقع من جمهورالأمة الذين هم أفضل القرون، فترك ذلك لعلمه بأن ظهورفضيلة أبي بكرالصديق واستحقاقه لهذا الأمر يغني عن العهد فلا يحتاج إليه \"\n* وقال ﵀:\nفخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسول الله -ﷺ- له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله، فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا. (^١)\n* عودٌ إلى حديث الباب:\n٢ - الفائدة الثانية:\nقد ورد في روايات الصحيحين من قوله ﷺ، قَالَ:\n\" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ... \" مقتصرًا على شهادة ألا إله إلا الله، حتى قال البغوي:\nالكافر إذا كان وثنيًا أو ثنويًا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال لا إله إلا الله حكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، وأما من كان مقرًا بالوحدانية منكرًا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله!! (^٢)\n* وجواب ذلك من وجوه:\n١ - أن الحديث في صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من كل منهما من رواية بن عمر بلفظ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فيكون الاقتصار فى بعض الرويات على نصف الشهادة لأمور:\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (١/ ٥٢٦) معني قوله (أبلغ من العهد): إذ لو أنه عهد، لكان هذا نوع إلزام، أما في اختيارهم له بالمشورة فهو اعتراف حتمي وإقرار منهم بفضله الظاهر.\n (^٢) قال ابن حجر معقبًا على كلام البغوى:\nومقتضى قوله \" يجبر \" أنه إذا لم يلتزم تجري عليه أحكام المرتد، وبه صرح القفال، وادَّعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار \" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، \"\nوهي غفلة عظيمة. فتح البارى (١٢/ ٣٩٢)","vol":"2","page":686},{"text":"أ) يكون اختصارًا من بعض الرواة.\nب) أن الاقتصار على شهادة \" ألا إله إلا الله \"على إرادة الشهادتين معًا لكونها صارت علمًا على ذلك ولتلازم الشهادتين شرعًا، فقد جُعِلتا خصلة واحدة، واقتصر في رواية على إحدى الشهادتين اكتفاء. (^١)\n٢ - أن المخاطب بشهادة «ألا إله إلاَّ الله» إنما هم أهل عبادة الأوثان، دون أهل الكتاب، لأن أهل الكتاب يقولون:\n... «لا إله إلاَّ الله» ويقرون بالتوحيد، ومع ذلك فلا يكتفى في عصمتهم بقول: «لا إله إلاَّ الله» إذ كانوا يقولونها حال كفرهم، حتى يضم إليها شهادة \" أن محمدًا رسول الله \"\nقال تعالى (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) (الفتح/١٣) *وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ:\n\"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ... ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ\". (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد -ﷺ - فهو كافر. (^٣)\nوقال القاضي عياض:\nاختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: \"لا إله إلا الله\" تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول: \"لا إله إلا الله\"؛ إذ كان يقولها في كفره. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر فتح الباري (١/ ١٣٣) ومرقاة المفاتيح (١/ ١٦٨).\n (^٢) أخرجه مسلم (١٥٣) بَابُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺإِلَى جَمِيعِ النَّاسِ.\n (^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٤)\n (^٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٨/ ٢٤٥)","vol":"2","page":687},{"text":"وقد نقل النووي الإجماع على ذلك فقال:\nاتفق أهل السنة من المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا، إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه. (^١)\n٣ - الفائدة الثالثة:\nقَولَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: \" وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ... \"\nوقد وقعت الشبهة لعمر ﵁، فراجع أبا بكر -﵁ - واحتج عليه بقول النبي ﷺ:\n\" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ \" وكان هذا من عمر - ﵁ - تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر - ﵁ - \" إن الزكاة حق المال \"، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلَّق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها.\nوكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة، وكذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من - عمر ﵁ - بالعموم، ومن أبي بكر - ﵁ - بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يُخص بالقياس. (^٢)\n* قد ورد في رواية لحديث الباب عن ابْنِ عُمَرَ وأبي هريرة وأنسرضي الله عنهم- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:\n «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ١٤٩)\n (^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٢٣٦)","vol":"2","page":688},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ....» (^١)\n* إشكال:\nاستبعد قوم صحة هذه الرواية بدعوى أنها لو كانت صحيحة لاحتج بها أبوبكررضي الله عنه- على عمررضي الله عنه- لمَّا استدل عمر بعموم قوله صلى الله عليه سلم: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... \"\n* والجواب:\nأن رواة هذه الزيادة قد ذكروها في مجلس آخر؛ فإن عمر - ﵁ - لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث؛ فإنه بهذه الزيادة حجة عليه ولو سمع أبو بكر - ﵁ - هذه الزيادة لاحتج بها، ولما احتج بالقياس والعموم.\nكما أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمررضي الله عنهما- أو غيره أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضرًا له فقد يحتمل أن لا يكون حضر المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد. (^٢)\nقال ابن حجر:\nوفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال كيف خفي ذا على فلان، والله الموفق. (^٣)\n*تنبيه:\nما روى من حديث أنس -﵁ - أن أبا بَكْرٍ﵁- قد استدل على عمر -﵁ - بقوله ﷺ:\n «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ...» (^٤)، فهذا مما لم يصح سنده، وإن كانت هذه الرواية صحيحة، لكنها ما وردت في مناظرة أبي بكر لعمر رض الله عنهما.\nفالمشهور أن أبابكررضي الله عنه- إنما استدل على عمر -﵁- بالقياس، وبعموم قوله ﷺ: \" إلا بحقها \".\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) انظر فتح الباري (١/ ١١٣) والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٢٤٠)\n (^٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١/ ١١٤)\n (^٤) أخرجه النسائي (٣٠٩٤) والحاكم (١٤٢٧) وقال النسائى: «عمران القطان، ليس بالقوي في الحديث، وهذا الحديث خطأ، والذي قبله الصواب، حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة»","vol":"2","page":689},{"text":"* وقد أورد ابن رجب هذا الإشكال ونبه إلى أن هناك خطأ في هذه الروايات، وقال:\n\"ولكن هذه الرواية أيضًا أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله أئمة الحفاظ، منهم علي بن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي، ولم يكن هذا الحديث عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ عند أبي بكر، وإنما قال أبو بكر: \" والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال \"،\nوهذا أخذه -والله أعلم- من قوله في الحديث: \" إلا بحقها \". (^١)\n* شبهة وجوابها:\nقد زعم زاعمون من الرافضة أن أبا بكر - ﵁ - فى قتاله لمانعى الزكاة قد سبى المسلمين، وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة!!!\nوالجواب:\nلا بد أن يُعلم أن الذين قاتلهم أبو بكر - ﵁ - كانوا صنفين:\n١) الصنف الأول:\nارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة - ﵁ - بقوله: \" وكفر من كفر من العرب \"، وسمَّاهم الصحابة -﵃- كفارًا، وهذه الفرقة طائفتان إحداهما:\nأ) أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدَّقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الأسود العنسي، وهؤلاء بأسرهم منكرون لنبوة النبي محمد ﷺ، فقاتلهم أبو بكر ﵁.\nب) الطائفة الأخرى:\nارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية.\nوهؤلاء هم الذين رأى أبو بكر -﵁ - سبي نساءهم وذراريهم، وكان ذلك اجتهادًا منه، وقد ساعده على ذلك أكثر الصحابة ﵃. فلما ولي عمر -﵁- بعده رأى أن يرد ذراريهم ونساءهم إلى عشائرهم، وفداهم وأطلق سبيلهم، وذلك أيضا بمحضر الصحابة -﵃- من غير نكير، ثم لم ينقض عصر الصحابة -﵃ - حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٣٣)","vol":"2","page":690},{"text":"٢) الصنف الثاني:\nهم الذين فرَّقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا وجوب أداء الزكاة إلى الإمام بعد وفاة النبي محمد ﷺ، وقد كانوا في ذلك متأولين أن قوله تعالى﴾ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) خطاب خاص للنبي - ﷺ - دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه؛ وذلك أنه ليس لاحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما للنبي ﷺ، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر ﵁.\nفأما هؤلاء فهم مقيمون على أصل الدين وهم أهل بغي، ولم يسمُّوا على الانفراد كفارًا، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين؛ وذلك أن الردة اسم لغوي وكل من انصرف عن أمر كان مقبلًا إليه فقد ارتد عنه. (^١)\nقال الخطابي:\nواتفقوا على أن أبا بكر -﵁- لم يسب ذراري مانعي الزكاة، إلا في شيء روي عن بعض الروافض ولا يعتد بخلافهم. وهم قوم لا خلاق لهم في الدين، وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف. (^٢)\n* وعليه يقال:\nأن حديث الباب يعد أحد أدلة العذر بالجهل؛ فقد ذكرنا قريبًا أنهم قد كانوا في ذلك متأولين أن قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ....) خطاب خاص للنبي - ﷺ - دون غيره.\nفلم يحكم الصحابة -﵃عليهم بالردة، ولا عاملوهم معاملة المرتدين لهذه الشبهة. (^٣)\n_________\n(^١) وانظرنيل الأوطار (٤/ ١١٩) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٠/ ٢١٨)\n (^٢) وانظر معالم السنن (٢/ ٦) وفتح المنعم شرح صحيح مسلم (١/ ٨٥)\n (^٣) هناك من يرى أن أبا بكر -﵁ - قاتل مانعي قتال ردة، ويفهم هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكنَّ جمهور الفقهاء على أن الطائفة الممتنعة تقاتل قتال ردة، وحديث أبي هريرة -﵁- في الصحيحين في مناقشة عمر لأبي بكر -﵃ - وجوابه يدل على أنهم ليسو مرتدين عندهما، إذ لو كانوا مرتدين عند عمر لما اعترض على أبي بكر في قتالهم، ولو كانوا مرتدين عند أبي بكر لما علل القتال بمنع الزكاة وترك التعليل بالردة.","vol":"2","page":691},{"text":"* فإن قيل:\nأرأيت إن أنكرت طائفة من أهل المسلمين في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا من أدائها إلى الإمام، هل يكون حكمهم حكم أهل البغي؟؟\n* فالجواب:\nلا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذا الزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وبين أولئك القوم: أنهم إنما عُذروا فيما كان منهم حتى صار قتال المسلمين إياهم لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعه التي كان يقع فيها تبديل الأحكام، ومنها وقوع الفترة بموت النبي ﷺ، وكان القوم جهالًا بأمور الدين، وكان عهدهم حديثًا بالإسلام فتداخلتهم الشبهة فعُذروا.\nفأما اليوم فقد شاع دين الإسلام واستفاض علم وجوب الزكاة حتى عرفه الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها،\nإلاّ أن يكون رجل حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده، فإذا أنكر شيئا منه\nجهلًا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في تبقية اسم الدين عليه. (^١)\n* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\n٤ - الفائدة الرابعة: أن الإيمان قول وعمل:\nففي حديث الباب الرد على المرجئة حيث زعموا أن الإيمان لا يحتاج إلى الأعمال، لذا فقد روى الإمام البخاري هذا الحديث في عدة أبواب منها باب الإيمان.\nفلو لم يكن العمل من الإيمان لما أجمع الصحابة -﵃- على قتال تاركي الصلاة، ومن بعدها على قتال مانعى الزكاة.\n* وكذلك فحديث الباب رد على دعوى الأشاعرة أن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يشترط قول اللسان إلا لإجراء الأحكام الدنيوية، من التوارث والتناكح والصلاة خلفه وعليه ودفنه في مقابر المسلمين. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر معالم السنن (١/ ٣٨٦)\n (^٢) ولكنَّ الأشاعرة فيما ذهبوا إليه فى مسألة الإيمان فهم غير ملزمين بالقول بإيمان أبى طالب مثلًا؛ لأنهم يقولون أن الذى يُطلب منه قول اللسان فيتركه إباءً فهو كافر. ولمزيد بيان يراجع لذلك رسالتنا \" الفرقان في بيان حقيقة الإيمان \"","vol":"2","page":692},{"text":"فقوله ﷺ:\n\" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ.. \" يبطل هذه الدعوى؛ فقد علَّق الرسول -ﷺ - عصمة الدم والمال على النطق بالشهادتين.\n* فالذى دل عليه الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة أن مسمَّى الإيمان إنما يطلق على ثلاث خصال مجتمعة، لا تجزئ واحدة منهم عن الآخرين، وهذه الأمور الثلاثة جامعة لدين الإسلام وهي:\n (اعتقاد القلب، إقرار اللسان، عمل الجوارح).\n* ولو أردنا أن نضرب مثلًا لتقريب الفهم في هذه المسألة نقول:\nأركان الإيمان كأركان الصلاة؛ فالصلاة:\n\" نية محلها القلب ونطق بتكبيرة الإحرام، وعمل بالجوارح حال الركوع والسجود \"، فمن نوى بقلبه دون أن ينطق بتكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته ولم تصح، ومن نوى بقلبه ونطق بتكبيرة الإحرام دون أن يركع أو يسجد لم تصح صلاته، وهكذا حال من صدَّق دون أن ينطق، وكذلك حال من صدَّق ونطق دون أن يعمل بجوارحه خيرًا قط، فتأمل.\n* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\n٥ - الفائدة الخامسة:\nفيه دلالة على ما اتفق عليه جماهير أهل العلم لو أن طائفة مسلمة ملتزمة بالشهادتين قد امتنعت عن التزام شريعة من شرائع الإسلام فإنها تقاتل على ذلك، وقد دل على ذلك أدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس:\nأ) أما الكتاب:\nقال تعالى ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]\nفقد أمر الله - تعالى - بقتلهم وحصرهم، والقعود لهم كل مرصد، إلى أن يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وإقامة شعائر الدين.\nب) وأما السنة:\nما قد ورد في حديث الباب في رواية ابْنِ عُمَرَ وأبي هريرة","vol":"2","page":693},{"text":"وأنس -﵃ - من قوله ﷺ:\n «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ......\nوورد في حديث جبريل - ﵇لما سأل النبي - ﷺ - عن الإسلام، قال ﷺ:\n «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا» (^١)\nفهذا تفسير رسول الله - ﷺ - للإسلام، فهو جملة من الشعائر التى ينبنى عليها الحكم للمرء بالإسلام.\nج) وأما الإجماع:\nفقد أجمع الصحابة - ﵃- على قتال مانعى الزكاة، فلم يختلف في ذلك منهم اثنان، إلاَّ ما كان من عمر -﵁- حتى رجع إلى الحق.\nد) وأما القياس:\nقول أَبى بَكْرٍ الصديق ﵁: \" وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ.. \"\nثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها ففي قوله هذا - ﵁- دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة ﵃، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، وكذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه.\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما سئل عن قتال التتار:\nكل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة - ﵃ - مانعي الزكاة، واتفق الصحابة - ﵃ - على القتال على حقوق الإسلام عملًا بالكتاب والسنة.\nوقال ﵀:\nفأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو غير ذلك من واجبات الدين ومحرماته فإنها تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها. وهذا ما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء. (^٢)\nقال ابن العربي:\nقد اتفقت الأمة على أن من يفعل المعصية يحارب، كما لو اتفق\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٠٢)","vol":"2","page":694},{"text":"أهل بلد على العمل بالربا، وعلى ترك الجمعة والجماعة. (^١)\n* وهنا أمور مهمة:\n١) في حديث الباب ردٌ لدعوى القبوريين أنهم يقولون \" لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأنهم أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة \" فيجب الكف عنهم!!\n* نقول:\nوهذا كلام بيِّن البطلان؛ فقوله ﷺ:\n\" فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ \"، فحق \"لا إله إلا الله\" يوجب على المسلم الإتيان بشروطها وتجنب نواقضها، فهؤلاء القبوريون وإن شهدوا الشهادتين وصلوا وزكوا، فما حققوا شروط \" لا إله إلا الله \"، ولا اجتنبوا نواقضها.\n* ثم يقال:\nليس ثمة فرق بين العكوف على صنم والعكوف على قبر، اختلفت الأسماء والدعوى واحدة (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: ٣)\nوكم يقع عند قبور الأولياء من صنوف الشرك الذى بُعث النبي -ﷺ- لمحوها والتحذير منها.\nلذا فإن احتجاج هؤلاء الأدعياء بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله، منقوض بالأحاديث التي تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا أن يتبين منه ما يناقض تلك الكلمة، كدعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأولياء، والنذر لهم، وغير ذلك فقد قال ﷺ (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله).\nفدل ذلك على أن صحة \" شهادة ألا إله إلا الله \" إنما تنبني على الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله تعالى، وأنه لا يكتفي بمجرد النطق بلا إله إلا الله.\n* كذلك فقوله ﷺ: \" وكفر بما يُعبد من دون الله.... \":\nتملي على المسلم البراءة من كل ملة تخالف ملة الإسلام، وعليه فمن سوَّغ للناس اتباع شريعة غير شريعة الإسلام، أو اتباع رسول غير النبي محمد - ﷺ - فهذا كافر، وإن كان ينطق الشهادتين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٢/ ٩٤) وانظرشرح الأربعين للنووي (ص/٤٠)","vol":"2","page":695},{"text":"جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد - ﷺ - فهو كافر. (^١)\nوأما من ادعى أن من قال: لا إله إلا الله، فإنه لا يجوز قتله وإن فعل أي ذنب، ولا قتال الطائفة الممتنعة إذا قالوا هذه الكلمة، فهذا قول مخالف للكتاب والسنة، والإجماع؛ ولو طرد هذا القائل أصله، لكان كافرا بلا شك. (^٢)\n* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\n٦ - الفائدة السادسة:\nقوله ﷺ: \" فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ \"\nفقوله: \" وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ \":\nفيه أن الأحكام الشرعية يتم إجراؤها على الظاهر، فمن قال وعمل فله ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وأما أمر السرائر فمرجعه إلى الله تعالى.\nقال أبوالعباس ابن تيمية معلقًا على حديث الباب:\nقبول الإسلام الظاهر يجري على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة: مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموروثة، ونحو ذلك، وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يُعلم ما في باطن الإنسان. (^٣)\nقال ابن رجب:\nوقوله ﷺ: «وحسابه على الله ﷿»:\nيعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة، فحسابه على الله ﷿، فإن كان صادقًا، أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا، فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار. (^٤)\n* وورد في حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵁- قَالَ:\nبَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَرِيَّة، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٤)\n (^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٢/ ١٢١)\n (^٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٠٤)\n (^٤) وانظر جامع العلوم والحكم (ص/٢٣٦) وشرح السنة (١/ ٧٠).","vol":"2","page":696},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!\nفَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ. (^١)\nقال النووي معقبًا على حديث أُسَامَةَ ﵁:\nفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول \" أن الأحكام فيها بالظاهر، والله يتولى السرائر \"، وقوله ﷺ: \" أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! \" المعنى:\nأنك إنما كُلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه. (^٢)\nفلا يقال بتكفير مسلم بزعم سوء نيته وخبث طويته، بل يقبل منه ما ادَّعى، ونولِّه ما تولى، والله يتولى حسابه في الآخرة.\n* وتأملوا في الفرق بين إنكارالنبي - ﷺ - على أسامة -﵁- فيما فعل، وإقراره ﷺ لعمر بن الخطاب - ﵁ - لما قال عن حاطب:\n\" دعني أضرب عنق هذا المنافق \" (^٣).\nفتبين بذلك أن من نطق الشهادتين فهو على إسلامه عملًا بظواهر الأحوال، ما لم يُظهر خلاف ذلك، فإن قالها ثم أظهر ما يناقضها بقول أو فعل لم تنفعه، كما في حديث حاطب ﵁، وإنما جاء الاستثناء في شأن حاطب - ﵁ - لأمرين:\n١) أنه ما فعل ذلك نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا، بل كان متأولًا صادق النية؛ ولذلك فقد عفا الله -تعالى- عنه.\n٢) كونه بدريًا.\n* وعن ابْنُ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- أن رَسُول اللهِ -ﷺقال: \" مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ \". (^٤)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ١٠٤)\n (^٣) أخرجه البخاري (٣٠٠٧) بَابُ الجَاسُوسِ، ومسلم (٢٤٩٤) باب من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة.\n (^٤) أخرجه البخاري (٣٠١٧) وأحمد (١٨٧١)","vol":"2","page":697},{"text":"قال ابن حجر:\nوقوله \" من بدل \": هو عام تخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر، فإنه تجري عليه أحكام الظاهر، ... وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفلم يكن ﷺ يصلِّي على المنافقين ولا يستغفر لهم، ولكن دماءهمْ وأموالهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار، وكان حكمه ﷺ في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم، لا يستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم، وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه. (^٢)\n* إشكال في الختام:\nقالوا:\nحديث الباب يفيد ظاهره قتال الناس لإكراههم على الدخول في دين الإسلام، وهذا مخالف في الحقيقة لقوله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة/٢٥٦)، وقوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس/٩٩)!!\n* والجواب أن يقال:\n١) أما دعواهم أن ظاهر الحديث يفيد إكراه الناس على دخول الدين، فهذا نظر قاصر لأدلة الشرع، فلا ينبغي لمتسرع في قلبه زيغ ضال وداء عضال أن يصدر الأحكام دون تثبت.\nففي حديث الباب إجمال قد وضحته الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة، قال تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة/٢٩)\nوفي حديث بُرَيْدَةَ الأسلمى - ﵁- قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ\n_________\n(^١) فتح الباري (١٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n (^٢) الإيمان (ص/٦٩)","vol":"2","page":698},{"text":"قَالَ:\n.... وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ. (^١)\n* فيتضح من ذلك أن المشرك لا يُكره على الدخول في دين الإسلام، فعزة هذا الدين تأبى ذلك، وأن قتال المشركين المذكور في حديث الباب ليس رأس الأمر، وإنما هى دعوتهم إلى الإسلام بلا إكراه، فإن أبوا فُرضت عليهم الجزية، فإن أبوا كان الخيار الثالث وهو الأمر بقتالهم، وليس قتلهم، وفارق بين القتال الذى يراد من وراءه الإذعان، والقتل الذى يراد من وراءه الإبادة. (^٢)\n* ولذلك فلما ضرب علماء الأصول أمثلة لتخصيص السنة بالكتاب، قالوا:\nعموم قوله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) خُص بقوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩]. * وأما ما ادَّعاه الانهزاميون - الذين جعلوا الدين وكأنه سوأة يوارونها عن أعين الناظرين - أن القتال المذكور في حديث الباب إنما كان خاصًا بمشركي العرب الذين اضطهدوا النبيﷺ - وأصحابه -﵃- وحاربوا الدعوة فى مهدها الأول، فلا شك في بطلان هذا الإدعاء.\nفقد قال تعالى (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله) [البقرة/ ١٩٣]\nقال القرطبي:\nقوله تعالى: \" وقاتلوهم\" أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم:\n\" فإن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٠٣٠) ومسلم (١٧٣١)\n (^٢) ومن العلماء من جمع بين حديث الباب وأية الجزية: بأخذ الجزية من أهل الكتاب خاصة للأية، ووضع السيف فيمن ليس مستمسكًا بكتاب ولا شبهة كتاب؛ لظاهر الآية الواردة في القتل ولحديث الباب. وانظرالإبهاج في شرح المنهاج (١/ ٢٩٧)، والراجح ما ذكرناه أعلاه.","vol":"2","page":699},{"text":"قاتلوكم\"، والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق، لا بشرط أن يبدأ الكفار.\nدليل ذلك قوله تعالى: \" ويكون الدين لله\". (^١)\nفتبين أن العلة من تشريع القتال إنما هو نشر الدين، قال تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)\n [التوبة: ٣٣]\n* ثم يقال:\nقد أبطلتم بزعمكم المفترى ضربًا من ضروب الجهاد الذى ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، وهو جهاد الطلب، والذى ترتبت عليه الفتوحات الإسلامية، وهوالذي يهدف إلى حماية حرية نشر الدعوة وإزالة العوائق أمامها، دون إكراه لأحد، كما يهدف إلى الدفاع عن المستضعفين والمضطهدين بالأرض الذين يحال بينهم وبين دين الحق، وذلك وفق ضوابط وشروط حددها الفقهاء تحقيقًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة.\nقال تعالى (مَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) (النساء/٧٥).\n* فلو كان الأمر كما زعمتم من حصر القتال على مشركى العرب من قريش لما منَّ الله -تعالى- علينا وعليكم بنعمة دين الإسلام، وإلا لظللتم على ملة الكفر والفسوق والعصيان.\nووالله الذى لا إله إلا هو إن أعظم الناس بلاءً وأشدهم خسارة بضعف شوكة المسلمين في هذا الزمان لهم الكافرون، وياليت القوم يعلمون.\nتم بحمد الله تعالى.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٥٣)","vol":"2","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الحديث الثالث والعشرون: فتح البصير في بيان ما توسل به الضرير</span>","vol":"2","page":701},{"text":"*نص الحديث:\nعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ -﵁- أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: \"إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ\".\nقَالَ: لَا بَلْ ادْعُ اللَّهَ لِي. \" فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي، وَتُشَفِّعُنِي فِيهِ، وَتُشَفِّعُهُ فِيَّ \" فَفَعَلَ الرَّجُلُ، فَبَرَأَ.\n* تخريج الحديث:\nأخرجه أحمد (١٧٢٤١) والترمذى (٣٥٧٨) والحاكم (١١٨٠) وابن خزيمه (١٢١٩)، واللفظ لأحمد.\nقال الترمذى: هذا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وقال الطبراني بعد ذكر طرقه في \" المعجم الصغير \":\n\" والحديث صحيح \"، ونقله عنه المنذري في \" الترغيب \" (٣/ ٦٧).\nوقد صححه أيضًا البيهقي وأبو عبد الله المقدسي، وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في \" مجموع الفتاوى \" (١/ ٢٦٥ وما بعدها) محتجًا به على مشروعية التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته.\nوقال البيهقي: \"ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شبعة\".. قال شعيب الأرنؤوط: \" إسناده صحيح، رجاله ثقات \".\nوصححه","vol":"2","page":703},{"text":"الألبانى في صحيح الجامع (١٢٧٩)، وفي صحيح الترمذي برقم (٢٨٣٢). (^١)\n*أولًا: المعنى العام لحديث الباب:\nيروي الصاحب الجليل عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ -﵁- أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، .....\nفأراد هذا الرجل الضرير من النبي - ﷺ - أن يدعو له الله -تعالى- أن يرد إليه بصره.\nفقالَ ﷺ: \"إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ\".\nوالمعنى: أن النبي - ﷺ - قد خيَّره بين أمرين، أحدهما فاضل، والآخر مفضول:\n* فأما المفضول:\nفأن يدعو له النبي - ﷺبرد بصره، فيتعجل رفع البلاء في الحياة الدنيا.\n* وأما الفاضل:\nفهو الصبر على هذا البلاء، الذى هو فقد البصر، فلاشك في فضيلة الصبر على هذا البلاء، كما وردت النصوص الدالة على ذلك، ففي حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ:\n\" إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ \" يُرِيدُ: عَيْنَيْهِ. (^٢) وفي روايه أَبِي أُمَامَةَ - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:\n\" يَقُولُ الله: يا ابن آدم! أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْكَ.\n_________\n(^١) والحديث تُكُلِّم فيه لأجل قول الترمذي: \" لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر، وليس الخطمي \"، وهو خطأ ففي نسخة أحمد شاكر إثبات الترمذي أنه الخطمي، وكذلك في تحفة الأشراف \"ح/ ٩٧٦٠\"، وهذا يوافق قول جمهور العلماء أنه الخطمي. وممن قال بذلك النسائي في عمل اليوم والليلة \"ح/٩٥٩\"، والإمام أحمد الذى نسبه في إحدى روايات الحديث بأنه الخطمي، ونسبه في أخرى فقال: المدني، كما في المسند (٤/ ١٣٨)\nوكذلك فقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا جعفر هو الخطمي، لا الرازي، وتبعه على ذلك المحققون من العلماء \" (مجموع الفتاوى ١/ ٢٦٦)\nوقال الشيخ الألباني: والصواب أنه الخطمي، وهكذا نسبه أحمد في رواية له (٤/ ١٣٨) وسمَّاه في أخرى (أبو جعفر المدني) وكذلك سمَّاه الحاكم، والخطمي هذا لا الرازي هو المدني. وقد ورد هكذا في (المعجم الصغير) للطبراني وفي طبعة بولاق من سنن الترمذي أيضا، ويؤكد ذلك بشكل قاطع أن الخطمي هذا\nهو الذي يروي عن عمارة بن غُزَيَّة، ويروي عنه شعبة، كما في إسناده عند أحمد والترمذى، وهو صدوق. وعلى هذا فالإسناد جيد لا شبهة فيه \".\nانظر مجموع الفتاوى (١/ ٢٦٦) والتعليق على المعجم الكبير (٩/ ١٧) والتوسل وأحكامه (ص/ ٨٢)\n (^٢) أخرجه البخاري (٥٦٥٣) وأحمد (١٢٥٩٥)","vol":"2","page":704},{"text":"فَصَبَرْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ، لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ\". (^١)\n* نعود فنقول:\nأن الرجل لما خيَّره الرسول - ﷺ - بين الصبر على هذا البلاء لتكون له البشارة بالجنة، أو تعجيل إجابة الدعاء له برد بصره، فقد اختار الأمر الثاني، وهو أن يدعو له النبي - ﷺ - برد البصر؛ لذا أمره ﷺ يتوضأ، وأن يصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء:\n\" اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضي، وتشفعني فيه، وتشفعه فيَّ \".\nوهذا في حقيقته توسل من هذا الرجل إلى الله -تعالى- بدعاء الرسول ﷺ وهذا يجرنا إلى الفائدة الثانية.\n*أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب: الفائدة الأولى: أقسام التوسل:\nينقسم التوسل إلى أقسام ثلاثة:﴾ مشروع، محذور، مختلف فيه ﴿أولًا: التوسل المشروع وأقسامه:\nلا شك أن الشرع قد رغَّب في اتخاذ السبل التى تقرب العبد من ربه، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة/٣٥)، وقال عزوجل مبيِّنًا حال عباده الصادقين (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) (الإسراء/٥٧)، وقد أبانت أدلة الشرع أنواع التوسل المشروع، وهى كما يلى:\nالأول: التوسل بأسماء الله -تعالى- وصفاته وأفعاله:\nومن أدلة هذا القسم من القرآن:\nما حكاه الله-تعالى- عن سليمان ﵇ في قوله (ربِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل/١٩)\nفقد توسل -﵇- في دعائه بصفة من صفات الله تعالى، وهي صفة الرحمة.\n_________\n(^١) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٣٥) وانظر صحيح الأدب المفرد (ح/٤١٥)","vol":"2","page":705},{"text":"*ومن أدلة السنة:\nوعن مِحْجَنَ بْنِ الْأَدْرَعِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ، إِذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ \". (^١)\n* وعن أنس - ﵁- أَنّ النبي - ﷺ - سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو:\n\" اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! \". فَقَالَ - ﷺ -: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ». (^٢) * وعَنْ جَابِرٍ - ﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ: \" إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، ... (^٣)\nفهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. (^٤)\n* قال عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵄:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو فيقول: \" اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي. (^٥)\n* قال أبو الأحوص: سمعت عبد الله بن مسعود -﵁يدعو بهذا الدعاء:\nاللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِنِعْمَتِكَ السَّابِغَةِ الَّتِي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ، وَبَلائِكَ الَّذِي أَبْتلَيْتَنِي، وَبفَضْلِكَ الَّذِي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٩٩٥) والنسائي (١٣٠١) وأبوداود (٩٨٥)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.\n (^٢) أخرجه أبوداود (١٤٩٥) والترمذي (٣٥٤٢) والحاكم (١/ ٥٠٤) وحسنه الترمذى، وقال الحاكم: \" صحيح على شرط مسلم \"، ووافقه الذهبي. وانظر السلسلة الصحيحة (٣٤١١)\n (^٣) أخرجه البخاري (٦٣٨٢)\n (^٤) مدارج السالكين (٢/ ١٢٢)\n (^٥) أخرجه أحمد (١٨٣٢٥) والحاكم (١/ ٥٢٤) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وانظرصحيح الجامع الصغير وزياداته (١٣٠١)","vol":"2","page":706},{"text":"أَفْضَلْتَ عَلَيَّ أَنْ تُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. اللهُمَّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ بفَضْلِكَ وبِمَنِّكَ وَرَحْمَتِكَ. (^١)\nقال ابن القيم:\nفتح الله -تعالى- باب الدعاء رغبًا ورهبًا ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها، ولهذا كان أفضل الدعاء وأجوبه ما توسل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]. (^٢)\n* وورد في حديث فضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ -﵁- أن النبي -ﷺ - لما سَمِعَ رجُلًا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ ﷿، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَال ﷺ: \" عَجِلَ هَذَا \"، ثُمَّ دَعَاهُ -ﷺ - فقَالَ لَهُ:\n\" إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ. (^٣)\nقال الصنعانى: قوله ﷺ: \" عجل هذا\":\nأي بدعائه قبل تقديم الأمرين، فلم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ، وفيه دليل على تقديم الوسائل بين يدي المسائل وهي نظير ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، حيث قدَّم الوسيلة وهي العبادة، على طلب الاستعانة. (^٤)\nالثانى: التوسل بالعمل الصالح:\nوذلك أن يدعو المسلم ربه -تعالى- متوسلًا بعمل صالح بين يدى دعائه، ومن أدلة هذا القسم من القرآن:\nقال تعالى (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران/١٦)\nوقال تعالى\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير [٨٩١٧]، وذكره صاحب \" الصحيح المسند من آثار الصحابة في الزهد والرقائق والأخلاق والأدب \" (٢/ ١٥)، ثم قال: هذا توسل بأفعال الله ﷿ فلا إشكال فيه فقوله بـ [نعمتك] يعني [إنعامك] كقوله تعالى: ﴿أن أشكر نعمتك التي أنعمت﴾، وبمثل هذا وجَّه شيخ الإسلام حديث:\n\" اللهم إني أسألك بحق السائلين \"، على فرض صحته، أن حق السائلين إجابة الله لهم، فعاد إلى كونه توسلًا بصفات الله ﷿. انظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/١٠٣)\n (^٢) الصواعق المرسلة (٣/ ٩١١)\n (^٣) أخرجه أحمد (٢٣٩٣٧) وأبوداود (١٤٨١) والترمذي (٣٤٧٧) وقال الترمذى: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي..\n (^٤) سبل السلام (١/ ٢٨٦)","vol":"2","page":707},{"text":"حاكيًا عن حال المؤمنين (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٥٣)\n* ومن أدلة السنة:\nوفي الصحيحين من حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، ......)\nفقاموا يتوسلون إلى الله -تعالى- بأصدق أعمالهم الصالحة، فتوسل الأول ببره بوالديه، وتوسل الثانى بما ذكره من القيام عن المرأة خوفًا من الله تعالى، وتوسل الثالث بأمانته مع أجير كان يعمل عنده، وقال كل واحد منهم:\n\"اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ \"، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ \". (^١)\n* وعن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ:\n\"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ\"، قَالَ: فَقَالَ:\n\" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى\" (^٢)\n_________\n(^١) متفق عليه.\nوقد استدل الإمام الشوكانى بحديث أصحاب الغار على مشروعية التوسل بأهل الفضل والعلم في حياتهم وبعد مماتهم، بأن يقول القائل: \" اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني \"، باعتبار ما قام به من العلم.\n*والجواب من وجوه:\n١ - أن الحديث بأدنى نظر فيه يُقطع بأنه أجنبي عن المسألة؛ فالثلاثة قد توسلوا إلى الله -تعالى-بأعمالهم الصالحة التي قاموا بها بأنفسهم، ولم يتوسلوا بالصالحين ولا بأعمالهم. فأين وجه الدلالة من الدليل على المراد من التقرير؟!! وإذا فسد الاستدلال بطل المستدل عليه.\n٢ - أنا لا نسلم أن الفاضل إذا كان فضله بالأعمال كان التوسل به توسلًا بالأعمال الصالحة، لم لا يجوز أن يكون التوسل به توسلًا بذاته؟ بل هو الظاهر؛ فإن حقيقة التوسل بالشيء التوسل بذاته، والتوسل بالأعمال أمر خارج زائد على الحقيقة، ولا يصرف عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمانع.\nوانظر صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص/٢٠٢) و\"الدر النضيد شرح وتعليق مدحت آل فراج\" (ص/١٠٠)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٥٢) وأبو داود (١٤٩٤) والترمذي (٣٤٧٥) وصححه الألبانى في\"صحيح أبي داود\" (١٣٤١)","vol":"2","page":708},{"text":"*وكان ابن مسعود -﵁- يقول في السحر: \"اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي\" (^١)\n* ومن ذلك أن تتوسل إلى الله -تعالى- بالإيمان به -تعالى - ومحبته وطاعته، ونتوسل كذلك بالإيمان برسوله -ﷺ - به، وموالاته واتباع سنته، فهذا أعظم القرب والوسائل إلى الله تعالى، بل ما تقرب أحد إلى الله - ﷿ - بأعظم من طاعته وطاعة رسوله - ﷺ.\n٣ - الثالث: التوسل بدعاء الصالحين:\nوذلك أن تسأل شخصًا أن يدعو لك بأمر ما، ثم تدعو الله -تعالى - متوسلًا إليه بدعاء هذا الشخص، ومن أدلة هذا النوع:\nأ) ما ورد في حديث الباب، حيث دعا الرجل الضرير ربه -تعالى- متوسلًا إليه بدعاء النبي ﷺ.\nب) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ -﵁ - كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ:\n «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. (^٢)\nج) قال سليم ابن عامر الخبَائري:\nقحطت السماء، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فقال معاوية ﵁: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم. (^٣)\n*ثانيًا: التوسل المحذور:\nوهو التوسل الشركى التى ورد في الأدلة الشرعية التحذير منه، والذى كان\nنهجًا عند المشركين، الذين ضل سعيهم في باب التوسل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.\n_________\n(^١) وانظر تفسير ابن جرير (١٢/ ٦٤) وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٢٣٥)\n (^٢) أخرجه البخاري (١٠١٠) باب: سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا.\n (^٣) أورده الذهبي في تاريخ الإسلام (٢/ ١٧٨)، قال الألباني في \" التوسل\" (ص/٤١): إسناده صحيح.","vol":"2","page":709},{"text":"* فمن أمثلة ذلك:\nما ورد في قوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر/٣)\nفهؤلاء قد تقرَّبوا بصنوف العبادات لأصنامهم زعمًا منهم أن ذلك ممّا يتوسل به إلى الله تعالى.\nولكنَّ الله -تعالى- قد أبطل هذا الزعم، بل وحكم على مدعيه بالكذب والكفر، فقال تعالى في ختام الأية (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر/٣)\nوقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]\nفدل ذلك على أن التوسُّل والتقرُّب باتِّخاذ شفعاء ووسائط من دون الله -تعالى- يتزلفون إليها بصنوف العبادات هو عَيْن الشرك الذى بُعث النبي - ﷺ - لمحوه.\nولا يؤثر فى الحكم الشرعى هنا الدعوى بأن هذه وسيلة لإجابة الدعوات، أو أن هذه قربة إلى الله تعالى، فإنَّ العبرة في الأحكام بالمقاصد والمعاني، وليست بالألفاظ والمباني، ودليل هذه القاعدة هو قوله تعالى:\n... (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (يونس/ ١٨)\nفقد سمَّوا ما يفعلونه من القربات لغير الله -تعالى- شفاعة، والله -تعالى - قد سمَّاها عبادة لما عكفوا عليه من الأصنام.\nثم قال تعالى آخر الأية (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) فهو تنزيه لله - تعالى -وعلوُّ عمَّا يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وافترائهم عليه الكذب.\n*ثم نقول:\nوما فعله المشركون مع أصنامهم عبر القرون الماضية بدعوى اتخاذ الوسائط والشفعاء لم ينته بعد، فقد تولى الراية من بعدهم المتصوفة القبورية، فقالوا ما قاله الأولون، مع اختلاف يسير في بعض الهيئات الظاهرة، فصار الصنم قبرًا يُطاف حوله ويُنذر ويُذبح له، فإذا سألتم قالوا: \" هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ \"، وقالوا:","vol":"2","page":710},{"text":"\" هؤلاء يقَرِّبونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى \".\n* فإذا ما أُنكر عليهم عارضوك بالحجج والبراهين، فقالوا: ألم يقل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ... ﴿؟؟\n* فالجواب:\nبلى، ولكنَّ أمر الله -تعالى- باتخاذ الوسيلة إليه فى هذه الأية محمول على المعنى العام؛ فالمراد بالوسيلة في الأية:\nهو التقرب إلى الله بالطاعة والعمل بما يرضيه، وهذا لا خلاف فيه بين المفسرين، كما حكاه ابن كثير.\nقال الطبري:\nقوله تعالى \" وابتغوا إليه الوسيلة \": واطلبوا القربة إليه، بالعمل بما يرضيه، وقد حكاه الطبري عن أبى وائل وقتادة والحسن وعطاء ومجاهد وابن زيد، وغيرهم. (^١)\n* ثم يقال:\nولو حُمل أمر الله -تعالى- باتخاذ الوسيلة إليه فى هذه الأية على المعنى الخاص، الذى هو التوسل، فهو أمر مجمل قد وضحته أدلة الشرع في الكتاب والسنة، كما تم بيانه في أقسام التوسل المشروع.\nفالفرق واسع والبون شاسع بين من يرجو الله -تعالى- فى قضاء حاجة ما متوسلًا في ذلك باسم أو صفة لله تعالى، أو بقربة من قرب العبادات، أو بدعاء أحد الصالحين، وبين من يصرف العبادات لغير الله -تعالى- بدعوى أنها وسيلة تزلف إلى الله ﷿.\nفحال هؤلاء المدَّعين لا يختلف كثيرًا عمَّن قال الله - تعالى - فيهم﴾ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ..﴾ (الأعراف: ٢٨)\nفهم بزعمهم الباطل قد وقعوا في شركيات اتّخاذ الوسائط من الأولياء، وقالوا:\n\" الله أمرنا بها.... \"، متأولون في ذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْشرك، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالتوحيد، قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ\n_________\n(^١) انظر تفسير القرآن العظيم (٣/ ٩٦) وجامع البيان في تأويل القرآن (١٠/ ٢٩٠)","vol":"2","page":711},{"text":"الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾\n (الأنعام/١٦٣)، وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف/١٩٤).\nوقال تعالى (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (١٤» (فاطر/١٣ - ١٤)\nولكنكم لا تفقهون، وبالأهواء تسيرون.\n* وكذلك قالوا:\nحديث عثمان بن حُنيف -﵁- قد دل على مشروعية الاستشفاع بالموتى لقضاء الحاجات وتفريج الكروبات!!\nوكانوا قد ركنوا في ذلك إلى ما ورد في حديث الباب من قول الرجل الضرير في دعاءه:\n\" يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي \"!!\n* وهنا نقول:\nانظر كيف يتبجح روَّاد الأضرحة والمقامات، فتراهم يستدلون بحديث الباب على زعمهم وأهواءهم، فانظر كيف تصف ألسنتهم الكذب \" أنَّ لهم الحجة \"، لا جرم أنهم خاطئون، وأنهم مفرطون.\nفحديث عثمان بن حُنيف - ﵁ - الذى ورد في حديث الباب قد ورد فيه توسل الرجل إلى الله -تعالى - بدعاء النبيﷺ- له، وهذا يتضح من سياق قوله:\n\" ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي \"، وقوله: \" اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ... \"، وعليه فقول الرجل في دعاءه: \" يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي\": أى أتوجه بدعائك إلى ربي، فهو توسل بدعاء النبيﷺ- حال حياته.\n* ففارق بين التوسل إلى الله -تعالى - بدعاء الحى، كما هو في حديث الباب، فهذه قربة إلى الله تعالى؛ فإنه يسأل الله تعالى، لكن يجعل ذلك بوسيلة أحد، وبين الاستشفاع إلى الله -تعالى - بالموتى عند القبور والمقامات، بدعوى (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ....)!!\n*فمن سوَّى بين الأمرين فحاله كحال من قال (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)\n*وأما ما ورد من زيادة للحديث جاء فيها: \" فإن كان لك حاجة فافعل مثل","vol":"2","page":712},{"text":"ذلك\"، فهذه كذلك مما قد استدل بها من يرى مشروعية التوسل بالذات.\nولكنها زيادة ضعيفة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.\nقال الألبانى:\nوقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في \"القاعدة الجليلة\" (ص/١٠٢) بتفرَّد حمَّاد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجلّ من روى هذا الحديث، وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، فمخالفة حمَّاد لشعبة في هذا الحديث وزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه فهي زيادة شاذة، ولعل حمادًا روى هذا الحديث حين تغير حفظه، فوقع في الخطأ. (^١)\n* فرع:\nوأما عن حكم مسألة طلب شفاعته ﷺ بعد موته، وطلب الشفاعة بشكل عام من الموتى، فقد فصَّل فيها العلماء بين حالين:\nأ) سؤال الميت الشفاعة بغير حضرة قبره من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وعلة ذلك بأن فيه ادعاء علم الغيب للميت، وأن سمعه وسع الخلائق، وهذا كفر بالإجماع، والقاعدة هنا:\n\" وكل من اعتقد في غير الله ما لا يُعتقد إلا فى الله فقد وقع في الشرك الأكبر \"\nب) سؤال الميت الشفاعة في حضرة قبره فهذه مسألة تدور أقوال العلماء فيها بين الحكم على فاعلها بالشرك الأصغر، والحكم على ذلك بالبدعة المفضية إلى الوقوع في الشرك.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبيﷺ - لم يشرع هذا لأمته، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل\n_________\n(^١) التوسل أنواعه وأحكامه (ص/٨٢)","vol":"2","page":713},{"text":"هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nومن يقول للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا، كما تقول النصارى لمريم وغيرها. فهذا أيضًا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة. (^٢)\nقال ابن عبد الهادي المقدسي:\n\"أما دعاؤه هو ﷺ، وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته، فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين - لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم ـ\". (^٣)\nقال الشيخ ابن عثيمين في تعليق له على كتاب اقتضاء الصراط المستقيم:\nسؤال الميت أن يسأل الله أو سؤال قضاء الحاجة بينهما فرق:\nإذا سأل قضاء الحاجة فهذا شرك أكبر.\nوإذا سأل أن يسأل الله فهذا بدعة وضلالة، لأن الميت إذا مات انقطع عمله، والدعاء من عمله، فكيف تسأله ما لا يمكن فإذا جئت إلى ميت وقلت: ادع الله لي، فإنه لن يدعو الله لك، ومن ذلك تقول عند قبر النبي ﷺ:\nاشفع لي، فإن هذا عمل محرم، وبدعة منكرة.\n\n*ثالثًا:<span data-type=\"title\" id=toc-166> التوسل المختلف فيه:</span>\nالتوسل بالأنبياء والصالحين، بذواتهم أو جاههم ونحو ذلك.\nوهذا منقول عن أحمد وابن الصلاح والشوكانى، ومنصوص عليه فى كثير من كتب المذاهب الفقهية؛ وذلك استدلالًا بأدلة كثيرة، ومنها حديث الباب. (^٤)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ١٦١)\n (^٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٣١٧)\n (^٣) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص/١٣٦)\n (^٤) انظر مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح (ص/٢٠٧) والمدخل لابن الحاج (١/ ٢٥٤) وشرح مشكل الوسيط (١/ ٩٩) والأذكار للنووي (ص/١٧٨) والفروع لابن مفلح (٢/ ١٥٩) والدر النضيد (ص/١١٢)","vol":"2","page":714},{"text":"*وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام العز بن عبد السلام قوله:\n\" لا يجوز أن يتوسل إلى الله بأحد من خلقه إلا برسول الله ﷺ، إن صح حديث الأعمى \"، فعلَّق القول بهذا على صحة حديث الباب. (^١)\n*ويمكننا القول بأن الأدلة الواردة في مشروعية التوسل بذات النبي - ﷺ - على وجه الخصوص، أو ذوات الصالحين على وجه العموم تنقسم إلى قسمين:\nأدلة صحيحة ولكنها غير صريحة في الدلالة على المشروعية، وأدلة صريحة في المشروعية لكنها لا تصح من حيث إسنادها.\nوالراجح -والله اعلم- هو عدم مشروعية هذا القسم من أقسام التوسل، وهذا الذى عليه جماهير أهل العلم، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وصنَّف في ذلك رسالته \" قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة \" فأفاد فيها وأجاد، وأمتع فيها وأقنع.\n* وإليكم أدلة المجوزين والرد عليها:\nقالوا: حديث الباب:\nقد قال الرجل فى دعائه: \"اللَّهُمَّ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ \"، فهذا يدل على أنه توسل إلى الله - تعالى- بذات النبي ﷺ \"!! (^٢)\n* وجواب ذلك:\nأن قول الرجل فى دعائه: \" اللَّهُمَّ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ.... \" يحتمل أمرين:\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٣١٠)\nقال الشيخ ربيع المدخلى: راجعت فتاوي العز بن عبد السلام فلم أجد فيه ماذكره شيخ الإسلام، ووجدت في (ص/١٢٦) منه إجابة على سؤال عن الإقسام على الله بمعظم من خلقه في دعائه، كالنبي ﷺ، والولي، والملك، هل يكره ذلك أو لا؟\nفأجاب بقوله:\n\"أما مسألة الدعاء، فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله - ﷺ - علَّم بعض الناس الدعاء، فقال: في أقواله: \" قل اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة\"، وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورًا على رسول الله ﷺ؛ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء، والملائكة؛ لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به تنبيهًا على علو درجته ومرتبته\". فلتراجع المسألة التي أشار إليها شيخ الإسلام. ا. هـ\n (^٢) تحفة الأحوذي (١٠/ ٢٥)","vol":"2","page":715},{"text":"الأول: أتوجه إليك بجاه وذات نبيك، على زعم من يستدل بالحديث على مشروعية التوسل بجاه النبي ﷺ.\nالثانى: \" أتوجه إليك بدعاء نبيك \"، وهو القول الراجح، والذى جعله راجحًا على الوجه الأول ما يلى:\n١) لو كان توسل الرجل الضرير إلى الله - تعالى- بذات النبي -ﷺ- لما تكلَّف المشقة بالإتيان إلى النبي ﷺ، بل كان يفعل ذلك في بيته.\n٢) قد ورد في ألفاظ الحديث ما يبطل الدعوى أن توسل الرجل كان بجاه النبي ﷺ، كما فى قول الرجل: \" ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي \"، وإصراره على ذلك بقوله: (فادع) ففى ذلك التصريح بطلبه الدعاء من النبي ﷺ، وكذلك في قول النبي ﷺ: \" وإن شئتَ دعوتُ \" (^١)\n٣) قول الرجل \" تُشَفِّعُنِي فِيهِ، وَتُشَفِّعُهُ فِيَّ \"، فقوله \" تُشَفِّعُهُ فِيَّ \":\nفيه سؤال الرجل ربه - ﵎- أن يقبل دعاء النبي - ﷺ - وشفاعته له.\nوهذا مما ييعد جدًا حمله على التوسل بذاته ﷺ، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته ﷺ فيَّ، أي اقبل دعائه فيَّ أن ترد عليَّ بصري.\nوقوله \" تُشَفِّعُنِي فِيهِ \": أي اقبل دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ، أي دعاءه في أن ترد عليَّ بصري.\nقال المناوي:\nسأل الله -تعالى- أولًا أن يأذن لنبيه أن يشفع له، ثم أقبل على النبي - صلى اله عليه وسلم- ملتمسًا شفاعته له، ثم كر مقبلًا على ربه أن يقبل شفاعته. والباء في بنبيك للتعدية، وفي بك للاستعانة.\nوقوله: \"اللهم فشفّعهُ فيّ \" أي: اقبل شفاعته في حقي، والعطف\n_________\n(^١) ومن التحريف الذى عمد إليه الشيخ الغماري قوله في \"المصباح\" (٢٤): (قوله ﷺ:\n\" وإن شئتَ دعوتُ \": أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به، ولقنتك إياه، وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره).","vol":"2","page":716},{"text":"على مقدر، أي: اجعله شفيعًا لي فشفّعه \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوقوله في دعائه \" اللهم فشفعه فيَّ \" دل ذلك على أن معنى قوله: \" أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد \" أي بدعائه وشفاعته. (^٢)\n٤) لو كان توسل الرجل الضرير بجاه النبي - ﷺ - لرأينا الجمع الغفير من الأكِفّاء بعد حياة النبي - ﷺ - يتوسلون بذات النبي - ﷺ - طلبًا للشفاء. فلما تركوا ذلك مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع دل على عدم المشروعية.\n٥) ومما يؤيده:\nأن الرجل الضرير قد توسل بدعاء النبيﷺ- له، وليس بجاهه؛ أن علماء السير قد ذكروا هذه الحادثة في باب معجزات النبي ﷺ، ومن هؤلاء:\nالقاضي عياض في كتابه \" الشفا بتعريف حقوق المصطفى \" (ص/٣١٦)، والبيهقي في \" دلائل النبوة \" (٦/ ١٦)\n٦) كذلك يقال:\nإن حمل الحديث على أن الرجل قد توسل بدعاء النبي -ﷺ - هو الموافق لفهم الصحابة ﵃؛ فهكذا قد فهمه عمربن الخطاب - ﵁ - يوم استسقى بالعباس - ﵁ - عام الرمادة، وهكذا فهمه معاوية بن سفيان - ﵁ - يوم استسقى بيزيد بن الأسود الجُرَشى. (^٣) وحمل النص على فهم الصحابة - ﵃ - وإجماعهم مقدَّم على حمله على فهم من سواهم.\n* قالوا:\nقد روى البخاري عن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - ﵁ - قوله:\n «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ\n_________\n(^١) وانظر فيض القدير (٣/ ١٣٧٦) وغاية الأماني في الرد على النبهاني (٢/ ٤٠٠)\n (^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٢٥)\n (^٣) قد استسقى معاوية بن أبي سفيان بيزيد بن الأسود الجُرَشى، وقال: \"اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا. يا يزيد، ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ودعا، ودَعْوا، فسقوا \"\nوهذا قد عزاه الحافظ له ولأبي زرعة الرازي في تاريخه وصحح إسناده في \" الإصابة \" (٣/ ٦٧٣)، ورواه الفسوي في المعرفة والتاريخ \"٢/ ٣٨٠، ٣٨١\" وابن سعد في الطبقات \"٧/ ٤٤٤\"، وأبو زرعة في تاريخ دمشق \"١/ ٦٠٢\".\nقال الحافظ العسقلاني: رواه أبو زرعة الدمشقي ويعقوب بن سفيان في تاريخهما بسند صحيح.\nوقال الألباني في \" التوسل أنواعه وأحكامه \" (ص/٤١): \" رواه ابن عساكر في تاريخه بسند صحيح \".","vol":"2","page":717},{"text":"إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» (^١)\nفأخبر أن الصحابة -﵃- قد توسلوا بجاه النبي - ﷺ، وكذلك قد توسل عمر بن الخطاب بِجاه العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵄. * والجواب:\nأولًا:\nأن المجمل في رواية البخاري من قول عمر بن الخطاب ﵁:\n... «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، ....» قد بينته الأحاديث الأخرى،\nكما في حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - ﵁- أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ المِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، فَقَالَ:\n «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا» (^٢)\nفيتضح بذلك أن الإجمال في قول عمر بن الخطاب ﵁:\n\" إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا \" قد جاء مبينًا في حديث أنس ﵁، فدل ذلك على أن توسل الصحابة -﵃- إنما كان بدعاء النبي ﷺ، وليس بذاته أو جاهه كما يدَّعى من جوَّز ذلك.\n* ثم يقال:\nلو كان توسل الرجل الضرير بذات النبي - ﷺ- لما انقطع ذلك بموته؛ ولما غفل الصحابة - ﵃- عن مثل هذا الأمر، وقد مر بهم من الفتن ما يضاهي قطع الليل المظلم، من قحط واقتتال ودماء، بل قد عدل عمر بن الخطاب -﵁- عام الرمادة عن ذلك إلى التوسل بدعاء العباس ﵁، مع أن الأمر المجمع عليه هو علو وسبق جاه النبي - ﷺ- على دعاء العباس ﵁.\nوقد وافقه جمهور الصحابة - ﵃ - على ذلك فكان ذلك منهم كالإجماع على عدم الجواز؛ وهذا من أظهر الإجماعات الإقرارية.\nفإن تركهم له مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع لهو أقوى الأدلة على المنع.\nفدل هذا على أن التوسل المشروع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠١٠)\n (^٢) أخرجه البخاري (١٠١٣) باب إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم.","vol":"2","page":718},{"text":"عندهم هو التوسل بدعائه، وبشفاعته، لا السؤال بذاته، ولا بجاهه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفعدول عمر والصحابة عن هذا إلى هذا وما يشرع من الدعاء وينفع عمَّا لا يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير الخير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه. (^١)\nقال الألوسي:\nلو كان التوسل به ﵊ بعد انتقاله من هذه الدار لما عدلوا إلى غيره، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أدنى مساغ لذلك. (^٢)\n* وتأمل لترى جماهير الصحابة -﵃ - يوافقون عمر بن الخطاب على اجتهاده حين عدل عن التوسل بجاه النبي - ﷺ - إلى التوسل بدعاء العباس ﵁، دون أن يخرج منهم ولو واحد ليراجع عمر في ذلك، فهل تراهم سكتوا عن اظهار الحق خشية من عمر؟\nفهل هذا ظنك فيهم؟ وقد نزل فيهم قول الله تعالى (لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ) (^٣) * وانظر إلى حال الصحابة -﵃- يوم أن تقدم أبُو بَكْرٍ -﵁فصلى بالناس، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ. (^٤)\nالشاهد أن الصحابة - ﵃ - ما استساغوا تقديم أحد - ولو كان صديق الأمة - على\n_________\n(^١) الاستغاثة في الرد على البكري (ص/١٠٨)\n (^٢) روح المعاني (٣/ ٢٩٦)\n (^٣) قال الحسن البصرى عن قول تعالى ﴿فَسوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ [﵃]. تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٣٥)\n (^٤) متفق عليه.","vol":"2","page":719},{"text":"الرسول ﷺ، فكيف لهم أن يقرّوا عمر بن الخطاب - ﵁- أن يقدِّم أحدًا - ولو كان العباس - على جاه الرسول - ﷺ- إذا كان ذلك مشروعًا؟!!\n* قالوا:\nإنَّ فعْل عمر حين توسل بالعباس ليس لعدم مشروعية التوسل بجاه الرسول - ﷺ؛ بل لأجل بيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، ولرعاية حق قرابته من النبي ﷺ، دل على ذلك قول العباس في دعائه: \" وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك \"!!\n* والرد على ذلك:\nقد ذكرنا قريبًا أن الإجمال الوارد في قول عمر بن الخطاب ﵁:\n\" إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا \" قد جاء مبينًا في حديث أنس ﵁، مما دل على أن توسل الصحابة - ﵃- إنما كان بدعاء النبي ﷺ.\nوعليه فترك الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب - ﵃- التوسل بالنبي - ﷺ - إنما كان لموته، لا غير.\nوعليه فقول العباس في دعائه:\n: \" وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك \"، ليس بيانًا لسبب العدول عن التوسل بالنبي ﷺ إلى العباس، على ما جركم إليه فهمكم، بل لبيان سبب وقوع الاختيار على العباس -﵁- دون غيره من الناس ليكون هو المتوسَل بدعائه عند الصحابة ﵃.\n* وأما الزعم العجيب أنَّ عمر -﵁- حين توسل بالعباس -﵁- لأجل بيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل فيقال:\nلك أن تتصور أن عمربن الخطاب -﵁- يرى الناس في حالة شديدة من الضنك والكرب، والشقاء والبؤس، يكادون يموتون جوعًا وعطشًا لشح الماء وهلاك الماشية، وخلو الأرض من الزرع والخضرة حتى سُمَّي ذاك العام بعام الرمادة، إضافة عن عظم المسئولية الملقاة على عاتقه وهو الراعى المسئول عن الأمة.\nكل ذلك ثم يَرِد في خاطره تلك الأطروحة الفلسفية في هذا الظرف العصيب، فيدع الأخذ بالوسيلة الكبرى في دعائه، وهي التوسل بالنبي ﷺ، لو كان ذلك جائزًا","vol":"2","page":720},{"text":"ويأخذ بالوسيلة الصغرى، التي لا تقارن بالأولى، وهي التوسل بالعباس، لماذا؟ لا لشيء إلا ليبين للناس أنه يجوز لهم التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل!!\n* إن الشاهد والمعلوم أن الإنسان إذ حلّت به شدة يلجأ إلى أقوى وسيلة عنده في دفعها، ويدَع الوسائل الأخرى لأوقات الرخاء، وهذا كان يفهمه الجاهليون المشركون أنفسهم، إذ كانوا يَدعون أصنامهم في أوقات اليسر، ويتركونها ويدْعون الله - تعالى - وحده في أوقات العسر،\nكما قال ﵎: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥» (العنكبوت: ٦٥)\nفنعلم من هذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الملمات والمضايق، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر.\n* ثانيًا نقول:\nأن المجمل في رواية البخاري من قول عمر بن الخطاب ﵁:\n\" وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا \"، قد ورد مبينًا عند عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ، اسْتَسْقَى بِالْمُصَلَّى، فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ، وفى رواية \" يا أبا الفضل؛ قمْ فادع \". (^١)\nفدل ذلك على أن قول عمر بن الخطاب ﵁:\n\" وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا \"، أى نتوسل إليك بدعاءه.\nقال ابن حجر:\nفتبين بهذا أن في القصة المذكورة أن العباس كان مسئولًا، وأنه ينزل منزلة الإمام إذا أمره الإمام. (^٢)\n* شبهة أخرى:\nعَنْ مَالِكِ الدَّارِ- وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ عَلَى الطَّعَامِ- قَالَ:\nأَصَابَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٤٩١٣)، وكان مما دعا به العباس ﵁:\n\" اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال \"\n (^٢) فتح الباري (٢/ ٧٠٤)","vol":"2","page":721},{"text":"النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ... الحديث. (^١)\n* والرد على ذلك من وجوه:\nالأول:\nهذا الأثر منكر يغلب عليه الوضع، وقد أُعلَّ بعلل متعددة، نذكر منها:\n١) جهالة الرَّجل الذي أتى إلى قبر النبيِّ ﷺ.\nوما ورد من تسميته ببلال بن الحارث المُزَني، وعدُّه من الصحابة، فلا يصح؛ لأنه من رواية سيف بن عمر التميمي، وقد قال عنه ابن حبان:\nيروي الموضوعات عن الأثبات...، وكان يضع الحديث. (^٢)\n٢) جهالة مالك الدار؛ لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط،، وقد أورده ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٢١٣) ولم يذكر راويًا عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول.\nوقال الحافظ المنذري في \"الترغيب\" (٢/ ٤١ - ٤٢) ومالك الدار لا أعرفه). وكذا قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٢٥) والألبانى. (^٣)\nالثانى:\nعلى فرض صحة هذا الأثر فلا يكون حجة لمن جوَّز التوسل بالنبي -ﷺ- بعد موته وذلك لنكارة متنه؛ وذلك لأن مثل هذا الأمر لم يفعله أحد من الصحابة\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في دلائل النبوة (٧/ ٤٧) وابن أبي شيبة في المصنف (٣٢٠٠٢)\n (^٢) هو سيف بن عمر التميمي البرجمي، ويقال السعدي ويقال الضبعي ويقال الأسدي الكوفي، قال عنه أبو حاتم: \" متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي\"، وقال أبو داود: \" ليس بشيء \"، وقال النسائي، والدارقطني ضعيف وقال ابن عدي بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها. قال الحاكم اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط.\nوانظر المجروحين (١/ ٣٤٥) والميزان (٢/ ٢٥٦) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٩٦)\n (^٣) وانظر مسند الفاروق عمر بن الخطاب لابن كثير بتحقيق إمام بن علي بن إمام (١/ ٣١٩) والتوسل: أنواعه وأحكامه (ص/١١٨)","vol":"2","page":722},{"text":"- ﵃- رغم ما مر بهم من فتن كقطع الليل المظلم، من قحط واقتتال ودماء، فتركهم له مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع لهو أقوى الأدلة على المنع.\nقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة:\nوأصحاب رسول الله - ﷺ - قد أجدبوا مرَّات، ودَهَتهم نوائب غير ذلك، فهلاَّ جاؤوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبيِّ ﷺ؟! (^١)\n* ثم يقال:\nكيف يُستدل بأثر ينبنى على فعلٍ لرجل مجهول، وهو من أتى القبر الشريف متوسلًا بالنبي ﷺ، ونترك سنة الفاروق عمررضي الله عنه - الذى لنا فيه سنة متبعة بنص حديث النبي ﷺ؟!!\nففى عام الرمادة سنة ثمان عشرة لما وقعت المجاعة بالمسلمين في المدينة قد عدل عمر بن الخطاب - ﵁- عن التوسل بالنبي ﷺ، وتوسل بدعاء عمه العباس ﵁.\n* أضف إلى ذلك:\nأنها رؤيا منام، والرؤى لا تُبنى عليها أحكام شرعية، اللهم إلا رؤى الأنبياء، فإنها وحي، كما هو مقرَّر عند أهل العلم.\nقال الدَّميري:\nولو قال شخص: رأيتُ النبيَّ ﷺ في النوم، وأخبرني أن الليلة أول رمضان!! لا يصح الصوم بهذا لصاحب المنام ولا لغيره بالإجماع، كما قاله القاضي عياض، وذلك لاختلال ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية. (^٢)\n* ومن شبهاتهم:\nقالوا: إن النبي - ﷺ - حيُّ في قبره، فلذلك نحن نتوسل به ليشفع لنا عند ربنا!! (^٣)\nوالجواب:\nالذى عليه أهل السنة أن النبي - ﷺ - قد مات كما يموت آحاد البشر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ (الأنبياء:\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٩٧):\n (^٢) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٢٧٤):\n (^٣) وقد كتب فى ذلك عبد الله الصديق الغماري مقالًا بعنوان \" نبي الله - ﷺ- حي في قبره \" والتوسل بالحي لا خلاف عليه فتوسلوا به \"، وهو مقتبس من مجلة: \" المسلم \" (ص ١٢ - ١٦)\n*وكذلك قد نافح عن ذلك في كتابه \"إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي \".","vol":"2","page":723},{"text":"٣٤)، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (الزمر: ٣٠) - إلى أمثال ذلك من الآيات الدالة على أن الله -تعالى - قد توفاه إليه.\nولأن الصحابة - ﵃ - قد غسَّلوه وكفَّنوه وصلَّوا عليه ودفنوه، ولو كان حيًا حياته الدنيوية ما فعلوا به ما يفعل بغيره من الأموات.\nوهو الآن حيُّ في قبره حياة برزخية لا يعلم كيفيتها إلا الله ﷾، وليست من جنس حياة أهل الدنيا، ولا تخضع لقوانينها، ومن الخطأ المبين قياس حياة الأنبياء في البرزخ على حياتهم في الدنيا، وهذا قياس باطل مخالف للكتاب والسنة والواقع.\nنعم، الأنبياء أحياء في قبورهم، وأجسادهم لا تبلى، والنص والإجماع منعقد على هذا كما حكاه غير واحد، منهم ابن حزم والسخاوي وغيرهم.\nفليس هذا هو محل الخلاف، وإنما محل الخلاف بيننا وبينكم في كيفية هذه الحياة، فالذى عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع أنها حياة برزخية غيبية، لها كيفية لا يعلمها إلا الله تعالى.\n... وفي الختام: \" نقاط مهمة \"...:\nالأولى:\nقد ثبت عنه ﷺ أنه قال:\n\" ما تركتُ شيئًا يُقربكم إلى الله إلا أمرتكم به \" (^١)، فلو كان التقرُّب بجاه النبي -ﷺ - قربة من القرب التى يُتوصل بها إلى الله تعالى، فلِمَ ترك النبي - ﷺ- الأمر بها؟؟!!\nالثانية:\nهل مسألة التوسل بالجاه علمها الصحابة -﵃- أم لا؟\nفإن كانو قد علموه، فلِمَ لم يعملوا به مع ما ألّم بهم من الملمَّات والمضايق؟!\nوإن كانوا لم يعلموه ولم يهتدوا إليه وهم خير قرون الأمة علمًا وعملًا، فهل فُتح لكم من سبل\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في \" المعجم الكبير \" (١٦٤٧)، وذكره ابن كثير في تفسيره بصيغة الجزم دون أن يعلَّق عليه واستشهد بالحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه - وانظر تفسير القرآن العظيم (٥/ ١٤٣) ومجموع الفتاوى (٥/ ١٥٦) والسلسلة الصحيحة (ح/ ٢٨٦٦)","vol":"2","page":724},{"text":"الخير والتوفيق ما لم يفتح عليهم؟!!\nالثالثة:\nثبت بالأدلة الشرعية أن التوسل عبادة؛ وذلك أن الله - تعالى- قد أمر به، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]، والله لا يأمر إلا بما يحب.\nفلما كان التوسل عبادة، وكان الأصل فى العبادات التوقيف، صار من ادعى مشروعية التوسل بالجاه مطالبًا بالدليل الصريح الصحيح، وإلا كان قائلًا على الله -تعالى- بغيرعلم، وهذا من سبل الشيطان، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة ١٦٨ - ١٦٩)\n* الرابعة:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم، ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم تكن نفس ذواتهم سببًا يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولًا عن النبي ﷺ نقلًا صحيحًا، ولامشهورًا عن\nالسلف، ولاريب أن لهم عند الله الجاه العظيم - كما قال تعالى في حق موسى وعيسى ﵉، وقد تقدم ذكر ذلك - لكن مالهم عند الله من المنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا لهم، فإذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا بنبيه ومحبته وموالاته واتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل. (^١)\n* الخامسة:\nالعجب مما تراه من هؤلاء الذين يدندنون حول العواطف ودغدغة المشاعر الخاوية عن الأصول العلمية ومشكاة النبوة، فيتهمون أهل السنة الذين لا يجوِّزون التوسل بجاه النبي - ﷺ - بأنهم ما قدروا النبي - ﷺ - حق قدره، وما أحبوه حق\n_________\n(^١) وانظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٢٩٩) ومنهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص/١٨٤) والرد على شبهات المستعينين بغير الله (ص/٩٢)","vol":"2","page":725},{"text":"محبته، إلى غير ذلك من التهم. (^١)\nومثل هذا لا يملُّون من ذكره في نازلة، كالاحتفال بالمولد النبوى وتجويز الاستغاثة بالرسول ﷺ، فكل من عارضهم فهو عندهم مجروح في محبته وولاءه للنبي ﷺ.\nولا شك أن هذه طريقة المفلسين الذين يراهنون على مشاعر العامة لكسبهم في صفهم.\nولاشك أنه ما وطيء الثري أناس أحبوا الرسول - ﷺ- أمثال الصحابة ﵃، ومع ذلك فما وجدنا واحدًا منهم يفعل ما يفعله هؤلاء المدَّعون، فالمحبون حقًا هم المتبعون.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nاتخاذ مولد النبي - ﷺ - عيدًا مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضا، أو راجحًا لكان السلف - ﵃ - أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا. ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. (^٢)\nالسادسة:\nلا يقال ببدعية من ذهب إلى القول بالتوسل بجاه النبي ﷺ، بل المسألة خلافية لا يبدَّع فيها المخالف.\nقال شيخ لإسلام ابن تيمية:\nوأما القسم الثالث مما يسمى \" توسلًا \" فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي - ﷺ - شيئًا يحتج به أهل العلم، وهو\n_________\n(^١) كما افترى مثل ذلك محمد سعيد البوطي في كتابه \"فقه السيرة\" (ص ٣٥٤) فقال ما نصه:\n... (فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ﷺ، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته ﵌ بعد وفاته...)\n (^٢) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٢٣)","vol":"2","page":726},{"text":"السؤال بالأنبياء والصالحين، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي - ﷺ - شيئًا ثابتًا لا في الإقسام أو السؤال به. وإن كان في العلماء من سوَّغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه، فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله. (^١) قال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق:\nونحن وإن قلنا بالمنع من التوسل به ﷺ بهذا اللفظ أو نحوه لما نعتقده من أصحية المنع، فنحن مع ذلك لا نشدد في ذلك على من فعله مستدلا بالحديث فضلًا عن أن نكفره. (^٢)\nالسابعة:\nما ادعاه السبكى من القول بأن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- لم يسبقه أحد إلى القول بإنكار التوسل بجاه النبي -ﷺ - يرده ما ورد عن أبي حنيفة من قوله بالمنع من ذلك، فقد كره أبو حنيفة قول \" بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك \"؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق تعالى. (^٣)\nوقال المرتضى الزبيدى: وقد كره أبوحنيفة وصاحباه أن يقول الرجل:\n\" أسالك بحق فلان \". (^٤)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nقولهم: أسألك بجاه نبينا أو بحقه، فإن هذا مما نقل عن بعض المتقدمين فعله، ولم يكن مشهورًا بينهم، ولا فيه سنة عن النبي ﷺ، بل السنة تدل على النهى عنه كما نقل ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما. (^٥)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٦)\n (^٢) وانظرالمنارة (ص/٥٠) والتوسل بالصالحين بين المجيزين والمانعين (ص/٧٠)\n (^٣) وانظر رد المحتار على الدر المختار (٦/ ٣٩٧) ودرر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٢١)\n (^٤) اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (٢/ ٢٨٥)\n (^٥) وانظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٣٠٩)\nوالعجيب أن كاتب رسالة \"مفاهيم يجب أن تصحح\" قد ادعى أن شيخ الإسلام يجوِّز التوسل بالنبي ﷺ، ونقل عنه ما نصه:\nأما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك من ما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين [الفتاوى الكبرى ١/ ١٤٠]\nوهذا في الحقيقة تحريف وتبديل، وبتر لكلام شيخ الإسلام؛ ليوهم أنه ساوى بين التوسل بدعائه وشفاعته ﷺ حيًا وميتًا.؛ فقد قال شيخ الإسلام بعد قوله الذي نقله الكاتب:\n\"وكان الصحابة -﵃- يتوسلون به في حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به\" اهـ. فهذا التفسير للإجمال السابق لابد من ذكره ونقله، وفيه أن التوسل به في حياته يكون بدعائه لمن طلب منه الدعاء. وانظر هذه مفاهيمنا (ص/٧٨)","vol":"2","page":727},{"text":"* الثامنة:\nقد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل قوله بالتوسل بالنبي ﷺ، قال في منسكه الذي رواه عنه المروزي ما نصه:\nوسل الله حاجتك متوسلًا إليه بنبيهﷺ- تُقْضَ من الله ﷿. (^١)\nوقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وأفاض في توجيه هذا الكلام، وحمل التوسل الذي يجيزه الإمام أحمد على الإقسام على الله - تعالى - بذات النبي ﷺ. (^٢)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) وذكر معناه برهان الدين بن مفلح في المبدع (٢/ ٢٠٤) وقريب منه ما في الإقناع للحجاوي (١/ ٢٠٨) والفروع لشمس الدين ابن مفلح (٢/ ١٥٩) وغيرهم.\n (^٢) وهذا الذى رجحه شيخ الإسلام إنما هو باعتبار أن الإمام أحمد قد ورد عنه في الإقسام على الله - تعالى - بالنبي ﷺ روايتان:\nرواية بالمنع، وهي الموافقة لمذهب الجمهور.\nورواية بالجواز، وهي المخالفة لمذهب الجمهور.\nوعلى رواية الجواز حمل شيخ الإسلام قوله بجواز التوسل إلى الله - تعالى بنبيه - ﵌. .\nقد استفاض شيخ الإسلام في مناقشة تلك الرواية القائلة بجواز الإقسام، وبين أنها على خلاف الحق، وأن الأدلة الشرعية قاضية بالمنع، وأن الصحابة -﵃- لم تكن تعرفه، ونقل عن أهل العلم تحريم هذا الصنيع، الذى هو\" القسم على الله بمخلوق \".\nوانظر الرد على الأخنائي (ص ١٦٨) وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/١٢٢)","vol":"2","page":728},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>الحديث الرابع والعشرون: بيان الحِكَم في شرح حديث إن الله هو الحَكَم</span>","vol":"2","page":729},{"text":"عن هَانِئٍ بْنِ يَزِيدَ - ﵁ - قَالَ:\nسَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُمْ يَكْنُونِي أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَانِي ﷺ - فَقَالَ لِي: إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟\nفَقُلْتُ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنْ الْوُلْدِ؟\n\"، فَقُلْتُ: لِي شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَمُسْلِمٌ، قَالَ: \" فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ \" قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: \" فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ، وَدَعَا لِي وَلِوَلَدِي.\nتخريج الحديث:\nأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨١١) وأبو داود في كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح (٤١٤٥)، والنسائي في كتاب القضاء، باب إذا حكَّموا رجلًا ورضوا به، برقم (٤٩٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٤١٤٥)، وفي صحيح سنن النسائي برقم (٤٩٨٠)","vol":"2","page":731},{"text":"* الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nالفائدة الأولى:\nإثبات صفة \" الحَكَم \" لله عزوجل، فالله - ﷿ - يوصف بأنه الحاكم الحكم، و\" الحَكَم\" اسم ثابت له بالكتاب والسنة. (^١)\n-الدليل من الكتاب:\n- قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ الأنعام: ١١٤.\n-وقوله تعالى ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ (الأعراف: ٨٧)\nوقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ١٠) وقال تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) (الكهف/٢٦)\nقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر \" ولا يشرك \" بالياء المثناة التحتية، ولا نافية والمعنى:\n\" ولا يشرك الله جل وعلا أحدًا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره البتة، وقرأه ابن عامر من السبعة; \" ولا تُشركْ \" بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي، أي:\nلا تشركْ أحدًا في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله -تعالى- من شوائب شرك غيره في الحكم.\nوالدليل من السنة:\nحديث الباب؛ فقد قال ﷺ: \" إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ \"\nوالتكنى بأبي الحكم فيه مخالفة من وجوه:\n١) أن الحكم من أسماء الله تعالى، والله - جل وعلا- لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.\n٢) أن الله - تعالى- هو الحَكَم؛ لذا فالتكنى بهذه الكنية فيها منازعة لله -تعالى- في اسمه وصفته.\n٣) أن \" الحكم \" جاءت مقرونة بأل التعريف الدالة على الاستغراق، وهو: بلوغ الغاية في الحكم والفصل بين المتخاصمين، وهذا إنما يرجع إلى من له الحكم وهو الله عزوجل، وأما البشر فإنهم لا يصلحون أن يكونوا حكامًا على وجه الاستقلال، ولكن يكون الواحد منهم حكمًا على وجه التبع، بأن يقال: \" حكم \" بدون تعريف، كما قال تعالى ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها﴾ (النساء: ٣٥) (^٢)\n_________\n(^١) وممن نص على ذلك البيهقى في كتابه \"الأسماء والصفات \" (ص/٦٢) والسعدى في تفسير أسماء الله الحسنى (ص/١٨٥) ومحمد بن صالح بن العثيمين في \" القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى\" (ص/١٦)\n (^٢) وانظر التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص/٤٧٧) وإعانة المستفيد (٢٥٧/ ٢) والتوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/٣٨٧)","vol":"2","page":732},{"text":"قال ابن الأثير:\nوإنما كره له ذلك لئلا يشارك الله - تعالى - في صفته. (^١)\n* الفائدة الثانية:\nفي بيان التفصيل فى قضية الحكم بغير ما أنزل الله ﷿:\nنقول يختلف الحكم فى قضية الحكم بغير ما أنزل الله -﷿ - بحسب اختلاف القصد والفعل.\n\nأولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-169> الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله شركًا </span>أكبر:\n١ - الحالة الأولى: الاستحلال:\nوصورته: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن الحكم بغير ما أنزل الله جائز غير محرم، وأن ذلك ليس واجبًا عليه.\nوهذه الحالة متفق على كونها من الكفر الأكبر، فلقد نص الأئمة على أن المرء متى فعل الحرام مستحلًا كان كافرًا.\nقال ابن حزم:\nفمن كان يعتقد أن لأحد بعد موت النبي -ﷺ - أن يحرَّم شيئًا كان حلالًا إلى حين موته ﵊، أو يحل شيئًا كان حرامًا إلى حين موته ﵇، أو يوجب حدًا لم يكن واجبًا، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته ﵊ فهو كافر مشرك حلال الدم والمال، حكمه حكم المرتد. (^٢)\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية:\nمن فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق. (^٣)\nوقال ﵀:\nلا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر (^٤).\n_________\n(^١) وانظر النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤١٩) والنهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى (ص/١٨٠)\n (^٢) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٧٣)\n (^٣) الصارم المسلول (ص/٥٢١)\n (^٤) منهاج السنة (٥/ ١٣٠)","vol":"2","page":733},{"text":"وقال ﵀:\nوالإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء. (^١)\n*تنبيه:\nوالمستحل للشئ هو الذى يفعله معتقدًا حله، وهو عمل قلبى لا يعرف من الشخص إلا إذا صرح بذلك.\n*فروع تتعلق بمسألة الإصرار:\n١ - الفرع الأول:\nمجرد الإصرار على الذنب ولو كان كبيرة لا يعد قرينة على استحلاله؛ فالاستحلال لا يستفاد من مجرد الفعل ولا المداومة ولا الإصرار عليه، ويدل على ذلك ما يلى:\n١ - لم يقل أحد من أهل العلم المتقدمين أن مجرد الإصرار على الذنب يعد استحلالًا له.\n٢ - أجمع العلماء على عدم الكفر بفعل الذنوب ولو كان كبيرة،\nقال ابن عبد البر:\nاتفق أهل السنة والجماعة على أن أحدًا لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام. (^٢)\nوهذا الإجماع دال بعمومه على أن المذنب لا يكفر، ولو كان مداومًا على ذنبه (^٣).\nفهذا الإجماع مع ما أجمعوا عليه من كفر من استحل محرَّمًا دليل أن ذات الإصرار والمداومة على الذنب لا يعد استحلالًا.\n٢ - الفرع الثاني:\nالاستحلال عمل قلبى لا يستدل على حصوله بالقرائن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٦٧) وانظر الحكم بغير ما أنزل الله لبندر العتيبى (ص /١٧) والتكفير وضوابطه لمنقذ السقار (ص/ ١٠٤)\n (^٢) التمهيد (١٦/ ٣١٥)\n (^٣) وانظر الحكم بغير ما أنزل الله لبندر العتيبى (ص/ ١٧)","vol":"2","page":734},{"text":"المحتفة، ودليل ذلك فى حديث أسامة بن زيد - ﵄- لما قتل رجلًا بعد نطقة بالشهادة؛ ظنًا منه أنه قالها تخلَّصًا من السيف، فأنكر عليه النبى -ﷺ - وقال:\n\" أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَهَا، أَمْ لَا؟ (^١)\nقال الخطابي:\nوفي قوله: \" هلا شققتَ عن قلبه \": دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر، وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه. (^٢)\n- فلو كان الأخذ بالقرائن معتبرًا فى الحكم على ما فى القلوب لكان اجتهاد أسامة بن زيد -﵄- أولى بهذا الاعتبار، وقد أجتمع فى ذلك الرجل من القرائن ما تقوي القول بعدم صدق إسلامه مالم يجتمع فى غيره، ومع هذا فقد ألغى النبى -ﷺاجتهاد ذلك الصحابى، ولم يجز الأخذ بالقرائن في الحكم على ما فى القلوب. (^٣)\n*فإن قيل:\nألا يُستدل على أن الاستحلال يعرف بمجرد الفعل بحديث الرجل الذى تزوج امرأه أبيه، ونص الحديث:\nعَنِ الْبَرَاءِ - ﵁ - قَالَ:\nأَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِﷺ - إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أن أقتله أو أضرب عنقه. (^٤)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) معالم السنن ٢/ ٢٤٣)\n (^٣) قال الشيخ ابن عثيمين -﵀- جوابًا على سؤال: ما هو ضابط الاستحلال الذي يكفر به العبد؟\n* الجواب:\nالاستحلال عقدى بقلبه: هو أن يعتقد حِلَّ ما حرمه الله.\nوأما الاستحلال الفعلي فينظر: إن كان هذا الاستحلال مما يكفِّر فهو كافر مرتد، فمثلًا: لو أن الإنسان تعامل بالربا، ولا يعتقد أنه حلال لكنه يصر عليه، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يستحلُّه، ولكن لو قال: إن الربا حلال، ويعني بذلك الربا الذي حرمه الله فإنه يكفر؛ لأنه مكذب لله ورسوله.\nفالاستحلال الفعلي: ينظر فيه للفعل نفسه، هل يكفر أم لا؟ ومعلوم أن أكل الربا لا يكفر به الإنسان، لكنه من كبائر الذنوب، أما لو سجد لصنم فهذا يكفر، لماذا؟\nلأن الفعل يكفر؛ هذا هو الضابط؛ ولكن لابد من شرط آخر وهو:\nألَّا يكون هذا المستحلُّ معذورًا بجهله، فإن كان معذورًا بجهله؛ فإنه لا يكفر، مثل أن يكون إنسانٌ حديث عهد بالإسلام، لا يدري أن الخمر حرام، فإن هذا -وإن استحله- فإنه لا يكفر، حتى يعلم أنه حرام؛ فإذا أصرَّ بعد تعليمه، صار كافرًا. ذكره في \" لقاءات الباب المفتوح \" (الشريط/ ٥٠).\n (^٤) أخرجه الترمذى (١/ ٢٥٥) وأبو داود ح (٤٤٥٦)، وقال الترمذى: حديث حسن غريب. وانظر إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٢٣٥١)","vol":"2","page":735},{"text":"*الجواب أن يقال:\nيحمل الحديث على أن النبى -ﷺ - قد علم أن الرجل قد استحل ذلك بقلبه، وبرهان ذلك من أمور:\nأن أهل الجاهلية كانوا يستحلون نكاح امرأة الأب، ويعدُّونه من الإرث، فأقدم الرجل على ذلك معتقدًا حله، على ما كان يفعله أهل الجاهلية.\nيقول ابن جرير في شرح حديث البراء:\nوكان الذي عرَّس بزوجة أبيه متخطيًا بفعله حرمتين، وجامعًا بين كبيرتين من معاصي الله:\nإحداهما:\nعقد نكاح على من حرم الله عقد النكاح عليه بنص تنزيله بقوله: - ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾.\nوالثانية: -\nإتيانه فرجًا محرَّمًا عليه إتيانه، وأعظم من ذلك تقدمه على ذلك بمشهد من رسول الله ﷺ وإعلانه عقد النكاح على من حرم الله عليه عقده عليه بنص كتابه الذي لا شبهة في تحريمها عليه وهو حاضره، فكان فعله ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله - ﷺ - فيما آتاه به عن الله تعالى ذكره، وجحوده آية محكمة في تنزيله... فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق، فلذلك أمر رسول الله ﷺ بقتله وضرب عنقه؛ لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام. (^١)\n*كذلك يقال:\nأنه قد ورد فى زيادة لهذا الحديث أن النبى -ﷺ - قد خمَّس مال ذاك الرجل الذى تزوج بامرأه أبيه، وتخميس المال يدل على أنه اعتبره فيئًا، والفئ هو كل مال أُخذ من الكفار بغير قتال، وهذا يدل على أنه قتل مرتدًا. (^٢)\n- قَالَ البيهقي:\nقال أصحابنا: ضرب الرقبة وتخميس المال لا يكون إلا على المرتد، فكأنه استحله مع علمه بتحريمه. (^٣)\n_________\n(^١) تهذيب الآثار (٢/ ١٤٨)، وقد ونص على مثل هذا التأويل الإمام أحمد في مسائل عبد الله بن أحمد (٣//١٤٩٨) والسندي في حاشتيه على سنن النسائي (٦/ ١١٠) والطحاوى في شرح معاني الآثار (٣/ ١٤٩) والشوكانى في نيل الأوطار (٧/ ١٣٧)\n (^٢) انظر الحكم بغير ما أنزل الله لبندر العتيبي (ص/١٨)\n (^٣) السنن الكبرى (٨/ ٣٦١)","vol":"2","page":736},{"text":"- قال شيخ الاسلام ابن تيمية:\nفإن تخميس المال دلَّ على أنه كان كافرًا لا فاسقًا، وكفره بأنه لم يُحرِّم ما حرَّم الله ورسوله. (^١)\n- الحالة الثانية من حالات الحكم بغير ما أنزل الله تعالى:\n-٢ الجحود:\nالجحود هو الإنكار مع العلم.\nفالعلم بالشئ ومعرفته في قرارة النفس، ثم تكذيبه باللسان يسمى جحودًا.\nوالجحود هو نفي ما في القلب اثباته، واثبات ما في القلب نفيه. (^٢)\nقال تعالى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤» (النمل /١٤)\nهذه الحالة حكمها الكفر الأكبر بغير خلاف بين العلماء، فقد اتفق أهل السنة والجماعة على كفر من جحد شيئًا من دين الله تعالى.\nفقد جاء فى رواية ابن عباس - ﵄- فى قوله تعالى\n\"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ \" (المائدة/٤٤)\nقال: \" من جحد ما أنزل الله فقد كفر \". (^٣)\nوهو اختيار ابن جرير فى تفسيره، حيث قال ﵀:\nوأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال:\nنزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيُّون بها، وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونُها خبرًا عنهم أولى.\n* فإن قال قائل:\nفإن الله - تعالى - ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنزل الله تعالى، فكيف يُجعل في الجاحد خاصة؟\n**فالرد:\nأن الله- تعالى- عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله -تعالى - الذي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٩٢)\n (^٢) وانظر ألفاظ القران (ص/ ١٥) ولسان العرب (٧/ ٨٦)\n (^٣) تفسير الطبرى (١٠/ ٣٥٧)","vol":"2","page":737},{"text":"حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه، كافرون. وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ. (^١)\nقال الإمام ابن باز:\nوهذا الحكم فى حق من جحد شيئًا ممَّا أوجبة الله - تعالى - فإنه كافر مرتد عن الإسلام، وإن كان يدعي الإسلام، وهذا بإجماع أهل العلم. (^٢)\n*وكذلك فقد نقل الإجماع على أنَّ ذلك كفر ناقل عن الملة الإمام محمد بن إبراهيم فى رسالة تحكيم القوانين، فقال ﵀:\n\" أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم \". (^٣)\n*فوائد تتعلق بمسألة الجحود:\nالجحود هو انكار فى الظاهر، وقد يعتقد الجاحد فى قلبه خلاف ما جحده بظاهره، فيكون مصدقًا بحقيقة وصدق ما جحد به.\nويدل على ذلك قوله تعالى \" وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (النمل/١٤) وقال تعالى (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام/٣٣)\nفدل ذلك أنَّ ذات الجحود لا يلزم منه التكذيب، بل قد يقع الجحود مع وجود أصل التصديق فى القلب.\n٣ - الحالة الثالثة: التكذيب:\nوصورتها:\nأن يحكم بغير ما أنزل الله مكذبًا حكم الله تعالى، وهذا من الكفر\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٠/ ٣٥٨)\n (^٢) مجموع فتاوى ابن باز (٧/ ٧٨)\n (^٣) تحكيم القوانين (ص / ١٤)","vol":"2","page":738},{"text":"الأكبر باتفاق أهل العلم.\nفروع:\nيقع فى الكفر كل من كذَّب حكم الله تعالى، وإن لم يكن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى.\n٤ - الحالة الرابعة: المساواة:\nوذلك فيمن يعتقد أن حكمه بغير ما أنزل الله -تعالى- يساوى حكم الله تعالى، فضلًا عن اعتقاده أفضلية حكمه عن حكم الله. فكلا الصورتين من الكفر الأكبر المخرج عن الملة.\nوهذا مما نص عليه الإمام محمد بن إبراهيم فى رسالة \"تحكيم القوانين \"\n**نقول:\nإن اعتقاد التماثل بين حكم الله -تعالى- وحكم الطاغوت كفر ناقل عن الملة وذلك لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق والمناقضة والمعاندة لقوله تعالى: - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/١١]؛ ولقوله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة /٢٢] (^١)\n*وكذلك فدعوى المساواة بين الحكم الإلهي والحكم الوضعي فيها تنقُّص للرب ﷻ، وغلو وطغيان في أحكام البشر، وشرك بالله تعالى، لما في هذه المساواة من اتخاذ الأنداد مع الله تعالى، يقول، تعالى ﴿فَلَا تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل، آية ٧٤].\nوأخبر تعالى عن أهل النار أنهم يقولون ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء، آية ٩٧، ٩٨].\n** وأدلة ذلك:\nقال تعالى \" أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ \" (المائدة/٥٠)\nفمن يعتقد أفضلية حكمه عن حكم الله أو حتى تساويه فهو مكذب بالآية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق\n_________\n(^١) انظر رسالة تحكيم القوانين (١٢/ ٢٨٩) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص/٣١٦)","vol":"2","page":739},{"text":"جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب. (^١)\nيقول شهاب الدين الألوسي:\nلا شك في كفر من يستحسن القانون ويفضله على الشرع ويقول: هو أوفق بالحكمة وأصلح للأمة، ويتميّزغيّظًا ويتقصف غضبا إذا قيل له في أمر:\nأمر الشرع فيه كذا كما شاهدنا ذلك في بعض من خذلهم الله-تعالى- فأصمهم وأعمى أبصارهم...، فلا ينبغي التوقف في تكفير من يستحسن ما هو بيّن المخالفة للشرع منها (أي القوانين) ويقدمه على الأحكام الشرعية منتقصًا لها. (^٢)\nوقال الامام ابن باز معلقًا على الناقض الرابع من نواقض الإسلام:\n\" ويدخل فى القسم الرابع:\nمن اعتقد ان الأنظمة والقوانين التى يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام أو أنها مساوية لها، أو انه يجوز التحاكم إليها. (^٣)\nفهذا هو الكفر الناقل من الملة؛ لأنه سوَّى بين الخالق والمخلوق، فقال: حكم هذا مثل حكم هذا، وذلك كما يقول أهل النار نعوذ بالله منها:\n\"تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين\"، فهم في ضلال مبين، لماذا؟ لأنهم سوّوهم برب العالمين في التعظيم والمحبة والإجلال واتباع أمرهم وتقدير كلامهم.\nوهذا هو العدل الذي قال الله ﵎ فيه: \" ثم الذين كفروا بربهم يعدلون\"، فالعدل هو التسوية في المحبة والإجلال، كما قال تعالى:\n\" يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ \" (البقرة: ١٦٥)\nفمن قال: إن حكم الله - تعالى - مثل حكم ذلك القانون الوضعي الخبيث أو نظيره، فإنه يكون كافرًا كفرًا ينقل عن الملة، لأنه سوَّى بين الخالق والمخلوق. (^٤)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢٤)\n (^٢) وانظر روح المعاني (٢٨/ ٢٠) ونواقض الإيمان (ص/٣٠٥)\n (^٣) مجموع فتاوى ابن باز (١/ ١٣٢)\n (^٤) شرح د. سفر الحوالي لرسالة \"تحكيم القوانين (ص/٣٧)","vol":"2","page":740},{"text":"* تنبيه:\nلا يستدل على التفضيل بعظم الفعل أو التمادي فيه، ولو بلغ أقصى درجاته، وإلا للزم من ذلك تكفير أصحاب المصارف الربوية وأماكن الزنا، لكون القرائن قد اجتمعت واحتفت على تفضيلهم الزنا على العفاف، والربا على البيع، والكسب المشروع، وهذا معلوم البطلان. (^١)\n٥ - الحالة الخامسة:\nالتبديل:\nوصورة ذلك أن يحكم بغير ما أنزل الله-تعالى- ويزعم أن ما حكم به هو حكم الله تعالى، وهذا كفر أكبر مخرج من الملة، يدل على ذلك:\nحديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍرضي الله عنه- لما مُرّواَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ، فَقَالَ:\n... «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا:\nنَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ»، قَالَ:\nلَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٢)\n* وأما الإجماع:\nفقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوالإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء. (^٣)\n- يقول القرطبي:\nإن حكم بما عنده على أنه من عند الله تعالى، فهو تبديل له يوجب الكفر. (^٤)\n_________\n(^١) غوث التائق في معرفة حقيقة الياسق لأبي رقية الذهبي.\n (^٢) أخرجه مسلم (١٧٠٠)\n (^٣) وانظر مجموع الفتاوى (٣/ ٢٦٧) وأحكام القران لابن العربي (٢/ ٦٢٤)\n (^٤) تفسير القرطبي (٦/ ١٩١) وانظر تفسير الطبري (٦/ ١٤٦)","vol":"2","page":741},{"text":"*وعليه:\nفإن صورة التبديل الموجب للحكم بالكفر ليست محصورة في مطلق التغيير؛ بل هو الذى يُقرن مع التغيير وصفًا آخر، وهو الزعم أن هذا من دين الله تعالى. (^١)\nثانيا: الحالات التى يكون فيه الحكم بغير ما أنزل الله شركًا أصغر:\n١ - الحالة الأولى:\nالاستبدال:\nوصورتها أن يحكم بغير ما أنزل الله - تعالى - دون أن ينسب الحكم الذى جاء به لدين الله تعالى، بل تحمله شهوته وهواه على الحكم بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ.\n*وحكم هذه الصورة أنها داخلة فى الشرك الأصغر، التى لا تُخرج صاحبها من الملة.\n*ودليل ذلك الإجماع الذى نقله ابن عبد البر على ذلك، حيث قال:\nوأجمع العلماء على أنَّ الجور فى الحكم من الكبائر، لمن تعمَّد ذلك عالمًا به. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه:\nفمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة. (^٣)\n_________\n(^١) لذا فمن الخطأ البيِّن أن يطلق التبديل على التغييرالمجرد لشريعة الله - عزوجل- دون أن ينسب ذلك إلى الشريعة، كمن لا يعاقب - مثلًا - على الزنا إذا كان بالتراضي بين الطرفين، دون أن يقول مثلًا \"هذا هو حكم الله\".\nفالفرق واضح بين فعل اليهود في نسبة تبديلهم للشريعة إلى حكم الله تعالى، وبين من فعل ذلك دون أن ينسب فعله إلى شرع الله.\n*فإن قيل:\nأن الحكم بالبراءة من جريمة الزنا إن كان بالتراضي بين الطرفين، هو الزام بخلاف الشريعة وتصحيح للزنا إذا كان بالتراضي؟؟\n* قلنا:\nنفرق هنا بين من قال: \" الزنا حرام، وأنا أفعله \"، وبين من قال: \" الزنا حرام، ولايلزمني التحريم \"، فالأول لا ينزل تحت حكم الكفر، لاحتمال أنه قال ذلك لشهوةٍ غلبته، وأما الثاني فذلك الذي لاخلاف في خروجه من الملة، فالخلط بين الأمرين خطأ بيِّن، والله أعلم.\n (^٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٥/ ٧٤)\n (^٣) منهاج السنة (٥/ ١٣١)","vol":"2","page":742},{"text":"*ويدل ذلك على:\nعدم وجود دليل يوجب الكفر الأكبر لمن هذا حاله، والقاعدة أنَّ:\n\" ما ثبت إسلامه بيقين لا يخرج منه إلا بيقين \"\nقال ابن القيم:\nالصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. (^١)\nقال ابن العربي:\nوهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله؛ فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. (^٢)\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم:\nوأما \" القسم الثاني \" من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدَّم أن تفسير ابن عباس -﵄ - لقوله عزوجل:\n (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله -﵁- في الآية: كفر دون كفر. وقوله أيضًا:\nليس بالكفر الذي يذهبون إليه.\n- وذلك أن تحمله شهوته وهواء على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق وإعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين والغموس وغيرها. (^٣)\nفوائد على ما سبق:\n١ - لا فرق فى مسألة الاستبدال المجرد بين الاستبدال الكلى أو الجزئى، فلا\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٤٦) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص / ٣٣١)\n (^٢) أحكام القرآن (٢/ ١٢٧)\n (^٣) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (١٢/ ٢٩١)","vol":"2","page":743},{"text":"يحكم بالكفر الأكبر لمن استبدل كل الشريعة مثلًا، ويحكم بالكفر الأصغرعلى من استبدل بعضها؛ وذلك لأنَّ ادلة الشريعة لم تفرِّق بين استبدال حكم واحد أو أكثر من حكم، وعليه فلا يجوز أن يناط الكفر بشئ لا دليل عليه.\n٢ - هذه الحالة كما سبق وذكرنا تقع تحت الشرك الأصغر، طالما لم تصاحبه نيه الجحود أو التكذيب، بل هو الترك المجرد، حتى ولو تيقن أن حكم الله واجب وقال لا أفعله.\nفنفس هذه العباره لا يكون بها كافرًا؛ لاحتمال أن قوله هذا قد حمله عليه شهوته للحكم بما شرع لنفسه.\nبخلاف ما لو قال: \" تحكيم شرع الله واجب، ولكن لا يلزمني فعله\"، أو اعتقد وجوب تحكيم ما أنزل الله، لكنه يرى نفسه مخيَّرًا فى الترك لذلك، فإن هذا من الشرك الأكبر.\n*الحالة الثانية: التشريع العام:\nوصورتها:\nأن يحكم بغير ما أنزل الله - تعالى - ويجعل هذا الحكم عامًا على كل من تحته، حيث يلزم كل من تحت سلطانه بهذا الحكم ولكن من غير جحود ولا استحلال، ولا تكذيب، ودون أن ينسب هذا الحكم الذى جاء به لدين الله ﷿، كما هو شأن القوانين الوضعية. (^١)\n_________\n(^١) نبذة عن القانون الوضعي:\nيرجع الأصل فى وضع القانون المدني المصري إلى الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري المصري، والفرنسي الصليبي إدوارد لامبير، وقد عاون في وضعه الصليبيان استويت وساس، وأخذ أكثر من ٨٥% من نصوصه من قوانين الفرنسي، ولذلك نراه يبيح أحكامًا حرمتها الشريعة تحريمًا قطعيًا كالربا والقمار، وأما ما أخذ في ذلك من الشريعة الإسلامية فقد روعي فيه أن يكون متفقًا مع المبادئ التي قام عليها القانون الوضعي، فصار القانون هو المهيمن على الشريعة الإسلامية، يأخذ منها ما يوافقه ويرفض ما لا يتفق مع مبادئه.\nيقول عبد الرزاق السنهوري في هذا:\n «يراعي في الأخذ بأحكام الفقه الإسلامي التنسيق بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التي يقوم عليها التشريع المدني في جملته، فلا يجوز الأخذ بحكم في الفقه الإسلامي يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ حتى لا يفقد التقنين المدني تجانسه وانسجامه»","vol":"2","page":744},{"text":"وحكم هذه الصورة أنها داخلة فى الكفر الأصغر؛ وذلك لعدم الدليل على دخولها في الشرك الأكبر.\nفالشريعة لم تعلِّق الكفر على تعميم الحكم أو الإلزام به، كما أن الأدلة لم تفرَّق بين الحاكم الذى يعمم والذى لا يعمم، ولا بين الحاكم الذى يُلزم من تحته والذى لا يُلزم (^١).\nوعليه فإنَّ ذات التشريع ولو كان عامًا لا يكون كفرًا، إلا إذا انضم إليه شئ آخر.\n**قال شيخ الإسلام ابن تيميه:\nكثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله ﷾، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة.\nوهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالًا. (^٢)\nفرع:\nقد استدل البعض على جعل هذه الصورة من الكفر الأكبر بأنَّ الفاعل لذلك ما استبدل حكم الله لحكم نفسه، ثم جعله حكمًا عامًا ألزم به من تحته إلا وهو يعتقد أن حكمه أنفع وأصلح من حكم الله تعالى، فالإلزام في التشريع العام هو الإيجاب، ولا يشك عاقل أن من أوجب شيئًا على سبيل العموم فلابد أن يكون مستحلًا له ضمنًا، فالإيجاب يتضمن الإباحة ويزيد عليها. (^٣)\n_________\n(^١) الحكم بغير ما أنزل لبندرالعتبى (ص / ٤٣)\n (^٢) وانظر منهاج السنه النبويه (٥/ ١٣٠) ونواقض الايمان (ص / ٣١٨)\n (^٣) وهذا ما يسمى \" بالتكفير باللازم \"، حيث إن القائلين بحمل قضية التشريع العام على الكفر الأكبر، إنما حكموا بذلك أخذًا بلازم الفعل، لذا تراهم يقولون:\nأن كل من جعل شرعًا عامًا متبعًا، فإنه لم يجعله كذلك إلا لأنه يراه هو العدل، ولذلك يسمى مستحلًا.\nوقالوا: لا شك أن تبديل الشريعة لا يكون إلا استحلالًا، فإن المبدل للشرع كتشريع عام للناس لا يتصور أن يفعل ذلك إلا إذا كان يجحد أن لله حكمًا في هذه المسألة التي يشرع فيها، أو يقر بوجود حكم في دين الله ولكن يرى أن هذا الحكم الوضعي أحسن منه، أو مساوٍ، أو على الأقل يرى أنه لا يلزمه أن يحكم بشرع الله، وكل هذا ينطبق عليه وصف الاستحلال.\nوأما إذا ضم إلى ذلك إلزام الغير به، فهذا قد تجاوز مرحلة استحلال الحكم بغير ما أنزل الله إلى تحريم الحكم بما أنزل الله!!","vol":"2","page":745},{"text":"*وهذا مدفوع من وجوه:\n (١) الوجه الأول:\nما قرره أهل العلم من أنَّ لازم المذهب لا يكون مذهبًا للمرء إلا إذا التزمه، والمرء قد يعتقد خلاف مايلزم من قوله.