{"ً":{"ٌ":20583,"ٍ":"ترتيب الفروق واختصارها","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/FP49093/","files":["00_49093.pdf","01_49093.pdf","02_49094.pdf"]},"ّ":"الكتاب: ترتيب الفروق واختصارها\nالمؤلف: أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري (ت ٧٠٧ هـ)\nالمحقق: الأستاذ عمر ابن عباد، خريج دار الحديث الحسينية\nالناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية\nعام النشر: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م\nعدد الأجزاء: ٢\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2941,"ٕ":11,"ٖ":1770156187,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"[تقديم التحقيق]","level":1,"page":2},{"title":"[تقديم وزارة الأوقاف]","level":2,"page":2},{"title":"مقدمة التحقيق","level":2,"page":4},{"title":"ترجمة الإمام الفقيه أحمد بن ادريس القرافي مؤلف كتاب الفروق في القواعد الفقهية","level":2,"page":11},{"title":"ترجمة الفقيه الشيخ ابن الشاط","level":2,"page":14},{"title":"ترجمة الفقيه الشيخ محمد بن ابراهيم البقوري","level":2,"page":15},{"title":"ديباجة كتاب ترتيب الفروق","level":1,"page":16},{"title":"القواعد الكلية بالنسبة إلى ما بعدها","level":1,"page":36},{"title":"القاعدة الأولى: في تقرير أنه الشريعة قامت برعاية المصلحة ودرء المفسدة","level":2,"page":36},{"title":"القاعدة الثانية: في أقسام المصلحة والمفسدة على الجملة","level":2,"page":38},{"title":"القاعدة الثالثة: في الحكم في اجتماع المصالح، وفي اجتماع المفاسد، وفي اجتماعهما","level":2,"page":40},{"title":"القاعدة الرابعة: في حكم المصالح والمفاسد المبنية على الظن","level":2,"page":41},{"title":"القاعدة الخامسة: فيما يترك من الصالح لسبب، وفيما يفعل من المفاسد لسبب","level":2,"page":42},{"title":"القاعدة السادسة: في بيانه أنه ليس كل المصالح يؤمر بكسبها، ولا كل المفاسد ينهى عن فعلها","level":2,"page":42},{"title":"القاعدة السابعة: فيما به يعرف ترجيح المصلحة والمفسدة","level":2,"page":43},{"title":"القاعدة الثامنة: في أمر الثواب والعقاب، هل هو في التفاوت وعدمه مرتبط بالأعمال أو بالمصالح والمفاسد؟","level":2,"page":44},{"title":"القاعدة التاسعة: في تقرير أن المصالح والمفاسد لا يرجع شيء منها إلى الله جل وعلا","level":2,"page":45},{"title":"القاعدة العاشرة: في أن الصالح والمفاسد بحسب العبيد -كما قلنا- قائمة معتبرة في الشرع","level":2,"page":45},{"title":"القاعدة الحادية عشرة","level":2,"page":46},{"title":"القاعدة الثانية عشرة","level":2,"page":47},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة","level":2,"page":47},{"title":"القواعد النحوية وما يتعلق بها","level":1,"page":51},{"title":"القاعدة الأولى: في الشرط","level":2,"page":51},{"title":"القاعدة الثانية في تقرير مقتضى إن، ولو، الشرطيتين، بحسب الزمان","level":2,"page":75},{"title":"القاعدة الثالثة في تقرير مقتذى إذا، وتقرير الفرق بينها وبين إن الشرطية","level":2,"page":87},{"title":"القاعدة الرابعة في تقرير حصر المبتدأ في الخبر","level":2,"page":90},{"title":"القاعدة الخامسة: قاعدة التشبيه","level":2,"page":97},{"title":"القاعدة السادسة","level":2,"page":98},{"title":"القاعدة السابعة","level":2,"page":100},{"title":"القاعدة الثامنة","level":2,"page":101},{"title":"القاعدة التاسعة: فيما به يفترق جزء العلة عن الشرط وفيما به يشتركان.","level":2,"page":103},{"title":"القاعدة العاشرة: في بيان المانع","level":2,"page":103},{"title":"القاعدة الحادية عشرة: في تقرير الإشكال الوارد على من قال: عدم المانع شرط، وحد ذلك","level":2,"page":104},{"title":"القاعدة الثانية عشرة","level":2,"page":107},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة","level":2,"page":108},{"title":"القاعدة الرابعة عشرة","level":2,"page":113},{"title":"القاعدة الحامسة عشر","level":2,"page":114},{"title":"القواعد الأصولية","level":1,"page":117},{"title":"القاعدة الأولى: نقرر فيها ما معنى خطاب التكليف وما معنى خطاب الوضع، ونقرر الفرق بينهما","level":2,"page":117},{"title":"القاعدة الثانية: نقرر فيها فرض العين وفرض الكفاية","level":2,"page":123},{"title":"القاعدة الثالثة نريد أن نقرر فيها الفرق بين قولنا: الأمر. المطلق، وبين قولنا: مطلق الأمر","level":2,"page":126},{"title":"القاعدة الرابعة: نقرر فيها الفرق بين خطاب غير المعين والخطاب الغير المعين","level":2,"page":127},{"title":"القاعدة الخامسة: في تقرير أنه ما ليس بواجب لا يجرئ عن الواجب.","level":2,"page":130},{"title":"القاعدة السادسة نقرر فيها أنه أشياء جاءت في الشريعة، يتوهم أنها ناقضة علينا القاعدة الخامسة، وهي أن ما ليس بواجب لا يجزئ عن الواجب","level":2,"page":138},{"title":"القاعدة السابعة نقرر فيها الميز بين ما يثاب عليه من الواجبات، وبين ما لا يثاب عليه منها، وإن وقع واجبا","level":2,"page":140},{"title":"القاعدة الثامنة نقرر فيها ضعف ما مضى الناس عليه في تحديد الأداء والقضاء، ثم نذكر الحد الذي يصلح لهما","level":2,"page":143},{"title":"القاعدة التاسعة نقرر فيها صحة القول بالأداء الإثم، إذ أشكل ذلك على كثير من الناس، وقالوا: كيف تكون العبادة أداء، وفاعلها آثم","level":2,"page":145},{"title":"القاعدة العاشرة نقرر فها حقيقة الواجب الموسع، ليظهر بذلك بطلان ما قيل في الحائض في رمضان: إن الصوم وجب عليه فيه، أو صحته","level":2,"page":147},{"title":"القاعدة الحادية عشرة وأخرتها عما قبلها، وهي في تقرير الكلى الواجب فيه","level":2,"page":149},{"title":"القاعدة الثانية عشرة: في تقرير أن النهي يدل على الفساد أم لا؟","level":2,"page":157},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة في تقرير أن النهى ينقسم إلى خاص وعام، وتبيين حالهما في التنافي أو غيره","level":2,"page":162},{"title":"القاعدة الرابعة عشرة في تقرير الإذن العام من قبل صاحب الشرع","level":2,"page":165},{"title":"القاعدة الخامسة عشرة نقرر فيها المندوب الذكره يقدم على الواجب والمندوب الذي لا يقدم على الواجب","level":2,"page":167},{"title":"القاعدة السادسة عشرة في تبيين أنه القضاء يجب بالأمر الأول أو بأمر جديد؟","level":2,"page":174},{"title":"القاعدة السابعة عشرة نقرر فيها أن النهي لا يصحء التخيير، وأنه يخالف الأمر في هذا، فإنه يصح مع التخيير كما تقدم","level":2,"page":175},{"title":"القاعدة الثامنة عشرة: في تقرير التخيير بين أشياء لا يقتضي التسوية بينها ولابد، بل قد يكون ذلك وقد لا يكونه","level":2,"page":176},{"title":"القاعدة التاسعة عشرة: نقرر فيها أنه لا يجوز التخيير بين شيئين، وأحدهما يخشى من عقابه، ويجوز التخيير بين شيئين، وأحدهما تخشى عاقبته","level":2,"page":179},{"title":"القاعدة العشرون نقرر فيها أنه الاباحة قد تكون مطلقة، وقد تكونه مرتبة سبب، ثم نقرر ما يلزم عن كل واحدة","level":2,"page":180},{"title":"القاعدة الحادية والعشرون نقرر فيها الفرق بين الواجبات بطريق النذر، وبين الواجبات بإيجاب الله تعالى، وذلك من حيث المصلحة","level":2,"page":182},{"title":"القاعدة الثانية والعشرون. نقرر فيها الانتقال من الحرمة إلى الإباحة أنه يشترط فيه أعلى الرتب من الأسباب، بخلاف الانتقال من الإباحة إلى الحرمة فإنه يشترط فيه أيسر الاسباب","level":2,"page":185},{"title":"القاعدة الثالثة والعشرون","level":2,"page":190},{"title":"القاعدة الرابعة والعشرون: نقرر فيها الفرق بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبين قاعدة النهي عن المشترك، فنقول","level":2,"page":203},{"title":"القاعدة الخامسة والعشرون نقرر فيها الفرق بين كون الزمان ظرفا لايقاع المكلف به فقط، وبين كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به، وكل جزء من اجزائه سببا للتكليف والوجوب، فتجتمع الظرفية والسببية في كل جزء من الأجزاء، فنقول","level":2,"page":208},{"title":"القاعدة السادسة والعشرون نقرر فيها الفرق وإن كون ظرف الزمان للتكليف دون ايقاع المكلف به، وبين أن يكون ظرفا للتكليف لإيقاع المكلف به معا، ويتضح هذا بذكر ثلاث مسائل","level":2,"page":211},{"title":"القاعدة السابعة والعشرون نقرر فيها الفرق بين ما يطلب جمعه وافتراقه، وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه، فنقول","level":2,"page":214},{"title":"القاعدة الثامنة والعشرون نقرر فيها أن الفعل إذا دار بين الوجوب والندب فعل، وإذا دار بين الندب والمحرم ترك، تقديما للراجح على المرجوح، وما يتخيل من أن صوم يوم الشك ممنوع منه يقدح في هذه القاعدة ليس كذلك","level":2,"page":217},{"title":"المتعلق منها بالعموم والخصوص وما يناسبها","level":1,"page":219},{"title":"القاعدة الأولى: نقرر فيها أن المفرد المعرف بالألف واللام يفهم منه العموم، وأن ما قاله الفقهاء في الطلاق جاء على غير الأصل","level":2,"page":219},{"title":"القاعدة الثانية نقرر فيها أن الأعم، منه ما يستلزم الأخص عينا، ومنه ما لا يستلزم الأخص عينا، ولكن مطلق الأخص","level":2,"page":222},{"title":"القاعدة الثالثة: نقرر فيها الفرق بين قول العلماء: حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، وبين قولهم: حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال، فنقول","level":2,"page":223},{"title":"القاعدة الرابعة: نقرر فيها الفرق بين الاستثناء من النفي فى الشرط، ومنه في غير الشرط، فنقول","level":2,"page":229},{"title":"القاعدة الخامسة نقرر فيها الفرق بين ما يدخله المجاز في الأيمانه، وبين مالا يدخله المجاز والتخصيص فنقول","level":2,"page":234},{"title":"القاعدة السادسة نقرر فيها الفرق بين استثناء الكل من الكل، وبين استثناء الوحدات من الطلاق، ونقرر فيها ايضا الفرق بين الاستثناء من الذوات والاستثناء من الصفات فنقول","level":2,"page":236},{"title":"القاعدة السابعة نقرر فيها الفرق بين العرف القولي، يقضى به علي الألفاظ ويخصصها، وبين العرف الفعلى، لا يقضى به على الألفاظ ولا يخصصا","level":2,"page":238},{"title":"القاعدة الثامنة نقرر فيها الفرق بين النية المخصصة وبين النية المؤكدة","level":2,"page":243},{"title":"القاعدة التاسعة نقرر فيها الفرق بين حمل المطلق على المقيد في الكلي، وبين حمل المطلق على المقيد في الكلية فنقول","level":2,"page":247},{"title":"المفهوم","level":1,"page":253},{"title":"القاعدة الأولى في الفرق بين إثبات النقيض في المفهوم وبين إثبات الضد فيه","level":2,"page":253},{"title":"القاعدة الثانية: نقرر فيها الفرق بين مفهوم اللقب وغيره من أقسام مفهوم المخالفة","level":2,"page":255},{"title":"القاعدة الثالثة في الفرق بين المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب","level":2,"page":255},{"title":"الخبر","level":1,"page":259},{"title":"القاعدة الأولى: في الفرق بين الرواية والشهادة","level":2,"page":259},{"title":"القاعدة الثانية: نقرر فيها الفرق بين الخبر والإنشاء بعد تبيين كل منهما بخصوصيته، إذ قد تقدم لنا إجتماعهما في الخبرية في القاعدة التي قبل هذه","level":2,"page":272},{"title":"قواعد العلل","level":1,"page":304},{"title":"القاعدة الأولى نقرر فيها الفرق بين قاعدة السبب الشرعي، سالما عن المعارض من غير تخيير، يترتب عليه مسببه، وبين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض، مع التخيير، فلا يترتب عليه مسببه","level":2,"page":304},{"title":"القاعدة الثانية نقسم فيها الأسباب، ثم نقرر الفرق بين بعض الأسباب وبعض، فنقول","level":2,"page":306},{"title":"القاعدة الثالثة تقرر فيها الفرق بين الأسباب العقلية والأسباب الشرعية، فنقول","level":2,"page":308},{"title":"القاعدة الرابعة نقرر فيها ما يتقدم عليه مسببه من الأسباب الشرعية ومالا، فنقول","level":2,"page":310},{"title":"القاعدة الخامسة نقرر فيها ما يشترط فيه إجماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع، وما لا يشترط فيه ذلك، فنقول","level":2,"page":311},{"title":"القاعدة السادسة. نقرر فيها الفرق بين عدم علة الإذن أو التحريم، وبين عدم علة غيرهما (من العلل)","level":2,"page":312},{"title":"القاعدة السابعة نقرر فيها تداخل الأسباب وتساقطها، ونظهر الفرق بينهما فنقول","level":2,"page":314},{"title":"القاعدة الثامنة. نقرر فيها المقاصد ما هي، والوسائل ما هي؟،","level":2,"page":317},{"title":"القاعدة التاسعة الفرق بين تقدم الحكم على سببه دون شرطه، أو شرطه دون سببه، وبين تقدمه على الشرط والسبب جميعا","level":2,"page":321},{"title":"القاعدة العاشرة نقرر فيها الفرق بين اللزوم الجزئي واللزوم الكلي، فنقول","level":2,"page":324},{"title":"القاعدة الحادية عشرة في الفرق بين الشك في السبب وبين السبب في الشك","level":2,"page":325},{"title":"القاعدة الثانية عشرة نقرر فيها الفرق بين المعاني الفعلية والمعاني الحكمية فنقول أولا","level":2,"page":329},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة نقرر فيها الفرق بين رفع الواقعات وتقدير ارتفاعها بأن نقول","level":2,"page":331},{"title":"القاعدة الرابعة عشرة نقرر فيها الفرق بين الشقة المسقطة للعبادة وبين التي لا تسقطها، فنقول","level":2,"page":335},{"title":"القاعدة الخامسة عشرة نقرر فيها الكلي والجزئي، والكل والجزء، ثم الحمل على الأجزاء أو الحمل على الجزئيات من حيث اعتبار الكل والكلي، فنقول","level":2,"page":338},{"title":"القاعدة السادسة عشرة في تقرير الدليل والحجة والفرق بينهما، ثم الفرق بين أدلة مشروعية الأحكام وأدلة وقوع الأحكام","level":2,"page":343},{"title":"الاجتهاد","level":1,"page":345},{"title":"القاعدة الأولى نقرر فيها من يجوز له أن يفتي ومن لا يجوز له أن يفتي، فنقول","level":2,"page":345},{"title":"القاعدة الثانية نقرر فيها السبب الذي من أجله ارتفع الخلاف في مسائل الاجتهاد بعد حكم الحاكم وصار كل مجتهد إلى ما حكم به الحاكم، وقد كان الخلاف مقررا قبل الاجتهاد، غير مرتفع، فنقول","level":2,"page":347},{"title":"القاعدة الثالثة نقرر فيها لم لم يجز تقليد أحد المجتهدين للآخر في مسألة الكعبة والأواني، وجاز ذلك في كثير من المسائل الفروعية","level":2,"page":349},{"title":"القاعدة الرابعة تقرر فيها الفرق بين الفتوى والحكم فنقول","level":2,"page":351},{"title":"القاعدة الخامسة نقرر فيها أن النبي ﵊ كان يتصرف بالإمامة وبالفتوى وبالقضاء","level":2,"page":353},{"title":"القواعد الفقهية","level":1,"page":357},{"title":"القاعدة الأولى نقرر فيها الفرق بين الماء المطلق وبين الماء المستعمل","level":2,"page":357},{"title":"القاعدة الثانية أقرر فيها ما يمكن أن ينوى قربة مما لا يكون كذلك، ثم ما يحتاج إليها ولا بد منها فيه مما ليس كذلك","level":2,"page":359},{"title":"القاعدة الثالثة نقرر فيها الفرق بين ما يبسمل فيه مما لا، فنقول","level":2,"page":364},{"title":"القاعدة الرابعة نقرر فيها الفرق بين الإزالة والإحالة بحسب النجاسات، فنقول","level":2,"page":365},{"title":"القاعدة الخامسة نقرر فيها أن إزالة النجاسة ليست من باب الرخصة في الشريعة","level":2,"page":367},{"title":"القاعدة السادسة في الفرق بين إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة، وبين إزالة الحدث عن الرجل خاصة بالنسبة إلى الخف","level":2,"page":369},{"title":"قواعد الصلاة","level":1,"page":376},{"title":"القاعدة الأولى نقرر فيها الفرق بين استقبال الجهة في الصلاة وبين استقبال السمت","level":2,"page":376},{"title":"القاعدة الثانية لم جعل بعض البقاع معتبرا في أداء الجماعات وقصر الصلوات، ولم يكن ذلك الاعتبار بحسب الأزمان؟","level":2,"page":378},{"title":"القاعدة الثالثة لم خصت البقاع المعظمة بالصلاة، والازمنة المعظمة بالصيام؟","level":2,"page":381},{"title":"القاعدة الرابعة لم كانت أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها، والأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب على المشهور؟","level":2,"page":383},{"title":"القاعدة الخامسة نقرر فيها الفرق بين أسباب الصلاة وشروطها يجب الفحص عنها، وأسباب الزكاة لا يجب الفحص عنها","level":2,"page":388},{"title":"الصوم","level":1,"page":393},{"title":"القاعدة الأولى: نقرر فيها لم كانت الخصوصية العظيمة للصوم، المذكورة في قوله تعالى: \"كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\"","level":2,"page":393},{"title":"القاعدة الثانية: نقرر فيها الفرق بين الصوم المتتابع الظهار وبينه في غير الظهار","level":2,"page":398},{"title":"الزكاة","level":1,"page":402},{"title":"القاعدة الأولى: لم كانت العروض تحمل على القنية حتى يقصد بها التجارة","level":2,"page":402},{"title":"القاعدة الثانية: لم كانت الزكاة تسقط عن العمال في القراض إذا لم تجب على رب المال، على خلاف، وكان الشركاء إذا سقطت عن بعضهم لا يكون ذلك سببا لسقوطها عن البعض الآخر؟ فنقول","level":2,"page":403},{"title":"القاعدة الثالثة: لم ضمت الأرباح إلى أصولها في الزكاة دون الفوائد؟ فنقول","level":2,"page":405},{"title":"الحج","level":1,"page":409},{"title":"القاعدة الأولى نقرر فيها القاعدة التي بها يتبين ما يتقدم على الحج من الواجبات مما لا يتقدم","level":2,"page":409},{"title":"القاعدة الثانية نقرر فيها الفرق بين الجوابر والزواجر","level":2,"page":410},{"title":"القاعدة الثالثة الفرق بين ما تتداخل فيه جوابر الحج وما لا تتداخل","level":2,"page":414},{"title":"القاعدة الرابعة في الفرق بين الميقات الزماني والمكاني، فنقول أولا","level":2,"page":415},{"title":"الجهاد","level":1,"page":419},{"title":"القاعدة الأولى: لم صح أخذ الجزية من الكفار على أن يتمادوا على كفرهم، ولم يصح أخذ شيء من الفاسقين على أن يقروا على الزنى ويتمادوا عليه، ومفسدة الكفر أشد من مفسدة الزنى؟","level":2,"page":419},{"title":"القاعدة الثانية الفرق بين ما يوجب نقض العهد وما لا يوجبه","level":2,"page":420},{"title":"القاعدة الثالثة: ما الفرق بين البر والتودد. حتى أمرنا ببرهم، ونهينا عن التودد لهم؟ فنقول","level":2,"page":422},{"title":"القاعدة الرابعة: نقرر فيها الفرق بين عقد الجزية وغيره من العقود التي يحصل بها التأمين والأمن","level":2,"page":424},{"title":"الذكاة","level":1,"page":427},{"title":"الأطعمة","level":1,"page":431},{"title":"الأيمان","level":1,"page":432},{"title":"[القاعدة] الأولى كالتوطئة للأيمان والقصد فيها الفرق بين ما يجب توحيد الله به من التعظيم وبين ما لا يجب توحيده به","level":2,"page":432},{"title":"القاعدة الثانية: أقرر فيها الفرق بين الصفات العلية التي تترتب عليها الكفارة عند الحنث من التي لا يترتب عليها ذلك عند الحنث","level":2,"page":443},{"title":"القاعدة الثالثة: أقرر فيها ما يوجب الكفارة من أسماء الله تعالى إذا حلف بها الحالف وما لا يوجبها","level":2,"page":458},{"title":"القاعدة الرابعة: نقرر فيها ما يدخله المجاز والتخصيص مما لا يدخله على الجملة ليمتنع، والمراد من ذلك الأيمان، فنقول","level":2,"page":463},{"title":"القاعدة الخامسة: أقرر فيها ما تكفي فيه النية في الأيمان، وما لا تكفي","level":2,"page":465},{"title":"القاعدة السادسة: . أقرر فيها الفرق بين مخالفة النهي، لم كان يقتضي التكرار ومخالفة اليمين لا يقتضي التكرار","level":2,"page":471},{"title":"القاعدة السابعة: أقرر فيها الفرق بين ما تعذر عقلا من المحلوف عليه وما تعذر شرعا أو عادة","level":2,"page":474},{"title":"القاعدة الثامنة: أقرر فيها وجه اختصاص المساجد الثلاثة بلزوم نذر المشي إليها دون غيرها","level":2,"page":476},{"title":"النكاح والطلاق","level":1,"page":505},{"title":"القاعدة الأولى: أقرر فيها الفرق بين أنكحة الصبيان وطلاقهم","level":2,"page":505},{"title":"القاعدة الثانية أقرر فيها الفرق بين ذوى الأرحام والعصبة حتى كان للعصبة الولاية في النكاح ولم يكن ذلك لمن يدلي بجهة الأم","level":2,"page":507},{"title":"القاعدة الثالثة: أقرر فيها لم كان الإخوة في النكاح وميراث الولاء وصلاة الجنازة يقدمون على الأجداد، ولم كانوا على السواء في الميراث؟","level":2,"page":508},{"title":"القاعدة الرابعة: نقرر فيها لم كان للرجل أن يجمع بين عدة إماء، ولم يكن له في الحرائر أن يزيد على أربع، فنقول","level":2,"page":509},{"title":"القاعدة الخامسة: أقرر فيها أن تحريم المصاهرة ليس رتبة واحدة، بل هو رتب.","level":2,"page":514},{"title":"القاعدة السادسة: أقرر فيها ما يحرم بالنسب مما لا يحرم به فنقول","level":2,"page":516},{"title":"القاعدة السابعة","level":2,"page":517},{"title":"القاعدة الثامنة نقرر فيها الفرق بين قيافته ﵇ وقيافة المدلجي","level":2,"page":520},{"title":"القاعدة التاسعة: أقرر فها الفرق بين ما يحرم الجمع بينهن من النساء وبين ما يجوز الجمع بينهن،","level":2,"page":524},{"title":"القاعدة العاشرة: نقرر فيها ما يقر من أنكحة الكفار وما لا يقر.","level":2,"page":527},{"title":"القاعدة الحادية عشرة: لم كان للرجل أن يتزوج الإماء التي لغيره عند شرط ذلك، ولم يكن للمرأة الحرة أن يتزوجها عبد لغيرها، ولا للرجل أن يتزوج إماءه، ولا للنساء أن يتزوجن عبيدهن","level":2,"page":530},{"title":"القاعدة الثانية عشرة: لم وقع الحجر على النساء في الأبضاع ولم يقع الحجر عليهن في الأموال؟","level":2,"page":532},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة أقرر فيها ما به ينعقد النكاح، وأنه يخالف البيع فيما يشترط فيه،","level":2,"page":538},{"title":"القاعدة الرابعة عشرة لم كان المعسر بالدين ينظر، والمعسر بنفقات الزوجات لا ينظر؟، أقول","level":2,"page":540},{"title":"القاعدة الخامسة عشرة: لم كان الثمن في البيع يتقرر بالعقد، والصداق في النكاح لا يتقرر بالعقد؟، هذا على قول، فإنه قد قيل: يتقرر بالعقد، وقيل أيضا: يتقرر النصف بالعقد.","level":2,"page":542},{"title":"القاعدة السادسة عشرة: أقرر فيها الفرق بين المتداعيين شيئا، لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وبين المتداعيين من الزوجين في متاع البيت يقدم كل واحد منهما فيما يشبه أن يكون له","level":2,"page":543},{"title":"القاعدة السابعة عشرة: أقرر فيها الفرق بين الوكالة والولاية في النكاح","level":2,"page":547},{"title":"القاعدة الثامنة عشرة: أقرر فيها الصريح من الطلاق وغير الصريح فأقول","level":2,"page":555},{"title":"القاعدة التاسعة عشرة: أقرر فيها ما يشترط في الطلاق من النية وما لا يشترط.","level":2,"page":560},{"title":"القاعدة العشرون: في الفرق بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين ما لا يمكن أن يتقرر في الذمة.","level":2,"page":564},{"title":"القاعدة الحادية والعشرون","level":2,"page":567},{"title":"القاعدة الثانية والعشرون: في الفرق بين العدة والاستياء حتى كانت العدة تجب وإن علم برآة رحمها، والاستبراء لا يجب إذا علم برآة رحمها، فنقول","level":2,"page":568},{"title":"القاعدة الثالثة والعشرون: لم كان قرء واحد يكفي في الاستبراء، وشهر واحد لمن لا تحيض لا يكفي في الاستبراء فلابد من ثلاثة أشهر، وثلاثة أشهر إنما جعلت مكان ثلاثة قروء؟","level":2,"page":569},{"title":"القاعدة الرابعة والعشرون: أقرر فيه الفرق بين خيار التمليك في الزوجات وتخيير الإماء في العتق حتى كان يلزم في الزوجات ولا يلزم في الإماء.","level":2,"page":569},{"title":"القاعدة الخامسة والعشرون: في الفرق بين التخيير والتمليك.","level":2,"page":571},{"title":"النفقة","level":1,"page":585},{"title":"قواعد البيوع","level":1,"page":587},{"title":"القاعدة الأولى: أقرر فيها أين يصح اجتماع العوضين لشخص واحد، وأين لا يصح؟","level":2,"page":587},{"title":"القاعدة الثانية: أقرر فيها الفرق بين من ملك أن يملك، هل يعد مالكا أم لا، وبين من انعقد له سبب مطالبة التمليك، هل يعد مالكا أم لا (٨ م)؟","level":2,"page":589},{"title":"القاعدة الثالثة: أقرر فيها الفرق بين النقل والإسقاط،","level":2,"page":592},{"title":"القاعدة الرابعة: أقرر فيها بيان ما يقبل الملك من الأعيان والمنافع مما لا يقبله،","level":2,"page":593},{"title":"القاعدة الخامسة: أقرر فيها ما يجوز بيعه وما لا يجوز،","level":2,"page":594},{"title":"القاعدة السادسة: في بيان ما تؤثر فيه الجهالة والغرر مما لا تؤثر،","level":2,"page":600},{"title":"القاعدة السابعة: نقرر فيها ما يجوز بيعه جزافا مما لا يجوز، فنقول","level":2,"page":601},{"title":"القاعدة الثامنة: أبين فيها ما يجوز بيعه على الصفة وما لا يجوز،","level":2,"page":602},{"title":"القاعدة التاسعة: أقرر فيها ما به يجوز بيع الربوي بجنسه وما به لا يجوز،","level":2,"page":604},{"title":"القاعدة العاشرة: أقرر فيها ما يدخله ربا الفضل وما لا يدخله،","level":2,"page":608},{"title":"القاعدة الحادية عشرة: أقرر فيها معنى الجهل ومعنى الغرر حتى يظهر بذلك اختلافهما.","level":2,"page":612},{"title":"القاعدة الثانية عشرة: أقرر فيها خيار المجلس وخيار الشرط، فأقول","level":2,"page":613},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة: نقرر فيها ما يجوز اجتماعه مع البيع وما لا يجوز.","level":2,"page":616},{"title":"القاعدة الرابعة عشرة: أقرر فيها ما يتعين من الأشياءوما ل يتعين في البيع ونحوه.","level":2,"page":617},{"title":"القاعدة الخامسة عشرة: أقرر فيها ما يجوز بيعه قبل قبضه وما لا يجوز","level":2,"page":621},{"title":"القاعدة السادسة عشرة: أقرر فيها ما يتبع العقد عرفا ومالا،","level":2,"page":622},{"title":"القاعدة السابعة عشرة: أقرر فيها ما يجوز به السلم ويصح،","level":2,"page":625},{"title":"القاعدة الثامنة عشرة في الصلح","level":2,"page":633},{"title":"القاعدة التاسعة عشرة: في تقرير حكم الأهوية وتقرير حكم ما تحت الأبنية.","level":2,"page":634},{"title":"القاعدة العشرون: أقرر فيها ما معنى الذمة وما معنى أهلية المعاملة","level":2,"page":637},{"title":"القاعدة الحادية والعشرون: أقرر فيها ما معنى الملك وما معنى التصرف،","level":2,"page":641},{"title":"القاعدة الثانية والعشرون رجح مالك - ﵀ - معاملة المسلمين على معاملة الكفا","level":2,"page":644},{"title":"القاعدة الثالثة: والعشرون: أقرر فيها ما مصلحته من العقود في اللزوم وما مصلحته عدم اللزوم،","level":2,"page":645},{"title":"القاعدة الرابعة والعشرون: أقرر فيها ما يمنع فيه الجهالة وما يشترط فيه الجهالة بحيث لو فقدت فسد.","level":2,"page":645},{"title":"القاعدة الخامسة والعشرون: أقرر فيها ما يثبت في الذمم وما لا،","level":2,"page":646},{"title":"الإجارة","level":1,"page":655},{"title":"القاعدة الأولى: أقرر فيها ما يملك من المنفعة بالاجارة وبين (١) ما لا يملك منها بالإجارة","level":2,"page":655},{"title":"القاعدة الثانية: أقرر فيها ما للمستاجر أخذه من ماله بعد انقضاء الإجارة مما ليس له أخذه","level":2,"page":656},{"title":"القاعدة الثالثة: أقرر فيها ما يضمنه الأجراء عند الهلاك مما لا يضمنونه.","level":2,"page":657},{"title":"القاعدة الرابعة: أقرر فيها ما للأجير إذا لم يعمل جميع العمل، فأقول","level":2,"page":659},{"title":"القاعدة الخامسة: أقرر فيها ما يضمن بالطرح من السفن وما لا يضمن.","level":2,"page":661},{"title":"القاعدة السادسة: في الفرق بين الإجارة والرزق، (١٤ م)","level":2,"page":663},{"title":"القاعدة السابعة: في الفرق بين تمليك الانتفاع وتمليك المنفعة.","level":2,"page":668},{"title":"الضمان","level":1,"page":672},{"title":"القاعدة الأولى: نقرر فيها ما به يكون الضمان","level":2,"page":672},{"title":"القاعدة الثانية: فيما يتعلق بالصائل","level":2,"page":679},{"title":"القسمة، والمساقاة، والقراض، والمرافق، والإحياء، والتوكيل، واللقطة، والإقرار، والاستحقاق","level":1,"page":688},{"title":"القاعدة الأولى في بيان ما يقبل القسمة: إعلم أن الذي يقبل القسمة ما عرى عن أربعة أشياء","level":2,"page":688},{"title":"القاعدة الثانية: ما يجوز التوكيل فيه مما لا يجوز","level":2,"page":691},{"title":"القاعدة الثالثة: في الفرق بين الأملاك الناشئة عن الإحياء وبين الاملاك الناشئة عن غير الإحياء","level":2,"page":691},{"title":"القاعدة الرابعة: في تقرير ما يوجب استحقاق بعضه إبطال العقد في الكل مما لا","level":2,"page":694},{"title":"القاعدة الخامسة في حكم اللقطة","level":2,"page":694},{"title":"القاعدة السادسة: لتمييز ما يرد من القراض الفاسد إلى أجرة المثل مما يرد إلى قراض المثل","level":2,"page":697},{"title":"القاعدة السابعة: في تقرير ما يرد إلى مساقاة المثل مما يرد إلى أجرة المثل منها","level":2,"page":699},{"title":"القاعدة الثامنة: في تقرير الإقرار الذي يقبل الرجوع عنه وتمييزه عما لا يقبل الرجوع عنه","level":2,"page":699},{"title":"الدعاوى والشهادات","level":1,"page":703},{"title":"القاعدة الأولى: في تمييز الدعوى الصحيحة من الدعوى الباطلة","level":2,"page":703},{"title":"القاعدة الثانية: في تمييز المدعي من المدعى عليه","level":2,"page":708},{"title":"القاعدة الثالثة: في الفرق بين ما يحتاج للدعوى وبين ما لا يحتاج إليها","level":2,"page":714},{"title":"القاعدة الرابعة: في تقرير اليد المعتبرة المرجحة لقول صاحبها","level":2,"page":716},{"title":"القاعدة الخامسة: في تقرير ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دعي إليه مما لا تجب","level":2,"page":717},{"title":"القاعدة السادسة: في الفرق بين قاعدة ما يشرع فيه الحبس وبين قاعدة ما لا يشرع","level":2,"page":718},{"title":"القاعدة السابعة: في تقرير من يلزمه الحلف","level":2,"page":719},{"title":"القاعدة الثامنة في تمييز المعصية التي هي كبيرة مانعة من قبول الشهادة من التي ليست كذلك","level":2,"page":722},{"title":"القاعدة التاسعة: في تقرير التهمة التي ترد بها الشهادة بعد العدالة من التي لا ترد بها الشهادة.","level":2,"page":728},{"title":"القاعدة العاشرة: في ذكر ما يصلح أن يكون مستندا للشهادات.","level":2,"page":730},{"title":"القاعدة الحادية عشرة: في تقرير ما هو حجة عند الحكام","level":2,"page":732},{"title":"القاعدة الثانية عشرة: في تقرير ما يقع به الترجيح في البينات عند التعارض.","level":2,"page":753},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة: في تقرير ما اعتبر من الغالب وما ألغي من الغالب.","level":2,"page":757},{"title":"القاعدة الرابعة عشرة: في تمييز ما يصح الإقراع فيه مما لا.","level":2,"page":766},{"title":"القاعدة الخامسة عشرة: في كيفية أداء الشاهد شهادته عند القاضي.","level":2,"page":769},{"title":"القاعدة السادسة عشرة: في الفرق بين الفتوى والحكم.","level":2,"page":774},{"title":"القاعدة السابعة عشرة في تقرير ما ينفذ من تصرفات الولاة والقضاة مما لا ينفذ","level":2,"page":779},{"title":"القاعدة الثامنة عشرة في تمييز ما تشترط فيه العدالة مما لا تشترط فيه.","level":2,"page":792},{"title":"القاعدة التاسعة عشرة: في ضم الشهادات","level":2,"page":794},{"title":"كتاب الحدود وما في معناها","level":1,"page":798},{"title":"القاعدة الأولى: في تقرير ما هو شبهة يدرأ بها الحد مما لا","level":2,"page":798},{"title":"القاعدة الثانية: في الفرق بين القذف يقع بين الزوجين، وبين الأجانب.","level":2,"page":802},{"title":"القاعدة الثالثة: أقرر فيها الفرق بين الحد والتعزيز،","level":2,"page":804},{"title":"القاعدة الرابعة: في الفرق بين الحصانة لا تعود بالعدالة، والفسوق يعود بالجناية.","level":2,"page":811},{"title":"القاعدة الخامسة: في القصاص","level":2,"page":815},{"title":"القاعدة السادسة: نقر الفرق بين المسكرات والمفسدات والمرقدات (٤٦ م)، فنقول","level":2,"page":818},{"title":"الفرائض","level":1,"page":832},{"title":"القاعدة الأولى في تقرير ما ينتقل إلى الأقارب من الأحكام","level":2,"page":832},{"title":"القاعدة الثانية في تقرير الفرق بين أسباب التوارث وأجزاء أسبابها العامة والخاصة.","level":2,"page":835},{"title":"القاعدة الثالثة في تقرير أسباب التوارث وشروطه وموانعه.","level":2,"page":837},{"title":"الجامع","level":1,"page":845},{"title":"القاعدة الأولى: في تقرير ما يحرم من البدع وينهى عنها مما ليس كذلك","level":2,"page":846},{"title":"القاعدة الثانية: في الفرق بين ما هو من الدعاء كفر وبين ما ليس بكفر.","level":2,"page":852},{"title":"القاعدة الثالثة: في انقسام ما ليس بكفر من الدعاء إلى محرم وغير محرم.","level":2,"page":858},{"title":"القاعدة الرابعة: في تمييز ما يكره من الدعاء مما ليس بمكروه.","level":2,"page":881},{"title":"القاعدة الخامسة: في تمييز ما يجب تعلمه من النجوم مما لا يجب.","level":2,"page":883},{"title":"القاعدة السادسة في تمييز الغيبة التي لا تحرم من التي تحرم، فأقول أولا","level":2,"page":888},{"title":"القاعدة السابعة: في الفرق بين الحسد والغبطة","level":2,"page":892},{"title":"القاعدة الثامنة: في الفرق بين التكبر والتجمل بالملابس، وبين الكبر والعجب","level":2,"page":893},{"title":"القاعدة التاسعة في تقرير المداهنة الجائزة وتمييزها عن التي لا تجوز.","level":2,"page":896},{"title":"القاعدة العاشرة: في تمييز المعصية التي هي كفر عن المعصية التي ليست كفرا","level":2,"page":897},{"title":"القاعدة الحادية عشرة: في تقرير معنى الزهد.","level":2,"page":925},{"title":"القاعدة الثانية عشرة: في التوكل","level":2,"page":932},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة: في الكلام على الرضى بالقضاء.","level":2,"page":934},{"title":"القاعدة الرابعة عشرة في تمييز المكفرات عن أسباب المثوبات.","level":2,"page":937},{"title":"القاعدة الخامسة عشرة: في تمييز الخوف من غير الله الذي لا يحرم من الذي يحرم منه","level":2,"page":940},{"title":"القاعدة السادسة عشرة: في تقرير ما يلزم الكفار إذا أسلم وما لا يلزمه","level":2,"page":942},{"title":"القاعدة السابعة عشرة: في الكذب وفي الوعد وفي خلف الوعد.","level":2,"page":943},{"title":"القاعدة الثامنة عشرة فيما يتعلق بالطيرة والفال، فأقول","level":2,"page":946},{"title":"القاعدة التاسعة عشرة في الرؤيا التي تعبر من التي لا تعبر.","level":2,"page":949},{"title":"القاعدة العشرون: في تقرير ما يباح من عشرة الناس من المكارمة وما ينهى عنه من ذلك","level":2,"page":963},{"title":"القاعدة الحادية والعشرون: في بيان ما يجب النهي عنه من المفاسد وما يحرم وما يندب.","level":2,"page":970},{"title":"القاعدة الثانية والعشرون فى الفرق بين الرياء في العبادات وبين التشريك فيها.","level":2,"page":975},{"title":"القاعدة الثالثة والعشرون: فيما به يكون التفضيل.","level":2,"page":978},{"title":"القاعدة الرابعة والعشرون: فيمن يقدم للولاية ومن يتأخر عنها","level":2,"page":991},{"title":"القاعدة الخامسة والعشرون في الاستغفار.","level":2,"page":996},{"title":"القاعدة السادسة والعشرون: في معنى الأفضلية والمزية","level":2,"page":1000},{"title":"القاعدة السابعة والعشرون في تمييز حقوق الله تعالى عن حقوق العباد.","level":2,"page":1002},{"title":"القاعدة الثامنة والعشرون في تمييز حقوق الوالدين عن الأجانب.","level":2,"page":1005},{"title":"القاعدة التاسعة والعشرون فيما يترك من الجهل ولا يواخذ عليه مما لا","level":2,"page":1022},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":1030},{"title":"جدول بتصويب بعض الأخطاء المطبعية التي وقعت في الجزء الأول من هذا الكتاب","level":1,"page":1038},{"title":"ترجمة محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد بن محمد القوري","level":1,"page":1040},{"title":"خاتمة","level":1,"page":1042}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,381":376,"1,382":377,"1,383":378,"1,384":379,"1,385":380,"1,386":381,"1,387":382,"1,388":383,"1,389":384,"1,390":385,"1,391":386,"1,392":387,"1,393":388,"1,394":389,"1,395":390,"1,396":391,"1,397":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,409":402,"1,410":403,"1,411":404,"1,412":405,"1,413":406,"1,414":407,"1,415":408,"1,417":409,"1,418":410,"1,419":411,"1,420":412,"1,421":413,"1,422":414,"1,423":415,"1,424":416,"1,425":417,"1,426":418,"1,427":419,"1,428":420,"1,429":421,"1,430":422,"1,431":423,"1,432":424,"1,433":425,"1,434":426,"1,435":427,"1,436":428,"1,437":429,"1,438":430,"1,439":431,"1,441":432,"1,442":433,"1,443":434,"1,444":435,"1,445":436,"1,446":437,"1,447":438,"1,448":439,"1,449":440,"1,450":441,"1,451":442,"1,452":443,"1,453":444,"1,454":445,"1,455":446,"1,456":447,"1,457":448,"1,458":449,"1,459":450,"1,460":451,"1,461":452,"1,462":453,"1,463":454,"1,464":455,"1,465":456,"1,466":457,"1,467":458,"1,468":459,"1,469":460,"1,470":461,"1,471":462,"1,472":463,"1,473":464,"1,474":465,"1,475":466,"1,476":467,"1,477":468,"1,478":469,"1,479":470,"1,480":471,"1,481":472,"1,482":473,"1,483":474,"1,484":475,"1,485":476,"1,486":477,"1,487":478,"1,488":479,"1,489":480,"1,490":481,"1,491":482,"1,492":483,"1,493":484,"1,494":485,"1,509":486,"1,510":487,"1,511":488,"1,512":489,"2,7":491,"2,8":492,"2,9":493,"2,10":494,"2,11":495,"2,12":496,"2,13":497,"2,14":498,"2,15":499,"2,16":500,"2,17":501,"2,18":502,"2,19":503,"2,20":504,"2,21":505,"2,22":506,"2,23":507,"2,24":508,"2,25":509,"2,26":510,"2,27":511,"2,28":512,"2,29":513,"2,30":514,"2,31":515,"2,32":516,"2,33":517,"2,34":518,"2,35":519,"2,36":520,"2,37":521,"2,38":522,"2,39":523,"2,40":524,"2,41":525,"2,42":526,"2,43":527,"2,44":528,"2,45":529,"2,46":530,"2,47":531,"2,48":532,"2,49":533,"2,50":534,"2,51":535,"2,52":536,"2,53":537,"2,54":538,"2,55":539,"2,56":540,"2,57":541,"2,58":542,"2,59":543,"2,60":544,"2,61":545,"2,62":546,"2,63":547,"2,64":548,"2,65":549,"2,66":550,"2,67":551,"2,68":552,"2,69":553,"2,70":554,"2,71":555,"2,72":556,"2,73":557,"2,74":558,"2,75":559,"2,76":560,"2,77":561,"2,78":562,"2,79":563,"2,80":564,"2,81":565,"2,82":566,"2,83":567,"2,84":568,"2,85":569,"2,86":570,"2,87":571,"2,88":572,"2,89":573,"2,90":574,"2,91":575,"2,92":576,"2,93":577,"2,94":578,"2,95":579,"2,96":580,"2,97":581,"2,98":582,"2,99":583,"2,100":584,"2,101":585,"2,102":586,"2,103":587,"2,104":588,"2,105":589,"2,106":590,"2,107":591,"2,108":592,"2,109":593,"2,110":594,"2,111":595,"2,112":596,"2,113":597,"2,114":598,"2,115":599,"2,116":600,"2,117":601,"2,118":602,"2,119":603,"2,120":604,"2,121":605,"2,122":606,"2,123":607,"2,124":608,"2,125":609,"2,126":610,"2,127":611,"2,128":612,"2,129":613,"2,130":614,"2,131":615,"2,132":616,"2,133":617,"2,134":618,"2,135":619,"2,136":620,"2,137":621,"2,138":622,"2,139":623,"2,140":624,"2,141":625,"2,142":626,"2,143":627,"2,144":628,"2,145":629,"2,146":630,"2,147":631,"2,148":632,"2,149":633,"2,150":634,"2,151":635,"2,152":636,"2,153":637,"2,154":638,"2,155":639,"2,156":640,"2,157":641,"2,158":642,"2,159":643,"2,160":644,"2,161":645,"2,162":646,"2,163":647,"2,164":648,"2,165":649,"2,166":650,"2,167":651,"2,168":652,"2,169":653,"2,170":654,"2,171":655,"2,172":656,"2,173":657,"2,174":658,"2,175":659,"2,176":660,"2,177":661,"2,178":662,"2,179":663,"2,180":664,"2,181":665,"2,182":666,"2,183":667,"2,184":668,"2,185":669,"2,186":670,"2,187":671,"2,188":672,"2,189":673,"2,190":674,"2,191":675,"2,192":676,"2,193":677,"2,194":678,"2,195":679,"2,196":680,"2,197":681,"2,198":682,"2,199":683,"2,200":684,"2,201":685,"2,202":686,"2,203":687,"2,204":688,"2,205":689,"2,206":690,"2,207":691,"2,208":692,"2,209":693,"2,210":694,"2,211":695,"2,212":696,"2,213":697,"2,214":698,"2,215":699,"2,216":700,"2,217":701,"2,218":702,"2,219":703,"2,220":704,"2,221":705,"2,222":706,"2,223":707,"2,224":708,"2,225":709,"2,226":710,"2,227":711,"2,228":712,"2,229":713,"2,230":714,"2,231":715,"2,232":716,"2,233":717,"2,234":718,"2,235":719,"2,236":720,"2,237":721,"2,238":722,"2,239":723,"2,240":724,"2,241":725,"2,242":726,"2,243":727,"2,244":728,"2,245":729,"2,246":730,"2,247":731,"2,248":732,"2,249":733,"2,250":734,"2,251":735,"2,252":736,"2,253":737,"2,254":738,"2,255":739,"2,256":740,"2,257":741,"2,258":742,"2,259":743,"2,260":744,"2,261":745,"2,262":746,"2,263":747,"2,264":748,"2,265":749,"2,266":750,"2,267":751,"2,268":752,"2,269":753,"2,270":754,"2,271":755,"2,272":756,"2,273":757,"2,274":758,"2,275":759,"2,276":760,"2,277":761,"2,278":762,"2,279":763,"2,280":764,"2,281":765,"2,282":766,"2,283":767,"2,284":768,"2,285":769,"2,286":770,"2,287":771,"2,288":772,"2,289":773,"2,290":774,"2,291":775,"2,292":776,"2,293":777,"2,294":778,"2,295":779,"2,296":780,"2,297":781,"2,298":782,"2,299":783,"2,300":784,"2,301":785,"2,302":786,"2,303":787,"2,304":788,"2,305":789,"2,306":790,"2,307":791,"2,308":792,"2,309":793,"2,310":794,"2,311":795,"2,312":796,"2,313":797,"2,314":798,"2,315":799,"2,316":800,"2,317":801,"2,318":802,"2,319":803,"2,320":804,"2,321":805,"2,322":806,"2,323":807,"2,324":808,"2,325":809,"2,326":810,"2,327":811,"2,328":812,"2,329":813,"2,330":814,"2,331":815,"2,332":816,"2,333":817,"2,334":818,"2,335":819,"2,336":820,"2,337":821,"2,338":822,"2,339":823,"2,340":824,"2,341":825,"2,342":826,"2,343":827,"2,344":828,"2,345":829,"2,346":830,"2,347":831,"2,348":832,"2,349":833,"2,350":834,"2,351":835,"2,352":836,"2,353":837,"2,354":838,"2,355":839,"2,356":840,"2,357":841,"2,358":842,"2,359":843,"2,360":844,"2,361":845,"2,362":846,"2,363":847,"2,364":848,"2,365":849,"2,366":850,"2,367":851,"2,368":852,"2,369":853,"2,370":854,"2,371":855,"2,372":856,"2,373":857,"2,374":858,"2,375":859,"2,376":860,"2,377":861,"2,378":862,"2,379":863,"2,380":864,"2,381":865,"2,382":866,"2,383":867,"2,384":868,"2,385":869,"2,386":870,"2,387":871,"2,388":872,"2,389":873,"2,390":874,"2,391":875,"2,392":876,"2,393":877,"2,394":878,"2,395":879,"2,396":880,"2,397":881,"2,398":882,"2,399":883,"2,400":884,"2,401":885,"2,402":886,"2,403":887,"2,404":888,"2,405":889,"2,406":890,"2,407":891,"2,408":892,"2,409":893,"2,410":894,"2,411":895,"2,412":896,"2,413":897,"2,414":898,"2,415":899,"2,416":900,"2,417":901,"2,418":902,"2,419":903,"2,420":904,"2,421":905,"2,422":906,"2,423":907,"2,424":908,"2,425":909,"2,426":910,"2,427":911,"2,428":912,"2,429":913,"2,430":914,"2,431":915,"2,432":916,"2,433":917,"2,434":918,"2,435":919,"2,436":920,"2,437":921,"2,438":922,"2,439":923,"2,440":924,"2,441":925,"2,442":926,"2,443":927,"2,444":928,"2,445":929,"2,446":930,"2,447":931,"2,448":932,"2,449":933,"2,450":934,"2,451":935,"2,452":936,"2,453":937,"2,454":938,"2,455":939,"2,456":940,"2,457":941,"2,458":942,"2,459":943,"2,460":944,"2,461":945,"2,462":946,"2,463":947,"2,464":948,"2,465":949,"2,466":950,"2,467":951,"2,468":952,"2,469":953,"2,470":954,"2,471":955,"2,472":956,"2,473":957,"2,474":958,"2,475":959,"2,476":960,"2,477":961,"2,478":962,"2,479":963,"2,480":964,"2,481":965,"2,482":966,"2,483":967,"2,484":968,"2,485":969,"2,486":970,"2,487":971,"2,488":972,"2,489":973,"2,490":974,"2,491":975,"2,492":976,"2,493":977,"2,494":978,"2,495":979,"2,496":980,"2,497":981,"2,498":982,"2,499":983,"2,500":984,"2,501":985,"2,502":986,"2,503":987,"2,504":988,"2,505":989,"2,506":990,"2,507":991,"2,508":992,"2,509":993,"2,510":994,"2,511":995,"2,512":996,"2,513":997,"2,514":998,"2,515":999,"2,516":1000,"2,517":1001,"2,518":1002,"2,519":1003,"2,520":1004,"2,521":1005,"2,522":1006,"2,523":1007,"2,524":1008,"2,525":1009,"2,526":1010,"2,527":1011,"2,528":1012,"2,529":1013,"2,530":1014,"2,531":1015,"2,532":1016,"2,533":1017,"2,534":1018,"2,535":1019,"2,536":1020,"2,537":1021,"2,538":1022,"2,539":1023,"2,540":1024,"2,541":1025,"2,542":1026,"2,543":1027,"2,544":1028,"2,545":1029,"2,549":1030,"2,550":1031,"2,551":1032,"2,552":1033,"2,553":1034,"2,554":1035,"2,555":1036,"2,556":1037,"2,583":1038,"2,584":1039,"2,585":1040,"2,586":1041,"2,587":1042,"2,588":1043,"2,589":1044},"ٜ":{"1":[3,512],"2":[7,589]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,509","1,510","1,511","1,512",null,"2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589"],"ٞ":{"2":[1,2],"4":[3],"11":[4],"14":[5],"15":[6],"16":[7],"36":[8,9],"38":[10],"40":[11],"41":[12],"42":[13,14],"43":[15],"44":[16],"45":[17,18],"46":[19],"47":[20,21],"51":[22,23],"75":[24],"87":[25],"90":[26],"97":[27],"98":[28],"100":[29],"101":[30],"103":[31,32],"104":[33],"107":[34],"108":[35],"113":[36],"114":[37],"117":[38,39],"123":[40],"126":[41],"127":[42],"130":[43],"138":[44],"140":[45],"143":[46],"145":[47],"147":[48],"149":[49],"157":[50],"162":[51],"165":[52],"167":[53],"174":[54],"175":[55],"176":[56],"179":[57],"180":[58],"182":[59],"185":[60],"190":[61],"203":[62],"208":[63],"211":[64],"214":[65],"217":[66],"219":[67,68],"222":[69],"223":[70],"229":[71],"234":[72],"236":[73],"238":[74],"243":[75],"247":[76],"253":[77,78],"255":[79,80],"259":[81,82],"272":[83],"304":[84,85],"306":[86],"308":[87],"310":[88],"311":[89],"312":[90],"314":[91],"317":[92],"321":[93],"324":[94],"325":[95],"329":[96],"331":[97],"335":[98],"338":[99],"343":[100],"345":[101,102],"347":[103],"349":[104],"351":[105],"353":[106],"357":[107,108],"359":[109],"364":[110],"365":[111],"367":[112],"369":[113],"376":[114,115],"378":[116],"381":[117],"383":[118],"388":[119],"393":[120,121],"398":[122],"402":[123,124],"403":[125],"405":[126],"409":[127,128],"410":[129],"414":[130],"415":[131],"419":[132,133],"420":[134],"422":[135],"424":[136],"427":[137],"431":[138],"432":[139,140],"443":[141],"458":[142],"463":[143],"465":[144],"471":[145],"474":[146],"476":[147],"505":[148,149],"507":[150],"508":[151],"509":[152],"514":[153],"516":[154],"517":[155],"520":[156],"524":[157],"527":[158],"530":[159],"532":[160],"538":[161],"540":[162],"542":[163],"543":[164],"547":[165],"555":[166],"560":[167],"564":[168],"567":[169],"568":[170],"569":[171,172],"571":[173],"585":[174],"587":[175,176],"589":[177],"592":[178],"593":[179],"594":[180],"600":[181],"601":[182],"602":[183],"604":[184],"608":[185],"612":[186],"613":[187],"616":[188],"617":[189],"621":[190],"622":[191],"625":[192],"633":[193],"634":[194],"637":[195],"641":[196],"644":[197],"645":[198,199],"646":[200],"655":[201,202],"656":[203],"657":[204],"659":[205],"661":[206],"663":[207],"668":[208],"672":[209,210],"679":[211],"688":[212,213],"691":[214,215],"694":[216,217],"697":[218],"699":[219,220],"703":[221,222],"708":[223],"714":[224],"716":[225],"717":[226],"718":[227],"719":[228],"722":[229],"728":[230],"730":[231],"732":[232],"753":[233],"757":[234],"766":[235],"769":[236],"774":[237],"779":[238],"792":[239],"794":[240],"798":[241,242],"802":[243],"804":[244],"811":[245],"815":[246],"818":[247],"832":[248,249],"835":[250],"837":[251],"845":[252],"846":[253],"852":[254],"858":[255],"881":[256],"883":[257],"888":[258],"892":[259],"893":[260],"896":[261],"897":[262],"925":[263],"932":[264],"934":[265],"937":[266],"940":[267],"942":[268],"943":[269],"946":[270],"949":[271],"963":[272],"970":[273],"975":[274],"978":[275],"991":[276],"996":[277],"1000":[278],"1002":[279],"1005":[280],"1022":[281],"1030":[282],"1038":[283],"1040":[284],"1042":[285]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ترتيب الفروق واختصارها\n\nتأليف\nأبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري (المتوفى سنة ٧٠٧ هـ)\nرتب فيه واختصر فروق شهاب الدين القرافي في القواعد الفقهية\n\nتحقيق\nالأستاذ عمر ابن عباد\nخريج دار الحديث الحسنية\n\n[الجزء الأول]","vol":"1","page":null},{"text":"تقديم\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.\nوبعد، فإن كتاب الفروق في القواعد الفقهية لمؤلفه الإمام العلامة، الفقيه الأصولي الكبير، الجامع بين علوم النقل والعقل، أبي العباس، شهاب الدين أحمد بن ادريس القرافي الصنهاجى ﵀، كتاب جليل القدر، عظيم الفائدة، انتشر نفعه، وذاع صيته بين العلماء منذ تأليفه، وظل عمدة للفقهاء، ومرجعا لهم في كثير من الأحكام الفقهية، والفروع والمسائل الجزئية، المؤسسة على أصول الشريعة، أو قاعدة من قواعدها الكلية، بحيث لا يكاد كتاب من أمهاث الفقه يخلو من ذكره والإشارة إليه.\nومن ثم كان لهذا الكتاب أهميتُه الخاصة، ومكانته البارزة بين تلك الكتب والمؤلفات القيمة التي ألفها العلماء في هذا الموضوع على مختلف مذاهبهم الفقهية في تأصيله لملك القواعد على مذهب الامام مالك ﵀ وأصوله المعتمدة.\nغير أن الإمام القرافي ﵀ لم يأخذ في كتابه هذا بالطريقة المعروفة والمعتادة عند الفقهاء في التصنيف على الأبواب، فلم ينهج فيه منهج الترتيب والتبويب، ولم يسلك فيه مسلك التصنيف الذي يضم مجموعة من القواعد والأحكام، ويُدْرِجها في باب، وإنما جمع الفروق بين القواعد الفقهية التي اشتمل عليها، وضمها بكيفية متتابعة تجعل القارئ والدارس ينتقل بين فرق وآخر، وقاعدة وأخرى، متتبعا للكتاب، وباحثا عن الفرق الذي يعنيه ويهمه في مسألة من السائل أو جزئية من الجزئيات، أو قاعدة من قواعدها الكلية.\nوقد يسر الله لهذا الكتاب ولمؤلفه من يقوم في عصره بدراسة وافية له، فاستوعبه وحصله وتعمق فيه، فعمل على اختِصَارِهِ وترتيبه على أساس إرجاع كل مجموعة من القواعد فيه الى العلم الذي تنتمي إليه، والى الباب الذي يناسبها وتندرج فيه من الأبواب الفقهية، فكان ذلكم هو العالِمَ الجليل، والفقيه الكبير، والصوفي الورع الشهير تلميذ القرافي، أبو عبد الله محمد بن ابراهيم البقوري المتوفى بمراكش عام سبع وسبعمائة هجرية (٧٠٧ هـ).\nفقد عمد هذا الفقيه المتمكن من علوم النقل والعقل، إلى كتاب شيخه القرافي في الفروق، فاختصره ورتبه وبوبه، ونبه على ما ظهر له فيه، وألحق به ما يناسبه مما لم يذكره القرافي من المسائل والقواعد. فجاء كتاب الترتيب هذا كتابا مكتملا وافيا، وفي صياغة وصورة جديدة، جمعت بين ما اشتمل عليه الكتاب الأصلي من القواعد الكلية وتفريعاتها الجزنية، وبين تلك المزايا والفوائد المشار إليها، والتي ميزت كتاب ترتيب الفروق واختصارها، مما يساعد على الرجوع إليها والانتفاع بها في يسر وسهولة ووضوح وجلاءٍ.","vol":"1","page":3},{"text":"وقد ظل هذا الكتاب الفقهي الهام تراثا مغمورا بين رفوف المكتبات العامة، مكنوزا بين خزائنها العلمية الوفيرة، حتى أراد الله إظهاره لحيز الوجود، واخراجه للانتفاع به من العلماء، فوقع اختيار وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية عليه ليكون ضمن كتب التراث الاسلامي، والدراساث العلمية القيمة التي تطبعها الوزارة سنويا، وتصدرها في شهر رمضان من كل عام، وعهدت إلى أحد الاساتذة العلماء المتخرجين من دار الحديث الحسنية هو الاستاذ ابن عباد عمر، لما عُرف عنه من اهتمام بالفقه وأصوله وقواعِدِهِ وغيرها من العلوم الاسلامية، فاستجاب للقيام بهذا العمل العلمى الهام، فأوْلَاهُ عناية واهتماما، وبذل مجهودًا حميدا في اقتحام الميدان، واستسهال الصعاب، وواصل العمل في تحقيق هذا الكتاب على ما هو عليه من كبر الحجم، وسعة الموضوع ودقة العبارة، وتنوع المضمون وتشعب المحتوى، مما جعله موسوعة من العلوم والمعارف المختلفة والابواب والفصول الفقهية المتعددة.\nوانطلاقا من الرسالة الدينية والعلمية التي تضطلع بها وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية في مضمار إحياء التراث الاسلامي وطبعه ونشر أمهات كتبه الوفيرة المفيدة. واعتبارًا للاهمية والمكانة الكبيرة التي لكتاب الفروق للامام القرافي، ولاختصاره وترتيبه الذي الفه تلميذه الشيخ البقوري رحمهما الله.\nفإن الوزارة يسعدها أن ئطبع هذا الكتاب الذي يحمل عنوان:\n\"ترتيب الفروق واختصارها\"، وأن تصدر الجزء الاول منه في مطلع شهر رمضان المبارك لعام ١٤١٤ هـ، على أن تتبعه بالجزء الثاني المتمم للكتاب في غضون الشهور القليلة القادمة بحول الله، وذلك حتى يكون مكتملا، ومرجعا بين أيدي السادة العلماء المتمكنين، والأساتذة الباحثين، والطلبة الدارسين، المهتمين بدراسة الفقه الاسلامي والمتخصصين في أصوله وفروعه، وأدلته ومقاصد الشريعة الاسلامية الحكيمة.\nوإن الوزارةَ لتسألُ الله العلي القدير أن يجعل طبع هذا الكتاب في سجل الأعمال الصالحة والحسنات الخالدة والمكارم الحميدة لمولانا أمير المؤمنين حامي حِمَى الوطن والدين، جلالة الحسن الثاني، وأن يكون من الثمار الطيبة لغرسه الطيب المبارك، المتمثل في مؤسسة دار الحديث الحسنية التي أسسها أعزه الله على تقوى من الله ورضوان، لتكون إشعاعا مستمرا للعلوم الاسلامية، ولتظل منارًا لِلْعرفان، وأن ينفع الله له العلماء والفقهاء وكافة الدارسين والباحثين وكافة المسلمين، ويجعلَ العمل فيه خالصا لوجهه الكريم، وأن يقر الله عين جلالة أمير المؤمنين بولي عهده الأمجد، صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه الأسعد صاحب السمو الملكي الأمير المجيد مولاي رشيد، وأن يحفظه في كافة أسرته الملكية الشريفة، إنه سبحانه سميع مجيب.\n\nوزير الأوقاف والشؤون الاسلامية\nالدكتور عبد الكبير العلوي المدغري","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة التحقيق</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبى الله ورسوله الامين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.\nوبعد، فإن كتاب ترتيب الفروق واختصارها لمؤلفه الجليل، الفقيه الأصولي الكبير، الشيخ أبي عبد الله محمد بن ابراهيم البقوري المتوفى بمراكش عام سبع وسبعمائة هجرية (٧٠٧ هـ)، يعتبر تراثا فقهيا هاما بين كتب تراث الفقه الاسلامي وقواعده الفقهية العامة على مذهب الامام مالك ﵀.\nذلك أن مؤلفه ﵀ اختصر فيه ورتب فيه كتاب الفروق بين القواعد الفقهية لشيخه الجليل، فريد دهره ووحيد عصره، الإمام المحقق أبي العباس، شهاب الدين احمد بن ادريس القرافي ﵀. ومكانة كتاب الفروق، وأهميته العلمية من المعرفة والشهرة بمكان، ولا تخفى على اصحاب الفضيلة العلماء مشرقا ومغربا، منذ تأليفه في القرن السادس الهجري، حيث ظلوا يرجعون إليه ويعتمدونه في كثير من الفروع والمسائل الجزئية، المؤسسة على القواعد الكليهَ الفقهية، ولا يكاد كتاب من الكتب الواسعة في الفقه وقواعده، وأصوله يخلو من ذكره والاشارة اليه، والاستشهاد بكلامه وقواعده.\nوفد أوضع شهاب الدين القرافي نفسه هذه الاهمية والمكانة التى لكتابه الفروق في فقرات من ديباجته التى قدّم بها لكتابه هذا حيث قال فيها ﵀.\n\"أما بعد، فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفًا وعلُوا اشتملت على أصول وفروع. وأصولها قسمان:\nأحدهما المسمى: بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الاحكام الناشئة عن الالفاظ العربية خاصة، وما يَعرِض لتلك الالفاظ من النسخ والترجيح، ونحو الامر للوجوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلَّا كون القياس حجة، وخبر الواحد، وصفات المجتهدين.\nوالقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء فى أصول الفقه وإن اتفقت الاشارة اليه هنالك على سبيل الاجمال، فبقِي تفصيله لم يتحصَّل.\nوهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الاحاطة بها يعْظُمُ قدر الفقيه ويَشْرُف، ويظهر رونق الفقه ويُعرَف، وتنضِح مناهج الفتاوى وتُكْشَف، فيها تنافَسَ العلِماء، وتفاضلَ الفضلاء، وبرز القارح على الجَذَع، وحاز قصَبَ السبق من فيها بَرِع، ومَن جَعلَ يُخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تنافضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها وِاضطربت، وضافت نفسه لذلك وقنِطَت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التى لا تتناهى، وانتهى العُمُر ولم تقْضِ نفسُه مِنْ طلَبٍ مُنَاها. ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها فى الكليات،","vol":"1","page":5},{"text":"واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب، وأجاب الشاسع البعيدَ وتقارب، وحصل طَلبتَة في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما اشرق فيه من البيان، فبَيْن المَقاميْن شأوٌ بعيد، وبين المنزلتين تفاوُتٌ شديد.\nوقد ألهمنى الله تعالى بفضله أن وضعث في أثناء كتاب الذخيرة من هذه القواعِدِ شيئا كثيرا مفرَّقًا في أبواب الفقه، كلّ فاعدة في بابها وحيث تبنى عليها فروعها، ثم أوجد الله تعالى في نفسي أن تلك القواعد لو اجتمعت في كتاب وزِيدَ في تلخيصها وبيانِها والكشفِ عن أسرارها وحِكمها لكان ذلك أظهر لبهجتها ورونقها، وتكيَّفَتْ نفس الواقفِ عليها بها مجتمعةً أكئر مما إذا رآها مَفَّرقة، وربَّما لم يقِف إلَا على اليسير منها هناك لعدم استيعابه لجميع ابواب الفقه، وأينما يقف على قاعدهَ ذهب عن خاطره ما قبلها، بخلاف اجتماعها وتظافرها، فوضعت هذا الكتاب للقواعد خاصة، وزِدت قواعد كثيرة ليست في الذخيرة، وزدت ما وقع منها في الذخبرة بسطا وايضاحا، فإني في الذخيرة رغِبت في كثرة النقل للفروع لأنه أخص بكتب الفروع، وكرِهت أن أجمعَ بين ذلك وكثرةِ البسط في المباحث والقواعد فيخرج الكتاب الى حد يعْسُرُ على الطلبة تحصيله. أما هنا فالعذر زائل، والمانع ذاهب، فاستوعب ما يفتع الله به إن شاء الله تعالى، وجعلتُ مبادئ المباحث في القواعد بذكر الفروق والسؤال عنها بين فرعين أو قاعدتين، فإن وقع السؤال عن الفرق بين الفرعين فبيانه بذكر فاعدة أو قاعدتين يحصل بهما الفرق، وهما المقصودتان، وذِكْر الفرق وسيلة لنحصيلهما، وان وقع السؤال عن الفرق بين القاعدتين فالمقصود تحقيقهما، وَيكون تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما أولَى من تحقيقهما بغير ذلك، فإنَّ ضَمَّ القاعدة الي ما يُشاكلها في الظاهر ويضادها في الباطن أولى، لِأنَّ الضد يُظهر حُسْنَه الضدُّ وبضدها تتميز الأشياء، وتقدم فبل هذا كتاب لي سميته كتاب (الإحكام في الفرق بين الفتاوي والأحكام، وتَصَرُّفِ القاضي والإمام، ذكرت في هذا الفرق أربعين مسألة جامعة لأسرار هذه الفروق، وهو كتاب مستقِل يُستغنَى به عن الإعادة هنا. فمن شاء طالع ذلك الكتاب فهو حسن فِي بابه، وعوائدُ الفضلاء وضعُ كتب الفروق بين الفروع، وهذا في الفروق بَيْن القواعد وتلخيصها، فله من الشرف على تلك الكتُب شرف الاصول على الفروع، وسميته لذلك (أنوار البروق، في أنواء الفروق)، ولك أن تسمِيه كتابَ الانوار والانواء)، أو كتاب (الانوار والقواعد السّنِية في الاسرار الفقهية)، كل ذلك لَكَ، وجمعت فيه مِن القواعد خمسَمائة وثمانية وأربعين قاعدة، أوضحت كل قاعدة بما يناسبها من الفروع حتى يزداد انشراح القلب لغيرها\".\nومن خلال هذه المقدمة التى أتى بها الإمام شهاب الدين القرافي عن كتابه الفروق ومكانته العلمية تتجلى كذلك نفس المكانة التى لكتاب اختصاره وترْتيبه من طرَف الشيخ أبي عبد الله محمد بن ابراهيم البقوري، حيث اختصر فيه كتاب الفروق، ورتب قواعده وفق العلوم المختلفة وعلى الابواب الفقهية، وألحق به وأضاف اليه ما يناسبهُ من القواعد والمسائل والفروع المماثلة، ونبه فيه على ما لم يذكره شيخه القرافي، فجاء كتاب الترتيب هذا صورة وصياغة جديدة لكتاب الفروق، تيسر الاستفادة منه والانتفاع به، وتسهل الرجوع الى قواعده ومسائله، وتعين على ادراكه وفهمه، وعلى استيعابه وتحصيله.\nوانطلاقا من هذه المكانة التى لكتاب ترتيب الفروق كتراث فقهي جليل، وانتاج مغربى اصيل. يكشف عن اهتمام علماء الغرب الاسلامي في الاندلس والمغرب بهذا العلم المتصل بأصول الفقه وقواعده الكلية، ويبرز مدى تمكنهم منه وتعمقهم فيه، واسهامهم بالتاليف بين تلك المؤلفات القيمة الخالدة التى الفها علماء اجلاء في هذا العلم، ودونها فقهاء أعلام على اختلاف مذاهبهم الفقهية، وتنوّع","vol":"1","page":6},{"text":"توجهاتهم العلمية. امثال قواعد الاحكام في مصالح الانام لسلطان العلماء عز الدين ابن عبد السلام، والاشباه والنظائر لكل من الامامين، جلال الدين السيوطى، وابن نجيم الحنفى، وقواعد الفقهيه ابن رجب الحنبلي، واصول الفتيا في المذهب المالكي للفقيه محمد بن حارث الخشني الاندلسى، والقواعد للفقيه المغربي الضليع محمد المقري، والكليات للفقيه ابن غازى العثماني المكناسي، وشرح المنهج المنتخب على قواعد المذهب لمؤلفه الفقهيه الشيخ احمد المنجور، وغيرُهم من العلماء النين الفوا في القواعد الفقهية، وأصَّلُوها في مؤلفاتهم القيمة، سواء منهم علماء المشرق والمغرب، ﵏ أجمعين.\nوادراكا من وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية لتلك الأهمية العليمة التى لكتاب ترتيب الفروق واختصارها بين تلك المؤلفات القيمة التي اشرت الى بعضها فقد ارتأت طبعه ضمن كتب التراث الاسلامي والدراسات الاسلامية التى تطبعها وتصْدرها في مطلع شهر رمضان من كل عام، لتيسير الاستفادة منه والانتفاع به من طرف السادة العلماء المتمكنين، والاساتذة المتخصصين، والدراسين الباحثين المهتمين بالفقه واصوله وقواعده، وعهدتْ إلي بمراجعته وتحقيقه، فتهيبت في اول الامر القيام بمثل هذا العمل العلمي الهام، لما أعرف عن الكتاب من أنه كتاب مترامي الاطراف، واسع الموضوع، عميق الأسلوب، متضمن لعلوم كثيرة، ومصنفات عديدة، ومشتمل على أسماء واعلام علمية وفيق، جعلت منه موسوعة فقهية كبيرة، يتطلب تحقيقها جهدًا كبيرا، وصبرا جميلا متواصلا.\nغير أني بعد التفكر والتأمل، استحضرت الكلمة المعروفة بين العلماء، والقائلة: ما لا يُدرَك كله، لا يترَك كله او جله\" فجَدَّدت الارادة، وشحنت العزيمة، وشرعت في عمل التحقيق والمراجعة، متوكلا على الله تعالى، ومعتمدًا عليه سبحانه، ومستعينا به جل علاه، وسائلا منه سبحانه العون والمدد، والتوفيق إلى السداد والصواب، واضعا نصب عينى أن يكون حسبي انني ساهمت في العطاء العلمي الفقهي بتحقيق هذا الكتاب المخطوط، واخراجه الى حيز الوجود، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، واليه انيب.\nوقبل المشروع في العمل كان لابد من التعرف والاطلاع على ما هو موجود من نسخ هذا المخطوط بالخزائن المغربية العامة، والتأكد والتثبت من توثيق الكتاب، وصحة نسبته الى مؤلفه، وسلوك خطة ومنهج علمي في تحقيقه واخراجه سليما في نصه، ومضمونه، فأمكن، والحمد لله، الاطلاع على ذلك من الخزانات العامة والمكتبات الاتية:\n١) - نسخة الخزانة العامة بالرباط، تحمل رقم ٢٦٢١ د\n٢) - نسخة الخزانة الحسنية بالرباط تحمل رقم ١١٨٤٤\n٣) - نسخة ثانية بالخزانة الحسنية تحمل رقم ١١٧٧٨\n٤) - نسخة خزانة القرويين بفاس تحمل رقم ١٢٦٩.\n٥) - نسخة من الخزانة الوطنية بتونس، رقم ٣٣٨٠.\n٦) - نسخة ثانية من تونس رقم ٦٧٥٥.\nأما نسخة الخزانة العامة بالرباط، فهي نسخة نامة مكتوبة بخط مغربي اندلسي واضح، تختلف كتابته من باب الجهاد، مما يفيد ويعطي أنها كتبت من طرف ناسخيْن، مسطرتها ٢٥، طولها ٢٨ × ٢٠ يبدو عليها اثر القدم عارية، عن اسم الناسخ، وتاريخ النسخ عليها طُرَرٌ في بعض الصفحات تدل على انها مقروءة ومصححة.","vol":"1","page":7},{"text":"أما نسخة الخزانة الحسنية رقم ١١٨٤٤، فهي كذلك نسخة تامة، مكتوبة بخط مغربي اندلسي واضح، عارية عن ذكر اسم الناسخ وتاريخ النسخ طولها ٢٠ × ١٤ مسطرتها ٢١، وتبدو من حيث الخط والجدة انها متاخرة النسخ بالنسبة الى نسخة الخزانة العامة، وإلى النسخة الثانبة بالخزانة الحسنية رقم ١١٧٧٨، فهذه النسخة المكتوبة بخط مغربي يبدو عليها اثر القدم والقراءة من خلال الطرر الموجودة بهامشها، وهي مبتورة بعد الصفحات الاولى منها الى باب النكاح، عارية كذلك عن اسم الناسخ وتاريخ النسخ.\nأما عن نسخة القرويين، فهي كذلك تامة مكتوبة بخط مغربي جميل، يبدو عليها أثر القدم، طولها ٢٠ × ١٥، مسطرتها ٢٨، مذكور فيها تاريخ النسخ بأرقام خاصة غير متعارفة عندنا.\nأما نسخة الخزانة الوطنية بتونس رقم ٣٥٨٠، فهي نسخة تامة مكتوبة بخط شرقي، استخرجت من ميكرو فيلم بالخزانة العامة بالرباط، فجاءت صفحاتها دكناء تصْعب قراءتها وإلاستفادة منها بسهولة، وتعتبر اقدم هذه النسخ من حيث انها مذكور فيها اسم الناسخ، ومثبت فيها تاريخ النسخ بسنة ٨٧٨، اي القرن التاسع الهجرى على يد ناسخها محمد أبي الفتح بن محمد الحسني المدني بالقاهرة المحروسة. طولها ٢٠ × ١٥، مسطرتها ٢٨ غير انها مليئة بالاخطاء النسخية الاملائية والنحوية، اضافة الى ما هي عليه من صعوبة القرآة، كتب على صفحتها الأولى تصويب نسبة كتاب ترتيب الفروق هذا الى مؤلفه أبي عبد الله محمد بن ابراهيم البقوري، من طرف الشيخ عمر حمدان، استدراكا على نسبته فى أول صفحة من النسخة التونسية الاخرى الى الفقيه محمد المقري.\nوهذه النسخة الثانية من تونس رقم ٦٧٥٥، هي كذلك نسخة تامة، مكتوبة بخط شرقي مقروء طولها ٢٣ × ١٥، مسطرتها ٢٢، وهي تبدو قديمة ولكنها بعد النسخة الاولى، حيث انها مؤرخة النسخ بتاريخ صفر عام خمسين ومائة والف، على يد ناسخها محمد بن عبد القادر الفاسى ﵀، وهى تبْدو سليمة جدا من الاخطاء النسخية بالمقارنة مع سابقتها، وهي كذلك صعبة الفراءة لكون صفحاتها دكناء، حيث استخرجت من ميكرو فيلم وافاني به احد الاساتذة الافاضل من علماء تونس جزاه الله خيرا.\nوبعد الاطلاع عليها كلِها امكن لي من خلال هذه النسخ والمفارنة بينها أن أعتمدَ في التحقيق والتصحيح على ثلاث نسخ منها: نسخة الخزانة العامة، ورمزت اليها بحرف العين هكذا ع. ونسخة الخزانة الحسنية المكتملة، ورمزت لها بحرف الحاء هكذا، ح، وذلك لما يبدو علي، الاولى من كونها قديمة الكتابة، سليمة او قليلة الاخطاء، مقروءة ومصححة من طرف بعض العلماء كما يظهر ذلك من خلال الطرر الموجودة بهامشها، فاعتبرتها الأصل، واتخذتها النسخة الاولى، وقابلتها على نسخة الخزانة الحسنية لوضوحها وسلامتها، وقلة اخطائها، واستعنت - كلَّمَا استوقفتنى كلمة او عبارة في الكتاب- بالرجوع الى النسخة التونسية ٦٧٥٥، لكونها اسلم وادق من الاخرى وان كانت اقدم منها. اما نسخة خزانة القرويين فلم يتَحْ لي أن احصل عليها في تحقيق هذا الجزء الاول والنصف الاول منه، على أمَلِ ان تكون بين يدي في تحقيق ومراجعة النصف الثاني منه بحول الله.\nوكان لابد بعد هذا من التثبت من توثيق الكتاب والتاكد من صحة نِسبتهِ الى مؤلفه الشيخ البقوري، وكان اعتمادي ومرجعى في ذلك على امرين:\nالامر الاول النُّسَخ المخطوطة للكتاب، والتي كلها تنسبه الى المؤلف المذكور،","vol":"1","page":8},{"text":"الأمر الثانى: كتب التراجم التى ترجمت لهذا المصنف، وتنسب له هذا الكتاب بعبارة: \"وله كلام على كتاب الشهاب القرافى في الاصول\"، أو عبارة ولَهُ حاشية عليه، كما تنسب له كتاب إكمال الاكمال في الحديث على صحيح الامام مسلم، وهذا الكتاب نص عليه المؤلف نفسه، وذكره فى ثنايا كلامه على احدى القواعد الفقهية الواردة فيه.\nوكما ورد فى حديث: الأمة لا تجتمع على ضلالة، فان اجتماع هذه النسخ الخطية وكتب التراجم كها على نسبة هذا الكتاب الى مؤلفه البقوري لهو مما يفيد اليقين ويبعث على الاطمئنان. والاشكالية التى تشغل البال، ولم يقع التاكد منها بعد، خاصة بعد الاتصال باصحاب الفضيلة العلماء ذوي البحث والاختصاص في التراث العلمي والتاريخ الاسلامي، هي نسب المؤلف البقوري بالياء المثناة او البقوري بالباء الموحدة، حيث نجد نفح الطيب للمقري بذكره بالياء، وينسب ذلك للمقري في كتابه الخطط، بينما الديباج لابن فرحون، وكل من ينقل عنه من الأعلام للفقيه القاضي محمد بن ابراهيم المراكشي، والاعلام لمؤلفه العلامة الزركلي يذكرونه بالباء الموحدة وينصون على ذلك، وكلهم يتفقون على ان يقورة بالياء او الباء والقاف المشددة بلد بالاندلس هي مولد صاحب هذا الكتاب، على أن البحث العلمي المتواصل سيصل بنا الى تحقيق هذه المسألة، وان كان يبدو أن الراجح هو ما ذكره ابن فرحون في الديباج، ونقله عنه المتأخرون من كونه البقوري بالباء الموحدة وتشديد القاف، وهو ما وقع الميل اليه والاطمئنان اليه، وجعله فى عنوان الكتاب، على امل ان يصادف الحق والصواب.\nأما عن النهج الذي سلكته في التحقيق فيمكن اجماله في النقط الاتية:\n١) الاكتفاء بالمقابلة على نسختين، والاستعانة بنسخة ثالثة كلما دعت الضرورة لذلك، نظرا لكون هذه النسخ متساوية في مضمون الكتاب ومحتواه، ولتعذر المقابلة على اكثر من ذلك من طرف شخص واحد، وبالنسبة لكتاب اكبر الحجم مثل هذا الكتاب.\n٢) الحرص على تصحيح النص وسلامته من الاخطاء النسخية الاملائية والنحوية التي لا تخلو منها نسخة من هذه النسخ كلها على تفاوت بينها في ذلك.\n٣) ربط كل قاعدة من قواعد هذا الكتاب بالفرق المقابل لها في الكتاب الاصلي الذي هو الفروق للإمام القرافي، والاشارة الى ذلك في الهامش، والى الجزء والصفحة التى يوجد فيهَا الفرق بالنسبة للطبعة الاولى لكتاب الفروق، التى صدرت عن مطبعة دار احياء الكتب العربية بتاريخ رجب الفرد سنة ١٣٤٤ هـ. على انه اذا تعددت الطباعة واختلفت نسخها، فان ذكر الفرق وحدَه يُقربُ الرجوع اليه بقطع النظر عن الصفحة التى يوجد فيها بالنسبة لهذه الطباعة او طبعة اخرى جديدة. بحيث يسهل الرجوع الى ذلك الفرق عند ارادة التوسع فيه او استيضاح ما يكون فد غمض على الدارس والباحث فى مطالعته ومراجعته لترتيب الفروق واختصارها، إذْ الإيجازْ والاختصار فد يبقى معه المعنى احيانا غامضا غير واضح يحتاج الى مزيد من التفصيل والبيان.\n٤) ومراعاة لذلك، فقد كنت احيانا آتى بعبان من كتاب القرافي لتوضع عبارة او مسألة عند الشيخ البقوري، واذكر ذلك في الهامش.\n٥) نظرا لما لحاشية عمدة المحققيين سراج الدين ابي القاسم قاسم بن عبد الله الانصارى المعروف بابن الشاط، والمسماة أدرار الشروق على أنوار الفروق من اهمية ومكانة، في تصويب","vol":"1","page":9},{"text":"وتصحيح كثير مما ورد في كتاب الفروق للقرافي حتى قال أهل التحري والاحتياط. في شأن هذه الحاشية: \"عليك بفروق القرافى، ولا تقبل منها إلا ما قبله ابن الشاط، وذكر بعض الافاضل الموثوق بهم أن قائل هذه العبارة هو الشيخ أحمد بابا النتبكتي صاحب نيل الابتهاج بتطْرِيزِ الديباج، وغيره من المؤلفات العلمية القيمة، نظرا لذلك فقد كنت في كثير من الأحيان التى بتعليقاته في الهامش، وأذكر تحقيقاته فيه، لما فيها من تدقيق وتصويب في المسألة وفائدة علمية جديدة، فجاء هذا الكتاب في تحقيقه جامعا بين ما عند البقوري في اختصاره، وما عند القرافي في أصل كتابه، وما عند ابن الشاط في تعقيبه وإفاداته الدقيقة.\n٦) أحيانا قليلة كنت بكل تواضع أعقب على كلام ابن الشاط حين ما أراه يستنتج من كلام القرافي ما قد يكون بعيدا عن مراده وقصده من القاعدة او العبارة، وحينما أراه يقسو عليه في أسلوبه، فأحاول التصويب والتوفيق بين كلام هذين العالمين الجليلين اللذين لهما من التمكن والتضلع في العلوم النقلية والنقلية ما هو غني عن كل بيان.\n٧) خرجت ما في الكتاب من الآيات القرآنية وذكرت السورة ورقم الآية في المصحف الكريم، كما خرَّجت كُلَّ مَا امكن لي تخريجُهُ من الاحاديث النبوية الواردة في الكتاب، إفادة للقارئ وتسهيلا عليه في البحث عن موضوع الآية او راوى الحديث ومُخرِجه.\n٨) كنت أستطرد احيانا، فأصحح كلمة او عبارة، او أشرح مصطلحات علمية أو بلاغية او منطقية أو نحوية، وأستشهد لها بابيات من منظومة المنطق، او منظومة الفقيه ابن مالك، بقصد الاستشهاد لذلك التصويب والتصحيح، وتذكيرا لبعض الدارسين والباحثين بتلك القواعد والمصطلحات، وتيسيرا لهم على استحضارها واستيعابها، علما مني بأنها من المعلومات البديهية والضرورية لدى علمائنا الاجلاء، ولكنها مفيدة لبعض الدارسين.\n٩) لم أتعرضْ لما في الكتاب من مؤلفات واعلام ترِدُ في ثناياه، فلم أتعرض للبحث عنها كلها، ولترجمتها كلها، نظرا لكونها موجودة في الكتب المتخصصة في تراجم العلماء وطبقاتهم على اختلاف مذاهبهم، وحتى لا يخرج الكتاب عن الحجم المطلوب والهدف المنشود.\nذكرت بعض التراجم القليلة حين يرد ذِكرهم بوصف أوْ اضابة كتاب كأن يقال: صاحب القبس، أو صاحب المقدمات، او صاحب الطراز مثلا، وهي تراجم قليلة بالمقارنة مع وفرة التراجم الاخرى الموجودة داخل الكتاب، والتى لم اتعرض لها اختصارا وايجازا.\nهذا هو المنهج الذى نهجته وسلكته، والمجهُود الذىِ بذلته في تحقيق هذا الجر الاول وتصحيحه من كتاب ترتيب الفروق واختصارها.\nوسيلاحظ القارئ أني لم اتعرض لدراسة عن هذا الكتاب ومؤلفه، تبرز بتفصيلٍ، الجوانبَ التى يتميز بها بالنسبة الى الاصل الذى هو كتاب الفروق، فقد رأيت أن ارجئها الى حين استكمال الكتاب كله بإتمام تحقيق النصف الثاني منه في الشهور القادمة بحول الله، لتتم الصورة الكاملة والنظرة العامة عن الكتاب، ويمكن استيعاب جوانب الاختصار والتعقيبات التي جاءت فيه، وتكون الدراسة بذلك وافية، وتصدر في جزء خاص بها ان شاء الله تعالى وبعونه وتوفيقه، خاصة اذا ما علمنا ان شخصية الشيخ البقورىِ مغمورة، وأن الكتب التى تعرضت لترجمته لم تتوسع فيها، وانّما تقتصر على","vol":"1","page":10},{"text":"تناولها بايجاز لا يمكن من تكوين دراسة شاملة ومعمقة عنه، ولا يساعد مما يتطلب المزيد من البحث والوقت الكافي لذلك.\nواذا كنت أقدمت على تحقيق هذا الكتاب بانجاز لجزء الاول منه، ومواضلة العمل في الجزء الثاني فإني لا أدعى أنه قد بلغت الكمال في هذا العمل العلمي الواسع، فحسبى كما ذكرت، أن اكون قد عملت على اخراجه من عالم المخطوط، ويسرته ليكون ضمن ما هو مطبوع، وآمل وارْجُو ان يرونه اصحاب الفضيلة العلماء والاساتذة الاجلاء المتخصصون في مجال تحقيق التراث ونشره بما يرونه من ثغرات او يبدو لهم من ملاحظات، حتى يمكن تداركها فى الجزء الثاني من هذا الكتاب.\nوأختم هذه المقدمة بالعبارة التى أتى بها الشيخ خليل بن اسحاق المالكي فى مقدمة مختصره الفقهي حيث قال ﵀:\nوالله المسؤول ان ينفع به كل من قرأه أو حصله او سعى في شيء منه، فَمَا والله يعصمنا من الزلل، ويوفقنا في القول والعمل، وأعتذر لذوي الالباب من التقصير الواقع في هذا العمل، فَمَا كان من نقص كملوه، ومن خطأ اصلحوه، فقلما يخلص مصنف من الهفوات او ينجو مؤلف من العثرات. وفي معنى ذلك: قلما ينجو محقق من الهفوات، أو يسلم باحث من الملاحظات. والاعمال بالنيات، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل ويدعو الى دار السلام، ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم.\nالمحقق: ذ. عمر ابن عباد","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>ترجمة الإمام الفقيه أحمد بن ادريس القرافي (*) مؤلف كتاب الفروق في القواعد الفقهية:</span>\nهو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبى العلاء: ادريس بن عبد الرحمن ابن عبد الله الصنهاجي المصري: الإِمام العلامة، وحيدُ دهرِه، وفريدُ عصره - أحد الأعلام المشهورين، انتهت اليه رئاسة الفِقْه على مذهب مالك، رحمه الله تعالى، وَجَدَّ في طلب العلوم، فبلغ الغاية القصوى، فهو الإمام الحافظ، والبحر اللافظ، المفوه المنطيق، والآخذ بأنواع الترصيع والتطبيق دلت مصنفاته على غزارة فوائده، وأعربت عن حسن مقاصده، جمع فأوعى، وفاق أضرابه جنسا ونوعا.\nكان اماما بارعا في الفقه، والأصول، والعلوم العقلية، وله معرفة بالتفسير، وتخرج به جمع من الفضلاء، وأخذ كثيرا من علومه عن الشيخ الامام العلامة الملقب بسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الشافعي، وأخذ عن الإِمام العلامة شرف الدين: محمد بن عمران الشهير بالشريف الكوكي، وعن قاضي القضاة شمس الدين: أبى بكر محمد بن ابراهيم بن عبد الواحد المقدسى، سمع عليه مصنفه كتاب \"وصول ثواب القرآن\".\nكان أحسن من ألقى الدروس، وحَلَّي من بديع كلامه نحور الطروس، ان عرضت حادثة فبحسن توضيحه تزول، وبعزيمته تحول، فلفقده لسان الحال يقول:\nحلف الزمان لياتين بمثله ... حنِثَتْ يمينك يا زمانُ فكفر\nسارت مصنفاته مسير الشمس! ورزق فيها الحظ السامي عن اللمس! مباحثه كالرياض المؤنقة! والحدائق المورقة! تتنزه فيها الأسماع دون الأبصار! ويجني الفكر ما بها\n_________\n(*) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب. لابن فرحون المالكي جـ ١، دار التراث للطبع والنشر، القاهرة.","vol":"1","page":13},{"text":"من أزهار وأثمار! كم حرر مناط الإِشكال؟ ! وفاق أضرابه النظراء والأشكال؟ ! وألف كتبا مفيدة انعقد على كمالها لسان الإِجماع! وتشنفت بسماعها الأسماع. منها: كتاب \"الذخيرة\" في الفقه، من أجَلِّ كتب المالكية. وكتاب \"القواعد\" الذي لم يُسْبق الى مثله ولا أتى أحد بعده بشبهه، وكتاب \"شرح التهذيب\"، وكتاب \"شرح الجلاب\" وكتاب \"شرح محصول الإِمام فخر الدين الرازي\" وكتاب \"التعليقات على المنتخَب\" وكتاب \"التنقيح\" في أصول الفقه، وهو مقدمة \"الذخيرة\" وشرحه كتاب مفيد، وكتاب \"الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة\" في الرد على أهل الكتاب، وكتاب \"الأمنية في ادراك النية\"، وكتاب \"الاستغناء في أحكام الاستثناء\"، وكتاب \"الإِحكام، في الفرق بين الفتاوى والأحكام\" اشتمل على فوائد غزيرة، وكتاب \"اليواقيت في أحكام المواقيت\"، وكتاب \"شرح الاربعين\" لفخر الدين الرازي في أصول الدين.\nوكتاب \"الانتقاد في الاعتقاد\" وكتاب \"المنجيات والموبقات\": في الأدعية وما يجوز منها، وما يكره، وما يحرم. وكتاب \"الإبصار في مدركات الأبصار\" وكتاب \"البيان في تعليق الأيمان\" وكتاب \"العموم ورفعه\"، وكتاب \"الاجوبة عن الأسئلة الواردة على خطب ابن نباتة\" وكتاب \"الاحتمالات المرجوة\" وكتاب \"البارز للكفاح في الميدان\" وغير ذلك.\nقال الشيخ شمس الدين ابن علان الشافعي: أخبرني خالي الحافظ شيخ الشافعية بالديار المصرية أن شهاب الدين القرافي حرر أحد عشر علما في ثمانية أشهر - أو قال: ثمانية علوم في أحد عشر شهرا.\nوذكر عِن قاضى القضاة تقي الدين بن بكر - قال: أجمع الشافعية والمالكية على أنَّ أفضل أهل عصرنا بالديار المصرية ثلاثة: القرافي بمصر القديمة، والشيخ ناصر الدين بن منير بالاسكندرية، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بالقاهرة المعزية، كلهم مالكية، خلا الشيخ تقي الدين، فإنه جمع بين المذهبين.","vol":"1","page":14},{"text":"قال أبو عبيد الله بن رشيد. وذكر لي بعض تلامذته أن سبب شهرته بالقرافي أنه لما أراد أن يثبت اسمه في بيت الدرس كان حينئذ غائبا فلم يعرف اسمه، وكان إذا جاء للدرس يقبل من جهة القرافة، فكتب القرافي، فجرت عليه هذه النسبة.\nوتوفي ﵀ بدير الطين في جمادى الآخرة عام أربعة وثمانين وستمائة ودفن بالقرافة.\nوكان القرافي ﵀ كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين:\nوإذا جلست الى الرجال وأشرقت ... في جو باطنك العلوم الشرد\nفاحذر مناظرة الحسود، فإنما ... تغتاظ أنت ويستفيد ويحرد\nوكان كثيرا ما يتمثل بقول محيى الدين، المعروف بحافي رأسه:\nعتبت على الدنيا، لتقديم جاهل ... وتأخير ذى علم فقالت خذ العذرا\nبنو الجهل أبنائى، وكُلُّ فضيلة ... فأبناؤها أبناء ضرتيَ الأخْرَى","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ترجمة الفقيه الشيخ ابن الشاط </span>(*)\nهو قاسم بن عبد الله بن محمد بن الشاط، الأنصاري نزيل \"سبتة\" يكنى \"أبا القاسم\" قال: والشاط اسم لجدى، وكان طوالا فجرى عليه هذا الاسم.\nكان رحمه الله تعالى نسيج وحده في أصالة النظر، ونفوذ الفكر، وجودة القريحة، وسَديد الفهم الى حسن الشمائل، وعلو الهمة، والعكوف على العلم، وإلاقتصار على الآداب السنية، والتحلي بالوقار والسكينة.\nأقرأ عمره بمدينة \"سبتة\" الأُصول والفرائض، مقدَّما، موصوفا بالإِمامة، وكان موفور الحظ من الفقه، حسن المشاركة في العربية، كاتبا مترسلا ريانا من الادب، له نظر في العقليات.\nقرأ على الاستاذ أبى الحسين بن الربيع، وعلى الحافظ أبى يعقوب المحاسبى وغيرهم. وأجازه أبو القاسم بن البراء، وأبو محمد بن أبى الدنيا، وأبو العباس بن الغماز، وأبو جعفر الطباع، وأبو بكر بن فارس وغيرهم.\nوأخذ عنه الجلة من أهل الاندلس كالاستاذ أبى زكريا بن هذيل، وشيخه أبي الحسن بن الجياب والقاضي أبى بكر بن شيرين وغيرهم.\nوله تأليف، منها: \"أنوار البروق، في تعقب مسائل القواعد والفروق\" و\"غنية الرائض في علم الفرائض\" و\"تحرير الجواب في توفير الثواب\"، وفهرست حافلة. وكان مجلسه مؤلفا للصدور من الطلبة والنبلاء من العامة.\nمولده في عام ثلائة وأربعين وستمائة بمدينة سبتة.\nوتوفي بها عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة رحمة الله عليه.\n_________\n(*) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، للفقيه ابن فرحون المالكى. جـ ٢، دار التراث - القاهرة.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>ترجمة الفقيه الشيخ محمد بن ابراهيم البقوري </span>(*)\nهو محمد بن ابراهيم بن محمد الليثى نسبا، البقورى بلدا، المراكشي وفاة.\nوبقور بباء موحدة مفتوحة، وقاف مشددة، وراء مهملة، بلد بالأندلس، سمع القاضى الشريف محمد الاندلسى، ووضع كتابا سماه (إكمل الإكمال) للقاضي عياض،\nوله كلام على كتاب شهاب الدين القرافي في الاصول.\nقدم الى مصر وأرسل معه بعض السلاطين بالغرب ختمة كبيرة بخط مغربي منسوب ليوقفها بمكة أو بالمدينة، ورجع الى مراكش فتوفي بها سنة سبع وسبعمائة. هـ.\nترجمه في (الديباج) وفي (النفح) قائلا: وقد زرت قبره مرارا، انتهى.\nوقد ذكِر شئ من أحواله بترجمة أبى عبد الله الكَومي المراكشي، وفي ترجمة أبى العباس الشبلي، وذكر في (نور البصر) في ترجمة الامام المازرى، وقبره في قبة صغيرة ملاصقة لحائط قبة الشيخ الجزولي مؤلف (دلائل الخيرات) من جهة رأسه، وهو صاحب الروضة المذكورة قبل أن يدفن بها الجزولي ﵄.\n_________\n(*) كتاب الأعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، للفقيه العباس بن ابراهيم المراكشي جـ ٤ ط. الملكية - الرباط - ١٩٧٦.","vol":"1","page":17},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه\n\nترتيب الفروق واختصارها (*)\nتأليف أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقورى.\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين.\nوالصلاة والسلام على سيد الرسلين، ورضى الله عن آله وأصحابة أجمعين.\nوبعد، فإني لما وقفت على الفروق التي لشيخنا الأجل، الإمام الأفضل، العالم العَلَمِ المشارك، شهاب الدين أبي العباس، أحمد بن الشيخ الأجل المرحوم أبي العُلَى، إدريس القرافي قدس الله روحه ونور ضريحه، وعلمت ما شهدت به من فضل مؤلفها وجلالة قدره، ظهر لي أنه - رحمه الله تعالى - ما منعه أن يرتبه (١) ترتيبا يسهل على الناظر فيه مطالعته، إلا أنه خرج من يده بإثر جمعه، فانتشرت منه نسخ على ما هو عليه، أعجزه ذلك وعاقة عن أن يغيره، فرأيت أن ألخصه، وأن أرتبه، وأن أنبه على ما يظهر خلال ذلك في كتابه، وأن ألحق به ما يناسبه، مما لم يذكره ﵀، فيكون هذا كالعون على فهم الفروق المذكورة وتحصيلها.\n_________\n(*) رتب واختصر فيه هذا المؤلف الجليل المتوفى بمراكش عام سبع وسبعمائة هجرية (٧٠٧ هـ) كتاب الفروق في القواعد الفقهية لشيخه الأجل، شهاب الدين احمد بن ادريس القرافي ﵀.\n(١) الضمير بالتذكير يعود على قواعد الفروق بمعنى الكتاب، وكان مقتضى السياق والانسجام مع الكلمات والضمائر السابقة، أن ياق في هذه الجملة بضمير التانيث، ويقول: \"يرتبها ترتيبا\" وهذا التنويع في اعادة الضمير على ما قبله مستعمل في الاسلوب العربي حيث لا لبس في الكلام، ويعرف عند علماء البلاغة بالاستخدام وهو احد المحسنات المعنوية في علم البديع، حيث يكون للفظ معنيان: احدهما ظاهر، والاخر خفى، ويعاد عليه الضمير بالمعنى الثاني الخفي، كما في قول جرير في المطر:\nإذا نزل السماء بارض قوم ... رعيناه وان كانوا غِصَابًا (أو غِضابا)\nفلفظ السماء مؤنث، واعيد عليه الضمير بالمونث، على اعتبار ان المرادَ به المطر، وهو مؤنث، فالمعنى اذن جَلِي واضح.","vol":"1","page":19},{"text":"والله سبحانه ينفع بذلك، ويجعله خالصا لوجهه بمنه وكرمه.\nولنذكر قبل الخوض في التلخيص المذكور ترتيب الكتاب جملة، بحيث يعين على إخراج مسائله لمن لم يكثر نظره فيه، فأقول:","vol":"1","page":20},{"text":"الترجمة الأولى:\nالقواعد الكلية بالنسبة إلى ما بعدها مما في الكتاب.\nوهي تشتمل على ثلَاثَ عشْرة قاعدة:\nالقاعدة الأولى: في تقرير أن الشريعة قامت برعاية المصلحة ودرء المفسدة.\nالقاعدة الثانية: في أقسام المصلحة والمفسدة على الجملة.\nالقاعدة الثالثة: في اجتماع المصالح، وفي اجتماع الفاسد، وفي اجتماعهما.\nالقاعدة الرابعة: في حكم المصالح والمفاسد المبنية على الظن.\nالقاعدة الخامسة: فيما يُترَك من المصالح لسبب، وفيما يُفعَل من المفاسد لسبب.\nالقاعدة السادسة: في بيان أنه ليس كل المصالح يؤمر بكسبها، ولا كل الفاسد يُنهَى عنها.\nالقاعدة السابعة: فيما به يعرف ترجيح المصلحة والمفسدة.\nالقاعدة الثامنة: في أمْرِ الثواب والعقاب، هل هو في التفاوت وعدمه مرتبط بالأعمال أو بالمصالح والمفاسد؟\nالقاعدة التاسعة: في تقرير أن المصالح والمفاسد لا يرجع شيء منها إلى الله تعالى.\nالقاعدة العاشرة: في أن المصالح والمفاسد بحسب العبيد -كما قدمنا- معتبرة.\nالقاعدة الحادية عشرة: في بيان أن الفضيلة والرذيلة على حسب المصلحة والمفسدة.\nالقاعدة الثانية عشرة: في بيان أحكام قد تحرج عن ذلك.\nالقاعدة الثالثة عشرة: في بيان أن أحوال القلب في المعرفة أصل في أحواله من الخوف والرجاء، وغير ذلك من المقامات.","vol":"1","page":21},{"text":"الترجمة الثانية:\nالقواعد النحوية وما يتعلق بها،\nوفيها خمس عشرة قاعدة.\nالقاعدة الأولى: في الشرط.\nالقاعدة الثانية: في تقرير مقتضى إن، ولو الشرطيتين بحسب الزمان.\nالقاعدة الثالثة: في تقرير مقتضى اذا، والفرق بينهما وبين إن الشرطية.\nالقاعدة الرابعة: في تقرير حصر المبتدأ في الخبر.\nالقاعدة الخامسة: قاعدة التشبيه.\nالقاعدة السادسة: في تقرير معنى اللفظ المنقول.\nالقاعدة السابعة: في تقرير الاستثناء والفرق بينه وبين الشرط\nالقاعدة الثامنة: في الفرق بين توقف الحكم على سببه، وبين توقفه على شرطه.\nالقاعدة التاسعة: فيما به يفترق جزء السبب عن الشرط، وفيما به يشتركان.\nالقاعدة العاشرة: في بيان المانع.\nالقاعدة الحادية عشرة: في تقرير الإِشكال الوارد على من قال: عدم المانع شرط، وحَلِّ ذلك.\nالقاعدة الثانية عشرة: في الفرق بين توالي أجزاء المشروطات، وبين توالي المسببات مع الأسباب.\nالقاعدة الثالثة عشرة: في الفرق بين الترتيب بالأدوات اللفظية وبين الترتيب بالحقيقة الزمانية.\nالقاعدة الرابعة عشرة: في تقرير قبول الشرط، والتعلق على الرابط.\nالقاعدة الخامسة عشرة: في بيان أن التعليق على خمسة أقسام.","vol":"1","page":22},{"text":"الترجمة الثالثة:\nالقواعد الأصولية:\nالأمر والنهي وما يتعلق بهما.\nوفيها ثمان وعشرون قاعدة:\nالقاعدة الأولى: لتقرير خطاب الوضع وخطاب التكليف.\nالقاعدة الثانية: نقرر فيها فرض العين وفرض الكفاية.\nالقاعدة الثالثة: في الفرق بين الأمر المطلق ومطلق الأمر.\nالقاعدة الرابعة: في الفرق بين خطاب غير المعَيَّن، والخطاب الغيرِ المعَيَّنِ.\nالقاعدة الخامسة: في بيان أن غير الواجب لا يجزئُ عن الواجب.\nالقاعدة السادسة: في تقرير أن أشياء جاءت في الشريعة يتوهم أنها ناقضة علينا القاعدة الخامسة المذكورة، وهي أن ما ليس بواجب لا يجزئ عن الواجب.\nالقاعدة السابعة: في الميز بين ما يثاب عليه من الواجبات، وبين ما لا يثاب عليه منها وإن وقع واجبا.\nالقاعدة الثامنة: تقرير ضعف ما ذكره الناس من تحديد الأداء والقضاء.\nالقاعدة التاسعة: في تقرير صحة القول بالأداء مع الإثم.\nالقاعدة العاشرة: في حقيقة الواجب الموسّع.\nالقاعدة الحادية عشرة: في تقرير الكلي الواجب فيه، وبه، وعليه.\nالقاعدة الثانية عشرة: في تقرير أنَّ النهى يدل على الفساد أم لا؟\nالقاعدة الثالثة عشرة: في تقرير أن النهى ينقسم الى خاص وعام.\nالقاعدة الرابعة عشرة: في تقرير الإذن العام من قبل الشارع والإذن الخاص من قبل المالك.\nالقاعدة الخامسة عشرة: في المندوب الذي يقدم على الواجب من الذي لا يقدم عليه.","vol":"1","page":23},{"text":"القاعدة السادسة عشرة: في تقرير أن القضاء يجب بالأمر الأول أو بأمر جديد.\nالقاعدة السابعة عشرة: في تقرير أن النهى لا يصح مع التخيير، وأنه يخالف الأمر في هذا.\nالقاعدة الثامنة عشرة: في تقرير أن التخيير بين أشياءَ لا يقتضى التسويةَ بينها.\nالقاعدة التاسعة عشرة: في تقرير أنه لا يجوز التخيير بين شيئين وأحدُهما يُخشَى من عقابه، ويجوز التخيير بين شيئين، وأحدهما تُخشَى عاقبتُه.\nالقاعدة العشرون: في أن الاباحة قد تكون مطلقة وقد تكون مرتبة على سبب.\nالقاعدة الحادية والعشرون: في الفرق بين الواجبات بطريق النذر، وبين الواجبات بإيجاب الله تعالى.\nالقاعدة الثانية والعشرون: في تقرير أن الانتقال عن الحِرمة إلى الإِباحة لا يشترط فيه أعلى الرتب من الأسباب، بخلاف الانتقال من الإِباحة الى الحِرمة.\nالقاعدة الثالثة والعشرون: في تقرير ما تصح فيه النيابة وما لاتصح فيه.\nالقاعدة الرابعة والعشرون: في الفرق بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبين قاعدة النهى في المشترك.\nالقاعدة الخامسة والعشرون: في الفرق بين كون الزمان ظرفًا لإيقاع المكلف به فقط، وبين كون الزمان ظرفا لإِيقاع المكلف. وكل جزء من أجزائه سَببٌ للتكليف والوجوب.\nالقاعدة السادسة والعشرون: في الفرق بين كون الزمان ظرفًا لزمان التكليف دون ايقاع المكلف به، وبين أن يكون ظرفا لإِيقاع المكلف والتكليف معا.\nالقاعدة السابعة والعشرون: في الفرق بين ما يطلب جمعه وافتراقه وبين قاعدة ما يُطلب جمعه دون افتراقه.","vol":"1","page":24},{"text":"القاعدة الثامنة والعشرون: في تقرير أن الفعل إذا دار بين الوجوب والندب فُعل، وإذا دار بين الندب والتحريم تُرِكَ.\n\nترجمة العموم والخصوص\nالمتعلق منها بالعموم والخصوص وما يناسبها، تسع قواعد:\nالقاعدة الأولى: في أن المفرد، فيه الألف واللام، للعموم.\nالقاعدة الثانية: في أن الْأعم، منه ما يستلزم الأخص، ومنه ما ليس كذلك.\nالقاعدة الثالثة: في الفرق بين قول العلماء: حكاية الحال إذا تطرق اليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، وبين قولهم: حكاية الحال إذا تُرِك فيها الاستفصال يقوم مقام العموم في المقال.\nالقاعدة الرابعة. في الفرق بين الاستثناء من النفي في الشرط، ومنه في غير الشرط.\nالقاعدة الخامسة: في الفرق بين ما يدخله المجاز من الأيمان، وبين ما لا يدخله. المجاز والتخصيص.\nالقاعدة السادسة: في الفرق بين استثناء الكل من الكل، وبين استثناء الواحدة (٢) من الطلاق، وكذلك نقرر فيها الفرق بين الاستثناء من الذات والاستثناء من الصفات.\nالقاعدة السابعة: في الفرق بين العرف القولي يُقضَى بِهِ على الألفاظ ويخصصها، وبين العرف الفعلي لا يقضَى به على الألفاظ ولا يخصصها.\nالقاعدة الثامنة: قي الفرق بين النية المخصِصة وبين النية المؤكِدة.\nالقاعدة التاسعة: في الفرق بين حمل المطَلق على القيد في الكلي، وبين حمل المطلق على القيد في الكلية.\n_________\n(٢) في نسخة ح، ونسخة أخرى: الواحدات بصيغة الجمع. وسيأتي تحقيق ذلك اثناء الكلام على هذه القاعدة بتفصيل في ثنايا داخل الكتاب.","vol":"1","page":25},{"text":"ترجمة المفهوم، وفيه ثلاث قواعد:\nالقاعدة الأولى: في الفرق بين النقيض في المفهوم، وبين اثبات الضد فيه.\nالقاعدة الثانية: في الفرق بين مفهوم اللّقَبِ وغيم من أقسام مفهوم المخالفة.\nالقاعدة الثالثة: في الفرق بين المفهوم اذا خرج لمخرج الغالب وبين ما اذا لم يخرج.\n\nالخبر، وفيه قاعدتان:\nالقاعدة الأولى: في الفرق بين الرواية والشهادة.\nالقاعدة الثانية: في الفرق بين الخبر والإنشاء.\n\nترجمة العلل (*)، وفيها ست عشرة قاعدة:\nالقاعدة الأولى: في الفرق بين قاعدة السبب الشرعى سالمًا عن المعارض من غير تخيير، يترتب عليه مسببه، وبين قاعدة وجود السبب الشرعي سالمًا عن المعارض مع التخيير فلا يترتب عليه مسببه (٣).\nالقاعدة الثانية: في تقسيم الأسباب، ثم الفرق بين بعض الأسباب وبعض.\nالقاعدة الثالثة: في الفرق بين الأسباب العقلية والأسباب الشرعية.\nالقاعدة الرابعة: في تقرير ما يتقدم عليه سببه من الأسباب الشرعية وما لا.\nالقاعدة الخامسة: في تقرير ما يشترط فيه اجتماع الشروط والأسباب، وانتفاء الموانع، وما لا يشترط فيه ذلك.\nالقاعدة السادسة: في الفرق بين عدم عِلة الإِذن أو التحريم، وبين عدم علة غيرهما.\n_________\n(٣) في كل من نسخة ع، وح: سببه في الكلمة الاولى والثانية، وكذا في فهرست كتاب الفروق نفسه، وهو خطأ نسخي ومطبعي، والصواب مُسببُهُ بصيغة اسم المفعول في الكلمتين كما هو منطقي وظاهر من كون السبب يتقدم على مسَّببه، والمسَّبب يتأخر عن سببه.","vol":"1","page":26},{"text":"القاعدة السابعة: في تداخل الأسباب وتساقطها والفرق بين ذلك.\nالقاعدة الثامنة: في المقاصد والوسائل ما هما؟ ئم الفرق بينهما.\nالقاعدة التاسعة: في الفرق بين تقدم الحكم على سببه دون شرطه، أو شرطه دون سببه، وبين تقدمه على شرطه (٤) وسببه حميعًا.\nالقاعدة العاشرة: في الفرق بين اللزوم الجزئي واللزوم الكلى (٥).\nالقاعدة الحادية عشرة: في الفرق بين الشك في السبب وبين السبب في الشك.\nالقاعدة الثايية عشرة: في الفرق بين المعاني الفعلية والمعاني الحُكْمية.\nالقاعدة الثالثة عشرة: في الفرق بين رفع الواقعات وتقدير ارتفاعها.\nالقاعدة الرابعة عشرة: في الفرق بين الشقة المسقطة للعبادة وبين التى لا تسقطها.\nالقاعدة الخامسة عشرة: في الكلي والجزئي، والكل والجزء، ثم الحمل على الأجزاء أو الحمل على الجزئيات، من حيث اعتبار الكل والكلى.\nالقاعدة السادسة عشرة: في تقرير الدليل والحجة والفرق بينهما.\n\nترجمة الاجتهاد، وفيه خمس قواعد:\nالقاعدة الأولى: في بيان من يجوز له أن يفتي ومن لا يجوز له أن يفتي.\nالقاعدة الثانية: نقرر. فيها السبب الذي من أجله ارتفع الخلاف في مسائل الاجتهاد بعد حكم الحاكم، وصار كل مجتهد إلى ما حكم به الحاكم.\nالقاعدة الثالثة: لِمَ لَمْ يَجُزْ تقليد أحد المجتهدين للآخر في مسألة الكعبة والأواني، وجاز ذلك في كثير من المسائل الفروعية؟\nالقاعدة الرابعة: نقرر فيها الفرق بين الفتوى والحكم.\nالقاعدة الخامسة: نقرر فيها أن النبي - ﷺ - كان يتصرف بالفتوى وبالإِمامة وبالقضاء.\n_________\n(٤) نسخة ح: وبين تقدمه على سببه وشرطه جميعا.\n(٥) في ح: في الفرق بين اللزوم الكلى واللزوم الجزئي.","vol":"1","page":27},{"text":"القواعد الفقهية\nالطهارة، منها (٦)،\nوفيها ست قواعد:\nالقاعدة الأولى: نقرر فيها الفرق بين الماء المطلق وبين الماء المستعمل.\nالقاعدة الثانية: بيان ما يمكن أن ينوى قربة مما لا يكون كذلك، ثم ما يحتاج إليها، ولا بد مها مما ليس كذلك.\nالقاعدة الثالثة: ما يبسمل فيه مما لا.\nالقاعدة الرابعة: في الفرق بين الإِزالة والإِحالة. بحسب النجاسات.\nالقاعدة الخامسة: في بيان أن: ازالة النجاسة أصل ليس من باب الرخصة.\nالقاعدة السادسة: في الفرق بين إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة، وبين إزالة الحدث عن الرجل خاصة بالنسبة الى الخف.\n\nالصلاة\nوفيها خمس قواعد:\nالقاعدة الأولى: الفرق بين استقبال الجهة في الصلاة، وبين استقبال السمت.\nالقاعدة الثانية: لِمَ جُعل بعض البقاعٍ معتبرًا في أداء الجمعات وغير ذلك، ولم يكن ذلك معتبرًا بحسب الأزمان؟\nالقاعدة الثالثة: لِمَ خُصَّت البقاعُ المعظمة بالصلاة، والأزمنةُ المعظَّمة بالصيام؟\n_________\n(٦) نسخة: منها الطهارة.","vol":"1","page":28},{"text":"القاعدة الرابعة: لِمَ كانت أوقات الصلاة يجوز إثباتها بالحساب، بخلاف الأهلة في الرمضانات؟\nالقاعدة الخامسة: الفرق بين أسباب الصلاة وشروطها.\n\nالصوم:\nوفيه قاعدتان:\nالقاعدة الأولى: لِمَ كانت الخصوصية المذكورة في قوله - ﷺ -: \"كل حسنة بعشر أمثالها ... \" الحديث.\nالقاعدة الثانية: الفرق بين الصوم المتتابع في الظهار، وبينه في غير الظهار.\n\nالزكاة:\nثلاث قواعد:\nالقاعدة الأولى: لِمَ كانت العروض تُحمَل على القِنية حتى يُقصَد بها التجارة، وما كان من العروض للتجارة يحمل على التجارة حتى يُقصد بها القِنْيَة؟\nالقاعدة الثانية: لِمَ كانت الزكاة تسقط عن العمال؟\nالقاعدة الثالثة: لِمَ ضُمَّتْ الأرباح إلى أصولها؟\n\nالحج:\nأربع قواعد:\nالقاعدة الأولى: ما يتقدم على الحج من الواجبات مما لا يتقدم.\nالقاعدة الثانية: الفرق بين الجوابر والزواجر.\nالقاعدة الثالثة: الفرق بين ما تتداخل فيه جوابر الحج وما لا تتداخل.\nالقاعدة الرابعة: في الفرق بين الميقات الزماني والمكاني.","vol":"1","page":29},{"text":"الجهاد:\nأربع قواعد:\nالقاعدة الأولى: لِمَ صح أخذ الجِزية على الكفر، ولم يصحّ أخذ شيء من الفاسقين على أن يُقَرُّوا على فسق.\nالقاعدة الثانية: الفرق بين ما يوجب نقض العهد وبين ما لا يوجبه.\nالقاعدة الثالثة: الفرق بين البِر والتودد.\nالقاعدة الرابعة: الفرق بين عقد الجزية وغو من العقود التى يحصل بها التأمين.\n\nالذكاة:\nقاعدة واحدة، وهي:\nبيان ذكاة الحيّات، والفرق بينها وبين ذكاة غيرها من الحيوانات.\n\nالأطْعمة:\nقاعدة واحدة، وهي:\nفي الفرق بين سباع الوحش وسباع الطيور.\n\nالأيْمان:\nوفيه ثمان قواعد:\nالقاعدة الأولى: كالتوطئة للأيمان.\nالقاعدة الثانية: الفرق بين الصفة العلية التي يترتب عليها الحنث من التي لا يترتب عليها.","vol":"1","page":30},{"text":"القاعدة الثالثة: في تقرير ما يوجب الكفارة من أسمائه.\nالقاعدة الرابعة: ما يدخله المجاز والتخصيص وما لا يدخله.\nالقاعدة الخامسة: ما تكفي فيه النية في الأيْمان، وما لا تكفي.\nالقاعدة السادسة: لِمَ كان مخالفة النهى يقتضى التكرار، ومخالفة اليمين لا يقتضى التكرار؟\nالقاعدة السابعة: ما الفرق بين ما تعذر عقلا من المحلوف عليه، وما تعذر شرعًا أو عادة؟\nالقاعدة الثامنة: وجه اختصاص المساجد الثلاثة بلزوم نذر المشى إليها دون غيرها.\n\nالنكاح والطلاق،\nوفي ذلك خمس وعشرون قاعدة:\nالقاعدة الأولى: الفرق بين أنكحة الصبيان وطلاقهم.\nالقاعدة الثانية: الفرق بين ذوى الأرحام والعصبة.\nالقاعدة الثالثة: لِمَ كان الْإخوة ي النكاح وميراثِ الولاء والصلاة على الجنائز يُقدَّمون على الأجداد، وكانوا على السواء في الميراث؟\nالقاعدة الرابعة: لم كان للرجل أن يجمع بين عدة إماء، ولم يكن له من الحرائر إلا الجمع بين أربع.\nالقاعدة الخامسة: نقرر فيها أن تحريم المصاهرة ليس رتبة واحدة، بل هو رتب.\nالقاعدة السادسة: أقرر فيها ما يحرم بالنسب مما لا يحرم به.\nالقاعدة السابعة: أقرر فيها ما يلحق فيه الولد بالواطِئ.\nالقاعدة الثامنة: الفرق بين قيافته ﵇، وقيافة المدلجي.\nالقاعدة التاسعة: الفرق بين ما يحرم الجمع بينهن من النساء، وبين ما لا يجوز الجمع بينهن.","vol":"1","page":31},{"text":"القاعدة العاشرة: نقرر فيها ما يُقَر من أنكحة الكفار وما لا يقر.\nالقاعدة الحادية عشرة: لِمَ كان للرجل أن يتزوج الإِماء اللاتي لغيره عند شرط ذلك، ولم يكن للحرة أن يتزوجها عبد لغيرها؟\nالقاعدة الثانية عشرة: لِمَ وقع التحجير على النساء في الأبضاع، ولم يقع الحَجْرُ عليهن في الأموال؟\nالقاعدة الثالثة عشرة: ما به ينعقد النكاح، وأنه يخالف البيع.\nالقاعدة الرابعة عشرة: لم كان المعسر بالدين يُنظَر، والمعسِر بنفقة الزوجة لا يُنظَرُ.\nالقاعدة الخامسة عشرة: لم كان الثمن في البيع يتقرر بالعقد، والصداق في النكاح لا يتقرر بالعقد؟\nالقاعدة السادسة عشرة: الفرق بين المتداعيين شَيْئًا لا يقدَّم أحدهما على الآخر، وبين المتداعيين من الزوجين في متاع البيت.\nالقاعدة السابعة عشرة: الفرق بين الوكالة والولاية في النكاح.\nالقاعدة الثامنة عشرة: الفرق بين الصريح من الطلاق وغر الصريح.\nالقاعدة التاسعة عشرة: ما يشترط في الطلاق من النية وما لا يشترط.\nالقاعدة العشرون: في الفرق بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة، وبين ما لا يمكن أن يتقرر في الذمة.\nالقاعدة الحادية والعشرون: في أن المطلقة يَمضي قبل علمها بالطلاق أمَدُ العدة، تكتفى في العدة بما تقدم.\nالقاعدة الثانية والعشرون: في الفرق بين العدة والاستبراءِ.\nالقاعدة الثالثة والعشرون: لم كان فرء واحد يكفي في الاستبراءِ، وشهر واحد لا يكفى لمن لا تحيض؟\nالقاعدة الرابعة والعشرون: الفرق بين خيار التمليك في الزوجات، وتخيير الإِماء في العتق.\nالقاعدة الخامسة والعشرون: في الفرق بين التخيير والتمليك.","vol":"1","page":32},{"text":"البيوع:\nوفيه خمس وعشرون قاعدة:\nالقاعدة الأولى: أين يصح اجتماع العِوَضَيْن لشخص واحد، وأين لا يصح؟\nالقاعدة الثانية: الفرق بين من يملك أن يملك، هل يُعَد مالكا أم لا؟ وبين ما انعقد عليه سبب مطالبة التمليك، هل يعد مالكا أم لا؟\nالقاعدة الثالثة: الفرق بين النقل والْإِسقاط؟\nالقاعدة الرابعة: بيان ما يقبل المِلْكَ من الأعيان والمنافع مما لا يقبله.\nالقاعدة الخامسة: بيان ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه.\nالقاعدة السادسة: بيان ما يؤثر فيه الجهالة والغرر مما لا يُؤَثِّرُ.\nالقاعدة السابعة: بيان ما يجوز بيعه جِزافًا مما لا يجوز.\nالقاعدة الثامنة: بيان ما يجوز بيعه على الصفة وما لا يجوز.\nالقاعدة التاسعة: بيان ما به يجوز بيع الربوى بجنسه، وما به لا يجوز.\nالقاعدة العاشرة: بيان ما يدخله ربا الفضل وما لا يدخله.\nالقاعدة الحادية عشرة: ما معنى الجهل، وما معنى الغَرر؟\nالقاعدة الثانية عشرة: خيار المجلس، وخيار الشرط.\nالقاعدة الثالثة عشرة: مما يجوز اجتماعه مع البيع وما لا يجوز.\nالقاعدة الرابعة عشرة: ما يتعين من الاشياء، وما لا يتعين في البيع ونحوه.\nالقاعدة الخامسة عشرة: ما يجوز بيعه قبل قبضه وما لا يجوز.\nالقاعدة السادسة عشرة: ما يتبع العقد عرفا وما لا يتبعه.\nالقاعدة السابعة عشرة: في الصلح.\nالقاعدة الثامنة عشرة: في تقرير حكم الأهوية، وتقرير حكم ما تحت الأبنية.\nالقاعدة التاسعة عشرة: ما معنى الذمة، وما معنى أهلية المعاملة؟","vol":"1","page":33},{"text":"القاعدة الحادية والعشرون: ما معنى الملك، وما معنى التصرف؟\nالقاعدة الثانية والعشرون: في ترجيح معاملة المسلمين على معاملة الكفار أو بالعكس.\nالقاعدة الثالثة والعشرون: في بيان ما مصلحته من العقود في اللزوم، وما مصلحته عدم اللزوم.\nالقاعدة الرابعة والعشرون: ما تمنع منه الجهالة، وما تُشتَرَط فيه الجهالة.\nالقاعدة الخامسة والعشرون: فيما يثبت في الذِمم وما لا.\n\nالاجارة:\nوفيه سبع قواعد:\nالقاعدة الأولى: ما يُملَك من المنفعة بالإِجارات، وما لا يملك منها بالاجارات.\nالقاعدة الثانية: ما للمستأجر أخذه من ماله بعد انقضاء الإجارة مما ليس له أخذه.\nالقاعدة الثالثة: ما يضمنه الأجراء عند الهلاك مما لا يضمنونه.\nالقاعدة الرابعة: ما للأجير إذا لم يعمل جميع العمل.\nالقاعدة الخامسة: ما يضمن بالطرح من السفن وما لا يضمن.\nالقاعدة السادسة: في الفرق بين الإِجارة والرزق.\nالقاعدة السابعة: في الفرق بين تمليك الانتفاع، وتمليك المنفعة.\n\nالضمان:\nوفيه قاعدتان:\nالقاعدة الأولى: ما به يكون الضمان.\nالقاعدة الثانية: ما يتعلق بالصائل.","vol":"1","page":34},{"text":"القسمة، والمساقاة، والقِراض، والمرافق، والإِحياء. والتوكيل، واللقطة، والإِبراء، والاستحقاق.\nوفي الجميع ثمان قواعد\nالقاعدة الأولى: بيان ما يقبل القسمة.\nالقاعدة الثانية: ما يجوز فيه التوكيل مما لا يجوز.\nالقاعدة الثالثة: في الفرق بين الأملاك الناشئة عن الإحياء وبين الأملاك الناشئة عن غير الإِحياء.\nالقاعدة الرابعة: في بيان ما يوجب استحقاق بعضه إبطال العقد في الكل مما لا.\nالقاعدة الخامسة: حكم اللُّقطة.\nالقاعدة السادسة: بيان ما يُرَدُّ من القراض الفاسد الى أجرة المثل مما يرد إلى قراض المِثل.\nالقاعدة السابعة: بيان ما يرد الى مساقاة المثل مما يرد الى أجرة المثل.\nالقاعدة الثامن: بيان الإقرار الذي يقبل الرجوع عنه وتمييزه عما لا يقبل الرجوع عنه.\n\nالدعاوى والشهادات، وما، ألُجق بذلك\nوفي الجميع تسع عشرةَ قاعدةً:\nالقاعدة الأولى: في تمييز الدعوى الصحيحة من الدعوى الباطلة.\nالقاعدة الثانية: في تمييز المدعي من المدعى عليه.\nالقاعدة الثالثة: في الفرق بين ما يحتاج للدعوى وبين ما لا يحتاج اليها.\nالقاعدة الرابعة: في تقرير اليد المعتبرة والمرجحة لقول صاحبها.\nالقاعدة الخامسة: في تقرير ما يجب إجابة الحاكم فيه إذا دعا إليه مما لا يجب.","vol":"1","page":35},{"text":"القاعدة السادسة: في الفرق بين قاعدة ما يشرع من الحبس، وبين قاعدة ما لا يشرع.\nالقاعدة السابعة: في تقرير من يلزمه الحلف.\nالقاعدة الثامنة: في تمييز المعصية التى هي كبيرة مانعة من قبول الشهادة من التى ليست كذلك.\nالقاعدة التاسعة: في تقرير التهمة التى ترد بها الشهادة بعد العدالة من التي لا ترد بها الشهادة.\nالقاعدة العاشرة: في ذكر ما يصلح أن يكون مُسْنِدا للشهادة.\nالقاعدة الحادية عشرة: في تقرير ما هو حجة عند الحكام.\nالقاعدة الثانية عشرة: في تقرير ما يقع به الترجيح من البينات عند التعارض.\nالقاعدة الثالثة عشرة: في تقرير ما اعتِبر من الغالب وما ألغي من الغالب.\nالقاعدة الرابعة عشرة: في تمييز ما يصح الإقرار فيه مما لا.\nالقاعدة الخامسة عشرة: في كيفية أداء الشاهد شهادته عند القاضى.\nالقاعدة السادسة عشرة: في الفرق بين الفتوى والحكم.\nالقاعدة السابعة عشرة: في تقرير ما ينفذ من تصرفات الولاة مما لا ينفذ.\nالقاعدة الثامنة عشرة: . في تمييز ما تشترط فيه العدالة مما لا تشترط فيه.\nالقاعدة التاسعة عشرة: في ضم الشهادات.\n\nالحدود وما في معناها\nوفيه ست قواعد:\nالقاعدة الأولى: في تقرير ما هو شبهة يدرأ الحدّ مما لا.\nالقاعدة الثانية: في الفرق بين القذف يقع بين الزوجين، وبين الأجانب.\nالقاعدة الثالثة: في الفرق بين الحد والتعزير.\nالقاعدة الرابعة: في الفرق بين الحضانة لا تعود بالعدالة، والفسوق يعود بالجناية.","vol":"1","page":36},{"text":"القاعدة الخامسة: في القصاص.\nالقاعدة السادسة: في الفرق بين المسكرات وبين المفسدات.\n\nالفرائض:\nثلاث قواعد:\nالقاعدة الاولى: في تقرير ما ينتقل إلى الأقارب من الأحكام.\nالقاعدة الثانية: في الفرق بين أسباب التوارث وإجراء أسبابها العامة والخاصة.\nالقاعدة الثالثة: في تقرير أسباب التوارث وشروطه وموانعه.\n\nالجامع:\nوفيه تسع وعشرون قاعدة:\nالقاعدة الأولى: في تقرير ما يحرم من البدع ويُنهَى عنها مما ليس كذلك.\nالقاعدة الثانية: في الفرق بين ما هو من الدعاء كفر مما ليس بكفر.\nالقاعدة الثالثة: في انقسام ما ليس بكفر من الدعاء الى محرم وغير محرم.\nالقاعدة الرابعة: في تمييز ما يكره من الدعاء مما لا يكره.\nالقاعدة الخامسة: في تمييز ما يجب تعلمه من النجوم مما لايجب.\nالقاعدة السادسة: في تمييز الغِيبة التي لا تحرم من التي تَحْرم.\nالقاعدة السابعة: في الفرق بين الغبطة والحسد.\nالقاعدة الثامنة: في الفرق بين التكبر والتجمل باللابس، وبين الكِبْرِ والعُجْب.\nالقاعدة التاسعة: في تقرير الداهنة الجائزة وتمييزها عن التي لا تجوز.\nالقاعدة العاشرة: في تمييز المعصية التي هي كفر عن التي ليست كفرا.","vol":"1","page":37},{"text":"القاعدة الحادية عشرة: في تقرير معتى الزهد.\nالقاعدة الثانية عشرة: في التوكل.\nالقاعدة الثالثة عشرة: في الكلام على الرضا بالقضاء.\nالقاعدة الرابعة عشر: في تمييز المكفِّرات عن أسباب المثوبات.\nالقاعدة الخامسة عشرة: في تمييز الخوف من غير الله، الذي لا يحرم من الذي يحرم منه.\nالقاعدة السادسة عشرة: في تقرير ما يلزم الكافر اذا أسلم، وما لا يلزمه.\nالقاعدة السابعة عشرة: في الكذب وفي الوعد، وفي خلف الوعد.\nالقاعدة الثامنة عشرة: فيما يتعلق بالطِّيَرة والفال.\nالقاعدة التاسعة عشر: في الرؤيا التي تُعْبَرُ من التي لا تُعْبَر.\nالقاعدة العشرون: في تقرير ما يباح من عِشْرة الناس من المكارَمة، وما ينهى عنه من ذلك.\nالقاعدة الحادية والعشرون: في تقرير ما يباح من عِشْرة الناس من المكارمة، وما يُنهى عنه من ذلك.\nالقاعدة الثانية والعشرون: في الفرق بين الرياء في العبادات، وبين التشريك فيها.\nالقاعدة الثانية والعشرون: فيما به يكون التفضيل.\nالقاعدة الرابعة والعشرون: فيمن يقدَّم للولاية ومن يتأخر عنها.\nالقاعدة الخامسة والعشرون: في الاستغفار.\nالقاعدة السادسة والعشرون: في معنى الأفضلية والمزية.\nالقاعدة السابعة والعشرون: في تمييز حقوق الله تعالى عن حقوق العباد.\nالقاعدة الثامنة والعشرون: في تمييز حقوق الوالدين عن الأجانب.\nالقاعدة التاسعة والعشرون: فيما لا يواخذ به من الجهل، وتمييزه عما يواخذ به.\nهنا انتهى ترتيب تراجم الفروق على حسب ما عدَّ صدر هذا الكتاب،\nوالحمد لله كثيرًا، وصلواته وسلامه على خاتم أنبيائه ومصطفاه من بريته، محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب.","vol":"1","page":38},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>القواعد الكلية بالنسبة إلى ما بعدها </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>القاعدة الأولى: في تقرير أنه الشريعة قامت برعاية المصلحة ودرء المفسدة</span>.\nولنذكر أولا، أن الصلحة عبارة عن لذة أو سببها، أو فرحة أو سببها، وأن المفسدة عبارة عن ألم أو سببه، أو غم أو سببه.\nفإذا تقرر هذا فأقول: هذا كان أصله، ولكن خصصه العرف الشرعي بشئ دون شئ، فلذات المعاصى وأفراحها وأسبابها لا يصدق عليها اسم المصلحة وإنما يصدق على ما عدا ذلك. ومشاق العبادة ومكارهها وأسبابها كذلك لا يصدق عليها اسم المفسدة، وقد قال - ﷺ -: \"حُفَّتْ الجنة بالمَكاره، وحُفت النار بالشهوات\" (٢)، ولكنه لا يقال لتلك الشهوات: مصلحة، ولا لتلك المكاره: مفسدة.\n_________\n(١) هذه القواعد الكلية الثلاث عشرة المذكورة في هذه الترجمة هى مما أضافه الشيخ أبو عبد الله محمد ابن ابراهيم اليقوري في كتابه هذا إلى كتاب شيخه الإِمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القراقي في الفروق رحمهما الله. وإضافة بعض المسائل والفوائد والتعليقات هى إحدى المرتكزات والأسس الأربعة التي يقوم عليها كتاب الترتيب هذا، كما سبق أن ذكره مؤلفه في مقدمة الكتاب ودياجته. ولذلك لم أذكر لها ما يقابلها من الفروق عند القرافي، كما هو الشأن مع بقية القواعد الأخرى التي أذكر معها الفرق المقابل لها، بقصد تسهيل وتيسير الرجوع اليها لن أراد التوسع فيها.\nولعل الشيخ اليقوري استفاد هذه القواعد واستقاها من كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام لشيخه العالم الأجل اللقب بسلطان العلماء الامام الأكبر أبي محمد عز الدين بن عبد السلام ﵀. فلينظر ذلك وليتامل، والله اعلم.\n(٢) أخرجه الامام أحمد والامام مسلم والترمذي عن أنس بن مالك ﵁.","vol":"1","page":39},{"text":"وحيث تحقق هذا فأقول:\nلا شك أن الشارع اعتبر المصالح بحسب العبيد، والمفاسد بحسبهم، فأمر باكتساب ما للمصلحة من الأسباب، ونهى عن اكتساب ما للمفسدة من الاسباب. فالشريعة انبنت على قوله تعالى: . ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، وهو إنما يرشدنا ويأمرنا بما فيه مصلحتنا، وينهانا عما فيه مضرتنا. فبالسلامة من المنهيات نسلم من النار، وباكتساب الأوامر ندخل الجنة ونصل إلى ما فيها من الخيرات، ونسلم بما تقدم من النار وما فيها من المضرات (٤). قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٥). وهذا بين من طريق الآخرة.\nوبقي لنا النظر أيضًا بحسب مصلحة الدنيا ومفسدتها، فنقول:\nوكذلك أيضًا جاءت بهذا كما جاءت بالآخر من حيث الجملة، فينهانا عن القرب من المهلكات كالسموم وغيرها كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى\n_________\n(٣) سورة الحشر: الآية ٧.\n(٤) هكذا في نسخة الخزانة العامة بالرباط، المشار إليها بحرف ع، وكذا في نسخة الخزانة الحسنية بالرباط، والمشار إليها بحرف ح: (فنسلم بما تقدم من النار\". وهو تعبير واضح ومعنى سليم. فإن امتثال الأوامر الشرعية، واجتناب النواهي الشرعية يكون سببا في دخول المرء إلى الجنة وسلامته من النار، بفضل الله ورحمته على الانسان.\nوتحتمل العبارة معنى آخرَ، حيث إنها جاءت غير واضحة الخط والكتابة في بعض النسخ التي بين أيدينا، وهو: \"فنسلم مِمَّا يقرب من النار\"، وهو كذلك معنى جلي واضح. ويشهد له حديث الإِمام ابن ماجة ﵀ عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أن النبي - ﷺ - كان من جملة دعائه: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب اليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب اليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا\". اهـ. والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.\n(٥) سورة الزلزلة: الآية: ٧، ٨.","vol":"1","page":40},{"text":"التَّهْلُكَةِ﴾ (٦). وقال: ﴿وكلوا واشرلوا ولا تسرفوا ..﴾ (٧) وقال: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (٨).\nوغاية ما في هذه أنه إذا عرضت مصلحة أخروية لمصلحة دنيوية (٩). غلِّب عليها جانب المصلحة الأخروية، وأُمرنا بترك تلك المصلحة الدنيوية، ومن هنا كان التخصيص، حتى لا يقال للشهوات التي حفت النار بها، إنها مصلحة، ولا للمكاره التى حفت الجنة بها: إنها مفسدة.\nثم استقراء الشريعة والنظر فيها يحقق هذه القاعدة حتى يقطع الناظر فيها بما قلناه، وهذا القدر كاف فيما أردناه، والله سبحانه أعلم وأحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>القاعدة الثانية: في أقسام المصلحة والمفسدة على الجملة</span>، فأقول:\nتنقسم باعتبار محلها إلى ثلاثة أقسام: دنيوية، وأخروية، وفيهما معًا.\nفالدنيوية كنيل الملذات المباحة فيها، والأخروية كفعل سائر التعبدات التي يكون معها تعب، كالصلاة والصيام والطهارة. والذي هو فيهما معا كالصدقة، فإنها باعتبار الآخذ من الدنيا، وباعتبار المعطي من الأخرى.\nوتنقسم باعتبار رتبها الأوائل إلى ثلاثة أقسام:\nضرورى، وحاجي، وتكميلي، وهذا التقسيم يكون بحسب مصالح الدنيا، بحسب مصالح الآخرة. فالضروري من الأخروي: فعل الواجبات، وترك المحرمات،\n_________\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.\n(٧) و(٨) سورة الأعراف: الآيتان: ٣١ و٣٢.\n(٩) في نسخة ع: عارضت مصلحة آخروية بمصلحة دنيوية، وفي نسخة ح: إذا عارضت مصلحة أخروية لصلحة دنيوية، وكلتاهما غير سليمة من الوجهة اللغوية، والصواب كما تقتضيه اللغة أن يقال: عرضت مصلحة أخروية لمصلحة دنيوية. واستعمال الفعل الثلاثي أظهر وأنسب. فلعل الخطأ من الناسخ، وهو غير مذكور الاسم في كلتا النسختين المعتمدتين عندي في التحقيق والمقابلة والتصحيح لهذا الكتاب.","vol":"1","page":41},{"text":"والحاجي هو السنن المؤكدات، والشعائر الظاهرات، والتكميلي ما عدا الشعائر من المندوبات. والضروريات الدنيوية، كالمآكل والمشارب والملابس والمناكح. والتكميلي كأكل الطيبات وشرب اللذيذات وما ناسب هذا في سائر المنافع. والحاجي منها ما توسط بين التكميلات والضروريات.\nوظهر من هذا أن مصالح الايجاب أفضل من مصالح الندب، ومصالح الندب أفضل من مصالح الإِباحة، لأن مصالح الوجوب والندب مصالح أخروية، ومصالح الإِباحة مصالح دنيوية. وأن الصالح الأخروية تتفاوت كتفاوت الوجوب والندب، واختلافها بالوجوب والندب ليس بحسب اختلاف رتبها الثواني (١٠).\nولا شك أن الصالح تنقسم إلى الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل،\nكما تنقسم المفاسد إلى القبيح والأقبح، والرذيل والأرذل، ولكل واحد منها رتب عاليات ودانيات ومتوسطات، فكما انه لا نسبة لمصلحة الدنيا بحسب مصلحة الأُخرى، كذلك مصلحة الوجوب أفضل وأشرف من مصلحة الندب، بل الندب يتفاوت، كما هو الأمر في السنن المؤكدة وفي المستحبات وما بين ذلك، وكذلك الأمر في التحريم مع الكراهة.\nوتنقسم مصالح الدنيا ومفاسدها الى مقطوع ومظنون وموهوم.\nتنقسم بحسب ما تُعْرفُ به إلى شرع وعادة. فمصالح الآخرة لا تُعرَفُ إلا بالشرع، ومصالح الدنيا تعرف بالتجربة والعادة.\nوتنقسم المصالح الشرعية بحسب ما تُبنى عليه الى أربعة أقسام:\n_________\n(١٠) في نسخة ح، وبعض النسخ الاخرى: التوالي باللام، فالأولى نسبة الى الرتبة الثانية بعد الآولى، والنسخة الثانية من التوالي بمعنى التتابع، حيث تكون مرتبة الوجوب في المصلحة في المرتبة الأولى ومرتبة الندب في المرتبة التي تليها وهي أعم من أن تكون مرتبة ثانية وثالثة.\nوهكذا يظهر توجيه الكلمتين، والله أعلم.","vol":"1","page":42},{"text":"إلى مبني على عرفان، والى مبني على اعتقاد، وذلك في حق العوام. وإلى مبني على ظن وحسبان لا على عرفانٍ (١١). وإلى مبني على الشكوك والاوهام. ومعظم الورع مبني على الأوهام، وأكثر الامور العملية على الظن، والامور الاعتقادية على عرفان بحسب العلماء المجتهدين، وأما بحسب العوام فلا.\nوتنقسم المصالح والمفاسد باعتبار آخر الى مصلحة لا مفسدة معها فلا يكون هذا إلا واجبا او مندوبا او مباحا، والى مصلحة، معها مفسدة فيقع النظر فيما بينهما، وسياتي حكم ذلك في فصل اخر.\nوالمفسدة كذلك إلى مفسدة لا مصلحة معها، ولا يكون هذا إلا حراما أو مكروها، والى مفسدة معها مصلحة، وسياتي النظر في ذلك الترتيب.\nوتنقسم أيضًا بحسب ما تتعلق به:\nفمنها ما يتعلق بالقلوب، ومنها ما يتعلق بالحواس، ومنها بالأعضاء، والأبدان، ومنها بالأموال، ومنها بالزمان والمكان، وغير ذلك.\nوتنقسم أيضًا المصالح والمفاسد بحسب أسبابها.\nفأسباب المصالح الأخروية: العرفان والطاعة والإِيمان، وأسباب مفاسدها الكفر والفسوق والعصيان. وأمثلة المفاسد لا تخفى على من وقف على ما ذكرنا من أمثلة المصالح، إذ هي أضدادها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>القاعدة الثالثة: في الحكم في اجتماع المصالح، وفي اجتماع المفاسد، وفي اجتماعهما</span>، فنقول:\nأما المصالح الأخروية فإنها إذا اجتمعت وأمكن تحصيلها حصلناها، وإن تعذر، فإن تساوت تخيرنا بينها، وقد نُقرِعُ فيما يقدّم منها، وإن تفاوتت قدمنا الأصلح فالأصلح، ولا نبالي بفوات الصالح، ولا نخرج بتفويته عن أن نجعله غير صالح.\n_________\n(١١) في نسخة ع: \"لِأعْذَارٍ\"، وهذه الكلمة والعبارة غير مفهومة اللفظ والمعنى كما في نسخ ح، حيث جاء فيها: \"لِأعوان العرفان\". ولعل الصواب فيما يظهر ويتضحِ معناه أن يراد من هذه العبارة: وإلى مبني على ظن وحسبان، لا على عرفان\" فليتأمل، وليُحَقَّقْ ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":43},{"text":"وأما المصالح الدنيوية، فلنا أن نقتصر في حق أنفسنا على الكفاف، ولا نتنافس في تحصيل الأصلح، ونقدم الأصلح فالأصلح في حق من لنا عليه ولاية عامة أو خاصة إن أمكن، فلا نفرط في حق المولَّى عليه في شق تمرة، ولا في زنة بُرّة.\nوأما المفاسد إذا اجتمعت، فإن أمكن درؤها درأناها، وإن تعذر درؤها، فإن تساوت تخيرنا، وقد يُقرَع فيما يقدم منها، وإن تفاوتت درأنا الأفسد فالأفسد،\nولا يخرج الفاسد بارتكابه عن كونه مفسدة، كما في قطع اليد المتآكلة، وقلع الضرس المؤلم، وقتل الصائل على درهم، وقطع السارق في ربع دينار.\nوأما اذا اجتمعت المصالح والمفاسد، فإن أمكن دفع المفاسد، وتحصيل النافع فعلنا ذلك، وان تعذر الجمع، فإن رجحت المصالح حصلناها ولا نبالي بارتكاب الفاسد، وإن رجحت الفاسد دفعناها ولا نبالي بفوات المصالح.\nثم قد تنشأ المصلحة عن المفسدة، والمفسدة عن المصلحة، وقد تنشأ المفسدة عن الفسدة، والمصلحة عن المصلحة، وقد تُقرَن المصلحة بالفسدة ولا تنشأ إحداهُمَا عن الأخرى. واذا ظهرت المصلحة أو المفسدة بُني على كل واحدة منهما حكمها، وإن جهلنا استدِل عليهما بما يرشد اليهما. وإذا توهمنا المصلحة المجردة عن المفسدة الخالصة أو الراجحة، احتطنا لدفعها. ولا فرق بين مصالح الدنيا والآخرة في ذلك الذي ذكرناه بأجمعه في التقسيم وغيره، إلا فيما قلناه من أن لنا أن نقتصر في حق أنفسنا على الأدنى، بخلاف من لنا عليه ولاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>القاعدة الرابعة: في حكم المصالح والمفاسد المبنية على الظن</span>.\nإعلم أنه قد تقدم أن الظن ممَّا يَنْبني عليه ذلك، وإذا كان كذلك فالظن لا شك أنه قد يصيب وقد يخطئ، فإن أصاب فلا كلام أنه أدى ما عليه، وإن أخطأ -وذلك نادر، والغالب الصدق، - فمن أتى مفسدة يظنها مصلحة واجبة أو مندوبة أو مباحة فلا إثم عليه لظنه، وتُرتَّب على تلك المفسدة أحكامها اللائقة","vol":"1","page":44},{"text":"بها من تغريم وغيره (*) ومن أتى مصلحة يظنها أو يعتقدها مفسدة كبيرة ثم بان كذب ظنه فقد أثم وفسق، وانعزل عن الشهادات والروايات والولايات، ولا يحد عليها، لأنه لم يحقق المفسدة، ولذلك لا يعذب عليها في الآخرة عذاب من حقق المفسدة. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>القاعدة الخامسة: فيما يترك من الصالح لسبب، وفيما يفعَل من المفاسد لسبب</span>، فأقول:\nإن المصالح قد يجب تركها لأشياء تعلقت بها، وكذلك المفاسد قد يجب فعلها لأشياء تعلقت بها.\nفمن القسم الأول: الإِكراه بالقتل على ترك كلمة الاسلام، وعلى ترك الصلاة، وكذلك المرض الشديد الذي يخشى معه التلف على الصائم، وهذا كثير في الشريعة.\nومن القسم الثاني أن القتل يجب بسبب الكفر والبغي والصيال على النفوس، ويجوز بالصيال على الأموال (١٢)، ومنه تخريب الديار، وقطع الاشجار في حق الكافرين، ومنه التولي يوم الزحف جائز بالأعذار، وهذا أيضا - كثير في الشريعة للمتأمل فيها، وإنا لا نتعرض للجزئيات والأمثلة والشواهد بالاستقراء، بل مقصدنا تقرير القاعدة الكلية فقط، وهذا القدر كاف فيما أردناه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>القاعدة السادسة: في بيانه أنه ليس كل المصالح يؤمر بكسبها، ولا كل المفاسد ينهى عن فعلها</span>.\nإعلم أنه ليس كل المصالح يؤمر بكسبها، ولا كل المفاسد ينهى عن فعلها، بل المصالح، والمفاسد، منها ما يكتسب، ومنها ما لا يكتسب، فما يكتسب يقع\n_________\n(*) في نسخة ح: من تحريم وغيره. ولعل الأولى أظهَرُ.\n(١٢) \"والصائل\"، الصائل بصيغة اسم الفاعل في الكلمتين، وهو وصف يتضمن المصدر، والصيال بالمصدر؟ في نسخة ع متناسب مع ما قبله من مصادر الكلمات، والعلماء يقولون: المشتق يؤذن بعلية ما اشتق منه الحكم، مثل قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فهو يؤذن بأن علة القطع هو السرقة، وهذا يفيد أن ما في النسختين معا سليم العبارة والمعنى.","vol":"1","page":45},{"text":"الأمر به، والنهى عنه، وما لا يكتسب كحسن الصور، وحدة العقل، ووفور الحواس، وشدة القوى، أو الرقة والرحمة والغيرة وما أشبه هذه، وضد هذه كقبح الصورة، وسخافة العقل، وضعف الحواس، والقوى، والغلظة، وغير ذلك مما يشبهها، فهذه أشياء لا طاقة على اكتسابها للعبد، فهو لا يؤمر بشيء من ذلك، ولا ينهى عنه، ولكنه يقع الامر بآثارها، والنهى عن آثار الضد الآخر، فمن أطاع بحسب ذلك فقد أصاب، ومن عصى فقد خاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>القاعدة السابعة: فيما به يعرف ترجيح المصلحة والمفسدة</span>.\nإعلم أنه اذا اتحد نوع المصلحة والمفسدة كان التفاوت بالقلة والكثرة، كالصدقة بدرهم ودرهمين وثوب وثوبين.\nقلت: ويقول بعض العلماء هنا: قد يتحد النوع ويتساوى المقدار، ويكون الترجيح بالحكم، كدرهم من الزكاة الواجبة، هو أفضل من درهم من صدقة التطوع. وان كان أحد النوعين أشرف قدم الأشرف عند تساوى المقدارين كتقديم زنة درهم من الذهب على درهم من فضة. وان اختلف المقدار، فإن كان الأدنى أعظم مقدارا من الأعلى بكثير قدم الأدق وإلَّا قدم الأشرف.\nولا خفاء أن حرمة الدماء آكَد من حرمة الأعضاء، وحرمة الأعضاء آكد من حرمة الأبضاع، وحرمة الأبضاع آكد من حرمة الأموال، وحرمة الأقارب آكد من حرمة الأجانب، وحرمة الآباء والأمهات آكد من حرمة جميع القرابات، وحرمة الأحرار آكد من حرمة الأرقاء، وحرمة الأبرار آكد من حرمة الفجار، وحرمة الأنبياء آكد من حرمة الاولياء، وحُرمة الرسل آكد من حُرمة الأنبياء.\nوبهذا الاعتبار نقول: يقدم حقظ الأرواح على حفظ الأعَضاء، وحفظ الأعضاء على حفظ الأَبضَاع، وحفظ الأَبضاع على حفظ الأموال، وحفظ المال الخطير على حفظ المال الحقير، وحفظ الفرائض على حفظ النوافل، وحفظ الأفضل من الفرائض على حفظ الفضول منها، وكذلك الأمر في النوافل.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>القاعدة الثامنة: في أمر الثواب والعقاب، هل هو في التفاوت وعدمه مرتبط بالأعمال أو بالمصالح والمفاسد</span>؟ فأقول:\nإعلم أنه مرتبط في ذلك بالمصالح والمفاسد لا بالأعمال، فعمل واحد يهلك به مائة رجل، يتضاعف الوزر بتضاعف المفسدة وان كان الفعل واحدا، وكذلك كلمة واحدة أحيى بها مائة رجل تتضاعف الحسنات بتضاعف تلك الخيرت، فلم يكن للأجر والعقاب هنا ارتباط بالعمل، بل بالمصلحة والمفسدة، وهذا هو الأصل، إلا أنه. يخرج عن هذا الأصل أن تكون المصلحة في الظاهر واحدة، ولكنها في موضع واجبة، وفي موضع آخر ندب، كصدقة درهم من تطوع، وصدقة درهم من زكاة واجبة، فالأجور هنا متفاوتة وإن كانت المصلحة واحدة، وما كان الأصل الذي قبله يقتضي إلا تساوي الأجور لارتباطها بالمصلحة كما قلنا، وقد نبهنا على هذا قبل هذا.\nقلت: ولا خفاء أيضا أن اختلاف الأحكام مبني على اختلاف المصالح. فما كان عظيم المصلحة كان واجبا، وما قَصَرَ عنه كان ندْبا، كذلك ما كان عظيم المفسدة كان حرامًا، وما قصر عنه كان مكروهًا، بل عظم المصلحة -وإن كان واجبًا- يتفاوت، وكذلك ما قصر عنه يحكم عليه بالندبية، وهو - أيضًا - يتفاوت، وعلى هذا، فقد يكون أمر درهم من الزكاة، فيه زيادة مصلحة على درهم صدقة التطوع، حدث ذلك من حيث الاتصاف والسبب، والله أعلم.\nولا كانت المثوبات والعقوبات مرتبة على المصالح والمفاسد، وظهر ذلك بما تقدم، كان لنا أيضًا أن نقول:\nإن تفاوت الحدود والتعزيزات هو أيضًا مزلب على مفاسد الجنايات كالقتْل، والرجم، والجلْد، والنهى، والحبس، والضرب، والسب، والله أعلم.\nواعلَم أنه يجب أن يعتقد أن الله تعالى ما أَمر بشئ إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كِلاهما، وما نهى عن شئ إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة،","vol":"1","page":47},{"text":"أو كلاهما، وما أباح شيئا إلا وفيه مصلحة عاجلة. أكثر هذه المصالح والمفاسد ظاهر جلي، وبعضها خفي وهو الأقل، فيستدل عليها بالأدلة التي نصبها الله لها، ومنها ما لا يظهر فيه مصلحة ولا مفسدة، سواء جلب الثواب ودفع العقاب، ويعبر عنه بالتعبد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>القاعدة التاسعة: في تقرير أن المصالح والمفاسد لا يرجع شيء منها إلى الله جل وعلا</span>، لأنه منزه عن النفع وعن الضر، فهو لا يحتاج إلى منفعة ولا تلحقه مضرة، لأنه الغني بالاطلاق، وإنما يعود النفع والضر إلى الانسان، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها. وإحسان المرء إلى نفسه أو إلى غيره، إما بجلب مصلحة دنيوية أو أخروية أو بهما، أو بدفع مفسدة كذلك، وإساءتُه إلى نفسه او إلى غيره إما بجلب مفسدة دنيوية، أو أخروية أو بهما، أو بدرء مصلحة دنيوية، أو أخروية أو بهما. فكل من أحسن إلى نفسه كان أجره مقصورا عليه، وكل من أحسن إلى غيره كان محسنا إلى نفسه وإلى غيره، ومن أساء إلى نفسه كان وِزْره مقصورا عليه، وكل من أساء إلى غيره فقد بدأ بالاساءة إلى نفسه.\nوإذا اتحدَ نوع الإحسان والإساءة كان عامها أعظم من خاصها، فليس من أصلح بين جماعة كمن أصلح بين اثنين، وليس من أفسد بين جماعة كمن أفسد بين اثنين. وقد نبهنا على هذا في القاعدة المتقدمة، بحيث قلنا: ارتباط الثواب والعقاب بالمصالح والمفاسد لا بالأعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>القاعدة العاشرة: في أن الصالح والمفاسد بحسب العبيد -كما قلنا- قائمة معتبرة في الشرع</span>.\nإعلم أنه لا شك في ذلك ولا خلاف فيه بيننا وبين المعتزلة، وإنما الخلاف بيننا في أن اعتبار المصلحة من العبيد هو بفضل الله، أو هو حق واجب على الله لا يجوز عليه غيره، فنحن نقول: لا يجب على الله شيء، والملك ملكه، وكل شيء","vol":"1","page":48},{"text":"منه حسن، ولا شئ يقبح في حقه. فلو أهلك العالم بأسره لكان له ذلك. والمعتزلة تقول، بناء على قاعدة الحسن والقبح: لا يجوز له فعل المفسدة ولا ترك المفسدة لذلك، ففي هذا القدر وقع الخلاف بيننا، وتحقيق هذا في مسائل أصول الدين. وهذا القدر كاف، والله سبحانه أعلم وأحكم (١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>القاعدة الحادية عشرة: </span>إعلم أنه قد قدمنا أن الفضيلة والرذيلة مرتبة على حسب المصلحة والمفسدة، وكذلك الثواب والعقاب مرتب على ذلك لا على الأعمال، فاعلم أنه لا تعترض هذه القاعدة بقوله ﵊: \"أكثركُمْ ثوابا أجهدكم عملا\"، فإن ظاهره ترتيب الثواب على الأعمال، وكذلك أيضًا: ﴿أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ (١٤)، كذلك: ﴿من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها﴾ (١٥)، ﴿وأنْ ليس للانسان إلا ما سعى﴾ (١٦)، لأنا نقول: إنا لا نمنع اطلاق ترتب الثواب والعقاب على الأعمال من حيث إن\n_________\n(١٣) هذا الموضوع والبحث كما أشار اليه الشيخ اليقوري ﵀ في إيجاز واختصار، هو من المبادئ والاصول التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة وبين المعتزلة، وتناولها بتوسع وتفصيل علماء التوحيد وأصول الدين، وكذا علماء أصول الفقه في مؤلفاتهم المختلفة. فأهل السنة يرون ويقولون بأن الحسن والقبيح أمران شرعيان، وأن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، لا ينشأ عن فعل الحسن من الدح في الدنيا والثواب في الاخرى، ولا ينشأ عن فعل القبيح من الذمة في الدنيا، والعقاب في الحياة الاخرى، وأن الله تعالى لا يجب عليه فعل شيء من الاصلح وغيره، بينما يرى المعتزلة ويقولون: الحسَنُ ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، والشرع ياتي موافقا له، ومن ثم قالوا بأنه يجب على الله فعل الاصلح أو فعل ما هو مصلحة العباد، وفي ذلك يقول تاج الدين ابن السبكي ﵀ في كتابه الشهير جمع الجوامع في أصول الفقه: \"وحكمت المعتزلة العقل\". وانتهى المحققون الى أن المعتمد من هذا الخلاف ما عليه أهل السنة من إخضاع العقل للنقل، وجعله تابعا له في المسائل الاعتقادية والاحكام الشرعية، وأن كل ما أراده الله وكان فهو فعل جميل وحسن، كما عبر عن ذلك بعضهم في بيتين فقال:\nلو رحم العاصى وعذب المطيع ... أو رحم الكل وعذب الجميع\nلكان ما فعل من ذا ممكنا ... كان فعله جميلا حسنا\n(١٤) سورة فُصِّلَت: الآية ٤٦.\n(١٥) سورة الجاثية: الآية ١٣.\n(١٦) سورة النجم: الآية ٣٩.","vol":"1","page":49},{"text":"الاعمال أسباب لحصول المصالح، أو أسباب لحصول المفاسد، فصح بذلك ترتب الثواب والعقاب عليها، ولم يتناقض -على هذا- ما قررناه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>القاعدة الثانية عشرة: </span>إعلم أنه، وإن كان الأصل كما قررنا أن ترتب الأحكام على حسب المصالح والمفاسد وبحسب مراتبها، فقد يخرج عن ذلك لا لما تقدم من المفاسد كما قررنَا في القاعدة التي تقدمت لنا، ولكن قد يجيء تخيير الشارع بين المصالح المتفاضلات وفعل الأفضل أولا كما قلنا، وذلك للرفق والتيسير علينا. وقد تكون الرخصة أفضل من العزيمة كتقصير الصلوات، وقد تكون العزيمة أفضل من الرخصة كتفريق الصلوات على الأوقات في الأسفار إلا بعرفة ومزدلفة، فإن تقدم العصر الى الظهر أفضل بعرفة، وتأخر المغرب أفضل بمزدلفة. وربّ عملٍ قاصر، أفضلُ من عَمَل متعدٍ، كالعرفان والإِيمان، وكذلك الحج والصلاة والصيام والأذكار وقراءة القرآن. ورُبّ عملٍ خفيف أفضلُ من عمل شاق لشرف الخفيف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>القاعدة الثالثة عشرة: </span>إعلم أن أحوال القلب في المعرفة أصل في أحواله من الخوف والرجاء وما أشبههما من المقامات، ولهذا من غلب عليه التطلع على نقمة الله كان حاله الخوف، ومن عرف سعة رحمة الله وغلب عليه النظر لها كان خاله الرجاء. ومن غلب عليه توحد الرب بالنفع والضر، والرفع والخفض، لم يتوكل في كل ذلك إلا عليه، ولم يفوض أمره إلا إليه. ومن عرف عظمته وجلاله كانت حاله الإِجلال والمهابة، ومن غلب عليه اطلاعه على أحواله استحيى منه أن يخالفه، ومن غلب عليه سماعه لأقواله استحيى أن يقول ما لا يرضيه، ومن غلب عليه إحسانه إليه كانت حاله المحبة، ومن غلب عليه التطلع على جماله وكماله كان حاله المحبة، وكانت محبته أفضل من محبة الذي قبله.\nثم أكثر ما تخطر هذه المعارف وتغلب بالاستحضارِ والأفكار. ثم كل حال من هذه الاحوال المذكورة ينشأ عنها من الأقوال والأعمال ما يطابقها ويوافقها، فمن حصل له الخوف كان منه الحزن والبكاء والانقباض، ومن كان حاله الرجاء","vol":"1","page":50},{"text":"حصل له الانبساط، وترجية الناس وما أشبه (١٧) هذا. والحب ينشأ (١٨) عليه الشوق وخوف الفراق، وأنسُ التلاق، والسرور والفرح، والحياء يحمل على ألا يقع في مخالفته في قول ولا فعل، والحياء يحمل على الهابة والاجلال، وهما أعظم من الخوف والرجاء. ثم الآثار الظاهرةُ على الناس تعرف بمؤثراتها من أحوال ومعارف، فكانت كذلك تميز الفاضل من غير الفاضل، والأفضل من الفاضل، والأكمل من الكامل.\nثم إذا علمتَ أن الاعماق -وهي الآثار- مرتبة على الأحوال القلبية والمعارف فاعلَم أن درجات المحبة مختلفة باختلاف الأعمال. فليست درجات المجاهدين واحدة، بل تختلف بحسب مجاهداتهم. فللمجاهدين مائة درجة في الجنة، يترتب أعلاها على أعلى رتب الجهاد، وأدناها على أدناها، وكذلك رتب المصلين والصائمين والولاة المقسطين. وعلى هذه الدرجات يتزلب سبقهم إلى الجنات. فإذا تساوى اثنان في الإيمان والعرفان، فإن استويا في مقادير الإيمان (١٩) الحقيقي والحكمي، فدرجتهما واحدة فيما استويا فيه، وإن تقاربا في القِلة والكثرة، كانت درجة ذي الكثرة أعلى من درجة ذى القلة، ولو استوى اثنان في عدد الصلاة، فإن استويا في كمالها بسننها وآدابها وخضوعها وخشوعها، وفهم إدراكها، فهما في درجة واحدة، وإن تفاوتا في ذلك كان أكملها أعلى درجة من أنقصها.\nوان استوى اثنان في جهاد الدفع، فإن استويا في الإخلاص وارادة اعلاء كلمة الله وفي المدفوع عنه فدرجتهما واحدة، وان تفاوتا في النية وكثرة من قتلا وفي شرف المدفوع عنه، كالدفع عن الأنبياء والأولياء، كان أشرفهما في الدرجة العليا، والآخر في الدنيا، وكذلك جميع ما يتقرب به إلى الله تعالى.\nومعنى تفاوت الدرجات، أن يكون لكل واحد من العاملين نصيبه من الجنة درجات مترتباتٍ على رتب أعماله: عاليات ودانيات، ومتوسطات، يتردد\n_________\n(١٧) ن ح: وما ناسب.\n(١٨) ن ح: ينبني\n(١٩) ن ح: في الدِين.","vol":"1","page":51},{"text":"بينها على ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه. وقد صح أن الله أعد للمجاهدين في سبيله مائة درجة، بيْنَ كل درجتين مائة عام (٢٠).\nولو آمن انسان قبل موته بلحظة لم يكن أجْرُهُ كأجر إيمان من آمن قبل موته بيوم، ولا أجر من آمن قبل موته بيوم كأجر من آمن قبل موته بشهر، ولا أجر من آمن قبل موته بشهر كأجر من آمن قبل موته بعام، فليس من طال عمرهُ في الطاعات والايمان كمن قصَر، ولهذا قال ﵇: \"خيركم من طال عمرهُ، وحسُن عمله\" (٢١). وقال: \"لا يتمنين أحدُكم الموتَ لضر نزل به، فإنه لا يزيد أحدَكم عمرُهُ إلا خيرًا، إما محسنٌ يزداد، وإما مسئ فيستعتب\" (٢٢) ولمثل هذا\n_________\n(٢٠) ونصه بتمامه: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال؛: \"من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، جاهدَ في سبيلِ الله أو جلس في أرضه التى وُلد في. فقالوا يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والارض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وأراه قال: وفوقه عرش الرحمان، ومنه تتفجر أنهار الجنة\" .. رواه البخاري والترمذى رحمهما الله.\n(٢١) أخرجه الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه الجامع الصغير نقلا عن المستدرك للحاكم، وَروايةً عن جابر ضى الله عنه بصيغة الجمع هكذا: خياركم أطولكم أعمارا، وأحسنكم أعمالا. وفي رواية أخرى للسيوطي عن الإمام البزَّار من رواية أبى هريرة ﵁: \"خياركم أطولكم أعمارا، وأحسنكم أخلاقا .. \" رحم الله جميع أهْل السنة والعلم والفقه في الدين، وجزاهم خيرا عن الإسلام والمسلمين.\n(٢٢) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل والبخارى، والنّسائي، روايةً عن أبى هريرة ﵁، وذكره في الجامع الصغير بهذه الصيغة: لا يتمنيَنْ أحدكم الموت، إما محسنا فلعله يزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب .. والملاحظ أن صيغة الحديث في ثنايا الكتاب جاءت في كلمة محسن ومسئ مرفوعة، وفي هذه الرواية جاءت منصوبة، فالأولى خبر لمبتدأ محذوف، والثانية خبر لكان المحذوفة مع اسمها.\nومن القواعد والأحكام النحوية الخاصة بكان أنها تحذف أحيانا ويبقى اسمها وخبرها، أو تحذف مع اسمها، ويبقى خبرها فقط، وخاصة بعد إن ولو، كا أنها قد تكون زائدة وسط الكلام، مثل زيادتها بين ما وفعل التعجب، وهو ما أشار إليه ابن مالك ﵀ في ألفيته بقوله:\nوقد تزاد كان في حشوك ما ... كان أصحّ علمَ من تقدما\nويَحذفونها ويُبقون الخبر ... وبعد إن ولو كثيرًا ذَا اشتهرْ\nوبعد أن تعويضُ ما عنها ارتُكِب ... كمثْلِ أمّا أنتَ بَرًا فاقترب\nومنه البيت القائل:\nأبا خراشة أنا أنت ذَا نفر ... فإن قومي لم تاكلهم الضبع\nأي ما أصح علم من تقدما، ولا تخيفني ولا تفزعني لأن كنت ذا نفر وقوم، فإن قومي موجودون وحاضرون لم تأكلهم السباع، ولم تذهب بهم آفة من آفات الزمان، بل هم حاضرون أقولاء للنجدة في كل وقت وحال.","vol":"1","page":52},{"text":"شح الأولياء على الأوقات أن يصرفوها في غير الطاعات. وكذلك ترتب عذاب جهنم على تزليب المفاسد وكثرتها وقلتها. فالعذاب على الزنى دون العذاب على القتل، والعذاب على أكبر الكبائر دون العذاب على الكفر، وليس من كفر قبل موته لحظة كمن أقام على الكفر يوما، وليس من أقام يومًا على الكفر، كمن أقام شهرا، وهكذا على الترتيب المذكور في الثواب، والله سبحانه أعلم.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>القواعد النحوية وما يتعلق بها</span>\nوفيها خمس عشرة قاعدة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>القاعدة الأولى: في الشرط</span>. (١).\nإعلم أنه يتميَّز لك بحقيقته وبذكر أضداده وبذكر أقسامه.\nأما حقيقته فهو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجُودٌ ولا عدم لذاته، ولا يشتمل على شيء من المناسبة.\n_________\n(١) هذه القاعدة هي مبحث الفرق الثالث عند الإمام القرافي في كتابه الفروق، والذى ما هو أصل وأساس ترتيبه واختصاره عند تلميذه الشيخ البقورى رحمهما الله.\nوموضوعه هو الفرق بين الشرط اللغوى وغيره من الشروط العقلية والشرعية والعادية، قال عنه القرافي في أوله:\nإن أكثر الناس يعتقدون أن الكل معنى واحد، وأن اللفظ مقول عليها بالتواطؤ، وأن المعنى واحد، وليس كذلك. بل الشروط اللغوية قاعدة مباينة لقاعدة الشروط الأخَر. ولا يظهر هو الفرق بين القاعدتين إلا ببيان حقيقة الشرط والسبب والمانع\". ثم أخذ في تعريف كل واحِدٍ منها، كما هو عند البقورى هنا.\nوهو من الفروق الطويلة المباحث الكثيرة الجزئيات عند القرافي ﵀.\nوقد علق الشيخ قاسم بن الشاط ﵀ على كلام القرافي في أوله بقوله: كان حقه - كما فرق بين الشرط اللغوى وغيره - أن يفرق بين سائر الشروط، فإن الشرط العقلى ارتباطه بالمشروط عقلي. ومعنى ذلك أن من حقيقة المشروط ارتباط ذلك الشرط به. والشرط العقلى ارتباطه بالمشروط شَرْعيٌّ، يعنى ذلك أن الله تعالى ربط هذا الشرط ومشروطه بكلامه الذي نسميه خطاب الوضع. والشرط العادى ارتباطه بالمشروط عادى. ومعنى ذلك أن الله تعالى ربط هذا الشرط بمشروطه بقدرته ومشيئته. والشرط اللغوى ربطه بمشروطه واضع اللغة، اى جعل هذا الربط اللفظي دالا على ارتباط معنى اللفظ بعضه ببعض. هذه فروق بين هذه الشروط واضحة.\nوأما الفرق الذي ذكره (أى القرافي) فمبنى على اصطلاح أصولي، ولذلك احتاج في بيانه إلى ذكر الفرق بين الشرط والسبب والمانع عند أهل الأصول، وليس ذلك بمتفق عليه، فقد ذهب الاستاذ أبو إسحاق الاسفراينىي إلى خلافه. وما ذكره (أي القرافي) من رسوم السبب والشرط والمانع لا بأس به وما ذكره من أن الشروط اللغوية أسباب فبناء على ذلك الاصطلاح. وما ذكره من احتمال تسمية جميع تلك الشروط شروطًا باعتبار قدر مشترك بينها، وهو توقف الوجود على الوجود مع قطع النظر عما عدا ذلك، صحيح ظاهر\". انتهى كلام ابن الشاط في هذا المجال والتعليق على هذا الفرق.\nوقد توسع الشيخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في الكلام عليها في كتابه الموافقات.","vol":"1","page":54},{"text":"وبالقيد الأخير يتميز عن جزء العلة، وبما قبله تميز عن المانع وعن العلة، فيخرج المانع بالأول، والعلة بالثاني، وبقولنا: لذاته، تحرزْنا به مما إذا اقترن الشرط بالسبب.\nوأما أضداده التى ذكرناها تُعرَف به فالمانع والسبب، فإن المانع هو الذي يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. والسبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. فالسبب مؤثر من حيث وجوده ومن حيث عدمه، والمانع من حيث وجوده فقط، والشرط من حيث عدمه فقط.\nوأما أقسامه فهو ينقسم إلى شرط لغوي، والى شرط عقلي، وإلى شرط شرعي، وإلى شرط عادى، ويمكن تقسيمه باعتبار آخر، إلى غير هذه، ولكن لا حاجة إلى ذلك.\nفالعقلى كالحياة في العلم، والعادي كالسُّلّم في الصعود، والشرعي كالطهارة في الصلاة، واللغوي كقولنا: إذا دخلتِ الدار فأنت طالق.\nلكنه إذا عرضْنا الحقيقة المتقدمة على الأقسام وجدناها إنما تصدق على العقلى فقط، فإن الصعود قد يتصور دون السلم، والصلاة دون الطهارة، والطلاق دون الدخول. وأيضا فالشرط اللغوي إذا وجد مقتضاه وجد مشروطه ولا بد، فهو كالسبب. فعلى هذا، إذا أردنا الشرط اللغوي فالأولى أن نقول في رسمه (٢):\n_________\n(٢) المعرف (بكسر الراء) لماهية الشيء وحقيقته، أو التعريف بها، أو الشارح لها، أو حدها ورسمها، كلها كلمات وعبارات اصطلاحية عند علماء المنطق والأصول، ويقصد بها ويراد منها في اصطلاحهم اللفظ المركب الذي يراد به تفسير الشيء وتصويره للغير، ويستلزم تصوره تصور ذلك الشئ أو امتيازه عن غيره، بذكر أجزاء ماهيته أو بذكر صفاته الخاصة به على وجه يشمل جميع أفراده، ويمنع غيرها من الدخول فيه.\nومن ثم قسم العلماء العرف أو التعريف إلى قسمين أساسيين هما: الحد والرسم، وكل منهما إما تام أو ناقص.\nفالحد التام عندهم هو ما تركب من جنس الشيء. وفصله القريبين، كقولنا في حد الانسان وتعريفه مثلا: هو الحيوان الناطق. والرسم التام هو ما تركب من الجنس القريب ومن الخاصة اللازمة للمعَرَّف","vol":"1","page":55},{"text":"هو المرتب على إن وما في معناها من حيث الشرطية، فظهر الفرق بين الشرط اللغوي والعقلى، فإن الشروط اللغوي يتوقف وجوده على شرطه، ووجود شرطه يقتضيه، وكذلك المشروط الشرعي لا يقتضى وجودُ شرطه وجودَه.\nوعلى هذا فإطلاق الشرط على ما ذكر بالاشتراك أو على أحدهما بالمجاز، وادعاء التواطؤ في ذلك بعيد (٣)، والله أعلم.\n_________\n(بفتح الراء) كقولنا في رسم الانسان وتعريفه بالرسم هو: الحيوان الضاحك. وهناك قسم ثالث هو المعرِف أو التعريف اللفظى، ويكون بتبديل لفظ بلفظ آخر أوضح من الأول وأشهر منه، كتعريف البُر بالقمح. وقد أشار إليها الفقيه العلامة الاخضري ما في منظومته الشهيرة في علم المنطق، والمسمَّاة بمتن السلم في هذا الفن، فقال\nمعرف على ثلاثة قُسم ... حد ورسمي ولفظي عُلِم\nفالحدّ بالجنس وفصل وقعا ... والرسمُ بالجنس وخاصة معا\nوما بلفظي لديهم شهرا ... تبديل لفظ برديف أشهَرَا\nوذكر مثل هذه المسائل انما هو من باب الاستطراد والاستذكار والاستحضار لها بشيءٍ من الايجاز والاختصار. أما التوسع فيها بمنتهي التفصيل وكامل البيان فمحله الكتب الخاصة بعلم المنطق. وعلم أصول الفقه، والله الموفق للصواب.\n(٣) في هذه الفقرة كلمات لها مدلولات إصطلاحية عند علماء الأصول والمنطق. وهي من أقسام اللفظ الفرد باعتبار وحدة لفظه ووحدة مدلوله وتعددهما.\nفالاشتراك هو نسبة بين المعاني الكثيرة التى وضع اللفظ لها بأوضاع متعددة، لأنها هي التى تشترك في اللفظ الذي هو محل الاشتراك، ولذلك سمي مشتركا (بفتح الراء)، لأن المحافي اشتركت فيه بالوضع لكل منها على انفراد.\nأما المَجاز فهو مقابل الحقيقة عند علماء البلاغة، وهو عند علماء الاصول والمناطقة كذلك. إذ هو اللفظ المستعمل في معنى لم يوضع له، لمناسبة بينه وبين المعنى الموضوع له من غير أن يترك استعماله في المعنى الاصلى، كالاسد اذَا استُعْمل في الرجل الشجاع.\nأما التواطؤ أو اللفظ المتواطئ، فهو اللفظ الواحد المَوضوع لمعنى واحد غير مشخص، قابل لأن تشترك فيه أفراد كثيرة ذهنا وخارجا مع تساويها في المعنى الذي وضع له اللفظ من غير تفاوت بينها، بحيث يصدق الكليُّ عليها من غير اختلاف، كالانسان بالنسبة لأفراده من زيد وخالد وبكر مثلا، فإنهم لا يتفاوتون في المعنى المشترك بينهم، وهو الحيوان الناطق. وسمي متواطئا لتوافق أفراده في معناه، أو لتوافق المعنى في الأفراد، من التواطؤ وهو التوافق.\nوقد أشار إليها الإمام الأصولي والفقيه الكبير تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي ﵀ في كتابه الشهير جمع الجوامع (في أصول الفقه) قال: =","vol":"1","page":56},{"text":"ولنذكر مسائل من حيث الشرط اللغوى تتحقق بها قواعد عند البحث فيها.\nمنها: المسألة الاولى: قال اللخمى في كتاب الظهار: \"إذا قال: أنت طالق اليوم إن كلمتُ فلانا غدا، قال ابن عبد الحكم: إن كلمه اليوم حنث، وغدًا لا يحنث، لأن الحنث بالغد يقتضى اجتماع العصمة وعدمها، فإذا كلمه اليوم اجتمع الشرط والمشروط في ظرف واحد، فتَرتّبَ أحدهما عن الآخر، وقيل. يلزمه الحنث إن كلمه غدا. وفي الجواهر (٤). لو قال: أنتِ طالق يوم يقدم فلان، فقدم نصف النهار، تطَلّق من أوله. ولم يحك خلافا. وقال ابن يونس: قول ابن عبد الحكم خلاف أصل مالك، بل يلزمه الطلاق، وقال الغزالي في الوسيط: إذا قال: أنت طالق بالامس وقال: قصدت إيقاع الطلاق بالامس لم يقع، لأن حكم اللفظ لا يتقدم عليه. وقيل: يقع في الحال، لأن وقوعه بالامس يقتضي وقوعه بالامس وفي الحال، فيقسط الأمس ويثبت الوقوع بحسب الحال (٥).\nوقال الفقهاء أيضًا: إذا قال: إن مات فلان فأنت طالق قبله بشهر، إن مات قبل مضى الشهر لم يقع طلاق، لئلا يتقدم الحكم على اللفظ، وبعد شهر وقع الطلاق قبله بشهر. وأبو حنيفة يفرق بين ما إذا قال: إن مات وإن دخل، فيلزم الطلاق قبل الموت بشهر، ولا يلزمه في الدخول وما أشبهه. وقال الغزالي: هو\n_________\nمسألة: اللفظ والمعنى إن اتحدا، فإن منعَ تصور معناه الشركة فجزئي وإلا فكلي، متواطئ إن استوى، مشكك إن تفاوت. وإن تعددا فمتباين، وإن اتحد المعنى دون اللفظ فمترادف، وعكسه إن كان حقيقة فيهما فمشترَك، وإلا فحقيقة ومجاز.\nوقد نظمها العلامة الاخضرى في منظومته متن السلم في علم المنطق فقال:\nونسبة الالفاظ للمعاني ... خمسةُ اقسام بلا نقصان\nتواطؤ، تشاكك تحالف ... والاشتراك عكسه التَّرادف\n(٤) المراد به كتاب الجواهر الثمينة في مذهب عالم الدينة، لمؤلفه الشيخ أبي محمد، عبد الله بن نجم بن الشاش، المتوفي بمصر عام ٦١٦ هـ وكتابه هذا من أكثر الكتب فوائد في الفروع، ويدل على غزارة علمه وفضله كما ذكَره مترجموه ﵀.\n(٥) علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة وذكره اليقوري، فقال: جميع ذلك نقل لا كلام فيه.","vol":"1","page":57},{"text":"تحكم. والفقهاء جعلوا مسألة التعليق المذكورة أولا كمسألة أنت طالق بالأمس فقالوا: لا يلزم الطلاق قبل الدخول أو القدوم، لأن حكم اللفظ لا يتقدم عليه.\nوقال شهاب الدين: الحق في هذه المسألة وقوع الطلاق مقدمًا على القدوم الذي جعل شرطًا وعلى لفظ التعليق في زمانه، وقال: قولهم: حكم اللفظ لا يتقدم عليه، لا يتم، وقياسهم على قوله: أنت طالق، لا يصح (٦)، وبيان ذلك بثلاث قواعد:\nالقاعدة الأولى: أن الأسباب في الشريعة قسمان: قسم قدره الله تعالى في أصل شرعه، وقدر له مسببًا معينًا فلا زيادة ولا نقص فيه، وهذا كجعله الزوال سببًا لصلاة الظهر.\nوقسم جعله الله لخيرة (٧) المكلفين، إن جعلوا أي شيء أرادوا سببًا لحكم\n_________\n(٦) علق الفقيه المحقق قاسم بن الشاط ﵀ على هذه المسألة عند القرافي ﵀، فقال:\nما قاله عندي صحيح، لكنه مناقض لما حكى من الإجماع على استمرار العصمة وإباحة الوطء إلى حين قدوم زيد. والذي أظنه أن ذلك الإجماع لا يصح. وأنها لا يباح وطؤها في تلك المدة، لاحتمال وقوع الشرط، بل تحرم على كل حال. فإن قدم زيد، تبين لنا أن تحريمها للطلاق، وإن لم يقدم، تبين أن تحريمها للإشكال والاحتمال؛ في اختلاط المنكوحة بالأجنبية. الأجنبية حرام لأنها أجنبية، والمنكوحة حرام للاختلاط اهـ. فليتأمل كلام المحقق ابن الشاط فإنه مهم ودقيق في الموضوع والمسألة. وقد صحح ما قاله القرافي واليقوري بأن المقدرات لا تنافي المحققات.\nوقال ابن الشاط في مسألة العتق عن الغير وتقدير ملكه: لا حاجة إلى التقدير للملك في هذه المسألة، فإنه لا مانع من عتق الانسان عبده عن غيره من غير تقدير ملك ذلك الغر للعبد ولا تحقيقه، والله أعلم.\nوما قاله في مسألة دية الخطأ من لزوم تقدير ملك الدية وعدم تحقيقه ليس بصحيح، بل الصحيح أنه يملك الدية تحقيقا عند إنفاذ مقاتله وقبل زهوق نفسه، ولا مانع من ذلك، وإنما يحتاج إلى تقدير الملك في دية العمد، لتعذر تحقيقه بكون الدية موقوفة على اختيار الأولياء، وذلك إنما يكون بعد موته، والميت لا يَملِكُ، والله أعلم.\n(٧) خيرة بكسر الخاء وفتح الياء مخففة على وزن فعلة، اسْمُ مصدر بمعنى الاختيار، ومنه الآية الكريمة في سورة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.\nوفي نسخة ح: جعل الله تخييره للمكلفين، والمعنى واحد في النسختين.","vol":"1","page":58},{"text":"كان كذلك، وحصر جعلهم لذلك في طريق واحدة هي التعليق (٨).\nالقاعدة الثانية: المقدّرات لا تنافي المحقَّقات، بل يثبتان ويجتمعان. ويشهد لذلك أن الأمة إذا اشتراها شراء صحيحا أبيح له وطؤها بالإِجماع إلى حين الاطلاع بالعيب والرد به. وكذلك إذا قال: أعتق عبدك عني فأعتقه، فإنَّا نقدر دخوله في ملكه قبل عتقه بالزمن الفرد، مع أن الواقع عدم ملكه له. وكذلك دية الخطأ تورث عَنْ المقتولِ، ومن ضرورة الإِرث ثبوت الملك للموروث، فَنُقَدِّر (٩) ملكه للدية قبل موته بالزمن الفرد فيصح الإِرث، ونحن نقطع بعدم ملكه للدية حال حياته، فقد اجتمع الملك المقدر وعدمه المحقق ولم يتنافيا. وكذلك صوم التطوع يصح عندهم بنية من الزوال. هذه الوجوه قرر بها شهاب الدين القاعدة المذكورة (١٠).\nقلت: وهو منازَع في ذلك كله، فإنا نقول:\nلا تقدير في شيء مما ذكرته (١١). فالرد بالعيب رفع الحكم المتصل من اباحة الوطء وغيره وقطعه، وما قبل ذلك كان فيه إباحة الوطء محققا، ولا وجود لتقدير شيء يخالفه. وكذلك ورَّث الشرع ورثة المقتول خطأ من دية، ما ملكها قط، وكذلك عتق العبد عن زيد، جعل الشرع ذلك من غير تملك سابق له، لا تحقيقًا ولا تقديرا، والأمر في الصوم أبيَنُ.\n_________\n(٨) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه القاعدة الأولى بقوله: جميع ما قاله القرافي في ذلك صحيح، غير قوله: ولو قال: جعلته (أي تعليق الطلاق وعتق العبد على دخول الدار وقدوم زيد) سببا من غير تعليق لم ينفذ ذلك، قال ابن الشاط: فهذا إنما يجري على قول الشافعية في تعيين الالفاظ، وإمَّا على قول أهل الذهب في عدم تعيينها فلا، والله أعلم.\n(٩) في نسخة ح: فيقدر بالياء.\n(١٠) عقب الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند الإمام القرافي في هذه القاعدة، مما لخصه الشيخ البقوري، فقال: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، غير قوله: كقربات الكفار، موجودة حقيقة، ومعدومة حكما. فإن أراد قرباتهم حال الكفر والارتداد فذلك صحيح، وإن أراد في حال الإسلام قبل الارتداد فذلك غير صحيح، والله أعلم.\n(١١) في نسخة ح: مما ذكرناه. والذي في نسخة ع ذكرته بتاء الخطاب، وهي أبين وأظهر، فإن أبا عبد الله البقوري يعقب بذلك على شيخه القرافي، وكأنه أمامه يخاطبه ويحاوره في المسألة.","vol":"1","page":59},{"text":"القاعدة الثالثة: أن الحكم كما يجب تأخره عن سببه، كذلك يجب تأخره عن شرطه، ومن فرق بينهما فقد خالف الإجماع (١٢).\nقلت: وأيضا، فقد تقدم لنا. أن الشرط اللغوي سبب، فإن المشروط يوجد بوجُودِهِ، إذ لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلتها، لزمه الطلاق.\nقال شهاب الدين ﵀: إذا تقررت هذه القواعد، فنقول:\nليس من تقديم الطلاق على زمن اللفظ وزمن القدوم تقديم السبب على السبب، ولا المشروط على الشرط، لأنهُ عند وجود الشرط الذي هو القدوم - مثلا - يترتب عليه مشروطه بوصف الانعطاف على الأزمنة التى قبله، على حسب ما علقه، فهذا الانعطاف متأخر عَنْ الشرط، ولفظ التعليق بالتحريم فيما قبله إنما هو ثابت فيه تقديرا لا تحقيقًا.\nقال: وبهذا يظهر أن العدة من يوم القدوم للمرأة في المسألة التى قال الفقهاء فيها: إذا قال لها: إن قدم زيد فأنت طالق قبل قدومه بسنة، فقدم بعد ذلك بسنة، أن العدة انقضت عند حصول الشرط (وهو القدوم)، ولا تعتد بعد ذلك، قال الضهاب: لأنه يوم لزوم الطلاق وتحريم الفرج، أما قبل ذلك فالإباحة بالإجماع، والعدة إنما تتبع المحقَّق لا المقدَّر.\nوقال: فإن قالوا: تقدير الطلاق يمنع ثبوت الزوجية المبيحة للوطء. قلنا: المقدرات لا تنافي المحققات.\n_________\n(١٢) علق الشيخ ابن الشاط على كلام الإمام القرافي في هذه القاعدة فقال:\nربط الحكم بسببه وشرطه وضعي، والأُمور الوضعية لا يلزم فيها على التعيين وجه واحد، بل هي بحسب ما وضعت له. فلو أن الحكم وضع على وجه التأخر عن سببه كان على ما وضع عليه، ولو أنه وضع على وجه التقدم على سببه كان كذلك، ولو أنه وضع على وجه أن يكون مع سببه لا متقدما عليه ولا متأخرًا عنه كان كذلك أيضًا. لكن الواقع من ذلك - فيما علمت - تأخر الحكم عن سببه وشرطه. كما حكى فيه الإجماع. وذلك في الأمور الشرعية المفتقرة للشرع. أما التى وكلت إلى قصد المكلف فهي بحسب قصده، والله أعلم.","vol":"1","page":60},{"text":"قلت: كلامه كله هذا انْبَنَى على أن هذه القاعدة الثانية مقررة، وقد مضى أن ما ذكره لا يكفى في تقريرها، فلا يترجح ما قاله على ما ذكره بعض الفقهاء من أن العدة انقضت، والله أعلم.\nقال: وأما قياسهم على قوله: أنت طالق من شَهْرٍ، فالفرق أن الاسباب الموضوعة في أصل الشرع قد استقل صاحب الشرع بمسبباتها ولم يجعل فيها انعطافات. قال: والتعلىيق موكولة لخيرة المكلف، ولا يلزم من التزام الانعطافات حيث خيرة المكلف أن تلزم حيث الحِجْر عليه.\nقلت: قد جعل الانعطاف في مسألة الصوم، ثم أصل الانعطاف ممنوع منه على حسب ما تقرر في القاعدة الثانية، فالمسألة غير جلية على زعمه، والله أعلم.\nالمسألة الثانية: مسألة الدَّور.\nقال أصحابنا: إذا قال: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا فطلقها، لزمه الثلاث، أي عددٍ كان منجزًا كملّنا معه الثلاث.\nوقال الغزالي في الوسيط: لا يلزمه شيء عند ابن الحداد، لأنه لو وَقعَ، لَوقَع مشروطه، وهو تقدم الثلاث، ولو وقع مشروطه لمنع وقوعه، لأن الثلاث تمنع ما بعدها. فيؤدي إثباته إلى نَفْيِهِ، وقال أبو زيد: يقع المُنَجَّزُ ولا يقع المعلّق، لأنه علق محالا. وقيل: يقع في المدخول بها الثلاث، أي أي شيء نجَّزه تَنَجَّز، وكمل من العلق، وقد تقدم (١٣).\nوالبحث في هذه المسألة يكون بعد تقرير ثلاث قواعد:\nالقاعدة الأولى: أن من شرط الشرط إمكان اجتماعه مع المشروط، وإلا لم تكن حكمة في جعله شرطًا.\n_________\n(١٣) علق الفقيه ابن الشاط على مسألة الدور عند القرافي فقال: ما قال فيها إلى آخره صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":61},{"text":"القاعدة الثانية: أنَّ اللفظ إذا دار بين مقتضاه اللغوي وبين مقتضاه الشرعي فَعَلَى الشرعي يُحمل.\nالقاعدة الثالثة: أن من تصرف فيما يملك وفيما لا يملك، نفذ تصرفه فيما يملك دون ما لا يملك.\nإذا تقررت هذه القواعد فنقول:\nقولك: إن طلقتك، يُحمل على المقتضى الشرعي لا على اللغوي. ثم هو لا يحمل على التحريم، لأنه يؤدى إلى ألا يجتمع الشرط مع مشروطه، وذلك باطل لا تقدم، فهو إنما يراد به طلقة واحدة أو طلقتانِ فيكمل له، الثلاث من الذي ذكر في الشروط. وما قاله ابن الحداد من التنافي يندفع من حيث إنه يقال: غاية ما فيه أنه اجتمع في الشروط ما يملك وما لا يملك، وقد قلنا في القاعدة: ينفذ التصرف فيما يملك ولا ينفذ فيما لا يملك، وهذا كمن قال: امرأتي وامرأة غيري طالق، تطلق زوجته عليه.\nقلت: وامتناعه من أنه لا يحمل على التحريم، لما قاله من القاعدة، غير مسلَّم، من حيث إن عدم اجى خماع الشرط مع مشروطه في القضية كان لمانع منع منه. والذي قيل فيه إنه ليس بحكمة، أن يكون الشرط مع مشروطه لا يمكن اجتماعما، وهذا ليس كذلك، فإن الإمكان لا يرتفع للأسباب (*) وإلا بطلت الحقائق والطبائع.\nالمسألة الثالثة: قال الغزالي في الوسيط: إذا قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، طلقت عليه في الحال، لأن تعليقه على الدخول حلف، بخلاف إذا طلعت الشمس فليس بحلف، لأن الحلف ما يتصور فيه منع واستحثاث.\nقال شهاب الدين ﵀: هذا لقوله ﵇: \"الطلاق، والعتاق من أيمان الفساق\" (١٤). ولِنَصِّ العلماء على أن تعليق الطلاق منهي عنه.\n_________\n*) في نسخة: فإن الإِمكان لا يَرْفع الأسباب، ولعل الأولى اظهر وأقربُ، فليتأمَّل.\n(١٤) لم يسعف البحث فيما بين ايدينا واطلعنا عليه من كتب الحديث بالعثور على من اخرج نصه بهذا اللفظ.","vol":"1","page":62},{"text":"المسألة الرابعة: قال الشافعية: إذا قال: إن بدأتك بالكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك بالكلام فعبدي حر، فكلمها، لم تطلق ولم تعتق العبد، لأن يمينه انحلت بيمينها، ويمينها انحلت بكلامه، فلم تفتد بشئ (١٥) ولا هو بكلام.\nالمسألة الخامسة: في التهذيب لمالك ﵀: أنت طالق إن شاء الله، يلزمه الطلاق الآن، بخلاف ان شاء هذا الحجر ونحوه. وأبو حنيفة والشافعي، يقولان بعدم اللزوم في الجميع. وقال سحنون: يلزم في الحجر ونحوه، لأنه نادم أو هازل.\nقال شهاب الدين ﵀: والمسألة مبنية على أربعة قواعد (١٦):\nالقاعدة الاولى: من له عرف يحمل كلامه على عرفه، وهذا كحمل الصلاة على المعهودة لَا على الدعاء. وكذلك، قوله ﵇: \"من حلف، واستثنى، عاد كمن لم يحلف (١٧) \" يحمل على الحلف الشرعي، وهو الحلف بالله تعالى، لأن الحلف بالطلاق والعتاق أيمان الفساق.\nقلت: القصد من ذكر هذه القاعدة: أن يتحقق له هذا الفرع، وهو: أن الحلف لا يقال على العتاق والطلاق، ولا يتقرر بما قاله، بل نقول بمقتضى القاعدة، ونقوق: الحلف في الشريعة، واليمين، يقالان على اليمين بالله، وعلى اليمين بالطلاق، والعتاق، وكون أحدهما يكره لا يخرجه عن أن يكون يمينًا، كما أن الآخر إذا أكثر من الحلف على الأشياء بالله تعالى يكره له، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (١٨)، وليس هذا بمخرج له عن أن يكون يمينا.\n_________\n(١٥) في ح: شيئًا بالنصب.\n(١٦) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند الإمام القرافي في هذه المسألة، وفي القاعدتين الأولى والثانية منها بقوله: ما قاله في ذلك صحيح ظاهر، والله أعلم، ولا شك أن الشيخ البقوري يتناول قواعد الفروق عند القرافي بشيء من الايجاز والاختصار، وهو أساس كتابه هذا: الترتيب للفروق.\n(١٧) أخرجه: ابن ماجة عن أبى هريرة بلفظ: من حلف فقال: إن شاء الله، فَلَهُ ثنِياهُ، عن ابن عمر بلفظ: من حلف واستثنى فلن يحنث ...\n(١٨) سورة البقرة: الآية ٢٢٤.","vol":"1","page":63},{"text":"القاعدة الثانية: كما شرع الله الأحكام شرع مبطلاتها (١٩) وروافعها، وهذا كثير، ومنه أن حكم اليمين أثبته ثم رفعه الاستثناء.\nقلت: قال شهاب الدين - ﵀ - هنا: فلا يلزم أن يكون رافعا لحكم التعليق، كما أن الطلاق (٢٠) رافع للنكاح، لقوله ﵇: \"من حلف واستثتى عاد كمن لم يحلف\". وهذا مبتى على القاعدة الاولى، وقد ذكرنا أنه لم يصح له ذلك فيها، فكذلك ما ذكره هنا.\nالقاعدة الثالثة: مشيئة الله ﷿ واجبة النفوذ، فلذلك كل عدم ممكن يعْلَمُ وقُوعُهُ، يعلم أن الله تعالى أراده، وكل وجود ممكن يُعْلمُ وقُوعُهُ، يُعلم أن الله تعالى أراده، فتكون مشيئة الله معلومة قطعًا.\nقلت: قوله: كل عدم ممكن يعلم وقوعه يعلم أن - الله أراده، إن أراد يُعْلَم أن الله أراد عدمه بحسب ذلك الوقت الذي كان فيه العلم فنعم، وليس كلامنا في ذلك، وإنما كلامنا في المشيئة بحسب الزمان المستقبل، وهي مبهمة علينا ولا بد. وإذا كان كذلك فمشيئة الله لا علم لنا بها حال قول القائل: أنت طالق إن شاء الله، لأنا لا ندري ما يكون في المستقبل.\nقال شهاب الدين ﵀:\nوأما مشيئة غيره فلا تعلم غايتها بل تظن (٢١)، وذلك إذا أخبرنا بها، فظهر بطلان ما يروى عن مالك وجماعة من العلماء من أنه علق الطلاق على مشيئة من\n_________\n(١٩) في ح: بطلانها، ويظهر أن الأولى أصوب، لتوافقها مع روافعها، وهي جمع لاسم الفاعل وإن كان المعنى في كليهما يبْدُو متقاربًا ولا يختلف اختلافًا كبيرًا.\n(٢٠) في ح: كما أن التطليق رافع لحكم النكاح.\n(٢١) في نسخة أخرى ولا نعلم غايتها، بل نظن، بنون المضارعة في الفعلين، وما جاء عند القرافي يوضح ذلك بقوله: \"وأما مشيئة غير الله فلا تُعلَم، غايتهُ أن يخبرنا، وخبره إنما يفيد الظن ... الخ. اهـ.","vol":"1","page":64},{"text":"لم تعلم مشيئته، بخلاف التعليق على مشيئة البشر (٢٢).\nقلت: هذا ضعيف غاية، فظهر أن الانسان إذا قال: أنت طالق إن شاء الله هو بمنزلة ما إذا قال: إن شاء الله أن يصل فلان إلى هذه البلدة وصل، وإن شاء الله أن لا يصل فإنه لا يصل، فنحن لا نعلم في ذلك الوقت ما الذي عند الله تعالى في ذلك حتى يموت فلان المذكور، فيبرز لنا حينئذ مشيئته. وأما قبل موته: فمشيئة الله تعالى مغيبة عنا. وإذا كان الأمر هكذا صدق قوله في الطلاق، وقد تقدم التنبيه الآخر على ذلك.\nالقاعدة الرابعة: الشرط وجوابه لا يتعلقان إلا بمعدوم ومستقبل (٢٣).\n_________\n(٢٢) علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء في هذه القاعدة من أولها إلى آخرها عند القرافي، فقال: ما قاله في هذه القاعدة، من كون مشيئة الله معلومة قطعًا، بمعنى أنه ما من وجود ممكن ولا عدمه إلا مستند إلى مشيئته، فمشيئته على هذا الوجه معلومة عندنا، صحيح، وليس ذلك مراد مَالِكٍ وغيرهِ مِمَّنْ روى عنه إذا قال أنت طالق ان شاء الله يلزمه الطلاق، لأنه علقه على مشيئة من لا يعلم مشيئته، بل مراد من قال ذلك، أنه لا يعلم، هل أراد الطلاق على التعيين أم لا، وليس لنا طريق إلى التوصل إلى ذلك. وأما التوصل إلى علم مشيئة البشر فبوجوه، منها إخباره بذلك مع قرائن توجب حصول العلم.\nوقوله: غاية خبره أن يفيد الظن، إنما ذلك عند عدم القرائن، مع أنه يحتمل أن يقال بالاكتفاء هنا بالظن، لأنه الغالب، والله أعلم.\nفقوله: \"فظهر بطلان ما يروى عن مالك\"، قول باطل لا خفاء ببطلانه، ولو لم يظهر وجه بطلان قوله لكانت مخالفته لمالك كافية في سوء الظن بقوله، لتفاوت ما بينهما في العلم.\nقلت: لعل الفقيه ابن الشاط ﵀ وسامحه لم يتعمق في كلام القرافي وفي وجه قوله بطلان ما روي عن الإمام مالك في هذه المسألة، فسارع إلى القول باعتبارت مخالفته لمالك فيها كافية في سوء الظن بقوله. ح أن شهاب الدين القرافي ﵀ بنى قوله ببطلان ما روي عن مالك ﵀ فيها على ما قرره في أول هذه القاعدة الثالثة من أن مشيئة الله واجبة النفوذ، وانتهى من خلال ذلك إلى ما وصل إليه اجتهاده وفهمه العميق للقواعد والفروع من أن مشيئة الله معلومة قطعا، وعليه فلا داعى حينئذ لاعتبار مخالفته لإمامه في هذه المسألة وإبداء رأيه فيها كافية في إساءة الظن بقوله فيها، خاصة وأن القرافي على سعة اطلاعه وطول باعه ورسوخ قدمه في هذه العلوم، وعلى مكانته وعلو قدره فيها ممن يأخذ بالذهب ويتمسك به ويتبصر له، ولم يقل في قول، ولم يدِّع في مسألة - فيما أذكر وأستحضر - أنه إمام مجتهد يرتفع إلى مكانة إمام المذهب مالك بن أنس ﵀. فالكمال لله وحده، وفوق كل ذي علم عليم، والله أعلم بالحق والصواب. فليتامل.\n(٢٣) علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على هذه القاعدة والعبارة عند الإِمام القرافي ﵀، فقال: \"ليس ذلك بمطرد لازم، ولكنه الغالب والأكثر\".","vol":"1","page":65},{"text":"فإذا قَال: إن دخلت الدار فأنت طالق، يحمل علَى دخولٍ مستقبل بطلاق لم يقع قبل التعليق إجماعا، والمشيئة قد جعلت شرطًا، ولا بد لها من مفعول، فالتقدير إن شاء الله طلاقك، فهذا المفعول إما أن يكون الطلاق الذي صدر منه في الحال، أو طلاقا في المستقبل، فإن كان الأول فنحن نقطع أن الله تعالى أراده في الأزل، وهذه الشروط أسباب، ويلزم من وجودها الوجود، فيلزم أن يطلق في أول أزمنة الامكان وقبول المحل عند أول النكاح، ولم يقل به أحد. وان كان المفعول طلاقا مستقبلا فيكون التقدير إن شاء الله طلاقك في المستقبل فأنت طالق، فالمشروط لهذا الشرط أن يكون مستقبلا، لأن المرتب على المستقبل مستقبل فلا تطلق في الحال. وإن كان المعنى إن شاء الله طلاقك بغير هذا الطلاق الملفوظ به الآن، فلا ينفذ طلاق حتى يتلفظ بالطلاق مرة أخرى، فلا يكون - أيضًا - الطلاق في الحال. قال (أي القرافي): أما استثناء الكل من الكل فعبث، فظهر بهذه القواعد وبهذا التقدير أن الحق في هذه المسألة عدم لزوم الطلاق في الحال (٢٤).\nقلت: بحثه هنا من حيث ذكره لمفعول المشيئة، وتفريقه بين أن يكون الطلاق الأول أو غيره، بعيد، غايةً. ولو فرضنا القواعد التى بعد هذه سلمت له ما صح له مقصد، فكيف وقد مضى ما فيها.\nفمن ضعف هذا البحث أنه قد قرر أن الشرط لا الاستقبال، وأن المرتب على المستقبل مستقبل. فإذا قلنا: قوله إن شاء الله شرط، فنقول: الطلاق هنا مستقبل ولا بد، من حيث الشرط الموجود في القضية، ثم مشيئة الله تعالى قديمة، لكن ظهورها هو الذي يحدث ويظهر أوْ لا، ولكنه لما كان لا يعلم ذلك وخفيت عنا مشيئة الله تعالى - لا كما قاله هو أن مشيئة الله معلومة - قال مالك ﵀: يلزمه الطلاق الآن لا في المستقبل، وجعل هذا الأمر كما لو علق بمشيئة زيد، وشاء في الوقت.\n_________\n(٢٤) علق ابن الشاط على هذه المسألة عند القرافي بقوله: ما قاله في هذه المسألة من أن الحق فيها عدم لزوم الطلاق في الحال، ليس بصحيح، بل الصحيح لزومه في الحال كما سبق.\" والله أعلم. اهـ.","vol":"1","page":66},{"text":"المسألة السادسة: قال مالك في التهذيب: قوله: إن فعلت كذا فعلي الطلاق إن شاء الله، لا ينفعه الاستثناء. قال ابن يونس: قال عبد الملك: إن أعاده على الفعل دُون الطلاق نفعه، وأنت طالق إلا أن يبدو لي لا ينفعه الاستثناء إلا أن يريد الفعل خاصة فذلك له. وفي الجلاب (٢٥): إن كلمت زيدا فعلي المشي إلى بيت الله إن شاء الله، لا ينفعه الاستثناء إذا أعاده على النذر، وإن أعاده على الكَلَامِ نفعه (٢٦).\nقال شهاب الدين ﵀: معنى قول عبد الملك: إن أراد أن ذلك الفعل المعلق عليه لم أجزم بجعله سببا للطلاق، بل فوضت - جعل سببيته إلى مشيئة الله، إن شاء جعله سببا وإلا فلا. وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل سببًا فلا يلزم به شيء إجماعًا، وصاحب المقدمات (٢٧) حكاه خلافا، وقال: الحق عدم اللزوم،\n_________\n(٢٥) أي في كتاب التفريع، لأبن الجلاب.\n(٢٦) قال القرافي هنا ﵀: \"إعلم أن هذه المواضع لا يدرك حقيقها إلا الفحول من العلماء، أو ممن يفتح الله عليه من نفس فضله وسعة رحمته ما شاء. وما الفرق بين إعادة الارادة القديمة والحادثة على الفعل أو غيره؟ وها أنا اكشف لك عن السر في هذه السائل ببيان قاعدة، وهي أن الله تعالى شرع بعض أسباب الاحكام في أصل الشريعة، ولم يكله إلى مكلف، كالزوال ورؤية الهلال والإِتلاف للضمان، ومنها ما وكله إلى خبرة خلقه، فإن شاءوا جعلوه سببا، وإلا فلا يكون سببا، وهي التعليقات كلها.\nثم قال القرافي: إذا تقررت هذه القاعدة فنقول: قول عبد الملك: إن أعاده على الفعل نفعه، معناه إن اراد ذلك الفعل العلق عليه لم أجزم بجعله سببا للطلاق ... إلى آخر ما ذكره القرافي، وذكره البقورى باختصار.\nوقد علق ابن الشاط على هذه الفقرة من أولها عند القرافي، فقال: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، والله أعلم.