{"ً":{"ٌ":1929,"ٍ":"مسألة الإيمان دراسة تأصيلية","َ":1,"ُ":2,"ّ":"الكتاب: مسألة الإيمان دراسة تأصيلية\nالمؤلف: علي بن عبد العزيز بن علي الشبل\nتقريظ:\nالشيخ د. صالح بن فوزان الفوزان\nالشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع\nالشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان\n[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ٥٣","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":188,"ٕ":1,"ٖ":1770154095,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"صالح بن فوزان الفوزان","level":1,"page":2},{"title":"عبد الله بن سليمان المنيع","level":1,"page":3},{"title":"عبد الله بن محمد الغنيمان","level":1,"page":4},{"title":"المقدمة","level":1,"page":5},{"title":"أهمية مسألة الإيمان","level":1,"page":7},{"title":"مسألة تعريف الإيمان ومسماه:","level":1,"page":8},{"title":"بيان فساد أقوال الطوائف إجمالا","level":1,"page":11},{"title":"معنى الإيمان لغة:","level":1,"page":17},{"title":"العلاقة بين الإسلام والإيمان:","level":1,"page":19},{"title":"زيادة الإيمان ونقصانه:","level":1,"page":24},{"title":"الأدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه:","level":1,"page":28},{"title":"الآثار السلفية عن الصحابة ومن بعدهم","level":1,"page":30},{"title":"أسباب زيادة الإيمان ونقصانه:","level":1,"page":31},{"title":"مسألة الإيمان المطلق ومطلق الإيمان:","level":1,"page":34},{"title":"الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم","level":1,"page":38},{"title":"أهمية الموضوع:","level":1,"page":39},{"title":"الكفر ومعناه:","level":1,"page":42},{"title":"قواعد مهمة في معرفة أنواع الكفر","level":1,"page":45},{"title":"ملاحظة وتنبيه:","level":1,"page":48},{"title":"فهرس المحتوى","level":1,"page":52}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53},"ٜ":{"1":[1,53]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"4":[3],"5":[4],"7":[5],"8":[6],"11":[7],"17":[8],"19":[9],"24":[10],"28":[11],"30":[12],"31":[13],"34":[14],"38":[15],"39":[16],"42":[17],"45":[18],"48":[19],"52":[20]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مسألة الإيمان\nدراسة تأصيلية\n\nتأليف\nعلي بن عبد العزيز بن علي الشبل\nعفا الله عنه وعن والديه ومشايخه والمسلمين\n\nتقريظ\nأصحاب الفضيلة\nالشيخ د. صالح بن فوزان الفوزان\nالشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع\nالشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان","vol":"1","page":1},{"text":"تقريظ بقلم\nفضيلة الشيخ الدكتور\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>صالح بن فوزان الفوزان</span>\n\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: فقد اطلعت على الكتاب الذي ألفه الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل في موضوع حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل واعتقاد كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، فسهَّلوا للناس طريق المعاصي والمخالفات، وخالفوا كتاب الله وسنة رسوله، وما عليه أهل السنة والجماعة، ولهذه الفرقة الضالة من يروج مذهبها اليوم من المتعالمين. فكان لا بد من بيان ضلالتهم لئلا يغتر بهم من يخفى عليه أمرهم، ويحسن الظن بهم.\n\nفوجدته فيما كتبه الشيخ علي وفقه الله، وافيًا في الموضوع، فجزاه الله خيرًا ونفع بما كتب وبين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،\n\nكتبه\n\nصالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان\n\nفي ٢٢/٢/١٤٢٢هـ","vol":"1","page":2},{"text":"تقريظ بقلم\nفضيلة الشيخ\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>عبد الله بن سليمان المنيع</span>\n\nالحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله محمد وعلى آله وأصحابه، أما بعد:فقد منَّ الله عليَّ بتكرم أخي فضيلة الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل بإطلاعي على مسودة الكتاب القيم «مسألة الإيمان» واستعراض آراء علماء العقيدة، وما حصل لمجموعة من الفرق المنتسبة للإسلام من خلل وزلل وانحراف في الاعتقاد في مسألة الإيمان، مع اختلاف بعضهم عن بعض في مقتضيات الإيمان، وأن القول الحق، والاعتقاد المتفق مع أصول الاعتقاد ودلائله وكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، أن الإيمان إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\n\nوقد استعرض فضيلة الشيخ علي أقوال هذه الفرق المنحرفة في الاعتقاد وأصل الإيمان، وردَّ عليهم ردًا شافيًا سنده في الرد كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ تمسكًا بقوله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنة رسوله» .\n\nواستدلاله في رده على ما ذكره المحققون من علماء السلف قديمًا وحديثًا ومنه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن رجب - رحمهم الله تعالى - وغيرهم من أهل العلم وسلامة الاعتقاد.\nفجزى الله المؤلف خير جزاء وأتمه، وجعل هذا الكتاب من الحسنات المثقلة للميزان، وعلمًا ينتفع به مؤلفه في حياته الدنيا بالدعاء له للانتفاع به، وفي الآخرة مما يتصل به عمله بعد انقطاعه، أطال الله عمره في طاعته وخدمة دينه.\nقال هذا وكتبه\nعضو هيئة كبار العلماء\nعبد الله بن سليمان المنيع\n\nوالله المستعان\nفي ١٣/٣/١٤٢٢هـ","vol":"1","page":3},{"text":"تقريظ بقلم\nفضيلة الشيخ\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>عبد الله بن محمد الغنيمان</span>\n\nالحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد:\nفإن قضية الإيمان من أكبر القضايا وأعظمها بل هي أعظمها إذ عليها مدار السعادة والشقاء، فمن هدي إليها، وشرح صدره بها، ورزق فهمها والعمل بها فقد سعد في الدنيا والآخرة، ومن حرمها حرم الخير كله؛ فإنه يتمتع في هذه الحياة قليلًا ثم مصيره إلى عذاب الله الذي لا ينقطع.\nوهذه الرسالة للشيخ علي بن عبد العزيز الشبل وفقنا الله وإياه للخير والعمل به - فيها إيضاح مسألة الإيمان، وبيان مذهب أهل السنة فيها، وقد قرأتها فألفيتها مفيدة وجديرة بالإشاعة ليعم الانتفاع بها.\nأسأل الله - تعالى - لنا ولجامعها التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.\n\nقاله\nعبد الله بن محمد الغنيمان","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المقدمة</span>\n\nالحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.. أما بعد:\nفإن مباحث العقيدة من أهم ما يعتني به المؤمن دراسة وتفهمًا، علمًا وعملًا؛ لأن العقيدة أهم المهمات وهي أساس الديانة، وقاعدة الملة المتينة، لذا اهتمت بها كتب الله المنزلة، ورسله المرسلة إلى عباده. وعلى العقيدة شُيدت مباني الشريعة، وقامت سوق الجنة والنار.\nولهذا وغيره صار علم العقيدة والإيمان والتوحيد أشرف العلوم وأزكاها، وأعظمها أثرًا. وأضحت مسائل العقيدة المبحوثة لها هذه الأهمية، وتداعى لها ذلك الشرف، وتأكد لها عظيم القدر.\nهذا وإن من جليل مباحث العقيدة المحتفى بها عند أهل السنة والجماعة- السالكين جادة منهج السلف الصالح من لدن النبي ﷺ فأصحابه الكرام ﵃، فتابعيهم، ثم من تبعهم بإحسان وعلم وهدى - مباحثُ الإيمان، المناطة بأحكام أهله دنيا وأخرى، والمُعبَّر عنها عند العلماء بمسائل الأسماء والأحكام.\nوهذه المسألة بما اشتملت عليه من تضاعيف المباحث من أجل مسائل العقيدة، وأول أصول العقيدة افتراقًا في بابها قديمًا وحديثًا؛ ولذا اعتنى بها العلماء في تصانيفهم ولا سيما من أئمة السنة، فإن علماء السلف الصالح أول ما قذعوا به الجهمية من ضلالاتهم هذه المسألة: مسألة الإيمان، يدركه من طالع كتب السنة والأثر!\nولما رأيت توافر الدواعي - في زمننا- إلى توضيح هذا الموضوع وتجلية مذهب السلف الصالح: أهل السنة فيه، رأيت المشاركة بهذه الورقيات التأصيلية للمسألة: مسألة الإيمان (١) .\nموصيًا - ومؤكدًا في الوصية - بلزوم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، والتفقه بفقه السلف الصالح، ورد الإشكال إلى أهل العلم المعتبرين ليحلوه ويوضِّحوه ويبينوه كما في آيتي النحل والأنبياء: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] .\n_________\n(١) والواقع أن هذا البحث هو جزء من دراسة أطروحتي العالية: «ابن الحنبلي وكتابه الرسالة الواضحة في الرد على الأشاعرة» . مع زيادات عليه. ومحذرًا شباب السنة وفتية الإسلام من ضد ذلك، من سلوك بنيات الطريق، ومزالق الفتن، ومسالك التعالم والتجهيل، والانطراح بين يدي الله والإلحاح عليه في الحذر من ذلك كله، والثبات على دينه، والاعتصام بهدي نبيه ﷺ وصالح سلف المؤمنين، وفقنا الله لذلك آمين.\nهذا وقد سميت الموضوع: «مسألة الإيمان دراسة تأصيلية» .","vol":"1","page":5},{"text":"«مسألة الإيمان دراسة تأصيلية»\nوقد اشتمل على عدة مطالب رئيسة هي:\n١.المطلب الأول: مقدمة بأهمية المسألة.\n٢.المطلب الثاني ...: مسألة تعريف الإيمان ومسماه.\n٣.المطلب الثالث: الأصل الجامع للنزاع في المسألة.\n٤.المطلب الرابع: بيان فساد أقوال الطوائف إجمالًا.\n٥.المطلب الخامس: معنى الإيمان لغة.\n٦.المطلب السادس: العلاقة بين الإسلام والإيمان.\n٧.المطلب السابع: زيادة الإيمان ونقصانه، والأدلة عليه، وأسباب زيادته ونقصانه.\n٨.المطلب الثامن: المخالفون في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه.\n٩.المطلب التاسع: تحقيق المروي عن الإمام مالك في نقصان الإيمان.\n١٠.المطلب العاشر: مسألة الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان.\n١١.المطلب الحادي عشر: حقيقة الخلاف مع مرجئة الفقهاء.\n١٢.المطلب الثاني عشر ...: الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم ويشمل: ...\n... أ- مقدمة في أهمية الموضوع.\n... ب- الكفر ومعناه.\n... ج- قواعد مهمة في معرفة أنواع الكفر.\n\nولما كان موضوع البحث بهذه الأهمية، عرضته على جمع من كبار العلماء ذوي الخبرة والاختصاص:\n\n١-سماحة مفتي عام المملكة: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.\n٢- فضيلة الشيخ: د. صالح بن فوزان الفوزان.\n٣- فضيلة الشيخ: عبد الرحمن الناصر البراك.\n٤- فضيلة الشيخ: عبد الله بن سليمان بن منيع.\n٥- فضيلة الشيخ: عبد الله بن محمد الغنيمان. وغيرهم.\n\nجزى الله الجميع من نعمائه، وعوالي جنانه، وحرمنا وإياهم سخطه وعذابه ونيرانه.\n... ثم إني قد رضيت من مهرها بدعوة خاصة بظهر الغيب إن وافقت قبولًا واستحسانًا، أو صادفت كفؤًا كريمًا، أو تدبرها عاقل حصيف.\nفالحق من توفيق ربي وهدايته، ولقارئه غُنمه، وعلى مُعلقه غُرمه، والله يعامله ويجازيه بالحسنى وبعد: فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَاناَ لِهَذاَ وَماَ كُنا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَاناَ اللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّناَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] .\nوأسأله سبحانه أن يعلي بها الدرجات، ويمحو بها السيئات، ويبدلها لنا حسنات، ويحقق بها الزلفى لديه بالمسرات. ويلفح علينا بها النفحات، ويغفر لنا ولمشايخنا ووالدينا وإخواننا المسلمين والمسلمات، برحمة وإحسان مولانا مبدع البريات. ﴿إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِماَ يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠] .\nوالله أعلم. اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا.\n\n... ... ... ... ... ... كتبه الفقير إلى مولاه الأجل\n... ... ... ... ... ... علي بن عبد العزيز بن علي الشبل\n... ... ... ... ... الرياض ١١٤١٥- ص. ب: ٦٣١٢٨\n... ... ... ... ... ... ... فاكس ٢٤١٧٤٣٨","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>أهمية مسألة الإيمان</span>\n\n... مسألة الإيمان من مسائل العقيدة الجليلة التي وقع الاختلاف فيها، والافتراق عليها قديمًا في المسلمين؛ بل لا يبتعد إذا قيل إنها أول مسائل الاختلاف في هذه الأمة التي وقع النزاع فيها بين طوائفها، فخالف فيها المبتدعة الأمة الإسلامية!\nومن ثم ترتب عليها اختلافات أُخر في مسائل وثيقة الصلة بمسألة الإيمان.\nومسائل الإيمان يُعبِّر عنها العلماء بمسألة «الأسماء والأحكام»، بمعنى: اسم العبد في الدنيا هو هل مؤمن أو كافر أو ناقص الإيمان..؟ وحكمه في الآخرة أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار، أم ممن يدخل النار ثم يخرج منها ويُخلد في الجنة؟\nولأهمية هذه المسائل ضمَّنها أهل السنة والجماعة في مباحث العقيدة الكبار (١) وقال الحافظ ابن رجب مبينًا أهمية هذه المسألة: «وهذه المسائل، أعني مسائل الإسلام والإيمان، والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًا» .\nفإن الله ﷿ علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار.\nوالاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكُلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحَّلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين.\nثم حدث خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان.\nوقد صنَّف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنَّف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، وأبو بكر أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي، - رحمهم الله تعالى- وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف» .اهـ. (٢) .\nوهكذا شأن الابتداع في الدين، فما يبتدع أحد بدعة- ولاسيما في أصول الدين وباب السنة-، إلا اتسعت اتساعهً كبيرًا شبرًا فباعًا فميلًا.. وحسبك أن تعلم ما يقابل هذا الاتساع من خفاء السنن واندراسها.\nولا يبتدع مبتدع من أهل الأهواء بدعة في هذا الباب إلا ويأتي عقبه من يبتدع بدعة تضاد بدعته وتقابلها، حتى يكون الحق عند من يجده وسطًا بن البدعتين، وهذا تلاحظه في:\n_________\n(١) بل قدَّمها الإمام البخاري في أول صحيحه من خلال كتاب الإيمان منه.\nوقدَّمها الإمام أحمد في كتاب السنة، كما في كتاب السنة للخلال روايته عنه، فقد أضحت مسائل الإيمان والرد على المرجئة أول ما انتقده أهل السنة على الجهمية من ضلالاتهم، لاسيما هم المرجئة المحضة!\n(٢) من جامع العلوم والحكم-شرح الحديث الثاني-حديث جبريل المشهور (٣٠٠) .","vol":"1","page":7},{"text":"-بدعة الخوارج الوعيدية ومن تبعهم في مسائل الإيمان، ومقابلة المرجئة بطوائفها لهم ببدعتهم، والحق وسط بينهما!\n-وفي باب الصفات ببدعة الممثلة المشبهة، ومقابلة المعطلة لهم.\n-وفي باب القدر والإرادة بين بدعة القدرية نفاة القدر، وماقابلها من بدعة الجبرية الغلاة في إثباته.\n-وفي باب الصحابة والإمامة بين بدعة الخوارج النواصب وما قابلهم من بدعة الروافض.\nوالحق في كل هو الوسط بين تلك البدع!\nومسائل الإيمان من ذلك، وقد اندرج تحتها عدة مسائل ومباحث بعضها يكون غرة عن بعض.\nوأستعين الله بعرض بعض من مسائله المهمة، فبالله التوفيق، ومنه العون والتسديد، وهو حسبي ونعم الوكيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>مسألة تعريف الإيمان ومسماه:</span>\nوهذه المسألة هي الأساس الذي ينبني عليه الخلاف وثمراته في مسائل الإيمان.\nواختُلف فيما يقع عليه اسم الإيمان، وما يُراد به اختلافًا كثيرًا (١)، أعرض هاهنا لمجمل الأقوال في المسألة التي لها شهرة، وينبني عليها فهم أهلها واعتقادهم بالمراد بالإيمان.\n١ـ قول عامة أهل السنة وأهل الحديث:\n... أن الإيمان إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان.\n٢ـ قول الوعيدية من الخوارج والمعتزلة:\n... أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، والعمل شرط في الإيمان يوجد بوجوده، ويعدم بعدمه. فهم وافقوا أهل السنة في مسمى الإيمان لفظًا، وخالفوهم في حقيقته ومعناه، فجعلوا الإيمان يزول بزوال العمل مطلقًا من غير تفصيل في نوع العمل؟!\n٣ـ قول المرجئة، وهم في هذه المسألة طوائف كثيرة أشهرهم:\n_________\n(١) ينظر في هذه الأقوال المقالات للأشعري ١/١٢٥، ١٤٩، ٢٠٤، ٢٢٣، ٣٢٩، وتبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي ٢/٧٨٩ وما بعدها، والفرقان بين الحق والباطل ضمن المجموع ١٣/٤٧-٥١، والإيمان الكبير لابن تيمية ٧٢، والإيمان الأوسط له ٥٠٩-٥١١،٥٤٣-٥٥٠، وشرح الطحاوية ٤٥٩ وما بعدها.","vol":"1","page":8},{"text":"أـ المرجئة المحضة وهم الجهمية ومن وافقهم من القدرية وغيرهم: والإيمان عندهم هو المعرفة بالله، والكفر الجهل به، وفساد هذا القول بيِّن ظاهر جدًا.\nب - قول جمهور الأشاعرة:\n... ... بأن لإيمان هو تصديق القلب فقط.\n... ... وربما جنح متكلموهم فيه إلى قول الجهمية بأنه معرفة القلب.\nج- المرجئة الكرَّامية وهو قول ابن كلاب والرقاشي؛ بأن الإيمان تصديق القلب، أما الإقرار باللسان فحسب. ومن لوازمه الباطلة اعتبار المنافقين مؤمنين؟!\nد- قول الماتريدية ورواية عن أبي حنيفة: بأن الإيمان تصديق القلب، أما الإقرار باللسان فركن زائد فيه ليس بأصلي، حيث يسقط بالإكراه ونحوه.\nهـ-قول مرجئة الفقهاء، هو قول الشمرية والنجارية والغيلانية من طوائف المرجئة، بأن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان.\nالأصل الجامع للنزاع في المسألة:\nهذا وقد استقرأ الشيخ أبو العباس ابن تيمية هذا الأصل الجامع للنزاع في الإيمان من خلال سبره لأقوال الطوائف في الإيمان وتمحيصه لحقائقها، وهو المطلع على أقوال أهل المقالات اطلاعًا لم يُعرف له نظير.\nوهذه الأصول هي في الواقع قواعد قعَّدها –﵀- في مواقف تلك الطوائف من دلائل الوحي في مسألة الإيمان، وأجوبتهم عليها.\nوهي:\n* الأصل الأول:\nقال ﵀ في الإيمان الأوسط: «وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه.","vol":"1","page":9},{"text":"فلم يقولوا بذهاب بعض وبقاء بعض، كما قال النبي ﷺ: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان» .اهـ (١) .\n* الأصل الثاني:\nما ضمَّنه شرحه للأصفهانية حيث قال:\n«وأصل هؤلاء أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مُستحقًا للثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والحمد والذم. بل إما لهذا وإما لهذا، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها..» اهـ (٢) .\nوهذا هو معنى أن يجتمع في العبد: إيمان وكفر، وإسلام ونفاق، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية.. وهو الحق الذي دلت عليه نصوص الإيمان من الكتاب والسنة.\n* الأصل الثالث:\nما ذكره العلماء﵏- من طريقة أهل البدع في تلقي النصوص والشريفة «الوحي» سواء كانوا من الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، أو من المرجئة على تنوع مراتبهم وأصنافهم، فهم لا يجمعون بين نصوص الوعد والوعيد؛ بل إنهم – في استدلالهم، ينفردون فيهما بما يؤيد مذاهبهم.\nأ-فالوعيدية يستدلون بنصوص الوعيد، ويهملون نصوص الوعد، أو لا يجمعونها مع نصوص الوعيد في التلقي والاستدلال.\nب-وكذلك المرجئة يعوّلون على نصوص الوعد، دون اعتبار للنصوص الواردة في الوعيد، وجمعها في التلقي والاستدلال مع نصوص الوعد. فكلاهما آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.\nأما أهل السنة والجماعة فآمنوا بالكتاب كله، وعولَّوا على النصوص جميعها، فنظروا إلى نصوص الوعيد مع نصوص الوعد، فلم يضطربوا ولم يفرقوا بين المتماثلات وإنما كانوا الأمة الوسط، وأسعد الفريقين بالمذهب الحق.\n* الأصل الرابع:\n_________\n(١) انظره في المجموع (٧/٥١٠)، وانظر ما بعده، وشرح حديث «إنما الأعمال بالنيات» في المجموع (١٨/٢٧٠، ٢٧٦)، والإيمان الكبير (٢٠٩-٢١١)، والفرقان بين الحق والباطل في المجموع ١٣/٤٨-٥٠، وشرح الأصفهانية (١٤٣-١٤٤)، والحديث مخرج في الصحيحين.\n(٢) في شرح الأصفهانية (١٣٧-١٣٨)، وانظر الفرقان بين الحق والباطل (١٣-٤٨) .","vol":"1","page":10},{"text":"أن الإيمان وكذا الكفر، كل منهما خصالٌ وشعبٌ عديدة، ومراتب متعددة، فمن الإيمان شعب إذا زالت زال الإيمان كله كالصدق في الحديث والحياء. وكذلك الكفر منه شعب إذا وقعت وقع الكفر الأكبر كالاستهزاء والسب لله ولدينه ولرسوله، ومنه شعب إذا وقعت لم يقع الكفر الأكبر المخرج عن الملة، كسب المسلم وقتاله والنياحة وغير ذلك، وإنما يكون مقترفها واقعًا في الكفر الأصغر، وهو الكفر العملي، وهو لا يخرج من الملة (١) .\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>بيان فساد أقوال الطوائف إجمالًا: </span>...\nوهي الأقوال التي خالفت قول عامة أهل الحديث، أهل السنة والجماعة، إذ التفصيل ليس هذا مقامه، ولا لمثلي بيانه. لأنه يعتمد على عرض شبه كلٍ على حده، وتناولها بالبيان والجواب، وقد أفلح فيه الشيخ ابن تيمية في كتابيه الإيمان الكبير والأوسط، بما أظنه لو تأمله مريد الحق بعمدته لاكتفى به!\nونقد الأقوال إجمالًا يسلمني من مناهج المتكلمين في عرضهم المجرد لمقالات الطوائف دون تعقيب أو توضيح للصواب من ضده.\nفأما قول الوعيدية: فقد خالف إجماع الصحابة، وخالف النصوص في الوحيين الشريفين؛ التي دلت على نفع الشفاعة لأصحاب الكبائر وإخراج الموحدين من النار، وعدم خلودهم فيها.\nأ- من نحو قوله ﷺ: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن أنس وجابر بن عبد الله ﵃.\n_________\n(١) انظر اقتضاء الصراط المستقيم (١/٢٣٧)، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/٥١٦-٥٢٠)، وكتاب الصلاة لابن القيم (٥٤-٦١)، والرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (٢٧/٢٩)، وأعلام السنة المنشورة للحافظ الحكمي (٧٣-٧٥) وغيرها كثير!","vol":"1","page":11},{"text":"ب- وقوله ﷺ: يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» متفق عليه من حديث أنس ﵁» (١) .\nج- كيف وقد وعد سبحانه أن يغفر لمن شاء ممن لم يشرك به شيئًا كما في آيتي النساء ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ماَدُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء:٤٨] .\nد-وأيضا الهدي النبوي في أصحاب المعاصي والكبائر الذين اقترفوها في عهده ﷺ حيث لم يُنقل عنه ﷺ أنه أمرهم بتجديد إيمانهم أو الدخول في الدين من جديد، لو كانوا فارقوه كما يقول هؤلاء؟\nهـ-أن هؤلاء محجوجون بأنه ليس أحد إلا ويخطئ أو يترك أمرًا واجبًا عليه من أوامر الدين ونواهيه، فيلزم على قولهم أنه لم يبق على الإيمان أحد.\nلأن الإيمان بهذا القيد عندهم، وهو كل لا يتجزأ ليس إلا الإيمان المطلق؟ ومن يدعيه؟!\nوقول المرجئة المحضة بيِّنُ الفسادِ، لما يلزمه من اللوازم القبيحة الباطلة:\nأ- فإن أبا لهب وأبا جهل يعرفان ربهما ويوحِّدانه في الربوبية ولا يجهلانه ومع هذا فهما من أهل النار ولا شك.