{"ً":{"ٌ":198,"ٍ":"إصلاح الفقيه فصول في الإصلاح الفقهي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/eslhfkh/143075.pdf"]},"ّ":"الكتاب: إصلاح الفقيه، فصول في الإصلاح الفقهي\nالمؤلف: هيثم بن فهد الرومي\nالناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات\nالطبعة: الأولى، ٢٠١٣\nعدد الصفحات: ٢٣٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3131,"ٕ":11,"ٖ":1780758497,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"تمهيد: هل نعيش نهضة فقهية؟","level":1,"page":10},{"title":"الفصل الأول: موقع الفقه في خطة الإصلاح","level":1,"page":24},{"title":"الفصل الثاني: صناعة الفقه ووظائف الفقيه","level":1,"page":60},{"title":"الفصل الثالث: علاقات الفقيه","level":1,"page":102},{"title":"١ - الفقيه والسلطان","level":2,"page":103},{"title":"٢ - الفقيه والمجتمع","level":2,"page":132},{"title":"٣ - الفقيه والمثقف","level":2,"page":147},{"title":"الفصل الرابع: تأهيل الفقيه","level":1,"page":157},{"title":"١ - إصلاح التعليم","level":2,"page":158},{"title":"٢ - إصلاح التأليف","level":2,"page":176},{"title":"٣ - المذاهب الفقيه","level":2,"page":186},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":198},{"title":"المراجع","level":1,"page":202}],"ٛ":{"1,7":1,"1,9":2,"1,11":3,"1,12":4,"1,13":5,"1,14":6,"1,15":7,"1,16":8,"1,17":9,"1,19":10,"1,20":11,"1,21":12,"1,22":13,"1,23":14,"1,24":15,"1,25":16,"1,26":17,"1,27":18,"1,28":19,"1,29":20,"1,30":21,"1,31":22,"1,32":23,"1,33":24,"1,34":25,"1,35":26,"1,36":27,"1,37":28,"1,38":29,"1,39":30,"1,40":31,"1,41":32,"1,42":33,"1,43":34,"1,44":35,"1,45":36,"1,46":37,"1,47":38,"1,48":39,"1,49":40,"1,50":41,"1,51":42,"1,52":43,"1,53":44,"1,54":45,"1,55":46,"1,56":47,"1,57":48,"1,58":49,"1,59":50,"1,60":51,"1,61":52,"1,62":53,"1,63":54,"1,64":55,"1,65":56,"1,66":57,"1,67":58,"1,68":59,"1,69":60,"1,70":61,"1,71":62,"1,72":63,"1,73":64,"1,74":65,"1,75":66,"1,76":67,"1,77":68,"1,78":69,"1,79":70,"1,80":71,"1,81":72,"1,82":73,"1,83":74,"1,84":75,"1,85":76,"1,86":77,"1,87":78,"1,88":79,"1,89":80,"1,90":81,"1,91":82,"1,92":83,"1,93":84,"1,94":85,"1,95":86,"1,96":87,"1,97":88,"1,98":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,113":103,"1,114":104,"1,115":105,"1,116":106,"1,117":107,"1,118":108,"1,119":109,"1,120":110,"1,121":111,"1,122":112,"1,123":113,"1,124":114,"1,125":115,"1,126":116,"1,127":117,"1,128":118,"1,129":119,"1,130":120,"1,131":121,"1,132":122,"1,133":123,"1,134":124,"1,135":125,"1,136":126,"1,137":127,"1,138":128,"1,139":129,"1,140":130,"1,141":131,"1,143":132,"1,144":133,"1,145":134,"1,146":135,"1,147":136,"1,148":137,"1,149":138,"1,150":139,"1,151":140,"1,152":141,"1,153":142,"1,154":143,"1,155":144,"1,156":145,"1,157":146,"1,159":147,"1,160":148,"1,161":149,"1,162":150,"1,163":151,"1,164":152,"1,165":153,"1,166":154,"1,167":155,"1,168":156,"1,169":157,"1,171":158,"1,172":159,"1,173":160,"1,174":161,"1,175":162,"1,176":163,"1,177":164,"1,178":165,"1,179":166,"1,180":167,"1,181":168,"1,182":169,"1,183":170,"1,184":171,"1,185":172,"1,186":173,"1,187":174,"1,188":175,"1,189":176,"1,190":177,"1,191":178,"1,192":179,"1,193":180,"1,194":181,"1,195":182,"1,196":183,"1,197":184,"1,198":185,"1,199":186,"1,200":187,"1,201":188,"1,202":189,"1,203":190,"1,204":191,"1,205":192,"1,206":193,"1,207":194,"1,208":195,"1,209":196,"1,210":197,"1,211":198,"1,212":199,"1,213":200,"1,214":201,"1,215":202,"1,216":203,"1,217":204,"1,218":205,"1,219":206,"1,220":207,"1,221":208,"1,222":209,"1,223":210,"1,224":211,"1,225":212,"1,226":213,"1,227":214,"1,228":215,"1,229":216,"1,230":217,"1,231":218,"1,232":219,"1,233":220,"1,234":221,"1,235":222,"1,236":223,"1,237":224,"1,238":225,"1,239":226,"1,240":227},"ٜ":{"1":[7,240]},"ٝ":["1,7","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240"],"ٞ":{"3":[1],"10":[2],"24":[3],"60":[4],"102":[5],"103":[6],"132":[7],"147":[8],"157":[9],"158":[10],"176":[11],"186":[12],"198":[13],"202":[14]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٢ - ٦٨].\n «فالشريعة إذًا شيء خاص بالجماعة التي تطبقها، ولا يمكن أن تمتد منها إلى غيرها إلا إذا امتزجت معها في عقائدها وفي أصول حضارتها وقواعد سلوكها فأصبحت على صورتها... والمهم أن القانون ينبثق من الجماعة ويمتزج بنموذجها النفسي، ولا يمكن أن ينتزع منها انتزاعًا ويفرض عليها قانون أجنبي عنها فترضاه وتتعصب له إلا إذا كانت هي قد فقدت حاسة وجودها الذاتي وإيمانها بمثلها العليا. نعم قد يوجد منها أفراد يتعصبون لأي وضع جديد نظرًا لاستفادتهم منه، أو لأنهم لم يعرفوا غيره، أو لمجرد بلادتهم التي تدفعهم إلى النضال في سبيل قضية غير قضيته».\n [دفاع عن الشريعة، علال الفاسي: ٣٣]","vol":"1","page":7},{"text":"شريعة لك فجرت العقول بها... عن زاخرٍ بصنوف العلم ملتطم\nيلوح حول سنا التوحيد جوهرها... كالحلي للسيف أو كالوشي للعلم\nغراء حامت عليها أنفس ونهىً... ومن يجد سلسلًا من حكمة يَحُم\nنور السبيل يساس العالمون بها... تكفلت بشباب الدهر والهرم\nيجري الزمان وأحكام الزمان على... حكم لها نافذٍ في الخلق مرتسم\nدع عنك روما وآثينا وما حوتا... كل اليواقيت في بغداد والتُّوَم\nوخلِّ كسرى وإيوانًا يُدِلُّ به... هوى على أثر النيران والأُيُم\nواترك رعمسيس إن الملك مظهره... في نهضة العدل لا في نهضة الهرم\nدار الشرائع روما كلما ذُكرت... دار السلام لها ألقت يد السلم\nما ضارعتها بيانًا عند ملتأمٍ... ولا حكتها قضاءً عند مختصم\nولا احتوت في طراز من قياصرها... على رشيدٍ ومأمونٍ ومعتصم\nأمير الشعراء أحمد شوقي [الشوقيات: ١/ ٢٠٤]","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nهناك اتجاه واضح في الدراسات الشرعية والفقهية المعاصرة إلى الحديث عن تجديد الدين وتجديد الفقه، ووسائل ذلك ومعوقاته، وعن مظاهر هذا التجديد ومجالاته والجهود المبذولة في سبيله، والكثير من هذه الدراسات مفيدة نافعة، كما أن منها ما يخطئ في توصيف الواقع أو في معالجته، ويحصل في أحيان كثيرة أن يكون وصف حالة من الحالات العلمية بأنها من مظاهر التجديد أو من مظاهر الجمود راجعًا إلى تحكمات مزاجية أكثر من رجوعه إلى معايير علمية منضبطة ومحددة، وإذا ما تكلمنا عن تجديد الفقه على وجه التحديد فإن الفقه بأصوله وقواعده ونظرياته ليس علمًا جديدًا يفتقر إلى الضبط المنهجي حتى يستحدث له منهج في تجديده، ولفظة: (التجديد) ذاتها تدل على وجود شيء يجدد دون أن يستبدل به سواه، ومن هنا جاءت المقولة","vol":"1","page":11},{"text":"المشهورة: (أول التجديد قتل الماضي بحثًا)، فالفقه له أصوله ومنهجيته التي تتطلب أن يكون من يمارس التجديد عارفًا بها؛ لئلا يستدرك عليها ما هو من صميمها أو ينتقد فيها ما ليس منها أو ينسب إلى متنها ما هو من هوامشها، والتجديد ما لم يكن متلزمًا بالتماسك الداخلي للعلم الذي كان به قيامه فهو تغيير وتبديل وليس تجديدًا، وبقاء الاسم وحده لا يغني شيئًا ما لم تكن أصوله وفلسفته باقية. وبعض من يستعملون اسم التجديد والإصلاح يفترضون أن الفقه بلغ حدًا معينًا من النمو عند زمن معين ثم وقع في مأزق يقتضي تغييرًا في أصوله وآلياته ومناهجه الكبرى، والكثير من هؤلاء تتشكل في أذهانهم رؤية وتصور معين للنهضة والحضارة والتقدم يحاكمون المناهج الفقهية إليها فيما يصح منها وما لا يصح وما ينبغي أن يستمر منها وما يجب أن يتوقف، ويجعلون من واقع الحياة قبلة يجب أن يخضع الفقه لشروطها (^١).\nلقد أنزل الله ﷻ علينا الدين ليكون نجاة لنا في الدنيا والآخرة، وشرع لنا فيه من الأحكام ما يعود علينا بالصلاح التام في شأننا كله، وجعل الأمن والسلام في اتباع دينه وشرعه، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وقال جل ثناؤه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وما من\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: سياسيات الإسلام المعاصر، د. رضوان السيد (١٦٠)، القطيعة بين المثقف والفقيه، يحيى محمد (١٠٣).","vol":"1","page":12},{"text":"صلاح يتوخاه البشر في سياساتهم وتدبيراتهم إلا جاءت الشريعة بما هو أتم منه وأكمل؛ لأنها من عند الله تعالى، والله ﷻ عليم يعلم ما هو الأصلح لعباده، وهو خبير بأحوالهم الظاهرة والباطنة، وهو لطيف بهم يسبب لهم الخير من حيث لا يعلمون، وهو حكيم يضع الأشياء في محالِّها بحكمته وعدله ولا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، وهو رحيم يرحم خلقه ويبصِّرهم ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ويمكن لهم أسباب مصالحهم برحمته التي وسعت كل شيء، وهو محيط لا يخفى عليه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو جميل يحب الجمال فأفعاله كلها خير ومصلحة وعدل ورحمة، وشريعته شريعة الجمال والجلال، وهو يحب منا أن نتقرب إليه بالجميل من الأقوال والأفعال والأخلاق، وهو رفيق في أحكامه وأمره ونهيه، لا يكلف عباده ما لا يطيقون، ويتدرج بهم من حال إلى حال من رفقه ورأفته بهم، وهو سلام سالم من كل عيب ونقص، وكذلك شرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم، وهو قيومٌ قائم على كل نفس بما كسبت وكل مخلوقاته فقيرة إليه ولا غنى لخلقه عنه طرفة عين.\nوالشريعة التي هذا وصفها لا بد أن تشتمل على أسباب الصلاح كلها، وإدراك هذه الأسباب وفهمها وتحقيقها في واقع حياة الناس موكول إلى اجتهاد أهلها الذين جرى تكليفهم بها، وما يحصل من خلل في حياتهم وفساد في شؤونهم فذاك راجع","vol":"1","page":13},{"text":"إلى تقصيرهم في العلم أو في العمل، فإن الشريعة من الأمر الذي يكلف به العباد ويحاسبون عليه، وليست من الخلق المقدر الذي هو مقضي لا محالة، والكثير من الناس يرون ما يتطرق إلى حياة المسلمين من الفساد فينسبونه إلى الشريعة وتقصر فهومهم عن نسبته إلى تقصيرهم في فهمها والعمل بها وإخلالهم بشروطها، وربما أدى بهم ذلك إلى الدعوة إلى تبديل بعض حقائق الشريعة باسم التجديد والإصلاح، حتى إذا سلكوا تلك السبيل باتوا كصخرة زل متنها عن رأس جبل فهي تتحدر منه إلى مكان سحيق.\nإن تجديد الفقه وإصلاحه إنما يكون بالعودة إلى أصوله والتمسك بها، وتصحيح ما لحقها من سوء التصورات والآراء وفساد الظنون والأوهام، فإن حياة المتقدمين من أهل القرون الأولى كانت صالحة مستقيمة، مما يدل على أن علومهم كانت صالحة مستقيمة.\nيقول ابن أبي جمرة (ت ٦٩٩ هـ): (عمل المتقدمين أقوى من عمل أهل وقتنا، والعمل هو ثمرة العلم، فإذا كانت ثمرتان ثمر الواحدة خير وأكثر من الأخرى قطع بالجزم أن الذي ثمرها أكثر وأحسن خير من الأخرى بلا خلاف في ذلك عند من له بصيرة وعقل) (^١).\nوهذا الفقه الصالح عند المتقدمين تشكلت به هوية الأمة\n_________\n(^١) بهجة النفوس (٢/ ٥٩).","vol":"1","page":14},{"text":"وقامت به حياتها، ورسخ بتعاقب القرون في وجدانها ومزاجها، وأصبح من أكبر مكوناتها واتصل بوجودها وجرى به سداد أمورها وصلاح شؤونها. حتى غدت أي محاولة للإصلاح غير مجدية ما لم تكن صادرة عن أصوله ومقاصده وأحكامه وغاياته. وهذه العصور الحديثة حافلة باتجاهات وتيارات تنسب نفسها إلى الإصلاح ولكنها تخاصم هوية الأمة وشريعتها فيؤول أمرها إلى فساد وإفساد، وما يجري على يديها من صلاح فهو صلاح جزئي من وجه دون وجه.\nإن صلاح أحوال الأمة له ارتباط وثيق بتجديد فقهها الذي هو منهاج حياتها، ومن هنا كانت الحاجة إلى الحديث عن «إصلاح الفقيه» الذي يمارس هذا التجديد بوعي وبصيرة، وقد اخترت لفظة الإصلاح لمناسبة المقابلة بين إصلاح الفقه وإصلاح الحياة مما يتطرق هذا البحث إليه، ولأجل بيان حقيقة الإصلاح الذي به نهضة الأمة وتقدمها دون دعاوى الإصلاح التي تعرض عن الشريعة ولا تكترث بها، أو التي تسلك بها مسالك الغلو أو الجفاء.\nومهدت بين يدي هذه الدراسة بتمهيد يبين أهمية إصلاح الفقيه وأولويته، ثم عقدت سائرها في فصول أربعة: فأما الفصل الأول ففيه بيان معنى الفقه وحقيقة الصناعة الفقهية وفيه أيضًا بيان دور الفقيه ووظائفه في الحياة، فإنه لا يستقيم الحديث عن إصلاح الفقيه ما لم تكن تلك المعاني متقررة ابتداءً.","vol":"1","page":15},{"text":"وأما الفصل الثاني ففيه بيان موقع الفقه في خطة الإصلاح العامة وفيه نماذج وأمثلة تشرح أثر الفقه في الحياة ودور الفقهاء فيها.\nوأما الفصل الثالث ففيه بيان علاقات الفقيه في الوسط الذي يمارس فيه وظائفه، وهذه العلاقات تتراوح بين علاقته بالنخبة والعامة، والنخبة نخبتان فنخبة سياسية ونخبة ثقافية، ومن المهم تصور علاقة الفقيه بهذه الأطياف الثلاثة.\nوأما الفصل الرابع ففيه بيان سبيل تأهيل الفقيه المصلح المشارك في صياغة الحياة وصناعتها، وذلك بإصلاح التعليم الفقهي وإصلاح التآليف الفقهية، مع إشارة إلى طبيعة المذاهب الفقهية والموقف منها ودورها في تأهيل الفقهاء. ثم ختمت بخاتمة لخصت فيه غرض هذا البحث.\nوليس القصد من هذه الدراسة المختصرة اقتراح خطة للإصلاح، فإن هذه مهمة جليلة بحاجة إلى تضافر كبار فقهاء هذا الزمان، ونعوذ بالله من التكلف لما لا نحسن والتصدي لما لا نطيق، ولكنها إشارة عجلي لبعض الأولويات البحثية والمنهجيات العلمية والعملية المتَّبعة عند الفقهاء رحمهم الله تعالى، تهدف إلى تذكير فاضل أو تنبيه غافل. والله تعالى المسؤول أن يصلح النية والقصد، وأن يصلح العلم والعمل، وأن يهدينا لما فيه رشدنا وصلاحنا.\nوبعد، فالحمدُ للهِ الذي بيده المواهب كلها، وكل نعمة بنا","vol":"1","page":16},{"text":"فمنه ابتداؤها ودوامها، يجود علينا بفضله، ويثيبنا على طاعة نستعينه عليها، فله الحمد حمدًا لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد.\nثم شكري وثنائي بعد ذلك موصول للشيوخ الأفاضل والأصدقاء الكرام الذين أكرموني بقراءة هذا البحث ومراجعته، وأفادوني بكريم نصحهم وتوجيههم، فالله يتولى جزاءهم ويجزل ثوابهم في الدنيا والآخرة، والله يتولانا جميعًا برحمته وتوفيقه فنعم المولى ونعم النصير.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد\nهل نعيش نهضة فقهية</span>؟\n «إن الأزهر البائد على فوضاه المنظمة كان أجدى على الدين وأعود على الثقافة من هذا الخلق المسيخ الذي وقف بين الماضي والحاضر وبين الدين والسياسة موقفًا يُندي الجبين الصلب ويوجع الفؤاد المصمت».\nأحمد حسن الزيات [وحي الرسالة: ١/ ١٨٧]\n «نحن أقزام محمولون على أكتاف عماليق، وإذا كنا نشاهد أكثر مما شاهدوا ونرى أبعد مما رأوا، فليس ذلك لأن بصرنا أحدّ أو لأن أجسامنا أطول، بل لأنهم يحملوننا على أكتافهم في الهواء ويرفعوننا بكل طول قاماتهم الهائل).\nبرنار دي شارتر [في نقد الحاجة إلى الإصلاح،\nد. محمد عابد الجابري: ٦٤]","vol":"1","page":19},{"text":"برز في المجال الفقهي منذ قرن من الزمان نوع من التأليف الذي لم يكن معهودًا فيما مضى، وهو تأليف مداخل فقهية تدرس كمقررات جامعية في الغالب، وتتضمن تعريفًا بالفقه وأبرز خصائصه ومدارسه ونشاطات رجاله، وجرت عادة هذه المداخل على تحقيب تاريخ الفقه إلى أدوار ومراحل حسب السمة الغالبة لكل دورة زمنية محددة، وقد تختلف المداخل شيئًا يسيرًا في ضم بعض الأدوار أو فصلها، غير أنها تتفق من حيث العموم على أبرز الملامح الرئيسية، ولمتقدمها أثر ظاهر على متأخرها.\nومن الأمر اللافت للانتباه أن طائفة من هذه المداخل درجت على تسمية العصر المتأخر بأسماء توحي بارتفاع رتبته عن الدور السابق له، فتسمي المرحلة السابقة مرحلة الجمود والانحطاط الفقهي ونحو ذلك، ثم تصف هذا الدور الذي نعيشه بأنه عصر (نهضة فقهية)، أو (يقظة فقهية)، أو أنه عصر (تجديد الفقه)، أو (انبعاث الفقه) (^١)، وربما غلب التحفظ والاحتراز على بعض المصادر فوصفت المرحلة: بأنها مرحلة (محاولات تجديد الفقه)، أو أنها (تباشير نهضة فقهية) (^٢).\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: المدخل في الفقه الإسلامي، د. محمد مصطفى شلبي (١٥٤)، المدخل للفقه الإسلامي، د. محمد سلام مدكور (١٠٢)، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، د. رمضان الشرنباصي (١٠١)، المدخل الوسيط لدراسة الشريعة، د. نصر واصل (١٣٧)، تاريخ التشريع الإسلامي، عبد العظيم شرف الدين (٢٤٤)، مقدمة في دراسة الفقه، د. محمد الدسوقي (٢١١).\n (^٢) انظر على سبيل المثال: تاريخ التشريع الإسلامي، د. مناع القطان (٣٩٧)، المدخل لدراسة الشريعة، د. عبد الكريم زيدان (١٥٤).","vol":"1","page":20},{"text":"وعند تتبع هذه التسمية فإننا نلاحظ أن أول من صنف في (تاريخ الفقه) هما الشيخان محمد الخضري (ت ١٣٤٥ هـ) في كتابه «تاريخ التشريع الإسلامي» الذي صدر عام (١٣٣٩ هـ/ ١٩٢٠ م)، والشيخ محمد بن الحسن الحجوي (ت ١٣٧٦ هـ) في كتابه «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي» الذي صدر عام (١٣٤٠ هـ/ ١٩٢١ م). وبالرجوع إلى هذين الكتابين وبالرغم من عظيم أثرهما على من جاء بعدهما فإننا لا نجد أنهما جعلا هذا الدور دورًا مستقلًا ومتميزًا عن الدور السابق عليه، بل جعلاه امتدادًا لعصور الجمود والانحطاط (^١). ولا بد أن نضع في اعتبارنا أن هذين الكتابين صدرا قبل ما يقرب من القرن من الزمان.\nوهنا يبرز تساؤل: هل جدَّ خلال هذا القرن من الزمان ما جعل المداخل الفقهية التي ألفت فيه تصفه بأنه عصر نهضة وتجديد؟ أم أن الخضري والحجوي أدركا بداية الأنشطة الفقهية المستجدة ولم يعتبراها مع ذلك نهضة فقهية حقيقية تستحق أن تفرد بدور مستقل واسم جديد؟ والسؤال الذي هو أهم من هذا وذاك: هل نعيش بالفعل نهضة فقهية حقيقية وتجديدًا فقهيًا يجعلنا نسم عصرنا بأنه عصر اليقظة والانبعاث؟ أم أن هذه أوهام وتطلعات صنعها حب الإنسان ورغبته الدفينة في أن يفتح لنفسه آفاق الأمل؟\n_________\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي، محمد الخضري بك (٣٦٣)، الفكر السامي، الحجوي (٤/ ٣٩١).","vol":"1","page":21},{"text":"وأهمية هذا السؤال تكمن في أن أولى خطوات الإصلاح هي تقويم الحال الراهنة، ورصد المزايا والمآخذ، والإيجابيات والسلبيات، والمنجزات والإخفاقات، رصدًا كاشفًا لما عليه الحال حقيقة دون مبالغة في الوصف مدحًا أو قدحًا، ولكل من هاتين المبالغتين ما يدفع لها من الناحية النفسية غير أن الإنصاف يقتضي مراغمة النفس وحملها على تصوير الحقائق دون مغالطة ولا تشويه.\nوبالرجوع إلى المصادر التي تصف هذا الدور بأنه دور تجديد فإننا نجدها تستدل على ذلك بجملة من الأنشطة الفقهية التي استجدت فيه لتكون شاهدًا يؤكد صحة هذه الأسماء المفترضة، ومن هذه الأنشطة ما يأتي:\nالدعوة إلى الاجتهاد الجماعي، ونشوء المجامع الفقهية.\nانعقاد المؤتمرات والملتقيات الفقهية وما يحصل بسببها من نقاشات فقهية ومن التقاء الفقهاء وتعارفهم وتواصلهم.\nإنشاء الجامعات والكليات والمعاهد الشرعية والفقهية.\nالتجديد في أسلوب تدريس الفقه والإفادة من المناهج التعليمية الحديثة في تطوير التعليم الفقهي وتحديث أدواته ووسائله.\nالتجديد في أسلوب التأليف الفقهي من خلال المناهج التي تؤلف لدراسي الفقه في المعاهد والجامعات، ومن خلال البحوث الأكاديمية والرسائل العلمية، واستحداث أنواع جديدة في","vol":"1","page":22},{"text":"الكتابة الفقهية كالموسوعات والفهارس الفقهية والكتابة في النظريات الفقهية، والإخراج الجديد لكتب الفقه ومخطوطاته وتعميم نشرها والاستفادة منها.\nالتحرر من أسر التعصب المذهبي والانفتاح بين المذاهب الفقهية والاهتمام بالفقه المقارن، ويتبع ذلك أيضًا الاهتمام بدراسة القانون والمقارنة بينه وبين الفقه.\nقيام مؤسسات ومراكز بحثية تهتم بالدراسات الفقهية المعاصرة، وتسعى إلى تقريب الأحكام الفقهية إلى المؤسسات التشريعية وغيرها، ونرى تأثير مثل هذه المحاولات في مجالي الاقتصاد والطب كمثال واضح.\nاستمداد القوانين من الفقه وتنظيمها في تقنينات عصرية.\nهذه أبرز العوامل التي تذكر كأسباب تجعل من هذا العصر عصر نهضة وتجديد من حيث الجملة (^١). فهل هذه الأسباب متحققة الوقوع على وجهٍ صالحٍ بالفعل؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهل هذه الأسباب ترتفع بهذا العصر عن العصر السابق لتصح تسميته بأنه عصر يقظة وانبعاث؟\n_________\n(^١) انظر: المدخل في الفقه الإسلامي، د. محمد مصطفى شلبي (١٥٦)، المدخل الوسيط لدراسة الشريعة، د. نصر واصل (١٣٧)، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، د. رمضان الشرنباصي (١٠١)، المدخل للفقه الإسلامي، د. محمد سلام مدكور (١٠٢)، المدخل الفقهي العام، مصطف الزرقا (١/ ٢٤٨)، مقدمة في دراسة الفقه، د. محمد الدسوقي (٢١٦).","vol":"1","page":23},{"text":"عندما نتأمل مليًا في هذه المظاهر التي تذكر فإن من الممكن أن نجعلها على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: مظاهر متحققة ونافعة بالفعل، ولها أثرها الواضح في النهوض بحالة الفقه المعاصر. ومن أمثلة ذلك تيسر سبل التقاء الفقهاء وتواصلهم باختلاف بلدانهم ومذاهبهم، من خلال المجامع الفقهية والملتقيات الفقهية المختلفة من ندوات ومؤتمرات ونحوها، وما يترتب على ذلك من اجتهاد جماعي ومن تفهم للآراء وقربٍ لزوال اللبس الذي ينشأ عن بعد الشقة وتسلسل الوسائط.\nالقسم الثاني: مظاهر متحققة من جهة الوجود إلا أن سبب وجودها لم يكن منبعثًا من بنية الفقه ذاته، بل هو إفادة من مظاهر النهضة الحديثة وأدوات الحداثة المعاصرة على وجهٍ قد يكون فيه نفع غير مكتمل، أو على وجهٍ يترتب عليه نوع آخر من الفساد.\nومثال الأول: ما سبق ذكره من نشأة الجامعات والكليات والمعاهد الشرعية والفقهية، فإنها بالرغم مما ترتب عليه من الخير الكثير إلا أن هذا النفع قل أن تترتب عليه نهضة في بنية الفقه ذاته بتحسين وظائفه ومقاصده العليا، فالتآليف وطرائق التدريس والبحث لم يتناسب تقدمها تناسبًا طرديًا مع تقدم الوسائل والأدوات الحديثة، بل ظلت من حيث العموم على ذات المنوال الذي كانت عليه فيما يسمى بعصور الانحطاط، بل إنها في أحوال كثيرة تكون أقل كفاءة من حيث جودة المخرجات وسِداد","vol":"1","page":24},{"text":"الوظائف، فما يؤلفه فقيه من فقهاء ما يسمى بعصر الانحطاط يعكف عليه الجماعة من الباحثين السنوات ذوات العدد ليخرجوه في النهاية إخراجًا هزيلًا. ثم يوصف إخراج التراث الفقهي بأنه مظهر من مظاهر النهضة، فأي العصرين أولى باسم النهضة بهذا الوجه من النظر؟\nومثال الثاني: ما ذكر في المظاهر من التحرر من أسر التعصب المذهبي، فإن التعصب أمر مقيت وترتبت عليه فتن ومفاسد لا تزيغ عنها عين متصفح لكتب طبقات الفقهاء. وقد خف هذا التعصب كثيرًا في العصر الحديث حتى بات الفقيه يتعجب من بعض الحكايات المنقولة وينسبها إلى المبالغة. غير أن هذا التحرر أفرز ظاهرة أخرى مقيتة تمثلت في ازدراء فقه المذاهب والنظر إليه على أنه مبتوت الصلة بالأدلة الشرعية المعتبرة، وأن كلام الفقهاء يغلب عليه الحشو والتكلف والافتراض والتعقيد والعزلة عن الحياة الخارجية التي يعيشها الناس، إلى مزاعم أخرى نتجت عن هجران المدونات الفقهية وعدم تصور ما تضمنته من أحكام ومسائل واستدلالات واستنباطات وامتداد منهجي، وهذه النظرة تمثل في حقيقتها كسرًا للعمود الفقري الذي به تقوم كافة علوم الشريعة، ولذا فإن كثيرًا من المتفقهة الذين يسلكون هذه السبيل يخرجون من النظام إلى الفوضى من حيث أرادوا الخروج من الفوضى إلى النظام. وبهذا نلاحظ أن بعض هذه المظاهر كان من المفترض أن تؤدي لنهضة فقهية لو كان لها من يرشِّدها لئلا تضطرب في وجوه الفساد من طرف إلى طرف.","vol":"1","page":25},{"text":"القسم الثالث: مظاهر ليست متحققة، بل هي آمال وأمنيات نتجت من ملاحظة أمثلة يسيرة ثم ارتكاب مغالطة التعميم على الصعيد الفقهي العام، مع أنها استثناء من الأصل وليست قاعدة يمكن جعلها مظهرًا للنهضة والتجديد. ومن الأمثلة الظاهرة لذلك ما ذكر من استمداد التقنينات من الفقه، فإن هذه التقنينات في مجملها لم تجد سبيلها إلى التطبيق إلا في نطاق محدود، بل إن من أبرز سمات هذا العصر الذي نعيشه إقصاء الشريعة عن الحكم، وتظل هذه التقنينات حبيسة الأدراج ما لم توجد عزيمة صادقة على تطبيقها.\nومن أمثلة هذا القسم أيضًا ما تقدم ذكره من تجديد في أسلوب تدريس الفقه والإفادة من المناهج التعليمية الحديثة في تطوير التعليم الفقهي وتحديث أدواته ووسائله، فإن واقع التعليم الفقهي لا يساعد على إدراج ذلك ضمن مظاهر التجديد، بل إن كثيرًا من المراقبين يتحدثون عما يسمى بأزمة التعليم الديني، وأنه لم يكن محل جدل ونقاش كما هو عليه اليوم (^١)، وهذا الكلام لا يخلو من مصداقية على الرغم من اختلاف زاوية الرؤية من مراقب لآخر.\nعند التأمل في جميع ما مضى فإننا لا نجد المسببات الكافية التي تحملنا على اعتبار هذا الدور دورًا متميزًا على سابقه إلى النحو الذي يغدو به عصر نهضة وتجديد وانبعاث بل هو\n_________\n(^١) انظر: أزمة التعليم الديني في العالم الإسلامي، د. خالد الصمدي وزميله (١٣).","vol":"1","page":26},{"text":"امتداد له، وعنده الموازنة بين هذين الدورين فإننا لن نعدم نقاط قوة وضعف في كل منهما، ولن نعدم تقدمًا في بعض الأنشطة الفقهية وتراجعًا في بعضها. ومن الدلائل على الأزمة التي نعيشها في هذا الدور أننا لا نجد للحركة الفقهية مخرجات ذات كفاءة عالية تستقيم بها الخطط الفقهية من تعليم وقضاء ودعوة وإفتاء وخطابة وصلاة، بل إن أصوات المصلحين تعالت ولم تزل تتعالى بالدلالة على أشكال من أشكال الفساد وتتبرم من آثارها ونتائجها.\nيقول الشيخ بدر الدين الحلبي (ت ١٣٦٢ هـ): (فإذا استفتيت اليوم عشرة من الفقهاء في حادثة شرعية ليست من مسائل المتون التي هي من فتاوى الأئمة وتدوينهم أجابك كل واحد من العشرة بجواب غير جواب الآخر، وربما ذكر لك كل واحد منهم نصًا من الكتاب الذي اعتمد عليه وأفتاك بما رأى فيه. وانضم إلى هذا فساد التطبيق في بعض المحاكم الشرعية، فكان حال القانون الشرعي كحال القانون الوضعي سواء بسواء لا يختلف عنه بشيء غير أن القائمين بأحدهما منسوبون إلى الشرع، والقائمون بالآخر غير منسوبين إليه. وما قد يوجد في القانون الشرعي من الفروع التي توافق مذاهب الأئمة فلعله لا يخلو منها القانون الوضعي وإن لم يذكر على أنه من القوانين السماوية، وإنما وضع لظن واضعه أن المصلحة فيه، وأصبحت مصالح العباد مهجورة، والحقوق مهددة، والمستجير بأحدهما كالمستجير من الرمضاء بالنار.\nوشرح الحالة الحاضرة بأزيد مما أشرنا إليه مشكل جدًا، والبصير","vol":"1","page":27},{"text":"إذا التفت عن يمينه مرة وعن شماله أخرى عرف مقدار الشر والفساد الواقعين على رؤوس العباد) (^١).\nويقول الأستاذ محمد كرد علي (ت ١٣٧٢ هـ): (وهناك كثيرون تولوا الأعمال العلمية العظيمة كالقضاء والإفتاء، وكانوا على جانب من الجهل المخيف. أدركت منهم مفتيًا سخيفًا كان يدعي له مريدوه أنه عفيف لا يرتشي، وأنا أعرف أن أحد أقربائي قد رشاه بمقدار من الأرز والسكر والسمن فحكم له بما أراد، وكان إلى هذا جاهلًا لا يعرف إلا ما تعلمه من فقه المحاكم...\nوهذا الشيخ كان ممن يتقرب إلى العوام بلعن رجال الإصلاح وتكفيرهم وتبديعهم؛ لأنهم هم الذين يظهرون حقائق أمثاله للملأ ويعرفونهم أنهم طبول فارغة) (^٢).\nوالواقع أنه لا يمكن النظر إلى هذا النوع من الفساد بمعزل عن الفساد العام، فإن الفقه في حقيقته وطبيعته واقع وحياة لا مجرد فكر وتنظير.\nوالفساد الذي يتطرق إلى الحياة العامة ستمتد آثاره إلى الممارسات والنتائج الفقهية بطبيعة الحال، فإن الشريعة إذا استبعدت من الحكم تطرق إلى الحركة الفقهية الركود والجمود، وإن السياسي إذا فسد اختار الفاسد من حملة الفقه فإن (السلطان\n_________\n(^١) التعليم والإرشاد (٤١).\n (^٢) أقوالنا وأفعالنا (٢٥٧).","vol":"1","page":28},{"text":"سوق، وإنما يجلب إلى كل سوق ما ينفق فيها) (^١)، ولا تسل عن ضيعة الأمر يومئذٍ، والأمر كما قال ابن المبارك (ت ١٨١ هـ):\nوهل بدَّل الدين إلا الملوك... وأحبار سوء ورهبانها\nوباعوا النفوس فلم يربحوا... ولم تغل في البيع أثمانها (^٢)\nوبالإضافة إلى ذلك فإنه لا يتصور في طبائع الأشياء أن يحصل تطور تشريعي في وضع اقتصادي واجتماعي ساكن وراكد، أما إذا دبت الحياة والحركة في المجتمع فإن القانون يبدأ حينئذٍ في التشريع لها، فالركود القانوني والتشريعي مردود في حقيقة الأمر إلى ركود المجتمع وسكون الحياة (^٣). وهذا أمر ملاحظ لمن سبر أحوال الدول، فإن الحركة العلمية تضعف بضعف الدولة، ومن أمثلة ذلك سكون حركة العلم في مصر بعد سقوط دولة المماليك وتحول مصر من دولة متبوعة إلى ولاية تابعة للدولة العثمانية في إسلامبول (إسطنبول)، فانحطت مكانتها بزوال دولتها ولم يظهر فيها من العلماء كالذين ظهروا في فترة المماليك، لا سيما بعد أن صارت اللغة التركية لغة الدواوين، فضعفت العربية ضعفًا شديدًا، وضعفت علومها وآدابها وطغت العامية عليها (^٤).\n_________\n(^١) رسائل الجاحظ (١/ ٢١٣)، وأصل العبارة لأبي حازم الأعرج عندما قال لسليمان بن عبد الملك: (إنما أنت سوق فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر أيهما شئت). انظر: العقد الفريد (٣/ ١٠٨).\n (^٢) شعب الإيمان، البيهقي (٩/ ٤٢٣).\n (^٣) انظر: تحويل المرجعية التشريعية في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، طارق البشري، مجلة الأزهر، الجزء ١١، السنة ٨٥، (ص ٢٣٩٣).\n (^٤) انظر: تاريخ الإصلاح في الأزهر، عبد المتعال الصعيدي (٧).","vol":"1","page":29},{"text":"ولا ريب أن أزمنة الضعف هذه تورث فتورًا عامًا تتسرب أدواؤه إلى كافة مجالات الحياة، بما في ذلك حركة العلم والفقه ذاته. وقد بعث الشيخ محمود شكري الآلوسي (ت ١٣٤٢ هـ) إلى صديقه الشيخ جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢ هـ) رسالة جاء فيها: (والعبد الفقير يعتذر إليكم من قلة المخابرة تلك المدة المديدة، لما هو فيه من الغوائل والمشاغل الظاهرة والباطنة، فإن القلب قد اعتل لما عرى المسلمين وبلادهم من البلاء، وما صحَّ جسمٌ إذا اعتل قلب، حتى لم يبق لي ميل لمطالعة كتاب ولا سماع مسألة علمية ولا مكالمة مع أحد، فالبلاء قد أحيط بالمسلمين وبلادهم، والخطر أحاط بنا، لا سيما العراق، ونرى الأوغاد هم الذين يسلطون عدوهم، وما ندري ما الله صانع) (^١).\nفإذا كانت الشريعة مستبعدة عن الحكم والقضاء، وكان التعليم الديني في أزمة، وكانت الفتوى تستعمل في أحيان كثيرة سلاحًا لإدارة الخصومات الفكرية والسياسية مما دفعنا إلى حالة من الفوضى الإفتائية (^٢)، وكانت الدعوة تعاني من نقص وخلل في فقه الأولويات والموازنات، فما الذي يدفعنا إلى الجزم بأننا نعيش عصر (التجديد الفقهي)؟\nولا بد من التنبيه هنا إلى أن هذه المقدمة لا تتضمن موقفًا جبريًا ولا تقريرًا لواقع فاسد، لكنها وصف لما عليه الحال، وكما\n_________\n(^١) انظر: الرسائل المتبادلة بين جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الآلوسي (٢٢٣).\n (^٢) انظر: فوضى الإفتاء، د. أسامة الأشقر (٨).","vol":"1","page":30},{"text":"أن الواقع له تأثيره على الفقه فإن للفقه تأثيره الكبير على الواقع، والفقيه مأمور ببيان الحق والنصيحة للأمة على كل حال، لكن أول خطوة في طريق الإصلاح أن نعلم أننا بحاجة حقيقية إليه، وأن نملك العزيمة على القيام بأعبائه، وأن نفقه حقيقة الإصلاحٍ المنشود وأن يصدر عن وعي حقيقي بالذات، وأن يكون إصلاحًا شاملًا بمفهومه الأصلي لا بمفهومه المستعار، حتى إذا خطونا في الإصلاح خطوة عرفناها وحمدناها ودفعتنا للمضي في السبيل ذاته.\nوقد مر آنفًا في التقسيم المذكور أن من مظاهر التجديد ما هو تجديد فعلي لنا أن نستبشر بمثله، وإن كان لنا أن نختصر الحال في عبارة موجزة فلتكن في قول الشيخ عمر الأشقر (ت ١٤٣٣ هـ): (والمتأمل في هذا العصر يحزن أحيانًا للحال التي وصل إليها الفقه الإسلامي، ويسر أحيانًا لوجود أمور جيدة تبشر بنهضة الفقه، وعودة الحياة إليه) (^١).\nوتقرير مثل هذه المقدمة أمر له ضرورته بين يدي الحديث عن إصلاح الفقيه؛ لأن التشخيص أول خطوات العلاج، ووصفُ بعض الفساد الذي نعيشه باسم الإصلاح فيه غش وتضييع للأمانة، وهذا ما دفع الشيخ وهبة الزحيلي أن يصف هذه المرحلة بأنها: (مرحلة العبث بالفقه الإسلامي تحت مظلة التجديد والمعاصرة) (^٢). فإن من الناس من ظن أن الإصلاح إنما يتأتى\n_________\n(^١) تاريخ الفقه الإسلامي (١٨٥).\n (^٢) تجديد الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي وزميله (٢٠٩).","vol":"1","page":31},{"text":"بهدم القديم والإعراض عنه، مع أن أولى خطوات التجديد هي قتل القديم بحثًا كما يقال. والمعهود في بابة التجديد أن يضيف إليه الفرد بعد الفرد بامتداد الزمان، غير أن هذا العصر الذي يشهد ضعفًا علميًا واضحًا شهد ظاهرة غريبة، تتمثل في تسلط أناس من غير المتخصصين في الشريعة على علوم الشريعة واعتدائهم عليها بالتبديل والتحريف وإسقاط مفاهيم ونظريات غريبة مستوردة من منظومة معرفية مختلفة في غير مجالها، ليخرجوا بعد ذلك بآراء شديدة الغرابة يستهجنها المتفقه المبتدئ فضلًا عن الفقيه المنتهي، ثم ليصفوا هذه الآراء بأنها تجديد وإصلاح (^١). وهذا ما يدعو إلى الحذر في التعامل مع دعاوى الإصلاح، وألا تقبل دعوى إلا بشهادة الفقهاء العدول الأثبات الذين يشهدون لها بأنها خطوة مسددة في سبيل إصلاح فقهي شامل.\n_________\n(^١) انظر: آل حم الشورى الزخرف الدخان، د. محمد أبو موسى (٥).","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول\nموقع الفقه في خطة الإصلاح</span>\n «وكيف يستقيم أن يكون الإسلام شريعة ثم لا يكون له حكومة تنفذ تلك الشريعة؟»\nالطاهر بن عاشور\n [نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم: ٢٥]\n «قلما تغلغل الشرع في حياة أمة وفي فكرها هذا التغلغل العميق مثلما فعل في الأدوار الأولى من المدنية الإسلامية».\nهملتون جب [دراسات في حضارة الإسلام: ٢٦٣]\n «إننا نكاد نجزم بأن الجبر العربي يدين في وجوده للفقه والفقهاء».\nد. محمد عابد الجابري [تكوين العقل العربي: ٩٩]\n «ولا يمكن أن يكتب تاريخ الموسيقى بعيدًا عن تاريخ الكنيسة في الغرب».\nعصام الزفتاوي [رؤية للموسيقى من منطلق حضاري إسلامي، مجلة المسلم المعاصر: ٩٥: ٩٥]\n «عناصر الحضارة مظهر خارجي لروح الأمة».\nغوستاف لوبون [السنن النفسية لتطور الأمم: ٧٣]","vol":"1","page":33},{"text":"الإصلاح يعني: استقامة الأشياء وإقامتها وفق المصلحة ومقاومة الفساد والإفساد، ويدخل في ذلك إصلاح الأديان والأبدان والعقول والأعراض والأموال، فهذه أمور أصلحها الله ﷻ ببعث الرسل وإنزال الكتب ونهى عن إفسادها ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] (^١).\nوالنظرة إلى معنى الإصلاح لا بد أن تكون نظرة عامة شاملة لا تلتفت إلى جانب من الإصلاح فتقصر اسمه عليه، ولا تسمي الإفساد إصلاحًا، فإن اسم الإصلاح اسم حسن والجميع يدعونه لأنفسهم، حتى الذين يمارسون الفساد بأبشع صوره ينسبون أنفسه إلى الإصلاح.\nيقول الله ﷻ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]، وقال جل جلال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى\n_________\n(^١) انظر: سنن الله في الأمم من خلال آيات القرآن الكريم، د. حسن الحميد (٣٠٧).","vol":"1","page":34},{"text":"وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦].\nوهذه المنازعة في اسم الإصلاح تُحتِّم علينا أن نرجع إلى تحقيق اسم الصلاح والإصلاح في القرآن الكريم، وأن نعتمده أصلًا تبنى عليه خطة الإصلاح الشاملة والمتكاملة، وأن نرفض أي مفهوم آخر لاسم الإصلاح؛ لأنه لن يكون إصلاحًا شاملًا، بل إنه مهما اشتمل عليه من حقائق الإصلاح فإنه يبقى إصلاحًا ناقصًا غير تام. فإن الصلاح كل الصلاح لا يكون إلا في اتباع أمر الله تعالى وشرعه، وهذا الصلاح صلاح حقيقي في الأنفس والحياة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والأخلاق والبر والبحر، وهذا المعنى من المعاني القطعية في كتاب الله، كما في قول الله ﷻ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقوله ﷻ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٥٦، ٦٦]، وقوله ﷻ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. وأما الذي يتنكب سبيل القرآن في بيان حقيقة الإصلاح ويضع لاسم الإصلاح شروطًا مدنية دنيوية لا تضع أمر الدين والآخرة في حسبانها فلا يمكن أن يوصف بالاسم المطلق","vol":"1","page":35},{"text":"للإصلاح، وينبغي لفقهاء الشريعة أن يبينوا هذا الأمر ويوضحوه فإنه من محكمات الدين ولا يأخذهم عنه الحديث الملجلج.\nإن من أعظم الفساد الذي دخل على حياة المسلمين في عصورهم الحديثة ما اجترحته يد المحتل الأوروبي من جريمة إقصاء الشريعة عن الحكم والإدارة في بلدان المسلمين وإحلال القوانين الوضعية مكانها، ومن حل المؤسسات القديمة وإبطال الأوقاف أو تجميدها، ومن فرض الأنظمة الأوروبية في السياسة والتعليم والقضاء والإدارة. لقد دمر المحتلون الغزاة البنية التحتية التي قامت عليها حضارة المسلمين ومعاشهم على نحو انتقلت فيه الحياة العامة من فوضى منظمة إلى تنظيم فوضوي لم يجن منه المسلمون إلا لمزيد من الفساد والظلم والأمية والتبعية، وأصبحت أرضهم الثرية منجمًا للمحتل ينهب خيراتها ثم يجعل منها سوقًا لمنتجاته، ويفرض عليها من قوانينه وأنظمته وعملائه ما يكبلها به عن الحركة ويعيقها عن النهوض، وإذا ما ارادت النهضة فإنه يلزمها بنموذجه في النهضة، وهو ذات النموذج الذي به تمكن من إعاقتها وأسرها، فليس من مصلحة المحتل ولا من أهدافه أن يدعم التنمية الاقتصادية والحياة الكريمة في البلاد التي احتلها، بل ذلك يتعارض تعارضًا مباشرًا مع أهدافه ومصالحه (^١).\n_________\n(^١) انظر: الإسلام وأوضاعنا القانونية، د. عبد القادر عودة (١٣٤)، خرافة التقدم والتأخر، جلال أمين (٢٧)، الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، د. محمد سراج (٨)، الفقيه والأزمنة المعاصرة، معتز الخطيب، ضمن بحوث ندوة التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي المعاصر (٩٠٢)، مفهوم الفقه الإسلامي، نظام الدين عبد الحميد (٩) ومضات فكر، الفاضل بن عاشور (١/ ١٥٠).","vol":"1","page":36},{"text":"إن الشريعة لهي روح الأمة وحياتها وبها تكون نهضتها وحضارتها، والذين ينادون أمتهم للعودة إلى شريعتها هم المصلحون حقًا، وهم الذين يريدون لها أن تتصالح مع ذاتها لتنسجم أجزاؤها وتهتدي في ظلمات التيه الذي أوردها موارد الفرقة والشتات. وما لم يصدر نظام الأمة وقانونها من دينها وشريعتها فستظل محاولات الإصلاح فيها محاولات ترقيعية شكلية جزئية ليس لها روح جامعة (^١).\nومن أمثلة الفساد الناتج عن فرض قانون لا يلائم مزاج الأمة وطبيعتها ما جرى من استبدال القانون الفرنسي بالشريعة الإسلامية في مصر وغيرها، ومما جاء فيه في قانون العقوبات على سبيل المثال تعريف جريمة الزنى بأنها خيانة العلاقة الزوجية، وما يجري من زنى خارج هذا الإطار فإنه لا يكون جريمة إلا إذا كان أحد الطرفين قاصرًا أو وقع الزنى بغير رضاه، وهذا التعريف للزنى في القانون الفرنسي يخالف تعريف الزنى لدى المسلمين وهو الوطء في غير حلال مطلقًا، ولا شك أن التعريف الفرنسي بالإضافة إلى مخالفته للتعريف الفقهي فإنه مصادم لمزاج المسلمين وقميهم وفطرتهم وطبيعتهم الراسخة، وما لم يوجد سبيل صحيح لتطبيق الحكم الشرعي الملائم لمزاجهم الراسخ فسيفضي ذلك إلى فساد عريض، ومن ذلك ما يسمى في\n_________\n(^١) انظر: حتى لا تظل الشريعة نصًا شكليًا، د. علي حسنين حماد (٢٤).","vol":"1","page":37},{"text":"بعض البلدان العربية بـ (جرائم الشرف)، وهي جريمة أخرى نتجت من العبث بهوية الأمة وأخلاقها الراسخة (^١).\nوما هذا المثال إلا صورة مصغرة لما يؤول إليه الوضع العام عندما تهجر الشريعة التي لا يستقيم نظام الأمة إلا بها، ويستورد قانون نشأ وترعرع في بيئة مخالفة في الدين واللغة التاريخ والقيم.\nإن شرائع الإسلام روح وحياة وأحكام ذات شعب متفاوتة، امتزجت بتصورات المسلمين ووجدانهم وأنظمة دولتهم وأشكال حضارتهم، ولا يمكن في بدائه العقول وطبائع الأشياء أن تنجح فيهم دعوة إصلاح لا تكون صادرة عن هذه الشرائع، وحتى تكون محاولات الإصلاح هذه إسلامية فعليها أن تحافظ على ثوابت الشريعة وتنطلق من قواعدها الأساسية ونظامها الشامل (^٢).