\n(٢٧) هو القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكى (الجد) من علماء القرن السادس الهجرئ من جملة تآليفه كتاب شهير في الفقه هو كتاب البيان والتحصيل، وكتابه هذا المشار إليه، وهو المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الاحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها الشكلات، وقد طبع هذا الكتاب طبعًا جيدا، وصدر في ثلاثة أجزاء بتحقيق الاستاذ الدكتور محمد حجي، وفقه الله وأعانه على مثل هذا العمل الجليل.\nويوصف ابن رشد هذا بالجد، تمييزًا له عن حفيده الفاضل العالم الجليل الفقيه المتضلع أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي صاحب التصانيف العديدة والمؤلفات الكثيرة في مختلف فروع المعرفة الاسلامية، وفي مقدمتها كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد في بيان اسباب الخلاف بين أئمة المذاهب السنية في المسائل الفقهية.","vol":"1","page":67},{"text":"قياسًا على اليمين بالله تعالى إذا أعاد الاستثناء على الفعل، قال: وهذا يشعر بأن ابن القاسم يوافق في اليمين بالله تعالى ويخالف في الطلاق.\nقلت: يمكن أن يقال بصحة الخلاف مع ما قاله شهاب الدين، وهذا لأنا إن نظرنا إلى الترتيب بين الشرط والمشروط فظاهرٌ أنه جَعَلَه سببا وإن نظرنا إلى قوله: إن شاء الله فهو يقتضي أنه لم يجعله سببا، ثم مع هذا يقال: الحق عدم اللزوم كما قال ابن رشْد، ويسقط الإجماع الذي قاله شهاب الدين.\nقال: وقوله: أنت طالق إلا أن يبدو لي، ظاهر أنه لا يقع، لأنه لما طلق فقد انقطعت العصمة، ولا يردها قوله. وإذا علق الطلاق على فعل وأعاد إلا أن يبدو لي، وأراد أني ما صمت على جعل الفعل سببًا، بل الأمر موقوف على إرادة تحدث في المستقبل، فذلك ينفعه، وهذا كله لأن كل ما وكل للمكلف فسببيته لا تكون إلا بإرادته، وهذا المعنى هو ما قاله صاحب الجلاب (٢٨).\nالمسألة السابعة:\nفي الجواهر (٢٩): أنت طانق إن كلمت زيدا، إن دخلت الدار، هو تعليق التعليق، فإن كلمت زيدًا - أولًا - تعلق طلاقها بالدخول. والشافعي يقول: إن بدأت بالكلام لا يقع طلاق، وإن بدأت بالدخول ثم الكلام وقع الطلاق.\nومثل هذه المسألة: إن أعطيتك؛ إن وعدتك، إن سألتني، فأنت طالق، فالشافعي يعتبر الترتيب، فإن وقع السؤال، ثم الوعد، ثم العطية، وقع الطلاق، وإلا فلا، ونحن لا نعتبر الترتيب، بل حصول ذلك المجموع فقط، على حسب ما هو الامر مع الواو. وإمام الحرمين وافقنا على هذا.\nقال شهاب الدين ﵀: والشافعي يتقوى قوله بقاعدتين:\n_________\n(٢٨) صاحب الجلاب: هو المراد به الفقيه المالكي الشهير، أبو القاسم بن الجلاب، مؤلف كتاب في مسائل الخلاف، وصاحب التفريع المشهور في المذهب، ت ٣٩٨ هـ.\n(٢٩) الجواهر: اسم لكتاب عظيم في الفقه الاسلامي، عنوانه الكامل: الجواهر الثمينة في مذهب عام المدينة لمؤلفه عبد الله بن شاس من علماء القرن السادس هـ كما سبق ذكره قريبا.","vol":"1","page":68},{"text":"الواحدة أن الشروط اللغوية أسباب، يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، وقد تقدم هذا، وليست الشروط الْأخَرُ كذلك.\nوالثانية: أن تقديم السبب على سببه لا يعتبر كالصلاة قبل الزوال. ولَمَّا كان الامر هكذا فهو يقول: سبب الطلاق الكلام، وسبب اعتبار الكلام في سببية الطلاق دخول الدار، فهذا وجه قوله.\nوأصحابنا قالوا: أجمعنا على أن المعطوف بالواو يستوي فيه التقديم والتأخير، فكذا المذكورات بغير واو، لأن الانسان قد يعطف الكلام بعضه على بعض من غير عطف، كقولك: جاء زيد، جاء عمرو.\nومما يعضد قول الشافعي قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (٣٠)\nوجاء ما يعضد قول مالك، وهو قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ (٣١). فإرادة النبيّ متأخرة في المعنى، كما هي في اللفظ، بخلاف الآية الأخرى. ويحتمل أن تُرَد هذه الآية إلى ما كان عليه الأمر في الآية الأخرى.\nوقال ابن مالك في شرح مقدمته:\nالثاني من الشرطين لا جواب له، وإنما الجواب للأول خاصة، وصدق، فإن هذا الشرط الثاني إنما اعتباره في الأول لا في الطلاق الذي جُعل مشروطًا، فذكر الشرط الأول سَدَّ مَسَدّ جوابه.\n_________\n(٣٠) سورة هود: الآية ٣٤.\n(٣١) سورة الاحزاب: الآية ٥٠.","vol":"1","page":69},{"text":"\"تفريع\" (*):\nإن قال: إن أكلت وإن لبست فأنت طالق، فلا ترتيب بين هذين الشرطين باتفاق، بل أيهما وقع قبل صاحبه اعتبر، ولا بد من وقوع الشرطين، (٣٢). فإن قال: إن أكلمت فلبست تعين الترتيب، وكذا إن أكلت ثم إن لبست، وإن أكلت بل إن لبست، الشرط واحد وهو الأخير، وقد أضرب عن الأول. وكذا إن أكلت لا إن لبست، فالشرط الأول وحده. وإن أكلت أو لبست، الشرط أحدهما لا بعنيه، وكذلك إما إن أكلت وإما إن شربت يلزم الطلاق بأحدهما. وأم من حروف العطف لا تصلح هنا، لأنه لا جزم فيها، وإنما هي للاستفهام، والتعليق لا بد أن يكون جزمًا (٣٣).\nوذكر الشيخ في التهذيب - في الواو - أنها تطلق بكل واحد من الشرطين طلقة، قال: لأن حرف الشرط قد كرر، فوجب لكل واحد منهما جزاء، فتطلق بكل واحد منهما طلقة واحدة. وما قاله غير لازم، بل يكون حرف العطف يقتضى\n_________\n(*) قال القرافي: (تفريع) أذكر فيه المعطوفات من الشروط، فإن قال إلخ ...\n(٣٢) علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي هنا بقوله: قوله صحيح، وكان حقه أن يقول: أو مع صاحبه، فالمعية والقبلية هنا سواء.\nوقول القرافي: ولا بد من وقوع الآخر بعده، ليس بلإزم، فإنه - يقول ابن الشاط: إذا انفرد كل واحد منهما استقل بالشرطية، وإنما يلزم ما قاله لو قال القائل: إن أكلت ولبست ... فإن مقتضى ذلك جعل الشرط مجموع الفعلين. وإذا كان كذلك فلا بد من وقوع الآخر بعده، وأما إذا تكرر حرف الشرط فإنه يدل على استقلال كل واحد بالشرطية، فلا يلزم وقوع الآخر بعده.\n(٣٣) قال ابن الشاط عنه الله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، غير قوله: عكس المنسوق بغير حرف عطف يلزم أن يكون المتأخر في اللفظ متقدما في الوجود، فإنه مبنى على قاعدة أن الشروط اللغوية أسباب، والأسباب يلزم تقدمها على مسبباتها، وذلك كله أمر عرفي اصطلاحي، والربط بين الشروط اللغوية ومشروطاتها وضعي كما سبق التنبيه عليه. فصفة الربط من تقدم أو تأخر أو معية كذلك وضعي، والأمور الوضعية يجوز تبدلها وتبدل أوصافها بحسب قصد الواضع لها. فإن أراد أن المنسوق بغير حرف عطف يلزم ذلك فيه عرفا فهو صحيح، وإن أراد غير ذلك فليس بصحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":70},{"text":"مشاركة الثاني للأول في أنه شرط في هذا الجزاء (٣٤).\nقلت: قد مضى ما قاله ابن مالك في أن الشرط الأول هو الذي يحتاج للجواب خاصة، وذلك يُبَيِّنُ هذه المسألة، وهي راجعة إلى النحو، فيرجَعُ فيها إلى أئمة ذلك العلم، والله أعلم.\nذكر شهاب الدين، ﵀ في هذا الوضع مسألة وطول فيها، وليس فيها كبير فائدة. فلنذكر طرفًا منها، ثم نذكر مسائل زائدة على ما ذكره، هي ماسة بقضية الشرط (٣٥)، وهي فقهية، بطريق ابداء الفارق بين المتشابهين منها.\n_________\n(٣٤) علق الشيخ ابن الشاط على كلام الإمام القرافي هنا بدءَا من قوله: \"وذكر الشيخ أبو إسحاق في الهذب هذه الفروع بالواو والفاء وثم، وصرح في الواو بأنها تطلّق بكل واحد منهما (أي الشرطين) طلقة واحدة، إلى قول القرافي: \"وأمر الأمان مبنى على العوائد\" بما يأتي:\nما قاله القرافي صحيح وهو الظاهر من قول القائل: ان أكلت أو لبست فأنت طالق، بخلاف إذا قال: إن أكلت فأنت طالق، أو لبست فأنت طالق، الظاهر من هذه تعدد الطلاق. وفي كلا المثالين إن انفرد الأكل أو اللبس لزم الطلاق، وإذا قال: ان أكلت ولبست فأنت طالق، فلا يلزم الطلاق إلا بمجموع الأمرين.\nويمكن أن يقال: إذا قال: إن أكلت وان لبست فأنت طالق، يحتمل قصد تعدد الجواب، واختصره لفظًا، فيكون بمنزلة من طلق وشكَّ في العدد، فيحمل على الثلاث، والله أعلم.\n(٣٥) كذا في نسخة من تونس. وفي نسخة ع: هي مناسبة لقضية الشرط، وفي نسخة ح: هي ماسة يقتضيها الشرط. وأظهرها وأسلمها عبارة ما في نسخة تونس، ولوضوح معناها وسلامة تعبيرها. إذ يقال في التعبير اللغوى السليم: هذه المسألة ماسة بقضية كذا، أو هذه المسألة مناسبة لكذا، فنجد كل كلمة منهما تتعدى بحرف خاص من حروف الجر،","vol":"1","page":71},{"text":"المسألة الأولى: (٣٦)\nأنشد بعض الفضلاء:\nيقول الفقيه أيده الله ... ولا زال عنده إحسان\nفتى علق الطلاق بشهر ... قبل ما قبلَ قبلِهَ رمضانُ؟\nفنقول - أولا:\n_________\n(٣٦) هي المسألة التى أشار إليها الشيخ البقوري، وذكر أن شيخه القرافي أطال فيها، وليس فيها كبير فائدة. أقول: وهو كذلك على ما يبدو لقارئها ومتتبعها في كتاب الفروق، لما فيها من ألغاز وتعقيد، وإكثار من الأمثلة الافتراضية التى قد تكون بعيدة الوقوع، صعبة الفهم والإدراك.\nوعلماؤنا الأقدمون ﵏ كانوا يتوسعون ويتعمقون في تلك الافتراضات والجزئيات، أحيانا ويصلون إلى تلك الألغاز ويفهمونها ويجدون حيولة وقابلية، ونشاطا ولذة في البحث عنها والوقوف عندها، وإيجاد الحلول والأحكام الشرعية لها. ولذلكم قال الإمام القرافي ﵀ في أول كلامه عن تلك المسألة وعن ذينكم البيتين الواردين فيها.\nإعلم أن هذا البيت من نوادر الأبيات وأشرفها معنى، وأدقها فهما وأغربها استنباطا، لا يدرك معناه إلا العقول السليمة، والأفهام المستقيمة، والفكر الدقيقة من أفراد الاذكياء، وآحاد الفضلاء النبلاء، بسبب أنه بيت واحد. وهو مع صعوبة معناه ودقة مغزاه مشتمل على ثمانية أبيات في الإنشاد، بالتغيير والتقديم والتأخير، بشرط استحمال الألفاظ في حقائقها دون مجازاتها مع التزام صحة الوزن على القانون اللغوي، وكل بيت مشتمل على مسألة من الفقه في التعاليق الشرعية، والألفاظ اللغوية، وتلك المسألة صعبة المغزى، وعرة المرتقى، ومشتمل على سبعمائة مسألة وعشرين مسألة من المسائل الفقهية والتعاليق اللغولة، بشرط التزام المجاز في الألفاظ واطّراح الحقائق، والإِعراض عن ضابط الوزن وقانون الشعر، بأن يطول البيت نحوا من ضعفه، ويحصل هذا العدد العظيم من هذه اللَّفْظات الثلاث، وتبديلها بأضدادها واستعمالها في مجازاتها وتنقلها في التقديم والتأخير مفترقة ومجتمعة على ما سيأتى بيانه إن شاء الله (أي في كلام القرافي عن هذه المسألة في الفرق الثالث بين الشرط اللغوي وغيره. قال القرافي ﵀: وهذا البيت لشيخنا الإمام الصدر العالم جمال الفضلاء، رئيس زمانه في العلوم، وسيد وقته في التحصيل والفهوم، حمال الدين الشيخ أبي عمرو بأرض الشام، وأفتى فيه وتفنن، وأبدع فيه ونوّع، ﵀ وقدس روحه الكربمة .. الخ.\nوهذه المسألة، على طولها وما فيها من افتراضات وجزئيات في هذا الفرق عند القرافي، من أطول الفروق عنده ولم يعلق عليها الفقيه المحقق العلامة المدقق قاسم ابن الشاط الانصاري ﵀، ولم يعقب عليها بشيء من تعليقاته التى يوردها في كثير من الفروق.\nوإنما ذكرت شيئًا مما قاله القرافي في هذه المسألة وفي البيتين السالفين، لما في ذلك من إلقاء مزيد ضوء عليها بالنسبة لما عند البقورى من اختصارها واقتصاره فيها على ما هو اهم وآكد من أمثلتها وجزئياتها، ومما في الاطلاع عليه منها فائدة.","vol":"1","page":72},{"text":"هذا البيت ينشد على ثمانية أوجه، لأن ما بعد قبلِ الأول، قد يكون قبلَيْن، وقد يكون بَعْدين، وقد يكونان مختلفين، فهذه أربعة أوجه، ثم قد يكون عوض قبل الأول، بعد، فتكون ثمانية. ثم أقول - أيضًا -: إن ما في البيت تكون زائدة، وموصولة، ونكرة موصوفة، والحكم في الوجوه كلها واحد، لا تتغير الفتوى بحسب ذلك. ثم إن القبل، والبعد لا يصح أن يكون هنا الا بشهر تام، ليس من حيث إن القبل والبعد لا يصدقان الا على ذلك، بل يصدق على اليوم وأقل منه، ولكن لقرينة في البيت عينت ما قلناه، فهو المقصود في البيت لا غيره.\nثم إن القبلية والبعدية - أيضًا - تصدق بحسب المجاور أولا والمجاور آخرا، وتصدق بحسب المتأخر جدًا، وبحسب السابق جدًا، فنحن نقول: يومنا هذا قبل يوم القيامة، ويومنا هذا بعد يومٍ، خُلِق فيه آدم، وذلك كله حقيقة. كما أن القبلية والبعدية على المجاورين حقيقة. ولكن المراد هنا المجاور بحسب التقديم وبحسب التأخر.\nفإذا تقرر هذا، فأقول:\nاعلم أن الأجوبة الثمانية منحصرة في أشهر (٣٧): طرفان وواسطة، فالطرفان جمادى الآخرة وذو الحجة، والواسطة شوال وشعبان.\nوتقريب ضبطها أن حميع البيت إن كان قبل، فالجواب بذي الحجة، أو بعد، فالجواب جمادى الآخرة، أو مركبة من قبل ومن بعد، فمتى وجدت في الآخر قبل وبعد، أو بعد قبله، فالشهر مجاور لرمضان، فإن كل شيء هو قبل بعده وبعد قبله. فالكلمة الأولى إن كانت حينئذ قبل فهو شوال، لأن المعنى قبله رمضان. هذا إن اجتمع آخرَ البيت قبل وبعد. فإن اجتمع قبلان، أو بعدان، وقبلهما مخالف لهما، ففي البعدين شعبان، وفي القبلين شوال.\n_________\n(٣٧) في نسخة: في أربعة أشهر، بذكر كلمة أربعة، وكذا في نسخة أخرى.","vol":"1","page":73},{"text":"المسألة الثانية (٣٨):\nقال مالك: إذا قال لامرأته: أنت طالق رأس الشهر تَنجز الطلاق في الحال، واذا قال لأمته: أنت حرة رأس الشهر يوقف العتق إلى أمده ولم ينجَّزْ، والطلاق والعتق قد علق بوقت لا بد أن يأتي.\nفالفرق بينهما، أن الطلاق إنما نُجِّز في الحال، لأن الوطء لا يجوز أن يتوقف، ولهذا نُهِي عن نكاح المتعة، حيث انها توقيت للوطء (٣٩)، وليس كذلك العتق إذا علقه رأس الشهر، فهو إنما وقت الخدمة، وذلك جائز، لأن المنفعة تتوقت كالإجارة، ألا ترى أنه يمنع من وطئها، فافترقا.\nفإن قيل: فيلزم على هذا أن من قال: ان قدم فلان فأنت طالق قبده بسنة، أن ينجَّز الطلاق، وكذا، ان قال: ان مات، قلنا: لا يلزم، من حيث إن الشرط يمكن أن يقع وألا يقع. ثم الموت الذي لا بد منه يجهل أن يتأخر عن موت المرأة المطلقة، فيكون كالقدوم الذي لم يقع، فلذلك قلنا بعدم التنجيز، فلم يكونوا فيه موقتين للوطء، ولا بد، والله أعلم.\nالمسألة الثالث:\nقال عبد الملك: إذا قال رجل لامرأته وهي حامل: أنت طالق - إذا وضعت - واحدة، وأنت طالق الساعة واحدة، طلقت اثنتين. وإذا قال: أنت\n_________\n(٣٨) هذه المسألة هي مما زاده الشيخ البقوري، وأضافه إلى كتاب شيخه القرافي كما أشار إليه في التمهيد للمسألة الأُولى قيل هذا.\n(٣٩) عن علي ﵁ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المتعة عام خيبر، (متفق عليه)، ولفظه في صحيح الإمام البخاري: أن النبي - ﷺ - نهى عن المتعة وعن الحمُر الأهلية زمن خيبر، (أي نهى عن نكاح المتعة حين أو وقت غزوة خيبر، والنهي في الحديث للتحريم، ولذلك أجمع علماء الإسلام على تحريم نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل (أي تزوج المرأة لمدة معينة يستمتع في الزوج بها، ثم يطقها بعد انتهائها، وذلك أن الإسلام ينظر إلى أن عقد الزواج على أنه عقد تأبيد بين الزوجين إلى أن يفرق بينهما الأجل المحتوم، فيجب أن تكون عقد تأبيد في صيغة العقد وألفاظه، وفي نية كل من الزوجين وعزمه وقصدِهِ، والأعمال بالنيات.","vol":"1","page":74},{"text":"طالق الساعة واحدة (أي طلقة واحدة) وأنت طالق - إذا وضعت - واحدة، لم تطلق إلا واحدة، وكلاهما طلاق متعلق بوضع الحمل.\nفالفرق بينهما أنه لما قال: أنت طالق - إذا وضعت - طلقت في الحال، فصارت مطلقة رجعية، فلما قال: وأنت طالق \"الساعة\" لزمته الأخرى، لأن الطلاق يلحق الرجعية، فلزمت اثنتان. وإذا قال: أنت طالق الساعة طلقت واحدة، وبقيت مطلقة رجعية أيضًا، فإذا قال: وأنت طالق إذا وضعت، فقد علق وقوع الطلاق بوقت هي فيه غير زوجة لا يقع عليها فيه طلاق، لأنها بالوضع تبين منه، - إذ به تخرج عن العدة، فافترقا.\nلكنه لقائل أن يقول: قلتم: إن الرجعية يلحقها الطلاق، وهذه - حين طلقت الساعة - هي رجعية، فلم لا يلحقها الآخر الذي هو قوله: وأنت طالق إذا وضعت، بأن ينجز ذلك الطلاق الآن كما نجز حين بدأ به، ولا يكون طلاق بعد عدة؟ والله أعلم.\nوقد يقال في الجواب: التنجيز ثان (٤٠) عن تحقق صحة الوقوع في الوقت الذي ربط به الطلاق، ووقوع الطلاق بعد الوضع لا يصح في حق الرجعية، لأنها بالوضع تبين، ويصح في حق التى لم تطلق، فيتصور التنجيز فيها دون الرجعية، والله أعلم.\nلكنه ييقى الإشكال في البحث من أوله، من حيث إنه بني على أن الواو تعطي الترتيب، وليس كذلك. ثم لو سلمنا بهذا وقلنا بأنها للترتيب، ففي أصل البحث إشكال من حيث إنه يمكن أن تموت المرأة قبل أن تضع، فيصير الشرط بهذا يمكن أن يقع، فلا ينجز الطلاق، كما قال في مسألة الموت قبل هذه المسألة، فإما أن يقال بالتنجيز في المسألتين، أو بعدم التنجيز فيهما، والله أعلم.\n_________\n(٤٠) ثانٍ: اسم فاعل من ثناه يثنيه عن الشئ إذا صرفه عن فعله، وحال دون ذلك بكيفية أو أخرى.","vol":"1","page":75},{"text":"المسألة الرابعة:\nقال مالك: إذا قال رجل لرجل: ان لم أقضك حقك إلى شهور فامرأتي طالق فقضاه، ثم ظهر على ردئ بعد الشهر فإنه يحنث، سواء علم بذلك أو لم يعلم. فإذا قال لزوجته: أنت طالق إن لم آتك بخادم إلى شهر، فجاء بخادم، فظهر على عيب في بعد الشهر لم يحنث، وفي الجميع قد وجد العيب في المحلوف عليه، فالفرق بينهما أن الدراهم إنما وقع الحنث عليها، لأنه مضى الأجل المحلوف عليه ولم يقضه حقه، للزومه بدل الردئ، وفي الخادم لم يمض الأجل إلا والمجيء موجود، ولم تقع اليمين على صفة فيحنث متى وجد خلافها كالدراهم، وإنما وقعت على المجيء، والمجيء قد وجد، وفي الدراهم وقعت اليمين على صفة، وهي وفاء الحق، وذلك لم يوجد، فافترقا.\nالمسألة الخامسة:\nقال مالك ﵀: إذا قال لأمته: أنت حرة إذا مات فلان، فإن وطأها لا يجوز له، وإذا قال: إن مت فأنت حرة، فوطؤها جائز له، وكلاهما عتق متعلق بموت.\nفالفرق بينهما: إذا علق وقوع العتق بموت زيد حصل عتق متعلق بموقَّت، فكان حكمه حكم العتق إلى أجل، وإذا علقه بموته كان تدبيرًا، والفرق بين المدبَّرة (٤١)، والمعتقة، يقرر في موضعه.\nفإن قيل: القول - هنا بأن الوطء لا يجوز له، يخالف ما قرر في المسألة الثانية التى هي خامسة باعتبارها، فالظاهر أن يلغى الشرط، لإمكان موت الزوجة قبل موته، ولإمكان موت الأمة قبل موته، أو لا يلغى ويعتبر، فينجز في الموضعين، ولا يعتبر ما ذكر من الإمكان.\n_________\n(٤١) العبد المدبر بفتح الدال، وفتح الباءِ مشددة، وكذا الأمة المدبرة، هو الذي أو هي التى يقول لها السيد: (أنت حرة عن دبر مني)، (وأنت حر بعد دبر مني)، أي بعد إدبارى عن الحياة الدنيا وإقبالي على الحياة الأخرى، فيصير حرًا بعد ذلك.","vol":"1","page":76},{"text":"قلنا: الفرق أن الزوجة تصور عليها عقد النكاح بوجه متيقن، فأصله ألا يحل بالشك، فإن الشك لا يقاوم اليقين، والأمة تصور عليها عقد مالك الرقبة كذلك بوجه متيقن، فهو - أيضًا - لا يحل بالشك بل باليقين، فلذلك قلنا ببقاء ملكه عليها، إلا أن يقع موت فلان، وقلنا: إنه لا يطأ، من حيث إنه أدخل على نفسه ذلك الشك، ولا حق للأمة في الوطء، بل هو له، ولا يخل تركه بعقدة الملك، بخلاف عقدة النكاح، فإن تركه مضاد لعقدة النكاح، وللحرة فيه حق، فقلنا بأنه لا يطأ هنا دون هنالك.\nالمسألة السادسة:\nقال ابن القاسم: إذا قال رجل لامرأته: إن دخلت هاتين الدارين، فأمتي حرة، فدخلت إحداهما عتقت، وإذا قال لعبدين: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما حران، فدخلهما أحدهما، لم يعتق واحد فهما حتى يدخلا جميعًا، ودخول البعض في الكل موجود، فالفرق بينهما أن في العبدين علق العتق بصفة تكون منهما جميعًا، فإذا وجدت من أحدهما فلا عتق، وإذا قال لأمته: أنت حرة إن دخلت هاتين الدارين، فإذا وجد الدخول لإحداهما وجب العتق، لأنه علقه بصفة المحلوف عليه، فإذا وجد البعض وجب انفاذه، لأنه كوجود الكل، لأن المقصود الامتناع من الدخول، وضد ذلك يؤخذ من البعض كما يؤخذ من الكل، فافترقا لذلك.\nقلت: الفرق غير واضح، فيمكن أن يقال: هو اختلاف قول. ويمكن أن يقال في الفرق: ليس تعدد الداخل كتعدد المدخول فيه، فعلى الداخل المتعدد أن يرجع إلى واحدة، ومعنى التعدد فيه مقصود، والمدخول فيه ليس كذلك، والله أعلم. وهذا التفريق قد يكون إيضاحًا للفرق المذكور، لا مخالفًا.\nالمسألة السابعة:\nإذا قال: كل امرأة أنكحها إلى ثلاثين سنة، فهي طالق إن كلمتُ فلانا، لزمه الحنث إن كلمه قبل الأجل فيمن تزوج قبل الحنث وبعده، قاله ابن القاسم","vol":"1","page":77},{"text":"وأشهب. قالا: وإن قال: إن كلمت فلانا إلى ثلاثين سنة فكل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه، وفي كلا الموضعين قد علق اليمين بالأجل.\nالفرق بينهما أنه إذا وقَّتَ اليمين بالطلاق، فلا يسُدُّ على نفسه باب الإباحة، لأنه عند دخول الوقت يقرر على الإباحة فلزمه اليمين. وإن لم يوقت فقد وجب السد فلم يلزمه، وكان بمنزلة من قال: إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، فافترقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>القاعدة الثانية\nفي تقرير مقتضى إن، ولو، الشرطيتين، بحسب الزمان </span>(٤٢).\nإعلم أن إن، المقرر في كلام العرب، وهو قول أئمة النحو - أن الفعل الذي بعدها - كان مضارعًا، أو ماضيًا - تخلصه للاستقبال. والجزاء - أيضًا - كذلك تخلصه للاستقبال، وأنها لا تدخل على المحقَّقَ، وإنما تدخل على المشكوك فيه. هذا هو المقرر عندهم في إن (٤٣).\nوأما لو، فشأنها أن الفعل الذي بعدها للدلالة على الزمان الماضى، كان ماضيًا من حيث صيغته، أو مضارعًا ماضيًا، كقولك: لو تام زيد أمس، قام عمرو. ومضارعًا، كقولك: لو يقوم زيد أمس، قام عمرو. ثم هي إذا دخلت على ثبوتين كانا نفيين، أو على نفيين كانا ثبوتين، أو نفى وثبوت كان النفى ثبوتًا، وكان الثبوت نفيًا، ويقولون لها: حرف امتناع الشيء لامتناع غيره (٤٤). هذا هو المقرر في الحرفين.\n_________\n(٤٢) هذه القاعدة هي الفرق الرابع في كتاب الفروق للإمام القرافي جـ ١ ص ٨٣.\n(٤٣) علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على قول القرافي هنا \"بأن إن لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل\" بقوله: ليس الأمر كذلك، بل تتعلق. بالماضي، لكن الأكثر فيها تعلقها بالمستقبل. ومما اختاره يلزم منه دعوى المجاز في استعمالها في الماضي، والمجاز على خلاف الأصل ... الخ. اهـ.\n(٤٤) فهي كما يقولون ويوضحون: حرف امتناع الجواب لامتناع الشرط، نحو: لو جاء زيد اكرمته، ولو صبر لنال مطلوبه ومرغوبه.","vol":"1","page":78},{"text":"ولنذكر مسائل متعلقة بالقاعدة المقررة بحسب الحرفين (٤٥):\nالمسألة الأولى:\nقال الله تعالى، حكاية عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ (٤٦). فقال بعض المفسرين: إن ذلك وقع منه في الدنيا، وإن سؤال الله تعالى له قبل أن يدعيٍ ذلك عليه، فيكون التقدير: إن أكن أقوله فأنت تعلمه، فهما مستقبلان، جريًا على ما أصَّلنَاه (٤٧).\nوقيل: السؤال يكون يوم القيامة، وهذا هو المشهور، فيكونان ماضيين، وتخْرِمُ هذه الآية ما أصلناه. فقال ابن السراج: يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين، تقديرهما: إن يثبت في المستقبل (٤٨) أني قلته في الماضي يثبت أنك تعلم ذلك.\nومما يؤكد أن السؤال في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٤٩) وإذ للماضي، والمخبر بهذا هو محمد في دار الدنيا. وقيل: هذا كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٥٠).\nذكر شهاب الدين ﵀ في هذه المسألة فائدة، ثم رتب عليها سؤالا.\nفالفائدة قَال: اعلم أن عشرة أشياء في كلام العرب هي للاستقبال: الشرط، وجزاؤه، والأمر، والنهي، والدعاء، والوعد، والوعيد، والترجي، والتمني،\n_________\n(٤٥) وصفها الإمام القرافي ﵀ بأنها مسائل غريبة جليلة، وذكر أنها أربع عشر مسألة، وتحدث عنها بإسهاب وتفصيل، اقتصر الشيخ البقوري على إيراد تسع منها، سيرًا على منهجه في الاختصار.\n(٤٦) سورة المائدة: الآية ١١٦.\n(٤٧) وهو أن الفعل الذي يكون بعد إن، وكذا جوابها يتخلص للاستقبال، سواء أكان ماضيًا أو مضارعًا.\n(٤٨) كذا في نسخة ح، ونسخة أخرى بصيغة الفعل المضارع، وهي أظهر وأوضح. والسبب مع ما قبلها من العبارة.\nوفي نسخة ع: إن ثبت في المستقبل بصيغة الماضى، وهي حينئذ تؤول بالفعل المضارع.\n(٤٩) سورة المائدة: الآية ١١٦.\n(٥٠) سورة النحل: الآية ١.","vol":"1","page":79},{"text":"والإباحة، فهذه العشرة لا تتصور بحسب ماض ولا حاضر.\nثم قال: سؤال كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ يورده، وهو أن الصلاة على النبي - ﷺ - هي: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وجاء في ذلك غير هذا مما يقرب لهذا، وهنا قاعدة (٥١)، وهي أن المشبه بالشيء، أعلى رتبته أن يكون. مِثلا، وقد يكون أدنى، وأما أعلى فلا يكون (٥٢). ومن المعلوم في القواعد أن نبينا - ﷺ - أفضل من إبراهيم، فكيف يخرج عن ظاهر هذا الحديث إلى القاعدة المقررة.\nفأجاب عز الدين رحمه الله تعالى بما مقتضاه أن التشبيه وقع بين المجموعين، فهنا النبي - ﷺ - وآله، وهنا النبي إبراهيم ﵇ وآله، فطلب في هذا الحديث أن يعطي الله من فضله وإحسانه لهذا النبي وآله مثل ما أعطى لإبراهيم وآله (٥٣).\nثم إن آل إبراهيم كثير، فهم الأنبياء، وليس في آل نبينا نبي، والعطاء على نسبة المعطى إليه. ففضله على النبي لا يكون كفضله على غير النبي. فهذا المجموع الذي تصور في حزب إبراهيم وآله، إذا أخذ آله منه أنصباءهم كان الذي يأخذ إبراهيم من ذلك لا يساوي نصيب نبينا بوجه، فإن نبينا عليه الصلاة\n_________\n(٥١) في نسخة ح: ومعَنَا قاعدة، وكذا في نسخة أخرى ثالثة، وقد كتبت خطًا بصورة معْنى، والأولى أظهر.\n(٥٢) كذا في كل من نسخة الخزانة العامة بالرباط، ونسخة الخزانة الحسنية كذلك. وفي نسخة أخرى: \"ومعنا قاعدة، وهي أن المشبه بالشيء أدق رتبة، وقد كون مثله وأما أعلى فلا يكون\". وليس من فرق يظهر بين هذه النسخ في هذه العبارة سوى في التقديم والتأخير لبعض الكلمات. وأما المعنى فواحد. ويوضح ذلك أكثر، عبارةُ القرافي في هذه المسألة حيث قال: فكان رأي الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: قاعدة العرب تقتضي أن المشبه بالشيء يكون أخفض رتبة منه، وأعظمُ أحواله أن يكون مثله\".\n(٥٣) كذا في نسخة ع وفي نسخة ح: أن التشبيه وقع بين المجموعين لمعنى النبي - ﷺ - وآله .. ونسخة ثالثة: أن التشبيه وقع بين المجموعين. فالمشبه النبي - ﷺ - وآله، والمشبه به إبراهيم ﵊ وآله. وعبارة هذه النسخة أكثر ظهورًا ووضوحًا في اللفظ والمعنى مما في نسختى ع، وح.","vol":"1","page":80},{"text":"والسلام يأخذ آله أخذًا دون أخذ آل إبراهيم ولا بد، للنبوة التى في آل إبراهيم،\nفيكون ما يقع في خاصة نبينا أفضل، وزال الإشكال على هذا.\nثم إن شهاب الدين ﵀ لم يرتض هذا الجواب وقال: هذا التكلف الكثير (٥٤) فيه، هو من حيث اعتبار جميع ما أعطي من الخير للنبي وهذا لم يقع التشبيه فيه من حيث إن الدعاء للاستقبال، فما كان من خير أعطي للنبي - ﷺ - قبل هذا الدعاء لم يقع في التشبيه، وإنما وقع في التشبيه، الزائد على ما كان عنده (٥٥) لَا طَلَبُ (٥٦) أن يكون مثل ما كان لإبراهيم وآله، وهذا أيسر وأبين ولا كلفة فيه.\nقلت: ما قاله شهاب الدين ظاهر، وما قاله الآخر وهو عز الدين، رحم الله جميعهم، ظاهر وحسن. ولكنه قال شهاب الدين بعد هذا في جواب عز الدين: لا يحتاج إلى التفصيل الذي ذكره الشيخ، مع أنه لا يصح، فإنه جعل متعلق جيع ما حصل لرسول الله - ﷺ - يلزم (٥٧) تعلق الطلب بالواقع. فيلزم طلب تحصيل الحاصل وهو غير جائز (٥٨).\n_________\n(٥٤) في نسخة ح: الكبير.\n(٥٥) كذا في نسخة ع، ونسخة ح. وفي نسخة أخرى: \"لم يقع التشبيه فيه، وإنما وقع التشبيه في الزائد على ما كان عنده، وعبارة هذه النسخة أظهر وأبين، وتتماشى مع ما عند البقوري في العبارة قبل هذه وهي قوله: \"وهذا لم يقع التشبيه فيه\".\n(٥٦) في النسختين: ع، وح، وكذا في نسخة أخرى جاءت كلمة طلب في سياق العبارة مثبتة، فبقي المعنى غير ظاهر ولا واضح. ولعل الصواب في أن تكون مقرونة بلا النافية، فتكون العبارة هكذا: \"وإنما وقع التشبيه في الزائد على ما كان عنده لا طلب (ي لا في طلب) أن يكون مثل ما كان لإبراهيم وآله. وهذا النفي الذي يقتضيه ظهور المعنى ووضوحه وسلامة التعبير مستفاد مما في الأصل الذي هو كتاب الفروق لشهاب الدين الرافي رحمه، حيث قال في هذه المسألة: فالحاصل له ﵊ لم يقع فيه طلب البتة.\n(٥٧) العبارة تحتاج إلى جار ومجرور وتقدير منه (أي يلزم منه، حَتَّى يبقى الكلام مترابطًا بين مفعولي جعل.\n(٥٨) عبارة القرافي هنا ﵀ وهو يستحسن جوابه في هذه المسألة ويعتبره سديدًا هي قوله: فهذا جواب حسن سديد، بناء على القاعدة في أن الدعاء لا يتعلق إلا بمستقبل معدوم، ولا يحتاج إلى ذلك التعب والتفصيل الذي ذكره الشيخ مع أنه لا يصح، فإنه جعل متعلق الطلب جميع ما حصل لرسول الله - ﷺ - فيلزم تعلق الطلب بالواقع، وهو محال، كما يلزم منه تحصيل الحاصل وهو غير جائز. والجواب الحق هو هذا.","vol":"1","page":81},{"text":"وهذا الذي ذكره لا يَلزم عزّ الدين، من حيث إن الإحسان الواقع لإبراهيم هو جملُة ذات أجزاء، والذي لنبينا ﵊ كذلك جملة ذاتُ أَجْزَاء والجملة ذات الأجزاء يَصِحُّ أن يصْدُق عليها أنها مستقبَلةٌ ما دام جزءٌ واحد منها لم يقعْ، وطالَما بقِي نبيُّنا بل بقيتْ أمّتُه، بقِيت الجملةُ لم تقَعْ.\nنعَمْ، وقعَ أَجْزَاءٌ مِنْها، وأما الجملة فما وقعَتْ وانما هي مستقبَلَة، فَانفصَل الإِشكال، والجوابانِ صحيحانِ.\nفإن قيل: هذا يتَّجه على رواية في الحديث، وهي التي فها ذِكْر النبي وآله في الصلاة وفي البَرَكة، وذكْرُ إبراهيم وآله في الصلاة والبركة. والطريق الآخر الذي فيه: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبْراهيم، وكذا أيضًا في البركة، لا يتجهُ هذا الجواب، وهذا أَخرجه مسلم.- قلنا: تُحْمَلُ هذه الرواية على الاخرى، ويكَون الآل واقعا على ذاته وعلى من تبِعه، كما قال: \"لقد أُعطيتَ مِزْمارًا من مزامير آل داود، والمرَاد دَاوُد. (٥٩).\nالمسألة الثانية:\nما قرّرناهُ في لَوْ، يُشْكل أيضًا بِقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٦٠). حيث إنه يلزم أن تكون كلمات الله تعالى نفدت، وليس كذلك، وهذا من حيث إنه نفْىٌ لقوله تعالى: \"ما نَفِدَتْ كلمات الله\". ونظيرُ هذه الآية: ﴿نِعْمَ العبْدُ\n_________\n(٥٩) الخطاب في هذا الحديث النبوي لأبى موسى ﵁، حين سمعه النبي ﷺ يقرأ القرآن ويتلوه بترتيل، وأبو موسى لم يكن يعلم بذلك، فقال مخاطِبًا الرسوَل عليه الصلاة والسلآم: \"لو كُنْتُ أعلمُ انك تسمع قرآتى لحبرته لك تحْبيرًا)، أى لجوَّدته ورتلته لك ترتيلا وتجويدًا أكثر. وقد كان النبي ﷺ يحب إن يسمع القرآن من غيره وهو يتلوه تلاوة جيدا، كما قال لعبد الله بن مسعود حين أمره بقرآة ما تيسرّ منه: \"إني أحبُّ أن أسمعه من غيرى، عملا بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾\n(٦٠) سورة لقمان - الآية ٢٧.","vol":"1","page":82},{"text":"صُهَيْبٌ، لو لم يخف الله لم يَعْصِهِ\"، يقتضى أنه خاف وعصَى مع هذا الخوف، وهذا قُبْح، فيكونُ ذَمًّا، لكن الحديث سِيقَ للمدح، فنَعَم للمدْح التام، والفضلاء يتولعون بالحديث كثيرا، والآية قَلَّ من يتفطَّنُ لهَا. (٦١)\nوأجاب الناس عن الحديث بأجولة:\nأحدها لابن عصفور، أنَّ لَوْ في الحديث بِمعنَى إنْ لمطلَق الربط، وإنْ، لا يكون نفيُها ثبوتا ولا ثبوتها نفيًا.\nالثاني لشمس الدين الخسر وشاهى، لوْ في أصل اللغة لمطلق الربْط.\nالثالث لعز الدين بن عبد السلام، قال:\nالمسبَّبُ قد يكون له سببٌ واحدٌ ينتةِى لانتفاء سببه، وقد يكون له سببانِ، فَلَا ينتفِي لانتفَاء أحَدِ السببين. وإذا كان الامر هكذا ولابد، فلِعدم المعصية سببانِ: الخوفُ، وهذا لِلْكثير من الناس، والْإجْلالُ، وهذا لخاصة الناس وفُضلاِنهم ...\nفأثبت النبي - ﷺ - صُهَيْبًا في هذا الْحَظِ (٦٢). فهو يقول: نعْمَ العبد صهيبٌ، لوْ لم يخَف الله ما حَمَله عَدَمُ خوفه على العِصيان، كما هو في الكثير، بل هو لا يعصيه مع عدَم الخوف، للاجلال الذي غلَبَ عليه.\nالرابع: الجواب محذوف، تقديره: لو لم يخف الله عصَمَهُ اللهُ، ودَلَّ على ذلك قولُه: لَمْ يَعْصِهِ.\nوهذه الأجولة تتأتى في الآية، غَيْرَ الثالِثِ.\nولشهاب الدين، ﵀ - جواب خامس، وهو يصلح للحديث وللآية، قال: لَوْ أصلُهَا أن تكون للربط بين شيئين؛ تقدم. ثم إنها - أيضًا -\n_________\n(٦١) علق الفقيه ابن الشاط على هذه المسألة عند القرافي إلى قوله في: والآية قل من يتفطن لها فقال: ما قاله القرافي في ذلك ليس بصحيح، لأن لَوْ انما هي في اللغة لمجرد الربط خاصة، وما توَهم هو وكوفي إنما هو من قبيل مفهوم الشّرْط، فإن قيل به صحّ ذلك وإلَّا فَلا ...\n(٦٢) في النسخة الحسنية: في هذا النمط، في نسخة أخرى ثالثة: في هذا القِسْم، وهي أظهر، وإن كان ما في النسختين ظاهرًا، وله وجه في المعنى المقصود.","vol":"1","page":83},{"text":"تُستعمل لقطع الربط، فيكون جوابا لسؤال، محقَّقِ أو متوهَّم، وقع فيه ربط، فَتَقْطغه أنت لاعتقادك بُطلان ذلك الربطِ، كما لو قَال القائل: لو لم يكن زيدٌ زوجًا، لم يَرث، فتقول له أنْت: لو لم يكن زوجًا لم يُحْرَمْ، تُريد أنّ ما ذكرَتَه مِن الربط بين عدم الزوجية وعدم الارث، ليس بِحَقٍ، فمقصودك قطع ربط كلامِهِ، وتقول: لو لم يكن زيدٌ عالمًا لَأكْرِم، أي لشجاعته، جوابا لسؤالِ سائلٍ تتوهمهُ أو سمِعتَه، وهو يقول: إنه إذا لم يكن عالمًا لم يُكْرَم، فَيَرْبط بين عدم العِلم، وعدمِ الاكرام، فتقطع انت ذلك الربْطَ (٦٣).\nقلت: هذا جواب عز الدين - ﵀ - بعينِهِ، وهو الذي قال فيهِ قبل هذا: إنه لا يُتصور أن يكون جوابا عن الآية، فمراد عز الدين ليس متوقفا على السَّبِبِيَّةِ، وانما أجاب بعدم الربط، وكان في الحديث عدم الربط، وأبْدَى علة عدم الربط، فذكر السببيْن كمَا الأمرُ هنا في مثال الموارثة (٦٤) وفي مثال الإِكرام،\n_________\n(٦٣) علق الشيخ ابن الشاط على هذه الأجوبة المذكورة هنا وعند القرافي ﵀، فقال:\nجواب أي الحسن بن عصفور يقتضى أنها مجاز في الحديث، والمجاز خلاف الأصل فلا يُدَّعَى إلَّا عند الضرورة.\nوأما جواب شمس الدين بأنَّ لوْ في أصل اللغة لمطلق الربط، وإنما اشتهرت في العرف في انقلاب ثبوتها نفيا وبالعكس، والحديث إنما ورد بمعنى اللفظ في اللغة، فهو الصحيح، غير قوله: \"وإنما اشتهرت في العُرف\"، فإن ذلك العرف الذي ادعاه لم يثبتْ عن اللغة ولا عن الشرع، فهو عرف لغير أهل اللغة ولغير أهل الشرع، ولا حجَة في عرف غيرهما ولا اعتبار به في مثل هذا.\nوأما جواب عز الدين فغايته أن أبْدى وجها لمطلق الربط، وارتفاع توهُّم ذلك المفهوم.\nوأمّا جوابه هو (أى القرافي) فمُحْوج إلى تكلُّفِ سبْق كلام يكون هذا جوابًا له، وتقدير ذلك، وكل ذلك لا يصح في الآية، أمَّا سبْقُ كلام يكون هذا جوايا له فلم يكن في الأزل من يكون كلام الله تعالى جوإبا له، ولا يصح أن يكون كلام الله على تقْدير سبْق كلام، فإن هذا التقدير إنما معناه احتمال سبْق كلام الله، والله تعالى منزَّه عن مثل هذا الاحتمال، إذ تقرر أنه العالم بما كان ومما يكون وبما لم يكن ولا يكون.\nولذلك لما قال القرافي عن جوابه: إنه أصلح من الأجوبة المتقدمة من وجهين: عقب عليه ابن الشاط بأنه ليس بأصلح، لما فيه من دعوى سبق كلام يكون هذا جوابا له أو تقدير سبق كلام، والأصل عدم ذلك.\n(٦٤) في نسخة ح، ونسخة أُخرى: الوِراثة، وكلاهما مصدر قياسي للفعل الرباعي: وارث. لقول ابن مالك في الفيته النحوية.\nلفَاعَل الفِعَالُ والمفاعَلةَ ... وغيْرُ ما مرَّ السماعُ عادَ لَه","vol":"1","page":84},{"text":"فما ذلك إلّا لأجْل السببيْن، والله أعلمُ، وعلى هذا فلا يصلح أن يكون جواب شهاب الدين - ﵀ - جاريا في الآية؛ قال في جواب عز الدين رحمه الله تعالى.\nالمسألة الثالثة:\nما قلناه أيضًا من أن إن لا تدْخُلُ إلا على المشكوك، يُشْكِل بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمُ إِيَّاهُ تَعْبُدُونْ\" (٦٥)، فإن الله عالم بذلك قطعا، وبقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمُ فِي رَيْبٍ﴾ (٦٦)، فإن اللهَ تعالى تحقَّقَ أنهم في ريب، وهمْ يجدون الريب في نفوسهم قطعًا.\nوالجواب أن يقال: المراد كل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكًا فِيه بين الناس حسُنَ تعليقُهُ بإنْ مِن قِبَلِ الله تعالى ومِن قِبَلِ غيره، سواء كان معلوما للمتكلم أو للسّامع أو لَا، وكذلك يحسُنُ من الواحد مِنّا أن يقول: إن كان زيد في الدار فأَكْرِمْه، معَ أنه يعلم أنه في الدار، ولكنه حَسُنَ، لأنهُ شأنه أن يشك فيه، يخلاف إن طلعَتْ الشمس.\nقلت: هذا يُعْترض (٦٧) بقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٦٨) وكذلك نقول: إن يكن الواحد نصف العشرة فالعَشرةُ اثنانِ، وهذا أمرٌ لاشكّ فيه عادةً، بل يُقطعُ بأن الواحد لا يكون نصف العشرة.\nوما أجاب به شِهابُ الدين هذا الفرضَ وَهو قوله: التعليق إنما هو على امرٍ مفروض، والفَرْضُ والتقديرُ ليس امرًا لازما في الواقع، بل يجوز أن يقعَ ويجوزُ ألا يقعَ - فيصير من قِيلَ المشكوك فيه - هُوَ لا يصلح جوابًا لنفى الشكّ عن وقوع هذا الفرض وبُعْدِه عنه، ودخوله في حَيِّزِ (٦٩) المقطوعْ به.\n_________\n(٦٥) سورة البقرة: الآية ١١٢.\n(٦٦) سورة البقرة: الآية ٢٣\n(٦٧) في نسخة: \"معترض\" بصيغة اسم الفعول.\n(٦٨) سورة آل عمران: الآية ١٤٤.\n(٦٩) في ح: في جزء، وكلمة حيّز أنسَبُ في المعنى وأظهر.","vol":"1","page":85},{"text":"والظاهر عندِي أن القاعدة التى يذكرها النحويون، وهي التي مرّت لنا، أنّ إن ليست مُحَصَّلَةً (٧٠)، وأنَّ إن تقع في الموضعين معًا، واللهُ ﷾ أعلم وأَحكم، كقوله تعالى: \"أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ\" (٧١) والآية الاخرى مع الفرض، فيهما نظر.\nالمسألة الرابعة\nما تقرر، من أنَّ إنْ لا تدخُل على شئٍ إلا كان فيه معنى الاستِقبال يُشكِل بمثل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ (٧٢)، وبقوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ (٧٣).\nفأجاب شهابُ الدين عن هذا بأن تعلق إرادة اللهِ وعِلمِه بالأشياء تسمان: قسم واقع، وقسم مقدّر مفروض.\nفالواقع هو أزلي، لا يمكن جعْل شيء منه شرطًا الْبَتَّة، والمقدر هو الذي جُعِل شرْطا. تقديو الكلام، مَتَى فرض عِلْم الله تعالى بأنَّ فيكم خيرًا، أتاكم خيرًا مِمَّا أُخذَ مِنكم، وكذلك المثال الآخَرِ، والفرض والتقدير أمرٌ متوقَّع في المستقبَل ليس أزليًا، فلذلك حسُن التعليق فيه على الشرط. (٧٤)\nالمسألة الخامسة\nإذا قال: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق ثلاثًا، ثم قال لها: أنتِ طالقٍ\n_________\n(٧٠) في ع: مخلصة، وفي نسخة ح، محصلة، كما في نسخة أخرى، وتكون صيغتها صيغة اسم مفعول، بمعنى أنها ليست محصَّلة الإِتقان والفهم لمكان استعمالها، وهي تستعمل مع المعلوم المحقق والمشكوك فيه.\n(٧١) سورة الانبياء: الآية: ٣٤.\n(٧٢) سورة الانفال: الآية: ٧٠.\n(٧٣) سورة النساء: الآية: ١٣٣.\n(٧٤) علق الشيخ ابن الشاط عل هذه المسألة الرابعة قائلا: تقدَّم أن حروف الشرط تدخل عل غيْر المستقبل، بخلاف سائر ما ذكر مع الشرط (أى من السببب المانع)","vol":"1","page":86},{"text":"ثلاثًا، قال مالك ﵀: تنْحَلُّ يمينُهُ. وقال الشافعي: يبْقَى التعليقُ حتى (٧٥) يتزوجها في عقد ثان.\nقلت: فالشافعي نظرَ إلى مُطلَقِ لفظِ التعليق، فأبقاه بعْدَ الثَّلاث، ومَالكٌ نظرَ الَى أن الطلاق أصلُهُ أن لا يقع إلا على مَا مَلَكَ، والمطلَّقَةُ ثلاثًا ما بقي له عليها مِلْك، وان جاءَ أن الطلاق يقع على غر المملوكةِ على فرض التزوج إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وليس هُوَ هنا. (٧٦)\nالمسألة السادسة (٧٧)\nاتفق الفقهاء على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (*) على الأمر بالتعليق، وهو يُشكلُ من حيثُ إنه ليس\n_________\n(٧٥) كذا في نسخة ح، ونسخة اخرى، وهي الاظهر والصواب، وهي في الفروق عند القراني في هذه المسألة، وفى نسخة ع حين، وهي لاشك خطأ من الناسخ.\n(٧٦) اختصر البقُّوري ﵀ هنا المسألة الخامسة والسادسة عند القرافي ﵀.\nففي المسألة الخامسة ذكر القرافى أن القاضى عبد الوهاب وغيره من العلماء ﵏ نصوا على إن حيث وأين من صيغ العموم، فيلزم على هذا أنه إذا قال المرء لزوجته: حيث وجدتك أو أين وجدتك، فأنتِ طالق فوجدها، طلقت، ثم وجدها في عدتها مرارًا أن تطلق عليه ثلاثًا لأجل العموم، وكذلك القول في متى، ولا يلزم بها إلا طلقة واحدة، وهو مشكل، لأن مقتضى نصهم على العموم التكرر تحقيقًا للعموم ... وأنَّ كلما لما كانت للعموم تكرر الطلاق بتكرر المعلق عليه:، قوله: كلما دخلت الدار فأنت طالق، فتكرر دخولها في عدتها طلقت ثلاثًا. ثم تناول القرافي الفرق بينهما على أساس الفرق بين المطق والعام، تقسيم التعليق إلى أربعة أقسام الخ ...\nوفي السادسة المسألة ذكر أن الاصحاب (أي المالكية) نصوا على أن في قول القائل كل امرأَة أتزوجها من هذا البلد فهي طالق، يتكرر الطلاق بتكرر النساء من ذلك البلد، وأن القائل: كل امرأة أتزوجها فهي على كظهر أُمِّي أن الكفارة لا اتتكرر عليه، وأنه بزواج امرأة تتحلُّ يمينه مع تصريحه بالعموم في الصورتين ..... الخ.\n(٧٧) اختصر البقوري هنا المسألة الثامنة عند القرافي، فلم يذكرها ولم يتعرض لها مثلما اختصر المسألة الخامسة والسادسة، وهذه المسألة الثامنة المختصرة، ذكر فيها الإمام القرافي ﵀ أن الشرط ينقسم إلى ما لا يقع إلا دفعة واحدة كالنية، والى مالا يقع إلا متدرجا كالحول وقراءة السورة، وإلى ما يقبل الأمرين كإعطاء عشرة دراهم ... الخ. ثم أورد كلام الإمام فخر الدين الرازي في كتابه المحصول عن هذا الموضوع.\n(*) سورة الكهف: الآية: ٢٣","vol":"1","page":87},{"text":"هنا حرفُ تَعْليق، فإن إن الشرطية ليست هنا، وانما هي أن النَّاصبةُ بعْدَ حرفِ الاستثناء.\nوبَيَانُه أن نقول أولا: الاستثناء من الأحْوال، (٧٨)، والتقديرُ: ولا تقولَن لشيء إني فاعل ذلك غدا في حالةٍ من الحالات إلا معلِّقا بأن يشَاءَ الله، ثم حذفتَ معلّقا والباءَ من أنْ، وهي تُحذف معها كثيرا فيَكونُ النهى المتقدِّمُ مع الَّا المتأخِرة قد حصر (٧٩) القول في هذه الحالة دون سائر الاحوال فتختص، وترْكُ المحرّم واجبٌ، وليس بذلك شيء يترك به الحرامُ إلا هذه الحالُ، فتكون واجبة، فهذا مُدْرَكُ الوجوب.\nوأمَّا مُدْرَكُ التَّعْليق، فهوَ .. قوْلِنا. معلَّقا، فإنه يدل على أنه تعلق في تلك الحال، كما إذا قال له: لا تخرُجْ إلا ضاحِكا، فإنه يفيدُ الأمر بالضحك حالةَ الخروج. وانتظمَ معلقا معَ إن بالباءِ المحذوفة، واتَّجَهَ الأمر بالتعليقِ على المشيئة من هذه الصيغة عند الوعد بالافعال (٨٠).\n\"فرع\"\nمن هذا التقدير: لو قال: علَّقت طلاقَكِ على دخول الدارِ طُلِّقتْ بدخول الدار، بمنزلة ما إذا قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار. ولو قال لها: جعلتُ دخول الدار سببًا لطلاقك لم تطلق بدخول الدار، إلا أن يُريدَ بالجعْل االتعليقَ، وهذا مِن حيثُ إن الشرع خَوَّلَ لَهُ التعليق، لَا نَصْبَ الأسْبَابِ.\n_________\n(٧٨) عبارة القرافي هنا أوضح حيث قال: \"والجواب أن تقول: هذا استثناء من الاحوال، والمستثنى منه حالة من الأحوال، وهي محذوفة قبل أن الناصبة وعاملة في الخ .. إلى آخر ما عند القرافي وذكره البقوري.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذه المسألة بقوله: ما قاله القرافي فيها من لزوم تقدير محذوف، به يصح المعنى المراد، صحيح، وما قاله في الفرع كذلك. اهـ.\n(٧٩) في نسخة ع: حصرت بتاء التأنيث والصواب حذفها.\n(٨٠) زاد القرافي هنا قوله: \"فافهم ذلك فإنه من المواضع العسيرة الفهم والتقدير)","vol":"1","page":88},{"text":"المسألة السابعة (٨١)\nقد يُذكَرُ الشرط للتعليق، كقولنا: إن دخلتِ الدار فأنت طالق، وقد يكون مذكورًا بدون التعليق، كقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٨٢).\nوضابطُهُ أمرانِ: المنامبَبةُ، وعدمُ انتفاء المشروط عند انتفائه. فيُعلَمُ أنهُ ليسَ بشرط.\nالمسألة الثامنة:\nقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْل﴾ (٨٣).\nقال جماعة من العلماء: الوقف عند قوله: \"لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ\"، يبدأ بالشرط، ويكون جوابه. ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ دون ما قبله. وهذا لأن الله تعالى حكمَ بَتَفْضِيلهِن مطلَقًا على النِّساءِ من غير شرط، وهو أبلغُ في مَدحِهِنَّ.\n_________\n(٨١) هي المسألة العاشر عند القرافي في الكلام على الفرق الرابع بين إن ولو الشرطيتين. وعبارته في أول هذه المسألة هي قوله: \"قد يذكر الشرط للتعليل دون التعليق. وضابطه أمرن ... الخ.\n(٨٢) كما في الآية المذكوة، فالشكر واجب مع العبادة وعدمها، ومعنى الآية أنكم موصوفون بصفة تحث على الشكر وتبعث عليه، وهي العبادة والتذلل، فافعلوه فإنه متيسر لوجود سببه عندكم، ومنه قوله - ﷺ -: \"من كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\".\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة بقوله: ما قاله في هذه المسألة صحيح.\n(٨٣) سورة الأحزاب: الآية ٣٢.\nوقد علقَ الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه الآية فقال: ما ذكره من الوقف عند قوله تعالى: \"لستُنَّ كأحد من النِّساء\" محتمل وليس بلازم، ويحتمل أن يكون المراد تفضيلهن بشرط التقوى، ويكون ما بعد ذلك ارشادا إلى ما كان إليهم من فضل التقوى، وهو الأسبق إلى الفهم. وما ذكرَهُ من أن ما اختاره أهل البيان والتفسر أبلغُ في مدحهنَّ صحيح لَوْ أن الآية وردت للمدح، لكنها لم تَرِدْ لذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":89},{"text":"المسألة التاسعة\nتقرر لنا أن ما دخل عليه الشرط مستقبَل، وأن الجواب كذلك يكون، فإن الماضيَ لا يترتب على المستقبَل، ولكِنه يشكل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٨٤).\nوالجواب أن الجواب محذوف. وقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لتكذيبه، وأقِيم مقام الجواب، لَا أنه هو الجواب.\n\nالقاعدة الثالثة (٨٥)\nفي تقرير مقتذى إذا، وتقرير الفرق بينها وبيْن إن الشرطية.\nفاعْلَمْ إنَّ إذا تَرِدُ للظرفية المحْضَة، كقوله تعالى: \"وَالَّلِيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٨٦). وقد ترِدُ إذا هَذِهِ ومعها المعْنَى الشَّرْطِي، كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٨٧)، ثم قال ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾.\nفعَلَى هذا قد اشتركتْ مع انْ في الشرطية، لكنهُما افترقا من حيث إن الشرطيةَ دخيل (٨٨) في إذا، وهُوَ في إنّ أصْل، وأنَّ إنْ حَرْفٌ وإذا اسْمٌ.\n_________\n(٨٤) سورة فاطر: الآية. ٤\n(٨٥) هي موضوع الفرق الخامس والسبعين من كتاب الفروق. جـ ٢ ص ٩٧.\nوقد علق عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، إلا قوْله في أنْ: إنها تدل على الزمان التزاما، فإن أراد أنها تدل على ذلك بنفسها وعلى مما شرطوه في دلالة الالتزام من أنها يسبق ذلك فهم السامع فليس بصحيح، وإن أراد أنها تدل على الزمان التزامما، بمعنى أنها من الحروف التي تلازم الدخول على الفعل، والفعل يدل على الزمان فهي تدل على الزمان التزاما من هذا الوجه فذلك صحيح.\n(٨٦) سورة الليل: الآية ١.\n(٨٧) سورة النصر: الآية ١.\n(٨٨) في نسخة ع: الشرط دخيل، وهو يتطابق مع مما بعده من ضمير التذكير بالشرطية فإن الوصف فعيل بمعنى مفعول يستوى لفظه في التذكير والتأنيث فيقال: رجل جريح، وامرأة جريح، ولذلك قال ابن مالك في ألْفيتِه:\nوناب نقلا عنه ذو فعيل ... نحو فتاةٍ أو فتىً كحِيلٍ","vol":"1","page":90},{"text":"ومنَ الفروق المذكورة بينهمَا: أنّ إنْ تدل على الزمان بالالتزام وعلى الشرط بالمطابَقة، وهو ما تقدم ذِكْرهُ والإِشارة اليه، وإذا على العكس من ذلك.\nومنها: أنَّ إنْ لا يُعَلَّقُ عليها إلا مشكوك فيه، وإذا أعمُّ، تَدْخُل على المحقَّق وإلمشكوكِ فيه.\nقلت: وقد تقدم البحث في هذا المعنى وأنه مشْكِل.\nومن الفروق النحوية - زيادةَ على ما سَبَقَ ذِكرُه أولا - أنّ إنْ لا يكون ما بعدَها إلا مجزومًا في اللفظ أو في الوضع، وإذا يكون ما بعدها مخفوضا بها في الأكثر.\nوأيضًا، فإنْ، بُنِيَتْ بالأصالَةِ، لأنَّها حرف، وإذا بالفرعية لأنها اسم. (٨٩)\nوقال شهاب الدين - ﵀ - هنا: إذا ظَرْفٌ، والظروف يجوز أن تكونَ أوسعَ من المظروف، فيجوز لهذا أن يُقال: إذا قال: إذا مِتُّ فأنتِ طالق، يلزمه الطلاق، لأن الظرف يجوز أن يكون أوسعَ من المظروف، فظرفُ الموت يحتمل دخول زمن من أزمنة الحياة فيه، فيقعُ في ذلك الزمانِ الطلاقُ في زمن الحياة فيلزمه، بخلاف ما إذا قال: إن مِتُّ فأنت طالق، لأنه لا طلاق بعد الموت.\nقال: وأوْرَدَ بعض الفضلاءِ سؤالًا، فقالَ: الشرط وجوابه إذا جعل الشرط ظرفا، لابد أن يكونا معًا واقعيْن فيه، نحو: إذا جاء زيد فأكرمه، فالمجيء والإِكرام في زمن واحدٍ، ولذلك جوَّزُوا أن يعمل في إذَا كِلا الفِعْلَيْنِ، واختاروا الثاني، لأنه لَيس مضافا إليه، ومن حيث أنهم أجازوا عمل كل واحد منهما فيه دلَّ على ما قلناه، لأن من شرط العامل في الظرف، أن يكون واقعًا فيه.\n_________\n(٨٩) فإذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافضة لشرطها، منصودة بجوابها، بمعنى أن الفعل الواقع في جوابها هو العامل في نصبها، وهي مبنية، وأن الجملة الشرطية الواقعة بعدها هي في محل جر مضاف إليه، وفي ذلك يقول ابن مالك في ألفيته النحوية:\nوألْزَموا إذا إضافة إلى ... جُمَل الأفعال كهُنْ إذا اعتَلَى","vol":"1","page":91},{"text":"فإذا تقرر هذا، فالِذكْرُ ضدُّ النسيان، فكيف اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٩٠)، والضِدَّانِ اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، والضِدَّانِ لا يجتمعان، فجوابُهُ أن يقال: الظرف أوسع من المظروف.\nومثل هذا الاشكال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعُكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ (٩١)، فإذْ بدلٌ من اليوم، واليومُ يومُ القيامة، وإذ ظلَموا يومُ الدنيا، فيكف يكون ذلك، والدنيا ليست عينَ الآخِرة، فقال ابن جِنِّي: الظرف يجوز أن يكون أوسعَ من المظروف، فَزَمَنُ الظلم يجوزُ أن يكون أوسعَ منهُ حتى يمتدّ ليوم القيامةِ فينطلِق عليه يومُ الظلم، فيتحِدانِ، فتحسُنُ البدَلية.، وقد يكون الظرف مساويًا للمظْروف نحو صمتُ يوم الخميس. (٩٢)\nقلت: ولْنذُكْر هنا مسألة متعلقة بالشرط، من حيث هو شرط، فنقول:\nالشرط ينقسم إلى ما لا يقع إلا دفعة أإحدة كالنية، وإلى مالا يقع إلا مُستَدْرَجًا، كقراءة السورة، وإلى ما يقبل الوجْهَيْن، كعطيةِ عشرةِ دراهم.\nقال الإمام في المحصُول (٩٣): فإن كان الشرط وجود هذه الحقائق اعتبر من\n_________\n(٩٠) سورة الكهف: الآية: ٢٤.\n(٩١) سورة الزخرف: الآية: ٣٩.\n(٩٢) علق ابن الشاط على الأشكال المذكور في هذه الآية بقوله: إنما وقع الاشكال في الآية بناء على أن إذ بدل من اليوم، وليس ذلك بصحيح بلا إشكال. وما المانع من إن يكون معنى الكلام ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب بسبب ظلمكم إذ ظَلمتم.\nهذا لا مانع منه البتَّةَ.\n(٩٣) المراد بالإمام صاحب المحصول: هو الفقيه الضليع الموسوعي الاصولي المدقق الجامع بين المنقول والمعقول فخر الدين الرازي. وقد شرح كتابه المحصول شهاب الدين القرافي ﵀، واختصره الإمامان: سراج الدين الارموى، وتاج الدين الارمرى في كتابيهما التحصيل، والحاصل، فجاء القرافي ولخصه من كل ذلك كتابه المسمى بتنقيح الفصول في أختيار المحصول، وجعله مقدمة لكتابه الذخيرة في الفقه، ثم لما رأى الناس اهتموا به وضع لهم عليه شرحا مختصرا يكون عونا لهم على فهمه وتحصيله، وبيان بعض المقاصد التي لا نكاد تُعلمُ إلا من جهته لانه لم ينقلها عن غيره وسماه: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الاصول، وهو مطبوع طبعة جديدة منقحة عن دار الفكر.","vol":"1","page":92},{"text":"الأول والثالثِ اجتماعُ اجزائه، ووجودُها في زمن واحد، لإمكان ذلك، واعتبر من الثاني وجودُ آخِرِ أجزائه، لأنه الممكن فيه، وان كان الشرط عدم هذه الحقائق اعتبر من الجميع أول أزمنة العدَم، لصدق العدم حينئذ في الجميع.\nقال شهاب الدين، ﵀:\nويَرِدُ عليه سؤالان: الأوَّلُ أن القائل: إن أعطيتتى عشرة دراهم فأنت حُرٌّ، يخرج عليه حرًا إذا أعطاه العشرة مجموعة كما قال ومتفرقة. ولا خلاف في هذا السؤال.\nوالثاني، أن كلامه في العدم لا يتلخص، لأن لن ولا، وضعا لنفي المستقبل العام، فإن جعل العلق للشرط العدم بصيغة لا ولن كان الشرط استغراق العدم أزمنة العمر، أو الزمان الذي عينه، لا ما قاله، والله أعلم.\n\nالقاعدة الرابعة (٩٤)\nفي تقرير حصر المبتدأ في الخبر.\nالعلماء يقولون: قد يكون المبتدأ محصورًا في الخبر وقد لا يكون، والظاهر أن المبتدأ محصور في الخبر مطلقًا. والخبر قد يكون محصولًا في المبتدأ وقد لا يكون.\nوبيان ذلك من حيث إن المبتدأ لا بد أن يكون أخص من الخبر أو مساويًا، فإن كان أخص، كقولنا: الانسان حيوان، فقد انحصر فيه ضرورة، وان كان مساويًا كقولنا: الانسان ناطق، فقد انحصر أيضًا، فكما لا يكون الانسان إلا حيوانًا، كذلك لا يكون الإنسان إلا ناطقًا.\n_________\n(٩٤) هي موضوع الفرق الثالث والستين من كتاب الفروق: جـ ٢، ص ٤١، وموضوع هذه القاعدة مما يتناوله علماء البلاغة في علم المعاني ويبحثونه في باب القصر وأنواعه، فهي ألصق بعلم البلاغة منه بعلم النحو، وأنسب إليه بهذا المعنى، ولعل المؤلف ذكرها في القواعد النحوية وأدرجها فيه من باب التوسع والتقارب بين علمي البلاغة والنحو باعتبارهما من علوم الآلة والوسائل. والله أعلم.","vol":"1","page":93},{"text":"وأما الخبر، وان كان مساويًا للمبتدأ فقد انحصر أيضًا في المبتدأ كما انحصر المبتدأ فيه، وإن كان أعم فلم ينحصر، فإن الحيوانية تكون في الانسان وفي الفرس (٩٥).\nقلت: وقد لا يسلم هذا البحث الذي قاله شهاب الدين ﵀، فإن الأخص الذي هو الانسان مركب من الحيوانية والناطقية، والحيوان دال على الجزء الواحد مما كان في الخاص، والمركب من جزءين لا يحصر في أحد جزءيه ولا يتعقل؛ إلا أنه قد يقال: هذه مغالطة من حيث الخروج عن الأعم والأخص إلى المنفرد والمركب، وما ذكره المؤلف صحيح باعتبار العموم والخصوص.\nوقولنا: الانسان ناطق، لا يصح أيضًا، لأن فرض المساواة يمنع أن يكون أحدهما حاصرًا والآخر محصورًا. إذ المعنيان متنافران، ويصدق أيضًا كما قلنا: أن المبتدأ حصر فيه الخبر فيكون الشيء الواحد حاصرًا ومحصورًا.\nثم قال شهاب الدين: ومع ما قلناه، فقد فرق العلماء بين قولنا: زيد قائم، لم يجعلوه للحصر. وبين قولنا: زيد القائم، فجعلوه للحصر، ثم قال:\nوالجواب عن هذا السؤال أن الحصر حصران: حصر يقتضى نفي النقيض فقط، وحصر يقتضى نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الاطلاق، فهذا الحصر الثاني هو الذي نفاه العلماء عن الخبر إذا كان نكرة. وأما الحصر الأول فلم يتعرضوا له (٩٦).\n_________\n(٩٥) علق ابن الشاط على قول القرافي في أول هذا الفرق: إن المبتدأ يجب انحصاره في خبره مطلقًا، كان معرفة أو نكرة، بسبب أن خبر المبتدأ لا يجوز أن يكون أخَصَّ، بل مساويًا أو أعم ... إلخ. فقال ابن الشاط: ما قاله القرافي هنا من أن المبتدأ يجب انحصاره في الخبر مطلقًا، بمعنى إنه لا يوجد إلا فيه ومعه، ليس بصحيح، بل الصحيح أنه لا يجب ذلك، لا مطلقًا ولا مقيدًا.\nوقوله: بسبب أن خبر، لمبتدأ لا يجوز أن يكون أخص، بل مساويًا أو أعم، ليس بصحيح أيضًا، بل لا يجوز أن يكون الخبر إلا مساويًا للمبتدأ لا أخص ولا أعم، فإنه إذا أخبر بشيء عن شيء فليس المراد إلا أن الذي هو المبتدأ هو بعينه الخبر.\nوهو تعليق وتعقيب مهم كسائر تعاليقه في الفروق ﵀، فليتأمل كلامه بإمعان، فإنه دقيق\n(٩٦) في نسخة ح: فلم يتعرض إليه.","vol":"1","page":94},{"text":"وبيان ذلك أنك إذا قلت: زيد قائم. فزيد منحصر في مفهوم قائم، لا يخرج عنه إلى نقيضه، لكن قولنا: قائم، مطلق في القيام، فهي (أي القضية) موجبة، جزئية، في وقت واحد، فنقيضها إنما هو السالبة الدائمة، وهو أن لا يكون زيد قائمًا دائمًا لا في الماضى ولا في الحال ولا في الاستقبال. ومعلوم أن هذا النقيض منفى إذا صدق قولنا: زيد قائم في وقت، وكذلك جميع الاخبار التى هي نكرات، الحصر فها ثابت بحسب النقيض لا بحسب غيره. وإذا صدق المقيّد صدق المطلق، ولم يخالف الدليل العقلي على هذا. ولا يلزم من عدم الاتصاف بالنقيض عدم الاتصاف بالضد، والخلاف بالحصر في النكرات باعتبار النقيض لا باعتبار غيره (٩٧)\nقلت: هذا التقرير غير بين، فهو - أولا - جعل التناقض محققًا من حيث الخبر وحده، وهو لا يتعقل. فحقيقة التناقض اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب، على وجهة تقتضى لذاتها صدق إحداهما وكذب الأخرى. ثم إنه لا يحتاج إلى شيء مما ذكر لعدم صحة انحصار المبتدأ في الخبر؛ قال دائما. وقد مضى مع دليله البرهاني (٩٨) والله أعلم.\nقليت: ظهر لي بعد كتب الاعتراض سقوطُهُ، وأنه غير وارد ولا بد.\nقال شهاب الدين: وأما غير النكرة، فأذكر فيه مسائل توضحه.\nالمسألة الأولى:\nقوله ﵇ في الصلاة: \"تحريمها التكبير، وتحليلها: التسليم\" (٩٩)، استدل به العلماء على انحصار سبب تحريمها في التكبير، وسبب\n_________\n(٩٧) في ح: ولا يلزم عدم الاتصاف بالنقيض عدم الاتصاف بالضد والخلاف بالحصر في النكرات.\nفالحصر في النكرات باعتبار النقيض لا باعتبار غيره. فليتأمل.\n(٩٨) في نسخة ح: وقد مضى على دليله الواهي. فليتأمل وليصحح.\n(٩٩) أخرجه أئمة السنة الاعلام: أحمد بن حنبل وًا بو داود والترمذى عن علي ﵁.","vol":"1","page":95},{"text":"تحليلها في التسليم. فلا يدخل الصلاة حتَّى يحرم عليه جميع ما تحرمه الصلاة إلا بالتكبير، ولا يخرج من الصلاة ويحل من تلك الأشياء التى ارتبط إليها إلا بالتسليم، قامت الألف واللام في الخبر مقام إلا إذا تقدمها النفي (١٠٠).\nثم المراد بالتكبر، المشروع في أول الصلاة، وبالسلام، المشروع آخرها عند تمامها، فلا يدخل في هذا، السلام الذي هو في أثنائها على وجه السهو. ولهذا نقول: من اتفق له ذلك فلا يحتاج إلى تكبير، بل بقي ذلك التكبير لم ينحل منه، والقول بأنه يعيد التكبير مشكل، إذ الذي يعيد، يلزمه أن يعيد الصلاة، وحيث لم تبطل الصلاة لم يبطل ذلك التكبير. فعلى هذا، القولُ بإعادة التكبير حيئنذ مشكل، والأظهر خلافه.\nالمسألة الثانية:\nقوله - ﷺ -: \"ذكاة الجنين، ذكاة أمه\" (١٠١)، يقتضى حصر ذكاة الجنين في ذكاة أمه.\nقال شهاب الدين هنا: معنى اووم أن ذكاة الجنين تغني عن ذكاة أمه (١٠٢)، وذكاة الجنين هي الذبح الخاص في حلقه، هذه هي الحقيقة العرفية،\n_________\n(١٠٠) عبارة القرافي هنا أظهر وأوضح، حيث قال: استدل بالحديث العلماء على انحصار سبب تحريمها في التكبر، وسبب تحليلها في التسليم، فلا يدخل (المصلى) في حرماتها إلا بالتكبير، ولا يخرج من حرماتها إلى حلها إلا بالتسليم، فهذا خبر معرف بالألف واللام اقتضى الحصر في التكبير دون نقيضه الذي هو عدم التكبر، وضده الذي هو الهزل واللعب والنوم والجنون، وخلافه الذي هو الخشوع والتعظيم، فأى شيء فعل من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التكبير يدخل في حرمات الصلاة ... إلى آخر كلامه هنا. فليرجع إليه من أراد التوسع فيه.\n(١٠١) أخرجه أئمة السنة: أحمد بن حنبل، وأبو داود، والترمذي عن أبي سعيد ﵁. قال العلماء: وهذا ما لم يخرج الجنين من بطن أمه، وفيه حياة مستقرة، وإلا كانت الذكاة فيه واجبة.\n(١٠٢) كذا في نسخة ع. وفي نسخة ح: أن ذكاة الجنين تغني عنها ذكاة أمه، وهي نفس العبارة الموجودة عند القرافي في المسألة، وهي أظهر وأوضح من حيث اللفظ والمعنى المراد، وهي نفس العبارة التي أقى بها الفقيه المحقق قاسم بن الشاط الانصاري ﵏ أجمعين. ومما قاله ابن الشاط في ذلك: لم يقل أحد أن عين ذكاة الجنين هي عين ذكاة أمه، ولا يصح أن يقال ذلك، وإنما يقال هذا القول على سبيل المجاز لا غيره، لامتناع أن يكون المتحد متعددا. وقال: إن ما قاله القرافي بأن الاضافة لأدنى ملابسة، وهي حقيقة لغوية، صحيح. وما قاله من الفرق بين الاضافة والاسناد كذلك، لأن الإسناد يلزم فيه مراعاة الفاعل.","vol":"1","page":96},{"text":"فجعل هذه الذكاة هي عين ذكاة أمه إنما يصدق حينئذ على سبيل المجاز، كقولنا:\nأبو يوسف، أيو حنيفة (١٠٣)، والأصل عدم المجاز، وهو خلاف الظاهر، فكيف\nيقال: إن هذا اللفظ، بوضعه يقتضى أن عين ذكاة الجنين هي ذكاة أمه.\nفقال: قلت: سؤال حسن، والجواب عنه يحتاج إلى جودة فكر، فيقول: الاضافة إلى المصادر تصح بأدنى ملابسة، بخلاف الإِسناد إلى الفعل، فيفرق بين ذكيت الجنين، فهذا لا يصدق إلا إذا قطعت منه موضع الذكاة، وذكاة الجنين تصدق بأيسر ملابسة، واحد الطرق (أي طرق الملابسة) إنه جزء من أمه، وأمه قد ذكيت، فهو قد ذكي. فعلى هذا التقدير، ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازًا.\nقلت: تطويل، وتهويل. فقوله - ﷺ -: \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\"، المقصود منه تبيين شريعة يَشْرعَها. فالمراد بقوله: ذكاة الجنين، الذكاة: الشرعية المطلولة في الجنين هي الذكاة: التى شرعت لكم، وبيِّنَتَ (١٠٤) في أمه، فلا حاجة للجنين إلى أكثر منها، وقام معنى الحصر الذي ذكره الفقهاء ﵃، ولا حاجة لشيء مِمَّا تقدم.\nثم قال: واعْلَمْ أن هذا الحديث، يُروَى بالرفع في الذكاة الثانية وبالنصب، فتمسكَتْ المالكية والشافعية برواية الرفع، وتمسَّكَ الحنفيةُ في قولهم: يذَكِّى\n_________\n(١٠٣) هذا تشبيه لأبى يوسف بشيخه الإمام أبى حنيفة النعمان، فهو أكبر تلامذته، أكثرهم فقهًا، وأخذا عنه، حتَّى صار أشبه به في المكانة العلمية والفقهية فكأنه هو أبو حنيفة، فيقال: أبو يوسف أبو حنيفة.\nوهذا التشبيه والتفسير بهذه الجملة هو من الأمثلة التي يأتي بها النحاة أثناء الكلام على جواز تقدم الخبر على المبتدأ أو على جواز منعه فيما إذا كان كل منهما معرفة أو نكرة، ولم تكن هناك قرينة يتميز بها المبتدأ من الخبر سوى الوضع اللغوى والترتيب الاصلى بجعل المبتدأ في أول الجملة، وقال ابن مالك في ألفيته النحوية:\nوالأصل في الاخبار أن تؤخَّرا ... وجوَّزوا التقديم إذ لا ضررا\nفامنعه حين يستوى الجزآن ... عرفا ونكرا، ادمَيْ بيان\nومثالنا يجوز فيه تقديم الخبر على المبتدأ فيقال: أبو حنيفة أبو يوسف، لانه معلوم أن أبا حنيفة أعظم وأشهر علما ومكانة من أبى يوسف، فأبو يوسف هو المشبه، وأبو حنيفة هو المشبه به، وإن تقدم في اللفظ والنطق.\n(١٠٤) ويحتمل ان تكون الكلمة هكذا: \"وثبتت في أمّه\"","vol":"1","page":97},{"text":"الجنينُ برواية النصب. والتقدير عندهم: ذكاة الجنين أن يُذَكَّى ذكاةً مِثْلَ ذكاةِ أمّه، ويسقُطُ ما قالُوه بإبدآءِ احتمالِ آخر، وهو أن يقال: \"بَلْ التقدير\" (١٠٥) ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فحُذِفَ حرف الجر، فانتصبَ الذكاةُ على إنه مفعول، كقولنا: دَخلتُ الدار، ويكون المحذوف أقَلَّ مِمَّا قدَّرهُ الحنفي، ويكون في هذا التقديرِ جمْعٌ (١٠٦) بين الروايتيْن.\nالمسألة الثالثة:\nقوله - ﷺ -: \"الشفعةُ فيما لم يُقسَم\" (١٠٧)، يقتضي حصر الشفعة في الذي هو قابلٌ اللقسمة ولمْ يُقسَم بعْدُ. والخبرُ - هاهنا - ليس معرفةً، بلْ مجرورٌ، وتقدير الخبر؛ الشفعة مُستحَقَّة فيما لم يُقسَمْ.\nوكذلك، قوله - ﷺ -: \"الأعمال بالنيات\" (١٠٨) أيْ، الأعمالُ معتبرة بالنياتِ، فالعملُ بغير نية لا يُعتبَر شَرْعا.\nقلت: فإذَنْ، الحصرُ ليس خاصًا بالمعرفة، قد يكون مع المعرفة ومع النكرة مِثْل ما في هذه المسألة.\nقلت: والظاهرُ أنه لا حصر في قوله: الشفعة فيما لم يُقْسَم، لأنه لو قَدَّرنا بعدَ هذا القول: الشفعة فيما قسم، الشفعة فيما لا يقبل القسمة، لمَا ناقض الكلام الأولَ ولا الجمع. يخلاف ما إذا قلنا: الأعمال معتبرة بالنيات، والأعمال معتبرة بغر نية، كان في الكلام تنافُرٌ، والله أعلم.\n_________\n(١٠٥) \"بل التقدير\" ناقص في نسخة الخزانة الحسنية: خ. ح.\n(١٠٦) في ن ح: \"ويكون هذا التقديرُ جَمَعَ بين الروايتين: رواية الرفع، ورواية النصب (ايْ بصيغة الفعل الماضى جمعَ، فيتحد المعنى في كلتا النسختين.\n(١٠٧) اخرجه الإمام البخاري ﵀ عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قضى بالشفعة فيما لم يُقْسَم.\n(١٠٨) حديث صحيح مشهور اخرجه ائمة الحديث عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله وعن سائر الصحابة أجمعين.","vol":"1","page":98},{"text":"المسألة الرابعة:\nقوله تعالى: \"الحجّ أشهر معلومات\" (١٥٩) أي، زمن الحج كذا، وفيه - أيضًا - الحصر، غيرَ أن الحصر هل هو بحَسَبِ الإِجزَاءِ أو بِحَسَب الفضيلة؟ والأولُ، مذهب الشافعي، والثاني مذهب مالك، فمن أحرم قبلَهُ عند مالك أجزأه، بخلاف الشافعي.\nقلت: فهذا الحصر - أيضًا - لا مَعَ المعرفة وهو كثر، فَلو قُلتَ: مالُكَ مائَةٌ، وعبيدُكَ عشرُون، لكان المعنَى لا مال لك إلا مِائَةٌ، ولا عبيدَ لَكَ إلا هذه العِدّةُ.\nالمسألة الخامسة:\nقال الغَزَالي: صديقي زيْد، وزيدٌ صديقي، فالأول يقتضى حصر أصدقائك في زيد، فلا تُصادِقُ أنتَ غيرَه، وهو يجوز أن يصادقَ غيرَك، والثاني يقتضي حصره في صداقتك، فلا يجوز أن يصادق غرك، وأنت يجوز أن تصادق غيرَه.\nقلت: الأول مسلَّمٌ، والثاني ممنوع.\nالمسألة السادسة:\nقال الإمام فخر الدين في كتابِ الإعجاز له: الالف واللامُ قد ترِد لحصر الثاني في الأول، بخلاف ما تقدم من الحصر، فإنه الأول في الثاني، ومثاله: زيدٌ القائم، أي لا قائم إلا زَيْدٌ.\nقلت: الظاهر أن الألفَ واللام ليست هي المفيدةَ لهذا، فإنها لو كانت كذلك لَا طَرَدَ، وهذا باطل كما تقدم من قوله - ﵇ -: \"تحريمُها التكبر، وتحليلها التسليم\"، وكذلك زيد القائم، إن جاء جوابا لمن قال: ما قامَ إلَّا عَمْرٌ، فهي كما قال، فلو أن قائلا قال: أخبروني مَنْ جمعَ أوصافا كثيرة؟ فقال.\n_________\n(١٥٩) سورة البقرة: الآية ١٩٧.","vol":"1","page":99},{"text":"زيدٌ القائم، زيدٌ العالم، زيدٌ الشجاعُ، لَمَا أعطانا هذَا أن لا قائم إلَّا زيد، ولا عالمَ إلا زيد، ولا شجاعَ إلا زيد، فإذن ما هُوَ كذلِكَ إلا بالقرينة التى انضمَّتْ إليْها.\nالمسألة السابعة:\nإذا قلتَ: السفَرُ يومَ الجمعة، فُهِم منه الحصرُ في هذا الظرف، وأنه لا يقع في يوم الخميس.\nقلت: هذا إذا كان السؤال عن سفر شخص معيَّن مرَّةً واحدةً لا مرات، وأمَّا بِحسب أشخاصٍ فلا حصر، وبحسَبِ مرات من الشخص الواحِدِ فلا حصْر أيضًا. واللهُ أعلمُ. (١١٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>القاعدة الخامسة: قاعدة التشبيه </span>(١١١)\nإعْلَمْ أن القاعدة المقررة في التشبيه أنَّه لا يُشَبَّهُ الأعْلَى بالْأدنَى، ولكنْ الأدنى بالأعلى أو المثْلِ إذا لَحِق أَحَدَهُما خَفَاءٌ، ومِن هذا، لا يُشَبَّهُ الجَلِيُّ\n_________\n(١١٠) علق الشيخ ابن الشاط على هذه المسائل بدءا من الثالثة إلى السابعة بقوله في كل واحدة منها: هذه دعوى مبنية على المذهب في المسألة الثالثة المتعلقة بالشفعة، وبقوله في الأخريات: هذه دعوى، وبقوله في السابعة: هذه دعوى لم يأت عليها بحجة، فليتأمل.\n(١١١) هي موضوع الفرق الرابع والستين من كتاب الفروق جـ ٢ ص ٤٨. بين قاعدة التشبيه في الدعاء وبين قاعدة التشبيه في الخبَرِ.\nوالفرق بينهما - كما يقول الإمام القرافي ﵀ أن التشبيه في الخبر يكون في الماضى والحاضر والمستقبل، فتشبه ما وقعَ لك غدًا بما وقع أمس لشخص آخر. وتشَبهُ ما وقع لك اليومَ. بما وقع لغيرك اليوم، وتشبهُ ما يقع لك غدا بما يقع لغيرك غدا، وكل ذلك حقيقة. ولا يقع التشبيه في الدعاء إلا في المستقبل خاصة، بسبب أن عشرة ألفاظ في كلام العرب لا تتعلق إلا بمستقبل، وهي: الأمر، والنهى، والدعاء إلى آخر ما ذكر.\nوقد علق عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله القرافي وأطلق قوله فيه من أن التشبيه لا يقع في الدعاء إلا بالمستقبل ليس بصحيح، واما المانعُ من ذلك، أما ما ذكره من أن عشرة ألفاظ لا تتعلق إلا بالمستقبل صحيح، إلا في الشرط خاصة، وقد سبق التنبيه على ذلك، وما قاله من أن السبب في التشبيه في الدعاء لا يكون إلا بالمستقبل كون هذه الألفاظ لا تتعلق إلا بالمستقبل ليس كذلك، فإن كون هذه الألفاظ لا تتعلق إلا بالمستقبل لا يمنع من تشبيه ما يتعلق بغير المستقبل، اللهم إلا أن يريد تشبيه دعاء بدعاء، وأمر بأمر، وما أشبه ذلك، فما قاله صحيح.","vol":"1","page":100},{"text":"بالخَفِيِّ، وإنما يشبَّهُ الخفيُّ بالجَلِي، كمثل المعقولات بالمحسوسات عند إرادة البيَان، فلا يجوز حينئذ العكْسُ.\nولو أردنا الْإعلام بفضيلة المحسوس لشبَّهناه بمعقول مّا، من حيث إن المعقول أفضل من المحسوسِ ولو كان المحسوسُ ما عَسَى أن يكون.\nثم مَا به يكونُ التشبيهُ قد يكون حرفا كالكافِ، وقد يكون اسمًا كَمِثْل، وقد يكون فِعلا، كقولك: هذا يُشْبِهُ كذا.\nثمّ ان التشبيهَ إذا وقع في الكلام فقد يقع في الدعاء وَمَا جرى مَجْراه، وقد يقع في الخبَر الذي يحتمل الصِدْق والكذِبَ، ثم الفرق بينهما أن التشبيهَ في الخبَرِ يصح في المستقبَل والماضى والحال. فيتَشَبَّهُ ماضٍ بماض، وحاضِرٌ بحاضر، ومستقبلٌ بمستقبَل، وكلُّ ذلك حقيقة، وأمَّا الدُّعاءُ وما جرى مجراه فلا يقع التشبيه فيه إلا بحسَب المستقبَل، وهذا لما تقدمَ في القاعدة الثانية مِن أن عشرةَ أشياء لا تكُونُ إلا بحسَب المستقبل، ومنها الدعاء، وقد مضى لنا ما اورده عز الدين ﵀، من البحث في الصلاة على النبى - ﷺ - فلا نعيدُه، والحمد لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>القاعدة السادسة </span>(١١٢)\nفي تقوير معنْى اللفظ المنقول، فنقول:\nاللفظ إما أنْ يَدُلّ على مَا وُضِعَ له أولًا أو لا، فإن دَلَّ فَذَلِكَ المسمَّى بالحقيقةِ، وان دل على غيْر ما وضع له، فإما ان تكون دلالته على ذلك أقْوى وأظهر من دلالته على ما وُضِعَ له أولًا، أوْ لا، فإن كان الأول فذلك المنقول، سواء كان الناقلُ شرْعا او عُرْفًا عامًّا، او عُرْفا خاصا. ومِنْ أجْلِ أن دلالة اللفظ أقوى، لم يُحْتَجْ في دلالته عليه إلى قرينَةٍ، بَلْ يَسْبِق ذلك المعنى للفهم وبمُجَرد الاطلاق. وإن كان الثاني، فذلك المَجَازُ، ولأجل ضَعْفه في الدلالة عليه لم ينصرف عن حقيقتهِ إلَّا بقرينةٍ، بأي وجه كان ذلك المَجاز، فإن أسباب المجاز كثيرة.\n_________\n(١١٢) هي موضوع الفرق المائة والثالث والثلاثين (١٣٣) من كتاب الفروق للشيخ القرافي، بين قاعدة النقل العرفي وبين قاعدة الاستعمال المتكرر في العرف جـ ٣. ص ٨٥.","vol":"1","page":101},{"text":"فاذا تقرر هذا، فظاهِرٌ، الفرق بين المجاز والنقل، يَبْقَى لنا إذا كثر استعمال مَجَازِ مَّا، كوقوع لفظ الأسد على الشجاع، ولفظ الغزال على المرأة الجميلة، ولفظ الشمس والبدْر، هل يقال: هذا التكرر يُصَيِّر ذلك المتكرِرَ منقولا وَيُخْرجُه عن تسميته مجازا أم لا يلزم من التكرر ذلك، وليقى مجازًا يفتقر في فهمه إلى قرينةٍ، والمنقولُ لا يفتقر أصلا.\nقال شهاب الدين ﵀: تكراره لا يُصَيره منقولا، بدليلِ أنه لا يُحمَلُ على معناه المذكورِ إلا بقرينة، والمنقولُ قد قلنا: إنه لا يحتاج إلى قرينة.\nولما ذكر هذا قال: وظهر بهذا الفرقِ بطلانُ ما وقعَ في مذهبنا وفي المدونة، أن من حلف لا يفعل شيئًا حِينًا أو زَمَنًا، أو دَهرًا، فذلك كلُّه سَنَةٌ.\nوقال أبو حنيفة وابن حنبل: ذلك ستَّةُ اشهر، لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (١١٣)، اى في ستة أشهر، وينتقض هذا بالنخلة فإنها من ابتداء حملها إلى نهايته تسعةُ أشهر، وهذا أحَدُ الوجوه التى أشْبهت بها بناتِ آدم، وذكروا انها أشبَهَتْها من اربعة عشر وجها. وقال ابن عباس ضي الله عنه: سنة، واستدل بقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ من حيث إنها إذا أكلت في وقتٍ لا تُوكَلُ نحد ذلك الا في ذلك الوقت. وقال الشافعي: يحمل على العرف.\nواستصوَبَ شهاب الدين القرافي - ﵀ - مذهبه، وقال: هُوَ الحق، وما عداهُ ليْسَ بحقٍ من حيث إن المسألة وقعتْ في لفظٍ لا نيَّةَ مع صاحبه، فهذا اللفظ، إن كان منقولًا، عُرْفًا، حُمِلَ عليهِ كما قال الشافعي، فإنه لا يحتاج إلى قرينة، وإن لم يكن كذلك فلا ييقى شئ مِمَّاْ ذكروه إلا بالقربنة، ولا يَلزَمُ من وجود القرينة في موضع، أن يكون إذا حُمل علَيه لأخلِها، أن يُحمل على ذلك لمعنى آخر. وكثرة الاستعمال عليه لا تُسْقِط عنه القرينةَ وترُدُّهُ منقولا، وبالله سبحانه التوفيق. (١١٤)\n_________\n(١١٣) سورة ابراهيم: الآية ٢٥.\n(١١٤) لم يعلق الشيخ ابن الشاط ﵀ على كلام القرافي في هذه المسألة والقاعدة بشيء، مما يدل على أن ما قاله القرافي ونقله البقوري فيها صحيح لا غبار عليه.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>القاعدة السابعة </span>(١١٥)\nنقرر فيها - أوَّلًا - الاستثناء، ثم نقرر الفرق بين الشرطِ والاستثناء بعْدَ بيان ما اشتركا فيه، فنقول:\nالاستثناء: إخْراجُ بعض ما دخل تحت اللفظ الأوّل بإلَّا أو ما يقوم مقامها، كقولك: جاء الناس إلا عَمْرًا، وقد تقدم الشرط وبيانه.\nثم انهما يشتركان في أن كل واحد منهما فَضْلةٌ في الكلام، ويتم الكلام دونهما، ومِن حيثُ هذا الاشتراك المذكور تعيّن أن نذكر فُروقًا بينهما، لئلَّا يُعْتَقَدَ التساوى، فنقول:\nإن الشرط لا يجوز تأخير النطقِ به في الزمان، وإنهُ يجوزُ أن يَعُمَّ جميعَ المنطوق به، وإنَّه يجوز أن يدخل في كلام يَبطُلُ جميعُه. والاستثناءُ لا يجوز فيه موإفقته للشرط في واحد من هذه الثلاثةِ، فلا يَاتِي رافعًا لجميعِ ما تقدمَ، بل شَرطُهُ أن لا يستغرق. (١١٦)\nوأنت - في الشرط - إذا قلتَ: أنتِ طالق ان دخلت الدار قد لا تدخل الدار، فيبطل ذلك الحكم بالإجماع.\n_________\n(١١٥) هي موضوع الفرق الخامس، من كتاب الفروق، بين قاعدتي الشرط والاستثناء في الشريعة ولسان العرب. جـ ١، ص ١٠٨.\nوقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في أول هذا الفرق بقوله: إنما نظر عدم النطق بالاستثناء عدم النطق بالشرط، ولا شك أنه إذا لم ينطق بالاستثناء فات مقصد، وإذا لم ينطق بالشرط فات مقصد. وقوله إنهما اشتركا في أن كل واحد منهما فضلة، لا حجة فيه، وليس كون كل واحد منهما فضلة يُوجبُ الاستغناء عنه، وما قاله من أن الشرط اللغوى سبب، والسبب لابد أن يكون مناسِبًا، وماَ هو كذلك فشأنه تعجيلُ النطق به، يقال له: وكذلك الاستثناء، فيلزم أن يكون شأنه التعجيل به، وبالجملة، فكلامه في هذا الفرق ليس بالجيد، والله أَعلم. اهـ كلام ابن الشاط.\n(١١٦) في نسخة ح: الاستغراق بالإثبات، وهي تبدو خطأ، والصواب ما في النسخة الاخرى نسخة خ. ع، وهو ما يتوافق وينسجم مع مثال الشرط ومثال الاستثناء، ومع سياق العبارة الاخيرة قبله من الفقرة، بأن شرطهُ (أيْ الاستِثناء) عدم الاستغراق.","vol":"1","page":103},{"text":"ولو قلت: عندى عشرة إلا عشرة لم يَجُز، وكذلك الاستثناء لا يعمُّ جُمَلًا سبَقته، ولكنه على قول، والشرط يكِرُّ (١١٧) على الجميع، وهذا، كما لو قلتَ: أكْرم العلماءَ، وأهِنْ الفُسَّاق، إلا بَنِي فلان، فإنه يُحْمَل على الفُسَّاق، ولو قلتَ: أكْرِم العلماء، وأهِن الفساقَ إن جاءوكَ لَحُمِل على الجميع.\nوأما تأخُر الاستثناء في الزمان فإنه يجوز، بخلاف الشرط. وإنما كان ذلك: أمَّا تعجيل الشرط وعدَمُ تأخيره فمن حيث إنها اسباب كما تقدم بيانُه في الشروط اللغوية، والسبب متضمن لقصد المتكلم وهو المصلحة التي لأجْلِها نصَبَهُ شرطا وجَعَل عدمه مؤثرًا في العَدم، والاستثناءُ إذا لم يعجل به لم يفُتْ مقْصِد، بل حصَلَ.\nوأمّا إبطال الكلام كُلّه بالشرط، وعَدَمُ جواز ذلك مع الاستثناء، فلأنه - إن فعَله في الاستثناء عُدّ كلامُه هَدرًا، وليس كذلك في الشرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>القاعدة الثامنة </span>(١١٨):\nنقرر فيها الفرق بين توقف الْحُكْم على سببه، وبين توقفه على شرطه.\nوقد تقدم السبب ما هو، والشرط، ما هو، وأقسام الشرط، فنقُولُ:\nيُعْلَم السببُ ويتميز عَنْ الشرط بالحد، وقد سبق حَدُّ كلِّ واحد منهما، إلا أنا قلنا: الشرط، منه لغوي، ومنه غيْر لُغَوي، وقلْنا في اللغوي: إنه كالسبب في توقف الحكم عليه وجُودًا وَعَدَمًا، فلأِجْل هذا وضعْنَا هذِهِ القاعدة لِنُميِّزَ بين هذين وبينَ السبب والشرطِ الشرعى، فنقُولُ:\n_________\n(١١٧) في نسخة ح. يكون، وفي الأولى ع يكر، وهو من كَرّ الفارسُ على قِرنه وعلى خصمه، يَكِرُّ عليه إذا رجَعَ عليه وانقض عليه في المعركة، ومنه قول شاعر العصر الجاهلي امرئ القيس في معلقته يصف فرسه بمحاسن الصفات:\n\"مِكَرٍّ مِفرٍّ، مُقْبِل مُدْبِرٍ معا ... كَجلمود صَخْرٍ، حَطَّهُ السيلُ مِنْ عَلِ\nوبذلك تلتقى الكلمتان أو تتقاربان على معنى واحد بمعنى يعودُ ويرجع.\n(١١٨) هى موضوع الفرق السادس من كتاب الفروق بين قاعدتي توقف الحكم على سببه وتوقفه على شرطه، جـ ١ ص ١٠٩ وقد علق عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله القرافي في هذا الفرق السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر صحيح واضح، والله اعلم. ﵏ جميعا.","vol":"1","page":104},{"text":"أمّا اللغُوي فظاهر الفرق من حيث اللفظ يمتاز به عَنْ السبب وإن شارك السبب في المعنى.\nوأمَّا الشرط الشرعي كالحولِ في الزكاة يمتاز عن النصاب الذي هو سبب الزكاة، فإن السبب ما كان مناسبًا في ذاته، والشرطُ ما كان مناسبًا في غيره، وهذا كالنصاب فإنه مشتمل على الغِني ونِعمة المِلْك في نفْسه، والحوُل ليس كذلك، يل كان لنعمة المِلك بالتمكُّنِ من التنمِيَّة في جميع الحول. (١١٩).\nولهذا نقول: القِصَاصُ مُعَلَّل بالقتلِ الْعمْدِ العُدْوان، وليس واحد منها بشرطٍ، لأن الجميع مناسبٌ في ذاته.\nتلت: ويُشكِل الفرق بين الأسباب المستقلة وأجزاء الاسباب، فنَقول:\nالفرق بينهما أن يُنظَر إلى الأوصاف المرتّب عليها الحُكمُ، فإن وجدناها في الشريعة لا يتَرتب عليها إلا مجتمعةً فهي أجزاءُ سببٍ، ومجموعُها هو السبب، كالقتل العَمْد العدوان، وإنْ وجدْناها تجتمعُ ثم قد تنفرد وتستقلُّ في التعليل\n_________\n(١١٩) عبارة القرافي هنا ﵀ كما فى:\n\" .... ولقد قلتم إن النصاب سبب والحول شرط، ولِمَ لا عكستم أو سويتم؟\nفالجواب أن الفرق بينهما يُحْلَمُ بأنَّ الشرط مناسب في غيره، والسبب مناسب في ذاته، فإنَّ النصاب مشتمل على الغني ونعمة الملك في نفسه، والحول ليس كذلك بل مكمل لنعمة الملك بالتمكن من التنمية في جميع الحول.\nونبسط ذلك بقاعدة وهي: أن الشرع إذا رتب الحكم عقب أوصاف، فإن كانت كلها مناسبة في ذاتها قلنا: الجميع علة، ولا نجعَلُ بعضها شرطا، كورود القصاص مع القتل العمد العدوان، المجموع علة وسبب، لأن الجميع مناسبٌ في ذاته، وإن كان البعض مناسبا في ذاته دون البعض قلنا: المناسب في ذاته هو السببُ، والمناسبُ في غَيره هو الشرط؛ تقدم مثاله، فهذا ضابط الشرط والسبب والفرق بينهما وتحريره.\nفهذا الكلام هنا عند الامام القرافي ﵀ جاء واضحا جليا وكاشفا عن الفرق بين الشرط والسبب، فلذلك نقلته بتمامه، حتى يزداد كلام البقوري عنه وضوحًا وفهما.\nكما أن الامام الأصولى المجهد النظار ابا اسحاق الشاطبي ﵀ تكلم عن السبب والشرط والمانع واقسامها في الجزء الأول من كتابه الشهير القيم: الموافقات في اصول الأحكام اثناء كلامه على خطاب الوضع، فاجاد وتوسع وافاض بما لا مزيد عنه من الوضوح والبيان.","vol":"1","page":105},{"text":"كالبَول، والغائط، والريح في ايجاب الوضوء فهي عِللٌ مستقِلَةٌ، والله اعلم. وهذه قاعدة أدرجتها مع التى قبلها (١٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>القاعدة التاسعة:\nفيما به يفترق جزء العلة عن الشرط وفيما به يشتركان</span>. (١٢١)\nقد قدَّمْنا أن جُزْءا لعلة مناسب، والشرط ليسَ مناسبا، وأنهُما اشتركا في أن عدم كل واحد منهما يوجب عدم المسبَّب وعدَمَ المشروط، ولا يُعتبرانِ من حيث الوجودُ، فبمجموع هذيْن القياسَيْنِ تمتْ لك هذه القاعدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>القاعدة العاشرة:\nفي بيان المانع </span>(١٢٢)\nقد قدمنا بيان الشرط وقدمنا المانعَ أيضا ما هُوَ على الجملة؟ ولكنا نريد في هذه القاعدة أن نزيد المانِعَ بيانًا من حيث التفصيلُ ليتميز الفرق بين الشرط والمانع بَيَانًا شافيا، فنقول:\n_________\n(١٢٠) هي موضوع الفرق السابع بين قاعدتي أجزاء العلة والعلل مجتمعة. جـ ١. ص و١٠٩ - ١١٠.\n(١٢١) هي موضوع الفرق الثامن بين قاعدتي جزء العلة والشرط. حيث قال فيه القرافي ﵀: فإن كل واحد منهما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه، فتلتبس قاعدة جزء العلة بقاعدة الشوط.\nوالفرق بينهما أن الشرط مناسبته في غيره كما تقدم تقريره في الحول في الزكاة، وجُزْء العلة مناسبتُهُ في نفسه كجزء النصاب مشتمل على جزء الننى في ذاته، وكأحد أوصاف القتل العمد العدوان مشتمل على مناسبة المقولة في ذاته، فبهذا يعرف كل واحد منهما فيقضى عليه بأنه جزء علة او شرط.\nأقول: وتعتبر هذه الفروق الأربعة، بدءا من السادس إلى التاسع بإدخال الغاية من أقصر الفروق عند الامام القرافي، وأقصرُها هو هذا الفرق الثامن حيث لا يتجاوز ما ذكرته ونقلته فيه. جـ ١، ص ١١٠.\n(١٢٢) هي موضوع الفرق التاسع بين قاعدتي الشرط والمانع، قال القرافي في أوله: إن الشرط لابد من تقدمه قبل الحكم، وعدمه يوجب العدم في جميع الاحوال التي هو فيها شرط، وأما المانع فهو قد وقع في الشريعة على ثلاثة أقسام. جـ ١. ص ١١٠.","vol":"1","page":106},{"text":"المانعُ وقعَ في الشريعة على ثلاثةِ أقْسَام:\nما يَمنع ابتداء الحكم وانتهاءه كالرضاع في النكاح، فإنه لو تزوج صغيرة في المهد فأرضعتها أمُّه حَرُمَت عليه، وقدْ كان الابتِداء حلالًا.\nالثاني: ما يمنع ابتداءه دون انتهائه كالاستبراء، فإنه يَمنعُ ابتداء العَقْد على المستبرأة، فلو أن زوجة أُكْرِهتْ على الزنى لوجَبَ لزوجها أن يستبرئها، ولا يَبْطُل نكاحُه.\nالثالث: مختلف فيه، هل يُلْحق بالأول أو الثاني وله صُوَرٌ.\nالصورة الأولى: وُجدَ أنَّ الماءَ يَمنع من التيمم ابتداء، فإن طرأ على التيمم، فهل يُبطلُهُ أو لا (١٢٣)؟ خلاف.\nصورة أخرى: الطَّوْل (١٢٤) يَمْنع من نكاح الأمةِ ابتداء، فإن طرأ الطَّوْلُ بعد نكاح الأمَة، فهل يمنع؟ فيه خلاف.\nصورة أخرى: وضْعُ اليد على الصَّيْد يَمنع منه الإحرامُ ابتداءً، فإن تقدم وضعُ اليد على الصيد على الإحرام فهل يمنع استمرار اليد أو لا؟ فيه خِلاف.\n\nالقاعدة الحادية عشرة (١٢٥):\nفي تقرير الإشكال الوارد على من قال: عدم المانع شرط، وحد ذلك.\nإعلمْ أن وجود الشرط لما كان معتبرًا في ترتب الحكم، وعدَمُ المانع كذلك، مع أن كل واحدٍ منهما لا يَلزم منه الحكم، فقد يوجَد الشرط كالطهارة ولا يوجد المشروط وهُوَ الصلاة، وكذلك قد يُعْدَمُ المانعُ وهو الحيض ولا توجد\n_________\n(١٢٣) في نسخة ح: يَبْطلُ (أي التيممُ) من الفعل الثلاثي بطل\n(١٢٤) الطَّول: بفتح الطاء: الصَّداق للمرأة في عقد الزواج.\nومنه الآيةُ الكريمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٥].\n(١٢٥) هي موضوع الفرق العاشر بين قاعدتي الشرط وعَدَم المانع. جـ ١. ص ١١١","vol":"1","page":107},{"text":"الصلاة، أشكلَ ذلك على بعض الفقهاء، فقالوا: عدم المانع شرط، وليس كذلك، لأن القول بهذا يلزم منه محالٌ، ومَا لزم منه محال فهو محال.\nوبيان هذا المحالِ بتقرير قاعدةٍ، وهي:\nأن كل مشكوك فيه يُلغى في الشريعة ولابدَّ، فإذا شكَكْنا في السبَب لم نرتّبْ الحكم، وإذا شكَكْنا في الشرط كذلك لم نرتب الحكم، واذا شكَكْنا في المانِع رتبنا الحكم.\nفالسببُ كالطلاق نشك فيه، فالعصمةُ باقية. والشرطُ كالطهارة شككنا فيها، لا نُقْدِمُ على الصلاة. والمانعُ شكَكْنا أن زيدًا مات موحِّدًا أم لا (١٢٦)، فنقضى بصحة الارث ولا نلْتَفِتُ لِلمانع (١٢٧).\nفإن قيل: كيف تكون هذه القاعدة مُقَرَّرَة هكذا على مذهب مالك وهو يقول: من شك في الحدث بعد تقرر الطهارة يجب عليه الوضوءُ، فهذا القول منه، بناء على أنه لم يجعَل المشكوك فيه كالمحقَّق العَدَمِ (١٢٨).\nنعَمْ، الشافعي الذي قال: لا شئ عليه كانتْ القاعدة عنده مقررة.\nقلْنَا: القاعدة مُجمَع عليها، والخلاف هنا من حيث الإِجماعُ على اعتبارها.\nوبيان ذلك أن الاجماع منْعَقِدٌ على شَغْل الذمة بالصلاة، والبرآة للذمة من الواجب تتوقف على سبب مُبْرئ إجماعا. والقاعدة أن الشك في الشرط يوجب\n_________\n(١٢٦) في نسخة ح مات مرتدا أم لا، وكذلك في نسخة اخرى، وهو ما عند القرافي حيث قال: وأما المانع فكما إذا شككنا في أن زيدا قبل وفاته ارتد أم لا، فإننا نورث منه، استصحابا للاصل، لأن الكفر مانع من الارث وقد شككنا فيه، فنورث، فهذه قاعدة مجمع عليها وهي أن كل مشكوك فيه يجعل كالعدم الذى يُجْزَمُ بعدمِهِ.\n(١٢٧) كذا في هذه النسخة ع، وفي نسخة اخرى، وفي نسخة ح: ولا نثبت المانع، وكلاهما صحيح وسليم من حيث اللفظ والمعنى.\n(١٢٨) كذا في جميع النسخ الثلاث، ولعلها بمعنى العدم المحقق، أىْ بناءً على انه لم يجعل المشكوك فيه كالعدم المحقق، فتكون الاضافة لفظية، يحوز اقتران المضاف فيها فألْ، على عكس الإضافة المعنوية لا يجوز فيها ذلك، كما هو معلوم.","vol":"1","page":108},{"text":"الشك في المشروط ضرورة. والشك في الطهارة يُوجِب الشك في الصلاة الواقعةِ سبَبًا مُبْرئا، فإن اعتبرنا هذه الصلاة سببا مُبْرِئًا فقد اعتبرنا المشكوك فيه ولم نصَيّره كالمُحَقَّق العدَم، وان اعتبرنا الحدَث المشكوك فيه كما قال مالك فنحن - ايضا - لم نُصَير المشكوك فيه كالعَدَم المحقق، (١٢٩) فلابُدَّ من مخالفة هذه القاعدة في هذا الفرع، ويترجَّحُ ما قاله مالك، من حيث إن الطهارة من باب الوسائل، والصلاة من باب المقاصد، والغاء الوسائل أولَى من الغاء المقاصد، فيقع زيادة اعتناء بالمقاصد.\nفاذا تقررتْ هذه القاعدة، فنقول:\nلو كان عدمُ المانع شرطا لاجتمعَ النقيضان فيما إذا شككنا في طريان المانع.\nبيانه أن القاعدة، أن الشك في أحد النَّقِيضَيْن يوجب الشك في النقيض الآخر بالضرورة. فمن شك في وجود زيْدٍ في الدار فقد شك في عدمه في الدار ضرورة. فإذا شككنا في وجود المانع فقد شككنا في عدمه بالضرورة، وعدمه شرط عند هذا القائل، فنكون قد شكَكْنا في الشرط أيضا، واذا اجتمع الشك في الشرط والمانع اقتضى شكُّنا في الشرط الذي هو عدم المانع أن لا نرتب الحكم، واقتضى شكُّنا في المانع أن نرتب الحكم، بناء على ما تقدم، فنرتب الحكم ولا نرتيه، وذلك جمعٌ بين النقِيضيْنِ. وإنما جاء هذا المحالُ من اعتقادنا أن عدم المانع شرط، فَيَجبُ أن نعتقد (١٣٠) أنه ليس بشرط، واذا كان ليس بشرطٍ، ظَهَرَ الفرق، وهو المقصَود من القاعدة.\nقلتُ: ذَكَر شهاب الدين فرقا وَهو: الفرق السَّابع والتِّسْعونَ (٩٧) بين قاعدة الشك في طَرَيَان الأحداث بعد الطهارة وبيْن قاعدة الشك في طريانِ غيره\n_________\n(١٢٩) يلاحظ في التشبيه في هذه العبارة أنه قيل فيها كالعدم المحقق، وفيما قبلها كالمحقق العدم، وهي ما عند القرافي في العبارتين، فلعلَّه تعبير مقصود أن يوصف الشئ بكونه مُتَحقِق، او محقق العدم بفتح الفاف على سبيل الاضافة بالعدم، فيكون معدوما، والاضافة لفظية كما قلتُ.\n(١٣٠) في نسخة ح: يجبُ أن يُعتقَد (بياء الفعل المضارع المبني للمجهول).","vol":"1","page":109},{"text":"من الاسباب، وجُلَّ ما في هذه الفرق بهذا التقربر (١٣١) الذي قررته في هذه القاعدة. ونزيد عليه هنا، أن نقول:\nفإذا كان الشك مُلْغَى ولابد، فظاهِرٌ أنه إذا شك في الطهارة بعد الحدَث ففيهِ إلغاء المشكوك فيه، وأما إن شك هل طلق ثلاثا أو لَا، فوجُوبُ الثلاث عليهِ، لِأن الرجعة، شرْطُها العِصمة، ونحن نشك في بقائِها، فالشك - ايضا - مُلْغىً، ومن شكَ هل طلق أو لا فلا شيء عليه، لأن الشكّ ملغىً.\nوأمّا إذا شك في عَيْنِ اليمين فيَلزمه الجميع، لأنَّا نَشك إذا اقتصر على بعضها في السبب المبرئ، فلعله غيرُما وقع، فيجب استيعابها حتى يُعْلَمَ السبب المبْرئ كما قلنا في الصلاة إذا شك في طرَيان الحدَث، واذا شك هل سَهَا أو لا، فلا شيء عليه، لأن الشك مُلْغىً، وان شك هل صلى ثلاثا أم لا سجد، لأن الشمك نَصَبَه الشارع سببًا للسجود. وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>القاعدة الثانية عَشْرَة </span>(١٣٢)\nفي الفرق بين توالى اجزاء المشروطات مع الشرط، وبين توالي المسَّببَات مع الاسباب.\n_________\n(١٣١) في نسخة ح: دخل في هذا الفرق هذا التقرير الذى قررته في هذه القاعدة، وفي نسخة ثالثة: هو التقرير الذي قررتُهُ في هذه القاعدة.\nوعنوان هذا الفرق ونصُّه بتمامه عند القرافي هو كما يلي:\n(الفرق السابع والتِسعون بين قاعدة الشك في طَريان الأحداث بعد الطهارة يُعتَبَر عند مالك رحمه الله تعالى، وبين قاعدة الشك في طربان غيره من الاسباب والروافع للاسباب لا تُعتَبَر، ثم قال القرافي ﵀:\nإعلمْ أنه وقع في مذهب مالك ﵀ فتاوى، ظاهرها التناقض، وفي التحقيق لا تناقض. ثم أخَذَ يذكر الامثلة التي أوردها البقورى هنا في هذا الفرق.\n(١٣٢) هي موضوع الفرق الحادى عشر بين قاعدتي تَوالي أجزاء المشروط مع الشرط، وبين تَوالِي المسبِّباتِ مع الاسباب .. جـ ١ ص ١١٢.\nوقد علق ابن الشاط على كلام القرافي في اول هذا الفرق فقال:\nجميع ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، غير قوله: \"واذا قال لها (اي لزوجه) انت طالق ثلاثا وانت عليَّ كظهر امي لم يلزمه الظهار، لأنه قد تقدَّمه تحريمها بالطلاق، فهو صادق في لفظ التحريم بالظهار فلا تلزمه كفارة لأن الكفارة انما وجبت لكذبه كما تقدَّم اول الكتاب في الفرق بين الخبر والانشاء\" قال ابْنُ الشاط، فإنهُ (اى قول القرافي هذا) مبني على ما سبق له من أن الظِهار خبَرٌ، وقد تقدم انه فيه نظَرٌ.","vol":"1","page":110},{"text":"المقصود منها تقرير الفَرق بين تَوَالي أجزاء المشروطات مع الشرط وبيْن توالي المسببات مع الأسباب.\nفالمسببات تتعدَّدُ لتعدُّدِ الأسباب، وتختلف بالتقديم والتأخير، والمشروطات مع الشرط لا ترتيب فيها، وإنما نَظِيرُ المشروطات بشرط واحدِ، المسبِّباتُ لِسبب واحدٍ.\nومثال ذلك أن تقول: إن دخلتِ الدار، فأنتِ طالق، وأنتِ عليّ كظهر أمي لَزَمه الطلاق، وإذا رَدّها لزِمته كفارة الظِهار، إذْ لا ترتيبَ بين أجْزاءِ المشروط إذا تَعَلَّقَ جميعُ ذلك على شرط واحد.\nوإذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا، وأنتِ علي كظهر أمي، لزمَه الطلاق وَلم يَلزَمه الظِهار، لأنهُ لمّا قال: أنتِ طالق ثلاثا، كان ذلك سببا للتحريم، فاستقلَّ ذلك بالتحريم، ولمّا قال: وأنتِ عليّ كظهر أمي جاء سببا للظهار بعْده، لم يلزمه فيهِ كفارةٌ، لأنه صادق حينئذٍ لا كاذب، من حيثُ إنها محرَّمة.\nقلت: وبِبيَان هذِهِ القاعدة يَتَبَيَّنُ الفرق بيْنَ ما إذا قال لِامراته: أنت طالق ثلاثا، وأنت عَلَيَّ كظهر أمي، أنه لا ظهار عليه، وبيْنَ ما إذا قال: أنت عَلَيّ كظهر أمي، وأنت طالقٌ ثلاثا، أنه يلزمه الظهار، فإن المسبب يَتَرتَّبُ عنْ سببه، فهُوَ لمّا قال أولًا، أنتِ طالقٌ ثلاثا لم يصادِفِ الظهارُ محلا، فإذا قال في المسألة الأخرى: أنتِ علي كظهر أمي صادفَ الظهار محَلا، فَلَزِمَ، وجاء الطلاقُ بعدَه أيضا فَلزمَ، واللهُ أعْلَمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>القاعدة الثالثة عشرة </span>(١٣٣)\nنقرر فيها الفرق بين الترتيب بالأدوات اللفظية، وبين الترتيب بالحقيقة الزمانية فنقولُ أولًا.\n_________\n(١٣٣) هي موضوع الفرق الثاني عشر من الفروق بين قاعدتي الترتيب بالأدوات اللفظية والترتيب بالحقيقة الزمانية. جـ ١ ص ١١٣.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق بقَوله: ما قاله في هذا الفرق صحيح، غَيْرَ أنه ذكر في مثل قاعدة ما لَا يستقل بنفسه من الكلام ان له عَشرَةَ مُثُل، فذكرها، لكنه زادَ عند تعدادِها التمييز والبدل، ولم يذكر مثاليْهما.","vol":"1","page":111},{"text":"الترتيبُ في الزمان مُدْرَكٌ بالعقل لا بالوضع، والترتيبُ بالأدوات أمْرٌ وضعي.\nوبيان ذلك أن أَجْزاءَ الزمان سَيَّالة، مترتبة بذاتها عَقْلا، مستَحيلة الاجتماع. واذا كانت كذلك فالأقوالُ الموجُودةُ فيها كذلك، والافعال الموجودة فيها كذلكَ مترتية ضرورَةً بِتَرْتيبِ زمانها الذي وقعت فيه، وذلك الترتيبُ المذكور ليس بالوضع، وإنما هو أمرٌ عقلي.\nوأما الترتيب بالأدواتِ اللفظية فَهُوَ بإلفاءِ وثُمَّ، وحتّضى، والسِّين، وسوف، ولَا، ولن، ولمْ، وما، وليس، ونحْوِها، وذلك نحوُ قام زيد فعَمْرُو، وقام زيد ثمّ عمْرٌو، وقام القومُ حتى عمرٌو.\nقال شهاب الدين ﵀: وذلك في حتى من حيث إنها غاية، فإذا قلت: سِرْتُ حتى مطلِع الفجر اقتضى أن آخِر سَيْرك طلوعُ الفجر، وأنّ هذا الأخير من السير كان مسبوقا بسير قبله، وَلماَ كان هذا هكذا فكذلك إذا قلت: قام القوم حتى عَمرٌو.\nقلت: وهذا الذي قاله شهاب الدين -﵀-، خلاف ما عند النحوبين. فهي - عند النحوبين - معنَاها كَمَعْنى الوَاوِ، إلا أنها تزيد علها أن ما بعدها لا يكون الَّا جُزْءًا مِمَّا قبلها، وهو ظاهر في قولك: قام الناسُ حتى الأمِيرُ، أنها غير دالة على تَاخير قيام الأمير. وما في مثال السَّيْرِ لم يكن ذلك التاخيرُ من حيث حتى، ولكن مِن حيث إن أجزاء الزمان مترتبة، بخلاف القوم لا تَرْتيبَ فيهمِ من حيث العقل ولا من حيث الوضع، وحَتَّى جعَلَتْ عَمْرًا من حيث قيامُهُ غايَةً، بمعنى اشتدَّ القيامُ في حقهم وتأكَّدَ حتى إن من تأكيده علهم أن الكبيرَ فيهم - وهو الأمير - قَامَ، واللهُ أعْلَمُ.\nقال شهاب الدين -﵀-:\nواذا قلت: سيقوم زيد، وسوف يقوم عَمْرٌو، فالترتيب هنا من حيث إن التنفيس بسوف أقوى منه بالسين.","vol":"1","page":112},{"text":"قلت: وفي هذا - أيضا - نظر، فَيمْكِنُ أن يقال بصحتِهِ، ويكونَ نوعًا مما ذكره ابو القاسم جار الله الزمخشى ﵀ عن عربي سأله عن اسم شقذف، ثم سأله عن اسم أكبر منه فقال له: الشقنذاف. قال: فَعَلِمتُ أن العَرَب اسْتَحْكَمَ في لسانها أن المعْنى الذي هو أبلَغُ تَضَعُ له لفظًا بِنِسْبتِه، وقال هذا في الرّحمانِ الرحيم (١٣٤)، والله أعلم.\nقال شهاب الدين - ﵀:\nواذا قلت: لم يقمْ زيد، ولا يقومُ عَمْرو، وَمَا يقوم بَكْر، أحَدُها عدمُ قيامه فيما مضى، والثالث في الحال، والثاني في الاستقبال (١٣٥)، وما كان في الوضع (١٣٦)\n_________\n(١٣٤) جاء في الجزء الاول من تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للامام الشهير محمود بن عمر الرمخشى المتوفى سنة ٥٢٨ هجرية ﵀ عند تفسير كلمتي الرحمان الرحيم من البسملة ما نصه: \"ومما طَنَّ على أذني من مُلَح العَرب أنهُم يُسَمُّون مركَبًا من مراكبهم بالشقذف، وهُوَ مَركبٌ خفيفٌ ليس في ثقْل مَحامِلِ العراق، فقلت في طريق الطائف لرجل منهم: ما اسْمُ هذا المحْمل؟ أردتُ المَحْمِل العراقي، فقال: ألَيسَ ذلك اسمه الشقذف؟ قلت: بَلى، فقال: هذا اسمه الشقنذاف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى.\nأقول: وقد ورد ذكر هذه الكلمة في المنظومة الفقهية المسماة بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين لناظمها للمبتدئين في معرفة أحكام، الطهارة واركان الاسلام وأسس ومبادئ التصوف. فقيه عصره، وعلامة دهره عبد الواحد بن احمد بن عاشر الاندلسى الفاسى المتوفي سنة ١٠٤٠ هـ، وذلك اثناء كلامه على ما يجوز الاستظلال به للحاج حالة الإِحْرام بالحج، فقال ﵀.\nوجاز الاستظلال بالمرتفع ... لا في المحاصل وشقذف فع\nاى يجوز للحاج الاستظلال بما هو ثابت كالبناء والشجر والخباء، لا ما هو غيرُ ثابت كالمحمل، فلا يجوز الاستظلال فيه.\n(١٣٥) عبارة القرافي هنا: \"واذا قلت لم يقم زيد، ولا يقوم، عمرو، ولن يقوم كان عدم قيام زيد في الماضي، وعدمُ قيام عمرو في المستقبل، وقد ترتب العدمان بسبب أن لن ولا موضوعان لنفي المستقبل، ولم ولا موضوعان لنفي الماضى، وما وليس موضوعان لنفى الحال.\nوبذلك تظهر سلامة العبارة. والمعنى عند البقوري مِنْ هذه الامثلة.\n(١٣٦) في نسخة: ح: بالوضع، بالباء، وهي تبدو أوضح في المعنى، وأنسب مع ما بعدها.","vol":"1","page":113},{"text":"قد يتبدل بحسب اللغات، ومَا كانَ بالعقل لا يتَبَدل، وقال: إذا تبيَّن هذا فأنا أذكر هنا ثلاث مسائل (من حيث هاتين القاعدتين) (١٣٧).\nالمسألة الأولى:\nقال مالك -﵀-: إذا قال لغير الدخول بها: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنت طالق، لزمه الطلاق الثلاث.\nوقال الشافعى: لا يَلْزَمُه إلا طلقة واحدة، وهو الحقُّ. واتفقا على أنه - إذا قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ، فأنت طالقِ، ثم أنت طالق، لا يلزمُهُ إلا واحدة. وقالَ أيضا: وفي العطفِ بالواو اشكال فتوقَّف، ولم يتوقف الشافعى (١٣٨) وهو الحق، وهذا بين من حيث إن الترتيب الزماني حاصل وان لم يكن الترتيب الوضعى، فلا فرق بين وجوده وعدمه، إذ لمَّا قال: أنتِ طالق، فأنت طالق، فما جاء قوله: انت طالق الثاني، الا بعد بَيْنُونَتِها، فلا يَلْحَقُه طلاق آخر، كما إذا كان (١٣٩) بأداة الترتيب.\nوقول الأصحاب في الجواب عن هذا: إنه طلَّق بالأول ثلاثا، ثم فسَّرَهَ بعد ذلك، لا يصح، لأن الكلام ما وقع إلا فيما كان لَا نية فيه، فَلَوْ نَوى لا نعقَد\n_________\n(١٣٧) ما بين قوسين، ناقص في نسخة ح.\nوبالنسبة للفصيح في اللغة فإن حيث تضاف دائما أو غالبا إلى الجملة: الفعلية او الاسمية، وذلك ما يقتضى أن يقال في العبارة: من حيث هاتان القاعدتان، لقول ابن مالك في الفيتهِ.\n\"وألزموا إضافة إلى الجُمَل، حيثُ ... وإذ، وإن يُنَوَّن يُحتمل.\nوورد في كلام العرب إضافة حيث إلى المفرد كما في قول القائل،\n\"أمَا تَرَى حيثُ سهيل طالعا ... نجْمًا يضئ كالشهابِ لامعًا\nولذلك تكون إن بعدها كسورة، لقوله ايضا في مواضع كسر همزة إن:\n\"واكْسِرْ في الابتداء وفي بدْء صلة ... وحيثُ إن لِيَمِين مُكملةٌ.\nواكسِرْ في الابتداء وفي بَدْء صِلَة ... وحيْثُ إن ليمين مُكْمِلَةٌ\nأو حُكيتْ بالقول أوْ حَلَّتْ مَحَلَّ ... حَالٍ كَزُرْتُهُ وإتى ذُو وأمَلٍ\nوالجملة بعد إن هى في محل جر مضاف اليه.\n(١٣٨) اى لم يتوقف الشافعى في اعتبار تكرار النطق بالطلاق بعطف النسق بالواو. طلقة واحدة.\n(١٣٩) في ح: كما إذا قال (اى كما إذا نطق في العبارات بأداة الترتيب) فيتقارب اللفظان على معنى واحد.","vol":"1","page":114},{"text":"الاتفاق بين الإمامين على لزوم ما نواه. وقولُ بعضهم هو محمول على قوله أنت طالق ثلاثًا، باطِل أيضا، لفرق عظيم مأخوذ من قاعدة كلية، وهو أن كل لفظ لا يستقل بنفسه - اذالَحِقَ لفظًا مستقِلا بنفسه - صيَّر المستقِلّ بنفسِهِ غير مستقل بنفسه.\nولهذه القاعدة مثالات:\nالشرط، والغاية، والاستثناء، والصفة، وظرف الزمان، وظرف المكان، والمجرور والمفعول من أجله، والحالُ، والبدَل، والتمييز. ولا شكُّ أن قول القائل ثلاثا، بعد قوله: انت طالق، صيَّرَ قوله: \"أنت طالق\" غير مُسْتقل بنفسه، لانضمام التمييز اليه، فهو مُباين \"لقوله (١٤٠) انت طالق أنت طالق، أنت طالق.\nقال شهاب الدين: ينبغي - لو قضى قاض بهذا الحكم - أن ينقض هذا الحكم.\nالمسألة الثانية:\nجاء أن خطيبا قال عند رسول الله - ﷺ -: من يطِع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوَى، فقال - ﷺ -: بِيسَ خطيبُ القوم أنتَ.\nاستدل بهذا الحديث من يقول: الواو للترتيب، ولا دليلَ فيه، لأنه - ﷺ - أمَرَه بأن يُرتب بالحقيقة الزمانيةِ، بأن ينطق بلفظِ الله أوَّلًا، ثم يذكر الرسول ﵇ ثانيا، فيحْصُل الترتيبُ بالتقديم الدال على الاهتمام والتعظيم، وقد فات بِسَبب جَمْعِهِما في الضَّمير، فلذلك ذَمّه، لَا لأنه لمْ ينطق بالواو.\nقلت: ويمكن أن يقال: المَذَمة، ما هى إلا من حيثُ إن الفخامة مطلوبة في هذا الموضع، ومن أجْلِها صَلُح إيقَاعُ الظاهِرِ مَوْقِع المضمَر، فلهذا ذمّهُ، لا لِغير ذلك، فليس فيه تعَرض لترتيب، لا من حيث الحقيقة الزمانيةُ ولا مِنْ حيْثُ الأداةُ، والله أعلمُ.\n_________\n(١٤٠) في ح: بَايَنَ قوله.","vol":"1","page":115},{"text":"المسألة الثالثة:\nاستدل من يقول بأن الواو للترتيب، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١٤١)، من حيث، قولُ رسول الله - ﷺ -: إبْدأو بما بدأ الله به لمّا سألوه عن ذلك.\nقلت: بل للخصم أن يعكس عليه ويقول: بلْ الحديث يدل على أنها ليست للترتيب، وذلك من حيث سؤالهم عن المبدوء به ما هو؟ ولو أفادت الترتيبَ ما سألوا ذلك السؤال. (١٤٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>القاعدة الرابعة عشرة </span>(١٤٣)\nفي تقرير قبول الشرطِ والتعليق على الشرط، فأقول:\nالحقائق في الشريعة اربعة أقسام:\nما يقبل الشرط والتعليق، كالطلاق والعتاق ونحوهما، فإنه يجوز أن يَقول: إن دخلت الدار فأنت طالق، وأنت حر، (١٤٤) فهذا تعليق، ويجوز أن يقول: أنت طالق وعليكِ ألف، أو أنت حر وعليك ألْف، فهذا ينْفُذ إذا اتفقا عليه.\nالقسم الثاني: ما لا يقْبلهما، كالايمان بالله تعالى، فلا يجوزُ أسلَمْتُ على أن أشرب الخمر، ولا يصح - أيضا ان دخلتُ الدار فأنا كافِرٌ، أو أنا مسلم إذا قال ذلك كافرٌ ذِمي (١٤٥).\n_________\n(١٤١) سورة البقرة: الآية: ١٥٨\n(١٤٢) ولذلك قال القرافي: ولا حجة فيه (اي في قوله تعالى) \"إن الصفا والمروة من شعائر الله\" لمن يقول بأن الواو وللترتيب، لأن البداءة صرحت بالتقديم بالحقيقة الزمانية المجمع عليها، فلِم قال هذا المستدل بأن البداءة مضافة لما ذكره من الواو؟ .\n(١٤٣) هي موضوع الفرق الخامس والاربعين بين قاعدة قبول الشرط، وقاعدة قبول التعليق على الشرط. الجزء الاول، ص ٢٢٨. وهو آخر الجزء الاول من اربعة اجزاء في مجلدين، ولم يعلق عليه الشيخ ابن الشاط بشئ.\n(١٤٤) في خ: أو أنت\n(١٤٥) ذمي، ناقص في نسخة ح. الحسنية.","vol":"1","page":116},{"text":"القسم الثالث: ما يقبل الشرط دون التعليق، كالبيع والإجارة ونحوهما، فإنه يصح: بعتك على أن تاتِيَني بالرهن، أو الكفِيلُ بالثمن، ولا يصح التعليق كأن يقول: إن قدِم زيد فقد بعتك، بِسَبب أن انتقال المِلْكِ يعتمد الرضى، والرضَى إنما يكون مع الجزْم، ولا جزمَ مع التعليق.\nالقسنم الرابع: ما يقبل التعليق دون الشرط، كالصلاة، والصوم، فإنه يصح أن يقال: ان قدم فلان فعليّ صيامُ شهر، ولا يصح: أدْخُلُ قي الصلاة على ألَّا أسجُدَ، أو ما أشبه ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>القاعدة الحامسة عشر </span>(١٤٦)\nإعلَمْ أن التعليق على أربعة اقسام:\nأ- تعليق عامّ على عامّ، نحو: كلما دخلت الدار فأنت طالق، علَّق الطلْقَات على جميع الدخلات، على وجه التفريق بأفراد الطلْقات على أفراد الدخول لا على وجْه اجْتِماعِ أفرَادِ الطلاق لكل فرد من أفراد الدخول، فلا جَرَمَ لزِمَ (١٤٧) بكل دخلة، طلْقةٌ.\n٢ - وتعليق مُطلَقٍ على مطلق، نحو إن دخلت الدار فإنت طالق، وإذا دخلت الدار فانت طالق، فاذا وُجِد مُطْلقَ الدخول وُجد مطلق الطلاق وانحلَّت يمينُهُ.\n٣ - تعليقُ مطلَق على عامّ، نحوُ، متى، وإن، وحيث، فهذه من صيغ العموم وفي الزمان والمكانج فالقائل: حيث كنت فأنت طالق، ومتى جئت فأنت طالق، كأنه قال: إنت طالق في حميع الازمنة، أو في حميع البقاع طلقةً واحدة.\n_________\n(١٤٦) هي موضوع المسألة الخامسة في الفرق الرابع بين إن وَلوْ في كتاب الفروق. جـ ١ ص ٩٥.\n(١٤٧) هكذا في النسختين معًا. وكذا في كتاب الفروق، ولعل الصواب \"أنْ لزِم، بزيادة أن المَصْدَريَّه حيث تُؤَوِّلُ مع ما بعدها بالمصدر هو خَبَرُ لا النافية للجنس، على حدّ قوله تعالى في الكافرين: \"لا جَرَمَ أنَّهم في الآخرة هم الْأخسرون\" وأنّ هى كذلك من الحروف التي تؤوَّل مع ما بعدها بالمصدر كما في هذه الآية الكريمة، سورة هود: الآية ٢٢.","vol":"1","page":117},{"text":"٤) تعليق عام على مُطلَقٍ، ومعناهُ التزام جميع الطلاق في زمن فرْدٍ كقوله: انت طالق طلْقاتٍ لا نهاية لها ان دخلت الدار. فهذه اربعةُ اقسام بحسب التعليق.\nلخست: ولْنذكر ها هنا مسألة (١٤٨) ذكرها شهاب الدين فقال:\nنَصَّ الأصحابُ عَلَى أن الطلاق يتكرر في قوله: كلُّ امرأة أتزوجهَا فهى طالق، أن الطلاق يتكرر بتكرر النساء من تلك الدار (١٤٩)، وأن القائل: كل امرأة أتزوجها فهى عليَّ كظهْر أمى، أن الكفارة لا تتكرر عليه، وأنه بزواج امرأة واحدة، تنحل يمينه، مع تصريحه بالعموم في الصورتين، فقال:\nالجوابُ، أن الطلاق حكم يَثْبُتُ لأفراد العموم، وأما الظهار فالكفارة فيه للنطق بالكلام الزُّورِ، عقولة لقائله، فإذا قال: كلّ امرأة أتزوجها هي علي كظهر أمى فقد كذب كذْبةً واحدة، فَتَجبُ (١٥٠) عليه كفارة واحدة. ولا نَظَرَ إلى العموم، الذي هو متعَلَّق القول الكذب، كما لو قال: والله ان كُلَّ شيء جمادٌ، فإنه كذْبَةٌ واحدة متعلقة بعموم، او قال: والله، ما في الدار أحد من إخْوتك،\n_________\n(١٤٨) هي المسألة السادسة، في المفرق الرابع، جـ ١ ص ١٥١.\n(١٤٩) هكذا في النسختين: نسخة الخزانة العامة، ونسخة الخزانة الحسنية\nوعبارة الامام القرافي في كتابه في الفروق: \"كلُّ امرأة أتزوجها من هذا البلد فهي طالقٌ، أن الطلاق يتكرر بتكرر النساء من ذلك البلد ... الخ \". وهى عبارة أوضح لذكر البلد في أول الكلام وآخره، بخلاف عبارة الترتيب هذا للشيخ البقورى، ففيها ذكر الدار في آخر الجملة، ولم يسبق لها ذكر في أولها.\nوانظر هذه الفقرة في المسألة السادسة من الفروق. ص ١٠١، كما أشرنا.\nوقد قال فيها ابن الشاط رحمه الله تعالى:\nبنى القرافي جوابه على ما تقدم قبلُ من أن الظهار خبر، وقد سبق القول في أن ذلك موضع احتمال ونظر وما ذكرَهُ فارقا بين قول: كل امرأة اتزوجها فهي على كظهر أمي، وكلما تزوجت فالمرأة التي أتزوجها عليَّ كظهر أمي، لا يقوى، وفي تلك المسائل كلها (اى الامثلة التى أوردَها في هذه المسألة) وفي الفرق بينها نظرٌ.\n(١٥٠) في نسخة ح: \"يجب\" بالياء وبدون فاء، والأولى \"فتجب\" بالتاء أظهر، لما تقتضيه الثانية من ضرورة ذكر الرابط بين المنعوت والمنعوت الذي هو الجملة، فيكون التقدير: يجب عليه فيها كفارة.","vol":"1","page":118},{"text":"وَوُجد الجميعُ فيها فإنه يلزمه كفارة واحدة، نظرًا لاتحاد اليمين والحِنْث، فكذلك ها هنا.\nوذكر الفقهاء أنه من قال: كلما تزوجت امرأة فهي علي كظهر أمّي أن الكفارة تتكرر عليه بتكرر الزواج، وكذلك أيَّتُكُنّ كَكُلَّما، ومن دخل منكن الدار، فهي علي كظهر أمي، الكفارة تتكرر في هذا كله.\nوقال شهاب الدين: والقول بتكرار الكفارة في هذا على خلاف القياس، والقاعدة تقتضى أن لا تتكرر عليه الكفارة، وما وُجِّهَ به هذا التكرارُ تَكَلُّفٌ بَيِّنٌ، واللهُ أعلَمُ.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>القواعد الأصولية</span>\nولنبدأ بالمتعلق منها بالأمر والنهى وما يتعلق بذلك.\nومَبْلغها سبع وعشرون (*):\n\nالقاعدة الأولى: (١) نقرر فيها ما معنى خطاب التكليف وما معنى خطاب الوضع، ونقرر الفرق بينهما، فنقول:\nخطاب التكليف يطلقه الأصوليون على الخطاب المتعلق به حكم من الأحكام الخمسة: الوجوب، والحظر، والندْب، والكراهة، والإباحة، وكانَ أصله ألَّا يقال إلا على ما فيه كلفة، وذلك الحرام والواجب، ولكنه اُطْلِقَ على ما ذكرناه اصطلاحًا.\nوخطاب الوضع هو الخطاب بِنَصْب الأسباب ونصْب الشروط ونصْب المَوانع ونصْبِ التقادير الشرعية.\n_________\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ساق ٢٨ قاعدة\n\n(١) هي موضوع الفرق السادس والعشرين بين قاعدة خطاب التكليف وقاعدة خطاب الوضع، جـ ١، ص ١٦١.\nقال عنه القرافي ﵀، مبرزا أهميته بين بقية الفروق الأخرى في كتابه: \"وهذا الفرق أيضا عظيم القدْر، جليل الخطَر، وبتحقيقه تنفرج امور عظيمة من الإشكالات، وترد إشكالات عظيمة أيضا في بعض الفروع. وسأبين لك ذلك في هذا الفرق إن شاء الله تعالى. قال: وتحرير القاعدتين أن خطاب التكليف في اصطلاح العلماء هو الاحكام الخمسة .. وأما خطاب الوضع فهو خطاب بنصْب الاسباب كالزوال ورؤية الهلال، ونصب الشروط كالحول في الزكاة، والطهارة في الصلاة، ونصب الموانع كالحيض مانع من الصلاة، والقتل مانع من الإرث، ونصْب التقادير الشرعية، وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو المعدوم حكم الموجود، كما نقدر رفع الاباحة بالرد بالعيب بعد ثبوتها قبل الرَّد، ونقول: ارْتفع العقد من أصله لا من حينه على أحد القولين للعلماء ... إلح.\nوقد علَّق الفقيه العلامة المحقق قاسم ابن الشاط الأنصارى ﵀ على كلام الامام شهاب الدكن القرافي ﵀ في هذا الفرق فقال: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، غير قوله \"ونقدر وجود الملك لمن قال لغيره: أعتِقْ عبدك عَنِّي لِتثْبتَ له الكفارة والولاء مع أنه لا مِلْكَ له، ونُقدر المِلْكَ قي دية المقتول خطأ قبل موته حتى يصح فيها الإرث \"، فإنه ليس بصحيح، وقد سبق التنبيه على ذلك قبل هذا.","vol":"1","page":120},{"text":"ثم انه يُشتَرط في خطاب التكليف علْمُ المكلَّف وقدْرتُه على ذلك الفعلِ، وكونُهُ من كسبه، بِخلاف خطاب الوضع لا يشترط فيه ذلك، غيرَ أنه استثنى الشارع في خطاب الوضع قاعدتين يشترط فيهما العلم والقدرة (٢):\n\nالقاعدة الأولى: أسباب العقوبات وهي الجنايات (٣).\nفالقصاص يشترط فيه العلم والقدرة والقصد. فلا قصاص في قتل الخطأ، ولاحد على المكرَه على الزنى، ولا على من وطئ أجنبية يظن أنها زوجته، (٤) ولا على شارب خمر يعتقدهُ خَلًّا، فمِثلُ هذه الأسباب يُشترَط فيها العلمُ والقدرة والإرادة، واستثناء هذه القاعدة رحمة من الشارع، ولطفٌ منه (٥)، لأن الغالب على نظر الله قلبُ العبد. (٦)\nالقاعدة الثانية المستثناة: قاعدة أسباب انتقال الأملاك، كالبيع والهبة والصدقة وغير ذلك مما ينتقل به المِلْكُ، هذا كقوله - ﷺ - \"لا يحل مال امرئ\n_________\n(٢) قال ابن الشاط هنا: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\n(٣) عبارة القرافي هنا كثر ظهورًا ووضوحًا حيث قال:\nالقاعدة الأولى: الأسباب التي هي أسباب للعقوبات، وهي جنايات، كالقتل الموجب للقصاص، يشترط فيه القدرة والعلم والقصد ... الخ.\n(٤) في نسخة ح: زوجة بالتنوين والتنكير، والمعنى لا يختلف عنه في التعريف.\n(٥) في كل من نسختي ع، وح: ولطفا به، والذى هو موجود في نسخة أخرى، لطف عل اعتبار أن كلمة لطف معطوفة عل كلمة رحمة، وهي خبر للمبتدأ الذى هو كلمة استثناء، واللطف يكون من الشارع، وهو الله حقيقة، والنبي - ﷺ - مجازا، اذ هو مبلغ عن الله رسالته إلى العباد، ويكون اللطف بالعباد فيما شرعه الله لهم من أحكام ميسرة، وما أودعه فها من مقاصد حكم وأسرار مثلما يكون بالرحمة بهم في كل الاحوال. عل حد قوله تعال: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾.\n(٦) هذا التعبير بالغالب يظهر غير مناسب، في جانب الله تعالى، إذ نظر الله إلى قلوب العباد دائم ومستمر، والانسان يعامل ويؤاخَذ عند الله تعالى بما في قلبه، وبما نتج عن اعتقاده من عمل صالح وغيره. وفي الحديث الصحيح: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) وقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\nوالله أعلم، والموفق لكل صواب في القول والعمل.","vol":"1","page":121},{"text":"مسلم إلا عَن طيب نفسه\" (٧) ولا يحصل الرضى إلا مع الشعور والإرادة والمُكْنَةِ من التصرف. (٨)\nإذا تقرر هذا، فأزيد ذلك (٩) بيانا بذكر ثلاث مسائل: (١٠)\nالمسألة الأولى:\nإعْلَم أن خطاب الوضع قد يجتمع مع خطاب التكليف، وقد ينفرد كل واحد منهما بنفسه.\nأمّا اجتماعهما فكالزنى فإنه حرامٌ، فهو خطابُ تكليفٍ، وهو سَبب الحَدِّ، وهو من هذا الوجه خطابُ وضْعٍ؛ وهذا كثير في الشريعة الاسلامية. وانفرادُ خطاب الوضع كالزوال وطلوع الهلال، ودَوران الحولِ ونحوها. وخطاب التكليف بدون خطاب الوضع كأداء الواجباتِ واجتناب المحرّمات.\n_________\n(٧) أوْرَده السيد سابق في كتابه فقه السنة، نقلا عن الإمام الدارقطني ﵀، ورواية عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعا إلى النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يَحِل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه.\n(٨) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عنذ القرافي في استثناء هاتين القاعدتَيْن فقال في الأولى: ليس ذلك باستثناء من خطاب الوضع، ولكنه ازدواج في هذه الامور خطاب التكليف والوضع، فلحقها اشتراط العقل وما معه من جهة خطاب التكليف لا من جهة خطاب الوضع، فإنه يرتفع التكليف مع عدم تلك الاوصاف، فيرتفع خطاب الوضع المرتب عليه، والله أعلم.\nوقال في تعليقه على القاعدة الثانية:\nهى أيضا ليست بمستثناة من خطاب الوضع، ولكن ازدوج فيها الخطابان، أما خطاب الوضع فظاهر، وأما خطاب التكليف فمن جهة إباحة تلك التصرفات، لكنها لم تُبْحْ إلا مع العلم والاختيار والرشد، فإذا وقعت عارية عن تلك الأوصاف، غير مصاحبة لها، لم تترتب عليها مسبباتها من وجوه انتقال الأملاك، والذى يوضح ذلك أن اشتراط العلم وما معه في خطاب التكليف مناسب ومطرد، واشتراطه في خطاب الوضع غير مناسب ولا مطرد ... الخ.\n(٩) في نسخة ح: فأزيده لك.\n(١٠) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي فيها صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":122},{"text":"ولا نقول (١١) في مثل هذه: إنها أسباب أيضا من حيث إنها سبب لبراءة الذمة، لأن برآة الذمة ليس من فعل المكلف، ونحن ما نسمى السبب إلا ما كان كذلك.\nالمسألة الثانية\nالصَبيُّ إذا أفْسَدَ مالًا على غيره وَجَب على وليه جَبْرُ ذلك من مال الصبي، فالإتلاف سببُ الضمان، وهو من خطاب الوضع، فإذا بلغ الصبيُّ، ولم تكن القيمة أخذَتْ من مالِهِ وجبَ عليه إخراجُها من ماله بعد بلوغه، فقد تقدم السبب وتأخر أثره إلى بعد البلوغ، ومقتضى هذا أن ينعقد بيعُهُ ونكاحهُ وطلاقه، فإنها أسبابٌ من باب خطاب الوضع الذى لا يُشترط فيه التكليفُ فَينعقدُ من الصبي العالِم، الراضى بانتِقَال ملكه، لأجْل ما تقدم في القاعدتين، والرضَى من الاُسباب، ويتأخر الحكم إلى بعد البلوغ، فيُقضَى (١٢) حينئذ بالتحريم أو غيره كما تأخر ايجاب الضمان إلى بعد البلوغ، قياسا على الضمان. (١٣)\nقال شهاب الدين ﵀:\nولَمْ أرَ أحدًا قالَ بِه، ثم قال:\nوالجوابُ، الفرقُ بين الضمانِ وهذهِ الامور من وجهين:\nالوجْهُ الأول: أن هذه الأمور يشترطُ فيها الرضَى وإن كانت من باب خطاب الوضع كما قررناه في القاعدتين. والرضى من الصبي معدومٌ شرعًا، والمعدومُ\n_________\n(١١) في نسخة ح: ولا يقال.\n(١٢) في نسخة ع: فيقضى بالياء، مبنيا للفاعل، والصواب والأظهر فيقْضى بضم الياء وفتح الضاد مبنيا للمجهول) أى فيقضي الفقيه والمفتي أو القاضي ممن له أهلية الفتوى والقضاء.\n(١٣) علق الفقيه ابن الشاط على هذه المسألة فقال: ما قاله القرافي فيها صحيح، غير قوله: قد تقدّم استثناء قاعدة الاملاك بن قاعدة خطاب الوضع\"، فإنه قد سبق التنبيه على ما فيه وإنما لم تصحَّ تلك الأمور من الصبي لأنه يشترط فها اعتبار المصالح، والصبي ليس بأهل لذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":123},{"text":"شرعا كالمعدوم حِسًّا، إذ الشارع لمّا علِم عدَمَ معرفته بمصلحته لم يَعتبرْ رضاه رضىً، وغير الراضى لا يلزمه شئ مِمَّا ذكر، وقاعدة الإِتلاف لا أثر فيها للرضى الْبَتَّةَ.\nالوجه الثاني: أن أثر الطلاق التحريم، وأثر البيع الإلزامُ، والصبيّ ليس أهلًا للتكليف بالتحريم والإلزامِ.\nفإن قيل: تتأخرُ هذه الاحكام كما تأخر الإلزامُ دَفعْ القيمة (١٤)، قيل: الفرق أن تأخُّرَ المسبَّبَاتِ في أسبابها خلاف الأصل. وخولف هذا الأصل في الإتلاف، لضرورة حق الْآدَمى، مخافة أن يذهب مالُه مَجَّانا، ولا ضرورةَ تدعو لتقديم الطلاق وتأخير التحريم. (١٥).\nالمسألة الثالثة:\nالطهارة، وسَتْر العورة، واستقبال القِبلة في الصلاة، الفتاوى متطابقة على أنها واجبة، مع أن المكلف لو توضأ قبل الوقت، واستتر، واستقبل الكعبة، ثم جاء الوقتُ وهو على تلك الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلًا البتَّة (١٦) في هذه الثلاثة، أجزأته صلاته إجماعا، وفعْلُه قبل الوقت لا يوصَف بالوجوب (١٧)، فإن\n_________\n(١٤) كذا في نسخة ع، وح، وفي نسخة أخرى: كما تأخر زمان دفع القيمة.\nوعبارة الفروق: فإن قيل: فلِمَ لَا تتأخر هذه الأحكام بعذ البلوغ كما تأخر إلزام دفع القيمة؟ قلت: الفرق الخ ... وهي عبارة اكثر ظهورا ووضوحا في سلامة اللفظ والدلالة عل المعنى.\n(١٥) زاد القرافي ﵀ هنا في آخر هذه الفقرة قوله: بل إذا اسقطنا الطلاق واستصحبنا العصمة لم يلزم فساد ولا تفوت ضرورة، وكذلك إذا أبقينا الملك في البيع للصبي كنا موافقين للاصل، ولا يلزم محذور، البتة، أما لو أسقطا إتلافه ولم نعتبره لضاع مال المجني عليه وتلف، وتعَيَّن ضرره، وهذا فرق كبير، فتأملْه.\n(١٦) في نسخة ح: فِعْلَ النية. والذى في كتاب الفروق للامام القرافي ﵀، وكذلك في حاشتيه لعمدة المحققين ابن الشاط ﵀ هو ما في نسخة الخزانة العامة، وهو: \"من غير أن يُجَدِد فِعْلا البتَّةَ. وهو أظهر، في المعنى فليراجِع وليُحَقَّقْ.\n(١٧) علق الفقيه ابن الشاط على هذه الجملة عند القرافي بقوله: قول القرافي: \"وفعْلُهُ قبلَ الوقت لا يوصف بالوجوب\" ممْنوع، بل يوصف بالوجوب عند من يقول غنه من الواجب الموسَّع.","vol":"1","page":124},{"text":"الوجوب لهذه متأخر عن وجوب الصلاة، والصلاة متأخرة عن زوال الشمس مثلا، فَقَبْلَ سبَبِ الوجوب لا وجوبَ\nفإن قلنا: لا وجوبَ، قَامَ مَعَنا اشكال آخرُ وهو: فكَيْفَ أجزأ ما ليس بواجِب عما هو اجب، والقاعدة المقررة خلاف هذا، ولَمَّا توجه الإشكال اضْطَرَبَتْ أجْوِبة الفقهاء.\nفقال القاضى: أبو بكر ابن العربي: \"الوضوءُ واجبٌ وجوبًا مُوَسَّعا قبل الوقت وفي الوقت\" (١٨). وهذا لا يصح، لأن ما ترتب حكمُه على سببٍ لا يتقدم سَبَبَه، وهو مرتب على ما رتب على الزوال أو غيره من الاسباب للصلوات، فالوضوء وسيلة للصلاة التى هي مقصُودة، ووجوبُ الوسائل تَبَع لِوجوبِ المَقَاصِد.\nوقال غيْرُهُ: تَقَعُ غيرَ واجبةٍ وأجزَأتْ عن الواجب إجماعا، فهى مستثناة بالإجماع، وهذا لا يصح، لأن المجمع عليه الإجزاء، وأما أنها مستثناة بالإجماع فلا.\nوقال آخَرُ: دوام ذلك فِعْل له، فَيَجبُ عليه الدوام على ذلك الحال عند دخول الوقتِ وقد فَعَلَهُ، وهذا - ايضًا - غيرُ مرضي، فإنَّا لا نقول: دوام تلك الحالة فِعْل لها، لأنه قد يدوم وهو غير شاعِر بها، وشرطُ الفعلِ المعتبَرِ في السّنِّة شعورُ فاعِله بِهِ.\nوقال شهاب الدين: الجوابُ الصحيحْ عندي، أن نَقُولَ: هذه الاشياء قد\n_________\n= وقوله: فقبْل سبَب الوجوب لا وجوب، ذلك مسلَم، لكن ليس سبب وجوب الطهارة المعيَّنة هو بعينه سبب وجوب الصلاة المعينة بل العزْم على استباحتها بتلك الطهارة، ولا استحالة في مغايَرة سبب المشروط سببَ الشرط، فإن هذه الأمورَ وضْعِيَّة تقع بِحسب قصد واضعها، والله أعلمُ.\n(١٨) قال القرافي: وهذا احسن الأجوبة التي رأيتُها، وهو لا يصح ... الخ ما ذكره القراني والبقوري، وعلق ابن الشاط هنا على كلام ابن العربي فقال: ما قاله الامام ابو بكر صحيح، والله أعلم، وعلى ما قاله القرافي من أن الوجوب قبل سببه لا يُعقل في الشريعة لا مضيقا ولا موسَّعا، بأنه أمر مسلم.","vol":"1","page":125},{"text":"تكون من خطاب الوضع وقد تكون من خطاب التكليف (١٩)، فإن كان لم يفعل شيئا من ذلك حتى دخل الوقتُ فَفِعْلُهُ لَها امتثالٌ لخطاب التكليف،، وإن كان قد فَعلها قبل دخول الوقت فهي من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف. غايةُ ما فيه أن يقال: يجبُ الوضوءُ في حالةٍ دون حالة، وهذا لا مُنْكر فيه، فإن شأن الشريعة تخصِيص الوجوبِ ببعض الحالاتِ وَبَعْضِ الأزمنة وبَعْضِ الأشخاص (٢٠).\n\nالقاعدة الثانية (٢١):\nنقرر فيها فرض العين وفرضَ الكفاية، ليتحقق الفرق بينهما بذلك فنقول: الأفعال قسمان: منها ما تَتَكرر مصلحته بتكرره، ومنها ما لا تتكرر مصلحته بتكرره. فالقسم الأول شرعَهُ صاحبُ الشرعٍ على الأعيان تكريرا للمصلحته بتكرر ذلك الفعل. والثاني جعله على الكفاية، نفيًا للعبث في الأفعال، وهذا كإنقاذ غريق إذا بادر لإنقاذه أحد، فنزول غيره بعد ذلك لا مصلحة فيه، والأمرُ به من باب العبَث.\n_________\n(١٩) عبارة القرافي: \"والجواب الصحيح عندي أن هذه الأمور الثلاثة: الطهارة والستارة والاستِقبال شروط، فهى من خطاب الوضع، وخطاب الوضع لا يشترط فيه فعل المكلف ولا علمُه ولا إرادتُه، فإن دخل الوقت وهو غير متطهر ولا لابس ولا مستقبلٍ، توجّه التكليف عليه بهذه الامور وتحصيلها، فاجتمع فيها حينئذ خطاب الوضع وَخطاب التكليف، وإن دخل الوقت وهو متطهر لابِسٌ مستقبِل، اندفع خطاب التكليف وبقي خطاب الوضع خاصة، فأجزأته الصلاة لوجود شروطها، وليس من شرط خطاب الوضع أن يجتمع معه خطاب التكليف، ولا يحتاج إلى شئ من تلك التعسفات، بل تُخَرجه على قعدة خطاب الوضع، ولا يلزم منه مخالفة قاعدة، البتَّة.\n(٢٠) وعلق ابن الشاط على كلام القرافي هذا بقوله: \"فإذا اجتمع فيها (اى في هذا الامور والاشياء الثلاثة) خطاب الوضع مع خطاب التكليف لزم اشتراط فعل المكلف وعلمِه وارادتِه، ثم قال ابن الشاط:\nإنه مسَلَّمٌ أنه ليس من شرط خِطاب الوضع اجتماعه مع خطاب التكليف، ولكن الكلام إنما وقع في امور اجتمع فيها الخطابان معا\". اهـ\n(٢١) هي موضوع الفرق الثالث عشر بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين، وضابط كل واحد منهما وتحقيقه، بحيث لا يلتبِس بغيره\" جـ ١، ص ١١٦.","vol":"1","page":126},{"text":"فإذا تقرر هذا فاعلَمْ أن الكفايةَ والأعيان يُتصَوّران في الواجباتِ وفي المندوبات، كصلاة الظهر، والصلاة على الجنازة، وكالأذان والوِتر.\nولْنَذْكُر هنا مسائل:\nالمسألة الأولى:\nيكفي في سقوط المامور به على الكفاية ظنُّ الفعل لا وقوعُه تحقيقا، حتى لو غَلَبَ على ظن كل طائفة ذلك سقطَ عن الجميع (٢٢).\nسؤال: إذا كان الوجوب متَقررًا على الجميع فكيف سقط عمن لم يَفعَلْ، بفعلِ غيره، والعبادةُ البدنية، القاعدة فيها أنه لا يُجْزِئ فيها فِعْلُ أحدٍ عن أحد، فكيف وقعت التسويةُ بين من فَعَلَ ومَنْ لم يفعل؟\nجوابه أن سبب السقوط ليس فِعْلَ أحد، بل سَبَبُه انَّهُ ما في فعله - حينئذ - حكمة (٢٣).\nقلت: سببُ السبب سببٌ، وفعْلُ الغير سببٌ لئلَّا يبْقَى في فعله حكمة فهو سبب.\nوالحق أن القاعدة ليسَتْ بحق على الاطلاق.، وسياتي الكلام عليها في موضِعها.\n_________\n(٢٢) علق الشيخ ابن الشاط على على ما جاء في هذه المسألة الاولى من هذا الفرق عند القرافي فقال: ما قاله في هذا الفرق صحيح، غير قوله: \"يكفي في سقوط المامور به على الكفاية ظن الفعل\"، فإنه يحتمل أن يقال: لا يكفي الظن، وغير اطلاقه لفظ السقوط عمن لم يفعل، فإن كان يريد أن الوجوب توجه على الجميع ثم سقط عن البعض، فليس ذلك بصحيح، وان أراد بلفظ السقوط أنه لم يجب عليه وأطلق اللفظ مجازا، فهو صحيح. اهـ كلام ابن الشاط ﵀.\nفإن قيل: يتعذر القطع، فالجواب لا يتعذر القطع بالشروع في الفعل والتهيؤ والاستعداد. أما بتحصيل الغاية فيتعذر، فها هنا يكفي الظن في المقدمات لا في المبادئ.\n(٢٣) هذا السؤال والجواب عنه هو مما ذكره الامام القرافي في المسألة الثانية من المسائل الاربعة التي ذكرها في الفرق الثالث عشر لتحقيق الفرق بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين، وضابط كل منهما، ليس من وضع الشيخ البقوري هنا كما قد يتبادر إلى الذهن.","vol":"1","page":127},{"text":"قال شهاب الدين ﵀:\nوأما التسويةُ فما هي الا من حيث السقوط عنهما معا، وأما من حيث الثوابُ فلا، من فعل فله الثوابُ دون من لم يفعل.\nالمسألة الثانية:\nنقل صاحب الطراز (٢٤) أنَّ اللاحِقَ بالمجاهدين بعد أن كان سقط الفرض عنهُ يقع فعلُهُ فَرْضًا بَعْدَ ما لم يكن واجبا عليه (٢٥)، وعلل ذلك بأن مصلحة الوجوب لم تحصل بعدُ، وما وقعت الا بفعل الجميع، فوجبَ أن يكون فعل الجميع واجبا، لأن الوجوب يتبع المصالح.\nقلت: فَيَلْزَمُ على هذا ألَّا يسقط فرض الكفاية عنْ أحدٍ إلا بعد وقوع ذلك الفرض، ولذا كان الامر هكذا فقد سقط السؤال حيث قلت: وقع فعْلُه فرضا بعد مَا لم يكن واجبا.\nقال شهاب الدين ﵀:\nسؤال: هذه المسألةُ نَقْضٌ كبيرٌ على حد الواجب، فإما أن تصح الحدود المذكورة للواجب، المفيدةُ أنَّه لا سبيل إلى تركه ويبطُل هذا الذىْ قَلتم هنا، وإما أن يَصح فتبطل الحدود. (٢٦)\n_________\n(٢٤) صاحب الطراز، المراد به مُحِب الدين الشيخ احمد بن عبد الله الطبرى الشافعى المتوفى سنة ٦٩٤ هـ، مؤلف كتاب: الطراز المذهب في تلخيص المذهب.\n(٢٥) هكذا في نسخة ح، ونسخة أخرى، وفي كتاب الفروق. وفي نسخة ع: يقع فعله فرضًا ما لم يكن واجبا عليه، حيث سقطت كلمة بعد، وهي ضرورية لسلامة المعنى وصحته، ولعَلَّ سقوطها من الناسخ لهذه النسخة، حيث إِنها ثابتة بعد في عبارة آتيه، وموجودة في الاصل، وفي نسختين أخرييْن من هذا الترتيب. والاختصار.\n(٢٦) العبارة المفصلة عند القرافي في. هذه المسألة تزيدها وضوحا وبيانا اكثر وهي:\n\"هذه المسألة نقض كبير على حد الواجب بأى حد حددتموه، فإن هذا اللاحِقِ بالمجاهدين أو غيرهم كان له الترك إجماعا من غير ذم ولا لَوْمٍ ولا استحقاق عقاب، ومع ذلك فَقَد وصفتُم فعله بالوجوب، فقد اجتمع الوجوب وعدَمُ الذَّم على ترْكِه، وهذا يناقض حدود الواجب كلها، وهذا سؤال صعب، فيلزمُ إما بطلان تلك الحدود أو بطلانُ هذ القاعدة، والكل صعب جدا. والجواب عن هذا السؤال أن نقول: الخ ...","vol":"1","page":128},{"text":"والجواب أن نقول: الوجُوبُ في هذه الصورة مشروط بالاتصال والاجتماع مع الفاعلين، ولاشك أنه ان تُرك مع الاجتماع أثِم، والتركُ مع الاجتماع لا يُتصور إلا إذا تركَ (٢٧) الجميعُ، والعقاب - حينئذ - يتحقق. والقاعدة أن الوجوبَ المشروط بشروط ينتفي عند انتفاء الشرط الذي له، فإن كان منفردا عنهم كان شرط الوجوب مفقودا فذهب الوجوب، ولا عجبَ أن يكون الوجوب مشروطا بشرط الاتصال، ومفقودا عند الانفصال.\nالمسألة الثالثة\nقال ﵀،: مُقتضى (٢٨) ما قررتم من ضابط فرض الكفاية وَفَرض. العَين ألَّا تكُونَ صلاة الجنازة فرض كفاية، فإن مصلحتها المغفرة للميت، ولم تحصل بتحقيق (٢٩)، فالجواب أنا لا نطلب حصولها بتحقيق، بل المطلوب حصولُ ظن المغفرة وهو حاصل. (٣٠)\n\nالقاعدة الثالثة (٣١)\nنريد أن نقرر فيها الفرق بين قولنا: الأمر. المطْلَق، وبيْنَ قولنَا:\nمُطْلَقُ الأمرِ، وكذا مالَه من نظائر، كقولنا: البيعُ المطلَق، ومطلَقُ البِيْع، فقال ﵀:\n_________\n(٢٧) في نسخة ح: تركَهُ، بذكر الضمير المنصوب على انه مفعول به. وهو اكثر ظهورا ووضوحا في المعنى حتى لا يسبق إلى الذهْن أن الجميع هو المنصوب على أنه مفعول به.\n(٢٨) في ح: يقتضى، والأولى أظهر، وهي ما في كتاب الفروق.\n(٢٩) قال هنا شهاب الدين الفرافي ﵀: \"فإن الدعاء مظنة الاجابة، فاندرجت صلاة الجنازة في فروض الكفاية وامتنعَتْ الإعادة، لحصول المصلحة التي هي معتمدُ الوجوب كما قاله مالك، ولم تبق إلا مصلحة تكثير الدعاء، وهي مصلحة نَدْبية. غير أن الشافعي ﵀ يساعد على أن صلاة الجنازة لا يُتنقَّل بها، ولا تقعُ إلا واجبةَ، ولَا تقع مندوبةَ أصْلًا، فامتنعت الإعادة، وكانت هذه القاعدة حجة عليه\" أى حيث إن الشافعي يَرَى مشروعية إعادتها لان مصلحتها المغفرة ولم تحصل بالقطع.\n(٣٠) لأن مصلحة الجنازة هي كما يقولُ القرافي، حصول المغفرة ظنًا او قطعًا، والثاني متعذر، فبقي الاول.\n(٣١) هي موضوع الفرق الخامس عشر بين قاعدتي الامر المطلق ومطلق الامر ... \" جـ ١. ص ١٢٧.","vol":"1","page":129},{"text":"هما مختلفان، وبهذا يصْدُقُ قَولنا: مطلَق البيع حلالٌ إجماعا، ويصدق - أيضا -: البيع المطلق لم يثبت فيه الحلّ بالاجماع ثم قرر هذه المخالفة بأن قال:\nإذَا قلتَ: البيع المطلق فقد أدخلت الالف واللام على البيع، وذلك سببٌ لشمول جمبع أفراد البيع، بحيثُ لم يَبْقَ بَيْعٌ إلا دخل فيه، ثم وصفنَاه بعْد ذلك بالِإطلاق بمعنى أنه لم يقيد يُوجبُ تخصيصه من شرط أو صفةٍ أَو غير ذلك من اللواحِقِ (٣٢).\nوأما إذا قلنا: مطلق البيع فقد أثرنا بقولنا: \"مطلَقُ البيع\" إلى القدْر المشترك بين جميع البَيَاعَاتِ، وهو مسمى البيْع الذى يصدُق بفردٍ من أفراده، ثم أضيفَ هذا المطلَقُ - المشار اليه إلى البيع، ليتميزَ عَنْ مُطلَقِ الحَيَوانِ (٣٣) وغير ذلك.\n\nالقاعدة الرابعة (٣٤):\nنقرر فيها الفرق بين خطاب غير المعين والخطاب الغير المعيّن فنقول:\nأما من حيث مقتضى الألفاظ فظاهرٌ أن المراد بخطاب غير المعَيَّنِ أن يكون المكلف الذي توجَّه الخطابُ نحوَه غيرَ معيَّن، والخطاب الغير المعين، المراد به الخطاب بالشئ الذي وقع التكليف به هو المبهم، وفيه عدم التعيين. وما أردنا تَبْيِينَ هذا كما أردنا الفرق بين الامر الطلق ومطلق الامر، وانما أردنا أن نبين الفرق\n_________\n(٣٢) علق ابن الشاط على هذا بقوله: ما قاله القرافي مبني على أن الالف واللام الداخلتين على أسماء الاجناس تقتضي العموم والاستغراق، وفي ذلك خلاف، وكان من حقه أن يفصل فبقول: إذا قال القائل: الامر المطلق، فلا يخلو أن يريد بالالف واللام العهد في الجنس، أَو يريد بهما العموم والشمول، فإن أراد الأول فقوله: الامر المطلق ومطلق الامر سواء، وان أراد الثاني على رأى من أثبته فليْسَا سواء، بل الامر المطلق للعموم، ومطلق الامر ليس كذلك.\n(٣٣) هكذا في نسخ ترتيب الفروق، وكذا في نسخة الفروق نفسها هكذا: \"ليتميز مطلق البيع عن مطلق الحيوان ومطلق الأمر ومطلق غيره ومطلق جميع الحقائق، فأضفناه للتمييز فقط ... \" الخ.\n(٣٤) هى موضوع الفرق الثاني والخمسين بين قاعدة خطاب غيْر المعيَّن، وقاعد الخطاب بغير المعين\". جـ ٢ ص ١٦.\nوالملاحظ أن عبارة الامام القرافي ﵀، فيها الخطاب بغير المعَيَّن، وعبارة الشيخ البقوري ﵀، فيها الخطاب الغير المعين. فليتأمل.","vol":"1","page":130},{"text":"بينهما من حيث إن أحدهما موجود في الشريعة، والآخَرُ ليس بموجود، والذى ليس بموجود هو خطاب غير المعَيَّن، (٣٥) لأنه ليس من الحكمة، لأنه إذا كان مبهَمًا لا ينبعث أحد من المكلفين إلى الامتثال، فتضيع الصلحة لذلك، فلم يات به الشارع، وفرضُ الكفاية يُتوهم أنه كذلك، وليس كذلك، بل الخطاب توجه نحو الجميع، غير أنه إذا فعله البعض سقط عن البعض الآخر، وقد مضى بيان ذلك، وبهذا نجيبُ عن قوله تعالى: \"ولْيَشْهَدْ عذابهُمَا طائفة من المؤمنين\" (٣٦).\n_________\n(٣٥) علق الفقيه ابن الشاط ﵀ هنا على كلام القرافي \"بأن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة\" بقوله: إن أراد بالخطاب ما هو ظاهره من القصد للإفهام، فما قاله صحيح، وإن أرَادَ بالخطاب التكليف والالزام، فما قاله غَيْرُ صحيح، فإنه لا مانعَ ان يقول السيد لجماعة عبيده: ليفعَلْ احدكم، من عر تعيين الفاعل من قَبلي ولا يفعلهُ احد غيره، فمن فعله اثبته، ومن شاركه فيه عاقبتُهُ، وإن لم يفعل أحد منكم ذلك الفعل عاقبتكم أَجمعين. فالخطاب في هذا المثال متوجه إلى الجميع، بأن يجتمعوا على تعيين أحدهم لذلك الفعل، ويعين من شاء منهم نفسه، وهكذا هو فرض الكِفاية، الخطاب للجميع، والتكليف لواحد غير معيَّن مُبْهَمٍ أوْ \"لجماعة غير معينة منهم\".\nثم زاد ابن الشاط قائلا: \"وما قاله القرافي من أن السبب في ذلك والسِّر فيه (اي في عدم وقوع خطاب غير المعين في الشريعة) هو أن خطاب المجهول يؤدي إلى ترك الامر، ليس كما قال، فإنه يريد هنا - على ما يقتضيه كلامُهُ بعْدُ - بالخطاب التكليف، ولا مانع منه من جهة العقل كما في المثال السابق، ولا من جهة الشرع؛ في قوله تعالى: \"ولْتكن منكم أمَّةٌ يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر، واولئك هم المفلحون\"، وقوله سبحانه: \"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين\". اهـ.\n(٣٦) سورة النور: الآية ٢. وقد أتى القرافي بهذه الآية في مسألة أولى من هذا الفرق قائلا: قوله تعالى في تلك الآية يقتضي أن المامور هنا غير معيَّن، وهو خلاف ما تقدم. والجواب عنه أن الامر متوجه على الجميع بالحضور عند حدِّ الزناة، حتى يفعل ذلك طائفة من المؤمنين، فيسقط الامر عن الباقين، وهذا ليس ماخوذا من اللفظ بل من القاعدة الاجماعية التى تقدمت، (وهى أن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة) فجعل صاحب الشرع الوُجوبَ في فروض الكفايات متعلقا بالكل ابتداء على سبيل الجمع، فإذا فعله البعض سقطَ عن الكل.\nوقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة فقال: ما قاله فيها ليس بصحيح، لما سبق بيانه، وهو أن صاحب الشرع لم يجعل الوجوب في فروض الكفايات متعلقا بالكل، بل بالبعض غير المعين، ولا دليل على ما ذهب إليه، ولا ضرورة تحمل عليه. فلْيُتَأمل كلام هذيْن العالمين الجليلين في هذا الموضوع، وبيان كل منهما فيه.","vol":"1","page":131},{"text":"وأما الخطاب الغير المعيَّنِ فكثير في الشريعة وموافق للحكمة، (٣٧) لأن المصلحة تحصل معه، وهذا كالامر بإخراج شَاةٍ معينة، فالمصلحة حاصلة مع عدم التعْيين، وصُرِف التعيين إلى المكلَّف.\nوهنا مسألة: قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣٨)، فهذا خطاب بشئ غيرِ معيّن، وقد قلنا: إنه لا يجوز.\nولكنه هنا سؤالان على الآية (٣٩):\nالسؤال الأول: ما ضابط هذا الظن؟، فإنَّ غيْر المعيَّن إذا وقع التكليف به في الشرع، تارة يُعَينه الشارع بعد ذلك، وتارة يُعَلق بالجميع الوجَوبَ، فهذا من أي القسمين هو؟\nوالجواب أن نقول: لنا أن نقضى بتحريم الجميع حتى يدُلَّ الدليل على خروج البعض من هذا التحريم. والجواب الثاني أن نقول: المحرّمُ من الظن المشار اليه - هنا - ما دلّ الدليل على تحريمه، ومالا فلا. (٤٠)\nالسؤال الثاني: هو: كيف صح النهى عن الظن، وهذا أمر يهْجُم على النفس عند حضور أسبابه، لا قدرة على دفعه، فنقول:\n_________\n(٣٧) عبارة القرافي هنا هى: وأما الخطاب بغير المعين فهو واقع في الشريعة، كثير جدا، كالامر بإخراج شاة غير معينَّة، ودينار من اربعين، والسُّترَة بثوب، ولم يُعيّن الشارع في هذه المواطن شيئا من أشخاص تلك الأمور لتمكن المكلف من ايقاع غير المعيّن في ضمن معيَّن من ذلك الجنس ... الخ.\n(٣٨) سورة الحجرات: الآية ١٢.\n(٣٩) عبارة القرافي ﵀: \"ولْنذْكر من هذا الفرق (اى بين خطاب غير المعيَّن والخطاب بغير المعين) مسألتيْن: الأولى قوله تعالى: \"وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين\" يقتضى أن المامور هُوَ غير معين، وهو خلاف ما تقدم. وقد تقدم الكلام عنها.\nوالثانية قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، إشارة إلى ظن غير معين بالتحريم، والخطاب لغير المعين يجوز من حيث انه غير معين، غير أن هنا سؤالين ... الخ\n(٤٠) علق ابن الشاط على هذا بقوله: الطريقان (اى الجوابان) اللذان ذكرهما القرافي محتملان، والأول عندى أظهر وأقوى، . والله اعلم.","vol":"1","page":132},{"text":"إذا وقع مثل هذا فالمراد به توجُّه الخطاب لثمرته او لسببه، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٤١) فإن الرأفة - أيضا - أمر يهجم على القلب، فيتَعيَّن الحمل على الثمرة، وهى تَنقيصُ الحَدِّ\" (٤٢).\nومثال ما هو غير مقدور ويُحمَل على سببه قوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. (٤٣) يتعَيَّن ها هنا الحمل على سَبب المغفرة، وهو الطاعة، فيكون من مجاز التعبير بالمسبّب عن السبب، والأول من مجاز التعبير بالسبب عن السبب. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤٤)، إذ الموت لا يُنهى عنه، فتعَيَّن حملُه على سبَبٍ يقتضي حصول الموت على حالة الاسلام، وهو تقديم الاسلام قبل ذلك والتصميم عليه، وهذا كثير في كلام العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>القاعدة الخامسة:\nفي تقرير أنه ما ليس بواجب لا يُجْرِئُ عن الواجب</span>. (٤٥)\nبيان ذلك من حيث إن حقيقة الواجب تخالف حقيقة ما ليس بواجب.\nفالآتي بإحدى الحقيقتين مكان الاخرى كمن لم ياتِ بشئ أصْلًا. ولهذا نقول: إن صلاة ركعة الوتر لا تجزى عن ركعة من صلاة الصبح، وألْفُ دينار، صدقَةً، لا تجزى عن شاة وجبتْ عليه، وأمثال هذا، وكل ما جآء على هذا الحساب فقد جاء على الأصل، وما جاء على غير هذا فهو على غيْر الاصل.\nووقع في الذهب سبعُ مسائل يجرى قولٌ ممَّا قيل فيها على خلاف الأصْل.\n_________\n(٤١) سورة النور، الآية ١٢.\n(٤٢) في نسخة أخرى: وهى نقيض الحد. وَلِكِلَا اللفظين معنى ووجه، والأوّلُ أظهَرُ.\n(٤٣) سورة آل عمران. الآية. ١٣٣\n(٤٤) سورة آل عمران: الآية ١٠٢. أولهما قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n(٤٥) هم موضوع الفرق الثالث والخمسين بين قاعدة إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب، وبيْن قاعدة تعيُّن الواجب، جـ ٢. ص ١٩.","vol":"1","page":133},{"text":"١) الأولى: إذا توضَّأ مجدِّدًا، ثم ذكرَ أنَّهُ كان مُحْدِثًا، هلْ يُجْزئه أم لا؟ قولان، والصحيح في المذهَب عدمُ الإجْزاءِ.\n٢) وإذا اغتسلَ لجمعته ناسِيًا لجنابته، كذلك قولان. والمذهب عدم الإجْزاءِ.\n٣) وإذا نسِي لَمعة من الغَسْلة الأولى من وضوئه، وكان غسَلَهَا بنية الفرض، هل يجزئه إذا غسَل الثانية بنية السُّنة؟ قولان. والمذهبُ عدَمُ الإجزاءِ.\n٤) الرابعة: إذا سلم من اثنتين ساهيًا، ثم قام يصلِي ركعتين بنية النفْل، هل يجزئانِه عن ركعتي الفرض؟ قولان.\n٥) الخامسة: إذا ظن أنه سلم من فَرْضه، فَصَلَّى بقية صلاته بنية النافلة، هل يجزئه أو لا؟ قولانِ.\n٦) السادسة: إذا سها عن سجدة من الركعة الأولى وقام في خامسة، ساهيا، هل يجزئه عن الركعة التي نَسِي منها السجدة؟ قولان.\nالسابعة: إذا نَسِي طواف الافاضة وقد طافَ طواف الوداع، وراح إلى بلده أجزأهُ طواف الوداع عن طواف الافاضة. هذا هو الذى رأيت وقع في هذا القاعدة. (٤٦)\n_________\n(٤٦) علق الفقيه المدقق ابن الشاط على ما جاء عند الإمام شهاب الدين القرافي في هذه المسائل بقوله:\nهذه المسائل الثلاث الأولى من الطهارة، ويحتمل أن لا يكون القائل بالاجزاء في هذه بَنى قولَه على هذا الأصل، بل على أن كُلَّ واحد من المُوقِعِين لهذه الطهارات إنما أراد بها إحراز كمالها، والكمال في رأيه يتضمن الإجزاء، بخلاف رأى غيْره من أن الكمال لا يتضمَّنُ الإجزاء، فيكون الخِلافُ في الإجزاءِ وعدمه مبنيا على الخلاف في ذلك، فلا تكون المسائل الثلاثُ هذه من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب من هذا الوجه.\nويحتمل ألا يكون القائل أيضا بالإجزاء بنى قوله على ذلك الأصل، بل على أن الطهارة لا يشترط فيها تعْيين نية الفرض ولا نية النفل، فلا يكون على هذا من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب. وأما مسألة المسَلِّم من اثنتَيْن، والظان أنه سلم، فمن إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب عَلَى أحَد القولين.\nوأما المسألة السادسة فيحتمل ألا تكون من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب، من جهة أنه إنما قام في الخامسة لأداء بقية فرضِه فيما يعتقد.","vol":"1","page":134},{"text":"قلت: وقد فرض بعض الفقهاء في تمييز الفرق بين المُشْتَبهات مسألةً وقال: لِمَ لا تُصَلَّى الفريضةُ بتيَمم النافِلة كما جازتْ نيابَةُ النفل عن الفرض في\n_________\nوأما السابعة وهي ناسِي طواف الافاضة فمِن تِلك، (اى قاعدة اجزاء ما ليس بواجب عنْ الواجبِ، لكنه لم يذكر فيها قوليْن، وهي محل لاحتمال الخلاف، والله أعلم.\nقلت: وقد ذكر الففيه الجليل المتضلع، ابو الوليد محمد بن احمد بن رشد الحفيد في كتابه السهير (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) هذه المسألة فقال: \"وجمهور العلَماء على أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الافاضة إن لم يكن طافَهُ، لأنه طوافٌ بالبيت، معمول في وقت طواف الوجوب، الذى هو طواف الافاضة، بخلاف طواف القدوم.\nوقد تعرض الشيخ الفقيه الفاضل محمد على بن الشيخ حسيْن مفتي المالكية ﵀ لهذه السائل في كتابه تهذيب الفروق، المطبوع بهامش كتاب الفروق للقرافي، وذكر أنها إحدى عشرة مسألة فقال:\nوإنما جرى إجزاء غير الواجب عن الواجب - على خلاف الاصل، في إحدى عشْرة مسألة في المذهب، أشار اليها الشيخ ابو العباس احمد بن عبد الله الزاوي كما في كبير ميّارة على نظْم ابن عاشر بقوله.\nمسائِل يُجْزى نفْلُها عن فريضة ... شُذوذًا فلا تتَّبِع سوى قول شهرةٍ\nمجدِّدُ طُهْر ساهيا وهو مُحْدِث ... ولَمعةُ عُضْو طهَّرتْ بفضيلة\nوآتٍ بغسلٍ، ساهيًا عن جنابة ... نوى جُمعةً، واحْكُمْ لتارك سجدة\nمن الفَرض يأتي بالسجود لسهوه ... ومُبْطِلها ياتي بخامس ركعةٍ\nومن لم يسَلم ظن فيها سلامه ... وآتٍ بنفْل قبْل ختْم فريضةَ\nومنْ لم يسلم او يظن سلامه ... لِثالثةٍ، فافهم قد قام بصورة\nويجزي في المشهور من طاف عندهم ... طوافَ وداع، ذاهِلًا عن إفاضة\nوذو مُتْعةٍ قد ساق هدْىَ تطوع ... فُيجزى قد قالوا لِواجِب متعةٍ\nوقد قالهُ ابن الماجشون إذا رمَى ... جمارًا لسهو، لا يُعيدُ لِجمرة\nثم قال بعد ذلك في تهذيب الفروق بعد أن أورد هذه الابيات:\nوبيانها أنها علي ثلاثة اقسام:\n١) القسم الأول محتوٍ على ثلاث مسائلَ من الطهارة وقعت في المذهب على قولين بالإجزاء وعدمه، مشهورهما الثاني، وذكرها الأصل، (اى القرافي في مسائل هذا الفرق الثالث والخمسين من كتاب الفروق).\n٢) والقسم الثاني محتوٍ على خمس مسائل من الصلاة وقعت في المذهب ايضا على قوليْن بالاجزاء وعدمه، مشهورهما الثاني، ذكر الاصل منها ثلاثة، والرابعة اشار لها ابو العباس بقوله:\nواحكم لتارك سجدة ... من الفرض يأتي بالسجود لسهوه","vol":"1","page":135},{"text":"الحج؟ وذكر المسألة الآخِرة من المسائل السبع، فأجَابَ بما مقتضاه أن الأمر في الحج على غير الأصل، وكان ذلك للمشقة التى في إعادة فرض الحج وهو طواف الإفاضة، والمشقة مفقودة في الصلاة.\n_________\nيعنى: واحْكمْ بالاجزاءِ على مقابل المشهور لتارك سجدة من صلاة الفرض في حال اتيانه بسجدة سهوه في الصلاة قبل السلام أو بعْدَهُ. والخامسة اشار اليها بقوله:\nومن لم يسلم او يظن سلامه ... لثالثة قد قام، فافْهم بصورة\nيعْنى: وقن قام من ثانية فرض من غير أن يسلم أو يظن السلام لثالثة بنية النفْل ايضا، أما إن سلَّم أو ظَنَّ السلام فهما المسألة الاولى والثانية من هذا القسم، ولذا قال: \"فافْهَمْ بصورة\".\nوالقسم الثاني محتوٍ على ثلاث مسائل من الحج وقعَتْ في المذهب ايضا على قوْليْن: بالاجزاء وعدمه، لكن المشهور منهما هنا الإجزاء، ذكَرَ الاصل (اي القرافي في هذا الفرق) منها واحدة هي مسألة نسيان طواف الافاضة وقد طاف هذا الناسى طواف الوداع وراحَ إلى بلده، وذكر ابن الشاط ان القرافي ذكرها وأورَدها، ولم يحك فيها قولين، وهى محل لاحتمال الخلاف.\nقال الشيخ محمد علي بن حسين في تهذيبه هذا على الفروق هنا في هذه المسألة: وقد صرَّح بالخلاف فيها كغيرها، وأن المشهور منْهما الاجزاء، قولُ ابي العباس الزواوي:\nويجزئ في المشهور من طاف عندهم ... طواف وداع، ذاهلا عن إفاضة.\nالمسألة الثانية من المسائل الثلاث في هذا القسم اشار اليها ابو العباس الزوار بقوله:\nوذو متْعة قد ساق هدْى تطوع ... فيجزي قد قالوا لِواجب مُتْعَة\nيعنى أن المعتمر إذا ساق هدْي التطوع في عُمْرته، فلمَّا حلَّ منها ووجبَ نحره الآن أخّرَهُ ليوَم النحر، ثم بَدَاله وأحرم بالحج، وحج من عامه ذلك وصار متمتعا، فإن هدْى التطوع يجزئه عن متعته (وتَمتُعه) ولو لم ينو عند سَوْقه أنه يجعله في مُتْعَتِهِ على تاويلِ سَندٍ، وهو المذهب، كما اجزأ عن قِرَانه كما في حاشية شيخنا على توضيح المناسِك للوالد رحمه الله تعالى.\nالثالثة أشار لها ابو العباس الزواوي بقوله:\nوقد قال ابن الماجشون إذا رمى ... جمارًا لسهوٍ لا يعيد لجمرة\nأي إذا نسى جمرة العقبة، ثم رماها ساهيا كما وقع ذلك لعيد الملك ابن الماجشون كما في كبير ميارة على ابن عاشر.\nقال صاحب التهذيب على الفروق: ويوخَذُ من قول شيخنا في حاشيته: كما أجزأ (اي هدي التطوع عن قِرانه) زيادة مسألةٍ رابعةٍ في هذا القسم، ونَظَمْتُهَا في بيت يُلحَقُ بنظْم أبي العباس المذكور بقولي:\nوزدْ قارنا يجزيه هدْيُ تطوع ... بواجب هدْى للقِران كمتعة\nومن هنا اشتهر أن تطوعات الحج تجرى عن واجب جنسها، فتكون جملة النظائر اثنتى عشرة مسألة: أربعة من إِجزاء ما ليس بواجب عن الواجب شذوذًا على احتمال، واربعة من ذلك شذوذًا بدون احتمال، وأرْبعة من ذلك على مشهور المذهب. وما عدا هذه النظائر فهو جارِ علىَ الاصل من عدم إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب اتفاقًا. اهـ.","vol":"1","page":136},{"text":"قال شهاب الدين ﵀:\nوأما العبد والمسافر والمرأة ويُصَلون الجمعة فليست صلاتهم من هذا القبيل، أعني أن يقال فيها: أجزأ غير الواجب عن الواجب، بل الواجبُ عليهم إحدى الصلاتيْن: إما الظهر وإمّا الجمعةُ، والواجبُ القدْرُ المشترك بين الصلاتين (٤٧)، فإذا صَلَّوْا الجمعةَ فقد أتوْا بإحدى الصلاتيْن، وذلك الواجب عليهم، وتعيَّن ذلك المشترك في أحد نوعيه، كمسألة خِصال الكفارة، فهذا عنده من بَابِ تعيين الواجب، والمسائل المذكورة قيل هذا من باب إجزاء ما ليس بواجب عما هو واجب.\nقلت: قول شهاب الدين ﵀ ليس خلاف مَا نصَّ عليه الفقهاء. نصّ أبو عمرو ابن الحاجب في كتابه في الفقه في باب القصر أن المرأة والعبد ينتقلان، لأنه يقال: المراد بالانتقال المذكورِ انتقاله من الإبهام إلى التعْيين.\nويمكن أن يقال: إنه خلافه، والراد ينتقل من فرْضيةِ الظهر إلى الجمعة، وليْسَتْ من باب تعْيين الواجب على هذا، ولكنه ليس فيها إجزاء ما ليس بواجبٍ عن الواجب، على كل قول، والله أعلم.\nقال شهاب الدين ﵀: ويتمهَّد الفرق بين إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وبين تعيين الواجب بأربَع مسائِل:\n_________\n= أقول: وانما تتبعت هذه المسائل ونقلتُ ما فيها عند ابن الشاط، وفي تهذيب على الفروق على ما فيها من طول، ورمما على ما في الاتيان بِهَا كلها من خروج عن طبيعة التعليق على المسائل، فان شأنه ان يكون قصيرا وبالقدر الضروري، حتى لا يخرج الكتاب الاصلي عن حجمه، نظرا لأهمة هذه المسائل، وبقصد استذكارها واستحضارها، وبيان المشهور فيها في المذهب من خلال اقوال العلماء وفقهاء انذهب المالكي ﵏ ورضي عنهم ونفعنا بِعلمهم وبِفقههم، ورحِمَ كافة اهل العلم والفقه في الدين.\n(٤٧) علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي هذا بقوله: ليس القدر المشترك هو مفهوم إحداهما، بل مفهوم إحداهما واحدة غير معيَّنة من الصلاتين.","vol":"1","page":137},{"text":"المسألة الأولى: العبد لا يؤم في الجمعة، لأن المذهب أن المفترِض لا يأتَمُّ بالمتَنَفِّل، وقيل: يَؤُمُّ، لأنه إذا حضرَهَا صار من أهْلِها وَوَجَبَتْ بالشروع عليه فصار مفترِضا، فما ائَتَمّ المفترض إلا بمفترض فقيل: إن تكبيرة الإحرام للجمعة لا تجب عليه فقد وقع ائتمام المفترِض بالمتنفِّل، فأجابوا عن هذا بأن تكبيرة الإحرام، لها عمومٌ وخصوص. فمِن حيث عمومها هى واجبة على العبد، ومن حيث إنها للجمعة لا تجب، وباعتبار العموم ائَتَمَّ المفترض بالمفترِض.\nوقال شهاب الدين ﵀:\nهذا الذي قالوه، من أن العبدَ عليه تكبيرة الإحرام، وهي أعمُّ من أن تكون بِظُهْرٍ وبجمعةٍ، فإذا صلَّى الجمعة فقد خصصها، وذلك الخصوصُ غيرُ واجب عليه، والعموم هُو واجب عليه، ومن تلك الجهة صحَّ الائتمام، يلزمهم في جميع أركان الصلاة من ركوع أو سجودٍ أن يُعتبَر فيها هذا المعنى، فيكون العبْدُ قد أتَى بخصوص، وذلك غير واجِب عليه ومن حيث إن السجودَ سجود أتَى بما يجب عليه والجزء الخُصُوص، والعمومُ واجب عليه، فقد ائتم المفترِض بالمتنفِل.\nقلت: لا يلزم الفقهاء هذا، فإنهم قالوا: بالشروع وجبت، فقد انتقَل للجُمعة وصار مساويًا فيها للحر، من حيث الخصوصُ والعموم.\nنعم، إنه يقال: لم يكن في تكبيرة الإحرام مساويا للعُموم فيقال: جاز ذلك، بناءً على أن الواجب في النية أن ينويَ الفريضهّ المطلَقة أو ينوى الفَريضَة المعَيَّنة بالركعات، وفي المذهب خلاف، وهذا جاء على الفريضة المطْلقة، والصلاة واحدةٌ في نفسها، أعْنى الظهر، والجمةُ ليست كالظهر والعصر، والله أعلم. (٤٨)\n_________\n(٤٨) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة بما يزيدها وضوحا وتحقيقا فقال:\nما قاله القرافي فيها غير صحيح، فإنه جعلها من الواجب المخيّر، ومُوقِع نوعيْ الواجب المخيّر أو أنواعه لا يُوقِع إلا واجبا، فالعبد إذا اختار إيقاع الجمعة لا تقع الا واجبة، فالحرُّ إذا اقتدى به لم يكن مفترضا إئتم بمتنفل، فينبغي أن يصح اقتداؤه به.","vol":"1","page":138},{"text":"قلت: وهذه المسألة تؤْذِن بخلاف ما قاله، من أن الثلاثة الواجب عليهم شئ (وهم المسافر، والعبد، والمرأة) لهم التعيين، بل ظاهر هذا أن هذه المسألة على هذا القول من باب إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب بحسب قولهم انها وجبتْ بالشروع، اذْ هذا تصريح بأنها كانت غير واجبة، ثم لما شرعوا وجبت، لقوله تعالى: \"ولا تبطلوا أعمالكم \"، (٤٩) كما في النوافل كلها، تجب بالشروع، والله أعلم.\nالمسألة الثانية:\nالمسافر في رمضان يجب عليه أحد الشهرين: إما شهر الأداء، واما شهر القضاء، فإذا اختار صَوْمَ رمضانَ فهو فاعل لخصوص غير واجب، وهو كونُه رمضانَ، وعمومٍ واجب وهو كَونهُ أحَدَ الشهرْين، فأجزأ عنه من جهة أنه أحدُ الشهرين، لا مِن جهة كونِهِ رمضان. (٥٠)\nوكذلك إذا اختار شهر القضاء، فخصوصه ليس واجبا عليه، غير أنه متعين عليه خصوص القضاء لتعذر غيره، لا أنه واجب بخصوصه،؛ يتعيَّنُ آخر وقتِ الصلاة لتعذر ما قبله، وتعيَّنَ غيرُه لأنهُ واجبٌ بطريق الأصالة، وليس قضاء المفَرط هكذا، بل قضاؤه واجب بخصوصه وعمومه (٥١).\n_________\n= وما قاله القرافي من أن الخصوصات غير واجبة، مسلَّمٌ، لكن من حيث هي خصوصات معيّنات لا من حيث هي داخلة تحت العموم، فإن العموم على ما التزمه هو واجب، وهل يُمكن إيقاع العام من حيث هو عامٌّ؟ هذا لا سبيل اليه، وإنما يقع من حيث الخصوص الشخصى، خاصة لا يمكن ذلك بوجه، فالعام على هذا لا يقع إلا في الخاص، وهذا كله مجاراة له (للقرافي) على تسليم أن الوجوب في الواجب المخيَّر يتعلق بالمعنى العام، من حيث هو عام، وذلك عند التحقيق غير صحيح، وانما هو - أعنى الوجوب - متعلق في الواجب المخيَّر بواحد غير معين مما فيه المعنى العام الذي يقال له المشترك. وعلى هذا لم يتعلق الوجوب المخير إلا بخصوص، لكنه خصوص غير معيَّن من قبل الآمر، وتعيينه موكول إلى خِيرَة المامور، هذا هو الصحيح لا ما سواه. اهـ.\n(٤٩) سورة محمد. الآية ٣٣.\n(٥٠) عقب ابن الشاط على كلام القرافي هنا فقال: ما قاله هنا ليس بصحيح، بل إذا اختار صيام رمضان فهو فاعل لخصوص واجب. وكيف لا يكون واجبا وهو قد عيَّنه لإيقاع الواجب كما فرض الله تعيينه. وقوله، فأجزأ عنه من جهة انه أحد الشهرين، صحيح. وقوله: لا من جهة كونه رمضان، غير صحيح، وهل رمضان إلا أحد الشهرين، وهل احد الشهرين إلا رمضان\". اهـ.\n(٥١) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي هنا صحيح.","vol":"1","page":139},{"text":"قلت: هذا التفريق لا ينبغي، من حيث إنه لا يقال: قضاء المفَرط باعتبار الحال قبل التفريط، وإنما يقال بعد وقوع التفريط وفواتِ صوم شهر رمضان. واذا كان كذلك فالقضاء واجب بخصوصه وعمومه، وكذا المسافر إنْ اعتبرناه بعد خروج رمضان، قضاؤُهُ واجبٌ بعمومه وخصوصه، فلو اعتبرنا المسافر قبل فوات رمضان فحينئذ يكون له القضاء والأداء، ويكون ما قاله لم يجب عليه خصوص واحد، ولكنه وجب عليه أحد الشهرين، واللهُ أعلم. (٥٢)\nالمسألة الثالثة:\nالمريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا يَخْشَى معها على نفسه ولا عضوٍ من أعضائه، فهذا سقطَ عنه الخطاب بخصوضِ رمضان، ويبقَى كالمسافر مُخاطَبًا بأحدِ الشهرين، فإن خَشي على ما ذُكِر حَرُمَ عليه الصومُ، فإن أقْدَمَ على الصوم مع ذلك فلا يمكن أن يقال: إنَّه غَيَّر (٥٣) الواجبَ كما يقال للمسافر، ولكن يقال: هل يجزئ عنه؟ قال الغزالي (٥٤) ﵀: يحتمل عدم الإجزاء، لأن المحرم لا يجزئ عن الواجب، ويحتمل الِإجزاء كالصلاة في الدار المغصوبة، فانه متقرب بترك شهوتيْ فمه وفرجه، جانٍ على نفسه، كما أن المصلي متقربٌ، وجَانٍ على صاحِب الدار. (٥٥)\n_________\n(٥٢) علَّق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي في آخر هذه المسألة بقوله: أما قوله: ان القضاء على المفَّرط واجب بخصوصه وعمومه بسبب واحد فصحيح.\nوأما قوله: وعلى المسافر بسببين: أحدُهما رؤية الهلال فإنها اوجبت العموم الذي في القضاء وهو كونه أحد الشهرْين، فلمْ توجبْ الرؤية العموم، فإن العموم من حيث هو عموم لا يتعلق به الوجوبُ، وليس العموم هو كؤنه أحد الشهدبْن، بل أخد الشهرين خصوص غيْرُ معَيَّنٍ.\n(٥٣) في نسخة ح: عيَّن، كما يظهر من كتابتها.\n(٥٤) \"أي في كتابه المستصفى في علم الاصول كما ذكره القرافي ﵏ أجمعين\".\n(٥٥) عقب ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة الثالثة بقوله: ما قاله القرافي من أن الواجب أحدُ الشهرين، وأنه يتعين القضاء عند تعذر الأداء، صحيح. وقوله: فإن أقدم وصام وفعل المحرم، لا يمكن أن يقال إنه غيَّر الواجب عن عمومه، وقال عن كلام الغزالي: إنه تخريج حسن، قوْل ظَاهرٌ.","vol":"1","page":140},{"text":"المسألة الرابعة:\nقال مالك: إذا صلى الصبيُّ في الزوال ثم بلغ في القامة وجبَ عليه أن يصَلِىَ مرَّةً أخْرَى، لأنَّ الوُجُوبَ تَرَتَّب عليه حينَئذٍ، وما كان صلَّاة ليس بواجب، وغيْر الواجِب لا يجزئ عن الواجب. وقال الشافعي: لا يعيد، لأن الصلاة قد وقعَتْ بعد سببها، ولم يخاطَبْ أحد بصلاتين لِسبب واحد.\n\nالقاعدة السادسة (٥٦)\nنقرر فيها أنه أشياء جاءتْ في الشريعة، يُتَوَهّمُ أنها ناقِضَةٌ علينا القاعدةَ الخامسةَ، وهي أن ما ليس بواجب لا يجزئ عن الواجب\nفمن ذلك أن الزكاة إذا عجلت قبل الحول، إما بالشهر ونحوِه عندنا، وإما في أول الحول عند الشافعي، فهو قول بإجزاء ما ليس بواجب عن الواجب، فإن دَوَرَانَ الحَوْل شرط في الوجوب وهو لم يقع، والمشروطُ لا يتقدم شرطَه، فنقولِ:\nالفرق أن هذا جاز من حيثُ إنه إن لم تكن الزكاة واجبةً في الحالِ فهِى واجبةٌ في المآلِ، والمُخرِجُ إنما قصَدَ بالِإخراج الوجُوبَ. بخلاف صدقة التطوع عن الواجب، إنما قَصَدَ التطوعَ، فلم يُجْزِ فيها وفي أمثالِها مَا ليس بواجب عن الواجب، وهنا أجزأ، لأن لذلك الشئ اعتبارا أنه واجبٌ، وذلك في المآلِ، وإن لم يكنَ واجبًا في الحالِ، والذي قَبْلَه ليس بواجب في الحال ولا في المآل، ولذلك قلنا: لا يُجْزِئ، والله أعلم.\nولْنَذْكُرْ مسألتين (٥٧):\n_________\n(٥٦) هى موضوع الفرق الرابع والخمسين بين قاعدة ما ليس بواجب في الحال والمآل وبين قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل جـ ٢ من كتاب الفروق ص ٢٤.\n(٥٧) هاتان المسألتان نص عليهما الامام القرافي ﵀، وذكرهما في كتابه الفروق أثناء الكلام على هذا الفرق ٥٤، ذلك ان عبارة الشيخ البقورى ﵀ توصى وتفهم في أول الأمر أنهما من زياداته وإضافاته للكتاب الأصلى، فكان من الأنسب التنبيه إلى مثل هذه المسألة.","vol":"1","page":141},{"text":"المسألة الأولى: قال جماعة من الحنَفِيَّةِ: يتعلق الوجوب في الواجب الموَسَّع بآخِرِ الوقت، والمعجَّل قبْلَ ذلك نفْلٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الفرض، فقال لهم الأصحابُ: لَوْ صَحَّ ذلك لَصحَّ أن يصلى قبل الزوال ويُجْرِئ عنه، فيكون نفْلًا سَد مَسَدَّ الفرض، وهو خلاف الإجماع، فكذلك بعد الزوال، لا نحصار الوجوب عندكم في آخر القامة فيكونُ إيقاعها في الوقتين على السواء، إذْ لم تجب فيهما وإنما وجبت في آخره. فإن قالت الحنفية: جاز بعد الزوال من حيث إنه لم يقصد بصلاته - حينئذ - التطوع، وانما قصد الواجب في المآلِ، قيل لهم: ويقصِدُ قبل الزوال الواجبَ في المآل لا التطوعَ، ولم يقل أحد بجواز ذلك.\nفأجاب شهاب الدين ﵀ عن الحنفية بأن قال: من شرط إجزاء ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل - عن الواجب، أن يكون سببه قد تقدم، وتأخَّر الوجوب لشرط أو غيره كما الأمر في الزكاة، فإنه وُجدَ سبب وجوب الزكاة، وذلك النصابُ، وتأخر الشرطُ وذلك الحَوْل فجاز، كَذلكْ هنا وُجِدَ سببُ الوجوب وهو الزوال، وقَبْلَ الزوال ما وُجِدَ السببُ، فوقع الفرق، فصح إجزاءُ ما قالوه، ولم يَلْزَمْهُمْ القولُ بإجزاء ما ألْزَمُوه. (٥٨)\nالمسألة الثانية:\nزكاة الفطر يجوز تعجيلها قبل غروب الشمس بيومين أو ثلاثة، لما قُلناه من أنها واجبة في المآل.\nفإن قيل: هذا يقوي الإلزام على الحنفيَّة بأن أخراجها قبل الفِطر كإيقاع الصلاة قبل الزوال.\nفالجواب أن لها سببين: غروبَ الشمس آخِرَ يوم من رمضان، والوقت\n_________\n(٥٨) عقب الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق من أوله إلى آخره فقال: ما قاله من احتمال الخلاف ظاهر، وما قاله من الجواب عن السؤال لا باس به. والأصح نظر امتناع التقديم في الزكاة، ولزوم عدم الاجزاء في مسألة الحنفية، فيصادمهم الإِجماع، والله أعلم. اهـ.","vol":"1","page":142},{"text":"الموجودَ في رمضان، لقوله - ﷺ -: \"هي طُهرةٌ للصائم\" (٥٩). فمن أخرجها قبل الغروب بيومين او ثلاثة، فقد أتى بها متوسطة بين سببيْن، والمسبَّبُ يقع وسطا بين سبَبَيْه، فيه خلاف، فليست المسألة كمسألة ايقاع الصلاة قبل الزوال.\n\nالقاعدة السابعة (٦٠)\nنقرر فيها الميْز بين ما يثاب عليه من الواجبات، وبين ما لا يثاب عليه منها، وإن وقع واجبًا.\nاعْلَمْ أن الماموراتٍ على قسمين:\n١) قسم منها، صورة فِعْلِهِ كافيةٌ في تحصيل مصلحتهِ وإن لم يُقصَد به التقرب، وهذا كأداء الديون، وردِّ الغُصُوب وما أشبه ذلك.\n٢) وقسمٌ آخر لا يقع واجبا الا مع القصْد والنية كالصلاة والصيام والحج\n_________\n(٥٩) اخرجه كل من أئمة الحديث: ابو داود وابن ماجة، والدارقطنى عن عبد الله بن عبَّاس ﵄ قال: \"فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر، طُهرة للصائم، من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أدَّاها قبل الصلاة (أى صلاة العيد) فهى زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات \"، وذلك يعنى الترغيب في التعجيل بإخراجها، والتحذير من التهاون فيها، فإن ذمة مخرجها، سواء قبل الصلاة (وبعدها) تبرأ فها، وينال عليها الثواب والاجر في كلتا الحالتين عند الله تعالى، ولكن ثواب من أخرجها قبل صلاة العيد يكون أعظم أجرًا وخيرًا والله أعلم.\n(٦٠) هى موضوع الفرق الخامس والستين من كتاب الفروق: جـ ٢. ص ٥٠، ويتجلى فيها الاختصار كما يظهر ويتجلى في غيره من القواعد بالمقارنة مع ما في كتاب الفروق الذى هو أصل لهذا الكتاب، إذ الاختصار أحد الاسس التى بنَى علها الشيخ البقوري كتابه الترتيب، فأجاد وأفاد ﵀، ورحم شيخه القرافي، ورحم سائر الائمة والعلماء المسلمين وكافة المومنين.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي في اول هذا الفرق، فقال: إن الذي يؤدي دينه لا يخلو أن ينوى بأدائه امتثال أمر الله تعالى بذلك أو لا، فإن نوى ذلك فلا نزاع في الثواب، وان لم ينوه فلا يخلو أن ينوى سببا للأداء غير الامتثال كتخوفه ألَّا يداينه أحد إذا عرف بالامتناع وما اشبه ذلك أولا، فإن نوى بالأداء شيئا غير الامتثال فلا نزاع ايضا في عدم الثواب، وإن عَري عن نية الامتثال ونية سبب غيره ولم يَنْو إلا مجرد أداء دينه: فلقائل أن يقول: لا يحْرَمُ صاحبُ هذه الحالة الثواب، استدلالًا بسَعة بابه، والله أعلم.\nوعلق عما قاله في القسم الثاني بأنه صحيح.","vol":"1","page":143},{"text":"وغير ذلك مِمّا شُرِط فيه النية، فهذا لا يُعْتَدُّ بفعله إلا إذا وقع منْوِيًا، فحينئذ يقع واجبًا ويثاب عليه.\nوالقسم الآخر إذا وقَع بغير نيةٍ أجزأ عن الواجب ولا ثوابَ عليه، فإن فعل بنيةٍ أجزأ عن الواجب وأثيب عليه، وظَهَر من هذا أنه مبني على أن القَبُولَ غَيْرُ الإجزاءِ وهو الحقُّ. فالمُجزئ من الأفعال ما اجتمعتْ شرائطه وأركانهُ وانتفتْ موانعه، فهذا يبرئ الذمة بغير خلاف. وأما الشاب عليه فالحقُّ عدم لزومه، وأن الله تعالى قد يُبْرئ الذِّمة ولا يُثيب في بعض الصور، وهذا معنى القبول، ويدل على ذلك أمورٌ:\nأحدها: قوله تعالى: \"انما يتقبل الله من المتقين\" (٦١) في قضية ابنَيْ آدم، (٦٢) اذْ الظاهرُ أنهما تساويَا في العمل فكان ما ييرئ الذمة حاصلا، ومعَ ذلك لم يتقبل من أحدهما وتَقبَّل من الآخر بوصف باطني حميل في أحَدِهما، وذلك التقوى.\n_________\n(٦١) سورة المائدة: الآية ٢٧.\nوقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في الاستدلال بتلك الآية، ولخصه البقوري في هذه السألة، فقال: \"قول القرافي بأن هنا قاعدة، وهي أن القبول غير الإجزاء وغيرُ الفعل الصحيح، وأن العمل المُجْزئ قذ لا يُقْبَل وإن برئت الذمة به وصحّ في نفسه، مستدلا بالآية السابقة وبالآيات التى أوردها بعدها، يلاحظ عليه أن المسألة قطعية لا يكفي فيها مثل هذا الدليل، وعلى تسليم أنها ظنية، لقائل أن يقول: ليس المعنى الذى تأوله من الآية بظاهر، لاحتمال أن يريد بالتقوى الإيمان على الإطلاق، والايمان الموافي عليبما. وعلى تسليمه لعله كان شرْعًا لهم اشتراط عدم العصيان في القَبول. ثم جميع الايات والاحاديث المتضمنة لوعد المطيع بالثواب معارضة لذلك الظاهر إن قلنا أن شرع من قبلنا شرع لنا\". اهـ كلام ابن الشاط في هذه المسألة ﵀. ثم قال بعد ذلك: ما قاله القرافي من ان ذلك كله (اى التفضيل في الأجر والثواب) مشروط بالتقوى مسَلَّمٌ، لكن بمعنى الموافاة على الايمان لا بمعنى مجانَبَة العصيان\". اهـ\n(٦٢) في نسخة ح: في قصة ابنى آدم. (وذلك اشارة إلى قوله تعالى في الآية السابعة والعشرين من سورة المائدة، خطابا لنبيه ورسوله سيدنا محمد ﵊: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ..","vol":"1","page":144},{"text":"وثانيها: طلب إبراهيم واسماعيل - ﵉ - ذلك عند العمل، حيث قالا: \"ربنا تقبل منا\" (٦٣).\nوثالثها: قوله - ﷺ -: \"اللهم تقبل من محمد وآل محمد، وذلك عند ذبْحه الأضحية.\nومن الدليل على هذا كثرة، ويظهر من قوله - ﷺ -: \"صلاة في مسجدى هذا خَيْرٌ من الف صلاة في غيره\" (٦٤) التفضيل لا بإطلاق، ولكن بشرط التقوى، ومن قوله - ﷺ -: \"صلاة الجماعة تفْضُلُ صلاة الفذ بكذا (٦٥) أنه بإطلاق.\nقلت: ادّعاء التقييد في الحديث الأول، وأنه الظاهر، غيرُ ظاهر. نعَمْ الاطلاق في الثاني هو الظاهر، والله أعلمُ.\nقلت: إن صحت هذه القاعدة أبطلت (٦٦) الحدود المذكورة للأصوليين في انواجب، فهم يميزونه بالثواب والعقاب (٦٧). وهذه القاعدة - إن صَحَّتْ - ترُد ذلك من حيث إنه يخرج عن الحد ما هو منه، وهو فساد في الحدودِ، والله أعلم.\n_________\n(٦٣) سورة البقرة: الآية ١٢٧: \"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع الحليم\".\n(٦٤) اخرجه الامام احمد ﵀ بلفظ أن النبى - ﷺ - قال: صلاة في مسجدى هذا أفضل من الف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام افضل من صلاة في مسجدى هذا بمائة صلاة\". اهـ.\n(٦٥) اخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله بلفظ: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة\" متفق عليه، عن ابن عمر ﵄.\n(٦٦) في نسخة ح: بطلت (بالفعل الثلاثي والمعنَى على كليهما صحيح وسليم.\n(٦٧) حيث يقال في حد الواجب وتعريفه عند علماء الأصول وغيرهم:\nالواجب هو ما يثاب على فعله ويعاقَبُ على تركه، ذلك أن الامر به من الشارع أمرٌ حتم ولازم. والمراد بالقاعدة المشار إليها هى القاعدة السابعة من القواعد الاصولية عند البقورى، وهى الفرق الخامس والستون من الفروق عند القرافي، والتي موضوعها - كما سبق بيانه في اولها - التمييز والفرق بين ما يثاب عليه من الواجبات وبين مالا يثاب عليه وان وقع واجبا. وهذه القاعدة الاصولية صحيحة، ويظهر انها لا تخرج الحدود والتعاريف المذكورة للواجب، ولا تتنافى معها عند النظر والتأمل، والله أعلم.","vol":"1","page":145},{"text":"القاعدة الثامنة (٦٨)\nنقرر فيها ضَعف ما مضى الناس عليه في تحديد الأداء والقضاء، ثم نذكرُ الحَدّ الذي يَصْلُحُ لَهما، فأقول أولا:\nالجاري عند الناس أن الأداء كنايةٌ عن إيقاع الفِعلِ في وقته المحدُود له، والقضاءُ كناية عن ايقاع الفعل بعد خروج وقته المحدود له. وهذا ينتفض بالأمر الفَوْري، كَرَدِّ الغصوب والودائع، فإن الشرع حدد له (٦٩). زمان الوقوع، فأولُهُ أوَّلُ زمانِ التكليف، وآخرهُ الفراغ منها بحسبها في طولها وقصرها، فزمانه محدودٌ شرعًا، مع انتفاء الاداء والقضاء عنها في الوقت وبعده، فيبطل حَد الأداء فإنه يتناولها وليست أداء، ويَبطُل حد القضاء، فإنه يتناولها وليْسَتْ قضاءً والأوْلى أن يقول: الأداء إيقاع الواجِبِ الأدآء في وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقتُ بالأمر الاول. والقضاء إيقاع الواجب خارج وقته الذى حدّ له شرعا لأجل مصلحة فيه بالامر الثاني.\n_________\n(٦٨) هى موضوع الفرق السادس والستين بين قاعدة ما تعَيَّن وقته فيوصَفُ بالأداء، وبعدهُ بالقضاء، وبيْن قاعدة ما تعَيَّن وقته ولا يوصَفُ فيه بالأداء، ولا بعْدَهُ بالقضاء، والتعيين في القسمين شرعى\" وفيه يقول الامام القرافي ﵀: \"إعْلَمْ أن هذا الموضع وهذا الفرقَ لم أرهُ لأحد من العلماء، فيما رأيته، ولم يقع التصريح به فيما وجدته ولا التعريض، بل التصريح في حد الاداء والقضاء بضده في كتب الاصول والفروع، فيقولون في حد الأداء هو: إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعا، وفي حد القضاء هو: إيقاع الواجب خارج وقته المحدود له شرعا، وهذان التفسيران باطلان بسبب أن الواجبات الفورية كرد الغصوب والودائع إذا طلبتْ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقضية الحكام إذا نهضت الحجاج، كل ذلك واجب على الفور، ومع ذلك لا يقال لهذه إنها اداء إذا وقعت في وقتها، ولا قضاء إذا وقعت بعده، فإن الشارع حدد لها زمانا وهو زمان الوقوع. جـ ٢. ص ٥٥.\nولم يعلق عليه ابن الشاط بشئ من التحقيق والتصوب كعادته مع اغلب قواعد القرافي رحمهما الله جميعا.\n(٦٩) في نسخة ح حدد لها، (بضمير التأيث على تلك الامثلة، وهو ما في كناب الفروق أيضا، ويتناسب مع بقية الكلام بالضمائر المؤنثة، ولعل الضمير بالتذكير في له كما في نسخة ع يعود إلى المصدر الذى هو الامر الفوري، أو ردّ الغصوب والودائع، والأمر سهل ما دام المعنى جليا واضحا.","vol":"1","page":146},{"text":"فقولنا: في وقته، يخرج القضاء، وقولنا: المحدود له، يخرج المقيَّد بجميع العُمر، وقولُنا: شرعا، احترازا ممّا يحدده أهل العرف، وقولنا: لمصلحة اشتمل علها الوقت، يخرج النقيض المذكور. وهذا من حيث إن ما عينه الشرع كرمضان للصوم، والزوال للظهر، ذلك كله لمصلحة، فيها وإن كنا لا نَعْلَمُها. وتعْيين الفَوريات ليس كذلك، بل يتْبع المامورات وطَرَيان الاسباب، فالغربق - لو تأخر سقوطه في البحر تأخر الزمان، أو تعجل، تعجّل الزمان قبل ذلك، وليس القصد إلا حصولَ ذلك، وليس لزمان خصوصيةٌ في ذلك.\nوقولنا في القضاء: بالأمر الثاني، وفي الأداء: بالامر الأول، لأن القضاء واجب بأمر جديد، وبهذا يَسْلَمُ من نقضٍ، وذلك أن شهر رمضان إذا تعذَّر صومه، فالله تعالى عَيَّن ما بعده إلى رمضان وقْتًا لقضائه، فيصْدق عليه ايقاع الفعل الواجب في وقته المحدود له شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت، كما يصدق على الأداء فإذا قلنا: بالأمر الأول، خرج القضاء، وإذا قلنا: بالأمر الثاني، خرج الأداء، وصدق على القضاء.\nثم اعْلَمْ بعد هذا أن القضاءَ لفظٌ مشتركٌ، يُقال على معانٍ مختلفةٍ، فيقال: قُضى الفِعل، إذا فعِل، ومنه: \"فإذا قُضِيَتْ الصلاة\" (٧٠)، وهذا معنى لغوي، ويقال على ما قلناه وحددناه، ويقال على إيقاع الواجب بعد تَعَيُّنِه بالشروع، ومنه حَجّة القضاء (٧١)، وقضاءُ النوافل بعد الشروع فيها.\nويقال على ما وقع على خلافِ وضْعه في الشريعة، مع قطع النظر عن الوقت والتعَيُّن بالشروع، ومنه قضاء الماموم، لأن الركعتين الأخِيرتين من العشاء،\n_________\n(٧٠) سورة الجمعة، الآية: ١٥\n(٧١) المعروف في كتب الحديث والسور النبوية عُمرة القضاء، لا حَجة القضاء إلا أن يطلَق ذلك من باب التجوز، والنظر إلى أن العمرة تشمل على بعض مناسك الحج. والله أعلم، والمراد عمرة القضاء التي أداها النبي - ﷺ - وصحابته الكرام في السنة السابعة من الهجرة بعد ما حال الكفار دون دخوله إلى مكة وادائه للعمرة في السنة السادسة من الهجرة.","vol":"1","page":147},{"text":"إذا صُلِّيتا جهرا فهو خلاف الوضع الشرعي، وكون اللفظ مشتركا ثمَّ يُحَدَّدُ بِمعنى واحدٍ مِمَّا يَدُلُّ عليه، لا يضرنا ولا يقدَحُ في فِعلنا.\nثم لِتعلمْ أن العبادات على ثلاثة أقسام:\nمنها ما يوصف بالأداء والقضاء، كالصلوات الخمس ورمضان، ومنها مالا يوصف بهما كالنوافل، ومنها ما يوصف بالأداء فقطْ كالجمعة.\nفائدة:\nعلى ما ذكرناه في الحدَّيْن المذكورين تَعَيَّنَ أن مذهب الغزالي أرجح من مذهب القاضى فيمن غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر الوقت، فيَضيقُ الوقت لأجل ذلك، ثم إنه عاش إلى آخره، هل يصليها أداءً كما قال الغزالي، أو قضاء كما قال القاضى؟ الأرجح ما قاله الغزالي، لأن تعيين الوقت لم يكن لمصلحة فيه، وإنما\nكان لظن كاذب، واللهُ أعلم.\n\nالقاعدة التاسعة (٧٢)\nنقرر فيها صحة القول بالأداء الإِثم، إذ أشْكَلَ ذلك على كثير من الناس، وَقالوا: كيف تكون العبادة أداءً، وفاعِلُها آثِمٌ.\nوبيان ذلك أن الله تعالى جعل أرْباب الأعذار يدركون الظهر والعصر عند غروب الشمس، بإدراك وقتٍ يسَع خمس ركعات في الحضَر بعد ما تحتاج اليه الصلاة من طهارة وغير ذلك. ووقع الاتفاق على أن ما خرج وقته قبل زوال العذر\n_________\n(٧٢) هى موضوع الفرق السابع والستين بين قاعدة الأداء الذي يثبتُ معه الإثم، وبيْن قاعدة الأداء الذي لا يثبتُ معه الإثم، جـ ٢ ص ٣٩.\nوقد قال القرافي في أوله: اعلمْ ان هذا الفرق قدَ أَشكل على جماعة من الفقهاء واستشكلوا كيف تكون العبادة أداء وفاعلها آثم. وسرُّ الفرق في ذلك أن الله تعالى جعل ارباب الاعذار يدركون الظهر والعصر عند غروب الشمس بإدراك وقت يسع خمس ركعات في الحضر ... الخ. وعلق عليه ابن الشاط فقال: ما قاله القرافي صحيح، على تقدير أن اصطلاح الفقهاء موافق لتحديده الأداء، والا فهو اصطلاح اخترعه، وما قاله أيضًا صحيح على تسليم اصطلاحه، ولا مشاحة في الاصطلاح.","vol":"1","page":148},{"text":"لا يلزم أربَابَ الأعذار، فَدَلَّ لزوم الصلاتين لهُمْ أن ذلك الوقت وقت أدائهما، ولمَّا كان الأداء إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعًا كما تقدم، لزم أن يكونَ الظهر والعَصْر أداءً في حق كل أحَدٍ إلى غروب الشمس، لأنَّا لمَّا حدَّدْنَا الأداء، لم نَحدّه بالنسبة إلى الفاعلين، وانما حددناه بالنسبة إلى العبادةِ خاصة، مع قطع النظر عن الفاعل، هل هوَ صاحبُ عُذْرٍ أم لا، ولا أحد تعرض في حدِّ الأداء والقضاء لأحوال المكلف بل للعبادة فقط، فصار الأداءُ والقضاء تابعا لكون العبادة في وقتها أم لا، فكان الظهر أداء إلى غروب الشمس، بناء على صدقِ حدّ الأداء عليه، ولمَّا كان الشرع قد منع المكلف الذي لا عذر علية من تاخير العبادة إلى آخر وقتها مطلقا، كان من لا عذر له مؤدِّيا آثما، أمَّا أداؤه فلصدق حدّ الأداء، وأما إثمه فلتأخيره عن الوقت الذي حُدَّ له، وذلك آخرُ القامة.\nقلت: أما سبب تعلق الإثم بمن لا عذر له فظاهر، وأما أنه مؤدٍّ لصدق الحَدِّ عليه فممنوع، فإنا إذا قلنا في الحدِّ: إيقاع الفعل في وقته المحدود له شرعا، فهذا الوقت الممتدُّ للغروب قد حدَّه الشرع لأهل الأعذار، وما جعله لمن لا عذر له، بل جعل لهم آخر القامة مثلا، وكون الحَادِّ لم يَعتبر المكلفين ولم يفصِّل الحد بحسبهم لا يلزمه، وإن لزمه فغفلة منه، فكيف نجعل هذا القدر دليلا على صحة هذه الدعوى (٧٣)، والله أعلم.\nقال شهاب الدين: والأداء مع الإثم يَتجِه لفريقين: أحدهما من لا عذر له فأخَّر إلى الوقت المذكور، والثاني الذى أخر إلى آخر الوقت، وقد كان يعتقد أنه لا يتمكن من إيقاع الفعل آخر القامة بعذرٍ واحد، كما قلنا في مسألة القاضي\n_________\n(٧٣) في نسخة ح: القاعدة، ولعلها أنسب، لأن الكلام في مجال تقرير القواعد الفقهية العامة ومدى صحة تطبيقها على الجزئية، إذ القاعدة الكلية كما يقال في تعريفها: امْرٌ كلي ينطبق على جميع جُزْئياته.","vol":"1","page":149},{"text":"والغزالي فإنه آثم مؤدٍّ، قال: والشافعية تقول باجتماع الأداء والإثم في هذا القسم الثاني، وتمنعه في الاول. قال: ويلزمهم أن يقولوا به في الاول. (٧٤)\nقلت: ان كان الإنكار من حيث ان الأداء والإثم لا يجتمعان، فنعَمْ، وان كان النكيرُ من الوجه الذى أبديناه فلا يلزم، والله سبحانه أعلم وأحْكَمُ (٧٥).