\nوكذا عامة من لم يؤمن بالرسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمجوس ونحوهم.\nب- أن أبا طالب عم النبي ﷺ شهد بأن دين محمد من خير أديان البرية دينًا وكان عارفًا بربه، غير جاهل به، وهو كافر من أهل النار. وكذا أبوه عبد المطلب!\n_________\n(١) الأحاديث التي أغفل تخريجها هنا يعني أنه سيأتي تخريجها في التعليق على الكتاب المحقق «الرسالة الواضحة» بحول ربي وقوته.","vol":"1","page":12},{"text":"ج- ومن لوازم قولهم الفاسد أن فرعون الجاحد لربوبية الله ظاهرًا مؤمن كامل الإيمان لأنه عارف بالله في قلبه غير جاهل به، لقول أصدق القائلين سبحانه في آخر سورة الإسراء ﴿قاَلَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَضَآئَّرَ وَإِنِّى لأَظَنُّكَ يَا فِرْعَوْنَ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وقوله في أول سورة النمل ﴿وَجَحَدُوا بِهاَ وَاسْتَيْقَنَتْها أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًاّ فَانظُرْ كَيْفَ كاَنَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤] .\nد- كما أن من أقبح لوازمه أن إبليس – أعاذنا الله منه- عند هؤلاء الجهمية مؤمن بالله، لأنه عارف له بقلبه غير جاهل به.\nهـ- ومن لوازم قولهم أنه لا يكفر إلا الجاهل بربه، والحقيقة أنه لا أجهل من جهم وأضرابه بربهم حيث جعل لله الوجود المطلق، وعطَّله من جميع الصفات، ومن كان كذلك فلا يعرف إلا في الذهن فقط ولا وجود له في الخارج.\nفمن أجهل بربه منه؟ سبحان الله وتعالى عما يصفون!\n٣- من لوازم بطلان مذهب الكرَّامية وأضرابهم بأن الإيمان هو النطق باللسان فقط!\nأ- فإن المنافقين الذين كفَّرهم الله وكذَّبهم وجعلهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار. فقال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ المْناَفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا ً﴾ [النساء:١٤٥] .\nوفي أول سورة المنافقون: ﴿إِذَا جَآءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ١-٣] .","vol":"1","page":13},{"text":"وكذا كل من أبطن في قلبه كفرًا أو ناقضًا من نواقض الدين يكون عندهم مؤمنًا مادام مُقرًا بلسانه (١) .\nب- بل من جمع بين الكفر الاعتقادي والعملي أو النفاق الاعتقادي والعملي أو كلها يكون مؤمنًا ما بقي مقرًا بالإيمان باللسان!\nج- كما يلزم من ذلك- عندهم- أن من لا يستطيع النطق بلسانه لخرس أو عجز من خوف أو نحوه لا يكون مؤمنًا ولو كان قلبه وعمله مطمئنًا بالإيمان.\nد- مناقضة هذا القول لقوله تعالى في آخر النحل: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ ولَهُمْ عَذاَبٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُم اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْياَ عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهًُمْ فِى الأَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٦-١٠٩] .\n٤- قول جمهور الأشاعرة والماتريدين ونحوهم بأن الإيمان هو تصديق القلب) قول فاسد؛ لعدة اعتبارات منها:\n_________\n(١) فإن المرجئة سلَّموا أن المكذب في الباطن، المصدق في الظاهر مؤمن، لكنه مُعذب مخلد في النار، فنازعوا في اسمه لا في حكمه، ومن حكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة فهو غلط عليهم، ومع هذا فتسميتهم له مؤمنًا بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهذه البدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم. ذكره أبو العباس ابن تيمية في الإيمان الأوسط (٧/٤٧٥-٤٧٦) .","vol":"1","page":14},{"text":"أ-ما ورد تسميته إيمان من الأعمال والأقوال في النصوص الشرعية، كقوله تعالى في سورة السجدة: ﴿إِنَّماَ يُؤْمِنُ بِئَايَتِناَ الَّذِّينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] .\nوفي سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونُ الَّذِينَءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدَوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفًسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] .\nوقوله عن المؤمنين والمنافقين في التوبة: ﴿لاَ يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٤-٤٥] .\nولما رواه مسلم عن النبي ﷺ أنه قال «من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا» (١) .\nفنصَّ على أن الإتيان بهذه الأعمال من الإيمان، ويُعلم أن تركها نقص في الإيمان ونفيٌّ لكماله الواجب، وصاحبها مستحق للبراءة منه (٢) . مع وجود التصديق عندهما في قلبيهما.\n_________\n(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان- باب قوله ﷺ: (من غشنا فليس منا» (١٠١) .\n(٢) ولذا فإن أضبط حدٍّ للكبيرة: أنها كل ذنب تُوعِّد عليه بالحدِّ في الدنيا والغضب أو اللعنة أو النار، أو البراءة من صاحبه، أو نفي الإيمان عنه. كما اختاره المحققون.","vol":"1","page":15},{"text":"كما روى مسلم أيضًا في حديث أنواع المجاهدة أن النبي ﷺ قال: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» . فسمَّى النبي ﷺ عمل القلب واللسان والجوارح إيمانًا.\nب-يلزم عليه أن كل من لم ينطق بالشهادتين وهو مَصَّدق بقلبه بصدق الرسول وصحة دينه فهو مؤمن: كأبي طالب وأهل الكتاب من اليهود والنصارى ... مع الاتفاق على كفرهم، وأنهم من أهل النار خالدين فيها.\nج-كما يلزم عليه من الباطل أن من صدَّق بقلبه بالله ورسله.. ثم لم يصلِّ، ولم يصم، ولم يحج، أو لم يزكِّ سواءً جاحدًا أو متعمدًا من غير جحود.. أنه المؤمن الكامل؛ لبقاء التصديق بقلبه.\nد-وكذلك يلزم عليه أن من صدق بقلبه ثم أتى ناقضًا من نواقض الإسلام من السحر أو الشرك أو الاستهزاء بالدين.. أنه مؤمن، لبقاء أصل التصديق بالله في قلبه وهذه من أفسد اللوازم على قولهم.\n٥- أما قول مرجئة الفقهاء وأمثالهم فيستدل عليهم بفساد قولهم:\nأ-بالأدلة الدالة على دخول الأعمال في الإيمان وهي كثيرة جدًا مضى طرف منها.\nب-يلزم عليه أيضاَ أن من ترك فرضًا أو واجبًا في الدين من الأعمال أنه لا يخرج عن الإيمان، كمن امتنع عن الزكاة عمدًا، وهو ما أجمع الصحابة ﵃ على قتالهم، كما فعلوا مع المرتدين من العرب. وهم عند هؤلاء معهم التصديق والإقرار؟!\nج-كذلك من أقرَّ بلسانه وصدَّق بقلبه، لكن فعل ناقضًا كذبح لغير الله، أو سجود أو سحر، أنه مؤمن ليس بكافر؟\nد-كذلك يُردُّ عليهم بالنصوص التي نفت الإيمان عمن ارتكب بعض الكبائر – وهي النصوص التي يستدل بها الوعيدية على خروج هؤلاء من الإيمان مثل:","vol":"1","page":16},{"text":"قوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف فيرفع الناس إليه فيها بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» الحديث متفق عليه عن أبي هريرة (١) ﵁.\nوأمثاله من نصوص نفي الإيمان «الكامل» عن بعض الأعمال من الكبائر كالغلول، وامتهان الجار، وإهانة الكبير..\n... هـ-ثبوت التصديق للجوارح في قوله ﷺ: «إن الله كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدركٌ ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجْل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويَصَّدق ذلك الفرج ويكذبه» متفق عليه من حديث أبي هريرة وهذا لفظ مسلم (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>معنى الإيمان لغة:</span>\nذهب كثير من المتكلمين وغيرهم؛ بل هو العُمدة عند جماهير المرجئة أن الإيمان في مفهوم اللغة العربية هو مجرد التصديق، استدلالًا بقوله تعالى في أول سورة يوسف: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّناَ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] .\n* الصواب: أن معنى الإيمان في اللغة ليس مرادفًا للتصديق، بل التصديق وزيادة، من الإقرار والإذعان والتسليم ونحوها، لعدة اعتبارات.\nأن معنى الآية في الحقيقة: ما أنت بمُقرٌّ لنا ولا تطمئن إلى قولنا ولا تثق به ولا تتأكد منه ولو كناَّ صادقين، فإنهم لو كانوا كذلك فصدقهم، لكنه لم يتأكد ولم يطمئن إلى قولهم. وهذه بلاغة في اللغة.\n_________\n(١) رواه البخاري موصولًا في كتاب المظالم – باب النهي بغير إذن صاحبه (٢٤٧٥)، ومسلم في كتاب الإيمان (٧٥) .\n(٢) رواه البخاري موصولًا في مواضع منها الاستئذان – باب زنا الجوارح دون الفرج (٦٣٤٣)، ومسلم في كتاب القدر – باب قُدِّر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره (٢٦٧٥) .","vol":"1","page":17},{"text":"أن لفظة الإيمان يقابلها الكفر، وهو ليس التكذيب فقط بل قدر زائد عليه، وإنما الكذب يقابل لفظة التصديق.\nفلما كان الكفر في اللغة ليس مقصورًا على التكذيب، فكذلك ما يقابل الكفر وهو الإيمان لا يقابل التصديق، وليس مقصورًا عليه.\nأن لفظ الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار المشاهدة وغيرها، وإنما يُستعمل في الأمور الغائبة مما يدخلها الريب والشك، فإذا أقر بها المستمع قيل آمن، بخلاف التصديق، فإنه يتناول الإخبار عن الغائب والشاهد، وإخوة يوسف أخبروا أباهم عن غائب غير مشاهد فصح أن الإيمان أخص من التصديق.\nأن لفظ الإيمان تكرر في الكتاب والسنة كثيرًاَ جدًا، وهو أصل الدين الذي لا بد لكل مسلم من معرفته، فلابد أن يؤخذ معناه من جميع موارده التي ورد فيها في الوحيين لا من آية واحدة؛ الاحتمالُ مُتطرق إلى دلالتها!\nأن الإيمان مخالف للتصديق في الاستعمال اللغوي وفي المعنى:\nفأما اللغة فقد مضت في الجواب الثالث؛ فالاستعمال اللغوي للإيمان يُتعدى فيه إلى المُخبِر باللام وإلى المُخبَر عنه بالباء كقوله تعالى: ﴿فَئَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ .\nأما المعنى: فإن الإيمان مأخوذ من الأمن وهو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قرَّ يَقُر، وهو قريب من آمن يأمن.\nوأما الصدق فهو عدم الكذب، ولا يلزم أن يوافقه طمأنينة إلا إذا كان المُخبر الصادق يُطمئن إلى خبره وحاله.","vol":"1","page":18},{"text":"أن لفظ الإيمان يتعدى إلى غيره باللام دائمًا نحو قوله تعالى: ﴿فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، وقول فرعون في الشعراء: ﴿ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ [الشعراء:٤٩﴾، وقوله تعالى في يونس: ﴿فَمَآءَامَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ [يونس:٨٣]، وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٧] . وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١]، وآيات عديدة. أما لفظ التصديق وصدق ليصدق فإنه يتعدى بنفسه نحو: قوله تعالى في الصافات: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِناَّ كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَْ﴾ [الصافات:١٠٥] . وفي أولها: ﴿بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧] . وفي سورة الزمر: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤] فكلها بمقابل الكذب.\nلو فرضنا أن معنى الإيمان لغة التصديق، لوجب أن لا يختص بالقلب فقط بل يكون تصديقًا باللسان، وتصديقًا بالجوارح كما في حديث أبي هريرة ﵁ السابق «العينان تزنيان..» الحديث.\nكذلك لو قلنا: إن الإيمان أصله التصديق، فإنه تصديق مخصوص، كما أن الصلاة دعاء مخصوص، والصوم إمساك مخصوص يتبيَّن بالمعنى الشرعي حيث يكون للتصديق لوازم شرعية دخلت في مسماه (١) .\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>العلاقة بين الإسلام والإيمان:</span>\nأي هل الإسلام هو الإيمان؟ وهل الإيمان هو الإسلام؟ أو غيره. فهذا مما افترقت فيه الطوائف، كافتراقهم في مسمى الإيمان.\n_________\n(١) هذه الأوجه وغيرها بسطها أبو العباس ابن تيمية في مواضع من كتبه: في الإيمان الأوسط (٧/٥٢٩-٥٣٦)، وشرك الأصفهانية (١٤٢-١٤٣)، والمجموع (١٠/٢٦٩-٢٧٦)، والإيمان الكبير (١٢٦-١٣٤، ٢٧٤-٢٨١) .","vol":"1","page":19},{"text":"فقالت الوعيدية: إن الإسلام هو الإيمان والعكس صحيح (١) .\nوقيل: الإسلام هو الكلمة أي كلمة التوحيد بالشهادتين. والإيمان هو العمل.\nوهذان القولان لهما وجه صحيح يتضح عند التحقيق في معناهما.\nوذهب الأشاعرة إلى أن الإيمان خصلة من خصال الإسلام، بأن كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا (٢) .\nوهذا القول فيه حق وباطل يتضح إن شاء الله.\nوالقول الصواب الذي عليه أهل التحقيق القول بالتفصيل، وهو إجمالًا: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا. وإذا افترقا اجتمعا.\nومعناه:\n* أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا في نص واحد من كتاب أو سنة فإن لكل واحد منهما معنىّ يختص به.\nفالإسلام: الأعمال الظاهرة ومنها الشهادتان والصلاة..\nوالإيمان: الأعمال الباطنة من الاعتقادات كالتوكل والخوف والمحبة والرغبة والرهبة... وغيرها.\nوقد دل على هذا دلائل كثيرة منها اكتفاءً واختصارًا:\nقوله تعالي في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قَولَوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِىقُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] فاجتمعا في نص واحد، ونفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام؛ فدل على افتراقهما أنهم مسلمون لكن لم يبلغوا أن يكونوا مؤمنين.\n-وحديث جبريل ﵇ المشهور وفيه ذَكَر الإسلامَ: بالأركان الخمسة، والإيمان: بالأصول الستة.\nفإنهما اجتمعا في نص واحد، أجاب النبي ﷺ لكلٍ بمعنى غير الآخر؛ فدل على افتراقهما.\n_________\n(١) كما في الإيمان الكبير (٢٢٩،١٣٤٦)، وجامع العلوم لابن رجب (٢٦) وما بعدها وهو لازم قولهم في مسمى الإيمان عند التأمل! وهو لازم قول الكرامية والمرجئة المحضة..!\n(٢) وهو قول أبي بكر الباقلاني نقله عنه بلفظه شيخ الإسلام في الإيمان الكبير (١٤٧) وما بعدها وقال قبله: «فصل: قال الذين نصروا مذهب جهم في الإيمان من المتأخرين كالقاضي أبي بكر وهذا لفظه..» اهـ، فذكره.","vol":"1","page":20},{"text":"وأركان الإسلام الخمسة أعمال ظاهرة، وأصول الإيمان الستة أعمال باطنة، ولا بد منهما جميعًا.\n-وحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «أعطى رسول الله ﷺ رهطًا وسعد جالسٌ، فترك رجلًا هو أعجبهم إليَّ، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا. فقال: «أو مسلمًا» مالك عن فلان، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: مثل ذلك وأجابني بمثله، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد ﷺ ثم قال: «يا سعد إني لأُعطي الرجل، وغيره أحب إليَّ منه، خشية أن يكبه الله في النار» متفق عليه واللفظ للبخاري (١) .\nووجه الدلالة كما في دلالة آية الحجرات، بتفريقه ﷺ بين المؤمن والمسلم في نص واحد، مما يدل أن لكل منهما معنى يختص به.\n-ويدل على هذا الفرق الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وغيره: «ثنا بهز بن حكيم ثنا علي بن مسعدة ثنا قتادة عن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول: «التقوى ههنا، التقوى ههنا» (٢)\n_________\n(١) رواه البخاري موصولًا في كتاب الإيمان – باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.. (٢٧)، ومسلم في الإيمان أيضًا – باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه (١٥٠) .\n(٢) أخرجه في الإيمان أحمد في المسند (٣/١٣٤-١٣٥)، وأخرجه البزار وأبو يعلى قال في المجمع ١/٥٢: «رواه أحمد وأبو يعلى بتمامه والبزار باختصار ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة وقد وثقه ابن حبان وأبوداود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون» اهـ.\n\nوأخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/١١١) من طريق ابن مسعدة به، وكذا العقيلي في الضعفاء (٢/٢٥٠)، وانظره في تفسير ابن كثير (٧/٣٥٢) (الشعب)، والمطالب العالية (٢٨٦١)، والدر المنثور (٦/١٠)، وعزاه فيه أيضًا لابن مردويه، وأورده الحافظ ابن رجب في الجامع محتجًا به، وعلته ابن مسعدة.\nوابن مسعدة هو: علي الباهلي أبو حبيب البصري، مختلف فيه، وسبق من عدَّله وممن جرحه البخاري وقال: فيه نظر، ولذا تبعه العقيلي فأورده في الضعفاء، وضعفه النسائي وأبوداود وابن عدي في الكامل وقال: أحاديثه غير محفوظة.\nولذا قال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام من السابعة، وقد روى له البخاري في الأدب الترمذي وابن ماجه\nوأورد صاحب تهذيب الكمال وتهذيبه هذا الحديث في ترجمته، كما فعل الذهبي في الميزان، وانظره في التاريخ الكبير (٦/٢٩٤)، والميزان (٣/١٥٦)، والتهذيب (٣/١٩٢) (الرسالة)، والجرح والتعديل (٦/٢٠٤) .\nولا شك أن معنى الحديث صحيح ثابت في الصحيحين وغيره مما يشهد لهذا الحديث ويقوي جانب ثبوته.","vol":"1","page":21},{"text":"ومن هنا قال الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم:\n«قال المحققون من العلماء: كل مؤمن مسلم، فإن من حقَّق الإيمان، ورسخ في قلبه، قام بأعمال الإسلام، كما قال ﷺ «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح بالأعمال.\nوليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحقيقًا تامًا، مع عمل جوارحه أعمال الإسلام فيكون مسلمًا، وليس بمؤمن الإيمان التام» اهـ (١) .\n*ومعنى افتراقهما: أن يأتي أحدهما في نص دون الآخر، فعندئذٍ يكون أحدهما بمعنى الآخر، فالإسلام هو الإيمان والعكس صحيح.\nولهذا أدلة كثيرة في الوحيين:\n-منها قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الأَخِرَةَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .\n-وفي أولها قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران:١٩] .\nفاقتضينا أن الدين عند الله الإيمان، ومن يبتغ غير الإيمان دينًا فلن يقبل منه.\n-ومنه قوله تعالى في خطابه للمؤمنين في آيات كثيرة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] فإن الخطاب أيضاَ متوجه للذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، مما يدل على تناول أحدهما الآخر عند الانفراد.\n-وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» متفق عليه واللفظ للبخاري (٢) وفي لفظ آخر لهما «الإيمان بضع وسبعون» .\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الثاني: حديث جبريل المشهور (٢٨)، وانظر منهج الحافظ ابن رجب (٤٢٨) وما بعدها.\n(٢) أخرجه البخاري موصولًا في كتاب الإيمان – باب أمور الإيمان (٩)، ومسلم في الإيمان أيضًا – باب بيان شعب الإيمان وأفضلها وأدناها (٣٥) .","vol":"1","page":22},{"text":"فإن الإيمان هنا متناول للإسلام لاشتماله على الصلاة والصيام والحج والزكاة.\n-ولما في الصحيحين – واللفظ للبخاري- من حديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه إليه ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١) .\n-وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» رواه البخاري (٢) .\nففى كلا الحديثين المسلم يشمل المؤمن، مما يدل على أنهما بمعنى واحد عند الاجتماع.\n-ومن أصرح الأدلة من السنة على كون افتراقهما يُصِّيرُ معناهما واحدًا حديث وفد عبد القيس، المتفق على صحته من حديث أبي هريرة ﵁، أنهم جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة؟ فقال ﷺ: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: «تشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» الحديث (٣) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري موصولًا في الإيمان – باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (١٠)، ومسلم في الإيمان أيضًا – باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل (٤٠) .\n(٢) رواه البخاري وهذا لفظه متصلًا في كتاب الإيمان – باب من الدين الفرار من الفتن (١٩) .\n(٣) الحديث أخرجه بطوله البخاري في أحد عشر موضعًا في صحيحه كلها متصلة هذا أولها في كتاب الإيمان – باب أداء الخمس من الإيمان (٥٣) وهذا لفظه، وأخرجه مسلم في الإيمان أيضًا – باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وشرائع الدين (١٧) .","vol":"1","page":23},{"text":"فإن النبي ﷺ أخبرهم في الحديث – في هذا الحال المهم، والسؤال الأهم – عن الإيمان بأركان الإسلام، فدل على أنهما بمعنى واحد، مما يفيد أن أحدهما يغني عن الآخر عند الإفتراق.\nوفي الباب أحاديث غير هذه كثيرة جدًا تدل على هذا المقصد، وفيما نقلت الكفاية إن شاء الله (١) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>زيادة الإيمان ونقصانه:</span>\nوالبحث فيهما فرع عما سبق من أصل الاختلاف في الإيمان من كونه شيئًا واحدًا لا يتجزأ بأن يذهب بعضه وكذا باجتماع الثواب والعقاب، والحسنة والسيئة في العبد الواحد.\nفإن الحق الواجب اعتقاده والإيمان به، أن الإيمان يزيد بالإخلاص والطاعات والمسارعة إلى رضوان الله، وتقديم مرضاته وتتبع محابَّه حتى يَستكمل الإيمان في العبد.\nوكذا عكسه بأن الإيمان ينقص ويقل كلما ارتكب العبد المحرمات واقترف المنهيات، وفرغ قلبه من تحقيق معاني الألوهية ومعاني أسماء الله وصفاته، وأمره وشرعه حتى يزول الإيمان بالكلية، فتستحكم الشهوات والشبهات عليه؛ فيكون القلب عندئذ أسودَ لا بياض فيه.\nيدل على ذلك الأدلة الشرعية والواقع المشاهد.\nوذلك أن المؤمن المتقي لله، إنما يتقيه ويؤمن به لقوة الوازع الديني في قلبه.\nوالعاصي – وهو فاعل الذنب الصغير-، والفاسق – وهو فاعل الكبيرة – لا يعصي ربه إلا بعد ضعف وازع الدين في قلبه!\nومن فضل الله علينا وعلى الناس تكامل دلالة الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة، والآثار السلفية عن الصحابة ومن بعدهم في تأكيد هذه المسألة، وهذا طرف من ذلك.\n\nالأدلة من القرآن على زيادة الإيمان ونقصانه:\nفمن ذلك:\n_________\n(١) ومثل الإسلام والإيمان، مثل البر والتقوى، والفسوق والعصيان، والفقير والمسكين، والإثم والعدوان، والكفر والنفاق، والتوبة والاستغفار، وهكذا كل لفظتين شرعيتين بينهما اشتراك في العموم والخصوص.. والله أعلم.","vol":"1","page":24},{"text":"قوله تعالى في أول الأنفال: ﴿إِنَمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] .\nوقوله سبحانه في أواخر آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .\nوفي آخر التوبة: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيماَنًا فَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يًسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥] .\nفالمؤمنون يزدادون إيمانًا بنزول القرآن والمنافقون يزدادون كفرًا ورجسًا وينقص إيمانهم إن كان بقي منه شيء قبل نزوله!\nوفي سورة الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانَا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] .\nوفي أول الفتح: ﴿هُوُ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيماَنًا مَّعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح:٤] .