\n* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهبًا، بل أكثر الناس يقولون أقوالًا ولا يلتزمون لوازمها.\nفلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقدًا للتعطيل، بل يكون معتقدًا للإثبات، ولكن لا يعرف ذلك اللزوم. (^١)\nوقال ﵀:\nولو كان لازم المذهب مذهبًا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة. (^٢)\n*وعليه نقول:\nقد يقول القائل قولًا ثم تراه معتقدًا خلاف لازم قوله، إذ قد ترى من يفعل ذلك - اى فى صورة الباب - وهو يعتقد أن الشريعة أنفع من حكمه الذي حكم به.\nوعليه فإن ورود هذه الإحتمالات - ولو كانت ظنية- فهي مانعة من الحكم على صاحبها بالكفر، فالقاعدة (أن ماثبت بيقين لا يزول بمجرد الشك) وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى.\n* كذلك يقال:\nأن الإلزام لمن ترك الحكم بما أنزل الله - تعالى- بأنه مستحلٌ فهذا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٦١)\n (^٢) المصدر السابق (٢٠/ ٢١٧)","vol":"2","page":746},{"text":"إلزامٌ غير صحيح؛ لأن دِلالة الفعل الظاهر على الاستحلال في الباطن دِلالة مُحتمِلةٌ لا تقوى على دفع الإسلام الثابت للرجل باليقين؛ لأن من دخل الدين بيقين لم يخرج إلا بيقينٍ مثله.\nثم هذا يفتح بابًا في تكفير أهل المعاصي؛ إذ كل من يستعظم معصيةً يحكم على صاحبها بأنه كافر لزعْمِهِ أنه مستحل لهذه المعصية.\n٣ - الوجه الثاني:\nيلزم من ذلك تكفير من اتفق أهل السنة على عدم تكفيره، وهو من شرَّع ذنبًا ما - دون شرك - ثم ألزم أهله به، وخالف من ينكر عليه، فلا يكفر عند أهل السنة، بل يكفر عند من التزم القول بهذه المقالة.\n٤ - الوجه الثالث:\nأن المخالف في هذا الباب إنما جعل التشريع العام، وتنحية الشريعة قرينة على التفضيل القلبي!!\n- وجوابًا على ذلك أن يقال:\nأن التفضيل لا يعرف بعظم الفعل والتمادي فيه، ولو بلغ أقصى درجاته، وإلا للزم من ذلك تكفير أصحاب البنوك الربوية وبيوت الفاحشة، لكون القرائن قد اجتمعت على تفضيلهم للربا على الكسب الحلال، وللزنى على العفاف، وهذا معلوم البطلان. (^١)\n*وممَّا سبق يتبين لنا تفريق العلماء بين الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله- تعالى - كفرًا أكبر، والحالات التى يكون فيها كفرًا أصغر.\nوتزيد عن ذلك نقولات لأهل العلم ومنها ما يلى:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق؛ وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية كما قال الصحابة: ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبي ﷺ ﴿إنه ليس بمؤمن﴾.\n_________\n(^١) ذكره صاحب غوث التائق في معرفة حقيقة الياسق.","vol":"2","page":747},{"text":"إنه يقال لهم:\nمسلمون لا مؤمنون؛ واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام وبأن الرجل قد يكون مسلما ومعه كفر لا ينقل عن الملة بل كفر دون كفر كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ قالوا: كفر لا ينقل عن الملة وكفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم. (^١)\n* فتوى الشيخ ابن باز:\nهل يعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفارًا، وإذا قلنا إنهم مسلمون، فماذا نقول عن قوله تعالى: \"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون\"؟\nأجاب - ﵀على السؤال قائلًا:\nالحكام بغير ما أنزل الله -تعالى - أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم:\nأ) فمن حكم بغير ما أنزل الله -تعالى- يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين.\nوهكذا من يحكِّم القوانين الوضعية بدلًا من شرع الله ويرى أن ذلك جائز، حتى لو قال: إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر؛ وذلك لكونه استحل ما حرم الله.\nب أما من حكم بغير ما أنزل الله-تعالى- اتباعًا للهوى أو للرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأسباب أخرى وهو يعلم أنه عاصٍ لله -تعالى- بذلك وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر، ويكون ممن أتى كفرًا أصغر وظلمًا أصغر وفسقًا أصغر، كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس -﵄ - وعن طاووس وجماعة من السلف الصالح، وهو المعروف عن أهل العلم، والله ولي التوفيق. (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٠)\n (^٢) مجموع فتاوى ابن باز (٤/ ٤١٦)، مجلة الدعوة العدد (٩٦٣) في ٥/ ٢/ ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":748},{"text":"شبهات في مسألة الحاكمية:\nوهذه جملة من الشبهات التي يستدل بها من يطلق حكم التكفير على من غيَّر حكم الله تعالى، ونذكر منها:\n١) الاستدلال بعموم الحكم في قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)\n* والجواب عن هذه الشبهة من وجهين:\n١) الوجه الأول:\nأن هذه الآية محمولة على حالة التبديل للشرع، ونسبة ذلك إلى دين الله تعالى، ومما يؤيد ذلك:\nأولًا: سبب نزول هذه الأية، فهو من المقيَّدات والمفسَّرات:\nففي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍرضي الله عنه- لما مُرّواَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ، فَقَالَ:\n «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا:\nنَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ:\n «أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ» قَالَ:\nلَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. (^١)\n*وقد ساق ابن جرير خمسة أقوال في تفسير هذه الآية ثم قال:\n\"وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرا عنهم أولى.\nفإن قال قائل:\nفإن الله - تعالى - ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٠٠)","vol":"2","page":749},{"text":"أنزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟\nقيل:\nإن الله - تعالى - عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ على سبيل ما تركوه كافرون.\nوكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ. (^١)\n- أقول:\nوما قاله ابن جرير الطبري - ﵀ - في قوله بعموم الآية لمن كان هذا حاله قد سبقه إليه الصاحب الجليل حذيفة بن اليمان ﵁، فعن همام، قال:\nكنا عند حذيفة - ﵁ - فذكروا ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ فقال رجل من القوم:\nإن هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة ﵁:\n «: «نِعْمَ الْإِخْوَةُ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِنْ كَانَ لَكُمُ الْحُلْوُ وَلَهُمُ الْمُرُّ، كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَحْذُوا السُّنَّةَ بِالسُّنَّةِ حَذْوَ الْقُذَّةَ بِالْقُذَّةَ». (^٢)\n* وجملة القول:\nأن الآية نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله تعالى، فمن شاركهم في الجحد، فهو كافر كفرًا اعتقاديًا، ومن لم يشاركهم في الجحد فكفره عملي لأنه عمل عملهم، فهو بذلك مجرم آثم، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة، كما تقدم عن ابن عباس ﵁. (^٣)\n*الجواب الثاني:\nأن القول بظاهر هذه الأية وحملها على الكفر الأكبرمما شاع استعماله مذهبًا للخوارج والمعتزلة.\nفقد احتج بها الخوارج والمعتزلة على الحكم\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (١٠/ ٣٥٨) وانظرالجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٩٠)\n (^٢) أخرجه الحاكم (٣٢١٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم. وقد صحح الألبانى إسناده في تخريجه لكتاب الإيمان لابن تيميه\n (٣٠٩)\n (^٣) موسوعة مواقف السلف في العقيدة (١٠/ ٤١٣)","vol":"2","page":750},{"text":"بتكفير أهل الكبائر، على اختلافهم في توصيفه في الحال دون المآل، كما نص على ذلك القاضي عبد الجبار. (^١)\nوقال القرطبي بعد أن نسب القول بظاهر هذه الآية للخوارج:\nوهذه الآيات المراد بِهَا أهل الكفر والعناد، وأنَّهَا وإن كانت ألفاظها عامة، فقد خرج منها المسلمون؛ لأن ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك، .... وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود.\nوقال ﵀:\nيحتج بظاهرها من يكفر بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حجة لهم فيه؛ لأن هذه الآيات نزلت في اليهود المحرِّفين كلام الله تعالى، كما جاء في الحديث وهم كفار، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب النزول. (^٢)\n*الجوب الثالث:\nأن يحمل الكفر الوارد في الأية على الكفر الأصغر:\nفقد ورد عن عن طاووس، قال: قال ابن عباس ﵄:\nإنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، هو كفر دون كفر. (^٣)\nفائدة:\nوقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس -﵄- بعدة ألفاظ، نذكر منها:\n١ - قال: \"هي به كفر\"، وهذا قد رواه الطبري في التفسير (١٠/ ٣٦٥) وابن كثير في التفسير (٣/ ١٢٠) عن عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس، وهذا سندٌ صحيح لا مطعن فيه.\n_________\n(^١) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/٧٢٢) ومتشابه القرآن (ص/٢٢٨) ومنهج المتكلمين (ص/٦٧٤)\nوممن نسب تفسيرهذه الآية في حملها على الشرك الأكبر إلى قول الخوارج والمعتزلة:\nأبو بكر الرازي الجصاصفي \"أحكام القرآن\" (٤/ ٩٤) وأبو يعلى في مسائل الإيمان (٣٤٠) والآجري في الشريعة (١/ ٣٤٢) والسمعاني في تفسيره (٢/ ٤٢) وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ١٧)\n (^٢) وانظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٥/ ١١٨)\n (^٣) أخرجه الطبرى في التفسير (١٠/ ٣٥٦) والحاكم (٣٢١٩) وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، وقال الذهبي: \"صحيح\".","vol":"2","page":751},{"text":"٢ - قال: \"هي به كفرٌ، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله\" رواه الطبري (التفسير) من طريق سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس؛ وهذا -كسابقه- سندٌ لا مطعن فيه. (^١)\nولكنَّ هذين الأثرين الثابتين عن ابن عباس - ﵄ - ليسا بصريحين في أنه فسّره بالكفر الأصغر؛ إذ قد يقال: يريد أنه كفر أكبر، لكنه أقل من رُتْبَةِ الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.\nوهذا كلامٌ محتملٌ لولا أنه صح عن اثنين من أصحاب ابن عباس، وهما:\n (طاووس، عطاء)\n*أما أثر عطاء بن أبي رباح فقد ذكر هذه الآيات، ثم قال:\nكفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم فإسناده صحيح. (^٢)\n*وأما أثر طاووس فقد رواه عنه سعيد المكي، فقد قال طاووس (وقد ذكر الآية) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. (^٣)\nفهذا يؤكد أن قول ابن عباس -﵄ - إنما هو على إرادة الشرك الأصغر؛ فإن أقوال أصحاب الرجل -في الأغلب- توضِّح قوله، ومذهب الصحابيِّ يؤخذ من مذهب أصحابه. (^٤)\n*وقد ذكر الشالنجي أنه سأل الإمام أحمد عن هذه الآية؟\nفقال: كفر لا ينقل عن الإيمان، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر،\n_________\n(^١) الإيمان لأبي عبيد (ص/١٢٥).\n (^٢) رواه الطبري في تفسيره (١٢٠٤٧ - ١٢٠٥١) والثوري في التفسير (ص/١٠١) وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٥٢)\n (^٣) قال العلامة الألباني في الصحيحة (٦/ ١١٤) \"إسناده صحيح \".\n (^٤) وقد قال شيخ الإسلام: وأما \" التفسير \" فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وطاووس وأبي الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم.\nوانظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤٧)","vol":"2","page":752},{"text":"حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه. (^١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوإذا كان من قول السلف إنَّ الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم إنه يكون فيه إيمان وكفر، وليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾\n* قالوا:\nكفرًا لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة \". (^٢)\nقال ابن القيم:\nتأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾\nقال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وكذلك قال طاووس، وقال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق........\nالصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخيَّر فيه، مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين، والله أعلم. (^٣)\n*الشبهة الثانية:\nوهو الإجماع الذي نقله الحافظ بن كثير﵀- على من كفر من حكم بـ \"الياسق \"، وتنزيله على كل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى.\nونص كلامه: \" من ترك الشرع المحكم المنزَّل على محمد خاتم الأنبياء ﵊، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق، وقدَّمها\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٥٤)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣١٢)\n (^٣) مدارج السالكين (١/ ٣٤٥)","vol":"2","page":753},{"text":"عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. (^١)\n*والجواب عن هذه الشبهة بما يلي:\nأن هؤلاء الذين جاؤوا بالياسق إنما كفروا لأنهم جعلوا الياسق شرعًا، وقدَّموه على شرع الله تعالى، وهذا لا خلاف في كفر من فعله، وهذا يتضح من عبارة ابن كثير في التفسير، حيث قال:\nالياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ﷺ. (^٢)\nفقوله ﵀:\n\"فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ\"\nدل على أنهم جعلوا الياسق دينًا لهم، بل وقدِّموه على شرع الله.\nوقوله: \" يقدِّمونها\":\nوالتقديم هو التفضيل، وهو عمل قلبي يكفر به صاحبه، وليس المقصود هنا مجرد التقديم الظاهري للحكم بغير ما أنزل الله؛ وإلا للزم القول بتكفير كل من حكم بغير ما أنزل الله - تعالى -ولو في قضية واحدة، وللزم من ذلك دخوله في الاجماع وتكفيره بذلك، وهذا باطل قطعًا. (^٣)\n* وتأمل في قول السبكي وهو يصف الياسق بقوله:\nلَا زَالَ أمره - أي جنكزخان طاغية التتار - يعظم وَيكبر، وَكَانَ من أَعقل النَّاس وَأخْبرهمْ بالحروب، وَوضع لَهُ شرعًا اخترعه ودينا ابتدعه، لَعنه الله الياسا. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر البداية والنهاية (١٣/ ١١٩)، \"الياسق \"، ويقال: (الياسا): وهي قوانين جنكيز خان التتاري الذي ألزم الناس بالتحاكم إليها.\n (^٢) وانظر تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٣١) والحكم بغير ما أنزل الله لبندر العتبى (ص / ٨٤)\n (^٣) انظر\" غوث التائق في معرفة حقيقة الياسق \" لأبي رقية الذهبي.\n (^٤) طبقات الشافعية الكبرى (١/ ٣٢٩)","vol":"2","page":754},{"text":"*الشبهة الثالثة:\nقوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء/٦٥)\nووجه الدلالة:\nأن الله -تعالى- نفى الإيمان عمّن لم يحكِّم الشرع؛ فيكون الحاكم بغير ما أنزل الله بمجرد تحكيمه كافرًا كفرًا أكبر لأنه حكّم غير شرع الله.\nوالجواب على ذلك:\nأن النفى الوارد فى الأية إنما هو نفى لكمال الإيمان لا أصله، ومن الصوارف فى الآية:\nان هذه الآية قد نزلت فى رجل من أهل بدر، والحديث في الصحيحين، والبدريون معصومون من الوقوع فى الكفر الأكبر. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوهذه الآيه ممَّا يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما انزل الله. (^٢)\n* الشبهة الرابعة:\nقال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠) فوصف الله -تعالى - من يترك حكمه أنه مُريدٌ لحكم الجاهلية؛ وحكم الجاهلية كفرٌ!!\n*والجواب:\nأن إضافةُ الشيء إلى الجاهلية أو وصفه بأنه من أعمال أهل الجاهلية لا يدل على الكفر، وقد قال الرسول الله ﷺ لأبي ذر - ﵁-:\n\"إنك امرؤٌ فيك جاهلية \". (^٣)\nووصف أمورًا بأنها من أعمال الجاهلية كالنياحة على الميت\n_________\n(^١) ودليل عصمتهم: ما رواه البخاري عن النبيﷺ - أنه قال قال حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ -:\nأوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَمَا يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ الجَنَّةَ \" اوجبت لكم الجنه) مع الآية (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء/١١٦)\n (^٢) منهاج السنة (٥/ ١٣١)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":755},{"text":"وغيرها، ولا يلزم أن تكون كفرًا.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nوتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق؛ وقد يكون مسلمًا وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة: ابن عباس وغيره: كفر دون كفر.\nوهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبي ﷺ ﴿إنه ليس بمؤمن﴾.\nإنه يقال لهم: مسلمون لا مؤمنون؛ واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام. (^١)\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام:\n\" قوله: (أفحكم الجاهلية يبغون) تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، وإنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون \". (^٢)\n* وختاما: ركن الفتاوى: فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:\nقال في \" له: \"وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله: من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من القوانين والأوضاع وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها أو حاكم إليها؛ معتقدًا صحة ذلك وجوازه؛ فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، فإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه؛ فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملّة\". (^٣)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٠)\n (^٢) الإيمان (ص/٤٥)\n (^٣) مجموع الفتاوى\" (١/ ٨٠)، وهذه الفتوى مفصِّلة لما أجمل في رسالة: \"تحكيم القوانين\" ومتأخرة عنها بخمس سنوات، وقد كان الشيخ محمد بن إبراهيم يُكفِّر من حكم بغير شرع الله ولو لم يستحل، ولكن غير معروف عند الكثيرين أن للشيخ أيضًا قولًا آخر كما بيَّناه أعلاه.\n** بل إن المتأمل لكلام الشيخ محمد ابن إبراهيم نفسه في رسالة تحكيم القوانين يدرك أنه أرجع الحكم في هذه المسألة للاعتقاد، فقد قال: \"ومن الممتنع أن يسمِّى الله - ﷾- الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا ولا يكون كافرًا؛ بل هو كافر مطلقًا \" إما (كفر عمل) وإما (كفر اعتقاد) ... أما كفر الاعتقاد فهو أنواع... [وذكر منها الحكم بالقوانين] (وانظر \"رسالة تحيكم القوانين\" (ص/٧»","vol":"2","page":756},{"text":"- الشيخ محمد الأمين الشنقيطي\nقال في \"أضواء البيان\" (٢/ ١٠٤): \"\nواعلم: أن تحرير المقال في هذا البحث: أن الكفر والظلم والفسق، كل واحد منها أطلق في الشرع مرادًا به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ معارضًا للرسل، وإبطالًا لأحكام الله؛ فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج من الملة. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ معتقدًا أنه مرتكب حرامًا، فاعل قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملة\".\n*فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز﵀ - عندما سئل عن حكم من حكم بغير ما أنزل الله.\nقال: «من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أنواع:\n١ - من قال: أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية، فهو كافر كفرًا أكبر.\n٢ - ومن قال: أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز، وبالشريعة جائز، فهو كافر كفرًا أكبر.\n٣ - ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفرًا أكبر.\n٤ - ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حُكَّامه، فهو كافر كفرًا أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر). (^١)\n_________\n(^١) قال الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني: حدثنا بهذا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أثناء محاضرة له بالجامع الكبير بعد عام ١٤٠٢ هـ، وأظنه عام ١٤٠٣ هـ، ثم طبعت هذه المحاضرة فيما بعد بعنوان القوادح في العقيدة. وانظركتاب \" من أحكام سورة المائدة (ص/٧٦)\nومن استمع إلى شريط: \"الدمعة البازية\" الذي تضمن تسجيلًا لمجلس علمي راود فيه مجموعة من الدعاة ذائعي الصيت الإمام ابن باز في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ ليقول بالتكفير المطلق بدون تفصيل، فكان -﵀- يؤكد بأن الحكم بغير ما أنزل الله: لو بدل، أو وضع القوانين العامة لا يكفر، ما لم يكن ثمّة استحلال ظاهر معين، وكان يقول: \"وخلاف هذا مذهب المبتدعة الخوارج\".","vol":"2","page":757},{"text":"*الشيخ محمد بن صالح العثيمين:\nسُئل في شريط \"التحرير في مسألة التكفير\" بتاريخ (٢٢/ ٤/١٤٢٠) سؤالًا مفاده:\nإذا ألزم الحاكم الناس بشريعة مخالفة للكتاب والسنة مع اعترافه بأن الحق ما في الكتاب والسنة لكنه يرى إلزام الناس بهذا الشريعة شهوة أو لاعتبارات أخرى، هل يكون بفعله هذا كافرًا أم لابد أن يُنظر في اعتقاده في هذه المسألة؟\n\nفأجاب: \"... أما في ما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كما في كتابه العزيز، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كفر، وظلم، وفسق، على حسب الأسباب التي بُني عليها هذا الحكم، فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعًا لهواه مع علمه أن بأن الحق فيما قضى الله به؛ فهذا لا يكفر لكنه بين فاسق وظالم، وأما إذا كان يشرع حكمًا عامًا تمشي عليه الأمة يرى أن ذلك من المصلحة وقد لبس عليه فيه فلا يكفر أيضًا، لأن كثيرًا من الحكام عندهم جهل بعلم الشريعة ويتصل بمن لا يعرف الحكم الشرعي، وهم يرونه عالمًا كبيرًا، فيحصل بذلك مخالفة، وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا أو شرع هذا وجعله دستورًا يمشي الناس عليه؛ نعتقد أنه ظالم في ذلك وللحق الذي جاء في الكتاب والسنة أننا لا نستطيع أن نكفر هذا، وإنما نكفر من يرى أن الحكم بغير ما أنزل الله أولى أن يكون الناس عليه، أو مثل حكم الله ﷿ فإن هذا كافر لأنه يكذب بقول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.","vol":"2","page":758},{"text":"*العلامة الشيخ عبد المحسن العباد البدر - حفظه الله -\nسُئل في المسجد النبوي في درس شرح سنن أبي داود بتاريخ: ١٦/ ١١/١٤٢٠:\nهل استبدال الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية كفر في ذاته؟ أم يحتاج إلى الاستحلال القلبي والاعتقاد بجواز ذلك؟ وهل هناك فرق في الحكم مرة بغير ما أنزل الله، وجعل القوانين تشريعًا عامًا مع اعتقاد عدم جواز ذلك؟\nفأجاب: \"يبدو أنه لا فرق بين الحكم في مسألة، أو عشرة، أو مئة، أو ألف - أو أقل أو أكثر - لا فرق؛ ما دام الإنسان يعتبر نفسه أنه مخطئ، وأنه فعل أمرًا منكرًا، وأنه فعل معصية، وانه خائف من الذنب، فهذا كفر دون كفر.\nوأما مع الاستحلال - ولو كان في مسألة واحدة، يستحل فيها الحكم بغير ما أنزل الله، يعتبر نفسه حلالًا-؛ فإنه يكون كافرًا \".\n** قال الشيخ ابن جبرين:\n\" أما الأمور التي قد يدخلها الاجتهاد وهي ما عليه كثير من الولاة مما يسمى حكمًا بالقوانين، فمثل هذه الأحكام الغالب عليها أنهم يرون فيها مصلحة، وأنهم لم يلغوا الشرع إلغاءً كليًا بحيث لا يحكمون منه بشيء لأن الله قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).\nفمثل هؤلاء: إذا كان لهم وجهة فلا نقول بكفرهم، ولكننا نخطئهم في هذا الاجتهاد الذي هو تغيير شيء من الشرع ولو كان عن طريق الاجتهاد فمثلًا:\nإباحتهم للزنا (^١)، إذا كان برضى الطرفين، وكذلك تركهم -أو إلغاؤهم- للحدود، كحد السرقة وحد القذف وحد شرب الخمر وإباحة الخمر (^٢)، وإعلان بيعها وما أشبه ذلك؛ لا شك أن هذا ذنبٌ كبير.\n_________\n(^١) يقصد الشيخ بـ (الإباحة) هنا: أي سماحهم بالزنا وتركهم للزناة إذا كان برضا منهم، ولا يقصد الشيخ -يقينا- الإباحة بالمعنى الاصطلاحي وهي إحلال الحرام وتجويزة، وإلا لم يصح أن يوصف ذلك بأنه (ذنب الكبير) كما سياتي من كلام الشيخ نفسه، فتنبه!.\n (^٢) انظر الهامش السابق.","vol":"2","page":759},{"text":"ولكن قد يكون لهم - مثلًا - من الأعذار ما يرون أنهم يعذرون فيه؛ فيعتذرون أن في بلادهم من ليس بمسلمين، وأن التشديد عليهم فيه تنفيرٌ.\nوإذا كان لهم وجهة فالله حسبهم. \" اهـ. (^١)\n* فتوى الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (المتوفى: ١٢٩٣ هـ)\n- فقد نقل ما ذكره في شأن الأعراب من الفرق بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومن لم يستحل، هو الذي عليه العمل، وإليه المرجع عند أهل العلم، يعني أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ورأى أن حكم الطاغوت أحسن من حكم الله، وأن الحضر لا يعرفون إلا حكم المواريث، وأن ما هم عليه من السوالف والعادات هو الحق، فمن اعتقد هذا فهو كافر.\nوأما من لا يستحل هذا، ويرى أن حكم الطاغوت باطل، وأن حكم الله ورسوله هو الحق، فهذا لا يكفر، ولا يخرج من الإسلام. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (^٢).\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) سلسلة أشرطة شرح لمعة الاعتقاد، الشريط السادس عشر (١٦) الدقيقة: (١: ٢٠: ٥٠)\n (^٢) عيون الرسائل والأجوبة على المسائل (٢/ ٦٠٣) وهو عبارة عن مجموعة رسائل وأجوبة مفيدة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، جمعها تلميذه الشيخ سليمان بن سحمان.","vol":"2","page":760},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>الحديث الخامس والعشرون: ذات العماد شرح حديث حق الله على العباد</span>","vol":"2","page":761},{"text":"* نص حديث الباب:\nعَنْ مُعَاذٍ - ﵁- قَالَ:\nكُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّﷺعَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ:\n... «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟»، قُلْتُ:\nاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»\nفَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا»، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذُ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا، برقم (١٢٨)\nوأخرجه مسلم كِتَاب الْإِيمَانَ، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، حديث رقم (٣٠)\n*\nالفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nالفائدة الأولى:\nقوله ﷺ: \" حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا \"\nوحق الله -تعالى- على العباد، هو ما يستحقه عليهم ويجعله متحتمًا، وهو أن يعبدوه تعالى، هذا هو حق الله ﷾ على عباده، من أولهم إلى آخرهم، كما في قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، وهو أول الحقوق، وآكد الحقوق. والعبادة المأمور بها هي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\" هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة \"\nويقول ﵀: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي","vol":"2","page":763},{"text":"تتضمن غاية الذل لله - تعالى - بغاية المحبة له. (^١)\nوقوله ﷺ: \" ولا يشركوا به شيئًا \":\nفى دلالة على أنه لا يكفي فقط العبادة، لأن الكفار كانوا يصرفون شيئًا من العبادة لله تعالى، لكنهم يشركون معه غيره، ولذلك لابد من عبادة الله - تعالى - مع عدم إشراك غيره معه.\n*الفائدة الثانية:\n*وأما قوله ﷺ: \" وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ... \"\nففي تفسيرها وجوه:\n١ - هى من باب قول الرجل لصاحبه \" حقك عليَّ واجب \"، أي: متأكد قيامي به، ولله المثل الأعلى؛ فإن الله -تعالى - يخبر عباده عن حقهم الذي وعدهم به، ومن صفة وعده أن يكون واجب الإنجاز، فهو حق بوعده الحق، لا أنهم يستحقون ذلك بعمل عقلًا. (^٢)\n٢ - أنها خرجت على سبيل المشاكلة، ونظير ذلك ما ورد في حديث أَنَس بْن مَالِكٍ﵁ - لما مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَجَبَتْ»، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ» (^٣) ...، فالثناء لا يستعمل إلا في الخير، واستعماله في الشر هنا على سبيل المشاكلة.\nفيكون المعنى في حديث الباب: أن حق العباد على الله -تعالى - إنما أُطلق هناعلى سبيل المقابلة لحقه عليهم، لا أنهم يستحقون عليه شيئًا.\n*والصحيح في ذلك أن حق العباد على الله -تعالى- ليس حق وجوب، بل هو حق تفضل وحق تكرُّم؛ وذلك لأنه الذي وفَّقهم وأنعم عليهم، ثم هو وعدهم -وهو لا يخلف الميعاد- أن من وحدَّه فإنه يثيبه وينعِّمه، وأنه لا يعذِّبه إذا مات على التوحيد الصحيح الصادق.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٥٣)\n (^٢) وانظر مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٣٤٦) وتحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد (١/ ٤٨)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":764},{"text":"فحق العباد على الله -عزوجل- إنما يحصل لأنه سبحانه أصدق قيلًا، وأحق من وفَّى بوعده، قال تعالى (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) (التوبة: ١١١).\n*فرع:\nوقد تمسَّك المعتزلة بظاهر حديث الباب فيما ذهبوا إليه من القول بمسألة \" الواجب على الله \"؛ فبناءً على قولهم بالحسن والقبح العقليين فقد أوجبوا على الله تعالى أمورًا، بدعوى أن عدم تقديرها سيكون مخلًا بالحكمة والعدل والصلاح؛ فيكون لازمًا لاقتضاء الحكمة إياه.\nوهم يرون وجوب ما حكم العقل بحسنه على الله تعالى، وأن تركه نقص يتنزَّه الله عنه. (^١)\nوفى ذلك يقول القاضي عبدالجبار:\n\"وأما علوم العدل؛ فهو أن يعلم أن أفعال الله- تعالى- كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأنه لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه \". (^٢)\n* وعلى الجانب الآخر:\nيرى الأشاعرة في مسألة الوجوب في حق الله تعالى:\nأن الله - تعالى - لا يجب عليه شيء؛ ويمنعون وجوب شيء في حقه تعالى عقلًا؛ لأنه المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء، واتفقوا على بطلان التحسين والتقبيح العقليين، فلا حكم للأفعال قبل الشرع بالحسن أو القبح. (^٣)\n_________\n(^١) وأول من اشتهر عنه البحث في هذه المسألة الجهم بن صفوان، فهو الذي وضع قاعدته المشهورة: \"إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع\"، ثم أخذ المعتزلة بهذا القول ووافقهم عليه الكرَّامية.\nوانظر بغية الطالب (ص/٣٢٥) والملل والنحل (١/ ٨٨) وأبكار الأفكار (١/ ٥٨١)\n (^٢) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/١٣٢)، وهذا ما أشار إليه الزمخشري في تفسيره لقوله تعالى\n (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، حيث قال: فلم قُدِّمت العبادةُ على الاستعانة؟\nقلت:\nلأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة؛ ليستوجبوا الإجابة إليها. وانظر الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ١٥)\n* وكذلك يقول الزمخشري في تفسيره لقول الله تعالى (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (النساء/١٠٠)\nقال: والمعنى: قد علم الله كيف يثيبه، وذلك واجب عليه. \" الكشَّاف \" (١/ ٥٥٨)\nوكم من مواضع في تفسير \" الكشَّاف\" مما يقال فيها هى \" نار تحت الرماد \"، فظاهرها الرحمة، ومن باطنها العذاب.\n (^٣) وانظر شرح السنوسية الكبرى (ص/٣٤٤) ونهاية الإقدام (ص/٤٤٥) والأربعين في أصول الدين (٢/ ٣٥٠)","vol":"2","page":765},{"text":"* ومما سبق يتبين لنا أنه قد ترتب على كلا القولين:\n١ - أن المعتزلة أفرطوا في تمجيد العقل، حتى أوجبوا بمقتضاه الصلاح على الله تعالى؛ وذلك يتحقق بأن يفعل الله -تعالى - الصلاح أو الأصلح لعباده، على خلاف بين معتزلة بغداد ومعتزلة البصرة.\nوأن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع بما دل عليه العقل، كوجوب شكر المنعم، ومكلف بمحاسن الأخلاق. (^١)\n٢ - أن الأشاعرة قد أطلقوا القول بنفي الوجوب في حقه تعالى؛ فلم ينزهوه عن فعل شيء، بناءً منهم على نفي التحسين والتقبيح العقليين، وعليه فقد جوَّزوا على الله -تعالى- إرادة الخير والشر، دون أن يفرقوا بين دلالة الإرادة الكونية ودلالة الإرادة الشرعية.\nفتراهم يقولون أن الحسن والقبح تابعان لأمر الشارع ونهيه، وأنه لو عكس الشارع القضية فقبَّح ما حسَّنه وحسَّن ما قبَّحه لجاز ذلك، فلا يقبح منه أن يعذِّب المؤمنين، ويدخل الكافرين الجنان، وهذا مبني على مسألة نفي الأشاعرة للحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى. (^٢)\n* وهدى الله -تعالى- الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقالوا:\nأما ما يتعلق بمسألة التحسين والتقبيح العقليين فمذهب أهل السنة في الرد على المعتزلة يتلخص في المحاور التالية:\n١ - الأول:\nالعقل يمكنه أن يدرك حسن وقبح كثيرًا من الأشياء لصفاتها الذاتية، وذلك قبل ورود الشرع، دون أن يترتب على هذا الادراك أى حكم شرعي، حتى يرد الشرع فيحكم بذلك؛ فإن الظلم والشرك والكذب والفواحش كل ذلك قبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة لا تستحق إلا بمجيء الرسول ﷺ. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر الملل والنحل (١/ ٤٥) ودراسة نقدية لجوهرة التوحيد (ص/٣٣٤)\n (^٢) وانظر موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٢٠) وتناقضات الأشاعرة (ص/٩٤)\n (^٣) انظر درء التعارض (٨/ ١٤) ورسالة السجزى إلى أهل زبيد (ص/٩٥) ودراسة نقدية لنظم الجوهرة (ص/٣٣٨)","vol":"2","page":766},{"text":"٢ - الثاني:\nأن مقياس الصلاح والأصلح ليس راجعًا إلى مقياس عقول البشر، بل إن ذلك راجع إلى ما تقتضيه حكمة الله تعالى، فقد تكون على خلاف ما يراه الخلق بادئ الرأي في عقولهم القاصرة؛ فانقطاع المطر قد يبدو لكثير من الناس أنه ليس الأصلح بينما قد يكون هو الأصلح، لكنه مراد لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].\nوكذلك استدراج الكفار بالنعم، وابتلاء المسلمين بالمصائب كل ذلك يحمل في طياته ضروبًا من الحكم التي لا تحيط عقول البشر إلا بأقل القليل منها.\nبل إن خلق إبليس، وتقدير المعاصي، وتقدير الآلام يتضمن حكمًا تبهر العقول وتُبين عن عظيم حكمة أحكم الحاكمين. (^١)\n٣ - الثالث:\nأن القول برعاية الصلاح أو الأصلح مبني على تشبيه الخالق بالمخلوق فيما يحسن من أفعاله ويقبح، وذلك باطل شرعًا وعقلًا؛ وذلك لأن التشبيه فى الأفعال كالتشبيه فى الذات والصفات. قال ابن القيم:\nقياس أفعال الله -تعالى- على أفعال عباده من أفسد القياس وأعظمه بطلانًا؛ فإنه تعالى كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته فكذلك ليس كمثله شيء في أفعاله.\nوكيف يقاس على خلقه في أفعاله فيحسن منه ما يحسن منهم ويقبح منه ما يقبح منهم، ونحن نرى كثيرًا من الأفعال تقبح منا وهي حسنة منه تعالى؟!\nكإيلام الأطفال والحيوان، وإهلاك من لو أهلكناه نحن لقبح منا من الأموال والأنفس وهو منه تعالى مستحسن غير مستقبح.\nوترك إنقاذ الغرقي والهلكي قبيحًا منا، وهو سبحانه إذا أغرقهم وأهلكهم لم يكن قبيحًا منه، وإذا كان هذا شأنه سبحانه وشأننا، فكيف يصبح قياس أفعاله على أفعالنا؟! (^٢)\n_________\n(^١) مصطلحات في كتب العقائد (ص/٧٠)\n (^٢) وانظر مفتاح دار السعادة (٢/ ٥٢) ومباحث في الربوبية والقدر (ص/٢٧٠)","vol":"2","page":767},{"text":"٤ - الرابع:\nقال تعالى ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]\nقال ابن القيم:\nفهذا يدل على أن ما قدَّمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم، ولولا قبحه لم يكن سببًا، لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها، وهو عدم مجيء الرسول إليهم، فمذ جاء الرسول انعقد السبب، ووجد الشرط، فأصابهم سيئات ما عملوا، وعوقبوا بالأول والآخر. (^١)\nوقال ﵀:\nوهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة بحيث استحقوا أن يصيبوا بها المصيبة، ولكنه سبحانه لا يعذِّب إلا بعد إرسال الرسل، وهذا هو فصل الخطاب.\nوتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأن الله -تعالى- لا يعذِّب عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة. (^٢)\n٥ - الخامس:\nفارق بين حق المخلوق على الخالق ﷾، الذى هو سبيله التكرُّم والتفضّل والإحسان من الخالق على عباده، وبين حق المخلوق على المخلوق الذى سبيله الاستحقاق والإيجاب.\nلذا فكل نصوص الوعد هى حق للعباد على ربهم، وهو إستحقاق فضل وإنعام، لا ينافي الاختيار والاستعلاء المطلق؛ لأن الله -تعالى- قد أوجب الثواب على نفسه، والإيجاب الصادر من الذات لا يستلزم الإلجاء إلى الإنجاز أو ينافي الاستعلاء المطلق. (^٣)\n* وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية موقف السلف في مسألة الوجوب على الله تعالى،\nحيث يقول:\nوأما الإيجاب عليه ﷾، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية - أي المعتزلة - وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٢٣٢)\n (^٢) وانظر مفتاح دار السعادة (٢/ ٧) وانظر الوعد الأخروي (٢/ ٧٠٠)\n (^٣) الوعد الأخروي، شروطه وموانعه (١/ ٢٢٠)","vol":"2","page":768},{"text":"المعقول.\nوأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا.\nولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرَّم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح. (^١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nكون المطيع يستحق الجزاء، هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق. (^٢)\nما للعباد عليه حق واجب... كلا ولا سعي لديه ضائع\nإن عذبوا فبعدله أو نعموا... فبفضله وهو الكريم الواسع. (^٣)\n٦ - السادس:\nمما يدل على تناقض المعتزلة وفساد منهجهم في هذا الباب أنهم مع القول بوجوب اختيار الأصلح على الله -تعالى- لعباده تراهم يستحسنون الحكم بالخلود في النار على صاحب الكبيرة وإن قضى حياته في فعل الخيرات، فأوجبوا على الله -تعالى - تعذيبه، واستقبحوا العفو عنه. (^٤)\nفأين صلاح العبد في ذلك؟!، بل أين العدل الذي هو أحد أصولكم فى الاعتقاد؟!\nوقد وضَّح شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل الحق في هذه المسألة توضيحًا كاملًا، فقسَّم الأفعال إلى ثلاثة أنواع:\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣١٠)\n (^٢) نقله عنه تلميذه ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ٩٩) وانظرالدر النضيد على أبواب التوحيد (ص/٢١)\n (^٣) طريق الهجرتين (ص/ ٥٢٠)\n (^٤) وانظر مجموع الفتاوى (٨/ ٩٢) وموقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة (ص/٣٢٥)","vol":"2","page":769},{"text":"\"أحدها:\nأن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن أو قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه ثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا ما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث الله إليهم رسولًا، وهذا خلاف النص، قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] ...\nالنوع الثاني:\nأن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنًا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.\nالنوع الثالث:\nأن يأمر الشارع بشيء يمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] حصل المقصود، ففداه بالذبح، وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى، فلما أجاب الأعمى قال الملك: \" أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضي عنك وسخط على صاحبيك\"، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به.\nوهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع. وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب\". (^١)\n* ومما أشكل به المعتزلة فى زعمهم أن دخول الجنة إنما يكون بعمل العبد وسعيه، قوله تعالى (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢]، وقوله: (جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٧] (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٦)\n (^٢) ولذلك لما أتى الزمخشري إلى تفسير قوله تعالى (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣» (الأعراف/٤٣) قال: بسبب أعمالكم، لا بالتفضل كما تقول المبطلة!!\nوانظر الكشاف (٢/ ١١٦)\nوهو يعنى بالمبطلة أهل السنة الذين قالوا أن العبد لا يستحق الجنة بمحض عمله؛ لقوله ﵊ (لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله ولكن بفضل الله وبرحمته)","vol":"2","page":770},{"text":"* والرد عليهم:\nإن أشكلتهم بهذه الآيات على زعمكم الباطل، فيلزمكم أن تجيبوا عمَّا رواه أَبو هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\"لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُه، قَالَ رَجُلٌ: وَلَا إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \"وَلَا إِيَّايَ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا \". (^١)\nفالنص صريح أن أعمال العباد لن تنجيهم عند ربهم -تعالى- يوم القيامة!!\nولكنَّ أهل السنة جمعوا بين ما ظاهره التعارض؛ لأنهم دومًا هم أسعد الناس فهمًا لأدلة الشرع، وأكثرهم توفيقًا وعملًا بنصوص الوحيين.\n* فيقال:\nلا تعارض بين الآية وما دل عليه الحديث، بل يُجمع بينهما من وجوه:\n١ - الأول:\nأنَّ دخول الجنة برحمته تعالى، ولكن انقسام المنازل بحسب الأعمال.\nقَالَ ابن عيينة:\nكانوا يرون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة بفضله، واقتسام المنازل بالأعمال. (^٢)\n٢ - الثانى:\nأن الآية دلت على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، وليست ثمنًا لها، وأما الحديث نفى أن تكون الأعمال ثمنًا للجنة.\nفالباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات، فالباء المنفية في قوله - ﷺ -: (لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ) هى باء العِوض والمقابلة، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، وأنَّ صاحب العمل يستحق عَلَى الله -تعالى- دخول الجنة كما يستحق من دفع ثمن سلعة إِلَى صاحبها تسليم سلعته، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل نقول إن ذلك إنما يحصل برحمة الله وفضله.\nوالباء المثبتة في قوله (جَزَاء\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) مجموعة رسائل ابن جب\"المحجة فى سير الدلجة \" (ص/٣٩٣)","vol":"2","page":771},{"text":"بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هى باء السببية، وقد جعل الله -تعالى- العمل سببًا لدخول الجنة، والله - تعالى- هو خلق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته. (^١)\nفإن دخول الجنة لا يحصل إلا بمحض رحمة الله تعالى، وهذه الرحمة إنما يستجلبها المرء بعمله وطاعته، وبيان ذلك في قوله تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦» (الأعراف/١٥٦). (^٢)\n* كذلك مما أشكل به المعتزلة:\nما ذكره القاضي عبدالجبار بقوله:\n\"اعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة، فلابد من أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله؛ بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حدًا لا يجوز الابتداء بمثله، ولا التفضل به... وإنما قلنا: إن هذا هكذا؛ لأنه لو لم يكن في مقابلة هذه الأفعال الشاقة ما ذكرناه، كان يكون القديم تعالى ظالمًا!! (^٣)\n* والرد عليه:\nأن التكليف تصرف في عبيده ومماليكه، والمالك إذا لم يعط\n_________\n(^١) وانظر مفتاح دار السعادة (٢/ ٩٢) وشرح العقيدة الطحاوية (ص/٤٣٨)\n (^٢) ومما هو شائع في هذا الباب، لكنه صحيح المعنى ضعيف السند ما روى عن جابر - ﵁ - مرفوعًا عن جبريل ﵇: \"إنَّ عابدًا عَبَدَ الله -﷿- عَلَى رأس جبلٍ في البحر خمسمائة سنة، ثم سأل ربه أن يَقْبِضَه ساجدًا. فيبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله - ﷿ - فيقول الرب ﷿:\nأدخلوا عبدي الجنة برحمتي. فيقول العبد: بعملي يا رب، يفعل ذلك ثلاث مراتٍ.\nثم يقول الله - تعالى - للملائكة: قايسوا عبدي بنعمي عليه وبعمله، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادته خمسمائة سنة، وبقيت نعم الجسد له.\nفيقول: أدخلوا عبدي النار، فيُجر إِلَى النار فينادي برحمتك يا رب أدخلني الجنة، فيدخله الجنة.\nأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥١)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد؛ فإن سليمان بن هرم العابد من زهاد أهل الشام، وتعقبه الذهبي فقال: لا والله، وسليمان غير معتمد، تفرد عن ابن المنكدر عن جابر بحديث العابد والرمانة. قال الأزدي: لا يصح حديثه. وقال العقيلي: مجهول وحديثه غير محفوظ.\nقلت: =\n=وقد ضعَّف هذا الحديث ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ١٨٠)، وانظر المغني في الضعفاء (١/ ٢٨٤) ورجال الحاكم في المستدرك (١/ ٤٠٨)\n (^٣) شرح الأصول الخمسة (ص/٦١٤)","vol":"2","page":772},{"text":"مملوكه أجرًا مقابل خدمته لم يعد ظلمًا، ولله -تعالى- المثلى الأعلى، فله -تعالى-المشيئة المطلقة، لا يُسأل عمَّا يفعل، إن شاء أثاب العباد ورحمهم بفضله ورحمته، وإن شاء عاقبهم فبمقتضى عدله وحكمته. (^١)\n*ومما يدحض قول المعتزلة بوجوب الصلاح على الله تعالى:\n١ - أن القربات من النوافل صلاح، فلو كان الصلاح واجبًا لوجبت وجوب الفرائض.\n٢ - أن عدم خلق إبليس أصلح للخلق، فلو كان الصلاح واجبًا لما خلقه الله تعالى.\n٣ - القول بأنه سبحانه لا يُشكر على فعله للأصلح للعباد، إذ كيف يُشكر على فعل ما كان واجبًا عليه فعله؟!\n٤ - ومنها ما قد ورد في الخبر المشهور الذى ألزم به الإمام أبو الحسن الأشعري شيخ المعتزلة أبا علي الجبائي، وذلك في المثل الذى ضربه له للإخوة الثلاثة. (^٢)\n* ثانيًا: الرد على ما ذهب إليه الأشاعرة:\nوأما مذهب إلغاء التحسين والتقبيح العقليين فهو مذهب منقوض بصحيح المنقول وصريح المعقول:\n_________\n(^١) وانظرالاقتصاد في الاعتقاد (ص/ ١٨٥) والمعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/ ٢١٦)\n (^٢) وحاصل هذا المثل أن أبا الحسن الأشعري قد سأل الجبائي عن ثلاثة إخوة، أمات الله -تعالى- أحدهم صغيرًا، وأحيا الآخرين، فاختار أحدهما الإيمان واختار الآخر الكفر، فرفع الله درجة المؤمن البالغ على أخيه الصغير في الجنة بعمله، فقال أخوه الصغير:\nيارب لم لا بلغتني منزلة أخي؟ فقال: إنه عاش وعمل عملًا استحق به هذه المنزلة، فقال: يارب فهلا أحييتني حتى أعمل مثل عمله فأبلغ منزلته؟ فقال:\nكان الأصلح أن توفيتك صغيرًا؛ لأني علمتُ أنك إن بلغت اخترت الكفر، فإن الأصلح في حقك أن أميتك صغيرًا. قال الأشعري: فإن قال الثاني يارب: لِمَ لَمْ تمتني صغيرًا لئلا أعصي، فلا أدخل النار، فماذا يقول الرب؟! فبهت الجبائى. وهذه اللوازم الباطلة لقول المعتزلة بمسألة إيجاب الصلاح.\nوقد كان أبو الحسن الأشعري على مذهب الجبائي المعتزلي، ثم تاب من القول بخلق القرآن والعدل.\nوانظر لوامع الأنوار البهية (ص/٣٣٠) وتحقيق المقام على كفاية العوام (ص/٣٢٠)","vol":"2","page":773},{"text":"ا-فأما مخالفته لصحيح المنقول:\nففي القران آيات كثيرة تدل على أن الحسن والقبح ثابت للأشياء في ذاتها،\nقال تعالى: ﴿.. يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ...﴾ (سورة الأعراف: ١٥٧)\nووجه الدلالة:\nالآية صريحة في ن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، فالمعروف الذي يأمر به الله -تعالى- ما تعرفه وتقر به العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والمنكر الذي نهاهم عنه هو ما تنكره العقول والفطر السليمة، وتقر بقبحه، ولو لم يظهر للأشياء حسن وقبح لذاتها، وإنما كان ذلك من قِبل الشارع، وأن ما أمر به الحسن وما نهى عنه هو القبيح لكان معنى الآية: (يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عما ينهاهم عنه) وهذا لا يقوله عاقل، فضلًا عن رب العالمين.\nوقوله تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ فيه دلالة على أن الحلال كان طيبًا قبل حله، وأن الخبيث كان خبيثًا قبل تحريمه، فلو كان الحلال والخبيث إنما عُرفا بالتحليل والتحريم لكان معنى الآية (يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم) وهذا لا يليق بنظم كلام الله تعالى.\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢)\nفدلت الآية على أن الزنى إنما تعلَّق به النهي لكونه قبيحًا وفاحشة، وهذا الوصف ثابت له قبل النهي عنه، ولو لم يكن قبيحًا وفاحشة في نفسه لكان معنى الآية: (ولا تقربوا الزنى فإنه منهي عنه)، وهذا من تعليل الشيء بنفسه وهو باطل. (^١)\nويلا حظ أن هذه الأدلة تدخل في الأدلة التي سبقت في ثبات الحكمة والتعليل في أفعاله سبحانه، فنفي الأشاعرة للحكمة والتعليل نتج عنه قولهم بنفي الحسن والقبح العقلي.\n_________\n(^١) انظر منهاج السنة (٣/ ١٧٩) ومفتاح دار السعادة (٢/ ٦ وما بعدها)","vol":"2","page":774},{"text":"-قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ (المؤمنون: ٧١)\nفأخبر سبحانه أن الحق لو اتبع أهواء العباد فجاء شرع الله-تعالى- ودينه بأهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهنَّ، ومعلوم أنَّ عند النفاة يجوز أن يرد شرع الله ودينه بأهواء العباد، وأنه لا فرق في نفس الأمر بين ما ورد به وبين ما تقتضيه أهوائهم إلا مجرد الأمر، وإنه لو ورد بأهوائهم جاز وكان تعبدًا ودينًا، وهذه مخالفة صريحة للقرآن، وإنه من المحال أن يتبع الحق أهوائهم، وأن أهوائهم مشتملة على قبح عظيم لو ورد الشرع به لفسد العالم أعلاه وأسفله وما بين ذلك.\nومعلوم أن هذا الفساد إنما يكون لقبح خلاف ما شرعه الله وأمر به ومنافاته لصلاح العالم عُلْوِيَّهُ وسفليه، وإن خراب العالم وفساده لازم لحصوله ولشرعه، وأن كمال حكمة الله وكمال علمه ورحمته وربوبيته يأبى ذلك ويمنع منه، ومن يقول الجميع في نفس الأمر سواء يجوز ورود التعبد بكل شيء سواء كان من مقتضى أهوائهم أو خلافها. (^١)\n٢ - وأما مخالفتهم لصريح المعقول فيما ذهبوا إليه من نفي الحسن والقبح الذاتي للأفعال،:\nفيقال: إذا كان العقل ليس له مدخل في معرفة حسن الأفعال وقبحها، فإن ذلك يستلزم أن تكون الأفعال الحسنة والقبيحة في حقه متساوية، كالصدق والكذب والعدل والظلم والكرم والبخل والبر والفجور، وحكم الضدين بهذه العبارة يكون باطلًا لا يقول به من له أدنى مسكة من علم وإيمان وعقل\nقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص: ٢٨:)\nوقال جل من قائل: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ١١)","vol":"2","page":775},{"text":"وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: ٢١).\nقال ابن القيم:\nفدل على أن هذا حكم سيء قبيح ينزه الله عنه، ولم ينكره سبحانه من جهة أنه أخبر بأنه لا يكون، وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه، وإنه حكم سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله، ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة، فلا يليق به أن يجعل البَر كالفاجر ولا المحسن كالمسيء ولا المؤمن كالمفسد في الأرض، فدل على أن هذا قبيح في نفسه تعالى الله عن فعله. (^١)\nومن قال: إن الأفعال ليس فيها صفات تقتضي الحسن والقبح لذاتها فهو بمنزلة قوله: ليس في الأجسام صفات تقتضي التسخين، والتبريد، والإشباع، والإرواء، فسلب صفات الأعيان المقتضية للآثار كسلب صفات الأفعال المقتضية للآثار. (^٢)\n-وكذلك يقال:\nإن حسن الصدق وقبح الكذب أمر يدركه العقلاء، وهو مركوز في الفطر، والقول بأن الكذب قد يحسن أحيانًا كما لو رتب عليه عصمة مسلم من القتل ظلمًا غير مسلَّم، فتخلف القبح عن الكذب لفوات شرط، أو لقيام مانع، يقتضي مصلحة راجحة على الصدق، لا تخرجه عن كونه قبيحًا لذاته، ومن ذلك أن الله حرَّم الميتة والدم ولحم الخنزير للمفسدة في تناولها، وهي ناشئة من ذوات هذه المحرَّمات، وتخلُّف التحريم عنها عند الضرورة لا يوجب أن تكون ذاتها غير مقتضية للمفسدة التي حرِّمت لأجلها، فهذا الكذب متضمن عصمة المسلم. (^٣)\n* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب: الفائدة الثالثة:\nقوله ﷺ: \" وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا \": هذا أحد أحاديث الوعد التى ركن إليها المرجئة فيما ذهبوا إليه أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، إضافة إلى غير ذلك من الأحاديث التى يفيد ظاهرها هذا المعنى، مثل\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ١١)\n (^٢) منهاج السنة النبوية (٣/ ١٧٨)\n (^٣) انظر مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٦ - ٣٧) ومنهج المتكلمين (١/ ٣٢١).","vol":"2","page":776},{"text":"الأحاديث التى نصت على أن من مات على التوحيد فمآله إلى الجنة، وإن مات مصرًّا على فعل الكبائر، كما قد ورد في حديث أَبَى ذَرٍّ -﵁- أن النَّبِيَّ - ﷺ - قال:\n\" مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ \" قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ:\n «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ». (^١)\n* أو الأحاديث التى أفادت تحريم النار على من مات على التوحيد، كما ورد في حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ -﵁- أن رَسُولُ اللهِ - ﷺ- قال:\n\" فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ \" (^٢)\n*وعلى الجانب الآخر فقد ركن الخوارج والمعتزلة إلى أحاديث الوعيد، على اختلاف دلالاتها:\nواتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار، وسمُّوا هذا النمط: وعدًا ووعيدًا. (^٣)\nوفى ذلك يقول القاضي عبد الجبار وهو يقرر تخليد صاحب الكبيرة في النار:\nفأي تشنيع علينا إذا اتبعنا الكتاب والسنة؟!!\nوقال بعد أن ذكر جملة من أدلة الوعيد فى حق أصحاب الكبائر، قال:\n\"ويحمل قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: ٤٨) على صغائر المعاصي \". (^٤)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) الملل والنحل للشهرستاني (ص/٤٥) وهذا على اختلاف يسير بين الخوارج والمعتزلة في حكم فاعل الكبيرة بين الحال والمآل، فقد افترقوا في حاله في الدنيا، فقال الخوارج: هوكافر في الدنيا، وقال المعتزلة هو في منزلة بين الكفر والإيمان، فهو فاسق، ثم اتفقوا على أن مآله إلى الخلود في النار.\n (^٤) الأصول الخمسة (ص/١٠٧ - ١٧٧)","vol":"2","page":777},{"text":"* ومن هذه الأحاديث التى قد بنوا عليها هذا الأصل: (^١)\n١) أولًا:\nأحاديث قد أفاد ظاهرها الحكم بالكفر على مرتكب الكبيرة:\nعن جرير -﵁أن النبي - ﷺقال:\n «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». (^٢)\n٢) ثانيًا:\nأحاديث أفاد ظاهرها نفى الإيمان عن مرتكب الكبيرة:\nكما ورد عن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n\" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ \". (^٣)\n٣) ثالثًا:\nأحاديث التى أفادت التبرؤ من فاعل الكبيرة:\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n\" لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ \" (^٤) رابعًا:\nأحاديث أفادت تحريم الجنة على فاعل الكبيرة:\nعن جُبَيْر بْن مُطْعِمٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّﷺ - قال:\n «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» (^٥)، وقوله ﷺ:\n «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». (^٦)\n٥) خامسًا:\nأدلة أفادت الحكم بالخلود في النار على فاعل الكبيرة:\nكقوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا..) (النساء: ٩٣) (^٧)\n_________\n(^١) وهذه الأثار قد فنَّدها واستدل بها القاضي على كفر فاعل الكبيرة.\nوانظر المصدر السابق (ص/٦٧٣) ومنهج المتكلمين (٢/ ٦٧٧)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) متفق عليه.\n (^٦) رواه مسلم (٣٣)\n (^٧) وهذه أحد أدلة المعتزلة على التكفير بالكبيرة، قال القاضي عبد الجبار: وقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها) يدل على أن قتل المؤمن على وجه التعمد يستحق به الخلود فى النار، وذلك يبطل قول من يقول: إنه يجوز ألا يدخلهم النار، «أو يخرجهم منها، لأنه تعالى جعل ذلك «حق القتل، ومن حق الجزاء أن لا يكون موصوفا بذلك إلا فى حال وقوعه. متشابه القرآن (ص/٢٠١)","vol":"2","page":778},{"text":"وما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n\" مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». (^١)\n* نقول:\nوهكذا سلك المرجئة والخوارج مع هذه الأحاديث سبيلين مختلفين لا يصلح كل سبيل منهما لاحتواء السبيل الآخر؛ وما ذلك إلا للعوج الذى بنوا عليه فهمهم للنصوص الشرعية.\nوصدق القائل:\n.\n* وكم من عائب قولًا صحيحًا... وآفته من الفهم السقيم *\nلذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوكانت البدعة الأولى مثل \" بدعة الخوارج \" إنما هي من سوء فهمهم للقرآن لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذ كان المؤمن هو البر التقي. قالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر وهو مخلد في النار. (^٢)\n* وأما أهل السنة فقد سلكوا سبيل الجمع بين هذه النصوص، فلم يقولوا بخلود أحد من أهل القبلة في النار لكبيرة قد مات مصرًَّا عليها.\nعن عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ - ﵁أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠)","vol":"2","page":779},{"text":"وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». (^١)\n*قال المازني:\nفيه رد على الخوارج الذين يكفِّرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة؛ لأن النبي - ﷺ - أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لا بد أن يعذبه. (^٢)\n* والإجماع منعقد على ذلك:\nفقد أجمع الصحابة -﵃- على عدم كفر مرتكبي الذنوب، فقد سئل جابر بن عبد الله ﵄: هل كنتم تسمُّون أحدًا من أهل القبلة كافرًا؟ فقال: لا. (^٣)\nوعَنْ أَنَسٍرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ:\n «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». (^٤)\nوفى رواية ابْنِ عُمَرَرضي الله عنهما- قَالَ:\nمَا زِلْنَا نُمْسِكُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لأَهْلِ الْكَبَائِرِ حَتَّى سَمِعْنَا مِنْ فِي نَبِيِّنَاﷺ- يَقُولُ: \" أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". (^٥)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nأهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) وانظرفتح الباري شرح صحيح البخاري (١/ ٦٨) والمعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/٢٣٠)\n (^٣) الإيمان لأبي عبيد (ص/٩٨)، قال الألباني في التعليق: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n (^٤) أخرجه الترمذي (٢٤٣٥) وأبوداود (٤٧٣٩) وأحمد (١٣٢٢٢) قال ابن كثير: إسناد صحيح على شرط الشيخين، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوصححه البيهقى فى السنن الكبرى (٨/ ١٧)، وصححه الحاكم على شرطهما، وصححه الذهبي في رسالته \"اثبات الشفاعة \"، وصححه الألباني في المشكاة (٥٥٩٩)\n* وإن تعجب فعجب تحريفهم:\nحينما يحرِّفون حديث النَّبِيِّ ﷺ: \" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي \"، فيقول أحد دعاة الاعتزال أن المراد بأهل الكبائر هم المؤمنون من أهل الصلاة؛ لأن الصلاة كبيرة، كما قال الله ﷿ ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾!!\nفعندها لا نملك إلا أن نقول: \"الحمد لله على العافية في العقل والدين \"\n (^٥) كتاب السنة (١/ ٣٩٨) وقد حسَّنه الألبانى. وانظر الاستيعاب فى بيان الأسباب (١/ ٣٩٩)","vol":"2","page":780},{"text":"الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضًا لعموم الخلق. (^١)\nقال ابن حزم:\nفي إجماع الأمة على أن صاحب الكبيرة مأمور بالصلاة مع المسلمين وبصوم شهر رمضان والحج وبأخذ زكاة ماله وإباحة مناكحته وموارثته وأكل ذبيحته، وتحريم دمه وماله وأن لا يؤخذ منه جزية ولا يصغر برهان صحيح على أنه مسلم مؤمن، وفي إجماع الأمة كلها دون مخالف على تحريم قبول شهادته وخبره برهان على أنه فاسق، فصح يقينا أنه مؤمن فاسق ناقص الإيمان. (^٢)\nقال ابن عبد البر:\nفإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذَّبه، وإن تاب قبل الموت وندم كان كمن لم يذنب، وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت، وعليه جماعة علماء المسلمين. (^٣)\n* وكذلك قد قال أهل السنة بإثبات ضرر المعاصى والذنوب مع وجود الإيمان، ولم يقولوا بنجاة جميع أهل التوحيد من أصل العذاب في الآخرة.\nفعن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدثني عَبْد اللهِ بْن مَسْعُودٍ عبد الله -﵁- أن النبي - ﷺ - قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (^٤)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣١٣)\n (^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٢٦٥)\n (^٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٢/ ٢٥٦)\nوقد نقل مثل هذا الإجماع أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر (ص/٢٧٤) وانظر المسائل التى حكي فيها ابن تيمية الإجماع (ص/٥٩٨)\n (^٤) متفق عليه. وقد أخرج النسائي من طريق أبى داود الطيالسي قال: حدثنا شعبة قال: قلت لحماد:\nسمعتَ منصورًا، وسليمان، وزبيدًا، يحدِّثون، عن أبي وائل، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، من تتهم؟\nأتتهم منصورًا، أتتهم زبيدًا، أتتهم سليمان؟ \"\n، قال: لا، ولكني أتهم أبا وائل، وحمَّاد وهو ابن أبي سليمان، وهو شيخ شعبة، وكان مرجئًا، فقد اتهم أبا وائل؛ لأن الحديث حجة على معتقد المرجئة أنه لا يضر مع الإيمان ذنب. وأبو وائل لو انفرد فهو مجمع على توثيقه، كما نقل ذلك ابن عبد البر، كيف وقد تابعه عن ابن مسعود:\nعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وأبو الأحوص وأبو عمرو الشيبانى ومسروق هبيرة بن يريم. وكذلك فالحديث مروى عن جماعة من الصحابة:\n (سعد وأبى هريرة وعبد الله بن مغفل وعقبة بن عامر والنعمان بن مقرن (أفاده سليم الهلالى في الروض الريَّان (١/ ٣٩٢) وانظرفتح الباري لابن رجب (١/ ٢٠١)","vol":"2","page":781},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفهذان القولان: قول الخوارج الذين يكفِّرون بمطلق الذنوب ويخلِّدون في النار؛ لم يذهب إليه أحد من أئمة الدين أهل الفقه والحديث بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع.\nوكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة، وقال لا أعلم أن أحدًا منهم يدخل النار هو أيضا من الأقوال المبتدعة؛ بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها. (^١)\n* مسالك الجمع بين أحاديث الوعد والوعيد:\nقد تعددت وجوه الجمع بين تلك النصوص على النحو الآتى:\n* أما تأويل نصوص الوعد:\nوهى النصوص التى ركن إليها المرجئة فيما ذهبوا إليه من دخول الجنة لمن مات على التوحيد، وأن النار محرمة عليهم ونحو ذلك، فهذا محمولة على وجوه:\nالوجه الأول:\nأن هذا باعتبار المآل، فالعبد مهما بلغت ذنوبه وكثرت، ولو كانت من الكبائر التى لم يتب منها، فإن مآله إلى الجنة، مادام قد مات على التوحيد، أصابه قبل ذلك ما أصابه، وقد يعفو الله -تعالى-عنه فيغفر له كل ذنوبه، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ).\nقال الطبري: وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن الكبيرة شركًا بالله. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٢) ومرقاة المفاتيح (٤/ ١٦٦٧) ومسالك أهل السنة فيما أُشكل من نصوص العقيدة (٢/ ٣٦٨)\n (^٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٨/ ٤٥٠)\nنقول: لكن هذا بناءً على ما كما سبق وذكرنا أن أهل السنة لم يقولوا بنجاة جميع أهل التوحيد من أصل العذاب في الآخرة.","vol":"2","page":782},{"text":"قال ابن رجب تعقيبًا على حديث: \"وإن زنى وإن سرق\":\nومعنى هذا الحديث: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أنه لا يعذب عليهما مع التوحيد، ففي مسند البزار عن أبي هريرة -﵁مرفوعًا: \" مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنْ دَهْرِهِ، أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ \"». (^١)\n*الوجه الثانى:\nأن تحمل أحاديث دخول الجنة لأهل التوحيد من أول وهلة على من توفرت عنده الشروط وانتفت عنه الموانع، فقد يتخلف عن المرء مقتضى أحاديث الوعد لفوات شرط أو لوجود مانع. والشرع لم يجعل النجاة حاصلة بمجرد قول اللسان فقط؛ فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بد من العمل بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، ولا بد من قول القلب، وقول اللسان، وقول القلب يتضمن من معرفتها، والتصديق بها، ومعرفة حقيقة ما تضمنته من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله تعالى، وقيام هذا المعنى بالقلب علما ومعرفة ويقينًا، وحالًا ما يوجب تحريم قائلها على النار.\nوكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب، فإنما هو القول التام. (^٢)\nومن توافر الشروط تحقق ما يلى:\n*أن تغلب حسناته على سيئاته، قال تعالى (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)\n_________\n(^١) كلمة الإخلاص (ص/١٠)، وأما حديث \"من قال: لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره، ..... \"\nفقد قال الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح\"، مجمع الزوائد [١/ ١٧]). وصححه الألبانى في الصحيحة (ح/١٩٣٢)\n (^٢) وانظر مدارج الساكين (١/ ٣٣٩) وكلمةالإخلاص وتحقيق معناها (ص/١٠)","vol":"2","page":783},{"text":"*أو أن يكون قد مات على توبة صادقة محت له ما سبق من آثام؛ لذا فقد علَّق البخاري على قوله ﷺ: «وإن زنى وإن سرق..»، قال:\n\" هذا عند الموت، أو قبله إذا تاب وندم، وقال: لا إله إلا الله، غُفر له \". (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوكل وعيد في القرآن فهو مشروطٌ بعدم التوبة باتفاق الناس. (^٢)\n*أو أن تُعرض عليه ذنوبه عرضًا، دون أن يُناقش، ثم يؤول أمره إلى العفو، فعَنْ عَائِشَةَرضي الله عنها- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:\n «مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ» قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَ: «ذَلِكِ العَرْضُ» (^٣).\nوأما انتفاء الموانع فيكون بخلاف ما سبق.\nالوجه الثالث:\nوكذلك يقال في النصوص التي أفادت تحريم النار على من مات على التوحيد، فتأويلها أن النار التى حرَّمت عليه هى النار التى أُعدت للكافرين الذين يخلَّدون فيها.\nكما خاطب الله -تعالى- بهذا المشركين المكذبين بالوحي في قوله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) (البقرة/٢٤)\nفجعلها معدّة للكافرين.\nومثل هذا لا يمنع أن من مات عاصيًا، بكبيرة ونحوها أنه قد يُعذَّب ولكن ليس كعذاب الكافرين لا في خلودهم، ولا في دركاتهم، وكذا يقال في تأويل حديث الباب، في قول -النبي ﷺ - فى حق العباد على اللَّهِ تعالى: \" أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا \".\nقال ابن رجب:\nما فيه أنه يحرم على النار وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى، فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧/ ١٤٩) وقال نحوه الطحاوى في مشكل الأثار (١٠/ ١٦١)\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٥)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":784},{"text":"وبرحمة أرحم الراحمين. (^١)\n* وأما تأويل أحاديث الوعيد:\nوهى التى ركن إليها الخوارج والمعتزلة فيما ذهبوا إليه من تخليد صاحب الكبيرة في النار، فهذه محمولة على وجوه:\n١ - الأول:\nأما الأحاديث التى حكمت بالكفر على فاعل الكببرة فهى محمولة على وجوه:\n* الأول: أن ذلك الفعل من أفعال الكافرين، وهذا اختيار النووي والقاضي عياض،\nولا يلزم أن من قام به وصف من أوصاف الكافرين أن يكون كافرًا.\nوفى ذلك يقول أبو العباس ابن تيمية:\nليس كل من قامت به شعبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنًا حتى يقوم به أصل الإيمان. (^٢)\nلذا قال النووي فى قوله صلى الله عليه سلم: \" اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: ..... \" (^٣) قال ﵀:\nوفيه أقوال: أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية. (^٤)\n٢ - الثانى:\nأما الأحاديث التى حكمت بنفى الإيمان عن فاعل الكببرة:\nفهى محمولة على نفي كمال الإيمان الواجب، وليس نفى أصل الإيمان، وهو قول للإمام أحمد، وأخذ به القاضي أبو يعلى، ورجحه بقوة المروزي وقال به النووي، وابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والسفَّاريني. (^٥)\n_________\n(^١) كلمة الإخلاص (ص/١٠)\n (^٢) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/٢٣٧)\n (^٣) أخرجه مسلم (٦٧)، وأحمد (١٠٤٣٨)\n (^٤) وانظر شرح النووى على مسلم (١/ ١٦٢) والإيمان لابن سلام (ص/ ٤٣) وأحاديث العقيدة الى يوهم ظاهرها التعارض (ص/ ٤١٠)\n (^٥) وانظر التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٤٣) ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤١٦) والمباحث العقدية المتعلقة بالكبائر (ص/٨٦)","vol":"2","page":785},{"text":"قال النووي:\nفالقول الصحيح الذي قاله به المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره.\nوقال ﵀:\nفهذا الحديث مع نظائره فى الصحيح مع قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفَّرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرِّين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله - تعالى - عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذَّبهم ثم أدخلهم الجنة، وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه. (^١)\n* وقد ذكر ابن حجر أن حديث: \" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ... \" مصروف عن ظاهره؛ وذلك لاختلاف الحكم في حد الزنا وتنوعه، حيث قال:\n\"ومن أقوى ما يحمل على صرفه عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة، في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء\" (^٢)\nوقال ابن عبد البر:\nقوله ﷺ: \" لا يزني الزاني حين يزني... \"\nيريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك؛ بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر- إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام - من قرابتهم المؤمنين، وهذ من أوضح الدلائل على صحة قولنا إن مرتكب الذنوب\n_________\n(^١) وانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٣٤٣) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٦/ ٢٤)\n (^٢) فتح الباري (١٢/ ٦٠)","vol":"2","page":786},{"text":"ناقص الإيمان بفعله ذلك وليس بكافر. (^١)\nقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ﵀، وسئل، عن الإرجاء، فقال:\n\" نحن نقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا زنى وشرب الخمر نقص إيمانه \" (^٢) قال الغزالى:\nوالصحابة - ﵃ - ما اعتقدوا مذهب المعتزلة في الخروج عن الإيمان بالزنا، ولكن معناه غير مؤمن حَقًا إِيمَانًا تَامًا كَامِلًا، كما يقال للعاجز المقطوع الأطراف هذا ليس بإنسان، أي ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسانية. (^٣)\n٣ - الثالث:\nأما الأحاديث التى حكمت بالتبرؤ من فاعل الكببرة:\nفالمعنى: ليس على هدي المسلمين وأخلاقهم، فليس بفعله هذا من المنقادين المطيعين للرسول ﷺ. (^٤)\nقال أبو عُبيد القاسم بن سلاّم:\nوالأحاديث التي فيها البراءة، كقوله: «من فعل كذا، وكذا فليس منا»، لا نرى شيئًا منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله ﷺ، ولا من ملته؛ إنما مذهبه عندنا: أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا. (^٥)\n_________\n(^١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٩/ ٢٤٤)\n (^٢) السنة لعبد الله بن أحمد (ص/٣٠٧)\n (^٣) قواعد العقائد (ص/٢٥٩)\n (^٤) ومن العلماء من آثر الإمساك عن تفسير مثل هذه النصوص، وذلك من باب الترهيب، كما روى الحافظ في تغليق التعليق (٥/ ٣٦٥) عن سفيان قال: سئل الزهري: عن قول النبي - ﷺ -:\n\"ليس منَّا من شقّ الجيوب\" ما معناه؟ فقال:\n (من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم). وهو قول للإمام أحمد، وعزا شيخ الإسلام إلى عامة علماء السلف أنهم يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت، ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود الرسول ﷺ.\nوكذلك فقد عزى ابن حجر إلى كثير من السلف إطلاق لفظ الأخبار في الوعيد، وعدم التعرض لتأويله ليكون = = أبلغ في الزجر. وانظر مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى (ص/٣١٧)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٤) والمباحث العقدية المتعلقة بالكبائر (ص/٨٧)\n (^٥) وانظركتاب الإيمان ومعالمه (ص /٤٣)","vol":"2","page":787},{"text":"٤ - الرابع:\nومن ذلك الأحاديث التى أفادت تحريم الجنة على فاعل الكبيرة:\nوقد تأول العلماء تحريم الجنة على فاعل الكبيرة على وجوه:\nأ) أن المراد بذلك حرمانه من دخول الجنة من أول وهلة، بل قد يُعذب على كبيرته، ثم يكون مآله إلى الجنة لموته على أصل التوحيد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nإن المنفي هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه عذاب؛ لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم دخل الجنة. (^١)\nب) أن المراد بذلك حرمانه من دخول درجة في الجنة يدخلها من لم يفعل تلك الكبيرة، فلا يدخل العالي من الجنان التى يدخلها الذين لم يرتكبوا تلك الذنوب والخطايا والحوبات، إذ قد أعلم النبى -ﷺ- أنها جنان في جنة، واسم الجنة واقع على كل جنة منها. (^٢)\n٥ - الخامس:\nومن ذلك الأحاديث التى أفادت الحكم بالخلود في النار على فاعل الكبيرة:\nفتأويله على وجوه:\n١) الوجه الأول:\nأن هذا من باب الوعيد الذى قد يُخلف، وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح، فيجوز على اللَّه - تعالى- إخلاف الوعيد لا إخلاف الوعد.\nقال ابن الوزير:\nتجويز الخلف على الله -تعالى - في الوعد بالخير متفق على المنع منه عقلًا وشرعًا وإجماعًا من الأمة الاسلامية وسائر الملل. (^٣)\nوالفرق بينهما:\nأن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط ذلك منه من موجبات كرمه وجوده وإحسانه وامتنانه، والوعد أوجبه على نفسه بموعده، واللَّه لا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٨) وانظر منهج شيخ الإسلام في قضية التكقير (ص/١٨٠)\n (^٢) وانظرالتوحيد لابن خزيمة (ص/٣٦٧) ومسالك أهل السنة فيما أُشكل من نصوص العقيدة (٢/ ٣٧٣)\n (^٣) وانظر إيثار الحق على الخلق (ص/٣٦٠) وقد عدَّد صاحب الوعدالأخروي (١/ ٢٢٧) أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل على عدم تجويز خلف الوعد في حق الله تعالى.","vol":"2","page":788},{"text":"يخلف الميعاد. (^١)\n٢) الوجه الثاني:\nأن يحمل قوله ﷺ: \" خالدًا مخلدًا فيها أبدًا \":\nعلى تطويل الآماد، ثم يكون خروجه من النار من آخر من يخرج من أهل التوحيد؛ ويجري هذا مجرى المثل فتقول العرب: خلَّد الله ملكك، وتقول: لأخلدن فلانًا في السجن، ولا أكلمك أبد الآبدين، ولا دهر الداهرين، وهو ينوي أن يكلمه بعد أزمان. (^٢)\nفذكر الخلود غاية ما فيه أن يدل على طول المكث.\nقال ابن عطية:\nالخلود إذا لم يقرن بقوله «أبدًا» فجائز أن يراد به الزمن المتطاول، إذ ذلك معهود في كلام العرب، ألا ترى أنهم يحيّون الملوك بخلد الله ملكك، ومن ذلك قول امرئ القيس:\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٣٨٧)\nوقد تناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء وعمرو بن عبيد، فقال عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو:\nلا يخلف الله وعده، وقد قال ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآية، فقال له أبو عمرو: ويحك يا عمرو، من العجمة أتيتَ، إن العرب لا تعد إخلاف الوعيد ذمًا، بل جودًا وكرمًا، أما سمعتَ قول الشاعر:\n\" وَإِنِّي إِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي \".\nوانظرإكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٣٨٧) ومدارج السالكين (١/ ٣٩٩)\nإشكال:\nقد احتج الخوارج بأن الله إذا كان يخلف الوعيد، فلما لا يجوز أن يخلفه في حق الكفار؟\n* وجوابه أن يقال:\nإن الوعيد متحقق فى حق اهل الكفر لا محالة؛ لقوله تعالى (كل كذب الرسل فحق وعيد) وقوله جل وعلا... (إنه لا يبدل القول لدى وما انا بظلام للعبيد)\nولكن هذا خاص بالكافرين فهناك نصوص وردت أن الله يغفر كل شئ إلا الشرك (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وما دون ذلك تشتمل على ذنوب كثيرة ورد فيها وعيد، ومع ذلك فإن الله -تعالى -يغفرها.\nفهذا إخلاف للوعيد لا شك وهو المناسب لقوله جل وعلا (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)\nومن دلائل إخلاف الوعيد في حق أهل التوحيد:\nأحاديث الشفاعة، وحديث الرجل الذى حز يده فمات، فغفر الله له، ففيه دلالة على تحقق إخلاف الوعيد لمن مات على التوحيد. والله أعلى وأعلم.\n (^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ٣١٠) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٢/ ٢٤٧)","vol":"2","page":789},{"text":"وهل يعمن إلّا سعيد مخلّد... قليل الهموم ما يبيت بأوجال. (^١)\nوإلى هذا أشار ابن القيم فى رده على إشكال طرحه، حيث قال:\nفإن قيل: فإذا كان آدم - ﵇ - قد علم أن له عمرًا مقدرًا ينتهي إليه، وإنه ليس من الخالدين، فكيف لم يعلم كذب إبليس في قوله (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ)، وقوله (أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)؟\nفالجواب:\nأن الخلد لا يستلزم الدوام والبقاء، بل هو المكث الطويل، فالخلد أعم من الدوام الذي لا انقطاع له؛ فإنه في اللغة المكث الطويل، ومكث كل شيء بحسبه، ومنه قولهم رجل مخلد إذا أسن وكبر. (^٢)\n٣) الوجه الثالث:\nأن يقال أن الخلود فى النار هو حكم ينبنى على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، فإن كانت الشروط قد تحققت - على ظاهر الأحاديث التى أفادت الحكم بالخلود فى النار على صاحب الكبيرة - فإن الموانع لم تنتف.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nإن الأحاديث المتضمنة للوعيد يجب العمل بها في مقتضاها: باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعَّد بذلك الوعيد، لكن لحوق الوعيد به متوقف على شروط؛ وله موانع. (^٣)\nقال النووى:\nقوله ﷺ: (مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ) أي وجب عليه الخلود، وهو تفسير قتادة الراوي، وهذا التفسير صحيح، ومعناه:\nمن أخبر القرآن أنه مخلَّد في النار وهم الكفار، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به)\nوفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق وما أجمع عليه السلف أنه لا\n_________\n(^١) وانظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٦٥) ومنهج المتكلمين (٢/ ٦٩٠)\n (^٢) حادى الأرواح (ص/٨١)\n (^٣) وانظر مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٦٣) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص/٧٧)","vol":"2","page":790},{"text":"يخلد في النار أحد مات على التوحيد، والله أعلم. (^١)\n*ومن هذه الموانع وأعظمها أن يموت المرء على التوحيد، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨» (النساء/٤٨) (^٢)\nوقد استقرأ بعض المحققين موانع إنفاذ الوعيد على الذنوب فبلغوا بها نحوًا من عشرة أمور، ومنها التوبة والاستغفار ووالأعمال الصالحة ودعاء الصالحين والشفاعة وغير ذلك. (^٣)\n٤) الوجه الرابع:\nأن تحمل نصوص الخلود الواردة في حق أصحاب الكبائر، وذلك على ما قيَّده الله عزوجل بقوله (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧» (هود: ١٠٦ - ١٠٧)\nقال أبو جعفرالطبري:\nوأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك:\nمن أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله - جل\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٣/ ٥٨)\n (^٢) قال ابن قتيبة:\nوحدثني إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا قريش بن أنس قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: يؤتى بي يوم القيامة، فأقام بين يدي الله ﷿، فيقول لي: لم قلت: إن القاتل في النار؟\nفأقول: أنت قلته يا رب. ثم تلا هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾. =\n=فقلت له - وما في البيت أصغر مني- أرأيت إن قال لك: فإني قد قلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر له؟\nقال: فما استطاع أن يرد علي شيئًا. أخرجه ابن حجر في التهذيب (٨/ ٦٣) والخطيب في تاريخه (١٣/ ١٨٢) وسنده حسن. وقد كان عمرو بن عبيد معتزليًا قدريًا. وانظر تأويل مختلف الحديث (ص/١٧٤) بتحقيق أبى المظفر سعيد السناري.\n (^٣) وليراجع ذلك بأدلته في منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٠٥) ومدارج السالكين (١/ ١٤٣) وإيثار الحق (ص/٣٤٩) والوعد الأخروي (٢/ ٥٣٤)","vol":"2","page":791},{"text":"ثناؤه- أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله - ﷺأن الله -تعالى- يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله - ﷺ- بما ذكرنا، وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: \"لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن\"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث. (^١)\n٥) الوجه الخامس:\nمما يوجب صرف قوله صلى الله وعليه وسلم:\n\" مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.... \" عن ظاهره، ما قد ورد عَنْ جَابِرٍ -﵄ - قال:\nلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، فَقَالَ:\nمَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ:\nقِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ». (^٢)\nقال النووي:\nفي هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة: أن من قتل نفسه، أو ارتكب معصيةَ غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة، وهذا الحديث شرح للأحاديث الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر في النار،\nوفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، فإن هذا عوقب في يديه، ففيه رد على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (١٥/ ٤٨٤)\n (^٢) أخرجه مسلم (١١٦) وأحمد (١٥٠٢٤)","vol":"2","page":792},{"text":"تضر. والله أعلم. (^١)\n*تنبيه:\nحمل أحاديث الوعيد على حال المستحل قد أنكره الإمام أحمد، كما نقل ذلك عنه ابن القيم، فقال: وقالت فرقة: بل هذا الوعيد في حق المستحل لها; لأنه كافر، وأما من فعلها معتقدًا تحريمها فلا يلحقه هذا الوعيد وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الدخول.\nوقد أنكر الإمام أحمد هذا القول وقال:\nلو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرًا، والنبي - ﷺ - إنما قال: من فعل كذا وكذا. (^٢)\nوكذا قال ابن حجر مستبعدًا هذا التوجيه:\nولو كان مرادًا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال؛ فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا. (^٣)\n*وختامًا:\nقول معاذ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ،\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١/ ٤٠٩)\nوقد تأول الطحاوى هذا الحديث بأن الرجل قد فعل ذلك ليس من باب قتل النفس، بل فعله للعلاج ليبقى بقية يديه وتسلم له نفسه، فلم يكن في ذلك مذمومًا!! (مشكل الأثار (١/ ١٨٧»\nقلت:\nولا شك أن هذا التأويل خلاف ظاهر الحديث لفظًا ومعنى؛ فقد ورد فى الحديث: \" أنه قد جَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ \"، والجزع هو فقد الصبر مما ألم به من شدة الألم.\nأضف إلى ذلك أمور:\n١ - الأول: ما ترجم به العلماء للحديث كما عند مسلم، باب: \"الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر\".\n٢ - الثانى: أنه قد ورد في هذا الحديث أن الرسول -﵊ - قد دعا لهذا الرجل بالغفران، وذلك لا يكون إلا عن جناية كانت منه على يديه استحق بها العقوبة.\n٣ - أن لو كان الأمر كما ذكر الطحاوى لكان هذا الرجل قد أخطأ في اجتهاده، فهو أولى بالعفو من الرجل الذى قد عفا الله -تعالى - عنه رغم شكه في قدرة الله -تعالى-على جمعه وإحياءه بعد حرقه وسحقه.\n (^٢) مدارج السالكين (١/ ٣٩٨)\n*فائدة مهمة:\nقد توسَّط أهل السنة فى مسألة الفرق بين الكفر والكبيرة من حيث الحكم عليهما بالتكفير، فعند غلاة المرجئة أن من فعل كفرًا -من غير عذر معتبر- لا يكفر إلا بالاستحلال، وأما عند الخوارج فقالوا بكفر فاعل الكبيرة، ولو وقعت منه من غير استحلال.\nوأما أهل السنة فقالوا بكفر من أتى ناقضًا من نواقض الإيمان، ولو لم يكن مستحلًا، وأما ما دون الكفر فلا يكفر فاعله إلا بالاستحلال.\n (^٣) وانظرفتح الباري (١/ ١١٣) وأحاديث العقيدة التى ظاهرها التعارض (ص/٤٣١)","vol":"2","page":793},{"text":"فَيَتَّكِلُوا»، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذُ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.\nودل صنيع معاذ -﵁على أنه عرف أن النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم، وإلا لما كان يخبر به أصلًا.\nأو قد عرف أن النهي مقيد بالاتكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وإذا زال القيد زال المقيَّد، فيكون حمل النهي على إذاعته للعموم، ورأى هو أن يخص به كما خصه هو به ﵇. ولهذا ترجم البخارى: \" من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا \" (^١)\nقال ابن هبيرة:\nلم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة، فأما الأكياس الذين غذا سمعوا بمثل هذا ازدادوا في الطاعة ورأوا أن زيادة النعم تستدعى زيادة الطاعة، فلا وجه لكتمانها عنهم. (^٢)\nتم بحمد الله\n_________\n(^١) انظر فتح الباري (١/ ٢٢٧) وإكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٢٦٠)\n (^٢) الآداب الشرعية والمنح المرعية (١/ ٩٩)","vol":"2","page":794},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>الحديث السادس والعشرون: المشكاة في شرح حديث لا تعجز واستعن بالله</span>","vol":"2","page":795},{"text":"** نص حديث الباب:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وفي رواية: \" قَدَّرَ اللهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ\"؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»\nتخريح الحديث:\nأخرجه مسلم (٢٦٦٤) \" باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله \"، والإمام أحمد في المسند (٨٧٩١)\n* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\n١ - معنى المؤمن القوى:\nوقوة المؤمن تتمثل في حرصه على القيام لدين الله -تعالى- اعتقادًا وقولًا وعملًا، فتراه قلما صادف بابًا من أبواب الشريعة إلا وقد ولجه ليضرب فيه بسهم.\nفالقوة في طلب الحق والقيام به مطلب شرعى، قال تعالى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم: ١٢]، والله وصف أصحاب النبي -ﷺ- بأنهم: \" أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا \" [الفتح: ٢٩]، والجلَد على الطاعة، والصبر على ذلك كله من القوة التي يحبها الله تعالى.\nقال القرطبي:\nأي المؤمن القوي البدن والنفس، الماضي العزيمة، الَّذي يصلح للقيام بوظائف العبادات من الصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","vol":"2","page":797},{"text":"والصبر على ما يصيبه في ذلك، وغير ذلك مما يقوم به الدين وتنهض به كلمة المسلمين فهو الأفضل والأكمل. (^١)\nفالإشارة بالقوة ها هنا إلى العزم والحزم والإحتياط، لا إلى قوة البدن.\nوهذا المعنى هو ما نص الشاعر في قوله:\nلَيْسَ الشجاع الَّذِي يحمي كتيبته... يَوْم النزال ونار الْحَرْب تشتعل\nلَكِن فَتى غض طرفًا أَو ثنى بصرًا... عَن الْحَرَام، فَذَاك الْفَارِس البطل. (^٢)\nوقال الطيبيّ:\nقيل: أراد بالمؤمن القويّ: الذي قوي في إيمانه، وصَلُب في إيقانه بحيث لا يرى الأسباب، ووَثِق بمسبِّب الأسباب، والمؤمن الضعيف بخلافه، وهو أدنى مراتب الإيمان. قال: ويمكن أن يُذهَب إلى اللفّ والنشر، فيكون قوله: \"احرص على ما ينفعك\" بيانًا للقويّ، وقوله: \"ولا تعجز\" بيانًا للضعيف. (^٣)\n* ومن علامات المؤمن القوى:\nأن يكون قوّامًا لله -عزوجل- ولرسوله ﷺ، حافظًا لأمر الله تعالى، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) (النساء: ١٣٥)\nوكما فى قوله ﷺ.:\n\" احفظ الله يحفظك \" (^٤)، وحفظ أمر الله - تعالى - على نوعين:\nأ) حفظ أمر الله القدري:\nوذلك بالصبر على الأقدار، فهذه من علامات صدق الإيمان، فعَنْ صُهَيْبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ\n_________\n(^١) وانظر المفهم (٦/ ٦٨٢) وكشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٥٥٢)\n (^٢) ذم الهوى لابن الجوزى (ص/ ١٤٣)\n (^٣) الكاشف عن حقائق السنن (١٠/ ٣٣٣٤)\n (^٤) أخرجه أحمد (٢٦٦٩) والترمذي (٢٥١٦) وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"2","page":798},{"text":"خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا \". (^١)\nفجعل الصبر على القدر لا يحصل إلا للمؤمن.\nب) حفظ أمر الله الشرعى:\nوذلك بالقيام بحق الشرع، بامتثال الأوامر واجتناب النواهى.\nكما قال تعالى (َالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤» (الأنفال /٧٤)\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١» (المؤمنون/٦١).\n* والذى يتنبه لدلالات ألفاظ القرآن والسنة يجد أنها قد حثت في أبواب الآخرة على الجد والسعي والمبادرة، وأما فى أمور الدنيا فقد جاء الأمر بالتمهل والإجمال.\nقال الله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨)\nوقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣)\nوفى حديث أبي هريرةرضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال:\n «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». (^٢)\nفالحديث فيه الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما سيقع من الفتن الشاغلة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم.\nوفي حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله - ﷺ - لما رأى في أصحابه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٩٩)\n (^٢) أخرجه مسلم (١١٨)","vol":"2","page":799},{"text":"تأخرًا عن الحضور للمسجد قال لهم:\n\" لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله \" (^١)\n* وأما في أمور الدنيا فقد أمر الله - تعالى- فيها بالتؤدة:\nفقد قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥» (الملك/١٥)\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n... (\" إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا \". (^٢)\nوفى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- قَالَ:\nكَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ ﷺ: \" لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ \". (^٣)\n...\n* عودٌ إلى قوله ﷺ:\n\" الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ \":\n* وهنا قد يرد إشكال:\nقد ورد في حديث الباب ما يُفهم منه ذم المؤمن الضعيف، فظاهره قد يعارض في الفهم ما رواه حَارِثَةُ بْنَ وَهْبٍ - ﵁- عن النَّبِيَّ - ﷺ- أنه قَالَ:\n «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ ﷺ:\n «كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» \". (^٤)\nقال زين الدين المناوي:\nوعند التأمل لا تدافع؛ إذ المراد بمدح الضعف لين الجانب ورقة القلب والانكسار بمشاهدة جلال الجبار، وبذم الضعف ضعف العزيمة في القيام بحق الواحد القهار، على أنه لم يقل هنا أنهم ينصرون بقوة الضعفاء، وإنما مراده بدعائهم أو بإخلاصهم. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٣٨)\n (^٢) أخرجه الحاكم (٢١٣٥) والبيهقى (١٠١٨٥)، انظر صحيح الجامع (٢٠٨٥)، والإجمال: هو الطلب بقصد واعتدال، مع عدم انشغال القلب.\n (^٣) أخرجه الترمذى (٢٣٤٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) فيض القدير شرح الجامع الصغير (١/ ٨٢)","vol":"2","page":800},{"text":"* قلت:\nوقد ورد في حديث البخاري «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» (^١)، وفى رواية له\nعند النسائي «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ». (^٢)\nوفيها زيادة فائدة وهى أن ضعفهم ليس ضغفًا في الإيمان، بدلالة وقوع النصر للأمة قد حصل بدعواتهم وصلاتهم؛ لصفاء ضمائرهم وقلة تعلقهم بزخرف الدنيا فيغلب عليهم الإخلاص في العبادة ويستجاب دعاؤهم.\n* وأما قوله ﷺ: \" وفي كلٍ خيرٌ\":\nفمعناه في كُلٍّ مِنَ الْقَوِيِّ والضعيف خير؛ لاشتراكهما في أصل الإيمان، مع ما يأتي به الضعيف من العبادات. (^٣)\nقال ابن العثيمين:\nقال ﵊: (وفي كل خير) لئلا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك.\nوهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو أن يتكلم الإنسان كلامًا يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين، ومثال ذلك في القرآن قوله ﵎:\n (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: ١٠)\nومن ذلك قوله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) (الأنبياء: ٧٩)\nلما كان هذا يوهم أن داود -تعالى-عنده نقص، قال تعالى (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا). (^٤)\n* وأما قوله ﷺ:\n\" احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ \":\nوهذه من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٩٦)\n (^٢) أخرجه النسائي (٣١٧٨)\n (^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٤٦٧)\n (^٤) شرح الصالحين (٢/ ٨٧)","vol":"2","page":801},{"text":"جوامع الكلم التى أوتيها الرسول ﷺ، فهى جملة جامعة بين أصلين مهمين، وهى حسن تعلّق القلب بالله تعالى، مع سعي الجوراح في الأخذ بالأسباب المادية فقوله ﷺ: «استعن بالله»: هذا هو التوكل.\nوقوله ﷺ: «وَلَا تَعْجَزْ \": وهذا هو الأخذ بالأسباب. (^١)\nفسعي المرء حرصًا على ما ينفعه في أمر معاشه لا ينسّيه أن يكون حال سعيه مستعينًا بالله تعالى.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nفي قوله ﷺ \" ﴿احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ﴾ أمر بالتسبَّب المأمور به وهو الحرص على المنافع، وأمر مع ذلك بالتوكل، وهو الاستعانة بالله تعالى، فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين، ونهى عن العجز الذي هو ضد الكيس. (^٢)\nوقال ﵀:\nلا تعجز عن مأمور ولا تجزع من مقدور، والإنسان بين أمرين:\nأمر أُمِر بفعله فعليه أن يفعله ويحرص عليه ويستعين الله ولا يعجز، وأمر أصيب به من غير فعله فعليه أن يصبر عليه ولا يجزع منه؛ ولهذا قال بعض العقلاء ابن المقفع أو غيره الأمر أمران: أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه. (^٣)\nقال ابن القيم:\n «التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة؛ فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة. (^٤)\nومن ترك الاستعانة بالله - تعالى-\n_________\n(^١) وقد ذكرنا في شرح حديث \" السبعين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب \" أدلة الكتاب والسنة على أنه لا تعارض بين التوكل والأخذ بالأسباب، وأنه لا تعارض بينهما بحال. مما يغنى عن إعادة ذكره هنا.\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨٢)\n (^٣) المصدر السابق (١٦/ ٣٩)\n (^٤) مدارج السالكين (٢/ ١١٤)","vol":"2","page":802},{"text":"واستعان بغيره وكله الله -تعالى- إلى من استعان به فصار مخذولًا.\nوكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: \" لا تستعن بغيرِ اللَّهِ فيكِلَكَ اللَّهُ إليهِ \". (^١)\nوفي حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ:\nكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ دَعَوَاتٍ لَا يَدَعُهُنَّ:\nكَانَ يَقُولُ: \" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ \". (^٢)\n\"قال العلامة السِعدى:\nوقد جمع النبي - ﷺ - في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر والعمل بالأسباب النافعة، وهذان الأصلان دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة، ولا يتم الدين إلا بهما بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما؛ لأن قوله: \"احرص على ما ينفعك\" أمر بكل سبب ديني ودنيوي بل أمر بالجد والاجتهاد فيه، والحرص عليه نية وهمة وفعلًا وتدبيرًا.\nوقوله: \"واستعن بالله\" إيمان بالقضاء والقدر، وأمر بالتوكل على الله الذي الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح، ودفع المضار مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك.\nفالمتبع للرسول - ﷺ - يتعين أن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه وأن يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته. (^٣)\n*فرع:\nفإن الاستعانة معناها طلب العون، والاستعانة على أقسام:\n١) القسم الأول: الاستعانة التوحيدية التعبدّية:\nوهى طلب العون من الله - تعالى - فيما لا يقدر عليه إلا الله، وثبت عن النبيﷺ - أنه قال لابن عباس ﵄:\n «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». (^٤)\nوهذه التى نسأل الله -تعالى- إياها في كل صلاة فى قولنا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ\n_________\n(^١) روائع التفسير (١/ ٧٤)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) بهجة قلوب الأبرار (ص/٣٧)\n (^٤) أخرجه الترمذى (٢٥١٦) وأحمد (١/ ٣٠٨) وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":803},{"text":"نَسْتَعِينُ (٥» (الفاتحة/٥)، وهى أية عظيمة جامعة لنوعيى التوحيد: فقولنا \" إيَّاكَ نَعْبُدُ \" مبنية على توحيد الألوهية، وقولنا \" وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ \" مبنية على توحيد الربوبيّة.\nقال الشنقيطى:\nقوله: (إياك نعبد) فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة; لأن غيره ليس بيده الأمر، وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيَّنًا واضحًا في آيات أخر، كقوله: (فاعبده وتوكل عليه)، وقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). (^١)\n* وقد ورد عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ....، فإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي....). (^٢)\nوقد بيَّن ذلك ابن رجب معنى قوله تعالى (هذا بيني وبين عبدي)، فقال:\nفالعبادة حق الله -تعالى-على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك\nكانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده، لأن العبادة حق الله على عبده، والإعانة من الله فضل من الله على عبده. (^٣)\nقال ابن كثير:\nقال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله ﷿. (^٤)\nوهنا فوائد:\n١) الأولى:\nقد خص الله -تعالى - الاستعانة بالذكر رغم أنها داخلة في معنى\n_________\n(^١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/ ٣٥)\n (^٢) أخرجه مسلم (٣٩٥)\n (^٣) روائع التفسير (١/ ٦٩)\n (^٤) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٥)","vol":"2","page":804},{"text":"العبادة، وما ذلك إلا لأهميتها، فالقاعدة \"أن ذكر الخاص بعد العام إنما يكون للتأكيد \"، وذلك نظير قوله تعالى (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨» (البقرة/٩٨)، وقوله النبي ﷺ:\n\"إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَة، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ \". (^١)\n٢) الثانية:\nقوله تعالى: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فيه بيان أن الاستعانة التوحيدية لا تكون إلا بالله تعالى، ووجه الدلالة أن في الأية أسلوب الحصر، وذلك من خلال تقديم ما حقه التأخير، فلم يقل \" أعبد إيَّاك\"، وذلك لأن \" تقديم المعمول من صيغ الحصر \".\n، ونظير ذلك قوله تعالى ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ وهذا أبلغ في الحصر، وقوله تعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) ففيه تقديم ما حقه التأخير لبيان حصر الملْك لله - تعالى - دون غيره.\n٢ - القسم الثاني: الاستعانة المباحة:\nوهى الاستعانة بالمخلوق، وهذه لا تشرع إلا بشروط ثلاثة:\nأن يكون المستعان به: \" حيًا، حاضرًا، قادرًا \"، فذكر الحي احترازًا من الاستعانة بالميت، وذكر الحاضر احترازًا من الاستعانة بالغائب، وذكر القادر احترازًا من الاستعانة بالمخلوق على أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى.\nفإذا ما انتفى واحد من هذه الشرط الثلاثة صارت الاستعانة شركية، ومما يدل على مشروعية الاستعانة المباحة قوله ﷺ:\n\" وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ \". (^٢)\nومن هذا الباب ما ورد عن أبي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ﵁- أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٤٢)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩)","vol":"2","page":805},{"text":"رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\"وَاللهِ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ\"، قَالَ: فَأَعْتَقَهُ \". (^١)\n٣ - القسم الثالث: الاستعانة الشركية:\nلما كانت الاستعانة عبادة من أعظم العبادت التى يتوجه بها العبد إلى ربه عزوجل، فقد صار صرفها لغير الله -تعالى- من الشرك المخرج من الملة، فالقاعدة هنا:\n\" أن كل ما ثبت بالكتاب أو السنة أنه عبادة فصرفه لله -تعالى - توحيد، وصرفه لغير الله شرك \".\nوذلك يتمثل في الاستعانة بالغائب أو الميت أو بالمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا من الشرك في الربوبية.\nقال ابن عبد الهادي:\nولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به، كان هذا شركًا محرَّمًا بإجماع المسلمين. (^٢)\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:\nإن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله، ..... والاستمداد طلب المدد بالقلب، واللسان، والأركان ولا بد، وهذه الأعمال هي أنواع العبادة، فإذا كانت لله -تعالى-وحده فقد آلَّهه العبد، فإذا صرف لغير الله - تعالى- صار مألوهًا. (^٣)\n* وكم من فئامٍ من الناس في هذه الأمة أشركوا بالله -تعالى- لما قاموا بالاستعانة بغير الله -تعالى - في الأمور التي تختص فيها الاستعانة به سبحانه، بحجة التوسل بهؤلاء الأشخاص والأموات إلى الله جل شأنه.\nومن هذا ما كان يفعله بعض مشركي العرب إذا نزل واديًا مقفرًا، فتراه يتقرَّب إلى سيد القوم من الجن في ذلك الوادي، ليقيَه الضُّرَّ، فيكون تعظيمًا للجن، وهو شرك لكون الاستعانة - بما لا يقدر عليه إلا الله - عبادة لغير الله سبحانه.\nقال تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) (الجن: ٦)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٥٩)\n (^٢) الصارم المنكي (ص/٣٤٦)\n (^٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٤١٦)","vol":"2","page":806},{"text":"قال الطبري:\nيقول تعالى ذكره مخبرًا أنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا منازلهم. (^١)\nقال القرطبي: ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك. (^٢)\nوكذلك ما يفعله السحرة من الاستعانة بالأرواح الأرضية - وهم الجن والشياطين،\nوهو ما يُعرف بالعزائم والتسخير وكتب السحر مملوءة من الأقسام والعزائم على الجن بساداتهم الذين يعظمونهم، فدل هذا على أن السحر يكون من الاستعانة بالشياطين، وليس كما يدَّعى ابن سينا وغيره أن السحر من قبيل القوى النفسانية، فهو قول باطل.