\nونحن في هذا الزمان بأشد الحاجة إلى حركة اجتهادية نشطة تواكب المد الحضاري الكبير الذي تنهال أشكاله على الأمة من كل اتجاه؛ لأن استعمال هذه الأشكال دون فحص عن روحها التي أنتجتها من أسباب طروء الخلل على روح الأمة المستورِدة.\nوأما ظن بعض الناس أن الحضارة مادة مشتركة لا روح لها فهذا من الخلل الكبير، بل بين الحضارة وبين دين الأمة وثقافتها ارتباط وثيق، ويمكن التمثيل لهذا بفن العمارة في الحضارة\n_________\n(^١) انظر: الإسلامية نظام مجتمع ومنهج حياة، أنور الجندي (٦٩).\n (^٢) انظر: الاجتهاد الفقهي المعاصر بين جدلية المرجع والواقع، بشري الشقوري، مجلة الإحياء المغربية (٢٠: ٨٣).","vol":"1","page":38},{"text":"الإسلامية وغيرها من الحضارات، فالعمارة سياق فكري لا يشذ عن مجمل السياقات الفكرية، وهي منبثقة من قيم الحضارة وتراثها وخصوصيتها وبيئتها، ونقلها إلى حضارة أخرى؛ يعني: نقل شيء من روحية تلك الحضارة (^١). وإذا ما تأملنا في بناء المدن الإسلامية القديمة وجدنا الأثر الكبير للتصورات الشرعية والأحكام الفقهية في إنشائها وتصميمها، كمركزية المسجد الجامع وتنظيم عرض الطرقات واشتمالها على المرافق والمنشآت الضرورية كالمدارس والأسواق والحمامات، بالإضافة إلى دور الأوقاف في إدارة الحياة الاجتماعية فيها، بل ربما كان الوقف سببًا في إنشاء المدينة ذاتها، مثل ما حصل في إنشاء مدينة سراييفو وتيرانا وغيرهما (^٢). كما أن هناك الكثير من الأحكام الفقهية التي تنظم العمران وتلائم روح الدين وطبيعة المجتمع في الوقت نفسه، كإقرار حق الشفعة الذي يعطي الجار أولوية في شراء حصة شريكه من العقار بمثل ثمنها (^٣)، مما يضفي نوعًا من الانسجام الاجتماعي في الجوار (^٤)، وكطائفة من الأحكام الفقهية\n_________\n(^١) انظر: العمارة الإسلامية سجالات في الحداثة، علي ثويني (٢٥٣).\n (^٢) انظر: الأوقاف والمجتمع، د. عبد الله السدحان (٣٠)، الوقف في العالم الإسلامي ما بين الماضي والحاضر، محمد الأرناؤوط (١٠٣)، ويروي الجزنائي في كتابه: جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس (٢٢): أن الإمام إدريس عندما عزم على بناء مدينة فاس رفع يديه إلى السماء ودعا: «اللَّهُمَّ اجعلها دار علم وفقه يتلى بها كتابك وتقام بها سُنَّتك وحدودك واجعل أهلها متمسكين بالسُّنَّة والجماعة ما أبقيتها».\n (^٣) انظر: الكافي، ابن قدامة (٣/ ٥٢٧).\n (^٤) انظر: دراسة التحيز في التصميم المعماري، م. سهير حجازي، ضمن بحوث: إشكالية التحيز في الفن والعمارة (١٠٠).","vol":"1","page":39},{"text":"التي تنظم عملية البناء ذاتها كضابط تعدد الطوابق وسعة الطرق وتدبير مجاري المياه وإصلاح المراحيض وتدبير الضوء والهواء واحترام الخصوصيات والحفاظ على الحرمات وغير ذلك من الأحكام (^١).\nوالمقصد هنا بيان أثر الفقه في صناعة الحياة الاجتماعية واستقرارها، ودوره في صياغة الهوية الذاتية للأمة وتعزيزها، بل لقد كان الفقهاء حريصين على عدم الإخلال بالموازنات الاجتماعية حتى على مستوى المذاهب الفقهية المستقرة في البلدان، وقد اشتهر عن الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) قوله للمنصور (ت ١٥٨ هـ) لما هم بحمل الناس على كتاب واحد: (يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل\n_________\n(^١) يتناول الفقهاء أحكام البنيان في مؤلفات مستقلة، كما يتطرقون إليها في مناسباتها من الكتب والأبواب الفقهية المختلفة؛ كباب الصلح وغيره، وانظر: أثر الفقه الإسلامي في التهيئة العمرانية للمدن العريقة، عبد الرزاق وورقية، مقال منشور في موقع (الألوكة) في الشبكة العالمية. ومن طريف الموافقات أن هناك شبهًا بين تكون المدينة الإسلامية ونشأة الفقه الإسلامي، كما أن هناك شبهًا بين تكون المدينة الغربية ونشأة التقنينات الغربية الحديثة، حيث تعتمد المدينة العربية التقليدية في تصميمها على عادات الاستعمال لقاطنيها وتتكون شيئًا فشيئًا لتكون ملاقية لأعراف الناس وحاجاتهم، بخلاف المدينة الغربية المعاصرة التي يعتمد تصميمها على تكوين الفكرة مقدمًا وفرضها على التشكيل. انظر: دراسة التحيز في التصميم المعماري، م. سهير حجازي، ضمن بحوث: إشكالية التحيز في الفن والعمارة (٨٤).","vol":"1","page":40},{"text":"بلد لأنفسهم) (^١). وقد ورث فقهاء المالكية هذا الفقه عن إمامهم وظهر أثره في فتاويهم وأقضيتهم والتزم به ملوكهم وأمراؤهم فمنعوا الناس في بلادهم من الخروج عن مذهب مالك لأجل الاستقرار الاجتماعي (^٢)، وقد ظهر مؤخرًا حرص وتأكيد سياسي على الهوية المالكية لبعض بلدان المغرب لأسباب لا تخفى على متابع (^٣).\nكما كان لفقهاء المالكية دور في مكافحة المد الشيعي والإباضي الذي عصف ببلاد الغرب زمنًا واستطاعوا الحفاظ على المذهب السني بالرغم من الاضطهاد الشديد الذي عانوه من العبيديين وغيرهم (^٤)، وقد ظهر أثر ذلك في مدونات الفقه وكتب النوازل، كما ظهر في نوع من الصرامة في الجدل الفقهي عندما\n_________\n(^١) انظر: ترتيب المدارك، القاضي عياض (٢/ ٧١).\n (^٢) انظر على سبيل المثال: المعيار المعرب، الونشريسي (٢/ ١٦٩) و(١٢/ ٢٦)، تاريخ المغرب الإسلامي والأندلس في العصر المريني، د. محمد الحريري (٣٤٠)، المدارس العتيقة بالمغرب، د. جميل حمداوي (بحث منشور على الشبكة العالمية بموقع دروب)، وللدكتور محمد الروكي في ذلك رسالة صغيرة سماها: (المغرب مالكي.. لماذا؟)، وقد فسر كولسون ما يسمى قفل باب الاجتهاد بأن الغرض منه كان استقرار النظام الاجتماعي والوقوف عند السوابق كما يوجد في باقي بلاد العالم، فالقانون ينبغي أن يستقر ما دام موافقًا لنظام المجتمع، انظر: نقاط التجاذب والخلاف في الفقه الإسلامي، كولسون، مجلة المسلم المعاصر (٣: ١٥٠).\n (^٣) انظر: إشكالية الوظيفة الدينية في الدولة المعاصرة، امحمد جبرون (١٢).\n (^٤) انظر: الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين، محمد محمود بن بية (٢٩٥)، وهذه المقاومة العلمية والفقهية من قبل علماء السُّنِّة للمذهب الشيعي تكررت في أمكنة وأزمنة مختلفة، كالعراق زمن البويهيين، ومصر أيام العبيديين، وغير ذلك.\nانظر مثلًا: الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، د. رشاد معتوق (٣٩٥).","vol":"1","page":41},{"text":"يتعلق الخلاف الفروعي بطائفة مخالفة في الأصول، وربما زالت هذه الصرامة وخفَّت حدتها بعد زوال الهيمنة السياسة للطائفة المخالفة (^١).\nويشرح الشيخ عبد الله كنون (ت ١٤٠٩ هـ) في كتابه «النبوغ المغربي» كيف أسهم الفقهاء قبل ذلك في تثبيت الإسلام ونشره في بلاد المغرب أول مرة، وأن المغاربة لم يعادوا الإسلام في أول الأمر ولم يقاوموه تلك المقاومة العنيفة، إلا لجهلهم بحقيقته وعدم إحاطة علمهم بمحاسنه ومزاياه. وقد فطن لذلك الولاة العرب بعد حين، فرتبوا لهم الفقهاء والقراء يلقنونهم العربية ويبصرونهم بالدين، فأنزل عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ) فإفريقية والمغرب عشرة من الفقهاء يعلمون الناس القرآن ويفقهونهم في الدين، وكذلك فعل موسى بن نصير (ت ٩٧ هـ) فرتب عددًا من القراء والفقهاء للغرض نفسه، فلما اكتنهوا كنه الإسلام وعرفوا حقيقته وتمرسوا بتعاليمه السامية وآدابه العالية، أصبحوا من أكبر دعاته وأحمى أنصاره، فجاهدوا في سبيله الجهاد الأكبر وبذلوا النفس والنفيس لإبلاغ دعوته إلى أقاصي البلاد، فهم الذين فتحوا الأندلس وسهلوا طريقها للعرب، ومازالوا بعد ذلك حاميتها وذادتها إلى آخر العهد بها، وهم الذين اقتحموا مجاهل إفريقية وحملوا إليها الهداية الإسلامية والثقافة العربية (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الفكر التشريعي وأسس استمرار الإسلام، د. المبروك المنصوري (١٦٧).\n (^٢) انظر: النبوغ المغربي (١/ ٤١).","vol":"1","page":42},{"text":"فالفقه له دوره الكبير في صناعة الحياة الاجتماعية وتنظيمها على هيئة تصبح بمرور الزمن من الأحوال الراسخة التي يصعب نقلها، ولما حاول العثمانيون تغليب المذهب الحنفي في تونس على المذهب المالكي السائد فيها، وإدخال اللغة التركية في الزيتونة نجم من ذلك فوضى واختلال (^١).\nوإذا كان هذا الرسوخ والاستقرار الاجتماعي يمكن أن يصيبه نوع من الخلل في حالة فرض مذهب فقهي على بلاد يغلب فيها مذهب آخر مع أنها مذاهب فقهية شرعية معتبرة، فكيف إذًا هي الحال عندما يفرض قانون أجنبي (غريب الوجه واليد واللسان) على بلاد وبيئة تختلف تمامًا عن بيئة القانون وبلاده؟\nإن المجتمعات الإسلامية مجتمعات مؤمنة، وللدين والأخلاق وأصول الاعتقاد الأثر الأكبر في صياغة تصوراتها ووجدانها، وليست سلطة القانون الإلزامية وحدها هي من يحملها على الخير والصلاح، بل إن حالة التدين الجماعي وواعظ الله في قلب كل مؤمن والاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتربية الوالدين وحقوق النصيحة، كل أولئك من المؤثرات الكبيرة في استقامة المجتمع وصلاحه، وإذا عزلت هذه المؤثرات عن دورها وجرى استيراد قانون أجنبي لا يتلاءم معها فهذا من أسباب الفساد المشرعة مهما وصفت تلك القوانين باسم الإصلاح.\n_________\n(^١) انظر: التفكير الإصلاحي في تونس في القرن التاسع عشر إلى صدور قانون عهد الأمان، رشاد الإمام (١٨٤).","vol":"1","page":43},{"text":"إن الفقه لا يعمل وحده دون منظومة من التدين والأخلاق والوازع النفسي والجماعي، ولو أخذت فرنسا أو سويسرا بأحكام الشريعة فإنها لن تحقق ذات الآثار التي تحققها في مجتمع مسلم مؤمن (^١)، وبهذا ندرك جيدًا أن تطبيق شرع الله ﷻ ليس مجرد مسألة فقهية أو قانونية، بل هو حل نفسي واضح وعودة إلى الذات، وهو حجر الزاوية للخروج من حالة التيه والشتات واستعادة الهوية التي عبث بها المحتل ووكلاؤه (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه، مصطفى الزرقا (١٥)، هوامش على دفتر الفقه، د. عبد الحليم عويس، مجلة المسلم المعاصر (٦: ١١٩).\n (^٢) انظر: نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، د. وائل حلاق (٢١).","vol":"1","page":44},{"text":"الإصلاح شعار الأنبياء به بعثوا وبه تنزلت الكتب ونصبت الشرائع، وشريعة الإسلام مشتملة على جلب المصالح كلها وعلى درء المفاسد بأسرها، وفيها الخير كله والصلاح كله، وهذه المصالح منها ما يعرفه الذكي والبليد ومنها ما يختص بمعرفته الأذكياء ومنها ما يختص أهل العلم والإيمان بمعرفته كما قال الله ﷻ: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»، فإن العالم المؤمن يهتم بمعرفة حكم الله وشرعه فيكون بحثه أتم واجتهاده أكمل، كما أن العالم المؤمن يوازن بين المصالح والضروريات فلا يأخذه الالتفات إلى أحدها والانشغال به عن بقية المصالح، فإن من الناس من يلتفت إلى مصالح الدنيا ويهمل مقاصد الآخرة مع أنها مقدمة عليها، ولذا شرع الجهاد مع ما فيه من فوات مصالح الدنيا. وقد فصَّل الفقهاء في مراتب المصالح وأفاضوا في دقائق قواعد الموازنات والمفاضلات، والمصالح في جملتها ترجع إلى خمسة مصالح وهي الدين والنفس والعقل والعرض","vol":"1","page":45},{"text":"والمال، وقد جاءت الشريعة بحفظ هذه المصالح من جهة إقامتها وإنشائها ومن جهة حراستها والحفاظ عليها، وتفاصيل الفقه وفروعه ترجع مآلاتها إلى هذا المعنى (^١).\nوهذه المصالح لا تنافي قضايا العقول ولا تأتي بما يخالفها، فإن هذه الشريعة الخاتمة شريعة كمال وجمال وما جاء فيها من الشرائع فهي شرائع موافقة لمصلحة البشر وفيها الرحمة والخير والنعمة التامة. قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ) في قول الله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]: (أي: بإكمال الشرائع والأحكام) (^٢) ولئن شرع الله ﷻ على بعض الأمم شرائع فيها عنت ومشقة على سبيل العقوبة لهم، فإن هذه الأمة أمة مرحومة لم يكلفها الله تعالى فوق طاقتها ولم يحمل عليها إصرًا كما حمله على الذين من قبلها ولم يشرع لها إلا ما فيه مصلحتها ونفعها في الدنيا والآخرة (^٣)، وأما ما قد يعرض لبعض العقول من الاعتراض على بعض الشرائع فإن وقوع هذا لا بد منه، فإن الفساد يتطرق إلى العقول كما يتطرق إلى الأبصار والأسماع فيرى الشيء بخلاف ما هو عليه.\nقال مسكويه (ت ٤٢١ هـ): (ليس يجوز أن ترد الشريعة من قبل الله تعالى بما يأباه العقل ويخالفه، ولكن الشاك في هذه\n_________\n(^١) انظر: قواعد الأحكام، العز بن عبد السلام (١/ ٣٨)، الموافقات، الشاطبي (٢/ ١٨)، الجواب الصحيح، ابن تيمية (٥/ ٤٤١).\n (^٢) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٩٣).\n (^٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (١٩/ ٢٥) و(٢٠/ ١٩٩).","vol":"1","page":46},{"text":"المواضع لا يعرف شرائط العقل وما يأباه، فهو أبدًا يخلطه بالعادات ويظن أن تأبِّي الطباع من شيء هو مخالفة العقل. وقد سمعت كثيرًا من الناس يتشككون بهذه الشكوك وحضرت خصوماتهم وجدالهم فلم يتعدوا ما ذكرته) (^١).\nوالفقهاء في ممارساتهم الفقهية المختلفة يتدربون ويتفقهون على إدراك المصالح واعتبارها، وهذه المصالح التي يتطلبونها مصالح بينت الشريعة أصولها وسبل الاهتداء إليها، ولئن اختلفت القوانين الحديثة في المرجعية المعيارية التي تبني عليها القوانين فإن مبنى هذه الشريعة على محكمات الدين وأصوله، وهذا ما يعصم مسار الإصلاح بعمومه من المتاهات التي ضلت فيها عقول الذين لا يؤمنون بالدين ولا يحتكمون إلى شرع الله وأمره، فإن صحة التصورات ومتانة البناء الأخلاقي ورسوخه قاعدة تبتني عليها الأحكام والشرائع، وأهدى العقول هي العقول التي تتصالح مكوناتها الاعتقادية والأخلاقية والقانونية، وشريعة الإسلام أقوم الشرائع في هذا وأعدلها؛ لأنها شريعة الله الذي له الخلق والأمر، والذي فرض أمره ونهيه على مقتضى ما أجرى به خلقه من السنن، وجبل عليه الناس من الطبائع (^٢).\nإن طبيعة الفقه طبيعة إصلاحية، وهو لا يكتفي بالفعل\n_________\n(^١) الهوامل والشوامل (٣٥٤)، وانظر: الموافقات، الشاطبي (٣/ ٢٠٨).\n (^٢) انظر: استثمار النص الشرعي على مدى التاريخ الإسلامي، أبو الطيب مولود السريري (٢٣٥)، الخطاب الديني بين تحديث الدخلاء وتجديد العلماء، د. محمد نعيم ساعي (١٦٥).","vol":"1","page":47},{"text":"السلبي كحال القوانين التي تفصل بين الناس عندما يتنازعون ويتخاصمون، بل يمارس دوره الإيجابي الفعال في الإصلاح، وكذلك الدولة التي تقوم بالشريعة فإنها ليست ذات غاية سلبية بحيث تقتصر مهمتها على حماية الناس من العدوان وحفظ حرياتهم أو الدفاع عن الدولة نفسها، بل غاية الدولة في الإسلام إيجابية تدعو إلى الخير وتنهى عن الشر وتتمثل قول الله ﷻ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] (^١). وإطلاقات الفقهاء في أن من أغراض الخلافة أو الإمامة أو الدولة حراسة الدين (^٢)، ليس مقصودهم منها الجانب السلبي للحراسة والمفهوم السلبي للدولة بقصر وظيفتها على الرعاية والتمكين، بمعنى حماية الحريات الفردية بمفهومها التقليدي وتمكين الأفراد من ممارستها وفق ما تمليه عليهم رغباتهم، فإن مفهوم الدولة ووظائفها في الإسلام يؤخذ من الشريعة ذاتها، ومن ذلك حراسة الدين بحفظه ونشره والدعوة إليه وإنفاذ شرائعه، واستخدام القوة في تحقيق هذه المقاصد العليا، وهذه جوانب إيجابية توضح رسالة الدولة وغايتها الإصلاحية في الإسلام، حيث تقيم المجتمع كله على أسس إسلامية في الحكم والإدارة والسياسة، وفي العلوم والفنون والآداب، وفي الاجتماع والاقتصاد (^٣).\n_________\n(^١) انظر: نظرية الإسلام السياسية، المودودي (٤١).\n (^٢) انظر على سبيل المثال: الأحكام السلطانية، الماوردي (٣).\n (^٣) انظر: الإسلام وأوضاعنا القانونية، د. عبد القادر عودة (١٠٥)، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، د. فتحي الدريني (١٧٩)، نظرية الإسلام السياسية، المودودي (٤١).","vol":"1","page":48},{"text":"إن الإصلاح في الإسلام إصلاح شمولي، ولا يمكن الفصل في منهاج الشريعة بين إصلاح الإنسان وإصلاح الدين وإصلاح العلاقة مع الله ﷻ، والرؤى التي تحاول الفصل هي رؤى متأثرة بمفاهيم أجنبية للإصلاح لا يتم بها الصلاح الحقيقي، ولذا فإننا نلحظ أن الإصلاح فيها يشتمل على نوع من الفساد يلازمه أو يقتضيه، وتظل فلسفات البشر تلاحق متوالية الفساد هذه في غفلة عن القانون الرباني الذي لا يجري الصلاح التام إلا به.\nيشير إدغار موران في كتابه «هل نسير إلى الهاوية» إلى أن هناك صلة متينة لا تنفك عراها بين المسلسلات السالبة والمسلسلات الموجبة، فالتوحيد التقني والاقتصادي الذي أحدثه الغرب يؤدي على الصعيد العام إلى تشرذم وعنصرية، والليزر يقتل ويشفي، والتقنيات المتناهية في الصغر تبشر وتنفر، والتقدم العلمي أدى إلى إنتاج السلاح النووي وانتشار أسلحة القتل الجماعي، وعولمة السوق الاقتصادية صنعت جزرًا صغيرة للثراء والرخاء توازيها مناطق للبؤس تتكون في مدن الصفيح حول التجمعات السكنية في أنحاء المعمورة، بالإضافة إلى تفكك أشكال التكافل التقليدية وتفشي الفساد والجريمة والمخدرات، فتزوال أشكال من التعاسة البشرية لتخلفها أشكال أخرى، وتحدث أشكال جديدة من الاحتقار لتخلف أشكالًا قديمة منه (^١).\n_________\n(^١) انظر: هل نسير إلى الهاوية (١٥٨ - ١٦٣).","vol":"1","page":49},{"text":"ويتساءل هشام جعيط: (القاهرة مدينة يحلو فيها العيش أكثر من نيويورك أو لوس أنجلس. لكن الإشكال الكبير هو التالي: إذا ما نمت بلداننا وصارت في مستوى أوروبا مثلًا، ألا يقع تغيير في تضامن العائلة وتستفحل الفردية كما في أوروبا وأكثر من ذلك في أمريكا؟ ألم تكن الحضارة الغربية قبل حينٍ هي أيضًا متضامنة محترمة للشيوخ والآباء ثم تطورت إلى القسوة والفردانية؟ هذا ما أراه محتملًا فيما يخصنا؛ أي: أن تأخرنا يحمينا في بعض الجوانب، لكن لن يقينا تقدمنا مما جرى في الغرب) (^١).\nوهذا الإشكال الذي يسميه كبيرًا مشكل جدًا؛ لأنه يتعامل مع الإنسان تعاملًا ميكانيكيًا موغلًا في المادية ويستبعد الفروقات الدينية الإيمانية من التأثير. وربما حصل شيء من هذه النتائج المتشابهة أو كثير منها ولكن علينا أن نتذكر جيدًا أن هذه التأثيرات لا تجري في مجتمعات تحكمها الشريعة بل في مجتمعات أقصيت الشريعة فيها عن الحكم، ومن الطبيعي أن ينتقل الفساد إذا وجدت أسبابه، ولكن هذا لا يعني أن هذه حتمية وصيرورة جبرية لا بد منها، فإن هذه آثار للعلمانية لكنها ليست آثارًا للإسلام.\nلقد عبر محمد أسد (ت ١٩٩٢ م) عن مخاوفه من أن يزول الاستقرار والتماسك الروحي الذي شاهده في بلاد العرب عندما تجتاحها المؤثرات الأوروبية (^٢)، وقد تحقق بالفعل جزء من تلك المخاوف، ولكن كل هذا يجري في بيئات غرس الاحتلال\n_________\n(^١) أزمة الثقافة الإسلامية (٣٦).\n (^٢) انظر: الطريق إلى الإسلام (١١٥).","vol":"1","page":50},{"text":"الأوروبي فيها الشتات والتمزق والضياع من خلال إحلال أنظمته وقوانينه فيها، أما حين تعود إلى ذاتها وشريعتها فسيعود إليها استقرارها وتوازنها وتكامل مكوناتها.\nإن الذين يقيسون مفاهيم الفقه والحضارة الإسلامية ويحاكمونها إلى مفاهيم فلاسفة السياسة الغربيين يتجنون عليها كثيرًا ويخطئون في فهمها ولا يتصورون مدى الفرق بين المنهج الإسلامي والرؤية الغربية للإنسان والدين والحياة، ولا يدركون الأثر الكبير للحقائق والمفاهيم الإسلامية العملية كـ: (الزكاة) و(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و(النفقات) و(الأوقاف) و(الاحتساب) و(البر) و(الصلة) وغيرها من الأسماء والحقائق الشرعية التي لها بالغ الأثر في حياة المسلمين. ويخطئون أيضًا عندما يتصورون أن للتقدم والتطور والحضارة صيرورة لا تتخلف ولا تختلف، مع أن المسلمين صنعوا حضارة عظيمة وكانوا مؤمنين في الوقت نفسه. لقد نظر هؤلاء إلى التصور الغربي لمفاهيم مثل: (الدولة) و(الحضارة) و(التقدم) فجعلوا منها قيمًا مطلقة عالمية مع أن جزءًا كبيرًا مما تتكون منه هذه المفاهيم مختص بالذين أنتجوها.\nإن مفهومًا كمفهوم (النهي عن المنكر) أو (الاحتساب) أو (النصيحة) على سبيل المثال لهو من المفاهيم المؤثرة في تحقيق الصلاح، وثمت فرق كبير بين المجتمع والحضارة التي تشتمل على هذا المعنى والمجتمعات الذي لا تشتمل عليه، وعند النظر في تاريخ المسلمين نلحظ: أن الاحتساب كان شعيرة إصلاحية عامة في شتى المجالات دون أن يقتصر على الشعائر التعبدية أو","vol":"1","page":51},{"text":"منكرات اللباس والمظهر أو أي مجال آخر محدود، فإذا أضيف إلى ذلك الإيمان بما وعد الله به المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من الحياة الطيبة والمعاش الصالح فإننا نعلم شيئًا من الفرق بين بيئة مؤمنة وأخرى كافرة (^١).\nلقد شرع الله ﷻ لنا من الدين ما فيه الصلاح التام لأحوالنا، وشرط تحقق النتائج بتمامها أن نمتثل لشروطها، فإن الفقه لن يؤتي ثماره التامة ما لم يُفعَّل في بيئته، أما إذا عزلناه عن التأثير وأقمنا له المجامع والمؤتمرات والفعاليات دون تكوين وتوليد وترسيخ آليات لتطبيقه في كافة شؤون الحياة فإننا لن ننعم بآثاره، ولا يعني ذلك أنه لن يجدي نفعًا ألبتة فإنه خير على كل حال، ولكن تمام هذا الخير في امتثال شروطه.\nيقول الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ): (فلو أن قومًا غير مسلمين عملوا في سيرتهم وشؤون رعيتهم بمثل ما أمر الله به المسلمين من الصالحات بحيث لم يعوزهم إلا الإيمان بالله ورسوله، لاجتنوا من سيرتهم صورًا تشبه الحقائق التي يجتنيها المسلمون؛ لأن تلك الأعمال صارت أسبابًا وسننًا تترتب عليها آثارها التي جعلها الله سننًا وقوانين عمرانية، سوى أنهم لسوء معاملتهم ربهم بجحوده أو بالإشراك به أو بعدم تصديق رسوله يكونون بمنأى عن كفالته وتأييده إياهم ودفع العوادي عنهم، بل يكلهم إلى أعمالهم وجهودهم على حسب المعتاد) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: المجتمع العربي من سيادة العلم إلى وحل الخرافة، يحيى بن جنيد (٩٧).\n (^٢) التحرير والتنوير (١٨/ ٢٨٤).","vol":"1","page":52},{"text":"لقد كانت سيرة الأئمة الفقهاء مثالًا حيًا ونموذجًا قائمًا على دعاة الإصلاح الذين يتمثلون الإصلاح في أنفسهم ثم يسعون بما حولهم نحو الصلاح، ولم تكن جهودهم الإصلاحية مقتصرة على التعليم والنصح والوعظ والتوجيه، بل كانوا يتولون المهام الإصلاحية المتنوعة على أكمل وجه، ولأجل هذا أحبهم الناس وكانت لهم عندهم تلك المكانة والوجاهة لما عاينوا من آثارهم الحميدة، فقد كانوا رعاة للمحرومين وحماة لهم، وأمناء على أموال الصدقات، وعرفاء على الأعمال العمومية، وكانوا يبذلون جاههم لخدمة الناس والشفاعة لهم عند أصحاب النفوذ، ويشعرون بالمسؤولية نحو الإنسان البسيط، وكانوا مفزعًا للضعيف والمظلوم وذي الحاجة (^١).\nوعند تتبع سير الفقهاء لا نجد مساعيهم في الإصلاح\n_________\n(^١) انظر: نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، د. وائل حلاق (٢٥١).","vol":"1","page":53},{"text":"مختصة بنوع أو مجال محدد كالمجال الديني على سبيل المثال، بل كانت مساعي متنوعة في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والأخلاق. فجهودهم في إصلاح اعتقادات الناس وتصوراتهم مشهورة ومستفيضة، ومن أمثلتها المشتهرة موقف الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) في فتنة القول بخلق القرآن ومقامه الكبير فيها، وهذا الموقف وغيره يدل على حرص الفقهاء الشديد على الحفاظ على صلاح التصورات العامة لما يتبني عليها من آثار عميقة في الواقع، فأعمال العاملين تجري على حسب معتقداتهم وأفكارهم، ولذلك كان من أسلوب الإسلام في الأمر بالأعمال الصالحة والنهي عن أضدادها أن يبتدئ بإصلاح العقائد والتصورات (^١).\nومن أمثلة ذلك أن الفقيه المالكي أبا عبد الله الحفار (ت ٨١١ هـ) سئل عن قراءة كتب الوعظ في المساجد فقال: (يشترط في ذلك أن يكون الواعظ من الكتاب أو مما يلقيه الواعظ من حفظه أن يكون صحيحًا لا ترده القواعد العلمية؛ لأن الكتب الموضوعة في الوعظ قد اشتملت على باطل كثير وعلى أمور شنيعة ومناكر فاحشة تضاف إلى الرسل والأنبياء، وعلى قصص باطل ترده القواعد العلمية، فمن أخذ في هذه الطريقة فليتخير ما يحفظ إن كان يعظ من كتاب، وهذا يحتاج إلى حظ وافر من الطلب) (^٢)، واهتمام الفقهاء بهذا تغني شهرته عن الإفاضة فيه،\n_________\n(^١) انظر: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ابن عاشور (١٠٨).\n (^٢) المعيار المعرب، الونشريسي (٧/ ١١١)، وانظر: المعيار المعرب (٦/ ٧٠).","vol":"1","page":54},{"text":"فقد كانوا موجهين للجماهير بمختلف شرائحهم الاجتماعية؛ لأن الفقه هو مادة التدين وهو شديد الحضور في المجال التربوي للأمة المؤمنة، وهذا ما يجعل من مركزهم شديد الخطر في الموقف الإصلاحي (^١).\nوكان للفقهاء كذلك الدور الأكبر في الإصلاح الاجتماعي على مستوى الأسرة أو ما هو فوقها من الروابط الاجتماعية المختلفة، وفي إصلاح العادات والأخلاق الاجتماعية وتهذيبها، وكان هذا الإصلاح بالمخالطة والوعظ والتأديب والتربية والنصيحة المباشرة لا بمجرد التصنيف في الآداب والأخلاق\n_________\n(^١) انظر: التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، د. فريد الأنصاري (١٢٩). وربما يُورد هنا أن إصلاح العقائد ليس من وظائف الفقيه بالاصطلاح المتأخر للفقه فما وجه إدخال إصلاحها فيما يهتم به الفقيه، فيقال هنا إن ثمت جوابين:\nفأما الجواب الأول: فأنه قد مر بنا أن اسم الفقيه لا يمكن أن يتحقق معناه كمال التحقق إلا في فهم الدين بوجه عام ومن ذلك علم الحلال والحرام وأصول الدين وغيرهما، والفقيه الذي هو المجتهد لا يتوصل إلى منهجية اجتهادية عامة ما لم يكن له تضلع في ذلك كله، وهذا أمر قد سبق بيانه.\nوأما الجواب الثاني: فهو أن مسائل الاعتقاد مفتقرة بدورها إلى فقه في تحقيقها على الوقائع فيما يتعلق بأفعال المكلفين والحكم عليها، فإن قواعد العقائد وإن علمت بالاستدلال لها واستقراء كلام السلف فيها إلا أن تحقيق هذه القواعد وتنزيلها من قبيل مسائل الفقه التي تحتاج إلى فهم عميق للقاعدة وفهم للواقعة ومعرفة بسبيل التنزيل، وليست كالمعادلات الحسابية التي تؤدي إلى نتائجها بالضرورة، بل هي قضايا فقهية تحتاج إلى فقه في تنزيلها ولا يكون ذلك متاحًا لكل أحد، والغفلة عن هذا المعنى من أسباب الفوضى التي تحصل في أمثال هذه المسائل لا سيما مسائل الإيمان والكفر والأسماء والبدعة والتعامل مع المخالف وما يترتب عليها من الأحكام.","vol":"1","page":55},{"text":"النظرية فحسب كشأن الفلاسفة، بل هم مخالطون للناس ومتصلون بكافة الشرائح الاجتماعية، مما يجعل لكلمتهم عميم النفع وكبير الأثر (^١).\nوأما دور الفقهاء في الإصلاح السياسي فقد تقدم بيانه وأمثلته أكثر من أن تحصى، سواء كان دورًا بالمعنى الإيجابي أو بالمعنى السلبي، وقد تقدم ذكر مثل هذا، وكان دورهم في إصلاح السياسة يتراوح- كما سيأتي بيانه-بين المشاركة فيها أو المعارضة لها أو ممارسة الضغوط الإصلاحية دون مشاركة، وكان لهذه المواقف أثر كبير على الأمراء والسلاطين، وفي التاريخ شواهد جمة تدل على ذلك، والكثير من هذه المواقف لا تدل على مشاركة الفقيه فحسب، بل تدل على اشتهار طائفة الفقهاء بهذا بحيث إنهم غدوا ملجأً للناس عندما تضيق بهم الحال، ومن أمثلة ذلك أن السلطان عبد الحق المريني (ت ٨٦٩ هـ) ولَّى حاكمين يهوديين على فاس على وجه العقوبة، فشرع اليهوديان في أخذ أهل فاس بالضرب والمصادرة على الأموال واعتز اليهود بالمدينة، فاجتمع الناس عند خطيب القرويين الفقيه أبي فارس عبد العزيز بن موسى الورياكلي (ت ٨٨٠ هـ)، وكانت له صلابة في الحق وجلادة عليه بحيث\n_________\n(^١) انظر أمثلة لذلك في: دور فقهاء الأندلس في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي (٢٠٧)، فقهاء المالكية وآثارهم في مجتمع السودان الغربي، سحر مرجان (٢١٢)، وانظر: دور القادة الدينيين في تغيير السلوكيات الخطرة، مجلة الإحياء المغربية (٢٥: ١٥).","vol":"1","page":56},{"text":"يلقي نفسه في العظائم ولا يبالي، وقالوا له: ألا ترى إلى ما نحن فيه من الذلة والصغار وتحكم اليهود في المسلمين والعبث بهم حتى بلغ حالهم إلى ما سمعت؟ فنجع كلامهم فيه، وللحين أغراهم بالفتك باليهود وخلع طاعة السلطان عبد الحق وبيعة الشريف أبي عبد الله الحفيد فأجابوه إلى ذلك واستدعوا الشريف المذكور فبايعوه والتفت عليه خاصتهم وعامتهم، فقلب الورياكلي بذلك سلطان المرينيين رأسًا على عقب (^١). وليس الشأن في هذه الحكاية وأمثالها في فعل الفقيه، بل في مسارعة العامة إليه لما نابهم ما نابهم، والناس لا يفزعون في مثل ذلك إلا لمن يرونهم من أهل الأمانة والقوة، وفي هذا دلالة ظاهرة على قدرة الفقهاء على الإصلاح العام إذا ما وقفوا أنفسهم له وكان الناس في ذلك لهم سندًا وردءًا.\nكما تحفظ شواهد التاريخ للفقهاء مواقفهم المشهودة في درء فتن الانقسام والاحتراب داخل المجتمعات الإسلامية، وإسهامهم في إصلاح ذات البين بين الملوك والقبائل والعشائر والأسر، وفي وقف القلاقل والحروب بين الطوائف المتنازعة، ومن الأمثلة المشهورة في ذلك مساعي الفقيه المالكي أبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ) في الإصلاح بين ملوك الطوائف في الأندلس\n_________\n(^١) انظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، الناصري (٤/ ٩٨)، وقد كان الشيخ زروق (ت ٨٩٩ هـ) ينتقد فعل الورياكلي هذا ويترك الصلاة خلفه لأجله، وليس المقام مقام تحقيق موقف بقدر ما هو إشارة إلى أثر الفقهاء وتجاوب العامة معهم، انظر: جذوة الاقتباس، ابن القاضي (٤٥٢).","vol":"1","page":57},{"text":"ومحاولاته الحثيثة لرأب الصدع وجمع كلمة المسلمين في تلك الأزمنة الحرجة (^١).\nفالفقيه الحق ليس بالذي يعتزل الناس في مجلسه ومحرابه، بل هو الذي يتصدى لجعل الفقه واقعًا حيًا يعيشه الناس ويعاينون آثاره المباركة، وهو الذي يحرس الثغر ويأمر بالمعروف وينكر المنكر ويتصدى لنصرة المستضعفين وينشر العلم ويعين على نوائب الحق وينفع الناس على كل أحواله (^٢).\nصاغ شيخ الإسلام في الدولة العثمانية أبو السعود أفندي (ت ٩٨٢ هـ) تقنينات جنائية شرعية لتطبيقها في البلاد المفتوحة من شرق أوروبا فانخفضت معدلات ارتكاب الجريمة في تلك الأقاليم (^٣)، وكذلك الفقه حينما ينهض به الفقهاء ويفعلونه في واقع الحياة يؤتي أكله وتظهر آثاره، أما حين ينزوي الفقيه للبحث والتأليف في مسائل الأقدمين ويتخذ الحياة ظهريًا فستتخذه الحياة ظهريًا كذلك.\n_________\n(^١) انظر: الحياة العلمية في عصر ملوك الطوائف في الأندلس، د. سعد البشري (٥٧٣).\n (^٢) انظر: علماء الإسلام في الماضي قوة حاضرة في جل الأنظمة، إبراهيم حركات، ضمن مجموع «التاريخ والفقه: أعمال مهداة إلى المرحوم محمد المنوني» (١١٠).\n (^٣) انظر: الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، د. محمد سراج (١٨٠).","vol":"1","page":58},{"text":"الإصلاح وظيفة للأمة كلها لا تختص بها منهم طائفة دون أخرى بل الجميع فيها مساهم مشارك، وهذا من مقتضى خيرية هذه الأمة التي تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ومع أن تدبير الشؤون العامة ورعاية المصالح العامة من قبيل فروض الكفايات إلا أنها بحاجة إلى أن يقوم كلٌّ بوظيفته في سبيل الإصلاح، وربما اختص إنسان بشيء من فروض الكفايات حتى انتهى فرض عين عليه بتخصصه فيه (^١)، وتبقى فروض الأعيان الأصلية التي افترضها الله ﷻ على عباده من أكبر أسباب الصلاح بمفهومه الإيماني الشامل، ومتى قام كل إنسان بما هو واجب على مثله كان الصلاح عامًا في الناس، فالفقه الحي هو الفقه الذي يوقد في القلوب جذوة التدين والارتباط برب السماء لا الوقوف عند الرسوم والوسائط، وقد جاء في الحديث المتفق\n_________\n(^١) انظر: إحياء الفروض الكفائية سبيل تنمية المجتمع، د. عبد الباقي عبد الكبير (٢١).","vol":"1","page":59},{"text":"عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته» قال: وحسبت أن قد قال: «والرجل راعٍ في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته» (^١).\nفالعبء الإصلاحي واقع على الأمة بمجموعها ولكلِّ دوره فيه، فأما التصدي لما هو من قبيل الشأن العام الذي لا يختص بأحد دون أحد فهو من الكفايات التي إذا قام بها البعض ارتفع الإثم عن البقية، وإذا قصر الجميع نزل الإثم بهم، ولا تختص هذه الكفايات بالفقهاء بل الفقهاء لهم دورهم المحدد الذي هو من وظيفة الفقيه كالاجتهاد والبيان والنصيحة والتعليم والإرشاد، فأما ضروب الكفايات المختلفة فهي واجبة على من هو قادر عليها ومتخصص فيها في أي مجال كان، ومما تمتاز به حضارة المسلمين أنها قد تلاقت فيها جميع التخصصات، واستغرق العمل الفقهي خلال القرون الأولى طاقات الأمة الفكرية إلى حد لا نظير له، وأسهم في مناقشة القضايا التشريعية الفقهاء والمحدثون واللغويون والمؤرخون والأدباء وعلماء الأصول وأهل الحساب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (٨٩٣)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم (١٨٢٩).","vol":"1","page":60},{"text":"وسواهم، وامتزج الفقه بعلوم الأمة وصنائعها ووظائفها ومؤسساتها، على نحو يمكن تقريبه بامتداد الإدارات القانونية في المؤسسات الحديثة بحيث تختص كل إدارة بطبيعة عمل الدائرة التي هي فيها، ونحن إذا قلنا بوجوب تحكيم الشريعة في كافة أعال الدولة فمن ضرورة ذلك مشاركة الفقيه وقربه من هذه الأعمال بالآليات والإجراءات التي يقتضيها الحال والزمان (^١).\nلقد كان الفقهاء في السابق يطالبون الفقيه أن يكون له اطلاع ومشاركة ذات تنوع في المعارف والفنون المختلفة، ومما يعيب الفقيه لديهم أن يكون منقطعًا إلى الفقه عن تحقيقه في واقع الحياة باطلاعه على معاشات الناس وأحوالهم وعلومهم التي بها قيام أمرهم، ولئن كان في العصور المتأخرة من يطالب الفقيه بشيء قريب من ذلك (^٢)، إلا أن تنوع العلوم والمعارف ودقة التخصصات في هذا الزمان بلغت مبلغًا تجهد متابعته المتخصص نفسه فضلًا عن سواه، ومع ذلك فلا أقل من أن يقف الفقيه على أرض صلبة من المعرفة الإنسانية والطبيعية والطبية ولو بالقدر الذي يكفل له فهمًا عامًا لأحوال الاجتماع والحياة، ثم بالقدر الذي يتعلق بالحالات والوقائع التي يتصدى لبيان الحكم الشرعي لها (^٣)، وعليه أن يكون دائم الاستحضار للواقع وما يقتضيه من\n_________\n(^١) انظر: تكوين العقل العربي، د. محمد عابد الجابري (٩٧).\n (^٢) انظر على سبيل المثال: مناهج الألباب المصرية، رفاعة الطهطاوي (٢٤٨).\n (^٣) انظر: العلماء بين عزلة التخصص وتكامل المعرفة، د. علي القريشي، مجلة المسلم المعاصر (٨٩: ١٠١).","vol":"1","page":61},{"text":"وجوب جريان الأحكام على وفقه، وأن يكون عالمًا بأحوال زمانه وأحوال أهله، وجوالب المضار والمنافع، وأن يعلم درجات المضار والمنافع الموجودة في مواطن فتواه (^١)، لا سيما في فتاوى النوازل العامة وقضايا الأمة الكبرى التي يتوخى فيها أن تكون رافعة حضارية وعملية بحثية تقود الرأي وتستبصر مآلات الأمة والمخاطر المحدقة بها (^٢).\nلقد كان من أبرز سمات حضارتنا التي علتها تذوق طعم الانسجام الداخلي وتآلف المكونات ما جرى من التكامل بين فرقاء المعرفة، بحيث كان العلماء بكافة تخصصاتهم يهتدون ببصائر الوحي ويسعون لغاية واحدة، وكان الناس جميعًا- بما فيهم العلماء المتخصصون في المعارف الطبيعية والطبية والفلكية وغيرها-يفزعون إلى أهل الذكر لسؤالهم فيما يشكل عليهم، ومن طالع كتب العلماء المسلمين بشتى تخصصاتهم لم تغب عنه فيها النبرة الإيمانية المستهدية بهدايات الشريعة (^٣).\nكما أن كتب الفقهاء ومدوناتهم حافلة بهذا التكامل في تحقيق المصالح والذرائع والمناطات وغير ذلك، وكثيرًا ما يحيل\n_________\n(^١) انظر: استثمار النص الشرعي على مدى التاريخ الإسلامي، أبو الطيب مولود السريري (٢٤٠).\n (^٢) انظر: فتاوى الأمة وأصول الفقه الحضاري الأزمة ومقدمات الحل، د. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، ضمن أعمال ندوة (العلوم الإسلامية أزمة منهج أم أزمة تنزيل) التي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء (٥٤٤).\n (^٣) انظر: فلسفة التربية الإسلامية، د. ماجد الكيلاني (٣٨٦).","vol":"1","page":62},{"text":"الفقهاء إلى أهل الخبرة بوصفهم المختصين بكشف الحكم النهائي بعد بيان قاعدته وكيفية تطبيقه من قبل الفقهاء أنفسهم.\nيقول ابن مودود الموصلي (ت ٦٨٣ هـ) في بيان ضابط تعلم الكلب ونحوه في الصيد: (ويرجع في معرفة التعليم إلى أهل الخبرة بذلك ولا تأقيت فيه) (^١).\nوقال الكمال بن الهمام (ت ٨٦١ هـ): (والمرجع في كونه عيبًا أو لا لأهل الخبرة بذلك، وهم التجار أو أرباب الصنائع إن كان المبيع من المصنوعات، وبهذا قالت الأئمة الثلاثة) (^٢).\nوقال القرافي (ت ٦٨٤ هـ) في بعض أمثلة كتاب الوثائق: (وذلك بعد أن ثبت عند سيدنا قاضي القضاة فلانٍ شهادةُ من يضع خطه آخره من العدول والمهندسين المندوبين لتقويم الأملاك وهم أهل الخبرة بذلك، أن قيمة الدار المذكورة جميع الثمن المذكور وأن ذلك قيمة المثل يومئذٍ، لا حيف فيها ولا شطط ولا غبينة ولا فرط، وأن الحظ والمصلحة في البيع بذلك. وتؤرخ ثم يكتب شهود القيمة والمهندسون خطوطهم بأن الثمن المذكور قيمة يومئذٍ) (^٣).\nوقال النووي (ت ٦٧٦ هـ): (يعرف كون المريض مأيوسًا منه بقول مسلمين عدلين من أهل الخبرة) (^٤).\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (٥/ ٥).\n (^٢) شرح فتح القدير (٦/ ٣٢٩).\n (^٣) الذخيرة (١٠/ ٣٦٢).\n (^٤) المجموع (٧/ ١٠٠).","vol":"1","page":63},{"text":"ويقول الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): (ظهور الحمل يعرف بقول أهل الخبرة في الآدمي وغيره) (^١).\nوقال الموفق بن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): (وإن اختلفا في التعدي وعدمه فالقول قول الراعي؛ لأنه أمين. وإن فعل فعلًا اختلفا في كونه تعديًا رجع إلى أهل الخبرة) (^٢).\nوقال المجد بن تيمية (ت ٦٥٢ هـ): (ولا يقتص لما فيه القود منه إذا رجى عوده في مدة يقولها أهل الخبرة) (^٣).\nوالمقصود ههنا تأكيد ما جرى ذكره مرارًا من أن طبيعة الفقه في الإسلام ممتزجة بالحياة إلى أبعد مدى، وأهل الفقه ببيانهم وعامة الناس بسؤالهم وخبرتهم الجزئية وتفقههم فيما هم بصدد ممارسته، كلهم يسهمون في جعل الحياة مصبوغة بصبغة الشريعة روحًا وأخلاقًا وهداية؛ لتكون سائر معارف الأمة ذات وحدة روحية غائية لأن (المعرفة دونما هدف أخلاقي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الفوضى والغموض) (^٤). وإذا كان العلماء في التخصصات الطبيعية والتجريبية يقولون: (إن المعرفة المعزولة التي تحصلها طائفة من المتخصصين في حقل ضيق لا قيمة لها ألبتة إلا إذا أدمجت في سائر حقول المعرفة) (^٥)، فكيف إذًا حال\n_________\n(^١) المنثور في القواعد (٢/ ٨٤).\n (^٢) المغني (٨/ ١٢٤).\n (^٣) المحرر (٢/ ١٢٩).\n (^٤) الطريق إلى الإسلام، محمد أسد (٧٠).\n (^٥) العلم في منظوره الجديد، روبرت م. أغروس وزميله (١٠٥).","vol":"1","page":64},{"text":"العلوم والمعارف المؤثرة في طبيعة حياة أمة تسعى أن تكون صلاتها ونسكها ومحياها ومماتها لله رب العالمين؟\nإن ما عرف بـ (المصارف الإسلامية) في واقعنا الراهن على سبيل المثال ليس منتجًا تفرد به الفقهاء وحدهم، بل لقد شاركهم القانونيون والخبراء الماليون الذين درسوا مسائل المعاملات والشركات والموجبات والعقود في الفقه وبنوا عليها (^١).\nوكان الفقهاء في الماضي يلزمون التجار وأهل السوق أن يتعلموا من الفقه ما يحترزون به من مقارفة المال الحرام، وربما أقاموا من السوق من لا يفقه أحكام المعاملات. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يطوف في الأسواق يضرب بعض التجار بالدرة ويقول: «لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه، وإلا أكل الربا شاء او أبى»، قال قوام السُّنِّة الأصبهاني (ت ٥٣٥ هـ) معقبًا: (قالوا: وليجعل بكوره إلى العالم قبل غدوه إلى السوق فيسأله عن وجوه المعاملة، ثم ينصرف فيدخل فيما هو فيه من تجارة أو صناعة) (^٢)، وذكر عن الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): أنه كان يأمر الأمراء فيجمعون التجار والسوقة ويعرضونهم عليه، فإذا وجد أحدًا منهم لا يفقه أحكام المعاملات ولا يعرف الحلال من\n_________\n(^١) انظر: مصائر المذاهب الفقهية، د. رضوان السيد، ضمن بحوث ندوة التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي المعاصر (٨٧٣).\n (^٢) الترغيب والترهيب، قوام السُّنِّة الأصبهاني (١/ ٤٥٣/٨١٠)، وانظر: الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب وجوب التفقه في الدين على كافة المسلمين (١٦٤)، نهاية الرتبة في طلب الحسبة، الشيزري (٦١).","vol":"1","page":65},{"text":"الحرام أقامه من السوق وقال له: تعلم أحكام البيع والشراء ثم اجلس في السوق فإن من لم يكن فقيهًا أكل الربا شاء أم أبى (^١).