\nوفي سورة المدثر: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَءَامَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] .\nوكما يزيد الإيمان – كما رأينا فيما مضى من نصوص، فإنه يزيد بزيادة أفراده كالخشوع كما في آية السجدة من الإسراء: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩] .","vol":"1","page":25},{"text":"وزيادة الهدى والهداية كما في قوله في سورة مريم: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هدًى﴾ [مريم:٧٦] .\nوفي سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] .\nوقوله عن الفتية أصحاب الكهفِ: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ﴾ [الكهف:١٣] .\nفما زاد شيء إلا نقص، بدليل كونه قبل الزيادة أنقص منه بعدها.\nوكما أن الكفر يزيد كما في قوله تعالى في آيتي المائدة: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة:٦٤] . ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيِرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة:٦٨] .\nوقوله في الإسراء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلاَّ فِتْنةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياَنًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠] .\nوفي آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثًمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران:٩٠] .\nوفي النساء: ﴿إِنَ الَّذِينَءَامَنُوا ثُمَّ كّفَرُوا﴾ [النساء:١٣٧] .\nفكذلك الإيمان يزيد حتى يبلغ أعلى درجاته، والكفر يزيد حتى يسفل إلى أدنى دركاته.\nأيضًا مما يدل على زيادة الإيمان عند أهله تفاضلهم فيه، بكون بعضهم أفضل من بعض.\nكما قال سبحانه عن الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبيِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥] .","vol":"1","page":26},{"text":"وفي البقرة: ﴿تَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوحِ الْقُدُسْ﴾ [البقرة:٢٥٣] .\nوفي الإسراء: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١] .\nوفاضل سبحانه بين الصحابة في آية الحديد: ﴿لاَيَسْتَوْي مْنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاَتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذينَ أَنفَقَوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] .\nوفاضل بين المجاهدين وغيرهم في سورة النساء: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَعْفِرَةً وَرَحْمَةَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:٩٥-٩٦] .\nومن ذلك قوله: ﴿الَّذِينَءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةَ عِندَ اللهِ وَأولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة:٢٠] .\nوفاضل بين درجات العلماء أهل الإيمان بقوله في سورة المجادلة: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١] .","vol":"1","page":27},{"text":"ومايز سبحانه بين أهل الطاعة والمعصية بقوله في سورة الجاثية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، وفي سورة الواقعة ذكر أصحاب اليمين، ثم أصحاب الشمال، ثم السابقين. وكل هذه المفاضلات للتمايز في زيادة الإيمان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الأدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه:</span>\nفهي أيضًا متنوعة:\n١-فمنها ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينهب نُهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» وهذا لفظ مسلم.\nفنفى عنه كمال الإيمان الواجب بفعل هذه الكبائر، مما دل على نقص الإيمان بفعلها.\nوهكذا كل ما ورد من نفي كمال الإيمان الواجب أو المستحب تدل على زيادته، ومن ثمَّ نقصانه!\n٢-ومنها ما عقده البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان بابًا في تفاضل أهل الإيمان بالأعمال وذكر فيه:\nحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول ﷿: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان..» الحديث متفق عليه.\nمما يدل على أنه أنقص المؤمنين إيمانًا، ولو كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص لاستحق أهله كلهم الجنة، وبدرجات متساوية!\n٣-وحديث أبي سعيد ﵁ أيضًا أن النبي ﷺ قال: «بينا أنا نائم، رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين» متفق عليه.\nورؤيا الأنبياء حق، فدل على زيادة الإيمان في أقوام، ونقصانه في آخرين.","vol":"1","page":28},{"text":"٤-حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر وأبي هريرة ﵃، أن النبي ﷺ قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن، قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل، قلن: بلى؟ قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم، قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها» وهذا لفظ البخاري (١) .\nفهو وإن كان النقص ليس من فعلهن، لكن من صلى وصام كان أكمل إيمانًا منهن بهذا الاعتبار لصلاته وصيامه، وتأمل الترجمة التي تحت الحديث عند مسلم!\n٥-حديث ابن مسعود ﵁ – عند مسلم في المجاهدة –وفيه: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» . ويفسره ويبين مدلوله حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم (٢) .\nفدل على أن الإيمان لا يزال يضعف بتخلف تلك المراتب وهو النقصان، وتحصيلها هو زيادته.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في مواضع متصلًا أولها في كتاب الحيض- باب ترك الحائض الصوم (٢٩٨)، ومسلم في الإيمان – باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات (٧٩، ٨٠) .\n(٢) رواهما في كتاب الإيمان- باب كون النهي عن المنكر من الإيمان (٤٩،٥٠) .","vol":"1","page":29},{"text":"٦-ومثله حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (١) .\n٧-ومثله حديث أبي هريرة وغيره ﵃ مرفوعًا: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا» رواه أحمد وأهل السنن.\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>الآثار السلفية عن الصحابة ومن بعدهم </span>في زيادة الإيمان ونقصانه:\nوهي كثيرة جدًا ضمَّنها الأئمة في مصنفاتهم في الإيمان فمن ذلك:\n١-أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ربما يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: قم بنا نزدد إيمانًا.\n٢-وكان معاذ يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة. أي نزدد إيمانًا، لم يعن أنه كان غير مؤمن قبلها!\n٣-وعن أبي الدرداء ﵁ قال: من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم: أيزداد هو أم ينقص؟\n٤-وأما ابن مسعود ﵁ فكان يقول في دعائه: «اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا» .\n٥-وعبد الله بن رواحة ﵁ كان يأخذ بيد نفر من أصحابه فيقول: «تعالوا فلنؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ولنزدد إيمانًا، تعالوا نذكر الله بطاعته لعل الله يذكرنا بمغفرته» .\n_________\n(١) رواه عنه الإمام أحمد في المسند (٣/٤٣٨، ٤٤٠)، وأبو داود في السنة (٤٦٨١) . وله شاهد عن معاذ بن أنس ﵁ عند الترمذي (٢٥٢١)، والطبراني في الكبير (٢٠/١٨٨)، وعن البراء ﵁ عند أحمد في المسند (٤/٢٨٦)، وابن أبي شيبة في المصنف ١١/٤١ (هندية)، وعن أبي ذر ﵁ عند أحمد في المسند (٥/١٤٦)، وأبي داود (٤٥٩٩) .","vol":"1","page":30},{"text":"٦-وقال عمير بن حبيب الخطمي وغيره من الصحابة: «الإيمان يزيد وينقص، فقيل له وما زيادته ونقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه» (١) . وعنهم في الباب كثير، وعمَّن بعدهم أكثر.\n٧-ولذا روى اللالكائي بسند صحيح عن الإمام البخاري أنه قال: «لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان: قول وعمل ويزيد وينقص» اهـ (٢) .\nولذا نقل ابن عبد البر – في التمهيد – الإجماعَ على ذلك فقال: «أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية. والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان» اهـ (٣) .\nوالمقصود تكاثر القول عن الأوائل في تحقيق زيادة الإيمان ونقصانه وهي من الكثرة بمكان.\nوهذه المسألة أعني مسألة زيادة الإيمان ونقصانه أظهر المسائل التي تبين آثار الاختلاف في الإيمان، وهي المحك الذي يفترق عليه حقيقة قول أهل السنة والجماعة مع مخالفيهم في مسائل الإيمان التي هي بالأسماء والأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أسباب زيادة الإيمان ونقصانه:</span>\nوهي الأسباب التي إذا حصلها العبد وسعى في طلبها وفعلها تقربًا إلى الله زاد إيمانه بذلك، وإن كان على ضدها نقص، ومنها:\n_________\n(١) نقله في الإيمان الأوسط (٧/٥٠٥)، وقال عقبة: «فهذه الألفاظ المأثورة عن جمهورهم» اهـ، ورواه عبد الله بن أحمد في السنة (١/٣١٥) .\n(٢) في شرح أصول السنة ٢/١٧٢ (٣٢٠)، وانظر الفتح (١/٦٠-٦١)، وكلام السلف الصالح – ﵃- منثور في كتب السنة والآثار، وكتاب الإيمان من الإبانة لابن بطة، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي، وكتاب السنة للخلال المتضمن للإيمان للإمام أحمد، والإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام، ولابن أبي شيبة، والآجري في الشريعة، وابن أبي عاصم في السنة وغيرهم، ﵏ وجزاهم خيرًا.\n(٣) من التمهيد له (٩/٢٣٨) .","vol":"1","page":31},{"text":"١-التقرب إلى الله والتعرف إليه بتحقيق التوحيد بألوهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى.\nفإنه ولا شك كلما ازداد بها تحقيقًا ازداد إيمانًا.\n٢-فعل الفرائض والنوافل والإحسان فيها، والإصابة في صفاتها، والمكاثرة والمسارعة والمداومة في ذلك.\n٣-ترك المعاصي والمنهيات تقربًا إلى الله وابتغاء وجهه سبحانه.\n٤-النظر والاعتبار في آيات الله الشرعية، ومنها العلم، وآياته الكونية المورث للعلم والعمل، ولين القلب.\n٥-الإقبال على الدار الآخرة والسعي لها، والزهد في الدنيا والإعراض عن زخرفها بملاحظة ما أعده الله لعباده الصالحين المستكملين للإيمان، وما أعده لإرضائهم.\n٦-التزام السنة النبوية والعض عليها بالنواجذ، ولو مع قلة المعاون علمًا وفهمًا وعملًا ودعوة.\n٧-كثرة سؤال الله والتضرع إليه بالثبات على دينه، حسن العاقبة وسؤاله الهداية وحسن العمل وقبوله والاستزادة من الخير، والانطراح بين يديه لاسيما في الأوقات الفاضلة المستجابة.\nالمخالفون في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه:\nوهم طوائف، ولربما توحد قولهم في هذه المسألة لكن اختلفت بينهم حقيقته، ومنهم:\n١-المرجئة فقالوا الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واعتبروا زيادته في الآيات والأحاديث تجدد أمثاله (١) .\n٢-الوعيدية من الخوارج والمعتزلة: فقالوا الإيمان يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتبعض فنقصه ذهابه كله.\nأما تجويزهم زيادته فمن جهة اختلاف الناس في وجوب التكاليف في وقت وحال دون أخرى (٢) .\n_________\n(١) انظر الإيمان (٢١١-٢٣٤، ٣٨٤، ٣٩٠)، والفرقان بين الحق والباطل (١٣/٥٢) وما بعدها، والإيمان في الأوسط (٧-٥٦٢) وما بعدها.\n(٢) ذكر هذين القولين هاهنا أبو جعفر ابن جرير في التبصير في معالم الدين ١٩٥ وما بعدها، وقول الخوارج قالت به الإباضية كما في جامع البسيوي (١/٢٣٧-٢٣٩)،والمشارق للنور السالمي (١/٣١٢)، وانظر متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/٣١٢) .","vol":"1","page":32},{"text":"والحق كما سبق أن الإيمان يزيد بالطاعات حتى يكتمل، وينقص بالمعاصي والذنوب حتى يزول بالمكفر منها.