\n* شبهة الجواب عليها:\nقد استدل المجوِّزون للاستعانة الشركية ببعض الآيات القرآنية التي هي ليست في محل النزاع: مثل قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) قالوا: أمرنا الله بالاستعانة بالأعراض!!!\n*ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nإن هذه الآية الكريمة لا علاقة لها بجواز الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله رب العالمين، بل هذه الآية من أقوى الأدلة على وجوب الالتجاء إلى الله والاستغاثة به عند الملمَّات، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، إذ الصلاة والصبر من أعظم الأعمال الصالحات التي يتوسل بها إلى الله -تعالى-عند الكربات، فقد كان النبي - ﷺ- إذا حزبه أمر توسل إلى الله بالصلاة.\nبل الآية من قبيل قوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)؛ فكما أن المراد منها الاعمال الصالحة على تفسير السلف من الأثر والرأي، هكذا هنا المراد من هذه الآية: التوسل بالأعمال الصالحة. (^٣)\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (٢٣/ ٦٥٤)\n (^٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠) والتحصين من كيد الشياطين (ص/٣٢)\n (^٣) الشرك في القديم والحديث (٢/ ١٢٥٥)\nقال صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:\nوقد بَلَغَنِي بيقين عن بعض من يتعاطى القراءة وهو من الجَهَلَة، ليس من أهل العلم ولا من طلبة العلم ممن فَتَحَ هذا الباب فسَيْطَرَ عليه الجن وهو لا يعلم في هذا، وأصبح يأمرونه بأشياء وينهونه عن أشياء، وربما أَذَلُّوهُ في بعض الأمور، فَسَدُّ الذريعة في هذا واجبٌ ولا يجوز التساهل به. ا. هـ\nوانظر الآداب الشرعية (١٩٨/ ١) وإتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٧٠٩) والتوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/٩٢)","vol":"2","page":807},{"text":"* فرع: مسألة الاستعانة بالجن المسلم:\nوأما هذه المسألة فقد يفهم جواز ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ذكر مثل هذا، ووضع جملة من الضوابط لذلك. يقول ﵀:\n\" ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له، فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له \"،\nوقال ﵀:\n\" ومنهم من يستخدمهم - أي الجن - في أمور مباحة إما إحضار ماله، أو دلالة على مكان فيه مال ليس له مالك معصوم، أو دفع من يؤذيه ونحو ذلك، فهذا كاستعانة الإنس بعضهم ببعض في ذلك \".\nومن الضوابط التى حددها لذلك:\n\" يعني يستعين بهم فيما يقدرون عليه، كون السبب مباحًا، ألا تفضي هذه الاستعانة إلى محرم، أن يكون المستعين بالجنى من الموحدين الصالحين، وعلى معرفة التوحيد وما يضاده. (^١)\n* الراجح في ذلك -والله أعلم-هو المنع، وهذا عليه جماهير أهل العلم؛ وذلك لأمور:\n١ - أن هذا الأمر داخل في الاستمتاع الذي حرَّمه الله ﷿، كما في قوله ﷿:\n ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فجاء على سبيل الذم على ما فعلوه.\nفاستمتاع الإنس بالجن محرَّم على أي نحو كان، ولم يرد الدليل بالاستثناء ولا\n_________\n(^١) ويراجع لذلك مجموع الفتاوى (١١/ ٣٠٧) و(١٣/ ٨٧) والنبوات (١/ ٢٧٨)","vol":"2","page":808},{"text":"بالتخصيص، فبقاء الأمر على عمومه بما يشمل الجميع، فهذا هو الأصل وهو المتَعَيِّن.\nقال صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:\nالاستعانة بالجن من أسباب إغراء الإنسي بالتوسل إلى الجني، وبرفعة مقامه وبالاستمتاع به، وقد قال جل وعلا ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]\nويحصل الاستمتاع من الإنسي بالجني بأن يخدمه الجني، وقد يكون مع ذلك الاستمتاع ذبح من الإنسي للجني، وتقرب بأنواع العبادات؛ ولهذا نقول:\nإن تلك الاستعانة بجميع أنواعها لا تجوز، فمنها ما هو شرك - كالاستعانة بشياطين الجن- يعني: الكفار منهم - ومنها ما هو وسيلة إلى الشرك، كالاستعانة بمسلمي الجن. (^١)\n٢ - أن الجن في زمن النبوة كان منهم من لقي النبي ﷺ، واستمع إليه، وأسلم معه، ومعلوم أن عندهم من القدرات والإمكانات التي أعطاهم إياها الله - تعالى- ما ليس لغيرهم؛ وقد مضى زمن النبوة وزمن الصحابة ﵃، ولم يجر فيه الاستعانة بالجن - حتى المسلم منها - فكان هذا الأمر بمثابة إجماع منهم على عدم مشروعيته.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفلم يستخدم الجن أصلًا - أي رسول الله ﷺ - لكن دعاهم إلى الإيمان بالله، وقرأ عليهم القرآن، وبلَّغهم الرسالة، وبايعهم كما فعل بالإنسى. (^٢)\n٣ - قد ورد في قول النبي -ﷺ- لأبى هريرة ﵁:\n «صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان» (^٣)\nفالأصل في الشياطين الكذب، فلا يؤمن كذب من يزعم منهم أنه مسلم\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص/٦١٥)\n (^٢) مجموع فتاوى (١٣/ ٨٩).\n (^٣) أخرجه البخاري (٣٢٧٥)","vol":"2","page":809},{"text":"أو صالح؛ فهم يوقعون العداوة بين الناس في كذبهم.\nلذا ولكثرة الكذب فى هذا الباب فقد أغلقه الشرع مع الدجالين والعرَّافين من الإنس، قال ﷺ: \" من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة \". (^١)\nوقال ﷺ: \"من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد \". (^٢)\n٤ - أن الأصل فى ذلك هو سد الذريعة وحسم المادة؛ فقد تؤدي الاستعانة بالجن إلى حصول خلل في العقيدة؛ فترى المستعين يلجأ إليهم ويتعلق بهم تعلقًا يبعده عن الخالق ﷾، الواقع والتجربة شاهدان على ذلك. (^٣)\nوالمتتبع لحال كثير من الرقاة والمعالجين بالقرآن يرى كم الدجل والشركيات التى وقعوا فيها في هذا الباب.\nقال أحمد في الرجل يزعم أنه يعالج المجنون من الصرع بالرقى والعزائم، أو يزعم أنه يخاطب الجن ويكلمهم، ومنهم من يخدمه؛ قال:\nما أحب لأحد أن يفعله، تركه أحب إليَّ. (^٤)\nوهذا يراد به التحريم، كما هو المعلوم من نصوص الإمام أحمد وألفاظه.\n*تنبيهات:\n١ - أما ما يُنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية من تجويز ذلك فهو محمول -والله أعلم- على ما إذا فعلوا شيئًا من غير أن يطلب منهم، أو أخبروا الشخص وهو قادر على أن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٣٠)\n (^٢) أخرجه أحمد (٩٥٣٢) وأبوداود (٣٩٠٤)، وانظر صحيح الجامع (٥٩٣٩)\n (^٣) قال صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:\nوقد بَلَغَنِي بيقين عن بعض من يتعاطى القراءة وهو من الجَهَلَة، ليس من أهل العلم ولا من طلبة العلم ممن فَتَحَ هذا الباب فسَيْطَرَ عليه الجن وهو لا يعلم في هذا، وأصبح يأمرونه بأشياء وينهونه عن أشياء، وربما أَذَلُّوهُ في بعض الأمور، فَسَدُّ الذريعة في هذا واجبٌ ولا يجوز التساهل به.\n (^٤) وانظر الآداب الشرعية (١٩٨/ ١)","vol":"2","page":810},{"text":"يعرف صدقهم من كذبهم، فهذا هو المحتمل، وليس أن يطلب منهم قضاء الحاجات.\n٢ - إذا جاءت الخدمة من الجني بدون اتفاق وعهد فلا حرج فيها؛ لأنه قد تكون من الكرامة للإنسان. (^١)\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nقوله ﷺ: \" وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا \":\n، وفيه من الفوائد أنه إذا وقع بعد حرصه على طلب ما ينفعه خلاف مطلوبه،\nلا ينبغي له التأسّف، وقول: \" لو أني فعلتُ كذا كان كذا \" تسخّطًا لقدر الله\nتعالى، بل الواجب أن يستسلم لقضائه وقدره، ولا يتسخّط؛ لأن الله -﷾- أعلمُ بمصالح عباده، فربما يكون عكس ما حرص عليه خيرًا إما في الدنيا، وإما في الآخرة، قال الله -﷿-: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].\nوقال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]،\nبل الواجب عليه حينئذ أن يقول: \"قدّر الله، وما شاء فعل\".\nوالحاصل:\nأن نزول المكروه الدنيوي على العبد المؤمن خير له؛ لأنه\nإنما أصابه بما كسب من المخالفات، كما قال الله -﷾ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]\nثم إن هذا الذي أصابه إما أن يكون تكفيرًا لِمَا اقترفه من السيئات، وهذا مطلب عظيم، وإما أن يكون رفعًا لدرجاته، وهذا أعلى وأغلى، والله تعالى أعلم. (^٢)\n**عودٌ إلى حديث الباب:\nقوله ﷺ: \" وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر\n_________\n(^١) ويراجع في هذه المسألة: إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٧٠٩) والتوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/٩٢)\n (^٢) البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (٤١/ ٥٤٧)","vol":"2","page":811},{"text":"الله وما شاء الله فعل \":\nفقد أرشد النبي - ﷺ - إلى تفويض الأمر إلى قدر الله بعد فعل الأسباب التي يحصل بها المطلوب ثم يتخلف.\nوإنما هذا من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعايب، ونظير ذلك ما قاله آدم -﵇- لما احتج بقدر الله -تعالى-على المصيبة التي حصلت له ولبنيه وهي الإخراج من الجنة، فقال لموسى ﵇:\n\" أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة\" (^١)\n*عودٌ إلى حديث الباب:\nقوله ﷺ: \" فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ \":\nقد ورد في حديث الباب النهى عن استعمال كلمة \" لو\"؛ لأنها تفتح على المرء بابًا من خطرات الشيطان التى يؤلم بها القلب ويحسره على ضياع ما فات، مما يضيّع على المرء مرتبة فاضلة وهى الاستسلام لقدر الله -تعالى- النافذ.\nلذا فقد ورد النهى عن استعمال كلمة \"لو\" فى هذا المقام.\n* وهنا يرد إشكال:\nقد ورد في جملة من النصوص الشرعية ما يعرض في الظاهر النهى الوارد في حديث الباب عن كلمة \"لو\"، كما ورد فى قولَه ﷺ:\n «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ»، وقوله ﷺ:\n\" لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي \"\n*والجواب من وجوه:\nالأول قد ذكره النووي فقال:\nوقد جاء من استعمال لو في الماضي، قوله ﷺ: \" لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي \"، وغير ذلك فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون نهي تنزيه لا تحريم. فأما من قاله تأسّفًا على مافات من طاعة الله تعالى، أو ماهو متعذّر عليه من ذلك ونحو هذا فلا بأس به،\n_________\n(^١) متفق عليه.","vol":"2","page":812},{"text":"وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث، والله أعلم. (^١)\nالوجه الثاني:\nأن قول النبي -ﷺ - في الصحيح: (لا يقولنَّ أحدُكم: لو؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) فمحمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجرًا منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَو أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ثم ردَّ الله قولهم، وبيَّن لهم عجزهم، فقال: ﴿قُل فَادرَءُوا عَن أَنفُسِكُمُ المَوتَ إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾. (^٢)\n* وقد ذكر الشيخ ابن العثيمين تفصيلًا في هذا الباب، فقال أن استعمال \"لو\" تأتي على وجوه:\nالوجه الأول:\nأن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرَّم، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول ﷺ، وقالوا:\nلو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأينا خير من شرع محمد، وهذا محرم وقد يصل إلى الكفر.\nالثاني:\nأن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرَّم أيضا، قال الله تعالى:\n ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (آل عمران: ١٥٦)\nأي: لو أنهم بقوا ما قتلوا; فهم يعترضون على قدر الله.\nالثالث:\nأن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضا; لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه; لأن الندم يكسب النفس حزنا وانقباضا، والله يريد منا أن نكون في انشراح وانبساط، قال ﷺ:\n\" احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٩/ ١١٣)\n (^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٦٣٨) والشرك في القديم والحديث (١/ ٦٢١)","vol":"2","page":813},{"text":"أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا; فإن لو تفتح عمل الشيطان \".\nمثال ذلك:\nرجل حرص أن يشتري شيئا يظن أن فيه ربحا فخسر، فقال: لو أني ما اشتريته ما حصل لي خسارة; فهذا ندم وتحسر، ويقع كثيرًا، وقد نهي عنه.\nالرابع:\nأن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية; كقول المشركين ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، وهذا باطل.\nالخامس:\nأن تستعمل في التمني، وحكمه حسب المتمنى: إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، وفي \"الصحيح\" عن النبي ﷺ في قصة النفر الأربعة قال أحدهم:\n\" لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان \" فهذا تمنى خيرًا، وقال الثاني:\n\"لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان \"، فهذا تمنى شرًا. فقال النبي ﷺ في الأول: \" فهو بنيته، فأجرهما سواء \"وقال في الثاني:\n\" فهو بنيته، فوزرهما سواء \". (^١)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٣٦٢)","vol":"2","page":814},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الحديث السابع والعشرون: بيان الحق نفسه في شرح حديث أينا لم يظلم نفسه</span>","vol":"2","page":815},{"text":"*نص الحديث:\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود - ﵁ - قَالَ:\nلَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان/١٣)\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٦٩٣٧) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ومسلم (١٢٤) كتاب الإيمان، \" باب: صدق الإيمان وإخلاصه \".\n* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nالفائدة الأولى: قول ابن مسعود ﵁:\nلَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ......\nأهل العلم على أنه مما يدخل فى أقسام المرفوع حكمًا ذكر سبب نزول الأية، فالصحابي إذا قال: هذه الآية نزلت في كذا، فلها حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي بأن أية كذا نزلت في كذا لا يكون إلا بتوقيف من النبي ﷺ. قال الحاكم:\nالصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند. (^١)\nويقول الحافظ العراقي في ألفيته:\nوَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابي... رَفْعًَا فَمَحْمُوْلٌ عَلَى الأسْبَاب. (^٢)\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث (ص/٢٠)\n (^٢) ألفية العراقي المسماة بـ: \" التبصرة والتذكرة في علوم الحديث \" (ص/١٠٣)","vol":"2","page":817},{"text":"* ومثاله:\nما ورد من قول جابر ﵁: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، الآية. (^١)\nوهذا بخلاف سائر تفاسير الصحابة -﵃- التى لا يضاف شيء منها إلى الرسول - ﷺ - فهو داخل فى حكم موقوف.\n*الفائدة الثانية: قول الصحابة ﵃: أيُّنا لا يظلم نفسه؟\nفالصحابة - ﵃ - حملوا اللفظ على عمومه، فشق عليهم إلى أن أعلمهم النبي - ﷺ - بأنه ليس كما ظننتم، بل كما قال لقمان ﵇. *فإن قلت: من أين حملوه على العموم؟\nقلت: لأن قوله: (بظلم) نكرة في سياق النفي، فاقتضت التعميم، وفيه أن العام قد يطلق ويراد به الخاص، فقد حمل الصحابة - ﵃- ذلك على جميع أنواع الظلم، فبيَّن الله - تعالى - أن المراد نوع منه. (^٢)\nقال ابن القيم:\nلما أشكل علي الصحابة -﵃ - المراد بالظلم، وظنوا أن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون آمنًا، أجابهم بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك، وهذا - والله - الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل؛ فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها، والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة، فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعًا من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله، فالمطلق للمطلق والحصة للحصة. (^٣)\nقال الخطابي:\nإنما قال الصحابة هذا القول لأنهم اقتضوا من الظلم ظاهره الذي هو الافتيات بحقوق الناس، أو الظلم الذي ظلموا به أنفسهم، من ركوب معصية أو\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١/ ٢١٦)\n (^٣) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٥٨)","vol":"2","page":818},{"text":"إتيان محرم، كقوله ﷿: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾ الآية (^١).\n* الفائدة الثالثة: أقسام الظلم:\nقد روى أنس بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ - أنه قال:\n\" الظُّلْمُ ثَلَاثةٌ: فَظُلْمٌ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ، وَظُلْمٌ يَغْفِرُهُ، وَظُلْمٌ لَا يَتْرُكُهُ فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي\nلَا يَغْفِرُهُ اللهُ تعالى:\nفَالشِّرْكُ، قَالَ اللهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ: فَظُلْمُ العِبَادِ أَنْفُسَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ - ﷿ - وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَتْرُكُهُ: فَظُلْمُ العِبَادِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَقُتصُّ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ \" (^٢)\n* ومما يستفاد من هذا الحديث أن الظلم أقسام ثلاثة:\n١ - الأول:\nظلم لا يغفره الله تعالى، وهو الشرك به، قال الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾، والشرك لا يغفره الله -تعالى- بحال من الأحوال، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨» (النساء/٤٨)\nوقد ورد اطلاق الظلم على ما كان شركًا فى مواضع عدة من كتاب الله تعالى، قال تعالى (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢» (يونس/٥٢)، وقال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤» (البقرة/٢٥٤)\n٢ - الثاني:\nوهو ظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، فيما دون الشرك، وهذا الظلم يغفره الله - تعالى- إن شاء فيدخل المرء الجنة بلا عذاب، ومن عُذِّب عليه فمآله إلى الجنة، كما قال تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا...﴾ (فاطر/٣٢)\n_________\n(^١) أعلام الحديث (١/ ١٦٢)\n (^٢) أخرجه أبو داود الطيالسي في \" مسنده \" (٢/ ٦٠) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٩)، وصححه الألبانى في الصحيحة (١٩٢٧)","vol":"2","page":819},{"text":"وهذه مما قيل فيها أنها أرجى أيه في القرآن؛ فقد وردت واو الجماعة في قوله تعالى (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا...) عائدة على الأقسام الثلاثة، والتى منها\n\" الظالم لنفسه بما دون الشرك \".\n٣) الثالث:\nوهو الظلم الذي لا يتركه الله تعالى، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (^١)\n* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- قَالَ:\n\"أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ \" قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ:\n\"إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ\" (^٢)\n* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ\". (^٣) قال سفيان الثوري:\nإن لقيت الله -تعالى- بسبعين ذنبًا فيما بينك وبين الله تعالى أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٩) وأحمد (١٠٥٧٣)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٥٨١)، والترمذى (٢٤١٨)\nأي أن حقيقة المفلس هذا الذي ذكرت، وأما من ليس له مال، ومن قل ماله، فالناس يسمونه مفلسًا، وليس هذا حقيقة المفلس؛ لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته، وربما انقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته، بخلاف ذلك المفلس، فإنه يهلك الهلاك التام. تحفة الأحوذي (٦/ ٢٠٨)\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٥٨٢) والترمذى (٢٤٢٠)\nوأما القصاص من القرناء والجلحاء فليس هو من قصاص التكليف إذ لا تكليف عليها بل هو قصاص مقابلة والجلحاء هي الجماء التي لا قرن لها.\n (^٤) تنبيه الغافلين (ص/٣٨٠)","vol":"2","page":820},{"text":"* لذا يقال فى تحقيق العلاقة بين وقوع الظلم وتحقق الأمن والاهتداء أن ذلك على حالات:\n١ - الحالة الأولى:\nمن تخلَّص من أنواع الظلم الثلاثة التي سلف ذكرها، فحقق الإيمان التام الذي لم تشبه شوائب الشرك الأكبر المنافي لجميعه، ولا الشرك الأصغر المنافي لكماله، ولا المعاصي المحبطة لثمراته من الطاعات، كان له الأمن والاهتداء التام المطلق، ومعنى الأمن المطلق هو الذي ليس معه عذاب.\n٢ - الحالة الثانية:\nأن يتخلَّص من أعظم الظلم، الذى هو الشرك، ولكنه قد وقع في الأنواع الأخرى فهذا له الأمن من الخلود في النار، وهو ما يسمى \" مطلق الأمن \"، أى:\nأن معه أصل الأمن وأصل الاهتداء، وإن عوقب على بقية أنواع الظلم الأخرى، وهذا وفق مشيئة الله تعالى.\nفالذين سلِموا من الشرك لهم الأمن، إما الأمن المطلق، وإما مطلق الأمن، والأمن المطلق هو الذي ليس معه عذاب، وأما مطلق الأمن فهذا الذي قد يكون معه شيء من العذاب على حسب الذنوب.\nوهذا هو المراد بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؛ فقد بيَّن الرسول - ﷺ - أن المراد من هذه الأية ليس السلامة من مطلق الظلم، فمثل هذا لا ينفك عنه أحد، كما ورد عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ - ﵎- أَنَّهُ قَالَ:\n (... يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، ...) (^١)\n، وإنما المراد من هذه الأية هو السلامة من الظلم المطلق، والذى بتحققه ينتفى عن المرء مطلق الأمن والاهتداء، لا الأمن أو الاهتداء المطلق.\n٣ - الحالة الثالثة:\nوهذه لمن لم يسلم من الشرك الأكبر، وصاحبها ينتفى معه مطلق\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧)","vol":"2","page":821},{"text":"الأمن والاهتداء، وهذا هو الظلم الأكبر المراد فى قوله تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢» (المائدة/٧٢)، وفي قول لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان /١٣).\n* وقد أجمل أبوالعباس ابن تيمية -﵀- هذه المعانى السابقة فقال:\nمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة؛ كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقًا، بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. وليس مراد النبي ﷺ بقوله ﴿إنما هو الشرك﴾ أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام؛ فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرَّضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة. وقول النبي ﷺ ﴿إنما هو الشرك﴾ إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة، وهو مهتد إلى ذلك. (^١)\nقال ابن القيم:\nالظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها، والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة، فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعًا من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله، فالمطلق للمطلق والحصة للحصة. (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٨١)\n (^٢) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٥٨)","vol":"2","page":822},{"text":"* وهذا هو الذى عليه أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأنواع المظالم الثلاثة، وهم في ذلك وسط بين مدرستين قد ضَلَّتَا الفهم في هذا الباب:\n١ - مدرسة الخوارج والمعتزلة:\nفعندهم أن أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرُّون عليها دون توبة مخلّدون في النار، فتراهم يكفِّرون بظلم النفس بالكبائر، وينفون عن صاحبه مطلق الأمن والاهتداء.\n٢ - مدرسة المرجئة:\nوهم يرون أن ظلم النفس بما دون الشرك لا يكون مؤثرًا في كمال الإيمان الواجب، بل لصاحبه - وإن مات مصرًَّا على الكبائر- الأمن والاهتداء المطلق.\n*الفائدة الرابعة:\nشذوذ أهل البدع في تعريف الظلم:\n١ - قول الجهمية والأشاعرة:\nقالوا في تعريف الظلم: أنه التصرف في ملك الغير، لذا فلو عذَّب الله -تعالى- المطيعين ونعَّم العاصين لم يكن ظالمًا، لأن الظلم عندهم إنما هو التصرف في ملك الغير، والله - تعالى - مالك الملك، فأي فعل فعله ولو كان تعذيب أنبيائه وملائكته وأهل طاعته، وتكريم أعدائه من الكفار والشياطين لم يكن ظالمًا؛ لأنه لم يتصرف إلا في ملكه. (^١)\nقال الغزالي:\nلله ﷿ إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن غير ثواب لاحق؛ لأنه متصرف في ملكه، ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه، والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو محال على الله تعالى. (^٢)\n_________\n(^١) وقريبٌ من هذا الفهم المغلوط ما نص عليه ابن حزم في \"الدرة\" (ص/٤٣٥):\nأن الله - تعالى- ولو عذَّب أنبيائه وملائكته وأهل طاعته، وكرَّم أعدائه من الكفار والشياطين لم يكن ظالمًا لهم، ولكنه لم يفعله؛ لأنه قد نفى عن نفسه فعل ذلك!!\nوهذا الكلام منه على ما فيه من وجه صحة، ولكنه ناقص الحق؛ فثمة سبب آخر هو الرئيس لامتناع ما ذكر؛ وهو أنه منافٍ لعدله ورحمته وحكمته، فالله - تعالى- منزَّه عن العبث.\nولكنَّ ابن حزم إذ علَّل بما ذكر فعلْة ذلك هو سيره على قاعدته في نفي معاني الأسماء الحسنى وحقائقها.\n (^٢) قواعد العقائد (ص/٢٠٤)","vol":"2","page":823},{"text":"٢ - قول المعتزلة:\nوهؤلاء يقولون: إن الظلم مقدور لله تعالى، ولكنه تعالى منزَّه عنه، وهذا حق، ولكنَّ هذا قد جرَّهم إلى القول بالقدر، فهم قدرية نفاة لخلق الله -تعالى- لأفعال العباد، فالله -تعالى- لما كان عدلًا لا يظلم أحدًا فقد اقتضى ذلك -عندهم -ألا يكون خالقًا لأفعال العباد؛ لأنه لو كان خالقًا لها ثم عاقبهم عليها لكان ظالمًا. (^١)\nوالعدل عند المعتزلة أحد الأصول الخمسة التى بنوا عليهم مذهبهم، وتعرفيه عندهم كما سبق ذكره هو القول بالقدر.\n٣ - قول أهل السنة:\nقالوا: الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا معناه في اللغة، فالظلم الذي حرمه الله - تعالى - على نفسه هو أنه سبحانه لا يحمل المرء سيئات لم يفعلها، ولا يعذِّب المرء إلا بما كسبت يداه، كما قال تعالى\n (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧» (غافر/١٧)، وقال سبحانه (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠» (الأنعام/١٦٠)\nوكما ورد في حديث عبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِورضي الله عنهما- أن رَسُول اللهِ - ﷺ - قال:\n\" إِنَّ اللهَ ﷿ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ:\n\" أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ قَالَ: لَا، يَا رَبِّ، ... \" (^٢)\n_________\n(^١) وقد نص القاضي عبد الجبار المعتزلى على مستند المعتزلة فى نفيهم لخلق أفعال العباد، فذكر وجوهًا تزيد عن الخمسين، ومن أراد الوقوف عليها فليراجع كتابه \"المغنى في أبواب التوحيد والعدل \" (٨/ ١٨٠ - ٢٢٠) =\n=فكان مما ذكر: \" وكان مما ذكر: كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم، وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه فيهم؟! وانظر شرح الطحاوية (ص/٤٩٧) والمعتزلةو أصولهم الخمسة (ص/١٧٩)\n (^٢) أخرجه أحمد (٦٩٩٤) والترمذي (٢٦٣٩) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.","vol":"2","page":824},{"text":"قال أبو العباس ابن تيمية:\nفقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ قال أهل التفسير من السلف: لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه سيئات غيره، ولا يهضم فينقص من حسناته. (^١)\n* لذا فالقول ما قاله أهل السنة:\nأن معنى الظلم المنفي عن الله - ﷾هو وضع الشيء في غير موضعه، بأن يزيد في سيئاته أو أن يحمل عليه أوزار غيره، أو أن ينقصه من حسناته شيئًا. فالظلم المنفي عن الله - تعالى - ما هو ممكن، وليس ممتنعًا لذاته؛ لكنَّ الله -تعالى - نفاه عن نفسه ونزَّه نفسه عنه وحرَّمه على نفسه لأنه لا يليق به ﷿؛ فإن الله - تعالى - لا يظلم لكمال عدله.\n* الرد على الأشاعرة والجهمية:\n١) هذا التفسير تفسير باطل، ولازمه الذى لا ينفك عنه هو نفي الحكمة عن الله عزوجل، ومعلوم أن كون الله - ﷿- يعذب الناس بلا ذنب هذا عبث ولا حكمة فيه، ومثل هذا مما ينزه الله - تعالى - عنه.\nقال الله ﷾: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (ص: ٢٨) وقال تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (الجاثية: ٢١).\n* لذا فمن الخطأ البيِّن الذى راجع فيه أهل العلم صاحب العقيدة السفارينية فى قوله:\nوَجَاز للْمولى يعذَّب الورى... من غير مَا ذَنْب وَلَا جرم جرى.\nفَكل مَا مِنْهُ تَعَالَى يجمل... لِأَنَّهُ عَن فعله لَا يسْأَل.\nفهذا القول الذي ذكره المؤلف ظن أنه مذهب أهل السنة، وليس هذا هو مذهب أهل السنة، بل هو مذهب الأشاعرة ومن وافقهم من متأخري بعض أهل السنة من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤)","vol":"2","page":825},{"text":"المالكية والشافعية والحنابلة.\nقال ابن العثيمين:\nولكن هذا القول باطل؛ لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: ١١٧)، والتعليل لذلك بقوله \" فَكل مَا مِنْهُ تَعَالَى يجمل.. \" تعليل باطل؛ فتعذيب المطيع القائم بأمر الله -تعالى - ليلًا ونهارًا حتى مات، لا أحد يشك في أنه ظلم وأنه غير جميل.\nأما التعليل الثاني في قوله: (لأنه عن فعله لا يسأل) فهذا صحيح، فالله - تعالى - لا يسأل عما يفعل، فلا يسأل لماذا هدي هذا الرجل حتى استقام، ولماذا أضل الآخر حتى انحرف، فلا يسأل عن هذا؛ لأن الله له الحكمة فيما قدَّر، لكن بعد أن يوجد السبب المقتضي للثواب أو العقاب، فلو أن الله -تعالى - عاقبه لكان هناك سؤال عن سبب معاقبة الله لهذا الرجل، ولهذا أيضًا يسقط هذا التعليل. (^١)\n* فإن قيل:\nفإذا قال قائل: أليس الخلق كله ملكًا لله -تعالى - فله أن يفعل في ملكه ما شاء؟\nفالجواب: بلى، ولكن نقول: هو نفسه - ﷿- أخبر بأنه لا يمكن أن يظلم أحدًا، ولا يمكن أن يعذب طائعًا، فيكون هذا الشيء - أي تعذيب المطيع - ممتنعًا بمقتضى خبر الله ﷿، وبمقتضى أسمائه وصفاته، وأنه ﷿ احكم الحاكمين واعدل العادلين. (^٢)\nوعليه فنسبة ذلك غلط على أهل السنة، كما قرر هذا شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وكثير من محققي العلم، والمذهب المنسوب إلى السلف هو ما تقدم تقريره من أن الله لا يعذِّب إلا بذنب.\n* يؤيده ما يلى:\n١ - الأدلة الشرعية التى نصت على عدم إيقاع العقاب على من كان معذورًا بجهله،\n_________\n(^١) شرح العقيدة السفارينية (ص/٣٤١)\n (^٢) المصدر السابق (ص/٣٤١)","vol":"2","page":826},{"text":"كما قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥» (الإسراء/١٥)،\nوقال تعالى (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١» (الأنعام/١٣١)\nأي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يعاقب أحد بظلمه، وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحدًا إلا بعد إرسال الرسل إليهم. (^١)\nوقال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧» (هود/١١٧) فأخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين.\nوعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍرضي الله عنه-عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: \"أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرِمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونَنِي بِالْبَعَرِ، وَأَمَّا الْهَرِمُ، فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، فَيَقُولُ: رَبِّ،\nمَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا\". (^٢)\nفهذه الأدلة الشرعية قد أفادت بما لا يدع مجالًا للشك أن الله -تعالى- لا يعذِّب من فعل ذنبًا -ولو كان شركًا- إذا لم تبلغه الرسالة والحجة، فكيف يعذّب أولياءه الذين عاشوا طائعين عابدين، لا يعصون الله - تعالى - ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟!!\n٢ - أننا مأمورون شرعًا أن نؤمن بجميع ما صح من أسماء الله -تعالى- وصفاته، فكما أننا نؤمن باسم الله الملك، الذى له الملك المطلق، فكذلك علينا أن نؤمن باسم الحكيم، ومعناه أنه سبحانه الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلْقه وأمره، لذا فالقول أن مالك الملك لو عذَّب أهل طاعته، وكرَّم أعداءه لم يكن ظالمًا؛\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٤١)\n (^٢) أخرجه أحمد (١٦٣٠١) وصححه الألبانى في الصحيحة\" (١٤٣٤)","vol":"2","page":827},{"text":"لأنه لم يتصرف إلا في ملكه فهذا كلام من البطلان البيِّن؛ فهذه غفلة عظيمة عن الإيمان باسم الله الحكيم، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟!!.\n* إشكال:\nقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n (لو أنّ الله عذَّب أهلَ سماواته وأهلَ أرضه عذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم). (^١) الجواب:\nأن معنى الحديث أن الله -تعالى- لو وضع عدله على أهل سماواته فحاسبهم بنعمه عليهم وأعمالهم لصاروا مدينين له، فلو حاسبهم على نعمة واحدة - كنعمة البصر مثلًا- لاستوفت ولرجحت على جميع ثواب أعمالهم وطاعاتهم التى بذلوها، وحينئذ يكون المرء مدينًا لربه - تعالى- بسائر نعمه التى ما أدى حقها، وحينئذ\nفلو عذَّبهم الله لعذبهم وهو غير ظالم لهم؛ وما ذلك إلا لتقصيرهم في شكر نعمه عليهم. (^٢)\nقال ابن رجب:\nلا نجاة للعبد بدون المغفرة والعفو والرحمة والتجاوز، وأنه متى أقيم العدل المحض عَلَى عبد هَلك.\nومما يبين ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فهذا يدلُّ عَلَى أن الناسُ يسألون عن النعيم في الدُّنْيَا، وهل قاموا بشكره أم لا؟\nفمن طولب بالشكر عَلَى كل نعمة من عافية وستر وصحةِ جسم وسلامة حواسٍّ وطيب عيش واستُقصي ذلك عليه، لم تَفِ أعمالُهُ كلُّها بشكر بعض هذه النعم، وتبقى سائر النعم غير مقابلة بشكر فيستحق صاحبها العذاب بذلك. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٤٦٩٩)، وانظر صَحِيح الْجَامِع (٥٢٤٤)\n (^٢) تنبيه:\nما روي من حديث الرجل الذى عبد الله خمسمائة سنة، وأن الله سيقول: \" أدخلوا عبدي الجنة برحمتي \"، فيقول الله: \"قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله \"، فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعمة الجسد فضلا عليه، فيقول أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار فينادي رب برحمتك أدخلني الجنة..... \"\nفهو حديث ضعيف، أخرجه الحاكم في المستدرك (٥٤٢٥٠) والعقيلي في \" الضعفاء\" (١٦٥)\n، وفى سنده سليمان بن هرم، قال الحافظ الذهبي: سليمان غير معتمد. قال العقيلي: \" مجهول، وحديثه غير محفوظ \"، قال الأزدي: لا يصح حديثه. وانظر المغني في الضعفاء (١/ ٢٨٤) ولسان الميزان (٤/ ١٨٠)، ... وقد وذكر الألبانى هذا حديث في ضعيف الترغيب والترهيب (ح/ ٢٠٩٩).\n (^٣) المحجة في سير الدلجة، وهى رسالة من مجموعة \"رسائل ابن رجب (٤/ ٤٠١) \"","vol":"2","page":828},{"text":"٢) قولهم بأن \" الظلم الذى نفاه الله - تعالى - عن نفسه ممتنع لذاته \" كلام باطل من وجوه:\nأ) الأول:\nتفسير نفي الظلم عن الله -تعالى- بالامتناع عليه ليس فيه مدح ولا كمال، وإنما المدح والكمال أن يقال إن الله - سبحانه- منزَّه عن الظلم، وأنه لا يفعله لكمال عدله، والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه، لا بترك الممتنع، فعلم أن من الممكنات ما هو ظلم تنزَّه الله - تعالى- عنه مع قدرته عليه، وبذلك استحق الحمد؛ لأن الحمد إنما يقع بالأمور الاختيارية من فعل أو ترك. (^١)\nب) الثانى:\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ (طه/١١٢)\nووجه الدلالة:\nأن نفي الظلم لو كان على وجه الامتناع لم يكن ثمة فائدة من نفي الخوف من تحققه، فالذي يُخاف إنما هو الممكن.\n* يؤيده:\nما ورد عن أَبِي ذَرٍّرضي الله عنه- أنِ النَّبِيِّ - ﷺ- فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ - ﵎- أَنَّهُ قَالَ:\n\"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، ... \" (^٢) ووجه الدلالة:\nأن الممتنع لذاته لا يُحتاج إلى تحريم؛ لأنه ممتنع لذاته، وبيان ذلك أنه ليس لشخص أن يقول -مثلًا - حرَّمت على نفسي أن أطير في الهواء؛ ولا يقال:\n\" إن فلانًا الأعمى يغض بصره عن النساء!! \"؛ لأن هذا ممتنع لذاته، وليس رغبة عنه، فالذي يحرم لا يتوجه إلا لما كان ممكنًا. (^٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nالأمر الذى لا يمكن القدرة عليه لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرًا عليها، فعلم أن الله قادر على ما نزه نفسه عنه من الظلم وأنه لا يفعله، والذى حرَّمه على\n_________\n(^١) مباحث الربوبية والقدر (ص/٢٢٤)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) وأحمد (٢١٤٥٨)\n (^٣) شرح السفارينية للشيخ حمد الحمد (ص/٧١)","vol":"2","page":829},{"text":"نفسه هو أمر مقدور عليه، لكنه لا يفعله لأنه حرَّمه على نفسه، وهو سبحانه منزَّه عن فعله مقدَّس عنه. (^١)\n* الرد على المعتزلة:\nأما قولهم: \" أن الله -تعالى- لا يظلم، وأن عدله يقتضي ألا يكون خالقًا لأفعال العباد؛ لأنه لو كان خالقًا لها ثم عاقبهم عليها لكان ظالمًا لهم!!!\n* فالرد من وجوه:\n١) الأول:\nإنه -تعالى -إنما يعذبهم على ما أحدثوه من ذنوب، وكان بمشيئتهم وقدرتهم، وكونه تعالى خالق أفعالهم لا يمنع أن تكون أفعالهم مضافة إليهم على الحقيقة، فلا تعارض بين الأمرين إلا عند من ضاق أفقه.\n٢) الثاني:\nإن ما يبتلى به العبد من الذنوب، وإن كانت خلقًا لله تعالى، فهي عقوبة للعبد على ذنوب قبلها، وبما كسبت أيدى الناس، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها، فالذنوب والأمراض التي يورث بعضها بعضًا.\nيبقى أن يقال:\nفالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟\nيقال: هو عقوبة أيضا على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه، فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتألهه والإنابة إليه، كما قال تعالى:\n... ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠].\nفإن لم يفعل ما خلق له وفطر عليه، من محبة الله وعبوديته، والإنابة إليه - عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلبا خاليا قابلا للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر، كما قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: ٢٤] .......، وأما إذا صادفه فارغًا من ذلك، تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص. وهي محض العدل.\n*فإن قلت:\nفذلك العدم من خلقه فيه؟\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤)","vol":"2","page":830},{"text":"قيل:\nهذا سؤال فاسد، فإن العدم كاسمه، لا يفتقر إلى تعلّق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمرًا وجوديًا حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض، والشر ليس إلى الله سبحانه. (^١)\n*ومما قاله المعتزلة:\nالله -تعالى -عدل لا يظلم أحدًا، وأفعال العباد فيها ظلم كثير، فلو كان الله - خالقًا- لأفعال العباد لكان متصفًا بالظلم!!! (^٢)\n* والجواب:\nهذا الإلزام غير صحيح؛ لأن كون الباري تعالى خالقًا لا يوجب أن يتصف بما خلق من ظلم وكذب وطاعة ومعصية؛ لأن هذه الصفات؛ إنما هي لمن قامت به، وليس لمن خلقها.\nفالصفات وصف لمن قامت به، فالظلم مثلًا: صفة للظالم، ولا يكون صفة لله تعالى، فصح أن خلقه تعالى لهذه الصفات لا يلزم وصفه بها.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nكون الفعل قبيحًا من فاعله لا يقتضي أن يكون قبيحًا من خالقه; لأن الخالق خلقه في غيره لم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره.... والله -تعالى- إذا خلق الإنسان هلوعًا جزوعًا - كما أخبر تعالى بقوله: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعًا﴾ [سورة المعارج: ١٩ - ٢١] - لم يكن هو سبحانه لا هلوعًا ولا جزوعًا ولا منوعًا، كما تزعم القدرية أنه\nإذا جعل الإنسان ظالمًا كاذبًا كان هو ظالمًا كاذبًا، تعالى عن ذلك. (^٣)\nتم بحمد الله تعالى.\n_________\n(^١) وانظر شرح الطحاوية (ص/٤٤٢) والمعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/١٨٣)\n (^٢) يقول القاضي عبد الجبار المعتزلى: \" وفى أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان تعالى خالقًا لها لوجب أن يكون ظالما جائرًا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. (شرح الأصول الخمسة (ص/٣٤٥»\n (^٣) منهاج السنة (٢/ ٢٩٤)","vol":"2","page":831},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>الحديث الثامن والعشرون: ضوء الثريا شرح حديث من عادى لى وليًا</span>","vol":"2","page":833},{"text":"* نص الحديث:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ \"\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخارى (٦٥٠٢) كتاب الرقاق، باب التواضع، وأخرجه أحمد (٢٦١٩٣)\n*أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nالفائدة الأولى: الفرق بين القرآن والحديث القدسى:\nحديث الباب حديث قدسى يرويه الصحابى الجليل أبو هريرة -رضى الله عليه- عن النبى ﷺ.\n*الحديث القدسي \" لغة واصطلاحًا \":\nلغةً: القُدْسِيُّ نسبة إلى \"القُدْس\"؛ أي: الطُّهْر؛ أي: الحديث المنسوب إلى الذات القدسية، وهو الله ﷾.\nاصطلاحًا: هو ما نُقل إلينا عن النبي - ﷺ - مع إسناده إياه إلى ربه ﷿.","vol":"2","page":835},{"text":"وبين *الحديث القدسى والحديث النبوى أوجه تشابه وأوجه اختلاف. (^١)\nفهما يتفقان ويفترقان:\n١ - أولًا: أوجه الاتفاق: كلاهما كلام الله -تعالى- لفظًا ومعنى.\n٢ - ثانيًا: أوجه الافتراق:\nأ) أن القرآن قد تكفَّل الله -تعالى-بحفظه، كما قال عزوجل (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩» (الحجر/٩)، ولذا فالقرآن كله قطعي الثبوت ومتواتر النقل. وأما الحديث القدسي فليس كذلك؛ فإن فيه الصحيح وفيه الضعيف.\nب) أن القرآن قد تحدّى الله -تعالى- به مشركى العرب أن يأتوا بمثله، فهو مُعجِز بلفظه ومعناه، قال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨» (يونس/٣٨)، وقال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) (هود/١٣)، ومثل هذا لم يقع مع الأحاديث القدسية، فليست الأحاديث القدسية محلّ تحدٍّ.\nج - أن القرآن قد تعبَّد الله -تعالى- الناس بتلاوته، وتلاوته لا تكون بالمعنى. قال عزوجل (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧» (الكهف/٢٧)\nوعن أَبى أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّرضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:\n «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطلة». (^٢)\n_________\n(^١) انظرقواعد التحديث (ص/٦٥) وتيسير مصطلح الحديث (ص/١٥٨)\n (^٢) أخرجه مسلم (٨٠٤) باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة.","vol":"2","page":836},{"text":"وعن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\" مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ \". (^١)\nومثل هذا لم يقع مع الأحاديث القدسية، فهى غير مُتعبد بتلاوتها، ويجوز روايتها بالمعنى.\n* عودٌ إلى حديث الباب: الفائدة الثانية:\nقوله ﷺ \" إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا \"\nقد نص حديث الباب على شرف وقدر أولياء الله عزوجل، وكما قال أبو العباس ابن تيمية: هذا حديث شريف قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أصح حديث روي في صفة الأولياء \". (^٢)\nقال الشيخ أبو الفضل بن عطاء:\nفي هذا الحديث عظم قدر الولي؛ لكونه خرج عن تدبيره إلى تدبير ربه، وعن انتصاره لنفسه إلى انتصار الله له، وعن حوله وقوته بصدق توكله. (^٣)\nفالله - تعالى- هو الولىّ، الذى يتولّى عباده وأولياءه الصالحين بحفظه لهم وهدايته لأحوالهم، هداية التوفيق والالهام، ويمن عليهم بكفايتهم من كيد أعدائهم.\nقال تعالى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ (الأعراف/١٩٦) وقال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (البقرة /٢٥٧)\nقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: \"الله ولي الذين آمنوا\"، نصيرهم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٩١٠)، وانظر صَحِيح الْجَامِع (٦٤٦٩)\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩). ولشيخ الإسلام رسالة مستقلة في شرح هذا الحديث بعنوان \" الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان\"، وهى متضمنة في مجموع الفتاوى (١١/ ١٥٧)، وكذلك فقد ألَّف السيوطي رسالة بعنوان: \"القول الجلي في حديث الولي\"، وهي مطبوعة ضمن كتابه \" الحاوي للفتاوي\" للسيوطي (١/ ٥٦٤). وكذلك قد أفرد الشوكانى شرح الحديث في رسالته \" قطر الوليّ على حديث الوليّ \".\n (^٣) فتح الباري (١١/ ٣٤٦)","vol":"2","page":837},{"text":"وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه. (^١)\nوقد سمّى اللَّه - تعالى- نفسه بهذا الاسم، فهو من الأسماء الحسنى، قال اللَّه تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى/٢٨)\n*وتأمل في هذه اللطيفة:\nقوله (من عادى لي وليًا):\nوإنما قال: «من عادى لي»، ولم يقل: «وليا لي»؛ تفخيمًا لشأن العداوة؛ لأن في الأول إيذانًا بأن عداوة وليّ، كأنها عداوة الله تعالى، بخلاف الثاني. (^٢)\nقالَ عَبْدُ اللَّهِ بن الزبير ﵁:\nلَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ دَعَانِي، فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ، وَيَقُولُ:\n «يَا بُنَيِّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ، فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ»، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةِ مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ، إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ. (^٣)\nوكما أن الله -تعالى - يتولى أولياءه كذلك فإن اللَّه - ﷿ - يتولاه عباده الصالحون بعبادته وطاعته والتقرب إليه بالقُربات، وفعل الطاعات وترك المنكرات.\n* وقد وقع فى زماننا لغلط وخلط في اصطلاح \" أولياء الله \"، فصار هذا اللفظ يطلق على أناس من رؤوس البدع والضلال، يترك الواحد منهم الصلاة بالكلية بدعوى أنه قد وصل إلى درجة اليقين، الوارد فى قوله تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩» (الحجر/٩٩) (^٤)\nوالتى هى - على زعمهم- منتهى وغاية تحقيق العبادة، وبذلك يصير وليًا من\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن (٥/ ٥٢٤)\n (^٢) فيض الباري على صحيح البخاري (٦/ ٢٧٠)\n (^٣) أخرجه البخاري (٣١٢٩)\n (^٤) ومما يذكر عنهم فى قضية سقوط التكاليف وسقوط التعبدات أنَّ الإنسان منهم يترقَّى فى درجات الوصول، حتى إذا جاءه اليقين فقد سقطتْ عنه الشريعة؛ لأنَّ الصوفي عندهم يبدأ مُريدًا، ثمَّ سالكًا، ثم واصلًا، والواصل: أي: الذي وصل إلى الحقيقة، وسقطت عنه التكاليف، وسقطت عنه التعبدات.","vol":"2","page":838},{"text":"أولياء الله، الذين هم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون!!\nحتى إذا مات هذا الولى المزعوم أُسس له الضريح وبنى على قبره القباب والمساجد، وتقرَّب الناس عنده بشتى العبادات التى لا تُصرف إلا لله تعالى. (^١)\nوهذه من الموازين المختلة والمفاهيم الضالة التى عمت بها بلدان المسلمين وطمت،، وفتنت عوام الناس، وسفهاء الأحلام، وسخفاء العقول، فصاروا يعتقدون في الولى ما لا يُعتقد إلا فى الله تعالى، من أن الولي الفلاني يغيث المحتاجين ويفرِّج عن الملهوفين، ويكلم أصحابه ويستجيب لمريديه، ويتصرف في الأمور الدنيوية.\nوما هذا إلا من الخرافات التي ملكت عقولهم الضعيفة، وخزعبلاتهم التي استولت على خيالاتهم الفاسدة.\nوتزداد الفتنة عندما تجري على يد ذلك الولى حال حياته الخوارق الشيطانية، التى تكون قاصمة الظهر للعقول المريضة، فتتشرَّب الفتنة وتقع في شراكها.\n* وهنا السؤال: من هو ولى الله تعالى؟\nقد بيَّن الله﷾ - فى كتابه طرفًا من صفات أوليائه الصالحين، فقال تعالى (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣» (يونس/٦٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفكل من كان مؤمنًا تقيًا كان لله -تعالى- وليًا. (^٢)\nوقال تعالى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (الأعراف/١٦٩)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وتقوى، كان أكمل ولاية لله، فالناس متفاضلون في ولاية الله ﷿، بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى. (^٣)\n_________\n(^١) وللتوضيح نقول:\nأن هذه الأعمال التى تقع عند الأضرحة محرمة بكل حال، وهى من الشرك والضلال، سواء فعلت عند ضريح رجل كان وليًا حقًا، أو كان غير ذلك، وإنما خرج الكلام أعلاه لبيان ما هو غالب في فعل كثير من العامة.\n (^٢) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣١٦)\n (^٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص/٢٨)","vol":"2","page":839},{"text":"وقال ﵀:\nأولياء الله هم الذين آمنوا به ووالوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا بما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما نهى، وأعطوا لمن يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع. (^١)\nقال ابن حجر:\nالمراد بولي الله العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته. (^٢)\n* فإنما يُعرف ولي الله - تعالى - بموافقته للكتاب والسنة اعتقادًا وعلمًا وعملًا، حتى وإن جري على يديه ما جري من خوارق العادات فليست دالة على ولايته، إلا بعرض هديه وعمله على الوحيين، فإن كان على الجادة فلا شك إنها كرامة، وأما إن كان من أرباب البدع فلا يكون ما يجرى على يديه إلا رجسًا من عمل الشيطان، من باب قوله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ *\nتَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]. (^٣)\nقال يونس بن عبد الأعلى:\n\" يقول قال صاحبنا - يعني الليث بن سعد - لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته، فقال الشافعي إنه ما قصَّر، لو رأيته يمشي على الهواء ما قبلته. (^٤)\nقال ابن كثير:\nوقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي،\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص/٨)\n (^٢) وانظرفتح الباري (١١/ ٣٤٢) والإتحافات السنية بالأحاديث القدسية (ص/١٧٩)\n (^٣) ومن هذه الأحوال الشيطانية ما ذكره أبو العباس ابن تيمية وقد سئل عن الحلاج- المقتول على الكفر والزندقة سنة ٣٠٩ هـ- فبيَّن حاله وأحواله الشيطانية ثم قال:\n\" ومثل هذا يحدث كثيرًا لغير الحلاج ممن له حال شيطاني، ونحن نعرف كثيرًا من هؤلاء في زماننا وغير زماننا، مثل شخص هو الآن بدمشق كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق، فيجئ من الهواء إلى طاقة البيت الذي فيه الناس فيدخل وهم يرونه، وهو من أفجر الناس. وآخر كان بالشويك من قرية يقال لها الشاهدة يطير في الهواء إلى رأس الجبل والناس يرونه، وكان شيطانه يحمله وكان يقطع الطريق، وأكثرهم شيوخ الشر وانظرجامع الرسائل (١/ ١٩٤)\n (^٤) تلبيس إبليس (ص/١٦)","vol":"2","page":840},{"text":"بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضًا بما ثبت عن ابن صياد أنه قال:\nهو \" الدخ \"، وكان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة:\nمن أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوتجد كثيرًا من هؤلاء، عمدتهم في اعتقاد كونه وليًا لله تعالى، أنه قد صدر عنه بعض التصرفات الخارقة للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أويطير في الهواء إلى مكة، .. وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق أولياء الله، على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء، لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ، وموافقته لأمره ونهيه. (^٢)\nقال الشوكانى:\nولا يجوز للولي أن يعتقد في كل ما يقع له من الواقعات والمكاشفات أن ذلك كرامة من الله سبحانه، فقد يكون من تلبيس الشيطان ومكْرُه؛ بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة، فإن كانت موافقة لها فهي حق وصدق وكرامة من الله سبحانه. وإن كانت مخالفة لشيء من ذلك، فليعلم أنه مخدوع ممكور به قد طمع منه الشيطان فلَّبس عليه. (^٣)\nفمن اعتقد في بعض البُله أوالمولعين، مع تركه لمتابعة الرسول -ﷺ - في أقواله وأفعاله وأحواله - أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي\nطريقة الرسول ﷺ، فهو ضال مبتدع، مخطئ في اعتقاده.\nفإن ذاك الأبله، إما أن يكون شيطانًا زنديقًا، أو مجنونًا معذورًا، فكيف\nيفضل على من هو من أولياء الله، المتبعين لرسوله؟! أو يساوى به؟! (^٤)\n* الولاية عند الأشاعرة:\nذكر البيجورى فى حاشيته على الجوهرة أن\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٤٠)\n (^٢) وانظر الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص/٧٩) رسالة الشرك ومظاهره (ص/١٧٩)\n (^٣) قطر الولي على حديث الولي (ص/٢٣٤)\n (^٤) شرح الطحاوية (ص/٥٠٧)","vol":"2","page":841},{"text":"الولاية على قسمين:\n١ - ولاية مكتسبة:\nوهذه تحصل بامتثال الأوامرواجتناب النواهى، وهى الولاية العامة.\n٢ - ولاية غير مكتسبة:\nوهذه تتمثل فى العطايا الربانية، كالعلم اللدنى ورؤية اللوح المحفوظ. (^١)\n* وهنا يقال:\nأن ما نص عليه البيجوري فيما يعرف بالولاية غير المكتسبة، والتى تبنى على العلم اللدّني، فهذا مما لبَّس به الشيطان على أوليائه.\nوالعلم اللدنى:\nهو تقديم الذوق على النصوص وتأويل النص ليوافق هذا الذوق.\nوهو من مصادر التلقي عند الصوفية، ويعتبرونه علمًا يأتي من لدّن الله ﷿. وقد استندوا إلى قوله تعالى الله عن الخضرعليه السلام\n (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (الكهف/٦٥)\nودعوى أن الانسان - من دون الأنبياء - قد يسمع في نفسه هاتفًا من الرب يحدَّثه، هذه دعوى مشهورة عند أرباب التصوف، وهذه أكثرها ما يكون من تلبيس الشيطان على الخلق، يتكلم في نفوسهم بكلام ويوهمهم بأنه كلام رب العالمين، فيغترون بذلك على سذاجتهم وقلة علمهم، ويطيعون ذلك الهاتف كأنه وحي من السماء، وإن حدَّثهم بما يخرق حدود الشرع.\n* فإن قيل:\nقال علي بن أبي طالب - ﵁ - وقد سئل:\nهل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟\nفقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه \". (^٢)\n* فجوابه:\nأن المراد بقوله: \" إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه \":\nهوالعلم والفهم اللذان يحصلان للعبد من ثمرة العبودية والمتابعة، والصدق مع الله تعالى،\n_________\n(^١) انظر حاشيته البيجوري على الجوهرة (ص/٢١١)\n (^٢) أخرجه البخاري (٦٩٠٣) وأحمد (٥٩٩)، وهذ لفظ أحمد.","vol":"2","page":842},{"text":"والإخلاص له، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله ﷺ. وكمال الانقياد له. فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه به.\nفالبون شاسع والفرق واسع بين:\nالعلم اللدني الرحماني: هو ثمرة هذه الموافقة، والمحبة التي أوجبها التقرب بالنوافل بعد الفرائض.\nواللدني الشيطاني: ثمرة الإعراض عن الوحي، وتحكيم الهوى والشيطان.\nوالله المستعان.\n*الفائدة الثالثة: قوله: ﴿من عادى لى وليًا﴾، وفيها فائدتان:\n١ - الأولى:\nأي: اتخذه عدوًا، ولا يكون هذا إلا أنه عادى الولى من أجل ولايته لله تعالى، فإنه يشير إلى الحذر من إيذاء قلوب أولياء الله -﷿- على الإطلاق، أما منازعة الوليّ في محاكمة أو خصومة راجعة لاستخراج حق أو كشف غامض فلا يدخل في هذا الوعيد.\nفقد جرى نوع ما من الخصومة بين أبي بكر وعمر وبين عليّ والعباس وغيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين مع أن الكل أولياء الله تعالى. (^١)\n٢ - الثانية:\nوقد استشكل وجود أحد يعاديه ولي الله تعالى؛ لأن المعاداة إنما تقع من الجانبين، ومن شأن الولي الحلم والصفح عمن يجهل عليه؟!\nوأجيب بأن المعاداة لم تنحصر في الخصومة والمعاملة الدنيوية مثلًا، بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب، كالرافضي في بغضه لأبي بكر ﵁، والمبتدع في بغضه السني، فتقع المعاداة من الجانبين:\nأما من جانب الولي فلله تعالى وفي الله تعالى، وأما من جانب الآخر فلما تقدم وكذا الفاسق المتجاهر يبغضه الولي في الله تعالى، ويبغضه الآخر لإنكاره عليه وملازمته لنهيه عن شهواته. وقد تطلق المعاداة ويراد بها\n_________\n(^١) وانظر الإفصاح عن معاني الصحاح (٧/ ٣٠٣) وقطر الولى على حدث الولى (ص/٢٠٧) وشرح الأربعين لابن دقيق العيد (ص/١٠١)","vol":"2","page":843},{"text":"الوقوع في أحد الجانبين بالفعل ومن الآخر بالقوة. (^١)\n*الفائدة الرابعة: عودٌ إلى حديث الباب: قوله عزوجل \" فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ... \"\nوهذا الحديث مما ركن إليه أهل البدع من الحلولية والاتحادية فى فريتهم المشئومة بأن الله -تعالى- يحل في مخلوقاته ويتحد بهم، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\n* وتعتقد غلاة القبورية جهارًا دون إسرار، ولا حياء من العباد ولا من رب العباد أن الولي قد يصل إلى درجة، يصل إلى الله، تعالى - عن الأنداد - بحيث أن الله - تعالى - إنما يحل فيه فيكون الولي مظهرًا من مظاهر الله تعالى، أو يكون الولي عين الله تعالى؛ فيكون يد الولي وسمعه وبصره - يد الله وسمعه وبصره؛ فحينئذ طلب المدد من الولي والاستغاثة به - في الحقيقة طلب من الله تعالى واستغاثة به.\nوقد تشبثوا بحديث \" من عادى لى وليًا \" فى إثبات هذا الإلحاد والزندقة وجواز الاستغاثة بالأموات، وطلب الغوث والمدد منهم؛ بناءً على أن الولي قد صار هو عين الله، أو أن الله -تعالى -قد حلَّ في الولى. (^٢)\n* وهذه المسألة التى هى حلول الله واتحاده بخلقه، أو تجليه فى صورهم هى إحدى البدع الكفرية التى تظهر لنا ما وصل إليه غلاة الصوفية، لذا فقد حكم عليهم أهل الإسلام بالكفر والزندقة.\n* وإليك طرفٌ من أقوالهم فى هذا الباب:\nيقول ابن الفارض فى التائية:\nولي من أتم الرؤيتين إشارةٌ... تُنزّه عن دعوى الحلول عقيدتي\nوفي الذكر ذكر اللبْس ليس بمنكر... ولم أعدْ عن حكمى كتاب ولا سنة\n_________\n(^١) انظر فتح الباري (١١/ ٣٤٢) والسراج المنير شرح الجامع الصغير (١/ ٣٧١)\n (^٢) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (٣/ ١٣١٤)","vol":"2","page":844},{"text":"* والمعنى العام:\nأن ابن الفارض يزعم أن الله - تعالى - لا يحل ولا يتحد فى شيء من خلقه، وإنما هو يتجلى فى صور خلقه، ثم يقول:\n\" وفي الذكر ذكر اللبْس ليس بمنكر... \":\nأى: أن القول ذلك التجلى في بعض صور خلقه ليس بالقول المنكر، بل إن الذكر -أى القرآن- ما يؤيد ذلك \" وهو يقصد أن الله -تعالى - قد تجلى لموسي -﵇- فى صورة النار التى رآها، وكذلك فى الشجرة التى قالت * إننى أنا الله.... *!!!\nيقول سعيد الفرغاني -وهو من أكابر أتباعهم- في شرحه على التائية:\n\"وتنزه تلك الإشارة عقيدتي عن رأي الحلول، فإنه لما جاز ووقع أن يكون لملك مخلوق قدرة التلبس بأي صورة شاء، بلا معنى الحلول فيه، يصح أن يتلبس الحق تعالى بصورتي بفناء أنانيتى بالكلية، وإن تعللتَ بعدم جواز تلبسه بالصورة، وعللتَ بتنزيهه عن ذلك التلبس، منعناك، ورددنا تعليلك بالكتاب والسنة. (^١)\n* وقرين ابن الفارض فى هذا الدرب هو ابن عربي النكرة، له مصنف \" فصوص الحكم \"، التى قال عنها الذهبى:\n\" ومن أردإ تواليفه كتاب (الفصوص)، فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر!!! نسأل الله العفو والنجاة. (^٢)\nومن قبيح ما قاله ابن عربي فى \" الفصوص \":\n: \"العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء\"، ويقول: \"فيحمدني واحمده.. ويعبدني واعبده\". (^٣)\n_________\n(^١) وانظر \"تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي\" (١/ ٨٢)، وهو من الكتب التي فضحت وكشفت ضلالات ابن عربي وبيّنت عواره، صنفه برهان الدين البقاعي المتوفَّى سنة ٨٨٥ هـ، وقد طبع في ذيلها \" وتحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد \"، في بيان أقوال العلماء في تكفير ابن الفارض \" بتحقيق تلميذ الصوفية (سابقًا) الشيخ عبد الرحمن الوكيل.\nوقد الفت رسائل عديدة في ذم ابن عربي منها:\nوالقول المنبي عن ترجمة ابن عربي للسخاوي، وتسفيه المنبي في تنزيه ابن عربي للحلبي. وغير ذلك من الكتب والرسائل.\n (^٢) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٤٨)\n (^٣) وانظر فصوص الحكم، شرح القاشاني (ص/٨٥) وشرح القيصري (٢/: ٣٨٥)","vol":"2","page":845},{"text":"* وله أبيات يقول فيها:\nلقد صارَ قلبي قابلًا كلَ صُورةٍ.. فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبَانِ\nوبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ.. وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن\nأدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجّهتْ.. ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني. (^١)\nقال أبو زرعة العراقي:\nلا شك في اشتمال\" الفصوص\" المشهورة على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذلك \" فتوحاته المكية \"، فإن صحّ صدور ذلك عنه، واستمر عليه إلى وفاته: فهو كافر مخلد في النار بلا شك. (^٢)\nقال على القارى:\nقول ابن عربى فى\" الفتوحات\": سبحان من أوجد الأشياء، وهو عينها، هو كفر صريح، ليس له تأويل صريح. (^٣)\nقال ابن حجر:\nذُكِر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، شيئ من كلام ابن عربي المشكل، فقال شيخنا البلقيني: هو كافر. (^٤)\n_________\n(^١) ترجمان الأشواق (ص/٦٢)\nويقول فريد الزاهي: ويفهم ابن عربي في هذا السياق الآية (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) باعتبارها حكمًا مطلقًا.\nفكل عابد لله لا يعبده إلا في الحقيقة وهو يعتقد فيه في الصورة التي تجلَّى له بها باعتبارها ألوهة، ومن ثم فهو يعبد اعتقاده الألوهي في تلك الصورة. (نقلًا من مقال \" ابن عربي: الصورة والآخر \")\n (^٢) عقيدة ابن عربي وحياته \" لتقي الدين الفاسي (ص ١٥، ١٦).\n (^٣) إبطال القول بوحدة الوجود (ص/١٠٢)\nوأما كتاب \" الفتوحات المكية\" أو، \" الفتوحات الهلكية \" كما يسمِّيه البلقيني، فيقول الشيخ علي الطنطاوي (فتاواه ص ٧٩ ط: دار المنار، جدة):\nوأنا استغفر الله على ما انفقت من عمري في قراءة هذه الضلالات.\n (^٤) وممن كفّر ابن عربي بعينه:\nالإمام شهاب الدين أحمد بن يحي التلمساني الحنفي والإمام سيف الدين عبد اللطيف بن بلبان السعودي، وابن الجزري والإمام بركة الإسلام قطب الدين ابن العسقلاني.\nوقال عنه زين الدين العراقى:\n: \" كلامه مسموم، ظاهره القول بوحدة الوجود المطلقة، وأن جميع مخلوقاته هي عينه! وقائل ذلك والمعتقد له كافرٌ بإجماع العلماء \".\nوانظر تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي (١/ ٦٦) والعلم الشامخ في إيثار الحق على الأباء والمشايخ (ص/٤٠٣) و\" عقيدة ابن عربي وحياته \" لتقي الدين الفاسي (ص /٣٩)\n* لطيفة:\nومما يستأنس به في بيان ضلال ابن عربي ما حكاه تقى الدين الفاسي فى قوله:\nسمعت صاحبنا الحافظ أحمد بن حجر يقول:\nجرى بيني وبين بعض المحبين لابن عربي منازعة في أمر ابن عربي، حتى نلت منه لسوء مقالته، فهددني ذلك الرجل بالشكوى إلى السلطان بمصر، بأمر غير الذي تنازعنا فيه، فقلت له:\nما للسلطان في هذا مدخل! ألا تعال نتباهل، فقل أن تباهل اثنان، فكان أحدهما كاذبًا إلا وأصيب، فقلت له: قل: اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك، فقال ذلك، وقلت أنا:\nاللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك، وافترقنا، قال: ثم اجتمعنا في بعض متنزهات مصر في ليلة مقمرة، فقال لنا: مرّ على رجلي شيء ناعم، فانظروا فنظرنا فقلنا: ما رأينا شيئًا، قال: ثم التمس بصره، فلم يرَ شيئًا، أي أصابه الله بالعمى، وما أصبح إلا ميتًا.\nوانظرغاية الأماني في الرد على النبهاني (٢/ ٤٥٤) و\"عقيدة ابن عربي وحياته \" (ص/٧٥) وإبطال القول بوحدة الوجود (ص/١٦٢).","vol":"2","page":846},{"text":"قال شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري:\nتجاسر فيه ابن العربي واجترا... على الله فيما قال كل المتجاسر\nفقال بأنَّ الرب والعبد واحد... فربي مربوب بغير تغاير\nوأنكر تكليفًا، إذ العبد عنده... إله وعبد، فهو إنكار فاجر\nوقال: تجلى الحق في كل صورة... تجلى عليها، فهي إحدى المظاهر. (^١)\n*وممن يلهث فى سلك هؤلاء، وينعق على دربهم: حسين بن منصور الحلَّاج:\nقال ابن العربي المالكي:\nأجمع فقهاء بغداد على قتل الحلاّج وصلبه لدعواه الإلوهية والقول بالحلول، ولم يقبلوا توبته. (^٢)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nصاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو فصوص الحكم وأمثاله، مثل صاحبه القونوي والتلمساني وابن سبعين والششتري وابن الفارض وأتباعهم؛ مذهبهم الذي هم عليه:\nأن الوجود واحد؛ ويسمُّون أهل وحدة الوجود ويدَّعون التحقيق والعرفان، وهم يجعلون وجود الخالق عين وجود المخلوقات،\n_________\n(^١) وتقع هذه القصيدة في ستة وسبعين بيتًا، نقلها المقبلي في كتابه: \" العلم الشامخ \" (ص/٥٠٤).\n (^٢) وانظر الشفا (٢/ ٦٣٢) وشرح الشفا للملا على القاري (ص/٥٣٤)","vol":"2","page":847},{"text":"فكل ما يتصف به المخلوقات من حسن وقبيح ومدح وذم إنما المتصف به عندهم: عين الخالق، وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها أصلًا؛ بل عندهم ما ثم غير أصلًا للخالق ولا سواه. ومن كلماتهم: \" ليس إلا الله \". (^١)\n*تنبيه:\nمما نشير إليه هنا أن التكلف الباطل فى توجيه كلام هؤلاء الضآلين وحمله على المحامل الحسنة ما هو إلا نوع من التلبيس والتضليل، وتسمية الأشياء بغير اسمها.\nفقد وقفت على طرف من ذلك لما طالعت بعض شروحات على \" فصوص ابن عربى \"، أمثال: \" حل كلمات الفصوص \" لعبد الغنى المقدسي، وشرح القاشانى على الفصوص، وكذلك شرح عبدالرحمن المصطاوى لديوان \"ترجمان الأشواق\" لابن عربي، فتراهم يأتون على ألفاظ هى من الضلال البيِّن والكفر الصريح فيتأولونها بما يوافق الهوى.\nحتى أن أحدهم وهو يبرر ما نطق به النكرة ابن عربي من الكفريات يقول:\nوالذى دعاهم لتكفير ابن عربي الذي حين قال وهو ينفض جُبّته:\n\" ما في الجُبّة إلا الله \"، لأنهم ظنوه يصف نفسه بالألوهية، وما كان يقصد سوى أنه لا حقيقة إلا الله الموجود في كل شيء، وما عداه لا شيء! (^٢)\nوأمثلة ذلك كثيرة لمن طالع كتب القوم، ومن ذلك شرح القيصري على التائية (١/ ٧٢) والمحب المحبوب شرح التائية للكتانى (ص/٨٠)\n* نقول:\nولكنَّ الأمر ما قاله الفاسى، وصدق ﵀:\n\" وبعض المثنين علي ابن عربي يعرفون ما في كلامه من المنكرات، ولكنهم يزعمون أن لها تأويلات، وحملهم على ذلك كونهم تابعين لابن عربي في طريقته، فثناؤهم على ابن عربي مطروح لتزكيتهم معتقدهم\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٣)\n (^٢) من مقال \" لماذا توقفنا عن استخدام عقلنا؟! \" للكاتب أسامة الشاذلى من موقع \" الميزان \".\n (^٣) \" عقيدة ابن عربي وحياته \" لتقي الدين الفاسي (ص /٣٩)","vol":"2","page":848},{"text":"وكذلك يقول الذهبى عن ابن عربي:\nوقد عظَّمه جماعة وتكلفوا لما صدر منه ببعيد الاحتمالات، ولا ريب أن كثيرًا من عباراته له تأويل إلا كتاب (الفصوص). (^١)\nوقد بيَّن الذهبي حقيقة الذين تابوا من أهل الانصاف منهم فقال:\nولقد اجتمعتُ بغير واحد ممن كان يقول بوحدة الوجود ثم رجع وجدَّد إسلامه، وبيَّنوا لي مقالة هؤلاء أن الوجود هو الله تعالى، وأنه تعالى يظهر في الصور المليحة والأشياء البديعة. (^٢)\n... عَودٌ إلى المقصود:\nفترى هؤلاء المأفونين يدينون بعقيدة \" وحدة الوجود \"، وأن جميع ما في هذا الكون شيء واحد في الحقيقة، وإنما الفرق في الأحكام والآثار، وأن الخالق والمخلوق شيء واحد في الحقيقة، فما ثَم إلا هو، وإنما الفرق بالاعتبار لا بالحقيقة.\nبل ويعدُّون أن التوحيد هو الاعتقاد بوحدة الوجود، فالموحد عند الصوفية الوجودية الاتحادية هو المعتقد لذلك.\nوإن تعجب فعجب قولهم؛ أنهم لا يتحركون إلا بأثر!!\nوهذا معنى كلام ابن الفارض في التائية: \" ولم أعدْ عن حكمى كتاب، ولا سنة \" (^٣)\n*ومما يستدلون به:\nأن موسى -﵇- لما رأى نارًا وجاءها سمع قول الله (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢»، فظهر الله -تعالى - لموسى في صورة النار!!! وكذلك ظهر له فى صورة الشجرة!!\n* ومما استدلوا به من السنة على زعمهم الباطل:\nحديث الباب؛ وذلك فى قول الله تعالى: \" فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، ....)\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٤٨)\n (^٢) وانظر تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام (١٥/ ٣٤٧) وتنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي «١/ ١٨١»\n (^٣) وانظر شرح القيصري على التائية (١/ ٧٢) والمحب المحبوب شرح التائية للكتانى (ص/٨٠)","vol":"2","page":849},{"text":"فقد قال ابن عربي تشبثًا بهذا الحديث بعد تحريفه:\n\" أخبر محمد - ﷺ - عن الحق تعالى: (بأنه عين السمع، والبصر، واليد، والرجل، واللسان، أي هو عين الحواس)!!! (^١).\nوها هو سمع بل لسان أجل بدا... لنا هكذا بالنقل أخبر شارع\nفعم قوانا والجوارح كونه... لسانًا وسمعًا، ثم رجلًا تسارع. (^٢)\nوتراهم يزعمون أن الولي إذا صار سمع الله وبصره ويده تسلب عنه قواه البشرية، ويعطى القوة الربوبية والألوهية، فيستحق العبادة، ولا سيما الاستغاثة به، فإنه هو الله، أو حل فيه الله!!\nقال سليمان الطوفى:\nوالاتحادية زعموا أن قوله \" كنت سمعه... \" على حقيقته، وأن الحق عين العبد، واحتجوا بمجيء جبريل في صورة دحية، قالوا فهو روحاني خلع صورته وظهر بمظهر البشر، قالوا فالله أقدر على أن يظهر في صورة الوجود الكلي أو بعضه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا. (^٣)\n*نقول:\nولا شك أن حمل حديث الباب على هذه التأويلات الباطلة قد أوقعت فئامًا من هؤلاء المتجرئين في هذه البدعة الكفرية، بدعة الحلول والاتحاد.\nوالاتحادية يزعمون أن قرب النوافل: يوجب أن يكون عين الحق عين أعضائه وأن قرب الفرائض: يوجب أن يكون الحق عين وجوده كله وهذا فاسد من وجوه كثيرة بل كفر صريح. (^٤)\nوإنما المقدَّم فى تأويل حديث الباب أن العبد لا يزال يرتقى فى مقامات العبودية\n_________\n(^١) وانظرشرح فصوص الحكم للتلمسانى (ص/٧٠) ولواقح الأنوار للشعرانى (ص/٧) والقول المنبي عن ترجمه ابن عربي للسخاوي (ص/٧٠)\n (^٢) المعارف الغيبية فى شرح قصيدة النادرات العينية (ص/٢٧)\n (^٣) وانظرالتعيين في شرح الأربعين (ص/٣٢٠) وفتح الباري شرح صحيح البخاري (١١/ ٣٤٤)\n (^٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٢٥) وللاطلاع على شرح قيم لهذا الحديث يُراجع (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٥) من نفس المصدر.","vol":"2","page":850},{"text":"بأداء الفرائض، ويتزلف لرب البرية بالسنن والنوافل حتى يفتح عليه بالتوفيق والتسديد، فيكون عبدًا موفقًا فى سمعه وبصره ولسانه، فلا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخطو خطوة إلا فيما يكون موافقًا لمرضاة الله عزوجل.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nفالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم لقوله: \" كنت سمعه وبصره ويده ورجله \"، والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة:\n- منها قوله: ﴿من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة﴾، فأثبت معاديًا محاربًا ووليًا غير المعادي، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا.\nومنها قوله: ﴿وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه﴾ فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه، وربًا افترض عليه فرائض.\nومنها قوله: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه﴾ فأثبت متقربًا ومتقربًا إليه، ومحبًا ومحبوبًا غيره. وهذا كله ينقض قولهم: الوجود واحد. (^١)\nوقال ﵀:\nوالحديث حق كما أخبر به النبي ﷺ؛ فإن ولي الله لكمال محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله وعمله لله وبالله؛ فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه؛ ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل. (^٢)\nوقال ﵀:\nوفي رواية في غيرالصحيح: ﴿فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي﴾ (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٧١)\n (^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٧٣)\n (^٣) تنبيه مهم:\nرواية \" فبي يسمع وبي يبصر... \" فقد أوردها ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٤) نقلًا عن الطوفي، ولم يعزها إلى أي مصدر.\nوقد ذكرها الحكيم الترمذى فى \" نوادر الأصول في أحاديث الرسول ﷺ\" (١/ ٢٦٥) دون سند.\nولما ذكر الذهبي ترجمة \" إسماعيل بن عز القضاة \"، قال: وكان شيخنا ابن تيمية يعظِّمه ويبالغ، حتى وقف على أبيات له أولها:\nوحياتكم ما إن أرى لكم سوى... إذ أنتم عين الجوارح والقوى\nفتألم له، وقال: هذا الشعر عين الاتحاد.\nقلت: إنما أراد أن ينظم قوله ﵇: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به». الحديث. فقال: سياق الحديث يدل على بطلان هذا. وهو قوله: فبي يسمع وبي يرى، وما في الحديث أن الباري تعالى يكون عين الجوارح، تعالى الله عن ذلك.\nقلت (أى الذهبى): لم أجد هذه اللفظة «فبي يسمع، وبي يبصر» إلخ. . (تاريخ الإسلام (٥١/ ٣٦١»\nقال الشيخ الألباني (الصحيحة ٤/ ١٩١) \"ولم أر هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرجين\"\nوقد حكم الشيخ عبد العزيز الجليل بضعفها في تحقيقه لمدارج السالكين (٢/ ٦١).","vol":"2","page":851},{"text":"فقوله:\n\" بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي \" بين معنى قوله: ﴿كنت سمعه وبصره ويده ورجله﴾، لا أنه يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم وإنما يبقى هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى وهو بمنزلتها في ذلك. (^١)\nقال ابن حجر:\nولا متمسك للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة؛ لقوله في بقية الحديث \" ولئن سألني، ولئن استعاذني.... \"، فإنه كالصريح في الرد عليهم. (^٢)\nقال الشيخ ابن العثيمين:\nفلو قال قائل:\nظاهر الحديث أن الله -تعالى- يكون سمع الإنسان وبصره ويده ورجله، فلماذا تؤولون هذا الحديث وتقولون: \" إن المراد أن الله يسدد هذا الرجل في سمعه وبصره ومشيه وبطشه \"؟\n*فالجواب أن نقول:\nلأن عندنا دليلًا يدل على ذلك، وهو قول الله ﷿ في الحديث القدسي:\n (وما تقرب إلىَّ عبدي... فهنا يوجد عابد ومعبود، ويوجد متقرب ومتقرب إليه (ما تقرَّب إلي عبدي)، ويوجد فارض ومفروض عليه (مما افترضت عليه) وفيه أيضا سائل ومسئول، ومعطي ومعطى، ومستعيذ ومستعاذ به، في قوله:\n (ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه).\nوكل هذا يدل على التباين بين هذا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩٠)\n (^٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١١/ ٣٤٥)","vol":"2","page":852},{"text":"وبين ذاك، فإذا كان هذا دالًا على التباين، فكيف يكون هذا الشيء المبايِن بعضًا من الشيء المبايَن؟!\nوكيف يكون سمعه وبصره ويده ورجله؟! فهذا مستحيل.\nوأيضا السمع والبصر واليد والرجل بعض من المخلوق ولا يمكن أن يكون بعض المخلوق هو الخالق، فهذا شيء مستحيل. (^١)\nقال ابن رجب:\nمن اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض، ثم بالنوافل، قربه إليه، ورقَّاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته، وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة.\nفمتى امتلأ القلب بعظمة الله- تعالى- محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق، نطق بالله، وإن سمع، سمع به، وإن نظر، نظر به.\nفهذا هو المراد بقوله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)، ومن أشار إلى غير هذا، فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول، أو الاتحاد، والله ورسوله بريئان منه. (^٢)\n*عودٌ إلى حديث الباب: الفائدة الخامسة:\nقوله عزوجل: \" وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ \"\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-190>هل يوصف الله -تعالى- بصفة التردد</span>؟؟ (^٣)\n_________\n(^١) شرح العقيدة السفارينية لابن العثيمين (ص/١٣٠)\n (^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٧)\n (^٣) وقد أورد النووي حديث الباب هذا في (الأربعين النووية)، ولكن دون قوله تعالى (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته)\nفلعل اختصاره له هو من باب مراعاة حال السامعين؛ وذلك لكون هذه الأربعين معدة للمبتدئين في طلب= =العلم، وبعض العلم لا يصلح لكل أحد. والله تعالى أعلم. وقد بوَّب البخاري في الصحيح على أثر علي - ﵁ - الموقوف في كتاب العلم بقوله (باب من خص بالعلم قومًا دون قوم، كراهية ألا يفهموا).\nوانظر \" التوضيح الرشيد في شرح التوحيد \" المذيل بالتفنيد لشبهات العنيد، لأبى عبد الله الحقوي (ص/٣٣٤)","vol":"2","page":853},{"text":"والجواب هنا لا يكون بإطلاق الإيجاب، ولا بإطلاق النفى، بل عندنا مقدّمتان ينبنى عليهما تحرير معنى التردد المراد فى حق الله تعالى:\nأ) الأولى:\nأصل استعمال هذه الكلمة إنما يكون لمن نازعها أمران يريد فعل واحد منهما، ولكنه لجهله بعاقبة هذا الاختيار فقد صار مترددًا بينهما.\nب) الثانية:\nأن التردد على المعنى المذكور فى المقدمة الأولى مما يُنزه الله - تعالى- عنه؛ فإن علم الله -عزوجل - مما وسع كل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾\nفينبني على هاتين المقدمتين أن التردد الواقع فى حق الله - تعالى- ليس من جنس التردد الذى يقع للبشر، والذى منشؤه عندهم من الجهل بعواقب الأمور، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١» (الشورى /١١)، وإنما التردد المراد قد بيَّنه سياق حديث الباب، (يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ..)، يكون بين أمرين:\nالأول:\n\" انفاذ ما قدِّر من موت المؤمن، ولا شك أنه قضاء نافذ لا محالة، قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) \"\nالثانى:\n\" كراهية ما يحصل من مساءة المؤمن بتقدير الموت عليه \".\nفصار الأمر محبوبًا من جهة ومبغوضًا من جهة، محبوب من جهة أنه يؤدي إلى ما هو خير؛ فبالموت ينتقل المؤمن إلى ما هو خير له، ومكروه من جهة أن العبد يكره ذلك. (^١)\n_________\n(^١) وقد ذهب جملة من شرَّاح هذا الحديث إلى تأويل صفة التردد وصرفها عن ظاهرها، وذلك بنفي صفة التردد عن الله تعالى، وإلى هذا ذهب الخطابي وابن حجر والشوكاني والسيوطي وابن الجوزي، وهو مسلك أهل التاويل من شراح الحديث وغيرهم.\nبل إن هذا مما دفع الذهبى إلى الكلام في سند الحديث، فقال:\nفهذا حديث غريب جدا، لولا هيبة الجامع الصحيح لعددته في منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه!\nومن جملة التأويلات البعيدة التى ذكروها لمعنى التردد الوارد في حديث الباب، منها:\nأ) هو من تردد العبد حين يصاب بداء، فيدعو الله فيشفيه منه، ثم يبدو له أن يتركه ويعرض عنه، فلا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، فإنه قد كتب الفناء على خلقه.\nب) أن يكون معناه: \"ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله ترديدي إياهم في نفس المؤمن، كما روى من قصة موسى وملك الموت صلوات الله عليهما وما كان من لطمه عينة وتردده إليه مرة أخرى.\nج) وهو أن يكون خطابًا لنا بما نعقل، والرب ﷿ يتنزه عن حقيقته، بل هو من جنس قوله:\n\" ومن أتاني يمشي أتيته هرولة \". فكما أن أحدنا يريد أن يضرب ولده تأديبًا، فتمنعه المحبة وتبعثه الشفقة فيتردد بينهما إلى غير ذلك من التأويلات البعيدة التي تصرف الحديث عن ظاهره من غير قرينة توجب ذلك.، ولا ريب أن المسلك المذكور أعلاه هو المسلك الجاري على قواعد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، = =وذلك بحمل الحديث على ظاهره، وإثبات التردد صفة لله - تعالى- على مايليق بجلاله وعظمته.\nوانظر أعلام الحديث (٣/ ٢٢٦٠) وكشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٥٢٧) وميزان الاعتدال (١/ ٦٤٢) وقطرالولى (ص/٤٧٠) والقول الجلي في حديث الولي (١/ ٤٣٦)","vol":"2","page":854},{"text":"*فإن قيل:\nكيف يكون العبد وليًا لله -تعالى - وهو يكره الموت ولقاء الله ﷿؟\n* وجوابه:\nلا شك أن المؤمن يحب لقاء ربه عزوجل، ولكنه كذلك يحب الاستزادة من أعمال الخير؛ ليزداد رفعة عند ربه عزوجل، وقد سئل رَسُوَل اللهِ - ﷺ - أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟\nفقَالَ: \" مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ \" (^١).\n* قال ابن هبيرة:\nالمؤمنون لا يكرهون الموت إلا لنقلهم من الخدمة إلى النعمة، فيرون أنهم لم يقضوا نهمهم من عبادة الله ولا من خدمته سبحانه في أرضه، فإذا نقلوا إلى مقر الراحة وموطن الإباحة ومحل النعم، لم يكونوا إلى ذلك مشتاقين ولا عليه متهافتين.\n*فأما من دون هؤلاء في المقام، فإنهم قد يكرهون الموت لخوفهم من بعض أعمالهم، ويحبون البقاء لتدارك الفائت وتلافي الفارط.\nودون هؤلاء أيضًا: من يكره الموت؛ لأنه لم يقض بعد أشغاله، ولم يفرغ من استعداد جهازه للقاء ربه. (^٢)\n* قال أبوالعباس ابن تيمية:\nالمتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٣٣٠)، وأحمد (٢٠٥١٨)، انظر صَحِيح الْجَامِع (٣٢٩٧)\n (^٢) الإفصاح عن معاني الصحاح (٧/ ٣٠٦)","vol":"2","page":855},{"text":"يعلم عاقبة الأمور، لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، ...\nفإذا أتى العبد بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق؛ فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة بحيث يحب ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه. والله ﷾ قد قضى بالموت فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، فصار الموت مرادًا للحق من وجه مكروهًا له من وجه.\nوهذا حقيقة التردد وهو: أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه، وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين كما ترجح إرادة الموت؛ لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته. (^١)\nوقال ﵀:\nوالمقصود هنا التنبيه على أن الشيء المعين يكون محبوبًا من وجه مكروهًا من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا في الأفعال فهو في الأشخاص، والله أعلم. (^٢)\nتم بحمد الله\n_________\n(^١) بتصرف يسير من مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣١)\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٥)","vol":"2","page":856},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الحديث التاسع والعشرون: المعانى الراسيات شرح حديث إنى معلمك كلمات</span>","vol":"2","page":857},{"text":"* نص الحديث:\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّهُ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" يَا غُلامُ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ:\nاحْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ \"\n* تخريج الحديث:\nأخرجه أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦) في كتاب صفة القيامة، باب \" ٥٩ \"، والحاكم (٦٣٠٣)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال ابن رجب: \" وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة \". (^١)\n*منزلة هذا الحديث:\nولعظم هذا الحديث فقد أفرده الأئمة بالشرح والتصنيف، كما هو فعل الحافظ ابن رجب، فقد أفرده بالكلام على رواياته ومعانيه برسالة سمَّاها: \" نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - ﷺ - لابن عباس \"، وكذلك فقد ذكره النووي في \" الأربعين حديثًا \".\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ص/١٧٤). وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير، عن ابن عباس ﵄، إلا أن الشيخين - ﵄ - لم يخرجا شهاب بن خراش، ولا القداح في الصحيحين، وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا \" ا. هـ\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحديث معروف مشهور. (قاعدة جليلة (ص/٥٥»، وصححه عبدالحق الإشبيلي في الأحكام الصغرى (٣/ ٣٣٣) والألباني في ظلال الجنة (١/ ١٣٨).","vol":"2","page":859},{"text":"قال ابن رجب:\nوهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال ابن الجوزى:\nتدبرت هذا الحديث، فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه \". (^١)\n* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\n١ - الفائدة الأولى: قوله: \" ﷺ:\n\" احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ \":\nقال النووي:\nاحفظ أوامره وامتثلها، وانته عن نواهيه، يحفظك في تقلباتك، وفي دنياك، وآخرتك، قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (٩٧» (النحل: ٩٧)\nفكل ما يحصل للعبد من البلاء والمصائب، فسببه الرئيس إنما تضييعه لأوامر الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. (^٢)\n* وهذه جملة متضمنة لأمر وإخبار:\nأما الأول: فهو الأمر:\nوهو أمرٌ للعبد أن يقوم بحق الله -تعالى - عليه، وحفظ العبد لأمر الله - تعالى - على نوعين:\nأ) حفظ أمر الله القدري:\nوذلك بالصبر على الأقدار، فهذه من علامات صدق الإيمان، فعَنْ صُهَيْبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا \" (^٣)، فجعل الصبر على القدر لا يحصل إلا للمؤمن.\nب) حفظ أمر الله الشرعى:\nوذلك بالقيام بحق الشرع، بامتثال الأوامر واجتناب\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٢)\n (^٢) شرح الأربعين للنووي (ص/٦٣)\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٩٩٩)","vol":"2","page":860},{"text":"النواهى.\nكما قال تعالى (َالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤» (الأنفال /٧٤)،\nوقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١» (المؤمنون/٦١)\n* والذى يتنبه لدلالات ألفاظ القرآن والسنة يجد أنها قد حثت في أبواب الآخرة على الجد والسعى والمبادرة والمسارعة، وأما فى أمور الدنيا فقد جاء الأمر بالتمهّل والإجمال.\n*فمن أدلة المبادرة والمسارعة في أمور الآخرة:\nقوله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨)\nوقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣)\nوفى حديث أبي هريرةرضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: \" \"بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا\" \". (^١)\nفالحديث فيه الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما سيقع من الفتن الشاغلة المتراكمة كتراكم قطع الليل المظلم.\nوفي حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله - ﷺ - لما رأى في أصحابه تأخرًا عن الحضور للمسجد قال لهم:\n\" لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله \" (^٢)\n* وأما في أمور الدنيا فقد أمر الله - تعالى- فيها بالتؤدة:\nفقد قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥» (الملك/١٥)\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\" \"أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٨)\n (^٢) أخرجه مسلم (٤٣٨)","vol":"2","page":861},{"text":"الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ\" \". (^١)\nوفى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- قَالَ:\nكَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ- فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ ﷺ: \" لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ \". (^٢) *\n*وأما الثانى: فهو الإخبار:\nفقد وردت البشارة لكل عبد قائم بأمر الله -تعالى- إذعانًا وامتثالًا، مسارعة وإقدامًا، بشارة بحفظ الله -عزوجل- له في أصلين:\n١ - الأول:\nحفظ الله -تعالى- لعباده من مضلات الفتن في دينهم، فيحفظ عليه دينهم حتى يتوفاهم عَلَى الإسلام.\n٢ - الثانى:\nحفظ الله - تعالى- لعباده من مضايق المحن في دنياهم.\nوأما الأصل الأول:\nفيدل عليه قوله تعالى (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩» (النحل/٩٩)، وقوله تعالى عن يوسف ﵇ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]\nقال ابن رجب:\nفمن أخلص لله-تعالى- خلَّصه الله -تعالى- من السوء والفحشاء، وعصمه منهما من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أبواب المعاصي المهلكة. (^٣)\nكذلك ما جاء بيانه فى حديث الولاية.\nوهو ما رواه أَبو هُرَيْرَة -﵁- قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" إِنَّ اللَّهَ قَالَ:\nمَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٢١٣٥) والبيهقى (١٠١٨٥)، قال الذهبي: \"على شرط مسلم \"، وانظر صحيح الجامع (٢٠٨٥)، والإجمال: هو الطلب بقصد واعتدال، مع عدم انشغال القلب.\n (^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n (^٣) نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس (ص/٥٦)","vol":"2","page":862},{"text":"وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ. (^١)\n*وأما الأصل الثانى:\nوالذى هو النجاة من محن الدنيا ومضايقها، ومن كل أذى فله موارد كثيرة، قال تعالى (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) (الرعد/١١)\nقال ابن عباس ﵄:\nوالمعقبات من الله هم الملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله تعالى: خلوا عنه. (^٢)\nقال ابن كثير:\nللعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات. (^٣)\nوفى حديث أبى هريرة -﵁- لما قَالَ له الشيطان:\nإِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^٤)\nقال ابن رجب:\nومن حفظ الله للعبد: أن يحفظه في صحة بدنه وقوته وعقله وماله، وقد تأول بعضهم على ذلك قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (التين: ٥ - ٦)\nوكان أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهو متمتع بعقله وقوته، فوثب\nيومًا من سفينة كان فيها إلى الأرض وثبة شديدة، فعوتب على ذلك، فقال:\nهذه جوارح حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.\nوقال محمد بن المنكدر:\nإن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها والدويرات التي حولها فما يزالون في حفظ من الله وستر. (^٥)\nوقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) [الأنبياء: ٤٢]\nقال ابن كثير:\nأي بدل الرحمن، يمتنُّ ﷾ بنعمته على عبيده وحفظه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، وقد تم شرح هذا الحديث ضمن سلسلة \" الأربعون العقدية \"، بعنوان \"ضوء الثريا شرح حديث من عادى لي وليًا \"\n (^٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١٦/ ٣٧١)\n (^٣) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٣٧)\n (^٤) أخرجه البخاري (٣٢٧٥)\n (^٥) وانظر روائع التفسير (١/ ٥٧٥) ونورالاقتباس في مشكاة وصية النبي -ﷺلابن عباس (ص/٥١)","vol":"2","page":863},{"text":"لهم بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام. (^١)\n* نقول:\nفبقدر ما تحقق من حفظك لأوامر الله تعالى، بقدر ما يتحقق حفظ الله -تعالى - لك. ونظير ذلك ما قد ورد في قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]،\nفإنه بقدر ما تحقق من الامتثال والعبودية، بقدر ما يتحقق لك من الكفاية والهداية. قال الطبري:\nيقول تعالى ذكره: (فَلَوْلا أَنَّهُ) يعني يونس (كَانَ مِنَ) المُصَلِّينَ لله قبل البلاء الذي ابتُلي به من العقوبة بالحبس في بطن الحوت (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يقول: لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، يوم يبعث الله فيه خلقه محبوسًا، ولكنه كان من الذاكرين الله قبل البلاء، فذكره الله في حال البلاء، فأنقذه ونجَّاه. (^٢)\n* حفظ الله - تعالى- لأولياءه:\nعن سفينة مولى رسول الله ﷺ، قال:\n\" ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا منها فطرحني في أجمة فيها أسد، قال: فقلت: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ،\nقال: فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه - أو بكتفه - حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني على الطريق همهم، فظننت أنه يودعني \" (^٣)\n*وهنا إشكال:\n\nكيف<span data-type=\"title\" id=toc-194> الجمع بين قوله ﷺ: \"احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ \"، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن</span>؟\n* وجواب ذلك أن يقال:\nأن الحفظ نوعان: \" حفظ إيمان، وحفظ أبدان \"\nفأما حفظ الإيمان:\nفهذا هو المراد بحديث الباب، فالعبد إذا ما حفظ الله -تعالى - فى أمره ونهيه فإن الله - تعالى - يحفظ عليه دينه وإيمانه، ويجعل له بصيرة تنجيه من مضلات الفتن وشبهات البدع، قال تعالى\n (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) (الأنفال/٢٩)، وقال تعالى (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٣٤٤)\n (^٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٢١/ ١٠٨)\nوروى عن أنس -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"أن يونس -﵇ - حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب، ومن هو؟\nقال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مستجابة؟ قالوا: يا رب، أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجِّيه في البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء\".\nفي سنده يزيد بن أبان الرقاشى، قال أحمد: \"منكر الحديث\"، وقال والنسائى: \"متروك \".\nقال الحافظ ابن كثير:\n\" لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس - ويزيد وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة\". وانظر تهذيب التهذيب (٦/ ١٩٦) وتفسيرالقرآن العظيم (٧/ ٦٠) وأنيس الساري (٦/ ٤٣٦٥).\n (^٣) وانظر حلية الأولياء (١/ ٣٦٩)","vol":"2","page":864},{"text":"بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣» (البقرة /٢١٣)\n* وأما حفظ الأبدان:\nفمثل هذا وإن كان من حيث الأصل العام داخلًا فى حكم القسم الأول، إلا أنه غير ممتنع الوقوع، فخير الحافظين لأمر الله -عزوجل- وهو النبى -ﷺ - لم يسلم من مثل ذلك، ففى يوم أحد قد شُج في وجهه وكُسرت رباعيته ودُمِي وهُشمت البيضة على رأسه، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته.\nوكذلك فقد سُحر ﷺ على يد رجل يهودى، فاشتكى فأتاه جبريل -﵇- بالمعوذتين.\nولم يكن لذلك السحر أثر على شأن الوحى والرسالة، بل كان يخيَّل إليه أنه قد صنع شيئًا وما صنعه، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، أي أنه أثَّر على جسده فقط، أما الوحي والتبليغ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.\n* الحاصل هنا:\nأن أصل حفظ الله -تعالى- لأنبيائه وأولياءه إنما هو حفظ لما وقر فى قلوبهم من الإيمان الراسخ والاعتقاد السابغ، وأما ما يتعلق بما قد يصيبهم من بلاء أو أذى في بدن أو نفس أو مال ونحو هذا... فهذا غير ممتنع الوقوع.\n* وتأمل في قوله تعالى (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢» (يوسف/٣٢)\nفقد أكد الفعل الأول الذي هو السجن -وهذا من بلاء الدنيا- بنون التوكيد، وقد وقع بالفعل،\nأما حال ذكره للصَغار الذى هو الذل والهوان -وهذا مما لا يحصل لأهل الإيمان - فقد جاء الفعل مصحوبًا بالنون الخفيفة﴾ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴿، فلم يقل \"وليكوننَّ \"، والنون الثقيلة التوكيد بها أشد وأبْلغ؛ لأنَّ زِيادة المبنَى تدلُّ على زيادة المعنى غالبًا.\nقال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول:\nما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. (^١)\n_________\n(^١) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص/٤٨)","vol":"2","page":865},{"text":"* ولاشك أن البلاء، وإن كان واقعًا ولا بد، فإن حصوله فى أمور الدنيا أهون من حصوله فى أمر الدين، لذا فقد كان من دعائه ﷺ: \" وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا \" (^١).\nوفى مثل هذا المعنى قد قَالَ يوسف ﵇ (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف/٣٣)\n* نقول:\nحتى ما يقدِّره الله -عزوجل- على أولياءه من المحن والبلاء فإنما يقع لحكم عظيمة، منها:\n١ - أن يكون هذا إظهارًا لصدقهم:\nفيثبت أهل الإيمان، ويُفضح أهل النفاق، قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) (آل عمران/١٦٦ - ١٦٧)\nوقال تعالى (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت/١ - ٢ - ٣)\n٢ - وقد يكون هذا رفعة لدرجاتهم وتكفيرًا لسيئاتهم:\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ - قَالَ:\n... «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». (^٢)\n* الفائدة الثانية: قوله ﷺ: \" احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ.. \"\nوالمعنى: أنه بحفظ حدود الله -تعالى- يُرزق العبد المعية الخاصة، ومعية الله -عزوجل - الخاصة معناها أنه سبحانه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده.\nفمن راعى حدود الله - عزوجل - وجد الله معه في كل أحواله، حيث توجه، يحوطه، وينصره، ويحفظه ويوفقه ويسدده ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] \".\nإنها معية الله -تعالى- لأنبيائه وأوليائه، قال تعالى (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٥٠٢) وصححه الألبانى فى صَحِيح الْجَامِع (١٢٦٨)\n (^٢) متفق عليه.","vol":"2","page":866},{"text":"هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة/٤٠)، قال تعالى (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥» (الشعراء/١٥)، وقال عزوجل فى خبر موسى ﵇ (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) (الشعراء/٦٢)\n*الفائدة الثالثة: \" وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ... \"\nوقد أمر الله تعالى بسؤاله، فَقَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]\nوفارق بين سؤال الخالق، وسؤال المخلوق:\nفأما سؤال الخالق:\nفالأصل فيه الإلحاح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ: يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) (^١)\nقال ابن حجر:\nوفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار. (^٢)\nقال ابن القيم: \" ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء \" (^٣)\n* وأما سؤال المخلوق:\nفإن الأصل فيه المنع، ففى حديث عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّرضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ- فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ ﷺ:\nعَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. (^٤) وعَنْ ثَوْبَانَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n\" مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِوَاحِدَةٍ، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ \"، قَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا. قَالَ: \" لَا تَسْأَلِ النَّاسَ \"، يَعْنِي شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ.\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) فتح الباري (١١/ ١٤١)، وصححه الألبانى فى صحيح الجامع (٦٦٠٣)\n (^٣) الجواب الكافي (ص/٢٥).\n (^٤) أخرجه مسلم (١٠٤٣) وأحمد (٢٣٩٩٣)","vol":"2","page":867},{"text":"قَالَ عبد الرحمن بن يزيد: فَكَانَ ثوبان لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، ويَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ، حَتَّى يَنْزِلَ فَيَتَنَاوَلَهُ. (^١)\nوعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\nلَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ. (^٢)\n* الفائدة الرابعة: قوله ﷺ:\n\" وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ \":\nوهذه عبادة من أعظم العبادات التي يتوجه بها العبد إلى ربه عزوجل، وقد أمر الله -تعالى- بها عباده، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ (البقرة/ ١٥٣) وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقال الله لنبيه - ﷺ -: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾\nقال ابن رجب: وفي استعانة الله -تعالى - وحده فائدتان:\nالأولى: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.\nوالثانية: أنَّه لا معين له عَلَى مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول. (^٣)\n* الفائدة الخامسة:\nقوله ﷺ:\n\" وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ \"\nوهذه معانى عظيمة النفع لقلب العبد؛ فإن العبد إذا ما امتلأ قلبه يقينًا أن كل ما يصيبه إنما هو مما قدَّره الله -تعالى- وقضاه ازداد تعلقًا بربه وتوكلًا عليه.\nفصار القلب متوجهًا بكليته شطر خالقه عزوجل، على اليقين الجازم أن الأولياء وغيرهم من المخلوقين لا يملكون لأنفسم نفعًا ولا ضرًا؛ فضلًا عن أن يملكوا لغيرهم، كما أنهم لا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأن غيره تعالى غير قادر\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٣٦٦)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) وانظر \"نور الاقتباس في شرح وصية النبي - ﷺ - لابن عباس \" (٣/ ١٣٣)","vol":"2","page":868},{"text":"على العطاء والمنع، ودفع الضر وجلب النفع.\nقال تعالى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]\nقوله تعالى (ومن يؤمن بالله): يصدق أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله تعالى له.\n ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يوفقه لليقين، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وللقول الحسن فلا يقول إلا ما يرضي الله ﷿، إنا لله وإنا إليه راجعون ويسلم لقضاء الله - تعالى - وقدره.\n* ومما صح في تفسير هذه الأية:\nقال ابن عباس ﵄:\nقوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) يعني: يهدي قلبه لليقين، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. (^١)\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁:\n «هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ». (^٢)\nوعن زَيْد بْن ثَابِتٍرضي الله عنه- أن النَّبِيَّ - ﷺ- قال:\n\" لَوْ أَنْفَقْتَ جَبَلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَدَخَلْتَ النَّارَ \" (^٣)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nفمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من تعلق قلبه بالخلق ونظره إليهم، وتجرد التوحيد في قلبه، وتوكل على الله -تعالى - فهو حسبه. (^٤)\nقال ابن رجب:\nإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله -تعالى- له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﷿\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ١١٦) وسنده حسن، وانظرموسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٤/ ٤٩٥)\n (^٢) ذكره البخاري معلقًا (٨/ ٧١١) ووصله ابن حجر فى التغليق (٤/ ٣٤٢)\n (^٣) أخرجه أحمد (٢١٥٨٩)، وصححه الألبانى \"الظلال \" (٢٤٥).\n (^٤) مجموع الفتاوى (١/ ٩٣)","vol":"2","page":869},{"text":"وإفراده بالطاعة والخوف والرجاء والمحبة والسؤال\nوالتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا، وإفراده بالاستعانة به والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء. (^١)\nوقال تعالى (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) «يونس/١٠٧)\nفإذا ما مسك ضر فلن يستطيع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم أن يرفعوا هذا الضر عنك، إلا إذا أراده الله تعالى، وإذا أصابك خير قدَّره الله -تعالى- لك فلن يستطيع الخلق كلهم أن يمنعوا هذا الخير، إلا إذا أراد الله تعالى.