\n\nالقاعدة العاشرة (٧٦)\nنقرر فها حقيقة الواجب الموسع، ليظهر بذلك بُطلان ما قيل في الحائض في رمضان: إن الصوم وجب عليه فيه، أو صِحَّتُهُ، فنقول:\nالواجب الموسَّعُ إنما يصدق على ما وقع التكليف به، مرتبطا بوقتٍ، ذلك الوقتُ أوسعُ من زمان ايقاع ذلك الواجب إذا أوقعه المكلف، ثم هو لذلك (٧٧) يصح ايقاعه في كل زمن من أفراد ذلك الزمان المتسع، وهذا، كما الامرُ في صلاة الظهر، حيثْ طُلِبَ مِنَّا ايقاعها في زمن طويل، مبدأوه الزوالُ ومنتَهاهُ آخرُ القامة. فإذا كان الامر هكذا فكيف يصح أن يقال في الحائض: وجب عليها الصوم وجودا موسّعا، وهي لا يصح لها الصومُ في رمضان، وهذا قول الحنفية (٧٨).\n_________\n(٧٤) قال القرافي ﵀ في هذا الموضوع: وتحرر بهذا الفرق زوال ما استشكله الشافعية علينا من الجمع بين الأداء والإثم، فإنهم قائلون به في الفريق الثاني، فكان يلزمهم في الفريق الأول، ويتضح مذهبنا اتضاحا جيدا. وأنا لم نخالف قاعدة، بل مشينا على القواعد.\nويلزم الشافعية إشكال لا جواب لهم عنه، وهو أن يكون حدهم الأداء والقضاء في كتبهم الأصولية باطلا، لانهم اطلقوا القول فيها، وليس مطلقا على ما زعموا، بل يتعين أن يكون الأداء في كتبهم إيقاع العبادة في وقتها الاختيارى، والقضاء إيقاع العبادة خارج وقتها الاختياري أصل، لكنهم في كتب الاصول لم يصنعوا ذلك.\n(٧٥) وعلق ابن الشاط على كلام القرافي هذا بقوله: ما قاله - هنا صحيح على ما قَرَّر. وقال ابن الشاط هنا: قلت: ولا صنَعَه غيرهم من المالكية وغيرهم فيما علمت، وليس بنكير أن يطلق القول، والمراد التقييد، وغايته أن نقول: تجنب ذلك في الحدود أكيد. اهـ\n(٧٦) هى موضوع الفرق الثامن والستين بين قاعدة الواجب الموسّع وبين قاعدة ما قيل به من وجوب الصوم على الحائض. جـ ٢ ص ٦٢.\n(٧٧) في نسخة ح: كذلك بكاف التشبيه.\n(٧٨) علق ابن الشاط على هذه المسألة فقال: ليس مراد من قال بوجوب الصوم على الحائض أنها مكلفة بايقاع الصوم في حال الحيض، كيف وقد انفقوا على عدم صحته إن أوقعته، وعلى أنها آثمة بذلك، لكن مرادهم أنها مكلفة بالتعويض من أيام الحيض التي هي من رمضان الخ ...","vol":"1","page":150},{"text":"كيف أيضا يصح قول القاضى عبد الوهاب: إن صومه واجب عليها، وهي ممنوعة من صومه، بل اثمة ان فعلتْ، فتكون ماثومةً غير ماثومة بحسب فعل واحد، والأظهر أنه غير واجب عليها صومُه لذلك، والذى حمل القائلين بالوجوب أشياء:\nأحَدُهما: عموم قوله تعالى: \"فمن شهِد منكم الشمهرَ فليصمه\" (٧٩)، وهذا ليس بظاهر، لأن التخصيص يصرفُهُ لما تقرر من أنها ممنوعة من صومه، والدليل العقلي أحدُ ما يتخصَّصُ به العَامُّ، وأنها ممنوعة من صومه، معلوم قطعا في الشريعة المحمدية.\nالثاني: كونها تنوى قضاء رمضان.\nوجوابه أن النية في الصوم لابدَّ منها، وأنواع الصوم كثيرة، فلابد لهذا الصوم من شيء يتميز به لتقع النية كذلك مَمَيِّزة له بما تميز به من الخصوصية، وهو ليس بتطوع ولَا واجب ابتداءً، ولا نذرٍ ولا كفارة. وسبَبُ هذا الصوم هو ترك رمضان، فأضيف اليه بسبب ذلك ليتميز عن غيره، لأن الوجوب تقدم.\nوقالوا أيضا: ان القضاء يقدَّر بقدر الأداء الفائت، فأشبه قيم المتلَفات القائمة مقام الأعيان المُتْلَفَةِ، فكذلك هذا القضاء يقوم مقام الواجب الذى فات، فلو لم يجب شيء، ما قام هذا القضاء مقامه.\nوالجواب هو ما قلنا في الثاني: أن الصوم بسبب الترك لا بسبب الوجوب، كذلك أَيضا بِعَدَدِ الترك تعدد القضاء.\nقلت: والمسألة ترجع إلى أن القضاء لا يكون مرتّبا الا على الوجوب، أو يكون مرتّبا عليه وعلى سبب الوجوب. فعبد الوهاب والحنفي، رحمهما الله قال بالأول. وما قاله شهاب الدين وهو الذي ارتضاه الإمام فخر الدين، وكذلك تاج الدين في الحاصِلِ من المحصول وهو الأوْلى والأظهر، والله أعلم.\n_________\n(٧٩) سورة البقرة: الآية ١٨٣.","vol":"1","page":151},{"text":"القاعدة الحادية عشرة (٨٠)\nوأخرتها عما قبلها، وهي في تقرير الكلى الواجب فيه، وبه، وعليه، وعنده، ومنه، وعنه، ومثلُهُ واليه، وكذلك تقرير الواجب الكلي فأقول:\nالواجب في الشريعة قد يتعلق الخطاب (فيه) بشئ جزئي وجوبا، كالامر باستقبال الكعبة، وقد يتعلق بأمر كلي وجُولًا.\nفالواجب الكلى هو الواجب المخيّر (٨١)، كخصال الكفارة في اليمين، فالواجب القدرُ المشتَرك من الخصال الثلاث، وله الخِيَرَةُ في تعْيين ما شاء\n_________\n(٨٠) هى موضوع الفرق التاسع والستين بين قاعدة الواجب الكُلي وبين قاعدة الكُلى الواجب فيه، وبه، وعليه، وعندَه، ومنه، وعنْه ومثْلُه وإليه\". جـ ٢. ص ٦٧.\nقال الإمام القرافي ﵀ في أوله: فهذه عشر قواعد في الْكُلًى الذي يتعلق به الوجوبُ خاصة، وهى عشر قواعد، كلها يتعلق بها الوجوب بالكلى دون الجزئي، وهى متباينة الحقائق، مختلفة المثُلُ والأحكام، فأذكُرُ كل قاعدة على حيالها ليظهر الفرق بينها وبين غيرها.\nثم قال: إعلَم أن خطاب الشرع قد يتعلق بجزئي كوجوب التوجه إلى خصوص الكعبة الحرام، والايمان بالنبي المعيَّن، والتصديق بالرسالة الخصوصة كالقرآن، وقد لا يعَيِّنُ متعلق التكليف، بل يجعله دائرا بين أفراد جنس، ويكون متعلِّقُ الخطاب هو القدْر المشترك بين أفراد ذلك الجنس دون خصوص كل واحد من تلك الأفراد، وهو المقصود في هذا الفرق، وهو المنقسم إلى عشرة أجناس.\nوقد عَلق الفقيه ابن الشاط ﵀ على ما جاء عند القرافي في أول هذا الفرق فقال: ما قاله من أن الوجوب في هذه القواعد يتعلق بالكلى لا بالجزئي، ان أراد ظاهر لفظه فليس ذلك بصحيح، كيف يتعلق التكليف بالكلى وهو مما لا يدخل في الوجود العينى، وإنما يدخل في الوجود الذهنى؟ والتكليف إنما يتعلق بالوجود العَينى، وان أراد أن الوجوب يتعلق بالكلى، أي بايقاع ما فيه الكلى، بمعنى ما هو داخل تحت الكلى من عمر تعرُّضٍ لتعيين ما وقع به التكليف فذلك صحيح\". اهـ\n(٨١) هى موضوع القاعدة الأولى من القواعد المذكورة يذكر هذا الفرق، ولم يذكر صاحب هذا الترتيب كونه قاعدة كما هى عند القرافي.","vol":"1","page":152},{"text":"منها (٨٢). فالتخيير متعَلَّقُهُ الخصوصات، والوجوبُ متعلقه القدْرُ المشترك، فهذا أحَدُ ما يتعلقُ بهذا القدرِ المشتَرَك.\nثمَّ ان فَعَلَ، عَلى ماذا يثاب (٨٣)؟، إن لم يكن فيها ترجيح فثوابُهُ على الواجب، وهو القدرُ المشترَك، وإن كان فيه أجحُ، فإن فعَل الأدنى فثوابه على الواجب أيضا، وإن فعَل الأفضلَ أثِيَب ثواب الندب وثواب الوجوب. ثم إن لم يفعل عوقِبَ على ترْك الواجب، ولكنه لا يتصور هنا ترك الواجب إلا بترك الجميع، ليس الامرُ كالْفعل، فإنه ياتي بالواجب بواحدٍ منها.\nثم ان بَرآة الذمة من ذلك أيضا بالقدر المشترك الذي به تعلَّق الوجوبُ لا بخصوصية من تلك الخصوصيات، فإن الذمة لم تكن عامرة بشيء من ذلك. ثم نيتهُ أيضا كذلك لا تَقع متعلقةً إلا بالقدر المشترَكِ، ولا تتعلق بخصوصية من الخصوصيات، وبه تندفع الشكوك عن هذه المسألة.\n_________\n(٨٢) هي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، او تحرير رقبة، أو صيام ثلاثة أيام لمن لم يجد القدرة على احدى تلك الخصال الأولى، وهي المشار اليها يقول الله تعالى في الآية التاسعة والثمانين من سورة. المائدة في كفارة اليمين: \"فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، واحفظوا أيمانكم، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون\".\n(٨٣) على ماذا يثاب، جملة فعلية طلبية، مُصَدرة باسم الاستفهام المجرور بحرفِ الجر، ومقتضى القاعدة النحوية أن تكون هذه الجملة الفعلية المصدرة بالاستفهام مقرونة بالفاء الرابطة بين الشرط والجواب كبقية المواضع الأخرى التى يكون جواب الشرط مقرونا فيها بالفاء، أو بإذا الفجائية، إذا كان الجواب جملة اسمية بالخصوص، وفي ذلك يقول ابن مالك في ألفيته النحوية ﵀.\nواقرن بفا حتما جوابا لو جعل ... شرطا لإن أو غيرهما لم ينجعل\nوتخلف الفاء إذا المفاجأة ... كإن تجد إذا لنا مكافأة\nولعل المؤلف لم يقرن الجواب بالفاء، اعتبارا ورعيا لتقديره بها في الذهن، فكأنها مذكورة في النطق والتعبير، أو يكون التقدير: ثم على ماذا يثاب إن فعل.\nوقد جمع بعضهم المواضع السبعة التى يقترن فيا جواب الشرط بالفاء، وذلك في بيت واحد حيث قال:\nإسْمية، طلبية وبجامِدٍ ... وبِما ولن وقدَ، وبالتنفيس","vol":"1","page":153},{"text":"فإن قيل: القنر المشترَكُ كُلي، والكُلِّيُّ لا وجودَ له في الخارج، وإنما وجُودُه في الذهن، والمطلوبُ - هاهنا - إيجاد المكلف به في الخارج، وذلك جزئي، فإن كل شيء وُجد في الخارج جزئي، واذا لم يكن الكلي متعلق الوجوب بَطل أن يكون متعلقَ حُكْم مما تقَدم الشاب أو العقاب او البرآة أو النية (٨٤)، قلنا: صحيح أنها (٨٥) لا توجد الكليات في الخارج مجردةً عن المشخصات، وأما وُجُودُها في ضمن المعيّناتِ فحقُّ، فمن أعتَقَ الرقبة المعينة فقد أعتق رقبة، وكذلك نقول: زيدٌ إنسان ويَصدُق، وليَس كقولنا: زيدٌ زيدٌ، وما ذلك الا لأن زيدا دلَّ على المعنى الشخصى، والإنسان دلَّ على المعنى الكُلِّي، ومحالٌ خروج الانسانية (٨٦) عن وجود زيد مع وجوده، وبالجملة جحدُ كونِ الكلياتِ موجودةً في الخارج في ضمن المعَيَّناتِ، خلافُ الضرورة.\nالقاعدة الثانية:\nالواجب فيه، وهذا هو الواجبُ الموسَّعُ.\nفقد أوجَبَ اللهُ تعالى الظهر من الزوال إلى آخر القامة، واختلَف العلماء في ذلك على سبعة مذاهب.\n_________\n(٨٤) هكذا في النسختين: ع، ح: بطل أن يكون متعلق حكم مما تقدم الثواب، او فيما تقدم الثواب او العقاب او البرآة او النية.\nوعبارة القرافي هنا: \"بطل أن يكون متعلق الثواب أو العقاب أو البراءة أو النية ويكون اسم كان ضميرا يعود على الكلى، فيتم المعنى، وهي تظهر أوضح في الفكر والفهم، فليراجَع جـ ٢ من الفروق. ص ٧٣.\n(٨٥) في نسخة أنه. بضمير التذكير، ويكون الضمير بالثانيث عائدا على الكليات، وبالتذكير على أنه ضمير شأن، عائد على الجملة بعده، وهي التى تفسره وتوضح معناه، إذ هو احد المواضع التي يعود فيها الضمير على مما بعده وهي المجموعة في قول بعضهم:\nوعَوْد مضمَرٍ على ما بعده ... لفظًا ورتبة فحصَّل عدَّهُ\nفي مضمر الشأن ورُبَّ والبدَل ... نعم وبيسَ وتَنَازُع العمل\n(٨٦) في نسخة ح: الانسان.","vol":"1","page":154},{"text":"وتحريرها أنَّ القائل قائلان: قائل بالوجوب الموسع، وقائل بجَحْدِه، والقائلون به، لهُم قولانِ: أحدُهما أنه يفتقر إلى العزْم إذا تأخر، والآخَرُ أنه لا يحتاج إلى عزم، والقائلون بجحْده، منهم بعض الشافعية قال: يتعلَّق بأوّل الوقتِ، ومَا يقَعُ بغدَ ذلك فهو قضاءٌ يسُدُّ مسدّ الأداءِ، ومسْتَنَدُهُ أن الوجُوبَ معَ جوازِ - التاخير متنافيان. والأصلُ تَرَتبُ المسببِ عَلَى سبَبه، وقد وجد السبب، وهُوَ الزوال، فالوجُوبُ أولَ الوقت.\nويرِدُ عليهِ أنَّ الإذْنَ في القضاء لِتفْويت الأداء من غير عذر، خلاف القاعدةِ المقرَّرة في الشريعة. وبعض الحنفية قال: يتعلق الوُجوبُ بآخِرِ الوقت، وهذا من حيث إن العقاب إنما يترتب على الترك حينئذ، فكان الفعل إن وقع عندهم قبل هذا - يقع نفْلًا سد مسد الفرض. ويَردُ عليه أن إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب خلافُ القواعد.\nقلت: قد مضى الفرق بين ما ليس بواجب إذا كان ماله الوجوبَ، وبيْن ما ليس ماَلهُ الوجوب، فهذا، الردُّ لا يتَمَشى، فهو كمسألة التعجيل الزكاة.\nوقال الكرخي: الفعل موقوف إذا عجله المكلَّفُ، فإن جاء آخِرُ الوقت، والمكلفُ موصوف بصفات التكليف وقع واجبًا، وإلَّا كان نفْلًا.\nوَيرِدُ عليْه أنَّ كَونَ الفعل حالةَ الايقاع لا يُوصَفُ بكونِه فَرضا ولا نفْلًا، ولا يتعَين فيه نيةٌ لأحدهما، خلاف المعهود في القواعد.\nالمذهب الرابع، للحنفية أيْضا أن المكلف إن عَجَلَّ منَعَ تعجيلُهُ من تعلُّقِ (٨٧) الوجوب بآخِر الوقت، فلا يجزئ نفْل عن فرض، ولا يكون موقوفا، وإلا كان واجبا آخرَ الوقت.\n_________\n(٨٧) في نسخة ح: تعليق","vol":"1","page":155},{"text":"ويرِدُ عليهِ أن رسول الله - ﷺ - وأصحابَهُ فوتوا على انفسهم طول أعمارهم خيرًا عظيما، وذلك فَرضِيةُ التَّاخير.\nالمذهب الخامس، حكاهْ سيف الدين في الإحكام، أن الوجوب متعلق بوقت الإيقاع، أي وقت كان، فَسَلم (٨٨) من الإشكالات المتقدمة.\nويرِد علية أن شأن الوجوب أن يكون متقدما، والفعل متأخر عن الوجوب، وأما كون الوجوب يتبع الفعلَ فَغيرُ معهود من الشريعة، فَلم يبق الا القولَانِ الْأوَّلانِ، والقولُ فيهما.\nوالقولُ أن الوجوب متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء القامة، الكائن بين طرفيها، كالواجب الخيَّر، فكأنَّ صاحب الشرع قال: صَلِّ: إما في أول الوقتِ وإمَّا في وسطه وإما في آخره. وهذا القول يسلَمُ من جميع الإشكالات الوارة على الأقوال المتقدمة.\nغير أن القائلين بهذا القول اختلفوا، هل يحتاج إذا اختار التاخيرَ إلى بدل أوْ لا؟ فقيل: يحتاج، لأنه ان لم يَعزم كان مُعرضا، والإغراض حرام، وما يندفع به الحرام واجب، وقيل: لا يحتاج، لأنه لا دليل عليه، والقولُ بشئ لا دليل عليه لا ينبغي.\nوأيضا إذا أتى بالبدل، حقُّهُ أن يسقط عنه وجوب الوقت، وذلك باطل. واختار الغزالي طريقة وُسْطَى وهي الفرق بين الغافل عن الفعل والترك فلا يوجب عليه عزمًا، وبيْن من حصل بباله الفعلُ والترك، فهذا إنْ لم يعزم على الفعل عزم على الترك بالضرورة، فيجبُ عليه العزم على الفعل، وهي طريقة وسْطى.\nفرْع مرتَّبٌ: إذا قلنا بالتوسعة فهل ذلك مشروط بسلامة العاقبة، فإن مات قبل الفعل فقد أخر مختارًا فأثِمَ، وهو قول الشافعية أو لا ياثم، لأنَّهُ فعَل ما\n_________\n(٨٨) في نسخة ح: يسلم (بالفعل المضارع)، وسلِم بالفعل الماضي كما في نسخة ع، وهو كذلك ظاهر.","vol":"1","page":156},{"text":"أُذِن له فيه، والأصل عدم اشتراط سلامة العاقبة، وهو مذهب المالكية، وهو الصحيح من جهة النظر. (٨٩)\nالقاعدة الثالثة: الواجب به وهو سبب كالزوال للصلاة، ومِلْكِ النِصاب للزكاة، وما أشبه ذلك، فالمنصوب سببا أبدًا - القدرُ الشتَرَك، والخصوصيات ساقطة عن الاعتبار، والله أعلم وأحكم. (٩٠).\nالقاعدة الرابعة: الواجبُ به ايضا، ونريد بهذه، الأداةَ، فإنَّ الباء تكون سببية، وتكون للاستعانة نحو نجرت بالقَدُوم، ولهُ مُثُلٌ. (٩١)\nأحدها: الماءُ الذى يُتوضأ به ويغتسل فإنه ليس سببا للوجوب، بل هو أداة يُعمَل بها الفعلُ، وكذلك التراب في التيمم*.\nوثالثها: الثوبُ للسترة في الصلاة، والواجب من ذلك ثوبٌ مطلَق، وماءٌ مطلق، وترابٌ مطلق، لا ترابٌ معيّنٌ، ولا ماءٌ معَيَّن، ولا ثوْبٌ معيَّن.\n_________\n(٨٩) علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند الامام القرافي -﵀- في هذه القاعدة الثانية من أقوال المذاهب التي ذكرها وحكاها، فقال ابن الشااط ﵀:\nما قاله القرافي من حكاية المذاهب ورَدِ مارده منها صحيح، وما مال إليه من تحسين قول الغزالي ليس بصحيح. إنما الصحيحُ أنْ لا حاجة إلى بدل أصلا. وما قاله من تعلق الوجوب بالقدر المشترك، إن أراد الكلي فليس ذلك بصحيح، وان أراد تعلق الوجوب بفرد مما فيه المشترك فذلك صحيح. وما اختاره وصححه ونسَبَه إلى المالكية في مسألة المؤخِّرِ الذي يموت قبل الفعل صحيح اهـ.\n(٩٠) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه القاعدة، ولخصه البقوري فيها، فقال: ماقاله من ان الله تعالى جعل زوال الشمس سببا لصلاة الظهر، وجعَلَ مطلق الإتلاف سببا لوجوب الضمان، ومطلق النصاب سببا لوجوب الزكاة صحيح، وقد سبق له هذا مرارا عديدة. وقد كان يحتمل أن يُحمَل ذلك على أن مراده بالقدر المشترك واحد غير معَين مما فيه المشترك، وأن مراده بالمطلق ذلك ايضا، لولا أن كثيرا من المواضع التي وقع له فيها ذلك القول يصرح فيها بأن القدر المشترك هو الكلي، وهذا لا يمنع من صحة تاويل كلامه بذلك.\n(٩١) عبارة القرافي: الواجب به، وهو أداة يُفعَلُ بها، فإن الباء كما تكون سَبَبيّة تكون للاستعانة نحو كتبت بالقلم ونجرت بالقَدوم، فالواجب به الذي هو أداة الشريعة لهُ مثلَ الخ .. وفي نسخة ح: تكون للاعانة. والمشهور على الالسنة استعمال كلمة الاستعانة (اي طلب الاعانةِ على العمل بالأداة).\n(*) هو المثال الثاني.","vol":"1","page":157},{"text":"ورابعُها: الجِمار في النُّسُكِ أداةٌ لا سَبَبُ الوجوب.\nوخامسها: الهدايا، أدوات يُفعل بها الواجبُ، وسببُ الوجوب أيامُ النحر في الضحايا، والتمتع ونحوه من أسباب الهدى. والقدرُ المشترَك هو المطلوبُ فيها كُلِّها (٩٢).\nالقاعدة الحامسة: الواجبُ عليه، وهو المكلف في فرض الكِفاية، فإنَّ مقْتَضى الخِطاب فيه التعلقُ بطائفةٍ غير معينةٍ، بل هو بمطلقِ الطائفةِ الصالحة لِإيقاع ذلك على الوجه الشرعى، وإنما يتعلق الوجوبُ بالكل، بحيث لا يضيعُ الواجِبُ، وإلا فالمقصود إنما هو طائفة غير معيَّنةٍ.\nقلت: إن كان الوجوب متعلقا بالكل فليس هذا من الكُلِّ الواجب عليه، وإن كان الوجوب متعلقًا بطائفة غير معَينةٍ، فهذا يخالِف ما مضى لنا في قاعدة خطاب غير المعَيَّنِ والخطابِ الغيْر المعَيَّنِ، واللهُ أعلم.\nالقاعدة السادسة في الواجب عنده، وله مُثُلٌ:\nأحَدُها: الحَوْلُ إذا دَار بعدَ مِلْكِ النِصابِ، فإن النصاب سببٌ، ودَوَرَانُ الحول عليه شرط.\nوثانيها عَدَمُ المانع، نحوُ عدم الدَّيْنِ في الزكاة، وعدَم الحيض في الصلاةِ، والزوالُ سبَبُ وجوب الصلاة، ومِلْكُ النِصابِ سبب الوجوب في الزكاة.\nوثالثها: وجوب التيمم عند عدم الماءِ، والاسبابُ للصلاة أوقاتُها، وأسبابُ الطهارة الحدَثُ وغيرُ هذا، والكل من المُثُلِ على السَّوَاءِ في أن الواجبَ القَدرُ المشتركُ، فلا اعتبار لخصوص دَينٍ ولا لخصوص حيْض.\nالقاعدة السابعة: الكلى المشترك الواجب منه. وله مثُل في الشريعة:\nأحدُها: الجِنْس المخْرَجُ منه زكاةُ الابل غَنَمًا في عَدد، وإبِلًا في عدد آخر.\n_________\n(٩٢) علق ابن الشاط على ما جاء في هذه القاعدة الرابعة بقوله: ما قاله فيها صحيح، غير ما في قوله: القدر المشترك، على ما سبق.","vol":"1","page":158},{"text":"وثانيها: الجنْسُ الخرَجُ منه زكاة الفطر، وهو الْحَبُّ الذي هو غالبُ قُوتِ. البلَد، يُخْرَجُ منه صاعٌ، والقدرُ المشتركُ - أيضا - هو الواجبُ في ذلك.\nالقاعدة الثامنة: الواجِبُ عنه، وهو جِنْسُ المولى عَليْه، كالعبدِ والزوجة (٩٣)، فالقدرُ المشترك من ذلك، به تعَلِّقَ الوجُوبُ.\nالقاعدة التاسعة: الواجِبُ مِثلُهُ، وله مِثالانِ:\nأحدُهما: جزاءُ الصيد في الحج، فإنه يجب إخراج مثلِ الصيد المقتولِ في الاحرام والحَرَم، والمعتبَرُ في ذلك مُطْلَقُ الصيد، غزَالًا كانَ أو غيْرَه، فلا يرادُ غزالٌ معَيَّن، ولا بقرةٌ ولا وَحشٌ معيَّنة.\nوثانيهما: المُتْلَف المِثْلِيُّ مِنْ المَكيلات والموزونات تجب غرامةُ مِثلِهِ، والواجب - ايضا - القدرُ المشترك، لا شيءٌ مُعيَّنٌ من ذلك.\nالقاعدة العاشرة: الواجب إليه، ولَهُ مُثُلٌ في الشريعة:\nأحَدُها غروبُ الشَّمْس في الصوْم، وثانيها هلال شوال، فالأول يجب الصومُ اليه، والثاني يَجبُ تتابُعُ الصوْم في الأيام إليه.\nوثالِثُها: أواخرُ العِدَدِ (٩٤) والاستبراء والإحدادِ في عِدَّةِ الوفاة، يجب اتصال العِدِّةِ والاستبراء إلى تلك الغايات، وكذلك ما ذكرنا معه، فهذه أيضا (٩٥)،\n_________\n(٩٣) اى فيجب أن يخْرج عن كل فرد منه (اى من المولَّى عليه) صاع في زكاة الفطر. ولم يلاحظ الشارع خصوص شخص دون شخص، بل مفهومَ الانسان الموصوف بالصفات التى لأجلها تجب عنه زكاة الفطر ... الخ\".\n(٩٤) في نسخة ح: العِدَّة: (هكذا بالافرادِ، ومعلومٌ أن جنس العِدة يصدُقُ بالواحدة وبأكثر، وبِالْأنواعَ.\n(٩٥) في نسخة ح: \"فهذه أسبابٌ ... الخ. ويحتمل المعنى \"فهذه أشياء كما في نسخة اخرى من تونس، والمعنى واضح في جميعها.","vol":"1","page":159},{"text":"الواجبُ القدرُ المشترَكُ مِنها لا شئء معيَّن. هنا تَمَّ ما تحت القاعدة الحاديةَ عشرة من القواعد. (٩٦)\n\nالقاعدة الثانية عشرة (٩٧):\nفي تقرير أن النَّهْيَ يدل على الفساد أم لا؟ فأقول:\nقال ابن حنبل باقتضاء النهي للفساد مطلقا، كان النهي في نفس الماهية أو في أمر خارج عنها. وقال ابو حنيفة بالفرق بين أن يكون النهي في نفس الماهية فإنه يقتضى الفساد، أو في أمر خارج عنها فلا يقتضي الفساد، حتى قال في عُقود الرّبا: تثبُتُ ولا تُفسَخ، ولكِنَّهُ يَرُد الزائد في مِثل ما إذا باع دِرهما بدرهمين، يُقَرُّ المِلْكُ في درهم، ويُرَد الدرهم الزائد. ومالكٌ والشافعي يقولان بالبطلان في مسائل إذا كان النهيُ في أمر خارج، ويقولان بالصحة في مسائل كذلك.\nولْنُبَيِّنْ - أولا - المراد بالنهي في نفس الماهية، وبالنهي في أمر خارج، فنقول:\nإن أركان العقد في البيع - مثلا - أربعة: عِوضانِ، ومُتَعاقِدان، فمتى سَلِمت الأركان الاربعة مقد وُجدت الماهية المعتبرةُ شرعًا، سالمةً عن النهي. فالنهيُ\n_________\n(٩٦) عقّب ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه القواعد الست المندرجة في هذه القاعدة التي هى موضوع الفرق التاسع والستين، بدءًا من القاعدة الخامسة إلى العاشرة فقال:\nما قاله فيها صحيح، غير ما يُشعِرُ كلامُهُ من متعلق الحكم بالكلي فإنه ليس بصحيح على ما تقرر مرارًا، بل الصحيح تعلق الحكم بفرد غير معين مما فيه المعيَّن المشترك، فإن عَنَى ذلك فمراده صحيح.\n(٩٧) هى موضوع الفرق السبعين بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها. جـ ٢ من الفروق، صـ ٨٢.\nماهية الشئ حقيقتُهُ الذاتية وعناصرهُ الأساسية البيت ى يتركب منها، بحيث إذا فقد واحدٌ منها انعدمت حقيقة الشئ في وجودها الكامل. كما إذا قيل في تعريف الانسان وماهيته: هو الحيوان الناطق.","vol":"1","page":160},{"text":"إنما تعلق حينئذ بأمر خارج عنها، ومتى انحزم واحدٌ منها فقد انعدَمت الماهية، لأن الماهية المركبة تعدم (٩٨) لعدم جزء منها، كما تُعْدَم لجميع أجزائها.\nومثال الماهية المعدومة كأن يبيعٍ سفيهٌ من سفيهٍ خمرًا بخنزير، فالأجزاء كلها فاسدة، واذا باع رشيدٌ من رشيد ثوْبًا بخنزير، فالماهية - ايضا - معدومة لعدم كن واحد منها، ولاخفاء بمثال الاثنين الباقيين (٩٩)\nوأما ما كان سالم اليمن، فكأنْ يبيعَ رشيد من رشيد فضة بفضة، فإذا كانت إحدى الفضتين أكثر - فالكثرةُ وصف حصل لأحد العوَضيْن، والوصفُ متعلَّق النهي دون المَاهيةِ، فهذا هو معنى كون النهي في الماهيةِ أو في الخارج.\nفأبو حنيفة فرق، ووَجْهُ تفريقه أنه يقول:\nلو قلنا بالفساد مطلقا لسوَّيْنَا بين الماهية المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد، ولو قلنا بالصحة مطلقا لسَوَّيْنا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتِها، وذلك غير جائز، فإن التسوية بيْن مَواطِن الفساد وبَيْنَ السالم عن الفساد خلاف القواعد، فتعين - حينئذ - أن يقَابَلَ الأصل بالاصل، والوصف بالوصف، فنقول:\nأصل الماهية سالِم عن النهي، والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصِّحةُ حتى يرِدَ نهْى، فيثبت لأصل الماهية الأصلُ الذى هو الصحّة، ويثبتَ\n_________\n(٩٨) تُعدَم، هكذا في النسختين ع، ح، وكذا في كتاب الفروق، وكان مقتضى الجملة قبله وسياقها أن يقال: تنعدم، وكلنا هما صحيحة وسليمة المعبارة والمعنى.\n(٩٩) كأن يبيع رشيد من سفيه، ثولا بنقد، أو يبيع رشيد من سفيه خمرا بعرض ونحوه. فليتامل.","vol":"1","page":161},{"text":"للوصف الذى هو الزيادة المتضمنة للمفْسَدة الوصف العارضُ وهو النهي، فيفسُد الوصف دون الأول وهُو المطلوب، وهذا فقه حسن. (١٠٠)\nواحتج أحمد بن حنبل - ﵁ - بأن النهي يعتمد المفاسد، فمتى وَرَدَ نهْيٌ أبطلنا ذلك العَقْد وذلك التصرف بجملته، فإن ذلك العقد إنما اقتضى تلك الماهية بذلك الوصف، أمّا بدونها فلم يتعرض له المتعاقدان بشئ، فبقي على الاصل غير معقود عليه، فيُرَدُّ من يد فابِضِه بغير عقد، وأطلق أحمد في هذا فأبطل الوضوء بالماء المغصوب، والذبحَ بالسكين المسْروق، لما قلناه، وأما نحن مع الشافعي فتوسطا بين المذهبين، فقلنا بالفساد لأجْل النهي عن الوصف في مسائل دون مسائل.\nولنذكر من ذلك ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: الصلاة في الدار المغصوبة، قلنا نحنُ والشافعيةُ والحنفية بصحتها، وقال الحنابلة ببطلانها. فنحن نلاحظ أن متعلّق الامر قد وُجد فيها بكماله مع متعلَّق النهي، فالصلاة من حيث هي صلاة، حاصلةٌ، غيرَ أن المصلى\n_________\n(١٠٠) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي من أول هذا الفرق إلى قوله: \"وهذا فقه حسن\" بقوله: ما قاله القرافي حكاية مذهب وتقريره، وذلك صحيح، غير ما قاله من أن الماهية المركَّبة كما تُعدم لِعدم كل اجزائها تُعدم لعدم بعض أجزائها، فإن ذلك ليس بصحيح، فإنه إذا عُدم بعض الأجزاء لم تتركب تلك الماهية، فلا يكون ذلك الجزء المعدوم جزءًا منها الا بالتوهم، وبتقدير أن يكون جزأ في غير هذا الفرض، أما في هذا فلا، وغَيْرَ ما قاله من أن ذلك الذى قرره عن أبي حنيفة فقه حسن، فإن لقائل أن يقول: ليس الأمر كذلك، فإن الوصف إذا نُهىَ عنه سَرَى النهْي إلى الموصوف، لأن الوصف لا وجود له مفارقا للموصوف، فيؤول الآمر إلى أن النهي يتسلط على الماهية الموصوفة بذلك الوصف، فتكون الماهية على ضربين: عار عن ذلك الوصف فلا يتسلط النهي عليه، ومتّصفٍ بذلك الوصف فتَسَلّط النهي عليه. اهـ\nفليتأمَّل هذا التعقيب للفقيه ابن الشاط فإنه كلام دقيق وجليل، وهام ونفيس في التحقيق.","vol":"1","page":162},{"text":"جَنى على حق صاحب الدار، فالنهي متعلقٌ بالمجاور، والحنابلة مشَوْا على أصلهم في التسوية بين الأصل والوصف. (١٠١)\nقلت: ذكر شهاب الدين رحمه لله الفرق الثالث والمائة وهو مسألة من مسائل هذه القاعدة، فالأولى أن نذكر ما في ذلك من مسألةٍ فنَقول:\nإن صيام يوم النحر، قيل فيه: لا ينعقِد قُرْبَةً، والصلاة في الدار المغصوبة، قبل فيها: تنعقد قُرْبةً، فما الفرق؟\nفالجواب أن الصلاة في الدار المغصوبة، النهى فيها متعلِّق بالصِفة لا بالموصوف، والنهْي الواقع في يوم النحرِ متعلق بالموصوف لا بالصِفة، فكان هذا الفرق صحيحًا على مذهب من يُفرِّق لا على مذهب ابن حنبل، والله اعلم. (١٠٢).\nالمسألة الثانية:\nغَاصب الخُفِّ إذا مسح عليه، عندنا صَحَّتْ طهارته، ومسألته كمسألة في الدار المغصوبة سواء بسواء، وبهذه القاعدة يظهر الفرق بين هذا الفرع\n_________\n(١٠١) في نسخة ح: ذكر شهاب الدين في الفرق الثالث والمائة .. وما في نسخة ع أظهر وأسلم، لأنه ينص على المذكور وهو الفرق الذى هو مفعول به، بيما في الفرق هكذا بحرف الجر، يبقى منصوب الفعل غير مذكور وتَمَامُ المعنى متوقف عليه وإن كان فضلةكما هو معروف في القواعد، على حد قوله تعالى: \"وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما لاعبين\" فكلمة لاعبين حال، فالحال وصف فضْلة منتصبُ، مُفْهم في حال، لكن المعنى في الآية متوقف عليه، فهو روحه فيها. فإن خلق الكون كله، وخلْق الكائنات الحية والمخلوقات العاقلة المكرمة لأمر اقتضته الحكمة الالاهية البالغة، ومنه قوله تعالى: \"وما خلقت الجن والانس الا ليعبُدُونِ\". وقوله سبحانه، وما خلقنا السموات والارض وما بينهما الا بالحق، وموضوع هذا الفرق عند القرافي هو الفرق بين قاعدة الصلواتِ في الدُّور المغصوبة تنعقد قُربةً، بِخلاف الصيام في أيام الاعياد والجُمع فهى عنه.\nجـ ٢، ص ١١٨.\n(١٠٢) قال ابن الشاط هنا معلقا على كلام القرافي فيها: لم يزد على حكاية المذاهب ومستَندها، ولا كلام في ذلك.","vol":"1","page":163},{"text":"وبين المُحرِم إذا مَسَحَ على الخُّفِ، فإن المُحرِمَ مخاطَب في طهارته بالغسل ولم يأتِ به، فلم تَحْصُلْ حقيقةُ المامُور به، وغاصب الخف أتى بحقيقةِ المأمور به، ولكنه جنَى على صاحب الخف. (١٠٣)\nالمسألة الثالثة: الذي يصلي في ثوب مغصوب، أو يتوضأ بماءٍ مغصوب، أو يَحجُّ بمالٍ حرام، كل هذه المسائل عندنا في الصحة سواء، خلافًا لأحمد ﵁. ووجْهُ ما قلناهُ أن المأمور به قد وُجد، والعِلَّةُ في المجاور.\nفإن قيل: لا نسلمُ أن المأمور به حاصل في الطهارة والسُّتْرة، فإن ذلك الماء معدوم شرعا، وكذلك الثوب المغصوب، (للسترة)، والعدوم شرعًا كالمعدوم حِسا، ولا نقول هذا في نفقة الحج، فإنها خارجة عن أركان الحج، بل نفقة الطريق تحفظ حياة المسافر (١٠٤)، بخلاف المحرَّم في الصورتيْن، صُرِف فيما هو شرط، فكان الشرطُ مِعدوما.\nقلت: نمنع أن الله تعالى أمر بالسترة واشترط فيها أن تكون الأداة مباحة، وكذلك نمنع أنه أمر بالطهارة واشترط في الأداة لها أن تكون مبَاحة، بل حرِّم الغضب مطلقا، وأوجَبَ الطهارة مطلقا، ولم يقيد أصلا، فكما يتحقق (١٠٥) الغصبُ وإن قارَنَ مامورا، يتحقَّقُ (١٠٦) المامورُ وإن قارن مُحَرّمًا.\nفإن قلت: فما الفرق بين هذه المسائل وبين مسائل الربا؟ ولِمَ لا وافقتَ الحنفية في تصحيح العقد فيها، كما صححتَ العبادة مع ثبوت النهي في الوصف\n_________\n(١٠٣) قال ابن الشاط في أوّل هذه المسألة: ما قاله القرافي في ذلك صحيح إلى منتهى المسألة.\n(١٠٤) عبارة القرافي ﵀: \"ولا يمكن أن أقُولَ ذلك في الحج، فإن النفقة لا تعلق لها بالحج، لأنها ليست كنا ولا صُرِفَتْ في ركن، بل نفقة الطريق لحفظ حياة المسافر، بخلاف المحرَّم هنا طرف فيما هو شرط، فكان الشرط معدوما.\n(١٠٥) في نسخة ح: فكما تحقَّق (هكذا بصيغة الماضى).\n(١٠٦) في نسخة ح: تحقق المامور (كذلك بصيفة الماضى)، ولعل التعبير بالمضارع الذي يقتضى التجدد في كل واقعة مماثلة أظهر، والله أعلم.","vol":"1","page":164},{"text":"دون الأصل في الجميع، فالحنفية طردت أصلَها (١٠٧) دون المالكية والشافعية؟ .\nقلت: المستند في ذلك أن ظك الحقائق متعلَّقات الرضى، والرضى لم يحصل إلا بمقابلة الواحد بالاثنين، فلو صححت العقد في البعض، لنقلتَ مِلْك البائع بغير رضاه، ورسول لله - ﷺ - يقول: \"لا يحِلُّ مال امرئ مسلم الَّا بطيبِ نفسه، وهذا لم تَطِبْ نفْسُهُ إلا بما يتعلقُّ العقدُ به، والصُّوَرُ الأخَرُ ليس فيها هذا، فوقع الفرقُ.\n\nالقاعدة الثالثة عشرة (١٠٨)\nفي تقرير أن النهى ينقسم إلى خاص وعام، وتبْيين حالِهما في التنافي أو غَيْرهِ، فنقول:\nلا شكَّ أنهُ يوجَد النيى عاماَّ، كقوله: \"لا تقتُلوا النفسَ\" وخاصا، \"لا تقتلُوا الصيد\"، ثم إنهما بحسَب التنافي أوْ غيره ينقسمان ثلاثة أقسام:\n١) القسم الاول: أن يتضادَّا وَيتنافيا، كقوله: لا تقتُلُوا طلبةَ بنقوله تميم، ولا تُبْقُوا من رجالهم أحدًا، فحكْم هذا القِسْم أن يقدَّم الخاصُّ على العام، ففيه جمعٌ بين الدليليْن.\n٢) القسم الثاني: أن لا يتضادّا، ولا يكون لأحدِهما مناسبة يختص بها دون الآخَر، كقولك: لا تَقْتُلُوا النفْسَ، لا تقتلوا الرِّجال، الصحيح أنه لا يُخَصِّصُه، إذْ هُما من قاعِدَةِ ذِكْرِ بعض العَام، وجُزءُ الشىْء لا يكون مخصّصا،\n_________\n(١٠٧) أىْ جعلتْه مطرِدا، ومنطبقا على جميع الحالات والجزئيات والصور المماثلة، بين أن يكون النهي في نفس الماهية فيقتضى الفساد، أو في أمر خارج عنها فلا، كما سبق بيانه في أول القاعدة الثانية عشرة من هذه القواعد الأصولية.\n(١٠٨) هي موضوع الفرق الثامن والثلاثين بين قاعدة النهي الخاص وقاعدة النهي العام. جـ ١، ص ٢٠٩. وقد علق ابن الشاط على هذا الفرق وما يليه من الفروق إلى آخر الفرق السادس والاربعين، فقال: ما قالهُ القرافي في هذه الفروق كلها صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":165},{"text":"وقيل على الشذوذ: إنَّهُ يُخَصصه من طريق المفهوم، فإن ذِكْرَ الرِّجال يقتضي مفهُومُه قتلَ غيرهم.\nالقسم الثالث: أن لا يتنافيا، ويكونُ لأحدهما مناسبة تخصه في متعلّقه، وفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الاولى: كقوله تعالى \"حرمت عليكُمُ الميتة\" (١٠٩) وقوله تعالى: \"لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم\" (١١٠) فيضْطَرُّ المُحرِم إلى أكل الميتة أو الصيد، قال مالِك: ياكَل الميتة ويترك الصيد، لأنه كان حُرِّمَ جميع ذلك، إلا أن تحريم الصيد له مناسبة بالاحرام، ومَفْسدتُهُ التى اعتمدها النهيُ إنما هى في الاحرام، وأما مفسَدة أكْل الميتة فذلك أمر عام لا تعَلُّقَ له بخصوص الإحرام، والخاصُّ مِنْ (١١١) المفاسدِ أشَدُّ اجْتنابا، وهذا في العرف كعَدُوِّكَ الخاص بك، وعَدُوِّك من حيثُ المِلة وحَذَرُك من العدُوّ الخاص ينبغي أن يكون أشد من الذى عاداكَ لا بخصوصيتك، فإن شغْل عدوك الخاص بك يكونُ أشَّدَ من شغل عدوك الآخرِ بك.\nالمسألة الثانية\nإذا لم يجد المصلى ما يستره إلا حريرًا أو نجسا، قال أصحابُنا: يصلي في الحرير ويترك النَجِس، لأنَّ مفسدة النجاسة خاصةٌ بالصلاة.\nفإن قيل: إذا كانت الفْسدة العامة، حميعُ الحالات تَعُمُّها، والخاصةُ ليست كذلك، فالعامة أولى، والقاعدةُ أن المفاسد إذا تعارضَتْ يُصار لِأدناها كما تُقطَعُ اليَدُ المتآكلة لبقاء النفْس، قلنا: هذا مُسَلم، أن الامرَ هكذا يكون إذا لم يكن للمفسدة تعلق بخصوص الحال، وأما إذا كان لها تعلق به فالأمر كما قلنا.\nالمسألة الثالثة\nوقع في المذهب مسألة مشكلة، وهى: أن من استجار دابة إلى بَلد معَيَّن،\n_________\n(١٠٩) سورة المائدة: الآية ٣\n(١١٠) المائدة: الآية ٩٥\n(١١١) في نسخة ح: في. ولعل الأُولى، أنسَبُ ؤاظهرُ في الدلالة على المعنى لأن مِنْ بيانيةٌ.","vol":"1","page":166},{"text":"كمجاوزَ بها تلك البلدة متعَدِّيا، فإن لربها تضمِينَه الدابَّةَ وإنْ رَدّها سالمة، والغاصِبُ إذا تعَدَّى بالغصب في الدابة ورَدّها سالِمةً لا يكون لربها تضْمِينُه إجماعًا، وغايةُ هذا المتعدِّى أن يكون كالغاصِب، والغاصب لا يضمَن، فكيف كان هذا؟ فرده بعضُ الفقهاء إِلى هذه القاعدة بأن قال: إن النهيَ عند الغصب نهيٌ عامٌ لا يختصُّ بحالةٍ دون أخرى ولا عيْنٍ دون عين، وفي قضية الدابة وُجدَ نهْى خاص في عين خاصةٍ (١١٢) فإنه لمَّا آجَرَهُ إلى الغاية المتعينة فقد نهاه أن يجاوزَها، والقاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعينة أقوى مما هو عام ولا يتعلق بخصوص تلك الحالة، فهذا فرق ما بين الغاصب والمتعَدِي، فلا يلزَمُ من عدم تضمين الغاصب مع الرد أن لا يضمن المتعدى مع الرَّد، لقوة النهي في حقه.\nقال شهاب الدين ﵀: ويَرِدُ عليه أسئلة:\nأحدها أن القاعدةَ إنما هى في التعارض ولم يقع هاهنا تعارض، فلم يجتمع نهْى الغصب ونهْىُ التعدي فقُدِّمَ أحدهما على الآخر، بل انفردَ نهْى المُتَعَدِّي وحدَه في هذه الصورة.\nقلت: القاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعيَّنةِ أقوى منْ النَّهي العام مطلقا، وقد وجِدَ في القاعدة المقرَّرة وجد: إذا وُجد نهيَانِ فترجح أحدهما بأن كان خاصا بحالة معيَّنة قُبِل به (١١٣)، وليس الأمرُ أن ذلك لا يكون إلا في تِلْكَ القاعدة، ولهذا قررناها بأن الْحَذَرَ من العَدُوِّ الخَاص يكون أشَدَّ من الحَذَرِ من العَدُوِّ العام.\nقال شهاب الدين: وثانيها أن النهي الخاص ها هنا نهْى آدمى، والنهي\n_________\n(١١٢) هكذا في النسختين المعتمدتين في المراجعة والتصحيح، والمقابلة والتحقيق، خاص بدون تاء التانيث، ولعل الصواب: خاصةٌ بالتانيث، لأن كلمة عيْن مؤنثة في جميع مدلولاتها ومعانيها اللغوية والشرعيةكما يستفاد من تتبع مواقعها واستقرائها في السياق، وهنا يراد بها مسألة وواقعة خاصة، والله أعلم.\n(١١٣) في نسخة ح: قيل به، والمعنى في النسختين يعْني تقديمه وقبوله والأخذ به.","vol":"1","page":167},{"text":"العام نهْيُ الله تعالى: وَلا يُرَجَّحُ نهىُ الآدَمِى لاجْل خصوصه على نَهْى الله تعالى مع عمومه.\nقال: فإن قلت: اذا نَهى الآدمىُّ فقد صحِبَهُ نهىُ الله تعالى، ففى الحقيقة إنما رجّحنا بين نهييْن لله تعالى: أحدهما عام والآخر خاص، قال: قلت: هذا كلام صحيح، ولكن النهي الذي صحِب نهْيَ العَبْدِ هو نهْيٌ عامٌّ، وهو نهْيُ الغَصْبِ بِعَيْنِهِ.\nقلت: ليْسَ كذلك، بل النهى الذي صحِبَ نهىَ العبد هو نهيٌ خاص لله تعالى كنهى العبد، غاية ما فيه أنه يستند إلى أدلةٍ عامَّة دالة على ذلك.\nقال شهاب الدين ﵀: وثالثها أنا إذا قِسنا ترْكَ الضمَان في هذه الصورة على ترْك الضمان في سورة الغصب كان القياس صحيحا، سالما عن المعارض، ولوْ قسْنا هنالك الحرير على النجِس والميتةَ على الصيد لَأدَّى ذلك إلى مفسَدة، مِن حيث بقاء المصَلى عُريانا، وهلاكُ المُحرِم بالجوع، فكيف سُوِّيَّ بين موضع لا مُعارض للقياس فيه، وموضعِ للقياس فيه مُعارض.\nقلت: هذا كلام على قياس لم يبدُلَهُ فارق، كيف، والحالة الخاصةُ ليست كالحالة العامة؟ فعَدَمُ حمل الحريرِ على النجِس هو الأصل، وعدَم حمْل الميتة على الصيد هو الأصْلُ، ولا نَقُول: خرج شئٌ من ذلك عن الأصل لما يلزم عَليه من المفسدة، واللهُ أعلَمُ.\n\nالقاعدة الرابعة عشرة (١١٤)\nفي تقرير الِإذن العام من قِبَلِ صاحب الشرع، والإذنِ الخاص من المالِك، وبيان ترتب الضمان عليهما او عدمه، فنقول:\nالإذنُ العَامُّ من الشارع كإذْن السثرع للمكلّف أن ينقل من أسباب (١١٥)\n_________\n(١١٤) هذه القاعِدةُ هي موضوع الفرق الثاني والثلاثين بين قاعدة الاذنِ العَام من قِبَلِ صاحب الشرع في التصرفات، وبَيْنَ إذن المالك الآدَمِي في التصرفات في أن الأول لا يسقط الضمان، والثاني يسقطه\". الجزء ١، ص ١٩٥.\n(١١٥) لعله: من أشياء بَيْتِهِ او من اسباب مِلْكِهِ.","vol":"1","page":168},{"text":"بيتهِ لجهة أخرى منه ما شاء، والإذن الخاص من المالك كإذنه للذى أوْدَعَ عنده وديعتَه أن يحملَها في يدهِ لبَيته. فإذا ظهر ما بينهُمَا (١١٦) بالمثال فنقول:\nالإذن العام لا يُسقِط الضمانَ، والإذنُ الخاص يسقطه. وَسِرُّ ذلك أن الحق تعالى تفَضل على عباده فجعل ما بيْن أيْديهم مِلْكًا تَامًّا لهم، فلا ينتقل عن مِلكهم إلا يرضاهم وإذنهم، كما أن ما كان لله تعالى صرفًا لا يتمكن العباد من إسقاطه، بل ذلك بإسقاط الله له، ويتَّضح الفرق بثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: الوديعة إذا حملها من القيت عنده ليحفظها ببيته (١١٧) فسقطت من يده فانكسرت لا ضمان عليه، لأن مالِكها أذن له في ذلك الحمل الذى انكسرت بِهِ، فلو سقط عليها شئ من يده فانكسَرَتْ ضِمن، لأن صاحب الوديعة لم ياذن له في ذلك.\nفإن قيل: أذِن الله تعالى أن يحمِل ذلك الذي سقَط على الوديعة، قلنا: إذْن الله هو الإذْن العام لا يُسقط الضمان، وإنما يُسقِطه الإذن الخاصُّ.\nالمسألة الثانية: إذا استعار شيئا فسقط من يده، أو حمل شيئا فوقع عليها (١١٨)، الحكمُ كالحكم في المسألة المذكورة قبلها.\n_________\n(١١٦) نسخة ح: ما فيها، والأولى أوضح وأظهر في الدلالة والمعنى العود ضمير التثنية على الإذن العام والإذن الخاص.\n(١١٧) في نسخة ح: فحفظها ببينَةٍ، والعبارة الاظهر والاوضح، والأنسب للمعنى. هى عبارة القرافي هنا التى تزيد المسألة وضوحا، فقد قال: الوديعة إذا شالها المودع وحوَّلها لمصلحة حفظها فسقطت من يده فانكسرت لا ضمان عليه، لأنّه ماذون له بذلك الفعل الذى انكسرت به ... \"\n(١١٨) كذا في النسختين: ع، ح، ولعل الصواب عليه بضمير التذكير، العائد على الشئ، المستعارِ إلا أن يراعى فيه معنى الإعارة او العارية، وهى الشئ المستعار للانتفاع به ثم ارجاعه لصاحبه على أصله، وهى في ذلك أشبه بالوديعة من حيث ضرورة الحفاظ عليها إلى حين ردها، ومن ذلك المعنى قول لبيد مشها لما عند الانسان مال اومتاع يؤول إلى الزوال\nوما المال والأهْلُون إلا ودائع ... ولابدَّ يوما أن تردَّ الودائع\nوقيل في ذلك: المال ظل زائل، وعارية مستردة، ولذلك امر الله الانسان بالإنفاقِ يكون عندهُ من المال في وجوه البر والخير والاحسان فقال تعالى: \"وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين في، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجرٌ كريم\".","vol":"1","page":169},{"text":"المسألة الثالثة: إذا اضطرَّ إلى طعام غيْرِه فأكله في المخمصة جاز، وهل يضمن له القيمة أم لا؟ قولان: أحدهما لا يضمن، لأن الدفع كان واجبا على المالك، والثاني يجب، وهو الأشهر، لأن إذن المالك لم يوجَد، وانما وجِدَ إذْنُ صاحب الشرع، فانتفى الإِثمُ لذلك، (١١٩) لا الضمانُ، وأيضا فإن المِلْك إذا دار زواله بين المرتبة الدنيا والعليا فبِالدنيا أوْلى، وذلك بأن يعطيه بثمن (١٢٠) استصحابا للملك بحسب الإمكان.\n\nالقاعدة الخامسة عشرة (١٢١)\nنقرر فيها المندوب الذكره يقدم على الواجب والمندوب الذي لا يقدَّم على الواجب.\nإعلم - أولًا - أن الغالب تفضيل الواجب على المندوب، هذا من حيث الجملة، لقوله ﵇ - عن الله تعالى: \"ما تقربَ إلىَّ عبدي بمثل أداءِ ما افترضتُ عليه (١٢٢)، وأيضا فالمصاع والمفاسد تختلف، وبحسب اختلافها يختلف الآمر والنهي في القوة وعدم القوة.\n_________\n(١١٩) في نسخة ح: بانتفاء الإثم لذلك الضمان، بالمصدر، والأولى أظهر لأن انتفاء الاثم مرتب عن إذن الشرع ومُسبَّبٌ عنه.\n(١٢٠) في نسخة ح: بأن نعطيه بنون المضارعة، وصيغة الياء أنسب، لأن الاسم الظاهر الذى يعود عليه الضمير، يعتبر من قبيل الغائب كما هو معروف في قواعد النحو، وأساليب الخطاب. وقد علق ابن الشاط على كلام القرافي في أول هذا الفرق إلى قوله في المقارنة بين الحفاظ على فضيلة الجماعة، وفضيلة الوقت اثناء الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وتقديم مراعاة الأولى على مراعاة الثانية فقال ابن الشاط هنا: ما ذكره وقرره هنا صحيح كما قرر. اهـ.\n(١٢١) هي موضوع الفرق الخامس والثمانين بين قاعدة المندوب الذى لا يقدم على الواجب وقاعدة المندوب الذى يقدم على الواجب. جـ ٢ ص ١٢٢.\n(١٢٢) أصله حديث قدسي صحيح. ونصُه: عن أقوله هريرة ضى الله عنه قال، قال رسول الله - ﷺ -: إن الله تعالى يقول: من عادى في وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب الي عبدى بشئ احب الي مما افرضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه، فاذا احببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع بِهِ، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لَأعيذنَّه.\"","vol":"1","page":170},{"text":"هذا هو الغالب الكثير، ولكنه جاء في الشريعة الاسلامية أشياء هي اكثر مصلحة، وأعظم ثوابا، وحكمها الننبية، فقدم فيا المندوب على الواجب من حيث كثرة الثواب وقلته، وذلك في سبع صُوَر:\nالصورة الأولى: إنظار المعسر بالديْن واجبٌ، وإبراؤه منه مندوب إليه، وهو أعظم أجرًا من الإِنظار، لأن مصلحته أعظم، إذ من أبرأ فقد أنظر، فإن معنى الإنظارِ عدمُ المطالَبة في الحال. (١٢٣)\nالصورة الثانية صلاة الجماعة مندوب اليها، وهي تَفْضُلُ صلاة الفذ بسبح\n_________\n(١٢٣) الانظار بالظاء المشالة، مصدر الفعل الرباعى أنظره إذا أخره وأمهله في أمر. والمراد إمهال المدين والإفساح له في أجَلِ أدائه للدين، والتوسعة عليه بذلك إلى حين يُسْره وتمكنه من القدرة على الْأداء وردّ الدين إلى صاحبه.\nوقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة مما ذكره البقورى، فقال: ما قاله القرافي في ذلك غيرُ مسَلم ولا صحيح، بل الإنظار أعظم أجرا من جهة أنه واجبٌ، والقاعدة أن الواجب أعظم اجرا من المندوب، بدليل الحديث المتقدم (وهو الحديث القدسى السابق المتضمنُ لِأفضلية التقرب إلى الله بأداء الفرائض أولا، ثم بأداء ما تيسر وأمكن من النوافل ثانيا، ولا معارض له.\nوما استدل به من قوله تعالى: \"وأن تصدقوا خير لكم\" نقول بموجبه، ولا يلزم منه مقصوده. وما قاله من أن مصلحة الْإبراء أعظم، لاشتماله على الواجب الذي هو الانظار، ليس بصحيح، لأن الإنظار تأخير الطلب بالدين، وهو مستلزم لطلب الدين بعد، والإبراء إسقاط بالكلية، وهو مستلزم لعدم طلبه بعد، فكيف يصح يكون ما يستلزم عدم الطلب متضمنا لِمَا يستلزم الطلب. اهـ.\nقلت: ويظهر أن ما قاله ابن الشاط سليم، لأنه المستفاد من الآية الكريمة \"وإن كان ذو عُسْرةٍ فَنَظِرةْ إلى ميسُرَةٍ، وأن تصدقوا غير لكم إن كنتم تعلمون\"، ويقول البيت - ﷺ -: من أنظر معسرا ووضع له أظله الله يوم القيامة تحت عرشه حيث لا ظل إلا ظله، روَاهُ الامام الترمذى، وصححه ﵀ عن أو هريرة ﵁، فإنْظار الدين مطلوب، وإبراؤه واعفاؤه من الدين مرغوب ومندوب، وهو خير ثوابا وأعظم أجرا، واللهُ أعلم.","vol":"1","page":171},{"text":"وعشرين درجة، فدل ذلك على أن مصلحته عند اللهْ اكثر من مصلحة الواجب. (١٢٤)\nالصورة الثالثة: الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - خيرٌ من الف صلاة في غيره إلا المسجد الحرامَ. والمراد التفضيل بالمثوبةكما في الجماعة مع الانفراد، وقد فضَلَ المندوبُ الواجبَ، وذلك يدل على أن الصلاة في ذلك المكان أعظم عند الله ﷾. (١٢٥)\nالصورة الرابعة: الصلاةُ في المسجد الحرام أفضَلُ من ألْف ومائة صلاة في غيره (١٢٦).\n_________\n(١٢٤) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه الصورة والمسألة الثانية ولخَّصَه البقورى، فقال (اي ابن الشاط: ليست الجماعة منفصلة عن الصلاة، بل الجماعة وصف للصلاة، فضلتْ به على وصف الانفرادِ، فصلاة المكلف إذا فعلها في جماعة وقعَتْ واجبة، واذا فعلها وحدَه وقعتْ كذلك، غير أنَّ احد الواجبين أعظم من الآخر، ولا ينكر مثل ذلك.\nثم قال: \"وأما أن يقال: إن صلاة الظهر - مثلا - إذا أوقعها المكلّفُ في جماعة، فكوُنها صلاة ظهر هو الواجب، وكونها في جماعة هو المندُوب، فليس ذلك بصحيح بِوْجهٍ، لأن كونها في جماعة ليس منفصلا عن كونها ظهرًا، بل هي ظهر، وهي في جماعة، اهـ.\n(١٢٥) عقب ابن الشاط على كلام القرافي فى هذه المسألة بقوله: إن كانت الصلاة التي تصلَّى في مسجد النبى - ﷺ - واجبة فهى تفضُل تلك الصلاة بنفسها إذا صُليتْ في غيره، وإن كانت نافلة فهى تفضل تلك الصلاة بنفسها إذا صُليتْ في غيره. اهـ.\nوكذا الامر بالنسبة للمسجد الحرام.\nقلت: ويؤخذ هذا الملحظ ويستفاد من قول النبى - ﷺ -: صلاة في مسجدي هذا خير من ألْفِ صلاة فيما سواه. حيث ورد فيه ذكر الصلاة نكرة اسم جنس، وهي بذلك تشمل الفريضة والنافلة وتصدُق عليهما معا.\n(١٢٦) كذا في النسختين ع، وح وغيرها، وكذا في هذه المسألة في كتاب الفروق حيث قال القرافي: \"الصلاة في المسجد الحرام أفْضَلُ من ألف صلاة ومائة صلاة في غيره كما خرجه الثقات: ابن عبد البر وغيره)، ونصوص الاحاديث الواردة في فضل المسجد الحرام والمسجد النبوي هي: \"صلاةٌ في مسجدى هذا افضل من الف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا\"، وفي رواية اخرى: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة الف صلاة فيما سواه\".\nوعبارة الفروق لا تؤدى نفس المعنى المنصوص عليه في الحديث كما هو ظاهر عند التأمل، إلا بشئ من التأويل للعبارة وحمْلها على ما يدل عليه الحديث من الأفضلية بمائة الف صلاة لا بألف ومائةٍ كما قد يتبادر إلى الذهن من العبارة.","vol":"1","page":172},{"text":"الصورة الخامسة: الصلاة في بيت المقدْس بخمسمائة صلاة.\nالصورة السادسة: الصلاة بِسِوَاكٍ خيْرٌ من سبعين صلاة بغير سِواكٍ.\nالصورة السابعة: الخشوع في الصلاة مندوب إليه.\nوحيث كان هذا فأقول:\nالمصالح مَتى عَظُمتْ كانت مقدَّمة، سواء كان ذلك ندبا او واجبا. فإذا رأينا ندبا مقدما فما ذاك إلا لأن المصحلة فيه أعظم، وإذا رأينا واجبا مقدما فذلك أيضا لذلك المعنى.\nفالشأن في الشريعة التقديم بقوة المصلحة، والغالب أيضا أن ما عظُمَتْ مصلحتُه أن يكون حكمه الوجوب، وما قصر عن ذلك أن يكون نَدبا.\nقلت: المثالان الأولان ظاهر فيهما ما ذكرَهُ بِحَسَبِ بادى النظر لا بحسَبِ التحقيق، والمثالان الأخيران بَعيدان من ذلك غاية، فإن الصلاة بسواك مع الصلاة بغير سواك، ما وقع التفضيل بين واجب وندب، وإنما وقع بين صلاتين متساويتين في الحكم، فرضِ (١٢٧) الوجوب أو غيره، وزادتْ الواحدة بالسواك، والسِواكُ هو المندوب، وليس في السواك مفاضَلة، وكذلك حديث الخشوع، والصور الآخَرُ فيها نظَرٌ، بل ليس ظاهرًا (١٢٨) إلا في المثال الاول فقط.\nوأما صلاة الجماعة تفضُلُ صلاة الفذ فلا، فإن التفضيل ما وقعَ إلا بين واجبين، وأحدُ الواجبَيْن زادَ على الآخرَ بانضمام مندوب اليه.\n_________\n(١٢٧) في نسخة ح: فرضية (بالمصدَر الصناعى كما يقول النحاة في مثل هذه الصيغة)\n(١٢٨) في نسخة ح: بل ليس ظاهر، ولعله: ليس بظاهر كما في نسخة أخرى، فسقطت الباء من خبر ليس في النسْخ، وهى تزاد في خبرها اطرادا، كما في قوله تعالى: \"أليس الله بأعلم بالشاكرين\"، وقوله سبحانه: أليس الله بكافٍ عبده\"، وقوله جل علاه: \"ألَيْسَ الله بأحكم الحاكمين\" وكذلك بعدما، كما في قوله تعالى: \"وما الله بغافل عما يعملون\" وقوله سبحانه: وما ربك بظَلَّام للعبيد ... وقد قرر ابن مالك هذه القاعدة في بيت من الفيته في النحو، فقال:\nوبعدما وليس جرَّ البا الخبَرَ ... وبعد لا ونفى كان قد يُجَرُّ\nوالمعنى: ليس ما ذكر القرافي في هذه الصور ومسائلها من التوجيه ظاهرا، والله أعلم.","vol":"1","page":173},{"text":"قال شهاب الدين ﵀: وممَّا قُدِّم فيه فعل المندوب على الواجب في الشرع، الجمع للمطر، والجمعُ بعرفة، وتركُ الجمعة بعَرفة (١٢٩).\nوبيان ذلك أنه لما كان المطر والطين والظلمة كان إن بقي الأمر بالخروج للصلاة في العتَمَة لحِقَتْ المشقَّة الناسَ، والشريعَةُ جآت برفْعها، وكان فيها مع ذلك حِفْظُ الواجِبِ، وهو إيقاع الصلاة في وقتها، وإن قيل لهم: لا تخرجوا إليها لأجْل المشقة، فإما أن يقال لهم: صَلوا أفرادا في بيوتكم، وتفوتهم فضيلة الجماعة وذلك مندوب، وإما ان يقال لهم: صلوا الآن مجتمعِين، فيحفظ عليهِم المندوب، وفي ذلك تضييع الواجب الذي هو أداء الصلاة في وقتهاكما كان، فكان تقديما للمندوب على الواجب، وكذا الآمر أيضا بعرفة، تُرك فيه الواجب، وهو إيقاع الصلاة في وقتها، ليحصل اتصال الجمع بالذكر، وذلك مندوب إِليه، وكذلك تَرك الجمعة بها (اي بعرفة) من حيث إن الظهر بها يُصَلَّى سِرا لا جَهْرًا، وبهذا أسْكتَ\n_________\n= وأما حديث الخشوع، فالمراد به الحديث الصحيح الذى أورده الامام القرافي في الكلام على الصورة والمسألة السابعة المتحلقة بالخشوع في الصلاة، وهو قول النبى - ﷺ -: إذا نُودِيَ للصلاة فلا تاتوها، وأنتم تسعوْن، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصَلوا، وما فاتكم فأتِموا، وروى: وما فاتكُم فاقْضوا\". قال القرافي حاكيا عن بعض العلماء: إنما امر - ﷺ - صحابته وأمته بعدم الإفراط في السعى لأنه إذا قدِم على الصلاة عقب شدة السعى يكون عنده انبهار وقلق يمنعه من الخشوع. اهـ.\nوعلق ابن الشاط على ذلك بقوله: لا يتعين ما قاله ذلك العالم بل لِقائِل أن يقول: إن الآمر بالسكينة إنما كان، لِأن ضدها المهى عنه، الذى هو شدة السعى شاغل للبال، مُنافٍ للحضور (اي حضور البال) الذى هو شرط في صحة الصلاة بحسب الوسع ... فليس في الحديث على هذا الوجه ما يدل على تقديم مندوب ولا تفضيله على واجب، بل فيه النهْيُ عن التسبب في الإخْلَال بشرط الواجب الذي هو حضور البال، وحضوره شرط في الخشوع، والله أعلم.\n(١٢٩) أوْرَدَ الامام القرافي ﵀ هذه المسائل، وذكَرها في أول الفرق الخامس والثمانين، وفصلها وبسطها بسطا واضحا شافيا، وهو ما أختصر الشيخ البقوري في ذكرهِ لها هنا.\nوقال في ذلك: إنَّ الجمع بعرفة تُرك فيه واجبان: أحدهما تاخر الصلاة لوقتها وهي العصر، فتصلى مع الظهر. مع إمكان الجمع في تحصيل مصلحة الوقت ودفع الضرر. وقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسائل بأن ما قاله في ذلك صحيح لا باس به.","vol":"1","page":174},{"text":"مالك أبا يوسف حيث نازعَه أن الجمعة لا تُصَلَّى. (١٣٠) وأيضا، فالخطبة ظاهر منها أنها لعرفة لا للجمعة.\nفأجاب لِمَ كان؟ فقال: أما يوم عرفة فالجمعة لم تكن فيها، لأنهُ جُعِلَ للنادر حكم الغالب، والغالبُ لا جمعة عليه، إذ هم مسافرون، فليس في ذلك تركُ الواجِب.\nوأمّا تركُ تأخير العصر إلى وقتها فلضرورة الِإقبال على الله تعالى في ذلك اليوم أن يتصل، لأنه يوم عظيم لا يُوصَلُ اليهِ الا بالمشقة العظيمة، فكانت مصلحة ذلك الِإقبال أن يحصُلَ أعظمُ من الوقت.\nوأما تقديم الجمع ليلة المطر فذلك لأن مصلحة الجمع الذي هو مندوب أعظم عند الله من مصلحة الوقت، وذلك أفضل، لقوله - ﷺ -: تفْضُلُ صلاةُ الجماعة صلاةَ الفذ بسبع وعشرين درجة، وقد تقدمت الصورة المذكورة.\nوبهذه القاعدة يظهر أن كثرة الثواب وقلتَه قد تُعرف بكثرة المصالح وقلتها، وتُعرف أيضا بكثْرة الفِعل وقِلته، وتعرَفُ أيضا بجهْدِ الفعل ويَسَارَتِهِ، وقد يختلف باختلاف المقاصد، والمقاصد تتفاوتُ غاية، وقد يوجَدُ خلافُ هذا كتفضيل\n_________\n(١٣٠) ذكر القرافي ﵀ هذه المسألة بشئ من البيان، والتفصيل، فقال:\nلما حج هارون الرشيد ومعه ابو يوسف، واجتمعا بمالك في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وقع البحث في ذلك، فقال أبو يوسف: إذا اجتمع الجمعة والظهر يوم عرفة قدمت الجمعة لانها أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان. قال له مالك: إن ذلك خلاف السُّنة، وقال له ابو يوسف: من أين لك ذلك وأنه خلاف السنة، فإن رسول الله - ﷺ - صلى بالناس ركعتين، قبلَهما خطبة، وهذه هي صلاة الجمعة؟ فقال له مالِك: جهر فيهما أوْ أسَرَّ؟ فسكتَ ابو يوسف، فظهرت الحجة لمالك بسبب الإسْرار، ﵃أجمعين. لأن الجمعة جهرية، فلمّا صلى ﵇ كعتين سِرًّا دل ذلك على أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة، والخطبة ليوم عرفة لا ليوم الجمحة، لأن عرفة، إنما خطبتُهُ لتعليم الناس مناسك الحج، كانت في يوم الجمعة أوْ لا. اهـ.\nقلت: وهذه المناظرة والمحاورة نموذج للمناظرات العلمية الهادئة، والمحاورات الرزينة النافعة التي كان العلماء يتبادلونها بالحجة والمنطق للوصول إلى الحقيقة والصواب والإقناع والاقتناع. ﵏.","vol":"1","page":175},{"text":"القصر على الإتمام، تفضيل تكبيرة الإحرام على غيرفا من التكبيرات، تفضيل قرآة أم القرآن في الصلاة عليه في غير الصلاة، ولله أن يفعلَ ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهذه قاعدة أدرجتها في هذه التي هي القاعدة الخامسة عشرة. (١٣١)\n_________\n(١٣١) القاعدة المدرجة هنا هي موضوع الفرق السادس والثمانين بين قاعدة ما يكثر الثواب فيه والعقاب، وبين قاعدة ما يقل الثواب فيه والعقاب، جـ ٢ ص ١٣١.\nوقد ذكر القرافي ﵀ قبل هذا الفرق في معرض إجابته عن الاسئلة الشائكة حول الجمع ليلة الطر، والجمع بعرفة، وترك صلاة الجمعة يوم عرفة، بيانا وتوضيحا فقال: إن المندوبات قسمانِ: قسم تقْصُرُ مصلحته عن مصلحة الواجب وهذا هو الغالب، فإن أوامر الشرع تتْبخ المصالح الخاصة والراجحة، ونواهيه تتبح المفاسد الخاصة أو الراجحة حتى يكون أدفى المصالح يترتب عنه الثواب، ثم تترقى المصلحة والندب وتعظُم رتبته حتى يكون أعلى رتبَ المندوبات تليه ادنى رتب الواجبات، وأدنى رتب المفاسد يترتب عليها أدنى رتب المكروهات ثم تترقى المفاسد والكراهة في العظم حه ى يكون أعلَى رتب المكروهات تليه أدنى رتب المحرمات، هذا هو القاعدة العامة (وهو القسم الاول من المندوبات).\nثم إنه قد وُجد في الشريعة مندوبات أفضل من الواجبات، وثوابُها أعظم من ثواب الواجبات، وذلك يدل عَلى أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات، لأن الأصلَ في كثرة الثواب وقلتِه كثرة المصاع وقلتُها. ألَا ترى أن ثوابَ التصدق بدينارٍ، أعظمُ منه بدرهم، وأن سَدخلة الولى الصالح أعظم من سَدَّخلة الفاسِق الطالح، لِأن مصلحة بقاء الولي والعالم لنفسه ولِلخَلْقْ اعظمُ، هذه هي القاعدة العامة في غالب موارِد الشريعة.\nثم إنه قد وقع في الشريعة مواضع مستوية في المصلحة، وأحدها أكثر ثوابا، كقرآة الفاتحة في الصلاة وغيرها، والتصدق بشاة او دينار في الزكاة، وفي غيرها من صدقة التطوع .. الخ وهو في الشريعة قليل، ولله تعالى أن يفضل أحد المتساويين على الآخَرِ اهـ.\nوعلق ابن الشاط على كلام القرافي هنا، فلم يسلم ولم يصحح القول بوجود مندوبات أفضل من الواجبات، ولا باعتبار ثوابها اكثر من الواجبات، وسلم وصحح القول بمساواة التصدق بدينار أو درهم في صدقة الزكاة والتطوع بشرط استواء حال المتصدِّق والمتصدِّق عليه، كما يُسلم باستواء قراة الفاتحة في الصلاة وغيرها، وسلم وصحح القول بأن لله أن يفصّل أحد المتساوين على الآخَرِ بإرادتِهِ وفضله.","vol":"1","page":176},{"text":"القاعدة السادسة عشرة (١٣٢)\nفي تبيين أنه القضاء يجب بالْأمْرِ الأول أو بأمر جديد؟\nعلى أنَّا قدمنا في القضاء حيث حددناه، أنه يجب بأمر جديد، ولكنا نبسط الكلام على ذلك هنا، فنقول:\nذهب بعض الأصوليين إلى أنه يجب بالأمر الأول، والأكثرُ منهم إلى انه يجب بأمر ثان. فمن قال بالأول، قال: إن الامر بالعبادة في وقت معين أمرٌ بشيئين: أحدهما الأمر بالعبادة، والآخَرُ تخصيصه بالزمان، فإذا ذهب أحد الجزئين ينبغى أن يبقى الآمر الآخر، وهو طلب العبادة، قال شهاب الدين - هنا -: لِأن القاعدة أن إيجاب المركَّب يقتضى إيجاب مفرداته.\nقلت: إن كان المراد أن من ضرورة وجود المركب أنه لا يكون إلا بوجود كل جزء من أجزائه، فإذا أوجب إيجادَ المركب فقد أوجب إيجاد كل جزء، فَنَعَم، وفرقٌ بيْن تعلق الوجوب بكل فرد من الأفراد حالة الاشتراك، وبيْن تعلقهِ بكل فرد حالةَ الانفراد. هذه ما وجَبَتْ قط، ولا لزمت من حيث إيجاب المركب، وإلَّا لزم - إذا قلنا: إضرب زيدًا العاقل - أن يكون أمرًا بضرب زيد غير العاقل وبضرب زيد العاقل، فإن التقييد بالصفات كالتقييد بالظروف بلَا فرق، واذا كان الآمر هكذا، فقضية القضاء يجب بالأمر الأول او بالأمر المجَدَّدِ لا نسبةَ بينها وبَيْن أن إيجابَ المركب يقتضى ايجاب مفرداتِه، حتى يحتاج إلى الفرق بين القضيتين.\nولنرجع إلى مسألة القضاء.\nقال شهاب الدين: وإذا كانت الأوقات المعيَّنة إنما خصصت بالعبادة لأجل مصالح فيها دون غيرها، كانَ الاصل أن لا يجب الفعل في غير ذلك الوقت،\n_________\n(١٣٢) هذه القاعدة أدرجها شهاب الدين القرافي في الكلام على فَرقٍ سابق، هو الفرق السادس والستون في كتابه الفروق، بين قاعدة ما تعين وقته فيوصَف بالأداء وبَعده بالقضاء وبَيْن قاعدة ما تعين وقته ولا يُوصَف فيه بالأداء، ولا بعده بالقضاء، والتعيينُ في القسمين شرعيُّ.\nوتوسع فيها، ولم يتحدث عنها في فرق خاص بها، فليراجعها من أراد التبسط في ذلك. جـ ٢، ص ٥٦ - ٥٧.","vol":"1","page":177},{"text":"لأنه عَريٌّ عن المصلحة، لِأن تخصيص ذلك الوقت بذلك أفهمَنا ذلك حتى ياتي من الشرع أمر بالفعل في غيره، فنعلم - حينئذ - أن المصلحة في فعل ذلك الفعل في الوقتين، ولكن الوقت الأول أعظم مصلحة، والثاني دونه فيها، فهذا وجْهُ من قال: يجب بأمرٍ جديد، وهو الأظهر، والله أعلم.\nقلت: ويُعَضده ما جاء، حيث قالت امرأة لعائشة - ﵂ - ما لَنا نقضى الصوم ولا نقْضى الصلاة؟ فقالت لها: أحرُوريَّة أنت؟ كُنّا نُومَرُ بقضاء الصوم، ولا نومَرُ بقضاء الصلاة (١٣٣).\n\nالقاعدة السابعة عشرة (١٣٤)\nنقرر فيها أن النهْي لا يصحء التخيير، وأنه يخالف الأمر في هذا، فإنه يصح مع التخيير كما تقدم.\nوبيان ذلك أن النهي عن حقيقة ذات أفرادٍ كالنهى عن الخنزير لا يصح الامتثال لهذا الامر إلا بترك كل فرد من أفراد تلك الحقيقةِ. ومتى تَرك أفرادا وفعل ذلك بحسب فردٍ منها، فما وقعَ الامتثال لهذا المعنى، فلأجل هذا كان التخيير مع النهي محالا ولا يصح، وهو جمعٌ بين النقيضَين.\nولما كان الامر بحقيقةٍ ذاتِ أفراد كالأمر بالكفارة يمتثِل الخاطب ذلك بإدخال فردٍ من الافراد، من حيث ان الحقيقة المطلوبة البيت قوله هي الكفارة - لَمَّا طُلبت منه - قد أتى بها إذا أتى بفردٍ فصح الأمرُ مع التخيير، وفي النهي ما أتُى\n_________\n(١٣٣) حديث صحيح أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم وغيرهما ﵏. والمرأة السائلة اسمها مُعاذة. والحرورية نسبة إلى حروراء، وهى بلد قريب من الكوفة، اجتمع فها الخوارج عن علي ومعاوية، ثم إنَّهم يقولون بقضاء الصلاة والصوم، ووجوبهما على الحائض، فأفادتها عائشة ﵂ أن المرأة مأمورة بقضاء الصوم، وغيرُ مطالَبة بقضاء الصلاة التي فاتتها ايام الحيض -\n(١٣٤) هي موضوع الفرق السابع والاربعين بين قاعدة المأمور به يصح مع التخيير، وقاعدة المنهى عنه لا يصح مع التخيير\" جـ ٢ ص ٤.","vol":"1","page":178},{"text":"بالحقيقة المطلولة منه إلا إذا لم يات بفرد من الأفراد، فمن المعلوم البيِّن أن فاعل الاخصِّ فاعِلُ الأعم، وإذا كان كذلك فلا سبيل إلى الخروج عن العهدة في النهي إلا بترك كل فرد، والتخيير مع النهي عن الترك محال عقْلًا (١٣٥).\nفإن قيل: قد وقع النهي عن الأختين، وخُيِّرنا في إحداهما لا بعينها، وكذلك البنتُ مع الأم، قلنا: لم يقع النهي - هنا - عن المشترك بين الأفراد وخُيِّرنا في الأفراد كما قلنا في خصال الكفارة، بل نُهِينَا - هنا - عن الجَمعِ، وهذه الحقيقة التى هي الجمعُ بين الأختينِ، تُفقد لفقد جُزْءَيْها معا، وهما الاختان، وتُفقد لفقدِ الواحدة منهما، فيخرج عن العهدة بواحدة لا بعينها كذلك، لأن التخيير وقع في شيء من ذلك، والله أعلم.\n\nالقاعدة الثامنة عشرة (١٣٦):\nفي تقرير التخيير بين أشياء لا يقتضي التسوية بينها ولابد، بل قد يكون ذلك وقد لا يكونه.\nفالتخير الذى يقتضى التسويةَ كالتخيير في خصال الكفارة، والتخييرُ الذى ليس التسويةُ كتخيير صاحب الدين بالنَّظِرة والِإبراء، وهما غير متساويين، لأن نَظِرةَ المعْسر تجب، وإبراوُهُ مندوب اليه، ومثل هذا قوله تعالى:، \"يا أيها المزمل قُمْ الليل\n_________\n(١٣٥) علق ابن الشاط على جاء عند القرافي في اول هذا الفرق ٤٧، فقال: قوله: ان الامر في خطاب الكفارة متعلق بأحدها صحيح، وقوله: الذى هو قدر مشترك بينها، ليس بصحيح، فإنه ليس مفهوم أحد الامور الا واحدا فها مبْهبًا غير معيّن، لا الحقيقة المشترك بها، ولو تعلق الوجوب بالحقيقة من حيث هي تلك الحقيقة للزم شمول الوجوب لكل شخص مما فيه تلك الحقيقة، وليس الا فرد كذلك - وقوله: لِصدقه على كل واحد منها (اى لصدق المفهوم الذي هو قدر مشترك بين خصال الكفارة)، لا يلزم من ذلك أن يُرادَ به الحقيقة المشترك فيها.\nوالمشترك هو متعلَقُ الامر ولا تخيير فيه، يقولُ القرافي: والخصوصيات هي متعلق التخيير ولا وجوب فيها. قال ابن الشاط عن كون الخصوصيات هي متعلق التخيير: ذلك صحيح إن أراد من حيث تعين كل واحد فها، وإن اراد أنها متعلق التخيير من حيث دخولها تحت المشترك فلا.\n(١٣٦) هي موضوع \"الفرق الثامن والاربعين بين قاعدة التخيير الذي يقتضى التسوية، وبيْن قاعدة التخيير الذى لا يقتضى التسوية بين الاشياء المخيّر بينها\". جـ ٢ ص.٨.","vol":"1","page":179},{"text":"إلا قليلا نصفَه أو أنقُض منه قليلا أو زِد عليه\" (١٣٧) فقيل في تفسيره: خير بين. قيام نصف الليل وثلثه وثلثيْه، فثلثُهُ أوْ نقَص منه قليلا، وثلثاه: \"أو زد عليه\"، والثلثُ واجب، وذلك (١٣٨) كما قالت عائشة ضى الله عنها: كان قيَامُ الليل واجبا ثم نُسِخَ، والنصف والثلثان مندوبَانِ، فقد خَير بين المختلفات في الحكم. وكذلك ايضا: ﴿فليس عليكم جُنَاح أن تقصروا من الصلاة﴾ (١٣٩) خير بين القصر في السفر والإتمام، والركعتان واجبتان جزما، والزائد ليس بواجب، وهذا يَرُد على من يقول: التخيير لا يقع الا بين المتساويات، بل هو كما قلنا. والضابط في الفرق أن التخيير إذا وقع بين المتبايِنَيْنِ فإنه لابد من التساوي بينهما، كما في خصال الكفارة، وبين جزْءٍ كل أو أكثر أو أقل لم يقع التسوية، والله أعلم.\nثم المتباينات إذا وقع التخيير بينها، إن كان قد تباينت بالأجناس كما قلنا في خصال الكفارة فذلك المسمى بالواجب المخير، وان كانت قد تباينت لا بالجنس، بل هى داخلة تحت جنس واحد، فلا يسمى هذا بواجب مخيرٍ، وهذا راجع إلى الاصطلاح. فالعتق يكون بأمة وبعَبْدٍ، والعبيد يتشابهون، والأماءُ كذلك، وللمكلف الخِيرة في ذلك كله، ولكنه لا يسمى مخيرًا من هذا الوجه، واما يسمى مخيرًا إذا\n_________\n(١٣٧) سورة المزمل، الآيات: ١، ٢، ٣.\n(١٣٨) في نسخة ح: لما (الظرفية)، وعلق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي هنا وتضمنته هذه القاعدة فقال: لو كان المشترك متعلِّق الوجوب لوجب الجميع، بل متعلق الوجوب واحد عمر \"معين، والخصوصيات من عتق كسوة وإطعام هي متعلق التخيير، وحكم كل خصلة حكم الاخرى، وهذا صحيح، لا ما قاله القرافي من كونها أمورا متباينة\" ثم قال ابن الشاط: ليس الثلث (اى قيامه) واجبا من حيث هو ثلث، ولو كان ذلك لكان واجبا معينا، ليس النصف والثلثان مندوبَيْن، ولو كان ذلك لجاز تركهما مطلقا، ليس كذلك بل لا يجوز تركهما إلا عند قيام الثلث.\n(١٣٩) وقع في النسختين معا: \"لا جناح عليكم أن نقصروا من الصلاة\". والصواب: \"فَلَيْسَ عليكم جناح أن تقْصُروا من الصلاة\" وهو ما في كتاب الفروق: وأول الآية قوله تعالى\". \"وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا\" سورة النساء الآية ١٠١. وهذه الآية الكريمة اصل في سنة قصر الصلاة للمسافر، وكذا ما ورد فيها وثبت من السنة القولية والفعلية عن الله - ﷺ -.","vol":"1","page":180},{"text":"كانت الأفراد ترصح إلى \"أجناس متباينة، كالعتق والإطعام والكسوة، وهذه قاعدة أدرجْتها في التي قبلها، لا كما فعل شهاب الدين ﵀.\nثم لِتعلَم أن ما وقع في قول الفقهاء من قولهم: الإمام مخيَّر في الأسارى، وكذلك في التعزير، وكذلك في حق المحارب، وكذلك تفرقة الأموال راجعة إلى خِيَرَتِه قَوْلٌ مَجَازي، لا خِيرة (١٤٠) في شئ من هذا، كما الامر في خصال الكفارة من حيث التخيير، بل يجب عليه بذل جَهده في فعل الأرجح من ذلك، ولا يصح له أن يفعَل بهواه ما شاء من ذلك، كما يصح للمكفر أن يُعَيِّنَ من الخصال ما شاء بِهوَاه.\nولكنه قيل له: مخيَّرٌ، من حيث إن النظر رجع اليه في الترجيح، ولم يعَيَّن له في ذلك شئ، بل فُوِّضَ التعيين اليه بعد اجتهاده، وتنفيذ الأصْلح للمسلمين، فذاك الذى يصح له ويحل\" وهذه قاعدة اخرى أيضا أدرجتها هنا. (١٤١)\n_________\n(١٤٠) في نسخة ح: \"بل لا خيَرَةَ\" بزيادة بل للاضراب عما قبلها، ولكن المعنى واحد في نفي الإختيار في هذه السائلِ والامثلة.\n(١٤١) هي موضوع الفرق التاسع والاربعين بين قاعدة التخيير بين الأجناس المتباينة وبين قاعدة التخيير بين أفراد الجنس الواحد\" جـ ٢. ص ١١.\nقال القرافي ﵀ في أوله: وتحرير الفرق بين هاتين القاعدتين يرجع إلى تحرر اصطلاح العلماء لا لمعنى يترتب عليه، وذلك أنهم يسمون خصال الكفارة واجبًا مخيرا، ولا يسُّمون تخيير المكلف بين رقاب الدنيا في إعتاق الرقبة في كفارة الظهار وغيرها واجبا مخيرا، وكذلك التخيير بين شِياه الدنيا في إخراج شاة من أربعين شاة، ودينار من اربعين دينارا، لا يسمون ذلك واجبا مخيرا، بل يقصرون ذلك على خصال الكفارة ونحوها.\nوضابط الفرق بين القاعدتين أن التخيير متى وقع بين الأجناس المختلفة فهو الذي اصطلحوا على أنة واجب خير، ومتى وقع بين أفراد جنس واحد لايكون هو المسمى بالواجب الخير، فالعتق والإطعام والكسوة أجناس مختلفة، والغنَم كلها جنس واحد، وكذلك الدنانير، وغيرها من النظائر، فهذا هو ضابط الفرق بين هاتين القاعدتين","vol":"1","page":181},{"text":"القاعدة التاسعة عشرة (١٤٢):\nنقرر فيها أنه لا يجوز التخيير بين شيئين، وأحدهما يُخشى من عقابه، ويجوز التخيير بين شيئين، وأحدهما تخشى عاقبتُه.\nوبيان ذلك أنا إذا خُيِّرْنا بين شيئين فقد كان لنا بحسب كل واحد منهما أن نفعله وألَّا نفعله، واذا كان كذلك فلا يصح أن يُخْشَى من أحدهما عقاب، لأن ما يصح فعله لا يصح أن يُخشى منه عقاب، وقد قلنا بذلك، فأن نخشى العقاب باطلٌ، وأما أن نخشى (١٤٣) العاقبة مع التخيير فتصح، وهذا مِثْلُ ما خُير رسول الله - ﷺ - بين قدحَيْنِ من خمر ولبن فاختار اللَّبن، وقد كان الخمر تُخشى عاقبته، لو أخذه لغوتْ أمته كما قال جبريل ﵇، (١٤٤) وهذا لا مجال فيه من حيث إن خشية العقاب تترتب عن المنع من الفعل، والمنع من الفعل يناقض التخيير في الفعل كما سبق، وخشية العاقبة لا ترجع إلى الكلام الذي منه الامر والنهى، وانما نرجعُ إلى القضاء والقدر، فهذا يرجع إلى أثر قدرة الله، فافترق الامرانِ، ولا إشكال في ذلك، والله أعلم.\n_________\n(١٤٢) هو موضوع الفرق الخمسين بين ما ذكر فيها، جـ ٢ ص ١٢.\nوقد علق العلَّامة ابن الشاط على ماجاء عند القرافي في هذين الفرقين بقوله: ما قاله فيهما صحيح، والله أعلم.\n(١٤٣) في نسخة ع: فأن يخشى بالياء والبناء للمجهول في الفعلين، وكلتا الصيغتين صحيحة وسليمة، فصيغة المضارعة بالنون مبني للمعلوم، وصيغة الباء مبنية للمجهول، والفعل يحذف ويبنى الفعل للمجهول في مواضع معلومة، ولِأغراض ونُكتٍ بلاغية معروفة، جمعها بعضهم في بيتين فقال: في حذف الفاعل:\nوحذفهُ للخوفِ والابهام ... والوزن والتحقير والإعظام\nوالعلم والجهْل والاختصار ... والسجع والوفاق والإيثارِ\n(١٤٤) اشارة الي ما جاء في حديث الاسراء من رواية الإمام احمد ﵀ عن أنس ضي الله عنه، أن النبي - ﷺ - لما صلى في بيت المقدس ليلة الاسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وخرج منه أتاه جبرئل ﵇ بإء من خمر وإناء من لبن، فاختار الرسول - ﷺ - اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة الخ ... انظر تفسير الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير سورة الاسراء،","vol":"1","page":182},{"text":"القاعدة العشرون (١٤٥)\nنقرر فيها أنه الاباحة قد تكون مُطْلَقةً، وقد تكونه مرتبة سبب، ثم نقرر ما يلزم عن كل واحدة.\nفالإباحة المطلقة كالْإذْن في البيع والشراء، والاباحةُ المترتبة على سبب، كقوله تعالى: ﴿واذا حللتم فاصطادو﴾ (١٤٦).\nثم الإباحة المطلقة لا يكون على المكلف حرَج في الإقدام على ذلك المباح مطلقا، والاباحة على سبب لا يكون على المكلّف حرج في الاقدام على الفعل من حيث ذلك السببُ، ويكون عليه حرج في الاقدام عليه باعتبار سبب آخر، فالتحريم يجتمع مع هذه الاباحةِ ولا يجتمع مع الأخرى، وهذا، لأن أسباب التحريم قد تجتمعُ مع اسباب الاباحة وقد تفْترق. وعلى هذا يكون الفعل الواحد حرامًا باعتبار سبب مَّا، حَلالا باعتبار سبب آخر، وبهذه القاعدة يزُول إشكال أورده بعض الفضلاء فقال: قوله تعالى: ﴿فإق طلقها فلا تحِلُّ لَهُ مِن بعن حتى تنكِحَ زوجًا غيْره﴾ (١٤٧). هذه الآتية تعطي من حيث إنَّ حتَّى غايةٌ أن المطَّلقة\n_________\n(١٤٥) هي موضوع الفرق الحادي والخمسين والمائة (١٣١) بين قاعدة الإباحة المطْلقة، وبين قاعدة الاباحة المنسوبة إلى سبَب مخصوص، جـ ١، ص ١٣١.\n(١٤٦) سورة المائدة: الآية ٢.\n(١٤٧) سورة البقرة: الآية ٢٣٠.\nوقد نص علماء النحو، واهل العلم بمعاني الحروف على أن حرف حتى ياتي لأحد ثلاثة معان: انتهاء الغاية وهو الغالب، والتعليل، وبمعنى الا من الاستثناء، وهذا اقلها، وقل من يذكرها. واستعمالها يكون على أحد ثلاثة اوجه: أحدها ان تكون حرف جر بمنزلة إلى في المعنى والعمل، وهي تخالفها في امور. ثانبها أن تكون عاطفة بمنزلة الواو، وهي تخالفها في امور، ثالثها أن تكون حرف ابتداء (اي تبتدأ به الجملة. وقد أشار بعضهم إلى هذه الوجوه في بيتين من النظم، وزاد عليها واحدا بشئ من التجوز، والبيتان هما قوله:\nتكون حتى حرف جر يا فتَى ... وحرفَ نصب لمضارع أتى\nوَحرف عطف ثم حرف الابتدا. اقسامها أرلعة فَعَدِّدَا (اى عَدِّدْها واحسبْها).\nومعلوم أن حتى ليست من حروف نصب المضارع وادواته، ولكن النصب يكون بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى، فهى بمعنى الغاية، ومَجْرُوها حينئذ إما ان يكون اسما صريحا أو مؤولا بالمصدر. (١ هـ) انظر مغنى اللبيب لابن هشام ﵀.","vol":"1","page":183},{"text":"بالثلاثِ إذا تزوجت غيرَه حَلَّت له، وهذا مردود بالإِجماع، فَيَجِبُ أن يقال: إن حتى خرجَتْ في هذه الآية عن مقتضاها الْغائِي، وأنها لَا تَدُل عليه، وهذا - ايضا صعْبٌ، فهذه القاعدة تزيل الأشكال، فيقال: بَتَزَوُّج غيرهِ لَها (١٤٨) زالَ مانعٌ واحد كان يمنع منٍ تزوجها، فأبيحَتْ من حيث ارتفاع هذا المانع، وبقي موانعُ أخرى، فكَونُها باقية في مِلك هذا الثاني مانع، حتى إذا طلَّقها زالَ ذلك، وبقيت العِدَّة هي مانع آخر، هكذا قال شهاب الدين ﵀.\nوكذلك تصَوُّرُ اجتماع أسباب على سبب واحد، مثل القتلِ يجب بترك الصلاة، والزنا عن إحصان، والارتدادِ، وقتلِ النفس التي حرّم الله إلا بالحق (١٤٩)، فهذا قد أبيح دمه بكل واحد من هذه الأسباب. فإذا عَفَا الاولياء ذهبت الاباحة الناشئة عن القتل، وبقىَ القتل لأسباب أخرَ.\nقال -﵀-: وكما ظهر لك اجتماع أسباب التحريم في المسألة المتقدمة، فاعلم أن المحرَّم بسبب واحد ليس كالمحرّم بأسباب، بل يتضاعف الإثم بتضاعفِ الأسباب، فالزنَى محرَّم، وبالبِنْتِ أشَدُّ، (١٥٠) وبها في الصوم ومع الإحرام أشد، وفي الكعبة أشدُّ، وكذا الواجبُ الواحد يتصور أن يكون لهُ سببٌ واحدٌ في الوجوب، ويُتَصوَّرُ أن يكون له اسبابٌ.\n_________\n(١٤٩) عن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال، قال رسول الله - ﷺ -؛ \"لا يَحِل دم امرئ مسْلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة. اخرجه الشيخان: البخارى ومسلم رحمهما الله.\n(١٥٠) قال بعضهم في هذا المعنى:\nوتعظمُ الطاعة والمعصية ... بالشخص والمكان والوقتية","vol":"1","page":184},{"text":"القاعدة الحادية والعشرون (١٥١)\nنقرر فيها الفرق بين الواجبات بطريق النذر، وبين الواجبات بإيجاب الله تعالى، وذلك من حيث المصلحة، فنقول:\nان الأوامر تتبع المصالح، والنواهي تتبع المفاسِد، والمصلحة إن كانت في أعلى الرتَب يترتَّب عليها الوجوب، وإن كانت في أدْنى الرتب رُتِّبَ عليها الندب.\nثم ان المصلحة ترتقى ويرتقى الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب يُشبه أدنى مراتب الوجوب، وهذا الاعتبار بعينه في المفسدة بحسب التحريم والكراهة، فعلى هذا، المصلحة التى تصلح للوجوب لا تصلح للندب، لاسيما المزلبة الدنيا من الندب، كيف لا، وقد رتّب العقاب على ترك المصلحة التى للوجوب، وكذا الامر أيضا من حيث المفاسدُ، فقد رتِّب (١٥٢) العقاب على فاعل الحرام دون الكراهة، فهكذا الأسباب الشرعية لا تجعل شيئا سببا للوجوب وشيئا سبَبًا للندب الا ولكُلِّ واحدٍ نسبةٌ للآخر.\nقلت: قد مضى لنا في القاعدةِ الرابعة عشرة أن هذا الذي قاله هنا هو الغالب، وأبْدَيْنا خلافَ هذا في صُوَرٍ: منها الجمعُ ليلةَ المطَر فُضِّلَ على الواجب من حيث ان المصلحة التى في ذلك الندوب أعظم، وكذلك صلاة الجمعِ بعرفة قدم على ايقاع الصلاة في وقتها، وهو واجب، لأنه أفضل وأعظم مصلحة.\nقال شهاب الدين -﵀-:\nإذا تقررت هذه القاعدة. فاعْلَمْ أن صاحب الشرع جعل الأحكام على قسمين: قسم منها قرره بنفسه، وقسْم وَكَلَ تقريرَه \"إلى خِيَرَةِ المكلَّف.\n_________\n(١٥١) هي موضوع الفرق السادس والثلاثين والمائة ١٣٦ بين قاعدة المنذورات وقاعدة غيْرها من الواجبات الشرعية. جـ ٣. ص ٩٤.\nوقد عَلَّق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق فقال: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح،، لا قوله في هذه القاعدة. إن الله أمر عباده أن يتأدبوا معه كما يتادبون مع أماثلهم، فإنَّهُ تشبيه لا أرتضيه\".\n(١٥٢) في نسخة ح: رتب بصيغة الماضى المبنى للمجهول، وكما في العبارة الموالية بالنسبة للنسختين.","vol":"1","page":185},{"text":"فالأولُ كوُجُوب الصلاة، والثاني هو النذر، وكذلك الأسباب أَيضا جعلها على قسمين:\nقسم منها نصبه هو كجعل الزوال سببا وأمثالِه، وقسم جعله لِخيَرَة المكلف كما في الأحكام، ويَجعلُ هذا المكلفُ سببًا ما شاءَ، كدخول الدار وهبوب الربح، أو نزول المطر، أو قُدُوم زيد، الخِيرة له في تعيين ما شاء من ذلك، فلا يتوقف على المكتسباتِ له أو لغيره.\nفاذا تقرر هذا حصل الفرق بين الواجب الأصلي وبين النذر من وجهين:\nأحدهما أن مصلحة المنذور مصلحةُ الندب، فإن النذر لا يتعلق بالواجب ولكن بالندب، فببلغ بذلك الي مرتبة الواجب.\nالثاني أن سبَبَه لا يناسبُ الوجوب كالأسباب المقرَّرة في أصل الشريعة، والبعدُ من طريق الأسباب أشد، فإن المندوبَ فيه مصلحة، فانتقل إلى حكم ما هو أعظم مصلحة منه.\nوأما الأسباب، فالسببُ الشرعي مناسب للحكم، والسببُ الاختياري لا مناسبة في كثير منه، فإنه لو قال: إن طار الغرابُ فعَليَّ صدقةُ درهم، أيّ مناسبَةٍ في طيران الغراب للصدقة؟ ووجود النصاب مناسبٌ للصدقة.\nفان قيل: فكيف اقتضت الحكمة الإلاهية اعتبار مالا مصلحة فيه أو إقامة (١٥٣) مصلحة الندب للوجوب، مع أن القاعدة أن الاحكام تتْبعُ المصالح على اختلاف رُتَبها؟ قلت: جآء هنا سبب آخر قوَّى تلْكَ المصلحة حتى حكم\n_________\n(١٥٣) هكذا في النسختين: \"أو إقامة مصلحة الندب للوجوب\"، وفي الفروق: وإقامةَ\".","vol":"1","page":186},{"text":"عليها بالوجوب وذلك الأدبِ، مع الحق بالوفاء والحذر من نقض. العهد معه، فوقعَ الحكم (١٥٤) على نسبةِ المصالح.\nقلت: وأمّا الاسباب، كقولنا: إن طار الغراب فهي ليست في الحقيقة أسبابا، وانما هي شروط للنذر، فالوجوبُ بالنذر ولكنه عند الشرط، ولهذا يقول الفقهاء: النذر المطلقُ، والنذر المقيّد.\nوحيثُ علمتَ أن الاشياء قد تحرم لاشمالها على المفاسد وقد تكرَه، وأنها - أيضا - تجبُ لاشتمالها على المصالح، وقد تندب، فقد تكون المصالح مما يحُثُّ عليها الطبْع فتكون هذه مصلحةً مباحة كالمطعومات الطيبة، ثم ما يحرم قد يكون محرّما، لما قلناه، ولكنه يقضَى عليه بالإِباحة لسبب، وهذا كالميتة، محرَّمةٌ لطبيعتها المشتملة على المفسدة، فإذا جاء الاضطرار أبيحَتْ، كذلك أيضا ما أبيحَ لصفتِهِ كالمطعومات يعرض له (١٥٤ م) أن يحرم لأسباب كالغصب والسرقة وغير ذلك، وهذه قاعدة أدرجتها بالتى ذكرتها معها (*).\n_________\n(١٥٤) في نسخة ح: الحِكْمة، ولعل لفظ الحكم ومعناه في نسخة ع أظهر وأوضح.\nوعبارة القرافي هنا أظهر وأبْين حيث قال في هذه الفقرة: \"قلت: \"الاسباب يَخْلُفُ بعضها بعضا، فكما أن عِظَم المصلحة سببُ الوجوب في عادة الشارع فكذلك هنا سبب آخرُ إذا فقدتْ هذه المصلحة، وهى مصلحة أدب العَبد مع الرب ﷾ في أنه إذا وعَدَ ربَّه بشئ لا يُخْلفه إياه، لا سيما إذا التزمه وصمم عليه، فأدبُ العبْد مع الرب ﷾ بحسن الوفاء وتلقى هذه الالتزامات بالقبول هو خلق كريم. وهو سبَبُ جلْب المصلحة التى في نفس الفعل، فقد يستفاد منْ هيئة الفاعل وأحواله وأخلاقه مع خالقه ومعبوده مصالح عظيمة، وأى مصلحة أعظمُ من الادب حتى قال. روَيْم لابنه: يابنى، اجعَلْ عملك مِلْحا، وأدبَكَ دقيقا، أي إستكثر من الادب حتى تكون نسبته في الكثرة نسبة الدقيق إلى المِلح، كثير الادب مع قليل من العمل الصالح أحسن من كثير من العمل مع قلة الادب ... الح.\n(١٥٤ م) في نسخة ح: لها أى المطعومات، وفي النسخة الاخرى ع. له بالتذكير يعود على لفظ ما أبيح، والمعنى واحد ..\n(*) وهذه القاعدة هى موضوع الفرق السابع والثلاثين والمائة بين قاعدة ما يَحرُمُ لصفته وبين قاعدة ما يحرم لسببه\" جـ ٣. ص ٩٦.","vol":"1","page":187},{"text":"القاعدة الثانية والعشرون. (١٥٥)\nنقرر فيها الانتقال من الحرمة إلى الإِباحة أنه يشترط فيه أعلى الرتب من الأسباب، بخلاف الانتِقال من الإِباحة إلى الحرمة فإنه يُشترط فيه أيْسَرُ الاسباب.\nقال شهاب الدين ﵀:\nوقعتْ في الشريعة صور كثيرة تقتضِي ما قلناه في القسمين معًا.\nفهذه الأجنبية مباح العقدُ عليها، وهذه الاباحة تندفع بعقْد الأب عليها من غير وطْء، وهذا أيْسر شئ والمبتوتة (المطلقة ثلاثا) لا يذهب تحريمها إلا بعقد المحلِّل ووَطئه، وعقد الأب (١٥٦) بعد العدَّة. وهذه رتَبٌ (١٥٧) - قلت - ما تندفع إلا بعقد الأبِ ورضى الزوجة، ووجود صداق مع عقد الزوج، كما إذا كانت محرَّمة الوطء، فهذا التحريمُ يَندفع بما اندَفَعَتْ بهِ الْإباحَةُ لَا زَائِدَ عليها.\nقال شهاب الدين ﵀:\nوثانيها: المسلم محرَّم الدّم، لا تذهبُ عنه الحِرمة إلَّا بالردة أو زنىً بعد\n_________\n(١٥٥) هو موضوع الفرق الحادي والثلاثين والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يُشْتَرَط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفى فيها ايْسَرُ الأسباب ... جـ ٣. ص ٧٣.\n(١٥٦) كذا في ثلاث نسخ من كتاب ترتيب الفروق للبقورى. والذى عند القرافي في هذا الفرق: \"وعقد الأول بعد العدة\". ولعل لكل واحدة من الكلمتين وجها تحمل عليه، وذلك بأن تحمل كلمة الأب في العباز على ما، في هذا الترتيب على معنى أن يتولى الأب لها عقد الزواج باعتباره وليا ولو كانت ثيبا رشيدة، حيث الولي ركن من اركان عقد الزواج عملا بحديث أصحاب السنن: . \"لا نكاح الابوالي\"، وبما عليه إلمسلمون سلَفا وخلفا من عملهم بذلك، وتحمل كلمة الأول في هذه العبارة عند القرافي على معنى أن يعقد عليها الأول المطلق لها ثلاثا بعد ان تزوجها الثاني وتوفي عنها أو طلقها وانتهت عدتها من الوفاة او الطلاق، فحينئذ يباح له ان يتزوج بها من جديد، لقول الله تعالى: \"فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره\" فليتأمل ورود الكلمتين، والمرادُ بِهِمَا والأنسَبُ منهما.\n(١٥٧) وعبارة القرافي هنا، وهذه رتبة (بالإِفراد) فوق تلك الرتبة الناقلة عن الإباحة بكثير\" وهي تزيد عبارة البقورى وضوحا وبيانا.","vol":"1","page":188},{"text":"إحصانٍ، أو قتل نفْسٍ عَمدًا عُدْوانا، وهي أسباب عظيمة، فاذا أبِيحَ دمُهُ بالرِدة حُرم بالتوبة، وفي القصاص بالعفْو، والتوبة أيْسر من الردة والقتْلِ.\nقلت: بل التوبة أصعَب، أما من القتل فظاهِر، لأن القتْلَ فعْل جسماني يثيرُه غضب، والتوبة فعل قلبى يثيره معرفة الحق، والتوفيقُ إلى الحق بما عرف، وشتَّان بين الأمور القلبية والأفعال الجسمانية، فكيف إن زدْنا في النظر إلى الأسباب. وأمَّا أن الردة أيْسَرُ من التوبة فَلأِن الردة يثيرها الجهل، والتوبة تُثيرها المعرفة، والجهل أصل في الإنسان، والمعرفة ثانية.\nقال شهاب الدين ﵀:\nوثالثها الأجنبية لا يزول (١٥٨) تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف على إذنها ووليها، وصداق، وشهود، وإباحتها (١٥٩) بعد العقد يكفى فيها الطلاق فترتفع تلك الإِباحة بالطلاق. (١٦٠)\nقلت: يُعَارَضُ بأن يقال: الأجنبية لا تزول إباحة العقد عليها لزيد إلا\n_________\n(١٥٨) كذا في نسخة ح، وكتاب الفروق، وفي نسخة ع: لا يُزيل بالفعل الرباعى، وهو يستلزم ويقتضى أن تكون كلمة العقد مرفوعة على أنها فاعل به، بينما الكلمة مجرورة بحرف الجر، مما يتناسب الفعل يزول، أما المعنى فلا يكاد يختلف بينهما في شئ على ما يظهر،\n(١٥٩) كذا في نسختى ع، وح، وكتاب الفروق للقرافي، (وإباحتها بعد العقد). وفي نسخة ثالثة من هذا الترتيب للبقورى: (وتحريمها بعد العقد).\nولعل لكل كلمة وجها في المقصود والمعنى، فكَلمة إباحتها تعْنى إباحتها له بعد عقده عليها عقدا مستوفيا للشروط الشرعية المطلوبة فيه، يكفى في رفعها الطلاق الذي يستقل به الزوج، كلمة تحربمها تعنى تحريمها على نفسه بالطلاق بعد الإباحة لها بالعقد، فترتفع الإِباحة بالنسبة له. والله أعلم.\n(١٦٠) الطلاق أمر يستقل به الزوج كما جاء عند القرافي في وصفه للطلاق في هذه العبارة.","vol":"1","page":189},{"text":"بِعقدٍ عمرو (١٦١) عليها متوقف على إذنها ووليها وصدَاق، وهذه هي الصورة التى اعترضْنا بها أولا، فلَا اطراد. (١٦٢)\nقال ﵀: ورابعها، الحربي مستباح الدَّم، تزول إباحته بالتأمين، وهو سبب لطيف. وإذ حرم دمه بالتامين لا يباحُ إلا بسبب قوي يزيل تلك الإِباحة من خروج علينا او ما أشبهه.\nقلت: يمنع الخصم له تفاوتَ السببيْن، بل يعكس الأمر عليه، ثم قال (أي القرافي).: ونظائر هذه القاعدة في الشريعة كثيرة.\nقلت: قد ظهر بما قلناه أن القاعدة لم تقرَّر بما ذكره، بل لو سلِمتْ له الصور من الاعتراض ما كانت هذه الصور لقلتها يكتهى فيها بتقرير هذه القاعدة، لا سيما مع ما أبديناه فيها، والله إعلم.\nثم قال شهاب الدين ﵀:\nوقد رام الأصحاب التحنيث بجزء المحلوف عليه على هذه القاعدة، فإن الحنث خروج من الإباحة إلى الحرمة، ويكفى فيه أيْسَرُ سبب، فيحنث بجزء المحلوف عليه إذا حلف لا ياكل هذا الرغيف أكلَ منه لبابةً، لأنه على بر وإباحة\n_________\n(١٦١) كلمة عَمرو، موجودة في نسخة ع، وح، ساقطة في نسخة ثالثة، ولعل النسخة التي سقطت منها كلمة عمرو أنسب وأوضح، حتى يصح وصِف النكرة بالنكرة، إذ إضافة عقدٍ إلى عَمرو صيره معرفة بالإضافة، وكلمة متوقفٍ نكرة، والتطابقُ بين الوصف والوصوف في التعريف او التنكير مطلوب، وفي ذلك يقول ابن مالك ﵀ في الفيته، في باب النعت:\nولْيُعطَ في التعريف والتنكير ما ... لما تَلا كامرُر بقوم كُرَمَا.\n(١٦٢) قلت: من المقرر شرعا وفقها أن المطلقة طلقة رجعية تعتبَرُ في عصمة زوجها إلى حين انتهاء عدتها، فإذا انتهب عِدتها وبانت بينونة صغرى، فإن من حق زوجها إذا رغب في ذلك أن يسترجعها ويتزوجها من أخرى بعقد جديد مستوف لشروطه الشرعية، ولذلك فإباحة التزوج بها من جديد ثابتة وحاصلة لا يمنع منها إلا تزوج الرأد بزوج آخر بعد انتهاء عدتها من الأول، ولذلك فلعل اعتراض الشيخ البقوري ﵀ غير وارد، وغير ثابت، فيبقى اطراد ما قاله القرافي في مسألة الأجنبية، هذا ما ظهر في المسألة. والله اعلم.","vol":"1","page":190},{"text":"حتى يحنث، ولا يبرأ إذا كان على حِنث الا بأكْل الجميع إذا حلف لياكلنه، إذ هو خارج من إباحة إلى حرمة.\nثم قال: وهذا التخرج ضَعيفٌ، لأنَّهُم إن ادعَوْا أن القاعدة متفق عليها مُنِعَ لهم من حيث إن صورة النزاع يمنعها الخصم، وهو الشافعى، وإن ادعوا ثبوتها بهذه الصورة فهى قليلة ولو كانت كثيرة، فإن القاعدة الكلية لا تثبتُ بالمُثل الجزئية.\nقلت: كلامه هذا يؤْذِنُ بأنه ما ارتضى التقرير الذى قرره أولا، ولكن ما ذكره من أن القاعدة الكلية لا تثْبتُ من حيث جزئيات هذه المسألة هى مثل الاستقراء، والاستقراءُ ليس بدليل في القطعيات، وهو دليل في الظنيات، والمسائل الفقهية ظنية لا قطعية.\nثم قال ﵀: وخرج - أيضا - بعض الأصحاب هذه المسألة على قاعدة الأمر والنهي فقال: إذا حلف ليفعلن فهو كالأمر، أو لَا يفعلُ فهو كالنهي، والنَّهى عن الشيئ نهْى عن أجزائه، فيكون فاعل الجزء مخالفا، وهذه الطريق ايضا ضعيفة، بل الأمر بالعكس، فالأمر بأربع ركعات أمر بكل كعة ركعةٍ، وإيجاب لها إيجابُ المجموع، والنهي عن خمس ركعات في الظهر مثلا ليس نهيا عن أربع ركعات فيها، وإنما الذي أشكل على قائل هذا، الفرق بين الجزء والجزئي. (١٦٣) نعم الأمر بالماهية\n_________\n(١٦٣) هذه كلمات ذات دلالات ومصطلحات يذكرها علماء الأصول والمنطق ويعرضون لها ويشرحونها بكثير من الإيضاح والتفصيل في كتبهم.\nفالجزء عندهم هو ما تركب منه ومن غير كُلٍّ، مثل الحيوان، فإنه جزء من حقيقة الانسان، المركبة من الحيوانية والناطقية، حيث يقال في ماهيته وتعريفه: هو الحيوان الناطق (اي المفكر) ويسمَّى ذلك الجزء جزءًا طبيعيًا، وهناك الجزء المادي مثل السقف بالنسبة للبيت المركب منه ومن الأعمدة والجدران.\nويقابله الكلُّ، وهو المجموع المركب من الأجزاء، والحكم عليه أى على جملة أفراده، من حيث كونها مجموعة لا يستقل جزء منها بنفسه في تكوين الماهية، ولا بالحكم عليه، كقولنا: كلُّ بني تميم يحملون الصخرة العظيمة، اى مجموعهم وهيشتهم المجتمعة من الأفراد لا كل واحد على حدة.","vol":"1","page":191},{"text":"الكلية كالأمر بالإِعتاق ليس أمرا بإعتاق العبد المعيَّن، والنَّهْي عن الماهية الكلية نهْيٌ عن جزئياتها. (١٦٤)\nقلت: ولهذا المعنى يصح الأمر المخيرُ كالكفارة، ولا يصح النهي مع التخيير، وقد مضى تحريرُ هذه القاعدة.\nقال شهاب الدين ﵀: وأحسَنُ ما رأيتُ في هذه المسألة طريقة الفرض والبناء، وهي هذه: كان الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمة الله يقول: هذه المسألة ثلاثة أقسام: المعطوفات، نحو والله لا كلمتُ زيدًا وعمرًا، والجموع والمستثنيات نحو لَا أكلتُ إلا رغيفة أو الرغيفتين، وأسماء الحقيقة الواحد المفردة كالرغيف، فهذه الأقسام الثلاثة، الخلاف فيها واحد، فعند الشافعى لا يَحنَثُ الا بالجميع، وعندنا بالبعض في المسائل الثلاث، فنقول:\nأجمعنا على ما إذا قال الحالف: واللهِ لا كلمتُ زيدًا ولا عَمرًا بصيغة لا النافية أنه يحْنث بأحدهما. واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في اللفظ أنها مؤكده لا منشئة نفيًا، وشأن التأكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا لم يكن مؤكدًا، فوجب التحنيث في هذه الصورة، للاجماع عليه في الصورة التى ظهر فيها حرف لا مؤكدا. فإذا اتضح هذا في هذه الصورة وجَبَ القول بالحنث في الصورتين الأخريين، لأنه لَا قائِل بالفرق، إذ لو ثبت الحنث في بعضها دون\n_________\n= أما اللفظ الكلى فهو ما أفهبم الاشتراك بين أفراد بحسب وضعه ودل عليه بمجرد تعلقه وتصوره مثل رجل وامرأة، ويقابله الجزئي، وهو ما دل على معنى مشخص لا يتناول غيره مثل زيد وخالد وعلى مثلا، موضوع لشخص معين.\n(١٦٤) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة فقال: ما قاله في ذلك ليس بصحيح، فإنه كما أن الأمر با الشئ أمرٌ بأجزائه لضروز تحصيله، ولا يتأتى تحصيله إلا بتحصيل أجزائه، كذلك النهيى عن الشئ نهي عن أجزائه لضرورة تفويته، ولا يتأتي تفويته إلا بتفويت أجزائه، فإن أجزاء الشئ لا تكون أجزاء له حقيقة إلا بتقدير اجتماعها، وأما قبل ابن عها فليست بأجزاء له حقيقة، بل بضرب من المجاز، وهو انها صالحة لأن تكون اجزاء له إذا اجتمعت. كثيرا ما يجري هذا الوهم على كثير من الناس في مثل هذه المسألة، فيعتقد أن جزء الشيء لا يزال جزءًا له في حال اتصاله بالجزء الآخر، وفي حال انفصاله عن الجزء الآخر، ولا يشعر أن الجزء في حال الاتصال بالآخر ليس عيْن الجزء في حال الانفصال من الآخر ... الخ. اهـ","vol":"1","page":192},{"text":"بعضِ لزم خلاف الِإجماع، فإن القائل قائلان: قائلٌ بالحِنث في الجميع وهو مالك ومن قال بقوله، وقائل بأنْ لَا حنث في الجميع وهو الشافعي ومن تبِعه، فهذه هى صورة الفرض والبناء. وضابطها أن يكون الانسانُ يُساعده الدليل في بعض صور النزاع دون بعضِها، فيُفرضُ الاستدلال في تلك الصورة التى يساعده الدليل عليها، فإذا تَمَّ له فيها الدليل بَنَى الْباقي على ذلك.\nوردَّ شهاب الدين -﵀- هذا أيضا بِسبب أن المُناظِر قائمٌ مقام إمامه المجتهد، فلَهُ - إذا قال خضمُه: لا يحنث عندي في الجميع - أن يقول: يحنث عندي في البعض دون البعض.\nنعَم، هذه الطريقةُ تَتِم في المناظرة جدلا بعد تقرير المذاهب، أمَّا والمجتهدُ مُجْتهد (١٦٥) فلا يصح له الاعتماد على ذلك. (١٦٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>القاعدة الثالثة والعشرون </span>(١٦٧)\nذكر شهاب الدين -﵀- فرقين في كتابه:\n_________\n(١٦٥) هكذا في النسختين باسم الفاعل، والذي في الفروق يجتهد بالفعل المضارع.\nوالمعنى واحد، واسم الفاعل حقيقة في الحال، والفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار.\n(١٦٦) وقد اعتبر القرافي طريقة الفرض والبناء ضعيفة بسبب أن الناظر قائم مقام إمامه المجتهد، والمجتهدُ لا يجوز له أن يعتمد على قولنا: لا قائل بالفرق (اي بين المسائل التي يساعد فيها الدليل والمسائل التى لا يساعده فيها) في مسائل الحلف باليمين والحنث فيها، وبين الصورة المجمع على الحنث فيها والصور المختلف فيها) فليتأمل في مسائل هذه القاعدق الثانية والعشرين من اولها إلى اخرها. ولذلكم قال القرافي في آخر الجملة والفقرة عند قوله: والمجتهد يجتهد فلا يصح له الاعتماد على ذلك قال: وبالجملة فالمسألة عندنا مشكلة إشكالا قويا، فتأمله.\nوعقب ابن الشاط على هذا الْكلام بقوله: الإشكال على المذهب كما قال بناء على ما قرَّر. ولقائل أن يقول: إن مُدرك مالك ﵀ الاحتياط للأيمان فأخذ بالْأشد، ومُدْرك الشافعي ﵀ حَملُها على مقتضاها المتيقن فأخذ بالأخف، فلا إشكال، والله أعلم وليتأمل ما جاء في هذه القاعدة من صورة اليمين واحنث فيها لفهم كلام القرافي وكلام ابن الشاط رحمهما الله.\n(١٦٧) هى موضوع الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصحح. النيابة فيها وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه عن المكلف. جـ ٢ ص ٢٠٤\nوانظر الفرق الحادي والسبعين والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير المكلف عنه وبين قاعدة ما لا يجزئ فيه فعل الغير عنه. جـ ٣. ص ١٨٥.","vol":"1","page":193},{"text":"الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تَصح فيه النيابة وبين ما لا تَصح، والفرق الثاني: الحادي والسَّبْعين والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير المكلَّف عنه وبين قاعدة مالا يجزئ فيه فعل الغير عنه، ورأيتهما شيئًا واحدًا، (١٦٨) فلنقرر مقتضاهما معًا في هذه القاعدة، فقال ﵀:\nالأفعال المأمور بها ثلاثة أقسام (١٦٩):\n(١) قسم اتفق الناس على صحة فعل غير المأمور به عن المأمور، وذلك ما تحصُلُ مصْلحتُهُ مع قطع النظر عن فاعله، كرد الغصوب، وأداء الديون.\n٢) وقسْم اتفِقَ على عدم إجزاء ذلك، وذلك ما تتوقف مصلحته على المأمور به، كالإيمان، والتوحيد، فإن مصلحتهما الخشُوعُ والإجلال، وإنما يحصل من جهةِ فاعلهما.\n_________\n= وقد ذكر ابن الشاط ﵀ كلاما هاما ونفيسا في موضوع ما تصح فيه النيابة عن المكلف ومالا تصح، رأيت أن أنقله وأضيفه إلى كلام القرافي وكلام البقوري ﵏ جميعا، فقال معلقا على كلام القرافي هنا:\nصحة النيابة في الافعال كلها: القلبية وغيرها، جائز عقلا، لكن الشرع حكم بصحة النيابة في بعضها دون بعض، فأما الاعمال القلبية فلا أعلم خلافًا في عدم صحة النيابة فيها إلا ما كان من النية كإحجاح الصبي وفي سائر نيات الأعمال التي تصح النيابة فيها على حسب الخلاف في ذلك أيضًا، وأما غير القلبية، فالمالية المحضة لا أعلم خلافا في صحة النيابة فيها، وأما غير المالية المحضة فقد حكى بعضهم الإجماع في عدم صحتها في الصلاة، والخلاف فيما عداها، وحكى بعضهم الخلاف في الصلاة أيضا.\nوما قاله شهاب الدين وجعله ضابطا للوفاق والخلاف، من مراعاة كون مصلحة ذلك الأمر يُشْتَرط فيها حصولها من النائب كحصولها من المنوب عنه، وحينئذ تصح، ينتقض بالصوم، فقد صح الحديث بجواز النيابة فيه، وما رجح به مذهب مالك في الحج ظاهر، والله أعلم اهـ.\n(١٦٨) ملاحظة الشيخ البقوري على هذين الفرقين بأنهما شيء واحد، هي نفس ملاحظة الفقيه ابن الشاط حيث قال في مطلع الفرق ١٧١:\nإن ما ذكر القرافي في هذا الفرق هو بعينه ما ذكره في الفرق قبله ١١٠. عمر أنه في الفرق الواحد والسبعين والمائة ذكر مسائل لم يذكرها في الفرق العاشر والمائة، كما نه ذكر بعد هذا في الفرق السادس عشر والمائيين (٢١٦) قاعدة ما يجوز التوكيل فيه وقاعدة ما لا يجوز التوكيل فيه، وهو قريب منه أو هو، هُوَ.\n(١٦٩) تقسيم الأفعال المأمور بها إلى ثلاثة أقسام، وما جاء بعدها من المسائل هي مما ذكره القرافي في الفرق الواحد والسبعين والمائة، فليرجع اليه من أراد التوسع في مسائله.","vol":"1","page":194},{"text":"٣) وقسم يختلف فيه (١٧٠)، وهذا المختلف فيه نذكر فيه أرْبَعَ مسائل:\nالمسألة الأولى: الله؛ إنْ أخرجها أحَدٌ عن أحد بغير علم صاحبها، إن كان إمامًا وأخذها كَرْها أجزأت عند مالك والشافعي، اعتمادا على فعل الصّديق ﵁ (١٧١)، لِظاهر قوله تعالى: \"خذْ من أموالهم صدقةً\" (١٧٢) وأبو حنيفة قال: لا يَاخذها ولكن يحبسه، وهذا لأنها تعبّد، تحتاج إلى نية، ومصلحتها حاصلة في نفس المعطي، لها فلا نيابَة، وإن كان غير إمام فالأصح عندنا أنها لا تجزئ، لأنها تفتقر إلى نية، ولكنه وقع في الأضحية أن صديقا لو ذبح لصديقه أجزأت إن كانت الصداقة متمكنة بينهما، وعلى هذا فالزكاة كذلك، إذ هي كلُّها تعبُّدِيَّة، ولكنه أجازها فيها كلها (١٧٣) وكذلك هنا.\nقلت: وفيه - عن مالك - خروج (١٧٤) إلى قول من يقول بجواز إخراجها مطلقا ولا يحتاج إلى نية، لأن المصلحة المطلوبة فيها انتفاع المساكين، فهي كالدين يؤدى. والصحيح أنه لا يجوز، لأنه وإن كانت المصلحة في الزكاة من\n_________\n(١٧٠) في نسخة ح ط: مختلف فيه (بصيغة اسم المفعول).\n(١٧١) إشارة إلى محاربة أبى بكر لأهل الردة الذين كان منهم من ارتد عن دينه بالمرة ومنهم من امنتع عن أداء الزكاة وأراد أن يعطلها، فقاتلهم أبو بكر ضي الله، بجيوش المسلمين، وقال في ذلك لعمر ابن الخطاب ﵁ قولته المشهورة: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عناقًا (أى شاة) كانوا يؤدونها لرسول الله - ﷺ - لقاتلتهم عليها، قال عمر: فما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أقوله بكر للقتال، فَعَلمتُ أنه الحق، وتفصيل حروب الردة مذكور في كتب التاريخ الاسلامى.\n(١٧٢) سورة التوبة: الآية ١٠٣.\n(١٧٣) ولكنه أجازها فيها هنا. وفي نسخة أخرى، إذ هى كلها تعبد بها، ولكن أجازها فيها فكذلك هنا.\n(١٧٤) كنا في نسخة ح، ونسخة اخرى: جنوح (أيْ ميل)، ومنه الآية الكريمة: \"وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ... \" وكلمة جنوح هنا أكثر استعمالا في مثل هذه المسائل الفقهية، وفي نسخة ع خروج (اي توجه وخذ بالقول). وكلمة مطلقا، تعنى جواز إخراجها من غير من وجبت عليه، سواء أكان الخرج لها بالنيابة تجمعه صداقة حميمة، وعلاقة وثيقة المخرج عنه أولا، اذ كلمة الاطلاق تفسر دائما بما قبلها أو بما ياتي بعدها من الكلام.","vol":"1","page":195},{"text":"حيث سدُّ خَلّةِ الفقير، ففيها الصلحة من حيث المعطِي قوله، وذلك زوال رذيلَةِ البخل، وغيبر ذلك مما يذكر فيها إنما يحصل بإعطائها من قبلهِ وبعلمه (١٧٥).\nوالمسألة الثانية: الحج عن الغير منعه مالك ﵁، وجوَّزه الشافعي. (١٧٦) ﵁. فمالك غلب عليه النظر إلى أنها عبادة غير معقولة المعنى، فمصلحتُها من حيث فعْلُ الذى وجبتْ عليه، والمالُ عنده عارضٌ، كما يَعرض لمن تجب عليه الجمعة، ودارُهُ بعيدَة، فَيكتري دابةً لذلك.\nوالشافعي رأى مسألة الجمعة ليست كالحج، لأن احتياج الحج للمال كثير، والجمعة ليست كذلك، وأيضا فمعَهُ قولُه - ﷺ - لمن قال له: \"ألهذا حج؟ فقال: نَعَم، ولك أجر\" (١٧٧)\nالمسألة الثالثة: الصوم عن الميت إذا فرَّط فيه، جوَّزه اُحمد والشافعي، ولم يجوزه مالك ﵀، لقوله تعالى: \"وأن ليس للانسان إلا ما سعى\". (١٧٨)\nقلت: هذه المسألة ليست من القسم الثالث، وإنما هي قوله من القسم الذي، المصلحةُ فيه لا تكون إلا من حيث فعل الكلف، كالايمان والتوحيد والصلاة، فكان حقها أن لا تجوزَ، لتلك القاعدة، لكنه جاء الخلاف فيها بعد\n_________\n(١٧٥) في نسخة ح: وفعله، والأولى أظهر، لأن المطلوب وهو نية إخراجها، وإذنه فيه حاصل بعلمه، وليس حينئذ من اللازم والضروري اخراجه لها بنفسه وفعله الشخصى.\n(١٧٦) في نسخة ثالثة: وأجازه ابو حنيفة والشافعى رحمهما الله. والذي في الفروق، منعه مالك، وجوزه الشافعى، ﵄، وهو الأظهر من عودة الضمير عليهما معا.\n(١٧٧) ونصه عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: رفعَتْ امرأة صبيًا، فقالت: يا رسولَ الله، ألِهذا حج؟ قال: نعَمْ، ولك أجر، رواه كل من الإِمام مسلم والإمام الترمذي رحمهما الله.\nوتبقى الإِشارة إلى أن حج الصبي قوله يكون نافلة، ولا يُغنى ولا يجزئ عن الحجة الفريضة، لأنه حين الحج في الصبا لم يكن مكلفا ولا مطالبا بالحج على سبيل الفرض والوجوب.\n(١٧٨) سورة النجم، الآية ٣٩، ولقياس الصوم على الصلاة التي قوله لا تجوز فيها النيابة بالإِجماع.","vol":"1","page":196},{"text":"ذلك لظاهر الآية العامة، وللحديث الصحيح في ذلك، (١٧٩) والرجوع للحديث أوْلَى، فإنه خاصٌّ والآية عامة، فهو جمعٌ بين الدليلين، الا أنه يتقَوَّى عموم الآية بهذه القاعدة، والله أعلم.\nالمسألة الرابعة: عتق الانسان عن غيره. قال صاحب الجواهر (١٨٠): في العتق عن الغير ثلاثة أقوال: الإجزاء، وهو المشهور، قالهُ ابن القاسم، وعَدَمُ الإجزاء قاله اشهبُ، وقال عبد الملك: انْ أذِن في العتق أجرأ عنه، وإلا فلا، وقاله الشافعي، وقال اللخمي: فَرَّق بعْض الأصحاب بيْن عتق الانسان عن غيره وبين دفع الزكاة عنه فلا يجزئ في الثاني، لأخها ليسَت في الذمة، والكفارة في الذمة، قال: والحقُّ الإجزاء فيهما، لأنهما كالدَّيْن.\nقال شهاب الدين -﵀-: وهذه المسألة دائرةْ بين قواعد:\nالقاعدة الأولى: قاعدة التقادير الشرعية وهي إعطاء المَوْجود حكْمَ المعدوم، كإلغاء الغرر القليل، وإعطاءُ المعدُوم حكم الوجود، كتوريث الورثة دِية الخطأ. (١٨١)\nالقاعدة الثانية: أن الهبة إذا لم يتصل بها قبض بطلت.\nالقاعدة الثالثة: أن الكفارة عبادة يُشترَط فيها النية وهو المشهور عندنا.\nالقاعدة الرابعة: كلُّ من عمل لغيره عملا أو أوصَلَ نفعا لغيره من مال أو غيره، بأمره أو بغير أمره نفَذَ ذلك، فإن كان متبرعا لم يرجع به، وإن كان غيْرَ\n_________\n(١٧٩) ونصه: من لم يَصُمْ صام عنه وليه.\n(١٨٠) هو أبو محمد محمد الله بن نجم الدين بن شاس الفقيه المالكي المصري المتوفى عام ١٦١٦ هـ مصنف كتاب \"الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة\" وهو اكثر الكتب فوائد في الفروع.\n(١٨١) وذلك بتقدير اللك في الدية مقدَّما قبل زهوق الروح في المقتول خطأ حتى يصِحُّ فيها الارث فإنها لا تجبُ الا بالزهوق، وحينئذ لا يَقبَل المحل المِلك، والميراث فرع ملك الموروث، فيقدر الشارع المِلك متقدما قبل الزهوق بالزمن الفرد حتى يصح الإرث، كتقدير النية في اول العبادات ممتدة إلى آخرها، كتقدير الإيمان في حق النائم الغافل حتى تعصم دماؤهم وأموالهم إلخ ..","vol":"1","page":197},{"text":"متبرع وهو منفعة، فلهُ أجرةُ مثله، بشرط أن يكون المعمول له لابد له من عمل ذلك بالاستئجار، أما ان كان يفعله بنفسه أو بغلامه فلا شيء عليه، وإن كان مالًا فله ماله، والقولُ في ذلك قول العامل في عدم التبرع، فهذه قاعدة مالك، نص عليها ابن أبي زيد ﵀ في النوادر، وصاحب الجواهر في كتاب الاجارات.\nوقال الشافعى: الأصل في فعل الغير التبرع، وإذا لم ياذن المدفوع عنه بلسان المقال لا يرجع عليه بشئ، ولم يعتبر لسان الحال كما اعتره مالك. فمالك يقول: المعتِقُ قام عن المعتَقِ عنه بواجب وما شأنه أن يفعله، ويقدَّر انتقال مِلكه عنه للمعتَق عنه قبل صدُور العِتق بالزَمنِ الفرد حتى يثْبت الولاءُ وتَبْرأ ذمَّتُه من الكفارة.\nويشكل عليه بقاعدة النيَّة فإنه يشتزطها وهى متعذرة، فيقيسها على العتق عن الميت، ويفرق الخصم بأن الميت تعذر عليه ذلك الخير، والحي ليس كذلك، فناسب الميتَ التوسعةُ دون الحي، وله القياس على أخْذ الزكاة منه كرها، ويفرق أيضا بالضرورة ثمة، وبأن الزكاة مصلحة عامة وهذه خاصة.\nوأشهب يقول: إلاذْنُ من باب الكلام لا من باب المقاصد، فلم يَعتبر تفريق عبد الملك، (١٨٢) ورأى أن عملا بلا نية لا يصح، وأبو حنيفة أجاز ذلك بالجُعل (١٨٣) لا بالهِبَة، لأنها لا تتم الا بالقبض (١٨٤) ولا يحتاجُ حينئذ إلى قصد.\n_________\n(١٨٢) أى في التفريق بين وجود الإذن من مالك الرقبة في العتق فيجزئ ذلك عنه، وبين عدم إذنه فلا يجزئ العتق عنه، كما سبق في بداية الكلام على مسألة العتق عن الغير وحكاية الاقوال الثلاثة فيه.\n(١٨٣) الجعل بضم الجِيم كما يعرفه الفقهاء هو: الإجارة على منفعة يضمن المجعوُل له حصولها، كحفر بئر، وكرد آبِق وشاردٍ من الأنعام أو الإِنسان الخ .. وهو جائز، ويتميز عن عقد الاجارة بوجوه نص عليها الفقهاء في محيب الفقه المختلفة (فليرجع اليها من اراد التوسع في ذلك).\n(١٨٤) كذا في نسختى ع، وح، وفي نسخة ثالثة: بالجواز (بدل القبض) وما في النسختين الأوليين أظهر وأصوب، لأن الفقهاء ينصون على أن الهبة تتم بالحوز، وهو القبض.","vol":"1","page":198},{"text":"قلت: قد مضى الإشكال الوارد على القاعدة المسماة بقاعدة التقدير، وذلك مِمَّا يزيد المسألةَ إشكالا، والله أعلمُ (١٨٥).\nقلت: ولشهاب الدين -﵀- قاعدة أخرى، وهى الفرق الثاني والسبعون والمائة بين قاعدة ما يصل إلى اليت وقاعدة ما لا يصل إليه، رأيت ذِكر هذا الفرق هنا بإثر هذا، وإلحاقَه بهذه القاعدة. (١٨٦).\nقال شهاب الدين ﵀:\nالقُربات ثلاثة اقسام:\n١) قسْم حجَّر اللهُ على عباده في ثوابه، ولم يجعل لهُم نَقلَه لغيرهم، كالإيمان والتوحيد، فلو أراد أحدٌ أن يهبَ قربية الكافر إيمانَه ليدخل الجنة دونه لم يكن له ذلك، بل إنْ كفَرَ اروىُّ هلَكَا معًَا.\nقلت: لا شك أن الإيمان الحاصل عند زيد لا يقبل الهِبة بأن يحصل لزيد الكافر، وكلامُنا ليس في ذلك، إنما كلامنا في أن يستقر الايمان لزيد، وما\n_________\n(١٨٥) قال القرافي ﵀ بعد كلامه على القواعد الأربعة التي قوله ذكرها في مسألة العتق هذه ما نصه: فهذه القواعد هى سر هذه المسألة، وهي مشكلة، وأشكَلُ منها ما نصَّ عليه عبد الحق أنه يجوز العتق عن الغير تطوعا بغير اذنه، وهذا أشكل من الواجب، لأن الواجب فيه دلالة على الحال دون المقال، وها هنا لا دلالة حال ولا مقال فلا يتجه، ويكون أبعد من العتق عن الواجب. ومن يشترط الإذن يقول: الإذن تضَمن الوكالة في نقل ملكه للآذن وعتقه عنه بعد انتقال الملك، ويكون المأذون وكيلا في الأمرين ومتوليا لطرفي العقد. والموجب لهذه التقادير كلها أنه لا يصح هذا التصرف إلا بها، وما تعذر تصحيح الكلام إلا به وجب المصير إليه، صونا للكلام عن الإلغاء. فهذا تحرير هذا الفرق ومسائله.\nوقد عقب عليه ابن الشاط ﵀ بقوله: لا إشكال في ذلك، بناء على قاعدة جواز النيابة في الأمور المالية، عبادة كانت أو غيرها، ولا يحتاج فيها إلى الإذن ولا إلى تقدير الملك والوكالة، والله أعلم.\n(١٨٦) هذا الفرق المذكور الموفي الفرق ١٧٢ جـ ٣. ص ١٩٢، قال عنه ابن الشاط ﵀. \"ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح\". فليتأمل ما اورده فيه وذكره بتفصيل واختصره ولخصه تلميذه البقورقوله، رحمهما الله، ورحم كافة علماء المسلمين، وسائر المؤمنين، فإن كلامهما فيه نافع ومفيد إن شاء الله، ومزيل لما يستشكله بعض الناس في هذا الموضوع.","vol":"1","page":199},{"text":"يعطاه عليه من ثواب. خرج عنه للكافر، فهذا ليس يمتنع عقلا، ولكنه لا أحد ينقل في هذا أن الله أذِنَ فيه.\nقال: وقسم اتفق الناس على أن الله تعالى أذن في نقل ثوابه للميت، وذلك القربات المالية، كالصدقة والعتق.\nوقسم اختلِف فيه، وهو الصيام والحج وقراءة القرآن، فلا يصل من ذلك للميتِ شئ عند مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة وابن حنبل: يصل ثوابُ القراءة للميت.\nقلت: قد مضى أن الشافعى رُوى عنه جوازُ الصوم، وابنُ حنبل ذكره عنه، فليس يزيد في النقل - ها هنا - عنه القراءة، أن الصوم بخلاف القراءة. والخلاف في هذه المسألة يرجع إلى المسألة الأولى، وهي أن الاعمال البدنية لا ينوب فيها أحد عن أحد، لأن الصلحة فيها للعامل، بخلاف الماليات وما يشبهها مما المصلحة فيها لا تتوقف على العامل، كرد الغصوب، والثوابُ مرتَّب على الأعمال، فحيث كانت المصلحة تحصل دون العامل وصحت النيابة، صح انتقال الثواب.\nقال شهاب الدين ﵀:\nواحتج ابن حنبل بالقياس على الدعاء فإنه مجمَعٌ عليه، وبظاهر قوله عليه والسلام: \"صلِّ لهما مع صلاتك، وصُمْ لهما مع صيامك\"، يعني أبويه (١٨٧)\n_________\n(١٨٧) الصلاة لغةً هي الدعاء، وشرعًا هي العبادة الخصوصة على الكيفية الخصوصة والمشروعة، وهي عبادة وفريضة عينية على كل مسلم ومسلمة، وهذا الحديث لم أطَّلعْ بعد على من رواه وأخرجه. وبمعنى الدعاء فسر المفسرون قول الله تعالى خطابا لنبيه الكريم في شأن أخذ الزكاة من المؤمنين: \"خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم\" (اي أدع لهم) \"إن صلواتك سكَن لهم\"، اى إن دعاءك لهم رحمة وسكينة وطمانينة يجدونها في نفوسهم وقلوبهم.\nوللنسائي حديث يقول: \"لا يُصَل أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن احد\"، وهو مستند ودليل من أدلة من يري عدم صحة الصلاة والصيام عن الميت، والمسألة خلافية بين الائمة والصلاة على الخصوص هي محل إجماع في عدم صحة النيابة فيها عن الغير.","vol":"1","page":200},{"text":"ثم قال: والجواب عن الأول أن القياس على الدعاء لا يستقيم، فإن الدعاء فيه أمران: أحدهما متعلقُه الذي هو مدلوله، نحو المغفرة، في قولهم: اللهم اغفر له، والاَخر ثوابُه، فالأول هو الذى يرجى حصوله للميت، ولا يَحْصُلُ إلا لَه، فإنه لم يدْعُ لنفسه. والثاني - وهو الثوابُ على الدعاء فهو للداعي فقط، وليس للميت فيه شيء.\nوأمَّا الحديث، فنقول: إنه خاصٌّ بذلك الشخص، أو نعارضه بمثل قوله تعالى: \"وأنْ ليس للإنسان إلَّا ما سَعى\"، وبجميع ما تقدَّم من أن الأصل عدم الانتقال. (١٨٨).\nوقال بعضهم: إذا قِرئ على القبر حصل للميت أجْرُ المستمِع، قال: وهذا ضعيف من حيث إن الموتى انقطع عملهم، وهذا من باب ترتيب الثواب على العمل.\n_________\n(١٨٨) وفي نسخة ح: ومن أن الأصل، وهي أظهر أوضح، ومتناسبة مع عبارة القرافي في الفروق وهي: \"وأما الحديث فإما أن نجعله خاصا بذلك الشخص أو نعارضه بما تقدم من الأدلة، ويعضدها بأنها على وفق الأصل، أن الأصل عدم الانتقال.\nوالذي انتهى اليه الإمام القرافي وقاله في هذا الشأن هو قوله:\nوالذي يتجه أن يقال ولا يقع فيه خلاف، أنه يحصل لهم بركة القرآن لا ثوابها، كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده. فإن البركة لا تتوقف على الامر (اى الامر بحصول العمل الذي تنتج عنه) ثم زاد قائلا: وهذه المسألة وإن كانت مختلفا فيها، فينبغى للانسان أن لا يهملهما، فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى، (أي وصول ثواب قرآة القرآن اليهم)، فإن هذه الامور مغيبة عنا، وليس الخلاف في حكم شرعي، إنما هو في أمر واقع، هل هو كذلك أم لا، كذلك التهليل الذى عادة الناس يعملونه اليوم ينبغى أن يعمل، ويعتمد في ذلك على فضل الله تعالى وما ييسره، ويلتمس فضل الله بكل سبب ممكن، ومن الله الجود والاحسان، هذا هو اللائق بالعبد.\nوهذا التوجه والاقتناع به في هذه المسألة عند القرافي هو الذي سار عليه تلميذه الشيخ البقورى، ويظهر ترجيحه له من خلال كلامه حيث قال: \"بل الظاهر ما قاله احمد بن حنبل\" (اى في انتفاع الميت بقراءة القرآن وثوابه من الحي مثلما ينتفع بالدعا والصدقة).\nوالملاحظ في هذا الموضوع أن العلامة المحقق قاسم ابن الشاط ﵀ لم يعلق عليه بشئ من تحليقه وتحقيقه المعتاد في أغلبية الفروق. ولعل سكوته عنه يفهم منه التوقف في الامر، وصواب وصحة كلام القرافي في هذا الفرق، والله أعلم.","vol":"1","page":201},{"text":"قلت: بل الظاهر مَا قاله ابن حنبل، فإنه إذا كانت الصدقة عن الميت ينتفع بها الميت، والدعاء له ينتفع به، وليست تلك الأعمال بوجهٍ منسوبةً للميت، وإنما هي للحى، ولكنه مع ذلك سَرَى الثواب للميت، وهل سَرَى الثواب له ولا بقى للحيِّ منه شئ، أو سَرَى وبقي للحي، فإن الله كريم، وخزائنه لا تفنى. فإذا رأى جوادًا قد جاد على فقير وأعطاه ما بيده زاد قربة إلى الله، (١٨٩) فأمضى فعله، ولم ينقصه من ثوابه شيئًا لإمداد الله له؟ الأمر محتمل، والاجماع منعقدٌ على الدعاءِ أنَّهُ ينفع، وهو عمل ليس للمدعوّ له، فكذلك سائر الأعمال.\nثم قوله: المغفرة هي التى حصلت له فقط، ولم تحصل للداعي، ليس كذلك، بل صحَّت المغفرة للمدعوّ له، وللداعى بقول المَلَك مجيبًا للداعي: \"ولَكَ مِثلُهُ\"، هكذا في الحديث الصحيح. وقولُ المَلَكِ، يحتمل أن يكون دعاءً ويحتمل أن يكون خبرًا، كيف كان فللداعى. وإذا كان الاشتراك بينهُما في المغفرة هكذا فكذلك إذا قرأ قاصدًا إدخال الراحة عليه بل يجري هذا في كل عمل حتى الإيمان؛ لأنا قد قلنا: ليس المراد إلا إعطاء الثواب، وإذا كان الثواب يجوز إعطاؤه في وجه، جاز إعطاؤه في كل وجه، لولا أن الكافر جاء أنه لا يغْفَرُ له إذا مات على الكفر. (١٩٠)\nثم مما يقوى هذه القاعدة، الحديث الصحيح في الصوم، حيث قال ﵊: \"أرأيت لو كان على أبيك دين أكنتَ تقضيه؟ قال: نعم، قال فدَين الله أحقُّ أن يُقضَى\" وأمره بالصوم عنه (١٩١)، وكذلك هذا الحديث الذي فيه الصلاة والصوم، والله أعلم.\n_________\n(١٨٩) في نسخة خ: قُرْبُهُ (بالهاء)\n(١٩٠) مصداقا لقول الله تعالى: \"إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما\".\n(١٩١) ونص الحديث رواه الشيخان وغيرهما من أصحاب السنن عن عبد الله ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبى - ﷺ - فقال: يَا رسول الله، إن امِّي ماتت وعليها صوم شهر أفاقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضِيَهُ عنها؟ قال: نعم. قال: \"فدين الله أحق أن يقضى\" .. والملاحظ أن الرَّجل في هذا الحديث تحدث عن أمه، ولعل هناك رواية فيها إن أبي مات وعليه صوم شهر ... الخ. وقد سبق ذكر حديث عند البقوري، ينص على الأمر بالصلاة والصيام عن الوالدين، وقد بينت في التعليق أن المراد بالصلاة الدعاء، وأن هناك حديثا يعارض الحديث الذي يرغب في الصلاة والصيام عن الوالدين، فليراجع وليصحح، وليحقق ذلك.","vol":"1","page":202},{"text":"قلت: ويلحق ايضا هذه القاعدة فرق آخر، ذكره شهاب الدين، وهو الحادى والمائة (١٩٢) بين قاعدة غير المكلف لا يُعَذب بِفِعْل المكلف، وبين قاعدة البكاء على الميت يعذَّبُ به الميت، وإنما ألحقتها بهذه القاعدة، لأن الكلام في فعل أحدٍ هل يكون فعلًا لغيره، أعمُّ من أن يكون خيرًا، وذلك ما سبق الكلام عليه، وبقى أن يكون شَرًّا، فينبغى أن يكون الكلام عليه ها هنا.\nقال شهاب الدين -﵀-: جاء عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"إن الميتَ لَيُعذَّب ببكاء الحى عليه\"، والحديث صحيح، إذ هو مذكور في الصحاح، فأشكل ذلك من جهة أن الإنسان لا يُواخَذ بذنب غيره، وهذه القاعدة متفق عليها لقوله تعالى: \"ولا تزِر وازرةٌ وِزْر أخرى\"، (١٩٣) ولا يسري عقاب لأحدٍ من ذنب غيره، وليست هذه كما في ضده الذي هو الخيْرُ، فعَدَل الناس إلى النظر في الحديث (١٩٤).\nوأما القاعدة فمتفق عليها، فمن الناس من طرق الوهْمَ للمحَدِث، وذلك أن عائشة ﵂، قالت: وَهِم أبو عبد الرحمان، انما مر رسول الله - ﷺ - بيهودية يبكى عليها أهلها، فقال ﵇: انكم لتبكون عليها وإنها لتُعذَّبُ.\nقلت: وهذا لا يتمشى ولا يستقر جوابًا، فإنه رواه جماعة، وهم يقولون: ان الميت ليُعَذّب ببكاء الحى، وقال ناس آخرون: إنما هذا إذا أوصى بالنياحة.\n_________\n(١٩٢) انظر هذا الفرق في الجزء الثاني من كتاب الفروق للقرافي، ص ١٧٦،\n(١٩٣) سورة الإسراء: الآية ١٥.\n(١٩٤) ومن ذلك ما جاء عن عائشة أم المومنين ﵂، وقد ذكر لها قول عمر بن الخطاب ﵁، إن الميت ليعذب ببكاءِ الحي، أو ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله - ﷺ - بذلك، ولكن قال: \"إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، وقالت: حسبكم القرآن\"، أي يكفيكم القرآن في هذه المسألة: \"ولا تزر وازرة وزْرَ أخْرى\" وذلك ما ذكره الشيخ البقورى ﵀ برواية أخرى.","vol":"1","page":203},{"text":"قلت: ويبعدُ هذا من حيث الإطلاق الوارد فيه، وهذا التقييد خلاف الأَصْل، وقال ناسٌ: إنهم كانوا يذكرون في النياحة مفاخر الميت من حيث جُرأتُه ومَهابته، وهى فسوق في الشريعة كالقتل والغصب.\nقال شهاب الدين -﵀-:\nوهذه الأجوبة اجتمعت في أنْ ردت الحديثَ إلى مقتضى القاعدة، ثم قال: والفرق في التحقيق، إن أبقينا اللفظ على ظاهره، ما وقع لبعض العلماء، وذكر حكايته عن امرأة مات لها ولدٌ فبكته وأطالت البكاء عليه، ثم سافرت من بلدها، فجآءت المقبرة التى بالبلد الذي كانت فيه، وبكت فنامَتْ، ورأت الموتى قد قاموا إليها، وقالوا لها: أين ولدُكِ يَا هذه، ليس هو عندنا، قد آذيتنا، فخبطوها، فقامت وهي متألمة.\nقال: فدلَّت هذه الحكاية على أن الأرواح تتألم من المؤلمات، وتفرح باللذات في البرزخ كما كانت في الدنيا، وهو ظاهر، وبذلك (١٩٥) تعَذَّبُ الكفار في قبورها، فالأوضاعُ البشرية في الأرواح لم تتغير، وإنما كانت في مَسْكن (١٩٦) فارقته فقط، وبقيت على حالها في أوضاعها. ولما كان العويل والبكاء في الحياة تتأذَّى به الأرواح وتنقبِضُ كانت بعد الموت كذلكَ تَتأذَّى به، كان عليها أو على غيرها، وهو عليها أشد نكايةً، لأنها هى المصابة حينئذ. وقد ورد أن الموتى يفرحون بالزيارات، ويتألمون لانقطاعها، ويكون الفرق بين القاعدتين على هذا أن الإنسان لا يعذب بفعل غيره (١٩٧)، أي عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب، والبكاء ليس البكاء الذي يكون به هو عذاب الآخر، بل المراد الألم الجبِلِّي، (١٩٨) الذي إذا\n_________\n(١٩٥) عبارة القرافي: وكذلك، ولعلها أظهر وأبين بالتشبيه.\n(١٩٦) في نسخة ح: سَكَن، والذي عند القرافي: مسكن، وهما بمعنى واحد.\n(١٩٧) أي الفرق السابق بين قاعدة غير المكلف لا يعذب بفعل المكلف، وبين قاعدة البكاء على الميت يعذب به الميتُ.\n(١٩٨) عبارة القرافي: \"والبكاء عذاب ليس عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب، المتوعَّدُ به من قبل صاحب الشرع، بل معناه الألم الجبلِّى الذي إذا وقع في الوجود قد يكون رحمة من الله الخ ... وهي عبارة تبدو أظهر وأوضح.","vol":"1","page":204},{"text":"وقع في الوجود قد يكون رحمة من الله تعالى، كمن يبتليه الله بالألم لرفع درجاته كما يفعل في دار الدنيا بالأمثلِ فالأمْثَلِ، فهم أشد بلاءً (١٩٩)، والله أعلم.\nقلت: ولْنذكر ها هنا فرقًا آخر، وهو المائة في كتاب شهاب الدين، (٢٠٠) إذ هو مسألة من هذه المسائل فنقول:\nالنُّواح جاء فيه التحريم، والمراثي فيها الإباحة. والفرق بينهما حتى اختلفا في الحكم أن النائحة، الغالبُ عليها عدم الرضى بالقضاء، ونِسبةُ البارى تعالى إلى الجوْر، فلذلك حرِّمت النياحة، حتى انها لتذكر شيئًا من محاسن الميت حال لطمها لخدها، فكان ذلك مقويا لما قلناه، المراثى تَعْرى عن ذلك، فلوْ وجد من المرائي شيء عن ذلك لحرمت ايضا، وهكذا قال عز الدين ابن عبد السلام، وسجن شاعرًا سمع ذلك منه مرَّةً.\n_________\n(١٩٩) إشارة إلى الحديث النبوي الشريف المروى عن مُصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمْثَلُ\"، أي المقارب لهم في قوةِ الإيمان والفضل وصلاح الأعمال، رواه ابن ماجه والحاكم رحمهما الله.\nومثله رواية أبى سعيد ﵁ قال: يا رسول الله، من أشدُّ الناس بلاءً؟ قال الانبياءُ، قال: ثمْ من؟ قال: العلماء، قال: ثم من؟ قال: الصالحون ... رواه ابن ماجه والحاكم رحمهما الله.\n(٢٠٠) هو الفرق المائة بين قاعدة النواح حرام وبين قاعدة المرائي مباحة\" جـ ٢ ص ١٧٢. قال عنه الإِمام القرافي ﵀ في أوله: إعْلم أنه قد اشتهر بين الناس تحريم النواح وتفسيق النائحة دون تفسيق الشعراء الذين يرثُون الموتى من الملوك والأعيان، وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ يقول: إن بعض المراثي حرام كالنواح، ثم ذكر القرافي تحرير القول فيهما وضبطهما، مما اختصوه هنا ولخصه البقوري في هذه المسألة ﵏ جميعا.","vol":"1","page":205},{"text":"القاعدة الرابعة والعشرون (٢٠١):\nنقرر فيها الفرق بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبين قاعدة النهي عن المشترك (٢٠٢)، فنقول:\nقد مضى أن النهى مع التخيير لا يجتمعان، وإن الأمر مع التخيير يجتمعان، وهذا هو المعنى المقرر هنا، وقد كان حق هذه القاعدة أن تكون مع تلك، ولكني أفردتها مخافة التطويل عند استيفائي جميع ما ذكر في القاعدتين، فقال ﵀:\nالنهي كالنفي، والأمر كالثبوت، ومن المعلوم البيِّن أن وجود الْأَخص يلزم منه وجود الْأَعَمِّ، فإذا ثبت الْأَخص ثبت الْأَعَمُّ، والعام إذا انتفى انتهى الْأَخص، وليس إذا انتفى الأخص ينتفى الْأَعم. وقد قلنا: الأمر كالثبوت، فوجود فرد من الكفارة يثبت وجود الكفارة، والكفارة كانت مطلوبة بالأمر، فقد كان ثبوت الحكم في\n_________\n(٢٠١) هي موضوع الفرق الخامس والعشرون بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبن قاعدة النهى عن المشترك\". جـ ١ ص ١٥١.\nقال القرافي ﵀ في أوله، مبينًا وموضحا لأهميته وفائدته: هذا الفرق جليلُ عظيم، دقيق النظر خطير النفع، لا يحققه الأ فحول العلماء والفقهاء، فاستقبِلْه بعقل سليم وفكر مستقيم ... \" وقد اطال الكلام في بيانه وإيرادِ بعض المسائل والقواعد التطبيقية فيه لتحقيق فقهه وفهمه.\n(٢٠٢) المشترك عند علماء الأصول والمنطق، قسم من أقسام اللَّفظ المفردَ، وهو اللفظ الذي وُضع لكل واحدِ من معنَييه أو معانيه بوضع خاص، وسمى مشتركا (بفتح الراء) لاشتراك معانيه فيه كالعين للباصرة والجارية بالماء، والذهب والفضة، ويذكره علماء الأصول وعلماء المنطق اثناء الكلام على نسبة الألفاظ للمعاني، وهي عندهم خمسة أقسام:\nالتواطؤ، ويراد به التوافق، والتشاكك، والتخالف، والاشتراك والتشارك، والترادف، وهو تعدد الالفاظ لمعنى واحد وتَواردُها عليه، كالحنطة والبرُ للقمح، ويسمونه الاشتراك المعنوى، لاشتراك عدةِ ألفاظ في معنى واحد، على عكس الاشتراك اللفظي المتقدم حيث تشترك عدة معان في لفظ واحد كالعين مثلًا، وقد جمعها العلامة الاخضري في منظومته الشهيرة والسماة بمَتْن السلم في علم المنطق فقال:\nونسبة الالفاظ للمعاني ... خمسة أقسام بلا نقصان\nتواطؤ تشاككٌ تخالف ... والاشتراك عكسه الترادفُ\nوالتوسع في هذا الموضوع ومصطلحات هذه الكلمات يرجع فيه إلى كتب أصول الفقه وعلم المنطق.","vol":"1","page":206},{"text":"المشترك يثبتُ بفرد من الأفراد الداخلة تحت ذلك المشترك، وقلنا ايضا: النهي كالنفي، فنفْيُ المصنوع من ماء العنب مع وجود الخمر المصنوع من التمر لا يحقق الانتهاء، كما أن رفع الإنسان دون الحمار لا يتحقق معه رفع الحيوان، وإنما يتحقق رفع العام برفع كل فرد من الأفراد الذي تحته، كذلك إنما يتحقق الانتهاء برفع جميع الأفراد، وهذا بَيِّنٌ لا خفاء به، ثم قال:\n\"تنبيه جليل\":\nاعْلَمْ أن نفي المشترك، والنهيَ عنه إنما يعُمُّ إذا كان مدلولا عليه بالمطابَقَة، أما إذا كان مدلولا عليه بطريق الالتزام فلا يلزم، فالمدلول عليه بالمطابقة، كقولك: نهيتك عن مطلق الخمر، والمدلول عليه التزاما كأن يقول: ألزمتك النهي، فهذا النهي حاصل في منهي لم يعينه، فلو عَيَّنه بعد هذا كان ذلك التعيين تفسيرًا، وفي قوله: نهيتك عن الخمر، لو أبقى بعد ذلك خمرًا مخصوصا لكان مخصصا لذلك العام، قظهر أن المدلول بالمطابقة هو الذي يعم، والآخَرُ لا يَعُمُّ.\nقال (اي القرافي ﵀) -: تظهر فائدة هذا الفرق في مسألتين فقهيتين:\nالواحدة إذا حلف بالطلاق وحنث، وله زوجات، فإن الطلاق يعمهن إذا لم تكن له نية، لأنه ليس البعض أولى من البعض، وإلَّا يلزمْ الترجيح من غير مرجِّح (٢٠٣)، فلو قصد بذلك اللفظ بعضهن دون بعض لم يحصل (٢٠٤) الطلاق إلا على المقصودة وحدها. وهذا، لأن القول بتطليق الكل ما كان من حيث عموم النهي؛ لأن النهي ما كان عامًا؛ لأنه لم يدل بالمطابقة على الزوجات، وإنما دل على\n_________\n(٢٠٣) التقدير: وإلا يعمهن الطلاق يلزَم الترجيح دون مرجح، فحذِف فعل الشرط لكونه مفهومًا ومدلولا عليه بالعبارة السابقة في الكلام، وهي قوله: \"فإن الطلاق يعمهن\".\nوحذف فعل الشرط أو جوابه جائز إذا دل عليه ما قبله من الكلام وأُمنَ اللبس، لقول ابن مالك في الفيته:\nوالشرط يغنى عن جَواب قد عُلم ... والعكسُ قد يأتي إن المعْنَى فُهِمَ. اهـ\n(٢٠٤) في نسخة: لم يقع، وهي بمعنى لَم يحْصُلْ.","vol":"1","page":207},{"text":"الزوجة بالالتزام (٢٠٥)، إذ الطلاق يستلزم مطلَّقَة، بل ما كان التعميم إلا من حيث إنه ليس تعيين البعض عن البعض براجح، فلأجل عدم الرجحان قلنا بالتعميم، فإذا وجدت النية وجد المرجح، فلا تعميم. (٢٠٦)\nالمسألة الْأَخرى، إذا أتى بصيغة عموم، فقال: والله لا لبست كتانا، وقصد به بعض الثياب، ذَاهِلًا عن البعض فإنه لا ينفعه ذلك؛ لأنك ستقف على الفرق بين النية المؤكِدة والنية المخصصة، وهذا عام يحتاجُ إلى التخصيص بالْمُخْرِج\n_________\n(٢٠٥) من مباحث علم أصول الفقه وعلم المنطق مبحث تقسيم دلالة اللفظ على المعنى إلى ثلاثة أقسام: دلالة المطابقة (بفتح الباء)، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام، فالأولى هي دلالة اللفظ على تمام مسماه ومعناه، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، ودلالة علي أو خالد أو زيد على ذات شخص معيَّنةً، وذلك لمطابقة اللفظ لمسماه الذي وضع له. ولثانية، في دلالة اللفظ على جزء مسماه وعلى بعض معناه، كدلالة الإنسان عى الحيوان فقط، أو الناطق (اى المفكر) فقط، وذلك لأن اللفظ تضمن لها معناه الكل، والثالثة هي دلالة اللفظ على أمر خارج عنه، لازم له في الذهن كدلالة الأسد على الشجاعة مثلا.\nوقد جمع هذا الأنواع الثلاثة للدلاله الفقيه العلامة الاخضرى في بيتين من منظومته متن السلم، والمشار إليها آنفًا، بقوله:\nدلالة اللفظ على ما رافقَه ... يدعونها دلالة المطابقة\nوجزئه تضمُّنًا، وما لزم ... فهو التزامٌ إن بعقْل التُزِم\n(٢٠٦) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة الأولى، ولخصه البقورى فيها، فقال: كان ينبغى على ما قرره من أن المدلول عليه التزاما مطلق، ألَّا يعمهن الطلاق، ويخيَّر في التعيين أو يقرع بينهن، ولم يقل العلماء بعموم الطلاق فهن إلا احتياطا للفروج وصونا لها عن مواقعة الزنى، فإن الطلاق قد ثبت بقوله: علّي الطلاق أو ما اشبه ذلك، ووقع الشك والاحتمال في عمومه لمحاله أو خصوصه، فحمل على العموم بها احتياطًا، كما فيما إذا طلق وشك هل واحدة أو ثلاثًا يحمل على الثلاث، بخلاف ما إذا شك في أصل الطلاق فإنه لا يلزمه شيء، استصحابا لأصل العصمة\"اهـ. كما علق على مسألة مماثلة ذكرها القرافي، وهي قول القائل: \"الطلاق يلزمنى\" فقال (اي ابن الشاط: إن كان للعموم فهو في معنى كل طلاق أملكه يلزمنى، فيلزم على ذلك طلاق جميع الزوجات، وفي كل واحدة جميع الطلاق كما سيأتى الكلام عليه في الفرق الذي أحالَ عليه. اهـ.\nكما علَّق ابن الشاط على مسألة مماثلة ذكرها القرافي وهي قول القائل: \"الطلاق يلزمنى\"، فقال: إن كان للعموم فهو في معنى كل طلاق أملكه يلزمنى، فيلزم على ذلك طلاق جميع الزوجات وفي كل واحدة جميع الطلاق كما سيأتى الكلام عليه في الفرق الذي أحال عليه.","vol":"1","page":208},{"text":"المُنافى، فإذا فُقِد جرَى اللفظ على عمومه للسلامة عن العارض، وإذا وجد نفى ما عدا المخرَجَ بعموم اللفظ، بخلاف صورة الالتزام، ويكْمُلُ البحث فيها (٢٠٧) بمطالعة الفرق بين النية المخصِصة والمؤكدة، قال: وأحقق هذا الفرق بأربع مسائل:\nالمسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢٠٨)، علق الوجوب بالقدر المشترَك بين الرقاب، ويصْدُق على جميع الرقاب، ويكفى في ذلك صورة واحدة بالإِجماع. (٢٠٩).\nالمسألة الثانية: لو قال الشارع حرَّمتُ عليكم القدْرَ المشترك بين الخنازير لحَرُمَ كلُّ خنزير. (٢١٠)\nالمسألة الثالثة: إذا قال لنسائه: إحداكن طالق حَرُمْن بأجمعهن، بناء على قواعد:\nالقاعدة الأولى: أن مفهوم أحد الأمور قدر مشترك بينها لصدقه على كل واحد منها، والصادق على عدد وأفراد، مشْتَركٌ فيه بين تلك الأفراد. (٢١١)\nالقاعدة الثانية: أن الطلاق تحريم، لأنه رافع لموجِب النكاح، وذلك الإِباحة، ورافع الإِباحة مُحَرِمٌ، فالطلاق تحريمٌ.\n_________\n(٢٠٧) في نسخة ح: في هذا، وهو متفق مع عبارة القرافي هنا حيث قال: \"ويكْمُلَ لك الكشفُ عن هذا الموضع بمطالعةِ الفرق بين النية المخصِّصة والمؤَكِّدة، وهو بَعْدَ هذا\".\n(٢٠٨) سورة المجادلة، الآية ٣.\n(٢٠٩) قال ابن الشاط في تعقيبه على هذه المسألة: لم يُثبتْ الوجوب في القدر المشترك، بل أثبته في رقبة واحدة غير معيَّنة فلا يَعم، بل تكفى صورة واحدة بالنص، والإِجماع تابع للنص.\n(٢١٠) قال ابن الشاط: ذلك صحيح، لأن تعليق الحكم بالأعم يلزم منه تعليقه بالأخص من غير عكس. اهـ.\n(٢١١) قال ابن الشاط: ليس أحد الأمور هو القدر المشترك، بل أحد الأمور واحد غيرُ معيّن منها، ولذلك صدَق على كل واحد منها.","vol":"1","page":209},{"text":"القاعدة الثالثة: أن تحريم المشترك يلزم منه تحريم جميع الجزئيات كما تقدم، فيحْرمنَ كلهن بالطلاق وهو المطلوب (٢١٢)، وهذا هو الحق، لا أن يقال: إنما عمَّم الطلاق احتياطًا للفروج، فإنهُ إذا قيل: ما الدليل على مشروعية هذا الاحتياط؟ لا يوجد. وظاهر الفرق بين خِصال الكفارة وهذه المسألة، القاعدة المقررة أولًا.\nالمسألة الرابعة، قال مالك ﵀: إذا أعتق أحدَ عبيدِه، له أن يختار واحدًا منهم فيعينه للعتق، بخلاف ما تقدم في الطلاق، مع أنه في الصورتين أضاف الحكم (اى للمشتركين بين الأفراد)، وكما أن الطلاق محرم، (٢١٣) كذلك العِتْق محرم للوطء، والفرق حينئذ عسيرٌ.\nوالجواب أن التحريم دل عليه الطلاق بوضعه، فإنهُ له وُضِع، والعِتْقُ دل على تحريم الوطء لزومًا، فتحريم الوطْء تابع للعتْق الذي هو قُرْبة، وراجعٌ إلى الأمر\n_________\n(٢١٢) عقب ابن الشاط على كلام القرافي في هذه القاعدة فقال: القاعدة الثالثة ايضا صحيحة، ولكن لا يلزم أن يُحرمن كلهن، لما سبق من عدم صحة القاعدة الأولى.\nثم قال في هذه القاعدة ومسألتها ايضا، معلقًا على كلام القرافي فيها: صار الصدر في هذه المسألة غير صدْر، لتسليمه القاعدة الأولى، وهي غير مسلّمة ولا صحيحة، فكذلك ما بناه عليها.\nوالجواب الصحيح - يقول ابن الشاط - ما أجاب به الأكابر (اي من أفاضل العلماء والفقهاء). وهو أن الحكم إنما عم (اي في هذه المسألة والنازلة)، احتياطًا للفروج. ودليل مشروعية هذا الاحتياط هو كل دليل دل على توقي الشبهات\". اهـ.\nذلك أن القرافي ﵀ قرر ما قرر من التعميم للحكم في مسألة الطلاق المذكورة، بناء على القاعدة الثالثة السالفة، بينما أكابر العلماء كانوا يوجهون تعميم الحكم ويعللونه بالاحتياط في الفروج، وهذا الاحتياط يراه القرافي غيرَ مؤسّس ولا مبنى على دليل شرعى، فأوضح الشيخ ابن الشاط أن دليلهم الشرعي في ذلك هو توقي الشبهات والاحتياط.\n(٢١٣) في نسخة ع، وح: \"وكان الطلاق محرمًا\" بصيغة الفعل الماضي، وفي نسخة أخْرى، وعند القرافي: وكما أن الطلاق محرِم للوطء، بأداة التشبيه، وهو أظهر وأسلم في المراد والمعنى، وقد علق ابن الشاط على ما جاء في هذه المسألة الرابعة بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، وأن المتكلم في مسألة الطلاق أو العتق في مسألة العتق ما أضاف الحكم لمشترك، بل أضافه لفرد غير معين\". اهـ.","vol":"1","page":210},{"text":"ايضا، والطلاق دل على تحريم الوطء مطابقة، وهو مما يرجع إلى النهي، لأنه جاء فيه \"أنه أبْغَضُ الحلال إلى الله\" (٢١٤)، فكان التعميم في الطلاق ولم يكن في العتق للقواعد المقررة. (٢١٥)\n\nالقاعدة الخامسة والعشرون (٢١٦)\nنقرر فيها الفرق بين كون الزمان ظرفا لايقاع المكلَّف به فقط، وبين كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به، وكل جزء من اجزائه سببا (٢١٧) للتكليف والوجوب، فتجتمع الظرفية والسببية في كل جزء من الأجزاء، فنقول:\nيظهر الفرق بذكر أربع مسائلَ:\nالمسألة الأولى: أوقات الصلوات، كالقامة مثلًا بالنسبة إلى الظهر، هي ظرف للتكليف، لصحة وقوع الصلاة فيها، وكل جزء من تلك الأجزاء سببٌ للتكليف، وليس الزوالُ فقط سببًا للتكليف، وإلَّا لزم أن يكون من أسلم وسط القامة لا يلزمه الظهر، من حيث إن السبَّبَ لا يتقدم سبَبَه، وذلك باطل، فلزم ما\n_________\n(٢١٤) رواه أبو داود والحاكم رحمهما الله عن ابن عمر ﵄.\n(٢١٥) قال ابن الشاط: على تسليم أن الطلاق تحريم، والعتْق قُرْبة، وكون العتق قربة لا يمنعه أن يكون تحريمًا، بل هو تَحريم للتصرف في المملوك، فلا فرقَ\".\n(٢١٦) هي موضوع الفرق الثاني والأربعين بين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به فقط، وبين قاعدة كون الزمان ظرفا للإيقاع، وكل جزء من أجزائه سبب للتكليف والوجوب، فيجتمع الطرفان: الظرفية والسببية في كل جزء من الأجزاء. جـ ١ ص ٢٢٠.\n(٢١٧) كذا في نسخة ع، وح بنصب كلمة سببًا. فيكون وجه النصب على هذا أنه مدخول لكونٍ مقدر في العطف، (أى مع كون كل جزء سببًا). ومن المعلوم أن مصدر الفعل الناقص يعمل عمل فعله، ومن ذلك البيت المشهور القائل:\nبِبَذْل وحِلْمٍ ساد في قومه الفتى ... وكَونكَ إياهُ عليك يسير (أي سهل ميسَّر)\nوفي نسخة أخرى، وفي كتاب الفروق: سبب بالرفع، ووجْهُهُ أنه خبر للمبتدأ الذي هو كل جزء، والجملة حالية، تفيد معنى المعية، فتكون العبارتان صحيحتين وسليمتين معا، وتؤدِّيانِ معنى واحدًا وهو المعية والمصاحبة. أما الرفع فوجهْه ظاهر، كما عند القرافي، والمسألة الأولى هنا.","vol":"1","page":211},{"text":"قلناه، وما يتوهم أن السبب للوجوب، (٢١٨) الزوالُ فقط، باطل.\nالمسألة الثانية: أيام الأضاحى الثلاثةُ أو الأربعة، على الخلاف في ذلك، ظروف للتكليف، لصحة وقوعِ الذبْح فيها، وهي -أيْضًا- أسباب للتكليف، بل كلُّ جزْء من أجزاء الأيام، وإلا لزم الَّا تجب على من أَسْلَم في اليوم الثانى أو في اليوم الثالث، وذلك باطِلٌ.\nالمسألة الثالثة: شَهْرُ رمضان المعظم، أيَّامُه ظروف لَلتكليف بالصوم، وأيَّامه ايضا أسبابٌ للتكليف، بذلك الدليل بعينه، إلا أن أجْزاء اليوم ليست بأسباب، (٢١٩) كأجزاء وقت الصلاة، ولذلك كان من أسلَم في يوم لم يجب عليه ذلك اليوم، ومن أسلم في ليلةِ يوم وَجَبَ عليه اليوم الذي أسلم قبل طلوع فجْره، وفي أجزاء الصلاةِ ايضا خلاف في بعض الأجزاء، من أدرك ركعة من الصلاة، يقال: إنه سببُ، وأقلُّ منه ليس سببًا للتكليف عند مالك، وهو عند غيره سبب كسائر الأجزاء قبله. فهذه المسائل الثلاث هى ظروف وأسباب.\n_________\n(٢١٨) في نسخة ح: \"من أن السبب\"، بذكر حرف الجر لِلبيانِ، على حد قوله تعالى في سياق فِرعون وملائه ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾، فمن آيةٍ، بيان لما يريهم الله من علامات ودلالات على وحدانيتهِ وإحاطة علمه وكامل قدرته وإرادته. وتخرج نسخة ع، على أن حذف الجر: من، مُطّرد قبل أنْ وأنّ، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وإلى ذلك يشير ابْنُ مالك في بيت من الفيته حيث قال:\nوعَدِّ لازمًا بحرف الجرّ ... وإن حُذِف فالنصبُ للمنجَر\nنقلا، وفي أنَّ وأنْ يطَّرِدُ ... مع أمْنِ لبس كَعَجبتُ أن يدوا\nأي عجبتُ أن يعطوا الدية، من الفعل الثلاثى وَداهُ يديهِ، مثل وقاهُ لقيه، إذا ادَّى ديته نتيجة القتل خطأ.\n(٢١٩) في نسخة ح: أسبابا، وكلاهما صحيح وسليم، إذ من المعلوم أنَّ خبر ليس تدخل عليه الباء للتوكيد، على حد قوله تعالى، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، كما قد تدخل الباء على خبَر ما النافية المشبهة بليس، والعاملة عملها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وقد نص على ذلك علامة النحو والصرف في زمانه ابْن مالك قال في منظومة ألفتيه:\nوبعدمَا وليس جرَّا البا لخبَر .. وبعْدَ لا ونَفْي كان قد يجر\nأي قد يجر خبرُ لا النافية، وخبر كان بحرف الجرالبا، على سبيل الندرة، بينما جره بعد ما وليس على سبيل الاطراد والكثرة.","vol":"1","page":212},{"text":"فلنذكر ثلاث مسائل هي ظروف للتكليف فقط:\nالمسألة الرابعة: قضاء رمضان يجب وجوبًا موسَّعًا إلى شعبان من تلك السنة، كما يجب الظهر وجوبًا موسَّعا من أول القامة إلى آخرها. غير أن هذه الشهور هي ظروف للتكليف فيها بالقضاء، دون أن يكون شيء من أجْزائها سببا للتكليف، بدليل أن من زال عذره فيها لا يلزمه شيء، وإنما السببُ في وجوب هذا الصوم أجزاء رمضان السابق، فكل يوم هو بسبب لوجوب القضاء في يوم آخر من هذه الشهور إذا لم يصم فيه. ولا يعتقد أن رؤية الهلال له سبب في القضاء إلا من حيث إنه سبب لجعل كل يوم من أيام الشهر سببا لوجوب الصوم (٢٢٠)، ثم إذا ترك ذلك الواجب كان سببا، فالسبب الترك لا الهلال، ولكنه انْبَتَى على الترك أنه سبب على وجوب الفعل، والله أعلم.\nالمسألة الخامسة: جميع العُمُر ظرف لوقوع النذُور والكفارات، لوجود التكليف في جميع ذلك، وهذا بعد البلوغ ولزوم التكليف، وليس شيء من ذلك سببا، بل السبب اليمين أو الالتزام.\nالمسألة السادسة: شهور العِدّة ظرف للتكليف بالعِدة لوجودها فيها، وليس شيء من أجزائها سببا للتكليف بالعِدة، بل السبب الوفاة أو الطلاق، وهذه الشهور تشبه شهور قضاءِ رمضان من هذا الوجه، وتفارقها من جهة أنها مضيَّقة، وتلك، التكليفُ فيها موسعٌ، ولنذكر المسألة السابعة لِمَا تركّبَ من القسمين.\nالمسألة السابعة: زكاة الفطر، قيل: تجب بغروب شمس آخِرِ أيام رمضان، وقيل: بطلوع الفجر يومَ الفطر، وقيل: بطلوع الشمس منه، وقيل:\n_________\n(٢٢٠) عبارة القرافي هنا أظهر حيث قال: ولا يعتقد أن سبب وجوب القضاء هو رؤية الهلال فقط، بل رؤية الهلال سبب لجعل كل يوم من أيام رمضان سببا للوجوب وظرفا له، فيصير سببُ رؤية الهلال كل يوم سببا لوجوب الايقاع فيه، وتفويته سببا للصوم في يوم آخر من هذه الشهور فقط، فتأمل ذلك فقَل من يتفطَّن له، بل يعتقد في بادئ الرأي أن سبب القضاء والأداء هو رؤية الهلال فقط، وليس كذلك ... الخ.","vol":"1","page":213},{"text":"تجب وجوبًا موسّعا من غروب الشمس آخر أيام رمضان إلى غروب الشمس يوم الفطر.\nوقولُ هذا القائلِ: تجبُ زكاة الفطر وجوبًا موسّعا من الغروب إلى الغروب، معناه لا يأثم بالتاخير بعد الغروب يومَ الفطر. والمنقول عن صاحب القول الأول أنه لا يأثَم بالتاخير إلى غروب الشمس يوم الفطر، وإنما يأثم بالتاخير بعد الغروب يوم الفطر، وهذا هو عين القول الرابع.\nوقد عَسُرَ الفرقُ على جماعة من الفضلاء بين هذين القولين، والفرقُ بينهما إنما يستفاد من معرفة الفرق بَيْنَ هاتين القاعدتين، وذلك أن القائل الأول يقول: غروب الشَّمس يومَ الصوم سَبَبٌ، وما بعده ظرف للتكليف فقط، ولا يكون شيء من أجزاء هذا الزمان سببا للتكليف، والقائل الرابع يقول: كل جزء من أجزاء هذا الزمان من الغروب إلى الغروب ظرف للتكليف وسبب له، فقد اشتركا في التوسعة، لكن توسعة الثاني كتوسعة صلاة الظهر، والآخر كتوسعة قضاء رمضان.\nويُخَرَّجُ على القولين من بلغ في هذا الوقت أو أسلم، فيتوجه الأمر على القول الثاني، ولا يتوجه على القول الأول.\n\nالقاعدة السادسة والعشرون (٢٢١)\nنقرر فيها الفرق وإن كون ظرف الزمان للتكليف دون ايقاع المكلف به، وبين أن يكون ظرفا للتكليف لإيقاع المكلف به معا، ويتضح هذا بذكر ثلاث مسائل.\n_________\n(٢٢١) هي موضوع الفرق الحادى والأربعين بين قاعدة كون الزمان ظرف التكليف دون المكلف به، وبين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به مع التكليف، جـ ١ ص ٢١٨. قال في أوله الإِمام القرافي ﵀: \"هذا الموضح التبس على كثير من الفضلاء واختلطت عليهم القاعدتان، فوردت إشكالات بسبب ذلك، ويتضح الفرق بينهما بذكر ثلاث مسائل ... الخ.","vol":"1","page":214},{"text":"المسألة الأولى في كون الكُفار خوطِبوا بفروع الشريعة أم لا، ثلاثة أقوال: مخاطَبون، ليسُوا مخاطَبين. الفرق بين الأوامر والنواهي، فهم مخاطَبون بالنواهي دون الأوامر. (٢٢٢)\nفمن قال: ليسوا مخاطَبين قال: لَو وجبت عليهم الصلاة لوجبتْ إما حالةَ الكفر وإما حالةَ الإِسلامْ، والقِسمان باطلان، فالقول بالتكليفِ (٢٢٣) كذلك:\nأمّا حالة الكفر فلان التقريب بها من الكافر لا يتعقَّل ولا يصحُّ حينئذ، وأمَّا في حالة الاسلام فلانعقاد الإِجْماع على أن الإِسلام يَجُبُّ ما قبلهُ.\nوالجواب أن نقول: نختار التكليف حالة الكفر. وقولُهُ لا تصح، قلنا: مُسَلّم، ولا يتحصَّلُ له مقصود، (٢٢٤) لأن هذا الزمان ظرف. للتكليف فقط لا لإِيقاع المكلَّف به، والإِيقاع هو الذي لا يصح، ومعنى هذا أنه أُمِر في زمان الكفر أن يزيله ويبدِّله بالِإيمان، ويفعل الصلاة في زمن الإِسلام لا في زمن الكفر، فصار زمن الكفر ظرفا للتكليف فقط، وزمن الإِسلام هو للتكليف ولإِيقاع المكلف به.\nالمسألة الثانية: المحْدِثُ مأمور بإيقاع الصلاة ومخاطَبٌ بها في زمن الحدث إجماعا، والكفر هو الذي وقع الخلافُ فِيهِ، أما زمن الحدَث فلا. ثُمَّ إن الإجماع انعقد على أن المحدِث لا تصح صلاتُه في الزمن الذي هو فِيهِ مُحْدِثٌ، وإنما تصح في زمن الطهارة، وزمان الطهارة هو زمان التكليف بإيقاع الصلاة دون زمان الحدث، وزمان الحدثِ هو ظرف التكليف فقط.\nقلت: كذا وقع هذا في الفروق لشهاب الدين ﵀، وآخر الكلام يناقض أوله.\n_________\n(٢٢٢) زاد القرافي هنا قوله: واتفقوا على أنهم مخاطَبُون بالإيمان وقواعد الدين، وإنما الخلاف في الفروع، وتقرير المسألة مبسوطا في أصول الفقه.\n(٢٢٣) في نسخة ح: فالتكليف كذلك.\n(٢٢٤) عبارة القرافي هنا، أظهر، وهي: ولا يلزم من ذلك عدم حصول التَّكْليف في هذه الحالة وفي هذا الزمان\".","vol":"1","page":215},{"text":"فقوله: المحدث مامور بإيقاع الصلاة في زمن الحدث إجماعا، يخالف قوله في آخر المسألة: \"وزمن الحدث هو ظرف للتكليف فقط\"، والآخرُ هو الحق، (٢٢٥) وهذا إذا لم يكن مضطرا، فإن لم يجد ماء ولا صعيدًا فهي المسألة حينئذ خلاف قد ذكره الفقهاء (٢٢٦).\nالمسألة الثالثة: الدُّهري (٢٢٧) مكلّف بتصديق الرسول - ﷺ -، مع أنه جاحد للصانع، والأمر فيه كالأمر في المسألتيْن. (٢٢٨)\n_________\n(٢٢٥) في هامش نسخة ع عند قول الشيخْ البقوري: \"وآخر الكلام يناقِضُ أوله\" ما نصُه: لا تَناقُضَ؛ لأن قولَه (أي القرافي): في زمن الحدثِ إجماعًا، متعلق بمأمور لا بإيقاع، وكأن البقوري فهم تعلقه بإيقاع\" اهـ.\n(٢٢٦) نظم بَعْضُهُمْ الخلاف في هذه المسألة، وجمع أقواله في بيتين، فقال:\nومَن لم يجد ماءً ولا متيمَّمَا ... فأرْبعةُ الأقوال يَحْكينَ مذْهبَا\nيصلّي ويقضي، عكسه قال مالك ... وأصبَغُ يقضِي، والأداءُ لأشهَبا\n(٢٢٧) الدهري بضم الدال في أشهر الاستعمال والسماع، وفتحه قياسي غير سَماع، وهو نسبة إلى الدهر أي الزمان، والدهريُّ هو الكافر الملحد، المنتسب إلى فرقة الدهرية، وهم المنكرون لوجود الله، ووحدانيته، ولخلقه لهذا الكون، مثلما ينكرون البعث والنشور يوم القيامة، فيقولون بأن الذي يهلك الإنسان ويفنيه هو الزمان والدهر، فينتهى الإنسان في زعمهم وظنهم انتهاء أبَدِيًا بانتهاء حياته في الدنيا، وقد حكى الله ذلك عنهم، وأبطل زعمهم وضلالهم، وفَنَّدَ اعتقادَهم الفاسد، قال ﷾: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤].\n(٢٢٨) أي ان زمن الكفر والالحاد، وزمن الحدث هو ظرف للتكليف دون ايقاع المكلف به، والزمن الثاني في الكافر الملحد، والمحدث -وهو زمن حصول إسْلامه- هو ظرف وزمن التكليف وإيقاع المكلف به. قال الإِمام القرافي ﵀ في ختام كلامه على هذا الفرق: فتأمل الفرق بين القاعدتين، والسر بين المعنيين يتيسر عليك الجواب عن أسئلة الخصوم وشبهاتهم، وهو فرق لطيف شريف\".","vol":"1","page":216},{"text":"القاعدة السابعة والعشرون (٢٢٩)\nنقرر فيها الفرق بِيْن ما يُطْلَبُ جمعه وافتراقه، وبين قاعدة ما يُطلَبُ جمعُه دون افتراقه، فنقول:\nالمطلوب في الشريعة ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما يُطلَبُ وحده ومع غيره، كالإيمان بالله تعالى وبرسوله، فإنه مطلوب في نفسه، وهو شرط في كل عبادة، والشرط مطلوب الحصول مع المشروط، إلا أنه قد يُكتفى منه بالايمان الحكمي تخفيفًا على العبد، ويُكتفَى بتقدمه فعلًا (٢٣٠)، وكالدعاء والتسبيح والتهليل مطلوبات في أنفسها، ومطلوب جمعُها مع الركوع والسجود.\nالقسم الثاني: ما يُطلب مفردًا دون جمعه مع غيره، وهذا كالقرآة باعتبار السجود والركوع، لقوله ﵊: \"نُهِيتُ أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدًا\" (٢٣١)\nالقسم الثالث: ما يُطْلَبُ جمعه دون افتراقه، كالركوع مع السجود في الصلاة، وكالحلاق مع الحج والعمرة، فإنه لا يكون قُربَةً إذا انفرد، وإنما يكون قربة إذا اجتمع هكذا.\nثمَّ وجْه المناسَبَة قد يُطَّلَعُ عليه وقد لا، وما لا يطلع عليه نعلمُ أنَّه لحكمةٍ وإن كنا لا نعرف وجْهها. فالإِيمان، وجْهُ اشتراطه في العبادات حتى كان\n_________\n(٢٢٩) هي موضوع الفرق السادس والأربعين بين قاعدة ما يُطلَب جمعُه وافتراقه وبين قاعدة ما يُطلَبُ افتراقه دون جمعه، وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه.\nوهذا الفرق هو أول الفروق المذكورة في الجزء الثاني (ص ٢) حسب تجزئة الكتاب إلى أربعة أجزاء، كل جزءين في مجلد واحد، حسب الطبعة الأولى للكتاب لسنة ١٣٤٤ هجرية.\n(٢٣٠) عبارة القرافي تظهر أكثر وضوحا حيث قال: \"فإن استحضار الإيمان في كل عبادَة وفي جميع أجزائها هو مما يشق على المكلف، فيكتفى بتقدمه فعلًا، ثم يستصحَبُ حُكْما ... اهـ.\n(٢٣١) أخرجه الإِمام احمد والإمام مسلم، وهذا ما لم تكن الآية دعاءً، فيجوز الدعاء بها في السجود.","vol":"1","page":217},{"text":"الجمع، (٢٣٢) من حيثُ إنه أصل، وما سواه فرع، والجمعُ بين الأصل والفرع مناسِب. وأما الدعاءُ مع السجود، والثناءُ مع الركوع، (٢٣٣) وعدم القرآة معهما، فذلك في الدعاء من حيث إن العبْدَ مأمور بالتعظيم لبارئه، وجعَلَ له في ذلك التعْظيم التشبهَ بفعْل المتواضعين مع ملوكهم، كل ذلك ليرسَخ في باطنه عظمة مولاه فينتفع بها، لا لأنَّهُ تعالى يلحقُهُ من ذلك شيء، بل هو الغنى عن العالَم، ولا ضرر يلحَقُهُ ولا نفع. والِانحناء في الركوع تواضع، والسؤال مناسب له، وتواضع السجود أكثر، فكانت الرغبة منه أجدَرَ بالإِجابة، ولهذا قيل: \"أقربُ مَا يكون العبدُ من ربه وهو ساجد، فاجتهِدُوا بالدعاء فقمِنٌ أن يستجابَ لكم (٢٣٤).\nأما كون القرآة لا تكون حينئذ فذلك من حيث إنها حالة خضوع بمشقة تَلْحَق العبد، والقرآة مَحَلٌّ للفكرة، والفكرة تضعف مع تحمل المشقة، فلم تكن لائقة بذلك الموضع.\n_________\n(٢٣٢) (أي حتى وجب وثبت الجمع بين الإيمان وبيْن كل عبادة لله تعالى، أنه أصل. فيكون الفعل الناقص كان تاما يكفي بمرفوعه على أنه فاعل يكمل به المعنى، على حد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، أي إن وجد ذو عسرة، بالبِناء للفعل المجهول، فيتعين إنظاره أي إمهاله لحين الوجْد وقدرته على أداء الدين، واكتفاء الفعل الناقص في باب كان وأخواتها بالمرفوع على أنه فاعل، ليتم المعنى، هو ما أشار إليه ابن مالك في ألفيته بقوله: وذو تمام ما برفع بكتفي.\nوما سواه ناقص، والنقص في ... فتئ ليس زَال، دائمًا قُفِي\n(٢٣٣) في جميع النسخ الثلاث التي بين أيدينا من كتاب ترتيب الفروق، العبارة هكذا، وأما الدعاء مع السجود ومع الركوع\" بحذف كلمة الثناء، وهي ثابتة في الأصل الذي هو كتاب الفروق، وهي كلمة يقتضيها المعنىَ، وتقتضيها الموافقة مع الحديث الشريف الآتي بعدُ، والذي جاء بالأمر والتوجيه في الإرشاد للأمة إلى الاجتهاد بالدعاء في السجود، مبينًا حكمة ذلك بأنه قرب من اللهِ ومَوطِنُ استجابة الدعاء، حيث يكون العبدُ أقرب ما يكون من ربه، وكما جاء في حديث آخر: أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فادعوا بما شئتم، فقمن أن يستجاب لكم\"، وهذا يعطي ويوضح أن حذف كلمة الثناء في النسخ المختلفة للكتاب قد يكون من الناسخ سهوا أو قصدًا بدون تأمل، اعتمادًا على النسخة المنقول فليصحح منها.\n(٢٣٤) اخرجه الإمام مسلم، وبعض الأئمة أصحاب السنن، عن أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":218},{"text":"قلت: ويمكن أن يقال: كان ذلك من حيث أنه إذا سجد فقد تمحضت صفة العبد، الخاصةُ به، وذلك التواضعُ، ولم يلِقْ بها أن يكون حينئذ تَالِيًا لكتابه العزيز، فإنه صفة جليلة يكتسبها حينئذ من حيث تلاوته لكلام ربه. وإنما يليق بتلك الحالة الارتفاعُ والانتصاب، فصِفة الحق غلبت في حالة القيام، وصِفة العبد غلبَتْ في حالة السجود، ولهذا هُوَ موضع إشكال، أيهما أفضل: القيام أو السجود؟ فجاء: \"أفضل الصلاة طول القنوت\"، (٢٣٥) وجاء \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد\"، والحديثان صحيحان أخرجهما مسلم، والله أعلم، وقد قيدنا (٢٣٦) عليه شيئًا في إكمال الإِكمال على كتاب مسلم، فانظره،\nقال شهاب الدين -﵀-:\nوعلى هذا الفرق انبنَى قول القائل: لو لم يكن الصومُ شرطًا في الاعتكاف لما صار شرطًا له بالنذر كالصلاة، لكنه إذا نذره لزمه ذلك ووجب الصوم، فصحة هذا الكلام تَنبني على قاعدتين:\nالقاعدة الأولى: النذْر لا يؤثر إلا في مندوب، فأما النذر في وجوب الصوم مع الاعتكاف إذا نذَره، فإنه يدل على أنه مطلوب أن يجمع بينهما.\nالقاعدة الثانية: إذا نذر أن يصلي صائمًا لم يلزمه ذلك؛ لأن الجمع بين الصلاة والصوم غيرُ مطلوب، وإن كان كل واحد منهما مطلوبًا في نفسه.\n_________\n(٢٣٥) أخرجه كل من الإِمام أَحْمد، ومسلم، والترمذي عن جابر ﵁. ورحمهم أجمعين.\n(٢٣٦) قف على نَصِّ الشيخ البقوري ﵀ على كتابه في شرح الحديث: المسمى (إكمال الاكمال) على صحيح الإمام مسلم. وهو كتابٌ يذكره وينسبه له العلماءُ في ترجمتهم له. ولحد الساعة لم يعرف لهذا الكتاب وجود في خزانة من الخزانات العامة أو مكتبة من المكتبات الخاصة حسبما بلغ إليه بحثى وسؤالي عنه، واهتمامي به كثيرا، ولعل البحث يكشف عنه مستقبلا في خزانة من الخزانات العلمية، المنبثة في مختلف البلاد الإِسلامية، وغيرها من البلاد الإسلامية التى تزخر خزائنها بكثير من أمهات الكتب العربية والتراث الاسلامي على اختلاف علومه ومعارفه.","vol":"1","page":219},{"text":"القاعدة الثامنة والعشرون (٢٣٧)\nنقرر فيها أن الفعل إذا دار بين الوجوب والندب فُعل، وإذا دار بين الندب والمحرّم ترك، تقديما للراجح على المرجُوح، وما يتخيَّل من أن صوْمَ يوم الشك ممنوع منه يقدح في هذه القاعدة ليس كذلك.\nبيانه أنا نقولُ: لا خفاءَ بوجهِ تلك القاعدةِ من حيث إنّ الأرجح ظاهر تقديمه في الشريعة على المرجُوح، وأما صومُ يوم الشك فقد يقول القائل: صَوْمُه هو الظاهر كما يقول الحنابلة، لِأنه أنّ كان من شعبان فهو ندْبٌ، وإن كان من رمضان فهو واجب فيفعَل، فالقول بأنه لا يصام، مُخالفة لها (٢٣٨)، فنقول: يُمنع من ذلك، بل هو مما دار صومه بين التحْريم والندب، فيتعيّن ترك صومه.\nوبيانه أن رمضان شرط صحة صومه أن يكون بنية جازمة، وصومُه بطريق الترداد حرام، فهو إذا صامه كذلك، إن كان من شعبان كان ندْبا، وإن كان من رمضان فقد كان ذلك الصوم محرّما، لأجل الترداد. والقاعدد فيما كان كذلك أن يُتْرك، وأيضًا فقد جاء النهي عن صيام يوم الشك. (٢٣٩)\n_________\n(٢٣٧) هي موضوع الفرق الرابع والمائة (١٠٤) بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فُعِل، ومتى دار بين الندب والتحريم ترك، تقديما للراجح على المرجوح، وبين قاعدة يوم الشك، هل هو من رمضان أم لا؟ جـ ٢ ص ١٨٦.\n(٢٣٨) علق ابن الشاط على قول القرافي هنا: \"فإن يوم الشك يحرم صومه مع أنه إن كان من شعبان فهو مندوب، بقوله: ليس بمسَلم، بل هو من شعبان لا على القطع بل على الشك، وهو ممنوع الصوم للنهي عنه، الوارد في الحديث، وعلى هذا، الإشكالُ في قولنا بالمنع من صومه، أما على قول الحنابلة فصومه على وجه الاحتياط جارٍ على قاعدة الفرق المذكور، وذلك، والله أعلم - لعدم صحة الحديث عندهم.\n(٢٣٩) روى أصحاب السنن، والبخاري، تعليقا عن عمار بين ياسر قال: \"من صامَ اليوم الذي يشك فيه الناسُ فقد عصى أَبا القاسم\" وأبو القاسم كُنْيَةً للنبى - ﷺ - بأحَدِ اولاده القاسم، كما هو معلوم من كتب الحديث الشريف والسيرة النبوية الطاهرة.\nوقد علق ابن الشاط على قول القرافي بأن صوم يوم الشك عندنا دائر بين التحريم لتعذر النية الجازمة وبين الندب، فتعين الترك إجماعًا على هذا التقدير، لأن النية الجازمة شرط، وهي هنا متعذرة، وكل قربة بدون شرطها حرام، فصوم هذا اليوم حرام، فقال أي ابن الشاط: ليس قوله ذلك بمسلم، لأن لِقائلٍ أن يقول: ليست النية الجازمة شرطًا الا مع عدم تعذرها، وما ذكره لم يأت عليه بحجة، فلا يبقى إلا الحديث إن صح\". اهـ.","vol":"1","page":220},{"text":"ومما يُظَنُّ فيه مخالفة القاعدة، إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا فإنه يأتي بركعة، مع أنها دائرة بين الرابعة الواجبة والخامسة المحرمة، وإذا تعارض الواجب والمحرَّم قُدِّم التحريمُ، لأن التحريم يعتمد المفاسدَ، والوجوب يعتمد المصالح. (أي فعناية صاحب الشرع والعقلاء، بِدَرْء المفاسد أشد من عنايتهم بجلب المصالح كما قال القرافي ﵀.\nوكذلك إذا شك في وضوئه، هل هي ثالثة أو ثانية، فإنه يتوضأ ثالثة مع دورانها بين الندب والتحريم، والتركُ هنا أقوى، لأن الندب أخفض رتبة من الواجب.\nفأجيبَ عن الصلاة بأن الخامسة إنما هى محرمة إذا تَيَقَّنا الرابعة، لا في الصورة التى وقعت فيها بالشك، وكذا الأمر في الوضوء ايضا.\nقال شهاب الدين -﵀-: وأشكل قولُ مالك ﵀:\nإذا شك هل طلع الفجر أو لا، فإنه لا يأكل، مع أنه قال: إذا شك في اليوم فإنه لا يصومه، فأجابَ بأن الليل كان أصله الصوم، وخفف بعد ذلك، فهذا المشكوك فيه بيقيه على أصله في أنه يصام، ولا يخرجه إلى الأكل فيه كما خرج المتيقن. (٢٤٠)\nقلت: والأظهرُ عندي أن يقال: هذا خرج عن القاعدة من حيث إن ترْكَ أكله دائر بين أن يكون واجبًا أوْ جَائزًا، فيصيرُ إلى تركه ولا بد، عملًا بالأرجح، والله أعلم.\n_________\n(٢٤٠) علق ابن الشاط على كلام القرافي هنا فقال: ليس ما قاله القرافي من أن الأصل في الليل الصوم، بصحيح، وإنما كان الممنوع بالليل الأكل والوطْءُ بعد النوم خاصة، أما غير ذلك وهو ما قبل فلا.\nثم إن جوابه معارض للنص في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فنصَّ على أن الغاية تبيُّن الفجرِ. وما أرى المالكية ومن قال بقولهم في وجوب إمساك جزء من الليل ذهبوا إلى مخالفة الآية، عملًا بالاحتياط، بل حملوا الآية على المراقب للفجر وهو قليل في مجرى العادة، فأطلقوا القول، بناء على الغالِب، وهو عدم المراقبة، والله أعلم، ثم قال ابن الشاط: وما قاله القرافي بعد ذلك في هذا الفرق من السؤال والجواب عنه في المسائل المذكورة لحد مسألة الصيام، فصحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المتعلق منها بالعموم والخصوص وما يناسبها: </span>تسع قواعد\nالقاعدة الأولى: (١)\nنقرر فيها أن المفرَدَ المعرَّف بالألف واللام يفهَم منه العمومُ، وأن ما قاله الفقهاء في الطلاق جاء على غير الأصل، فنقول:\nأمّا أنّها تفيد العموم فظاهر من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) إذ لَو لم تكن للعموم لمَا صَح الاستثناء الآتي بعد ذلك. وكذلك - أيضًا - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤).\nقلت: المشهور عن الأصوليين أن المفرد المعرّف بالألف واللام لا يفيد العموم، فإن جاء العموم في بعض المواضع فما ذلك لِلألِف واللام، فإنه لو كان لها لا طرَّد كما الألف واللامُ مع الجمع، وسيأتي تحقيق لهذه المسألة في موضع آخر بعدها. (٥).\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الثالث والسبعين بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق، نحو ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وبين قاعدة المعرَّف بالألف واللام في الطلاق لا يفيد العموم\". جـ ٢، ص ٩٤.\n(٢) سورة العصر: الآية ٢\n(٣) سورة الأنعام الآيه ١٥١.\n(٤) سورة البقرة: الآية ٢٧٥.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند الإِمام القرافي ولخصه البقوري ﵀ في هذه المسألة، فقال: ما قاله صحيح إلا في قوله. ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ أنه للجنس، فإنه إن كان يعني الحقيقة فذلك صحيح، وإن كان يعني أنه للاستغراق فلا، اهـ. ﵏ ورضي عنهم أجمعين وعن سائر علماء المسلمين.\n(٥) العام عند علماء الأصول، وكما عرفه تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي ﵀ في كتابه الشهير، جمع الجوامع في أصول الفقه: هو لفظ يستغرق الصالح له من عير حصر\". ثم قال عن صيغ العموم: \"والجمعُ المعرف باللام أو الاضافة للعموم، والمفرد المحلى باللام مثله، خلافًا للإِمام الرازي\".","vol":"1","page":222},{"text":"قال شهاب الدين ﵀: والفقهاء خالفوا هذه القاعدة في لفظ الطلاق، فإذا قال الرَّجل: الطلاق يلزمني ولا نية له حملوه على طلقة واحدة، وكان حق هذا اللفظ أن يحمل على عدد لا نهاية له، لولا أن الشرع جعل آخر الطلاق هو الثلاث، كما إذا قال: طلقتك مائة تطليقة يحمل على الثلاث. وسبب هذا أنَّهم رَأوا الألف واللام في المفرد، تارةً للجنس، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٦)، وترِدُ تارةً للعهد، كقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾، وترد لمعقول الجنس، كقولهم: أكلتُ الخبز، كقوله ﵊: \"إذا ولغ الكلب. في إناء أحدكم\" (٧) فقال الفقهاء: المراد بها في الطلاق معقول الجنس وهو المشترَك، والمشترَك يحصل بفرد من أفراده، وهذا كله من حيث إنهم رأوا العرف\n_________\n= وبعبارة أخرى أوسع وأوضح: هو اللفظ الذي يتناول ويستغرق، دفعة واحدة وفي إطلاق واحد، جميع الأفراد التى تشترك في مفهومه من غير حصر لأفراد مدلوله باعتبار اللفظ ودلالة العبارة لا باعتبار الواقع\nومنْ صِيَغهِ الألف واللام إذا أريدَ بها الاستفراق دون العهد ودخلت على الاسم، فإنها تفيد العموم فيما دخلت عليه، سواء اكان جمعا، مثل ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أو كان مفردًا، مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.\nوقد رأيت أن أنقل هذا التعريف، وأورده هنا بقصد التذكير به، والبيان للقاعدة، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصرره، والمصطلحات الأصولية والمنطقية والبلاغية والنحوية، وغيرها من مصطحات العلوم وقواعدها قد تغيب أحيانًا عن بعض الأذهان إذا لم يقع التعهد لها والتمرس بها بين الحين والآخر، فإن العلم يحصل ويرسخ بذلك، ويزداد بالعطاء والانفاق منه كما يقول العلماء.\n(٦) سورة المزمل، الآية ١٦. وأولها: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾: الآيتان: ١٥، ١٦. فالعهد هنا بال ذكرى، في مقابلة العهد الذهني، والحضوري. ذلك أن كلمة رسول سبق ذكرها نكرة وأعيدت معرفة بأل، فهي نفس الأولى وعينها، كما تقول القاعدة النحوية المقررة، والتسمية نظمها بعضهم في بيتين فقال:\nثمَّ من القواعدِ المشتهرة ... إذا أتتْ نكرة مكرَّرة\nتخالَفا، وأن يُعَرَّفْ ثانٍ ... توَافَقَا كَذا المعَرّفان\n(٧) أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم، وبعض أصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁، ونصه بتمامِه: إذا ولغ الكلبُ في إناء أحدكم فَلْيُرقْه، ثم ليغسلهُ سبعًا، أُولاهن، أو إحداهن، أو السابعة بالتراب .. على اختلاف في روايات هذا الحديث الصحيح المتفق عليه.","vol":"1","page":223},{"text":"غلب عليها في هذا القسم فقالوا بمقتضى العرف، وكأن القائل قد قال حقيقةً: جنس الطلاق يلزمني، والعرف يقضي على اللغة، ولا تقضي اللغة عليه. (٨)\nقلت: شهاب الدين ﵀ يقول في مواضع أخرى: المفرد الذي تدخله الألف واللام يختلف، فإن كان مثل مال، فالألف واللام إذا دخلت على مثله للعموم، فقبضْت المال، المراد جميعُه، وإن كان مثل رجل، فالألف واللام في مثله لا يَعُم. والمراد بمثل مال ما يتصف بالكثرة والقلة، وبمثل رجل مالًا يتصف بذلك.\n_________\n(٨) قال القرافي هنا ﵀: \"إذا تقرر أن لام التعريف تستعمل في أحد الأمور الثلاثة: لاستغراق الجنس، وللمعهود من الجنس، ولحقيقة الجنس، كقول السيد لعبده: (الإنسان لخادمه مثلًا: إذهب إلى السوق فاشترِ لنا الخبز واللحم، يريد إثبات هذه الحقيقة ولا يربد العموم، فما علم أن أهل العرف قد نقلوها بحقيقة الجنس دون استغراق الجنس، فيصير معنى كلام المطَلق أن حقيقةَ جنس الطلاق تلزمني، وإذا لزمته هذه الحقيقة، وهذه الحقيقة تصدُق بفرد، لم يلزمه إلا فرد وهو طلقة واحدة، لأن الأيمان مبنية على العرف في اليمين بالله والطلاق وغيره. فإذا حدث عرف بعد اللغة قدم عليها، لأنه ناسخ لها، والناسخ مقدم على المنسوخ. وهاتان القاعدتان في الاصول خالفهما الفقهاء في الفروع، وهما: قاعدة: الإستثناء من النفي إثبات، ومن الأثبات نفي، ولم يقولوا بذلك في الأيمان على ما تقدم من الخلاف، وقاعدة المعرف بلام التعريف، قالوا: لأنه للعموم ولم يقولوا به في الطلاق، والسبب ما تقدم بيانه.\nوقد علق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي، فقال: تبين أن الحقيقة الكلية لا وجود لها في الخارج (اى خارج الذهن، وفي الواقع)، فلا يمكن أن تكون هي المقصودة في قوله: الطلاق يلزمني، ولكن يمكن أن يكون المقصود الاستغراق أو العهد، فعل هذا كان ينبغي أن نُلزمه الثلاث احتياطًا، كمن طلق ولا يدرى أواحدة أم ثلاثًا، نلزمه الثلاث احتياطًا، ولكن لا اعلم أحدًا ألزم الطلاق بذلك اللفظ، فهو عرف في مطلق الثلاث، والله أعلم.","vol":"1","page":224},{"text":"القاعدة الثانية (٩)\nنقرر فيها أنَّ الأعمّ، منه ما يستلزم الْأخص عَينا، ومنه ما لا يستلزم الْأخص عينا، ولكن مطلق الأخص.\nوبيان ذلك أنَّ الأعمّ على قسمين: عام تحته أمور متباينة، كقولنا: الحيوان، تحته الإنسان وغيره من الأنواع، فهذا النوعُ من العام لا يستلزم إلَّا مطلق الأخص لا أخص معَيَّنا، واستلزام مطلق الأخصّ من حيث إنَّ الكلي المجرد لا وجود له فى الخارج، وإنما يوجد من حيث وجود شخص، أيّ شخص كان، فقد يكون هذا الشخص من نوع الإنسان أو من نوع غيره.\n_________\n(٩) هى موضوع الفرق الواحد والخمسين بين قاعدة الأعم الذي لا يستلزم الأخص عينا، وبن قاعدة الأعم الذي يستلزم الأخص عينًا\"، جـ ٢. ص ١٣.\nقال عنه القرافي ﵀: أشهر بين النظار والفضلاء في العقليات والفقهيات أن الأعم لا يستلزم أحدَ أنواعه عينا، وإنما يستلزم الأعم مطلقَ الأخص لا أخص معيَّنا، وإنما يستلزم مطلق الأخص، لضرورة وقوعه في الوجود، فإن دخول الحقائق الكلية في الوجود مجردةً، محالٌ، فلا بد لها من شخص تدخل فيه ومعه، فلذلك صار اللفظ الدال على وقوعها في الوجود يدل بطريق الالتزام على مطلق الأخص، وهو أخص مالا أخص معينًا، وهذا القول المطرد بين الفقهاء والنظار لا يكاد يختلف ذلك اثنان، وليس الأمر كذلك، بل الأمر في ذلك مختلف، وهما قاعدتان مختلفتان.\nوتحرير ضبطهما والفرقِ بينهما أن الحقيقة العامة، تارة تقَع في رتب مرتّبة بالأقل والأكثر، والجزء والكل، وتارة تقع في رتب متباينة، فمثال الأول مطلق الفعل الأعم من المرة الواحدة والمرات، فالمرة رتبة دُنيا، والمرات رتبة عليًا ... الخ. اهـ.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على قول الإمام القرافي هنا: \"وليس الأمر كذلك، بل الأمر في ذلك مختلف، وهما قاعدتان مختلفتان\"، بقوله: بل الأمر كذلك، ليس الأمر في ذلك بمختلف، وليس ها هنا قاعدتان بوجه، بل هي قاعدة واحدة، فهذا الفرق باطل يقول ابن الشاط. ﵀، ثم قال بعد ذلك: \"وقوله: وتحرير ضبطهما والفرق بينهما أن الحقيقة العامة، تارة تقع في رتب مترتبة بالأصل والأكثر، والجزء والكل، وتارة يقع في رتب متباينة\": ذلك مسَلَّمٌ.\nقلت: ولم يظهر جيدا وجه التوفيق بين قول ابن الشاط: \"ليس هنا قاعدتان بوجه، بل هي قاعدة واحدة، فهذا الفرق باطل\"، وبن تسليمه لما قاله القرافي بعد ذلك من تحرير وضبط الفرق بين القاعدتين المذكورتين، مما يدل على صحة الفرق لا على بطلانه، فليتأمل وليصحح، فلعل كلام كل من القرافي وابن الشاط. يحتاج إلى تأمل وتمعن يهدى به المرء إلى إدراكه وفهْمِ مقصوده من ذلك.","vol":"1","page":225},{"text":"والقسم الثاني عامٌّ تحته أمور غير متباينة، وإنما اختلافها بالْأقل والْأكثر، والجزء والكل، فهذا العام يستلزم الأخص معينًا. ومثال هذَا، المال الداخل تحت هذا العام هو بالْأَقل والأكْثر يختلف فيستلزم الأقل، كذلك مطلق الفعل أعم من المرة والمرات، فيستلزم المرةَ الواحدة، لما قلناه.\nقال شهاب الدين ﵀:\nوهذه القاعدة تُظهر بطلان قول الفقهاء فى أن القائل إذا قال لوكيله: بعْ، من غير أن يذكر زائدًا على ذلك، ان اللفظ غير دال على أخصّ، وإنما القاعدة عينَّت ثمن المثل، فإنه يقال لهم: بل دل هذا اللفظ على الثمن البخس، (١٠) وهو أقل ما يكون ثمنا، ولكن العادة منعَتْ من حمل اللفظ عليه وعيَّنتْ ثمن المثل.\n\nالقاعدة الثالثة: (١١)\nنقرر فيها الفرق بين قول العلماء: حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، وبين قولهم: حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال، فنقول:\n_________\n(١٠) كلمة البخس ناقصة في نسخة ح.\n(١١) هي موضوع الفرق الحادى والسبعين بين قاعدة حكايته الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، وبين قاعدة حكايته الحال إذا تُرِكَ فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال\" جـ ٢. ص ٨٧.\nقال القرافي ﵀ في أول كلامه عن هذا الفرق: هذا موضع نُقل عن الشافعي فيه هذان الأمران على هذه الصورة، واختلفت أجوبة الفضلاء في ذلك، فمنهم من يقول: هذا مشكلَ، ومنهم من يقول: هما قولان للشافعي. والذي ظهر لي أنهما ليستا قاعدة واحدة، فيها قولان، بل هما قاعدتان متباينتان، ولم يختلف قول الشافعي ولا نناقضَ، وتحرير الفرق بينهما ينبنى على قواعد ... الخ. اهـ.\nوعقب ابن الشاط ﵀ على قول القرافي: \"بل هما قاعدتان متباينتان\" بقوله: إن أراد بذلك أن معناهما واحد فليس قوله بصحيح، وإن أراد بذلك أنهما متساويتان في كون كل واحدة منهما قاعدة مستقلة مساوية للأخرى في الاستقلال، فقوله صحيح ... اهـ.\nوتجدر الإشارة إلى أن عبارة ابن الشاط هنا جاء فيها قوله \"بل هما متساويتان\" بدل: بل هما متباينتان، مما جعل محقق الفروق يقول: الذى فى نسخ الأصل الذي بين أيدينا متباينتان، فتأمل، اهـ، ولعل التعبير بكونهما متباينتين أنسب وأظهر في المعنى من كونهما متساويتَيْن ..","vol":"1","page":226},{"text":"هذا الفرق ينبنى على قواعد:\nالقاعدة الأولى أن الاحتمال المرجوح لا يقدح في حكايته اللفظ، وإلا سقطت الأدلة بأجمعها، لاحتمال المجاز والاشتراك، وذلك باطل، فالاحتمال المعتبر إنما هو الاحتمال المساوى أو القارب، وأما المرجوح فلا. (١٢)\nالقاعدة الثانية أن كلام الشارع إذا كان محتملًا احتمالين على السواء صار مُجْمَلًا (١٣).\nالقاعدة الثالثة أن لفظ الشارع إذا دخل على جنس، فتردد ذلك الجنس بين سائر أنواعه، وكذلك على نوع فتردد ذلك النوع بين أشخاصه لا يُصَيِّره مجملًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، تصدق الرقبة على الطويلة والقصيرة، والذكر والأنثى. (١٤)\n_________\n(١٢) عبارة القرافي في هذه القاعدة الأولى هي: أن الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ، وإلا لسقطت دلالات العمومات كلها، لتطرق احتمال التخصيص إليها، بل تسقط دلالة جميع الأدلة السمعية لتطرق احتمال المجاز والاشتراك إلى جميع تلك الألفاظ، لكن ذلك باطل، فتعين أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي والمقارب، أما المرجوح فلا.\nوعلق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه القاعدة فقال: ما قاله في ذلك صحيح، وكذلك ما قاله في القاعدة الثَّانية.\n(١٣) المجمل في اصطلاح علماء الأصول، كما عرفه بإيجاز واختصار، ابن السبكي في جمع الجوامع حيث قال: هو ما لم تتضح دلالته\"، وعرفه أبو الوليد ابن رشد الجد في كتابه المقدمات الممهدات بقوله: \"فأما المجمل فهو مالا يفهم المراد من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره، مثل قوله تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، فلا يفهم من لفظ الحق جنسه ولا مقداره إلا بعد بيانه، ومثل قوله\nتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.\nوبعبارة اخرى لبعض العلماء: المجمل هو كل ما دل من الأقوال أو الأفعال أو غيرها دلالة غير واضحة على أحد الأمرين أو أكثر، من غير أن تكون لأحدهما مزية على الآخر، بحيث يستوفيه الأمر أو الأمور من غير ترجيح لأحدهما على الآخر فيما يرجع إلى الدلالة، لدوران الدال بين احتمالين فصاعدًا على السواء.\n(١٤) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه القاعدة الثالثة فقال: ليس ما مثل به للجنس بصحيح، فإنه ليس لفظ الرقبة في هذا الموضع جنسا، ولكنه واحد غير معيَّن من الجنس، وكذلك قوله: \"المطلقات الكليات التى تقدم أنها عشرة، ولم يظهر في شيء من مثلها قدح ولا إجمال\" فإن المطلقات ليست الكليات، وقد تقدم التنبيه على ذلك مرارًا، يقول ابن الشاط ﵀.","vol":"1","page":227},{"text":"إذا تحررت هذا القواعد، فنقول:\nالاحتمالات، تارة تكون في نفس كلام الشارع فتقدح، وتارة تكون في محل مدلول اللفظ فلا تقدحُ. (١٥)\nفمن القسم الأول أنه - ﷺ - سئل عن الوضوء بنبيذ التمر فقال: \"تمرة طيبة وماء طهور\"، فتمسكت الحنفية به، فقلما لهم: قوله ﵊ هذا يحتمل أن يكون لا قبل تغيُّر الماء بالحلاوة، ويحتمل أن يكون لا بعده، فهذا اللفظ عام بالنسبة إلى الحالتين، وهو يَصْدُق عليهما، والدليل الأعمُّ غير قال على الأخص، فيسقط الاستدلال.\nفهذا اللفظ عام بالنسبة إلى الحالتين، وهو يصدق عليهما، والدليل الأعم غير قال على الأخص، فيسقط الاستدلال.\nقلت: هذا ضعيف جدًا، فالجواب مرتب على السؤال، وهو: نبيذ التمر هل يتوضأ به؟ فقد عين الحالة الواحدة، فإن من شرط الجواب أن يطابق السؤال (١٦)\n_________\n(١٥) قال ابن الشاط عن هذه الفقرة: ما قاله القرافي هنا صحيح.\n(١٦) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة حين قال: \"قوله ﵊: \"تمرة طيبة وماء طهور\" لم يتعرض في ذلك لما قبل التغير ولا لما بعده\"، فقال ابن الشاط: لا يجوز على الشارع صلوات الله وصلامه عليه أن يسأل عن شيء ثم لا يجيب عنه، ولا يجوز عليه أن يخبر بما لا فائدة فيه، وهو - ﷺ - إنما سئل عن الوضوء بالنبيذ، والنبيذ اسم الماء المستنقع فيه التمر حتى يتغير حقيقة، أما قبل التغير فلا يسمى نبيذا إلا مجازًا، بمعنى أنه يؤول إلى ذلك، فلا شك أن ظاهر الحديث أنه أراد أن أصل النبيذ تمرة طيبة وماء طهور، وأنه باق على حكم الأصل من الطِّيب والطهورية ... اهـ.\nفليتأمل هذا التعقيب والتعليق من ابن الشاط على كلام القرافي، فإنه دقيق وهام في توضيح المسألة كسائر تعليقاته التي يأتي بها، تكميلا وتصحيحا لما عند القرافي من القواعد والمسائل المتفرعة عنها، ويستعين بها المطلع على فَهْمِ ما اختصره ولخصه البقوري منها. رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أجمعين، ونفع بعلمهم آمين.","vol":"1","page":228},{"text":"ومن القسم الأول ايضًا أنه قال - ﷺ -: \"الخير بيديك، والشر ليس إليك\" (١٧)، فاستدلت المعتزلة على الأشعرية به، من حيث إنه سَلْبٌ عام، فنقول: قوله - ﷺ -: \"ليس إليك\" يحتمل أن يكون كما قلتم - ليس منسوبًا إليك، ويحتمل أن يكون ليس قُرْبةً إليك، وهذا لأن الملوك يتقرب إليها بالشر، إلا الحق ﷾ (١٨)، وهما (أي الاحتمالان) على السواء، فيسقط الاستدلال (١٩).\nقلت: قوله - ﷺ -: \"الخير بيديك\" يرجح احتمال المعتزلة، ويضعف الاحتمال الآخر، فأين السواء؟\nومن القسم الأول قوله - ﷺ - في المُحْرِم الذى وقصَت به ناقته: \"لا تمسوه بطيب، فإنه يُبْعَثُ يوم القيامة ملبيًا، هل النظر إلى صفته، فيكون كل\n_________\n(١٧) جاءت هذه الجملة في تلبية الحج من قول عبد الله بن عمر ﵄.\n(١٨) كذا في كل من النسختين المعتمدتين في التحقيق: ع، وح: \"وهذا لأن الملوك يتقرب اليها بالشر، إلا الحق ﷾\" وهو ما عند القرافي كما أوردناه في هذه المسألة في التعليق بعد هذا. وفي نسخة أخرى من تونس: \"وهذا لأن الملوك لا يتقرب اليها بالشر، كيف الحق سبحانه\" .. وهذا المعنى وإن كان في حد ذاته سليمًا إلا أن المعنى الأول هو ما يتناسب مع السياق الذي جاء فيه الاستدلال بالحديث، فليراجع وليتأمل، والله أعلم.\n(١٩) عبارة القرافي في هذه المسألة تزيدها وضوحًا وبيانًا حيث قال في أولها: استدلت المعتزلة على أن الشر من العبد لا من الله، بقوله ﵊ لذلك الحديث. فكان جوابهم عن ذلك أن الجار والمجرور لا بد له من عامل يتعلق به، تقديره عند المعتزلة الشر ليس منسوبًا إليك حين يكون من العبد على زعمهم، وتقديره عندنا: الشر التي ليس قربة إليك، لأن الملوك كلهم يتقرب الهم بالشر، إلا الله تعالى لا يتقرب إليه إلا بالخير، وهذا معنى حسن جميل يحمل اللفظ عليه، وعلى هذا يكون لفظ صاحب الشرع محتملًا لما قلناه ولما قالوه، ليس اللفظ ظاهرًا في أحدهما من حيث الوضع، بل الاحتمالان مستويان، فيسقط استدلال المعتزلة به، لحصول الاجمال فيه\".\nوقد رجح الشيخ البقوري احتمال المعتزلة كما سبق في تعقيبه على هذه المسألة، وهو ما نجده عند الشيخ ابن الشاط في تعقيبه كذلك على هذه المسألة حيث قال: الأظهر أن ما قدرته المعتزلة أظهر، ولكن المسألة قطعية لا يكفي فيها بالظواهر، مع ان الدليل العقلى القطعي قد ثبت أن الشر بقدرته، كما أن الخير كذلك. فبطل مقتضى ذلك الظاهر وتعين التأويل. وما قاله في المسألة الثالثة: مسألة المحرم الذي وقصت به ناقته والمسألة الرابعة مسألة الوتر بركعة، والمسألة الخامسة مسألة إمساك أربع نسوة فقط. ومفارقة سائرهن، صحيح ظاهر، والله أعلم.","vol":"1","page":229},{"text":"مُحْرم يتفق له الموت على حالة الإحرام كذلك، أو هذا متعلق بعين ذلك المحرم؟ يحتمل المعنيين) (٢٠).\nقلت: هذا أقرب شيء لهذا القسم، بخلاف المثالين الأولين.\nومن القسم الأول أيضًا قالت الحنفية: لا يجوز أن يوتر بركعة واحدة بل بثلاث بتسليمة واحدة، لنهيه ﵊ عن البتراء، وهي الركعة الواحدة المنفردة (٢١)، قلنا: يحتمل ما قالوه، ويحتمل أن يريد ركعة منفردة ليس قبلها شيء، والاحتمالان ظاهران.\nقلت: الاحتمالان ظاهران، ويترجح ما قلناه بالحديث الآخر: \"فإذا خشى أحدكم الصبح فليصل ركعة واحدة توتر له ما قد صلى\".\nومن القسم الثاني قوله ﵊ لمن أسلم على عشر نسوة: \"أمسك أربعًا وفارق سائرهن\" (٢٢). قال أبو حنيفة: إن عقد عليهن عقودا مرتبة لم يجز له أن يختار من المؤخَّرات، لفساد العقد عليهن، والخيار في الفاسد لا يجوز. وإن كان عقد عليهن عقدًا واحدًا جاز له الخيار لعدم التفاوت بينهن، وسوَّى\n_________\n(٢٠) أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم، وكذلك الإمام الترمذي ﵏ عن ابن عباس ﵄ بلفظ: إن رجلًا كان مع النبي - ﷺ - فوقصته ناقته (أي وهو محرِم، فمات، وقال - ﷺ -: إغسلوه بماء وسِدْر، وكفنوه في ثوبيه، فإنه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبِّيًا.\n(٢١) عن ابن عمر ﵄ قال: \"صلاة الليل مَثْنى مثنى (أي ركعتين ركعتين)، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما قد صليت\".\n(٢٢) هو غيلان بن سلمة الثقفي، رواه الترمذي وابن ماجه رحمهما الله عن عبد الله بن عمر ﵄. ومثله حديث أبى داود ﵁ أن قيس بن حارث أسلم وعنده ثمان نسوة، فأمره النبي - ﷺ - أن يختار أربعًا.\nفالوقوف عند حد أربع نسوة، وعدم تجاوزه إلى أكثر هو أمر صريح واضح شرعًا، من خلال هذه الأحاديث النبوية، والتى هي تفسر وبيان لقوله تعالى في محكم كتابه الحكيم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي أبيح لكم التزوج بما طاب لكم من النساء في حدود اثنتين إلى ثلاث أو أربع، وتزوج النبي - ﷺ - بأكثر من أربع نسوة هو خصوصية من خصوصياته ﵊ بإجماع علماء المسلمين سلفًا وخلفًا، وتلك حدود الله وشرعه الحكيم وسبيل المؤمنين.","vol":"1","page":230},{"text":"مالك والشافعي، لأنه ﵊ أطلق في القضية ولم يستفصل، فكان\nذلك كالتصريح بالعموم، ولو أراد أحد القسمين لاستفصل.\nفإن قيل: لعله عَلِمَ حال غيلان، قلنا: الأصل عدم العلم. وأيضًا فهذه قضية يتقرر حكمها بحسب الكل لا بحسب غيلان، ومثل هذا شأنه البيان والإِيضاح.\nومن القسم الثانى أيضًا قوله ﵊ للمفَرط في رمضان: \"أعتق رقبة\"، فهو ظاهر في وجوب الإعتاق، ولا إجمال فيه من حيث احتمال الرقبة أن تكون سوداء أو بيضاء، أو ذكرًا أو أنثى، وهذا لأن الاحتمالات في محل الحكم لا في دليله (٢٣).\nومنه أيضًا قوله - ﷺ -: \"إذا شهد عدلان فصوموا وأمسكوا\"، فالعدلان يحتمل أن يكونا عربيين أو عجميين، أو شيخين، أو غير ذلك فلا يعتير، لأن الاحتمال في محل الحكم لا فى الدليل (٢٤).\nومنه أيضًا قول الله -﷿-: \"فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم\"، والمرجوع إليه يحتمل المشرق والمغرب وغير ذلك، فلا اعتبار به، فظهر الفرق بين المعنيين، والله أعلم (٢٥).\n_________\n(٢٣) علق ابن الشاط على هذه المسائل الثلاث المذكورة في هذا القسم الثاني، فقال: هذه المسأله (أي مسألة عتق الرقبة من المفطر في رمضان) والمسألتان بعدها ليست من مسائل ما يجرى مجرى العموم لترك الاستفصال، بل هي مسائل الإطلاق المقتضى تخيير المكلف في مختلف الأشخاص والصفات والأحوال، فليس ما أورده القرافي من هذه المسائل الثلاث لما وقع تصديق الكلام به بمثال، والحمد لله الكبير المتعال.\n(٢٤) عن حسين بن الحارث قال: خطب أمير مكة (وهو يومئذ عبد الله بن عمر ﵄)، ثم قال: عهد إلينا رسول الله - ﷺ - أن ننسك للرؤية (أي أن نتعبد الله إذا رأينا الهلال بعبادة الصوم أو الحج في شهره)، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، (أي اعتمدناها في الرؤية وأخذنا بها وعملنا بها) رواه أبو داود والدارقطني، وصححه، رحمهما الله ورحم سائر أئمة الحديث وأهل العلم والفقه في الدين ورحم كافة المسلمين.\n(٢٥) سورة البقرة: الآية ١٩٦.","vol":"1","page":231},{"text":"القاعدة الرابعة: (٢٦)\nنقرر فيها الفرق بين الاستثناء من النفي فى الشرط، ومنه في غير الشرط، فنقول:\nالاستثناء من النفي فيما عدا الشرط إثبات، إذ لو لم يكن كذلك لما كان قولنا: لا إله إلا الله قولًا مثبِتًا للتوحيد، وذلك باطل، فالقول بأن الاستثناء من النفى ليس بإثبات، باطل. وأما أنه في الشرط ليس كذلك، فذلك لما تقدم تقريره من أن السبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط. نعم وجود المشروط متوقف على وجوده، والمانع بالعكس من الشرط، وقد مضى هذا مقررًا أول الكتاب.\nومن حيث هذا الاعتبار كان قوله ﷺ: \"لا يقبل الله صلاة إلا بطهور\" (٢٧) لا يلزم منه قبول الصلاة بالطهارة، لأنها قد لا تقبل، لفقد سببها، وهو دخول الوقت مثلًا. أو لغير ذلك. وكذلك قوله عليه الصلاة\n_________\n(٢٦) هي موضوع الفرق الرابع والسبعين بين قاعدة: الاستثناء من النفي إثبات في غير الشرط، وبين قاعدة: الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الشروط خاصة دون بقية أبواب الاستثناء\" جـ ٢، ص ٩٥.\nقال عنه القرافي في أوله ﵀: هذا الفرق مبنى على قاعدة، وهي أن السبب يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والمانع يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم. وهذه الحقائق تقدم بسطها وتحريرها والفرق بينها في الفروق التاسع والعاشر والحادي عشر من كتاب الفروق.\n(٢٧) حديث صحيح، وفي رواية أخرى: \"لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلُول\". والغلول هو الخيانة والسرقة من مال الغنيمة في الجهاد قبل قسمها من طرف الخليفة بين المجاهدين، أو من المال العام للأمة، والمؤتمن عليه من قبل الدولة، أو غيره من المال الخاص. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف التنبيه إلى ذلك والتحذير منه في قول النبي - ﷺ -. \"من استعملناه على عمل فرزقناه منه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول وخيانة\". وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] (أي أن يسرق منه شيء). ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.","vol":"1","page":232},{"text":"والسلام: \"لا نكاح إلا بولي\" (٢٨)، لا يلزم من بطلان النكاح بلا ولي لفقد الشرط، صحة النكاح لوجود ذلك الشرط الذي هو الولي، وكذلك قوله ﵊: \"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد\" (٢٩). لا يقتضي حصول الصحة أو الفضيلة له إذا صلى في المسجد، لجواز أن يصليها في المسجد وتكون باطلة. والسر في ذلك كله واحد، وهو أن الشرط لا يلزم من وجوده شيء.\nقلت: هذا ما قرره شهاب الدين رحمه. وحقه أن يقول: الاستثناء من النفى إثبات في الشرط مطلقًا، وفي الْأَيمان عند مالك ومن قال بقوله، فإنه قال في فرق آخر، وهو الثاني والسبعون (٣٠)، هذا، فقال ﵀: ذهب مالك إلى أن الاستثناء من النفى ليس بإثبات فى الأيمان، وذهب غيره إلى أنه إثبات. فمالك يقول: إذا قال أحد: والله لا لبست ثولًا إلا كتانًا، إذا لبس الكتان فلا حنث عليه، وإذا لبس غيره حنث، فإذا جلس عريانًا فلا يحنث عنده، ويحنث عند غيره بأن يجلس عريانًا، وبأن يلبس غير الكتان، وهذا لأن الكتان قد استثني من النفى السابق، فيكون إثباتا، فيكون كلامه جملتين: جملة سلبية، وجمله ثبوتية بحسب ما قبل الاستثناء وما بعده. وقد دخل القسم عليهما فيحنث بوجهين. وعند مالك لا يحنث إذا بقي عريانًا، وإنما يحنث إذا لبس غير الكتان. ولنا وجوه:\n_________\n(٢٨) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي بردة بن أبي موسى عن أَبيه ﵄. وقال عنه الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني كتابه الشهير: سبل السلام على شرح (بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام) للحافظ ابن حجر العسقلانى، رحمهما الله جميعًا: والحديث دل على أنه لا يصح النكاح إلا بولي، لأن الأصل في النفي نفي الصحة لا الكمال، فالجمهور على اشتراطه، وأنه لا تزوج المرأة نفسها، وحكى عن ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وعليه دلت الأحاديث، وقال الحنفية أنه لا يتشرط، محتجين بالقياس على السلع، فإن للمرأة الرشيدة أن تبيع سلعتها من متاع وغيره بنفسها، قال الإمام الصنعاني: وهو قياس فاسد الاعتبار، إذ هو قياس مع نص\".\n(٢٩) أخرجه الإِمام الدارقطني عن جابر وأبي هريرة ﵄، ورمز له الإمام السيوطي بالضعف في كتابه الجامع الصغر.\n(٣٠) هو الفرق الثاني والسبعون بين قاعدة: الاستثناء من النفي إثبات في غير الأيمان، وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الأيمان، جـ ٢. ص ٩٣.","vol":"1","page":233},{"text":"الأول أنّ إلّا تُسْتَعمل للإخراج وللوصف كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٣١)، فهي ها هنا للوصف لا للإخراج، فلا ثبوت بها بعد النفي (٣٢).\nالثاني أنا لو سلمنا أنها للإِخراج نقول: القسم يحتاج في جوابه إلى جملة واحدة، وقد حصل بقوله: لا لبست ثوبًا، إذ لو سكت ثمة لكان مجزيا، والأصل عدم تعلقه بالجملة الثَّانية التي بعد إلا، وإذا لم يتعلق بها القسم كان لبس الكتان غير محلوف عليه، فلا يحنث إذا جلس عريانًا، وهو المطلوب.\nقلت: ليس المطلوب الحنث ولا عدمه هنا، إنما الطلوب الاستثناء من النفى، إثبات أم لا؟، والحِنْثُ وعَدَم الحِنْثِ من لوازم ذلك. وهذا الدليل الثاني جاء لا على المطلوبِ الذى وقع فيه النزاع.\nثم أنه قد مضى لنا فيما تقدم من القواعد أنه إذا أضيف مالا يستقل بنفسه إلى ما استقل بنفسه صيَّر المستقِل غير مستقل. فأنت إذا قلت: والله لا لبِست ثوبًا، هُوَ وإن كان مستقلًا، إذا قلت: إلَّا كتانا صار غيرَ مستقل، وكذا الشرط، ومع هذا كيف يقال هذا الذي ذكره هنا؟ والله أعلم.\nقال: الثالثُ: سَلّمنا أنه (أي الاستثناء من النفى) يتناول الجملتين، لكن الاستثناء في هذه الصورة عندنا من إثبات فيكون نفْيًا.\nبيانه أن معنى الكلام أن جميع الثياب محلوف عليها إلا الكتان، فكأنه قال: أحْلف عليه، لأن الاستثناء من الحلف الذى هو ثبوتي يكون نفْيًا، وإذا كان الكتان غير مُقْسمٍ عليه لا يحنث بتركه وهو المطلوب.\n_________\n(٣١) سورة الأنبياء: الآية ٢٢.\n(٣٢) أي فيكون تفسير الآية ومعناها: لو كان فيهما (أي في السماء والأرض) آلهة غير الله لفسدتا، لكنهما لم تفسدا في وجودهما ونظام تدبيرهما، فليس فيهما إلا الله وحده، فهو الخالق الموجد لهما والمبدع لهما على غير سبق مثال، والمدبر لهما ولما فيهما من مخلوقات، وكائنات حية في مختلف الاعصار والاجيال، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. فهذه الآية الكريمة جمعت بين كونها دليلًا نقليا لكونها آية من كتاب الله العزيز، ودليلا عقليا لما فيها من مخاطبة العقل عن طريق الاستدلال العقلي على طريق القياس.","vol":"1","page":234},{"text":"مسألة: حكى ابن العربي (٣٣) أن رجلين كانا يلعبان الشطرنج، فقال أحدهما: والله لا لعبتُ غيرَ هذا الدَّسْتِ، فجاءَ رجل ونفَض الرقعة، وجهلا ترتيبها، فامتنعَ من تكميل ذلك الدست، (٣٤) فسأل الفقهاء، فاختلفوا في تحنيثه على قولين، واختار أبو الوليد الطرطوشي عدم حنثه.\nقلت: وهذه هي المسألة بعينها، فقال أبو الوليد (اي ابن رشد الجد). بقول مالك.\nمسألة: لو قال: والله لأعطينك في كل يوم درهمًا من دَيْنك إلا في يوم الجمعة، فأعطاه في يوم الجمعة مع سائر الأيام، فإن الخلاف المتقدم يجري فيه وإن كان استثناء من إثبات، لأن إلا بمعنى سِوىَ، ولا يفهمون من قول هذا القائل أنه منع نفسه من الإعطاء في يوم الجمعة، بل استثناه توسِعَةً، وأن المقصود أنه لو أعطى فيه لم يضُرّه، وإنما المقصود من اليمين أنه لا يخِلُّ بالإِعطاء في غير يوم الجمعة، هذا المقصود باليمين لا يوم الجمعة. (٣٥).\nقلت: وذكر أيضا صاحب الفروق فرقًا آخر، وهو التاسع والعشرون والمائة (٣٦) في قاعدة الاستثناء وقاعد المجاز، ورأيت إلحاقه بهذه القاعدة، بل كان\n_________\n(٣٣) المراد به أبو بكر ابن العربي المعافري المفسِر والمحدث، والأصولي والفقيه، المشارك الضليع في كل العلوم العربية والاسلامية، كما تشهد بذلك كتبه الجليلة القيمة في مختلف ميادين المعرفة، وهو أشهر من أن يعرف به، فكتب الأعلام المالكية لا يخلو منها كتاب لترجمته، وليرجع الحد وإلى مؤلفاتها من أراد أن يتعرف على هذه الشخصية العبقرية الفذة، وما حكاه مذكور في كتاب القبس على شرح موطأ مالك بن أنَس حيث قال القرافي في هذه المسألة: حكى صاحب القبس أبو بكر ابن العربي، وذكر القصة التي أوردها الشيخ البقوري، فليرجع إليه من أراد التوسع في ذلك.\n(٣٤) الدست لَه معانِ، منها ما يقال في لعبة الشطرنج: الدستُ له، أي غلَبَ مُنافسه، والدسْتُ عليه (أي كان مغلوب فيه).\n(٣٥) عبارة القرافي هنا أظهر واوضح وهي: فغير يوم الجمعة هو المقصود باليمين لا يوم الجمعة. جـ ٢ ص ٩٤.\n(٣٦) الفرق التاسع والعشرون والمائة بين قاعدة الاستثناء وقاعدة المجاز في الأيمان والطلاق وغيرهما. جـ ٣ ص ٦٣","vol":"1","page":235},{"text":"الأظهر أن لو بدأتُ بهذا الفرق، ولكنه لم يظهر لي هذا إلا بعد الكتب لما قبله، فنقرر أولا معنى الاستثناء فنقول:\nالاستثناء: إخراج ما وجب دخوله تحت اللفظ الأول بإلا أو ما يقوم مقامها. والمجازُ هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما.\nثم إنهما بحسب مواردهما، كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخصُّ من وجه.\nوضابط الأعمِ من وجهٍ والأخص من وجه أن يكون كل واحدٍ منهما بوجهٍ منفردًا ومع الآخر، فينفرد كل واحد منهما بصورة ويجتمعان بصورة، كالحيوان والأبيَض.\nومثال الصورة التي يدخلها الاستثناء دون المجاز، فإنه لا يصح فيه، أسماءُ الأعداد، فلا يجوز إطلاق العشرة ويريد بها أقل من ذلك أو أكثر، ويجوز الاستثناء. ومثال الصورة التي يدخلها المجاز ولا يدْخلُها الاستثناء، المعطوفاتُ، إذا قال أحدٌ: رأيتُ زَيدًا وعَمْرًا إلا عمرًا، لا يجوز، لما فيه من الاستغراقِ، بخلاف أعْطه ثلاثة دراهم. إلا درهمًا.\nويجوز المجاز في المعطوفات، وذلك بأن يريد الثاني غير الأول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. (٣٧)، هذا في الألفاظ المترادفة. وفي المتباينة كقولك: رأيت زيدًا والأسدَ، وتريد بالأسَدِ زيدًا لشجاعَتِهِ.\nومثال اجتماعهما في صحة الدخول والاستعمال، كأن تقول: رأيت إخوتك إلا زيدًا، وتقول: رأيت إخوتك، وأنت تريد دار إخوته أو أمِيرَ إخوتِهِ، أو ما أشبه ذلك، فالعمومات (٣٨) يجوز فيها الوجهان، وكذلك الظاهر الذي ليس\n_________\n(٣٧) سورة يوسف. الآية ٨٦.\n(٣٨) في نسخة ع، في العمومات، وفي نسخة جـ: فالعمومات\" وهي أصح وأسلم، واكثر وضوحا وظهورا في المعنى.","vol":"1","page":236},{"text":"بعامٍّ، نحو لفظ الأسد والفرس. وجميع أسماء الأجناس يدخلها المجاز والاستثناء. فقد ظهرت لك هذه الصور، وهذا هو معنى الأعم والْأخص، ويفيد هذا نفعا عظيمًا في الأيمان والطلاق وغيرهما. فإنَّ من استعمل واحدًا منهما في مكان لا يجوز بطل استعمالُه فيه، ولزمه أصل الكلام الأول بمقتضى وضع اللغة.\n\nالقاعدة الخامسة (٣٩)\nنقرر فيها الفرق بين ما يدخله المجاز في الأيمانه، وبين مالا يدخله المجاز (٤٠) والتخصيص فنقول:\nالألفاظ على قسمين: نصوص وظواهر: فالنصوص قسمان: الأول أسماء الأعداد، نحو الخمسة والعشرة وغير ذلك فلا يدخلها المجاز، كأن تطْلق تسعة وأنت تريدُ بها عشرة، ولا التخصيص، كأن تطلقَ تِسعةَ وأنت تريد بها خمسة، والتخصيص مجاز إذا نظِر بأنَّه استعمال اللفظ لِغَيْر ما وضع له، ولكنه فيه إبقاء بعض، فالتخصيص أخصُّ من المجاز، فكل تخصيص مجاز، وليسَ كل مجاز تخصيصا.\nوالقسم الثاني: الإسْمان الكريمان: اللهُ والرحمان، لا يجوز استعمالهما فى غير الحق جل وعلا، فالمانع من هذا القسم شرعي، ومن الأول لغوي.\nوأما الظواهر فهي ما عدا هذين القسمين من العمومات وأسماء الاجناس، فيجوز المجاز فيها والتخصيص.\n_________\n(٣٩) هي موضوع الفرق الثامن والعشرين والمائة بين ما يدخله المجاز في الأيمان، والتخصيص، وقاعدة مالا يدخله المجاز والتخصيص. جـ ٣، ص ٦٠.\nولم يعلق عليه الفقيه ابن الشاط بشيء.\n(٤٠) المجاز كما عرفه الإِمام القزويني في كتابه التخليص هو: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب على وجه يصح، مع قرينة عدم إرادة المعنى الحقيقي، فلا بد - إذن - من العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ليخرج الغلط والكناية الخ .. ومبحثه من مباحث علم البيان من علوم البلاغة، فليرجع إليه من أراد التوسع والتفصيل في ذلك وفي انواعه.","vol":"1","page":237},{"text":"لكنه يرِدُ علينا سؤالٌ، وهو أن اسم العدد جاء فيه المجاز، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (٤١)، قال العلماء: المراد الكثرة كيف كانت، وكذلك قوله تعالى: \"سَبعُين ذِراعًا\" (٤٢)، أي طويلة جدًا، فخصوص السبعين ليس مرادًا، بل المراد المراتُ الكثيرة جدًا. ومن كلام الناس: سألتك ألف مرة فما قضيتَ لي حاجة. فعلى القاعدة المقررة في الموضعين: إذا حلف ليَعتَقن ثلاثة عبيد اليوم، فأعتق عبْدَيْن، وقال: أردتُّ بذلك عبْدَين لم تُفِدْهُ نيتُه، وحنث إذا خرج اليومُ ولم يَعتِقْ الثالثَ. فإذا قال: والله لأعتقن عبدي (٤٣) وقال: أردت بالعتق البيع، وبالعبيد الدواب لأفاده ذلك، لأن المجاز هنا يصلح، وهنالك لا يصلح. فإذا قال: والله لأعتقن ثلاثة عبيد، وقال: أردتُّ به بيع ثلاث دواب جاز، لأن المجاز لا يمنع فيها إلا من حيث العدد.\nونظيره من الطلاق: أن يقال: أَنْتَ طالق ثلاثا، فلا يفيده أن يريد بذلك طلقتين، فإن قال: أردت بذلك أنك طلقت من الولادة (٤٤) ثلاث مرَّات أفادهُ.\nوقد أشكل ذلك على ناسٍ فقالوا: أفادته النية في الكل، ولم تُفده في البعض، وهو خَلاف القواعد.\n_________\n(٤١) سورة التوبة: الآية ٨٠، في المنافقين. وتمامها: \"فلن يغفر الله لهم\".\n(٤٢) سورة الحاقة: الآية ٣٢. في معرض من أوتي يوم القيامة كتابه بشماله، فكان محكوما عليه بالعذاب والشقاء في الآخرة، مصداقا لقوله تعالى مخاطبا ملائكة العذاب بأمره سبحانه، ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾.\n(٤٣) في نسخة عبيدًا (بالتنوين)، والذي في نسخة أخرى وفي الأصل عند القرافي عبيدى، (بياء الإضافة)، وهو أنسب وأظهر، لأن الجامع بين الحقيقة، التي هي العبيد، والمجاز الذي هو الدواب، هو الملك في كل، والملك مستفاد أكثر من الإضافة لا من التنكر، على اعتبار أن المرء لا يعتق في الغالب، إلا ما يملك من العبيد، وقد يعتق منهمْ غير ما يملك في النادر، وبذلك يبقى للتنكير في كلمة العبيد وجه وإن كان مرجوحا، والله أعلم.\n(٤٤) كذا في ثلاث نسخ من الترتيب: \"من الولادة\" على أن من ابتدائية.\nوالذي رأيته في الأصل الذي هو كتاب الفروق هو كلمة من الولد. والمعنى متقارب فيما يظهر،","vol":"1","page":238},{"text":"وجوابه أن النية إنما أثرَتْ في لفظ المعدود فقط وهو الطلاق، وأما اسم العدد فباق على حالة، غير أنه لما تغير المعدود وانتقل، انتَقَل العدد معه على حالة، وهو ثلاث من غير تغيير لمفهوم الثلاث. فالمجاز كان خاصًا باسم الجنس لا بالعدد.\nوكذلك ايضا لو قال: واللهِ أو الرحمان، وقال: أردت بذلك بعض المخلوقات، من باب إطلاق الفاعل على أثره، لما بينهما من العلاقة لم ينفعْه، ولزمته الكفارة، بخلاف ما لو قال: والعليم والعزيز، وقالَ: أردت بعض المخلوقات، لكان له ذلك، ولم يلزْمه كفارة، وإنما لا ينفعه هذا في الاسمين خاصةً، لما تقدَّمَ من أنَّهما نصانِ شرعًا، كما أن أسْماءَ الأعداد لا يكون فيها المجازُ لغةً.\n\nالقاعدة السادسة (٤٥)\nنقرر فيها الفرق بين استثناء الكل من الكل، وبين استثناء الوحدات (٤٦) من الطلاق، ونقرر فيها ايضا الفرق بين الاستثناء من الذوات والاستثناء من الصفات (٤٧) فنقول:\nإعْلَمْ أنَّهُ قد تقدم أن من شرط الاستثناء أن لا يكون مستغرقا، ولأجْل ذلك لم يَلحق المعطوفات، فلا يجوز: قام زيد وعمرو وخالد إلا خالدًا، لأنَّ فيه الاستغراق. وعلى سياق هذا يجب أن لا يجوز: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة\n_________\n(٤٥) هي موضوع الفرق الرابع والستين والمائة بين قاعدة استثناء الكل من الكل وبين قاعدة استثناء الوحدات من الطلاق\" جـ ٣، ص ١٦٨، ولم يعلق عليه ابن الشاط بشيء.\n(٤٦) هكذا بصيغة الجمع في نسخة ح، وكذا في هذا الفرق عند الإمام القرافي، وفي نسخة ع: الواحدةِ (بالمفرد).\n(٤٧) هو موضوع الفرق الثالث والستين والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات، جـ ٣، ص ١٦٦.\nوقد علق عليه ابن الشاط بقوله: هذا الفرق يحتاج إِلى تأمل ونظر. وكذلك الفرقان اللذان بعدها: ١٦٤، و١٦٥ فلينظر وليتأمل في كلام القرافي فيها، وفيما لخصه البقوري فيها، فلعل المرء يهتدى بها إلى ما جعل ابن الشاط يقول فيها إنها تحتاج إلى تأمل ونظر.","vol":"1","page":239},{"text":"إلَّا واحدة، لأنه استثنى جملة المنطوق به وهو المعطوف. غير أن الأصحاب جوزوه، وما علمت فيه خلافًا، ويعللونه بأن الثلاث لها عبارتان: أنت طالق ثلاثًا، وأنت طالق واحدة وواحدة وواحدة، فكما يصح من الجارة الواحدةِ يصح من الأخرى.\nقال شهاب الدين - ﵀:\nويلزم على سياق هذا التعليل - إذا قال: لِلَّه علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهمًا - لا يلزمه إلا درهمان، لأن الدراهم والدنانير لا تتعيَّن وإن عُيِّنت.\nوأما الاستثناء من الذوات فكأنْ يقول مررت بالقوم إلا زيدا. وأما الاستثناء من الصفات فيتصور بوجوه مختلفة:\nأحدها أن يستثني جملة الصفة، كقولك: أنتِ طالقٌ واحدةً إلا واحدة.\nالثاني أن يستثني بعض الصفة كقوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ (٤٨).\nالثالث أن يستثنى بعض متعلقها كقول الشاعر: قاتل ابن البتول إلَّا عليّا، فإن المراد أنَّ فاطمة ﵂ بَتلتْ نفسها عن الأزواج إلا من علي فقط.\nوذكر شهاب الدين -﵀- هنا مسألة فقهية، هي:\nإذا قال: أَنْتَ طالق واحدةً إلا واحدةً، معناه طلقة واحدة، فهنا مصدر موصوف، فإن قَصد رفْع الصفة دون الموصوفِ، فقد رفع بعض ما نطَق به. فيلْزَمُهُ طلقتَان، لأنه رفع بعض ما نطق به. ومَعَنا قاعدة عقلية، وهي: أن كل ضِدين لا ثالث لهما، إذا رفع أحدهما تَعَيَّنَ ثبوتُ الآخَر، فهو لمَّا رفع الواحدة\n_________\n(٤٨) سورة الصَّافات: الآية ٥٧، ٥٨.","vol":"1","page":240},{"text":"ثبتت الكثرة، والكثرةُ محصورة في اثنتين، فلو قصد رفع الموصوفِ لم ينفعه الاستثناء، لما تقدم من الاستغراق. (٤٩)\n\nالقاعدة السابعة (٥٠)\nنقرر فيها الفرق بين العرف القولي، يُقضَى به علي الألفاظِ وَيخصِّصها، وبيْن العرف الفِعْلى، لا يُقضَى به على الألفاظِ ولا يخصصا.\nفالعرف القولي - أولًا - يكون في الفرد كالدابة للحمار، والغائط للنجْوِ، ويكون في المركبات كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٥١)، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٥٢)، هذا وأمثاله كان أصلُه في اللغة أن يستعمل مع الأفعالِ لا معَ الأعيان، فيقال: حُرِّم عليكم أكل كذا وما أشبه ذلك، ولكن العُرف غلبَ عليه حتى كان يضاف إلى الأعيان، والمراد الأفعال الضافة إليها، وليس المراد كل الأفعال، بل أفعال خاصة. ومن ذلك قولهم في العُرف: أكلت رأسا، فهم يريدون رؤوس الأنعام دون غيرها إذا استعملوا الأكل معها، بخلاف ما إذا قالوا رأيت رأسًا فهم يركبونه مع رؤوس الأنعام وغيرها.\nومن هذا الباب قولهم: قتلَ زَيْدًا عَمْرًا، هو في اللغة موضوعٌ لإذْهاب الحياة، وغلب استعماله في بلاد المصريين على الضرْبِ خاصة. فيقولون: قتلتُه مائة قتلة، أي مائة ضربةٍ. ومن هذا الباب: فلانٌ يعصر الخمر، وإنما يعصر العنب\n_________\n(٤٩) ذكر الإمام القرافي هنا في هذا الفرق ﵀ أنه بسط مسائل الاستثناء في كتاب له هو: الاستغناء في أحكام الاستثناء، وقال عنه: إنه مجلد كبير، أحد وخمسون بابا واربعمائة مسألة، ليس في جميع ذلك إلا الاستثناء، والاستثناء من الصفة من أغرب أبوابه، وقد بسطته لك هنا (اى في هذا الفرق) بهذه المسائل، وظهر لك معنى هذه المسائل في الطلاق بسببه، ولولاه لم يُفهَمْ أصلًا البتة، فنفائس القواعد لنوادر المسائل، وجميع ذلك من فضل الله تعالى على خلقه، هدانا الله سواء السبيل في القول والعمل .. هـ كلامه ﵀ ورحم كافة علماء المسلمين، والمؤمنين أجمعين.\n(٥٠) هي موضوع الفرق الثامن والعشرين بين قاعدة العرف القولي يُقضى به على الألفاظ ويخصصها، وبين قاعدة العرف الفعلي لا يُقضَى به على الألفاظ ولا يخصصها. جـ ١ ص ١٧١.\n(٥١) سورة النساء، الآية ٢٣.\n(٥٢) سورة المائدة: الآية ٣.","vol":"1","page":241},{"text":"لغةً، ومن هذا الباب قَتلَ فلانٌ قتيلا، وطحن دقيقا، والقتيل لا يُقْتَل، والدقيق لا يُطْحَن بحسب اللغة. فأهل اللغة يقدِّرون مضافًا محذوفا، به يصح عندهم الكلامُ، وأهل العرف لا يعرجون على هذا، ولا يقَدِّرُون شيئًا، وصار هذا قد غلب على معنى صحيح عندهم في غير تقديرهم حذفًا، وقد يجتَمع المجازُ في التركيب والمفرد معا، كقولك: أرْوَاني الخُبْزُ، وأشْبَعنى الماءُ، والثاني مجاز في التركيب فقط، والأول مجاز في المفرد فقط.\nثم هذه المجازات غَلَبَتْ عُرفا حتى صارت مقدَّمة على الحقائق اللغوية وناسخةً لها، فهذا هو معنى قولنا: العُرف القولي يُقْضى به على الألفاظ ويخصصها (٥٣).\nوأما العُرف الْفِعْلي فمعناه أن يوضع اللفظ لمعنى يَكْثُرُ استعمال أهل العُرف لبعض أنواع ذلك المسمى دون بقيَّتةِ. مثاله أن لفظ الثوب صادقٌ لُغَةً على ثياب الكتان والقطْن والحرير والوَبَر والشعَر، وأهل العرف إنما يستعملون الكتان والقطن والحرير دون الوبر والشعر، فهذا عرف فِعلي. وكذلك لفظ الخبْزِ يصدق لغةً على خُبْز الفُولِ والحِمّص وغير ذلك، ولا يصْدُق عليهما بحسب العُرْف، فوقوع الفِعل في نوع دون نوع لا يُخِلُّ بوضع اللفظ للجنس كله. وقد نقل بعض الناس الإجماع في أن العُرف الفعلي لا يؤثر، بخلاف العرف القولي. (٥٤).\nقال شهاب الدين -﵀-: ولنذكر مسائل تُوَضح الفرق بينهما.\nالمسألة الأولى: إذا فرضنا مَلِكًا أعْجَميا يتكلم بالعجمية، وهو يعرف اللغة العربية، غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه، فيحلِفُ أن لا يأكل خُبزُا، ولا\n_________\n(٥٣) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في أول هذا الفرق إلى قوله: الحقائق العرفية مقدمة على الحقائق اللغوية، فقال: جميع ما قاله القرافي في ذلك ظاهر.\n(٥٤) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي من أن العرف الفعلي لا يؤثر في وضع اللفظ للجنس، كله صحيح، غير أن ما أراد بناءه على ذلك من أن من حلف لا يلبس ثوبا، وعادته لبس ثوب الكتان دون غيره، بحيث يحنث بلبس غير الكتان، ليس بمسَلَّم له على ما ياتي بيانه إن شاء الله. اهـ.","vol":"1","page":242},{"text":"يلبَسَ ثوْبًا، فحلف بهذه الألفاظ التي تجْرِ لهُ عادة باستعمالها، وعادَتُهُ في غذَائهِ لا يأكل إلا خبزَ الشعير، ولا يلبس إلا ثياب القطن، فإنَّا نُحنِّثُهُ بأي ثوب لبسه، وبأي خبز أكَلَهُ، فلا نَلتفِتُ للعرف الفعلي، ولم يكن له عرْفٌ قولي يِخصص، فلزم حِنْثُهُ لما قلنا، والله الموفق للصواب. (٥٥)\nالمسأله الثانية: إذا قال الحالف: والله لا آكل رؤوسا. قال ابن القاسم: يحنث بجميع الرؤوس، وقال أشهب: لا يحنث إلا برؤوس الأنعام خاصة.\nفأشهب رأى أن اللفظ صار منقولًا عُرْفا إلى رؤوس الأنعام، وابن القاسم قال: ما بلغ حد النقل وإن كان كثر استعمالهم لذلك، لكنه بقى مجازًا على نوع كَثُرَ استعماله كالأسدِ للشجاع. (٥٦).\nقلت: وقد مضى لنا قاعدة الفرق بين المنقول وما كثر استعماله، وأن كثرة الاستعمال لا توجب النقل.\nوضابط ما بينهما فهْم المعنى بالقرينة أوْ دُون القرينة، فالتوقف على القرينة مجاز، والآخَرُ منقول، وهذا هو سببُ الخلاف بين ابن القاسم وأشهب، ولم يلتفت واحد منهم إلى العرف الفعلي ولا عرَّج عليه، وإنما هما مع تحقق النقل، وجِدَ أمْ لا؟ . (٥٧)\n_________\n(٥٥) قال ابن الشاط هنا معلقا على كلام القرافي هنا: لا نُسلم له تحنثِيه، بل لقائل أن يقول: اقتصاره على أكل خبر الشعير ولبس ثياب القطن مقيِّدٌ لمطلق لفظه، ويكون ذلك من قبيل بساط الحال، فإن الايمان إنما تعتَبَرُ بالنية ثم ببساط الحال، فإذا عُدِمّا حينئذ تعتبر بالعرف، ثم باللغة إن عدم العرف.\n(٥٦) في نسخة ح: على نوع كثرة استعماله، والأولى أي نسخة ع أظهر وأبينُ.\n(٥٧) كلام الإمام القرافي هنا ﵀ يزيد المسألة وضوحا وبيانا حين قال:\nوضابط النقل أن يصر المنقول إليه هو المتبادر الأول من غير قرينة، وغيرُه هو المفتقر إلى القرينة، فهذا هو مُدْرَك القولين، فاتفق اشهب وابن القاسم على أن النقل العرفي مقدّم على اللغة إذا وجد، واختلفا في وجوده هنا، فالكلام بينهما في تحقيق المناط.","vol":"1","page":243},{"text":"المسألة الثالثة: إذا حلف بأيمان المسلمين فحنِث، فمشهور فتاوى الأصحاب أنها تلزمه كفارة يمين، وعتق رقيقه وإن كثروا، وصومُ شهرين متتابعين، والمشىُ إلى بيت الله في حج أو عمرة، وطلاق امرأته، واختلفوا، هل يكون ثلاثًا أو واحدة، والتصدق بثلث المال، ولا يلزمه غير ما ذكِر. والسببُ في ذلك أن العادة جرتْ بالحلف بهذه الأشياء دون غيرها، إلا أن هذه الأشياء تُفْعل، وغيرها لا يُفْعَلُ، فالاعتبار عندهم للعرف القولي لا للعرف الفعلي.\nقال شهاب الدين ﵀:\nوينبغى للمفتى ألا يطردَ الفتوى أبدًا بهذا، بل يعتبر العرف، إن تغير تغيرت فتواه لأجله، وكذلك الاقاليم المختلفة لا يفتيهم حتى يعرف عُرْفهم، وبحَسَبِه يجيبُ، وإلَّا كان فعله خطأ، وبهذا الوجه يصير التصريحُ في الطلاق كِنايَةً، وتصير الكناية صريحًا، (٥٨) والله أعلمُ.\nومثل هذا إذا قال: أيْمَان البيْعَة تَلْزَمُني، يُنظَرُ إلى عُرفه في العصْر وفي\n_________\n= ولو قال القائل: رأيت رأسًا لم تختلف الناس أن اللفظ لا يختصُّ برؤوس الأنعام بل يصلح ذلك لكل ما يسمى رأسًا، لغة، بسبب أن هذا التركيب الذي هو رأيت رأسًا لم يكثر استعماله في نوع معين من الرؤوس دون غيره حتى يصير منقولًا، بخلاف أكلت رأسًا، فيقر اللفظ على مسماه اللغوي من غير معارض ولا ناسخ، وكذلك خلق الله رأسًا، وسقطت ووقَعَتْ رأسٌ، وهذه رأس، وفي البيت رأس، جميع هذه التراكيب ونحوها لم يقع فيها نقل عرفي، بخلاف قوله: أكلت رأسًا ونحوه من صِيَغِ الأكل، فإن أهل العرف كثُر: استعمالهم له حتى صار إلى حيز النقل، فقدم على اللغة عند من ثبث عنده النقل، فتأمل هذه المسألة، فكثير من الشراح والفقهاء إذا مر بهذه المسألة يقول فيها: لا يَحْنَثُ بغير رؤوس الأنعام، لأن عادة الناس يأكلون رؤوس الأنعام دون غيرها، ولا تجدُ في الكتب الموضوعة للشراح غير هذه العبارة وهي باطلة، لأنهم يشيرون إلى العرف الفعلىَ الملغى بالإجاع، وإنما المدرك العُرف القولي على ما تقدم تحريره. وقد علق الفقيه ابن الشاط ﵀ على كلام القرافي هنا بقوله: جميع ما قاله في هذه المسألة صحيح، غير قَوله: \"ولا تجد في الكتب الموضوعة للشراح غير هذه العبارة وهي باطلة\"، فإنه غيرُ مسَلمٍ، بما سَبَق من أن الاقتصار على بعض مسمى اللفظ في الاستعمال الفعلي من جنس البساط، والله أعلمُ. اهـ.\n(٥٨) عقب ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة، ونقله البقوري فيها، بقوله: ما قاله في ذلك صحيح من جهة أن لفظ الأيمان لابد أن تجرى على عادة الحالف أو أهْل بلده تسميَته يمينًا، والله أعْلَمُ.","vol":"1","page":244},{"text":"الوضع الذي كان فيه هذا الحالف، فما كانوا يحملون عليه تلك اليمين لزمه، كالأيمان تلزمه، وإن تغيرتْ العادة تغيرت الفتوى، وإن لم يكن الأمر كذلك، اعتبرت نيتُهُ أو بِساط يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه. (٥٩).\nالمسألة الرابعة، قال شهاب الدين: الْأَكْثرُ من الأصوليين يحملون اللفظ العام على عمومه (٦٠) لا يقصُرونه على سببه، وقال عز الدين بن عبد السلام: ينبغى أن يُسْتَثْنى من هذا ألا يكون السبب شرطًا، فإنه يُحْمَل على سببه، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (٦١) والله أعلم.\n_________\n= فائدة هامة:\nقال القرافي ﵀ في آخر الكلام على هذه المسألة المتعلقة بالحلف بأيمان المسلمين ولزومها لصاحبها ... إلخ\nواعلم أن في هذه المسأله غوْرًا آخر، وهو أن لفظ اليمين في اللغة هو القسم فقط، ثم إن أهل العرف يستعملونه في النذر ايضا وهو ليس قسَمًا، بل إطلاق اليمين عليه إما مجاز لغوى أو بطريق الاشتراك، وعلى التقديرين، فجمْعُ الأصحاب في هذه المسألة بين كفارة يمين وبين هذه الأمور التي جرتْ عادَتُهَا تنذر كالصوم، ونحْوه، والطلاقِ الذي ليس هو قسما ولا نذرا، يقتضي ذلك استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه إن قلنا إن لفظ اليمين حقيقة في الجميع، أو الجمع بين المجاز والحقيقة، وهي مسألة مختلف فيها بين العلماء، هل تجوز أو لا؟ أعنى هل يكون ذلك كلامًا عربيًا أو لا؟، والمنقول عن مالك والشافعي وجماعة من العلماء جواز ذلك، فهذه القاعدة لابدَّ من ملاحظتها في هذه المسألة.\nوقد عقب عليه ابن الشاط بقوله: لقائل أن يقول: ليس في ذلك استعمال اللفظ المشترك في في جميع معانيه، ولا الجمع بين الحقيقة والمجاز، بل صارتْ تلك الأمور كلها تسمى في العرف أيْمانا، وإن كان الأصل في اللغة ما ذكر، والله أعلم. اهـ.\n(٥٩) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة (مسألة أيْمان البيعة) بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، غير أن ما ذكره من حَمْل يمينه (أي الحالف بأيمان البيعة)، على النية، ثم على البساط، فيه نظر، فإنه لا يخلو أن يترتب على يمينه تلك حكم أولًا يترتب، فان لم يترتب عليها حكم فالمعتبر النية ثم السبب أو البساط، ثم العرف ثم اللغة، وإن ترتب عليها حكم فالمعتبر العرف ثم اللغة لا غيْرُ، والله أعلم.\n(٦٠) عرفه تاج الدين ابن السبكي -﵀- بقوله: \"والعامُّ (الوارد) على سبب خاص، معتبر عمُومه عند الأكثر، فإن كانت قرينة التعْميم فأجْدر\". ومن هنا قرر علمًا الأصول القاعدة المشهورة القائلة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\n(٦١) سورة الإسراء. الآية ٢٥.","vol":"1","page":245},{"text":"القاعدة الثامنة (٦٢)\nنقرر فيها الفرق بين النية المخصصة وبين النية المؤكدة.\nوقد وقع الغلط للفقهاء بسبب عدم تحقيق هذه القاعدة، فالحالف إذا جآءهم وقال: حلفتُ لا لبِست ثوبًا ونويتُ الكتان يقولون له: لا تحنثُ بغير الكتان. وهو خطأ بالإِجماع.\nوطريق كشف الغطاء في ذلك أن الحالف إذا أطلق اللفظ العام وقد نوَى جمج أفراده فلا كلام أنه حانث بكل فَرْدٍ من الأفْرَادِ، لوجود اللفظ العام والنية الموكِّدَة لصيغة العموم، فإن اطلق اللفظ العام من غير نية، ولا بساط، (٦٣) ولا عادة مقيدة حنَّثْناه كذلك، للوضع الصريح، فإن أطلق اللفظ العام ونوى بعض\n_________\n(٦٢) هي موضوع الفرق التاسع والعشرين بين قاعدة النية المخصصة وبين قاعدة النية المؤكدة، جـ ١، ص ١٧٢. قال عنه الإِمام القرافي في أوله:\nهذا الفرق ايضا ذهل عنه كل من يفتى من أهل العصر، فلا يكادون يتعرضون عند الفتاوى للفرق بينهما إلى آخر كلامه في هذا الفرق، مما اختصر، الشيخ البقوري في هذه القاعدة الثامنة. وقد عقب ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي فقال: ما قاله من تحنيث الحالف المطلق اللفظ العام، الناوي لبعض ما يتناوله، الغافل عن سواه، فيه نظر، فإن النية هي أول معتبر في الحالِف ثم السبب والبساط، وهُما إذا اقتضيا تقييد اللفظ أو تخصيصه نزل لفظ الحالف المطلق ذلك ولم يحْنَثْ بما عداه. ولم يكن ذلك كذلك، إلا لأن السبب والبساط يدلان على قصده التقييد والتخصيص، فإذا نوى أحدهما فهو ما يدل على السبب والبساط، فلأن يعتبر التقييد والتخصيص المنويان أولى من المستدل عليهما بالسبب والبساط.\nفليتأمل كلام القرافي وتعقيب ابن الشاط عليه في هذا الفرق وفي هذا الموضوع المتعلق باليمين وما يترتب عليها من حنث أو عدمه، فإنه موضوع هام ودقيق جدًا، قد يغفل عنه كثير من الفقهاء كما قال القرافي ﵀.\n(٦٣) البساط في اصطلاح الفقهاء هو السبب المثير للحلف واليمين، ويسمى بساط الحال، وبه يستدل على نية الحالف إذا غابَتْ، فهو أحد الأمور الأربعة التي تحمل عليها اليمين، وهي: النية إذا كانت مما يصلح لها اللفظ، والثانى بساط الحال كما بيناه، والثالث العرف، أي ما يقصده الناس من عرف حلفهم وايمانهم. الرابع مقتضى اللفظ لغة وشرعًا، وفي ترتيب هذه الأمور أقوال أربعة: المشهور أنها على الترتيب الذي ذكرناه كما ذكره وأوضحه الفقيه المالكي الشهير ابن جُزي في كتابه القوانين الفقهية، وكذا غيره من الفقهاء في مؤلفاتهم وكتبهم الفقهية، فليرجع أيها من أراد التوسع في ذلك.","vol":"1","page":246},{"text":"مقتضاه وغفل عن البعض الآخر حنثناه في الذي نوى، بمقتضى اللفظ والنية المؤكدة وحنثناه في الذي خول عنه بمقتضى عموم اللفظ، فإن أطلق ونوى بعض مقتضاه وإخراج البعض الآخر حنثناه بما نوى دون ما أخرج، فهذه هنا نية مُخصِّصَةٌ، وظهر لك ايضا النية المؤكدة وما يترتب على كل واحدة (٦٤).\nفقد ظهر لك الفرق بين أن يقصد إخراج البعض وبين أن يغفل عن البعض، وكان هذا من حيث إن المخصص، من شرطه أن يكون نافيا للعام، وإلا لم يكُنْ مخصِصا، فإذا نوى البعض وأخرج البعض فالمنافاة حاصلة، فيقال لهذه: نية مخصصة، وإذا نوى البعض وغفل عن البعض فلا منافاة، بل هو مؤكد للبعض المنوى، وبحسَبَ البعض الآخر لا أكَّدَه ولا نفاه، فلم يجد حقيقة اللفظ المخصص لفوات شرطه، وذلك المنافاة. (٦٥)\nونظير هذا من المخصصات اللفظية أن يقول الله تعالى، أقتلوا الكفار، أقتلوا اليهود، فلا تخصيص في قوله: أقتلوا اليهود، لقوله: أقتلوا الكفار، بل مؤكد لعموم اللفظ في بعض أنواعه وهم اليهود، ولو قال لا تقتلوا الذمى كان مخصصا للعموم، ولحصول النافاة بينهما، فكذلك النية.\n_________\n(٦٤) عبارة الإِمام القرافي ﵀ في هذا الموضع وخلاصته فيه هي كما قال: \"فالمعتَبَرُ في التخصيص في الأيمان إنما هو القصد إلى إخراج بعض الأنواع عن العموم، لا القصد إلى دخول بعض الأنواع في العموم، فإن الأول منافٍ ومخصِص، دون الثاني فإنه موافق مؤكد، ففات فيه شرط التخصيص فلا يكون ذلك مخصصا، وانظر ذلك من المخصصات اللفظية ... إلخ. إلى آخر ما ذكره القرافي في هذا الفرق، ولخصه وأوجزه البقوري في هذا المختصر والترتيب رحمهما الله جميعا.\n(٦٥) قال ابن الشاط هنا: هذا هو الاستثناء بالنية دون النطق، وفيه خلاف. قال صاحب الجواهر: منشؤه النظر إلى أنه من باب تخصيص العموم فيجزئ بالنية، أو النظر إلى حقيقة إلا سناء فلا يجزئ إلا نطقًا، ثم قال ابن الشاط: فتأمل كيف جعل صاحب الجواهر التخصيص بالنية أصلًا، وذلك مشعر بعدم الخلاف فيه، وجعل الإستثناء فرعا محمولًا على أنه تخصيص على قول، وعلى أنه استثناء على آخر، وذلك عكس ما قالهْ شهاب الدين، فإنه سَاقَ التخصيص بالنية مساق المختلف فيه، وصوب القول بعدم التخصيص بها حملا على التأكيد، وساق الإسّتثناء بالنية مثاق المختلف منه. اهـ.","vol":"1","page":247},{"text":"ويرِدُ على هذا أن قول القائل: والله لا لبست ثوبًا كتانا، وهو غافل عن غير الكتان فإنه لا يحنث بغير الكتان إجماعًا، فكذلك ما نحن فيه.\nقال شهاب الدين -﵀-: هذا القياس باطل، بسبب قاعدة تقدَّم تقريرها، وهي أن ما لا يستقلُّ بنفسه إذا أضيف إلى ما يستقل بنفسه صيَّره غير مستقل بنفسه، وهذا كقولهم: عندي عشرة دراهم إلا درهمًا (٦٦)، وإذا كان هذا هكذا في الاقرارات ففى الأيمان أحْرى. وإذا كان الأمر كذا فلا عموم فيه، وإنما العموم في قولك: والله لا لبست ثوبًا، فالفرق بيْنَ الموضعين بيِّنٌ، فلا قياس.\nفإن قلت: فلم لمْ تُجعَلْ الصفة اللاحقَة للعموم مؤكدةً للعموم في بعض أنواعه، وهو الكتان، (٦٧) ويبقى اللفظ على عمومه في غير الكتان فيحنث بغيره كما قلتم في النية، فالتأكيد كما يتصور بالنية يتصور باللفظ، وإن يَجئ اللفظ مؤكدا لكثير (٦٨) فقد جاء بالحروف وبالأسماء وبالأفعال وبالجمل (٦٩).\n_________\n(٦٦) في نسخة ع، إلا درهم، وهو غير صواب، والصواب: إلا درهمًا بالنصب، إذ القاعدة أن المستثنى بإلا يكون منصوبًا إذا كان الكلام موجبًا (اى غير منفي)، وكان الكلام تامًا (بأن ذكر المستثنى منه) وفي ذلك يقول امام النحوي عصره محمدْ بن عبد الله بن مالك الأندلسي في ألفيته النحوية:\nما استثَنت إلا معْ تمام ينتصبُ ... وبَعدَ نفْي أو كنفْي انتخب\nابدالُ ما اتصل وانصبْ مما انقطعْ ... وعن تميم فيه إبْدال وقَع\n(٦٧) هذا التساؤل من كلام القرافي في هذا الفرق، وليس من تعقيب أو إضافة الشيخ البقوري ﵀ كما قد يتبادر، وكما هي عادته في أكثرية مثل هذه العبارات وأغلبها، حيث يوردها لاضافة شيء أو تعقيبه على مسألة أو قاعدة عند نسخه القرافي رحمهما الله جميعا.\n(٦٨) في نسخة ح: وأن يجئ اللفظ مؤكدًا كثير\"، على اعتبار أن كلمة كثير، هي خبر للمبتدأ المؤول بالمصدر، (اى مجيء) على حد قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، أي صيامكم خير لكم. فحرف أن من الحروف التي تؤول مع مما بعدها بالمصدر، وقد جمعها بعضهم في بيت فقال: مصدرُنا الحرفِيُّ أن، أن، ولَو ... وكي، وما، وفي الذي خُلْف حكَوا. وعلى نسخة ع: \"وإن يجئ اللفظ مؤكدًا لكثير، فقد جاء بالحروف ... الخ.\nوفي الجملة شرط وجوابُه، والمعنى صحيح وسليم على كلتا النسختين، وإن كانت عبارة نسخة ح أظهر وأبين.\n(٦٩) قال القرافي هنا قبل الجواب عن السؤال: هذا السؤال حَسَنٌ وقويٌّ، وقلَّ من يتفطن له.","vol":"1","page":248},{"text":"قلنا: الفرق بين الصفة والنية أن الصفة لفظ له مفهوم (اي مفهوم المخالفة)، بخلاف النية، فكان دالا بمفهومه على عدم اندراج غير الكتان في اليمين، والنيةُ لا تدل كذلك.\nفإن قلت: اعتمدت في الجواب على القول بدلالة المفهوم، فمن لا يقول به لا يتم له الجواب، لكن الإجماع منعقد ها هنا عند من يقول بالمفهوم، وعند من لا يقول به أنه لا يحنث بغير الكتان إذا قال: والله لا لبست ثوبًا كتانا، فيحتاج إلى الفرق بين هذا وبين الصفة في غيره، فإن الصفة - ها هنا - ظهر اعتبار المفهوم فيها عند من لا يقول به في غير هذه الصورة، قلنا: الفرق عند القائل بعدم المفهوم هو أن هذه الصورة لم تستقل فيها الصفة بنفسها، فصيرت الأصل غير مستقل، ورجع الكل كلامًا واحدًا دالا على ما بقى، ومخرجا لغير الكتان.\nوأما إذا قال صاحب الشرع: \"في كل اربعين شاةً شاةٌ\"، فهذا عموم مستقل، ولم نجد معه ما يجب أن يصيره غير مستقل بنفسه، مثبت العمل بجميع أفراده، فإذا ورد بعد ذلك قوله ﵊: \"في الغنم السائمة الزكاة\"، (٧٠) فالقائل بأن المفهوم ليس بحجة لا يخصص ذلك العامّ به، وإنما يخصصه من يقول به، والله الموفق للصواب.\n_________\n(٧٠) حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري وبعض اصحاب السنن: بنص: \"وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة، شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين\". شاتان إلخ، والسائمة من الإبل والبقر والغنم والمعز هي التي ترعى في المرعى، ولا اعتبار بهذا الوصف في مذهب الإمام مالك، ولا يوخذ منه مفهوم المخالفة، فالزكاة في الماشية من الأنعام واجبة، سواء في السائمة (أوالمعلوفة، وهو المعتمد في المذهب المالكي، وهو ما أفصح عنه الشيخ خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله تعالى حين قال في اول الزكاة، من مختصر الشهير: \"باب، تجب زكاةُ نصاب النعَم بملْك وحول كملا، وإن معلوفة وعاملة ونتاجا\"، والزكاة في النعم (من الإَبل والبقر والغنم)، ولو كانت معلوفة، وفي السائمة منها من باب أولى وأحرى، إذ هي محل اتفاق واجماع.","vol":"1","page":249},{"text":"القاعدة التاسعة (٧١)\nنقرر فيها الفرق بين حمل المطلق على المقيد في الكلي، وبين حمل المطلق على المقيد في الكلية فنقول:\nالموجود في كتب الأصوليين كفخر الدين قدس الله روحه الخلاف في هذه القاعدة من غير تفريق، فأنكر البعض كل المطلق على المقيد، قالوا: لما يُفْضي إليه من إلغاء الدليل الدَّال على الاطلاق، وليس الأمر كذلك، بل يحمل المطلق على المقيَّد في المطلق الذي دل على القدر المشترك، وهو المسمى بالكلي، كما إذا قال الشارع: أعْتِقْ رقبَةً، وقال في موضع آخر: أعتق رقبة مومنةً، حُمل المطلق على ذلك المقيد ولمْ يكنْ إلغاءً لأحد الدليلين. وهذا من حيث ان قوله: أعتق رقبة، دلَّ على لزوم رقبة مبهمة، وذلك القدر المشترك بين سائر الرقاب، وهو المراد بالكلي، فإذا قال: رقبة مومنة، فقد أوجب رقبة من حيث القدر المشترك كما قلنا، وزاد الخصوصية، وذلك الايمانُ، فكُنَّا عاملين بالدليلين معا، وهكذا يكون\n_________\n(٧١) هي موضوع الفرق الواحد والثلاثين بين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلّي، وبين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلية، وبينهما في الأمر والنهي والنفي. جـ ١ من الفروق ص ١٩٠.\nقال القرافي ﵀ في أول الكلام على هذا الفرق:\nإعلمْ أن العلماء أطلقوا في كتبهم حمل المطلق على المقيد، وحكوا فيه الخلاف مطلقًا، وجعلوا أن حمل المطلق على المقيد يفضى إلى العمل بالدليلين: دليل الإطلاق ودليل التقييد، وأن عدم العمل يفضى إلى الغاء الدليل الدال على التقييد، وليس الأمر كما قالوا على الإطلاق، بل هما قاعدتان متباينتان في هذه الأبواب المتقدم ذكرها.\nوبيان ذلك أن صاحب الشرع إذا قال: أعتقوا رقبة ثم قال في موطن آخر: \"رقبة مؤمنة\"، فمدلول قوله رقبة، كلي وحقيقة مشترك فيها بين جميع الرقاب، وتَصْدق بأي فرد وقع منها، فمن أعتق رقبة فلان، فقد أعتق رقبة وإذا كانت مؤمنة، فقد وفي بمقتضى الإطلاق والتقييد وجمع بين الدليلين، وهذا كلام حق ... الخ.\nوقد عقب ابن الشاط على كلام القرافي هنا فقال:\nقوله: مدلول رتبة كلي، وحقيقة مشترك فيها بين جميع الرقاب، ليس بصحيح، بل مدلول لفظ رقبة مطلق لا كلي، والمطلق إنما هو الواحد المبهم مما فيه الحقيقة، والكلي هو الحقيقة الواقع فيها الاشتراك عند من يقول: بإثبات الحقائق المشترك منها. وقوله: \"وتَصْدُق (أي الرقبة) بأي فرد منها\" صحيح، لكن لا من الوجه الذي أشار إليه، ولكن من جهة أن مقتضى الإطلاق، الأمر بواحد غير معين، فإذا اوقعه أجزأ، والوجود اقتضى التعبير لا الوجوب.","vol":"1","page":250},{"text":"الأمر في الثبوت لو قال أحدٌ: جاء رجل، وقال آخر جاء رجل مومن، والجائى واحدٌ، لحملنا ذلك المطلق على ذلك المقيد، وكان تصديقا للخبرين وعملًا بهما معا، فلو كان النهيُ أو النفْي لما صحّ حمل المطلق على المقيّد، وهذا من حيث أن النكرة في سياق النفي تعُمُّ. فلو قيل: لا تُعْتق رقبة، لدَلَّ على العموم كما يدل عليه النفىُ في قولك: ما أعْتقَ رقبة، فإذا جاء اللفظ المقيَّد مع هذه، كان مخصّصا، إذ قولك: لا تُعْتق رقبة، نَهْيٌ عن عتق رقبة من الرقاب بأى وصف اتصفت. وقولك بعد هذا: لا تعتق رقبة مومنة، تخصيص للنهى بالموصوفة بذلك الوصف، والتخصيصُ خلاف التعْميم، ولا يجْمَعُ معه كما يُجمع عتْقُ الرَّقَبَة المطلَقَة مع عِتق الرقبةِ المقيَّدة بالايمان، فإن المومنة هى رقبة وزيادة، وهذا لا يتجه فيما قلناه. ومثل هذا قوله - ﷺ -: \"في كل أربعين شاةً، شاةٌ\"، فَقَوْلُه - ﷺ - بعد هذا: \"في الغنم السائمة، الزكاة\" (٧٢)، من حمل فيه المطلق على المقيد فقد أخطأ، بسبب أن المقيد خصص المطلق، وأخْرج منه المعلوفة، والعموم في قولهِ: في كل أربعين، يَقْتضي وجوبَ الزكاة فيها، فليس جامعا بين الدليلين كما هو في الصورة التي قبلها. وهنا يصدق قول المعترض: فيه إلغاء أحد الدليلين، وإنما يرجع مثل هذا إلى قاعدة أخرى، وهى تخصيص العموم بذكر بعضه، والصحيح عند العلماء أنه باطل، ولا يتخصص بذلك، لأن البعض لا ينافي الكل، فظهر من هذا أن حمل المطلق على المقيد يصح في الكلي المطلق، ولا يصح في الكلية. (٧٣).\nإذا اتضح هذا فهنا أربع مسائل:\nالمسألة الأولى (٧٤): ذكر شهاب الدين رحمه الله تعالى: أنه سمع قاضي القضاة صدر الدين الحنفي -﵀- يقول يوما: إن الشافعية تركوا أصلهم\n_________\n(٧٢) في نسخة ح: في النعم، وهي شاملة للابل، والبقر والغنم من الضأن والمعز، فتكون رواية النعم أعم من رواية الغنم.\n(٧٣) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا الموضوع من أوله فقال: ما قاله في هذا الموضع مسلَّم.\n(٧٤) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذه المسألة والتي بعدها صحيح.","vol":"1","page":251},{"text":"في حمل المطلق على القيد لا لموجب، وذلك فيما ورد عن رسول الله - ﷺ -: \"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب\"، وورد أولاهن بالتراب، فكان حقهم أن يقيدوا إحداهن بأولاهن، قال شهاب الدين -﵀-: فأجبته بأنهم ما خرجوا عنه إلا لموجب، وذلك أنه جاء أولاهن بالتراب، وجاء: \"أخراهن بالتراب\"، فلما تعارض التقييدان لم يكن تقييدهم بأحد القيدين أولى من الآخر، فأبقوا المطلق على إطلاقه.\nالمسألة الثانية.\nجاء عن النبى - ﷺ - النهي عن بيع ما لم يضمن (٧٥)، وأَخذَ الشافعى بعموم هذا الحديث. وجاء نهيه - ﵊ - عن بيع الطعام قبل قبضه، فخصَّص أصحابنا ذلك الحديث بهذا، وجوزوا بيع الطعام قبل قبضه. ثم منهم من يقول: هو من باب حمل المطلق على المقيد، وهو لا يصح، لأن الكلية لا تقيد، إذ هو عام. ومنهم من يقول: الأول عام والثاني خاص، وهذا أيضا لا يصح، لأن من شرط المخصص للعام أن يكون منافيا له. وأما بعض الشيء فيجوز ذكره ولا يكون مخصصا، لأنه ليس منافيا لما هو له بعض، وكذلك هو ها هنا.\n_________\n(٧٥) كذا في نسخة ع، ونسخة ح، ونسخة ثالثة: ما لم يضمن.\nوالذي عند القرافي ﵀ هو قوله: ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله - أنه نهى عن بيع ما لم يقبض. ونصه في الموطأ عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: من ابتاع طعاما فلا يقبضه حتى يستوفيه (أو حتى يقبضه)، وأخرجه كذلك الامام البخاري ﵀. على أن ما فيِ نسخ ترتيب الفروق هنا من عبارة ما لم يضمن لها أصل فيما روي أصحاب السنن أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ربح ما لم يضمن، أو عن بيع ربح ما لم يضمن، وهذا فى المدلول والمعنى يؤول إلى رواية النهي عن بيع ما لم يقبض فهو بمعناها إلا أنها أعم من رواية النهي عن بيع الطعام، ولذلك جاء في شرح العلامة الزرقاني على الموطأ أن الامام مالكا ﵀ ألحق بالابتياع سائر عقود المعاوضة (أي النهي عن البيع فيها قبل الاستيفاء) كأخذه مهرًا أو صلحًا، وكدفعه عوضا من مهر أو خلع أو هبة ثواب أو صلح أوْ إجارة فيمنع ذلك قبل قبضه، فإذا ملك الشيء بلا معارضة كهبة وصدقة وسلف جاز بيعه قبل قبضه. الخ ...","vol":"1","page":252},{"text":"المسألة الثالثة.\nقال مالك -﵀-: من ارتد حبط عمله. وقال الشافعي: بشرط الوفاة على الكفر. وهذا لأن قوله تعالى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٧٦) وإن كان مطلقا فقد تقَيَّدَ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. (٧٧)\nوالجواب أن الآية الثانية لا يصح أن تكون مقيدة للأخرى، لأنها ترتب فيها مشروطان، وهما الحبوط والخلود على شرطين، وهما: الارتداد والموتُ على الكفر. وإذا كان كذلك أمكن التوزيع، فيكون الحبوط لمطلق الردة، والخلود لأجل الوفاة على الكفر، ويبقى المطلق على إطلاقه. (٧٨)\nالمسألة الرابعة.\nجاء قوله - ﵊ -: \"وجُعِلَتْ لي الأرض (٧٩) مسجدا وطهورا\"، وورد: \"وترابُها طهورُ\". فقال الشافعية: هو من باب حمل المطلق على\n_________\n(٧٦) سورة الزمر: الآية: ٦٥ وأولها: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ الآية ٦٦.\n(٧٧) سورة البقرة: الآية ٢١٧: وتمامها: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nوقال ابن الشاط في هذه المسألة الثالثة: ما قاله الشافعية هو الأصح، والله أعلم.\n(٧٨) قال ابن الشاط: ليس هذا الجواب عندى بصحيح. وقوله: \"واذا رتِّب شرطان على مشروطين (أمكن التوزيع\" صحيح، لكن بشرط أن يصح استقلال كل واحد من المشروطين عن الآخر، أما إذا لم يصح الاستقلال فلا، والمشروطان مما فيه الكلام من الضرب الثاني الذى لا يصح فيه استقلال أحد المشروطين عن الآخر، لأنها سبب ومسبب، والسبب لا يستغني عن مسببه وبالعكس. فالأمر في جوابه ليس كما زعم، والله أعلم.\n(٧٩) هو جزء من حديث صحيح عن جابر ﵁، وتمامه عن النبى - ﷺ - قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا\" (أي مطهرة بالتيمم عند انعدام الماء أو العجز عن استعماله) فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ مِن أُمَّتى فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لي الغنائم وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى الناس عامة» رواه الشيخان البخاري ومسلم، وكذا الترمذي والنسائي ﵏ ورضي عنهم اجمعين.","vol":"1","page":253},{"text":"المقيد. فيحمل الأول على الثاني، فلا يجوز التيمم بغير التراب، وهذا لا يصح، فإن الأول عام كلية، ولا يصح فيها حمل المطلق على المقيد، لما تقدم. وقالوا أيضا: هو من باب تخصيص العموم بذكر بعضه، وهو - أيضا - لا يجوز، لما تقرر. فأصاب الشافعي في هذه المسألة ما أصاب المالكية في بيع الطعام قبل قبضه حرفا بحرف (٨٠).\nقلت: ولنذكر ها هنا أمثلة ذكرها شهاب الدين ﵀ في غير هذا الوضع، نختم بها الكلام على العموم فنقول:\nقال -﵀-: جرت عادة الفقهاء في الكفارات، هل هي على التخيير أو الترتيب، أن يقولوا: إذا ورد النص بصيغة أو فهي على التخيير، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أو إطعام كذا، وإن كان بصيغةِ مَن الشرطية فهي على الترتيب، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، قال: وهو غير صحيح.\nبيانه أن مقتضى ما ذكروه أن يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٨١) ألَّا يجوز إشهاد رجل وامرأتين إلا عند عدم رجلين، والإحماع على خلاف ذلك، فنستفيد من هذه الآية سؤالين عظيمين: أحدهما أن الصفة لا تقتضى الترتيب. وثانيهما أنه لا يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، وهو خلاف الإجماع، وهو ها هنا كذلك.\nفأجاب بأن قال: المرادُ في الآية انحصار الحجة التامة من الشهادة بعد الرجلين في (٨٢) الرجل والمرأتين، فإنه لا حجة تامة من الشهادة في الشريعة إلا الرجلان، والرجُلُ والمرأتان، هذا هو المجمع عليه.\nوأما شهادة الصبيان وشهادة أربع نسوة عند الشافعي، وشهادة امرأتين وحدهما فيما ينفردان فيه كالولادة، فهذه الآية حجة على بطلان ذلك كله،\n_________\n(٨٠) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذه المسألة الرابعة صحيح.\n(٨١) سورة البقرة: ٢٨٢.\n(٨٢) في النسختين معا: «من الرجل والمرأتين»، ولعل الصواب «في الرجل والمرأتين»، حيث إن الفعل «انحصر»، وكذا مصدره «انحصار» يتعدى بحرف الجر «في»، فيقال: انحصر الأمر في كذا.","vol":"1","page":254},{"text":"لدلالتها على الحصر، إلا أن يقال: إن الآية إنما سيقت في إثبات الديون والأموال\nفقط، فلا تدل حينئذ على بطلان الصور التي ذكرنا.\nوأما الشاهد واليمين، واليمين والنكول، وغير ذلك، فلم تكمل فيه الحجة من الشهادة، بل لا شهادة فيه البتة، كالنكول واليمين، أو بعضه شهادة فقط كالشاهد واليمين، فلا توجد حجة تامة مجمع عليها إلا ما في الآية، فإذا فرض عدم إحداهما تعيَّن الحصر في الأخرى.\nوإذا وضح لك أن الشرط كما يستعمل للترتيب فكذلك يستعمل لإثبات الحصر، والكل حقيقة لغوية. فيكون التعليق أعم من الدلالة على الترتيب، والدال على الأعم غير دال على الأخص، كالحيوان لا يدل على الإنسان، فلا يستقيم الاستدلال بصيغة التعليق، التي هى أعم من الترتيب. على الترتيب، بل لابد من قرائن أخرى، والله الموفق للصواب.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المفهوم</span>، وفيه ثلاث قواعد:\nالقاعدة الأولى (١)\nفي الفرق بين إثبات النقيض في المفهوم وبين إثبات الضد فيه، فنقول:\n- مفهوم المخالفة (٢) هو إثبات نقيض الحكم المنطوق للمسكوت، لا إثبات ضد المنطوق. (٣).\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الستين عند الإمام القرافي ﵀. جـ ٢. ص ٦٠ ولم يعلق عليه بشيء، الفقيه ابن الشاط ﵀.\n(٢) المفهوم عند علماء الأصول قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، فالأول هو ما يدل اللفظ فيه على موافقة المسكوت عنه للمنطوق به في الحكم، ويسمى فحوى الخطاب إذا تساوى في الحكم، المنطوق والمفهوم وليس أحدهما أقوى من الآخر، ويسمى لحنَ الخطاب إذا كان المفهوم المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، كالنهي عن الشتم والضرب المفهوم بطريق الأولى من النهي عن التأفيف مع الوالدين. ومفهوم الموافقة اتفق أهل العلم على الاحتجاج به في الأحكام كما هو مقرر في علم أصول الفقه.\nأما مفهوم المخالفة، فهو الذي يدل اللفظ فيه على مخالفة المسكوت عنه في الحكم، وهو أنواع كما سبق ذكرها وبيانها، كلها حجة إلا مفهوم اللقب كما قال تاج الدين ابن السبكي ﵀، وذكره في كتابه جمع الجوامع في أصول الفقه.\n(٣) كلمة النقيض، كلمة الضد هي من جملة كلمات ذات مدلولات ومصطلحات خاصة عند علماء أصول الفقه وعلماء المنطق.\nفنقيض الشيء عندهم هو الأمر الذى لا يجتمع معه في آن واحد، ولا يرتفع معه في آن واحد، وبعبارة أخرى: النقيضان هما الأمران اللذان لا يجتمعان بحيث يكونان صادقين معا، ولا يرتفعان بحيث يكونان كاذبين معا، بل لابد من وجود أحدهما وارتفاع الآخر، أو من صدق أحدهما وكذب الآخر، سواء في المفرد ويسمى تقابل النقيضين، مثل قولك، فلان حاضر، لا حاضر، أو شيء أبيض، أسود في نفس الوقت، أو فى القضيتين مثل قولك: بعض الحيوان إنسان، وهي قضية صادقة، نقيضها لا شيء من الحيوان بإنسان، قضية كاذبة، ولذلك فالتناقض عند علماء المنطق هو اختلاف قضيتين في الإيجاب والسلب، بحيث يلزم لذات الاختلاف صدق إحداهما، فالاختلاف بين مفردين: خالد لا خالد، أو زيد لا زيد، أو بين مفرد وقضية لا يسمى تناقضا عند المناطقة.\nوإيراد مثل هذه المسائل والتعاربف الأصولية أو المنطقية أو غيرها مما يتصل بالعلوم الإسلامية والعربية، واستطراد ذلك أحيانا في هذه التعاليق يهدف إلى التذكير بها، واستحضارها بشيء من الإشارة إليها والإيجاز في ذكرها، قبل أن يعود القارئ والباحث إلى التوسع فيها في مظائها ومؤلفاتها.","vol":"1","page":256},{"text":"وبيان ذلك بحسب أقسام مفهوم المخالفة، وهى عشرة:\n١) الأول مفهوم العلة، نحو: \"ما أسكر كَثِيرُهُ فهو حرام\"، مفهومه ما لم يسكر كثيره فليس بحرام.\n٢) ومفهوم الصفة: \"في النعم السائمة الزكاة\"، مفهومه ما ليس بسائمة فلا زكاة فيه.\n٣) ومفهوم الشرط: \"من تطهر صحت صلاتُه\"، مفهومه من لم يتطهر لا تصح صلاته.\n٤) ومفهوم المانع: لا يسقط الزكاة إلا الدين، مفهومه أن من لا دين عليه لا تسقط عنه.\n٥) ومفهوم الزمان، سافرت يوم الجمعة، مفهومه لم يسافر في غيره.\n٦) ومفهوم المكان: جلست أمامك، مفهومه لم يجلس عن يمينك\".\n٧) ومفهوم الغاية: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤) مفهومه لا يجب بعد الليل.\n٨) ومفهوم الحصر: \"إنما الماء من الماء\" (٥)، مفهومه لا يجب من غير الماء\n_________\n(٤) سورة البقرة، الآية ١٨٧.\n(٥) نص حديث أخرجه الإمام مسلم عن عتبان ﵁.\nودلالته ومعناه أنه لا يجب الغسل والتطهر بالماء عند مباشرة الرجل لزوجته إلا بنزول المنى وخروجه، وهذه الصورة، أو الحالة محل اتفاق ولا نسخ فيها، على أن أُبي بن كعب ﵁ قال في هذا الموضوع: إن الرخصة التي كان الصحابة يفتون بها: \"إنما الماء من الماء\" كانت رخصة رخصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال فيما بعد، أي أمر بالإغتسال لمجرد الجماع والمباشرة، وإن لم يحصل إنزال أي خروج للمنى، رواه أبو داود والترمذى. ولما قاله أبي كعب شواهد وأدلة أخرى من الأحاديث النبوية، تقويه وتعضد تفسيره، فمن ذلك قوله ص: \"إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل\"، وفي رواية أخرى: \"إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل\"، وهو ما عليه الفقهاء سلفا وخلفا، قال الفقيه الجليل محمد بن أحمد بن جزى الغرناطي ﵀ في كتابه القوانين الفقهية: وأما مغيب الحشفة أو قدرها فموجب للغسل، أنزل أو لم ينزل، إجماعا بعد خلاف بين السلف، إذ قد نسخ \"إنما الماء من الماء\" اهـ. فالذي عليه العمل عند الفقهاء جميعا وكافة المسلمين وبه الفتوى هو حديث وجوب الغسل على كل من الرجل والمرأة بمجرد ما تحصل مجاوزة ختان الزوج لختان زوْجِه.","vol":"1","page":257},{"text":"٩) ومفهوم الاستثناء: قام القوم إلا زيدا، مفهوم ذلك أن زيدا لم يقم.\n١٠) ومفهوم اللقب: وهو تعليق الحكم على أسماء الذوات، مفهومه لا يجب في غير الغنم، عند من قال بهذا المفهوم، وهو أضعفها.\nومفهوم اللقب - وهو تعليق الحكم على أسماء الذوات، نحو في الغنم الزكاة، مفهومه لا يجب في غير الغنم عند من قال بهذا المفهوم، وهو أضعفها.\n\nالقاعدة الثانية: (٦)\nنقرر فيها الفرق بين مفهوم اللقب وغيره من أقسام مفهوم المخالفة.\nلم يقل بمفهوم اللقب إلا الدقاق، (٧) والأقسام الأُخَرُ قال بها كثير، منهم مالك والشافعي، فنقول:\nاللقب. أصله أن يقع على أسماء الأعلام ومما أجري مجراها لا على أسماء الأجناس، وإذا كان كذلك فاللقب لا إشعار له بعلة الحكم، وسائر أقسام المفهوم لها إشعار بعلة الحكم.\nوالقاعدة أن عدم عِلةٌ الحكم علة لعدم الحكم، فإن عدم العلة علة لعدم المعلول، وهذا ظاهر فى الأعلام، فاذا قلت: أكرم زيدًا فلا رائحة له بالتعليل، وكذلك إذا قلت.: زكِّ الغنم، فلا رائحة أيضا في ذلك بالتعليل.\n\nالقاعدة الثالثة (٧ م)\nفي الفرق بين المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب.\n_________\n(٦) هى موضوع الفرق الواحد والستين بين قاعدة مفهوم اللقب وبين قاعدة غيره من المفهومات. جـ ٢. ص ٣٧.\nولم يعلق عليه ابن الشاط بشيء.\n(٧) عبارة ابن السبكي ﵀ \"واحتج باللقب الدقاقُ والصيرفي (من الشافعية) وابن خويز منداد (من المالكية) وبعض الحنابلة.\n(٧ م) هي موضوع الفرق الثاني والستين بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب، وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب. جـ ٢. ص ٣٨","vol":"1","page":258},{"text":"الذي عليه الأصوليون أن الوصف الذى خرج مخرج الغالب لا يكون حجة، والذي لم يخرج مخرج الغالب هو حجة، وهذا كقوله (أي النبي - ﷺ -): \"في سائمة الغنم الزكاة\"، (٨) وذلك أن الغالب على الغنم الرعيُ، والعلْف فيها قليل، ولا سيما ببلاد الحجاز، وهذا كان حجة دون الآخر (٩) من حيث إن الوصف إذا كان غالبا يذكر مع الحقيقة، غلب على الظن أن سبب ذكره ما هو إلا غلبة حضوره في الذهن عند ذكر الحقيقة من حيث تلازمهما في الذهن، فيسبق ذكره على اللسان لذلك، لا لغرض آخر للمتكلم، ولو كان الوصف ليس كذلك لسبق للذهن أن ذكر ذلك لغرض، وسَلْبُ الحكم عن المسكوت عنه يصلح أن يكون غرضه، فحملناه عليه حتى يصرح بخلافه، لأنه المتبادر للذهن من هذا التقييد، فهذا هو الفرق وعلى هذا، من أن، الغالب لا يعتبر، انعقد الإجماع (١٠).\n_________\n(٨) تمثيل للوصف الذى خرج مخرج الغالب، كما شرحه وبينه الشيخ البقوري بعد.\n(٩) هكذا العبارة في جميع النسخ، حيث جائت بعد التمثيل بالحديث الشريف للوصف الغالب الذى هو غير حجة، وعلى هذا، فاسم الاشارة يشيرُ إلى أقرب مذكور، وهو الوصف الذى لم يخرج مخرج الغالب، وهذا حجة كما قال كل من القرافي والبقوري، ولا يشير إلى الوصف الذى خرج مخرج الغالب فإن هذا لا يكون حجة كما سبق بيانه، وبذلك يستقيم الكلام ويتضح معناه، وينسجم أوله مع آخره ولا يتناقض.\n(١٠) عقب ابن الشاط على كلام القرافي في أول هذا الفرق إلى قوله: \"وهذا هو الفرق بين القاعدتين، وَسِرُّ انعقاد الإجماع على اعتباره\" أي الوصف الغالب، فاستبعد أن يكون السر والسبب في ذلك هو ما ذكره القرافي، وأورده بإيجاز واختصار، البقوري هنا، وقال أي ابن الشاط: كيف يكون الشارع مضطرا إلى النطق بما لا يقصده؟ !، هذا محال، فإما أن يكون المراد بالشارع الله تعالى، فاضطراره إلى أمر ما، محال، وإما أن يكون هو النبى - ﷺ - فكذلك من حيث هو معصوم، والحامل له (أي للقرافي) على هذا الحال إنما هو القول بالمفهوم، والصحيح أنه باطل عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه. اهـ. قلت: يظهر أن الفقيه ابن الشاط ﵀ وسامحه، يحمل كلام الإمام القرافي أحيانا محملا غير ظاهر ولا وارد، ويوجهه توجها ويؤوله على فهمه تأويلا بعيدا غير سليم. إذ يبعد كل البعد أن يقصد القرافي ذلك، وأن يريد ذلك المعنى الذى اعترض به ابن الشاط. حتى يرد عليه مثل هذا الاعتراض، وأن يلاحظ عليه ذلك الملحظ بهذا الفهم الذى فهمه ابن الشاط.\nوالذي يمكن أن يقال ويجاب به عن ذلك هو أن القرافي يتحدث عن قاعدتين، واستخلص ما استخلص منهما، كما تحدث عن المتكلم الذى يمكن أن يأتيَ الوصف الغالب وفي الغالب في كلامه وحديثه، بغض النظر عن كونه هو الشارع (أو غيره، مع الاتفاق وتسليم الكل بأن مصدر تشريع الأحكام واستنباطها هو النصوص الشرعية، ولذلك مَثَّل للقاعدة التي يريد تقريرها بالحديث النبوى الشريف. فليتأمل ذلك، والله أعلم بالصواب، وهو الموفق اليه.","vol":"1","page":259},{"text":"وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام -﵀- من الشافعية يورد على هذا سؤالا ويقول: الوصف الغالب أَولى أن يكون حجة مما ليس بغالب، من حيث أن الوصف الغالب على الحقيقة لا فائدة في ذكره للسامع، لأنه عالم به، إلا أن يقال: كان ذلك لغرض أن يبقى كذا، أعنى سَلب الحكم عن المسكوت عنه، وأما إذا لم يكن غالبا فقد يحتاج السامع أن يعلم أن ذلك الوصف لتلك الحقيقة.\nقال شهاب الدين ﵀: وأُورد لك ثلاث مسائل، توضح لك القاعدتين والفرق بينهما.\nالمسألة الأولى (١١): استدل الشافعية بقوله - ﷺ -: \"في الغنم السائمة الزكاة\" على أن لا زكاة في المعلوفة، ولا دليل لهم، لما قلنا من أن الوصف الغالب لا حجة فيه إجماعا، وأيضا فهو متروك، لقوله - ﷺ -: \"في كل أربعين شاةً، شاةٌ\".\nالمسألة الثانية: قوله - ﷺ -: \"أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل\" (١٢) مفهومه أنه إذا أذِن لها وليها صح نكاحها، وهذا المفهوم مُلغى، بسبب أنها لا تُنكِح نفسها إلا ووليها غير آذن لها غالبا، فكان ملغى.\n_________\n(١١) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي، ولخصه تلميذه البقوري في هذه المسألة، فقال: \"ما قاله من أنه لا دليل للشافعية في حديث الزكاة في الغنم السائمة، لوجهين: الأول أنه خرج مخرج الغالب\" قد سبق ما أورده عليه عز الدين بن عبد السلام، والثاني، وهو أنه معارض بمنطوق الحديث الآخر، لَا بأس به. اهـ.\n(١٢) أخرجه بعض الأئمة من أصحاب السنن، وتمامه - كما أورده الحافظ بن حجر في كتاب (بلوغ المرام من أدلة الأحكام): \"فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لَا وَليَ لها\".\nقال العلامة الصنعاني في شرحه سُبُل السلام: هذا الحديث صححه أبو عوانة، وابن حِبان، والحاكم، وهو دليل على اعتبار ولى المرأة في عقد الزواج ركنا من أركان العقد، كما هو ظاهر وواضح ايضا من الحديث الذى رواه أصحاب السنن وهو: \"لا نكاح إلا بولى\" أي لا نكاح صحيح إلا بمباشرة الولي لِعقد النكاح على ولِيّتِه من بنته أو أُخته، مثلا، لأن الأصل في النفي نفي الصّحّةِ لا الكمال. وقول الحنفية بعدم اشتراط الولي في العقد، محتجين بالقياس على البيع، من حيث أن المرأة الرشيدة تستقل ببيع ما تملكه لنفسها من متاع وغيره، قياس فاسد الاعتبار، إذ هو قياس","vol":"1","page":260},{"text":"المسألة الثالثة: (١٣)\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (١٤)، مفهومه أنكم إذا لم تخشوا الإملاق لم يحرم عليكم القتل، وهو مفهوم مُلْغىً إجماعا، بسبب أنه قد غلب في العادة أن الإنسان لا يقتل ولده إلا لضرورة، لأن حنة الأبوة تمنع القتل، فكان الغالب عليهم في القتل أنه كان مخافة الفقر.\n_________\n(١٣) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء في هذه المسألة الثالثة بقوله: \"إنما ألغى هذا المفهوم، لمعارضته الأدلة الدالة على المنع من قتل من لم يَجْنِ جناية توجب القتل، ولدًا كان أو غيره ...\n(١٤) سورة الإسراء، الآية: ٣١. وتمامها قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، وفي معناها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. والفرق بين الآيتين في المعنى ظاهر، وهو أن آية النهي عن قتل الأولاد في سورة الأنعام تفيد النهي عن ذلك من إملاق حاصل وواقع فعلا، وتدل عليه، بينما آية الإسراء تفيد النهي عن قتل الأولاد خوف فقر متوقع ومنتظَر\"، فطمأن اللهُ النفوس وأخبرها بأنه سبحانه تكفل بأرزاق الآباء والأولاد على السواء، وأن الإنسان مطلوبٌ منه فقط أن يتخذ الأسباب المشروعة للوصول إلى تلك الأرزاق وادراكها ونيلها، عملا بقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الخبر</span>، وفيه قاعدتان: (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>القاعدة الأولى:\nفي الفرق بين الرواية والشهادة</span>، (٢) فأقول:\nلا شك أنهما اجتمعا في الخبرية لقبول القسمين الصدقَ والكذِب، ثم الفرق أن الرواية هى خبر عن أمر عام لا يتعلق بشخص مُعَين، والشهادة تعلقها بشخص معين، فالرواية كقوله ﵊: \"إنما الأعمال بالنيات\" والشهادة كقول الشاهد: لزيد عند عَمْرو كذا.\n_________\n(١) الخبر - كما يعرفه علماء الأصول والبلاغة والمنطق في تعريفهم هو الكلام المحتمِل للصدق والكذب لذاته (أي لذات الخبر)، بقطع النظر عن المخبِر به، والخبر في نفسه. ويقابله الإنشاء، وهو الكلام الذى لا يحتمل الصدق والكذب لذاته، مثل الأمر والنهي والاستفهام، كصيغ العقود في قولك: بعْتُ، واشتريت وتزوجتُ، وأنت تقصد إنشاء البيع والشراء والتزويج، وهكذا .. ومباحثه مستوفاة في العلوم المشار اليها.\n(٢) هى موضوع الفرق الأول من كتاب الفروق، وقد كشف مؤلفه الإمام العلامة شهاب الدين أبو العباس احمد بن إدريس القرافي ﵀ عن السبَب الباعث له على ابتداء كتابه بهذا الفرق فقال:\n\"ابتدأت بهذا الفرق بين هاتين القاعدتين، لأني أقمت أطلبه نحو ثمان سنين فلم أظفر به، وأسأل الفضلاء عن الفرق بينهما وتحقيق ماهية كل واحدة منهما، فإن كل واحدة منهما خبر، فيقولون: الفرق بينهما أن الشهادة يشترط فيها العدد والذكورية والحرية، بخلاف الرواية فإنها تصح من الواحد والمرأة والعبد، فأقولُ لهم: اشتراط ذلك فيها فرع تصورها وتمييزها، فلو عُرِفتْ بأحكامها وآثارها التي لا تُعرف إلا بعد معرفتها لزم الدّورُ، وإذا وقعت لنا حادثة (نازلة) غير منصوصة، من أين لنا أنها شهادة حتى يشترط فيها ذلك؟ فلعلها من باب الرواية التي لا يشترط فيها ذلك، فالضرورة داعية لتمييزهما .. إلى أن قال ﵀:\nولم أزل كذلك كثير القلق والتشوف إلى معرفة ذلك حتى طالعت شرح البرهان للمازري ﵀، فوجدته ذكر هذه القاعدة وحققها، وميز بين الأمرين من حيث هما، واتجه تخريج تلك الفروع تخريجا حسنا، وظهر أي الشبهين أقوى، وأى القولين أجح، وأمكننا من قِبلِ أنفسنا إذا وجدنا خلافا محكيا ولم يذكر سبب الخلاف فيه أن نخرجه على وجوه الشبهين فيه إن وجدناهما، ونشترط ما نشترطه، ونسقط ما نسقطه، ونحن على بصيرة في ذلك كله، فقال ﵀:","vol":"1","page":262},{"text":"ثم إن الشهادة يشترط فيها العدد والذكورية والحرية، بخلاف الرواية ومَا كان كذلك.\nأما العددُ فلأِن إلزام المعيّن يتوقع فيه عداوة باطنة لم يطلع عليها الحاكم، حملت الشاهد على التزام ما لا يلزمه، فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه آخر،\n_________\n= \"الشهادة والرواية خبران، غير أن المخبَرَ عنه، إن كان أمرا عاما لا يختص بمعَين فهو الرواية، كقوله ﵊: \"إنما الأعمال بالنيات\"، و\"الشفعة فيما لم يقسم\"، لا يختص بشخص معين، بل ذلك على جميع الخلق في جميع الأعصار والأمصار، بخلاف قول العدل عند الحاكم: لهذا عند هذا دينار، إلزام لمعين لا يتعداه إلى غيره، فهذا هو الشهادة المحضة، والأول هو الرواية المحضة، ثم تجتمع الشوائب بعد ذلك ... الخ.\nوهنا علق الشيخ قاسم بن الشاط ﵀ على هذه الفقرة بقوله:\nقلت: لم يقتصر الإِمام (أي المازرى) في مفتَتَحِ كلامه الذى نقل منه الشهاب ما نقل على الفرق بالعموم والخصوص، ولكنه ذكر مع الخصوص قيدا آخر، وهو (مكان الترافع إلى الحكام والتخاصم وطلبِ فَصْلِ القضاء، ثم اقتصر في مختتم كلامه. على الخصوص والعموم، والأصح اعتبار القيد المذكور، ويتضح لك ذلك بتقسيم حاصر وهو: أن الخبر إما أن يقصد به أن يترتب عليه فصل قضاء، وإبرامُ حكم، وإمضاء أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الشهادة، وإن لم يقصد به ذلك، فإما أن يقصد به ترتب دليل حكم شرعي أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الرواية، وإلا فهو سائر أنواع الخبر، ولا حاجة بنا إلى بيان تفاصيلها، لِأن المقصود إنما هو بيان ما يجوز في اصطلاح الفقهاء والأصوليين واعتباراتِهِمْ\nودليل صحة اعتبار القيد المذكور (أي إمكان الترافع والتخاصم والتقاضي في الشهادة) أن المخبِر بأن لزيد قِبل عَمْرو دينارا، غير قاصد بذلك الخبر أن يترتب عليه فصل قضاء، لا يسمى في عرف الفقهاء والأصوليين شاهدا على جهة الحقيقة بل يسمى مخبرا، وكذلك المخبر عن الأمور الواقعة التي لا يستفاد منها تعريف دليل حكم شرعي لا يسمى عندهم على جهة الحقيقة راويًا، وإن سمي كما في الأقاصيص ونحوها فهو مجاز من جهة أنهم لا يشترطون فيه ما يشترطون في رواة تعريف أدلة الأحكام\". انتهى كلام الفقيه ابن الشاط، وتعليقه على كلام الإِمام المازرى، ونقلِهِ من طرف الإِمام القرافي.\nوانما نقلت في هذا التعليق كلام هذين الإمامين الجليلين بتمامه وعلى طوله نظرا لأهميته ونفاسته، ولأن الاطلاع على كلامهما وعلى كلام الشيخ البقوري في هذا الاختصار والترتيب للفروق يُلْقِي ضوءا كاشفا، ويعطي بيانا واضحا ما عليه من مزيد في معرفة وإدراك الفرق بين الرواية والشهادة، ولأن الإتيان بهذه الفقرة مطولة بهذا التعليق الذى ليس في ترتيب الفروق قد يغني القارئ والمطلع عن البحث عنها والرجوع إليها إذا لم يكن بَيْنَ يديه كتاب الفروق للإِمام القرافي ﵀ ورحم كافة علماء المسلمين ورضي عنهم أجمعين.","vol":"1","page":263},{"text":"طردًا لذلك الاحتمال، فإن بإجماعهما يغلب ظن الصدق وبُعْدُ الكذب، وليس في الرواية ما يثير العداوة، فلم يحتج إلى العددِ فيها.\nوالذكورية اشترطت، لأن الإلزام سلطة وقهر واستيلاء، تأبَى النفوس الْأبية من ذلك، وإبايتها عنها من النساء أشَدُّ، لنقصانهن، فخفف ذلك عن النفوس برفع الْأنوثة. وأيضا فهن ناقصات عقل ودين، فناسب (٣) ألّا يُنصَبْنَ نصبا عاما، بل في موضع الضرورة، ولهذا قال ﵊: \"أما نقصان عقلكن فشهادة رجل واحد تعدل شهادة امرأتين\" (٤)، والرواية بخلاف ذلك، لِأن الأمور العامة تتسلى فيها النفوس بعضها ببعض، فخفّ الألم، وتقع المشاركة غالبا في الرواية، لعموم الكشف والحاجة، فروى (٥) مع المرأة غيرُها، فيقِل احتمال الغلط، (٦) ويطول الزمان في الكشف عن ذلك إلى يوم القيامة، فيظهر مع طول السنين خلل إن كان، بخلاف الشهادة تنقضى بانقضاء زمانها، ولا يُتَّهَم أحد في عداوة جميع الخلق، فيكتفى بالواحد فيها. (٧)\n_________\n(٣) في نسخة ح: فناسبن .. وعبارة القرافي: \"فناسب ألا ينصبن نصبا عاما في موارد الشهادات، لئلا يعمَّ ضرَرُهَنَّ\".\n(٤) إشارة إلى جزء من حديث مطول صحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ (أي فصيحة بليغة): وَمَا لَنَا يا رَسُولَ اللهِ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: \"تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ (أي الخصام والشتم والطعن والكلام فى الناس)، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ (أي تنكرن خير الزوج)، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ، قَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: \"أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ (أي بسبب الحيض) فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ\".\nوفي هذا الحديث إشارة إلي الآية الكريمة ٢٨٢ من سورة البقرة، وفى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.\n(٥) في نسخة ح، ونسخة أخرى: \"فيروى مع المرأة غيرها (بصيغة المضارعة).\n(٦) في نسخة ح: اللفظ، والصواب كلمة الغلط، وهو ما في نسخة ع، وغيرها، ويقتضيه المعنى وهو كذلك ما عند القرافي حيث قال: فيبعد احتمال الغلط.\n(٧) قال ابن الشاط هنا: هذا صحيح، وهو الفرق بين الشهادة والرواية.","vol":"1","page":264},{"text":"وأما الحرية فالنفوس الأبية تنقبض من سلطة العبد عليها، ويخف ذلك عليها بالأحرار. وأيضا فالرق سبب للحقد، فربما بعث العبدَ ذلك على الكذب على المعين، وقصد أذية الجمهور يبعد، فوقع الخلاف بين الرواية والشهادة. (٨).\nوحيث تبين هذا فلنقل: الخبر ثلاثة اقسام: رواية محضة كالأحاديث النبوية، وشهادة محضة كإخبار الشهود عن الحقوق على المعَيّن عند الحكام، ومركَّبٌ من الشهادة والرواية، وله صور:\nإحداهما: الإخبار عن رؤية هلال رمضان، فمن أجْل أن الصوم لا يختص بشخص معيَّن، كان رواية، ومن أجل أن الهلال هو لرمضان ذلك العامَ لا لغيره كان شهادة. (٩)\nقلت: اعتبار الرواية في هذه الصورة من أجل تعلق الصوم لا بشخص معين، اعتبار بعيد، فإن الإخبار إنما وقع عن رؤية شخص معين، فمحله محل\n_________\n(٨) علق ابن الشاط على كلام القرافي هنا، فقال: كلامه الأول صحيح مستقل بالتعليل كما في المرأة، بل أولى، والثاني (وهو أن الرق يوجب الحقد والضغائن) محتمل أن يكون تعليلا مستقلا أيضا لعدم قبول شهادة العبد، ويحتمل أن يكون غيرَ مستقل من جهة أن احتمال العداوة لم يثبت علة في عدم قبول الشهادة في الحُرِّ.\nولقائل أن يقول: إن بين الحر والعبد فرقا من جهة أن في الحر مجرد احتمال العداوة، وفي العبد تحقق سبب العداوة، والله أعلم.\n(٩) علق الفقيه المحقق ابن الشاط على ما جاء عند الإِمام القرافي في هذه الصورة فقال:\nأما قوله: إنه (أي الإخبار عن رؤية هلال رمضان) رواية، فإن أراد أن حكمه حكم الرواية في الاكتفاء فيه بالواحد عند من قال بذلك فصحيح، وإن أراد أنه رواية، حقيقة، فذلك غير صحيح، لأنه لم يتقرر ذلك في إطلاق أحد فيما علمت، وأما قوله: أنه شهادة، فإن أراد أيضا أن حكمه حكم الشهادة عند بعض العلماء في اشتراط العدد فذلك صحيح، وإن أراد أنه شهادة حقيقة، فليس كذلك، لأنه قد تقرر أن لفظ الشهادة إنما يطلق حقيقة، في عرف الفقهاء والأصوليين على الخبر الذى يقصد به أن يترتب عليه حكمٌ وفصل قضاء. ثم زاد ابن الشاط ﵀ فقال في هذا:\nقلت: والذي يَقوى في النظر أن مسألة الهلال حكمها حكم الرواية في الاكتفاء بالواحد، وليست رواية حقيقة، ولا شهادة أيضا، وإنما هى من نوع آخر من أنواع الخبر، وهو الخبر عن وجود سبب من أسباب الأحكام الشرعية. ولا شك أنه لا يتطرق إليه من الاحتمال الوجب للعداوة ما يتطرق في فصل القضاء الدنيوي. اهـ.","vol":"1","page":265},{"text":"معَيَّنٌ، فهو أشبه شيء بالإخبار عن مائة دينار قِبَلَ فلان المعيَّن، فإن كان اعتبار الأشخاص الذين يصومون ليسُوا معَيَّنين في الصوم فالدراهم أو الدنانير التي تؤدَّى في الدَّين ليست بمعَينة، وهذا الاعتبار هنا لا يرده للرواية، فكذلك الآخر، والله أعلم.\nلكنه يمكن أن يقال في الجواب: هذه مُغالطة أو غلط، فقد قدمنا أن الفرق بين الرواية والخبر هو من حيث أن الرواية خبر عن أمْر عام لا يتعلق بشخص معين، والشهادة متعلَّقها شخص معين، والصوم لا خفاء أنه لا يتعلق بشخص معين فهو إلى الرواية أقْربُ، وغاية ما يرد عليه أنه ينتقض بالشهادة على قتل الخطأ فإنها شهادة، وإن كان الحكم المتعلق بتلك الشهادة تعلّقَ لا بشخص معين، والله أعلم.\n_________\n= قلت: والذي عليه فقهاء المالكية، واعتمدوه في مختلف مؤلفاتهم الفقهية أن خبر الهلال في الصيام والإفطار لَا يثبت ويعم إلا بِعَدليْنِ، وهذا يعني أنه عندهم من باب الشهادة، ولذلك قال الشيخ أبو الوليد ابن رشد الجد: \"ولا يجب صيام شهر رمضان إلا برؤية الهلال او إكمال شعبان ثلاثين يوما. ورؤية الهلال تكون على وجهين: رؤية عامة (وهي الرؤية المستفيضة من جمع كثير من الناس يستحيل تواطؤهم على الكذب)، ورؤية خاصة (وهي النفر اليسير من الناس)، ثم قال ابن رشد: وهذه الرؤية الخاصة تختص بالحكام، فإذا ثبت عند الإِمام رؤية الهلال بشهادة شاهدين عدلين أمرَ الناس بالصيام أو الفِطر، وحمل الناسَ عليه. وهذا هو ما اختصره الشيخ خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الشهير حيث قال \"باب، يثبت رمضان بكمال شعبان أو برؤية عدلين أو جماعة مستفيضة ... الخ .. \"، وذكره ونص عليه كذلك الفقيه المالكي محمد بنِ جزي في كتابه القوانين الفقهية فقال: يجب صوم رمضان وإفطارُ يوم الفطر برؤية الهلال، فإن غُمَّ أُكمل ثلاثين يوما، ثمَّ ذكر ذكر أنواع الرؤية: أنْ يرى الإنسان هلال رمضان فيجب عليه الصوم عند الجمهور، ولا يجوز له الإفطار، فإن رأى هلال شوال لم يفطر عند مالك، خوف التهمة، وسدًا للذريعة. والوجه الثاني أن يشهد برؤيته شاهد واحد فلا يجب به الصوم، ولا يجوز به الفطر (أي بالنسبة لعامةِ أهْل البلد). والوجه الثالث أن يشهد شاهدانِ عدلان خاصة عند الإِمام، فيثبت بهما الصوم والفطر في الغيم إجماعا، فإن كان الصحو، والمصر كبير، ثبت بهما على المشهور. والرابع أن يراه الجمُّ الغفير من الناس رؤية عامة فيثبت وإن لم يكونوا عدولًا، ولا يفتقر إلى شهادة. والوجه الخامس أن يخبر الإِمام بثبوته عنده (أي فيتعين على رعيته الأخذ به). ثم فرع ابن القيم على أوجه الرواية السبعَة فروعا أربعة، منها:\nالفرع الأول إنْ غُمَّ الهلال أُكملت العدة ولم يُلتفت إلى قول المنَجِمين، خلافا لقوم.\nالفرع الثاني: إذا رآه أهل بلد لزم الحكم غيرهم من أهل البلدان، وفاقا للشافعي، وخلافا لابن الماجشون، ولا يلزم في البلادِ البعيدة جدا كالأندلس والحجاز إجماعًا.","vol":"1","page":266},{"text":"الصورة الثانية: القائف المثبت للأنساب بالخلْق (١٠)، هل يشترط فيه العدد أوْلَا؟ قولان: والظاهر الأرجح شبهه بالشهادة، فإنه خبر متعلق بشخص معين. وإنما شبهوه بالرواية، لأنه منتصب انتصابا عاما، فيقال: وكذلك الشاهد منتصب انتصابا عاما.\nفإن قيل: القائف لما كان مستندا في ذلك إلى جعل الحاكم (أي تعيينه في ذلك) خفَّت الضغائن، وضعفت العداوة الحاملة على ظن الكذب، بخلاف الشاهد، فإنه لا يستند في شهادته إلى أمر الحاكم له، قلنا: هذا لو كان لا يقبل قول القائف إلا بعد جعل الحاكم، فَهُوَ يُقبَلُ بجعل الحاكم وبغير جعله، بدليل قبول رسول الله - ﷺ - له لما قال في أسامة بن زيد ما قال، ولم يامرْه النبي - ﷺ - بشي في ذلك. (١١)\n_________\n(١٠) القائف كما جاء في تعريفه هنا هو المثبت للأنساب بالخلْق، وهو مشتق وماخوذ من القيافة، وفي تتبع الأثر، والتعرف على نسبة الولد إلى أبيه من خلال النظر والتأمل بحذق ونباهة في خلقته وملامحه، وإدراك ما بينهما من شبه، فينسب المولود إلى أبيه من خلال ذلك كما سيأتي فى آخر الكلام على هذه الصورة من الإشارة إلى ذكر قصة أسامة بن زيد ﵄.\nوعقب ابن الشاط على كلام القرافي فى مسألة القائف هذه، فقال:\nذكر فيه القرافي شبه الشهادة، ولاخفاء على ما تقرر قبلُ في أنه من نوع الشهادة، وذكر شبه الرواية وهو ضعيف لاخفاء به، وذكر السؤال الذى أورده، وهو ضعيف أيضا، وذكر الجواب عنه وهو صحيح لا ريب فيه.\n(١١) إشارة إلى الحديث الصحيح المتفق عليه عن عاثشة ﵂ قالت: \"دخل على رسول الله - ﷺ - ذات يوم مسرورًا تبْرُق أسارير وجهه (أي يتهلل وجهه من الفرح والاستبشار)، فقال: يا عاثشة، ألمْ تَرَىْ أن مجززًا المدلجي دخل على فرأى أسامة وزيدا، وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما، وبَدتْ أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض\".\nفزيدٌ هذا كان مولى للنبي - ﷺ -، وكان قد تبناه (أي اعتبره ابنًا له حتى كان يُدْعى زيد بن محمد) واستمر ذلك حتى نزلت آية تحريم التبني في الإسلام بقوله تعالى في أوَّل سورة الاحزاب، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وكان لون زيد بن حارثة أبيض، ولون ابنه أسامة أسود، لأن أمه بركة الحبشية كانت سوداء، وكان هذا يسوء ويقلق النبي - ﷺ - لنسبهم زيدا إليه، فلما دخل القائف المدلجي وقال فى حق زيد وأسامة ابنه: هذه الأقدام بعضها من بعض، أي أحَدُ هذين الرجلين ولد للآخر، فرح النبي - ﷺ -، وفرحُه لا يكون إلا لحق.","vol":"1","page":267},{"text":"الصورة الثالثة: المترجم للفتاوى والخطوط، قال مالك: يكفي الواحد، وقيل: لابد من اثنين. ومنشأ الخلاف اعتبار الشبهين، والأمر فيه كالقائف على السواء. (١٢)\nالصورة الرابعة: المقوم للسلع في أُروش الجنايات والسرقات والغصوب وغيرها، (١٣) فقال مالك: يكفى الواحد في التقويم، إلا أن يتعلق بالقيم حد كالسرقة فلا بد من اثنين، وروى لابد من اثنين في كل موضع، فشبه الشَّهادةِ فيهِ ظاهر، وقيل: يشبه الرواية من حيث الوجه المذكور في القائف، وقد قلنا بضعفه ثمَّة، فكذلك هنا في هذه الصورة، الشبه بالحاكم، لأن حكمه ينفذ في القيمة، والحاكم ينفذه.\nالصورة الخامسة، القاسم، قال مالك: يكفي الواحدُ، والأحسَنُ اثنان، وقال أبو إسحاق التونسي: لابد من اثنين، وللشافعى في ذلك قولان. ومنشأ\n_________\n= قال بعض شراح هذا الحديث: فقول القائف حجة، وبه حكم عمر وابن عباس، وعليه عطاء ومالك والشافعي وأحمد وعامة المحدثين. وقال الحنفية: لا عِبرة بقول القائف لأنه حكم بالظن، والظن يصيبُ ويخطئ. اهـ.\n(١٢) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة والصورة الثالثة فقال: لم يحرر الكلام في هذا الضرب، فإنه أطلق القول فيه، والصحيح التفصيل، وهو أن الترجمة تابعة لما هي ترجمة عنه، فإن كان من نوع الرواية فحكمه حكمها، وإن كان من نوع الشهادة فكذلك، وهذا واضح، بناء على ما تقرر قبل. وما ذكر فيه من شبه الرواية لنصبه نصبا عاما فضعيف، وكذلك ما ذكره من شبه الشهادة بكونه يخبر عن معين من الفتاوي والخطوط. وما ذكره من وُرُودِ السؤال والبحث فيه كما في القائف، صحيح. اهـ.\n(١٣) الأرش، جمعه أروش، مثل نفس ونفوس، وهو تعويض الجناية على عضو من الجسم، أو على متاع في ملك الغير، سواء عن عَمْدٍ أو خطأ، إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء كما يقول الفقهاء، ويكون ذلك تعويضا عما أصاب العضو والمتاع من آفة أو نقص في وظيفته وقيمته.\nوقد علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه الصورة الرابعة فقال: ذكر فيه شبه الرواية وهو ضعيف كما قال، وشبه الحكم وهو ضعيف ايضا، والصَّحيح أنه من نوع الشهادة لترتب فصل القضاء بإلزام ذلك القدر المعيَّن من العوض عليه ... الخ.","vol":"1","page":268},{"text":"الخلاف شبه الشهادة أو الرواية أو الحكم، والأظهر شبه الحكم، لأن الحاكم استنابه في ذلك. وهو المشهور عندنا وعند الشافعية ايضا. (١٤).\nالصورة السادسة: الإخبار عن قِدَم العيب أو حدوثه في السلع عند التحاكم في الرد بالعيب، أطلق الأصحاب فيه أنه شهادة، وأنه يشترط فيه العدد، لأنه حكم جرى على شخص معين لشخص معين، لكنهم قالوا: إذا لم يوجد فيه المسلمون قُبِلَ فيه أهل الذمة من الأطباء، قاله القاضى أبو الوليد وغيره، قالوا: لأن طريقه الخبرُ فيما ينفردون بعلمه، وهذا مشكل من حيث إن الكفار لا مدخل لهم في الشهادة ولا في الرواية (١٥).\nالصورة السابعة: قال ابن القصار: يجوز تقليد الصبى والأنثى والكافر الواحد في الهدية والاستئذان، وهذا على خلاف الأصل، لأنه خبر تعلق بمعينين، فإن المهدى والمهدى إليه معين، فكان من باب الشهادة.\nوأجاب الشافعية عنه بأن القرائن لما احتفت بهذا الخبر قُبِل مع دعوى الضرورة في ذلك أيضًا، إذ لو كان لا يدخل أحد بيت صديقه حتى يأتي بعدلين يشهدان له بإذنه لشق ذلك. (١٦)\n_________\n(١٤) قال ابن الشاط: ذكر القرافي في هذه الصورة أن مشأ الخلاف شبه الحكم أو الرواية، وليس ذلك عنده بصحيح، بل منشأ الخلاف شبه الحكم أو التقويم، وقد تقدم أن الصحيح أنه نوع من الشهادة، فمن نظر إلى أن القَسْم من نوع الحكم اكتفَى بالواحد، ومن نظر إلى أنه من نوع التقويم وبنى على الأصح، اشترط العدد، والله أعلم.\n(١٥) قال ابن الشاط عن هذه الصورة: ما حكاه القرافي عن الأصحاب من أنه شهادة، صحيح، وما استشكله من قبول بعضهم أهل الذمة، مشكل كما قال. اهـ.\n(١٦) قال ابن الشاط في هده المسألة: ليس هذا من نوع الشهادة، لأنه لا يقصد به فصل قضاء، فهو في حكم الرواية، وجَازَ فيه ما لا يجوز في الرواية من قبول خبر الصبي والكافر، لإلجاء الضرورة إلى ذلك من جهة لزوم المشقة على تقدير عدم التجويز، مع ندور الخلو عن قرائن تُحَصَّلُ الظن.\nوقال في الصورة الموالية المتعلقة بقبول قول المرأة فى (هدية الزوجة لزوجها ليلة العرس). هذه المسألة في معنى التي قبلها كما ذكر.","vol":"1","page":269},{"text":"الصورة الثامنة: نقل ابن حزم في مراتب الإجماع إجماع الأمة على قبول المرأة الواحدة في إهداء الزوجة لزوجها ليلة العرس، مع أن الأصل فيه ألا يقبل إلا رجلان، لأنها شهادة متعلقة بالنكاح، لكنه جاز ذلك، للقرائن المنضافة إلى ذلك الخبر، التي يبعد معها التدليس (١٧) والوقوع فيما لا ينبغي، ويكفي هذا القدر فيما أردنا بيانه.\nتنبيه: قال ابن القصار: قال مالك: يقبل قول القصاب في الذكاة، ذكرا كان أو أنثى، مسلما أو كتابيا، ومن مِثله يَذبح، وليس هذا من باب الرواية أَو الشهادة، بل القاعدة الشرعية أنَّ كل واحد، مؤتمنٌ على ما يدعيه مما هو تحت يده. فإذا قال الكافر: هذا مالى صُدِّق، وكذلك إذا قال: هو مُذَكّىً صُدِّق، ولا يُعَد ذلك شهادةً ولا رواية، فليس هذا من الفروع المترددة بين القاعدتين. (١٨)\nفإن قلت: ما قررته من الفرق ينتقض بالشهادة بالوقف على الفقراء\n_________\n(١٧) هكذا جاءت العبارة في جميع النسخ بتذكير اسم الموصول، وتأنيث العائد عليه، وهو غير متناسب، فلعله من الناسخ، فإما أن يعود الضمير بالتأنيث على اسم الموصول المؤنث التي فيكون وصفًا للقرائن، وإما أن يكون العائد مذكرا مطابقا لاسم الموصول الذى هو وصف للخبر، إذ القاعدة إن اسم الموصول تأتي بعده جملة صلة لا محل لها من الإعراب، وتكون مشتملة على ضمير مناسب له في التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع، وهو ما أشار إليه محمد بن مالك. في بيت من ألفيته حيث قال:\nوكلّها يلزمُ بَعْدَهُ صِلَة ... على ضِميرٍ لائقٍ مشتملةٌ\n(١٨) قال ابن الشاط هنا: هذه المسألة وإن لم تكن من تينك القاعدتين فهي من جنس المسألتين قبلها. وما ذكره القرافي فيها من أن كل واحد، مؤتمن على ما يدعيه مما هو تحت يده ومصدَّق فيه، معناه أنه لا يتعرض له برفع يديه عنه، وليس المعنى بذلك أنه محق عندنا في دعواه، ومسألة القصاب مع ذلك ليست من هذه القاعدة، بل هي من جنس المسألتين اللتين قبلها: (مسألة تقليد الصبي والأنثى، ومسألة قبول قول المرأة الواحدة في هدية الزوجة لزوجها) كما تقدم ذكره، لأن المقصود من هذه المسألة ليس تركه وما يدعيه بالنسبة إلى ملك ما تحت يده، بل المقصود منها، هل يستباح أكلها، بناء على خبره أم لا؟، فلا أعْلم لتجْوِيز الاستباحةِ بناء على ذلك إلا إلجاء الضرورة إلى ذلك، للزوم المشقة عند عدم التجويز، مع ندور الخلو عن القرائن المحصلة للظن كما سبق، والله أعلم.","vol":"1","page":270},{"text":"والمساكين إلى يوم القيامة، (١٩) فهي شهادة تعلقت بكلي لا بمعين، وكذلك كون الأرض عنوة أو صُلْحا (٢٠) أو غير ذلك، من النظائر.\nوأما الرواية فهي أيضا في الأمور الجزئية كالإخبار عن النجاسة وأوقات الصلوات وأشياء أيضًا كثيرة، (٢١) قلنا: أما ما ذكر من فروع الشهادة، فالعموم فيها إنما جاء بطربق العرض والتبع، ومقصودها الأول إنما هو جزئي.\n_________\n(١٩) هذا التساؤل من كلام القرافي، وليس من كلام الشيخ البقوري وتعقيبه كما قد يتبادر إلى الذهن. والمراد ما ذكرهُ القرافي من كون حقيقة الشهادة تتعلق بجزئى، والرواية حقيقتها التعلق بكلي لا يطرد ولا ينعكس، حيث إن الشهادة تقع في أمر كلي كالشهادة بالوقف على الفقراء والمساكين،والرواية تقع في أمر جزئي كالإخبار عن أوقات الصلاة وغيرها، فأجاب القرافي عن ذلك بقوله فيما بعد: قلت أما ما ذكر من فروع الشهادة فالعموم فيها إنما جاء بطريق العَرَض والتبع إلى آخر ما ذكره، واختصره تلميذه البقوري.\n(٢٠) أي كون الأرض فُتحَتْ من طرف المسلمين عنوة وبالقوة والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، أو فتحت بالصلح والتصالح مع ساكنيها من غير المسلمين، حيث يدخلون في ذمة المسلَمين ويؤدون لهم الجزية المشروعة في ذلك.\n(٢١) كثيرا ما ترد في علم أصول الفقه والمنطق كلمات الكلي والجزئي، والكلية والجزئية، والكل والجزء، وهي كلمات إصطلاحية ذات مفاهيم ودلالات ومعاني خاصة، يجدر التذكير بها في هذا الموضوع، والتعليق عليها، تيسيرا على المطلع والباحث.\nفالكلي هو اللفظ الذى لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه بين أفراد عديدين. وبعبارة أخرى: هو الذى لا يمنع نفس تصور معناه وحصوله في الذهن من فرض صدقه على كثيرين، لقبوله الشركة فيه، كإنسان وأسد، فإن كلا منهما يصدق على أفراد متعددة تشترك في معناه.\nوالكلي يقابله الجزئي، وهو اللفظ الذى يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه بين اثنين فأكثر، مثل زيد، وعمرو، وبكر، وغيرها من أسماء الأعلام الشخصية، وهو الجزء الحقيقي، في مقابلة الجزئي الإضافي، وهو الذى يندرج تحت غيره بأن يكون أخص منه، مثل زيد وعلى بالنسبة للإنسان.\nأما الكل، ويقابله الجزء، فهو المركب من أجزاء، كجسم الحيوان المركب من عدة أعضاء، وجسم غيره من الكائنات الحية الأخرى.\nوبتعريف آخر عند العلماء المنطق: الكل هو الموضوع المحكوم عليه بحكم من الأحكام من حيث هو مجموع أفراد دون أن يستقل كل فرد من أفراده بالحكم، نحو المثل المشهور عندهم وهو قولهم: كل بني تميم يحملون الصخرة العظيمة، أي هيئتهم المجتمعة من عدة أفراد لا كل فرد على حدة، ومنه الآية الكريمة في سورة الحاقة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.","vol":"1","page":271},{"text":"أما الوقف فالمقصود بالشهادة فيهِ الواقف وإثبات ذلك عليه، وهو شخص معين ينتزع منه مال معين، فكان ذلك شهادة، ثم اتفق أن الموقوف عليه، فيه عموم، وليس ذلك من لوازم الوقف، قد يكون على معين وقد يكون على غير معين، وهكذا في كل شيء، الأصل ما ذكرناه، وغيره جاء بالعَرَضِ، ولا يلتفت إليه. غير أن كون الأرض عنوة أو صلحا يمكن أن يقال: هو من باب الرواية، ويمكن أن يقال: هو من باب الشهادة لكون الأرض جزئية لا يتعداها الحكم إلى غيرها.\n_________\n= أما الجزء فهو على عكس الكل، هو الذى يتركب منه ومن غيره من الأجزاء الأخرى كل، مثل الوجه، واليد، والرجل بالنسبة لجسم الإنسان الذى هو كل، ومثل الرجل والمرأة من قبيلة معينة. أما لفظ الكلية في اصطلاح المناطقة فهى القضية المسوَّرة بالسور الكلي (أي المحاطة به) مثل كل، ومن، وما من صيغ العموم، المحكوم فيها على كل فرد من أفرادها، مِثْل قوله تعالى: \" ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾\nويقابلها الجزئية، وهي القضية المسورة بالسور الجزئي، المحكوم فيها على بعض أفراد الموضوع، مثل قول القائل: حضر بعض الطلبة في المحاضرة، أو بعض الإنسان كاتب، أو بعض الحيوان ليس بإنسان.\nوالملاحظ من خلال تعريف هذه الألفاظ والمصطلحات أن الكل والجزء، وكذا الكلي والجزئى يتعلق بالأسماء المفردة وينصَب عليها وعلى مدلولاتها، بينما الكلية والجزئية وصف للقضايا التركيبية والجمل المركبة، وتتعلق بها. وقد جمع هذه المصطلحات، ونظمها العلامة الأخضري فى منظومته المعروفة بالسلّم على المنطق، فقال فيها ﵀:\nالكل حكمنا على المجموع ... ك كل ذاك ليس ذا وقوع\nوحيثما لكل فرد حكما ... فإنه كلية قد علِمَا\nوالحكم للبعض هو الجزئية ... والجزء معرفته جلية\nوقول الناظم هنا: ككل ذاك ليس ذا وقوع، إشارة إلى حديث أبي هريرة ﵁ في قصة الصحابى ذى اليدين، قال أبو هريرة: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة العصر فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: كل ذلك لم يكن، فقال ذو اليدين: بل بعض ذالك قد كان، فقال رسول الله - ﷺ -: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعَمْ، فقام رسول الله - ﷺ - فصلى ركعتين أخريين ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجد سجوده أو أطول، ثم رَفع\" اهـ.\nوإنما أتيت بهذا التعليق على ما فيه من طول، لاستحضار مصطلحات تلك الكلمات ومدلولاتها ومعانيها عند علماء الأصول والمنطق، وتيسير استذكارها عند ورودها في مثل هذه المؤلفات، وذلك بشيء من الإيجاز والاختصار، والتوسع فيها يستلزم من الدارس والباحث الرجوع إليها في مظانها من كتب أصول الفقه والمنطق. اهـ.","vol":"1","page":272},{"text":"وأما ما ذكر من الرواية فنقول: شبِّه المخْبِرُ بالنجاسة وبأوقات الصلوات بالمفتى، غير أنه يفارقه في أن المفتى يذكر الحكم من حيث هو الحكم الذي يعم الخلائق إلى يوم القيامة ولا يذكرُ سبَبَه، وهو أن يذكر أن سببه من حيث وقوعه في شخص معين فأشبَه الشهادة بهذا الوجه، فكان فيه شائبتان وشبهان لسائر الصور المذكورة قبلُ. (٢٢)\nمسألة: ذكر شهاب الدين ﵀ أن بعض شيوخه المعتَبرين رأى منقولا أن العبد إذا روى حديثا يتضمن عتقه تُقْبل روايته. (٢٣).\nمسألة: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إذا تعارضت البينتان في الشهادة ففى الترجيح ثلاثة أقوال: قول بأنه يقبل الترجيح مطلقا، وقول بأنه لا يقبل مطلقا، والثالث المشهور أنه لا يرجح بكثرة العدد.\nوالفرق أن الحكومات إنما شرعت لدرء الخصوم ورفع المنازعة، وفي الترجيح بكثرة العدد إطالتها، لأنه إذا زاد الواحد يدعي الآخر الزيادة، وهكذا أبدا، بخلاف الترجيح بالعدالة، فإنها صفة راجعة إلى القاضى لا إلى صاحب الحق، والعدد يرجع إلى المتخاصمين، فقد يدعي كل واحد الزيادة وياتي بغير عدل. (٢٤)\n_________\n(٢٢) قبل وبعد، كلمتان معربتان بالخفض أو النصب على الظرفية، حالة ذكر المضاف اليه، أو في حالة حذفه مع نية ثبوت لفظه، فلا يقع تنوينهما، أو مع عدَم نية المضاف إليه، فيقع تنوينهما، أو في حالة حذف المضاف إليه مع نية معناه دون لفظه، تُبنَيَانِ على الضم، كما هو مقرر في محله ويكونان مبنيتين على الضم في حالة انقطاعهما عن الإضافة على حد قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾.\n(٢٤) أي أن الزيادة في عدد أفراد البينة على التوالى من كل واحد من المتخاصمين يطيل النزاع وينشر الشغب؛ ولذلكم جاء عند القرافي في مسألة تعارض البينتين قوله هنا: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إذا تعارضت البينتان في الشهادة يقبل الترجيح بالعدالة، وهل ذلك مطلقا أو في أحكام الأموال خاصة؟ وهو المشهور، أو لا يقضى بذلك مطلقا؟ ثلاثة أقوال، والمشهور أنه لا يرجح بكثرة العدد والفرق أن الحكومات (أي التحاكم والتقاضى بالأحكام الشرعية أمام القضاء) إنما شرعت لدرء الخصومات ورفع التظالم والمنازعات، فلو رجحنا بكثرة العدد لأمكن للخصم أن يقول: أنا أزيد في عدد بينتي، فنمهله حتى يأتي بعدد آخر أيضا، فيطول النزاع ويبطل مقصود الحكم.","vol":"1","page":273},{"text":"فوائد:\nالأولى: الشهادة خبر، وكذلك الرواية، والدعوى، والإقرار، والمقدمة، والنتيجة، والتصديق والإنشاء، ولكل واحد من هذه خصوصية يتميز بها.\nفالتصديق هو الواقع على القدر المشترك بين هذه كلها، من حيث إنه يلزمه أن نقيضه إنما هو التكذيب، ولكنه ذكر أحد النقيضين، والمقدمة جزء الدليل، والنتيجة هى القضية بعد أن صارت محققة بالدليل، وهى الدعوى والمطلوب قبل أن يستدل عليها.\nالثانية: يقال: شهد بمعنى حضر، ومنه: فلان شهد بدْرًا، (٢٥) وبمعنى أخْبَرَ، ومنه: شهِد عند الحاكم، وبمعنى علمَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٢٦)، يحتمل أن يكون من باب العلم، ويحتمل أن يكون من باب الإخبار.\nالثالثة: روي معناه حمل، فراوى الحديث يحمله عن شيخه (أي بأخذه عنه، ويتلقاه منه)، ولهذا قال الناس: الراوية بناء مبالغة، هو حقيقة على الذي كثر منه الحمل، فهو - إذن - على المزادة التي فيها الماء بالمجاز، لمجاورتها للحامل، وذلك الجمل، فهو الذي يكثر منه الحمل.\n_________\n= أما الترجيح بالأعدلية فلا يمكن للخصم أن يسعى في أن تصير بينته أعدل من بينة خصمه بالديانة والعلم والفضيلة، فلا تنتشر الخصومات ولا يطول نزاعها لانسداد الباب عليه.\nوهنا قال ابن الشاط ﵀: ما ذكره القرافي من الفرق بين الترجيح بالعدالة ظاهر صحيح، وكذلك ما ذكره من الفوائد الثلاث التي ختم بها هذا الفرق، ظاهر، والله اعلم.\n(٢٥) ومنه الآية الكريمة في الصيام، من سورة البقرة، وهى قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\n(٢٦) الآية بتمامها: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.","vol":"1","page":274},{"text":"القاعدة الثانية: (٢٧)\nنقرر فيها الفرق بين الخبر والإنشاء بعد تبيين كل منهما بخصوصيته، إذ قد تقدم لنا إجتماعهما في الخبريَّة في القاعدة التي قبل هذه.\nثم الخبَرُ هو المحتمل للتصديق والتكذيب لذاته، والتصديق هو قولنا: صدقتَ، والتكذيب هو قولنا: كذبتَ، وهما غيْرُ الصدق والكذب من حيث إنهما وجوديان، والصدق والكذب عدميان، إذ هما بن باب النِّسب. وقولنا لذاته، احترزنا به عما لا يقبل ذلك لأمر خارج فإنه خبرٌ، وهذا كخَبَر الله ورسوله لا يقبلان الكذب، كقولنا: الواحد نصف الإثنين. ومن الأخبار ما لا يقبل الصدق، كقولنا: الواحد نصف العشرة، لكنها لا لذاتها، بل كان هذا لشيء آخر، فإذا قلنا لذاته شمل جميع الأخبار: الصدق والكذب. (٢٨)\nفإن قيل: الأولى أن يقال: المحتمل للتصديق أو التكذيب، (٢٩) فإن الصدق والكذب ضدان لا يجتمعان.\n_________\n(٢٧) هي موضوع الفرق الثاني بين قاعدتي الإنشاء والخبر، الذي هو جنس الشهادة والرواية والدعوى وما ذكر معها فيما تقدم. جـ ١ ص ١٨.\nوقد أطال فيه الكلام شهاب الدين ﵀، كما أطاله في سابقه، وذكر في كل منهما فروعا ومسائل وجزئيات، اختصر منها ما اختصر تلميذه الشيخ البقوري في هذا الكتاب، ﵀.\n(٢٨) كلمتا الصدق والكذب سقطتا في نسخة ح، وكذا في نسخة أخرى.\n(٢٩) كذا في نسخة ع، وفي نسخة ح، ونسخة أخرى: المحتمل للصدق والكذب، وهذا التساؤل هو للإِمام القرافي ﵀، لا للشيخ البقوري ﵀ كما قد يتبادر إلى الذهن، فقد جاء عند القرافي في أول كلامه على هذا الفرق قوله:\nفإن قلت: الصدق والكذب ضِدان، والضِدان يستحيل اجتماعهما، فلا يقبل محلهما إلا أحدهما، أما هُما معًا فلا، فكان المتعين في الحدِّ هو صيغة أو التي هي لِأحد الشيئين دون الواو التي هي للشيئين معا، وهذا هو اختيار إمام الحرمين، والأول هو اختيار القاضى أبي بكر، ولأن الصدق والكذب نوعان للخبر، والنوع لا يعرف إلا بعد معرفة الجنس، فلو عُرف الجنس به لزم الدَّور.\nقلت: الجواب عن الأول أن الصواب هو اختيار القاضى أبي بكر ﵀ في صيغة الواو، لأنه لا يلزم من تنافي المقبولين تنافي القبولين، ألا ترى أن الممكن قابل للوجود والعدم معا ... إلى آخر ما ذكره وتوسع فيه القرافي، ولخصه واختصره البقوري في هذا الترتيب ﵏ جميعا، ورحم كافة أهل العلم والفقه في الدين، وسائر المسلمين.","vol":"1","page":275},{"text":"قلت: لا يلزم من تضاد المقبولين تضاد القبولين، ألا ترى أن الممكن قابل للوجود والعدم معا، وهما متناقضان، والقبولان يحسُن اجتماعها، لأنه لو وجد أحد القبولين دون الآخر للزم من نفي ذلك القبول ثبوت استحالة ذلك القبول، فإن كان ذلك المستحيل هو الوجود لزم أن يكون ذلك الممكن مستحيلا، والمقرر أنه ممكن، هذا خُلْف، وإن كان المستحيل هو العدم لزم أن يكون (٣٠) واجب الوجود لا ممكنه، هذا خُلْف، فلا يُتَصَوَّرُ الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن تنافى المقبولان، فببفى (٣١) الواو.\nفإن قيل (٣٢): التصديق والتكذيب نوعان للخبر، والنوع لا يعرف إلا بعد معرفة الجنس، فتعريف الجنس بهما دور، قلتُ: القصد بالحد شرْح لفظ المحدود وبيان نسبته إليه، فإن قولنا: الإنسان هو الحيوان الناطق حدّ صحيح، مع أن السامع يجب أن يكون عالما بالحيوان وبالناطق، وإلا لكان حدُّنا وقع بالمجهول، والتحديد بالمجهول لا يصحُّ، فهو حينئذ عالم بالحيوان والناطق، ومن كان عالما بهما كان عالما بالإنسان، فإنه لا معنى للإنسان إلا هُما، وإذا كان عالما بالإنسان تعيَّن انصراف التعريف بالحد إلى بيان نسبة اللفظ، لأنه حمع لفظ الإنسان فعَلِمَ أن له\n_________\n= وقد عقب الشيخ ابن الشاط على كلام الإِمام القرافي هنا، فقال: تفريقه بين التصديق والتكذيب، والصدق والكذب، بأن أولهما وجودي والآخرُ عدمي، بناء على أنه إضافي، غفلة شديدة، وهل خبر المخبر إلا متعلق لتصديق المصَدَّق أو تكذيب المكذب، ومتعلقات الكلام بأسرها لا يلحقها من الكلام إلا أمر إضافي، فقد وقع فيما منه فرَّ .. إلى آخر ما قاله ابن الشاط هنا، فليتأمل.\n(٣٠) الضمير في الفعل يكون عائد على الممكن، كما هو واضح في عبارة القرافي حيث قال: \"وإن كان المستحيل هو العدم لزم أن يكون ذلك الممكن واجب الوجود لا ممكن الوجود، هذا خُلْفٌ، فلا يُتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن تنافى المقبولان، فتتعين الواو، فهذه الفقرة تزيد عبارة البقوري وضوحا.\n(٣١) كذا في نسخة ع. وفي نسخة ح، ونسخة أخرى وعند القرافي، فتعَيَّينَ الواو، أو فتتعين الواو، ولعل كلمة فتتعين أظهر وأنسب في السياق من كلمة يبقى، وهي على وجودها وبقائها كما في نسخة ح لا تناقض المعنى المستفاد من كلمة فتعيّن، أو تتعيَّينُ، والله أعلم.\n(٣٢) هذا التساؤل والجواب عنه من أوله إلى آحره، هو مما أورده الإِمام القرافي هنا، ولخصه واختصره بشيء من التصرف الشيخ البقوري ﵀.","vol":"1","page":276},{"text":"مسَمى مجْملا لم يُعْلم تفصيله، فبسطنا له ذلك المسمى، وقلنا: هو الحيوان الناطق الذي أنت تعرفه، ولم يحصل له بالحد إلا بيان نسبة اللفظ، وخروجنا من حَيِّز الإجمال إلى حيِّز التفصيل، ولذلك قال العلماء في حد الحد: هو القول الشارح، وبهذا يزول الدَّور عن حميع الحدود إذا كان مدركها هذا المدرك، نحو قولهم: العلم معرفة المعلوم، وما أشبه ذلك. (٣٣)\nوأما الإنشاء فهو القول الذي يوجد به مدلوله في نفس الأمر أو متعلقُه، وقولنا: بحيث يوجد به، ولم نقل: يوجب، احتراز من صيغ الإِنشاء إذا صدرت من سَفيهٍ، فإنه لا يترتب عليها وجود مدلولها.\nوقَوْلُنا: في نفس الأمر، احتراز من الخبر، فإنه يترتب عليه وجود المدلول، لكن عند السامع لا في نفس الأمر، ولهذا يحتمل خبرُه الصدق والكذب، وقولنا: أو متعلقه، ليندرج في الإنشاء الانشآت النفسية، فإن الكلام يكون بالقول وبالنفس وهو لا دلالة فيه ولا مدْلول. (٣٤)\nويقع الفرق بين الخبر والِإنشاء على هذا من أربعة أوجه:\nالوجه الأول، أن الإنشاء سبب لمدلوله، والخبر ليس سببا لمدلوله، فإن العقود أسباب لمدلولاتها، بخلاف الأخبار.\nالوجه الثاني أن الإنشاءات تتبعها مدلولاتها، والأخبار تتبع مدلولاتها، وهذا كالطلاق والملك إنما يقعان بعد صدور صيغة الطلاق والبيع، وأما أن الخبر تابع لمخبره، فيعنى أنه تابع لتقرير مخبره في زمانه، ماضيا كان أو حاضرا أو مستقبلا.\n_________\n(٣٣) عقب ابن الشاط على كلام القرافي هنا فقال: الذي ذهب إليه من أن الحد إنما هو شرح لفظ المحدود يعني اسمه، هو رأى الإِمام الفخر الرازي، وقد خولف في ذلك، وفي المسألة نظر يحتاج إلى بسط يطول ويعسُرُ، وصحة الجواب مبنية على ذلك.\n(٣٤) عبارة القرافي هنا: فإن كلام النفس لا دلالة فيه، ولا مدلول، وإنما فيه متعلق ومتعلق خاصة، مما سيأتي بيانه في مسائل الإنشاء، فيقع الفرق على هذا البيان بين الخبر والإنشاء من أربعة أوجه ... إلخ.","vol":"1","page":277},{"text":"فقولنا: قام زيد، تبع لقيامه في الزمان الماضي، وقولنا: هو قائم، تابعٌ لقيامه في الحال، وقولنا: سيقوم، تابع لتقرير قيامه فى الاستقبال، وليس المراد بالتبعية التبعية في الوجود، وإلا لما صدق ذلك إلا في الماضى فقط، فبهذا المعنى يفهم معنى التبعية، ومثله قول العلماء ﵃: العلم تابع للمعلوم، أي تابع لتقريره في زمانه.\nالوجه الثالث: أن الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب، (٣٥) بخلاف الخبر.\nالوجه الرابع: أن الإنشاء لا يقع إلا منقولا عن أصل الوضع في صِيغ العقود والطلاق والعتاق ونحوهما، وقد يقع إنشاء في الوضع الأول كالأوامر والنواهى فإنها تنشيء الطلب بالوضع الأول اللغوي، والخبر يكفي فيه الوضع الأول في جميع صوره، فقول القائل: أنت طالق ثلاثا، كان أصله الإخبار بوقوع طلاقها كذلك، ولكنه خرج عن ذلك ونقل إلى الإنشاء.\nذكر شهاب الدين ﵀ هنا تنبيهين حسَنيْن.\nفالأول منهما قال: إعتقدَ جماعة من الفقهاء أن قولنا في حد الخبر: إنه يحتمل الصدق والكذب، أن هذا الاحتمال استفاده الخبر من الوضع اللغوي، وليس كذلك، بل لا يحتمل الخبرُ من حيث الوضع اللغوي إلا الصدق خاصة، لإجماع النحاة أن معنى قولنا: قام زيد، حصول القيام لزيد في الزمان الماضي، ولم\n_________\n(٣٥) أي فلا يحسن لمن قال لزوجته: أنت طالق، أو قال لعبده: أنت حرٌّ، أن يقال له: صدق ولا كذب، إلا أن يريد به الإِخبار عن طلاق زوجته او عتق عبده، كما قال القرافي ﵀.\nوقد عقب ابن الشاط على كلام القرافي الذي أورده البقوري في الأوجه الثلاثة فقال: \"كلامه في هذه الأوجه الثلاثة ظاهر مستقيم.\nوعلق على الوجه الرابع بقوله: لقائل أن يقول: بل يقع (أي الإنشاء) غير منقول على وجه الاشتراك، لكن يترجح قول المؤلف (القرافي) برجحان المجاز على الإشتراك.","vol":"1","page":278},{"text":"يقل احدٌ: إن معناه صدور القيام أو عدمه، بل جزم الجميع بالصدور، فعلمنا أن اللغة إنما هي للصدق دون الكذب. (٣٦)\nقلت: يظهر لي أنه ليس فيما ذكره دليل على المطلوب، فإنى أقول له: سلمت أن القضية الثبوتية دلت على الصدور، والقضية المنفية دلت على عدم الصدور، وهذا هو مدلول الكلامين، ثم أقول: والصدق والكذب خلاف ذلك كله ومن ورائه، فأقول: دل قام زيد على حصول القيام من زيد في الزمان الماضي، وهل كان المدلول كذلك في الخارج؟\nفإذا قيل لى: نعَمْ، قلت: صدَق هذا الكلام، وإن لم، قلت: كذَب هذا الكلام، فالاحتمالان على السواء، ولا يُنسبُ أحدهما لشيء والآخر لشيء آخر كما قال، الكذب من قبل المتكلم، والصدق من قبل الوضع.\nقال في التنبيه الثاني: قولنا في حدِّ الخبر: إنه المحتمل للتصديق\nوالتكذيب، إنما يصح على مذهب الجمهور الذين لا يشترطون في حقيقة الكذب\nالقصد، وعلى رأى هؤلاء، الخبر صدق وكذب، وما ليس بصدق ولا كذب،\nوذلك ما عَرِي عن القصد، قال: وعلى رأى هؤلاء يكون الحد غير جامع، فيكون\nفاسدًا. (٣٧)\n_________\n(٣٦) في نسخة ح: الصدق دون الكذب.\nوقال القرافي هنا: ونظير قولنا في الخبر: إنه يحتمل الصدق والكذب، قولنا: إنه يحتمل الحقيقة والمجاز، وأجمعنا على أن المجاز ليس من الوضع الأول، وكذلك الكذب، فالمجاز والكذب إنما يأتيان من جهة المتكلم لا من الوضع، والذي للوضع هو الصدق والحقيقة.\nعلى أن ابن الشاط رحمه الله تعالى لم يسلم هذا الكلام عند القرافي ولم يصحح ما ذكره في هذا التنبيه، فقال: ما جاء عند القرافي في هذا التنبيه خطأ، فليس هناك أحد من أهل علوم اللسان قال: إن كل كاذب، متجوز في إطلاقه على معناه ... الخ\n(٣٧) عقب ابن الشاط على هذا الحد والتعريف للخبر بقوله: إنما يصح هذا على مذهب الجمهور وليس بصحيح، بل يصح على كل مذهب على تسليم صحة حدِّه، فإن خبر المخبر غير القاصد للكذب قابل للتصديق والتكذيب، كما أن خبر المخبر القاصد للكذب قابل لذلك، وإنما أوقعه فيما قاله ذهاب وهمه إلى الصدق والكذب عوض التصديق والتكذيب، فقد يصدق الكاذب ويكذب الصادق، ولا يلزم ألا يكذب إلا مَنْ قصَد الكذب، ومن أين يطلع على قصده لذلك، وما استدل به على صحة مذهب الجمهور. صحيح على تقدير إن المرام في المسألة الظن، وأما على تقدير أن المرام فيها القطع فلا ... اهـ.","vol":"1","page":279},{"text":"قلت: من قال بهذا القول فلفظ الخبر عنده يقال على هذين بالاشتراك المحْض، ولا فساد في الحد حينئذ، ثم أبطل هذا المذهب بقوله - ﷺ -: \"كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكل ما سمع، (٣٨) وبقوله - ﷺ -: \"من كذب عليَّ متَعمِّدا فليتبوأ مقعده من النار، (٣٩) من حيث المفهوم.\nقلت: هذا المفهوم لا حجة فيه، فإنه المفهوم الذي يخرج مخرج الغالب، وقد تقرر أنه لا حجة فيه باتفاق، قال (أي القرافي): واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ (٤٠)؟ فقالوا: مقابله الكذب بالجنون الذي لا قصد معه يدل على أن الكذب ما كان القصد معه، وردَّه بأن قال: إنما نسبوه إلى الافتراء والجنون، والافتراءُ أخص من الكذب، فالافتراء لا يقال إلا على ما كان معه القصد، وليس الكذب كذلك، بل هو أعم، ولهذا انقسم الكذبُ إلى الافتراء وغَيْره.\nفصل:\nالإنشاء ينقسم إلى متفق عليه ومختلف فيه، فالمتفق عليه أربعة أقسام،\nالقسم الأول، قولنا: أقْسِمُ بالله لقد قام زيد.\n_________\n(٣٨) أخرجه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة ﵁، وذكره الحافظ السيوطى في كتابه الجامع الصغير، وأورده فيه بلفظ: \"كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع\"، فإن ذلك يفرض المحدث للكذب، والكذب ينشأ عنه الإثم. ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل المحدث والمتكلم بكل ما سمع كاذبا، لأنه في كلامه بذلك غير مطابق في الغالب، وإن كان لم يعرفه حتى يقصد إليه، فدل الحديث على عدم اعتبار القصد في الكذب، وهو قول الجمهور، فالحديث حجة لهم كما ذكره القرافي وأوضحه في بيان الاستدلال به.\n(٣٩) أخرجه الإِمام البخاري عن سلمة بن الأكوع بلفظ: \"من يقل عليَّ ما لمْ أقُلْ فليتبوأ مقعده من النار\" وفي رواية أخرى عن علي ﵁: \"لا تَكْذِبوا عليّ، فإنه من كذب على فليلجْ النار\"، ورواه آخرون من أئمة الحديث بالصيغة المذكورة هنا في هذا الكتاب، وهو يُعد عند علماء الحديث من الأحاديث المتواترة.\nووجْه الاستدلال به أن مفهومه أن من كذب غير متعمد لَا يستَحِقُّ النار، فدَل على تصَوُّر حقيقة الكذب من غير قصد إليه، وهو المطلوب كما قال القرافي ﵀.\n(٤٠) سورة سبأ، الآية ٨.","vol":"1","page":280},{"text":"قلت: عدُّ هذا في المتفق عليه لا يصح، فكثير من النحويين يقول: القسَمُ جملة يؤكَّدُ بها جملة أخرى، كلتاهما خبرية، والقليل قال بأن القسم جملة إنشائية.\nقال (أي القرافي): القسم الثاني الأوامر والنواهى، وهذا من حيث إن الصدْق والكذب لا يتبعهما من حيث الإجمال، ويلزَمُ فيها جمع لوازم الإنشاء.\nالقسم الثالث: الترجى والتمني والعَرْض، فهي كالأوامر لا تحتمل تصديقا ولا تَكْذيبًا، وهى للطلب ويتبعُها ويترتبُ عليها.\nالقسم الرابع: النداء نَحْوُ بَازيد، لا يحتمل صدقا ولا كذبا، سواء قلنا بتقدير الفعل فيها، وأن المراد أنادى زيدا، أولا، هى للإنشاء، فإن احتمال الصدق والكذب لا يكون فيه. (٤١)\nوأما المختلَف فيه فصيغ العقود، نحو بعتُ، واشتريت، وأنت حُرٌّ وامرأتى طالق، وما أشبه ذلك، فالحنفية تقول: هى إخبارات، وقد بقيت على أصل وضعها ولم تُنقل، إذْ النقل خِلاف الأصْل.\nوقال غيرهم: هى إنشآت منقولة عن الخبر إليها. فالقائل بالإنشاء يقول: لو كانت خبرًا لكانت كاذبة، فإنها تقتضى أنه باع ولم يبع قبل ذلك الوقت، ولم يطلق، والكذب لا عبرة به، لكنها معتَبَرة فهي إنشآت.\n_________\n(٤١) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه الأقسام الأربعة المندرجة في المتفق عليه فقال: جميع ما قاله في ذلك ظاهر صحيح، غير قوله في القسم الأول: \"فإن مقتضى هذه الصيغة (أقْسم بالله لقد قام زيد ونحوه) أنه أخبر بالفعل المضارع أنه سيكون منه قسمٌ في المستقبل \" ليس بصحيح، مع تسليم ما حكاه من الإجماع عن أهل الجاهلية والإسلام أنه بهذا اللفظ أنشأ القسم. وإذا كان الأمر كما قال عندهم، وهم جميع أهل اللسان، فكون تلك الصيغة مقتضاها الإخبارُ، إنما يكون عند غير أهل اللسان، ولا اعتبار بهم ولا حجة فيهم. اهـ.","vol":"1","page":281},{"text":"وثانيها لو كانت إخبارات للزم الدوْرُ من حيث إن الخبر الكاذب لا عبرة به، والصدق يستلزم تقديم تلك الأحكام، واللفظ يدل على تلك الأحكام، وذلك يدل على تأخر الأحكام فكان دَوْرًا.\nوثالثها، لو كانت إخباراتٍ، فإما أن تكون خبرا عن الماضى أو الحاضر، وحينئذ يتعذر تعليقها على الشروط، لأن من شرط الشرط أن لا يتعلق إلا بمستقبل أو خَبرٍ عن المستقبل، وحينئذ لا يزيدُ على التصريح بذلك، وهو لو صرَّح وقال لامرأته: ستصيرين طالقا لم تطلّق بذلك اللفظ.\nورابعها: أنه لو قال للرجعية: أنت طالق ألزمته طلقة أخرى، وذلك يدل على الإنشاء لا على الخبر.\nوخامسها، أن الإنشاء هو المتبادر إلى الفهم في العرف فوجب أن يكون منقولا إليه.\nقال: والجوابُ، (٤٢) أما الأول فإنما يلزم الكذب لو لم يقدر فيها صاحب الشرع تقدم مدلولاتها بالزمن الفرد، وهو جائز ولا شيء فيه، فكان أوْلى من ادعاء النقل.\nقلت: قد مضى ما في قاعدة التقدير.\nوأجاب عن الثاني بأن حل الدور (٤٣) من حيث قاعدة التقدير، فلا يتم هذا الجواب أيضا.\n_________\n(٤٢) (أيْ جواب الحنفية)، كما عند القرافي، حيث قال: \"والجواب، قالت الحنفية: أما الأول فإنما يلزم\" ... الخ.\n(٤٣) في نسخة ح: بأن حدِّ الدور، وفي نسخة أخرى: بأن حال، ويظهر أن كلمة حل الدور باللام أوضح في المعنى المراد، وهو رد القول بالدور في هذه المسألة. وعبارة القرافي أكثر ظهورا ووضوحا في المقصود حيث قال: \"وأجاب عن الثاني بأن الدور غير لازم\". والمجيب هنا غير المالكية والشافعية، وهذا الغير هم الحنفية القائلون بأن صيغ العقود إخبارات على أصلها اللغوي، فقال مخالفوهم: إنها إنشائية منقولة عن الخبر إليه، محتجين لقولهم هذا بأمور:\nمنها أنها لو كانت أخبارًا لكانت كاذبة، لأنه لم يبع قبل ذلك الوقت، ولم يطلق قبل ذلك، والكذب لا عبرة به، لكنها معتبرة، فدل ذلك على أنها ليست أخبارا بل إنشاء، لحصول لوازم الإنشاء فيها من استتباعاتها لمدلولاتها وغير ذلك من اللوازم.","vol":"1","page":282},{"text":"قلت: والجوابات كلها مبنية على التقدير، والقول به ما تمَّ ولا ثبت، فهذه الأجوبة كذلك.\nقال شهاب الدين في الأجوبة كلها: إنها متجهة صحيحة، إلا الأخير فإن الجواب عنه لا يصح، إذ هو مكابرة، وقد قلنا ضعْفها من أين؟ وذكر أنه لم يَر هذه المباحث من الجهتين لأحد، وإنما هي من فضل الله عليه، فقد يريد أجوبة الحنفية التي ردها للتقدير، وأما المباحث التي قبلها فهي للإِمام فخر الدين صاحب المحصول، قدس الله روحه. (٤٤)\n_________\n= وثانيها: أي الأمور والوجوه المستدل بها على أنها إنشآت، أنها لو كانت أخبارا لكانت إما كاذبة فلا عبرة بها، أو صادقة فتكون متوقفة على تقدم أحكامِها، فحينئذ إما أن تتوقف عليها أيضا فيلزم الدورُ، أو لا تتوقف عليها فيلزم أن يطلق امرأته أو يعتق عبده وهو ساكت، وذلك خِلافُ الإجماع.\nفأجاب غير القائلين بهذا القول والوجه، وهم الحنفية، بأن الدور هنا غير لازم، لأن النطق باللفظ لا يتوقف على شيء، وبعْدَهُ بقدر تقدم المدلول، وبعْد تقدير المدلول يحصُل الصدق ويلزَمُ الحكمُ، فالصدق متوقف مطلقا، واللفظ متوقف عليه مطلقا، والتقدير متوقف على النطق ويتوقف عليه الصدق، فهذه أمور ثلاثة مترتبة بعضها على بعض، وليس فيها ما هو قبل الآخَر وبعْدَه حتى يلزم الدّوْرُ، بل هي كالابن والأب والجد في الترتيب والتوقف، فاندفع الدَّور.\nفهذا جواب الحنفية عن الوجْه أو الأمر الثاني الذي استدَلَّ به غيرهم على أن صيغ العقود إنشآءات، حيث ردوا في جوابهم هذا ما يلزمهم من الوقوع فى الدور حين قولهم بأن صيغ العقود إخبارات، وكذا التفصيل لكلام غير الحنفية وجوابهم، وتوضيحه يظهر ما قاله البقوري في هذا الموضوع، وذكره بإيجاز واختصار، إذ الاختصار يبقي الكلام ومعناه أحيانا غير واضح الدلالة والبيان والتصور في الأذهان، وذلك هو الباعث على نقل كلام القرافي فيه بالإكمال والتمام، والله الموفق والمستعان.\n(٤٤) وقد عقب الفقيه ابن الشاط على قول الحنفية وغيرهم، واحتجاجات كل طرف لوجهة نظره ورأيه ومذهبه فى صيغ العقود، هل هي من قبيل الإنشاء أم من قبيل الخبر، فقال:\nأما احتجاجات غير الحنفية فصحيحة على تقدير أن المرام الظن، حاشا الأخير منها فهو قوى، يمكن فيه ادعاء القطع، (وهو أن الإنشاء هو المتبادر (أي في العرف) إلى الفهم (من صيغ العقود)، فوجب أن يكون منقولا كسائر المنقولات الدَّالة على معان غير المعاني الأصلية لها في الوضع.\nوأما جوابات الحنفية فضعيفة كما قال ابن الشاط ﵀، وأوضح وجه ضعفها.\nوجميع الأقوال ووجوه الاستدلال لكل مبسوطة عند القرافي في الفرق ومسائله، وعند الشيخ ابن الشاط فى تعليقه وتعقيبه على كلام القرافي رحمهما الله ورحم سائر المسلمين.","vol":"1","page":283},{"text":"ثم قال شهاب الدين ﵀: ولْنُرْدِفْ ذلك بمسائل جليلة ومباحث جميلة.\nالمسألة الأولى: ممَّا يتوهّم أنه إنشاءٌ وليس كذلك، بل هو خبر، الظهار في قول القائل لامرأته: أنت علي كظهْر أمّى، يعتقد الفقهاء أنه إنشاء للظهار، كقوله: أنتِ طالق، إنشاء للطلاق، وليسا سواء، وبَيانهُ من وجوه:\nأحدها أنه قد تقدَّم أن من خصائص الخبَر قبولَ التصديق والتكذيب، والإنشاء بالعكس، والظهار موصوف بالكذب في القرآن من ثلائة أوجه: أحدها قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فأكذبهم.\nالثاني قولهُ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾، والِإنشاء للتحريم لا يكون منكرًا، بدليل الطلاق، وإنما يكون منكرا إذا جعلناه خبرا، فإنهُ حينئذ كذِبٌ.\nالثالث قوله: ﴿وَزُورًا﴾، والزور هو الخبرُ الكذب. (٤٥)\nقلت: أما قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ تكذيب، فليس بصحيح، لأنهم ما ادعوا أنهم أمهاتهم، بل قالوا: أنتِ علىّ كظهر أمّى، وإنما يكون تكذيبا لو قال الرجل: أنتِ أمّى لزوجه، وليس الظهار هكذا، وإنما المراد، هذا الحكم لا يلحقه، من حيث إنه ألحقه بعلة، وهى تشبيهُها بأمِّهِ، والأم حرمت بالعلّة التي فيها من الأمومة، وليس توجد تلك العلة في الزوجة أبدا. وقوله: ﴿مُنْكَرًا﴾ كذلك، حيث سوى بين المتنافيين. وقوله: ﴿زُورًا﴾، المراد بالزور، الباطل الذي هو أعم من الكذب لا الكذب.\n_________\n(٤٥) علق الفقيه ابن الشاط على هذا الوجه الثالث بقوله: \"ما قاله القرافي في هذا الوجه ظاهر متَّجِهٌ. قلت: وهو بذلك يسير مع القرافي في قوله ومذهبه في اعتبار صيغة الظهار من قبيل الخبر لا من قبيل الإنشاء، على أنه سيأتي قوله في آخر تعليقه على ما ورد عند القرافي في الوجه الثاني المبيّن لكون الظهار من قبيل الخبر، فقد قال: وهو غير المذْهب. فلينظر وليتأمل","vol":"1","page":284},{"text":"قال شهاب الدين: وثانيها أجْمعنا على أن الظهار يحرّمُ، وليس للتحريم مدْرَكٌ إلا أنه كذب، والكذب لا يكون إلا في الخبر، فيكون خَبَرًا. (٤٦)\nقلت: قوله: \"وليسَ للتحريم مُدْرك إلا أنه كذب، ممنوع، بل مُدْرَكه تشبيه الزوجة التي يحلُّ وطْؤها - وحثَّ الشرع على وطئها - بالأم التي حرم الشارع وطْأها، فكان قد أتى بحكم خالف حكم الله الذي انبنى على الحكمة، فهذا هو مُدْرَكُهُ، وهو الحق، لا ما ذكره، والله أعلم.\nقال ﵀: وثالثها أن الله شرع فيها الكفارة، وأصل الكفارة أن تكون زاجرة ماحية للذنوب، فدل ذلك على التحريم، وإنما يثبت التحريم إذا كان كذبًا.\nقلت: قولك: \"وإنما يثبت التحريم إذا كان كذبا، ممنوع، بل ثبت التحريم بما ذكرنا، وهو ظاهر، لا أنه كذب.\nقال ﵀: ورابعها قوله تعالى بعد ذكر الكفارة: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ (٤٧)، والوعظ إنما يكون من المحرمات، (٤٨) كذلك أيضا قال، يكون محرّما، وما ذلك إلا لأنه كذِبٌ.\nقلت: قوله فيها (أي في هذه الوجوه الاربعة التي استدل بها على أن الظهار خبر) بأجمعها واحد، والرَّد عليه كذلك واحد.\n_________\n(٤٦) قال ابن الشاط معقبا على كلام القرافي هنا: لا نسلم أنه ليس للتحريم مدْرَك إلا أنه كذب، بل له مُدْرَك غيْرُه كما في الطلاق الثلاث، والجواب بأن الطلاق الثلاث هو المحرم لا لفظه به، ليس بصحيح، فإن المطلق ثلاثا في لفظ واحد يَصْدُر منه ما يتعلق به التحريم غير ذلك اللفظ، ولم يجمع بين الطلقات إلا باللفظ، أما بغيره فلا يتجه ولا يتأتى، بل يكون على قول من يلزمه بمجرد النية.\nثم زاد قائلا: وقول القرافي: وأما تحريم الظهار فلأجل اللفظ، قلت: هذه دعوى. وقوله: وليس في اللفظ ما يقتضى التحريم إلا كونه كذبا، قلت: هذه أخرى، وقوله: لأن الأصل عدم غيره (أي الكذب) قلت: هذا ممنوع، ولا يصح إلا على أن الظهار خبر وهو غيْرُ المذهب، فكيْفَ يبنى عليه الدليل. انتهى كلام ابن الشاط ﵀. فليتأمل فيه بفهم وبعد نظر.\n(٤٧) سورة المجادلة، الآية ٣.\n(٤٨) كذا في النسختين: من المحرمات، وعند القرافي: عن المحرمات، ويظهر أن حرف عن أظهر، لما في معنى الوعظ من النهي والزجْر، وهو يتعدى بحر الجر عن.","vol":"1","page":285},{"text":"كذلك أيضا ذكر استدلالا من حيث قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، وأنهما يستلزمان المعصية، ولا مُدْرَكَ للمعصية إلا الكذبُ، والرد عليه فيه واحد. فقد ظهر ضعف مقالِهِ هنا، وأن الحق ما يقوله الفقهاء أن الظهار إنشاء لا خبرٌ، واللهُ أعلم. (٤٩)\nومما يُقَوى أنه إنشاء بكاء المرأة على النبي - ﷺ -، التي ظاهَرَ منها زوجُها، وقوُلها له: إنّ لى صِبْيةً، إن أخذهم ضاعوا، وإن أخذْتهم جاعُوا، مع قوله ﵊: \"ارجعى إلى ابن عمك\" وغيرُ ذلك، فإن القصة تدلُّ على أن الظهار كان تحريما مؤبَّدًا، وهو المناسب للتشبيه بالأمّ، والأصل عدم النقل، فيبقى في الإسلام كذلك حتى يأتي ما يرفعه، والذي رفعه هو الكفارة، وأمّا قبل نزول الآية فكان على ما كان عليه في الجاهلية. وأيضا فهو لفظ يترتب عليه التحريم فيكون إنشاء (٥٠)، إذ هذه خاصة الإِنشاء.\n- وتكلّف شهاب الدين ﵀ الجواب عن هذا، وما رأيت التطويل بذلك، لأن التكلف فيها بيّنٌ من أوّل المسألة، فالحَقُّ أنهُ إنشاءٌ.\nقال: وأما قول الفقهاء: له صريحٌ وكناية، كما قالوا في الطلاق، فذلك ليس يدل على أنهم يعتقدون أنه إنشاء، بل المرادُ أن الظهار يتفاوت في مراتب الكذب، فالصريح أقبَحُ وأشنع.\n_________\n(٤٩) قلت: وقد سبق تعليق الفقيه ابن الشاط على أن اعتبار صيغة الظهار من قبيل الخبر غير المذهب، وهو مما يلمح إلى اعتبارها من قبيل الإنشاء ويدل عليه، وهو ما انتهى إليه الشيخ البقوري ﵀، وأخذ يأتي بما يدل له ويقويه، فخالف قول شيخه القرافي في هذه المسألة. وقصة المرأة وهي خَولَة بنتُ ثعلبة، زوجُ أوْسِ بن الصامت ذكرها علماء التفسير والحديث وتعرضوا لها بتفصيل في مطلع كلامهم عن سورة المجادلة، وفي مقدمتهم الحافظ ابن كثير في تفسيره الشهير. ومما ورد في كتبهم وكتب المحدثين والفقهاء أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الله تعالى في الإسلام تحريما تُحِلُّهُ الكفارة كما تُحِلُّ الرجعة تحريم الطلاق.\n(٥٠) عبارة القرافي هنا ﵀: \"فيكون سببًا له (أي للتحريم)، والإنشاء من خصائصه أنه سبب لمدلوله، وثبوت خصيصية الشيء يقتضى ثبوته، فيكون (أي الظهار) إنشاء كالطلاق، وهي تزيد عبارة الشيخ البقوري وضوحا وبيانا أكثر.","vol":"1","page":286},{"text":"قلت: هذا من أبْعدِ شيء، بل الظاهر بالصريح ما يدل على القصد نصًّا، والكناية ما يدل على القصد من الظهار لا كذلك، كما الأمر في الطلاق.\nونقل شهاب الدين أقوالا للفقهاء، هي تدل بظاهرها على أن الظهار كالطلاق إنشاء وليس خبرًا من الأخبار، وتكلم على ما نقل، رجاء أن يتحقق له ما ادعاه من أن الظهار خبر لا إنشاء، والظاهر خلاف ما يقول شهاب الدين في هذه المسألة، وقد اعترف بذلك آخر الفصل وقال: لم أر أحدا تعرض لأقاويلهم على هذا الوجه، ويريد بالتأويل، ثم قال: بل ظاهر كلامهم أن الظهار إنشاء كالطلاق، والله أعلم بمرادهم، غير أن الذي تقتضيه القواعد قد أوضحته لك غاية الإِيضاح.\nقلت: قد ظهر إيضاحه أنه كلا إيضاح، واستدلاله ضعيف، والله أعلم.\nالمسألة الثانية: إذا قال لامرأته: أنت طالق ولا نية له، المتبادر إلى الأفهام أنه يلزم الطلاق بالوضع اللغوي، بخلاف الكنايات، وليس كذلك، بل إنما يفيده بالوضع العُرفي، وأصل وضعه لغة في إزالة القيد، كان ذاك القيد أي شيء، لا يتخصص بشيء ما، ثم تخصيص ذلك بإزالة قيد ما، نقل عن ذلك العام إِلى ذلك الخاص بالمجاز إن كان غير قيد العصمة، وبالعرف إن كان قيد العصمة، ولا يلزم أن يكون الناقل شرعا بل الناقل يكون شرعا أو غيره، ولهذا نقول: الحقائق أربعة: الحقيقة اللغوية، والحقيقة الشرعية، والحقيقة العرفية الخاصة، والعامة، فهذه حقيقة عرفية عامة، لأن العرب نقلت هذا النقل، والعرب هي التي جعلت أسماء العقود إنشاءات بعد أن كانت إخبارات (٥١).\n_________\n(٥١) قال ابن الشاط هنا: لا نسلم له (للقرافي) أن قول القائل لامرأته: أنت طالق، عبارة عن إزالة مطلق القيد، بل الظاهر من اللغة أنه لفظ موضوع فيها لإزالة قيد عصمة النكاح أو للإخبار عن ذلك. وما استدل به من أن لفظ الطاء واللام والقاف موضوعة في اللغة لإزالة مطلق القيد لا يسلَّم أيضًا، وهو دعوى، وذلك هو المسمى عند النحاة بالاشتقاق الكبير، وليس بقوى عند المحققين. وما قاله من أن لفظ أنت طالق، دلالته على إنشاء إزالة قيد العصمة عرفية لغوية، يتجه لرجحان دعوي المجاز على دعوى الاشتراك. اهـ.","vol":"1","page":287},{"text":"وفائدة الفرق بين أن يكون لفظ الطلاق يفيد الطلاق وضعا أو عرفا، أنا إذا قلنا: وضعًا، فالأصل أن يلزم به الطلاق حتى يأتي ما يدل على أنه لا يراد به ذلك، وإذا قلنا: عرفًا، فالأصل أن لا يلزم به الطلاق حتى يتحقق ذلك العرف في ذلك الزمان، فإن العرف يختلف بحسب العوائد (٥٢).\nالمسألة الثانية: وقع لمالك في التهذيب وغيره أن قول القائل: \"حبلك على غاربك\" يلزمه الطلاق الثلاث، ولا تقبل نيته أنه أراد أقل منها. وقال ابن القاسم: قول القائل: أنا منك بائن، وأنت منى بائنة، لا يُنَوي قبل الدخول ولا بعده، بل يلزمه الثلاث. وإذا قال في الخلية والبرية والبائن: لم أرد طلاقا، فإن تقدم في كلامه ما يكون هذا جوابا له صدّقَ، وإلا فلا. وقال الشافعى: النية تابعة لما ينويه من العدد. وقال أبو حنيفة: إن نوى الثلاث لزمه الثلاث، أو واحدة فواحدة، وكذلك قولهما في حبلك على غاربك. وقال ابن حنبل: يقع الطلاق بالخلية والبرية والبائن، وحبلك على غاربك (٥٣) والْحَقى بأهلك، والبتة، والبتْلة بغير\n_________\n(٥٢) ومثل هذا الكلام نجده هنا كذلك عند ابن الشاط بعد نفيه وسلبه الصحة عما جاء في كلام القرافي في المسألة، فقال: فإنه كما يتبدل العرف من العرف، كذلك يتبدل العرف من اللغة، وإلزام العقود من الطلاق وغيره مبنى على نية المتكلم أو عرفه، لا على اللغة ولا على عرف غيره، هذا فيما يرجع إلى الفتوى. وأما ما يرجع إلى الحكم فأمر آخر لمنازعة غيره له، فإنما يحكم بعرفه لا بنيته، لاحتمال كذبه فيما يدعيه من النية، فالحكم مترتب على العرف، سواء كان ذلك العرف ناقلا عن اللغة أم عرف سابق عليه ناقل عن اللغة.\nوعلى الجملة، فالاعتبار بالاستعمال الجاري في زمن وقوع العقد، فإن كان لغة جرى الحكم بحسبه، وإن كان عرفًا ناسخًا لها أو لعرف ناسخ لها فكذلك، هذا إن لم يقصد ما رأيته، فإن لفظه فيه احتمال. انتهى كلام ابن الشاط ﵀، وهو كلام دقيق ومفيد، يفيد المفتى والقاضى في كثير من نوازل الأحكام والقضايا، لا في هذه المسألة فقط التي هي محل تعليقه وتحقيقه، والله أعلم.\n(٥٣) الغارب في اللغة هو الكاهل، أو ما بين الظهر والسَّنام والعنق في الدابة. وأصل هذا التعبير أن راكب الدابة إذا أراد أن يطلقها تسير في المرعى كما شاءت، فإنه يطلق إمساكه بلجامها، ويضعه على ظهرها لتنطلق حرة في المرعى. وكذلك جاءت كلمة خلية من الخلو، وهو الفراغ، وبرية من البراءة، حيث تكون الزوجة خالية وفارغة من علاقتها وعصمتها الزوجية، وبريئة منها بحكم انحلال ميثاق الزوجية بالطلاق. وهذه الألفاظ والعبارات هي من ألفاظ الكناية الصريحة في الطلاق.","vol":"1","page":288},{"text":"نية، لشهرتها، ويَلزم بالخلية، والبرية، والحرام، والحقي بأهلك، وحبلك على غاربك، ولا سبيل لي عليك، وأنت علي حرام، واذهبي، وتزوجي، وغط شعرك، وأنت حرة،\n_________\n= فقد قسم الفقهاء ألفاظه إلى أربعة أقسام هي:\nاللفظ الصريح، وهو ما فيه لفظ الطلاق، فيلزمه الطلاق بأية صيغة، مثل طلقتك، أو أنت طالق .. الخ\nوالثاني الكناية الظاهرة أو الصريحة، وهي التي جرت العادة أن يطلق بها بالشرع أو في اللغة، كلفظ التسريح أو الفراق، وكقوله لها: أنت بائن، أو بتَّة أو بَتلة (من البتل وهو القطع)، وما أشبه ذلك، فحكم هذا كحكم الصريح. وقال الشافعى: يرجع إلى ما نواه ويصدق في نيته.\nوالقسم الثالث من ألفاظ الطلاق الكناية المحتملة كقوله لها: إلحقي بأهلك، واذهبى، وابعدي عني، وما أشبه ذلك، فهذا لا يلزمه الطلاق إلا أن نواه، وإن لم ينوه قبل قوله في ذلك.\nوالقسم الرابع ما عدا الصريح والكناية من الألفاظ التي لا تدل على الطلاق، نحو اسقني ماء، وإن أراد به الطلاق لزمه على المشهور، وإن لم يرده لم يلزمه.\nوموضوع الطلاق وألفاظه ذكرها كثير من الفقهاء في كتبهم، وتوسعوا فيه ودققوا، فأعطوه حقه من البحث والدراسة واستخلاص الأحكام المتعلقة به، صونا للعلاقة الزوجية من أن تكون فيها شبهة، وصيانة للأنساب من الاختلاط، وصونا للأعراض من المساس بها فجزاهم الله خيرا.\nقال الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵀ في رسالته الفقهية الشهيرة: \"ومن قال لزوجته: أنت طالق البتَّة فهى ثلاث، دخل بها أم لم يدخل ... قال شارحها الشيخ أبو الحسن ﵀: \"ولا ينوَّى\" بضم الياء وفتح النون وتشديد الواو، أي لا يسأل عن نيته، ولا تطلب منه). وقال: ما ذكره هو مذهب المدونة، وشهره ابن بشير، وقيل: ينوَّى في التي لم يدخل بها، وشهره ابن الحاجب فيها وفي سائر الكنايات الظاهرة.\nثم قال ابن أبي زيد: فإن قال لها: أنت بريَّة أو خلية أو حرام، أو حبلك على غاربك، فهى ثلاث في التي دخل بها، وينوَّى في التي لم يدخل بها، أي ينوَّى في عدد الطلاق لا في إرادة غيره اهـ.\nوقد أتى الشيخ علي العدوي الصعيدي ﵀ في حاشيته على شرح أبي الحسن على الرسالة بمعانى هذه الكلمات، وبيان مدلولاتها فقال: برية من البراءة أي برية من الزوج، وخلية، أي خلا الجسم من عصمة النكاح، وحرام، أي ممنوعة منى للفرقة، وحبلك على غاربك، أصله أن يفسخ خطام البعير عن أنفه، ويلقى على غاربه، وهو مقدم سنامه، ويسيب للرعى، فكأن الزوج يقول لها: قد سيبتك وصرت مستقلة لا زوج لك.\nقلت: وسيأتي كلام مهم جدا لكل من شهاب الدين القرافي، وقاسم ابن الشاط حول هذه الالفاظ وكناياتها، وإلى أي حد يمكن حملها على الطلاق في كل الأزمان والأحوال كما نص عليه الفقهاء في مختلف كتبهِم، وهو كلام يدعو إلى التأمل جيدا، وأخذه بعين النظر البعيد والتفكير السديد، وذلك في آخر التعليق رقم ٥٩ من هذه المسألة الثالثة التي هي موضوع التعليقات.","vol":"1","page":289},{"text":"الثلاث. وقال أبو حنيفة في ذلك كله بواحدة. وقال ابن العربي: الصحيح أن حبلك على غاربك، والخلية، والبرية، والبتة، والبتلة، واحدة، (أي طلقة واحدة).\nوإذا قال الرجل: كل حلال علي حرام، حرم الأزواج، إلا أن يخرجهن بنيته أو بلفظه، ولا يخرج غيرهن، وقال ابن عبد الحكم: لا شيء عليه إذا كان من بلد لا يريدون به الطلاق. وقال صاحب الاستذكار (٥٤). في الحرام أحد عشر قولا. قال الإِمام أبو عبد الله (٥٥): وأصل اختلاف الأصحاب في الألفاظ، أن اللفظ إن تضمن البينونة والعدد، نحو أنت طالق ثلاثا لزم الثلاث. ولا ينوَّى -اتفاقا- في المدخول بها وغير المدخول بها، وإن دل على البينونة فقط فينظر، هل تمكن البينونة بالواحدة أو تتوقف على الثلاث إذا لم تمكن معاوضة، فإن أمكنت فواحدة، وإلا فالخلاف، فإن دل على عدد، غالبا، ويستعمل في غيره نادرًا، فهل يحمل على الغالب عند عدم النية أو على النادر مع وجوده في الفتيا، وإن تساوى الاحتمال وتقارب قبلت نيته في الفتوى والقضاء، وإن عدمت النية فهل تحمل على الأقل، استصحابا للبراءة الأصلية، أو على الأكثر احتياطا (٥٦).\n_________\n(٥٤) هو الحافظ الحجة، إمام الفقه والسنة، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمرى الأندلسي، المتوفى سنة ٤٦٣. ويعتبر كتاب الاستذكار هذا من أجل وأعظم مؤلفاته العلمية القيمة، شرح به بعد التمهيد ما جاء في موطأ الإِمام مالك ﵀ شرحا واسعا مفصلا، ومرتبا على أبواب الموطأ، ولم يطبع منه فيما أعلم إلا جزآن، والآثار، وليس هو اختصارا للتمهيد كما قيل، واختصره بعد ذلك في كتابه الكافي الذي طبع مؤخرا.\n(٥٥) المراد به -كما صرح به القرافي هنا- أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمى المازري المتوفى سنة ٥٣٦، أحد أعلام المذهب المالكي، مؤلف شرح البرهان، وشرح التلقين للقاضي عبد الوهاب البغدادى شرحا جليلا لا يزال في عالم المخطوطات.\n(٥٦) قال القرافي هنا ﵀: والمشهور في الحرام أنها تدل على البينونة، وأنها لا تحصل في المدخول بها إلا بالثلاث، وفي غيرها بالواحدة، ولكونها غالبة في الثلاث حملت قبل الدخول على الثلاث، وينوَّى في الأقل. والقول بعدم البينونة بناء على عدم ثبوتها وعدم وضعها للثلاث في العرف، كقوله: أنت طالق ثلاثا. والقول بالواحدة البائنة مطلقا بناء على حصول البينونة قبل الدخول وبعد الدخول، وأنها لا تفيد عددا. ونقل عن ابن سلمة أنها واحدة رجعية، بناء على أنها كالطلاق. قال: وعلى هذه القاعدة تتخرج الفتاوى في الألفاظ، انتهى كلام القرافي ﵀.","vol":"1","page":290},{"text":"إذا ثبت ما ذكره الفقهاء فنقول:، (٥٧)\nإنما تصير هذه الألفاظ موجبة لما ذكره مالك ﵀ بنقل العرف لها في رتب:\nإحداها أن ينقلها عن الإخبار إلى الإِنشاء.\nوثانيها أن ينقلها لرتبة أخرى، وهى إنشاء زوال العصمة الذي هو إنشاء خاص، أخص من مطلق الإِنشاء، فإن القاعدة أن الدال على الأعم غير دال على الأخص.\nوثالثها: أن ينقلها العرف إلى المرتبة الخاصة من العدد، وهى الثلاث، فإن زوال العصمة أعم من زوالها بالعدد الثلاث، فلهذه الرتبة أشار الإِمام أبو عبد الله. لكنه بقي في القاعدة التي أشار إليها أغوار لم يفصح بهها وهو يريدها، وهي أمور.\n_________\n= قلت: ومحل هذا -كما هو جلي وواضح من سياق الكلام، هو الطلاق بعد الدخول وقبله بلفظ الحرام وصيغته بأن يقول الزوج لزوجته: أنت على حرام. أما مجرد الطلاق بألفاظه وصيغه المعهودة شرعا ولغة كقوله لها: طلقتك، أو أنت طالق، فهو بعد الدخول يعتبر طلقة رجعية، وقبل الدخول يعتبر طلقة بائنة بينونة صغرى، يمكن معها للزوج أن يتراجع ويعقد على زوجِهِ من جديد مرة أخرى. وكل ما هناك أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، لقول الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.\nهذا وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن قانون مدونة الأحوال الشخصية المغربية التي صدر بها الظهير الشريف في غشت ١٩٥٧، والمطبقة في أحكام الزواج والطلاق نصت في بعض فصولها على ما يأتي:\nف. ٤٦: يقع الطلاق باللفظ المفهم له وبالكتابة، ويقع من العاجز عنهما بإشاراته المعلومة.\nف ٦٠: الحلف باليمين أو الحرام لا يقع به الطلاق.\nف ٦١: الطلاق المقترن بعدد، لفظا أو اشارة أو كتابة، لا يقع إلا واحدا.\nف ٦٢: الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه لا يقع. ومعلوم أن حكم الإِمام وقراره في المسألة الفقهية يرفع الخلاف الواقع فيها، ويعمل بحكمه فيها، كما نص على ذلك أهل العلم والفقه في الدين.\n(٥٧) هذا الكلام للقرافي، وليس للبقوري كما قد يتبادر إلى الذهن.","vol":"1","page":291},{"text":"أحدها أن هذه الإفادة عرفية لا لغوية (٥٨)، وأنها نَقلتْهُ بالنقل العرفي لا باللغوي.\nوثانيها أن مجرد الاستعمال وإن تكرر لا يكفى في النقل، بل لا بد من حالة لا يحتاج فيها إلى نية في فهم ذلك المعنى من ذلك اللفظ المنقول، فهذا هو المنقول.\nفإذا تقررت هذه القاعدة على هذا، فظاهرٌ أن أكثر هذه الألفاظ لا نجد أحدا في بلدنا يذكرها، فضلا عن أن يعرف مقتضاها، فضلا عن أن ينوى بها شيئًا مَّا أم لا.\nفإذا كنا نقول: إذا تكررت فلا يلزم بها شيء بمطلق التكرار إلا إذا نوى، فأحرى وأولى أن لا يلزم بها شيء في بلاد لا تستعمل فيها إذا لم ينو، ولفظ الحرام يستعمل وتختلف الحال فيه. ففى بلاد مصر هو دال على مطلق الطلاق. أما على الثلاث فلا، هكذا قال شهاب الدين ﵀. فلو كان إطلاقه في بلد يستعملونها فيها على الثلاث لزمه الثلاث. قال: وإياك أن تقول: إنا لا نفهم منه إلا الطلاق الثلاث، لأن مالكا قاله، أو لأنه مسطور في كتب الفقه، لأنه غلط، بل لا بد أن يكون ذلك الفهم حاصلا من جهة الاستعمال والعادة، ويحصل لك ولسائر العوام على السواء.\nوإذا تقرر هذا فيجب علينا أمور:\nأحدها أن مالكا وغيره إنما أفتوا بهذه الأحكام في هذه الألفاظ، لعوائد كانت في زمانهم اقتضت نقل تلك الألفاظ للمعانى التي أفتوا بها، صونا لهم عن الزلل.\nوثانيها أنا إذا وجدنا زمانا عاريا عن تلك العادة وجب علينا أن لا نقضي\n_________\n(٥٨) عبارة القرافي: \"أحدها أن هذه الألفاظ عرفية لا لغوية، وأنها تفيد بالنقل العرفي لا بالوضع اللغوي\".\nوعلق عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله في ذلك صحيح ظاهر.","vol":"1","page":292},{"text":"بتلك الأحكام (٥٩)، كما نقول في النقود وغيرها، حيث نقضي بالسكة التي وقع التعامل بها في ذلك الوقت، وكذلك نفقات الزوجات تختلف بحسب العوائد.\nوبالجملة، أشياء كثيرة يُقضَى فيها بحسب العوائد، فوجب أن تكون الفتوى متغيرة بحسب العادة، وإلا كان ذلك غلطا بينا بإحماع.\nفعلى هذا، فالحق أن أكثر هذه الألفاظ التي تقدم ذكرها ليس فيها إلا الوضع اللغوي، وكانت حقيقة لا يلزم بها طلاق ولا غيره إلا بالنية، وإن لم تكن له نية لم يلزمه شيء حتى يحصل فيها نقل عرفي، ذلك النقل العرفي ثابت في ذلك الزمان، يوجب بها ذلك الطلاق، أي نوع كان، فيتبع على ما هو عليه.\nفإن قلت: ما ذكرته من الحق يتعين اتباعه، فما سبب اختلاف الصحابة ﵃ في هذه الألفاظ، ومن بعدهم من العلماء؟\n_________\n(٥٩) عبارة القرافي ﵀ أتم وأكمل، وهي: إذا وجدنا زماننا عريا عن ذلك وجب علينا ألا نفتى بتلك الأحكام في هذه الألفاظِ، لأن انتقال العوائد يوجب انتقال الأحكام، كما نقول في النقود وغيرها.\nوقد انتهى الإِمام القرافي في كلامه هنا إلى مراعاة العوائد في الفتوى، وأنه متى تغيرت العادة في المسألة تغير الحكم بإجماع المسلمين، وحرمت الفتيا بالأول. قال: \"وإذا وضح لك ذلك اتضح لك أن ما عليه المالكية وغيرهم من الفقهاء، من الفتيا في هذه الألفاظ (أي ألفاظ الكناية الظاهرة مثل حبلك على غاربك، أو أنت برية أو خلية الخ) بالطلاق الثلاث هو خلاف الإجماع، وأن من توقف منهم عن ذلك ولم يجر المسطورات في الكتب على ما هي عليه، بل لاحظ تنقل العوائد في ذلك أنه على الصواب، سالم من هذه الورطة العظيمة\" اهـ كلام القرافي.\nوقد علق الفقيه المحقق قاسم بن الشاط على ذلك بقوله: ما قاله القرافي ظاهر صحيح. والله أعلم.\nثم قال ابن الشاط بعد ذلك: المستعمل لهذه الألفاظ، إن كان استعماله إياها، وفيها عرف وقتي لزم حملها عليه، وإلا فعلى الشرعي، وإلا فعلى العرفي، وإلا فعلى اللغوي. فإن أفتى الفقيه الوقتي بهذا الترتيب عند وجود العرف الوقتي فهو مصيب، وإن أفتى عند وجود العرف الوقتى باعتبار العرف الشرعى أو اللغوي العرفي أو اللغوي الأصلى وألغى العرف الوقتي فهو مخطئ. انتهى كلام ابن الشاط ﵀.\nومما ذكره الامام القرافي هنا، ﵀، وزاده توضيحا وبيانا وتفصيلا، واختصره الشيخ البقوري فلم يذكره، وهو كلام مهم ومفيد في هذا الموضوع قول القرافي ﵀:","vol":"1","page":293},{"text":"قلت: سبب اختلافهم، اختلافهم في وقوع النقل العرفي، هل وجد فيتّبع، أو لم يوجد فيتبع موجِب اللغة؟ وإذا وجد النقل فهل في أصل الطلاق فقط، أو فيه مع البينونة، أو مع العدد، لما تقدم تقريره، وإذا لم يوجد نقل عرفي ونُفىَ موجب اللغة، فهل نلاحظ نصوصا (٦٠) اقتضت حكما في مثل هذه، وتقاس هذه عليها أم لا؟ (٦١)\nفإن قلت: فلعل مدرك مالك نصّ أو قياس، فتستمر فتاويه في جميع الأعصار والأمصار، ولا تتغير بتغير العوائد، وعلى هذا يكون المفتى بالمنقول في الكتب قال صوابا لا خطأ، ولم يجتمع مع مالك حتى يسأله عما في نفسه، ومع الاحتمالين لا تتعين التخطئة، ويجب اتباع موجِب المنقولات عن الأئمة من غير اعتراض، لأننا مقلدون لهم لا معترضون عليهم. قلت: الجواب عن هذا السؤال من وجوه:\n_________\n= \"ومن الأغوار التي لم ينتبه إليها الإِمام أبو عبد الله المازري أن المفتي إذا جاءه رجل يستفتيه عن لفظة من هذه الألفاظ، وعُرْفُ بلد المفتى في هذه الألفاظ الطلاق الثلاث أو غيره من الأحكام، لا يفتيه بحكِم بلده، بل يسأله: هل هو من أهل بلد المفتى فيفتيه حينئذ بحكم ذلك البلد، أو هو من بلد آخر، فيسأله حينئذ عن المشتهر في ذلك البلد فيفتيه به، ويحرم عليه أن يفتيه بحكم بلده، كما لو وقع التعامل ببلد غير بلد الحاكم حرم على الحاكم أن يلزم المشتري بسكة بلده، بل بسكة المشتري إن اختلفت السكتان، فهذه قاعدة لا بد من ملاحظتها. وبالإحاطة بها يظهر لك غلط كثير من الفقهاء المفتين، فإنهم يجرون المسطورات في كتب أئمتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار، وذلك خلاف الإجماع. وهم عصاة آثمون عند الله تعالى، غير معذورين بالجهل، لدخولهم في الفتوى وليسوا أهلا لها. ولا عالمين بمدارك الفتوى وشروطها واختلاف أحوالها.\nفالحق أن هذه الألفاظ التي تقدم ذكرها ليس فيها إلا الوضع اللغوي، وانها كنايات خفية لا يلزم بها طلاق ولا غيره إلا بالنية، وإن لم تكن له نية لم يلزمه شيء حتى يحصل فيها نقل عرفي كما تقدم بيانه، فيجب اتباع ذلك النقل على حسب ما نقل اللفظ إليه من بينونة أو عدد أو غير ذلك، فهذا هو دين الله الحق الصريح، والفقه الصريح اهـ.\nوقد رأيت أن أنقل هذا الكلام للقرافي، من كتاب الفروق على ما فيه من طول لأهميته ودقته، ولكن ما قاله في الألفاظ المستعملة في الكنايات الصريحة للطلاق، جاء على خلاف ما هو عِندَ جل الفقهاء في كتبهم دون تبيين وتفصيل في ذلك. فليتأمل، والله أعلم الحقِّ والصواب.\n(٦٠) في نسخة ح: فهل يلاحظ نصوص (بالبناء للمجهول).\n(٦١) هذا التساؤل وأجوبته من كلام القرافي في هذا الموضوع، ليست من كلام البقوري، وإنما هو ناقل لذلك وملخص له.\nوقد علق عليه ابن الشاط بقوله: سبق القول في ذلك، وأن المعتبر العرف الوقتي إن كان، وإلا فالشرعي، وإلا فاللغوي، وإلا فالأصلي، فإن أراد ذلك فما قاله صحيح.","vol":"1","page":294},{"text":"أحدها أن المعرفة (٦٢) بأن الألفاظ المذكورة هي في اللغة للإخبار، وما دلت على الإنشاء إلا بالنقل، وهي مما ندركه (٦٣) إدراكا بينا. وأيضا لا يمكن أن يكون مدركهم القياس، فإنا نعلم ما يتعلق بالقياس من شرائطه وغيرها، وعلمنا بذلك يدفع ادعاء القياس. وأيضًا فالإمام أبو عبد الله المازرى ممن له الإمامة في العلوم والمشاركة، وقد تقدم ما قاله في هذه المسألة من القواعد، وأشار إلى ما قلناه من أن سبب الخلاف فيها راجع إلى العوائد، وأيضا فالناظر في المسائل الفقهية نظر تحقيق، ما يعرف أنه وجَد فيها مدرَكا مناسبا إلا العوائد، والخروج عنها التزام للجهالة من غير معنى مناسب (٦٤).\nالمسألة الرابعة: إعلم أن الإنشاء كما يكون بالكلام اللسانى، كذلك يكون بالكلام النفسانى (٦٥). وبيانه أن نقول: أن الألفاظ تابعة لما في النفس، فالذي يصدر منه الإنشاء باللفظ ما صدر منه إلا بعد تصور الإنشاء بباطنه، فإذا لم يكن فكيف يقع الكلام اللساني ترجمانا لما في النفس حتى تنتقل الأملاك عن طيب نفس (٦٦) الذي لا يصح بغير طيب النفس.\n_________\n(٦٢) في نسخة ح: أن العرف.\n(٦٣) في نسخة ح: مما يدركه (بالياء)، فيكون الضمير عائدا على الإِمام مالك أو المفتى في هذه المسائل، ويمكن أن يكون بصيغة الجمع (يدركونه) فيكون الضمير عائدا على مجموع الفقهاء المفتين في هذه المسائل على مقتضى مذهب الإِمام مالك، وصيغة الجمع تتناسب مع العبارة الآتية بعدها وهى: \"وأيضا لا يمكن أن يكون مدركهم القياس .. \"\n(٦٤) قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان في مجال المعاملات، قاعدة مقررة عند علماء الفقه والأصول، وقد توسع فيها وفي الحديث عنها أحد الأئمة والفقهاء الأعلام الحافظ الحجة ابن قيم الجوزية ﵀، وذلك في الجزء الأول من كتابه الشهير والذائع الصيت مشرقا ومغربا، أعلام الموقعين. فليرجع إليه من يرغب في التوسع في ذلك حتى يكون على بينة وبصيرة من أمره في هذه المسألة، وكذا في مسائل الفقه المتعلقة بهذا الموضوع وفي الفتوى في الدين.\n(٦٥) ومنه البيت القائل:\nإن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِلَ اللسانُ على الفؤاد دليلا\n(٦٦) هكذا في النسختين، ولعل في الكلام حذفا، تقديره هكذا:\nذلك النقل أو الانتقال الذي لا يصح بغير طيب النفس، ذلك أن كلمة طيب نفس، نكرة، واسم الموصول الذي معرفة، ومطابقة الصفة للموصوف في التعريف والتنكير، من القواعد النحوية المشهورة، فكان ذلك هو الباعث على ذلك التقدير، فلينظر وليتأمل.","vol":"1","page":295},{"text":"قال شهاب الدين: ويدل على هذا أن الله تعالى أنشأ السببية في زوال الشمس لوجوب الصلاة، وأنشأ الأحكام، ثم أنزل القرآن دالا على ذلك ومترجما عليه (٦٧)، وفرض القرافي سؤالين:\nأحدهما: كيف يتصور إنشاء الأحكام في الأزل ولا محكوم عليه؟\nوالثاني: كيف يتصور الإِنشاء سابقا من غير طروّ على خبر؟ فقال:\nيتصور الإِنشاء للإيجاب على نوع ما يوجب الوالد على ولده الذي هو في البطن إذا كان لم يوجد، واشتراط الطرو على الخبر، ذلك في الإِنشاء الكائن في الألفاظ لا في الكائن في (٦٨) الكلام النفساني، وقال: ولا يصح أن تكون أخبارا، فإن من أطاعها أثِيبَ، ومن خالفها عوقب، لأنها لا تقبل صدقا ولا كذبا لذاتها. وأيضًا فكان يلزم الخلف لوقوع العفو عن العصاة، وأيضًا، فلو كانت أخبارا عن إرادته تعالى لوجب نفوذ مقتضاها. وذلك لا يصح، للإجماع على العفو (٦٩).\nقلت: مما يرد على شهاب الدين أن خاصية الإنشاء هو ما يترتب (٧٠) عليه حكم من الأحكام، ولا شيء يترتب على الكلام النفساني من الأحكام،\n_________\n(٦٧) عبارة القرافي أكثر ظهورا ووضوحا حيث قال:\nالصورة الأولى الدالة على أن الإنشاء كما يكون بالكلام اللساني يكون بالكلام النفساني، أنَّ الله ﷾ أنشأ السببية في زوال الشمس لوجوب الظهر، وأنزل القرآن الكريم دالا على ما قام بذاته من هذا الإنشاء بقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، فإن الكتب المنزلة هي عندنا أدلة الأحكام لا نفس الأحكام، وإلا يلزم اتحاد الدليل والمدلول، وقس على ذلك جميع الأسباب الشرعية، وكذلك القول في الشروط كالحول في الزكاة، والطهارة في الصلاة، وكذلك الموانع الشرعية كالكفر مانع من الميراث، والحدث من الصلاة، وغير ذلك من الموانع، وما ورد من الكتاب والسنة في ذلك إنما هو أدلة على ما قام بذات الله تعالى.\nالصورة الثانية: الأحكام الشرعية الخمسة وهي: الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، كلها قائمة بذات الله تعالى عند أهل الحق والكتاب والسنة، وغير ذلك من أدلة الشرع إنما هي أدلة على ما قام بذات الله تعالى من ذلك.\n(٦٨) في نسخة خ: عن الكلام.\n(٦٩) قال ابن الشاط هنا: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\n(٧٠) في نسخة ح: ما يترتب بصيغة المضارع، وهى متناسبة مع ما بعدها.","vol":"1","page":296},{"text":"لا بحسَبِ الكلام القديم ولا بحسب الكلام الحديث، وإنما الترتب على الكلام اللساني.\nالمسألة الخامسة: اختلف العلماء في الطلاق بمجرد الكلام النفساني، فقال أبو الوليد بن رشد: إذا اجتمع الكلام اللساني والنفسي لزم الطلاق، فإذ انفرد أحدهما عن الآخر فقولان، وهذا بناء على أن الكلام النفساني يكون إنشاء كما يكون الكلام اللسانى. وكذلك اليمين أيضا وقع الخلاف فيها. هل تنعقد بإنشاء كلام النفس وحده أو لا بد من اللفظ (٧١).\nقلت: أحد القولين مبنى على ما ذكره. ومن قال: لا يلزمه فما ذلك إلا لأنه لا إنشاء في النفس وإنما يكون الإنشاء في الكلام اللساني، إذ لو كان لترتب عليه أثره، وذلك باطل، فكلامه جل وعلا في القدم، ولم يترتب حكم من الأحكام إلا على القرآن من حيث اللسان العربي، وأما على النفسي فلا.\n_________\n(٧١) ومما جاء له في المقدمات في هذا الموضوع قوله:\n\"واختلف بماذا يلزم (أي الطلاق المطلَق) على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يلزم بمجرد النية دون القول، وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب الأيمان بالطلاق. والثاني أنه يلزم بمجرد القول دون نية. والثالث أنه لا يلزم إلا باجتماع القول والنية، وهذا فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم الظاهر فلا اختلاف بين أهل العلم أن الرجل يحكم عليه بما أظهر من صريح القول أو كناياته، ولا يُصَدَّق أنه لم ينوه ولا أراده إن ادعى ذلك على مذهب من يرى أن الطلاق لا يلزم بمجرد القول حتى تقترن به النية.\nوأما أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، فقال في كتابه القيم: بداية المجتهد ونهاية المقتصد عن هذه المسألة ما نصه: قال في معرض كلامه عمن قال لزوجته: أنت طالق، وادعى أنه أراد بذلك أكثر من واحدة: اثنتين أو ثلاثا: فقال مالك: هو ما نوى وقد لزمه، وبه قال الشافعى، إلا أن يقيد فيقول: طلقة واحدة، وهذا القول هو المختار عند أصحابه. وأما أبو حنيفة فقال: لا يقع ثلاثا بلفظ الطلاق، لأن العدد لا يتضمنه لفظ الأفراد لا كناية ولا تصريحا، إلى أن قال (أي ابن رشد): وهذه المسألة اختلفوا فيها، وهي من مسائل شروط ألفاظ الطلاق، أعني اشتراط النية مع اللفظ أو بانفراد أحدِهما. فالمشهور عن مالك أن الطلاق لا يقع إلا باللفظ والنية، وبه قال أبو حنيفة. وروى عنه أنه يقع باللفظ دون النية، وعند الشافعي أن لفظ الطلاق الصريح لا يحتاج إلى نية، فمن اكتفى بالنية احتج بقوله ﷺ \" إنما الأعمال بالنيات \" ومَنْ لَمْ يعتبِرْ النية دون اللفظ احتج بقوله ﷺ: \"رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسُها\" والنية دون قول، حديث نفس، قال: وليس يلزم من اشتراط النية في العمل فى الحديث المتقدم أن تكون النية كافية بنفسها.","vol":"1","page":297},{"text":"قال شهاب الدين ﵀:\nوبعض الناس قاس لزوم الطلاق على لزوم الكفر بالكلام النفسى، قال: وهو غلط، لأن الكفر لا يقع بالِإنشاء، إنما يقع بالإِخبار والاعتقاد، وكذلك الإِيمان والاعتقاد من باب المعلوم والمظنون لا من باب الكلام، وهما بابان مختلفان، فلا يقاس أحدهُما على الآخَرِ.\nقال: ومِن وجه آخر أن الصحيح أن الإيمان لا يكفى فيه مجرد الاعتقاد، بل لا بد من النطق باللسان، فينعكس على هذا، ويقال له: لا بد من النطق باللسان كما الأمر في الإِيمان إن سُلِّمَ أن الباب واحد (٧٢).\nالمسألة السادسة: في الفرق بين الصيغ التي يقع بها الإنشاء (٧٣).\nالواقع اليوم أن الشهادة تصح بالمضارع دون الماضى واسم الفاعل، فيقول الشَّاهِدُ: أشهد بكذا عندك أيدك الله. ولو قال: شهدت بكذا أو أنا شاهد\n_________\n(٧٢) كلام القرافي هنا ﵀ يزيد القارئ وضوحا وبيانا أكثر، وهو قوله: ومن وجه آخر هو أن الصحيح في الإيمان لا يكفى فيه مجرد الاعتقاد، بل لا بد من النطق باللسان مع الإمكان، على مشهور مذاهب العلماء كما حكاه القاضى عياض في الشفا وغيره، فينعكس هذا القياس على قائسه على هذا التقرير، ويقول: وجب أن يفتقر (أي الطلاق بالكلام النفسى) إلى اللفظ قياسا على الإيمان بالله تعالى إن سُلِّم له أن البابين واحد، فكيف وهما مختلفان، والقياس إنما يجري في المتماثلات.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة الخامسة وحكايته لاختلاف الأئمة والعلماء في الطلاق، واستحسانه لعبارة بن الجلاب، القائلة بأن من نوى طلاق امرأته وعزم عليه وصمم، ثم بدا له العدول عنه، لا يلزمه طلاق إجماعا، قال ابن الشاط:\nما قاله القرافي في هذه المسألة إلى آخرها صحيح ظاهر.\nأقول: وفي مسألة الإيمان والجمع فيه بين الاعتقاد بالجَنَانِ، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح والأركان، تحضرنا عبارة الشيخ ابن أبي زيد القيروانى ﵀ حين قال في الباب الأول المتعلق بالتوحيد من رسالته الفقهية الشهيرة: \"وأن الإيمان قولٌ باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصانها، فيكون فيها النقص وبها الزيادة، ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا عمل وقول إلا بالنية\".\n(٧٣) هذا الفرق ورد ذكره عند الإِمام القرافي في هذه المسألة: جـ ١ ص ٥٣ من كتاب الفروق. الطبعة الأولى ١٣٤٤ هـ.","vol":"1","page":298},{"text":"بكذا لم يقبل منه. والبيع يصح بالماضى دون المضارع عكس الشهادة. فلو قال: أبيعك بكذا، أو أبايعك بكذا (٧٤) لم ينعقد. وإنشاء الطلاق يقع بالماضى نحو طلقتك، واسم الفاعل على نحو: أنت طالق ثلاثا، دون المضارع نحو: أطلقك ثلاثا.\nوسبب هذا الفرق هو الجرى على العادة في العرف، فإن العرف هو المتبع فى هذا، وإن صار العرف إلى عكس تلك الأشياء تبعناه (٧٥).\n_________\n(٧٤) في كل من نسخة ع، وح: أبايعك، وكذا في طبعة كتاب الفروق، ويظهر أن هناك تصحيفا للكلمة في المخطوطتين، وكذا في طبعة الكتاب الأصلي، وأن الصواب أنا بائعك (أي بائع لك) بصيغة اسم الفاعل التي هي موضوع الكلام والسياق، حيث ذكر إن الشهادة تصح بالمضارع دون الماضى واسم الفاعل، والبيع يصح بالماضى دون المضارع (أي واسمُ الفاعل كذلك، عكس الشهادة)، ذلك أن اسم الفاعل يدل حقيقة على الحال، كما يدل عليه المضارع المجرد عن الحروف التي تصرفه للاستقبال كالسين وسوف ولن.\nأمّا استعمال الفعل أبايع من الفعل بايع الرباعى بمعنى باع، وتبايع فإنه ينشأ عنها لتمثيل بفعل المضارع مرتين، دون ذكر مثال لاسم الفاعل،\n(٧٥) عبارة القرافي هنا: وسبب هذه الفروق بين الأبواب، النقل العرفي من الخبر إلى الإنشاء، فأى شيء نقلته العادة لمعنى، صار صريحا في العادة لذلك المعنى بالوضع العرفي، فيعتمد الحاكم عليه لصراحته، ويستغني المفتى عن طلب النية معه لصراحته أيضا، وما لم تنقله العادة لإِنشاء ذلك المعنى يتعذر الاعتماد عليه لعدم الدلالة اللغوية والعرفية، فنقلت العادة في الشهادة المضارع وحده، وفي الطلاق والعتاق اسم الفاعل والماضى، فإن اتفق وقت آخَرُ تحدث فيه عادة أخرى تقتضى نسخ هذه العادة وتجدُّدَ عادةٍ أخرى اتبعنا الثانية وتركنا الأولى، ويصير الماضي في البيع، والمضارع في الشهادة على ما تجدده العادة، فتأمل ذلك واضبطه. فمن لم يعرف الحقائق العرفية وأحكامها يشكل عليه هذا الفرق، وبهذا التقرير يظهر قول مالك ﵀: ما عده الناس بيعا فهو بيع، نظرا إلى أن المدرك هو تجدد العَادَة.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة بقوله: ما قاله القرافي في هذه المسألة من اعتبار معينات الألفاظ مبنى على مذهب من يشترطها كما قال، فيصح تنقل العادات فيها بحسب العرف الحادث كما ذكر، والله أعلم.\nومبحث الفرق بين كلمات العادة والعرف والعمل ودلالتها بشيء من الدقة والتوسع يرجع فيه إلى كتب أصول الفقه، خاصة منها كتب مقاصد الشريعة الإسلامية، وكذا الدراسات المختصة بهذا الموضوع كأطروحة الأستاذ الدكتور عمر الجيدي في موضوع العرف والعمل في المذهب المالكي، وغيره من المؤلفات قديما وحديثا في هذا المجال المتعلق بالعرف والعادة والعمل على اختلاف أقاليمه ومناحيه.","vol":"1","page":299},{"text":"قال شهاب الدين ﵀:\nقد ذيلنا الإِنشاء بمسائل، فلنذيل الخبر بمسائل (٧٦):\nالمسألة الأولى: إذا قال: كل ما قلته في هذا البيت كذِب، ولم يقل شيئًا في ذلك الوقت قبل هذا القول، يلزم منه شيئان: أحدهما رفع الصدق والكذب عن الخبر معا، والثاني ارتفاع النقيض، وذلك كله لا يصح.\nأما أنه لا يكون صدقا فلأن الصدق هو الخبر المطابق، ولا شيء كان ثمة يطابقه، وأما أنه ليس كذبا فلذلك المعنى أيضا. وأما ارتفاع النقيض فذلك من حيث إن الصدق عبارة عن المطابقة، والكذب عبارة عن عدم المطابقة، وهما نقيضان وقد ارتفعا.\nوأجاب شهاب الدين ﵀ بأن الخبر كذب، وكان فيه عدم المطابقة، وعدم المطابقة يصدق بوجهين:\nأحدهما ألا يوجد المخبرُ عنه، والثاني أن يوجد مخالفا، وهي ها هنا بالوجه الأول، وهذا جواب عن الإشكالين. قال: ومثل هذا الخبر قوله: كل ما تكلمت به في جميع عمري كذب، وكان لم يكذب قط، والجواب كالجواب. فإن كذب في جميع عمره أو في الثلث ثم قال: كل ما تكلمت به في جميع عمري أو في البيت صدق، فهذا الخبر كذب قطعا.\n_________\n(٧٦) عبارة القرافي ﵀: قد تقدم تذييل الإِنشاء بمسائل توضحه، وهي حسنة في بابها، فنذيل الخبر أيضا بثمان مسائل غريبة مستحسنة في بابها تكون طرفة للواقف، ثم أخذ في ذكر المسائل كما هي عند البقوري هنا في هذا المختصر والترتيب.\nوقد علق ابن الشاط على المسألة الأولى بقوله: ما قاله القرافي من لزوم ارتفاع الصدق والكذب ظاهر.","vol":"1","page":300},{"text":"المسألة الثانية: هل يجوز الخلف في الوعيد أو الوعد (٧٧)؟ والوعد والوعيد خبران، ولا يصح الخلف على الله في واحد منهما، قال بعض العلماء بالتفريق. والصحيح أنه لا يجوز فيهما معا، وهو مما يلزم منه ألَّا يبقى وثوق بشيء من وعيده، وذلك مضاد للحكمة التي الرجوع إليها أولى من ملاحظة باب الكرم، والله أعلم (٧٨).\nقلت: ذكر شهاب الدين أنه إن أريد بالوعد والوعيد صورة اللفظ وما دل عليه بوضعه اللغوي من العموم فهما سواء في جواز دخول التخصيص،\n_________\n(٧٧) من المعروف المسلم به أن كلمة وعد تستعمل في الخير، وكلمة الوعيد تستعمل في الشر والتهديد، ومنه قول القائل، يمدح نفسه بحسن الخلق، والوفاء بالوعد في الخير، وبخُلْفِ الوعيد منه في الشر، وذلك شأن الكرام ذوي النفوس المؤمنة الكريمة والهمم العالية الطيبة.\nوإني إذا أوعدته أو وعدته ... لَمُخْلِفُ إيعادي ومنجز موعدي\nوالكلمتان وردتا في القرآن الكريم، ومِنْ ذلك قول الله تعالى: \"وعْدَ اللهِ لا يخلف الله وعده\". وقوله سبحانه: \"فذكر بالقرآن من يخاف وعيد\" (أي وعيدي).\n(٧٨) قال شهاب الدين القرافي في أول هذه المسألة الثانية: وقع لابن نباتة في خطبة:\nالحمد لله الذي إذا وعد وفى، وإذا أوعد تجاوز وعفا، وحسَّنَ ذلك عنده ما جرت به العوائد به من التمدح بالوفاء في الوعد، والعفو في الوعيد، وأتى بالبيت السابق الذكور. قال: وقد أنكر العلماء على ابن نباتة ذلك.\nووجه الإنكار وتقريره أن كلامه هذا يشعر بثبوت الفرق بن وعد الله ووعيده، والفرق بينهما محال عقلا إلخ ...\nوعلق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي في المسألة، فقال: جزم الشهاب بخطإ ابن نباتة، ويمكن أن يخرج لكلامه وجه، وهو أن وعد الله لا يخصصه إلا الردة لا غير، ووعيده يخصصه الإِيمان والتوبة، والشفاعة، والمغفرة، ولا مقابل لها في جهة الوعد، فلما كان الوعد، مخصصاته أقل من مخصصات الوعيد صح أنْ يفرق بينهما، بناء على ذلك، وما ذكره من إيهام العفو عمن أريد بالوعيد ليس من الإيهام الممنوع، والله أعلم.\nوالمعنى أن وعد الله لعبده المؤمن بالثواب والأجر على العمل الصالح، لا يحرمه منه ولا يحُولُ دون تحققه فيه إلا ردة الإنسان عن دينه، كفْرُه به، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ كما أن وعيد الله لعبده الكافر وتهديده له بالعقاب والعذاب الأليم لا ينجيه منه إلا إيمان الإنسان بربه، ودخوله في عاده المسلمين الصالحين.","vol":"1","page":301},{"text":"وهذا لا يصح أن يكون مرادا في المسألة بوجه، ثم قال: وإن أريد بالوعد والوعيد من أريد بالخطاب مَمن قُصد بالإخبار عنه بالنعيم أو العقاب فمستحيل أن من أراده الله بالخير ألا يقع مُخْبَرُه، وإَلا لحصل الخلف، ثم قال: فإذا أريد بالوعد هنا وبالوعيد صورة العموم صح التفريق.\nقلت: قد مضى أن صورة العموم لا تصلح في الاعتبار.\nالمسألة الثالثة: إذا فرضنا رجلا صادقا على الإطلاق وهو زيد، فقلنا: زيد ومسيلمة صادقان، أو زيد ومسيلمة كاذبان (٧٩)، فالقضية ليست بصادقة، ولا كاذبة، ولزم الإشكالان المتقدمان.\nفأجاب الإِمام فخر الدين بأن قال: هذه القضية في قوة قضيتين: الواحدة صادقة، والأخرى كاذبة، والتقدير: زيد صادق، ومسيلمة صادق. والواحدة صِدق، والأخرى كذب، فقال شهاب الدين ﵀: فوضع (٨٠) المسألة على أن الِإخبار عن المجموع لا عن الفردين (٨١)، فقال: والجواب الحق أني\n_________\n(٧٩) المراد به مسيلمة بن ثمامة، أحد بني عدي بن حنيفة، كان ممن وفَدُوا من بني حنيفة على النبي ﷺ، وكان يطمع في أن يجعل له النبي - ﷺ - الأمر بعده لكي يؤمن به ويتبعه، فلما يئس من ذلك ورجع مع قومه إلى بلده اليمامة (وهي بين نجد والبحرين)، استمر في كفره وعصيانه وادعى النبوة، فلذلك عُرِفَ واشتهر بمسيلمة الكذاب، وتبعه قومه في جهله وضلاله، وراسله النبي - ﷺ - يدعوه إلى الإسلام والهدى، وذلك بعد رجوع الرسول - ﷺ - من حجة الوداع. فلما توفي رسول الله - ﷺ - بعث إليه أبو بكر ﵁ جيشا بقيادة عكرمة بن أبي جهل، وشرحبيل بن حسنة، ثم بعث إليه بعدهما جيشا كبيرا من المهاجرين والأنصار بقيادة خالد بن الوليد، فحاصره مع المرتدين معه حتى قيل فيه: مسيلمة الكذاب، وانتهى أمره، واستراح المسلمون من ضلاله وادعائه وشره.\n(٨٠) في نسخة ح: فوقع، والأولى أوضح في المعنى.\n(٨١) عبارة القرافي هنا أظهر، وهي قوله: وهذا الجواب (أي جواب فخر الدين الرازي) يبطل بتضييق الفرض بأن نقول: المجموع صادق أو كاذب، ونجعل الخبر عن المجموع، وهو مفرد في اللفظ، أو يقول المتكلم: أردت المجموع والإِخبار عنه، ولم أرد الإخبار عن كل منهما، فيبطل هذا الجواب. والجواب الحق أن نلتزم في قولنا: هما صادقان، أنه كذب، ووجْهه وتقريره أن الكذب نقيض الصدق كما تقدم تقريره، فإنه عدم المطابقة، الذي هو نقيض المطابقة، والتكلم أخبر عن حصول المطابقة في المجموع، وفي كل واحد منهما، وليست كذلك، لأن الحقيقة تنتفى بانتفاء جزئها. فتنتفى المطابقة في المجموع بنفيها في أحدهما، ولا نشك أنها منفية في أحدهما فيكون الحق نفي المطابقة في المجموع، فيكون الخبر كذبا.","vol":"1","page":302},{"text":"ألتزم من قولي: صادقان، أنه كذب، وهذا لأن القضية المركبة تُعدَم لعدم جميع أجزائها ولعدم جزء من أجزائها، فيقع عدم المطابقة، وذلك الكذب.\nالمسألة الرابعة: إذا قلنا: الإنسان وحده ناطق، وكل ناطق حيوان، فينتج: الإنسان وحده حيوان، وهو كذب، مع أن المقدمة صحيحة، فكيف يُنتج الصادق الكاذبَ (٨٢) وذلك يبطل الاستدلال.\nوالجواب أن الفساد إنما جاء من جهة أن المقدمة الأولى هي مقدمتان: إحداهما سالبة والأخرى موجبة، فإن قولنا: الإنسان وحده ناطق، معناه أنه ناطق، وغيره غَيرُ ناطق، هذا هو مدلول وحده لغة، فإن جعلنا مقدمة الدليل من الموجبة وحدها صح الكلام، فإنه يصير: الإنسان ناطق، وكل ناطق حيوان، نتج: كل إنسان حيوان، وهذا صحيح. وإن جعلنا مقدمة القياس هي السالبة لم يصح الإنتاج لفوات شرطه، فإن الشكل الأول، من شرطه أن تكون صغراه موجبة، وهذه سالبة، فلا يصح الإنتاج، وإن جعلنا مجموع المُقَدمتين مقدمة واحدة امتنع أيضًا، فإنه لا قياس عن ثلاث مقدمات (٨٣).\nالمسألة الخامسة: نقول: الفول يغذي الحمام، والحمام يغذي البازي، المقدمتان صادقتان، والنتيجة كذِب، إذ لا يأكل إلا اللحم.\nوالجواب أن الفسادَ جاء من جهة عدم اتحاد الوسط، فإن قولنا: الفول يغذي الحمام، الأصل أن يقال: وكل ما يغذي الحمام يغذي البازي، ولم نأخذه بل أخذنا مفعول المحمول الذي هو الوسط، ولم يؤخذ معناه.\nالمسألة السادسة: تقول: كل زوج عدد، والعدد إما زوج أو فرد، ينتج: الزوج إما زوج أو فرد، وذلك كاذب مع أن المقدمات صادقة.\n_________\n(٨٢) كذا في نسخة ع، وعند القرافي: فكيف ينتج الصادق الخبر الكاذب. وفي نسخة ح: والكاذب بالواو، وهو يبدو خطأ من الناسخ.\n(٨٣) عقب ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما قاله جواب حسن، بناء على أن الخبر لا بد أن يكون صدقا أو كذبا، وأما على أنه يخلو منهما فلا إشكال.","vol":"1","page":303},{"text":"والجواب أن المحال إنما نشأ من جهة أن المقدمة الثانية، من شرطها أن تكون كلية، وهي هنا مهمَلة، والمهملة في قوة الجزئية، وأيضا فقولنا: العدد إما زوج أو فرد، قضية مبعَّضة (٨٤).\nوقال أرباب المنطق: إنما تكون كلية بأزمانها وأوضاعها، فإنْ لم تقع الإشارة إلى أن ذلك ثابت لذلك المحكوم عليه في جميع الأحوال على جميع التقادير وإلا لم تكن كلية (٨٥).\nإذا تقرر هذا، فنقول: ما تريد بقولك: العدد إما زوج وإما فرد؟ تريد به في أي حالة كان أو من حيث الجملة، فإن أردت الأول كان معناه العدد في حالة\n_________\n(٨٤) في هذه المسائل تعرض الإِمام القرافي وكذا تلميذه البقوري في هذا الاختصار إلى كلمات ومصطلحات منطقية، يستعملها علماء المنطق في هذا العلم والفن وهي القضايا والمقدمات، والنتائج، والمحمول والوسط، والقضايا الجزئية والمهملة (أي الخالية من السور الذي هو كلمة كل)، وقد تعرضت لما يتعلق ببعض المصطلحات من الكلي والكلية، والجزئي والجزئية، وبينته في قاعدة سابقة.\nأما المقدمات والنتيجة، فهي تتصل بموضوع القياس الاقترافي، والقياس عند المناطقة بصفة عامة: عبارة عن قول مؤلف من قضيتين أو أكثر، متى سلمت لزم لِذاتها قول آخر، فيشمل القياسَ الاقتراني والاستئناف، والاقتراني هو الذي لم تذكر فيه النتيجة ولا نقيضها بالفعل، بل بمادتها ومعناها، مثل: العالم متغير، وكل متغير حادث، يعطي العالم حادث.\nففي هذا المثال قضية صغرى، وهي الجملة الأولى، وقضية كبرى مسوّرة بالسور الكلى وهي الجملة الثانية الكبرى، ونتيجته هي الجملة الثالثة. ويلاحظ أن آخر الجملة الأولى، وهي كلمة متغير، ويُسمى المحمول، وأول الجملة الثانية وهي: \"وكل متغير\" ويسمى المحمول عليه، أنه قد حذف ذلك الوسط وألْغِي من النتيجة التي قيل فيها: العالم حادث.\nوالتوسع في هذه المصلحات ومدلولاتها يطول، فيرجع إليها في علم المنطق وفنه، لأنها تساعد على فهم كلام الإِمام القرافي والشيخ البقوري رحمهما الله. وقد أشار إلى ذلك في إيجاز واختصار العلامة الأخضري في متن السلم فقال:\nوما من المقدمات صغرى ... فيجب اندراجها في الكبرى\nوذاتُ حدٍّ أصغر صُغراهما ... وذاتُ حدٍّ أكبرٍ كبراهما\nوأصغرٌ فذاك ذو اندِراج ... ووسطٌ يلغَى لدى الإنتاج\n(٨٥) يبدو الكلام غير تام لعدم وجود جواب الشرط الذي يتوقف عليه تمام الكلام والمعنى. فالأوجه والأنسب كما جاء في الأصل عند التعليق على هذه المسألة. حذف كلمة وإلا من قوله: \"وإلا لم تكن كذلك\" فيبقى الكلام هكذا، \"لم تكن كذلك\"، على أنها جواب الشرط فيتضح المعنى.","vol":"1","page":304},{"text":"كونه زوجا هو منقسم إلى الزوج، والفرد وذلك كاذب، وإن وقع في حالة كونه فردا انقسم إليها أيضا وذلك كاذب، فالمقدمة كاذبةً، ضرورةً على هذا التقدير، وإن أردت بالعدد العدد من حيث الجملة فهو إشارة إلى الفرض المشترك بين جميع الأعداد فذلك صادق.\nلكنها إذا صدقت على هذا التقدير كانت جزئية، فإن المشترك يكفي في تحققه صورة واحدة، ويبطل حينئذ شرط الإنتاج لأنها جزئية، فهي -إذن- كاذبة أو فات فيها شرط الإنتاج، وعلى التقديرين لا تصح النتيجة (٨٦).\nالمسألة السابعة، تقول: الوتد في الحائط، والحائط في الأرض، فالوتد في الأرض، وهو كذب. والجواب أن الكلام فيه توسع، وهو قولك: الحائط في الأرض، فإنه لم يغب بجملته في الأرض، بل أساسه، فهو من باب إطلاق الجزء على الكل، فلو صدق اللفظ حقيقة بأن يكون جملة الحائط في الأرض لكان الوتد في الأرض جزما وكان الخبر حقا، كقولنا: المال في الكيس، والكيس في الصندوق، وهذا حق لأنه لا توسع فيه.\nفإن قلت: المراد بقولنا: الحائط في الأرض أن بعضه في الأرض حقيقة، ولا يلزم من هذه العبارة الإحاطة، قلنا: إذا كان كذلك فأقول: الوتد في الأرض أيضا، وصدق بلا إشكالٍ.\nالمسألة الثامنة، قولنا: هذا الجبل ذهب، لأن كل من قال: انه ذهب قال: إنه جسم، وكل من قال إِنَّهُ جِسم، صادق فكل من قال: إنه ذهبٌ، صادق، وهذا الخبر كاذب مع صدق المقدمات، وبهذا النمط يستدل على أن كل ما في العالم ذهب وياقوت وحيوان، وجميع أنواع المحالات نقررها بهذا الدليل، وهذه مغالطة عظيمة.