\nإن من الواجب على المسلم أن يخدم دينه في المجال الذي يعمل فيه أو حيثما أفضت به أسباب الحياة؛ لأن في هذه الخدمة إكمالًا لتعيده وإتمامًا لتقربه، وقد تؤهله درايته الواسعة بمجال عمله أن يكون أقدر على توسيع آفاق دينه، وهو في ذلك ردء للفقيه الذي يتعذر عليه الإحاطة بأحكام أكثر المجالات (^٢).\nويبقى الفقه بالاصطلاح الخاص بناءً محكمًا مشيدًا رفع الفقهاء مناراته باختلاف مذاهبهم وتعاقب أزمنتهم، وهو ليس مجرد فروع منثورة يحفظها الفقهاء أو يتدربون على التخريج عليها، بل هو ملكة ترسخ في فؤاد المتفقه مع طول ممارسته للنصوص والأحكام الشرعية وفتاوى الأئمة واستنباطاتهم، ليتوصل من خلالها إلى فهم الشريعة بأصولها ومقاصدها وقواعدها ونظرياتها وبنيتها التشريعية، وهذه درجة عالية لا تتأتى للمتخصصين في أي علم آخر. وأهل الخبرة وإن كان لهم دورهم الكبير في الوصول إلى النتائج النهائية للعملية الفقهية إلا أن الفقيه يبقى بمثابة البوصلة التي ترشد إلى درب السداد. ومتى وقع الخلط بين وظائف الفقيه ووظائف أهل الخبرة أفضى ذلك إلى\n_________\n(^١) انظر: حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل (٥/ ٣)، المدخل، ابن الحاج (١/ ١٥٧).\n (^٢) انظر: روح الدين، طه عبد الرحمن (٤١٧ - ٤١٩).","vol":"1","page":66},{"text":"غلط كبير في فهم حقائق الشريعة أو في تنزيلها على وقائع الحياة (^١).\nوبهذا التلاحم والانسجام بين الفقه والحياة تتجلى جماليات الشريعة والطبيعة على حدِّ سواء، فالشريعة باتساقها وانتظامها، والطبيعة بإحكامها وخلقها البديع، كلتاهما من أكبر دلائل توحيد الله ﷻ، والله سبحانه جميل يحب الجمال، فأنزل شريعة الجمال والكمال بما فيها من إتقان وصلاح تام للحياة وما حوته من آداب ومكارم ومندوبات وارتفاقات لا يوجد لها مثال في القوانين البشرية، كما خلق الخلق على مقتضى النظام والإحكام وأودع فيه من أسرار الجمال ما هو زائد عن مجرد حد الضرورة الذي تحصل به الحياة، وهذا ما لا تفسره النظريات المادية الملحدة (^٢).\nوهذه الأمة أمة التوحيد، وحدت الله تعالى في خلقه وأمره: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤ - ٥٦] وبهذا التوحيد تهيأ لها الانسجام الذي مكنها من أن تبلغ أعمالها من الرشد والفعالية ما تجاوز نفعه خاصة دائرتها إلى محيط البشرية كلها، وشارة التوحيد ماثلة في كل عمل منها، سواء كان علمًا نظريًا أو أدبًا وفنًا، أو إنجازًا صناعيًا أو فنًا معماريًا. أما\n_________\n(^١) انظر: الخطاب الديني بين تحديث الدخلاء وتجديد العلماء، د. محمد نعيم ساعي (١٦٥).\n (^٢) انظر: جمالية الدين، د. فريد الأنصاري (١٠)، العلم في منظوره الجديد، روبرت م. أغروس وزميله (٦٦).","vol":"1","page":67},{"text":"الذين حصروا حضارتهم بحدود المادة فمع ما قدموه من نافع الأعمال إلا أنهم لم يتهيأ لهم ذلك الانسجام، بل فشت فيهم روح التنافر والخصام والصدام، صراع بين الإنسان والطبيعة، وبين الدين والعلم، وبين الذكر والأنثى، وبين الأحياء والأموات، هذا الصراع الذي أدى إلى حالة الضياع والشعور بالعدمية والعبث الذي يغرق فيه إنسان المادة المعاصر (^١).\nلقد كان قوم شعيب ﵇ يقولون له: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، ولا يزال ذلك موقف المتنكبين عن هدى الأنبياء، لا يفقهون حقائق الدين ولا يقبلونها ويستكبرون عنها، والإصرار على مثل هذا الموقف لا يؤدي إلا إلى المعيشة الضنك التي لا يعصم منها إلا الإيمان بالله ﷻ. وهذا ما يحتم على الفقيه المسلم أن ينظر إلى المعرفة الفقهية الممتزجة بمعالم الإيمان والتقوى والخلق الكامل على أنها قيمة علمية عامة؛ لأنها مؤيدة بالوحي المطلق ومسندة بالبراهين والحجج والمنهج السليم، وعليه فأحكام الفقه ذات طبيعة عالمية وهي خلاص للعالم بأسره من مشاكله وشفاء له من آلامه، وعلى الفقيه والمتفقه الالتفات إلى هذه الحقيقة وعدم الذهول عنها (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الإيمان بالله وأثره في الحياة، د. عبد المجيد النجار (١٩٥).\n (^٢) انظر: منهاج تدريس الفقه، د. مصطفى صادقي (٢٨٣).","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الثاني\nصناعة الفقه ووظائف الفقيه</span>\n «وما نحن لولا كلمات الفقهاء».\nأبو الدرداء [الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي: ١٤١]\n «باب الرخصة في الجمع بين المغرب والعشاء في السفر، بذكر خبر غلط في معناه بعض من لم يحسن صناعة الفقه، فتأول هذا الخبر على ظاهره وزعم أن الجمع غير جائز إلا أن يجدّ بالمسافر السفر».\nابن خزيمة [الصحيح: ٢/ ٨١]\n «فإذا حدث بعد ذلك قوم يتأمّلون ما تشتمل عليه الملّة، وكان فيهم من يأخذ ما صرّح به في الملّة واضعُها من الأشياء العملية الجزئية مسلَّمة، ويلتمس أن يستنبط عنها ما لم يتفق أن يصرح به، محتذيًا بما يستنبط من ذلك حذو غرضه بما صرّح به، حدثت من ذلك صناعة الفقه».\nأبو نصر الفارابي [كتاب الحروف: ١٥٢]","vol":"1","page":69},{"text":"أخص معاني الفقه في اللغة هو الفهم (^١)، أما الفقه في الاصطلاح فللفقهاء في تعريفه طرائق، حيث يلتفت بعضهم للجانب المعرفي الذي ينصرف إليه الذهن عند الإطلاق فيعرفه بأنه: (العلم بأحكام الشريعة) (^٢)، أو أنه: (العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية التي يتوصل إليها بالنظر دون العقلية) (^٣)، أو أنه: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية) (^٤)، وهناك من يلتفت إلى الجانب المهاري الذي هو ملكة الاستنباط ومعرفة العلل والقدرة على القياس على ما تعلمه من الأحكام، فيعرف الفقه بأنه: (استنباط حكم المشكل من\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب (١٧/ ٤١٨)، تاج العروس (٣٦/ ٤٥٦)، الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي (١٤٦).\n (^٢) انظر: قواطع الأدلة، ابن السمعاني (١/ ٩)، المفردات، الراغب الأصفهاني (٦٤٢).\n (^٣) انظر: التقريب والإرشاد الصغير، الباقلاني (١/ ١٧١).\n (^٤) انظر: الضياء اللامع شرح جمع الجوامع، حلولو (١/ ١٣٥).","vol":"1","page":70},{"text":"الواضح) (^١)، أو أنه: (الإصابة والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم) (^٢)، ومنهم من يجمع بين الأمرين كمن عرفه بأنه: (معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل أو بالقوة القريبة) (^٣).\nومن الواضح لمن يتتبع استعمال كلمة (الفقه) أنها مرت بمراحل، ففي استعمالها الأول الذي جاء في النصوص ودرج عليه الفقهاء الأوائل كانت تعني فهم الدين والشريعة بوجه عام دون تخصيص ذلك بعلم الحلال والحرام (^٤)، ثم اصطلح أهل العلم فيما اصطلحوا على استعمالها في علم الحلال والحرام وفشا هذا الاستعمال في كتاباتهم مع التأكيد على دخول معنى الفهم والاستنباط فيها لما لاحظوه من انتساب طوائف إلى الفقهاء بمجرد حفظ الفروع بلا ملكة تمكنهم من تحقيق الثمرة المرجوة من الفقه وهي الاجتهاد (^٥).\nولقد كانت عناية علماء الشريعة بالتأكيد على هذه المعنى عناية بالغة، بل إن أصل هذا المعنى وارد في كلام صاحب الشرع ﷺ حيث يقول: (نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه\n_________\n(^١) انظر: قواطع الأدلة (١٠).\n (^٢) انظر: التعريفات، الجرجاني (١٧٥).\n (^٣) انظر: مختصر التحرير، ابن النجار (١٤).\n (^٤) انظر: مفهوم التأويل، د. فريدة زمرد (١٧٦)، مفهوم الفقه الإسلامي، نظام الدين عبد الحميد (١٢).\n (^٥) انظر: مقدمة في دراسة الفقه الإسلامي، د. محمد الدسوقي وزميلته (٥٢).","vol":"1","page":71},{"text":"ليس بفقيه) (^١)، قال ابن السمعاني (ت ٤٨٩ هـ): (أي: غير مستنبط، ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له استدلال واستنباط فيها) (^٢). فنبي الهدى ﷺ فرق هنا بين حملة الفقه وبين الفقهاء، فحامل الفقه لا يلزم أن يكون فقيهًا بالضرورة، وبناء على هذا فلا بد من التمييز بين الرجلين وألا يجعل مقدار العلم الذي يحمله المرء معيارًا في وصفه بالفقه، فإن حامل الفقه لا يكون فقيهًا حتى (يكون عنده سجية وقوة يقتدر بها على التصرف بالجمع والتفريق والترتيب، والتصحيح والإفساد؛ فإن ذلك ملاك صناعة الفقه) (^٣).\nوحدَّث عبد الله بن وهب (ت ١٩٧ هـ): أنه سمع مالكًا (ت ١٧٩ هـ) يقول: (ليس الفقه بكثرة المسائل، ولكن الفقه يؤتيه الله من يشاء من خلقه) (^٤)، وذكر النووي (ت ٦٧٦ هـ) في ترجمة الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) في «تهذيب الأسماء واللغات»: أن محمد بن عبد الحكم (ت ٢٦٨ هـ) قال: ليس فلان عندنا بفقيه؛ لأنه يجمع أقوال الناس ويختار بعضها، قيل: فمن الفقيه؟ قال: الذي يستنبط أصلًا من كتاب أو سنة لم يُسبق إليه، ثم يشعب في ذلك الأصل مائة شعب، قيل: فمن يقوى على هذا؟ قال: محمد بن\n_________\n(^١) رواه أبو داود في كتاب العلم، باب فضل نشر العلم (٣٦٥٢)، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٢٦٥٦)، وقال: حديث حسن.\n (^٢) قواطع الأدلة (١١).\n (^٣) التحبير شرح التحرير، المرداوي (٨/ ٣٨٧٠).\n (^٤) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب معرفة أصول العلم وحقيقته (٢/ ٢٥).","vol":"1","page":72},{"text":"إدريس (^١)، وقريب من هذا قول أبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): (إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة سمعها فليس بفقيه) (^٢).\nوقال بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): (عُلم من تعريفهم الفقه باستنباط الأحكام أن المسائل المدونة في كتب الفقه ليست بفقه اصطلاحًا، وأن حافظها ليس بفقيه، وبه صرح العبدري في باب الإجماع من شرح المستصفى. قال: وإنما هي نتائج الفقه، والعارف بها فروعي، وإنما الفقيه هو المجتهد الذي ينتج تلك الفروع عن أدلة صحيحة، فيتلقاها منه الفروعي تقليدًا ويدونها ويحفظها. ونحوه قول ابن عبد السلام: هم نقلة فقه لا فقهاء) (^٣).\nوقال ابن رشد الحفيد (ت ٥٩٥ هـ): (فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حصَّل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة وصناعة أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساوٍ لجرم هذا الكتاب أو أقل، وبهذه الرتبة يسمى فقيهًا لا بحفظ مسائل الفقه، ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٢).\n (^٢) حكاها عنه الزركشي في البحر المحيط (١/ ٢٤) نقلًا عن ابن الهمداني (ت ٥٢١ هـ) في كتابه «طبقات الحنفية والشافعية».\n (^٣) البحر المحيط (١/ ٢٣).","vol":"1","page":73},{"text":"وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخَفَّاف هو الذي عنده خِفافٌ كثيرة لا الذي يقدر على عملها، وهو بيِّنٌ أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفًا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت) (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (لكن هؤلاء ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين، بل هم نقلة لكلام بعض العلماء ومذهبه. والفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب والسُّنَّة والإجماع نصًا واستنباطًا) (^٢)، ويقول في بيان بعض الضرر الذي نجم من الخلط بين الفقهاء وحملة الفقه: (إذ الرجل قد يكون يرى مذهب بعض الأئمة، وصار ينقل أقواله في تلك المسائل، وربما قرَّبها بدليل ضعيف من قياس أو ظاهر، هذا إن كان فاضلًا وإلا كفاه مجرد نقل المذهب عن قائله إن كان حسن التصور فهمًا صادقًا، وإلا لم يكن عنده إلا حفظ حروفه إن كان حافظًا، وإلا كان كاذبًا أو مدعيًا أو مخطئًا. ولا ريب أن الحاصل عند هؤلاء ليس بعلم كما أن العامة المقلدين للعلماء فيما يفتونهم فإن الحاصل عندهم ليس علمًا بذلك عن دليل يفيدهم القطع، وإن كان العالم عنده دليل يفيد القطع. وهذا الأصل الذي ذكرته أصل عظيم فلا يصد المؤمن العليم عنه صاد فإنه لكثرة التقليد والجهل والظنون في\n_________\n(^١) بداية المجتهد (٣/ ١٧١٥).\n (^٢) الاستقامة (١/ ٦١).","vol":"1","page":74},{"text":"المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء استطال عليهم أولئك المتكلمون حتى أخرجوا الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من أصل العلم لما رأوه من تقليد أصحابه وظنهم) (^١)، وهذا الكلام من هذا الإمام كلام جِدَّ متين، وفيه تحليل عميق لبعض أهم أسباب تطرق الفساد إلى علم الفقه، ولأجل ذلك فإن الإفاضة في شرح هذه القضية وبيانها ليست من التطويل الذي يغني قليله عن كثيره، بل إنها أصل من أصول إصلاح علم الفقه، وتدبرها وتقليب وجوه النظر فيها يفضي إلى خير عظيم ونفع عميم، فإن من أكبر أسباب فساد العلوم دخول من ليس من أهلها فيها.\nيقول أبو محمد ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ): (لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون) (^٢).\nوللمتقدمين عناية بتقرير هذا المعنى، وكلماتهم مشهورة في التأكيد على أن الفقه إنما يؤخذ عن الفقهاء، الذين هم أهل الفهم والنظر في معاني النصوص والقدرة على الاستنباط منها والقياس عليها وإلحاق أشباهها بها.\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٥٥).\n (^٢) من رسالة مداواة النفوس ضمن رسائل ابن حزم (١/ ٣٤٥)، وانظر أيضًا كلامه في رسالة (مراتب العلوم) ضمن الرسائل (٤/ ٨٦).","vol":"1","page":75},{"text":"قال أبو الزناد (ت ١٣٠ هـ): (أدركت بالمدينة مائة أو قريبًا من مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عن رجل منهم حرف من الفقه، يقال: إنه ليس من أهله) (^١).\nوقال سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ): (الحديث مضلة إلا للفقهاء) (^٢).\nقال ابن أبي زيد القيرواني (ت ٣٨٦ هـ): (يريد أن غيرهم قد يحمل شيئًا على ظاهره وله تأويل من حديث غيره، أو دليل يخفى عليه، أو متروك أوجب تركَه غيرُ شيء مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقه) (^٣).\nوقال ابن وهب (ت ١٩٧ هـ): (لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: أكثرت من الحديث فحيرني. فكنت أعرض ذلك على مالك والليث، فيقولان لي: خذ هذا ودع هذا) (^٤).\n_________\n(^١) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب أدب المستفتي (١١٣٦).\n (^٢) الجامع، ابن أبي زيد القيرواني (١١٨). وهذه الكلمة أيضًا تروى لابن وهب بلفظ: (الحديث مضلة إلا للعلماء). انظر: ترتيب المدارك (١/ ٩١)، وقد شنع أبو محمد ابن حزم ﵀ على هذه الكلمة جدًا على ما عرف في مذهبه. انظر: الرسالة الباهرة (٢٠).\n (^٣) الجامع (١١٨).\n (^٤) كتاب المجروحين، ابن حبان (١/ ٤٢)، ترتيب المدارك، القاضي عياض (٣/ ٢٣٦) والسياق له، وجاء في ترجمة ابن وهب أن مالكًا لم يكتب لأحد باسم الفقيه إلا إليه، وكان يكتب إليه: إلى عبد الله بن وهب فقيه مصر، ولم يكن يفعل هذا بغيره.\nانظر: ترتيب المدارك (٣/ ٢٣٠).","vol":"1","page":76},{"text":"وقال المزني (٢٦٤ هـ): (واطلبوا العلم عند أهل الفقه تكونوا فقهاء إن شاء الله) (^١).\nوقال الإمام الترمذي (ت ٢٩٧ هـ) في باب ما جاء في غسل الميت من كتاب الجنائز بعد أن ذكر كلام مالك والشافعي: (وكذلك قال الفقهاء وهم أعلم بمعاني الحديث) (^٢).\nفمما تقدم يستبين لنا أن الفقه لا يتأتى بالمعرفة المجردة مهما بلغ حِمل المرء منها، بل لا بد أن ينضم إلى ذلك الملكة العقلية التي تمكنه من الاستنباط والتنزيل ونحوها من الملكات التي كان يجمعها في إطلاقات المتقدمين اسم الرأي، والأئمة الفقهاء المتبوعون ما منهم من أحد إلا وقد استعمل الرأي، فإنا متى علمنا ختم النبوة وانقطاع الوحي، مع بقاء التكليف بالشريعة وتجدد الحوادث، فإن من لازم ذلك استعمال الرأي في فهم النصوص وفي معرفة حكم ما يستجد من النوازل، فأما ما روي من ذم الرأي فإنما قصد به نوع ذميم من الرأي.\nقال أبو الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ): (إذا كان الذين ذموا الرأي هم الذين قالوا به وجب صرف ذمهم إلى الرأي مع وجود النص أو من ترك الطلب للنص، كما يجب مثله لو حُكي الرأي وذمه عن رسول الله ﷺ) (^٣).\n_________\n(^١) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب القول في السؤال عن الحادثة والكلام فيها قبل وقوعها (٦٥٢).\n (^٢) جامع الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت (٩٩٠).\n (^٣) المعتمد (٢/ ٧٣٤)، وانظر: الإحكام، الآمدي (٤/ ٥٥).","vol":"1","page":77},{"text":"والفقيه الذي يقوم به هذا المعنى وإن قلت محفوظاته أولى باسم الفقه ممن يتكثر من المسائل دون تفقه فيها ولا علم بمداخلها ومخارجها، فإن الفقيه كل الفقيه إنما هو فقيه النفس الذي يملك القدرة على استخراج أحكام الفقه من أدلتها، ثم لا يزال به التفقه حتى يغدو له كالسجية التي لا يتكلف لها (^١).\nومن كان بهذه المثابة كان على استخراج المعاني من النصوص أقدر من غيره، فإن النصوص فيها من المعاني ما الناس متفاوتون في استخراجه، وقد يهتدي المتأخر إلى ما لم يتنبه له المتقدم.\nقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): (على فقيه النفس ذي الملكة الصحيحة تتبع ألفاظ الوحيين الكتاب والسُّنِّة واستخراج المعاني منهما. ومن جعل ذلك دأبه وجدها مملوءة، وورد البحر الذي لا ينزف، وكلما ظفر بآية طلب ما هو أعلى منها، واستمد من الوهاب) (^٢).\nوفقه النفس هذا ليس معرفةً تُنقل، بل هي ملكة ودربة، وأصلها موهبة وفضل من الله يختص به من يشاء من عباده. قال أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ): (ولكن ينبغي أن يكون الناقل موثوقًا به فقيهَ النفس؛ لأن الفقه لا يمكن نقله) (^٣)، وقال أبوّ\n_________\n(^١) انظر: التحبير شرح التحرير، المرداوي (٨/ ٣٨٧٠)، تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي، عبد الفتاح أبو غدة (٨٤).\n (^٢) البحر المحيط (٦/ ٢٣٣).\n (^٣) البرهان (٢/ ٨٨٥).","vol":"1","page":78},{"text":"حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) عند ذكره لصفات المجتهدين: (وفقه النفس لا بد منه، وهو غريزة لا تتعلق بالاكتساب) (^١).\nوقد جاء رجل إلى ابن شبرمة (ت ١٤٤ هـ) فسأله عن مسألة ففسَّرها له، فقال: لم أفهم، فأعاد، فقال: لم أفهم، فأعاد، فقال: لم أفهم، فقال له: إن كنت لم تفهم لأنك لم تفهم فستفهم بالإعادة، وإن كنت لم تفهم لأنك لا تفهم فهذا داء لا دواء له (^٢).\nوقال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): (الطبع أرض، والعلم بذرة، ولا يكون العلم إلا بالطلب، فإذا كان الطبع قابلًا زكا ريعٍ العلم وتفرعت معانيه)، قال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) معلقًا على ذلك: (قلت: والبلادة داء عسير برؤه، عظيم ضره) (^٣).\n_________\n(^١) المنخول (٤٦٤).\n (^٢) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب حذف المتفقه العلائق (٨٤٢).\n (^٣) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب حذف المتفقه العلائق (٨٤٠).","vol":"1","page":79},{"text":"متى علم ما تقدم بيانه من معنى الفقه، فإن هذا الفقه الذي هو ملكة راسخة في نفس صاحبها متى تهيأت له فإن من شأنها ألا تقف به عند علم الحلال والحرام فحسب، فإن الشريعة كل لا يتجزأ، ومهما اضطرت العلماءَ ظروفُ التعليم والاصطلاح المتأخر إلى قسمة العلوم الشرعية وممايزتها، فإنها تبقى في حقيقتها كالشيء الواحد الذي لا يمكن فهم بعضه على وجه التمام إلا بفهم جميعه، ومهما كان الترجيح في مسألة تجزؤ الاجتهاد فإن من المتحقق أن أئمة الدين الذين هم محل القدوة والأسوة لم يكونوا من أهل التخصص المحض بلسان المتأخرين، ولم يكونوا أهل معرفة مجردة، بل كانوا أهل علم وعمل وعبادة وتأله وصبر وجهاد، وبمثل ذلك بورك في علمهم وتبوؤوا في الأمة مبوأ صدق وقبول.\nوقد عقد الحافظ ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» بابًا سماه: (باب من يستحق أن يسمى فقيهًا أو","vol":"1","page":80},{"text":"عالمًا حقيقة لا مجازًا، ومن يجوز له الفتيا عند العلماء)، وساق فيه من النصوص والآثار ما يؤكد المعنى آنف الذكر. وقد قال مجاهد (ت ١٠٤ هـ): (الفقيه من خاف الله ﷿) (^١)، وقال مطر الوراق (ت ١٢٩ هـ): سألت الحسن (ت ١١٠ هـ) عن مسألة فقال فيها، فقلت: يا أبا سعيد، يأبى عليك الفقهاء ويخالفونك، فقال: (ثكلتك أمك مطر! وهل رأيت فقيهًا قط؟ وهل تدري ما الفقيه؟ الفقيه الورع الزاهد الذي لا يسخر بمن أسفل منه، ولا يهمز من فوقه، ولا يأخذ على علم علمه الله حطامًا) (^٢).\nوهذه الإشارات من هؤلاء السادة لها دلالتها التي لا ينبغي أن تغفل، فإن استقامة الفقيه وخشيته لله تعالى سبب من أسباب توفيقه وسداده، وهذا أمر لا ينبغي إغفاله في منظومة المعرفة في الإسلام، وقد أشار الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) إلى هذا لما سأله سائل: من نسأل بعدك؟ فقال: سلوا عبد الوهاب- يعني: الوراق- مثله يوفق لإصابة الحق (^٣).\nوقد أفاض أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) في هذا المعنى ضمن حديثه عن تبديل ألفاظ العلوم فقال: (اللفظ الأول الفقه، فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها،\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب من يستحق أن يسمى فقيهًا (١٥٤٧).\n (^٢) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب ما جاء في ورع المفتي وتحفظه (١٠٦٧).\n (^٣) طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى (٢/ ٢٠٢).","vol":"1","page":81},{"text":"واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشد تعمقًا فيها وأكثر اشتغالًا بها يقال هو الأفقه.\nولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك عليه قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه، دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف، بل التجرد له على الدوام يقسِّي القلب وينزع الخشية منه كما يُشاهد الآن من المتجردين له)، ثم قال: (ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولًا للفتاوى في الأحكام الظاهرة، ولكن كان بطريق العموم والشمول، أو بطريق الاستتباع، وكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر، فثار من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد له، والإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلب، ووجدوا على ذلك معينًا من الطبع، فإن علم الباطن غامض، والعمل به عسير، والتوصل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذر، فوجد الشيطان مجالًا لتحسين ذلك في القلوب بواسطة تخصيص اسم الفقه الذي هو اسم محمود في الشرع) (^١).\nفالفقه في أصل استعماله إنما هو فهم الدين كله، بأصوله\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ١٢٠ - ١٢٤)، وانظر كلامه في: فاتحة العلوم (٦).","vol":"1","page":82},{"text":"واعتقاداته وتشريعاته وآدابه وفضائله ومكارمه، وكل ذلك مفتقر في تحصيله وتطبيقه والهداية به وإليه إلى فهم عميق لا يتأتى بمجرد المعرفة، ولا يرفع ذلك الاصطلاح المتأخر الذي يخصه بعلم الحلال والحرام، ولكن القصد أن يعلم حقيقة ما يتنزل عليه اسم الفقه؛ لأننا متى شئنا الحديث عن إصلاح الفقه ووظائفه فلا بد أن يعلم امتداد هذا الاسم الشريف وما يترتب على هذا الامتداد من المعاني المؤثرة. ولأجل مزيد بيان لذلك أسوق كلامًا جليلًا للإمام الحليمي (ت ٤٠٣ هـ) حيث يقول: (ومن نظر وتبين علم أن الفقه إن كان يستوجب الثناء ويستحق المدح والإطراء؛ لأنه علم أصله وحي، فما وصفناه من أضراب علم الشريعة وحي أصله تنزيل كله، وإن كان ذلك لما يحتاج إليه فيه من الفهم والفطنة، فما علم من العلوم إلا ومنه جلي وخفي، ولا وجه لإدراك الخفي إلا الاستدلال بالجلي عليه، ولا سبيل إلى الاستدلال بالجلي على الخفي إلا بعد إدراك المعاني وتبيّنها، وفي ذلك ما يبين أن اسم الفقه علم العلوم الشريعة كلها [كذا]، أعلاها الذي يتوصل بها إلى معرفة الله تعالى جده ووحدانيته وقدسه وعامة صفاته، ومعرفة أنبياء الله ورسله، والفرق بينهم وبين من يدَّعي مثلَ ما ادَّعوا، ولا يأتي من البينات بمثل ما أتوا. وما بعد ذلك من علم العبادات، وأحكام الاكتساب والمعاملات، والحدود والجنايات، والفصل بين المتنازعين، وإيصال الحقوق إلى المستحقين، ومن علم الأحوال والأخلاق والآداب والسيرة الحميدة والعشرة الجميلة، والمروءة التي هي قرينة العدالة، وإبقاء معاني العبودية","vol":"1","page":83},{"text":"على تصرف الأحوال في الجملة. وعلم مع ذلك أن التذكير مما أمر الله تعالى جدُّه في كتابه، والله لا يأمر بالهزل ولا بما يهزأ به، ولا بما يضع امتثاله من تمثيله، ويحطُّ استعماله من قدر مستعمله، قال الله ﷿: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]. فيسمي الله تعالى جدُّه نبيَّه ﷺ مذكرًا وسمى تبليغه وتعليمه تذكيرًا، وأمْرَه به إرشادًا وتبصيرًا. فكيف يعرض لأسباب الضعة ما جعله الله تعالى من أسباب الرفعة؟ وكيف يجري في عداد أهل النقص طائفة قائدها نبيها وإمامها رسولها؟ أو كيف يخرج علم التذكير من جملة الفقه وهو لا يقع إلا من أولي الفطنة والتمييز والخبرة بما يوجبه الحال، ويرجى أن ينجع فيمن يذكره المقدار الذي لا يستكثر فيمل منه أو يتضجر، وبالوقت الذي يكون التذكير فيه أنفع، ومن قلوب السامعين أوقع، وينبوع الذكر الذي يكون إلى القلوب أسرع، وفي القلوب أنجع. وإذا تُؤُمِّلَ هذا المقام وما جرى فيه من الكلام، وُجد أشبهَ المقامات بالقضاء بين المتخاصمين والحكم بين المتنازعين التذكيرُ؛ لأن المذكر يفصل بين دواعي النفس، فيميز المردية منها عن المنجية، ويخلص الموبقة من المعتقة، ويرجح دواعي العقل على دواعي الهوى والطبع، ويلزم السامعين أن يقفوا عند الحدود المحدودة لهم ولا يتعدوها، ويلزموا المثل الممثلة لهم ولا يتخطوها. كما أن القاضي يفصل بين المحق في دعواه والمبطل الراكب لهواه، ويميز البينات عن دواحض الشبهات، ويرجح من","vol":"1","page":84},{"text":"أصنافها ما يجب ترجيحه، ويقدم منها ما يحق تقديمه، ويلزم المتحاكمين إليه أن ينتهوا إلى ما يوجبه الحكم لهم، ولا يرضى ببغي إن ظهر منهم. فإن كان علم القضاء فقهًا كما يحتاج القاضي إليه من الفهم والفطنة والذكاء والخبرة، فعلم التذكير مثله؛ لأنه في هذا المعنى شكله. وبعد هذا فكيف ينفر الناس عن علم القصص وهو من براهين النبوة وأعلام الرسالة، إذ يقول الله ﷿: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]. هذا وقد سمى الله ﷿ القرآن قصصًا، قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]، وإنما الاقتصاص إذا الخبر على وجهه [كذا]، فسواء كان المخبر عنه أنباء الأولين أو الحكام أو أحكام ما شرع للآخرين فكل ذلك قصص. والفقه محتاج فيهما إليه؛ لأن به يدرك مقاصد الاقتصاص، وبإدراكها يتميز العام عن الخاص) (^١).\nفالحليمي هنا ينبه إلى ملحظ مهم، وهو أن الفقه كما أنه يُنص على اشتراطه في بعض الوظائف الشرعية كالإفتاء والقضاء، فهو شرط في سائر الوظائف كالوعظ والتذكير والقصص ونحوها.\nوهذا الذي يشير إليه له أثره الكبير في إصلاح التصورات والمفاهيم الشرعية، فإن وظيفة الوعظ لها أثرها البالغ على مفاهيم\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٣).","vol":"1","page":85},{"text":"الناس وتصورهم، وما أكثر ما يؤدي تولي الجهلة وتصدرهم لهذه الوظائف إلى فساد كبير. وهذا أمر طالت شكوى الفقهاء منه قديمًا وحديثًا، وقد أدى تعرض الجهال لها إلى الزهد فيها وانصراف الفقهاء عن توليها وحضورها، وأصبح اسم الوعظ من الأسماء التي يترفع الفقيه عنها مع أنها من وظائف النبي الأعظم ﷺ كما قال الله ﷻ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، والواعظ يصادف في الناس حال رقة وتأثر واستعداد لتقبل المفاهيم والتصورات، ومن هنا كان إصلاح الوعظ من أغراض الإصلاح الفقهي العام.\nيقول ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): (كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء، وقد حضر مجلس عبيد بن عمير عبد الله بن عمر ﵁ وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص، ثم خسَّت هذه الصناعة فتعرَّض لها الجهال، فبعد عن الحضور وعندهم المميزون من الناس، وتعلق بهم العوام والنساء، فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة وتنوعت البدع في هذا الفن) (^١).\nفالفقه إذًا هو الملكة التامة التي تمكن صاحبها من الاقتدار على فهم الشريعة وإدارة الحياة بهداياتها (^٢)، واختصاص علم\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (١٢٣)، وانظر كلام الراغب الأصفهاني في: الذريعة إلى مكارم الشريعة (٢٥٥).\n (^٢) مصطلح الملكة التامة من المصطلحات التي يستعملها ابن خلدون في مقدمته، وأصلها عنده قوة فطرية عامة، ثم تحصل جزئية في علم ما باكتساب قواعده والدربة عليه، بحيث يكون لصاحبها طبع الفلسفة، وهي نادرة في الناس. انظر: المقدمة (٥/ ٨٤) (٥/ ٢٨٠)، أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (١٤٧).","vol":"1","page":86},{"text":"الفروع والأحكام باسمه من الاصطلاحات العلمية الراسخة التي تواضع العلماء عليها، غير أنه لا ينبغي إهمال أصل المعنى لما يترتب على ذلك من فساد العلوم والأحوال. ومن أمثلة هذا الفساد ما يتولد في نفوس كثير من الخاصة فضلًا عن العامة من تصور أن الفقه من علم الجزئيات، وأن الفقهاء بعيدون عن واقع الناس ومعاشهم؛ بما ينشغلون به من تتبع الصور الجزئية وتطلب أحكامها. والحق أن حال بعض الفقهاء من أسباب انبعاث هذا التصور، لكن طبيعة علم الفقه وواقع الفقهاء الذين يصدق عليهم هذا الاسم بالحقيقة لا يساعد على تأكيده، فالفقهاء في تاريخ المسلمين المديد وباختلاف الزمان والمكان كان لهم الأثر الكبير في صناعة الحياة.\nيقول د. محمد عابد الجابري (ت ١٤٣١ هـ): (إذا جاز لنا أن نسمى الحضارة الإسلامية بإحدى منتجاتها، فإنه سيكون علينا أن نقول عنها إنها حضارة فقه، وذلك بنفس المعنى الذي ينطبق على الحضارة اليونانية حينما نقول عنها إنها حضارة فلسفة، وعلى الحضارة الأوروبية المعاصرة حينما نصفها بأنها حضارة علم وتقنية. والواقع أنه سواء نظرنا إلى المنتجات الفكرية للحضارة الإسلامية من ناحية الكم، أو نظرنا إليها من ناحية الكيف، فإننا سنجد الفقه يحتل الدرجة الأولى بدون منازع. إن ما كتب في الفقه من مطولات ومختصرات وشروح وشروح الشروح لا يكاد","vol":"1","page":87},{"text":"يحصى، وما استنسخ من هذه الكتب بمختلف أنواعها يستحيل استقصاؤه، بل إننا نكاد نجزم أنه إلى عهد قريب، لم يكن يخلو بيت من البيوت المسلمة من الخليج إلى المحيط، بل وفي أعماق كل من آسيا وأفريقيا من كتاب في الفقه، وبعبارة أخرى أنه ما من مسلم كان يحسن القراءة بالعربية إلا وكان على اتصال مباشر بكتب الفقه. وإذن فالفقه من هذه الناحية كان أعدل الأشياء قسمة بين الناس في المجتمع العربي الإسلامي، ولذلك كان لا بد أن يترك أثره قويًا فيه، ليس فقط في السلوك العملي للفرد والجماعة- الشيء الذي يستهدفه أساسًا- بل في السلوك العقلي أيضًا؛ أي: في طريقة التفكير والإنتاج الفكري) (^١).\nوالذين يصفون علم الفقه بأنه علم الجزئيات أو أن الفقهاء منشغلون بها انصرفت أنظارهم إلى أفراد المسائل الفقهية في مصنفات الفقه ومدوناته، وغفلوا عن طبيعة علم الفقه ونشأته وغاياته وآثاره. والفقه بطبيعته من علوم الحياة، وحاجة الناس إليه موفورة، فإن المسلمين حريصون على مشروعية أفعالهم، فيكثر سؤالهم للفقهاء عنها فيجيبونهم عليها، ومن هنا تنشأ المسائل والأحكام. أما كثرتها وتشعبها فذلك عائد إلى كثرة أسئلة الناس وتشعبها، وإذا طالعنا كتب الطبقات والتراجم فإننا نلاحظ أن الكثير من مدائن المسلمين ربما خلت من عالم باللغة أو عالم\n_________\n(^١) تكوين العقل العربي (٩٦).","vol":"1","page":88},{"text":"بالكلام لكنها قل أن تخلو من فقيه يفتي الناس ويعلمهم؛ لمسيس حاجة الناس إليه (^١).\nوإنما ينشأ الفساد عندما يظن ظان أن أصل الفقه هو هذه التفريعات والخلافيات التي تتضمنها كتب الفقهاء لا سيما المطولات منها. مع أن من العلماء من عد الاشتغال بالتقديرات وتكرار الفروع أقدم فساد أوجب تأخر الفقه (^٢).\nوالعدل يقتضي أن يعلم الفرق بين الفقه كفن وعلم وبين الفروع الفقهية، فإن الفقه منه ما هو أصول وقواعد وقطعيات كلية هي أساس الدين، ومنه ما هو فروع وأحكام تفصيلية ناتجة من ممارسة الحياة وأسئلة الناس، وكلاهما من ضرورات تكوين الفقيه، وقد قال قتادة (ت ١١٧ هـ): (من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه) (^٣)، وقال ابن الماجشون (ت ٢١٢ هـ): (كانوا يقولون: لا يكون فقيهًا في الحادث من لم يكن عالمًا بالماضي) (^٤). لكن من الواجب أن يعلم أن هذه الفروع نتائج للفقه، ومعرفتها ضرورة من جهة معرفة كلام أهل العلم لئلا تكون من مسائل الاتفاق، ولئلا يهمل من الخلاف والأدلة ما لا ينبغي إهماله. قال عطاء (ت ١١٤ هـ): (لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالمًا باختلاف الناس؛ فإن لم يكن كذلك رد من\n_________\n(^١) انظر: أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (٦٠).\n (^٢) انظر: أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (١٧١).\n (^٣) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب من يستحق أن يسمى فقيهًا (١٥٢٢).\n (^٤) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب من يستحق أن يسمى فقيهًا (١٥٣١).","vol":"1","page":89},{"text":"العلم ما هو أوثق من أوثق من الذي في يده) (^١). ثم هي بعد ذلك من المسائل التي يُتفقَّه بها ويُتدرَّب عليها.\nوالفقهاء قد يختصرون في بعض المسائل لظهور حكمها ووضوح مأخذها، ويطيلون في أخرى لإشكالها ودقة مأخذها، وربما كانت الأولى أكثر حصولًا وحاجة الناس إليها أكبر، وربما كانت الثانية من قبيل النوادر، لكن الناس لا بد لهم ممن يفتيهم.\nوبناءً على هذا فالنظر إلى المادة الفقهية نظرةً كميةً، وقياس اهتمامات الفقهاء بالنظر إلى طول المسائل وقصرها فيه خلل كبير.\nولشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في تقرير هذا المعنى كلام نفيس حيث يقول: (بل باب الحيض الذي هو من أشكل الفقه في كتاب الطهارة، وفيه من الفروع والنزاع ما هو معلوم، ومع هذا أكثر الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال النساء في الحيض معلومة. ومن انتصب ليفتي الناس يفتيهم بأحكام معلومة متفق عليها مائة مرة، حتى يفتيهم بالظن مرة واحدة. وإن أكثر الناس لا يعلمون أحكام الحيض وما تنازع الفقهاء فيه من أقله وأكثره وأكثر سنين الحيض وأقله ومسائل المتحيرة، فهذا من أندر الموجود، ومتى توجد امرأة لا تحيض إلا يومًا؟ وإنما في ذلك حكايات قليلة جدًا، مع العلم بأن عامة بنات آدم يحضن كما قال النبي ﷺ: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» (^٢). وكذلك متى\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب من يستحق أن يسمى فقيهًا (١٥٢٤).\n (^٢) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب كيف كان بدء الحيض (٢٩٤)، ومسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (٢٩٧٦).","vol":"1","page":90},{"text":"توجد في العالم امرأة تحيض خمسة عشر يومًا أو تسعة عشر؟ أو امرأة مستحاضة دائمًا لا يعرف لها عادة ولا يتميز الدم في ألوانه؟ بل الاستحاضة إذا وقعت فغالب النسوة يكون تميزها وعادتها واحدة، والحكم في ذلك ثابت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ وباتفاق الفقهاء. ونحن ذكرنا في الموت الذي هو أمر لازم لكل أحد وقل من يموت إلا وله شيء (^١)، وفي الحيض الذي هو أمر معتاد للنساء، وكذلك سائر الأجناس المعتادة مثل النكاح وتوابعه والبيوع وتوابعها والعبادات والجنايات.\nفإن قال قائل: مسائل الاجتهاد والخلاف في الفقه كثيرة جدًا في هذه الأبواب، قيل له: مسائل القطع والنص والإجماع بقدر تلك أضعافًا مضاعفة، وإنما كثرت لكثرة أعمال العباد وكثرة أنواعها، فإنها أكثر ما يعلمه الناس مفصلًا، ومتى كثر الشيء إلى هذا الحد كان كل جزء منه كثيرًا. من ينظرها مكتوبة فلا يرتسم في نفسه إلا ذلك. كما يطالع تواريخ الناس والفتن وهي متصلة في الخبر فيرتسم في نفسه أن العالم ما زال ذلك فيه متواصلًا، والمكتوب شيء والواقع أشياء كثيرة، فكذلك أعمال العباد وأحكامها ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك) (^٢).\nفهذه الفروع والتفصيلات الجزئية هي نتائج ارتباط الفقه بالحياة، وسؤال الناس لأهل الذكر والفقه في الدين عما يشكل\n_________\n(^١) أيْ: مال يورِّثه، وكان حديثه قبل هذا الموضع عن علم الفرائض.\n (^٢) الاستقامة (١/ ٥٨).","vol":"1","page":91},{"text":"عليهم، فإن من المعلوم أنه ما من عمل وله حكم في الشريعة، وأصل هذه الأحكام في كتاب الله تعالى بالأصالة أو بالدلالة.\nقال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): (فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها) (^١).\nومتى علم امتزاج الفقه بالحياة فإن أسئلة الناس ستتوارد على الفقهاء في شتى مجالات الحياة، ولذا فإن كتب الفقه وأبوابه تعم كافة الأنشطة التي يمكن للبشر أن يزاولوها، ومنها الجليل واليسير، والكثير والقليل والنادر، لا سيما والإسلام له دولة تقوم بأمره وترعى مقاصده، وعلمها يعم كل فرع من فروع الحياة (^٢).\nوالفقه بآلياته هو الذي يغور بهدايات الشريعة في المجتمعات الإسلامية إلى أبعد مدى، ويطبعها بطابع يمزج تفاصيل الحضارة بتفاصيل الشريعة، حتى بات للإسلام حضارة تنسب إليه فيقال لها: (الحضارة الإسلامية)، وهذا ما يمتاز به دين الإسلام من بين سائر الديانات (^٣). ولذا فإن تغيير سلوك المسلمين وأخلاقهم الاجتماعية، وتوجيه حياتهم بخلاف ما تقتضيه حضارتهم، كان من أكبر مداخل الدول الاستعمارية لإحلال مفاهيم ومشاريع أجنبية أدت إلى فوضى عارمة في مجالات شتى (^٤).\nومن الفساد الذي ينشأ من إغفال الفرق بين وظيفة الفقيه في\n_________\n(^١) الرسالة (٢٠).\n (^٢) انظر: نظرية الإسلام السياسية، المودودي (٤٢).\n (^٣) انظر: أرض العروبة رؤية حضارية في المكان والزمان، د. سليمان حزين (٢٧١).\n (^٤) انظر: تراثنا الفقهي وضرورة التجديد، عبد الحي عمور (٦).","vol":"1","page":92},{"text":"الحياة وصنيع الفقهاء في مدوناتهم، ما يقوم بأذهان بعض الناس من تصور أن الفقهاء غير معنيين بالجانب الأخلاقي بقدر اهتمامهم بالجانب الحقوقي. وسبب هذا اللبس أن الفقهاء يعنون في كتبهم بجانب القضاء، أو ما يسمى باللسان المعاصر (القواعد القانونية)، وهي الحد الأدنى الذي يلزم توافره لتحقيق الضبط الاجتماعي، وما كان كذلك فلا بد من اتخاذ الوسائل اللازمة لتطبيقه بإنشاء المؤسسات القضائية ولواحقها ولوازمها، أما الجوانب التي تتعلق بالآداب والمكارم فهي من قبيل (القواعد الأخلاقية) التي تبين الحد الأعلى لما ينبغي أن يكون عليه السلوك العام والمجتمع الفاضل، مما يربي الفقهاء عليه الناس بالوعظ والتعليم والندب والاستحباب، ومثل هذه القواعد لا تكون قواعد إلزامية إلا إذا جرت ضرورة لذلك، وسبيل تقرير ذلك الاجتهاد، والفقهاء وإن كانت عنايتهم في مدونات الفقهاء ذاهبة إلى الجانب القضائي الحقوقي، غير أن جانب الأخلاق والمكارم والآداب والمندوبات غير مهمل بدوره، ولكن مظان هذه غير مظان تلك، وهذا على سبيل العموم (^١).\nقال الشيخ محمد أنور الكشميري (ت ١٣٥٢ هـ) في شرحه لحديث أنس ﵁: «حجم رسول الله ﷺ أبو طيبة، فأمر له رسول الله ﷺ بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه ن خراجه» (^٢): (واعلم أن هذا باب لا يدخل فيه القضاء، وقلَّ من\n_________\n(^١) انظر: الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، د. محمد سراج (٢٧)، نقاط التجاذب والخلاف في الفقه الإسلامي، كولسون، مجلة المسلم المعاصر (٣: ١٦٣).\n (^٢) متفق عليه من حديث أنس، أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة (٢٢١٠) واللفظ له، وأخرجه مسلم في كتاب المساقاة باب حل أجرة الحجامة (٤١٢١).","vol":"1","page":93},{"text":"توجه إلى هذا الباب أحد، مع أنه يوجد في الأحاديث كثيرًا، فيكون أمرًا صحيحًا في الخارج، ثم لا يتأتى على قواعد الفقه، وذلك لأن الناس كثيرًا ما يتعاملون فيما بينهم ويسامحون فيه ولا يتنازعون بشيء. وقد يجوز ذلك في نظر الشارع أيضًا، إلا أن الفقهاء لا يتعرضون إليه لكونه من الديانات عندهم، وجُلُّ أحكامهم من باب القضاء. ومن لا خبرة له بذلك يظنها خلاف الفقه، ولا يدري أن ما ذكر في الفقه هو حكم القضاء وذلك في الديانة، وقد أوضحنا الفرق بينهما... وبالجملة باب المسامحات والمروءات مفقود من الفقه، مع كونه أهم) (^١)، وقال في سياق آخر: (وهذا الاعتراض ساقط؛ لأن هذا من باب المسامحات والإغماض دون المماكسة والتنازع، وليس في الفقه إلا باب التنازع. والسر فيه أن باب المسامحات لا يأتي فيه التكليف ولا يجبر عليه أحد، إنما هو معاملة الرجل مع الرجل على رضاء نفسه، فلم يذكروا في الفقه إلا أحكام القضاء، وهي التي مما يجبر عليها الناس، وقليلًا ما ذكروا أبواب الديانات. والناس إذا لم يروا مسألة في الفقه يزعمونها منفية عندهم، مع أن الفقهاء إنما تكلموا فيما في دائرة التكليف. والتي ليست كذلك لم يتعرضوا لها، وإن كانت جائزة فيما بينهم) (^٢).