\nولا شك أن لهذا الاعتقاد متعلقًا وثيقًا بتوحيد الربوبية؛ فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته.\nوقال سبحانه ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾\n [الإسراء - ٥٦]\nفمن دلائل بطلان عبادة من سوى الله - عزوجل - أنهم لا يملكون كشف الضر عن المرء ولا تحويله، فهذا أحد أوجه الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية.\n* الفائدة السادسة: قوله ﷺ:\n\" رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ \":\nوالمعنى:\nأن الله -تعالى- قد قضى كل شيء وقدَّره تقديرًا، وأمر بكتابة هذا الذى قدَّره فى اللوح المحفوظ، ويسمى أيضًا أم الكتاب، والكتاب المبين.\nقال تعالى ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القمر/٥٣)، وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٥) بتصرف يسير.","vol":"2","page":870},{"text":"يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]\nوعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ -﵁- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَقُولُ: \" إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ:\nاكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ \" (^١)\nوقد بوَّب الإمام اليخاري -﵀- فى كتاب القدر من صحيحه:\n\" بَابٌ: جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ \"، وذكر تحته ما يلى:\nقوله تعالى ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ»)\nقلت:\nوأما ذكر البخاري لهذه الأية تحت هذا التبويب ففيه دلالة أنه ﵀ يرجَّح أن هذا العلم المقصود فى هذه الأية هو علم الله -تعالى -السابق، فيكون المعنى أن ضلال هذا العبد إنما وقع وفق ما قدَّره الله -عزوجل- فى علمه الأزلى، وأنه لا يستحق إلا ذلك. (^٢)\n*وأما حديث أبى هريرةرضي الله عنه- الذى ذكره البخاري هاهنا معلقًا فقد وصله في باب النكاح برقم (٥٠٧٦)، ومناسبته هناك أن أَبِا هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قُلْتُ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي العَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ»\n* وقوله ﷺ لأبي هريرة ﵁: \" جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ \"، هو معنى ما ورد فى حديث الباب: \" رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ \":\nفهذه كناية عن الفراغ من الأمر الذي سبق به القدر، فكل ما يجري في الوجود فقد سبق به علم الله-تعالى - وكتابه، فقد فُرغ من الكتابة التي أمر الله -تعالى - بها القلم حين خلقه، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٧٠٥)، وصححه الألبانى في ظلال الجنة (١/ ٤٨)\nوقد تم شرح هذا الحديث ضمن أحاديث \"الأربعون العقدية\"، تحت عنوان \" بلوغ العَلَم فى شرح حديث أول ما خلق الله القلم \"\n (^٢) ولهذه الأية توجيهان نص عليهما ابن كثير، فقال ﵀: وقوله: ﴿وأضله الله على علم﴾ يحتمل قولين: أحدها: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس. ا. هـ، وأما الطبرى فلم يذكر إلا وجهًا واحدًا، فقال ﵀:\nخذله عن محجة الطريق، وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي، ولو جاءته كل آية. ا. هـ\nوانظر تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٦٨) وجامع البيان في تأويل القرآن (٢٢/ ٧٦)","vol":"2","page":871},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِورضي الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ:\n\"كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ \". (^١)\nوقوله ﷺ:\n (كتب الله مقادير الخلائق): قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، وليس أصل التقدير؛ فإن ذلك أزلي لا أول له.\nقال أبو الحسن الأشعرى:\nوأجمعوا على أنه تعالى قد قدَّر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون. (^٢)\n* وهذا الذى كتب فى اللوح المحفوظ يشتمل على كلمات الله الشرعية والكونية:\nأ) أما الكلمات الشرعية:\nفمنها التوراة بيمينه لموسى في الألواح، وأنزل على إبراهيم صحفًا وعلى موسى صحفًا، وكذلك القرآن فإنه مكتوب عنده في اللوح المحفوظ، كما قال ﷾ في وصف القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]، وقال تعالى (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) ﴿الواقعة: ٧٧ - ٧٨﴾.\nب) وأما الكلمات الكونية:\nوهى كل ما قدَّره الله -تعالى- من أقدار وأعمال وأخبار، كما قال تعالى ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب﴾ (الحج: ٧٠)، وقال تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]\nقال ابن كثير:\nوكل شيء أحصيناه في إمام مبين أي وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب. (^٣)\nقال ابن قدامة:\nلا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٥٣)\n (^٢) رسالة إلى أهل الثغر (ص/٢٤٧)\n (^٣) تفسير القرآن العظيم (٦/ ٥٦٨)","vol":"2","page":872},{"text":"العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور. (^١)\n* وهنا سؤال:\nقد دل حديث الباب على أن مقادير الخلائق قد فرغ منها، فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف، لكن قد يشكل على هذا ما قد ورد فى أدلة أخري يعارض ظاهرها هذا الأمر، مثل قوله تعالى:\n ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد/ ٣٩]، وكذلك ما ورد فى حديث ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهما - أَنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - قال:\nإِنَّ اللهَ - ﷿ - لَمَّا خَلَقَ آدَمَ، مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ ذَرَارِيَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ يَعْرِضُ ذُرِّيَّتَهُ عَلَيْهِ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يَزْهَرُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَمْ عُمْرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ عَامًا، قَالَ: رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ..... (^٢)، وقوله ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (^٣)\n* وجواب ذلك أن يقال:\nأن كل ما هو كائن إلى يوم القيامة قد قدَّره الله -تعالى - وكتبه في اللوح المحفوظ، وهذا الذى سطِّر فى اللوح المحفوظ لا يبدل، ولا يغير، ولا يمحى، وإنما الذي يقبل التغيير والمحو والإثبات، هو ما في صحف الملائكة، كما قال عزوجل (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) ﴿الرعد: ٣٩﴾.\nوالمعنى:\nأن الذى فى أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ لا محو فيه ولا تغيير، وهو من الغيب المطلق الذى لا يطلع عليه ملك مقرَّب ولا نبي مرسل، وأما الذى يسطَّر فى صحف الملائكة فهذا الذى قال تعالى عنه (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)، وكل ما يقع في هذه الصحف من التغيير والإثبات فهو مكتوب في اللوح المحفوظ تفصيله، ونهايته.\n*فالحاصل أن القضاء نوعان:\n_________\n(^١) لمعة الاعتقاد (ص/٢٣)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٢٧٠) والترمذى (٣٣٦٨)، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وانظر صحيح الجامع (٥٢٠٨)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":873},{"text":"١ - قضاء مبرم:\nفهذا الذى لا تبديل فيه ولا تغيير، وهو المسطر في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب أى أصله.\n٢ - قضاء معلَّق:\nوهو المراد فى قوله تعالى ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، فالمحو فيه والإثبات يتعلق بأسباب قدَّرها الله عزوجل، ومنها الدعاء وصلة الرحم.\nومثال الأول:\nما ورد عن أُمِّ حَبِيبَةَ -﵂ - أنها قالت:\nاللهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّكِ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ. (^١)\nوعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «فَرَغَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ وَرِزْقِهِ وَأَثَرِهِ وَشَقِيٍّ أَمْ سَعيدٍ». (^٢)\n*ومثال الثانى:\nما ورد من قول عمر بن الخطاب -﵁ - وهو يطوف بالكعبة:\nاللهم إن كنت كتبتَني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذّنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السّعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب. (^٣)\nوقال ابن عباس ﵄:\nكتابان: كتابٌ يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب. (^٤)\n*وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:\nعن قوله تعالى ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾، هل المحو والإثبات في اللوح المحفوظ، وقد جاء: ﴿جف القلم﴾ فما معنى ذلك في المحو والإثبات؟ وهل الصحيح عندكم أن العمر يزيد بصلة الرحم كما جاء في الحديث؟ أفتونا مأجورين.\nفأجاب ﵁:\nالجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٦٣)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢١٧٢٣) وابن حبان (٦١٥٠) وصححه الأرنؤوط.\n (^٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٥٦٤)، وحسَّن ابن كثير إسناده فى \"مسند الفاروق\" (٢/ ٥٤٩)\n (^٤) جامع البيان في تأويل القرآن (١٦/ ٤٨٠)","vol":"2","page":874},{"text":"وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال:\n\" اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات. (^١)\nوالأجل أجلان \" أجل مطلق \" يعلمه الله \" وأجل مقيد \" وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ ﴿من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه﴾ فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: \" إن وصل رحمه زدته كذا وكذا \" والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر. (^٢)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-196> أصل القضاء لا يعارض العمل:</span>\nعَنْ جَابِرٍ -﵁ - قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ -﵁- قَالَ:\nيَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ، فِيمَ الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟\nقَالَ: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ» قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ:\n «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦]، إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] (^٣)\nفقد قدَّر الله -تعالى- ترتيب المسبَبَات على الأسباب، ما يجيء لك ولد إلا إذا تزوجت، ولا يعقل أن تقول \" إنْ كتب الله لي ولدا فسيأتي ولو لم أتزوج \"!، أو تترك طلب الرزق وتقول:\n\" إنْ كتب الله لي رزقًا سيأتيني وأنا نائم \"! نعم قد يكون؛ لكن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٢)\n (^٢) المصدر السابق (٥/ ٥١٧) ومن أراد الاستزادة في تفصيل هذه المسألة فليراجع:\nمشكل الأثار (٨/ ٨١) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٤/ ١٠١) والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٥٢٨)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":875},{"text":"ليس هذا موجب العقل والفطرة والشرع.\nبل موجب العقل والفطرة والشرع أن تسعى في طلب الرزق، ولو توكلت على الله-تعالى - فلا بد لك من الأخذ بالأسباب، وأعظم من ذلك أمر السعادة، فلا تكون السعادة إلا بأسبابها وهي الإيمان والعمل الصالح، ولا يمكن أن يكون الإنسان سعيدًا إلا بالأسباب، فمن تحققت له أسباب السعادة فنعلم بذلك أنه قد سبق علم الله -تعالى- وكتابه بسعادته.\n*ولكن مع تقدير الله -تعالى - الأزلى لمنازل أهل السعادة وأهل الشقاء فقد أمر -تعالى- بتحصيل العمل الصالح الذى به تحصل سعادة الدارين، قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩»\nفجعل-تعالى- من علامات صدق الدعوى بذل العمل، وإلا فالمدَّعون كثر، لكن لم يزل أهل الصدق إلى قلة.\nتم بحمد الله.","vol":"2","page":876},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>الحديث الثلاثون: نثر الجمَّان بفوائد حديث إنهما ليعذبان</span>","vol":"2","page":877},{"text":"*نص حديث الباب:\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄ - قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّﷺ - بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ:\n «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ:\n «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (١٣٧٨) فى مواضع من صحيحه، منها فى \" باب عذاب القبر من الغيبة والبول \"، ومسلم (٢٩٢) \" باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه \"\n* أهم الفوائد المستقاة من حديث الباب: الفائدة الأولى:\nقد دل حديث الباب على إثبات أصل من الأصول التى قال بها أهل السنة، ونصوا عليها خلافًا لأهل البدع، وهى مسألة عذاب القبر.\nقال النووى:\nوأما فقه الباب ففيه إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل الحق خلافا للمعتزلة. (^١)\nوهذا الأصل في الإيمان بعذاب القبر، قد دل عليه القرآن والسنة وتظاهرت الأدلة وتواترت من سنة النبي - ﷺ - في الدلالة على أن القبر والبرزخ يكون فيه عذاب ويكون فيه نعيم للإنسان المكلف، على ما يحكم الله - ﷿ - به على الميت.\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٣/ ٢٠٢)","vol":"2","page":879},{"text":"وأصل إيراد هذه المسألة في العقائد إنما جاء لأجل أن الخوارج والجهمية والفلاسفة وأهل الكلام ينكرون عذاب القبر.\nونظير ذلك ما أورده البربهاري في \"شرح السنة\" من ذكره لمسائل المسح على الخفين؛ وذلك لأن الروافض لم تقل بها، وذكره لمسألة الصلاة فى السراويل ردًا على من كرهها من الهادوية.\n* الأيات الدالة على إثبات عذاب القبر:\nقوله تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام: الآية ٩٣)\nفقال سبحانه (الْيَوْمَ) يعني يوم إخراج أنفسهم، أي يوم موتهم يجزون عذاب الهون.\nقال ابن القيم:\nفقول الملائكة «اليوم تجزون عذاب الهون» المراد به: عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت. (^١)\nوقال تعالى في آل فرعون (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: ٤٦) فقال: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا). وذلك قبل قيام الساعة؛ فإنه تعالى قال بعدها (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).\nقال ابن كثير:\nهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور. (^٢)\nوقال تعالى عن قوم نوح ﵇: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (نوح/)\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) (ص/٣٧٦)\n (^٢) وقد نص على مثل ذلك الزمخشرى، وانظر تفسير القرآن العظيم (٧/ ١٤٦) والكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٤/ ١٧٠) واعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلى (ص/٦٩)","vol":"2","page":880},{"text":"فدل العطف بالفاء على أن دخولهم النار حصل عقيب إغراقهم، وأنه قبل يوم القيامة. (^١)\nوهذه الأدلة القرآنية ربما تأولها المعارض ولم يرها دالة على إثبات عذاب القبر؛ لكن كثرتها وظهور كلام السلف فيها يدل على أنها في عذاب القبر والبرزخ.\nوأما الأحاديث الدالة على عذاب القبر أحاديث متواترة، وممن نص على تواترها:\nأبوالعباس ابن تيمية وابن القيم والطحاوى وابن عبد البر وابن الملقن، وقد ذكر الكتانى رواة أحاديث عذاب القبر من الصحابة -﵃- فعد اثنين وثلاثين نفسًا، وسمَّى غيره أسماء رواة الصحابة فعد تسعة وأربعين صحابيًا. (^٢)\nوقد بوَّب أصحاب الصحاح فى مصنفاتهم أبوابًا فى إثبات عذاب القبر، كما هو فعل البخارى، قال: \" باب ما جاء في عذاب القبر \"، وفى صحيح مسلم: \" باب:\n\" إثبات عذاب القبر والتعوذ منه \".\nقال ابن عبد البر: والآثار في عذاب القبر لا يحوط بها كتاب. (^٣)\nوروى الشيخان عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ:\n ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] \" قَالَ: \" نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.\n_________\n(^١) شرح النونية للهراس (١/ ٤٧)\n (^٢) وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٥) والروح (ص/٥٢) والتفسير القيم (ص/٣٧٦) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٥١٦) والتمهيد (٢٢/ ٢٤٧) ولقط اللآلئ المتناثرة (ص/٢١٣) ونظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/١٢٦) وشرح الطحاوية (ص/٣٩٩) والصحيح المسند فى عذاب القبر ونعيمه (ص/٩)\n (^٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٢٢/ ٢٥١)","vol":"2","page":881},{"text":"(^١) وورد فى زيادة عند مسلم والنسائي:\nيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] \" (^٢)\n*وعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ:\nدَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي:\nإِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا،\nوَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ:\n «صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا» (^٣)، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. (^٤)\nفي هذا الحديث دليل على أن عذاب القبر تعرفه اليهود، وذلك - والله أعلم - في التوراة؛ لأن مثل هذا لا يدرك بالرأي.\nوعنْ مُصْعَبٍ قال: كَانَ سَعْدٌ بن أبى وقاصرضي الله عنه - يَأْمُرُ بِخَمْسٍ، وَيَذْكُرُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِنَّ:\n\" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا- يَعْنِي فِتْنَةَ الدَّجَّالِ- وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ\". (^٥)\n_________\n(^١) متفق عليه. وانظر روائع التفسير (١/ ٥٩٠) والاستيعاب في بيان الأسباب (٢/ ٣٩٠)\n (^٢) أخرجها مسلم (٢٨٧١) والنسائى (٢٠٥٧) وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول (ص/١٧٢)\n (^٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nقال بعضهم: ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين؛ كالإسماعيلية والنصيرية وسائر القرامطة: من بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام وغيرهما؛ فإن أهل الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى. والجهال تظن أنهم من ذرية فاطمة وأنهم من أولياء الله وإنما هو من هذا القبيل.\nفقد قيل: إن الخيل إذا سمعت عذاب القبر حصلت لها من الحرارة ما يذهب بالمغل. (مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٧)\n*قلت:\nالمَغَل: هو وَجَعُ يصيب الدابة إذا أَكلت الترابَ مَعَ البَقْل، فيأَخذها لِذَلِكَ وجَعٌ فِي بَطْنِهَا. لسان العرب (١١/ ٦٢٦)\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) رواه الشيخان.","vol":"2","page":882},{"text":"* وعن زَيْد بْن ثَابِتٍرضي الله عنه- قَالَ:\nبَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ:\n «مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ \" قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ:\n «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ»، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ:\n «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (^١)\n* وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍرضي الله عنه - قَالَ:\nخَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ- فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِﷺ- وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ:\n\" اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، \"، ثُمَّ قَالَ:\n\" إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ﵇ - حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: \" أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ \". قَالَ:\n\" فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ \" قَالَ:\n\" فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا:\nمَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ:\nفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٨٦٧) وأحمد (٢١٧٠١)","vol":"2","page":883},{"text":"أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى \". قَالَ:\n\" فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ","vol":"2","page":884},{"text":"مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ:\nرَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ:\nمَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ،\nفَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ:\nقَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ \". قَالَ:\n\" فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ \". قَالَ:\n\" وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ:\nرَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي \". قَالَ: \" وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ:\nأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ \"، قَالَ:\n\" فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا،\nفَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ:\nفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ \"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ... [الأعراف: ٤٠]\nفَيَقُولُ اللهُ ﷿: \" اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا.\nفَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟\nفَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟\nفَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟\nفَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ،\nفَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ:\nمَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ:\nرَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ. (^١)\nوعن سعيد بن المسيب، قال: \"صَلَّيْتُ وراء أبي هريرة على صبيِّ لم يعمل خطيئةَ قطُّ، سمعتُه يقول: \"اللهمَّ أعِذْهُ من عذاب القبر\". (^٢)\n* الإجماع:\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nمذهب سائر المسلمين إثبات الثواب والعقاب في البرزخ - ما بين الموت إلى يوم القيامة - هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة؛ وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٤٧٥٣) وأحمد (١٨٥٣٤) وقد صححه ابن القيم فى اجتماع الجيوش الإسلامية (ص/٧٥) وفى إعلام الموقعين (١/ ١٧٨)، وقال رادًا على تضعيف ابن حزم له:\n\" وأما قوله إن الحديث لا يصح لتفرد المنهال بن عمرو وحده به وليس بالقوى!!\nفهذا من مجازفته رحمة الله، فالحديث صحيح لا شك فيه، وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير زاذان، منهم عدى بن ثابت ومحمد بن عقبة ومجاهد ا. هـ، (الروح (ص/٧٦)\nوكذلك ممن صححه: ابن منده فى الإيمان (رقم/١٠٦٤) وقال: هذا إسناد متصل مشهور، وصححه البيهقى فى \" إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين \" (ص/٣٩) وقال: هذا حديث كبير صحيح الاسناد.\nوقال الحاكم:\n «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وفيه فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة، ولم يخرجاه بطوله، وله شواهد على شرطهما يستدل بها على صحته»، ووافقه الذهبى (المستدرك (١/ ٣٧»\n (^٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩) وفي \"إثبات عذاب القبر\" (رقم: ١٧٨) وابن أبي زمنين في \"أصول السنة\" (رقم: ٨٣) وقد روي مرفوعًا، والموقوف أصح. وانظر سلسلة الآثار الصحيحة أو الصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين (١/ ٢٧٠)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢)","vol":"2","page":885},{"text":"وقال أبو الحسن الأشعري وهو يذكر ما خالف فيه المعتزلة وأهل القدر نهج أهل السنة:\nوجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذَّبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين. (^١)\nوممن نقل هذا الإجماع:\nابن بطة العكبري والأصبهاني الملقب بقوام السنة والطحاوى والبربهاري وغيرهم خلق كثير. (^٢)\n* مسألة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن</span>؟\nقد ذهب ابن حزم إلى أن فتنة القبر وعذابه والمسألة إنما هي للروح فقط بعد فراقه للجسد، قُبِر أو لم يقبر، وأن الروح لا تعاد إلى البدن عند السؤال،\nفالسؤال إنما يقع للروح خاصة، وكذلك سماع الخطاب، وأنكر أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره. (^٣)\nومما استدل به على قوله هذا:\nقوله تعالى ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: ١١]\nفلو كانت الروح تُرد إلى الجسد فى القبر ذلك للزم أن يموت الإنسان ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرات، والقرآن دل على أنهما موتتان وحياتان فقط!!\n* وكذلك فقد ذهب ابن حزم إلى القول بتضعيف حديث البراء الطويل، فقال ﵀:\nولم يرو أحد أن في عذاب القبر رد الروح إلى الجسد إلا المنهال بن عمرو، وليس بالقوي. (^٤)\n* وجواب ذلك:\n١ - أما استدلاله بالأية فقد قال أجاب عن ذلك الحافظ ابن رجب فقال:\nوهذا ضعيف جدًا، فإن\n_________\n(^١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/١٤)\n (^٢) وانظر الإبانة (ص/١٩٧) والحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٨١) وشرح العقيدة الطحاوية (ص/٣٩٦)\n (^٣) وانظر الفصل (٤/ ٦٦)\n (^٤) المحلى (١/ ٢٢)","vol":"2","page":886},{"text":"حياة البرزخ ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليست هي حياة تامة حتى يكون انفصال الروح به موتًا تامًا، وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه، ورجوعها إليه،\nفإن ذلك يسمى موتًا وحياةً.\nكما كان النبي - ﷺ - يقول إذا استيقظ من منامه:\n\"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور\"\nوسمَّاه الله تعالى وفاة، لقوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾\n [الزُّمَرِ: ٤٢]\nمع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حيًا، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا يوجب أن يصير للميت حياة مطلقة. (^١)\n٢ - أما تضعيفه لحديث البراء - ﵁- فقد رددنا عليه فى تخريج الحديث، والذي سبق بيانه قريبًا.\nفالصحيح -والله أعلم -هو الذى عليه جمهور أهل السنة أن نعيم القبر وعذابه يحصل للروح والبدن.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمة:\nمذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا فيحصل له معها النعيم والعذاب. (^٢)\n* وهذا الذى دلت عليه السنة:\nفعَنْ أَنَسٍ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\nالعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، .... ... قال: وَأَمَّا الكَافِرُ- أَوِ المُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ:\nلَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ. (^٣)\nوفى حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - قَالَ:\nخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِﷺ - فِي جِنَازَةِ.....، فكان مما ذكر: وَإِنَّ الْكَافِرَ فَذَكَرَ مَوْتَهُ. وَقَالَ: وَتُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ\n_________\n(^١) روائع التفسير (٢/ ١٠١)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٤)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":887},{"text":"فَيُجْلِسَانِهِ...، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ قَالَ: ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ: فَيَضْرِبُهُ بِهَا. (^١)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nفقد صرح الحديث بإعادة الروح إلى الجسد وباختلاف أضلاعه، وهذا بيِّن في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين. (^٢)\n* المخالفون لأهل السنة فى عذاب القبر:\nعذاب القبر حق ثابت وبهذا قال أهل السنة وأكثر الفرق الإسلامية، ولكنَّ الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁.\nفعن ابن عباس -﵄ - قال:\nخطب عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه وقال:\nيا أيها الناس، ألا إنه سيأتي من بعدكم أقوام يكذبون بالرجم وبالدجال، وبعذاب القبر، والشفاعة. (^٣)\nقال ابن هانئ للإمام أحمد: وعذاب القبر ومنكر ونكير؟\nقال أبو عبد الله: نؤمن بهذا كله، ومن أنكر واحدة من هذه، فهو جهمي. (^٤)\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n (^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٩)\n (^٣) السنة للمَرْوَزِي (ص/٩٨)\n (^٤) وانظر مسائل ابن هانئ (١٨٧٩)","vol":"2","page":888},{"text":"وقال المروذي قال: لنا أبو عبد الله عذاب القبر حق، ما ينكره إلا ضال مضل. (^١)\nقال الآجري:\nما أسوأ حال من كذَّب بهذه الأحاديث، لقد ضل ضلالًا بعيدًا، وخسر خسرانًا مبينًا. (^٢)\nوقد خالف في ذلك الخوارج وضرار بن عمرو وبشر المريسي وجماعة من متأخرى المعتزلة، فقالوا بنفى عذاب القبر؛ وذلك بناءً على قولهم أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذَّب. (^٣)\nقال ابن حزم:\n\"ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول لصحة الآثار عن رسول الله ﷺ في ذلك\". (^٤)\n* نقول:\nوالمخالفون الذين خالفوا أهل السنة في هذا الأصل فنفوا القول بإثبات عذاب القبر قد جاء فساد تأصيلهم فى أنهم قد حكَّموا العقل وردوا عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فقاسوا الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، وحكَّموا العقل فيما جاءت به النصوص في أن هذا يُعقل، وأن هذا لا يُعقل.\nفتراهم لا يؤمنون بما يحدث في القبر؛ لأنهم عقلانيون، فيسمّون أدلة الشرع ظنية، فأما أدلة العقل عندهم فهي يقينية، وهم فى ذلك قد نسوا أو قل تناسوا أن عذاب القبر وفتنة القبر أمر غيبي، والأمور الغيبية مجالها الاعتقاد؛ لأنها لا تدرك بالنظائر ولا تدركها العقول؛ بل تحار فيها العقول، فيجب الإيمان بها والتسليم على نحو ما جاء في الخبر الصادق في الوحي.\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة (١/ ٦٢)\n (^٢) الشريعة (٢/ ١٨٦)\n (^٣) وانظر مقالات الإسلاميين (٢/ ١١٦) ودراسات فى الفرق الإسلامية (ص/١٧٣)\n (^٤) وانظر الفصل في الملل والنحل والأهواء (٤/ ٦٦)\n* تنبيه مهم:\nوقد نسب أبو الحسن الأشعري في المقالات (٢/ ١١٦) نفي عذاب القبر إلى المعتزلة والخوارج، كما نسبه البغدادي في أصول الدين (ص/ ٢٤٥) إلى الجهمية والضرارية، ونسب الملطي في التنبيه والرد على أهل الأهواء (ص/ ١٢٤) إلى جهم بن صفوان إنكار عذاب القبر ومنكر ونكير.\nوالأرجح بالنسبة للمعتزلة أن جمهورهم على القول بعذاب القبر، كما حكى ذلك عنهم القاضي عبد الجبار فى كتابه \"شرح الأصول الخمسة \" (ص/٧٣٠)، فقد ذكر:\n\" فصل فى عذاب القبر \" وقال بأنه لاخلاف في ذلك بين الأمة، كما أنه قد بيَّن أن ابن الراوندي هو الذي يشنع علي المعتزلة، ويدَّعى أنهم ينكرون عذاب القبر، ثم أورد الأدلة على إثباته من القرآن والسنة.\nوقال فى كتابه \"الاعتزال وطبقات المعتزلة \" (ص/١٦٧) ما نصه:\n\" إنما أنكر ذلك أولًا: ضرار بن عمرو، لما كان من أصحاب واصل ظُن ذلك مما أنكرته المعتزلة وليس الأمر كذلك، بل أكثر شيوخنا يقطعون بعذاب القبر، وإنما ينكرون قول جماعة سنن الجهلة إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك. ا. هـ\nوكذلك فقد قال الزمخشرى عن سورة الملك:\n\" وتسمى: الواقية، والمنجية، لأنها تقى وتنجي قارئها من عذاب القبر \".\nوانظر الكشاف (٤/ ٥٧٤) والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٣/ ٧١٢) تحقيق سعود بن عبد العزيز الخلف.","vol":"2","page":889},{"text":"*ومن شبهاتهم النفاة:\nقالوا:\nإنا نرى شخص الميت مشاهدة وهو غير معذَّب، وكذلك فإن الميت ربما تفترسه السباع وتأكله!!\nوجوابه:\nأن هذا هوس؛ أما مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم، والمدرك للعقاب جزء من القلب أو من الباطن كيف كان، وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر البدن، بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره، ولو انتبه النائم وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذاته من لم يجر له عهد بالنوم لبادر إلى الإنكار اغترارًا بسكون ظاهر جسمه.\nفتعسًا لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالاضافة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما، مع ما فيهما من العجائب. (^١)\n* ثم يقال لمن يشكل بعدم تحقق رؤية عذاب القبر بالبصر:\nأن الله - عزوجل - يبتلى عباده بالتكاليف الشرعية اختبارًا وامتحانًا لهم، وهذه التكاليف شاملة لباب العلم والعمل:\nأ) ففي باب العمل:\nيكلفهم بجملة من العبادات الشرعية، والتى منها ما يكون غير معلوم الحكمة، فيجمع لهم بين التكليف بالاستسلام وتكليف القيام بالعمل.\nب) وفي باب العلم:\nفقد يختبر الله -تعالى -عباده بالإيمان بالغيبيات التى تتآلت النصوص بإثباتها، فيظهر هنا من يؤمن بالغيب ممن هو منه في شك، إذ لو عاين\n_________\n(^١) الاقتصاد في الاعتقاد للغزالى (١١٨)","vol":"2","page":892},{"text":"العباد الغيبيات لزالت حكمه التكليف والإيمان بالغيب، ومن هذا الباب فقدا اقتضت الحكمة أن يكون عذاب القبر خفيًا؛ لأنَّه لو كان أمرًا ظاهرًا لما كان الإيمان به إيمان بالغيب، والإيمان النافع المنجي إنما هو الإيمان بالغيب.\nلذا فقد كان أول ما مدح الله تعالى - به أهل الإيمان فى كتابه أنهم يؤمنون بالغيب، فقد قال تعالى (ألم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣» (البقرة: ١ - ٣)\n* وأضف الي ذلك أنه قد اقتضت حكمة الله -تعالى- أن لا يكون عذاب القبر ظاهرًا، إذ لو كان ظاهرًا لما تدافن الناس، كما قال ﷺ:\n\"إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه\". (^١)\n* وأما قولهم بعدم حدوث عذاب القبر لمن أكله سبع أو حُرق!!\nفجوابه:\nفذكر العذاب والحاقه بالقبر إنما خرج على الغالب فلا مفهوم له؛ فالمصلوب والمحروق والغريق ومن أكلته السباع لهم من عذاب البرزخ ونعيمه بحسب ما تقتضيه أعمالهم، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما.\nوإلا فسيقال من باب الإلزام بعدم بعث من أكلته السباع أو حرق، ومثل هذا مما لم يقل به نفاة القول بعذاب القبر، فكما قيل فى قوله تعالى (قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢» أنه خرج على الغالب، مع إثبات البعث لمن لم يكن له مرقد، كالمحروق ومن أكلته السباع، فكذا يقال بإثبات عذاب القبر ونعيمه لمن لم يُقبر. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧١٤٢)\n (^٢) وقد ورد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n\" كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ:\nإِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ \" (متفق عليه).","vol":"2","page":893},{"text":"قال ابن القيم:\nومما ينبغى أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزح، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبر أو لم يُقبر، فلو أكلته السباع أو أُحرق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. (^١)\n* ويلخص ما سبق كلام بديع للسمعانى، حيث قال هو لما ذكر أمور الغيب من عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط، قال ﵀:\nوهذه أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها،\nفإذا سمعنا شيئًا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدَّقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته، وقال تعالى في مثل هذا ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾. (^٢)\n* تنبيه وتصحيح:\nقد ذهب بعض المعتزلة إلى أن الله - سبحانه -يعذِّب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، وقالوا بأن سبيل المعذَّبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب. (^٣)\n*وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك، وبيَّن أن الأمر على خلاف ذلك، فقال ﵀:\nولا يجوز أن يقال ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه؛ بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم. وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك إذا قال السائل: الميت لا يتحرك في\n_________\n(^١) الروح (ص/٥٨)\n (^٢) الانتصار لأصحاب الحديث (ص/٨٢)\n (^٣) الروح (ص/ ٥٨)","vol":"2","page":894},{"text":"قبره والتراب لا يتغير، ونحو ذلك.\nمع أن هذه المسألة لها بسط يطول وشرح لا تحتمله هذه الورقة والله أعلم. (^١)\n* إثبات عذاب القبر عند الأشاعرة:\nعلى الرغم من أن عذاب القبر عند الأشاعرة يعد من باب السمعيات، ومع ذلك تراهم يعلِّقون القول به على عدم استحالة العقل لقبوله، ثم يجعلون الأدلة السمعية تبعًا لذلك القبول العقلى.\nيقول الباقلاني:\n «ويجب أن يعلم كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ونصب الصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة للعصاة من المؤمنين، كل ذلك حقٌّ وصدقٌ، ويجب الإيمان به، والقطع به؛ لأن جميع ذلك غير مستحيل في العقل». (^٢)\nوقد نص على مثل ذلك: الآمدى واللقانى. (^٣)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٦)\n (^٢) الإنصاف (ص/٥١)\n (^٣) هداية المريد (ص/١٥٩) وغاية المرام (ص/٣٠١).","vol":"2","page":895},{"text":"قال سفر الحوالى:\nفالقوم كما ترى ملتزمون بتقديم العقل وحكمه بالإمكان وعدم الاستحالة، ثم يوردون الأدلة السمعية مؤيدةً وظهيرةً، ومع هذا فالباب عندهم هو باب (السمعيات)!! (^١)\nوقد نقض شيخ الإسلام ابن تيمية هذا التأسيس من أصله، فقال ﵀:\nومن قال: أنا أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابطٌ، فإنه تصديق بالسمع مشروطًا بعدم جنسٍ لا ضابط له ولا منتهى، وما كان مشروطًا بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط، فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان. (^٢)\nوالمعنى:\nأن عدم مخالفة العقل أمرٌ غير منضبط، فالعقول تختلف، وأوجه المخالفة تختلف، فإذا علقنا التصديق بثبوت شيء عليها، فقد علقناه على أمرٍ غير منضبط.\nوقال ﵀:\nلا يجوز أن يخبر الرسل بشيء يعلم بالعقل الصريح امتناعه، بل لا يجوز أن يخبروا بما لا يعلم بالعقل ثبوته فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول، ويجوز أن يكون في بعض ما يخبرون به ما يعجز عقل بعض الناس عن فهمه وتصوره؛ فإن العقول متفاوتة. (^٣)\n* الحاصل أن الأصل فى تعامل الأشاعرة مع النصوص الشرعية، وتقسيمها إلى) إلهيات، سمعيات، نبوات) إنما يعود فى الحقيقة على مدى موافقتها للعقل لمن عدمه، على طريقة:\n\" وما آتاكم العقل فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا \"، فيزعمون أن ما خالف العقل فليس بمقبول، ولو جاء به كل منقول!!!\nوفى حقيقة الأمر\n_________\n(^١) منهج الأشاعرة في العقيدة (ص/٥٩)\n (^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٧٧)\n (^٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٣٣)","vol":"2","page":896},{"text":"أنهم إنما يردُّون ما خالف الرأى، لا ما خالف العقل؛ فإنه ما ورد نص قرآنى، ولا حديث نبوى صحيح إلا وهو يوافق العقل، عَلِمه من عَلِمه وجهِله من جهِله.\n*عودٌ إلى حديث الباب:\nقوله ﷺ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ.... \"\nوقوله: \" وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ.... \" فيه وجهان:\nأحدهما:\nأن هذا ليس من الكبائر، فيكون المعنى التحذير من الكبائر؛ لأنه إذا وقع العذاب في القبر على ما ليس من الكبائر فكيف بالكبائر؟!\nوالثاني:\nأنه ليس المراد أن هذا ليس بكبير في باب الدين، بل هو كبير في الذنوب وإن كان صغيرًا عندكم، ولكنه كبير عند الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور آية: ١٥)، وليس بكبير على فاعله أن يحترز منه، إذ لا مشقة فى الاحتراز عن البول والنميمة ولاتنزه عنهما، وليس ذلك بالعسير على تاركه.\nومما يؤيد هذا التوجيه:\n\" لفظ البخارى: \" يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ \". (^١)\nوهذا الذى مال إليه البخاري، حيث روى حديث الباب في كتاب الأدب في باب:\n\" النميمة من الكبائر \".\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٠٥٥)","vol":"2","page":897},{"text":"* وعلى التأويل يكون الحديث أحد الأدلة التى تدحض منهج المرجئة والخوارج:\nأ) أما المرجئة:\nفالمرجئة هم المنسوبون إلى الإِرجاء لتأخيرهم الأعمال عن الإِيمان، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وقالوا: لا يضر مع الإِيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وعندهم أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإِيمان، وأن الإِيمان لا يتبعض، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإِيمان غير معرض للوعيد، ومذهبهم باطل ترده أدلة الكتاب والسنة.\nوحديث الباب حجة عليهم؛ لأنه أبان وقوع العذاب عليهما على فعلهما للكبيرة، رغم وجود أصل الإيمان.\nب) وأما الخوارج:\nفهم الوعيدية القائلون بإنفاذ الوعيد، وأن مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب منها فهو خالد مخلد في النار.\nففى حديث الباب رد على تكفيرهم بالكبيرة؛ ووجه الشاهد أن الرسول -ﷺ- قد قال لما غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ جريدة: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»، \"وقال ﷺ: \" فأحببت بشفاعتى أن يرفع ذلك عنهما ما دام القضيبان رطبين \" (^١)\n* ووجه الدلالة:\nأنه لو كان فاعل الكبيرة كافرًا لما جازت له الشفاعة، فالأيات فى نفى الشفاعة عن الكافرين قد تتآلت تترا فى كتاب الله تعالى.\n*عودٌ إلى حديث الباب:\nقول الراوى: \" ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»\nقد استدل بعض الحنفية بفعل النبى -ﷺ - حين غرز الجريد فى قبريّ الرجلين على مشروعية هذا الفعل، وأنه يندب زرع الشجر والزرع على المقابر؛ لكونهما يسبحان ما داما رطبين، وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠١٢)","vol":"2","page":898},{"text":"تعالى (وإن من شئ الا يسبح بحمده)، قالوا معناه: وإن من شئ حي، ثم قالوا حياة كل شئ بحسبه. (^١)\nقال ابن عابدين:\nويؤخذ من الحديث ندب وضع ذلك للاتباع، ويقاس عليه ما اعتيد في زماننا من وضع أغصان الآس ونحوه. (^٢) وقد نقل السيوطى عمن لم يسمه ما نصه:\n\" هذا الحديث أصل في غرس الأشجار عند القبور\" (^٣)\nوالراجح -والله أعلم- أن التخفيف عن القبرين إنما حصل ببركة يده الشريفة - ﷺ - وشفاعته لهما.\n* يدل عليه:\nما ورد فى حديث جابر -﵁- أن النبي - ﷺ - قال له:\n... «فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، قَالَ جَابِرٌ:\nفَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَعَمَّ ذَاكَ؟\nقَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ». (^٤)\nفقوله ﷺ: \" فَأَحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا \":\nقد دل على أن ذلك مداره على الخصوصية، لحصول شفاعة النبي -ﷺ-\nبذات فعله.\n*فدل ذلك على أن الحكمة من وضع الجريد وإن لم تظهر في حديث الباب فقد وردت فى حديث جابر ﵁، لأن الظاهر أن القصة واحدة، كما رجح ذلك القرطبى والنووى. (^٥)\nحتى ولو قيل بأن الواقعتين مختلفتان، فى حديثى ابن عباس وجابر ﵃، كما\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٣/ ٢٠٢)\n (^٢) رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٢٤٥)\n (^٣) شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (ص/٣٠٥)\n (^٤) أخرجه مسلم (٣٠١٢) ومعنى (أن يرفه عنهما): أي يخفف.\n (^٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ٥٥٣)","vol":"2","page":899},{"text":"مال إلى ذلك ابن حجر، فإن خير ما يفسر به الحديث هو الحديث، فقد ورد فى حديث جابر -﵁- بيان الحكمة من فعله بغرز الجريد على القبرين، وهى أن حصول التخفيف عن المعذبيَن إنما حصل شفاعة النبي -ﷺ ما دام الغصنان رطبين.\nقال القاضى عياض:\nوقوله ﵇: \" فأحببت بشفاعتى أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين \" يفسر مشكل قوله فى الحديث الآخر: \" لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا \"، وأن ذلك بدعوته لهما بذلك، .... فإن كانت القصة واحدة -أى في حديثى ابن عباس وجابر- فقد بيَّن أنه ﷺ دعا لهما وشفع، وإن كانت قصة أخرى فيكون المعنى فيهما واحدًا، والله أعلم. (^١)\nقال الخطابي:\nوأما غرسه - ﷺ - شق العسيب على القبر وقوله: (ولعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي -ﷺ- ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه - ﷺ - جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنها، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنىً ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ١٢٠) و(٨/ ٥٧٠)\n (^٢) معالم السنن (١/ ١٩)\nقال الشيخ أحمد محمد شاكر معقبًا على كلام الخطابي:\nوصدق الخطابي وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه خصوصًا في بلاد مصر تقليدًا للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحيةً لهم ومجاملةً للأحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدةً من بلاد أوروبا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه الجندي المجهول وضعوا عليها الزهور. =\n= وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدًا للإفرنج واتباعًا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة بل تراهم أنفسهم يصنعون ذلك في قبور موتاهم. ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافًا خيريةً موقوفٌ ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع في القبور.\nوكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين ولا مستند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا.\nذكره الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على سنن الترمذي (١/ ١٠٣)، وانظر قواعد وأسس في السنة والبدعة (حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة (ص/ ١٧٣».","vol":"2","page":900},{"text":"وقال ابن الحاج:\nفالجواب عن قوله ﵊ (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) راجع إلى بركة ما وقع من لمسه ﵊ لتلك الجريدة، وقد نص على ذلك الإمام الطرطوشي ﵀ في كتاب \" سراج الملوك \" له، لما ذكر هذا الحديث فقال عقبه:\nوذلك لبركة يده ﵊.\nوما نقل عن واحد من الصحابة فلم يصحبه عمل باقيهم ﵃؛ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه، ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحبًا. (^١)\n* وكذا يقال:\nأن فعل النبي - ﵊ - بغرزه للجريد على القبرين قد انبنى على علم منه بوحى أن صاحبيهما يعذبان، فيقال لمن فعل مثل هذا الفعل بغرز الجريد أو زرعه على القبر، هل أنت على علم بوقوع العذاب على صاحب القبر؟!!\nوقد أورد ابن حجر ردًا على هذا الجواب فقال:\nلا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عذِّب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن لا ندعو له بالرحمة. (^٢)\nولكن يناقش هذا:\nبأن الرسول -ﷺلم يفعل ذلك إلا فى قبور مخصوصة قد أطلعه الله -تعالى- على تعذيب أهلها، ولو كان ذلك مشروعًا لفعله فى كل القبور، فلما لم يفعل ذلك إلا فى قبور علم تعذيب أهلها دل ذلك على أن سائر القبور ليس لها ذلك الحكم. (^٣)\n* فإن قيل:\nقد ذكر البخاري تحت باب الجريد على القبر (٢/ ٩٥):\n\" وأوصى\n_________\n(^١) المدخل (٣/ ٢٩٤)\n (^٢) فتح البارى (١/ ٣٢٠)\n (^٣) وانظر تعليق ابن باز على الفتح (١/ ٣٢٠) وأحكام المقابر في الشريعة الإسلامية (ص/١٦٩)","vol":"2","page":901},{"text":"بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدان \" (^١)\n* فجوابه:\nأن هذا الفعل ورد على خلاف ما فهمه عامة الصحابة -﵃- والسلف الصالح، إذ أنهم لو فهموا من النص العموم لعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد على القبور. ولو أنهم فعلوا ذلك لاشتهر ذلك عنهم، ثم نقله الثقات إلينا.\nقال ابن الحاج:\nوما نقل عن واحد من الصحابة فلم يصحبه عمل باقيهم ﵃؛ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه، ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحبًا. (^٢)\nوأما فعل بريدة ﵁:\nفيحتمل أن يكون أمر أن يجعل في داخل القبر لما في النخلة من البركة؛ لقوله تعالى (كشجرة طيبة)\nويحتمل أنه فعله من باب الاقتداء بالنبي - ﷺ- في وضعه الجريدتين على القبر.\nومما يؤيد الأول:\nأنه أوصى أن يوضع \" في قبره \"، وهى رواية الأكثرين. (^٣)\n* تنبيه:\nقد انبنى على القول بأن وضع الجريد إنما كان لتسبيحه حال رطوبته القول باستحباب تلاوة قراءة القرآن عند القبر؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد، فتلاوة القرآن من باب أولى!! (^٤)\nوالراجح -والله أعلم- المنع من ذلك، وهو مَذهَب المالِكيَّة وقَوْلُ أبي حنيفة، وهى أصح الروايتين عن أحمد، واختيارُ أبي العباس ابنِ تيمِيَّة. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخارى معلقًا فى الجنائز باب الجريد على القبر (١/ ٤٠٤) ووصله ابن سعد فى الطبقات (٢٨٢٦) وإسناده صحيح، وانظر تغليق التعليق على صحيح البخاري (٢/ ٤٩٢).\n (^٢) المدخل (٣/ ٢٩٤)\n (^٣) وانظر فتح الباري (٢/ ٢٢٣) وعمدة القاري شرح صحيح البخاري (٨/ ١٨٢)\n (^٤) وممن نقل ذلك:\nالنووى والخطابي وابن دقيق العيد. وانظر شرح النووى على مسلم (٣/ ٢٠٣) وأعلام الحديث (١/ ٢٧٤) وإحكام الأحكام (١/ ١٠٩) وبشرى الكريم بشرح مسائل التعليم شرح المقدمة الحضرمية (ص/٤٧٤)\n (^٥) قد نقل المروذي الرواية الصحيحة عن أحمد، أنه قال: القراءة عند القبر بدعة، وقال ابن هانئ:\nسألت أبا عبد اللَّه عن القراءة على القبر؟\nقال: القراءة على القبر بدعة. هذِه هي الروايات الصحيحة عن الإمام أحمد، وحكاية رجوعه عنها المروية في كتاب \"الروح\" ص ١٣ لابن القيم، عن الخلال لا تصح، ففيها مجاهيل..\nوانظر \"مسائل ابن هانئ\" (٩٤٦) والروايتين والوجهين (١/ ٢١٢) والفروع (٢/ ٣٠٥) وأحكام الجنائز وبدعها\" (ص/ ١٩٢) =\n=وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فيفرق بين القراءة حين الدفن، والقراءة الراتبة بعد الدفن، فيقول أن هذه الأخيرة بدعة، لا يعرف لها أصل. مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣١٧)","vol":"2","page":902},{"text":"*ويدل هلى المنع عدة أمور:\n١ - قد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه كان ﵊ بعد الدفن يقف ويقول:\n «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل».\nولو كانت القراءة عند القبر خيرًا وشرعًا لأمر بها النبي - ﷺ - حتى تعلم الأمة ذلك.\n٢ - كان النبي -ﷺ- يزور القبور، ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه ﵁، وتعلموها منه، من ذلك:\n... (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية).\nولم يثبت عنه ﷺ أنه قرأ سورة من القرآن أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم، ولو كان ذلك مشروعًا لفعله، وبينه لأصحابه؛ رغبةً في الثواب، ورحمةً بالأمة، وأداءً لواجب البلاغ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة/١٢٨).\nفعدم الفعل مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع فيه دلالة على عدم المشروعية. (^١)\n_________\n(^١) مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (١٧/ ٢١٨ - ٢١٩)","vol":"2","page":903},{"text":"٣ - روى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n\"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ليفر من البيت يقرأ فيه البقرة\"\nفلولا أن المقبرة لا يقرأ فيها لم يشبه البيت الذي لا يقرأ فيه بالمقبرة.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nنقل الجماعة عن أحمد كراهة القرآن على القبور، وهو قول جمهور السلف، ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين: إن القراءة عند القبر أفضل، واتخاذ المصاحف عند القبر بدعة، ولو للقراءة ولو نفع الميت لفعله السلف. (^١)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٦٢)","vol":"2","page":904},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الحديث الحادي والثلاثون: بلوغ الرُّبَى شرح حديث ضحك النبي تعجبا</span>","vol":"2","page":905},{"text":"*نص حديث الباب:\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ:\nجَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ\nإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ.\nقال ابن مسعود:\nفَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ»: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] إِلَى قَوْلِهِ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]\n- تخريج الحديث:\nأخرجه البخارى (٤٨١١)، باب قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١] ومسلم (٢٧٨٦) كتاب صفة القيامة والجنة والنار.\n.\n* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:\nقد دل حديث الباب على إثبات صفة من صفات الله - تعالى - الخبرية، وهى صفة الأصابع، فهى صفة ثابته بالسنة وإجماع الأمة، على ما يليق بالله -عزوجل- من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تفويض.\n- ووجه الشاهد من حديث الباب:\nفى قول ابن مسعود ﵁:\n\" فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ \"\n- ووجه الدلالة:\nقد روت عَائِشَةَ - ﵂- أن رَسُول اللَّهِ - ﷺ - مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي","vol":"2","page":907},{"text":"شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ، فلما بيَّن ابن مسعود -﵁- أنه ﷺ ضْحَك تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِ اليهودى\nكان هذا منه إقرارًا بثبوت صفة الأصابع لله تعالى.\n* ومما يؤيد ثبوت صفة الأصابع لله عزوجل:\nعن عَبْد اللهِ بْنَ عَمْرِو -﵄- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ:\n «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». (^١)\n*وكذلك مما ثبت لله عزوجل فى هذا الباب صفة اليدين:\nأدلة الكتاب:\n١ - قال تعالى (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (٧٥)] ص: ٧٥ [\nوجه الدلاله من الآية:\nأضاف الله تعالى صفه اليدين إلى نفسه إضافة صفة إلى موصوف، فدل أنها صفه لله تعالى.\n٢ - قال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (٧١» (يس/٧١)\n٣ - قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» الفتح/ ١٠)\nوجه الدلالة من هذه الآيات:\nأضاف الله - تعالى -صفه اليدين إلى نفسه إضافة صفة إلى موصوف، فدل أنها صفه لله تعالى.\nوقال تعالى) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ قال) (المائدة /٦٤)\nوجه الدلالة:\nأن الله - تعالى - قد أنكر على اليهود زعمهم بأن يده مغلولة، ولم ينكر عليهم إثباتهم لأصل صفة اليد لله عزوجل.\n*أما أدلة السنة:\nفقد بلغت بعض الأحاديث درجة التواتر المعنوي في إثبات صفة اليدين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٥٤)","vol":"2","page":908},{"text":"١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَرَأَ هَذِهِ - الْآيَةَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ:\n ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ هَكَذَا بِيَدِهِ، وَيُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ:\n\" يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ:\nأَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْكَرِيمُ \" فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - الْمِنْبَرُ حَتَّى قُلْنَا: لَيَخِرَّنَّ بِهِ \" (^١)\n٢ - وعَنْ أَنَسٍرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:\n\" يَجْمَعُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَمَا تَرَى النَّاسَ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ. (^٢)\n٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ». (^٣)\n٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ: \" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: \" يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. (^٤)\n٥ - وقد روى أصحاب الصحيح أن رَسُول اللَّهِ - ﷺ - كثيرًا ما كان يقسم بقوله \" \" «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \".\n* الإجماع:\nقال أبو بكر الإسماعيلي:\nاعلموا - رحمكم الله - أن مذاهب أهل الحديث... يعتقدون بأن الله مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيديه، ويداه مبسوطتان، بلا اعتقاد كيف. (^٥)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٣٩)","vol":"2","page":909},{"text":"وممن نقل الإجماع على ذلك:\nأبو العباس ابن تيمية وأبو الحسن الأشعرى وأبو العباس ابن سريج والآجري والسجزى. (^١)\n* معتقد أهل السنة والجماعة بأن لله-تعالى- يدين اثنتين:\nقال أبو الحسن الأشعري:\nوأجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى، وأنَّ له تعالى يدين مبسوطتين.\nوممن نقل هذا الإجماع:\nأبو زيد القيرواني وابن القطان. (^٢)\n* ومما ثبت لله -تعالى- فى هذا الباب: إثبات الأنامل:\nعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁ - قَالَ:\nأن رَسُول اللَّهِ - ﷺ- قال:\nنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي فَاسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ، قَالَهَا ثَلَاثًا \" قَالَ: \" فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ. (^٣)\nقال ابن منده:\nروي هذا الحديث عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ، ونقلها عنهم أئمة البلاد، من أهل الشرق والغرب. (^٤)\n* ومما ثبت لله -تعالى- فى هذا الباب: إثبات الكف لله عزوجل:\nعن أبى هُرَيْرَة -﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\"مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ\n_________\n(^١) وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٤) ورسالة إلى أهل الثغر (ص/٧٢) والعلو للذهبى (٢/ ١٢١٦) والشريعة (٣/ ١١٧٨)\n (^٢) رسالة إلى أهل الثغر (ص/ ٢٢٥) الجامع في السنن (ص/ ١٠٧) والإقناع في مسائل الإجماع (ص/٨٩)\n (^٣) أخرجه أحمد (٢٢١٠٩) والترمذى (٣٢٣٥) وقال الترمذى: «هذا حديث حسن صحيح»، سألت محمد بن إسماعيل، عن هذا الحديث، فقال: «هذا حديث حسن صحيح».\n (^٤) الرد على الجهمية (ص/٢٢٧)","vol":"2","page":910},{"text":"الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ \". (^١)\n* ومما ثبت لله -تعالى- فى هذا الباب: إثبات اليمين لله عزوجل:\nقال تعالى (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧» (الزمر/٦٧)\nعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" يَطْوِي اللهُ ﷿ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ:\nأَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ \". (^٢)\n*سؤال: هل لله - تعالى- شمال؟\nالجواب:\nروى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -﵄ - أن النبى - ﷺ - قال: \" يَطْوِي اللهُ ﷿ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ:\nأَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ \" (^٣)\n* وذهب فريق من العلماء إلى عدم جواز إطلاق لفظة \"الشمال\" فى حق الله، ومن هؤلاء:\nابن خزيمة والخطابى والبيهقى، وذهبوا إلى تضعيف لفظة \" الشمال \" من ناحية السند والمتن. (^٤)\nأ) من ناحية السند:\nأن ذكر الشمال قد تفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، لم يذكرا فيه الشمال،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠١٤) ومالك فى الموطأ (٣٦٥١) وأحمد (٩٤٢٣)\nقوله ﷺ: «فصيله» أي: ولد الناقة المفصول عن رضاعتها؛ «يربيها» أي: ينميها لصالح بها بمضاعفة الأجر. وقوله: «فلوه» أي: مهره.\n (^٢) أخرجه مسلم (١٨٢٧).\n (^٣) رواه مسلم (٢٧٨٨)\n (^٤) الأسماء والصفات للبيهقي (ص/٣٤١) وأعلام الحديث للخطابي (٤/ ٢٣٤٦)","vol":"2","page":911},{"text":"ورواه أبو هريرة - ﵁ - وغيره عن النبي - ﷺ - فلم يذكر فيه أحد منهم الشمال، ب) من ناحية المتن:\nأنه قد صح عن النبي - ﷺ- أنه قال: \" وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ \" (^١) وممن نص على ذلك ابن خزيمة فى كتاب التوحيد (ص/٦٦)\n* والراجح -والله أعلم - هو إثبات لفظة \"الشمال \"، وهو قول ابن جرير والدارمى وأبى يعلى؛ وذلك لورود ذلك فى الصحيح. (^٢)\n* ومما يؤيد ذلك:\nما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ:\n\" يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ \" (^٣)\nفقوله: \" وَبِيَدِهِ الأُخْرَى\"، بعد أن ذكر اليمين يدل على أنها الأخرى ليست يمينًا من ناحية الإسم.\n*وأما ما ورد من قوله ﷺ: \"كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ \":\nفالمراد به أن يديه - ﷾ - الثنتين من حيث الوصف، لا من حيث الاسم، فهما من حيث الوصف يمين مباركة، فيهما بركة فى العطاء والإنفاق والجود والسخاء، فلا نقص قد يتوهم فى شماله -عزوجل- كما هو حاصل في شمائل البشر.\nولذا فجاء النص بقوله ﷺ: \" كلتا يديه يمين \"؛ لئلا يتوهم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص.\n*يؤيده:\nما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ....، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ \". (^٤)\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٨٢٧)\n (^٢) وانظر نقض الدارمى على المريسي (ص/ ١٥٥) وإبطال التأويلات لأبى يعلى (ص/ ١٧٦)؛\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) أخرجه الترمذى (٣٣٦٨) والحاكم (١/ ٦٤) وصحَّحَه الحاكم.","vol":"2","page":912},{"text":"فقوله: \" وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ \":\nيدل على أن تسمية اليدين باليمين متعلق بحصول البركة والخير فى كليهما. ... وقد كانت العرب تحب التيامن، وتكره التياسر، لما في اليمين من التمام، وفي اليسار من النقص ولذلك قالوا: \"اليمن والشؤم\".\nفإذا كانت اليدان يمينين، كان العطاء بهما، أي تصب العطاء ولا ينقصها ذلك. ووصف اليدين بأن كلتيهما يمين لا يعني عند العرب أن الأخرى ليست يسارًا، بل قد يوصف الإنسان بأن يديه كلتيهما يمين، كما قال المرَّار:\nوإِنَّ عَلَى الأمانَةِ مِنْ عَقِيلٍ... فَتىً كِلْتَا اليدَيْنِ لَهُ يَمِينَ. (^١)\nولا يعني أن لا شمال له، بل هو من كرمه وعطائه شماله كيَمِينه.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nقال غير واحد من العلماء لما كانت صفات المخلوقين متضمنة للنقص فكانت يسار أحدهم ناقصة في القوة ناقصة في الفعل بيَّن النبي - ﷺ - أن كلتا يمين الرب مباركة ليس فيها نقص ولا عيب بوجه من الوجوه، كما في صفات المخلوقين، مع أن اليمين أفضلهما. (^٢)\nوقال الشيخ محمد خليل هرَّاس:\nيظهر أنَّ المنع من إطلاق اليسار على الله ﷿ إنما هو على جهة التأدب فقط؛ فإنَّ إثبات اليَمِين وإسناد بعض الشؤون إليها كما في قوله تعالى: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، وكما في قوله ﵇: \" إنَّ يَمِين الله ملأى سحاء الليل والنهار\"، يدل على أنَّ اليد الأخرى المقابلة لها ليست يَمِينًا. (^٣)\n* تنبيه مهم:\nقول ابن خزيمة: ولا يسار لخالقنا ﷿، إذ اليسار من صفة المخلوقين، فجل ربنا عن أن يكون له يسار! (^٤)\nنقول: والتعليل بهذا فيه نظر؛ إذ أننا لو طردنا مثل هذه القاعدة فى صفات الله -عزوجل -\n_________\n(^١) تأويل مختلف الحديث (ص/٢٤٧)\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٩٢)\n (^٣) ذكره فى تعليقه على (كتاب التوحيد) لابن خزيمة (ص/٦٦)\n (^٤) التوحيد (ص/٦٦)","vol":"2","page":913},{"text":"لاستوجب ذلك نفى صفات: \" العين والوجه والساق واليد.. \" بدعوى أنها من صفات المخلوقين، ولكنَّ مدار الإثبات والنفى لا يقوم على مثل هذا\nالتعليل، وإنما مداره على ثبوت الدليل، فإذا ثبت الدليل فى صفة ما توهم تشبيهًا فالقول بها فرضٌ مُحتَّم، ثم بعد ذلك يلزم الرجوع إلى قبلة هذا الباب التى ورد بها محكم التنزيل فى قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١» (الشورى/١١)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-208> المخالفون لأهل السنة والجماعة في إثبات صفة اليدين:</span>\nقد خالف المعتزلة وكثير من الأشعرية والماتريدية أهل السنة فى إثبات صفة اليد لله عزوجل، فقالوا:\nإن اليد بمعنى القدرة، وأحيانًا يفسرونها بمعنى النعمة!!\nوقد نص على ذلك القاضى عبد الجبار، ونص التلمسانى على أن أكثر أئمة الأشعرية على تفسير اليدين بالقدرة. (^١)\nومنهم من أوَّل اليدين على أنهما القدرة والنعمة، كما هو قول الرازى، بل ومن غرائب التأويلات ما ذهب إليه السنوسي فى تفسير قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فجعل المراد بالتثنية فى الأية هى القدرة والنعمة، وأن إبليس قد خُلق بيد القدرة، دون يد النعمة!! (^٢)\nولم يقف الأمرعند ذلك، بل قام الأشاعرة ومن على نحلتهم يرمون المثبتين لها من أهل السنة بأنهم حشوية مجسمة، كما نص على ذلك البيجورى وغيره!!\nيقول ابن جزى:\nوورد في القرآن والحديث ألفاظ يوهم ظاهرها التشبيه، كقوله\n_________\n(^١) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/٢٢٨) وبغية الطالب (ص/٢٧٥) وتحفة المريد (ص/١٣٢) وأبكار الأفكار (١/ ٣٥٩)\n*ومن التأويل المذموم قول السيوطى عند قوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره):\n (ما عرفوه حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، ﴿والأرض جميعا﴾ حال؛ أي: السبع؛ ﴿قبضته﴾ أي: مقبوضة له: أي: في ملكه وتصرفه!!! ﴿يوم القيامة والسماوات مطويات﴾ مجموعات؛ ﴿بيمينه﴾ بقدرته!!! تفسير الجلالين (ص/١٧٧)\n (^٢) وانظر أساس التقديس (ص/١٠٤) وشرح الوسطى (ص/٢٧٥) ومشكل الحديث وبيانه (ص/٤٣٧)","vol":"2","page":914},{"text":"تعالى (بل يداه مبسوطتان) فحملها قوم على ظاهرها فلزمهم التجسيم، ويعزى ذلك إلى الحنبلية وبعض المحدثين!! (^١)\n* وقد دلل الأشاعرة على ما ذهبوا إليه من تأويلاتهم بما يلى:\nأ- قالوا اليد هى القدرة:\nفالعرب تقول \" ما لي بهذا الأمر من يد \"، أي من قوة وطاقة، قال تعالى \" (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى عن أنبيائه (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥» [ص: ٤٥]\nب) وقالوا اليد هى النعمة:\nفالعرب تقول: \" لفلان عندي يد أشكره عليها \" أى نعمة، ويقال \" أيادي فلان في حق فلان ظاهرة \" والمراد النعم. (^٢)\n* الرد على المخالف:\nفأما الأشاعرة فقد خالفوا فيما ذهبوا إليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nبل قد خالفوا أئمتهم من كبار الأشاعرة الذين أثبتوا الصفات الخبرية لله عزوجل، ومنها اليد لله عزوجل.\nقال الباقلانى:\nوقد بيَّنا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل. (^٣)\n_________\n(^١) القوانين الفقهية (ص/١٣)\n (^٢) وانظر مفاتيح الغيب (٢٦/ ٤١٢) وتحفة المريد (ص/١٥٧) ومتشابه القرآن للقاضى عبد الجبار (١/ ٢٣٠) والمنحة الإلهية فى أدلة الصفات الربانية (ص/٦١١)\n (^٣) وانظر العلو للعلى الغفار (ص/٢٥٩) ومنهاج السنة (١/ ٢٧٧)\nأبو بكر الباقلاني.... هو محمد بن الطيب بن محمد البصري ثم البغدادي القاضي المشهور بالباقلاني. ناظر النصارى والروافض والمعتزلة والخوارج فألجمهم.. وكان في ذلك آية..\nيَعُده عدد من أهل العلم بالمؤسس الثاني لمذهب الأشاعرة، ونظرًا للبيئة التي عاش بها هذا الإمام فقد تأثر بأهل التأويل وعلم الكلام، وغرق معهم في بحر التحريف، ثم انتهى به الأمر إلى الرجوع إلى مذهب السلف، التأويلات التي يستعملها المؤولة. وله كتاب (الإبانة عن إبطال مذهب أهل الكفر والضلالة) وكتاب \" التمهيد\" نص فيهما على إثبات الكثير من الصفات الإلهية. وانظر موسوعة أهل السنة ١ (١/ ٤٤٥).","vol":"2","page":915},{"text":"وكذلك قد حكى التلمسانى في بغية الطالب (ص/٢٧٨) القول بإثبات صفة اليد عن ابن كلاب والقلانسي والجويني.\nقال أبو المعالي:\nذهب بعض أئمتنا إلى أن اليد والعين والوجه صفات ثابتة للرب، والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل. (^١)\n*أما دعوى أن المراد باليد هى القدرة فمردود من أوجه:\n١ - الوجه الأول:\nقال تعالى (يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: الأية ٧٥]\nقد دل على تشريف وتكريم خُص به آدم - ﵇- دون غيره، وهذا التشريف لا يحصل إلا إذا كان قد خُلق بيد الله -تعالى- التى هى صفة من صفاته؛ إذ لو كانت اليد هى القدرة:\nأ- لما تحقق هذا التكريم والتشريف لآدم ﵇؛ إذ أن الجميع مخلوق بقدرته تعالى.\nب- ولكانت الحجة لإبليس على ربه عزوجل؛ إذ أنه مخلوق بقدرة الله عزوجل، فلما حاد إبليس عن هذا الطريق إلى قوله (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، دل ذلك أنه فهم أن آدم - ﵇- قد خُص بما لم يقع لغيره، وهو أنه خُلق بيد الله تعالى.\n٢ - الوجه الثانى:\nما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: \" يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ \" (^٢)\nوفي هذا الحديث: إبطال لكل تأويل قيل في يد الله ﵎؛ لأنه ذكر اليمين\n_________\n(^١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١/ ٢٢٣)\n (^٢) متفق عليه.","vol":"2","page":916},{"text":"وأنها ملأى لا يغيضها نفقة، ثم ذكر اليد الأخرى. فهل يقال: قدرته الأخرى أو قوته الأخرى؟!! (^١)\nفإن قيل:\nإنما أضيف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفا وتعظيما على إبليس، ومجرد النسبة في ذلك كاف في التشريف، كناقة الله، وبيت الله، فهذا كاف في التشريف، وإن كانت النوق والبيوت كلها لله؟\nفالرد على ذلك:\nالتشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة اقتضى مجرد التشريف، فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة أوجب ذلك إثبات الصفة التي لولاها ما تمت النسبة، فإن قولنا: خلق الله الخلق بقدرته، لمَّا نُسب الفعل إلى تعلقه بصفة الله اقتضى ذلك إثبات الصفة، فكذلك هنا لما كان ذكر التخصيص مضافًا إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة على وجه يليق بجلال الله وعظمته. (^٢)\n٣ - الوجه الثالث:\nلما أسندت بعض الأعمال إلى يد الله -عزوجل- على سبيل التشريف، كما فى قول موسى لآدم (خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ)، وقول آدم لموسى (كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ) دل ذلك على أنها يد حقيقية، فلو كانت اليد هى القدرة لم يكن لذكر هذه الفضائل فائدة؛ إذ أن كل شيء واقع ومتحقق بقدرة الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\n*أما دعوى أن المراد باليد هى النعمة، فيقال:\nقد قَالَ تعالى (يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص/٧٥)، فقد وردت اليد بصيغة التثنية، فيمتنع أن تكون على معنى النعمة، إذ أن نعم الله لا تحصى بعدد، قال تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل /١٨)\nقال الميموني: قال الإمام أحمد: من زعم أن يديه: نعمتاه، كيف يصنع بقوله\n ﴿خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، مشددة؟! (^٣)\n_________\n(^١) تذكرة المؤتسي (ص/١٠٥)\n (^٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٣١)\n (^٣) إبطال التأويلات (١/ ١٦٩)","vol":"2","page":917},{"text":"قال أبو الحسن الأشعرى:\nوإذا كان الله -﷿- إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل:\nفعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة. (^١)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nفقوله: ﴿لما خلقت بيديَّ﴾ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد. ولا يجوز أن يراد به النعمة لأن نعم الله لا تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. (^٢)\n*فإن قلتم:\nقد ورد فى لغة العرب استعمال اليد بمعنى النعمة، كما فى قول عروة بن مسعود لأبي بكر﵁- في يوم الحديبية:\n\" أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ \"\nفجوابه من وجوه:\n١ - نعم تستعمل اليد فى لغة العرب على معنى \" النعمة\"، وهذا من باب السَّببيَّة: وهي كون الشيء المنقول عنه سببًا، ومؤثرًا في غيره؛، فالمرء إنما يعطى الخير ويبذل العطاء بيده، ولكن لا يتصور إطلاق اليد ويراد بها النعمة إلا لمن كانت له يد على الحقيقة، كما أنه غير متصور أن يقال لشخص:\n\" اجعلنى بعينك \"، ويقصد اجعلنى برعايتك، إلا إذا كان هذا الشخص ذا عينين حقيقيتين.\n٢ - ما ورد من متعلقات ذكر اليد فى حق الله تعالى، من ذكر القبض والبسط والهز والأصابع والأنامل والكف، فمثل هذا لايكون إلا ليد على الحقيقة، على ما يليق به سبحانه.\n_________\n(^١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/٩٨)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٥)","vol":"2","page":918},{"text":"قال عثمان بن سعيد الدارمي:\nقد علمتَ أيها المريسي أن هذه تفاسير مقلوبة، خارجة من كل معقول لا يقبله إلا كل جهول.\nفإذا ادعيت أن اليد عرفت في كلام العرب أنها نعمة، وقوة، قلنا لك: أجل، ولسنا بتفسيرها منك أجهل، غير أن تفسير ذلك يستبين في سياقة كلام المتكلم حتى لا يحتاج له من مثلك إلى تفسير.... (^١)\n*فترتب على ذلك:\nأن القول بتأويل اليدين بالقدرتين أو النعمتين غير جائز، لأن التثنية في ﴿بِيَدَيّ﴾ يبطل القول بالتأويل؛ لأن التشديد تحقيق في التثنية، وتخصيص التثنية في نعم الله وقدرته ليس له معنى يصح، لأن قدرة الله واحدة لا حدود لها، ونعمه كثيرة لا تحصى، فلا يصح تأويل ﴿بِيَدَيّ﴾ بقدرتي أو بنعمتي، لعدم جواز انحصار قدرة الله ونعمه في عدد.\n* كذلك مما يرد تأويل اليدين على معنى القدرة والنعمة:\n١ - قوله تعالى عن آدم -﵇ - لمَّا ذكر خلقه (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nإذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدِّى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك، ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كافٍ في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم إن شاء الله تعالى أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها. (^٢)\n_________\n(^١) نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد (ص/٣٩)\n (^٢) وانظرالرسالة المدنية (ص/١١) والتأويل خطورته وآثاره (ص/٥٢)","vol":"2","page":919},{"text":"٢ - ما ورد فى قول ابن عمر ﵄- لما قرأ النبى ﷺ (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)، قال ابن عمر:\n\" وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ هَكَذَا بِيَدِهِ، وَيُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ \"، وفى رواية \"ويقبض أصابعه ويبسطها \":\nفقد أشار النبي -ﷺ - بيده قبضًا وبسطًا، والقدرة لا تقبض ولا تبسط، وكذا يقال فى النعمة.\nفإشارته ﷺ أفادت تحقيق الصفة المذكورة، ودلت على أن يده - ﷾- صفة له على الحقيقة، على ما يليق به، دون أن يوجب ذلك لأصحابه -﵃- شبهة التمثيل.\nقال ابن القيم:\nورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقية، من الإمساك والطي والقبض والبسط، والخلق باليدين وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده، وكون المقسطين عن يمينه. (^١)\n* وأما قولهم:\nبالإمساك عن الأحاديث التى نصت على إثبات صفة اليدين، مع الإيمان بها، واعتقاد أن الظاهر منها غير مراد!! (^٢)\nفجوابه:\nنعم، يؤمن أهل السنة بصفات الله تعالى، وأما القول بأن الظاهر منها غير المراد ففيه تفصيل:\nأ) فإن كان المقصود بالظاهر هنا هو إثبات الصفة على ما يليق بالله تعالى، فهذا القول - الذى هو أن الظاهر منها غير المراد - مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ فقد دلت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على إثبات صفة اليدين لله تعالى، وأن ظاهرها مراد.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة (ص/٤٠٥)\n (^٢) وقد نص القاضى عبد الجبار فى كتابه متشابه القرآن (ص/١٩) على أن أخذ نصوص الصفات على ظاهرها كفر.\nوانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٩/ ١٤٢) وكشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (٥/ ٤)","vol":"2","page":920},{"text":"ب) وإن كان المقصود بالظاهر هنا ما قد يفهم من إثبات الصفات لله -عزوجل- على نحو المشابهة لصفات المخلوقين فلا شك أننا ننفى ونرد هذا الظاهر، مع إثبات أصل الصفة لله -تعالى-على ما يليق به، فلا يحملنا هذا الظاهر الفاسد على نفى الصفات، كما هى طريقة النفاة. (^١)\n* وأما قولكم: \" واعتقاد أن الظاهر منها غير مراد \"!!\nفهذا مما يخالف إجماع الأمة\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nبلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ، أو عن أحد من أئمة المسلمين: أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد. (^٢)\nقال الذهبي:\nالمتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولَّدة، ما علمت أحدًا سبقهم بها.\nقالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تؤول، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. (^٣)\nلقد كان السلف يعلمون معاني الصفات، ويفرِّقون بينها، بحسب ما دلت عليه مما تعرفه العرب في لسانها، فالعلم غير الحياة، والإتيان غير الإستواء على العرش، واليد غير الوجه، وهكذا سائر الصفات، فمعاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها، كما هو متواتر النقل عن الإمام مالك وغيره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nولو كانوا يؤمنون باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول. (^٤)\n_________\n(^١) ونظير ذلك ما قاله ابن الجوزى وهو يبرر نفيه لهذه الصفات: \" فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال \". وانظر دفع شبه التشبيه (ص/١٠٥)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٧)\n (^٣) مختصر العلو (ص/٢٧٠)\n (^٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٤١، ٤٢)\nلذا فمن الغلط البيِّن ما نص عليه السيوطى بقوله:\n\"وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها!!\nوانظر الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٢٠) ومسالك أهل السنة فيما أُشكل من نصوص العقيدة (٢/ ٧٣)","vol":"2","page":921},{"text":"وقد خاطبنا الله - تعالى - بلسان عربي مبين وبما نفهمه ونعقل معناه.\nوالأصل في الكلام أن يجري على ظاهره، فنحن نعلم معاني صفات الرب سبحانه، ولا نعلم كيفيتها ونقطع بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولم يزل الأئمة يذكرون كلمة الإمام مالك، والتى تقال فى كل صفة من صفات الله عزوجل:\nفمعانيها غير مجهولة، وكيفيتها غير معقولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة. فهذا هو منهج أهل السنة في صفات الباري تعالى. والله أعلم.\n*وكذا يقال هنا:\nأن القول بحمل الأيات التى أثبتت صفة اليدين لله - تعالى- على المجاز، فهذا وإن استقام مع ظاهر الأدلة التى أثبتت اليد، فكيف يستقيم ذلك مع الأدلة الأخرى التى ذكرت متعلقات هذه اليد من ذكر البسط بها والقبض والهز، كما هو وارد فى حديث الباب، وكذلك ذكر الأصابع والأنامل والكف واليمين والشمال؟!!\nفكل ذلك لا يكون إلا ليد حقيقية لله -عزوجل- على ما يليق بجلاله وعظمته.\n* وأما تأويلهم صفة الأصابع: أنها \" النعمة \"؛ استنادًا إلى قول الرَّاعِي يَصِفُ رَاعِيًا:\nضَعِيفُ العَصَا بادِي العُرُوقِ تَرَى لَه... عَلَيْهَا إِذا مَا أجْدَبَ الناسُ إصْبَعًا\nوالاصبع الأثر الحسن، يقال للراعي الحسن الرعية للإبل الجميل الأثر فيها:\nإن له عليها إصبعًا. (^١)\n* فجوابه:\nقد روى أَنَس -﵁ - أن رَسُول اللَّهِ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: \"يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ\"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ:\n\"نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ \". (^٢)\nفلو كانت الأصابع هى النعمة، لكان قلب المؤمن بين نعمتين من نعم الله، ولكان\n_________\n(^١) البيت فى اللآلئ (٥٠، ٧٦٤)، وانظر لسان العرب (٨/ ١٩٣) ومجمل اللغة (٥٤٩)\n (^٢) رواه الترمذى (٢١٤٠) وقال: هذا حديث حسن.","vol":"2","page":922},{"text":"القلب محفوظًا بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت؟! (^١)\n* ومما يؤيده أنها أصابع على الحقيقة:\nما روى جَابِر﵁ - قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يَقُولُ بِهِ هَكَذَا» (^٢)\nوفى رواية ابن منده قال:\nوصف سفيان الثوري بالسبابة والوسطى فحركهما، وهذا حديث ثابت باتفاق. (^٣) *قلت:\nفى إشارة النبي - ﷺ- حال ذكره للأصابع دلالة على أنها صفة لله على الحقيقة، على ما يليق به سبحانه، فتصان الأذهان عن الخيالات الباطلة، وتقف الأفكار عن الظنون العاطلة. (^٤)\nولذا تراهم لما عجزوا عن توجيه حديث (يحمل الأرض على إصبع، وكذا على إصبع) على ما يوافق تأويلهم؛ لأن الإصبع هنا لا يستقيم أن يكون بمعنى النعمة، فقد عمدوا إلى إنكار الحديث.\n* وأما رمى المخالفين لأهل السنة المثبتين للصفات بأنهم حشوية مجسمة!! (^٥)\nفجوابه:\nكما قال ابن القيم:\nكم ذَا توسلتم بِلَفْظ الْجِسْم والتـ؛؛؛ جسيم للتعطيل والكفران\n_________\n(^١) وانظر الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (١/ ٥٢) وتأويل محتلف الحديث (ص/٣٠٢)\n (^٢) أخرجه الحاكم (٤١٣٠)، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى.\n (^٣) وانظر الرد على الجهمية (ص/٤٧) ومذهب أهل التفويض (ص/٤٣٠)\n (^٤) قلت:\nوأما حكم الإشارة في أحاديث الصفات فقد بيَّناه وفصَّلناه فى شرحنا على حديث \"البشارة شرح حديث الإشارة \"\n (^٥) الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمُّون من أثبت شيئًا من الصفات مشبهًا - كذبًا منهم وافتراء - حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثُمَامة بن أشرس من رؤساء الجهمية:\n «ثلاثة من الأنبياء مشبهة، موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وعيسى حيث قال:\n ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ومحمد حيث قال: «ينزل ربنا».\nوانظر الفتوى الحموية الكبرى ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ١١٠)","vol":"2","page":923},{"text":"وجعلتموه الترس ان قُلْنَا لكم؛؛؛؛ ... الله فَوق الْعَرْش والأكوان.\nقال خليل هرَّاس:\nفلقد كانت شبهة التجسيم من أعظم أسباب الضلال في باب الصفات.\nفقد جعلها المعطلة عرضة مانعة لهم من القول بالإثبات، ونصبوها صخرة\nعاتية يحطِّمون عليها صريح الأحاديث ومحكم الأيات، واتخذوا منها ترسًا يحتمون به مما يوجه إليهم من طعنات. (^١)\n* ثم يقال لهؤلاء الذين ينفون عن الله -عزوجل - صفة اليد خشية التجسيم والتشبيه: - أى تشبيه يتصور فى يد تطوي السماوات، وتقبض على الأرضين؟!!\n- أى تشبيه يتصور فى يدٍ ما السماوات السبع والأرضين السبع إليها إلا كخردلة\nفي يد شخص؟!! (^٢)\n* أى تشبيه يتصور فى يد ورد فيها أن الله -عزوجل- يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ؟!!\nحقًا وصدقًا ويقينًا نقول ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾\nوهذا يجسِّد لنا جناية أهل التحريف على نصوص الاعتقاد، حينما يلبّسون التحريف ثوب التنزيه، ويُرمون أهل\n_________\n(^١) الكافية الشافية فى الانتصار للفرقة الناجية (٢/ ٥٤٥)\n (^٢) رواه الطبري في تفسيره (٣٠٢١٢) وعبد الله فى السنة (١٠٩٠) عن ابن عباس -﵄قال:\n (ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم).\nوقد نقل الألباني تصحيحه عن ابن تيمية ولم يتعقبه.\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله; كما في \"إبطال التنديد\" (ص/ ١٧٠) ; \"وهذا الإسناد في نقدي صحيح\". وقال الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه (تنبيهات على كتب تخريج كتاب التوحيد) (ص/٩٤):\n\" الحديث حسن على أقل الأحوال \".\n* وهذا موقوف له حكم الرفع، فمثل هذا مما لا يُعرف بالرأى، وهذا تشبيه للنسبة بالنسبة، وليس تشبيهًا للكف بالكف؛ لأن الله لا يشبه صفاته شيء كما لا يشبه ذاته شيء، ونظير ذلك قوله ﷺ: \" سترون ربكم كما ترون القمر... \"","vol":"2","page":924},{"text":"الإثبات بالتجسيم والتشبيه، فترى عطب الفهم في مسلاخ تأصيل وتأسيس.\n* ومن شبهاتهم:\nأن اليدين جوارح وأعضاء، فلو أثبتنا ذلك لله - تعالى - للزم أن يكون متبعضًا متركبًا ذا أبعاض وجوارح وأعضاء!!\n*وجواب ذلك من وجوه:\n١ - إذا كانت اليد جزءًا وبعضًا للمخلوق فمثل هذا مما لا يقال فى حق الله عزوجل؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، قال تعالى) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ﴿الشورى: ١١﴾ وقال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) ﴿مريم: ٦٥﴾\nوقياس صفاته على صفات المخلوق قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه قد صادم الكتاب والسنة وإجماع الأمة.\n٢ - أن نفى صفة اليد بدعوى أن إثباتها مستلزم للأبعاض والأجزاء فى حق الله - تعالى- هو نفى مبنى على دعوى باطلة؛ لأنه خوض فى تصور كيفية الصفة، والسلف إنما تعاملوا مع نصوص الصفات من ناحية تفسير معانيها، دون الخوض فى كيفيتها، ونصوصهم فى ذلك متكاثرة متواترة.\nالوليد بن مسلم قال: سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث: فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية. (^١)\nوقولهم: \"أمروها كما جاءت بلا كيف \":\nإنما هو نفى للعلم بكيفية الصفات، دون نفى حقيقة الصفة.\nإذن فالكلام فى الكيف على سبيل التفصيل والتوصيف من القول على الله - تعالى - بغير علم.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nواعتقاد الفرقة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ، لا يكِّيفون ولا يمثِّلون صفات الله -تعالى- بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له ولا كفو له ولا ند له،\n_________\n(^١) انظر الاعتقاد للبيهقى (ص/١١٨) وشرح السنة للبغوي (١/ ١٧١)","vol":"2","page":925},{"text":"ولا يقاس بخلقه - ﷾. (^١)\n*ومن عجيب تأويلهم:\n١ - قالوا عَنْ حديث الباب:\nليس ضحكه - ﷺ - وتعجبه وتلاوته للآية تصديقًا لكلام الحبروإقرارًا له على إثبات صفة الأصابع لله تعالى، بل هو استخفاف باليهودي وإنكارلما قاله، وتعجب من سوء اعتقاده؛ فإن مذهب اليهود التجسيم، ففهم منه ذلك! (^٢)\n* وجواب ذلك من وجوه:\n١ - روي البخاري عن ابن مسعود -﵁ - أنه قال:\n «فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ \" (^٣)، ولا شك أن الراوى أعلم بما روى.\nوقال ابن أبى عاصم: قلت لأبي الربيع: فضحك تصديقًا؟ قال: نعم.\nوقال يحيى بن سعيد: وكان فضيل بن عياض يزيد فيه عن منصور:\n\" فضحك رسول الله ﷺ تصديقا لقول الحبر؟ قال: نعم. (^٤)\n٢ - أن النبي -ﷺ- إنما ضحك تعجبًا، لأن ما قاله اليهودى جاء موافقًا لما هو ثابت فى شريعة الإسلام من إثبات الصفات -ومنها الأصابع- على ما يليق بالله - عزوجل - من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تفويض.\nفجاء خبر الحبر دالًا على اتفاق الشرائع المنزلة من عند الله -تعالى- على إثبات الصفات على ظاهرها، على ما يليق بعظمة الله.\n* وأما ما تأوله المتأولون لهذا النص فهو نتاج ومثال لمن يعتقد ثم يستدل، لذا تجده مضطرًا لمثل هذه التأويلات التى يغنى ذكرها عن الرد عليها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٣٠)\n (^٢) وانظرإكمال المعلم (٨/ ٣١٦) وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص/٢٢٣)\n (^٣) رواه البخارى (٧٥١٣)\n (^٤) السنة لابن أبى عاصم (ص/٢٢٣)","vol":"2","page":926},{"text":"فهى - وللأسف- عقول أنهكها داء عضال وهو أن:\n\" لازم إثبات الصفات مشابهة الخالق للذوات \"، فراحت تتبع نصوص الصفات الواضحة للي أعناقها حسب ما جرهم إليه منهج التنزيه القائم على تعطيل ما وصف الله - تعالى- به نفسه.\nوكم يمتطون مراكب التأويل قاصدين سراب التنزيه، حتى تحط رحالهم فى ظلمات التعطيل (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)\n* ثم يقال:\nكان الرسول - ﷺ - لا يغضب لنفسه قط، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ﷿، فأنَّى له - على ما زعمتم - أن يسمع الباطل ولا يغضب لله عزوجل، وينكر هذا المنكر؟!!\n* ومن عجيب تأويلهم:\nما نص عليه الرازى تأويلًا لقول النبي ﷺ:\n... «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ... \" قال:\nويدل على تأويله وجوه: أنه يلزم أن يكون أصبعاه فى أجوافنا مع أنه على العرش عند المجسمة!! (^١)\n* والرد عليه أن يقال:\nأولًا:\nأن أهل السنة فى حلٍ من هذه الإلزامات الباطلة، لأنهم أحسنوا فهم المراد من دلالات النصوص الشرعية، وإنما العيب فيمن كان معطوبًا فى فهمه ثم يأتى ليلزم الناس بإلزامات لم يقل بها أنس قبله ولا جآن.\nقال شارح الطحاوية:\nويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه. (^٢)\nوكم من عائبٍ قولًا صحيحًا... وآفتهُ مِنْ الفهم السّقيم.\n٢ - ثانيًا: أن قوله ﷺ: \" بين أصبعين \" لا يلزم من البينية المماسة، فنظير ذلك قوله تعالى عن السحاب ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، إذًا\n_________\n(^١) وانظرأساس التقديس (ص/١٣٦) وجناية التأويل على الفاسد العقيدة الإسلامية (ص/٥٢)\n (^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص/٢٥٦)","vol":"2","page":927},{"text":"السحاب بين السماء والأرض، والسحاب ليس ملاصقًا للسماء وليس ملاصقًا للأرض، ولم يلزم من ذكر البيَّنية أن يكون السحاب مماسًا للأرض ولا مماسًا للسماء.\nويقال: بدر بين مكة والمدينة رغم تباعد ما بينها وبينهما، وإذا كان هذا واقعًا فى شأن المخلوقات دون أن يستلزم مماسة، فكيف فى شأن الخالق عزوجل؟؟!!\nفقلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة، ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول.\nتم بحمد الله.","vol":"2","page":928},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الحديث الثانى والثلاثون: فتح الأعز الأكرم شرح حديث أي الذنب أعظم</span>","vol":"2","page":929},{"text":"*نص حديث الباب:\nعن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ:\nأَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلْتُ:\nإِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»\n*تخريح الحديث:\nأخرجه البخارى (٤٤٧٧) كتاب تفسير القرآن، بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]\nومسلم (٨٦) كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب، وبيان أعظمها بعده. (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك).\n* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:\n١ - الفائدة الأولى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>من أتى خلاف المعهود تجاوزت عاقبته الحدود:</span>\nوالمعنى:\nأن المرء إذا ما أتى خلاف ما يُعهد من حاله، سواء أكان ذلك بالخير أو بالسوء، فإن عاقبته تكون عظيمة، فإن كان فعله هذا فى باب الطاعات كان أجره عظيمًا، وإن كان فعله هذا فى باب السيئات كان وزره عظيمًا، وهذا مما يُستقرأ من أدلة الشرع، ولهذا أمثلة كثيرة، نذكرمنها ما يلى:\n١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ\" (^١)\nفكل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه، وعدم ضرورته\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٧) والنسائى (٢٥٧٥)","vol":"2","page":931},{"text":"إليها، وضعف دواعيها عنده - وإن كان لا يعذر أحد بذنب - لكن لمَّا لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة، ولا دواعي معتادة، أشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها؛ فإن الشيخ لكمال عقله، وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء، عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا، فكيف بالزنا الحرام؟!\nوكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رعيته، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته؛ فإن الإنسان إنما يداهن ويصانع بالكذب وشبهه من يحذره، ويخشى أذاه ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة أو منفعة، وهو غني عن الكذب مطلقًا.\nوكذلك العائل الفقير، قد عُدِم المال، وإنما سبب الفخر والخيلاء والتكبر والارتفاع على القرناء، الثروة في الدنيا، لكونه ظاهرًا فيها؛ فإذا لم يكن عنده أسبابها، فلماذا يستكبر ويحتقر غيره؟!\nفلم يبق فعله، وفعل الشيخ الزاني، والإمام الكاذب، إلا لضرب من الاستخفاف بحق الله تعالى. (^١)\n٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ-: \"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: .. وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ \". (^٢)\nوإنما خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة، لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى؛ فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد، لذا فقد ورد عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ-رضى\nالله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" إِنَّ اللهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ \". (^٣)\n٣ - وعن أبي الدرداء -﵁ - قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ثَلَاثَة يُحِبهُمْ الله، ويضحك إِلَيْهِم، ويستبشر بهم:\nالَّذِي إِذا انكشفت فِئَة، قَاتل وَرَاءَهَا بِنَفسِهِ لله ﷿؛ فإمَّا أَن يُقتل، وَإِمَّا أَن ينصره الله عزوَجل، ويكفيه؛ فَيَقُول: انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا، كَيفَ صَبر لي بِنَفسِهِ،\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٣٩٣)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه أحمد (١٧٣٧١)، انظر الصحيحة (٢٨٤٣)","vol":"2","page":932},{"text":"وَالَّذِي لَهُ امْرَأَة حَسَنَة، وفراش لين حسن؛ فَيقوم من اللَّيْل، فَيَقُول:\nيذر شَهْوَته، ويذكرني، وَلَو شَاءَ رقد، وَالَّذِي إِذا كَانَ فِي سفر، وَكَانَ مَعَه ركب، فسهروا، ثمَّ هجعوا؛ فَقَامَ من السحر، فِي ضراء وسراء. (^١)\n* وحديث الباب شاهد لهذه القاعدة:\nفإن المشرك يعلم قطعًا ويقينًا أن الله -تعالى- هو خالقه، ورغم ذلك تراه يتوجه لغير الله -تعالى- بالعبادة والدعاء.\nوهذا نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ومعناه:\nأن اتّخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه، مع علمه بأن ذلك المتَّخَذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا، فذلك أكبر الكبائر، وأعظم العظائم. (^٢)\nقال الطبرى:\nنهاهم الله -تعالى-أن يشركوا به شيئًا، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندًا وعدلًا في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم، وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم، ونعمي التي أنعمتها عليكم فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكا وندا من خلقي، فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم فمني. (^٣)\nوكذلك الذي يقتل ولده مخافة أن يطعم معه، وهو في نفسه يطلب من الله طعمته، فماذا عليه من غيره حتى يقتله؟!\nوكذلك قوله ﷺ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»\nقال النووي:\nومعنى تزاني: أى تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنى وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش وهو مع امرأة الجار أشد قبحًا\n_________\n(^١) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٦٨)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٩٣١)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٥٢٥): \" رجاله ثقات \"، وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" (٣٤٧٨)، وفي \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٢٩).\n (^٢) المفهم (١/ ٢٨٠)\n (^٣) جامع البيان في تأويل القرآن (١/ ٣٧٠)","vol":"2","page":933},{"text":"وأعظم جرمًا؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية من القبح. (^١)\nوقد كان العرب يتشددون في حفظ ذمة الجار، ويتمادحون بحفظ امرأة الجار، كما قال عنترة:\n* وَأَغُضُّ طَرفِي مَا بَدَت لِي جَارَتِي... حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي مَأوَاهَا *\nوقال مسكين الدارمي:\nأَعْمَى إذَا مَا جَارَتِي بَرَزَتْ... حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي الْخِدْرُ.\n*الحاصل:\nأن حديث الباب لما نص على مخالفات حرمها الله تعالى، وكانت تخالف المنقول: حيث حرَّمت الشريعة هذه الأمور، وتخالف المعقول: حيث مجيئها على خلاف المعهود، ناسب ذلك أن تكون هى أعظم الذنوب عند الله تعالى.\nوقد ذكر ابن مسعود -﵁ - أن رَسُول- اللَّهِ ﷺ- لما سئل: أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ؟\n، فقَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قُيل: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ:\n «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قُيل: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»\nقَالَ ابن مسعود ﵁:\nوَنَزَلَ قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ\nاللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. (^٢)\n*عودٌ إلى حديث الباب:\nقوله ﷺ - لما سئل: \" أيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ \"؟\nقَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»:\nوالمعنى:\nأن الذى خلق -سبحانه- هو الأحق أن يُفرد بالعبادة، فلا يُشرك معه غيره من خلقه، ولا يُجعل معه سميٌ؛ فإن الله -تعالى- لا سمي له، ولا كفء له ولا ند\n_________\n(^١) وانظر المنهاج للنووى (١/ ٣٥٧) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٢/ ٢٧)\n (^٢) متفق عليه. وانظر الاستيعاب في بيان الأسباب (٢/ ١٦)","vol":"2","page":934},{"text":"له، ولا يُقاس بخلقه.\nولذا فحديث الباب يوضح لنا واحدة من العلاقات المهمة بين أقسام التوحيد.\n* العلاقة بين أقسام التوحيد:\nهي أنواع ثلاثة: علاقة تلازم، وعلاقة تضمن، وعلاقة شمول.\n١ - توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.\n٢ - توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.\n٣ - توحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.\n*وللتوضيح نضرب الأمثلة على ذلك كما يلى:\n١ - الأمر الأول:\n*توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية*\nفلا شك أن المقر لربه -تعالى- أنه خالقه ورازقه ومحييه ومميته ومدبر أمره، فلا بد أن يفرده بالعبادة.\nفالمقدمة الأولى مستلزمة بلا شك لهذه النتيجة؛ ولهذا كانت هي محل خطاب الأنبياء والرسل لأقوامهم لإقامة الحجة عليهم.\nففى مناظرة إبراهيم -﵇- قد أبان لهم هذه الحجة التى يذعن لها كل منصف، ففى ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.\nقال تعالى حاكيًا عن ذلك (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١» (الشعراء ٧٥ - ٨١)\nوفى قصة مؤمن آل ياسين قال (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣» (يس: ٢٢ - ٢٣)\nوقال الله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢» (الفاتحة /٢)، فكل الحمد لله عزوجل -وهذا من توحيد الألوهية- لأنه رب العالمين.\nوفى أول أمر فى كتاب الله، قال عزوجل (يَاأَيُّهَا","vol":"2","page":935},{"text":"النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١» (البقرة/٢١)\nوفي سورة النمل مثالٌ رائع للإلزام الإلهي بإفراد العبادة له استدلالًا بربوبيّتة وذلك في آياتٍ متتاليات: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠» (النمل/٦٠)\n* ومن الأمثلة القرآنية البديعية فى تقرير وإرساء هذا المعنى ما ورد فى قوله تعالى:\n ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ (النحل: ٢٨)\nفهل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم، وترون أنكم وهم فيه على حد سواء؟!!\nوهذا من أعجب الأشياء ومن أدل شيء على سفه من اتخذ شريكًا مع الله -تعالى- وأن ما اتخذه باطل مضمحل ليس مساويًا لله -تعالى-ولا له من العبادة شيء. (^١)\n* ومن السنة:\nحديث الباب، حيث جاء الإنكار على من يجعل لله -تعالى- ندًا، على الرغم من أن الله -تعالى- هو الذى خلق العبد (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١» (لقمان/١١)\nقال القرطبي:\nقوله ﷺ: \" أن تدعو لله ندًا وهو خلقك \" الند: المثل، وجمعه: أنداد، وهو نحو قوله تعالى: (فَلَا تَجعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُم تَعلَمُونَ)\nومعناه: أن اتخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه، مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه: من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات؛ وعلى هذا فذلك أكبر الكبائر، وأعظم العظائم. (^٢)\nقال ابن القيم:\nوالإلهية التى دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هى العبادة\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن (ص/٦٤٠)\n (^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ٢٨٠)","vol":"2","page":936},{"text":"والتأليه، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذى أقر به المشركون، فاحتج الله -تعالى- عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية. (^١)\nوبناء على علاقة الاستلزام بين توحيد الإلوهية وتوحيد الربوبية فقد حكم القرآن بكفر من جعل لله -تعالى - ندًا فى الدعاء، وإن كان مقرًا فى الجملة بتوحيد الربوبية.\nفلم يك ينفعهم إيمانهم بالله -تعالى- الرب المدبر المحيي المميت مع إشراكهم به فى الدعاء، بالتوجه إلى الوسائط ودعائها من دون الله تعالى.\nفإن الذين قاتلهم النبي -ﷺ- لم يعتقدوا فى اللات والعزة ومناة قدرة على الخلق ولا الإحياء ولا التدبير، ولا غير ذلك من صفات الربوبية، بل جعلوها قربة وقبلة لدعائهم يتقربون بها الله -تعالى- زلفى، وقالوا \" مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى\".\nومع ذلك فقد حكم الله -تعالى- عليهم بالكذب فى دعواهم وبالكفر في دعائهم، فقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣» (الزمر: ٣).\nقال ابن أبي العز:\nفلو أقر رجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هؤلاء النظَّار؛ ويفنى فيه كثير من أهل التصوف؛ ويجعلونه غاية السائلين، وهو مع ذلك لم يعبد الله وحده، ولم يتبرأ من عبادة ما سواه كان مشركًا، من جنس أمثاله من المشركين. (^٢)\nقال عكرمة في قوله تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وهم مشركون) (يوسف/١٠٦) قال:\nيسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله، فذلك إيمانهم،\nوهم يعبدون غيره. (^٣)\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٣٥)\n (^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص/٣٦)\n (^٣) ذكره ابن حجر فى الفتح (١٣/ ٤٩٤) وقال: بأسانيد صحيحة عن عطاء وعن مجاهد نحوه.