\nوالجواب من وجوهٍ:\n_________\n(٨٦) عقب ابن الشاط على جواب القرافي وكلامه في هاتين المسألتين: الخامسة بقوله: جوابه صحيح ظاهر.","vol":"1","page":305},{"text":"أحدها أن قول القائل: هذا الجبل ذهب، محال وكذب، والمحال يجوز أن يلزمه المحال، فيكون المحال في النتيجة إنما نشأ من هذا المحال، فنحن نلتزم أنه ذهب على هذا التقدير المحال ولا محذور، وإنما المحذور أن يكون ذهبا في نفس الأمر.\nالثاني: أنا لا نسلم صحة المقدمات، لأن قولنا: إنه ذهب، محال، والقول بأنه جسم، صِدْقٌ، والله الموفق للصواب (٨٧).\n_________\n(٨٧) عقب ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هاتين المسألتين: السابعة والثامنة، بأن أجوبته صحيحة.\nقلت: وهذه المسائل كما سبق التنبيه إليه هي مسائل عقلية تعتمد اصطلاحات وكلمات منطقية، وهي مسائل تستهدف أولا وقبل كل شيء وعلى ما يظهر، استعمال العقل وشحذ الذهن، وتقوية الفكر والْمَلَكَةَ للمناقشات العقلية المنطقية، والمناظرات الجدلية التي تقع أحيانًا بين العلماء وبعضهم، بالإضافة إلى ما يحتاج إليه الإنسان من هذه القواعد والقضايا المنطقية في مسائل فقهية وأحكام شرعية، فهي ليست من ترف العلم كما قد يظن وَيبدُو لأول وهْلةٍ، أو من باب استخدام الألفاظ والعقليات لمجرد أنها كذلك، ولكنْ لها أهداف شريفة ومقاصد نبيلة، وهي في نفس الوقت تدُلُّ على تمكن علمائنا ﵏ من مختلف العلوم النقلية والعقلية، ومدى رجاحة عقولهم وسعة أفقهم لإدراك هذه المسائل وفهمها والاستنباط منها واستخدامها عند الحاجة العلمية لها.\nفرحمهم الله رضي عنهم أجمعين، ونفعنا بعلمهم آمين، وجعل صِلةَ الخلف الصالح من العلماء بالسلف الصالح من العلماء موصولة ومستمرة إلى يوم الجزاء والدين.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>قواعد العلل</span>\nوفيها ستَّ عشْرَةَ قاعدةً:\n\nالقاعدة الأولى (١)\nنقرر فيها الفرق بين قاعدة السبب الشرعي، سالما عن المعارض مِن غَيْر تخيير، يترتب عليه مسببه، وبين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض، مع التخيير، فلا يترتب عليه مسببه.\nوبيان هذا أن الشافعية تقول: إن المرأة إذا حاضت بعد زوال الشمس ترتب (٢) عليها وجوب الظهر وبقي في ذمتها، حتى إذا طهرت قضت تلك الصلاة. والمالكية تقول: لا تَقْضِيهَا إذا حاضت في آخر وقتها بمقدار ركعة من الصلاة، فالشافعية تقول: وجد السبب الشرعي في حقِها سالما عن المعارض، فترتب الوجوب عليها، ولا تفرق بين ما فيه تخيير وما لا تخيير فيه.\nوالمالكية تقول: لا يترتب من حيث التخيير، وإنما يترتب إذا ارتفع التخيير، وذلك إذا وجد السبب سالما عن المعارض من غير تخيير، وهذا يكون آخر الوقت، فإن التخيير حينئذ يزول ويتعين الوقت، فأشكل قول مالك في هذا وصار ملتبسا بمذهب الحنفية التي تقول: الوجوب تعلق بآخر الوقت.\nوالجواب عن هذا حتى (٣) يتحقق الفرق بين هاتين القاعدتين ويظهر، أنا لا نقول: الوجوب تعَلَّقَ (٤) بآخر الوقت بل بأوله، ومع ذلك نقول بما نقول، لأجل\n_________\n(١) هذه القاعدة هي موضوع الفرق الثامن والثمانين من كتاب الفروق جـ ٢ ص ١٣٧.\nوتمامه عند القرافي مما لم يذكره البقوري، قوله: \"ولم يميز أحدهما عن الآخر إلا بالتخيير وعدمه مع اشتراكهما في الوجود والسلامة عن المعارض\". ثم قال القرافي ﵀ في أوله: \"وهذا الفرق بين هاتين القاعدتين، فيه صعوبة وغموض، ويظهر لك الغموض والصعوبة بما ورد على المالكية لما خالفوا الشافعية فقالوا: المعتبر من الأوقات في الصلوات أو آخرها دون أوائلها .. الخ\".\n(٢) في نسخة ح: يترتب.\n(٣) في نسخة ح: حين، وكلمة حتى أظهر وأبين في تمام المعنى.\n(٤) في نسخة ح: يتعلق (بالمضارع).","vol":"1","page":307},{"text":"التخيير الموجود هو أن نقول: مما يدل على صحة الفرق الذي ذهب إليه مالك،\nصور كثيرة موجودة لا نزاع فيها هي مثلها (٥).\nفمنها أن من اشترى صاعا من صُبْرَةٍ، فلمن باعه أن يبيع سائر الصيعان من غير المشترى لذلك الصاع، فلو فعل ذلك وبقي صاع فتلف بآفة سماوية انفسخ العقد ولم ينتقل الصاع للذمة، كما لو تلفت الصبرة كلها بآفة سماوية.\nوالسبب في ذلك أن العقد تعلق بالقدر المشترك بين صيعان الصبرة وهو مطلق الصاع، فتصرف بِمقْتَضَى التجويز فيما عدا الصاع الواحد، وأتت الجائِحَةُ على ذلك الصالح، فكان التخيير في غيره مع الآفة فيه كالآفة في الجميع، كذلك أجزاء الوقت كالصيعان يجب منها واحد فقط، فإذا تصرفت المرأة في ضياع ما عدا الأخير منها بالإِتلاف ثم طرأ العذر في آخرها قام ذلك مقام وجود العذر في جميعها. ولو وجِد العذر في جميعها سقطت الصلاة، فكذلك إذا وجد ما يقوم مقامه وهُوَ التخيير مع العذر في الآخر، وبالتخيير حصل الفرق بين سبب الوجوب الذي هو القدر المشترك بين أجزاء القامة وبين رؤية الهلال، فإنه سبب الوجوب، فإذا وُجِد سالما عن المعارض ترتب عليه الوجوب، فالفرق من حيث التخيير وعدمه.\nومثل هذا لو وجب عليه عتق رقبة في كفارة الظهار، وكان له عدة من العبيد، فله أن يتصرف فيما عدا الرقبة الواحدة بما شاء من البيع والعتق، فلو فعل ذلك ثم إنه طرأ على الرقبة الباقية للكفارة آفة لا ينتقل إلى الصيام. ولا يقال: هي متعلقة بذمته، وَمَا سبب ذلك إلا التخيير، وأما سبب الوجوب (٦) فقد وجد في حقه سالما عن المعارض، ولكنه كان ذلك على التخيير.\n_________\n(٥) عبارة القرافي هنا ﵀: \"ونوضحه بذكر نظائر من الشريعة\".\n(٦) في نسخة ع: الوجود، ولعل ما في نسخة ح من الوجوب أظهر وأبين، وهو الصواب، ويتماشى ويتناسق مع قوله في أول هذه الفقرة: ومثل هذا لو وجب عليه عتق رقبة، ويستفاد من كلام القرافي ﵀ في هذا الموضع.","vol":"1","page":308},{"text":"ومثل هذا لو كان له عِدَّة ثِياب للسترة (أيْ في الصلاة) فتَصَرَّف أيضًا فيها عدَا الواحد، ثم ضاع ذلك الواحدُ لسقط عنه الوجوب.\nومثل هذا لَوْ كان عنده من الماء كفايتُهُ للوضوء مِرارا فتصرّف في الزائد، ثم طرأ على الكفاية ذلك لَما وجب عليه.\nوكذلك مَنْ كان عليه قدرٌ معلوم للزكاة الواجبة عليه لأجْل الفِطر وزيادةٌ عليها، فتصرف في الزائد ثم ضاع، لسَقط عنه الوجوب.\nفهذه الصور وغرها لو استُقرئتْ تَحَقَّقَ أن الحق ما اعتبَرهُ مالك ﵀ من الفرق بين وجود السبب سالما عن المعارض يترتب عليه الوجوب إذا لم يكن تخيير. ولا يترتب عليه إذا كان ثَمة تخيير.\nولا يقال: هو رجُوعٌ إلى مذهب الحنفية في مسألة الأوقات، بل الوجوبُ موسَّعٌ من أوّله إلى آخره، ولكنه للتخيير الذي فيه تصوَّر ما تَصَوَّر، واللهُ أعلم. (٧)\n\nالقاعدة الثانية (٨)\nنقسم فيها الأسباب، ثمَّ نقرر الفرق بين بعضِ الأسباب وبعضٍ، فنقول:\n_________\n(٧) قال الإِمام القرافي ﵀ في ختام الكلام على هذا الفرق وما ذكره فيه من أمثلة ونظائر: \"وظهرَ أنه لا فرق بين قيام الْمعَارض في جميع صُوَر السَّبب وبيْن قِيامه في بعض صُورَهِ إذا كان التَّخييرُ في البَعض الآخَر، فتأمَّلْ هذا الفرق فهو دقيق، وهو عُمدة المذهب في هذه المواضع ... وقد علق عليه الفقيه ابن الشاط ﵀ بقوله: ما قاله صحيح.\n(٨) هي موضوع الفرق الخامس والثلاثين بين قاعدة الأسباب الفعلية وقاعدة الأسباب القولية ... جـ ١، ص ٢٠٣.\nقال عنه القرافي في أوله: \"فالأسباب الفعلية كالاحتطاب والاحتِشاش والاصْطياد، والأسبابُ القوليةُ كالبيع، والهِبة والصدقة والقِراض، وها هو في الشرع من الأقوال سبَبُ انتقالِ المِلك، وافترقتْ هاتان القاعِدتانِ من وجوه تظهر بذِكْر مسائِلِها .. ثم بدأ بالكلام على الأسباب الفعلية الخ.\nوقد علق عليه ابن الشاط في أول الكلام أعلى الفرق الرابع والثلاثين بقوله: ما قاله في الفرق الخامس والثلاثين صحيح.","vol":"1","page":309},{"text":"إنَّ السبب ينقسم إلى عقْلي وشرعى، ثم الشرعي ينقسم إلى ما هو شرط وإلى ما ليسَ هو شرطًا. ثم الذي ليس بِشرط ينقسم إلى ما هو بجَعْل الله، ليس للمكلَّف فيه دخَلٌ، كالزوال لِصلاة الظهر، وإلى ما للمكلَّف فيه دخَل، وهذا ينقسم إلى فِعلى. وقوْلي، فالفعِلي كالاصطياد سببٌ للملك، والقولي كالشِّراءِ سببٌ للملك أيضا.\nفإذا تقرر هذا فنقول: اختلف الفقهاء، أيُّ سبب أقوَى؟، فَقِيلَ: الفِعلُ أقوى، لأن الأسباب الفعليةَ تصح من المحجُور عليهِ ولا تُرَدُّ، والأسباب القولية يُرَدُّ مقتضاها، ولا يمضي بيعُه وصدقتُهُ وقِراضُهُ، وغيرُ ذلك من الأسباب القولية لا يترتب عليها مسبِّبُها، واصطيادهُ وسائر أفعاله التي يَملِك بها لا يبطُل مسببها، وكذلك وطْؤُه لأمَتِهِ سَبَبٌ لأنْ تصيرَ أم ولد فتعتق، لا يبطُلُ أيضا، وعتقه لها يبطل ولا يمضى، مع أن العتق خيرٌ عظيمٌ في الشريعة.\nوقيل: إن السبب القوْلي أقوى، لأن العتق بالقول يستعْقِبُ العتق، وبالفعل ليس كذلك، والسببُ الذي يستَعْقِبُ مسبَّبه (٩) أقْوى. وأيْضًا مما يدل على أن السبب القول أقوَى، أن التَّملُّك (١٠) بالِإحياء أضعفُ من التملك بالشراء، لأن التملك بالِإحياء إذا زال الِإحياءُ بطل الملك عند مالكِ (١١) ولا يبطُل المِلْكُ عند الشافعى ومالِكٍ في القولي إلا بِسَبَبٍ ناقِلٍ ولمالِكٍ فروع كثيرةٌ. تدل على هذا،\n_________\n(٩) في النسختين: ع، ح، يستَعْقِبه مُسَبِّبُهُ، وعند القرافي: يستعقِبُ مسببّه، وهو أظهر، لأن المعنى أن المسَبِّبَ يكون عقِبَ السبب ويأتي بإثْره، وهو ما ينسجم مع أول هذه الفقرة عند البقوري، فلْيتأمَّلْ.\n(١٠) في نسخة ع: التمليك.\n(١١) وأصل التملك بالإحياء لموات الأراضى، وهي الأرض الخلاء التي لا مالك لها من قبل الفرد ولا من قبل الجماعة: حديث: \"من أحْيَى أرضًا موَاتًا فهي له\" أخرجه أصحاب السَّنَن. ومعْنى إحيائها، إعدادُها بالتهْيء، والتعمِير، وجعْلُها صالحةً للانتفاع بها في السكنَى والزرع ونحو ذلك، ولا يخلو كتاب من كتب الفقه على التبويب له، وبيان أحكامه التفصيلية، فليرجع إليها من تعلقت همته بذلك.","vol":"1","page":310},{"text":"كالصيد يتوحش، يزول مِلكه، والنحْلِ يَفِرُّ عن جَبْحِهِ، والسمكِ ينقلب للبحر بعد صيْده له فيصيدهُ غيرُه.\n\nالقاعدة الثالثة (١٢)\nتقرر فيها الفرق بين الأسباب العقلية والأسباب الشرعية، فنقول:\nالسببُ العَقْلي أولى كالضياء عن قُرْص الشمس، والشرعى نحو بِعت وطلقت، وغير ذلك من الأسباب التي تَتَرتَّبُ عليها أحكام شرعية.\nفإذا تقرر هذا، فنقول:\nقال الأستاذ أبو إسحاق الإسْفَرايْني ﵀: يَثْبُتُ مسبَّبُ هذا القسم مع آخرِ حَرْف منه تشبيها للأسباب الشرعية بالأسباب العقلية، من حيث إن العلل العقلية لا يوجَد معلوُلها إلا حالةَ وجودها لا حالةَ عدمها (١٣)، فكذلك هذه الأسبَابُ الشرعية، إذا عُدِم آخرُ حرْف منها عُدِمتْ جملتها فلا توجب حكْمًا،\n_________\n(١٢) هي موضوع الفرق الواحد والثمانين بعْدَ المائة، جـ ٢. ص ٢١٨ بين قاعدة الأسباب العقلية، وبين قاعدة الأسباب الشرعية نحو بعْتُ، واشتريتُ، وأنت طالق، وأعتقْتُ ونحوه من الأسباب\". ومع أن الشيخ ابن الشاط ﵀ تتبع كلام الإِمام القرافي في هذا الفرق وعقب عليه بما عقب عليه من تصحيح وتصويب لبعض الفقرات والمسائل، فإنه قلل من أهميته، وفائدته، وقال: هُو فَرْق لا طائل وراءهُ، والكلام فيه تعمّق في الدين وتكلف، ولا يتوصل فيه إلى اليقين.\nقلت: لا أظن أن الإِمام القرافي ﵀، يغيب عن ذِهْنهِ وفكره ذلك الملحظ لهذه الدرجة، على جلالة قدره ومكانته العلمية وطُولِ باعِهِ في هذه القواعد الفقهية، فلعل التأمل في كلامه بتأنٍ، والنظَرَ فيه بتعمق يهدي ويوصل إلى أن وراء كلامه في هذا الفرق طائلا وفائدة، وقد سبق لي في قاعدة قبل هذه أن أشرتُ إلى أن إيراد مثل هذه المسائل هي بهدف شحذ الذهن وتقوية الفكر وتكوين ملكةٍ المناقشة والمناظرة العلمية، إضافة إلى ما ترمي إليه بالأساس من تقعيد قاعدة فقهية وتأصيلها، أو استنباط واستخلاص الوصول إلى الحكم الفقهى فيها، وما يتفرع عن ذلك من تبين وجهات نظر الفقهاء وأساس اختلاف الأئمة في بعض الفروع والجزئيات الفقهية، والله أعلم.\n(١٣) عبارة القرافي هنا: تشبيها للأسباب الشرعية بالعلل العقلية، لأن العقلية لا توجبُ معلولها إلا حالة وجودها ... الخ.","vol":"1","page":311},{"text":"وجُعِل آخرُ حرف منها كوجودها بجملتها، لأنَّهُ الوجود الممكن في حقها، لأنها مصادِر سَيَّالَةٌ يستحيل وجودُها بجملتها.\nوقال غيرُهُ من العلماء ﵃: ينبغي أن لا يكون تقدير مسبَّباتِ هذِه الأسباب إلا عَقِيب آخِر حرف وإن عُدمت جملة الصيغة، لأن المُسَبَّبَ إنما تحقق، عادةً، حينئذ، وعلى هذه الطريقة تحقق الفرق بين الأسباب العقلية والأسباب الشرعية.\nوالأسباب الشرعية أيضا تنقسم إلى ما يوجب مسبَّبها كبعْتُ، والى ما يوجبُه استلزاما كالعتق عن الغير، (١٤) فقيل: يقدَّرُ المِلك قبل النطق بالصيغة بالزمن الفرد، لضرورة ثبوت الولاء له، ولبراءة ذمته من الكفَّارةِ.\nوقال بعض الشافعية: يثبت المِلك مع العتق، لأن التقدم (١٥) على خلافِ الأصل.\nوقال شهاب الدين: هذا المذهبُ غير متجه، لأن المِلك مضادٌّ للعتق، واجتماعُ الضدين محال.\nقلت: وقد تقدم أيضا أن قاعدة التقدير ما تحققتْ له، واستدلاله عليها ضعيف.\n_________\n(١٤) عبارة القرافي هنا أوسع وأظهر، وهي قوله: \"ومن وجه آخر يَحْصُلُ الفرق، لأن هذه الأسباب الشرعية تنقسم إلى ما يوجب مسبَّبه إنشاء، نحو عتْق الإنسان عن نفسه والبيع الناجز، والطلاق الناجز، وإلى ما يوجبه استلزاما كالعتق عن الغير، فإنه يوجب الملك للمعتَق عنه بطريق الالتزام، بأن يقدّر الملك قبل النطق بالصيغة بالزمَن الفرْدِ، لضرورة ثبوت الولاء له، ولبرآة ذمته من الكفارة المعتقِ عنها.\nوعقب عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله منِ استلزام العتقِ والوطء إمضاء البيع المحصِل للملك، صحيح، وحصول المِلك هنا محقَقٌ لا مقَدَّرٌ.\n(١٥) في نسخة: لأن التَّقْدِيمَ.","vol":"1","page":312},{"text":"قال شهاب الدين ﵀: وتنقسم الأسباب الشرعية إلى ما يقتضي ثبوتا وإلى ما يقتضى إبطالا كالبيع في الأول، والطلاقِ في الثاني، وبالله التوفيق. (١٦)\n\nالقاعدة الرابعة (١٧)\nنقرر فيها ما يتقدم عليه مسبَّبُهُ من الأسباب الشرعية ومالًا، فنقول:\nإن الأسباب معَ المسبَّبَات بحسَب ذلك تنقسم إلى أرْبعة أقسام:\n_________\n(١٦) عبارة القرافي: وتنقسم أيْضًا الأسباب الشرعية إلى ما يقتضى ثبوتا كالبيع، والهبة والصدقة، وإلى ما يقتضى إبطالا لمسبَّب سببٍ آخر كفوات المبيع قبل القبض، يقتضى إبطال مسبب السبب السابق، وهو المبيع، وكذلك الطلاق والعتاق يقتضيان إبطال العصمة السابقة المترتبة على النكاح، والملك المترتّب في الرقيق على سببه.\nوإذا قلنا بأن الفوات يوجب الفسخ، فهل يقتضيه معه، لأن الأصل عدم التقدم على السبب، أو قبله. لأن الانقلاب والفسخ يقتضى تحَقق ما يحكم عليه بذلك؟ خلاف بين العلماء.\nوقد عقب عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله صحيح، وبما سلف بين القول يتبين أي مذهبي العلماء في المعية أو القَبلية أصحُّ، والله أعلم.\n(١٧) هي موضوع الفرق الثاني والثمانين بعد المائة بين قاعدة ما يتقدم مسبّبُه عليه من الأسباب الشرعية وبيْن قاعدة ما لا يتقدمُ عليه مسَّببه. جـ ٣ ص ٢٢٢.\nقال القرافي ﵀ في أوله: اعلمْ أن أزمنة ثبوت الأحكام أربعة أقسام: ما يتقدم، وما يتأخر، وما يقارن، وما يختلف فيه، فأمَّا ما يقارن فكالأسباب الفعلية الخ ...\nوقد علق الفقيه ابن الشاط ﵀ على ما قاله القرافي في أول هذا الفرق، فقال:\nما قاله فيه صحيح. ثم زاد قائلا: وقوله: \"وأمَّا ما تتقدم أحكامه عليه فكإتْلَاف المبيع قبل القبض، فإنك تقدر الانفساخ في المبيع قبْل تلفه ليكون المحل قابلا للانفساخ، لأن المعدوم الصرَف لا يقبل انقلابه لملك البائع على خلاف في ذلك، كمثل الخطأ فإن له حكميْن: أحدهما يتقدم وهو وجوب الدية بسبب الزهوق كالإرث، والثافي يقترن به وهو وجوب الكفارة الخ ... لا يصح، فلا يصح تقدير الانفساخ في المبيع قبل تلفه، ولا حاجة إليه.\nأما عدم الصحة فلِأن الصحيح في الأسباب، المطرد فيها، أن تَعْقُبها مسبّباتها أو تقارنها.\nوأما عدم الحاجة إليه فَلِأن انقلاب المبيع إلى ملك البائع لا حاجة إليه، لأن الداعي إلى ذلك كون ضمانه منه، وكون ضمانه لا يستلزم كونه على ملكه، للزوم الضمان بدون الملك كما في المعتدي، وإنما كان ضمانه من البائع -وإن لم يكنِ على ملكه- لأنه بقيَ عليه فيه حق التوفيَة. ثم زاد ابن الشاط معقبا على المثال الثاني المتعلق بقتْلِ الخطإ وما ينشأ عنه من استحقاق الدية للورثة، قائلا: لا حاجة إلى تقدير ملك الدية، بلَ هو محقق، بناءً على أن السبب هو الإنفاذ لا الزهوق\"، والمراد بالإنفاذ إصابة المقاتِلِ (أي الأماكن التي لا يبقى أمل معها في الحياة بعد إصابتها في الإنسان أو الحيوان.","vol":"1","page":313},{"text":"قسم منها يقارن، لا يتقدم ولا يتأخر، كالأسباب الفعلية في حيازة المباح، كالحشيش والصيد، كشرب الخمر والزنى (أيْ لِلْحدود)، ومنها ما يتقدمُ الحكمُ على السبب كوجوب الدية قبل الموت في قتل الخطأ، وسَبُبَها زهوق الروح.\nقلت: هذا ممنوع، بل نقول: ما تجب إلا بَعْدَ الموت، وكونها تورَث عنه ليس لأن ملكه قد تقدَّم لها، بل لأن الشرع جعل لها حكم المال الملوك للميت، فقضَى للورثة بأخْذها على أنصبائهم في الوراثة.\nوقسم يتقدم ويتأخرُ مسببه، كبيع الخيار يتأخر فيه نقْلُ الملك عن العقْدِ إلى الإمضاء على الصحيح، وكالوصية يتأخر نقلها للملك في الموصى به إلى ما بعد الموت. (١٨)\nوقسمٌ اختلِف فيه كالأسباب القولية، هل تقع مسَّبباتها معها أو بَعْدَها على ما مضى من مذهب أبي إسحاق الإسفرايني وغيْره. (١٩)\n\nالقاعدة الخامسة (٢٠)\nنقرر فيها ما يشترط فيه إجماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع، وما لا يشترط فيه ذلك، فنقول:\nالإنْشآءات كلها يُشْتَرَط فيها ذلك، والإِقرار لا يشترط فيه ذلك، ومعنى\n_________\n(١٨) قال ابن الشاط: إنما تأخر نقْلُ المِلك في بيع الخيار، لأن البيع إنما ثبت من أحد الطرفين، دون الآخَر، فهو عقد غيْرُ تامٍّ، متأخّر مسبَّبه إلى تمامه.\n(١٩) عقب ابن الشاط على هذا القسم المختلف فيه بقوله: الأمر في ذلك الخلاف قريب، ولا أراهُ يؤول إلى طائل.\n(٢٠) هي موضوع الفرق الواحد والعشرين بعد المائتين بين قاعدة ما يشترط فيه اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وقاعدة ما لا يشترط فيه ذلك .. جـ ٤. ص ٣٧.\nقال القرافي ﵀ في أوله: إعلَمْ أن الإنشاءات كلها كالبياعات والإجارات والنكاح والطلاق وغير ذلِكَ يشترط فيها حالة إنشائها مقارَنة ما هو معتبر فيها حالة الإنشاء، بخلاف الإقرارات لا يشترط فيها حضور ما هو معتبر في المُقَرِّ بِهِ حالة الإقرار، لأن الإقرار ليس سببا في نفسه، بل هو دليل تقدم السبب لاستحقاق المقَرِّ بِهِ في زمن سابق .. الخ.","vol":"1","page":314},{"text":"هذا أنه إذا قال: بعْتُ هذا -مثلا- بثمن كذا فلا بدَّ من اعتبار أسباب البيع كلها من حيث الأركان وشروط ذلك، وانتفاءُ مُوانعه حالةَ الإنشاء، فإذا قال له: عندى كذا من الدنانير لم يعتبر فيه النقد الغالبُ حينئذ، لأَن السبب لاستحقاق ذلك الدَّيْنِ قد تقدَّم، فمن قال لَه: عليَّ دينار مِن ثمن دابة، حَملْنَا هذا الإِقرار على تقدم بيع صحيح على الأوضاع الصحيحة في دابة تقبل البيع، لا خمْرٍ ولا خنزير مع ما هو معتبر في البيع، ولهذا قال العلماء: إذا باعه بدينار وفي البَلَدِ نقود مختلفة، حُمِل على الغالب من شكة البلد حينئذ، وَلو أقرّ بدينار في بلد، وفيها نقْلًا غالب، لا يتعين الغالبُ، لِأن السبب البيعُ المتقدم، ولعل السبب وقع في بلد آخر وزمان متقدم تقدما كثيرًا، فيكون الواقع حينئذ غيرَ هذه السمكة، وتكونُ هىَ الغالبة ذلك الوقت وفي ذلك البلد، والاستحقاق يتبعُ زمن وقوع السبب لا زمن الإقرارِ به.\n\nالقاعدة السادسة (٢١).\nنقرر فيها الفرق بين عدم علة الِإذن أو التحريم، وبين عدمِ علة غيرهما (مِنْ العِلل).\nإعلم أن عدَمَ كل واحدةِ من هاتين العلتين علةٌ للحكم الآخَر، فعدم عِلة الإذن علة للتحريم، وعدَمُ عِلة التحريم عِلةٌ لِلْإِذنِ. وأمَّا عدَمُ علة الوُجُوبِ فلا يلزم منه شيء، فقد يكون غيرُ الواجب محرَّما، وقد يكون مندُوبا أو مكروها أَو مباحا، وكذلك عدمُ الندب أو الكراهة، قد يكون الفعل واجبًا أو محرَّما أو مباحا، ويتضح ذلك بذكْر ثلاثِ مسائل:\n_________\n(٢١) هي موضوع الفرق التاسع والخمسين. جـ ٢. ص ٣٤.\nقال الإِمام القرافي في أوله: إعلَمْ أن عدَمَ كلِ واحدة من هاتيْن العلتين عِلة للحكم الآخر، بخلاف غيْرهما من العلل ... الخ.\nوقد عقب ابن الشاط على ما جاء عِند القرافي في هذا الفرق بقوله: ما قاله فيه صحيح، وذلك أثناء تعقيبه على الفرق الثامن والخمسين.","vol":"1","page":315},{"text":"المسألة الأولى: النظر في النجاسة والطهارة، فالنجاسةُ ترجع إلى تحريم، والطهارة ترجع إلى إباحة، وعلة التحريم في النجاسة الاستقذار والتوسلُ للإِبعاد، فإذا عُدمت هذه العلة للتحريم كان ذلك عِلة للطهارة التي هي إباحة، وهذا من حيث إنَّا نقول في النجاسة: إنها تحريم الملابسة في الصلوات والأغذية لأجْل الاستقذار والتوسل للإِبْعاد، والمرادُ بالقيْدِ الآخَرِ تحريم الخمر والسموم الموجبة للهلاك والأمراض، والطهارة عبارةٌ عن إباحة الملابسة في الصلوات، فعدم علّة التنجيس علة الطهارة، من حيث إن الواحدةترجع إلى التحريم والأخرى إِلى الإِباحة.\nالمسألة الثانية: تحريم الخمر معلَّل بالإِسكار، فمتى زال الإِسكار زال التحريم وثبت الِإذنُ، وجاز أكلها وشربها، وعلة إباحةِ شرب العصير مسالَمَتُهُ للعقل، وسلامتُه عن المفاسد، فعَدَم علة المسالمة والسلامة علَّة للتحريم، فظهر أيضا في هذه المسألةِ تصحيحُ ما قلناه. (٢٢)\nالمسألة الثالثة، الحدث والطهارة، فالحدث يُقال على الأسباب الموجبة للوضوء ولا نريدهَا هُنا، ويقالُ على المنع المترتب على هذا السبب، وهذا المعنى هو المراد. فَقَولُ الفقهاء: يَنْوِي رفع الحدثِ، أيْ يَنْوي رفع اتصال المنع، وأمَّا أصْلُ المَنْعِ فلا يُرفع كما لا يُرْفعُ السبب الموجِبُ للوضوء، فإنهما واقعانِ قد وقَعَا.\nفإذا علمتَ هذا، فالحدثُ يرجع إلى تحريم ملابَسَةِ الصلاة حتى يتطهر، وإذا كان الحدث عبارة عن التحريم، والطهارة إباحة ذلك المُحرَّم، فالأسبابُ الموجِبة للوضوء علة التحريم، وعدمها عِلة الإِباحة بعد التطهر، واستعمال الماء سبَبُ ارتفاع ذلك المنع وحصُولِ هذه الإِباحة، فحَصَل مِنْ هذا المثالِ أنَّ علَّة الإِباحة عدم علة التحريم، وعدم سبب الإِباحة علة التحْريم.\n_________\n(٢٢) كذا في نسختى ع، وح، وفي هذه المسألة عند القرافي: \"فعَدَمُ هذه المسالَمة والسلامة عِلة لتحريمه (أيْ الخمر)، فظهر أيضا في هذه المسألة أنَّ عدم علة التحريم عِلة الإذن، وعدَمُ علة الإذن عِلة التحريم\".","vol":"1","page":316},{"text":"القاعدة السابعة (٢٣)\nنقرر فيها تداخل الأسباب وتساقطها، ونُظْهِر الفرق بينهما فنقول:\nالتداخل بين الأسباب معناه أن يوجد سببان مُسَبَّبُهُمَا واحد، والقياسُ يقتضي وجود مسبَّب لكل سبب، وتَساقُط الأسباب يكون عند التعارض وتنَافي المسبَّبَات، بأن يكون أحدُ السببيْن يقتضى شيئا والآخرُ يقتضي ضدّه أو نقيضَه، فيقدم صاحبُ الشرع الراجحَ منهما على المرجوح، فيسقط المرجوحُ، أو يستويان فيتساقطان معا. ثم التداخل والتساقط استويا في أن الحكم لا يترتب على السبب الذي دخل في غيره ولا على الحكم الذي سقط بغيره. ومثال التداخل هو ظاهر في ستة أبواب:\nالأول: الطهارة من النجاسة كالوضوء والغسل إذا تكررت أسبابها المختلفة كالحيض والجنابة، والمتماثلة كالجنابتَيْن، أو الملامسَتين في الوضوء، فها هنَا دخل أحدُ السببين في الآخَر.\nقلت: كلامُه في السبَب يُشْعِر بأن السبَبَ الشرعي كالسبب العقلي، لا يَجْتمع على مسبَّبٍ واحدٍ أكثرُ من سبَبٍ واحد.\nولقائل أن يقول: ليس هذا بصحيح، فإن الأسباب الشرعيَّة هي كَمُعَرِّفاتٍ، ولا مانع يمنع من اجتماع معرِّفات على معرَّفٍ واحد، بخلاف تلك فإنها مُوجداتٌ، ولذلك لا يكون للمسبَّب فيها إلَّا سببٌ واحد.\n_________\n(٢٣) هي موضوع الفرق السابع والخمسين بين قاعدة تَدَاخُلِ الأسباب وبين قاعدة تساقُطِها\" جـ ٢، ص ٢٩.\nقال عنه الإِمام القرافي ﵀ في أوله:\nإعلَمْ أن التداخُلَ والتساقط بين الأسباب قد استويَا في أن الحكم لا يترتب على السبب الذي دخل في غيره، ولا على السبب الذي سقط بغيره، فهذا هو وجْهُ الجمع بين القاعدتين. ثم أخذ يتحدثُ عن الفرق بينهما، فقال: \"والتداخُلُ بين الأسباب معْناه أن يوجَدَ سببانِ مسَبَّهُما واحد الخ .. ما ذكره القرافي وذكره الشيخ البقوري في هذا الاختصار رحمهما الله جميعا.\nوقد علق عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح.","vol":"1","page":317},{"text":"قال شهاب الدين ﵀:\nالثاني: الصلوات، كتداخل تحية المسجد مع صلاة الفَرض، مع تعدد سببهما الذي هو الدُّخُوُل والزَّوَال. (٢٤)\nالثالث، الْمُعتكِف في رمضان، فلصيامه سببٌ وهو رمضان، وله سبب آخر وهو الاعتكاف، وأتى بمسبَّب واحد. (هو الصيام).\nالرابع: الكفارات في الْأيمان على الشهور في حمل الأيمان على التكرار دون الإنشاء، بخلاف تكرر الطلاق يُحْمَلُ على الإِنشاء حتى يريد التكرار. (٢٥)\nالخامس، الحدود المتماثلة وإن اختلفت أسبابها كالقذف وشرب الخمر، أو تماثلت كالزِنى مرارا.\nالسادس: الأموال كالوطء بالشبهة، إذا تكرر الوطء فمهرٌ واحد، ولو انفردت الوطأة الأولى لكان فيها ذلك.\nومالكٌ المعتبر عنده في صداق المثل، الوطأة الأولى، والشافعي يقول:\nإذا وطئها مرَّاتٍ فالاعتبار فيها بحسب الوطأة الوُسطَى إذا كانت أعظم، ويندرجُ الطرفانِ فيها، وهذا كما لو وطئِها وهي مريضةٌ عديمة المالِ، ثم تصِحُّ وتَرِث\n_________\n(٢٤) فدخول المرء في الصلاة الفريضة من ظهر أو عصر أو عشاء حين دخوله للمسجد يغنِي عن سُنَّة تحية المسجد وتحصيلِ فضلها، لأن التحية حصلت بالدخول في الفريضة، ولذلك قال الشيخ خليل بن إسحاق المالكي ﵀ في مختصر الشهير، وهو يتكلم عن تحية المسجد: \"وتَأدَّتْ بفرض\"، أي حصلت بأداء الفرض.\n(٢٥) والفرق بين الإِنشاء والتكرار في الحكم واضح، فلو اعتبر الإنشاء في الأيمان لترتب عن كل يمين كفارة مستقلة، ولو اعْتبر التكرار في اليمين الواردة على موضوع أو شيء واحد لترتبت ووجبت كفارة واحدة، والمسألة تعرض لها الفقهاء وبَسَطُوها بتفصيل في باب الأيمان والنُّذُر وأحكامها، فلْيرجع إلا من أراد التوسع في ذلك.","vol":"1","page":318},{"text":"مالًا عظيمًا ثُمَّ تَسْقَمُ (٢٦). فالحالة الوسطى أعظمُ هذه الحالات، باعتبارها يكون صداق المثل، ومالكٌ يَرَى باندراج المتأخر في المتقدم.\nوأما الأصل الذي هو عدم التداخل فهو أكثر في الشريعة، وذلك كالِإتلافين يجِبُ بهما ضمانانِ ولا يتداخلان، وكالطلاقين وكالنذْريْن يتعددُ منْذورهما، وكالوصيتيْن بلفظٍ واحد لشخص واحدٍ، على خلاف في هذا، وهو كثيرٌ.\nوأمَّا تَسَاقُطُ الأسباب فهو قسمان: تارةً يقع الاختلاف في جميع الأحكام، وتارةً في البعضِ.\nأمَّا الأولُ فكالرِّدة مع الإسلام، والقتل والكفر مع القرابة الموجبة للميراث، وكالدَّيْن يُسقط الزكاة، وأسبابُها توجبها، وكالبيِّنَتَيْنِ إذا تعارضتا، وهو كثير، حصل التنافي فوقع التساقط.\nوأمَّا التساقُط بِسَبب التنافي من بعض الوجوه وفي بعض الأحكام، فكَالنكاح مع المِلك، إذا اجتمعا سقط النكاحُ لقوة المِلْكِ، ولا تَداخُلَ هنا فيقال: هي مضافة لهُما البتَّةَ (أي قَطْعًا).\nومن ذلك علم الحكام مع البينة على مذهبِ الشافعي، لا على مذهبنا، فسقط أمر البينة، لِأنها تفيد الظن، وعلمه أفاد القطع فكان أرجح، والله أعلمُ (٢٧).\n_________\n(٢٦) هكذا في نسخة ح. وهي متفقة مع ما عند القرافي في هذه المسألة حيث قال \"ثم تَسْقَمُ في جسمها\" وهو الصواب الذي ينسجم مع المعنى وسياق الكلام. وفي نسخة: \"ثم تَسْلَم\"، وهي تبدُو غلطًا، بالمقارنة مع ما سَبَقَ، فليُتَأملْ، والله أعلم بالصواب.\n(٢٧) عبارة القرافي هنا أوسع وأظهر وهي: \"ومن ذلك علم الحاكم مع البينة إذا شهدت بما يَعْلمُهُ، فإن الحكم مضافٌ للبينة دون علمه عند مالِكٍ، والقضاء بالعلم ساقِط، حذَرًا من قضاة السُّوء، وسَدًّا لذريعة الفساد على الحكام بالتُّهم، وعلى الناس بالقضاء عليهم بالباطل. وعند الشافعي علمُهُ مقدَّمٌ على البينة، لأن البينة لا تُفيد إلا الظن، والعلمُ أولى من الظن، ويحتمل مذهبُهُ أنه يجمع بينهما ويجعلُ الحكم مضافا إليهما لعدم التنافي بينهما\" اهـ.","vol":"1","page":319},{"text":"القاعدة الثامنة (٢٨).\nنقرر فيها المقاصد ما هي، والوسائل ما هي؟،\nثم نذكر الفرق بينهما فنقول:\nالمقاصد تنقسم إلى مَصَالِحَ ومَفَاسدَ.\nفالمقاصد هي المتضمنة لهذيْن، والوسائل: الطرق الفُضِية إلى المقاصد التي المصالح أو المفاسد، ولهذا نقول:\nأحْكَامُ الوسائل تَتبَعُ أحكام المقاصد، فإذا كَان المقصِدُ واجبًا فالوسيلة إليه تجبُ، وإن كان حرامًا فالوسيلة إليه تحْرُمُ، وإن كان مندوبًا فكذلك، أو مكروها فكذلك، أو مباحا، فكذلك. إلا أنه يشكل هذا بإمرار الموسى على من لَا شعر له في الحج، فإن إمرار الموسى وسيلةٌ لإِزالة الشعر إلا في هذا الموضع. فيمكن أن يقال: هو مستثنى، وتبقى لنا القاعدة من تبعيَّة الوسائل للمقاصد.\nومما يخرجُ أيضا من الوسائل عن التبعية دفعُ مال للكفار في فكِّ أسارَى، وهذا من حيث إن إعانتهم بالمال وغيره حرام، ودفع المال إليهم وسيلة إلى الإعانة التي هي محرمة.\n_________\n(٢٨) هي موضوع. الفرق الثامن والخمسين بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل، جـ ٢، ص ٣٢. قال في أوله القرافي ﵀: \"وربّمَا عُبِّر عن الوسائل بالذرائع، وهو اصطلاح أصحابنا (المالكية)، وهذا اللفظ الشهور في مذهبنا. ومعناه حَسْم مادة وسائل الفساد، دفعًا لها\". ثم قال: وليس سدُّ الذرائع من خواص مذهب مالك كما يتوهمه كثير من المالكية، بل الذرائع ثلاثة أقسام: قسم أجْمَعَتْ الأمة على سدِّه ومنْعِهِ وحسْمه، كحفر الآبار في طريق المسلمين، وإلقاء السُّم في أطعمتهم ... \"، وقسم أجمعُوا على عدم منعه كزراعة العنب خَشيةَ الخمر، (أي خشية أن يؤول إلى استعماله خَمْرًا)، وقسم اختلفوا فيه هل يُسَدُّ أم لا كبيوع الآجال عندنا، مثل مَنْ باع سلعة بعَشرة دراهم إلى شَهر، ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر، فهذه عند مالك وسيلَةٌ لسلَف خمسةٍ بعشرة إلى أجل، توسُّلا بإظهار صورة البيع، \"أيْ فتكون هذه الصورة ممنوعة: والشافعي يقول: يُنظَرُ إلى صورة البيْع ويُحْمَلُ الأمر على ظاهره فيجُوز\". اهـ.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الفرق بقوله: جميع ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، غير ما قاله من أن حكم الوسائل حكم مما أفضتْ إليه من وجوب أو غيره، فإن ذلك مبنى على قاعدة أن ما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجب. والصحيح أن ذلك غيرُ لازم لم يصرح الشرع بوجوبه\"، والله أعلم. اهـ.","vol":"1","page":320},{"text":"وأيضا فأكْلُ ذلك المال عليهم حرام من حيث إنهم مخاطَبون بفروع الشريعة، والدفع إليهم سبب لذلك الحرام فيكون حراما، ولكنه ما كان كذلك، ترجيحا للمصلحة الحاصلة فيه من فك الأسارَى، ومثل هذا ما يدفع لقطاع الطريق إذا كان يسيرًا.\nومنها (٢٩) مسألَةٌ يقع الغلط فيها وهي: أن الترخيص لا يكون بسبب (٣٠) المعْصِية، ويكون الترخيص لمن قارَنته المعصية ولم تكن معصيته سببًا، فالمقارنة كفاسِقٍ يَعْدَمُ الماء، يجوز له التيمم، أو يعجز عن القيام في الصلاة فيصلي جالسًا، والمعصيَّةُ لا تكون سببا للترخيص، كسَفر المعصية لا يكون سببا للفطر في رمضان ولا للقصر.\nوهذا الفرق يبطل قول من قال: إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها، لأن سببَ أكلِهِ خوفُه على نفسه لا سفَرُه، فالمعصية مقارنة للسبب لا أنها هي السببُ.\nقلت: ولقائل أن يقولَ: وكذلك سفر المعصية، لَيس لِصاحبه أن يَقْصُرَ، لا يَصْدُقُ، لأن العلة في التقصير المشقةُ وقد وُجدت، والسفر مقارن، كما الأمرُ على قولك في الميتة، والله أعلم.\nقال شهاب الدين - ﵀:\nوقد يُعَبِّر الفقهاء عن الوسائل بالذرائع، والذرائع تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n_________\n(٢٩) في نسخة ح: وهنا مسألة. والعبارة الأولى أظهر وأنْسَبُ.\nوقد تعرض لها الإِمام القرافي في التَّنْبيه الرابع من الكلام على الفرق ٥٨ قائلا:\nتفرع عن هذا الفرق فرق آخر وهو: الفرق بين كون العاصى أسبابا للرُّخص، وبين قاعدة مقارنة المعاصى لأسباب الرخص، فإن الأسبَاب من جملة الوسائل، وقد التبست ها هنا على كثير من الفقهاء.\nفأما المعاصى فلا تكون أسبابا للرخص، فالعاصى بسفَره لا يقصر ولا يفطر ... الخ)، وأمَّا مقارَنَةُ المعاصى لأسباب الرخص، فلا تمتنع إجماعا، فيجوز لِأفسق الناس وأعْصاهم التيممُ إذا عَدِمَ الماءَ وهو رخصة، وكذلك الفطر إذا أضرّ بهِ الصومُ، والجلوس إذا أضرَّ به القيام في الصلاة ... وهكَذَا تبدو هذه المسألة أو القاعدة عند الإِمام القرافي أبْيَن وأوضح.\n(٣٠) في نسخة ح: سبب، والأولى أظهر وأصوَبُ.","vol":"1","page":321},{"text":"قسم وقع الاتفاق على مَنْع العمل بها كسَبِّ آلهة الكفار وحفْرِ بِئر ليقع فيها مُسلم، فهذِه يجب القول بتحريمها.\nوقسم اتفق على أنها غير معتبرة كبيع العنب، يقال: إنه يَعصِر مِنه خمرًا، أو زرْعه مخافة ذلك، فلا أحدَ يقول: هذا سَبَبٌ لمنع زراعة العنب. وقسم مختلَفٌ فيه، هل يَفْسُدُ أمْ لَا، كبيوع الآجال قال بها مالك ولم يقل بها الشافعي، وكالنظر إلى النساء، لأنه وسيلة إلى الزنى، والمسائل لهذا القسم كثيرة.\nقال شهاب الدين ﵀: وهذا القِسْم (٣١) يُظهِر خطأ الأصحاب في استدلالهم على بيوع الآجال بِسَدِّ الذرائع التي اتُّفق عليْها، وإنما ينبغي أن يستدَلّ عليها بمثل ما ذكره مالك في موطئه في قضِية أم ولد زيد بن أرقم مع سيدها،\n_________\n(٣١) هذا القسم المختلف فيه من سد الذرائع ذكره شهاب الدين القرافي ﵀ في الفرق الرابع والتسعين والمائة بين قاعدة ما يُسَدُّ من الذرائع وقاعدة ما لا يسد منها. جـ ٣، ص ٢٦٦ أعاد فيه الكلام على الذرائع وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام، بعد ذكره لها في الفرق الثامن والخمسين بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل كما سبق ذكره والإِشارة إليه في بداية الكلام على هذه القاعدة الثامنة\nعند الشيخ البقوري ﵀.\nوبعد تقسيم الإِمام القرافي لها إلى ثلاثة أقسام: قسم مجمع على عدم منعه، وقسم مجمع على سده، وقسم مختلف فيه، وتبْيينه أن سد الذرائع ليس خاصا بمذهب الإِمام، لأن منها ما هو مجمع على سَدِّه وعَدم فتحه، قال ﵀: \"والمختلَفُ فيهِ كالنظر إلى المرأة لأنه ذريعة للزنى بها، وكذلك الحديث معها.\nومنها بيوع الآجال عند مالك ﵀. ويُحْكَى عن المذهب المالكي اختصاصه بسد الذرائع، وليس كذلك، بل منها ما أجمع عليه كما تقدَّم، وحينئذ يظهر عدم فائدة استدلال الأصحاب على الشافعية في سَدّ الذرائع بقوله تعالى: \"ولا تسُبُّوا الذين يدعون من دون الله فيسُبُّوا الله عَدْوًا بغير علم \". وقول النبي - ﷺ -: \"لَعَنَ اللهُ اليهود، حُرِّمتْ عليهم الشحوم فباعوها أكلوا أثمانها\"، وكمنع شهادة الأبناء للآباء والعكس، وكشهادة خصمٍ وظنين لا تُقْبل، خشية الشهادة بالباطل. فهذه وجوهٌ كثيرة يستدلون بها وهي لا تفيد، فإنها تدل على اعتبار الشرع سَدَّ الذرائع في الجملة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، وإنما النزاع في الذرائع خاصة، وهي بيوع الآجال ونحوُها، فينبغي أن نذكر أدلة خاصة لمحل النزاع، وإلَّا فهذه لا تفيد ...) إلى آخر ذكره القرافي هنا وأوْرَدَهُ البقوري في اختصاره هذا الفروق، رحمهما الله جميعا.","vol":"1","page":322},{"text":"وإخبار عائشة لها، لمّا أخبرتها أنه رِبا، فتلك القضية نصٌّ في المعنى المختلَف فيه (٣٢).\nوذكر في المسألة سؤالا، وهو أن زيد بن أرقم ﵁ هو من خيار الصحابة، وما وقع في ذلك إلاَّ من حيث أنه رأى أن الربا لا يقع بين السيد وعبدِهِ، وعائشة تقول بوقوعه بينهما، وقصَدتْ عائشة التغليظَ في ذلك القول ليرجع الناس عن الاقتداء به في ذلك.\nواحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وأحَلَّ اللهُ البيْعَ وحرَّم الربا﴾، قُلْنا: هذا عامٌّ، وما أتيْنا به نحن خاصٌّ. واستدل أيضا بما في الصحيح من أنه أُتِىَ بِتَمْرِ خَيْبَرَ (٣٣)، فقال: أتمْرُ خيبَر كلُّه هكذا؟، فقالوا: إنَّا نبتَاعُ الصاع بالصاعَيْن،\n_________\n(٣٢) وهذه المسألة - كما أوْرَدَهَا شهاب الدين القرافي هنا، هي أن أم ولد زيد بن أرقم قالت لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين، إنِّى بِعْتُ من زيْد بن أرقم عبدا بثمانمائة درهم إلى العطاء (أي إلى أجل)، واشتريته بستمائة نقدًا، فقالتَ عائشة ﵂: بيس ما شريتِ (أي بعتِ)، وبيسَ ما اشتريتِ، أخْبِرى زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إلا أن يتوب. قالت: أرأيت إن أخذته برأسمالي (أي بثمانمائة)؟، فقالت عائشة ﵂: \"فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله مما سلف، وأمْرُهُ إلى الله\".\nقال القرافي ﵀: فهذه صورة النزاع (أي لما يكون فيها من الربا)، وهذا التغليظ العظيم لا تقوله عائشة إلا عن توقيف (أي عن استناد إلى أثر مرفوع إلى النبي - ﷺ -) فتكون هذه الذرائع واجبة السد، وهو المقصود.\n(٣٣) هكذا في نسخة ع، وفي نسخة ح بتمرجنيب، وهي كذلك عند القرافي، ولعلها رواية أخرى للحديث، وحينئذ يكون الجنيب وصفا للتمر، ويُؤَيِّدُ ذلك ما في الصحيح، وما في الموطأ في باب ما يُكْرَهُ من بيع التمر، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول - ﷺ - استعمل رجلا (هو سَواد بن غَزية) على خيْبَر (أي ولاهُ عاملا علا) فجاءهُ بتمرٍ جَنيبٍ، فقال له رسول الله - ﷺ -: أكلُّ تمر خيْبَر هكذا؟ فقال: لا، والله يا رسولَ الله، إنَّا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعيْن بالثلاثة، فقال رسول الله - ﷺ - لا تفْعَلَ، بعْ الجمْع بالدراهم، ثمَّ ابْتَعْ (اشترِ) بالدراهم جنيبا\". والجنيب من التمر هو نوع من أعلى التمر وأجْوَدِه، قيل: الكَبيس، وقيل: الطيب، وقيل الصلب، ويقابله الجمع بفتح الجيم وسكون الميم، وهو الردئ من التمر.\nفالنبي - ﷺ - نهى عن بيع التمر بجنسه، متفاضلا، وقال: \"التمر بالتمر مثلا بمثل، وأمر ببيع كل جنسٍ على حدةٍ بالدراهم، وشراء الجنس المرغوب فيه من جيّد أو غَيْره.\nوالسؤال الذي طرحه القرافي عن زيد بن أرقم في وقوع هذه المسألة له، ذكر جوابه منقولا عن أبي الوليد بن رشد في المقدمات، ومختصرا في كتابه في هذا الفرق، فقال: ولعل زيدًا ابن أرقم لا ... الربا بين السيد وعبده اهـ.","vol":"1","page":323},{"text":"فقال: ربًا، ولكن بيعُوا تَمْرَ الجمْعِ بالدراهم، واشتَرُوا بالدراهم جنيبًا.\nوجوابنا أنه ليس في الحديثِ أن الجنيبَ يُشْتَرَى مِمَّن يباع له الجَمْع، وحينئذ تكون التهمة، ومع ذلك فلا دليل لكم عليه، واللهُ أعْلَمُ.\n\nالقاعدة التاسعة (٣٤)\nالفرق بين تقدم الحكم على سببه دون شرطه، أو شرْطه دون سببه، وبين تقدمه على الشرط والسبب جَميعًا.\nوتحريرُهُ أن الحكم لا يجوز تقدمه على سببه مطْلَقا، فإذا كان للحكم سبب واحد فلا يجوز تقديمه عليه، وإن كان له أسباب يتقدم عليها فكذلك، فإن كان له سببَانِ فتوسط، اعتبِرَ ذلك الحكم، بناءً على السبب الذي تقدم عليه، وصارتْ الأسباب الأخرى كالعدم، فإن شأن السبب أن يتقدم في تأثيره.\nقلت: هذا التقرير يخالف ما قرره في القاعدة الرابعة، وقد قدّمنا الاعتراض عليه هناك. والحقُّ أنَّ السبب يتقدم على مسبَّبه لا أن يتأخر، وقد يفارق كما مضى في الأسباب الفعلية.\nقلت: وهذا أيضا مبني على أن الأسباب الشرعية لها التأثير، وليس كذلك، بل هي معَرِّفات.\nقال: ومثال الأول، (٣٥) الزوالُ سببُ وُجُوبِ الظهر، فإذا صليتَ قبله لم يُعْتبر ظُهْرا. ومثال الثاني الجَلْدُ، لَهُ ثلاثة أسْبَاب: الزنى، والقذف، والشرب، فمن\n_________\n(٣٤) هي موضوع الفرق الثالث والثلاثين بين القاعدتين المذكورتين هنا: جـ ١ ص ١٩٦.\nوعبارة شهاب الدين القرافي ﵀ في أول هذا الفرق هي: أن الحكم إذا كان له سبب بغير شرط فتقدم عليه لا يعتبر، أو كان له سببان أو أسباب فتقدم على جميعها لم يُعْتبر، أو على بعضها دون بعض، اعتبرناه، بناء على سبب خاص، ولا يضر فقدان بقية الأسباب، فإن شأن السبب أن يستقل ثبوت مسببه دون غيره من الأسباب، ثم أخد يذكر الأمثلة لكل قسم.\nوقد علق عليه ابن الشاط بقوله عن هذا الفرق: ما قاله هنا صحيح ظاهر. اهـ.\n(٣٥) أي ممّا له سبب واحد، ومثال الثاني، أي الحكم الذي له سببان فأكثرُ.","vol":"1","page":324},{"text":"جُلِد قبْلَ ملابَسَةِ شيْء مِنْها لم يُعْتَبَر ذلك حَدًّا، ولا خِلاف في هذيْن القسْمَيِن.\nالقسم الثالث أن يكونَ لهُ سببٌ وشَرْطٌ، فإنْ تَأخَّر عنهما اعتُبِر إجماعًا، وإن تقدم عليهما لم يُعْتَبر إجماعا، وإن توَسَّطَ بينهُما فيقع الخِلاف في كثير من صوره بحسب اعتباره وَعَدَم اعتباره، ككفَّارة اليمين إن وقعت متوسطة بيْن الحنث واليمين، فقيل: تجْزيء، وقيل: لا. ولو قُدِّمَتْ عليهما لم تُعْتَبَرْ، ولو أُخِّرت عنهُما لَاعتُبِرت، بلا خلاف في القسمين، (٣٦) وكالزكاة تجب بملك النِّصاب وشرْط دوَرَانِ الحَوْل، لو توسطت، قولان، ولا خلاف في الطرفيْنِ، (٣٧) وقد جاء بَعْض المسائل فيها التوسط، واعتُبِر ذلك.\nقال شهاب الدين ﵀: لا أعلم فيها خلافًا، وهذا في الشفعة إذا وقعتْ فأسقطها الشفيع بعد البيع وقَبْلَ الأخذِ، سقطتْ، والأخذ شرْطٌ، والبيع سبب (٣٨)، وذكر هنا المرأة تسقط حقها من القَسْم في الوطء، قال مالك: لها\n_________\n(٣٦) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي فيها صحيح.\n(٣٧) ولا خلاف في الطرفيْن: أىْ إذا أخرجتْ الزكاة قبل ملك النصاب لا تجزئ إجماعا، وإذا أخرجت بعد ملك النصاب ودوران الحول أجزأت إجْماعا، وبعد ملك النصاب وقبل دَوَرَاهِ الحول، فيها خلاف. قال القرافي هنا: وكذلك إذا أخرج زكاة الحَب قبل نضج الحب وظهوره لا تجزئه، وإن أخرجها بعد ييسِهِ أجزأت، ولم يختلفن في هذه الصورة في الإجزاءِ، أعنى العلماء المشهورين في إجزاء المُخْرَج، بخلاف زكاة النقديْن إذا أخْرِجَتْ بعد ملك النصاَب وقبْل الحول، لأن زكاة الحب ليسَ لها سببٌ وشرط، بل سببٌ واحد، فلا تتخرج على هذه المسألة، بل على مسألة الصلاة قبل الزوال. وبهذا يظهر بطلان قياس أصحابنا عدم إجزاء الزكاة إذا خرجت قبل الحول على الصلاة قبل الزوال في قولهم: واجبٌ أخْرج قبلْ وقت وجوده، فلا يجزى، قياسا على الصلاة قبل الزوال، فهذا قياس باطل، بسبب أن ما يساوي الصلاة قبل الزوال إلا إخراج الزكاة قبل ملك النصاب، وهم يساعدون على عدم الإِجزاء قبل ملك النصاب.\nوقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في مسألة الزكاة، وزكاه بقوله: ما قاله فيهما صحيح ظاهر.\n(٣٨) قال القرافي هنا في الشفعة: فإن أسقطها (الشفيع) قبل البيع لم يُعْتَبر إسقاطه، لعدم اعتبارها حينئذ، واعتبار الِإسقاط فرعُ اعتبار المسقط، أو أسقطها بعْد الأخْذِ سقطت إجْماعا، وإن أسقطَهَا بعد البيع وقبل الأخذ سقطتْ، ولا أعلم في ذلك خلافًا ... \"\nقال ابن الشاط معلقا على كلام القرافي هنا: ما قاله في هذه المسألة ليس بصحيح، فإن الأخذ بالشفعة هو الحكم بعينه أو متعلقه، فكيف يكون شرطا في نفسه؟ هذا مما لا يصح، وإنما هذه المسألة من الضرب الذي له سبب دون شرط، ولذلك لم يقع خلاف فيما إذا أسقطها بعد البيع وقبل الأخذ، والله أعلم.","vol":"1","page":325},{"text":"الرجوع والمطالبة، لأن الطباع يشق عليها الصبرُ عَن مثل ذلك، بخلاف ما لو تزوجَتْهُ مجبوبًا أو عِنِّينًا فإنه لا مقال لها في ذلك لِتَوَطُّنِ النفسِ على ذلك.\nقلت: وَذِكْرُ هذه المسألة هنا فيما يظهر ليس مناسِبًا للقاعدة، فإنه ليس فيها ذكرُ سبَبٍ وشرطٍ وَقَع ذلك في الطرفيْن، والله أعلمُ، إلا أن يقال:\nوقعَ الإسقاط للوطْءِ بعْدَ ثبوتِ سببه وهو النكاح، وقَبْلَ شَرْطِهِ وهو التمكين، ومثل هذا إذا أسْقَطَتْ المرأة نفقتها فلها المطالبَةُ عند أصحابنا، مع أنه إسقاط بعْدَ السبب الذي هو النكاح، وقَبْلَ الشَّرْطِ الذي هو التمكين (٣٩) وقد يقال: ويمكن أن يقال هنا: ما كان لها المطالبة إلا لإسقاطها قبل سببه، وذلك التمكين، وهو كإسقاط الشفعة قبل بيع الشريك، والأَوّل أَظهر. (٤٠)\n_________\n(٣٩) قال القرافي هنا متوسعا في المسألة: أو يقال: السبب هو التمكين خاصة، وما وجد في المستقبل عند الِإسقاط في الحال، فقد أسقطت النفقة قبل سببها، فيكون كإسقاط الشفعة قبل بيع الشريك، والأوّلُ عندي أظهر، وإسقاط اعتبار العصمة بالكلية لا يتَّجهُ، فإن التمكين بدون العصمة موجود في الأجنبية ولا يوجب نفقة، والأحسَنَ أنْ يُقال: هو من ذلك، غير أنه يشق على الطباع ترْك النفقاتِ، فلم يَعتبِر صاحب الشرع الِإسقاط، لطفا بالنساء، لا سيما مع ضعف عقولهن.\nوعلى التعليلين يشكِلُ بما إذا تزوجتْه وهي تعلم بفقره، قال مالك: ليس لها طلب فراقه بعد ذلك، مع أنه بعْدَ العقد وقبل التمكين. والفرق أن المرأَة إذا تزوجَتْ بمن تعلَمُ بفقره، فقد سكنتْ نفسُها سكونًا كليا، فلا ضرر عليها في الصبر على ذلك، كما إذا تزوجته مجبولا أو عنينا فلا مطالَبة لها، لفرط سكون نفسها.\n(٤٠) قال ابن الشاط معلقا على هذا الكلام عند القرافي في هذه المسألة: ما قاله فيها ظاهر، وما اختاره هو المختار، وما اعتذر به عن المذهب ظاهر. وما فرّق به بين المسألة وبين ما إذا تزوجته، عالمةً بفقره ظاهر أيضا، وكذلك ما قاله في مسألة إسقاط المرأة حقها في الوطء ظاهر.","vol":"1","page":326},{"text":"القاعدة العاشرة (٤١)\nنقرر فيها الفرق بين اللزوم الجزئي واللزوم الكلي، فنقول:\nلاشك أنه إذا لزم شيء شيئا، قد يكون لزوما جزئيا، وقد يكون لزوما كليا. ثم اللزوم الكلي على قسمين: أحدهُما أن يكون كليا عامًا لا بحسب شخص، والثاني أن يكون بحسب شخص. فالأول كقولنا: العِشرة تلزمها الزوجية، إذ ما من حالة تفرض ولا زمان ولا تقدير يُقدر من التقادير الممكنة إلا والزوجية في ذلك لازمة للعشرة.\nوالقسم الثاني كقولنا: كلما كان زيد يكتب فهو يُحَرِّك يَدَه، أي ما مِن حالةٍ تُفْرض، ولا زمانٍ يشار إليه، وريدٌ يكتب، إلا وهو يحرك يده في تلك الحالة باللزوم بيْن كتابته وحركةِ يده في كل الأحوال والأزمان، والشخص واحد.\nوأما اللزوم الجزئي فهو لزوم الشيء للشيء في بعض الأحوال دون بعض، أو في بعض الأزمنة دون بعض.\nوسأل بعضُ الفضلاء سؤالا عن قول الفقهاء: إن الطهارة الكبرى إذا حصلتْ أغْنَتْ عن الوضوء، فقال: أنتم جعلتم الطهارة الصغرى لازمة للكبرى، والقاعدة أن انتفاء اللازم يلزم منه انتفاء اللزوم، فيَلزَمُكم متى انتقض وضوؤه أن يعيد غسله، وهذا خلاف الِإجماع، أوَ تقولوا: هذه القاعدة باطلة، وهذا الآخَرُ أيضا باطل فلا سبيل للزوم الصغرى للكبرى.\nوالجواب أن نقول: اللزوم بين الطهارة الصغرى والكبرى جُزْئي لا كُلي، فليس يلزَم الوضوء للغسل دائما، بل ابتداءً فقط، والدوامُ مشروط بعدم طريَان\n_________\n(٤١) هي موضوع الفرق الثالث والأربعين بين قاعدة اللزوم الجزئي وبين قاعدة اللزوم الكلي. جـ ١. ص ٢٢٣. قال القرافي ﵀ في أوله: وضابط اللزوم الكلي العام أن يكون الربط بينهما واقعا في جميع الأحوال والأزمنة، وعلى جميع التقادير المكنة، كلزوم الزوجية للعِشْرة، واللزوم الجزئي هو لزوم الشيء للشيء في بعض الأحوال دون بعض، أو في بعض الأزمنة دون بعض، ويتضح ذلك بسؤال ذكره بعض الفقهاء ... الخ. وهذا الفرق لم يعلق عليه الفقيه ابن الشاط بشيء من كلامه مما يدل على أن جميع ما جاء فيه عند القرافي صحيح ظاهر، والله أعلم.","vol":"1","page":327},{"text":"الناقض، فانتفاء الطهارة الصغرى حالة الناقض لا يَقْدَحُ في بقاء الطهارة الكبرى، فإن انتفاء ما ليسَ بلازم لا يلزم منه شيء، ولا أحد ممَّن يقول بهذا القول قال ببقاء (٤٢) الطهارة الكبرى دون الصغرى في هذه الحالة الله، هي حالة اللزوم، وإنما قال به في الحالة التي ليست بلازمة، والقول بأنه يلزم من عدم اللازم عدم الملزوم إنما هو حيث يكون الملزوم عاما أو خاصا، أما في الصورة التي لم يُقْضَ فيها باللزوم فلا.\n\nالقاعدة الحادية عشرة (٤٣)\nفي الفرق بين الشك في السبب وبين السبب في الشك.\nأشكل الفرق على بعض الفضلاء حتى قال: النظر الأول الذي به يحصل العلم بوجود الصانع يصح التقَربُ به، وهو خلافُ ما عليه الناس، وقال: كيف ينكِره الناس وقد وجد التقرب بالمشكوك فيه في عدد صُوَر:\nفمنها من شك هل صلى أم لا، فإنه يجب عليه أن يصلي، وينوي التقرب بتلك الصلاة المشكوك فيها، وكذلك من نسِي صلاة من خمْسِ لا يعرف عينَها فإنه ينوي التقرب بكل واحدة من الخمس مع شكِه في وجوبها عليه، ومثل هذا كثير.\n_________\n(٤٢) في نسخة ح: تبقى (بصيغة الفعل المضارع).\n(٤٣) هي موضوع الفرق الرابع والأربعين بين قاعدة الشك في السبب وبين قاعدة السبب في الشك، جـ ١. ص ٢٢٥.\nقال عنه القرافي -﵀- في أوله: أشكل هذا الفرق على جمع من الفضلاء، وانبنى على عدم تحرير هذا الفرق الإِشكال في مواضع ومسائل حتى خرق بعضهم الإِجماع فيها، فعمد إلى النظر الأول الذي يحصل به العلم بوجود الصانع وقال: يمكن فيه نية التقرب، مع انعقاد الإِجماع على تعذر ذلك فيه كما حكاه الفقهاء في كتبهم، فأنكر الإِجماع وقال: كيف يحكى الإِجماع في تعذر هذا وهو واقع في عدة صور، فإن غاية هذا الناظر (في الكون قبل أن ينظر)، أن يجَوِّز أن يكون له صانع وألا يكون، وأن يكون هذا النظر واجبا عليه وألا يكون، وهذا لا يمنعُ قصد التقرب، بدليل ما وقع في الشريعة أن من شك هل صلى أم لا، فإنه يجب عليه أن يصلي، وينوي التقرب بتلك الصلاة الشكوك فيها ... الخ.","vol":"1","page":328},{"text":"والجواب أن الشارع شرَعَ الأحْكامَ وشرع لها أسْبابًا، وجعل من جُملة ما شرعَه من الأسباب الشَّك، فشرَعه في عدة من الصُّور حيث شاء.\nفإذا شك هل هي الشاة المذكَّاة أو الميتَة حَرُمَتَا معًا، وإذا شك في الأجنبية وأخْتِهِ من الرضاع حرِّمتَا مَعًا، وسَببُ التحريم هو الشك، وكذلك قد يكون الشك سبب الوجوب، والمتقرِبُ في مثل هذه الصورة جازم بوجود الموجب وهو الله تعالى، وسَبَبِ الوجوب الذي هو الشك، والواجِبِ الذي هو الفِعل، ودليلِ الوجوب الذي هو الِإجماعُ أو غيرُه من الأدلة. وفي صورة النظر لا شيء منها بمعلومٍ، بل الجميعُ مجهُول مشكوك فيه، فالشك في السبب كما هو في هذه الصورة التي ذكرنا لا يمنع من التقرب (٤٤).\nثم إذا تبين الفرق فلَا نقول: إن صاحب الشرع جعل الشك سببا مطلقًا، بل نصبه مرَّةً سببًا، وفي صُوَر صوَرٍ يُلْغِيهِ ولا يَعْتَبرهُ، وفي صُوَرٍ وقع الخلاف فيها بين العلماء، هل يُلْغى ذلك الشكُّ أو يُعتَبر، فاعتبارُ الشك كما قدَّمْنا، وإلغاؤه كمن شك هل طلق أم لا، فيلغيه ولا شَيء عَلَيه، كمن شكَّ هل سها في صلاته أم لا، فيلْغيه. والمختلَف فيه كمن شك هل أحدَث أو لا؟ اعتبره مالك دون الشافعي، ومن شك هل طلق ثلاثا أم لا (٤٥)؟ ألْزمه مالك الطلقة المشكوك فيها دون الشافعي، ومن حلف يمينًا وشكَّ ما هي؟ ألْزمَه مالكٌ ﵀ جميع الأيْمان فقد صار الشك ثلاثة أقسام، ثم يتضح الفرق بذكر ثلاث مسائل.\nالمسألة الأولى، قال بعض العلماء: إذا نسي صلاة من خمس فإنه يصَلي\n_________\n(٤٤) عبارة الشيخ القرافي ﵀ في هذه الفقرة: \"فالشك في السبب غيرُ السبب في الشك، فالأول يمنع التقرب ولا يتقرر معه حكم، والثاني لا يمنع التقرب وتتقرر معه الأحكام كما رأيتَ في هذه النظائر. فاندفع سؤال هذا السائل، وصح الإجماعِ ونقْلُ العلماء فيه، وما أورَدَه عليه من النقوض لا يَرِدَ ... الخ.\n(٤٥) عبارة القرافي: هل طلق ثلاثا أم اثنتين؟","vol":"1","page":329},{"text":"خَمْسًا، وتصح نيته مع التَّرداد، (٤٦) والقاعدة أن النية لا تصِح مع الترداد، واستثنِيَتْ هذه الصورةُ لتعذر الجزم بالنية فيها، وليس الأمر كذلك، بل الشك الذي معه أوجبَ أن يصلىَ خمسًا، وكذلك من شك في جهة الكعبة، إذا أوجبْنا عليه أربع صلواتٍ فقد جزَمْنا بوجوب الأربع، ولا تَردُّدَ في هذه الأشياء.\nالمسألة الثانية. من شك في صلاته فلم يدْرِ كَمْ صَلى أثلاثا أم أربعا؟ يجعلها ثلاثا ويصَلى ركعة ويسجد سجدتين بعد السلام، مع أن القاعدة أن من شك هل سها أم لا، لَا شيء عليه (٤٧) وقد يجوز أن يكون زاد وأن لا يكون، فكيفَ يَسْجد؟ مع أنه في غير هذه الصورة لو شك هل زاد أم لا، لا يسجد فتُشْكِل هذه المسألة (٤٨). ثم كيف يصلي هذه الرابعة ولا بد فيها من تجديد النية، فكيف ينوي التقرب بها مع عدم الجزم بوجوبها؟، ويجوز أن تكون مُحَرَّمة خامسة، وأن تكون واجبة رابعةً، ومع التردد لا جزْمَ.\nوالجوابُ أن الشرع جعل الشك سببًا لركعة وسجدتين فلا ترداد، وعَلَى هذا، سببُ السجود الزيادةُ والنقصُ. والشك، لا ما يقوله الفقهاء من النقص\n_________\n(٤٦) هذا في النسختين: ع، ح: مع الترداد، وعند القرافي: مع التردُّد، وهو المصدر القياسي للفعل الخماسى: تردَّدَ، مثْلُ تكرم وتعلم تكرُّما وتعلُّما، بضم الحرف الرابع في المصدر.\nوفي ذلك بقول ابن مالك في ألفيته الشهيرة، وهو يتكلم عن مصادر الأفعال غير الثلاثية:\nوغَيرُ ذِي ثلاثة مقيسُ ... مصْدَرِهِ كقُدِّس التقديسُ\nوزكِه تزكيةً وأجْمِلَا ... إجْمَال مَنْ تَجَمُّلا تجَمَّلَا\nعلى أنه قدْ يرد سماعًا على وزْن تفعال مثل، تَجوَّلَ تجوُّلًا وتجْوَالًا إلخ .. وفي ضم الحرف الرابع من مصدر الفعل الخماسي يقول ابن مالك في ألفيته.\n....... وضُمَّ ما ... يَرْبَعُ في أمْثالِ قد تلْمْلَما\n(٤٧) عبارة القرافي: لا سجود عليه.\n(٤٨) قال القرافي ﵀: \"ولقد ذكرت هذا الإِشكال لجماعة من الفضلاء الأعْيانِ، فلم يجدوا عنه جوابا ... الخ، ثم ذكر الجواب كما أورَدَهُ الشيخ البقوري هنا.","vol":"1","page":330},{"text":"والزيادة فقط (٤٩). وبهذا يظهر الفرق بين الشك في السهو وبين الشك في العدد، فالأول شك في السبب، فلا شيء يترتب عليه، والثاني سبب في الشك. (٥٠)\nالمسألة الثالثة، وقع في بعض تعاليق المذهب أن رجُلًا توضأ الصبح والظهر والعصر والمغرب بوضوء واحد، (٥١) ثمَّ أحدث، فتوضأ وصلى العِشاء، ثم تيقن أنه ترك مسح رأسه من أحد الوضوءين لا يدْري أيُّهما هو\nفسأل العلماء، فقالوا له: يلزمُك أن تمسح رأسك وتعيدَ الصلواتِ الخمسَ، فذهب ليفعل ذلك فنسى مسح رأسه وصلَّى الصلواتِ الخمس، ثم جاءَ يستفتى عن ذلك من سأل أوَّلا، فقال له: إذْهب وامسح رأسك وأعِدْ العشاء وحْدَها، فأشكل ذلك على جماعة من فقهاء العصر وقالوا: الشك موجود في الحالتين، فكيْف أمِرَ أولا بإعادة الصلواتِ كلها وفي ثاني حال أمِرَ بإعادة العشاء وحدَها؟ !\nوالجوابُ أنَّ المسح المذكور إن كان من وضوء الصلوات الأربع فقدْ أعادَها بوضوء العِشاء بعْدَ أن إستفْتَى أولا، فبرئت الذمة منها، وإن كان من وضوء العشاء فقد برئت الذمة منها بوضوئه الأول، فعلى التقديرْين برئت الذِّمة ولم يبقِ إلا الشك في العشاء، فعلى تقدير أن يكون المسح نُسِىَ من وضوئها فيكون ثابتًا في\n_________\n(٤٩) قال القرافي: \"وهذا الثالث (أي الشك) قلّ أن يتفطن له فتأمّلْه، ولا تجد مَا يُسَوِّغُ على مقتضى القواعِدِ غيرَه، وبه يَظهر الفرق بين الشك في سبب السَّهو، وبيْن الشك في العدد ... الخ، ما قاله القرافي، والبقوري رحمهما الله.\n(٥٠) زاد القرافي هنا قوله: بمعنى أن الشك هو الذي جعلهُ الشرع محلَّ السببية، فذكرته بهذه العبارة ليحصل التقابُل بينه وبين الأول طرْدًا وعكْسًا.\n(٥١) أصل أداء الصلوات الخمس وأربع صلوات منها بوضوء واحد لمن استطاع أن يمسك الوضوء لوقت طويل هو الحديث الصحيح الذي أخرجه كثير من أئمة الحديث عن سلمان بن بُرَيدَة عن أبيه أن النبي - ﷺ - صلى الصلوات يوم الفتح بوضُوء واحد ومسَحَ على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعْتَ اليوم شيئا لم تكن تصنَعُهُ، قال: عمْدًا صنعتُه يا عُمَرُ\" أي للتشريع وللبيان.\nوفي معناه أيضا حديث أنس، قال: كان النبي - ﷺ - يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدَنا الوضوءُ ما لم يُحْدِث\" رواه بعض أئمة الحديث.\nفالمتوضئُ يحق له أن يصلى الصلوات الفرائض بوضوء واحد، كالظهر والعصر والمغرب والعشاء، وهذا لا يتنافى مع استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة فريضة.","vol":"1","page":331},{"text":"ذِمَّتِهِ، لأنه إنما صلى العشاء بوضوءٍ واحِدٍ، أما غيرها من الصلوات فقد صُلِّيَتْ بوضوءيْن: إمَّا بالأول وإما بالثاني، بخلاف العشاء، ولذلك اختلف جواب المفتي قبل الإِعادة وبعْدَهَا، وبالله التوفيق.\n\nالقاعدة الثانية عشرة (٥٢)\nنقرر فيها الفرق بين المعاني الفعلية والمعاني الحُكْمية فنقول أولا:\nالمراد بالمعنى الفِعْلي ما وُجُوده في زمان وجوده دون زَمان عدَمه كالإِيمان والإِخلاص حال حضور ذلك بالقلب لا حالَ غفلةِ القلب عنهُما.\nوالحُكْمي حكم صاحب الشرع على فاعله بأنه من أهل ذلك الوصفِ دائما حتى بلابِس ضدّه وإن غفل عنه. فالمعنى الفعلي موجود للكافر حال كفْره، والحكمى بحسَبه هُو له في الدار الآخر، فإنه بعْد الموتِ لا يصحُّ الكفر الفِعلي إذا أيقن بالحق في الدَّار الآخرة، ولكنَّه له الحكمي، وكذلك له الحكى في الدنيا حال غفلته عن ذلك وعن ضِده، وكذلك النية في أوّل الصلاة هي معنى فعليٌّ، لأنها - حينئذ موجودة بالفعل، وفي أثناء الصلاة إذا غفل عنها هي موجودة حكمًا، والحُكْميات على هذا فرعٌ للفعليات.\nقال: وهنَا خمسُ مَسَائل:\nالمسألة الأولى، مَن ذَهب عقْله عند الموت حتَّى لم ينطِق بالشهادة حينئذ ولا يعقِلُ مقتضى ذلك، هو مؤمن حكْما إن كَانَ سبَق إليه الإِيمانُ الفِعلي ولم\n_________\n(٥٢) هي موضوع الفرق الرابع والثلاثين بين قاعدة المعاني الفعلية، والمعاني الحكمية. جـ ١. ص ٢٠٠. قال في أوله القرافي ﵀! وتحريره أنه ما من معنى مأمور به في الشريعة ولا مَنْهيّ عنه إلا وهو منقسم إلى فعلي وحُكمي ... ثم أخذ في تبيين كل منهما كما أوردهُ البقوري ﵀. وعلق الفقيه ابن الشاط على هذا الفرق عند القرافي بقوله: ما قاله فيه صحيح.","vol":"1","page":332},{"text":"يلحقه نقيضه إلى تلك الحالة، (٥٣) وكذلك من كان به الكفر الفعلي ولم يلحقه\nنقيضه فمات غائبا عن ذلك، فهو على الكفر حكمًا.\nالمسألة الثانية، إذا سَها عن السجدة في الأولى والركوع في الثانية، فلا يضاف سجود الثانية لركوع الأولى إلا أن يقصد ذلك، ولا تكفيه النية الفعلية المقارنة لأول الصلاة، بسبب أن النية الحكمية فرعُ الفعلية، ولم تكن الْفِعليةُ متناولَةً (٥٤) للصلاة المرقَّعة، فلا تكون النية الحكمية التي هي تابعة لها متناولة لها (٥٥)، والصلاة لابد فيها من النية، فلابد من تجديد النية في هذه القضية، وإلا لم يجْز ذلك.\nالمسألة الثالثة، إذا نسي سجدة من الأولى ثم ذكر في آخر صلاته فإنه يقوم إلى ركعة خامسة يجعلها عوض الأولى، ولابد لهذه الركعة من نية سجدة، لما قلناه في المسألة قبل هذه حَرْفًا بحرفٍ.\nالمسألة الرابعة، قال مالك في المدونة: إن بقيتْ رجْلاه من وضوئه فَخَاض بهما نهْرا فدلكهما فيه بيده ولم ينْو بهِ تمامَ وضوئه لم يُجْزِه حتى ينويَه.\nقال شهاب الدين: وسببُ ذلك أن النية الفعلية الأولى لم تتناول إلا الوضوء العادي، وليس غسل الرجلين على تلك الحالة من العادة المعلومة في الوضوء، فإذا لم تكن النية الفعلية فالحكمية التي هي فرع لها يجب أن تكون منْتفِية كما مر فيما تقدم.\n_________\n(٥٣) عبارة الإِمام القرافي في أول هذه المسألة وافية، وهي قوله: ومن خرس لسانه عند الموت، وذَهب عقلُه فلم ينطِق بالشهادة عند الموت ولا أحضَر الإِيمانَ بقلبه ومات على تلك الحال مات مؤمنا، ولا يضر عدمُ الإيمان الفعلي عند الموت .. \" الخ. وهذا من فضل الله ورحمته بعباده المؤمنين\n(٥٤) في نسخة ح: مشاركة، والصواب الأولى، وهي ما يؤخذ من عبارة القرافي هنا بقوله: \"والنية الفعلية الأولى إنما تناولتْ الفعْل الشرعي لا بوصف كونه موقعا، بل على مجاري العادة في الأكْثَرِ\".\n(٥٥) في النسختين ع. وح. عدم الإِتيان بخبر الفعل الناقص تكون، ولعل المؤلف اعتبرها تامة تكتفي بالمرفوع على أنه فاعل، وحينئذ فمعناها توجد (بالبناء المجهول، كما هو شأن تفسير كان الناقصة بالفعل الماضى (وجد) مبنيا للمجهول، أو لعل ذلك سهو من الناسخ، فيكون الخبر مستفادا من الجملة الأولى قبل هذه، وكذلك من كلام القرافي في المسألة، فليتأمل.","vol":"1","page":333},{"text":"المسألة الخامسة، رَفْض النية في أثناء العبادة، فيه قولان، هَلْ يُؤثر أمْ لا؟ فإن قلنا بعدم التأثير فلا كلام، وإن قلنا: يؤثر، (٥٦) فوجْهُهُ أن هذه النية التي حصل بها الرفع وهي العَزْم على ترْك العبادة، لو قارنتْ النية الفعلية الكائنة أول العبادة لضادّتْها، فكذلك الحُكميةُ هي مضادَّة لها. (٥٧)\n\nالقاعدة الثالثة عشرة (٥٨)\nنقرر فيها الفرق بين رفع الواقعات وتقْدِير ارتفاعها بأن نقول:\nمعنى رفْع الواقع ممتنع عقلا، من حيث إنّ ما وقع في زمانٍ ماضٍ لا يصح في زمان متأخِر عنه أن يرفع ذلك الواقع الذي مضى. ومعنى تقدير ارتفاع الواقع أن يكون الشيء موجودًا فيعطاه حكم المعْدُوم، وهذا من حيث الشرع، وهذا صحيح غير مُحَالٍ، فظهر الفرق.\n_________\n(٥٦) كذا في نسخة ح. وفي نسخة ع، تؤثر، والصواب الأولى (يؤثر بالياء، باعتبار الضمير يعود على رفض النية لا على النية نفسها، لأن رفضها أثناء الشروع في العبادة هو محَطُّ السؤال والخلاف، وهو ما عند القرافي في هذه الجملة.\n(٥٧) وقد علق ابن الشاط على هذه المسائل بقوله في أول تعليقه على هذا الفرق: ما قاله فيه صحيح، غيْر أنه في المسائل الثانية والثالثة والرابعة، لقائِلٍ أن يقول: إنّ من نوى الصلاة فإن نيته تتضمن إصلاحها إن احتاجَتْ إليه، لكنى لا أذكرُهُ الآن من قوْل الفقهاء، والصحيحُ ما قاله في ذلك، والله أعلم. اهـ.\n(٥٨) هي موضوع الفرق السادس والخمسين بين قاعدة رفع الواقعات، وبين قاعدة تقدير ارتفاعها، جـ ٢، ص ٢٦.\nقال شهاب الدين القرافي في أوله: هاتان القاعدتان تلتبسان على كثير من الفقهاء الفضلاء، مع أن القاعدة الأولى قاعدة امتناعٍ واستحالةٍ عقليةٍ، لا سبيلَ إلى أن يقع شيء منها في الشريعة، والقاعدة الثانية واقعة في الشريعة في مواقع الإجماع ومواقع الخلاف.\nقال: \"ولقد حضَرتُ يومًا في مجلس، فيه فاضِلان كبيران من الشافعية، فقال أحدهما للآخَر: مَا معْنى قول العلماء: الردُّ بالعيب رفعٌ للعقد، من أصله أو من حينه، قولان، أمَّا من حينه فمسَلّم معقول، وأما من أصْله فغير معْقول، بسبب أن العقد واقع في نفسه، وهو من جملة ما تضمَّنه الزمان الماضى، والقاعدة العقلية أن رفْعَ الواقع محال، وإخراجُ ما تضمنه الزمان الماضي","vol":"1","page":334},{"text":"قلت: لَا خفاءَ أن رَفع الواقع إذا فُسِّر بما قاله فهو محال، ولكنه الذي يَسْبِق إلى الفهم في الرَّفْع، كما يقال في النَّسْخ: إنه رفْعُ ما هو ذلك، بل الذي يُرفع اتصال ذلك الحكم بحسب الأزمنة، ولا استحالة في هذا.\nقال شهاب الدين ﵀: وأوَضِّح هذا بذكر مسائل.\nالمسألة الأولى، العيبُ إذا وُجد بالسلعة فكان ذلك موجبًا للرد، هل هو رفْعٌ للعقد من أصله أو من حينه؟، قولان: من حينه لَا إشكال فيه، من أصله ربّما يقال: هذا رفع الواقع، وذاك محال، فيقال: ليسَ هذا من رفع الواقع، وإنما هو من باب تقدير ارتفاع الواقع، إذ لاشك في حصول عقْد البيع، فإذا قلنا: من حين أصل الشراء فمعناه تقديرُ الشرع لذلك العقد بعد ظهور العيب كالعدم، فالأمَة إِن كانتْ هي المبيعة، وهي قد كانت بحَمْلٍ، إذا كان القيام بالْعَيْبِ بعد الوضْع، إِن قلنا: من حينه فالولد للمشتري، وإن قلنا: من أصله فالولد للبائع، ولا شيء للمشتري، وكذا الحال في الغَلَّاتِ وسائر المنافع.\n_________\n= مُحَال، فما معْنى قولهم إنه رفعٌ للعقد من أصله؟ قال له الآخَرُ: معنى ذلك أنه يرجع إلى رفع آثاره دون نفس العقد، فقال له: الآثار والأحكام هي أيضا واقعة من جملة الواقعات، وقد تضمنها أيضا الزمان الماضى كسائر الماضيات، فيستحيل رفعها كالعقد، ويمتنع إخراجها من الزمان الماضى كسائر الماضيات، فقال له الآخر: هذا السؤالُ يَرِد على مثلى؟ ! وأظهر الغضب والنفور، لقلقه وقوة السُّؤال، وافترقا عن غير جواب، وما سَببُ ذلك إلا الجهل بهذا الفرق، وها أنا أوضحه لك بذكر مسائل أربع\": إلى آخر كلامه هنا.\nوإيراد مثل هذه المحاورة والمناظرة بين العلماء، وذكرها في هذا المقام مع اختصار البقوري لها يعطى ضوءًا كاشفا عن هذا الفرق بين القاعدتين المذكورتين فيه، وعن أهمية كتاب الفروق ومكانته عند العلماء في تذليل كثير من الإِشكالات والإجابة عن كثير من المسائل الشرعية في الفروع الفقهية. وقد علق الفقيه المحقق ابن الشاط على هذا الفرق بقوله:\nجميع ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، غيْر قوله بتقدير الملك للمعتَق عنه، فإنه وإن كان التقدير ممَّا ثبت له حكم في مواضع فإنه لا حاجة في هذه المسألة إليه، ولا دليل عليه.، وغير قوله بتقدير ملك الدية في قتل الخطأ فإنه ليس موضع تقدير الملك، أعنِي بَعد إنفاذ القاتِلِ وقبْل زهوق الروح، بل هو موضع تحقيق للمِلْك، والله أعلم.","vol":"1","page":335},{"text":"قلت: قد مضى في القاعدة الأولى أن كلامه على قاعدة التقدير لم يتم، وكلامه هنا ليس إلا إحالة على ذلك. (٥٩)\nالمسألة الثانية، رفض النية في العبادة، فيها قولان، والمشهورُ في الصلاة والصوم صحة الرفْضِ، وفي الحج والوضوءِ عدمُ الرفض. (٦٠)\nقال شهاب الدين ﵀: وذلك من باب التقديرات الشرعية لا من باب رفعُ الواقع، فلا إحالة فيه.\nقلت: قد مضى في القاعدة التي قبل هذه أن ذلك الرفض هو رفع النِّيةِ الحكمية لا الفعلية، من حيث إنه لو قدِّر هذا الرفض من النية الفعلية لضَادَّتْها وأبطلتها، فإذا كانت مع الأصل هكذا فمع الحكمي الذي هو فرعٌ أوْلى أن تضادّه، وعلى هذا فلا تقديرَ.\nقال شهاب الدين - ﵀: فإن قلْتَ: وأيّ دليل في الشَّريعة يَقْتَضى تمكُّن الكلف من هذا التقدير وأن هذا التقدير يتحقق؟، ولو صح ذلك لَتَمَكَّن الكلّفُ من إسْقَاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمان الماضي بطريق التقدير والقصد إليه، دُونَ أن يأتي بكفر، وكذلك يَقصدُ. صحيح أعماله السيئة من زنى وغيره ممَّا تقدم فيَسْتريحُ من مؤاخذتها، وذلك كله غير متقرر، بَلْ المتقرر في الشريعة أن عَدم اعتبار ما وقع في الزمان الماضي متوقف على أسبابٍ غير الرفض، كالإسلام يهدِمُ ما قبله، والهجرة والتوبة والحج، وعَكسُها في الأعمال الصالحة تُبْطلها الرِدة، والنصوص دَلَّتْ على اعتبار ما ذكرناه، وأمّا الرفض فما نعلمُ فيه دليلًا شرعيًّا يقتضي اعتباره، ثم قال: هذا سؤال قويٌّ، والأفضلُ الاعترافُ به.\n_________\n(٥٩) التقديرات كما قال القرافي هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، وإعطاءُ المعدوم حكم الوجود، وهي من قواعد الشرْع.\n(٦٠) قال القرافي: وذلك كله من المشكلات، فإن النية وقعت، وكذلك العبادَة، فكيف يصح رفع الواقع، كيف يصح القصد إلى المستحيل؟ والجواب أن ذلك من باب التقديرات الشرعية، بمعنى أن صاحب الشرع يقدر هذه النية أو هذه العبادَة في حكمِ ما لم يوجد، لا أنه يبطل وجودها المندرج في الزمن الماضي، بل يُجْرِي عليها الآن حكم عبادَةٍ أخرى لم توجد قط.","vol":"1","page":336},{"text":"قلت: وكذلك قاعدة التقدير، عدَمُ الاعتراف بها أولى من القول بها، ولا دليل يوجد عليها في الشريعة دلالةً قَلةً، كما الأمر لا الرفض، فلا يُعتَرَف بواحد منهما.\nثم لقائل أن يقول بعد هذا الفرق بين قاعدة التقدير وقاعدة الرفض حَتَّى يصح القول بالرفض ولا يصح القول بقاعدة التقدير: إنه وجد دليل عقلي امتزج بدليل شرعي يمنع من اعتبار النية التي رفضتْ ويَعْتبِرُ الرفض، وهذا كما تقرر عن قريب، من المضادة، وقاعدة التقدير ما وُجد دليل مركَّبٌ من الشرع والعقل، ولا شرعيٌّ مجردٌ يدل عليها، فلا نقول بها، والله أعلم.\nالمسألة الثانية: إذا قال لامرأته: إن قدم زيدٌ آخر الشهر فأنتِ طالق من أوله، فهى مباحة الوطء بالإِجماع إلى قدوم زيد، فإذا قدِم زيد آخر الشهر، هل تطلّق من الآن أو من أول الشهر - وهذا الذي يراه ابن يونس من أصحابنا، فرفع الإِباحة الكائنة في وسط الشهر، وقد كانت واقعة، فيؤدي إلى رفع الواقع وهو محال، فقال شهاب الدين ﵀: هو من باب التقدير الشرعي، بمعنى تقدير أن تلك الإباحة في حكم العدم، لَا أنا نعتقد أنها ارتفَعَتْ في الزمان الماضي.\nقلت: كيف يُقدَّر ذلك، والوجود على خلافه؟ والحكم الشرعي على ذلك الحسَب، فإنه قد قلنا: إن وطأها كان سباحا شرعًا، فكيْف يكون حراما -شرعا- بالتقدير، وقد مضى ما في هذا أول قاعدة، والله أعلم.\nثم ذكر شهاب الدين مسألة العتق عن الغير، والكلامُ فيها قد تقدم، وهذا الذي مضى لنا الآن من قبيله ومن الرد عليه، فلا فائدة في ذكر ما ذكره من مسألة العتق عن الغَيْر.","vol":"1","page":337},{"text":"القاعدة الرابعة عشرة (٦١)\nنقرر فيها الفرق بين الشقة المسقطة للعبادة وبين التي لا تسقطها، فنقول:\nالمشاقُّ قسمان، أحدهما لا تنفك عنه العبادة كبرْد الماء في الوضوء، وألم الجوع في الصوم، فهذا لا يُسْقط شيئًا، لأن الأحكام مقرَّرة على التزام هذا.\nالقسم الثاني ما تنفَكُّ عنه العبادة وهو ثلاثة أنواع: في الرتبة العليا كالخوف على النفوس وعلى الأعضاء والمنافع، فهذا يوجب التخفيف، وفي الرتبة الدنيا فلا يوجبُ تخفيفا، والرتبةُ الوُسطَى ما قرُب منها للعليا جَرَى مجراها، وما قرُبَ منها للدنيا جرى مجراها، لذلك فلا يوجب شيئا.\nثم إن المشقة في الاعتبار أو الِإلغاء لها تختلف باختلاف رُتب العبادات، فالمهمُّ يشْتَرطُ في إسقاطه أشدُّ المشاقِ وأعمُّها، وما لم يَعْظمْ يؤثرُ في إسقاطه المشاقُّ الخفيفة.\nثم ضابط المشقة المؤثرة من غيرها أن يُنظَر، فإن ورد شيء من الشرع اعْتُبِر، وإن لم يَرِدْ شئٌ من ذلك يتعيَّن تحديده بتقريب من حيث قواعد الشرع، وذلك بأن يبحثَ عن أدنى مشاق تلك العبادة المعيَّنة، فإن وجدها بنص أو إجماع\n_________\n(٦١) هي موضوع الفرق الرابع عشر بَيْنَ القاعدتَيْن المذكورتين: جـ ١. ص ١١٨. قال ابن الشاط معلقا على القسم الأول:\nقلت: التكليف بعينه مشقة، لِأنه منع الإنسان من الاسترسال مع دواعي نفسه، وهو أمْرٌ نِسبى، وبهذا الاعتبار سُمِّي تكليفا، وهذا المعنى موجودٌ في جميع أحكامه حتى الإِباحة، ثُمَّ يختص غيرها بمشاقَ بدنية، وبعضُ تلك المشاق هو أعظم تلك المشاق كما في الجهاد الذي فيه بذْل النفس، فبحسَبِ ذلك انقسمت المشاقُّ بالنسبة إلى التكليف قسْميْن: قسم وقع التكليفُ بما يلزمه عادة أو في الغالب أو في النَّادِر، وقسما لم يقع التكليف بما يلزمه. فالقسم الأول لا يَؤثر، لأنه ينقض التكليف.\nثم قال الفقيه ابن الشاط عن القسم الثاني من المشاق التي تنفك عنها العبادة وعن أنواعه الثلاثة المذكور: ما قاله القرافي في ذلك صحيح. اهـ.","vol":"1","page":338},{"text":"أو استدلال، حمل عليها مثلها أو أعلى، وإن كان أدْنى لم يجعَلْهُ مُسقِطا، وهذا كالتأذِي بالقمل في الحج، فهو مبيحٌ للحلْقِ بحديث كعْب بن عُجْرة، (٦٢) والسفرُ مبيح للفطر بالنصِ. وظاهرُ ما ذكرنا أنه لم يُعتَبر في قولنا: مشقة، مدلوُل مطلَقِ هذا الاسْم، بل نُفرق كما تقدم تقريره.\nوليست المعامَلات كذلك، إذا جاء فيها مطلَقُ الألفاظ يحمل على أدنى ما يكون، كمن شرَط الكتابة في العبْد لَا يلزم منه الفارِهُ فيها (٦٣) وما ذلك إلا لإظهار فضل الأمور العبادية على الأمور العادية. وأيضا فإن القصد في الأمور العادية رفع النزاع وما في بابه، والاكتفاء بذلك يُحصل ذلك، وغيرُه يُقَوِّيَهِ ويُثِيرُه. (٦٤)\n_________\n(٦٢) نصُّه في الصحيحين وغيرهما: عن كعبْ بن عُجْرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مَر به زمنَ الحديبية وهو يُوقِدُ تحت قِدْر له، والقملُ يتناثَرَ على وجهه، فقال له: آذاك هَوَامُّ رأسِك؟ قال: نعَم، ففال له النبي - ﷺ -: إحْلِق رأسك ثم اذْبَحْ شاةً تُسُكًا، أوْ صُمْ ثلاثة أيام أوْ أطْعِم ثلاثة آصُعِ من تمر على سِتَّةِ مساكينَ، وفي رواية قال (أي كعب بن عُجْرة): فِيَّ خاصةً نزلت هذه الآيةُ: \"فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسُكٍ\"، وهي لكم عامَّةً. اهـ.\nومن القواعد المعلومة المقررة في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\n(٦٣) الفارِهُ: اسم فاعل من فَرُه على وزن كَرُم، إذا مَهَرَ وَحَذق في الشيء، وعبارة القرافي هنا:\nيكفي في هذا الشرط مسمى الكتابة ولا يحتاج إلى المهارة فيها في تحقيق هذا الشرط. اهـ.\nثم قال ابن الشاط عن النوع الثالث الذي هو مشقة بين هذين النوعين: المشقةِ العليا، والمشقة الدنيا: هذا كلام ليس بالمستقيم ...، والصوابُ أن التقسيم ثلاثة أقْسام أو ثلاثة أنواع: متفق على اعتباره في الإسقاط أو التخفيف، ومتَّفقْ على عدم اعتباره، ومختلَف فيه.\n(٦٤) عبارة شهاب الدين القرافي هنا أظهر وأوسعُ حيث قال: سؤال آخر، ما لَا ضابط له ولا تحديد وقع في الشرع على قسمين: قسم اقتُصر فيه على أقل ما تَصْدُقُ عليه تلك الحقيقة، والقسم الآخَرُ ما وقعَ مسْقطا للعبادات لم يكتف الشرع بإسقاطها بمسمَّى تلك المشاق، بل لكل عبادَةِ، مَرْتَبَة معَيَّنة من مشاقها المؤثرة في إسقاطها، فما الفرق بين العبادات والمعاملات؟\nفالجواب أن العبادات مشتملة على مصالح العبادة ومواهبِ ذى الجلال وسعادة الأبد، فلا يليقُ تفويتها بمسمى المشقة مع يَسَارة (سهولة) احتمالها، ولذلك كان ترْكُ الترخص في كثير من العبادات أوْلى، ولأن تعاطِي العبادة مع المشقة أبْلَغُ في إظهار الطواعية، وأبْلَغُ في التقرب، ولذلك قال ﵊: أفْضل العباداتِ أحْمزُها (أي أشقُّها)، وقال: أجْرُكَ على قَدر نصَبِك (أي تعبك).","vol":"1","page":339},{"text":"وذكر شهاب الدين -﵀- هنا في هذا الفرق الكبائر والصغائر من حيث هذا الضابط بعْد أن قال: من الناس من منع قِسمةَ المعاصي إلى كبائر وصغائر فقال: كل معصية كبيرةٌ، ثم قال: والْحقُّ صحة ذلك، فإن الله تعالى جعلَهَا كذلك بقوله: (﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٦٥)، وقال: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (٦٦) فرتَّبَ المخالفة ثلاثة أقسام، الكفر، ويتلُوهُ الفِسق، وأدْوَنُ ذلك العصيانُ.\nوقال ﵊: \"الكبائرُ سَبْعٌ\"، والقواعد تشهَدُ لهذا، فإنَّ مَا عظُمَتْ مفْسدته ينبغي أن يُسمى كبيرةً، تخصيصا له باسمٍ يخُصُّهُ.\nوعلى هذا نقول: الكبيرةُ ما عظُمَت مفسدتها، والصغيرة ما قلّتْ مفسدتها، فيكون ضابط ما ترَدُّ به الشهادةُ أن يُحْفظ ما وردت به السُّنَّةُ أنهُ كبيرة، فيلَحَقُ به ما في معناه، وما قصر عنه من المفسدة لا يقدح في الشهادة. وكذلك أيضا يُنظَر إلى ما ثبت له منْ الشرع أنه صغيرة كالقُبلة، فما كان في معناها أثْبِتَ له حكم الصغيرة إلا أنْ يُصِرَّ عليها، ثم ينضبط الإِصرار المصَيِّرُ للصغيرة كبيرة، قال بعْض العلماء: متى حصَل من تكرارها مع البقاء على عدم التوبة ما يوجب عدم الوثوق به في دينه، وإقدامُه على الكذب في الشهادة، فاجعَلْ ذلك قادحا، وما لا فلا.\nقالوا: وكذلك الأمور المباحة إذا حصل بها عدَمُ الوثوق به في دينهِ قدَحَتْ، وإلا فلا.\n_________\n= وأما المعاملات فتحصُلُ مصالحها التي بُذِلَتْ الأعواض فيها بمسمى حقائق الشرع والشروط، بل التزام غير ذلك يؤدي إلى كثرة الخصام ونشر الفساد وإظهار العناد.\nقال: ويلحق بتحرير هاتين القاعدتين الفرقُ بين قاعدة الصغائر وقاعدة الكبائر، والفرق بين قاعدة، الكبائر وقاعدة الكفر، والفرق بين أعلى رتب الصغائر وأدْنى رتب الكبائر.\n(٦٥) سورة النساء، الآية ٣١.\n(٦٦) سورة الحجرات: الآية ٧.","vol":"1","page":340},{"text":"قلت: ذكر هنا شهاب الدين الكفر، وأطال الكلام فيه، ورأيت أن تأخِيرَهُ إِلى قاعدته التي ذكر فيها أوْلى، وإنما صحّ ذكر الكبائر هنا من حيث الضابط المذكورُ، فهي كالمثال لما ذكر أوّلًا، والله أعلم، وهُو الموفق للصواب. (٦٧).\n\nالقاعدة الخامسة عشرة (٦٨)\nنقرر فيها الكلي والجزئي، والكل والجزء، ثم الحمل على الأجزاء أو الحمل على الجزئيات من حيث اعتبار الكل والكلي، فنقول:\nالكُلُّ يُستعمل مع الأجزاء، والكلي يستعمل مع الجزئي، فمثال الأول كعشرة، إذ هي كل، وما تحتها أجزاءٌ لها. ومثال الثاني قولنا: الحيوان إنسان،\n_________\n(٦٧) مما ذكره القرافي وهو يتحدث عن الفرق بين المعصية الصغيرة والكبير قولُهُ:\n\"وهذِه مواضع شاقة الضبط، عسيرة التحرير، وفيها غوامض صعبة على الفقيه والمفتى عند حلول النوازِلِ في الفتاوي والأقضية واعتبار حال الشهود في التجريح وعدمه. وأنا ألَخِّصُ من ذلك ما تيسَّر، وما لا أعرفه وعجزتْ قدْرتي عنه، فحظِّى منه معرفة إشكاله، فإن معرفة الإِشكال علم في نفسه، وفتحٌ من الله تعالى، فأقول:\nإن الكبيرة قد اختلِف فيها، هل تختص ببعض الذنوب والمعاصي أمْ لا؟ فقال: إمام الحرمين وغَيره: إن كل معصية كبير، نظرًا إلى من عصى، وكأنهم كرِهوا أن تسمى معصية الله صغيرة، إجلالا لله تعالى وتعظيمًا لحدوده ....، وقال جماعة: بل الذنوبُ متقسمة إلى صغائر وكبائر، وهذا هو الأظهر من جهة الكتاب والسنة والقواعد، فذكر قول الله تعالى: \"وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان\"، وقول النبي - ﷺ -: الكبائر سبْعٌ، وقال: وأما القواعد فلأِن ما عَظُمتْ مفسدته ينبغي أن يسمَّى كبيرة، تخصيصا له باسم يخُصُّهُ، والصغيرة ما قلت مفسدتها، فيكون ضابط ما تُرد به الشهادة أن يُحفَظ ما ورد في السنة أنه كبيرة، فيلحق به ما في معناه، وما قصر عنه لا يقدحُ في الشهادة.\nوعلق عليه الشيخ ابن الشاط بقوله: القواعد المستفادة من الكتاب والسنة تقتضى القطع بالتفاوت بين الذنوب في الذم والعقاب إن نَفَذَ الوعيدُ، ثم قال ابن الشاط: وما قاله القرافي في ضابط ما تُرد به الشهادة، صحيح. اهـ.\n(٦٨) هي موضوع الفرق الحادي والعشرين بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى، وقاعدة الحمل على أول أجزائها، أو الكلية على جزئياته وهو العموم على الخصوص .. جـ ١ ص ١٣٤.\nقال القرافي ﵀ في أوله: \"وهذا المعنى قد التبس على جمع كثير من فقهاء المذهب وغيرهم، وهذا الموضع أصلهُ إطلاق وقع في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الاسم، هل يقتضى الاقتصار على أوله أم لا؟ قولان. فلما وقع هذا الإطلاق للأصوليين عمل جماعة من الفقهاء على تخريج الفروع عليه، على خلاف ما تقتضيه هذه القاعدة ولابد من قاعدتين:","vol":"1","page":341},{"text":"والحيوانُ كلي للإنسان، والإنسان جزئيٌّ له، ثم هذا الجزئي قد يكون كلّيًا باعتبار الأشخاص الذين تحته، وذلك زيد وعمْرو وغير ذلك فإنها جزئيات له. فالجزئي قسمان: الشخص، وهو جُزئي بإطلاق، والنوعُ جزئي كُلِّي باعتباريْن كما تقدم، وهذا هو معنى قول العلماء: الجزئي يقال على الشخص، وعلى كل أخَصَّ تحت أعمّ.\nثم الأول جزئىٌّ عقلي، والثاني جزئىٌّ إضافي. ويقولون أيضا: اللفظ المفردُ إمَّا أن يمْنَعَ نفسُ تصور مفهومه من الشركة وهو الجزئي، أوْ لا يمنعُ وهو الكلي، وهذا بيان للجزئي الحقيقي، والكلي هو المقابل له كما قلناه.\nفإذا تقرر هذا قلنا: اللفظ الدال على الكل دالٌّ على أجزائه في الأمر والثبوت من الخبر، بخلاف النهي، والنفي من الخبر، فإذا أوجب الله ركعتين فقد أوجبَ ركعة، وإذا أخْبِرْنا أن زيدًا له نصاب فقد أُخْبِرنا أن عنده عَشَرةَ دنانير، وإذا نَهى الله عن الصُّبْح أن تُصَلى ثلاثَ ركعات لَمْ ينهَ عن ركعتيْن، وكذلك إذا قلنا: ليس عنده نصاب، لا يلزم أنهُ ليس عنده عشرة دنانير. والسبب في ذلك أن النفي والنهي جاء لِإعدام الحقيقة، وعدم الحقيقة يتصور بفرد واحد من أجزائها، كما يتصور بجميع أفرادها، والأمر والثبوت جاء لطلب الحقيقة وإيجادها، وإنما توجد بجميع أجزائها.\n_________\n= الأولى تحقيق الجزئي ما هو، وله معنيان ...، والثانية بيان الجزء، وهو الذي لا يعْقَلُ إلا بالقياس إلى كُلٍّ، فالكل مقابلٌ للجزءِ، والكلي مقابل للجزئي ....، وها هنا قاعدة وهي أَن اللفظ الدال على الكل دال على جرئه في الأمر وخَبَرِ الثبوت، بخلاف النهي وخبر النهي، فإذا أوجب الله تعالى ركعتين فقد أوجب ركعةً، وإذا قلنا: عند زيد نصاب فعنده عشرة دنانير ... الخ\nوقد علق الفقيه المحقق قاسم ابن الشاط ﵀ على هذه القاعدة عند القرافي بقوله: ما قاله في هذه القاعدة غير صحيح، بل اللفظ الدال على الكل دال على جزئه مطلقا، ثم قال ابن الشاط معلقا على التمثيل بركعة ركعتين: \"إن أراد، فقد أوجب ركعة منفردة فممنوع، وإن أراد فقد أوجب ركعة مقارنة لأخرى فمسَلَّمٌ. اهـ .. وإن أراد فعنده عشرة دنانير منفردة فممنوع، وإن أراد فعنده عشرة دنانير مقترنة بأخرى فمسَلَّمٌ. اهـ. وكلام شهاب الدين القرافي ﵀ في هذه القاعدة يَعْطي وضوحا وبيانا أكثر لِما عند الشيخ البقوري في أولها.","vol":"1","page":342},{"text":"قلت: يشكل هذا بأن الركعة في الصبح هي ذات أجزاء اشتملت عليها كالقيام والركوع والسجود والقراءة والدعاء، فيلزَمُ أن يكون الكل من الأجزاء واجبا. ومعلومٌ أن الصلاة المحكوم عليها بالوجوب اشتملت على مفروض ومسنون وفضيلة.\nثم اللفظ الدال على الكلي، قال شهاب الدين، لا يدل على جزئي من جزئياته مطلقا من غير تفصيل، بل إنما يفهم الجزئي من أمر آخر غير اللفظ. فإذا قلنا: في الدار جِسم، لا يدل على أنه حيوان.\nقلت: هذا الكلام في الجزئي والكلي يظهر منه أن هذا بحسب الأمْرِ والنهى، وبحسَب الثبوت والنفى. وليس كذلك، فإنَّكَ إذا قلت: ليست في الدار حيوان فقد دلَّ على أنهُ ليس فيه جميع الجزئيات، لأنه إذا انتفى الأعَمُّ انتفى الأخصُّ، كما أنك إذا قلت: عندهُ نصاب، فقد أخبرت بأن عندهُ عشرة وخمسة وجميع الأجزاء. والذي يظهر لي منه أنه أراد أن دلالة اللفظ على الأجزاء تضمُّنيَّةٌ، وعلى الجزئيات لزومية، وكيف كانت فهى لفظية، وإنما الفرق من حيث إن دلالة اللزوم ما دَلَّ اللفظ عليها بالوضع وإنما دل عليها بالعقل. والوضعية هي المطابقة، والتضمُّنية مختلف فيها، قيل: هي عقلية، وقيل: وضعية (٦٩).\n_________\n= وقد سبق لنا أثناء الكلام على القاعدة الأولى من قواعد الخبر، تعليق في بيان الكل والجزء، والكلي والجزئي، والكلية والجزئية يبُين ويوضح مدلولات هذه الكلمات ومصطلحاتها عند علماء الأصول والمنطق بما يجْعلها جلية واضحة ومفهومة في هذا القاعدة أكْثرَ.\n(٦٩) سبق تعريف كل منها عند علماء الأصول والمنطق، فدلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على تمام معناه كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، ودلالة زيد على شخص معين أو ذات معينة، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء معناه كدلالة الإنسان، على الحيوان فقط أو على الناطق فقط، ودلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على أمر خارج عن معناه، لازم له ذِهْنا، كدلالة الأسد على الشجاعة.\nوقد جمعها ناظم متن السلم في علم المنطق، الشيخ الأخضري ﵀ فقال:\nدلالة اللفظ على ما وافقه ... يدعونها دلالةَ المطابقة\nوجزئه تضمُّنًا وما لزم ... فهو التزامٌ إن بعقل التُزم","vol":"1","page":343},{"text":"ثم قال شهاب الدين -﵀-: إذا تقررت هذه القاعدة ظهر أن حمل اللفظ على أدنى مراتب جزئياته لا تكون فيه مخالفة اللفظ، لعدم دلالتهِ على غير هذا الجزئي، أما إذا حملنا الأمْرَ على أقَلِّ الأجزاء فقد خالفنا اللفظ بأنه يدل على الجزئي الآخر، وما أتينا به. وهذا كقوله: أعتِق رقبة، وصومُوا رمضان، فلابدّ في هذا الثاني من جميع الأجزاء، بخلاف الأول.\nقال: وبهذه القاعدة يظهر بطلان قول من يُخَرِّجُ الخلافَ في غسل الذكر من المذي، هل يقتصر على الحشفة أم لابد من جملته، لأنه اقتصارٌ على جزءٍ لا جزئي، وكذلك تخريجُ الخلاف في التيمم، هل هو إلى الكوعين أو المرفقيْن أو الِإبْطين. على هذه القاعدة لا يَصح أيضًا، فإن الكُوعَ جُزْئي، (٧٠) وإنما يخرج عليها مثل قوله تعالى: \"فإنْ آنسْتم منهم رُشدًا\"، قال بعض العلماء: نَحْمله على أدنى مراتب الرشد، وهو الرشد في المال خاصَّةً، قاله مالك ﵀، أو على أعلى مراتب الرشد، وهو الرشد في المال والدِّين، قاله الشافعى، مع أن الرشد بصيغةِ التنكير الدَّالِّ على المعنى الأعم الذي لا يدل على جزئي خاص، فليس في حَمْله على أدْنى الرتب مخالَفَةٌ البتَّة، بخلاف المثالين الأولين. (٧١)\nومنها مسألة الحرام إذا قال: أنت علىّ حرام، هل يُحْمَل على الثلاث أو الواحدة؟ خلاف يصح تخريجهُ على هذه القاعدة، لأنَّ قوله: حرام، مطْلَقٌ يدل على مطلق التحريم الدائر بين الرتب المختلفة، فأمكن حمله على أدناها وعلى أعلاها. (٧٢)\n_________\n(٧٠) عبارة القرافي: فإن الكُوعَ جزء اليد لا جزئي منها.\n(٧١) علق الفقيه ابن الشاط على هذه المسألة بقوله: قلت: قوله: \"مع أن الرشد ذُكِرَ بصيغة التنكير الدال على المعْنى الأكم، ليس بصحيح، بل صيغة التنكير دالة على المعنَى المطلق، والمطْلق ليس هو المعنى الأعم. بل هو المعنى الأخصُّ المبهَمُ غيرُ المعيَّن ... اهـ.\n(٧٢) علق الشيخ ابن الشاط على هذه المسألة عند الإِمام القرافي بقوله: قلت: قوُله: \"لأن قولَه حرام، مطلقٌ دال على مطلق التحريم الدائر بين الرتب المختلفة فأمكَن حمله على أعلاها أو على أدناها\"، صحيح، وكذلك شأنُ المطْلَقَاتِ، وليست من القاعدة التي أرادها، لكن هنا أمرٌ آخَرٌ هو سبب الخلاف وهو العُرف في لفظةِ حرام، هل هو الثلاث أو الواحدة؟ . اهـ.","vol":"1","page":344},{"text":"\"تنبيه\".\nليس الخلاف في هذه القاعدة مطلقا في جميع فروعها، بل فروعها ثلاثة أقسام:\nقسم أجْمَعَ الناس على الحملِ على أعْلى الرتب، وهو ما ورد من الأوامر بالتوحيد والإخلاص، وسلبِ النقائض، وما يُنسَبُ إلى الرب تعالى من التعظيم، فهذا القِسم، الأمر فيه متعلّق بأقصى غاياته الممكنة للعبد.\nوقسم أجمعَ الناس على الحمل على أدنى الرتب فيه، وهو الأقارير، فإذا قال له: عِندي دنانيرُ حمل على أقل الجمع وهو ثلاثة، وهو أدْنى رتبها مع صدقها في الآلاف، لكون الأصل براءة الذمة فيقْبَلُ (٧٣)، وليس الأصل إهمال جانب الربوبية، بل عكسُه والقيام فيه بأكمل ما ينبغي (٧٤)\nالقسم الثالث مختلفٌ فيه، وهو ما تقدَّمَ من المسائل ومَا يشْبهُهَا.\n_________\n(٧٣) عند القرافي، \"فيقبل تفسيرُه بأقَل الرتب\"، وذلك أظهر وأبْين.\n(٧٤) عند القرافي: وليس الأصل إِهمال جانب الربوبية، بل تعظيمها (أي الربوبية)، والمبالَغَةُ في إجلال الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فهذا الفرق بين القِسْميْن.","vol":"1","page":345},{"text":"القاعدة السادسة عشرة (٧٥)\nفي تقرير الدليل والحجة والفرق بينهما، ثم الفرقِ بين أدلَّة مشروعية الأحكام وأدلة وقوع الأحكام، فأقول:\nهُمَا من حيث العُرْفُ يختلفان، فيقالُ الدليلُ على ما يتوصل به إلى المطلوبِ شَرْعًا، ويُقال الحجَّة على بعض ذلك وهو ما يقضى به الحكام، لقوله ﵊: \"ولعل بعضكُم أن يكون ألحن بحجته من صاحبه\" (٧٦)، وهو يرجع إلى نحو عشرةٍ من الحِجاج، فهى التي يقضي بها الحكام، وسيأتي ذِكْرُها على التفصيل في قاعدة من القواعد، وأدِلَّة مشروعية الأحكام نحوُ عشرين، على خلافٍ في بعضها، كإجماع الخلفاء (الأربعة) وإجماع أهل المدينة، وأصلها المتفق عليه الكتاب والسنة والإجماع، وقد قررها الأصوليون في كتبهم.\n_________\n(٧٥) جمع الشيخ البقوري ﵀ في هذه القاعدة الكلام على الفرق السادس عشر بين قاعدة أدِلة مشروعية الأحكام، وبين قاعدة أدِلة وقوع الأحكام، وعلى الفرق السابع عشر بين قاعدة الأدلة وقاعدة الحجاج. جـ ١. ص. ١٢٨ - ١٢٩. قال الإِمام القرافي ﵀ في أول هذا الفرق: فأدلة مشروعية الأحكام محصورة شرعا تتوقف على الشارع، وهي نحو العشرين، وأدلة وقوع الأحكام هي الأدلة الدالة على وقوع الأحكام، أيْ وقوع أسبابها وحصولِ شروطها وانتفاء موَانِعها، فأدلة مشروعيتها: الكتاب، والسنة، والقياس والإجماع، والبراءة الأصلية، وإجماع أهل المدينة وإجماع أهل الكوفة على رأي، والاستحسان، والاستصحاب، والعصمة، والأخذ بالأخف وفعل الصحابي الخ ...\n(٧٦) ونَصُّه كما أخرجَهُ أئمة الحديث عن أم سلَمة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: \"إنما أنا بشَر، وإنكم تختصمون إليَّ، فَلعَلَّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعْض فأقضِي له على نحو ما أسمَعُ، فمن قضيتُ له بحقِ مُسْلمِ فإنما هي قطعةٌ من النار، فليأخذْها أو ليتركها، أخرجه الإِمام مالك في الموطأ، والشيخان في صحيحهما، وغيرهما من أصحاب السنن.","vol":"1","page":346},{"text":"وقد يقال أيضًا الدليل على وقوع الأحكام، وهي المسماة بالأسباب كالزوال ورؤية الهلال، (٧٧)، والأدلة على هذه تكون بآلة وبغير آلة، وهي لا تنحصر، ولا غاية لها كالاسطر لاب والميزان. ومن حيث إنه لا نهاية لها لم تكن هذه الأدلة تتوقف على نصْب الشرع، وكذلك الشروط والموانع، وهي هذه الأشياء الثلاثة موزعة في الشريعة على ثلاث طوائف، فَالْأدِلةُ يعتمد عليها المجتهدون، والحِجَاجُ يعتمد عليها الحُكام، والأسبَابُ يعتمد عليها المكلفون، كرؤية الهلال والزوالَ، وما أشبه ذلك.\n_________\n(٧٧) عبارة القرافي في أول الكلام على هذا الفرق أظهر وأوضح كما سبَقَ في التعليق قريبا، فقد قال: وأدلة وقوع الأحكام هي الأدلة الدالة على وقوع الأحكام، أيْ وقوع أسبابها وحصول شروطها وانتفاء موانعها، وهي غير منحصرة، فالزوال مثلا دليل مشروعيته سببا لوجوب الظهر قوله تعالى: \"أقِم الصلاة لدلوك الشمس\"، ودليل وقوع الزوال وحصوله في العالم، الآلاتُ الدالة عليه، وغيرُ الآلات كالاسطِرْلَابِ والميزان وربعُ الدائرة ... الخ، وبذلك يتضح كلام الشيخ البقوري هنا. وقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند شهاب الدين القرافي في هذين الفرقين بقوله: ما قاله القرافي في الفرق السادس والسابع عشر صحيحٌ، اهـ.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>الاجتهاد:</span>\nوفيه خمس قواعد:\n\nالقاعدة الأولى (١)\nنقرر فيها من يجوز له أن يفتي ومن لا يجوز له أن يفتي، فنقول:\nالمشتغل بالفقه، له أحوال:\nالحالة الأولى أن يشتغل بمختصَر من مختصرات مذْهَبه، فيه مُطْلَقات مقَيَّدةٌ في غيره، وعمومات مخصوصاتٌ في غيره، فهذا حرامٌ على الإنسان أن يفتي الناسَ بما فيه، إلا أن يعلمَ أن مسألة من مسائله عَرِيَتْ عن هذا وهي مسْتوفاةٌ فيه، فيجوز له أن ينقلها لمن سأل عنها ولا يشبِّهُ بها غيرَها، بل يذكرها أن كانت القضية هي هي، إذْ الفروق كثيرة، وقد لا يعرفُها.\nالحالة الثانية، أن يَّكْثُر اشتغاله بالمطْلقات والمقَيَّدات ويطَّلِعَ على تفاصِيل المسائل في الشروحات والمطوَّلات، ولكنه لا يعْرف فداركَ إمامه ومستنداتِهِ في فروعه ضبطا متْقَنًا، بل سَمْعًا من حيث الجملة من أفواهِ الطلبة والمشايخ، فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله ويَحفَظُه في مذهبه، اتّباعًا لمشهور ذلك الذهب، ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في حِفْظه لا يخَرجُها على محفوظاتِهِ ولا يقول: هذه تُشْبِهُ المسألة الفلانية، لأن ذلك إنما يصح لمن أحاط بمَدَارِك إمامه وأدلته وأقْيِسَتِه وعلله التي اعتمدَ عليها مفصّلة، ومعْرفةِ رتب تلك العِلل، ونِسْبَتِها إلى المصالح الشرعية، وهل هي من باب المصالح الضرورية أو الحاجية أو المتمِّمة؟ وهل\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الثامن والتسعين بين قاعدة من يجوز له أن يفتى وبين قاعدة من لا يجوز له أن يفتي: جـ ٢، ص ١٠٧.\nقال القرافي ﵀ في أوله: \"إعْلَمْ أنَّ طالب العلم له أحوال ... الخ. ما ذكره هو، ولخصه تلميذه البقوري رحمهما الله.","vol":"1","page":349},{"text":"هي من باب المُناسِب الذي اعتُبِر نوعُهُ في نوع الحكم، أو جِنسُه في نوْعِ الحكم (٢)، وهل هي من باب المصلحة المرسَلة التي في أدنى رتب المصالح أو من قبيل ما شهِدتْ له أصول الشرع بِالاعتبار؟، وهل هي من باب قياس الشبَه أو المناسب، أو قياسِ الدلالة، أو قياس الإحالة، أو المناسب القريب إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتبِ العلل في نظر الشرع عند المجتهدين، فبهَذهِ الأشياء يَعرف الفُروقَ بيْن المشتبهات، فمَنْ لا يحيط بها كيف يَعْرفُها؟ فلَعَلَّ الفَارقَ عند إمامِهِ وهو لا يعرفه، فيمْتنع عليه حينئذ الفتوى بما ذكرنا من التشبيه.\nوكذلك الحكم في إمامِه، إن لم يكن عارفا بهذه الأمور التي شأنُها أن تعِينَه على استنباط الأحكام من أدلتها، وإلَّا لم يصح تقليدُهُ. (٣)\nثم المجتهد الذي يصح تقليده لوجود الشروط فيه قد يَغْلَطُ، فتأتي له فتوى على خلاف الإِجماع أو القواعِد أو النص أو القياسِ الجَليّ السالمِ عن المعارضِ،\n_________\n(٢) المناسِبُ في اصطلاح علماء أصول الفقه هو: وصْف ظاهرٌ منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفْقِه حصوُل ما يَصْلحُ أن يكون مقصودًا للشارع من شرع الحكم، سواءٌ أكان ذلكِ الحكم نفيا أو إثباتا، وسواءٌ أكان ذلك المقصودُ جلْبَ مَصلحةٍ أو دَفعَ مَفْسَدَةٍ، كالبيع، فإن المقصود من شرعه هو حصول الملِك، وحكمهُ (أي البيع) الحل والجواز، والوصْفُ المناسبُ هو دفع الحاجة بالمعاوضة، والحكمة المقصودة من شرع البيع هي المِلْك. وكالقِصاص فإن الوصف المناسِب هو القتل العَمْدُ العُدْوانُ، والحكم وجوبُ القصاص، والحكمةُ المقصودة من شرعه الانزجار عن القتل، وحِفْظُ النفوس، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الخ. اهـ. وللتوسع فيه باعتباره مسلكًا من مسالك العلة يُرجع إلى كتب أصول الفقه.\n(٣) تعبير شهاب الدين القرافى في هذه المسألة أظهر وأوسَعُ حيث قال ﵀:\nوسبب ذلك (أي سبب جواز الفتوى بما في فُروع المذهب للمطلع عليها في المختصرات والحواشى مع عدم التخريج لمسائل أخرى وتشبيهها بها فيما عنده من مسائل محفوظة)، أن الناظر في مذهبه، والمخَرِّج على أصول إمامه، نِسْبَتُهُ إلى مذْهبه وإمامه كنسبة إمامِهِ إلى صاحب الشرع في اتِّباع نصوصه والتخريج على مقاصده، فكما أن إمامه لا يجوزُ له أن يقيس مع قيام الفارق، لأن الفارق مبْطِلٌ للقياس، والقياسُ الباطِل لا يجوز الاعتماد عليه، فكذلك هو أيضا لا يجوز له أن يخَرجَ على مقاصد إمامه فرعًا على فرع نصّ عليه إمامُهُ، مع قيام الفارق بينهما، لأن الفروق إنما تنشأ عن رتب العلل، وتفاصيل أحوال الأقْيسَة .. إلى آخر ما أورده في هذا الفرق، ولخصهُ البقوري.","vol":"1","page":350},{"text":"فلا يجوز لأحد أن يقلِده في ذلك ويُفْتي غيره بها، فإنه كما كُنَّا ننقضُ حُكْم الحاكم بذلك، فكذلك بل أحْرى هو ما قلناه هنا، واللهُ أعْلَمُ.\nالحالة الثالثة. أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعَدالة المتمكنة، فهذا يجوز له أن يفتِي في مذهَبه نقلا وتخريجا، ويعتمد على ما يقولهُ في جميع ذلك.\n\nالقاعدة الثانية (٤)\nنقرر فيها السبب الذي من أجله ارتفع الخلاف في مسائل الاجتهاد بعد حكم الحاكم وصارَ كل مجتهد إلى ما حكم به الحاكم، وقد كان الخلاف مقرّرا قبل الاجتهاد، غيرَ مرتفع، فنقول:\nكان ذلك من حيث إن القصد بوضع الحاكم للحكْم، إنما هو رفْعُ التشاجُر والتنازع، لما في ذلك من الفساد، فإذا جوزنا بقاء الخلاف بعد حكم الحاكم، فنحن قد قضينا بإبطال ما بِسَببه وُضِع ونُصِّبَ الحاكم في الشريعة، وكان ذلك مؤدِّيا إلى دوام التنازع والتشاجر وحصول الفساد دائما، وذلك باطل.\n_________\n(٤) هي موضوع الفرق السابع والسبعين بين قاعدة الخلاف يتقرر في مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم، وبين قاعدة مسائل الاجتهاد يَبْطل الخلاف فيها ويتعيَّن قول واحد بعد حكم الحاكم\". جـ ٢ ص ١٠٣. وذلك القول هو ما حكم به الحاكم على الأوضاع الشرعية.\nقال شهاب الدينِ القرافي ﵀ في أول الكلام على هذا الفرق: إعلَمْ أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفَع الخلاف، ويَرْجعُ المخالِفُ عن مذهبه لمذهب الحاكم، وتتغيَّرُ فتْيَاه بعد الحكم عما كانت عليه، على القول الصحيح من مذاهب العلماء ..\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على كلام القرافي هذا بقوله:\nقلت: ما قاله القرافي يوهم أن الخلاف يبطل مطلقا في المسألة التي تعلق بها حكم الحاكم، وليس الامر كذلك، بل الخلاف يبقى على حاله، إلا أنه إذا اسْتُفتي المخالِفُ في عيْن تلْك المسألة التي وقع الحكم فيها لا تسوغ الفتوى فيها بعينها، لأنه قد نفذ منها الحكم بقولة قائل ومضَى العمل بها، فإذا استفْتِيَ في مثْلِها قبْلَ أن يقع الحكم فيها أفتَى بمذهبه على أصْله، فكيف يقُولُ: يَبْطُلُ الخلاف، ولو بطل الخلاف لما ساغ ذلك، نعَم يبطُلُ الخلاف بالنظر إلى المسألة المعيَّنَة خاصة ... اهـ.","vol":"1","page":351},{"text":"الوجه الثاني أيضا أن الحاكم إذا حكم بَعدَ نظره واجتهاده فهو منشئ للحكم، فكان حكمه كحكم الله تعالى في الواقعة ابتداءً، والمفْتِي إنما هو مُخْبِرٌ عن الله تعالى بالحكم، فيثبت مقتضاه إذا وافق أنْ كان خبرُه صِدْقا، وإلَّا فلا، وكل واحد من المجتهدين حينئذ، أعني قبل الحكم - يقوُل: خَبَري هُوَ الصِّدْقُ، والآخَرُ يقُوُل كذلك. ثم إذا كان الامر هكذا، يصير حكْمُ الحاكم كالحكم من الله في تلك القضية المعَيَّنة بخصوص، ويبقى ما عدا تلك الصورة كأنه ورَد من الله تعالى فيها حكم عام، فيتعَارض العامُّ والخاصُّ، فَيُخَصَّصُ ذلك العامُّ بذلك الخاصِ جمْعًا بيْن الدليلين.\nومثال هذا مسألة تعليق الطلاق قبل المِلْكِ، قال مالك بلزومه، وقال الشافعي: لا يلزم، فإذا حكم حاكمٌ في تلك القضية بأنه غير لازم وبقيت العِصْمةُ ثابتة وافق مالكٌ االشافعي في أن هذه العصمة ثابتة ولا طلاق في تلك الصورة، وما عدا تلك الصورة يقول مالك فيها: إن الطلاق يلزم، واللهُ سبحانه أعلم، وهو الموفّق للصواب. (٥)\n_________\n(٥) عبارة القرافي ﵀ كما سبق في أول هذا الفرق هي قوله:\nإعلم ان حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف، ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم، وتتغير فتواه بعْدَ الحكم عما كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء.\nثم مثل لذلك بأمثلة وقال: فمنِ لا يرى وقف المشاع، إذا حكم حاكم بصحة وقفه، ثم رفعت الواقعة لمن كان يفتي ببطلانه، نفَّذه وأمضاه، ولا يحل له بعد ذلك أن يفتي ببطلانه، وكذلك إذا قال (لامرأة): إن تزوجتك فأنت طالق، فتزوجَها وحكم حاكم بصحة هذا النكاح، فالذي كان يرى لزوم الطلاق له، ينفذ هذا النكاح، ولا يحل له بعد ذلك أن يفتي بالطلاق، هذا هو مذهب الجمهور، وهو مذهب مالك، ولذلك وقع له في كتاب الزكاة وغيره أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا يُرَد ولا ينقضُ.\nوعلق الفقيه ابن الشاط هنا على هذا الكلام فقال: \"لقائل أن يقول: لا ينفذه ولا يمضيه، ولكنه لا يَرُذُهُ ولا ينقضه (اي حكم الحاكم بوقف المشاع)، وفَرْق بين كونه ينفذه ويمضيه، وكونه لا يَرُده ولا ينقضه\" اهـ كلام ابن الشاط ﵀.","vol":"1","page":352},{"text":"القاعدة الثالثة (٦)\nنقرر فيها لِمَ لم يَجُزْ تقليدُ أحد المجتهدين للآخر في مسألة الكعبة والأواني، وجاز ذلك في كثير من المسائل الفروعية.\nقيل: إن الشافعي سُئِل عن هذه المسألة فقيل له: لِمَ جازَ أن يصليَ المالكي خلْف الشافعي والشافعي خلف المالك، وإن اختلفا في مسح الرأس وغيره من الفروع، ولمْ يجُزْ لواحد من المجتهدين في الكعبة والأواني أن يصلي خلف المجتهد الآخر؟ فسكتَ ولمْ يُجِبْ عن ذلك.\nوأجاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ عن ذلك بأن قال: إن الجماعة في الصلاة مطلوبة للشارع صلوات الله عليه، فلو قلنا بالِامتناع من الائتمام خلْفَ من يخالفه من المذهب لأدَّى إلى تعطيل الجماعات، إلا في حالة القِبْلة او قِلَّة الجماعات، واذا مَنَعْنا من ذلك في القِبْلة ونحوها لمْ يُخِلّ ذلك بالجماعة لِنُدْرة وقوع مثل هذه المسائل وكثرة وقوع الخلاف في مسائل الَفروعَ. هذا جوابه ﵀، وهو جواب حسن. (٧).\nوقال شهابُ الدين ﵀: وقد ظهر لي في ذلك جوابٌ هو أقوى من هذا، مبنيٌّ على قاعدة، وهي أن قضاء القاضى متى خالفَ إِجماعا أوْ نصًّا أو قياسا جلِيًّا أو القواعدَ نقضناه، وإذا كُنّا لا نُقِرُّ حكما تأكد بقضاء القاضي\n_________\n(٦) هي موضوع الفرق السادس والسبعين بين قاعدة المسائل الفروعية يجوز التقليد فيها من أحد المجتهدين فيها للآخر، وبين قاعدة مسائل الاواني والنسيان والكعبة ونحوها لا يجوز لأحد المجتهدين فيها أن يقلد الآخر\"، والمراد بالأواني هنا كما سياتي بيانه، الأواني التي اختلط طاهرها بنجسها) جـ ٢. ص ١٠٠.\nوقد علق ابن الشاط على قول القرافي هنا في السائل الفروعية: يجوز التقليد فيها) فقال: قوله هذا مُوهم، وكان حقه أن يقول: \"يجوز الاقتداء فيها وهو مُرَادهُ بلا شك\".\n(٧) علق الفقيه ابن الشاط على هذا الفرق والجواب فيه بقوله: قلت: ذلك فرق ضعيف، وليس ذلك عندي بالفرق، بل الفرق الصحيح أن مسألة اقتداء المالكي بالشافعي، مع أنه لا يتدلك، لا يمكن الخطأ فيها على القول بتصويب المجتهدين، أولا يمكنُ تَعْيينُ الخطأ فيها على القول بعَدم التصويب.\nومسألة الأواني ونحوُها لابدَّ من الخطأ فيها، ويمكن تعيينُه في بعض الأحوال، والله أعلم. اهـ.","vol":"1","page":353},{"text":"لأجل ما ذكرناه، فأوْلَى أن لا نُقره إِذا لم يتأكد. فَعَلى هذه القاعدة كلُّ من اعتقدنا أنه خالَف الإِجماعَ لا يجوز تقليده، فإذا كانت القاعدة هذه، حَصَل باعتبارها الفرقُ، وبيانُه بذِكْر أرْبَعِ مسائِلَ: (٨)\nالمسألة الأولى، المجتهدُونَ في الكعبة لم يجز التقليدُ بينهُمْ، لأن كلَّ واحِدٍ منهم يعتقد أن صاحبه ترك أمْرًا مُجمَعًا عليه وهو الكعْبة، وتاركُ المجمع عليه لا يُقلَّد. أمَّا المختلفان في مسح الرأس فكل واحد منهم يعتقد في صاحبه أنه خالف ظاهرًا أو مفهومًا، وذلك ليْسَ مُجْمعًا على اعتباره.\nقلت: كَيْف يقال: تَرك أمْرًا مجمعا عليه والفرضُ في حق كُلِّ واحدٍ ما أداهُ اليه اجتهادُه، كما يقال: الفَرْضُ في حقِ كل واحد من مسح الرأس ما أدَّاه اليه اجتهاده، فإن اعتُبِرتْ القِبْلة من حيثُ هي قِبْلَةٌ للمصلي وقُلتَ: هي ما فرض بإجماع، فمثلُه المسحُ في الرأس للوضوء فرضٌ بإجماع، وتعيينُ الكل أو البعض كتعْيين (٩) الجهة من الجهةِ، فالمسألة كالمسألة، واللهُ أعْلَمُ.\nقال: المسألة الثانية، المختلفون في الأواني التي اختلط طاهرها بنجسها، إذا اختلفوا وهم يعتقدون أن النجاسة مبطلة للصلاة، إما بالاجتهاد أو بالتقليد، فإن حكم الله في حقهم بالإِجماع ما ادَّى اليه اجتهادهم أو اجتهادُ إمامِهم، وإذا كان حكم الله - في حقهم ذلك بالاجماع، فكل واحد منهم يعتقد في صاحبه أنه لابَسَ في صلاته ما هو مُبْطِلٌ لصلاته بالاجماع، فقد خالف مجمعًا عليه فلا يجوز تقليده، بخلاف من لا يتدَلَّك في غسله أو لا يُبَسْمِل لم يخالف مُجْمَعًا عليه.\nقلت: العجَبُ منه، يَجْعل الإِجماع في مسألة النجاسة، وينْفِيه في مسألة التدُّلكِ، فإن كان الإِجماع من حيث إن الأحكام استندت للاجتهاد، فالاجتهاد في المسألتين، وإن كان من حيثُ الأدلة واختلافُها في المسألتين فأدِلة النجاسة أنها مبطلة للصلاة ليس فيها إجماع ولا نصٌّ ولا قاعدة كما في أدلة التدلك، بل أدلة التدلك أقوى، فالخلاف واحِدٌ في الوضعَيْن، وهذا ضعيف.\n_________\n(٩) في نسخة ح: وتَعَيُّن الكل أو البعض كنَعَيُّن الجهة من الجهة.","vol":"1","page":354},{"text":"والحقُّ ما قاله عز الدين، واللهُ أعلم.\nقال: المسألة الثالثة، وذكر الثيابَ تُلبَسُ أيضا، وقال:\nإنها كالأواني حَرْفًا بحرف. (١٠)\nقلت: والجوابُ كالجواب حرْفًا بِحَرْف.\nقال: والمسألة الرابعة. (١١) أن شافِعِييْن إذا اختلفا في الأواني التي وقع فيها روْثُ عصْفور لم يجُزْ أن يأتمَّ أحدهما بالآخَر، ولوْ أنَّ مالكيًا وشافعيا كان المالكي قد توضأ بما قد وقع فيه روثُ عصفور لجاز للشافعي أن يأتمَّ به، وعدَمُ الجواز هنا أوْلَى، لأنه تعين أن ذلك النجس هو في جانب الإِمام، وفي المسألة الأخرى ما نَحْن على يقين أنه في جانب الإِمام، وجوابه كالجواب المتقدم.\nقلت: والرد عليه فيه كالرد عليه فيما تقدم. (١٢)\n\nالقاعدة الرابعة (١٣)\nتقرر فيها الفَرْقَ بيْن الفتوى والحكم فنقول:\n_________\n(١٠) عبارة القرافي ﵀ في هذه المسألة التي هي: المسألة الثالثة: المجتهدون في الثياب التي اختلط طاهرها بنجسها إذا اختلفوا وهم يعتقدون أن النجاسة مبطلة للصلاة، إما باجتهادهم او اجتهاد إمام قلدوه، لا يقلد بعضهم بعضا كما تقدَّم في مسألة الأواني بعينها حرفًا بحَرْف. اهـ.\n(١١) عبارة القرافي فيها: إناءٌ وقع فيها روث عصْفُور وتوضأ به مالكيِ وصَلَّى، يجوز للشافعي أن يصَلي خِلْفَهُ، ولا يضر ذلك الشافعي كما لا يضرُّه ترْك المالكي البسملة وغيْرها مما يعتقدهُ الشافعي. اهـ\n(١٢) علَّق الفقيه المحقق الشيخ قاسم بن الشاط الانصاري ﵀ على هذه المسائل بقوله:\nما قاله شهاب الدين القرافي في المسائل صحيح، بناءً على ما قرره، وهو أن الفرق مخالَفَةُ الاجماع في أحَدِ الطرفيْن دون الآخر، لِتَعَيُّنِ المنَاط في مسألة الأواني ونحوها، وعدم تعَيينه في مسألة البسملة ونحوها، والله أعلم.\n(١٣) هي موضوع الفرق الرابع والعشرين والمائتين بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم. جـ ٤. ص ٣٨. قال في اوله القرافي ﵀: \"وينْبَنِي على هذا الفرق تمكينُ غيره من الحكم بغير ما قال في الفتيا في مواضع الخلاف، بخلاف الحكم، فكل ما يقال في العبادات إنما هو فتْيا لا يَدخلها الحكمُ البتَّة، إن كانت مذهب السامع أخذ بها، وإلَّا فله تركُها والعملُ بمذهبه.\"","vol":"1","page":355},{"text":"العباداتُ كلها لا تكون إلا فتْوى، ولا يكون فيها حكمٌ وإنْ صدرَت من قاضٍ، ولهذا كان الخلاف بعد قول القاضى فيها كما كان قبله، كأن يكونَ القاضي قد أمَرَ مناديًا ينادي بأن اليومَ من رمضان، لأجْل شهادة شاهدٍ واحد عنده قَبِلَه، فللمالكي الخلاف هنا، وما أشبه ذلك من الامور التعبدية، وإنما يكون حكم الحاكم مؤثِرًا في رفع الخلاف بعد حُكْمه إذا أنشأ حكمَهُ في مسألة اجتهادية تتقاربُ فيها المداركُ لأجل مصلحة دنيوية، فاشتراطُ قيد الانشاء، احترازٌ من حكمه في موانع الإِجماع، فإن ذلك اخبار وتفنيذ مَحْضٌ (١٤) بخلاف موانع الخلاف، ففيها الانشاء، وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة. وقَولِي: متقاربٌ مَدَاكها، احترازًا من الخلاف الشاذ يحكم به ترْجيحًا على غيره، واستِنادًا إلى المدْرَك الضعيف فإنه لا يَرفَعُ الخلاف أيضا. وقوُلنا: \"لأجل مصالح الدنيا\"، قال صاحب الجواهر: احترازا من العبادات كما قلنا أوّلًا، وإنما يكون حكومة إذا وقعَتْ النازعة في العقود والأملاكِ والرُّهون وغيْر ذلك ممّا هو في مصالح الدنيا. قال صاحب الجواهر: ما قضَى القاضى به من نقل الأملاك وفسْخ العقود فهو حكم، فإن لم يفعلْ أكثر من تقرير الحادثة لا \"رُفعتْ إليه كالمرأة\n_________\nوقد علق الفقيه بن الشاط على هذه الفقرة الأولى من هذا الفرق بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح\". اهـ.\nثم أتى شهاب الدين القرافي بأمثلة من مسائل العبادات التي لا يتعين فيها اتّباع حكم الحاكم، لكونها مختلَفا فيها بين الأئمة، وإنما يتبعُ الخالف في المسألة مذهبَ إمامه فيها، ولا يلزّمه قول ذلك القائل لا في عبادة ولا في سببها ولا شرْطِها ولا مانِعها.\nثم قال القرافي بعد ذلك: وبهذا يظهر أن الامام لو قال: لِمَ لا تقيمونَ الجمعة الا بإذْني لم يكن ذلك حكما، وإن كانتْ المسألة مختلفًا فيها، هلْ تفتقر الجمعة إلى إذْنِ السلطان أم لا؟ وللناس أن يقيموها بغير إذن الامام، إلا ان يكون في ذلك صورة المُشَاقَّة، وخرْقُ أبِّهة الولاية، وإظهارُ العِناد والمخالفةِ، فتُمْنعُ إقامتها بغير أمره، لأجل ذلك، لا لأنه موطن خِلاف اتصل به حكم الْحاكم، وقد قاله بعض الفقهاء وليس بصحيح ... اهـ.\nوعلق عليه ابن الشاط بقوله: قلت: بل هو صحيح كما قال ذلك الفقيه، لأنه حكم حاكم اتصل بأمْر مختلَفٍ فيه، فيتعيَّن الوقوف عند حكمه، والله أعلم اهـ.\n(١٤) علَّق الفقيه ابن الشاط على هذا بقوله: ليس ما قاله القرافي من أنه إخبار، بصحيح، بل هو تنفيذٌ محْض، وهو الحكم بعينه، إذ لا معنى للحكم إلا التنفيذ ... الخ.","vol":"1","page":356},{"text":"زوّجَتْ نفسها بغَير إذن وليها، فأقرَّه وأجازه، ئم عُزِل وجاء قاض بعده، قال عبد الملك: ليس بحكم، ولِغيره فسخه. وقال ابن القاسم: هو حكْمٌ، لأنه أمْضاهُ، والإِقرارُ عليه كالحُكْمِ بإجازته فلا يُنْقض. وأجازه ابن محرز وقال: إنه حكْمٌ في حادثة باجتهاد، بخلاف ما لو رُفِع اليه ذلك النكاحُ فقال: أنَا لا أجيز هذا النكاحَ بغير ولي، من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه فهى فتوى وليست بحُكْم، قال: ولا أعلمُ في هذا الوجه خلافا، وقد قررنا في القاعدة قبل هذه أن حكم الحاكم يرفع الخلاف في مسائل الاجتهاد ويُرْجعُ القوَل واحدا. وما ذكرناهُ هنا يتمم ذلك القوَل المذكور هنالك من حيث خروجُ العباداتِ كلها والحكمِ المُدْرَك الضعيف، والله سبحانه أعلمُ. وهو الموفق للصواب.\n\nالقاعدة الخامسة (١٥)\nنقرر فيها أنَّ النَّبِيَّ ﵊ كان يتصرف بالإِمامة وبالفتَوى وبالقضاء.\nهذا لأن النبي ﵊، ما مِن مَنصِبِ كريمٍ ديني إلا وهو أكبَرُ من الكبير في ذلك المنصِب، فله الفتوى، وله الإِمامة، وله القضاء، والغالبُ عليه التبليغ.\nئم قد يقَع الاجْماع على أن بعضَ الاشياءِ كانت منه بالتبليغ والفتوى، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس عليه أنه بالإِمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتَيْن فصاعِدًا، وهذه الاشياءُ إنما فصَّلتُها، لأن آثارَها تختلف، فكلُّ ما قالَهُ أو فعَله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما\n_________\n(١٥) هي موضوع الفرق السادس والثلاثين بين قاعدة تصرفه - ﷺ - بالقضاء، وبين قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإِمامَةِ ... جـ ١. ص ٢٠٥.\nقال القرافي ﵀ في أولِهِ: \"إعْلَمْ أن رسولَ - ﷺ - هو الإِمام الأعظم، والقاضى الأحْكمُ، والمفْتي الأعْلَمُ، فهو - ﷺ - إمام الائمة، وقاضي القضاة، وعالمُ العلماء، فجميعُ المناصب الدينية فوَّضها الله اليه في رسالته، وهو أعظم من كل من تولى منْصبًا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة.","vol":"1","page":357},{"text":"على الثَّقَلَيْنِ (١٦) إلى يوْمِ القِيامةِ. وما تصرَّف فيه بالامامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإِمام، وَمَا تصرّف فيه بالقضاء لا يجوز لأحدٍ أن يتقَدَّمَ عليه إلا بحكم حاكم، ويتحقق الفرق بين هذه بأرْبَعِ مسائل:\nالمسألة الأُولى أن نقرر الامَثلة لما ذكرناه فنقول:\nتصرُّفُهُ - ﷺ - بِبَعْثِ الجيوش، وقتال الكفار والخوارج، وتوليَةِ القضاة والولاة، وقِسمة الغنائم، وعقْدِ العهد مع الكفار، وما أشْبَه هذه الاشياء التي شأنُ الأئمة أن يفعلوها، تصرَّفَ (١٧) فيها بالإِمامة. والفصلُ بين خصْمَين في دعاوي الأموال أو أحْكَام الأبْدان ونحوها، وسائر ما يحكم به من البينات أو النُّكول ونحو ذلك (١٨) فهو تصرُّفٌ بالقضاء. كلُّ ما يتصرف فيه ﵊ بقوله أو فعله في العبادات أو أجَابَ به سؤالَ سائل، فهذه فتْوَى وتبليغ. وهذه المواطِنُ لاخفاء فيها، ومَوَاطِن التَّرداد والخفاء في بقية المسائل (١٩).\nالمسألة الثانية، قال ﵊: \"مَنْ أحْيَى أرضا ميتة فهي له\"، قيل: هو تصرُّفٌ بالإِمامة، فليس لأحَدٍ أن يُحْيي إلا بإذن الإِمام، وإليه ذهب ابو حنيفة. وقيل: هو تصرُّف بالفتوَى فلا يتوقف الإِحياء على إذن\n_________\n(١٦) كلمة الثَّقَلين يراد بها الإنس والجن، ومنه الآية الكريمة في سورة الرحمان، الح ... \"سنفْرُغُ لكم أيُّها الثقلان\".\n(١٧) في نسخة ح: يتصرَّف (بصيغة الفعل المضارع).\n(١٨) في نسخة ح: ونحوها.\n(١٩) علق ابن الشاط على قول القرافي هنا: ونحقق ذلك باربع مسائل، وعقب عليه بقوله: لم يجود القرافي التعريف بهذه المسائل ولا أوْضَحَها كل الايضاح. والقول الذي يوضحها هو أن المتصرف في الحكم الشرعي، إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه وإما أن يكون بتنفيذه، فإن كان تصرُّفه بتعريفه فذلك هو الرسول إن كان هو المبلغ عن الله تعالى، وتصرُّفه هو الرسالة، والَّا فهو المفتي وتصرُّفُهُ هو الفتوى. وإن كان تصرُّفه فيه بتنفيذه، فإما ان يكون تنفيذه ذلك بفصل وقضاء، وإبرام وإِمضاء وإما ان لا يكون كذلك، فان لم يكن كذلك فذلك هو الإِمام، وتصرفه هو الإمامة، وإن كان كذلك فذلك هو القاضي، وتصرفه هو القضاء. اهـ.","vol":"1","page":358},{"text":"الإِمام، وتفرقة مالك بين ما قرُبَ وَبَيْن ما بعُدَ، ليس بهذه القاعدة، (٢٠) بل من حيث إن ما قربَ يؤدي إلى التشاجُر والفِتَن إن لم يرفعه الإِمام بإذنه، وما بَعُدَ وليس كذلك فلا يحتاج فيه لإِذنه. وقاعدة مالكٍ هنا بالترجيح للنظر للفتوَى من حيث إن الفتوى والتبليغ أغلبُ عَلَى أمْر النبي - ﷺ -، والنظرُ إلى الغالب راجح.\nالمسألة الثالثة، قولُهُ ﵊ لهندٍ زوجةِ أبي سفيان: \"خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف\" (٢١) هل هو بطريق القضاء فليس لمن ظفِر بحقه عند أحدٍ أن ياخذه بغير عِلْم خصمه، أو هو بطريق الفتوى والتبليغ، فله أن ياخذ حقه من خصْمِهِ من غير أن يشعر به؟ والقولان مذكوران عِند العلماء، حكاهما الخطابى. (٢٢). والظاهِرُ أنها فتوى، لعدم حضور أبي سفيان.\nالمسألة الرابعة، قوله ﵊: \"من قتل قتِيلا فله\n_________\n(٢٠) عبارة الامام القرافي فيها أظهر وأوضح، حيث قال: \"وأما تَفْرِقَةُ مالك بين ما قَرُب من العمارة فلا يُحْيَى إلا بإذن الامام، وبين ما بَعُدَ فيجُوز بغير إذنه، فليس من هذا الذي نحن فيه، بل من قاعدة أخرى وهي أن ما قرب يؤدي إلى التشاجر والفتن وإدخال الضرر، فلا بد فيه من نظر الائمة، وما بَعُدَ فلا، فيجوز. ومذهب مالك والشافعي في الإِحياء أرجحُ، لأن الغالب في تصرفه - ﷺ - الفتيا والتبليغ، والقاعدة أن الدائر بين الغالب والبادر، إضافتُه إلى الغالب أوْلى. اهـ. وقد علق ابن الشاط الفقيه المحقق على هذه المسألة وما جاءَ -﵀- في هذا الفرق إلى آخره بقوله:\nما قاله القرافي فيها ظاهر، وما جح به مذهب مالك والشافعي راجح، والله تعالى أعلم. وما قاله بعدُ إلى آخر الفرق صحيح ظاهر، والله أعلم. اهـ.\n(٢١) حديث صحيح اخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله عن عائشة ضى الله عنها. وأول الحديث ومطْلِعُهُ أن هندا بنْتَ عتْبةَ، قالت: يا رسولَ الله: إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطينى وَولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعْلَمُ، فقال - ﷺ - لها: خُذِي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف.\n(٢٢) هو الامام الجليل، والمحدِث الاديب، أبو سليمان احمد بن محمد بن ابراهيم بن الخطاب الخطابي من علماء القرن الرابع الهجري، ولد في بوست من بلاد الافغان، عده ابن السبكي إماما جليلا من ائمة السنة، وله مصنفات كثيرة في السنة والفقه وعلم القرآن والحديث. الخ\nمن اشهرها وابرزها: أعلامُ السُّنن في شرح صحيح البخاري. وقد طبع في جزءين بتحقيق د. يوسف الكتاني جزاه الله خيرا.","vol":"1","page":359},{"text":"سَلَبُهُ\" (٢٣) اختلف العلماء، هل تصرفه بالإِمامة او بالفتوى، فإن كان بالإِمامة فلا يكون حينئذٍ إلا بعْدَ إذن الامام، وإلى هذا ذهب مالك، وخالَفَ ما نَظَرَ اليه في الإِحياء من حيث اعتباره الغالبَ، وحمَلَهُ على ترك الغالب هنا أن الغنيمة أصْلُها أن تكون للغانِمين، فإخراجُ السَّلَب خلاف الاصل. وأيضا فذلك ربّما أفسدَ الاخلاص. (٢٤)، إلى مفاسدَ أخَرَ في ذلك، واللهُ أعلم.\nقلت: وأيضا فهو فعلُ أبي بكر وعمر ضى الله عنهما، وهما أعلمُ الناس بهذا الباب، فتَحقق ما قاله مالك ﵁.\nقلت: وذكر شهاب الدين ﵀ في كتابه فَرْقا، وهو السادسَ عشر والمائة بين السّلَب يستحقه القاتلُ وبيْنَ الإِقطاعات وغَيْرها مِما للإِمام أن ينتزعها مِمَّن هي بيده فقال: كان ذلك في السَّلَب، لأنَّهُ حين صدَرَ السبَبُ الذي هو القتل فقد استحق مِلْكَ السَّلب فلا يصحُّ نَزْعُهُ من يده، والاقطاعات إنما وضعَها الإِمام بيد من رأى المصلحة تحصل منه في الستقبل فأعانه على ذلك بوضعها في يده لا ليملكها ملكا حقيقيا، فكان له أن بيدّلَها له، أيّ وقت شاءَ، وليس في الفرق شيء زائدٌ على هذا إلا مُكَرَّرًا، وهو ما ذكر في هذه القاعدة. (٢٥)\n_________\n(٢٣) سَلَبُ القتيل بفتح السين واللام ما يكون معه من ثياب وسلاح ومتاع وغيرها، وفي رواية اخرى: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سَلَبُهُ، وهو فقرة من حديث طويل اخرجه الشيخان وبعض أصحاب السنن عن ابي قتادة ﵁. والحديث في معرض الجهاد في سبيل الله لإِعلاء كلمة الله، والدفاع عن حَوزة الاسلام والمسلمين.\n(٢٤) عبارة القرافي هنا وهو يتحدث عن الامور التي اعتمدها الامام مالك في مخالفة أصله الذي اعتمده في الإِحياء، والذي يقول فيه: إن غَالِبَ تصرفه - ﷺ - بالفتوى: \"ومنها ان ذلك ربما أفسد الاخلاص عند المجاهدين يقاتِلون لهذا السَّلب دون نصْر كلمة الاسلام، والجهادُ في سبيل الله إنما يكون لذلك من أجل نصْرة الدين وأمة الايمان وملة الاسلام.\n(٢٥) هذا الفرق السادس عشر والمائة مذكور في الجزء الثالث، ص ٧. وقد توسَّعَ فيه القرافي ﵀. ومسألة إقطاع بعض الاراضي العامة لبعض الناس وتخصيصهم بها بهدف حرثها وزرعها واستصلاحها، وكذا مبحثها، تَكلم عنه العلماء كثيرا في كتب الاحكام السلطانية وفي المؤلفات الفقهية، فليرجع اليها هناك من اراد التوسع في معرفة هذا المصطلح ومدلوله الشرعي الفقهي.","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>القواعد الفقهية</span>\nولنبدأ منْ ذلك بالطهارة، وفيها سِتُّ قَواعِدَ:\n\nالقاعدة الأولى (١)\nنقرِّرُ فيها الفرق بين الماء المطلَقِ وبيْنَ الماء المستعْمَل، فنقول:\nالمطلَق هو الباقي على أصل خِلقته، ويُلحَقُ به المتغيِّر بما لا ينفكُّ عنه غالبا، وكَان الأصل أن لا يقال في هَذا: انهُ مطلَق، ولكنه سُمي بذلك كالذي بقي على أصل خِلقتِه، لأنه إذا عُبِّر عنه يقال: هذا ماءٌ، فيطلَقُ ولا يقيَّدُ؛ وماءُ الورد وما أشبهَه بخلاف ذلك، لا يطلَق عليه أنه ماء إلا بالمجاز، بل يقال: هذا ماءُ ورْدٍ، والمضافُ من المياه كلِها خرج عن هذا الاسم بالأصل. فلا سؤال عنه في كوْنه لا يقال: إنه مطلَقٌ، وإنما كان السؤال في المتغَير بما لاينفكُّ عنه غالبا، فألْحَقَهُ المشَرِّعُ بالأول، وعِلَّة التسمية أبْديناها.\nوالماء المستعمَل هو الذي أُدِّيتْ به طهارةٌ وانفصَل عن الأعضاء، والماءُ ما دام في الأعضاء فلا خلاف أنه طهور وأنه مُطْلَق، فبعْدَ الانفصال اختُلِف فيه، هلْ هو صالح للتطهر أوْلا،؟ وهل هو نجس أو لا، وهل ينجِّس الثوبَ إذا لاقاه أوْ لا؟ .\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الثالث والثمانين بين قاعدة الماء المطْلَقِ، وبين قاعدة الماء المستَعْمَل لا يجوز استعماله أو يُكْرَه على الخلاف\". جـ ٢ ص ١١٧.\nوقد عبر الشيخ خليل المالكي ﵀ عن ذلك المعنى بقوله في مختصره: بابٌ يُرْفَعُ الحدَثُ وحكْمُ الخبثِ بِالمطلَق، وهو ما صَدَقَ عليه اسْمُ ماءٍ بلا قيدٍ، وإن جُمِع من نَدَى أو ذاب بَعْدَ جموده ... الخ.\nوفي نسخة ثالثة لهذا الكتاب، التمثيل للمتغير بما لا ينفك عنه غالبا بقوله فيها: كالترابِ والزرنيخ ..","vol":"1","page":361},{"text":"واختلف القائلون بخُروجه عن صلاحيته للتطهر، هَلْ ذَلك معلَّلٌ بإزالة المانِعِ، أو بِأنه أدِّيَتْ به قُرْبَةٌ، ويُخَرَّجُ على القولين مسائلُ:\nفإذا قلْنا: العلةُ إزالةُ المانِع، لم يندَرِجْ في الماءِ المستعمل الغَسْلُ في المَرّة الثانية والثالثة إذا نَوَى بالأولى الوجوبَ، ولا الماءِ المستعمَلُ في تجديد الوضوءِ، ونحو ذلك مما لا يُزيل المانع، وينْدَرِجُ فيه الماءُ المستعملُ في غسل الذمية، لأنه أزالَ المانعَ، فلو عَلَّلناه بأنه قُرْبَةٌ لَمَا اندرج فيه المستعمَلُ في غسْلِ الذِمية، واندرَج الآخَرَانِ (٢).\nقال شهاب الدين ﵀: ولِلْقائلين بخروجه عن كونِه صالحا للتطهر مَداركُ، أحْسَنُها أن قوله تعالى: \"وأنزلنا من السماء ماءً طَهورا\" (٣)، مطلق في التطهير، والمطْلَق يدل على أصْلِ الفعل، وهو -هاهنا- التطهير لا المَرَّة والمرّتان، فإذا حصَلَتْ المَرَّة فقد حصل مُوجب اللفظ وبقِيتْ المرةُ الثانية فيه غيْرَ منطوق بها، فَتَبْقَى على الأصل غيرَ معتبَرَة، فإنَّ الأصل في الاشياء عدمُ الاعتبَار في التطهير وغيره، إلا ما وردت به الشريعةُ، قال: وهذا وجْهٌ قوِيٌّ حسنِ (٤).\nقلت: الاصل خلافُهُ، وهو الأظهر؛ فإنه لَمّا قَضَيْنا على الماءِ بمطلق التطهْير فذلك حاصل له وثابت مع المرَّة الأولى وثابتٌ له مع الثانية والثالثة هكذا، غيرُ زإئل حتى يدُل دليل على زوال ما ثبت له بذلك الإِطلاقِ، والله أعلم.\n_________\n(٢) عبارة القرافي هنا ﵀ تعطى وضوحًا اكثر وهي قوله: وإن قلنا: إن سبب ذلك كونه أدِّيت به قربة اندرج فيه الماء المسْتعمل في المرة الثانية والثالثة، وفي تجديد الوضوء، ولا يندرج الماء المستعمل في غسل الذمية، لأنه لم تحصل به قربة، عكس ما تقدم، وانما حصل به ازالة المانع من الوطء ... وهكذا تظهر عبارة البقوري وتتضح أكثر.\n(٣) سورة الفرقان: الآية ٤٨.\n(٤) عبارة القراقي: وهذا وجْهٌ قوي حسن ومُدْركٌ جميل ...","vol":"1","page":362},{"text":"القاعدة الثانية (٥)\nأقرر فيها ما يمكن أن يُنْوَى قُربة مما لا يكون كذلك، ثمّ ما يحتاج إليها ولا بد منها فيه ممَّا ليس كذلك، فأقول أوّلًا:\nقال شهاب الدين ﵀: ما لا يمكن أنْ يُنْوَى قُرْبةً قسمان:\nأحدهما النظر الأول المفْضي إلى العِلْم بثبوت الصّانع، فانعقد الاجماع على أنه لا يُمْكِن أن يُّنْوَى التقربُ به، فإنَّ قصدَ التقرب فرْعٌ عن اعتقاد ثبوت الصانع، وهو حينئذ لم يثبت فلا يصح. (٦)\nالثاني فعل الغير تمتنع النية فيه، فإن النية محصِّصَة للفعل في بعض جهاته من الفرض والنفْلِ وغر ذلك من رُتب العبادات، وذلك يتعذَّرُ على الانسَان في فعل غيره (٧)، قال: وما عَدَا هذَيْنِ القِسْمَيْن تُمْكِنُ نيتُهُ.\nقلت: وتنقضَه: النية لا تحتاج إلى نية، (٨) ولا يمكن أن يُنْوى، فإنه لو كان كذلك للزم التسلسل، وهو محال، وما لزِمَ عنه المحال فهو محال.\n_________\n(٥) هي موضوع الفرق الثامن عشر بين قاعدة ما يمكن أن يُنْوَى قُربَةً وقاعدةِ ما لا يمكن أن يُنْوَى قُربَةٌ\". جـ ١. ص ١٢٩.\n(٦) علّقَ الشيخ قاسم ابن الشاط ﵀ على هذا القسم عند الامام القرافي بقوله: \"ما قاله في ذلكِ صحيح\".\n(٧) وعلَّقَ ابن الشاط على هذا القسم الثاني عند القرافي بقوله: قلتُ: لا يَخْلُو أن يُّريدَ أن نية فعْل الغير تمتنع عقلا أو عادةً أو شرعًا، أمَّا عقْلا او عادة فلا وجْه للامتناع، وأما شرعًا فالظاهرُ من جواز احْجَاج الصَّبيّ أن الوَالي ينْوى عنه، وكذلك في جَواز ذببحة الكتابي نائبا عن المسلم. وعلقْ على ما عدا هذين القسمين بقوله: ما قَاله في ذلك صحيح\"\n(٨) كذا في نسخة ع: \"تنقضه\" بالفعل المضارع. وفي نسخة أخرى: \"ونقضه، هكذا \"بالمصدر، والضمير يعود إلى ما سبق الكلام فيه عند القرافي في القسم الثاني المتعلق بفعل الغير، والذي لا يمكن أن ينوى قوبة، وكذلك ما بعده مما تمكن نيته.\nوالمعنى: وتنقض هذه القاعدة، وهي: النية لا تحتاج إلى نية، ما قرره القرافي وذكره قبل هذا التعقيب من الشيخ البقوري، فليتأمل هذا التعليق، وكلام القرافي قبله، فإنه دقيق.","vol":"1","page":363},{"text":"قال شهاب الدين ﵀:\nثم الذي تمكن نيته، منه ما شرِعَتْ فيه النية، ومنه ما لم تُشرع فيه.\nوبيان ذلك أن نقول: المشروعاتُ إمَّا مأذونٌ فيها واما مطلوبة، فالمأذون فيها لم تشرع النية فيها من ذلك الوجه، ولكن من نَوى التقَوِّيَ (٩) بالمباح على طاعة الله فهو حسَنٌ، وله التقرب به من هذا الوَجْه.\nوالمطلوبُ إمّا مطلوب الترْك وإمَّا مطلوب الفعل، فالذي طُلب تركُه يصح فعله في الشريعة ويُجزئ دون نية، ولكن النية مع الترْك تُدْخله في الثواب، وبِلا نيَّةٍ كان معه السلامة من العقاب. (١٠).\nوالذي طُلِبَ فعله، إما أن تكون صورة فعله كافية في المصلحة الطلوبة منه أوْ لا، فإن كان الأول كرَد الديون فلا يحتاج إلى نية فيه، والنية أيضا تدخله في المثوبات، ولو لم تكن النية لما كان في ذلك ثواب.\nقلت: هذا بَيْعُدُ، (١١) فإن من أعْطى نفقة الأقارب والعيال، الظاهر من الشرع أن المثوبة له ولابد، لأنه خيْر ثعَدَّى منه إلى غيْره، وحصل نفْعُ غيره به،\n_________\n(٩) في نسخة ع: التقرب من القرب، والذي في نسخة ح: التقوي من القوة، وهو ما في نسخة اخرى ثالثة، وهو الأظهر والأصوب الذي يقتضيه السياق والمعنى المراد، وتدل عليه عبارة الإِمام القرافي بقوله: \"فغيْرُ المطلوب لا يُنْوى من حيث هو غيْرُ مطلوب، بل يقصد بالمباح التقوى على مطلوب، كمن يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل، فمن هذا الوجه تشرع نيته لا من جهة أنه مباح.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي فقال: ما قاله في ذلك صحيح.\n(١٠) عبارة القرافي: المطلوب في الشريعة قسمان: نَواهٍ وأوامر، فالنواهى لا يحتاج فيها إلى النية شرعا، بل يخرنج الإِنسان من عهدة المنهي عنه بمجرد تَرْكِهِ وإن لم يشعر به، فضلا عن القصد إليه، نعَم إن نوى بتركها وجْه الله العظيم حصل له الثواب وصار الترْك قرَبة.\nقال ابن الشاط، ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\n(١١) كذا في نسخة ع، وح، بالفعل المضارع، وفي نسخة ثالثة: بَعيدٌ، على وزن فعيل بصيغة الصفة المشبَّهة باسم الفاعل في العمل.","vol":"1","page":364},{"text":"وقال ص: \"في كل كبِدٍ رطبة أجْرٌ\" (١٢)، فهو لو سُرِق له كان له الأجر، فكيف، (١٣) وان كان الثاني، وهو ألَّا تكون صورته كافية في تحصيل مصلحته، فلا بُدَّ فيه من النية، وهذا كالأمور التعبدية كلها، فالصلاة شُرِعَتْ لتعظيم الرَّب تعالى وإجْلاله، والإِجلال إنما يحصل بالقصد.\nقلت: هذا أحسَنُ من قوْل بعض الفقهاء في النية:\nلِمَ كانتْ في الوضوء ولم تكن في إزالة النجاسة؟ والجميع طهارة، فقال: لأن إزالة النجاسة توجَّه الأمر إلى تركها، وما طريقُهُ التَّرْك لا يفتقر إلى نيَّة، يدلك عليه ترْك الكلام في الصلاة، (١٤) والوضوءُ إنما توجّه الأمر فيه إلى ايجاد فعل، وذلك يفتقر إلى نية، يدلك عليه الصلاة والصوم، فإنه ينقض عليه بالصوم، فإنه ترْكٌ وليس بفعل. (١٥)\nقال: ونذكرُ هنا أربع مسائل:\n_________\n(١٢) اخرجه الإِمام البخاري ﵀ في باب فضل سقي الماء، وذلك كما جاء في أوله أن رجلا سقى كلبا يلهثُ من العطش، فشكر الله له ذلك فغفَر له، فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجْرًا، قال: \"في كل كبدٍ رطبةٍ أجْرٌ\" أي في كل حيوان ذى كبدٍ رطبة اجر على إغاثته ونفعه.\n(١٣) كذا في جميع النسخ الثَلاث من الكتاب: ع، وح، ت، ولعل في الكلام حذفا مفهوما من السياق وما يقتضيه تمام المعنى وهو: كيف وقد انفقه وصرفه فيما حصل به نفع للغيْر، أي فيكون له الأجْر، وان لم ينو بذلك القرْبْةَ، والله أعلم.\n(١٤) كذا في نسخة ع، وهو واضح الدلالة والمعنى المراد، وفي نسخة أخرى: يدلك عليه الكلام في الصلاة، وفى نسخة ح: \"فذلك علة ترْك الكلام\". وما في نسخة ع هو الأظهر والأوضح، وهو الظاهر والأَصوب كما يظهر من سياق الكلام في أوله وآخره. فليتأمل ذلك.\n(١٥) هذا السَّطر الاخير من هذه الفقرة، وهو قوله: فإنه ينقض عليه بالصوم مرتبط بما قاله الشيخ البقوري وذكره في اول الفقرة من كلام بعض الفقهاء ومن تساؤله عن الفرق في كون النية مطلوبة في الوضوء، دون إزالة النجاسة مع ان الجميع طهارة، وجواب ذلك البعض عن ذلكم التساؤل ... الخ.\nوالمعنى أن ما تساءل به ذلك البعض من الفقهاء، وأعطى جوابا عنه، يُنْقض عليه ويُعترَض عليه بأمر الصيام، فإنه ترْك وليس بفعل، ومع ذلك لابد فيه من النية مثل الوضوء والصلاة وغيرهما من فرائض العبادات.","vol":"1","page":365},{"text":"المسألة الأولى، قال: تقدَّمَ لنا إن الإنسان لا ينوِي فعْل غيْرِه وإنما ينوى فعل نفسه، ونحن في الصلاة ننوي فَرْضها أَو نَفْلها، والنقلية أو الفرضية ليستْ كسبنا، وانما هي أحكام ورَدتْ علينا، لا دَخل لنا فيها.\nفأجاب ﵀ بأن قال: النية تعلقتْ بعَيْن الكتَسَب لِتَعُودَ للكاسب، أما استقلالا فَلَا. (١٦) قال: وبهذا نجيبُ عن كون الإِمام ينوي الإِمامة في الجمعة، مع أن فِعْل الامام مساوٍ لفعل المنفرد.\nوإذا كان كذلك فهو نية بلا مَنْوي إذا قلنا: متعلق النية كونه مقتدى به، وهذا، وإن لم يكن من فعله، لكن صحتْ النية تبعا لما هو من فعله. (١٧)\nالمسألة الثانية: النية لا تحتاج إلى نية، قال جماعة من الفضلاء: لئلا يلزَم التسلسل، ولا حاجة إلى التعليل بالتسلسل، بل النية هي صورتها كافية في تحصيل\n_________\n(١٦) كذا في النسختين: ع، وح. والذي في نسخة الفروق المطبوعة قوله: \"والجواب عنه أن النية تتحلق بغيْر المكتَسَب تبعًا للمكتسِب، وبهذا نجيب عن سؤال صعب هو إلخ ...\nوهذه المسألة المجاب عنها تتضح عند القرافي أكثر مما هي عند البقوري في هذا الاختصار، حيث قال القرافي ﵀:\nتقدم أن الإِنسان لا ينوي إلا فعل نفسه وما هو مكتسَبٌ له، وذلك يُشكل بأننا ننوي الفرض والنفل، مع ان فرضية الظهر ونفلية الضحى ليستا من فعلنا ولا من كسبنا، بل حكمان شرعيان، والأحكام الشرعية صفة الله تعالى وكلامه ليست مفوضة للعباد، فكيف صحت النية في الأحكام؟ والجواب عنه ان النية ... الخ.\n(١٧) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة بقوله:\nقلت: أليس تعيينه نفسه (اي الامام) للاقتداء به، وتقدُّمُهُ لذلك، من فعله؟ فذلك هو متعلق نيته، وسَهلتْ الصعوبة، والحمد لله.\nوهو بذلك يشير إلى كلام القرافي السابق، حيث قال: وبهذا نجيبُ عن سؤال صعب، وهو أن النية تتعلق بغير المكتسَب تبعا للمكاسب اهـ. فعلّق عليه ابن الشاط بما سَبق من التعقيب والتصويب.","vol":"1","page":366},{"text":"مصلحتها، لأن مصلحتها التمييز وهو حاصل بها، قصد ذلك أو لم يقصِدْ (١٨)\nقلت: الأولى أن يقال: هو من القِسم الذي لا تصح فيه النية، كالنظر الأول إلى إثبات الصانع كما قلنا أولا، لا كما قال شهاب الدِّين ﵀ في رده على الفضلاء، فانظره، والله أعلم.\nالمسألة الثالثة: الذي ينوي فرض صلاة الظهر خرج له سُنَنُ الظهر فلا يثاب عليها، وهذا لم يقلْهُ أحَدٌ، فإن قلنا: ينوي ما في الظهر من فرض الفرضية، وما به منْ سُنةٍ فينويهِ هو أيضا، لم يَقُلْ به أحد.\nفأجاب بأن النية المجملة من حيث الفرضية عَمَّتْ الفروض والسُّنّنَ، وانسحبَتْ على ذلك إجماعا فلا تحتاج إلى تفصيل. (١٩)\nقلتُ: يُوهِمُ كلامُهُ أن الإِجماع رفَع هذا الاشكال، ووجَبَ الانقيادُ له على ما هو الأمر عليه، وليس كذلك. فالفرض توجَّه نحو هذا المجموع من حيث هو مجموع، ثم ذلك المجموع له أجزاء، بعضُها فرائضُ، وبعضها سُنَنٌ، وبعضها فضائلُ، والنية متَوجِّهَة نحو المجموع الذي سمِّيَ بالظهر أو غيره من الأسماء. (٢٠)\nقلت: ومن تَمام هذِهِ القاعدة أن نبيّن الفرقَ بين ما تتوزَّع فيه النية فتصحُّ وبين ما لا يصح إذ ذلك (٢١) فنقول:\n_________\n(١٨) علَّق ابن الشاط على هذه المسألة عند القرافي بقوله:\nلقائل أن يقول: لا يلْزَمُ التسلسل، لأنه إذا نوى إيقاع صلاة الظهر مثلا لابُدَّ أن ينوي امتثال أمر الله تعالى في ايقاع الصلاة منوية، فإن النية في الصلاة مشروعة شرطًا في صحتها، ولم يشرع له ان ينوى نية امتثال حتى يلزم التسلسل، وعلى ذلك لا يصح قوله: \"النية لا تحتاج إلى نية، والله أعلم\".\n(١٩) علق الفقيه ابن الشاط على هذه المسألة عند القرافي بقوله: ما قاله فيها صحيح.\n(٢٠) أقول: وتعقيب الشيخ البقوري ﵀، وتصويبه هذا يبدو دقيقا ووجيها، والله اعلم.\n(٢١) في نسخة ح: فيصح بالياء في الفعلين، على أن الضمير يعود على ما، وهو أظهر، على اعتبار أن الصحة وعدمها تتعلق بما تتوزعه النية، لا بالنية نفسها.","vol":"1","page":367},{"text":"قيل: ما لا يجوز فيه تِفريق النية من العبادات، العبادة المرتبطة بعضها ببعض، حتى إن أولها ليفسُدُ بفساد آخرها ولا يتخلّلُها ما ليس من جنسها، كالصلاة، هذه لا يصحُّ التوزيع في نيتها، وما لمْ يكُن مرتبطا كالزكاة يجوز التفريق، وماكان مرتبطا ولكنه تخلَّلها ما ليْسَ من جنسها كالوضوء، قيل: بالتفريق، وقيل: لا يجوز، وكالحج فإنه يُفَرقُ.\n\nالقاعدة الثالثة (٢٢)\nنقرر فيها الفرق بين ما يُبَسْمَلُ فيه ممّا لَا، فنقول:\nأفعال العباد إما قُرُباتٌ وإما مُحَرمات، وإمّا مكروهات، وإما مباحات، .\nفالمباحات جآت البسملة في بعضها كالأكل والشرب والجماع، والحثُّ على ذلك في بعضها آكَدُ من بعض، ولم يات (اي الحث) في كل شيء من المباح، وما لم يات فيه فحسَنٌ (٢٣) للانسان أن يستعمله ليجدَ بركة ذلك. وأما المحرَّمات والمكروهات فيكره له التسمية عند الشروع فيها، من حيث قصْدُ البركة بها، وذلك لا يُرَادُ في الحرام والمكروه، بل المراد من الشرع عدَمُهُ وترْكُهُ، وأمّا القُرُبات فقد\nجاء في بعضها وأكد فيه كالذيح، وجاء عند قرآة القرآن.\n_________\n(٢٢) هي موضوع الفرق التاسع عشر بين قاعدتي ما تُشْرع فيه البسملة وما لا تشرعُ فيه\". جـ ١ صفحة ١٣٢.\nقال الشيخ خليل بن اسحاق المالكي في مختصره الفقهي، وهو يعُدُّ فضائل الوضوء ومستحباته التي من بينها التسمية، بأن يقول المرء باسم الله في أول الأمر، قال:\nوفضائله موضع طاهر، وتلة ماء بلا حَدٍّ كالغسل، وتيمُّنُ أعضاء وإناء إن فتح، وتسمية.\nثم زاد قائلا: وتُشرع (أي التسمية) في غسل وتيمم، وأكل وشرب وذكاة، وكوب دابة وسفينة، ودخولٍ وضده لمنزل ومسجد، ولبس وغلق باب، واطفاء مصباح ووطء، وصعود خطيب منبرا، وتغميض ميت ولحده ... والمشروعية حالة السنية والاستحباب، والوجوب كالذكاة مثلا، فإن التسمية فيها واجبة مع الذكر والقدرة.\n(٢٣) في نسخة ح: يحسُنُ بالفعل المضارع، وهو ما يظهر من كتابة الكلمة في النسخة.","vol":"1","page":368},{"text":"واختُلف فيه في بَعْضِها كالغسل والوضوء والتيمم، وليس مشروعًا عند الأذكار، ولكنهُ إن استُعمِلَ فحسَنٌ فهو الظاهرُ مِنْها مع الْقُرُباتِ بأجْمَعِها، والله أعلم. (٢٤)\n\nالقاعدة الرابعة (٢٥)\nنُقَرِّرُ فيها الفرق بين الإِزالة والإِحالة بحسَبِ النجاسات، فنقول:\nذهاب النجاسة في الشريعة يقع بثلاثة أوجه: بالإِزالة، والإِحالة، وبهما معا، ولكلِ وجْهٍ خاصيةٌ يمتاز بها.\nفالإِزالة بالماء في الثوب والجسد والمكان، والإِحالةُ في الخمر تصير خلّا، وهُما معا في الدِّباغِ فإنه إزالةٌ للفَضلات المستخبثَة، بالدباغ الْقابِضِ الذي يوجب العصر فيخْرِجُ ما في الجلود من ذلك، وأما الإحالة فلأنَّ صفة الجلود تتغير عن هيئتها إلى هيئة أخرى. فخاصيَةُ الإِزالة، الماءُ الطَّهُور، والنيةُ على الخلاف، ووصولُ الغسل إلى حدِّ ينفصل الماء غير متغير، وأن السبب الاستقذار. وخاصية الاحالةِ\n_________\n(٢٤) وتمام هذا الكلام وتوضيحه أكثر، ما جاء عند القرافي في هذا الفرق وهو مهم أنه قال: \"وهذه الأقسام تتحصَّلُ من تفاريع أبوابٍ الفقه في المذهب.\nفأما ضابط ما تُشرع فيه التَّسْمِيَّة من القربات وما لم تُشرعْ فيه فقد وقع البحث فيه مع جماعة من الفضلاء، وعسُرَ تحرير ذلك وضَبْطهُ، وأن يعضهم قد قال: إنها لم تُشْرَع في الأذكار وما ذكر معها، لأنها بركة في نفسها، فورَد عليه قراءة القرآن، فإنها من أعظم القربات والبركات، مع انها شِرِعَتْ فيه ... فإن الإِنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا نبه على الإِشكال استفاده وحثَّه ذلك على طلبَ جوابه، واللهُ تعالى خلاق على الدوام، يهَب فضله لمن يشاء في أي وقت شاء\" اهـ.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند الإِمام القرافي في هذا الفرق بقوله: ما قاله فيه صحيح.\n(٢٥) هي موضوع الفرق الثمانين بين قاعدة الإزالة في النجاسة وبين قاعدة الإِحالة فيها. جـ ٢ ص ١١١.","vol":"1","page":369},{"text":"عدمُ الماء، والنية والاستقذار، فلا يُحتاج للماء، بل قد يوجَد مع عدمه (٢٦) وقد يلقى في الخمر ما يكون ذلك سببًا لإِحالة الخمرْ خَلا، وكذلك السبب في تنْجيسها طلبُ الإِبْعاد، لا الاستقدارُ، والنية مانعة من التطهير. والصورة التي يجتمعان فيها، خواصها عدم اشتراط الماء، وعدم اشتراط النية إجماعا، والاستقذار. (٢٧)\n\nقاعدة تُعْرَفُ بِجَمْع الفرق، وهو أن العنى الواحد يوجب الضدين المتنافَيْين، وهو قليل في الشريعة، وله أمثلة:\nأحدها هذه المسألة، فإن القصد مناسِبٌ للتطهير، فاشترطه من اشترط والمناسبة في الإِزالة، وجَعَله مانعا في الإِحالة، سدًا للذريعة، فإنه إذا جوزنا القصد للتخليل جوّزْنا إبقاءها في المِلْك، ففي ذلك الزمان ربّما انْبَعَثَتْ الدواعي على ما لا ينبغي، فترتب على القصدِ الضَّدّانِ: الإِباحةُ والمنعُ.\nالثاني: السفيه يُمْنع من التصرف في مالِهِ حيطةً على ماله، وتمضى وصيتُه وتُنَفَّذ، مخافة أن لا يصل اليه نفع بماله.\n_________\n(٢٦) كذا في النسختين بالياء، وفي كتاب الفروق: \"فلا تحتاج للماء، بل قد توجَدُ مع عدمه. وقد يُلقَى في الخمر ماءٌ فيكون ذلك سببا لإِحالتها للخلِّية، غير أن الماء غيرُ محتاج إليه في الإِحالة ويحتاج إليه في الماء.\n(٢٧) كذا في النسختين، والذي عند القرافي في هذه الفقرة هو قوله: \"وأما الصُّورة التي يجتمعان فيها (أي الإزالة والإِحالة)، وهو الدِّباغ، فمن خواصِّه عدم اشتراط الماء وعدم اشتراط النية اجماعا، وليس القصد مانعا اجاعا، بخلاف الاحالة المنفردة، والاستقذار والاستخباث سببُ التنجيس لأجْل ما فيها من النجاسة، فخواصها أيْضا ثلاثة، فهذه خواصُّ هذه القواعد، وبها يحصلُ الفرق بينها اهـ.\nوقد وقع في هذه القواعد والفرق بينها قاعدة تعرف بجمع الفرق، كما تعرف عند علماء الأصول بجمع المتفرقات.","vol":"1","page":370},{"text":"الثالث، الجهالة ممنوعة في البيع والإِجارة، والأجلُ المحدودُ لا يصحُّ أن يعيَّن منه يوم لخياطة ثوب مثلا، فصار الجهْلُ مطلوبا متروكا. (٢٨)\nالرابع، الأنوثة اقتضى ضَعفُها التأخرَ عن الولايات، واقتضى ضعفها ولايةَ الحضانة.\nقلت: ليس ضعفها أوجب تقدمها قط، بل الضعف موجبٌ للتأخر أبدا، وما تقدمت في الحضانة إلا لأنها في ولَايةِ الأولاد أقوى من الرجُل كما يقرَّر في موضعه.\nالخامس، قرابة رسول الله - ﷺ -، اقتضى تعظيمُها بذْل المال لهَا، واقتضى أيضًا منع الربهاة منهم، فكانتْ هذه الأشياءُ تُوْجِبُ فيها ما قلناه. (٢٩)\n\nالقاعدة الخامسة (٣٠)\nنقرر فيها أن إزالة النجاسة ليستْ من باب الرخصة في الشريعة.\nوبيَان ذلك أن نقول أوّلا:\nإن قوما قالوا: إن النجاسة إذا مسها ماءٌ، تنجس بمُلاقاته لتلك النجاسة، (٣١) فإذا لاقاه آخر فكذلك، فلا يُتصوَّرُ تطْهير للنجاسة أبدًا.\n_________\n(٢٨) هذه المثال الثالث جاء واضحا عند القرافي أكثر، فقد فصل في ذلك فقال ﵀:\nالجهالة مانعَةٌ من عقد البيع والإِجارة ونحوهما، وهي شرط في الجعَالة والعارية والقراض، فلا يجوز إلى يَوْمٍ معلوم، لأن المطلوبَ قد لاَ يَحْصُل في ذلك الأجل، فاقتضت مصلحةُ هذه العقود أن يكون الأجل مجهولا، ولذلك لا يجوز أن يحَدِّدَ لخياطة الثوب وغيره من الاجارات يوما معلوما، لأنه يوجب الغرر، ويُفَوِّت المصلحة، بل المصلحة تقتضى بقاء الاجَلِ مجهولا\" اهـ.\n(٢٩) قال الشيخ شهاب الدين القرافي هنا ﵀: \"وإنما قلتْ هذه النظائر، لأن الأصل في المناسب أن يُنافِيَ ضدَّ ما يُناسِبُهُ.\n(٣٠) هي موضوع الفرق الحادي والثمانين (٨١) بين قاعدة الرخصة وقاعدة إزالة النجاسة. ح.٢، ص ١١٣.\n(٣١) في نسخة ع: ما تنجَّس، وفي نسخة أخرى ما ينجس. والصواب ما في نسخة ح، وهو: أن النجاسة إذا مسها ماءٌ، تنجس بملاقاته لها، فيكون الكلام تام المعنى بذكر شرطِ إذا وَجَوابها، ويكون مجموعهما خبرَ إن، والخبر هو الجزء المتمم للفائدة ح المبتدأ، بخلاف ما في النسخَتين الأخريين لا يكون الكلام تاما.\nوعبارة القرافي ﵀ في اول هذا الفرق هي قوله: وذلك أن جماعة من العلماء، قالوا: إزالة النجاسة رُخصة بسببِ أن السبب في تنجيس الطاهر ملاقاته للنجس إجْماعا\".","vol":"1","page":371},{"text":"والجواب أن النجاسَةَ ليست نجاسَتُها من حيث عينُها وجَوْهَرُها، بل لعرَضٍ ووصف لاحِقٍ بذلك الجوهر، فإذا ذهبَ ذلك العرضُ من الرائحة أو اللون أو الطعْم فقد ذهبت النجاسة وزالت حقيقةً لا رخصةً، فإن الحكم تابعٌ لِلسَبَّبَ، فإذا زال سَبَبُهُ زال هو، واذا وجِدَ وُجِدَ الحكم.\nقلت: ذكر شهاب الدين -﵀- الفرق بين النجاسة في الباطن من الحيوان، وبين ما يَرِدُ على الباطن، (٣٢) رأيت إلحاقه بهذه القاعدة أوْلى فأقول:\nالفرق بين ما ينشأ في باطن الحيوانات من النجاسات وبيْن ما ورد عليه من النجاسات، أن الذي نشأ فيه، أصله الطهارة فاسْتُصْحِبتْ، والواردُ قُضي عليه بالنجاسة قبل أن يرِدَ، فكان الأصل فيه النجاسة فاستُصْحِبَتْ، فاستصحابُ الحُكْم فيهما أوجب الحكْمَيْن المختلِفين، وسواءٌ في هذا، الدّمُ والبلْغم، والسوْداءُ والصفراء وسائر الأتفال والفضلات المائعات، وانما يقَع التنجيس بعد الانفصال، ويقع عند مالك في بعضها لا في الكل، إذْ الصفراء والْبَلغم ليسا بنجَسين عنده، بخلاف الدّم والسوداء والاتفالِ والبول، وفي العَرَق إذا كان عن نجس - قولان، واللهُ الموفِّقُ للصواب. (٣٣)\n_________\n(٣٢) هو الفرق الرابع والثمانون بين قاعدة النجاسات في الباطن من الحيوان وبين قاعدة النجاسات ترد على باطن الحيوان\". جـ ٢. ص ١١٩.\n(٣٣) وقد ذكر الشيخ خليل ﵀ في مختصره الأشياء الطاهرة وعدّها، فقال:\nفصْل: الطاهِرُ ميْتُ ما لا دم له، والبحري ولو طالت حياته بِبَر، وما ذُكيَ وجُزُؤه إِلا محرم الأكل، وصوف ووبَرٌ وزغبُ ريش، وسْعَرٌ ولو من خنزير إن جُرتْ، والجماد وهو جسْمٌ غيْرُ حيّ وغير منفصل عنه، (كالتراب والحجر والماء) إلا المسْكِرَ، والحيُّ (اي والطاهر الحي، ودمعُه وعَرَقُهُ ولعابه ومخاطه وبيضه، ولو اكل نجسا إلا البيض المَذِرَ (أي العَفِنِ) والخارج بعد الموت، ولبن آدمي الا الميت، ولبن غَيْره تابع أي للحمه في الطهارة بعد التذكية، وبول وروْث من مباح الا المتغذي بنجس، وقيء إلَّا المتغير عن الطعام، وصفراء، وبلغَمٌ ومرارة مباح، ودَمٌ لم يسفح، وهو الباقي في عروق الحيوان المباح المذكي، ومسك وفارته (أي الجلدة التي يكون فيها، وزرع سقي بنجس، وخمرٌ تحجر او جمد لزوال الاسكار منه، (والحكم يدور مع علته وجودا أو عدما)، او خمر خُلِّلُ (أو تخلل بنفسه) لنفس العلة، وهي زوال الاسكار عنه، فهذه أشياء كلها طاهرة كما عدها الشيخ خليل ﵀.","vol":"1","page":372},{"text":"القاعدة السادسة (٣٤)\nفي الفرق بين إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوْم خاصة، وبيْن إزالة الحدث عن الرجْل خاصة بالنسبة إلى الخُفِّ.\nجاء عن النبي - ﷺ - الجُنُب (٣٥) بالوضوء إذا اراد النومَ، فقال الفقهاء: إنه رافع للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة، ولا يزيل الحدث الأصغر وإنما يزيل جنابة أخرى.\nقلت: وينبغي أن يقولوا: وهو رافع للجنابة بالنسبة إلى الأكل، لما جاء في ذلك أيضا.\nثم إنهم قالوا أيضا: الماسح على الخُفِّ إذا غسَل إحدى رجليه ثم لبس خفه قبلَ غسْل الأخرى، هل يصح له المسح على هذا الغسْلِ أم لا؟ قولان،\n_________\n(٣٤) هي موضوع الفرق الثاني والثمانين بين قاعدة ازالة الوضوء الجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة، وبين قاعدة إزالة الحدث عن الرِّجْل خاصة بالنسبة إلى الخف، جـ ٢ ص ١١٤.\nقال عنه القرافي ﵀ في اوله: إعْلَمْ أنه قد وقع في مذهب مالك ﵀ وفي غيره من المذاهب فتاوى مشكلة في الأحداث وأحكامها، وقد ورد الحديث الصحيح في الجنبِ يريد النوم أنه يتوضا للنوم خاصة لا للصلاة ولا لغيْرها، فقال الفقهاء: هذا وضوء رفع حدث الجنابة، بالنسبة إلى النوم خاصة، إلى آخرها ما ذكره القرافي، وأورده الشيخ البقوري مختصرا في هذه القاعدة.\nولم يعلق ابن الشاط بشيء على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق، ﵏ جميعا.\n(٣٥) كذا في كل من نسختي ع، وح بالمصدر، وفي نسخة أخرى: أنه أمَرَ الجنب بالوضوء ونصُّ الحديث في الموطأ عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: \"إذا أصاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام قبل ان يغتسل فلا يَنَمْ حتى يتوضأ وضوءه للصلاة ... \" قال ابن رشد في المقدمات: والمسنون منه وضوء الجنب إذا أراد أن ينام، أو قبل أن ينام. وقال ابن جزي ﵀ متحدثا عن أنواع الوضوء وأقسامه الخمسة: وأما السنة فوضوء الجنب للنوم، وأوجبه ابن حبيب من المالكية وكذا الظاهرية\".\nأقول: ويُمْكِن اعتبار الوضوء من الجنابة للنوم من باب التعبد، حيث أمرنا الشارع بفعله ولم يطلعنا على حكمته، ما دام هذا الوضوء لا يغني عن الاغتسال ولا يقوم مقامه، كما يمكن دخوله في باب التخفيف والتيسير على الْمرْءِ يجعل المومن يشعر حين توضأ وكأنه قد زالت عنه الجنابة وتخفف منها وكذا الأمر بالنسبة للأكل، وهذا اللحظ التعبدي في هذه المسألة سنجد البقوري نبه عليه فيما ياتي له من كلام القرافي ﵀.","vol":"1","page":373},{"text":"أجْرَوْا الخلاف على أنه يكمل كل عضو بالفراغ منه ويَرْتْفع حدثه أو حتى يتم الجميع؟\nوردَّ عليهم شهاب الدين في هذا من حيث إن الحدث الذي يصح رفعُه هو المنْعُ من الصلاة وما أشبهها، لا الأسبابُ التي توجب الوضوء كالبول والغائط، فإنها لا يصح رفعهَا (٣٦)، فإذا كان كذلك فالمنع ليس متعلقا بالأعضاء حتى يقال هذا الذي قالوه، وإنما هو متعلق بالمكلف.\nثم قال: فإن قيلِ: فلِمَ لا يجوزُ أن يكون يرفَعُ المنعَ (٣٧) عن المكلف باعتبار لبس الخف خاصَّةَ ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاق كما قيل في الوضوء يرفع الجنابة باعتبار النوم خاصة، فتكون القاعدة كالقاعدة؟\nفأجاب بأن القول بأن الوضوء يرفع الحدث الأكبر باعتبار النوم خاصةً، سببه الحديث الوارد، وهذه الامور تعبدية، والأمور التعبدية لا قياس فيها. فالقول برفع الحدث عن كل عضو، باطل، وانما يصح لو ثبتتْ الاباحة عقِبَه، لكن المنعَ باق إجماعًا، فالحدث باقٍ.\nفظهر أن المنع متعلق بالمكلف لا بالأعضاء، لأجْل ذلك لا يصح شيء من هذه القاعدة، أعني قاعدة الخُفِّ.\nويظْهر لك أيْضا بطلان قول من يقول: التيمُّم لا يرخ الحدث، من حيث إن الحدث، المراد به المنعُ من الصلاة، والمنع متعلق بالمكلف لا بالأعضاء، ولا\n_________\n(٣٦) فالحدث كما قال القرافي، له معْنيانِ: أحدهما الأسباب الوجبة له (اي للوضوء والغسل) كالخارج من السبيلين ونحوه على وجه العادد. وثانيهما المعْنى المرَتَّبُ على هذه الأسباب، يسمى حدثا ايضا، وهو حكم شرعي يرجع إلى التحريم الخاص بالإِقدام على الصلوات ونحوها، فهذا المنع يسمى حدثا ايضا، وهو الذي يقول الفقهاء فيه: إن المتطهر ينوي رفع الحدث، أي ينوي بفعله، ارتفاع ذلك المنع، والمنعُ قابل للرفع، كما يرتفع تحريم الاجنبية بالحقد، وتحريم المطَلَّقة بالرجعة، وتحريمُ الميتة بالاضطرار، وأما رفع تلك الفضلات الخارجة من السبيليْن فمتعَذر. اهـ.\n(٣٧) في نسخة: لِمَ لا يجوزُ أن يكون يرتفع المنع عن المكلَّف.\nوالعبارة كما في كتاب الفروق: فإن قلت: فلِمَ لا يجوز أن يكون غسْلُ الرِجْل يرتفع المنعُ به من المكلف باعتبار لبس الخف خاصة ... \" الخ","vol":"1","page":374},{"text":"خلاف أن المتيمم إذا استعمل تيممه بشروطه فإنه يصح له أن يصلي به، فكيف يقال: لا يرفعُ الحدث.\nقلت: بعض اصحابنا المالكيين يقول: كان للابس الخُف المسْحُ عقب الطهاز بالماء ولم يَكُنْ عقب التيمم، والجميعُ طهارةٌ تستباح بها الصلاة، من حيث إن التيمم لا يرفعُ الحَدَث، فلم يَجُزْ أن يمسح بذلك. لأنه برؤية الماء يلزمه غسل رجليه، وليس كذلك الطهارةُ بالماء، لأنه يرفع الحدث، فهو أقوى من التيمم فافترقا. وهذا ما ذكره. وعلى ما ذكره شهاب الدين يبطُلُ له هذا التعليل.\nوأيضا، فالظاهر أن يقال: المسحُ على الخفِ رخْصة، وهو إنما ورد عقبَ الوضوء، لقوله ﵊: \"دعْهُما فإني أدْخلتُهما، وهُما طاهرتان\"، فلا يقاس التيمم على ذلك، لأن الرخَصَ تُقصَرُ على ما وردت عليه. وايضا، فالمسحُ إنما كان تخفيفا، وما يُعمَل ذلك إلا بحسب المتوضيء لا بحسب المتيمم. ومن قال بأنه لا يرفع الحدَثَ استدل بقوله - ﷺ - لجنُبٍ: \"أصَلَّيتَ بأصحابك وأنتَ جُنُبٌ\" (٣٨)؟ ! وأيضا، فإنه إذا وجد الماء يغتسل.\n_________\n(٣٨) عن عَمْرو بن العاص قال: احتلمتُ في ليلة بارق في غزوة ذات السلاسل. فأشفقْتُ أنْ أغتسِلَ فأهلِكَ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: يا عَمْرُو، صَليتَ بأصحابك وأنت جُنُبٌ؟، فأخبرتُه بالذي منَعني من الاغتسال، وقلت: إني سَمعتُ الله يقول: \"ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما\"، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئا\"، أخرجه الإمامان: البخاري وابو داود رحمهما الله.\nوفي مسألة رفع التيمم للحدث الاكبر والأصغر أو عدم رفعه لذلك، قال ابو الوليد محمد بن رشد الجد في محابه الشهير: \"المقدمات الممهِّدات لبيان رسوم المدونة من الاحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات، قال فيها ﵀:\nفصل: \"والتيمم لا يرفع الحدث الأكبر ولا الأصغر عند مالك -رحمه الله تعالى- وجميع اصحابه وجمهور اهل العلم، خلافا لسعيد بن المسيب وابن شهاب في قولهما: إنه يرفع الحدث الاصغر دون الاكبر، وخلافا لقول أبي سلمة بن عبد الرحمان في أنَّه يرفَعُ الحدثين جميعا: حدَث الجنابة، والحدث الذي ينقض الوضوء .... \"\nثم قال ابن رشد بعد ذلك: \"وإذا كان التيمم عيد مالكٍ واصحابه لا يرفع الحدث جملة فإنه يستباح به عندهم ما يستباح بالوضوء والغسل من صلاة الفرائض والنوافل وقرآة القرآن، نظرا وظاهرا، وسجود التلاوة وما أشبه ذلك مما تمنعه الجنابة او الحدث الذي ينقض الوضوء ... \"","vol":"1","page":375},{"text":"وقد أُجيبَ الأولُ بالمنع من اقتضاء ذلك ما قصدوه. والثاني (٣٩) بأن الرفع كان لغايةٍ، على نوع ما يكون النكاح مُبيحًا إلى غاية الطلاق.\nقلت: ولنذكر مسائل، تتمةً للباب.\n_________\n= قلت: وانظرْ هذا مع ما سبق عند القرافي من اعتباره بطلان القول بعدم رفع التيمم للحدث، وتساؤله بصيغة الاستبعاد لهذا القول حين قال: فكيف يقال: إنه لا يرفع الحدث؟ !\nوليتأمل في التوفيق والتحقيق في هذه المسألة بيْن ما قاله ابن رشد، وما قاله القرافي رحمهما الله.\n(٣٩) كذا في كل من نسخة ع، وح: \"وقد أجيب الأول بالأخ ...، والثاني بأن الرفع كان لغاية ...).\nوفي نسخة ثالثة: وأجيب عن الاول وعن الثاني، ويكون الضمير في هذا الفعل نائبا عن الفاعل، عائدا على القائل من الفقهاء بأن التيمم لا يرفع الحدث، فأجيب عن دليله الاول النقلي، وعن دليله الثاني العقلى، وعن دليله. الثالث الذي هو الترجيح بقول الجمهور، ويظهر أن ما في هذه النسخة أوضح وأبْين، يؤيد ذلك ما جاء عند القرافي هنا حيث قال في الجواب عن الاول ....، وعن الثاني .... \" وعن الثالث .... الخ.\nوهذه الفقرة المختصرة هنا عند البقوري تتضح أكْثر بكلام القرافي مفصّلا ومتوسعا فيها حيث قال:\nويستفاد من هذا البحث أيضا بطلان قولهم: إن التيمم لا يرفع الحدث، (وهو عكس المسألة الاولى) التي قيل فيها بأن الحدث يرتفع عن كل عضو وحده بغسله، وهي كذلك مقالة باطلة عند القرافي وفي نظره، بسبب أن الحدث هو المنع الشرعي من الصلاة، وهو متعلق بالمكلف، وهو بالتيمم أبِيحَتْ له الصلاة إجماعا، وارتفع المنع اجماعا، لأنه لا منْع مع الاباحة، اذ هما ضدان، والضدان لا يجتمعان، واذا كانت الاباحة ثابتة قطعا، والمنعُ مرتفعا قطعا، كان التيمم رافعا للحدث فطعا، فالقول بأنه لا يرفع الحدث باطل قطعا.\nثم قال القرافي: فإن قلت: يدل على انه لا يرفع الحدث النص والعقول.\n١) النصُّ قوله - ﷺ - وسلم لمن كان جنُبا فتيمم وصلى بالناس: \"أصليتَ بأصحابك وأنتَ جنُبٌ؟ \" فسمَّاه جنبا مع التيمم.\n٢) وأمّا المعقول فلأِنه يجب عليه استعمال الماءِ في غسل الجنابة إذا وجد الماء، فلو كان الحدث ارتفع لكانت الجنابة ارتفعت بالتيمُّمِ، ولمَا احتاج للغسلِ عند وجود الماء، فهذا ظاهر في بقاءِ الحدثِ وصحة القول به.\n٣) ثم هذه المقالة قال بها اكثرُ الفقهاءِ، والقائلون بأنه يرفع الحدث قليلون جدا، والحقُّ لا يفوتُ الجمهورَ غالبا.\nثم قال القرافي ﵀: قلت: الجواب عن الاول أنّ قوله - ﷺ - خرج مخرج الاستفهام للاستطلاع على ما عند المسؤول من الفقه وبماذا يجيب، فيظهر فقهه لرسول الله ص، كما سأل معاذًا لما بعثه إلى اليمن، بمَ تحْكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. إلى آخر الحديث، لا أنه ﵊ أصدرَ هذا الكلام مصدر الخبر الجازم حتى يلزم الحجة منه، ولو كان قد خرج","vol":"1","page":376},{"text":"المسألة الأولى (٤٠): قال مالك بغسل قليل النجاسة كثيرها، وهو لا يقول بغسل قلِيل الدم، فلِمَ كان هذا، والجميع نجاسة؟\nفالجواب أن قليل الدم لا يمكن الاحتراز منه، لِأن الانسان لا يخلو عنه، كذلك سائر النجاسة، لأنها يمكن الاحتراز منها من غير مشقة.\n_________\n= مخرج الخبر لوجب تاويله وحملُهُ على المجاز، لآن ما ذكرناه نكتة عقلية قطعية، فمتى عارضها نص وجب تاويله، هذا هو قاعدة تعارض القطعيات مع الالفاظ.\nوعن الثاني بأن وُجُوبَ استعمال الماء عند وجوده ليس متفقا عليه، فلنا منعه على ذلك القول. ولو سلمناه لكنا نقول: التيمم رفع الحدث ارتفاعًا مغيّىً بأحد ثلاثة اشياء: إمَّا طريان الحدث بأن يطأ امرأته او يباشر حدثا من الاحداث، أو يفرغ من الصلاة الواحدة وتوابعها من النوافل، فيصير محدِثا حينئذ، ممنوعا من الصلاة، أو يجد الماء فيصير محدِثا عند وجود الماء، ويكون الحكم ثابتا إلى آخر غايات كثيرة او قليلة فهو معقول.\nوأما ثبوت المنع الاباحة واجتماع الضدين فغير معقول، واذا تعارض المستحيل والممكن وجب العدول إلى الفول بما هو ممكن، وقد رفع استعمال الماء الحدث إلى غاية وهي طريان الحدث، فجاز أن يرفع التيممُ الحدث إلى غايات، وكذلك المرأة الأجنبية ممنوعة محرمة، والعقد عليها رافع لهذا المنع ارتفاعا مغُيَّى بغايات هي: الطلاق، والحيض، والصوم، والإِحرام، والظهار ...\nوعن الثالث مِنْ أن كون الجمهور على شيء (او قول) يقتضى القطع بصحته، بل القطع انَّمَا يحصل في الإِجماع، لأن مجموع الأمة معصوم، أما جمهورهم فلا. فالظاهر أن الحق معهم، والظاهر إذا عارضه القطع قطعنا ببطَلان ذلك الظهور، وها هنا كذلك، لِأن اجتماع الضدين مستحيل مقطوع به، فيندفع به الظهور الناشئ عن قول الجمهور، فظهر لك بهذه المباحث بطلان هذين القولين (اي ثبوت المنع مع الاباحة)، وكون الجمهور على شيء يقتضى القطع بصحته)، وظهر الفرق بين قاعدة رفع الوضوء الجنابة باعتبار النوم، وقاعدة رفع غسل الرجل للحدث باعتبار لبس الخف\" اهـ.\nوبهذا التفصيل والتوسع في هذا البحث والحوار والحجاج النقلي والعقلي حاول القرافي ﵀ الاقناع بقوله: إن التيمم يرفع الحدث، وترْجِيحَهُ على القول بخلافه، فيتأمل في ذلك بِنظر وتأمل.\n(٤٠) هذه المسألة والمسائل الثمانية الاخرى الموالية لها، هي مما أورده وأضافه الشيخ البقوري في كتابه هذا إلى كتاب الفروق، وهي واردة في نسخة ح، ومذكورة فيها، وكذلك في نسخة من تونس.\nوهي تدل على مكانته وسعة اطلاعه وتمكنه من العلوم الشرعية وهضمه القواعد الفقهية بكيفية عامة، ولاستيعابه لكتاب شيخه الفراقي في الفروق بكيفية خاصة، للقواعد والعلوم والمعارف كما يقول العلماء، مِنَحٌ الإِهية، ومواهب اختصاصية، فغيْرُ مستغربٍ ولا مستبعَدٍ أن ييسِّرَ الله لِكثيرٍ من المتأخرين ما عسُر فهمُه على كنير من المتقدمين، وأن يدخر لهم ما غاب عن إدراك عديد من السابقين، وذلك فضل الله، يوتيه ويختص به من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\nفرحم الله الجميعَ ونفع بعلومهم، آمين.","vol":"1","page":377},{"text":"المسألة الثانية: قال مالك: يَمْسَحُ على الخفين إذا لبسهما بعد كمالَ الطهارة بالماء، وأما بالتيمم فلا يمسح عليهما، والجميع طهارة تستباحُ بها الصلاة، فما هو الفرق؟\nفالجواب أن التيمم كان طهارة للضرورة، وذلك من حيث استباحة الصلاة به ولا يرفع الحدث، فَلم يَجُزْ أن يمسَحَ على الخفيْنِ، لأنه برؤية الماء يلزمُهُ غسل رجليه، وليس كذلك الطهارة بالماء.\nقلت: بل الأولى أن يقال: المسحُ على الخفيْنِ رخصة، وهي إنما وردَتْ عقبَ الطهارة بالماء لا عقِبَ التيمم، فتُقْصَرُ الرخصة على محلها، وهذا لقوله ﷺ للمغِيرة، دعهما فإني أدخلتهما، وهما طاهرتان.\nالمسألة الثالثة: قال مالك: لا يُمْسَحُ على الخفين إلا بعد لبسِهما بعْدَ كمال الطهارة، ويمْسَحُ على الجبائر والعصائب وان لبسَهُما على غير وضوء، والجميع حائل، فلِمَ كان الفرق؟\nفالجواب: ان الجبائر والعصائب، شدُّهما ليس موقوفا على اختياره، وانما هو على حسب ما تدعو اليه الحاجة، فقد يحتاج اليها وهو على غير وضوء، ولا يمكنه الصبر إلى أن يتوضأ، فلم يُعتَبَرْ في جواز المسح عليها أن يكون لبسهما على طُهْرٍ، والخفانِ ليس كذلك، لأنَّ لبسمهما موقوف على اختياره.\nالمسألة الرابعة، قال ابن القاسم: يجبر المسلِم امرأته النصرانية على الغسل من الحيض، ولا يجبرها على الغسل من الجنابة، وفي كلا الموضعين هو إجبار على غسل ليست مخاطَبَةً به، فالجواب أن المسلِمَ لا يجوز له وطء زوجته حتى تغتسل من الحيض، وله أن يطأ زوجته قبل أن تغتسل من الجنابة، فافترقا.\nالمسألة الخامسة، إذا أراد الجنبُ النومَ توضأ ولا يَلزَمُ ذلك الحائضَ، والحَدَث الموجود بهما يوجب الغسل، فالجواب أن الوضوء أمِرَ به الجنبُ ليكون ذلك سببا للاغتسال عند الشروع، والحائض لا يصح منها ذلك قبل انقطاع دم","vol":"1","page":378},{"text":"الحيض، وأيضا فالجنُبُ قادر على رفع حدثه بالاغتسال، فلمَّا تركه غُلِّظ عليه بالوضوء، والحائض غير قادرة ولا مامورةٍ، فلم يتوجّهْ عليها تغليظ.\nالمسألة السادسة، لا يتكرر المسح في الوضوء ويتكررُ الغسلُ، والكل طهارةٌ، فلِمَ كان ذلك؟ فالجواب أن الغسل موضوع على التثقيل، فناسَبَ التكرار، والمسحُ موضوع على التخفيف فلم يناسب التكرار.\nالمسألة السابعة، قال مالك: لا يجوز المسح على خِمار وعِمامة ويجوز المسح على الخفيْن، وفي كلا الموضعين الْمسحُ على حائل دُون عذرٍ، فالجواب أن المشقة تلحق في نزع الخف عند ارادة الوضوء، ولا تلحق في مسح الرأس.\nالمسألة الثامنة، قال مالك: إذا مسَحَ رأسَه ثم حَلَقه لمْ يُعِدْ مسحه، وإذا خاح خفّيْه بعْدَ أن مسح عليهما غسل رجليه، وفي كلا الموضعين هُوَ ماسِحٌ على حائل فى ون البَشرة، فالجواب أن شعر الرأس أصْل بنفسه، وليس بَدَلا عن غيره، والخفُّ بدل، فإذا طَهُر المبْدَلُ عنه زال البدلُ.\nالمسألة التاسعة، قال سحنون في المرأة الجنُبُ تحيض ثم تطهُر فتغتسل:\nإنْ نوت الحيض دون الجنابة أجزأها، وإن نوت الجنابة لم تجزها، فالجواب أن الحيْض يمنع أشياء لا تمنعها الجنابة، من ذلك الوطء، ووجوبُ الصلاة، وغير ذلك، فكان حكمه أغْلظ، فَنِيَّةُ الأغلظ تجزيءُ عن نيَّة الأدْوَنِ، ولا تنعكس.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>قواعد الصلاة</span>\nوهي خمس:\n\nالقاعدة الأولى (١)\nنقرر فيها الفرق بين استقبال الجهة في الصلاة وبيْن استقبال السمت.\nإعْلَمْ أنَّهُ يرفع في الذهب أن استقبال الجهةِ يكفي، وجاء استقبال السَّمْتِ لَا بُدَّ منْه، وهذه الاطلاقات في غاية الإِشكال بسبب أمور:\nأحدُهَا أن هذا الكلام لا يصح، لا بِحَسَب من بَعُد عن الكعبة ولا بحسب من قرُبَ. أما مَن قرُب فَفَرْضُهُ استقبال السَّمْت بلا خلاف، وأما من بَعُد فلا أحدَ يقول: إن الله تعالى أوْجب عليه استقبال عيْنِ الكعبة ومُقابَلَتها، فإن ذلك تكليف ما لا يطاق، بل الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يَغلب\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الخامس والتسعينَ بين قاعدة استقبال الجهة في الصلاة وبيْن قاعدة استقبال السمت\". جـ ٢، ص ١٥١.\nوقد علق الشيخ المحقق ابن الشاط ﵀ على كلام القرافي هنا بما يزيده وضوحا وبيانا فقال: أما مُعايِنُ الكعبة، فلا خلاف في أن فرضهُ استقبال سمتها كما ذكر، وأما غير المعايِن فنقْلُ الخلاف فيه معروف، هل فَرْضهُ استقبال السمت كالمعاين أم فرضُه استقبال الجهة؟ وظاهر المنقول عن القائلين بالسمت أنهم يريدون بذلك أن المستقبل للكعبة فرضه أن يكون بحيث لو قُدِّرَ خروجُ خط مستقيم على زوايا قائمة من بين عينه نافذا إلى غيْر نِهاية لمَّر بالكعبة قاطعا لها، لا أنهم يريدون أن فرضه استقبال عينها ومعاينتها، فإن ذلك -كما قال- من تكليف مالا يطاق، ولا قائل به ... والحنفية سمحة، ودين الله يُسْرٌ. اهـ","vol":"1","page":381},{"text":"على ظنه أن الكعبة وراءها، وإذا فعل ذلك وجبَ عليه استقبالها إجماعا، فصار السمتُ مجْمَعًا عليه باعتبار، والجهة مُجْمَعًا عليها باعتبار، ولا خلاف يصح على هذا.\nوأيضا فنقول: أجْمَعَ الناس على أن الصف الطويل الذي يكون في طوله مائةُ ذِراعِ، صَلاتُه صحيحة، والكعبة طوُلها خمس وعشرون ذِراعا، وذلك يوجبُ أن بعض الصَّفِّ خارجٌ عن السَّمت، (٢). وأيضا فإن البلديْن المتقَارِبِيْن يكون استقبالهما واحدًا، معَ أنّا نقطع بأنهما أطَوُل من سمت الكعبة، فهذه الأشياء توجب الإِشكال في أمر الجهة، وفي أمر السمت.\nوالجوابُ ما كان يذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ قال: لاشك أن الواجِبات، منها ما وجب إيجابَ الوسائِلِ، ومنها ما وجَبَ إيجاب المقاصد، (٣) وهذا قد تقرر في المقاصد، والوسائل حيث ذكِرَتْ قاعدتهما.\nفنقول:\nالخلاف إنما هو، هل الواجب وجوب المقاصد، السَّمتُ أو الجهة؟ قولان، وهذا من حيث إن السمت هل وَجَب استقبالُه أوْ لَا؟ قولان، قيل: وجبَ، وقيل: لم يجب. ولا قائل بأنه من باب إيجابِ الوسائل، بل المقاصد، والجهة واجبة بالإِجماع، والخلاف هل وجوبها من باب إيجاب الوسائل أو من باب إيجاب المقاصد؟ قولان. فمالِكٌ يقولُ: من باب إيجاب المقاصد، فإذا اجتهد فأدَّاهُ اجتهاده إلى شيءٍ مَّا، كان أدَّى ما عليه، ومَن قال: من بابِ الوسائلِ، إذا ظَهر الخطأ لزمتْه الإِعادة.\nوالجوابُ عن الصف الطويل أن المرادَ بالاستقبال، الاستقبالُ العادي، والعادَةُ أن الصف الطويل اذَا بَعُدَ يَسيرًا عما كان أقصر منه يكون مستقبلا له،\n_________\n(٢) قال الفقيه ابن الشاط ﵀: (إجماع الناس على صحة صلاة الصَّفِ الطويل مع خروج بعضه عن السمت، وهو أقوى حجج القائلين بالجهة (اي القائلين بأن المطلوب والفروض استقبال جهة الكعبة لا عينُها ومعاينتها)، وهذا طبعا بالنسبة لغير القريب والمعاين لها والمشاهد لها، فلا خلاف في أن فرضه استقبال سمتها كما ذكر.\nوقد ذكر شهاب الدين القرافي ﵀ أن عرض الكعبة عشرون ذراعا، وطولها خمسة وعشرون ذراعا على ما قيل، والصف الطويل مائة ذراع فاكثر، فبعضه خارج عن السمت قطعا.\n(٣) قال ابن الشاط: ما ذكره الامام القرافي ﵀، حاكيا له عن عز الدين بن عبد السلام ﵀، من أن الواجب على ضربين: واجب وجوب الوسائل وواجب وجوب المقاصد، صحيح كما ذكر.","vol":"1","page":382},{"text":"وكذلك الحال في البلدين (٤) المُرَادُ بالاستقبال المطلوب، العادي لا الحقيقيُّ، والله سبحانه أعلم وأحْكَمُ.\n\nالقاعدة الثانية (٥)\nلم جُعِل بعض البقاع معتبَرا في أداء الجماعات (٦) وقصْر الصلوات، ولم يكن ذلك الاعتبار بحسب الأزمان؟\nفالجواب أنا نقول: القاعدة المقررة أن المظانَّ شأنها أن تُعتَبَر، حيث يكون الوصف الذي به يعلّل الحكم حِفيًا في نفسه، فتُوضَع المظِنة لأجْل ذلك\n_________\n(٤) عبارة القرافي هنا: أن البلدين المتقاربيّن يكون استقبالهما واحدًا، مع أنا نقطع بأنهما أطول من سمت الكعبة، ولم يقل أحد بأن صلاة أحدهما صحيحة والأخرى باطلة، ولو قيل ذلك لكان ترجيحا من غير مرجحِ، فإنه ليس أحدهما أولى من الآخر بالبطلان.\nوقال ابن الشاط في آخر تعليقه على هذا الفرق ما نصه: جميع ماِ قاله (اي القرافي) في هذا الفصل تحرير خلاف، ولا كلام فيه، غيرَ أن الصحيح من الأقوال أنَ الجهة (اي استقبال جهة الكعبة) واجبة وجوب المقاصد، وأن الاعادة لازمة عند تبين الخطأ، والله أعلم. اهـ.\n(٥) هي موضوعِ الفرق الثامن والتسعين بين قاعدة البقاع جُعِلَتْ الْمظانُّ منها معتبرة في أداء الجمعات وقصْر الصلوات، وبين قاعدةِ الأزمان لم تُجْعَلْ المظان منها معتبرة في رؤية الأهِلة ولا دخول اوقات العبادات وترتيب أحكامها ... جـ ٢. ص ٢٢٥.\nقال القرافي ﵀ في أوله: إعلَم أن الفرق بين هاتيْن القاعدتين مبني على قاعدة وهي: أن الوصفَ الذي هو معتبر في الحكم، إن امكن انضباطه لا يُعْدَلُ عنه إلى غيْره كتعليل التحريم في الخمْر بالسكر، والربا بالقوتِ، وغيْر ذلك من الاوصاف المعتبرَة في الاحكام. وإن كان غير منضبط أقيمتْ مظِنته مُقامه. وعدَم الانضباط إما لاختلاف مقاديره في رتبه، كالمشقة سببًا للقصر وهي غير منضبطة المقادير، إذْ ليس مشاق الناس في ذلك سواء، وكالعقل الذي هو مناط التكليف، ويختلف في الناس بسبب اعتدال المزاج وانحرافه، فربَّ صبي مُعْتدِل المزاج يكون أعقل من رجل منحرف المزاج، فالعقل يختلف في الرجال والصبيان، فجُعل البلوغ مظنته، وهو منضبط، وهكذا يظهر هذا الموضوع بصورة أجلى وأوضح، من خِلَالِ هذا الكلام عند القرافي ﵀. اهـ.\n(٦) كذا في النسختين ع، ح. والذي في كتاب الفروق الجمعات، وهو أصوب وأظهر، بدليل ما ياتي من الكلام على كون ثلاثة أميال مظنة سطع الأذان للجمعة.","vol":"1","page":383},{"text":"الخفاء، فأربعين ميلَا مظنة المشقة للمسافر، وثلاثة أميال مظنة سماع الأذان للجمعة، فإذا كان الوصف الذي به التعليل ظاهرًا وغير خفي لم توضع المظنة.\nولمَّا كانت هذه القاعدة هكذا وجِدَ الخفاء بحسَب الْمَظانِّ التي وضعتْ وفيها اعتبار المكان، ولم يوجد ذلك بحسَب الزمان، فالْأهلةُ التي ارتبطت العبادةُ بها كرمضان، وغيره لا حاجة إلى مظِنَّةٍ من جهة الزمان تقوم مقامه، فإن المَظنَّة إنما تكون عند عدم الانضباط، أما معهُ فَلا.\nوالانضباط موجود بأشياء، إن كنا نقول بالمناخ فظاهرٌ، وإن كنا لا نقول به فنُكَمِّلُ العِدةَ ثلاثين، هذا مع الغَيْم، ومع الصَّحو نَعتَبر الرؤية، فأيُّ فائدة لوضع المظنَّة هاهنا.\nقال شهاب الدين ﵀: والمظنة هي في الرتبة الثالثة من التَّعْليل، وذلك أن الحِكْمَةَ توجب كون الوصف علة معتبَرَة في الحكم، فإذا ثبتَ كونه معتَبرا، إن كان منضبطا اعتمد عليه ولم يُحْتَجْ إلى المظنة، وإن لم يكن منضبطا أقيمت مظنته مقامه، فالحكمة في الرتبة الأولى، والوصف في الرتبة الثانية، والمظنة في الرتبة الثالثة، وهذه الثلاثة مثالُها في السَّفر أن مَصْلحة المكلَّف في راحته، وصلاحُ جسمه يوجب أن المشقة إذا عرضت توجب عليه تخفيف العبادة، لئلا تعظم الشقة فتضيعَ مصالحه بضعف جسمه، فتوفير قوّته هُوَ المصلحة والحكمة الموجبة لاعتبار وصف المشقة سببَ الترخيص، فالمشقة في الرتبة الثانية منها، لأن الأثرَ فرْعُ المؤثِّر، والمظنة فرْعٌ قد تكون مُوجِبةً للحكم، وإن لم يكن الوصف حاصلا، وهذا لأن الاعتبار للغالب لا لِلنادر، فقد تحصل المشقة وقد لا، ولكن الغالب حصولها. (٧)\n_________\n(٧) قال القرافي هنا ﵀:\nفإن قلت: ما الفرق بين المظنة والحكمة التي اختُلِف في التعليل بها؟ وما الفرق بين الثلاثة: الوصفِ والمظنةِ والحكمة؟ قلتُ: الحكمة هي التي توجب كون الوصف علة معتبرة في الحكم. فاذا ثبتَ كوُنه معْتَبرًا في الحكم، إن كان منضبطا اعتمد عليه من غير مظنةِ تُقام مُقامه، وإن لم يكن منضَبطا أقيمت مظنته مُقامه. فالحكمة في الرتبة الأولى، والوصف في الرتبة الثانية، والمظنة في الرتبة الثالثة.","vol":"1","page":384},{"text":"قال شهاب الدين ﵀:\nفإن قلت: مجرد الالتِقاء لا يحصل به الإِنزال، فكيف جُعِل مَظِنَّةَ الإِنزال؟ فأجابَ بأنه قد يحصل من الناس من يُنزِل بمجرد الملاقاة، ومنهم من يُنزل بالفكرة.\nقلتُ: الأولى أن يقال: الغالبُ على الناس أنه إذا حصل التِقاء الختانيْن قلَّ أن يقَع النزْعُ الا بعد تمام العمل بالإِنزال، فتلك الحالة الأخرى إذا اتفقت قد يكون معها شيء من الانزال وهو بدايته، وقد لا يحصل اعتباره ببداية العمل،\n_________\n= ومن الفرق بين المظنة والحكم، أن القطع بعدم الحكمة لا يقدح، والقطعُ بعدم مظنون المظنة يقدح (أي في بناء الحكم عليه).\nثم قال القرافي ﵀: وينبغي أن يتفطن لهذه القاعدة والتفاصيل، فهى وإن انبنى عليها بيان هذا الفرق فهى يحتاج اليها الفقهاء ﵏ كثيرا في موارد الفقه والترجيح، ثم زاد القرافي ﵀ قائلا في هذه المسألة وموضحا لها اكثر مما عند البقوري بكلام هام جدا في هذا الموضوع، فقال:\nإذا تقررت هذه القاعدة فنقول:\nإنما اعتُبرت البقاعُ في الجمعات، وهي ثلاثة أمْيال، في الإِتيان اليها، لأنها مظنة أذانِها وسماعِهِ من تلك المسافة إذا هدأت الأصوات وانتفتْ الموانع، لقوله - ﷺ -: الجمعة على من يَسْمَعُ النداء، فجَعَل مظنة السماع مَقامَ السماع، ولذلك جُعِلتْ البقاعُ التي في مسافة القصر معتبَرة في قصْر الصلواتِ، لأنها مظنة المشقة الموجبة للترخيص.\nوأما أهلة شهور العبادات كرمضان وشوال وذوي الحجة ونحوها فلا حاجة فيها إلى مظنة من جهة الزمان، بسبب أن القطع بحصولها موجود من جهة الرؤية أو إكمال العدة، فيحْصُلُ القطعُ بالمعنى المقصود، فلا حاجة إلى مظنةٍ، من جهة أن الزمان يقوم مقامه، فإن المظنة إنما تُعتبَر عند عدم الانضباط، أما معه فلا.\nفإذا ظنَنَّا أن الهلال يطلع في هذه الليلة بسبب قرائن تَقَدَّت: إما من تَوالي تمام الشهور فنظن نقصَ هذا الشهر، أو من جهة طلوع القمر ليلة البدْر قبل غرُوب الشمس فنظن تمام هذا الشهر، أو من جهة تأخره في الطلوع عند غروب الشمس فنظن نقصان هذا الشهر وغيْر ذلك من الأمارات الدالة عند أرباب المواقيت على رؤية الأهلة، ويوجب أن هذه الليلة هي مظنة الهلال، فإنا لا نعتبر شيئا من ذلك ولا نقيم المظنة مقام الرؤية، لأن لنا طريقا للوصول إلى الوصف المطلوب إما بالرؤية او كمال العِدَّة. والقاعدة أنه لا يُعْدَل إلى المظنة إلا عند عدم انضباط الوصف دائما أو في الأغلب. وها هنا ليس كذلك، فلذلك سقط اعتبار المظان من الأزمنة. وكذلك أوقات الصلوات لما كانت منضبطة في نفسها لحصول القطع بها في اكثر صورها لم تقم مظانها في الصور مقامها، وبهذا يظهر الفرق بين قاعدة البقاع أقيمت مظانها مقامها، وبين الازمنة لم تُقَمْ مظانها في الصور المذكورة، وسِرُّهُ ما تقدم من القاعدة الكلية التي تقدم تقريرها قبْلُ.","vol":"1","page":385},{"text":"وذلك التقاء الختانيْن، اذ لا شيء يكون مضبوطا غير ذلك، وان لم يكن الانزال يحصل بمجرد الالتقاء غالبا، وانما يكون نادرا، ولكنه هو المنضبط عندنا في ذلك لا غيره.\n\nالقاعدة الثالثة (٨)\nلِمَ خُصّت البقاع المعظَّمة بالصلاة، والازمنةُ المعظمة بالصيام؟\nفأجاب عن هذا شهاب الدين ﵀ بما مقتضاه:\nان القصد الحقيقي تعظيم الموْلَى جلَّ وعَلا، وليس في قدرة البَشر أن يعظموه كما يجِبُ له، فاكتفى منهم أن تظهر عليهم آثار التعظيم كما تظهر عليهم مع ملوكهم.\nولمّا كان الشأن أن العظيم إذا مُرَّ ببيته (٩) وحيث هو، يُسَلَّم عليه ويخضع له بالمقال والفعل، من حيث إنه ينحني ويتضآل ويُقَبِّلُ البساط إلى غير ذلك من\n_________\n(٨) هي موضوع الفرق التاسع والتسعين: جـ ٢. ص ١٧٠. ونصه بتمامه عند القرافي:\nالفرق التاسع والتسعون بين قاعدة البقاعَ المعظمة من المساجد تُعَظَّمُ بالصلاه ويتاكد طلب الصلاه عند ملابستها، وبين قاعده الأزمنة المعظمة كالأشهر الحرم وغيْرها لَا تعظم بتاكد الصَّوْم فيها.\n(٩) عبارة القرافي هنا ﵀ هي: \"ومن ذلك (اي من التعظيم للناس) والتأديب معهم أن أحدنا إذا مرَّ ببيوت الاكابر يسلم عليهم ويحييهم بالتحية الآئقة بهم، والسلامُ في حقه تعالى محالٌ، لأنه دعاء بالسلامة وهو سالم لذاته عن جميع النقائص، أو هو من السالمة وهي التامين من الضرر، وهو تعالى يُجِير ولا يجارُ عليه، فاستغْنى عن ذلك لتعذر معانيه في حقه تعالى. بل ورَدَ أن نقول له تعالى: أنتَ السلام، ومنك السلام، واليك يعود السلام، حيّنا ربَّنا بالسلام، أي أنتَ السالم لذاتك، ومنك يصْدُر السلام لعبادك، وإليْك يرْجعُ طلبُها فأعْطِنا إيّاها.\nولما استحال السلام في حقه تعالى أقيمت الصلاة مقامه ليَتَميَّز بيت الرب عن غيره من البيوت بصورة التعظيم بما يليق بالربوبية، ولذلك نابت الفريضة عن الناقلة في ذلك لحصول التمييز بها. أقول: ومن هنا يظهر أساس قول الشيخ خليل بن اسحاق المالكي ﵀ في مختصره للمدونة، وهو يتحدث عن تحية المسجد، والاكتفاءِ بأداء الفريضة عنها حين تقام الصلاة، او يضيق وقتها، فقال: \"وتأدتْ بفرض\"، أي يكتفى بَالفريضة، ويحصل له ثوابُ تحية المسجد إن تواها مع الفريضة.","vol":"1","page":386},{"text":"الأفعال جُعِل للعبيد مع مولاهم مثلُ ذلك، فإذا دخلوا مسجده حيَّوْهُ بركعتين. وإنْ جاءُوا إليه في البيت الأعْظَم له وحيث أظهر خيْرَه ونعمته على كل مَنْ أقبل عليه يبايعونه ويلوذون بقصو ويُحُفّون به مستبشرينَ فرحين، كان مثْلُ ذلك بمكة إذا جاءها كلُّ من جاءها، فهذا أوجَبَ تخصيص البقاع بهذه العبادة، ولمْ يكن عندها الصومُ، لأن العادةَ في التعظيم للملوك ليسَ هو بالصوم.