\n_________\n(^١) فيض الباري على صحيح البخاري (٣/ ٤٨٣).\n (^٢) فيض الباري (٣/ ٥٧٥).","vol":"1","page":94},{"text":"إن الفقيه لا يكون فقيهًا بمجرد اختياره لتخصص الفقه في المدارس والمعاهد والجامعات الشرعية وتخرجه فيها، ولا يكون فقيهًا باختيارٍ سياسي أو إداري ليتولى منصبًا دينيًا أو خطة شرعية، بل الفقيه هو العالم الشرعي مكتمل الآلة والمكنة، الذي يعيش في عصره ويتمكن من إدارة الحياة وصناعتها بفقهه، ومن تمام عملية الإصلاح الفقهي أن يعاد النظر إلى الفقيه بهذا الاعتبار، وهذا ما دفع الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) إلى تفضيل علم الفقه، واعتبار (العلماء حكامًا على الخلائق أجمعين قضاءً أو فتيا أو إرشادًا؛ لأنهم اتصفوا بالعلم الشرعي الذي هو حاكم بإطلاق) (^١)، فالفقيه في الإسلام يقابل الفلاسفة الأوروبيين الكبار الذين قامت الحضارة الغربية الحديثة على أكتافهم باختلاف مذاهبهم ومدارسهم.\n_________\n(^١) الاعتصام (٣/ ٤٣٩).","vol":"1","page":95},{"text":"والفقهاء الذين هم بهذه المثابة قلة بالقياس إلى من ينتسبون أو ينسبون إلى هذا الاسم، فإن لهذا الاسم شرطًا صعبًا يجعله بالمحل الأرفع الذي لا تمتهنه صنائع الذين ليس لهم منه إلا اسمه. وهذا معنى يؤكده أهل العلم على الدوام؛ لأنهم يرون آثار إهماله في فساد الأحوال والتصورات.\nبل إن من أهل العلم من يرى أنه لا يكون المرء فقيهًا (حتى يكتهل ويكمل سنه ويقوي نظره، ويبرع في حفظ الرأي ورواية الحديث ويبصره ويميز طبقات رجاله، ويحكم عقد الوثائق ويعرف عللها، ويطالع الاختلاف ويعرف مذاهب العلماء والتفسير ومعاني القرآن. فحينئذٍ يستحق أن يسمى فقيهًا، وإلا فاسم الطالب أليق به) (^١)، وهذه الحال المذكورة من أحوال الرسوخ في العلم، فإن طول ممارسة الفقه ووظائفه تجعل منه حالة راسخة ينشأ منها ما يدعوه العلماء فقه النفس، وهي حالة استقرار علمي ونفسي تحمل صاحبها على الأناة والاستيثاق والاستقصاء وتقدير العواقب؛ (لأن الشيخ قد زالت عنه ميعة الشباب وحدته وعجلته وسفهه واستصحب التجربة والخبرة، فلا يدخل عليه في علمه الشبهة، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث. ومع السن الوقار والجلالة والهيبة، والحدث قد يدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ، فإذا دخلت عليه وأفتى هلك وأهلك) (^٢).\n_________\n(^١) ترتيب المدارك، القاضي عياض (٦/ ١٥١).\n (^٢) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب في فضل العلم والعلماء (٥٦٠).","vol":"1","page":96},{"text":"فالتوسع في العلم بامتداد الزمان لا تقتصر آثاره على الجانب العلمي والمعرفي للفقيه، بل تمتد إلى الجانب السلوكي والتربوي، وإلى الطبيعة النفسية للفقيه ذاته.\nقال أيوب السختياني (ت ١٣١ هـ): (أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا باختلاف العلماء، وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء) (^١)، وقال ابن أبي زيد القيرواني (ت ٣٨٦ هـ): (وإنما ينظر في الخلاف ويحكي أقوال العلماء من اتسع في العلم، ولا يحل أن يؤمر الضعيف بتعلم مسائل الخلاف، وإدخال الحمية على الأئمة في صدره، وليبدأ بإحكام فرائضه، فما أثبح هذا الأثر في الإسلام) (^٢).\nوهذه الشرائط التي يذكرها الأصوليون للفقيه المجتهد يمكن تصنيفها إلى أربعة أنواع (^٣):\n١ - دراسة مصادر الاجتهاد.\n٢ - دراسة السوابق الفقهية.\n٣ - دراسة لغة النص التشريعي.\n٤ - دراسة بيئة المجتمع الذي يعيش فيه المجتهد.\nوهذه الشروط تضم إلى ملكة الفهم والاستنباط ملكة القدرة على التنزيل على الوقائع وتحقيق المناطات، والفقيه يفتقر في هذا\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب من يستحق أن يسمى فقيهًا (١٥٢٥).\n (^٢) الذب عن مذهب مالك، ابن أبي زيد (١/ ٣٠٨).\n (^٣) انظر: مقدمة في دراسة الفقه الإسلامي، د. محمد الدسوقي ود. أمينة الجابر (٥٦).","vol":"1","page":97},{"text":"إلى العلم بطبيعة الحياة التي يريد تنزيل الأحكام عليها، وهذا ما يُحتِّم عليه أن يكون مشاركًا في العلوم التي لا يتمكن من استخراج الأحكام إلا بها، وهذا كان دأب الفقهاء المجتهدين، ومن طالع سيرهم وتراجمهم ناله العجب من تنوع معارفهم وسعة اطلاعهم وكثرة مشاركتهم تعلمًا وتعليمًا وتأليفًا.\nيقول ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): (على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبيًّا عن باقي العلوم فإنه لا يكون فقيهًا، بل يأخذ من كل علم بحظ ثم يتوفر على الفقه فإنه عز الدنيا والآخرة) (^١).\nويقول الإمام القرافي (ت ٦٨٤ هـ): (وكم يخفى على الفقيه والحاكم الحق في المسائل الكثيرة بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة. فينبغي لذوي الهمم العلية أن لا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم:\nفلم أر في عيوب الناس شيئًا... كنقص القادرين على التمام) (^٢)\nوقال الشيخ حسن العطار (ت ١٢٥٠ هـ) في شكوى موجعة: (من تأمل ما سطرناه وما ذكره من التصدي لتراجم الأئمة الأعلام على أنهم كانوا مع رسوخ قدمهم في العلوم الشرعية والأحكام الدينية لهم اطلاع عظيم على غيرها من العلوم، وإحاطة تامة بكلياتها وجزئياتها حتى في كتب المخالفين في العقائد والفروع،\n_________\n(^١) صيد الخاطر (٢٩٠).\n (^٢) الفروق (٤/ ٢٣)، وانظر: الفتوى في الإسلام، جمال الدين القاسمي (١٤٢)، والبيت المذكور لأبي الطب المتنبي، انظر: ديوانه (٤٧٦).","vol":"1","page":98},{"text":"يدل على ذلك النقل عنهم في كتبهم والتصدي لدفع شبههم، وأعجب من ذلك تجاوزهم إلى النظر في كتب غير أهل الإسلام، فإني وقفت على مؤلف للقرافي رد فيه على اليهود شبهًا أوردوها على الملة الإسلامية، لم يأت في الرد عليهم إلا بنصوص التوراة وبقية الكتب السماوية، حتى يظن الناظر في كتابه أنه كان يحفظها عن ظهر قلب، ثم هم مع ذلك ما أخلوا في تثقيف ألسنتهم وترقيق طباعهم من رقائق الأشعار ولطائف المحاضرات، ومن نظر ما دار بين المصنف ﵀ وبين عصريه الأديب الصلاح الصفدي من المراسلات البليغة والأشعار الرقيقة علم أنه ﵀ ممن يخضع له رقاب البلغاء وتجري في مضماره سوابق الأدباء، وكذا ما دار بين سلطان المحدثين الحافظ ابن حجر العسقلاني ومن عاصره من فحول الأدباء من لطائف الأشعار والنكات الأدبية، وكذا العلامة الدماميني، بل وبين الحافظ السيوطي والسخاوي من المناقضات وما ألفه من المقامات، وفيما انتهى إليه الحال في زمن وقعنا فيه، علم أن نسبتنا إليهم كنسبة عامة زمانهم، فإن قصارى أمرنا النقل عنهم بدون أن نخترع شيئًا من عند أنفسنا، وليتنا وصلنا إلى هذه المرتبة بل اقتصرنا على النظر في كتب محصورة ألفها المتأخرون المستمدون من كلامهم، نكررها طول العمر ولا تطمح نفوسنا إلى النظر في غيرها، حتى كأن العلم انحصر في هذه الكتب، فلزم من ذلك أنه إذا ورد علينا سؤال من غوامض علم الكلام تخلصنا عنه بأن هذا كلام الفلاسفة ولا ننظر فيه، أو مسألة أصولية قلنا لم نرها في جمع الجوامع فلا","vol":"1","page":99},{"text":"أصل لها، أو نكتة أدبية قلنا هذا من علوم أهل البطالة هكذا، فصار العذر أقبح من الذنب، وإذا اجتمع جماعة منا في مجلس فالمخاطبات مخاطبات العامة والحديث حديثهم، فإذا جرى في المجلس نكتة أدبية ربما لا نتفطن لها، وإن تطفنا لها بالغنا في إنكارها والإغماض عن قائلها إن كان مساويًا، وإيذائه بشناعة القول إن كان أدنى، ونسبناه إلى عدم الحشمة وقلة الأدب، وأما إذا وقعت مسألة غامضة من أيِّ علم كان عند ذلك تقوم القيامة وتكثر القالة، ويتكدر المجلس وتمتلئ القلوب بالشحناء وتغمض العيون على القذى، فالمرموق بنظر العامة الموسوم بما يسمى العلم إما أن يتستر بالسكوت حتى يقال إن الشيخ مستغرق، أو يهذو بما تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع:\nوقالوا سكرنا بحب الإله... وما أسكر القوم إلا القصع\nفحالنا الآن كما قال ابن الجوزي في مجلس وعظه ببغداد:\nما في الديار أخو وجد نطارحه... حديث نجد ولا خل نجاريه\nوهذه نفثة مصدور فنسأل الله السلامة واللطف) (^١).\nوالفقيه محتاج في تنزيل الأحكام إلى معرفة طبائع الناس وعوائدهم، وأحوال اجتماعهم ووجوه سياستهم، وطرائق إيصال الهدى والخير إليهم، ومعرفة طرق تحصيل المصالح وتكثيرها، وطرق درء المفاسد وتقليلها ما أمكن، ولذا وصف أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) الفقيه بأنه: (العالم بقانون السياسة، وطريق\n_________\n(^١) حاشية العطار على جمع الجوامع (٢/ ٢٤٧).","vol":"1","page":100},{"text":"التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات. فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم؛ لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا) (^١).\nأما الخِلْو من كل ذلك فهو حامل فقه وليس بفقيه، وأني للعريِّ من قوانين السياسة أن يسوس الحياة بقوانين الدين؟ وكيف يتهيأ لمن يعتزل الحياة أن يفهمها فضلًا عن أن يفتي فيها؟\nيقول خير الدين التونسي (ت ١٣٠٧ هـ): (وأنت إذا أحطت خبرًا بما قررناه علمت أن مخالطة العلماء لرجال السياسة بقصد التعاضد على المقصد المذكور من أهم الواجبات شرعًا؛ لعموم المصلحة وشدة مدخلية الخلطة المذكورة في اطلاع العلماء على الحوادث التي تتوقف إدارة الشريعة على معرفتها، ومعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وبيان ذلك أن إدارة أحكام الشريعة كما تتوقف على العلم بالنصوص تتوقف على معرفة الأحوال التي تعتبر في تنزيل تلك النصوص، فالعالم إذا اختار العزلة والبعد عن أرباب السياسة فقد سدَّ عن نفسه أبواب معرفة الأحوال المشار إليها، وفتح أبواب الجور للولاة) (^٢).\nوالكثير من التصورات المغلوطة عن الفقه والفقهاء إذا تأملناها وفحصنا عن أمرها وجدناها ناتجة عن عدِّ حملة الفقه من الفقهاء، واعتبار كتاباتهم إنتاجًا فقهيًا أصيلًا، مع أن الذين هم\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٦٧).\n (^٢) أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك (٤١)","vol":"1","page":101},{"text":"بهذه الصفة لا يكادون يقدمون شيئًا جديدًا، بل جهودهم محصورة في الجمع والتكرار والترجيح على ما علم في طبقات المقلدين، وهذا ما يجعل منهم بعيدين عن حاجات الناس الفعلية، وربما أدى ذلك إلى اشتغالهم بفرضيات بعيدة عما عليه واقع الناس واحتياجهم، ولذا وجدنا من يحتد في نقد الفقهاء، لكنه يقصد بهم هؤلاء.\nيقول مالك بن نبي (ت ١٣٩٣ هـ): (وفي هذه المرحلة أيضًا لا يهتم أحد بالمشكلات الواقعية كما كان يفعل أئمة الفقه الإسلامي، بل يكون الاهتمام منصبًا على مشكلات خيالية. على ما كان عليه فقهاء عصر الانحطاط، حيث لم يعودوا يكبون على المشكلات التي يثيرها نمو المجتمع، بل على حالات خيالية محضة؛ كالبحث في جنس الملائكة، أو كالتوضؤ من وطء البهيمة) (^١).\nويقول محمد أسد (ت ١٩٩٢ م): (إن شريعة الإسلام ليست مقصورة على ما تحويه بطون كتب الفقه المطولة التي شغلت نفسها بتفاصيل التفاصيل، وليست هي موضوعًا لخطب الجمعة فحسب، ولكنها منهاج حي يدفع بموكب الحياة البشرية إلى الأمام) (^٢). والخبير بطبقات الفقهاء وأخبارهم ممن تدور عليهم رحي الفقه في كل زمان، يعلم أن هذه المسائل المذكورة وأضرابها لم تكن من شواغلهم يومًا ما، بل لقد كانوا معايشين\n_________\n(^١) ميلاد مجتمع (٤٠).\n (^٢) منهج الإسلام في الحكم (١٧٣).","vol":"1","page":102},{"text":"لأحوال الناس واهتماماتهم، ولسوف يأتي مزيد بيان لهذا المعنى لاحقًا.\nومشاركة الفقيه لا تعني مطالبته بتشتيت همته بين العلوم، ولا أن يكون صاحب معرفة موسوعية، بل القصد أن يكون له من الاطلاع والمعرفة ما يتمكن به من التسلط على ما تقوم به حاجة إليه في اشتغاله واجتهاده، فيتعامل مع سائر العلوم بطريقة وظيفية تمكنه من الانتفاع بها والإفادة منها (^١).\nإن التساهل في شرط الفقيه لهو من أكبر أسباب الهزال والضعف في الإنتاج الفقهي، ومن أكبر أسباب انتقاص الفقهاء والتعدي على مكانتهم والجرأة على وظائفهم. وقديمًا شكا القاضي الجرجاني (ت ٣٩٢ هـ) فقال في عزة وتوجع:\nولم أقضِ حقَّ العلم إن كان كلَّما... بدا طمعٌ صيَّرتُه لي سُلَّما\nإذا قيل هذا منهل قلت قد أرى... ولكنَّ نفس الحر تحتمل الظما\nولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي... لأَخم من لاقيت لكن لأُخدما\nأأشقى به غرسًا وأجنيه ذلةً... إذا فاتِّباع الجهل قد كان أحزما\nولو أنَّ أهل العلم صانوه صانهم... ولو عظموه في النفوس لعَظَّما\nولكن أهانوه فهان ودنسوا... محياه بالأطماع حتى تجهما\nوعقَّب التاج السبكي (ت ٧٧١ هـ) على هذه الأبيات فقال: (وهكذا فليكن وإلا فلا أدب كل فقيه) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: منهاج تدريس الفقه دراسة تاريخية تربوية، د. مصطفى صادقي (٢٤٩).\n (^٢) طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٤٦١)، وقد تتبع الشيخ عبد الفتاح أبو غدة روايات هذه القصيدة العصماء، وساقها في مساق واحد في كتابه: صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل (٣٥٢).","vol":"1","page":103},{"text":"فالمراد أن شرط الفقيه شرط صعب لا يتحصل لأي أحد، ولو جرى الالتزام بهذا الاشتراط لما تولى الخطط الدينية إلا الأكفاء المؤهلين لها، غير أن من الفقهاء من تساهل واسترسل مع أحوال الضعف العامة التي تمر بها الأمة.\nقال السعد التفتازاني (ت ٧٩١ هـ): (ظاهر كلام القوم أنّه لا يتصوّر فقيه غير مجتهد ولا مجتهد غير فقيه على الإطلاق. نعم لو اشتُرط في الفقه التهيؤ لجميع الأحكام وجُوِّز في مسألة دون مسألة تَحَقَّق مجتهدٌ ليس بفقيه. هذا وقد شاع اطلاق الفقيه على من يعلم الفنّ وإن لم يكن مجتهدًا) (^١)، وقال ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ): (فكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء إلا مجتهد، ولا يسمى الفقيه إلا مجتهدًا) (^٢).\nومع هذا فإن التشدد في شرط الفقيه له أثره الكبير في تحسن وظائفه. يقول الشيخ محمد أبو زهرة (ت ١٣٩٤ هـ): (ومن المقرر الثابت الذي يلاحظه الدارسون لتاريخ الفقه أنه كلما شُدِّد في شروط الإفتاء في مذهب ومنعه من غير القادرين، كان ذلك سبيلًا لتنمية المذهب وتوجيه فروعه إلى النواحي المنتجة في الحياة، فإذا كانت الروح العامة في مذهب من المذاهب لا تسوغ الإفتاء والتخريج والاجتهاد فيه إلا لمن بلغ درجة الاجتهاد\n_________\n(^١) حاشية التفتازاني على شرح العضد (٣/ ٥٧٩).\n (^٢) حجة الله البالغة (١/ ٢٦١).","vol":"1","page":104},{"text":"المطلق، كانت الفتوى مجدية على المذهب، فتنميه وتغذيه وتعطيه أرسالًا من الأحكام الجديدة الحية المستمدة من روح الشرع الإسلامي ومقاصده وغايته، ومن قانون الحياة المستمر في تغيير أطواره وتقلب أحواله، حتى ينتهي إلى النهاية التي قدرها مكون الأكوان ورب السماوات والأرض) (^١).\nبل إن التشدد في شرط الفقيه له أثره الكبير في رفع مستوى التعليم والتأليف الفقهي، ومن ثم إصلاح الشأن الفقهي العام، وقد قرر أهل العلم أن جملةً من فساد التآليف الفقهية يحصل عندما يتصدى لها حامل الفقه غير الفقيه. فحامل الفقه كثيرًا ما يخطئ في تحقيق نسبة الأقوال والأدلة لاشتغال نظره بالجزئيات عن إدراك الكليات والمعاني العامة التي تتعلق بها أنظار الفقهاء الكبار. ومن المعلوم أن الأئمة الفقهاء لا يصدرون إلا عن قواعد وأصول تؤلف نظامًا متسقًا متناسقًا؛ لأن الشريعة متسقة منتظمة فلا بد أن تكون مناهج الاجتهاد فيها كذلك، وما خرج عن ذلك فليس بفقه.\nقال الإمام القرافي (ت ٦٨٤ هـ): (المقدمة الثانية: فيما يتعين أن يكون على خاطر الفقيه من أصول الفقه وقواعد الشرع واصطلاحات العلماء، حتى تخرَّج الفروع على القواعد والأصول، فإن كل فقه لم يخرَّج على القواعد فليس بشيء) (^٢).\n_________\n(^١) ابن حنبل، أبو زهرة (٣٢٧).\n (^٢) الذخيرة (١/ ٥٥).","vol":"1","page":105},{"text":"ومن أمثلة ذلك ما يجري من بعض الفقهاء من تضعيف الأقوال والترجيح بينها بناءً على ما يذكره متأخرو الفقهاء في مصنفاتهم من الاستدلال لمذاهب أئمتهم، فيصححون ويضعفون بناءً عليها، مع أن دليل إمام المذهب ربما كان غير ما يذكره أصحابه، والفقيه الممارس لأقوال الإمام والخبير بها ربما عرف مذهبه أو دليله من أصوله، وقد سبق قول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (إذ الرجل قد يكون يرى مذهب بعض الأئمة، وصار ينقل أقواله في تلك المسائل، وربما قرَّبها بدليل ضعيف من قياس أو ظاهر) (^١). وقد أشار الإمام البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) إلى هذا المعنى في كتابه «بيان خطأ من أخطأ على الشافعي» ونقله عن الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ هـ) في كتابه «الانتفاع بأهب السباع».\nيقول الحافظ البيهقي: (وقال مسلم: ثم أقبل صاحب الوضع في جلود السباع والميتة يعطف على الشافعي محمد بن إدريس، يعبره بالرواية عن أقوام فيقول: لو أن الشافعي اتقى حديث فلان وفلان من الضعفاء، لكان ذلك أولى به من اتقائه حديث عكرمة الذي أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديثه. قال مسلم: والشافعي لم يكن اعتماده في الحجة للمسائل التي ذكر في كتبه تلك الأحاديث في أثر جواباته لها، ولكنه كان ينتزع الحجج في أكثر تلك المسائل من القرآن والسُّنِّة\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٥٥). وانظر: أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء، محمد عوامة (١٤١).","vol":"1","page":106},{"text":"والأدلة التي يستدل بها، ومن القياس إذ كان يراه حجة، ثم يذكر الأحاديث قوية كانت أو غير قوية، فما كان منها قويًا اعتمد عليه في الاحتجاج به، وما لم يبلغ منها أن يكون قويًا ذكره عند الاحتجاج بذكر خامل فاتر، وكان اعتماده حينئذٍ على ما استدل به من القرآن والسُّنِّة والقياس. والدليل على أن ما قلنا من مذهب الشافعي لذكر الأحاديث الضعاف، أنه كما قلنا: إن مذهبه ترك الاحتجاج بالتابعين تقليدًا، وأنه يعتمد في كتبه لمسائل من الفروع ويتكلم فيها بما يصح من الجواب عنها من دلائل القرآن والسُّنِّة والقياس، ثم يأتي على أثرها بقول ابن جريج عن عطاء، وعمرو بن دينار وغيرهما من آراء التابعين بما يوافق قوله، لئلا يرى من ليس بالمتبحر في العلم ممن ينكر بعض فتواه في تلك الفروع أن ما يقول في العلم لا يقوله غيره فيذكر تلك الآراء عن التابعين لهذا، إلا أنه لا يعتد بشيء من أقوالهم حجة يلزم القول به عنه تقليدًا. قال الشيخ ﵀: وتصدير بعض أبواب المختصر بأحاديث لا يحتج بها واقع من جهة المزني ﵀، فأما الشافعي ﵀ فإنه إنما أوردها على الجملة التي ذكرها إمام أهل النقل مسلم بن الحجاج ﵀) (^١). فإذا كان هذا الأمر بما وقع من الإمام المزني (ت ٢٦٤ هـ) وهو إمام فقيه كبير، فالتوقي من حصول مثله ممن هو دونه أولى وألزم.\n_________\n(^١) بيان خطأ من أخطأ على الشافعي (٣٣٢). وانظر: أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء، محمد عوامة (١٤٩).","vol":"1","page":107},{"text":"وبالإضافة إلى هذه الشرائط التي لا بد من توفرها ليكون الفقيه فقيهًا على الحقيقة، فإن هناك صفاتٍ وشروطًا لا يُحكم الفقهاء القيام بوظائفهم إلا بها. وقد ذكر الشيخ محمد الخضر حسين (ت ١٣٧٧ هـ) من ذلك أربع صفات (^١):\nالصفة الأولى: استقلال الفكر، فإن من يغوص في فهم حقائق الشريعة ببصيرة نقية ونظر قائمة بنفسه، لا يعجزه أن يبينها للناس في أسلوب ينهض بحجتها ويكشف عن وجه حكمتها.\nالصفة الثانية: الاستقامة، فالعالم محل القدوة، والعلم لا يدخل في قبيل الفضيلة إلا لأنه أساس العمل.\nالصفة الثالثة: النظر في شؤون الاجتماع ومجاري السياسة، وقد سبقت إشارة لهذا.\nالصفة الرابعة: قوة الإرادة؛ لأن من وظيفته مراقبة سير الأمة، فإذا اعترضها خلل أرشد إلى إصلاحه، ومن تصدى لذلك لاقى أذى وعنتًا لا يطيقه إلا ذو عزيمة وإرادة.\nفهؤلاء المشتملون على هذه الصفات هم الفقهاء الذين بأمثالهم تصلح أحوال الناس، وتستقيم للأمة شؤونها، وتكف عادية السفهاء عن أهل الفضل فيها. أما إذا انزوى هؤلاء وتصدى لوظائفهم من هو ضعيف في علمه أو من هو ضعيف في إرادته وصدقه، فبذلك يَخُبُّ الفساد إلى العالَم. وقد قال ابن المبارك (ت ١٨١): (تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل،\n_________\n(^١) انظر: الدعوة إلى الإصلاح (١٤٤).","vol":"1","page":108},{"text":"فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون) (^١)، وقال الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ): (ويل للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلين الحرمات بالشبهات) (^٢)، وقال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): (تفقهوا مع فقهكم هذا بمذاهب أهل الإخلاص، ولا تفقهوا بما يودِّيكم إلى ركوب القلاص، فإن عيسى ابن مريم إذا نزل لكم يطلب يا معشر الفقهاء) (^٣).\nففقهاء الزور هؤلاء ممن يتصدرون بغير علم، أو ممن يتصدرون لغرض دنيوي، من أسباب فساد الدين والدنيا.\nومقاومتهم والتصدي لهم واجب على أهل الفقه والإيمان أولًا، ثم على الأمة التي لا يجوز لها أن تسمح لأحد أن يتلاعب بدينها، كما لا تسمح لأحد أن يتلاعب بصحتها أو أرزاقها (^٤).\nومن عظيم فساد هؤلاء بغضهم للإصلاح وأهله، وممانعتهم له ووقوفهم ضد رجاله؛ لأنهم أعداؤهم والكاشفون عن حقيقتهم.\nيقول الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ): (وصلاح العالم بمراعاة أمر هذه السياسات لتخدم العامة الخاصة وتسوس الخاصة العامة، وفساده في عكس ذلك. ولما تركت مراعاة المتصدي للحكمة والوعظ، وترشح قوم للزعامة في العلم من غير استحقاق منهم لها\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب ذم الفاجر من العلماء وذم طلب العلم للمباهاة والدنيا (١١٦١).\n (^٢) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب إخلاص النية (٨١٢).\n (^٣) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب إخلاص النية (٨١٣).\n (^٤) انظر: وظيفة الفقيه، محمد خليل الزروق، مقال في موقع (الرقيم) في الشبكة العالمية.","vol":"1","page":109},{"text":"فأحدثوا بجهلهم بدعًا استغروا بها العامة واستجلبوا بها منفعة ورياسة، ووجدوا من العامة مساعدة لمشاكلتهم لهم وقرب جوهرهم منهم:\nفكل قرين إلى شكله... كأنس الخنافس بالعقرب\nوفتحوا بذلك طرقًا منسدة ورفعوا بها ستورًا مسبلة، وطلبوا منزلة الخاصة فوصلوا إليها بالوقاحة وبما فيهم من الشَّرَه، فبدعوا العلماء وكفروهم اغتصابًا لسلطانهم ومنازعة في مكانهم، فأغروا بهم أتباعهم حتى وطؤوهم بأخفافهم وأظلافهم، فتولد من ذلك البوار والجور العام) (^١)\nومن جميل كلام الأستاذ أحمد حسن الزيات (ت ١٣٨٨ هـ) قوله في هؤلاء: (إن من أول وسائل الإصلاح للدين والدنيا أن يكسح هؤلاء من معاهد العلم ومقاعد التعليم كما تكسح الأوحال من الطريق، فإن الباني لا يبني وفي يديه مسطرين وفي أيديهم معول، وإن الغارس لا يغرس وفي يده مشتل وفي أيديهم منجل.\nولولا أبو جهل وابن سلول وشيعتهما من عدو الله، لما قال الرسول الصادق الصابر الشجاع وهو يلوذ بأحد الجدر: اللَّهُمَّ إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس) (^٢).\n_________\n(^١) الذريعة إلى مكارم الشريعة (٢٥١).\n (^٢) وحي الرسالة (٤/ ٧٠).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الثالث\nعلاقات الفقيه</span>\n١ - الفقيه والسلطان.\n٢ - الفقيه والمثقف.\n٣ - الفقيه والمجتمع.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>١ - الفقيه والسلطان</span>\n «أمثل منذر بن سعيد في خيره وفضله وعلمه لا أمَّ لك يُعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد؟ هذا ما لا يكون».\nأمير الأندلس عبد الرحمن الناصر [أزهار الرياض، المقري: ٢/ ٢٧٩]\n «وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد ولا أكبر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب عليَّ وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله تعالى».\nالإمام النووي [تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين، ابن العطار: ١٠٤]\n «وبالجملة: إنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقلَّ فساد الملوك خوفًا من إنكارهم».\nأبو حامد الغزالي [إحياء علوم الدين: ٣/ ٥٧٣]\n «وعلى الإجمال إذا كانت هنالك أية ثقافة فقهية وسياسية تعود إلى العصور ما قبل الحديثة وحافظت على مبدأ سلطة الشرع وسيادته حفاظًا جيدًا فإنما هي ثقافة الإسلام».\nد. وائل حلاق [نشأة الفقه الإسلامي: ٢٦٣]","vol":"1","page":113},{"text":"الكلام عن علاقة الفقيه بالسلطان من ضرورة الحديث عن إصلاح الفقيه، فإن كلًا منهما له سلطة تختص به، وهاتان السلطتان بينهما عموم وخصوص نسبي، والنزاع حاصل قديمًا وحديثًا في هذا القدر المشترك بينهما، وقد طرأ هذا الإشكال بعد أن انفكت السلطتان عن محلهما الواحد في عهد الخلافة الراشدة يوم كان الخليفة فقيهًا في الوقت نفسه، فلم تكن الحالة الفقهية والحالة العامة من ورائها تشهد تضاربًا واختلافًا كالذي نشأ بعد انفكاك السلطتين. فإن انفكاكهما إنما حصل بسبب ابتعاد صاحب السلطان عن مراسم الشريعة، وبعده عن معالم الخلافة الراشدة، وهذا ما يستلزم معارضة الفقهاء لهذا الابتعاد الذي لم يكن يلزم حالة مطردة بل كان يتفاوت زيادة ونقصًا بحسب الظرف والحال.\nولئن كانت السلطتان متحدتين في الخلفاء الراشدين-وقد رأينا فقهاء السياسة الشرعية ينصون على اشتراط الاجتهاد في","vol":"1","page":114},{"text":"الإمام الأعظم (^١) -فإن الواقع التاريخي يشهد أن هذا الاتحاد بينهما لم يكن هو الغالب في التاريخ الممتد، بل ربما اقترب الحال كثيرًا من النموذج الراشد حتى وصف به، كما وصف به عهد عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ) (^٢)، وربما اختلفت درجة القرب حتى لربما كان الفقهاء يديرون أو يشاركون في جهاز الدولة (^٣)، بل ربما كان السلطان نفسه فقيهًا كما قد جرى في مرات كثيرة (^٤)، غير أنه ظل بعيدًا عن أن يوصف حكمه بشرط الرشد المذكور. وربما ابتعد السلطان في أحواله الخاصة أو الأحوال العامة عن نهج الشريعة، لكن الالتزام بمرجعيتها كان أساسًا ظاهرًا في تاريخ الدول والممالك الإسلامية إلى مشارف العصور الحديثة.\n_________\n(^١) يقول الإمام الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ): (إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع) الاعتصام (٣/ ٤٢)، وقال الإمام الجويني (ت ٤٧٨ هـ): (ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف) الغياثي (٨٤).\nوانظر: الأحكام السلطانية للماوردي (٥)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (٢٠).\n (^٢) روي عن سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) مثلًا أنه قال: «الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز» سنن أبي داود، كتاب السُّنِّة، باب في التفضيل (٤٦٠٧).\n (^٣) انظر على سبيل المثال: دور فقهاء الأندلس في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي (١٥٩)، فقهاء المالكية وآثارهم في مجتمع السودان الغربي، سحر مرجان (١٣٥).\n (^٤) انظر على سبيل المثال: ما قيل في ترجمة أبي عنان (ت ٧٥٩ هـ) من سلاطين بني مرين في: سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس، الكتاني (٣/ ٣٤٧)، ودور الفقيه عبد الله بن ياسين (ت ٤٥١ هـ) في قيام دولة المرابطين في: الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين، محمد محمود بن بيه (٥٧).","vol":"1","page":115},{"text":"وكان للفقهاء في هذا التاريخ الطويل سلطة لم يزعموا قط أنها سلطة إلهية يستمدونها من السماء على النحو الذي يصف به النصارى رهبانهم، بل كانت هذه السلطة سلطة بيان الشريعة التي أمر الله الناس بالرجوع إلى أهل الذكر في السؤال عنها. ولم تكن هذه السلطة مكتسبة بتعيين السياسي أو بإرادته، بل كان لها شروطها العلمية والإيمانية والتربوية التي يكون بها الفقيه إمامًا للناس، ويشهد له بذلك أقرانه من الفقهاء الذين بلغوا درجة عالية كذلك في العلم والتزكية، بسلسلة وراثية يمتد بها العلماء ليكونوا ورثة للأنبياء.\nوبعيدًا عن الخوض في مفهوم السلطة (^١)، فإن سلطة الفقهاء تعني نفوذ أمرهم وكلمتهم في الناس، وذلك أن الشريعة مشتملة على الأمر والنهي والهداية العامة، والفقهاء هم المختصون ببيان أحكام الشريعة للناس، كما في قول الله ﷻ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وبما أن أحكام الشريعة شاملة للحياة بشتى مناحيها ومجالاتها، فالنتيجة الطبيعية لهذا أن يكون لبيان الفقهاء واجتهادهم أثر ونفوذ في الحياة العامة.\nولما كان أخص صفات الحكم بعد الخلافة الراشدة أنه (مُلك)، فإن من صفات المُلك كـ (مُلك) أنه عقيم (^٢)، وصاحب السلطة السياسية لا يرضى منازعته في هذه السلطة، ولكنه مع ذلك محتاج إلى الفقهاء الذين لا بد له منهم في الوظائف الدينية\n_________\n(^١) انظر تلخيصَا لذلك في: ميشال فوكو المعرفة والسلطة، عبد العزيز العيادي (٤٣).\n (^٢) انظر: مجمع الأمثال، الميداني (٣/ ٣٢٩).","vol":"1","page":116},{"text":"والخطط الشرعية، وهو محتاج إليهم كذلك لأنهم من يمنحه المشروعية التي هو بأمس الحاجة إليها في مجتمع مسلم. وبذا كانت العلاقة بين الفقيه والسلطان تتأرجح بين هذين المحددين، سواء من طرف الفقيه أو من طرف السلطان، وكانت طبيعة الموازنة بينهما تؤثر في طبيعة الدولة ذاتها.\nوكانت سلطة الفقهاء وتأثيرهم في العامة أمرًا ظاهرًا وملحوظًا للسلطان نفسه، وكان يتفهمهما تارة ويضيق بها ذرعًا تاراتٍ أخرى، مما حدا بعض المعاصرين أن يصف الفقهاء بأنهم: (ممثلو الشعب أو سلطة الشعب) (^١)، وبسبب وجاهة الفقيه ومكانته في الناس فإن الحصول على رضاه كان مقدمة للحصول على رضا الناس (^٢)، وربما (انتهى السلطان والعامة إلى رأيه) (^٣).\nويحكي لنا القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) في ترجمة الفقيه المالكي أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي (ت ٣٥٢ هـ) أن خبر وفاته أتى الحكم المستنصر وقد فتح له حصن من الحصون في الأندلس فقال: (لا أدري بأي الفرحتين أُسرُّ، بأخذ الحصن أو بموت إسحاق)، ثم عقَّب القاضي عياض بقوله: (لخوفه منه وطوع العامة له) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مالك تجارب حياة، أمين الخولي (٢٨٤).\n (^٢) انظر: دور فقهاء الأندلس في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي (٩١).\n (^٣) قالها ابن عبد البر في يحيى بن يحيى الليثي. انظر: الانتقاء (١٠٦).\n (^٤) ترتيب المدارك (٦/ ١٣٤).","vol":"1","page":117},{"text":"وكان الفقهاء يدركون هذه المكانة ويعرفون قدرهم ومكانتهم لدى العامة ولا يسمحون للسلاطين بالمزايدة عليهم فيها من خلال إغرائهم بالمناصب الرسمية أو تهديدهم بفقدها.\nيذكر ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) أن الحاجب المنصور (ت ٣٩٢ هـ) أراد أن يتسمى بالخلافة فاعترض عليه القاضي ابن زرب (ت ٣٨١ هـ) فغضب المنصور، فلما قام القاضي للخروج وسلم عليه، قال: اخرجوا بين يدي الفقيه-يشير إلى عزله عن القضاء-فقال ابن زرب: (لا بأس هذا ما لا تقدرون على عزلنا عنه) (^١).\nوبسبب هذه السلطة والمكانة التي وجدت جذورها المستقلة في المجتمع من خلال الجوامع والمدارس والأوقاف وغيرها من مؤسسات المجتمع المستقلة، فقد كان السلاطين يحاولون التأثير على هذه المكانة بوسائل مختلفة، ومنها ما يأتي (^٢):\n١ - استقطاب الفقهاء واستمالتهم بالمناصب الرسمية أو الهبات والأعطيات.\n٢ - محاولة تقييد وظائف الفقهاء وتحديد أدوارهم والإشراف عليها وردها إلى المساحة التي يتيحها السلطان لهم.\nومن المهم التنبه إلى أن الفقهاء وإن تكلموا عن تقنين القضاء والإشراف على الفتوى، إلا أن من الضروري عند تحقيق\n_________\n(^١) رسالة نقط العروس ضمن رسائل ابن حزم (٢/ ٨٧)، وانظر: فقهاء الأندلس والمشروع العامري، فوزي العتيبي (٢٠٤).\n (^٢) انظر: الفقهاء والخلفاء، د. سلطان بن حثلين (١٥٤).","vol":"1","page":118},{"text":"المناطات ألا يتخذ ذلك وسيلة إلى التلاعب بالشريعة وردها إلى أهواء السلاطين وإخضاعها لرغباتهم (^١).\n٣ - العمل على إحواج الفقهاء إلى السلطان والتضييق على موارد رزقهم من أوقاف أو غيرها، أو إيقاف وخفض حقوقهم المالية من بيت المال، ونحو ذلك. كما جرى من وقف العطاء عن طائفة من فقهاء المدينة التي كانت تُعدُّ من مراكز معارضة الأمويين (^٢)، وكتدخل محمد علي باشا (ت ١٢٦٥ هـ) في شؤون الأوقاف وإلغائه لنظام الالتزامات مما أثر سلبًا على مركز العلماء (^٣).\n٤ - تفريق الفقهاء وبث الخلاف بينهم لإضعاف كلمتهم، وإشغالهم باليسير من الخلاف عن جليله، وتفريق الناس من حولهم وتمزيق أواصرهم؛ لئلا ينتهض كيان له قوة مهددة لكيان السلطان، ولذا فهو يحاول صرف الكافة عن الاشتغال بالأمور العامة التي من شأنها توليد رابطة جامعة (^٤). ومن ذلك أن هشام بن عبد الملك صلى بالبقيع على سالم بن عبد الله بن عمر (ت ١٠٦ هـ) وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، فلما رأى هشام كثرتهم بالبقيع أمر بأن يضرب على الناس بعثٌ بأربعة آلاف إلى\n_________\n(^١) انظر: فوضى الإفتاء، د. أسامة الأشقر (٧٤) و(١٢٤).\n (^٢) انظر: تهذيب الكمال، الحافظ المزي (٨/ ١١).\n (^٣) انظر: الفكر العربي في عصر النهضة، ألبرت حوراني (٦٤)، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، د. عبد العزيز الدوري (٩٥).\n (^٤) انظر: إحياء الفروض الكفائية، د. عبد الباقي عبد الكبير (٩٤).","vol":"1","page":119},{"text":"السواحل (^١). ومنه أن أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم (ت ٢٣٨ هـ) ضاق ذرعًا بيحيى بن يحيى الليثي (ت ٢٣٤ هـ) والفقهاء الضالعين معه في كل ما يشير به ولا يخالفون عن أمره، فكان الأمير عبد الرحمن يكره تألبهم ويقلق منهم ويسميهم سلسلة السوء، فلما ولَّى يخامر بن عثمان القضاء حفظه منهم وسماهم له هذا الاسم، فتجنبهم يخامر وأخذ حذره منهم، فلما عزله عبد الرحمن لاحقًا قال يخامر لرسول الأمير على رؤوس الناس: قل للأمير-أصلحه الله-إذ وليتني أمرتني أن أتحفظ من السلسلة السوء، واليوم تعزلني ببغيها علي! فلما بلغ الرسول قوله إلى الأمير قال: قبحه الله، ذكر أسرارنا على رؤوس الناس (^٢).\nوعلى أية حال فإن السلطان يظل بحاجة إلى الفقهاء ولا يمكنه الاستغناء عنهم في جهاز دولته، وهو مع ذلك يحاول وضعهم تحت سلطته وضبط نفوذهم بحيث يكون امتدادًا لنفوذه.\nولا بد من التنبه في هذا السياق إلى أمر بالغ الأهمية وله أثره الكبير عند محاولة تفسير مثل هذه العلاقة التاريخية، وهو أن التفسيرات التاريخية المعاصرة تكثر فيها بل تغلب عليها التحليلات المادية التي تقصي الغيب والإيمان عن التأثير في حركة التاريخ كما في كتابات الكثير من المثقفين العرب، ولا ريب أن استبعاد البعد الإيماني سيجعل هذه التحليلات بادية الضعف في أمة\n_________\n(^١) انظر: الطبقات، ابن سعد (٧/ ١٩٩).\n (^٢) انظر: المقتبس من أنباء أهل الأندلس، ابن حيان (٢٠٢)، قضاة قرطبة، الخشني (٥٥).","vol":"1","page":120},{"text":"مسلمة ذات رسالة غيبية، وفي الوقت ذاته فإن استبعاد التفسيرات المادية الصحيحة قد يفرز في أحوال كثيرة تفسيرات تتسم بالبساطة والسذاجة، ومن المهم تقدير كل حالة بحسب زمانها ومكانها وأحوالها وأشخاصها، ومن الخلط الكبير ههنا أن تستنسخ الآليات التي أفرزتها العقلية الأوروبية المادية لتطبق على بيئات مغايرة تمامًا. ومن أمثلة ذلك التأثر بالنظرة الميكافيلية التي ترى أن القوى المحركة للتاريخ هي المصلحة المادية والصراع حول السلطة فحسب، ولئن نجح هذا النوع من التفسير في تحليل الكثير من أحداث التاريخ الأوروبي، فإن استصحابه لتحليل التاريخ الإسلامي سينطوي على فساد كبير وخطأ واضح.\nوالحكام والسلاطين في تاريخ المسلمين القديم مع ما قد يصدر عنهم من ظلم وبغي وعسف وقهر وأكل للأموال بالباطل، فيحفظ التاريخ لهم أيضًا-من حيث العموم-أنهم: (حضروا المساجد مع الرعية وفتحوا لهم الأبواب. يكرمون الزائر، ويحترمون العالم، ويجلون الفقيه. يسمعون منهما النصح والإرشاد، ويتقبلون المحاسبة والإنكار. أما الجهاد في سبيل الله فقد كان رائدهم، لم يتخلوا عنه في أحلك الظروف التي مرت بهم) (^١)، فهم في هذا كآحاد المسلمين الذين يخلطون عملًا صالحًا وآخر سيئًا، غير أن آثار أعمالهم تعم وتعظم أثرها في الخير والشر (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الإسلام بين العلماء والحكام، عبد العزيز البدري (١٥) وما بعدها، فقد ذكر أمورًا لا بد من مراعاتها عند النظر في هذا الموضوع.\n (^٢) أفاض العز بن عبد السلام في هذا، انظر: قواعد الأحكام (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":121},{"text":"لابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) كلام يحب العلمانيون العرب الاستشهاد والاحتجاج به، ومفاده أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها، فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها (^١). والاحتجاج بكلام ابن خلدون على المبدأ العلماني مسألة تجاوزتها الحالة العلمية الحديثة، وإن كانت شغلت الناس في وقت مضى لما طرح علي عبد الرازق (ت ١٣٨٦ هـ) كتابه حول الإسلام وأصول الحكم. وابن خلدون نفسه كان فقيهًا قاضيًا ومارس السياسة طويلًا كما يعرف من سيرته، وقصده بهذا الكلام لا يمت بصلة إلى مرادات من يستشهد بكلامه من العلمانيين (^٢).\n_________\n(^١) انظر: المقدمة (٥/ ٢٩٠).\n (^٢) حكم الطاهر ابن عاشور بخطأ ما سماه: (نظرية ابن خلدون) القاضية على طبع العالم بالبعد عن السياسة، وذكر لكلامه شواهد تاريخية واقعية، انظر: أليس الصبح بقريب (١٩٩)، وانظر كذلك: علماء الإسلام في الماضي قوة حاضرة في جل الأنظمة، إبراهيم حركات، ضمن مجموع «التاريخ والفقه: أعمال مهداة إلى المرحوم محمد المنوني» (٩٣).","vol":"1","page":122},{"text":"ومع ذلك فلا تزال كتابات كثيرٍ من المثقفين سواء من العلمانيين أو من غيرهم تتهم الفقهاء بأنهم لم يكن لهم حضور سياسي في مجتمعاتهم، وأن نشاطهم بات ينحصر في الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصعيد الخاص، وعدم التعرض لواقع الحياة إلا بطريق التورية (^١).\nومن أكبر الإشكاليات في هذا النوع من الطرح أنه يستورد مناهج وأدوات بحثية، بل أطرًا ومفاهيم أجنبية لقراءة تاريخ حضارة ذات دين وثقافة مختلفين تمامًا عن سياق تلك الأدوات والمفاهيم. فمفاهيم مثل: (الفقه) و(السياسة) و(الحياة العامة) و(المشاركة) و(المجتمع) و(العلماء) و(السلاطين) في سياقنا الحضاري والثقافي لها معانيها التي تختلف عنها في سياق الحضارة والفكر الغربي الذي تستورد منه هذه الأدوات التحليلية.\nوإذا ما تفهمنا وقوع مستشرقين نشأوا في السياق الغربي في أخطاء كبيرة في فهم الحضارة الإسلامية ومكوناتها، فإن من الصعب أن نتفهم وقوع باحثين عرب في مثل هذه الأخطاء، إلا أن يكونوا واقعين تحت سطوة الاستلاب الحضاري الذي لا\n_________\n(^١) انظر: الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية، د. عبد المجيد الصغير (٣٠٢)، القطيعة بين المثقف والفقيه، يحيى محمد (٧٧).","vol":"1","page":123},{"text":"يسمح للناقل بنقد الفكرة، بل تقتصر مهمته بالترويج لها والبحث في التراث العريض عن شواهد تؤيدها (^١).\nوعلى أية حال فإن منطق الشريعة يستلزم مشاركة الفقهاء في أعلى مستويات الدولة؛ لأن شرط إسلامية الدولة قيامها على أساس التزام أحكام الشريعة وسياساتها، والفقهاء هم المتخصصون من الناحية العلمية ببيان أحكام الشريعة، ومشاركتهم لا تحمل معنى الكهنوت عند النصارى، بل هي نتيجة ضرورية لرد الأمر إلى أهله الذين هم أهل التخصص (^٢)، فطبيعة (الاجتهاد) في تدبير الأمر في النص التشريعي، واستنباط ما يغطي حاجات المجتمع في وقائعه المتجددة حق مشترك بين من توفرت فيهم مؤهلات علمية معينة ترفعهم إلى مقام التخصص العلمي الدقيق (^٣).\nوالإسلام الذي هو آخر الأديان وأعظمها منهاج حياة ونظام إصلاح، يرقى بالحياة البشرية والمجتمعات الإنسانية إلى أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه من الصلاح. وبيان الفقهاء لسبيل الإصلاح ومشاركتهم فيه ليس استغلالًا للدين ولا انتهازية ولا (إسلامًا سياسيًا) ولا (إسلاموية) ولا غير ذلك من المصطلحات\n_________\n(^١) من المهم الرجوع هنا إلى ما ذكرته د. مني أبو الفضل في اثني عشر تنبيهًا في: نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية (٥١ - ٦٥).