\nكما ذكرها ابن كثير فى تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤١٩) عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.","vol":"2","page":937},{"text":"قال أبو العباس ابن تيمية:\nوالشرك في الربوبية هو إثبات فاعل مستقل غير الله، وجمهور العرب لم يكن شركها من هذا الوجه، بل كانت مقرة بأن الله -تعالى- خالق كل شيء وربه ومليكه، وإنما كان من شرك فى الإلهية، فإثبات التوحيد في النوع الثاني يتضمن الأول، من غير عكس. (^١)\nوقال ﵀:\nكان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمروالكواكب، ويدعوها كما يدعو الله تعالي، ويصوم لها، وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول:\nإن هذا ليس بشرك: وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببًا وواسطة لم أكن مشركًا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك. (^٢) لذا فمن الغلط البيِّن ما ادعاه مرجئة المتكلمين من الزعم أن دعاء غير الله -تعالى- لا يكون شركًا إلا إذا اعتقد فيمن يدعوه من دون الله -تعالى- أنه شريك مع الله فى أفعاله أو في صفاته أو ذاته. (^٣)\n٢ - الأمر الثانى:\nتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية:\nفتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا، كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾. (الإسراء: ٤٢)\n*وكذلك:\nفإن من عبد الله -تعالى- ولم يشرك به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على اعتقاده وإقراراه بأن الله -تعالى- هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.\n٣ - الأمر الثالث:\n*توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنوعين معًا*\nوذلك لأنه يقوم على إفراد الله - تعالى- بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له ﷾، والتي من جملتها:\n\" الرب - الخالق -\n_________\n(^١) درء التعارض (٧/ ١٨٦)\n (^٢) المصدر السابق (١/ ٢٢٧)\n (^٣) وانظر نواقض الإيمان القولية والعملية (ص/١٤٣) وضوابط التكفير (ص/١٧٣)","vol":"2","page":938},{"text":"الرازق - الملك.. \"، وهذا هو توحيد الربوبية.\nومن جملتها: \" الله - الغفور- الرحيم - التواب.... \"، وهذا هو توحيد الألوهية.\n*توحيد الألوهية رأس الأمر وذروة سنامه:\nفتوحيد الألوهية هو الذي وقع فيه شرك غالب البشر، إذ إن المشركين كانوا يعترفون بأن الله -تعالى- هو الخالق لجميع الموجودات، ومعلوم أن الأنبياء والرسل قد جاؤوا بتقرير توحيد الربوبية، ففي القرآن المجيد أدلة قاطعة في إثباته، ولكن إذا تأملت عموم كتب الأنبياء، والقرآن خصوصًا وجدتها قد جعلت إثبات توحيد العبادة هو قطب الرحى، فهو أساس دعوة القرآن، وهو خلاصة معنى لا إله إلا الله، يقول تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)\nفبعثة الرسل إنما كانت لتقرير توحيد العبادة، لا الإثبات أنه تعالى خالق لجميع المخلوقات فقط، إذ المشركون كانوا يقرون بالخالقية لله وحده.\nولهذا وردت آيات من القرآن في تقرير انفراده تعالى بالخلق بصيغة الاستفهام الإنكاري؛ لأن المشركين لم ينكروا ذلك بل يعترفون به، قال تعالى:\n (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣» (فاطر: ٣)، وقال تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (إبراهيم: ١٠)\nفهذه الآيات تشير إلى أن المشركين لم يجعلوا مع الله -تعالى- شركاء في خلقه للسماوات والأرض، ومثلهم النصارى عندما أشركوا بالمسيح ومريم ﵉، وكذلك الذين أشركوا بالكواكب والملائكة لم يعتقدوا أنها الرازق المحيي المميت، بل جعلوها شريكا مع الله تعالى في عبادتهم واتخذوها شفعاء، كما حكى الله تعالى قولهم: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (يونس: ١٨) (^١)\n_________\n(^١) توحيد العبادة لشريعت سنكلجى (ص/٤٣)","vol":"2","page":939},{"text":"*عودٌ إلى حديث الباب:\n- الفائدة الثالثة: قوله ﷺ: \" أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، ..\nتعريف الشرك في الاصطلاح:\nمساواة غير الله -تعالى-فيما هو من خصائص الله -تعالى- من الأسماء أو الصفات أو الربوبية أوالألوهية، كما في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (سورة الشعراء: ٩٧ - ٩٨.)\n*أقسام الشرك:\nوالشرك شركان: شرك أكبر يخرج من المِلَّة، وشرك أصغر لا يخرج من الملة.\nوحدَّ الشرك الأكبر:\nأن يصرف العبد نوعا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله، فكل: اعتقاد، أو قول، أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله-تعالى- وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر، وهذا ضابط للشرك الأكبر لا يشذ عنه شيء.\nويمكن أن يختصر فى قولنا: \"أن يجعل الإنسان لله -تعالى-ندًا في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته\".\n* وعليه فحديث الباب يؤسس تعريفًا جامعًا لمعنى الشرك، بقوله ﷺ: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك \"، والند: المثل والشبيه، فمن صرف شيئا من العبادات لغير الله، فقد أشرك به، شركًا يبطل التوحيد وينافيه.\n*وأما حدّ الشرك الأصغر فهو:\nكل وسيلة وذريعة يتطرّق منها إلى الشرك الأكبر، من: الإرادات، والأقوال، والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة. (^١)\n*وكما أن التوحيد يتحقق بحصوله فى أقسامه الثلاثة:\n\"الربوبية والإلوهية، والأسماء والصفات\"، فكذلك الشرك الأكبر يحصل بنقض واحدة من هذه الثلاث:\n_________\n(^١) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص/٣١)","vol":"2","page":940},{"text":"أ) شرك في الربوبية:\nوذلك بأن يجعل لغير الله -تعالى- معه تدبيرًا أو خلقًا أو إحياءً، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]\nويدخل فى ذلك شرك المتصوفة القائلين بالغوث والقطب والأوتاد والأبدال المعتقدين فيهم التصرف والتدبير.\nقال أبوالعباس ابن تيمية:\nالرب سبحانه هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته. (^١)\nب) شرك في الإلهية:\nبأن يدعو غير الله -تعالى- دعاء عبادة، أو دعاء مسألة كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، أو يُتوجه لغيره عزوجل مما لا يصرف إلا لله -عزوجل- من نذر أو ذبح أو سجود، ونحو ذلك.\nقال أبوالعباس ابن تيمية:\nالشرك في الإلهية فهو: أن يجعل لله ندًا - أي: مثلا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته. (^٢)\nوقال ﵀:\nفمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات: فهو كافر بإجماع المسلمين. (^٣)\nقال عبد الرحمن بن حسن:\nواعلم أن اتخاذ الند على قسمين:\nالأول: أن يجعله لله -تعالى - شريكًا في أنواع العبادة أو بعضها، وهو شرك أكبر.\nوالثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: \" ما شاء الله وشئتَ \"، \" ولولا الله وأنت\"، وكيسير الرياء.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٩٢)\n (^٢) المصدر السابق (١/ ٩١)\n (^٣) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٤)","vol":"2","page":941},{"text":"ثم أوضح ﵀ الفرق بين استخدام \"الواو\" و\"ثم\"، فقال:\nوذلك لأن المعطوف بالواو يكون مساويًا للمعطوف عليه، لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، ... بخلاف المعطوف بـ \" ثم \"؛ فإن المعطوف بها يكون متراخيًا عن المعطوف عليه بمهملة، فلا محذور لكونه صار تابعًا. (^١)\nج) شرك الأسماء والصفات:\nوذلك أن يسمِّى الله -تعالى- أو يصفه بصفات البشر، أوالعكس، كما وصفت اليهود يد الله أنها مغلولة، وكما اشتق مشركو العرب لأصنامهم أسماء من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» (النجم: ١٩ - ٢٠)، وكما زعمت الحلولية أن الله - تعالى- يحل فى مخلوفاته.\n*هناك فروق بين الشرك الأكبر والأصغر، منها:\n١ - أن الشرك الأكبر لا يغفر الله -تعالى- لصاحبه إلا بالتوبة منه، قال تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧» (البقرة/٢١٧)\nوأما الشرك الأصغر فقد اختلف فيمن مات وهو في صحيفته دون توبة منه، فقيل:\nإنه تحت المشيئة، وقيل: إن صاحبه إذا مات فلابد أن يعذَّبه الله -تعالى- عليه، لكن لا يخلد في النار.\n٢ - الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الشرك الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.\n٣ - الشرك الأكبر مخرج عن الملة، وأما الشرك الأصغر فلا يخرج منها، ولذا فمن أحكامه: أن يعامل صاحبه معاملة المسلمين؛ فيناكح، وتؤكل ذبيحته، ويرث ويورث، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.\n٤ - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في\n_________\n(^١) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص/٤٩٢)","vol":"2","page":942},{"text":"النار، وإن دخلها فمآله إلى الجنة.\n٥ - أن الشرك الأكبر صاحبه غير معصوم النفس والمال، بعكس الشرك الأصغر، فإن صاحبه مسلم مؤمن ناقص الإيمان، فاسق من حيث الحكم الديني، معصوم النفس والمال.\n**عودٌ إلى حديث الباب:\n- الفائدة الرابعة: قوله ﷺ: \" أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خلقك، ..\nوهنا سؤال:\nهل اتخاذ الأنداد مع الله -تعالى- يعد من الشرك الكبر، أم من الشرك الأصغر؟\n*والجواب على تفصيل:\n١ - اتخاذ الأنداد قد يكون شركًا أكبر:\nاتخاذ الأنداد مع الله -تعالى- قد يكون شركًا أكبر، والند هو النظير والمثيل، فكل من دعا غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح له أو صرف له شيئًا من العبادة فقد اتخذه ندًا لله، سواء كان نبيًا أو وليًا أو ملكًا أو جنيًا أو صنمًا أو غير ذلك من المخلوقات.\nويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (الزمر/٨)\nويدل عليه أيضًا حديث الباب، حيث سئل الرسول ﷺ:\n\" أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ فقَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»\nوالأصل فى اتخاذ الأنداد أن تكون من الشرك الأكبر، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:\nوأصل الشرك أن تعدل بالله - تعالى- مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل أحد بالله -تعالى- شيئًا من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك به. (^١)\nقال ابن القيم فى النونية:\nوالشرك فاحذره فشرك ظاهر\n؛؛؛\nذا القسم ليس بقابل الغفران\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٢٤٤)","vol":"2","page":943},{"text":"وهو اتخاذ الند للرحمن\n؛؛؛\nأيا كان من حجر ومن إنسان\nيدعوه أو يرجوه ثم يخافه؛؛؛\nويحبه كمحبة الرحمن.\nقال ابن القيم:\nوالشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًا، يحبه كما يحب الله تعالى، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء، وربه ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق، ولا تحيي ولا تميت، وإنما كانت\nهذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم. (^١)\n*ومن الحالات التى يكون اتخاذ الأنداد فيها شركًا أكبر:\nأ) من تقرَّب لغير الله -تعالى- بعبادة قلبية أو بدنية، كدعاء أو استغاثة أو نذر أو حب..، فقد جعل لله -تعالى- ندًا من خلقه فيما يستحقه تعالى من توحيد الألوهية، وذلك كفر بإجماع الأمة.\nقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن:\nوالشرك جعْل شريك لله -تعالى- فيما يستحقه، ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والتعظيم والخوف والرجاء والإنابة، والتوكل والنسك والطاعة، ونحو ذلك من العبادات; فمتى أشرك مع الله -تعالى- غيره في شيء من ذلك، فهو مشرك بربه، قد عدل به سواه، وجعل له ندا من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية، أو استقلالًا بشيء منها. (^٢)\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السِعدى فى بيان حقيقة الشرك:\nهو أن يجعل لله -تعالى-ندًا يدعوه كما يدعو الله تعالى، أو يخافه، أو يرجوه، أو يحبه كحب الله تعالى،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٣٩)\n (^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٢/ ٢٠٥)","vol":"2","page":944},{"text":"أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة، فهذا الشرك لا\nيبقى مع صاحبه من التوحيد شيء، وهذا المشرك الذي حرَّم الله -تعالى- عليه الجنة ومأواه النار. (^١)\nولذلك عدة صور ومظاهر، نذكر منها:\n١ - الأولى: التوجه بكلية العبادة للأنداد بشبهة باطلة:\nقال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣» (الزمر: ٣)\nفقد توجهوا لتلك الأصنام بشتى العبادات المالية: كالنذر والقرابين والذبائح، والبدنية: كالطواف والسجود وغير ذلك، واتخذوهم من دون الله أولياء يتولونهم، ويعبدونهم من دون الله تعالى، ويقولون:\n\"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، قربة ومنزلة، ويشفعوا لنا في حاجاتنا \". فصار ضابط الشرك الأكبر فى توحيد الألوهية هو اتخاذ الند من دون الله تعالى، وصرف العبادة له.\n*والقاعدة المطردة هنا:\n\" كل ما ثبت بالكتاب أو السنة أنه عبادة، فصرفه لله -توحيد، وصرفه لغير الله شرك \".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nكل من غلا في حي وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول:\nإذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى؛ مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك أو أنت حسبي؛ أو أنا في حسبك؛ أو نحو هذه الأقوال والأفعال؛ التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. (^٢)\n٢ - الثانية: دعاء غير الله تعالى:\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَا\n_________\n(^١) القول السديد شرح كتاب التوحيد (ص/٣٠)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٥)","vol":"2","page":945},{"text":"يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]\nوقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\nوقال تعالى (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤» (فاطر/١٣ - ١٤)\n* وفى هذه الآية الثالثة فائدتان:\nأ- تأكيد لقضية التلازم بين توحيد الربوبية والألوهية؛ وذلك لأن الله -تعالى-قد جعل عدم ملكية من يُدعى من دون الله -تعالى -مسقطًا لجواز دعائه، والعكس بالعكس.\nب- الحكم بالشرك على من دعا غير الله تعالى، كما فى قوله تعالى (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ...)\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعودرضي الله عنه- قَالَ: قال النَّبِيُّ ﷺ:\n «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ» (^١)\n٢ - الثالثة: صرف العبادات القلبية للأنداد \"شرك المحبة\":\nقال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ... (١٦٥» (البقرة/١٦٥)\nومعنى\" يحبونهم كحب الله\": أي يسوون بين الأصنام وبين الله - تعالى- في المحبة. ... قال أبوالعباس ابن تيمية:\nمعلوم أن أصل الإشراك العملي بالله -تعالى -الإشراك في المحبة، قال تعالى:\n ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ\nحُبًّا لِلَّهِ﴾\nفأخبر أن من الناس من يشرك بالله -تعالى- فيتخذ أندادًا يحبونهم كما يحبون الله تعالى، وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبًا لله -تعالى - من هؤلاء لأندادهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٩٧)","vol":"2","page":946},{"text":"ولله؛ فإن هؤلاء أشركوا بالله في المحبة فجعلوا المحبة مشتركة بينه وبين الأنداد.\nوالمؤمنون أخلصوا دينهم لله -تعالى-الذي أصله المحبة لله تعالى، فلم يجعلوا لله عدلًا في المحبة، بل كان الله ورسوله -ﷺ- أحب إليهم مما سواهما. (^١)\nقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن:\nفكل من اتخذ ندًا لله -تعالى- يدعوه من دون الله -تعالى-ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمله منه، من قضاء حاجاته وتفريج كرباته كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام فلابد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك، فإنهم أحبوهم مع الله -تعالى-\nوإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون لا إله إلا الله ويصلُّون ويصومون، فقد أشركوا في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره.\nفاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله -تعالى- يبطل كل قول يقولونه وكل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا \" لا إله إلا الله \" فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة. (^٢)\n٤ - الرابعة: شرك الطاعة:\nوذلك بادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم لغير الله سبحانه، فمن فعل ذلك فقد أثبت لله -تعالى- الند فى باب التشريع.\nعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - ﵁ - قَالَ:\nأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ:\n\" يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ، فَطَرَحْتُهُ، وَسَمِعْتُهُ \" يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ:\n ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا \"، فَقُلْتُ:\nإِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ:\n\" أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: \" فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ. \" (^٣)\nويدخل فى ذلك ما كان معروفًا عند مشركي العرب من تحريمهم ما أحل الله\n_________\n(^١) وانظر قاعدة في المحبة (ص: ٦٩) ودلالة الأسماء الحسنى على التنزيه (ص/٧٥)\n (^٢) فتح المجيد (ص: ١٠٦)\n (^٣) رواه الترمذي (٣٠٩٥) والطبري في \"تفسيره\" (١٤/ ٢١٠) وقد حسَّنه ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٧/ ٦٧)، والألباني في \"السلسلة الصحيحة \" (٣٢٩٣).","vol":"2","page":947},{"text":"-تعالى- بسخافات العقول الباطلة، قال تعالى (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣» (المائدة: ١٠٣)\nفكل من تحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فقد تحاكم\nإلى الطاغوت الذي أمر الله - تعالى- عباده المؤمنين أن يكفروا به; فإن التحاكم\nليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومن كان يحكم بهما، فمن تحاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عمَّا شرعه الله ورسوله ﷺ، وأنزله منزلة لا يستحقها. ويدخل فى هذا الباب كل من ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله تعالى، أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله عزوجل، ما لم يكن له تأويل سائغ يُعذر به. (^١)\n٥ - الخامسة: إدعاء القدرية خلق العباد لأفعالهم:\nوقد وقع في ذلك القدرية نفاة القدر، الذين جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى، ولهذا كانوا (مجوس هذه الأمة) (^٢)، بل أردأ من المجوس من حيث أن المجوس أثبتوا خالقين، خالقًا للخير وخالقًا للشر، وأما هؤلاء فقد أشركوا جميع العباد في الخلق، فقالوا هم يخلقون أفعالهم، وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nفإن الله -تعالى-خالق كل شيء، قال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢» [غافر: ٦٢]، وقال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦» (الصافات: ٩٦)\nومن جملة مخلوقاته أفعال العباد، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nولا يدل هذا على أن العبد ليس بفاعل على الحقيقة ولا مريدًا ولا مختارًا، بل هو فاعل لفعله حقيقة، وأن إضافة الفعل إليه إضافة حق، وأنه يستوجب عليه المدح والذم والثواب\n_________\n(^١) وانظرفتح المجيد (ص/٤٢٩) وضوابط تكفير المعين (ص/٢٢٢) ومباحث الربوبية والقدر (ص/١٠٣)\n (^٢) رواه أبو داود (٤٦٩١)، والحاكم (٢٨٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين: إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه. وقال ابن القطان في \"الوهم والإيهام \" (٥/ ٤٤٥): صحيح، وقال الألباني في \" صحيح سنن أبي داود\": حسن.","vol":"2","page":948},{"text":"والعقاب، لكن لا يدل هذا أنه واقع بغير مشيئة الله وقدرته.\nفأفعالهم لله -تعالى- خلق ولهم كسب، ولا ينسب شيء من الخلق لغير الله تعالى، فيكون شريكًا وندًا ومساويًا له في نسبة الفعل إليه، وقد نهى الله سبحانه عن ذلك بقوله تعالى (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢» [البقرة: ٢٢]\nوعليه فإنَّ القدرية داخلون تحت النهي الوارد فى هذه الأية، كما قددخل فيها المشركون.\n*لذا فقد نبَّه ابن بطال على مقصود البخاري من ذكر حديث الباب فى كتاب التوحيد فقال:\nغرضه في هذا الباب إثبات الأفعال كلها لله ﷿، كانت من المخلوقين خيرًا أو شرًّا، فهي لله -﷿- خلق وللعباد كسب ولا ينسب شيء إلى غير الله تعالى فيكون شريكًا له وندًا مساويًا له في نسبة القول إليه، ونبَّه الله - تعالى -عباده على ذلك بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] أنه الخالق لكم ولأفعالكم وأرزاقكم، ردًا على من زعم من القدرية أنه يخلق أفعاله، فمن علم أن الله -تعالى- خلق كل شيء فقدَّره تقديرًا، فلا ينسب شيئًا من الخلق إلى غيره. (^١)\n* ومن الحالات التى يكون اتخاذ الأنداد فيها شركًا أصغر:\nقد ورد عن ابن عباس - ﵄- في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] قال:\nالأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاء سوداء، في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه:\nما شاء الله وشئتَ، وقول الرجل: لولا الله وفلان، فإن هذا كله به شرك. (^٢)\nفقد بيَّن ابن عباسرضي الله عنهما- الحالات التى يقع فيها اتخاذ الأنداد شركًا أصغر،\n_________\n(^١) وانظرالتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٣/ ٤٩٤) وشرح صحيح البخارى لابن بطال (١٠/ ٥٢١)\n (^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٨١)، وقال الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وسنده جيد\". تيسير العزيز الحميد (٥٨٧)، وقال المحقق: \"إسناده حسن\".","vol":"2","page":949},{"text":"ونذكر من ذلك:\n١ - التشريك فى المشيئة بين الخالق والمخلوق:\nوهو قول الرجل: \"ما شاء الله وشئت\":\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ:\nمَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:\n\" أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ \". (^١)\nقال ابن رجب فى تفسيره لقول اللَّهُ تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي...) (آل عمران: ٨٠)\nقال ﵀:\nوكان رسول الله - ﷺ - ينكر على من لا يتأدب معه في الخطاب بهذا الأدب، كما قال: \" لاتقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد\"، وقال: لمن قال: ما شاء الله وشئت: \"أجعلتنى لله ندا؟!، بل ما شاء الله\nوحده \"، فمن هنا كان خلفاء الرسل وأتباعهم لا يدعون إلى تعظيم نفوسهم البتة، بل إلى تعظيم الله وحده، وإفراده بالعبودية والإلهية. (^٢)\n٢ - يسير الرياء:\nوعن شداد بن أوس -﵁قال:\n «كُنَّا نَعُدُّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الرِّيَاءَ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ». (^٣)\nقال ابن القيم:\nوأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وإنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر،\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٨٣٩) والبخاري في الأدب المفرد (١/ ٢٩٠) والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٤٥)،\nوصححه ابن القيم في \"مدارج السالكين \" (١/ ٦٠٢) والحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٣/ ٢٠٠)\n (^٢) روائع التفسير (١/ ٢٧٦)\n (^٣) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣٤)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٨٩)، والبيهقي في الشعب (٦٤٢٤)، وصححه الحاكم في المستدرك (٧٩٣٧) وقا الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبى، وانظرصحيح الترغيب (٣٢)","vol":"2","page":950},{"text":"بحسب قائله ومقصده. (^١)\n٣ - التطير والتمائم:\nوأما التطير فهو التشاؤم بالطيور، والأسماء، والألفاظ والأرقام، والبقاع وغيرها، فنهى الشارع عن التطير بل قد جعله صنفًا من صنوف الشرك.\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ \"، قال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ. (^٢)\nوإنما كانت شركًا أصغر لاعتقادهم أن رؤيتها يتسبب فى حصول المكروه للشخص، وأما إن كان اعتقاد المتشائم أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا فلا شك أن هذا من الشرك الأكبر.\nفكل من اعتقد أن شيئًا سوى الله -تعالى-ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك شركًا جليًا.\n* ومما يدل على أن الطيرة من الشرك الأصغر:\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو- ضى الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ \"، قَالُوا:\nيَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ:\n\" أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ \". (^٣)\nفلما جعل النبي -ﷺ- هذا الذكر كفارة للمتطير دل أنه من الشرك الأصغر، إذ لو كانت الطيرة شركًا أكبر على كل حال لم يكن لها كفارة إلا شهادة التوحيد.\n* ويندرج كذلك تحت هذا الباب \"التمائم\":\nوأما التمائم:\nفهى لبس شيء من\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٢٥٣)\n (^٢) أخرجه أحمد (٣٦٨٧) وأبوداود (٣٩١٠) والترمذي (١٦١٤) قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على المسند.\n (^٣) أخرجه أحمد (٧٠٤٥) وصححه الألبانى فى الصحيحة (ح: ١٠٦٥)\nقوله ﷺ: (لا طير إلا طيرك): أى أن كل ما يحدث للإنسان من الحوادث المكروهة؛ فإنها واقعة بقدر الله وجل، كما قال تعالى (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ) (الأعراف/ ١٣١)","vol":"2","page":951},{"text":"الخيط أوالخرز أوالحلقة والخيط ونحو ذلك لرفع البلاء أو دفعه. عَنْ زَيْنَبَ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بن مسعودرضي الله عنه- قَالَتْ:\nفَرَأَى عبد الله فِي عُنُقِي خَيْطًا، قَالَ: مَا هَذَا الْخَيْطُ؟\nقَلتْ: خَيْطٌ أُرْقِيَ لِي فِيهِ، قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آلَ عَبْدِ اللهِ لَأَغْنِيَاءُ عَنِ الشِّرْكِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:\n\" إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ \" (^١)\nعن عروة قال: \" دخل حذيفة -﵁على مريض، فرأى في عضده سيرًا فقطعه أو انتزعه، ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ \". (^٢)\nوتلاوة حذيفة -﵁- الآية دليل على أن الصحابة -﵃- يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر. (^٣).\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٦١٥) وحسنه الشيخ أحمد شاكر.\n (^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره (٢٢٩) وإسناده حسن، وانظر إعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد (ص/١٣٦)\n (^٣) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص/١٢٣)","vol":"2","page":952},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>الحديث الثالث والثلاثون: تلخيص الخطاب شرح حديث إنك تأتى أهل كتاب</span>","vol":"2","page":953},{"text":"* حديث الباب:\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا - ﵁ - عَلَى اليَمَنِ، قَالَ:\n «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ -تعالى- فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاس، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَاب»\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٧٣٧٢) باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ- أمته إلى توحيد الله ﵎.\nومسلم (١٩) باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.\n*أهم الفوائد المنتقاة من حديث الباب:\nالفائدة الأولى:\nقد كان من شأن النبي - ﷺ - أن يبعث أصحابه -﵃- ليعلموا الناس أمر دينهم، ويدعونهم إلى الإسلام، ومن ذلك حديث الباب، حيث بعث النبى -ﷺ - معاذ بن جبلرضي الله عنه- إلى اليمن داعيًا ومعلمًا ومربيًا.\nوقد أرسله النبى -ﷺ - إلى اليمن سنة عشر من الهجرة، وذلك قبل حجه ﷺ، فلم يزل على اليمن واليًا وقاضيًا إلى أن قدم في خلافة أبي بكر ﵁، ثم توجَّه معاذ -﵁- إلى الشام فمات بها.\nوكان مما قاله -ﷺ - لمعاذ ﵁:\n\" إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ... \"، وفى رواية فى الصحيح: \" فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة","vol":"2","page":955},{"text":"أن لا إله إلا الله... \"\n* فإن قيل:\nإن كانوا هم قومًا من أهل الكتاب، فلما يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله؟ *والجواب:\nأن المذكورين في هذا الحديث من كان في اليمن من اليهود والنصارى، وكانوا يقولونها، لكنهم جهلوا معناها الذي دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه.\nفكان قولهم \" لا إله إلا الله \" لا ينفعهم لجهلهم بمعنى هذه الكلمة، كحال أكثر المتأخرين من هذه الأمة؛ فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد، فيأتون بما ينافيها فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم، وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك، وظنوا أن معناها القدرة على الاختراع تقليدًا للمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فلم يدخلهم في الإسلام. (^١).\n*الفائدة الثانية:\nأول الواجبات على المكلف معرفة الله -تعالى- بالعبادة والتوحيد:\nوهذا الذي عليه جماهير السلف من أهل السنة؛ فقد ورد فى حديث الباب قوله ﷺ:\n\" فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ.. \"، وفى رواية: \" فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، ... \"، وفى رواية:\n\" فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، .. \"\nفدلت هذه الروايات فى مجموعها على أن أول الواجبات التى تجب على المكلف هي عبادة الله - تعالى- وتوحيده.\n*وقد خالف فى ذلك جماعة المعتزلة والأشاعرة والشيعة الإمامية:\nفقالت المعتزلة: إن أول واجب على المكلف هو النظر، وعلى هذا عامة المعتزلة،\nكما قرر ذلك القاضي عبد الجبار فى كتابه \"شرح الأصول الخمسة\" (ص/ ١٥ - ٣٧).\n_________\n(^١) كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين (ص/٣٢)","vol":"2","page":956},{"text":"واختلف قول الأشاعرة فى ذلك:\nفمنهم من قال: أول واجب على المكلف هو المعرفة، وهو قول الأشعرى، وهو قول أكثر الأشعرية، كما نص عليه الإيجي فى المواقف (ص/٣٢)، والبيجورى في التحفة (ص: ٨٢).\nوقال بعضهم: هو النظر الموصل إلى المعرفة، وهو قول السنوسي والإسفراينى. (^١)\nقال الآمدي:\nأجمعت الأمة على وجوب معرفة الله تعالى، ووجوب معرفة الله -تعالى - لا يتم إلا بالنظر. (^٢)\nوقال بعضهم: القصد إلى النظر، وقال به الباقلاني والشيرازي، كما في الإشارة (ص/١٨١).\nوأقبح من هذا وذاك من قال منهم:\nإن أول واجب على المكلف هو الشك في الحقائق، فيشك المرء في وجود الله وفي إلهيته، ثم بعد ذلك ينظر في الأدلة، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن أبا هاشم وطائفة معه قد أوجبوا الشك، وجعلوه أول الواجبات.!! (^٣)\nوذهب الأشاعرة إلى أن عوام المسلمين الذين لا يعرفون الله - تعالى - بالأدلة العقلية ليسوا بالمؤمنين في الحقيقة، وإنما تجري عليهم أحكام الشريعة، وهذه المسألة تعرف بمسألة وجوب الاستدلال على معرفة الله تعالى، فأوجبوا ذلك،\n_________\n(^١) وانظر الإنصاف للباقلاني (ص: ٢٢) والمواقف للإيجي (ص: ٣٢) وأصول الدين للبغدادى (ص/٧٥) وتحقيق المقام على كفاية العوام (ص/٧٣)\n (^٢) انظر أبكار الأفكار (١/ ٩٢)\n (^٣) والخلاف بين سائر هذه الأقوال الكلامية خلاف لفظي، كما نص على ذلك الجويني في الشامل (ص/١٢٠)\nوممن قد صرح بذلك: الرازي وأبو حامد الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية.\nومما يؤيد لفظية هذا الخلاف هو اتفاقهم على وجوب البحث والنظر على المكلف، وأكثرهم على القول بصحة إيمان المقلد مع حرمته، وهذا من التناقض البيّن؛ إذ كيف يصح إيمان من لم يأت بما يُبنى عليه الإيمان، = =والذى هو النظر؟!!\nوانظر درء التعارض (٧/ ٤١٩) وتحفة المريد (ص/٧٨) ونقد جوهرة التوحيد (ص/٦٠).","vol":"2","page":957},{"text":"وجعلوه شرطًا في كون المرء من أهل القبلة. (^١)\n*وأما الشيعة الإمامية فقالوا:\nإن النظر في معرفة الله - تعالى- واجب بالاتفاق، وفرض على كل مكلف بحكم العقل أن يتفكر في صفات الله - تعالى- ويعرفه بتلك الصفات وجوبًا. (^٢)\nوأصل البلاء عند القوم جميعهم هو إنكارهم للمعرفة الفطرية، بل تصريحهم بأن وجود الله - تعالى - غير معلوم بالاضطرار، وإنما يُعلم بالنظر والاستدلال، وهذا ما قرره وصرح به القاضي المعتزلي عبد الجبار، وتبعه على ذلك الباقلاني. (^٣)\n*وأما الأشاعرة ففى تنصيصهم على إيجاب المعرفة أوالنظر فقد حددوا مسالك عقلية ينبنى عليها إثبات وجود الله تعالى.\nوهذه المسالك تدور فى جملتها على مسألة الحدوث والإمكان، وأنه لإثبات وجود الخالق لابد من إثبات وجود الأجسام، والأجسام لا تخلو عن الحوادث، وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فكان حدوث العالم هو برهان وجوده تعالى. (^٤)\n_________\n(^١) كما اختار ذلك السنوسي، فقد نقل الأقوال في إيمان المقلد، وأرجعها إلى ثلاثة: أنه كافر، وأنه عاصٍ، وأنه مؤمن. واختارالقول الأول، وقال بهذا الجوينى، كما في الشامل (ص/٣٣). وقال صاحب الجوهرة:\nإذ كل من قلّد في التوحيد... إيمانه لم يخل من ترديد.\n (^٢) مختصر التحفة الاثني عشرية (ص/٧٠)\n (^٣) قال القاضي المعتزلي عبد الجبارفي كتابه شرح الأصول الخمسة (ص /٣٩):\n «إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟\nفقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يُعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه\nبالتفكر والنظر»\n* وقال بعد أن ذكر أنواع الدلالة وقسمها أربعة أنواع: العقل، والكتاب والسنة، والإجماع. قال:\n\"ومعرفة الله لا تنال إلا بححة العقل\" ثم علل ذلك بأن ما عدى العقل من الدلالات والحجج فرع على معرفة الله وتوحيده وعدله. ولو استدل بشيء منها على الله لكان ذلك استدلال بفرع للشيء على أصله وذلك لا يجوز\".\n (شرح الأصول الخمسة (ص: ٨٨)\nوانظر شرح الكبرى مع الحواشي (ص ٣٩) ومنهج الأشاعرة في العقيدة (ص/٢٣)\n (^٤) وانظر المواقف (ص/٢٤٥) ونهاية الإقدام (ص/١١) وأم البراهين (ص/١٩٤)\nقلت:\nمن أعظم ما عوَّل عليه الأشاعرة فى إثبات وجود الله-تعالى- هو إثبات حدوث الأجسام، ودليل حدوث الأجسام هو حلول الحوداث. وعلى هذا الأصل بنى الأشاعرة قولهم بنفى الصفات عن الله تعالى، إلا الصفات السبع، بدعوى أن ما سوى هذه السبع إذا قامت بالله -تعالى- فهو يعنى قبوله للحوادث، وبالتالى فهو حادث!!\nوانظر عقائد الأشاعرة لمصطفى باحو (ص/٣١)","vol":"2","page":958},{"text":"* والراجح الصحيح هو ما ذهب إليه أهل السنة، ومن نصوص السنة الدالة:\n١ - الأول: حديث الباب:\nفقد نصت روايات حديث الباب أن أول ما يجب على المكلف هو معرفة الله -تعالى- بالتوحيد والعبادة.\nقال عبد الرحمن بن قاسم النجدي معلقًا على حديث الباب:\nفلا واجب على المكلفين أعظم من التوحيد علمًا وعملًا، ومن أدلته هذا النص وغيره؛ فإن قوله:\n\" فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله \"، مع قوله:\n\"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب\" يعني أنهم أهل علوم وكتب وحجج، ومع ذلك أمره\nأن يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة، لكونهم محتاجين إلى أن تبين لهم ذلك. (^١)\nقال ابن حجر:\nوفي كتب النبي - ﷺ- إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على أنه ﷺ لم يزد في دعائه المشركين على أن يؤمنوا بالله -تعالى- وحده ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قُبِل منه، سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا. (^٢)\n٢ - الثانى:\nعَنِ ابْنِ عُمَرَرضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:\n «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ... \" (^٣)\nفقد بيَّن النبي - ﷺ - أنه يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.... \"، فإذا قالوها كف عن قتالهم وقبل إسلامهم، ولم يقل \" حتى يستدلوا على معرفة الله.. \"، ولم يؤمر بمطالبتهم بالاستدلال على معرفة معبودهم.\nففي هذا دلالة ظاهرة على ما ذهب إليه المحققون والجماهير من السلف\n_________\n(^١) حاشية كتاب التوحيد (ص/٥٧)\n (^٢) وانظر فتح الباري (١٣/ ٥٠١) ومباحث الربوبية (ص/٢٣)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":959},{"text":"والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين.\nولأن النبي - ﷺ - اكتفى بالتصديق بما جاء به ﷺ ولم يشترط المعرفة بالدليل، وقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي. (^١)\n* والواقع أننا إذا نظرنا في النصوص الواردة نجد أن الرسول -ﷺ- ما كان يأمر من يرد الدخول في الإسلام بالنظر والاستدلال ابتداءً، وما كان يدعو الناس إلى ذلك عندما يغزوهم ويدعوهم للإسلام، بل كانت أول ما يدعوهم إليه الشهادتان.\n* الثالث:\nعَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَرضي الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ:\nعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. (^٢)\nفأمر ﷺ بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين دون البحث أو النظر، ويدخل في ذلك مسائل الاعتقاد. (^٣)\n* الرابع:\nأن النبي -ﷺ - قد أنكرعلى أسامة بن زيد - ﵄ -\nقتله الرجل بعد تلفظه بالشهادة، وقال له ﷺ:\n\" ﷺ، فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. (^٤)\nفدل ذلك على أن من تلفظ بكلمة التوحيد دخل في الإسلام وحرم دمه، وإن لم\nيستدل.\n* الخامس:\nوعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ - وهو ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ- مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ:\n_________\n(^١) وانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٢٤٣) وشرح الأربعين النووية لابن دقيق (ص/٥٥)\n (^٢) أخرجه أحمد (١٧١٤٤) والترمذى (٢٦٧٦) وصححه الترمذى.\n (^٣) نقد جوهرة التوحيد (ص/٥٩)\n (^٤) متفق عليه. وترجمة الحديث عند مسلم \" باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله \"","vol":"2","page":960},{"text":"«صَدَقَ» ...، فقال في آخره: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n... «لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ». (^١)\nقال ابن الصلاح:\nوفي هذا الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه أئمة العلماء في أن العوام المقلِّدين مؤمنون، وأنه يكتفي منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزمًا من غير شك وتزلزل، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة.\nوذلك أنه ﷺ قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ﷺ من مناشدته ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك قائلا له إن الواجب عليك أن تستدرك ذلك من النظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية التي تفيدك العلم، والله أعلم. (^٢)\n*الإجماع:\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nوقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء من المتكلمين وغيرهم على خطأ هؤلاء في إيجابهم هذا النظر المعين وفي دعواهم أن المعرفة موقوفة عليه.\nإذ قد علم بالاضطرار من دين الرسول -ﷺ- أنه لم يوجب هذا\nعلى الأمة ولا أمرهم به بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل هذه المعرفة. (^٣)\nقال أبو المظفر السمعاني:\nوإنما أنكرنا طريقة أهل الكلام على ما أسسوا فإنهم قالوا:\nأول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري، وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف، وأئمة الدين، ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها، لا منقولًا من النبي - ﷺ -، ولا من الصحابة - ﵃ -، وكذلك من التابعين بعدهم. (^٤)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) صيانة صحيح مسلم (ص/١٤٤)\n (^٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ٣٢٩)\n (^٤) وانظر الانتصار لأصحاب الحديث (ص/٦٠) والحجة في بيان المحجة (٢/ ١٢٠)","vol":"2","page":961},{"text":"* والصحابةرضي الله عنهم- الذين فتحوا البلدان لم يؤثر عنهم أنهم كانوا يدعون الناس إلى النظر والاستدلال، وإنما كانوا يدعونهم إلى الشهادتين أولًا ويكتفون منهم بها، ويكفُّون عن قتال من قالها.\nوقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على بطلان هذه الدعوى الكلامية، وأبان اللوازم الباطلة لمن قال بها. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوالقرآن العزيز ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل\nأحد، والنبي -ﷺ - لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداءً، ولا\nإلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه ﵃. (^٢)\nقال ابن حزم:\nفمن الباطل المتيقن أن يكون الاستدلال فرضًا لا يصح أن يكون أحد مسلمًا إلا به ثم يغفل الله -﷿ - أن يقول لا تقبلوا من أحد أنه مسلم حتى يستدل.\nوما قال قط رسول الله - ﷺ - لأهل قرية لا أقبل إسلامكم حتى أعلم المستدل من غيره، وكذلك أجمع الصحابة - ﵃على الدعاء إلى الإسلام وقبوله من كل واحد دون ذكر استدلال. (^٣)\n*وها هو الغزالي - رغم سلوكه لهذا النهج- ينفض عن نفسه غبار هذا الطريق والطريقة، فيقول:\n\" فليت شعري متى نُقل عن رسول الله -ﷺ - أو الصحابة -﵃- إحضار أعرابي أسلم، وقوله له: \" الدليل على أن العالم حادث:\nأنه لا يخلو من الأعراض، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث \". (^٤)\n\n* و<span data-type=\"title\" id=toc-219>الفطرة دالة على نقض مذهب المتكلمين:</span>\nيقول شيخ الإِسلام ابن تيمية:\n\"وأما الرب تعالى فهو معروف بالفطرة، ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكّ﴾، فالمشركون\n_________\n(^١) وللإطلاع على المزيد من أوجه الرد والدلالات على بطلان دعوى إيجاب النظر على المكلف يراجع نقد الجوهرة (ص/٦٥) ودرء التعارض (٨/ ١٦) ونقض أساس التقديس (٢/ ٤٧٢)\n (^٢) درء التعارض (٨/ ٢٣٢)\n (^٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٢٩٢)\n (^٤) وانظر فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (ص/١٢٧)","vol":"2","page":962},{"text":"من عباد الأصنام وغيرهم من أهل الكتاب معترفون بالله مقرُّون به أنه ربهم وخالقهم ورازقهم وأنه رب السماوات والأرض والشمس والقمر. (^١)\nقال ابن القيم:\nوسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟!، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:\nوليس يصح في الأذهان شيء... إذا احتاج النهار إلى دليل\nومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما. (^٢)\n** كما يقال إن المتكلمين مع ولوجهم التام غير المنقوص فى العقليات فما استطاعوا الفرار من شهادة الفطرة السليمة بمعرفة الله تعالى.\nفقد أقر بهذا كبار رموز الأشاعرة، وهو الفخر الرازي، وهو من أكثر المتكلمين إغراقًا في المعقولات، فقد ذهب خلافًا لمعظم الأشاعرة إلى أن معرفة الله -تعالى- فطرية لا تحتاج إلى نظر.\nفيقول في تفسيره:\n\" وأقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك من وجوه:\nالوجه الأول: قال بعض العقلاء: إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، فلأنَّ الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول:\nمن الذي ضربني؟\nوما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها، فبأن تشهد بافتقار\n_________\n(^١) الرسائل الكبرى ٢ (/٣٣٧)\n (^٢) مدارج السالكين (١/ ٦٠)","vol":"2","page":963},{"text":"جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى. (^١)\nقال الغزالي:\nبعث الأنبياء صلوات الله عليهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا لا إله إلا الله، وما أمروا أن يقولوا: \" لنا إله وللعالم إله \"؛ فإن ذلك كان مجبولًا في فطرة عقولهم من مبدأ نشوئهم وفي عنفوان شبابهم، ولذلك قال تعالى ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾. (^٢)\n*والمقصود:\nأن النظر مشروع، بل مندوب إليه، لكن لا يقال: إنه أول واجب، بل أول واجب يختلف باختلاف أحوال الناس.\nفأول الواجبات على الكافر هو الشهادتان، وأما المسلم فعليه القيام بلوازم الشهادتين ومقتضياتها العملية والقولية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوأول الواجبات الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يجب على هذا ابتداءً ما لا يجب على هذا ابتداءً، فيخاطب الكافر عند بلوغه بالشهادتين، وذلك أول الواجبات الشرعية التي يؤمر بها.\nوأما المسلم فيخاطب بالطهارة إذا لم يكن متطهرًا، وبالصلاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية التي لم يفعلها، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداء. (^٣)\n* إذا كان كذلك فليعلم أن التقليد في هذا الباب نوعان:\n١) الأول:\nالتقليد الذى ذمه الأشاعرة والمتكلمون والذى ينبنى - كما زعموا- على معرفة الله والعلم به من غير نظر ولا إعمال للعقل، وقد سبق الرد على بطلان ذلك.\n٢) الثانى:\nالتقليد الذى ذمه أهل السنة والذى ينبنى على نطق الشهادتين دون العلم بمعانيهما، فالشارع قد اشترط في صحة الشهادتين العلم بمعانيهما، فهذا هو الذى يكون\n_________\n(^١) وانظر مفاتيح الغيب (١٩/ ٩١) وشرح الوسطى (ص/١٥٨) والمسائل التى حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص/٢٤٢)\n (^٢) قواعد العقائد (ص/١٥٢)\n (^٣) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ١٦)","vol":"2","page":964},{"text":"شرطًا في عصمة الدم والمال.\nأما النطق بها من غير معرفة لمعناها فغير نافع بالإجماع.\nقال تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)\nفلابد أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى.\nوقال تعالى (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)\nقال القرطبي:\nإلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة، قاله سعيد بن جبير وغيره. وشهادة الحق: \" لا إله إلا الله \".. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ). حقيقة ما شهدوا به، فالشفاعة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، والتقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. (^١)\n*وعن عثمان بن عفان -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ \" (^٢)\nقال سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب:\nقوله: \"من شهد أن لا إله إلا الله\". أي من تكلم بهذه الكلمة عارفًا لمعناها عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا كما دل عليه قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد: ٢٠]. وقوله: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٧].\nأما النطق: بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع.\nوفي الحديث ما يدل على ذلك وهو قوله: \"من شهد\"؛ إذ كيف يشهد وهو لا يعلم ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به. (^٣)\n*الفائدة الثالثة:\nخبر الآحاد حجة فى الاعتقاد:\nوهو مذهب أهل السنة، وقد دل حديث الباب على ذلك؛ حيث بعث النبي -ﷺ - معاذ بن جبل - ﵁- داعيًا الناس إلى الشهادتين.\n*ومن أدلة الكتاب على ذلك:\n١ - قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ\n_________\n(^١) وانظرالجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٢٣) والعذر بالجهل تحت المجهر الشرعي (ص/٧٩)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٦) وأحمد (٤٦٤)\n (^٣) انظر تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد (ص/ ٥٣) والعقائد الإسلامية لابن باديس (ص/٣٢)","vol":"2","page":965},{"text":"طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)\n (التوبة / ١٢٢)\nأوجه الدلالة من الأية:\nأ-قوله تعالى\" فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ... \"\nالطائفة فى اللغة تطلق على الواحد فصاعدًا، فلما اعتبر الشارع إنذاره دل على أن قوله حجة معتبرة، وإلا فلم يكن لإنذاره فائدة.\nب- قوله تعالى (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ):\nالدين: اسم جنس محلى بـ \" الـ \" الاستغراقية، التي تفيد العموم، فتعم أبواب\nالاعتقاد وأبواب الفقه وغير ذلك، ففيه رد على من فرَّق في حجية خبر الآحاد بين مسائل الاعتقاد وغيرها.\nوقد بوَّب البخاري لهذه الأية: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام.\n٢ - قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥» (الإسراء: ١٥)، وقوله تعالى\n (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: ٣٦)\nوجه الدلالة:\nقد علَّق الله -تعالى- نفي التعذيب على إقامة الحجة، وجعل إقامة الحجة حاصلة ببعثة الرسول، وهو واحد فقط.\nقال الشافعي:\nأقام جل ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه - ﵇- في الأعلام التي باينوا بها خلقه سواهم، وكانت الحجة بها ثابتة، وكان الواحد في ذلك وأكثرُ منه سواءً، تقوم الحجة بالواحد منهم قيامًا بالأكثر. (^١)\n_________\n(^١) الرسالة (ص/٣٤٦)","vol":"2","page":966},{"text":"٣ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وفي قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ [الحجرات: ٦]\nوجه الدلالة:\nأنه لو لم يقبل خبر الواحد لما علِّل بالفسق؛ وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير، يقتضي عدم القبول لذاته، وهو كونه خبر واحد، فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره.\n، إذ لو كان معللًا بالغير لاقتضى حصوله به، فعلَّل عدم قبول قول الفاسقين بالتبيين؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب بالفاء يدل على العلِّية، فيكون التبيين معللًا بالفسق، فإذا انتفى الفسق الذي هو علة التبيين، بقي كون الخبر الواحد مقبولًا لذاته. (^١) أضف إلى ذلك أن قوله تعالى (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا):\nفيه دلالة على حجية خبر الواحد فى مسائل الاعتقاد؛ لأنه قوله \" بنبأ \":\nيعم ما كان فى أمر الأصول وما كان في الفروع.\n٤ - قَال تعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]\nفأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر، وهم أولو الكتاب والعلم، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علمًا، وهو سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر، بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقًا، فلو كان واحد لكان سؤاله وجوابه كافيًا. (^٢)\n* ومن أدلة السنة:\n١ - ما تواتر من فعل النبي - صلى الله ﵇- أنه كان يبعث بآحاد أصحابه - ﵃- إلى الملوك ليدعوهم إلى دين الإسلام، ومن ذلك:\nأ - ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب \" كتاب أخبار الآحاد\"، باب\n\"باب ما كان يبعث النبي - ﷺ - من الأمراء والرسل، واحدًا بعد واحد \"، ثم قال البخاري:\n\"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: بَعَثَ\n_________\n(^١) تيسير الوصول إلى منهاج الأصول (٤/ ٣٠٨)\n (^٢) وانظر مختصر الصواعق المرسلة (ص/٥٧٨) وقدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الإلحاد القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد فى مسائل الاعتقاد (ص/١٢٦)","vol":"2","page":967},{"text":"النَّبِيُّ - ﷺ - دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ بِكِتَابِهِ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ\". (^١)\nوعن ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى. (^٢)\nوعن عبد الرحمن بن حاطب أن رسول الله - ﷺ - بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية. (^٣)\nفهذه أدلة قاطِعة على أنَّ العقيدة تَثْبُت بخبر الواحد، وتقوم به الحجَّة على الناس، وإلا لما اكتفى النبي - ﷺ - بإرسال آحاد الصحابة ﵃، ولأرسل معه من يَتواتر به النقل.\nقال ابن حزم:\nوبعثه هؤلاء الرسل مشهورة بلا خلاف، منقولة نقل الكواف، فقد ألزم النبي - ﷺ - كل ملك ورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجَّه نحوهم من شرائع دينهم. (^٤)\n* وفى حديث الباب ما يدل على حجية ذلك:\n١ - فقد بعث الرسول -ﷺمعاذ بن جبل -﵁ - إلى اليمن داعيًا أهلها إلى أصل الاعتقاد، الذى هو الشهادتان.\nقال الشافعي:\nومن زعم أن الحجة لا تثبت بخبر المخبر الصادق عند من أخبره فما يقول في معاذ -﵁- إذ بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن واليًا، ومحاربًا من خالفه، ودعا قومًا لم يلقوا النبي - ﷺ - إلى أخذ الصدقة منهم وغيرها....؟ (^٥)\n٢ - قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍرضي الله عنه- سمعت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُول:\n «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ\nهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ\n_________\n(^١) قال ابن حجر في التغليق (٥/ ٣١٧): أسنده المؤلف في \" العلم \"، وفي \"المغازي \".\n (^٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٤) ومسلم (١٧٧٤)، واللفظ للبخاري.\n (^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٦٠) وابن حجر في\" الإصابة \" (١/ ٣٠٠)، وسنده حسن، وانظر \" صحيح السيرة النبوية \" للعلي (ص/٣٨٥) وعيون الأثر في فنون المغازي والسير (٢/ ٣٣٣)\n (^٤) وانظر الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٥٢) والأراء الشاذة فى أصول الفقه (١/ ٤١٦)\n (^٥) كتاب اختلاف الحديث بهامش الأم (١٠/ ١٢)","vol":"2","page":968},{"text":"لَيْسَ بِفَقِيهٍ». (^١)\nقال الشافعي:\nفلما ندب رسول الله -ﷺ- إلى استماع مقالته وحفظها، وأدائها امرأً يؤديها، والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يُؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه. (^٢)\n٣ - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ -﵁- قَالَ:\nأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ - رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ:\n «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (^٣)\nفقد أمر الرسول - ﷺ - كل واحد من هؤلاء الشببة أن يعلم كل واحد منهم أهله، والتعليم يعم العقيدة، بل هي أول ما يدخل في العموم فلو لم يكن خبر الآحاد تقوم به الحجة لم يكن لهذا الأمر معنى.\n*الإجماع:\nقال ابن عبد البر:\nوكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة. (^٤)\nوقد علَّق أبو العباس ابن تيمية تعليقًا لطيفًا على تقرير ابن عبد البر بما يشبه هذا السؤال فقال:\nهذا الإجماع الذي ذكره - أي في قبول خبر الواحد العدل في الاعتقادات - يؤيد قول من يقول:\nإنه يوجب العلم، وإلا فما لا يفيد علمًا ولا عملًا كيف يجعل شرعًا ودينًا، يوالى عليه ويعادى؟! (^٥)\nقال أبو المظفر السمعاني:\nإن الخبر إذا صح عن رسول الله - ﷺ - ورواه الثقات والأئمة، وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله - ﷺ - وتلقته الأمة بالقبول، فإنه\n_________\n(^١) أخرجه الترمذىي (٢٦٥٦) وقال: حديث حسن.\n (^٢) الرسالة (ص/٣٢٦)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) التمهيد (١/ ١٥)\n (^٥) المسودة (١/ ٤٩٢)","vol":"2","page":969},{"text":"يوجب العلم فيما سبيله العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة. (^١) قال ابن القيم:\nأجمع أهل الإسلام على رواية الأحاديث في صفات الله - تعالى- وفي مسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة والحوض وإخراج الموحدين من المذنبين من\nالنار، فإذا قلنا خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطأ. (^٢)\nوالناظر فى كتب أصحاب الصحاح وغيرها يراهم قد أثبتوا في مصنفاتهم وكتبهم أحاديث الآحاد معتقدين موجبها على ما يليق بجلال الله تعالى.\nفمن نظر في كتب المحدِّثين الأعلام، كالبخاري ومسلم وأبي داود وأحمد وابن خزيمة، علم يقينًا أن مذهبهم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد.\n* المخالفون لأهل السنة فى هذا الباب:\nقد خالف فى ذلك المعتزلة فلم يقبلوا خبر الآحاد في العقائد، وتابعهم عليه الأشاعرة والماتردية وجمهور المتكلمين.\nفقالوا بعدم حجية خبر الواحد فى أبواب الاعتقاد، وذهبوا إلى القول بأن مسائل الاعتقاد لا تثبت إلا بما تواتر نقله، وأن أحاديث الآحاد لا تفيد اليقين والقطع، والعقائد لا تبنى إلا على اليقين، والله - جل وعلا- قد ذم في كتابه الآخذين بالظن والمتبعين له.\n* نقول:\nولا شك أن هذا القول من محدثات الأمور؛ إذ أن الإجماعات التى\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٢٨)\n (^٢) مختصر الصواعق المرسلة (ص/٥٥٩)\nومن عجيب القول ما ادَّعاه الشيخ محمود شلتوت في \" الفتاوى \" (ص/٥٤) أن العلماء قد أجمعوا على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، وأنه لا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيَّبات\"!!\nوهذا الذي ادعاه إنما هو مذهب جماعة من المتكلمين، وبعض من سار على نهجهم من المتأخرين.\nوالحق أن دعوى الإجماع ليست صحيحة؛ فقد خالفهم كثير من العلماء المحققين والأئمة المرضيين.\nوقد رد عليه جماعة من العلماء منهم الشيخ مصطفى صبري في كتابه القيّم (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين) والشيخ محمد الكوثري في كتابه (نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى - ﵇ - قبل الآخرة)","vol":"2","page":970},{"text":"تتابعت من أهل العلم على حجية خبر الواحد لم تفرق في حجيته بين اعتقاد وعمل.\nوقد جعل ابن القيم هذا القول المحدث أحد طواغيت أهل البدع، فقال:\nالطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين، وانتهكوا بها حرمة القرآن، ومحوا بها رسوم الإيمان: ومنها قولهم:\n\" إن أخبار رسول الله - ﷺ - الصحيحة التي رواها العدول وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد العلم، وغايتها أن تفيد الظن \". (^١)\nقال ابن عبد البر:\nأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة -﵃- إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافًا. (^٢)\n* فرع: اللوازم الباطلة لهذا القول:\n١ - قد انبنى على ذلك القول الفاسد رد الكثير من أصول ومسائل الاعتقاد، وإن شئت فقل إن العكس هو الصواب؛ وذلك لأن أهل البدع لما خالفت مسائل الاعتقاد وأصولها أهواءهم فقدعمدوا إلى ردها بأدنى الحيل الفاسدة المخترعة، والتى منها الزعم بعدم قبول مسائل الاعتقاد إلا إذا كانت متواترة النقل. (^٣)\nوقد أبان الإمام السمعاني أصل تشغيب أهل البدع فى هذه القضية فقال:\nقولهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم هذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار، وهو شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٢/ ٦٣٢)\n (^٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١/ ١١)\n (^٣) ومن أمثلة ذلك ما ادعاه القاضي عبد الجبار في \"شرح الأصول الخمسة\" (ص/٦٩٠) من إنكار الشفاعة لأهل الكبائر، بدعوى أن قوله ﷺ: \" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\"، منقول بنقل الآحاد، فلا يتحج به!!\nونظيره أيضًا:\nقول الشيخ محمود شلتوت فى \"الفتاوى \" (ص/٥٢) بانكار نزول المسيح -﵇- آخر الزمان، بزعم أن الأثار الواردة فى ذلك من أخبار الآحاد التى لا ينبنى عليها مسائل الاعتقاد!!","vol":"2","page":971},{"text":"الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول. (^١)\n٢ - يحدث البلبلة فى الدين، والتفريق بين المتماثلين فى الشرائع:\nومثال ذلك:\nما روى أَبو هُرَيْرَةَ﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدْعُو وَيَقُولُ:\n\" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ \". (^٢)\nفهذا الحديث يشتمل على عقائد وعلى أحكام، وهو حديث آحاد، فهل على قولكم نقبل به فى الأحكام فنتعوذ من الأربع، ولا نقبل به فى العقائد فلا نؤمن بالدجال ولا بعذاب القبر؟!\n٣ - فى التفريق فى قبول خبر الواحد بين الاعتقاد والعمل مخالفة لجمهور الصحابة ﵃:\nوذلك أن القائلين بإفادة خبر الآحاد للعلم، والقائلين بإفادته للظن اتفقوا على نقل إجماع الصحابة -﵃- والتابعين على العمل به، ولم يرد عن أحد منهم أن أحدًا من الصحابة -﵃- منع الاستدلال بخبر الواحد العدل في العقائد لكونه لا يفيد إلا الظن، وأن العقائد لا يحتج فيها إلا بما يفيد القطع.\nبل الوارد عنهم قبول الخبر متى صح مطلقًا، وتخصيص ذلك بالأحكام دون العقائد يحتاج إلى دليل من: كتاب، أو سنة، أو إجماع قطعي. (^٣)\n٤ - يستلزم أن تكون أحاديث الآحاد في الاعتقاد حجة على الصحابة -﵃- فقط دون غيرهم؛ إذ أنهم أخذوا عن النبي -ﷺ - المعصوم الذي لا يجري عليه الخطأ ولا النسيان، وأما من جاء بعده فلن يقبل قوله، ولو كان صحابيًا؛ لكونه منقولًا بنقل الآحاد.\n٤ - إسقاط رؤوس الأبواب العقدية التي هي من أصول الدين بدعوى أنها منقولة بنقل الآحاد،\n_________\n(^١) الانتصار لأصحاب الحديث (ص/٣٥)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) خبر الواحد وحجيته (ص/٢٠٤)","vol":"2","page":972},{"text":"ومن ذلك:\nأحاديث الشفاعة العظمى للرسول -ﷺ-، وشفاعته لأصحاب الكبائر.\nأحاديث أفضلية الرسول -ﷺ- على جميع الأنبياء، ومعجزاته الواردة في السنة.\nأحاديث العشرة المبشرين بالجنة، وأحاديث بدء الخلق والجنة والنار، ووصف الجن والملائكة وأشراط الساعة.\n* ثم نتنزل فنقول:\nإن أحاديث الاعتقاد لو سُلم أنها أخبار آحادٍ؛ لكن لا نسلم أنها ظنيةٌ لا تفيد اليقين ولا\nتثبت بها العقيدة؛ لأنها ليست أخبار آحادٍ مجردةً من قرائن الصحة، بل هي محتفة بالقرائن؛ ومن المقرر عند جماهير أهل العلم أن أخبار الآحاد المحتفة بقرائن الصحة\nمفيدة للعلم اليقيني النظري. (^١)\nوقد صرح بهذا كبار أئمة الأمة، وكثيرٌ من أئمة الماتريدية والأشعرية والمعتزلة.\n*ومثال القرائن التى تحتف بالخبر فتجعله مفيدًا للعلم: أن تتلقاه الأمة بالقبول:\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nجمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن \" خبر الواحد \" إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم. (^٢)\nقال الشيخ محمد بن العثيمين:\nجوابنا على من يرى أن أحاديث الآحاد لا تثبت بها العقيدة لأنها تفيد الظن، والظن لا تبنى عليه العقيدة أن نقول:\nهذا رأي غير صواب لأنه مبني على غير صواب وذلك من عدة وجوه:\n١. القول بأن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ليس على إطلاقه، بل في أخبار الآحاد ما يفيد اليقين إذا دلت القرائن على صدقه، كما إذا تلقته الأمة بالقبول:\nمثل حديث عمر\n_________\n(^١) وانظر جمع الجوامع مع شرح للجلال المحلي (٢/ ١٣٠) والإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ١٠٢)\n* تنبيه مهم:\nلم يقل أحد من العلماء إن حديث الآحاد حجة بنفسه في العقائد والأحكام سوى القلة القليلة، وعلى رأسهم ابن حزم من الأقدمين والألباني من المعاصرين، وهو قول مخالف لما عليه جمهور العلماء.\nوعامة العلماء الذين قالوا بوجوب أخذ حديث الآحاد في الاعتقاد يشترطون أن يحتفي بالقرائن، أي أن تجتمع معه قرينة تنقله إلى درجة اليقين، أي أنه بنفسه يفيد الظن ولا يفيد اليقين.\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥١)","vol":"2","page":973},{"text":"بن الخطاب ﵁ \" إنما الأعمال بالنيات \"، فإنه خبر آحاد ومع ذلك فإننا نعلم أن النبي - ﷺ - قاله، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما.\n٢. أن النبي - ﷺ- يرسل الآحاد بأصول العقيدة شهادة \" أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله \"، وإرساله حجة ملزمة، كما بعث معاذًا إلى اليمن واعتبر بعثه حجة ملزمة لأهل اليمن بقبوله.\n٣. إذا قلنا بأن العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد أمكن أن يقال:\nوالأحكام العملية لا تثبت بأخبار الآحاد؛ لأن الأحكام العملية يصحبها عقيدة أن الله - تعالى- أمر بهذا أو نهى عن هذا، وإذا قبل هذا القول تعطل كثير من أحكام الشريعة، وإذا رد هذا القول فليرد القول بأن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد إذ لا فرق.\n٤. أن الله - تعالى- أمر بالرجوع إلى قول أهل العلم لمن كان جاهلًا فيما هو من أعظم مسائل العقيدة وهي الرسالة فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) (النحل: ٤٣ - ٤٤). وهذا يشمل سؤال الواحد والمتعدد. (^١)\n*ولوسلمنا أيضا أنها لا تفيد اليقين ولا تفيد إلا العمل فقط، لكن لا نسلم أن لفظ \"العمل\" مقصور بعمل الجوارح فقط، بل المراد من \"العمل\" أعم من \"عمل الجوارح\" فيشمل \"عمل القلب\"، فيصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب الاعتقاد؛ لأنه من \"عمل القلب \"، فكيف يصح إبعاد أخبار الآحاد عن حيز الاحتجاج بها في باب العقيدة؟!\n* ومن التناقض البيِّن عند القوم فى هذه القضية أمور:\n١ - الأمر الأول:\nردهم لخبر الآحاد فى أبواب الاعتقاد بزعم أن جميعها يفيد الظن، ثم تراهم يبنون الكثير من عقائدهم على أخبار آحاد:\n- فترى أصحاب القدر يستدلون بقول النبي ﷺ:\n\"مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ \". (^٢)،\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١/ ٣٢)\n (^٢) متفق عليه.","vol":"2","page":974},{"text":"وبقوله ﷺ:\n\" إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِم\" (^١)\n- وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله ﷺ:\nأن جِبْرِيل - ﵇ - قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ؟، وَإِنْ زَنَى؟، قَالَ: نَعَمْ \". (^٢)\n-وترى الرافضة يستدلون بقوله ﷺ:\n\" يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ \". (^٣)\n- وترى الخوارج يستدلون بقوله ﷺ:\n «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٤)، وقوله ﷺ:\n «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، (^٥)، إلى غير هذا من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق.\nقال أبو المظفر السمعاني:\nولو أنصفت الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم؛ فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد. (^٦)\n٢ - الأمر الثاني:\nالزعم أن مسائل الاعتقاد لا تثبت إلا بما كان قطعيًا بالنقل المتواتر، ثم تراهم يردُّون الكثير من الأصول العقدية المتواترة النقل بشبهات واهية.\nومثال ذلك:\nأحاديث الرؤية، فقد رواها ما يزيد عن عشرين صحابيًا، ومع ذلك تراهم لا يقولون بها بزعم أنها مستلزمة لإثبات الحيز والجهة.\nوعندها يتبين أن الأمر ليس المقصود فيه ما كان متواترًا أو آحادًا، إنما هو الهوى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥) وأحمد (١٧٥١٩)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) متفق عليه.\n (^٦) الانتصار لأصحاب الحديث (ص/٣٥)","vol":"2","page":975},{"text":"المحض، فى قبول ما وافق العقل ولو كان بنقل الآحاد، ورد ما خالف العقل -زعموا - ولو كان متواتر النقل.\n٣ - الأمر الثالث:\nأن الأدلة التي يُستدل بها على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام العملية هي أدلة على وجوب الأخذ بها في الأحكام العلمية؛ لعمومها وشمولها لكل ما جاء به رسول الله -ﷺ- عن ربه، سواء كان عقيدة أم حكمة، فتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص، ذلك باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل. (^١)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) تيسير الوصول إلى معاقد الفصول (ص/١٠٦)","vol":"2","page":976},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>الحديث الرابع والثلاثون: درء الخوض في رد أحاديث الحوض</span>","vol":"2","page":977},{"text":"* نص حديث الباب:\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسعودرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَأُنَازِعَنَّ أَقْوَامًا ثُمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ \"\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٦٥٧٦) كتاب الرِّقَاق، \" بابٌ في الحوض \".\nومسلم (٢٢٩٧) كتاب الفضائل، باب \" إثبات حوض نبينا -ﷺ - وصفاته \" * أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\nفيه إثبات حوض النبي - ﷺ - وأنه حوض حقيقي على ظاهره، مخلوق موجود اليوم وهو كذلك عند أهل السنة والجماعة لا يتأولونه، ويجعلون الإيمان به فرضًا، وأحاديثه قد بلغت التواتر *وممن نص على تواتر أحاديث الحوض:\nابن حجر والقرطبي والقاضي عياض والسيوطي وابن كثير وابن أبي عاصم والسفَّاريني والطحاوي والكتاني، وغيرهم كثير. (^١)\n_________\n(^١) وانظر النكت على صحيح البخاري (٢/ ٢١٥) والأزهار المتناثرة (١٠٨) ونظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/٢٣٦) والسنة لابن أبي عاصم (٢/ ٣٦٠) والعقيدة الطحاوية (ص/٣٤٣)\nوممن استقصى طرق أحاديث الحوض:\nابن كثير في البداية (١٩/ ٤٢٣) والبيهقي في \"البعث والنشور\" (ص/١١٠)، وفي بعض ذلك ما يقتضي كونها متواترة لفظًا ومعنى؛ لأنها رويت من طريق أكثر من خمسين صحابيًا.\nبل من العلماء من سرد رواة أحاديث الحوض فأوصلها إلى ثمانين صحابيا. انظر: تهذيب سنن أبي داود (١٣/ ٥٦) وعمدة القاري (٣٣/ ٣٩٦)","vol":"2","page":979},{"text":"وقد تضافرت الأدلة من السنة على إثبات الحوض، فقد بوَّب البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب في الحوض، وكذا مسلم عقد بابًا في كتاب الفضائل في إثبات حوض نبينا محمد ﷺ.\nقال ابن عبد البر:\nالأحاديث في حوضه - ﷺ - متواترة صحيحة ثابتة كثيرة، والإيمان بالحوض عند جماعة علماء المسلمين واجب، والإقرار به عند الجماعة لازم. (^١)\nقال القرطبي:\nالحوض المصرَّح باسمه، وصفته، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة يحصل بمجموعها العلم القطعي، واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي -ﷺ - من الصحابة -﵃نيف على الثلاثين.\nفي الصحيحين منهم نيف على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صح نقله، واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة -﵃- من التابعين أمثالُهم. (^٢)\n* ذكر طرف من أحاديث الحوض:\n١ - حديث الباب:\nوفيه قوله ﷺ: \" أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ... \":\nوالفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستقاء، فمعنى: \" فَرَطُكُمْ علي الحوض \" سابقكم إليه، كالمهييء له. (^٣)\n٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:\n «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلا يَظْمَأُ أَبَدًا». (^٤)\n٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:\n «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ\n_________\n(^١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١/ ٥٨٣)\n (^٢) وانظر المُفْهِم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٩٠) ولوامع الأنوار البهية (٢/ ١٩٥)\n (^٣) وانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٦٨) والنهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٤٣)\n (^٤) متفق عليه.","vol":"2","page":980},{"text":"رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (^١)\n٤ - وعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍرضي الله عنه- أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ النبيُ ﷺ:\n «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» (^٢)\n٥ - عَنْ أَبِي ذَرٍّرضي الله عنه- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟\nقَالَ ﷺ:\n «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ». (^٣)\n٦ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَرضي الله عنه- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ: \"مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ\" قَالَ:\nقُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: \"سَبْعُ مِائَةٍ أَوْ ثَمَانِ مِائَةٍ\". (^٤)\n٧ - وعَنْ أَنَسٍ بنِ مَالكٍ -﵁قَالَ:\n «لَقَدْ تَرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ لَعَجَائِزَ يُكْثِرْنَ أَنْ يَسْأَلْنَ اللَّهَ -تعالى- أَنْ يُورِدَهُنَّ حَوْضَ مُحَمَّدٍ ﷺ». (^٥)\n*الإجماع:\nقال أبو العباس ابن تيمية:\n... وفتنة القبر والحوض وشفاعة النبي - ﷺ - في أهل\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٣٠٠)\n (^٤) أخرجه أبوداود (٤٧٤٦) والحاكم (٢٥٧) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوحسنه ابن حجر في \"هداية الرواة \" (٥/ ١٩٢)، وقال الشيخ مقبل الوادعى فى \" الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين\" (١/ ٢٩٢): \"هذا حديث صحيحٌ\"\n (^٥) أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٦٩٨) والحاكم (٢٦٠) وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه \". وقال الألباني فى الظلال (ص/٢٨٤): إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"2","page":981},{"text":"الكبائر، فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة. (^١)\n* أول من يرد الحوض:\nعن ثَوْبَانَرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:\n «حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ البَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ رُءُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمُ أَبْوَابُ السُّدَدِ». (^٢)\n*صفة حوض النبي ﷺ:\n١ - الحوض مخلوق الآن:\nعن عقبة بن عامر - ﵁- أن النَّبي - ﷺ - خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر فقال:\n\"إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي- وَاللَّهِ - لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ \". (^٣)\nرِوَايَةِ مُسْلِمٍ «وَأَنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إلَى الْجُحْفَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ»، وَفِي رِوَايَةٍ «عَرْضُهُ مِثْلُ طُوُلهُ مَا بَيْنَ عُمَانَ إلَى الْمَدِينَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ مَقَامِي إلَى عُمَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ «قَدْرَ حَوْضِي مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ»،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٨٦)\nوممن نقل هذه الإجماع: ابن بطة في الإبانة الكبرى (ص/٢٠٣) وأبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر (ص ٢٩٨)\n (^٢) رواه الترمذي (٢٤٤٤)، وابن ماجه (٤٣٠٣)، وأحمد (٥/ ٢٧٥) (٢٢٤٢١)، والبزار (١٠/ ١٠٣)، والطبراني (١٤٣٧)، والحاكم (٤/ ٢٠٤). قال البزار: إسناده حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في \" صحيح سنن الترمذي \": صحيح المرفوع منه.\n (^٣) أخرجه البخاري (١٣٤٤) ومسلم (٢٢٩٦)","vol":"2","page":982},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ»\nقال القرطبي:\nوقد اختلفت الألفاظ الدَّالة على مقدار الحوض، وقد ظن بعض القاصرين: أن ذلك اضطراب، وليس كذلك، وإنما تحدَّث النبي -ﷺبحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير، لا تحقيق، وكلها تفيد أنه كبير متسع، متباعد الجوانب والزوايا، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض: أن ذلك إنما كان بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها. (^١)\nفرع: أين يكون الحوض من مواقف يوم القيامة؟\nذهب فريق من العلماء إلى أن الحوض بعد الصراط:\nوذلك لما روى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا \" (^٢)\nفدل ذلك أن الشرب من الحوض يقع بعد الحساب، والنجاة من النار؛ لأن انتفاء الظمأ الدائم صفة من نجا من النار، ومثل هذا لا يكون إلا لمن اجتاز الصراط.\n* يؤيده:\nقول النبي -ﷺ - وقد سُئِلَ عَنْ شَرَابِ الحوض فَقَالَ:\n «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ». (^٣)\nفدل ذلك على أن مادة الحوض من الجنة، فناسب ذلك أن يكون الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها.\nوهذا ما رجحه البخاري\n_________\n(^١) انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٩٢) وفيض القدير (٢/ ٥٧٩)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٣٠١)\nقال الأصبهاني:\nوقوله: يغت فيه ميزابان أي يسيل الماء فيه بكثرة، يقال: غت على وزن غل يغل بالغين المعجمة والتاء المنقوطة بنقطتين، وقيل: الغت الدفق. الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٩٠)","vol":"2","page":983},{"text":"والقاضي عياض وابن حجر والسيوطي. (^١)\n* والراجح -والله أعلم-أن الحوض قبل الصراط:\nوهذا ما رجَّحه الغزالي وابن القيم والطحاوي، وهو قول جمهور أهل العلم. (^٢)\nيدل عليه:\nما رواه أَبوهُرَيْرَةَرضي الله عنه-عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَ:\n\" بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ:\nإِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى. \" (^٣)\nوهذا من أظهر الأدلة على أن الحوض قبل الصراط؛ فإنه من جاز الصراط نجا، وأما الحوض فسوف يُصرف عنه بعض وارديه إلى النار، فدل ذلك على أنهم لن يجاوزوا الصراط قطعًا.\nقال ابن القيم: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط إنما هو جسر ممدود على جهنم، فمن جازه سلم من النار. (^٤)\n* ومما ناسب أن يكون الحوض قبل الصراط ما ذكره القرطبي بقوله:\nوالمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط؛ فإن الناس يخرجون من قبورهم عِطَاشًا فناسب تقديمه لحاجة الناس إليه. (^٥)\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٦٨) وفتح الباري (١١/ ٦٥٠)\n (^٢) وانظر شرح الطحاوية (ص/٣٤٤) وحاشية البيجوري على الجوهرة (ص/٣٠٣) والوعد الأخروي (١/ ١٢٧)\n (^٣) أخرجه البخاري (٦٥٨٧)\n (^٤) وانظر زاد المعاد (٣/ ٥٩٦) والوعد الأخروي (١/ ١٣٠)\n (^٥) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص/٢٦٩)\n* تنبيه:\nمن العلماء رأى الجمع بين القولين بقول ثالث بأن للنبي - ﷺ - حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط، والثاني في الجنة، وكلاهما يسمى كوثرًا، وهذه طريقة القرطبي وابن كثير.\nولكنَّ الجمع إنما يقدَّم على الترجيح إذا كان مستندًا على دليل صحيح، ولم يثبت دليل على وجود حوضين فى العرصات. والله أعلم. وانظر فتح الباري (١١/ ٦٥٠) ولوامع الأنوار (٢/ ١٩٥)","vol":"2","page":984},{"text":"* المخالفون لأهل السنة في هذا الباب:\nأول من نُقل عنه الخوض فى رد أحاديث الحوض هو عبيد الله بن زياد والي العراق ليزيد بن معاوية، قال فعن عَبْدُ اللَّهِ بْن بُرَيْدَةَ:\nشَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فِي الْحَوْضِ، وَكَانَتْ فِيهِ حَرُورِيَّةٌ، فَقَالَ أَرَأَيْتُمُ الْحَوْضَ الَّذِي تَذْكُرُونَ مَا أَرَاهُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَكَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ -﵁- فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ، فَحَدَّثَهُ حَدِيثًا مَوَثَّقًا أَعْجَبَهُ، فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا من رسول الله؟\nقَالَ: لا، وَلَكِنْ حَدَّثَنِيهِ أَخِي، قَالَ: \" لا حَاجَةَ لَنَا فِي حديث أخيك\". (^١)\nقال عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ:\nشَهِدْتُ أَبَا بَرْزَةَ الأسلميرضي الله عنه- دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فقال له عُبَيْدُ اللَّهِ:\nبَعَثْتُ إِلَيْكَ لِأَسْأَلَكَ عَنِ الْحَوْضِ، سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - يَذْكُرُ فِيهِ شَيْئًا؟\nفَقَالَ لَهُ أَبُو بَرْزَةَ ﵁:\n\" نَعَمْ، لَا مَرَّةً، وَلَا ثِنْتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثًا، وَلَا أَرْبَعًا، وَلَا خَمْسًا، فَمَنْ كَذَّبَ بِهِ فَلَا سَقَاهُ اللَّهُ -تعالى- مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ مُغْضَبًا \". (^٢)\n* وكذلك فقد أنكر الحوض الخوارج وبعض المعتزلة، فقد ردوها بالعقل فقالوا:\nأن وجود الحوض لا يُعقل، فكيف يكون الحوض قبل الصراط، وهو يُغذَّى من الجنة، ومن المعلوم أن أن الصراط قد ضُرب على جهنم، يمر عليه الناس قبل دخولهم الجنة؟!\nفقال المنكرون للحوض: \" إنما المراد بالحوض الوارد في الأحاديث إنما هو الكوثر، وأن الكوثر هو الخير الكثير\"\nلذا فقد ردوا أحاديث هذا الباب؛ لأنها لا تتناسب مع الوصف الذي تخيَّلوه.\nوالمعتزلة كما هو معلوم في قاعدتهم يؤولون الغيبيات:\nفأنكروا الصراط وأولوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم (٧٠٠) وصححه الألباني.\n (^٢) أخرجه أحمد (١٩٧٦٣) وأبوداود (٤٧٤٩) والبيهقي في البعث والنشور (١٥٤) وصححه الأرنؤوط.","vol":"2","page":985},{"text":"الميزان وأولوا الصحف وأولوا الحوض إلى غير ذلك، على أساس قاعدتهم من تسليط العقل على النقل. (^١)\nوممن نقل إنكار الجهمية والمعتزلة للحوض: ابن بطة العكبري وابن حجر والجيلاني. (^٢)\nقال السفَّاريني:\nخالفت المعتزلة فلم تقل بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة، فكل من خالف في إثباته فهو مبتدع، فمنكره زائغ عن الثواب مستحق للطرد والعذاب، ويكفيه من الخزي والنكال أنه يذاد عنه ويطرد، ويمنع من الشرب منه ويرد. (^٣)\nقال ابن أبي عاصم:\nوالأخبار التي ذكرناها في حوض النبي -ﷺتوجب العلم، أن يَعلم كنه حقيقته، أنها كذلك وعلى ما وصف به نبينا ﵇ حوضه، فنحن به مصدِّقون غير مرتابين ولا جاحدين، ونرغب إلى الذي وفقنا للتصديق به - وخذل المنكرين له والمكذبين به عن الإقرار به والتصديق به ليحرمهم لذة شربه- أن يوردنا فيسقينا منه شربة نعدم لها ظمأ الأبد بطوله، ونسأله ذلك بتفضله. (^٤) *وهنا نقول:\nلا شك أن رد أحاديث الحوض هو ضلال بيِّن، ومثال واضح لمدى تسلُّط هوى العقول على المنقول، فمثل هذه الأحاديث التي أثبتت وجود\n_________\n(^١) إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٣٥٥)\nقال الشيخ حسن أبو الأشبال:\nوللأسف الشديد قبل عدة أسابيع سمعت أن أحد الفضلاء في الأزهر ينكر الحوض والميزان، وكان يلقي محاضرة في المقطم، فلما أتى عند الحوض قال كلامًا هو إلى الكفر أقرب، بل إنه زاد على الإنكار استهزاء وتهكمًا، فقال:\nكيف يُعد الله تعالى في الآخرة حوضًا لعباده؟ أهم بهائم؟ وهل الصفات الواردة في صفة الحوض هي نفس الصفات الواردة في الحياض التي تردها أنت مع البهائم وتشرب منها؟\n (دروس للشيخ حسن أبي الأشبال مفرغة على الشاملة (١٦/ ١٢»\n (^٢) وانظر الإبانة الكبرى (٦/ ١٩٣) وفتح الباري (١١/ ٦٥٠) والغنية (١/ ٨٥)\n (^٣) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٠٢)\n (^٤) كتاب السنة (٢/ ٣٦٠)","vol":"2","page":986},{"text":"الحوض هي فى الحقيقة أحاديث متواترة قد أفادت العلم اليقيني القطعي بوجود حوض النبي ﷺ، فماذا بعد النقل إلا الضلال؟!\n*وممَّن خاض في حديث الحوض بالتحريف الباطل:\nالخوارج والرافضة الذين تذرَّعوا بحديث الباب للقول بالحكم بالردة على الصحابة ﵃.\nفأما الخوارج فقد ذهبوا إلى تكفيرعلى بن أبي طالب وعثمان وعمرو بن العاص ومعاوية وأبا موسى ﵃، وجميع أصحاب قضية التحكيم وأهل الجمل وصفين.\nوأما الروافض فقد كفَّروا جمهور الصحابة ﵃، ولم يستثنوا من ذلك الحكم إلا القليل، ذكروا منهم:\n\"علي بن أبي طالب، المقداد بن الأسود، أبا ذر الغفاري، عمَّار بن ياسر، حذيفة بن اليمان\"، مستدلين على ذلك بحديث الباب.\nقال عبد القاهر البغدادي:\nوأما الإمامية من الروافض فقد زعم أكثرهم أن الصحابة ارتدت بعد وفاة النبي - ﷺ - سوى علي وابنيه، ومقدار ثلاثة عشر منهم. (^١)\n*ومن الروايات الواردة في حديث الباب، والتى عضَّدوا بها مذهبهم:\nقوله ﷺ:\n\" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّي أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ\"\nوفي رواية أبي بكرة -﵁- يرفعه:\n\" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي، حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ وَرَأَيْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ \". (^٢)\n* والجواب على ذلك من وجوه:\n١ - الوجه الأول:\nقد مدح الله -عزوجل - الصحابة -﵃- فى مواضع عدة من كتابه الكريم،\n_________\n(^١) الفرق بين الفرق (ص/٢٧٧)\nومن افتراءتهم في هذا ما يرونه عن جعفر الصادق أنه قال:\n\" كان الناس بعد موت النبي -صلى الله عليه - أهل ردة إلا ثلاثة: \"المقداد وأبو ذر وسلمان\"\nوانظر لذلك: الكافي للكلينى (٨/ ٢٠٠) ودراسات فى الكافي للكلينى، هاشم الحسينى (١٢/ ١)\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٠٤٩٤) وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٧٦٥)، وحسنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٣٧)","vol":"2","page":987},{"text":"وأثنى على جهادهم وبذلهم في سبيل الله تعالى، فكيف يكون هذا من الله -تعالى- لقوم ارتدوا جميعًا إلا ستة فقط؟!\nوتأمل في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾\n (الفتح: ١٨)\nقال ابن حجر الهيتمي:\nفصرح تعالى برضاه عن أولئك وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن ﵁ تعالى لا يمكن موته على الكفر؛ لأن العبرة بالوفاة على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله - تعالى - بأنه رضي عنه. (^١)\nوفيهم قد قال النَّبِيّ ﷺ:\n «لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا». (^٢) فكيف يرضى الله -﷿- عن أصحاب البيعة، وقد قيل أنهم كانوا خمس عشرة مائة، ويحمدهم ويضرب لهم مثلًا في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله ﷺ؟!\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nكتاب الله نوعان: خبر وأمر:\nأما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر ويبيِّن معناه.\nوأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله-تعالى- إلا بما أنزل الله تعالى، فمن أراد أن ينسخ شرع الله - تعالى - الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدًا، وكذلك من دفع خبر الله -تعالى- برأيه ونظره كان ملحدًا. (^٣)\nوالأبين من ذلك ما ورد في قوله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...) (الفتح: ٢٩)\nفقوله عزوجل (وَالَّذِينَ مَعَهُ..) هذه من صيغ الجمع، فكيف يقال بردة جمهور الصحابة -﵃- إلا خمسة منهم؟!\n_________\n(^١) الصواعق المحرقة (ص/٥٧٠)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٤٩٦)\n (^٣) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٠٣)","vol":"2","page":988},{"text":"قال ابن حزم:\nفمن أخبرنا الله -﷿- أنه علم ما في قلوبهم ﵃، وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة، ثم نقطع على أن كل من صحب رسول الله - ﷺ - بنية صادقة - ولو ساعة - فإنه من أهل الجنة؛ وَذَلِكَ لقَوْل الله ﷿ (وكلًا وَعدَ اللهُ الْحسنى). (^١)\n*فإذا حَرُمَ التوقف في أمرهم والشك فيهم البته، فكيف بمن يقع في أعراضهم، بل ويجزم لهم بالردة عن دين الإسلام؟!\n٢ - الوجه الثاني:\nقال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠» (الحشر: ١٠)\nفإن الله -عزوجل- قد أمرالتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أن يستغفروا للصحابة ﵃، وهذا ما فهمه الصحابة - ﵃- من هذه الأية:\nقَالَ ابنُ عباس -﵄-:\nلَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَإِنَّ اللَّهَ - تعالى- قَدْ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيَقْتَتِلُون. (^٢)\nوقالت عائشةُ ﵂:\n «أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَبُّوهُمْ» (^٣)،\nفالأمر بالاستغفار الذي أشاروا إليه هو ما ورد في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾\nوهنا وجه الدلالة:\nفقد أمر الله -تعالى- كل من جاء بعد الصحابة -﵃- أن يستغفروا لهم، فكيف يكون ذلك مع قوم يزعم الرافضة أنهم قد ارتدوا إلا قليلًا منهم؟!!\nولا يتردد من له أدنى علم في أن الشيعة الرافضة لم يترحموا على الصحابة -﵃- ولم\n_________\n(^١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٧٢)\n (^٢) رواه الآجري في \"الشريعة\" (١٩٧٩)، واللالكائي في \"أصول الاعتقاد\" (٢٣٣٩). وصححه شيخ الإسلام فى \"منهاج السنة النبوية\" (٢/ ١١)\n (^٣) أخرجه مسلم (٣٠٢٢)\nقال القاضي عياض:\nوالظاهرأن عائشة -﵂- قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في علي بن أبي طالب ما قالوا، والحرورية في جميع الصحابة ما قالوا. وانظر إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٥٧٨)","vol":"2","page":989},{"text":"يستغفروا لهم، بل سبُّوهم وحملوا لهم الغل في قلوبهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر آيات الحشر الثلاث من قوله تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ [الحشر: ٨] إلى قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠].\nقال ﵀:\nوهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين، وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة ﵃، وعلى أهل السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا نقيض مذهب الرافضة. (^١)\n٣ - الوجه الثالث:\nأن الصحابة -﵃- هم سدنة هذا الدين وأمناءه، فهم الذين قاموا على حفظ حياضه من ولوغ أهل البغى الافتراء والنفاق؛ لذا فإن الطعن فيهم هو طعن في كل ما تناقلوه من ميراث النبوة ومشاكي الوحى المنزَّل.\nقال عمر بن حبيب:\nحضرت مجلس الرشيد، فاحتج البعض بحديث يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ، فدفع بعضهم الحديث بأن أبا هريرة -﵁ - متهم فيما يرويه، وصرَّحوا بتكذيبه.\nورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، فقلت يا أمير المؤمنين:\nإن الَّذِي قلته وجادلت عَلَيْهِ فِيهِ إزراء عَلَى رسول اللَّهِ ﷺ، وعلى ما جاء بِهِ، إِذَا كَانَ أصحابه -﵃- كذَّابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام فِي الصلاة والصيام والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول. فرجع إِلَى نفسه، ثُمَّ قال لي:\nأحياك اللَّه كما أحييتني، ثُمَّ أمر لي بعشرة آلاف درهم. (^٢)\n* ومما تناقض فيه الروافض في هذه المسألة:\nأن الذين نقلوا أحاديث الحوض عن\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٢/ ١٠)\n (^٢) وانظر تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٢١/ ٢٩٥) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص/٤٢٨)","vol":"2","page":990},{"text":"النبي - ﷺ - هم الذين زعمت الرافضة أنهم كفروا، وهم جمع كبير أكثر من خمسين صحابيًا.\nفإن كنتم صدَّقتم بما نقله هؤلاء من صفة الحوض وأحاديثه وأنها صحيحة، فكيف تقبلون أحاديث من كفر عندكم؟!\nوإن كان النقل عندكم إنما هو للتكاثر، فكيف ينقل هؤلاء الجلة من الصحابة -﵃والعدد الغفير أحاديث فيها تكفيرهم؟\nلا شك أن فهم عامة الصحابة -﵃ - لأحاديث الحوض، وكونهم رووها وتناقلوها جميعًا، مع ترضيهم عن الخلفاء الأربعة وعن العشرة المبشَّرين بالجنة ما يدل دلالة قاطعة على أن هذا الفهم لتلك الأحاديث -القائم على القول بردة الصحابة -لم يكن معروفًا عند الصحابة ﵃.\nوكون فهم في الأحاديث يكون غائبًا عن الصحابة جميعا ﵃، وعن التابعين وعن تبع التابعين، ولا يظهر هذا الفهم إلا بعد مائتي سنة يدل على أن هذا الفهم مردود؛ لأنه لم يفهمه أجيال من المسلمين. (^١)\nقال ابن القيم:\nثم قام بالفتوى بعده بَرْك الإسلام وعصابة الإيمان وعسكر القرآن وجند الرحمن، أولئك أصحابه - ﷺ - ألين الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا وأقلها تكلَّفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا وأعمها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة. (^٢)\n٤ - الوجه الرابع:\nلو تدبروا حديث الباب وغيره من الأحاديث الواردة في هذا المعنى وفهموا ألفاظه، كما في قوله ﷺ:\n\" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ \"، وقوله ﷺ: \"يا رب، أصيحابي\" بالتصغيرالذي يراد به تقليل العدد، لاستدلوا على أنه لم يُرد بذلك إلا القليل\nممن ثبت على الردة بعد وفاة الرسول ﷺ.\n_________\n(^١) إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٣٥٦)\n (^٢) إعلام الموقعين (١/ ٩)","vol":"2","page":991},{"text":"وفيهم قال الله ﵎:\n ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه.\nفلم يرتد من الصحابة -﵃- أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين.\nوأما جميع أصحابه، إلا الستة الذين ذكروا فكيف يختلجون، وقد تقدَّم قول الله-تعالى- فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؟!\nكما أنه لو كان أراد جميع أصحابه -إلا من ذكروا- لقال:\n\" لَتَرِدُنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ، ثُمَّ لَتَخْتَلِجُنَّ دُونِي \". (^١)\nقال الخطابي:\nلم يرتد من الصحابة -﵃- أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة -﵃- المشهورين، ويدل قوله \" أصيحابي \" بالتصغير. (^٢)\n٥ - الوجه الخامس:\nأما استدلالهم بما ورد من ألفاظ في الحديث مثل: \"أصحابي \":\nفنقول:\nكلمة \"أصحابي\" قد تُحمل على المعنى الشرعي:\n\" وهو كل من لقي النبي مؤمنًا به، ومات على الإيمان \"\nوقد تُحمل على المعنى اللغوي: فأصحاب الرجل هم أتباعه، وكل من تبع الرجل أو لازمه في أمر فهو صاحب له، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وهو اسم لكل من عبد شجرة الأيكة منهم ولازمها، ومنه قوله: \" اللهم أنت الصاحب في السفر\" أي ملازم لنا في سفرنا لا يغيب عنا، وقوله ﷺ لعائشة ورضى الله عنها:\n\" فإنكنَّ صواحبُ يوسفَ \"، وقوله لعمر بن الخطاب عندما أراد أن يقطع عنق عبد الله بن أبيّ بن سلول: \" دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه \"\nفسمَّاه صحابيًا، ومعلوم أن عبد الله بن سلول كان من المنافقين.\nفحمل معنى \"أصحابي\" في حديث الباب على المعنى اللغوي هو الأقرب؛ لقول النبي -ﷺ - عن عبد الله\n_________\n(^١) وانظر تأويل مختلف الحديث (ص/٣٤٢) والوعد الأخروي (١/ ١٢٠)\n (^٢) فتح الباري (١١/ ٥٣٧)","vol":"2","page":992},{"text":"بن سلول: \" دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابة \" فسمَّاه صحابيًا. (^١)\n* وعليه فالصحيح الراجح، والله أعلم:\nأن المراد بالأصحاب أو الأصيحاب في هذا الحديث وأمثاله:\nأنهم بعضُ من كان أسلم على عهد النبي - ﷺ - من جفاة الأعراب كبني أسد وبنى حنيفة وبني تميم وغيرهم، ورأوا رسول الله -ﷺ- المرةَ والمرتين، ولم تكن بشاشة الإيمان قد خالطت قلوبهم، فارتدوا بعد وفاته ﷺ على أعقابهم، وقد قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁. *وكذلك يندرج فيهم:\nمن كان يظهرالإيمان ويُبطن النفاق على عهد النبي ﷺ. قال عبد القاهر البغدادي:\nأجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبى -ﷺ - من كندة وحنيفة وفزارة وبنى أسد وبنى قشير وبنى بكر ابن وائل، لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين. (^٢)\nفإن قيل:\nإن النبي - ﷺ- كان يعرف المنافقين، فكيف يناديهم على الحوض بلفظ الصحبة؟\nفالرد على ذلك:\nأنه ﷺ كان يعرف بعضهم، ولم يكن يعرفهم كلهم؛ ولذلك قال الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (التوبة: ١٠١)\nفبيَّن أن النبي - ﷺ - لم يكن يعلم جميع المنافقين، وكان يظن أن أولئك من أصحابه وليسوا كذلك بل هم من المنافقين.\n* ثم يقال:\nإن زعمتم أيها الروافض أن في حديث الحوض دلالة على ردة أصحاب النبي -ﷺ- الذين ارتدوا من بعده، إلا ما استثنيتم، كعلي بن أبي طالب والسبطين وأبي ذر وسلمان والمقداد، لماذا لم يشملهم تعميم هذا الحديث؟\nفإن قلتم:\nقد ثبتت الأحاديث في كتب السنة بفضل هؤلاء الخمسة وصدقهم،\n_________\n(^١) نقض استدلال الرافضة بحديث الحوض (ص/٣٩)\n (^٢) الفرق بين الفرق (ص/٣١٠)","vol":"2","page":993},{"text":"فنقول:\nوكذلك ثبتت الأحاديث بفضل أبي بكر وعمر وعثمان، وسائر الصحابة ﵃﴾ أفتؤمنون ببعض السنن وتكفرون ببعض.. ﴿؟!!\n* وإن تعجب فعجب فعلهم:\n١ - أن الروافض نسوا أوتناسوا كل المرتدين عن الإسلام من العرب من الذين حاربهم الصديق ﵁، ولم يصرِّحوا إلا بردة الصحابة ﵃، رغم أن الصحابة -﵃- هم الذين بقوا على الإسلام وحملوا رايته.\n٢ - أن الروافض قد حملوا حديث الحوض على صحابة النبي ﷺ، مع أنهم ومن على شاكلتهم هم المعنيون بهذا الحديث؛ لأن الصحابة -﵃- ما بدَّلوا ولا غيِّروا ولا أحدثوا، بل كما قال تعالى:\n ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: ٢٣).\nوأما الذين بدَّلوا وحرَّفوا فهم الروافض، فهم الذين ما أبقوا من الإسلام إلا اسمه، وعليه فهم قد رموا الصحابة -﵃- بما هم أهله. (^١).\n* وهنا وقفة مهمة:\nفليعلم أن المنقول من المطاعن في صحابة النبي ﷺ، في سيرتهم، وفيما شجر بينهم بعد عصر النبوة إنما يرويها الكذّابون المعروفون بالافتراء والوضع، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى الشيعي (^٢)، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي (^٣)، وأمثالهم وعلى شاكلتهم كثير.\nفمثل هذه\n_________\n(^١) التحفة السنية شرح المنظومة الحائية (ص/٨٢)\n (^٢) قال عنه ابن حبان: «رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات». لسان الميزان (٤/ ٣٦٦).\nقال عنه الذهبي (٣/ ٤١٩): «إخباري تالف لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره». ومثله قال بن حجر في لسان الميزان (٤/ ٤٩٢).\n (^٣) قال عنه ابن عساكر: «رافضي ليس بثقة». ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠٤). وقال عنه بن حبان في كتاب \"المجروحين من المحدثين والمتروكين\" (٣/ ٩١): «يروي العجائب والأخبار التي لا أصول لها. وكان غاليًا في التشيع. =\n=وأخباره في الأُغلوطات، أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها». قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية \"منهاج السنة\" (٥/ ٣٩): \"شيعي، من أكذب الناس\"","vol":"2","page":994},{"text":"الأثار المنكرة والموضوعة لا يُدفع بها ما ثبت نقله من فضائل الصحابة ﵃.\nقال ابن حجر الهيتمي:\nومما يوجب أيضا الإمساك عمَّا شجر - أي وقع بينهم من الاختلاف - الإضراب صفحًا عن أخبار المؤرخين، سيَّما جهلة الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر، من محاسن الصحابة -﵃- وفضائلهم، لا يجوز أن يُدْفَعَ بنُقولٍ بعضها منقطعٌ وبعضها محرَّف وبعضها يقدح فيما عُلِم.\nفإنّ اليقين لا يزول بالشك، ونحن تيقنّا ما ثبت في فضائلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا عُلِمَ بطلانها؟! (^٢)\n* فكيف لهذه الأباطيل المكذوبة أن تشوِّش على الصحابة ﵃؛ وهم قوم ثبت عدالتهم ورفعتهم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:\n* أما أدلة القرآن:\nقال تعالى) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩» (الفتح: ٢٩)\nوقال تعالى (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ\nلَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩» (التوبة: ٨٨ - ٩٨)\nقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠» (التوبة: ١٠٠)\n_________\n(^١) الصواعق المحرقة (ص/٥٨٤)\n (^٢) منهاج السنة النبوية (٦/ ١٦٥)","vol":"2","page":995},{"text":"* وأما أدلة السنة:\nعَنْ أَبِي بُرْدَة -﵁- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (^١)\nوعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵄- أن رَسُول- اللَّهِ ﷺ - قال:\n\" خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ \". (^٢)\n- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ،\nوَلَا نَصِيفَهُ». (^٣)\n* عقيدتنا في آل البيت والصحب الكرام:\n١ - أهل السنَّة يوالون أهل بيت النبي - ﷺ - ويحبُّونهم، ويحفظون وصية النبي - ﷺ - بهم.\nكما يوالون أصحاب النبي - ﷺ - ويحبُّونهم ويترضون عنهم.\nفطريقة أهل السنة هي لا إلى هؤلاء النواصب الذين نصبوا العداء لأهل البيت، ولا إلى هؤلاء الروافض الذين نصبوا العداء لأصحاب النبي ﷺ.\n٢ - أهل السنة يؤمنون بأن خيرَ هذه الأمة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر الصِّدِّيق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ جميعًا. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٣١)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) وقد شذ ابن حزم في هذا الباب وخرق إجماع الأمة فقدَّم عائشة -﵂- في الفضل على أبيها أبي بكر﵁ - وعلى جمهور الصحابة، بدعوى أنها ستكون في مرتبة النبي -ﷺ- في الجنة. قال الذهبي:\nومن عجيب ما ورد أن أبا محمد بن حزم، مع كونه أعلم أهل زمانه، ذهب إلى أن عائشة أفضل من أبيها، وهذا ما خرق به الإجماع. (تاريخ الإسلام (٤/ ٢٤٦»\nولشيخ الإسلام ابن تيمية ردود على هذه المسألة وإلزمات قوية لابن حزم. فليرجع إليه من شاء في مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩٥)","vol":"2","page":996},{"text":"كما يقدِّمون مَن أنفق من قبل الفتح، وهو صُلح الحديبية، وقاتل في سبيل الله، على مَن أنفق من بعد وقاتل، وكلًّا وعَد الله الحسن، ويقدِّمون المهاجرين على الأنصار. كما يشهَدون بالجنة لمَن شهد لهم رسولُ الله ﷺ؛ كالعشَرة المبشَّرين بالجنة وغيرهم ممن عيَّنهم رسول الله ﷺ.\n٣ - أهل السنَّة والجماعة لا يعتقدون أن كل واحدٍ من الصحابة -﵃- معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجُوز عليهم الذنوبُ في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم، إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم مِن الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. (^١)\n٤ - اتفق أهل السنة على أن جميع صحابة النبي - ﷺ - وآل بيته عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، فقد ثبتت عدالتهم بإجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة. (^٢)\n٥ - من منهج أهل السنة والجماعة الإمساك عن ذكر هفوات الصحابة ﵃، وعدم الخوض فيما شجر بينهم ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة، وقد نقل الإجماع على ذلك أبو العباس ابن تيمية وغيره. (^٣)\nقال ابن أبي زيد:\nالإمساك عمَّا شجر بينهم، وأنهم أحقّ الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج،\nويظنّ بهم أحسن المذاهب. (^٤)\nوقال ابن دقيق العيد:\nوما نُقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفو فيه، فمنه ما هو باطلٌ وكذب، فلا يُلتفت إليه، وما كان صحيحًا أوَّلناه تأويلًا حسنًا، لأنّ الثناء عليهم\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٥)\n (^٢) وممن نقل هذا الإجماع: النووي وابن الصلاح والجوينى وغيرهم. وانظرالإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٢٢) والاستيعاب (١/ ٨) والحديث والمحدثون (ص/١٢٩)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٦)\n (^٤) مقدمة أبي زيد القيرواني (ص/٦١)","vol":"2","page":997},{"text":"من الله - تعالى- سابق،\nوما ذكِرَ من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك والموهوم لا يبطل الملحق المعلوم. (^١)\n* وأما إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم، فلابد من التحقيق والتثبت في الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة، قال ﷿:\n ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ (الحجرات: ٦).\nوهذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفسَّاق؛ لكيلا يحكموا بموجبها على الناس فيندموا.\nفوجوب التثبت والتحقيق فيما نقل عن الصحابة ﵃، وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى، خصوصًا ونحن نعلم أن هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف، أما من جهة اصل الرواية أو تحريف بالزيادة والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن.\nوأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذَّابون والوضاعون.\nقال الذهبي:\nويُكف عن كثير مما شجر بين الصحابة، وقتالهم - ﵃ أجمعين -\nوما زال يمر بنا ذلك في الدواوين، والكتب، والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع، وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه، لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم، وكتمان ذلك مُتَعَيِّنٌ عن العامة، وآحاد العلماء، وقد يُرَخَّصُ في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف، العري من الهوى. (^٢)\n\n* فرع:<span data-type=\"title\" id=toc-229> حكم سب الصحابة ﵃:</span>\nاتفق جماهير أهل العلم بلا خلاف بينهم على حرمة سب الصحابة ﵃،، وأن ذلك من كبائر الأمور.\n_________\n(^١) بديع المعاني على عقيدة الشيباني (ص/١٤٥)\n (^٢) وانظر سير أعلام النبلاء (١٠/ ٩٢) والإبانة الكبرى (١٢٨٢)","vol":"2","page":998},{"text":"قال أبو زرعة:\nإذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ - فاعلم أنه زنديق؛ وإنما أدى إلينا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح أولى بهم، وهم زنادقة. (^١)\nوقد اختلفوا في حكم فاعل ذلك:\n١ - القول الأول:\nأن من سبَّ الصحابة -﵃- يُقتل، وهو رواية عن مالك.\n٢ - القول الثاني:\nوقال به جمهورأهل العلم أن فاعل ذلك يُحبس ويعزر، ولا يكفر.\nقال النووي:\nواعلم أن سب الصحابة - ﵃ - حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون، ..\nقال القاضي: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر، ولا يقتل. (^٢)\n* ومن أدلة الجمهور على ذلك:\n١ - عَنْ أَبِي بَرْزَةَ -﵁- قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ﵁،\nفَتَغَيَّظَ عَلَى رَجُلٍ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ:\nتَأْذَنُ لِي يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟\n، قَالَ: «لَا وَاللَّهِ، مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ» (^٣)\nوقد روى ابن حزم بسنده عن أبي برزة -﵁- قال:\nأغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁، قلت: ألا أقتله؟ فقال أبو بكررضى الله عنه: ليس هذا إلا لمن شتم النبي ﷺ.\nثم قال ابن حزم:\nفبيِّن أبو بكر الصديق - ﵁ - أنه لا يقتل من شتمه، لكن يقتل من\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٩/ ٩٦)\n (^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٣٣٤)\n (^٣) أخرجه أبو داود (٤٣٦٣) وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٣٥٢٦) وقال النسائي: \" هذا أحسن هذه الأحاديث وأجودها\"، وأخرجه الحاكم (٨٠٤٥) وقال: \" صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي.\nوقد أخرجه أحمد (٥٤) والنسائي (٣٥٢٠) من طريق آخرعن أبي برزة الأسلمي قال:\nأغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁، فقلت: أقتُله؟ فانتهرني، وقال:\nليس هذا لأحد بعد رسول الله - ﷺ. صححه الشيخ أحمد شاكر.","vol":"2","page":999},{"text":"شتم النبي ﷺ. (^١)\n٢ - أن الله - تعالى- قد فرَّق بين الذين يؤذون الله ورسوله، فأخبر تعالى أن الله -عزوجل- قد لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا، وبين والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات فهؤلاء قد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا.\nووجه الدلالة:\nأن مطلق البهتان والإثم يوجب العقوبة في الجملة، ولا يوجب القتل. (^٢)\n٣ - وعَنْ ابن عمر -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ \". (^٣)\nووجه الدلالة:\nأن الأصل هو عصمة الدم إلا ما خصه دليل الحل، فلا نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل ينقض هذه العصمة، ولا دليل على قتل من سبَّ واحدًا من الصحابة ﵃.\n* والراجح -والله أعلم- في ذلك التفصيل الذى ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية:\n١ - من اقترن بسبه دعوى أنَّ عليًا -﵁- إله، أو أنه كان هو النبي -ﷺوإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لاشك في كفره، بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره.\n٢ - من سبَّهم سبًا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.\n٣ - من لعن وقبَّح مطلقًا فهذا محل الخلاف فيهم؛ لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.\n_________\n(^١) المحلى بالآثار (١١/ ٥٢٤)\n (^٢) انظر \" نقض استدلال الرافضة بحديث الحوض \" (ص/٢٠)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":1000},{"text":"٤ - من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله -ﷺ - إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ فإنه مكذِّب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم.\nبل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فسَّاق، وأن هذه الأمة التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفارًا أو فسَّاقًا. ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام. (^١)\n* وعليه يقال:\nأن من سبّهم سبًا يقدح في عدالتهم ودينهم، فهذا كفر مخرج من الملة؛ لأنه تكذيب للأحاديث الشريفة الدالة على فضلهم ومكانتهم وتزكيتهم، ومن ظن أن هذا السب لا يعد كفرًا فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع.\nقال القرطبي:\nلا خلاف في وجوب احترامهم، وتحريم سبِّهم، ولا يختلف في أن من قال: إنَّهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل، لأنَّه أنكر معلومًا ضروريًا من الشرع، فقد كذَّب الله -تعالى- ورسوله -ﷺ- فيما أخبرا به عنهم. . (^٢)\nتنبيه:\nمن سبّ أم المؤمنين عائشة - ﵂ - خاصة، وقذفها بما برأها الله -تعالى- منه، على ما جرت أحداث قصتها في غزوة المريسيع فإنه يكفر بالاتفاق. وأما إن سبَّها بغير ما برأها الله -تعالى- منه، مما لا يقدح في عدالتها ولا دينها فقد جنى جناية عظيمة، واستحق التأديب والتعزير، ولكنه لا يكفر.\nقال ابن العربي:\nإن أهل الإفك رموا عائشة -﵂- المطهَّرة بالفاحشة فبرَّأها الله تعالى، فكل من سبَّها بما برأها الله - تعالى - منه فهو مكذِّب لله عزوجل، ومن كذَّب الله فهو كافر. (^٣)\nوقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، نذكر منهم:\nشيخ الإسلام\n_________\n(^١) الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص/٤٣٧)\n (^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٤٩٣)\n (^٣) وانظرأحكام القرآن (٣/ ١٣٥٦) والإصابة في الذب عن الصحابة (ص/١٣٧)","vol":"2","page":1001},{"text":"ابن تيمية وابن القيم والنووي وابن كثير، وغيرهم كثير. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nقال القاضي أبو يعلى \"من قذف عائشة -﵂- بما برأها الله -تعالى- منه كفر بلا خلاف\"، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم. (^٢)\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nوممن يُرد عن الحوض:\nما ورد فى حديث ابْنِ عُمَرَرضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ \" (^٣)\nقال ابن عبد البر:\nوكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله -تعالى- ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض والمبعدين والله أعلم.\nوأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها وجميع أهل الزيغ والبدع فهؤلاء كلهم مبدِّلون.\nوكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم، كلهم مبدل، يظهر على يديه من تغيير سنن الإسلام أمر عظيم فالناس على دين الملوك.\nورحم الله ابن المبارك فإنه القائل:\nوَهَلْ بَدَّلَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ... وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا. (^٤)\n* فبقدر ما تنهل من سنة النبي - ﷺ- وهديه في الحياة الدنيا بقدر ما ترد وتشرب من حوضه يوم القيامة، لذا فإن الفرق الضالة الشاردة عن الهدي النبوي ممن سيسير في\n_________\n(^١) وانظر زاد المعاد (١/ ١٠٣) والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٩/ ١١٥) وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٢)\n (^٢) الصارم المسلول (ص/٤٢٢)\n (^٣) أخرجه أحمد (٥٧٠٢) والترمذي (٢٢٥٩) وقال: صحيح غريب. انظر صحيح الترغيب والترهيب (٢٢٤٢)\n (^٤) وانظر الاستذكار (١/ ١٩٤) والتذكرة (ص/٢٧٣)","vol":"2","page":1002},{"text":"ركاب المطرودين عن الحوض الشريف.\nيقول ابن القيم في النونية:\nوَرَأَيْت أكوازًا هُنَاكَ كَثِيرَة\nمثل النُّجُوم لوارد ظمآن\nوَرَأَيْت حَوْض الْكَوْثَر الصافي\nالَّذِي لَا زَالَ يشخب فِيهِ مِيزَابَانِ\nميزاب سنته وَقَول إلهِهِ\nوهما مدى الايام لَا ينِيان\nوَالنَّاس لَا يردونه إِلَّا من الا\nلآف أفرادًا ذَوُي إِيمَان\nوردوا عَذَاب مناهل أكْرم بهَا\nووردتم أَنْتُم عَذَاب هوانِ.\nفيصف ابن القيم وروده للمدينة، مدينة العلم فيحكي كيف وجد\nهناك نبع الشريعة صافيًا، لم يختلط بما يكدره من الكيزان ما قد يعد بنجوم السماء، وقد أُعِدتْ لمن يرده ويطلب ريَّه من الظماء، ورأى هنالك حوض الكوثر الصافي، وهو علمه -ﷺ- الذي تركه في أمته لا زال يصب فيه ميزابان:\nميزاب الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، كما أن حوضه في الموقف يوم فيه ميزابان من نهر الكوثر الذي في الجنة، فمن شرب من حوض علمه الصافي في الدنيا؛ فهو الجدير أن يرد حوضه في الآخرة، ومن صد عنه، وآثر عليه هذه الموارد الآسنة؛ فسيذاد عن حوضه ويبعد جزاءً وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد. ومن المؤسف أن الناس لا يردون حوض علمه في الدنيا من الآلاف المؤلفة إلا الفرد بعد الفرد من هداهم الله - تعالى- ووفقهم، وهم الذين وردوا أكرم المناهل وأعذبها، وأما أنتم أيها المعرضون المخذولون فقد وردتم موارد العذاب المهين تبقون فيها خزايا نادمين. (^١)\n* فرع: هل الحوض هو الكوثر؟\nقيل في ذلك أن المراد بالكوثر هو الحوض، وقيل المراد بالكوثر هو الخير\n_________\n(^١) الكافية الشافية لابن القيم بشرح خليل هراس (١/ ٣٣٢)","vol":"2","page":1003},{"text":"الكثير، ... والراجح -والله أعلم- هو التفريق بينهما، فإن الكوثر:\nهو نهر في الجنة، أعطاه الله -تعالى- للنبي ﷺ، كما قال الله تعالى (إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) ﴿الكوثر: ١﴾.\nوعَنْ أَنَسٍ - ﵁- قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: \" أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ \" (^١)\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَرضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ، حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ». (^٢)\n*وأما الحوض:\nفإنه فى العرصات خارج الجنة، يرده المسلمون قبل دخولهم الجنة، ويستمد الحوض مائه من نهرين من داخل الجنة، كما ورد عَنْ أَبِي ذَرٍّرضي الله عنه - أن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قال عن الحوض:\n، يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ\". (^٣)\n*فإن قيل:\nقد روى أَنَسرضي الله عنه - أن رَسُول اللهِ - ﷺ - قَرَأَ:\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٢] ثُمَّ قَالَ:\n «أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟»، فَقُلْنَا: \"اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ \"، قَالَ:\n\" فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ \". (^٤)\nفظاهر ذلك أن الكوثر هو نفسه حوض النبي ﷺ.\n* فجوابه من وجهين:\n١ - الأول:\nالكوثر نهر داخل الجنة، ويأتي وماؤه يصب في الحوض ويطلق على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٦٤)\n (^٢) أخرجه الترمذي (٣٣٦١) وقال: \"حسن صحيح\"\n (^٣) أخرجه مسلم (٢٣٠٠)\n (^٤) أخرجه مسلم (٤٠٠)","vol":"2","page":1004},{"text":"الحوض كوثر لكونه يُمَدُّ منه. (^١)\n٢ - الثاني:\nأن حديث أنس -﵁- هذا قد ورد فيه تفسير الحوض بالكوثر على المعنى اللغوي الذي هو الخير الكثير، وليس المعنى الاصطلاحي الذي هو الكوثر الذي هو نهر في الجنة، وهو المراد في حديث ابن عمر -﵄- السابق.\n*وختامًا: من كذَّب بكرامة لم ينلها:\nونختم بما سطَّره الإمام ابن كثير ردًا على من ينكر الحوض، قال ﵀: ذكر ما ورد في الحوض النبوي المحمدي - سقانا الله منه يوم القيامة - من الأحاديث المتواترة المتعددة من الطرق الكثيرة المتضافرة؛ وإن رغمت أنوف كثيرة من المبتدعة المعاندة المكابرة، القائلين بجحوده، المنكرين لوجوده،\nوأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده، كما قال بعض السلف:\n\" من كذَّب بكرامة لم ينلها \". (^٢)\nتم بحمد الله تعالى.\n_________\n(^١) وانظر فتح الباري (١١/ ٦٥٠) وخصائص المصطفى بين الغلو والجفاء (ص/٥٢)\n (^٢) النهاية في الفتن والملاحم (ص/٣١٣)","vol":"2","page":1005},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>الحديث الخامس والثلاثون: البيان والتتمة شرح حديث يكون بعدى أئمة</span>","vol":"2","page":1007},{"text":"* نص حديث الباب:\nقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﵁:\nقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟\nقَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟\nقَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ:\n «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟\nقَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ».\n* أخرجه مسلم في: \" كتاب الإمارة \"، (١٨٤٧) \" باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، وتحذير الدعاة إلى الكفر \". (^١)\n_________\n(^١) وأما ما قاله الدارقطني: \"وهذا عندي مرسل؛ أبو سلام لم يسمع من حذيفة، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق \"\n* فجوابه ذلك من وجوه:\n١ - الأول:\nقد نص العلماء كالنووي والسيوطي على أن الأمر كما قال الدارقطني، لكن المتن صحيح متصل بالطريق الأول عند مسلم، وإنما أتى مسلم بهذا متابعة، والحديث المرسل إذا روي من طريق آخر متصلًا تبيَّنا به = =صحة المرسل وجاز الاحتجاج به.\n٢ - قد ورد الحديث بذات السند متصلًا عند الطبراني في \" المعجم الأوسط \" (٢٨٩٣) عن زيد بن سلام، عن أبيه، عن جده، عن حذيفة..\n٣ - قد ورد الحديث من طريق آخر بلفظ مقارب، قد رواه أحمد (٢٣٤٢٥) والحاكم (٨٣٣٢) من طريق سبيع بن خالد عن حذيفة مرفوعًا، بلفظ \" وَإِنْ نَهَكَ جِسْمَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ \"، قال الحاكم:\n\" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي.\nوانظر تدريب الراوي (١/ ١٥٤) والمنهاج للنووي (٦/ ٤٨٢) والإلزامات والتتبع (ص/٢٩٧)","vol":"2","page":1009},{"text":"* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>تعريف الإمامة، وأهمية تنصيب الإمام:</span>\nالإمامة هي:\n\" خلافة عامة عن صاحب الشرع في حراسة الدين، وسياسة الدنيا بالدين\"\nفتتلخص مهمة وليِّ الأمر في مهمتين: \"حفظ الدين \" و\"سياسة الدنيا بالدين \"\nفأما حفظ الدين: فيشتمل على:\n\" حراسة التوحيد - منع الشركيات في الأمة - إقامة الصلاة والدعوة إليها وحمل الناس عليها - إقامة شرائع الإسلام من الفرائض والسنن - صيانة الزكاة - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - إقامة الحدود - الحكم بشريعة الله تعالى - العمل على نشر الدين بتحقيق شريعة الجهاد - حماية ثغور الإسلام - العمل على حفظ السنن والآثار، وذلك بكفالة العلماء وطلاب العلم.\nقال الجويني:\nالإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين. (^١)\nوجماع ذلك في قوله تعالى:\n\" الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) \" (الحج: ٤١]\n*أما سياسة الدنيا بالدين:\nفتكون بما يوافق الشريعة، فيسعى إلى توفير سبل معايش الرعية، دون أن يحملهم على مخالفة أمر الله -تعالى -بأكل الربا أو غيره مما حرَّمه الشرع، ومن هذه الأمور الواجبة على ولي الأمر:\nإيصال الحقوق إلى أهلها -\n_________\n(^١) وانظر \"غياث الأمم\" (ص/٦٧).","vol":"2","page":1010},{"text":"نصرة المظلوم - قهر الظالم حتى يعود عن ظلمه ويرجع - عمارة الأرض واستغلال ثرواتها لصالح المسلمين.\nفهذان الأصلان اللذان تقوم عليهما الإمامة العظمي قد جمعهما شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:\nفالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم. (^١)\nوقد ذكر الماوردي والقاضي أبو يعلى عشرة أشياء تلزم الإمام، فذكرا على رأسها:\n\" حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه بيَّن له الحجة وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من خلل، والأمة ممنوعة من الزلل \". (^٢)\n*ومن مهامه وواجباته:\nاستكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء:\nوذلك بالاستعانة بالكفء الأمين، فالكفاءة لضبط الأعمال، وبالأمانة تحفظ الأموال، وقد قال تعالى حاكيًا عن قول المرأة الحصيفة في قصة موسى ﵇:\n (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦» (القصص: ٢٦)\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n\" مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تعالى \" (^٣)\n_________\n(^١) السياسة الشرعية (ص/٦٢)\n (^٢) لأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص/٢٧) والأحكام السلطانية للماوردي (ص/١٨)\n (^٣) أخرجه البخاري (٦٦١١) وأحمد (١١٤٣٢)","vol":"2","page":1011},{"text":"*فرع: وجوب تنصيب الإمام:\nوجوب تنصيب الإمام ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومن أدلة ذلك:\nأولًا: أدلة الكتاب:\n١ - قال تعالى: \" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً \"] البقرة: ٣٠]\nقال القرطبي:\n\" هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. (^١)\n٢ - قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] والمراد بأولي الأمر في هذه الأية -على الراجح - هم ولاة الأمور. (^٢)\nوعليه فوجه الدلالة من الأية على إيجاب تنصيب الإمام:\nأن الله - تعالى- أوجب طاعة ولاة الأمور، والله لا يأمر بطاعة مَن لا وجود له، ولا يفرض طاعة من كان وجوده مندوبًا، فدل ذلك على إيجاب إيجاد وليّ الأمر وتنصيبه.\n*كذلك فمن الأدلة الشرعية على وجوب تنصيب الإمام:\nأن جميع النصوص التي أوجبت إقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسد الثغور، والحكم بما أنزل الله تعالى، وتجهيز الجيوش، ونحوه مما يتعلق بمهام ولاة الأمور، فجميع هذه النصوص دالة على وجوب تنصيب ولي الأمر؛ وهذا من باب القاعدة المعروفة\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٨٢)\n (^٢) ويدل على ذلك ما رواه الشيخان عن ابن عباس - ﵄قال ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]، قال:\n «نزلت في عبد الله بن حذافة، إذ بعثه النبي - ﷺ - في سرية»\nوقد ترجم له البخاري: باب قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ ذوي الأمر.\nوقد روى الطبري عن أبي هريرة - ﵁قال: \" هم الأمراء\".\nقال الحافظ في الفتح (٨/ ١٩١): \"أخرجه الطبري بإسناد صحيح\". قال الشيخ أحمدشاكر:\n\" هذا موقوف على أبي هريرة. وإسناده صحيح، ومعناه صحيح\".\nوانظر جامع البيان في تأويل القرآن (٨/ ٤٩٨) والاستيعاب في بيان الأسباب (١/ ٤١٦) وطرق الإستقامة في بيان أحكام الولاية (ص/٢٦)","vol":"2","page":1012},{"text":"(ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).\nقال السفَّاريني:\nولا غنى لأمة الإسلام... في كل عصر كان من إمام\nيذب عنها كل ذي جحود... ويعتني بالغزو والحدود\nوفعل معروف وترك نكر... ونصر مظلوم وقمع كفر\nوأخذ مال الفيء والخراج... ونحوه والصرف في منهاج. (^١)\nقال ابن حزم:\nوقد علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله- تعالى- من الأحكام عليهم في الأموال، والجنايات، والدماء، والنكاح، والطلاق، وسائر الأحكام كلها، ومنع الظالم، وإنصاف المظلوم، وأخذ القصاص، على تباعد أقطارهم وشواغلهم، واختلاف آرائهم، كل ذلك ممتنع غير ممكن..) إلى أن قال:\n (... وهذا الذي لا بد منه ضرورة، وهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها، فإنه لا يقام هناك حكم حق، ولا حدّ حتى قد ذهب الدين في أكثرها، فلا تصح إقامة الدين إلا بالإسناد إلى واحد أو أكثر...). (^٢)\nثانيا: أدلة السنة:\nقال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - ﵄ - سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:\n\" مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً \" (^٣)\nووجه الدلالة:\nإذا كانت البيعة واجبة، وهي لا تحصل إلا بتنصيب إمام؛ دل ذلك على وجوب تنصيبه.\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ \". (^٤)\n_________\n(^١) وانظر حاشية الدرة المضية (ص/٩٣) وتحفة المريد (ص/٣٢٥)\n (^٢) الفصل في الملل والنحل (٣/ ٣)\n (^٣) أخرجه مسلم (١٨٥١)\n (^٤) أخرجه أبوداود (٢٦٠٩) قال الألباني: \"حسن صحيح\"","vol":"2","page":1013},{"text":"قال أبو العباس ابن تيمية:\nفإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولي أحدهم: كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك. (^١)\nثالثا: الإجماع:\n- وهذا من أهم الأدلة على وجوب تنصيب الإمام، وأول ذلك إجماع الصحابة -﵃- على تعيين خليفة للنبي - ﷺ - بعد وفاته، بل حتى قبل دفنه وتجهيزه ﷺ.\nقال ابن حزم:\nاتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله -تعالى-ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ. (^٢)\nقال ابن خلدون:\nنصبْ الإمام واجب، وقد عُرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله - ﷺ - عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر ﵁، وكذا في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعًا دالًا على وجوب نصب الإمام. (^٣)\n*فإن قيل:\nولم تذكر مسألة الإمامة العظمى ضمن مسائل الاعتقاد، وهي ليست من أركان الإيمان؟\n_________\n(^١) الحسبة في الإسلام (ص/٩)\n (^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٣)\n (^٣) مقدمة ابن خلدون (ص/١٩١)، وممن نقل مثل هذا الإجماع:\nالقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (١/ ١٨٢) والنووي في \" المنهاج \" (٦/ ٤٤٦)\nوقد نص أبو منصور البغدادي في \"أصول الدين\" (ص/٢٧٧) على أن أبا بكر الأصم وهشام بن عمرو الفوطي قد خالفا إجماع الأمة في ذلك، فقال الأصم: \" أن الناس لو كفُّوا عن التظالم بينهم لاستغنوا عن الإمام\"، وقال الفوطي: \"يجب تنصيب الإمام في حالة الأمن فقط؛ لإظهار شعائر الشرع، ولا يجب عند ظهور الفتن، لأن الظلمة ربما لم يطيعوه، فيصير سببًا لزيادة الفتن.\nثم عقَّب البغدادي على ذلك بأنه لا اعتبار بخلافهما مع تقدّم الإجماع على وجوب تنصيب الإمام بكل حال.","vol":"2","page":1014},{"text":"* والجواب من وجهين:\nالأول:\nغالبًا يذكر العلماء الإمامة في مسائل الاعتقاد لبيان حكمها، وللرد على أهل البدع والأهواء الذين جعلوا الإمامة من أصول الدين، كالرافضة وغيرهم، ولما ترتب على هذا الأمر من قدحهم في الخلفاء الراشدين.\nالثاني:\nأننا إذا نظرنا إلى الغايات المترتبة على الولاية والإمامة من وجوب اعتقاد صحة ولاية الإمام، ووجوب السمع والطاعة له فبهذا الاعتبار كانت الولاية والإمامة من المسائل العقدية التي نص عليها أهل السنة والجماعة في كتبهم. (^١)\n* طرق تنصيب الإمام:\nلم يرد في نصوص الكتاب والسنة ما يدل على الطرق الشرعية التي تنعقد بها الإمامة العظمى، ولكن مع تتبع الوقائع التاريخية التي أعقبت وفاة الرسول -ﷺ - وإجماعات أهل العلم نستطيع أن نحدد هذه السبل التي تنعقد بها الإمامة العظمي، فنحصرها في ثلاثة طرق:\n١ - الطريق الأول: الاختيار من قِبل أهل الحل والعقد:\nوالمعنى أن: أهل الحل والعقد يقومون باختيار الإمام الذي يتولى حكم المسلمين.\nقال البربهاري:\nومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين، لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن عليه إمامًا، برًا كان أو فاجرًا، .... هكذا قال أحمد بن حنبل. (^٢)\nوقد نقل الإجماع على صحة هذه الطريقة: القاضي عياض والنووي والقرطبي. (^٣)\nوهي الطريقة التي تم بها اختيار أبي بكر ﵁، فقد مات النبي -ﷺ - دون أن ينص\n_________\n(^١) انظر تيسير شرح الجوهرة (ص/٨٧) وعقيدة الأشاعرة (ص/٥٩٦)\n (^٢) شرح السنة (ص/٥٧)\n (^٣) انظر إكمال المعلم (٦/ ٢٢٠) والمنهاج (٦/ ٤٤٦) والمفهم (٤/ ١٥)","vol":"2","page":1015},{"text":"على استخلاف أحد بعينه، كما ورد في قول عُمَرَ ﵁:\n\" إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». (^١)\nفقول عمر ﵁\": \"فقد ترك من هو خير مني \":\nإشارة إلى ما فعله النبي -ﷺ- لما ترك الاستخلاف بعده على وجه التنصيص، فاجتمع أهل الحل والعقد من الصحابة -﵃ - في السقيفة، وأجمعوا على بيعة أبي بكر ﵁. (^٢)\n٢ - الطريق الثاني: الاستخلاف:\nوذلك بأن يقوم الحاكم أوالأمير باختيار من يقوم إمامًا من بعد موته، فيحدد شخصأ بعينه.\nوقد مثَّل العلماء لهذه الطريقة بفعل أبي بكر -﵁- حينما استخلف عمر بن الخطاب - ﵁- من بعده، كما ورد في قول عمر ﵁:\n «إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ \". (^٣)\nفقول عمر -﵁-\"فقد استخلف من هو خير مني\":\nإشارة إلى ما فعله أبو بكر -﵁- لما استخلف عمرَ بن الخطاب ﵁. (^٤)\nقال ابن بطال:\nوفى هذا كله دليل على جواز عقد الخلافة من الإمام لغيره بعده، وأن أمره فى ذلك على عامة المسلمين جائز، إنما جاز ذلك لأمور منها إجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم على استخلاف أبى بكر عمر على الأمة بعده، وأمضت\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) وانظر شرح السنة للبغوي (٥/ ٣٢٣) والجامع لأحكام القرآن (١/ ١٨٨)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) ومن العلماء من رأى أن خلافة أبي بكر الصديق -﵁- تابعة لهذا القسم، وأنها قد ثبتت بالاستخلاف من النبي ﷺ، وأنها منصوص عليها، على خلاف بينهم، هل هو نص جليٌ أم خفي، وهو قول الطبري وابن حزم وأبي عبدالله بن حامد، وطائفة من الحنابلة.\nوانظر منهاج السنة (١/ ٢٩٨) والدرة فيما يجب اعتقاده (ص/٤٩٤)","vol":"2","page":1016},{"text":"الصحابة ذلك منه على أنفسها، وجعل عمر الأمر بعده فى ستة. (^١)\nقال الماوردي:\nوأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته؛ لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما:\nأحدهما: إن أبا بكر -﵁- عهد بها إلى عمر -﵁- فأثبت المسلمون إمامته بعهده.\nوالثاني: أن عمر -﵁- عهد بها إلى أهل الشورى، فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها. (^٢)\nكذلك يقال أمران:\n١ - الأول:\nأنه لما صحت خلافة أبي بكر -﵁- بالسنة والإجماع؛ دل ذلك على صحة خلافة عمر -﵁- وأحقيتها، وذلك لأن الفرع يثبت إذا ما ثبت الأصل.\n٢ - الثاني:\nمن أدلة جواز الاستخلاف قياسه على ما وقع يوم مؤته من استخلاف النبي -ﷺ- لزيد بن حارثة، وقال ﷺ:\n «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة». (^٣)\n٣ - الطريق الثالث لانعقاد الولاية: القهر والغلبة:\n* ومعناها أن:\nصاحب الشوكة والمنعة يعلو الناس بسيفه، ويصيِّر نفسه إمامًا عليهم، سواء في ذلك بقهر الإمام المتولِّي وعزله، أو بسد مكان الإمامة الشاغر عن إمام قائم.\nوهذه الطريقة من طرق انعقاد الإمامة وإن لم تكن من الطرق الشرعية التي يجوزها الشرع ابتداءً، ولكنه جوَّزها إذا وقعت؛ وذلك من باب درء المفاسد وحقن الدماء وجمع كلمة المسلمين.\nوالقاعدة التي قد نستأنس بها في هذا المعنى:\n\" يُغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء \"\nفإذا غلب الناس بسيفه وقوته وسلطانه وجب السمع له والطاعة، لكن في\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري (٨/ ٢٨٤)\n (^٢) الأحكام السلطانية (ص/١١)\n (^٣) رواه البخاري (٤٢٦١)، وانظر \"الإمامة العظمى عند أهل السنة\" (ص/١٨٨)","vol":"2","page":1017},{"text":"المعروف، فلا يطاع في المعاصي، إنما الطاعة في المعروف.\n* الأدلة على انعقاد الإمامة بالقهر والغلبة:\n١ - عن أُمِّ الْحُصَيْنِرضي الله عنها- قَالت: سمعتُ النبيَّ - ﷺيَقُولُ:\n\" إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا \". (^١)\nوجه الدلالة:\nقد ثبت بالنص والإجماع اشتراط كون الإمام حرًا قرشيأ، فلما أمر النبي - ﷺ - بالسمع والطاعة لمن تولَّى إمامة المسلمين، ولو كان عبدًا حبشيًا دل ذلك على صحة انعقاد الإمامة بالقهر؛ لأن من كان هذا وصفه فإنه لا يتولَّى إلا الحكم بالقهر والغلبة.\n٢ - قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ:\n\" شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ -﵄- حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ المَلِكِ، أنه كتب:\n\" إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ المَلِكِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا اسْتَطَعْتُ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ». (^٢)\nفقول عبد الله بن دينار:\n\"حيث اجتمع الناس على عبد الملك.. \":\nإشارة إلى القتال الذي وقع بين ابن الزبير وعبد الملك بن مروان، فلم يبايع ابن عمررضي الله عنهما- واحدًا منهما، حتى بان الأمر وتغلَّب ابن عبد الملك فبايعه. قال يحيى بن يحيى:\nبايع ابن عمر -﵄- لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالك عنه أنه كتب إليه وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ. (^٣)\n٣ - قال سيف المازني: كان ابن عمر -﵄- يقول:\n\" لا أقاتل في الفتنة، وأصلِّي وراء من غلب \". (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٣٨)\n (^٢) رواه البخاري (٧٢٠٣)\n (^٣) الاعتصام (ص/٣٤٧)\n (^٤) أخرجه ابن سعد في طبقاته الكبرى (٤/ ١١١)، وقال الألباني في الإرواء (٢/ ٣٠٤): \"إسناده صحيح إلى سيف، وأما هو فأورده ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا \".","vol":"2","page":1018},{"text":"ومن طريق نَافِعٍ أَنَّ الْأَنْصَارَ سَأَلُوا ابْنَ عُمَرَ -﵄- عَنِ الزَّكَاةِ، فَقَالَ:\n\" ادْفَعُوهَا إِلَى الْعُمَّالِ، فَقَالَوا: إِنَّ الشَّامَ يَظْهَرُونَ مَرَّةً، وَهَؤُلَاءِ مَرَّةً، قَالَ:\nادْفَعُوهَا إِلَى مَنْ غَلَبَ \". (^١)\nوهذا الذي ورد عن ابن عمررضي الله عنهما- فيه اعتبار إمامة المتغلِّب؛ لأنه من المعلوم أن وليَّ الأمر هو الذي كان يتعهد إمامة المسلمين في الجمع من الجماعات، وهو القائم على جمع الزكاة.\n*الإجماع:\nقال ابن بطال:\nوقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلّب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدَّهماء. (^٢)\n*وقد مثَّل العلماء لهذه الطريقة بما وقع في خلافة عبد الملك بن مروان، فقد نصَّب ملكه بالقهر، وغلب الناس بسيفه، حتى أذعنوا له، وذلك لما خرج على ابن الزبير فقتله، واستولى على البلاد وأهلها، وبايعه الناس طوعًا وكرهًا، ودعوه إمامًا.\nقال أحمد:\nومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه، برًا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين. (^٣) - وقد سئل الإمام أحمد في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك فيكون مع هذا قوم،\n_________\n(^١) الأموال لابن زنجويه (٢٣٠٢)\n (^٢) فتح الباري (١٣/ ١١) وممن نقل مثل هذا الإجماع:\nوالشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في \" مجموعة الرسائل والمسائل النجدية \" (٣/ ١٦٨)\n*تنبيه:\nولا يشوِّش على هذا الإجماع ما ينقل من مخالفة الخوارج والمعتزلة ومتأخري الشافعية؛ فإن ما يُجمع عليه أهل السنة لا يضره مخالفة أهل البدع، وأما ما ورد عن متأخري الشافعية فهو مردود بما نقله المزني من حكاية الإجماع على ولاية المتغلب.\nوانظر مآثر الإنافة (١/ ٥٩) والإمامة عند أهل السنة (ص/٢٢٢)\n (^٣) الأحكام السلطانية للفراء (١/ ٢٣)","vol":"2","page":1019},{"text":"ومع هذا قوم، فقال:\n\" تكون الجمعة مع من غلب\". (^١)\nقال بدر الدين ابن جماعة:\nوأما الطريق الثالث الذي تنعقد به البيعة القهرية فهو قهر صاحب الشوكة، فمن قهر الناس بشوكته بغير بيعة أو استخلاف، انعقدت بيعته، ولزمت طاعته، لينتظم شمل المسلمين وتجتمع كلمتهم، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلًا أوفاسقًا، في الأصح. (^٢)\nوقد عدَّ العلماء من الأمور التي يقع بطلان تصرف الإمام:\nأن يأسره أهل البغي، حيث كانوا قد أقاموا لهم إمامًا، ووقع اليأس من خلاصه منهم، فيخرج بذلك من الإمامة. (^٣)\nقال ابن قدامة:\nولو خرج رجل على إمام فقهره، وغلب الناس بسيفه حتى أقروا له، وأذعنوا بطاعته، وبايعوه صار إمامًا يحرم قتاله والخروج عليه؛ فإن عبد الملك بن مروان، خرج على ابن الزبير، وقتله، واستولى على البلاد وأهلها، حتى بايعوه طوعًا وكرهًا، وصار إمامًا يحرم الخروج عليه؛ وذلك لما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين، وإراقة دمائهم، وذهاب أموالهم.\nويدخل الخارج عليه في عموم قوله ﵊:\n... «من خرج على أمتي وهم جميع، فاضربوا عنقه بالسيف، كائنًا من كان»\nفمن خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه باغيًا، وجب قتاله. (^٤)\n*ومن النظر:\nقال الغزالي:\nأنه لو تعذَّر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٢٣)، وقد نص على مثل كلام الإمام أحمد في \"إمامة المتغلب \":\nالإمام مالك، كما نقله عنه تلميذه وراوى الموطأ يحيى بن يحيى، وانظر الاعتصام للشاطبي (ص/٣٤٧)\nوالإمام الشافعى، كما نقله عنه البيهقي في \" مناقب الشافعي \" (ص/٤٤٨)، وقال به النووي في الروضة (٤/ ٢٥٥) وأبو العباس ابن تيمية في \" منهاج السُنّة \" (١/ ٥٣٨) وابن قدامة في \" اللمعة \" (ص/٤٠)\n (^٢) وانظر تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام (ص/٢٦٣) والأحكام السلطانية للفراء (ص/٢٣)\n (^٣) مآثرالإنافة في معالم الخلافة (١/ ٧٠) والإمامة عند أهل السنة (ص/٣٩٦)\n (^٤) المغني (١٢/ ٢٤٢)","vol":"2","page":1020},{"text":"للإمامة، وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بانعقاد إمامته؛ لأنا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال، فما يلقى المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة، فلا يهدم أصل المصلحة شغفًا بمزاياها، كالذي يبني قصرًا ويهدم مصرًا، وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام وبفساد الأقضية وذلك محال.\nونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة. (^١)\n* فرع:\nسبق أن ذكرنا أن أبا بكر الصديق -﵁- قد تولَّى الخلافة بعد أن أجمع على أحقيته بها الصحابة -﵃- فى سقيفة بني ساعدة، ولكنَّ الروافض الخبثاء قد خالفوا هذا الإجماع كعادتهم في مخالفة نهج أهل السنة، فتراهم يدَّعون أن على بن أبي طالب - ﵁ - هو الأحق بالخلافة من أبي بكر ﵁.\nبل ويفترون الكذب على النبي ﷺ، أنه قد نص على إمامة على بن أبي طالب -﵁- من بعده، وأن الصحابة -﵃- قد تواطأوا على إخفاء ذلك، وأن عليًا نص على إمامة الحسن والحسين، وأن الحسين نص على إمامة ولده علىّ زين العابدين، وهكذا إلى الإمام الثاني عشر، وهو المهدي المنتظر عند الشيعة!!\n-وقد استدل الروافض على أحقية علىِّ بن أبي طالبرضي الله عنه- بالخلافة بأمور ثلاثة:\n (النص من الكتاب والسنة، معجزات على بن أبي طالب، أفضليته من جميع الأمة)!! (^٢)\n*شبهات الروافض التى بنوا عليها هذا الافتراء:\n١ - الشبهة الأولى:\nاستدلالهم بقوله تعالى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ١١٥)\n (^٢) كما قرر ذلك ونص عليه:\nمحمد رضا المظفر في \"عقائد الإمامية \" (ص/٧٥) وإبراهيم الموسوي في \" عقائد الإمامية الأثنى عشرية\" (ص/٨٠)، وانظر مختصر التحفة الأثنى عشرية (ص/١٢٣)","vol":"2","page":1021},{"text":"الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) «المائدة: ٥٥)\nفقالوا: نزلت في علي ﵁، فقد كان راكعًا فجاءه فقير، فتصدَّق بخاتم كان يلبسه في يده، والولي \": هو الأولى بالتصرف، المرادف للإمام الخليفة، فنصت الأية على الولاية لعلي بن أبي طالب بعد النبي ﷺ. (^١)\n*ومن السنة:\n١ - ما وقع في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة، في السنة العاشرة من الهجرة، في حجة الوداع، في \" غدير خُمّ \"، بضم معجمة وتشديد ميم، وهي غيضة على بعد ثلاثة أميال من الجحفة، عندها غدير مشهور يضاف إليها. فقالوا:\nقد أوصى الرسول - ﷺ - بالإمامة لعلي بن أبي طالب ﵁، حيث أخبر عَلِي بن أبي طالب -﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ:\n\" مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ \". (^٢)\nقالوا: المولَّى هو الأحق بالتصرف، وهذا نص قطعي فى إمامة عليّ بعد النبي ﷺ!!\n*الجواب عن ذلك:\n١ - أما الأثر الوارد في تقسير الأية التي احتجوا بها بأن على بن أبي طالب - ﵁ - تصدَّق راكعأ بخاتمه، فقد أخرجه الطبري وفيه \"عبد العزيز بن أبان\"، وهو راوٍ\n_________\n(^١) قال شيخ الطائفة - كما يلقبونه - الطوسي عن هذه الأية:\n\"وهذه أقوى نص على إمامة علىّ من القرآن. وقال الطبرسي: \"وهذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي بلا فصل \".\nوانظر\" منهاج الكرامة في إثبات الإمامة \" لابن المطهِّر الحِلِّي (ص/١٤٧) وعقائد الإمامية الأثنى عشرية (ص/٨٢)\n (^٢) رواه أحمد (١٣١١) والترمذي (٣٧١٣)، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».\nقال الذهبي عن هذا الحديث:\n\" وهذا مما تواتر، وأفاد القطع بأن الرسول -ﷺ - قاله، رواه الجم الغفير والعدد الكثير من طرق صحيحة وحسنة وضعيفة ومطرحة، وأنا أسوقها.... \"، ثم سردها مفصلة عن نحو ثلاثين صحابيًا،.\n، وذلك في رسالة له سمَّاها \"طرق حديث مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ \" (ص/١٢)، وانظر صحيح ابن حبان= = (٦٩٣٠) والسلسلة الصحيحة (١٧٥٠)\nوهذا اليوم هو العيد الأكبر عند الروافض، يوم ١٨ ذي الحجة، يفضلونه على القطروالأضحي.","vol":"2","page":1022},{"text":"متروك.\nوكذلك قد أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (رقم: ٦٥٥١)، وفي سنده موسى الحضرمي، الذي رُمي بالتشيع.\nوأما رواية الأثر من طريق ابن عباس، ففيه انقطاع؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس. (^١)\nوقد رد شيخ الإسلام على على هذه الفرية من تسعة عشر وجهًا، وكان مما قال:\nأجمع أهل العلم بالنقل على أن هذه الأية لم تنزل في علي بخصوصه، وأن عليًا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع. (^٢)\nوقال ﵀:\nوجمهور الأمة لم تسمع هذا الخبر، ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة: لا الصحاح، ولا السنن، ولا الجوامع، ولا المعجمات، ولا شيء من الأمهات. (^٣)\n*وأما ما وقع في حادثة \" غدير خمّ \":\nفقوله ﷺ \" مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ \"، غاية ما فيه هو إثبات الموالاة لا الولاية، والموالاة هى ما يكون بين علىّ وعامة المؤمنين من المحبة والنصرة.\nيدل على ذلك:\nأن القرينة البعدية الواردة في نفس سياق الحديث تدل صراحة على أن المراد من الولاية المفهومة من لفظ «المولى» هي المحبة، وهي الزيادة الواردة في قوله ﷺ:\n «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه». (^٤)\n* نقول:\nومما يؤكد كذب وافتراء الروافض في هذا الباب ما في الصحيح أن عليًا\n_________\n(^١) انظرتأويل البيان (٦/ ١٨٦) وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٧٤) والاستيعاب في بيان الأسباب (٢/ ٦٧)\n (^٢) منهاج السنة (٧/ ١٢)\n (^٣) المصدر السابق (٧/ ١٧)\n (^٤) وقد قال الذهبي عن هذه الزيادة: \"زيادة قوية الإسناد\". وانظر البداية والنهاية (٥/ ٢٣٣) ومختصر التحفة الاثني عشرية (ص/١٦٠)","vol":"2","page":1023},{"text":"قد بايع أبا بكر ﵄، فكيف يبايعه وهو لا يرى أحقيته كما تزعمون، أم أنه فعل ذلك تقية؟!\nعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁:\n «لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - نَظَرْنَا فِي أَمْرِنَا، فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ، فَرَضِينَا لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- لِدِينِنَا، فَقَدَّمْنَا أَبَا بَكْرٍ ﵁». (^١)\n* كذلك قفد أجمعت الأمة على أن خلافة الخلفاء الأربعة قد تمت صحيحة على الترتيب الذي وقع، ونقل الإجماع على ذلك من الأئمة:\nالآجري، وأبو بكر الإسماعيلى، وأبو عثمان الصابوني وابن حزم، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يُضلَل من خالف في ذلك.\nقال أبو العباس ابن تيمية وهو يسطِّر عقيدة أهل السنة والجماعة:\nوذلك بأنهم يؤمنون: بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ﵃، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة؛ فهو أضل من حمار أهله. (^٢)\n*ومما يؤكد كذبهم وافتراءهم في مسألة الوصية:\nأن أَبِا الطُّفَيْلِ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ، أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ- بِشَيْءٍ؟\nفَقَالَ: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً، إِلَّا مَا كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، قَالَ:\nفَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا:\n «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» (^٣)\nقال النووي:\nما تدعيه الشيعة من النص على عليّ والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن عليّ، وأول من كذَّبهم علي ﵁\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٣/ ١٣٦) وسنده حسن.\n (^٢) وانظر مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣) والدرة فيما يجب اعتقاده (ص/٣٧٠)\n (^٣) أخرجه مسلم (١٩٧٨)","vol":"2","page":1024},{"text":"بقوله:\n\" ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة \" (^١)\n* كذا يقال:\nأن حادثة غدير خُمَّ قد حضرها آلاف الصحابة ﵃، فهل تراهم يسمعون بالوصية بالخلافة لعلي ﵁- كما يزعم الروافض - ثم يكتمونها؟!\n، ثم لم يقم واحد يوم السقيفة ليقرر أحقية علي - ﵁ - بالخلافة دون غيره.\n٢ - الشبهة الثانية:\nقال عمر بن الخطاب ﵁:\n\"كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ -﵁- فَلْتَةً وَتَمَّتْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ -تعالى- وَقَى شَرَّهَا \". (^٢)\nوهذه مما جعلها الروافض ذريعة للطعن في خلافة الصديق أبي بكر ﵁؛ بأنها جاءت فلتة: أي عن غير استحقاق.\n* والجواب:\nمعنى الفلتة الفجأة، وإنما كانت كذلك، لأنها لم ينتظر بها العوام، وإنما ابتدرها أكابر الصحابة -﵃- من المهاجرين وعامة الأنصار.\nقال الجويني:\nأما أصحاب رسول الله - ﷺ - رأوا البدار إلى نصب الإمام حقًا; فتركوا بسبب التشاغل به تجهيز رسول الله -ﷺ - ودفنه، مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة، ولا يرتاب من معه مسكة من عقل أن الذب عن الحوزة والنضال دون حفظ البيضة محتوم شرعًا، ولو ترك الناس فوضى توثبت الطغام والعوام، وملك الأرذلون سراة الناس. (^٣)\n* وهنا إشكال:\nقد روى الشيخان عن عَلِي بن أبي طالب -﵁- أنه قَالَ لأبي بكر ﵁:\n\" إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ تعالى، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ -تعالى- إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ \"، وفي رواية: \"وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ \"\nقد جعلها الروافض ذريعة للطعن في خلافة الصديق أبي بكر ﵁.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٨/ ١٦٩)\n (^٢) أخرجه البخاري (٦٨٣٠)\n (^٣) غياث الأمم في التياث الظلم (ص/٦٨)","vol":"2","page":1025},{"text":"*والجواب:\nقال علي والزبير ﵄:\n\" ما غضبنا إلا لأنا أُخرنا عن المشورة، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخبره، ولقد أمره رسول الله -ﷺ- أن يصلِّي بالناس وهو حيٌ. (^١) فتبين بذلك أن المقصود بقول عليٍ ﵁: \" اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ \":\nإنما هو أمر المشورة يوم السقيفة، لا أمر في الخلافة نفسها.\nقال الذهبي:\nأخبر علىّ أنه إنما تأخر عن مبايعة أبي بكر عتبًا عليه إذ لم يشاوره، فأعلمه أبو بكر أنه استعجل خوفًا من مبادرة أصحاب السقيفة. (^٢)\n*يؤيده:\nأن عليًا - ﵁ - كان يشهد الصلوت مع أبي بكر﵁ - وخرج معه في حروب الردة، وبذل له النصيحة والمشورة.\n* وأما ما ورد في الصحيح أن بيعتة لأبي بكر﵁ - كانت بعد ستة أشهر. (^٣)\n* فجوابه:\nأن الصحيح في ذلك أن علي بن أبي طالب -﵁- قد بايع أبا بكر -﵁- بعد واقعة السقيفة كغيره من صحابة النبي ﷺ.\nفعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ:\nفَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- وَخَتَنُهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصًا الْمُسْلِمِينَ؟\nفَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَايَعَهُ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٤٤٢٢) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في \"البداية والنهاية \" (٥/ ٢٥٠) إسناده جيد.\n (^٢) المُقَدِّمَةُ الزّهْرا في إيضَاحِ الإمامَةِ الكُبرى (ص/١٥)\n (^٣) أخرجه البخاري (٤٢٤٠) ومسلم (١٧٥٩)\n (^٤) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٦٥٣٨) والحاكم (٤٤٥٧)، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»\nقال البيهقي: قال أبو علي الحافظ: سمعت ابن خزيمة ابن خزيمة يقول:\nجاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث، فكتبته له في رقعة وقرأته عليه، وهذا حديث يسوى بدنة، بَلْ يَسْوَى بَدْرَةً. (والبدرة: كيس فيه مبلغ كبير من المال)\nقال ابن كثير: \"هذا إسناد صحيح محفوظ\". وانظر البداية والنهاية (٨/ ٩١) والسنن الكبير (١٦/ ٥١٣)","vol":"2","page":1026},{"text":"* وأما ما ورد في الصحيحين أن بيعتة لأبي بكر كانت بعد ستة أشهر فهذه كانت هي البيعة الثانية، التي أعلنها بعد وفاة فاطمة -﵂ - مراعاة لها، لما وقع من وحشة بينها وبين أبي بكر بسبب قضية الميراث.\nقال ابن كثير:\nومبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق؛ فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه، وخرج معه إلى قتال أهل الردة، ولكن لما حصل من فاطمة -﵂ - عتب على الصديق بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله ﷺ، ولم تكلم الصديق حتى ماتت ﵂، واحتاج علي بن أبي طالب أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها - ﷺ - رأى علي أن يجدِّد البيعة مع أبي بكر ﵁. (^١)\n*والأمر كما قال الآجري:\nقد قال رسول الله ﷺ: «أبى الله والمؤمنون أن يختلف على أبي بكر»، والأمر كما قال النبي ﷺ، ما اختلف على أبي بكر ﵁، بل تتابع المهاجرون والأنصار وعلي بن أبي طالب ﵁، وبنو هاشم على بيعته والحمد لله، على رغم أنف كل رافضي مقموع ذليل، قد برأ الله - ﷿علي بن أبي طالب أمير المؤمنين -﵁ - عن مذهب السوء \" (^٢)\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nقَوله ﷺ: \" تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ \":\nفيه وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة:\n*فمن أدلة الكتاب:\n١ - قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:\n_________\n(^١) وانظر البداية والنهاية (٨/ ٩٢)\n (^٢) الشريعة (٢/ ٤٥٠)","vol":"2","page":1027},{"text":"٥٩] ... والمراد بأولي الأمر في هذه الأية -على الراجح - هم ولاة الأمور، فقد روى الشيخان عن ابن عباس - ﵄قال: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]، قال:\n «نزلت في عبد الله بن حذافة، إذ بعثه النبي - ﷺ - في سرية»\nوقد ترجم له البخاري: باب قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ ذوي الأمر.\nوقد روى الطبري بسنده عن أبي هريرة - ﵁قال: \" هم الأمراء\". (^١)\nقاال النووي:\nقال العلماء المراد بأولي الأمر من أوجب الله -تعالى- طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم. (^٢)\n*وعن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ:\n «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي». (^٣)\n*ومن أدلة السنة:\nعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِرضي الله عنه- قَالَ:\nدَعَانَا النَّبِيُّ - ﷺ- فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا:\n «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ». (^٤)\nوعن عَبْدِ اللَّهِ بن عمر﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:\n «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». (^٥)\n_________\n(^١) قال الحافظ في الفتح (٨/ ١٩١): \"أخرجه الطبري بإسناد صحيح\". قال الشيخ أحمدشاكر:\n\" هذا موقوف على أبي هريرة. وإسناده صحيح، ومعناه صحيح\".\nوانظر جامع البيان في تأويل القرآن (٨/ ٤٩٨) والاستيعاب في بيان الأسباب (١/ ٤١٦) والصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين (٢/ ١٢١)\n (^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٦/ ٤٦٩)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.\n (^٥) متفق عليه.","vol":"2","page":1028},{"text":"*وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ»\n*وقوله ﷺ: \" وأثرةٍ عليكَ \":\nوالمعنى: ما يقع من ولاة الأمور من الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا، من المناصب والأموال وما شابه ذلك، فلا يكون ذلك حاملًا لكم على نقض السمع والطاعة لهم، بل يسمع لهم ويطاع لما في ذلك من اجتماع كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم.\nفالقاعدة هنا:\n\" أدِ الذى عليك، وسل الله الذى لك\"\nففي حديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ - ﵁ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سئل:\nيَا نَبِي اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ، وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأمُرُنَا؟\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\" اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ \" (^١)\nوالمعنى:\nأي أن الله - تعالى- قد كلَّف الولاة بالعدل، وحسن الرعاية، وكلف الْمَوْلَّى عليهم بالطاعة وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراء الله -تعالى- فيكم، ولم يقوموا بحقوقكم، فلا تعصوا الله -تعالى- أنتم فيهم، وقوموا بحقوقهم، فإن الله مجازٍ كل واحد من الفريقين بما عمل. (^٢)\nوعن سويد بن غفلة، قال: قال لي عمر ﵁:\n\" اسْمَعْ وأَطِعْ - وإن أُمِّرَ عليك عبدٌ حبَشِيٌّ مجدع، إن ضَرَبَكَ فاصْبِرْ، وإن حَرَمَكَ فاصْبِرْ، وإن أرادَ أمرًا ينتقِصُ دينَكَ؛ فقل: سمعٌ وطاعة، دمي دون ديني \" (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٤٦) والترمذي (٢١٩٩)\n (^٢) المفهم (١٢/ ١٠١)\n (^٣) خرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٣٧٠٠) وابن أبي زمنين في \"أصول السنة\" (رقم: ٢٠٥) والبيهقي في \"الكبرى\" (٨/ ١٥٩)\nوإسناده صحيح. وانظر \" الصحيح المسند من أقوال الصحابة \" (١/ ٢٨٤)","vol":"2","page":1029},{"text":"*نقول:\nبل قد دل حديث الباب على وجوب السمع والطاعة وإن وقع ما هو أبلغ من الاستئثار بالمال، والذي هو تعدي الولاة على مال المرء، وذلك في قوله ﷺ:\n\" وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ \"\nوهذا يدلك على أن حق السمع والطاعة لا يسقط لولي الأمر، إن أخذ مال المرء بغير وجه حق.\nفإذا كان الأمر كذلك فكيف يقال بعدها بسقوط حقه في السمع والطاعة إذا ما منع حق الناس من المال والعطايا، واستئثر بها لنفسه؟!\nلذا يقال إن جعل السمع والطاعة منوطين بالعطاء من ولي الأمر، فهذا من المخالفة الظاهرة لهذه النصوص.\n*ومما ورد من الترهيب في هذا الباب:\nما رواه أبو هُرَيْرَةَ -﵁- عن النبي -ﷺأنه قال:\n\" ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: ذكر منهم،\n، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. (^١)\n* عودٌ إلى حديث الباب:\nقول النبيّ ﷺ: \" تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ \".\n* إشكال وجوابه:\nأن ظاهر قوله ﷺ: \" وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ \"، يعارض ما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أن رَجُلًا سأل رَسُولَ اللهِ - ﷺ- فَقَال:\nأَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: \"فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ\" قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: \"قَاتِلْهُ\" قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: \" فَأَنْتَ شَهِيدٌ\"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: \" هُوَ فِي النَّارِ\". (^٢)\nوالجواب:\nلأنه لا تعارض بين النصين؛ فقوله -ﷺ - لمن سأله: \"إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ\n_________\n(^١) متفق عليه. وقد عد الهيتمي ذلك الأمر من الكبائر؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد التي لا نهاية لها. الزواجر (٢/ ١٩٦)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٢٥)","vol":"2","page":1030},{"text":"أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: \"فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ\" \"، هذا عام فى كل شخص، ويستثنى من ذلك إذا كان طالب هذا المال السلطان، أو من ينوب عنه؛ وذلك لوجوه:\n١ - حديث الباب.\n٢ - قوله ﷺ: (\" مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ) (^١)، هذا نص عام في وجوب الصبر على أذى الأمير، فيدخل في ذلك ما يتعلق بالمال ونحوه.\n٣ - قال ابن المنذر:\n\" أهل الحديث كالمجمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته، أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه للأخبار الدالة على ترك قتالهم، والخروج عليهم \". (^٢)\n* فرع:\nقال ابن حزم:\nقوله ﷺ: \" وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ \":\nذلك بلا شك إذا تولَّى الإمام ذلك بحق، وهذا مما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له، وإما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله - ﷺ- بالصبر على ذلك. (^٣)\nفكيف يجاب عن هذا التفصيل؟\n*وجواب ذلك من وجوه:\n١ - أن السمع والطاعة للأمير حال قيامه بإيفاء الحقوق وإقامة الحدود على الرعية فهذه من الفرائض المسلَّمات التى لا منقبة فيها، فلا يقال فى مثل ذلك: \"تسمع وتطيع، وإن فعل وفعل... \".\n٢ - سياق الحديث يدل على خلاف فهم ابن حزم، فقد ذكر -ﷺما سيكون بعده من أئمة لا يهتدون بهداه، ولا يستنون بسنته، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، فهذه قرائن دالة على أنهم يسوسون الناس بغير حق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٢٤)\n (^٢) واتظر الإشراف على مذاهب العلماء (٧/ ٢٤٨) وفتح الباري (٥/ ١٧٤)\n (^٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١٠٢)","vol":"2","page":1031},{"text":"٣ - أن الأمر بالصبر على جور الأئمة ليس خنوعًا ولا استكانة، حتى ننزِّه الشرع عن الأمر بالصبر على ذلك كما يقول ابن حزم، بل هى الحكمة الموافقة لأصول الشرع؛ وذلك بتحمل أدنى المفسدتين لدرء أكبرهما.\n* إشكال وجوابه:\nقالوا: السمع والطاعة لا يكونان إلا لولي الأمر الذي يقوم على حفظ الدين، وسياسة الدنيا بالدين؛ فهذا هو ولي الأمر الذي تجب طاعته وتنعقد بيعته، وذلك لما ورد في حديث الباب من قول النبيّ ﷺ:\n\" إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا \".\nووجه الدلالة:\nبمفهوم المخالفة أن الذي لا يقود بالكتاب والسنة لا حق له في السمع والطاعة، بل يُخرج على أئمة الجور، ويُعزلون ولو بالسيف.\n* والرد على ذلك أن يقال:\nأن القول بالخروج على الحاكم الجائر هو في الحقيقة مذهب المعتزلة والخوارج.\nيقول القاضي عبد الجبار المعتزلي:\n\"فأما الأحداث التي يخرج بها من كونه إمامًا فظهور الفسق سواء بلغ حد الكفر أو لم يبلغ؛ لأن ذلك يقدح في عدالته\" وقال: \"... لا فرق بين الفسق بالتأويل، وبين الفسق بأفعال الجوارح في هذا الباب عند مشايخنا \". (^١)\n* نقول:\nوأما القيد المذكور في قوله ﷺ:\n\" يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، .. \"، ليس قيدًا فيما تنعقد به صحة الإمامة، إنما هو بيان لما يجب أن يكون عليه الإمام في سياسته للرعية، وما سوى ذلك حالتان:\nالأولى:\n١ - أن يقع الحاكم في كفر بواح، بغير تأويل سائغ، فتنقض به إمامته، كما في قوله ﷺ:\n\" أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ\". (^٢)\n_________\n(^١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٢٠/ ١٦٣) فصل: \" فيما يخرج به الإمام أن يكون إمامًا \"\n (^٢) متفق عليه.","vol":"2","page":1032},{"text":"٢ - الثانية:\nأن يقع الحاكم في جور وظلم للرعية، فأدلة الشرع على عدم نقض إمامته، وأدلة ذلك من وجوه:\n١ - الوجه الأول: الأمر بالسمع والطاعة لهم، ونبذ الخروج عليهم:\nكما ورد في حديث الباب، حيث أمر الشارع بالسمع والطاعة لولاة الأمور رغم علمه بما سيقع منهم من سوء الحال وشر الأفعال، فقد أخبر -ﷺ - عن سوء أفعالهم فقال:\n١ - أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي.\n٢ - قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس.\n٣ - يضربون الظهر ويأخذون المال.\nومع ذلك يقول ﷺ: \" تسمع وتطيع للأمير \"، وليس ذلك تقديسًا ولا تمجيدًا لولىّ الأمر، وإنما أمر الشارع بذلك درءً للمفاسد وحقنًا للدماء.\n٢ - وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ:\n «إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا». (^١)\nومعنى قوله: \"تعرفون وتنكرون\": أي تعرفون بعض أفعالهم بأنها حسنة، وتنكرون بعضًا لأنها قبيحة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nنهى رسول الله - ﷺ - عن قتالهم مع إخباره أنهم يأتون أمورًا منكرة، فدل على أنه لا يجوز الإنكار عليهم بالسيف، كما يراه من يقاتل ولاة الأمر من الخوارج والزيدية والمعتزلة. (^٢)\nقال النووي:\nوأما الخروج على ولاة الأمور وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وقال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٢٦٥)، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \".\n (^٢) منهاج السنة (٣/ ١٦٨)","vol":"2","page":1033},{"text":"وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه. (^١)\nوقال المازري:\nالإمام إذا فسق وجار، فإن كان فسقه كفرًا وجب خلعه، وإن كان ما سواه من المعاصي فمذهب أهل السنة أنه لا يخلع، واحتجوا بظاهر الأحاديث وهي كثيرة، ولأنه قد يؤدي خلعه إلى إراقة الدماء وكشف الحريم، فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به وعند المعتزلة أنه يخلع. (^٢)\n* أضف إلى ذلك أن كل الأحاديث الدالة على تحريم إقتتال المسلمين فيما بينهم هى أدلة على\nعدم جواز الخروج على أئمة الجور؛ لأن اقتتال المسلمين إنما يكون فى الغالب عند الخروج على الأئمة بالسيف، فدل على تحريم ذلك الخروج.\n*الوجه الثاني: ما ورد من أدلة الصلاة خلف أئمة الجور والجهاد معهم:\nفقد كان الصحابة -﵃ - يصلّون خلفهم، وهذا يقتضي الإقرار بإمامتهم، كما صلَّى ابن مسعود -﵁- خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد كان يشرب الخمر، وكان الصحابة -﵃والتابعون يصلُّون خلف ابن أبي عبيد، وقد كان متهمًا بالإلحاد. (^٣)\nوقد روى البخاري أن ابن عمر -﵁- قد حج تحت إمرة الحجاج بن يوسف، وكذلك قد صح أنه قد صلَّى خلفه. (^٤)\nوعَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ، وَنَجْدَةَ، وَالْحَجَّاجَ، وَابْنُ عُمَرَ يَقُولُ:\n «يَتَهَافَتُونَ فِي النَّارِ كَمَا يَتَهَافَتُ الذِّبَّانُ فِي الْمَرَقِ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَسْرَعَ إِلَيْهِ، يَعْنِي مُؤَذِّنَهُمْ فَيُصَلِّي مَعَهُ». (^٥)\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٦/ ٤٧٠)\n (^٢) المُعْلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٣)\n (^٣) مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٢٠٠)\n (^٤) أما حج ابن عمر -﵁- مع الحجاج فقد راوه البخاري (١٦٦٠)، وأما أثر صلاته خلفه فقد رواها ابن أبي شيبة في المصنف. وقال عنه الألباني: سنده صحيح على شرط الستة. وانظر \"إرواء الغليل\" (٢/ ٣٠٣).\n (^٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٨٠٣)، وسنده صحيح.","vol":"2","page":1034},{"text":"قال الشافعي:\nصلَّى أصحاب رسول الله -ﷺ- خلف من لا يحمدون فعاله من السلطان. (^١)\nقال ابن حزم:\nطائفة الصحابة كلهم دون خلاف وجميع التابعين كلهم وجمهور أصحاب الحديث إلى جواز الصلاة خلف الفاسق، الجمعة وغيرها، وخلاف هذا القول بدعة محدثة، فما تأخر قط أحد من الصحابة الذين أدركوا المختار بن عبيد والحجاج وعبيد الله بن زياد عن الصلاة خلفهم، وهؤلاء أفسق الفسَّاق، وأما المختار فكان متهمًا في دينه مظنونًا به الكفر. (^٢)\n* وكذلك فقد نص أئمة السنة على إمضاء الغزو مع الأئمة، البر منهم والفاجر، وكل هذا لا يكون إلا مع من يُعتد بإمامته. (^٣)\nوقال ابن بطة:\nقد أجمعت العلماء من أهل الفقه والعلم والنُّسَّاك والعبَّاد والزهّاد من أول هذه الأمة إلى وقتنا هذا:\nأن صلاة الجمعة والعيدين ومنى وعرفات والغزو والجهاد مع كل أمير، برٍّ أو فاجرٍ. (^٤)\nعَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ -﵄- عَنِ الْغَزْوِ، مَعَ الْأُمَرَاءِ وَقَدْ أَحْدَثُوا فَقَالَ: «تُقَاتِلُ عَلَى نَصِيبِكَ مِنَ الآخِرَةِ، وَيُقَاتِلُونَ عَلَى نَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا». (^٥)\nأبو إسحاق، قال: سألتُ هشام عن الغزو مع هؤلاء الأئمة، وذكرت له ما طعن في الغزو ومعهم، فقال: كان الحسن وابن سيرين يقولان: لك أجره، وذخره، وشرفه،\n_________\n(^١) ا معرفة السنن والآثار (٢/ ٤٠٠)، باب: \"الصلاة خلف من لا يحمد حاله \".\n (^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١٠٧)\n (^٣) وانظر أصول السنة لأحمد (ص/٦٧) ورسالة إلى أهل الثغر (ص/١٦٨) والواسطية من \"مجموع الفتاوى\" (٣/ ١٥٨)\n (^٤) الشرح والإبانة (ص/١٩٩) وممن نقل هذا الإجماع: ابن زمنين في \"أصول السنة\" (ص/٢٨٨)، والطحاوي في \"عقيدته\" (ص/٧١)\n (^٥) مصنف ابن أبي شيبة (٣٤٠٥٨)","vol":"2","page":1035},{"text":"وفضيلته، وعليهم أثمهم. (^١)\nوقال سُلَيْمَانَ بْنِ قَيْسٍ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّه ﵁:\nيَكُونُ عَلَيْنَا الْإِمَامُ الْجَائِرُ الظَّالِمُ، أُقَاتِلُ مَعَهُ أَهْلَ الضَّلَالَةِ؟\nقَالَ: «نَعَمْ» ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]. (^٢)\n*الوجه الثالث: فعل الصحابة -﵃- والسلف مع أئمة الجور:\nومثال ذلك: لما تناقل أهل المدينة أخبارًا عن سوء أحوال يزيد بن معاوية وشربه للخمر فخلعوا بيعته، جَمَعَ ابْنُ عُمَرَرضي الله عنهما- حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ، فَقَالَ:\nإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ:\n... «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ القِتَالُ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ، إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. (^٣)\nوعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ، زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ:\nاطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺيَقُولُ:\n «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». (^٤)\n_________\n(^١) مسائل حرب الكرماني (ص/٢٢٦)\n (^٢) جزء حنبل بن إسحاق (ص/١١١) وسنده صحيح. وانظر تحقق المنة في شرح أصول السنة (ص/٣١٦)\n (^٣) متفق عليه. وقوله \" الفيصل بيني وبينه، أي القاطعة، وهي فيصل من فصل الشيء: إذا قطعه، وفي رواية أحمد (٥٠٨٨) \" فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ، وَلَا يُشْرِفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونَ صَيْلَمٌ بَيْنِي وَبَيْنَه \"، ومعنى \"صيلم\" أي قطيعة منكرة.\n (^٤) أخرجه مسلم (١٨٥١)\n\" عبد الله بن مطيع\": كان ممن خلع يزيد وخرج عليه يوم الحرة، وكان هو قائد قريش كما كان عبد الله بن حنظلة قائد الأنصار، إذ خرج أهل المدينة لقتال مسلم بن عقبة الذي بعثه يزيد لقتال أهل المدينة،\nوأخذهم بالبيعة له، فلما ظفر أهل الشام بأهل المدينة انهزم عبد الله ولحق بابن الزبير بمكة، وشهد معه\nقتال الحجاج.","vol":"2","page":1036},{"text":"وعن أبي جمرة قال:\nلمّا بلغني تحريق البيت خرجت إلى مكَّة، واختلفت إلى ابن عبَّاس -﵄- حتَّى عرفني، واستأنس بي، فسببت الحجَّاج عند ابن عبَّاس ﵁، فقال:\n\" لا تكن عونًا للشيطان \". (^١)\n-قال أنس بن مالك ﵁:\nنَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:\n «لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغِشُّوهُمْ، وَلَا تَبْغَضُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ». (^٢)\nولما وقعت فتنة القول بخلق القرآن، وجُد الإمام أحمد بغير حق إلا أن يقول القرآن كلام الله تعالى، غير مخلوق، ومع لم يخلع يدًا من طاعة.\nوقد راوده فقهاء عصره على الخروج على الأئمة، وبكلمة منه تموج الأرض بأسراب من البشر، ولكنه أبى وصبر، واحتسب وغفر، فحقنت بذلك دماء فئام من البشر.\n*قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله في ولاية الواثق فقالوا:\n\" يا أبا عبد الله، هذا الأمر قد تفاقم وفشا، ولسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فقال لهم:\n «عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماء المسلمين، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها\nبالصبر\". (^٣)\n*الوجه الرابع:\nأن الإجماعات منعقدة على عدم عزل الإمام بفسقه، مما يكون دليلًا على صحة بيعته، وعدم جواز الخروج عليه أو قتاله.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nمذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على\n_________\n(^١) رواه البخاري في تاريخه (٢٣٥٢)\n (^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١٠١٥) وابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٣١٤) وقال الألباني في \"ظلال الجنة\": إسناده جيد.\n (^٣) انظر السنة للخلال (٩٠) والإمامة عند أهل السنة (ص/٥٣٨)","vol":"2","page":1037},{"text":"الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم، إلى أن يستريح بر أو يستراح من فاجر. (^١)\nوممن نقل هذا الإجماع:\nالنووي وأبو الحسن الأشعري والقاضي عياض والكرماني وغيرهم. (^٢)\nولقد كان أئمة السنة يجعلون مسألة الخروج على الولاة أحد العلامات الفارقة بين أهل السنة، وأهل البدعة كما نص على ذلك ابن المديني، والبربهاري، وغيرهما.\n* وكان من أئمة الحديث من كان يترك الرواية عمن يقول بهذا المذهب:\n١ - ترك أبو مسهر عبد الأعلى الغساني الرواية عن محمد بن راشد لأنه يرى الخروج على الأئمة.\n٢ - قال ابن حجر: \"كان الحسن بن صالح يرى السيف على أئمة الجور\".\n٣ - قال أبو داود: \" علي بن أبي طلحة له رأي سوء، كان يرى السيف. (^٣)\n*الوجه الخامس:\nأن الناظر والمستقرئ لأحوال الخارجين على أئمة الجور لا يرى إلا فسادًا عمَّ البلاد والعباد، وفي هذا أبلغ رد على من يسعون إلى الإصلاح المتوهم من وراء الخروج على السلطان.\nقال الحسن البصري:\n\"لو أنَّ الناس إذا ابتُلوا من قِبَلِ سلطانهم بشيء دعوا الله أوشك الله أن يرفع عنهم، ولكنهم فزعوا إلى السيف فوُكلوا إليه، والله ما جاءوا بيوم خير قط، ثم قرأ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] \" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٤٤)\n (^٢) وانظر المنهاج (٦/ ٤٧٠) ورسالة إلى أهل الثغر (ص/ ٢٩٧) وإكمال المعلم (٦/ ٢٤٧) وإجماع السلف في الاعتقاد (ص/٤٥)\n (^٣) ومعنى قولهم \" فلان يرى السيف \": أي أنهم يجوِّز الخروج على أئمة الجور. وانظر تاريخ بغداد (١٣/ ٣٨٠) وتهذيب التهذيب (١/ ٤٩٣) وميزان الاعتدال (٣/ ١٣٤)\n (^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (رقم: ٨٨٩٧)، وابن سعد في \"الطبقات الكبير\" (٧/ ١٦٤)، والآجري في \"الشريعة\" (رقم: ٦٦). وسنده حسن.\nوانظر سلسلة الآثار الصحيحة أو الصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين (٢/ ٢٢٦)","vol":"2","page":1038},{"text":"قال أبو العباس ابن تيمية:\nولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ; لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته. (^١)\nوقال ابن القيم:\nونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة، وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا الصلاة؛ سدًا لذريعة الفساد العظيم، والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة فى بقايا تلك الشرور إلى الآن. (^٢)\nقال ابن خلدون:\nإنّ كثيرًا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدّين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والأمر بالمعروف رجاء في الثّواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم من الغوغاء والدّهماء، ويعرّضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السّبيل مأزورين غير مأجورين. (^٣) قال الشيخ ابن العثيمين:\nالحاكم لو كان أفسق عباد الله تعالى، عنده شرب خمر وغيره من المحرمات وهو فاسق، لكن لم يخرج من الإسلام، فإنه لا يجوز الخروج عليه، وإن فُسِّقَ؛ لأنَّ مفسدة الخروج عليه أعظمُ بكثير من مفسدة معصيته التي هي خاصة به. (^٤)\n_________\n(^١) منهاج السنة (٣/ ١٦٨)\n (^٢) إعلام الموقعين (٣/ ١٣٩)\n (^٣) مقدمة ابن خلدون (١/ ٢٠٠)\n (^٤) مجموع فتاوى ورسائل ابن العثيمين (٢٥/ ٣٧٠)","vol":"2","page":1039},{"text":"* والتاريخ خير شاهد:\nفالقارئ في وقائع الخارجين على أئمة الجور يرى أمورًا يندى لها الجبين، ويشيب منها الجنين:\nإنها واقعة الحرة المشهورة سنة ثلاث وستين من الهجرة، لما نقض أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية، وتهيأوا لقتاله. (^١)\nلكن قد انهزم أهل المدينة، ثم أباح مسلم بن عقبة، وهو أمير جيش يزيد، الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة- قبحه الله من شيخ سوء ما أجهله- المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد، لا جزاه الله خيرًا، يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال.\nوقتل خلقًا من أشرافها وقرائها، فقيل إنه قد قُتل سبعون رجلًا من المهاجرين، ومثلهم من الأنصار، ومن الناس ما يقرب من أربعة آلاف.\nووقعوا على النساء، حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج، ووقع شر عظيم وفساد عريض. (^٢)\n* فإن قيل:\nفما الجواب عمَّا وقع من حوداث الخروج على أئمة الجور، كخروج أهل المدينة على يزيد وخروج الحسين وابن الأشعث؟\nفالجواب:\n١ - أن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله،\nوكلٌ يؤخذ من قوله ويرد.\n٢ - ولو تنزلنا أن الخروج على أئمة الجور كان مذهبًا، فالأمر كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\" استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم. (^٣)\n_________\n(^١) الحرة موضع قريب من المدينة، ووقعة الحرة هذه هي الوقعة التي حصلت بين يزيد ابن معاوية وبين أهل المدينة لما خلعوه لما أخذوا عليه من فسق، فبعث إليهم من يردهم إلى الطاعة، وأنظرهم ثلاثة أيام، فلما رجعوا قاتلهم واستباح المدينة ثلاثة أيام. البداية والنهاية (٨/ ٢٣٢).\n (^٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٢١) والكامل في التاريخ (٤/ ١١١) والإمامة والسياسة لابن قتيبة (ص/٨٩)\n (^٣) منهاج السنة (٢/ ٢٤١)","vol":"2","page":1040},{"text":"قال القاضي عياض:\nوقد ادَّعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع -أي على عدم الخروج على أئمة الجور، وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله أن لا ننازع الأمر أهله في أئمة العدل.\nوحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق، بل لما غيَّر من الشرع، وظاهر من الكفر، وقيل إن هذا الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم. (^١)\n* فإن قيل:\nأليس من شروط الإمام أن يكون عدلًا، فكيف نقر بالإمامة لفاسق؟\nفالجواب:\nأننا لا بد أن ننتبه للفرق بين أمرين:\nالأول:\nقد انعقد الإجماع على عدم جواز عقد الإمامة لفاسق، كما نقله القرطبي فقال:\nلا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق \". (^٢)\nالثاني:\nقد انعقد الإجماع الأول عدم عزل الإمام لفسقه، وأنه لا تسقط بذلك ولايته.\nقال القاضي عياض:\nفلو طرأ على الخليفة فسق؛ قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك. (^٣)\nفالقاعدة هنا: \" يُغتفر في الاستدامة ما لا يُغتفر في الابتداء\"\n*شبهة والجواب عليها:\nعَنْ طَارِقٍ بن شهاب -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ -\n_________\n(^١) المنهاج للنووي (٦/ ٤٧٠)، وانظر الجامع الرائق (ص/٤٧٩)\n (^٢) وانظر الجامع لِأحكام القرآن (١/ ٢٧٠) وغياث الأمم (ص/٢٣٣)\n (^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٦/ ٤٧٠)","vol":"2","page":1041},{"text":"فَقَالَ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \" كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ \". (^١)\nأليس هذا يصلح أن يكون دليلًا على جواز الخروج على الحاكم الجائر؟\n*الجواب:\nأن قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"كلمة حق عند سلطان جائر \": تقتضي كون النصيحة للإمام عنده، وذلك على معنى \"عندية المكان\"، وهى الحضور الحسي والقرب، فليس تأويل الحديث أن يكون النصح على الملأ، ولابالجهر على المنابر، ولا في المحافل، فضلًا أن يكون بالخروج على السلطان والتشهير به، وتأليب العامة عليه.\nفكلمة الحق عند السلطان الجائر، والتي هي أفضل الجهاد، لها ضوابط قد حددها الشرع، ولم يطلق لها العنان فتكون أداة لجلب المفاسد على الأمة.\nفعن عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ -﵁- أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال:\n\" مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ \". (^٢)\n* وقد ورد في رواية جابر -﵁ - أن النبي - ﷺ - قَالَ:\n «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَالَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ» (^٣)\n*وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍرضي الله عنه- لما قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟\nفَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟!، وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٨٢٨) وصححه الألباني في \" الصحيحة \" (٤٩١)\n (^٢) أخرجه ابن أبي عاصم (١٠٩٦) باب: كيف نصيحة الرعية للولاة؟، وأحمد (١٥٣٣٣) والحاكم (٥٢٦٩) وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وصححه الألباني في ظلال الجنة (ص/٤٧٧) وانظر الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٦٣١)\n (^٣) أخرجه الحاكم (٤٨٨٤)، وقال: \"صحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ \"، وانظر\" الجامع الرائق في معاملة أهل السنة للحاكم الفاسق\" (ص/٤٦٥)\n (^٤) أخرجه مسلم (٢٩٨٩)","vol":"2","page":1042},{"text":"وهكذا يجب أن يعاتب الكبراء والرؤساء، يعظَّمون في الملأ إبقاءً لحرمتهم، ويُنصحون في الخلاء أداءً لما يجب من نصحهم؛ لأنَّه اتقى ما يكون عن المجاهرة بالإنكار والقيام على الأئمة؛ لعظيم ما يطرأ بسبب ذلك من الفتن والمفاسد، فينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد. (^١)\nوقد سئل ابن عباس - ﵄- عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال:\n\" إن كنت فاعلًا ولابد، ففيما بينك وبينه \". (^٢)\nقال ابن القيم:\nومن دقيق الفطنة أنك لا تردَّ على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته على نصرة الخطأ، وذلك خطأ ثانٍ، ولكن تلطّف في إعلامه به، حيث لا يشعر به غيره. (^٣)\nقال هارون الرشيد: يا أصمعي، وقرّنا في الملإ، وعلمنا في الخلاء. (^٤)\n\n*إنها<span data-type=\"title\" id=toc-238> وسطية الأمة مع الأئمة:</span>\nفترى الخوارج والمعتزلة قد جعلوا نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلًا عندهم تجويز الخروج على أئمة الجور، وهو الأصل الخامس من أصول المعتزلة: الذي هو: \"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\"، والذي يتضمن الخروج بالسيف على أئمة الجور.\n- وعلى الجانب الآخر:\nترى المرجئة يقولون بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأئمة بكل حال؛ وذلك درءًا للمفاسد، ويدخل معهم الرافضة، الذين يقدِّسون الأئمة، ويجعلونهم ممن لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم، ولا من خلفهم.\nوأما أهل السنة فيعملون بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الضوابط\n_________\n(^١) وانظر المفهم (٦/ ٦٢٠) والسيل الجرار (ص/٦٩٥)\n (^٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٣٠٧)، والبيهقي في \"الشعب \" (٧١٨٦). سنده حسن لذاته.\n (^٣) الطرق الحكمية (ص/٣٨)\n (^٤) تاريخ بغداد (١٦/ ٩)","vol":"2","page":1043},{"text":"الشرعية، التى تثمر ولا تفسد.\n* تنبيه في الختام:\nمن الأقوال المحدثة التى تتعلق بمسألة الباب القول بشغور الزمان عن الإمام، والاعتقاد أن هذا الزمان قد خلا عن الإمام الشرعى الذي يُسمع له ويطاع، بل الحاكم عندهم هو موظف بعقد بينه وبين الرعية، وهو معيَّنٌ من قِبل الشعب.\nلذا تراهم يحدثون جماعات للقيام بفروض الكفاية، ويجعلون البيعة بلسان الحال أو المقال لرئيس هذه الجماعة!!\n* نقول:\nولا شك أن ذلك من محدثات الأمور؛ فالذي عليه جمهور أهل العلم هو أن الأئمة والولاة الآن فى الدول الإسلامية أئمة شرعيون، وإن تعددت الولايات والأقطار، وأن هذا الزمان لم يخل عن الإمام، وأن من تولَّى الإمامة أو رئاسة البلاد بأى صورة من الصور التى يثبتها أهل السنة فإمامته صحيحة، ومنها أن يتغلَّب على الإمامة بالقوة والسيف فهو حاكم شرعي، وولى أمر يُسمع له ويطاع، وإن لم يكن مستجمعًا للصفات المطلوبة شرعًا فى الإمام.\nقال الشوكاني:\nبعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدُّد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه. (^١)\n*وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين -﵀- عمَّن يدَّعي أن البيعة لا تكون إلا للإمام الأعظم.\n*فقال: لا شك أن هذا خاطئ، وإذا مات صاحبه فإنه يموت ميتة جاهلية؛ لأنه سيموت وليس في رقبته بيعة لأحد.\n_________\n(^١) السيل الجرار (٤/ ٥١٢)","vol":"2","page":1044},{"text":"فإذا لم يوجد خليفةٌ للمسلمين عمومًا فمن كان ولي أمر في منطقة فهو ولي أمرها، وإلا لو قلنا بهذا الرأي الضال - أي أن البيعة لا تكون إلا للإمام الأعظم - لكان الناس الآن ليس لهم خليفة، ولكان كل الناس يموتون ميتة جاهلية، ومن يقول بهذا؟!\nفقد تفرقت الأمة الإسلامية من عهد الصحابة ﵃، وتعلمون أن عبد الله بن الزبير في مكة، وبنو أمية في الشام، وكذلك في اليمن أناس، وفي مصر أناس، وما زال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هو فيه، ويبايعونه ويدعونه بأمير المؤمنين، ولا أحد ينكر ذلك. (^١)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) لقاءات الباب المفتوح (الشريط: ١٢٨)","vol":"2","page":1045},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>الحديث السادس والثلاثون: ردع الجاني على حديث إن الله أفتاني</span>","vol":"2","page":1047},{"text":"*نص حديث الباب:\nعَنْ عَائِشةَ -﵂- قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى كانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا وَدَعَا، ثُمَّ قَالَ:\n\" أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي، أَتَانِي رَجُلَانِ: فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟\nقَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، قَالَ: فِيمَا ذَا، قَالَ: فِي مُشُطٍ وَمُشَاطةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ فَأَيْنَ هُوَ؟\nقَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ \".\nفَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ -﵂- حِينَ رَجَعَ:\n «نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ» فَقُلْتُ اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقَالَ:\n «لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ، وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا»، ثُمَّ دُفِنَتِ البِئْرُ. (^١)\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٥٧٦٣)، كتاب الطب: \" باب السحر \"\nومسلم (٢١٨٩)، كتاب السلام: \"باب السحر \"\n_________\n(^١) شرح غريب الحديث:\nقوله ﷺ: \" أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي \": أي أجابني فيما طلبته. =\n=قوله \" مطبوب \": أي مسحور، يقال: طبه إذا سحر، وذلك لأحد وجهين:\nأ - الأول: أن الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء طب، والسحر من الداء، ويقال له طب.\nب- الثاني: أنه يُكني بالطب الذي هو للعلاج عن السحر، كما يُكني بالسليم عن اللديغ تَطَيُّرًا من اللدغ إلى السلامة، ويُكني عن الفلاة، وهي المهلكة بالمفازة، تَطَيُّرًا من الهلاك إلى الفوز والنجاة.\nو\" المشاطة \": ما يسقط من الشعر عند امتشاطه.\nوانظر مطالع الأنوار (٤/ ٦٣) وشرح السنة للبغوي (٦/ ٢٨٠) ونيل الأوطار (٧/ ٢١٢)","vol":"2","page":1049},{"text":"* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:\n\n١ - الفائدة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-241> هل السحر حقيقة أم خيال</span>؟\nذهب بو إسحاق الإسفراييني من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وعامة المعتزلة وابن حزم الظاهري إلى أن السحر كله ضرب من التمويه والإيهام والتخييل، ولا حقيقة له. (^١)\n* ومما استدلوا به على ذلك:\nقوله تعالى (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦» (طه/٦٦)، وقوله تعالى (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦» (الأعراف: ١١٦)\n* والصحيح في ذلك هو الذي عليه مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة أن السحر له حقيقة، كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة.\nفإن السحر عبارة عن عزائم ورُقى وعُقد تؤثر في بدن المسحور بالقتل أو بالمرض، أو بالإخلال بعقله، أو بالتفرّيق بين الزوجين، أو يأخذ الزوج عن زوجته، فلا يستطيع الوصول إليها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ يعني: السواحر.\nفالساحر يعقد العقد بالخيط ثمّ ينفث فيها من ريقه، ويستعين بالشيطان، ويؤثِّر هذا بإذن الله -تعالى- في المسحور إما قتلًا، وإما مرضًا، وإما تفريقًا بين المرء وزوجه، وإما أن يمنعه عن زوجته فلا يستطيع الوصول إليها.\nإذن فالسحر له حقيقة، ويؤثر في بدن المسحور، ولكنه لا يؤثِّر إلاَّ بإذن الله القدريّ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾، أي: إذن الله -تعالى- القدريّ الكونيّ. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر مفاتيح الغيب (٣/ ٦٢١) والمحلَّى (١/ ٣٦) نهاية المحتاج (٧/ ٣٩٩) وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢٠٢).\n (^٢) إعانة المستفيد (ص/٣٢٣)","vol":"2","page":1050},{"text":"* ومن أدلة ذلك ما يلي:\n١ - أولًا: أدلة القرآن:\n١ - قَال تَعَالَى ﴿قُلْ أَعُوْذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾ (الفَلَق: ٥)\nووجه الدلالة:\nوالنفاثات هنَّ السواحر اللاتي ينفثن في عُقَدِ الخيط حين يرقين عليها، والنَّفْث هو ما كان دون التفل، وهو نفخ بلا ريق.\nوالشاهد أن الله -تعالى- لما أمر بالاستعاذة من شر النفاثات، عُلم أن لهنَّ تأثيرًا وضررًا على الحقيقة، فلولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله -تعالى- بالاستعاذة منه.\nيقَولَ الشَّاعِرُ:\n\" أعُوذُ برَبِّي من النَّافِثاتِ... ومن عَضَهِ العاضِهِ المُعْضِهِ \". (^١)\n*وقد ورد في سبب نزول المعوذتين ما رواه زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ -﵁قَالَ:\n\" سَحَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فنزل عليه بالمعوذتين، فَقَالَ:\nإِنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَاسْتَخْرَجَهَا فَجَاءَ بِهَا إِلَيْهِ فَحَلَّلَهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ. (^٢)\nوقد نقل القرطبي اتفاق المفسرين على أن سبب نزول المعوذتين ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو اليهودي الذي سحر رَسُولَ اللهِ - ﷺ -.\n_________\n(^١) العضاه: من شجر الشوك كالطلح والعوسج، وقال الكاسائي: \" العِضَةُ \": الكذب والبهتان والسحر والنميمة،\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]\nوالمعنى أن المشركين فرقوا أقاويلهم فيه، فجعلوا القرآن كذبًا وسحرًا وكهانة، والعاضة: الساحرة.\nومنه قوله ﷺ: «ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس»، رواه مسلم (٢٦٠٦).\nوانظر مختار الصحاح (ص/٢٣٠) والمصباح المنير (ص/٢٤٧) وتأويل مختلف الحديث (ص/٢٥١)\n (^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٣٥٢٩) والطحاوي في مشكل الأثار (٥٩٣٥) وسنده صحيح.\nوانظر أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٩٩٦) والاستيعاب في بيان الأسباب (٣/ ٥٨٩)","vol":"2","page":1051},{"text":"قال ابن عباس -﵄- في قوله تعالى:\n... (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)، قال: ما خالط السِّحْرَ من الرُّقَي، وقال الحسن: \" النفاثات \" السواحر. (^١)\nقال ابن القيم:\nالنفاثات في العقد هنَّ السواحر اللاتي يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر، والنفث فعل الساحر فإذا تكيَّفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيقع فيه السحر بإذن الله -تعالى-الكوني القدري. (^٢)\nفلو كان السحر ليس بحقيقة -كما يزعم النفاة- لما أثّر في المسحور ولما تسبَّب في قتله، ولما أمرضه، ولما فرّق بينه وبين زوجه، فدلّ على أنه حقيقي، وعمل شيطاني، لأنه عُقد وعزائم، ولهذا يقول تعالى لنبيه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾.\n٢ - قال تَعَالَى ﴿فَيَتَعَلَّمُوْنَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُوْنَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّيْنَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ (البَقَرَة: ١٠٢)\nفقد ذكرت الأيه السحر وتعليمه، وأنهم يعلمونه الناس، فدل على أن له حقيقة، وأنه يؤثِّر ويفرِّق بين المرء وزوجه بإحداث البغضاء، ولو لم يكن له حقيقة لم يؤثِّر البغضاء، وإنما يقع أثره بإذن الله -تعالى- القدري الكوني.\nوهذا موافق في الدلالة لما روى سَعْدُ بن أبي وقاص -﵁ - عن النبي -ﷺ-\nأنه قال: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ». (^٣)\nفأثبت ضررًا بالسحر، كما هو واقع بالسم، وبالمفهوم فإن الضرر قد يقع لمن لم يأخذ بأسباب الشفاء.\n_________\n(^١) وانظر الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٢) وجامع البيان في تأويل القرآن (٢٤/ ٧٠٤)\n (^٢) بدائع الفوائد (٣/ ١٧) وانظر فيض القدير (٣/ ١٤٤)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":1052},{"text":"*ثانيًا: أدلة السنة: ومنها:\n١ - حديث الباب:\nوذلك في قول عائشة ﵂: \" يخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ\"، وقوله ﷺ: \" أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ \"، وفي رواية زيد بن أرقم: \" فَجَاءَ بِهَا، أي عقد السحر، فَحَلَّهَا، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ \". (^١)\nوقد ظل النبي -ﷺ- يعانى من أثر ذلك السحر ستة أشهر.\nفقد نقل ابن حجر عن السهيلي قوله:\nلم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبي -ﷺ - فيها في السحر، حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري أنه لبث ستة أشهر \"، ثم قال ابن حجر: وقد وجدناه موصولًا بإسناد الصحيح، فهو المعتمد. (^٢)\nوعليه فإن للسحر أثرًا، ومنه يقع الشفاء، ومثل هذا لا يكون إلا لشيء حقيقي له تأثير على البدن.\n٢ - وعَنْ عَمْرَةَ أَنَّ عَائِشَةَ﵂- أَصَابَهَا مَرَضٌ، وَأَنَّ بَعْضَ بَنِي أَخِيهَا ذَكَرُوا شَكْوَاهَا لِرَجُلٍ يَتَطَبَّبُ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُمْ لَيَذْكُرُونَ امْرَأَةً مَسْحُورَةً سَحَرَتْهَا جَارِيَةٌ. (^٣)\nقال ابن عبد البر:\nفي حديث عائشة -﵁- أن السحر حق، وأنه يؤثر في الأجسام، وإذا كان هذا لم يؤمن منه ذهاب النفس. (^٤)\n* الإجماع:\nقال القرافي:\nكان السحر وخبره معلومًا للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٢٦٧) والنسائي (٤٠٨٠) قال الألباني: \"صحيح الإسناد\"\n (^٢) فتح الباري (١٠/ ٣١٩)\n (^٣) أخرجه أحمد (٢٤١٢٦) وعبد الرزاق (١٨٧٥٠) والحاكم (٧٥١٦) وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\"، وصححه الحافظ في \"تلخيص الحبير \" (٤/ ١١١) وصححه محققو المسند.\n (^٤) الاستذكار (٨/ ١٥٩)\n (^٥) أنوار البروق في أنواء الفروق (٤/ ١٢٩٨)","vol":"2","page":1053},{"text":"قال القرطبي:\nالسحر مقطوع به بإخبار الله- تعالى - ورسوله على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. (^١)\nقال الخطابي:\nالسحر ثابت وحقيقته موجودة، وقد اتفق أكثر الأمم على إثباته، وقد ذكر الله -﷿- أمر السحر في كتابه في قصة سليمان، وأمر بالاستعاذة منه، فقال: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾، وورد في ذلك عن النبي - ﷺ- وعن الصحابة - ﵃- أخبار كثيرة لا ينكرها لكثرتها إلا من أنكر العيان، وجحدوا الضرورة. (^٢)\n* الرد على المخالف:\nأما القول بنفي وجود أصل السحر فهو قول مخالف للمسلمين واليهود والنصارى وجميع أهل الكتب، ومخالف للأمم كلها، ومخالف للقرآن معاند له بغير تأويل، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن اسم الساحر اسم معروف في جميع الأمم. (^٣)\nوكانت قريش تعرف السحر، بل ورمت به رسول الله ﷺ، كما في قوله تعالى\n (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢» (القمر: ١ - ٢). وقال تعالى عن تكذيب الوليد بن المغيرة للرسول ﷺ (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥» (المدثر: ٢٤ - ٢٥)\n* وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال:\n\"انشقَّ القمرُ بمكةَ حتى صار فرقتين، فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ اِبْنُ أَبِي كَبْشَةَ، اُنْظُرُوا السُّفَّارَ، فَإِنْ كَانُوا رَأَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ، فَهُوَ سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ، قَالَ: فَسُئِلَ السُّفَّارُ، وَقَدِمُوا مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ، فَقَالُوا: رَأَيْنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ سَحَرَنَا، فَمَا\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٢)\n (^٢) أعلام الحديث (٢/ ١٥٠٠)\n (^٣) وانظر \"النبوات\" (ص/٢٧٢) و\"تأويل مختلف الحديث\" (ص/٢٥٢)","vol":"2","page":1054},{"text":"يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ \". (^١)\nقال ابن القيم:\nقد دل قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر، وأن له حقيقة، وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وقالوا إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد، قالوا وإنما ذلك تخيُّل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك.\nوهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء، والسحر الذي يؤثر مرضًا وثقلًا وحلًا وعقدًا وحبًا وبغضًا وتزيينًا، وغير ذلك من الآثار موجود تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقًا بما أصيب به منه. (^٢)\n* أما استدلال المخالف بقوله تَعَالَى: \" يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى\"، وقوله تعالى: \"سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ\"\nفيقال:\nإن السحر التخييلى قسم من أقسام السحر، وهو خيال وشعوذة، وهو ما يسمّى بالقُمْرة، فالساحر يخيِّل للناس شيئًا وهو ليس حقيقة، كأن يخيِّل للناس أنه دخل في النار، أو مشى على حبل، وليس الأمر كذلك، أو يخيِّل للناس أنه يطعن نفسه بالسلاح ولا يؤثِّر فيه، وليس كذلك، والحقيقة أنه عمل شيئًا من التخييل فأثر به على الأبصار.\nفإن سحر التخيلات والأخذ بالعيون مبني على أن القوة الباصرة قد ترى الشئ على خلاف ما هو عليه في الحقيقة لبعض الأسباب العارضة.\nولأجل هذا كانت أغلاط البصر كثيرة، ألا ترى أن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة، والشط متحركًا.\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في \"شرح الأصول\" (١٤٦٠) والبيهقي في \"الاعتقاد \" (ص/٣٠٩)، وأصل الحديث عند البخاري (٣٦٣٦)، وانظر تغليق التعليق (٤/ ٨٨) والصحيح المسند من أقوال الصحابة (١/ ٢٨٥)\n (^٢) بدائع الفوائد (٣/ ٢٣)","vol":"2","page":1055},{"text":"ومن هذا الباب ما ورد عن قوم فرعون أنهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، فقد سحروا الأعين فقط، وذلك بما يفعلونه من الحِيَل، ويجعلون في العِصِيّ التي معهم ما يحرّكها، ويجعلها كأنها حيّة، وهي ليست كذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، حيث حشوَّها بشيء من الزِّئْبق، الذي يتمدد مع حرارة الشمس فيظهر للرائي أن الحبال صارت حيَّات تتحرك.\nقال ابن حجر:\nوقوله ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، (طه: ٦٦) عمدة من زعم أن السحر إنما هو تخييل! ولا حجة له بها؛ لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن جميع أنواع السحر تخييل. (^١)\n٢ - الفائدة الثانية:\nهل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟\nلا شك أن السحر يؤثر بلا شك وله حقيقة، كما سبق بيان أدلة ذلك، لكنه لا يؤثر بقلب الأعيان إلى أعيان أخرى; لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عزوجل، وإنما يخيَّل إلى المسحور أن هذا الشيء انقلب وهذا الشيء تحرك أو مشى وما أشبه ذلك، كما جرى لموسى﵇ - أمام سحرة فرعون، حيث كان يخيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوأما قلب الأعيان إلى ما ليس في طبعها الانقلاب إليه، كمصير الخشب حيوانًا حساسًا متحركًا بالإرادة، يبلع عصِّيًا وحبالًا ولا يتغير، فليس هذا من جنس مقدور البشر، لا معتادًا ولا نادرًا، ولا يحصل بقوى نفس أصلًا؛ ولهذا لما رأى سحرة فرعون ذلك، علموا أنه خارج عن طريقة السحر ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. (^٢)\nقال القرطبي:\nوالحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب، كالحب\n_________\n(^١) وانظر فتح الباري (١٠/ ٣١٧) أنوار البروق في أنواء الفروق (٣/ ١٢٩٩)\n (^٢) الصفدية (١/ ١٣٨)","vol":"2","page":1056},{"text":"والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر. (^١)\nقال البغوي:\nوالسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة وعليه أكثر الأمم، ولكنَّ العمل به كفر...، وقيل: إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار، ويجعل الحمار على صورة الكلب، والأصح أن ذلك تخييل، قال الله تعالى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه: ٦٦]\nلكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت أو الجنون، وللكلام تأثير في الطباع والنفوس، وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يُحَمُّ منه، وقد مات قوم بكلام سمعوه، فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في الأبدان. (^٢)\n* ويمكن تلخيص هذه المسألة في طرفين ووسط:\n١ - طرف لا خلاف فيه: أن تأثير السحر يبلغه، كالتفريق بين الرجل وامرأته، وكالمرض الذي يصيب المسحور من السحر، ونحو ذلك.\n٢ - وطرف لا خلاف فيه: أن تأثير السحر لا يمكن أن يبلغه، كإحياء الموتى، وفلق البحر، ونحو ذلك.\nقال القرطبي:\nأجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله -تعالى- عنده إنزال الجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون لا يفعله الله -تعالى- عند إرادة الساحر. (^٣)\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٣١٤)\n (^٢) معالم التنزيل (١/ ١٤٨)\n (^٣) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٣)","vol":"2","page":1057},{"text":"٣ - وأما الواسطة فهي قلب السحر للأعيان:\nفلا شك أن الله -تعالى- قادر على أن يفعل جميع ذلك، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأما بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم عليه دليل مقنع.\nفغالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة، والأخذ بالعيون، لا قلب الحقيقة مثلًا إلى حقيقة أخرى، والله تعالى أعلم. (^١)\n٣ - الفائدة الثالثة: في حكم السحر والساحر:\nوأما السحر فهو أمر محرَّم بالكتاب والسنة والإجماع، وغالبه لا يحصل إلا بالشرك بالله عزوجل؛ وهذا هو سبب إدراج العلماء لباب السحر ضمن أبواب الاعتقاد.\nوبيان ذلك أن السحر أحد أهم رؤوس الاستمتاع المتبادل بين الجن والإنس، كما قال تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ (الأنعام: ١٢٨)\nفإنَّ الشياطين لا تخدم الإنسان غالبًا إلا لمصلحة، ومعلوم أن مصلحة الشيطان أن يغوي بني آدم بالوقوع في الشرك والمعاصي.\nوكذلك تتحقق مصلحة الأنسي بتسخير الجني واستعماله ليحقق له الجني ما يشاء من إيذاء الناس وإضرارهم.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nفإذا تقرَّب صاحب العزائم والأقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إلى الشياطين بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض أغراضه، ولهذا كثير من هذه الأمور\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٥٩)","vol":"2","page":1058},{"text":"يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة، وقد يقلبون حروف كلام الله ﷿، فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على بعض أغراضهم. (^١)\n* ونذكر من أدلة كفر الساحر:\n١ - قال تعالى (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) (البقرة: ١٠٢)\nقال ابن حجر:\nوقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه...، وهو التعبّد للشياطين أو للكواكب، وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به مَن تعلمه أصلًا.\nوقال ﵀:\nوفي إيراد المصنف -أي البخاري- هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر؛ لقوله فيها (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)؛ فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر. (^٢)\n* وقال تعالى (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) وهذا الوعيد لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، وكفى بدخول الجنة خَلاقًا، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.\nوقال تعالى (إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩» (طه: ٦٩)\nقال الشنقيطي:\nالفعل في سياق النفي من صيغ العموم... فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى..) يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله \" حَيْثُ أَتَى \"، وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٣٤) البِرطيل: بكسر الباء، هي الرشوة،. وانظرالمصباح المنير (ص/٣١)\n (^٢) المصدر السابق (١٠/ ٣١٦)","vol":"2","page":1059},{"text":"ينفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عمَّن لا خير فيه، وهو الكافر. (^١)\n* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّﷺ - قَالَ:\n «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:\n «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ». (^٢)\nوعَنْ أبِي مُوسَى الأشعريرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ:\n\" ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَقَاطِعُ رَحِمٍ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ \". (^٣)\nقال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع. (^٤)\n* أما حكم الساحر:\nاختلف العلماء فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد أنه يكفر بذلك، إلا أن من أصحاب أبي حنيفة من فصَّل ذلك، فقال إن تعلمه ليتقه أو ليتجنبه فلا يكفر بذلك، وإن تعلمه معتقدًا لجوازه أو معتقدًا أنه ينفعه فإنه يكفر، ولم ير الإطلاق، وإن اعتقد أن الشياطين تفعل ما يشاء فهو كافر.\nوذهب الشافعي إلى أنه يقال للساحر صف سحرك، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب، وإلا قتل، وأخذ ماله فيئًا، وإن كان ما يسحر به كلامًا لا يكون كفرًا، وكان غير معروف، ولم يضر به أحدًا نهي عنه، فإن عاد عُزِّر. (^٥)\n* وتحقيق ذلك أن يقال:\n١ - إن كان السحر مما يعظَّم فيه غير الله تعالى، كالكواكب والجن، أو يتضمن أنواعًا من المكفرات الاعتقادية والقولية والعملية، كأن يعتقد نفع الشياطين وضررهم\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٣٩)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه أحمد (١٩٥٦٩) قال الهثيمي في المجمع (٥/ ٧٤) \"رجاله ثقات\"\n (^٤) المنهاج للنووي (٧/ ٤٣٢)\n (^٥) وانظر الأم (٢/ ٢٣٥) والمحلى (١١/ ٥٠٥) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص/٤٩٩)","vol":"2","page":1060},{"text":"بغير إذن الله تعالى، أو يعتقد أن الكواكب مدبرةً لأمر العالم، أو ينطق بكلمة الكفر كسب الله تعالى، أو الاستهزاء برسوله ﷺ، فهذه الأقسام بلا شك من السحر المخرج من الملة.\nوكذلك إذا تضمن هذا السحر شركًا في توحيد العبادة، فمن ذلك أن يدعو غير الله - تعالى- فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو يستعيذ بالشياطين أو يذبح لهم، أو يتقرب إليهم بالنذور، وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع.\nومن هذا النوع سحر هاروت وماروت، كما في قوله تعالى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، وقوله تعالى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]\n٢ - وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو معصية كبيرة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر؛ فإن هذا في الحقيقة ليس سحرًا، وإن سمِّي سحرًا فعلى سبيل المجاز، كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته، ويعزَّر من يفعله تعزيرًا بليغًا. (^١)\nوللإمام النووي عبارة جامعة في حكم السحر حيث قال:\nقد يكون السحر كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصيته كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عُزِّر واستتيب. (^٢)\n* أما عن حكم قتل الساحر:\nفقد ورد عن نفر من الصحابة - ﵃ - أنهم أمروا بقتل السحرة، ولم يعرف لهم مخالف في ذلك.