\nثم الأزْمَانُ لم يكن فيها زمانٌ اشتهر بالله واختص به كاختصاص الكعبة والمساجد، فلم يكن للأزمنة ما ذُكر من الصلاة، لهذا المعنى.\nثم قال: قد ورد أنه ينزل الرب إلى سماء الدنيا في الثلث الآخِرِ من الليل، (١٠) فأجاب بأنْ قال: الأزمنة التي جَرَتْ العادة بقدوم الملِك فيها على الرّعايا، شأنها أن تعظم بالزينة وما يناسبها، وكان يلزمنا مثل ذلك في هذا الزمان، غير أن الليل لا يناسبُ الصيام، فشرع فيه ما يناسبه من التضرع والدعاء والاستغفار.\nقلت: هذه القاعدة من أصْلها، كيف تصح؟ واللهُ جعلَ الصلاة معتبَرةً بالأزمان. نفْيًا وثبوتا، كما جعلها بالبقاع نفيا وثبوتا، فقد نهى عن الصلاة في وقتين او ثلاثة على ما جاء في بعض الأحاديث، (١١) وقد أمر بالصلاة في أوقات معلومة بالليل والنهار، بحسب الفرائض بحسب النوافل، وأيْضًا فالثلث الآخر من الليل هو\n_________\n(١٠) الحديث اخرجه الجماعة من أئمة الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ينزل دهشا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألنى فأعطيَه، من يستغفرني فأغفر له\"، وأورده السيد السابق في كتابه فقه السنة.\nوالمرادُ من الحديث أن الله تعالى يتجلَّى على عباده، تجليا خاصا، فيتجَلَّى عليهم بالمغفرة والرحمة، والرضوان واستجابة الدعاء في ذلك الوقت، خاصىة وهُمْ في حالة التهجد والقيام بالنوافل في الثلث الاخير من الليل، والقنوت والاستغفار بالْأسْحارِ.\n(١١) ونصه عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: شهِد عندي رجال مرْضيُّون وأرضاهم عندى عُمَرُ أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعْد العصر حتى تغرب\". حديث صحيح، وهي عند الشروق والغروب منهيُّ عنها نهي تحريم.","vol":"1","page":387},{"text":"وقت للتهجد، وأفضل التهجد بالصلاة كما قال تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلةً لك﴾ (١٢) الآية، و﴿يا أيها المزمِّلُ قمْ الليل إلا قَليلا﴾ (١٣).\nوهذا كله خلاف ما قاله هو، وشهر رمضان مطلوب فيه الصلاة والصيام، ولا سيما الآخِر من الشهر في الليل، ففي ذلك الوقت كان ﵊ يَرْصُدُ ليلة القدر.\nقلت: وهو أيضا لم يذكر حكمة الصوم كما ذكر حكمة الصلاة، وحكمته أنه استعداد للقاء المعظَّم بصورة النظافة مطلقا، والصوم ياتي بذلك بحسب الظاهر، أذ تقل الانجاس في جوفه، وتقِلُّ الأشغال التي تخرجه عن محل اللقاء، وبِحسَبِ الباطن أيضًا فإن الجوع يعين على الإقبال ويصرف عن القواطع، والله أعلم، وهو الموفق للصواب.\n\nالقاعدة الرابعة (١٤)\nلِمَ كانت أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها، والْأهِلةُ في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب على المشْهور؟\nفقال: شهاب الدين - ﵀:\n_________\n= والمراد بالصلاة المنهي عنها في الحديث صلاة النافلة، إذْ الفريضة تصلّى في أي وقت لمن حصل له تاخيرها عن وقتها لعذر من الأعذار الشرعية من النوم او النسيان.\nوبالنسبة للمذهب المالكي وفقهه فإن النهي عن النافلة بعد صلاة العصر يمتد إلى حين صلاة المغرب، وهو ما عَبَّر عنه الشيخ خليل بن اسحاق المالكي ﵀ بقوله في المختصر: \"وَمُنِعَ نفْل وقتَ طِلوع الشمس وغروبها وخطةِ جمعة، وكُره بعد فجر وفرْض عَصْر، إلى أن ترتفعَ قيْد رُمْح، وتُصَلَّى المغرب، إلا ركعتي الفجر، والْوِرْدَ قبل الفرض لنائمٍ عنْه ... الخ. وفي كلامه لفُّ ونشْر مرتّب، فقوله إلى أن ترتفع قيد رمح عائدٌ إلى قوله: وكُرِهَ بعد فجْر، وقوله: وتُصَلى المغربُ راجع إلى قوله: وبَعْدَ فرْض عَصْرِ\". اهـ\n(١٢) سورة الاسراء: الآية ٧٩. وتمامها قوله تعالى: \"عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودًا\".\n(١٣) سوز المزمل: الآية ١.\n(١٤) هي موضوع الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات لا يجوز اثباتها بالحساب\" جـ ٢. ص ١٧٨.","vol":"1","page":388},{"text":"إنَّما كان هذا الفرق من حيث ان الله تَعَمدَنا في الأهِلة بالرؤية، أو بالإِكمال ان تعذرت الرؤية، ولم يتَعَبَّدْنا بخروج الهلال من الشُّعَاع. وفي الأوقات الأخَرِ تعبَّدَنا فيها بحصول أوقاتٍ وبروزها في نفسها، فكان لنا أن نستدل على حصولها بكل دليل يوصل إلى ذلك، لأن العبادة مربوطة بالزوال مثلا، ولم تُرْبَط لنا بخروج الهلال من شعاع الشمس، بل برؤيته، فإن أغْمِيَ علينا فنكمل (١٥) العِدة ثلاثين (١٦).\n_________\n(١٥) كذا في نسخة ع، وفي ح: نكمل بدون الاتيان بالفاء، وهو الصواب المتفق مع المقرر في القواعد، حيث إن جواب الشرط فعل مضارع ليس فيه ما يدعو إلى اقترانه بالفاء. وفي نسخة اخرى: كملنا العدد ثلاثين، بصيغة الماضي في الجواب، وهو يكون كذلك، قال ابن مالك في ألْفِيَته النحوية عن فعل الشرط وجوابه:\nوماضيْين أو مُضارعيْنِ ... تُلْفِيهما او متخالفَيْنِ\n(١٦) قال شهاب الدين القرافي ﵀ في أول الكلام على هذا الفرق:\n\"وفيه (أي في اثبات الهلال بالحساب) قولان عتدنا وعند الشافعية رحمهم الله تعالى. والمشهور في المذهبين عدم اعتبار الحساب. فإذا دَل تَسْيِيرُ الكواكب على خروج الهلال من الشعاع من جهة عِلْم الهيْئة لا يجب الصوْمُ. قال سَنَدٌ من اصحابنا: فلو كان الإِمام هي الحساب لمْ يُتَّبَعْ، لإِجماع السلف على خِلافه، مع أنّ حساب الأهِلة والكسوفات والخسوفات قطعِي ... (اي فكان ينبغى أن يعتمَدَ عليه كأوقات الصلوات، فإنه لا غاية بعد حصول القطع).\nوالفرق - وهو المطلوبُ ها هنا - وهُو عُمْدَةُ السلف والخلَفِ أن الله تَعَالى نصَبَ زوال الشمس سببَ وجوب الظهر، وكذلك بقية الأوقات، لقوله تَعَالى، \"أقِمْ الصلاة لدلوك الشمس\" (أي لأجل دُلوك الشمس وهو الزوال)، وكذلك قوله تعالى: \"فسبحان الله حين تُمْسون وحين تُصْبحون وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تُظْهرون\". قال المفسِّرون: هذا خبَرٌ معناه الامرُ بالصلوات الخمس في هذه الاوقات وبإيقاعها فيه. وغَير ذلك من الكتاب والسنة، الدال على أن نفس الوقت سبب، فمن عِلمَ السبَبَ بأى طريق كان لزمَه حكمه، فلذلك اعتُبِر الحسابُ المفيد للقطع في اوقات الصلوات.\nأما الأهلة فلم يَنْصَبْ صاحب الشرْع خروجَها من الشعاع سببأ للصوم، بل رؤية الهلال خارجا عن شعاع الشمس هو السببُ، فاذا لم تحصل الرؤية لم يَحْصُل السبب الشرعي فلا يثبتُ الحكم، ويدُل على أن صاحب الشرع لم يَنْصِب نفسَ خروج الهلال عن شعاع الشمس سببا للصوم، قَوْلُهُ - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطِرُوا لرؤيته\"، ولَمْ يقُلْ لخروجه عن شعاع الشمس كما قال تعالى: \"أقِم الصلاة لدلوك الشمس\"، ثم قال: (اي النبي - ﷺ - في تمام هذا الحديث: \"فإن غُمَّ عليكم (أيْ خفيتْ عليكم رؤيته) فاقُدُروا له، وفي رواية: \"فأكْملوا العدة ثلاثين ..، فنصَبَ رؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين، ولم يتعرض لخروج الهلال عن الشعاع ... الخ.\nثم قال القرافي ﵀: فلأجل هذا الفرق (أي بيْن قاعدة أوقات الصلوات تثبت بالحساب، وقاعدة الأهلة في رمضانات لا يكون إثباتها بالحساب) قال الفقهاء رحمهم الله تعالى:","vol":"1","page":389},{"text":"وذكر ها هنا شهاب الدين ﵀ إشكاليْن: أحدهما بحسب أوقات الصلاة، والثاني بحسب رؤية الأهلة فقال:\nالعادَة المستمرة للمؤذِّنين القائمين بالأوقات أنهم إذا شاهدوا المتوسط (١٧) أمَرُوا الناس بالصلاة والصوم، معَ أن الأُفق يكون صاحِيًا لا يخْفَى فيه طلوع الفجر لو طلع، ومع ذلك فلا يجد الناظر للفجر أثرًا البتة، وهذا لا يجوز، فإن الله تعالى جعل ظهور الفجْر فوق الأفُق سببَ التكليف.\nثم أوْرَدَ على نفسه سؤالا فقال:\nفإن قُلْتَ: هذا جُنوحٌ منك إلى أنه لابد من الرؤية، وأنتَ قد فرقت بين البابين ققال: الفرق أنِّي لم أشترط الرؤية في الأوقات، ولكني جعلت عدم اطلاع الحِسِّ على ذلك حين الصحْو دليلا على عدم حضور الوقت، بخلاف الأهلَّة هي المربوطة بالرؤية.\nقلت: كما جَعَلتْ الرؤيةُ الحُكْم تعلّقَ بها من أجل قوله ﵊: \"صوموا لرؤية الهلال وأفطِرُوا لرؤيتِهِ\". كذلك يجب عليك أن تجعل الادراك المحقَّقَ سببا لوجوب الصبح، من أجل قوله تعالى: \"حتَّى يتبين لكم الحيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر\"، فإذا الموضعان على السواء في اعتبار الإِدراك المحقق أن يحصل فيتحقق الإِشكال.\nقلت: والظاهر عندي أن الصبح من بين سائر الصلوات هي منوطة بشيء اضافي لا بشيء واقع في نفسه، لأجل قوله: \"حتى يتبيَّن\"، ويكون فعْل المؤذنين لهذا لا يصح، وهي كالهلال، فإنه - أيضا - امْرٌ اضافي، معرفته دخول\n_________\n= \"إن كان هذا الحِسابُ (اي حِساب رؤية الأهلة غير منضبط فلا عيرة به، وان كان منضبطا، لكنَّه لم يَنْصِبْه صاحبُ الشرْع سببا، فلم يَجِبْ به صوم، والْحق من ترديد الفقهاء (اي من كلامهم في هذا الشأن) هو القسم الثاني دون الأول.\n(١٧) عبارة القرافي أكثر ظهورا ووضوحا وهي: \"انهم إذا شاهدوا المتوسط من دَرج الفلك أو غيرها من درَج الفلك الذي يقتضى أن درجة الشمس قَرُبَتْ من الأفق قُرْبًا يقتضى أن الفجر طلع أمرُوا الناس بالصلاة والصوم مع أن الأفق يكون صاحيا ... وهذا لا يجوز ... الخ.","vol":"1","page":390},{"text":"الشهر، لأنه مربوط برؤيتنا، أو ما يقوم مقامها من التحقيق بحصوله، وذلك الإِكمال، والله أعلم.\nالإِشكال الثاني أن المالكية جعلت رؤية الهلال في بلد من البلاد سببا لوجوب الصوم على جميع أقطار الأرض. (١٨)\n_________\n(١٨) كلام الإِمام القرافي هنا عن هذا الإِشكال الثاني أوضح وأبيَنُ، فقد قال في ذلك ﵀: الإِشكال الثاني أن المالكية جعلوا رؤية الهلال في بلد من البلاد سببا لوجوب الصوم على جميع أقطار الارض، ووافقتْهُم الحنابلة ﵏ على ذلك، وقالت الشافعية ﵏: لكل قوم رؤيتهم\"، واتفق الجميع على أن لكل قوم فَجْرَهم وزوالهم وعصْرهم ومغربهم وعشاءهم فإن الفجر إذا طلع على قوم يكون عند آخرين نصْف الليل، وعند آخرين نصف النهار، وعند آخرين غروب الشمس إلى غير ذلك من الاوقات ... بحسَب قرْب ذلك القطر الذي غربت فيه الشمس، وكذلك بقية الأوقات تختلف هذا الاختلاف.\nقال القرافي: وكذلك وقع في الفتاوى الفقهية مسألة أشكلت على جماعة من الفقهاء ﵏ في أخوين ماتا عند الزوال: أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، أيُّهما يَرث صاحِبه؟ فأفتى الفضلاء من الفقهاء بأن المغربي يرث المشرقي، لأن زوال المشرق قبل زوال المغرب، فالمشرقي مات أوَّلًا، فيرثه المتأخِرُ لبقائه بعده حيًّا، متأخر الحياة فيرث المغربيُّ المشرقيُّ.\nثم خلُص القرافي ﵀ إلى النتيجة من هذا الكلام، فقال:\nإذا تقرر الاتفاق على أن أوقات الصلوات تختلف باختلاف الآفاق، وأن لكل قوم فجْرَهم وزوالهم وغيْرَ ذلك من الأوقات، فيلزم ذلك في الأهلة، بسبب أن البلاد المشرقية إذا كان الهلال فيها في الشعاع وبقيت الشمسُ تتحرك مع القمر إلى الجهة الغربية، فما تصل الشمس إلى أفق المغرب إلا وقد خرج الهلالُ من الشعاع فيرَاهُ أهل المغرب ولا هاه اهل المشرق. هذا أحَدُ أسباب اختلاف رؤية الهلال، وله أسباب أخر، مذكورة في علم الهيأة لا يليق ذِكرها ها هنا، إنما ذكرتُ ما يقرب فهمُهُ.\nثم زاد قائلا: واذا كان الهلال يختلف باختلافَ الآفاق وجبَ أن يكون لكل قوم رؤيتهم في الأهلة، كما أن لكل قوم فجرهم وغيْر ذلك من اوقات الصلاة. وهذا حق ظاهر، وصوابٌ متعين. أما وجُوب الصوم على جميع الأقاليم برؤية الهلال بقطْر منها فبعيد عن القواعد، والأدلة لم تقتضِ ذلك، فاعْلَمْهُ.\nوالملاحظ أن الفقيه المحقق قاسم ابن الشاط لم يعلِّقْ على شيء مما جاء في هذا الفرق مما يستنتج منه أنه يراه صوابا وصحيحا وسليما عند القرافي، والله أعلم.\nأقول: ومن الأدلة على اعتاد الرؤية واعتبار اختلاف المطالع كما قرره القرافي ما أخرجه بعض أئمة الحديث عن كُرَيب ﵁ أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمْتُ الشام وقضَيت حاجها، فاستُهِل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدِمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة","vol":"1","page":391},{"text":"قلت: ليس هكذا على الإِطلاق، بل فيه تفصيل مختلف. قال ﵀: وقال الشافعي: لكل قوم رؤيتُهم. واتفق الجميع على أن لكل قوم عصرهم ومغربَهم، وكذا سائر الأوقات. وهذا لأن البلاد الشرقية قد يكون فيها الليل حالما هو النهاز في المغرب.\nقلت: بالتفصيل الذي في المذهب، ومن جملته أن يكون الأقليم واحدًا، وأمّا إذا اختلفت، فلا إشكال. ومعَ هذا التفصِيل قد يقال: الوقت واحد، فإذا يرفع الاختلافُ فالاختلافُ في الجميع، فلا إشكال، والله أعلم، وهو الموفق للصواب.\n_________\n= الجمعة، قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رآيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟، قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ - ... اهـ. رواه ائمة الحديث: مسلم، وابو داود، والترمذي، والنسائي ﵏ ورضي عنهم اجمعين.\nقال هنا بعض شراح الحديث من المعاصرين: فرؤية الهلال في قطر لا تَسْري على قطر آخر، لأن كل فطر مخاطَبُون بماَ يظهر لهم فقط، كأوقات الصلاة، ولوْ كلِّفوا بما يظهر في جهة أخرى لشق عيم ذلك ومعلومٌ أن المطالعَ تختلف، فَرَبْطُ كل جهة بمطلعها أخف وأحْكَم. فإذا ثبتَتْ رؤية الهلال في جهة وجب على أهل الجهة القريبة منها من كل ناحية أن يصوموا، والقرب يحصل باتحاد المطلع، بأن يكونَ دَونَ اربعة وعشرين فرسخا، (والفرسخ عند العلماء الفقهاء ثلاثة اميال، والميل الفا ذراع على المشهور، وقيل: ثلاثة آلاف ذراع، وهو الراجح والمعتمد، وعلى هذا بعض الصحب والتابعين واسحاق والشافعي.\nوقال الجمهور: إذا ثبتتْ رؤية الهلال في بلد وجب على كل المسلمين العمل بها، وعليه الائمة الثلاثة (اي ابو حنيفة، ومالك، واحمد)، قاله الخطابي، وقال ابن الماجشون: لا يلزَمُ أهْلَ بلدٍ رؤيةُ غيرهم، إلا أن يثبتَ عند الامام الاعظم (وهو الخليفة السلطان)، فيلزَمُ الناس كلَّهم، لأن البلاد (أيْ الخاضعة لخلافته، وإمارته وطاعته) وفي حقه كالبلد الواحد، وحكمُهُ نافذ على الجميع. اهـ. وقد رأيت أن أنقل هذا البحث المتعلق برؤية الأهلة عند الإِمام القرافي، وأن أورد كلامه فيه بتمامه، لأهمية الموضوع في حد ذاته، ولنفاسة هذا البحث ودقته، واهتمام الخاصة والعامة به من الناس، ولحديثهم فيه احيانا بغير علم ودراية، ودون معرفة بمباحث الرؤية وضوابطها الفلكية، وبما قاله العلماء الفقهاء المتخصصون فيها. سواء منهم الأقدمون أو المتأخرون والمعاصرون، وخاصة علماء الفلك التوقيت.\nوقد تكلم في ذلك بعمق وتوسع، وتحدث فيه بتحقيق وتفصيل استاذنا وشيخنا الجليل الفقيه المحقق، والفلكي المدقق العلامة الشهير، الأستاذ محمد بن عبد الرازق في كتابه القيم (العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال)، وفي مباحث اخرى خاصة بالموضوع، منها ما نشر في","vol":"1","page":392},{"text":"القاعدة الخامسة (١٩)\nنقرر فيها الفرق بين أسباب الصلاة وشروطها يَجِبُ الفحصُ عنها، وأسباب الزكاة لا يجبُ الفحصُ عنها.\nاعْلَمْ أن أسباب التكليف وشروطه وانتفاء الموانع لا يجبُ تحصيلُها إجماعا، إنما الخلاف فيما يتوقف عليه ايقاع الواجب بعد وجوبه، وفيه ثلاثة مذاهب. ثالثها الفرق بين الأسباب تجب دون غيرها فلا تجبُ، فلا أحدَ يقول: يجبُ علينا أن نحصِّل نصابا حتى تجب عليه الزكاة (٢٠) ولا يجب أن يوفي الدَّيْن لغرض أن تجب عليه الزكاة، لأنه مانعٌ منها.\nفإذا تبين هذا فأقول:\nالواجبات انقسمت قسمين: قسْمٌ يجب فيه الفحص، وقسم لا يجب.\nوالضابط للفرق بينهما أن الواجب، تارة يقتضي الحال فيه أنه لابُدَّ من طريان سببه\n_________\n= مجلة دعوة الحق التي تصدرها وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالملكة المغربية، ومنها ما لم ينشر وقدمه الشيخ في ملتقيات إسلامية حول رؤية الأهلة، فأجاد وأفاد في كل ذلك افادة جليلة وأجاد اجادة عظيمة مقنعة، فشفي الغليل، وأزال الاشكال، فمتعه الله بوافر صحته وبارك في حياته وجزاه خيرا على ما أسداه وقدمه من مباحث في هذا الميدان، ونفع بفقهه وعلمه وبما كتبه وألفه في كل مجال من العلوم الاسلامية، آمين. فليرجع إلى ذلك الكتاب الهام، والى المباحث القيمة المتصلة به من أراد التوسع في ذلك. اهـ\n(١٩) هي موضوع الفرق التسعين بين أسباب الصلاة وشروطها يجبُ الفحص عنها وتفقدُها، وقاعدة أسباب الزكاة لا يجبُ الفحص عنها. جـ ٢. ص ١٤٢\nوقد علَّق عليه الفقيه المحقق قاسم بن الشاط ﵀ بقوله: ما قاله فيه صحيح، غير أنه ذكر في آخره في القسم الثاني أشياء من فروض الكفايات، وكان الأولى أن يقتصر على ما هو من فروض الأعيان، لأن فروض الكفايات لا تخص كل مكلف. ولا تتوجه على من لا علم عنده، بخلاف فروض الأعيان ... اهـ.\n(٢٠) كذا في النسختين، ومقتضى تناسق العبارة أن يقال: حتى تجب علينا، أولا أحد يقول: يجب. عليه أن يحصل نصابا حتى تجب عليه الزكاة.\nوعبارة الفروق عند القرافي هي: فلا يجب على أحد أن يحصل نصابا حتى تجب عليه الزكاة، لأنه سببُ وجوبها، ولا يوفّي الدين لغرض أن تجب عليه الزكاة لأنه مانع منها.","vol":"1","page":393},{"text":"وترتيب التكليف عليه جزْما لا محيد عنه، كالزوال ورؤية الهلال، فإنه لابد أن يكون في الوجود ويترتب عليه وجودُ التكليف قطعا، فهذا يجب الفحص عنه، كان شرطا أو سببًا، اذ لو أهْمِلَ لوَقع التكليف، والمكلَّف غافل، فَيَعْصي بترك الواجب بسبب إهْمَالِهِ إذا علِمَ أنه لابد أن يكون منه هلال رمضان وأوقات الصلوات وما أشبه ذلك، وأمَّا ما لا يتعيَّن وقُوعُه من الأسباب والشروط فلا يجبُ الفحصُ عنْهُ لعدم تعيُّنِهِ، فيمكن أن يقالَ: الأصْلُ فيه عَدَمُ طريانِه لأجْلِ عدم التعيين، وقد يكون ذلك حجة للمكلف عند الله تعالى. ومنْ ذلك إذا كان فقيرًا، ولَهُ أقَاربُ أغْنياءُ، وهو في وقت يجوز أن يموت أحدهم فيرثه فينتقل المال إليه، فتجبُ الركاة عليه بإغفال ذلك وترْك السؤال عنه. (٢١)\nقلت: ولنذكر مسائل تليق بهذا الباب:\nالمسألة الأولى: قال مالك ﵀: لا يتنفل واحدٌ مضطجعا، ويتنفّلُ قاعدًا.\n- فالجواب أن الجلوس أحد أركان الصلاة حال الاختيار، فجاز التنفل به، وليس كذلك الاضطجاع، لأنه ليس بركن في الصلاة حال القدرة.\nقلت: ويمكن أن يقال: ذلك رخصة، ولم ترِد في الاضطجاع، فَتُقْصَرُ على حسَبِ ما وردت.\nالمسألة الثانية: قال ابن القاسم: يُحْكى الأذان في النافلة دون الفريضة، وكِلاهما صلاة، فالجواب أن النافلة أخفض رتبةَ من الفريضة، فجاز فيها ما لمْ يَجُزْ في الفريضة.\nقلت: وهذا الفرق يقضي بأن الشروع لا يصير غير الواجب واجبا، وإن صيّره فتبْقى رتبتُهُ دون الواجب الاصلي.\n_________\n(٢١) تمام هذا الكلام عند القرافي ﵀ هو كالتالي: \"فيجب عليه الزكاة بإغفال ذلك، وترْك السؤال عنه إذا كانوا في بلاد بعيدة عنه يؤدي إذا ترك اخراج الزكاة مع وجوبها عليه، ولو فحَصَ لحاز المال ووجبت عليه الزكاة، ومع ذلك لا يجب عليه الفحص في هذه الصورة لعدم تعين هذا، فقد يقع وقد لا يقع ... اهـ.","vol":"1","page":394},{"text":"المسألة الثالثة: قال مالك ﵀: إذا اجتهد فصَلَّى قبل الوقت فعليه الإِعادة أبدًا، واذا اجتهد في القِبلة فصلى إلى غيرها فلا إعادة عليه الا في الوقت. فالجواب أن الوقت، المطلوب فيه إدراكه والإِحاطة به، فإنه يتوصل إليه مشاهَدَةً، فتعادُ الصلاة لذلك أبدًا، والقِبلة، الفرض فيها الاجتهاد عند غير المعاين، فاذا بَذَلهُ فقد أتى بما عليه، وأيضا فاجتهاده الثاني ليس أولى من اجتهاده الآخر، فلم يَتْرُك أحدَ الاجتهاديْن للآخَر.\nالمسألة الرابعة: فال ابن عبد الحكم: لا يتنفل في السفينة إلى غيْر القبلة، ويتنفْل على الدابة إلى غير القبلة، والجواب أن الاستقبال في السفينة متيسر، وعلى الدابة متعذر.\nالمسألة الخامسة، قال مالك: إذا تكلَّم عمدا بطلتْ صلاتُه، وإن تكلم سهوًا لم تبطل، واذا أحدث بطلتْ على كل حال، فلِمَ كان الفرق؟ والكلامُ مضادٌّ للصلاة كما هو الحدَثُ، فالجواب أن الكلام غير منافٍ للصلاة كما هو الحدث مُنَافي للصلاة، فوقعَ الفرق.\nالمسألة السادسة، قال مالك: تُصَلَّى النافلة بتيمم الفرض، ولا تُصَلَّى فريضةٌ بتيمم نافلة، وقد كان الحج يجزئ فيه فعلُ الندب عن الفرض، فالجواب أن الحج فيه مشقة شديدة، لأنه لامما كان قد رجع إلى بلاده، فَجُعِلَتْ سننه تنوب عن فرائضه، وليس كذلك الصلاة، لأنه لا مشقة في الإِتيان بالفرض، إذ أمْرُهَا خفيفٌ.\nالمسألة السابعة، قال مالك: لا يلزم الإِمامَ أن ينوي الامامة إلا في الجمعة والخوف، والكلُّ صلاة هُوَ بها إمام، فالجواب أن هذه الصلاة لا تصِح إلا في جماعة، فَلزِمَ الامامَ أن ينوي ذلك، وغيرُها من الصلوات تصح في غير جماعة فلا يلزمه ذلك.\nالمسألة الثامنة، قال مالك: تُصَلَّى النافلة بتيمم الفريضة ولا تُصَلَّي فريضة","vol":"1","page":395},{"text":"بتيمم نافلة، والكل صلاة، فالجواب أن الأصول، اللائق بها أن تكون متبوعة لا تابعة، والفرائض أصول، والنوافل فروع، فكان ذلك لهذا.\nالمسألة التاسعة، قال مالك: تعاد الصلاة في الجماعة إلا المغرب، والجميع صلاةٌ، فالجواب أن صلاة المغرب ثلاثُ ركعات، والنَّفْلُ لا يكون ثلاث ركعات، وأحَدُ الصلاتين لابدَّ أن يكون نفلا، فيؤدي إلى ايقاع النَّفْلِ ثلاثا، ولا قائل به.\nالمسألة العاشرة، قال مالك: يَرُدُّ المُصَلّي السلام إشارةً ولا يرُدُّ المؤذِّن اشارةً، وكِلاهما ممنوع من الرّد نُطقا، فالجواب أن المصلي ممنوع من الكلام في الصلاة، ومَن تكلم عامدا بطلت صلاُته، فجعل ردّ السلام اشارة بدلًا عن النطق الذي مَتَى وُجد أبطل الصلاة، والأذان لا يفسده الكلام، اذْ لو تكلم كلاما خفيفا لم يفسُدْ أذانه، فلم يُجعل له بَدلٌ.\nقلت: والأولى أن يقال: جعلت الإِشارة بالأصبع - ردًا في الصلاة، رخصةً كمقصَرُ على بابها، والله أعلم.\nالمسألة الحادية عشرة، قال مالِك: يؤذِّن على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء، والجميع أذان، فالجواب أن الإقامة عقِبَها الصلاةُ، فاشتُرِطت الطهارة لها لئلا تحتاج إلى خروج للطهارة بعد الإقامة، وذلك لا ينبغي. ثم إنه يوقع الصلاة منفصلة عن الإِقامة إن كان اماما أو فَذّا، وليس شِرْعَتُها هكذا، بلْ متصلة إلا لضرورة.\nالمسألة الثانية عشرة، قال مالك: تقضِي الحائض الصومَ ولا تَقْضِي الصلاة، وكلاهما عِبادة على البدن. فالجواب أن المشقة تَلْحقُ في قضاء الصلاة لتكررها كل يوم خمس مرات، وليس كذلك الصوم فإنه غير متكرر.\nالمسألة الثالثة عشرة، قال مالك: إذا انقضَى دم الحيض صحّ صومُها، ولا يتوجه علها الخِطاب بالصلاة إلا بعد اغتسالها، وكلاهما عبادة على البدن،","vol":"1","page":396},{"text":"فالجوابُ أن الصلاة لا تصح الا بعد اغتسالٍ، فلم تتوجه إلا بعد صحة أدائِه، والصومُ غيرُ مفتقِرٍ إلى ذلك، ألا تَرى أن صوْمَ الجنُبِ صحيح.\nالمسألة الرابعة عشرة، قال مالك: يجوز أن تقرأ الحائضُ ما شآت، ولا يجوز ذلك للجنب، فالجواب أن الأصول مبنية على أن الضرورات تبيحُ مالا يبيحُه غيرُها، والضرورة عندنا داعية للحائض أن تقرأ، مخافة أن تنساه، ولا ضرورةَ مع الجنُبِ، لأن زوال المانِعِ بيده. (٢٢)\n_________\n(٢٢) هذه المسائل الاربع عشرة كما سبقت الاشارة في اولها، هي كلها مما أضافه الشيخ البقوري لكتاب شيخه القرافي ﵏ ونفع بعلمهم جميعا آمين.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الصوم</span>\nقاعدتان:\n\nالقاعدة الأولى (١): نقرر فيها لِمَ كانت الخصوصية العظيمة للصوم، المذكورة في قوله تعالى: \"كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\" (٢).\nويُلحَق بهذا أيضًا الكلامُ على قوله - ﷺ -: (من صام رمضان وأتبعهُ بست من شوال، فكأنما صام الدهر (٣) \"، فنقول:\nأما الحديث الأول فذكر العلماء في ذلك وجوهًا:\nأحدها أنه أمر خفي، لا يمكن أن يُّطلَع عليه، بخلاف الصلاة وغيرها.\nويَرِدُ عليه الإِيمانُ والاخلاص وأعمال القلب الحسنةُ كلها، والحديثُ تناولها سوى الصوم (٤).\n_________\n(١) هي موضوع الفرق العشرين بين قاعدة الصوم وقاعدة غيره من الاعمال الصالحة\". جـ ١ ص ١٣٢.\n(٢) حديث قدسي صحيح، رواه الشيخان وغيرهما بروايات متعددة، وهذه رواية الامام الترمذي، كما أوردها الحافظ المنذري، وتمامه في هذه الرواية: والصوم جُنة (من النار)، (والجنة بضم الجيم هي الحفظ والوقاية). ولخلوف الصائم أطيب عد الله من ريح المسك. (والخلوف بضم الخاء رائحة الفم) وان جهل على أحدكم جاهل، وهو صائم فليقل: إني صائم، إني صائم ...\nومعلوم أن الحديث القدسي يقال عد روايته: قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله - ﷺ - أو قال رسول الله - ﷺ - فيما رواه عن ربه.\n(٣) حديث صحيح أخرجه الامام مسلم، وبعض أصحاب السنن عن أبي أيوب الانصارى ﵁.\n(٤) أي تناول الحديثُ القدسي المذكورُ بعمومه أعمال القلب الحسنة كلها ما عدا الصوم. فإنه مستثنى ومختص بثواب كبير وأجر عظيم عند الله تعالى.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط ﵀ وعقب على ما جاء عند القرافي ﵀ في الوجه الاول، فقال: قلتُ: أحسن ما قيل في ذلك عندي القول الذي افتتح به، وهو أنه أمرٌ خفي لا يمكن","vol":"1","page":399},{"text":"وثانيها أن جَوف الانسان يبقى خاليا، فيحصل له شبه بصفة الربوبية، فإِن الصمد هو الذي لا جوف له على أحد الأقوال. ويرد عليه الاشتغال بالعلوم، والعِلْمُ من أجل صِفات الربوبية (٥).\nوثالثها أنه اختص بذلك لترك الشهوات العظيمة، ويرد عليه الجهاد فإنه أعظم من ذلك.\nورابعها أن جميع العبادات وقع التقرب بها لغير الله تعالى إلا الصوم، فإنه لم يتقرب به لغير الله. ويرد عليه أن الصوم وقع لِلْكَوَاكِبِ من أرباب الاستخدامات لها.\nوخامسها أن الصوم. يوجب تصفية الفكر وصفاء العقل، ولهذا،\nقال - ﷺ -: \"لا تدخل الحكمة جوفًا مُلِئَ طعاما\"، وصفاء العقل يوجب حصول المعارف الربانية ويرد عليه أن الصلاة ودوام الذكر والمراقبة، والتزام الأدب، توجب المعارف الربانية، لقوله تعالى: \"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا\" (٦)، وهذا أحسن ما ذكر في هذا الحديث، وقد رأيت ما ورد على كل واحد.\n_________\n= الاطلاع عليه حقيقة لغير الله تعالى، وما أورد عليه من النقض بالإِيمان وسائر أعمال القلوب يجاب عنه على أن المراد به الاعمال الظاهرة لا الباطنة، وأن الصوم اختص دونها بهذه المزية. ولا يرد عليه كون الصلاة افضل منه، لانه لا تعارض بين المزية والأفضلية على ما قرر هو بعد هذا، والله أعلم.\n(٥) زاد القرافي هنا ﵀: فمن حصله فقد حصل له شبه عظيم. وكذلك الانتقام من المجرمين، والاحسان إلى المؤمنين، وتعظيم الاولياء والصالحين. وكل ذلك إذا صدر من العبد كان فيه التخلق بأخلاق رب العالمين،، ومع ذلك فالصوم مفضل عليها بعموم الحديث المتقدم\" اهـ.\nأقول: ولعله كان من الأنسب في خصوص مسألة الصوم هنا تشبيه الصائم في خُلُوِّ جَوفِهِ عن الطعام، وصفاء روحه بالصيام، بالملائكة الكرام، فإنهم أجسام نورانية، لا ياكلون ولا يشربون، وهم بذلك في عالم السمو والروحانية، في الملأ الاعلى عند الله، وتشبيه المخلوق بالمخلوق في بعض الصفات والخصال أصلحُ وأنسب، وأولى وأقرب، وهذا لا يتنافى مع ما جاء في الحديث الوارد، تخلقوا بأخلاق الله، والله سبحانه أعلى وأعلمُ.\n(٦) سورة العنكبوت: الآية: ٦٩، وتمامها، \"وإن الله لمع المحسنين\".","vol":"1","page":400},{"text":"قلت: يمكن أن يقال: كان هذا في الصوم دون غيره، لمجموع ما ذكر فيه في هذه (٧) الوجوه، إذْ لا يلزم النقض من حيث الأفراد أن يكون النقض يَرِدُ بذلك عند اعتبار المجموع.\nويمكن أن يقال: لأنه أصل التزكية (٨) كلها، فالصوم مِلَاك الخير كله، ولا شيء يوجد مثله في ذلك، والله أعلم.\nوأما الحديث الآخر ففيه أسئلة:\nالأول: لِمَ قال: \"بستِ (٩) \"، والصومُ لا يكون في الليالي وإنما يكون في النهار؟\nالجواب أن العربَ تؤرخ بالليالي دون الأيام.\nالثاني: لِمَ قال: \"بست\"، وهل لست، مزية على الخمس والسبع؟\nالثالث: هل لشوال خصوصية في ذلك؟\nالرابع: كيف حصلت المساواة في الثواب بين الكل والبعض؟\n_________\n(٧) في نسخة ح: مِن هذه الوجوه.\n(٨) كذا في نسخة ع، وفي نسخة ثالثة: التزكية، والذي في نسخة ح: البركة، ويظهر من خلال السياق والمعنى، أن كلمة البركة أنسب وأظهر وأصوب، بمعنى أن الصيام أصل البركة في العمل والكسب والطاعة، يفهم من قوله في آخر هذا السطر: \"فالصوم مِلاك الخير كله\".\nعلى أنه يكون لكلمة التزكية هنا مدلول ووجه خاص، وهي التزكية من الله تعالى لعبده المؤمن الصالح، والمكانة والحظوة التي ينالها عنده، على قدر نية العبدِ وإخلاصه في عمله وعبادته لربه وخالقه. فقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقال جل علاه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.\n(٩) ذلك أن العدد هنا مذكر، والفروض في معدوده أن يكون على عكسه مؤنثا، وهو الليالي. وَلَا يصح أن تكون مقصودة هنا، لأن الليالي ليست ظرفا ووقتا للصيام، وإنما ظروفه النهار، فكان يمكن أن يقال في الحديث: \"وأتبعه بستة .. اي بستة ايام، وذلك تمشيا مع ما هو مقرر في فصيح وبليغ الكلام العربي بالنسبة للعدد مع معدوده، وقرره علماء النحو في القواعد اللغوية المطردة. والنبي - ﷺ - أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء، أوتي جوامع الكلم وفصْل الخطاب. فكان الجواب السليم عن التساؤل واكتشاف سر ذلك التعبير النبوي هنا أن العرب تؤرخ بالليالي دون الأيام، والله أعلم وأحكم.","vol":"1","page":401},{"text":"الخامس: هل دخول مَا وسقوطها على السواء أم لا؟\nالسادس: صوم الدَّهر، المعتبر فيه على حالةٍ مخصوصة أو كيف كان؟\nالسابع: هل بين هذه الأيام الستة والأيام المذكورة في قوله تعالى:\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (١٠) فرق أم لا؟\nالجواب عن الأول أن العرب تؤرخ بالليالي دون الأيام.\nوعن الثاني: إنما قال: \"من شوال\"، رفقا بالمكلف، لأنه حديثُ عهد بالصوم فيكون عليه أسهل، وتأخرها عن رمضان أفضل عند المالكية، لئلا يطول الزمان فيلحق برمضان عند الجهال (١١). ويدل على حسن هذا النظر واعتباره، قولُ رسول الله - ﷺ -: \"أصاب اللهُ بك يا ابن الخطاب\"، لما قال لرجل صلى الفرض فقام ليتنفل عقِب فرضه: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفْلك، فبهذا هلك من كان قبلنا.\nوقالت الشافعية: خصوص شوال مرادٌ، لما فيه من المبادرة إلى العبادة، لقوله تعالى: \"سارِعوا\" و\"سابقوا\".\nوعن الثالث، أن مزية الستِ على غيرها من حيث إن شهرا بعشرة أشهر، وستة أيام بستين يوما، فمن فعل ذلك في سنة فهو بمنزلة من صام تلك السنة،\n_________\n(١٠) الأعراف: الآية ٥٤، وسورة يونس: الآية ٣.\n(١١) وفي ذلك قال أبو الوليد ابن رشد ﵀ في كتابه: (المقدمات الممهدات): \"فكرِه مالك ﵀ ذلك، مخافةَ أن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء. وأما للرجل في خاصة نفسه، فلا يكره له صيامها، كما كره (أي مالك) أن يتعمد المرء صيام الأيام الغر (جمع أغر، وهي البيضاء)، وهي ثلاثة عشر، وأربع عشر، وخمسة عشر على ما روى فيها، مخافة أن يجعل صيامها واجبا. وعيت الأيام البيض لكون لياليها تكون بيضاء باكتمال البدر وإشراقه وسطوع نوره فيها.\nوقد عبر عن ذلك الشيخ خليل بْنُ اسحاق المالكي، وأوجزه في عبارة مركزة من مختصر الفقهي للمدونة حيث قال: \"وكره البيض كستة من شوال\". (أي كره صيام الأيام البيض كستة من شوال\".\nوقوله هنا: لئلا يطول الزمان، تعليل وتوجيه لاُفضلية تأتيرها عن رمضان عند المالكية، وذلك بِوصل صيامها بعد إفطاره يوم العيد الذي يحرم صيامه، والشروع في صيام الأيام الست من شوال، في اليوم الثاني منه والثالث مثلا، لِمَا في ذلك مِنْ اتصال الصيام لها بعد رمضان، فيطول الزمان بالانسان. والله أعلم.","vol":"1","page":402},{"text":"فإذا تكرر ذلك في جميع عمره كان كمن صام الدهر. والمراد بالدهر عمره إلى آخره، وبهذا يحصل المطابقة لا ازيدُ ولا أنقَصُ، وبالأزيدِ أكثرُ من الدهر، وبالأنقصِ أقلُّ من الدهر.\nوعن الرابعِ أن صيام سنة لَا يعدل عند الله تعالى صيام شهر وستة أيام، فإنما معنى هذا الحديث أن صيام رمضان من هذه الأمة، وستة أيام من شوال يُشْبه من صام سنة من غير هذه، إذْ تضعيف الحسنات من خصائص هذه الأمة، وعلى هذا ما شبه إلا المثل بالمثل من غير زيادة ولا نقص.\nوعن الخامس أنه لو قال - ﷺ -: \"فكأنه صام الدهر\"، لكان بعيدا عن المقصود، فإن المقصود تشبيه الصيام في هذه المسألة - إذا وقع على الوضع المخصوص - بالصيام في غير هذه الملة، لا تشبيه الصيام بغيره، فلو قال: فكأنه، لكانتْ أداة التشبيه داخلة على الصّائم، فكان يلزم أن يكون هو محل التشبيه لا الصوم. والمقصودُ الفعل بالفعل، لا الفاعل بالفعل، وإذا قال: فكأنما وكفَّتْ بما، دخلت أذاة التشبيه على الفعل نفسه، ووقع التشبيه بين الفعل باعتبار الملتين.\nوعن السادس أن المراد صوم الدهر على حالة مخصوصة لا الدهر كيف كان، وذلك أن صوم رمضان واجب، وصوم السِّتَّةِ مندوب، فيكون صوم الدهر إنما كان، من حيث إنَّ الستة التي تناسب الشهر، والسنَّةَ خمسة أسداسها فرض، وسُدسها، وهو الشهرانِ، نفل، فهذا هو المراد لا غيره.\nوعن السَّابع أن السِت في هذا الحديث قد تقدمت حكمتها، وهي كونها يكمل بها السنة من غير زيادة ولا نقص.\nوأما الستة في الآية، فقال بعض الفضلاء: الأعداد ثلانة أقسام:\nعدد تام، وعدد زائد، وعدد ناقص.\nوالعدد التام هو الذي إذا اجتمعت أجزاؤه استقام منها ذلك العدد","vol":"1","page":403},{"text":"كالستة، فإن أجزاءَهَا النصف ثلاثة، والثلث اثنان، والسدس واحد، فلا جزء لها غير هذه، ومجموعها ست، وهو أصل العدد من غير زيادة ولا نقص. والأربعة لها نصف وربع خاصة، مجموعها ثلاثة، فلم يحصل ذلك العدد، فالأربعة عدد ناقص. والعشرة لها نصف وهو خمسة، ولها خمس وهو اثنان. ونصف خمس وهو واحد، فالعدد الناقص عندهم كآدمي خُلق بنقص عضو من أعضائه، فهو معيب، والزائد أيضا معيب. والعدد التام كإنسان خلِق سويا، وهو أفضل الأعداد. وإذا تقرر أنه عدد تام، فهو، أعني، الستة، أول الأعداد التامة، وفيه تنبيه على أن الحساب جميل.\n\nالقاعدة الثانية: (١٢)\nنقرر فيها الفرق بين الصوم المتتابع الظهار وبينه في غير الظهار.\nكالنذر للصوم المتتابع وغيره، حتى كان الفقهاء يقولون في كفارة الظهار: من أفطرَ فيها ناسيا أو مُكْرَها، فهو كمن أفطر عامدا غير مُكْرَه، يستأنف الصوم ويبطل التتابع، ولا يطأ حتى ياتي بصوم متتانم كامل، ويقُولُون في النذر وما أشبهه مما فيه التتابع خلاف الظهار: إذا كان نسيانا أو إكراها، لمرض أو غيره، فإنه لا يحتاج إِلى الاستئناف، بل يصل ذلك الصوم بصوم بعد اليوم الذي نسي صيامه، وإنما يبتدىُّ إذا كان عامدًا قادرًا، فنقول (١٣):\n_________\n(١٢) هي موضوع الفرق الثالث والسبعين والاثة بين قاعدة ما يُبطِل التتابع في صوم الكفارات والنذور وغير ذلك وبين قاعدة ما لا يبطل التتابع، جـ ٣ ض ١٩٤.\n(١٣) قال في أوله القرافي ﵀: إعلم أن هذه من المواضع المشكلة، فإن مالكا رحمه الله تعالى قال في المدونة: إذا أكل في صوم الظهار أو القتل أو النذر المتتابع ناسيا أو مجتهدا أو مكرها، أو وِطئَ نهارا غير المظاهَرِ منها ناسيا، قضى يوما متصلا بصومه، فإن لم يفعل ابتدأ الصوم من أوله، فإن وطئ الظاهَرَ منها ليلا أو نهارا أولَ صومه أو آخره ناسيا أو عامدًا ابتدًا الصوم، وقال الشافعي ﵀: إن وطئها ليلا لم يتصل صومه، ووافقنا أبو حنيفة في هذه المسألة.\nوقال الشافعي وأبو حنيفة: الفِطر يبطل التتابع مطلقا، وخالفهما أحمد بن حنبل، وعللا ذلك بأن الفطر باختياره، بخلاف المرض، والإغماء عند الشافعي كالمرض، خلافا لأبي حنيفة، وكذلك الحامل والمرضع كالمريض عنده .. الخ.","vol":"1","page":404},{"text":"الفرق بينهما أن الخطاب الوارد بهذا الصوم هو خطاب تكليف لا خِطابُ وضع، وخطاب التكليف يشترط فيه العلم وإلقدرة، فالعالم القادر وجد شرط التكليف فيه، فكان إذا أفسد ياتي باستئناف الصوم، لأن الواجب هو الصوم المتتابع ولم يات به، وهو عليه واجب، فيستأنف، وأما الناسِي أو المريض فقدْ اختل شرط الوجوب في حقه من حيث عدم العلم أو من حيث عدم القدرة، فإذا وجد الشرط عاد الواجب، فوصل الصوم بالصوم وكان ذلك متتابعا، وما كان قبله من فطر لم يفسد التتابع بين الصومين لفقد شرط الوجوب، بخلاف فطر المتعمد القادر، فبان وجه القول في غير الظهار.\nوأما الظِهار ففيه ما في النَّذْرِ وزيادةُ شرط تقدم التتابع على إباحة الوطء، بل واشتراط أن لا يتخلل الوطء بين الصوم، وهذا لِأجل قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ\n_________\n= وقد استشكل القرافي رحمه الله تعالى هذه الفتاوى، وقال: هي كلها مشكلة، من جهة أن لفظ الكتاب العزيز متعلق بطلبٍ، وهو قوله تعالى: \"فصيامُ شهرين متتابعين\" ومعْنَاهُ لِيَصُمْ شهرين متتابعين، فيكون خيرا معناه الأمر، أو يكون التقدير: فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين، وهذا هو الاظهر، لأنه أقرب لموافقته الظاهر من بقاء الخبر خبرا على حاله ... ثم قال بعد ذلك: والذي يظهر في بادى الرأي أن التفريق (أي بين الصوم المتتابع) مَتَى حصل بأي طريق كان، وجب ابتداء الصوم كما قلناه في جميع النظائر المتقدمة. لأن الصوم بوصف التتابع لم يحصل، ومتى لم يحصل المطلوب الشرعي مع إمكان الاتيان به، وجب الاتيانَ به، هذا هو القاعدة، ثم قال: والجواب عن هذا الاشكال ببيان قاعدة، وهي أن الاحكام الشرعية على قسمين: خطاب وضع وخطاب تكليف، فخطاب الوضع هو نصب الأسباب والشروط والموانع والتقديرات الشرعية (أي مِن قبل الشارع الحكيمِ)، وخطاب التكليف هو الأحكام الخمسة: الوجوب والتحريم، والندب والكراهة، والاباحة إلى اخر ما ذكره القرافي واختصره اليقوري هنا. ﵏.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاءَ عند القرافي في هذا الفرق بقوله: جميع ما قاله فيه صحيحٌ، الا قوله، فالفهوم من قوله تعالى في الظهار: \"من قبل ان يتماسا\" أنه يصوم شهرين متتابعين ليس قبلهما وطء ولا في أثنائهما وطء، فإنه ظهر منه بحسب مساق كلامه أن الآية تقتضى عدمَ تقدم الوطءِ مطلقا، وهذا لَا يصِحُّ ان تقتضِيهُ الآية لاشمالها على من تقدم وطؤها، وإنما المراد بالآية أن لا يتقدم الصومَ وطءٌ بعد الظهار، والله أعلم. اهـ.","vol":"1","page":405},{"text":"يَتَمَاسَّا﴾ (١٤). فلما اشترط هذا لم يصح له اباحة الوطء الا بأن يستأنف الصوم، ولم يكن كالنذر، والله أعلم.\nوها هنا مسألة هي مثل ما ذكرناه باعتبار، وهي أن التطوعات عند مالك، من الصوم أو الصلاة أو غيرهما، شأنها أنها تجب بالشروع، ثم مع هذا يقول مالك فيها: إن كان افسادها لعذر واضح كالنسيان فلا قضاء فيها، وإن كان لا لعذر فالقضاء، وقاعدة الوجوب في القضاء ألَّا نفرق بين نسيانه وعمده.\nفالجواب أن الفطر إذا كان نسيانا أو لعدم قدرة، ما كان الإِتمام واجبًا، ولَمَّا لم يكن واجبا لم يكن القضاء مرتَّبا، فلما لم يكن عذر بشيء من ذلك فالوجوب ثابت في الإِتمام لوجود شرط الوجوب، فإذا وقع الفطر في الصوم فالقضاء، كما قال - ﷺ - لحفصة وعائشة: \"أفطرا واقضِيا يومًا مكانه\".\nقلت: ونلحق هنا مسألة وهي: لِمَ كان الفرض يُقضَى مطلقا، وكان النفل يفرق فيه، بل كان القياس يقتضى ألَّا قضاء في النفل مطلقًا، لإِظهار رتبة الفرض، فنقول: إنما وقع التفريق لأنه بالشروع لحق بالفرض فوجب أن يحكم له فيه بحكمه ما لم يعارضه معارض، وهو ما قلناه في المسألة قبل هذه، فأوجب ذلك الفرق.\nقلت: وهنا سؤال، وهو: لِمَ كان التطوع في الصوم يفرق في قضائه بين العذر وغيره كما تقدم، وكان الاعتكاف يتعين فيه القضاء، وكل واحد من الصوم والاعتكاف وجب بالشروع فيه، والوجوب سببُ القضاء؟ فأجيب بأن الاعتكاف اختص بأشياءَ ليست في غيره فغُلِّظَ حكْمُه.\nقلت: ونذكر هنا أيضًا مسألة، وهي: لِمَ كان الأفضل الصوم في السفر، والأفضل قصر الصلاة في السفر، وكلاهما رخصة في عبادة؟\n_________\n(١٤) سورة المجادلة، الآية ٣، ٤، وأولها: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾.","vol":"1","page":406},{"text":"فقيل: الفرق بينهما أن العبادة إذا ذهب وقتها صارت قضاء، وإذا عملت في وقتها كانت أداء. والأداء أفضل من القضاء، ووقت الصوم هو الشهر، فيكون الصوم فيه أداء، والأداء أفضل كما قلنا، وليس كذلك الصلاة، بل اجتمع فيها الأمران: الأداءُ والأخذ بالرخصة لأنها في الوقت.\nقلت: وينتقض هذا بالحائض، فإن الأداء لا يصح منها، فضلا عن أن يقال: إنه أفضل، والمريض المرض الشديد فإن القضاء أفضل، ولو أتى المريض به لصح، لكنه يقال: كلامنا حيث كان الأفضل الصوم في السفر، والحالتان ليستا كذلك.\nقلت: ومما يرد أيضا على التعليل أن يقال: والإتمام أكثر عملا، وقال - ﷺ -: \"أكثركم ثوابًا أجهدكم عملا\". والأظهر أن يقال: ترجيح الصوم (١٥) من حيث إنه فعل رسول الله - ﷺ - كثيرًا، ومن حيث إن فيه تعجيل براءة الذمة والبدار إلى الخير، والتأخير للحضر فيه خلاف ذلك، فكان مرجوحًا. والصلاةُ، القصر فيها أفضل، لأنه فعلُ رسول الله - ﷺ - ولا يذكر عنه غيره، وفيه مع هذا براءة الذمة، والبدار إلى الخير كما كان في الصوم في السفر، لا أنه نقصه ذلك (١٦)، والله أعلم.\n_________\n(١٥) الذي في نسخة ع، وح: القصر، وفي نسخة أخرى: الفطر.\nولعل الصواب الذي يقتضيه سياق الكلام ومعناه هو كلمة الصوم، لا القصر، ولا الفطر، عملا بالآية الكريمة: \"وأن تصوموا خير لكم\"، قال بعض العلماء: الصيام في السفر أفضل لمن كان قادرا عليه بغير مشقة كبيرة، ولأن النبي - ﷺ - شرع في الصوم عام فتح مكة حتى بلغ الكديد، فأفطر وأمر بالإفطار، تشريعا للمسلمين ورفقا بهم، وتبيينًا لمضمون الآية الكريمة، وكذلك الاحاديث التي جاء فيها الترخيص بالفطر للمسافر، فكلمة الفطر تنسجم مع الفقرة والكلام الوارد فيها من جهة، وكلمة القصر تتعلق بالصلاة، وما يتعلق بها وارد في الفقرة الاخيرة الموالية بعد هذه، فلا يقع حينئذ تكرار إذا كانت كلمة الصوم في محل النص. مما يدل على أن الصواب هو كلمة الصوم، وأن ما عداها إنما هو خطأ نسخ في النسخ الثلاث، فليتأمل ذلك وليحقق، والله أعلم.\n(١٦) في نسخة ع: لأنه نقصه ذلك، وفي نسخة ح: لا أنه نقصه ذلك، بالنفي، وفي نسخة ثالثة حذف هذه الجملة بالمرة، وهو أظهر وأوضح في المعنى من ذكرها، والله أعلم. فليتأمل.","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>الزكاة</span>\nوفيها ثلاث قواعد:\n\nالقاعدة الأولى: (١)\nلِمَ كانت العروض تُحمَل على القِنْية حتى يُقصَدَ بها التجارةُ، وما كان من العروض للتجارة يُحمَل على التجارة حتى يُنْوَى بها القِنية؟ فأقول:\n_________\n(١) هي موضوع (الفرق السادس والمائة بين قاعدة العروض تحمل على القنية حتى ينوي بها التجارة، وقاعدة ما كان أصله منها للتجارة، جـ ٢، ص ١٩٥.\nوالقِنية بكسر القاف اسم من الاقتناء، واقتنى الشيء بمعنى تملكه، وحصل عليه بالشراء أو غيره من الوسائل والاسباب المشروعة للاقتناء والتملك.\nقال الامام القرافي ﵀ في أول هذا الفرق:\nهاتان قاعدتانِ في الذهب مختلفتان، ينبغي بيان الفرق بينهما، والسر فيهما.\nفوقع لمالك في الدونة: إذا ابتاع عبدا للتجارة فكاتبه فعجز، أو ارتجع من مفلس سِلْعَةً، أو أخذ من غريمه عبدًا في دَينه أو دارا فأجرها سنين رجع جميع ذلك لحكم اصله من التجارة، فإن كان للتجارة لا يبطل إلا بنية القنية، والعبد الماخوذ ينزل منزلة أصله.\nقال سند في شرح الدونة: فلو ابتاع الدار بِقصد الغلة، ففي استئناف الحول بعد البيع، لمالك روايتان، ولو ابتاعها للتجارة والسكنى فلمالك ايضا قولان، مراعاة لقصد التنمية بالغلة والتجارة، أو التغليب للنية في القنية على نية التنمية، لانه الأصل في العروض، فإن اشترى ولا نية له، فهى للقنية، لأنه الاصل فيها.\nقال القرافي: والفرق بين هاتين القاعدتين يقع ببيان قاعدة ثالثة شرعية تامة في هذا الموطن وغيره، وهي أن كل ما له ظاهر ينصرف إلى ظاهره، الا عند قيام المعارض أو الراجح لذلك، وكل ما ليس له ظاهر لا يترجح أحد محتملانه إلا بمرجح شرعى، كما نقله وذكره الشيخ البقوري ﵀. زاد القرافي هنا كلاما هاما ونفيسا وهو قوله: ولذلك انصرفت العقود الطلقة إلى النقود (أو العقود) الغالبة في زمان ذلك العقد، لأنها ظاهرة فيها، واذا وكَّل انسان انسانا فتصرف الوكيل بغير نية في تخصيص ذلك التصرف بالموكَّل، فإن ذلك التصرف من بيع وغيره ينصرف للمتصرف الوكيل دون موكله، لأن الغالب على تصرفاته أنها لنفسه، وكذلك تصرفات المسلمين إذا أطلقت ولم تقيد بما يقتضى حلها ولا تحربمها، فإنها تنصرف للتصرفات المباحة دون المحرمة لأنه ظاهر حال المسلمين، ولذلك تنصرف العقود والاعواض إلى المنفعة المقصودة من العين عرفا، لأنه ظاهرها، ولا يحتاج إلى التصريح بها، كمن استأجر قادوما فإنه ينصرف إلى النجر لانه ظاهر حاله دون العزاق","vol":"1","page":409},{"text":"ينبي الكلام في هذا على قاعدة، وهي أن كل ما له ظاهرٌ فهو يحمل على ظاهره، إلا عند قيام المعارض الراجح لذلك الظاهر، وكل ما ليس له ظاهِرٌ لا يترجح أحدُ محتملانه على الآخر إلا بمرجح شرعي. ومثل هذا كثير، كمن استأجر عمامة فما ذلك إلا لتعميمها، أو خفا فما ذلك إلا لِلَبْسِهِ، أو دارا فما ذلك إلا للسكنى بها، أو دابة للحمْل، فظاهر الحال يكفي في هذه الاشياء. وعروض القنية من هذا القبيل، إذا اشتريت ولا نية لِمُشْتريها، فظاهر حالها، الغالب عليها، الاقتناء، إلا أن يقصد التجارة، فهنا مرجح شرعي على ظاهر الحال. كذلك - أيضا - إذا اشتراها للتجارة فباعها، ثم رجعت إليه بعيب أو غيره نحملها على ظاهر حالها، وذلك التجارة حتى ينوي القنية، من حيث إنه قد كان نوى بها التجارة أولا، فتصْحَبها تلك النية حتى يَقْلِبَهَا إلى القنية.\n\nالقاعدة الثانية: (٢)\nلِمَ كانت الزكاة تسقط عن العمال في القراض إذا لَمْ تَجبْ على رب المال، على خلاف، وكان الشركاء إذا سقطت عن بعضهم لا يكون ذلك سببا لسقوطها عن البعض الآخر؟ فنقول:\n_________\n= وعجن الطحين، ومن استأجر عِمامة فإنه ينصرف إلى الاستعمال في الرؤوس دون الاوساط لانه ظاهر حالها، وكذلك القميص ينصرف إلى اللبس، وكل آلة تنصرف إلى ظاهر حالها عند الاطلاق، ولا يحتاج التعاقدان إلى التصرج بذلك، بل يكفي ظاهر الحال،، إلى آخر ما ذكره القرافي هنا، فزاد كلام البقوري واختصاره بيانا ووضوحا، وذلك ما دعافي إلى نقله وإيراده بتمامه على ما يظهر في ذلك من تكرار النقل الذي يجمع بين كلام هاذين الامامين الجليلين رحمهما الله ونفع بعلمهما آمين.\n(٢) موضوع الفرق السابع والمائة بيْنَ قاعدة العمال في القراض، فإن الزكاة متى سقطت عن رب المال سقطت عن العامل، وقاعدة الشركاء، لا يلزم أنه متى سقطت عن أحد الشريكين سقطت عن الآخر.\nقال القرافي في اول هذا الفرق: بل تجِب الزكاة على أحد الشريكين لِاجتماع شرائط الزكاة في حقه دون الآخر\" لاختلال بعض الشروط في حقه، وعمال القراض ليسوا كذلك، على الخلاف فيهم بين العلماء، وفي المذهب ايضا الخلاف.","vol":"1","page":410},{"text":"هذا ينبني على قاعدة، وهي أن ما دار على أصل واحد ليس كما دار على أصلين، فالأول يَجْرِي على ذلك الأصل من غير خلاف، والثاني يقع الخلاف فيه بحسب اعتبار الأصلين، فإن المتوسط بين شيئين هكذا يكون، تارة يغلب عليه الأصل الآخر. وهذا كمسألتنا. المقارض يشبِه الاجير ويشبه الشريك. فمن حيث إن خسارة المال لا يلحقه منها شيء كان كالاجير، ومن حيث إن الذي يستحقه العامل ليس في ذمة رب المال كان كالشريك (٣).\n_________\n(٣) قال القرافي مفصِلا هذه المسألة:\nوالفرق بين القاعدتين ينبني على قاعدة، وهي أنه متى كان الفرع مختصا بأصل واحد جرى على ذلك الاصل من غير خلاف، ومتى دار بين أصلَيْنِ أو أصول يقع فيه الخلاف، لتغليب بعض العلماء بعضَ تلك الاصول، وتغليب البعض الآخر أصلا آخر، فيقع الخلاف لذلك.\nولذلك اختلف في أم الولد إذا قُتِلت، هل تجب فيها قيمة أم لا؟ لترددها بين الارقاء من جهة أنها توطأ بملك اليمين، وبين الأحرار لتحريم بيعها واحرازها لنفسها ومالها، وفي تردد اثبات هلال رمضان بين الشهادة والرواية، وكذلك الترجمان عند الحاكم، والنائب والمقوم، وغيرهم، جرى الخلاف فيهم، هل يشترط فيهم العدد تغليبا للشهادة، أو لا يشترط، تغليبا للرواية، وكتردد العقود الفاسدة بين الابواب المستثنيات كالقراض والْمُسَاقاة، هلْ ترد إلى اصلها فيجب قراض المثل، أو إلى اصل اصلها فتجب أجرة الثل، وذلك لتردد هذه المساقاة الفاسدة بين اصلها وأصل أصلها، فإن أصل أصلها، أصلها كذلك، فلِذلك كل ما توسط غرره أو الجهالة فيه من العقود يختلف العلماء فيه، لِتوسطه بين الغرر الأعلى فيبطل، أو الغرر الادق المجمع على جوازه واغتفاره في العقود فيجوز، والمتوسط أخَذَ شبها من الطرفين، فمن قربه من هذا منع، أو من الآخر أجاز.\nوكذلك المشاق المتوسطة في العبادات دائرة بين أدق المشاق فلا توجب ترخصا، وبين أعلاها فتوجب التَّرخصَ، فيختلف العلماء في تأثيرها في الاسقاط لأجل ذلك، وكذلك التهم في رد الشهادات، إذا توسطت بين قاعدة ما أجمع عليه أنه موجب للرد، كشهادة الانسان لنفسه، وبين قاعدة ما اجمع عليه أنه غير قادح في الشهادة، كشهادة الرجل لآخر من قبيلته، فيختلف العلماء أي التغليبين يعتبر؟ وذلك كشهادة الاخ لاخيه ونحوه، فإنه اختلف فيها، هل تقبل او ترد؟ كذلك الثلث يتردد في مسائل بين القلة والكثرة فيختلف العلماء في الحاقه بأيهما شاء، ونظائره كثيم في الشريعة من المترددات بين أصلين فأكثر، والعمال في القراض دائرون بين ان يكونوا شركاء بأعمالهم، ويكون أرباب الاموال شركاء بأموالهم، ويعضد ذلك تساوى الفريقين في زيادة الربح ونقصانه، وهذا هو حال الشركاء. ويعضده أن الذي يستحقه العامل ليس في ذمة رب المال، وهذا هو شأن الشريك، وبين أن يكونوا أجراء، ويُعَضِّدُهُ اختصاص رب المال بضياع المال وغرامته، فلا يكون على العامل منه شيء، ولان ما ياخذه معاوضة على عمله، وهذا هو شأن","vol":"1","page":411},{"text":"القاعدة الثالثة (٤):\nلِمَ ضُمّتْ الأرباحُ إلى أصولها في الزكاة دون الفوائد؟ فنقول:\nأصل الضم في الأرباح، الشبه المحقق بينها وبين السخال، حيث كان حول أمهاتها حَوْلًا لها. والفوائد لا شبه بينها وبينها، ثم نقرر الفرق ايضا بأن نقول:\nإن الاصل ترتب المشروط على شرطه وتاخيرُه عنه، وكذلك السَبَّبُ مع سببه، ولا يصح وجود مشروطٍ دون شرطه، ولا مسبب دون سببه، فحيث وجدنا في الشريعة شيئا من ذلك كما في السخال، قدرنا الشرط وذلك الحول موجودا، حفظا للقاعدة، وهي تقدم الشرط على المشروط، والسبب على السبب، فكان الحمل على مثل هذا يضعف من حيث الخروج عنْ الأصل، إِلا إذا قوي الشبه كما في الربح، وبقيت الفوئد على الأصْل الذي يجب اعتباره حتى يوجد، وهو الشرط الذي هو الحول.\n_________\n= الأجراء، ومقتضى الشركة أن تملك بالظهور، ومقتضى الاجارة ألَّا تملك إلا بالقسمة والقبض، فاجماع هذه الشوائب سبب الخلاف الخ ... وبهذا التوسع والتفصيل في هذه المسألة عند القرافي تتضح أكثر مما هي موجزة ومختصرة عند البقوري، وليرجع إلى هذا الفرق من أراد التوسع فيه أكثر.\n(٤) هي موضوع الفرق الثامن والمائة بين قاعدة الأرباح تضم إلى أصولها في الزكاة، فيكون حول الاصل حول الربح، ولا يشترط في الربح حول يخصه، كان الأصل نِصَابًا أم لا عند مالك ﵀، ووافق ابو حنيفة ﵁ إذا كان الاصل نصابا، ومنع الشافعي ﵁ مطلقا، وبين قاعدة الفوائد التي لم يتقدم لها أصل عند الكلف كالميراث والهبة وأريق الجناية وصدقات الزوجات ونحو ذلك، فهذا يعتبر فيه الحول بعد حوزه وقبضه \" جـ ٢ ص ١٩٩. وعنوان هذا الفرق يبدو طويلا عند القرافي، ولكنه كأنه ملخص لا سيقوله ويذكره فيه بتوسع وتفصيل، ولذلك نقلته بتمامه.","vol":"1","page":412},{"text":"قلت: للمنازع أن يقول: لا تقدير هنا، واعتبار ذلك الشرط ليس هو في السخال ولا في الأرباح، لقضاء عمر، أو يقول: قد وجد الشرط فيها محققًا، فإنه لما وجد في الأصل وجد فيها، ولا تقدير مع هذين الوجهين (٥).\nثم قال شهاب الدين ﵀: واختلِف في هذا التقدير بين ابن القاسم وأشهب والغيرة. فابن القاسم يقدر حالة الشراء لأنه سبب الربح، والسبب يستلزم مسببه. وأشهب يقدر يومَ الحصول لئلا يجمع بين تقدورين: تقدرِ الشراء، والأعيان التي حصلت له في الربح، والتقدر على خلاف الأصل، فيقتصر منه على ما تدعو إليه الضرورة. وعند المغيرة، التقدير يوم ملك الأصل لأنه السبب، وعلى هذه التقادير تتخرج مسألة الدونة: إذا حال الحول على عشرة فأنفق منها خمسة واشترى بخمسة منها سلعة فباعها بخمسةَ عشر:\n_________\n(٥) السِخال بكسر الخاء جمع سخلة، وهي ولد الشاة، والسخل، يطلق على الضعيف من الشيء. قال القرافي هنا في أول كلامه على هذا الفرق مبينا المرادَ من قضاء عمر، المشار إليه هنا عند البقوري. والفرق عندنا عضده قول عمر ضى الله عنه للساعي (أي الجابي الجامع للزكاة ممن وجبت عليهم في الأنعام): عُدَّ عليهم السخلة يحملها الراعي ولا تاخذها. ومعناه أحسبها عليهم في النصاب الذي تجب فيه الزكاة من الضأن والمعز، وكذا البقر والابل، ولا تاخذها فهم لصغرها وضعفها). قال القرافي: والسخلة عين متمولة نشأت عن عين متمولة زكوية، كما نشأ الربح وهو عين زكوية عن عين زكوية، وهي أصله، فكما ضم أحدهما إلى أصله، وجعل حولا له، كذلك الآخر الذي هو الربح.\nوقولنا زكوية، احترازا من أجر العقار فإنه لا يزكَّى، وان كان متمولا نشأ عن متمول، غير أنه زكوي، أعنى الأصل.\nوهنا علق الفقيه ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: مسألة المالكية القياس على السِخَالة كما ذكر، وللشافعية فروق، فيها نظر.\nثم قال القرافي: وها هنا قاعدة، وهي سِر الفرق بين الارباح والفوائد يحتاج اليها بعد تقرر الأحكام فيها، وهي أن صاحب الشرع متى أثبت حكما حالة عدم سببه أو شرطه، فإن أمكن تقديرهما معه فهو أقرب من إثباته دونهما، فإن اثبات السبب دون سببه، والمشروط بدون شرطه خلاف القواعد، كما أثبت الشارع الميراث في دية الخطأ، والميراث في الشريعة مشروط بتقدم ملك الميت على المال الموروث، قَدَّرَ العلماء ﵏ الملك في الدية متقدما على الموت بالزمن الفرد حتى يصح حكم التوريث فيها.","vol":"1","page":413},{"text":"قال ابن القاسم: تجب الزكاة إن تقدم الشراءُ الانفاق، فإن التقدير حينئذ كأن المال عشرة، وهذه عشرة ربح، فكمل النصاب حينئذ، وإلا لم تجب. وأسقطها أشهب مطلقًا، لأن التقدير عنده يوم الحصول، ويوم الحصول لم يكن إلا خمسة عشر. وأوجبها المغيرة مطلقا، لأنه يقدر يوم ملك العشرة ولا عبرة بتقديم الإنفاق أو الشراء (٦).\nقلت: ثم الفرق بين الأرباح والفوائد إنما هو بحسب النقود، وأما الماشية فسخالها التي توالدت فيها، وفوائدها التي انضافت اليها، كل ذلك على السواء يزكَّى لحول الأصل. وإنما كان ذلك من حيث إن الارباح للنقود، زكاتها هي راجعة إلى المزكي لا مدخل فيها للساعي.\nخ فلو قلنا في فائدة الماشية ما قلناه في فائدة النقود للزمت المشقة على السُّعَاةِ بالخروج أكثر من مرة واحدة أو بترك زكاة ذلك رأسًا، وكلاهما لا يصح، فجعلت زكاتها عند زكاة الأصل.\nولنذكر هنا أيضًا مسائل: (٧)\nالمسألة الأولى: الدَّيْن مسقط لزكاة العين، وغير مسقط لزكاة الحرث والماشية، فلِم كان ذلك، والكل زكاة؟\n_________\n= قال ابن الشاط معلقا على هذا الكلام عند القرافي إلى قوله: \"عدّ ذلك مستثنىً من تلك القواعد\": فيما قاله القرافي من ذلك نظر. ثم قال في مسألة تقدير ملك الدية: ليس ملك القتول خطأ للدية مقدرا عندي، بل هو محقق، وإنما القدر ملك المقتول عمدا للدية، وقد سبق التنبيه على ذلك اهـ.\n(٦) قال القرافي ﵀: وهذه القاعدة تعرف بقاعدة التقديرات، وهي إعطاء الموجود حكم العدوم، وإعطاء العدوم حكم الموجود، وقد تقدم بسطها في قاعدة خطاب الوضع، وهي يحتاج اليها إذا دل دليل على ثبوت الحكم مع عدم سبَبهِ أو فرطه أو عدم مانعه، وإذا لم تدع الضرورة اليها لا يجوز التقدير حينئذ، لأنه خلاف الاصل، وها هنا لما دل الاثر على وجوب الزكاة من الأرباح، تعين تقدير الربح والسخال في الماشية في أول الحول، تحقيقًا للشرط في وجوب الزكاة وهو دوران الحول، فإن الحول لم يدُر عليهما، فيفعل ذلك محافظة على الشرط بحسب الإمكان.\n(٧) هذه المسائل مما أضافه الشيخ اليقورى ﵀ في الكلام على هذا الفرق.","vol":"1","page":414},{"text":"فالجواب أن زكاة العين ترجع إلى أمانة المزكين، بخلاف الحرث والماشية فإنها ليست كذلك. والإِمام يخرج لهما السُّعَاةَ حتى يغْدُوا ويُخَرصوا، فكانت التهمة تلحق في الذي يخرج الإِمام اليها فلم يصدقوا. وتنتهي التهمة في باب النقد فكانت مسقطة ثمة، وهم مُصَدَّقون في مقالهم.\nالمسألة الثانية: الدَّيْن غير مسقط لزكاة المعدن وهو عين، فلم كان ذلك؟ فنقول:\nقال قوم: لشبهه بالزرع، فاعترض عليهم تضبيهه بالعين، فَلِمَ غُلِّبَ احد الشبيهين على الآخر؟ فأجابوا بأن شبهه بالزرع أقوى.\nقلت: والأولى أن يقال: لأن المعدن لا يخفي كما يخفي النقد، فكانت التهمة تلحق معه كما تلحق مع الزرع، والله أعلم.\nالمسألة الثالثة، يجوز إعطاء القاتل -خطأ- من الصدقة إذا كان عديمًا، ولا يجوز أن يعطى في قتل العمد إذا قُبِلت منه الدية وكان عديمًا، والجميع دية وجبت عن القتل. والفرق بينهما أن قتل العمد معصية، فلم يصح أن يعان بالصدقة في ذلك لأن الغارم إنما يستحق جزءا من الصدقة إذا كان دينه من غير معصية، والقتل -خطأ- لا معصية فيه، فافترقا. وأيضًا فهى على العاقلة ولا ذنب عليه.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الحج</span>\nوفيه أربع قواعد\n\nالقاعدة الأولى (١)\nنقرر فيها القاعدة التي بها يتبين ما يتقدم على الحج من الواجبات مما لا يتقدم، فنقول:\nإذا تعارضت الحقوق، فما كان منها مُضَيَّقًا كان أرجح من الواسع، وما كان فوريًا كان أجح مما كان على التراخي، وما كان فرض عين كانَ أرجح مما كان فرض كفاية، وما يخْشى فواتُه، وإن كان مرجوحا، يقدم، كحكاية المؤذن يترك لها قراءة القرآن، وصون النفسِ والأعضاء يقدم على العبادات، بل صون المال يقدم على العبادات. واختلف في صون مال الغير من حيث الخلاف في تقديم حقوق العبد على حقوق الله أوْ بالعكس، فعلى هذا يُقَدَّمُ حق الوالديْن على الحج، إذا لم يُتَصور مع الحج (٢) لأنه فوري، والحج مُتَراخٍ على قولٍ، وكذلك حق السيد وحق الزوج، والدينُ الحالُّ، بخلاف المؤجل، وأمّا فضْلهُ على الغزْو فمن جهة أن فرض العين أفضلُ من فرض الكفاية.\n_________\n(١) هي موضوع الفرق التاسع والمائة بين قاعدة الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج وبين قاعدة مالا يقدم عليه. جـ ٢. ص ٢٠٣.\nقال القرافي ﵀ في أوله: والفرقُ بينهما (أيْ القاعدتين) مبني على معرفة قاعدة في الترجيحات وضابط ما قدمه الله تعالى على غيره من المطلوبات، وهي أنه إذا تعارضت الحقوق قُدِم منها المضَيَّقَ على الموسَّع، لأن المضيق يشعر بكثرة اهتمام صاحب الشرع بما جعله مضَيَّقا، وأن ما جَوِّز له تاخور وجعله مُوَسَّعا عليه دون ذلك ... إلى آخِرِ) ما هر مذكور عند الامام القرافي، وعند الشيخ البقوري هنا في هذا الاختصار من الامثلة دون ذكرها لوجه التقديم وتعليله كما عند القرافي.\n(٢) كذا في نسختي ع، وح. وفي نسخة اخرى، إذا لم يتصور معه الحج. ومعناها حينئذ إذا لم يجمع بين حق الوالدين، وأداء فريضة الحج، وعبارة القرافي: فيقدم حق الوالدين على الحج إذا قلنا على","vol":"1","page":417},{"text":"القاعدة الثانية (٣)\nنقرر فيها الفرق بين الجوابر والزواجر فأقول:\nالزواجر تعتمد المفاسد، ثم قد يكون معها عصيان كالصبيان والمجانين، فإننا نزجرهم ؤلؤدبهم لا لعيانهم، بل لِدَرْءِ المفاسد، وكذلك البهائم، ثم قد تكون مقدَّرة كالحدود، وغير مقدرة كالتعازير.\nوأما الجوابر فهي مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة، ولا يشترط في حق مَنْ يتوجّه قِبلَه الجابرُ أن يكون آثِما، ولذلك شُرع مع العمد والجهل والنسيان، وعلى المجانين والصبيان، واختلَفَ العلماء في بعض الكفارات هل هي زواجر لما فيها من مشاقِ تحمُّل الأموال وغيرها، أو هيَ جوابرُ لأنها عبادات لا تصح إلا بنيَّة، وليس التقرب إلى الله زجرا، بخلاف الحدود والتعزيرات. (٤)\nثم الجوابِرُ تقع في العبادات كالتيمم مع الوضوء وسجود السهو للسُّنن، وغير ذلك، وهو كثير في أنواع من العبادات، وفي الحج الذي من أجْلِهِ ذُكرتْ هذه القاعدد هنا، كالشك في حق من ارتكبَ محظورا من محظورات الحج، أو\n_________\n= التراخي. ولعلَّ كلمة (إذا لم يتصور) كتبتْ خطا ونسخا مكان إذا لم يُصَنْ ويكون المعنى إذا لم يحفظ حق الوالدين وتعرض للضياع عند أداء فريضة الحج، فإنه يقدم الحفاظ على حقهما على القيام بتلك الفريضة، إذا قلنا إن الحج واجب على التراخي على قول. ويدل على ذلك قول القرافي هنا، وكذلك يقدم صوْنُ مال الغير على الصلاة إذا خشى فواته، وهو من باب تقديم حق العبد على حق الله تعالى، وهي مسألة خلاف، وكذلك قول البقوري في اول الفقرة: واختلف في صون مال الغير، من حيث الخلاف في تقديم حقوق العبد على حقوق الله، والعكس. على أن كلمة \"إذا لم يتصور\" تبقي سليمة العبارة والمعْنَى، حيث إنها موجودة في جميع النسخ الثلاث الموجودة بين لدينا للتحقيق والقابلة. لهذا الكتاب.\n(٣) هي موضوع الفرق التايىح والثلاثين بين قاعدة الزواجر، وبين قاعدة الجوابرِ. جـ ١، ص ٢١٣.\nقال عنه القرافي ﵀ في اوله: وهاتان القاعدتان عظيمتان، وتحريرهما أن الزواجر تعتمد الفاسد، وأما الجوابر فهي مشروعة لاستداك المصالح الفائتة، والزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة، ولا يشترط في حق من يتوجه في حقه الجابر أن يكون آثما ... \"\n(٤) زاد القرافي هنا للبيان قوله: (فإنها أي الحدود والتعويرات) ليست قُرُباتٍ، لأنها ليست فعلا للمزجُورين، بل يفعلها الأئِمة بهِمْ.","vol":"1","page":418},{"text":"الدَّم لترك الميقات والتلبية أو شيءٍ من واجبات الحج ما عدا الأركان، وكالعمل في التمتُّع والقِران، وجَبْر الدم بصيام بثلاثة أيام في الحج وسبعة فِي غيره، وجزاء الصيد في الحرم بالمثْل أو الطعام أو الصيام، والصيد الملوك بذلك، لحق الله تعالى، وبقيمته لحق المالك الآدمي، وهو مُتْلَفٌ واحدٌ جُبِرَ ببَدَلَيْن، وهو من نَوادِرِ المجبورات.\nواعْلَمْ أن الصلاة لا تنجبر إلَّا بعمل بدني، ولا تجبر الأموال إلا بالمال، ويُجْبَرُ الحج والعمرة بالبدني والمالي معًا ومتفرقين، والصوم بالبدني في القضاء، وبالمالَ في الاطعام.\nوأمَّا جوابر المال، فالأصلُ أن يُوتَى بعيْن المال مع الامكان، فإن أتَى به كامل الذاتِ والصفات بَرِى مِنْ عهدته، فإن كان ناقصَ الاوصاف جُبر بالقيمة، إلا أن تكون الاوصاف تخلُّ بالقصود من تلك العين خللًا كثيرا، فإنه يضمن الجُملة عندنا، خلافا للشافعي، ولذلك ضَمن اصحابنا المغصوب للغاصب، إذا ذبح الشماة، أو طحن القمح، أو ضرَب الفضة دراهم، أو شقَّ الخشبة ألواحا. وقال الشافعي: بل لهَ أخْذُ عيْن ماله حيث وجده. وعند اصحابنا للغاصب منعُه ممّا وجده من ماله في هذه الصورة. والأوّلُ أنضَرُ وأقْربُ (للقواعد). وأمّا إن جاء بها ناقصة القِيمة في بعض المواطن فإنه لا يضمن، وتُجْبَرُ الأموال المثلية بأمثالِها، لأن المِثل أقرب إلى ردّ العين الذي هو الأصل في القيمة.\nوخولفت هذه القاعدة في صوريين: في لبن المُصَرّاة (٥) لأجْل اختلاط\n_________\n(٥) الشاة المُصَراة (بضم الميم وفتح الصاد المشدَّدة) هي الشاة التي يُتْرك لبنها في الضرع أياما فلا تحلب، فيعظم ضرعها، وتشتد الرغبة فيها لما يظهر عليها من كونها حلوبا، ومثلها البقرة والناقة، وهو تَغْرير من الباخ لمشتريها، وهو حرام، ويعتبر عيبا ترد به الشاة عن بيعها، واصل تحريم هذا البيع والنهى عنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة ضى الله عنه عن النبي - ﷺ - قال: من اشترى شاة مصرَّاة فهو بخير النظريْن بعد أن يحلبها، إن شاء أَمسكها، أإن شاء رَدَّها وصاعا من تمر لاسمراء\" والسمراء هي الحنطة، ومعنى ذلك أنه إن شاء ردها ورد معها شيئا من غالب قوت بلد البائع بدل اللبن الزائد عن نفقتها إذا كان يعلفها، وهذا هو خيار العيب عند الفقهاء، فليرجع إلى تفاصيل أحكامه في هذه المسألة وغيرها في كتب الفقه والفروع، فإنها استوفت ما يتعلق بهذا الموضوع.","vol":"1","page":419},{"text":"لبن البائع بلبن المشتري، وعدم تمْييز المقدار، فمن غصب ماءً في العاطش، فإن جماعة من العلماء تضمنه القيمة في محل غرمه.\nوأما المنافع فالمحرّم منها لا يُخبر، احتقارا لها كالزمار ونحوه، كما لم تجبر النجاسات في الأعيان. واستثتى من ذلك مهر الزنِى بها كَرها، تغليبا لجانب الرأة، فإنها لم تات محرما، والظالم أحقُّ أن يحمَل عليه، ولم يجبرْ اللواط، لأنه لم يقوَّم قط في الشرع، فأشبه القُبْلة والعناق.\nوغير المحرّم، منه ما يضمن بالعقود الصحيحة والفاسدة والفوات تحت الأيدي البطلة، ولا تُضْمن منافع الحرّ بحبسه، لأن يده على منافعه، فلا يتصور فواتها في يد غيره. ومنافع الأبضاع تضمن بالعقد الصحيح، والفاسد، والشبهة، والإكراه، ولا تجبر بالفواتِ تحت الأيدي العادية.\nوالفرق أن قليل المنانجع يجبر بالقليل من الجابر، كثيرها بكثيره، وضمان البضع بمهر المثل، وهو يستحق بمجرد الإِيلاج، فلو جُبِر بالفوات لوجَب مالا يمكن ضَبطه، فضلا عن القدرة عليه، فإن كل ساعة يفوت فيها من الإِيلاجات شيء كثير. وأما النفوس فإنها خارجة عن هذه القوانين لمصالح تذكر في الجنايات.\nفرُوعٌ في الزواجر:\nالأول: الحنفيُّ إذا شرب يسير النبيذ، قال الشافعي ﵁: أحُدُّه وأقبَلُ شهادته. وقال مالك: أحُدُّه ولا أقبل شهادته، فالشافهي ومالِك توافقا في الحدِّ، لأنه قد يحْصل درء الفسدة بالحد وإن لم تكن معصية كما الأمْرُ في الزواجر للصبيان والبهائم. وأمّا عدم قَبول الشهادة عند مالِك، فذلك لأنها فتوى بخلاف النصِّ والقياس الجلي والقواعد، فالنَّصُّ: \"ما أسكَر كثيره فقليله حرام\"، (٦) والقياسُ الجلي حمْله على الخمر بجامع الإِسكار، والقواعد تقتضي صيانة العقول. والحُكْم الذي يكون على خلاف هذه الأمور ويقضي به القاضي\n_________\n(٦) اخرجه اصحاب السنن عن جابر ﵁.","vol":"1","page":420},{"text":"ينقض، فكيف ما لم يتأكد بالحكم. والشافعي رأى أن حكم الله في حقه ما أدى\nاليه اجتهاده، أو ما أفتاه به إمامُه، او كان مقلدا، فقبِل شهادته.\nالثاني، الحشيشة. الاتفاق على منعها، (٧) ولكنّه هل المترتب عليها الحد او التعزير؟ فيه خلاف، بناءً على أنها مُسكِرة أوَ مفسِدة للعقل من غير سُكر، والمَرْضِيُّ عند شهاب الدين ﵀ أنها مُفْسِدة، وياتي الفرق بينها وبين الخمر من حيث السكر والمفسدة.\nفرع مرَتَّبٌ: من صَلى بها وهي في جيبه، قيل: إن كانت قد حمصت وسلقت بطلت صلاته، والا فلا، وقال شهاب الدين: سألت من يتعاطاها فقال: إن التحميص إِنما هو لإصلاح طعمها وتعديل كيفيتها خاصة، ويتصور تاثيرها قبل ذلك، قال: فِإن كان هذا كذلك، فالصلاةُ باطلة بها مطلقا، هذا ان صحّ أنها مسكرة، وإلّا فهي لا تفسد الصلاة مطلقا إذا كانت مُفْسدة لا مسكرة، قال: وهو الذي أرتضيه.\nالثالث، قال إمام الحرمين: القاعدة في التاديباتِ أنها على قدر الجنايات، فكلّما عظُمت الجناية عظمت العقولة. فإذا فرِض شخص لا يؤثر فيه التاديب اللائق بجنايته ردعا، والذي يؤثر فيه القتلُ ونحوُه، ولا يجوز أن يكون عقوبة تلك الجناية، فإن هذا الجاني يسْقط تاديبُه مطلقا (٨).\n_________\n(٧) قال القرافي ﵀: اتفق فقهاء أهل العصر على المنع منها، أعْنى كثيرها المُغَيّب للعقل، واختلفوا بعد ذلك هل الواجب فيها التعزيز أو الحد على أنها مسكرة، فإنهم يصفونها بذلك في كتبهم، والذي يظهر لي انها مفسدة على ما أقرره في الفرق بينهما بعد هذا إن شاء الله تعالى. ويقصد به الفرق الأربعين بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرَقِّدات وقاعدة المفسدات (اي للعقل والمزاج). اهـ\n(٨) زاد القرافي هنا مبينا توجيه ذلك بقوله: أما التاديب المناسب فيسقط لعدم الفائدة فيه، والإيلام مفسدة لا تشرع إلا لتحصيل مصلحة، فحيثُ لا مصلحة لا تشرع، وأما غيرُ المناسب فلعدم سببه المبيح، فيسقط تاديبه مطلقا، وهو متجه اتجاها قويا.\nقلت: ومع ذلك لا بد في مثل هذه الحالة من نوع من التاديب بالعقوبة لمثل هذا النوع من الجناة والعصاة، يقدره الإِمام، ومن ينوب عنه من الولاة والقضاة في حفظ الأمن ومصالح الناس،","vol":"1","page":421},{"text":"القاعدة الثالثة (٩)\nالفرق بين ما تتداخل فيه جوابر الحج وما لا تتداخل.\nتقدم الفرق بين الزواجر والجوابر من حيث الجملة، (١٠).\nأما الصيد فيتعدد الجزاء فيه لأنه اتلاف على قاعدة الِإتلاف، وهو غير متوقف على الإِثم، فيضمن الصيدَ عمدًا أو خطأ، (١١) ويتحد الجزاء عند أبي حنيفة بالتاويل والنسيان والجهل، فلم يوجب عليه شيئا كالواطئ في رمضان ناسيا، وألحقَ الجاهل بالناسي.\nوالحقُّ أن الجهل يختلف، فمنه ما يكون عذرا كمن وطئ أجنبية يظنها امرأته، أو شرب خمرا يظنها خَلًا أو يظنها جُلَّابا ونحوه، فإن الاحتراز من هذا يشق، فعَذَر الشرعُ بهذا الجهل، بخلاف ما يمكن الاحتراز منه كالجهل بما يفسد الصلاة ويُصلحها، الجاهل هنا كالعامد، ولا يعذر الِإنسان فيه بجهله، لأنه يُمكنه عِلْمُ ذلك ولا مشقةَ تلحقه، وقد كان في ترك تعلمه ذلك عاصيا.\nوضابط ما تتحِدُ فيه الفدية وما تتَعَدَّدُ أنه متى اتحدت النية والمرض - الذي هو السبب- والزمان، بأن يكون الكل على الفور اتحدت الفدية، ومتى وقع التعدد في النية أو السبب والزمان تعددت الفدية، ويظهر ذلك بالفروع:\nقال مالكٌ في الدونة: إذا لبس قَلنسوة لِوَجع ثم نزعها، فعاد إليه الوجعُ فلبسها، إن نزعها مُعْرِضا عنها فعليه في اللبس الثاني والأولِ فديتان. وإن كان\n_________\n= كالحبس أو الإِجلاء أو غير ذلك مما يناسب نوع الجناية، إذ التأديب بالنصح والتوجيه أو لا، وبالزجر والتأديب ثانيا لابد وأن يكون له اثره الايجابي على الفرد والمجتمع في ان واحد، وقد قال علماؤنا ﵏، إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ... والله أعلم وأحكم.\n(٩) هي موضوع الفرق الثاني عشر والمائة بين قاعدة تداخُل الجوابر في الحج، وقاعدة مالا تتداخل الجوابر فيه الحج). جـ ٢. ص ٢٠٩\n(١٠) زاد القرافي قوله، والمقصود ها هنا بيان ذلك في الحج خاصة.\n(١١) قال القرافي هنا: فاشبه (إتلاف الصيد) إتلاف أموال الناس، فإن الإجماع منعقد على تعدد الضمان فيما يتعدد الاتلاف فيه، وأن العمد والخطأ في ذلك سواء، وكذلك ها هنا. والجلاب بضم الجيم وفتحها العسل أو السكر عقِد بماء الوَرْدِ، ويطلَق على ماء الْورد.","vol":"1","page":422},{"text":"نزعها ناويًا ردّها عند مراجعة المرض ففدية واحدة لأجل اتحاد النية والسبَب، ولو لبس الثياب مرةً بعد مرة تاركا (١٢) لبسها إلى بُرْئِهِ من مرضه فعليه كفارة واحدة لاتحاد النية، وكذلك الطيب يتبع اتحاد النية وتعددها. فإن احتاج في فور واحدٍ لأصناف المحظورات فلبس خفين وقميصا وقلنسوة وسراويل فكفارة واحدة، فإن احتاج إلى خفين فلبسهما، ثم احتاج إلى قميص فلبسه، فعليه كفارتان لتعدد السبب. وإن قلّم اليوم ظفر يده، وفي غدٍ ظفر يده الأخرى فعليه فديتان لتعدد الزمان، وإن لبسَ وتطيَّبَ وحلق وقلمَ ظفره في فَوْر واحد، ففدية واحدة. وان تعددت المَحَالُّ تعددت الفدية. وقال الشافعي: هذه أجناس لا تتداخل كالحدود المختلفة (١٣).\n\nالقاعدة الرابعة (١٤)\nفي الفرق بين الميقات الزماني والمكاني، فنقول أولًا:\nأثبت الشرع ميقاتا زمانيا، فقال: \"الحج أشهُرٌ معلومات\" (١٥)، وذلك شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقيل: عشرٌ من ذى الحجة. وأثبت الميقات المكاني فقال: لأهل المدينة ذو الحليفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهلِ نجْد قَرْنُ المنازل، ولأهل اليمين يَلَمْلَمُ، وقال: هي لهم ولمن أتَى عليهن من غير أهلهن ممّن اراد الحج (١٦). وزاد مسلم: ولأهل العراق ذات عرق. وقال مالك: يُكرهُ الاحرام قبل\n_________\n(١٢) كذا في النسخ الثلاث: ع، وح، وت. (تاركا لبسها)، وعند القرافي: ناويًا لبسها).\n(١٣) لم يعلق الشيخ ابن الشاط بشي على هذا الفرق، كما هو شأنه في أغلبية الفروق.\n(١٤) هي موضوع الفرق السابع والعشرين بين قاعدة المواقيت الزمانية وبين قاعدة المواقيت المكانية، جـ ١. ص ١٦٩.\nقال القرافي ﵀ في اوله: أما المواقيت الزمانية فهي ثلاثة أشهر: شوال، ذو القعدة، وذو الحجة، وقيل: عشر من ذي الحجة، وأصلها الآية الكريمة المذكورة.\n(١٥) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(١٦) حديث صحيح، أخرجه الامام البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":423},{"text":"الميقات الزماني. وقال الشافعي: لا يجوز، (١٧) فما وجْه الفرق؟، فقيل: هو - باعتبار، لفظيٌّ، وباعتبار، معنويٌّ.\nأما اللفظي فهو أن المبتدأ قد يكون محصورا في الخبر ولابُدَّ، ولا يكون الخبر محصورا -ولابد- في المبتدأ، وهذا كنير، كقوله ﵇: \"تحريمُها التكبير وتحليلها التسليم \". والشفعة فيما لم يُقسَم، فالمبتدأ في هذه محصور في الخبر، وليس الخبر محصورا في المبتدأ. فإذا كان الأمر هكذا، فقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾، المبتدأ الذي هو الحج محصورٌ في الميقات، إمّا حصرًا يمنع غيره، أو يمنع الكمال في غيره، وأما المكاني فهو المحصور، حيث قال: هُنَّ، فأمكن أن يوجد الحج بدون تلك المواضع. (١٨).\nوأما المعنوي فهو أن الِإحرام قبْل الميقات الزماني يُفْضِي إلى طول زمان الحج، وربّما أدّى ذلك إلى فساد الحج، وليس في الإِحرام قبل الميقات المكاني طول الحج، فلم يكن وسيلة إلى الفساد. (١٩)\n_________\n(١٧) عبارة القرافي ﵀ أظهر وبين، حيث قال: قال مالك ﵀: يجوز الاحرام بالحج قبل الميقات المكاني والزماني، غير أنه في الزماني يكره قبله، وقال الشافعي ﵀: لا يجوز قبل الزماني فيحتاج الفريقان إلى الفرق بين القاعدتين، إمّا باعتبار الكراهة وعدمها، وإما باعتبار المنع وعدمه، والفرق من وجوه لفظية ومعنوية ... الخ.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما قاله في ذلك صحيح ظاهر، غير قوله أن مالكا يكره الاحرام قبل الجيقات الزماني دون المكاني، فإن العروف من المذهب الكراهة فيهما معا، فلا يحتاح إلى الفرق، إلا على مذهب الشافعي\". اهـ.\n(١٨) قال ابن الشاط معقبا على مسألة حصر المبتدأ في الخبر: القاعدة العربية التي ادعاها القرافي من انحصار المبتدأ في الخبر مختلف فيها، والأصح عدم صحتها، وأن ذلك من باب المفهوم لا من باب المنطوق، فيجري فيه الخلاف الذي في المفهوم، وما أرى الامامين مالكا والشافعي بنيا عليها، والله أعلم.\n(١٩) زاد القرافي هنا فرقا ثالثا معنويا آخر في هذا الموضوع وهو: أن الميقات المكاني يثبت الإحرامُ بعده، فيثبتُ قبله تسوية بين الطرفين، والميقات الزماني لا يثبت الإِحرام بعده بأصل الشريعة بل لضرورة، فلا يثبت قبله تسوية بين الطرفين، وهذا فرق بينهما بأن سوينا بينهما، وهو من الفروق الغريبة.\nقال ابن الشاط معلقا على كلام القرافي هنا بأن الاحرام قبل الميقات الزماني يفضي إلى الطول الخ) كان يمكن أن يكون ما ذكره القرافي فرقا لا مذهب الشافعي، لولا أن الشافعي يقول في مذهبه القديم: إن إحرام المحرم من بلده افضل، استدلالا بقوله ص: من تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وقال في الجديد بكراهة الإحرام قبل الميقات، وتأوله اهل مذهبه، وعلى تقدير عدم تاويله لا حاجة إلى الفرق، إلا فيما بَين الكراهة والمنع ان لم تحملْ الكراهة عليه. اهـ.","vol":"1","page":424},{"text":"ولنذكر هنا مسائل. (٢٠)\nالمسألة الأولى، لِمَ كان رَمْي الجمرة تحللا عن شيء دون شيء، وطوافُ الإفاضة تحللا أكبر، فنقول:\nمن حيث إن الإحرام يمنع القاء التفث والصيد، والطيبَ والنساء وسائر الترفهات، ثم إن رمْي جمرة العقبة ندِبَ المحرم فيه إلى القاء التفثِ وهو الحلاق، فلم يصِح أن يكون مندوبا إلى البعض دون البعض، فجاز له ذلك بأجمعه وما هو في بابه، وبَقِيَ الِإحرام على بابه فيما عدا ذلك، وهو المنع من الصيد والنساء والطيب حتى ياتي بالطواف.\nالمسألة الثانية، لم كان، إذا اختلطت هدايا رفقة فنحر كل واحد هدي صاحبه، أجزأ ذلك عن صاحبه، واذا اختلطت ضحايا قوم، فذبح كل واحد منهم أضحية صاحبه لم يُجْزِ، والكُلُّ فدية؟\nفالجواب أن الهدي قد وجب بالتقليد والإشعار، (٢١) فأجْزَأ ذلك عن صاحبه متى نحَرَه غيرُه لأنه قد وجب، والأصحية لا تجب إلا بالذبح، فلم يجُزْ أن يذبحها غير صاحبها، لأنه يحتاج أن يقصد بها القربة حين الوجوب. فعلى ذلك أنه لو شاء بعد شراء الأضحية أن يبدلها بغيرها كان ذلك له، ولا يجوز له أن يبدل الهدي بغيره بعد التقليد، وفي الأضحية خلاف.\n_________\n(٢٠) هذه المسائل مما أضافه الشيخ البقوري ﵀ إلى هذا الفرق.\n(٢١) التقليد والأشعار كلمتان تتعلقان بالهدي في الحج، وهو ما يُهْدَى من النعم إلى الحرم تقربا إلى الله تعالى، لينتفع به بعد الذبح الفقراء والمساكين في الحرم وغيره. قال الله تعالى في سورة الحج: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ وهذا الهدي (ما أن يكون واجبا أو مستحبا كما هو مفصل في كتب الفقه:\nوالتقليد هو أن يُجْعَل في عنق الهدْي قطعة جلد ونحوها ليُعرف بها أنه هدى، والإشعْار مصدر أشعر بمعنى أعلم - وأخبر، والراد به في هدي الحاج ومعناه أن يُشق احد جنبي سنام البدنة أو البقرة إذا كان لها سَنام (أي ذروة) حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك علامة على كونها هديا، فلا يتعرض لها بشيء.","vol":"1","page":425},{"text":"المساْلة الثالثة، لم كان الافضل في الهدايا الإبل، وفي الضحايا الغنم، والكل ذبح قربة؟ فالجواب أن المقصد في الهدايا كثْرة اللحم، وفي الضحايا طيبه.\nالمسألة الرابعة، لم لَمْ يُوكَلْ من هدى التطوع إذا عطب قبل محلِّه، ويوكل الهدي الواجب، والكل هدْي؟ فالجواب أن هدي التطوع يتهم أن يكون نحرَه لياكل منه، وادَّعى عطَبَهُ قبل محله، وهو لا يتهم في غيره، والله أعلم.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>الجهاد</span>\nوفيه أربع قواعد:\n\nالقاعدة الأولى (١):\nلِمَ صحّ أخْذُ الجزية من الكفّار علَى أن يتمادَوْا على كفرهم، ولَمْ يصحّ أخذُ شيء من الفاسقين على أن يقَرّوا على الزنى ويتمادَوْا عليه، ومَفْسَدَةُ الكُفرِ أشدُّ من مَفسدة الزنى؟\nوقد طَعَن بعض الطاعنين على أخذ الجِزْية، فقال: شأن التشريع درء المفسدة العظمى بإيقاع الفسدة الدنيا وتفويت المصلحة، ومفْسدة الكفر تُرْبي (٢) على مصلحة أخذ المال الماخوذ في الجزية من الكُفَّار، بل على جملة الدنيا وما فيها.\nوالجواب عن هذا السؤال، وهُوَ إبداء الفرق بين القاعدتين، أنَّ إقرار الكافر على الكفر ما كان القصدَ الأكبر بذلك بعْد أخذ المال، بل ليقع إسلامُ ذلك\n_________\n(١) هي موضوع الفرق السابع عشر والمائة بين قاعدة أخذ الجزية على التمادي على الكفر فيجوز، وبين قاعدة أخذِ الأعواض على التمادي على الزنى وغيره من المفاسد فإنه لا يجوز إجماعا جـ ٣. ص ٩.\nوموضوع الجهاد في سبيل الله، وفضله وثوابه عند الله ورد ذكره في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وتوسع علماء التفسير والحديث والفقه في أحكامه المتعددة، كما أن الجزية ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ سورة التوبة. الآية ٢٩.\nوالجزية وأحكامها تابعة لأحكام الجهاد، ولذلك تكلم عنها كذلك علماؤنا ﵏، وتناولوها بشيء من البيان والتفصيل سواء في محب التَّفسير أو الحديث أو الكتب الفقهية والأحكام السلطانية.\n(٢) كذا في نسختي ع، وح، وعند القرافي، وفي نسخة ثالثة يربو، من الفعل الثلاثي ربا، بمعنى زاد ونما، وقد جمعتهما الآية الكريمة في قول الله تعالى في تحذير الناس من الربا: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾. سورة الروم. الآية ٣٩","vol":"1","page":427},{"text":"الكافر في غير ذَلك الوقت، فَهُوَ أوْلى من قَتْله، فإن قتْلَهُ يوقعه في الهلكة الدائمة قطعًا، وبقاؤه يُبقي الطمع فيه، عساه أن يرجع فيسعَدَ، وإن هو مات على الكفر فقد يخُرج من ظَهره، ولو على بعدٍ، من يومن بالله، والسَّبَبُ لِإيجَادِ من يومن بالله ولوْ بأي وجْه كان، من أعظم المصالح، وأخذ المال منه ما كان إلا لينبعثَ بذلك الذل إلى الإيمان ويفارق الكفر. (٣)\n\nالقاعدة الثانية (٤)\nالفرق بين ما يوجب نقض العهد وما لا يوجبه.\nإعْلم أنّ عقد الجزية موجب لعصمة الدماء وصيانةِ الأموال والأعْراضِ، وذلك العقد يحصل لهم بشروط يشترطها عليهم، مضت سنة الخلفاء الراشدين بها، وهي مستفادة من قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وقد ذكر ابن حزم في مراتب الاحماع أشياء، (٥) وهي: أن يعطُوا أربعة مثاقيل ذهَبا في انقضاء كل عامٍ قمري، صَرْفُ كل دينار اثنا عشر درهما، وأن لا يُحْدِثوا كنيسة ولا بِيَعًا ولا دِيرًا ولا صَومعة، ولا يجدّدوا ما خرب منها، ولا يمنعوا السلمين من النزول في كنائسهم وبيعهم ليلا أو نهارا، ويُوسعوا أبوابها للنازلين ويُضيفوا من مرّ\n_________\n(٣) عبارة القرافي هنا أيْبن وأوسع، وهي قوله: بيانه (أي وجه الجواب عن السؤال) أن الكافر إذا قُتِلَ انسدّ عليه باب الايمان، وباب مقام سعادة الجنان، وتحتَّم عليه الكفر والخلود في النيران وغضب الديان، فشرع الله تعالى الجزية رجاء أن يسلم في مستقبل الأزمان، لاسيما مع اطلاعه على محاسِن الاسلام، والِإلتجاء إليه بالذُّل والصغار في أخذ الجزية، فإذا أسلم لزم من إسلامه إسلام ذريته فاتصلتْ سلسلة الإِسلام من قِبَله بدلا عن كذلك الكفر، وإن مات على كفره ولم يُسْلم فنحن نتوقع إسلام ذريته المخلفين من بعده، وكذلك يحصل التوقع من ذرية ذريته إلى يوم القيامة، وساعة من إيمان تعدل ساعة من كفر. إلى آخر ما قاله القرافي ﵀ في هذا الفرق.\n(٤) هي موضوع الفرق الثامن عشر ومائة بين قاعدة ما يوجب نقض الجزية، وبين قاعدة ما لا يوجب نقضها، جـ ٣. ص.١١.\nوقد اطال فيه القرافي، ولم يعلق عليه ابن الشاط بشيء رحمهما الله.\n(٥) عبارة القرافي هنا: قال ابن حزم في مراتب الاجماع: الشروط المشترطة عليهم أن يعطوا اربعة مثاقيل ذهبا في انقضاء كل عام قَمري، صرف كل دينار اثنا عشر درهما ... إلى آخر ما هو مذكور عند القرافي واليقوري نقلا عن ابن حزم ﵏ جميعا.","vol":"1","page":428},{"text":"بهم من المسلمين، ويُقَدِّموا لَهُمْ في المجالس، ولا يتشبهوا بهم في شيء من ملابسهم، ولا فرق شعورهم، ولا يتكلموا بكلامهم، ولا يتكنوا بكُناهم، ولا يركبوا على السروج، ولا يتقلدوا شيئا من السلاح،، ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه، ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يطرحوا في طرق المسلمين نجاسة، ويخفون النواقيس وأصواتها، ولا يظهرون شيئا من شعارهم، ولا يتخذون من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، ويرشدون المسلمين، ولا يُطلعون عليهم عدوا، ولا يضربون مسْلما، ولا يسبون أحدا من الانبياء ﵈، ولا يظهرون خمرًا (٦)، ولا نكاح ذات محرم، قال: فمتى أخلّوا بواحدٍ من هذه الشروط اخْتُلف في نقض عهدهم، وقَتلهم وسبْيهم، وأخذِ أموالهم ..\nقال شهاب الدين ﵀: بعْضُ ضَعَفة الفقهاء قال: هي شروط، وفقْدُ شرط واحد كفقد جميعه، فمض ى أخل بضرط من هذه فقدْ نقض العهد. (٧)\nوالذي عليه الجمهور: مالك، أبو حنيفة والشافعي، واحمد بن حنبل، أن الشروط ليست على السواء، كما الأمر في تكاليف السلم، فبعضُها إن أخل به يوجبُ له الكفر، وبعضها يقال إنها كبائر ولا نقضى بكفره، وبعضُها يقال: هي صغائر، فكذلك الذمي، عقد الجزية عليه تنقسم شروطه إلى ما ينافيه كالقتال والخروج عن أحكام السلطانِ، والى ما لا ينافيه، وبعضُه هو كالكبيرة بالنسبة إلى الإِسلام، كسَبِّ المسلم أو إظهار الترفّع عليه، وبعض آخرُ دون ذلك.\n_________\n(٦) قال محقق كتاب الفروق: \"الصواب في الكلمات الخمس حذف النون\"، ووجْه ذلك اعتبار كون تلك الأفعال كلها معطوفة على الفعل الأول المنفي المنصوب بأن.\n(٧) عبارة القرافي هنا: \"واعلمْ أن الجمهور من مذاهب العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ﵃ لا يروْن النقض بالإِخلال بهذه الشروط كيف كان، بل بعضها يوجب النقض، وبعضها لا يوجب، وقد سبق إلى خاطر الفقيه أن المشروط شأنه الانتفاء عن انتفاء أحد شروطه ولو كان ألْف شرط، إذا عدم واحد منها لا يفيد ما عداه كما يجده في شرائط الصلاة والزكاة وغيرهما إن عدم شرط واحدٌ عدم جميع الشروط، فلذلك يخطر لضعفة الفقهاء أن شروط الجزية ينبغي أن تكون كذلك، وليس الأمر كذلك، وأن قاعدة ما يوجب النقضَ مخالفة لقاعدة ما لا يوجبه، فإن عقد الذمة عاصم للدماء كالإسلام، وقد ألْزم الله تعالى المسلم جميع التكاليف في عقد إسلامه كما ألزم الذمي هذه الشروط في عقد أمانه.","vol":"1","page":429},{"text":"وطريقة الجمهور أن الشروط ثلاثة أقسام: منها ما اتفقوا على أنه موجب لمنافاة عقد الذمة، كالخروج على السلطان، ونبْذ العهد، والقتال بانفرادهم أو معَ الأعداء ونحو ذلك، ومنها ما اتفقوا على أنه لا ينافيه كركوب الخيل وترْكِ ضيافة المسلمين ونحو ذلك، وقسم ثالث، اختلف فيه، هل يلحق بالقسم الأول فينقض، أو بالثاني فلا ينقض. من ذلك إذا أظهروا معتقدهم في المسيح ﵇ أو غيره أدبناهم، ولا ينتقض العهد بذلك. وزِناهم بالمسلمة، إن كان كرها نقض العهد بذلك، وإن كان طوْعًا فلا ينقض العهد بذلك عند مالك. وينتقض عند ربيعة وابن وهْب. فإن غرها بأنه مسلم وتزوجَها فعن ابن نافع ينتقض.\nقال التونسي من أصْحابنا: لمْ يجعل مالك القتل في الحِرابة نقضا، وهو يقول: غصْبُ المسلمة وقهرها على الوطء نقض، قال: وهو مشكِل، إلَّا أن يكون العقد اقتضاه، قال ابن القاسم: إن كان امتناعهم من الجزية لظلم من الإِمام أو غيره رُدُّوا إلى ذمتهم. وقال الداودِي: إن كان خروجهم من ظلم فهو نقض، لأنهم لم يعاهدوا على أن يَظلموا من ظلمهم. وروي عن عمر ﵁ أن ذِمّيًا نخس بغلا عليه مسلمة فوقعت، فانكشفت عورتها، فأمر بصلبه في ذلك الموضع، وقال: إنما عاهَدْناهم على إعطاء الجزية عن يدٍ وهو صاغِرون.\nثم إذا قلنا: نقتُلُهم -إذا حارَبُوا- ونسبي نساءهم، هل يُفْعَلُ بالضعفاء الذين يُعْلم أنهم خرجوا معهم لأنهم مغلوبون كذلك، أو لا؟، استثناهم ابن القاسم، ولم يستثن أصْبَغُ أحَدًا. قال المازري، وينتقض عهدُهُم إذا صاروا عيْنًا للْحَرْبِيّين علينا.\n\nالقاعدة الثالثة: (٨)\nما الفرق بين البِر والتودد. حتى أُمِرْنا بِبرّهم، ونُهيِنا عن التودد لهم؟ فنقول:\n_________\n(٨) هي موضوع الفرق التاسع عشر والمائة بين قاعدة بر أهل الذمة، وبين قاعدة التودد لهم\". جـ ٣. ص. ١٤. لم يعلق عليه بشيء الفقيه ابن الشاط ﵀.","vol":"1","page":430},{"text":"إنا لمّا عاهدناهم حسُن بنا أن لا نضيعهم، وأن نلطُف بهم، وأن نوقع معهم الأخلاق الجميلة لا خوفا منهم ولا تعظيما لهم، ثم نستحضر مع ذلك في قلوبنا عداوتهم لنا ولنبينا حتى لا نودهم ضرورةً، كما اتفق لأبي الوليد الطرطوشي حيث رأى وزيرا من الرهبان للخليفة قد أجلسه بإزائه، فقال ﵁:\nيا أيها الملك الذي جودُه ... يطلبه القاصد والراغبُ\nإن الذي شَرُفْتَ من أجله ... يزعُمُ هذا أنه كاذبُ\nفاشتد غضبُ الخليفة عند سماع الأبيات، وأمَر بالراهب فسحب وضُرب وقُتل، وأقبل على الشيخ أبي الوليد أكرمه وعظمه بعد عزمه على أذيته. وهذا الخير بسبب استحضاره بغض الراهب للنبي ﵊ (٩).\nورُوي عن عمر ﵁ أنه كان يقول في أهل الذمة: أعينوهم ولا تظلموهم، فظهر أن الاحسان إليهم لا يخالف بغضهم، وأن ودَّهمْ غيْرُ بِرِّهِم.\n_________\n(٩) وعبارة الاممام القرافي ﵀ في اول هذا الفرق كما يلي:\nإعْلَمْ أن الله تعالى منعَ من التوددِ لأهل الذمة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية الأولى من سورة الممتحنة. فمنع الموالاة والتودد. وقال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقال في حق الفريق الآخر: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ سورة الممتحنة. الآية ٩. وقال ﷺ: \"استَوْصُوا بأهل الذمَّة خيْرا\"، فلابد من الجمع بين هذه النصوص، وإن الإحسان لأهل الذمة مطلوب، وإن التودد والموالاة منهي عنهما، والبابان ملتبسان فيحتاجان إلى الفرق.\nوسِرُّ الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوتا علينا لهم، لانهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ ودين الإسلام. فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوءٍ أو غِيبَة في عرض أحدهم، أو نوع من انواع الإذاية، أوْ أعان على ذلك، فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله - ﷺ - وذمة الإِسلام.\nوكذلك حكى ابن حزم في مراتب الإجماع له أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلدنا يقصدونه وجبَ علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموتَ دون ذلك، صونا لمن هو في ذمة الله وذمة رسوله - ﷺ -، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة، وحكى في ذلك إجماع الأمة.\nفعقد يؤدي إلى تلف النفوس والأموال، صونا لمقتضاه عن الضياع، إنه لعظيم.\nوإذا كان عقد الذمة بهذه المثابة تعيَّن علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر.","vol":"1","page":431},{"text":"القاعدة الرابعة: (١٠)\nنقرر فيها الفرق بين عقد الجزية وغيره من العقود التي يحصل بها (١١) التأمين والأمن، فنقول:\n_________\n(١٠) هي موضوع الفرق الثالث والعشرين والمائة بين قاعدة عقد الجزية وبين قاعدة غيرها مما يوجب التأمين، جـ ٣ ص ٢٣. ولم يعلق ابن الشاط بشيء على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق.\nقال القرافي ﵀ في أوله: وهو (أي ما يوجب التأمين) إما المصلحة أو الأمان. والجميع يوجب الأمان والتأمين، غير أن عقد الجزية يكون لضرورة ولغير ضرورة، لأن الله تعالى إنما أوجب القتال عند عدم موافقتهم على أداء الجزية، لقوله \"حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون\" فجعل القتال مغَيّىً إلى وقت موافقتهم على أدائها، ولا يعقده إلا الإِمام، ويدوم للمعقود لهم ولدراريهم إلى قيام الساعة، إلا أن يحصل للعقد ناقض كما تقدم، وأنه ليس رخصة على خلاف القواعد، بل على وفق القواعد كما تقدم بيان ذلك.\n(١١) كذلك في نسخة لترتيب الفروق، وهو الصواب والتعبير السليم. وفي كل من نسختي ع، وح. الذي يحصل به التأمين، وهو غير صواب، لأن اسم الوصول نعت لكلمة العقود التي هي جمع تكسير، لغير العاقل، وكل جمع من هذا القبيل يعتبر مؤنث المعنى والتعبير، وإليه ويرمز المرتجز القائل:\nإن قومى تجمعوا ... وبقتلي تحدثوا\nلا أبالي بجمعهم ... كل جمع مؤنث\nوالجزية في نظر الفقهاء وتعريفهم لها هي: ضريبة سنوية على أهل الذمة يقدر الإِمام الخليفة قيمتها، وتفرض على الرجال البالغين الأقولاء، فلا جزية على صبي، ولا زائل العقل، ولا امرأة، ولا فقر عاجز، ولا شيخ فان ولا أعمى ومن في معناهم من الضعفاء العاجزين، كما يعفي منها من يحارب ويقاتل مع جيش المسلمين. والجزية بالنسبة لأهل الذمة، في مقابلة زكاة الأموال عند المسلمين، وذلك ما جعل كثيرا من كتب الفقه تذكرها بجانب الزكاة.\nوكما أن لأهل الذمة حقوقا بمقتضى عقد الجزية، فإن عليهم واجبات بمقتضى نفس العقد، وذلك باحترام الإسلام والمسلمين ومراعاة شعورهم، وعدم التنقيص من الإِسلام وكتابه القرآن المبين، ونبيه الكريم، وعدم الدعوة للعقائد المخالفة للاسلام، وعدم التظاهرة بتناول المحرمات من خمر وخنزور، وعدم بيعهما للمسلمين. وعلى هذا الأساس من عقد الجزية وما يستوجبه من حقوق وواجبات يقوم التساكن بين أهل الذمة والمسلمين.\nوهناك الخراج، وهو ضريبة تفرض على رقبة الأرض، ويقدر الإِمام قيمتها، كما فرض عمر بن الخطاب ﵁ على أهل الذمة ضريبة تجارية مقدارها نصف العشر في مال التجارة في حال انتقالهم من بلد إلى بلد.","vol":"1","page":432},{"text":"عقد الجزية وعقد الصلح وعقد الأمان، هي وإن استوت في إعطاء الأمان، فهي تفترق من حيث ان الجزية ليست إذا أخذناها منهم رخصة من حيث إحتياجنا للمال، بل لما قدمناه من المصلحة العظيمة من رجاء إسلامهم.\nوأما الصلح والأمان فما يكون إلا رخصة (١٢). وأيضا فالصلح والأمان يكونان للمال، والجزية لا بد فيها من أخذ المال.\nثم الأمان قد يكون من آحاد المسلمين إذا كان تأمينًا لواحد أو قليل، وأما التأمين للجيش فليس إلا للأمير لرخصة (١٣)، ولما رأى في ذلك من مصلحة.\nوأيضًا وقع الفرق بأن شروط الجزية مضبوطة من حيث قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وقد تقدم ذكر ابن حزم لها، وشروط الصلح مختلفة بحسب ما يظهر للامام في ذلك الوقت من المصلحة. وأيضًا فالجزية لا أمد لها، والصلح له أمد محدود. وأيضًا فالجزية توجب علينا الذب عنهم وطرد عدوهم عنهم. وأهل الصلح هم لنا كالأجانب، إلا أن يشترط في الصلح ذلك.\nقلت: ولنذكر هنا مسألتين فقهيتن، بينهما اشتباه، ثم وقعت الخالفة في الحكم (١٤).\nالمسألة الأولى، قال ابن القاسم: إذا دخلت المرأة من أهل الحرب إلينا بأمان فأسلمت فولاؤها للمسلمين، فإن سبي أبوها بعد ذلك جر ولاء ابنته إلى معتقه.\nوقال: إذا أعتق المسلم لنصراني (١٥) فلحق بدار الحرب ناقضا للعهد ثم سُبي، فأعتقه من صار اليه، فإنه يكون ولاؤه للذي أعتقه أخيرا، وينتقل عن الأول،\n_________\n(١٢) كذا في النسخ كلها: (فما يكون) بالإفراد، ويظهر أن الأنسب والصواب أن يقال: (فما يكونان) بالنية كما هو في العبارة الموالية بعد هذه.\n(١٣) كذا في نسخة ع، وح: لرخصة بالتنكير. وفي نسخة ثالثة للرخصة بالتعريف.\n(١٤) هاتان المسألتان مما أضافه الشيخ البقوري ﵀ وألحقه بكتاب أستاذه القرافي رحمهما الله جميعا.\n(١٥) النصراني: ثابتة في ع، ونسخة ثالثة، ساقطة في نسخة ح.","vol":"1","page":433},{"text":"وفي كلا الموضعين قد ثبت الولاء، فالفرق بينهما أن ولاء الابنة كان للمسلمين لعدم من يستحقه من جهة القرابة، فلما وجد ذلك انتقل إليه. والنصراني لما سبي بعد عتقه بطل عتقه الذي كان من المسلم الاول، وصار كأنه عبد لم يعتق قط، فإذا أعتقه الثاني كان الولاء له.\nالمسألة الثانية، إذا أسلمت أم ولد الذمي، ثم أسلم الذمي بعدها كان أحق بها، ما لم يحكم ببيعها أو عتقها على الخلاف، ويعود الولاء إليه. وإذا أسلمت جاهلة الذمي، فوطئها بعد الإسلام فحملت، ثم أسلم، كانت كالتي قبل الإسلام، ولا يعود إليه الولاء، وكلتاهما أم ولد الذمي.\nفالفرق أنها إذا حملت قبل الإسلام في الكفر، فقد ثبت وجود حرمة الاستيلاد في. حالة يثبت له عليها الولاء فيها، فترجع إليه إذا أسلم، وليس كذلك إذا أولدها بعد الاسلام، لأن الاستيلاد حصل منها في حالة لا يصح أن يثبت له عليها ولاء، فلذلك لم يثبت له عليها ولاء إذا أسلم.","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الذكاة</span>\nقاعدة واحدة (١)\nقال مالك في المدونة: لا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها، فيجوز أكلها حينئذ لمن احتاج إلى ذلك، . وأشار صاحب الجواهر (٢) إلى أنها تأيمى كما يذكى الصيد. وظاهر قوله: أنها لأجل العجز عنها (٣) إذا جرحت في أي موضع كان من جسدها جاز تناولها عند الحاجة إليها (٤)، ولم يطلق مالك هذا الاطلاق، بل قال: إذا ذكيت موضع ذكاتها، ولم يقل: إذا ذكيت مثل الصيد. والسبب في ذلك أن ذكاة الحيات لا يحكمها إلا طبيب ماهر.\nوصفة ذلك على ما اختاره المتأخرون من الأطباء، إذا أراد. استعمالها في الترياق (٥) الفاروق أو في غير ذلك أن يمسك برأسها وذنبها من غير عنف، حذرًا من أن يحصل لها غيظ فيدور السم في جسدها، فإذا اخذت كذلك ثنيت على مسمار مضروب في لوح، ثم تضرب بآلة حادة كالقدوم الحاد مثل الموسي ونحوها من الآلات الحادة الرزينة، وهي ممدودة على تلك الخشبة، ويقصد بتلك الضربة آخر الرقبة من جهة رقبتها وذنبها، فإن بين وسطها ورأسها مقدارا رقيقا، وبين ذنبها ووسطها مقدارا رقيقا، فيتجاوز ذلك الرقيق في الجهتين، ويوصل المقدار الغليظ الذي في وسطها، فلا يترك غيره، ويحاز الرقيقان إلى جهة الرأس والذنب، ويقطع\n_________\n(١) هي موضوع الفرق التاسع والثلاثين والمائة بين قاعدة ذكاة الحيات، وقاعدة ذكاة عرها من الحيوانات، جـ ٣، ص ٨٩. لم يعلق عليه الفقيه ابن الشاط بشئٍ.\n(٢) هو عبد الله بن نجم بن شاس الفقيه المالكي، صاحب الكتاب الفقهي الجليل: (الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة).\n(٣) كذا في نسختي ع، وح. وكذا عند القرافي في الفروق، أنها لأجل العجز عنها. والذي في نسخة ثالثة للترتيب: وظاهر قوله: لأجل العجز عنها أنها إذا جرحت، بتأخير كلمة أنها\n(٤) زاد القرافي هنا قوله: \"وهو سبب لهلاك متناولها\"، ولم يطلق مالك هذا الاطلاق.\n(٥) الترياق، دواء يدفع به السموم.","vol":"1","page":435},{"text":"جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة وجيزة، فمتى بقيت جلدة يسيرة لم تنقطع مع الجملة قتلت آكلها، لأن السم حينئذ يجرى من جهة الرأس والذنب في تلك الجلدة اليسيرة إلى بقية جسدها الذي هو الجزء الغليظ بسبب ما يحدث لها من الغضب عند الاحساس بألم الحديد.\nوهذا هو معنى قول مالك: موضع ذكاتها، فهذا هو الفرق بين ذكاتها وذكاة غيرها من الحيوانات (٦)، فشرعت فيها هذه الذكاة هكذا للسلامة من سمها، لا لأن يخرج منها دم عند ذكاتها، اذ لا يخرج منها أصلا. وشرعت الذكاة في غيرها من الحيوانات لاستخراج الفضلات المحرمات من أجسادها بأسهل الطرق على الحيوان. ولاعتبار أسهل الطرق كان النحر في بعضها والذبح في بعضها وجواز الأمرين في بعض آخر (٧).\n_________\n(٦) قال القرافي هنا ﵀: فهذا فرق من جهة صفة الأكاة، وفيها فرق آخر من جهة المعنى وهو أن الذكاة شرعت فيها لأجل السلامة من سمها، ولا يكاد يخرج منها دم عند ذكاتها البتة، وإنما المقصود السلامة من سم رأسها وذنبها، ولذلك تذكى من وسطها.\n(٧) قال ابن رشد أبو الوليد الجد في المقدمات ﵀ في هذه المسألة:\n\"وما يذكى على أربعة أتسام: قسم ينحر ولا يذبح، وهي الابل بجميع أصنافها، وقسم يذبح وينحر، وهي البقر وما جرى مجراها، وقسم يذبح ولا ينحر وهو ما سوى الابل والبقر مما له دم سائل (أي كالغنم والمعز، والطيور من الدجاج والحمام وغيرها)، وقسم تصح ذكاته بغير الذبح والنحر، وهو الصيد في حال الاصطياد، وما ليس له دم سائل. ثم ذكر الخلاف فيمن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح من غير ضرورة، هل لا يؤكل، سواء كان ساهيا أو متعمدا، وهو قول الإِمام مالك ﵀ في كتاب ابن المواز، وهو ظاهر الدونة، وقيل يكره أكله الخ، أو يؤكل\nمطلقا، سهوا أو عمدا، وهو قول أشهب.\nوقد جمع الشيخ خليل بن اسحاق المالكي ﵀ في باب الذكاة من مختصره الفقهي تعريف الذكاة، وأنواعها وشروط المذكي، فقال: (الذكاة قطع مميز يُنَاكَح تمام الحلقوم والودجين من المقدم بلا رفع قبل التمام، ومن النحر طعن بلبة).\nومعنى قوله يناكح بفتح الكاف، أي يجوز التزوج منه ومصاهرته، لكونه مسلما، أو لكونه من أهل الكتاب: (اليهود والنصارى)، وبذلك يخرج غير المسلم، وغير الكتابي، وهو المجوسي فلا تؤكل الذبيحة بذكاته ابدا. قال الله تعالى في ذلك خطابا لعباده المؤمنين: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾. والمراد بالطعام المباح لنا منهم هو ذبيحتهم التي يذبحونها كما ذكره المفسرون.","vol":"1","page":436},{"text":"وعلى هذا التعليل فلا ذكاة في الجراد لأنه لا دم فيه، وكذلك سائر ما ليس له نفس سائلة. ومن يقول: العلة في الذكاة أن يحصل زهوق الروح سريعًا، يقول بذكاة ذلك كله، وهذا هو مشهور مذهب مالك ﵀، ومن لاحظ قاعدة أخرى وهي إلحاق النادر بالغالب أسقط ذكاة ما يعيش في البر من دواب البحر، وهو مشهور مذهب مالك أيضا. قال ابن وهب: ومن لاحظ أن ميتة البحر على خلاف الاصل، لقوله ﵊: \"أحلت لنا ميتتان ودمان (٨) \" لم يسقط الذكاة من هذا النوع، وياخذ بقوله تعالى: \"حرمت عليكم الميتة\"، ويجري الخلاف ايضا على قاعدة اخرى، وهي: العام إذا ورد على سبب خاص هل يحمل على عمومه أو يخص بذلك السبب؟ ولا شك أن السبب هو الميتة التي كانوا يأكلونها من الحيوان البري، ويقولون: تاكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله.\nذكر شهاب الدين ﵀ هاهنا مسألة، فقال:\nقال صاحب البيان (٩): قال ابن القاسم: الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها، أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولا من قفاها لتحصل راحتها من العذاب، وقيل: تُعْقَر، لئلا يغري الناس بذبحها على أكلها.\nوقال ابن وهب: لا تذبح ولا تعقر، لهي الت ى ﵊ عن تعذيب الحيوان لغير مأكله.\nثم قال:\n_________\n(٨) تمامه، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال. رواه ابن ماجة والحاكم، وصححه. فيكون هذا الحديث تبيينا وتخصيصا للآية الكريمة، وهي قوله تعالى في سورة الانعام: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾.\n(٩) صاحب البيان هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (الجد) القرطبي المالكي المتوفى سنة ٥٢٠ هـ من أكبر مؤلفاته: كتابه الفقهي الجليل، المسمى \"البيان والتحصيل\"، وقد طبع مؤخرا طبعة جيدة في عدة أجزاء بتحقيق من بعض أفاضل العلماء، وعلى رأسهم الدكتور محمد حجي، فجزاهم الله خيرا عن العلم والعلماء وخدمته بصفة عاية، وعن خدمة الفقه المالكي بصفة خاصة ..","vol":"1","page":437},{"text":"فرع مرتب: إذا تركها صاحبها فأعلفها غيره، ثم وجدها، قال مالك: هو أحق بها لأنه مكره على تركها ويدفع ما أنفق عليها. وقيل: هي لعالفها، لإعراض المالك عنها.\nثم قال: وما ذكرناه من القصد إلى استخراج الدم بسهولة، يتصور في غير الصيد، وأما الوحش فلا يتصور ذلك فيه، فدعت الضرورة فيه إلى ترك ذلك وإخراج دمه بأي شيء أمكن، من سهم أو جارح، وإخراجه بالسهم في الرتبة الثانية للذكاة، لأن الدم يخرج، لكن لا بسهولة، وأخذه بالجارح، وأكله من قتله، في الرتبة الثالثة (١٠).\n_________\n(١٠) وأصل إباحة الاصطياد بالسهم والجوارح من السباع والطير، ودليله قول الله تعالى خطابا للمؤمنين: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، سورة المائدة: الآية ٤.\nومن ذلك حديث عدى بن حاتم ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن صيد البازي، (اي الصيد به)، فقال: ما أمسك عليك فكل\". رواه الإِمام الترمذي ﵀، وفيه احاديث اخرى صحيحة يرجع اليها من اراد التوسع في ذلك.\nوالمعنى المفهوم من الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف أن الصيد يحل بكل سبع له ناب قوي يعدو به، كالكلب مثلا، وبكل طير له مخلب قوي يجرح به إذا تعلم الصيد كالبازي، والصقر، بحيث إذا أُرسِلَ ذهب وإذا طلب رجع. وإذا صاد في أول الأمر لا ياكل منه شيئًا، لكن إذا فعل ذلك ثلاث مرات فأكثر، وتعلم، كان الجارح من الكلب أو الطير معلَّما (بفتح اللام) وحل حينئذ قتيله من الصيد المصطاد المباح.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الأطعمة</span>\nقاعدة واحدة (١)\nالقصد من هذه القاعدة التفريق بين سباع الوَحْش وسباع الطير حتى كان التغليظ والتشديد في سِباع الوحش أكثر، فقيل بتحريم لحمها وبكراهة لحم سباع الطير، هذا على قول، فأقول:\nإن الأغذيةَ لما كانت تُكْسِب المغتذى بها صفةً من صفات ذلك الحيوان الذي اغتُذى به، وكانت القساوة في سباع الوحْش أقوى مما هي في سباع الطيْر بكثير، فحسْبُك ما ترى من وثوب الأسد وغيْره من الحيوان الذي يفترس حيوانا آخر، حيث يَكْسِر أعضاءه بغير رفق في ذلك لحاجة له ولغير حاجة، فلما كان الأمر على هذا قضى بتحريمها، خوفا من اكتساب القساوة التي طُبعَتْ عليها، وسباع الطير لما كانت دون ذلك، من الفقهاء من رأى عدم اعتبار ذلك لخفَّتِها، فقال بجواز أكلها، ومنهم من فر من ذلك ولو كان يسيرا، فقال بعضهم بالتحريم، وقال آخرون بالكراهة. وأمْر الأخلاق تَسْري من حيث الأغذية معلوم.\nوممّا يقال: ان العرب سَرَى إليها الكرم والحِقد من أكل لحم الإبل، والفُرْس اكتسبت القساوة من اكْل الخيل، والافرنج اكتسبت عدم الغيم من أكل الخنزير، والسودان أفادها الرقص أكل القِرَدة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الثامن والثلاثين والماثة بين قاعدة تحريم سباع الوحش وبين قاعدة تحريم سباع الطير. جـ ٣. ص ٩٧. لم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.\nقال عنه الإِمام القرافي ﵀ في أوله: إعلَمْ إن النواهي تعتمد المفاسد، فما حرم الله تعالى شيئا إلا لمفسدة تحصلُ من تناوله. وقد أجْرَى الله عادته أن الأغذية تنقل الأخلاق لخلق الحيوان المتغذى به حتى يقال: إن العرب لما أكلتْ من لحوم الإبل حصل عندها فرط الإيثار بأقواتها، لأن ذلك شأن الإبل، فيجوع الجمع من الإبل الأيام، ثم يوضَعُ لها ما تأكله مجمتعة، فيضع كل منها فمه فيتناول حاجته من غير مدافعة عن ذلك الحب ولا طرد لمن يأكل معه. أما غيرها من الحيوانات فتتقاتل عند حوز الغذاء، وتمنع من يأكل معها ان يتناول شيئا، وهذا شيء مشاهد في السباع والأغنام فانتقل ذلك لخلق الأعراب .. الخ.","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الأيمان</span>\nوفيها ثمان قواعد:\nالأولى (١) كالتوطئة للأيمان\nوالقصد فيها الفرق بين ما يجب توحيد الله به من التعظيم وبين ما لا يجب توحيده به، فقال:\nإعلم أن توحيد الله بالتعظيم ثلاثة أقسام: واجبٌ إجماعا، وغير واجب إجماعا، ومختلف فيه هل يجب أم لا؟\nالقسم الأول: توحيده باستحقاق العبادة والألوهية، ثم توحيده بعموم تعلق صفاته العلية، فالعلم الأزلي تعلق بجميع المعلومات، وقدرته بجميع المقدورات، وإرادته بجميع الرادات هكذا، فكذلك الكائنات كلها من خلق ورزق، وحياة وموت وغير ذلك، هي أثرُ قدرته لا قدرة غيره. وما كان للأنبياء من\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الرابع والعشرين والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم، وبينَ قاعدة ما لا يجب توجده به\". جـ ٣. ص ٢٤.\nقال الإِمام القرافي هنا ﵀: فيجب على كل أحد أن يعتقد توحيد الله وتوحُّدَه بهذه الأمور على سبيل الحقيقة، وإن أضيف شيء منها لغيره تعالى فإنما ذلك على سبيل الربط العادي لا أن ذلك المشار اليه فعل شيئا حقيقة، كقولنا: قتله السم، واحرقته النار، وأرواه الماء، فليس شيء من ذلك يفعل شيئا مما ذُكر حقيقة، بل الله تعالى ربط هذه السببات بهذه الأسباب كما شاء وأراد، ولو شاء لم يربطها، وهو الخالق لمسبباتها عند وجودها، (اي الأسباب) لا أن تلك الأسباب هي الوجدة، وكذلك إخبار الله تعالى عن عيسى ﵇ أنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، معناه أن الله تعالى كان يحيى الموتى ويبرئ عند إرادة عيسى لذلك، لا أن عيسى ﵇ هو الفاعل لذلك حقيقة، بل الله هو الفاعل لذلك ومعجزة عيسى ﵇ في ذلك ربط وقوع ذلك الإِحياء وذلك الإِبراء بإرادته، فإن غيره يريد ذلك ولا يلزم ارادته ذلك، فاللزوم بإرادة عيسى هو معجزته ﵇. وكذلك جميع ما يظهر على ايدي الأنبياء من المعجرات، والأولياء من الكرامات، الله هو خالقها.\nوقد علق الفقيه الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء عند القرافي في هذا القسم الأول فقال: ما قاله في ذلك صحيح.","vol":"1","page":441},{"text":"المعجزات، وللأولياء من الكرامات فهى من حيث الكون بتكوينه جل وعلا، وأثرٌ\nمن آثار قدرته، ومن حيث انها وافقت في الكون مراد الأنبياء ومراد الأولياء كانت\nمن تلك الجهة معجزة أو كرامة.\nالقسم الثاني، المتفق علي عدم التوحيد به، كنوحيده بالوجود وسائر الصفات، فمفهوم الوجود مشترك فيه، وكذلك مفهوم العلم وسائر الصفات. ولولا الشركة في أصول هذه المفهومات لتعذر علينا قياس الغائب على الشاهد، فإن القياس بغير مشترك متعذر، وقياس الباين على مباينه لا يصح.\nوقد أورد بعض الفضلاء هذا السؤال فقال: إن كان القياس صحيحًا لمعنى مشترك بين الشاهد والغائب فقد وقعت المشابهة بين صفات الله وصفات البشر، والله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا من حيث الصفات ولا من حيث الذات، اذ السلب عام، وان لم يكن القياس صحيحا تعذَّر إثبات الصفات، فإن مستندَها قياس الغائب على الشاهد.\nوالجواب أن سلب المثلية صحيح، والقياس أيضا صحيح.\nووجه ذلك أن المعاني لها صفات نفسية تقع الشركة فيها، بها يقع قياس، وتلك الصفات النفسية حكم لذلك المعنى، وحال من أحوال النفسية، وهي حالة غير معللة، وذلك كما تقول: كوْن السواد سوادًا، وكون البياض بياضا حالة السواد والبياض، وهي حالة غير معللة، وهي لا موجودة ولا معدومة، فليس خصوص السواد الذي امتاز به عن جميع الأعراض صفة موجودة قائمة بالسواد، وكذلك كونه عَرضا ليس بصفة وجودية قائمة بالسواد، بل السواد في نفسه بسيط لا تركيب فيه، وحقيقة واحدة في الخارج ليس لها صفة، بل يوصَف بها ولا يوصف بصفة وجودية حقيقية تقوم بها، وكذلك القول في بقية المعافي، فالقياس وقع بهذه الحالة النفسية والحكم النفسي لا بصفة وجودية. هكذا الأمر في العلم والقدرة والإِرادة وسائر الصفات.","vol":"1","page":442},{"text":"واذا كان القياس بما ذكرناه فالسَّلْبُ الذي في الآية، معناه أن المثلية منفية بين الذات (الإلهية) وجميع الذوات، وبين صفاته (العلية) وجميع الصفات. فعلى هذا يجوز أن نصف (٢) الخلوق بأنه عالم، ومريد، وحي، وموجود، وبغير ذلك، من غير اشتراك في اللفظ، باعتبار معنى عام. (٣)\nالقسم الثالث، الختلف فيه، التعظيم بالقسم، هل يجوز أن يقسم بغير الله فلا يكون من التعظيم الذي وجب التوحيد به، وهذا القسم الذي سيق الفرق في كتاب شهاب الدين لأجْله، لأنه المتعلق بالقواعد الفقهية، وقد اختلف العلماء فيه. قال أبو الوليد بن رشد: الحلف بأسماء الله وسائر صفاته مباح، وباللات\n_________\n(٢) كذا في نسخة ع، وفي نسخة ح ونسخة ثالثة: أن تصف (بالتاء)\n(٣) علق ابن الشاط على كلام القرافي الذي اختصره البقوري في هذا القسم من أوله إلى آخره بقوله: مما قاله في ذلك غير صحيح، فإنه لا يخلو أن يقول: إن الوجود هو عيْنُ الموجود او غيره، فإن قلت بالأول لم يصح القول بعدم التوحيد والتوحد، (اي بعدم توحيد الله بالوجود والعلم ونحوهما من الصفات)، من حيث إن وجود البارى تعالى عيْن ذاته، ووجودُ غيْره عينُ ذاته، والغَيْرَان كل واحد منهما منفرد بذاته غير مشارك فيها (بفتح الراء)، فلا يصح على ذلك، القول بعدم التوحيد والتوحُّد على هذا باعتبار الوجود الخارج عن الذهن، وأما باعتبار الأمر الذهني فلا يصح علي ذلك، الاتفاق على القول بعدم التوحيد والتوحد للخلاف في الأمر الذهني. وإن قلنا بالأمر الثاني (وهو أن الوجود غير الموجود) فلا يصح ايضا القول بعدم التوحيد والتوحد، من حيث إن وجود كل واحد من الغيرين يختص به. هذا على القول بإنكار الحال، وأما على القول بالحالِ فلا يخلو أن يقال: إن الحال هي الأمر الذهني اولا، فإن قلنا بالأول لم يصح الاتفاق على عدم التوحيد والتوحد للخلاف في الأمر الذهني، وإن قلنا بالثاني لم يصح القول بعدم التوحيد والتوحيد، لاختصاص كل واحد من الغير بحاله كما سبق في الوجود.\nوما قاله القرافي من أنه لولا الشركة في أصول هذه المفهومات لتعذر علينا قياس الغائب على الشاهد، ليس بصحيح، من حيث إن الشركة في اصول هذه المفهومات لم تثبت، فيتعذر قياس الغائب على الشاهد.\nوما ذكره من أن بعض الفضلاء أورده (سؤالا) وارد، وجوابه بالتزام بطلان قياس الغائب على الشاهد، وعدم تعذر إثبات الصفات لذلك، لأنه لا يتعين لاثباتها قياس الغائب على الشاهد. وما أجاب به هو عن ذلك السؤال لا يصح إلا على القول بالأحوال، ولا حاجة إلى ذلك لعدم تعين قياس الغائب على الشاهد للدلالة على الصفات، والله تعالى اعلم. اهـ\nثم قال ابن الشاط. وما قاله القرافي بعد ذلك في القسم الثالث المختلف فيه والمتعلق بالتعظيم بالقسم صحيح.","vol":"1","page":443},{"text":"والعُزّى وما يُعبَد من دون الله حرام، وقد يكون كُفْرا. والحلف بما عدا ذلك مكروه\nكالحلف بالآباء لنهيه ﵊ عن ذلك.\nوقال أبو عمر: ذلك ناسخ لقوله ﵊. أفْلَحَ -وأبيه- إن صدق.\nومن المكروه، الحلف بالرسول ﵊ أوْ بالكعبة. وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي: الحلف بالخلوقات كالنبى ﵇ ممنوع، فمن فعل ذلك استغفر الله تعالى.\nثم من الناس من قال: لا يقع الحلف إلا بالله تعالى فقط، لقوله ﵊: \"من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت\" (٤). وقيل: يجوز بسائر الصفات العنوية وسائر الأسماء التي له ﷿.\nقلت: ويدل على ذلك قوله ﵊: \"والذي نفسُ محمد بيده\"، فكثيرًا ما يحلف بها.\nوقال شهاب الدين ﵀: والمشهور، الجواز واللزوم للكفارة في ذلك كله إذا حنث، وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ﵃ أجمعين.\nوروى عن مالك الكراهة في: لَعَمْرُ الله، وأمانة، الله، وأن الحلف بالقرآن والمصحف ليس بيمين، ولا كفارة فيه. وقال صاحب الجواهر: لا يجوز الحلف بصفات الله تعالى الفعلية كالرزق والخلق، ولا تجب فيه كفارة.\n_________\n(٤) تمام هذا الحديث من أوله عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - أدرك عمر ﵁ في ركبٍ وهو يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله - ﷺ -: ألا إن الله ﷿ يهام أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت، قال عمر: فوالله ما حلفت منذ سمعت رسول الله - ﷺ - نهى عنها، اي ما حلفت بآبائي ذاكرا لها من قبل نفسي، ولا آثرا لها، أي حاكيا لها عن غيري بشيء. اهـ. وذلك أن الصحابة رضوان الله كانوا إذا امرهم الله ورسوله بشيء أسرعوا إلى امتثاله والعمل به، واذا جاء النهي من الله ورسوله أسرعوا وبادروا إلى هجر وترك ما وقع النهي عنه، وكان ذلك شأن السلف الصالح والخلف الصالح في كل جيل، بامتثال أوامر الله ورسوله واجتناب نواهيما كما جاء بها القرآن الكريم، وصحت بها السنة عن النبي المصطفى الأمين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.","vol":"1","page":444},{"text":"فإذا تقرر القسم المختلف فيه، فهل يجوز أن يَشْترِك معه غيره بأن يُقسم عليه ببعض مخلوقاته كأن يقول: بحق رسول الله - ﷺ - إلا غفرت لنا، أو يمتنع، لأنه قَسَمٌ وتعظيم بالقسم لغير الله. وقد توقف في هذا بعض العلماء، ورجح عند بعضهم. التسوية بين الحلف بغير الله وبين الحلف على الله تعالى بغيره، وقال: الكل قسم وتعظيم.\nوما وقع في القرآن من القسم بغيره جل وعلا فقد يقال: ذلك على حذف مضاف، وقد يقال: قد يجوز له تعالى في هذا الباب الشيء الذي نمنع نحن منه. (٥)\nفإن قلت: (٦) إذا صحّ الحلف بصفاته المعنوية (٧) فهل القرآن من ذلك القبيل، وكذلك التوراة والانجيل وسائر الكتب أمْ لا؟ .\nقلت: قال أبو حنيفة: لا، لاشتهار هذه الأسماء على الأصوات المسموعة عُرفا، وذلك مخلوق، والحلف بالمخلوق منهي عنه، لا تجب فيه كفارة. وأوجَبَ مالك في ذلك الكفارة لانصرافه عنده إلى الكلام النفساني القديم، ورُوي عن مالك مثل قوْل أبي حنيفة، قال شهاب الدين: وهو الأرجح.\n_________\n(٥) عبارة القرافي: تقدوره: اقسم برب الشمس والليل، والضحى، والتين والزيتون، فما وقع الحلف إلا بالله تعالى دون خلقه، ومنهم من قال: إنما اقسم الله تعالى بها تنبيها لعباده على عظمتها عنده فيعظمونها، ولا يلزم من الحجر على الخلق في شيء أن يثبت الحجر فى حقه تعالى، فإنه الملك المالك على الإطلاق، يأمر بما يشاء ويحكم ما وريد، من غير اعتراض ولا نكير، فيحرم على عباده ما شاء، ولا يحرم شيئا من ذلك عليه سبحانه. (فهو الخالق لكل شيء، وله الأمر والتدبير والله المعين.\n(٦) هذا التساؤل والجواب عنه هو من كلام القرافي ﵀، وليس من كلام اليقوري ﵀، ولا من اضافته وتعقيبه، كما قد يتبادر، جَرْيا مع عمله ومنهجه في هذا الترتيب والاختصار للفروق.\n(٧) في تعليق بكتاب الفروق العبارة الاتية: \"المعروف صفات المعاني). ومعلوم ان علماء التوحيد والكلام ﵏ فرقوا بين صفات المعاني، والصفات المعنوية، فالأولى هي: القدرة والإرادة، والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، والمراد بالثانية: كونه تعالى قادرا ومريدا وعالما وحيا وسميعا وبصيرا ومتكلما. وتفصيل ذلك مذكور ومعروف في كتب التوحيد.","vol":"1","page":445},{"text":"ثم قال (٨): إعلم أن الألفاظ انقسمت باعتبار هذا المطلوب ثلاثة أقسام: قسم علم أن مدلوله قديم كلفظ الله ونحوه، وقسم علم أن مدلوله حادث كلفظ الكعبة ونحوها (٩) وقسم مشكل، وذلك سبعة ألفاظ:\nالأول: أمانة الله، فمن حلف بها جاز، ولزمته الكفارة بها إذا حنث، لأن أمانته تكليفه، وهو أمرُه ونهيه بالكلام النفسي وهو قديم.\nومنه قوله تعالى: \"إنا عرضنا الأمانة\" الآية. وهذا الدلول كان عرْفا. فلو جاء عرف آخر بحيث يكون هذ اللفظ يحمَل على الأمانة الحادثة لا على القديمة، أو كاشا النيةهي التي أثرت ذلك لا متنع الحلف وسقطت الكفارة.\nالثاني عمر الله، ولعَمْرُ الله، ومعناه البقاء، وبقاء الله تعالى استمرار وجوده مع الأزمان، ووجود ذاته تعالى قديم، يجوز الحلف به، وتلزم به الكفارة. (١٠)\nالثالث: عهد الله، قال مالك: يجوز الحلف به، ويلزم به الكفارة. وأصل هذا اللفظ في اللغة الالزام والالتزام. قال تعالى: \"وأوْفُوا بعهدي أُوفِ بعهدكم\" (١١) معناه أوْفوا بتكاليفي أُوفِ لكم بثوابي الموعودِ به على الطاعة، (١٢)\n_________\n(٨) قوله هذا هو موضوع الفرق الخامس والعشرين والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الالفاظ فيجوز الحلف به، وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به، ولا يحب به كفاز. جـ ٣. ص ٢٩.\n(٩) قال القرافي: فهذان القسمان لا يقصدان بهذا الفرق لوضوحهما. وعلق عليهما ابن الشاط لقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\n(١٠) قال القرافي عن القسم الثالث \"وقسم مشكل على أكثر الطلبة وهو المقصود بهذا الفرق، وهو سبعة لفاظ: أماتة الله تعالى، والثاني عَمْر الله ولعمر الله الخ .. وعلق ابن الشاط على هذين المثالين وما جاء ما عند القرافي. فقال: ما قاله في ذلك صحيح.\n(١١) سورة البقرة: الآية ٤٠.\n(١٢) قال القرافي هنا: ومنه العهدة في البيع، أيْ ما يلزَم من الرد بالعيب وردّ الثمن عند الاستحقاق، ومنه قوله تعالى: \"والوفون يعهدهم إذا عاهدوا\"، أي بما التزموه، ومنه عهدة الرفيق اي ما يلزم فيه، وهو كثير في مواد الاستعمال. فعهد الله الزامه لخلقه تكاليفه، والزامه أمره ونهيه، وأمره ونهيُهُ كلامه القديم، وصفته القديمة يجوز الحلف بها كما تقدم على الخلاف في ذلك.","vol":"1","page":446},{"text":"فإن أريد بهذا اللفظ العهدُ الحادث الذي شرعه، نحو قوله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فهو حلف ممنوع، وسقطت الكفارة، وكذلك إذا اشتهر اللفظ فيه عرفا امتنع، ولا كفارة ايضا. وبالجملة الاعتبار بالعرف. (١٣). ومن حيث اعتباره قال اللخْمِي: العهدُ أربعة أقسام: تلزم الكفارة في واحد، تسقط في اثنين، وتحلَفُ في الرابع. فالأول: عليّ عهد الله، والاثنان، لك علي عهد الله، وأعطيك عهد الله، والرابع، أعاهدك الله، اعتبره ابن حبيب، وأسقطه ابن شعبان، قال: وهو أحسن. ثم القرائن أيضا اعتُبرت في هذا التقسيم، فهو لمَّا قال: عليّ عهدُ الله أشعرت بتكليف الله وإلزامه، وأن تكليفه واقع عليه، فناسَبَ اللزوم، كما لو قال: عليِّ الطلاق. وأما إذا قال: لك على عهد الله، فلم يلتزمه لله، لكن للمحلوف عليه. وقوله: أعطيك، وعْدٌ للمخاطَب بأنه يعاهده. وأمّا أعاهد الله فيحتمل أن يكون خبرًا، معناه انشاء الْمعاهَدَة والإِلزام، ويحتمِل أن يكونَ خبرًا وَعْدًا على بابِهِ فلا يلزم به شيء، كَما لو أخبر عن الطلاق بغير إنشاء. قال اللخمي: وهو أحسن، لأن الأصل عدم النقل، وبَرَآةُ الذمة. (١٤).\nقال شهاب الدين: وبقي قسم خامس لَمْ أرَهُ لأصْحَابنا، وهو أن يقول: وعَهْدِ الله لقد كان كذا، بواو القسم، فينبغي أن تلزمه الكفارة كما لو قال: وأمانة الله وكفالتِه، وهو أقوى في لزوم الكفارة من الوجه الذي قال فيه مالك إن فيه الكفاز، لأنه إخراج للخبر إلى الانشاء، والأصل خِلافه، وأما هذا فليس فيه أنه إخراج عن أصله في إِلزام الكفارة به (١٥).\n_________\n(١٣) علق ابن الشاط على ما جاء هنا عند القرافي في هذا اللفظ الثالث الذي هو عهد الله، بِقوله: ما قاله في ذلك صحيح.\n(١٤) قال ابن الشاط هنا: فيما قاله القرافي (وجاء ملخَّصا عند البقوري)، فيه نظر. فإن قول القائل: لكَ عليّ عهد الله، وأعطيك عهد الله، يحتمل أن يجري هذان اللفظانِ مجرى: عليَّ عهد الله، لقرينة الحال المشعِرة بتاكيد الالتزام باليمين، ويحتمل أن يجريا مجرَى أعاهد الله. فعلَى الاحتمال الاول تنعقد اليمين وتلزم الكفارة عند الحِنْثِ، وعلى الاحتمال الثاني يقع التردد، وأما القول بعدم انعقاد اليمين بذينك اللفظين، فذلك ضعيف، والله تعالى اعلم. اهـ\n(١٥) علق ابن الشاط على هذا القسم الخامس عند القرافي بقوله: ما قاله في ذلك صحيح.","vol":"1","page":447},{"text":"اللفظ الرابع، عليَّ ذمة الله، قال مالك: تلزمه الكفارة، ومعني ذمة الله، التزامه (١٦) فهو يرجع إلى كلامه تعالى من حيث الأمر والنهي، والكل كلام نفسي.\nثم إذا قال: وذمةِ الله فهو أقوى في وجوب الكفارة، وأما عليَّ ذمة الله وسائر هذه الأشياء المذكورة، فما كانت قسمًا إلا بالعُرْفِ، كما أنها ما كان ذلك القسم بها إلا من حيث إرادة المعنى القديم، وبمجموع ذلك لزمته الكفارة، وإلا لم تلزم ولم يصح اليمين، كما أنه لا يصح أن يقال علي إرادة الله، أو عليَّ علم الله وما أشبه هذا هو قسم (١٧).\nاللفظ الخامس، كفالة الله (١٨) قال مالك: إذا قال: عليِّ كفالة الله فحنث لزمته الكفارة، والكفالة بمعنى الضمان، ومعناها هنا وعده بما ألزمه، ووعده\n_________\n(١٦) قال القرافي هنا: ومنه عقد الذمة للكفار، أي التزامنا لهم عصمة النفوس والأموال والأعراض وما معها. ومنه قول الفقهاء: له في ذمته دينار، والعقد وارد على الذمة، فإن الذمة في الشريعة معنى مقدَّر في المكلف يَقْتل الالزام والالتزام، ولذلك إذا اتصف بالسفه بعد الرشد يقال: خربت ذمته وذهبت، وإذا مات خربت ذمته، أي المعنى الذي كان يقدر لم يبق مقدرا، وتقول العرب: فلان يفى بذمته، أي بما التزمه، وخفر ذمة فلان إذا خانها، وهذا كله راجع إلى الإخبار عن الالتزام أو معناه. وجاء في الحديث: من قال كذا وكذا (من الذكر والدعَاءِ) كان في ذمة الله. أي إن الله تعالى التزم له عند هذا القول حفظه من المكاره، والتزام الله تعالى راجع إلى خبره، فهو نوع آخر من الكلام غير نوع العهد، فإن العهد يرجع إلى الأمر والنهي، والذمة إلى الخبَر، والكل كلام نفسي، فهما نوعان منه، فافهم ذلك .. الخ.\n(١٧) عبارة القرافي هنا: ألَا ترى أنه لو قال: عليَّ علم الله، أو عَلى إرادة الله لمْ يتجه إيجاب الكفارة، لأن هذه الصيغ ليست قسما، وإنما هي خبر. والخبر ليس بقسَمٍ إجماعًا، والانشاء العرفي بغير القسم لا يوجب كفارة، فلا بد من النقل عن الخبر إلى إنشاء القسم، وإلا فلا يتجه إلزام الكفارة، واعتقاد أن هذا يمين، البتة، فتأمل هذه التنبيهات، فالفقيه يحتاج إليها حاجة شديدة في الفقه والفتاوى والفروق وتحرير معاني الألفاظ.\nوقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا اللفظ الرابع الذي هو عليَّ ذمة الله، ولخصه بقوله: والأظهرُ في هذا اللفظ وثبهه أنه إنشاء للقسم عرفًا، ولذلك رأى فيه مالك الكفارة، والله أعلم ..\n(١٨) قال ابن الشاط عن هذا اللفظ الخامس الذي هو كفالة الله وما جاءَ فيه عند القرافي: وهذا اللفظ أيضا كلفظ الذمة، وما أوره من ذكر مرادفاته واشتقاقاته لا حاجة إليه في الفقه، والله أعلم.","vol":"1","page":448},{"text":"خبره، وخبره كلامه النفسي، فيكون الحالف قد حلف بكلامه النفساني، فتلزمه الكفارة إذا حنث.\nقال شهاب الدين: وهنا تنبيهات:\nالأول أنه إذا قال: علي كفالة الله، فهو لا يكون حلِفا إلا بالمجاز، فلا بد من أحد أمرين: اما أن يكون قد نقل هذا اللفظ للقسم نقلا عرفيًا، فوقعت الفتوى بحسب العرف، أو يكون للمتكلم. نية تتزلب عليها الكفارة باليمين بها، والأظهر مِن مالك أنه أفتى بها من حيث العرف.\nفإذا كان هكذا فالحكم في ذلك قد يختلف بحسب اختلاف العرف، فلا يقال لهذا الحكم: إنه تانم لهذا اللفظ أبدًا من غير اعتبار بقاء العرف أو اختلاف.\nالتنبيه الثاني، أن كفالة الله أضيفت فيه الكفالة إلى الله، والإِضافة تكون بأدفى ملابسة، فهي تحتمل ثلائة أنواع من الكفالة: أحدها الكلام القديم والوعد الذي هو الكلام النفسي. وثانيها كفالة الله التي هي التزامه اللفظي الذي في القرَآن وغيره، الدال على الكلام القديم. وثالثها، كفالة خلقه، التي هي ضمان بعضهم لبعض، التي هي من فعلنا، فهي مضافة إلى الله تعالى إضافة المشروعية، كما قال تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾، أي التي شرَع (١٩).\nوإذا كانت الكفالة تصدق على معنى قديم ومعنيين حادثين، فكيف يكون\n_________\n= قلت عن هذه الملاحظة والتعقيب: ذلك شأن كثير من علمائنا القدامى ﵏ حيث يحاولون أن يستوعبوا ويستطردوا، ويُوردُوا كلَّ ما يتصل بالمسألة المتحدث عنها، لغة واشقاقًا وغير ذلك، تعميما للفائدة وتحصيلا لها.\n(١٩) عبارة القرافي: فهي تضاف اليه إضافة المشروعية كما قال تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾، أي التي شرعها وأوجب علينا أداءها، فأضافها اليه تعالى إضافةَ المشروعية، لأنه تعالى شاهد ولا شهود عليه، فكذلك هذه الكفالة المندوب إليها تصح إضافتها إليه تعالى إضافة المشروعية.","vol":"1","page":449},{"text":"مطلق الكفالة، الدالُّ على الْأعَمِّ يدل على الأخص الذي هو العنى القديم (٢٠).\nالتنبيه الثالث، أنه لو قال المتكلم: وكفالة الله، أو أُقسِم بكفالة الله لكان قسما صريحًا، وكان أولى في لزوم الكفارة من قوله: علي كفالة الله.\nالتنبيه الرابع: أن للكفالة ألفاظًا تدل على مقتضاها، وهي مترادفة كالضمان، فحق هذه الألفاظ أن يجري فيها من ذلك الذي ذكرناه ما جرى في لفظ الكفالة.\nاللفظ السادس، الميثاق، قال مالك ﵀: إذا قال: علي ميثاق الله، وحنِث، لزمته الكفارة، والميثاق هو العهد الموثَّق باليمين، فيكون الميثاق مركبًا من العهد واليمين. وعلى هذا يرجع إلى الكلام النفسي، لأن العهد قد تبين أنه يرجع إلى الكلام النفسي. والقسَمُ أيضًا كذلك، لأنه خبر عن تعظيم المقسم به، فالمركب من ذلك يرجع اليه. ويرِدُ عليه ما وَرَدَ على كفالة الله (٢١).\n_________\n(٢٠) تمام كلام القرافي قوله: ومطلق الإضافة هو الموجود، وهو الذي دل عليه اللفظ، والدال على الأعم غير دال على الأخص، فلا يكون لفول القائل: \"علي كفالة الله\"، إشعار بالكفالة القديمة البتة، لأن نوعها أخص مما دل عليه مطلق الاضافة، فلا يكون هذا اللفظ موجبا للكفارة من جهة أن المتكلم حلف بصفة من صفات الله تعالى البتة، بل إما بجهة النذر أو بجهة أخرى كما تقدم بيانه، فتأمل ذلك.\nأقول: وبِإتمام الكلام عن هذا التنبيه الثالث من خلال هذه الفقرة للقرافي، يكون الجواب عن التساؤل الذي أتى به الشيخ البقوري، وتركه دون جواب منطوق.\nكما أن تعليق الشيخ ابن الشاط على هذه التنبيهات الأربعة، يوضح ذلك حيث قال:\nما قَالَهُ القرافي في ذلك صحيح. والذي يظهر من مالك ﵀ أنه كان يرى ذلك عرفا في زمانه أو عرفا شرعيا، فأما إن كان عرفا زمانيا فإنه إذا تغير، تغير الحكم، وأما إن كان عرفا شرعيا فلا يتغير الحكم، وإن تغير العرف، والله أعلم.\n(٢١) عبارة القرافي هنا: والميثاق مأخوذ من التوثق وهو التقوية.\nوالفرق بينه وبين العهد واليمين: أما اليمين فهو القسم، وأما العهد فقد تقدم أنهُ الالتزام، والميثاق هو العهد الموثق باليمين، فيكون الميثاق مركبا من العهد واليمين معا كذا كان عز الدين بن عبد السلام ﵀ ينقله عن اللغة.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما قاله صحيح، غير قوله: \"والقسم أيضا يرجع إلى الكلام لأنه خبر عن تعظيم المقسم به\"، فإن القسم ليس خبرا عن تعظيم المقسم به، بل هو نوع من أنواع الإنشاء.","vol":"1","page":450},{"text":"اللفظ السابع: أيمن الله، قال سيبويه: هو من اليمن والبركة (٢٢).\nوقال الفراء: هو جمع يمين، فيكون الكلام فيه كالكلام في أيمان المسلمين.\nثم إذا قلنا: إنه جمع يمين، فيرِدُ عليه اشكال بسبب أنه حلف بحادث، فلا يلزم فيه كفارة. وكذلك يرِد الإِشكال على متأخري المالكية القائلين بلزوم أيمان المسلمين على من قال: وأيمان المسلمين تلزمني، أنه إن أراد القسم فقد حلف بمحْدَث، فلا يلزمه شيء، لِأن الكفارة لا تكون بالْمُحْدَث، وإن أراد أن يلزم نفسه موجبات الأيمان، فإن أراد بذلك أنها تلزمه من جهة أنها مسَّبَبات لأسبابها، وأسبابها لم توجد، فلا يلزمه شيء، لأن لزوم الاحكام بدون أسبابها موجود في الشريعة، بل الشريعة تنكره. وإن أراد أنها تَلزَمُهُ على سبيل النذر، فيفتقر ذلك إلى نية النذر والقصد إليه، وهذه الصيغة ليست موْضوعةً في الفقه له، والقائلون بهذا ما قالوا إنه من باب النذر (٢٣).\n_________\n(٢٢) زاد القرافي هنا قوله: ولذلك قال الشافعي ﵁: هو كناية، لتردده بيْنَ المحدث من تنمية الارزاق والاخلاق وبين القديم الذي هو جلال الله وعظمته، ومنه قوله تعالى: \"فتبارك الله أحسن الخالقين\"، و\"تبارك الذي بيده الملك وهو كل شيء قدير\"، أي كثر جلاله وعظمته وصفاته العلى.\n(٢٣) علق ابن الشاط على هذا اللفظ السابع الذي هو أيمن الله على ما جاء فيه عند القرافي فقال: ما حكاه القرافي من الاشتقاق وغيره لا كلام فيه لأنه نقل. وما قاله من أن القائل إذا قال: أيمن المسلمين تلزمني، أنه حلف بمحدث، لأن أيمان المسلمين حلفِهم، وهو محدث، ليس بصحيح. فإن القائل ذلك إنما يقوله في حال يقتضى تأكيد خبره الذي يحلف عليه، وذلك قرينة تصرف قوله ذلك إلى قصده إلى ما يؤكد به الخبر شرعًا، أو إلى ما يلزم مقتضاه شرعا.\nفعلى التقدير الأول يلزمه جميع يمين الله تعالى، إذ هو اليمين الشرعي، وأقل ذلك ثلاثة أيمان، فإذا حنِثَ يلزمه ثلاث كفارات، وقد قيل بذلك. وعلى التقدير الثاني يلزمه كل مل يلزمه شرعا من يمين ونذر وطلاق وعتق وصدقة، وقد قيل بذلك.\nوما قاله القرافي من أن ذلك من باب لزوم الأحكام بدون أسبابها ليس بصحيح، بل ذلك من باب لزوم الأحكام بأسبابها عند القائلين بلزوم الكفارات على التقدير الاول، أو القائلين بلزوم جميع ما يلزم شرعًا بالتزامه على التقدير الثاني. وغاية ما في ذلك أن قائل أيمان المسلمين تلزمني لم يصرح فيه بلفظ اليمين الشرعي، ولا بالملتزم الشرعي، ولكنه يفهم من القرائن أنه عنى اليمين الشرعي أو الملتزم الشرعي، ومذهب مالك عدم اشتراط معينات الالفاظ، فاللزومُ بمقتضى اليمين الشرعي او الملتزمات الشرعية جارٍ على مذهبه، والله أعلم.","vol":"1","page":451},{"text":"القاعدة الثانية: (٢٤)\nأقرر فيها الفرق بين الصفات العَلِية التي تترتب عليها الكفارة عند الحنث من التي لا يترتب عليها ذلك عند الحنث فأقول:\nصفات الله تعالى خمسة أقسام: معنوية، وذاتية، وسلبية، وفعلية، وما يشمل الجميع.\nأما القسم الأول فالصفات المعنوية، وهي العلم، والكلام القديم، والإِرادة، والقدرة والحياة، والسمع، والبصر، هل يجوز الحلف بها ابتداء، وقد تقدم ذلك، وتقدم قول من قال لا يكون إلا بالله تعالى، والردُّ عليه (٢٥). والكفارة مترتبة على الحنث ها هنا (٢٦).\n_________\n(٢٤) هي موضوع الفرق السادس والعشرين والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة بالحلف من صفات الله تعالى إذا حنث الحالف، وبين قاعدة ما لا يوجب كفارة إذا حلف به من ذلك\" جـ ٣، ص ٣٩.\n(٢٥) سبق الكلام على ذلك في مباحث القاعدة الاولى قبل هذه.\n(٢٦) وقال القرافي هنا: فهذه الصفات المعنوية السبع كلها يوجب الحلف بها مع الحِنثِ الكفارةَ، فيجوز الحِلف بها ابتداء، هذا هو مشهور المذهب، وقيل: لا يوجبُ كفارة، لقوله - ﷺ -: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت. ولفظ الله مخصوص بالذات، فاندَرَجَتْ الصِفات في الامور بالصمت به، ومستند المشهور ما تقدم، مما حكاه رسول الله - ﷺ - عن أيوب ﵇ أنه قال: بلى وعزتِك، ولكن لا غِنَى لي عن بركَتِكَ.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما قاله في ذلك صحيح. ثم قال القرافي: وفي هذا القسم مسائل:\nالمسألة الاولى الحلِفُ بالقرآن إذا حلف به، قلنا نحن: تجب به الكفارة لأنهُ منصرف للكلام القديم. وقال أبو حنيفة: لا تجب به الكفارة، لأنه ظاهر في الكلام المخلوق الذي هو الأصوات، فالكلام في تحقيق مناط، هل فيه عرف أم لا؟ ولما قال رسول الله - ﷺ -: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العَدُوّ، لم يفْهم أحدٌ إلا القرآن الذي هو الأصواتُ. وإذا قيل في مَجرى العادة: القرآن، إنما سبق إلى الفهم الكلامُ العربي المعجزُ، والعَربي المعجِزُ مُحدَثٌ، وهو مروي عن مالك ﵀ كما قاله أبو حنيفة ﵁. والأول المشهور عن مالك، حَمْلًا للقرآن على القديم.\nقال صاحب الخصال ابن زرب الاندلسي: ويُلحق بالقرآن عند مالك إذا حلف بالمصحف أو بما أنزل الله أو بالتوراة أو بالانجيل.","vol":"1","page":452},{"text":"وذكر شهاب الدين ها هنا شيئًا فقال:\nإن قائلا إذا قال: والعِلْمِ والقدرةِ، يشمل هذا الحلفُ القديمَ والحادِث، لأن الالف واللام للعُموم، قال: وكذلك إذا قال: وعِلمِ الله وقدرة الله، لِأن العموم يكون معَ الاضافة كما يكون مع الألف واللام، فقال: فيصلح أن يقال: إذا اجتمع ما يوجب الكفارة وما لا يوجبها ألغي ما لا يوجبُ، وترتبتْ على ما يوجبها، لكنه يبقى لنا حينئذٍ أنَّ ذلك الحلفَ هو ممنوع من وجه من حيث وقع بالحادث، جائزٌ من حيث وقعَ بالقديم. قال: فيمكن أن يقال: قرينَة القسَم أخرجت الحادث، وبقي اللفظ منطبِقا على القديم فقط.\nوقال - هنا -: إن النكرات، منها ما لا يصدق إلا على واحد منهم، ومنها ما يصدق على كثير، فالألف واللام لا يعُم، وكذلك الإضافة، وهذا نحو العبد وعبدي، وما يصدق على الكثير نحو مال، الألف واللام في هذا للعموم، وكذلك الإضافة، قال: فيحمل قول الأصوليين: الألف واللام، والإضافة في اسم\n_________\n= وقد علق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما قاله من أن خلاف مالكٍ وأبي حنيفة إنما هو في تحقيق مَنَاط، وهو: هَلْ في لفظ القرآن عرْفٌ أن الراد به الصفة القديمة أمْ لَا؟، ليس الامر عندي كما زعم بل العرف في الاستعمال أن المراد به الحادث، وذلك مستند أبي حنيفة، ولكن قرينة القسم صرفت اللفظ إلى أن المراد به الأمر القديم، وذلك مستند لمالك، والله تعالى أعلم.\nفخلافهما في تحقيق مناط، لكن من غير الوجه الذي ذكر. ومما يدل على ذلك تسوية مالك بين لفظ القرآن والصحف والتنزيل والتوراة والانجيل، مع أن العرف فيها أن المراد بها المحدث.\nوإنما نقلت كلام القرافي وابن الشاط في هذه المسألة لأنها مسألة هامة ودقيقة بحثها علماء الأصول والكلام، ولأن هذا النقل يلقى ضوءا عليها، ويستبين بها المرء وجهة نظر كل من الامامين فيها: الامام أبي حنيفة والامام مالك، ومن أخذ برأي كل واحد منهما من سلف من العلماء وخلفهم، ﵏ ورضي عنهم أجمعين.","vol":"1","page":453},{"text":"الجنس للعموم - على اسم الجنس الذي يفيد الكثرة كمال، لا على عبد وما أشبهه (٢٧).\nالقسم الثاني، الصفة الذاتية (٢٨)، ككونه تعالى واجب الوجود. وهذه الصفات لما لم تكن معنى زائدًا على الذات كالعلم والقدرة (٢٩)، بل هي أحكام\n_________\n(٢٧) عبارة القرافي هنا أكثر وضوحًا وبيانًا حيث قال:\nإن النكرات قسمان: منها ما يصدق على القليل والكثير، من ذلك الجنس كقولنا:\nماءٌ ومال وذهب وفضة، فيقال للكثير والقليل من جميع ذلك، ومن النكرات ما لا يصدق إلا على الواحد من ذلك الجنس ولا يصدق على الكثير منه كقولنا: رجل، وعبد، ودرهم ودينار، فلا يقال للرجال الكثير رجل، ولا للعبيد عبد، ولا للفضة والدراهم الكثيرة فضة، ولا للذهب الكثير أو الدنانير الكثيرة دينار، فأمكن القول بأنا، وإن قلنا إن الاضافة تقتضي التعميم، فذلك في أسماء الأجناس التي تصدق على الكثير لا على غيرها، ولذلك يفهم العموم من قول القائل: مالي صدقة، ولا يفهم من قوله: عبدي حر ولا من امرأتي طالق، بل لا يفهم مع الاضافة إلّا فرد واحد من ذلك الجنس، وهو عبد واحد وامرأة واحدة، فيحمل قول الاصوليين: \"إن اسم الجنس إذا أضيف عمَّ\"، على اسم الجنس إذا كان يصدق على الكثير، بدليل موارد الاستعمال، وهو متجه غاية الاتجاه، غير أني لم أره منقولا، وقد نبهت عليه في شرح المحصول. وقال في آخر هذا القسم والمبحث. وهذه كلها مباحث حسنة يمكن الجنوح إليها في مجال النظر وتحقيق الفقه.\n(٢٨) كذا في نسختي ع، وح، وفي نسخة اخرى من تونس: الصفات بالجمع كما هي عند القرافي في هذا القسم من هذا الفرق.\n(٢٩) عبارة القرافي أظهر وأتم، إذ قال: من الصفات، الصفات الذاتية، وهي كونه تعالى أزليا أبديًا واجب الوجود، فهذه الصفات ليست معانيها موجودة قائمة بالذات، ولا هي سلب نقيصة كقولنا: ليس بجسم، بل صفات ذات واجب الوجود، بمعنى أنها أحكام لتلك الذات، كما تقول في السواد: إنه جامع للبصر، وفي البياض انه مفرق للبصر، وتصفه بذلك لا بمعنى أن ذلك الجمع والتفريق صفة قائمة بالسواد، بل بمعنى أنها أحكام ثابتة لتلك الحقائق. فكذلك هاهنا، من صفات الله تعالى ما تقدم ذكره على هذا التفسير. ولما لم تكن صفة معنوية زائدة على الذات، سماها العلماء صفات ذاتية، فهذا هو تحقيقها.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء هنا عند القرافي وعقب عليه بقوْله: ليس ما قاله في ذلك بصحيح، فإن الأزلية إنما معناها أن وجوده لم يسبقه عدم، والأبدية أنه لا يلحقه عدم، ووجود الوجود نفي تبدله، فهذه الصفات بجملتها سلبية لا ثبوتية، هذا على إنكار الأحوال، وأما على إثباتها فذلك متجه على أنها أحوال نفسية لا معنوية.\nوقد رأيت أن أنقل هذا الكلام للقرافي وابن الشاط رحمهما الله، لما لبحث الصفات الإلهية من أهمية ودقة، ولما يتصل بها من الاعتقاد كما هو مقرر في علم التوحيد والكلام، وعلم أصول الفقه، ولا هو معروف من اختلاف وجهات النظر فيه بين الأشاعرة والماتريدية من جهة، وبين المعتزلة من جهة أخرى، والتوسع فيه يرجع إلى كتب الأصول والتوحيد.","vol":"1","page":454},{"text":"لِلذَّات، كما يقال في السواد: إنه جامع للبصر، وفي البياض: إنه مفرق للبصر، فهذا الوصف ليس لأن تفريق البصر قائم في البياض، وجمعه قائم في السواد، بل بمعنى أنها أحكام ثابتة لتلك الحقائق، كذلك هذه الصفة الذاتية.\nثم إذا ظهر معناها فحكمها في الشريعة إذا حلف بها، الظاهر من قول مالك أن الكفارة تترتب عليها، لقوله في عَمْر الله (يميني) أنها يمين. تُكَفَّر، مع أن العمر هو البقاء، والبقاء يرجع إلى مقارنة الوجود والأزمنة، والمقارنة نسبة لا وجود لها في الاعيان، فلعل مالِكًا يقول في هذه كذلك إذا حلف بها أحد، ولم يصرح مالك في هذه الصفات بشيء (٣٠).\nقال شهاب الدين: ولكنه قد يقال هذا بطريق التخريج، ثم قال:\nيقع الفرق من حيث الأزلية والأبدية، أن الأزلية اقتران الوجود بجميع الأزمنة المتوهمة إلى غير نهاية من حيث ما تقدم، والأبدية اقتران الوجود بجميع الأزمنة المستقبلة، فالأزل والأبد متباينان لا يجتمعان، فكان الأبد فيه معنى التجدد، فلا ينعقد اليمين بها، والأزلُ إن جوزتم اليمين به، بمعنى القدم، يلزم عليه أن من حلف بقدم العالم من حيث قدمه يلزمه الكفارة، وذلك باطل.\n_________\n(٣٠) عبارة القرافي هنا أتم وأبين وهي: وأما حكمها إذا حلف بها (أي بالصفات الذاتية) فالظاهر من قول مالك أنه قال في (عمر الله يميني) يكفِّر (أي تَلزَمه الكفارة عند الحنث) مع أن العمر هو البقاء، والبقاء يرجع إلى مقارنة الوجود في الأزمنة، والمقارنة نسبة لا وجود لها في الأعيان، فقد اعتبر النسبة وجعل حكمها حكم الصفة الوجودية، فلعله يقول في هذه الصفة كذلك، ويوجب بها الكفارة إذا قال الحالف: وأزليةِ الله تعالى ووجوب وجوده وأبديته، ولم أر فيه نقلا غير ما ذكرته لك من التخريج.\nوعلق ابن الشاط وعقب على هذا الكلام، عند القرافي بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، غير ما قاله في البقاء إنه يرجع إلى مقارنة الوجود في الازمنة، فإنه ليس كذلك، فإنه تعالى متصف بالبقاء، سواء وجد زمان او لم يوجد، فإن الزمان من جملة الحوادث.\nوبهذا تتضح عبارة القرافي المختصرة عند البقوري في هذه المسألة.","vol":"1","page":455},{"text":"قلت: التخريج على أقوال الفقهاء رده أبو الطاهر بن بشير، وقال: العلماء في جوازه والقول به من حيث كلام المعصوم، بينهم فيه خلاف، فكيف يسوغ أن يقال به في كلام غير المعصوم.\nالقسم الثالث، الصفات السلبية كقولنا: ليس بجسم ولا جوهر وما أشبه هذا، فقال شهاب الدين ﵀: هذه السُّلوبُ منها قديم ومحدث. فالقديم نحو ليس له شريك ولا هو بجوهر، والحادث نحو عفوه بعد تحقق الجناية، وكذلك حِلمه تعالى تأخير العقوبة بعد تحققها، والجناية حادثة، فما يترتب عليها حادث. فأما القديم من هذا القسم، فهو أقرب لانعقاد اليمين بها، لأنها قديمة متعلقة بالله، لا سيما إذا كانت الاضافة في اللفظ إلى الله، بخلاف أن يقول: وسَلْب الشريك، فإنها بعيدة من انعقاد اليمين، والحادثةُ تَبْعُدُ عن انعقاد اليمين بها أكثر، قال شهاب الدين: ولم أجِدْ في هذه المواطن نقلا (٣١)\nالقسم الرابع من صفات الله تعالى، الصفات الفعلية، كقوله: وخَلْقِ الله، ورزقِ الله، وعطاءِ الله، ونحو ذلك (٣٢)، فالحلف بهذه الصفات منهي عنه، ولا يوجب كفارة إذا حنث (٣٣). وهنا مسائل:\n_________\n(٣١) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا القسم والمبحث بقوله: ما قاله صحيح، غير ما قاله في الحِلْم: إنه تأخير العقوبة، فإن هذا عندى فيه نظر، والأقرب أن الحلم ترك المحاسبة والمعاقبة، والعفو ترك العاقبة، والله أعلم.\nأقول: وهذا الفهم عند ابن الشاط هو الانسب والأولى، خصوصا في جانب الله تعالى، إذ هو المتكرم والمتفضل على من يشاء من عباده بالعفو والمغفرة والرحمة الواسعة، وأخلاق المؤمن مِنْ أخلاقِ الله، ومن أخلاق نبيه ورسوله الذي هو القدوة الحسنة لامته المسلمةِ.\nثم ذكر القرافي هنا فائدة وقال:\nالسلب في حق الله تعالى سلبان: سلب نقيصة، نحو سلب الجهة والجِسْمِيةِ وغيرهما، وسلب المشارك في الكمال، وهو سلب الشريك، وهو الوحدانية (أي إثباتها لله واعتقادها في جانبه سبحانه) فاعلم الفرق بينهما.\n(٣٢) زاد القرافي هنا قوله: وإحسان الله ونحو ذلك مما يصدر عن قدرة الله تعالى.\n(٣٣) عقب ابن الشاط على هذه الفقرة بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.","vol":"1","page":456},{"text":"المسألة الأولى، قال ابن يونس: قال أصحابنا: معاذَ الله ليست يمينا، إلا أن يُرِيد اليمين. وقيل: معاذ الله، وحاشى الله، ليستا يمينين مطلقا. لأن المعاذ من العوذ، وحاشا الله، التنزيه إليه، فهما فعلان محدثان.\nوقال شهاب الدين: ثم إذا أراد الحِلفَ بمعاذ الله، فإما أن ينصِبَ أو يرفع أو يخفض، فإنْ نصَبَ كان التقدير أُلزِم نفسي معاذ الله، وإن رفع فتقديره: معاذ الله قسمي، وإن خفض فعلى حذف حرف القسم. قال: والقسم بهذا إما بالنية أو بالعرف، وإلا ما يكون قسما، فإن الخبر لا يكون إنشاء إلا بنقلٍ.\nقلت: وذكره هنا أن معاذ من العوذ، لا أدري هل يريد معاذ المعجم أو غيره، فإن كان أراد المُعْجَمَ فباطل أنه من العود الذي هو الرجوع، والأقرب للفصل أنه أراد المعجم (٣٤).\nوقال سيبويه في معاذ المعجم، كأنه حيث قال: معاذ الله، قال عياذا بالله، وعياذا تنصب على أعوذ بالله عياذا، ولكنهم لم يظهروا الفعل هنا. وإذا كان هكذا فالرفع في معاذ الله المذكور لا يصح لأنه مما التزمت العرب فيه النصب. وأما الخفض فلا يجوز بحال، كان المعجم أو غيره، لأن حذف حرف الجر الذي هو حرف القسم، وخفض المقسم به إنما يكون في الاسم الكريم اسم الجلالة فقط.\nقال شهاب الدين: وأما حاشا الله، فمعناه، براءة الله، أي براءة منه لله تعالى. ويحتمل هذا أن يكون كناية عنه، وأن يراد به الكلام القديم، ويصح إضافته باللام لله تعالى، فإن الله تعالى ينزه نفسه بكلامه النفساني، فإن وجدت نية لذلك أو عرف يقوم مقامها وجبت الكفارة، وإن لم يوجد ذلك لم تجب الكفارة،\n_________\n(٣٤) وهو الأنسَبُ كما يستفاد من الآية الكريمة في سورة يوسف حيث جاء فيها ما حكاه الله على لسان هذا النبي الرسول: \"قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواى\".\nأما عند القرافي وتعليق ابن الشاط، فقد وردت بالذال المهملة، وهي بمعنى العوذ والحصن بالله من الوقوع في الشر والسوء، وقد علق ابن الشاط على ما جاء في هذه المسألة بقوله: ما قاله فيه نظر.","vol":"1","page":457},{"text":"فحاشا الله يحتمل وجهين، كما أن معاذ الله يحتمل أن يراد بها إعاذة الله وصفاتُه العلا، فإن معاده من العود، وإليه يرجع الأمر كله، غير أن ابن يونس لم ينقل إيجاب الكفارة مع النية إلا في معاذ الله خاصة (٣٥).\nالمسألة الثانية، هاهنا ألفاظ اختلف في مدلولها، هل هو قديم يجوز الحلف به ويلزم بِهِ الكفارة، أو هو محدث فلا يجوز الحلف به ولا يلزم به الكفارة؟ . وهذه الألفاظ هي غضب الله ورحمته، ورضاه ومحبته، ومقته وبغضه ورأفته، ونحو ذلك من الألفاظ التي يمتنع حملها على الله. ويتعيَّنُ أن المراد بها المجاز. واختلف في المجاز المرِاد بها (٣٦)، فقال أبو الحسن الأشعري: الراد بهذه الأمور إرادة الإحسان لمن وُصِف بذلك من الخلق، من صفة الرحمة ونحوها، أو إرادة العقاب لمن وُصف بذلك من الخلق في لفظ الغضب ونحوه. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: المراد بذلك أن الله تعالى يعاملهم معاملة الراحم والغاضب، فيكون المراد الاحسان نفسه أو العقاب نفسه. فأبو الحسن يرد ذلك إلى معنى قديم، والقاضي إلى معنىً حادث. وياتي في القرآن مواضع يتعين فيها مذهب الشيخ أبي الحسن، ومواضع يتعين فيها مذهب القاضي، ومواضع تحتمل المذهبين (٣٧).\nفقوله تعالى: \"ربنا وسعت كل شيء رحمةٌ وعلما\" (٣٨). ظاهر فيه مذهب\n_________\n(٣٥) والإعادة والمعاد ذكرت كذلك هنا بالدال المهملة مما يدل على أنها بهذا المعنى مقصودة أيضا، فهي من العود بمعنى الرجوع، كما تشهد له الآية التي ذكَرها، ومنه قوله تعالى: \"إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد\".\n(٣٦) علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي هذا كما نقله اليقوري، فقال: ما قاله القرافي من امتناع حقائقها على الله إنما ذلك بناء على تفسيرها بما يمتنع عليه، كتفسيرهم الرحمة بالرقة، والمحبة بالميل، وفي في لك نظر، للكلام فيه مجال، لكن على تسليم امتناع تلك الحقائق لا بد من الصرف إلى المجاز كما قال العلماء، والله أعلم. ذلك أن القرافي قال: \"هذه الالفاظ لا تتصور حقائقها الا في البشر والامزجَة والمخلوقات. ولمّا استحالَتْ حقائقها على الله تعالى تعيَّنَ حملُهَا على المجاز، فاختلف العلماء في المجاز المراد بها.\"\n(٣٧) قال الشيخ ابن الشاط: ما قاله القرافي وحكاه صحيح.\n(٣٨) سورة غافر: الآية ٧","vol":"1","page":458},{"text":"أبي الحسن، وقوله تعالى: \"هذا رحمة من ربي\" (٣٩)، إشارة إلى مذهب القاضى. والمحتمل كقوله تعالى: \"الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم\" يحتمل إرادة الاحسان والاحسان نفسه (٤٠).\nقال شهاب الدين: ومذهب الشيخ أقرب من مذهب القاضي، لأن علاقة المجاز عنده أقرب. فعلى مذهب الشيخ يجوز الحلف بها، وعلى مذهب القاضي لا يجوز الحلف بها، ولا كفارة.\nالمسألة الثالثة: قال ابن يونس: الحالف بِرضي الله تعالى ورحمته وسخطه، عليه كفارة واحدة، يعني لأنه كرر الحلف بصفة واحدة، وهي الإرادة. وهذا الحكم مبني على مذهب الشيخ أبي الحسن (٤١)، قال: بخلاف عِلْمِ الله وقدرته وإرادته، فإنه يختلف فيه، هل تتعدد الكفارة أم لا؟ بناء على أن قاعدة الايمان التأكيد حتى يريدَ الانشاءَ، بخلاف تكرير الطلاق (٤٢). أو قاعدة الجميع الانشاء حتي يريد التاكيد. (٤٣) ثم لزوم الكفارة على ما قال ابن يونس، إنما يَرِدُ إذا\n_________\n(٣٩) سورة الكهف، الآية ٩٨\n(٤٠) زاد القرافي هنا قوله: ورضاه تعالى إرادة الاحسان إلى العباد، أو يعاملهم معاملة الراضي فيحسن اليهم، أي يفعل بهم كذلك، ومحبته ارادة الاحسان في قوله تعالى: \"يحبهم ويحبونه\". او الإحسان نفسه، وكذلك بقية الالفاظ تتخرج على هذين المذهبين. وقد ورد الرضى بمعنى ثالث يرجع إلى الكلام القديم، كقوله تعالى: \"ولا يرضَى لعبادِه الكفر\"، اي لا يشرعه دِينا للعباد، وشرعه تعالى كلامه القديم.\nقال ابن الشاط معقبا على كلام القرافي هذا: وهي التي يلحقها النسخ إلى بدل، وإلى غير بدل، وكلام الله تعالى الذي هو صفة ذاته لا يصح نسخه لا لِبدل ولا لغير بدل، فالاظهر أن قوله تعالى: \"ولا يرضى لعباده الكفر\"، ليس راجعا إلى الكلام القديم، والله أعلم.\n(٤١) أي في حمل هذه الأمور على الإرادة كما قال القرافي.\n(٤٢) أي الأصل فيه الإنشاء حتى يريد التأكيد.\n(٤٣) قال القرافي: وهذا هو الأظْهَرُ، والْأولُ هو المشهور في المذهب.\nقال ابن الشاط هنا: ما قاله القرافي في أول المسألة الثالثة إلى قوله: والْأولُ هو المشهور في المذهب ظاهر.","vol":"1","page":459},{"text":"نوى اليمين بالقديم، فإن الزام الكفارة بمجرد هذه الألفاظ من غير نية خلاف القواعد (٤٤).\nالمسألة الرابعة: السائل عن مثل هذه الصفات بأنها أزلية أو حادثة، جوابه بأنها أزلية على مذهب أبي الحسن، لأن المراد بها الإرادة، وبأنها حادثة على مذهب القاضي (٤٥).\n_________\n(٤٤) قال القرافي هنا ﵀: واعلم أن الفتيا بإلزام الكفارة في هذه الالفاظ على ما نقله ابن يونس، إنْ لم يقيد بأنه نوى إرادة الله تعالى، فهو مشكلٍ، فإن اللفظ حقيقة في أمور محدثة لا توجب كفارة، وإنما حملت على هذه الألفاظ القديمة مجازًا، ولم تشتهر في الارادة حتى صارت حقيقة عرفية في الارادة، بل مجاز خفي دل عند الشيخ أبي الحسن على أنه المراد باللفظ. والقاعدة أن الالفاظ لا تنصرف لمجازاتها الخفية إلا بالنية، وأن اللفظ لا يزال منصرفا إلى الحقيقة اللغوية دون مجازه المرجوحِ حتى تصرفه نية المجاز المرجوح، فإلزام الكفارة بهذه الالفاظ مِن غيرنيةٍ، خلافُ القواعد، بل ينبغى أن يقال: إن أراد بهذه الالفاظ صفة قديمة لزمته الكفارة والا فلا.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بِقوله: لا إشكال في ذلك، فإن اللفظ، وإنْ سُلِّمَ أنه حقيقة في أمور محدثة، مجاز غير غالب في الصفة القديمة، فقرينة الحلف به كافية في حمله على المجاز، والله تعالى أعلم. اهـ.\nفليتأمل كلام هذين العالمين الجليلين في هذا الموضوع الهام الدقيق، فإنه مفيد في بابه وموضوعه، ومساعد على فهم الإشكاليات الفقهية التي تتعلق به في مجال الحلف بهذه الكلمات.\n(٤٥) هذه المسألة جمع فيها القرافي ﵀ بين البسط والوضوح والايجاز، فرأيت أن أنقلها وآتي بها من كلامه لتكون كشرح لما أوجزه واختصره الشيخ البقوري ﵀.\nقال القرافي في هذه المسألة: إذا قيل لك: رحمة الله وغضبه قائمان بذاته أم لا؟ وهل هما واجبا الوجود ام لا؟ وهل كانا في الأزل أم لا؟ ونحو ذلك من الاسئلة، فخَرِّجْ جوابك في جميع هذه الاسئلة في جميع هذه الالفاظ على مذهب الشيخ أبي الحس وعلى مذهب القاضي، فعلى مذهب الشيخ تقول: قائمان بذاته، واجبا الوجود، ازليان، صفتان لله تعالى. وعلى مذهب القاضي تقول: ليسا قائمين بذاته، بل ممكنان مخلوقان حادثان، ليسا بأزليين، وكذلك جميع ما يرد عليك من اسئلة في جميع هذه الالفاظ.\nأقول: والنفس إلى مذهب الشيخ ابي الحسن ﵀ أُميل وأريح، والله أعلم، ورحم القاضي الباقلاني ورحم كافة المسلمين.\nوقد علق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله:\nليس مَا قاله إذا وقع التخريج على مذهب الشيخ ابي الحسن بمستقيم، لقوله تقول: قائمان بِذاته، واجبا الوجود، أزليان، لأن الرحمة على مذهب الشيخ أبي الحسن إرادة الثواب، والغضب إرادة العقاب، والإرادة واحدة لا تتعدد بتعدد متعلقها كإرادتنا، والله أعلم. اهـ.","vol":"1","page":460},{"text":"المسألة الخامسة: مقتضى ما قاله ﵀ في قوله: عليَّ ميثاقُ الله وكفالتُه من حيث لزوم الكفارة، إما من حيث العرف الناقل عن وضعها إلى ما يوجب الكفارة، وإما من حيث النية، يجري هنا، كأن يقول: عليَّ رزق الله (٤٦)، إذا تقرر أن جميع ما تقدم من الالفاظ السبعة أنه إنما تجب بها الكفارة للحمل على معنى عرفي وجد فيها، نقَلَها عن أصلِ وضْعها، أو بِسبب النية. وإن لم يكن أحد هذين الامرين فلا كفارة، وذلك معتبر هنا، كما كان معتبرا هنالك (٤٧).\n_________\n(٤٦) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه الفقرة بقوله: ليس ما قاله القرافي عندي بصواب، لأنه إذا قال: \"علي ميثاق الله\"، فمقتضاه: عليَّ يمين، فتلزمه كفارة يمين، وإذا قال: \"علي رزق الله\"، فلا شيء عليه إلا أن ينوي بذلك الكفارة.\nوالفرق بينهما أن الميثاق ونحوه جرى العرف بأن المراد به اليمين، ورزق الله ونحوه لم يَجْرِ عرف بذلك، وليس قول القائل: \"علي رزق الله\" كقوله: عليَّ صوم يومٍ، لأن رزق الله ليس اسما لطاعته فيلزم نذرها، وصوم يوم اسم (أي لطاعته).\nأقول: وهو تعقيب يبدو صحيحا، وتوجيه يبدو معقولا وسلِيمًا، استنادا إلى أثر العرف في تخصيص بعض الكلمات ومدلولاتها.\nكما علق ابن الشاط على ما جاء هنا عند القرافي من لزوم الكفارة في رزق الله وخلقه، مثل قول القائل: (علي ميثاق الله)، فقال: صدر القرافي كلامه بالعرف في نذر الكفارة، ثم خرج إلى العرف في نذر شيء من رزق الله. وهذا الذي خرج إليه اجنبي عن مسألة مالك ﵀، فإنه أوجب الكفارة في قول القائل: \"علي ميثاق الله\" ونحوه. وما قاله من أنه (أي الامر أو الْحُكْمَ) يدور مع العرف كيفما دار، صحيح إذا ثبت عرف\" اهـ.\nأقول: وهذا أشبه بقول العلماء الفقهاء: الحكم يدورُ مع العلة وجودا وعدَمًا.\n(٤٧) عبارة القرافي في هذه المسلة أوضح وأبين، فإنه قال فيها: مقتضى ما قاله مالك ﵀ في قول القائل: \"علي ميثاق الله وكفالته\" أنه يوجب الكفارة، أنه إذا قال هنا: علي رزق الله أو خَلْقُهُ أن تجب عليه الكفارة، فإن المدرَك هنالك، إن كان هو أن العرف نقلها لنذر الكفارة في زمانه ﵁، فصار النطق بهذه العبارة نذرا للكفارة، فتلزمه بالنذْرِ لا بالحلف، لأنه مقتضى لفظ عليِّ، فإنها لا تستعمل إلا في النذر ونحوه، وليست من حروف القسم إجماعا، بل من حروف اللزوم والنذر، كقوله: لِله علي صوم يوم، وصدقةُ دينار، ونحو ذلك، فكذلك يلزمه هنا إذا وجد عرف في رزق الله وخلقه، وأنه صار قوله: على رزق الله أنه نذر أن يتصدق بشيء من رزق الله تعالى، أو ببعض خلقه من نبات أو جماد او حيوان مما يسوغ التصدق به كالبقرة والغنم ونحوهما، وأن يسوي بين المسألتين إن وجد العرف الموجب لنقلهما للنذر لزم، وإن لم يوجد العرف الناقل للنذر لم يلزم\".","vol":"1","page":461},{"text":"القسم الخامس: من صفات الله تعالى الجامعة (٤٧ م) لجميع ما تقدم من الأقسام الأربعة، وهي عزة الله، وجلاله، وعظمته، وكبرياؤه، ونحو ذلك.\nوذلك لأنك إذا قلت: جل تعالى، فلك أن تقول: جَلَّ بكذا، فيدخل فيه حميع الصفات الثبوتية. وإذا قلت: جل عن كذا، دخل فيه جميع الصفات السلبية، ثم يشمل الصفات القديمة والحادثة من الثبوتية والسلبية (٤٨)، وكان الحلف\n_________\n= وقد عقب ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما تأوله القرافي من أن قول القائل: على ميثاق الله، جرى فيه عرف بنذر الكفارة، مجرد توهم، لا حجة عليه، وليس عندي كما توهم، بل قول القائل: علي ميثاق الله، جرى فيه العرف بأن المراد بها اليمين التي شرعها الله تعالى وجعلها ميثاقا بين عباده، فلزوم الكفارة ليس بنذر الكفارة، بل بالتزام اليمين. اهـ.\n(٤٧ م) كذا في النسخ الثلاث جاءت كلمة الجامعة دون ذكر للموصوف بها. وعند القرافي ذكر لِهذَا الموصوف فقال: من صفات الله تعالى، الصفات الجامعة.\n(٤٨) وبيان ذلك يقول القرافي: فكما جل الله تعالى بعلمه وصفاته السبعة التي هي صفة ذاته تعالى جل أيضًا ببدائع مصنوعاته وغرائب مخلوتاته، ويندرج في الثاني (وهو السلبية) جميعُ السلوب للنقائص، فيصدق أن الله تعالى جل عن الشريك وعن الحيز والجهة وغير ذلك مما يستحيل عليه ﷾.\nأقول: وقد علَّق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند الإِمام القرافي هنا، وأتى فيه بتعبير عنيف ونقدٍ شديد في عبارة موجزة، ما كان ينبغي ولا يليق الإِتيان بها تجاه عالم فقيه، فكيف بعالم جليل وفقيه متضلع وأصولي متمكن، طبقت شهرته الآفاق مشرقًا ومغربًا، وشهدت بذلك مؤلفاته العلمية، وفي مقدمتها كتابه الفروق في القواعد الفقهية، هذا الكتاب القيم الهام الفريد في موضوعه وبابه، والذي اختصره ورتبه تلميذه الشيخ البقوري، ونقوم بتحقيقه وتصحيحه لإخراجه إلى الوجود، خدمة للعلوم الاسلامية، وإحياء لتراث علمائنا الاجلاء، رحم الله الجميع، وقابلهم بفضله وكرمه الواسع.\nفقد فهم الفقيه ابن الشاط سامحه الله - فهما خاصا يمكن أن يكون محل تأمل ونظر وتعقيب، حين فهم من قول القرافي: \"فكما أن الله تعالى جل بعلمه وصفاته السبعة التي هي صفة ذاته تعالى جل أيضا ببدائع مصنوعاته وغرائب مخلوقاته\"، فلم يستسغ الشيخ ابن الشاط هذه العبارة الاخيرة ولم يقبلها، وفهم منها أن ذلك يقتضِي افتقار الباري لبديع المصنوعات وغريب المخلوقات حتى يكون كاملا، وأنه المتبادِر إلى الذهن بكيفية لازمة وتلازمية، وهو باطل قطعا، بل هو الغني على الاطلاق\"، وأرَى أن ذلك التلازم الذي فهمه الفقيه ابن الشاط ليس بلازم اولا، وليس بوارد على كلام الامام القرافي ثانيا. فجلال الله ثابت ومتحقق في ذاته وصفاته القائمة بذاته، وذاته سبحانه لا تدركها الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، كذلك جلاله سبحانه يظهر ويتجلى لمخلوقاته العاقلة المكلفة بالتكاليف الشرعية فيما أوجده وخلقه من عجيب المخلوقات وبديع المصنوعات في هذا الكون الالهى العظيم، فليس القول بأن جلال الله يظهر في تلك","vol":"1","page":462},{"text":"بها يوجب الكفارة لاشتمالها على ما يوجب وعلى ما لا يوجب (٤٩).\nوهاهنا ثلاث مسائل.\nالمسألة الأولى: إذا قال القائل: سبحان من تواضعَ كلُّ شيء لعظمته، هل يجوز هذا أم لا؟ فقال بعض فقهاء العصر: لا يجوز هذا الاطلاق، لأن عظمة الله تعالى صفته، والتواضع للصفة عبادة لها، وعبادة الصفة كفر، بل لا نعبد (٥٠) إلا الله تعالى، وذلك الذات الموصوفة بصفات الجلال.\nوقال قوم: يجوز هذا الاطلاق، وهو الصحيح، لِأن عظمته تشمل الذات وسائر الصفات (٥١).\nقلت: إن أراد بـ (تشمل أو تجمع) كما قال في كتابه شهاب الدين، أن العظمة تدل على الذات والصفات فذلك باطل، فإن الله اسم دال على تلك المعاني بالوضع، والعظمة اسم دال على معنى واحد من تلك المعاني التي دل عليها الله، وإن أراد أن العظمة تصدق على كل عظمة، سواء كانت عظمة الذات أو عظمة الصفات فقول صحيح، ولم يكن الإِشكال الذي قاله القائل منفصلا من\n_________\n= المخلوقات والمصنوعات يقتضي بالضرورة افتقار الباري إلى بديع مخلوقاته حتى يكون كاملا، فكماله سبحانه في ذاته وصفاته أزلِي مطلق، وهو الغني غنى مطلقا عن خلقه، فالمخلوقات هي المفتقرة إلى ربها المدبر لأمرها والمصرِف لشؤونها، والله هو الغني الحميد، والله أعلم، وهو الموفق سبحانه للسداد والصواب، وسامح الله وغفر للجميع بمنه وفضله.\n(٤٩) أي لاشتمال تلك الصفة الجامعة على ما يوجب الكفارة، وعلى ما لا يوجبها عند الحلف بها.\n(٥٠) كذا في نسخة ع: نعبد بالنون والبناء للفاعل، وفي نسخة ح، ونسخة ثالثة اخرى: يعبد بالياء والبناء للنائب عن الفاعل، وهو ما في الأصل عند القرافي.\n(٥١) قال ابن الشاط هنا: ما صحح (أي ما صححه القرافي في هذه المسألة) هو الصحيح لأن العظمة - كما سبق - عبارة جامعة لصفات الكمال، والتواضعُ. التصاغر والتضاؤل، ولا شك أن كل شيء ما عدا الذات الكريمة والصفاتِ الظيمة متصاغر متضائِل بالنسبة إلى تلك الصفات.\nوقول ذلك الفقيه العصري: إن هذا التواضع عبادة، ليس بصحيح، وهو دعوى عَرِيَّةٌ عن الحجة فلا اعتبار بقوله:","vol":"1","page":463},{"text":"حيث إنها عبادة لصفة من الصفات. وقد قال شهاب الدين: إن أطلق هذا اللفظ وأراد به صفة من الصفات فهو كفر (٥٢). قال شهاب الدين: وإن أراد\n_________\n(٥٢) نص عبارة القرافي هنا يزيد كلام البقوري بيانا ووضوحا، فقد قال في أول هذه الفقرة: (وعظمة الله تعالى هي المجموع من الذات والصفات، وهذا المجموع هو المعبود وهو الاله، وهو الذي يجب توحيده وتوحده، ولا ثاني له، وهو الذي يجب التواضع له كما تقول (ولله المثل الاعلى): عظمة الملك. جيشه وأمواله وأقاليمه التي استولى عليها وسطوته وغير ذلك مما وقعت به العظمة في دولته. كذلك عظمة الله تعالى هي هذه الامور كلها مع ذاته تعالي، فهي ايضا من موجبات عظمته، فإن أراد هذا المطلِق (أي المتكلم بهذه الجملة) هذا المعنى أو لم تكن له نية فلا شيء عليه، وإن أراد صفة واحدة من صفات الله تعالى، وأنها حصل التواضع لها، وهو العبادة، امتنع وربما كان كفرا، وهو الظاهر\".\nوقد تعقب الشيخ ابن الشاط هذا الكلام عند القرافي، وعلق عليه فقرة فقرة فقال:\nقوله بأن عظمة الله هي المجموع من الذات والصفات، ليس بصحيح، فإن العظمة ليست مجموع الذات والصفات، بل هي مجموع الصفات على ما سبق من تقريره هو ذلك قبل هذا. وعلى تسليم أن تكون العظمة مجموع الذات والصفات فليس المجموع هو المعبود، بل المعبود، الموصوف بتلك الصِفاتِ لا الصفات، ولا مجموع الموصوف والصفات، وكلامه هنا كلام من لم يحقق مباحث هذا العلم على وجه الصواب.\nثم علق على التمثيل بعظمة الملك في جيشه وأمواله وأقاليمه فقال:\nلا يسوغ مثل هذا التمثيل، فإن الملك منتقر على الاطلاق، والله تعالى مستغن على الاطلاق، فكيف يصح التمثيل.\nأقول: يقال عند ارادة مثل هذا التمثيل والتشبيه في الكلام: \"ولله المثل الاعلى\". ولذلك ادرجتها في كلام القرافي هنا، لتلك الغاية وما فيها من التأدب مع الله تعالى الذي ليس كمثله شيء، ودفعا لورود مثل هذا الاعتراض، فإن القرافي ﵀ لا يغيب عنه ذلك، والله أعلم بالحق والصواب فيما تختلف فيه الأفهام. والمدارك والعقول، وتعبر عنه بالكلام والبيان.\nوقال ابن الشاط معقبا على كلام القرافي، وقوله بأن عظمة الله تعالى هي هذه الامور كلها مع ذاته تعالى، فهي من موجبات عظمته: هذا كلام غث لا يصدر عن معرفة دقيقة بهذا العلم، وكيف يصح ان تكون الذات من موجبات العظمة، والعظمة مجموع الذات والصفات، فالذات على هذا موجبة للذات، وكيف يكون الشيء موجبا وموجيبا؟ هذا الخليط.\nوعقب ابن الشاط على قول القرافي هنا: \"فإن أراد المطْلِقُ (أي المتكلم بهذه الكلمة التي هي (سبحان من تواضع كل شيء لعظمته) هذا المعنى أو لم تكن له نية فلا شيء عليه. فقال: بل عليه شيء، وهو أنه مخطئ في ذلك، حيث اعتقد أن الذات من مقتضيات العظمة.\nوقال ابن الشاط ايضا: قول القرافي: \"وإن أراد المتكلم بلفظ العظمة صفة واحدة من صفات الله تعالى\" إلى قوله: \"وهو الظاهر\" ما حكم به بأنه ظاهر، هو كما قال:\nأقول: وهذا المبحث هنا يتصل بمبحث الصفات الالهية، هل هي عين الذات الالهية أو هي شيء زائد عليها، قائم بها، وهو من المباحث الدقيقة والشائكة المذكورة في كتب التوحيد، والمبسوطة في","vol":"1","page":464},{"text":"بالتواضع غيرَ العبادة، وهو القهر والانقياد لإرادة الله تعالى وقضائه وقدرته فالمعنى صحيح، ولا يلزم منه شيء (٥٣).\n_________\n= مؤلفات عِلْمِ الكلام، وفيه خلاف معروف وعميق بين الاشاعرة والماتريدية من جهة، وبين المعتزلة من جهة اخرى، فالاشاعرة والماتريدية يقولون بالقول الثاني والمعتزلة يقولوت بالاول، فرارا من القول بالتعدد في فهمهم وحسب نظرهم في ذلك.\nوالذي يظهر ويحسن ان يقال في هذا المجال بالنسبة لكلام الامام القرافي هنا - وهو من هو تحقيقا وتدقيقا في العلوم والنقلية والعقلية كما تشهد بذلك مؤلفاته العلمية القيمة على اختلاف موضوعاتها، وكما شهد بذلك علماء عصره، ومن جاء بعدهم من أهل العلم وفضله، وكذا بالنسبة لتعقيبات الشيخ ابن الشاط عليه، وفي التوفيق بينهما، أنه خلاف في حال كما يقول الفقهاء. ذلك أن كلمة العظمة في جانب الله تعالى حين يقول المرء، سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، ينبغي ان ناخذها ونفهمها على أنها تطلق وتصدق على الذات الالهية الموصوفة بجميع الصفات الالهية الازلية التي وصف الحق بها نفسه، كما أن تلك الصفات الالهية الازلية هي صفات ازلية قائمة بالذات العلية في الازل وفيما لا يزال بدون حدود ولا نهاية، فالله تعالى كان بذاته وصفاته في الازل ولا شيء معه، وهو سبحانه الباقي بذاته وصفاته على الدوام، وذلك ما يومن به ويعتقده كل مسلم ومسلمة من امة الاسلام، فـ \"كل شيء هالك الا وجهه\" و\"كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام\".\nوبهذا المعنى والتوضيح، والفهم والتوجيه يفهم كلام كل من القرافي وابن الشاط على وجه صحيح سليم، ويزول عن الفهم والادراك لتلك المعاني، كل التباس وإشكال، وينتفي كل غموض وإبهام يستصعبه ولا يستسيغه المبتديء ويستشكله ولا يهضمه المنتهي في مثل هذه المباحث الدقيقة المتعلقة بموضوع الصفات الالهية، والتي ينبغي اخذها واعتقادها مسلمة في بَسَاطَةِ ووضوح، كما جاء بها القرآن الكريم، وورد بها الحديث الصحيح عن النبي المصطفى الامين، وتناولها علماء التوحيد في مؤلفاتهم الكثيرة، تارة بالوضوح والبساطة، وتارة بالاقناع والادلة النقلية الساطعة، والبراهين والحجج العقلية المقنعة. وهي طريق ايسر وأسلم، إذ هي طريق ومنهج السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم بإحسان، ومن سلك مسلكهم ونَهَجَ نهجهم من العلماء الراسخين، الذين يقولون في مثل هذه المباحث الاعتقادية ونظائرها مما يتعلق بالمحكم والمتشابه من الآيات القرآنية: \"آمنا به كل من عند ربنا. وما يذكر الا اولوا الالباب، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك انت الوهاب\"، والكمال المطلق إنما هو لله وحده، وفوق كل ذي علم عليم، والله بعباده المومنين رؤوف رحيم.\n(٥٣) زاد القرافي هنا قوله: \"فإن جميع العالم مقهور بقدرة الله تعالى وقدره، فالتواضع بهذا التفسير سائغ لا محدور فيه، بل يجب اعتقاده.\nوعقب عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله في ذلك صحيح.\nثم زاد القرافي هنا قوله: فهذا تلخيص الْحق في هذه المسألة والفتيا فيها (أي مسألة قول القائل: سبحان من تواضع كل شيء لعظمته).\nوعقب عليه ابن الشاط بقوله: تبين تلخيص الحق في المسألة على غير الوجه الذي قال، واللهُ أعلم.","vol":"1","page":465},{"text":"المسألة الثانية: أن هذه الصفات، تارة تكون بلفظ التذكير، نحو جلال الله، وتارة تكون بالتأنيث نحو عزة الله وعظمته.\nثم عزة الله تُستعمل مذكرا ومؤنثًا، بخلاف عظمة الله ما ينطق بها إلا مؤنثا. والعربُ معلوم من لسانها أن تاء التأنيث إذا لحقت المصدر أفادته الوحدة كقوله: ضربته ضربا، ثم تقول: ضربة. فالمذكر كأنه يعم جميع أنواع العز، والمؤنث كأنه اسم لنوع من أنواع العِز، فإذا عم اجتمع المعنى القديم والحادث، وكان على حسب ما مضى، وإذا لم يعم يحتمل أن يراد به العز الذي لا نظير له في مخلوقاته، فهو معنى قديم، فيصح الحلف به، ويحتمل أن يراد به النوع الآخر من العز الذي يوجد في المخلوق فلا يصح الحلف به (٥٤)\nالمسألة الثالثة: قال عبد الحق في تهذيب الطالب: الحالف بقوة الله وعظمته وجلال الله، عليه كفارة واحدة. ووجه ذلك أنه إنما حلف بمجموع الصفات المتعددة، والمجموع شيء واحد لَا أشياء كثيرة، فكانتْ الكفارة واحدة ولم يتعرض لِلُّزوم. ووجهه أنها اشتملت على الموجب وعلى غير الموجب، فتجب الكفارة للموجب.\nقلت: هذا التوجيه يوجب ألا تكون الكفارة واحدة، وهو مخالف لقوله: المجموع واحد، فلذلك اتحدت الكفارة (٥٥)، والله أعلم.\n_________\n(٥٤) علق ابن الشاط على ما جاء في هذه المسألة الثانية (وهي الثالثة عند القرافي) بقوله: الصحيح على ما سبق أن لفظ العزة ونحوها لا يتناول محدَثا (حادثا)، فلا يصح ما قاله في لفظ العزة من احتماله المحدث (بفتح الدَّال)، وما حكاه القرافي عن صاحب اللباب (في شرح الجلاب عن مالك ﵀ في الحلف بعزة الله، هل توجب كفارة أم لا؟ فيه روايتان) وفي لزوم الكفارة للحالف بذلك روايتين ليس مدرك اختلاف قوله عندي ما ذكره الشهاب من احتمال المحدث، بل المدرك عندي احتمال لفظ العزة أن يكون مدلوله أمرا ثبوتيا وأمرا سلبيا، فإنه شبحانه عز بصفات كماله الثبوتية كما عز بصفات تنزيهه السلبية، والله أعلم.\n(٥٥) قال ابن الشاط هنا: لا يندرج حادث تحت لفظ العزة ونحوه، فما أشعر به كلامُه بأن عبد الحق أغفل التنبيه عليه ليس الامر كذلك، فلا محذور في اليمين بعزة الله تعالى ونحو ذلك. فبِحق إن أعْرَضَ عن ذلك عبد الحق، والله أعلم.","vol":"1","page":466},{"text":"القاعدة الثالثة: (٥٦)\nأقرر فيها ما يوجب الكفارة من أسماء الله تعالى إذا حلف بها الحالف وما لا يوجبها.\nالقسم الأول: ما وضع إسما لِلذات فقط، وهو الله تعالى، وهذا هو الصحيح.\nالقسم الثاني: ما وضع للذات مع مفهوم زائد وجودي قائم. بذاته سبحانه، نحو عليم وقدير.\nالقسم الثالث: ما وضع للذات مع مفهوم زائد وجودي خارج عن الذات كخالق ورازق.\nالقسم الرابع: ما وضع للذات مع مفهوم زائد عدمي، نحو قدوس (٥٧).\n_________\n(٥٦) هي موضوع الفرق السابع والعشرين والمسألة بين قاعدة ما يوجب الكفارة إذا حلف به من أسماء الله تعالى وبين قاعدة ما لا يوجب. جـ ٣ ص ٥٦.\nقال الإِمام القرافي ﵀ في أول هذا الفرق الذي استغرق في كتابه حوالي أربع صفحات: إعلم أن أسماء الله تِسْعةٌ وتسعون أسما: مائةٌ إلا واحدًا. أخرجه الترمذي.\nوهي إما المجرد الذات، كقولنا: الله، فإنه اسم للذات على الصحيح، وكذلك اختار صاحب الكشاف (الإِمام الزمخشري ﵀) أنه اسم للذات من حيث هي هي، وهو عَلَمٌ عليها، واستدل على ذلك بجريان النعوت عليه، فتقول: الله الرحمان الرحيم، وقيل: هو اسم للذات مع جملة الصفات، فإذا قلنا: الله فقد ذكرنا جملة صفات الله تعالى وقلنا: الذات الموصوفة بالصفات الخاصة، وهذا المفهوم الاله المعِبود، وهو الذات الموصوفة بصفات الكمال ونعوت الجلال، وهو المعلوم، هو الذي نؤمن ونقر بتوحده وتنزيهه عن الشريك والمماثلة، أي هذا المجموع يستحيل أن يكون له مثل، (ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير).\nأقول: وهذا القول الثاني على تضعيفه هو في نظري أولى وأنسب وأحَقُّ وأسْلمُ، وهو الذي تميل إليه النفس وترتاح به كما يميل اليه العقل وتطمئن اليه، ويرتضيه أكثر من الأول، والله أعلم. ثم ذكر القرافي بقية الاسماء لأسماء الله تعالى كما أوردها واختصرها الشيخ البقوري ﵀.\n(٥٧) القدوس للذات الإلهية مِنْ القدس الذي هو التطهير، والبيت المقدِّس أي طهر من فيه من الأنبياء والأولياء عن المعاصي والمخالفات. فالله تعالى مقدس وقدوس متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع النقائص التي تلحق المخلوقات.","vol":"1","page":467},{"text":"القسم الخامس: ما وضع للذات مع نسبة وإضافة كَالباقي (٥٨).\nثم الأسماء أيضًا تنقسم بحسب ما يجوز إطلاقه إلى أربعة أقسام:\nالقسم الأول: ما ورد السمع به ولا يوهم نقصا نحو العلم، فيجوز إطلاقه إحماعًا.\nالقسم الثاني: ما لم يرد السمع به وهو يوهم نقصا نحو علَّامة ومتواضع، فإن المتواضع يوهم ذِلة، وعلامة فيه نقص للتأنيث وما أشبه هذا.\nالقسم الثالث: ما ورد السمع به وهو يوهم نقصًا، فيقصر على محله نحو ماكِر وخادع.\nقلت: هذه الأقسام الثلاثة قال فيها شهاب الدين ﵀:\nلم أعلم في هذه الأقسام الثلاثة خلافا، وكان فيما ذكره في القسم الثالث أنه يقتصر به على محله، وأنه جاء للمقابلة كقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٥٩).\nورأيت صاحب الشُّعَب الشيخ أبا محمد عبد الجليل القصري ﵀ ذكر في الأسماء التي له مَاكِرًا وخادعًا، وظاهر كلامه فيها أنها تطلق لا ما قاله شهاب الدين. ورأيت للامام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير له في قوله تعالى: \"ومكروا ومكَرَ اللهُ، واللهُ خير الماكرين\" (٦٠) تفسيرا حسنا فَسَّرَ لنا به\n_________\n(٥٨) علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق على طوله، فقال: جميع ما قاله في هذا الفرق لا بأس به، إلا ما قاله في المسألة الثانية من أنه إذا قال: باسم الله لأفعلن، يحتمل أن يكون إضافة مخلوق إلى الله تعالى على كلا التقديرين في اسم، من أن يكون المراد به الإسم الذي هو اللفظ، أو المسمى الذي هو المعنى، فلا يتعين لما يوجَب الكفارة إلاَّ بِعُرْفِ (ونية)، فإن في ذلك نظرًا، فإن لقائل أن يقول: فيه عرف بأن المراد ما يوجب الكفارة، والله أعلمُ.