\n (^٢) انظر: الإسلام بين العلماء والحكام، عبد العزيز البدري (٢٨)، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، د. علي أومليل (٥٠).\n (^٣) انظر: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، د. فتحي الدريني (٩٠).","vol":"1","page":124},{"text":"التي يخترعها بعض المستشرقين ثم يرددها بعض المفتونين، من الذين لا يدركون حقيقة الفرق بين الراهب النصراني والفقيه المسلم، ومن الذين تشبعت عقولهم بالتصورات الأوروبية الفاسدة لمفهوم الدين وعلاقته بالحياة.\nوالنظرة التي تفصل بين الفقه والسياسة ليست نظرة فاسدة في التحليل الشرعي فحسب، بل هي فاسدة في تصورها الحضاري والتاريخي والاجتماعي للدول والمجتمعات الإسلامية، فإن الفقه أكبر مكونات حضارة المسلمين وعليه تقوم، وقد علم من شواهد التاريخ الحديث أن تفكيك المؤسسات الدينية والفقهية خلال القرن التاسع عشر والعشرين أدى إلى القضاء على سلطة الشرع التي كانت تسود البلدان الإسلامية، مما أدى إلى الإخلال بالعلاقات والموازنات التاريخية التي تستند عليها حياة المسلمين ومعاشهم، ولم يعرف المسلمون في تاريخهم تسلطًا وجبروتًا سياسيًا كالذي عاينوه بعد انهيار الموازنات القديمة ونشأة الديكتاتوريات الحديثة (^١).\nأما عند التتبع التاريخي لمشاركة الفقهاء السياسية فإن قراءة أي مصدر من المصادر التي تختص بذكر طبقات الفقهاء وتراجمهم وأخبارهم سواء كانت من المصادر المتقدمة أو المتأخرة سوف تطلعنا على مشاركتهم في جميع المناصب السياسية بمستوياتها التنفيذية والتشريعية والقضائية حسب\n_________\n(^١) انظر: نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، د. وائل حلاق (٢٧٩).","vol":"1","page":125},{"text":"الاصطلاح والتقسيم المتأخر. ويمكن الرجوع في هذا أيضًا إلى الدراسات المعاصرة التي تعني بدراسة أثر الفقهاء في الحياة السياسية والشؤون العامة، ومن ذلك ما يأتي:\n١ - أثر العلماء في الحياة السياسية في الدولة الأموية، د. خالد إسماعيل نايف الحمداني.\n٢ - أثر الفقهاء في الحياة العامة في العصر العباسي، د. خالد إسماعيل نايف الحمداني.\n٣ - أثر العلماء في الحياة السياسية في العراق القرنين الثالث والرابع الهجريين، عبود الشمري.\n٤ - العلماء والسلطة: دراسة عن دور العلماء في الحياة السياسية والاقتصادية في العصر العباسي الأول، عبد الحكيم سيف الدين.\n٥ - دور الفقهاء في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي.\n٦ - الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين، محمد بن بيه.\n٧ - فقهاء الأندلس والمشروع العامري، فوزي العتيبي.\n٨ - دور العلماء في الحياة السياسية والإدارية والاجتماعية في سلطة غرناطة، حسين الدليمي.\n٩ - فقهاء المالكية وآثارهم في مجتمع السودان الغربي، سحر مرجان.","vol":"1","page":126},{"text":"١٠ - الحركة الفقهية ورجالها في السودان الغربي من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر، د. عبد الرحمن ميغا.\n١١ - علماء الشام في القرن العشرين وجهودهم في إيقاظ الأمة، محمد الناصر.\n١٢ - علماء الإسلام تاريخ وبنية المؤسسة الدينية في السعودية بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين، د. محمد ملين.\nكما يمكن الرجوع إلى نوع آخر من المصادر لمعرفة خطأ القول بأن الفقهاء كانوا يتحاشون التصريح بإنكار المظالم العامة، ومعرفة أنهم كانوا هم المتصدين لإنكارها بمراتب الإنكار الثلاث، ومنها ما يأتي:\n١ - كتاب المحن، أبو العرب التميمي (ت ٣٠٣ هـ).\n٢ - الإسلام بين العلماء والحكام، عبد العزيز البدري (ت ١٣٨٩ هـ).\n٣ - الفقهاء والخلفاء، د. سلطان بن حثلين.\n٤ - زهر البساتين من مواقف العلماء والربانيين، د. سيد عفاني.\nإن الباحث بعد رجوعه لهذه المصادر ونظائرها لن يخامره شك في مدى مشاركة الفقهاء وتأثيرهم في الحياة العامة، وسيدرك أن الفقهاء كانوا خط الدفاع الأول عن حقوق الأمة ومقدراتها، ولذا أحبهم الناس وعظموا مكانتهم واتخذوهم مفزعًا عندما ينزل بهم شيء من المظالم العامة والخاصة.","vol":"1","page":127},{"text":"وهذا لا يعني بكل تأكيد أن الفقهاء كانوا على درجة مثالية من الصلاح والكمال، فهم من الناس ويعتريهم ما يعتري سائر الناس من فساد النفس والحال، لكنهم أقل فئات المجتمع فسادًا والخير فيهم أكثر والشر فيهم أقل، وعندما تذكر كتب التاريخ حالة منكرة لبعضهم فإنما تذكرها لشذوذها وغرابتها؛ فإن السائد والمشهور لا تتوافر الدواعي لنقله كتوافرها لنقل الشاذ الغريب.\nوالناس إذا رأوا فقيهًا فاسدًا استعظموا ذلك واستهولوه-وحُقَّ لهم ذلك-ولهجت ألسنتهم بذمه والنيل منه، لكنه لا يدل بحال على أن هذه الحالة فاشية، بل تذكر لغرابتها واستنكارها.","vol":"1","page":128},{"text":"لم يتخذ الفقهاء من السلاطين موقفًا واحدًا بل تعددت مواقفهم وطرائق تعاملهم معهم، والواقع أن اختلاف طبائع الناس كفيلة بحصول مثل هذا التنوع، وربما كان وجود مثل هذا الاختلاف الذي يؤدي إليه الاجتهاد الصحيح المنضبط مقصدًا من مقاصد الشريعة من حيث النظر الكلي لما ينتج عنه من إحداث نوع من التوازن في المجتمع، لا سيما مع وجود الإنكار من بعض الأطراف على بعضها مما يقضي باستمرار التقويم والمراجعة لهذه العلاقة والتأكيد على ربطها بالاجتهاد العلمي من جهة وبالتقوى الإيمانية من جهة أخرى (^١).\nويمكن القول إنهم انقسموا في ذلك إلى ثلاث اتجاهات ومواقف عريضة:\n_________\n(^١) انظر: العامة والسلطة في بغداد، د. موفق نوري (١٤٠)، مع الأئمة، د. سلمان العودة (٢٣)، السلطة والمجتمع والعمل السياسي من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام، د. وجيه كوثراني (٣٥).","vol":"1","page":129},{"text":"١ - موقف التقارب والتعاون وتولي المناصب والمشاركة في صياغة القرار السياسي، وهذا كان اختيار طائفة من الفقهاء الذين يرون في المشاركة تأثيرًا إيجابيًا وتعاونًا على البر والتقوى وأداءً للنصيحة إلى أئمة المسلمين وعامتهم، أو سعيًا في تقليل الشر والفساد على أقل الأحوال، فاقتربوا من الخلفاء والسلاطين بالنصيحة والشورى، وتولوا المناصب المختلفة من إمارة ووزارة وقضاء وكتابة وشرطة وولاية على بيت المال وغير ذلك (^١).\nوعندما ينبه الفقهاء على طاعة السلطان نجدهم يؤكدون على الدوام أن هذه الطاعة إنما تكون في المعروف، وهذا التأكيد منهم تأكيد على ضبط القانون العام الذي يحفظ للناس مصالحهم ويحجزهم عن الفوضى واختلال النظام. يقول الإمام المقَّري (ت ٧٥٨ هـ): (يجب ضبط المصالح العامة، ولا تنضبط إلا بتعظيم الأئمة في نفوس الرعية، ومتى اختلف عليهم أو أهينوا تعذرت المصلحة) (^٢).\n٢ - موقف الصدام والمواجهة، وهذا كان موقف طائفة من الفقهاء الذين كانوا يبادرون إلى إسقاط شرعية الحاكم ومناجزته متى ما أداهم اجتهادهم إلى ذلك، وأمثلة ذلك كثيرة في التاريخ، فمنها ثورة القراء المشهورة على الحجاج مع ابن الأشعث سنة\n_________\n(^١) انظر: أثر العلماء في الحياة السياسية في الدولة الأموية، د. عبد الله الخرعان (١٠٩)، دور الفقهاء في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي (١٥٩).\n (^٢) القواعد (٢/ ٤٢٩).","vol":"1","page":130},{"text":"(٨١ هـ) (^١)، وثورة فقهاء الربض في الأندلس على الحكم بن هشام سنة (٢٠٢ هـ) التي نقل النويري (ت ٧٣٣ هـ) أنه اشترك فيها أربعة آلاف فقيه وطالب (^٢)، ومواجهات فقهاء تمبكتو مع السلطان سني علي بير سنة (٨٧٣ هـ) (^٣).\n٣ - موقف المعارضة السلمية أو ما يمكن أن يسمى في زماننا بـ (جماعات الضغط) (^٤)، وهذا كان موقف طوائف كثيرة من الفقهاء الذين كانوا يرفضون مبدأ المشاركة والمعاونة دون أن يستلزم ذلك إسقاط شرعية الحاكم، ولعلهم كانوا يرون في المعارضة السلمية السلبية ضغوطًا تدفع الحاكم إلى مزيد من الإصلاح، وتنبه عامة الناس إلى أن هذا الحاكم أو ذاك لا يمثل النموذج الراشد للحكم، ولا تنطبق عليه من أحكام الطاعة مثل ما ينطبق على الخليفة الراشد. وكان لهذه المعارضة أشكال، منها انتقاد السلطة والإنكار عليها، وعدم تنفيذ الأوامر والرغبات، والاستعفاء من المناصب والبعد عنها، ومجانبة السلطان واعتزاله.\nوهذه الأساليب كان لها أثرها على السلطة، فهي وإن لم تعدم من ينفذ لها ما يرفض الفقهاء تنفيذه، إلا أن رفضهم هذا يحد من تسلطها وفرديتها إذا ما أرادت أن تكون كذلك (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الفقهاء والخلفاء، د. سلطان بن حثلين (٤١).\n (^٢) انظر: نهاية الأرب، النويري (٢٣/ ٢١٨).\n (^٣) انظر: فقهاء المالكية وآثارهم في مجتمع السودان الغربي، سحر مرجان (١٣٨).\n (^٤) انظر: مدخل إلى علم السياسة، موريس دوفرجيه (١٤٠).\n (^٥) انظر: دور الفقهاء في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي (١٤٢)، مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية، عبد النور بزا (٣٨٨)، مهن الفقهاء في صدر الإسلام وأثرها على الفقه والفقهاء، د. محمد التميم (١٩٨).","vol":"1","page":131},{"text":"وعند النظر في سيرة الأئمة الأربعة المتبوعين فإنه يمكن ملاحظة أنهم كانوا أقرب إلى هذا الموقف من بقية المواقف (^١)، بل إن هذا الموقف كان موقفًا سائدًا عند كثير من الفقهاء الكبار، وقصصهم في ذلك مشهورة جدًا، ولها دلالتها الظاهرة على حرص هؤلاء الأئمة على النصيحة الإيجابية من جهة، وعلى الإنكار من جهة أخرى، وعلى تفطنهم ويقظتهم تجاه أي محاولة لاستغلال مكانتهم أو علمهم من قبل السلطة. ولعل من المناسب ذكر شواهد تدل على هذا المعنى، فمن ذلك ما يأتي:\nمرض فقيه مصر يزيد بن أبي حبيب (ت ١٢٨ هـ) فعاده الحوثرة بن سهيل أمير مصر فقال: يا أبا رجاء، ما تقول في الصلاة في الثوب وفيه دم البراغيث؟ فحول يزيد وجهه ولم يكلمه، فلما قام نظر إليه يزيد وقال: تقتل كل يوم خلقًا وتسألني عن دم البراغيث؟! (^٢).\nوقال أبو جعفر المنصور (ت ١٥٨ هـ) لسفيان الثوري (ت ١٦١ هـ): عظني يا أبا عبد الله، فقال: وما عملت فيما علمت فأعظك فيما جهلت؟ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مع الأئمة، د. سلمان العودة (٢٣)، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، د. على أومليل (٤٧)، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، د. عبد العزيز الدوري (٤٢).\n (^٢) انظر: تذكرة الحفاظ، الذهبي (١/ ١٢٢).\n (^٣) انظر: العقد الفريد، ابن عبد ربه (٣/ ١٠٩).","vol":"1","page":132},{"text":"ويروى أن الإمام مالكًا (ت ١٧٩ هـ) لم يكن يخضب، فقال له بعض ولاة المدينة: ألا تخضب؟ فقال له: ما بقي عليك من العدل إلا أن أخضب؟ (^١).\nوعلى كلِّ فإنه لا بد من إدراك أنه إذا كان للفقهاء منطقهم فإن للخلفاء والسلاطين موقفهم ومنطقهم أيضًا، وكان هذا المنطق يعمل على الموازنة بين شرعية الدولة وقيامها بوظائفها الدينية وبين ما تدعو إليه طبيعة الملك من الاستئثار بالقرار ونفوذ الرأي والتسلط على المال والثروة، وهذه الموازنة تتطلب أن تبقى للشريعة هيبة محفوظة ورهبة قائمة، كما أن الموازنات الاجتماعية ذات الطبيعة الراسخة في البيئات الإسلامية كانت تتضمن قيودًا تحجز الحاكم عن إرسال يده كيفما يشاء، وكان الخلفاء والملوك والسلاطين يدركون هذا جيدًا، وإن غاب إدراكه عن كثير من المعاصرين الذين يُخلِّطون جدًّا عندما يقيسون الماضي إلى الحاضر.\nومن الإشارات التي توضح هذا على سبيل المثال العابر، ما اشتهر من قول المأمون (ت ٢١٨ هـ): لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت القرآن مخلوق (^٢).\nوذكر في ترجمة الإمام عبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) أنه قدم مرة إلى الرقة وبها هارون الرشيد، فلما دخلها انجفل الناس\n_________\n(^١) انظر: الذخيرة، القرافي (١٣/ ٢٨٢).\n (^٢) انظر: تاريخ الإسلام، الذهبي (١٤/ ٤٥٧).","vol":"1","page":133},{"text":"يهرعون إليه وازدحموا حوله، فأشرفت أم ولد للرشيد من قصر هناك، فقالت: ما للناس؟ فقيل لها: قدم رجل من علماء خراسان يقال له: عبد الله بن المبارك، فانجفل الناس إليه. فقالت: هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي يجمع الناس عليه بالسوط والعصا والرغبة والرهبة (^١).\nويقول الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) عن الإمام الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ): (كان الأوزاعي في الشام معظمًا مكرمًا، أمره أعز عندهم من أمر السلطان، وهمَّ به بعض الولاة، فقال له أصحابه: دعه عنك فوالله لو أمر الشاميين أن يقتلوك لقتلوك. ولما مات جلس عند قبره بعض الولاة فقال: رحمك الله، فوالله لقد كنت أخاف منك أكثر مما أخاف من الذي ولاني) (^٢).\nولما مرت جنازة سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) بالظاهر بيبرس وشاهد كثرة الخلق الذين معها، قال لبعض خواصه: اليوم استقر أمري في الملك؛ لأن هذا الشيخ لو كان يقول للناس اخرجوا عليه لانتزع الملك مني (^٣).\nومهما يكن من أمر فإن الخلفاء والسلاطين كانوا حريصين بدورهم على الموازنة، وهم ملوك مسلمون مذعنون لأحكام الشرع بالجملة، وكانت الشريعة مرجعيتهم العليا وإن اتفق لهم من\n_________\n(^١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير (١٣/ ٦١١).\n (^٢) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير (١٣/ ٤٥٤).\n (^٣) انظر: طبقات الشافعية الكبرى، ابن السبكي (٨/ ٢١٥).","vol":"1","page":134},{"text":"شهوات الملك والرئاسة ما يخرج بهم عن أحكامها. وإذا نقلت كتب التاريخ جملة من مخالفاتهم للشرع فلأن ذلك كان أولى بالتدوين من ذكر إذعانهم له لأنه هو الأصل. وكانوا مع ذلك يعلمون أن الفقهاء أهم الوسائط بينهم وبين عامة الناس لما لهم فيهم من المكانة والكلمة، فهم الذين يعيشون حياتهم ويواسونهم ويلامسون همومهم ويدافعون عن حقوقهم، وكتب الطبقات والتراجم مليئة جدًا بالشواهد التي تؤكد ذلك (^١).\n_________\n(^١) انظر: المعرفة والسلطة في المغرب، ديل إيكلمان (٣)، نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، د. وائل حلاق (٢٥١ - ٢٦٢).","vol":"1","page":135},{"text":"عندما نتتبع تاريخ الفقه والقضاء والفتيا في الإسلام، وفي القرون التي كانت فيها الشريعة هي المرجعية العليا للدول والممالك الإسلامية على وجه الخصوص، فإننا لا نجد مسوغًا ولا برهانًا واقعيًا يشير إلى أن السلاطين كانوا يتدخلون في الصناعة الفقهية ذاتها. ومما يدعو إلى العجب أن الكثير ممن يرسلون الأحكام ويقفزون إلى النتائج يرددون هذا الكلام بوعي أو بغير وعي دون أن يقدموا برهانًا يسوغ مثل هذه الأحكام الخطيرة الجائرة.\nفمن جهة المدارس فإن معظم المدارس في تاريخ المسلمين كانت مدارس خيرية أهلية ليست مرتبطة بإرادة سياسية، خلافًا لما جرى عليه الحال بعد نشأة الدول الحديثة، وكان اختيار المدرسين تأهيلهم وتنظيم أرزاقهم يتم بتنظيم أهلي خيري أو وقفي لا علاقة له بالسياسي. وربما طمح بعض الملوك والوزراء الذين اشتهروا بمحبة العلم أو غيرهم إلى دعم هذه المدارس، غير أنه","vol":"1","page":136},{"text":"لم يكن لهم تأثير على الصناعة العلمية داخلها من حيث العموم، بل إن تاريخ هذه المدارس يشهد أن الساسة كانوا يعانون الأمرَّين إذا ما حاولوا التدخل في الشأن التعليمي وتوجيه مساره، ويواجهون مقاومة عنيفة جدًا من الفقهاء القائمين على تلك المدارس، وبغض النظر عن إطلاق حكم شامل على هذا الموقف مما يسمى أحيانًا بـ (الإصلاحات) إلا أنه يدل دلالة واضحة على استقلال هذه المؤسسات التعليمية وعدم خضوعها لإرادة من خارجها (^١).\nأما ما يتعلق بالقضاء، فإننا بالرجوع إلى المصادر التي تتناول تراجم القضاة وسيرتهم القضائية، كـ: (أخبار القضاة) لوكيع (ت ٣٠٦ هـ)، و(قضاة قرطبة) لأبي عبد الله الخشني (ت ٣٦١ هـ)، و(المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا) لأبي الحسن النباهي المالقي (ت بعد ٧٩٣ هـ) وغيرها، نلاحظ أن الخلفاء كانوا حريصين بشكل واضح على استقلالية القضاء، كما أن السمة الغالبة للقضاة كانت الصلاح وإن وجد خلاف ذلك، ولا يعني هذا بحال أن الخلفاء والملوك كانوا مبرأين من التدخل لمصلحتهم في أحوال كثيرة، بل إن هذا من السمات التي تمتاز بها طبيعة الملك عن طبيعة الخلافة الراشدة، لكنه لم يكن الأصل، وتحفظ لنا كتب التراجم حالات كثيرة حكم فيها القضاة\n_________\n(^١) انظر: أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (١٠٤)، الدارس في تاريخ المدارس، النعيمي (١/ ٥)، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية، د. عبد المجيد الصغير (٢٢٨)، كيف ربى المسلمون أبناءهم، محمد شعبان أيوب (١١٣) و(٢٥١).","vol":"1","page":137},{"text":"على الخلفاء والسلاطين أنفسهم (^١). وكان الخلفاء والملوك يعلمون جيدًا أن هيبة القضاء من هيبة الملك، وأن فساد القاضي لن يقتصر ضرره عليه وحده.\nيذكر وكيع (٣٠٦ هـ) أن عبد الملك بن مروان بلغه أن قاضيًا له ارتشى، فكتب إليه:\nإذا رشوة حلت ببيت تولجت... لتدخل فيه والأمانة فيه\nسعت هربا منها وولت كأنها... تولي حليم عن جواب سفيه (^٢)\nكما أن من المهم الإشارة إلى أن صلاح القاضي وفطنته لا تسمح لأحد أن يجعله وسيلة إلى أغراضه الشخصية، ولا تحصي كتب طبقات القضاة الأمثلة التي عزل فيها القضاة أنفسهم إذا شعروا بتقييد سلطتهم القضائية، بل لقد ذكر في ترجمة الأستاذ أبي حامد الإسفراييني شيخ الشافعية وقاضي بغداد (ت ٤٠٦ هـ) أنه وقع من الخليفة ما أوجب أن كتب إليه الشيخ أبو حامد: اعلم أنك لست بقادر على عزلي عن ولايتي التي ولانيها الله تعالى، وأنا أقدر أن أكتب رقعة إلى خراسان بكلمتين أو ثلاث أعزلك عن خلافتك. وأبو حامد هذا هو الذي قال فيه أبو إسحاق\n_________\n(^١) طالع تنبيهًا مهمًا ذكره د. وائل حلاق بهذا الصدد، نشأة الفقه الإسلامي وتطوره (٢٦٠).\n (^٢) أخبار القضاة (٦٩٣).","vol":"1","page":138},{"text":"الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ): (وانتهت إليه رئاسة الدنيا والدين ببغداد) (^١).\nأما ما يذكره بعض الباحثين من وصف ما قام به العباسيون ابتداءً من إجراءات لتنظيم القضاء كاستحداث منصب (قاضي القضاة) وغيره، بأنه تضييق لسلطات الفقهاء وتقييد لها (^٢)، فهذا وصف عجيب، فإن تنظيم القضاء وترتيبه لم يزل من شأن الدول؛ لأنه من الوظائف التي تستند إلى السلطان والقوة ليخضع لها الناس في فصل المنازعات، ولو فرط العباسيون فيها لكان ذلك نقصًا يلحقهم، ولا يمكن اعتبار هذه الإجراءات تدخلًا في سلطة القضاة إلا إذا أثر ذلك في تقييد مجالات التقاضي أو في طبيعة الأحكام، وهذا ما يحتاج إلى برهان مستقل. والواقع أن أول من ولاه العباسيون منصب قاضي القضاة هو القاضي أبو يوسف (ت ١٨٢ هـ) الفقيه الكبير وتلميذ أبي حنيفة، والقاضي أبو يوسف من الأئمة الفقهاء الكبار الذين استفاض في الأمة حسن سيرتهم والثناء عليهم، وليس مثله من يكون أداة للسلطان في تنفيذ أغراضه. ولكن هذه الطريقة في التحليل من آثار المغالاة في التحليل المادي مما سبقت الإشارة إليه.\nوأما من ناحية المادة الفقهية التعليمية التي تشكل لب المدونات الفقهية في المذاهب المتبوعة فإن آلية الاجتهاد فيها وصياغة أحكامها لم يكن للخلفاء والملوك مدخل فيها ألبتة.\n_________\n(^١) انظر: طبقات الفقهاء، الشيرازي (١٢٤).\n (^٢) انظر: الفكر الأصولي، د. عبد المجيد الصغير (٢٣٠).","vol":"1","page":139},{"text":"يقول د. وائل حلاق: (لم يكن الفقه الإسلامي قط آلية بيد الدولة-إن جاز استعمال مصطلح الدولة في غير سياقه التاريخي-على خلاف الثقافات التشريعية الأخرى في العالم مهما كان مستوى تعقدها. وبمعنى آخر، لم ينبثق الفقه الإسلامي من آلة السلطة السياسية، وإنما ظهر باعتباره مؤسسة مستقلة أنشأها رجال أتقياء وطوروها، وهم الذين شرعوا في دراسة الفقه وبلورتها باعتباره نشاطًا دينيًا. ولم يكن بإمكان السلطة الإسلامية الحاكمة-أي: الجهاز السياسي-أن يحدد مطلقًا أحكام الشرع. وهذه الحقيقة الهامة تعني بوضوح أن الجهاز الحاكم إذا كان في الثقافات الفقهية الأخرى مصدر السلطة التشريعية ومركز نفوذها، فإن هذا الجهاز كان في الإسلام غائبًا عن الساحة الفقهية غائبًا كبيرًا إن لم يكن تامًا) (^١).\nوهذا التقرير يشمل الفتوى أيضًا، فإنها كانت بمعزل عن السلطة السياسية، بل إن تقنين الفتوى مسألة مستحدثة، ومنصب المفتي لم يكن معروفًا قبل الدولة العثمانية، وإن كان ربما حصل إشراف عام يمنع من التلاعب بالفتوى من قبل الجهال وغير المتأهلين مما بينه الفقهاء وشرحوه (^٢)، غير أن الحال الغالبة أن الدولة لم تكن تتدخل في شأن الفتيا ولم يكن لها منصب\n_________\n(^١) نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، د. وائل حلاق (٢٧٨).\n (^٢) انظر: فوضى الإفتاء، د. أسامة الأشقر (٣٠) و(٧٤). ولا يدخل في هذا تسمية مفتين بأعيانهم في بعض الأحوال أو بعض الأبواب، بل كان مثل هذا موجودًا لأجل اعتبارات تنظيمية، لكنه لم يتخذ طابعًا رسميًا عامًا، انظر: الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب القول فيمن تصدى لفتاوى العامة (١٠٣٩).","vol":"1","page":140},{"text":"رسمي (^١). بل إن من العلماء من فسَّر ترك طائفة من أكابر الفقهاء التصريح باعتبار دليل المصلحة مع اعتبارهم كلهم له بأنه كان (خوفًا من اتخاذ أئمة الجور إياه حجة لاتباع أهوائهم وإرضاء استبدادهم في أموال الناس ودمائهم، فرأوا أن يتقوا ذلك بإرجاع جميع الأحكام إلى النصوص ولو بضرب من الأقيسة الخفية، فجعلوا مسألة المصالح المرسلة من أدق مسالك العلة في القياس ولم ينوطوها باجتهاد الأمراء والحكام) (^٢).\nوهذا الذي تقدم بيانه لا يعني بطبيعة الحال أنه لم يجر استغلال لبعض الفقهاء وفتاويهم وأقضيتهم من قبل بعض الخلفاء أو السلاطين والملوك، بل إن حصول مثل هذا مستفيض مشهور، بل ربما غلب على بعض الملوك والدول، لكنه لم يكن غالبًا في تاريخ المسلمين بمجموع دولهم وممالكهم التي كانت تتخذ من الشريعة مرجعيتها العليا ومصدر مشروعيتها، حتى تبدل الحال في العصور الحديثة عندما أخذت المبادئ العلمانية والقوانين الوضعية بالتسلل إلى بلاد المسلمين فآل الحال إلى ما قد عُلم (^٣).\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: الحياة العلمية والاجتماعية في مكة في القرنين السابع والثامن للهجرة، طرفة العبيكان (٩٢)، المدارس العتيقة بالمغرب، د. جميل حمداوي (بحث منشور على الشبكة العالمية بموقع دروب).\n (^٢) تفسير المنار، رشيد رضا (٧/ ١٩٧)، وانظر: تعليل الأحكام، د. محمد مصطفى شلبي (؟؟ /٣٨٢).\n (^٣) انظر: العلاقة بين السلطة السياسية والفقهية، مصطفى أبو عمشة، مقال في موقع (المركز العربي للدراسات والأبحاث) على الشبكة العالمية.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>٢ - الفقيه والمجتمع</span>\n «قدمت دمشق وما أنا بشيء من العلم أعلم مني بكذا-لبابٍ ذكره من أبواب العلم-قال: فأمسك أهلها عن مسألتي حتى ذهب».\nمكحول [جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر: ٥٣٣]\n «الناس في العادة إنما يعتمدون قول من اشتهر بالعلم وقلما يعتمدون غيرهم، وربما يستخفُّ بعضهم بما يسمعه ممن لم يشتهر بالعلم».\nقاضي بغداد محمد بن سماعة\n [الاكتساب في الرزق المستطاب لمحمد بتلخيص ابن سماعة: ٤٤]\n «وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائر العامة تحبه؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا بلسانه وقلمه».\nقالها الحافظ الذهبي في شيخ الإسلام ابن تيمية\n [الذيل على طبقات الحنابلة، ابن رجب: ٤/ ٥٠٦]\n «وأما قواعد أهل الأندلس في ديانتهم فإنها تختلف بحسب الأوقات والنظر إلى السلاطين، ولكن الأغلب عندهم إقامة الحدود وإنكار التهاون بتعطيلها، وقيام العامة في ذلك وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان، وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره، فيدخلون عليه قصره المشيد ولا يعبأون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم، وهذا كثير في أخبارهم. وأمّا الرجم بالحجر للقضاة والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكلّ يوم».\n [نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، المقري: ١/ ٢١٩]","vol":"1","page":143},{"text":"علم الفقه علم يحتم على الفقيه أن يكون مخالطًا لمجتمعه ومشاركًا له، فهو ليس من العلوم التجريدية البحتة التي يمكن للمتخصص إحكامها من طريق النظر العقلي المحض، بل هو علم يقوم على مباشرة الفقيه لأسباب الحياة ومعرفته بأحوال الناس، ولولا ذاك ما صح أن يؤمر الناس بالرجوع إليه في معرفة أحكام الشريعة. والناظر في أدلة الفقه الأصلية يجدها ذات صلة بواقع الناس ومعاشهم؛ كدليل (المصلحة) ودليل (العرف) ودليل (سد الذرائع) ودليل (الاستحسان)، فضلًا عن العملية الاجتهادية التي يسميها الأصوليون (تحقيق المناط) والتي تعني تطبيق القاعدة التشريعية على الواقع العملي الذي يتمكن الفقيه من معرفته بالمخالطة لا بالعزلة (^١).\nولذلك فإن الفقهاء كانوا ينبهون على ضرورة معرفة الناس\n_________\n(^١) انظر: الجوانب التربوية في أصول الفقه الإسلامي، د. مصطفى البغا (١٥٤) و(١٨٦).","vol":"1","page":144},{"text":"وعوائدهم، ويؤكدون أن معرفة واقعهم شرط من شروط الإفتاء.\nويمكن شرح ذلك والتمثيل له من خلال كلام فقيه من فقهاء المالكية أفاض في بيان أهمية دخول الفقهاء للأسواق وممارستهم لها ومعرفتهم بما يدور فيها؛ لان إصلاح أحوال الناس لا يتأتى إلا بالمخالطة. فنجد الفقيه المالكي أبا عبد الله ابن الحاج (ت ٧٣٧ هـ) ينبه في كتابه «المدخل» أنه لا ينبغي للفقيه الذي يبحث في مسائل البيوع والأحكام في الربويات وغير ذلك في الدروس ويستدل ويجيز ويمنع ويكره، أن يخرج من درسه ليستعمل في قضاء حاجته من السوق صبيًا صغيرًا أو غيره ممن لا علم له بالأحكام الشرعية، مع ما قد عُلم من جهل أكثر البياعين بالأحكام الشرعية، ومن اشتمال السوق على مفاسد وأشياء لا يجوز شراؤها جملة، وسبب وجود هذه المفاسد ترك السؤال من العامة من جهة، وترك تفقد العلماء بالتنبيه على هذه المفاسد عند مبدأ أمرها من الجهة الأخرى، فاستحكمت المفاسد ومضت عليها العوائد الرديئة (^١). ثم يقول بعد ذكر أمثلة لتفقد العلماء وسؤالهم: (فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى بركة تفقد العلماء للحوادث التي تحدث في زمانهم كيف يتلقونها بهذا التلقي الحسن الجميل، فلو بقي العلماء على طرف من ذلك لكانت هذه المواد تنحسم أو يقل فاعلها، ولكن السكوت من العلماء وعدم السؤال من العامة لهم أوجب ذلك وصار متزايدًا وفقنا الله لمرضاته...\n_________\n(^١) انظر: المدخل، ابن الحاج (٢/ ٦٨ - ٧١).","vol":"1","page":145},{"text":"فإذا كان ذلك كذلك فيتعين على العالم أن يتصرف بنفسه في قضاء مآربه إن قدر خيفة من المفاسد أن تدخل عليه ولوجوه أخرى نذكر بعضها، وإن كانت بينة جلية لغير العالم فكيف العالم؟ فمنها: إذا خرج من بيته لشيء مما ذكر فينوي بذلك اتباع السُّنِّة في الخروج إلى السوق واتباع السُّنِّة في قضاء حاجته بيده لأن النبي ﷺ كان يباشر ذلك بنفسه الكريمة، ثم يضيف إلى ذلك نية التواضع مع إخوانه المسلمين ونية الاقتداء بهم وإرشادهم وتعليمهم وتهذيبهم ودفع المضار عنهم وسلامتهم من دخول الربا عليهم... فإذا كان العالم يباشرهم في ذلك انحسمت مادة المفاسد وقلَّ وقوعها ببركة العلم الذي يدور بينهم... والخروج إلى السوق من شعار الصلحاء والأولياء والعلماء المتقدمين رحمة الله عليهم أجمعين. قال مالك رحمه الله تعالى: كان ذلك من شأن الناس يخرجون إلى السوق ويقعدون فيه. انتهى. وما سمي السوق سوقًا إلا لنفاق السلع فيه في الغالب، وأكبر سلع المؤمن التي يطلب ربحها تعلمه وتعليمه وإرشاده لنفسه ولغيره، وذلك في الغالب موجود في الأسواق لكثرة وجود إخوانه فيها، وفيهم العالم بما يحاوله والجاهل بذلك، ألا ترى أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في الأسواق يتَّجِرون وفي حوائطهم يعملون؟ وعلى هذا استمر علماء الأمة وسلفها.\nفإن قال قائل: كيف يمكن تعليم العلم في الأسواق؟ وذلك امتهان لحق العلم ونقص لحرمة العالم واستهانة بقدرهما! وأهل الأسواق مع ذلك لا يسألون في الغالب، وبذل العلم إنما يجب","vol":"1","page":146},{"text":"إذا سئل عنه لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].\nفالجواب أن يقال: إن العالم يتعين عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا خفاء في أن ترك السؤال وترك التعليم المنكر البين، فيتعين على العالم أن ينهى عن ذلك وأن ينصح إخوانه المسلمين مع التلطف لهم وامتثال أمر الله تعالى فيهم، ومن جملة ذلك: تعليم جاهلهم والتعليم في الأسواق أكثر بيانًا من غيرها لوجود العلم والعمل معًا؛ لأن العلم الذي يتعلمه البائع إنما هو في الغالب في السلع التي في دكانه والغالب أنه لا ينساه) (^١).\nوعلى كلٍّ فالفقهاء يؤكدون دومًا على أهمية مراعاة العوائد والأعراف عند تنزيل الأحكام، وعلى عدم الاكتفاء بما هو مدون في كتب الفقه دون اعتبار واقع الناس وحالهم (^٢)، ولا بد في هذا السياق من التنبه إلى الفرق بين مدونات الفقه التجريدية وبين مدوناته التطبيقية التي تتمثل في كتب الفتاوى والنوازل والمسائل والأجوبة (^٣)، فإن كتب الفتاوى لا تكتفي بذكر الحكم أو القاعدة\n_________\n(^١) انظر: المدخل، ابن الحاج (٢/ ٨١ - ٨٤)، وقد ذكر بعد ذلك قصة شيخ المالكية أبي بكر الطرطوشي وسبب مقامه بمصر، كمثالٍ على الفقيه العامل الذي يخالط الناس ويصبر عليهم، وينشر العلم والفقه فيهم.\n (^٢) انظر: فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة (٧٣).\n (^٣) ومن هذا ما يسميه بعض الفقهاء الفرق بين فقه الفتيا وعلم الفتيا أو فقه القضاء وعلم القضاء، انظر: الأشباه والنظائر، ابن نجيم (٤٦٠).","vol":"1","page":147},{"text":"التجريدية بل تراعي الجانب الواقعي عند التنزيل من خلال الالتفات إلى الأصول والمعاني الشرعية التي من شأنها أن تختلف، كاعتبار الحاجة والضرورة والعرف وعموم البلوى ونحوها، ولذا فإن كتب الفتاوى والنوازل أصبحت تعتبر في الكثير من الأحيان من ضمن المصادر التاريخية التي يكشف بها الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للحقبة التي كتبت فيها (^١).\nوالفقهاء عندما يعايشون الناس ويخالطونهم ويفتونهم ويوجهونهم فهم يعدون ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمفهوم يقتضي تعليم الناس وإرشادهم وتفقيههم في دينهم وحثهم على البر والإحسان وقضاء الحوائج والمشاركة الإيجابية الفاعلة في الحياة بوجه عام، أما النهي عن المنكر فيقتضي منهم تنبيههم إلى ما يقعون فيه من خطأ أو ظلم على الصعيد الشخصي أو على الصعيد العام، فكانوا بذلك يمارسون شيئًا أشبه بالتصحيح والنقد الذاتي لحركة المجتمع وإصلاح أحواله، وبذلك أحبهم الناس ونالوا لديهم مكانة كبرى ووجاهة عظمى (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الاجتهاد بتحقيق المناط وسلطانه في الفقه الإسلامي، عبد الرحمن زايدي (٥٥٨)، فقه النوازل عند المالكية، د. مصطفى الصمدي (٢١٠). وللدكتور صالح العلي بحث في (أهمية كتب الفقه في دراسة التاريخ) نشره في مجلة القضاء العراقية في العدد الثاني لعام (١٩٥٤ م).\n (^٢) انظر: دور الفقهاء في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي (٢٠٩)، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، جمع د. أحمد طالب الإبراهيمي (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":148},{"text":"قال الحافظ ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي (ت ٦٠٠ هـ): (سمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحراني بأصبهان قال: كان الحافظ بأصبهان يصطف الناس في السوق فينظرون إليه، وسمعته يقول: لو أقام الحافظ بأصبهان مدة وأراد أن يملكها لملكها؛ يعني: من حبهم له ورغبتهم فيه) (^١).\nفالفقهاء شديدو الحرص على تحصيل مصالح الناس العامة وحفظها وتقديمها على المصالح الخاصة والشخصية، ولا نكاد نحصي من يذكر في ترجمته أنه كان متصديًا لنفع الناس بعلمه ونصحه وماله وجاهه ووقته، ولأن الفقهاء من الناس فهم موجودن في كافة الطبقات الاجتماعية (^٢)، واهتماماتهم متفاوتة وهم مع ذلك يسعون في نفع الناس بما يستطيعون، ولهم مجالس مفتوحة في جوامعهم ومدارسهم وبيوتهم يقصدها الناس في كافة شؤونهم، ومن يستعرض كتب النوازل يجد أن الفقهاء كانوا على وعي بمسؤوليتهم الاجتماعية (^٣)، ولذا كان للفقه عند عامة الناس\n_________\n(^١) الذيل على طبقات الحنابلة (٣/ ١٨).\n (^٢) انظر: مهن الفقهاء في صدر الإسلام وأثرها على الفقه والفقهاء، د. محمد التميم (١٩٠).\n (^٣) انظر: علماء الإسلام في الماضي قوة حاضرة في جل الأنظمة، إبراهيم حركات، ضمن مجموع «التاريخ والفقه: أعمال مهداة إلى المرحوم محمد المنوني» (١٠٠)، وراجع في معرفة شيء من أثر المجالس العلمية للفقهاء: كيف ربى المسلمون أبناءهم، محمد شعبان أيوب (٢٥٧).","vol":"1","page":149},{"text":"رونق ووجاهة، وكانت (سمة الفقيه عندهم جليلة) كما يصف الشهاب المقَّري أهل الأندلس (^١).\nفمن ذلك ما ذكر في ترجمة الفقيه الشافعي بهاء الدين محمد الحواري (ت ٨٨٩ هـ): من أنه كان دائم البشر حسن المعاشرة، متصديًا لنفع المسلمين إفتاءً وتدريسًا وإصلاح ذات البين (^٢).\nومنه ما ذكر في ترجمة قاضي مالقة محمد بن عسكر الغساني (ت ٦٣٦ هـ): من أنه كان معظمًا عند الخاصة والعامة، حسن الخلق جميل العشرة رحيب الصدر، مسارعًا إلى قضاء الحوائج، محسنًا إلى من أساء إليه، نفاعًا بجاهه سمحًا بذات يده (^٣).\nكما وُصف الفقيه ابن أبي زمنين (ت ٣٩٨ هـ) بأنه كان أمةً في الخير معينًا على النائبة، مواسيًا بجاهه وماله (^٤).\nووصف أبو الوليد بن رشد الجد (ت ٥٢٠ هـ): بأن الناس كانوا يلجؤون إليه ويعولون في مهماتهم عليه، وكان حسن الخلق سهل اللقاء، كثير النفع لخاصته وأصحابه جميل العشرة لهم حافظًا لعهدهم كثيرًا لبرهم (^٥).\n_________\n(^١) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (١/ ٢٢١).\n (^٢) انظر: تاريخ البصروي (٩٧).\n (^٣) انظر: الإحاطة في أخبار غرناطة، لسان الدين بن الخطيب (٢/ ١٧٢).\n (^٤) انظر: الديباج المذهب، ابن فرحون (٢/ ٢٣٢).\n (^٥) انظر: الصلة، ابن بشكوال (٣/ ٨٤٠).","vol":"1","page":150},{"text":"وذكر الحافظ أبو حفص البزار (ت ٧٤٩ هـ) في ترجمة شيخ الإسلام بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): أنه كان إذا رآه أرباب المعايش يتخبطون من حوانيتهم للسلام عليه، وهو مع هذا يعطي كلًا منهم نصيبًا وافرًا من السلام وغيره، وإذا رأى منكرًا في طريقه أزاله أو سمع بجنازة سارع إلى الصلاة عليها أو تأسف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث فصلى عليه، ثم يعود إلى مسجده فلا يزال تارة في إفتاء الناس وتارة في قضاء حوائجهم، حتى يصلي الظهر مع الجماعة ثم كذلك بقية يومه، وكان مجلسه عامًا للكبير والصغير والجليل والحقير والحر والعبد والذكر والأنثى، قد وسع على كل من يرد عليه من الناس، يرى كل منهم في نفسه أن لم يكرم أحدًا بقدره، كما كان يعود المرضى كل أسبوع خصوصًا الذين بالمارستان، وكان هذا دأبه على الدوام (^١).\nوذكر في ترجمة الفقيه والقاضي الحنفي كمال الدين بن الحمراوي (ت ٩٧٦ هـ): أنه كان من رؤساء دمشق وأعيانها المعدودين، وكان جوادًا له في كل يوم أول النهار وآخره مائدة توضع بألوان الأطعمة، وكان ذا مهابة وحشمة ووجاهة لا ترد شفاعته في قليل ولا كثير، وكان ينفع الناس بجاهه، وكان يكرم القادمين إلى دمشق من أعيان أهل البلاد ويقربهم ويحتفل لضيافتهم، وكان يتردد إليه الفضلاء والأعيان (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الأعلام العلية (٣٩).\n (^٢) انظر: الكواكب السائرة، الغزي (٣/ ٣٩).","vol":"1","page":151},{"text":"وأمثلة ذلك كثيرة جدًا لا تكاد تحصى، وكانوا يعلمون أن من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم (^١)، وأن القاعدة الاجتماعية هي بوابة الإصلاح الشامل، وطالما كان عامة الناس لهم ردءًا وسندًا فيما هم بسبيله من الإصلاح وكانوا عونًا لهم على الصدع بكلمة الحق في مشاهد الظلم والجور.\nومن شواهد هذا: أنه لما بنى الوزير عميد الدولة بن جهير (ت ٤٩٣ هـ) سور بغداد أظهر العوام في الاشتغال ببنائه المنكرات، فكتب أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت ٥١٣ هـ) إليه كتابًا مطولًا جاء فيه: (ثم كيف تطالب الأجناد بتقبيل عتبة ولثم ترابها؟ وتقيم الحدّ في دهليز الحريم صباحًا ومساءً على قدح نبيذٍ مختلف فيه، ثم تمرح العوام في المسكر المجمع على تحريمه؟ هذا مضاف إلى الزنى الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب... ثم لا تلمنا على ملازمة البيوت والاختفاء عن العوام لأنهم إن سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام لهذه القبائح والإنكار لها والنياحة على الشريعة) (^٢)، فابن عقيل هنا يكاشف الوزير بما يشبه التهديد أنه لن يغش العامة ولن يلبِّس عليهم مراعاة لأحد، بل إن لم تُجْدِ مثل هذه النصيحة فإنه لن يدخر وسعًا في\n_________\n(^١) روى الترمذي (٢٥٠٧) وابن ماجه (٤٠٣٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «المسلم إذا كان مخالطًا الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».\n (^٢) انظر: الذيل على طبقات الحنابلة، ابن رجب (١/ ٣٢٧).","vol":"1","page":152},{"text":"بيان الحق دون تلبيس، لأن التلبيس نوع من أنواع الكتمان، وقد قرن الله بينهما في قوله ﷻ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] (^١)، والعالم لا يرضى بغش الناس والتدليس عليهم، بل واجبه النصيحة والبيان، وقد قال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): سمعت سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) يقول: إن العالم لا يماري ولا يداري، ينشر حكمة الله فإن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله (^٢).\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (١٩/ ١٩٤).\n (^٢) انظر: تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر (٤١/ ٥٢٨).","vol":"1","page":153},{"text":"إن بث العلم في الناس وتثبيتهم على الخير والهدى بعد الصلاح الذاتي للعالم والفقيه لهو من أعظم أسباب الصلاح والإصلاح، ومما تحيله الطبائع أن يصلح الناس في مجموعهم والفساد فاشٍ في أفرادهم، ولكن إذا صلح فقهاؤهم وأهل الرأي فيهم ثم دعوهم إلى الخير فما أقربهم أن يتابعوهم عليه، وقد كان من كلام نبي الله شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، وقال أبو العتاهية:\nلن يصلح الناس وأنت فاسد... هيهات ما أبعد ما تكابد (^١)\nوقد علم أن من سُنَّة الله تعالى: (أن كل قوم بالغوا في الفساد وغيروا طريقتهم في إظهار عبودية الله تعالى فإن الله يزيل عنهم النعم) (^٢)، ومن هنا يتبين لنا أن من الخلل الكبير الطمع في\n_________\n(^١) ديوان أبي العتاهية (٤٩٤).\n (^٢) مفاتيح الغيب، الرازي (١٩/ ٢٣).","vol":"1","page":154},{"text":"صلاح الشؤون العامة وحسن تدبيرها مع الغفلة عن الصلاح الذاتي لأفراد المجتمع.\nوقد وجد من العلمانيين العرب من يسخر بالفقهاء ويهزأ باشتغالهم بقضايا يسيرة (^١)، وهذا جهل منهم بطبيعة الحياة وعلاقة الفقه بها، وهذه الأمور التي يراها أولئك وغيرهم يسيرة لا تستحق العناية والاهتمام تشكل بمجموعها تصورات وأشكالًا وشعائر وأحكامًا فيها إظهار للعبودية لله تعالى والتزام بشرعه وأمره واتباع لدينه، والدين لم يأت للإصلاح السياسي فحسب، بل جاء لصلاح الدنيا والآخرة. وهذا النَّفَس الممقوت من السخرية والاستهزاء ليس أمرًا جديدًا، فقد سخر بعض المشركين مما ورد في الشريعة من تفاصيل آداب قضاء الحاجة، فقال بعض المشركين لسلمان الفارسي ﵁: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة! فقال سلمان ﵁: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^٢). فدين الإسلام دين شامل لا يتعالى على واقع الناس وحياتهم، وليس صياغة فلسفية نظرية تجريدية للحياة، بل إن أعمال الإيمان والتقوى تعايش\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: خواطر الصباح يوميات (١٩٧٤ - ١٩٨١ م)، العروي (٨)، الجمر والرماد، هشام شرابي (٩٥).