\n_________\n(^١) وانظر أضواء البيان (٤/ ٥٠) وتيسير العزيز الحميد (ص/٣٨٤)\n (^٢) المنهاج للنووي (٧/ ٤٣٠)","vol":"2","page":1061},{"text":"قَالَ أحمد: فثلاثة من أصحاب النبيﷺ - فِي قتل الساحر. (^١)\n* قال بَجَالة التميمي: أتى كتابُ عمر -﵁- قبل موتهِ بسنةٍ:\n\" أنِ اقتلوا كلَّ ساحرِ، قال: فقَتَلْنَا ثلاثَ سواحِرَ \". (^٢)\nيقول ابن قدامة تعليقًا على هذا الأثر:\nوهذا اشتهر فلم ينُكَر، فكان إجماعًا. (^٣)\n*وقال جُنْدُبِ بن عبد الله ﵁: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ». (^٤)\nقال الترمذي بعد أن روى هذا الأثر مرفوعًا:\nوالصحيح عن جندب موقوفًا، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ- وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس.\n* عن أبي الأسود أن الوليد بن عقبة كان أميرًا بالعراق، وكان بين يديه ساحر يلعب، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به، فيقوم خارجًا فيرتدّ فيه رأسه، فقال الناس: سبحان اللَّه، يحيي الموتى!\nورآه رجل صالح من المهاجرين -وهو جندب بن كعب الأزدي -فنظر إليه، فلما كان من الغد اشتمل على سيفه، فذهب يلعب لعبة ذلك فاخترط الرجل سيفه، فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقًا فليحي نفسه، ثم قرأ: \" أتأتون السحر وأنتم تبصرون \". (^٥)\n* وعن ابن عمر - ﵄ - قال:\nإن أم المؤمنين حفصة - ﵂ - سحرتها جارية لها، فأقرَّت بالسحر وأخرجته فقتلتها، فبلغ ذلك عثمان - ﵁- فغضب، وإنما كان غضبه\n_________\n(^١) أحكام أهل الملل (ص/٤٦٥)\n (^٢) أخرجه أحمد (١٦٥٧) والشافعي في \"الرسالة\" (١١٨٣)، قال أحمد شاكر: \" إسناده صحيح \"، وانظر الصحيح المسند من أقوال الصحابة (٢/ ١٣٨) والأثار الواردة عن السلف في العقيدة (١/ ١٤٤)\n (^٣) انظر المغني (١٢/ ٣٠٠).\n (^٤) أخرجه الترمذي (١٤٦٠) وممن صحح وقفه: الترمذي في سننه، والذهبي في الكبائر (ص/٢٣) وابن القيم في الزاد (٥/ ٥٧)\n (^٥) وانظرالإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٦١٦) وأسد الغابة (١/ ٣٠٥) قال الألباني: \"هذا إسناد صحيح موقوف\". وانظر السلسلة الضعيفة (٣/ ٦٤٢)","vol":"2","page":1062},{"text":"لقتلها إياها بغير أمره. (^١)\nقال مالك:\nالساحر الذي يعمل السحر، ولم يعمل ذلك له غيره أرى أن يقتل ذلك، إذا عمل ذلك هو نفسه. (^٢) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\nأكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحفصة بنت عمر، وعبد الله بن عمر، وجندب بن عبد الله. (^٣)\nولا شك أن قتل الساحر إنما شُرع لأنه يُفسد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فالسحرة مفسدون في الأرض يجب قتلهم.\nوالقول بقتلهم موافق للقواعد الشرعية، كما ورد في قوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ...) (المائدة: ٣٣)\nفهم بلا شك ممن يسعون في الأرض فسادًا، وفسادهم من أعظم الفساد.\nوفساد السحرة قد تعدَّى بني آدم وتجاوزهم حتى وصل إلى إيذاء البهائم.\nقال أبو حيَّان:\nحدثني ثقة أنه رأى عند بعضهم خيطًا أحمر قد عُقِدَتْ فيه عقد على فُصلان، فمنعت من رضاع أمهاتها بذلك، فكان إذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع. (^٤)\nفإن كان سحره كفرًا فقد وجب قتله لردّته.\nقال الشافعي:\nوأمرَ عمر - ﵁- أن تقتل السُّحار - والله أعلم - إن كان السحر\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (١٥٦٧)، ووصله عبد الله بن أحمد في مسائله (١٥٤٣)، وصححه ابن القيم في الزاد (٥/ ٥٧)\n (^٢) الموطأ (ص/٦٢٠)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٣٨٤)\n (^٤) البحر المحيط في التفسير (١٠/ ٥٧٦)","vol":"2","page":1063},{"text":"شركًا، وكذلك أمر حفصة ﵂. (^١)\nوإن كان سحره دون ذلك فالأمر مرجعه إلى ولي الأمر:\nأ- إن رأى استشراء شرهم واسْتفحَال فسادهم، ورأى أن المصلحة في قتلهم حدًا فله ذلك، ويكون ذلك من باب قتل الصائل؛ وذلك لدفع أذاه وفساده في الأرض.\nب- وإن رأى تعزيرهم بما هو دون ذلك فالأمر إليه.\nقال عمر بن السَّنَامي:\nوفي الخانية رجل يتخذ لعبة ليفرق بين المرأة وزوجها بتلك اللعبة قالوا هو مرتد يحكم بردته، ويقتل إذا كان يعتقد لها أثرًا، ويعتقد التفريق من اللعبة لأنه كافر. (^٢)\nقال ابن العثيمين:\nقتلهم -أي السحرة- واجب على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم; لأن مثل هؤلاء إذا تركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قُتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر. (^٣)\n*فإن قيل:\nقد ترك النبي - ﷺ - لبيد بن الأعصم اليهودي حين سحره، ولم يقتله!\n* وجوابه من وجوه:\nالأول:\nأن اليهودي لم يقر بما فعل، ولم تقم عليه بينة، وبأنه خشي - ﷺ - أن يثير على الناس شرًا بترك إخراج السحر من البئر، فكيف لو قتله؟! (^٤)\n* قلت:\nومن هذا الباب تركه ﷺ قتل ابن سلول الذي قال:\n\" أَمَا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَامَ عُمَرُ - ﵁ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ؟\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\" دَعْهُ يَا عُمَرُ، لَا\n_________\n(^١) ذكره البيهقي في الكبرى (٨/ ٢٣٤)\n (^٢) نصاب الاحتساب (ص/٢٦١) وقوله \"في الخانية\" يقصد بها كتاب \" فتاوى قاضيخان في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان \" لفخر الدين الحسن بن منصور قاضيخان، المعروف بقاضي خان (ت: ٥٩٢ هـ)\n (^٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٣١)\n (^٤) ذكره ابن القيم في الزاد (٥/ ٥٨)","vol":"2","page":1064},{"text":"يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ \". (^١)\nالثاني:\nما نص عليه الإمام أحمد، حيث سئل عن قتل الساحر من أهل الكتاب من غير المسلمين؟\nقال: ما فيه من الكفر أعظم، قد سحر النبيﷺ- رجل من اليهود، فلم يقتله. (^٢)\n* المخالفون لأهل السنة في هذا الباب:\nقد أنكر جماعة من العقلانيين والمتكلمين حادثة سحر اليهودي للنبي ﷺ، كما قال بذلك أبو بكر الرازي ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم. (^٣)\nوقد استدلوا على ذلك بأمور، نذكر منها:\n١ - أن القول بذلك يخالف ما ورد في قوله تعالى (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة: ٦٧)\n٢ - أن القول بذلك سيكون تصديقًا لمن رمى به المشركون رسولَ الله -ﷺ - بأنه مسحور، كما قال تعالى (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧» (الإسراء: ٤٧)\n٣ - أن الحديث الوارد في ذلك لا يصح سندًا؛ وآفته من هشام بن عروة!\n* فيقال إن الجواب عن ذلك من وجوه:\n١ - الوجه الأول: وأما استدلالهم بقوله تعالى (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، فيقال:\nننظر أولًا لسبب النزول:\nفقد روى أبوهريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - كان إِذا نزلَ منزلًا؛ ... نظروا أَعظمَ شجرة يرونها، فجعلوها للنبيِّ - ﷺ -، فينزلُ تحتها، وينزلُ أَصحابُه بعد ذلك في ظلِّ الشجر، فبينما هو نازلٌ تحت شجرة - وقد علّقَ السيفَ\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أحكام أهل الملل (ص/٤٦٧)\n (^٣) وانظر أحكام القرآن (١/ ٦٢) وتفسير المنار (٩/ ٥١) والمسائل العقدية المتعلقة بالنبي ﷺ (ص/٢١٤)","vol":"2","page":1065},{"text":"عليها -؛ إِذ جاءَ أَعرابيّ، فأَخذَ السيفَ من الشجرة، ثمَّ دنا من النبيِّ - ﷺ - وهو نائم، فأَيقظه، فقال:\nيا محمد! من يمنعك منّي الليلة؟ فقال النبيّ - ﷺ -:\n\"الله\"، فأَنزلَ الله ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...﴾ الآية. (^١)\nفيتضح من سبب نزول الأية أنها تبين حفظ الله -تعالى- لنبيه - ﷺ - من الافتلات، وعصمة النفس من القتل، دون العوارض التى تعرض للبدن مع سلامة النفس. (^٢)\nوكذلك فقد شُج النبي - ﷺ - وكسرت رَباعيته يوم أحد، وأصابه السُّم عند اليهودية.\n٢ - الوجه الثاني:\nأن ذلك السحر لم يضره؛ لأنه لم يفقده شيئًا من الوحي، ولا دخلت عليه داخلة في الشريعة، وإنما اعتراه شيء من التخيُّل والتوَّهم، ثم لم يتركه الله -تعالى- على ذلك، بل تداركه وعصمه، وأعلمه بموضع السحر وأمره باستخراجه وحل عنه، فعصمه الله -تعالى- من الناس ومن شرهم، كما وعده، وكما دفع عنه أيضًا ضر السم بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية أظهرها إليه، معجزة من كلام الذراع. (^٣)\nفإن الدليل قد قام على صدق النبي -ﷺ- فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.\nوأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر، كالأمراض فغير بعيد أن يخيَّل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٧٣٩)، وقد حسَّنه ابن حجر\"فتح الباري\" (٦/ ٩٨)، وانظر \"السلسلة الصحيحة\" (٢٤٨٩) والاستيعاب في بيان الأسباب (٢/ ٧٣)، وأصل الحديث في الصحيحين دون ذكر سبب النزول.\n (^٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر (٢/ ١٩٧)\n (^٣) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٨/ ٦٣٠)","vol":"2","page":1066},{"text":"وقد قيل إن أثر السحر أنه كان -ﷺ- يخيَّل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن، وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة. (^١)\nقال المعلمي اليماني:\nوإنما ذاك خاطر عابر، لو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا، لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلًا عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ، بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعًا، وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة.\nوفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذ برأسه لظنه انه قصَّر مع أنه لم يقصِّر، وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني (بل سولتْ لكم أنفسُكُم أمرًا)، يتهمهم بتدبير مكيدة، مع أنهم حينئذ أبرياء صادقون، وقد يكون من هذا بعض كلمات موسى للخضر، وانظر قوله تعالى عن يونس (فظن أن لن نقدر عليه). (^٢)\n* وأما قولهم أن ذلك سيكون تصديقًا لمن رمى به المشركون رسولَ الله -ﷺ - بأنه مسحور، كما قال تعالى (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧»\n* فيقال:\nإن المشركين إنما كانوا يرمون النبي -ﷺ - بالسحر فيما يبلغه عن رب العزة من القرآن، كما قال تعالى (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥» (ص: ٤ - ٥)\nفالمشركون أرادوا بقولهم: ﴿إن تتّبعون إلاّ رجلًا مسحورًا﴾ أنّ أمر النبوة كله سحر، وأن ذلك ناشئ عن الشياطين الذين قد استولوا عليه -بزعمهم- يلقون إليه القرآن ويأمرونه وينهونه، فيصدقهم في ذلك كله ظانًا أنه أنما يتلقى من الله وملائكته، ولا ريب أن الحال التي ذكر في الحديث عروضها له صلى الله عليه وعلى آله وسلم\n_________\n(^١) وانظر فتح الباري (١٠/ ٣١٩) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٢٠٨)\n (^٢) الأنوار الكاشفة لما في كتاب \"أضواء على السنة\" من الزلل والتضليل والمجازفة (ص/٢٥١)","vol":"2","page":1067},{"text":"لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون ولا هي من قبيلها في شيء من الأوصاف المذكورة، إذن تكذيب القرآن، وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث. (^١)\nونحن قد ذكرنا قريبًا الرد على ذلك، بأن غاية ما وقع للنبي -ﷺ - من السحر إنما هو عارض بشري، كغيره من الأسقام البدنية، فهو لا يعارض عصمة التبليغ والبيان.\n*الوجه الثالث:\nإن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله، بحيث لا يدري ما يقول فهو كالمجنون، ولهذا قالوا فيه مُعَلَّمٌ مجنونٌ، فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءهم من اتباعهم، ... وهو أنهم قد سُحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون، بمنزلة المجانين ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ مثلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة والمسحور أخرى. (^٢)\n٣ - وأما الطعن في الحديث فهو مردود على صاحبه:\nفالقول في ذلك هو قول أئمة هذا الشأن من أهل الحديث وأحباره، وليس بقول من هم عالة عليه. فقد روى هذا الحديث الإمامان الجبلان: البخاري ومسلم، ممن أجمعت الأمة على قبول ما في كتابيهما، وتلقته بالقبول.\n* ثم يقال كذلك:\nإن من تكلم بالنقد على بعض الأحرف المروية في الصحيحين، كالإمام الدارقطني وأبي محمد بن حزم وأبي مسعود الدمشقي وأبي علي الجياني لم يتطرقوا بالتعقيب على ذلك الحديث.\nوقال ابن القيم:\nهذا الحديث\n_________\n(^١) انظر \" ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر\" (ص/١٣٢)\nوهى رسالة لطيفة قد شرح فيها الشيخ مقبل الوادعي حديث سحر الرسول ﷺ، ورد فيهاعلى شبهات الطاعنين فيه، وذكر فيها مرويات وشواهد للحديث.\n (^٢) بدائع الفوائد (٣/ ٢١)","vol":"2","page":1068},{"text":"ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقَّى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين. (^١)\n* وأما الطعن في هشام بن عروة فهو أمر مردود عند أهل العلم؛ فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه، فكيف وقد رواه غير هشام عن عائشة ﵂؟!\nفقد روته عمرة عن عائشة ﵂، كما نص على ذلك ابن حجر، وكذلك للحديث شاهد من حديث زيد بن أرقم ﵁. (^٢)\nقال الذهبي:\nهشام بن عروة أحد الاعلام، حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدًا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا، وتغيرا.\nنعم الرجل تغير قليلًا، ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسى بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان؟!\nولما قدم العراق في آخر عمره حدَّث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجوِّدها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلِّطين، فهشام شيخ الإسلام. (^٣)\nقال مقبل الوادعي:\nالحديث قد رواه جماعة عن هشام بن عروة منهم البصري، ومنهم الكوفي، ومنهم المكي، ومنهم المدني، ومنهم المصري، وناهيك بحديث من رواته يحيى بن سعيد القطان، وهو في غاية من التحرّى، وهذا الحديث لم ينتقده\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٩)\n (^٢) وقد سبق قريبًا بيان طرفًا من هذه الروايات والشواهد وبيان صحتها.\n (^٣) ميزان الاعتدال في نقد الرجال (٤/ ٣٠١)","vol":"2","page":1069},{"text":"محدِّث، وهم الحجة لا أصحاب الأهواء فإنّهم أعداء السنن. (^١)\n* فرع:\nحكم النشرة:\nمعنى النشرة في الاصطلاح:\nهي نوع من الرقى والتعاويذ يعالج بها المريض والمجنون ونحوهما، وأصل هذه التسمية هو من نشر ما طوى الساحر، وتفريق ما جمعه، أي حل السحر عن المسحور وإزالته عنه.\n*وأما حكم التداوي بالنشرة:\n١ - الطريقة الأولى:\nأن يكون حل السحر عن المسحور بالرقى، والتعوُّذات، والدعوات الصحيحة المأثورة، وبالأدوية المباحة، فهذا جائز بدلالة الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.\nفالسحر إنما يُحلّ بالرّقى الجائزة والتّعوّذ المشروع، كالفاتحة والمعوّذتين والاستعاذات المأثورة عن النّبيّ ﷺ، أو غير المأثورة ولكنّها من جنس المأثور، فهذا النّوع جائز إجماعًا.\nكما ذكرنا قريبًا في سبب نزول المعوذتين ما رواه زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ -﵁قَالَ:\n\" سَحَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فنزل عليه بالمعوذتين فكان يقرأ بهما، فشفاه اللّه تعالى».\nوقال ابن حجر:\nوفي حديث زيد بن أرقم عند عبد بن حميد وغيره: فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين، وفيه فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية، فجعل يقرأ ويحل، حتى قام كأنما نشط من عقال. (^٢)\nقال ابن القيم:\nومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها. فالقلب إذا كان\n_________\n(^١) انظر \" ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر\" (ص/٩٢)\n (^٢) فتح الباري (١٠/ ٣٢٠)","vol":"2","page":1070},{"text":"ممتلئًا من الله -تعالى- مغمورًا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. (^١)\n٢ - الطريقة الثانية:\nحل السحر عن المسحور بسحر مثله، حيث يستعين الساحر بالشياطين للتعرف على مكان السحر، ربما يقوم الساحر بالنفث على المسحور وقراءة شيء من القرآن أو الأدعية تمويهًا وتلبيسًا عليه ليطمئن المسحور ويسكن إليه.\nوكذلك يأمر الساحر المسحور بذبح شاة، وأن يذكر اسم الساحر أو الجني عليها،، أو غير ذلك من الأقوال والأعمال الشركية تقربًا إلى السحرة والشياطين.\nوهذه الطريقة الثانية فيها قولان:\nأحدهما: أن حل السحر عن المسحور بسحر مثله جائز عند الحاجة إليه، ومنهم من قيَّده بحال الضرورة فقط. (^٢)\n* الثاني وهو الراجح -والله أعلم-أن حل السحر عن المسحور بسحر مثله، أو بما لا يعرف أو يعقل معناه من الرقى، والعزائم، والتعاويذ لا يجوز مطلقًا، سواء كان للضرورة أو لعدمها، وإلى ذلك ذهب علماء الأمة كما نقله عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وابن أبي العز الحنفي وغيرهم.\n* ونذكر من أدلة ذلك:\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِرضي الله عنهما- قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ- عَنِ النَّشْرَةِ، فَقَالَ:\n\" مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ \" (^٣)\nقال ابن القيّم:\nحلّ السّحر بسحر مثله من عمل الشّيطان، فيتقرّب النّاشر والمنتشر\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ١١٦)\n (^٢) وانظرالفروع لابن مفلح (٦/ ١٧٨) وغريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٤٠٨) و\"النشرة\" (ص/١٩)\n (^٣) أخرجه أحمد (١٤١٣٥)، وصححه الأرنؤوط، وانظر إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٢٥)","vol":"2","page":1071},{"text":"إلى الشّيطان بما يحبّ فيبطل العمل عن المسحور. (^١)\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\" إنّ الرُّقى والتَّمائِم والتِّوَلَةَ شِرْكٌ \". (^٢)\nقال المناوي:\nوالتولة بكسر المثناة الفوقية وفتح الواو كعنبة، ما يحبِّب المرأة إلى الرجل من السحر، وهى\"شرك\" أي من أنواع الشرك سمَّاها شركًا؛ لأن العرب كانت تعتقد تأثيرها وتقصد بها دفع المقادير. (^٣)\n*أضف إلى ذلك أن سؤال السحرة حل السحر، ثم تصديقهم والعمل بما يخبرونه به من طرق الاستشفاء وأنواع الأدوية المزعومة، فإنه بهذا قد وقع فيما هو أشد وأخطر، وربما أفضى به ذلك إلى الخروج عن دائرة الإسلام، لقوله ﵊:\n\" مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ \". (^٤)\n* أضف إلى ذلك أن تلك الرقى والنشر ونحوها من الأدوية تحوي شيئا من\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ٣٢٧)\n (^٢) رواه أبو داود (٣٨٨٣) وأحمد (٣٦١٥)، والحاكم (٧٥٠٥)، قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي.\nقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن \"، وانظر \"السلسلة الصحيحة \" (٢٩٧٢)\n*والتولة: أو ما يعرف بسحر المحبة، وهو الذي يسمى بـ (العطف)، ويكون - غالبا - بطلب المرأة من ساحر أن يوقع محبة بها في قلب زوجها وشغفا زائدا؛ فيأمرها عند ذلك بإحضار أثر من ثياب زوجها مثلا، غير منظف ولا طاهر، ثم يأخذ خيوطًا منه، فيعقدها وينفث بها، ثم تدفن في مكان مهجور، أو يقرأ ما يأمره به شيطانه من أقوال بغير العربية تتضمن شركا بالله، والعياذ بالله، يقرأ ذلك على ماء نجس، أو على قطرات من دم ونحوه، ثم تخلطه المرأة بما يطعمه أو يسقاه زوجها، فيصير الزوج - والعياذ بالله - منقادًا لامرأته.\nوانظرالتحصين من كيد الشياطين (ص/٩٢)\n (^٣) وانظر التيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٢٨٦) والكبائر للذهبي (ص/٢٤)\n (^٤) أخرجه أحمد (٩٥٣٢) وأبوداود (٣٩٠٤) والحاكم (١٥)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وانظر صَحيح الْجامِع (: ٥٩٣٩)","vol":"2","page":1072},{"text":"أنواع الشرك، أو عملًا شيطانيًا سحريًا، أو طلاسم وخزعبلات مجهولة، أو غير ذلك من الطرق والأفعال والأقوال المحظورة، فإن كانت كذلك، فهي داخلة في عموم ما نهى الشرع عن التداوي بالمحرمات.\nقال ابن مسعود ﵁:\n... «إِنَّ اللَّهَ -تعالى- لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». (^١)\n* لذا فإن الذي يقال فى النشرة المحرَّمة هو مثل ما قاله النَّبِيُّ - ﷺ - لما سُئل عَنِ الْخَمْرِ يَصْنَعَهَا الرجل لِلدَّوَاءِ، قَالَ ﷺ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (^٢)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nوعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن. ... ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها؛ لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك. (^٣)\n* وفي التفصيل تأصيل:\nوأن النشرة على أحد ضربين:\nالأولى:\nتعويذة مشروعة أو رقية جائزة مقولة أو مكتوبة لتقرأ على المريض، ولينفث عليه بها، لا لتعلق وتكون تميمة، ويقصد بهذه النشرة معالجة من كان به طب، أي: سحر أو عين أو مس أو عصب عن امرأته فهذه لا بأس بها؛ لما فيها من المصلحة وطلب المنفعة، وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرة..\nوالثانية:\nفهي حل السحر عن المسحور؛ بسحر أو بألفاظ أعجمية، أو بطلاسم لا يفهم معناها، أو بألفاظ شركية، ونحوه مما كان معهودا من النشرة في الجاهلية.\nوأما حكمها:\nالتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن استخراج السحر بسحر أو ألفاظ أعجمية أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز، فإنه ممنوع.\nوعلى هذا التفصيل يحمل قول أهل العلم الذين أجاز بعضهم النشرة - وعلَّل جوازها بحصول النفع، وكونها بالعربية، ومنهم الأئمة:\nسعيد بن المسيّب والمزني\n_________\n(^١) علَّقه البخاري بصيغة الجزم (١٠/ ١١١)، وصححه الحافظ ابن حجر في التغليق (٥/ ٣٠).\n (^٢) رواه مسلم (١٩٨٤)\n (^٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣)","vol":"2","page":1073},{"text":"والشعبي والطبري، وكذلك يفسر بهذا التفصيل قول من منعها منهم كالحسن البصري وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. (^١)\n* فإن قيل:\nقد روى قتادة أنه قال: قلت لسعيد بن المسيَّب: \" رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟\nقال لا بأس، به إنما يريدون الإصلاح، فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه.\nوعن قتادة عن سعيد بن المسِّيب أنه كان لا يرى بأسًا إذا كان الرجل به سحر أن يمشي إلى من يطلق ذلك عنه، وقال: \" لا بأس بالنشرة، إنما نهي عما يضر، ولم ينه عمَّا ينفع \". (^٢).\n*فالجواب أن يقال:\nوأما أثر سعيد بن المسيِّب فليس فيما قاله ما يدل على أنه يجيز النشرة الممنوعة أو إتيان السحرة لحل السحر عن المسحور أو نحو ذلك، وحاشاه من ذلك.\nفالنشرة التي أجازها إنما هي المشروعة منها فحسب، والتي هي من جنس الرقى والتعاويذ،\nلا النشرة الممنوعة.\nفمن تلك الروايات أن قتادة قال لسعيد بن المسيِّب: رجل طب بسحر، نحل عنه؟\nقال: نعم، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل \". (^٣)\nوأما توجيه قوله \" لا بأس بالنشرة، إنما نهي عما يضر ولم ينه عما ينفع \"، فيقال:\nأن النشرة المشروعة تنفع بإذن الله ولا تضر، ولو كان مراده النشرة الممنوعة وإتيان السحرة ونحوهم لخالف دليله فتواه؛ لأن قوله: \" إنما نهى الله عما يضر \":\nيقتضي حرمة ذلك؛ لأن الشرع قد نهى عن تلك النشرة، وعن إتيان السحرة ونحوهم، وأي ضرر على العبد أعظم من تكذيبه بالقرآن، وعدم قبول صلاته أربعين ليلة؟!\n_________\n(^١) وانظر إعلام الموقعين (٤/ ٣٢٧) والتحصين من كيد الشياطين (ص/٩٥)\n (^٢) أخرجه الطبري في (التهذيب) وقال الحافظ: إسناده صحيح (المصدر السابق).\n (^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٥٧٤) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":1074},{"text":"وقد كان سعيد بن المسيِّب يفتي بقتل السحرة بعد إقرارهم (^١)، فكيف يجوِّز إتيانهم؟!\nفمن نسب إليه القول بجواز ذلك فقد قوَّله ما لم يقل، وأخطأ في فهم ما نقل عنه.\nقال الشيخ سليمان بن عبدالله تعليقًا على أثر سعيد بن المسيب:\nوهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا؟\nفأما أن يكون ابن المسيِّب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فلا يُظن به ذلك، حاشاه منه، ويدل على ذلك قوله: إنما يريدون به الإصلاح. فأي إصلاح في السحر؟! بل كله فساد وكفر، والله أعلم. (^٢)\nوأما قوله ﵀: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»:\nفمراده ما شرع الانتفاع به، فهو عام مخصوص لا حجة لهم فيه.\nقال الحافظ:\nوقد تمسَّك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف: \"لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيها شرك\" أنه ما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطًا. (^٣)\nفكل رقية أو نشرة محرمة لا يشرع الانتفاع بها، لأنها داء وليست بدواء، وفي الحديث:\n «من استطاع منكم أن ينفع أخاه»\nوأي نفع في إتيان السحرة والكهان ونحوهم والاسترقاء برقاهم ونشرهم المشبوهة؟!. (^٤)\n* ثم يقال هنا:\nمع التنزل أن أثر الإمام سعيد بن المسيِّب دال على مشروعية حل السحر بالسحر فغاية ما فيه أنه قول تابعي، ولم يقل أحد من أهل العلم، إن قول\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٩٠٣٢) وابن حزم في المحلى (١١/ ٣٩٧) بإسناد لا بأس به.\n (^٢) تيسير العزيز الحميد (ص/٣٥٨)\n (^٣) فتح الباري (١٠/ ٢٠٦).\n (^٤) وانظر \"النشرة \" (ص/٢٥)","vol":"2","page":1075},{"text":"التابعي حجة في دين الله.\nوهذه كتب الأصول لدينا قد ذكرت الأدلة المتفق عليها، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم الأدلة المختلف فيها، ومنها قول الصحابي وعمل أهل المدينة والاستحسان ونحوها، لكنهم لم يذكروا إن قول التابعي دليل شرعي يحتج به في شرع الله.\nومعلوم أنه لو قال بهذا القول صحابي، لوجب رده لمخالفته للنصوص، فكيف بقول التابعي، وقد خالفه غيره من التابعين، فما الذي جعل قول ذاك حجة؟!\nوصلى الله على النبي.\nتم بحمد الله.","vol":"2","page":1076},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>الحديث السابع والثلاثون: دليل البيداء شرح حديث أنا أغنى الشركاء</span>","vol":"2","page":1077},{"text":"* نص حديث الباب:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\"قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ \"\n* تخريج الحديث:\nأخرجه مسلم (٢٩٨٥)، كتاب \" الزهد والرقائق \"، باب: \" باب من أشرك في عمله غير الله \".\nوهو عند أحمد في المسند (٧٩٩٩) بلفظ مقارب منْ رواية أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﷿، أَنَّهُ قَالَ:\n\" أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا فَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ \"\n* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:\nالفائدة الأولى:\nقوله: «من عمل عملًا....»:\nيعم جميع أنواع المشركين وجميع أنواع الأعمال؛ لأن (عملًا) في قوله: \" من عمل عملًا \":\nنكرة جاءت في سياق الشرط، فعمت جميع الأعمال: الأعمال البدنية والمالية، والأعمال التي اشتملت على مال وبدن، فالبدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة والصدقة، والمشتملة على بدن ومال: كالحج والجهاد ونحو ذلك.\nلذا فإن شهادة \" ألا إله إلا الله، لا شريك له... \" ليست قاصرة على نفي الشريك عن الله -عزوجل- في الأسماء والصفات، بل تتضمن كذلك نفي الشريك عن الله -تعالى- في الطاعة والعبادة.\nوالله -تعالى- لا شريك له في استحقاق العبادة، وليس شأنه -تعالى- شأن الذين يأخذون نصيبهم","vol":"2","page":1079},{"text":"من الشيء المشترك بينهم وبين غيرهم؛ فإنه أغنى من كل غني، وأغير من كل غيور، فلا يقبل إلا ما كان خالصًا مخلصًا ليس لأحد فيهم سهم أو نصيب. (^١)\n*الفائدة الثانية: قوله تعالى: \" تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ \":\nقد دل حديث الباب على حرمة الرياء، والرياء مأخوذٌ من: الرؤية، وذلك بأن يزيِّن المرء العمل ويُحَسِّنه من أجل أن يراه النّاس ويمدحوه ويُثنوا عليه، أو لغير ذلك من المقاصد، فهذا يسمّى رياءً، لأنه يقصد رؤية النّاس له.\nوالرياء شرك كما ورد في حديث الباب.\nوكذا فقد قال شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁:\n... «كُنَّا نَعُدُّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّ الرِّيَاءَ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ». (^٢)\nوقول الصاحب: \" كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نفعل كذا...، هو من الموقوف الذي له حكم الرفع.\nوقد سمَّى الله -تعالى- الرياء شركًا؛ وذلك لأنَّ فاعلَ الطاعة قد قصد بها الله تعالى، وأراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عَبَدَ اللهَ -تعالى- لا غيرَه، لكنَّه خَلَطَ عبادتَه بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة وسمَّاها شركًا.\nقال سليمان بن عبد الله:\nلما كان المرائي قاصدًا بعمله الله - تعالى - وغيره، كان قد جعل الله - تعالى- شريكًا، فإذا كان كذلك، فالله - تعالى- هو الغني على الإطلاق، والشركاء بل جميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك؛ فإن كماله ﵎ وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك. (^٣)\n*ونذكر من أدلة هذا الباب:\nقول الله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ\n_________\n(^١) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (٢/ ٥٩٥)\n (^٢) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٦٨٤٢) والحاكم (٧٩٣٧) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه \"، انظر صحيح الترغيب والترهيب (ح/٣٥)، والصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين (٢/ ٢٣٦)\n (^٣) تيسير العزيز الحميد (ص/٩١٦)","vol":"2","page":1080},{"text":"أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك: ٢)\nقال الفضيل بن عياض:\nهو أخلصه وأصوبه، قالوا يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: ما كان لله، والصواب: ما كان على السنة. (^١)\n*وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [الْبَيِّنَةِ: ٥]\nقال ابن القيم:\nإن الله -سبحانه - إنما أمر بعبادته عبادة خالصة، فمن لم يخلص لله -تعالى- في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يقبل منه. (^٢)\n*وقال تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠» (الكهف: ١١٠)\nفهذه الأية قد اشتملت على شرطين بهما يقبل العمل، وبفقدهما يطرح العمل ويُرد على صاحبه، فيصير هباء منثورًا، وهذان الشرطان قد وردا في حديثين عظيمين:\nأحدهما حديث الباب: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، ....... \"\nوالثانى ما ورد في قوله ﷺ: \"مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\". (^٣)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nوالعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة، وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور، ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: \" إن الأصل في العبادات التوقيف \"، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ\n_________\n(^١) التفسير القيم (ص/٨٤)\n (^٢) الجواب الكافي (ص/١٤٢)\n (^٣) متفق عليه.","vol":"2","page":1081},{"text":"شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١). (^١)\nقال ابن القيم:\n\" فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء، المقيَّد بالسنة. (^٢)\nوقال ﵀: العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا، يثقّله ولا ينفعه. (^٣)\nفالشرطان هما: \"الإخلاص والاتباع \".\nولقد صدق القائل:\nيا مبتغي الحمدَ والثوابَ. . . في عملٍ تبتغي محالًا\nقد خيَّب اللهُ ذا رياءٍ. . . وأبطلَ السعي والكلالا\nمن كان يرجو لقاء ربه. . . أخلص من أجله الفعالا\nالخلدُ والنارُ في يديه. . . فرائه يعطك النوالا. (^٤)\n* الفائدة الثالثة:\nقوله تعالى في حديث الباب: \"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ \":\nمعناه أن من عمل شيئًا لي ولغيري لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، وصورته أن يعمل عملًا يختص لله -تعالى- فيرائي به غيره، فقد قصد بذلك العمل ذلك الغير، وأشركه مع الله -تعالى-في ذلك القصد. وحيث إن ذلك القصد ليس لطلب التقرب، ولا لطلب الأجر، ولا لكونه ربًّا وإلها، وإنما المقصود إثبات صلاحه وتقواه في نظره فقد جعل هذا القصد شركًا أصغر خفيًّا دون الشرك الحقيقي المخرج عن الملة، وأقل ما فيه أن عمله باطل لا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٧)\n (^٢) الجواب الكافي (ص: ٩١)\n (^٣) الفوائد (ص/٤٩)\n (^٤) فيض القدير (٤/ ٦٢٠)","vol":"2","page":1082},{"text":"أجر عليه، بل يأثم به أشد الإثم. (^١)\n* وهنا سؤال:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-249> هل الرياء مبطل للعمل</span>؟\n*وجواب ذلك على تفصيل: أن الرياء باعتبار تعلّقه بذات العمل ينقسم إلى:\nأولًا: الرياء بالأصول:\nويقصد به أن صاحبه يرائي بأصل كلمة التوحيد والشهادة، فيظهر الإيمان ويبطن الكفر، ولا شك أن هذا من النفاق الأكبر المخرج من الملة، وذلك لأن الرياء إذا كان في الإيمان فهو النفاق الأكبر المخرج من الملة.\nقال عزوجل (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤» (التوبة: ٥٤)\nوقالى تعالى (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١» (المنافقون: ١)\nوقال تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤» (البقرة: ١٤)\nقال ابن الجوزي:\nيكثر نفاق من ينسل من الدين باطنًا، فهؤلاء من المنافقين المرائين المخلَّدين في النار، وليس وراء هذا الرياء رياء، وحال هؤلاء أشد من حال الكفار المجاهرين؛ لأنهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر. (^٢)\nولما ذكر ابن القيم نوعي الشرك قال:\nفأما نجاسة الشرك فهى نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، فالمغلظة: الشرك الأكبر الذى لا يغفره الله ﷿، فإن الله لا يغفر أن يشرك به. والمخففة: الشرك الأصغر، كيسير الرياء، ... (^٣)\nفدل ذلك على أن الرياء منه اليسير، وهو ما كان متلبَّسًا بطاعات الجوارح،\n_________\n(^١) منة المنعم في شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٠٣)\n (^٢) منهاج القاصدين (ص/٨٦٢)\n (^٣) إغاثة اللهفان (١/ ٥٩)","vol":"2","page":1083},{"text":"كالصلاة والصيام والصدقة، ومنه الكثير: وهو ما كان في أصل الاعتقاد.\nثانيًا: الرياء بالفروع: ويقصد بها الطاعات:\nفلا شك في حرمة هذا القسم من أقسام الرياء، كما دلت على ذلك الأدلة الشرعية، ونذكر من\nذلك:\nعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ:\n\" إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ \" قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:\n\" الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ ﷿ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً \". (^١)\nولفظه عند ابن خزيمة مرفوعًا:\n\" أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ:\n\"يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ\". (^٢)\nوفي رواية أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: \" خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ \" فَقُلْنَا: بَلَى، قَالَ: \" الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ \" (^٣) قال بشر الحافي: سمعت خالدًا الطحان يقول: اتقوا سرائر الشرك؟ فقلت: وما هي؟\nقال: أن تصلَّي فلتحظك العيون فتطيل السجود. (^٤)\n\n* وإنما كان<span data-type=\"title\" id=toc-250> الشرك الخفي أشد خطورة من المسيح الدجال </span>لأمرين:\n١ - الأمر الأول:\nأن أمر المسيح الدجال أمر ظاهر بيِّن، أما الرياء فإنه يعرض للقلب كثيرًا، ويقود العبد إلى أن يتخلى شيئًا فشيئًا عن مراقبة الله - جل وعلا - ويتجه إلى مراقبة المخلوقين.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٦٣٠) والبيهقي في الشعب (٦٤١٢) وانظرصحيح الجامع (١٥٥٥)\n (^٢) رواه ابن خزيمة (٩٣٧) وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (ح: ٣٢)\n (^٣) أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٤) قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٤/ ٢٣٧) \"إسناده حسن\"\n (^٤) منهاج القاصدين (ص/٨٥٩)","vol":"2","page":1084},{"text":"لذا تأتي خطورة الرياء في خفائه، فدخوله إلى القلب أشبه بدخول النمل إلى حجرة مظلمة.\nقال ابن القيم:\nوأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلَّ من ينجو منه. (^١)\nقال الطيبي:\nحب الرئاسة والجاه في قلوب الناس من أضر غوائل النفس وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعبَّاد، والمشمِّرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة؛ فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات، وحملوها بالقهر على أصناف العبادات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصًا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحب مدحهم وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات وألذ الشهوات، وهو يظن أن حياته بالله - تعالى-وبعبادته، وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها إلا العقول النافذة. (^٢)\n٢ - الأمر الثاني:\nأن الشرك الخفي الذي هو الرياء قَلّ من يسلم منه، فالرياء خطره على الجميع في كل عصر، في كل وقت، أما المسيح الدجال مع عِظَم فتنته -وقانا الله وإيّاكم من فتنته- فإنما ضرره على الذين يعاصِرونه ويخرج وهم أحياء. (^٣)\n*وأما عن حكمه: فهو على حالات:\n١ - الحالة الأولى:\nأن يكون الرياء في أصل العمل:\nوالمعنى: أن يكون منشأ النية في العمل متوجهًا لله -تعالى- ولغيره، فقد دل حديث الباب\n_________\n(^١) الجواب الكافي (ص/١٤٦)\n (^٢) الكاشف عن حقائق السنن (١١/ ٣٣٧٤)\n (^٣) وانظرالتمهيد لشرح كتاب التوحيد (١/ ٤٠١) وإعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (ص/٤٤٦)","vol":"2","page":1085},{"text":"على حبوط العمل، وسقوط أجره، كما ورد في حديث الباب في قوله ﷺ يرفعه:\n\" مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ \":\nففيه دلالة واضحة على أن المرء إذا عمل عملًا لله -تعالى- ولغير الله، حيث كان الرياء حاصلًا في أصل العمل فإن الله -عزوجل - يتركه وما أشرك؛ وذلك لأن الرياء إذا شارك العبادة فإنه لا حظ للعبد فيها، ولا يقبلها الله ﷿.\nففي هذا دلالة بيِّنة أن حدوث الرياء في أصل العبادة يبطلها، وذلك حين يكون العمل في أصله ابتغاء وجه الله -تعالى- ووجه الناس.\nقال ابن رجب:\nواعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضًا، بحيث لا يراد به سوى مراءات المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]\nوهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.\nوتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضًا. (^١)\nقال ابن القيم:\nأن يبتدئها -أي الصلاة - مريدًا بها الله والناس، فيريد أداء فرضه والجزاء والشكور من الناس، وهذا كمن يصلِّي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلى، ولكنه يصلِّي لله وللأجرة،؛ فهذا لا يقبل منه العمل؛ فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عُدِمَ عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود. (^٢)\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩) وانظر الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية (ص/٩٥)\n (^٢) إعلام الموقعين (٢/ ١٢٤)","vol":"2","page":1086},{"text":"* يؤيده:\nما رواه أبو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -﵁ - أن رجلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَالَهُ؟\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا شَيْءَ لَهُ\"، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\"لَا شَيْءَ لَهُ\"، ثُمَّ قَالَ: \" إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ \". (^١)\nفهذا رجل خرج مجاهدًا في سبيل الله تعالى، وفي سبيل مدح وثناء الناس فأخبر النبي -ﷺ- أنه \" لَا شَيْءَ لَهُ \"، وهذا نفي لوجود أصل الأجر؛ وذلك لتحقق الرياء من منشأ العمل إلى آخره.\n* يؤيده:\nما رواه أَبو سَعِيدِ بنِ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺقالُ:\n\" إِذَا جَمَعَ اللهُ ﷿ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ:\nمَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا، فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ ﷿، فَإِنَّ اللهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ \". (^٢)\n-ووجه الدلالة:\nأن قوله: \" فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ ﷿ \" قد دل على بطلان العمل الذي يُبتغى به غير وجه الله تعالى؛ وذلك أن أمره بطلب الثواب من عند غير الله -عزوجل- دال على انتفاءه عند الله تعالى.\nوهذا فيمن كانت نيته في أصل العبادة لله تعالى ولغيره، فمن كانت نيته خالصة للناس فهو أولى ببطلان عبادته.\n*وعن أبي هريرة -﵁- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺيَقُولُ:\n\" إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ:\nفَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ:\nكَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣١٤٠) وقد حسَّنه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٣٨٣٩)، وانظرالسلسلة الصحيحة (٥٢).\n (^٢) أخرجه أحمد (١٥٨٣٨) والترمذي (٣١٥٤) وحسنه الألباني.","vol":"2","page":1087},{"text":"فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟\nقَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ:\nفَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟\nقَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ \". (^١)\n٢ - الحالة الثانية:\nأن يكون أصل العمل لله تعالى، ثم طرأت عليه نية الرياء فينظر في ذلك:\n١ - هذا إن تاب منه صاحبه في الحال ودفعه، وأخلص العمل لله -تعالى- فإنه لا يضر صاحبه قولًا واحدًا.\nومثال ذلك:\nرجل صلى ركعة، ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء؛ بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه; فإنه لا يضره؛ لأنه جاهد نفسه حتى طرح ذلك الرياء.\n٢ - إن كان الرياء خاطرًا فاسترسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك؟\nفي ذلك تفصيل:\n١ - أن يكون العمل الذي وقع فيه الرياء لا يرتبط آخره بأوله، كالقراءة أو الذِّكر أو إنفاق المال، ونَشْر العلم، فما سبق الرياء من القدر الذي وقع فيه الإخلاص فهو صحيح، وما كان بعده; فهو باطل.\nمثال ذلك:\nرجل عنده مائة جنيه، فتصدَّق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين بقصد الرياء; فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة; لأن آخرها منفك عن أولها.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٩٠٥)","vol":"2","page":1088},{"text":"٢ - أن يكون العمل الذي وقع فيه الرياء يرتبط آخره بأوله، كالصلاة أو الصيام أو الحج، وفي ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبريّ، والراجح-والله أعلم-هو بطلان تلك العبادة.\nوذلك مثل الصلاة; فالصلاة مثلًا لا يمكن أن يفسد آخرها ولا يفسد أولها، فمن قام يصلّي ثم طرأ عليه طارئ الرياء فاسترسل معه ولم يدافعه فحينئذ تبطل الصلاة كلها. (^١)\n٣ - أن يكون الرياء تابعًا لا أصلًا، بحيث أنه لو خلا دون رؤية الناس لفعل، ولكنه برؤيتهم يزداد. قال الغزالي:\nأن تكون العبادة باعثة مستقلة، لو خلا بنفسه لفعل، ولكن زاده رؤية غيره ومشاهدته نشاطًا، وخفَّ عليه العمل بسببه، فأرجو ألَّا يُحبِط ذلك القدر عمله، بل تصح عبادته ويثاب عليها، ويُعاقَب على قصد الرياء، أو ينقص من ثوابه. (^٢)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-251>أمور ليست من الرياء:</span>\n١ - زيادة الطاعات برفقة الصالحين:\nلا شك أن الشرع قد حث على لزوم الجماعة، وأخبر أن الشيطان إلى الواحد أقرب.\nفقد قال تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُم) (الكهف: ٢٨)\nلذا فالمرء إذا رافق الصالحين فزاد من طاعته معهم ما لم يكن من دأبه الأول فليس هذا من الرياء في شيء.\nقال ابن الجوزي:\nقد يبيت الرجل مع المتهجدين، فيصلُّون أكثر الليل، وعادته قيام ساعة، فيوافقهم، ولولاهم ما انبعث هذا النشاط، فربما ظن ظان أن هذا رياء، وليس كذلك على الإطلاق؛ فكل مؤمن يرغب في عبادة الله تعالى، ولكن تعوقة العوائق،\n_________\n(^١) وانظر جامع العلوم والحكم (١/ ٨٣) والفتح المبين بشرح الأربعين (ص/١٣٤) والقول المفيد شرح كتاب التوحيد (١/ ١٤٧)\n (^٢) وانظر الأربعين في أصول الدين (ص/٣٠٨)","vol":"2","page":1089},{"text":"وتستهويه الغفلة، فربما كانت مشاهدة الغير سببًا في زوال الغفلة واندفاع العوائق، فإن الإنسان إذا كان في منزله تمكَّن من على فراش وثير، وتمتع بزوجته، فإذا بات في مكان غريب اندفعت هذه الشواغل، وحصلت له أسباب تبعث على الخير، منها مشاهدة العابدين، وهي موجبة لتحرك داعية الدين، وربما صعب عليه النوم لتغيير مكانه، فاغتنم زوال النوم، وقد يعسر عليه الصوم في منزله لكثرة المطاعم الشهية في منزله، فإذا لم يجدها في غيره لم يشق عليه الصوم، وفي مثل هذه الأحوال ينتدب الشيطان للصد عن الطاعة. (^١)\n٢ - ترك العمل لأجل الناس رياء:\nوأما ترك بعض الأعمال الصالحة من باب مخافة الرياء فهو من تلبيس الشيطان، وهو حِبالة من حِبالات إبليس، وقد عدَّه أهل العلم من الرياء.\nقال محمد بن عبد ربه،: سمعت الفضيل بن عياض يقول:\nترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما \" (^٢)\nوالوجهة في ذلك أن من عزم على عبادة الله - تعالى - ثم تركها مخافة أن يطَّلع الناس عليه فهو مراءٍ؛ حاله في ذلك كحال من فعل الطاعة رياءٍ؛ والجامع بين الأمرين هو جعل نظر الناس مؤثرًا إقدامًا وإحجامًا، ولأنه لو كان عمله لله - تعالى- لم يضره إطلاع الناس عليه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى أو قيام ليل أو غير ذلك فإنه يصلِّيه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا علم الله -تعالى- من قلبه أنه يفعله سرًا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض:\nترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك. (^٣)\n_________\n(^١) منهاج القاصدين (ص/٨٦٢)\n (^٢) شعب الإيمان (٩/ ١٨٤)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٧٤)","vol":"2","page":1090},{"text":"قال ابن حزم:\nلإبليس في ذم الرياء حبالة، وذلك أنه رب ممتنع من فعل خير مخافة أن يظن به الرياء، فإذا أطرقك منه هذا فامض على فعلك، فهو شديد الألم عليه. (^١)\nقال النووي:\nمن عزم على عبادة، وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مراءٍ؛ لأنَّه ترك العمل لأجل الناس. (^٢)\n*ولقد سار الناس في هذا الدرب بين مسلكين:\nأ) بين مُسرفٍ قد علَّق قلبه بمدح الناس أو ذمهم، فلم يكن له في الآخرة من عمله نصيب.\nب) وبين تاركٍ للعبادة خشية الرياء والسمعة.\nوقد تمادى أصحاب المسلك الثاني حتى قصدوا ذمّ الناس ولومهم، ففعلوا ما يلامون عليه، وسموا بـ (الملامية)، أرادوا بذلك مقابلة أهل الرياء والسمعة.\nوالحق وسط بين الأمرين:\nبين الإخلاص في الطاعة، والحث على الإكثار من العمل الصالح، فالإخلاص هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل قال تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\n٣ - ليس كل إظهارٍ للعمل رياءً:\nإذا كان الشرع قد حث على إخفاء الأعمال الصالحة؛ وذلك لغلق الباب على النفس من دواعي الرياء والسمعة، وتحقيقًا لإخلاص القلب، ولكن قد تكون المصلحة فى إظهار العمل راجحة على مصلحة الإخفاء، كأن يكون في الإظهار مصلحة الإقتداء أو التعليم، أو الحث على المسارعة في الخيرات.\n* ومن هذا الباب قوله ﷺ لما صلَّى على المنبر أمام الناس:\n\" فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ،\n_________\n(^١) الأخلاق والسير في مداواة النفوس (ص/٨٠) والحِبَالَةُ: المصيدة، أداة مصنوعة من حبال يُؤخذ بها الصَّيد.\n (^٢) شرح الأربعين (ص/٩)","vol":"2","page":1091},{"text":"إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي». (^١)\n* وفي حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -﵁- لما دعا الرسول -ﷺ- الناس إلى الصدقة جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يتصدقُ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى تجمع كَوْمَانِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ \". (^٢)\n* وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وجهر حتى أسمعنا، فَقَالَ: «ليعلموا أِنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ». (^٣)\nقال ابن قدامة:\nفي إسرار الأعمال فائدة للإخلاص والنجاة من الرياء، وفي الإظهار فائدة الاقتداء، وترغيب الناس في الخير، والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه، حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي، بل ينوي الاقتداء به، ولا ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك.\nفإن مثال الضعيف مثل الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة، فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم، وأقبل عليهم حتى تشبثوا به، فهلكوا وهلك معهم.\nفأما من قوى وتم إخلاصه، وصغر الناس في عينه، واستوى عنده مدحهم وذمهم، فلا بأس بالإظهار له؛ لأن الترغيب في الخير خير. (^٤)\nقال ابن حجر:\nقد يستحب إظهاره -يعني العمل- ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة، قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليقتدى به أو لينتفع به، ككتابة العلم،\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه مسلم (١٠١٧)\n (^٣) أخرجه البخاري (١٣٣٥) وأبو داود (٣١٩٨)\n (^٤) مختصر المنهاج (ص/٢٦٠)","vol":"2","page":1092},{"text":"وقال الطبري: \"كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم، قال فمن كان إمامًا يستن بعمله عالمًا بما لله -تعالى- عليه قاهرًا لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفي لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السلف. (^١)\n٤ - الفرح بالثناء ليس من أبواب الرياء:\nوالمعنى أن المرء إذا عمل العمل لله -تعالى- خالصًا، ثم ألقى الله -عزوجل- له الثناء الحسن بين المؤمنين، فأثنوا عليه خيرًا، ففرح واستبشر لم يضرّه ذلك.\nوفي هذا المعنى قد ورد في حديث أبي ذرّرضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺأنه سئل: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟\nقَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ». (^٢)\nوالمعنى أن هذه هي البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل البشرى المؤخَرة إلى الآخرة بقوله تعالى (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (الحديد: ١٢)\nوهذه البشرى المعجلة دليل على رضا الله - تعالى- عنه ومحبته له فيحببه إلى الخلق.\nقال ابن حزم:\nلولا قول رسول الله - ﷺ - في الثناء الحسن (ذلك عاجل بشرى المؤمن) لوجب أن يرغب العاقل في الذم بالباطل أكثر من رغبته في المدح بالحق، ولكن إذ جاء هذا القول فإنما تكون البشرى بالحق لا بالباطل، فإنما تجب البشرى بما في الممدوح لا بنفس المدح. (^٣)\nقال ابن حجر الهيتمي:\nلو تمَّ عمله خالصًا فأُثني عليه ففرح لم يضر؛ لخبر مسلم: \"تلك عاجل بشرى المسلم\". (^٤)\n_________\n(^١) فتح الباري «١١/ ٤٧٠)\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٦٤٢)\n (^٣) الأخلاق والسير في مداواة النفوس (ص/٨١)\n (^٤) الفتح المبين بشرح الأربعين (ص/١٣٤)","vol":"2","page":1093},{"text":"وهو في ذلك لا يسعى لسماع مدح من أحد، بل قد جاء الأمر وفاقًا لا قصدًا، فقد استوى عنده لإخلاصه مدح الناس وذمهم.\nقال ابن القيم:\nمتى استقرت قدم العبد في منزلة الإخبات وتمكَّن فيها ارتفعت همته، وعلت نفسه عن خطفات المدح والذم، فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمهم، هذا وصف من خرج عن حظ نفسه، وتأهل للفناء في عبودية ربه، وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه. (^١)\n٥ - ليس رياءً خلط نية الطاعات بالمباحات:\nوصورة المسألة فيمن تقرَّب بقربة ينوي فيها العبادة وأمرًا آخر مباحًا، كمن صام بقصد التعبد لله - تعالى - والتداوي بالصوم، ومن توضأ لرفع الحدث والطهارة والتبرد به، فجمهور العلماء على جواز ذلك؛ وذلك لأن الغرض المباح لا يُنافي العبادة، وإن كان ينقص من أجرها.\nفمن نوى نية دنيوية بعمل صالح لم يكن هذا قادحًا في أصل إخلاصه؛ فلا بد أن نفرق هنا بين الشرك الذي هو صرف العمل لغير الله تعالى، وبين التشريك في النية، وهو أن يجمع بين نية التعبد لله تعالى، وما أذن الشارع في قصده وطلبه من أمور الدنيا.\n* ونذكر من أدلة ذلك:\n١ - قال تعالى بعد ذكره لآيات الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄:\nكَانَ ذُو المَجَازِ، وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ \". (^٢)\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٨)\n (^٢) اخرجه البخاري (١٧٧٠) باب التجارة أيام الموسم، والبيع في أسواق الجاهلية.\nقوله: (في مواسم الحج) هذه الجملة ليست من القراءة المتواترة، بل هي قراءة ابن عباس ﵄، وهي تفسير منه للآية، والله أعلم.","vol":"2","page":1094},{"text":"وعن أَبي أُمَامَةَ التَّيْمِيُّ قَالَ:\nكُنْتُ رَجُلًا أُكَرِّي، وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ لِي إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ -﵄فَقلت له:\nيَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَجُلٌ أُكَرِّي فِي هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ لِي: إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄:\nأَلَيْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّي وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَتَرْمِي الْجِمَارَ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:\nفَإِنَّ لَكَ حَجًّا، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]\nفأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ: «لَكَ حَجٌّ». (^١)\n*٢ - وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁- قَالَ: قال النَّبِيُّ ﷺ:\n «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» (^٢)\nفقد حث الشارع على الجهاد في سبيل الله -تعالى- وحفَّز على ذلك بجعل سلب المقتول غنيمة خالصة لمن قتله، لذا فقد كان مالك يكره أن يقول الإمام قبل القتال: \" من قتل قتيلًا فله سلبه \"، لئلا يُفسد نيَّات المجاهدين، كما حكاه القرطبي، ولكنَّ الجمهور على خلافه، وظاهر النص معهم. (^٣)\n*٣ - وعن أنس بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ - قال:\n «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (^٤)\nوهذان نفعان دنيويان: السعة في الرزق، وإطالة العمر، أو طيب الذكر بعد الموت، على معنيين عند أهل العلم، فمن وَصَل رَحِمَه مستحضِرًا الثواب عند الله تعالى، ومستحضِرًا هاتين الثمرتين اللتين نصَّ عليهما النبي - ﷺ - فلا حرج عليه، ولا وِزْرَ عليه.\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (١٧٣٣)، وصححه الألباني، وانظرالاستيعاب في بيان الأسباب (١/ ١٣٦)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) وانظرفتح الباري (٦/ ٣٤٥) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٨/ ٥١٢)\n (^٤) متفق عليه.","vol":"2","page":1095},{"text":"٤ - عن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ:\n «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». (^١)\nفأباح الشارع فعل طاعة عظيمة وهى الصوم بقصد قطع شهوة الشاب.\nقال القرافي:\nالفرق بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات:\nمن حيث إن التشريك فيها لا يحرم بالإجماع، بخلاف الرياء فيها فيحرم، هو أن التشريك فيها لما\nكان بما جعله الله -تعالى- للمكلف في هذه العبادة، كمن جاهد لِيُحَصِّلَ طاعة الله بالجهاد\nولِيُحَصِّلَ السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو، وكمن صام ليصح جسده أو ليحصل زوال مرض، والصوم مقصود مع ذلك، وكمن يتوضأ بقصد التبرُّد أو التنظيف لم يضره في عبادته، ولم يحرم عليه بالإجماع؛ لأن جميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق، بل هي تشريك أمور من\nالمصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم فلا تقدح في العبادات. (^٢)\nقال السيوطي:\nولو نوى الوضوء أو الغسل والتبرُّد، ففي وجه لا يصح للتشريك; والأصح الصحة; لأن التبرُّد حاصل: قصده أم لا، فلم يجعل قصده تشريكًا وتركًا للإخلاص، بل هو قصد للعبادة على حسب وقوعها; لأن من ضرورتها حصول التبرد، ومنها: لو نوى الطواف وملازمة غريمه، أو السعي خلفه. (^٣)\n* ويبقى أن يقال هنا مسائل:\n١ - الأولى:\nأن من فعل العبادة خالصًا وقاصدًا أجر الله -تعالى- وثوابه فقط أكمل وأفضل وأعظم أجرًا ممن قصد مع الأجر الأخروي نفعًا دنيويًا، ولو كان ذلك تبعًا.\nفمن خالطت نيّةَ جهاده نيةٌ أخرى غير الرياء، مِثْل أخْذه أجرة للخدمة، أو أخْذ\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أنوار البروق في أنواء الفروق (٣/ ٧٣٤)\n (^٣) الأشباه والنظائر (ص/٤٩)","vol":"2","page":1096},{"text":"شيء من الغنيمة، أو التجارة نَقَص بذلك جهاده، ولم يبطل بالكلية.\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍورضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n ««مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ». (^١)\n٢ - الثانية:\nقد حمل الغزالي الإشراك في حديث الباب على الأمور الدنيوية التي لا رياء فيها، وأن الشخص إذا أوقع عبادة وأشرك فيها بين أمرين: \" ديني، ودينوني \"، فهو داخل تحت الوعيد المذكور في قوله تعالى:\n\" تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ \"، وقد رجَّح مثل هذا ابن عبد السلام لظاهر الخبر. (^٢)\n*لكن يقال هنا:\nأن هذا الإطلاق ليس مسلَّمًا به؛ لأن حديث الباب إنما يراد به نوعٌ مخصوصٌ من الإشراك، وهو ما ابتغى به مراءاة الناس ومدحهم وثناؤهم على الفاعل، وإنما حملنا على هذا التخصيص ما ذكرنا من الأدلة السابقة التي أفادت مشروعية إشراك النفع الدنيوي مع الأعمال الأخروية.\n٣ - الثالثة:\nالطاعة إذا تمحَّضت فيها النية للنفع الدنيوي فقط لم يقع لصاحبها نصيب من الأجر، كمن يصوم لأجل الحمية والرجيم ولا يطلب الأجر، ويحج للتجارة فقط، ويخرج زكاة أموال لتنمو، ويخرج للجهاد للغنيمة، فهؤلاء أعمالهم باطلة.\nقال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]\nوعن أُبَيّ بْنِ كَعْبٍرضي الله عنه- أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال:\n\"بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ، وَالرِّفْعَةِ، وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمِ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٠٦)\n (^٢) وانظر الفتح المبين بشرح الأربعين (ص/١٣٤)","vol":"2","page":1097},{"text":"الْآخِرَةِ نَصِيبٌ \". (^١)\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ﷿ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (^٢)، يَعْنِي رِيحَهَا.\nويدل عليه كذلك ما رواه عمر بن الخطاب -﵁- أن النبي - ﷺ - قال:\n\" مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». (^٣)\nقال ابن القيم:\nمن أراد بعمله غير وجه الله -تعالى- ونوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيَّته وإرادته. (^٤).\nتم بحمد الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٢٢٢) وصححه الألباني (٢٨٢٥)\n (^٢) أخرجه أحمد (٨٤٥٧) وأبو داود (٣٦٦٤) وصححه الألبانى.\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) الجواب الكافي (ص/١٤٦)","vol":"2","page":1098},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>الحديث الثامن والثلاثون: نيل المأرب شرح حديث طلوع الشمس من المغرب</span>","vol":"2","page":1099},{"text":"* حديث الباب:\nعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ:\n «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:\n\" إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا \"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]\n* تخريج الحديث:\nأخرجه البخاري (٣١٩٩) كتاب \" بدء الخلق \"، باب \"صفة الشمس والقمر بحسبان \".\nومسلم (١٥٩) كتاب \" الإيمان \"، باب \" بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان \"، واللفظ لمسلم.\n*أهم الفوائد التى تتعلق بحديث الباب:\n١ - الفائدة الأولى: طلوع الشمس من مغربها:\nأجمع المفسرون على مسألة طلوع الشمس من مغربها، والأخبار في ذلك متواترة عن النبي ﷺ.\nقال السفَّاريني:\nطلوع الشمس من مغربها ثابت بالسنة الصحيحة، والأخبار الصريحة، بل وبالكتاب المنزَّل على النبي المرسل ﷺ، وأجمع المفسِّرون أو","vol":"2","page":1101},{"text":"جمهورهم على ذلك. (^١)\n* ونذكر من ذلك ما يلي:\nقال الله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ) [الأنعام: ١٥٨]\nقال الطبري بعد ذكره لأقوال المفسِّرين في هذه الآية:\nوأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: ذلك حين تطلع الشمس من مغربها. (^٢)\n* وعن أبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:\n\" لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ، آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. (^٣)\n*عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ \" لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا \":\nطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ \". (^٤)\nوهذا الحديث فيه دلالة على أن القرآن قد دل على خروج الدجال؛ وذلك أن النبي -ﷺ- قد ذكر الأية، وفيها \" يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ \"، ثم فصَّل هذه الآيات بذكر طُلُوع الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّال، وَدَابَّة الْأَرْضِ \".\n*وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود﵁- أنه قرأ قَوْلَه ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم قَالَ:\n «طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا»، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ\n_________\n(^١) وانظر مختصر لوامع الأنوار البهية (ص/١٢٢) وحاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية (ص/٨٣) والقائد إلى تصحيح العقائد (ص/١٧)\n (^٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٨/ ١٠٣)\n (^٣) أخرجه البخاري (٤٦٣٥) ومسلم (١٥٧)\n (^٤) أخرجه مسلم (١٥٨) وأحمد (٩٧٥٢)","vol":"2","page":1102},{"text":"الْآيَةَ ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ [القيامة: ١٠]. (^١)\nوقد أخرج ابن عبد البر بسنده عن ابن عباس -﵄- قال:\nسمعت عمر بن الخطاب -﵁- يخطب، فقال:\n\" أيها الناس: إن الرجم حق، فلا تُخدَعنَّ عَنهُ، وإن آية ذلك أن رسول الله -ﷺ - قد رَجَم، وأن أبا بكر قد رَجَم، وأنا قد رَجَمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذِّبون بالرجم، ويكذِّبون بالدجال، ويكذِّبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذِّبون بالشفاعة \"\nثم قال ابن عبدالبر:\nالخوارج كلها والمعتزلة تُكذِّب بكل هذه الفصول، وأهل السنة على التصديق بها، وهم الجماعة والحجة على من خالفهم، بما هم عليه من استمساكهم بسنة نبيهم ﷺ. (^٢)\nقال أبو العباس القرطبي:\nومذهب أهل السنّة حمل طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها؛ إذ لا إحالة فيها، وهي أمور مُمكنة في نفسها، وقد تظاهرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشُهرتها، فيجب التصديق بها، ولا يُلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها. (^٣)\n*تنبيه مهم:\nقد سعى جماعة من المهتمين بالإعجاز العلمي بذكر الدلائل العلمية والنظريات الحديثة المثبتة لمسألة طلوع الشمس من مغربها. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٤٤٤) والحاكم (٣٨٧٩) وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»، وقال الذهبي: \" على شرط البخاري ومسلم\"\n (^٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٠/ ١٠)\nوأثرعمر بن الخطاب قد أخرجه الآجري في الشريعة (٧٦٨) وأحمد في المسند (١٥٦)، وقال الشيخ أحمد شاكر:\n\" إسناده صحيح \".\n (^٣) المُفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ٣٧٣)\n (^٤) ومن ذلك ما ذكره الدكتور زغلول النجار أستاذ الجيولوجيا وعلوم الأرض حول الإعجاز العلمي لمسألة طلوع الشمس من مغربها، حيث قال:\n\" من المعروف بأن الأرض تدور حول نفسها دورة كاملة في كل ٢٤ ساعة، وهذا الدوران الذي ينتج عنه الليل والنهار، = =ومن خلال اتجاهه تظهر الشمس من الشرق وتغرب من الغرب.\nوقد ثبت للعلماء بأن الأرض تبطئ من سرعة دورانها هذا، جزء من الثانية في كل ١٠٠ سنة، وكنتيجة طبيعية لهذا التباطؤ فسوف يأتي وقت تتوقف فيه الأرض تمامًا عن الدوران...\nوبعد فترة توقف قصيرة لابد أن تبدأ بالدوران في اتجاه عكسي، وعندها وبدلًا من أن تشرق الشمس من الشرق - كما هو عادتها - ستشرق من الغرب.","vol":"2","page":1103},{"text":"ولا شك أن الغنية في ذلك تحصل بما ورد من أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وأما النظريات العلمية فهذه مما يستأنس بها، ولكن لا يُركن ولا يستند إليها في الإثبات أو النفي؛ وذلك أنها نظريات بشرية قد يرد عليها الخطأ، ويدركها الوهم، ويعتريها التغيير، لذا فالركون إليها قد يسبِّب البلبلة لدى البعض في ثوابت الشرع، وهذا مقام بيِّن الخطورة لمن يتأمله.\n ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\n* الفائدة الثانية: غلق باب التوبة بطلوع الشمس من مغربها:\n*عَنْ أَبِي مُوسَىرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّﷺ- قَالَ:\n «إِنَّ اللهَ -﷿ - يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (^١)\nقال ابن كثير بعد ذكره لقول الله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا...)،\nوذكره لجملة من الأحاديث التي جاءت في طلوع الشمس من مغربها، قال:\nفهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيمانًا وتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل منه؛ وإنما كان كذلك - والله أعلم - لأن ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على اقترابها ودنوها؛ فعُومل ذلك الوقت معاملة يوم القيامة. (^٢)\nوقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾\nأي: إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذ؛ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحًا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحًا؛ فأحدث توبة حينئذٍ لم يقبل منه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٥٩) وأحمد (١٩٥٢٩)\n (^٢) وانظرالنهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٢١) وأصول السنة لابن أبي زَمَنِين (ص/١٨٤)","vol":"2","page":1104},{"text":"توبته؛ كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وعليه يُحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾:\nولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك\". (^١)\n* تنبيه:\nمن العلماء من فصَّل في قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها فقال:\nأن من رأى طلوع الشمس من المغرب، أو ولد بعد ذلك وبلغ وسمع من جماعة حصل له يقين بقولهم إن الشمس طلعت من المغرب لا يقبل إيمانه ولا توبته.\nوأما إن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدثوا عنه إلا قليلًا فيصير الخبر عنهم خاصًا وينقطع التواتر، فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قُبِل منه. (^٢)\nوقد استدلوا على ذلك بما يُروى عن عبد الله بن عمرو -﵄- مرفوعًا:\n\" تبقى الناسُ بعدَ طلوعِ الشمسِ من مغربها عشرين ومائة سنة \".\n** والراجح -والله أعلم-خلاف ذلك:\nفحجب التوبة عن الكافر والعاصي لا يختص بيوم طلوع الشمس من مغربها، بل يمتد إلى يوم القيامة، خلافًا لمن زعم أنه يمتنع قبول الإيمان والتوبة وقت طلوع الشمس من المغرب أي في تلك الحالة، وأن من تاب بعد ذلك أو أسلم قُبل ذلك منه.\n-ومما يدل على ذلك ما يلي:\n١ - روى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصرضي الله عنهما- أن النَّبِيَّ - ﷺ- قَالَ:\n\" وَلا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ \". (^٣)\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٣٢)\n (^٢) وانظرالمفاتيح في شرح المصابيح (٣/ ١٨٧) وتفسير القرطبي (٧/ ١٤٦) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٢/ ٣٤٩)\n (^٣) أخرجه أحمد (١٦٧١)، وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٢): \"هذا الحديث حسن الإسناد \". وقال الألباني في الإرواء (٥/ ٣٤): \" وهذا إسناد شامى حسن، رجاله كلهم ثقات \"، وقال الشيخ أحمد شاكر: \" إسناده صحيح\"","vol":"2","page":1105},{"text":"وعن عبد الله بن عمرورضي الله عنهما- قال:\nقِال رسول الله صلي الله عليه وسلم: \"الآيَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ فِى سِلْكٍ، فَإِنْ يُقْطَعِ السِّلْكُ يَتْبَعْ بَعْضُهَا بَعْضًا\". (^١)\nوعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ:\n\" إِذَا خَرَجَ أَوَّلُ الْآيَاتِ، طُرحت الْأَقْلَامُ، وَحُبِسَتِ الْحَفَظَةُ، وَشَهِدَتِ الْأَجْسَادُ عَلَى الْأَعْمَالِ \". (^٢)\nوهو وإن كان موقوفًا، فإن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا مما لا يقال من جهة الرأي، لأنه شيء غيبي، فلا بد أن يكون مستندًا على الوحي.\nوقد ذكر ابن حجر جملة من الأثار المرفوعة والموقوفة في ذلك، ثم قال:\nفهذه آثار يشد بعضها بعضًا، متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة. (^٣)\nفالنصوص دلت على أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها، وأن الكافر لا يقبل منه الإسلام، ولم تفرِّق النصوص بين من شاهد هذه الآية وبين من وُجد بعدها ولم يشاهدها.\nقال زين الدين العراقي:\nكان شيخنا أبو حفص البلقيني يقول إذا تراخى الحال بعد طلوع الشمس من مغربها وتناساه أكثر الناس قُبلت التوبة والإيمان بعد ذلك؛ لزوال الآية التي تضطر الناس إلى الإيمان، وهذا يحتاج إلى دليل، وما أظن الزمان يتراخى بعد ذلك، ولا يبقى فيه مهلة وتطاوُل بحيث يطول العهد بذلك قبل يوم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٠٤٠) والحاكم (٨٦٣٩)، وقال \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه \"\n، الذهبي: \"على شرط مسلم \". وصححه الشيخ أحمد شاكر، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح: ١٧٦٢)\n (^٢) أخرجه الطبري في \" جامع البيان \" (١٤٢٤٦)، وصححه الحافظ في الفتح (١١/ ٤٩٥)، وقال الشيخ أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\". وانظر\" تفسير القرآن العظيم \" (٣/ ٢٣٢)\n (^٣) فتح الباري (١١/ ٤٩٥)","vol":"2","page":1106},{"text":"القيامة، والله أعلم. (^١)\nوأما ما استدلوا به بما يُروى عن عبد الله بن عمرو -﵄- مرفوعًا:\n\"تبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة \"\nفقد رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٥٠٦)، ونعيم بن حماد في \"الفتن\" (٢/ ٦٥٦) عن عبد الله بن عمرو موقوفًا.\nقال ابن حجر:\nرفعه لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حُميد في تفسيره بسند جيد، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا. (^٢)\nومن المقرر عند العلماء أن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄كان ممن يحمل عن أهل الكتاب.\nفقد حصل في حرب اليرموك على كتب لأهل الكتاب، فكان ينقل عنها الإسرائيليّات ويحدّث بها. قال ابن حجر:\nوعبد الله بن عمرو بن العاص حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب، فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة، حتى كان بعض أصحابه ربما قال له: حدثنا عن النبي - ﷺ - ولا تحدثنا عن الصحيفة، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور الرفع لقوة الاحتمال، والله أعلم. (^٣)\nوقال ابن كثير بعد ذكره لحديث يرفعه عبد الله بن عمرو:\n\" يخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو، مما أخذه من الزاملتين \". (^٤)\n_________\n(^١) طرح التثريب (٨/ ٢٤٧)\n (^٢) وانظر \"فتح الباري\" (١١/ ٣٦١)\n (^٣) النكت على كتاب ابن الصلاح (ص/١٩٣)\n (^٤) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٧١)\nو\" الزاملتين \": تثنية زاملة، وهي البعير الذي يحمل عليه، وكان عثر على حمل بعيرين من كتب أهل الكتاب في «اليرموك»، فكان يُحَدِّثُ ببعض ما فيها من غير أن يرفعه إلى النَّبِي ﷺ، فمن ثم تحاشى بعض الرُواة الرواية عنه احتياطًا.","vol":"2","page":1107},{"text":"*وهنا سؤلان:\nالأول: إن قيل: وما الحكمة من طلوع الشمس من مغربها؟\nفيقال في الجواب:\nأن طلوع الشمس من مغربها آية تعم الكل، وتدل على الصانع المقلِّب للأشياء، ولقد زعم الملحدون وأهل النجوم أن ذلك لا يكون، فيبيِّن بذلك كذبهم، ويظهر القدرة على ما طلبه الخليل من النمرود بقوله: ﴿فأتِ بها منْ المغَربِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]\nفيطلعها الله - تعالى- يومًا من المغرب ليُرِي المنكرين قدرته، وأن الشمس في ملكه، إن شاء أطلعها من المشرق، وإن شاء أطلعها من المغرب. (^١)\n*الثاني:\nلماذ يغلق باب التوبة بطلوع الشمس من مغربها؟\n* والجواب من وجوه:\n-الأول:\nأن من شاهد طلوع الشمس من المغرب لا تقبل توبته إن كان مذنبًا، ولا يقبل إيمانه إن كان كافرًا؛ لأن الإيمان والتوبة بالغيب مقبول، وأمَّا بالمشاهدة فغير مقبول، فإن جميع الأمم التي أُهلكت بالعذاب؛ كقوم ثمودَ وصالح ولُوط وغيرِهم آمنوا حين رأَوا عذابَ الله تعالى، فلم يُقبل إيمانهم، وكذلك فقد آمن فرعونُ حين أدركه الغَرق، ولكن لم يقبل إيمانه، بل أجيب بقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]\n- الثاني:\nأنه لا ينفع نفسًا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه\n_________\n(^١) وانظرالجامع لأحكام القرآن (٧/ ٩٦) وكشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٤٧٦)","vol":"2","page":1108},{"text":"الحالة لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت. (^١)\n*الفائدة الثالثة: قول النَّبِيِّ ﷺ:\n\" إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً... \":\nوأما سجود الشمس فهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:\nقال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (الحج: ١٨)\nونحن نؤمن بذلك على الحقيقة، وإن كنا لا ندركه، كما أننا لا ندرك تسبيح الطيور، ولا نفقه تسبيح الجمادات ولكننا نوقن أنها تسبِّح لقوله تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: ٤٤].\nوكذلك فالشمس تسجد، وإن كنا لا ندرك سجودها ولا نراه، ولكنه سجود حقيقي.\n* المخالفون في هذه المسألة:\nمن أهل الكلام والعقلانيين من أنكر ذلك بالتأويلات الباطلة؛ بدعوى أن الشمس لا تزال طالعة على الأرض، ولكنها تطلع على جهة منها، وتغرب عن الجهة الأخرى؛ فأين يكون مستقرها الذي إذا انتهت إليه سجدت، واستأذنت في الرجوع من المشرق؟!\n* ومنهم من عمد إلى تحريف النص عن موضعه، فقالوا أن سجود الشمس تحت العرش ليس على حقيقته، بل هو تعبير وتصوير لانقيادها لأمر الله تعالى، حالها في ذلك حال انقياد الساجد من المكلَّفين وهو يخر إلى أسفل معلنًا تمام انقياده، وغاية خضوعه لأمر ربه جل وعلا!! (^٢)\n_________\n(^١) وانظر التذكرة للقرطبي (ص/٥٩٩) والمفاتيح في شرح المصابيح (٣/ ١٧٩)\n (^٢) كما نص على ذلك ابن عاشور في \" التحرير والتنوير\" (٢٣/ ٢٠) بقوله معقبًا على حديث الباب:\n\" وهذا تمثيل وتقريب لسير الشمس اليومي الذي يبتدئ بشروقها على بعض الكرة الأرضية وينتهي بغروبها على= =بعض الكرة الأرضية، \".\nويقول محمد أبو شُهبة مسألة عن سجود الشمس تحت العرش، في كتابه \" دفاعٌ عن السنة، ورد شبه المستشرقين\"!! (ص/١٨٢)\n\" وهذا من قبيل المجاز والتمثيل، وهذا مستساغ ومستفيض في لغة العرب، وإنما يستشكل مثل هذا من لم يتذوق لغة العرب، وما لهم من الافتنان في الأساليب وطرق البيان\"!!","vol":"2","page":1109},{"text":"*والجواب عليهم أن يقال:\nإنما ينكر ذلك الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم عن القبول والإذعان لآيات الله -عزوجل -الشرعية والكونية.\nفتراهم في ريبهم يترددون، وفي صدق النبي - ﷺ - يرتابون.\nفقد زلَّت أقدامهم عن درَج التسليم للشرع، حتى ساغت بهم في الدرْك الأسفل من التعطيل والتحريف وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.\nفحسب المسلم أن يؤمن بما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، ويعتقد أنه هو الحق، ولا يتكلف ما لا علم له به من تعيين الموضع الذي تسجد فيه الشمس، بل يكل علم ذلك إلى الله تعالى.\n* ثم يقال هنا وجوه:\nالوجه الأول:\nأن يقال: قد نص النبي - ﷺ- على أن الشمس تسجد لربها نصًا لا يحتمل التأويل، وهذا النص يدل على أنها تسجد سجودًا حقيقيًا لا مجازيًا، ومن زعم أن سجودها كناية عن تمام انقيادها لأمر الله -تعالى-واستجابتها له؛ فقد صرف النص عن ظاهره، ولا شك أن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه.\nالوجه الثاني:\nأن النبي - ﷺ- نص على أن الشمس تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، وهذا النص يدل على أنها إنما تسجد في موضع مخصوص، وهو مستقرها تحت العرش، ولو كان سجود الشمس كناية عن تمام انقيادها لأمر الله -تعالى- واستجابتها له؛ لكانت ساجدة على الدوام، ولا يخفى ما في هذا القول من المخالفة لنص الحديث، وما خالف النص فهو قول باطل مردود، وكفى بالنص حجة على كل مبطل.\nالوجه الثالث:\nيلزم من هذا القول إلغاء فائدة النص على سجود الشمس إذا انتهت إلى مستقرها تحت العرش، وما لزم عليه إلغاء النص؛ فهو قول سوء يجب اطراحه. (^١)\n_________\n(^١) وانظر لهذه الأوجه \" إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة \" (٣/ ٢٠٢)","vol":"2","page":1110},{"text":"*نكتة اعتزالية:\nقال الزمخشري:\nوقوله تعالى ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْكَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾\nفلم يفرّق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيرًا، ليعلم أنَّ قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك. (^١)\n* والجواب:\nأن الزمخشري يروم الاستدلال على صحة عقيدته في أن الكافر، وهو المراد في قوله تعالى ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾، والعاصي وهو المراد في قوله تعالى ﴿أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾\nكلاهما سواءٌ في الحكم بالخلود في النار؛ إذ سوَّى بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات.\n* وهنا يقال:\nأنه لا يتم له ذلك؛ فإنَّ هذا الكلام اشتمل على النوع المعروف من علم البيان والبلاغة باللف.\nوأصل الكلام:\n\" يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا لم تكن مؤمنة قبل ذلك إيمانها بعد ذلك، ولا ينفع نفسًا كانت مؤمنة لكن لم تعمل في إيمانها عملًا صالحًا قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك، إلا أنه لفُّ الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا بلاغة واختصارًا وإعجازًا.\nوَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا) (النساء: ١٧٢)\n* لذا نقول:\nلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإنْ نفع الايمان المتقدِّم في السلامة من الخلود، فهذا بأن يدل على رد الاعتزال أجدر من أن يدل له. (^٢)\nوالحاصل:\nأن هذه الأية ليست دليلًا للمعتزلة على خلود صاحب الكبيرة في النار، بل غاية ما فيها الإخبار عن الختم على عمل كلِّ أحد بالحالة التي هو عليها.\n_________\n(^١) الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ٨٠)\n (^٢) وانظر فتح الباري (١١/ ٤٩٧) والانتصاف فيما تضمنه الكشَّاف (٢/ ٨٢)","vol":"2","page":1111},{"text":"فلا ينفع أصل الإيمان الذي يحدثه صاحبه بعد رؤيته لطلوع الشمس من مغربها، وكذلك لا ينفع ما يحدثه صاحب أصل الإيمان من توبة من معاصيه؛ لأن حكم الإيمان والعمل عند طلوع الشمس من مغربها كحكمه عند الغرغرة، فلا ينفع الإيمان ولا التوبة في هذين الموضعين بجامع أنه في كليهما قد عاين المرء أحوال الآخرة، فهو في حكم من حضره الموت.\nفالمؤمنَ المقصِّر لن ينفعه أن يزداد خيرُه بعد طلوع الشمس من مغربها، بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك، وما كان له من الخير المرجوِّ قبل أن يأتي بعض الآيات.\n*الفائدة الابعة: قول النَّبِيَّ ﷺ:\n\" إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، ... \"\nوهنا نذكر أدلة ثبوت العرش، وما ورد في صفته:\n١ - ما ورد من أدلة في إثبات العرش:\nلقد جاء ذكر عرش الرحمن في القرآن في واحد وعشرين موضعًا، وكذلك فقد بلغت حد التواتر في السنة، كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن أبي شيبة. (^١)\n* نذكر منها ما يلي:\nقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بأمره أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: ٥٤)\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ ... (التوبة: ١٢٩)\nقال ابن كثير:\nوهو رب العرش العظيم: أي هو مالك كل شيء وخالقه، لأنه رب\n_________\n(^١) وانظر مجموع الفتاوى (٦/ ٥٨٤) و\"العلو للعلي الغفار\" (ص/ ٨٩) و\"كتاب العرش\" (ص/٥١).","vol":"2","page":1112},{"text":"العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السماوات والأرضين وما فيها وما بينهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل. (^١)\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (هود: ٧)\n* ومن أدلة السنة:\n١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ». (^٢)\n٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ:\n «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ». (^٣)\n٣ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ- يَقُولُ:\n «اهْتَزَّ العَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ». (^٤)\n٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٠٥)\n (^٢) أخرجه البخاري (٢٧٩٠) وأحمد (٨٤٧٤)\n (^٣) متفق عليه.\n (^٤) متفق عليه.\n* تنبيه:\nوهذا الحديث على ظاهره، فالعرش قد اهتز فرحًا وسرورًا لقدوم سعد بن معاذ ﵁، وذكلا خلافًا لمن تأول النص على خلاف ذلك فقال هو اهتزاز حملته سرورًا واستبشاراٍ بقدومه، فحذف المضاف، كقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾. وانظر إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص/٢٤٣)","vol":"2","page":1113},{"text":"كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي». (^١)\n* أما الإجماع:\nقال الأوزاعي:\nكنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله- تعالى - فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته. (^٢)\nقال أبو عمر الطلمنكي:\nوأجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - على أن لله -تعالى- عرشًا، وعلى أنه مستوٍ على عرشه. (^٣)\n٢ - ومما ورد في صفة العرش:\nعرش الله -تعالى- على الماء:\nعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁- أن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ:\n «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». (^٤)\nوقال ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\n «ما بَيْنَ السَّماءِ الدنيا والتي تليها مَسِيرة خمسمائة عام، وبين كلِّ سَماءَيْن مسيرة خمسمائة عام، وبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ إِلَى المَاءِ خَمْسمِائَة عَامٍ، والْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ\". (^٥)\n* تنبيه:\nعَنْ جَابِرٍرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً \" (^٦)\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص/٤١٠) وصححه شيخ الإسلام في \" الفتوى الحموية الكبرى\" (ص/٢٩٦)، وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ١٨١): \" هذا إسناد صحيح\".\n (^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩)\n (^٤) أخرجه البخاري (٧٤١٨) وأحمد (١٩٨٧٦)\n (^٥) اأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٥٨) والدارمي في \" الرد على الجهمية \" (ص/٥٩)، وقد أورده ابن القيم\nفي \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" (ص/١٦٠) وقال: \"رواه سنيد بن داود بإسناد صحيح \". وقال الألباني في مختصر العلو (ص/١٠٣): \"إسناده صحيح\".\n (^٦) أخرجه مسلم (٢٨١٣)","vol":"2","page":1114},{"text":"قيل:\nأن المراد بالعرش هنا هو التعبير عن استيلائه على الخلق، وتسلُّطه على إضلالهم بذكر وضع العرش على الماء. والصحيح -والله أعلم- حمل الحديث على ظاهره، ويكون من جملة تمرُّد إبليس وطغيانه وضع عرشه على الماء، فقد جعله الله - تعالى- قادرًا على ذلك استدراجًا؛ وذلك ليغتر بأنَّ له عرشًا على هيئة عرش الله عزوجل، فيغرَّ بعض السالكين الجاهلين بالله -تعالى-أنه الرحمن.\n* ومما يؤيد هذا الظاهر:\nما رواه أَبوسَعِيدٍرضي الله عنه- أن رَسُولَ اللهِ -ﷺ - قال لابن صيَّاد: مَا تَرَى؟» قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ\". (^١)\n٣ - العرش مخلوق عظيم، وله قوائم:\nالذي يُستقرأ من الأدلة الشرعية أن عرش الرحمن﵎- يعتبر أعظم مخلوقات الله - تعالى- وأوسعها على الإطلاق،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٢٤)\n* تنبيه مهم:\nما يتناقله البعض من كون عرش إبليس في \" مثلث برمودا \"، فهذا من الغيب الذي لا سبيل لمعرفته إلا بالخبر الصادق من الكتاب أوالسنة، ولم يثبت في ذلك شيء على سبيل الجزم.\nولا شك أن منطقة \" مثلث برمودا \"، والتي تقع على البحر الأطلسي، قد شَكَّلَت ظاهرة غريبة، حيَّرت العلماء والباحثين، من حيث اختفاء الكثير من السفن والطائرات في ذلك المكان، وتوّقف كافة الاتصالات عن البث، وعلى الرغم من التقدم العلمي، إلا إن هذه الظواهر ما زالت غامضة لدى العلماء والباحثين.\nوقد صنف فى ذلك بعض الكتَّاب أمثال الكاتب منصور عبدالحكيم في كتابه \"عرش إبليس ومثلث برمودا والأطباق الطائرة\"، وكتابه \" مواجهة الجن\"، ونص فيها على أن عرش إبليس يقع في منطقة برمودا بالمحيط الأطلسي.\nومن هذه الكتب أيضًا كتاب \" حوار مع الجن\" للكاتب أسامة عبدالكريم، والذي أخبر فيه أنه قد جاءته رسالة من جن مسلم يدعى \"كنچور\" يخبره فيها بوجود عرش إبليس في مثلث برمودا!!\nوأنظر كتاب\"عرش إبليس ومثلث برمودا والأطباق الطائرة \" (ص/١٣)\nولكنَّ هذه الأمور من العلم الذي لا ينفع، والجهل الذي لا يضر، فالمؤمن لا يشغله تحديد مكان عرش إبليس، وإنما يشغله كيف ينجو من الشيطان، وحبائله، وكيف يكون من عباد الله - تعالى- المخلصين، الذين قال الله فيهم:\n\" إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ \" [الحجر: ٤٢].","vol":"2","page":1115},{"text":"فقد خص الله -﷿العرش بهذه الميِّزة العظيمة، وشرفه بها لكي يتناسب مع ذلك الشرف العظيم، ألا وهو استواء البارئ﷿- عليه.\n* ومما يدل على سعة العرش وعظم خلقه:\nما ورد عن أبي ذر الغفاري -﵁- أن النبي - ﷺ - قال:\n\" ما السَّماوات السّبع في الكُرسيِّ إلَّا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وفضلُ العرشِ على الكُرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلقةِ \". (^١)\nوعن ابن عباس -﵄- قال:\n\"الكرسيُّ موضِعُ القدمين، والعرشُ لا يَقْدِرُ أحدٌ قدرَه\". (^٢)\nومثل هذا مما لا يقال بالرأي، وفيه دلالة بيِّنة على إثبات ابن عباس -﵄- للكرسي، لذا فما يُروى عنه من تأويل للكرسي بأنه العلم فلا يصح. (^٣)\n_________\n(^١) رواه بن حبان (٣٦١) وابن أبي شيبة في العرش (رقم: ٥٨)، قال الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ٤١١):\nصححه ابن حبان، وله شاهد عن مجاهد، أخرجه سعيد بن منصور في \"التفسير\" بسند صحيح عنه\".\nوقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٩) بعد ذكره لطرق الحديث:\n\" وجملة القول أن الحديث بهذه الطرق صحيح \"..\n (^٢) أخرجه ابن خزيمة في \"التوحيد\" (ص/١٠١) وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (ص/١٨٣)، وصححه الدارمي في \" نقضه على المريسي\" (رقم: ٩٤)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣١١٦)، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي. وقد نقل ابن منده في التوحيد (٣/ ٣٠٩) تصحيح عن أبي زرعة، وصححه الشيخ مقبل الوادعي في تخريجه لأحاديث تفسير ابن كثير (١/ ٥٧١)\nوقال الألباني في تحقيق مختصر العلو (ص/١٠٢): \" هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات\".\nوانظر\" سلسلة الآثار الصحيحة من أقوال الصحابة والتابعين \" (٢/ ٢١٦)\n (^٣) فقد روى الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -﵁أنه قال:\n\"وسع كرسيُّه: كرسيُّه: \" علمه \".\nولكنه لايصح؛ لأن مداره على جعفر بن أبي المغيرة، وفيه لين، كما أنه قد خالف الثقات المكثرين ممن هم أوثق منه من أصحاب سعيد بن جبير.\nفقد روى مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵁- أنه قال: \"الكرسيُّ موضع القدمين\"، وهى رواية صحيحة كما سبق بيانه قريبًا.\nوممن صعَّف هذا الأثر: الدارمي في \"الرد على المريسي\" (ص/٢٠٨) والذهبي في \" العلو \" (ص/١١٧) وابن منده في \" الرد على الجهمية \" (١/ ٢١).\n* وكذيك يقال:\nأن تفسير الكرسي بالعلم، مخالف بلا أدنى شك لما صح عن النبيﷺ - والصحابة - ﵃ - كابن مسعود وأبي موسى، في بيان عظم خلق الكرسي، وأنه أعظم مخلوق. وليس في لغة العرب تفسير الكرسي بالعلم.\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nالكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف. وقد نقل عن بعضهم: أن \" كرسيه \" علمه. وهو قول ضعيف؛ فإن علم الله وسع كل شيء كما قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، فلو قيل وسع علمه السماوات والأرض لم يكن هذا المعنى مناسبًا. انظرمجموع الفتاوى (٦/ ٥٨٤)","vol":"2","page":1116},{"text":"*وعَنْ جُوَيْرِيَةَرضي الله عنها- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ:\n «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟»\nقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \" لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ:\n\" سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ \". (^١)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nفهذا يبيِّن أن زنة العرش أثقل الأوزان. (^٢)\nقال ابن القيم:\nوقوله: \"وزنة عرشه\": فيه إثبات للعرش، وإضافته إلى الرب ﷾، وأنه أثقل المخلوقات على الإطلاق؛ إذ لو كان شيء أثقل منه لوزن به التسبيح. (^٣)\n* وللعرش قوائم:\nفعَنْ أَبِي سَعِيدٍ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ:\n «النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ». (^٤)\n* وللعرش حملة من الملائكة:\nقال تعالى (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧» (الحاقة: ١٧)\nوعن جابر بن عبد الله -﵄عن النبي - ﷺ - قال:\n\" أُذِنَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٢٦) وأحمد (٢٧٤٢١)\n (^٢) مجموعة الرسائل والمسائل (٤/ ١٢٢)\n (^٣) المنار المنيف في الصحيح والضعيف (ص/١٩)\n (^٤) متفق عليه.","vol":"2","page":1117},{"text":"لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ \". (^١)\n* سؤال وجواب:\nقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦» (الرحمن: ٢٦)، فهل العرش داخل في هذا العموم؟\n* والجواب:\nالعرش لا يفنى؛ لأن الله - ﷿- مُستوٍ عليه استواءً يليق بجلاله، قال تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ:\n\" فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ \". (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوأما «العرش» فلم يكن داخلًا فيما يشقه ويفطره، بل الأحاديث المشهورة دلت على ما دل عليه القرآن من بقاء العرش، وقد ثبت في الصحيح أن جنة عدن، سقفها عرش الرحمن، قال ﷺ: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن». (^٣)\nوقال ﵀:\nقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يَعْدَمُ ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار والعرش، وغير ذلك. (^٤)\nقال أحمد:\nوأما العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنه سقف الجنة، والله -تعالى- عليه فلا يهلك ولا يبيد. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٢٧). وقال ابن كثير: \"هذا إسناد جيد، رجاله ثقات\". وقال ابن حجر: \"إسناده على شرط الصحيح\"، وانظر تفسير القرآن العظيم (٨/ ١١٥) وفتح الباري (٨/ ٦٦٥).\n (^٢) أخرجه البخاري (٢٧٩٠) والترمذي (٢٥٢٩)\n (^٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٦٥)\n (^٤) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧)\n (^٥) الرد على الجهمية والزنادقة (ص/٣٢٧)","vol":"2","page":1118},{"text":"قال ابن القيم:\nوالعرش والكرسي لا يفنيهما... أيضا وإنّهما لمخلوقان. (^١)\nوقال السيوطي:\nثمانية حُكْمُ البقاء يعُمُّها... من الخلق والباقون في حيِّز العدمْ\nهي العرش والكرسي نار وجنة... وعَجْب وأرواح كذا اللوح والقلم. (^٢)\n* فإن قيل: كيف عرش الرحمن؟\nفالجواب أن يقال ما قاله مالك في صفة الاستواء، في عبارة جامعة مانعة، قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\" هذا الجواب من مالك - ﵀ - في الاستواء شافٍ كافٍ في جميع الصفات \". (^٣)\n*فكذلك هنا يقال:\n\"العرش في اللغة غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\"\nفنقول: أنَّ العرش في اللغة غير مجهول:\nفالعرش هو سرير المُلْك، أو سرير المَلك، كما قال تعالى حاكيًا عن الهدهد (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) (النمل: ٢٣). (^٤)\n- وأما الكيف به فأمر مجهول؛ لأن رؤية الشيء فرع على العلم بكيفيته، ونحن ما رأينا العرش، لذا فالخوض في كيفيته هو قول على الله -تعالى- بغير علم، وهذا من نزغ الشيطان لأهل البدع، ... كما قال تعالى (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩» (البقرة: ١٦٩).\n_________\n(^١) \" الكافية الشافية في الإنتصار للفرقة الناجية \" (١/ ٤٧)\n (^٢) وانظر تحفة المريد (٢/ ٦٤) وتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد (١/ ٦٩)\n (^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٤)\n (^٤) وانظر مختار الصحاح (ص/٢٢٣) والمصباح المنير (ص/٢٣٩) ومطالع الأنوار (٤/ ٤١٥)","vol":"2","page":1119},{"text":"-وأما الإيمان به فواجب شرعًا، فهو من مسائل الاعتقاد التى تمايز بها أهل السنة عن أهل البدع، وسطَّرها أئمة العلم والاعتقاد، بل وخصوها بالتصنيف. (^١)\n- وأما السؤال عنه فهو بدعة؛ فإن أهل العلم من صحابة النبي -ﷺ- ومن سار على نهجهم واتَّبَعَ هديهم قد آمنوا بالله -تعالى - وبما جاء عن الله تعالى، وعلى مراد الله، وآمنوا برسول الله ﷺ، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله ﷺ.\nدون أن يخوضوا في ذلك على سبيل التعمُّق والتنطع والتحريف والتعطيل.\n* المخالفون لأهل السنة في الأصل:\nلم يزل أهل السنة على التنبيه على مخالفة أهل البدع المنكرين لحقيقة العرش؛ لذا فقد سطَّر أهل السنة والجماعة هذه المسألة، وأفردوها بذكر الأدلة عليها، والرد على منكري حقيقة العرش، الذين حرَّفوها إلى المعاني الباطلة.\nقال أبو سعيد الدارمي:\nوما ظننا أنا نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدَّعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا، وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام، وإليه نلجأ، وبه نستعين. (^٢)\nفقد زعمت الجهمية والمعتزلة والماتريدية وعامة متأخري الأشاعرة أن معنى العرش في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ هو الملك، وأن العرش ليس على حقيقته.\nقال الزمخشري:\nلما كان الاستواء على العرش، وهو سرير الملك مما يردف الملك، جعلوه كناية عن الملك، فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون الملك،\n_________\n(^١) ومن أمثلة ذلك:\nالرسالة العرشية \" لشيخ الإسلام ابن تيمية، و\" العرش وما رُوِي فيه\" لأبي جعفر محمد بن أبي شيبة، و\" كتاب العرش\" لأبي عبد الله الذهبي.\n (^٢) وانظر \" الرد على الجهمية \" (ص/٣٣)","vol":"2","page":1120},{"text":"وإن لم يقعد على السرير البتة. (^١)\nقال أبو منصور البغدادي:\nوالصحيح عندنا تأويل العرش على معنى الملك، كأنه أراد أن الملْك ما استوى لأحد غيره.\nوهذا التأويل مأخوذ من قول العرب \" ثُلَّ عرش فلان \" إذا ذهب ملكه، وقال متمم بن نويرة في هذا المعنى:\n\" عُرُوشٌ تفانوا على عِزٍ وأمة... هووا بعد ما نالوا السلامةَ والبقا \" (^٢)\n*ومن الرد عليهم في هذه الفرية:\n١ - ما ورد من أدلة على وجود حملة للعرش؛ فهى دالة على أنه عرش على الحقيقة، وليس أن العرش هو الملك، كما يدَّعي المخالفون.\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (غافر: ٧)\nوقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٧)\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nثم إن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ يوجب أن لله -تعالى- عرشًا يُحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك، كما تقوله طائفة من الجهمية. (^٣)\n٢ - قد قال تعالى ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ (هود: ٧)\nفعلى القول أن العرش هو الملْك، فهل يقال أن ملْك الله -تعالى-كان على الماء فقط؟!\n*ومن أدلة السنة على أنه عرش على الحقيقة:\nما رواه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِرضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّﷺ - قَالَ:\n «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ». (^٤)\n_________\n(^١) انظر \"الكشَّاف \" (٣/ ٥٢) \" شرح الأصول الخمسة \" (ص/ ٢٢٦)\n (^٢) \"أصول الدين\" (ص /١١٢)\n (^٣) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٢٧٨)\n (^٤) أخرجه أبوداود (٤٧٢٧) وأورده ابن كثير في \"تفسيره\": (٤/ ٤١٤)، وقال: إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات. وقال الذهبي \" (ص/١١٤): \" إسناده صحيح\". وانظر \"مختصر العلو للعلي الغفار\" (ص/١١٤) والسلسلة الصحيحة (ح/١٥١)","vol":"2","page":1121},{"text":"*وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ﵁ - قَالَ:\nقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى». (^١)\nوالشاهد لنا من هذا الحديث قوله: \"فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش\":\nفدل ذلك على أن للعرش قوائم، ولم يرد في الشرع تحديد عدد لها، فهذا الحديث هو من أقوى الأدلة على أن العرش ليس المراد به الملك.\n* من المسائل التي تتعلق بالعرش: استواء الله- تعالى -على العرش:\nمسألة الاستواء على العرش ثابتة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهى صفة فعليه ثابته لله عزوجل، وأهل السنة مجمعون على إثبات هذه الصفة على حقيقتها على ما يليق بالله تعالى.\nوقد جاء ذُكر الاستواء في القرآن الكريم في سبعة مواضع، من سورة: \" الأَعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، والسجدة، والحديد \"، ومجيء ذكر الاستواء في القرآن بهذا العدد إنما هو لتأكيد عظم هذا الأمر وأهميته.\nقال تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) (طه: ٥)\nوقال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (السجدة: ٤)\nوقال تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩» (الفرقان: ٥٩)\n* ومن السنة:\nالسنة مليئة بالأحاديث والآثار التي تثبت الاستواء وتؤكده.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nكونه فوق العرش ثبت بالشرع المتواتر وإجماع\n_________\n(^١) متفق عليه. وقوله ﷺ، (حوسب بصعقة الأولى):\nأي عدت عليه الصعقة التي صعقها في الدنيا، وذلك عندما طلب من الله- تعالى- أن ينظر إليه، فتجلَّى سبحانه للجبل؛ لأن كل مكلف يصعق مرتين فقط.","vol":"2","page":1122},{"text":"سلف الأمة، مع دلالة العقل ضرورة. (^١)\nعَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ - ﵁ - قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ\". (^٢)\n* الإجماع:\nقال عليُ بن المديني:\nأهل الجماعة يؤمنون بالرؤية وبالكلام، وأن الله فوق السماوات على العرش استوى. (^٣)\nبل قد نقل سعيد بن عامر الضبعي إجماع أهل الأديان على ذلك، فقال ﵀:\nالجهمية شر قولًا من اليهود والنصارى، قد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله -تعالى- على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء. (^٤)\n* قال ابن زمنين:\nومن قول أهل السنة: أن الله - ﷿- خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ... ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه. (^٥)\nولما جاء رجلٌ إلى الإمام مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله؛ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾؛ كيف استوى؟ أطْرَقَ مالكْ وأخذتْهُ الرُّحضَاء، ثم رفع رأسه، فقال:\n\" الاستواءُ غير مَجْهُولِ، والكَيْفُ غير معقول، والإيمانُ به وَاجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ، وما أراكَ إلا مُبْتَدِعًا، فَأمَرَ به أن يُخْرَجَ. (^٦)\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٥/ ١٢٧)\n (^٢) قال ابن القيم في \"إجتماع الجيوش الإسلامية\" (ص/٥٤): \" رواه الخلال في \"السنة \" بإسناد صحيح على شرط البخاري\"\n (^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص/١٤٦)\n (^٤) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص/١٣٤)\n (^٥): أصول السنة، (ص/٨٨)\n (^٦) أخرجه الأصبهاني في \" طبقات المحدثين \" (٢/ ٢١٤) والدارمي في \"الرد على الجهمية\" (رقم: ١٠٤) واللالكائي في \"شرح أصول الإعتقاد\" (رقم: ٦٦٤)، وصحَّح إسناده الذهبي في \"كتاب العرش\" (٢/ ١٨١)، وفي تذكرة الحفاظ=\n= (١/ ١٥٥)، وجوَّد إسناده البيهقي في الأسماء والصفات، والحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ٤٠٦). وانظر \" الصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين\" (٢/ ٤٥)","vol":"2","page":1123},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوقول مالك من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشده استيعابًا؛ لأن فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعقول، وقد ائتم أهل العلم بقوله واستجودوه واستحسنوه. (^١)\n*وقول الإمام مالك: \" الاستواءُ غير مَجْهُولِ.. \":\nأي أنه معلوم في لغة العرب التي نزل بها القرآن، فقد ذُكر الاستواء في حق الله -تعالى- متعديًا بـ \"على\": وهذا في لغة العرب معناه:\n «العلو» و«الارتفاع» و«الاستقرار» و«الصعود»\nفالاستواء معلوم في اللغة، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه، كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول. (^٢)\nقال بِشْرُ بْنُ عُمَرَ:\nسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى: ارْتَفَعَ. (^٣)\n*وأما قول مالك: \" الكَيْفُ غير معقول\":\nفكما سبق وذكرنا أن رؤية الشيء فرع على العلم بكيفيته، ونحن ما رأينا كيفية صفة الاستواء، لذا فالخوض في كيفيتها من القول على الله -تعالى- بغير علم.