\n(٥٩) سورة الأنفال. الآية: ٣٠.\n(٦٠) فالله ﷾ لا ينادَى ولا يدْعيَ ولا يُذكَر الا بأسمائه الحسنى التي سمى بها نفسه، ولا يوصف الا بما وصف به نفسه، أو جاء في السنة النبوية الصحيحة.","vol":"1","page":468},{"text":"كل ما جاء مشكلا من هذا النوع فقال: إن المكر في حق المخلوق هو من حيث الغاية والسبب. فمن حيث الغاية، الظَفَر بالممكور من حيث لا يشعر، ومن حيث السبب، العجز عن أخذه جهارا. قال: والمكر بالنسبة إلى الله تعالى هو من حيث الغاية لا من حيث السبب. وعلى هذا الذي قاله، فقد ارتفع النقص من مقتضى هذه الأسماء وورد بها النص، فهى جائزة، والله أعلم.\nقال شهاب الدين:\nالقسم الرابع: ما لم يرد السمع به وهو غير موهم فلا يجوز إطلاقه عند الشيخ أبي الحسن الاشعري. وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء، ويجوز إطلاقه عند القاضي أبي بكر الباقلاني. نحو ياسيدنا، هل يجوز إطلاقه؟ قولان.\nومدرك الخلاف هل يلاحظ انتفاء المانع، وهو الإبهام ولم يوجد، فيجوز، أو نقول: الاسماء توقيفية، وهو الصحيح؟ فإن مخاطبة أدنى الملوك يفتقر إلى معرفة ما أذنوا فيه من أسامي، وأيضا فهى قاعدة الادُب، والأدب مع الله متعين، لا سيما في مخاطباته. ثم إن لفظ السيد ذكر زكي الدين عبد العظيم، المحَدِّث - ﵀ - أنه ورد حديث في لفظ السيد، فيجوز اطلاقه على المذهبين، وقس على\nهذه المثل.\nقال الشيخ أبو الطاهر بن بشير: فكل ما جاز إطلاقه جاز الحلف به وأوجب الكفارة، وما لا يجوز إطلاقه لا يجوز الحلف به، ولا يوجب الحلف به كفارة. وهاهنا ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: قال أصحابنا: من حلَف باسم من أسماء الله تعالى التي يجوز اطلاقها عليه تعالى وحنِث، لزمته الكفارة. وقال الشافعي والحنابلة: أسماء الله تعالى قسمان: منها ما هو مختص به تعالى، وهو صريح في الحلف كقولنا: والله، والرحمانِ، فهذا ينعقد به اليمين بغير نية. ومنها ما لا يختصُّ به تعالى كالحكيم","vol":"1","page":469},{"text":"والعزيز والرشيد والقادر والمريد والعالم، فهي كنايات لا تكون يَمِينًا إلا بالنية، لأجل التردد بين الموجب وغير الموجب (٦١).\nولنا عليه جواب وهو أن القاعدة أن الألفاظ المفردة قد تبقى على معناها اللغوي، وينقُلُ أهل العرف المركَّب من المفردين لبعض أنواع ذلك الجنس كما قلنا في لفظ الرؤوس، تصدق على رؤوس جيع الحيوانات، ولفظ الأكل يصدق على كل فرد من أفراد الأكل في أي مأكول كان. وإذا ركبنا هاتين اللفظتين فقلنا: والله لا أكلت رؤوسا، وأكلت رؤوسا، لا يفهم أحد إلاَّ رؤوس الأنعام دون غيرها، بسبَبِ أن العرف نقلَ هذا التركيب لرؤوس خاصة دون بقية الرؤوس، فذلك لفظ العليم والقدير والمريد يصدق على كل عالم وقادر ومريد، ومع ذلك فقد نقل أهل العرفِ قولنا: وحق العليم وغير ذلك من الأسماء إلى خصوص أسماء الله تعالى، فهو من المركبات المنقولة لا يفهم أحد منها غير ذلك.\nقال شهاب الدين: وهذا الجواب حسن من حيث الجملة، غير أنه لا يطرد في جيع الأسماء، وإنما يستقيم في الأسماء التي جرت العادة بالحلف بها، وما لم تجر العادة بالحلف به كالحكيم والرشيد فلا يتصور ذلك بحسبها. ولعل كثيرًا من الأسماء لا يعلم كثير من الناس أنها من أسماء الله تعالى (٦٢).\nفإن قيل: الحيف بها يبين أنها من أسماء الله لأن عادة الناس ذلك، قلنا: وقدْ يحلفون بغير أسماء الله كحلفهم بنعمة السلطان وآبائهم، وحياة زيد وما أشبه\n_________\n(٦١) زاد القرافي هنا على ما اختصره اليقوري قوله: وهذا التردد أجمعنا عليه في الطلاق وغيره، وأن التردد لا ينصرف لِلطلاق ولا لمعنى يقع التردد فيه إلا بالنية، فكذلك هاهنا.\nووجْهُ التردد في هذه الاسماء المذكورة بين إرادة الله تعالى بها وبين المخلوق واضح، وأن البشر يسمى بهذه الاسماء حقيقة، وأن هذا اللفظ يطلق على الموضعين بالتواطؤ، ولا يتعين اللفظ المتواطئ إلا بالنية، وكفى بهذا في بيان التردد والاحتياجِ للنية، وهذا كلام حسن قوي معتبر في كثير من أبواب الفقه كالظهار والعتق وغيرهما.\n(٦٢) قال القرافي هنا: \"فلم يشتهر الحلف بذلك. ولم أعلم أني رأيت من أسماء الله تعالى الرشيد إلا في الترمذي حيث عدد أسماء الله الحسنى مائة إلا واحدا. وأصحابنا عمموا الحكم في الجميع ولم يفصلوا، وهو مشكل.","vol":"1","page":470},{"text":"ذلك. فإذا لم يكن استعمالهم لبعض الأسماء كثيرا بقي الحال فيها على حكم اللغة، فيكون لفظها صالحا للقديم والحادث (٦٣).\nالمسألة الثانية، قال صاحب الخصال الأندلسي: يجوز الحلف بقولك: باسم الله لأفعلن، وتجِب بذلك الكفارة عند الحنث.\nقال شهاب الدين: وهذه المسألة فيها غور، بسبب أن الاسم هاهنا، إن أريد به المسمى استقام الحكم، وإن لم يُرَدْ به المسمى فقد حكى ابن السيد البطليوسي أن العلماء اختلفوا في لفظ الإسم، هل هو موضوع للقدر المشترك بين الأسماء فمسماه لفظ، أو وضع في اللغة للقدر المشترك بين المسميات فلا يتناول إلا مسمى؟ قال: وهذا هو تحقيق خلاف العلماء في أن الاسم هو المسمى أم لا؟ وأن الخلاف إنما هو في لفظ الاسم الذي هو ألف، سين، ميم، وأما لفظ نار وذهب فلا يصح أن يقول عاقل: إن لفظ نار هو عين النار حتى يحترق فم من ينطق بهذا اللفظ.\nوإذا فرعنا على هذا وقلنا: الاسم موضوع للقدر المشترك بيْن الاسماء، وأن مسماه لفظ، فينبغي ألاَّ تلزم به كفارة، ولا يجوز الحلف به كما لو قلنا: ورزقِ الله، فإنَّ إضافة المحدَثِ إلى الله لا يُصَيِّره مما يجوز الحلف به، وإن قلنا: هو موضوع للقدر المشترك بين المسميات، والقاعدة أن الدال على الأعم غير دال على الأخص، وما يكون كذلك لا يحلف به، ولا يكون قسما إلا بنية أو عرف\n_________\n(٦٣) عبارة القرافي هنا أخذ منها البقوري هذا التساؤل حيث جاء فيها قوله: ولا يمكن أن يقال: إنَّ عادة المسلمين لا يحلفون بغير الله تعالى وأسمائه فتنصرف جميع الأسماء لله تعالى بقرينة الحلف، لأنا نقول: إنا نجدهم يحلفون بآبائهم وملوكهم، ويقولون: ونعمة السلطان، وحياتك يا زيد، ولعمري لقد. قام زيد، فيحلف بعمره وحياة مخاطبه طول النهار، فليس ظاهر حالهم الانضباط ولا حصل في الأسماء القليلة الاستعمال عرفٌ ولا نقلٌ يعتمد عليه، فيستصحب فيها حكم اللغة، وأن اللفظ صالح للقديم، هذا هو الفقه.\nوقد جاء النهي عن الحلف بالآباء وغيرهم، ففي الحديث ان النبي - ﷺ - قال \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت\".","vol":"1","page":471},{"text":"ناقل. ولا واحد منهما، فلا تجب كفارة إذ لم يتعين صرف اللفظ لجهة الله (٦٤).\nالمسألة الثالثة (٦٥)، الألف واللام في أسماء الله تعالى للكمال.\nوهذا، كقولهم: زيد الرجل وتريد الكامل في الرجولية. فمعنى الرحمان، الكامل في الرحمة، وكذا بقية الاسماء.\n\nالقاعدة الرابعة: (٦٦)\nنقرر فيها ما يدخله المجاز والتخصيص مما لا يدخله على الجملة ليمتنع، والمراد من ذلك الأيمان، فنقول:\nالنصوص هي التي لا تقبل المجاز ولا التخصيص، والظواهر تقبلهما.\nثم النصوص قسمان:\nالقسم الأول: أسماء الأعداد، نحو الخمسة والعشرة وسائر أسماء الأعداد) (٦٧).\n_________\n(٦٤) عبارة القرافي أظهر وأوسع، وهي: والقاعدة أن الدال على الأعم غير دال على الأخص، فاللفظ الدال على القدر المشترك بين جميع المسميات لا يكون دالا على خصوص واجب الوجود ﷾، وما لا يكون دالا عليه لغة لا ينصرف إليه إلا بنية وعرف ناقل. ولا واحد منهما، فلا تجب الكفارة، ولا يتعين صرف اللفظ لله تعالى، فهذا تحرير هذه المسألة.\n(٦٥) قال القرافي في أول هذه المسألة: قال اللخمي، قال ابن عبد الحكم: هَا للَّه يمين توجب الكفارة مثل قوله: تالله، فإنه يجوز حذف حرف القسم، وإقامة التنبيه مقامه. وقد نص النحاة على ذلك.\nثم عنون لهذه المسألة الثالثة بقوله: فائدة، فأورهَا موجزة مختصرة كما هي عند البقوري في هذا الايجاز والاختصار، ونسَبَ كون اللَّام للكمال إلى امام النحاة سيبويه ﵀، وقال في آخرها: وكذلك بقية أسماء الله تعالى، فاللام فيها لا للعموم ولا للعهد، ولكن للكمال\"، وهي فائدة لطيفة هامة.\n(٦٦) هي موضوع الفرق الثامن والعشرين والمائة بين قاعدة ما يدخله المجاز في الأيمان، والتخصيص، وقاعدة ما لا يدخله المجاز والتخصيص. ح. ٣ ص ٦٠.\n(٦٧) قال القرافي: وأسماء الأعداد إثنان، وآخرها الألفُ، ولم تصنع العرب بعد ذلك لفظا آخر للعدد، بل عادت إلى رتب الأعداد، فَقالت: ألفانِ، وهذا هو التثنية، فتكرر مراتب الأعداد، وهي أربع: الآحاد إلى العشرة، والعشرات إلى المائةِ، والمئون إلى الألف، ثم الآلاف، فهذه عند العرب نصوص لا يدخلها المجاز ولا التخصيص.","vol":"1","page":472},{"text":"القسم الثاني: الإسمان الكريمان: الله والرحمان، لا يصدقان على غيره جل وعلا. فالقسم الأول منع من المجاز والتخصيص فيه وضع اللغة. والقسم الثاني منع من ذلك وضع الشرع. والمجاز إذا نُظِر أعَمُّ من التخصيص، فكل تخصيص مجازه وليس كل مجاز تخصيصا. فالتخصيص كأن يريد بالعشرة شبهها، وذلك العشر (بضم العين والشين) وبالخمسة الخمس.\nوأما الظواهر فهي ما عدا هذين القسمين من العمومات نحو المشركين، وأسماءِ الاجناس نحو الأسد وغيره، فالمجاز والتخصيص جائزان فيها.\nوعلى ما قلناه سؤال، وهو أن القرآن استعمل اسم العدد مجازا كَقوله تعالى: \"إنه تستغفر لهم سبعين مرة\". قال العلماء: المراد الكثرة كيف كانت. وكذلك قوله تعالى: \"سبعون ذراعا\" أي طويلة جدا، وأهل العرف يقولون: سألتك ألف مرة فما قضيت لي حاجة، ولا يريدون خصوص الألف (٦٨)، وهذا يخالف ما عليه الفقهاء من أن المجاز لا يدخلها.\nوعلى صحة القاعدة فهنا ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: إذا حلف ليعتقن ثلاثة أعبد اليوم، فأعتق عبدين وقال: أردت بذلك اللفظ هذا لم تُفِدْه النية، وحنِث إن خرج اليوم ولم يعتق الثلاثة (٦٩).\nالمسألة الثانيه: إذا قال: والله لأعتقن عبيدي، وقال: أردت بعضهم أو أردت دوابي أو أردت بالبيع العتق أفاده ذلك كله (٧٠).\n_________\n(٦٨) بل وريدون الكثرة كيف كانت، وهذا مجاز قد دخل المائة والالف، حين يقول القائل: زرتك مائة مرة فلم تَرْعَ لي ذلك، وإذا انفتح الباب في بعض هذه الالفاظ انخرم الجزم في بقيتها، فلم تبق لنا نصوص البتة في أسماء الأعداد، غير أن الفقهاء مطْبِقون على ما تقدم، والواقع كما ترى فتأمله.\nوعلى ما تقدم من صحة القاعدتين والفرق بينهما تتخرج ثلاث مسائل ... الخ.\n(٦٩) قال القرافي: أسماء الاعداد لا تفيد فيها النية في الأيمان ولا في الطلاق ولا في غيرهما.\n(٧٠) قال القرافي: إذا قال: واللهِ لأعتقن عبيدي، وقال: أردت بعضهم على سبيل التخصيص أو قال: أردت بعبيدي دوابي، أو أراد بالبيع العتق، أفاده ذلك، لانه يجوز استعمال العبيد مجازا في الدواب، والعلاقة المِلك في الجميع، واستعمال العتق مجازا في البيع والعلاقة بطلان الملك، فهذا تفيد فيه النية والمجاز.","vol":"1","page":473},{"text":"المسألة الثالثة: إذا قال: والله لأعتقن ثلاثة عبيد، ونوى به بيع ثلاث دواب صح، لأن المجاز في المعدود لا في العدد. ونظير هذه المسألة انتِ طَالق ثلاثا، ويريد بالثلاث اثنتين أو واحدة، لا يفيده ذلك، وإن قال: أردت أنك طلقت ثلاث مرات من الولد، أفاده ذلك.\nوقد أشكل ذلك على بعض الفقهاء فقال: أثرت النية في الكل ولم تؤثر في البعض، فإن النية أبطلت الطلقات الثلاث كلها، فأولى أن يبطل بعضها. وجوابه أن النية في الأعداد هي لا تفيد، وفي المعدود تفيد.\nثم إذا تبين هذا في القسم الواحد من القسمين اللذين في النص، فالقسم الثاني أيضا الذي هو لفظ الله والرحمان كذلك لا تفيد النية فيه شيئًا بأن يدعي وجها من وجوه المجاز، لما تقدم من أن المجاز والتخصيص لا يدخلان النص على الإطلاق، بخلاف غيرهما من الأسماء فإنها ليست نصوصا.\n\nالقاعدة الخامسة: (٧١)\nأقرر فيها ما تكفي فيه النية في الأيمان، وما لا تكفي، فأقول:\nإعلم أن النية تكفي في أشياء، ولا تكفي في أشياء.\nفأما ما تكفي فيه فذلك أشْياء:\n_________\n(٧١) هي موضوع الفرق الثلاثين والمائة بين قاعدة ما تكفي فيه النية في الأيمان، وقاعدة ما لا تكفي فيه النية. جـ ٣، ص ٦٤.\nقال القرافي ﵀ في أوله: إعلَمْ أن النية تكفي في تقييد المطلقات وتخصيص العمومات وتعميم المطلقات، وتعيين أحد مسميات الألفاظ المشتركات، وصرف اللفظ عن الحقائق إلى المجازاتِ، ولا تكفي عن الألفاظ التي هي أسباب، ولا عن لفظ مقصود، وإن لم يكن سببًا شرعيًا، ويتضح ذلك بمسائل ... الخ. وفي موضوع تخصيص نية الحالف وتقييدها لما ينْويه، يقول الشيخ خليل ﵀: \"وخصصت نية الحالف وقيدت إن نافَتْ وساوتْ\" أي تخصص وتقصُرُ اللفظ العام على بعض افراده، وقيدته بأن صرفت نية الحالف لفظه إلى بعض افراده التي نحتملها إن ساوت النية المحلوف عليه في التخصيص ان نافت المحلوف عليه، وقيدته ان ساوته، وتفصيل هذا الموضوع يرجع اليه في شراح الشيخ خليل ﵏.","vol":"1","page":474},{"text":"فها تقييدُ المطْلَقات، كما إذا حلف لَيكرمن رجلا وينوي به زيدًا، فلا يبرأ بإكرام غيرِه، لأن رجلا مطلق، وقد قيد بخصوص زيد، فصار معنى اليمين لأكرمن زيدًا (٧٢).\nومنها تخصيص العمومات، كقوله: والله لا لبست ثوبًا، وينوي إخراج الكتان من يمنيه، فيصير هذا العموم مخصوصًا بهذه النية (٧٣)، ومن تخصيص العمومات أن يقول: كل حلال، عليِّ حرام، فينوي محاكاة زوجه (٧٤).\nومما يكتفى فيه بالنية ولكنه على خلاف، ما دل اللفظ عليه التزاما، قالت الحنفية: لا تؤثر. النية فيه تقييدا ولا تخصيصا، وقالت بقية الفرق: تؤثر فيه كالمطابقة (من غير فرق).\nوهذا مثل قول القائل: والله لا أكلت، فقالت الفرق الشافعية والمالكية: يجوز أن ينوى مأكولا معينا، فلا يحنث بأكل غيره. وقالت الحنفية: لا يجوز دخول النية هاهنا، وإن نوى بطلت نيته وحنث بأي ماكول أكله، فإن اللفظ إنما دل مطابقة على نفي الأكل الذي هو المصْدَرُ، ومن لوازم المصدر ماكولٌ مَّا،\n_________\n(٧٢) قال الشيخ ابن الشاط ﵀ عن هذه المسألة: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\n(٧٣) قال ابن الشاط في هذه المسألة هنا: ليس هذا تخصيص العموم، بل هو الاستثناء بالنية وهو محل خلاف، وأما التخصيص بالنية فهو أن يقصد ما عدا الكتان خاصةً ولا أراه إلا محل وفاق.\n(٧٤) هذه المسألة هي المحاشاة، كما قال مالك ﵀: إذا قال القائل: كل مال علي حرام، يلزمه الطلاق، إلا أن يحاشي زوجته (أي أن يستثنيها) وقال الأصحاب: يكفي في المحاشاة مجرد النْية، والسبب في ذلك أنها تخصيص بعينه من غير زيادة ولا نقصان. والتخصيص يكفي فيه إرادة المتكلم فاعلم ذلك، فهذه مواطن الاكتفاء بالنية إجماعًا.\nوقد عقب الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله:\nالصحيح أن المحاشاة هي الاستثناء بعينه لا التخصيص، ولكن لما سبق له توهم أن إخراج بعض متناول اللفظ العام هو التخصيص، قال: إن المحاشاة هي التخصيص وذلك غير صحيح، وقد تقدم ذلك والكلام معه فيه في الفرق التاسع والعشرين.\nثم علق على قوله: فهذه مواطن الاكتفاء بالنية إجماعا، فقال ابن الشاط: ذلك صحيح إلا في المحاشاة فإن الخلاف فيها معلوم.","vol":"1","page":475},{"text":"وذلك الماكول لم يلفظ به، فلا يجوز دخول النية فيه، لأنه مدلول التزامي (٧٥). واحتجوا بأشياء.\nمنها أن الاستقراء دل على أن النية لا تدخل إلا فيما دل اللفظ عليه مطابقة. واعتبار النيات في الألفاظ أمر يتبع اللغة، فكما لا تجوز النية في صرف أسماء الأعداد لغة، كذلك هنا هنا لا يجوز لغة.\nواحتج المالكية والشافعية بأشياء:\nمنها أنا أجمعنا على ما إذا قال: والله لا أكلت أكلا، أنه يصح أن ينوي بعض المآكل ويخرج البعضَ بنيته، مع أن أكلا مصدر، وأحمع النحاة على أن التصريح به بعد اللفظ بالفعل إنما هو للتأكيد نحو ضربت ضربا، والتأكيد - حقيقة - تقوية المعنى الأول من غير زيادة، وإلا كانت الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله، والثابتُ معه اعتبار النية، فالثابت قبله اعتبار النية وهو المطلوب.\nومنها أن النية اعتبرت في المطابقة إجماعا مع قوة المعارض، فأولى أن تعتبر مع ضعف المعارض في دلالة الالتزام بطريقة الأولى. وإنما قلنا: إن المطابقة أقوى معارضة للنية، لأن المطابقة هي الأصل المقصود بوضع اللغة، وغيره إنما يفيده اللفظ تبعا لها، والأصل أقوى من التابع.\nومنها أن قالوا: وجدنا الاستثناءات في لسان العرب دخلت على العوارض الخارجة عن المدْلولِ المطابق واللازمِ، ولفظ الاستثناء إنما هو فرع عن إرادة المعنى الذي لأجله سيق الاستثناء، فإن اللفظ تبع لإرادة المعنى، فإنه يقصد به إفهام\n_________\n(٧٥) قال ابن الشاط هنا: ما قاله الحنفية في أثناء احتجاجهم من أنَّ تناول اللفظ إنما هو محقق في المطابقة والتضمن ليس بصحيحٍ، لأن دَلالة الالفاظ ليست عقلية، بل هي وضعية، ولم يوضع لفظ المسجد إلا لجملته لَا لجملتِهِ وبعضه، وهو السقف مثلا، والا لكان ذلك اللفظ مشتركا، وليس الكلام المفروض إلا على تقدير أن لفظ المسجد لم يوضع للسقف .. الخ","vol":"1","page":476},{"text":"السامع ما في نفس المتكلم، فمتى دخل الاستثناء في المدلول التزاما دل ذلك على دخول النية قبله في المدلول الالتزامي (٧٦).\nوبيان دخول الاستثناء في المدلول التزاما أو بطريق العَرض أشياء:\nمنها قوله تعالى: \"لَتَاتُنَّنِي به إلا أن يحاط بكم\". (٧٧) هذا استثناء من الأحوال العارضة أو اللازمة لمعنى الإتيان. والمعنى لتاتنني به في كل حال من الحالات إلا في حالةِ الاحاطة بكم فإني لا ألزمكم الإتيان به فيها لقيام العذر حينئذ.\nومنها: \"ما ياتِيهِم من ذِكْر من رّبهم مُحْدثِ إلا استمعوةُ\" (٧٨). والمعنَى لا ياتيهم في حالة من الحالات، والأحوال أمور خارجة عن المدلول المطابقي. وإذا كانت خارجة، فإن كانت الاحوال لَازِمةً فقد دخلت النية في المدلول التزاما. وإن كانت عارضة فقد دخلت النية في العوارض، وإذا دخلت في العوارض دخلت في اللوازم بطريق الأولى ولا بد (٧٩)، وهذه الادلة ترد ما قالوه أولا من دليل الاستقراء، فصح ما قالته المالكية، والله أعلم.\nومما يكتفى فيه بالنية أيضا تعميم المطلَقات، وصُورَتُهُ أن يقول:\nوالله لأكرمن أخاك، وينوي بذلك جميع اخوتك، فإن قوله: \"أخاك\"، مطلق، فإذا أراد جميع الإخوة فقد عمم المطلق (٨٠)، ومثله قوله تعالى:\n_________\n(٧٦) علق الفقيه ابن الشاط على هذه الحجج والوجوه الثلاثة عند المالكية والشافعية بقوله: هذه الوجوه الثلاثة صحيحة جيدة.\n(٧٧) سورة يوسف: الآية ٦٦.\n(٧٨) سورة الانبياء: الآية ٢.\n(٧٩) فإن العارض أبعَدُ عن مدلول اللفظ مطابقة من اللازِم ضرورة كما قال القرافي:\n(٨٠) قال ابن الشاط، ليس ما قاله القرافي هنا بصحيح، فإن أخاك معرفة، وليست المعرفة مطلقة في عرف الاصوليين، وانما المطلق في عرفهم النكرة في سياق الإثبات، فكان حقه أن يقول: والله لأكرمن أخًا لَكَ وما أشبه ذلك ... الخ.","vol":"1","page":477},{"text":"\"ثم يخرجكم طفلا\"، فالمراد به جميع الاطفال على سبيل العموم، إذ جميعنا لا\nيخرج طفلا واحدا، (٨١).\nفإذا ورد هذا المطلق في كتاب الله تعالى، والمراد به العموم، فمن نوى تعميمه في اليمين لزمه. فإن كان في سياق الثبوت لا يبرأ إلا بحصول الفعل في جميع أفراد ذلك العموم، وإن كان في سياق النفي حنث بواحد من ذلك العموم، وانحلت اليمين بأي فرد حنث فيه، مع أن سياق النفي، اللفظ فيه عام. فإن النكرة في سياق النفي تعم، وإنما يظهر أثر ذلك في سياق الثبوت خاصة (٨٢).\nومما يكتفى فيه بالنية تعيين فرد من أفراد اللفظ المشترك بقوله: والله لأنظرن إلى عين، ويريد بهذا اللفظ أحد مسمياته، وذاك العين الباصرة، فلا يبرأ إلا برؤيته لها (٨٣).\nومن ذلك أيضا صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه بالنية، كقوله:\nوالله لأضربن أسدًا، ويريد به رجلا شجاعا. فلا يبرا إلا بمجازه (٨٤). هذا القسم الاول.\n_________\n(٨١) علق ابن الشاط على العموم في هذه الآية بقوله: لا يصح أن يكون المراد به في الآية العموم، فإن العموم لا بد أن يكون متناولا لجميع الآحاد الممكنة، ولا يتجه ذلك في الآية، إذ لو قال: ونخرجكم جميع الاطفال الممكنة لم يكن كلاما صحيحا، وإنما العموم مستفاد في الآية من ضمير الجمع، المتصل بِنُخْرج، وهو عموم في المخرجين (بفتح الراء) لا في كل ممكن، ثم جاء لفظ طفل مبَيِّنا للحالة التي يكون الإخراج فيها، وهي حالة الطفولية، إما على تقدير: ونخرج كل واحد، فناب مناب اسم الجمع كناس ونفر، والله أعلم.\n(٨٢) عبارة القرافي في السطر الآخير: وإنما يظهر أثر ذلك وتأثير النية في سياق الثبوت خاصة. وقد علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة بقوله: ما قاله في ذلك صحيح.\n(٨٣) عبارة القرافي: فلا يبرأ الا بالنظر إلى الباصرة بسبب تعيينها بالنية، فهذا قسم يستقل بنفسه دون تخصيص العمومات وتقييد المطلقات والصرف إلى المجازات. لأن اللفظ ينطبق على ما عينه حقيقة من غير زيادة ولا نقصان، وفي بقية الصور ليس كذلك.\nوقد علق ابن الشاط على هذه المسألة عند القرافي فقال: ما قاله في ذلك صحيح، غير عبارته بفرد عن أحد مسميات اللفظ المشترك، لأن الفرد في الاستعمال الغالب إنما يراد به الواحد الشخصي لا الواحد النوعي.\n(٨٤) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذه المسألة السابعة صحيح.","vol":"1","page":478},{"text":"وأما ما لا يكتفَى به بالنية، فنية الاستثناء بمشيئة الله. وسبب عدم تأثيرها أن قوله ﵊: (من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف\" (٨٥). يقتضي أن الاستثناء بالمشيئة سبب رافع لحكم اليمين، لأن القاعدة أنَّ تَرتب الحكم على الوصفِ يقضي عليه ذلك الوصف لذلك الحكم وسببيته. وهو هنا قد رتب الشارع - صلوات الله عليه - حكم ارتفاع اليمين على المشيئة (٨٦)، وإذا كان كذلك، والقاعدة الشرعية أن المسببات يتوقف وجودها على وجود أسبابها، وأن القصد إليها لا يقوم مقامها، فلهذا لم تقم النية مقام الاستثناء بمشيئة الله في حل اليمين. قال اللخمي: وعلى القول بانعقاد اليمين بالنية يصح الاستثناء بالنية من غير لفظ المشيئة.\n_________\n(٨٥) في معناه حديث ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من حلف فقال إن شاء الله فله ثُنْيَاه). ومثله عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: (من حلف واستثنى، إن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حانث)، وفي رواية اخرى عنه: (من حلف واستثنى فلن يَحْنَثْ).\n(٨٦) عبارة القرافي: وها هنا قد رتب صاحب الشريعة حكم ارتفاع اليمين على وصف الاستثناء بمشيئة الله تعالى، فيكون الاستثناء بمشيئة الله تعالى هو سبب ارتفاع حكم اليمين، لقوله ﵊: عاد كمن لم يحلف، وهذا إشارة إلى ارتفاع حكم اليمين.\nوقد علق ابن الشاط على ما جاء في هذه المسألة عند القرافي فقال:\nما قاله في هذه المسألة، فيه نظر من جهة أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى لا تأثير له إلا إن كان مقصودا به رفع اليمين أو حلها، فهو - أعني الاستثناء بمشيئة الله تعالى - دليل على قصد رفع اليمين، وإذا كان الأمر كذلك فما المانع من الاكتفاء بقصد رفع اليمين الذي لفظ الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل عليه، إلا أن يكون في بعض روايات حديث الاستثناء بمشيئة الله تعالى ما يدل على اشتراط اللفظ بذلك دون القصد فقط، ولا أعلم ذلك الآن، فلينظر، فإن المسألة لا ينبني التخفيف فيها إلا على ذلك. وما نظَّر به من أن القصد إلى الصلاة لا ينوب منابها حتى يكون سبب براءة الذمة منها، ومن أن القصد إلى السرقة لا يقوم مقامها فيجب القطع، وكذلك ما عداها من الاعمال، فإن ورد دليل واضح على أن المراد عين استثناء المشيئة لفظا استوى الامر في الاستثناء وسائر الأعمال وإلا فلا. وما حكاه عن اللخمي متجه. ولقائل أن يقول: إذا ثبت اشتراط اللفظ في الاستثناء بمشيئة الله تعالى فلا بد منه وإن انعقدت اليمين على نية القول بذلك، والله أعلم. وهو تعقيب هام ودقيق جدا عند ابن الشاط ﵀.","vol":"1","page":479},{"text":"ومما لا تصح فيه النية أيضًا أن يقول: والله لأعطينك ثلاثة فى دراهم، فينوي إلا درهمًا واحدًا. وإنما لم تكف النية، لما تقدم من أن المجاز لا يدخل النصوص (٨٧).\nووقع الخلاف في قولك: لقيت القوم، وأنت تريد إلا فلانا، فقيل: لاتؤثر النية هاهنا من حيث إن النية لا تعتبر في نزولها منزلة اللفظ المخرج للبعض، فيكون اللفظ هو المخرج. وقيل: تؤثر، لأن الاخراج بها كما هو باللفظ لا أنها عوض اللفظ، واللفظ هو المخرج. والمقصود منهما حاصل على السواء، والله أعلم.\n\nالقاعدة السادسة: (٨٨).\nأقرر فيها الفرق بين مخالفة النهي، لم كان يقتضي التكرار ومخالفة اليمين لا يقتضي التكرار\nوهما قد اشتركا في العموم، فإن النهي يقتضي العموم، والنفي يقتضي العموم، فأنت إذا قلت: لا تضرب زيدا، متى وقع ضربه تكرر الإثم بتكرار الضرب، فإذا قلت: والله لا أضرب زيدا، فإن ضربته مرة فقد لزمتك الكفارة وانحلت اليمين بحيثِ لا كفارة بعد ذلك تلزم فيها، فأقول:\n_________\n(٨٧) عبارة القرافي هنا: (المسألة التاسعة) التي لا تؤثر فيها النية، الاستثناء في النصوص، نحو: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، ووالله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا واحدًا، فلو نوى بالطلاق الثلاث طلقتين، وبالدراهم الثلاث درهمين، فهذا لا يصح إلا بالاستثناء ولا تكفي هذه النية، لأنها لو كفته لدخل المجاز في النصوص وهو لا يدخل فيها، ولا معنى للمجاز إلا استعمال الثلاث في الاثنين، وإنما يصح المجاز في الظواهر، وقد تقدم بيانه، فلا يمكن أن تقوم النية هاهنا مقام الاستثناء، البتة (أي قطعًا).\nوقد قال ابن الشاط عما جاء عند القرافي في هذه المسألة التاسعة والتي بعدها: ما قاله القرافي فيهما صحيح ظاهر، والله أعلم.\n(٨٨) هي موضوع الفرق الثاني والثلاثين والمائة بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت يتكرر التأثيم، وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا يتكرر بتكررها الكفارة، والجميع مخالفة). جـ ٣، ص ٧٨.","vol":"1","page":480},{"text":"لا شك أن العموم في الوجهين، ولكن الفرق متى وقع اختلاف الحكم، أن الإثم مترتب على وقوع المفسدة، والمفسدة تتكرر بتكرار المنهي عنه، وأما الكفارة فهي مرتبة على وضع الشرع لها وبالوجه الذي وضعها عليه، والشارع إنما وضعها مرتبة على الحنث الذي هو نقيض الفعل المنفي العام، والنقيض له جزئي. ولما أوقعها على ذلك لم تتكرر كما لا يتكرر الشيء المرتب على الشرط بحرف إن، كأن يقول: إن دخلت الدار أكرمك، فإن وقع هذا مرة لزم الإكرام، ثم لا يلزم بعد ذلك لأنها لا عموم فها (٨٩) فكذلك مسألتنا إنما رتبت الكفارة على ما قلناه لا على الفعل العام ولا على تأكيده باليمين، بل على الحنث، وهذا لأن الثبوت المناقض لذلك هو مطلق الثبوت. فإذا حصل لزمت الكفارة، والمطلق يخرج على عهدته بصورة واحدة إجماعا كإخراج شاة من أربعين.\nوأيضا فيصح أن يقال: الكفارة لو كانت تتكرر بتكرر المخالفات لليمين لشق ذلك على المكلَّفِين، والحرج غير موجود في الشريعة. وتحقيق الحرج بأن ينظر إلى حالة الأوبة والرجوع إلى الله، فإذا ذلك لا يبرئه إلا الكفارات المتعددة، وفي ذلك حرج، وربما كان ذلك مانعًا من الرجوع إلى التوبة وإصلاح ما مضى. وأما الآثام فهي - وإن تكررت - إذا كان الرجوع إلى الله، التوبة تسقطها بأجمعها، وذلك الندم عليها، وعمارة الوقت بضدها من الخير، ولا خفاء بتيسيرها.\nفإذا تقرر لِمَ كان أمر الأيمان لا تتكرر فها الكفارات بتكرر المخالفات، وبانَ وجْهُ الفرق بينهما وبين النهي في تكرر الآثام، فاعلم أنه وقعت صورة اختلف العلماء في بعضها أو في كلها، وهي الحنث للنسيان أو للجهل أو للإكراه. فمذهبنا اعتبار الحنث في هذه الأحوال الثلاثة. ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة وأحمد\n_________\n(٨٩) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق بقوله: ما قاله فيه صحيح، غير قوله: \"بل الشرط مطلقا إنما يقتضى مرة واحدة\" فإنه غير صحيح، فإنه لو اقتضى المرة الواحدة لما كان مطلقا، بل كان مقيدا باقتضاء المرة الواحدة دون غيرها. وإنما وقع الاكتفاء بالمرة الواحدة لضرورة لزوم تحصيل مقتضى التعليق، ولا أقل من المرة الواحدة في التحصيل.","vol":"1","page":481},{"text":"ابن حنبل على الإكراه على اليمين، وخالفنا أبو حنيفة في الإكراه على الحنث، ووافقنا في النسيان والجهل.\nفأما من قال بأن لا حنث في الأحوال الثلاث فوجهه أن الأيمان إنما وضعت للحنث على الموافقة والرد عن المخالفة. وهذا المعنى معتبر عند العلم والذكر وعدم الإكراه، فلا حنث في الأحوال الثلاثة.\nوأما من يقول: الحنث في الكل، فلأن المعتبر عنده اليمين بأى وجه حصلت، وهي حاصلة من غير اعتبار للقصد باليمين. فلا حنث، أو مخالفة فيقع الحنث. ومن يقول بالفرق بين الإكراه والحالتين الأخريين، فلأنه يقول: المعتبر في المخالفةِ الفعل المكتسب بطريق الاختيار، إذ الحلف وقع على الفعل المختار المكتسب، فيحنث في النسيان، ومع الجهل، ولا يحنث مع الإكراه (٩٠).\nوقال شهاب الدين ﵀: الأولى من هذه الأقوال قول الشافعي، وهو أن لا حنث مع النسيان ومع الجهل ومع الاكراه، قال: وهذا أحد الاقوال عندنا، بسبب أن الباعث على الحلف للحالف إنما هو أن تكون اليمين حاثة له على الترك، وإلا كان يكفيه العزم على عدم الفعل من غير يمين (٩١).\nوإنما أقدم على اليمين ليكون استحضارها في نفسه مانعا من الإقدام والإِحجام، فلم تكن اليمين موضوعة لحالة النسيان ولا لحالة الجهل ولا لحالة الإِكراه (٩٢) والله أعلم.\n_________\n(٩٠) فيَ نسختي ع، وح: والحنث، والصواب ما في نسخة ت: ولا يحنث بالنفي، وهو الذي يقتضيه المعنى.\n(٩١) زاد القرافي قوله هنا: ويستريح من لزوم الكفارة.\n(٩٢) قال القرافي هنا: فإذا نسيها لم يقصد بهذه الحالة حالة الحلف، بل مقصود محصور في حالة حضورها في نفسه حتى نزعه، وكذلك العلم بعين المحلوف عليه شرط في الحنث به، فإذا جهله استحال مع الجهل الحنث على ما لا يعلمه، فهذه الحالة يعلم خروجها عن اليمين بقصد الحالفين، فلا يلزم فيها حنث، ويشترط التكرار.\nقال: وأما الإكراه على اليمين فلقوله ﵊: \"لا طلاق في إغلاق\" أي في إكراه، فيقاس على الطلاق غيره فلا يلزم، ورأى أبو حنيفة أن الإكراه على الحنث لا يؤثر كما قاله","vol":"1","page":482},{"text":"تنبيه: إذا قلنا: إن الإكراه على الحنث يمنع من لزوم موجب اليمين، فأكره على أول مرة من الفعل ثم فعله مختارا، يحنث، قاله ابن أبي زيد: وهو مقتضى الفقه، بسبب أن الاكراه لم يندرج في اليمين، فالواقع بعد ذلك بالاختيار هو أول مرة صدرت منه مخالفة اليمين، والأولى لا عبرة بها.\nومثل هذه المسألة إذا حلف بالطلاق لا يكلم زيدا، فخالع امرأته وكلمه، لم يلزمه بهذا الكلام طلاق. فلو رد امرأته وكلمه حنث عند مالك ﵀، لأنه قصد بالحلف بالطلاق أن يحثه الطلاق على عدم كلامه بسبب أنه يلزمه الطلاق حينئذ، فما حلف إلا على نفي كلام يلزمه به طلاق، لعدم قبول المحل له (٩٣). وأول كلام يقع بعد رد امرأته هو أول مخالفة اليمين فيه، فيلزم الطلاق به لا بما قبله كما قلنا في الإكراه حرفًا بحرف (٩٤).\n\nالقاعدة السابعة (٩٥):\nأقرر فيها الفرق بين ما تعذر عقلا من المحلوف عليه وما تعذر شرعًا أو عادة، فأقول:\n_________\n= مالك في الحنث حالة النسيان والجهل، والظاهر خلافه، لما تقدم من مقاصد الناس في أيمانهم. اهـ.\nثم قال القرافي: وتقع هذه المسألة في الفتاوى كثيرا ويقع الغلط فيها للمفتين فيقول السائل: حلفت بالطلاق لا أخدم الأمير الفلاني في إقطاعه، وقد أكرهت بالضرب الشديد على خدمته، فيقول له المفتي لا حنث عليك، مع أن ذلك الحالف مستمر على الخدمة مع زوال سبب الإكراه وإمكان الهروب والتغيب عن ذلك، ومضي زمان يمكنه التغيب فيه عن ذلك الأمير، وهو بذلك قد خدمه مختارا، فيحنث.\n(٩٣) زاد القرافي هنا قوله: \"فلا يكون من الكلام المحلوف عليه\".\n(٩٤) قال القرافي ﵀: فتأمل ذلك، فهذه الصور الثلاثة المتقدمة يحصل فيها التكرر في صورة المخالفة لا في المخالفة المعتبرة بسبب ما تقدم تقريره. اهـ.\n(٩٥) هي موضوع الفرق الرابع والثلاثين والمائة بين قاعدة تعذر المحلوف عليه عقلا. وبين قاعدة تعذره شرعا. جـ ٣ ص ٨٣.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند الإِمام القرافي في هذا الفرق ١٣٤ بقوله في آخر الفرق ١٣٢: ما قاله القرافي صحيح.","vol":"1","page":483},{"text":"إذا حلف فتعذر ذلك الفعل عقلا لم يحنث، إذا لم يمكنه الفعل قبل ذلك، وإن أمكنه ثم تعذر حنث. واختلف في المتعذر شرعا وعادة، فقيل: يحنث به، وقيل: لا يحنث. والفرق بينهما هو من حيث إن الناس إنما يقصدون بأيمانهم الحنث على الفعل الممكن لهم، وأما المتعذر عقلا فلم يوضع اللفظ في القسم حنثا عليه، فهو لا يوجب لذلك حنثا، لأن الحلف على الشيء مشروط بإمكانه، وفوات الشرط يقتضي عدم المشروط فلا يبقى الفعل محلوفا عليه.\nوالمتعذر العادي او الشرعي الممكن عادة مرة ينظر إلى إمكانه عقلا فيقال: هو محلوف عليه، ومرة ينظر إلى تعذره بالوجهين الآخرين فيقال: هو غير محلوف عليه للتعذر المذكور، إذ التعذرات كلها سواء.\nولأجل هذه القاعدة، إذا حلف ليذبحن حمامة، فقام مكانه فوجدها ميتة، قال ابن القاسم: لا حنث عليه، بخلاف لو حلف ليبيعن أمة فوجدها حاملا، يحنث عند ابن القاسم، لأن المانع شرعي. وسوى بينهما سحنون في عدم الحنث، وجرت مسائل على هذه القاعدة كما رأيت في هذا المثال (٩٦).\n_________\n(٩٦) وذلك كمن حلف ليضربن امرأته إلى سنة فتموت قبل السنة لم يحنث بموتها وهو على بر، كما قاله مالك ﵀، وكالحالف ليركبن دابة فتسرق منه يحنث عند ابن القاسم، لأن الفعل ممكن عادة، وإنما منعه السارق، بخلاف موت الحمامة، وقال أشهب: لا يحنث لانه متعذر بسبب السرقة، فإن ماتت قبل التمكن بر لتعذر الفعل عادة، ومنع الغاصب والمستحق كالسارق، وقال اشهب: إن حلف ليصومن رمضان وشوال، إن صام يوم الفطر بر وإلا حنث.\nوختم القرافي كلامه على هذا الفرق بتنبيه قال فيه:\nمعنى قول الأصحاب: الفعل متعذر عقلا، يريدون أن فعله من خوارق العادات، وإلا فيمكن عقلا أن الله تعالى يحُيْى الحمام والحيوان، حتى يتأتى فيه أفعال الاحياء، لكن ذلك خارق للعادة، بخلاف السارق ونحوه، لا يقال: إن الفعل مستحيل عادة، فإن من الممكن عادة، القدرة على السارق والغاصب، ويفعل ما خلف عليه، فهذا تحرير القاعديتن والفرق بينهما.","vol":"1","page":484},{"text":"القاعدة الثامنة: (٩٧)\nأقرر فيها وجه اختصاص المساجد الثلاثة بلزوم نذر المشي إليها دون غيرها فأقول:\nقال ﵊: \"لا تستعمل الْمَطِي إلا إلى ثلاثة مساجد، إلى المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد إيليا\" (٩٨)، فقال قوم من العلماء: لا\n_________\n(٩٧) هي موضوع الفرق الخامس والثلاثين والمائة بين قاعدة المساجد الثلاثة يجب المشي اليها والصلاة فيها إذا نذرها وبين قاعدة غيرها من المساجد لا يجب المشي اليها إذا نذر الصلاة فيها: جـ ٣، ص ٨٦.\nقال القرافي ﵀ في أوله: قال مالك ﵀ في المدونة: إذا قال: عَلَيَّ أن آتي إلى المدينة أو بيت المقدس أو المشي اليهما فلا ياتي اليهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو ما يلازم ذلك، وإلا فلا شيء عليه. ولو نذر الصلاة في غيرهما. من المساجد صلى بموضعه، وقاله الشافعي وأحمد بن حنبل. وقال اللخمي: قال القاضي اسماعيل: ناذر الصلاة في المسجد الحرام لا يلزمه المشي إذا نذره. قال: والمشي في ذلك أفضل، لأن المشي في القرب أفضل، وهو قربة.\nقال: ومقتضى أصل مالك أن ياتي المكي المدينة لأنها أفضل، فإتيانها من مكة قربة، بخلاف الإتيان من المدينة إلى مكة. وقدم الشافعى وأحمد بن حنبل المسجد الحرام عليها.\nقال ابن يونس: يمشي إلى غير الثلاثة المساجد من المساجد إن كان قريبا كالأميال اليسيرة ماشيا ويصلي فيه. قال ابن حبيب: إذا كان بموضعه مسجد جمعة لزمه المشي اليه، وقاله مالك، وبه أفتى ابن عباس من بمسجد قباء، وهو من المدينة على ثلاثة أميال، وفي الجواهر: الناذر إن كان بمكة أو المدينة ونذر بيت المقدس يصلي في مسجد موضعه لانه أفضل، وإن كان بالمسجد الأقصى مضى اليهما. ويمشي المكي إلى المدينة، والمدنى إلى مكة للخروج من الخلاف.\nوقد علق الفقيه المحقق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء عند الامام القرافي ﵀ في هذا الكلام فقال: ما حكاه القرافي (من أقوال الأئمة والفقهاء في المسألة) لا كلام فيه. وما قاله من أن الحديث يقتضي عدم لزوم المشي إلى غيرها ليس كما قال، بل يقتضي عدم إعمال المطي إلى غيرها، والمراد بذلك، والله أعلم، ألا يتحمل مشقة السفر الذي يحوج إلى إعمال المطي إلا لهذه المساجد، فيبقى السفر الذي لا يحوج إلى إعمال المطي وما دون ذلك مما ليس بسفر مسكوتا عنه في الحديث. وما قاله من أن كل ما وجب المشي اليه وجب إعمال الرِّكاب إليه، وإلا فلا، دعوى لا حجة عليها فيما ذكر، والله أعلم.\n(٩٨) حديث صحيح أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم وغيرهما عن ابي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى\" اهـ.","vol":"1","page":485},{"text":"سبيل إلى المشي لغيرها، عملا بالحديث، وقال آخرون: يمشي إلى مسجد الجمعة، وقال آخرون: يمشي إلى المسجد القريب. فقول مسجد الجمعة، لعل قائله يتمسك بمشيه ﵊ إلى مسجد قُباء في كل سبت، وهو على ثلاثة أميال من المدينة. والقول بالمسجد القريب استحسان من غير مُدْرَك (٩٩).\nقال شهاب الدين ﵀:\nوسر الفرق أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب، فمَا لا رجحان في فعله في نظر الشرع لا يؤثر النذر فيه. وسائر المساجد مستوية من جهة أنها بيوت للقربة، فلا يجب اختصاص واحد منها بالاتيان، إذ لا مرجح فيها كما كان المرجح في الثلاثة.\nقلت: وهذا الكلام يقرر أن المدني إذا نذر المشي إلى المسجدين لا يلزمه ذلك على مذهب مالك الذي هي برجحان مسجد المدينة على سائر المساجد، ويلزم على مذهب الشافعي أن يوفي بنذر المشي إلى المسجد الحرام دون مسجد إيليا عند الجميع.\nقال شهاب الدين: فإن قلت: إن المساجد أفضل من غيرها إجماعًا، وبعضها أفضل من بعض، للقدم أو لكثرة الجماعة أو لغير ذلك من أسباب التفضيل، فإذا كان كذلك فذلك يوجب أن من نذر الصلاة في مسجد من تلك المساجد أن يلزمه لوجود الرجحان، فأجاب بأن قال:\nالقاعدة الشرعية أن الفعل قد يكون راجحًا في نفسه ولا يكون ضمه لراجح آخر في نفسه راجحًا في نظر الشرع، وقد يكون ضمه راجحًا. فعلى هذا\n_________\n(٩٩) قال ابن الشاط هنا: ما قاله القرافي من استواء المساجد وعدم الرجحان فيها دعوى لم يات عليها بحجة.","vol":"1","page":486},{"text":"ليس الضم راجحًا على الإطلاق من حيث إن المفردين راجحان، بل الضم إنما يكون راجحًا إذا رجحه الشرع وثبت له مُدْرك شرعي، وإلا فلا (١٠٠).\nوبيان أنه قد وجد الرجحان أن نقول: الصلاة - ولا بد - راجحة، والزكاة كذلك راجحة، ولم يكن ضم الواحدة إلى الأخرى راجحًا، وكذلك القراءة راجحة، والسجود راجح، ولم يكن ضمها راجحًا، بل وقع النهي عن الضم. وجاء الضم أيضًا كما هو في مسألة المساجد الثلاثة، هي راجحة، والصلاة راجحة، فكان الضم راجحًا لا من حيث ضم راجح إلى راجح، بك من حيث حكم الشارع بذلك (١٠١).\n_________\n(١٠٠) علق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما قرره من القاعدة صحيح نقول بموجبه، ولا يلزم عنه مقصوده. وما قاله من اعتقاد رجحان المساجد على غيرها أو رجحان بعضها على بعض لا يوجب اعتقاد ضم الصلاة إليها، ليس بصحيح، فإن المساجد لا معنى لفضلها على غيرها أو فضل بعضها على بعض إلا بالنسبة إلى والصلاة فيها باعتبارها في نفسها.\nوما قاله من أن الرجحان الشرعي يتوقف على مدرك شرعي، صحيح، والمدرك الشرعي من ذلك الأمر المعلوم من الدين ضرورة أن الصلاة المكتوبة في المسجد أفضل منها في غيره، وقوله: بل ورد الحديث المتقدم بعدم ذلك ليس بصحيح، بل ورد بعدم إعمال المطي لا بعدم المشي جملة، فإن إعماله المطي أخص من المشي مطلقا، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.\n(١٠١) عبارة القرافي تزيد هذه الفقرة وضوحًا أكثر حيث قال:\nفمن الأول (وهو ما يكون راجحا في نفسه) الصلاة والحج راجحان في نظر الشرع، كل واحد منهما في نفسه، وليس ضمهما راجحا في نظر الشرع. والصوم والزكاة كذلك، بل قد يكون الفعلان راجحين في نظر الشرع، وضمهما مرجوح في نظره كالصوم والوقوف بعرفة، والتنفيل في المصلى مع صلاة العيد، والركوع وقراءة القرآن، لقوله - ﷺ -: نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا، والدعاء في بعض اجزاء الصلاة كما قبل التشهد ونحوه.\nومما رجح منفردا ومجتمعًا، الصوم والاعتكاف، والتسبيح والركوع، ونحو ذلك. فاعتقاد رجحان المساجد على غيرها أو رجحان بعضها على بعض لا يوجب اعتقاد ضم الصلاة اليها، لأن اعتقاد الرجحان الشرعي يتوقف على مدرك شرعي ولم يرد، بل ورد الحديث المتقدم بعكس ذلك، وليس لك أن تقول: إن رجحانها إنما يثبت باعتبار الصلاة فيها، فإني أمنع ذلك. بل ما دل الدليل على رجحانها باعتبار الصلاة إلا باعتبار صلاة الفرض دون النفل، لقوله - ﷺ -: خبر صلاة أحدكم في بيته، إلا المكتوبة، مع أن المساجد من حيث هي مساجد، مستوية بالنسبة إلى المكتوبة أيضا حتى يرد دليل شرعي يقتضي رجحان بعضها على بعض باعتبار فرض أو نفل،","vol":"1","page":487},{"text":"وكما جاء هذا عنه جاء بأن لا سبيل إلى الضم فيما عداها فقال:\nلا يستعمل إلا في كذا، وذلك حصر لهذا الضم في الثلاثة، وترك له في غيرها، فكيف يلاحظ هذا النظر مع نهيه - ﵇ - عنه، والله أعلم.\nقال ﵀: فإن قلت: القاعدة في النذر أنه لا يجزئ فعلُ الأعلى عن فعل الأدنى، فمن نذر أن يتصدق برغيف لا يجزئه أن يتصدق بثوب وإن كان أعظم منه وقعًا عند الخلق وعند الله تعالى (١٠٢). وإذا صحت هذه القاعدة فكيف صح في هذا الباب أن من نذر أن يصلي ببيت المقدس ممن هو بمكة أو بالمدينة، فإنه لا يلزمه ذلك ويصلي حيث هو؟\nفأجاب بأن قال: ما هو من باب إجزاء الأعلى عن الأدنى، الممنوع بحسب القاعدة الشرعية كما ذكرتم، وإنما هو من باب من نذر أن يتصدق بثوب فتصدق بثوبين فإنه يجزئه إجماعا.\n_________\n= فإن الرجحان الشرعي حكم شرعي يتوقف على مدرك شرعي، والحديث السابق اقتضى عكس ذلك، فلا يجب السعي حينئذ إلى مسجد غير الثلاثة وإن نذره.\nوأما ما وقع من قوله: يمشي إلى القريب مراعاة لضرورة النذر على وجه الندب دون الإلزام. وقول ابن حبيب يمشي إلى مسجد الجمعة، مشكل يتوقف ذلك على دليل يدل عليه، لما تقدم من القاعدة، وكذلك قول الأصحاب: يمشي إلى المسجد القرب، استحسان من غير مدرك ظاهر، والصواب ما تقدم.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند شهاب الدين القرافي، وعقب عليه بقوله:\nما قاله من أن المساجد مستوية بالنسبة إلى المكتوبة مع تسليمه قبل هذا أن بعضها أفضل من بعض، لا يتبين لي معناه، وإذا لم تكن الاعمال في بعض المساجد أفضل من الأعمال في غيره. فما المراد بفضل بعضها على بعض.\nوما قاله القرافي هنا من ان الحكم الشرعي متوقف على مدرك شرعي، صحيح، وما قاله من إن الحديث السابق (وهو: لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد ..) يقتضي عكس ذلك ليس بصحيح، وقد سبق بيانه.\n(١٠٢) قال ابن الشاط: إنما لم يجزئ فعل الأعلى عن فعل الادنى وإن كان الاعلى أعظم قدرًا، لأن في ترك الادنى المنذور مخالفة للنذر، وإذا خولف المنذور حصل ارتكاب المنوع، وهو عدم الوفاء لله تعالى بما التزم لوجهه.","vol":"1","page":488},{"text":"وهذا لأن خصوصية النذر حاصلة على هذا الوجه، وليست حاصلة فيما إذا نذر صيام يوم فصلاَّه، والصلاة أفضل لا محالة، وهي أعلى، ولكنها لا تجزئ كما قلتم (١٠٣).\nوِقال هنا: والظاهر مق قول الفقهاء هنا أن من نذر الصلاة في مسجد إيليا، ممن كان في أحد الحرمين أنه نذر عين المرجوح، ولا نذر في غير الراجح، فكيف في المرجوح؟ وهذا من حيث إن خروجه من أحد الحرمين يلزم عنه ذلك (١٠٣ م).\nقال شهاب الدين ﵀: هنا إشكالات:\nالأول منها أن قال: قول الفقهاء: النذر لا يؤثر إلا في راجح في نظر الشرع من حيث انهم يقولون: من نذر أن يتصدق بشعير فليس له أن يخرج عنه قمحا. وهذا لأن الشعير اشتمل على أمرين: أحدهما المالية، وهي موجودة في القمح، والتصدق بها راجح في نظر الشارع، والثاني كونه شعيرا، وكونه شعيرا لم يومر بخصوصه في الصدقة ولا هو راجح في نظر الشرع، فلو كان لا يؤثر إلا في\n_________\n(١٠٣) قال الشيخ ابن الشاط ﵀: إذا كان الناذر مقيما بالحرمين كان في ضمن. نذره الصلاة ببيت المقدس ترك الراجح وهو الصلاة بالمسجد الحرام ومسجد النبي - ﷺ -، ثم زاد ابن الشاط قائلا: وهذا الذي قاله (أي القرافي) ليس بالظاهر، وإنما يكون الأمر كذلك لو لم يكن ترك التنفل بالمسجدين جائزا، أما وترك التفل بهما جائز فلا يلزم ذلك، فالظاهر ورود السؤال.\nوأما قول القرافي: وأما ما وقع من قوله اي ابن يونس:، \"يمشي إلى القريب\" فمراعاة لضرورة النذر على وجه الندب دون الالزام، فإنه كلام ضعيف لا يصح الا بحجة ولم يات بها.\nوأما قوله: إن قول ابن حبيب يمشي إلى مسجد جمعة مشكل) ان ثبت له دليل فلا إشكال، وإلا أشكَل.\nوقول القرافي: إن قول الأصحاب: \"يمشي إلى المسجد القريب. استحسان من غير مدرك، والصواب ما تقدم\" كلامه هذا متناقض، وكيف يصح إن يكون قول الأصحاب استحسانا من غير مدرك، وهل الاستحسان إلا مدرك عند القائلين به. اهـ","vol":"1","page":489},{"text":"الراجح للزم أن لا يلزمه خصوص الشعير. وكونكم تقولون: يلزمه الشعير ولا يجزئ القمح يبين أن النذر فيما ليس براجح من نظر الشرع (١٠٤).\nقلت: هذا الإشكال غير لازم، من حيث إنه لا انفكاك للأعم عن الأخصِ ولا للأخص عن الأعم في الوجود الخارجي. وإذا كان هكذا فنقول:\nإن النذر لا يؤثر إلا في راجح، والقضية صادقة. والمراد بالنذر إخراج المنذور للخارج، وذلك لا يتصور بحسب الأعم وحده ولا بحسب الأخص وحده، فإذا، النذر متعلق بذلك الأعم مع أخصه.\nقال شهاب الدين ﵀:\nالإشكال الثاني على قاعدة من يقول: النقدان لا يتعينان لعدم تعلق القصد بخصوصاتهما شرعا وعادة. فيلزم هذا القائل أنه إذا نذر أن يتصدق بهذا\n_________\n(١٠٤) قال القرافي في أول كلامه على هذا الإشكال:\nالإشكال الأول على ما يقول الفقهاء: إن النذر لايؤثر إلا فى مندوب، ولا تأثير له في واجب، لانه لازم له قبل النذر، ولا في مباح، لأن صاحب الشرع لا يلزم أحدًا بفعل المباح، نذره أم لا. والمحرم والمكروه بطريق الأولى. وإذا كانت القاعدة أن النذر لا يؤثر إلا في راجح في نظر الشرع أشكل على ذلك إذا نذر أن يتصدق بشعير، فليس له أن يخرج عنه قمحا .. فيكون النذر قد أثر فيما ليس براجح في نظر الشرع.\nوقد علق ابن الشاط على هذا بقوله: ليس ذلك بصحيح، بل أثر النذر في راجح في نظر الشرع، من أجل أن كل ما ذكر منه مندوب إليه على الجملة، لا من جهة انه مندوب راجح، وإنما لم ينُبْ القمح عن الشعير، والصوم عن الصلاة لانه لم ينذر القمح والصاع، وإذا قدم القمح بدل الشعير أو فعل الصلاة بدل الصوم لكان قد خالف ما التزمه لله تعالى، وليس للندب اثر إلا في تصيير المندوب من حيث هو مندوب واجبا خاصة، وامتنعت نيابة الجنس الأعلى من العبادة عن الجنس الأدنى منها، وكذلك نيابة الجنس الأعلى من متعلق العبادة عن الجنس الأدنى منه لأن فيه مخالفة النذر، وجازت نيابة الصفة العليا من صفات متعلق العبادة عن الدنيا، لانه ليس في ذلك مخالفة للنذر.\nوالفرق بين الأمرين: أن جنس العبادة أو متعلقها مما هو جنس، مقصود من مقاصد الشرع، وصفة متعلقها إنما هي صفة ليست مقصودة له، وعلى الصفة تتخرج مسألة ناذر الصلاة في المسجد الأقصى، فلا إشكال، والله أعلم.","vol":"1","page":490},{"text":"الدرهم أن يتركه ويخرج غيره (١٠٥)، مع أن ظاهر كلامهم يقتضي تعيينه بالإخراج، وذلك يقتضي أن الخصوص يتعلق به قصد شرعي وعادي، وهو خلاف قاعدتهم في عدم التعيين (١٠٥ م).\nقلت: الخلاف في التعيين، فقيل: لا يتعين مطلقا. وقيل: يتعين بالاخراج، وهما قولان معروفان. ومع اختلاف. القولين في المذهب، أي إشكال في ذلك؟ وإنما كان يكون الإشكال لو كان القول واحدا.\nقال شهاب الدين:\nالإشكال الثالث، مقتضى ما تقدم منَ تقديم المسجد الحرام على الأقصى أن تكون أجناس المنذورات كلها كذلك، يقدم فاضلها على مفضولها ويخرج القمح بدل الشعير (١٠٦). أي فيُطْلَب الفرق كما قال القرافي ﵀.\nقلت: لا إشكال من حيث إن وزان المسجد الاقصى والمسجد الحرام، من نذر أن يتصدق ثمانية دنانير فأعطى مائتين، ذلك جائز لا كلام فيه، وليس وزان المسألة من نذر أن يتصدق بشعير، فإنه يعطي قمحًا من حيث إن القمح\n_________\n(١٠٥) عبارة القرافي هنا هي قوله: ويلزم إذا نذر أن يتصدق بهذا الدرهم أو بدراهم لم يعينها ان يخرج عوضها دنانير، لأن التقرب في المالية لا في كونها دراهم أو دنانير، قد يكون أحدهما انفع للفقير، وهو ما لم ينذره، لراحته من الصرف في دفع الدراهم عن الدنانير المنذورة.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا ﵀ بقوله: ما قاله وألزمه من يقول إن النقدين لا يتعينان، صحيح، والله أعلم.\n(١٠٦) قال ابن الشاط ﵀: ليس ما قاله الفرافي في ذلك بصحيح، فإن مسألة المسجد الحرام والمسجد الاقصى ليست من نيابة الجنس عن الجنس، بل من نيابة الصفة العليا عن الصفة الدنيا، والله أعلم.","vol":"1","page":491},{"text":"والشعير نوعان مختلفان، وهما بمنزلة الصوم والصدقة أو الصلاة والصوم، والله أعلم (١٠٧).\nقلت: ولنذكر مسائل نلحقها بباب الأيْمان، هي لائقة به لم يذكرها شهاب الدين:\nالمسألة الأولى قال مالك: يلزم نذر المشي إلى بيت الله، ولا يلزم ذلك في المدينة وبيت المقدس، والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله، وقد ذكر الجميع في استعمال المطي، فالجواب أن في المشي إلى بيت الله طاعة، فلزم النذر، والطاعة في بيت المقدس والمدينة الصلاة في مسجديهما فقط، فلم يلزم نذر المشي، لأنه لا طاعة فيه.\nألا ترى أنه إذا نوى الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك، ولو نذر أن ياتي المسجد من غير صلاة لم يلزمه، لأن الطاعة إنما هي الصلاة فقط.\nالمسألة الثانية، ابن القاسم: إذا حلف أن لا يأكل سمنا فأكل سويقا ملوثا بسمن، حنث، وإذا حلف أن لا يأكل خلا، فأكل من طعام الخل لم يحنث، وفي كلا الموضعين، عين المحلوف عليه قد استهلك.\n_________\n(١٠٧) أقول: وأختم تعاليق هذا الباب المتضمن لقواعد الأيمان والنذر، بما حرره الفقيه المحقق الشيخ ابن الشاط ﵀ في النذر فإنه مهم جدا حيث قال:\nوتلخيص القول في المنذورات عندي إن الناذر إذا نذر عملا من أعمال البر فإنه لا يخلو من أن يكون منذوره ذلك معين الشخص كما إذا. قال: لله علي أن اعتق هذا العبد أو أتصدق بهذا الثوب. أولا يكون منذوره ذلك معين الشخص، فإنه لا يجزئه في الخروج عن عهدة ذلك النذر إلا ذلك المعين. وإن لم يكن منذوره ذلك معين الشخص فلا يخلو أن يكون معين النوع، كما إذا قال: لله علي أن أصوم أو لا يكون كذلك. فإن كان معين النوع فلا يخلو مع كونه معين النوع أن يكون معين الصفة أو لا يكون كذلك، فإن كان معين النوع فقط فلا يجزئه إلا ذلك النوع بأي صفة كان. وإن كان معين النوع والصفة مما لا يتعلق بها مقصد شرعي فلا يجزئه بأدنى من تلك الصفة، ويجزئه بأعلى منها، وعلى هذه المسألة تخرج مسألة المسجد الاقصى والمسجد الحرام. وإن كان معين النوع كما إذا قال: لله علي أن أعمل عملا صالحا فإنه يجزئه اي عمل من اعمال البر عمله، والله أعلم.","vol":"1","page":492},{"text":"والفرق بينهما أن الخل إذا طبخ زال اسمه وانتقل إلى إسم آخر، وهو مَرَقه، فلم يحنث، لأنه إنما أكل مرقه لا خلا، والسمن اسمه باق، إنما انضاف إلى غيره، وذلك لا ينقله عن اسمه، ألا ترى أنه يقال: سمن ملوث بسويق، ولا يقال ذلك في الخل، فافترقا.\nالمسألة الثالثة، إذا كرر اليمين بالله مرارًا على شيء واحد، فهي بمنزلة واحدة، إلا أن يريد التكرار، والطلاق على التكرار إلا أن يريد التأكيد، فلم كان ذلك؟\nفالجواب أن كل طلقة لها حكم تختص به، لأن الواحدة لا توجب التحربم في المدخول بها. والاثنتان توجبان ضُعْف ملك الزوج لها، لأنها تبقى معه على واحدة. والثلاثة توجب التحريم إلا بعد زوج، فلم تنضم واحدة مع أخرى إلا للمعنى الذي اختص. به كل طلقة، فهي للتكرار، واليمين بالله موجب واحد لا يختلف، فكان تكرارها محمولا على ذلك الموجب لا يختلف إلا أن يراد غيره. وأيضًا فالطلاق غُلِّظ في أمره ما لم يغلظ في اليمين بالله تعالى، فجاز أن يلحقه التغليظ في هذا الوضع دون اليمين.\nالمسألة الرابعة، ابن القاسم: إذا حلف بعتق عبده فباعه عليه السلطان في دين، فمتى عاد إليه عادت عليه اليمين إلا أن يعود عليه بميراث، فلا شيء عليه، والمحلوف به قد عاد إليه في الجميع. فلم كان ذلك؟\nفالجواب أن التفليس لتهمة تلحقه أن يكون أظهره ليبطل العتق، فلما اتهم عاد إليه اليمين إذا اشتراه، ولذلك لو باعه ثم اشتراه، التهمة تلحقه أن يكون باعه فيبطل عتقه، وليس كذلك إِذا عاد إليه بالميراث، اذ لا تهمة، فلم تعد اليمين عليه.","vol":"1","page":493},{"text":"انتهى الجزء الأول من كتاب ترتيب الفروق واختصارها، وكمل والحمد لله على ذلك، ويليه الجزء الثاني بعون الله وتوفيقه، مبتدئا بقواعد الزواج وما يتبعها من الأبواب المتصلة به، وقواعد المعاملات والحمد لله أولا وأخيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وما توفيقِي إلَّا بِاللهِ عليه توكلتُ، وإليه أنيبُ.","vol":"1","page":494},{"text":"مصادر التحقيق ومراجعه\n١) النسخ المخطوطة لكتاب ترتيب الفروق.\n٢) كتاب الفروق لشهاب الدين القرافي: الطبعة الأولى: ١٣٤٤.\n٣) الموافقات في أصول الاحكام للحافظ المجتهد أبي اسحاق الشاطبي، المطبعة السلفية بمصر: ١٣٤١\n٤) قواعد الأحكام في مصالح الأنام للإِمام عز الديز ابن عبد السلام ط دار المعرفة، بيروت.\n٥) شرح العلامة المحلي على متن جمع الجوامع لتاج الدين بن السبكي، مطبعة دار إحياء الكتب العربي\n٦) شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول الإِمام القرافي. طبع دار الفكر القاهرة.\n٧) أصول الفقه للاستاذ الشيخ العربي اللوه، مطبعة كرماديس ١٩٧٢. تطوان\n٨) أصول التشريع للاستاذ على حسب الله ط. الثالثة. دار المعارف. مصر ١٣٨٣.\n٩) تفسير القرآن العظيم للامام الجليل أبي الفداء إسماعيل بن كثير. ط دار المعرفة. بيروت.\n١٠) مصادر التشريع فيما لا نص فيه، تأليف الاستاذ عبد الوهاب خلاف.\n١١) أصول الفقه لنفس المؤلف.\n١٢) الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، للإِمام جلال الدين عبد الرحمان السيوطي. ط. دار إحياء الكتب العربية لعيسى البابي الحلبي وشركائه.\n١٣) مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها، لأستاذنا المرحوم علال الفاسي، نشر مكتبة الوحدة العربية - الدار البيضاء.\n١٤) المحرَّرُ الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للقاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية، الاندلسي، طبع وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالمملكة المغربية.\n١٥) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للإِمام الزمخشري. ط. الأولى ١٣٥٤ هجرية.\n١٦) في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب. ط. الثانية، م. دار إحياء الكتب العربية ١٩٦١.\n١٧) صفوة التفاسير للاستاذ الجليل محمد على الصابوني. الطبعة الثانية: بيروت. ١٤٠١ - ١٩٨١.\n١٨) الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم للقاضى ابي بكر بن العربي المعافري. دراسة وتحقيق الاستاذ الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري. طبع وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية. ١٤٠٨ - ١٩٨٨.\n١٩) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للامام الحافظ ابن عبد البر النَّمرِي، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية بالمملكة المغربية.\n٢٠) شرح الزرقاني على موطأ الإِمام مالك. طبع ونشر عبد الحميد احمد حنفي بمصر.\n٢١) إرشاد الساري إلى صحيح الامام البخاري، وبهامشه شرح الامام النووي على صحيح الامام مسلم. الطبعة السادسة، طبعة بولاق، مصر. ١٣٠٤ هـ.","vol":"1","page":509},{"text":"٢٢) سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الامام السندي، تحقيق الشيخ حسن المسعودي. المطبعة المصرية بالازهر، (١٣٩٨ - ١٩٧٨)\n٢٣) فتح المبين بشرح الاربعين، للعلامة الحافظ ابن حجر الهيثمي. ط دار الكتب العلمية بيروت.\n٢٤) الترغيب والترهيب للحافظ عبد العظيم المنذري، تعليق المرحوم الشيخ مصطفى محمد عمارة، مراجعة الشيخ عبد الله بن ابراهيبم الانصارى. ط المكتبة العصرية. بيروت.\n٢٥) سنن ابى داود، طبعة دار الفكر.\n٢٦) شرح سبل السلام على بلوغ المرام من أدلة الاحكام، للإِمام محمد بن اسماعيل الصنعاني. ط. الرابعة. دار إحياء التراث العربي.\n٢٧) فقه السنة للسيد السابق. نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\n٢٨) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -. تاليف الشيخ منصور علي ناصف، ط. الرابعة، ط. مطبعة عيسى البابي الحلبي.\n٢٩) المقدمات الممهدات، تاليف أبي الوليد محمد بن رشد القرطبي الجد. تحقيق الاستاذ الدكتور محمد حجي، ط دار الغرب الاسلامي. بيروت.\n٣٠) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد محمد بن احمد ابن رشد الحفيد، ط. مطبعة الاستقامة بالقاهرة.\n٣١) القوانين الفقهية للشيخ ابن جُزَي، ط ثانية، مطبعة الأمنية، ١٣٧٧\n٣٢) جواهر الإكليل، شرح العلامة الشيخ صالح عبد السميع الأبي الأزهرى على مختصر الشيخ خليل في مذهب الإِمام مالك. ط دار الرشاد الحديثة.\n٣٣) شرح كفاية الطالب الرباني، للإِمام أبي الحسن على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، طبع عبد الحميد احمد حنفي، مصر.\n٣٤) الشرح الكبير للشيخ احمد الدردير على مختصر الشيخ خليل، ط. دار إحياء الكتب العربية.\n٣٥) الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الامام مالك للشيخ احمد الدردير، ط دار المعارف بمصر ١٣٩٢.\n٣٦) شرح الإِمام ابي عبد الله محمد التاودي على منظومة تحفة الحكام في فقه القضاء والأحكام. مطبعة حجازي بالقاهرة.\n٣٧) العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال، تاليف شيخنا محمد بن عبد الوهاب ابن عبد الرازق المراكشي. ط إدارة المنشورات الدينية بدولة قطر. ١٣٩٧ - ١٩٧٧\n٣٨) المعبار المُعْرِب، والجامع المُغْربِ عن فتاوى أهل افريقية والاندلس والغرب. تحقيق جماعة من الفقهاء بإشراف الدكتور محمد حجي، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية بالملكة المغربية ١٤٠١ - ١٩٨١.\n٣٩) النوازل الصغرى للفقيه المحقق الشيخ محمد المهدي الوزاني، تحقيق وطبع وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالملكة المغربية: ١٤١٢ - ١٩٩٢.","vol":"1","page":510},{"text":"٤٠) شرح ميارة الكبير على نظم المرشد المعين.\n٤١) زاد المعاد في هدي خير العباد للامام الشهير، العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية، الطبعة الثالثة ١٣٩٢ - ١٩٧٣.\n٤٢) تهذيب سيرة ابن هشام للاستاذ عبد السلام هارون. ط المجمع العلمي العربي الاسلامي، بيروت.\n٤٣) فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، ط. الثانية دار الفكر للطباعة والنشر.\n٤٤) المصنفات المغربية في السيرة النبوية ومصنفوها: للاستاذ الدكتور محمد يسف. ط. ١٤١٢ - ١٩٩٢.\n٤٥) نور اليقين في سيرة خير المرسلين للشيخ محمد الخضري.\n٤٦) إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء للشيخ محمد الخضري.\n٤٧) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تاليف الإِمام الحافظ القاضي عياض السبتي، تحقيق وطبع وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالمملكة المغربية.\n٤٨) الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب لمؤلفه الامام الشهير ابراهيم بن فرحون. ط. مكتبة دار التراث. القاهرة. تحقيق الدكتور محمد الأحمدي ابو الثور.\n٤٩) نيل الابتهاج بتطريز الديباج للشيخ احمد يابا التنبكتي. ط. مكتبة دار التراث. القاهرة تحقيق الدكتور محمد الأحمدي ابو الثور.\n٥٠) الإعلام بمن حلَّ مراكش وأغمات من الأعلام، للفقيه القاضي الشيخ العباس بن ابراهيم المراكشي. المطبعة الملكية الرباط، تحقيق ذ. عبد الوهاب بن منصور.\n٥١) مباحث في المذهب المالكي، للاستاذ الدكتور عمر الجيدي: الطبعة الاولى ١٩٩٣.\n٥٢) كتاب الأعلام لخير الدين الزركلي: الطبعة العاشرة ١٩٩٢ - ط. دار العلم للملايين.\n٥٣) وفيات الأعيان لابن خلكان: ط المطبعة الميمنية بمصر.\n٥٤) البداية والنهاية للحافظ ابن كثير: ط. دار الفكر - بيروت\n٥٥) كشف الظنون لحاجي خليفة. ط. دار الفكر: ١٤٠٢ - ١٩٨٢.\n٥٦) إيضاح المكنون للبغدادي: ط دار الفكر.\n٥٧) شجرة النور الزكية لابن مخلوف.\nهدية العارفين لمؤلفه اسماعيل باشا البغدادي. ط. دار الفكر ١٤٠٢/ ١٩٨٢.\n٥٨) طبقات الشافعية لأبي بكر هداية الله الحسيني. تحقيق وتعليق الاستاذ عادل نويهض. دار الافاق الجديدة - بيروت.\n٥٩) النبوغ المغربي في الادب العربي: للاستاذ المرحوم الشيخ عبد الله كنون ط الثالثة.\n٦٠) علوم البلاغة للشيخ للمرحوم الشيخ احمد مصطفى المراغي. ط. الخامسة نشر المكتبة المحمودية التجارية.\n٦١) شرح الشيخ احمد الدمنهوري على جوهر المكنون، الامام الاخضري في المعاني والبيان والبديع.","vol":"1","page":511},{"text":"٦٢) شرح الشيخ ابن عقيل على الفية ابن مالك في النحو.\n٦٣) (مكرر) شرح التلخيص في علوم البلاغة، للامام جمال الدين القزويني، وتخريج شواهده، للاستاذ محمد هاشم دويدري، نشر دار الحكمة بدمشق.\n٦٤) مغني اللبيب لجمال الدين ابن هشام الانصاري.\n٦٥) قطر الندى وبل الصدى لابن هشام الأنصارى، ومعه سبيل الهدى بتحقيق شرح قطر الندى. للاستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد.\n٦٦) شرح العلامة الشيخ حسن القويسني على منظومة السُّلَّم للعلامة الاخضري.\n٦٧) النطق التطبيقي للفقيه العلَّامة المرحوم الشيخ العربي اللوه. ط تطوان ١٩٧٥.\n٦٨) الاحكام السلطانية في الولايات الدينية للعلامة الشيخ أبي الحسن علي الماوردي ط. دار الكتب العلمية بيروت.\n٦٩) أدب الدنيا والدين. لنفس المؤلف الماوردي.","vol":"1","page":512},{"text":"ترتيب الفروق واختصارها\n\nتأليف\nأبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري (المتوفى سنة ٧٠٧ هـ)\nرتب فيه واختصر فروق شهاب الدين القرافي في القواعد الفقهية\n\nتحقيق\nالأستاذ عمر ابن عباد\nخريج دار الحديث الحسنية\n\n[الجزء الثاني]","vol":"2","page":null},{"text":"مقدمة التحقيق (*)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي الله ورسوله الأمين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.\nوبعد، فإن كتاب \"ترتيب الفروق واختصارها\"، لمؤلفه الجليل، الفقيه العلامة الكبير، الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري المتوفى بمراكش عام سبع وسبعمائة هجرية (٧٠٧ هـ) ﵀، يُعتَبر تراثا فقهيا هاما بين كتب تراث الفقه الاسلامي وقواعده الفقهية العامة على مذهب الإِمام مالك ﵀. ذلك أن مؤلفه ﵀ اختصر فيه ورتَّبَ كتاب الفروق بين القواعد الفقهية، لشيخه الجليل، فريد دهره ووحيد عصره، الإِمام أبي العباس، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي ﵀.\nومكانة كتاب الفروق، وأهميته العلمية من المعرفة والشهرة بمكان، ولا تخفى على أصحاب الفضيلة العلماء مشرقا ومغربا، منذ تأليفه في القرن السادس الهجري، حيث ظلوا يرجعون إليه ويعتمدونه في كثير من الفروع والمسائل الجزئية، المؤسسة على القواعد الكلية الفقهية، ولا يكاد كتاب من الكتب الواسعة في الفقه وقواعده وأصوله يخلو من ذِكره والإشارة إليه، والاستشهادِ بكلامه وقواعده الفقهية.\nوقد أوضح شهاب الدين القرافي نفسُهُ هذه الأهميةَ والمكانة التي لكتابه الفروق في فقرات من ديباجته التي قدم بها لكتابه هذا حيث قال فيها ﵀:\n\"أما بعد، فإن الشريعة المعظَّمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا وعُلُوًّا، اشتملت على أصول وفروع، وأصولُها قسمان:\nأحدهما المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعدُ الأحكام، الناشئةُ عن الألفاظ العربية خاصة، وما يَعْرض لتلك الالفاظ من النسخ والترجيح، ونحو، الأمرُ للوجوب، والنهيُ للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كونُ القياس حجة، وخبرُ الواحد، وصفاتُ المجتهدين.\n_________\n(*) أعِيدتْ هذه المقدمة في هذا الجزءِ الثاني لما فيها من وضوح واضافات.","vol":"2","page":7},{"text":"والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يُحْصَى، ولم يُذكَر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإِشارة إليه هنالك على سبيل الإِحمال، فبقيَ تفصيله لم يتحصل.\nوهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعْظُم قدر الفقيه ويَشرُف، ويظهر رونق الفقه ويُعْرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتُكشف، فيها تنافَسَ العلماء، وتفاضَلَ الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قَصَبَ السبق مَن فيها برع، ومن جعل يُخَرِّجُ الفُرُوعَ بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية، تناقضتْ عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنِطَت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العُمرُ ولم تَقْضِ نفسُهُ من طلبٍ مُنَاها. ومَنْ ضَبَطَ الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثرِ الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحدَ عنده ما تناقضَ عند غيره وتناسَبَ، وأجاب الشاسعَ البعيد وتقارب، وحصَّل في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرقَ فيه من البيان، فبَيْنَ المقاميْنِ شأوٌ بعيد، وبين المنزلتين تفاوتٌ شديد.\nوقد ألهمني الله تعالى بفضله أنْ وضعتُ في أثناء كتاب الذخيرة من هذه القواعد كثِيرا مفرَّقا في أبواب الفقه، كلُّ قاعدة في بابها وحيثُ تُبْنَى عليها فروعها. ثم أوجد الله تعالى في نفسى أنَّ تلك. القواعد لو اجتمعت في كتاب، وزِيدَ في تلخيصها وبيانها والكشفِ عن أسرارها وحِكَمها لكان ذلك أظهرَ لبهَجتها ورونقها، وتكيفت نفس الواقف عليها بها مجتمعةً أكثرَ مما إذا رآها مفرَّقة، وربما لم يقفْ إلا على اليسير منها هناك لعدم استيعابِهِ لجميع أبواب الفقه، وأينما يقف على قاعدةٍ ذهب عن خاطره ما قبلَها، بخلاف اجتماعها وتظافرها، فوضعتُ هذا الكتابَ للقواعد خاصةً، وزدت قواعد كثيرة ليست في الذخيرة، زدت ما وقع منها في الذخيرة بسْطا وإيضاحا، فإني في الذخيرة رغِبْتُ في كثرة النقل للفروع، لأنه أخصُّ بكتب الفروع، وكرِهتُ أن أجمعَ بين ذلك وكثرة البسْط في المباحث والقواعد، فيخرج الكتاب إلى حدٍ يعسُرُ على الطلبة تحصيلُهُ، أما هنا فالعذر زائل، والمانع ذاهب، فأستوعب ما يفتح اللهُ به إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":8},{"text":"وجعلت مبادئ المباحث في القواعد بذكر الفروق والسؤال عنها بين فرعين أو قاعدتين، فإن وقع السؤال عن الفرق بين الفرعين فبيانه بذكر قاعدة أو قاعدتين يحصل بهما الفرق، وهما المقصودتان، وذكر الفرق وسيلة لتحصيلهما، وإن وقع السؤال عن الفرق بين القاعدتين فالمقصود تحقيقهما، ويكون تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما أولى من تحقيقهما بغير ذلك، فإن ضم القاعدة إلى ما يشاكلها في الظاهر ويضادها في الباطن أولى، لأن الضد، يُظهر حسنَه الضدُّ وبضدها تتميز الأشياء، وتقدم قبل هذا كتاب. لي سميته (كتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى وتصرف القاضي والإِمام.) ذكرت في هذا الفرق أربعيَن مسألة جامعة لِأسرار هذه الفروق، وهو كتاب مسْتقِل يُستغْنَى به عن الإِعادة هنا. فمن شاء طالع ذلكَ الكتاب فهو حسن في بابه، وعوائد الفضلاء وضع كتب الفروق بين الفروع، وهذا في الفروق بين القواعد وتلخيصها، فله من الشرف على تلك الكتب شرف الفروق بين الفروع، وِسميته لذلك (أنوار البروق، في أنواء الفروق)، ولك أن تسميه (كتاب الأنوار والأنواء)، أو كتاب (الأنوار والقواعد السَّنِية في الأسرار الفقهية)، كل ذلك لك، وجمعت فيه من القواعد خمسمائة وثمانية وأربعين قاعدة، أوضحت كل قاعدة بما يناسبها من الفروع حتى يزداد انشراح القلب لغيرها\".\nومن خلال هذه المقدمة التي أتى بها الإِمام شهاب الدين القرافي عن كتابه الفروق ومكانتِهِ العلمية تتجلى كذلك نفس المكانة التي لكتاب اختصاره وترتيبه هذا من طرف الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري ﵀، حيث اختصر فيه كتاب الفروق، ورتب قواعده وِفْق العلوم المختلفة وعلى الأبواب الفقهية، وألحق به وأضاف إليه ما يناسبه من القواَعد والمسائل والفروع المماثلة، ونبه فيه على ما لم يذكره شيخه القرافي، فجاء كتاب الترتيب هذا صورة واضحة وصياغة جديدة لكتاب الفروق، تُيَسِّرُ الاستفادةَ منه والإِنتفاع به، وتُسَهِّلُ الرجوع إلى قواعده ومسائله، وتُعين على إدراكه وفهمه، وعلى استيعابه وتحصيله.\nوانطلاقا من هذه المكانة التي لكتاب ترتيب الفروق كتراث فقهي جليل، وإنتاج مغربي أصيل. يكشف عن اهتمام علماء الغرب الإِسلامي في الأندلس والمغرب بهذا العلم المتصل بأصول الفقه وقواعده الكلية، والتقائهم فيه مع إخوانهم","vol":"2","page":9},{"text":"علماء المشرق، ويبرز مدى تمكنهم منه وتعمقهم فيه، وإسهامهم بالتأليف فيه بين تلك المؤلفات القيمة الخالدة التي ألفها علماء أجلاء في هذا العلم، وَدوَّنها فقهاء أعلام على اختلاف مذاهبهم الفقهية، وتنوُّعِ توجهاتهم العلمية، (أمثال قواعد الأحكام في مصالح الأنام) لسلطان العلماء عز الدين ابن عبد السلام، و(الأشباه والنظائر) لكل من الإِمامين، جلال الدين السيوطي، وابن نُجَيم الحنفي، وقواعد الفقيه الجليل ابْن رجب الحنبلي، (وأصول الفتيا في المذهب المالكي) للفقيه محمد بن حارث الخشني الأندلسي، والقواعد الفقهية للفقيه المغربي العلامة محمد المقري، والكليات للفقيه العلامة ابن غازي العثماني المكناسي، وشرح المنهج المنتخَب على قواعد المذهب، لمؤلفه الفقيه الشيخ أحمد المنجور، وغيرهم من العلماء الذين ألفوا في القواعد الفقهية وأصَّلُوها في مؤلفاتهم القيمة، سواء منهم علماء المشرق والمغرب، ﵏ أجمعين،\nوإدراكا من وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية لتلك الأهمية العلمية التي لكتاب ترتيب الفروق واختصارها بين تلك المؤلفات القيمة التي أشرت إلى بعضها، فقد ارتأت طبعه ضمن أمهات كتب التراث الإِسلامي والدراسات الإسلامية التي تطبعها وتُصْدِرها في مطلع شهر رمضان من كل عام، لتيسير الَاستفادة منه والانتفاع به من طرف السادة العلماء المتمكنين، والفقهاء والأساتذة المتخصصين، والدارسين الباحثين المهتمين بالفقه وأصوله وقواعده، وعهِدت إليّ بمراجعته وتحقيقه، فتَهَيَّبْتُ في أول الأمر القيام بمثل هذا العمل العلمي الهام، لما أعرف عن الكتاب من أنه كتاب كبير الحجم، مترامي الأطراف، واسع الموضوع والمجال، متعدد الجوانب، عميق الأسلوب، متضمن لعلوم كثيرة، ومصنفات عديدة، ومشتمل على أسماء وأعلام علمية وفيرة، جَعَلَتْ منه موسوعة علمية كبيرة في القواعد الفقهية وما يندرج تحتها من المسائل الجزئية، يتطلب تحقيقها جهدا كبيرا، وصبرا كثيرا متواصلا.\nغير أني بعد التفكر والتأمل، استحضرت الكلمة المعروفة بين العلماء، والقائلَة: \"ما لا يُدْرَكُ كله، لا يُترَك كله أو جُلُّه\". فجددت الإِرادة وشحذتُ العزيمة، وشرعت في عمل التحقيق والمراجعة، متوكلا على الله تعالى، ومعتمدا عليه سبحانه سبحانه، ومستعينا به جلَّ علاه، وسائلا منه سبحانه العون والمدد،","vol":"2","page":10},{"text":"والتوفيق إلى السَّداد والصواب، واضعا نصْب عيني أن يكون حسبي أنني ساهمت فِى العطاء العلمي الفقهي بتحقيق هذا الكتاب المخطوط، وإخراجه إلى حيز الوجود، لتيسير الرجوع إليه، وإلى أصله إن اقتضى احال، مستحضرًا في ذلك قول\nالشاعر:\nلأستسهلنَّ الصعب أوْ أُدْرِك المُنى ... فما انقادتْ الآمال إلا لِصابِرِ\nوما توفيقي إلا بالله، عليهَ توكلت وإليه أنيب،\nوقبل الشروع في العمل كان لا بد من التعرف والاطلاع على ما هو موجود من نسخ الخطوط بالخزائن المغربية العامة، والتأكد والتثبت من توثيق الكتاب، وصحة نسبته إلى مؤلفه، وسلوك خطة مضبوطة محكمة ومنهج علمي دقيق في تحقيقه وإخراجه سليما في نصه، ومضمونه، فأمكن، والحمد لله، الاطلاع على النسخ الموجودة في الخزانات العامة والمكتبات الآتية:\n١) نسخة الخزانة العامة بالرباط، تحمل رقم ٢٦٢١ د، ورمزت إليها بحرف العين (ع)\n٢) نسخة الخزانة الحسنية بالرباط تحمل رقم ١١٨٤٤، ورمزت إليها بحرف الحاء (ح).\n٣) نسخة ثانية بالخزانة الحسنية تحمل رقم ١١٧٧٨، ولم أعتمدها لأنها مبتورة ناقصة.\n٤) نسخة خزانة القرويين بفاس تحمل رقم ١٢٦٩، ولم أعتمدها لأنها فِى النسخة المصورة جآت مخرومة وغير واضحة، ولا أرجعُ إليها إلا في حالات قليلة، وعند الحاجة إليها.\n٥) نسخة من تونس رقم ٦٧٥٥.\n٦) نسخة ثانية من الخزانة الوطنية بتونس، رقم ٣٥٨٠.\nأما نسخة الخزانة العامة بالرباط، فهي نسخة مكتوبة بخط مغربي أندلسي واضح، تختلف كتابته من باب الجهاد، مما يفيد ويعطي أنها كتبت من طرف ناسخَين اثنين، مسطرتها ٢٥، طولها ٢٨ × ٢٠ بيدو عليها أثر القدم، عارية عن اسم الناسخ، وتاريخ النسخ، عليها طرر وتصحيحات قليلة في بعض","vol":"2","page":11},{"text":"الصفحات تدل على أنها مقروءة ومصححة من طرف من قرأها من العلماء المتمكنين، وربَّما قُوبلَت على نسخة أخْرَى أصحَّ وأسلمَ منها.\nأما نسخة الخَزانة الحسنية رقم ١١٨٤٤، فهي كذلك نسخة تامة، مكتوبة بخط مغربي أندلسي واضح، عارية عن ذكر اسم الناسخ وتاريخِ النسخ، طولها ٢٠ × ١٤، مسطرتها ٢١، وتبدو من حيث الكتابة والجِدَّة متأخرة النسخ بالنسبة إلى نسخة الخزانة العامة، وإلى النسخة الثانية بالخزانة الَحسنية رقم ١١٧٧٨، فهذه النسخة الثانية مكتوبة بخط مغربي وبيدو عليه أثر القدم والقراءة من خلال الطرر الموجودة بهامشها، ولكنها مبتورة بعد الصفحات الأولى منها إلى باب النكاح، عارية كذلك عن اسم الناسخ وتاريخ النسخ.\nأما عن نسخة القرويين، فهي كذلك نسخة تامة مكتوبة بخط مغربي جميل، بيدو عليها أثر القدم.\nطولها ٢٠ × ٥١، مسطرتها ٢٨، مذكور فيها تاريخ النسخ بأرقام خاصة غير متعارفة عند عامة الناس، وهي الأرقام المعروفة بالقلم الفاسي، ولكنها غير واضحة جدا في النسخة المصورة حتى يمكن استخلاص تاريخ نسخها وكتابتِها.\nوالقلم الفاسي هو طريقة خاصة في كتابة الأعداد، كانت لعلماء فاس وقضاتها وعدولها إلى عهد قريبٍ لتقييد التركات والتعمية على من تُسَوّل له نفسه تغيير العقود وتزييفها.\nوقد نظمها شيخ الاسلام أبو السعود عبد القادر الفاسي المتوفى ﵀ سنة ١٠٩١ هجرية ١٦٨٠ م، وذلك في منظومة رجزية بيَّن فيها أشكال هذه الأرقام، وصورها ونِظامها، كما يقال مثلا: القلم الرومي للحساب اليوناني، والقلَمُ الهندي والغباري، للحساب الهجري.\nومن خصوصية حساب القلم الفاسي أنه لا يرتكز على الصفر، وإنما يعطي للشكل قيمة خاصة، وعدد أشكاله سبعة وعشرون.\nأنظر بحثا عن بيان أشكاله وأرقامه للاستاذ محمد الفاسي ﵀، منشورًا في العدد ٢٦٩ من مجلة دعوة الحق، الخاص بإفريقيا، والصادر في مايو ١٩٨٨.","vol":"2","page":12},{"text":"أما نسخة الخزانة الوطنية بتونس رقم ٣٥٨٠، فهى تامة مكتوبة بخط شرقي، استخرِجَتْ من ميكرو فيلم بالخزانة العامة بالرباط، فجاءت صفحاتها دكناء تصعبُ قراءتها والاستفادة منها بسهولة، وتعتبر أقدم هذه النسخ من حيث إنها مذكور فيها اسم الناسخ، ومثبَتٌ فيها تاريخ النسخ بسنة ٨٧٨ هـ أي القرن التاسع الهجري على يد ناسخها محمد أبي الفتح بن محمد الحسني المدني بالقاهرة، المحروسة، طولها ٢٠ × ٥١، مسطرتها ٢٨، غير أنها مليئة بالأخطاء النسخية والإِملائية والنحوية، إضافة إلى ما هي عليه من صعوبة القراءة، كتب على صفحاتها الأولى تصويبُ نسبة كتاب ترتيب الفروق هذا إلى مؤلفه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري، من طرف الشيخ عمر حمدان، تصحيحا واستدراكا على نسبته في أول صفحة من هذه النسخة التونسية إلى الفقيه محمد المقري ﵀.\nوالنسخة الثانية من تونس رقم ٦٧٥٥، هي كذلك نسخة تامة، مكتوبة بخط شرقي مقروء، طولها ٢٣ × ١٥، مسطرتها ٢٢، وهي تبدو قديمة، ولكنها بعد النسخة الأولى، حيث إنها مؤرخة النسخ بتاريخ صفر سنة خمسين ومائة وألف، على يد ناسخها محمد بن عبد القادر ﵀، وهي تبدو سليمة جدا من الأخطاء النسخية بالمقارنة مع سابقتها، وهي كذلك صعبة القراءة لكون صفحاتها دكناء، حيث استخرجت من ميكرو فيلم، وافاني به احد الاساتذة الافاضل من علماء تونس جزاه الله خيرا.\nوبعد الاطلاع عليها كلها والمقابلة بينها أمكن لي من خلال هذه النسخ والمقارنة بينها أن أعتمد في التحقيق والتصحيح على ثلاث نسخ منها وأقتصر عليها.\nنسخة الخزانة العامة، ورمزت إليها بحرف العين هكذا ع. ونسخة الخزانة الحسنية المكتملة، ورمزت لها بحرف الحاء هكذا، ح، وذلك لما يبدو على الأولى من كونها قديمة الكتابة، سليمة وقليلة الأخطاء، مقروءة ومصححة من طرف بعض العلماء كما يظهر ذلك من خلال الطرر الموجودة بهامشها، فاعتبرتها الأصل، واتخذتها النسخة الأولى، وقابلتها على نسخة الخزانة الحسنية لوضوحها وسلامتها، وقلة أخطائها، واستعنت - كلما استوقفتني كلمة أو عبارة في الكتاب -","vol":"2","page":13},{"text":"بالرجوع إلى النسخة التونسية ٦٧٥٥، لكونها أسلمَ وأدق من الاخرى، وإن كانت أقدم منها.\nأما نسخة خزانة القرويين فقد أتيحَ لي أن أحصل وأطلع عليها في تحقيق هذا الجزءِ الثاني والرجوع إليها أحيانا نادرة جدا، لكونها غير واضحة في الصورة المستخرجة لها، ولا تخلو من خروم كثيرة في صفحاتها.\nوكان لا بد بعد هذا من التثبت من توثيق الكتاب والتأكد من صحة نسبته إلى مؤلفه الشيخ البقوري، وكان اعتمادي ومرجعي في ذلك على أمرين\nالأمر الاول: النسخ المخطوطة للكتاب، والتي كلها تنسبه إلى المؤلف المذكور من خلال عنوانه على الصفحة الأولى في جميع النسخ.\nالامر الثاني: كتب التراجم التي ترجمت لهذا العالم المصَنِف لهذا التألِيف، وتنسب له هذا الكتاب بعبارة: \"وله كلام على كتاب الشهاب القرافي في الاصول\"، أو عبارة \"وله حاشية عليه\"، كما تنسب له كتاب إكمال الاكمال في الحديث على صحيح الامام مسلم، وهذا الكتاب نص عليه المؤلف نفسه، وذكره في ثنايا كلامه وتعقيبه بعد القسم الثالث من القاعدة السابعة والعشرين من القواعد الاصولية، كما أشرت إليه ونبهت عليه في محله من الجزء الاول، ص ٢١٩.\nوكما ورد في حديث: \"الأمة لا تجتمع على ضلالة\"، فإن اجتماع هذه النسخ الخطية كتب التراجم كلها على نسبة هذا الكتاب أبي مؤلفه البقوري لهو مما يفيد اليقين، ويبعث على الاطمئنان في نسبته إليه.\nوالإشكالية التي تشغل البال، ولم يقع التأكد منها بعد، خاصة بعد.\nالاتصال بأصحاب الفضيلة العلماء ذوي البحث والاختصاص في التراث العلمي والتاريخ الاسلامي، هي نسبة المؤلف البقوري إلى بقورة بالباء الموحدة، أو يقورة بالياء الثناة، حيث إنَّ نفح الطيب للمقري يذكره بالياء، وينسب ذلك للمقريزي في كتابه الخطط، بينما نجد الديباجَ لابن فرحون، ونجد كل من ينقل عنه، كالأعلام للفقيه القاضي محمد بن ابراهيم المراكشي، والأعلام لمؤلفه العلامة الزركلي رحمهما الله، يذكرونه بالباء الموحدة وينصون على ذلك. بل أكثرية كتب التراجم وأغلبُها","vol":"2","page":14},{"text":"التي ترجمت للمؤلف تذكر بقورة بالباء، سواء منها تراجم علماء الاندلس وغيرهم، كلهم يقررون ويتَّفِقُونَ على أن بقورة بالباء أو يقورة بالياء والقاف المشددة، بلد بالاندلس، هي مولد صاحب هذا الكتاب.\nعلى أن البحث العلمي المتواصل سيصل بنا يومًا مَّا إلى تحقيق هده المسألة حين يتم بحول الله اعداد الدراسة المتعلقة بهذه الشخصية العلمية في كتاب خاص. وان كان يبدو أن الراجح هو ما ذكره ابن فرحون في الديباج، ونقله عنه المتأخرون من كونه البقوري بالباء الموحدة وتشديد القاف، وهو ما وقع الميل إليه والاطمئنان إليه، وجعله في عنوان الكتاب، على أمل ان يصادف الحق والصوابَ بتوفيق الله.\nأما عن النهج الذي سلكته في التحقيق فيمكن إجماله في النقط الآتية:\n١) الاكتفاء بالمقابلة على نسختين، والاستعانة بنسخة ثالثة كلما دعت الضرورة لذلك، نظرا لكون هذه النسخ متساوية في مضمون الكتاب ومحتواه، ولتعذر المقابلة على أكثر من ذلك من طرف شخصٍ واحد، وبالنِّسْبَةِ لكتاب كبير الحجم، متعددِ الموضوعات، مثل هذا الكتاب.\n٢) الحرص على تصحيح النص وسلامته من الأخطاء النسخية:\nالإِملائية منها والنحوية التي لا تخلو منها نسخة من هذه النسخ كلها، على تفاوت بينها في ذلك، والتوقفُ والتأملُ عند العبارات والكلمات التي تدعو إلى ذلك للتأكد من الصواب واستيضاح المعنى المراد منها.\n٣) ربط كل قاعدة من قواعد هذا الكتاب بالفرق المقابل لها في الكتاب الأصلي الذي هو الفروق للإِمام القرافي، والاشارةُ إلى ذلك في الهامش، وإلى الجزء والصفحة التي يوجد فيها الفرق بالنسبة للطبعة الاولى لكتاب الفروق، التي صدرت عن مطبعة دار إحياء الكتب العربية بتاريخ رجب الفرد سنة ١٣٤٤ هـ. على أنه حتى إذا ظهرت طبعة جديدة لكتاب الفروق وتعددت الطَّبعاتُ، يَوْمًا مَّا، واختلفت نسخها وأرقام صفحاتها، فإن ذكر الفرق وحده يقربه إلى القارئ والباحث، بقطع النظر عن الصفحة التي يوجد فيها بالنسبة لهذه الطبعة أو طبعة","vol":"2","page":15},{"text":"أخرى جديدة. بحيث يسهل الرجوع إلى ذلك الفرق للراغب في إرادة التوسع فيه أو استيضاح ما يكون قد غمض او أشكل على الدارس والباحث في مطالعته ومراجعته لترتيب الفروق واختصارها، إذ الإِيجاز والاختصار قد يبقى معه المعنى أحيانا غامضا غير واضح، ويحتاج إلى مزيد من البيان والشرح وَالتفصيل، وهو أمر قمت به وحرصت عليه كلما رأيت ذلك ضروريا ومفيدا في تحقيق هذا الكتاب.\n٤) ومراعاة لذلك، فقد كنت أحيانا آتي بعبارة من كتاب القرافي لتُبَيِّنَ عبارة وَكلمةً أو توضِّحَ مسألة عند الشيخ البقوري، وأذكر ذلك في الهامش.\n٥) نظرا لما لحاشية عمدة المحققين، سراج الدين أبي القاسم قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط، والمسماة (أدرار الشروق، على أنوار الفروق) من أهمية ومكانة في تصويبٍ وتصحيح كثير مما ورد في كتاب الفروق للقرافي، حتى قال أهل التحري والاحتياط في شأن هذه الحاشية: \"عليك بفروق القرافي، ولا تقبلْ إلا ما قَبِله ابن الشاط\"، وذكر بعض الأفاضل الموثوق بهم أن قائل هذه العبارة، هو الشيخ أحمد بابا التنبكتي، صاحب (نيل الابتهاج بتطريز الدِيباج) وغيره من المؤلفات العلمية القيمة، نظرا لذلك، فقد كنت في كثير من الأحيان، آتي بتعليقاتِ الشيخ ابن الشاط في الهامش، وأذكر تحقيقاته فيه، لما فيها من تدقيق وتصويب في المسألة وفائدة علمية جديدة، فجاء هذا الكتاب في تحقيقه جامعا بين ما عند البقوري في ترتيبه واختصاره، وما عند القرافي في أصل كتابه والتوسع في قواعده، وما عند ابن الشاط في تعقيبه وإفاداته العلمية الدقيقة.\n٦) أحيانا قليلة جدًا كنت - وبكل تواضع - أعقب على كلام الشيخ ابن الشاط حينما أراه يستنتج من كلام القرافي ويستخلص منه ما قد يكون بعيدا عن مراده وقصده من القاعدة أو العبارة، وحينما أراه يقسو ويتحامل عليه أحيانا في اسلوبه وتعقيبه، فأحاول التصويب والتخفيف من تلك الشدة في العبارة، والتلطيف منها، والتوفيق بين كلام هذين العالمين الجليلين الفاضليْن اللذين لهما من التمكن والتضلع في العلوم النقلية والعقلية، ولهما من المكانة العلمية المرموقة ما هو معروف لدى السادة العلماء مَشْرقًا ومَغْربًا، وما هُوَ غنيٌّ عن كل بيان وتوضيح.","vol":"2","page":16},{"text":"٧) أشرت إلى ما في الكتاب من الآيات القرآنية، وذكرت السورة ورقم الآية في المصحف الكريم، كما خرجت كل ما أمكن لي تخريجه من الأحاديث النبوية الواردة في الكتاب، إفادة للقارئ وتسهيلا عليه في البحث عن موضوع الآية أو راوي الحديث ومخرجه، والتماسًا لبركة تلك الآيات والأحاديث، وتأسيسًا بها لما عند كُلٍّ من القرافي والبقوري من قاعدة أو مسألة فقهية، وتأصيلا لها وتوضيحا للمعنى، خاصةً في هذا الجزء الثاني.\n٨) كنت أستطرد أحيانا، فأصحح كلمة أو عبارة أو أشرح مصطلحات علمية أو بلاغية أو منطقية أو نحوية، وأستشهد لها بأبيات من منظومة التوحيد أوْ المنطق، أو منظومة ألفية ابن مالك أو نصوص فقهية من المتون والمنظومات كمختصر الشيخ خليل وتحفة ابن عاصم، وغيرهما، وببعض الأبيات الأدبية عند المناسبة بقصد الاستشهاد لذلك التصويب والتصحيح، وتذكيرا بتلك القواعد والمصطلحات. وتيسيرا لاستحضارها واستيعابها، وترغيبا في الاهتمام بها والرجوع إليها، علما مني بأنها من المعلومات البديهية والمعروفة لدى السادة علمائنا الأجلاء وفقهائنا الافاضل والاساتذة المتخصصين المحترمين، في كل بلد ومكان، ولكنها مفيدة لبعض الدارسين والباحثين الناشئين.\n٩) لم أتعرض لما في الكتاب من مؤلفات وأعلام ترد في ثناياه، فلم أتعرض للبحث عنها كلها، ولترجمتها كلها، نظرا لكونها موجودة في الكتب المتخصصة في تراجم العلماء وطبقاتهم على اختلاف مذاهبهم، وحتى لا يخرج الكتاب عن الحجم المطلوب والهدف المنشود، ويكون مجرد إعادة وتكرار لما هو مدَوَّنٌ ومعروف في مظانه، وفي مختلف الدراسات الجامعية الحديثة التي تذكر تلك الترجم والأعلام.\nوذكرت أحيانا نادرة جدا بعضَ التراجم القليلة لبعضِ العلماءِ حين يرد ذكرهم بوصف أو إضافة كتاب لهم، كأن يقال: صاحب القبس، أو صاحب المقدمات، أو صاحب الطراز، أو صاحِبُ الاستذكار، مثلا، وهي تراجم قليلة بالمقارنة مع وفرة التراجم الاخرى الموجودة داخل الكتاب، والتي لم أتعرض لها اختصارا وإيجازا.","vol":"2","page":17},{"text":"هذا هو المنهج الذي نهجته وسلكته، والمجهود الذي بذلته وقمت به في تحقيق الجزء الاول، وكذا في تحقيق هذا النصف الثاني وتصحيحه من كتاب ترتيب الفروق واختصاره، أعتقِدُ مع ذلك أنه مجهود متواضع، دون المستوى الذي كنت أرِيده وأبتغِيه وأطمح إليه وأرْتجيه، والذي يرضى العلماء المتخصصين، والاساتذة الباحثين في تحقيق التراث العلمي الاسلامي وفق الطرق المتبعة، وَالمناهج المسطرة في مجال الدراسة والتحقيق للتراث.\nوسيلاحظ القارئ أني لم أتعرض لدراسة عن هذا الكتاب ومؤلفه، تبرز بتفصيل، الجوانب التي يتميز بها بالنسبة إلى الاصل الذي هو كتاب الفروق.\nفقد رأيت أن أرجئها إلى حين استكمال الكتاب كله بإتمام تحقيقه بحول الله، لتتم الصورة الكاملة والنظرة الواضحة العامة عن الكتاب، ويمكن استيعاب جوانب الاختصار والتعقيبات التي جاءت فيه، وتكون الدراسة بذلك وافية، وتصدر في جزء خاص بها إن شاء الله تعالى وبعونه وتوفيقه، خاصة إذا ما علمنا أن شخصية الشيخ البقوري مغمورة جدًا، وأن الكتب التي تعرضت لذكره وتاليفه لم تتوسع في ترجمته، وإنما تقتصر على تناولها بإيجاز لا يمكن معَه تكوين دراسة شاملة ومعمقة عنه، ولا يساعد على تكوين فكرة عامة ومدققة، مما يتطلب المزيد من البحث والوقت الكافي لذلك، والوصول إلى تلك الغاية إن شاء الله تعالى، وبحوله وقوته سبحانه، وعونه وتوفيقه سبحانه.\nعلى أنه، وإزالة لكل التباس أو غموض، رأيت أن أنقل في نهاية هذا الجزء الثاني من الكتاب وأذكرَ في ختامه ترجمة لأحد العلماء الأعلام والفقهاء الفضلاء، يقترب اسمه من اسم المؤلف، ويشتبه به خاصة عند بعض العامة من الناس، ذلكم هو الفقيه الجليل العلامة أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد بن محمد القَوْري ﵀، لتضاف هذه الترجمة إلى تراجم العلماء المذكورين في أوَّلَ الجزء الاول، وهم القرافي، وابن الشاط، والبقوري ﵏، وتكون هذه الترجمة للفقيه القَوْري دفين فاس تكملة لمن سبق ذكرهم من أولئك العلماء الاعلام، ومن أجل الغاية المشار إليها في دفع كل التباس يقع بين اسم البقوري،","vol":"2","page":18},{"text":"والقوري في ترجمتهما وتآليفهما ومكان وفاتهما، خاصة من لم يطلع على ترجمتهما معا.\nفرحمهما الله برحمته الواسعة، ورحم كافة علماء الملة وسائر المسلمين أجمعين.\nوإذا كنت أقدمت على تحقيق هذا الكتاب بإنجاز الجزء والنصف الأول منه، فقد واصلتُ العمل فيه حتى تم إنجاز تحقيق هذا الجزء والنصف الثاني منه، وتحَقَّقَّ اكتماله بحول الله وعونه وتوفيقه الكريم.\nومع ذلك، ومع ما يبدو من جهد كبير في إبراز هذا العمل العلمي المنشود، المتمثل في تحقيق هذا الكتاب، فإني لا أرى اني قد بلغت فيه الكمال المطلوب، ولا أنني قد وصلت فيه كل المؤمَّل والمبتَغَي المنشود.\nفحسبي - كما ذكرتُ - أن أكون قد عِملتُ على إخراجه من عالَم المخطوطات، ويَسَّرتُهُ للطبع والنشر ليكون ضمن ما تمّ طبعه من كتب قيمة ومؤلفات علمية في هذا المجال، رأت النور بطبعها من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي شهدت في عهد وزيرها العالم الفاضل والاستاذ الجليل الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، ازدهارًا مباركًا في تحقيق وطبْع أمهات كتب التراث الاسلامي، والدراسات الاسلامية الجادة المتنوعة، التي تزخر بها المكتبات العامة والمكتبات الوقفية الآن، والتي فتحت في جُل مدن المملكة لتيسىير مطبوعات الوزارة وتقريبها من أصحاب الفضيلة العلماء والفقهاء والاساتذة الادباء، والطلبة الدارسين والباحثين المتخصصين، عملا بالتوجيهات الملكية السامية، واسترشادًا بالعناية والرعاية المولوية الفائقة التي يوليها للعلم والعلماء والتراث الاسلامي الأصيل، أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله وادام له النصر والتمكين.\nوإني لآمل وأرجو بكل تواضع واعتزاز أن يزودني أصحاب الفضيلة العلماء والاساتذة الاجلاء ذووُ البحث والتخصص في مجال تحقيق التراث ونشره، وفي مجال الفقه وأصوله وقواعده وفروعه، بما يرونه من ثغرات أوْ يَبْدُو لهم من ملاحظات،","vol":"2","page":19},{"text":"وتصويبات تتعلق بالمنهج والمضمون حتى يمكن تداركها استقبالا في الدراسة أو في طبعة أُخرى متى نفدت طبعته الاولى، وأرادت الوزارة طبعه مرة أخرى بحول الله.\nوكما هُو الشأن في كل عمل علمي وعطاء فكري فإن العمل في تحقيق هذا الكتاب لا يخلو من نقص وقصُور في العلم، أوْ خَطأ في الفهم والتصحيح، فذلك أمر طبيعي في كلِّ عمل علمي بشري، فالكمال المطلق إنما هو لله وحده.\nوحسْبُ المرءِ أن يكون قد أسهم بعمل علمي اسلامي في النهضة العلمية الاسلامية المعاصرة، وأن يحرص على الإجادة والاتقانِ جهد المستطاع والإمكان، وأن يعلم أن الله سبحانه من وراء القصْد، وهو سبحانه القوي المعين، والهادي إلى التوفيق وسواء السبيل.\nوبذلك، أُنهى هذه المقدمة التمهيدية التي تعطي نظرة عامة، وتلقي ضوءًا كاشفا عن عملي ومجهودي المتواضع في تحقيق هذا الكتاب وتيسير طبعه ونشره من طرف الوزارة، وأختمها بالعبارة التي أتى بها الشيخ خليل بن اسحاق المالكي في مقدمة مختصره الفقهي الشهير، والتي \"يذكر إيرادها بذلكم الربط القائم دائما بين علماء المغرب ومصر في كل الفترات، وبذلك التواصل المستمر بينهم قديمة وحديثا كما رايناه بين الامامين والعالمين الجليلين شهاب الدين القرافي، وتلميذه ابي عبد الله البقوري رحمهما الله، وحيث قال فيها ﵀:\n\"واللهُ المسؤولُ أن ينفع به كل من قرأه أو حصله أو سعى في شيء منه. واللهُ يعصمنا من الزلل، ويوفقنا في القول والعمل\".\nوأعتذر لذوي الالباب وأولي الأبصار من التقصير الذي يبدو لهم في هذا العمل من التحقيق والتصويب، والاستطراد والتعقيب، وأسال بلسان التواضع والاستزادة من العلم والمعرفة، أن ينظر إلَيْهِ أصحاب الفضيلة العلماء بعين الرضى والقبول، فما كان من نقصٍ كملوه، ومن خطأ اصلحوه، فقلما يخْلُصُ مصنف أو محقق من الهفوات، وقلّما يسْلَم دارسٌ وباحث من العثرات، ومن التعقيبات والاستدراكات، وانما الاعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل، ويدْعُو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم\" ... المحقق: ذ عمر ابن عباد","vol":"2","page":20},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>النكاح والطلاق</span>\nوفيهما خمس وعشرون قاعدة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>القاعدة الأولى:\nأقرر فيها الفرق بين أنكحة الصبيان وطلاقهم</span>. (١)، لم كان النكاحُ ينعقد إذا كانوا مُطيِقين للوطء، وللولي الإجازة أو الرد، وكان الطلاق لا ينَفَّذُ (٢)؟ فنقول أولًا:\nالإشكال يتحقق من حيث إن النكاح من خطاب التكليف لا من خطاب الوضع، كما أن الطلاق من خطاب التكليف لا من خطاب الوضع. ولما كان الامرُ كذلك كان الظاهر تسويةَ البابيْن بِحَسبه في الانعقاد أو عدمه.\n_________\n(١) هي موضوع الفرق المائة والاربعين بين قاعدة أنكحة الصبيان تنعقد إذا كانوا مطيقين للوطءِ وبين قاعدة طلاقهم لا ينعقد\". جـ ٣، ص ١٠١ من كتاب الفروق للإِمام شهاب الدين أحمد بن ادريس القرافي ﵀. الطبعة الأولى بدار إحياء الكتب العربية، سنة ١٣٤٦ هجرية، وهي الطبعة المعتمَدة عندي في الرجُوع إليها فيما يتصل بالتحقيق والمراجعة والتصحيح.\nقال عنه القرافي في أوله: وَوَجْهُ الإشكال فيهما، والجامعُ بينهما، أن خطاب الوضع - كما تقدم - هو الخطاب بالأسباب والشروطِ والموانِع والتقادير الشرعية، وهي لا يُشترط فيها التكليف ولا العِلم، ولذلك نوجب الضمان على الصبيان والمجانين، ونُطَلِّقُ بالإِعسَار وإن كان معجوزا عنه وغيرَ مشعُور به، وكذلِك بالإِضرار، ونُوَرث بالأنساب وإن لم يشعر به الوارث ولا هو من مقدوره، لأن ذلك من باب خطاب الوضع الذي معناه أن صاحب الشرع قال: إذا وقع هذا في الوجود فاعلَموا أني قد حكمتُ بهذا، بخلاف خطاب التكليف يُشترَط فيه القدرة على المكلَّف به، والعلمُ به.\nوقد علَّق الفقيه المحقق العلَّامةُ الشيخ قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاطِ ﵀، على ما جاء عند القرافي في أول هذا الفرق فقال: قلت: \"فيما فرق به هنا نظَر\" اهـ.\nوقوله: ونُوَرث بالأنساب، لعله بالنسب بالإفراد، حتى ينسجم مع الضمير العائد عليه بالإفراد\n(٢) كذا في جميع نسخ ترتيب الفروق: لا ينفَّذُ. وعند القرافي: \"لا ينْعقد\"، والفرق بين الكلمتين ومدلولِهما واضح لدى السادة العلماء، ومعروف لدى كافة الفقهاء.","vol":"2","page":21},{"text":"فالجواب أن الطلاق لما كان يحْدِثُ حِرْمة، (٣) لم ينفَّذ عليه، من حيث إنه ليس أهْلا للتكليف به. ولما كان النكاح يُحْدث إباحة الوطء، وكان الصبي أهلا للإِباحة أن تَتَعلق به، وللندب، وللكراهة، وليس أهْلًا للوجوب ولا للتحريم، وقع مِنْ الفرق ما وقع.\nقلت: إن كان الطلاق سببَ تحريم الوطء فالنكاح سبب وجوب النفقة عليه، وأيضا فهذا لا يتمشى على قول القاضي أبي بكر: لو أوجب الله علينا شيئا لوجب، سواء توعَّد بالعقاب على ترْكِه أوْ لا، فليس من ضرورة الوجوب والتحريم العقابُ.\nقال شهاب الدين: فإن قلت: الْإِتلاف سبب وجوب الضمان، والوجوبُ تكليف، وقد انعقد في حقه، فيجب على الولي الإخراج من مال الصبي ذلك، فإن أخر ذلك للبلوغ وجب على الصبي في ماله، وخوطب حينئذ، فقد تأخر الوجوب الذي هو مُسَبَّبُ الإِتلاف إلى بعدِ البلوغ، فلِمَ لا ينعقد الطلاق في حقه ويتأخر التحريم إلى بعد البلوغ عند حصول أهلية التكليف، كما قلتم ذلك في الإِتلاف، وكلاهما سبب وضْعِيٌّ. يقتضي التكليف؟ .\nثم قال:\nقلت: الاصلُ تَرَتُّبُ المسبَّبات على أَسبابها، والتأخرُ عنها خلاف القواعد، والإِتلاف لم يتَعين فيه تأخرُ مُسَبَّبِه عنه، لإِمكان الإِخراج حالةَ الإِتلاف من مال الصبي. وأمَّا الطلاق فيتأخر فيه التحريم الأمَدَ الطويلَ -ولابُدَّ- إلى حين البلوغ، فلا جَرَم لم ينعقد في حقِّه (٤) لأنه ليس سببَ إباحة فيترتب عليه مُسَبَّبُهُ في الحال،\n_________\n(٣) حِرمة بِكسْر الحاء من التحريم، كما هو واضح من السياق والكلامِ الآتي بعدُ.\n(٤) كذا في جميع النسخ من هذا الترتيب والاختصار للفروق، وكذا في هذا الفرق عند القرافي:\n\"لا جَرَم لم ينعقد\"، ولعل الصوابَ إضافةُ أن المصدريةِ، فيكون المعنى: فلا جَرَمَ عدَمُ انعقاده في حَق الصبي، أو إضافةُ إنْ الشرطية، فيكون المعنى: فلا جرم إن لم ينعقد الطلاق في حق الصبي الذي أوقعه وصدَر عنه، أي لا إشكال في ذلك ولاشكَّ ولا عجَبَ فيه. فلا بدَّ إذن من إضافة أحَدِ الحرفين أو تقديرهِ موجودا في العبارة، لأن كلمة لَا جرم تاتي في كل آيةٍ من القرآن الكريم مقرونةً بحرف أن المصدرية، مثْلُ قوله تعالى: \"لا جَرَمَ أن الله يعلم ما يُسِرُّون وما يعلنون\"، ولذلك فهى تُؤَوَّل مع الكلمة التي بعدها بالمصدر، إثباتا أو نَفْيًا. اهـ","vol":"2","page":22},{"text":"فافترقا، لأن التأخر في وجوب الضمان إنما وقع عارضًا ونادرا، والقاعدة أن النادر غير معتبر، ويُلحَقُ بالغالب، فَأُلْحِقَ النادرُ بالغالبِ في الضمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>القاعدة الثانية\nأقرِّرُ فيها الفرقَ بين ذوِى الأرحام والعَصَبة حتى كان للعَصَبة الولايةُ في النكاح ولم يكن ذلك لِمَن يُدْلي بجهة الأمّ </span>(٥)، فأقول:\nكان ذلك من حيث إن الولاءَ شُرِعَ لحفظ النَّسَب، فلا يكون فيه إلا من يكون له نسب (٥ م) ودخل فيه، حتَّى تحصل المصلحة، وهي الدوام على محافظته، إذ هو مصلحة نفس الولي، فلذلك يكون أبلغَ اجتهادٍ وأتمَّه في تحصيل الأكفاء ودرْء العارِ عن النسَب.\nقال شهاب الدين -﵀-. وخالَفَ الشافعي ﵁ في الابْن فقال: لَا ولايةَ له، واحتجَّ على ذلك بوجوه:\nأحدُها قول النبي - ﷺ -: \"أيُّمَا امرأةٍ نكَحتْ نفسَها بغير إذن موَاليها فنكاحها باطِل\"، (٦) والابْن لا يسمَّى بولي.\n_________\n(٥) هي موضوع الفرق الحادي والاربعين بَعْدَ المائة (ف ١٤١) بيْن قاعدة ذوي الأرحام لا يَلُونَ عقدَ النكاح، وهم: أخو الأم، وعَمُّ الأم، وجَدُّ الأم، وبنو الأخواتِ والبناتِ والعَمات، وغيرُهم ممن يُدْلي بأنثى، وبيْن قاعدة العصَبة فإنهم يَلُونَ العقد في النكاح، وهمْ: الآباء، والأبناء، والجدود والعمومة، والإِخوة الشقائق، وإخْوة الأب، جـ ٣. ص ١٠٢.\nوقد علق عليه الشيخ قاسم ابن الشاط ﵀ بقوله في الفرق قبل هذا: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيحٌ.\n(٥ م) كذا في نسخة مع وعند القرافي: نَسَبٌ، وفي نسختيْ ع، وت سبب. ولعل المعنَى لا يختلف، فلْيُتأملْ.\n(٦) أخرجه أبو داود في سننه بهذه الصيغة. وأورده الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه بلوغ المرام من ادلة الاحكام بصيغة \"بغيْر إذن وليها\" وفي نسختَيْ ح، وت: \"بغير إذن مَوَاليها\"، وهي الصيغة التي أوردها القرافي حيث قال: \"أحدُهَا (أيْ الوجُوه) قولي النبي - ﷺ -: \"أيُّمَا امرأةٍ أنكَحَتْ بغير إذْن مَوَاليها فنكاحها باطل\"، ثمّ قال القرافي: \"والابن لا يُسمّى مَوْلى\" اهـ. وانظر الكلام بتفصيلٍ عن هذا الحديث في شرح سبل السَّلام على بلوغ المرام للإِمام الصنعاني ﵀ وفي غيْره من شراح الحديث.","vol":"2","page":23},{"text":"وثانيها أنه يدلي بها وهي لا تزوج نفسها، فكذلك مَن يدلي بها، بل هوَ أحْرَى، لأن الفرْعَ لا يكون أقوى من الأصل ولا مِثلَه.\nوثالثها أن الولاية لا تصح من أبيه فلا تصح منه، كابن الخال مع الخال.\nوالجواب أنه رُوِيَ بغير اذْن وليها، (٧) والولايةُ من القرب، وابنُهَا أقْرَبُ إليها من كل أحَد. ثمّ رواية الْمَوْلَى تصح عليه من حيث إن المولى بمعنى الناصر، وولدها نَاصِرُها.\nوعن الثاني أن قوة عقله صلح بها أن يكون وَلِيّا، وهي بَعُدَتْ عن ذلك لِضَعفِ عَقلها.\nوعن الثالث أنه جُزْءٌ منها، فيتعلق به عارُها، بخلاف ابنِ الخال، وبخلاف أبِيه.\nثم القاعدة أنه يُقَدَّم في كل ولاية من هُوَ أقْومُ بمصالحها، ولهذا يقدَّم في القضاء من لا يقدَّم في الحروب، وكذا في كل معنى حسبما تقرر في موضعه، حتى إنه ربَّمَا تُقَدَّم الانثى في بعض الولايات ويتأخر الرجال، كما الامرُ في الحضانة، واللهُ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>القاعدة الثالثة:\nأقرر فيها لِمَ كان الإِخوة في النكاح وميراثِ الولاء وصلاةِ الجنازة يُقَدَّمون على الأجداد، ولِمَ كانوا على السواء في الميراث </span>(٨)؟\n_________\n(٧) وهي الرواية المذكورة في بلوغ المرام من أدلة الأحكام للإِمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، وفي شرحه سبل السلام، للامام محمد بن اسماعيل الصنعاني، ونقلها عن بعض أصحاب السنن. كما ذكرته في التعليق السابق. فرحمهم الله جميعا.\nقال القرافي: والمَولَى له معانٍ، مها النَّاصِرُ، ومِنْه الآية الكريمة في جانب النبي - ﷺ - مع أزواجه: \"فإن الله هُوَ مولَاه وجبريلُ وصالح المومنين\"، (سورة التحريم) (٤)، وهذا الاحتمال أوْلى لأن فيه جَمْعًا بيْن الروايتَيْن.\n(٨) هي موضوع الفرق الثاني والاربعين والمائة (ف ١٤٢) بين قاعدة الأجداد في المواريثِ يُسَوَّوْنَ بالإِخوة، وبين قاعدتهم في النكاح وميراث الولاءِ وصلاة الجنازة تُقَدَّمُ الإِخوةُ عليهم. جـ ٣. ص. ١٠٣. وقد قال الفقيه ابن الشاط عن هذا الفرَق: ما قاله القرافي فيه صحيح، كما سبق ذلك في أول الكلام على الفرق المائة والاربعين (ف ١٤٠).","vol":"2","page":24},{"text":"فقال شهاب الدين: إن الجدَّ في باب المواريث يقول: أنا أبو أبيه، لأن الإِبن يحجب الأبَ عن جملة المال إلى سُدُسه، وكان هذا جاريا في الأبواب الاربعة، ولكنه افترق الميراث من الأبواب الثلاثة بأن الجد يسقط الإِخوة للأم ولا تسقطهم الإِخوة الأشقاء ولا للأب، وأن. الجدَّ يرِث مع الابن، بخلاف الإِخوة. فلَمَّا عارَضَ هذيْنِ الوجهيْنِ حُجَّةُ الأخُوَة بالبنُوَّة، سُوّيَ بالإِخوة في باب ميراث النسب، لأنه الذي حصل فيه التعارض، وهذا التعارض منفي في الأبواب الثلاثة، بسبب أن الْإِخْوة للأم لا مدخلَ لهم في باب النكاح ولا ميراثِ الولاء ولا صلاةِ الجنازة حتى يقول الجدُّ لهم: أنتم عاجزون عن دفع هؤلاء، وأنا لا أعجز عن دفعهم، فتبقى حجتهم بالبنوة وتقديمِها على الأبوة سالمةً عن المُعارِض، فَقُدِّموا في الأبواب الثلاثة، بخلاف ميراث النسَب.\nقلت: إذا لم تقع المعارضة من ذلك الوجْه بقِيتْ المعارَضَةُ من وجهٍ آخرَ، وهوَ أن الجد يَرِث مع الابن، بخلاف الإِخوة، وللإِخوة دخلٌ في النكاح إذَا لم يكونوا للأم.\nقلت: ويمكن أن يقال: الفرق هو من حيث إن ميراثَ النسب يُسَوَّى الجدُّ فيه مع الإِخوة من حيث إن النسبَ متوقف على الجَدّ، فَبِه يتَحَقَّق، (٩) وهو أبْعَدُ من حيث الخُلْطة والاتصالُ غالبا، فوقع التعارض، وفي المسائل الثلاث تحقَّقَ قربُ الاتصال، الموجبُ للرعْي والشفقة، فكان الجَدُّ مرجوحًا، والله أعلم.\n\nالقاعدة الرابعة:\nنقرر فيها لِمَ كان للرجل أن يجمع بين عِدّة إماءٍ، ولم يكن له في الحرائر أن يَزِيدَ على أرْبعٍ، (١٠) فنقول:\n_________\n(٩) كذا في نسخة ع: \"فَبِه يتحقق\"، وفي نسخة ح وغيرها، \"فيه يتحقق أو ليتحقق. وما في نسخة ع أظهرُ وأصوَبُ من حيث الوضوح وسلامة المعنى. فَلْيُنظَرْ ذلك وليتأمَّلْ. والله أعلم.\n(١٠) هي موضوع الفرق الرابع والاربعين والمائة بين قاعدة الإِمَاءِ يجوز الجمع بين عدد أيّ عدد شاء منهن، كثُر أو قَلَّ، وبين قاعدةِ الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن\" جـ ٣. ص. ١١١.","vol":"2","page":25},{"text":"لا شك أن الوسائل تتْبَعُ المقاصد في الأحكام، فالمحرَّم وسيلتُه محرَّمة، والواجبُ\nوسيلته واجبة، وهذا قد تقرر فيْ غيرِ هذا الْمَوْضِعِ (١١).\nفإذا كان كذلك فلاشكّ أن تَزوُّج المرأة على ضَرَّتِها يُكسبُ شحْنَاءَ وعداوةً، وذلك محرَّم مطلقا، فما أدّى إلى ذلك يَجب أن يكون محرَّما، فكان يحتمل هذا أنْ لا سبيلَ إلى التزوج على زوجهِ، وقدْ أخِذ بهذا في مِلّة عيسى ﵇، وهو من باب تغليب مصلحة النساء على مصلحة الرجال، فإن الرجال متضررون أيضا بالحصْر والمنع، وقد كانتْ ملة موسى ﵇ بإباحة ذلك مطلقا من غيْرِ حصْرٍ في شئٍ، فكان فيها أيضا تغليبُ مصلحة الرجال على مصلحة النساء. ولمّا جاءت هذه الشريعة الكريمة توسطتْ بين المِلّتين، فرفَعتْ الضرر الكبيرَ عن الرجال وعن النساء، فأباحت الجمحَ بين أربعٍ لا غَيْرُ.\nقال شهاب الدين ﵀: وسِرُّ الاقتصار على ثلاثٍ في المُضَارَّة أن الثلاث اغْتُفِرتْ في. مواطنَ، فتجوز الهجرة ثلاثةَ أيام، (١٢) والإِحدادُ على غيْر الزوج (١٣) ثلاثةَ أيام، والخِيَارُ ثلاثة أيام. (١٤) والمُصَرَّاةُ ثلاثة أيام، وهذه جارية على غيْر الاصول، فَحُدَّتْ بذلك العَدَدِ.\n_________\n(١١) أنظر القاعدة الثامنة من قواعد العِلل في الجزء الأول المطبوع من هذا الكتاب. ص ١٢٠ - ١٢١.\n(١٢) إشارة إلى حديثِ النهيْ عن هجْر المسلم لأخيه المسلم أكْثَرَ من ثلاث ليال.\nفعَنْ أبي أيوبَ الأنصاري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحِلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثِ ليال، يلتقيانِ فيُعْرض هذا ويُعرِض هذا، وخَيْرُهما (أفْضَلُهُما وأكثرهما أجرًا وثوابا عند الله) الذي يبدأ بالسلام\"، رواه الشيخان: البخاري ومسلم، وغيرهما، ﵏ جميعا.\n(١٣) إشارة إلى حديث النهْي عن إحداد المرأة على غير زوجها أكثرَ من ثلاث ليال.\nوالْإِحدادُ، لغةً، هو المنع، وشرعًا: ترْك الطيب والزينة للمرأة المعتدة من وفاة زوجها، وامتناعُهَا عن ذلك إلى حين انتهاءِ عدة الوفاة. وأصْلُهُ حديثُ أمّ عطية ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تُحِدُّ امْرأةٌ على ميتٍ فِوق ثلاثٍ، إلا على زوجٍ، أربعةَ أشهر وعشْرًا، ولا تلْبَسُ مصبوغا، ولا تكتحل ولا تمس طيبا\" متَّفَق عليه بين البخاري ومسلم. رحمهما الله.\n(١٤) إشارة إلى خيار الشرط، وهو أن يشتري أحد المتبايعَيْن شيئا على أساس أن يكون له الخيار في إمضاء البيع أو فَسخه مدةَ ثلاثة أيام: وأصْلُهُ حديثُ عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \"كل بَيِّعَيْن لا بيع بينهما حتى يتَفَرَّقا إلا بَيْعَ الخِيار\"، متفق عليه.","vol":"2","page":26},{"text":"قلت: لم يُعْطِ سِرَّ الاقتصارِ على أربع، فإن كونه يقول: هذا هنا كما كان هنالك، ونحن لا نعرف لِمَ كان هنالكَ، أوْ إن عرَفناه، لعَلَّ هذا الموضع يخالف تلك المواضع. غيرُ كافٍ ولا واضحٍ. وأيضا فالاقتصار هنالك على ثلاثٍ، وقضِيَّتُنا الجمعُ بين أربع.\nويمكن أن يقال: كان التحديد بأربع من حيث إن تَزَوُّجَ الأكثر من هذا يَجْمَعُ ضرريْنِ على النساء: الضَّرَرُ الواحد ضَرر الشحناء المذكور بينهن، والضرر الآخَرُ، أن الرجُل يضعُفُ عن القيام بأكثرَ من أربع من حيث الوطء غالبا، فلمّا تضاعفتْ المضَرَّةُ في موضع، أسقِط، وأجيز ذلك حيث لم تَتَضَاعف. وما أبيحَ له - ﵇ هو التسع إلا لقوةٍ له ليست لغيره (١٥) لا من حيث الأخلاق ولا من حيث غيرُها.\nقال شهاب الدين ﵀:\nوحافَظَ الشرع على القرابة القريبة وصانَها عن التفرق والشحْناء، فلا يُجْمَعُ بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، ولا بين الأختيْن. ولما زاد قرابةَ الأم مع البنت كان لا يجوز الجمْع ولا أزْيَدُ من الجمع، وهو أن البنت إذا كانت زوجةً حرُمَتْ الأم مطلقا، وكذلك الأمُّ حَرُمتْ البنت مطلقا أيضا. ويَلِي ما ذُكر -أولا- الجمعُ بين\n_________\nوالمُصَرَّاةُ بضم الميم وفتح الصاد هي الناقة أو الشاة أو البقرةُ التي يُتْرَكُ اللبَنُ في ضرعها أياما حتى يَعْظُمَ، فتشتد رغبة المشتري لها حين يراها كذلك. والتصرية منهي عنها، ويَثبتُ الخيارُ بالرد لمن وقع في ذلك. وأصْلُ النهْي ودليلُهُ: الحديث المتفَقُ عليه، والمروي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"لَا تُصِرُّوا الابل والغَنَم، فمن ابتاعها (أي اشتراها على تلك الحال) فهو بخيْر النظريْن بعدَ أن يحلبها: إن شاء أمسك، وان شاء ردَّها وصاعًا من تمر\". فهذا الحديث أصل كذلك في النهي عن الغش، وأن التدليس لا يُفسد أصل البيع، وأنَّ مُدَّةَ الخيار ثلاثةُ أيام، وأنَّ التصرية مُحرَّمة، ويثبت الخيار بها.\n(١٥) كذا في نسخة ع، وح. وفي نسخة ت: \"وإنما أبيح للنبي ﷺ التسع، لأن القوة التي له ليست لغيره\". والحصر متحقق وحاصل بكلتا العبارتين، سواء بالنفي والإِثبات، أو بأداة إنما، كما هو معروف ومقرر في علم المعاني من علوم البلاغة: البيان، والمعاني، والبديع بمحسناته اللفظية والمعنوية.","vol":"2","page":27},{"text":"المرأة وخالةِ أمها وخالة أبيها، ثم الجمعُ بين المرأة وعمّة أمّها وعمةِ أبيها. (١٥ م)\nولمّا كانت الأم أشدَّ ميْلا للبنت من البنتِ للأم لم يكن العقد على الأم كافِيًا في تحريم البنتِ، فهذا ما يتعلق بالحرائر. (١٦)\nوأمَّا الإِماءُ فلمّا كُنَّ مقصوداتٍ في الغالب للخِدْمةِ والهوانِ (١٧) بعُدَتْ مُنافَسَتُهن في شيءٍ ليسَ وُضِعْنُ إليه، وإنما يكون نادرا، فَجَاز فِيهِنَّ الجمع ولم يَجُزْ في الحرائر لِما ذُكِر.\nقال شهاب الدين ﵀: يُشترَطُ في تحريم الأمّ الدُّخولُ كما اشتُرِط في تحريمِ\n_________\n(١٥ م) وأصْلُ النهْي عن الجمع بيْن الأخْتين قولُ الله تعالى في سورة النساء: الآية ٢٣، ضمن المحرَّمات بالنسَب والمصاهرة: \"وأن تجمَعوا بيْن الأختين إلا ما قد سلف\" (أي حُرِّمَ عليكم الجمعُ بين الأختين من النَّسَب، أو من الرضاع، في العصمة الزوجية لرجل واحد).\nكما أن أصل النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في العصمة الزوجية، وأساسَ تحريم ذلكَ الجمعِ بينهمَا تحريما مجمعا عليه، هو الحديث الصحيح المتفق عليه بين البخاري ومسلم، والمرويُّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺقال: \"لا يُجْمعُ بين المرأة وعمتِها ولا بين المرأة وخالتها\"، ويقاس عليهما ما ذكره هنا كل من القرافي والبقوري رحمهما الله. (١٦) وفي ذلك قرَّر الفقهاء القاعدة المعروفة وهي: العقدُ على البنات يُحَرم الامهاتِ، والدخولُ بالأمّهات يحرمُ البنات، وسياتي في الفقرة الموالية كلام للقرافي يفيد أن حِرمة العقْد على الأمهات يُشترَط فيهَا الدخولُ بالبناتِ لا مجردُ العقد عليهن، وذلك منقول عن ابن مسعود ﵁، وهو خلافُ القاعدة السابقة المعروفة والمشهورة عند الفقهاء وفي: مختلف كتبهم الفقهية، وهي أن العقد على البنات يحرم الأمهات، وهي المعمول بها عندهم، فليُنظَر، وليتُحَقَّقْ من ذلك.\nوعبارة القرافي هنا هي قوله: \"ولمّا كانتْ الأم أشدَّ بُرُورا بابنتها من الابنة بأمها لم يكن العقد عليها (على الام) كافيا في بغْضِها لابنتها إذا عقد عليها، لضعف ميلها للزوج بمجرد العقد وعدم مخالطته، فاشترط في التحريم إضافة الدخول إلى العقد، وكان العقد كافيا في بغض البنت (لأمها) لضعف ودها فتحرم بالعقد، لئلَّا تعقَّ أمها، فهذا تخصيص أمر الزوجات.\n(١٧) هكذا جات هذه الكلمة عند كل من القرافي والبقوري رحمهما الله، وكان الأولى والانسَبُ عدَمَ إيرادها، والاكتفاءُ بِذكر الخدمة، والاقتصارُ عليها بالنسبة للإماء، فإن المبادئ العامة والاحكام الشرعية في الاسلام تُكَرِم الانسان، وتامُرُ بتكريمه وعدمِ إهانته واحتقاره بأي نوع من انواع الاهانة بغَضِّ النظر عن حاله، من كونه حرًا، أو رقيقا رغب الاسلام في عتقه بإحدى الكفارات المتنوعة، أَوْ من كونه خادِمًا، كما جاء في حديث: \"إخوانكم خَوَلُكُم (أي خَدَمُكُمْ)، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تُطعِمون، واكْسوهم مما تَكسون، ولا تكلفوهم، (مالا يطيقون)، فإن كلفتموهم فأعينوهم\".\nفلْيُتَأمل ذلك وليحقق، والله أعلم بالصواب.","vol":"2","page":28},{"text":"البنت، لِلآية، فإن قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة تعقَّبَتْ الجملتين (١٨) فتعمُّهُما كالشرط والاستثناء (١٨ م)\nوالشافعي مذهبه في هذه القاعدة العموم، ولكنه قال هنا بخلاف أصْله، بسبب أن النساء في الجملة الأولى مخفوض بالإضافة، والنساءُ في الجملة الثانية مخفوض بحرف الجر الذي هو مِن، والعامل في الصفة هو العامل في الموصوف على الأصح، فلو كان صفةً للجملتين لعَمِلَ في الصفة الواحدة عاملان، وهما: الإضافة وحرْف الجر، واجتماعُ عامليْن على معْمول واحد، ممتنعٌ على الأصح، فهذا هو المانع للشافعي من الجري على أصله هنا.\nقلت: ممّا يتقَوى به ما قاله شهاب الدين مِن عَوْد الوصف إلى الجملتين أن الوصف مبني لا مُعْرَبٌ، وإذا انتفى الإعراب انتفى العامل الذي يعْمَله وَيُحْدِثه، ولا يبقَى إلا صلاحيةُ ذلك من حيث المعنى، وهو صالح، وما ذكره النحويون إنمَا هو من حيث الإِعرابُ، وذلك الاعتبار يُفْقَدُ في المبنِيّ، فالصواب عوْد القيْد إلى الجملتين، جرْيا على القاعدة المقررة التي يقول بها الشافعي، والله أعلم. ورأيت أن ما ذكرهُ هنا شهاب الدين زائدًا على ما نقلتُه عنه، لا يحتاج إِليه، فأسقطته ومَا ذكرتُه، واللهُ أعْلَمُ،\n_________\n(١٨) المراد بهما قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، أيْ فهذا الوصف صفة للنساء في الكلمة الاولى والكلمة الثانية، فإن الشرط والاستثناء الواقعيْن بعد جملتَين أو كلمتين، أو عدةِ جمل، يَرْجِع إليهما كل من الشرط والاستثناء، وهو رأىُ الامام مالكٍ والشافعي رحمهما الله، وأما الإِمام أبو حنيفة ﵀ فمذْهبُهُ تخصيصُ الجملة أو الكلمة الأخيرة بالشرط والاستثناء، ويُرَجِّحُ ذلك التخصيص على أساس القرب أي القرب بين الشرط ومشروطه، وبين الاستثناء والمستثنى منه، وبين الصفة والموصوف في الجملة أو الكلمة، وهي الكلمة أو الجملة الأخيرة، فيخصها بالاستثناء والشرط.\n(١٨ م) زاد القرافي هنا توضيحا وبيانا فقال: \"فتعُمُّهما، كالاستثناء والشرط إذا تعقّبَا الجُمَلَ عمَّا، والعجَبُ أن مذهب الشافعي ﵁ أن الاستثناءَ والصفةَ إذا تعقبا جُمَلًا عمَّها، وخالِفَ أصلَه هاهنا ولم يقل به هاهنا. وجوابُهُ أنَّا نمنَعُ العَوْد هاهنا على الجملتين، وإن سلمنا أنه يعُود في غير هذه الصورة، بسبب أن النساء في الجملة الأولى مخْفوض بالاضافة، والنساءُ في الجملة الثانية مخفوض بحرف الجر الذي هو مِنْ\" الخ ...","vol":"2","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>القاعدة الخامسة:\nأقرر فيها أن تحريم المصاهَرَة ليس رُتْبةً واحدة، بل هو رُتَبٌ</span>. (١٩)\nبيان ذلك أن أقول: قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ﴾، وبالجملة كلّ ما ذكِر في القرَآن من تحريم المصَاهَرة فهو يُحمَل على الحرائر لا على الإِماء، وهذا من حيث قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، فإن معهود النساء هكذا، الحرائر اللائي أبيحَ وطؤهن بالعقْد لا بالمِلْك، فإذا كان هكذا فتحريم الحرائر بالمصاهرة، وذلك في الرتبة الأولى من التحريم، ثم يُلحَق بهن الإِماء. فيكُنّ في الرتبة الثانية، ثم في الرتبة الثالثة الوطءُ شُبْهَةً، ثم في الرابعة الوطء زنًا، فأمّا المراتبُ الثلاث الأولى فهي توجب التحريم من حيث المصاهرة على ترتيب كما قلنا، والخلاف في الزنَى هلْ يؤَثر أم لا؟\nفإذا تبين هذا فأقول: قال اللخمي: تَحرُم امرأةُ الجدِ للأمّ والجَدِّ للأب، لا ندراجهما في لفظ الآباء، كما تندرج جدات امرأته وجدّاتُ أمِها من قِبَلِ ابنها وأمِها في قولِهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وبنتُ بنتِ الزوجة، وبنتُ ابنها، وكلُّ ما نُسِب إليها وإن سَفَلَ، في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾.\nقال شهاب الدين - ﵀: إعلَم أن هذه الاندراجات ليست بمقتضَى الوضع اللغوي، من حيث إن القرآن نطَق بالثلث للأم، ولم يُعطِهِ الصحابةُ رضي الله\n_________\n(١٩) هي موضوع الفرق الخامس والاربعين بعد المائة بين قاعدة تحريم المصاهَرة في الرتبة الأولى وبيْن قاعدة، لواحقها. جـ ٣. ص.١١٥.\nوقد علق الفقيه ابن الشاط ﵀ على ما جاء عند القرافي في أول هذا الفرق إلى قوله: \"إلا الزوجاتِ الحرائر\"، فقال: لا أعرف ما قاله من أن المفهوم من نسائنا في غالب العادة، الحرائر المنسوبون إلينا بمبيح الوطء وهو العقد، بل لقائلٍ أن يقول: إن المراد بنسائنا جميع المنكوحات، بعقد كان نكاحهم أو مِلْكٍ، حرائِرَ كُنَّ أو مملوكاتٍ. ولقائل أن يقول: المراد بهن المنكوحات، بعقد، وتدخل بينهن الإماء المتزوجات. وأمّا قيْدُ كونهن حرائر، فلا وجه له عندي. وأما قوله \"المنسوبون\" فصوابه \"المنسوبات\". فلينظر وليتأمل تحقيق هذا الكلام في مبناه ومعناه.","vol":"2","page":30},{"text":"عنهم للجدة بل حَرَموها، حتى رُوي لهم الحديثُ في السدسِ (٢٠)، وصرَّحَ بالنصف للبنتِ، وبالثلثين للابنتين على السوية، وَوَرثت بنتُ البنت مع البنتِ السدسَ بالسُّنة لا بالكتاب. وابنُ الابن كالابن في الحَجْب، والجد ليس كالأب في الحجب، وهذا يدل على أن الأبَ حقيقةٌ في القريب، مَجاز في آبائه. ولفظ الابن حقيقة في القريب، مجاز في أبنائه، فإن دلَّ إجماع على اعتبار المجاز وإلَّا أُلْغِي، وينبغي أن يُعتقَد أن هذه الاندراجات في تحريم المصاهرة بالإِجماع لا بالنص. (٢١)\nقلت: لا يصح أن تكون هذه الأحكام دليلا على ما قاله من أن الوضع يفيد كذا، فإن اختلاف الأحكام لا يستفاد منه الوضع اللغوي لا نفيا ولا إثباتا، واللهُ أعلم.\n_________\n(٢٠) فعَنْ قَبيصَةَ بنِ ذُؤَيب ﵁ قال: جآت الجدَّة إلى أبي بكر ﵁، تَسْألُه ميراثها فقال: مَالَكِ في كتاب الله شيءٌ، وما علمتُ لك في سُنة نبي الله - ﷺ - شيئا، فارْجِعي حتى أسأل الناس، فسأل، فقال المغيرةُ بن شُعبة: حضَرتُ رسولَ الله - ﷺ - أعطاها السدَس، فقال أبو بكر: هل معَك غيرُك؟، فقام محمد بن مَسْلَمة، فقال مثلَ قوله، فأنفذَه لها أبو بكر. ثم جآت الجدة الأخرى إلى عمر تسألُهُ ميراثها، فقال: مالكِ في كتاب اللهِ شيء، وَما كان الذي قُضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكنْ هو ذَلك السدس، فإن اجتمعتما، فيه فهو بيْنكما، وأيَّتُكمَا خَلَتْ بِهِ فهو لها\". رواه اصحاب السُّنن، وذلك أن الجدة إما أن تكون والدة الاب أو والدة الأم، وقد تجتمعان، فتكون كل واحدة موجودة قيْدَ الحياة، فيكون السدس بينهما. وفي معناه حديث بُرَيْدة ﵁ أن النبي - ﷺ - جعل للجدة السدس إذا لم تكن دونها أمٌّ\" رواه أبو داود والنسائي. فإذا كانت أم الهالك موجودة حجبت الجدة حجْبَ إسقاط، وحالت دونها والميراث.\n(٢١) علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي المحكي عن اللخمي بقوله:\nقلت: لا أعرف صحة ما قال من أن الحقيقة في لفظ الأب وشبهه أن المراد به المباشِر، وأنه إنْ أريدَ به غيْرُ المباشر فهو مجاز. ولعل الامر في ذلك بالعكس، وأن الحقيقة في لفظ الأبُ كل من له ولادة، والمجاز، المباشرُ، لكن غَلَبَ هذا المجاز حتى صار عُرفا، فكان ذلك السبَبَ في اقتصار الصحابة فيما اقتصروا به من الاحكام على المباشر، والله أعلم.\nثم زاد ابن الشاط قائلا عند قول القرافي: \"ينبغي اعتقاد أن هذه الاندراجات في تحريم المصاهرة بالاجماع لا بالنص، وأن الاستدلال بنفس اللفظ متعذر، وأن الفقيه الذي يعتقد ذلك ويستدل باللفظ غالط، لأن الأصل عدمُ المجاز، والاقتصارُ على الحقيقة\": \"ما قاله القرافي في ذلك يوافَق عليه، لكن لا لأن الحقيقة في المباشر، بل لأن المجاز الصائر عرفا موجود فيه\".","vol":"2","page":31},{"text":"القاعدة السادسة:\nأقرر فيها ما يحرم بالنسب مما لا يحرم به (٢٢) فنقول:\nالانسان يحرم عليه بالنسب أصُولُه وفصولُه، وفصولُ أولِ أصوله، وأولُ فصْل من كل أصلٍ وإن علا.\nفالأصول، الآباء والأمهات وإن علَوْا، والفصُوُل الأبناء وأبناء الأبناء وإن سَفَلوا. وفصُولُ أولِ الأصول، الإِخوةُ والأخواتُ وأولادُهم وإن سفلوا، احترازًا من فصول ثاني الأصول وثالثِهَا وإن علا ذلك، فإنهم أولاد الأعمام والعمات، والأخوالِ والخالات، وهي مباحات، لقوله تعالى لنبيه - ﷺ -، \"وبناتِ عمك وبناتِ عماتك، وبناتِ خالك وبناتِ خالاتِكَ\". (٢٣)\nوأولُ فصل من كل أصل يندرج فيه أولاد الأجداد والجداتِ وهُمْ الأعمام والعمات، والأخوال والخالات.\nوقولنا: أول فصل، احترازا من ثاني فصل من أول الأصول، فإن ثاني فصْلٍ، أولادُ الأعمام والعمات، وأولاد الاخوال والخالات.\nوالأصل في هذا قولُهُ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. واتفقت الأمة على أن المراد بهذا اللفظِ، القريبُ والبعيدُ من كل نوع، واللفظ صالح له، كقوله تعالى: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، وكقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\n_________\n(٢٢) هي موضوع الفرق السادس والاربعين والمائة بين قاعدة ما يحْرُمُ بالنَسب وبيْن قاعدة ما لا يحرم بالنسب، جـ ٣. ص. ١١٨.\nلم يعلق ابن الشاط عليه بشيء، وقال: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح.\n(٢٣) الآية ٥٠ من سورة الاحزاب. وأول الآية قول الله تعالى خطابا لنبيه الكريم، وتشريعا لعباده المسلمين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. سورة الأحزاب: الآية ٥٠","vol":"2","page":32},{"text":"تنبيه:\nقال اللخمي: كلُّ أمٍّ حَرُمتْ بالنسب حَرُمتْ أختُها، وكل أختٍ حَرُمت لَا تحرُمُ أختُها إذا لم تكن أخْتا له (٢٤)، فقد تتزوج المرأة الرجلَ، ولكل واحد منهما ولَدٌ، فالولد منه (٢٤ م) يحل له ابنة المرأة من غير أبيه. وكل عمة حرمت فلا تحرم\nأختها لأنها قد تكون اختَ أبيه وقد لا تكون. (٢٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>القاعدة السابعة </span>(٢٥ م)\n_________\n(٢٤) هكذا في جميع النسخ الثلاث المعتمدة في التحقيق: \"إذا لم تكن أختا له\"، وعند القرافي \"إذا لم تكن خالة\". فليتأمل في أية العبارتين، أظهر وأصوب، وأنسب في المعنى المراد، وليصحح ذلك، وليُحَقَّق، فإن التعبير ومفهومه دقيق جدا، يحتاج إلى استيضاح وبيان لجلاء الصورة الجائزة من غيرها، ولَعَلَّ ما عند البقوري أظهر وأصوب، والله أعلم.\n(٢٤ م) في نسخة ع: فالولد منهما بالتثنية، وهو ما عند القرافي. وفي ح: \"فالولد لهما\"، وفي ت: \"فالولد منه\". ولعل عبارة الإفراد أظهر في المعنى المراد، فليتأمل ذلك وليحقق\". والله أعلم.\n(٢٥) عبارة القرافي من أولها تزيد المسألة وضوحا على ما يكون في إيرادِها من تكرار مع ما عند البقوري، وهي قوله: \"كل أم حرمت بالنسب حرمت أختها، وكل أخت حَرُمَتْ لا تحرم أختها إذا لم تكن خالة (هكذا يذكر الخالة)، فقد يتزوج الرجل المرأة ولكل واحد منهما ولد. فالولد منهما (هكذا بالتثنية) تحل له ابنة المرأة من غير أبيه، وكل عمة حرمت قد لا تحرم أختها، لأنها قد لا تكون أخت أبيه ولا أخت جده\".\nويظهر أن المعنى المستفاد من العبارتين عند القرافي والبقوري معنى واحد، ما عدا في التثنية والفرق بين قول القرافي: \"إذا لم تكن خالة) وقول البقوري إذا لم تكن أختا له\". فليتأمل في ذلك، وليحقق بجلاء الصورة وتوضيحها، وبيان الجائز منها من غيره، فالموضوع دقيق وخطير والله أعلم.\n(٢٥ م) هي موضوع الفرق الثامن والأربعين والمائة (١٤٨) بين قاعدة ما يُلْحَقُ فيه الولد بالواطِئ وبيْن قاعدة ما لا يلحق فيه. جـ ٣. ص ١٢٢.\nقال الإِمام القرافي ﵀ في أول هذا الفرق: إعلمْ أن العلماء قد أطلقوا القوَل بأن الولد لا يُلحَق بالواطئ إلا لستةِ أشهر فصاعدا، وهذا الكلام ليس على إطلاقه، بل مُرادهم إذا كان الولد قد ولِد تاما فإنه لا يتم بعْد الوطء إلا في هذه المدة أو أكثر منها، أمّا اقلَّ من ذلك فلا .. الخ. وقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على هذا الكلام بقوله: ما قاله القرافي في ذلك، من أن كلام العلماء ليس على إطلاقه، ليسَ عندي بصحيح، بل كلامُهُم على إطلاقه في ذلك، لأن ذلك هبى مقتضَى الآية في قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ سورة الأحقاف، الآية ١٥، وأولُهَا قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾.","vol":"2","page":33},{"text":"أقرر فيها ما يُلحَقُ فِيهِ الولد بالواطيء (٢٦) فأقولُ:\nإنَّ الفقهاء يقولون: لا يُلْحَقُ الولد بأقلَّ من ستةِ أشهر، ومرادُهم بذلك لا تتم خِلقة الولد ويولد تامّا لأقلَّ من ستة أشهر، إذْ لو ظهر حمل بامرأةٍ مع زوجها فأسقطته لأقلَّ من تلك المدّة لَلَحِقَ بأبيه، وهذا لاخفاء به أنهم يريدون به هذا المعنى.\nثم ما ذكره الفقهاء من أنه لا يكْمُلُ خَلْق الولد لأقلَّ من هذه المدة، سببه ما ذكره ابن جميع وغيرُه فى التحدث عن الأجنة، قالوا: إن الجنين يتحرك لمثل ما تخلَّقَ فيه ويوضع لمِثْلَي ما تحرَك فيه، قالوا: وتخلُّقُهُ في العادة، تارةً يكون لشهر، وتارة لشهر وخمسةِ أيْام، وتارة يكون لشهر ونصف، وتارة يكون لشهر ونصف، فَيُولَد بعضُ الأولاد لهذا على رأس ستة أشهر، وبعضٌ على سبعةِ أشهر، وبعض على تسعةِ أشهر، ومَا وُلد لثمانية أشهر لا يعيش.\nثمّ قد يطرأ طارئ ويَعْرِض عارض من جهة المَنِيِّ في مزاجه أو في الرحم يَمنع من جريان هذِه العادة فيتأخر الولد إلى عام وإلى عامين وإلى أكثر، وهو قول الحنفية، وإلى أربعة أعوام وهو مشهور مذهب الشافعية، أو إلى خمس سنين وهو مشهور مذهب المالكية، وجاء عن مالك والشافعي إلى سبعة أعوام.\nقال شهاب الدين - ﵀:\nومعنى قول النبي ﵊: \"يُجْمَعُ أحَدُكم في بطن أمّه أربعين\n_________\n(٢٦) كذا في كلٍ من نسخة الخزانة العامة بالرباط، المشار اليها بحرف (ع)، ونسخة الخزانة الحسنية المشار إليها بحرف الحاء (ح)، وفي نسخة ثالثة من المكتبة الوطنية بتونس، وهي المشار إليها احيانا بحرف (ت): \"نقرر فيها ما يُلْحِقُ الولد بالواطئ\"، وعند القرافي في هذا الفرق: \"ما يُلحَقُ فيه الولد بالواطئ\" بحرف الجرّ (في).","vol":"2","page":34},{"text":"صباحا نطفةً، ثم أربعين عَلَقَةً، ثم أرْبعين مُضْغة، ثمّ يُنْفخُ فيه الروح\" (٢٧)، الإِشارة إلى الأطوار الثلاثة تقريبا، فإن الأربعين تَقْرُبُ من الثلاثين، والخمسةِ والثلاثين، والخمسةِ والاربعين، وهي متوسطة بين هذه الأطوار، فهذا هو مَعنى الحديث، لا أنه على ظاهره في جميع الأجنّة، ولو كان على ظاهره لكانت الحركة في أربعة أشهر، ويكون الوضعُ في اثني عشر شهرا. وهذه الصورة صحيحة، ولكنها نادرة، وكلام الرسول ﵇ لا ينبغي أن يُحْمَل على النادر، بل على الغالب.\nقلت: قطع شهاب الدين - بِما ذكرَه المشرحون - بطرق التأويل إلى ما جاء في الحديث، وتاويلُهُ من أبْعدِ شيء، فالأوَلى دفع ما قاله المشَرِّحُون، فنحن لا نعرف هل اتفق المشرحون على ذلك أم لا؟ ثم بعْدَ الاتفاق يبقى معَنا الشك فيما\n_________\n(٢٧) ونصه بتمامه: عن أبي عبد الرحمان عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدَّثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق: \"إن أحدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقهُ في بطن أمه أربعين يوما نطفةً، ثم يكون علقة مثلَ ذلك، ثم يكون مضغةً مثلَ ذلك، ثمّ يُرْسَلُ اليه الملَكُ فينفخ فيه الروحَ ويُومَرُ بأربع كلمات: بكتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشَقِيٍّ أو سعيد. فواللهِ الذي لا إلاه غيرُه، إنّ أحدَكم لَيعمَلُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكونَ بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلُها، وإن أحدكم لَيَعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكَونَ بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها\". أورده الشيخ الامام مُحْيي الدين أبو زكرياء، يحيى بن شرف الدين النووي ﵀، ضمن أحاديثهِ الاربعين النووية، نقلا عن الشيخين البخاري ومسلم رحمهما الله.\nوالحديث يشير إلى الآية الكريمة الآتية، وهي قولُ الله تعالى في أول سورة الحج (٥)، في معرض الاستدلال على بعث الناس من قبورهم يوم القيامة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، كما يشير الحديث إلى الآية الكريمة الاخرى المذكورة في سورة \"المؤمنون\"، وهي قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. صدق الله العظيم. الآيات ١١ - ١٦. سورة \"المؤمنون\".","vol":"2","page":35},{"text":"ذكروه من وجوه لا من وجه واحد، فمالَنَا ولِتاويلِ الحديث بشيء بعيدٍ غايةً، واللهُ أعلم. (٢٧ م)\n\nالقاعدة الثامنة (٢٨)\nنقرر فيها الفرق بين قيافته ﵇ وقيافة المُدْلِجِي (٢٨)\nولنذكر -أوّلا- أن إلحاق النسبِ وإثباتَه بالقيافة مختلَف فيه، فذهب أبُو حنيفة إلى أنه لا يصح، لانه حَزْرٌ وتخمين، فلا يصح الاعتماد عليه كالاعتماد على النجوم والرمْل والزجْر والفال، (٢٩) وغير ذلك من أنواع الحَزْرِ. ثم هو مع هذا من باب الحزْر البعيد كما قال ﵇ للذي أنكر ولدَه لمَّا كان أسود: \"أَلَكَ إبِلٌ؟، قال:\n_________\n(٢٧ م) قلت: وهذا الكلامُ والتعقيبُ للشيخ البقوري ﵀ يتلاقى ويتفق مع ما جاء هنا من تعقيب وتعليقِ للفقيه ابن الشاط على كلام القرافي حيث قال عند قول القرافي: \"وسبَبُه ما قاله ابن جَميع وغيرُهُ في التحدث عن الأجنة\": \"ما قاله القرافي هنا حكاية أقوال، وتقرير كلام الاطباء في تصرف أحوالٍ. فأما حكاية الأقوال فلا كلام فيه. وأما ما حكاه عن الاطباء (المُشَرِّحين) فلا اعتبار به عندي، على تقدير أن يكون صحيحا، لمخالفته لمقتضى الآية، ولا نُقِرُّ مخالفة الشرع لمقتضَى الحِسِّ، والله أعلم\".\nثم زاد ابن الشاط معلقا على كلام القرافي في تأويل الحديث السابق المتعلق بتكوين الجنين، واعتباره إشارةً إلى الأطوار الثلاثة تقريبا، فقال ابن الشاط هنا: \"لا حاجة إلى تاويل الحديث، فإن ما ذكره الاطباء من ذلك لا تتحقق صحته، والأصحُّ إبطال ذلك، لمخالفته الحديث .. \"\n(٢٨) هي موضوع الفرق التاسع والاربعين بعد المائة (١٤٩) بين قاعدة قيافته ﵊ وقيافة المُدْلِجِي، جـ ٣. ص ١٢٥.\nوانظر التعليقَ على موضوع القيافة في الجزء الاول من هذا الكتاب، ص ٢٦٧ عند الكلام على القاعدة الأولى في الفرق بين الشهادة والرواية من قاعدتيْ الخبر.\n(٢٩) الرّمْلُ، وضْعُ خطوط على الرمْل، والزجْرُ أيْ زجر الطيْر لِتَطِيرَ يمينا أو شِمالا، فيقع التفاؤل بذلك والتكهنُ به إن طارت نحو اليمين، أو التشاؤم إن طارت جهة الشمال، وهو من أعمال الجاهلية التي ألغاها الاسلام وأبطلها، وأبدلها باتخاذ الاسباب المشروعة في كل شيء، وبالتوكل والاعتماد معها على الله ﷾، فهو الذي وحده يعلم الغيب .. ويحقق المطلوب، وفي ذلك يقول الشاعر الاسلامي: لبيد بن ربيعة، أحد شعراء القصائد الطويلة في العصر الجاهلي، والمعروفة باسم \"المعلَّقات السبع\" (أو المعلقات العشْر)، وهو ممن أسلَم وحسُنَ إسلامه، وحفِظ القرآن وهجر الشعر حتى قيل: إنه لم يقل بعد إسلامه إلا بيتا واحدًا يعبر فيه ويفصح عن مدى شعوره، واعتزازه وسعادته بهداية الإسلام، ونور الايمان، ونعمته الكبرى على الانسان، والبيت الشعري موضوع الشاهد هو قوله في قصيدة رثائية لأخيه إربد:\nلعمرُكَ ما تدْري الضواربُ بِالحصَى ... ولا زاجراتُ الطير ما اللهُ فاعلُ","vol":"2","page":36},{"text":"نعَم، قال: فما لونُها؟، قال: بِيض، قال: هَلْ فيها من أوْرقَ؟، قال: نعَمْ، قال: فمن أين ذلك الأوْرقُ؟ قال: لعله نزْعُ عِرْقٍ، فقال ﵇: كذلك هُنَا ..، (٣٠) يُشير إلى أن صِفة الأجداد والجدات قد تظهر في الأبناء. فياتي الولدُ يشبه\n_________\nويكفي هذا الشاعرَ الإسلامي شرَفًا واعتزازًا بإسلامه وشعره ما رُوي أن النبي - ﷺ - قال في حقه: أصْدَقُ كلمةٍ قالها لبيدٌ (وهي الشَّطر الأولِ):\n\"ألَّا كلّ شيء ما خَلا اللهَ باطلٌ\" ... وكل نعيم لا محالةَ زائل\nوكل امرئ يوما سيعلَم سعيَه ... إذا كُشِفَتْ عند الالاه الحصائلُ\nوكأني به يشير في هذا البيت الأخير إلى قوله تعالى في سورة العاديات في شأن الانسان وتذكيره بالبعث والنشور: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. ٩، ١٠، ١١.\nومن ذلك قول شاعر النيل حافظ ابراهيم ﵀ في قصيدته الشهيرة التي تحدَّثَ فيها على لسان اللغة العربية، ومخاطبًا فيها أبناء لغة الضاد:\nأيُطْرِبُكُم من جانب الغرب ناعبٌ ... ينادِي بوَأدي في ربيع حياتي\nولو تزجرون الطير يوما علمتمو ... بما تحته من عثرة وشَتَاتِ\nسقى الله في بطن الجزيرة أعظمًا ... يعز عليها أن تلين قناتي\nوالبيتُ الذي اتيت به في قصيدة لبيد شاهدا ومنطلقا لهذا التعليق في موضوع زجر الطير عند العرب في الجاهلية قبل الاسلام يعتبر أيضا من شواهد النحاة في أفعال الرجحان، في باب ظَنَّ وأخواتها فيما يتعلق بإلغائها عن العمل أو تَعْلِيقِها عنه (أيْ عن نصب المفعولين إذا كان فعْل منِها مسبوقا باستفهام أو لامِ ابتداءٍ او قسَم، أو نفْي بما أوإن أوْلَا، كما في قوله تعالى:\n﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾. وإلى هذه القاعدة أشار العلامة محمد بن مالك ﵀ في ألفيته النحوية المشهورة، فقال:\n\"وجوّز الإلغاء لا في الابتدا ... وانو ضمير الشأن أو لامَ ابتدا\nفي موهِمٍ إلغَاءَ ما تقَدَّما ... والتزَم التعليق قبل نفي ما\nوإن، ولا، لامِ ابتداءٍ أو قسَم ... كذا، والاستفهامُ ذا، لهُ انحتَمَ\n(٣٠) أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، ونصُّ الحديث بتمامه عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءَ رجلٌ من بني فَزارة إلى النبي - ﷺ - فقال: إن امرأتي ولدتْ غلامًا اسوَدَ، فقال: هل لك من ابِلٍ؟، قال نعَمْ، قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْرٌ، قال: هل فيها من أوْرقَ؟ (أي هل فيها بعير في لونه بياض) قال: إن فيها لَوُرْقًا (جمع أوْرق)، قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: عسَى أن يكون نَزَعَهُ عِرْق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعَهُ عِرْق\" (أي جذَبَه لوْنٌ كان في واحدِ من أصوله، وهذا كذلك. فمخالفة اللون لا تدل على أن الولدَ من الزنَى، فربَّما كان لونه في أحد أصوله وهذا كذلك. وفي المثَل: العِرْق نزَّاعٌ، فينبغى تحسين الظن في مثل هذه الحالة والأمرِ، عملا بالحديث: \"إدْرءوا الحدرد بالشُّبُهات\". اللهم الا إذا قويت الشبهة أو تحققت التهمة","vol":"2","page":37},{"text":"غيرَ أبويه، وقد يأتي شبه أبويه ليس منهم، لأن الزاني بأمه كان يشبه أباه أو أحدًا من قرابته، فهو لا يطرد ولا ينعكس، فلا يجوز الاعتماد عليه.\nواحتج الشافعي ومالك ﵄ على صحة الإلحاق بذلك بما أخرجه مُسْلم من دخوله - ﷺ - على عائشةَ مسرورا، فأخبرها بما قال المدلجي في أُسامةَ وزيدٍ حيث قال: \"هذه الأقدام بعضُهَا من بعض\". والحجة من حيث إنه سُرَّ بمقَالتِه، وهو ﵇ لا يُسَرُّ إلا بحق، ولا يُسَرُّ بباطل ولا يُقِرُّ عليه.\nأجاب الحنفية بأنه سُرَّ بذلك لقيام الحجة على الكافرين على ما كان الأمر عندهم وإن كان باطلا في نفسه. قالوا: ومِن هذا أنه ﵇ سُرّ بآية الرجْم (٣٠ م) حينَ وُجِدَت في التوراة وهو لا يعَتقد صحتها، بل لقيام الحجة على الكفار.\nأَجاب الأصحاب عن هذا بأن قالوا: ذلك الاحتمال بعيد. وتحقيق ما قلناه من حيث الحديث الذي جاء عنه في حديث الِلعان حيث قال: إن جاءت به كذا فهو لفلان، وإن جاءت به كذا فصَدَقَتْ وكذَب علَيها (٣١)، فإنه إذا كان هذا تثبيتا للالحاق\n_________\nوثبتت ببينة ويقين، فحينئذ يكون سوء الظنّ مبنيا على أساس ويقينٍ، وتُتخَذُ الاجرآت والأحكام المشروعة لمثل هذه الحالة من طلاق ولعان أوْ حَدٍّ، وغيرهما، أمَّا قبل ذلك فلا. فعَنْ ابي هريرة ايضا ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"أيُّما امرَأةٍ أدْخلتْ على قوْمٍ من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيُّما رجلٍ جَحدَ ولدَه، وهو ينظر إليه احتجب الله تعالى منه، وفضحه على رؤوس الاولين والآخرين\". رواه من ائمة الحديث والسنة، ابو داود والنسائي والحاكم وصححه. فرحمهم الله جميعا، ورزقنا السلامة والعافية، والستْر في الدنيا والآخرة.\n(٣٠ م) يراد بآية الرجْم ما رواه الشيخان عن عمر ابن الخطاب ﵁ أنه خطب فقال: إن اللهْ بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرَجَم رسول الله - ﷺ - ورَجَمْنا بعْدَه، فأخشى إن طال بالناس الزمانُ أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيَضِلوا بتركِ فرِيضةٍ انزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أُحْصِنَ، من الرجال والنساء إذا قامتْ البينة وكان الحبْل أو الاعتراف\"، متفق عليه. وفي رواية: وقد قرأناها: \"الشيخ والشيخة إذا زنَيَا فارجموهما البتةَ\". قال بعض شراح الحديث: وهذا القِسْم من نسخ التلاوة مع بقاءِ الحكم، وقد عدّه الاصوليون قسما من أقسام النسخ.\n(٣١) اشارة إلى حديث أَنَسٍ ﵁ قال، قال رسول الله - ﷺ -: \"أبْصِروها (اي المرأة المتلاعنة مع زوجها) فإن جآتْ به أبْيَضَ سَبِطًا فهو لزوجها، وإن جآت به أكحل جعْدا فهو للذي رماها به\". حديث متفق عليه، والسَّبطَ بفتح السين كسر الباءِ الكامِلُ الخلْق من الرجال، والجعْد بفتح الجيم وسكون العيْن، القصير.","vol":"2","page":38},{"text":"من حيث وجودُ هذه الأوصاف فأحرى أن يكون الإِلحاق بعد الوقوف على الصفات الموجِبة لذلك الإِلحاق، فإن إدراكها بالحس يزيد في ذلك. وأيْضا يتقوَّى بحديث عائشة: \"تَرِبَتْ يمينُك ومِن أين يكون الشَّبَهُ\" (٣٢). وحيث جاء هذا عن النبي ﵇ ضعُف ما قاله الحنفي، ويَقْوَى ما قاله مالك والشافعي.\nقال شهاب الدين - ﵀:\nسؤال:\nقال بعض الفضلاء: العَجَبُ من مالك والشافعي يستدلان على أبي حنيفة بحديث المدلجي ولا يستدلان عليه بحديث اللعان حيث صرَّح - ﷺ - بالْقافةِ في ذلك، وكان الأظهر في الصواب العكس، لأن حديث اللعان مُدرَكٌ للمسألة في غاية القوة، فتركاه واستدلا بالأضعف، وهذا لأن إقرارهُ لا يقوى قوة فعله ولا قوةَ قوله وقد فعَل، وقال: وهُمَا عَدَلَا عن الفعل والقول إلى الإِقرار.\nفأجاب عن هذا بأن قال: لذلك موجب حسَنٌ، وهو أن رسول الله - ﷺ - أعطاه الله من وُفور العقل، وصفاءِ الدِّين، وجَوْدة الفِراسة أمرًا عظيما لا يقرب أحد من أمّته إليه في ذلك، وكذلك الأمر في حواسه وقُوى جسده وجميع أحواله، فقد كان يرى في العراء أحَدَ عشر كوكبا، ونحن لا نرى إلّا ستة، فلو استدلا على أبي حنيفة بفعله في ذلك وما صدر منه لم تقم حجة عليه، إذْ كان له أن يقول: إذا صحت القيافة من تلك الفراسة النبوية المعصومة من الخطأ فمِن أيْن لكُمْ أن تصح من الخَلْقِ الضعيف، فلذلك عدلُوا عن ذلك إلى ما استدلوا به، واللهُ أعلم.\n_________\n(٣٢) ونصُّه: عن أم سلَمةَ ﵂ قالت: جآتْ أمّ سُلَيْم (وهي والدة أنس بن مالك ﵁) إلى النبي - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إنَّ الله لا يستحْيي من الحق، فهل على المرأة من غسْلٍ إذا احتلمتْ، فقال رسول الله - ﷺ -: نعَمْ، إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة:\nيا رسول الله، وتحتلم المرأة؟، فقال: تَرِبَتْ يَدَاكِ، فبِمَ يشبِهُهَا وَلَدُها؟ رواه الائمة: البخاري ومسلم وابو داود، ﵏.","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>القاعدة التاسعة:\nأقَرِر فها الفرق بين ما يَحْرُم الجمعُ بينهن من النساء وبين ما يجوز الجمعُ بينهن</span>، (٣٣) فأقول:\nكل امرأتين بينهما من النَّسب أو الرضاع ما يَمْنَعُ تنَاكُحَهما لوْ قُدِّرَتْ إحْدَاهما رجُلًا، لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بعقد ولا مِلْكٍ، قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل ﵃. وقد خرج بقيدَيْ النسَب والرضاع المرأةُ وابنةُ زوْجها، والمرأةُ وأمُّ زوجها، فإنه لو فُرِض أحدُهما رجلا والآخَرُ امرأةً لم يَجُزْ أن يتزوج أحدهما الآخَر، بسبب أن المرأة حينئذ إما أمّ امرأة الرجل أو ربيبتُه، فتَحْرُمُ على ذلك الرجل، ومع ذلك يجوز (٣٤) الجمعُ بينهما. فإذا قلنا: من النسب أو الرضَاعِ ما يمنع التناكُح، خَرَجَا عن الضابط وبقِي جَيِّدا، وقبْلَ خروجهما كان الضابِطُ غَيْرَ مانِعٍ، وفي الضابط مسألتان:\nالمسألة الأولى: من أبَان امرأته حلَّتْ له أختها في عِدَّتها، وحلَّتْ له الخامسة، لانقطاع الموارثة بينهما والعصمةِ، وإنما العِدَّة لحفظ الأنساب.\n_________\n(٣٣) هي موضوع الفرق المائةِ والخمسين (١٥٠) بين قاعدة ما يَحْرُمُ الجمع بينهن من النساء وبيْن ما يجوز الجمع بينهن. جـ ٣. ص. ١٢٩.\nوقد علق العلّامة ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق فقال: ما قاله فيه صحيح، غيْرَ ما علَّل به من قوله: \"بسبب أن المرأة حينئذ إمَّا أمُّ امرأة الرجُل أو ربيبتُه\"، فإن قوله إما أمَّ امرأة الرجل لَا يصح إلا على تقدير أن المرأة رجل، وأن أم زوجها أمُّ زوجته، فيتعيَّن المعَّرف وهو المضاف اليه، وحقُّهُ الَّا يتعَين، لأنه إذا تعَين يتعيَّن فرض المسألة. وهذا الاعتراض متعلقٌ بالمسألة الثانية، وأما الأولى فيسقط عنها مثل هذا الاعتراض، للاشتراك في لفظ ربيبته، فإنه يقال على زوحة الاب في العُرْف الجاري الآن وعلى بنت الزوج والزوجة.\n(٣٤) في نسخة ح: يجوز بدون الفاء، وهو ما عند القرافي، وفي نسخة ت: لا يجوز بالنفي، وهو يبدو خطأ من الناسخ. والصواب الذي يقتضيه المعنى المراد هو الإِثبات، فلْيُنظَر ذلك ولْيُتَأمل، للتصحيح، والتحقيق في سلامة التعبير والمضمون المستفاد منه، فإن المسألة دقيقة جدًا.","vol":"2","page":40},{"text":"ووافَقَنَا الشافعي، وأبَى أبو حنيفة من ذلك وقال: (٣٥) لا ترتفع الحِرمة إلا بانقضاء العِدة، لأن العِدة من آثار النكاح، ولقوله ﵇: \"من كان يومن بالله واليوم الآخِرِ فلا يجمعْ ماءه في رحم أختين\"، (٣٥ م) فقال أصحابنا: ينتقض عليك بأن الولد يُلحَق بعدَ أربع سنين، ولا قائلَ بالتحريم إلى تلك الغاية، فكذلك في كل عِدَّة. وأمّا الحديث فليس بِدَالٍّ بحسَب الظاهر على ما قلتم، بل على أن لا يتزوج الرجل امرأة كان قد تزوجها، (٣٦) فضلا عن أن يجمع بينهما، وهذا الظاهر\n_________\n(٣٥) كذا في كل من نسخة، ومع. وفي نسخة ت: \"وخالف الشافعي وأبو حنيفة في ذلك، فقالا\"، وفي هذا الفرق والمسألة عند القرافي قولُه: \"ووافَقَنا الشافعي ﵁. وقال أبو حنيفة وابن حنبل رضي الله الله عنهما: \"تحرمُ الأخت والخامسة حتى تنقضي العدة\"،\nلأن العدة من آثار النكاح، ولقول النبي - ﷺ - \"من كان يومن بالله واليوم الآخِرِ فلا يجمع ماءه في رحم أختَين\".\nوقال القاضي عبد الوهاب البغدادي ﵀ في كتابه: \"الإِشراف على مسائل الخلاف:\nمسألة: إذا بانتْ المرأة من الرجل جاز له العقد على أختها، وعلى كل من يحرم عليه الجمع بينها وبينها وإن لم يخرج من العدة، خلافا لأبي حنيفة، لأنها أجنبية منه، بدليل إنتفاء الموارثة بينهما، ولحوق الطلاق بها، ولأنها لا نفقة لها، ولا يلحقها إيلاءٌ ولا ظهار، فكانت كالخارجة من العدة، لأنه من البينونة، فوجب أن يرتفع به عن الزوج كل جمعٍ حَرُمَ بعقد النكاح ... الخ.\n(٣٥ م) ذكره في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف. المجلد ٨، ص ٧٠٥، تاليف خادم السنة المطهرة: أبو هاجر محمد السعيد بن بيسون زغلول ﵀.\n(٣٦) كذا في جميع نسخ هذا الكتاب، ممّا يبعث على التوقف والتأمل مَلِيًّا في المعنى المراد.\nولعل الصواب ووضوح المعنى يقتضي إضافة كلمة أخت إلى امرأة، وتكون العبارة هكذا: (بل على ألا يتزوج الرجل أختَ امرأة كان قد تزوجها\"، (أوْ عَلَى ألَّا يتزوج امرأة كان قد تزوج أختها) فبانت منه، وتكون الجملة الوصفية نعتا لامرأة لا لأخت، بدليل قوله: \"فَضْلا عن أن يجمع بينهما\"، فلْيُنظَر ذلك ولْيتأمل فيه بقصد التصحيح والتحقيق والوصول إلى الصواب، وظهور المعنى المراد من الكلام فإن الموضوع دقيق جدا. والله أعلم.\nوعبارة القرافي هنا كالآتي:\nوالجواب عن الأول (أيْ عن التعليل الاول الذي هو اعتبار العدة من آثار النكاح) أن لحوق الولد بعد أربع سنين، من آثار النكاح، ولا قائل بالتحريم (اي تحريم التزوج بالمرأة) إلى تلك الغاية، وإنما المعتبرَ الاختصاص بالزوج حتى تحصل القطيعة بين الاقارب بسبب الجمع، وهو في هذه الصورة منفي\"\nثم قال القرافي بعْد ذلك: \"والجواب عن الحديث أنه - وإن كان عامًّا في الرجال والأختين، غير أنه مطلق في الزمان، فنحمله على زمان الاختصاص (اي اختصاص الزوج بزوجته) قبل البينونة، ويَحْرُمُ الجمعُ في عدة الرجعية اتفاقا، لأنها زوجة، وللاختصاص بالمواريث وغيرها\".\nوقد رأيت أن أنقل هذين الجوابيْن المفصّلَيْن والمتوسعين عند الامام القرافي بقصد الاستعانة بهما على فهْم كلام الشيخ البقوري رحمهما الله جميعا. فإن الموضوع والكلام فيه دقيق جدا.","vol":"2","page":41},{"text":"متروك باتفاق، فيبقى ليس دليلا على ما قلتم، بِأوْلَى من أن يكون دليلا على ما قلنا، واللهُ أعلم.\nالمسألة الثانية: الأختان بملك اليمين، قال عمر ﵁: حَرَّمَتْ الجمعَ بينهما آية، (٣٧) وأحَلَّتْ ذلك آيةٌ، (٣٨)، وهذا لأن كل آية، أعمُ من الأخرى بوجْهٍ، وأخصُّ منها بوجه، ولكنه رجح الفقهاء التحريم بوجوه:\nأحدُها أن الأُولى سِيقتْ للتحريم، والثانية للمدح بحفظ الفرج، فلم يحصل للتحريم ما يُعَارِضه.\nالثاني أن الأُولى لم يُجْمَعْ على تخصيصها، والثانية أُجْمِعَ على تخصيصها بما لا يقبل الوطء من المملوكات وما يَقبَله، لكنه يحرم إجماعا، كالذكور، وأخوات الرضاعة، ومَوْطوآتِ الآباء من الإِماء. وغيرُ المخصوص أرجح مما أُجْمِع على تخصيصه.\nالثالث أن الأصل في الفروج التحريم حتى يُتَيَقَّنَ الحِلُّ، فالأُولى على وفق الأصل، ولم يتعين رجحان الثانية عليها، فنعمل بمقتضاها موافقَةً للأصل.\n_________\n(٣٧) المراد بآية التحريم هو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، أي حُرِّم عليكم الجمعُ بين الاختين في العصمة، سواء أكان ذلك بعقد النكاح أو بملك اليمين، وهو الراجح المشهور في الاخير. والآية الاخرى هي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وليست إحداهما أخصَّ من الاخرى حتى يُقدَّم الخاص على العام.\n(٣٨) وأول الآية قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ سورُة النساء، الآية ٢. قال القرافي في آخر هذه الفقرة: فهاتان المسألتان هما اللتان يحتاجان إلى تدقيق في البحث، فلذلك أفردتهما عن سائر المسائل التي في الباب.\nوعبارة القاضي عبد الوهاب تزيد هذه المسألة الثانية وضوحا وبيانا كما هو الشأن بالنسبة للمسألة الأولى حيث قال:\nمسألة: لا يجوز الجمع بين الاختين في المِلْك في استباحة الوطء، خلافا لداود، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، فعَمَّ (أي عمّ قوله تعالى ذلك تحريم الجمع بين الأختين في العصمة، سواء بعد النكاح أو ملك اليمين، ولأنها (اي الموطوءة بملك اليمين) صارت فراشا للرّجل، فلمْ يَجُزْ استباحة أختِها ما دامت فراشا كما لو تزوجها، ولأنه (أي مِلْك اليمين) أحد طرفَيْ استباحة الوطء كالنكاح\". جـ الثاني. ص ١٠٠، مطبعة الإِرادة.","vol":"2","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>القاعدة العاشرة:\nنقرر فيها ما يُقَرُّ من أنكحة الكفار وما لا يُقَرُّ</span>. (٣٩)\nقال الشافعي وابن حنبل: عقودهم صحيحة. وقال ابن يونس: أنكحتهم عندنا فاسدة وإنما الاسلام يصححها. وقال صاحب الجواهر: لا نقرهم على ما هو فاسد عندهم إلا أن يكون صحيحًا عندنا، وما هو غير فاسد عندهم، وإن كان فاسدا عندنا، نقرهم عليه، ترغيبا في الاسلام.\nقال شهاب الدين: وضابط مذهب مالك ﵀ أن كل مفسدة تدوم كالجمع بيْن الأختين، أو لا تدوم لكن أدركه الاسلام كالزواج في العِدة فيُسْلِم فيها فهو يَبْطل، وإن عَرِي نكاحهم عن هذين القسمين صحّ بِالاسلام.\nقال شهاب الدين: القوُل بأن أنكحتهم فاسدة، مشكل، فإنه إن كان لِلْولاية فولاية الكافر صحيحة، (٤٠) وإن كان للشهادة فالشهادة ليست بشرط في الصحة، وإنما هي شرط في الدخول. ثمّ لو قلنا: إنها شرْط فأشهَدَ أهلُ الذمةِ المسلمين، فينبغي أن تصح (٤١)، وكذلك إن قلنا: التحريمُ للصداق حيث يكون خمرًا أو خنزيرا، فينبغي أن يصحّ، وإن لم يكن شيئا (٤٢) مما يحْرُمُ فلا ينبغي الإِطلاق بفساد أنكحتهم.\n_________\n(٣٩) هي موضوع الفرق الثاني والخمسين والمائة بيْن قاعِدَة ما يُقَرُّ من أنكحة الكفار وقاعدة مالا يُقَرُّ منها\". جـ ٣. ص ١٣٢. وقد علق ابن الشاط على هذا الفرق بقوله في اول الفرق الخمسين والمائة: جميع ما قاله القرافي في الفروق السبعة بعد الفرق الواحد والخمسين والمائة صحيح.\n(٤٠) عبارة القرافي اوضح، وهي: \"فولاية الكافر للكافر صحيحة\".\n(٤١) كذا في ح: تصح بالتاء، (اي الشهادة المفهومة من الفعل: \"فأشْهَدَ\"، وفي نسخة ع، ت: يصح بالياء (اي يصح ما ذكر من الإشهاد المفهوم من الفعل أشهد\". فليتأمَّلْ ولْيُصَحَّحْ.\n(٤٢) كذا في نسخة ع، وت: \"إن لم يكن شيئا كما يحرم\"، وفي نسخة ح: \"وإن لم يكن\"، بالواو، عطفا واستئنافا، وهي عبارة تبدو أظهر وأنسب لوجود جواب الشرط، ولِاستقامة الكلام ووضوح المعنى حينئذ بذكر تلك الواو، بينما يكون الكلام عند عدم ذكرها: مستقيمًا كذلك، على معنى آخر، وهو أن يكون الضميرُ في الفعل \"أن يصح\" يعود على النكاح لا على التحريم، فحينئذ يكون المعنى المراد: \"فينبغي أن يصح نكاح أهل الكُفْر بينهم وفقا لشريعتهم، إن لم يكن فيه شيء مما يحرم في الاسلام، وينبنِي عليه أنه لا ينبغي القول بإطلاق فساد أنكحتهم، وهو ما يراه القرافي ﵀. وهو المسْتفَاد من ابن رشد الجَد في المقدِمات، ومن ابن رشد الحفيد في، البداية، ومن ابن جُزَي في القوانين الفقهية، على خلاف ما عند الشيخ خليل من القول بأن أنكحتهم فاسدة.","vol":"2","page":43},{"text":"قلت: لا يَبْطُلُ القوُل بفسادها لأجل ما ذكِر، فلعلها كانت فاسدة من حيث إنها وقعت ممن لا تكون أفعاله يقصِدُ بها موافقةَ الشرع وامتثالَه.\nثم يؤيد القضاءَ بالفساد حديثُ غيلانَ، اذْ خُيِّرَ في أرْبع وأن يفارق سائر العَشْر، ولم يُذكَر له تفريق بين الأوائل والأوَاخر (٤٣) - وعلى القول بالصحة كانَ يجب أن يُّسقِط الستّ الحاصلات بعْد الأربع، وأن يسقط البنت الجائية على الأم، والأم الجائية (٤٤) على البنت، ولم يُفَصَّلْ له في هذا شيء، بل قيل له: إخْتَرْ أربعا، فكان ذلك مقوّيًا لمَا قلناه من الفساد.\nلا يقال: نكاح غيلان كان في فور واحد، وكانَ لم يتزوج أمَّا وبنتا في ذلك، لأنا نقول: الاصل عدم عِلْم رسول الله - ﷺ - بتفصيل الحال، وحيث أجاب على العَشْر بذلك دون استفسارٍ دلَّ على ما قلناه، وأنه الحكم الوارد على كل من أسلم على أكثرَ. مِن أربع كيف كُنَّ، فكان دالًّا على الفساد، والله أعلم.\nولما كان شهاب الدين ﵀ يرى صحة أنكحتهم ويُضْعِف القوْل بفسادها، أجاب عمّا قلناه بأن قال: إطلاق الخِيارِ في الحديث يحتمل وجهين:\nأحَدُهما أن تكون الأنكحة فاسدة كما قلتُ.\n_________\n(٤٣) كذا في نسختى ع، وح: وفي نسخة ق: \"ولم يذكر له تفريقًا بين الأوائل والاواخر.\nونص حديث غيلان هذا رواه سالم عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄ أن غيلان بن مسلمة أسلم، وله عشر نسوة، فأسلمْن معه، فأمره النبي - ﷺ - أن يتخيَّر منهن أربعًا\". رواه أئمة الحديث: أحمد بن حنبل، والترمذي، وصححه ابن حِبَّانَ والحاكم.\nوغيلانُ هذا ممَن أسلم بعد فتح الطائف، ولم يهاجر، وهو من أعيان ثقيف، ومات في خلافة عمر، ﵄.\n(٤٤) كذا في نسختي ع: وح: الجائية بالجيم والهمزة والميم، من المجئ، أو الفعل جاء، وفي نسخة ت: الحادثة (بالحاء والدال والثاءِ المعجمة)، من الحدوث، وهو طرُوّ الثانية على الأولى بَعْدها.","vol":"2","page":44},{"text":"الثاني أن تكون المفسدات الواقعة في الكفر لا تتعين (٤٥)، كما تقدم في مذهبنا أنهم لو اعتقدوا غَصْب امرأة أوْ مجردَ رضاها بغير عقد ثم أسلموا على ذلك أقررناهم عليه، فهكذا كونها خامسةً ونحو ذلك، فاسد في الإسلام، وإذا فارق الكفرَ اعتبره (٤٦) صاحبُ الشرع، ترغيبا في الإسلام. قال: وإذا احتمل الامرْين لَمْ يَلزَم ما ذكرته من فساد العقود بل ذلك يدل على التخيير فقط.\nقلت: حديث غيلان يدل دلاة قوية على أن الانكحة في الكفر فاسدة ولابد، وما قاله تَكلُّف وشئٌ صعْب (٤٧) وغير ظاهر، فالحقُّ ما عليه المذهب (٤٨)، الله أعلم.\n_________\n(٤٥) كذا في جميع النسخ المعتمدة في التحقيق والتصحيح: \"لا تتعَيَّنُ\"، وعند القرافي: \"لا تُعْتَبَرُ\" أي لا يعتد بها، وهذِه الكلمة أنسبُ في المعنى وأظهرِ، والله أعلم، فليُتَأمَّل.\nقلت: والقول بفساد أنكحة الكفار هُوَ ما ارتآه واختاره الشيخ البقوري، حيث قال في آخر الفقرة: فالحق ما عليه المذهب، وهو ما نجده للقاضي عبد الوهاب البغدادي حيث قال ﵀. في كتابه: الإشراف. جـ ٢. ص ١٠٤.\nمسألة: أن أنكِحة الكفار فاسدة، وإنما يصحح الإسلام ما لو ابتدأوه بعده جاز. وقال أبو حنيفة والشافعي: هي صحيحة.\nودليلنا أن صحة النكاح مفتقرة إلى شروط، منها وليُّ ورضا المرأة، وألا تكونَ في عدة، وأنكحتهم خالية من هذا، فوجب فسادها. ألا تَرى إن أنكحة المسلمين إذا عَرِيتْ منه (أي ممَّا ذُكِر من الشروط) كانت فاسدة، فأنكحة أَهْل الشِّرْكِ أوْلَى\".\n(٤٦) في نسخة ت: اغتفرَه. وعند القرافي: اعتبره، من الاعتبار، وهو ما في نسختي ع، وح.\n(٤٧) كذا في كل من ع، وح: وفي نسخة ت: ضعيف، ولكل كلمة وجْهٌ تُحمل عليه وتفهَمُ عليه.\n(٤٨) أقول: بغَضِّ النظر عما قاله الشيخ البقوري من أن الحق ما عليه المذهب من فساد أنكحة أهل الكفر، فإن استَنتاجه للدلالة القوية على فساد أنكحة الكفار من خلال حديث غيلان، كظهر استِنْتَاجًا غيرَ مُسَلَّم على إطلاقِهِ، بل الظاهر الذي يدل عليه الحديث والأحاديث الأخرى في الموضوع أن ما كان من تلك الانكحة في أساسه وشروطه، واستمراره موافقًا للتشريع الإسلامي وجوهره وروحه، فإن الإسلام يقره ويسمح ببقائه واستمراره. وما كان في أساسه وشروطه وواقعه مخالفًا لأحكام الشريعة لا يكون إقرار الكفار عليه، بل يجب فسخه والغاؤه، والبقاء على ما يُقِرُّهُ دين الإسلام. ويكون على وفق شرعه في الظاهر، بغض النظر عن وقوعه من الكافر، وكونه غير معتَبَر في الإسلام، فالنبي - ﷺ - إنما أمر غيلان حين إسلامه أن يفارق ما زادَ على الأربع، وأمر من أسلم وعنده أختانِ أن يفارق إحداهما ويحتفظ بالأخرى، لأن الإسلام حرّم الزواجَ بأكثر من أربع نسوة، وحرم الجمع بين الاختين في عصمة رجُل واحدٍ.\nقال الإِمام محمد بن اسماعيل الصنعاني في شرح سبل الإسلام على بلوغ المرأة من أدلة الاحكام عند شرحه لحديث الضحاك ابن فيروز عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمتُ وتحتي أختان، فقال رسول الله - ﷺ -: طلق أيتَهُمَا شئتَ\". رواه الإِمام أحمد وبعض أصحاب السنن، وغيرهم. قال الصنعاني هنا: \"والحديث دليل على اعتبار أنكحة الكفار وإن خالفتْ نكاح الإسلام، وأنَّها لا تخرج المرأة من =","vol":"2","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>القاعدة الحاديةَ عشْرةَ:\nلِمِ كان للرجل أن يتزوج الإماء التي لغيره عند شرط ذلك، ولم يكن للمرأة الحرّة أن يتزوجها عبد لغيرها، ولا للرجل أن يتزوج إماءه، ولا للنساء أن يتزوجن عبيدهن </span>(٤٩)، فأقول:\nقال شهاب الدين: الفرق ينبني على قواعد:\nالقاعدة الأولى أنَّ كل تصرف لا يترتب عليه مقصودُه لا يُشْرَع، ولذلك لا يُحَد المجنون بسببط الجناية في الصحة. ولا يُشْرَع الِّلعَانُ لنفي النسب في حق المجبوب، ونظائر هذا كثير، فلهذه القاعدة لا يُشرَع نكاح الرجل أمتَه، لأن مقاصد النكاح حاصلة قبل العقد بالمِلك، ولم يُحَصِّلْ العقدُ شيئا\" فلم يُشرع العقد له في أمَته ..\nقلت: القاعدة صدَقتْ على المجنون أنه لا يحدُّ من حيث إن القصد بالحد الزجرُ، والزجر في حق المجنون لا يصح، ليس كذلك.\nالمثال الآخرُ وقع لنفي النسب، ونفْيُ النَّسَب معلوم أنه للمجبوب، فلا فائدة في شرع اللعان، وإنما هو من طريق آخر، وهو أشبه بمسألتنا من حيث إن\n_________\nعصمه الزوج إلا بطلاق بعد الإسلام، وأنه يبقى بعد الإسلام بلا تجديد عقد، وهذا مذهب الأئمة: مالك، أحمد، والشافعي، وداود. وعند الحنفية أنه لا يُقَر منه إلا ما وافق الإسلام، وتأولوا الحديث السابق بأن المراد بالطلاق الاعتزال، وإمساكُ الأخت الأخرى التي بقيت عنده بعقد جديد. قال الصنعاني: \"ولا يخفي أنه تأويل متعسف، كيف يخاطِب النبي - ﷺ - من دخل في الإسلام - ولم يعرف الأحكام - بمثل هذا.\nويؤيد اعتبار تلك الانكحة حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - رد ابنته زينبَ على أبي العاص بْنِ الربيع، بعد ست سنين، بالنِّكَاح الأول، ولم يُحْدِث نكاحًا وعَقدًا جديدًا.\nواعتبارُ صحة أنكحة الكفار هو ما أتى إليه القرافي بعد أن أطال في هذا الموضوع وناقشَه بأدلته وأجوبته، فقال: \"وإذا ظهر هذا الجواب ظهر أن الحق الأبلج القضاءُ على عقودهم بالصحة حتى يُعلَم فسادها، كالمسلمين، فإنه لم يَدُلُّ دليل على أن الكفر مانع من عقد النكاح، وقادح في صحته\" فليتأمل، والله أعلم، وقد سبقت الإشارة إلى أقوال بعض الفقهاء المالكية في ذلك ص ٤٣.\n(٤٩) هي موضوع \"الفرق الثالث والخمسين والمائة بين قاعدة زواج الإماء في ملك غير الزوج وبين قاعدة زواج الانسان لإمائه المملوكات، والمرأة لعبدها أو في غير مِلكها، فإن الأول يصح بشرطه، والثاني باطل، والفرق مبني على قواعد\" جـ ٣. ص ١٣٥.","vol":"2","page":46},{"text":"نفي النسب هو المقصود باللِّعان وقد حصل، كما أن الوطء هو المقصود بالنِّكَاح وقد كان حاصلا بِالملْك، بخلاف المثال الأول فإن الزجر هو المقصود بالحد، وهو لا يحصل من المجنون فلم يُشرعْ الحد.\nثم إن مسألتنا إنما هي من باب اجتماع معَرِّفات على معرَّف واحد، وذلك جائز، وهذا كالبول والغائط والرج، وغيرِ ذإلث، فيجب لها الوضوء. فكما جاز اجتماع مُعَرِّفات في باب الوضوء، فَلِمَ لم يَجُزْ في باب المِلك، فليس المانع ما ذَكَر، وإنما امتنع الرجل أنْ يتزوج أمَتَه لغير هذه العلة، وليس على المعترِضِ إبداؤها.\nغاية ما يقال: فمسألتنا كمسألة المَجْبُوب، فيقال: ولا هي مثلُها، لأن انتفاء النسب عن المجبوب عُرِف بدليل عقلي، وما كان يوصل إلي معرفته بالعقل لا يَحتاج الشارع إلى تعريفه.\nقال شهاب الدين:\nالقاعدة الثانية: من مقتضى الزوجية قيامُ الرجُل على المرأة بالحِفظ والصَّوْن والتأديب لإصلاح الأخلاق، لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ \" (٥٠) والاسترقاق يقتضي قهر الساداتِ للرقيق على الأعمال، والاستيلاءَ عليهم بالاستهانة، فيتعذر لذلك أن تكون الأمَة زوجة، وأن يكون عبد المرأة زوجَها، لِتَنَاقُضِ آثار الحقوق.\nقلت: التناقض إنما يلزم في تزوج المرأة عبدَها لا في تزوج الرجُل أمَته، وأيضا فاختلاف الجهات كاختلاف الذات.\nقلت: القاعدة الثالثة، كل أمْرين لا يجتمعان يقدِّم الشارع أقواهما على أضعفهما، وكذلك يقتضى العقلُ والعرفُ، ثم إن الرق أقوى من النكاح لأنه سبب لاباحة الوطء والاستخدامِ ولِملْك الرقبة، والنِّكَاحُ لا يَقوَى على هذا كلِه.\n_________\n(٥٠) سورة النساء. الآية: ٣٤.","vol":"2","page":47},{"text":"ثم قال: وبهذه القواعد ظهر الفرق بين اجتماع النكاح والرق الكائن لغير الزوَّجين وبين امتناع اجتماعهما إذا كان الرق للزوجين.\nقلت: لا يظهر بهذه القواعد الثلاثِ ما ذَكَرَ، بل انَّما ظهر من القاعدة الثانية كونُ المرأة لا تتنروج عبدَها فقط، ولم يظهر من القاعدةِ الأولى كوْنُ الرجل لا يتزوج أمَتَهُ، لِمَا قلنا: إنه من اجتماع أسباب على مُسَبَّبٍ واحد، وذلك جائز في الشرع وواقع، وما ساقها هو إلا لتصحيح ذلك.\nوأما القاعدة الثالثة فما هي لتصحيح شيء من ذلك، بل هي متأخرة على صحة عدم الإجتماع، وتُفِيدُ فائدة وهي: لَمَّا كان (٥٠ م) المِلْكُ يَفسخ النكاح إذا ورد عليه ويؤَثِر فيه، ولم يكن النكاح بحيث يؤثر في الملك إذا وَرَدَ عليه، فيعْرَفُ الجوابُ عَنْ هذا بهذه القاعدة الثالثة، واللهُ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>القاعدة الثانية عشرة:\nلِمَ وقع الحَجْرُ على النِّساء في الأبضاع ولم يقع الحَجْرُ عليهن في الأموال </span>(٥١)؟ فأقول:\n_________\n(٥٠ م) في ع، وت: لم كان؟ بالاستفهام. وفي ت: لما، والأولى أظهر وأوضح لا يحتاج معها إلى جواب لما. وتتناسب مع قوله فيعرف الجواب عن هذا الخ.\n(٥١) هي موضوع الفرق الرابع والخمسين والمائة بين قاعدة الحَجْر على النِسوانِ في الأبْضاع، وبيْن قاعدة الحَجْر عيهن في الأموال: جـ ٣. ص ١٣٦.\nهكذا بالإثبات، حيث كان من المكن أن يقول: \"وبيْن قاعدة عَدم الحجْر عليهن في الأموال\" وَوْجهُ ذلك الاثبات أوضحه بقوله: \"إعلَمْ أنُ النساءَ على الاطلاق لا يجوزُ لامرأة أن تزوج نفسها وتتصرفَ في بُضعها، كانتْ ثيبا أو بكرا، رشيدة في حألها أم لا، دنِيَّة عفيفة أمْ فاخرة. وأمَّا الأمْوَالُ فيُفرَّق فيها بين الرشيدة الثيب وغها، فيجوز لها (اي. للرشيدة أي الثيب) التصرفُ، ولا يجوز لِلولي الاعتراضُ عليها، وإن كان أبَاها الذي هو أعظم الاولياءِ، لأن لهُ ولايةَ الجَبْرِ، والفَرْقُ من وجوهٍ. الخ.\nقلتُ: وهذه المقدمة بهذه السطور عند القرافي، والمختصرة عند البقوري، تلقى ضوءا كاشفا على أول الكلام في هذه القاعدة عند البقوري، رحمهما الله.","vol":"2","page":48},{"text":"ذلك على وجوه:\nأحدها أن الأبضاع أشَدُّ خطرًا وأعظم قدْرا، فناسبَ أن لا يَفوَّضَ (٥٢) إلا لكامل العقل ينظر في مصالحها، والأموالُ لا خطرَ لها بالنسبة إليها فَفُوِّضَتْ إليها.\nالثاني أن شهوة الجِماع شهوة قوية تغلب على الانسان حتى تُويعَه في الأشياء الرّذيلة وهو لا يشعر بها، لقما\" ﵇: \"حبُّكَ الشيءَ يُعْمي ويُصِمُّ\" (٥٣)، فلذلك احتيج للولي في البُضع، وبقيتْ الأموال على الأصل فى اكتفائها بنظرها.\nالثالث أن المفسدة في الأبضاع بزواج غير الكفء يَتعدَّى ضَررُها للأولياء، والمفسدة المالية يقتصر ضررها عليها، فلأجْل ذلك حصل ما حصَل من الفرق.\nقال شهاب الدين: وهنا مسألتان:\nالمسألة الأولى: قال مالك والشافعي وابن حنبل: لا يجوز عقد المرأة على نفسها ولا على غيرها من النساء، بِكرًا كانت أو ثيبا، رشيدةً أو سفيهة، أذِن لها الوليُّ أوْ لَا. وأبو حنيفة جوَّز للرشيدة أن تُزوج نفسها، واحتجّ على ذلك بوجوه:\nأحدها قوله تعالى: \" ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٥٤)، وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ \". (٥٥)\n_________\n(٥٢) كذا في جميع النسخ المعتمدة في التحقيق والتصحيح: \"ألَّا يفَوض\" بالياء ح بناء الفعل للمجهول، أي فناسَبَ ألَّا يُفَوضَ في أمرها وشأنها إلا لكامل العقل.\nوعند القرافي: \"فناسَب ألا تُفوَّض\" بتاء المضارعة ح البناء للمجهول، (أي ألا تُفَوَّض الأبضَاعُ، ولا يقعَ التفويض فيها إلا لكامل العقل وهو الوَلِيُّ الرجل.\n(٥٣) ذكره الإِمام السيوطي في الجامع الصغير، نقلا عن أئمة الحديث: أحمد بن حنبل، والبخاري في التاريخِ وأبي داود، ورمز له بحرف الحاء التي تدل على أنه حديث حسن.\n(٥٤) نص الآية وصوابُهَا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. سورة البقرة: الآية ٢٣٢.\n(٥٥) أول الآية هو قول الله تعالى في الطلاق الثلاث: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. سورة البقرة: الآية ٢٢٩.","vol":"2","page":49},{"text":"وثانيها أنها متصرفة في مالها، ففي نفسها أوْلى، لأنها أعلَمُ بأغراضها منْ وليها.\nوثالثها أن الأصل عدمُ الحَجْر على البالغ العاقل وهي كذلك فيزول الحجر عنها مطلقًا.\nورابعها قوله ﵇: \"أيُّمَا امْرَأةٍ نَكَحَتْ بغير إذن وليها فنكاحها باطل\" (٥٦)، فمفهومه أنه إذا أذن لها جاز، وإذا صح العقد بالإذْنِ صح بغير إذن، لأنه لا قائلَ بالفرق.\nوالجوابُ أن النكاح حقيقة في الوطء، ونحن نقول بموجِبِهِ، أو يُحْمَلُ على التمكين من الوطء، وهو أقرب للحقيقة من العقدِ.\nقلت: هذا لا يصح، لأن النكاح يُطْلَقُ على العقد شرعا، وهو على الوطء لغةً. وحمْلُ اللفظ الشرعي على مقتضاه شرْعًا أرجحُ من حمله على مقتضاه لغة. (٥٧)\n_________\n(٥٦) أخرجه بعض ائمة الحديث من أصحاب السنن الاربعة، غير النسائي، عن عائشة أم المومنين ﵂، وصححه أبو عوانة، وابن حِبَّان، والحاكم ويحيى بن مَعين، وغيرُهم من حفاظ الحديث.\n(٥٧) نقل الشيخ صالح عبد السميع الْأبي الازهري في شرحه (جواهر الاكليل) على مختصر الشيخ خليل في مذهب الإِمام مالك إمَامِ دار التنزيل كلام الحافظ ابن حجر في الموضوع فقال: النكاح لغةً، الضمُّ والتداخل، وأكثرُ استعمالِهِ في الوطء، ويسمي به العقد مجازًا، لكونه سببا له، (فهو من قبيل المجاز المرسَل، علاقته السَّببية).\nثم قال: وشرْعًا حقيقةٌ في العقد، مجاز في الوطء، لكثرة وروده في الكتاب والسَّنة في العقد، حتَّى قيل: لم يَرِدْ في القرآن إلّا لَهُ. ومثل هذا الكلام عند الإِمام الصنعاني ﵀ في كتابه سُبل السلام.\nولا يَرد على ذلك مثُل قوله تعالى: \"فإنْ طلَّقها فلا تَحِلَّ له مِن بعدُ حتى تَنكحَ زوجًا غيره\"، لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة، والعقد لابد منه. فمعنى قوله تعالى: \"حتى تنكح زوجا غيره\"، أيْ حتى تتزوجه، أي حتى يعقد عليها). ومفهومه أن هذا كاف بمجرده، ولكن بيَّنتْ السنة أنه لا عبرة بمفهوم الغاية، وأنه لابد بعد العقد من ذوق العُسَيْلة).\nقلْتُ: وفي هذه الكلمة الاخيرة إشارة إلى الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: \"إن امرأة رفاعة القرظي جآت إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني، فَبَتَّ طلاقي (أيْ طلقها طلاقا ثلاثًا)، وإنِّي نكحت بعده عبد الرحمان بن الزبير القَرظي، وإنما معَهُ مثلُ الهدبة، قال رسول الله - ﷺ -: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى يذوق عُسَيلتِك =","vol":"2","page":50},{"text":"والجواب عندي هو أن يقول: سلَّمنا أنها تَنكِح من حيث إنها تُصرِّح بالقَبُولِ (٥٧ م) إن كانت ثَيبًّا، أو تَصْمُتُ إن كانتْ بِكرًا، ولا يَلزَمُ من هذا أنه لا دخل للولي في النكاح، ولا أنها مستبِدةٌ بذلك أو غيرُ متوقفة على الولي (٥٨)، والتوقف على الولي جارٍ. (٥٨ م) قال ﵊: \"لا تُزوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةُ نفسَها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها\" (٥٩). أخرجه الدارقطني وصحَّحه.\nوعن الثاني: الفَرقُ بيْنَ الأموال والأبضاع قد أبدينَاهُ. (أي في أول هذه القاعدة).\n_________\n= وتذوقي عسيلته\". متفق عليه. والحديث بيان للآية الكريمة \"حتى تنكح زوجا غيره\"، وصريح في أن المراد بالنِّكَاح فيها الوطء بعد العقد، فلا يكى مجرد العقد من الزوج الثاني على المطلَّقة ثلاثًا، بل لابد أن يحصل معه الوطء، وإذ ذاك وإذا وقع الطلاق من الزوج الثاني جاز للاول أن يسترجعها.\nومثله حديث النَّسائي أن العميصاء أو الرمَيصاء جآت إلى النبي - ﷺ - تشتكي زوجَها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها فقال: يا رسول الله، هي كاذبة، وهو يصل إليها، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال - ﷺ -: ليس ذلِكَ لك، حتى تذوقي عُسيلته.\nومثْل هذا الكلام أورده الإِمام الصنعاني في أول كتاب النكاح من شرحه (سبل السلام على بلوغ المَرام من أدلة الاحكام) للحافظ ابن حجر ﵏ ورضي عنهم أجمعين.\n(٥٧ م) كذا في نسخة ع، وح وفي نسخة ت: بالقول، وكلاهما سليم، ابن زيد: \"وتَاذَنُ بِالقَول\".\n(٥٨) كذا في جميع النسخ، أو متوقفة، وأهل صوابه أن يقال \"أو غيرُ متوقفة على الولي\" بالنَفي، حتى يصح المعنى وينسجم مع ما قبله. فليتأملْ ذلك، وليصحح.\n(٥٨ م) كذا في نسخة ح: وفي جُل النسِخ الاخرى: جاءَ، هكذا بالهمز، بمعنى ورد، ويبدو لكل كلمة معنْى ووجْهٌ سليم تُحمَل عليه، فليُتأمَّل ذلك، وليُصَحَّحْ، والله أعلمُ.\n(٥٩) أورده كذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابهِ بلوغ الرام، روايةً عن أبي هريرة ﵁. وقال فيه: رواه ابن ماجة والدارقطني، ورجالهَ ثِقاتٌ، واقتصَرَ فيه على إيراد شطره الأول: \"لا تزوجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسَهَا\".\nقال في شرحه الإمامُ الصنعاني ﵀: \"فيه دليل على أن المرأة ليس لها ولاية في الإِنكاح لنفسها ولا لغيرها، فلا عبارة لها في النكاح إيجابا ولا قَبولا. فلا تزوجُ نفسها بإذن الولي ولا غيره، ولا تزوج غيرَها بولاية ولا بوكالة، ولا تقْبَلُ النكاح بولاية ولا وكالةٍ، وهو قول الجمهور.\nواستدل الجمهور بالحديث (اي بهذا الحديث المذكور)، وكذا بالحديث الذي أخرجه الإِمام أحمد ابن حنبل، وأصحاب السنن الاربعة عن أبي بُردةَ بن أبي موسى عن أبيه قال، قال رسول الله - ﷺ -: \"لا نكاحَ إلا بولي\"، كما استدل الجمهور على اعتبار الولي بقوله تعالى: \"وإذا طلقتم النساء، فبلغن أجلهن، فلا تعضلوهن أن ينكحن ازواجهن إذا تراضَوْا بينهم بالمعروف\". قال الإِمام الشافعي ﵀: هي أصْرَحُ آيةٍ في اعتبار الولي، وإلَّا لما كان لِعضله معنى. =","vol":"2","page":51},{"text":"وعن الثالث: الدليل دل على مخالفة الأصل في الْأبضَاع، وذلك الحديث المذكور.\nوعن الرابع أن المفهوم إذا خرَجَ مخزجَ الغالب فإنه لا يكون حجةً إجماعا، وهو هنا كذلك خرج، بمنزلته \"في سائمة الغنمِ الزكاةُ\" (٥٩ م) - \"وقد تقرَّر هذا المعنى في المفهوم عند ذكر قواعده.\nقال صاحب الجواهر: لا خلاف عندنا أنها لا تكون وليةً على امرأة، ورُوي عن ابن القاسم أنها تكون ولية على عبدها وعلى من قُدِّمَتْ عليه من الذكور دون الإنات. وكان ذلك، لأن للذكَر قدرةً على التخلص من ذلك العقد، بخلاف الأنْثَى. وأيضا فإن الولاية ليستْ لطلب الكفاءة المحتاجة لتدقيق النظر.\nالمسألة الثانية في العفو عن الصداق:\nقال الله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، (٦٠) قال مالك: ذلك، السيد في أمته، والأبُ في ابنته البِكْر، وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل: هو الزوج، واحتجوا بوجهيْن:\nأحدهما أنه قد رُوى عن رسول الله - ﷺ - صريحا (٦٠ م)\n_________\n= وسبب نزولها في معقل بن يسار، زوَّج أخته، فطلقها زوجها طلقة رجعية، وتركها حتى انقضَتْ عِذَتُها ورَامَ رجْعها، فحلف ألَّا يزوجها، قال: ففيه نزلت هذه الآية. ومئل هذا الكلام نجده للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي ﵀ في كتابه \"الإشراف على مسائل الخلاف\" حيث قال: مسألة، لا يصح كون المرأة وليا في العقد لا على نفسها ولا على غيرها، خلافًا لأبي حنيفة ﵀ في قوله \"فإذا بلغت عاقلة رشيدة جاز ذلك لها\" ولداود بن علي الظاهرى في التفريق بين البكر والثيب، لقوله تعالى \"وأنكحوا الأيامى منكم\"، فخص الرجال بالولاية، ولقوله تعالى: \"فلا تعضلوهنْ أن ينكحن أزواجهن\"، ففيه دليلان (أي على اعتبار الولي واشتراطه عنده عقد القِران\" إلى آخر ما ذكره من الاستدلال بالآية وبَيَانِ ذلك، كما هو مذكور هنا عن الإِمام الشافعى والإِمام الصنعاني رحمهما الله، فليرجع إليه من أراد التوسع في ذلك؟\n(٥٩ م) أخرجه الإِمام مالك في الموطأ.\n(٦٠) سورة البقرة. الآية ٢٣٧.\n(٦٠ م) وهو قوله - ﷺ -: \"وليُّ عقدة النكاح الزوج\"، رواه ابن أو حاتم وابنُ مَردويه عن ابن لَهيعة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ -. كما أخرجه أيضًا ابن أبي حاتم بسند إلى عيسى بن عاصم، قال: سمعتَ شُرَيْحًا يقول: سألني علي بن أيى طالب عن الذي بيده عقدة النكاح، فقلت له: هو وليُّ المرأة، فقال: عليٌّ: لا، بل هو الزوج. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وهو الجديد من قول الشافعي، واختارَه ابن جرير. =","vol":"2","page":52},{"text":"الثاني أن الأصل يقتضى عدم تسليط الولي على مال ولِيَّتِه.\nفأجبْنَا عن الأول بأنه ضعيف لا تقومُ به حجة (٦١).\nوعن الثاني أن قاعدة الولاية تقتضى تصرف الولط بما هو أحسن للمولَّى عليه، وقد يكون العفو كذلك فيجوز. (٦٢)\nثم إن الآية تدل على ما قلناه بوجوه ت (٦٣)\nمنها أن الأصل في العطف بأو التشريكُ في المعنى. وقولهُ تعالى: \"إلَّا أن يعفون\"، معناه الإسقاط. وعلى رأينا يكون \"أو يعفو الذي بيده عقدةُ النكاح\" كذلك للإسقاط. وعلى رأيهم يكون للإثبات فلا يَحْصُل التشريك.\nومنها أن المفهوم من قولنا: إلا أن يكون كذا وكذا، تنويع ذلك الكائن إلى نوعين: والتنويع فرع الاشتراك في المعنى، ولا شِرْكة بين النفي والإِثبات، والإِسقاط والإِعطاء، وعلى رأينا، المتنوع: الإِسقاط إلى إسقاط المرأة وإسقاط الولي.\n_________\n= ومأخذ هذا القول - كما يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره - أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة، الزوج، فإن بيده عقدها وإبرامها، ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئًا من مال وليته للغير فكذلك الصداق.