\n\n* والمروي عن الإمام مالك في زيادة الإيمان ونقصانه:\nوعن غيره من الفقهاء من أتباع التابعين، فإن الإمام مالك في رواية عنه أنه لم يوافق في إطلاق النقصان على الإيمان.\nفإنه في رواية محمد بن القاسم عنه توقف في النقصان ولم يقل به..\nووافقه على ذلك جماعة من الفقهاء، لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن ولم يجدوا ذكر النقص.\nوبعض السلف ﵏ عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل، فقال: أقول الإيمان يتفاضل ويتفاوت.\nويروى هذا عن عبد الله بن المبارك (١)، كما يروى عنه موافقة الجمهور من السلف بالقول بزيادته ونقصانه كما حكاه عنه النووي (٢) .\nهذا وقد وجّه العلماء وأجابوا عن قول الإمام مالك السابق في التوقف بالنقصان بعدة أجوبة منها:\n١-أن لفظ الزيادة ورد في النصوص، دون لفظ النقصان، فلم يقل به.\nوهذا جواب قاله الشيخ ابن تيمية عن مالك ومن وافقه ﵏.\n٢-توقف مالك بالنقصان لئلا يكون شكًا مخرجًا عن اسم الإيمان.\n٣-أو لئلا يتأول القول بالنقصان على قول الخوارج والوعيدية، الذين يكفرون بالمعاصي ويخرجون بها عن الإيمان. وهذان الجوابان حكاهما النووي في شرحه لمسلم.\n٤-ربما كان قوله ذلك قديمًا، رجح عنه بعد ذلك ولاسيما بعد تأمله لحال المرجئة وبدعتهم، لما عُرف عنه بعدُ من ردِّه عليهم، وإنكاره عليهم كما أنكر على حماد بن أبي حنيفة وغيره منهم.\n_________\n(١) ذكره الشيخ أبو العباس ابن تيمية في الإيمان الوسط (٧/٥٠٦-٥٠٧)،وقال معقبًا على قول ابن المبارك: «وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته» اهـ، مما يفيد أن المسألة لفظية لا طائل من النزاع فيها. وقول ابن المبارك: «إن الإيمان قول وعمل ويتفاضل»، رواه عبد الله بن أحمد في السنة (١/٣١٦) .\n(٢) في شرح صحيح مسلم (١/١٤٦) .","vol":"1","page":33},{"text":"٥-وربما هو وَهْمٌ من ناقليه، لما يعرض للمدرس في درسه من التوقف في مسائل، لا لعدم الجواب فيها عنده، وإنما لزيادة تأمل فيها ونظر وبحث، أو لعارض يعرض له في خاطره يسترسل معه.. ونحو ذلك.\n* والقول الراجح عن مالك في ذلك:\nوعلى كل حال فإن الاحتمالات متطرقة للرواية التي توقف فيها مالك عن القول بنقصان الإيمان، وهي رواية محمد بن القاسم.\nكيف وقد روى جمهور أصحابه روايات أخرى صرح فيها الإمام مالك بزيادة الإيمان ونقصانه، كما في رواية عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وعبد الله بن وهب، ومعمر بن عيسى، وعبد الله بن نافع (١) .\nفعلى هذه الروايات الكثيرة عنه العمل، وهي موافقه لما يرد على الأولى من الاحتمال والتأويل؛ لما فيها من ثبوت النقصان في الإيمان عنه ﵀.\nقال شيخ الإسلام في الأوسط: «... وهذه إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه، وهو المشهور عند أصحابه، كقول سائرهم (يعني الأئمة): أنه يزيد وينقص» اهـ (٢) .\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>مسألة الإيمان المطلق ومطلق الإيمان:</span>\nوهي أصل آخر إليه يرجع الاختلاف في هذه المسألة، أعني مسألة الإيمان. فإن من لم يفرق بين الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان لم يتصور اجتماع الثواب والعقاب، والطاعة والمعصية، والحسنة والسيئة، والسنة والبدعة في الشخص الواحد.\n_________\n(١) انظر هذه الروايات في التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٥٢)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (١١٣)، والسنة لعبد الله بن أحمد (٨٧)، والشريعة للآجري (١١٨)،وشرح أصول السنة للالكائي ٥/٩٥٧، وشرح مسلم للنووي (١/١٤٦-١٤٧) .\n(٢) في الإيمان الأوسط ضمن الفتاوى (٧/٥٠٦) .","vol":"1","page":34},{"text":"وفي هذا يقول الشيخ ابن تيمية في «العقيدة الواسطية» عن أهل السنة والجماعة: «ولا يسلبون الفاسق المليَّ اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مَّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كاَنَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مَّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] .\nوقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إَنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذاَ ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم وَإِذاَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا﴾ [الأنفال:٢] .\nوقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» .\nويقولون: «هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرة. فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يُسلب مطلق الاسم» اهـ.\nفإن الإيمان المطلق هو الإيمان الكامل، الذى تناول فعل المأمور واجتناب المحذور والمحظور.\nأما مطلق الإيمان، فهذا يشمل الإيمان الكامل، والإيمان الناقص الذي صاحَبَه ذنبٌ كَبُرَ أو صَغُر دون الكفر أو الشرك النافي لأصل الإيمان، فهو الحد الأدنى من الإيمان، وهو القدر الذي يخلص به من الكفر.\nفمطلق الإيمان، هو ما بقى فيه أصل الإيمان، وثبت لصاحبه اسم الإيمان، وصح نسبة الإيمان إليه ولو لم يكمله.\n* * *\n\nحقيقة الخلاف مع مرجئة الفقهاء:","vol":"1","page":35},{"text":"وهو خلاف أهل السنة والجماعة مع مرجئة الفقهاء الذين قالوا «إن الإيمان قول وتصديق»، فأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان كما هو المشهور عن الإمام أبي حنيفة وحماد بن أبي سليمان وأتباعهما – وهم الذين يقال لهم: مرجئة الفقهاء أو مرجئة الكوفة أو مرجئة العراق.\nفقد ظن بعض العلماء أن النزاع بين جمهور أهل السنة، ومرجئة الفقهاء، اختلاف صوري لفظي، كما ذكره شارح الطحاوية فيها، وقبله أبو حامد الغزالي (١)، وهذا القول فيه وجه حق سيأتي إن شاء الله.\nفي حين يرى البعض أن الاختلاف حقيقي وليس لفظيًا كما قال به الألوسي محمود وعبيد الله المباركفوري (٢) وغيرهما، وهذا أيضًا له وجهه.\n* وقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف ههنا فجمع بين القولين فجعله نزاعًا لفظيًا في كثير من مسائله، وحقيقًا مؤثرًا في بعض منها.\nقال ﵀ في شرح الأصفهانية: «.. وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي، ولم يُعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا، فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة» (٣) .\nوحصر هذا النزاع في موطن آخر بكونه من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد فقال في الإيمان: «.. إنه لم يكفر أحد من السلف مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظيٌّ، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب» اهـ (٤) .\n_________\n(١) انظر شرح الطحاوية في موضعين أكد فيه ابن أبي العز على ذلك (٤٦٢،٤٧٠)، وانظر سير أعلام النبلاء، وتفسير روح المعاني (٩/١٦٧) .\n(٢) في روح المعاني (٩/١٧٦) . ومرقاة المفاتيح للمباركفوري (١/٣٧) .\n(٣) شرح الأصفهانية (١٤٣) .\n(٤) من الإيمان ص (٣٣٧) .","vol":"1","page":36},{"text":"وقال في الإيمان الأوسط: «فصل: ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعًا كثيرًا منه لفظيٌّ، وكثير منه معنوي. فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض، ولكن تنازعوا في الأسماء..» اهـ (١) .\nهذا وقد حدد الشيخ جوانب النزاع اللفظي بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء في بعض الصور لما قال في كتابه الإيمان:\n«ومما ينبغي أن يُعرف؛ أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي. وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم، متفقون مع جميع علماء السنة:\n- على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًا للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة.\n-ويقولون أيضاَ: بأن من أهل الكبائر من يدخل النار، كما تقوله الجماعة.\n-والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار.\nفليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنًا وظاهرًا بما جاء به الرسول ﷺ، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يُخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء» اهـ (٢) .\nولذا فإنك تجد كتب الفقه عند مرجئة الفقهاء مليئة بتقرير الأحكام العملية وترتيب الجزاءات عليها، وهذا مما يستصحب كون النزاع معهم لفظيًا؛ إذ لو كان العمل غير واجب لما قرَّروه هذا التقرير في كتب فروعهم، التي هي من أخصب المذاهب الفقهية بسطًا لتلك المسائل.\n_________\n(١) الإيمان الأوسط (٧/٥٤٠-٥٠٥) ضمن الفتاوى.\n(٢) من كتاب الإيمان (٢٨١-٢٨٢)، وانظر المجموع نفسه (٧/٢٩٧) .","vol":"1","page":37},{"text":"ولكن من نظر إلى بعض المسائل المترتبة على الخلاف مع مرجئة الفقهاء:\n-مسائل زيادة الإيمان ونقصانه.\n-واستواء الناس في أصل الإيمان.\n-وتحريم الاستثناء في الإيمان مطلقًا، كما تقول مرجئة الفقهاء، يكون الخلاف والحالة هذه حقيقيًا (١) .\nفصح من ذلك أن التحقيق في الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء، منه ما هو خلاف لفظي وصوري كالاختلاف في الأعمال ودخولها في مسمى الإيمان إذ الجميع يوجبها، ويترتب الوعيد على تاركها ويجعله مستحقًا للعقاب، مع القول بعدم تخليد أصحاب الذنوب في النار وتحقق الوعيد المجمل فيهم.\nومن نظر إلى المسائل الأخرى وما تنتظم فيها ويترتب عليها من البدع يقرُّ بحقيقة الخلاف.. والله أعلم.\nهذا وثمة مسائل أخرى مهمة لها ارتباط وثيق بمسألة الإيمان.\n١-كمسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان.\n٢-ومسألة الخلاف في مرتكب الكبيرة.\n٣-ومسألة الاستثناء في الإيمان.\n- تناولتها في التعليق على الكتاب بما أغنى عن إعادتها وتكرارها هنا.\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم</span>\nالحمد لله، هذا البحث في الحقيقة هو نتيجة البحث في الإيمان من حيث مسماه وتعريفه، وأركانه وزيادته ونقصانه، بل وعلاقته بالإسلام في حالي الاجتماع والافتراق.\nوبين يدي ذلك أمهد بتمهيد إجمالي حول معنى الإيمان عند أهل السنة ومخالفيهم كما وصف شيخ الإسلام ابن تيمية قولهم في الإيمان في «العقيدة الواسطية» بأنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.\n* فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بمعصيته وطاعة الشيطان.\n* أما الإيمان عند الوعيدية من الخوارج الحرورية والمعتزلة: فهو قول وعمل واعتقاد لا يزيد ولا ينقص، بل هو كلٌّ إذا زال بعضه زال جميعه.\n_________\n(١) وانظر بحث مفهوم الإيمان عند السلف وغيرهم للعبد الفقير (١٠١-١٠٥) .","vol":"1","page":38},{"text":"ولذا فالخوارج يكفِّرون بالذنب في الدنيا، ويخلدون صاحبه في النار في الآخرة. والمعتزلة لا يجعلون مؤمنًا في الدنيا؛ بل إنه في منزلة بين المنزلتين، فهو خرج من الإيمان ولما يدخل إلى الكفر، لكنهم يخلدونه في الآخرة في النار، موافقين في الحكم الأخروي الخوارج.\n* أما الطرف الآخر فهم المرجئة، وهو على مراتب في انحرافهم في الإيمان والكفر.\n١-فغلاتهم، وهم الجهمية، فالإيمان عندهم هو معرفة الله، وبالتالي الكفر هو: الجهل بالله؛ فيكون إبليس وفرعون ونحوهم مؤمنون، وهذا أقبح المذاهب في الإيمان، وهم المرجئة المحضة الخالصة.\n٢-والأشاعرة والمتكلمون، الإيمان عندهم هو تصديق القلب. فيكون الكفر هو التكذيب ومازاد عليه كالجحود.