\n (^٢) رواه مسلم في كتاب الطهارة باب الاستطابة (٦٢٩)، وذكر الاستهزاء ورد عند ابن ماجه (٣١٦)، والدارقطني (١٤٤)، وانظر كلام الطيبي على جواب سلمان ﵁ في: الكاشف عن حقائق السنن، الطيبي (٣/ ٧٨٢).","vol":"1","page":155},{"text":"الناس في دقيق الأمور وخطيرها. أما الفصل بين أشكال الحياة المختلفة وتعلق الإيمان بها فهو من آثار العلمانية البغيضة التي تسربت إلى بعض الفهوم الفاسدة، والإسلام الذي جاء بالتصورات والعقائد الكبرى والأخلاق الكاملة والشعائر الإيمانية العظيمة، جاء أيضًا بهذه التفصيلات التي يستهزئ بها من لم يتصور طبيعة دين الإسلام، وإذا انسحبت التصورات الإيمانية عن هذه التفصيلات فإن هذا بداية انسحابها عن الحياة بجملتها.\nووسطية دين الإسلام وشموله وتوازنه تحجز المسلم عن الاشتغال بالجزئيات عن الكليات لكنها لا تتعالى عليها وتُحقِّر من شأنها، وذات الفصل بين الأمرين وإن افترضته التصورات الذهنية إلا أن الممارسات الواقعية تحيله، فإن الإيمان شعب متفاوتة وهي بمجموعها تصبغ حياة المؤمن بالصبغة الإيمانية لتكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين.\nوقد مضت الإشارة إلى أن اهتمام الفقهاء بتفصيلات الأحكام كان نتيجة مباشرة لكثرة سؤال الناس عنها وتعرضهم لها، ومع ذلك فلم تزل عادة الفقهاء توجيه الناس وإرشادهم إلى ما هو خير وأبقى، وكانوا شديدي الملاحظة للتغيرات الاجتماعية من خلال فحص أسئلة الناس.\nيروى عن الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) أنه قال: (لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم، ولم يكن العلماء يقولون: حرام ولا حلال، أدركتهم يقولون: مكروه","vol":"1","page":156},{"text":"ومستحب). قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): (ومعناه: أنهم كانوا ينظرون في دقائق الكراهة والاستحباب فأما الحرام فكان فحشه ظاهرًا) (^١).\nوالعالم الفقيه يسعى بفقهه إلى إصلاح أحوال الناس واهتماماتهم، وتوجيههم إلى معالي الأمور وكبير العزائم، ويصرفهم في أجوبته إلى ما هو أنفع لهم وأليق بهم، ولا يكون متلقيًا سلبيًا في فتاويه وأجوبته، بل يكون فاعلًا إيجابيًا فإن الإسلام يرفض مبدأ سياسة الأمر الواقع بمعناه السلبي (^٢)، والفقيه حينما يتعلم العلم فإنه لا يتعلمه ليكون ناطقًا بلسان أحد، وكما أنه لا يسمح للضغوطات السياسية أن تؤثر عليه وتصرفه عن غاية الإصلاح فعليه أن يحذر من الضغوطات الاجتماعية كذلك، فإن الساسة إن كانت لهم ضغوطهم فإن لعامة الناس ضغوطًا قد تحول بين الفقيه وبين تصور حقائق الأمور. وفي الوقت ذاته فإن على الفقيه أن يتفطن لمحاولات إبعاده وعزلته عن عامة الناس الذين هم قاعدة الصلاح والإصلاح تحت أي ذريعة، والكثير ممن هم معزولون عنهم لا يسرهم استئثار الفقيه بالتأثير فيهم وهم غائبون في عوالمهم النظرية التي لا تلامس اهتمامات العامة، وسيأتي مزيد شرح لهذا في موضع لاحق.\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٢٩٨).\n (^٢) انظر: خصائص التشريع الإسلامي، د. فتحي الدريني (١٠٠).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>٣ - الفقيه والمثقف</span>\n «كل مسلم فقيه؛ إذ يطلب من كل مسلم التفقه في الدين على قدر حاجته، حتى لا يأتي أعماله وهو جاهل بأحكامها قوانين وأخلاقًا، فلا تنفعه في عالمه الغيبي فضلًا عن عالمه المرئي»\nطه عبد الرحمن [روح الدين: ٤١٨]\n «والواقع أن الثقافة الحية لا تقبل بضم خبرات جديدة إلى مخزونها المعرفي أو الخيالي، إلا إذا لم تكن هذه الخبرات تتعارض مع خبرات جديدة إلى مخزونها المعرفي أو الخيالي، إلا إذا لم تكن هذه الخبرات تتعارض مع خبرات سابقة وراسخة تضمن توازناتها الكبرى»\nد. برهان غليون [اغتيال العقل: ٣٣٥]","vol":"1","page":159},{"text":"يتحدث كثير من الكتاب عما يدعونه بـ (الأزمة بين الفقيه والمثقف) أو (القطيعة بين الفقيه والمثقف)، غير أنهم لا يحددون مرادهم بكل من (الفقيه) و(المثقف)، وهذا من الإشكالات المزمنة في السجالات العربية المعاصرة، حيث نجد نقاشات مطولة حول موضوعٍ ما دون تحديد مفاهيمه وضبط اصطلاحاته، أو ما يعبر عنه الفقهاء بـ (تحرير محل النزاع)، مع أن افتعال معركة أو أزمة دون تحديد أطرافها أمر لا يليق أبدًا بأي باحث جاد، ويزداد الأمر سوءًا إذا كان هذا الباحث ينطلق من صورة ملازمة لذهنه فيجعل منها حالة عامة. ولا يمكن في هذا السياق إثبات دعوى القطيعة أو الأزمة إلا بعد تحديد مراد المتكلم بالفقيه والمثقف والأزمة التي يقصدها.\nوأول ما يتوجب بحثه هنا هو تحديد معنى اسم (المثقف) ومفهوم (الثقافة) الذي يعاني من هلامية كبيرة في المعنى في البيئة التي كانت فيها نشأته، فضلًا عن بيئات استوردته كمفهوم جاهز (^١). ونشأة هذا الاسم لا يمكن عزلها عن صراع السلطات في أوروبا في مطلع ما تسميه أوروبا بالعصور الحديثة، يوم كان في الناس سلطتان غالبتان وهما سلطة الملوك والنبلاء من جهة\n_________\n(^١) انظر: الثقافة بين تأصيل الرؤية الإسلامية واغتراب منظور العلوم الاجتماعية، د. محمد الذوادي (٤٣).","vol":"1","page":160},{"text":"وسلطة الإكليروس ورجال الدين النصارى من الجهة الأخرى، ثم لما راجت سوق العلم والمعرفة وبدأت بواكير ما عرف لاحقًا بالنهضة فقد ظهرت طبقة واعية لا ترضى بهذا التسلط، وقد صنعت بنفسها آليات الصراع واستطاعت بمرور الزمن التغلب على تلك السلطتين وصناعة مفاهيم وأفكار جديدة أثرت ولا تزال تؤثر في العالم الجديد (^١)، وهذه الطبقة لم تتخذ لها اسمًا محددًا منذ البداية بل مرت بعدة أسماء حتى استقر لها اسم المثقف مع بقاء خلاف طويل في تعريفه على وجه التحديد (^٢)، ولكن يبقى من سمات المثقف أن لديه من المعرفة العامة والمتخصصة ما يخوله الاعتناء بشؤون الناس العامة ليمارس نوعًا من الضغوط الإصلاحية حسب رؤيته التي يراها.\nلكن المؤسف في هذا الصدد أن هذا المصطلح عندما أريد له أن يدخل في نسيج الفكر العربي فقد نقل بخصوصيته الأوروبية دون تنقيح يلائم اللغة العربية التي يشكل الإسلام عنصرها الأول، ومما يؤكد هذا أتم التأكيد ما حصل من المقابلة بين المثقف\n_________\n(^١) تعود جذور المعاني التي يشتمل عليها اسم (المثقف) في أوروبا إلى أزمنة قديمة بعض الشيء، لكن نشأة اسم (المثقف) مرتبطة بما عرف بقضية (دريفوس) في فرنسا، ليعبر عن المفكر أو الفيلسوف أو رجل الآداب الذي لا تشغله اهتماماته المعرفية والفلسفية عن الاهتمام بشؤون الناس والدفاع عن القيم الإنسانية، على النحو الذي يدعوه شيشرون خطيب الرومان بـ (حب النوع البشري). انظر: المثقف والسلطة، محمد الشيخ (١٤)، المثقفون في الحضارة العربية، د. محمد عابد الجابري (٢٣).\n (^٢) انظر: السلطة الثقافية والسلطة السياسية، د. علي أومليل (٢٣٩).","vol":"1","page":161},{"text":"والفقيه، مع أن شرط اسم المثقف متحصل في الفقيه، ولكن الربط بين الفقيه ورجل الدين النصراني في أوروبا-مع كون سلطة المثقف نشأت لتكون مناهضة لسلطة رجال الدين-جعل بعض الكتاب يفترضون القطيعة بين المثقف والفقيه، وكل ذلك يؤكد أن مرجعية هذا الصراع المفتعل مرجعية أوروبية، حيث نشأ المثقف ليكون ندًا لرجل الدين ورجل السياسة فأصبح تحديد مفهوم المثقف من قبيل ما يسميه المناطقة التعريف بالضد لا التعريف بالحد أو الرسم، وهذا ما أدى إلى الاختلاف الكبير في تحديد المراد به (^١).\nوهذه الأزمة المفترضة إنما تكون واقعة بالفعل في حالة اختلاف المرجعية بين كل من الفقيه والمثقف، ويحصل ذلك عندما لا يستورد اسم المثقف فحسب بل تستورد المفاهيم التي أنتجته، والتي سيكون فيها بالتأكيد ما يتعارض مع مرجعية الفقيه التي هي شريعة الإسلام، وستكون غايات الإصلاح ومقاصده لدى المثقف مختلفة عن غايات الإصلاح لدى الفقيه والتي هي رسالة الأمة وهويتها، الأمرَ الذي يُشعر المثقف بالاغتراب والشتات في بلده وبين أهله؛ لأن مرجعيته مرجعية مناهضة للوحي والشرع الذي به قوام الأمة وحياتها، ومشروعه الثقافي لا يقوم على اعتبار أصول الديانة وأحكام الشريعة بل على إقصائها أو معاداتها، ومن\n_________\n(^١) انظر: الحضارة الثقافة المدنية دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم، د. نصر عارف (٢٦)، المثقفون في الحضارة العربية، د. محمد عابد الجابري (١٩).","vol":"1","page":162},{"text":"توابع ذلك إقصاء حملة الشريعة ومعاداتهم والإزراء بهم وبمشاريعهم الإصلاحية، بل إن هناك الكثير من الشواهد الواقعية التي تؤكد أن بعض من يسمون بالمثقفين يبادرون بالانحياز إلى الطغاة والظلمة عندما يكون خيار الأمة الرجوع إلى هويتها ودينها، ولا ريب أن مثل هؤلاء عناصر فاسدة لا تستحق اسم المثقف.\nأما حينما يكون المثقف منطلقًا في رؤيته ومفاهيمه وأفكاره من دين الإسلام فإنه لا مجال لافتعال هذا الصراع، بل دوره مع الفقهاء حينئذٍ يقوم على التكامل لا على الصراع، بل إن المثقف نفسه-إذا ما اعتبرنا أصحاب التخصصات المختلفة ممن يساهم في الإصلاح العام مثقفًا-كان تكوينه في ظل حضارتنا الإسلامية يتشكل بالقرب من الفقيه، حيث يلتقي الجامع بالجامعة وحيث تشكل مبادئ العلوم الشرعية جزءًا أساسيًا من ثقافته (^١).\nوإذا ما رجعنا لنتأمل طبيعة النخبة العربية الإسلامية في مشارف ما يسمى بعصر النهضة العربية بين ثلاثينات القرن التاسع عشر وثلاثينات القرن العشرين، فإننا نجد أن سوادها الأعظم كان ممن يغلب عليهم سمة الفقه، سواء كان هذا من جهة التكوين العلمي أو الوظيفة أو اللغة المستعملة، كما أن مراكز التكوين\n_________\n(^١) انظر: مثقف فقيه وفقيه مثقف، د. زكي الميلاد، مقال بجريدة عكاظ، العدد (٢١٧٤)، بتاريخ: (١٤/ ٥/١٤٢٨ هـ).","vol":"1","page":163},{"text":"الكبرى التي كانت تتخرج فيها هذه النخب كانت المدارس والمعاهد الشرعية كالأزهر والزيتونة والقرويين (^١).\nإن المثقف في أي حضارة لا يمكنه الإسهام فيها إسهامًا فاعلًا ما لم تتصالح أهدافه مع أهدافها، وإذا ما قرر إدوارد سعيد مثلًا أن الوحي كارثة إذا ما سعى المثقف إلى التنظير بموجبه (^٢)، أو أن المثقف الحقيقي كائن علماني (^٣)، فالواجب على المثقف المسلم أن يتعامل مع هذه المقالة على أنها متصالحة مع الحضارة التي ينتمي إليها قائلها وليست قاعدة كلية مطلقة؛ لأن المثقف المسلم لو غدا كائنًا علمانيًا فإنه يفقد جذوره التي تمكنه من أداء وظيفته التي لأجلها وجد مفهوم (المثقف)، وإذا كان المثقف الأوروبي في حالة خصومة مع ما يسميهم رجال الدين فلأنهم كانوا يتحكمون في العقول باسم الدين ويمنحون طائفة من البشر حق التشريع المعصوم (^٤)، ويزعمون أن المسيح ﵇ قال لبطرس: «وأنا أقول لك أيضًا: أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في\n_________\n(^١) انظر: التدوين والتقنين قراءة في التجربة الفقهية المعاصرة، سعيد بنسعيد العلوي، ضمن بحوث ندوة التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي المعاصر (٨٨١)، بين الفقيه والمثقف، رفيق عبد السلام، مقال بجريدة الشرق الأوسط، العدد (١١٥٨٥)، بتاريخ: (٧/ ٩/١٤٣١ هـ).\n (^٢) انظر: صور المثقف (٩٤).\n (^٣) انظر: صور المثقف (١٢١).\n (^٤) انظر: النقد الذاتي، علال الفاسي (١١٥).","vol":"1","page":164},{"text":"السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات» (^١)، فكان رهبان النصارى يُشرِّعون لهم في دينهم ما لم يأذن به الله وينسبونه إلى دين الله تعالى وهم يتابعونهم على ذلك، حتى قال الله ﷻ عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وكانوا بهذه العصمة المدعاة ينسبون إلى الدين ما ليس منه، حتى إذا كشف علماء الطبيعة والفلك وغيرهم خطأهم امتحنوهم وعذبوهم ونصبوا لهم محاكم التفتيش الظالمة، فصدوا بذلك عن سبيل الله كثيرًا. وكل هذا لم يحصل في دين الإسلام، حيث يأمر الدين بالعلم ويكون الفقيه في أحوال كثيرة عالمًا متفننًا في الكثير من العلوم الشرعية والطبيعية والطبية وغيرها. كما أنهم لم ينسبوا لأنفسهم حق ابتداء التشريع ألبتة، بل هم يؤكدون دومًا أن (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص) (^٢).\nوبالتالي فحالة الخصومة بين رجل الدين والمثقف إن افترضنا أن لها ما يبررها في التاريخ الأوروبي، فإن استصحابها في دين المسلمين وثقافتهم لا يجد له من شواهد التاريخ ما يؤيده ويسانده. حتى الذين ذهبوا لافتعال شواهد تاريخية ما يؤيده ويسانده. حتى الذين ذهبوا لافتعال شواهد تاريخية تتمثل في صراع المعتزلة مع أهل السُّنِّة في مسألة خلق القرآن نسوا أو تناسوا أن المعتزلة لم ينسبوا أنفسهم إلى غير المرجعية الدينية،\n_________\n(^١) إنجيل متى (١٦: ١٩).\n (^٢) انظر: شرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقا (١٤٧).","vol":"1","page":165},{"text":"وإن كان أهل السُّنِّة يحكمون عليهم بأنهم أخطأوا في مصادر ومناهج الاستدلال لعقائدهم وآرائهم.\nوما يقال هنا في شأن المثقف الذي يتنكر لدين الإسلام وشريعته يقال أيضًا في بعض المثقفين الذين لا يتنكرون لهويتهم ودينهم ولكنهم يسلكون مسلكًا توفيقيًا بحيث ينتقون من مقاصد الدين وغاياته ما يرونه متلائمًا مع المرجعيات الأجنبية التي يسمونها: (روح العصر وحضارته) أو (مرجعية الواقع) (^١)، ثم يعودون على أحكام الشريعة بالانتقاء والتأويل بالرد إلى هذه المقاصد المنتقاة، مع الإزراء بالفقهاء الذين لا يعتنون بالمقاصد حق العناية وتقتصر عنايتهم على التفاصيل والجزئيات.\nإن المقاصد التي يتحدث عنها هؤلاء إنما عرفت باستقراء ما يدعونه بالتفاصيل والجزئيات كما عرف في أبواب طرق كشف مقاصد الشارع، ولكن ما وقعوا فيه من الانتقاء الفروعي أفضى بهم إلى الانتقاء على مستوى المقاصد والأصول، فإن الشريعة كلٌّ واحد في فروعها وأصولها ومقاصدها، وإذا ما اختار إنسان أن ينتقي منها ما يراه متفقًا مع (روح العصر وحضارته) فإن هذا الانتقاء لن يظل على مستوى الفروع فحسب، ونقاش مثل هؤلاء ينبغي ألا يقتصر على الفروع، بل لا بد أن يشمل المقاصد التي يدعون فهمها واحتكارها؛ لأن سلوك سبيل الانتقاء يُخِلُّ بمنهاج\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: القطيعة بين المثقف والفقيه، يحيى محمد (١٠١)، خطاب المثقف وخطاب الفقيه، حسين العودات، مقال بجريدة البيان الإماراتية، بتاريخ: ٢٦/ ١١/٢٠١١ م.","vol":"1","page":166},{"text":"الشريعة وانتظامها، وإذا خرج إنسان بالشريعة عن انتظامها خرج بها إلى الفوضى، والفوضى لا ضابط لها وكل ما يفترضه من الضوابط سينازعه عليه آخرون حتى لا يبقى من الشريعة إلا اسمها.\nإن المثقف المسلم لا بد أن يستمد تصوراته ومفاهيمه ومنطلقاته من الدين والشريعة حتى يكون مثقفًا مسلمًا، أما إذا هيمنت عليه عاطفة دينية صادقة مع مبادئ أجنبية غريبة فهو ممن يصدق عليهم وصف أبي الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩ هـ) بأن (القلوب مسلمة، ولكن الأذهان غير مسلمة) (^١).\nوالعلاقة بين المثقف والفقيه لا بد أن تكون قائمة على التكامل والتوافق؛ لأن مرجعيتهما واحدة وأصولهما متفقة وإن كانت وظيفتهما مختلفة، فالفقيه معنيٌّ ببيان الأحكام ونسبة الأفعال إلى الحل أو الحرمة بمستوى من المستويات، وأما المثقف فهو معنى بتحليل الظواهر ووصفها ليتمكن الفقيه من أداء وظيفته (^٢). أما ما قد يحصل من خلاف بينهما بعد اتفاق الأصول فهو مما قد يقع مثله بين الفقهاء أنفسهم، والتعامل مع هذا الخلاف يتم وفق ما وضحه وبينه العلماء في قواعد وآداب إدارة الخلاف.\nيقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (ت ١٣٨٥ هـ): (وقد\n_________\n(^١) نحن والحضارة الغربية (١٣٤).\n (^٢) انظر: نحو إعادة بناء علوم الامة الاجتماعية والشرعية، د. مني أبو الفضل (١٦).","vol":"1","page":167},{"text":"كانت الحالة قبل أعوام أدهى وأمر مما هي الآن، إذ كان أمر الدين في الأمة موكولًا إلى طائفة من الفقهاء الجامدين، لا يفهمون من حقائق الدين ولا من أسراره شيئًا ولا يعلمون من لغته إلا قشورًا، فكانوا يسيئون الظن بالمثقفين ثقافة أوروبية ويحكمون عليهم بالخروج من الدين ويشوهون سمعتهم عند الأمة. يتولد من ذلك في نفوس جمهور الأمة نفور مستحكم منهم وسوء ظن بأعمالهم، وذهب خيرهم في شرهم وحقهم في باطلهم، فلا يرضون على أعمالهم ولو كانت صالحة لقيام التهمة، ولا يثقون بأقوالهم ولو كانت سديدة لعروض الشبهة. ولكن منذ قامت الحركة الإصلاحية على أيدي رجال مثقفين ثقافة إسلامية حقيقية عالية، عارفين بمقتضيات الحياة في كل عصر قادرين على تطبيق الدين مع الاجتماع مع الحضارة، عارفين بأقدار الرجال وقيم معارفهم، مطلعين على أسباب التقدم والانحطاط، مشاركين في معارف العصر، وناهيكم بإمام النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس ﵀، فمنذ ذلك الحين خفت تلك النزعة البغيضة بخذلان الداعين إليها، وتولد في الأمة شعور جديد بقيمة المثقفين بالثقافة الأوروبية وبأنهم من أبناء الأمة، وأن الواجب الانتفاع من آرائهم والاستفادة من مواهبهم) (^١).\n_________\n(^١) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، جمع د. أحمد طالب الإبراهيمي (٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الرابع\nتأهيل الفقيه</span>\n١ - إصلاح التعليم.\n٢ - إصلاح التأليف.\n٣ - المذاهب الفقهية.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>١ - إصلاح التعليم</span>\n «الدراسة صلاة».\nابن مسعود\n [جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب تفضيل العلم على العبادة: ٩٤]\n «ليكن أول ما تبدأ به من إصلاحك بنيَّ إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت».\nعتبة بن أبي سفيان [البيان والتبيين، الجاحظ: ٢/ ٧٣]\n «يا بنُيَّ اطلب العلم وأنا أكفيك من مغزلي، يا بني إذا كتبت عشرة أحاديث فانظر هل ترى في نفسك زيادة في مشيتك وحلمك ووقارك فإن لم تر ذلك فاعلم أنه يضرك ولا ينفعك».\nمن وصية أم سفيان الثوري لولدها [تاريخ جرجان، السهمي: ٤٤٩]\n «من هنا يعلم أن إطلاق اسم المدرس على المقتصر على نقل تقاييد الرسالة والمدونة، من غير فتش ولا تنزيل ولا كشف واستظهار بغيرها مجاز لاح قيقة، وهذا الوصف كاد أن يعم أهل الوقت أو عمهم، فنسأل الله العظيم المغفرة من التطفل وتعاطي ما ليس في المقدور».\n [أزهار الرياض، الشهاب المقَّري: ٣/ ٣٥]\n «ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة والحفظ ساعات بل أيامًا».\n [شرح النووي على صحيح مسلم: ١/ ٤٨]","vol":"1","page":171},{"text":"صلاح الأمة مرهون بما تختزنه من الفضائل الاجتماعية، وسبيل رسوخ هذه الفضائل في الأمم إنما يكون بطريق التربية والتعليم، وإصلاح التعليم مدخل إلى سائر الإصلاحات النافعة والتدابير التي تنهض بالأمة وتقودها إلى سبيل الرشاد، فالتعليم مدخل للاجتهاد وبه تتجدد الأمة وتعيش زمانها وتنبض الحياة في علومها ومعارفها، لتكون في عداد الأمم الحية المؤثرة في العالم. ومن أهم المهمات للأمة التي تتوخى درب النهضة الراشدة والحياة الكريمة أن تنظر في تعليمها وسبل إصلاحه وتطويره، فإن من طبع التعليم أن يكون متجددًا لأن الحياة متجددة ولا بد للتعليم أن يجاري الحياة، فإذا ما تخلف عن مجاراتها انكفأ على الماضي وجعل من الوسائل غايات وأقام لها الحصون ونصب لها الحُرَّاس، وانقلب العلم عائقًا عن التصورات الصحيحة للواقع بدلًا من قيادة تصورات الواقع إلى الصحة والصواب.","vol":"1","page":172},{"text":"إن الأمة متى كانت في حال عزة ومنعة وقوة كان تعليمها بمثابة الوقود لفاعليتها ونهضتها، وكذلك كان حال التعليم الفقهي في الأدوار الأولى للحضارة الإسلامية، يوم أن كان الفقه حيًا والحياة نضاخة بالأسئلة التي تستفز الفقهاء للبحث والاجتهاد والتجدد، فإن العلم ما لم يُستخرج بالسؤال والحاجة له فإنه ينسى، وقد قال عروة بن الزبير (ت ٩٤ هـ) مرةً لابنه هشام: (إني والله ما يسألني الناس عن شيء حتى لقد نسيت) (^١)، ولما كانت الحضارة في إقبال والدين في انتشار وامتداد كان الاجتهاد الفقهي في أوجه، وفي تلك الأدوار نهض الأئمة العظام وتأسست المذاهب الكبرى في فهم الشريعة والاجتهاد فيها، وكانت حركة التعليم والتفقه والتفقيه على أحسن أحوالها؛ لأن الفقه كان على أحسن أحواله، ولا يمكن في بدائه التجارب والسنن أن يوجد ذلك النجاح والإبداع في المجال التشريعي ما لم يكن ثمت نجاح وإبداع في المجال التعليمي والتربوي (^٢).\nأما إذا كانت الأمة في حال ضعف وذلة فلا تكاد تفارقها حالة التخوف والحذر، ومن ذلك خوفها من الإصلاح وتهيبها من دخول الفساد باسم الإصلاح، وقد كان المتعين المبادرة إلى الإصلاح يدافع من الذات فإن الإصلاح أمر لا بد منه ولا محيد عنه، والتخوف من كل مبادرة إصلاحية لا تزيد الداء إلا تجذرًا\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب في ابتداء العالم جلساءه بالفائدة (٧٤٨).\n (^٢) انظر: منهاج تدريس الفقه، د. مصطفى صادقي (٣١).","vol":"1","page":173},{"text":"وتمكنًا، وهناك شواهد كثيرة تدل على أن مساعي الإصلاح في مجال التعليم الشرعي كثيرًا ما يقابلها العلماء بالتوجس والحذر من أن يكون ذلك ذريعة إلى تبديل الدين والعبث بأحكام الشريعة، ومع أن مثل ذلك قد يحدث إلا أن الحل لا يكون موقفًا سلبيًا، بل بمبادرات العلماء إلى الإصلاح وتبصرهم لفساد التعليم وأسبابه وتقديم المصالح العامة على الخاصة والمتحققة على المظنونة، وهذه النزاعات بين من يسمون دعاة التجديد ودعاة المحافظة تستهلك الكثير من الجهد والوقت والمال والعافية، ولو صرف بعضها في الإصلاح المتفق عليه لأفضى إلى خير كثير، وقد جرت في الأزهر والزيتونة وغيرهما حكايات في ذلك يطول منها العجب (^١).\nإن إصلاح التعليم الفقهي ضرورة ملحة، والحاجة إليه ماسة وعاجلة، والتساهل في ذلك مجلبة لفساد الأحوال؛ لأن الدين قوة متجذرة في بلاد المسلمين ووجدانهم وطبائعهم وأخلاقهم، والفقه يمثل حركة هذه الأمة وعطاءها، والفقهاء هم الذين يعلمون الناس ويوجهون مسارات التدين فيهم، فإذا لم يكن الفقهاء بالقدر الذي يؤهلهم لتلك الوظائف وقلَّ الفقه فيهم فذلك إيذان بالخراب. وهذا الخراب لن يعود على الفقهاء وحدهم بل إن المجتمع كله سيتجرع مرارته وغصصه، كما أن المجتمع كله مسؤول عن دفع حالة الفساد هذه ورفعها؛ لأن الفقه الحق يحمل\n_________\n(^١) انظر: أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (١٠٤).","vol":"1","page":174},{"text":"الناس على سنن التوسط والانحراف عنه بالغلو أو بالجفاء يسبغ المشروعية على أشكال مجافية لحقائق الشريعة، ورسوخ مثل هذه المفاهيم له آثاره الوخيمة على المجتمع.\nلقد كانت البيئة التي نشأ فيها الفقه في أدواره الأولى بيئة ولادة تعين المتفقه وتدعم الفقيه، بحيث تنبعث في الناس النُّهمة لطلب العلم والحرص على الفقه في الدين، وما أكثر ما نجد في تراجم أئمة الفقهاء الدعم النفسي والمادي الذي يتلقونه من أبويهم لأجل الانشغال بالتعلم والتفقه (^١)، كما أن البيئة الاجتماعية برمتها كانت مشجعة على ذلك ومحفزة له، فسوق العلم رائجة، وللفقه رونقه وبهاؤه، والأوقاف تتكفل بدعم المدارس والمعلمين والطلبة (^٢). وفي حالة ضعف الدعم المادي فإن النفوس يقوم بها من الدافع الذاتي ومحبة العلم ما يحملها على التعلم مع ضيق الحال، ويعبر عن هذا ابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥ هـ) فيما ينقله عنه الشهاب المقري (ت ١٠٤١ هـ) فيقول: (وأما حال أهل الأندلس في فنون العلوم فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميز، فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغًا عالةً على الناس؛ لأن هذا عندهم في نهاية القبح، والعالم عندهم معظّم من الخاصة والعامة، يشار إليه ويحال عليه، وينبه قدره وذكره عند\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: الجامع، الخطيب البغدادي (١/ ٣٨٤).\n (^٢) انظر: التربية والتعليم في العراق حتى نهاية العصر العباسي، د. بشار عواد معروف (٨٦).","vol":"1","page":175},{"text":"الناس، ويكرم في جوار أو ابتياع حاجة وما أشبه ذلك. ومع هذا فليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم، بل يقرؤون جميع العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرؤون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريًا، فالعالم منهم بارع لأنّه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه، وينفق من عنده حتى يعلم، وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء) (^١)، بل لقد كان بعض فقهاء المغاربة يرى أن بناء المدارس فيه إفساد للتعليم؛ لأنه قد يتصدر فيها غير الأكفاء بالتوارث والرئاسات والحرص على الجرايات والأوقاف لا على العلم والتعليم (^٢).\nوقد كان الفقيه في تلك البيئة الحية في أدوار الفقه الأولى تثبت أهليتُه من خلال تميزه وجدارته لا من خلال تعيين رسمي أو وراثة لمنصب علمي، وربما حاز شهادة تميزه من شيوخه في العلم والفقه فأحالوا إليه وأرشدوا إلى الأخذ عنه.\nكان أبو هريرة ﵁ يقول: تسألوني وفيكم عمرو بن أوس؟ (^٣).\nوقدم ابن عمر ﵁ مكة فسألوه فقال: تسألوني وفيكم ابن أبي رباح؟ (^٤).\nوكان ابن عباس ﵁ يقول لأهل البصرة: تسألوني وفيكم\n_________\n(^١) نفح الطيب، المقري (١/ ٢٢٠).\n (^٢) انظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، أحمد بابا التنبكتي (٤١٤).\n (^٣) انظر: السُّنِّة، عبد الله بن الإمام أحمد (٢/ ٥٠٠).\n (^٤) انظر: طبقات الحفاظ، السيوطي (٤٦).","vol":"1","page":176},{"text":"جابر بن زيد؟ (^١)، وسأله رجل مصري عن مسألة فقال ﵁: تسألوني وفيكم ابن حجيرة؟ يعني: عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني (^٢)، وكان ﵁ بعدما عمي إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه قال: تسألوني وفيكم ابن أم دهماء؟ يعني: سعيد بن جبير (^٣).\nوسأل سائل عطاء بن أبي رباح عن مسألة فقال: ممن أنت؟\nفقال: من أهل البصرة، فقال عطاء: تسألوني وفيكم قتادة (^٤).\nواستفتى رجل سعيد بن جبير فقال: أتستفتوني وفيكم إبراهيم؟ يعني: النخعي (^٥).\nوهذه العناية الظاهرة بالعلم والفقه نتيجة لمعرفة أثر الفقه في المجتمع والحياة واستحضار ما يترتب على كفاءة الفقيه وعدم كفاءته من الأحوال الصالحة والفاسدة، ولذا فقد كان أهل العلم يشددون في شرط الأستاذ والطالب على حدٍّ سواء، ويؤكدون على أهمية التزام منهجية منضبطة في التفقه والتعلم يتلقاها المتفقه عن الشيوخ الأكابر الذين يتعاهدون ملكة الفقه في نفوس طلابهم ويرعونها حتى تنضج وتعود كالخلق الراسخ فتمتد بذلك أسباب الوراثة العلمية الراشدة (^٦).\n_________\n(^١) انظر: حلية الأولياء، أبو نعيم (٣/ ٨٦).\n (^٢) انظر: أخبار القضاة، وكيع (٦٣٣).\n (^٣) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد (٨/ ٣٧٥).\n (^٤) انظر: الأسامي والكنى، الحاكم الكبير (٣/ ٥٥).\n (^٥) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد (٨/ ٣٨٩).\n (^٦) انظر: الموافقات، الشاطبي (١/ ١٤٢)، وانظر الفصل الذي عقده ابن خلدون في: أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم، المقدمة (٥/ ٢٨٩).","vol":"1","page":177},{"text":"لقد كان العلماء يشددون في شرط المدرس ويشترطون له الشروط والصفات والمؤهلات الصعبة ويعقدون له امتحانات التدريس (^١)؛ وذلك لعلمهم بخطورة هذه الوظيفة ومدى ما يترتب عليها من النفع والضرر العام (^٢). وجاء في سيرة سحنون (ت ٢٤٠ هـ): أنه كان يعزل الصفرية والإباضية المغيرية أن يكونوا أئمة للناس أو معلمين لصبيانهم (^٣).\nومن أعظم شروط المعلم حسن خلقه وموافقة عمله لعلمه، فإن قوام الأمة بأخلاقها وإذا ضعفت الفضيلة في معلميها أسرع الداء إلى عامتها، وإذا ذهب وقت التعليم عن الطلبة ولم يتلقوا فيه فضائل الأخلاق فمن العسير أو المتعذر تلقينها لهم من بعد (^٤). وهذه الأخلاق الزاكية متى اجتمعت مع العلوم الراسخة أثمر ذلك معنى البركة في العلم والتعلم، وامتد أثر ذلك إلى ملاقاة التعليم لغاياته ومقاصده، وقد ذكر في ترجمة الفقيه الحنبلي\n_________\n(^١) هذا الامتحان يختلف من مدرسة لأخرى ومن مكان لمكان وزمان لزمان، وربما جرى الاستغناء عنه عند اشتهار الفقيه واستفاضة علمه وفضله أو تزكيته من شيوخه، واشتراطه مهم عند ضعف الحركة التعليمية؛ ويكثر أن يضعه أهل العلم عندما يلاحظون تطرق الضعف والفتور العلمي إلى الجامع أو المدرسة. انظر: تاريخ الإصلاح في الأزهر، عبد المتعال الصعيدي (٣٤)، وربما جرى هذا الامتحان في بعض الأحيان من قبل السلاطين، كما في امتحان السلطان أبي الحسن المريني لفقهاء تونس. انظر: منهاج تدريس الفقه، د. مصطفى صادقي (١٥٩).\n (^٢) انظر: النقد الذاتي، علال الفاسي (٣٧٧)، إعداد مدرس التربية الإسلامية، د. محمد الزحيلي (٥٦).\n (^٣) انظر: ترتيب المدارك، القاضي عياض (٤/ ٦٠).\n (^٤) انظر: أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (١٠٨).","vol":"1","page":178},{"text":"ابن سطور البرزبيني (ت ٤٨٦ هـ): أنه كان (مبارك التعليم، لم يدرس عليه أحد إلا أفلح وصار فقيهًا) (^١). والفقهاء الربانيون لا يتخذون من تعليم الفقه حرفة أو مهنة أو مصدرًا للكسب، بل هي لديهم رسالة وأمانة وعهد وميثاق متصل بالنبي الأعظم ﷺ، ولذا فهمتهم مجتمعة على أن يفقه الناس عنهم ويتلقوا ما لديهم من العلم فيعملوا به فتصلح به أحوالهم، وقد كان الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) يقول لتلميذه الربيع بن سليمان: (يا ربيع لو قدرت أن أطعمك العلم لأطعمتك إياه) (^٢)، وكان القاضي أبو يوسف يقول لأصحابه: (لو استطعت أن أشاطركم ما في قلبي لفعلت) (^٣).\n_________\n(^١) الذيل على طبقات الحنابلة، ابن رجب (١/ ١٦٧).\n (^٢) انظر: جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب في ابتداء العالم جلساءه بالفائدة (٧٥٣).\n (^٣) انظر: حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي، الكوثري (١٩).","vol":"1","page":179},{"text":"من عجائب هذا الزمان أن الكثير من أهله يشكون فشوَّ الضعف في الذين يتولون الوظائف والخطط الدينية من إفتاء وقضاء وتعليم ووعظ وسوى ذلك، ويتذمرون من فساد التصورات والأحوال الذي ينشأ من ذلك الضعف، ومع ذلك فتنتشر في الناس قناعة مفادها أن الكليات والمعاهد الشرعية والإنسانية بوجه عام هي كليات من لا كلية له، وأن الدراسة فيها ميسَّرة وسهلة أو يجب أن تكون كذلك على أقل تقدير، واجتماع هاتين الحالتين المتناقضتين من العجائب، فإننا إذا تيقنا الأثر الكبير لكفاءة الفقيه وأهليته في صلاح الحياة العامة فإن من اللازم الشرعي والعقلي أن يشدد في شرط الذين يهيأون لهذه الوظائف، وإذا كان الناس يشددون في شرط الطبيب الذي يعالج الأبدان فإن التشديد في شرط الفقيه الذي يسهم في تشكيل التصورات العامة للمجتمع أولى وأحرى. وما طول شكوى الناس من بعض الوعاظ والأئمة والمفتين غير المؤهلين لهذه الوظائف إلا ثمرة من ثمرات التساهل في هذا الشرط أول مرة.","vol":"1","page":180},{"text":"لقد كان شرط الفقيه عند العلماء فيما مضى صعبًا لعلمهم بعظم مسؤوليته، والواقع يشهد أنه كلما جرى التشديد في شرط الفقيه كانت الأحوال العامة أصلح وأسد، ومتى جرى التساهل فيه ساءة الحال تبعًا. ومن صور هذا التشديد ما حكاه الونشريسي (ت ٩١٤ هـ) في فتاوى بعض علماء المغرب أن الدارس إذا سكن في المدرسة عشرة أعوام ولم تظهر نجابته أخرج منها جبرًا لأنه يعطل الحبس (^١).\nفالتعلم والتفقه عندهم لم يكن أمرًا شكليًا خاضعًا لإجراءات ورسوم محضة، بل كان تعليمًا مصحوبًا بالتدريب الفقهي الذي يتأكد من فهم المتفقه واستيعابه، كما ينمي الملكة في نفس التلميذ ويتعاهدها ويختبرها. قال حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ): (كنت أسأل إبراهيم عن الشيء فيعلم أني لم أفهمه فيقيس لي حتى أفهم) قال الخطيب (ت ٤٦٣ هـ) معلقًا: (وأحسب أن إبراهيم أخذ هذه الطريقة عن علقمة بن قيس)، وذكر بعده: أن علقمة بن قيس (ت ٦٢ هـ) كان يقول لإبراهيم النخعي (ت ٩٦ هـ): (إذا أردت أن تعلم الفرائض فأمت جيرانك) (^٢). وكان لهم تمييز بين المتفقهين وسواهم من حملة العلم، قال أنس بن سيرين (ت ١٢٠ هـ): (أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المعيار المعرب، الونشريسي (٧/ ٧).\n (^٢) الفقيه والمتفقه، باب آداب التدريس (٩٤٦).\n (^٣) انظر: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي (٥٦٠).","vol":"1","page":181},{"text":"ومن أمثلة التدريب الفقهي ما كان يفعله أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ) مع أصحابه في مدارسة المسائل، حيث يذكر في المسألة احتمالًا ويؤيده بالأدلة ثم يسألهم معارضته، فإذا سلموا له نقضه بنفسه حتى يقنعهم بصواب الثاني، ثم يطلب المعارضة فإذا سلموا له نقضه بثالث ثم رجح بينها بأدلة ناهضة (^١). وكان أصحابه يتناظرون بينهم ويتطارحون الفقه حتى تعلو أصواتهم. قال سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ): (مررت بأبي حنيفة في المسجد وإذا أصحابه حوله قد ارتفعت أصواتهم، فقلت: ألا تنهاهم عن رفع الصوت في المسجد؟ قال: دعهم فإنهم لا يتفقهون إلا بهذا) (^٢).\nوكان له عناية بالغة بأصحابه، حتى قال الموفق المكي (ت ٥٦٨ هـ): (فوضع أبو حنيفة ﵀ مذهبه شورى بينهم لم يستبد فيه بنفسه دونهم اجتهادًا منه في الدين ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يلقي المسائل مسألة مسألة يقلبهم ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرًا أو أكثر حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها) (^٣). وكان من ثمرة هذه العناية والاهتمام أن كان هؤلاء الأصحاب محل ثقته حتى قال لهم مرةً: (أنتم مسارُّ قلبي وجلاء حزني، وأسرجت لكم الفقه ألجمته، وقد تركت الناس يطؤون أعقابكم ويلتمسون ألفاظكم، ما منكم واحد\n_________\n(^١) انظر: حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي، الكوثري (١٣).\n (^٢) انظر: مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، الذهبي (٣٥).\n (^٣) مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة، الموفق المكي (٢/ ١٣٣).","vol":"1","page":182},{"text":"إلا وهو يصلح للقضاء. فسألتكم بالله وبقدر ما وهب الله لكم من جلالة العلم لما صنتموه عن ذل الاستئجار، وإن بلي أحد منكم بالقضاء فعلم من نفسه خربة سترها الله عن العباد لم يجز قضاؤه ولم يطب له رزقه، فإن دفعته ضرورة إلى الدخول فيه فلا يحتجبن عن الناس، وليصل الخمس في مسجده وينادي عند كل صلاة: من له حاجة؟ فإذا صلى العشاء نادى ثلاثة أصوات: من له حاجة؟ ثم دخل إلى منزله، فإن مرض مرضًا لا يستطيع الجلوس معه أسقط من رزقه بقدر مرضه، وأيما إمام غلَّ فيئًا أو جار في حكم بطلت إمامته ولم يجز حكمه) (^١). وهذا التعاهد للتلاميذ والحرص عليهم والاهتمام بهم من أعظم أسباب رسوخ الفقه وانتقاله من الأكابر إلى الأصاغر بطريقة منهجية معتبرة، وكانت قدرة الفقيه على تربية طلابه وتعليمهم سببًا في بقاء فقهه وانتشاره.\nمرَّ الشعبي (ت ١٠٥ هـ) يومًا بإبراهيم النخعي (ت ٩٦ هـ) فقام له إبراهيم عن مجلسه، فقال له الشعبي: أما إني أفقه منك حيًا وأنت أفقه مني ميتًا، وذاك أن لك أصحابًا يلزمونك فيحيون علمك (^٢).\nوقد ورث تلامذة أبي حنيفة شيئًا من طريقته في التعليم وصبره على الطلاب، فقد حكى الحسن بن زياد (ت ٢٠٤ هـ) فقال: كنت أختلف إلى زفر (ت ١٥٨ هـ) وإلى أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ) في الفقه، وكان أبو يوسف أوسع صدرًا بالتعليم من\n_________\n(^١) انظر: مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، الذهبي (٢٨).\n (^٢) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي (٤/ ٥٢٦).","vol":"1","page":183},{"text":"زفر، فكنت أبدأ بزفر فأسأله عن المسألة التي تشكل على فيفسرها لي فلا أفهمها، فإذا أعييته قال: ويحك! ما لك صناعة؟ ما لك ضيعة؟ ما أحسبك تفلح أبدًا. قال: فأخرج من عنده وقد فترت واغتممت، فآتي أبا يوسف فيفسرها لي، فإذا لم أفهمها قال لي: ارفق، ثم يقول لي: أنت الساعة مثلك حين بدأت؟ فأقول له: لا، قد وقفت منها على أشياء وإن كنت لم أستتم ما أريد، فيقول لي: فليس من شيء ينقص إلا يوشك أن يبلغ غايته، اصبر فإني أرجو أن تبلغ ما تريد. قال: فكنت أعجب من صبره (^١).\nإن الفهم ورسوخ العلم في قلب المتعلم هو الثمرة المرجوة بالتعليم لا مجرد حفظ المسائل وعدها، وترتُّبُ الآثار النافعة للفقه موقوف على تشبع الدارس بروح الفقه وفهمه لمسائله لا على مجرد التلقين، وقيام أحوال الناس على قواعد الشريعة المستقرة مفتقر إلى فقهاء مقتدرين متضلعين بروح الشريعة وغاياتها، لا إلى حفظة نصوص فقهية يجمعونها ثم لا يحسنون تنزيلها ويقصرون الفقه عليها وينزعون اسم الفقه عمن خالفها، فيفضي بهم ذلك إلى فساد الدين والدنيا. وإن من أهم ما ينبغي إصلاحه في تعليم الفقه ألا يكون معيار التقويم كميًا فحسب، فيقاس نجاح الدارس بعدد الساعات التي اجتازها أو المقررات التي درسها، بل ينبغي أن تضاف إلى ذلك العناصر التدريبية كالتخريج الفقهي والقياس والترجيح المستند إلى القواعد الأصولية\n_________\n(^١) انظر: حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي، الكوثري (١٩).","vol":"1","page":184},{"text":"المعتبرة والتمثيل والاستنتاج والربط والتحليل والجمع والفرق والمناظرة وغيرها من الملكات الفقهية التي من خلالها يعلم مدى فقه الدارس وفهمه وقدرته على الانتفاع بعلمه (^١). وهذه الملكات وأشباهها لا تتلقى بالتلقين المحض، بل هي مفتقرة إلى فقهاء يدربون المتفقهين ويربونهم عليها، ولذا قد كان من عادة المتفقهين في الماضي ملازمة الشيوخ وطول صحبتهم متى آنسوا الفائدة من ذلك بالتزود من علومهم وهديهم. قال الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): (كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه) (^٢)، وهذا الاختلاف وطول الملازمة لا تغني عنه مطالعة الكتب فإن الملكة قلما تنتقل بذلك، وإذا قال أصحاب التراجم في ترجمة أحد الفقهاء (تفقه بفلان) فإنهم لا يعنون مجرد الدراسة عنده فحسب، بل هم يشيرون بذلك إلى اكتساب الملكة والمهارة، وهذا معنى قول القائل: (كان العلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب ومفاتحه بأيدي الرجال) (^٣). وقد ذكر في ترجمة ابن أبي الخيار العبدري القرطبي (ت ٥٢٩ هـ) أن أبا القاسم بن الحاج قرأ عليه المدونة تفقهًا وعرضًا أعوامًا (^٤)، وقال المازري (ت ٥٣٦ هـ) في إشارة إلى تجربة شخصية له في التدريب:\n_________\n(^١) انظر: مقررات فقه القضايا المعاصرة بين الواقع والمأمول-ورقة منشورة على الشبكة العالمية، د. عامر بهجت (٥٢).\n (^٢) انظر: حلية الأولياء، أبو نعيم (٦/ ٣٢٠).\n (^٣) انظر: الموافقات، الشاطبي (١/ ١٤٧).\n (^٤) انظر: التكملة لكتاب الصلة، ابن الأبار (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":185},{"text":"(ورأيت أن أملي تلخيصًا في الفرائض يستقل به الفقيه إذا اقتصر عليه وتدرب في التصرف فيه أغناه عن جميع مسائل الفرائض المستفتي عنها، وقد حفظته لجماعة ودربتهم عليه بإلقاء المسائل فاكتفوا به عن مطالعة الفرائض) (^١)، كما يذكر أيضًا أنه كان من الطريقة المتبعة عند الفقهاء أن تقرأ عليهم كتب الحديث لأجل التدريب على كيفية الاستنباط منها، فيقول: (وكثيرًا ما يعول فقهاء الزمان على قراءة من يقرأ كتبهم بين أيديهم، ولكن أكثر فقهاء الزمان كثيرًا ما تقرأ عليهم بعض كتب الحديث ليستمع كلامهم على فقهها، ويتعلم منهم كيفية الاستنباط من أحاديثها) (^٢).\nويقول القرافي (ت ٦٨٤ هـ) في تأكيد هذا المعنى وبيان أهميته والتحذير من التساهل فيه: (فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدًا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلًا، وذلك هو الباعث على وضع هذا الكتاب لأضبط تلك القواعد بحسب طاقتي، ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى فتأمل ذلك فهو أمر لازم، وكذلك كان السلف ﵁ متوقفين في الفتيا توقفًا شديدًا. وقال مالك ﵀: لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلًا لذلك، ويرى هو نفسه أهلًا لذلك. يريد: تثبت أهليته عند العلماء ويكون هو بيقين مطلعًا على ما قاله العلماء في حقه\n_________\n(^١) المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٤٣)، وانظر: منهاج تدريس الفقه، د. مصطفى صادقي (١١٥) وما بعدها.\n (^٢) إيضاح المحصول من برهان الأصول، المازري (٤٩٨).","vol":"1","page":186},{"text":"من الأهلية؛ لأنه قد يظهر من الإنسان أمر على خلاف ما هو عليه، فإذا كان مطلعًا على ما وصفه به الناس حصل اليقين في ذلك. وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكًا؛ لأن التحنك وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك شعار العلماء، حتى إن مالكًا سئل عن الصلاة بغير تحنك فقال: لا بأس بذلك، وهو إشارة إلى تأكد التحنيك، وهذا هو شأن الفتيا في الزمن القديم. وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج، وسهل على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح، وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم: لا أدري، فلا جرم آل الحال للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال) (^١).