\nقال القرطبي:\nولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وخُص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء؛ فإنه لا تعلم حقيقته. (^٤)\n* المخالفون لأهل السنة في صفة الاستواء:\nوهم المحرِّفة الذين بدَّلوا الكَلِم عن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٠)\n (^٢) وانظرالتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٣/ ٣٤٠) ومختصرالصواعق المرسلة (ص/٣٦٦)\n (^٣) ذكره الذهبي في \" الأربعون في صفات رب العالمين\" (ص/٣٦)، وانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٤٠)\n (^٤) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٤٠)","vol":"2","page":1124},{"text":"مواضعه، ففسَّروا الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ بالاستيلاء.\nوهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية والمعتزلة والحرورية، وكثير من متأخري الأشاعرة. (^١)\nقال أبو نعيم البلخي:\n\" كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم ثم قطعه وجفاه، فقيل له: لم جفوته؟ فقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأتُ يومًا ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]\nقال: \" أما والله لو وجدتُ سبيلًا إلى حكها لحككتها من المصحف \". (^٢)\n* ومما استدل به هؤلاء على تحريفهم:\n١ - ما روى عن ابن عباس ﵄:\nأنه قال في في قوله تعالى (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) [طه: ٥] قال:\nاستولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان.\n٢ - أن تفسير الاستواء بالاستيلاء أمر مشهور في لغة العرب.\nقال القاضي عبد الجبار:\nوالمراد بالاستواء هو الاستيلاء والاقتدار، كما يقال استوى الخليفة على العراق، وكما قال الشاعر:\n\" قد استوى بشر على العراق... من غير سيف ولا دم مهراق \". (^٣)\n* وتراهم يردُّون تفسير السلف للاستواء بدعوى أنه مستلزم للتجسيم، كما يقول\n_________\n(^١) وممن قد نص على ذلك:\nبشر المريسي كما نقله عنه عثمان بن سعيد في \" نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد \" (ص/٣١٩)، واللقاني في \"هداية المريد \" (٢/ ٤٩٢) والجويني في \"لمع الأدلة\" (ص/١٠٨)\n (^٢) وانظر خلق أفعال العباد (ص/٢٠) والسنة لعبد الله بن أحمد (ص/٦٩)، وقال الألباني في \"مختصر العلو\" (ص/١٦٢) \"سنده صحيح\".\n (^٣) وهذا البيت مما قد استدل به القاضي عبد الجبار في \"متشابه القرآن\" (ص/٧٣) و\" شرح الأصول الخمسة\" (ص/٢٢٦) على تفسير الاستواء بالاستيلاء.\nوهو بيت هو لشاعر نصراني يدعى الأخطل، قاله لبشر بن مروان بن الحكم، ثالث أبناء الخليفة مروان بن الحكم، وذلك حين ولاّه أخوه عبد الملك الكوفة والبصرة.\nوانظر المختصر في أصل الدين (ص/٣٣٣) ضمن رسائل العدل والتوحيد، و\" العرش وما رُوِي فيه \" (ص/١٦٢)\nومنهج المتكلمين (٢/ ٥٣٧) وتنزيه القرآن عن المطاعن (ص/٢٢٦)","vol":"2","page":1125},{"text":"الرازي:\n\" ثبت بمجموع الدلائل العقلية والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله \" ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ \"على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيز!! (^١)\nوكل نص أوهم التشبيها... أوّله أو فوّض ورُم تنزيهًا\nوهذا يجسِّد لنا جناية أهل التحريف على نصوص الاعتقاد، حينما يُلبسون التحريف ثوب التنزيه، ويُرمون أهل الإثبات بالتجسيم والتشبيه، فترى عطب الفهم في مسلاخ تأصيل وتأسيس.\n* الرد على هذا الزعم الباطل:\nقد رد علماء أهل السنة على هذه الفرية وبيَّنوا بطلانها، ومن هؤلاء الإمام ابن القيم الذى فنَّد عوار هذا التحريف في مصنَّفه \"الصواعق المرسلة \"، ورد عليه من إثنين وأربعين وجهًا، فجعلها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس.\n* ومما يجاب به على تحريف المعطلة لصفة الاستواء:\n١ - أن هذا اللفظ قد اطرد في القرآن والسنة، حيث ورد بلفظ الاستواء دون الاستيلاء، ولو كان معناه استولى لكان استعماله في أكثر موارده كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حُمِل على معنى استولى؛ لأنه المألوف المعهود.\nوأما أن يأتي إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد، فيدَّعي صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه ففي غاية الفساد، ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأتي حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك. (^٢)\n٢ - قد أطبق كبار أهل التفسير واللغة على تفسير الاستواء بالارتفاع والعلو على العرش، كما ورد ذلك عن ابن عباس وأبي العالية والحسن البصري ومجاهد بن جبر\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (١٤/ ٢٦٩)\n (^٢) مختصر الصواعق المرسلة (ص/٣٥٤)","vol":"2","page":1126},{"text":"والربيع بن أنس البكري.\nوالبخاري وابن قتيبة وابن جرير وابن أي حاتم وابن عبدالبر والبغوي وغيرهم.\nوهو قول: كبار أئمة اللغة أمثال: الخليل بن أحمد والفرَّاء والأخفش. (^١)\nلذا فالقول بتفسير الاستواء بالاستيلاء هو قول محدث في الأمة، وخروج على إجماع أئمة السنة.\nبل هو تحريف بيِّن لم يعرفه الصدر الأول، ولا القرون الخيرية من بعده، ومن لم يكن يؤمنذٍ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).\nقال أبو العباس ابن تيمية:\nذكر أبو المظفر في كتابه \" الإفصاح \" قال:\nسئل الخليل: \"هل وجدتَ في اللغة استوى بمعنى استولى\"؟\nفقال: هذا ما لا تعرفه العرب؛ ولا هو جائز في لغتها، وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل. (^٢)\nقال أبو بكر محمد بن النضر:\n\" كان ابن الأعرابي جارنا، وذكر لنا أن ابن أبي دؤاد سأله أتعرف في اللغة: استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا أعرف. (^٣)\n٣ - قد قال تعالى (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨» (المؤمنون: ٢٨)، وقال تعالى (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) (هود: ٢٨) فلو تنزلنا معكم أن الاستواء هو الاستيلاء، فهل استولى نوح﵇-\nومن معه على السفينة؟!، وهل استولت السفينة على جبل الجودي؟!\n٤ - لو كان الله -تعالى- مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو تعالى مستولٍ على الأشياء كلها، لكان مستويًا على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى\n_________\n(^١) وانظر مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩) وفتح الباري (١٣/ ٥٧٤) و\"العلو\" للذهبي (ص/١١٨ - ١٣٨) و\"شرح أصول اعتقاد أهل السنة \" (٣/ ٣٩٧، ٤٠٠) و\"العين\" (٧/ ٣٢٦)\n (^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٦)\n (^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٤٥)","vol":"2","page":1127},{"text":"الحشوش، والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها.. وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله -تعالى- مستوٍ على الحشوش والأخلية، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها. (^١)\n٦ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الحديد: ٤)\nفذكر وقوع الاستواء بعد خلق السماوات والأرض، فلو كان الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء أو القهر، ونحو ذلك، على ما حرَّفته الجهمية والمعتزلة، لكان الله -تعالى- غير مستولٍ على العرش ولا قاهر له قبل خلق السموات والأرض، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. (^٢)\n٥ - تفسير الاستواء بالاستيلاء يقتضي وجود منازعة بين الله - تعالى- وبين غيره؛ فإن الاستيلاء لا يأتى إلا بعد مغالبة، والله -عزوجل - لا ينازعه أحد في ملكه.\nقال ابن كثير:\nولا أراد الله -﷿- باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، تعالى الله عن قول الجهمية علوًا كبيرًا؛\nفإنه إنما يقال استوى على الشئ إذ كان ذلك الشئ عاصيًا عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرش الرب لم يكن ممتنعًا عليه نفسًا واحدًا، حتى يقال استوى عليه. (^٣) * قال داود بن علي: كنا عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل، فقال:\nيا أبا عبد الله، معنى قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) استولى، فقال:\nاسكت، العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل: استولى، والله\n_________\n(^١) الإبانة عن أصول الديانة (٢/ ٩٩٨)\n (^٢) كتاب العرش للذهبي (٢/ ١٤٢)\n (^٣) البداية والنهاية (٩/ ٢٦٢)","vol":"2","page":1128},{"text":"- تعالى- لا مضاد له، والاستيلاء بعد المغالبة، أَمَا سَمِعْتَ النَابِغَةَ:\nأَلَا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ... سَبْقَ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ. (^١)\n*فإن قيل:\nأليس وصف الله -تعالى- بالاستيلاء موافقًا لمعنى اسم \" المهيمن \"؟\n* فجوابه:\nأن معنى اسم \" المهيمن \": هو المطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علمًا، الشهيد على أعمال العباد. فأين هذا من وصف الله -تعالى- بالاستيلاء الذي لايكون إلا بعد المغالبة والمنازعة؟!\n* الرد على ما استدلوا به من شبهات:\nأما استدلالهم بما يروى عن ابن عباس -﵄في قوله \" الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى \"أنه قال: \" استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان\"\n* فالجواب أن:\nهذا أثر منكر، ونقلته مجهولون وضعفاء، في سنده عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد وهما ضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف. (^٢)\nثم يقال:\nأنتم لا تقبلون أصالة الاحتجاج بأخبار الآحاد في أصول الاعتقاد، وإن نقلها العدول، فكيف يسوغ لكم الاحتجاج بهذا الأثر المنكر في هذا الباب؟!\n* أما استدلالهم بقول الشاعر:\n\" قد استوى بشر على العراق... من غير سيف ولا دم مهراق.\n* فيقال جوابًا عليه:\nأن هذا البيت منسوب لشاعر نصراني يدعى الأخطل، فكيف يُترك ما تكاثر نقله عن أئمة السلف في تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع ليركن إلى بيت شعر مهلهل، بيت آيل للسقوط، لم يتجرأ المستدلُّون به على التصريح بنسبته\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص/٤١٥)، واللالكائي في \"اعتقاد أهل السنة\" (٢/ ٤٥)، وصححه الألباني في \"مختصر العلو\" (ص/١٩٥)\n (^٢) وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية (ص/٨٠) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٣/ ٣٤١) ولسان الميزان (١/ ١٦٨)","vol":"2","page":1129},{"text":"إلى الأخطل النصراني؟!!\nفلنعم الحجة إذا كانت ذات قوة، أو تأوي إلى ركن شديد.\nتراهم بالأمس القريب يعدلون عن الكتاب والسنة وإجماع الأمة في إثبات صفة الكلام لله -تعالى- استنادًا لبيت منسوب لنفس الشاعر النصراني:\n\"إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما...... جعلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلًا \"\nأولا يرون أنهم يفتنون في كل باب مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكرون.\n*قال أبو العباس ابن تيمية ردًا على استدلالهم بالبيت: \" قد استوى بشر على العراق...:\nلم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة، وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله -ﷺ- لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده؟! وقد طعن فيه أئمة اللغة. (^١)\nقال ابن القيم:\nأن هذا البيت محرَّف وإنما هو هكذا:\n\" بشر قد استولى على العراق\"\nهكذا لو كان معروفًا من قائل معروف، فكيف وهو غير معروف في شيء من دواوين العرب وأشعارهم التي يرجع إليها.\n*ولو صح هذا البيت، وأنه غير محرَّف لم يكن فيه حجة بل هو حجة عليهم، وهو على حقيقة الاستواء؛ فإن بشرًا هذا كان أخا عبد الملك بن مروان، وكان أميرًا على العراق، فاستوى على سريرها كما هي عادة الملوك ونوابها أن يجلسوا فوق سرير الملك مستوين عليه. (^٢)\n* أما دعوى أهل التحريف أن تفسير الاسْتَواء عَلَى الْعَرْشِ بالعلو والارتفاع والاستقرار يلزم منه شغل المكان والحيز!!\nفهى دعوى باطلة، لم يعرف أصحابها من الاثبات إلا التشبيه، ففروا منه إلى التحريف.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٦)\n (^٢) مختصر الصواعق المرسلة (ص/٣٥٩)","vol":"2","page":1130},{"text":"* وهنا إلزام لمن حرَّف:\nألا يلزم من تفسيركم للاستواء بالاستيلاء وجود المشابهة بين الله -تعالى- وخلقه؛ فإن الاستيلاء حاصل في أفعال البشر؟\nفإن قلتم: \"استيلاء الله ليس كمثله شيء \".\nقلنا:\nإذا أثبتم لله -تعالى- وصف الاستيلاء على ما يليق به، حسب زعمكم، وهو وصف خالفتم فيه إجماع كل من سبقكم، ألم يكن الأولى لكم أن توافقوا أهل السنة فتثبتوا لله -تعالى- وصف الاستواء على المعنى الصحيح الذي هو العلو والارتفاع على ما يليق بالله عزوجل؟!!\nوأما حكم نسبة المكان إلى الله -تعالى- فقد سبق بيان التفصيل فيه عند شرح الحديث الحادي والعشرين، حديث \" السنة الجارية في شرح حديث الجارية \"، فليرجع إليه.\n* سؤال: هل يقال استوى الله -تعالى- على العرش بحد؟\n* والجواب أن يقال:\nإن لفظ \"الحد\" من الألفاظ المحدثة التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة، وقد وردت في كلام السلف في الرد على أهل البدع من الحلولية والاتحادية.\nفلما نبتت نوابت الخبث وادعت بعضها أن الله - تعالى وتقدَّس- في كل مكان، وأنه غير مباين لخلقه، وهم الحلولية والاتحادية، وعلى النقيض قد ادعت أخرى أنه تعالى مماسٌ للعرش، وأنه جسم له حد واحد من الجانب الذي ينتهي إلى العرش، ولا نهاية له من الجوانب الأخر، كما هوقول الروافض والكرَّامية!! (^١)\nوبين هذا وذاك فقد اضطر أهل العلم إلى النص على إثبات الحد بما يليق بالله -تعالى -ردًا على تلك المقالات الفاسدة.\nوكلمة \"الحد\" قد وردت في عبارات السلف إثباتًا ونفيًا، وليس هذا تعارضًا أو اختلافًا بينهم، وإنما ورد ذلك جريًا على قاعدة السلف في تعاملهم مع الألفاظ المجملة التى تحتمل حقًا وتحتمل باطلًا، فتراهم\n_________\n(^١) وانظر التبصير في الدين (ص/٣١١) ومقالات الإسلاميين (ص/٢٢) وأصول الدين (ص/٧٣)","vol":"2","page":1131},{"text":"يثبتونها حال سياق الكمال، وينفونها حال سياق النقص.\nوفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\nإذا منع إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات ووقع الاستفسار والتفصيل تبين سواء السبيل. (^١)\nومن هذا الباب ما ورد في لفظة \"الحد\"، فقد وردت إثباتًا ونفيًا، ولكلٍ توجيه.\n*ونذكر من عبارات الإثبات ما يلي:\nقال حرب: قلت لإسحاق بن راهويه: العرش بحد؟ قال: نعم، وذكر عن ابن المبارك قال:\nهو على عرشه بائن من خلقه بحد. (^٢)\nقال علي بن الحسن: سألت عبد الله بن المبارك: كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا ﷿؟\nقال: «نعرف ربنا ﷿ فوق سبع سماوات على العرش بائن من خلقه بحد، ولا نقول كما قالت الجهمية هاهنا، وأشار بيده إلى الأرض \". (^٣)\n*ونذكر من عبارات النفي:\nقال حنبل: قال الإمام أحمد: نحن نؤمن أن اللَّه - تعالى -على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد. (^٤)\nوقال السفَّاريني:\nسُبْحَانَهُ قد اسْتَوَى كَمَا ورد... من غير كَيفَ قد تَعَالَى أَن يحد. (^٥)\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٤٦)\n (^٢) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (ص/١٧٤) وابن بطة في الإبانة الكبرى (٣/ ١٦١) والدارمي في الردعلى الجهمية (ص/٥٠)\nوصححه شيخ الإسلام في الفتوى الحموية (ص/٣٣٣) ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص/٥٤) والذهبي في العلو (ص/١١٠)\n (^٣) رواه عبد الله بن أحمد في \"السنة\" (٢١٦) وابن منده في \"التوحيد\" (٨٩٩) وسنده صحيح. وانظر \"الأثار الواردة عن السلف\" (١/ ٢١٣)\n (^٤) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٥٥)\n (^٥) الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية (ص/٥٤)","vol":"2","page":1132},{"text":"* وسبيل الجمع أن يقال:\n١ - أما عبارات إثبات الحد عند السلف فجاءت ردًا على الجهمية الذين قالوا ما مضمونه أن الخالقَ لا يتميّز عن الخلقِ، فليس له حدٌّ يباين المخلوقات، فبيَّن أهل السنة أنّ الله -﷾ - له حد، والمعنى أنه مباين لخلقه، منفصلٌ عنهم، ليس حالًّا فيهم، ولا متحدًا معهم.\nقال الدارمي:\nفمن ادَّعى أنه ليس لله -تعالى- حد فقد رد القرآن، وادَّعى أنه لا شيء؛ لأن الله -تعالى- حدَّ مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. (^١)\n٢ - وأما عبارات السلف في نفي الحد عن الله -تعالى- فمحمولة على وجوه:\n١ - الوجه الأول:\nنفي إدراك العباد لعلمه وصفات كماله عزوجل، وذلك نظير قوله تعالى (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (البقرة: ٢٥٥)، وقوله تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣» (الأنعام: ١٠٣)، فصار نفي الحد عن الله -تعالى- هو نفي الإحاطة بالله علمًا وإدراكًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nفهذا الكلام من الإمام أبي عبد الله أحمد -﵀- يبين أنه نفى أن العباد يحدُّون الله -تعالى- أو صفاته بحد أو يُقدِّرون ذلك بقدر أو أن يبلغوا إلى أن يصفوا ذلك، وذلك لا ينافي ما تقدَّم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه هو لا يعلمه غيره، أو أنه هو يصف نفسه، وهكذا كلام سائر أئمة السلف يثبتون الحقائق وينفون علم العباد بكنهها. (^٢)\nقال ابن القيم:\nأراد أحمد بنفي الصفة نفي الكيفية والتشبيه، وبنفي الحد نفي حد\n_________\n(^١) نقض الدارمي على المريسيص/٥٧)\n (^٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٦٢٨)","vol":"2","page":1133},{"text":"يدركه العباد ويحدُّونه. (^١)\nقال ابن الماجشون:\nفإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبد ومن لم يمت ولا يبلى، وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف. (^٢)\n٢ - الوجه الثاني:\nالرد على من زعم أنه يلزم من كونه تعالى مستويًا على عرشه أن يحده العرش، تعالى الله عن ذلك، إذ المحدود محدث، والمحدث مفتقر للخالق.\n. ... تم بحمد الله تعالى.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٤١٦)\n (^٢) الفتوى الحموية (ص/٣٠٩)، وقال شيخ الإسلام: \"إسناده صحيح\"","vol":"2","page":1134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>الحديث التاسع والثلاثون: بذل الطاقة شرح حديث صاحب البطاقة</span>","vol":"2","page":1135},{"text":"* نص حديث الباب:\nعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵁- قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟\nأَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ:\nبَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: \" أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ \"، فَيَقُولُ:\nاحْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فَقَالَ:\nإِنَّكَ لَا تُظْلَمُ \"، قَالَ: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ».\n* تخريج الحديث:\nأخرجه أحمد (٦٩٩٤) والترمذي (٢٦٣٩) والحاكم (٩)، وابن حبان في \" صحيحه \" (٢٢٥)\nقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وقال الحاكم: \" صحيح لم يخرَّج في الصحيحين، وهو صحيح على شرط مسلم \"، وقال الذهبي: \" هذا على شرط مسلم\"، وصححه الألباني في\n\"الصحيحة \" (ح: ١٣٥)\nوحديث البطاقة حديث صحيح متعدد الطرق، وقد أفرده الحافظ حمزة بن محمد الكناني بجزء أسماه \"مجلس البطاقة \"، ومما ذكره في هذ الرسالة قوله عن هذا الحديث:","vol":"2","page":1137},{"text":"\" ولا أعلمه روى هذا الحديث غير الليث بن سعد، وهو من أحسن الحديث \". (^١)\n* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:\nإثبات الميزان:\nوالميزان ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:\nأما أدلة القرآن:\nقال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧» (الأنبياء: ٤٧»، وقال تعالى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩» (القارعة: ٦ - ٩)\nوقال تعالى (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣» (المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣)\n* وأما السنة:\nقد بلغت أحاديث الميزان مبلغ التواتر، كما نص على ذلك أبو عبد الله الكتَّاني والسفَّاريني والبيجوري.\nقال السفَّاريني:\nفقد دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي، ذو كفَّتين ولسان، وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر. (^٢)\nولا شك أن حديث الباب قاطع الدلالة على إثبات الميزان يوم القيامة، حيث جاء فيه أن السجلات توضع في كفَّة، والبطاقة في الكفَّة الأخرى.\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺقَالَ:\n\"يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ \". (^٣)\n_________\n(^١) وانظر \" مجلس البطاقة \" (ص/٣٤)\nوقد تعقَّب السيوطي قول الكناني: \" ولا أعلمه روى هذا الحديث غير الليث... الخ، فقال:\n\"وأخرجه الترمذي أيضًا عن قتيبة عن ابن لهيعة عن عامر بن يحيى نحوه، وبه يرد قول حمزة، ما رواه غير الليث\". وانظر \"تدريب الراوي\" (٢/ ٥٦٠)\n (^٢) وانظر لوامع الأنوار (٢/ ١٨٥) ونظم المتناثر (ص/٢٣١) وتحفة المريد (ص/٤٩٢)\n (^٣) أخرجه البخاري (٧٤١١).","vol":"2","page":1138},{"text":"* وعَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدَاهُ \". (^١)\n*وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍورضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" خَلَّتَانِ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ، أَلَا وَهُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ:\nيُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا \"، قَالَ عبد الله:\nفَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ، قَالَ ﷺ:\n\"فَتِلْكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي المِيزَانِ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ تُسَبِّحُهُ وَتُكَبِّرُهُ وَتَحْمَدُهُ مِائَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي المِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ\"؟ قَالُوا: فَكَيْفَ لَا نُحْصِيهَا؟ قَالَ:\n\" يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَنْفَتِلَ، فَلَعَلَّهُ أَلَّا يَفْعَلَ، وَيَأْتِيهِ وَهُوَ فِي مَضْجَعِهِ، فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ حَتَّى يَنَامَ \". (^٢)\nالإجماع:\nقال أبو إسحاق الزجَّاج:\nأجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان، وكفَّتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة\". (^٣)\nقال ابن بطة:\nاتفق أهل العلم بالأخبار، والعلماء والزَّهاد والعبَّاد في جميع\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٦٦٢) وابن حبان (٨٣٣) والحاكم (١٨٨٥)، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرَّجاه».\nوصححه الأرنؤوط، وقال: \"رجاله ثقات رجال الصحيح، والمولى الذي لم يسمَّ هو أبو سلمى راعي رسول الله ﷺ \"\n (^٢) أخرجه أحمد (٦٩١٠) والترمذي (٣٤١٠) وأبوداود (٥٠٦٥) وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n (^٣) فتح الباري (١٣/ ٧٦٢)","vol":"2","page":1139},{"text":"الأمصار أن الإيمان بذلك -أي بالميزان- واجب لازم. (^١)\nقال زهير بن عبَّاد:\nكل من أدركتُ من المشايخ: مالك وسفيان وفضيل وعيسى بن يونس، وابن المبارك ووكيع بن الجراح كانوا يقولون: الميزان حق. (^٢)\nقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁:\nيجاء بالناس يوم القيامة إلى الميزان فيجادلون عنده أشد الجدال. (^٣)\nقال الإمام أحمد:\nقال اللَّه ﷿: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] فهو في كتاب اللَّه تعالى، فمَنْ ردَّ على النبي -ﷺ- ردَّ على اللَّه تعالى. (^٤)\n* المخالفون لأهل السنة في إثبات الميزان:\nعمد أهل التحريف والتعطيل، وهم من كل حدب ينسلون، إلى المخالفة في هذا الأصل، بالنفي الصريح تارة، وبالتحريف تارة أخرى، فتراهم يردُّون أصلًا ثابتًا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويسيرون على خطى خيط هو أوهى من خيط العنكبوت، أشبه بسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.\nفقد أنكر الخوارج والإباضية وبعض المعتزلة الميزان؛ وذلك لأن الأعمال أعراض، والأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بنفسها، وقد نُقل عن مجاهد وقتادة والضحاَّك تفسير الميزان بالعدل. (^٥)\n_________\n(^١) الشرح والإبانة (ص/١٥٠)\n (^٢) أصول السنة لابن زمنين (ص/٩٣)\n (^٣) وانظر رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٤١٨٥) وعبد اللَّه بن أحمد في \"السنة\" (١٠٧٧) وسنده حسن.\n (^٤) انظر \"شرح أصول الاعتقاد\" (٢٢١١)\n (^٥) وانظر تفسير الرازي (٢٢/ ١٧٦) والعقائد النسفية (ص/٢٥٠) والجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٩٣)","vol":"2","page":1140},{"text":"*وكذلك فمما أورده نفاة حقيقة الميزان:\nتحريف قول النبي ﷺ: \" وَبِيَدِهِ المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ \"، فقالوا:\nإنما أراد بذلك الإشارة إلى العدل والفضل، وأنه إذا بسط نعمه وفضله لم ينقص مما في يديه شيء بأنْ يعجزه، وإذا أعدل بحق ملكه لهم فيهم خفض ورفع وبسط وقبض.\nوقالوا عن قوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) (الحديد: ٢٥):\nفالميزان هو العدل بين العباد الذي أرسل الله -تعالى- به الرسل، وهل سمعتم أحدًا من الرسل أرسله تاجرًا ممسكًا للميزان؟! (^١)\n* الرد على نفاة إثبات الميزان:\nلا شك أن ما تأوَّله النفاة للنصوص الواردة في الميزان بأنه العدل هو تأويل منبوذ فاسد، ومخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nفالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الميزان هو ميزان حقيقي حسي، وله كفَّتان حسيِّتان، ويدل على ذلك ما يلي:\n١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍورضي الله عنه- أن النبيَ -ﷺ- قال:\n\" إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا - ﷺلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ:\nآمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ؛ فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ\n_________\n(^١) وانظر\" مشكل الحديث وبيانه\" (ص/٤٣٧) وأصول الدين (ص/٢٤٥) والأصول العشرة عند الإباضية (ص/٢٠٨)\n*تنبيه:\nومن التجوّز هنا نسبة نفي الميزان إلى المعتزلة بإطلاق، كما فعله الإيجي في المواقف (ص/٣٨٤) ومرعي الحنبلي في \" تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان\" (ص/٢٤)؛ فقد ذكر القاضي عبد الجبار في \" تنزيه القرآن عن المطاعن \" (ص/٤٧٩) الخلاف في ذلك عند المعتزلة عند تفسيره لسورة \"الأنبياء\"، ثم رجَّح هو القول بالميزان في تفسيره لسورة \"القارعة\"، وكذلك قال به الخوارزمي، وقال: \"قد قال به أصحابنا\".\nوانظر \"العقود الذهبية\" (٢/ ٥٤)","vol":"2","page":1141},{"text":"شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ \". (^١)\n٢ - وعَنْ سَلْمَانَ - ﵁- قَالَ:\n\" يُوضَعُ الصِّرَاطُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهُ حَدٌّ كَحَدِّ الْمُوسَى قَالَ: وَيُوضَعُ الْمِيزَانُ، وَلَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّتِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ لَوَسِعَتْهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا لِمَنْ تَزِنُ بِهَذَا؟ فَيَقُولُ: لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ \". (^٢)\n* فمن وجوه الدلالات من هذه الأثار على إثبات الميزان الحسي الحقيقي:\n١ - الوجه الأول:\nذكر الكفِّة في صفة الميزان دال على أنه ميزان حقيقي، وليس هو العدل كما زعم النفاة.\nقال القرطبي:\nوروي عن مجاهد والضحاك والأعمش أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل، كما يقول هذا الكلام في وزن هذا، وفي وزنه أي يعادله ويساويه، وإن لم يكن هناك وزن،\nوهذا القول مجاز وليس بشيء، وإن كان شائعًا في اللغة؛ للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي، ووصفه بكفَّتين ولسان، وإن كل كفة منهما طباق السماوات والأرض. (^٣)\nقال فخر الدين الرازي:\nحمل هذا اللفظ -أي الميزان-على مجرد العدل مجاز، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز، لا سيَّما وقد جاءت\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٥٨٣) والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٤٨) والحاكم (١٥٤)، قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد\"، وقال الشيخ أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"، وانظر \"صحيح الأدب المفرد\" (ص/٢٠٦)\n (^٢) أخرجه الآجري في الشريعة (٩٤٩) واللالكائي في \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة \"، وهذا وإن كان موقوفًا، فإن له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، على أنه قد ورد من طريق آخر مرفوع رواه الحاكم (٨٧٣٩) وقال:\n «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، ونقل ذلك عنه المنذري في الترغيب (ح/٥٣٠٩) وأقره. وقال الألباني في\"صحيح الترغيب\" (٣/ ٤٤٦) [صحيح لغيره]\n (^٣) التذكرة (ص/٢٧٩)","vol":"2","page":1142},{"text":"الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب. (^١)\nقال ابن القيم:\nأفما تُصدِّق أَن أَعمال العبادِ... تحطُّ يَوْم الْعرضِ فِي الْمِيزَان\nوكذاك تثقلُ تَارَة وتخف أخـ... رى ذَاك فِي الْقُرْآن ذُو تبيان\nوَله لِسَان كفَّتاهُ تُقِيمُهُ... والكفَّتانِ إليه ناظرتان\nمَا ذَاك أمرًا معنويًا، بل هُوَ... المحسوسُ حَقًا عِنْد ذِي الإيمان. (^٢)\n٢ - الوجه الثاني:\nذكر الثقل والخفة فيما يوزن من الأعمال أو الأشخاص لا يحتمل أي تأويل يصرف الميزان عن الحقيقة المعهودة في الذهن، والتي هى كونه ميزانًا حقيقيًا.\n٣ - الوجه الثالث:\nإثبات الميزان الذي له كفَّتان هو أمر ثابت بالإجماع الذي نقله الإمام الزجَّاج، كما أنه لم يقل به الزجَّاج وحده، بل هذا ما عليه جماهير أئمة الإسلام.\n* ثم يقال هنا:\nوإن دلت بعض السياقات التي وردت فيها كلمة الميزان على تفسيره بالعدل، كقوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا (٤٧» (الأنبياء: ٤٧)، وقوله تعالى (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) (الأعراف: ٨)، وقوله تعالى في الأنبياء ﵈ (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) (الحديد: ٢٥)\nفمثل هذا لا يمنع أن يكون هذا الميزان على الحقيقة؛ وذلك لما ورد في الأدلة الأخرى التي بيَّنت صفة الميزان على التفصيل، بما لا يدع مجالًا لصرف النصوص عن ظاهرها صرفًا يعود عليها التعطيل.\nقال القرطبي:\nقال علماؤنا: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه - أي على\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (٢٢/ ١٧٧)\n (^٢) الكافية الشافية (٢/ ٧٧٩)","vol":"2","page":1143},{"text":"العدل- لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد؛ لأنه رد لما جاء به الصادق. (^١)\n* وكذلك يقال:\nأن تأويل الميزان في جميع مواضعه التي ذكر فيها بأنه العدل هو في الحقيقة تأويل مخالف لإجماع الأمة.\nقال القشيري:\nوقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصًا. (^٢)\n\n* فإن قيل:<span data-type=\"title\" id=toc-263> أليس تأويل الميزان بالعدل يستقيم لغة</span>؟\nفالرد أن يقال:\nبلى، ولكن هذا من التفسير بالمآل واللازم، فلا شك أن إقامة الميزان ورؤية العبد لأعماله على الميزان ترجح أو تخف يزيده يقينًا أنه لم يظلم شيئًا، ولكنَّ حمل الميزان على معنى العدل وتفسيره به إنما يكون عند تعذّر الحمل على الظاهر، وهنا قد أتت الأدلة الشرعية بخيلها ورَجلها تؤيد تفسير الميزان على معناه الحقيقي، فصار تأويله على المعنى اللغوي منابذًا للأدلة الشرعية.\nقال الأزهري بعد ذكره للمعاني اللغوية لكلمة الميزان:\nهذا كله في باب اللغة، والاحتجاج سائغ، إلا أن الأولى من هذا أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح، فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كفَّتان، من حيث ينقل أهل الثقة، فينبغي أن يقبل ذلك. (^٣)\n* وأما قولهم: \" الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها، فكيف توزن\n_________\n(^١) التذكرة (ص/٢٨٠)\n (^٢) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٠٧)\n (^٣) تهذيب اللغة (١٣/ ٢٥٧)","vol":"2","page":1144},{"text":"الأعمال وهي لا توصف بثقل ولا خفة؟\n*فالجواب:\nأن مثل هذا قد يقبل في موازين البشر، أما إذا كان الأمر في حق الله - تعالى- فليس للعقل أن يحكم بالاستحالة على ما يقع في مقدور الله تعالى.\nفإذا جاء النص بثبوت وزن الأعراض فلا يسعنا إلا الإذعان والإقرار.\nفليس بالممتنع على قدرة الله -تعالى- أن ينشئ من الأعراض أجسامًا، ولهذا نظائر كثيرة، ونذكر منها ما يلي:\n١ - ما ورد في حديث مجئ الموت في صورة كبش يوم القيامة:\nعن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n\" يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ:\nهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ \". (^١)\n٢ - عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\" \" يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنَا الَّذِي أَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَأَظْمَأْتُ هَوَاجِرَكَ \". (^٢)\n٣ - وفي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍرضي الله عنه- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ- فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، ...، وفيه أن المؤمن يمثل له عمله الصالح في صورة حسية، قال ﷺ:\n\" وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي \"\nوكذلك قال ﷺ في حق الكافر:\n\" يَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ،\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٦) وابن ماجه (٣٧٨١) قال في الزوائد (إسناده صحيح، رجاله ثقات)، وقال الأرنؤوط:\n\" إسناده حسن في المتابعات والشواهد \"","vol":"2","page":1145},{"text":"فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ \". (^١)\nقال ابن حجر:\nوالحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذ تجسَّد، أو تجعل في أجسام فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن. (^٢)\n* لذا يقال هنا:\nغاية ما تشبَّث به النفاة في هذا الباب إنما هو مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم، من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال كلٌ ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم، وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها، بل كل فريق يدَّعي على العقل ما يطابق هواه. (^٣)\n* تنبيهان:\n١ - الأول:\nغاية ما ورد في صفة الميزان هو ما سبق ذكره، من كونه ذا كفَّتين ولسان، على ما ورد به النص والإجماع، ولا يزاد على ذلك من تفصيلات لم يأتِ بها نص صحيح، كالقول بأنه مخلوق من درة بيضاء، وما شابه ذلك.\nقال صديق حسن خان:\nوأما ماهية جرمه -أي الميزان - من أي الجوهر، وأنه موجود الآن، أو سيوجد فنمسك عن تعيينه. (^٤)\n٢ - الثاني:\nما ورد من أدلة في إثبات كفَّتي الميزان، مثل أثر سلمان -﵁- وغيره رد على ابن حزم الذي أثبت ميزانًا أقرب ما يكون إلى أصول أهل التفويض، حيث قال:\nلم يأتِ عنه ﵇ شيء يصح في صفة الميزان، ولا ندري كيف تلك الموازين،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤) وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (١٦٧٦)\n (^٢) فتح الباري (١٣/ ٧٦٢)\n (^٣) انظر فتحُ البيان في مقاصد القرآن (٤/ ٣٠٥) وفتح القدير (٢/ ٢٤٣)\n (^٤) انظر فتحُ البيان في مقاصد القرآن (٨/ ٣٣٤)","vol":"2","page":1146},{"text":"وأما من قال بما لا يدري أن ذلك الميزان ذو كفتين فإنما قاله قياسًا على موازين الدنيا، وقد أخطأ في قياسه!! (^١)\n\n٢ - الفائدة الثانية:<span data-type=\"title\" id=toc-264> ما الذي يوزن في الميزان يوم القيامة:</span>\nالقول الأول: الذي يوزن هو الشخص نفسه:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:\n\" إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. (^٢)\nوعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" مِمَّ تَضْحَكُونَ؟\nقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: \" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ \". (^٣)\n* الثاني: أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال:\nوهو قول جمهور المفسرين، وقال به ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر \"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" (٢/ ٣٧٠)\nوقد نسج على المنوال ذاته محمد رشيد رضا الذي أثبت ميزانًا عارٍ عن الكيفية، فقال في رده على الزجَّاج الذي نقل الإجماع على ثبوت الميزان بكفتين:\n\" وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنة المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولسانًا، فلا تغتر بقول الزجاج أن هذا مما أجمع عليه أهل السنة، فإن كثيرًا من المصنِّفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولاسيَّما غير الحفَّاظ المتقنين، والزجاج ليس منهم، ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم، وإن لم يعرف له أصل من السلف، ولا اتفق عليه الخلف منهم، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت!! وانظر تفسير المنار (٨/ ٣٢٢)\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) أخرجه أحمد (٣٩٩١) وابن حبان (٧٠٦٩)، وصححه الشيخ أحمد شاكر، وحسَّنه الألباني في الإرواء تحت حديث (٦٥) * وفي هذه الأثار رد على دعوى ابن حزم أن ميزان الآخرة لا يوزن فيه الأجسام، وإنما هو للأعراض والنيات.\n\" الدرة\" (ص/٣٩٣)\n (^٤) وانظر الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥) ولوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٧) وتحفة المريد (ص/٢٩٣)","vol":"2","page":1147},{"text":"ويدل عليه ما يلي:\n١ - ظاهر قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦» (القارعة: ٦)\n٢ - حديث الباب: وفيه أن البطاقة التي كتب فيه شهادة أنه \" لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله\" قد ثقلت في الميزان.\nقال مرعي الحنبلي:\nنثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون إنما هو صحائف الأعمال، وعلى هذا فكيف يثقل وزن هذه الصحف؟ فهل العبرة في الوزن تفاوت أجرام الصحف، أو بالكتابة التي فيها؟\nوعلى كلا التقديرين، فمشكل بحديث البطاقة، فسبحان العالم بكل شيء. (^١)\n* والراجح -والله أعلم- أن الذي يوزن هو الصحائف والأعمال نفسها والأشخاص، وأما أدلة وزن الصحائف والمرء نفسه فقد ذكرناها، وأما أدلة وزن الأعمال نفسها فنذكر منها:\n١ - ما رواه أبو هُرَيْرَةَ -﵁ - قَالَ: قال رسول اللهِ ﷺ:\n «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ». (^٢)\n٢ - وروى أَبو الدَّرْدَاءِ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ:\n\" مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَن \". (^٣)\n٣ - وعن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n\" الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ \". (^٤)\n_________\n(^١) وانظر \"البرهان في إثبات حقيقة الميزان\" (ص/٣٤)\n (^٢) متفق عليه، وقد بوَّب له البخاري: \" باب قول الله تعالى ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن \".\n (^٣) أخرجه أحمد (٢٧٥١٧) والترمذي (٢٠٠٢) وأبوداود (٤٧٩٩)، وقال الترمذي: \"حَسن صَحِيح\"\n (^٤) أخرجه مسلم (٢٢٣)","vol":"2","page":1148},{"text":"*وهنا سؤال يطرح نفسه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>ما الحكمة من نصب الموازين، مع كونه عزوجل وسع علمه أعمال العباد ومآلاتهم</span>؟\n* والجواب على ذلك من وجوه:\n١ - الأول:\nظهور سنة الابتلاء في باب الغيبيات، فيعلم من يؤمن بالميزان، رغم كونه لم يره، ممن هو منه في شك. فقد سقط في هذا الاختبار فئام من العقلانيين والمتكلمين الذين اتخذوا منهج التعطيل والتحريف سبيلًا دون التسليم والإثبات، فبئس للظالمين بدلًا.\n٢ - الثاني:\nأن يزداد المرء يقينًا أن الله -تعالى- لم يظلمه شيئًا، وذلك حين يبصر الإنسان أعماله التى أقر بها توضع في كفَّة الميزان، وهذا المعنى هو ما سطرَّه قوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧» (الأنبياء: ٤٧)\nقال الطبري:\nفإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله -تعالى- عن الميزان، وخبر رسوله - ﷺ - عنه وِجْهَته، وقال: أوَ بالله -تعالى-حاجة إلى وزن الأشياء، وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده؟\nقيل له:\nوزن ذلك نظيرُ إثباته إياه في أمِّ الكتاب واستنساخه ذلك في الكتب، من غير حاجة به إليه، ومن غير خوف من نسيانه، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده، بل ليكون ذلك حجة على خلقه، كما قال جل ثناؤه في تنزيله: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) [سورة الجاثية: ٢٨ - ٢٩] الآية.\nفكذلك وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان، حجة عليهم ولهم، إما بالتقصير في طاعته والتضييع، وإما بالتكميل والتتميم. (^١)\n_________\n(^١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١٢/ ٣١٢)","vol":"2","page":1149},{"text":"قال أبو العز الحنفي:\nويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة، كما أخبر الشارع، لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقّال والفوَّال!!\nوما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله -تعالى- لهم يوم القيامة وزنًا.\nولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه؟! (^١)\n* أقول:\nومهما تبارى العلماء في بيان الحِكَم التي من أجلها تنصب الموازين يوم القيامة، فغاية أقوالهم هي اجتهادات بنيت على إعمال النظر، فهي تحتمل الصواب والخطأ، وتبقى الحكمة الإلهية من نصب الموازين في علم الله عزوجل، (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى)، عَلِمها من عَلِمها وجهلها من جهلها، مع اليقين الجازم أنه الله -تعالى- لا يفعل إلا لحكمة \"سبحانك ربنا وسعت كل شيء حكمة وعلمًا\".\n* ومن الفوائد التي تتعلق بحديث الباب: \" أحكام الموازنة يوم القيامة\":\nوهنا نذكر مسألتين: \" الأولى: تعيين أصحاب الأعراف، الثانية: حكم من مات على الشرك الأصغر \"\n١ - أما المسألة الأولى: تعيين أصحاب الأعراف:\nفقد ورد في تعيينهم أقوال كثيرة، تقرب من أربعة وعشرين قولًا، نذكر من أهمها ما يلي: (^٢)\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص/٤١٢)\n (^٢) وقد توسَّع العلماء في ذكر هذه الأقوال، فذكر القرطبي في \"التذكرة\" (ص/٢٧٩) اثني عشر قولًا، وذكر مرعي الحنبلي في رسالة مستقلة لهذه المسألة سمَّاها \"تحقيق الخلاف في أصحاب الأعراف\" ذكر ستة عشر قولًا.","vol":"2","page":1150},{"text":"١ - القول الأول: هم مساكين أهل الجنة:\nوينسب هذا القول لابن مسعود وكعب الأحبار، وذكره ابن وهب عن ابن عباس ﵁.\nوقد روى الطبري عن ابن عباس﵂- قال:\n\"الأعراف\"، سور بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بَدَا لله أن يعافيهم، انْطُلِق بهم إلى نهر يقال له: \"الحياة\"، فأُلقوا فيه، حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمنُ فقال:\nتمنَّوا ما شئتم، قال: فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم، قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمَّون \"مساكين الجنة \". (^١)\n* ولكن يردُّ هذا الوجه:\nأن سنده لم يثبت مرفوعًا ولا موقوفًا، بل أخرجه أصحاب التفاسير بسند صحيح من قول عبد الله بن الحارث، وهو تابعي لا يعوّل عليه في مثل هذه المسائل الغيبية.\nكما أن أهل الجنة ليس فيهم مساكين، بل الذي ثبت على خلاف ذلك، فقد قال تعالى عن أهل الجنة من قولهم (الحمدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥» (فاطر: ٣٤ - ٣٥)\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n «مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ». (^٢)\n٢ - القول الثاني:\nأنهم الشهداء، وهذا القول عزاه الشوكاني إلى القشيري. (^٣)\n٣ - القول الثالث:\nأنهم قوم كانوا قد قُتلوا في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا،\n_________\n(^١) قال ابن كثير: ورد عن عبد الله بن الحارث من قوله، وهذا أصح. وانظر تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٥٦) وجامع البيان في تأويل القرآن (٨/ ١٩٣)\nقلت:\nأثر عبد الله بن الحارث في سنده حبيب بن أبي ثابت وقد عنعنعه، وقد رماه ابن خزيمة وابن حبان بالتدليس.\n (^٢) أخرجه مسلم (٢٨٣٦)\n (^٣) وانظر التذكرة بأمور الآخرة (ص/٢٨٤) وفتح القدير (٢/ ١٩٨)","vol":"2","page":1151},{"text":"فتعاَدل عقوقهم واستشهادهم، قاله شرحبيل بن سعد؛ لما روى أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ، -عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ؟ فَقَالَ:\n\" قَوْمٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُمْ عُصَاةٌ لِآبَائِهِمْ، فَمَنَعَتْهُمُ الشَّهَادَةُ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ، ومَنَعَتْهُمُ الْمَعْصِيَةُ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى سُوَرٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى تَذُوبَ شُحُومُهُمْ وتَذْبُلَ لُحُومُهُمْ، حَتَّى يَفْرُغَ اللَّهُ مِنْ حِسَابِ الْخَلَائِقِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حِسَابِ الْخَلَائِقِ تَغَمَّدَهُمْ بِرَحْمَةِ مِنْهُ، فَأُدْخِلُوا الْجَنَّةَ \". (^١)\n* ولكن هنا يقال:\nأما القول الثاني فلا دليل عليه، وأما القول الثالث فالحديث الوارد فيه لا يصح.\n٤ - القول الرابع:\nأنهم رجال من ملائكة موكَّلون بهذا السور الذي بين الجنة والنار، يميِّزون بين المؤمنين والكافرين قبل إدخالهم الجنة والنار.\nوهذا القول قال به أبو مجلز لاحق بن حميد، وقد صحح ابن كثير صحة نسبة هذا القول إلى أبي مجلز. (^٢)\n*ويجاب عن ذلك من وجوه:\n١ - الوجه الأول: ما نص عليه ابن كثير بقوله:\n\" وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين، وهو غريب من قوله، وخلاف الظاهر من السياق \". (^٣)\nوإنما عدَّه غريبًا عنه لتسميته الملائكة رجالًا، وهم لا يوصفون بذكورة ولا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط (٣٠٥٣)، قال الهيثمي في\" مجمع الزوائد \" (١١٠١٣): فيه محمد بن مخلد الرعيني، وهو ضعيف \".\nوقال زين الدين العراقي في \" تخريج أحاديث الإحياء \" (١٣٦٦): \" فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف، ورواه الطبراني من رواية أبي معشر عن يحيى بن شبل عن عمر بن عبد الرحمن المدني عن أبيه مختصرًا، وأبو معشر نجيح السندي ضعيف، ويحيى بن شبل لا يُعرف \".\n (^٢) وانظر زاد المسير (٣/ ٢٠٦) وفتح القدير (٢/ ٢٦٤)\n (^٣) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٥٨)","vol":"2","page":1152},{"text":"أنوثة، ولقد نعى الله -تعالى- على المشركين الذين زعموا أن الملائكة إناثًا، فقد قال تعالى (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩» (الزحرف: ١٩)\n٢ - الوجه الثاني:\nإخباره تعالى عن أصحاب الأعراف أنهم يطمعون أن يدخلوا الجنة، والملائكة غير محجوبين عنها، كيف والحيلولة بين الطامع وطمعه تعذيب له، ولا عذاب يومئذٍ على ملَك. (^١)\n٤ - القول الخامس:\nأنهم قوم قد استوت حسناتهم وسيئاتهم، فجُعلوا هناك إلى أن يقضي الله -تعالى- فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم.\nويعزى هذا القول إلى ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس ﵃، وقال به الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير وابن القيم، وهو قول جمهور العلماء. (^٢)\nقال حُذَيْفَةَ ﵁:\n\" أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمُ النَّارَ، وَقَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ، قَالُوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ، قَالَ: «قُومُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» \". (^٣)\nوقال ابن عباس ﵁:\nأصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم. (^٤)\nقال ابن كثير:\nاختلفت عبارات المفسِّرين في أصحاب الأعراف مَن هم، وكلها\n_________\n(^١) الحبائك في أخبار الملائك (ص/٢٦٥)\n (^٢) وانظر طريق الهجرتين (ص/٤٣٩) وزاد المسير (٣/ ٢٠٥) وتفسير المنار (٨/ ٣٨٥)\n (^٣) أخرجه الحاكم (٣٢٤٧) والبيهقي في البعث والنشور (١٠١)، وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه \"، وقال الذهبي: \"على شرط البخاري ومسلم\"، وصحح إسناده مشهور سلمان في تحقيقه لرسالة\n\" تحقيق الخلاف في أصحاب الأعراف\" (ص/٣٥)\n (^٤) جامع البيان (٨/ ١٩١).","vol":"2","page":1153},{"text":"قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود ﵃، وغير واحد من السلف والخلف، ﵏. (^١)\nقال ابن القيم:\nالثابت عن الصحابة -﵃- هو القول بأن أصحاب الأعراف هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها، وآثار الصحابة فى ذلك المعتمدة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله-تعالى- ومراده منه. (^٢)\n*وأما القول الخامس:\nفإن غاية ما فيه هو أقوال موقوفة، وقد اختلف فى تفسير الصحابى هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين، والثانى هو الصواب، ولا نقول على رسول الله -ﷺما لم نعلم أنه قاله. * ومما يُضعف هذا القول أنّ من توسَّط في العلم والعمل ليس لهم أي ميّزة حتّى يهنّئ ويسلّم على أصحاب الجنة، ويندّد ويوبّخ أصحاب النار، والعلم عند الله.\n*والراجح - والله أعلم - أن أمر تعيين أصحاب الأعراف من الصعوبة بمكان؛ ذلك أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة الصحيحة صفتهم على سبيل التحديد، وعليه فلم يثبت في الباب ما يكون قاطعًا للنزاع والخلاف.\nوأما استنباطات العلماء، فهي تفتقر إلى دليل صحيح، بغض النظر عن كون تلك الأقوال المنسوبة إلى قائليها تصح نسبتها إليهم أم لا.\nوإذا علم هذا فإنه لم يبق لنا من مستند إلا ما جاء في القرآن، فنثبت ما أثبته في حقهم ولا نتعداه، فإن هذه المسألة من الأمور الغيبية التي لا مجال للجزم برأي فيها دون نص ثابت عن رسول الله ﷺ. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٥٩)\n (^٢) طريق الهجرتين (ص/٤٤١) بتصرف يسير.\n (^٣) الحياة الآخرة (٣/ ١٣٨٩)","vol":"2","page":1154},{"text":"قال القرطبي:\nنقف عن التعيين؛ لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم. (^١)\n*ومعلوم أن قاعدة شيح المفسِّرين الإمام الطبري أنه إذا اختلف في تفسير آية وللصحابة -﵃- فيها قول ولمن بعدهم قول، فإنه يؤخذ بمذهب الصحابة ﵃، إلا أنه لما ذكر تفسيرهم لأهل الأعراف فقد توقَّف فيهم، وهذا موجبه أنه لم يصح عند ابن جرير شيء من هذه الروايات عن الصحابة ﵃.\n\n*أضف إلى ذلك أن الذي في الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف هو الإيمان بالموازنة، ولكنَّ الإيمان بالشئ المجمل لا يستلزم العلم به مفصَّلًا، بل مرد ذلك إلى عدل الله -تعالى- ورحمته وحكمته. ... * المسألة الثانية:<span data-type=\"title\" id=toc-266> حكم من مات على الشرك الأصغر:</span>\nاختلف العلماء فيمن مات على الشرك الأصغر دون توبة منه:\nهل يكون هذا الشرك الأصغر داخلًا تحت المشيئة الواردة في قوله تعالى (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فيكون مثله في ذلك كمثل من مات مصرًَّا على كبيرة من الكبائر مثلًا؟\nأم يقال أن الشرك الأصغر داخل تحت قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ)، فلابد وأن يدخل في الموازنة، وإن كان مآل صاحبه إلى الجنة، وبهذا يفترق عن الشرك الأكبر.\nفالكل متفق على أنَّ صاحب الشرك الأصغر لا يُخلَّد في النار، وإنما موطن النزاع:\nهل هو تحت المشيئة، فيقال قد يُغفر له فلا يدخل النار أصلًا، أم أنه لا بد وأن يُعاقب صاحبه جزمًا؟\nقولان لأهل العلم:\n١ - القول الأول:\nأن من مات على الشرك الأصغر دون توبة منه لا يكون داخلًا تحت المشيئة، بل لابد وأن يدخل في الموازنة.\nودليل ذلك من الكتاب قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٣٦)","vol":"2","page":1155},{"text":"لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: ٤٨)\nوجه الاستدلال من الآية:\nأن قوله: \"لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ \":\n (يُشركَ) فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، فأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، هذا المصدر إن قدَّرناه نكرة صار (إشراكًا به)، كانت هذه النكرة في سياق النفي المتقدِّم في قوله ﴿لا يغفر﴾، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، كما هو مقرر في بابه من علم الأصول، فيكون تقدير الكلام: \" إن الله لا يغفر أيّ إشراكٍ به \"، فيدخل الشرك الأصغر في هذا العموم، وعليه يستحق صاحبه العذاب، فلا تشمله المشيئة التي في آخر الآية.\nقالوا:\nفهذا يدل على أن الشرك الذي نفت الآية مغفرته هو الشرك الأكبر والأصغر، لكن مع الفرق في المآل، فصاحب الشرك الأكبر مخلَّد في النار، وأما صاحب الشرك الأصغر فهو داخلٌ في الموازنة، ثم مآله إلى الجنة.\n*ومعنى الموازنة:\n١ - أن من غلبت حسانته على سيئاته فإنه لا يعذَّب على الشرك الأصغر، بل ينقص من حسناته بقدر ما يمحى به هذا الشرك فيدخل الجنة، وهذا لا بد فيه من حسنات عظام حتى ترجح حسانته على سيئاته، والتي فيها شرك أصغر.\n٢ - وأما إن غلبت سيئاته، والتي فيها الشرك الأصغر، ولم تفِ الحسنات لتكفير هذا الشرك الأصغر، فلا بد أن يعذَّب على هذا الشرك، ثم يكون مآله إلى الجنة خالدًا فيها، بعد وقوع التطهير له بالعذاب، فالجنة لا تدخلها إلا النفس المؤمنة الطاهرة من شوائب الشرك كما جاء في الخبر. والله اعلم.\n* ومن أدلة السنة:\n١ - ما رواه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟، فَقَالَ:\n\" مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا","vol":"2","page":1156},{"text":"دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ \". (^١)\nووجه الدلالة ظاهر في قوله ﷺ: \" منْ مات يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا\":\nفهي من أعم العمومات، وهي نكرة في سياق الإثبات فتفيد الإطلاق؛ أي أنَّ مطلق الشرك يوجب دخول النار، فيدخل فيه الأصغر.\n٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n... «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا». (^٢)\nوهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر علماء الدعوة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nوأعظم الذنوب عند الله -تعالى- الشرك به، وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، والشرك منه جليل ودقيق، وخفي وجلي. (^٣)\nويقول بعبارة أصرح من السابقة:\n\" وقد يقال: الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن، وإن كان صاحب الشرك -أي الأصغر- يموت مسلمًا، لكن شركه لا يغفر له، بل يعاقب عليه، وإن دخل بعد ذلك الجنة \". (^٤)\n٢ - القول الثاني:\nأن صاحب الشرك الأصغر يدخل تحت المشيئة؛ ويكون تأويل قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) (النساء: ٤٨)، أن قوله \"أن يشرك\": المكوّن من أن والفعل المضارع، فتقوم هي والفعل الوارد بعدها مقام المصدر من حيث المعنى، ويقدَّر معرفةً (الإشراك به)، فينصرف لفظ الإشراك إلى الشرك المعهود ذكره في القرآن وهو الأكبر فتكون (ال) للعهد\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) أخرجه مسلم (١٩٩)\n (^٣) جامع الرسائل (٢/ ٢٥٤)\n (^٤) الرد على البكري (تلخيص كتاب الاستغاثة) (ص /١٤٦)،","vol":"2","page":1157},{"text":"الذكري، وعليه يكون الشرك الذي نص عليه في الآية بأنه لا يُغفر هو الشرك الأكبر، ويبقى الشرك الأصغر داخلًا تحت عموم المشيئة.\n* يؤيده:\nأننا وجدنا بالاستقراء أنّ الشرك الوارد في أكثر النصوص عند الإطلاق يراد بالشرك فيها الشرك الأكبر، دون الأصغر، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:\n (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥» (الزمر: ٦٥)، وقال تعالى (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: ٧٢)\nفهذه مواطن لا يراد بها الشرك الأصغر بالإجماع؛ لأن حبوط العمل وتحريم دخول الجنة إنما يكون لمن مات على الشرك الأكبر.\n* يؤيده:\nأنّا وجدنا أنّ الشرك الأصغر يخالف الشرك الأكبر في كثير من الأحكام؛ منها:\n١ - أنّ الشرك الأكبر يُخرج من الملة، أمّا الشرك الأصغر فلا يخرج من الملة.\n٢ - أنّ الشرك الأكبر موجِب للخلود في النار لمن مات عليه، أمّا الشرك الأصغر فليس موجبًا للخلود في النار لمن مات عليه، حتى لو دخل النار فإنه يُخرَج منها.\n٣ - أنّ الشرك الأكبر لا يدخل تحت الموازنة، فمن مات على الشرك الأكبر فليس له عمل صالح حتى يدخل تحت الموازنة، بخلاف الشرك الأصغر فإنه يدخل تحت الموازنة بالاتفاق، حتى الذين يقولون إنه لا يُغفر ولا يدخل تحت المشيئة يقولون يوضَع في الميزان.\n*إذن وجدنا أنّ الشرك الأصغر يخالف الشرك الأكبر في أكثر أحكامه، ولم تبق إلا هذه المسألة، وهي مسألة محتمِلة بالنسبة للآية؛ فلأن تُلحَق ببقية المسائل أولى من أن تلحق بالشرك الأكبر في\nمسألة واحدة.\n*وهذا هو الراجح، والله أعلم، ويجاب عن أدلة القول الأول من وجوه:\n١ - الوجه الأول:\nأنَّ آيتي (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) وردتا في سياق الكلام","vol":"2","page":1158},{"text":"على أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، وهؤلاء شركهم أكبر، فناسب أن يكون الحديث في عدم المغفرة عن الشرك الأكبر، لا الأصغر.\n٢ - الوجه الثاني:\nلو تنزَّلنا أن قوله تعالى (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) دالٌ على عموم نوعيّ الشرك، فهذا من العام الذي أريد به الخصوص، فيكون المراد بهذا العموم خصوص الشرك الأكبر دون غيره، وأما ما دون الشرك الأكبر، فإنه داخل تحت المشيئة.\n* وأما الجواب على ما استدلوا به من قوله ﷺ:\n\"من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار \"\nفيقال: لا يلزم منه الجزم بدخول صاحب الشرك الأصغر النار، وإلا للزم مثله في قوله ﷺ:\n\"لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ\". (^١)\nفوعيد الله -تعالى- بإدخال النار أقوامًا هو من حيث العموم لا الأعيان؛ والله -تعالى- يُنجز وعده، وأما وعيده فإنْ شاء أنجزه، وإنْ شاء تركه.\n* ثم يقال:\nومما يرجّح دخول الشرك الأصغر تحت المشيئة أن يصدر من خواص الأمة؛ إذ لا يسلم منه غالبًا إلاَّ من عصمه الله تعالى، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لذا فالقول بعدم دخوله تحت المشيئة مما يوقع عموم الأمة في الحرج الشديد.\n* ثم يقال:\nإن شيخ الإسلام ابن تيمية قد ذكر تفصيلًا آخر، فقد قال:\nوالشرك نوعان: أكبر وأصغر: فمَنْ خلص منهما وجبت له الجنة، ومَنْ مات على الشرك الأكبر وجبت له النار، ومَنْ خلص من الأكبر وحصل له بعض الأصغر مع حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة، ومَنْ خلص من الشرك الأكبر ولكن كبُرَ شركه\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٤٩١٤) وصححه الألباني.","vol":"2","page":1159},{"text":"الأصغر حتى رجحت به سيئاته دخل النار.\nفالشرك يؤاخذ به العبد إذا كان أكبر، أو كان كثيرًا أصغر؛ فالأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به، والخلاص من الأكبر ومن أكثر الأصغر - الذي يجعل السيئات راجحة على الحسنات - فصاحبه ناجٍ، ومن نجا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ورجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة. (^١)\nفواضح من كلامه -رحمه الله تعالى- أنَّ الشرك الأصغر منه الكثير الذي إنْ رجحت به السيئات دخل صاحبه النار، وإن كان يسيرًا وكانت حسنة التوحيد بإخلاص وصدق وعبودية ورجحت حسناته دخل الجنة؛ فالمغفرة وعدمها مبنية على رجحان الحسنات أو السيئات، ويؤثر في ذلك كثرة الشرك الأصغر أو قلته.\nويقول ابن القيم:\nفأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلَّظة ونجاسة مُخَفَّفَة، فالمغلَّظة الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى، فإن الله -تعالى- لا يغفر أن يشرك به، والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء. (^٢)\nوقال: \"الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه \". (^٣)\n* تنبيه مهم:\nالمسألة وإن كانت خلافية بين أهل السنة، فإن هذا يوجب الخوف من الشرك على جميع أقسامه، كبيره وصغيره، فيخشى المرء أن يقع في الشرك الأصغر من حيث لا يدري، كيسير الرياء والحلف بغير الله، إن لم يقصد قائله تعظيم غير الله -تعالى- كتعظيم الله تعالى، أو تعليق التمائم، وقول الرجل \"ما شاء الله وشئتَ\"، وكذلك نسبة المطر إلى النوء على سبيل السببية، وغير ذلك. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر \" تفسيرآيات أَشكلت على كثير من العلماء\" (ص/٣٦٤)\n (^٢) وانظر إغاثة اللهفان (١/ ٩٨) والجواب الكافي (ص /١٧٧)\n (^٣) مدارج السالكين (١/ ٣٣٩)\n (^٤) قد وضع الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي -﵀- ضابطًا للشرك الأصغر بما يلي:\n\" كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر، من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة \"، ... وانظر القول السديد في مقاصد التوحيد (ص/ ٤٣)","vol":"2","page":1160},{"text":"وإذا كان الخليل الأول الذي هدَّم الأصنام على روؤس أصحابها يخشى الفتنة على نفسه فيدعو ربه قائلًا ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، فمن يأمن الفتنة بعد إبراهيم ﵇؟!\n* وختامًا: فقد طاشت السجلات:\nترى يا صاحب البطاقة حدِّثنا: أيُ إخلاصٍ هذا الذي وافيتَ به ربك عزوجل، أي يقينٍ، أي صدقٍ في شهادتك حتى تطيح بهذه السجلات الذي بلغت تسعة وتسعين سجلاًّ، مائة إلا واحدًا؟!\nما الذي وقرَّ في قلبك حتى يرجح عند ربك؟!\nفكم من أناس وافوا ربهم بالشهادة، ولكنَّ سيئاتهم قد رجحت فدخلوا النار، حتى أدركتهم شفاعة الشافعين.\nقال أبو العباس ابن تيمية عن صاحب البطاقة:\nفهذه حال من قالها -أي الشهادتين- بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولم يترجّح قولهم على سيئاتهم، كما ترجَّح قول صاحب البطاقة. (^١)\nوقال ﵀:\nفهذا لما اقترن بهذه الكلمة من الصدق والإخلاص والصفاء وحسن النية؛ إذ الكلمات والعبادات وإن اشتركت في الصورة الظاهرة فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتًا عظيمًا، ومثل هذا الحديث الذي في حديث: المرأة البغيّ التي سقت كلبًا فغفر الله -تعالى- لها؛ فهذا لما حصل في قلبها من حسن النية والرحمة. (^٢)\nقال ابن رجب:\nفإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه،\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٢٠)\n (^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٣٥)","vol":"2","page":1161},{"text":"أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلًا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات. (^١)\nتم بحمد الله.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١٧)","vol":"2","page":1162},{"text":"الحديث الأربعون\nمِسك الخِتام بشرح حديث\n «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ»","vol":"2","page":1163},{"text":"* نَصّ حديث الباب:\nعَنْ أَبِي مُوسَى﵁- قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ- بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ:\n «إِنَّ اللهَ﷿- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ- وَفِي رِوَايَةٍ: «النَّارُ» - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».\n* تخريج الحديث:\nأخرجه مسلم (١٧٩) كتاب الإيمان، باب في قوله﵇-:\n «إن الله لا ينام»، وفي قوله: «حجابه النور».\n* أهمّ الفوائد المستنبطة من حديث الباب:\n١ - الفائدة الأولى:\nقوله ﷺ: «إِنَّ اللهَ﷿- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ...»:\nفذكرَ صفة من الصفات التي ينزَّه اللهُ - ﵎- عنها، وهي النوم، فهو سبحانه منزَّه عن ذلك؛ لكمال حياته وقيّوميّته، كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nفالنوم مُحالٌ عليه- تعالى-؛ لأن النوم موتٌ، كما قال تعالى:\n... ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ - ﵁ - قَالَ:\n\"كَانَ النَّبِيُّﷺ- إِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ\". (^١)\n_________\n(^١) متفق عليه.","vol":"2","page":1165},{"text":"وصفات النقص المنفية عن الله﷿- مِثل النوم والوَلَد واللُّغوب والظلم ونحو ذلك- لِأهل السنة فيها قاعدة معروفة، هي أن: \"نفْي صفات النقص عن الله - تعالى- لا يكون كمالًا إلا مع إثبات كمال الضِّدّ\"، فالنفي المَحْض - الذي لا يتضمن معنىً ثبوتيًّا - ليس مدحًا، فقد يُنفى الظلم- مثلًاـ عن الشخص لا لعدله، وإنما لعجزه وضعفه عن فِعله.\n*ومن النظائر التي تدل على هذا المعنى، الذي هو نفْي النقص عن الله -تعالى- مع إثبات كمال الضد:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].\n٢ - قولهﷺ- يرفعُه: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا». (^١)\nفقوله- تعالى-: «وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا» بعد إخباره عن تحريم الظلم على نفسه قد أظهر أنه- تعالى- إنما تركَ إيقاع الظلم وتقديرَه ليس لعجزه عنه سبحانه، بل لِما في الظلم من القُبْح والسوء.\n* وكذلك قوله ﷺ في حديث الباب:\n «ولَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» بعد نفيه للنوم عنه سبحانه- دلَّ أنه لا يفعله؛ لكمال حياته وقيّوميّته؛ فهو متضمِّن لنفي النقص، الذي هو النوم، مع إثبات كمال الضد، وهو كمال الحياة والقَيّوميّة.\nوالرب﵎- حيٌّ حياةً كاملةً لم يسبقها عَدَمٌ، ولا يعتريها نقصٌ، ولا يَعقُبها فَناءٌ؛ حياةً أزَليةً أبَديةً، أيْ لا يزال حيًّا، ثم هي حياةٌ أيضًا كاملةٌ لا يعتريها نقصٌ بوجهٍ من الوجوه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).","vol":"2","page":1166},{"text":"فهو سبحانه الحي القيّوم الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، وهاتان الصفتان ذاتيتان لله سبحانه، وثابتتان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.\n*من أدلة القرآن:\nقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]،\nوقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١].\n*ومن أدلة السنة:\nعَنْ أَبِي يَسَارٍ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّﷺ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ: \"أَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ\" غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». (^١)\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ:\n\"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ- إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ\". (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"فَنَفْيُ أخذ السِّنة والنوم له- مستلزمٌ لكمال حياته وقيوميته؛ فإنَّ النوم ينافي القيومية، والنوم أخو الموت؛ ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون\". (^٣)\nقال حافظ الحكمي:\n\"فالله﷿ - لا ينام؛ فإن ذلك نقْص في حياته وقيوميته؛ ولهذا أَرْدَفَ هذين الاسمين بنفْي السِّنة والنوم، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٧٧)، وصححه الألباني.\n (^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤)، وابن السُّنِّي في عمل اليوم والليلة (٣٣٧). قال الترمذي: \"هذا حديث غريب\". والرقاشي هو يزيد بن أبان، ضعيف كما قال في التقريب. وله شاهدٌ أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٩) من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود، وقال: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، وتعقبه الذهبي بقوله: \"عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، وعبد الرحمن ومَن بعده ليسوا بحُجّة\".\nوالحديث بهذا الشاهد حسنٌ، كما بيَّن ذلك الشيخ الألباني في تعليقه على الكلِم الطيب (رقْم: ١١٨).\n (^٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٩).","vol":"2","page":1167},{"text":"تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]،\nأي: لا تَغلِبه سِنة- وهو الوَسَن والنُّعاس- ولا نومٌ، ونفْيُهُ من باب أولى لأنه أقوى من السِّنة، بل هو قائمٌ على كل نفس بما كسبتْ، شهيد على كل شيء، ولا يَغيب عنه شيء، ولا تَخفى عليه خافيةٌ\". (^١)\n* وقَوله ﷺ: «وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ...»:\nفقوله: «لا ينبغي» هذه تقال عند الاستحالة والتبعيد، ونظير ذلك:\nما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]،\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨].\n* الفائدة الثانية:\nقوله ﷺ: «يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ»:\nوالمعنى: أنه سبحانه يخفض المِيزان ويرفعه. وسُمِّي الميزان قِسْطًا؛ لأن القسطَ العدلُ، وبالميزان يقع العدل.\nوالمراد أن الله - تعالى- يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، وما يوزن من أرزاقهم النازلة.\nوقيل: المراد بالقسطِ الرزقُ الذي هو قسط كل مخلوق، يخفضه فيُقتره، ويرفعه فيوسعه، والله أعلم. (^٢)\n* وأما قوله ﷺ: «يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ...»:\nقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]،\nوهذا ما ورد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ:\n «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ وَصَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ،\n_________\n(^١) معارج القبول (١/ ١٥٧).\n (^٢) وانظر شرح السنة للبغوي (١/ ١٦٠)، والمنهاج للنووي (٢/ ١٦).","vol":"2","page":1168},{"text":"فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ:\nتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». (^١)\n* الفائدة الثالثة:\nقوله ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ- وَفِي رِوَايَة: «النَّارُ» - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»:\nوقوله ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ...»:\nقد ورد ذكر الحجاب في عِدّة نصوصٍ، منها:\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]،\nوعن أبي موسى الأشعري - ﵁- أن النَّبِيَّ - ﷺ- قَالَ:\n «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». (^٢)\nوعن صُهَيْبٍ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ:\nأَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ﷿-». (^٣)\n* وقوله ﷺ في حديث الباب: «سُبُحَاتُ وَجْهِهِ»:\nبضم السين والباء: جمع \"سُبُحة\" بضمّهما أيضًا، وهي النور والجَلال، وما في معناها من نُعوت الكمال والبهاء والكبرياء، وكل هذا من صفات وجه الله تعالى.\nوالمعنى: أن هذا الحجاب الذي هو النور أو النار- وهو حجاب حقيقي- هو\n_________\n(^١) متفق عليه.\n (^٢) متفق عليه.\n (^٣) رواه مسلم (١٨١).","vol":"2","page":1169},{"text":"الذي يحُول بين جلال وجه الله- تعالى- وبهائه ونُوره وبين خلْقه، فلو كشف هذا الحجاب لأحرقت سبحات وجهه﷿- ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبَصَرُهُ ينتهي إلى جميعِ مَنْ خَلَقَ.\nقال ابن القيم:\n\"فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه، ولو كشف حجاب النور عن تلك السُّبُحات لَاحترقَ العالَمُ العُلْوي والسُّفْلي، فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله؟! \". (^١)\nوَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ:\n\"لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِﷺ- فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: «أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللهُ بِهِ أَبَاكَ؟»\nفَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:\n «مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سِتْرٌ». (^٢)\nقال ابن عمر ﵄:\n\"احتجَبَ الله مِن خَلْقه بأربعٍ: بنارٍ، وظُلمةٍ، ونورٍ، وظُلمةٍ\". (^٣)\nقال الدارمي:\n\"إنما نقول: احتجب الله بهذه النار عن خلقه بقدرته وسلطانه، ولو قدَّر كشْفها لأحرق نورُ الرب وجلاؤه كلَّ ما أدركه بصرُه، وبصرُه مُدرِك كلّ شيء، كما أنه حين تجلَّى لذلك الجبل خاصّةً مِن بين الجبال، ولو تجلَّى لجميع جبال الأرض لصارت كلها دَكًّا كما صار جبل موسى، ولو تجلَّى لموسى كما تجلَّى للجبل جعَلَه دَكًّا، وإنما خرَّ موسى صَعِقًا مِمّا هاله من الجبل؛ مِمّا رأى مِن صوته حين دُكَّ فصار في الأرض\". (^٤)\n* فرع:\nيَظهر مما سبق أن أهل السنة قالوا بظاهر النص، فأثبتوا الحجاب الذي يحُول بين\n_________\n(^١) مختصَر الصواعق (١/ ١٧٣).\n (^٢) أخرجه الترمذي (٣٠١٠)، وحسّنه.\n (^٣) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص/ ٣٧)، والحاكم (٣٢٤٤). قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\n (^٤) نقض الدارمي على المريسي (ص/ ٢٩٣).","vol":"2","page":1170},{"text":"نور وجه الله- تعالى- وبين خلْقه.\nوقد خالف في ذلك دُعاةُ التنزيه، فقالوا:\n١ - إن الله يَسْتحيلُ عليه أن يحيط به حجاب؛ إذ يَلزم منه أن يكون مقدَّرًا محصورًا، فيحتاج إلى مقدِّر ومخصِّص، ويَلزم منه حُدوثُه!!\n٢ - وإن الحجاب ليس على حقيقته، بل المراد أن الله - تعالى- لا يَخلق في العينِ الرؤيةَ له سبحانه.\n٣ - وإن المراد بالحجاب المنصوصِ عليه في الآثار حجابٌ معنوي، وليس حجابًا حسّيًّا. (^١)\n*فالجواب الإجمالي أن يقال:\nلا شك في بُطلان هذه المَزاعم؛ فالحجاب الذي ورد في حديث الباب هو من الغيبيات التي لا مَجال لنفيها بناءً على مقدِّمات باطلة، ودعاوَى ساقطةٍ.\nفكم جَنَتْ حَبائلُ التنزيه المزعوم على نصوص الوحي، فأوْدت بها في غَيابات التعطيل!\nفأهل السنة عَمِلوا بالآثار، فأثبتوا ما جاءت به النصوص، وأمّا النفاة فقد ضاقت فُهومُهم ولم يرفعوا لها رأسًا، فشَتّانَ بينَ أفهامٍ تاهت في بئرٍ معطَّلة، وأخرى تَحيا في قَصْرٍ مَشيد.\n*ومن حيث التفصيلُ يقال: إن الحجاب يأتى في اللغة على معنيينِ:\n١ - حجاب معنوي:\nكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]\nفالحجاب ها هُنا حجاب معنوي مستور عن الأعيُن،\n_________\n(^١) وقد ذكرَ هذه الأوجُهَ ابنُ حجر في الفتح، وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية جميعَ هذه الفِرَى مِنْ نحوِ أربعينَ وجهًا. وانظر فتْح الباري (١٣/ ٦١٠) وبيان تلبيس الجهمية (٨/ ١٢٢).","vol":"2","page":1171},{"text":"ساتر للنبي - ﷺ - فلا ينظرون إليه.\nوكما حكى الله -تعالى- عن المشركين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، أيْ: حاجبٌ وحاجزٌ، لا يصل كلامك إلينا ولا نستمع إليه ولا نفْقهه.\n٢ - حجاب حِسّي:\nكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nوالحجاب الذي احتجب الله- تعالى- به عن خلْقه هو حجاب حسي حقيقي، والذي جعلَنا نَحمله على ذلك أمورٌ:\nالأول:\nأنه ثبت في الحديث قوله: «فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ﷿-» (^١)، وكشْف الشيء: إزالته ورفْعه، وهذا لا يوصف به المعدوم؛ فإنه لا يُزال ولا يُرفع، وإنما الذي يُزال ويُرفع: الموجود.\nالثاني:\nقوله - ﷺ - في حديث الباب: «حِجَابُهُ النُّورُ»، وَفِي رِوَايَة: «النَّارُ»؛ فذِكر رواية «النارُ» قد دل على أنه حجاب حسّي حقيقي.\nالثالث:\nقول النبي - ﷺ - لمّا سُئل: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ نُورًا» (^٢)، والمراد بالنور الذي رآه النبي - ﷺ- ليلة المِعراج هو نور الحجاب، فلو كان هذا الحجاب معنويًّا- كما يدَّعي النُّفاة- لَما كان له نُورٌ يُرى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"فقول القائل: \"فهم محجوبون عنه بحجاب يَخلُقه\n_________\n(^١) سبق تخريجه قريبًا.\n (^٢) أخرجه مسلم (١٧٨).","vol":"2","page":1172},{"text":"فيهم، وهو عدمُ الإدراك في أبصارهم\" كلام باطل، وفي الحديث الصحيح: «حجابه النور»، وفي الرواية الأخرى: «النارُ»، ومعلوم أن عدم الرؤية لا يسمَّى نورًا ولا نارًا، لا حقيقةً ولا مجازًا\". (^١)\n٤ - الفائدة الرابعة:\nقوله ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ...»:\nوهذا الحجاب الذي هو نور- وفي رواية: نار- هو حجاب بين العباد وربهم، يحول بينهم وبين رؤية الله ﷿، وأمّا العكسُ فغيرُ مُرادٍ قطعًا؛ فإن الله﵎- لا يَحجُبه شيء عن رؤية خلقه، ومن المعلوم أنّ بصر الله- تعالى - لا يحجُبه شيء، ولا يُمكن أن يستتر عن بصره شيءٌ، وأمّا هو سبحانه فقد احتجب عن خلقه بالنور وبالكبرياء، وبما شاء من الحُجُب.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"قال النبي ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ- أَو: النَّارُ- لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، فهي حُجُب تَحْجُبُ العباد عن الإدراك، وأمّا حجْبها لله عن أن يَرى ويُدرِك فهذا لا يقوله مسلمٌ؛ فإنّ الله لا يخفى عليه مثقالُ ذرّةٍ في الأرض ولا في السماء، وهو يرى دَبيب النملة السوداء على الصخرة الصَّمَّاء في الليلة السوداء، ولكن يَحجُبُ أن تصل أنوارُه إلى مخلوقاته؛ كما قال ﷺ:\n «لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»،\nفالبصر يدرك الخلْقَ كلهم، وأمّا السُّبُحات فهي محجوبة بحجابه النُّور\nأوالنار\". (^٢)\n٥ - الفائدة الخامسة:\nحديث الباب أحد الأدلة على نفْي رؤية الخلق لله- تعالى- في الدنيا حالَ اليَقَظة:\nفقوله ﷺ: «لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ...» قد أظهر العلة من عدم حدوث هذه الرؤية البصَرية في الحياة الدنيا، وهي كونُ البَشَر لا يُطيقون ذلك.\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٨/ ١٢١).\n (^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ١٠).","vol":"2","page":1173},{"text":"قال القرطبي:\n\"ومعنى الكلام: أن الله - تعالى - لو كشف عن خلْقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لَما أطاقوا رؤيته وَلَهَلَكُوا؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]\nويفيد أنّ تركيبَ الخلق وضعْفَهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها، فإذا أنشأهم الله- تعالى- للبقاء وقوّاهم حَمَلُوا ذلك\". (^١)\nفالرؤية عند أهل السنة لا تكون في الدنيا ولا في البَرْزخ، وإنما هي يومَ القيامة بقوةٍ يجعلها الله- جلّ وعلا- في أعيُن المؤمنين.\n* وأمّا أدلة عدم وقوع رؤية الله- تعالى- بالبصر في الدنيا:\nفمن القرآن:\n١ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]\nفلو كانت رؤيته﷾- ممكِنة لَحَصلتْ لِلكَلِيمِ موسى ﵇، وهو الذي اصطفاه الله - تعالى- على الناس برسالاته وبكلامه.\n* ومن السنة: عن عَبْد اللهِ بْنِ عُمَرَ﵄- أن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قال: «لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ﷿- حَتَّى يَمُوتَ». (^٢)\n* والإجماع:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاقِ سلف الأمة أنه لا يرى اللهَ أحدٌ في الدنيا بِعَينه\". (^٣)\n_________\n(^١) المُفْهِمُ (١/ ٤١١).\n (^٢) أخرجه مسلم (١٦٩).\n (^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥١٠). وهذا إجماعٌ نقله أيضًا الدارميُّ وابنُ أبي العز، باستثناء النزاع الذي وقع في رؤية النبيﷺ- لربه ليلةَ المعراج، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن هذا الخلاف بين الصحابة﵃- في هذا الباب ليس خلافًا حقيقيًّا، بل هو من باب اختلاف عبارات النقل عنهم، على أنّه لم يصرِّح أحد من الصحابة﵃- بأنّ رؤية النبيﷺ- لربه ليلة المعراج كانت رؤية بصرية.\nوأمّا من صرح بذلك من أهل العلم فهذا بناء منهم على ما فهِموه من أقوال الصحابة﵃- التي ورد فيها إطلاق الرؤية.\nولمراجعة المسألة بأقوالها انظرْ أحاديثُ يُوهِمُ ظاهرُها التعارُضَ (ص/ ٣٤٣).","vol":"2","page":1174},{"text":"* يؤيده:\nلو كانت رؤيته تعالى في الدنيا ممكنة لَحصلتْ لِخير الخلق أجمعينَ، محمدٍ ﷺ؛ فقد سُئل: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ، أَنَّى أَرَاهُ»، وفي رواية: «رَأَيْتُ نُورًا». (^١)\nفالمعنى:\nأن الذي حالَ بين النبي - ﷺ- ورؤيةِ وجه الله تعالى هو ذلك النور العظيم، وهو نور الحجاب، وهو نورٌ مخلوقٌ، وهو المراد في قوله ﷺ: «رَأَيْتُ نُورًا»، وليس المراد هنا أن هذا النورَ هو نورُ وجه الله تعالى، ولو كان هذا الحجاب هو النور الذي هو صِفَتُهُ سبحانه لَكانَ النبيُّﷺ - قد رأى ربه.\nفهذا كله صريح في نفي الرؤية البصرية، إنما كانت رؤيته لربه ليلةَ المعراج رؤيةً قلبية، والله أعلم.\n* ومما يؤيد عدمَ الرؤية البصرية ليلةَ المعراج:\n١ - أنّ قوله ﷺ: «لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ﷿- حَتَّى يَمُوتَ» (^٢) يشمل النبيَّﷺ- وغيرَه.\n٢ - لو كانت رؤية النبي -ﷺ- لربه -تعالى- ليلةَ المعراج رؤيةً بصرية لَما سكتَ الشرعُ عن ذِكرها بالتنصيص؛ فهي- لا شكَّ- مَنْقَبةٌ عظيمة لا يَسكتُ الشرع عن التصريح بمثلها.\n٣ - قال ابْنُ عَبَّاسٍ﵄-:\nقَالَ تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، قَالَ: \"رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ\"، وفي رواية قَالَ: \"رَآهُ بِقَلْبِهِ\". (^٣)\n_________\n(^١) سبق تخريجه قريبًا.\n (^٢) سبق تخريجه قريبًا.\n (^٣) أخرجه مسلم (١٧٦).","vol":"2","page":1175},{"text":"وقال﵄-:\n\"أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ﵇-، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى﵇-، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍﷺ-؟ \". (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وأمّا الرؤية فالذي ثبتَ في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: \"رأى محمد ربه بفؤاده مرتين\"، وعائشة أنكرت الرؤية؛ فمن الناس من جمعَ بينهما، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد.\nوالألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلَقة ومقيَّدة بالفؤاد؛ تارةً يقول: \"رأى محمد ربه\"، وتارة يقول: \"رآه محمد\".\nولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه.\nوكذلك الإمام أحمد تارةً يُطْلِق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحد:\nإنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه؛ لكنّ طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلَق ففهِموا منه رؤية العين، كما سمع بعضُ الناس مطلق كلام ابن عباس ففهِم منه رؤية العين.\nوليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبتَ ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدلّ على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلُّ؛ كما في صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ﵁- قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال:\n «نورٌ، أنَّى أراهُ»، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَرَاهُ نَفْسَهُ بِعَيْنِهِ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ قوله:\n ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، وَلَوْ كَانَ رَآهُ بِعَيْنِهِ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْلَى. (^٢)\nقال ابن حجَر بعد ذكر الخلاف في رؤية النبي لربه ليلةَ المعراج:\n\"فيمكن الجمع بين\n_________\n(^١) أخرجه النَّسائي (١١٥٣٩)، والحاكم (٣١١٤). قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط البخاري\"، ووافقه الذهبي.\n (^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩).","vol":"2","page":1176},{"text":"إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يُحملَ نفيُها على رؤية البصر، وإثباتُه على رؤية القلب\". (^١)\n* وقوله ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»:\nقد تضمنت هذه العبارة نوعين من النور:\n١ - الأول:\nالنور الذي هو صفة وجه الله- تعالى-، والوارد في قولهﷺ-: «لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ...».\n٢ - الثاني:\nالنور المخلوق، وهو نور الحجاب، وهو المراد في قوله ﷺ ليلةَ المِعراج: «رأيتُ نُورًا».\n٦ - الفائدة السادسة:\nمن الأسماء الحسنى الثابتة لله- تعالى-: اسم النور؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].\nقال الطبري:\n\"هادي مَن في السماوات والأرض، فَهُمْ بنوره إلى الحق يهتدون، وبهُداهُ مِن حَيْرة الضلالة يعتصمون\". (^٢)\nقال السِّعْدي:\n\"النور: نور السموات والأرض، الذي نوَّر قلوبَ العارفين بمعرفته والإيمانِ به، ونوَّرَ أفئدتهم بهدايته، وهو الذي أنار السموات والأرض بالأنوار التي وضَعها\". (^٣)\nوعن ابْن عَبَّاسٍ﵄- قَالَ:\n\"كَانَ النَّبِيُّﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ\n_________\n(^١) فتح الباري (٨/ ٦٤٨).\n (^٢) جامع البيان في تأويل القرآن (١٩/ ١٧٧).\n (^٣) وانظر تيسير الكريم الرحمن (٢/ ٩٤٨)، والنهْج الأسمى (ص/ ٤٨٤).","vol":"2","page":1177},{"text":"وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ... \". (^١)\nقال ابن القيم:\n\"النور: جاء في أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقّتْه الأمّة بالقَبول، وأثبتوه في أسمائه الحسنى، ولم ينكره أحدٌ من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة\". (^٢)\n٧ - الفائدة السابعة:\nإثبات صفة الوجه لله:\nو\"الوجه\" معناه في اللغة معلوم، لكنّ كيفيته مجهولة، لا نعلم كيفَ وجْه الله ﷿، لكننا نؤمن بأنّ له وجهًا، وردَ في الشرعِ وصْفُه بالجلال والإكرام والبهاء والعظمة والنور العظيم.\nفمن أدلة القرآن:\nقال الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]،\nوقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].\nقال ابن العثيمين:\n\"وقوله \"ذُو\" صفةٌ لـ \"وَجْهُ\"، والدليل: الرفعُ، ولو كانت صفةً للرَّبِّ لَقالَ: \"ذِي الجِلالِ\"، كما قال في نفس السورة: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، فلمّا قال: ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ علِمنا أنه وصفٌ للوجه\". (^٣)\n*ومن أدلة السنة:\n-عَنْ جَابِرٍ - ﵁- قَالَ:\nلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ:\n «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا أَيْسَرُ». (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٢٠).\n (^٢) مختصَر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٩٨).\n (^٣) شرح العقيدة الواسطية (ص/ ١٨٢).\n (^٤) أخرجه البخاري (٧٤٠٦) في كتاب التوحيد، باب ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].","vol":"2","page":1178},{"text":"وقَوله ﷺ: «أعوذ بوجهك» فيه إثبات الوجه لله ﷿؛ فقد ورد ذكره في مقام الاستعاذة به، والاستعاذة لا تكون بمخلوق.\n-وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ-: «إِنَّ اللهَ- تعالى- أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا﵇- بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فقال منها: ... وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ». (^١)\n-وعن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ﵁- قال:\n\"كَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَدْعُو فيقولُ: اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ\". (^٢)\n* الإجماع:\nقال ابن خُزيمة:\n\"فنحن وجميعُ علمائنا مِن أهل الحجاز وتهامةَ واليمَن والعراق والشام ومصرَ مذهبُنا: أنّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نُقرّ بذلك بألسنتنا، ونصدّق ذلك بقلوبنا، مِن غيرِ أن نشبِّه وجهَ خالقنا بوجهِ أحدٍ من المخلوقين. عزَّ ربُّنا عن أن يُشْبِهَ المخلوقين، وجلَّ ربُّنا عن مَقالة المعطّلينَ\". (^٣)\nقال أبو الحسَن الأشعري:\n\"فمن سألَنا فقال: أتقولون: إنّ لله سبحانه وجهًا؟ قيل له: نقول ذلك، خِلافًا لِما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] \". (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧١٧٠)، والترمذي (٢٨٦٣)، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\".\n (^٢) أخرجه أحمد (١٨٣٢٥)، والنسائي (١٣٠٥)، وصححه الألباني.\n (^٣) التوحيد (ص/ ١١).\n (^٤) وانظر الإبانة عن أصول الدِّيانة (٢/ ١٠٠٤)، والآثار الواردة عن السلف في العقيدة (١/ ١٩٠).","vol":"2","page":1179},{"text":"* المخالفون في هذا الباب:\nصفة \"الوجْه\" من صفات الذات الثابتة لله تعالى بنصوص الكتاب والسنة، ودلالتُها عليها في غاية الصراحة والوضوح، ولذلك لم يجد بعضُ المؤوِّلة سبيلًا إلى تأويلها:\n*فالمعتزلة:\nقالوا: وجْه الله هو ذاته، لا غير.\nومنهم من يثبت الوجه توسُّعًا، وليس على سبيل إضافة صفة إلى موصوف. (^١)\nقال القاضي عبد الجبّار:\n\"وقد يُذكر الوجْه ويراد به ذات الله، وقد يقول القائل لغيره، وقد سألَه حاجةً: أُحِبُّ أن تفعل ذلك لوجه الله، أيْ تقرُّبًا إلى الله\". (^٢)\n*وأما الأشاعرة- وهم من رُوَّاد منهج التأويل-:\nفقد خالفوا إمامهم أبا الحسن الأشعريَّ، فعطَّلوا صفة الوجه، وحرَّفوا نصوصها بأنواع من التأويلات، مع أن بعضهم يُصرِّح بأنّه لا سبيل إلى تأويل هذه الصفة، كما يقول ابن فُورَك الذي تصدَّى لتأويل أحاديث الصفات على مقتضَى العقل، يقول عن صفة الوجه:\n\"اعلمْ أنّ إطلاق وصْف الله -﷿- بأنّ له وجهًا- قد وردَ به نصّ الكتاب والسنة، وذلك من الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلا من جهة النقل... وذهب أصحابنا إلى أن الله﷿- ذو وجهٍ، وأن الوجه صفة من الصفات القائمة به\". (^٣)\nوكذلك قد نقلَ شيخ الإسلام ابن تيمية عن القاضي الباقلّاني إثباتَه لصفة الوجه على الحقيقة، قال شيخ الإسلام:\n\"وقال القاضي أبو بكرٍ الباقلّانيُّ، وهو أفضل المتكلمين\n_________\n(^١) وانظر مقالات الإسلاميين (ص/ ١٠٠).\n (^٢) وانظر تنزيه القرآن عن المَطاعن (ص/ ٥٢)، والتأويل في الصفات (ص/ ١٨٧).\n (^٣) وانظر مُشكلُ الحديث وبيانُه (ص/ ٣٥٦)، ودفْع إيهام التشبيه (ص/ ١٩٨).","vol":"2","page":1180},{"text":"المنتسبين إلى الأشعريّ، في كتاب «الإبانة» تصنيفه: فإن قال:\nفما الدليل على أنّ لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فأثبتَ لنفسه وجهًا ويدًا.\nفإن قال: فلمَ أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحةً إذ كنتم لا تَعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحةً؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذ لم نعقل حيًّا عالِمًا قادرًا إلا جِسمًا أن نَقضيَ نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه\". (^١)\nفي حين أنه قد ذهب جماعة آخرون من أئمة الأشاعرة إلى صرْف هذه النصوص عن دلالتها بتأويلها عن ظاهر معناها، كما فعل البَغدادي والآمِدِيّ اللّذينِ أوَّلا الوجهَ بالذات. (^٢)\n*الرد على المخالف:\nلا شكَّ في أن منهج التأويل منهج ضالّ، وذلك لجنايته على العقيدة الإسلامية الصحيحة التي نهَجها أئمة السلف الذين أثبتوا ما أثبته الله- تعالى- لنفسه وأثبته له رسولهﷺ-، فأثبتوا صفة الوجه صفةً لله- تعالى- على ما يليق بجلاله وعظمته، ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\n* أمّا الفريق الأول من الأشاعرة الذين أثبتوا لله - تعالى- الوجه:\nفانظرْ كيف يتلاعبُ فسادُ المنهج بأصحابه! حيث ترى أنّ من أثبت الوجه لله\n_________\n(^١) الفتوى الحَمَوية الكبرى (ص/ ٥٠٨).\n (^٢) وممن ذهب إلى هذا القول: النووي، فقد قال في شرحه على مسلم: \"والمرادُ بالوجهِ الذاتُ\"، وقال: \"لو أزال المانعَ من رؤيته، وهو الحجابُ، وتجلَّى لخَلْقه لَأحرقَ جَلالُ ذاته جميعَ مخلوقاته\".\nوانظر المنهاج (٢/ ١٨)، وأصول الدين (ص/ ١١٠)، وغاية المَرام في علم الكلام (ص/ ١٤٠)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥).","vol":"2","page":1181},{"text":"- تعالى- من الأشاعرة لم يقولوا به اتّباعًا للنص- كما هي طريقة الراسخين في العلم- بل قالوا به لعجْزالعقل- زَعَمُوا- عن تأويله، فصار المقياس عند القوم: \"وما آتاكُمُ العقلُ فخُذوه... \"! وكذبوا في تأسيسهم، وتناقضوا في تأصيلهم:\n١ - أمّا الكذب في التأسيس:\nفلِأنّ العقلَ الصحيح لا يُناقض النصَّ الصحيح؛ وإنّما تقع المناقضة حينما تُعارَض النصوص بالعقول التي يجرّها الهوى، ويُصادَم الوحي بالمناهج الأرضية المحْدَثة تحتَ دعوى التنزيه والتقديس، وهُنا يصدُق فيهم قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].\n٢ - وأمّا التناقض في التأصيل:\nفيقال: إذا أثبتّم صفة الوجه لله- تعالى- بدعوى أنه لا يمكن للعقل تأويلُها على غير ظاهرها، فكذا يقال في سائر الصفات، فالقول في بعض الصفات كالقول في سائر الصفات، وأمّا أن تُثبتوا الشيء وتَنْفُوا نَظيرَه فهذا هو عينُ التناقض.\n* وأما الرد على القائلين: إنّ الوجه هو الذات:\nوقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقالوا: إذْ لا خُصوصَ للوجه في البقاء وعدمِ الهلاك. (^١)\n* فالردُّ أن يقال:\nالاستدلال بهذه الآية على أن الوجه هو الذات استدلالٌ مردود؛ لأنه لو لم يكن لله- تعالى- وجهٌ على الحقيقة لَما جازَ استعمالُ هذا اللفظ في معنى الذات.\n_________\n(^١) وهذه الآية قد شذَّ فيها طائفتان:\n (أ) البيانيّة: أتباع بيان بن سمعانَ، الذي كان يقول: إنّ معبوده نور، صورته صورة إنسان، وله أعضاء كأعضاء الإنسان، وإن جميع أعضائه تَفنى إلا الوجهَ.\n (ب) الأشاعرة: الذين فسَّروا الوجه بالذات، فقالوا: \"كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا ذاتَه\".\nوانظر التبصير في الدين (ص/ ٣٢٢)، والفرْق بين الفرَق (ص/ ١٩٨).","vol":"2","page":1182},{"text":"يقول محمد خليل هرَّاس:\n\"اللفظ الموضوع لمعنًى لا يمكن أن يستعمل في معنًى آخرَ إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا للموصوف، حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه\". (^١)\n* والتوجيه الثاني للآية:\n ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أُريدَ به وجهُه؛ ذلك لأن سياق الآية يدل على ذلك: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾، كأنه يقول: لا تَدْعُ مع الله إلهًا آخرَ فتُشركَ به؛ لأنّ عملك وإشراكك هالكٌ- أي: ضائعٌ سُدًى- إلا ما أخلصتَه لوجه الله، فإنه يَبقى؛ لأن العمل الصالح له ثوابٌ باقٍ لا يَفنى في جنات النعيم. (^٢)\n*ثم يقال:\nتَزعُمون أنّ إثبات الوجه يَلزم منه المُشابَهة والتجسيم وما شابَهَ ذلك؛ وعليهِ فقدْ فسّرتُمُ النصوص الواردة في ذلك بأن الوجه هو الذات، فيقال جَرْيًا على تأصيلكم: إنّ إثبات الذات لله﷿- يَلزم منه مشابهةُ الخالق للمخلوق، فإنْ قلتم: ذاتُه ليست كذات البشر، قيل:\nيَلزمكم كذلك أن تثبتوا لله- تعالى- وجهًا ليس كوجْه البشر، فالقول في بعض الصفات كالقول في سائر الصفات.\nفالقول بنفي الصفات عن الذات هو- في الحقيقة- فرارٌ ممّا يمكن تصوُّره إلى ما يَستحيل تصوُّره عقلًا وشرعًا.\n*ثم يقال:\nقولكم بإثبات الذات لله﷿- دونَ إثبات الصفات- التي منها: الوجهُ- هو قولٌ في حقيقته يعود عليكم بالبُطلان؛ فالقول بالذات المجرَّدة عن الصفات هو فرْضٌ ذِهني تجريدي لا حقيقةَ له، فإنّ الذات المجرَّدة عن الصفات لا حقيقة لها، ونفْي الصفات يستلزم نفيَ الذات.\nفإن قيل:\nاستعمال الوجه بمعنى الذات مشهور في اللغة، يقال: وَجْهُ هذا الثوبِ\n_________\n(^١) شرح العقيدة الواسطية (ص/ ١١٤).\n (^٢) وانظر شرح الواسطية لابن عثيمين (ص/ ٢٨٥).","vol":"2","page":1183},{"text":"جَيِّدٌ: أيْ ذاتُهُ جيِّدةٌ... (^١)\nفالجواب:\nقال ابن القيم:\n\"يقال لهذا المعطِّل المشبِّه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات، بل هذا مُبطلٌ لقولك؛ فإنّ وجْه الحائط: أحدُ جانبَيه، فهو مقابلٌ لدُبُرِهِ، وكَمِثْلِ هذا:\nوَجْهُ الكعبة ودُبُرُها، فهو وجهٌ حقيقةً ولكنه بحسب المضاف إليه، فلمّا كان المضاف إليه بناءً كان وجهُهُ مِن جنسه، وكذلك وجْهُ الثوب: أحدُ جانبيه، وهو من جنسه، وكذلك وجهُ النهار: أوّلُه، ولا يقال لجميع النهار. والوجه في اللغة: مستقبلُ كل شيء؛ لأنه أولُ ما يُواجهُ منه، ووجْه الرأي والأمْر: ما يَظْهَرُ أنّه صوابُهُ، وهو في كل محلٍّ بحسب ما يضاف إليه، فإنْ أضيف إلى زمنٍ كان الوجهُ زمنًا، وإن أضيف إلى حيَوانٍ كان بحسبه، وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه، وإن أضيف إلى مَن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] كان وجهُهُ- تعالى- كذلك\". (^٢)\nوالقاعدة هنا:\n\" اتفاق الأسماء لا يَلزم منه اتفاقُ الحقائق والمسمَّيات \".\nوأمّا قولُهم: إنّ الوجه هو الثواب- فهو مردودٌ بما يلي:\nأولًا: أنه مخالف لظاهر اللفظ؛ فإنّ ظاهر اللفظ أنه وجهٌ لله تعالى وصفةٌ له، وليس هو الثوابَ.\nثانيًا: أنه مخالف لإجماع السلف الذي أثبت الوجه لله- تعالى- على الحقيقة، فلم يقل أحد من الصحابة أو التابعين ومَن تبعهم بإحسانٍ: إنّ الوجه هو الثواب.\nثالثًا: قد وصف الله- تعالى- وجهَهُ بصفات، منها: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، فهل يوصف الثواب- وهو مخلوق- بهذه الصفات\n_________\n(^١) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/ ٢٢٧) والمنحة الإلهية (ص/ ٥٩٦).\n (^٢) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٨٨).","vol":"2","page":1184},{"text":"العظيمة؟! وكذلك قولهﷺ- في حديث الباب: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، فهل يقال في الثواب: إنّ له نورًا يحرق ما انتهى إليه بصرُ الله- تعالى- من الخلْق؟!\nرابعًا: قد ورد في الآثار تعوُّذُ النبيﷺ- بوجه الله تعالى، ومِثلُ هذا لا يكون إلا بالله- تعالى- وبصفاته.\nقال الدارمي:\n\"أفَيجوزُ- أيُّها المُعارِضُ- أنْ يُتأوَّلَ هذا: \"أعوذ بثوابك والأعمالِ التي يُبتغى بها وجهُك وبوجْهِ القِبلة\"؟ فإنه لا يجوز أن يستعاذ بوجهِ شيءٍ غير وجه الله تعالى، وبكلماته، لا يستعاذ بوجه مخلوق\". (^١)\nخامسًا: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يقول فِي دُعَائِهِ: «أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، والشَّوْقَ إلَى لِقائِكَ»، ولم يكن لِيسألَ لذةَ النظر إلى الثواب، ولا يُعرف تسمية ذلك وجهًا لغةً ولا شرعًا ولا عُرْفًا. (^٢)\n* فإن قيل:\nقد أَطْبَقَ علماءُ التفسير على أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] أي: رجاءَ ثوابِ الله تعالى،\nفالرد أن يقال:\nلا يَمتنعُ لغةً أن يُطلَقَ الوجه ويراد به الثواب، ولكنّ هذا لا يمنع أن نُثبت لله- تعالى- صفة الوجه على الحقيقة، وذلك للأدلة الأخرى التي لا تحتمل أيَّ تأويلٍ أو صرْفٍ للّفظ عن ظاهره.\nوفارِقٌ بين أن نأتيَ موضعًا من مواضع الصفات فنفسّرَه بحسب السياق مع إثبات أصل الصفة من المواضع الأخرى، وبينَ أن نَعْمِدَ إلى هذا الموضع فنتأخّذَه ذَريعةً لنفي الصفة عن الله تعالى.\n* ومن اللوازم الباطلة لإنكار صفة الوجه: إنكار رؤيته سبحانه في الآخرة.\n_________\n(^١) نقض أبي سعيد على المريسي العنيد (ص/ ٤٢٤).\n (^٢) مختصر الصواعق (٢/ ٣٨٩).","vol":"2","page":1185},{"text":"وهذا اللازم الباطل إنما هو من شُؤْمِ مخالَفة السُّنن، فالبدَع تنادي أخَواتِها؛ فإنّ لازِمَ إنكارِ وجْه الله﷿- إنكارُ أصلٍ آخرَ من أصول أهل السنة، والذي هو رؤية وجه الله- تعالى- في الآخرة.\nقال ابن القيم:\n\"أن الصحابة﵃- والتابعين وجميعَ أهل السنة والحديث والأئمة الأربعة وأهل الاستقامة من أتباعهم متفقون على أن المؤمنين يرَون وجه ربهم في الجنة... فمن أنكر حقيقة الوجه لم يكن لِلنَّظر عندَه حقيقةٌ، ولا سِيَّما إذا أَنكرَ الوجه والعلوّ؛ فيعودُ النظرُ عنده إلى خيالٍ مجرَّدٍ\". (^١)\n* وهنا سؤال:\nهل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] من آيات الصفات؟\n*والجواب:\nإن هذه الآية واحدةٌ ممّا شغَّب به أهلُ البدع في زعْمهم أنّ السلف يؤوّلون آياتِ الصفات، وجعلوا ذلك ذريعة للخوض بالباطل في تعطيل الصفات الإلهية التي ثبتت لله﷿- بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nقال أبو العباس ابنُ تيمية:\n\"أمّا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فالمراد بالوجه هنا: القِبلة، أيْ قِبلةُ الله؛ لدلالة السياق على ذلك، فإنّ \"أينَ\" ظرفُ مكان، و\"تُوَلُّوا\" معناه: تَستقبلوا؛ فهذه الآية ليست من آيات الصفات، وهذا من المواضع التي قد يقع فيها الغلَط، فيُستدل بالآية على الصفة وهي لا تدل عليها، فالدلالة في كل موضع بحسب سياقه وما يَحُفُّ به من القرائن اللفظيّة والحاليّة؛ ولذلك لا يصح أن يُستدل بمثل هذه الآية على صحة التأويل؛ لأن المعنى هنا دلّ السياقُ عليه،\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٣٩٠)، وانظر التأويل في الصفات (ص/ ٣٢٦).","vol":"2","page":1186},{"text":"وليست هذه الآية من آيات الصفات أصلًا حتى يُستدل بها على صحة التأويل\". (^١)\n* وهنا إشكال:\nقد أورد البخاري قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ثم قال: \"إِلَّا مُلْكَهُ\"، فهل في هذا مخالَفة لقول أهل السنة؟\n* والجواب أن يقال:\nمما لا شك فيه: أن البخاري ممن يُثبت صفة الوجه لله﵎- على الحقيقة، ويدل على ذلك: أنه قد أورد هذه الآية مبوِّبًا لها في صحيحه في كتاب التوحيد- الذي هو مَظِنّة التنصيص على الأمور الاعتقادية- ثم أتبعَها بالحديث «أعوذُ بوجْهكَ».\nوأمّا قوله \"إلّا مُلكَه\" فقد أورده في كتاب التفسير، وذلك عند تفسير سورة القَصص، ومعلومٌ أنه يريد بذلك أنّ هذا مِن تفسيرها الذي تُفسَّرُ به، والذي هو قول أئمّة اللغة والسلف في التفسير.\nوهذا منهج يقوم على: تفسير معاني الآيات بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، والمَعرفةِ بأساليب اللغة العربية، وليس ما ذهب إليه المتكلمون، وهو صرفُ اللفظ عن ظاهره إلى معنًى آخر مع عدم إثبات الصفة.\nكما أن تأويل الوجه بالمُلك قد ذكره غيرُ واحد من السلف، كما نقله شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في الفتاوى عن طاووس بن كيسانَ، فالبخاري ناقلٌ عن إمام من أئمة السلف، وهذه طريقته.\nتَمَّ بحمد الله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤ - ١٧).","vol":"2","page":1187}]}