\n٣-والكرّامية فالإيمان عندهم: قول اللسان. والكفر عندئذ بعدمه!\n٤-وأخف طوائف المرجئة: مرجئة الفقهاء، أو مرجئة العراق وهم من قالوا إن الإيمان: قول اللسان وتصديق القلب فقط. فخطؤهم في إخراج العمل من الإيمان.\nوبين المذهبين الأخيرين قول أبي منصور الماتريدي، وهو رواية عن أبي حنيفة أن قول اللسان ركن زائد، ليس بأصلي، والأصلي اعتقاد القلب فقط!\nفلابد لك- أيها القارئ- من فهم قول أهل السنة وقول مخالفيهم حقًا لتحذره وتسلم منه قولًا وعملًا وقصدًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>أهمية الموضوع:</span>","vol":"1","page":39},{"text":"١-وأهمية البحث في موضوع الكفر وبيانه تكمن في وجوب الحذر منه والبعد عنه، فهو علامة شقاوة العبد في الدنيا والآخرة. وهو أيضًا أعظم الذنوب والآثام وأشدها خطرًا وأعظمها وقعًا وأثرًا وهو أخوف ما يخافه ويحذره المؤمنون، وفي ذلك نصوص من الوحيين كثيرة جدًا منها قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخِاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥] . وفي سورة النساء يقول ﷿: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالآً بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] . ويقول سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨] .\n٢-ومن أهمية موضوع الكفر أن عاقبته في الآخرة خلود صاحبه في النار، ودوام عذاب جهنم عليه فيها أبدًا، حيث نصَّ الله على ذلك الخلود المؤبد لهم في عذابه في ثلاثة مواضع من كتابه المنزل:\n* أولها في آخر سورة النساء، حيث قال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا * ِإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٧-١٦٩] .","vol":"1","page":40},{"text":"* وثانيهما في آخر سورة الأحزاب يقول سبحانه: ﴿يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا * إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرَا * خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا لاَّيَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَنَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٣-٦٥] .\n* وثالثها وفي آخر سورة الجن ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ الآية. وحديث الخلود لأهل الجنة بالجنة، ولأهل النار فيها بذبح الكبش في صورة الموت، حديث مشهور معروف.\nمع ما رتب الله على الكفر من العذاب الشديد والسعير السرمدي، وسخطه وعقوبته ما يضيق هذا الموضع عن بسطه وتعداد أنواعه المذكورة في كلامه تعالى القرآن.\n*ويدل عليه قوله سبحانه في سورة فاطر: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦] .\n٣- ومن أهمية هذا الموضوع؛ موضوع الكفر أنه قسيمُ الإيمان في مسألة الأسماء والأحكام في اسم العبد في الدنيا هل هو مؤمن أو كافر؟ ثم حكم ذلك المترتب عليه في الآخرة أمن أهل الجنة؟ أم من أهل النار؟.\nولو لم يكن من أهمية البحث هذا إلا بيان جلالة هذه المسألة: مسألة الأسماء والأحكام، لكفى بذلك، وحسبك به!\nوقد لفت علماء الإسلام في تصانيفهم ومؤلفاتهم الانتباه إلى موضوع الإيمان والرد على المرجئة من جهة، والرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة من جهة أخرى.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (الكيلانية:١٢/٤٦٨) ضمن الفتاوى في معرض بيانه لموضوع الكفر والتكفير وعلاقته بالهدى، وأسبابه ودواعيه، ومنهج المبتدعة فيه.","vol":"1","page":41},{"text":"«فصل: إذا تبين ذلك فاعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة، والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا؛ فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان..» .\nوبنحو هذا ما لخصه الحافظ ابن رجب في شرحه لحديث جبرائيل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان حيث يقول:\n«وهذه المسائل: أعني مسائل الأسماء والإيمان، والكفر والنفاق، مسائل عظيمة جدًا؛ فإن الله ﷿ علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار.\nوالاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة، حيث أخرج الخوارج عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأقوالهم.\nثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين.\nثم حدث خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان.\nوقد صنف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة..» اهـ.\nهذا طرف مهم من أهمية موضوع الكفر والإيمان، والتبصر فيهما وتعلم مسائلهما وإدراك ذلك إدراكاَ جيدًا، مع الحذر الشديد من الانزلاق في مهاوي التكفير والتبديع والتفسيق، أو الحكم على المعَيَّن بكمال إيمان، أو جنة أو نارٍ إلا من شهد له النص الشريف من الوحيين بذلك، فهذه قاعدة أصيلة من قواعد أهل السنة والجماعة؛ بل ومن أصول عقائدهم.\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الكفر ومعناه:</span>\nبعد تبين أهمية معرفة الكفر وتأكده على المسلم الحريص على نجاته وسلامة دينه وعاقبته، اعلم- رحمك الله- أن الكفر له في أصل معناه عدة معانٍ.","vol":"1","page":42},{"text":"-منها الستر والتغطية، ومنه سُمي الزُّرَّاع كفارًا لأنهم يغطون البذر في الأرض، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ [الحديد:٢٠] .\n-ومنه الجحود والرد كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّاعَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] . وكذا جحود النعم في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلاَتَكَفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] .\n-ومنه التبرؤ والبراءة، كما ذكر الله ذلك عن الكافرين بعضهم مع بعض يوم القيامة في قوله من سورة العنكبوت: ﴿ثُمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَالَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾\nأما المعنى الشرعي الاصطلاحي للكفر فهو في موارد نصوص الوحيين الكثيرة التي تجعل الكفر في عدم الإيمان أو عدم التوحيد أو الوقوع في الشرك والردة..\nفالإيمان والكفر متى حصل أحدهما حصولًا كاملًا انتفى الآخر. أما إذا وقع أحدهما ناقصًا اشترك معه الآخر في هذا النقص.\nولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀- وهو من هو في علمه وفهمه وترسمه منهج السلف الصالح – اعتنى بهذه المسألة العقدية عناية واضحة في تصانيفه، فإني أنقل لك بعض كلامه هاهنا:\n١-فقال في قاعدة في الفتاوى (٢٠/٨٦): «الكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئًا ولم يتكلم.\n-ولا فرق في ذلك بين مذهب أهل السنة والجماعة الذين يجعلون الإيمان قولًا وعملًا بالباطن والظاهر.\n-وقول من يجعله نفس اعتقاد القلب كقول الجهمية وأكثر الأشعرية.\n-أو إقرار اللسان كقول الكرامية.\n-أو جميعها كقول فقهاء المرجئة وبعض الأشعرية.","vol":"1","page":43},{"text":"فإن هؤلاء مع أهل الحديث وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية وعامة الصوفية وطوائف من أهل الكلام من متكلمي السنة وغير متكلمي السنة من المعتزلة والخوارج وغيرهم، متفقون على أن من لم يؤمن بعد قيام الحجة عليه بالرسالة فهو كافر، سواء كان مكذبا أو مرتابًا أو معرضًا أو مستكبرًا أو مترددًا أو غير ذلك» اهـ.\nفبيَّن الشيخ أن الكفر يكون بالاعتقاد أو بعدمه، فلم ينحصر بالتكذيب، بل وأيضًا هو في الارتياب أو الإعراض أو الاستكبار أو التردد.\n٣-ويقول تلميذه ابن القيم في كتاب الصلاة (٥٣): «... فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر» اهـ.\n٤-ويقول شيخ الإسلام ﵀ في «درء التعارض» في معرض رده على المتكلمين في أصول التكفير عندهم (١/٢٤٢):\n«... فإنه ليس في الشرع أن من خالف مالا يعلم إلا بالعقل يكفر، وإنما الكفر يكون بتكذيب الرسول ﷺ فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم..» اهـ.\nفهنا الكفر يكون بالتكذيب تارة ويكون بغيره تارات، وليس الكفر محصورًا ومقيدًا بالتكذيب، فإن الامتناع عن متابعة الرسول يكون كفرًا حتى لو لم يصاحبه تكذيب، فإن فرعون يعلم صدق موسى في رسالته كما ذكر الله ﷿ عنهم بقوله عنهم في سورة النمل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ .\nوفي سورة الإسراء يقول الله ﷿ عن موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلآءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ .","vol":"1","page":44},{"text":"وكذا اليهود وأهل الكتاب يعلمون صدق الرسول ﷺ: بل ويعرفونه أشد من معرفتهم لأبنائهم، كما يقول ﷿ في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَءَاتَيْنَاهمُ الْكِتَابَ يَعْرِفونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .\nفالكفر يكون بالتكذيب والجحود ويكون بغيره من الإعراض والشك والاستكبار....» اهـ.\n٥-ويقول – ﵀- في أول «الكيلانية» من مجموع الفتاوى ١٢/٣٣٥:\n«... فإن الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب، أو لم يكن معه تكذيب؛ بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله حسدًا أو كبرًا أو اتباعًا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة.\nوإن كان الكافر المكذب أعظم كفرًا، وكذلك الجاحد المكذب حسدًا مع استيقان صدق الرسل، والسور المكية كلها خطاب مع هؤلاء» .\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>قواعد مهمة في معرفة أنواع الكفر:</span>\nوهذه القاعدة في أصلها جنس تشمل عدة قواعد وضوابط لا بد من معرفتها قبل ذكر أنواع الكفر بالقلب والقول والعمل.\nحيث يترتب على فهم هذه القواعد والضوابط فهم موضوع الكفر والتكفير عند أهل السنة والجماعة، واطراد قواعدهم وأصولهم فيه وعدم اضطرابها. وهذه القواعد والضوابط هي كالتالي:\n١-الكفر اصطلاح وحكم شرعي محضٌ مرده إلى الله في كتابه، وإلى رسوله ﷺ في سنته الصحيحة الثابتة عنه، وليس مبناه على الهوى والتشهي وسوء الظن أو فاسد الفهم.\nفمن كفَّرهم الله أو كفَّرهم رسوله ﷺ عينًا أو جنسًا أو وصفًا وجب وتعَّين تكفيرهم، وما لا فلا، وليس لأحد ابتداء تكفيرهم دون مستند شرعي صحيح وصريح.\n-فممن كُفِّر في النص الشريف وحيًا على سبيل التعيين: إبليس وفرعون.\n-وممن كُفِّر جنسًا: المشركون واليهود والنصارى والمجوس ونحوهم.","vol":"1","page":45},{"text":"-وممن كُفِّر وصفًا: المستهزئ بالله أو بآياته أو برسوله، والمحكِّم لغير ما أنزل الله، والساحر والكاهن ومدعي علم الغيب ونحوهم.\n٢- أن الكفر كالإيمان له شعب كثيرة، فكما صحَّ في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان» .\nوفي لفظ في البخاري: «الإيمان بضع وستون شعبة» الحديث، وهو في مسلم أيضا.\nوكذلك الكفر له شعب وأنواع كثيرة، ضابطها ما سُميَّ شرعًا في الوحيين من كتاب الله وسنة رسوله كفرًا، دون تسمية غيرهما.\nولذا يقرر ابن القيم ﵀ في كتاب الصلاة ص (٥٣-٥٤):\n«فصل: معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصح النفي والإثبات بعد ذلك، فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما، خلفه الآخر. ولما كان الإيمان أصلًا له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيمانًا، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحج والصيام، والأعمال الباطنة كالحياء، والتوكل، والخشية من الله، والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنه شعبة من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، منها ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى، ويكون إليها أقرب.","vol":"1","page":46},{"text":"وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.\nوشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية، وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية وفعلية. ومن شعب الإيمان القولية: شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوال الإيمان. وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر الإتيان بكلمة الكفر اختيارًا، وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، فهذا أصل.\nوههنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب،. وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب، لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة. وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سرًا وجهرًا ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن به.","vol":"1","page":47},{"text":"وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب، فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولاسيما إذا كان ملزومًا لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح؛ إذ لو أطاع القلب وانقاد، أطاعت الجوارح، وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان. فإن الإيمان ليس مجرد التصديق، كما تقدم بيانه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبيِّنه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعة، والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى، فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق، وإن سمي تصديقًا، فليس هو التصديق المستلزم للإيمان، فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته» اهـ.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-19>ملاحظة وتنبيه:</span>\nولما كان الكفر شعبًا كثيرة، فإن هذه الشعب متفاوتة، الكفر فيها درجات، فمنها الكفر الأكبر كسب الله ورسوله ودينه، ومنها الكفر الأصغر؛ كسب المسلم وقتله والنياحة، كما أن الكفر الأكبر، شعبه متفاوتة أيضًا تفاوتًا واضحًا، وكل من نوعي الكفر الأكبر والأصغر على مراتب بعضها أشد من بعض، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى (٢٠/٨٧): «واعلم أن الكفر بعضه أغلظ من بعض، فالكافر المكذب أعظم جرمًا من الكافر غير المكذب؛ فإنه جمع بين ترك الإيمان المأمور به، وبين التكذيب المنهي عنه، ومن كفر وكذَّب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه، أعظم ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب، ومن كفر وقتل وزنا وسرق وصد وحارب كان أعظم جرمًا» اهـ.\n٣-أن الكفر نوعان: كفر أكبر مخرج عن الملة، ومحبط للعمل، وموجب للخلود في النار، ولا يُغفر لصاحبه، وينفى عن صاحبه اسم الإيمان أصلًا وكمالًا، كالسحر وسب الله أو رسوله أو دينه أو كتابه أو الإعراض عن دين الله..!!","vol":"1","page":48},{"text":"وكفر أصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط العمل ولا يوجب الخلود في النار، وهو تحت مشيئة الله في مغفرته، ولا ينافي أصل الإيمان، بل ينافي كماله الواجب، وهو حكم الكبائر من الذنوب، كالنياحة على الميت، والطعن في الأنساب، وقتال المسلم..الخ.\n-كما أن الشرك والظلم والفسق والنفاق نوعان أكبر وأصغر.\nوهذا الأمر مشهور معروف بين العلماء قد تواردوا عليه، ولا أظن ذا علم ينكره، أو يتطرق إليه شك فيه.\nومضى في النقل السابق عن ابن القيم في كتابه (الصلاة) مايؤيده.\n٤-أنه هناك علاقة بين الكفر الأكبر والشرك الأكبر، وهي علاقة عموم وخصوص، فكل شرك كفر وليس كل كفر شركًا.\nفالذبح لغير الله والنذر له والخوف منه خوف عبادة؛ شرك مع الله في تلك العبادات، وهو كفر أكبر مخرج عن الملة، ومناقض للإيمان.\nأما سب الله ورسوله ودينه أو الاستخفاف بشرعه أو بالمصحف ونحو ذلك فهو كفر مخرج عن الملة، ولا يعد شركًا في الاصطلاح.\nوكذلك الإعراض أو الاستكبار أو الشك والارتياب فهو كفر أكبر ولا يُسمى شركًا.\n٥-أن الكفر ورد في موارده المعتبرة في نصوص الوحيين الشريفين: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يرد على صورتين:\n١-مُعرَّفًا بالألف واللام، فالمراد به الكفر المعهود أو المستغرق في الكفر، وهو المخرج من الملة.\n٢-ويأتي منكرًا غير مُعرَّف لا بالألف واللام، ولا بالإضافة والتخصيص.\nفلا يعد بالصورة الثانية كفرًا أكبر؛ بل الأصل فيه أنه كفر أصغر لا يخرج من الملة.\nومثل الفرق بين تلك الصورتين للفظة الكفر، كذلك هناك فرق بين الاسم المطلق للكفر، وبين مطلق اسم الكفر، كما قلنا سابقًا، والمطلب العاشر في الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان.\nوهذا المعنى هو ما قرَّره الشيخ أبو العباس ابن تيمية في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/٢٣٧-٢٣٨) حيث يقول:","vol":"1","page":49},{"text":"«وروى مسلم في صحيحه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر» .\nأي هاتان الخصلتان هم كفر قائم بالناس، ففي الخصلتين كفر، حيث كانتا من أعمال الكفار، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام من شعبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق، حتى يقوم به حقيقة الكفر.\nكما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنًا، حتى يقوم من أصل الإيمان وفرق بين الكفر المعرف باللام، كما في قوله ﷺ: «ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة» . وبين كفر مُنكرٍ في الإثبات.\nوفرق أيضًا بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر، أو مؤمن، وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده، كما في قوله: «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض» .\nفقوله: «يضرب بعضكم رقاب بعض» تفسير الكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يُسمون كفارًا تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل: كافر، ومؤمن.\nكما أن قوله تعالى: ﴿مِن مَّآءٍ دَافقٍ﴾ سمى المني ماء تسمية مقيدة، ولم يدخل في الاسم المطلق حيث قال: ﴿فلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ..» .\n٦-أن أهل السنة والجماعة يعظمون لفظ التكفير جدًا، ويجعلونه حقًا لله ولرسوله ﷺ فقط، فلا يجوز ولا يسوغ عندهم تكفير أحدٍ إلا من كفره الله أو كفره رسوله.\nولذا يقول الطحاوي في عقيدته المشهورة المتداولة: «ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله. ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله» .\nوكذا قرره ابن تيمية في عقيدته: الواسطية المتلقاه بالقبول، حيث يقول:\n«فصل، ومن أصل أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.","vol":"1","page":50},{"text":"وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي..» إلى آخر الفصل.\nوإنما أهل البدع والأهواء هم الذين شعارهم تكفير من خالفهم فضلًا عن لمزهم وتعييرهم، ولذا يقول﵀في «الكيلانية» ١٢/٤٦٦:\n«وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.\nفصل: وأما تكفير قائل هذا القول فهو مبني على أصل لابد من التنبيه عليه، فإنه بسبب عدم ضبطه اضطربت الأمة اضطرابًا كثيرًا في تكفير أهل البدع والأهواء كما اضطربوا قديمًا وحديثًا في سلب الإيمان عن أهل الفجور والكبائر.\nوصار كثير من أهل البدع مثل الخوارج والروافض والقدرية والجهمية ويعتقدون اعتقادًا هو ضلال يرونه هو الحق، ويرون كفر من خالفهم في ذلك، فيصير فيهم شوب قوي من أهل الكتاب في كفرهم بالحق وظلمهم للخلق- ولعل أكثر هؤلاء المكفرين يُكفِّر بـ «المقالة» التي لا تفهم حقيقتها ولا تعرف حجتها.\nوبإزاء هؤلاء المكفرين بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذمًا مطلقًا، لا يفرقون فيه بين ما دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، وما يقوله أهل البدع والفرقة.\nأو يقرُّون الجميع على مناهجهم المختلفة، كما يُقرَّ العلماء في مواضع الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع، وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المرجئة وبعض المتفقهة والمتصوفة والمتفلسفة، كما تغلب الأولى على كثير من أهل الأهواء والكلام، وكلا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة» أهـ.","vol":"1","page":51},{"text":"والمقصود أن المبتدعة على تنوع مشاربهم وتباين أصولهم ومناهجهم يروج عندهم تكفير مخالفيهم عند أدنى مخالفة.\nفي حين يتحرج أهل السنة والجماعة من تكفير المخالف حرجا شديدًا، لأن التكفير حكم شرعي، وهو حق لله ولرسوله ﷺ، وهو خطيرٌ في الآثم دينًا وعاقبة، ولذا فهم لا يؤاخذون بلوازم الأقوال في التكفير حتى يكون الكفر صريحًا لا لبس فيه، كما لا يعولون في التكفير على الظنون والأوهام والأهواء، وإنما المُعوَّل عليه عندهم الأمر البواح الذي لهم فيه من الله سلطان وحجة ظاهرة وبرهان.\n٧-أن أهل السنة الجماعة يفرقون بين الكفر المطلق والكفر المُعيَّن بالكفر الأكبر مطلقًا على غير معنيين، ولهم شروط وضوابط وتورَّع وديانة في إيقاعه على المعينين، فإنهم يرون كفر المعين يقع عليه بنفسه، وأهم هذه الشروط في إيقاع الكفر الأكبر عليه بلوغ الحجة عليه، واندفاع الشبهة عنه، وممن اعتنى بهذه المسألة تفصيلًا أئمة الدعوة النجدية من الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأبناؤه وتلاميذهم، فإنهم أجلوها وحقَّقُوها تحقيقًا لا تكاد تجده عند غيرهم، ويضيق المقام- في الواقع –عن تتبع كلامهم وجمعه هنا فالحمد لله.\nوههنا أمر مهم لابد من التفطن له وهو أن ثمة فرقًا بين مراحل ثلاث في الكفر المخرج عن الملة والموجب للردة، وهي:\n١-تعيين أن هذا الجرم من الكفر الأكبر، بالدلائل الشرعية.\n٢-ثم مرحلة تكفير المعيَّن المواقع لهذا الجرم؛ باجتماع الشروط فيه وانتفاء الموانع عنه، وهو مناط بالقضاة الشرعيين أصالة.\n٣-ثم مرحلة ثالثة بعدم القطع له بعد الموت بالخلود في النار، مع إجراء أحكام الكفر عليه في أحكام الدنيا، والله أعلم.\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>فهرس المحتوى</span>\nالموضوع: الصفحة\nتقريظات كبار العلماء ... ... ... ... ... ... ٣","vol":"1","page":52},{"text":"المقدمة ... ... ... ... ٦\nالمطلب الأول: مقدمة بأهمية المسألة ١٠\nالمطلب الثاني: مسألة تعريف الإيمان ومسماه ١٢\nالمطلب الثالث: الأصل الجامع للنزاع في المسألة ١٤\nالمطلب الرابع: بيان فساد أقوال الطوائف إجمالًا ١٦\nالمطلب الخامس: معنى الإيمان لغة ٢١\nالمطلب السادس: العلاقة بين الإيمان والإسلام ٢٣\nالمطلب السابع: زيادة الإيمان ونقصانه ٢٧\n- والأدلة عليه من القرآن ٢٨\n- والأدلة عليه من السنة ٣١\n- والأدلة عليه من الآثار السلفية ٣٣\n- أسباب زيادة الإيمان ٣٥\nالمطلب الثامن: المخالفون في زيادة الإيمان ونقصانه ٣٦\nالمطلب التاسع: تحقيق المروي عن مالك وغيره في نقصانه ٣٧\nالمطلب العاشر: مسألة الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان ٣٩\nالمطلب الحادي عشر: حقيقة الخلاف مع مرجئة الفقهاء ٤٠\nالمطلب الثاني عشر: الكفر عند أهل السنة ومخالفيهم ٤٣\n- أهمية الموضوع ٤٤\n- الكفر ومعناه ٤٧\n- قواعد مهمة في أنواع الكفر ٥٠\nفهرس المحتوى ٥٧","vol":"1","page":53}]}