\nواستحضار مثل هذه المعاني يشعرنا بعلو مرتبة الاجتهاد والفتيا وأنها ليست مخولة لكل أحد ولو درس الفقه بأكمله، فإن الفقه ليس معرفة مجردة بل هو ملكة يزكيها العلم وينميها ويشرف الفقهاء الأكابر على رعايتها ونضجها، والعلماء إذا ذكروا أن الاجتهاد في العصور المتأخرة بات أيسر منه فيما مضى من العصور الأولى (^٢)، فإنهم لا يقصدون بذلك أنه صار يسيرًا بإطلاق بل هو بالمحل الأعلى، وقصدهم في ذلك أن الجهود العلمية التي قام بها علماء القرون الأولى من جمع السُّنِّة وتمحيصها واستقراء الأصول والقواعد ذللت الكثير من المصاعب\n_________\n(^١) الفروق (٢/ ٥٤٦).\n (^٢) انظر على سبيل المثال: الروض الباسم في الذب عن سُنَّة أبي القاسم ﷺ، ابن الوزير (١/ ٧١).","vol":"1","page":187},{"text":"التي كانت تواجه المجتهدين، ولكن فهم هذه القواعد والأصول بحد ذاتها لا يتم إلا باستفراغ الوسع كما يقول الأصوليون في تعريف الاجتهاد، والاجتهاد نفسه ليس بالسهل الهين الذي يبلغه الإنسان بدراسة كتاب أو كتب، بل هو قلة شامخة تبقى العين دونها حسرى، والكثير من الناس في ذلك بين مفْرط ومفرِّط، والوسط هو الحسنة بين السيئتين (^١).\n_________\n(^١) انظر: تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي، عبد الفتاح أبو غدة (٤١)، محتكمات الخلاف الفقهي، د. محمد هندو (١٧).","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>٢ - إصلاح التأليف</span>\n «وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين عامًا وهو لا يعد فقيهًا ولا يجعل قاضيًا، فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو سنتين، حتى تمر ببابه فتظن أنه من بعض العمال، وبالحرَا ألا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكمًا على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان».\n [الحيوان، الجاحظ: ١/ ٨٧]\n «ولا يتمكن من التصنيف من لم يدرك غور ذلك الذي صنَّف فيه».\nالوزير ابن هبيرة\n [الذيل على طبقات الحنابلة، ابن رجب: ٢/ ١٥٧]\n «فإنك لتنظر الرجل وهو ابن القرن الرابع عشر فتحسه في معارفه وعلمه وتفكيره من أهل القرن التاسع أو العاشر، مما هو معلول لوقوف تقدم التآليف عند الحد الذي تركه الواقفون».\n [أليس الصبح بقريب، الطاهر بن عاشور: ١٤٠]","vol":"1","page":189},{"text":"إصلاح التعليم منوط بأمرين اثنين، أحدهما إعداد المعلم، والثاني تأليف الكتاب، وربما لا يكون من المبالغة القول بأن جودة التآليف وقوتها وفصاحتها وبيانها قد تتدارك من ضعف المعلم ما لا يتداركه المعلم الجيد من ضعف التآليف. فإن قوة الكتاب تجبر المعلم على الارتقاء إلى مستواه، بينما يؤدي ضعف الكتاب إلى ضياع جزء من وقت المعلم الجيد في تصحيحه وتدارك أغلاطه (^١).\nومن المفترض أن يقدم بين يدي كل عمل في الإصلاح أن تستبدل مناهج تعليمية جيدة ومناسبة في مضمونها وشكلها بالمناهج التعليمية الرديئة التي يكثر اعتمادها في الكثير من الجامعات والمعاهد الشرعية، فإن الكثير من المناهج التي باتت تعتمد في التدريس في العصور الأخيرة يذهب أكثر وقت الأستاذ والطالب في حل ألفاظها وإدراك محترزاتها، ولو كان هذا الوقت الذاهب يفني في تنمية الملكة الفقهية لهان الخطب، ولكن هذه المؤلفات المنتقدة ضعيفة البيان ركيكة اللغة مختلة التركيب والأساليب، فذهاب الوقت فيها ليس من قبيل ممارسة كتب الفقه المحكمة التي تربي على الاحتراز في العبارة ودقة الصياغة، بل\n_________\n(^١) انظر: أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (١٣٨)، وحي الرسالة، أحمد حسن الزيات (٢/ ١٨٥).","vol":"1","page":190},{"text":"هو من قبيل تصحيح أخطاء المؤلف وتقويمها، مع أن في كتب المتقدمين ما هو أفصح بيانًا وأغزر علمًا وأكثر بركة وأقل خطأً وأعظم استخراجًا لملكة التفقه في دارسيها (^١). يقول الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ): (فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم على أي نوع كان وخصوصًا علم الشريعة الذي هو العروة الوثقى والوزر الأحمى) (^٢).\nوالقصد أن إصلاح التآليف الفقهية من الأهمية بالذروة العالية، حتى إن بعض من تكلم في إصلاح الأزهر ذكر أنه يكاد ينحصر في إصلاح هذه الكتب التي تدرس فيه (^٣). مما يجعل من إعداد المناهج الفقهية التي تدرس في المعاهد والكليات الشرعية أمرًا بالغ الأهمية وبالغ الصعوبة في الوقت نفسه؛ لما يترتب عليها من الأثر الذي يتعدى المتفقه إلى المجتمع الذي سيتولى وظائفه الدينية بعد تخرجه، وإذا كانت المناهج التي تلقاها فاسدة لا تلاقي الغاية من التعليم ولا تؤهله لتلك الوظائف ولا تستخرج منه المهارة والملكة فكيف يرجى الصلاح من بعد؟\nولذا فإن أهل العلم ينبهون إلى خطورة التأليف وصعوبته وأنه ليس يحسنه كل أحد، وربما كان العالم حسن الفقه وحسن التعليم وممن يشار إليهم بالبنان غير أنه لا يحسن التأليف، فإن\n_________\n(^١) انظر: التعليم والإرشاد، بدر الدين الحلبي (٢٢٢)، وقد ذكر أمثلة لذلك.\n (^٢) الموافقات (١/ ١٥٣).\n (^٣) انظر: تاريخ الإصلاح في الأزهر، عبد المتعال الصعيدي (١٧٠).","vol":"1","page":191},{"text":"التأليف صناعة أخرى لها مهاراتها وأدواتها، ولذا قال الشهاب المقَّري (ت ١٠٤١ هـ): (احذر أيها الناظر شرح الله صدري وصدرك أن يقع في نفسك أن عجز هؤلاء السادات عن صناعة التأليف والحذق في التصنيف وعدم الاقتدار على الترجيح والاختيار وعدم القيام بمواد مدارك المحققين والنظار يوجب قدحًا في مناصبهم أو وصمًا في مراتبهم) (^١).\nوعند التأمل في طرق تدوين الكتب الأولى في مذهب أبي حنيفة نعلم شدة العناية ودقة التحرير في كتابتها، وربما أقاموا في المسألة ثلاثة أيام من المباحثة والنظر قبل تدوينها (^٢). وهذه العناية البالغة كانت طريقة معهودة عند الفقهاء، حتى ذكر أن نهاية المحتاج للرملي (ت ١٠٠٤ هـ) قرئت على صاحبها إلى آخرها في أربعمائة من العلماء فنقدوها وصححوها (^٣). ومن هنا يعلم أن تأليف المدونات الفقهية من كمالات العلم الذي يصل إليه المنتهي، فهي ثمرة لإعداد الفقيه النابه الذي يعرف كيف يؤلف الكتاب وكيف يدرسه (^٤).\nولأجل هذه الدقة في التصنيف فإن العلماء كانوا يحذرون من التسرع في نسبة الأقوال إلى الكتب دون استيعاب مرادات\n_________\n(^١) أزهار الرياض (٣/ ٣١).\n (^٢) انظر: تدوين مذهب الأحناف، محمد مفيض الرحمن الشاتغامي (٨٣)، فقه أهل العراق وحديثهم، الكوثري (٦٨).\n (^٣) انظر: الفوائد المكية، السقاف (٣٧).\n (^٤) انظر: منهاج تدريس الفقه، د. مصطفى صادقي (١٧٠)، وحي الرسالة، أحمد حسن الزيات (٢/ ١٨٥).","vol":"1","page":192},{"text":"مؤلفيها، يقول ابن حمدان الحراني الحنبلي (ت ٦٩٥ هت): (اعلم أن أعظم المحاذير في التأليف النقلي إهمال نقل الألفاظ بأعيانها والاكتفاء بنقل المعاني، مع قصور التأمل عن استيعاب مراد المتكلم الأول بلفظه وربما كانت بقية الأسباب متفرعة عنه؛ لأن القطع بحصول مراد المتكلم بكلامه أو الكاتب بكتابته مع ثقة الراوي، يتوقف عليه انتفاء الإضمار والتخصيص والنسخ والتقديم والتأخير والاشتراك والتجوز والتقدير والنقل والمعارض العقلي.\nفكل نقل لا نأمن معه حصول بعض الأسباب ولا نقطع بانتفائها نحن ولا الناقل ولا نظن عدمها ولا قرينة تنفيها، فلا نجزم فيه بمراد المتكلم بل ربما ظنناه أو توهمناه، ولو نقل لفظه بعينه وقرائنه وتاريخه وأسبابه انتفى هذا المحظور أو أكثره) (^١).\nوبإزاء تلك الجهود التأليفية الكبيرة فإننا لا نجد في أكثر الكتب المتأخرة هذه الدرجة من العناية والاهتمام، وهذا ما يدعو الكثيرين إلى المناداة بهجرها والرجوع إلى ينابيع الفقه الأولى وما جرى مجراها مما يجمع بين عمق فقه الأوائل وفصاحتهم وحسن ترتيب المتأخرين واحترازهم، مع وجوب الالتفات إلى أمرين اثنين، أولهما موافقة أغراض المؤلفين في مصنفاتهم وعدم ابتغاء الغرض التعليمي فيما لم يؤلف لأجل التعليم، وثانيهما أن الفقه من شأنه التجدد في مسائله وظروفه، والوقوف عند نتاج عصر معين يقعد بالأفهام عن الأزمنة التي تعيشها، والرجوع إلى كتب\n_________\n(^١) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (١٠٥).","vol":"1","page":193},{"text":"المتقدمين لا يعني بحال أن يُكتفى بها عن نوازل العصر وحوادثه، وإنما الغرض اقتفاء طريقتهم في التفقه واكتساب الدربة منها، ومع ذلك فمن الواجب أن تستحدث مؤلفات عصرية مناسبة، ويراعى فيها التدرج الملائم لمستويات الطلبة، وتكون امتدادًا لكتابات الفقهاء المتسلسلة في العصور المتوالية ويستدرك فيها من المسائل والترتيبات الموضوعية ما يتصل به القديم بالحديث والماضي بالحاضر، وتكون جارية على مذاهب منضبطة تخرج بها من حالة الاضطراب والفوضى القائمة في الكثير من المناهج الجامعية المعاصرة (^١).\nإن الاكتفاء بكتب السابقين في المناهج التعليمية دون تطبيق لقواعد الفقه ومهاراته على النوازل العصرية لا يخرج لنا فقهاء بقدر ما يخرج لنا حفظة نصوص ومتون لا يحسنون تفعيلها، وهؤلاء وأمثالهم ينتقدهم شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) بأنهم يغلطون إذا لم يجدوا المسألة في مختصراتهم (^٢). ويتفاقم الوضع عندما تكون تلك الكتب من الكتب المعضلة المستغلقة (^٣). ومن\n_________\n(^١) انظر: أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (١٤٩)، تاريخ الإصلاح في الأزهر، عبد المتعال الصعيدي (١٧٢)، التعليم والإرشاد، بدر الدين الحلبي (٤٢)، مقررات فقه القضايا المعاصرة بين الواقع والمأمول، د. عامر بهجت (٥٥)، ومن المهم مطالعة الركائز التي ذكرها د. عامر في الفصل الثاني من هذا البحث لأجل إعداد منهج فقهي عصري مناسب.\n (^٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٤٨٦).\n (^٣) انظر: التعليم والإرشاد، بدر الدين الحلبي (١٤٠) وما بعدها، ففيها نقد مطول لهذه الظاهرة مع التمثيل لها.","vol":"1","page":194},{"text":"المشكلات التي يكثر أن تعاني منها المدارس الشرعية أن يقدم الاهتمام بهذه الكتب على الاهتمام بالعلم ذاته، كأن الكتاب وحي منزل لا محيد عنه ولا يتخرج الفقيه إلا به (^١).\nومن آثار هذا الخلل أن الكثير من النتاج الفقهي المعاصر بات مقتصرًا على إعادة دراسة المسائل القديمة والاختيار والترجيح بينها وعرض أدلتها، أو على تحقيق المخطوطات الفقهية، أو دراسة أعلام الفقهاء ودراسة منهجهم وجمع اختياراتهم، أو دراسة أعلام الفقهاء ودراسة منهجهم وجمع اختياراتهم، وأكثر ذلك يتم دون إبداع فقهي حقيقي، بل إننا إذا استثنينا أساليب الصياغة الأكاديمية الشكلية الحديثة فإن أي فقيه في القرن الخامس أو السادس يمكن أن يكتب ما هو أفضل منها استدلالًا وترجيحًا وأكثر انضباطًا وتقعيدًا، مع أن هؤلاء الباحثين لو امتلكوا الملكة والمهارة لكان بمقدورهم الإبداع والتجديد ولو ظلوا في دائرة القديم بما تجدد في الزمان من أدوات وآليات ووسائل يمكن الاستفادة منها (^٢).\nوقد قال الأبي (ت ٨٢٧ هـ) في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (^٣): (وكان شيخنا أبو عبد الله-يعني: ابن عرفة-يقول:\n_________\n(^١) انظر: المدارس الدينية في باكستان، د. مصباح الله عبد الباقي (٢٣٠).\n (^٢) انظر: تراثنا الفقهي وضرورة التجديد، عبد الحي عمور (١٨٢)، منهاج تدريس الفقه، د. مصطفى صادقي (٢٦٠).\n (^٣) صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (١٦٣١).","vol":"1","page":195},{"text":"إنما تدخل التآليف في ذلك إذا اشتملت على فوائد زائدة وإلا فذلك تخسير للكاغد. ويعني: بالفائدة الزائدة على ما في الكتب السابقة عليه، وأما إذا لم يشتمل التأليف إلا على نقل ما في الكتب المتقدمة فهو الذي قال فيه إنه تخسير للكاغد) (^١).\nونحن متى أردنا النهوض بالتأليف الفقهي المعاصر سواء على مستوى المناهج التدريسية أو الرسائل والبحوث الأكاديمية أو الكتب والمؤلفات المستقلة، فمن الضروري أن تعزز سبل التواصل والتكامل البحثي في المجال الفقهي على النحو الذي يوفر الجهود ويركزها وينسق بينها، بحيث يمهد بعضها لبعض ويخدم بعضها بعضًا، بدلًا من الحالة القائمة من التكرار والفوضوية والجهود المبعثرة وإعادة اختراع العجلة في البحوث والرسائل والموضوعات المتقاربة (^٢). وربما كان من المناسب في هذا تفعيل دور علم (تاريخ الفقه) وتطويره وإعادة ترتيبه بحيث يغدو مادة تقويمية ونقدية لعلم الفقه بوجه عام، مما يسهم في عملية تطويره وتقويم معطياته وتدارك ما يطرأ في مسيرته من نقائص وثغرات وسلبيات (^٣). فإن الاشتغال الدؤوب بالمادة\n_________\n(^١) إكمال إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٣٤٥).\n (^٢) انظر: تراثنا الفقهي وضرورة التجديد، عبد الحي عمور (١٨٣).\n (^٣) ينتشر في كتابات الشيعة المعاصرين استخدام مصطلح (فلسفة الفقه) للتعبير عن هذا المعنى، ويعرفونها بأنها: (الحقل المعرفي الذي يتخذ من الفقه موضوعًا له فيبحث حول مبادئ وأسس القضايا الفقهية بحثًا نظريًا وتحليليًا ويبين دور العلوم والعوامل المختلفة في عملية الاستنباط الفقهي بنظرة تاريخية)، فإذا كان غرض الفقيه الوصول إلى الحكم الشرعي فإن غرض الفيلسوف في الفقه فهم ملابسات وصول الفقيه على حكم شرعي معين. انظر: فلسفة الفقه، محمد مصطفوي (١٢ - ١٨)، المشهد الثقافي في إيران فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة، إعداد: عبد الجبار الرفاعي (١٩)، مدخل إلى فلسفة الفقه، مهدي مهريزي (١٢٩).","vol":"1","page":196},{"text":"الفقهية قد يذهل عن ملاحظة التقسيمات والترتيبات الكلية، فتتكشف مع الزمن نقائص بحاجة إلى استدراك، ومن أمثلة ذلك أن اعتماد الترتيب الفقهي المعهود من زمن المزني والخرقي أدى إلى فقدان أبواب ومجالات مهمة يجري تداركها من زمن لزمن من قبل أفراد بشكل مستقل بعيدًا عن المنظومة الأصلية، ومع أن هذا فيه بعض الاستدراك النافع إلا أنه ربما أدى إلى خلل في التصورات الفقهية العامة أثناء التعلم. فإذا ما أضفنا لذلك وجوب اعتبار الطفرات النوعية في الموضوعات والمسائل الفقهية في العصر الحاضر فإننا بحاجة ماسة إلى مجهود فقهي كبير وشامل لإعادة هيكلة الأبواب والمسائل الفقهية بشكل ملائم يستوعب مقاصد الفقهاء السابقين ويمد آفاقها لتشمل الموضوعات المتجددة، حتى لقد جرى تشبيه هذا الزمان الذي نعيشه بزمان ما قبل الخلال (ت ٣١١ هـ) والخرقي (ت ٣٣٤ هـ) وأبي يعلى (ت ٤٥٨ هـ) في المذهب الحنبلي، لما كانت مسائل الإمام أحمد منثورة متفرقة فنهض أولئك الفقهاء لجمعها وفحصها ودراستها وتقسيمها، فرسخ المذهب بجهودهم (^١). ولا ريب أن مثل هذه\n_________\n(^١) انظر: مقررات فقه القضايا المعاصرة بين الواقع والمأمول، د. عامر بهجت (١٩)، وراجع في جهود الخلال ومن بعده: أبو بكر الخلال جامع الفقه الحنبلي ترجمة موسعة للخلال مع بيان أثره في تدوين المذهب الحنبلي، هشام يسري العربي (١٧١).","vol":"1","page":197},{"text":"الأعمال كما هي بحاجة إلى فقه راسخ فهي بحاجة إلى عزيمة نفس حرة لا تثنيها قالة السوء عن جليل العمل، وقد وصف الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) سعيد بن المسيب (ت ٩٤ هـ) بأنه كان لا يبالي من خالفه في الناس لعلمه (^١).\n_________\n(^١) المعرفة والتاريخ، الفسوي (١/ ٤٧٦)، وانظر: أزمة التعليم الديني في العالم الإسلامي، د. خالد الصمدي وزميله (١٤٨).","vol":"1","page":198},{"text":"٣ - المذاهب الفقهية\n «اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كلٍّ يتبع ما صح عنده، وكلُّ على هدى، وكلِّ يريد الله تعالى».\nمالك بن أنس [كشف الخفاء، العجلوني: ١/ ٨٠]\n «وقال أحمد بن حفص السعدي شيخ ابن عدي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا».\n [سير أعلام النبلاء، الذهبي: ١١/ ٣٧١]\n «وما ذكرنا أولًا ظاهر الحديث ومعارضته بالثاني إلا تأدبًا مع من تقدم؛ لأنهم ﵁ لهم الفضل علينا، ولا ينبغي لأحد أن يجحد فضلهم علينا فإن ذلك غباوة وجهالة، وإن كان بعض المواضع فتح فيها على من تأخر أكثر مما فتح على من تقدم فليس ذلك مما يخل بجلالة منصبهم، وإنما ذلك من طريق المن من المولى الكريم، ليبقي للمنكسر القلب بالتأخير شيئًا يجبره به».\n [بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها، ابن أبي جمرة: ٢/ ٥٨]\n «وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريبًا من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت تأدبًا معه، وقال أيضًا: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق... وفي البزازية عن الإمام الثاني-وهو أبو يوسف ﵀أنه صلى يوم الجمعة مغتسلًا من الحمام، وصلى بالناس وتفرقوا، ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: إذًا نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا».\n [حجة الله البالغة، الدهلوي: ١/ ٢٧٠]","vol":"1","page":199},{"text":"الاختلاف بين البشر سنة ماضية بما جبلهم الله عليه من التفاوت في العقول والأذواق والطبائع والأخلاق، وحسم مادة هذا الاختلاف ليس من مقاصد الشارع في وضع الشريعة، ولو شاء الله ألا يختلف الناس لأنزل الشريعة على وجه لا يقبل الاختلاف، ولجعل عامة النصوص قطعية في دلالتها وثبوتها، ولكن الشريعة ذاتها جاءتنا على وجه يحتمل الاختلاف ولا يقطع مادته بالكلية.\nومن المواقف التي تشرح هذا المعنى ما جرى للخليفة المأمون (ت ٢١٨ هـ) مع رجل خراساني ارتد عن دين الإسلام إلى النصرانية، فاجتمع به المأمون وقال له: أخبرني ما الذي أوحشك مما كنت به آنسًا من ديننا؟ فوالله لأن أستحييك بحق أحب إلى من أن أقتلك بحق، وقد صرت مسلمًا بعد أن كنت كافرًا ثم عدت كافرًا بعد أن صرت مسلمًا، وإن وجدت عندنا دواء لدائك تداويت به وإن أخطأك الشفاء وتباعد عنك كنت قد أبليت العذر في نفسك ولم تقصر في الاجتهاد لها، فإن قتلناك قتلناك في الشريعة وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار واليقين، ولم تفرط في الدخول من باب الحزم. قال المرتد: أوحشني منكم ما رأيت من كثرة الاختلاف في دينكم. قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كاختلافنا في الأذان وتكبير الجنائز وصلاة العيدين","vol":"1","page":200},{"text":"والتشهد والتسليم من الصلاة ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك، وهذا ليس باختلاف وغنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من السُّنِّة، فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يأثم ومن ربَّع لم يأثم. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتاب الله ﷻ وتأويل الحديث عن نبينا ﷺ مع اجتماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان إنما أوحشك هذا فينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقًا على تأويله كما يكون متفقًا على تنزيله، ولا يكون بين اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، ولو شاء الله أن ينزل كتبه مفسرة ويجعل كلام أنبيائه ورسله لا يختلف في تأويله لفعل، ولكنا لم نجد شيئًا من أمور الدين والدنيا وقع إلينا على الكفاية إلا مع طول البحث والتحصيل والنظر، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحن وذهب التفاضل والتباين، ولما عرف الحازم من العاجز ولا الجاهل من العالم وليس على هذا بنيت الدنيا. قال المرتد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن المسيح عبد الله وأن محمدًا صادق وأنك أمير المؤمنين حقًا (^١).\nوهذا الاختلاف الحاصل في الشريعة لا يحجز الناس عن كمال التدين، فإن الناس إما مجتهد وإما غير مجتهد، فالمجتهد وظيفته الاجتهاد والبيان والفتيا، وغير المجتهد وظيفته سؤال أهل الذكر والعمل بما يفتونه به، كما قال الله ﷻ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ\n_________\n(^١) انظر: العقد الفريد، ابن عبد ربه (٢/ ٢٢٣)، عيون الأخبار، ابن قتيبة (٢/ ١٥٤).","vol":"1","page":201},{"text":"إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. والاجتهاد والتقليد كلاهما مبنيان على حسن المعاملة لله ﷻ وأن يكون الإنسان صادقًا في تدينه وتعبده لله تعالى، والله ﷻ يقول: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين». فإذا فعل الإنسان ما كلف به وغلب على ظنه موافقته للصواب وكان مطمئن القلب صادقًا في معاملته لله ﷻ نجا، وقد قال الإمام تقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ): (ومبنى الاجتهاد والتقليد على انشراح الصدر) (^١).\nوقال نجم الدين الطوفي (ت ٧١٦ هـ): (فكل من حسن ظنه بمذهب تعبد به واتخذه دينًا) (^٢).\nوقال بدر الدين الحلبي (ت ١٣٦٢ هـ): (وغلبة الظن كافية في الخروج من عهدة التكاليف الفرعية الشرعية) (^٣).\nوقد جرى عمل المسلمين فيما يشبه الإجماع العملي على الأخذ بهذه المذاهب المستقرة في الأمصار والمتلقاة عن أئمة الهدى، وأن يجري الناس على ما يذهب إليه فقهاؤهم الثقات من أهل العلم والديانة، ولا يضرهم أن يختلف هؤلاء مع غيرهم، والفقهاء منذ القديم يؤكدون هذا المعنى، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ): أنه كتب إلى الأمصار ليقضي كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم (^٤)، وقال الحافظ ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ):\n_________\n(^١) السيف المسلول على من سب الرسول ﷺ (٣٨٧).\n (^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٨٦).\n (^٣) التعليم والإرشاد (٤٧).\n (^٤) سنن الدرامي، باب اختلاف الفقهاء (٦٥٢).","vol":"1","page":202},{"text":"(فكل قوم ينبغي لهم امتثال طريق سلفهم فيما سبق إليهم من الخير، وسلوك منهاجهم فيما احتملوا عليه من البر، وإن كان غيره مباحًا مرغوبًا فيه) (^١)، وقال ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ): (إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه؛ لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم من القسيم وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم) (^٢).\nوهذا ما مضى عليه الناس منذ الأزمنة الأولى حتى استقرت المذاهب الأربعة وبقيت وانقرض ما عداها. وللإمام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) كلام مطوَّل ذكر فيه طبقات المجتهدين المقلَّدين من التابعين فمن بعدهم قال في آخره: (ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ من ينهض بمعرفتها كما ينبغي فضلًا عن أن يكون مجتهدًا) (^٣).\nوهذه المذاهب الأربعة التي استقر عليها عمل المسلمين في بلدانهم منذ قرون متطاولة ليست إلا طرائق ومناهج في فهم الشريعة، وهي متصلة بفقهاء الصحابة والذين جاءوا من بعدهم ممن تختلف مناهجهم في الفقه والنظر، وكلهم معظم للشريعة وقَّاف عند حدود الله تعالى معظم لكتاب الله ﷻ وسُنَّة نبيه ﷺ، ولا يظن بأحد منهم أن يرد الحق وهو يعلم أنه حق، ولا أن يترك\n_________\n(^١) التمهيد (١/ ١٠).\n (^٢) حجة الله البالغة (١/ ٢٤٩).\n (^٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٢).","vol":"1","page":203},{"text":"السُّنِّة من حديث رسول الله ﷺ وهو يظن ثبوتها وبقاء مقتضاها، ولهم في ذلك مناهج ومسالك تتشكل منها قاعدة تفسيرية كبرى يفهمون الشريعة في ضوئها ويردون مختلف الحديث ومتشابهه إلى محكماتها. قال الإمام القرافي (ت ٦٨٤ هـ): (فما من عالم إلا وترك جملة من أدلة الكتاب والسُّنِّة لمعارض راجح عنده) (^١). وما من إمام من أئمة الهدى الذين استفاض في الأمة قبولهم والأخذ بفقههم والثناء الحسن عليهم إلا وقد أخذ بالرأي وعمل به؛ فإن الشريعة مفتقرة إلى فقه وفهم في حسن تلقيها والبناء عليها، وإذا تقررت مشروعية الاختلاف فلا بد أن تكون الشريعة منتظمة ومستقيمة بالرغم من هذا الاختلاف، وهذا ما يقتضي أن تكون هذه المذاهب مستقيمة ومنتظمة كذلك، ولا تستقيم هذه المذاهب ما لم تصدر عن منهجية منضبطة شاملة تفتقر إلى الرأي في استقامتها وانضباطها، ولذا قال محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ): (لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث) (^٢).\nوكان يزيد بن هارون (ت ٢٠٦ هـ) مرة في مجلسه فذكر إبراهيم النخعي (ت ٩٦ هـ) فقال قائل: حدثنا عنه ﷺ، فقال يزيد: يا أحمق، هذا تفسير أحاديثه ﷺ، وماذا تصنع بالحديث إذا لم تعلم معناه؟ ولكن همتكم السماع ولو كانت همتكم العلم لنظرتم\n_________\n(^١) الذخيرة (٥/ ٢٣).\n (^٢) أصول السرخسي (٢/ ١١٣).","vol":"1","page":204},{"text":"في كتب الإمام-يعني: أبا حنيفة-وأقاويله. فزبر الرجل وأخرجه ن مجلسه (^١).\nواختلاف مسالك أئمة الفقه والدين في الاجتهاد في الشريعة صادر عن علم عميق وسعة اطلاع ووراثة علمية لأئمة الفقه من الصحابة فمن بعدهم، وهذه السعة في العلم أورثتهم الأناة والتريث قبل أن تصدر عنهم الفتيا، وأخبارهم في ذلك مشهورة\n_________\n(^١) ذيل الجواهر المضية، الملا علي القاري، ملحق بالجواهر (٢/ ٤٦٠). ويجدر التنبيه هنا إلى أمر مهم وهو: أن ثمت إشكالًا في الدراسات الفقهية المعاصرة وفي المداخل الفقهية على وجه الخصوص في تصوير طبيعة الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي، أو ما يسمى مدرسة أهل الحجاز ومدرسة أهل العراق، وهذا الإشكال أدى إلى شيء من التبسيط في فهم المدارس الفقهية الأولى وإدراك مآخذها وتصور علاقتها بالمذاهب الفقهية التي استقر عليها العمل بعدها، وترتبت على ذلك بعض الإطلاقات التي لا تخلو من مجازفة، وللدكتور حميدان الحميدان بحث في هذا الموضوع بعنوان: (المدارس الفقهية في عصر التابعين: أهل الحديث وأهل الرأي، قراءة نقدية في مراجع تاريخ الفقه الإسلامي الحديثة) نشر في مجلة جامعة الملك سعود للعلوم التربوية والدراسات الإسلامية عام (١٤١٢ هـ)، ثم ضمنه في الفصل الخامس من كتابه «دراسات في التاريخ المبكر للتشريع والفقه الإسلامي»، كما تكلم عن هذا الموضوع د. عبد المجيد محمود في كتابه «الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري»، وأشار إليه الشيخ مصطفى الزرقا في: المدخل الفقهي العام (١/ ١٩٣)، والموضوع بحاجة إلى مزيد من البحث والفحص والتحليل بغرض فهم طبيعة المدارس الفقهية الأولى ونشأتها من جهة، ولمعالجة بعض الممارسات العلمية والسلوكية التي تنشأ من سوء فهمها من جهة أخرى، حتى يكون المتفقه مطمئن القلب وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وحتى يتفهم معنى قول أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ) لما دخل البصرة فاجتمع الفقهاء والمحدثون على بابه، فأشرف عليهم وقال: (أنا من الفريقين جميعًا ولا أقدم فرقة على فرقة). انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي (٨/ ٥٣٨).","vol":"1","page":205},{"text":"جدًا؛ لأنهم لم يكونوا يتعجلون الفتيا قبل أن يقلِّبوا النازلة على كافة وجوهها ويضعوها في موضعها الملائم من البنيان التشريعي الذي يشكل مذهبهم ومنهجهم الاجتهادي، في الحين الذي يتجرأ فيه عليهم من تعلق بطرف من العلم فحسب فيه العلم كله.\nقال عمير بن سعيد (ت ١١٥ هـ): سألت علقمة (ت ٦٢ هـ) عن مسألة فقال: ائت عَبيدة (ت ٧٢ هـ) فسله، فأتيت عبيدة فقال: ائت علقمة، فقلت: علقمة أرسلني إليك، فقال: ائت مسروقًا (ت ٦٢ هـ) فسله، فأتيت مسروقًا فسألته، فقال: ائت علقمة فسله، فقلت: علقمة أرسلني إلى عبيدة، وعبيدة أرسلني إليك، قال: فأت عبد الرحمن بن أبي ليلى (ت ٨٣ هـ)، فأتيت عبد الرحمن بن أبي ليلى فسألته فكرهه، ثم رجعت إلى علقمة فأخبرته، قال: كان يقال: أجرأ القوم على الفتيا أدناهم علمًا (^١).\nوهذه المعاني الأخلاقية والسلوكية لا يجوز أن تغيب عن ذهن الفقيه في تعليمه ولا المتفقه في تعلمه، فإن الغفلة عن تربية المتفقه عليها أثناء تفقهه قد تورث إعجاب كل ذي رأي برأيه مع بطر الحق الذي عند غيره وغمط أهل العلم فضلهم وسابقتهم، وهذا يعود بالضرر على العلم ذاته.\nومتى تقررت هذه المقدمات علمنا أن نقل الناس عما هم فيه من الأحوال الصالحة المستقيمة ولو في بعض المذاهب ليس\n_________\n(^١) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب القول في السؤال عن الحادثة والكلام فيها قبل وقوعها (٦٤٢).","vol":"1","page":206},{"text":"مما يتغياه الفقهاء، لا سيما إذا انبنت عليه وجوه معاشهم وشؤون حياتهم، وأخبار أهل العلم في ذلك مشهورة ومستفيضة.\nوالناس إمام عامة وإما فقهاء أو سالكون لسبيل التفقه، فالعامة يجرون في أحوال تدينهم وتعبدهم على ما مضى عليه العمل في بلادهم مما أقره الفقهاء وعلموهم إياه. يقول ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ): (وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أو جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع، وكانوا يتعلمون صفة الوضوء والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو معلمي بلدانهم فيمشون حسب ذلك، وإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من غير تعيين مذهب) (^١).\nوأما الفقهاء والمتفقهون فقد جرت عادتهم بعد استقرار المذاهب على أن يسلك دارس الفقه بعض هذه المذاهب فيتفقه بها، لا سيما مذهب شيوخه وما جرت عليه أحوال أهل بلده؛ لأن مخالفته لذلك قد يفضي إلى زعزعة شيء من الأحوال الراسخة، وهي أحوال صالحة على وجوه معتبرة، ولو ظلت أحوال الناس تتنقل بحسب رأي كل مفتٍ يظهر فيهم أو قاض يتولى عليهم لأدى ذلك إلى فساد واضطراب، ومع ذلك فإن هذه المذاهب التي حفظتها الأمة وتناقلتها جيلًا بعد جيل تكاد تستوعب طرائق فهم الشريعة، وهؤلاء فقهاء الأمة وعلماؤها\n_________\n(^١) حجة الله البالغة، الدهلوي (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":207},{"text":"باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم كالمطبقين على التفقه بهذه المذاهب لا على وجه حصر الحق فيها أو الغلو في أئمتها (^١)، بل على أنها مناهج للفهم لا تكاد طرائق المجتهدين تخرج عنها، وهذا ما أراده ابن المنيِّر (ت ٦٨٣ هـ) بقوله: (إحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصول وقواعد مباينة لسائر قواعد المتقدمين متعذر الوجود، لاستيعاب المتقدمين سائر الأساليب) (^٢)، وابن برهان (ت ٥١٨ هـ) بقوله: (أصول الأدلة وقواعد المذاهب منقولة عن السلف) (^٣).\nوهذا الفهم المطمئنُّ لطبيعة المذاهب وعلاقتها ببعضها يبعث في نفس المتفقه السكينة والثقة وحسن الظن بعلماء الأمة وفقهائها، ويحمله على التماس الأعذار والمخارج لهم فيما يخالفهم فيه مما يذهبون إليه، ويجعل من أصل الاعتصام والاجتماع الإيماني الذي جاءت به الشريعة مبدأ راسخًا في نفسه لا تخرمه موارد الخلاف السائغ، بل يقدمه عليها عند التعارض.\n_________\n(^١) رد ابن أبي زيد القيرواني (ت ٣٨٦ هـ) ردًا شديدًا على الذين يستدلون بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] على إبطال اقتداء الناس بعلمائهم، وبين فساد هذا الاستدلال وقبحه. انظر: الذب عن مذهب مالك (١/ ٢٦٨).\n (^٢) جاء النقل عنه في: البحر المحيط، الزركشي (٦/ ٢٨٥)، وانظر: الرد على من أخلد إلى الأرض، السيوطي (٣٩).\n (^٣) الوصول إلى الأصول، ابن برهان (٢/ ٣٥٢)، ولمزيد بسط لهذا المعنى راجع: منهج البحث والفتوى في الفقه الإسلامي بين انضباط السابقين واضطراب المعاصرين، مصطفى بشير الطرابلسي (١٦٧).","vol":"1","page":208},{"text":"جاء في رسالة الليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ) إلى الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): (وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبد الله (ت ١٦٤ هـ) بعض ما نعيب على ربيعة (ت ١٣٦ هـ) من ذلك، فكنتما لي موافقين فيما أنكرت تكرهان منه ما أكره، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير وعقل أصيل ولسان بليغ وفضل مستبين وطريقة حسنة في الإسلام ومودة صادقة لإخوانه عامة ولنا خاصة، رحمة الله عليه وغفر له وجزاه بأحسن من عمله) (^١).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي ﷺ تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متمًا وقال: الخلاف شر) (^٢).\nومن المهم الإشارة في ختام هذا الحديث إلى أمر لا يصح أن يغفل عنه فقيه معني بشؤون الإصلاح، وهو أن قضايا الإصلاح الكبرى لا ينبغي أن تكون من قبيل المسائل الخلافية بين المذاهب المعتبرة، بل هي من أصول الدين التي لا خلاف بين أهل الفقه والحكمة فيها، ولا يقصد من هذا بحال أن ما يسميه الفقهاء (الخلافيات) ليس لها دور وأثر في الإصلاح، فقد مضى بيان\n_________\n(^١) انظر: المعرفة والتاريخ، الفسوي (١/ ٦٩٠).\n (^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٢/ ٤٠٧).","vol":"1","page":209},{"text":"أثرها في موضعه، وإنما المقصود هنا أن مقاصد الإصلاح وغاياته لا يمكن أن تكون أمورًا مختلفًا فيها من الناحية الفقهية، فأما ما يتعلق بالخلافيات فلا بد من مراعاة المذاهب الفقهية المعتبرة فيها عند تقويم الترقي الإصلاحي.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الخاتمة</span>\nإصلاح الأحوال العامة لهذه الأمة له ارتباط وثيق بإصلاح فهمها وإصلاح عملها بالشريعة التي هي روحها ومنهاج حياتها، والفقه-بمفهومه الشامل-هو الذي جعل للأمة وجودًا مستقلًا وجعل لحضارتها طابعًا خاصًا متفردًا. ومن لازم الإيمان بشمولية الدين وحفظه الإيمان بقابلية فقه الشريعة للتجدد والاستمرار والفاعلية، على نحوٍ يحتفظ معه بخصائصه ومكوناته ومقوماته الذاتية، دون مسخ لهياكله وأصوله التي قام بها وقامت بها من ورائه حياة المسلمين ومعاشاتهم، حتى أصبح القاصي منهم والداني مشاركًا بوجه من الوجوه في صناعة هذا الفقه وتشكله، وحتى أصبحت أية محاولة للإصلاح لا تضع الفقه في اعتبارها محاولة محكومًا عليها بالفشل شرعًا وعقلًا وعادةً.\nومن المهمات الأولى في سبيل إصلاح الحياة بالفقه إصلاح الفقيه الذي يتولى هذه المهمة الجليلة، والفقيه إن لم يكن صحيح التصور مؤهلًا مالكًا لأدوات الإصلاح فقد يصدر عنه الفساد باسم","vol":"1","page":211},{"text":"الصلاح، والزلة إذا كان الفقيه مصدرها فإن آثارها تتفاقم، ولذا فقد استفاض في كلام أهل العلم التحذير من زلة العالم الذي يضل بخطئه خلق كثير.\nومن ضرورة الحديث عن «إصلاح الفقيه» أن يعلم الفرق بين مفهوم (الفقيه) بمعناه المتخصص عند المتأخرين، و(الفقيه) بمفهومه العام عند السلف الأول الذي يقابل العالم العامل البصير بالشريعة القادر على إصلاح الحياة بهداها، ومن تمام إدراك هذا المعنى أن تعلم وظائف الفقيه وواجباته، لئلا يجري الخلط في هذه الوظائف بتخليه عن بعضها أو إضافة ما ليس منها إليها.\nولما كانت وظائف الفقيه تحتم عليه مخالطة الناس بأطيافهم وطبقاتهم المختلفة من ساسة ونخبة مثقفة وعامة، فإن من المهم إدراك علاقات الفقيه المتعددة بتلك الأطياف وأثرها على أدائه لوظائفه، فإن الفقه ليس فكرًا مجردًا ولا تنظيرًا محضًا، بل هو واقع يعيشه الفقيه فيؤثر فيه ويتأثر به، وما لم يكن الفقيه قادرًا على إقامة التوازن في علاقاته فلربما أدى به ذلك إلى خلل في أداء وظائفه. وتنوع طبائع الفقهاء وتعدد اجتهاداتهم في ذلك كفيلة بتوليد نوع من التكامل العفوي الذي يقيم أشكالًا من التوازن في الحياة.\nولا بد من التأكيد قبل ذلك وبعده على أهمية الاعتناء بتأهيل الفقيه المقتدر على القيام بأعباء تلك الوظائف بشكل منهجي من خلال إصلاح التعليم الذي يتخرج الفقيه من خلاله،","vol":"1","page":212},{"text":"وإصلاح التآليف التي تكون في الكثير من الأحوال المؤثر الأكبر في صلاح التعليم أو في فساده، ومن خلال التأكيد على أهمية التزام الفقيه بمنهجية علمية منضبطة من المنهجات التي توارثتها الأمة وحررتها عبر قرون طويلة؛ لما في أخذه بها من امتداد لوراثة علمية راشدة جرت عليها أحوال الأمة وانتظمت بها حياتها.\nإن «إصلاح الفقيه» ليس مجرد مفردة من مفردات الإصلاح، وليس عملية فرعية تسجل على هامش مشروع آخر، ولكنه مشروع ضخم من مشاريع الأمة الكبرى ومقدمة لسائر المشروعات التي تطمح وتهدف إلى نهضة الأمة ورفعتها، وهو يعود على مجموعها بالفائدة الكبيرة والنفع العام، والواجب أن يسهم في نجاحه كل من له قدرة على ذلك، وهذا من فروض الكفايات التي تأثم الأمة بتركها، وربما تتعين على من سد فيها مسدًا لا يسده غيره.\nوبالعموم فإن من الواجب على الأمة أن يكون «إصلاح الفقيه» من أولوياتها تأهيلًا وتعليمًا وإعدادًا وتزكية، ومن الواجب عليها أن تعلم أن التساهل في تأهيل الفقيه سيعود عليها بالضرر الوخيم، وأن وقوع الخلل في أداء الفقيه لوظائفه لا يتحمله الفقيه وحده، بل يتحمله المحيط والمجتمع والبيئة التي تساهلت مع ضعيف الإعداد أو ضعيف النفس والتزكية الإيمانية حتى تسنم ذرى هذا المقام العالي.\n (جعلنا الله ربنا من القائمين بحقوق العلم العاملين به،","vol":"1","page":213},{"text":"المرتفعين في الدنيا والآخرة بسببه، وأوضح لنا به المحجة ولا جعله علينا حجة، بل كما كان الفقهاء من السلف الصالح أهل نسك وعبادة وورع وزهادة، أرادوا الله بعلمهم وصانوا العلم فصانهم، وتدرعوا من الأعمال الصالحة ما زانهم، ولم يشنهم الحرص على الدنيا وخدمة أهلها، بل أقبلوا على طاعة الله تعالى التي خلقوا من أجلها) (^١).\nوالله المسؤول ﷻ أن يصلح لنا العلم والعمل، وأن يلهمنا الهدى والسداد، وأن يجعل أعمالنا كلها صالحة، وأن تكون لوجهه خالصة، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وألا يجعله ملتبسًا علينا فنضل.\nوالحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.\n_________\n(^١) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول، أبو شامة المقدسي (٨٨).","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المراجع</span>\n١ - ابن حنبل حياته وعصره آراؤه وفقهه، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.\n٢ - أبو بكر الخلال جامع الفقه الحنبلي، هشام يسري العربي، دار الآفاق للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n٣ - آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، د. أحمد طالب الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى.\n٤ - أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء، محمد عوامة، دار السلام، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n٥ - الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين، محمد محمود عبد الله بن بيه، دار الأندلس الخضراء، جدة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦ - أثر العلماء في الحياة السياسية في الدولة الأموية، د. عبد الله الخرعان، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٧ - الاجتهاد بتحقيق المناط وسلطانه في الفقه الإسلامي، عبد الرحمن زايدي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٨ - الإحاطة في أخبار غرناطة، لسان الدين بن الخطيب، تحقيق: محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٤ هـ.","vol":"1","page":215},{"text":"٩ - الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الماوردي، تحقيق: د. أحمد مبارك البغدادي، مكتبة دار ابن قتيبة، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n١٠ - الأحكام السلطانية، القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢١ هـ.\n١١ - الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٢ - إحياء الفروض الكفائية سبيل تنمية المجتمع، د. عبد الباقي عبد الكبير، سلسلة كتاب الأمة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١٣ - إحياء علوم الدين، الإمام الغزالي، دار المنهاج، جدة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n١٤ - أخبار القضاة، وكيع، مراجعة: سعيد محمد اللحام، عالم الكتب.\n١٥ - الاختيار لتعليل المختار، ابن مودود الموصلي الحنفي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٦ - أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين، محمد عوامة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n١٧ - أرض العروبة رؤية حضارية في المكان والزمان، د. سليمان حزين، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n١٨ - أزمة التعليم الديني في العالم الإسلامي، د. خالد الصمدي، د. عبد الرحمن حللي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n١٩ - أزمة الثقافة الإسلامية، هشام جعيط، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٠ م.\n٢٠ - أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، شهاب الدين أحمد بن محمد المقري، تحقيق: مصطفى السقا وزملائه، مطبعة فضالة.","vol":"1","page":216},{"text":"٢١ - استثمار النص الشرعي على مدى التاريخ الإسلامي، أبو الطيب السريري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٩ م.\n٢٢ - الاستقامة، ابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مكتبة السُّنِّة، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n٢٣ - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، تحقيق: أ. جعفر الناصري، أ. محمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء.\n٢٤ - الإسلام بين العلماء والحكام، عبد العزيز البدري، منشورات المكتبة العلمية، المدينة المنورة.\n٢٥ - الإسلام وأوضاعنا القانونية، عبد القادر عودة، دار المختار الإسلامي، القاهرة، الطبعة الخامسة، ١٣٩٧ هـ.\n٢٦ - الإسلامية نظام مجتمع ومنهج حياة، أنور الجندي، دار الاعتصام، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n٢٧ - الأشباه والنظائر، زين الدين ابن إبراهيم بن نجيم الحنفي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٢٨ - إشكالية التحيز في الفن والعمارة، مجموعة بحثو بتحرير أ. د. عبد الوهاب المسيري، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٢٩ - إشكالية الوظيفة الدينية في الدولة المعاصرة قراءة في تجربة تأهيل الحقل الديني بالمغرب، امحمد جبرون، مكتبة الإسكندرية، ٢٠١١ م.\n٣٠ - أصول السرخسي، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٣١ - أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الطاهر بن عاشور، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٣٢ - الاعتصام، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة التوحيد.","vol":"1","page":217},{"text":"٣٣ - إعداد مدرس التربية الإسلامية، أ. د. محمد الزحيلي، دار المكتبي، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٣٤ - الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، البزار، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n٣٥ - أقوالنا وأفعالنا، محمد كرد علي، ١٣٦٥ هـ، لا يوجد ناشر.\n٣٦ - أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، خير الدين التونسي، مطبعة الدولة في حاضرة تونس، الطبعة الأولى، ١٢٨٣ هـ.\n٣٧ - الاكتساب في الرزق المستطاب، محمد بن الحسن الشيباني، تحقيق: محمود عرنوس، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٣٨ - آل حم الشورى الزخرف الدخان دراسة في أسرار البيان، د. محمد محمد أبو موسى، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n٣٩ - أليس الصبح بقريب، محمد الطاهر ابن عاشور، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٤٠ - الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، ابن عبد البر، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٤١ - الأوقاف والمجتمع، د. عبد الله بن ناصر السدحان، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٤٢ - إيضاح المحصول من برهان الأصول، المازري، تحقيق: أ. د. عمار الطالبي، دار الغرب الإسلامي.\n٤٣ - الإيمان بالله وأثره في الحياة، د. عبد المجيد النجار، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٧ م.","vol":"1","page":218},{"text":"٤٤ - البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، تحقيق: عبد القادر عبد الله العاني، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n٤٥ - بحوث ندوة التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي المعاصر، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٤٦ - البداية والنهاية، عماد الدين ابن كثير، تحقيق: د. عبد الله التركي، دار هجر، مصر، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٤٧ - البرهان في أصول الفقه، أبي المعالي الجويني، د. عبد العظيم محمود الديب، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، الطبعة الرابعة للكتاب والثانية للناشر، ١٤١٨ هـ.\n٤٨ - بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها، أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي، مطبعة الصدق والخيرية، مصر، الطبعة الأولى، ١٣٤٨ هـ.\n٤٩ - بيان خطأ من أخطأ على الشافعي، أبو بكر أحمد بن حسين البيهقي، تحقيق: د. الشريف نايف الدعيس، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٥٠ - البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة السابعة، ١٤١٨ هـ.\n٥١ - تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، مطبعة حكومة الكويت، ١٣٨٥ هـ.\n٥٢ - تاريخ الإسلام ووافيات المشاهير والأعلام، الحافظ شمس الدين الذهبي، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٥٣ - تاريخ الإصلاح في الأزهر، عبد المتعال الصعيدي، شركة الامل للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، ٢٠١١ م.","vol":"1","page":219},{"text":"٥٤ - تاريخ التشريع الإسلامي، مناع القطان، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\n٥٥ - تاريخ التشريع الإسلامي، محمد الخضري بك، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، الطبعة السابعة، ١٩٦٠ م.\n٥٦ - تاريخ الفقه الإسلامي، د. عمر سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح، الكويت.\n٥٧ - تاريخ المغرب الإسلامي والأندلس في العصر المريني، محمد عيسى الحريري، دار القلم، الكويت، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ.\n٥٨ - تاريخ جرجان، أبو قاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي، مطبعة مجلس دار المعارف العثمانية، حيدر أباد، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n٥٩ - تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، تحقيق: عمر بن غرامة العمروي، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٦٠ - التاريخ والفقه، أعمال مهداة إلى المرحوم محمد المنوني، تنسيق: محمد الحجي، كلية الآداب بالرباط، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٦١ - تجديد الفقه الإسلامي، د. جمال عطية ود. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٦٢ - التحبير شرح التحرير، علاء الدين المرداوي، تحقيق: د. عبد الرحمن الجبرين وزملائه، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦٣ - تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين، علاء الدين ابن العطار، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، الدار الأثرية، عمّان-الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٦٤ - تدوين مذهب الأحناف وأصوله في الحديث، محمد مفيض الرحمن الشاتغامي، زمزم ببلشرز-كراتشي، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":220},{"text":"٦٥ - تذكرة الحفاظ، الذهبي، مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر أباد-الهند، الطبعة الثانية، ١٣٣٣ هـ.\n٦٦ - تراثنا الفقهي وضرورة التجديد، عبد الحي عمور، مطبعة آنفو، فاس.\n٦٧ - تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر وآثارهم الفقهية، عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٦٨ - التربية والتعليم في العراق حتى نهاية العصر العباسي، د. بشار عواد معروف، مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n٦٩ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، القاضي عياض، تحقيق: محمد بن تاويت الطبخي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٧٠ - الترغيب والترهيب، قوام السُّنِّة الأصبهاني، تحقيق: أيمن بن شعبان، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى.\n٧١ - تاريخ التشريع الإسلامي، د. عبد العظيم شرف الدين، الطبعة الثالثة، ١٩٨٥ م.\n٧٢ - تعليل الأحكام، أ. د. محمد مصطفى شلبي، دار النهضة العربية، بيروت.\n٧٣ - التعليم والإرشاد، محمد بدر الدين الحلبي، مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأولى، ١٣٢٤ هـ.\n٧٤ - تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية، تونس.\n٧٥ - مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\n٧٦ - تفسير القرآن الحكيم المشتهر باسم تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المنار، الطبعة الثالثة.","vol":"1","page":221},{"text":"٧٧ - التفكير الإصلاحي في تونس في القرن التاسع عشر إلى صدور قانون عهد الأمان، رشاد الإمام، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، الطبعة الأولى، ٢٠١٠ م.\n٧٨ - التقريب والإرشاد، القاضي أبو بكر الباقلاني، تحقيق: د. عبد الحميد أبو زنيد، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n٧٩ - تكوين العقل العربي، د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة العاشرة، ٢٠٠٩ م.\n٨٠ - تلبيس إبليس، ابن الجوزي، إدارة الطباعة المنيرية.\n٨١ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر، تحقيق: أز مصطفى العلوي وزميله، ١٣٨٧ هـ.\n٨٢ - تهذيب الأسماء واللغات، النووي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٨٣ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزي، تحقيق: د. بشار معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n٨٤ - التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، أ. د. فريد الأنصاري، دار الكلمة، المنصورة، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٨٥ - الثقافة بين تأصيل الرؤية الإسلامية واغتراب منظور العلوم الاجتماعية، أ. د. محمود الذوادي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٦ م.\n٨٦ - الجامع الصحيح، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المطبعة السلفية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n٨٧ - جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر بن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الثالثة، ١٤١٨ هـ.\n٨٨ - الجامع في القواعد والضوابط والمقاصد الفقهية للنوازل والقضايا المعاصرة، أ. د. محمد نعيم محمد هاني الساعي، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.","vol":"1","page":222},{"text":"٨٩ - الجامع في شعب الإيمان، الحافظ البيهقي، تحقيق: مختار أحمد الندوي، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٩٠ - الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السُّنِّة وآي الفرقان، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٩١ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الحافظ الخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٣ هـ.\n٩٢ - جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس، أحمد بن القاضي المكناسي، دار المنصور، الرباط، طبعة ١٣٠٩ هـ.\n٩٣ - جمالية الدين معارج القلب إلى حياة الروح، د. فريد الأنصاري، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٩٤ - الجمر والرماد، خشام شرابي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٧٨ م.\n٩٥ - جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس، علي الجزنائي، تحقيق: عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، الرباط، الطبعة الثانية، ١٤١١ هـ.\n٩٦ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. علي بن حسن بن ناصر وزملائه، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\n٩٧ - الجوانب التربوية في أصول الفقه الإسلامي، أ. د. مصطفى ديب البغا، عالم الكتب الحديث، الأردن، الطبعة الأولى، ٢٠٠٦ م.\n٩٨ - الجواهر المضيه في طبقات الحنفية، ابن أبي الوفاء، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة الأولى.\n٩٩ - حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل، الرهوني، المطبعة الأميرية، بولاق-القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٠٦ هـ.","vol":"1","page":223},{"text":"١٠٠ - حاشية العطار على جمع الجوامع، حسن بن محمد بن محمود العطار، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٠١ - حتى لا تظل الشريعة نصًا شكليًا، د. علي حسنين، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n١٠٢ - حجة الله البالغة، ولي الله الدهلوي، تحقيق: السيد سابق، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥ م.\n١٠٣ - الحركة الفقهية ورجالها في السودان الغربي من القرن ٨ إلى القرن ١٣ الهجري، د. عبد الرحمن محمد ميغا، مطبعة البيضاوي، المغرب، ١٤٣٢ هـ.\n١٠٤ - الحضارة الثقافة المدنية، د. نصر محمد عارف، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\n١٠٥ - حلية الأولياء، أبو نعيم الأصفهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n١٠٦ - الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، د. رشاد معتوق، مطابع جامعة أم القرى، ١٤١٨ هـ.\n١٠٧ - الحياة العلمية في عصر ملوك الطوائف في الأندلس، د. سعد بن عبد الله البشري، مركز مالك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n١٠٨ - الحياة العلمية والاجتماعية في مكة في القرنين السابع والثامن للهجرة، طرفة العبيكان، الرياض ١٤١٦ هـ.\n١٠٩ - الحيوان، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الطبعة الثالثة، ١٣٨٤ هـ.\n١١٠ - خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، د. فتحي الدريني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n١١١ - الخطاب الديني بين تحديث الدخلاء وتجديد العلماء، د. محمد نعيم ساعي، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.","vol":"1","page":224},{"text":"١١٢ - خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول، أبو شامة المقدسي، تحقيق: جمال عزون، مكتبة أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١١٣ - خواطر الصباح يوميات (١٩٧٤ - ١٩٨١ م)، عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، ٢٠٠٨ م.\n١١٤ - الدارس في تاريخ المدارس، عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n١١٥ - دراسات في التاريخ المبكر للتشريع والفقه الإسلامي، أ. د. حميدان الحميدان، ١٤٢٤ هـ، بدون بيانات.\n١١٦ - الدعوة إلى الإصلاح، محمد الخضر حسين، تحقيق: علي الرضا الحسيني، الدار الحسينية للكتاب، الطبعة الثالثة، ١٤١٠ هـ.\n١١٧ - دفاع عن الشريعة، علال الفاسي، مؤسسة علال الفاسي، الطبعة الخامسة، ٢٠١٠ م.\n١١٨ - دور الفقهاء في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، أ. د. خليل إبراهيم الكبيسي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١١٩ - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون المالكي، تحقيق: د. محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث، القاهرة.\n١٢٠ - ديوان أبي الطيب المتنبي، د. عبد الوهاب عزام، لجنة التأليف والترجمة والنشر.\n١٢١ - الذب عن مذهب مالك، ابن أبي زيد القيرواني، تحقيق: د. محمد العلمي، مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث، الرباط، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n١٢٢ - الذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: د. محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٤ م.","vol":"1","page":225},{"text":"١٢٣ - الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب الأصفهاني، تحقيق: د. أبو اليزيد العجمي، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ.\n١٢٤ - الذيل على طبقات الحنابلة، ابن رجب الحنبلي، تحقيق: د. عبد الرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٢٥ - الرد على من أخلد إلى الأرض، جلال الدين السيوطي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.\n١٢٦ - الرسالة، الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، المكتبة العلمية، بيروت.\n١٢٧ - رسائل ابن حزم الأندلسي، تحقيق: د. إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٧ م.\n١٢٨ - رسائل الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة.\n١٢٩ - الرسائل المتبادلة بين جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الألوسي، جمع وتحقيق: محمد بن ناصر العجمي، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n١٣٠ - روائع الأوقاف في الحضارة الإسلامية، د. راغب السرجاني، نهضة مصر، الجيزة، الطبعة الأولى، ٢٠١٠ م.\n١٣١ - روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، ٢٠١٢ م.\n١٣٢ - الروض الباسم في الذب عن سُنَّة أبي القاسم، ابن الوزير، تحقيق: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد.\n١٣٣ - السلطة الثقافية والسلطة السياسية، د. علي أومليل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٩٨ م.\n١٣٤ - السلطة والمجتمع في سلطنة المماليك، أ. د. حياة ناصر الحجي، لجنة التأليف والتعريب جامعة الكويت، الطبعة الأولى، ١٩٩٧ م.","vol":"1","page":226},{"text":"١٣٥ - السلطة والمجتمع والعمل السياسي من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام، د. وجيه كوثراني، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٨ م.\n١٣٦ - سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس، محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني، تحقيق: د. الشريف محمد حمزة بن علي الكتاني.\n١٣٧ - السُّنِّة، عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: د. محمد القحطاني، دار ابن القيم.\n١٣٨ - سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، تحقيق: محمد عوامة، دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، الطبعة الثانية، ١٤٢٥ هـ.\n١٣٩ - سنن الترمذي، تحقيق: أحمد بن محمد شاكر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي.\n١٤٠ - سنن الدار قطني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٤١ - سنن الدارمي، تحقيق: حسين الداراني، دار المغني للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١٤٢ - سنن الله في الأمم من خلال آيات القرآن الكريم، د. حسن بن صالح الحميد، دار الفضيلة، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٣٢ هـ.\n١٤٣ - السنن النفسية لتطور الأمم، د. غوستاف لوبون، ترجمة: عادل زعيتر، دار المعارف في مصر، الطبعة الثانية.\n١٤٤ - سياسيات الإسلام المعاصر، د. رضوان السيد، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١٤٥ - سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\n١٤٦ - السيف المسلول على من سب الرسول، تقي الدين السبكي، تحقيق: إياد أحمد الغوج، دار الفتح، الأردن.","vol":"1","page":227},{"text":"١٤٧ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، تحقيق: د. عبد الله العبادي، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n١٤٨ - شرح فتح القدير، الكمال بن الهمام، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولىن ٢٠٠٣ م.\n١٤٩ - شرح مختصر الروضة، نجم الدين الطوفي، تحقيق: د. عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n١٥٠ - شرح مختصر ابن الحاجب، عضد الدين الإيجي، تحقيق: محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٥١ - الشوقيات، أحمد شوقي، دار الكتاب العربي، بيروت.\n١٥٢ - صحيح ابن خزيمة، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمى، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n١٥٣ - صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى، ١٣٤٧ هـ.\n١٥٤ - صحيح مسلم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٥٥ - صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، منشورات المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الأولى، ١٣٨٠ هـ.\n١٥٦ - الصلة، ابن بشكوال، تحقيق: إبراهيم الأبياري، در الكتاب المصري، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n١٥٧ - صور المثقف، إدوارد سعيد، ترجمة: غسان غصن، دار النهار للنشر، بيروت، ١٩٩٦ م.\n١٥٨ - صيد الخاطر، ابن الجوزي، تحقيق: عامر بن علي ياسين، دار ابن خزيمة، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\n١٥٩ - الضياء اللامع شرح جمع الجوامع، حلولو، تحقيق: أ. د. عبد الكريم النملة، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":228},{"text":"١٦٠ - طبقات الحفاظ، جلال الدين أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n١٦١ - طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى الفراء البغدادي الحنبلي، تحقيق: د. عبد الرحمن العثيمين، ١٤١٩ هـ.\n١٦٢ - طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين السبكي، تحقيق: محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n١٦٣ - طبقات الفقهاء، أبو إسحاق الشيرازي، تحقيق: إحسان عباس، دار الرائد العربي، بيروت، ١٩٧٠ م.\n١٦٤ - الطريق إلى الإسلام، محمد أسد، ترجمة: عفيف البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة التاسعة، ١٤١٨ هـ.\n١٦٥ - العامة والسلطة في بغداد، د. موفق سالم نوري، دار الكتاب الثقافي، الأردن، ١٤٢٦ هـ.\n١٦٦ - العقد الفريد، ابن عبد ربه، تحقيق: د. عبد الحميد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n١٦٧ - العلم في منظوره الجديد، روبرت م. أغروس وزميله. ترجمة: د. كمال خلايلي، سلسلة عالم المعرفة الكويتية (١٣٤).\n١٦٨ - علماء الإسلام، د. محمد نبيل ملين، ترجمة: د. محمد الحاج سالم وعادل بن عبد الله، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠١١ م.\n١٦٩ - علماء الشريعة وبناء الحضارة، د. عبد الله بن إبراهيم الطريقي، دار المسلم للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١٧٠ - العلوم الإسلامية أزمة منهج أم أزمة تنزيل؟ أعمال الندوة العلمية الدولية التي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء، تحرير: د. عبد السلام طويل، دار مدارك، دبي، الطبعة الأولى، ٢٠١١ م.\n١٧١ - العمارة الإسلامية سجالات في الحداثة، د. علي ثويني، الدار العربية للعلوم، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.","vol":"1","page":229},{"text":"١٧٢ - عيون الأخبار، ابن قتيبة الدينوري، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٩٩٦ م.\n١٧٣ - الغثاء الأحوى في لمّ طرائف وغرائب الفتوى، أحمد عبد الرحمن العرفج، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، ٢٠١١ م.\n١٧٤ - الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، تحقيق: د. عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ.\n١٧٥ - فاتحة العلوم، أبو حامد الغزالي، مطبعة الاتحاد المصري، الطبعة الأولى، ١٣٢٢ هـ.\n١٧٦ - الفتوى في الإسلام، محمد جمال الدين القاسمي، تحقيق: محمد عبد الحكيم القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n١٧٧ - الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، أ. د. محمد أحمد سراج، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية.\n١٧٨ - الفقه الإسلامي ومدارسه، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n١٧٩ - فقه النوازل عند المالكية، د. مصطفى الصمدي، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n١٨٠ - فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١٨١ - فقه أهل العراق وحديثهم، محمد زاهد الكوثري، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مؤسسة الريان، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١٨٢ - فقهاء الأندلس والمشروع العامري، فوزي عناد القبوري العتيبي، دار كنوز إشبيليا، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n١٨٣ - فقهاء المالكية وأثرهم في مجتمع السودان الغربي، أ. سحر عنتر مرجان، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.","vol":"1","page":230},{"text":"١٨٤ - الفقهاء والخلفاء، د. سلطان بن حثلين، دار عمار للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١٨٥ - الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، عبد المجيد الصغير، دار المنتخب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n١٨٦ - الفكر التشريعي وأسس استمرار الإسلام، د. المبروك المنصوري، الدار المتوسطية للنشر، تونس، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n١٨٧ - الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن الحسن الحجوي، تحقيق: عبد العزيز القارئ، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n١٨٨ - الفكر العربي في عصر النهضة ١٧٩٨ - ١٩٣٩ م، ألبرت حوراني، نوفل، بيروت، ٢٠٠١ م.\n١٨٩ - فلسفة التربية الإسلامية، أ. د. ماجد الكيلاني، دار الفتح للدراسات والنشر، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١٩٠ - فلسفة الفقه دراسة في الأسس المنهجية للفقه الإسلامي، محمد مصطفوي، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٨ م.\n١٩١ - الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية، ضمن مجموع سبعة كتب مفيدة، علوي بن أحمد السقاف، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر.\n١٩٢ - فوضى الإفتاء، د. أسامة عمر الأشقر، دار النفائس للنشر والتوزيع، عَمّان، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n١٩٣ - في نقد الحاجة إلى الإصلاح، د. محمد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥ م.\n١٩٤ - فيض الباري على صحيح البخاري، محمد أنور الكشميري، تحقيق: محمد بدر عالم الميرتهي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١٩٥ - قضاة قرطبة، الخشني، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ١٩٦٦ م.","vol":"1","page":231},{"text":"١٩٦ - القطيعة بين المثقف والفقيه، يحيى محمد، مؤسسة الانتشار العربي.\n١٩٧ - قواطع الأدلة في أصول الفقه، أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي، تحقيق: د. عبد الله بن حافظ الحكمي، مكتبة التوبة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n١٩٨ - القواعد الكبرى، عز الدين بن عبد السلام، تحقيق: د. نزيه حماد ود. عثمان ضميرية، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١٩٩ - القواعد، أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري، تحقيق: أحمد بن عبد الله بن حميد، مطابع جامعة أم القرى، مكة المكرمة.\n٢٠٠ - الكافين موفق الدين عبد الله بن قدامة، تحقيق: د. عبد الله التركي، دار هجر، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٢٠١ - الأسامي والكنى، الحاكم الكبير، تحقيق: يوسف الدخيل، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٢٠٢ - الجامع في السنن ولآداب والمغازي والتاريخ، عبد الله بن أبي زيد القيرواني، تحقيق: محمد أبو الأجفان وعثمان بطيخ، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٢٠٣ - كتاب الحروف، أبو نصر الفارابي، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٩٠ م.\n٢٠٤ - الطبقات الكبير، محمد بن سعد الزهري، تحقيق: د. علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٢٠٥ - الفروق، أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: أ. د. محمد أحمد سراج، أ. د. علي جمعة محمد، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٢٠٦ - الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٢٠٧ - كتاب المجروحين من المحدثين، ابن حبان، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":232},{"text":"٢٠٨ - المجموع شرح المهذب للشيرازي، محيي الدين النووي، مكتبة الإرشاد، جدة.\n٢٠٩ - المعتمد في أصول الفقه، أبو الحسين البصري، تحقيق: محمد حميد الله، المعهد العلمي للدراسات العربية، دمشق، ١٣٨٤ هـ.\n٢١٠ - كتاب المعرفة والتاريخ، يعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق: أكرم ضياء العمري، مكتبة الدار، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٢١١ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، العجلوني، تحقيق: يوسف أحمد، مكتبة العلم الحديث.\n٢١٢ - الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، نجم الدين الغزي، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٢١٣ - كيف ربى المسلمون أبناءهم، محمد شعبان أيوب، مؤسسة اقرأ، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n٢١٤ - لسان العرب، ابن منظور، المطبعة الأميرية، مصر، الطبعة الأولى، ١٣٠٠ هـ.\n٢١٥ - مالك تجارب حياة، أ. أمين الخولي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والطباعة والترجمة والنشر.\n٢١٦ - المثقف والسلطة دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر، محمد الشيخ، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩١ م.\n٢١٧ - المثقفون في الحضارة العربية محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية، ٢٠٠٠ م.\n٢١٨ - المجتمع العربي من سيادة العلم إلى وحل الخرافة، يحيى محمود بن جنيد، دار الغرب الإسلامي، تونس، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.","vol":"1","page":233},{"text":"٢١٩ - مجمع الأمثال، الميداني، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل، بيروت، ١٤١٦ هـ.\n٢٢٠ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وساعده ابنه محمد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، ١٤١٦ هـ.\n٢٢١ - محتكمات الخلاف الفقهي، د. محمد هندو، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٣٣ هـ.\n٢٢٢ - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، القاضي الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، تحقيق: محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩١ هـ.\n٢٢٣ - المحرر في الفقه، مجد الدين أبي البركات بن تيمية، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٢٢٤ - مختصر التحرير في أصول الفقه، ابن النجار الحنبلي، تحقيق: د. محمد مصطفى محمد رمضان، دار الأرقم، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٢٢٥ - المدارس الدينية في باكستان من الجامعة الحقانية إلى المسجد الأحمر، د. مصباح الله عبد الباقي، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى.\n٢٢٦ - المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٢٢٧ - المدخل الوسيط لدراسة الشريعة الإسلامية والفقه والتشريع، د. نصر فريد محمد واصل، المكتبة التوفيقية، القاهرة.\n٢٢٨ - مدخل إلى علم السياسة، موريس دوفرجيه، ترجمة: د. جمال الأتاسي ود. سامي الدروبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، ٢٠٠٩ م.\n٢٢٩ - مدخل إلى فلسفة الفقه، ترجمة: حيدر نجف وآخرين، مراجعة: عبد الجبار الرفاعي، دار الهادي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.","vol":"1","page":234},{"text":"٢٣٠ - المدخل في الفقه الإسلامي، أ. د. محمد مصطفى شلبي، الدار الجامعية، بيروت، الطبعة العاشرة، ١٤٠٥ هـ.\n٢٣١ - المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، عبد الكريم زيدان، دار عمر بن الخطاب، الإسكندرية.\n٢٣٢ - المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، رمضان علي السيد الشرنباصي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٢٣٣ - المدخل للفقه الإسلامي، محمد سلام مدكور، دار الكتاب الحديث، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٩٩٦ م.\n٢٣٤ - المدخل، ابن الحاج، مكتبة دار التراث، القاهرة.\n٢٣٥ - المشهد الثقافي في إيران فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة، عبد الجبار الرفاعي، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٢٣٦ - مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية، عبد النور بزا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٢٣٧ - مع الأئمة، سلمان العودة، الإسلام اليوم للنشر، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٣٣ هـ.\n٢٣٨ - المعرفة والسلطة في المغرب، ديل أف. ايكلمان، ترجمة: محمد أعفيف، نوركرافيكس، طنجة، ومطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.\n٢٣٩ - المعرفة والسلطة، ميشال فوكو، ترجمة: عبد العزيز العيادي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٢٤٠ - المعلم بفوائد مسلم، أبو عبد الله محمد بن علي المازري، تحقيق: محمد الشاذلي النيفر، الدار التونسية، تونس، الطبعة الثانية.","vol":"1","page":235},{"text":"٢٤١ - المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب، الونشريسي، تحقيق: د. محمد حجي، دار الغرب، بيروت، ١٤٠١ هـ.\n٢٤٢ - المغرب المالكي لماذا؟، د. محمد الروكي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، الطبعة الثانية، ١٤٢٨ هـ.\n٢٤٣ - المغني، لابن قدامة، تحقيق: د. عبد الله التركي ود. عبد الفتاح الحلو، دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤١٧ هـ.\n٢٤٤ - مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الثالثة، ١٤٢٣ هـ.\n٢٤٥ - مفهوم التأويل في القران الكريم والحديث الشريف، د. فريدة زمرد، معهد الدراسات المصطلحية، المغرب، الطبعة الثانية، ٢٠٠٥ م.\n٢٤٦ - مفهوم الفقه الإسلامي، نظام الدين عبد الحميد، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٢٤٧ - المقاصد في الفكر الإصلاحي والإسلامي، د. امحمد جبرون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠١٠ م.\n٢٤٨ - المقتبس من أنباء أهل الأندلس، ابن حيان القرطبي، تحقيق: د. محمود علي مكي، وزارة الأوقاف، القاهرة، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م.\n٢٤٩ - مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، د. عبد العزيز الدوري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧ م.\n٢٥٠ - مقدمة في دراسة الفقه الإسلامي، أ. د. محمد الدسوقي ود. أمينة الجابر، دار الثقافة، قطر، ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م.\n٢٥١ - المقدمة، ابن خلدون، تحقيق: عبد السلام الشدادي، بيت الفنون والعلوم والآداب، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥ م.\n٢٥٢ - مقررات فقه القضايا المعاصرة بين الواقع والمأمول، د. عامر بهجت، بحث غير منشور مقدم في ندوة تدريس فقه القضايا المعاصرة في الجامعات السعودية بمركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة.","vol":"1","page":236},{"text":"٢٥٣ - مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، الذهبي، تحقيق: محمد زاهد الكوثري وأبي الوفاء الأفغاني، لجنة إحياء المعارف النعمانية، حيدر أباد-الهند، الطبعة الرابعة ١٤١٩ هـ.\n٢٥٤ - مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة، الموفق المكي، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر أباد-الهند، الطبعة الأولى، ١٣٢١ هـ.\n٢٥٥ - مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، رفاعة الطهطاوي، ١٢٨٦ هـ.\n٢٥٦ - المنثور في القواعد، بدر الدين محمد بن بهادر الشافعي الزركشي، تحقيق: د. تيسير فائق أحمد محمود، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n٢٥٧ - المنخول من تعليقات الأصول، أبو حامد الغزالي، تحقيق: محمد حسن هيتو، دار الفكر.\n٢٥٨ - منهاج الإسلام في الحكم، محمد أسد، ترجمة: منصور محمد ماضي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، ١٩٧٨ م.\n٢٥٩ - منهاج تدريس الفقه، د. مصطفى صادقي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجيينا، الطبعة الأولى، ١٤٣٣ هـ.\n٢٦٠ - المنهاج في شعب الإيمان، أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي، تحقيق: حلمي محمد فوده، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n٢٦١ - منهج البحث والفتوى في الفقه الإسلامي، مصطفى بشير الطرابلسي، دار الفتح للدراسات والنشر، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ/ ٢٠١٠ م.\n٢٦٢ - مهن الفقهاء في صدر الإسلام وأثرها على الفقه والفقهاء، د. محمد بن عبد الله التميم، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.","vol":"1","page":237},{"text":"٢٦٣ - الموافقات، أبو إسحاق الشاطبي، تحقيق: مشهور آل سلمان، دار أبن عفان، الخبر، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م.\n٢٦٤ - ميلاد مجتمع، مالك بن نبي، ترجمة: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م.\n٢٦٥ - النبوغ المغربي في الأدب العربي، عبد الله كنون، الطبعة الثانية.\n٢٦٦ - نحن والحضارة الغربية، أبو الأعلى المودودي، الدار السعودية، جدة، ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م.\n٢٦٧ - نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية، أ. د. منى أبو الفضل، أ. د. طه العلواني، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٢٦٨ - نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، د. وائل حلاق، ترجمة: رياض الميلادي، المدار الإسلامي، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧ م.\n٢٦٩ - نظرية الإسلام السياسية، أبو الأعلى المودودي، دار الفكر، ١٣٨٧ هـ ١٩٦٧ م.\n٢٧٠ - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطبب، الشهاب المقري، تحقيق: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٢٧١ - النقد الذاتي، علال الفاسي، مطبعة الرسالة، الرباط، الطبعة الخامسة، ١٩٧٩ م.\n٢٧٢ - نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم، محمد الطاهر بن عاشور، المطبعة السلفية، مصر. ٢٧٣ - نهاية الأرب في فنون الأدب، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، تحقيق: الأستاذ عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٦ م / ١٤٣٤ هـ.\n٢٧٤ - نهاية الرتبة في طلب الحسبة، عبد الرحمن بن نصر الشيزري، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.\n٢٧٥ - نيل الابتهاج بتطريز الديباج، أحمد بابا التمبكتي، إشراف: عبد الحميد عبد الله الهرامة، كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ/ ١٩٨٩ م.","vol":"1","page":238},{"text":"٢٧٦ - هل نسير إلى الهاوية؟، إدغار موران، ترجمة: عبد الرحيم حزل، أفريقيا الشرق، المغرب، ٢٠١٢ م.\n٢٧٧ - الهوامل والشوامل، مسكويه، تحقيق: سيد كسروي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م.\n٢٧٨ - وحي الرسالة، أحمد حسن الزيات، مطبعة الرسالة، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٩٤٠ م/ ١٣٥٨ هـ.\n٢٧٩ - الوصول إلى الأصول، ابن برهان، تحقيق: د. عبد الحميد أبو زنيد، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٢٨٠ - الوقف في العالم الإسلامي ما بين الماضي والحاضر، محمد م. الأرناؤوط، جداول للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠١١ م.\n٢٨١ - ومضات فكر، محمد الفاضل ابن عاشور، الدار العربية للكتاب، ليبيا، تونس، ١٩٨١ م.\n• المجلات والدوريات:\n٢٨٢ - بين الفقيه والمثقف، رفيق عبد السلام، صحيفة الشرق الأوسط، العدد/ ١١٥٨٥،\n٧/ ٩/ ١٤٣١ هـ.\n٢٨٣ - تحويل المرجعية التشريعية في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، طارق البشري، مجلة الأزهر، الجزء ١١، السنة ٨٥، بتاريخ: ذي القعدة ١٤٣٣ هـ.\n٢٨٤ - جدلية المثقف والفقيه، أين هي الأزمة؟، زكي الميلاد، صحيفة عكاظ، العدد ٢١٦٠، بتاريخ: ٣٠/ ٤/ ١٤٢٨ هـ.\n٢٨٥ - خطاب المثقف وخطاب الفقيه، حسين العودات، صحيفة البيان الإماراتية، بتاريخ: ٢٦/ ١١\n/ ٢٠١١ م.\n٢٨٦ - الرسالة الباهرة في الرد على أهل الأقوال الفاسدة، ابن حزم الأندلسي، تحقيق: محمد صغير المعصومي، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ج ١، مج ٦٤، بتاريخ: جمادي الاولى ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":239},{"text":"٢٨٧ - رؤية للموسيقى من منطلق حضاري إسلامي، عصام الدين الزفتاوي، مجلة المسلم الماصر، العدد ٩٥، العام ١٤٢٠ هـ.\n٢٨٨ - العلماء بين عزلة التخصص وتكامل المعرفة، د. علي القريشي، مجلة المسلم المعاصر، العدد ٨٩، العام ١٤١٩ هـ.\n٢٨٩ - مثقف فقيه وفقيه مثقف، زكي الميلاد، صحيفة عكاظ، العدد ٢١٧٤، بتاريخ: ١٤/ ٥/١٤٢٨ هـ.\nالمواقع الإلكترونية:\n٢٩٠ - أثر الفقه الإسلامي في التهيئة العمرانية للمدن العريقة، عبد الرزاق وورقية، شبكة الألوكة.\n٢٩١ - الخطاب الفقهي واقعه ومشكلاته، د. أحمد الريسوني، المركز العالمي للوسطية.\n٢٩٢ - العلاقة بين السلطة السياسية والفقهية، أ. مصطفى أبو عمشة، المركز العربي للدراسات والأبحاث.\n٢٩٣ - المدارس العتيقة بالمغرب، د. جميل حمداوي، موقع: دروب.\n٢٩٤ - وظيفة الفقيه، محمد خليل الزروق، موقع: الرقيم.","vol":"1","page":240}]}