\nالوجه الثاني أن الذي بيده عقدة النكاح هو وليُّ المرأة. حدِّث به عمْرُو بن دينار عن ابن عباس ﵄، قال في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح. قال: \"ذاك أبوها وأخوها، أوْ من لا تُنكحُ إلا بإذنه، وهو مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم. ومأخذه أن الولي هو الذي أكسَبَها إياه، فله التصرُّف فيه أي في عقد النكاح، بخلاف سائر مالها.\nونقل الإِمام ابن جرير الطبري إمام المفسرين وشيخهم ﵀ ورحمهم أجمعين عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: \"أذِن الله في العفو وأمرّ به (أي في الصداق)، فأي امرأة عَفت جار عفوها، فإن شَحَّتْ وضَنَّتُ وعفا وليُّها جاز عفوه، وهذا يقتضي صحة عفو الوَلي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي فرجع عن ذلك وصار إلى أنه الزوج، وكان ياهل عليه، وانظر كذلك هذا تفسير الإِمام القرطبي والإمام ابن عطية رحمهما الله.\n(٦١) ووجّه ضعفه أنه منقطع غير متصل السند، كما ذكره الحافظ ابن كثير حيث قال في حديث كون ولي عقدة النكاح هو الزوج: \"وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب أن رسول الله - ﷺ - قال: \"وليُّ عقدة النكاح الزوج\"، ولم يقل عني أبيه عني جده، فالله أعلم\".\n(٦٢) كذا في نسخة ع. وفي نسخة ح: يجوز بدون الفاء.\n(٦٣) ذكر القرافي أنها عشرة، واقتصر البقوري على بعضها اختصارا.","vol":"2","page":53},{"text":"ومنها: لو كان المرادُ بها الازواج لقيل: إلا أن يعفون، أو يَعْفون (٦٤)، فكان يذكر الازواج بالمضمر، لأنه قد سبق ذكرهم، ولا يقع الظاهر مَوْقِعَ المضمر إلا لضرورة، أو لمعْنًى زائد، وليس شيء من ذلك هنا.\nوقوله تعالى: \"إلا أن يعفون\" ليست الواو ضميرا، بل هي من نفس الفعل، لانه من عفا يعفو بالواو. يقال للمؤنث: يعفون كما يقال فيما أصلُهُ الياء: يرمِين، وفيما أصْلُهُ الهمرُّ: قَرأنَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>القاعدة الثالثة عشرة\nأقرر فيها ما به ينعقد النكاح، وأنه يخالف البيع فيما يُشترط فيه</span>، (٦٥) فأقول:\nإن النكاح لا يُذكر عن أحد من العلماء أنه يقول: تكفي فيه المعاطاة، خلاف البيع فإنه قيل: تكفي المعاطاة فيه.\nثم إن العلماء في النكاح، منهم من ضيَّق فقال: لا ينعقد إلا بلفظ التزويج والنِّكَاح، لأنهما المذكوران في القرآن، قاله الشافعي وابن حنبل، وقاله أصحابنا. ذكره صاحب المقدِّمات، وقال: وفي الهبة قولان: المنعُ كمذهب الشافعي،\n_________\n(٦٤) كذا في نسختي ع، وح، باثبات النون، في الفعل الثاني، وفي ت: (أو يعفو الأزواج بالمضمر). والصواب حذف النون في النسختين الأولين لكون الفعل المضارع مسندا لجماعة المذكر ومنصوبا، وفي نسخة ت لَا يستقيم الكلام إلا بتقدير، لأن فيه حذفا مستفادًا من العبارة الآتية بعدُ في الاصل، وهي: \"فكان يذكر الازواج بالمضمر\"، فسقطت فيها عبارة: \"فكان يذكر\"، وما عند القرافي هنا في هذا الوجه أظهر ويعْطي المسألة وضوحا ويزيدها بيانا أكثر حيث قال: \"وتاسعها (أي الوجوه) أن الخطاب كان مع الازواج بقوله تعالى: \"وقد فرضتم لهن فريضة\"، وهو خطابُ مشافهة، فلو كانوا مرادين بقوله تعالى: \"الذي بيده عقدة النكاح\"، قال: \"أو تعْفو بلفظ تاء الخطاب، فلما قال: \"أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح\"، وهو خطاب غيبة لازم تغيُّر الكلام من الخطاب إلى الغيبة، وهو، وإن كان جائزا، لكنه خلاف الاصل\".\nعلى أن ما قاله الشيخ البقوري واختصره هنا هو كذلك ظاهر وسليم إذا حذفت النون من الفعل الثاني، أمَّا الأول فنونُه نون النسوة، وهو على وزن يفْعُلنَ كما قال، فليُتَأَمل ذلك وليحقق، ولْيُرجع فيه إلى كتب التفسير، خاصة تفسير الإِمام القرطبي ﵀.\n(٦٥) هي موضوع الفرق السابع والخمسين والمائة بين قاعدة البيع، توسَع العماء فيه حتى جوز مالك البيع بالمعاطاة، وهي الافعال دون شيء من الاقوال، وقاعدة النكاح وهي التشديد فيها في اشتراط الصيغ ... \" جـ ٣. ص ١٤٣. وقد جاء عند الشيخ خليل في أول البيوع من مختصره الفقهي المالكي قوله: بابٌ، ينعقد البيع بما يدل على الرضى وإنْ بمعاطاة ... الخ.","vol":"2","page":54},{"text":"والجواز كمذهب أني حنيفة. (٦٦) ووسع صاحب الجواهر في هذا فقال: ينْعقِد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد كالنِّكَاح والتزويج والتمليك والبيع والهبة ونحوها. وقال ابن العرني في القبس: جوَّرَهُ أبو حنيفة بكل لفظ يقتضي التمليك على التابيد. وجوّزه مالك بكل لفظ يفهم منه المتناكحان مقصِدَهما.\nقال شهاب الدين: ولم يستثن أبو حنيفة غير الإجارة والوصية والإحْلال. (٦٧) وجوّزه بالعجمية وإن قدر على العربية، وجوّز الجواب من الزوج بقوله: فعلاتُ. وهذه أقوال العلماء لم يقل فيها أحد جوازه بالمعاطاة كما قالوه في البيع.\nوالفرق مبني على قواعد:\nالأولى: أن الشهادة شرط في النكاح، تحتاج إلى لفظ يقع الإشهاد عليه، والبيعُ لما لم يكن الإِشهاد شرطا فيه جوّزوا فيه المناولة.\nالثانية: أن الشيء إذا عظم قدْرُه شدّد فيه الشارع ما لم يشدد فيما ليس كذلك، والنِّكَاح أمرُه أعظم من البيع، فشدد فيه مَالَمْ يشدد في البيع.\n_________\n(٦٦) زاد القرافي هنا قوله في بيان وجه الجواز عند الحنفية في انعقاد النكاح بلفظ الهبة قولهُ:\n\"لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية، فكذلك النكاح، ثم قال: وَيَردُ عليه أن الهبة لا تنعقد بلفظ النكاح، فكذلك النكاح لا يقع بلفظ الهبة، وإن النكاح مفتقر إلى الصريح ليقع الإشهاد عليه.\n(٦٧) إنه استثني استعمال هذه الالفاظ في عقد الزواج، فلا يصح بها عنده.\nقال القرافي: وقال صاحب الاستذكار، (وهو الحافظ أبو عمر يوسف ابن عبد البر التمري، وقد طبع هذا الكتاب في أجزاء عديدة وأصبح متداولًا للنفع به والاستفادة منه: \"أجمعوا على أنه لا ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة، فتقاس عليه الهبة\" (أي لفظها). وعبارة الشيخ خليلي هنا ﵀ هي: \"وركْنُهُ وليٌّ، وصداقٌ، ومحلٌ، وصيغةٌ بأنكحت وزوجتُ، وبصداق، وهبتُ. وهَل كلّ لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة كبعت، كذلك، تردّدٌ\" (أي تردد للمتأخرين في النقل عن المتقدمين)، الراجح منه عدم الانعقاد كما نقله الحطاب عن الشامل). وذكره صاحب جواهر الإكليل على مختصر خليل:\nقلتُ: إن لفظ الإحلال ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ...﴾. (سورة الأحزاب: الآية ٥٠)، وهل يفيد وَرُودُهُ جواز استعماله في عقد النكاح إذا وقع التنصيص على الصداق) مثل الهبة. فليُنظر في ذلك وفيما ذكره الحافظ ابن عبد البر من حكاية الإجماع على عدم الانعقاد به، والله أعلم.\nوقال القاضي عبد الوهاب: مسألة: ينعقد النكاح بلفظ الهبة والبيع وكل لفظ تمليك يقتضي التأبيد دون التوقيت الخ.\nوفي الفصل الرابع من مدونة الاحوال الشخصية المغربية المطبَّقة ما نصه: \"ينعقد الزواح بإيجاب وقبول من الآخر، بواسطة ألفاظ تفيد معني النكاح لغة أو عرفًا\". ويصح الايجاب والقبول من العاجز عن النطق بالكتابة إن كان يكتب، وإلَّا فبإشارته المعلومة.","vol":"2","page":55},{"text":"الثالثة أن الشرع يحتاط في الحروج من الحِرمة إلى الإباحة أكثر مما يحتاط في الخروج من الاباحة إلى الحِرمة، لأن التحريم يعتمد المفاسد، فينبغى الاحتياط له، فلا يُقْدَمُ على محل فيه المفسدة إلا بسبب قوي، فلهذه القاعدة أوقعْنا الطلاق بالكنايات وإن بَعُدَتْ، حتى أوقعه مالك بجميع الألفاظ إذا قصد بها الطلاق، ولم يجوز النكاح بكل لفظ، بل بما فيه قربٌ من مقصود النكاح، لأنه خروج من الحِرمة إلى الحل، وجوزْنا البيع بجميع الصِّيغ والأفعال الدالة على الرضا بنقل الملك، لأن الاصل في السِلَع الاباحة حتى تُملك، بخلاف النساء، الأصل فيهنَّ التحريم حتى يُعقَدَ عليهن بِمِلْك أو نكاح.\nقلت: القاعدة الثالثة، قد قيدْنا عليها في موضعها ما يُضْعفها بالاعتماد على القاعدتين: الأولى والثانية. (٦٨). ثم لو سلمنا صحة الثالثة فما يتحقق بها فرقٌ، لأن الملك إذا مُلك فقد صَار الانتفاع به للغير مُحَرِّما، وانتقالُهُ للغَير بِبَيْع يُصَيِّره له مباحا، فكان ينبغي على هذه القاعدة أن محتاط الشرعُ لها (٦٩) حتي لا تجوز المعاطاة ولا يجوزَ البيع إلا بألفاظ خاصة، وليس كذلك.\n\nالقاعدة الرابعة عشرة (٧٠)\nلِمَ كان المعْسِر بالدَّين يُنظَرُ، والمعْسِرُ بنفقات الزوجات لا يُنظر؟، أقول:\nأوّلًا، حكم مالك والشافعي بالتطليق على المعْسِر بنفقة الزوجة، خلافا لأي حنيفة، فإنه لا يطلق عليه بالإعسار، ورأى أنه أولى وأحْرى من صاحب الدَّيْن، لأن بَقاء الزوجية مطلوب لصاحب الشرع، وأيضا فقياسه على النفقة في الزمان الماضي بأنَّه لا يطلق بها إجُماعا، وأيضا فإن عَجُرَهُ عن نفقة أمّ ولده لا يُوجب بيعَها وخروجُها عن ملكه، فكذلك الزوجة.\n_________\n(٦٨) أنظر القاعدة الثانية والعشرين من القواعد الأصولية. جـ ١، ص ١٨٨.\n(٦٩) لعل استعمال كلمة الفقه والفقهاء هنا أنسب من كلمة الشرع، أوْ يُقال: فاحتَاط الشرعُ في ذلك، فليتأمل ذلك، والله أعلم.\n(٧٠) هي موضوع الفرق الثامن والخمسين والمائة بين قاعدة المعسِر بالدَّين يُنظَرُ وبين قاعدة المعسر بنفقات الزوجات لا يُنْظَرُ. جـ ٣. ص ١٤٥. ولم يعلق عليه الفقيه ابن الشاط بشيء ﵀.","vol":"2","page":56},{"text":"والجواب عن الأول أنّا لم نُلزمه النفقةَ مع الإِعسار وهو نظيرُ الإِلزام بالدَّيْن، وإنما أمَرْنا بِدفع ضرر يقدِر عليه، وهو إرسالُها في لمن ينفق عليها، وهو الجواب عن النفقة في الزمَانِ الماضي.\nوأما الثالث فَرَفعُ الضرر عن أمّ الولد لَهُ طريق آخَرُ، وهو تزْويجُها، وهذا الطريق متعذر هنا، فتَعيّن الطلاق ولم يتعيَّن بيع أم الولد. ثم يتأبّد الطلاق بالإِعسار بما جاء في البخاري أنَّهُ - ﷺ - قال: \"أفضل الصدقات مَا تَرَك غِنى، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابْدَأ بمن تَعُولُ. (٧١). المرأة تقول: إمّا أن تُطعمني وإمّا أن تطلقتى، ويقول العَبْدُ: أطْعِمتى واستعمِلني، ويقُول الولد: إلَى من تَدَعُني\". وأيضا يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٧٢).\nقلت: كلام شهاب الدين ﵀ في هذه القاعدة هو هذا، وأولُ ذكر القاعدة والفرقِ يُشعِرُ أن النفقة لم تقع فيها إنظار، والدَّينُ وقعَ فيه. وَبسْطُ الكلام في القاعدة يُحقِق أن الإِنظار وقع في النفقة عند المعْسِرِ كما وقع في الدَّين، (٧٣)\n_________\n(٧١) في رواية أخرى عن حكيم بن حزام: أفضلُ الصدقة ما كان عن ظَهر غِنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول\" (أيْ إبدأ. بِمَنْ وجب عليك عوْلُهم ونفقتهم من زوجة وأولاد وآباء، ثم الأقربِ فالأقرب).\n(٧٢) سورة البقرة الآية ٢٢٩، وأولها قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ﴾.\n(٧٣) وأصل مشروعية الإِنظار في الدَّين، والترغيب فيه لحين اليُسْر عند المدين، قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. سورة البقرة. الآية ٢٨. فإنظار المعسِر بالدَّيْن، وإمْهَالُهُ إلى حِينِ اليُسْر أمر مندوب إليه ومرغبٌ فيه، والتَّصدق به على المدين، والسماحُ له فيه أفضلُ وأكمل لمن تيَسَّرَ له ذلك وأمكن، كما هو مستفاد من هذه الآية الكريمة، ومن كثير من الأحاديث النبوية في هذا الموضوع، كقوله - ﷺ -: \"من أنظَر معْسِرًا أو وضعَ عنه أظله الله ﷿ في ظله يوم لا ظِل إلا ظله\".\nأما الإِعسار بالنفقة على الزوجة، وما قد يترتب عنه منْ أحْكام من الطلاق أو التطليق من طرف القاضى فقد تناولتْه كتب الفقه بصفة عامة، كتب فقه القضاء بصفة خاصة، واعتبروا الطلاق أو التطليق الناشئ عنه طلاقا رجعيا كما هو الشأن في طلاق المُولي. ومن ذلك ما جاء في مختصر الشيخ خليل ابن إسحاق المالكي ﵀ وهو يتحدث عن حالات الطلاق البائن، فقال عاطفا على تلك الحالات ومستثنيا منها: \"وطلاقِ حُكِم به، إلا لإِيلاء وعُسْر بنفقة\".\nقال ابن جُزَيّ ﵀ في قوانينه الفقهية: \"لا يؤثر العجز عن نفَقة الزَّمَان الماضي، بل ذلك دَين فيَ ذمته\".","vol":"2","page":57},{"text":"من حيث اعتبارُ الزمان الماضي في النفقة، وأمُرُ الطلاق في الحال إنما هو لرفع الضرر، فلا يقال: أنظر ولا لَمْ يُنظر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>القاعدة الخامسة عشرة:\nلِمَ كان الثمنُ في البيع يتقرَّر بالعقد، والصَّداقُ في النكاح لا يتقرر بالعقد؟، هذا على قول، فإنه قد قيل: يتقرر بالعقد، وقيل أيضًا: يتقرّر النصف بالعقد</span>. (٧٤)\nفقال شهاب الدين:\nسِرُّ الفرق أن الصداق في النكاح شرط الإباحة، وشأن الشرط إنما يُعتبر ثبُوتهُ عند ثبوت المشروط. وأيضا فليسَ القصد من الصَّداق المعاوضَةَ بل التجملُ\n_________\n= ولذلكم جاء في الفصل السادس والستين من مدونة الأحوال الشخصية المغربية تقرير للقاعدة الفقهية القائلة: \"كل طلاق أوقْعَهُ القاضي فهو بائن، إلا طلاق الموُلي والمعْسِرِ بالنفقة\".\nوأصل الابلاء، وبَيَان حكمه الشرعي جاء في قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. سورة البقرة، الآية ٢٢٦.\nكما جاء الإعسار بالنفقة في الفصل ٥٣ من مدونة الاحوال الشخصية، والمتعلقة بمطالبة الزوجة بحق النفقة عليها من زوجها أو الطلاق منه ما نصه: \"وإن ادّعي العجز وأثبته أمهله القاضي مُدِّة مناسبة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، فإن لم ينفق طلقها عليه، فإن لم يثبته أمره بالانفاق أو الطلاق، فإن لم يَفْعَل طلَّق عليه. اهـ\".\n(٧٤) هي موضوع الفرق الخامس والخمسين بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر بالعقود، وبين قاعدة الصَّدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منها بالعقود على المشهور من مذهب مالك\". جـ ٣ ص. ١٤١. ولم يعلق عليه بشيء، الفقيه ابن الشاط ﵀.\nوكلمة الصَّدُقات بفتح الصاد وضم الدال جمع للصَّدُقة كذلك بفتح الصاد وضم الدال: اسم للصداق، ومنه الآية الكريمة في أول سورة النساء، وهي قول الله تعالى في ايجاب أداء الصداق على الازواج للزوجات: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، أيّ عطية واجبة، طيبةً بها نفوسُ الازواج لأزواجهن حين عقد الرجل على زوجه، لأن الله شرعه في عقد النكاح، وجعله فريضة في هذا العقد، ومن ثم لا يجوز العقد ولا يصح على أساس إسقاط هذا الركن من أركان عقد الزواج، وهو الصداق الواجبُ للزوجة بنص القرآن الكريم والحديث الشريف واجماع المسلمين في كل مكان وحين.","vol":"2","page":58},{"text":"والمعروف، إذ لو كان القصد هو المعاوضَةَ لما جاز ذلك، للجهل بالمرأة ومُدِّةِ الانتفاع، فإنما وضيع للاباحة، فهو - إذن - لا يتقررُ لا عنل الدخول أو الموت.\nقلت: لقائل أن يقول: هب أنه (أي اشتراط الصداق) للاباحة، فمن أين يلزم أن الاباحة لا تثبتُ إلا بالدخول، بل بنفس العقد حصلتْ الإِباحة، وكونُهُ لا يطأ في الوقت ليس لأنها لم يُستبحْ وطؤها كما هي إذا دخل بها، فإن أرْخى السِّتْرَ ولم يَقْرَبْها فالإباحة محقَّقة مع عدم الوطاء، فلذلك هي بنفس العقد، وعلى هذا يصير قول من قال: الصَّداق عِوَضٌ، أو شرط الإباحة، على السواء، أنه يجب بالعقد من حيث إن العقد سبب، والأصل ترتُّبُ المسبَّبَات على أسبابها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>القاعدة السادسة عشرة:\nأقرر فيها الفرق بين المتداعيين شيئًا، لا يقدّمُ أحدُهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وبين المتداعيين من الزوجين في متاع البيت يقدّمُ كل واحد منهما فيما يُشبِهُ أن يكون له </span>(٧٥).\nقال مالك: إذا اختلقا في شيء قُضِي للرجل بما شأنُهُ أن يكون للرجال، وللمرأة بما شأنُهُ أن يكون للنساء، سواءٌ كانا حُرَّيْن، أو عبدّين، أو كافريْن، أو مسلمين، أو أحدُهما يخالف الآخر في وصف من الأوصاف المذكورة، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يُقَدَّم أحدُهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة كسائر المدَّعين. والقاعدة لا تتقرر على مذهب الشافعي. وقال ابن القاسم: ما كان للصِّنْفيْن معًا قُسِم بينهما - بعدَ أيمانهما لاشتراكهاما في الْيَدِ. ثم اليَمينُ اخْتِلف فيه (٧٦).\n_________\n(٧٥) هي موضوع الفرق الستين والمائة بين القاعدتين المذكورتين هنا. جـ ٣. ص ١٤٨\n(٧٦) تُستعمل كلمة اليمين بمعنى الحلف على أنها مؤنث، فيعاد الضمير عليها كذلك، فيقال مثلا: وجبت اليمينُ عليه وترتبت عليه، ولعل إعادة الضمير عليها هنا بصيغة التذكير يعود إلى تأويل كَلِمة اليمين بمعنى القسمَ والحَلِف، وهو لفظ مذكر، فصح أن يقال: اليمين اختلف فيه. فَليُحَقَّقْ ذلك.","vol":"2","page":59},{"text":"فقال ابن يونس: يَحلِفُ من قُضي له به، وقال سحنون: ما يُعْرَف (٧٧) لاحدهما لا يَحلف، ولكن اليمين على الرجل فيما يَصلح لهما، وقاله ابن القاسم في غير المدونة، وهو ظاهر قول مالك. وقال ابن سحنون، لا يُقضَى لواحدٍ منهما بشيء إلا بعد يمينه، ثم إن اختلفا في البيت نفسه فهو للرجل، لأنه مِلْكُهُ في غالب العادة. (٧٨). قلت: العادة قد تختلف، فالغالب الآن في زماننا أن المسكن للمرأة لا للرجل. (٧٩)\nقال شهاب الدين: فَوجْهُ الفرْقِ أن نقول: قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (٨٠)، فكلُّ ما شهِدت به العادة قضِي به، لِظاهِر هذه الآية، إلا أن يكون هناك بينةُ.\nقلت: الاستدلال بالآية ليس بِقَوِيٍّ (٩٠) من حيث إن العرف ينازع الخصمُ في تفسيره، ويقول: ليس المرادُ به ما ذكرتَهُ أيها المستدِلُّ.\nقال شهاب الدين: والشافعي قاس أمر الزوجين على الصَّبَّاغ والعطَّار، ونحن نقول: الفرق أن الإشهاد بلان الزوجين متعذر، لأنهما لو اعتمدا ذلك، وأن من كان له شيء أشهدّ عليه، أدى ذلك إلى المنافَرَة وعدم الوداد بينهما، وربّما\n_________\n(٧٧) كذا في نسخة ع، وفي كل من نسخة ح، وفي ت، عرف بصيغة الماضي. مبنيًا للمجهول.\n(٧٨) علق الفقيه المحقق الشيخ المدقق أبو القاسم ابن الشاط ﵀ على ما جاء في هذا الفرق عند الإِمام القرافي، ولخصه هنا الشيخ البقوري ﵀، فقال ابن الشاط: قوله: (الفرق الستون والمائة بين قاعدة المتداعيين (غير الزوجين)، وقاعدة المتداعِيَيْن الزوجين إلى قوله: \"هذا تقرير المنقولات): لا كلام في ذلك. وأمّا قوله: \"ووجْه الجواب والفرق فنقول: لنا قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ إلى آخر ما قاله في هذا الفرق، ففي ذلك نظر، وتَمسُّكُ الشافعي بالحديث ظاهر، وجواب المالكية بتفسير المدعي والمدّعى عليه بما فسَّرُوا، لا بأس به. وجعْلُ المالكية اليدُ لهما (اي للزوجين) مع قولهم: إن الرجل حائز للمرأة، فيه درك لا يخفي، وبالجملة، المسألة محل نظر. اهـ.\n(٧٩) يريد الشيخ البقوري ويقصد زمانه في أواخر القرن السابع، ولغاية العقد الأول من القرن الثامن الهجري، فإنه توفي مراكش ﵀ عام ٧٠٧ هـ.\n(٨٠) سورة الاعراف، الآية ١٩٩.\n(٨٠ م) في نسخة ت: ليس بالقوي، بالتعريف.","vol":"2","page":60},{"text":"أفضى ذلك إلى الطلاق والقطيعة، فهما معذوران في عدم الإِشهاد ومُلْجآن إلى ذلك. ولمّا ألجِيئا لعدم الإِشهاد قضينا بينهما بالعادة، وَلوْ لم يكن ذلك لانْسَدّ الباب عليهما، بخلاف العطّار والصباغ إذا كانا في حانوت واحد لا ضرورة تدعوهما لعدم الإِشهاد، فإنهما أجنبيان لا يتَألمَان من ضبط أمْوالهما بذلك.\nوإن كانَا في حانوتين أو تداعيا شيئًا في يد ثالث فنقول: الفرق أن الضرورة تدعو للملابسة في حق الزوجين، فنَسْلُك (٨١) بهما أقرب الطرق في إثبات أموالهما، ولا ضرورة تدعو لملابسة العطار والصَّبَّاغ، فَجَريَا على قاعدة الدعاوى.\nواستدل الشافعي أيضًا بقوله ﵇: \"البينة على ما ادّعى واليمين على من أنكر\" (٨١ م)، فكلُّ من ادعى من الزوجين شيئًا كان عليه البينة، لظاهر الحديث.\nوجوابه أن قاعدة المدعي هو كل من كان قوله على خلاف أصلٍ أو عُرْفٍ، والمدّعي بالدَّين على خلاف الأصل، لأن الأصل براءة الذمة، والمطلوبُ، المُنْكِرُ على خلاف الأصل.\nوإذا كان هذا ضابط المدعي والمدعى عليه، فإذا ادعت المرأة مِقنعَةً (٨٢) وشبههَا كان قولُها على وفق الظاهر، وقولُ الزوج على خلاف الأصل. فالزوج\n_________\n(٨١) في نسخة ح: فيسلك بالياء مبنيا للمجهول.\n(٨١ م) أورده الإِمام الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه الجامع الصغير، ناقِلًا له عن الإمامين: البيهقي في السنن، وابن عساكر، من رواية ابن عمر ﵄، وهو حديث اعتمده الفقهاء وعلماء الإسلام، واتخذوه قاعدة شرعية متأصلة وثابتة في إثبات الحقوق والفصل بين الناس في الخصومات، وقد جاء في حديث صحيح أخرجه الشيخان، والإمام أحمد عن ابن عباس، قوله - ﷺ -: \"لو يُعْطى الناسُ بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمينُ على المدعَى عليه\". وهو الذي ينكر المدعي، كما في الرواية الاخرى: \"البينة على المدعي، واليمينُ على من انْكَرَ\".\n(٨٢) المِقْنَعة والمقنع بكسر الميم فيهما، ما تُغَطَّي المرأة رأسها به، وهي بمعنى القِناع بكسر الميم، وأصغُر منه.","vol":"2","page":61},{"text":"مدّعٍ فعليه البينَة، وهي مدّعىً عليها فالقول قولها (٨٣)، فنحن نقول بموجب الحديث، لا أنه حُجِّةٌ علينا.\nواحتجوا أيضًا بأن كل موضع لو كان المتداعيان امرأتين، أو رجلين لم يقدّم أحدهما على الآخر، وكذلك إذا كانا رجلا وامرأةً لم يقدّم أحدهما بالصلاحية بالقياسِ على ما إذا كان في يد ثالث، ويُؤْيِّدُ أن حُكُم اليْدِ لا يَسقُط بالصلاحية أن من كان بيدو خلخال فادّعته امرأة أجنبية فالقول قوله، وإن كان الخلخال لا يصلح من لباسه، لأجِّل أن يده عليه، فكذلك ها هنا.\nوالجوابُ أنه لا فرق عندنا بين المرأة والرجل، وبين الرجُلين والمرأتين، وبين اليد الحُكمية والشاهدة. فلو تعلق رجل وامرأة بخلخال، وأيديهما جميعا عليه يتجاذبانه، قضينا به للمرأة مع يمينها، لأجل ظاهر الحال من جهة الصلاحية، ولو تجاذبا سيفًا كان للرجل مع يمينه. وأما إذا كان بيد ثالث فليس لاحدهما عليه يد، خلاف مسألتنا فإن المستند عندنا اليمينُ مع الصلاحية.\nفإن قالوا: ما ذكرتموه يَبْطُل بأن ما يصلحُ لهما يكون للزوج، مع أنه لا ظاهر يشهد له، ويَدُ كُلَّ واحد منهما عليه، فقد رجحتم من غير مرجِح. قلنا: بَلْ يد الزوج\n_________\n(٨٣) وقد تعرض الشيخ خليل في مختصره الفقهي المالكي لمسألة تنازع الزوجين في متاع البيت فقال، عاطفا على التنازع بين الزوجين في الزوجية، وفي الصداق وقدره أو صفته وجنسه ما نصه: \"وفي متاع البيت، فللمرأة المعتادُ للنساء فقط بيمين، وإلا فله يمين، قال: \"وإن أقام الرجل بينة على شراء مالها (كحلي النساء مثلًا) حلَفَ وقُضي له به كالعكس، وفي حلفها تأويلان\".\nوهذا ما جاء أيضًا في الفصل التاسع والثلاثين من مدونة الأحوال الشخصية المغربية، طبعة مكتبة الوحدة العربية (سنة ١٩٩٣) ما نصه:\nإذا اختلف الزوجان في متاع البيت، ولا بيّنةَ لهما، فالقول للزوج بيمينه في المعتاد للرجال، وللزوجة بيمينها في المعتاد للنساء، وإن كان من البضائع التجارية فهو لمن يتعاطى التجارة منهما ببيِّنَة، أمَّا في المعتاد للرجال والنساء معا فيحلف كل منهما ويقتسمانه.\nوفي الفصل الاربعين ما نصه: إذا مات أحد الزوجين ووقع النزاع في متاع البيت بين الحي وورثة الميت كان حكم الوارث حُكم الموروث في الفصل السابق.","vol":"2","page":62},{"text":"أقوى وهو (٨٤) المرجِّح، لأن المرأة في حوزه وتحت يده، والدارُ له، ألا ترى أنه عليه أن يُسكِنها.\nووافقنا أبو حنيفة في هذه المسألة من حيث الجملة، لكنه قال: ما يصلح لهما فهو للرجل إن كان حيًّا، وإن كان ميتا فهو للمرأة. وقال محمد بن الحسن من أصحابه: هو لورثة الزوج كقولنا. وقال أبو حنيفة أيضًا: إن تداعيا شيئًا وهو في أيديهما يُشاهدُ، قسيم بينهما. وإن اختلف العطار والدّباغ في الجلد فإنه يُقَسم بينهما، فتناقض قوله في هذه الفروع، وإن كان من حيث الجملة موافقًا لنا.\nوقال المُغيرة من أصحابنا: ما يصلح لهما قُسِمَ بينهما بعد أيمانهما، وسواءٌ في هذا كله اختلفا قبل الطلاق أو بعده، أو بعد خُلع أو لِعَان أو غير ذلك، أو ماتَا أو أحدُهما واختلف الورثة، كان الزوجان حُرَّيِن أو عبدّين، أوْ أحدُهما حُرًا والآخَرُ عبدا، كانت الزوجة ذِمِّية أم لا، وسواء في هذا كله كانتْ لهما عليه يدٌ شاهدة أو حُكميّةٌ، فاليدُ الشاهدة أن يكونا قابضين على الشيء فيتجاذبانه، والحكميةُ أن يكونا في الدار التي سكناها، وسواء في هذا كله الزوجان والأجنبيَّان إذا سكن رجل وامرأة في دارٍ، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>القاعدة السابعة عشرة:\nأقرر فيها الفرق بين الوكالة والولاية في النكاح</span>، (٨٥) فأقول\n_________\n(٨٤) لعل الانسب والصواب: وهي، لأن اليد مونثة في مختلف معانيها، من اليد الجارحة، والنعمة، والقدرة، والسلطان، وغيرها كما سيأتي بعدُ في قوله: \"وسواءٌ كانت لهما عليه يد شاهدة أو حُكمية\". يقول القائل في الكريم النفس الذي يحفظ الإحسان في نفسه فيرُدُّ الجميل بالجميل، والإحسان بأكثر منه:\nأفاداتكم النعماءُ مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضمير المحجَّبَا.\n(٨٥) هي موضوع الفرق الثالث والاربعين والمائة بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح\" جـ ٣. ص ١٠٤.\nوقد عقب الشيخ ابن الشاط في أول كلام القرافي عن هذا الفرق، فقال:\n\"قلتُ: هذا الفرق عندي فاسد الوضع، فإنه لا فرق بين البيع والنكاح من حيث إن السلعة إذا هلكت كان هلاكها فَوتًا، ونفوذ للعقد الثاني، وكذا في المسائل الثماني التي ذكر الفرق فيها. وإنما يحتاج إلى الفرق بين هذه المسائل والمسائل التي ذكر عدم الفوت فيها. وأما الفرق بين تَينك القاعدتين فليس بصحيح، والله أعلم\"، أهـ كلام ابن الشاط ﵀. =","vol":"2","page":63},{"text":"إن الرِّجُل إذا وَكّل وَكِيلَين في بيع سلعة فَباعاها من رَجُلين، فإن النافِذَ من البيْعَين هو الأول، وإذا جَعلتْ المرأة أمرها لوليَيْن، فزوّجاها من رجلين كُفْؤَيْنِ فالمعتَبَرُ أوّلَهُما إن عُرِفَ، كالبيع، إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق بها. (٨٦) ولهذه المسألةِ نظائرُ يُفيتُها الدخولُ مثّلها.\nفمنها امرأة المفقود، تتزوج بعْدَ الأجِّل المضروب، يُفيتها الدخول، وإن قدِم قبل الدخول كان أحقَّ بها.\nومنها المرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة فتتزوج، ثم تَثْبُتُ رجّعة الأوّلِ، فإن دخل بها الزوج الثاني كان أحقَّ بها، ولم تُعتَبر الرِّجُعَةُ.\nومنها إذا طلَّق زوجُ الْأمة الْأمَةِ طلاقًا رجعيا فرَاجعَها في السفر، فلم تَعْلَمُ بذلك، فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع عدم علمه بالرجعة، كان وطء السيد مُفيتا كالوطء بالزواج.\n_________\n= قلت: وهذا الفرق من أدق الفروق عند الإِمام القرافي ﵀، ومن أكثرها حاجة إلى التأمل وإلى عمق النظر، ولذلك فإنه مع التقدير والاعتبار لكلام ابن الشاط وهو مَنْ هو علمًا وتحقيقا، يبدو أنه ليس من السهل، بل ربما ليس من الصواب الحكم على كلام القرافي في هذا الفرق بفساد وضعه من أساسه، ولذلكم أطال في بيانه ومسائله القرافي، كما أطال وتوسع فيه كذلك الشيخ محمد علي ابن الشيخ حسين مفتي المالكية في كتابه تهذيب الفروق والقواعد السنّية المطبوع بهامش كتاب الفروق، وختمه هو كذلك بتعقيب ابن الشاط على هذا الفرق. وهذه الدقة والأهمية لهذا الفرق تتجلى من خلال توسُّع كلام القرافي فيه وختامه في آخره بما جاء فيه حيث قال:\n\"وإذا اندفعتُ النّقَوض بالفرق صح المدْرَك وتبيَّن الفرق بين قاعدة الوكالات في البياعات وقاعدة الوكالات في النكاح، فاعلَمْ ذلك، فقد يسر الله فيه من الحجة ما لم أره قط لأحد، فإن المكان في غاية العسر والقلق والبعد عن القواعد، غير أنه إذا لوحظت هذه المباحث قرَّبت من القواعد وظهر وجّه الصواب فيها، لا سيما وجَمّعٌ كثير من الصحابة أفتواْ بها، فلابدّ لعقولهم الصافية من قواعد يلاحظونها، ولعلهم لاحظوا ما ذكرتُهُ، وبهذا ظهر الفرق بين الوليين والوكيلين في عقود البياعات والاجارات وغيرها أن المعتبر هو الأول فقط، التحَقَ بالثاني تسليم أو لا، فليتأمل ذلك.\n(٨٦) والأصل في هذا حديث الحسن عن سمُرةً عن النبي - ﷺ - قال: \"أيما امرأة زوَّجها وليان فهي للأول منهما\". رواه الائمة: أحمد بن حنبل، وأصحاب السنن، وحسَّنَه الترمذي ﵏ قال في شرحه الإِمام الصنعاني ﵀: \"والحديث دليل على أن المرأة إذا عقد لها وليان لرجلين وكان العقد مترتبا أنها للأول منهما، سواء دخل بها الثاني أو لا ... الخ.","vol":"2","page":64},{"text":"ومنها امرأة الرجل يرتدُّ، فنَشكُّ في كفره بالارض البعيدة، هل هو إكراه أو اختيار؟، ثم يتبين أنه إكراه، وقد تزوجت امرأتُه بناء على ظاهر كُفْرِهِ، فدُخول الثاني يُفيتُها.\nومنها الزوج يُسلِمُ على عشر نِسوَةٍ، فاختار أربعًا منهن، فوجدهن ذات محارم، فإنه يرجع وختار من البواقي، فان تزوجُن ودخل بهن فوّتَهن الدخول عليه وقيل: لا يُفَوّتّهن الدخول.\nومنها المرأة تطلَّقُّ للغَيْبَة ثم يقدّمُ الزوج، فإن وجدها تزوجت ودخل بها فاتَتْ عليه، وإلَّا فلا.\nومنها المرأة تُسلم وزوجُها كافرٌ فيفرَّقُ بينهما، ثم يتبين تقدُّم إسلامه عليها، يُفيتها الدخول عليه.\nوخولِفت هذه القاعدة بأربع مسائل في المذهب أيضا:\n١) المرأة يُنْعَى لها زوجها ثمَّ تتبيَّنُ حياتُه وقد تزوجت، فإنه لا يفيتها الدخول، وقيل: يُفِيتها الدخول.\n٢) المطَلَّقة بِسَبَبِ الإِعسار بالنفقة ثم يتين أنها أسقطتْها عنه قبل ذلك وقد تزوجت، فإنها ترجع إليه وإن دخل بها الثاني.\n٣) والرجل يقول: عائشة طالق، وله امرأة حاضرة اسمها عائشة، وقال: لم أرِدْها، ولِي امرأة تسمَّى عائشة ببَلدٍ آخر وهي التي أردتُّ، فإنَّا نطلِق عليه هذه، لأن الأصل عدم امرأة أخرى، فإن تبيَّن صِدْقُه وقد تزوجتْ ودخل بها زوجها رُدَّت إليه، ولا يُفيتها الدخول.\n٤) والأمَةُ تختار نفسها ثم يتبين عتق زوجها قبْلها، وقيل: يُفِيتُها.\nوالشافعي سَوَّى بين القاعدتين، وجعل العقد السابق هو المعتبرَ أبدأً،","vol":"2","page":65},{"text":"وما بعده باطل، حصل الدخول أم لا، (٨٧) وهو القياس، فإن من شرط عقد النكاح أن تكون المرأة خالِيَةً من زوج، وهي ذات زوج، فلا يصح العقد عليها. واعتمد مالك ﵁ قضاء عمر ومعاوية وابن الزبير حيث أفاتوا المرأة بالدخول. (٨٧ م)\nووجه الحجة على الشافعي - وبه يظهر الفرق بين القاعدتين - أنَّا أجْمَعُنا على الأخذ بالشفعة، وهي إبطال أثر العقد السابق، وتسليطٌ للشفيع على إبطاله، لاجل الضرر الداخل على الشريك من توقُّع القسمة، وإذا قُضِيَ بتقديم الضرر على العقد هنالك وجب أن نقضي ها هنا بتقديم الضرر على العقد بطريق الأولى من وجّهين:\n- الأول أنَّ ضرر الشفعة متوقَّع، إذ القسمة قد تحصل وقد لا، والضرر ها هنا ناجزٌ (٨٨) من حيث إن الرجل إذا اطلع على المرأة وقع له تعلق بها في الغالب، وكذلك هي أيضًا به، فلو قضينا بالفراق لأوقعنا الضرر - ولابد - بالاثنين.\n- الوجه الثاني أن الشريك الشفيع يأخذ بغير عقد أضيف إليه، بل لمجرد الضرر، وها هنا الزوج الثاني معه عقد يُقابل به العقد الأول، فصار دفع ضرره معضودا بعقد، ودفعُ ضرر الشريك غيرَ معضودٍ بعقدٍ، فكان أوْلى.\nفإن قلت: (٨٩) وجود هذا العقد كعدمه (٨٩ م) قلنا: هذا هو محل النزاع.\n_________\n(٨٧) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي من أن الشافعي يسوي بين القاعدتين يُشعر بأن مالكا لا يسوي بينهما، وليس الامر كذلك، بل مالك أيضًا يسوي بينهما، غير أنه فرق بين مسائل من فروع القاعدتين، فيُطلب وجه ذلك الفرق، وما قاله من أن القياس قول الشافعي صحيح. اهـ.\n(٨٧ م) قال القاضي عبد الوهاب البغدادي ﵀: إذا أذِنَتُ لوليين فزوجاها ثم علم الأول بدخول الثاني ثبتت عقد الثاني وانفسخ عقد الأول. وقال أبو حنيفة والشافعي: عقد الأول ثابت على كل حال.\nودليلنا اجماع الصحابة، لأنه مروي عن عُمر والحسين ومعاوية، وذكَرَهُ بعضُ أصحابنا عن علي ﵁ ... إلى آخره.\n(٨٨) كذا في نسخة خ، ع، وفي نسخة ح: فأجيز (بصيغة الفعل الماضي)، وما في الأولين أظهرُ وأسلَمُ، وفي المعنى المراد، فليُتأمل. وعند القرافي: وأما الضرر ها هنا فنَاجِزٌ.\n(٨٩) هذا التعقيب والذي بعده هو من كلام القرافي، وليس من كلام البقوري كما قد يتبادر إلى الذهن.\n(٨٩ م) زاد القرافي هنا قوله: \"لان المحل غير قابل له، فلا يصح للترجيح.","vol":"2","page":66},{"text":"فإن قلت: ما الفرق بين مسألة الوليين ومسألة الوكيلين وُكِّلا على أن يُزَوّجَهُ كل واحد منهما بامرأة فزوجاه بامرأتين فدخل بإحداهما، فتبيَّن أنها خامسة، فإنها لا يُفِيتُها الدخول إجماعا، فكذلك ها هنا، والجامع بطلان العقد؟\nقلت: الفرق بينهما من وجوه: (٩٠).\n١) منها أن المانعَ من الصحة في الخامسة هو عقد الرابعة مع ما تَقدَّمَهُ من العقود، والمانِعُ في الولييْن عقدٌ واحد، فهو أخفَّ فسادًا، فَفَاتت بالدخول.\n٢) ومنها أن الأولياء، الغالب عليهم الكثرةُ دون الوكلاء، فصوّرُ الوليين مِمَّا يكثر وقوعُها، والقول ببطلان الثاني بعد الدخول يؤدي إلى كثرة الفساد. والخامسة نادرة، فالفساد فيها، الناشيءُ عن الاطلاع والكشفِ قليل.\nفإن قلت (٩١): في صورة الشفعة، الشريك مُخَيَّرٌ، وها هنا الزوج الثاني ليس مخيَّرا، بل أنتم تُعيِّنون المرأة له جَزْمًا، فقد زادت صورة الفرع المَقيسِ على صورة الأصل المقيسِ عليه بِوَصْف الملزوم، فلا يصح القياس لِتَبايُن الأحكام.\nقلت: الوجه الذي وقع فيه القياس لا اختلاف فيه، لأن القياس إنما وقع وحصل اللزوم في صورة النزاع دون الصورة الأخرى لامتناع الخيار في النكاح، مخافةَ أن تكون المخدَّرات (٩٢) نزلت بالخيار، والسلع قابلة للخيار (٩٣).\n_________\n(٩٠) أوصلها القرافي إلى عشرة، وذكرها كلّها في كتابه الفروق، واقتصر البقوري على الإثنين الاولين منها، وهو مظهر من مظاهر الاختصار عنده، وجانب من جوانبه، كما يظهر ذلك من فقرة التعليق رقم ٨٩ م، وغيرها. حيث اختصر البقوري ما ذكرتُهُ من زيادة عند القرافي، ﵏ جميعا.\n(٩١) هذا التساؤل والتعليق وجوابه بهذا التعقيب، وكذا الذي بعده هو من كلام القرافي ﵀.\n(٩٢) المخدّرات بفتح الخاء، والدال جمع مخدرة، بصيغة اسم المفعول وهي البنت تكون في خدرها. والخدر بكسر الخاء وسكون الدال المهملة ستر (أو ستار) يُمَدّ للجارية في ناحية البيت، ويطلق على ما يُفرَدِّ لها من السكن وتكون مخصوصة، به، وتتوارى وتتستر به. يقال: خدار البنت وأخدرها إذا ألزمها الخدر، أي جعلها تحتجب فيه، وفي الحديث: \"كان النبي - ﷺ - أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا رأى شيئًا يُنكره (أي يكرهه، ولا يرضى عنه) عرفناه في وجهه) \".\n(٩٣) ذكر القرافي هنا تساؤلين آخرين وجوابهما، رأيت أن انقلهما وأذكرهما لأهميتهما وفائدتهما، في الموضوع فقال: \"فإن قلت: إنما أبطلنا العقد في الشفعة لضرر الشفيع، لأن العقار مال، ورتبة =","vol":"2","page":67},{"text":"فإن قلت: قد سَرَدُتَّ مسائل يكون الدخول فيها فَوْتًا، وذكرتَ مسائل تعارضها، فهذه القاعدة لا تتم إلا بذكر الفرق بين هذه المسائل، ولِمَ كان ذلك في الصور الاربع؟ .\nقلت: بيان الفرق بين الأربعة التي نَقضتُ علينا القاعدة وبين المسائل التي قرَّرنا بها مسألة الولي أنه يخالف الوكيل، يتضخ بأن نُعَيِّن أقربَ الثمانية المذكورة للأربعة، ونبيِّن الفرق بينَهُ وبين تلك الأربعة، فيحصل الفرق بين الأربعة والثمانية، أو نُعَيّن أقرب الصور الثمانية لعدم الفوات بالدخول وأقرب الأربعة للفوات بالدخول، ويفرَّق بين هاتين الصورتين، فيكون الفرق قد حصل بين الجميع بطريق الأولى، فإنه إذا حصل باعتبار الأبعد حصل باعتبار الأقرب بطريق الأولى فنقول:\nكل مسألة دخل فيها حكم حاكم، من الثمانية، فهي أقرب إلى الفوات بالدخول من الصورة التي لم يدخل فيها حكم حاك، بسَبَب أن حكم الحاك يُنَزَّل منزلة فسخ النكاح من حيث الجملة، ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف جعل حكم الحاكم ينفذ في الظاهر والباطن حتى يصير (الحاك) محللا لمّا يحرُمُ ومحرما لما يَحل.\n_________\n= الأموال أخفض من رتبة الأبضاع، ولا يلزمْ من مُخالفة العقد المقتضي لما هو أدنى مخالفةُ العقد المقتضي لما هو أعلى، وهذا فرق يبطل القياس.\nقلت: هذا بعينه مستنَدُنا في أولوية القياس، وذلكم أنكم إذا سَلَّمتُمْ أن الأبضاع أعلى رتبة من الأموال يكون الضرر بفوات مقاصدها أعظم من ضرر الشريك، فيكون أولى بالمراعاة\".\nثم قال القرافي: \"فإن قلت: الزوج الثاني كما حصل له تعلق بالدخول في مسألة الوليين فالزوج الاول قد حصل له أيضا تعلق في مسألة الرجعة، والمفقود وغيرهما، فلم كان دفع ضرر الثاني أولى من الأول، لا سيما وصحبة الاول أطول، ومعاهد قضاء الأوطار بينهما أكثر، قال الشاعر: \"ما الحبُّ إلا للحبيب الاول.\"،\nقلت: بل ضرر الثاني هو الأولى بالمراعاة، وذلك لأن الأول أعْرض بالطلاق وتوحَّش العصمة، إما بالطلاق وإما بالفراق من غير طلاق، وإما بحصول السَّآمة من طول المباشرة. جرت العادة أن طول صحبة المرأة توجب قلة وقعها في النفس، وأن جدتها توجب شدة وقعها في النفس، وبهذا ظهر أن ضرر الثاني أقوى وأولى بالمراعاة، فهذا هو سر الفرق بين قاعدة الأنكحة في هذا الباب وبين قاعدة الوكالات في السلع والاجارات\".","vol":"2","page":68},{"text":"ثم أقول: الذي دخل فيه حكم حاكم، منها مسألة المفقود، ومسألة المرأة تطلق بطول الغيبة:، ومسألة المرأة تسْلِم ثم يتبين قِدَمُ إسلام زوجها، فهذه فيها حكم الحاكم، والخمْسُ الباقيَة، منها ما يُبنى فيه على ظاهر فانكَشَفَ خلافُه، (٩٤) ومنها مَا لَم يُبْنَ فيه على الظاهر فانكشف خلافه، فالتي بُنِي فيها على ظاهر انكشف خلافُهُ، المرأة حينئذ معذورة بسبب ذلك الظاهر، ومأذُونٌ لها في الإقدام على العقد الثالي، كذلك وليُّها، خلاف ما لَا ظاهرَ فيه يقتضي بطلان العقد الأول. والتي فها ظاهرٌ، هي المرأة الحرَّة يُسْلَم بالطلاق دون الرجعة، والأمةُ يُطلقها زوجها، وامرأة المرتَدِّ، والرجلُ يُسْلم على عَشْرِ نِسْوة، فهذه أربعٌ، فيها عذر مبيح.\nبقي مسألة الولي ليس فيها حكم حاكم ولا ظاهر، فهي أبعَدُ المسائل عن الفوات بالدخَول، فنُعَيِّنُها لِلْبحْث والفرق، فنقول:\nالمرأةُ يُنعَى لها زوْجُها، الفرق بينها وبين المسألة: مسألة الوليين، أن الموتَ شأنهُ الشُّهْرَةُ والظهور، والخطأ فيه نادر، فَيَضْعُفُ العذر، فلا تفُوتُ (٩٥) بالدخول، بخلاف المعرِفة بعقد الولي الأول على المرأة ليس اشتهاره كاشتهار الموت، فالعذر فيه قوى، فيفيت الدخول. (٩٦)\nوأما مسألة الطلاق بالإعسار فالمرأة هنا ظالمة قاصدة للفساد، فناسَبَ ألَّا يَفُوتَ بالدخول، بخلاف مسألة الوليين.\nوأما مسأَلة الرجلِ يقول: عائشة طالق، فالفرق أن الولي العاقِدَ العقدَ الثاني ماذون له في العقد اجْماعا، ليس له معارِض من حيث الظاهر، والمرأة لمّا تزوَجَتْ قول الرجُل: لي امرأة أخرى تُسَمى عائشة، وقع العقد عليها مع\n_________\n(٩٤) كذا في نسخة ع، و، ح. وفي نسخة ت: الظاهر، بالتعريف.\n(٩٥) في نسخة ع: فتفوت: وفي نسختى ح، وت: فلا تفوت بالنفي، وهو الصواب الذي يقتضيه السياق والمعنى وآخر هذه الفقرة من الكلام. فَلْيُتَأمَّل ولِيُصَحَّحْ.\n(٩٦) هكذا في جميع النسخ، والمراد فيفيته الدخول، أو فيفوت (أي العقد) بالدخول. كما سيأتي بعدَ هذا في المسائل الموالية.","vol":"2","page":69},{"text":"معارض، (٩٧)، فكان الدخول لا يفيته، لأنه لا معارض له، ولم يكن في مسألة الوليين.\nوأما الأمة تختار نفسها فالفرق بيها وبين مسألة الوليين أن زوجها متهافت عليها، قد تعلق قلبه بها لِما كان بينهما من الاتصال الغايةِ في ذلك، فروعيَ (٩٨) أمرُهُ فدم يُفِتْها الدخول، بخلاف الولي الأول لمّا زوجها لذلك الزوج لم يكن معه ما يوجب تهافتا عليها بسبب أنه لم يباشرها ولم يَرَها.\nقال شهاب الدين: وبهذا يظهر الفرق بين الوليين والوكيلين في عقد البياعات والإجارات وغيرها في أن المعتبر هو الأول، التحق بالثاني تسليمٌ أم لا. وقد وقع لمالك في المدونة، والجَلَّاب، أن الوكيل والموكِّل إذا باع أحدهما بعد الآخَرِ انعقد عقد الباخ الأول، إلا أن يتصل بالثاني تسليم.\nقال الأصحاب: هذا قياس على مسألة الوليين. وقال ابن عبد الحكم: لا عِبْرة بالتسليم، والفرق أن كشفَة (٩٩) النكاح مضَرَّةٌ عظيمة، بخلاف البيع، وهذا هو الصحيح، والتخريجُ مع قيام الفارق لا يصح، وهو باطل إجماعا. ثم إنى لم أجد نصًا في الوكيلين أن التسليم يُفيتُ، (١٠٠) بل في الموكل والوكيل خاصة، ولَوْ رامَ\n_________\n(٩٧) وهو كما قال القرافي: قولُ الزوج معارَض بتصرف المرأة وتصرفِ وليها في العقد، والولي الثاني في مسألة الوليين لا ظاهر يعارضه، فكان بالنفوذ أولى\"، وبهذا تظْهَرُ عبارة البقوري، وتتضح في الذهن أَكثر.\n(٩٨) كذا في نسختي ع، و، ح، وفي نسخة ت: فقوِي أمره، وكلاهما سليم على ما يظهر، حيث روعي أمره لقوته أو قوِيَ، فروعي لذلك.\n(٩٩) كذا بالتاءِ في جميع النسخ المخطوطة الثلاث المعتمَدة عِندي في التحقيق، وعند القرَافي: كَشف بدون تاءٍ ولعل المراد فسْخُ النكاح، فلْيُتأمل.\n(١٠٠) هذا كلام القرافي ﵀ حيث قال: \"ولم أجد لمالك ولا لأصحابه نصًا في الوكيلين أن التسليم يفيت ... \" إلى آخر الفقرة، التي أبَان فيها أن الموكل، له التصرف بطريق الاصالة، والوكيل له التصرف بطريق النيابة، فهو فرع. فإن تأخر عقده ووقع التسليم في عقد الموكل أمكن أن يقول مالك: ذلك عنده مضاف للتسليم وكونه متصرفا بطريق الأصالة، والأصالة لها قوة، وله أيضا قوة العزل والتصرف بنفسه، وهو معنى مناسب مفقود في الوكيلين، فإنَّ كليهما =","vol":"2","page":70},{"text":"مُخُرِج تخريجَ الوكيلين على الموكِل والوكيل لَتعَذَّرَ عليه، وذلك أن الموكِل الأصالة، والوكيل إنما هو نائب وفرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>القاعدة الثامنة عَشرة:\nأقرر فيها الصريح من الطلاق وغير الصريح فأقول </span>(١٠١):\nالمرادُ من الصريح، الخالصُ، ومنه قولهم: لبنٌ صريح، أيْ خالص لم يخالطه شيء.\nوضابط مشهورِ كلام الأصحاب أن اللفظ إنْ دلَّ بالوضع اللغوي فهو صريحٌ، وهذا هو لفظ الطلاق.\n_________\n= فرع لا أصالة له، فلا ينعقد عقد اللاحق فهما مطلقًا، اتصل به قبضٌ أوْ لا. ومهما وجدنَا معنى يمكن أن يلاحظه الإِمام (إمام المذهب) امتنع التخريج على محل ذلك الفارق، كما أن المجتهد إذَا وجد معنى يمكن أن يكون فارقا امتنع القياس، فالمقلد مع المجهد كالمتجهد مع الشارع.\nفإن قلت: الوكيلان في النكاح فرعان لا متأصل فيهما، فيسقط ما ذكرتهُ من المناسبة.\nقلت: ما ذكرتَه مسلَّم، غير أن المرأة يتعذر عليها الاستقلال فسقط اعتبار التأصل، وهاهنا يمكن الاستقلال فأمكن أن يكون إمكان الاستقلال، فرقا يلاحظه الإِمام، فيتعذر التخريج. والصواب عدم التخريج مطلقًا في الموكل والوكيل، والوكيلين أيضًا، والله أعلم.\n(١٠١) هي موضوع الفرق الحادي والستين والمائة، بين قاعدة مَا هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه\"، جـ ٣. ص ١٥٢.\nقال في أوله القرافي ﵀: \"إعْلَمْ أن لفظ الصريح من قول العرب: لبَن صريح إذا لم يخالطه شيء، ونسبٌ صريح إذا. لم يكن فيه شائبة من غيره. فأما إذا كان اللفظ لا يحتمل غيره إلا على وجه البعد فهو صريح. وفي المقدمات للقاضي أبي الوليد: في الصريح ثلاثة أقوال: فعند القاضي عبد الوهاب لفظُ الطلاق وما تصرف منه، وقاله أبو حنيفة. وقال ابن القصار: الصريح: الطلاق وما اشتهر معه كالخَلِيَّة والبَريَّة ونحوهما. وقيل: ما ذكره الله في كتابه العزيز كالطلاق والسَّرَاح، لقوله تعالى: \"فطلقوهن لعدتهن\" وقول تعالى: \"أو تسريح بإحسان\" والفراق، لقوله تعالى: \"وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته\". وقاله الشافعي وابن حنبل: =","vol":"2","page":71},{"text":"قال صاحب الجواهر: كيفَ تصرف هذه الصيغةُ فهي صريح، كقولك: أنتِ طالق، أو أنتِ مطلَّقة، أو قد طلقتكِ، أو أنا طالق منكِ.\nوالكنايةُ ما ليس موضوعًا له لغة، لكن يَحْسُن استعماله فيه مجازا، لوجود العلاقة القريبة بينهما. وما فيه علاقة بعيدة، أو لا علاقة فيه أصلا، لا بعيدةٌ، ولاقريبة، لا يسمى صريحا ولا كناية.\nواختلف الأصحاب وغيرهم في لزوم الطلاق بمثل هذا اللفظ الذي ليس بصريح ولا كنايةٍ، فالمشهور عندنا لزوم الطلاق، والشافعي يقول: لا يَلزم به طلاق.\nثم إن أصحابنا، منهم من قال: هو طلاق بمجرد النية، لأن اللفظ لم يوضَعْ له، وقيل: بل هو باللفظ، وكأن المستعيلَ لَهُ وضعَه الآن له، وهو بعيد، لأن انشاء الوضع لا يخطر ببال الناس في العادة عند الاستعمال. ومن قال: لا يلزم، فلأنه يقول: الطلاق بمجرد النية لا يكون، ليس ها هنا إلا النيةُ، إذ اللفظُ لم يوضع لذلك لا مجازا ولا لغة. (١٠٢)\nثم هذا البحث يتوقف على معرفة اللغاتِ: هلْ هي توقيفيَّة أوْ اصطلاحية؟ فإن قلنا: توقيفية، فلا يجوز ذلك، وان قلنا اصطلاحية، جاز ذلك. والصحيحُ عدم الجزم بشيء من ذلك لا بالتوقف ولا بالاصطلاح،\n_________\n= وقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على كلام الإِمام القرافي في اوله فقال: ما قاله هنا ذِكْرُ اشتقاق، وحكاية أقوال، وَلا كلام في ذلك. وما قاله صاحب الجواهر صحيح وهو الصريح، وما قاله شهاب الدين بعدُ، صحيح.\n(١٠٢) عبارة القرافي هنا هي قوله: \"وبماذا يلزم؟ هل بالنية فقط؟ لمالكٍ، ويريد بالنية التطليق بالكلام النفساني، وقيل: باللفظ فقط، قال: وهو موجود في المدونة، وقيل: لابد من اجتماعهما. هذا في الفتيا. وأما في القضاء فيحكم عليه بصريح الطلاق وكناياته، ولا يصَدَّقُ اتفاقا، والكناية أصْلها ما فيه خفاء، ومنه كنيته أبا عبد الله، كأنك أخفيت الاسم بالكنية تعظيما له، ومنه الكِنّ لإخفائه الاجسام وما يوضع فيه، والكناية هي اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغةً، وفي الصحاح: كنَيتُ وكَنوْتُ كنية بضم الكاف كسرها. =","vol":"2","page":72},{"text":"فعلى هذا، اللفظُ يكون صريحا وكناية وعاريا عنهما (١٠٢ م).\nثم الكناية تنقسم إلى ما غلَب استعماله في العُرف في الطلاق فيُلْحَق بالصريح، لاستغنائه عن النية، قال في الكتاب: نحو الخلية والبريَّة (١٠٣)، وهذا لِلَحَاق العرف بالصريح، وما لم يغْلب استعماله في الكنايات فهو مجاز على أصْله، والمجاز يفتَقِرُ إلى النية الناقلة عن الحقيقة إليه، لأنها الأصل ولم ينسخها عرف.\nثم المنقولُ من الكنايات قد ينتقل لِأصْل الطلاق فقط، فيصير مثل أنت طالق في اللغة، يلزم به طلقةٌ رجعية، وقد ينتقل لأصل الطلاق والبينونة مع وصف العدد الثلاث، فيلزم به الطلاق الثلاث، ويصير النطق بذلك عرفا كالنطق بقوله أنت طالق ثلاثًا، لغة.\nثم إنّه قد يُستعمل في غير الثلاث غالبا، وفي الثلاث نادرا، فمن الناس من يقصد الاحتياط فيحمله على الثلاث، ومنهم من يحمله على الغالب فيلزم به طلقة واحدة، وهذا هو سبب الخلاف، ولهذا يرجع اختلافهم في مسألة الحرام.\nفمن قائل: لم يحصل فيها نقْلُ البتةَ، فهي كذبٌ، فلا يلزم بها شيء إلا بالنية، ومِن قائلٍ: حصل النقل ولكن لأصل الطلاق، ومِن قائلٍ: النقل حصل للطلاق الثلاث، هذا تلخيص ما عليه الفقهاء.\n_________\n= (١٠٢ م) وفي هذا الموضوع يقول العلامة الإِمام تاج الدين عبد الوهاب بن أبي الحسن السبكي الشافعي ﵀ في كتابه الشهير: جمع الجوامع في أصول الفقه: (في الكتاب الأول من مؤلفه هذا حول الكتاب (أي القرآنِ) ومباحث الاقوال:\n\"مسألة\" قال ابن فَوْرك والجمهور: اللغات توقيفيةٌ علّمَها الله تعالى بالوحْي وَخَلَق الاصوات أو العلم الضروري، وعُزِى (أي نُسِبَ هذا القولُ) إلى الإِمام الاشعري. وأكثر المعتزلة اصطلاحية (أي قالوا بأنها اصطلاحية) حصل عرفانها بالاشارة والقرينة كالطفل والاستاذ (أبو إسحاق الاسفرايني): القَدَّر المحتاج في التعريف توقيف، وغيرهُ محتمَلٌ، وقيل عَكْسُهُ، وتَوَقف كثير، والمختار الوقفُ عن القطع، وأن التوقيف مظنون. اهـ.\n(١٠٣) سبق في الجزء الأول ذكرٌ وبيانٌ لمعاني هذه الكلمات المستعمَلة في الطلاق بالكناية، كما شرحها القرافي، وأبان عن معناها والمرادِ بها في هذا الفرق أثناء كلامه عليها. وانظر المسألة الثالثة من المسائل التي ذكرها القرافي، والبقوري هنا في جـ ١ من هذا الترتيب، ص ٢٨٨ فما بعدها","vol":"2","page":73},{"text":"تنبيه:\nالطلاق لإزالة مطلق القيد كما تقدم (١٠٤)، ومطلق القيد أعم من قيد النكاح، والقاعدة أن الدال على إزالة الأعَمِّ دالٌ على إزالة الأخصِّ بالالتزام لا باللفظ، فليس الطلاق موضوعا لإزالة خصوص قيد النكاح كما يُفهَم من كلامِ الفقهاء، بل التحقيق أن يقال: الطلاق موضوع لإزالة كل قيد حتى يندرج فيه قيد النكاح. وإذا كان كذلك فطالقٌ لا يدل على زوال العصمة مطابَقَةً ولا التزاما بحسب اللغة، والحقُّ أنه دل على ذلك عرفا لا لغة. والى هذا مال الشافعي ﵁، واستدل على هذا بورود ذلك في كتاب الله تعالى. واعترضه شهاب الدين هُنا بأن قال: الورودُ في الكلناب لا يكون دليلا على ذلك. (١٠٥)\nقلت: مراد الشافعي أن استعمال هذا اللفظ في كتاب الله يَتعيَّنُ له بذلك حمله على الكلام الشرعى. على أن القاعدة أن الشارع إذا نطق بلفظ له معنى لغوى وله معنى شرعى ترجَّحَ حملُه على المعنى الشرعي وكان أرْجَحَ، فإذا كان مراد الشافعي هذا، فقوله صحيح، ولا اعتراض يَرِدُ عليه، والله أعلمُ.\nقال شهاب الدين ﵀: فإذا فرَّعنا على العرف لا على اللغة فينبغي أن لا يكون الإِنطلاق صريحا وإن كان فيه الطاء واللام والقاف، وفيه معْنى إزالة\n_________\n(١٠٤) قال ابن الشاط: ذلك غير صحيح، فإن الطلاق ليس في اللغة لإزالة مطلق القيد، بل لإزالة قيد العصمة خاصة. وما قاله القرافي من أنه يقال: لفظ مُطْلَقٌ، ووجْهٌ طلْقٌ، إشارة إلى الاشتقاق الكبير عند النحاة، وهو ضعيف عند محقيقهم، ومن ثَم لَا يصح اعتبار الكناية بِمُشْتَقَّةٍ من الكن، لأن الكناية آخر حروفها الثلاثة ياء أو واو، والكِنُّ آخر حروفه نون. انتهى بتصرف.\n(١٠٥) أي إنه لا يلزم من ورود شيء في كتاب الله تعالى أن يصير موضوعا لذلك المعنى في الشرع أو العرف، فإن الكتاب العزيز يَرِدُ بالكنايات القريبة والبعيدة كما يرد بالحقيقة، والمجاز كثير في كتاب الله تعالى جدا، ويُعتَمَدُ في حكمه على القرائن والتصريح بالمراد.\nوقد عقب ابن الشاط على هذا بقوله: قلت: بل إذا ورد شيء في كتاب الله تعالى فإنه يُحمَل على أنه كذلك في الشرع أو العرف، لأن ذلك هو الأصل.","vol":"2","page":74},{"text":"القيد، لأن المشتهِر هو الطلاق دون الانْطِلاق، وكذلك أطلَقْتُكِ وانطلقتُ منك، وانطلقِي منى وأنتِ مُنْطلقة. (١٠٦)\nوخَالف أبو حَنيفَة وأحمدُ بن حنبل في أنا طالق منك، لأنه ليس محبوسا بالنِّكَاح، بل هي المحبوسة، وقياسًا على قوله: أنا طالق، ولو كان محلا للطلاق لوقع، ولأن الرجلَ لَا يوصفُ به. (١٠٧)\nتنبيه:\nليس في أصل اللغة ما يقتضِي طلاق المرأة الْبتَّةَ ولا لفظةٌ واحِدَةٌ، وهذا شيء لَا يكاد يَخطر بالبال.\nوبيانُه أنه إذا قال: أنتِ طالق ثلاثًا فهذا أعظم ما يُتوَهم أنه صريح لغة، وليس كذلك، بل هو لا يوجب طلاقا البتَّة، من حيث إن اللغة إنما تقتضي أن هذه الصيغة وضَعَهَا العرب للإِخبار، ومقتضَى ذلك أنه خبرٌ كذبٌ، فلا عِبْرَةَ به، ومن ها هنا افترق الناس فرقتين، ففِرقةٌ قالت: هي إخباراتٌ، لكن الشرع قدّر وقُوع مُخْبَرِها قبْلَ النطق بها بالزمن الفرد، لضرورة تصديقه، قال هذا الحنفيةُ، وهذا المعنى ارتكبوه في جميع صيغ العقود. والفريق الآخر - وهُمْ المالكية والشافعية - يقولون في هذه الصِيغُ انتقلت من الخبر إِلى الإِنشاء، نقَلَها العُرفُ،\n_________\n(١٠٦) قال المحقق ابن الشاط ﵀: فيه إشارة إلى ذلك الاشتقاق، وقد تقدم رده.\nوما قاله من أنه لا يكون صريحا ولا كناية، صحيح أيضًا، لأن الانطلاق ليس من الطلاق وإن كانا من مادة واحدة.\n(١٠٧) أجاب القرافي ﵀ عن التعليلات والتوجههات التي اعتمدَها كل من الإمامين: أبي حنيفة وأحمد بن حنبل رحمهما الله في \"أنا طالق منك\" حيث لم يعتبرا هذه العبارة طلاقا صريحا.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على جواب القرافي، عن التعليل الأول الذي هو كونه ليس محبوسا بالنِّكَاح بكونه محبوسا عن عمتها وأختها والزيادة على الاربع، فقال ابن الشاط: ليس. معْنَى الطلاق معنى الانطلاق حتى يلزم ما جاوب به، بل الطلاق حلُّ العصمة فقط، وهو أمر يصدر من الرجل ويقع بالمرأة، فإذا قال: أنا طالق منك، فقد عكس المَعْنَى، فالظاهر أنْ يكون مجازًا، واللهُ أعلم.","vol":"2","page":75},{"text":"ويلزَم الطلاق بالإنشاء، فلو قصد الخبرَ وعدَل عن الإِنشاء لَمَا لزِم بها طلاق. (١٠٨)، وعلى هذا فلا لفظة لغويةٌ تقتضي الطلاق من حيث هي لغوية.\nثم يلزم أنه لا صريح أصلا على مذهب الحنفية حتى لا يكون إلا بنيَّةٍ، لأنه في اللغة إنما دل على إزالة: القيد مطلقًا لا على إزالة قيْدِ النكاح. وعلى مذهبنا يكون ضابط الصريح ما نُقِلَ إلى الإِنشاءِ في ازالة قيد النَّكاحِ ولا يحتاج إلى نية، وما لم يَصِرْ بالنقل كذلك فهو كناية إن كان مَجازًا لِعَلاقةٍ، ومالا علاقة فيه ليس بصريح ولا كنايةٍ. ثم يلزم أن النقل إنما هو من قِبَلِ العرف (١٠٨ م) وعلى هذا فإذا تحوّل العرف فقد يصير الصريح كناية والكناية صريحا، وعلى هذا يَحْرُم على المُفتي أن يفتي إلا بعْدَ معرفةِ العرف في ذلك البلد وفي ذلك الزمان، وإن لم يفعل هذا فقد أفتى بالباطل، واللهُ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>القاعدة التاسعة عشرة:\nأُقرر فيها ما يُشترَط في الطلاق من النية وما لا يُشْترَط</span>. (١٠٩)\nإعْلَم أن النية شرط في الصريح إجماعًا، وليستْ شرطا فيهِ إجماعا، وفي اشتراطها فيه قولان، وهذا هو تحصيل الكلام الذي في كُتب الفقهاء، وهو ظاهر التناقضِ، ولا تناقضَ فيه.\n_________\n(١٠٨) قال ابن الشاط هنا: لاشك أن هذه الصيغ وقعتْ في الاستعمال اللغوي إخبارات، ووقعتْ فيه إنشآتٍ وما قاله الحنفية (اى من كونها إخبارات) ليسَ بصحيح، (وهو في مقابلة ما قاله المالكية والشافعية من كون هذه الصيغ انتقلت في العرف لإنشاء الطلاق فَيلْزم الطلاق بالانشاء، ولا يلزم عند قصد الخبر، والعدول إليه عن الانشاء)، ثم زاد ابن الشاط قائلا: ولكن يبقى النظر في كون تلك الصيغ مشتركهّ بين الخبر والانشاء أو منقولة من الحبر إلى الانشاء، وكلاهما على خلاف الأصل، والأظهرُ عندى أنها مشترَكة، والله أعلم.\n(١٠٨ م) قال ابن الشاط هنا: إن قالت الحنفية مثلَ قول القرافي من أن لفظ الطلاق لا يدل على زوال قيد العصمة بخصوصه) لزمهم ما ألزمهم، وإلا فلا ..\n(١٠٩) هي موضوع الفرق الثاني والستين والمائة بين قاعدة ما يُشترط في الطلاق من النية، وبين قاعدة ما لا يشترط. جـ ٣. ص ١٦٣. ولم يعلق عليه بشيءٍ الشيخ ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":76},{"text":"فحيث قال الفقهاء: إن النية شرط في الصريح فيريدون العَمْدَ لإنشاء الصيغة، احترازا من سبق اللسان لما لم يَقصِد، كأن يكون اسمها طارقا فيناديها فيسبق لسانُه، فيقول لها: يا طالق، فلا يلزمه شيء، لأنه لم يقصد اللفظ. وحيث قالوا: النية ليست شرطا في الصريح، فمرادهم القصد لاستعمال الصيغة في معنى الطلاق، فإنما لا تشترط في الصريح إجماعا، وإنما ذلك من خصائص الكنايات أن يُقصد بها معنى الطلاق، وأمّا الصريح فلا.\nوحيث قالوا: في اشتراط النية في الصريح قولان، فيريدون بالنية هنا الكلامَ النفسي، فإنهم يطلقون النية ويريدون الكلام النفسي، وهو المراد من قولهم: في الطلاق بالنية قولان، أي بِالكلام النفسي، وإلا فمَن قصَدَ وعزم على طلاق امرأته لا يلزمه بذلك طلاق إجماعا، وإنما المرادُ إذا أنشأ طلاقها بكلامه النفسي كما ينشئه بكلامه اللساني، فيعبرون عنه بالنية، وعبَّر عنه ابن الجلاب بالاعتقاد بقلبه فقال: ومن اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه ففي لزوم الطلاق له قولان، والاعتقاد لا يلزم به طلاق إجماعا، (١١٠) وإنما المراد الكلام النفسي، فالمشهور اشتراطه كما قال أبو الوليد في المقدمات، وأنه إذا طلق بلسانه فلا بد أن يطلق بقلبه، فظَهَرَ أنه لا تناقض فيما قالوه، وأنما أحْوالٌ مختلفة، وتتضح هذه القاعدة بمسائل:\nالمسألة الأولى.\nقال مالك في المدونة: لو أراد التلفظ بالطلاق فقال: إشْرَبي أو نحوَه، فلا شيء عليه، حتى ينوي طلاقها بما يلفظ فيجتمع اللفظ والنية، فلو قال: أنتِ طالق البتَّة ونِيَّتُهُ واحدة، فسبَقَ لسانه البتةَ لزمه الثلاث، قال سحنون: إذا كان عليه بينة، فلذلك لم يُنَوِّه، يريد أن اللفظ وحده لا يلزم به الطلاق،\n_________\n(١١٠) زاد الإِمام القرافي هنا ﵀ قوله: \"فلو اعتقد الانسان أنه طلق امرأته ثم تبين له بطلانُ اعتقاده بقيت له زوجةً إجماعا\"","vol":"2","page":77},{"text":"وهو لم توجَدْ منه نية ح لفظه الثلاث، فلذلك لا يَلزمَه ثلاثث في الفتيا، ويَلزمَه الثلاث في القضاء، بِنَاءً على الظاهر.\nالمسألة الثانية:\nإذا قال: أنت طالق ونَوَى من وِثاقِ وِلايَتِهِ، وجاء مستفتيا طُلّقتْ، كقوله أنتِ بريَّةٌ ولم ينْوِ به طلاقا، ويوخَذُ الناس بألفاظهم ولا تنفعهم نياتهم، إلا أن تكون قرينةٌ مصدِّقَةٌ. قال صاحب التنبيهات (١١١): وقيل: يُدَيَّن إلا أن يكون\n_________\n(١١١) صاحب التنبيهات، المراد به هنا الإِمام الجليل، والعالم الشهير، والمحَدِّث الكبير، والفقيه الموسوعي المتضلع، ذو التآليف العديدة الهامة التي نفع الله بها المسلمين: أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، المتوفى سنة ٥٤٤ هـ، ودفين مراكش، وأحد أوليائها ورجالها السبعة، والذي قيل نيه ﵀ الكلمة الماثورة الشائعة: \"لولا عياض ما ذُكِر المغرب\".\nوكتاب التنيهات هذا من أهم وأشهر مؤلفاته القيمة، وعنوانه الكامل: \"التنيهات المستنبَطة في شرح مشكلات المدونة\". جمع فيه فوائد فقهية، وكان عليه المعَوَّل في حل الفاظ المدونة ومشكلاتها، وتحرير رواياتها وتسمية رواتها. ومعلوم أن كتاب المدونة هو أصل المذهب المالكي بعد موطأ الإِمام مالك ﵀، وهو عمدة الفقهاء المتقدمين، وركيزتهم في الافتاء والقضاء، تُرجَّحُ رواية المدونة على سائر الامهات الفقهية، وبها كانوا يتناظرون ويتذاكرون، وإليها كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم من مسائل المذهب.\nولمْ يحظَ أي كتاب من محنب المذهب بما حظيتْ به المدونة من العناية والحفظ، والاكثار من الشروح لها والتعليق عيها والتنبيه على غريبها ومشكلاتها، وفي مقدمة من كان مهتما ومعجبا بها، الفقيه المالكي الإِمام عبد السلام سحنون المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، والذي تنسبُ إليه، فيقال مدونة سحنون؛ فهو الذي رواها عن الإِمام ابن القاسم بعد أسَد ابن الفرات، وتأكد من مسائلها، وكان يوصى طُلَّابَهُ بالاعتناء بها والاعماد عيها، ويغول لهم: \"عليكم بالمدونة، فإنها كلام رجل صالح، وروايتُهُ\" اهـ. باختصار.","vol":"2","page":78},{"text":"جوابا، وَهُوَ مذهب الكتاب، (١١٢) قال: ويتخرَّجُ (١١٣) من هذه المسألة إلزامُ الطلاق بمجرد اللفظ، ومن قوله في الذي أراد واحدة فسبقَ لسانه للبتة، ومِنْ هَزْلِ الطلاق أيْضا. ويوخذ اشتراط النية من غير المسألة، من الكتاب، يعنى من قوله: أنت طالق، وأراد تعليقه ثم بَدَا لهُ، فلا شيء عليه، قال أبو الطاهر: لا يلزمه في الفُتْيا طلاق، ونظيره من لَه أمهٌ وزوجَةٌ، اسم كل واحدة منها حِكمة، وقال: حكمةُ طالق، وقال: نوَيْتُ الأَمَة، لا يلزمه طلاق في الفُتْيا اتفاقا، فينبغي أن يُحمَل في مسألة الوثاق على اللزوم في القضاء دون الفتيا.\nوأما قوله: وجاء مستفتيا - وان أوْهم اللزوم في الفتيا - فمُعارَضٌ بقوله: يوخذ الناسُ بألفاظهم ولا تنفعهم نياتهم. والأخْذ إنما يكون للحاكم دون المفتي، وكذلك اشتراطه القرينةَ، فإن المفتي يتبع الأسباب والمقاصد دون القرائن، وإلا فيلزم مخالفة القواعد، ويتعذر الفرق بين هذه وبين ما ذكر من النظائر.\n_________\n(١١٢) المراد بهِ كتاب التهذيب لأبي سعيدٍ: خَلَفٌ بن القاسم الأزدي المعروف بالبردعي، من علماء وفقهاء القرن الرابع الهجري، ومن حفاظ المذهب المالكي. فهذا الكتاب له ﵀ هو أشهر مؤلفاته، اختصر فيه المدونة وهذَّبها، وعليه يطلق اسم الكتاب اصطلاحا عند المالكية في كتبهم الفقهية، كما يطلقُ كتابُ ومؤلفو السيرة النبوية اسم المدينة على المدينة المنورة، واسم العقبة على مكان اجماع النبي - ﷺ - بالانصار ومبايعتهم له على الإيمان والجهاد في سبيل الله، وكما يطلق العلماء النحويون اسم الكتاب على كتاب سيبويه ﵀ في النحو، ويطلق علماء التاريخ والإجماع اسم المقدمة على مقدمة ابن خلدون ﵀، فينصرف الاسم العام المعَرَّف بال إلى مدلول خاص ويطلَق عليه بالغلَبة، وفي ذلك يقول ابن مالك ﵀، في ألفيته النحوية، وهو يتحدث عن المعرَّف بأل، وعن المضاف الذي يصير علَمًا بالغلَبَة:\nوقد يصيرُ علَمًا بالغلبة ... مضافٌ أو مَصْحُوبُ ألْ كالعقبة\n(١١٣) وُيخَرَّجُ: كذا في نسخة ع، وح، وبياء واحدة فقط، وفي نسخة ت: ويتخرج بالياء والتاء ويظهر أنها الأنسب والأصوب في المعنى، وهي ما عند القرافي، خاصة وأن هزل الطلاق يُعْتَبَرُ جدا، كما هو معروف فقها، ومنصوص عليه في حديث: \"ثلاث جِدُّهن جد، وهزلُهُن جِدٌّ: النكاح، والطلاق، والرجعة\"، رواه أئمة السنة، أبو داود والترمذي والحاكم وصححه، فرحمهم الله وجزاهم خيرا عن الإسلام والمسلمين، وعن حفظ السنة النبوية من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.","vol":"2","page":79},{"text":"المسألة الثالثة\nإذا قال: أنتِ طالق أو طلقتك ونوَى عددًا لَزِمَهُ، ووافقَنَا الشافعي.\nوقال أبو حنيفة ﵁: إذا نَوَى الثلاث لزمه واحدة رجعية، لأن اسْمَ الفاعلِ لا يقيد إلا أصْل المعنى، فالزائد يكون بمجرد النية، والنية لا توجب طلاقا.\nوجوابه أن لفظ \"ثلاثًا\" إذا لفظ به تميز المراد باللفظ، نحو قوله: قبضت عشرين درهما، فقوله: درهما يفيد اختصاص العدد بالدراهم وإن كان لا يدل عليه لغة، فكذلك ثلالا يخصص اللفظ بالبينونة، وكل ما كان يحصل مع المفسِّر وجب أن يحصل قبله، لأن كل ما كان بيانا لمجمل يعدُّ منطوقا به في ذلك المُجْمَل، فكذلك ها هنا (١١٣ م) والله أعْلمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>القاعدة العشرون:\nفي الفرق بين قاعدة التصرفِ في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين ما لا يمكن أن يتقرر في الذمة</span>. (١١٤)\n_________\n(١١٣ م) عبارة القرافي: تزيد المسألة وضوحا أكثر، حيث جاء فيها قوله: \"لأن المفَسِّر إنما جُعِل لفهم الساى، لا لثبوت ذلك الحكم في نفس الأمر، كقوله تعالى: \"أقيموا الصلاة\". (الشرعية) لكن لما وردَ البيانُ من السِّنة في خصوصياتها وهيآتها وأحْوالها عُدَّ ذلك ثابتًا بلفظ القرآن، وأجمع المسلمون على أن الصلاة والزكاة مشروعة بالقرآن، والقاعدة أن كل بيان لمجْمَلٍ يُعَدُّ متطوقا به في ذلك المجمَل، كذلك هاهنا، وإن كان أبو حنيفة ﵀ وافقنا على قوله (أي المطَلِّق): أنتِ بائن، وأنت طالق طلاقا، وطلقتكِ وطلّقتك نفسك، أنه إذا نوى بها الثلاث لزمه، فذلك هنا.\nواختصر البقوري ﵀ المسألة الرابعة هنا. فليرجع إليها في الأصل من أراد ذلك.\n(١١٤) موضوع الفرق الخامس والستين والماثة بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة، وبين قاعدة التصرف في العدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة جـ ٣، ص ١٦٩. لم يعلق عليه الشيخ ابن الشاط بشيء.","vol":"2","page":80},{"text":"إعْلَمْ أن مالكًا وَأَبَا حنيفة ﵄ اتفقا على جواز التعليق في الطلاق والعتاق قبل النكاح وقْلَ الملك، كأنْ يقولَ: إن تزوجتكِ فأنتِ طالق، وإن مَلَكْتُك فأَنتَ حُرٌّ. وقال الشافعي: لا يلزمه شيء من ذلك، وقال: وكذا (١١٥) إن قال: إن ملكتُ دينارا فهو صدقة، وهكذا في برع ما يمكن أن يتعلق به التسليم في الذمة في باب المعاملات فيلزم، فَتمَسَّكَ الأصحاب بوجوه:\nأحدُها القياس على النذر في غير المملوك، بجامع الالتزام بالمعدوم.\nوثانيها قوله تعالى: \"أوفوا بالعقود\" (١١٦)، والطلاق والعتاق عَقدانِ عقدهما على نفسه يجب الوفاء بهما.\nوثالثها قوله ﵇: \"المؤمنون عند شروطهم\"، (١١٧) وهذان شرطان، فوجب الوقوف عندهما.\nوأجاب الشافعية (عن الأول) بأن النقدين والعروض يمكن أن تثبت في الذم، فوقع الإلتزَامُ بناء على ما في الذمة، والطلاق والعتاق لا يثبتان في الذمم،\n_________\n(١١٥) وكذا. ناقصة في نسختى ع، وح، موجودة وثابتة في نسخة ت، وهي كلمة ضرورية لاستكمال المعنى بالشرط وما يدل على جوابه، ولذلك جاء عند القرافي في هذه العبارة ما يوضح ذلك حيث قال: ووافقَنَا (اي الشافعى) على جواز التصرف بالنذْر قبل المِلك، فيقول: إن ملكتُ دينارا فهو صدقة، وكذلك جميع ما يمكن أن يتصدق به المسلم في الذمة في باب المعاملات، فتمسك الأصحاب بوجوه ... الخ.\n(١١٦) سورة المائدة: الآية الأولى (١).\n(١١٧) رواه عن أبي هريرة كل من أئمةِ الحديث: أبي داود والترمذي والحاكم. وفي رواية، زيادة: \"ما وافَق من ذلك فهم مَلزمون بإنفاذها إذا كانت مشروعة\".\nوممّا يزيد ذلك وضوحًا حديثُ عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها أرادت أن تشترىَ بَريرةَ حينما طلبت منها المساعدةَ على ما كاتَبَها عليه أهلُها، فامتنعوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع بذلك النبيُّ - ﷺ - فقال: إشتريها واشتَرِطي لهم الولاءَ فإنَّمَا هو لمن اعْتَق، ففعَلَتْ عائشة، وقام رسول الله - ﷺ - في الناس، فحِمدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعدُ، ما بالُ رجالٌ يشترطون شروطا ليستْ في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائةَ شرط. قضاءُ الله أحق، وشرطه أوْثَقُ، وإنما الولاء لمن اعتق\". أخرجه الشيخان، وأبو داود والترمذي والنسائي ﵏.","vol":"2","page":81},{"text":"والتصرف يعتمد موجودا معَيَّنا أو ما في الذمة، فإذا انتفيا معا بطل التصرف، ألا ترى أن البيعَ إذا لم يكن على معيَّنٍ ولا في الذمة فإنه يبطل، كذلك ها هنا.\nوعن الثاني أن قوله تعالى: \"أوفوا بالعقود\" أمرٌ بالوفاء بالعقود، والأوامر لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل، والعقدُ قد وقع وصار ماضيا، فلا يصح أن يتعلق الامر بالوفاء به، فتعيَّن أن الأمر متعلق بالوفاء بمقتضاه، والتقدير أوفوا بمقتضيات العقود، ونحن نقول بموجبه. ولكن النزاع في مقتضاه ما هو، هل لزوم الطلاق أم لا؟ فلا يحصل المقصود من الآية للخصم، وهذا هو الجواب عن الحديث، فإنَّ الكون عند الشروط إنما هو ضد الوفاء بمقتضاها، وكوْن الطلاق من مقتضاها هو محل النزاع.\nوللمالكية أن يجيبوا عن هذين الجوابين بأن مُقتضَى العقد ومقتضَى الشرط هو ما دلَّ اللفظ عليه لغة لا شرعا، إذ هو صورة النزاع، ونحن إنما نتمسك بالمقتضَى اللغوي. ولا شك أن المقتضَى اللغوي في العقد والشرط هو لزوم الطلاق، فوجب أن يكون متعلَّق الأمر في الآية والحديث، هو لزومَ الطلاق، فوجب أن يكون متعَلِّق الأمْر في الآية والحديث، وهو المطلوب.\nولكنه يردُ إشكال على مالِكٍ وأبي حنيفة، وذلك من حيث قاعدة مقررة، وهي أن كل سبب شرعه الله لحكمة لا يشرعه عند عدم تلك الحكمة. وهَاهُنَا من قال بشرعية الطلاق والعتاق في التعليق، فقد التزم شرعيته مع انتفاء حكْمَتِه، وكان يَلزَم ألَّا يصح العقد البتَّة، لكن العقد صحيح إجماعا، فدل ذلك على عدم لزوم الطلاق تحْصِيلا لحكمة العقد. وأما وجوب نصف الصداق وغير ذلك ممّا يتوقَف على هذا العقد فأمور تابعة لمقصود العقدَ، لا أنها مقصود العقد، فلا يُشرَعُ العقد لأجلها. وحيث أجمعْنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته، وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده، وهذا موضعُ مشكل على أصحابنا (١١٨)، (فتأمّلْه).\n_________\n(١١٨) زاد القرافي هنا قوله: وقد ظهر لك أيضا بما تقدم من البحث الفرقُ بين ما يترتب في الذمم وبين ما لا يترتب.","vol":"2","page":82},{"text":"قلت: لقائل أن يقول: للنكاح مقاصِدُ أوائل وثواني، فإن كانت المقاصد الاوائل قد عُدمت في نكاح التعليق فالثواني لم تُعدم. ومنها أيضا تَصير بذلك النكاج شهرةٌ للولد والوالد، وحيث يَثبتُ له مقصدٌ مَّا، ليس لأنه عَرَضَ بعد ذلك، بل بنفس العقد حصل هذا، فشَرْعِيَّتُهُ صحيحة، لثبوت حِكْمته، ولا يلزَم ما قاله من أن الطلاق لا يلزم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>القاعدة الحادية والعشرون </span>(١١٩)\nإعْلم أن المطلَّقة يمضي - قبل علمها بالطلاق - أمدُ العدة، لا يلزمُها استئنافها، ويكتفى في العدة بما تقدم. والمُرْتابَةُ يتأخَّرُ حيضها ولا تَعلَم له سببا، تمكث عند مالك، - ﵀ - تسعة أشهر، غالب مدة الحمل، استبراءً، فإن حاضت في خلالها اعتبَرتُ ذلك قُرْءا، ثم كذلك تتظر الحيض أو تسعة أشهر، فإن لم تَحِضَ وانقرضت تسعةُ أشهر إعتدّت بذلك ثلاثةَ أشهر، لأنه طُهْرٌ يأتيها بالتسعة، فإن حاضت في الاشهر الثلاثة ولو قبل تمام السنَة بلحظة، فإنْ لم تر حيضا حتَّى تمَّت السنةُ تمَّتْ عِدتُها.\nوالأصل في ذلك لمالك قول عمر ﵁: أيُّمَا امرأةٍ طُلِّقت فحاضتُ حيضة أو حيضتين ثم رُفعتُ عنها حيضتها فإنها تنتظر تسعةَ أشهر، فإن بانَ بها حمْل فذلك وإلَّا اعتدَّتْ بعد التسعة بثلاثة أشهر، ولأنهن بعد التسعة ييأسْنَ من المحيض، إذ لو كان لظهر غالبا. وقال الشافعي وأبو حنيفة: تنتظر الحيض إلى سنّ اليائسة.\nفإذا تقرر هذا فيقال: ما الفرق بين المعتدة يمضي لَها تِسعةُ أشهر؟، يُقَالُ: قد انقضت عِدتها، وتُعتبَرُ الثلاثة بِمُضي التسعة، والمُرتابة في الاستبراء\n_________\n(١١٩) هي موضوع الفرق الرابع والسبعين والمائة بين قاعدة المطلقات يُقضَى قبل علمهن بالطلاق وأمَدِ العدة فلا يلزمهن استئنافها، ويكتفين بما تقدم قبل علمهن، وبين قاعدة المرتابات يتأخر الحيض، ولا يُعلم لتأَخره سبب\" جـ ٣ ص ٢٠٠، ولم يعلق عليه بشيءٍ، الشيخ ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":83},{"text":"تمضي لها تسعة أشهر لا يُعتبر لها ثلاثةُ أشهر في تلك التسعة، بل تُؤْمَرُ باستئناف ثلاثة أشهرٍ، تكملةَ السنة. فالجواب أن العِدَّة مُرتَّبَةٌ على سببها، وذلك الوفاة أوْ الطلاق لا على العلم بها، فلا يُحتاجُ إلى استئناف عِدة، بل تكون عدَّتها من حين الوفاة أو الطلاق وإن لم تعلم بها، لأن من شرط المسبَّب أن يتأخر عن سببه وقد حصل.\nوأما مسألة الاستيراء فالعدة بالأشهر التي ارتابت، ما كان ذلك لها إلا بسبب اليَأس، ولم يحصل اليأس إلا بعدّ تسعةِ أشهر، فلأجْل ذلك استانفت ثلاثة أشهر. إذ سببُ العِدة بالأشهر اليأسُ، وهو لم يحْصلُ قَبْل تسعة أشهر. وإنما حصل بعد تمامِها. واللهُ أعلم، فظهر الفرق بينهما.\n\nالقاعدة الثانية والعشرون:\nفي الفرقِ بين العدة والاستياء حتَّى كانت العدة تجب وإنْ عُلِمَ برآةُ رحِمِهَا، والاستبراءُ لا يجب إذا عُلِمَ برآة رحمها، (١٢٠) فنقول:\nكان ذلك من حيث إن الاستيراء معقُول المعنَى، ما شُرع إلا ليحصُل تحقق برآةِ الرحم، فإذا حصل فأيُّ حاجة فيه؟ وأما العِدَّة فَفِيها معْني تعبُّديٌّ، فالمرأة المعتدة، وان علمتُ برآة رحمها، لابُدَّ لها من العدة، للمعنى التعبدي الذي فيها، وإن كانت من حيث الجملة شُرِعتْ لبرآة الرحم وعدم اختلاط الأنساب، فهي من هذا الوجه كالاستبراء، ولكنها ما خَلتْ عن شائِبةِ التعبد، فلذلك كان هذا الفرق بينهما، والله أعلم.\n_________\n(١٢٠) هي موضوع الفرق السادس والسبعين والمائة بين قاعدة العِدَد وقاعدة الاستبراء. جـ ٣. ص ٢٠٢. لم يعلق عليه بشيء، الفقيه المحقق ابن الشاط ﵀.\nقال في أولِهِ القرافي ﵀: \"إنْ العدة تجب وإن عُلمَتُ برآة الرحم، كمن طلقها زوجها غائبا عنها بعدَ عشر سنين، وكذلك إذا توفي عنها، والاستبراءُ ليس كذلك\".\nقلت: وذلك يُظهِر بجلاء وضوحٍ الجانب التعبدي الملحوظ في العدة.","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>القاعدة الثالثة والعشرون:\nلِمَ كان قرْءٌ واحد يكفي في الاستبراء، وشهر واحد لمن لا تحيض لا يكفي في الاستبراء فلابد من ثلاثة أشهر، وثلاثةُ أشهر إنما جُعِلَتْ مكانَ ثلاثة قروءٍ</span>؟ (١٢١)\nفالجواب أن القُرْءَ الواحد دالٌّ - عَادةٌ - على برآة الرحم، فإن الحيض لا يجتمع مع الحمل غالبا، والشهر الواحد، وإن كان عِوَضَ قُرْءَ واحد، لكنه لا تحصل برآة الرحم به وانما تحصل بثلاثة أشهر، فلذلك اعتُبرت ثلاثة أشهر في الاستبراء أو قُرْءٌ واحد فيه أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>القاعدة الرابعة والعشرون:\nأقرر فيه الفرق بين خيار التمليك في الزوجات وتخيير الإِمَاء في العتق حتى كان يَلزم في الزوجات ولا يَلزم في الإماء</span>. (١٢٢)\n_________\n(١٢١) هي موضوع الفرق السابع والسبعين والمائة بين قاعدة الاستبراء بالأقراء يكفي قرء واحد، وبين قاعدة الاستبراء بالشهور لا يكفى شهر\" جـ ٣. ص ٢٠٥، لم يعلق عليه الفقيه ابن الشاط بشيء.\nقلْتُ: وقد جاء ذكر القرء بصيغة الجمع في الآية ٢٢٨ من سورة البقرة في قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية الكريمة: وقد اختلف السلف والخلَف والأيمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين: أحدهما أن المراد بها الأظهار، بدليل قوله تعالى: في أول سورة الطلاق: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي في الأظهار، ولما كان الطهر الذي يطَلَّقُ فيه محتسبَا دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها، وعليه فإن المعتدة تنقضي عدتها وتَبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، أيّ بالدخول فيها بأيام، وهذا القول اعتمده ورجحه القاضي ابن العربي المعافِرِي في كتابه: أحكام القرآن.\nوالقول الثاني أن المراد بالأقراء الحيض، فلا تنقضى العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، بدليل ما ورد من قول النبي - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حُبَيش \"دَعي الصلاة أيام أقرائك\"، فهذا يقول ابن كثير - لو صح لكان صريحا في أن القُرَءُ هو الحيض ... الخ. أخرجه أبو داود النسائي وغيرهما.\n(١٢٢) هي موضوع الفرق السابع والستين والمائة بين القاعدتين المذكورتين هنا. جـ ٣، ص ١٧٣. لم يعلق عليه بشيء، الفقيه المحقق ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":85},{"text":"وهذا كأن يقول الرجل: إن فعلتُ كذا فأمُرُك بيدك، فتقول المرأة: متَى فعلت فقد اخترتُ نفسي، لزمه ذلك. ولوْ حلَفَ السيدُ بحُرِّيَّة أمَتِهِ، فقالتْ: إنْ فعلتَ فقد اخترْتُ نفسي لا يَلزَمُ.\nوالفرقُ أن الزوْجَ أذِنَ للحُرّة في القضاء الآن على ذلك التقدير، والحالفُ بحرية الأمَةِ لم يأذن، وإنما قصد حثَّ نفسِهِ باليمين على الفعل أو زَجْرَها عنه، وإنما يستويان إذا قالت الحرّة: إن ملكتني فقد اخترتُ نفسي.\nويردِّ عليه أن الله أذِنَ للأمَة في القضاء على ذلك التقدير (١٢٣) كما أذِن الزَّوْجُ.\nوجوابُهُ أن إذن الله تعالى على التقادير لا يترتبُ عليه صحة التصرف قبل وجود التقدير، بدليل إسقاط الشفعة قبل البيع، والإِذن من الوارث في التصرف قبل المرض من الموت، وصرْف الزكاة قبل ملك النصاب، والتكفير قبْل الحنث في اليمين، فهذه التصرفاتُ باطلة، وإن كان الشارع رتبها وأذِن فيها على تلك التقادير، لأن القاعدة أن كل حكم وَقَعَ قبلي سببه وشرطِه لا ينفَّذ (١٢٤) إجماعا، وبعدهما ينفَّذ إجماعا، وبينهما، في النفوذ قولان، فالحُرّة وجدّ في حقها سبب، وهو قول الزوج مع إذن الشرع المقدَّر، والأمَةُ الموجودُ في حقها الإِذْنُ المقَدِّر فقط. وأيضا فإن حقوق العباد إنما تَسقط بإِذن العباد (١٢٥).\nقال اللخمي: وسوَّى أصبَغُ الإماء بالزوجات، وسوَّي أشهبُ الزوجاتِ بالإِماء لعدَمِ ما يترتب عليه الاختيار.\n_________\n(١٢٣) هو تقدير العتق.\n(١٢٤) كذا في جميع نسخ هذا الترتيب والاختصار عند البقوري، وعند القرافي لا ينعقد إجماعا، سواء في هذه الكلمة والتي بعدها.\n(١٢٥) قال القرافي هنا: وقد تقدمت أيضًا هذه القاعدة، ونُظِّرتُ بالوديعة والعارية، إذا هلكت بإذن ربها لا يضمن، وبإذن صاحب الشرع يضمن، ومسائل معها، (أيْ ونَظِّرتْ بمسائل أخرى مع هذه القاعدة.","vol":"2","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>القاعدة الخامسة والعشرون:\nفي الفرق بين التخْيير والتمليك</span>. (١٢٦)\nإعْلَمْ أن أصل التمليك عند مالكٍ الدلالةُ على أصْل الطلاق من غير إشعار بالعدد ولا بالبيونة، فلذلك يَقبل قضاءَ الزوجة بأيّ شيء شآءتْ، والتخييرُ للثلاث قبل البناء وبعده، فلذلك تُقبَل نية الزوج فيما دون الثلاثي قبل البناء، لحصول المقصود، وهُوَ البينونة بالواحدة حينئذ دون ما بعُد البناء، لأنه صريح في البَيْنُونةِ لا يقبل المجاز كالثلاث إذا نطق بها. واتفق الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل على أنه كناية لا يلزمْ به شيء إلا بالنية، ولأن لفظ التخيير يحْتمل التخيير في الطلاق وغيره، وإن اراد الطلاق فيحتمل الواحدة وأكثرَ من ذلك، والْأصْلُ بقاءُ العصمة حتي ينوَّى.\nوقد اعتمد الأصحاب على أشياءَ:\nمنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (١٢٧) الْآية. وظاهرٌ أنه لا دلالة في الآيةِ بوجهٍ على ما قَالُوهُ، لوجوه:\nمنها أنَّهُ المُطَلِّق ﵇ لقوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ لو أنهُ كان مطَلِّقا.\nومما تمسكوا به أيضًا أن إحدى نسائه اختارت نفْسَها فكانت البتَّة.\n_________\n(١٢٦) هي موضوع الفرق الثامن والستين والمائة بين قاعدة التمليك وقاعدة التخيير ... جـ ٣. ص ١٧٥. وقد علق الشيخ ابن الشاط في أول هذا الفرق على ما جاء فيه عند القرافي، فقال: \"أكثر ما قاله فيه حكايةً خلاف وتوجيه، ولا كلامَ في ذلك، وما قاله من أن مالكًا ﵁ إنما بنَى علي عرف زمانه، هو الظاهر، وما قاله من لزوم تغيُّر الفتوى عند تغيُّر العرف - صحيح، والله أعلم\".\n(١٢٧) وتمامُها، ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ سورةالأحزاب، الآية ٢٩.","vol":"2","page":87},{"text":"قال اللخمي: وهو غير صحيح، بل الذي في الصحيح خلاف ذلك، وأن عائشة اختارت الله ورسوله، فَفَعَلَ سائر نسائه مثل ذلك (١٢٨)\nومنها أن هذا هُوَ المفهوم من هذا اللفظ عادة (١٢٩)، والْائمة المحالفون ينازعون في أن العادة ما ذكره الأصحاب.\nقال شهاب الدين: والصحيح الذي يظهر لي أن الأئمة غيرَ مالك حملوا اللفظ على مقتضاه اللغوي، مالكٌ على عادة كانت في زمانه في بلده، وبهذا الاعتبار يظهر الفرق بين التخيير والتمليك.\nغير أنه يقال: العادة تختلف، فلا ينبغي أن ياسمتمر الحكم ويكون واحدًا مع اختلافها، بل يختلف باختلافها، والله أعلم. انتهى ما علمتُه من القواعد في هذا الباب.\nولنذكر مسائل مشكلة وقعت في هذا الباب أيضًا ونذكر أجوبتها (١٣٠)\n_________\n(١٢٨) عن عائشة ﵂ قالت: لَمَا نزلت آية التخيير بدأ بي رسول الله - ﷺ - فقال: يا عائشة، إنى عارضٌ عليك أمرا، فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تَعرضيه على أبويك: أبي بكر وأم رومان ﵄. فقلت: يا رسول الله، وما هو؟ فقرأ عليها الآية السابقة، فقالت: إني أريد الله ورسوله والدارَ الآخرة، لا أؤامر في ذلك أبوَّى، فضَحِك رسول الله - ﷺ - ثم استقرأ الحِجّر (أيْ عرض الأمر على بقية نسائِهِ وأخبرهن بما قالتْ عائشة فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة. ﵅ جميعا. أنظر الروايات المحتلفة لهذا الحديث في تفسير الحافظ ابن كثير ﵀.\n(١٢٩) عبارة القرافي أوضحُ، وهي: وثالثها (أي الوجوه) أن المفهوم من هذا اللفظ عادةً إنما هو التخيير في الكون في العصمة أو مفارقِتها، هذا هو السابق للفهم من قول الرجل لزوجته: \"خَيَّرتك، والائمة الثلاثة ينازعون في أن هذا هو المفهوم عادة\".\n(١٣٠) هذه المسائل مع أجوبتها هي من إضافات الشيخ البقوري ﵀، ومن زياداته وإفاداته التي أضافها في بعض الموضوعات إلى أصل كتاب الفروق لشيخه شهاب الدين القرافي ﵀، وهي تدل على سَعة اطِّلاعه وعمق تمكنه فيما يتَّصل بالقواعد الفقهية، وما يتفرع عنها من نظائرَ مماثلة، ومسائلَ مشابهة وفروع وجزئيات، وغير ذلك مما يتصل بعلوم الشريعة عامة.","vol":"2","page":88},{"text":"المسألة الأولى:\nقال مالك: من نكح بعَبْدٍ مُطْلَق فنكاحه صحيح، (١٣١)، ولها الوسط من العبيد، ومن نكح بثَوبٍ مطلق لم يصح وفُسِخَ قبل الدخول، فأشْكَلَ من حيث إن المَوْضعين فيهما الصداق غير متعين.\nفالجواب أن العبيد لا يكاد يقع بينها الْتِباسٌ (١٣٢) في الاختلاف الشديد كوقوعه في غيره، فلهذا خففه مالك، وليس كذلك الثياب، لأن التباين فيها شديد، فلم يصحّ الاطلاق فيها.\nالمسألة الثانية:\nقال الفقهاء: يصح النكاح بعبد مطلق، ولا يصح البيع بعبد مطلق، ولا الإجارة، فأشكلَ ذلك أيضا، إذ الكُلُّ عقودُ معاوضةٍ.\nفالجواب أن عقد النكاح ليس المبتغَى منه العوضُ، والبيعُ المبتغَى منه العوض، فصح الإطلاق في النكاح ولم يصحَّ في البيع، وكذلك دخَل الخيار في البيع والاجارة، ولم يدخل في النكاح.\nالمسألة الثالثة:\nإذا تزوج العبد بغير إذن سيده جاز النكاح إذا أجازه سَيِّدُه، وانفسخ إذا رَدَّهُ. فإن قال - لَمّا عَلِم -: لا أرْضى، ثم كُلِّم في ذلك فقال: رضِيتُ، ولم يُرِدْ بقوله الأول لا أرضَي، فسخ النِكاحِ، صَحَّ النكاحُ برضاه الثاني. ولذا باع رجُلٌ سلعة رَجُلٍ بغير أمره فإن البيع يصح إن أجازه ربّ السلعة وينفسخ إن ردّه. فإن قال - لما علِمَ - لا أرضَى، ثم كُلّم في ذلك، فقال: قد رضيت صحّ، سواء\n_________\n(١٣١) أي مَن جَعَل صداق زوجته عبدا مطلقا غير مقيَّد بصفات معينة، فنكاحه صحيح، كما سيتضح بيانه في العبارة الموالية.\n(١٣٢) كذا في نسخة ع وَفي نسختي ح، وت: التباين، وهذه الكلمة يظهر أنها أنسَبُ في المعني، ومنسجمة مع نفس الكلمة بعدها.","vol":"2","page":89},{"text":"أراد بقوله الأول الفسخ أوْلًا، فلم كان هذا، والكلِّ عقدُ معاوضةٍ عقَدَه من ليس عقده بنافع، وهو مفتقِر في نفوذه إلى الغير؟ .\nفالجواب أن البيع محمول من ربِّ السلعة الثاني على ابتداء عقْده، فلهذا صحَّ، يلتفت إلى الكلام الأول، وليس كذلك السيدُ، لأن العاقد هو العبد، ولا يُحمَلُ عقده الثاني على ابتداء عقد، فلهذا قلنا: إن أراد بالقول الأول فسخَ النكاح لم يصحَّ رضاه بعد ذلك، وذلك أن البيع أوسَعُ أمرًا في هذا المعنى من النكاح.\nالمسألة الرابعة\nقال مالك: يصح عقد النكاح من غير ذكر مهر، ولا يصح عقد البيع إلا بذكر الثمن، فيقال: لم كان هذا، وكِلاهما عقدُ معاوضةٍ؟ .\nفالجواب أن النكاح، المقصودُّ منه الألفة والوَصْلة دون المهر، فصح وإن لم يُذْكَر، والبيعُ، المقصودُ منه الثمنُ، لأنه مبني على المكايَسَة والمعايَنَة، فلم يَصِحَّ إلَّا بذكر الثمن، لأنه المقصود منه، فافترقا.\nالمسألة الخامسة:\nيُفسخ نِكاح المرتد ولا يَرْتجِعُ وإنّ رجع إلى الإسلام، وإن أسلم الكافر ثبت على النكاح، فلِمَ كان هذا، وكلاهما إسلام من كُفْرٍ؟ .\nفالجواب أن الرِّدة غُلِّظ في بابها ما لم يُغلَّظ في باب الكفر الأصلي، ألَا ترى أنه لا يُقر على ارتداده، بخلاف الكافر الأصلي\nالمسألة السادسة:\nمالِكٌ يجوِّزُ (١٣٣) عَقْدَ الأبِ على نِصفِ صداقِ ابنته البِكر بعد الطلاق، ولا يُجَوِّز قبْلَ الطلاق، فلم ذلك وفي كلا الموضعين هُوَ عَفْوٌ عن صداق؟\n_________\n(١٣٣) كذا في نسختي ع، وح، وفي نسخة ثالثة: ت: تجيز من الفعل أجاز، ومعناهما واحد،","vol":"2","page":90},{"text":"فالجواب أن صنع الأب لا يَجُوزُ على (١٣٤) ابنته البِكر إلا إذا كان نظرًا لها، وإذا لم يكن نظرًا لها لم يَجُزْ. فقبْلَ الطلاق ليس بنظرٍ عفوُهُ عن الصداق، لأنه لا منفعة لابنته في ذلك، وبَعْد الطلاق هو نظرٌ، لأنّ فيه منفعةَ البنت، وذلك أن يكون داعيا لرغبة الأزواج بها (١٣٥) بِحُسْنِ الأحدوثة عنها بوضع الصداق عن الزوج.\nالمسألة السابعة:\nإذا تزوج المرأةَ على خمر أو خنزير فُسِخ النكاح قبل الدخول، وإذا خالعها بذلك مضى الخلع وردِّ ما أَخذ، فلم كان ذلك وفي كلا الموضعين هو عقدٌّ؟ .\nفالجواب أن الخلع طلاق لا يفتقر إلى عوض، لأن خروج البُضعِ عن مِلك الزوج لم يَفسد بفساد العوض، وليس كذلك عقد النكاح لأنه يفتقر إلى العوض، والخمر والخنزير ليس بعوض فلم يصحَّ العقد. وأيضا فإنَّ الخلع طلاق، والطلاق لا يمكن دفعه بعد وقوعه، وعقد النكاح يمكن دفعه بعد وقوعه، فافترقا.\nالمسألة الثامنة:\nإذا غَرَّتْ المرأةُ ترَكَ لها ربعَ دينار إذا كان دخَل بها، وإن يي الغَارُّ الوليَّ رجع عليه بجميع الصداق، فيقال: ولِمَ، وفي كلا الموضعين كلّ واحدٍ منهما غارٌّ في النكاح.\n_________\n(١٣٤) كذا في نسختي ع، ح وفي نسخة ت: عن ابنته.\n(١٣٥) كذا في نسختي ع، وح. وفي نسخة ت: فيها: ومعلوم أن حروفَ الجر ينوب بعضها عن بعض ويقوم مقامه إذا صح المعنى، ولم يؤد إلى وضع حرف الجر في غير موضعه، والخروج عن قواعد اللغة وأسلوب الاستعمال، إذ من المعروف كذلك والمسلَّمِ به لغة وقاعدةً، أن بعض الحروف يصح استعمالها مع فعل ولا يصحُّ استعمالها مع فعل آخر، تمشِّيا مع لغة القرآن والحديث النبوي الشريف والنطق العربي السليم الفصيح. فلينتبه لذلك، فإنه تقع الغفلة عنه أحيانا في بعض التعابير والاساليب المستعملة حديثا في الكتابات الحديثة والمعاصرة.","vol":"2","page":91},{"text":"فالجواب أن المرأة إذا كانت هي الغَارَّةَ فلابُدّ من ترك شيء لها من الصداق، لئلا يَعْرى البُضْعُ عن عوض، وليس كذلك الولي، لأن في الرجوع عليه بالصداق لم يَعْرَ البُضع عن عوضٍ، لأنه لا يرجع على المرأة بذلك، فافترقا.\nالمسألة التاسعة:\nقال مالك: تُصْرَفُ كنايةُ الظِهار إلى الطلاق، ولا تُصرَف كناية الطلاق إلى الظهار، فلم ذلك وكلاهما كِناية؟\nفالجواب أن الطلاق يفيد معني لا يفيده الظِهار، وذلك أنه يقطع العصمة، فكانت رتبتُه أرفع من رتبة الظهار، فلم يصح أن تنصرف كنايته إلى الظهار، لأنه دونه في الرتبة، وصحّ انصراف كناية الظهار إلى الطلاق، لأنه انصراف إلى ما هو أعْلى من رتبته.\nفإن قيل: هذا المعني موجود في صريحه، ومع ذلك لا يَنْصرف إلى الطلاق.\nقيل له: المعتَبر في الصريح اللفظ، واللفظُ لا يصح صرْفُهُ إلى غير ما وضع له إلا على طريق المجاز. والكِناية، المعتبرُ فيها معناها دون لفظها، والمعاني يصح نقلها إذا كانت فائدتها موجودة فيما نُقلت إليه، ولهذا لا تُصْرَف كناية الطلاق إلى الظهار، لأن المعني غير موجود فيه.\nالمسألة العاشرة:\nإذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي كظهر أمّي لزمه الظهار، وإذا قال: كلُّ امرأة أتزوجها فهي طالق لم يلزمه ذلك وكان له أن يتزوج، فيقال: لِمَ ذلك والجميع مانع للوطء؟\nفالجواب أن الطلاق لا يمكنه إسقاطه عن نفسه فلم يلزمه، لأنه يؤدي إلى منع الاستباحة وإلى الزنى الممنوع منه، الذي أباحَ اللهُ نكاح الإِماء لأجله،","vol":"2","page":92},{"text":"والظهار يمكنه إسقاطه في نفسه بالكفارة ويصل إلى الاستباحة، فافترَقا. (١٣٦)\nالمسألة الحادية عشرة:\nمالكٌ: إذا ظاهَرَ من أجنبية (١٣٧) لم يلزمه إلا بشرط التزوج، وإذا آلى منها لزمه الإيلاء متى تزوَّجَها، (١٣٨) وكلاهما يمنع الوطء، فلم كان ذلك؟\nفالجواب أن حقيقة الظهار تشبيهُ محَلَّل بمُحَرَّم، وهذا المعني لا يوجد في الأجنبية لأنها محرَّمة، فيحصل تشبيه مُحرَّمة بمحرَّمة، وذلك غير ما وُضع له الظهار فلم يَلزمْ، وليس كذللك الإيلاء، لأنه يمين على ترك وطء، وهذا المعنى موجود في الاجنبية كوجوده في الزوجة، فافترقا.\n_________\n(١٣٦) وأحكام الظهار وكفاراته جاء ذكرها في أول سورة المجادلة، إبتداء من قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. كما جاء ذكرها في أحاديث نبوية.\n(١٣٧) اصطلاح المرأة الاجنبية في الفقه يعني كلَّ امرأة مسلمة ليست ذات محْرَم من محارم الانسان ولا ذاتَ قرابة من قرابته ولا صلة تجمعها به سِوى أخُوَّة الإسلام والإِيمان، ويجوز للانسان التزوجُ بها شرعًا، فهي بذلك المعنى أجنبية عنه، ويحرم عليه الاختلاءُ والاتصال والاستمتاع بها إلا بعد عقد شرعي مُستَجْمِع لشروط العقد الصحيح، وَمُسْتوفٍ أركانَه الاساسية كلها في الإسلام.\n(١٣٨) الإيلاء هو الحلف من الزوج على عدم مباشرة زوجته مدة، وهذه المدة إن كانت أقلَّ من أربعة أشهر فله أن ينتظر انقضاء المدة، وعلى الزوجة الصبرُ لحين انتهائها، وإن كانت أكثرَ من أربعة أشهر، فللزوجة مطالَبَةُ الزوج عند انقضاء أربعة أشهر بالفَئ (ايْ العودة إلى علاقة زوجته ومعاشرتها الزوجية) أو الطلاق، فيجبره القاضي على ذلك حتى لا يضرَّ بالزوجة مَضرة غَيْرَ محتملة، وهذا ما أقرته مدونة الاحوال الشخصية المغربية في فصلها ٢٨، المتعلق بالتطليق للايلاء أو الهجر حيث جاء في هذا الفصل ما نصه:\n\"إذا آلى الزوج أو حلَف على هجْر زوجته وترك المسيس جاز للزوجة أن ترفع أمرها إلى القاضي الذي يؤجله أربعة أشهر، فإن لم يَفِىْ بعد الاجل طلقها عليه، وهذا الطلاق رجعي\". وقد جاء ذكر الإيلاء وأحكامه في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. سورة البقرة، الآية ٢٢٦. قال عنها القاضي أبو بكر ابن العربي المعَافري ﵀ في كتابه أحكام القرآن: \"هي آية عظيمة الموقع جدًا، يترتب عليها حكم كبير، اختلاف فيه الصحابة والتابعون وفقهاء الامصار، ودَقَّتْ مَدَاركها حسب ما ترونها من جملتها إن شاء الله\".","vol":"2","page":93},{"text":"المسألة الثانية عشرة:\nيُجْبَرُ المطلق في الحيض على الرجعة ولا يُجْبَرُ المطلق في الطُّهْر الذي مَسَّ فيه على الرجعة، وكِلا الطلاقيْن ممنوع منه، فلِمَ ذلك؟\nفالجواب أن المطلق في الحيض أدخلَ الضرر على المرأة، لأنه طوّل عليها العدة فعُوقب بالارتجاع، وهذا المعنى غير موجود في الطلاق في الطُّهر الذي مَسَّ فيه، لأنه لم يطوّل بِه عدةً عليها، إذْ تعتدُّ به قُرءا كاملا (١٣٨ م).\nالمسألة الثالثة عشرة.\nقال ابن عبد الحكم: إذا قال لامرأته: كل امرأة أتزوجُها عليك فهي عليّ كظهر أمّي فعليه كفارة واحدة. وإذا قال: كل امرأة أتزوجها عليك فالمرأة التي أتزوجها عليك كظهر أمي، فكلما تزوج امرأة فعليه كفارة، وفي كلا الموضعين فقد علَّق الظِهار بالتزوج، فلِمَ وقع الفرق؟\nفالجواب أنه إذا قال: كلُّ امرأة أتزوجها عليك، فقد جمع بينهن في الظِهار، فهو كما لو قال لنسوة: أنتُنَّ عليَّ كظهر أمي، فليس عليه إلا كفارةٌ واحدةٌ، لإشراكه بينهن في الظهار، وليس كذلك إذا قال: فالمرأة التي أتزوج عليك، لأنه أفرد كل واحدةٍ في الظهار ولم يُرِدُّ الاشتراك، فيكون بمنزلة من قال لأربع نسوة: أنتِ علي كظهر أمي، وأنت علي كظهر أمي، حتى أتى على آخرهن، فإن عليه أربعَ كفارتٍ، لأنه أفْرَدَ كل واحدة منهن بالظهار، ولم يُشْرِكْ بينهن كما تقدم، فافترقا.\n_________\n(١٣٨ م) ومن المعلوم أن الطلاق السُّنِّي هو الذي يكون في طهر لم يقع المسيس فيه، ولا يكون متبوعا بطلقة ثانية - على فرض وقوعها - حتى تنقضي عدة المرأة من الطلقة الأولى.\nوسمي سُنِّيًا باعتباره مستجمعا للشروط المذكورة المطلوبة فيه، في مقابلة الطلاق البدعي الذي يقع فيه إخلال ببعض تلك الشروط، إذ من المعلوم - كما جاء في الحديث - أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، حيث يدعو الإسلام إلى حسن المعاشرة بين الزوجين، وبُرَغب في ذلك ويحث عليه، ويحض على الحفاظ على تماسُكِ الأسرة وبقائها مجتمعةً سعيدة ملتئمة الشمل والكلمة، وعلى تربية الأولاد تربية حسنةً ورعايتهم رعاية كاملة ..","vol":"2","page":94},{"text":"المسألة الرابعة عشرة.\nإذا طلَّق الرجُلُ امرأتَه، فأنفَقَتْ من ماله قبل علمها بالطلاق لم تُتَّبَعْ بما أنفقتْ، ولو أنفقتْ بعد موته وهي لا تَعلم بموت اتُّبِعَتْ بالنفقة، وفي كلا الموضعين هي نفقة بعدَ زوال العصمة عنها، فلِم الفرق في الجواب؟\nفالجواب أن في الطلاق التفريطَ منسوب إلى الزوج، فلذلك لم تُتَّبَعْ بما أنفقتْ، لأنه كأنه أذِن لها في ذلك ورضي به، وليس كذلك في الموتِ، لأنه غير مُفِرّط، ولأن النفقة بعد الموت من مال الوارث، والزوجة لا تستحق نفقة على الورثة، فَقَدْ كانتْ متعدية بما أنفقت، فلزمها الضمان، والجهْل لا يُسْقِط ذلك عنْها، لأن التعدي على مالِ الغير يَستوى فيه الجهْلُ والعمد.\nالمسألة الخامسةَ عشرةَ:\nإذا قال: كل امرأة أتزوجها فهى طالق لم يلزمه طلاق وكان له أن يتزوج، وإذا قال: كُلُّ امرأة أتزوجها فأمرُها بيدها لزمه ذلك، وفي كِلا الموضعين طلاق، فلمَ كان هذا؟\nفالجواب أن في الطلاق قدْ سَدَّ بابَ الإِباحة، فلم يلزمه، ليس كذلك في التمليك، لأنه لم يَسُدَّ على نفسه باب الإِباحة، لجواز أن تَختاره المرأة على الطلاق دون الاخرى، فافترقا.\nالمسألةُ السادسةَ عشرةَ:\nقال الفقهاء: العِدة في الوفَاة قبل الاسْتِبراء، وفي الطلاق بَعدهُ، فلِمَ كان ذلك، وكِلاهما عِدَّةٌ؟\nفالجواب أن العِدة في الطلاق أقْرَآءٌ، والشهورُ بدلٌ منها، ولا يصح الانتقال إلى الأبْدَال إلا عدم مبْدَلاتها، ولا يقدَّمُ البدَلُ في العِدّة (١٣٩) وهو الأقراء، إلا بعد\n_________\n(١٣٩) كذا في نسخة ع، وفي ت: \"ولا يِعْدَمُ البَدَل من العدة\"، وفي ح: ولا يقدَّم البدَلُ في العدة، وهو الأقْراء، ولعلَّ ما في نسخة ع أظهرُ وأنسَبُ، فلْيُتأمَّل وليْصُحَّحْ.","vol":"2","page":95},{"text":"الاستبراء، لأنه بذلك يُعلَم أنها من أهل الشهور، والعِدة في الوفاة مُرُورُ زمان، وذلك غيرُ موقوف على شيء متوقَّع، ولأن العِدة في الوفاة، المقصودُ منها الشهورُ، والعدة في الطلاق، المقصود منها الاستبراء.\nالمسألة السابعة عشرة:\nإذا قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثا، وأنت عليَّ كظهر أمِّي فلا ظهار عليه، وإذا قال: أنتِ على كظهر أُمي، وأنتِ طالق ثلاثا. فعليه الظِّهار إذا عادت إليه، والجميع ظهارٌ وجِدَ مع طلاق.\nفالجوابُ أن الظِهَار لا يصح ولا يتوجَّه إلا بوجود حقيقته، وحقيقَتُهُ تشبِيهُ محلَّل بمحرَّم، ولا يلزم في الأجنبية، لأن معناه لا يوجدُ فيها، وإذا قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثا صارتْ أجنبية منه، فلا فرقَ بين ظهاره منها وبيْن غيْرها، فلم يتوجه حينئذ ظهار. وإذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمى فقد أوقَعَ الظهار وهي زوجة، فلزمه ذلك، فإذا حَدَثَ بعده طلاق لم يزُل بهِ ما قدْ ترتب عليه، فافترقا.\nالمسألةَ الثامنةَ عشْرةَ.\nإذا قال المطلق الرجعي لِامرأته: إذا كانَ غدٌ فقد راجعتُك لم يكن رِجْعَةً، وإذا قال: قد كنتُ راجعتكِ بالأمس كان ذلك رِجعة، وفي كلا الموضعين هو إخبار عن رجعة:\nفالجواب: إذا علَّق المراجعة بوقت ياتي فقد صار وعْدًا، والوعدُ في النكاح لا يجوز، والرجعة نكاحٌ، فإذا أَخبر عن وقت قد مضى فليْسَ بوعد، وإنما هو إخبار عن مراجعة قدْ حدثَت له في العدِّة، فكأنه قال: قد راجعتُك في الحال.\nالمسألة التاسعَةَ عشْرَةَ:\nإذا قال: قد راجعتُكِ فقالت: قد انقضتْ عدتي صُدِّقَتْ في الحال، فإنْ كان بعد ذلك قالتْ هذا، نُظِر إلى المُدة، فإن كان مثلها تنقضي فيها العدة","vol":"2","page":96},{"text":"صُدِّقتْ، وإن كانتْ لا تنقضي في مثلها لَمْ تصَدَّق، وفي كلا الموضعَيْن هي مُدَّعِيَّة لانقضاء العدة.\nفالجواب أنَها إذا كانت في الحالِ لم تُتَّهَمْ على كراهيةِ نكاحه، فلهذا نُظِر إلى ما تَدَّعيه، وإيس كذلك إذا أجابتْ بعد مدة مضَت من كلامه، لأنها تتَّهمُ على نكاحه أنها كارهة له، فلهذا لم يُنظَر إلى قَوْلها. وفرق ابن القاسم بينهما، بأنْ قال: إنَّ في السكوت قد ثبتتْ الرجعة فلم يُقبل قولها في بطلانها، وفي الأَولى لم تَثْبُتْ، فقُبِلَ قوُلهَا.\nالمسألة العشرون:\nإذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، إلا من قبيلة كذا ومن بني فلان، أو مِن قريَةٍ بعينها لزمه ذإك، إلا أن يكون المعَيَّنُ من القرية أو القبيلةِ ليس فيها ما (١٣٩ م) يَتزوج، لصغَر القرية وقِلّة القبيلة، فلا يلزمه اليمين. وإذا قال: كل امرأة أتزوجها من قبيلة كذا أوْ من قريةِ كذا لزمه اليمين، سواء كانتْ القبيلة قليلةً أو لم تكن، وكذلك القرية، وفي كلا الموضعين اليمين معلَّقة بهما،\nفالجواب أن يمينه إذا كانت تَسُد على نفسه بابَ الإِباحة سقطتْ ولم تلزَمْ، وكان كمن عَمَّ النساءَ كلَّهن، وإذا لم تكن يمينه تسُدُّ على نفسه بابَ الإِباحة لزِمتْه، وفي الأول (١٤٠) قد وُجد السد فلم تلزمه، وفي الثانية لم يُوجد فلزمتْه اليمين.\n_________\n(١٣٩ م) لعل صوابه مَن، إذ القاعدة أن من تُستعمل للعاقل، وما لغيره، والمعنى المراد أنه ليس في القرية والقبيلة التي عينها بالاستثناء مَن يتزوجها من النساء، لصغر القبيلة أو القرية.\n(١٤٠) أي وفي القول الأول، فالموصوف هو القول المفهوم من قوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلا مِنْ قبيلة كذا لزمه اليمين ... الخ","vol":"2","page":97},{"text":"المسألة الحادية والعشرون:\nإذا حلَفَ لَيضربَن عبده لأجَلٍ سمّاه فَعَتَقَهُ، فادّعى ضربَه عند حلول الأجل، فأكذبَهُ العبدُ، فالقول قول السيد، وإذا حلف بالطلاق لَيَقضِينّ فلانًا حقَّه لأجلٍ سمّاه، فادعى عند حلول الأجَل القضاء، فأكذبه ربّ الحقِّ، لم يُقبَل قول الحالف، وفي كِلا الموضعين هُو مدّعٍ لإِسقاط اليمين مع كون الحق تعلَّقَ بغيره، أعني الطلاق والعتق.\nفالجواب أن العادة جارية بأن السيد يضرب عبده أيَّ وقت شاء من غير إشهاد، فإذا ادّعى فِعله قُبِلَ قولُه، ولأنه بمنزلةِ أن يدعي العبدُ عليه العِتْقَ وينكر السيدُ، فالقول قول السيد، وليس كذلك قضاءُ الحق، لأن العادة جارية بالإِشهاد، ألا ترى أنّ مَنْ أمَرَ رجُلًا أن يدفع مالًا إلى رجل فادّعى إيصالَه فأنكره المبعوثُ إليه فعَلى الدافع البينةُ وإلّا ضَمِنَ.\nالمسألة الثانية والعشرون:\nإِذا راجع المخالِعُ ثم طلَّق قبل أن يمَس، فإنَّها تبني على عدتها الأولى، وإذا راجعَ من له الرَّجعة ثم طلق قبل أن يمس، فإنها تستأنِف العدة، وفي كلا الموضعين قد وجد، الطلاق قبل الدخول.\nفالجواب أن المخالِعُ يتزوج تزويجا (١٤١) مبتدَأً ويطَلِّق قبل الدخول، فأشبه غيره لو تزوج قبل الدخول، فإنها تبني على عِدتها الأولى، ليس كذلك المرتجِع، لأن الرجعة ليستْ بنكاح مبتدأ، لأن أحكام الزوجية باقية بينهما، فلهذا استانفت العدة.\n_________\n(١٤١) كذا في جميع النسخ الثلاث المعتمدة في التحقيق والتصحيح، ومقتضى التناسب بين الفعل ومصدره أن يقال: يتزوج تزوجا، ولعله نظر إلى فعل الزوج وهو التزوج، وفعْل ولِيّ المرأة وهو التزويج، فجمع بينهما في العبارة والصيغة بِالفعل والْمصْدر المناسبة لكل منهما، والله أعلم.","vol":"2","page":98},{"text":"المسألة الثالثة والعشرون:\nقال ابنُ القاسم: عدة المريضة سَنةٌ، وعدةُ المرضِع ثلاث حِيَض، وفي كلا الموضعَيْن قدْ وُجِد المانع من الحيض.\nفالجواب أن المانع في الرضاع يمكن دفعه بإزالة الوَلد عنها، فلهذا لم يكن بد من الحيض، لأن الأشهر إنما هي بَدل عن الحيض، ولا تنتقل إليها إلا مع عَدَمِه، وليْسَ كذلك المَرض، لأنه لا يمكن دفعُه، فانتقلت إلى الأشهر.\nالمسألة الرابعة والعشرون:\nيصح شراء الأمة المعتدة، ولا يصحُّ عقد النكاح عليها، وفي كِلا الموضعَيْن فهو عقدُ معاوَضةٍ.\nفالجواب أن المقصود من عقد النكاح الاستمتاع بالوطء، والاستمتاعُ ممنوع منه في العِدة، فلا يصِحُّ فيه عقد النكاح كما قلنا في المُحْرِمة: إنه لا يجوز العقد عليها ما كانت مُحْرِمَة (١٤٢)، لأن المقصود من العقد الاستمتاع، والاستمتاع ممنوع في حال الإحرام، ليسَ كذلك في الشراء، لأن البيع، المقصودُ منه المِلكُ، والمِلك يتضمن الانتِفاع بوجوه المنافِعِ كلِها، والاستمتاع داخِل فيها على سبيل التبَع لأنه هو المقصود، ألا ترى أنه يَصِح مِلك من لا يجوز له وطؤها مثْل أختهِ من الرضاعة وخالتِه وعمته من النسَب، وإن كان النكاح منفعة، ولا يصح عقد النكاح عليهن، ولأنَّ التزويج إنما مُنِع منه في العدة لأجْلِ فساد الأنساب، ولأنه لمّا جَاز بيْعُ الْأمة قبل أن يستَبْرِئها السَّيدُ من وطئه جازَ أن تُبَاع الأمَةُ من الزوج،\n_________\n(١٤٢) أي مدة كونها محْرِمة، فما ظرفية مصدرية، على حد قوله تعالى في شأن عيسى ابن مريم ﵇ مع أمه مريم: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. سوة مريم، آية: ٣٠ - ٣٤.","vol":"2","page":99},{"text":"وإنَّما لم يَجُزْ أن يعْقِد عليها عقدَ النكاح في العِدة غيرُ الزوج، لأن العدة في حق الأزواج كالاستبراءِ في حق السيد.\nالمسألة الخامسة والعشرون:\nيجب الإِحْدَاد على الأمَةِ المتوفَّى عنها زوجُها وعلى الحُرّة، هُمَا فيه سواءٌ، وعِدَّة الْأمَةِ نصْف عدةِ الحرة، فلِمَ سُوِّى بينهما في الإِحداد، وفُرِّق بينهما في العِدّة، والكل يجب على الزوج؟\nفالجواب أن الإِحداد إنما هو الامتناع عن الطِّيب وَلَبْسِ المصْبَغات، وهَذا المعنى تستوي المدة الطويلة والقصيرة فيه، كما الأمرُ في الإِحرام، لمَّا مَنَع من الطيب إستوى في ذلك طويل الإِحرام وذلك الحجُّ، وقصيرُهُ وذلك العمرة، والعِدَّة في معاني الحدود، فلَمَّا تَنَصَّفتْ الحدودُ تنصفتْ العِدَدُ. (١٤٣)\n_________\n(١٤٣) فمن الاحكام الشرعية المعروفة في باب الجنايات أن الحدود تكون في العبد وتقام عليه بنصف ما وجب على الحر، فيُحَدُّ العبد في القذف للغير، وفي شرب الخمر، أربعين سوطا أو جلدة بدَل ثمانين بالنسبة للحر، ويُحَدُّ خمسين جلدةً في ثبوت الزنى عليه، بدَلَ مائة جلدة وتغريب سنة، بالنسبة للحر، وقد جآء حَدُّ الزِنَى في قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ...﴾ سورة النور الآية ٢","vol":"2","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>النفقة</span>\nقاعدة واحدة (١٤٤).\nإعلم أن مالكا أوجب النفقة لأولاد الصلب والأبوَيْنِ خاصة، وأوجبها الشافعي لكلِ من هو بعضٌ من الآباء والأمهات، وإنْ علَوْا، وللأولاد وإن سفلوا، لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١٤٥)، ولِقوله ﵇ في البخاري: \"يقول لكَ ولدك: إلَى من تَكِلُني\"، قال: والابن يصدق على ابْن الابن كما يصدق على الابن وإن سَفُل، وكذا الأب يصدق على الأبِ وعلى أبيه وان عَلَا. وقال أبو حنيفة: تجب النفقة لِكلِ ذي رحِمٍ مَحْرَمٍ، لقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (١٤٦) -أجمعنا (١٤٧) على تخصيص من ليس بِمَحْرَم، بقي ما عداه على مقتضى العموم، ولقول تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١٤٨).\n_________\n(١٤٤) في نسخة ع النفقات بالجمع، وهي موضوع الفرق التاسع والخمسين والمائة بين قاعدة أولاد الصلب والأبوين في إيجاب النفقة لهم خاصة، وبين قاعدة غيرهم من القَرابات\" جـ ٣. ص. ١٤٦. قال ابن الشاط في أوله: ما قاله القرافي حكاية أقوال ومستَنَدِها، ولا كلام في ذلك.\n(١٤٥) سورة النساء: الآية ٣٦، وسورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(١٤٦) سورة الإسراء: الآية ٢٦.\n(١٤٧) كذا في جميع النسخ المخطوطة من هذا الكتاب، وعند القرافي: \"وأجمعنا بالواو. والعطف هنا بالواو، والوصلُ به أظهرُ من الفصل بعدمه، فليْنُظَر وليُتأمل، فإن باب الفصل والوصل من أدق ابواب البلاغة في علم المعاني، حتى قال بعضهم في ذلك: البلاغة معرفة الفصل والوصل، أي معرفة مواقع كل منهما ومكان استعماله. والله أعلم.\n(١٤٨) سورة الأنفال: الآيةُ الاخيرة منها ٧٥، وسورة الأحزاب: الآية ٦، وأولها قوله سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: \"أي إن القرابات أولَى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحِلْفِ والمواخَاة التي كانت بينهم كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجر يَرِث الانصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخُوة التي آخى بينهما رسولُ الله - ﷺ -، ثم قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾، اى ذهب الميراث وبقي النصرُ والبِر والصلة والاحسان والوصية. اهـ.","vol":"2","page":101},{"text":"قال شهاب الدين: والجوابُ عَمّا قال الشافعي ألَّا نُسَلِّم أن لفظ الأب والأم يتناول غير الأدْنى، ويدل على ذلك أن الله فرض الأم الثلث، ولم تستحقّهُ الجدة، وحجَبَ الإِخوة بالأب ولم يحجبهم بالجد، وأن بنت الابن لَهَا السدس مع بنتِ الصُّلْبِ، بخلاف بنتِ الصلب مع أختها، فلو كانتْ هذه الألفاظ تتناول هذه الطبقات على اختلافها بطريق التواطؤ حقيقة لزم تعميم الأحكام فيها على السواءِ، وإلَّا يلزمْ تركُ العمل بالدليل، وهو خلافُ الاصل، فإذًا، اللفظ إنما يتناول ما قال الشافعي بطريق المجاز، والْأصْلُ عَدَمُهُ حتى يدل دليل عليه. (١٤٩)\nوالجواب عمَّا قال أبو حنيفة ان يقال: الله تعالى أمَرَ بِمَا هو حق لذَوي القُرْبَي، وكلامُنا في النفقة هَل هي حقٌّ لهم أم لا؟، فذلك محل النزاع، وأمّا قول تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، فحَمَلَهُ علَى أن المراد بالأولوية في النكاح أو في باب النُّصْرَة. وإذا حملنا الأولوية على ذلك وهي نكِرةٌ، سقط الاستدلال بمقتضاها، لأن المطْلَق يكفي في صِدْقِه صورةٌ واحدة مِنْ صُوَره. (١٥٠)\n(١٤٩) قال الفقيه المحقق ابن الشاط ﵀، معقِبا على جواب الإِمام القرافي ﵀:\nقلت: لا دليل له فيما استدل به على مراده منْ أن لفظ الأب وما معه لا يتناول غير الأدنيْن إلا مجازًا، لاحتمال أن يكون الامر في تلك الالفاظ بعكس دعواه، وذلك أن يكون يتناول الأدنَينَ وغيرَهم، لكن وقع التجوز بقصرها على الأدنَيْنَ، فيحتاج إذاك إلى قرينة تخصها بالأدنين، أو إلى دليل يدل على أن هذا المجاز انتهى إلى أن صار عرفا\"\n(١٥٠) قال ابن الشاط ﵀: ما قاله القرافي ﵀ من الجواب عما قاله أبو حنيفة ﵀، مُسَلَّم صحيح. اهـ.\nقلت: وقد ختم شهاب الدين القرافي ﵀ هذا الفرق بقوله:\n\"فظهر من هذه الاستدلالات وهذه الاجوبة صحةُ مذهب مالك، وتفضيلُه على غيره في هذه المسألة، وظهر الفرق أيضا من خلال ذلك ظهورا بينا\"\nغير أن الشيخ ابن الشاط ﵀ لم يُسَلم للقرافي بذلك فقال معقبا عليه: قلت: لم يظهر ما قاله، لاحتمال أن تكون تلك الالفاظ تتناول غير الأدنيْن بالوضع الاصلي، ووقع التجوز بقصرها على الأدنَيْن، واللهُ أعلمُ.\nقلت: والذي يظهر عند التأمل في أجوبة القرافي على قول الشافعي وأبي حنيفة في الموضوع أنها ذات حظ من النظر، وأنها أقربُ إلى القبول والصواب، والى استساغَتِها نقلا ومنطقا، وبالتالي صحة مذهب مالك، وتفضيله على غيره في هذه المسألة كما قال القرافي، والله أعلم، فرحمهم الله ورضي عنهم أجمعين، وجزاهم خيرا عن العلم وخدمة الدين والمسلمين.","vol":"2","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>قواعد البيوع</span>\nوهي خمس وعشرون قاعدة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>القاعدة الأولى:\nأقرر فيها أين يصح اجتماع العوضين لشخص واحدٍ، وأيْن لا يصح</span>؟ (١) فأقول:\nأكْلُ المال بالباطل منهي عنه (٢)، وهو لا يصح، واجتماع العِوضين لشخص مما يؤدى إلى ذلك، فبِسببه، الأصل (٣) أن يكون العوض ياخذه أحدُ الشخصين عِوضا مما (٤). خرج من يده، فيرتفع الغبن والضَّررُ عن المتعاوضيْن، إلَّا أنه قد اسْتُثْنِيَ عن (٥) هذا الأصل للضرورة مسائلُ وُجدَ فيها العوض والمعوَّضُ لشخص\nواحد:\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الرابع عشر والمائة بين قاعدة ما يصح اجتماع العوضيْن فيه لشخص واحدٍ، وبين قاعدة مالا يصح أن يجتمع فيه العوضان لشخص واحد. جـ ٣. ص ١.\nوقد علق الفقيه المحقق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء عند الامام شهاب الدين القرافي ﵀ في أول هذا الفرق، فقال: \"قلت: في هذا الفرق نظرٌ يفتقر إلى بسْطٍ. وما ذكره من المسائل الثلاث الآتية، لقائلٍ أن يقول: ليس المبذول فيها عوضا عن الثواب، بل هو معونَةٌ على القيام بتلك الامور، فللقائم بها ثوابُهُ، ولمن تولّى المعوَنةَ ثوابُهُ، فلم يجتمع العِوضانِ لشخص واحد بوجهٍ، واللهُ تعالى أعلم\".\n(٢) وهو أمرٌ معلوم من الدين بالضرورة عند الخاصة والعامة من المسلمين، فمن ذلك قولُ الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. سورة البقرة: الآية ١٨٨. ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. سورة النساء، الآية ٢٩. والاحاديث النبوية في هذا الموضوع وفيرة وكثيرة جدًا.\n(٣) كذا في نسختي ع، وح. وفي نسخة ت: إنَّ الاصل (بزيادة إنَّ المؤكِدة).\n(٤) كذا في نسختي ع، وح. وفي نسخة ت: عمَّا خرجَ من يده.\n(٥) كذا في جميع النسخ، والمستعمَل الفصيح أن يقال: استثني منه، لأن الفعل: استثى وما اشتُقَّ منه يتعدى بحرف الجر مِن، لا بالحرف عن، وهو ما عند القرافي حيث قال هنا: غيرَ أنه قد استُثْنِيَتْ مسائل مِن هذه القاعدةِ للضرورة وأنواعٍ من المصالح، وقال أيضا:","vol":"2","page":103},{"text":"المسألة الأولى: الإِجارة على الصلاة، فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والتفرقة بين أن يُضَمَّ إليها الأذأن أم لا، فتصح بضم الأذان، ولا تصح بدونه.\nووجه المنع أن ثواب صلاتِه له، ولو حصلتْ له الأجرة أيضا لحصل له المعوَّض منه والعِوض، وهو غيرُ جائز.\nوحجة الجواز أن الأجرة بإزاءِ الملازمة في المكان المعيَّن، وهو غيرُ الصلاة.\nووجْهُ التفرقةِ أن الأذَان لا يَلْزَمُه، فيصح أخذ الْأجرة عليه، فإذا ضُمَّ إلى الصلاة قرب العقد من الصحة، وهو المشهور.\nالمسألة الثانية: أخْذُ الخارج في الجهاد من القاعد من (٦) أهل ديوانه جُعْلا (٦ م) على ذلك، أجازه مالك، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة.\nفوَجْهُ المنع أن ثواب الجهاد حاصل للخارج فلا يكون له غيرُه، مَخافةَ أن يجتمع (٧) العوضُ والمعَوَّضُ منه.\nحجةُ مالكٍ عمَلُ الناسِ في ذلك للضرورة أن ينوب بعضهم عن بعض، (٧ م) لكن إذا كانوا أهلَ ديوان واحد، فإن تعددت الدواوين فلا يجوز، ويبقى العمل بموجب القاعدة المتَّفَقِ عليها.\n_________\n(٦) كذا في ع، وهو ما عند القرافي، وفي ح: من القاعدين بالجمع، وفي ت: أخذ الخراج، ولعَلَّ ما في ع وما عند القرافي أظهر وأصْوَب، فلْيتأملْ.\n(٦ م) والجُعل بضم الجيم كما سياتي هو نوع من الاجارة، وفي كل منهما بيعُ منافعَ، أو عقْدٌ على منافِعَ بعوض. فالاجارة هي معاوضة على منافع الأعيان، أي إنها تكون على منفعة الذات كالعَمل الذي يقوم به الأجير، وتكون المنفعة مباحة ومعلومة إمَّا بالزمان كالمياومَة والمشاهَرة، وإما بغايةِ العمل كخياطة الثوب مثلا. وأما الجُعْل فهو الاجارة على منفعة يضمن الاجيرُ المجعولُ له حصولها، وهو جائز، وذلك كالاجارة الإجمالية في الثمن والأجر على استخراج الماء من بئر أو تركيب قنوات، أو ردّ آبق من الانسان أو شارد من الحيوان مثلا، بحيث لا تحصل المنفعة الكاملة للجاعل إلا بإنجاز العمل وإتمامه كله من طرف المجعول له، وبالتالي لا يستحق المجعوُل له أجْره إلا بذلك، والأحكام التفصيلية للاجارة والجعل والكراء مستوفاة بِتَوسعُّ وتفصيل في مظانها من كتب التفسير والحديث والفقه، كما هو واضح ومعلوم عند العلماء والفقهاء. فليرجع إليها من أراد التوسع في الموضوع.\n(٧) كذا في نسخة ع وت. وفي ح: أن يَجْمَعَ.\n(٧ م) عبارة القرافي: \"ولأنه باب ضرورة أن ينوب بعضهم عن بعض\".","vol":"2","page":104},{"text":"المسألة الثالثة: المُسابَقةُ بين الخيل لا ياخذُ السابق ما جُعِل له، لأن السابق لَهُ اجرُ التَّسَبُّبِ للجهاد، فلو أخَذَهُ لأدى إلى اجتماع العوض والمعوض منه، وبسبب هذا المعنى اشترط العلماء الثالثَ، وهُو المحَلِّلُ لأخذِ العوض (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>القاعدة الثانية:\nأقرر فيها الفرق بين من مَلَك أن يَمْلِكَ، هلْ يُعَدُّ مالكا أم لا، وبيْن من انعقد له سبب مطالبةِ التمليك، هل يُعَدُّ مالِكًا أمْ لا (٨ م)</span>؟ فأقول:\nالقاعدة الأولى يقول بها كثير من الفقهاء، ويُجْرُونَ عليها فروعا كثيرة، وهي باطلة لا تصح، إذْ تصْدق على منْ عنده مائة دينارٍ أن يكون ملَكَ أنْ يَملك العبْد الذي يساوي تِلك القيمة، فيقال: إنهُ ملَكه على قَوْل، وهكذا من ملك ثمن خادمٍ يَجْرِي الخلاف فيه، هَل عليه نفقتها قبل شرائها؟، لأنه ملَكَ أن يملكهإ، (٩) وأشباه هذه الاشياء، وذلك شيء لا يقول به أحد، فكيف يصح أن تُجعَل هذه قاعدةً شرْعية، بل القاعدة التي يمكن جرْيُ الخلاف عليها في بعض\n_________\n(٨) قال الشيخ أبو محمد، عبدُ الله بن أبي زيد القيرواني ﵀ في رسالته الفقهية:\n\"ولا بأس بالسبق بالخيل والإبل والسهام، وإن أخرجا شيئا جعَلَا بينهما مُحَلِلا ياخذُ المحلّلُ ذلك إن سَبق هو. وإن سبَق غيرُهُ لم يكن عليه شيء، هذا قول ابن القاسم، وقال مالك: إنما يجوز أن يُخْرِجَ الرجلُ سَبْقا، فإن سَبق غيرُهُ أخذَه، وإن سبق هو كان للذى يليه من المتسابقين، وإن لم يكن غيرُ جاعل السبق وآخَرُ فسَبَق جاعِلُ السبق أَكَلَهُ من حضر ذلك ..، وانظر تحقيق ذلك في شروح الرسالة وغيرها من كتب الفقه.\n(٨ م) هي موضوع الفرق الواحد والعشرين والمائة بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٣. ص ٢٠.\n(٩) هكذا بالتأنيث في الضمائر التي تعود على الخادم بمعنى الخادمة، يقال للمذكر خادم، وللمؤنث: هي خادمٌ وخادمة.","vol":"2","page":105},{"text":"فروعها لا في كُلها هي من جَرى لهُ سببٌ يقتضي المطالَبَة بالتمليك، هل يُعْطيَ حُكْمَ مَن مَلَك؟ ومالِكٌ قد يختلف في هذا الأصل بحسب بعض الفروع (١٠)\nولذلك مسائل:\nالمسألة الأولى:\nإذا حيزت الغنيمة فقد انعقد للمجاهدين سبَبُ المطالَبة بالقسمة والتمليك، فهل يُعَدُّون مالكين لذلك أم لا؟ قولانِ: قيل: يَملِكون بذلك، وهو مذهب الشافعي، وقيل: لا يملكون بذلك، وهو مذهب مالك.\nالمسألة الثانية: العامل في القِراض (١١)، إن وُجِدَ في حقه سببٌ يقتضي المطالَبة بالقِسمة، فهل يُعَدُّ مالكا بالظُّهور أوْلَا يملك إلا بالقِسمة، وهو المشهور -؟ قولان في المذهب.\n_________\n(١٠) جاء في أول هذا الفرق عند القرافي قولُه: \"إعلَمْ أن جماعة من مشايخ المذهب ﵃ أطلقوا عباراتهم بقولهم: \"من مَلَك أن يَملِكَ هل يُعَد مالكا أم لا؟ قولان. ويُخَرِّجون على ذلك فروعا كثيرة في المذهب. منها: إذا وُهِبَ له الماءُ في التيمم هل يبطُلُ تيممُه، بناءٌ على انه يُعَد مالكًا، أو لا يبطل، بناء على أنه لا يُعد مالكا، ومن عنده ثمن رقبةٍ هل يجوز له الانتقال للصوم في كفارة الظهار أم لا؟ قولان مبنيان على الخلاف في القاعدة المذكورة.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في أول هذا الفرق فقال: \"ما نسبه إلى مشايخَ من أهل المذهب، واعتقدَه فيهم، من أنهم أرادوا مقتضَى عباراتهم المطلقة، ليس بصحيح. وما اختاره من عدم إرادة مقتضى الاطلاق هو الصحيح، والظن بهم أنهم أرادوا ذلك، والله أعلم.\n(١١) القِراضِ، سياتي الكلام عليه، وهو عقد بين طرفين، يقوم على أن يدفع رجل مالًا لآخرَ ليتَّجِر فيه وليكونَ الفضلُ بينهما حسبما يتفقان عليه من الربع أو الثلث او النصف او غير ذلك، بعد إخراج راس المال، وهو جائز، ومستثنىً من الغرر والإِجارة المجهولة. وجوازُه يقوم على شروط منصوص عليها في كتب الفقه، ويسمَّى دافعُ المال صاحبَ المال، والطرَفُ الثاني العاملَ، كما يطلَقُ على هذا التعامل الذي هو القراض اسمُ المضاربَة، من الضَّرب في الارض والسَّيْر فيها للتجارة، أخذا من قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. سورة النساء: ١٠١، وقوله سبحانه ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. سورة المزمل الآية ٢٠.","vol":"2","page":106},{"text":"المسألة الثالثة: العامل في المساقاة (١٢) كذلك، قولان فى المذهب، والمشهور يَملك بالظُّهُور، عكس القراض.\nالمسألة الرابعة: الشريك فيما فيه الشفعة، إذا باع شريكُهُ تَحَقَّقَ له سبب يقتضى المطالبَة بأن يملك الشِقْص (١٣) المبيع بالشفعة، ولمْ أرَ خلافا في أنه غيرُ مالِكٍ.\nالمسألة الخامسة: الفقير وغيرُه من المسلمين له سبب يَتَقاضى (١٤) به المطالبة أن يملك من بيتِ المال ما يَستحقه بصفة فقره أو غيره من الصفات التي يُستَحَق بها شيءٌ من ذلك. فإذا سَرق هل يُعَدُّ مالكا فلَا يجبُ عليه الحد، لوجود سبب المطالبة بالتمليك، أو يجب عليه القطع، لأنه لا يُعَدُّ مالكا، وهو المشهور؟،\nقولان.\nثم هذه القاعدة معَ هذا التقرير قد يُوجَدُ ما ينقصها. (١٥) وأمَّا القاعدة الأولى فلا ينبغي أن يُلتفَتَ إليْها. وما ذكروه من الخلاف في الفروع يمْشي على\n_________\n(١٢) المساقاة سياتي الكلام عليها، وهي أَن يدفع الرجل شجرة لمن يخدمها بالسقي وغيره، وتكون غلتها بينهما. وأحكامها ومسائلها منصوص عليها كذلك في كتب الفقه بتفصيل.\n(١٣) الشقص بكسر السين العقار من الارض والدُّور.\n(١٤) كذا في جميع النسخ. وعند القرافي: يقتضي.\n(١٥) قلت: كلام القرافي في هذه القاعدة والمسألة يزيدها وضوحا وبيانا حيث قال ﵀: \"فهذه القاعدة على ما فيها من القوة من جهة قولنا: جرى له سبب التمليك، في تمشيها عُسْرٌ، لأجْل كثرة النقوض عليها. أما هذا المفهومِ - وهو قولنا: مَن مَلَك أن يملك، مطلقا من غير جريان سبب يقتضي مطالبتَه بالتمليك ولا غَيْر ذلك من القيود، فهذا جعْلُه قاعدةً شرعية، ظاهرُ البطلان. لضعف المناسبة جدًا، او لعدمها البتَّة. أما إِذا قلنا: إنعقد له سَبَبٌ يقتضي المطالبة بالتمليك فهو مناسِبٌ لأن يُعَدَّ مالكًا من حيث الجملة، تنزيلا لسبَب السبب منزلة السبب، وإقامةَ للسبب البعيد مُقام السببِ القريب، فهذا يمكن أن يُتخيَّل وقوعُه قاعدةً في الشريعة. أما مجرد ما ذكره فليس فيه إلا مجرد الامكان والقبول للملك، وذلك في غاية البعد عن المناسبة، فلا يمكن جعْله قاعدة. وتتخرج تلك الفروع بغير هذه القاعدة. ففي الثوب للسترة يلاحظ فيه قوة المالية فلا يلزمُه، أوْ أنه إعانة على دين الله عز جل، ليس من باب تحصيل الاموال فيلزمه، ويكافأ عنه إن شاء، وكذلك القول في الماء يوهب الخ.","vol":"2","page":107},{"text":"قاعدة أُخرى لا عليها، كالماء يُوهَبُ، هل يُنظَرُ إلى يسارته فَلَا مِنَّة، أوْ تُلاحَظُ المِنَّةُ وهي ضررٌ، والضَررُ منفيٌّ عن المكلَّف. (١٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>القاعدة الثالثة:\nأقرر فيها الفرق بين النقل والإِسقاط</span>، (١٧) فأقول:\nالأملاك ينقسم التصرف فيها إلى نقل وإسقاط، ثم النقل يكون بعوض وبغير عوض، والذِي هو بِعوض يكون في الأثمان ويكون في المنافع، فالأول كالبيع، والثاني كالإِجارة. والذي هو بغير عوض كالهدايا والوصايا. ثم الإِسقاط يكون بعوض كالخلع والعفوِ على مالٍ، وبغير عوض كالإِبرآء من الديون والقِصاص، وتُخَرَّجُ هنا ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: الإِبرَاء من الدَّين، هل يفتقِرُ إلى الْقَبُول فلا يَبْرَأ إلا بعدَ القَبول .. أو يَبْرأ وإن لم يَقبل؟ فِيه خلاف. وظاهر المذهب اشتراط القَبول. ومنشأ الخلاف، هل الإِبراء إسْقاط، والإِسقاط لا يحتاج إلى القَبول، أوْ هو تمليك لِما في ذمته كالمِديان، فيفتقر إلى القبول؟ كما لو ملك عيْنًا بالهبة، ويتأكد ذلك بأن\n_________\n(١٦) لقول النبي - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضِرار\"، ولقول الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وكذا غير ذلك من النصوص والأقيسة والمناسبات التي اشتهر في الشرع اعتبارها، وهي مشملة على موجب الاعتبار، أما مالا يشتمل على موجب الاعتبار فلا يمكن جعله قاعدة شرعية، بل ينبغي أَن يضاف اليه من القيود الموجبة للمناسَبة ما يوجب اشتماله على موجب الاعتبار، وتقلُّ النقوض عليه وتظهر مناسبتُهُ. أمَّا عدم المناسبة وكثرةُ النقوض، فاعتبار هذا من غير ضرورة، خلاف المعلوم من نمط الشريعة، فتأمَّلْ ذلك.\n(١٧) هي موضوع الفرق التاسع والسبعين بين قاعدة النقل وقاعدة الإِسقاط\". جـ ٢. ص ١١٠. قال في أوله القرافي ﵀: \"إعْلمْ أن الحقوق والأملاك ينقسم التصرف فيها إلى نقْلٍ وإسقاط .. والمراد بالنقل نقله إِلى الغير، وبالإِسقاط إِسقاط الحق عن الغير، كإسقاط الدَّين مثلا عن المدين .. الخ. كما هو واضح هنا عند البقوري وعند القرافي رحهما الله، ولم يعلق عليه ابن الشاط ﵀ بشيء من تعليقاته الدقيقة المعهودة عنده في هذه الفروق للقرافي رحمهما الله","vol":"2","page":108},{"text":"المِنَن قد تعظُمُ في الإِبراءِ، وذوُو المُروآتِ يَضُرُّ ذلك بهم، لَا سِيَمَا في السَّفَلَة، فجعلَ الشارع لَهُمْ قَبُولَ ذلك ورَدَّه، نفيا للضَّرَرِ الحاصِلِ من المِنن.\nالمسألة الثانية الوقف:\nالوقف، هل يفتقر إلى القبول أولا؟ بِناءً على أنه إسقاط المنافع، أوْ هو تمليك لها، وهذا إذا كان عَلَى مُعيَّنين، وأمَّا عَلَى غيْر مُعَيَّنين فلا يحتاج إلى القَبول، لتعذره. واتفق العلماءُ في المساجد أنها من باب الِإسقاط لا مِلكَ لأحد فيها، ولهذا تقام الجمعة فيها ولا تقام في الحوانيت.\nالمسألة الثالثة: إذا أعتق أحد عبيده اختار على المشهور، وقِيلَ: يَعُمُّ العتقُ الجميعَ، وإذا طلَّق إحدى نسائه يعُمُّ الطلاقُ النسوةَ على المشهور، وقيل: يختار. والفرق على المشهور أنَّ الطلاق إسقاط العِصمة، والعِتق قُربةٌ لا إسْقاطٌ، وإنْ لزِمَها الإِسقاط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>القاعدة الرابعة:\nأقرر فيها بيان ما يَقبل المِلك من الأعيان والمنافع مما لا يقبله</span>، (١٨) فأقول:\nإعْلمْ أن الأعيان، منها ما لا يَقبل المِلْك، وذلك إما لعدم اشتماله على منفعَة كالخشاش، أو لأن منفعته محرَّمة كالخمر، أو لأنَّ منفعته تَعلَّق بها حق الله كالحُر فإنه لا يَقْبَل المِلك لغيرِه، لأنه أحق بنفسه من غيره، أو تَعلَّقَ بها حق الله تعالى كالمساجد، أو تكون تلك المنفعة، تَرْكُ بيعِها يَحملُ على مكارم الاخلاق\n_________\n(١٨) هي موضوع الفرق الرابع والثمانين والمائة بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٣. ص ٢٣٦. علق عليه ابن الشاط فقال في أَوله: \"ما قاله القرافي صحيح، على ما في قوله \"من الاعيان\" من المسامحة على ما سبق\". والمراد بالأَعيان ذوات الاشياء، فهي مادية محسوسة.","vol":"2","page":109},{"text":"ككلب الصيد (١٩) وإجارة الارض (٢٠)، وما سلِمَ من هذه الأشياء فهو كالقابِلِ للمِلك والتصَرُّفِ بأسباب المِلك على اختلافها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>القاعدة الخامسة:\nأقرر فيها ما يجوز بيعه وما لا يجوز</span>، (٢١) فأقول:\nما يجوز بيعه هو ما اجتمعت فيه شروط خمسة، والشروط الخمسة هي:\n_________\n(١٩) فالكلب مطلقًا نهى عن بيعه والانتفاع بثمنه، كما جاء في الحديث الصحيح عن جابر ﵁ قال: نهى النبي - ﷺ - عن ثمن الكلب والسِّنَّور\". وهو بكسر السين وفتح النون: الهزُّ، وأجاز المالكية والحنفية بيع كلب الصيد وحراسة الماشية والانتفاع به، استثناءً من ذلك النهي، ورعْيًا للحاجة والضرورة التي تدعو اليه. قال ابن ابي زيد القيرواني ﵀ مشيرا إلى ما سبق: \"ونُهِىَ عن بيع الكلاب، . واختُلِف فيما أُذِن في اتخاذه منها\" وقال الفقيه محمد بن عاصم في منظومته الفقهية المشهورة باسم تحفة الحكام في نُكت العقود والأحكام (فقه القضاء):\n\"واتفقوا أن كِلابَ الماشية ... يجوز بيعها ككلب البادية\"\nوعندهم قولان في ابتياع (شراء) ... كلاب الاصطياد والسباع\n(٢٠) المراد بإجارة الارض كراؤها لمن يزرعها ويحرثها على أن يكون له نصيب مما يخرج منها حسب الاتفاق بين صاحب الارض والعامل فيها بالزرع والخدمة أو بين الشريكين فيها إن كانا يملكانها معا، وهو المعبر عنه في الفقه بالمزارعة. كما سياتي، وهي أمر معروف ومشهور، عمل بها النبي - ﷺ -، وكذلك صحابته الكرام من بعده. فقد رَوَى الشيخان: البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وتمر. وقد ترجم لها وأبان أحكامها شراح الحديث، والفقهاءُ في مؤلفاتهم القيمة، وتوسعوا في موضوعها وأحكامها وشروط صحتها، ولخصها ابن جُزَيّ ﵀، في فقرة من كتابه القوانين الفقهية.\n(٢١) هي موضوع الفرق الخامس والثمانين والمائة (١٨٥) بين القاعدتين المذكورتين جـ ٣. ص ٢٣٩. وقد علق عليه الشيخ ابن الشاط في أول هذا الفرق، وسلَّمه فقال: ما قاله في ذلك صحيح. وقد جمع الشيخ خليل بن اسحاق المالكي ﵀ هذه الشروط في مختصره الفقهي في باب البيع، فقال: \"وشُرِطَ للمعقودِ عليه طهارةٌ لا كزِبل وزيتٍ تنجَّس، وانتفاعٌ لا كمُحَرَّم أشْرَفَ (أي على الهلاك والموت كبغل مثلا)، وعَدَمُ نهي لا ككلب صيد، وجاز هرٌّ وسَبعٌ للجلد، وقدْرةٌ عليه، لا كآبق وإبلٍ أهُملتْ، وعدمُ حِرمةٍ ولو لبعضه، وعدمُ جهل بمثمُونٍ وثمن ولو تفصيلا\"، (اى ولو جُهِلَ المعقود عليه تفصيلا وعُلِمَتْ جملته أي فإن ذلك الجهل يُعتبر، ولا يصح التعاقد على أساس العلم بجملته فقط، بل لابد من العلم بالمعقود عليه تفصيلا. وانظر شراحه وكذا شراح التحفة في هذه الشروط وما يتعلق بها.","vol":"2","page":110},{"text":"١) - الطهارة، لقوله ﵊ في الصحيحين: \"إن الله ورسولَه حرّم بيع الخمر والميتة والأصنام\" (٢١ م)\n٢) - الثاني أن يكون منتفَعا به، لتصح مقابَلَةُ الثمَن به.\n٣) - الثالث أن يكون مقدورا على تسليمه، لنهيه ﵊ عن بيع الغرر.\n٤) - الرابع ان يكون معلوما للمتعاقدَيْن، لنهيه ﵊ عن أكل المال بالباطل.\n٥) الخامس أن يكون الثمَنُ والمبيع مملوكيْن للعَاقد والمعقود له، أو من أقيمَ مقامهما، فهذه شروط في جواز البصح دون الصحة، لأن بيع الفُضُولي وشراءه يحرم على قول، وسياتي.\nوهنا مسألتان:\nالمسألة الأولى هي بحسب الشرط الثاني. قال صاحب الجواهر:\nهي أصلُ المنفعة وإن قَلّتْ وقَلّتْ قيمتها، فيصح بيع التراب والماءِ ولبَن الأدميات. وقاله الشافعي وابن حنبل، قياسا على لَبَن الغَنَم. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ أكْلُهُ ولا بيعُه، لأنه جزء حيَوانٍ، منفصلٌ عنه في حياته، فحرُمَ أكله، ويمتنع لذلك بيعُه، ويقول: أَستُثْنِي منه الرضاعُ لِلضرورة، وكان غيرُهُ من الحيوانِ ليس كذلك، اتِّباعا للحومها. وأيضا فذلك تشريف لابن آدم. وقد رُدَّ عليه ما ذُكر\n_________\n(٢١ م) نص الحديث: عن جابر ﵁ أنه صح رسول الله لله يقول عام الفتح وهو بمكة: إنَّ الله حرم بيع الحُمُر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يُطلى بها السفن، ويُدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله - ﷺ -: قاتَلَ الله الله اليهود (أي أهلكهم، فهو دعاء عليهم بالهلاك). إن الله ﷿ لما حرم علهم شحومها أجملوه (أي أذابوا الشحم)، ثم باعوه وأكلوا ثمنه\". اهـ","vol":"2","page":111},{"text":"من الاستثناء بإرضاع عائشةَ كبيرا فَحَرُمَ عليها وما أنكرَ عليها أحدٌ ذلك، ولو كان حراما مَا فعَلَتْهُ. (٢٢)\n_________\n(٢٢) إشارة إلى حديث الشيخين وأبى داود عن عائشة ﵂ قالتْ: دخل عليَّ النبيُّ وعندي رجل قاعدٌ، فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، وقلتُ: يا رسولَ الله، إنه لَأخي من الرضاعة، فقال: أَنْظُرن إخوتكُنَّ من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة\"، أي تأكدن وتحققن ممن ثبت رضاعُه الشرعي الذي تثبت به الحِرمة بين المرضِع والرضيع، وهو الرضاع الذي يكون من المجاعة، أي يكون حالة احتياج الطفل اليه، وهو ما يكون داخل العامين من ولادته، قبل استغنائه عن الرضاع بتناول الطعام المناسب بعْدَ اكتمال الحولين وحصول الفطام، لقول الله تعالى: \"والوالداتُ يرضعن أولادهن حوليْن كامليْن، لمن أراد أن يتم الرضاعة\" (سوة البقرة. ٢٣٣) ولحديث أبي داود: \"لَا رضاعَ إلا ما شدَّ العظم وأنبتَ اللحم\"، ولحديث الدارقطني: \"لارضَاع إلَّا ما فتَقَ الامعاء وكان قبل الحولين\".\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة فقال: ما قاله من أن فرق الحنفية يندفع بما رُويَ عن عائشة ﵂ أنها أرضعت كبيرا فَحَرُمَ عليها، لِقائلٍ أن يقول: لا يندفعُ بذلك، لجعْل رضاع الكبير لقصْد ثبوت التحريم داخلا فيما استُثْنِيَ للضرورة.\nقلت: وفي هذا السياق والمعنى عقب الشيخ البقوري على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة، فقال في آخرها: \"لا دليل في هذا (أيْ في إرضاع عائشة للكبير فحرُم عليها) وإنما الدليل في أمر النبي - ﷺ - بإرضاع سالم، والضرورة مفقودة هناك (في موضوع إرضاع عائشة للكبير)، إذ كان كبيرًا. والبقوري ﵀ يشير في هذا التعقيب إلى قول النبي - ﷺ - لامرأة أبي حذيفة في شأن سالم مولاهم: \"أرضعيه تحْرُمي عليه\"، وكان كبيرا، فهو خاص بها، كما أخبرتْ بذلك أمهات المؤمنين، إلا عائشة، ﵅ جميعا.\n- والحديث رواه الإِمام مالكٌ ﵀ في الموطأ عن عُروةَ بن الزبير أن أبا حُذَيفة ﵁ تبنَّى سالما (وكان مولى لامرأة من الأنصار) كما تبنَّى النبيُّ - ﷺ - زيدَ بن حارثة، وكان مَن تَبَنَّى رجلا في الجاهلية دعاه الناس ابنه، وورث من ميراثه، فلمَّا أنزل الله ﷿، \"أدعوهم لآبائهِم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهُمْ فإخوانكم في الدين ومواليكم\"، رُدُّوا إلى آبائهم، فمَن لم يُعْلَم له أبٌ فمولى وأخٌ في الدين، فجاءت سهلة بنت سُهيل، وهي امرأة أبي حُذيفة، فقالت، يا رسول الله، كنَّا نرى سالما ولدًا، وكان يدخُلُ عليَّ وأنا فُضُلٌ (بضم الفاء والضاد) أي متبذلة في ثوب واحد، (وفي ثوب المهنة والعمل بالمنزل)، وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟ (وقد أنزلَ اللهُ فيهم ما علِمتَ؟، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه\"، وكانت تراه ابنًا من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشةُ أمُّ المومنين ﵂، فيمَنْ كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تامرُ أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها أن تُرضع من أحبَّت أن يدخل عليها من الرجال. وأبَي سائرُ أزواج النبي - ﷺ - أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس، وقُلْن: لا، والله ما نرى الذي أمرَ به رسولُ الله - ﷺ - سهلة بنت سُهَيل إلَّا رخصةً من رسول الله - ﷺ - في رضاعة سالم وحده، والله لا يدخل =","vol":"2","page":112},{"text":"قلت: لا دليل في هذا، وإنما الدليل في أمر النبي ﵇ بإرضاع سالمٍ، والضرورةُ مفقودة هناك، إذْ كانَ كبِيرًا.\n_________\n= علينا بهذه الرضاعة آحد، فعلى هذا كان أزواجُ النبي - ﷺ - في رضاعة الكبير (أي إنها لا تؤثر في تحريم الرضيع واعتباره من المحارم الذين يجوز لهم الدخول على المرأة في منزلها.\nقال الشيخ الزرقاني ﵀ في شرحه على الموطأ: زاد في مسلم: فقالت (سهلة بنت سهيل زوجة أبي حديفة): كيف أرضعه يارسول الله، (وهو أي سالم) رجُلٌ كبير، فتبسَّم رسول الله - ﷺ - وقال: قد عِلمتُ أنه رجل كبير، وكان قد شهِد بدْرا، أرْضعيه تَحرُمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة (اي الوهْم والوسواس الذي يكون في نفسه)، فرجعتْ إِليه فقالت: إني أرضعتُهُ فذهب الذي في نفس أبي حذيفة.\nقال الحافظ أبو عمر يوسف ابن عبد البر: \"صفة رضاع الكبير أن يُحْلبَ له اللبنُ ويُسقَاه، فأمّا أن تُلْقِمه المرأة ثديها فلا ينبغي (اي لا يجوز) عند أحد من العلماء. وقال عياض: \"وسهلة حلبتْ لبنَها فشربه (سالم) من غير ان يمس ثديها، ولا التقتْ بَشَرَتَاهما، إذ لا يجوز رؤية الثدْي ولا مَسُّهُ ببعض الاعضاء، قال النووي: وهو حسَن.\nويحتمِل أَنه عُفِيَ عن مسه (أي سالم) للحاجة، كما خُصَّ بالرضاعة معَ الكِبَر، وأيَّدَهُ بعضهم بأن ظاهر الحديث انه رضع من ثديها، لانه - ﷺ - تبسَّمَ، وقال ذلك لِما تقرر في نفسهما انه ابنُهَا وهي أمه، فهو خاص بهما لهذا المعنى، وكأنهم (أيْ العلماءَ المحققين، لم يقفوا في ذلك على شيء، يقع الجزم به في هذا الامر، هل وقع الرضاع من الثدى مباشرةً أو حلبتْ له في إناء فشرب منه). وقد روى ابن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله بن اخي الزهري عن ابيه قال: كانتْ سهلة تحْلُبُ في مسْعَطِ (أي إناءِ) قدْر رضْعته، فيشربها سالم في كل يوم حتى مضت خمسة أيام، فكان بعد ذلك يدخل عليها وهي حاسِرٌ (أي كاشفة الرأس ليس عليه خمار وغطاء)، رخصةً من رسول الله - ﷺ -، وكانت تراه ابنا من الرضاعة، لقوله - ﷺ -: \"أرضعيه تَحْرُمي عليه\". اهـ.\nقال الإِمام الزرقاني ﵀، وفي صحيح الإِمام مسلم ﵀ عن ابن أبي مُلَيكة أنه سمع هذا الحديث من قاسم عن عائشة، قال: فمكثثُ سنة أو قريبا منها، لا أحدث به رهبةً، ثم لَقيتُ القاسم فأخبرته، قال: حدّثْه عني أنَّ عائشة أخْبرتْنِيه، قال أبو عُمر (الحافظ ابن عبد البر ﵀): \"هذا حديث تُرِك قديما، ولمْ يعْمل به ولا تلقَّاه الجمهور بالقبول على عمومه، بل تَلقَّوْه على انه خصوص\"، وقال ابن المنذر: لا يِبْعُدُ أن يكون حديثُ سهلة منسوخا ..، لما رُوي في الصحيحين عن زينب بنت أم سلمة عن أمها أم سلمة أنها قالت لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيْفَعُ الذي ما أحِبُّ أن يدخل عَلَيَّ، فقالت عائشة: أمَالَكِ في رسول الله إسوة، فذكرتْ الحديث بنحوه، وفي بعض طرقه ورواياته أن أم سلَمَة قالت لعائشة: أبَي سائر أزواج النبي - ﷺ - أن يدخل عليهن أحد بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: واللهِ ما نرى هذا إلَّا رخصةً\". وكان أبو موسى الأْشعري قد أفتى رجلا مصَّ من ثدْى امراته لبنا بأنها حرمت عليه، لِظاهِرِ تظاهر الآية \"وأمهاتكِم اللائن أرضعتكم\"، فقال له عبد الله بن مسعود: أنظر ماذا تُفتي به الرجل، =","vol":"2","page":113},{"text":"المسألة الثانية: بيعُ الفضولي (٢٣).\nقال صاحب الجواهر: مقتضَى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق أن هذا\nالشرط. شرط في الصحة، وقاله الشافعي وابن حنبل، وقال أبو حنيفة: هو شرط في الشراء دون البيع. وقال ابن يونس: يُمنَعُ أن يشتريَ من رجُل سِلعةً ليستْ في مِلكه ويوجب على نفسه تحْصيلَ ثَمَنِها، لأنهُ غَرَرٌ. وقال سحنون: إن قول ذلك يُلزمهما إمضاءَ البيع، كمن غصَبَ سِلعة والمشتري يَعْلمُ بالغَصْب، ومنعَ أشهبُ\nذلك مِنْ الغاصب للدخول على الفسَاد والغرر.\n_________\n= فلا رضاعة إلّا ما كان في الحولين، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبْرُ (بفتح الحاء) (أي العالمُ) بين أظهركم (أي ما دام حيًا موجودا بينكم\".\nقال شراح الموطأ: لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، فجعل إتمامها حوليْن كامليْن يمنع الحكم بعْدهما كحكمهما، فتنفي (الرضاعةُ في الحولين) رضاعة الكبير، وفي الصحيحين مرفوعا - (كما سبق ذكرِه): \"إنَّما الرضاعة من المجاعة\"، وفي الحديث: \"لا رضاعةَ إلَّا ما شدَّ وأنبتَ اللحم، أو قال: أنشزَ العظْم\"، رواه عن ابن مسعود موقوفا، ومرفوعًا ابو عمر، رفعه، وفي الترمذي: وقال: حسنٌ، مرفوعا: لا رضاعة الَّا ما فَتَقَ الأمعاء (أي فتحها) وكان قبلَ الحولين، كلُّ ذلك ينفي رضاعةَ الكبير، لِأن رضاعه لا ينفي جوعه، ولا يَفْتِق أمعاءه، ولا يشُدُّ عظْمه.\nثم قال الزرقاني على الموطأ في خلاصة وختام كلامه عن هذه الاحاديث: \"وأتى الامام (مالك في الموطأ) بهذين الاثرين بعد حديث سهلة، للإِشارة إلى العمل على خلافه، فهو خصوصية لها أو منسوخ، وهذا مذهب الجمهور، بل ادَّعى الباجي الاجماع عليه بعد الخلاف\".\nوقد رأيت أن أنقل هذا الموضوع على طوله، لا فيه من الاحاديث وأقوال العلماء وتحَرِّيهم فيه، وخروجهم منه بأن الرضاع المعتمد هو الذي يكون داخل الحولين لا خارجهما فلا يكون معتبرا، ولا تصبح به المرضع أمًا، فرحمهم الله جميعا.\n(٢٣) هذه المسالة في بيع الفضولي تعود إلى الشرط الخامس المطلوبِ فيما يجوز بيعُه، وهو كون المبيع مملوكا للعاقد، وكون الثمن مملوكا للمعقود له أَوْ مَن أُقِيما مَقامهما.\nوبيْعُ الفضولي كما يذكره الفقهاء ويعرفون هو بيعٌ الشخص ما ليس في مِلْكه دون إذن مالك الشيء وموافقته، أو شراءُ شيء لشخص دون اذنه وموافقته كذلك. وهو بيع ينعقد ابتداء ويتوقف على إذن وموافقةِ صاحب الشيء المبيع أو الشيء المشترَى. وقال الشافعي: لا ينعقد.\nوقد علَّق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة الثانية فقال: ما قاله في هذه المسألة إلى آخر الفرق حكاية أقوال، وتوجيهٌ وترجيح لا كلام فيه معَه\". اهـ،","vol":"2","page":114},{"text":"قال شهاب الدينِ: وظاهر النقل يقتضِي أن إطلاق الأصحاب محمولٌ على ما إذا كان المشتري غَيرَ عالِم بعَدَم المِلك، فالمشهور حينئذ أن لهُ الإِمضاء، أمَّا إذا علِمَ فلا. وتمسَّك الشافعي بقوله ﵇: \"لا بيعَ ولا طلاقَ ولا عتاق فيما لا يملك ابنُ آدم\". (٢٣ م) ونحن نحمِلهُ على ما قبلَ الإِجازة، لأن العامَّ في الأشخاص، مطْلق في الأحْوال.\nوأيضا فهو معارَضٌ بأنه - ﵊ - دَفَع لعروة البازقي دينارًا ليشتريَ له به أضحيته، فاشترى به أَضْحيتَيْن، ثم باع إحْداهما بدينارٍ، وجاء بأضحيةٍ ودينارِ إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: باركَ الله لك في صفقة يمينِكَ، فكانَ إذا اشترىَ الترابَ ربح فيه. (٢٤).\nفرع: إذا قلنا: إنَّ بَيْعَ الفضولي يصح، ويوقَف على الإجازة، هل يجوز الإِقدام عليه ابتداءً؟، قال أبو الفضل عياض في التنبيهات: إنه حرامٌ، لِعَدِّهِ إيّاه معَ ما يقتضي الفساد. وظاهر كلام صاحبِ الطراز، الجواز، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢٥).\n_________\n(٢٣ م) رواه أبو داود، والترمذي بسند حسن عن عَمْرو بن شعيْب عن أبيه عن جده ﵃.\n(٢٤) هذه رواية الامام البخاري. اما رواية أبي داود والترمذي عن حَكيم بن حِزام فهي أن النبي - ﷺ - بعثه ليشتريَ لهُ أضحية بدينار، فاشترى أضحية، فأربحَ فيها دينارا، فباعها بدينارين، ثم اشترى شاة أخرى مكانها بدينار، فجاء بها وبالدينار إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: بارك الله لك في صفقتك\". ففي الحديثين -يقول بعض الشراح- دلالةٌ على جوَاز وصحة التصرف في ملك الغير، بما يكون فيه نفع ومصلحة لفائدة المالك من بيع أو شراء، ويبقى التنفيذ متوقِّفا على إجازتهِ وقبوله لذلك التصرف الذي وقع في مِلكه من طرف الغير. وهو ما اصطلح الفقهاء على تسميته بيع الفضولي، وبينوا أحكامه في مؤلفاتهم الفقهية بتفصيل.\n(٢٥) سورة المائدة: الآية (٢).\nأقول: واستناد القول بالجواز لهذه الآية الكريمة استناد ليس بالقوي فيما يظهر، وتحميلٌ للآية ما يَبْعُدُ أن يكون مستفادا من عمومها. وأيضا فإن مالك الشيء قد يكون له في إبقائه والحفاظِ عليه مصلحة أُخرى تخفى على البائع الفضولي، ولذلك يتوقف جوازه على إذن المالِكِ وموافقِته له على ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>القاعدة السادسة:\nفي بيانِ ما تُؤَثِّر فيه الجهالةُ والغرَرُ مما لا تؤَثِّرُ</span>، (٢٦) فأقول:\nجاء عن النَّبِيِّ - ﷺ - أنه نهى عن بيع الغرر وعن بيع المجهول، فاختلف العلماء بعد ذلك، فمنهم من حمَل النهي على التصرفات كلِّها، وهو الشافعي، ومنهم من فصَّل، وهو مالك. وقاعدةُ ما يُجتَنَبُ فيه الغرر والجهالة عنده هو باب المماكسات (٢٧) والتصرفات الموجبة لتنمية الأموال. وقاعدة ما لا يُجتَنَبُ فيه عنده مما لا يُقصد لذلك.\nثم التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طَرَفانِ، وواسطةٌ. فالطرفان أحدهما معاوَضَةٌ صِرْفَةٌ، فَيُجْتَنَبُ فيه ذلك إلا ما دَعتْ الضرورة إليه. وثانيهما إحسانٌ صِرْفٌ كالصدقة، فالجهالةُ هنا والغررُ لا تاثير لهما، ولا يَمنَعان من شيء. والثالث الوسَط، النكاحُ. فمن جهةِ أن المال ليس مقصودًا وإنما المقصود المودة والألْفة، يقتضي جواز الجهالة والغرر مطلقا. ومن جهة أن صاحبَ الشرع اشترط فيه المال، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٢٨)، يقتضي امتناع الجهالة والغرر فيه. ولوجود الشَّبَهيْن فيه توسَّطَ مالك ﵀، وقالَ: يجوز الغرَرُ والجهالة فيه، لكن القليلُ دون الكثير، نحو عبد من غير تعْيين، وشَوْرة بيت، (٢٩)، والله تعالى أعلم، وبه التوفيق.\n_________\n(٢٦) هي موضوع الفرق الرابع والعشرين بين قاعدة ما تؤثر فيه الجهالات والغرر وقاعدة ما لا يؤثر فيه ذلك من التصرفات\". جـ ١ ص ١٥٠.\nوقد علق عليه الشيخ ابن الشاط في أوله فقال: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح ظاهر.\n(٢٧) كذا في نسختي ع، وت. وفي نسخة ح: المملّكات، وهو خطآ نَسخِي، والكلمة الأولى أظهرُ وأصْوَبُ في الموضوع، يقال مَا كَسَهُ مِكَاسا ومما كسةً، إذا استنقصه الثمنَ واستحطَّهُ إياه وما كسَه بمعنى شاكسَهُ إذا خَالَفهُ وأعْسرَه في أمْرِ من الامور.\n(٢٨) وأولها بعد ذكر المحَرَّمات من النساء بالنْسَب أو المصاهَرة أو الرضاع: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. سورة النساء. الآية ٢٤.\n(٢٩) شوْرة البيت بفتح الشين وضمها، ويقال: شارة البيت: متَاعُه المستحسَن، ومن معانيها اللباس والزينة به.","vol":"2","page":116},{"text":"القاعدة السابعة:\nنقرر فيها ما يجوز بيعه جزافا مِما لا يجوز، (٣٠) فنقول:\nما يجوز بيعه جزافا (٣١) هو ما اجتمع فيه شرائط ستةٌ:\nالأول: أن يكون معَيَّنا للحِسِّ حتى يُستَدَّل بظاهره على باطنه.\nالشرط الثاني: أن يكون البائع والمشتري جاهلين بالكَيْل، خلافا للشافعي وأبي حنيفة، وهذا لقوله ﵇: \"مَن علِم كَيْل طعام فلا يبِعْهُ جزافا حتى يُبَيِّنةُ\". (٣١ م)\nالثالث، أن يكونا اعتادا الحزْر، فإن لم يعتادا ذلك ولا أحدُهما فلا يجوز، خلافا للشافعي في اكتفائه بالرؤية. وجوابُه أن الرؤية لا تنفي الغرر من المقدار.\nالرابع أن يكون المبيع مما يكال أو يوزَّن، ولا يجوز في المعْدود إلَّا صِغارُ الحيتان والعصافير، فإن مالكا أجاز بيعَها جزافا، وما يُقْصَد آحادُ جِنسِهِ لا يجوز بيع ذلك جزافا، كالثياب.\nالخامس ما يُتوقع معه الربا، فلا يباع أحد النقدين جزافا، ولا طعامٌ بطعام من جِنْسِه جزافا.\n_________\n(٣٠) هي موضوع الفرق السادس والثمانين والمائة بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٣ ص ٢٤٥. ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط ﵀.\n(٣١) الجزاف مثلث الجيم، مصدر جازف يجازف إِذا باع أو اشترى شيئا بالجملة دون وزن أو كيل، كَصُبْرَةِ الطعام من القمح أَو الشعير او الذُّرَةِ أْو حبوب الزيت وغيرها مما يكال أو يوزَنُ، بحيث يكون المبيعُ غيرَ معلوم القدْر والوزن على التفصيل. وهو نوع من البيع كان متعارفًا عليه بين الصحابة في عهد النبي - ﷺ -، وهو مستثنىً من شرطِ العِلم في الثمن والمثمون في البيع.\n(٣١ م) أَورده وذكره العلامة علاء الدين في كتابه: كنز العمال في سَنَنِ الاقوال والاعمال.","vol":"2","page":117},{"text":"السادس عَدَمُ المزابنة، كَبيْع صُبْرةِ جيرٍ وجِبْس بمكيلهِ من ذلك الجنس، لأنه بيعُ المعْلُوم بالمجهول من جنسه، وذلك المزابنة المنهي عنها. (٣٢) فإذا اجتمعتْ هذه (الشروط)، جاز البيع جزافا، وإلا فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>القاعدة الثامنة:\nأبين فيها ما يجوز بيعه على الصفة وما لا يجوز</span>، (٣٣) فأقول:\nما يجوز بيعه على الصفة هو ما اجتمع فيه ثلاثة شروط:\nأحدها ألَّا يكون قريبًا جدا يمكن رؤيته من غير مشقة، فإنه عدول عن اليقين إلى توقع الغرر.\nوالثاني ألَّا يكون بعيدا جدًّا، لتوقُّع تغييره قبل التسليم، ولتعذر تسْليمه.\n_________\n(٣٢) المزابنة: المدَافَعة، من الزبن وهو الدفع، لكون كل واحد من طرفي البيع يدفع الآخَر عند التنازع، وهي بيع التمر على شجره بالثمر والزبيب كيْلاَ. فعن جابر ﵁ قال: نهَى النبي - ﷺ - عن المحاقلة والمزابَنة والمعَاومة والمخابَرَة، وعن الثُّنْيَا، ورخَّص في العَرَايا\" رواه بعض ائمة الحديث. والمراد بالمحاقلة بيعُ الزرع بالحِنطة كيلا. والمخابَرَة دفع الارض إلى شخص ليعمل فيها ويزرعها من عنده ببعض ما في يخرج منها. وهي المزارعة، وقد تقدم الكلام عنها بما يفيد إباحتها وجوازها بشروط. والثُّنْيا بضم الثاء المعجمة والياء المقصورة كالدنيا هي بيع شيء مع استثناء منه، كأن يقول البائع المشتري: بعتك هذه الجملة من حُبوب القمح إلا بعضَها. وهذا المستثنى، إن كان معلوما جاز البيع وصحَّ كأنْ يبِيعَهُ أشجارًا واستثنَى منها واحدة او اثنتين أو ثلاثا، مثلا، وإن كان مجْهولا فلا، لما فيه من الجهالة والغرر. وقد جمع الشيخ خليل ﵀ هذه الشروط المتعلقة بيع الجزاف، فقال في: مختصره: \"وجاز بيْعُ جزافٍ إن رئ ولم يَكْثُر جدّا، وجَهلَاه، وحزَرا (اي خَمَّنَا وعرفا قدر بالحزْر (وهو الظن)، واستوتْ أرضه، ولَمْ يُعَدَّ بلا مشقةِ، ولم تُقْصَدْ أفْرَادُهُ، إلَّا أن يقِل ثمنُهُ (أي كبيع البطيخ والرمان والبيض، مثلا، فيجوز بيعُهُ جِزافًا، لأنه وإن قُصدتْ أفراده فإنها قليلة الثمن).\n(٣٣) هي موضوع الفرق السابع والثمانين والمائة بين القاعدتين المذكورتين جـ ٣ ص ٢٤٧. ولم يعلق عليه بشيء، الفقيه المحقق ابو القاسم ابن الشاط. ﵀.","vol":"2","page":118},{"text":"الثالث أن يصفه بصفاته التي تتعلق الْأغْراضُ بها، وهي شروط السَّلَمِ (٣٤) ليكون مقصود المالية حاصلا، فإن لم يذكر الجنس امتنعَ إجماعا، وإن ذكر الجنس جوزه أبو حنيفة إذا عيَّنه بمكانه فقط، كأن يقول: بعتك ثوبا من مخزني بالبصرة، أو بعْتك ثوبا في كُمّي. ومنعَ بيعَ ثوب من أربعةٍ، وأجازه من ثلاث أثواب، لِاشتماله على الجيد والدُّونِ والوسَط. ومنع الاقتصارَ على الجنس مالكٌ وابن حنبل، لبُعْد العقد عن اللزوم بسبب توقع مخالفة الغرض عند الرؤية. وأبو حنيفة يقول: لا ضرَرَ عليه، لأن لَه الخيار، بل أجَاز له الخيار مطلقا، وإنْ جاء على وفق الصفة، بخلاف مالك، فإنه إذا جاء على وفق الصفة فلا خيار له بل يلزم البيعُ. ومنع أبو حنيفة بيعَ الحيوان على الصفة، لأنها لا تضبطه، والصفة عنده في غير الحيوان -كما قلنا- توجِبُ الصحة دون اللزوم، وعند الشافعي لا توجبها، وعندنا تُوجبها.\nحجةُ أبي حنيفة أن الجهل إنما وقع في الصفات دون الذات، ونهْيُه ﵇ عن بيع المجهول، إنما هو فيما جُهلتْ ذاتُهُ لا صِفتُه، لأن الجهل بالذات أقوى، ولقوله ﵇ \"مَنْ اشترى ما لم يَرَهُ فهو بالخيار إذا رآه\" (٣٥) ولأنه عقدُ معاوضةٍ، فلا تُشترط فيه الصفة كالنكاح وباطنِ الصُّبْرَةِ، والفواكه في قِشرها.\nوالجواب عن الأول أن تفاوت المالية إنما هو بتفاوت الصفات دون الذاتِ، ومقصودُ الشَّرع حفظ المال عَنْ الضِّياع.\n_________\n(٣٤) كذا في نُسَخِ ترتيب الفروق (السّلَم بفتح السين واللام). وعند القرافي في كتاب الفررق: \"وهي شروط التسليم\" أي تسليم المبيع إلى المشتري. ولعل كلمة السَّلَم أنسب وأقربُ إلى الصواب، ومعلوم أن السلم نوع من البيع يَعجَّلُ فيه الثمن، ويؤجَّلُ فيه المبيع من الطعام وغيره إلى أجل مُعَيَّن، فهو بيْع شيء موصوف بثمن معَجَّل، ويكون الشيء المبيع في ذمة البائع إلى حين تسليمه عند حلول الاصَل المعَيَّن، وسُمّيَ كذلك بالسلف، لحديث: \"من أسلف فلْيُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى اجل معلوم\". (متفَق عليه). وبيْعُ السّلَم هذا مستثنَّى من حديث \"لا تَبعْ ما ليس عندك\"، نظرا لحاجة الناس إليه، رواه الإِمام احمد أصحاب السنن ﵏.\n(٣٥) أورده السيد السابق في كتابه الشهير: فقه السنة،: مخرجا له عن البَيْهقي والدارقطني رحمهما الله، معلقا عليه بقوله: وفي إسناده عمر بن ابراهيم الكَرَوي، وهو ضعيف.","vol":"2","page":119},{"text":"وعن الثاني، قال الدارقطني: هو موضوع. وعن الثالث أنا نقْلِبُهُ، فنقول: عقد معاوضة، فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح.\nحجة الشافعي القياسُ على السَّلَم في المعيَّن وإن وُصِف، ونهيُه ﵇ عن بيع المجهول.\nوالجواب عن الأول أن السَّلَمَ، مِن شرطه أن يكون في الذمة، والمعيَّنُ لا يكون في الذمة.\nوعن الثاني أن الصفة تنفي الجهالة، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>القاعدة التاسعة:\nأقَرر فيها ما به يجوز بيع الربوي بجنسه وما به لا يجوز</span>، (٣٧) فأقول:\n_________\n(٣٦) سورة البقرة: الآية ٨٩.\n(٣٧) موضوع الفرق الثامن والثمانين بين قاعدة تحريم بيع الربوي بجنسه وبين قاعدة عدم تحريم بيعه بجنسه\". جـ ٣. ص ٢٥١. لم يعلق عليه الشيخ ابن الشاط بشيء.\nوالربوي نسبة إلى الربا، لكونه يحرم فيه، فالمراد كل ما يحرمُ فيه التعامل بربا الفضل والنّسَاء عند اتحاد الجنس من طعام وغيره، لكونه مما يقتاته الناس ويتعيشون به، ويمكن ادخارُه والاحتفاظ به لوقت الحاجة، (وذلك شأنُ المطعومات التي تقوم بها بِنْية جسم الانسان وحياته، أو لكونه متموَّلا وقيمة للاشياء تُقَوَّمُ به، وذلك شأن النقدين من الذهب والفضة حيث كان التعامل بهما، وكما هو مستفاد من حديث الموضوع.\nوالى ذلك يشير الشيخ خليل بن اسحاق المالكي ﵀ في: مختصره الفقهي المشهور من باب البيوع في شأن الطعام حيث قال: فصْلٌ: علة طعام الربا اقتيات وادّخار، وهل لغلبة العيش؟ تاويلان، كحَب وشعير وسُلْتٍ وهي جنس، وعدَس وأرز وذُخْنِ وذُرة، وهي أجناس، وقطنية وهي أجناس، وثمر وزبيب، ولحم طير وهو جنس ... الح. اي علامة حكمة حِرْمة الربا في الطعام من حبوب الزرع وغيرها كونُه مما يُقتَاتُ ويصْلُحُ للاحتفاظ به لوقت الحاجة والانتفاع به، وهل يُشترَطُ مع ذلك. كونُهُ مُتَّخَذًا للعيش غالبا أو لا يشتَرَطُ معهما اتخاذُه للعيش غالبا؟ في الجواب عن هذا الشرط تاويلان لقول المدونة، وكلاهما في الموضوع، والتوسع فيه مبسوطٌ في كتب الفقه).","vol":"2","page":120},{"text":"ثبتَ عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"الذهبُ بالذهب ... \" فذكر ستة أشياء من الربويات (٣٨)، واشترط في بيع بعضها ببعض مِن المِثليات التماثلَ والتَّناجُزَ، فقال: \"مِثْلا بمِثْلٍ، هَابِهَا، في كل واحد من الستة إذا بيعَ بجنسه.\nولمَّا كان هذا الحديث قد خرج باشتراط المماثلَة في بيع الجنس بجنسه عَرَضتْ حالتان: حالة واحدة، فيها تَحقُّقُ عدَم المماثَلةِ، فوقع الاتفاق على أنهَا لا تجوز، وذلك إذا كانَ الرِبويَّانِ مستوييْن في المقدار، ومعَ أحدِهما غيْرُ الآخَرِ كدينار بدينارٍ وزيادة. وكان الاتفاق على عدم جوازها، من حيث إن الحديث نصَّ على منعها، وحالة اخرى، الزيادة فيها ليست محقَّقة، وذلك كبيع ديناريْن بدينارٍ في قرطاس، فيمكن هنا أن يقال: القِرطاس في مقابَلة الدِينار الواحد، والدينار الآخر في مقابَلة الدينار الآخر، فلم تَحْصُلْ الزيادةُ بِتَحْقيق، (٣٨ م) وكذا قال أبو حنيفة، ومنع مالك من ذلك، لأن المماثلة شرط في الجواز، وحصولُها ليس بمحقَّقٍ. وحديث مسلم في أمر النبي ﵇ بتفصيل القلادة، حينئذ تُبَاع، دليل على ما قاله مالك. (٣٩).\n_________\n(٣٨) هي المجموعة في الحديث الصحيح المروي عن عُبَادَة بن الصامت ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"الذهبُ بالذهب، والفضةُ بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعير، والتمر بالتمر، والمِلح بالملح مِثْلا بمثل، سواءً بسواءٍ، فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد\". وفي رواية: \"فمن زاد أو استزاد فقد أرْبَى: الآخذُ والمعطِي فيه سواء\". وفي حديث آخر صحيح قال رسول الله - ﷺ -: الذهبُ بالذهب رِبًا إلَّا هاوهَا، والبُر بالبرُ ربًا إلا هَاوهَا. والشعيرُ بالشعير ربًا إلَّا هاوها، والتمر بالتمر ربًا إلَّا هاوها\" أيْ إلا إذا بيع يدًا بيد، ومِثْلا بمثل، فلأ رِبَا حينئذ.\n(٣٨ م) كذا في نسخة ع، وح، وفي نسخة ت: فلم تحصل الزيادة تحقيقا.\n(٣٩) ونص هذا الحديث ومضمنه أن النبي - ﷺ - أُتِيَ بقلادة وهو بخَيْبَرَ، فيها ذهب وخرْزٌ فمنَعَ بيعَها حتى تُفَصَّلَ، وأمرَ بالذهب الذي في القلادة فنُزع وحْدَه، ثم قال: الذهب بالذهب وزْنا بوزْن\". ولأبيِ داود عن فُضَالَةَ ﵁ قال: أوُتِيَ النبي - ﷺ - بقلادة، فيها ذهبٌ وخرْز، اشتراها رجلٌ بتسعةِ دنانيرَ أو سبعةٍ، فقال النبي - ﷺ -: لا، حتى تميزَ بينهما.","vol":"2","page":121},{"text":"وأجاب الحنفية عنه بأن قالوا: قضية القِلادة واقعةُ عيْنِ، لم يتعين المنع فيها، لما ذكرناه من الجهل بالزِّنة. (٤٠) وقال الحنفية: ظاهر حال المسلمين يقتضي الظن بحصول المماثلة، والظَّنُّ كافٍ في ذلك كالطهارة وغيرها. وقالَتْ المالكية: الرِّبَا شديد فِى الدّين، فلا يكفي فيه الظنُّ كما قلتم في الطهارة. (٤١).\nثم إذا قلنا باشتراطِ المُمَاثَلة فبأىِ شيء تُعتبرُ؟ فنقول:\nأما الحُبُوبُ الْجَافَّةُ فما اعتبره صاحب الشرع من كيل أو وزن، وما ليس فب مِعْيارٌ له شرعيٌّ، اعتُبِرت فيه العادة العامةُ: الكَيْلُ أوْ الوزن، فإن اختلفتْ العوائد فَعَادةُ البَلَدِ، فإن جرتْ العادة بالوجهيْن خُيِّرَ فيهما، وقال الشافعي: ما كان يكال أو يوزَن اعتبر بتلك الحالة في الحجاز، وما تعَذَّرَ كيله اعتُبِر فيه الوزن، وإن أَمكن فيه الوجهانِ اعتُبِر بمشابَهته في الحجاز، فإن شابَه أمرْين نُظِر إلى الاغْلَب، فإن استويا غُلِّبَ الوزن لأنهُ أخص. وقيل: يجوز الوجهانِ، نظرًا للتساوي، وقيل: يتعذر بيعُهُ لتعَذر الترجيح. (٤٢).\nثم ما به يُعْرف اتحاد الجنس وعدم اتحاده، (٤٣) فاعلَمْ أن الشارع صلوات الله عليه يعتبر ما هو عمادُ الأقوات، ويُلغيِ تفاوتَ الجوْدة والرداءَة لأنه داعية\n_________\n(٤٠) الزِنَةُ: مصدرُ الفعل الثلاتي، وزن الشيء يزنُه وَزْنًا وزِنَةً، مثل وعَدَ يَعد وَعْدًا وعِدَةً.\n(٤١) عبارة القرافي: \"فإن قلتَ: ظاهر حال المسلمين يقتضي الظن بحصول المماثلَة، والظن كافٍ في ذلك كالطهارات وغيرها. قلت: لا نسلِّم أن الظن يكفي في المماثلة في باب الربا، بل لابُدَّ من العلم بمشاهدة الميزان والمكيال، وبابُ الربَا أضيق من باب الطهارة فلا يقاس عليه\".\n(٤٢) هذه الفقرة، ابتداء من قوله: ثم إذا قلنا باشتراط المماثلة فبأي شيء تعتبر؟ إلى قوله: وقيل: يتعذر بيعه لتعَذُّرِ الترجيح\"، هي من إضافات البقوري في هذا الترتيب والتلخيص لمسائلِ كتاب شيخه القرافي في الفروق. رحمهما الله جميعا.\n(٤٣) هذه الفقرة والمسألة هي موضوع الفرق الحادي والتسعين والمائة بين قاعدة اتحاد الجنس وتعدده (أي اختلافه) في باب ربا الفضل، فإنه يجوز مع تعدده، (اي اختلافه) كما هو مستفاد من نص الحديث \"فإذا اختلفت الاجناسُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بِيَدٍ)، وهو من الفروق القصيرة والمختصرة عند القرافي، ولم يعلق عليه الشيخ ابن الشاط بشيء، جـ ٣. ص ٢٦٤.\nقال القرافي ﵀ في أوله: إعلم أن الله تعالى جعل الدنيا مزرعةً للآخرة، ومطيَّةً للسعادة الأبدية، فهذا هو المقصود منها، وما عداه فمعزول عن مقصود الشارع في الشرائع، فلذلك يُعتَبَرُ =","vol":"2","page":122},{"text":"السرف، وترتيب الاحكام عليْه خلاف الوضح الشرعي والقانون الحكمي، فلهذا تساوتْ الالوانُ من الاطعمة في الجنسية، لأن مهمتها الإِدام، وتساوتْ الأخْبَاز، لأن مهمتها الاغتذاءُ. (٤٣ م)\nوقاعدةٌ أخرى في الفرق، (٤٤) قال أبو الطاهر بن بَشير: الصنعة إذا كثرتْ أو بَعُدَ الزمان صيرتْ الجنس الواحد جنسيْن، وإن قَلَّتْ أو قَرُب الزمان لم تصيره جنسيْن، وإن كانتْ بنار وبِنَقْص الْمُقتاتِ (٤٥) بغير إِضافة شئٍ لم تصيره جنسيْن كشيِّ اللَّحْم وتجفيفه وطبخه بغير مرقة، وبإضافة شيء إليه صيرتْهُ جنسيْن، كتجفيف اللحم بالإِبزار وطبخه بالمرقة. وان كانتْ الصناعة بغير نار وطال الزمان فقولان: المشهور تاثيرُها كخلِّ كالنبيذ من التمْر. والنظرُ في. ذلك كله إِلى الأَغراض من التساوي في المقاصد والتفاوت فيها. (٤٦).\n_________\n= في نظر الشرع من الربويات ما هو عماد الاقوات وحافظُ قانون الحياة، ومقيمُ بِنْية الأشباح التي هي مراكبُ الارواح إلى دار القرار، ويُلْغَى تفاوتُ الجودة والرداءة لأنه داعية السرف، ولا يُقصَد إلا للتّرف. فلو رتَّب الشرع عليه أحكامه لكان ذلك دليل اعتباره، ومنبِّهًا على رفعة قدْره ومناره، وهو خلات الوضع الشرعي والقانون الحكمي، فلهذا تساوتْ الألوان من الاطعمة في الجنسية، لأنَّ مُهِمَّها (هكذا) الإِدامُ، وتساوتْ الأخبازْ، لأن مُهِمَّها الاغتذاءُ\".\n(٤٣ م) فى، زاد القرافي هنا بعد ذلك في آخر هذه الفقرة والقاعدة قوله:\n\"وعلى هذه القاعدة بنى العلماء ﵃ اتحاد الاجناس واختلافها، وإن كثرتْ فروع هذا الباب وانتشرتْ فهي راجعة إلى هذه القاعدة\".\n(٤٤) هذه القاعدة أوردها القرافي في هذا الفرق، فهي من كلامه وليست من إضافة البقوري كما قد يتبادر إلى الذهن.\n(٤٥) كذا في نسختْي ع، وح، بينما هذا السطر كله ناقص في نسخة ت، وعبارة القرافي هكذا: \"وإن كانتْ الصنعة بنار، وتنقُصُ المِقدرا بغير إضافة شيءٍ لم تُصَيِّرْه (الجنس) جنسين\".\nوفي تهذيب الفروق: الضَّعَة (بالضاد) من الوضح، ويكون المراد به حينئذ النقص الذي ينتج عن أثَر الصنعة في الشيء، والجِنس الواحد، فيصير جنسين، كما يتضح ممَّا في هذه الفقرة كلها، فلْيُتأمَّلْ ولْيُحقَّق.\n(٤٦) عند القرافي: التقارب بدل التفاوت، فلَعَّل كلمة التفاوتِ أنسَب. فليتأمل، والله أعلم.","vol":"2","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>القاعدة العاشرة:\nأقرر فيها ما يدخله ربا الفضل وما لا يدخله</span>، (٤٧) فأقول:\nقيل: يُضبط بالاقتيات والادخار في الجِنس الواحد، فهذا لا يجوز فيه ربا الفضل. وعن مالك في الموطأ: الأكْلُ والادخار مع اتحاد الجنس، فيجرِي الربا على هذا في الفواكه اليابسة، وعلى القول الآخَر لا يحْرُم فيها.\nوعلى هذا يُختَلَف فيما يقِل ادخاره كالخوخٍ والرُّمان، فأجْرى ابن نافع فيه الربا، نظرًا لجنسِه، وأجازَهُ مالك في الكتابِ، نظرًا للغالب. وعلى هذا فلا يجْرِي\n_________\n(٤٧) هي موضوع الفرق التسعين والمائة (١٩٠) بين قاعدة ما يدخله ربِا الفضل وبين قاعدة ما لا يدخله رِبَا الفضل\"، جـ ٣. ص ٢٥٩، لم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀، رغم طوله الذي استغرق أربع صفحات ونصفًا في كتاب الفروق.\nقال في أوله القرافي ﵀: \"والضابط عندنا له هو الفرق بين القاعدتين: الاقتيات والادخار في الجنس الواحد، هذا هو مذهَبُ مالكٍ ﵀. وقصَرَهُ أرباُب الظاهر على الاشياء الستة التي جآت في الحديث المتَفق عليه في الصحيحين، وهو \"لا تبيعُوا الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرَّ بالبُرِ، والشعيرَ بالشعير، والتمر، بالتمر، والملح بالملح إلَّا مثْلًا بمثل، سواءً بسواء، يدا بيد، وإذا اختلفت الاجناس فبيعوا كيف شئتم إِذا كان يدًا بيد\"، فقالوا: يحرم ربا الفضل في هذه الستة، ويجوز في غيرها، لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.\nوجوابهم قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. والربا الزيادة، وهذه زيادة.\nوقال ابن عباس وجماعة من الصحابة ﵃ أجمعين كزيد بن أرقم وغيره: \"لا يحرم رِبَا الفضل، لقوله ﵇: \"وإنما الربا في النسيئة\"، وهذه صيغة حصر تقتضي انحصار الربا في النسيئة فلا يحرم الفضل. وهذا الحديث أخرجهُ الإِمام مسلم بلفظ \"إن الربا في النسيئة\"، والإِمام البخاري في باب ما يُستدَل به على رجوع من قال من الصدر الأول: (لَا رِبا إلَّا في النسيئة) عن قوله، ونَزَوعِهِ عنه\".\nوجوابهم القول بالموجب (اي موجب قول الحديث وسبب وروده\"، لما روِي أَنه ﵇ سئِل عن مبادلة الذهب بالفضة، والقمح بالشعير، فقال: \"إنما الربَا في النسيئة\"، ولا يحرم ما ذكرتم. إلا أن يتأخر، فسيمعَ (الراوي) الجوابَ دون السؤال. ولو لم يثبت هذا فالقاعدة في أصول الفقه أَن العامَّ في الاشخاص مطلَقٌ في الازمنة والأحوالِ والبقاع والمتعلَّقات، وهذا النص عامٌّ في أفراد الربا، مطلقٌ فيما يقع فيه، فَيُحْمَلُ على اختلافٍ الجِنس، جمعًا بين الأدلة. والمطلق إذا عُمل به في صورة سقط به الاستدلال فيما عداها.\nوقد سبق لنا في أول القاعدة التاسعة قبل هذه من هذا الباب الإشارةُ إلى معنى الربوي، وإلى قول الشيخ خليل: \"علة طعام الربا اقْتِيَاتٌ وادخار\".","vol":"2","page":124},{"text":"الربا في الرَّطْب مِن هذه الفواكه، وإنما يجْرِي في اليابسة منها. وقيل: العلةُ الاقتيات فقط، فيمتنع الربا في البيض دون الفواكه اليابسة، وأبو حنيفة جعل العِلَّة الأكلَ اتحاد الجنس، والشافعي جعَل العِلةَ الكيل والوزن اتحاد الجِنْس.\nوقال ربيعة: الضابط لِرِبَا الفضل أن يكون مما تَجب فيه الزكاة.\nوقال ابن سِيرِينَ: الجنس الواحد هو الضابط في علة منع الربا، فلا يجوزُ التفاضُلُ في جنس واحد، كان طعاما أو غيره، وأصحابُ الظاهر قصَرُوا ذلك على الأجناس المذكورة في الحديث، ولا يكون في غيرها. هذا من منع ربا الفضل.\nوجاء عن ابن عباس أنه أجازه، لِقوله ﵇: \"إنما الربَا في النسيئة\". (٤٧ م)\nقال شهاب الدين: وجوابُ هذا أن رسولَ الله - ﷺ - سُئل عن مبادلة الذهب بالفضة، والقمحِ بالشعير، قال: لا يحْرُمُ ما ذُكر، إنما الربا في النسيئه فسمع الراوي الجوابَ دون السؤال.\nولأصحابنا في المِلح ثلاثة أقوال: منهم من علّله بالاقتياتِ وإصلاح القوتِ، فألْحَقُوه بالتوابل، وقيل: بالأكل والادِّخار، وقيل: بِكونه إدامًا فلا يُلحق به الفُلْفلُ ونحوُه.\nوألْزَمَنَا الشافعية على تعليل المِلْح بإصلاح الأقوات جَرَيانَ الربا في الأفاويه (التوابل) والأحطاب، لأنها مُصلحة الأقواتِ. وجوابهْ أنا لا نقتصر على مطلق الاصلاح، بل نقول: هو قوتٌ مصلح، وهذه ليستْ قُوتًا.\nواختلَف الأصحاب هل اتحاد الجنس جُزْءُ عِلة أو شرْطٌ في اعتبار العِلة لعُرُوِّه عن المناسبة، وهو الصحيحُ، لَنَا أنه ﵊، اشترَط المماثلة، وليست في الجنس، لاختلاف صفاته، فتعيَّنَ المقدارُ، وهذه الأربعة هي أقواتُهم بالحجاز.\n_________\n(٤٧ م) حديث أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله.","vol":"2","page":125},{"text":"وأيضا فَذَكَرَ البُرَّ، فنبَّه به على ما فيه الرفاهية، وذكر الشعير، فنبه به على الأدنى الكائن عند الشدة، وذكر التمر فنبهَ به على ما فيه التفكه مع الاقتيات، وذكر المِلح، فنبه به على ما فيه إصلاح الطعام، واشتركت كلها في الاقتيات والادخار والطعْم، وهي صفاتُ شرفٍ، تُناسب أن لا يبدَّل الكثير منها بالقليل منها، صوْنا للشريف عن الغبْن فيذهب الزائد هدَرًا، ولأن الشرف يقتضي كثرة الشروط، كما أن الملوك لا تُكْثِر الحُرَّاسَ إلَّا على الخزائن النفيسة، فكُلَّمَا عظُمَ شرَفُ الشيء عَظُم خطَرُهُ عقلا وشرعًا وعادة، وجاز التفاضل في الجنسيْنِ (٤٨) وإهدار الزائد، لمكانِ الحاجة في تحصيل المقصُود (٤٩) وامتَنع النَّسَاءُ، إظهارًا لِشَرَفِ الطعام والنقود التي هي حاكمة على جميع الأشياء، وبذلك كان شرفها أيضا، (٥٠) وعِلة مالِكٍ أرجحُ من علة أبي حنيفة بالكيل، لسبعة أوْجُه:\n_________\n(٤٨) قال القرافي هنا ﵀ في تلخيص تعليل منع ربا التفاضل والنَّساء: \"فهذه اثنا عشر مذهبا، منها عشرة في علة الربا: منعُ الربا مطلقا إلا في النَّساء، منعُهُ في النَّساءِ مع المنصوص عليه. فهذان لا تعليل فيهما. والعشرة في التعليل هي: تعليله بالجنس، تعليله بكونه زكُويا. تعليله بكونه مكيلا أو موزونا. تعليله بكونه مكيلا. تعليله بكونه مطعوما. تعليله بكونه مقتاتا تعليله بكونه مقتاتا مدخرًا. تعليله بالاكل والادخار مع اتحاد الجنس. تعليله بالمالية. تعليله بالاقتيات والادخار مع الغلبة. ومن الاصحاب من علل البُرّ بالقُوتِ غالبا، والشعيرَ بالقوت عند الضرورة، والتمر بالتفكه غالبا، والملح بإصلاح القُوتِ، فيحصُلُ في المذهب قولان. هل العلة في الجميع واحدة أو متَعَدِّدة؟\n(٤٨ م) في نسخة ع، وح: في الجنس، وفي نسخة ت: في الجنسين، وهي ما عند القرافي، وهي أظهر وأصْوب فلْيُتَأمَّل ولْيُحَقَّقْ.\n(٤٩) كذا في جميع نسخ الترتيب ع، وح، وت. وعند القرافي: في تحصيل المفقود، فليتأمل.\n(٥٠) قال القرافي هنا ﵀: وتعليل أبي حنيفة بالكيل طردي فيقدَّم عليه المناسب، وتعليل الشافعي بالطعم داخل فيما ذكرناه، فهو مُهَمِل لبعض المناسِب، بخلافنا، بل أهمل أفضل الاوصاف، وهو الاقتيات، ولم يعتبره إلا مالكٌ ﵁.\nوهذه القاعدة تُعرَف بتخريج المَنَاط، وهيَ أن الحكم إذا ورد مقرونا بأوصاف، فإن كانت كلها مناسِبةً كان الجميع علة، أو بعضُهَا، كان علة واحدة، فأسعدُ الناسِ أرجحهم تخريجا، وعِلْمُ مالك أرجح لسبعة أوجه: الخ ... \"، وهذا ما اعتمده الشيخ خليل ﵀ في هذا الباب حيث قال - كما اشرت إليه سابقا: \"فَصْلٌ: \"علة طعام الربا اقتيات وادخار، وهل لغلبة العيش (اي هل يشترط كون ادخاره لذلك)؟ تاويلان\".","vol":"2","page":126},{"text":"أحدها أنها صفة ثابتة والكَيْلُ عارض، وأنها صفة مختتصة، والطعم وغيرهُ غيرُ مختص، وأنها المقصودة عادَةَ من هذه الأعيان، وغيرُها ليس كذلك، وأنها جامعة للأوصاف المتناسِبة كلها، وأنها سابقة على الحكم، والكيل لاحِقٌ، وأنها جامعة للقبيل والكثير كما في النقديْن، والكيلُ يمنع في التمرة والتمرتين، وأنها تختص بحاليةِ الربا دون حالة كون الحبوب حشيشا ابتداء، ورمادًا انتهاء، والكَيْلُ غيرُ مختص.\nتنبيه:\nالقياس في الرِّبويات، اختُلف فيه، هل هو قياسُ شَبَهٍ (٥١) أو قياسُ عِلّة، والأظهرُ أنه قياسُ عِلّةِ، لأن قياس العِلّة ما كان الجاح فيه وصفا مناسبا. وضابطُ المناسِب ما يُتَوَقع من ترتيب الحكم عليه حصولُ مصلحة، أو درْءُ مَفْسدة. كترتيب تحريم الخمر على الإِسكار، لِدَرْءِ مفسدة ذهاب العقل. والمناسَبَةُ هنا من كون هذه الأعْيان شريفة، لأنها يُقتات بها، أو لأنها رووس الأموال وقِيَمُ المُتْلَفات.\nتنبيه:\nقال أبو الوليد بن رشد في كتاب القواعد: الذين قصَروا الربا على النسيئة، إمّا أنهم ينكرون القياس، وهُم الظاهرية، وإمّا أنهم منكرون لقياس الشبَه خاصةً،\n_________\n(٥١) قياس العلة: هو: (القياس المشتمِل على المناسِبِ بالذات، أو هو الذي يكون فيه الوصف الجامع بين الاصل والفرع؛ والشَّبَهُ بفتح الشين والباءِ مَسْلَكٌ من مسالك العلة.\nوقياس الشبه هو إلحاق فرع متردد بين أصْليْن بأحدهما، الغالبُ شَبَهُهُ به في الحكم والصفة على شبهه بالآخَر فيهما.\nلذلكم جاء عند القرافي توْضيحٌ أكْثَرُ له حيث قال: وقياسُ الشبَه إمَّا في شَبَه الحكم كقياس الوضوءِ على التيمم في وجوب النية لأنهما طهارتان، والطهارة حكم شرعي، أو الشبه في الصورة كقياس الخل على الدُّهن في منع إزالة النجاسة به، أو في المقاصد، كقياس الأرز على البُر بجامع اتحادهما في المقصود منهما عادة، وهل المناسبة حاصلة من كون هذه الأعيان شريفةً بالقُوت أوْ رُؤوس الأموال وقِيَم المتَلفات، فناسَبَ ألَّا يُيَدَّل واحدٌ منهما باثنين ويناسِبُ أيضا تكثير الشروط. الأظهر أنه (أي القياس في الربويات) من باب قياس العِلة لا من باب قياس الشبَه، كما قال القرافي ﵀.","vol":"2","page":127},{"text":"والقياس في هذا الباب قياسُ شبَهٍ، وهذا هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، فلذلك لم يُلحِق بما ذُكر في الحديثَ إلا الزبيبَ، كأنه من باب لا فارقَ وهو قياسُ المعنَى، وهو غير قياس الشبه وقياسِ العلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>القاعدة الحادية عشرة:\nأقرّرُ فيها معنى الجهل ومعنى الغرر حتى يظهر بذلك اختلافهما</span>. (٥٢).\nإعلَمْ أن العلماء يستعملون أحد المعنَييْن مكانَ الْآخَر. وأصْلُ الغرر هو الذي لا يُعرَف، هل يَحْصُلُ أولا، (٥٣) كالطير في الهواء، أو السمكِ في الماء، وأمّا ما عُلِم حصولُه وجُهِلت صفته، فهو المجهول كبيعه ما في كُمِّه، فهو محصَّل قطعا، لكن لا يُعرَف أيُّ شيء هو. فالغرر والمجهول، كلُّ واحدٍ منهما أعم من الآخر من وجه، وأخصُّ منه من وجه، يوجَدُ كل واحد منهما مع الآخر وبِدونه.\nوأما وجودُ الغرر بدون الجهالة فكشراء العبد الآبِقِ. المعلوم قَبْلَ الإباق، والجهالةُ بدون الغرر كشرِاء حجَر يَراهُ، لا يُعرف أزُجَاجٌ هو أو ياقوت، فمشاهدتُهُ تقتضي القطع بحصوله، فلا غرر، وعدمُ معرفته يقتضي الجهالة، وأما اجتماعهما فكالعبد الآبق المجهول الصفةِ قبْل الإِباق.\nثم الغرر والجهالة يقعان في سبعة أشياء: في الوجود كالآبق، والحصولِ - وإن علم الوجودُ- كالطير في الهواء، وفي الجِنس كسلعة يسميها، وفي النوع كعبدٍ لم يُسَمِّه، وفي المقدار كالببح إلى مبْلغ رمْي الحصاة، وفي التعْيين كثوبٍ من ثوبيْن مختلِفَيْن، وفي البقاء كالثمار قبل بُدُوِّ صلاحها.\n_________\n(٥٢) هي موضوع الفرق الثالث والتسعين والمائة بين قاعدة المجهول وقاعدة الغرر\" ... جـ ٣. ص ٢٥٦. لم يعلق عليه ابن الشاط بشيء.\n(٥٣) عرفه المازري بقوله: بيعُ الغرر هو ما تَرَدَّدَ بين السلامة والعطَب، وهو من الامثلة التي ذكرها الشيخ خليل ﵀ لفساد المهنى عنه، من عقد أو عمل حين قال: \"وفسَدَ منهي عنه إلاَّ لدليلِ، كحيوان بلحم جنسه إن لم يُطبخ، أوِ بما لا تطُول حياته أوْ لا منفعةَ فيه، وكبيع الغرر، مثل بيع سلعة بقيمتها ... ثم قال: واغتفِرَ غرَرٌ يَسيرٌ للحاجة، لم يُقْصَدْ\".","vol":"2","page":128},{"text":"ثم الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير، ممتنعٌ إجماعا، كالطير في الهواء، وقليلٌ، جائز إجماعا، كأساس الدار، ومتوسطٌ اختلف فيه، هل يُلحق بالقليل أو الكثير، فلِارتفاعه عن القليلِ أْلْحِق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير أْلْحِق بالقليل.\nفائدة: قال أبو الفضْل عياض: الغَرَرُ مالَه ظاهرٌ محبوب وباطِنٌ مكروه، ومنه سُمّيتْ الدنيا متاعَ الغرور. (٥٣ م). وقد يكون من معنى الخديعة، ومنه قيل للرجل الخَدَّاع: غِرٌّ بكسر الغيْن، ويقال للرَّجُلِ المخدوع أيضا، ومنه قوله ﵇: \"المُومِن غِرٌّ كريم\". (٥٤).\n\nالقاعدة الثانيةَ عشرة:\nأقرِّرُ فيها خيار المجلس وخيار الشرط، (٥٥) فأقولُ:\nخِيارُ الشرط عارضٌ للبيع، يَحْصُلُ عند اشتراطه وينتفي عند انتفاء شرطه، بخلاف خيار المجلس عند من يقول به، فإنه يقول: هو من خواص البيعِ وما في معناه من غير شرط، بل من لوازمه.\nواعْلَمْ أن الأصل في العقود، اللزُومُ، (٥٦) لأن العقود أسبابٌ لتحصيل المقاصِدِ من الأعيان، والأصل تَرَتُّبُ المسبَّبات على أسبابها، فلهذا لا نقول بخيار المجلس، لأنه جاء على غير الأصل، خلافا لابن حنبل والشافعي، فإنهما قالا بخيار\n_________\n(٥٣ م) ومنهُ الآية الكريمة ١٨٣ من سورة آل عمران: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.\n(٥٤) أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن أَبَي هريرة ﵁: \"المومن غِرٌّ كريم، والفاجر خَبٌّ لئيم\". أيّ إِنَّ المومن يكون حَسَنَ النية، ويُصَدِّق بالفطرة ما يسمع أو يقال له، وتنطوي نفسه على الكرم والمسَاحْة في: حْال المعاملة، بينما الفاجر مخادِع لئيم محتال في أقواله وأعماله، والعياذ بالله من ذلك.\n(٥٥) هي موضوع الفرق السادس والتسعين والمائة بين قاعدة خيار المجلس وقاعدة خيار الشرط. جـ ٣. ٢٦٩. علق عليه ابن الشاط في أوله بقوله: ما قاله حكايةُ قولٍ ولا كلام في ذلك.\n(٥٦) قال ابن الشاط: يقال بموجب ذلك الاصل بعد خيار المجلس لا قَبْلَهُ\".","vol":"2","page":129},{"text":"المجلس حتى يفْترقَا أو يختارا الإِمضاءَ، حكاه أَبو الطاهر عن ابن حبيب مِنَّا، وكذا\nكل شيء هو في معنى البيع كالإِجارَة والصرف والسَّلَم والقِسمة.\nواحتجّ الشافعي بقوله ﵊: \"المتعاقدان بالخيار ما لم يفترقا (٥٧) .. \" الحديث.\nولأصحابِنا الجوابُ عنه من وجوه: (٥٨)\nمنها أن قالوا: المراد بالمتبايعَيْن، المشتغِلار بالبيع، والافتراقُ، المراد به بالأقوال. والشافعي يقول: المتبايِعان، الرادُ به الذي صدر منهما التبايُعُ، والافتراقُ عنده بالأجسام، فهُو حمَلَ الافتراق على المعنى الحقيقي، من حيث إنه حمله على الأجسام، ونحن حملناه على المعنى المجازى الذي هو بالأقوال.\nثم إنَّا نحن قضينا بالمتبايَعين على حالة التبايع، وذلك الأصل في اسم الفاعل، وهو حَمَلهُ على الماضي، وذلك مجاز، فليس ترجيح أحد التاويلين على الآخر بأوْلى من العكْس، فيكون مجمَلا، ويَسقُطُ به الاستدلال.\n_________\n(٥٧) حديث صحيح متفق عليه بين الشيخين: البخاري ومسلم، وأخرجه غيرهما. وتمامُه كما أورده القرافي: \"إلا بِبَيْعِ خِيارٍ أو يقُولُ أحدهما للآخر: إختر\".\nونصُّهُ عن حكيم بن حزَام ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صَدَقا وبَيَّتَا بورك لهما في بيعهما، وإن كَذَبا وكتَمَا مُحقَتْ بركة بيعهما\". والبيِّعان بفتح الباء وتشديد الياء المكسوة تثنية بيَّع كقَيّم، يُراد بهما البائع والمشتري. وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"كلَ بيِّعيْن لابيعَ بيهما حتى يتفرقا، إلَا بيعَ الخيار\"، أيْ إلا إذا اشترط أحدهما خيار ثلاثة أيام، وهذا خيار الشرط، حيث يشترط الشخص شيئا على أن يكون له الخيار مدة معلومة في إنفاذ البيع أو إلغائه خلالها. وعنه أيضا: \"إذا تبايعَ الرجُلَاِن فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا، أو يخيِّرْ أحدُهما الآخَر فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع\"، حديث صحيح متفق عليه.\nعلق ابن الشرط على احتجاج الشافعي بهذا الحديث فقال: تلك حجة قوية، والعادةُ -غالبا- ألا يطول مجلس المتبايعين طولا يُفَوِت المقصودَ من العوضين. كيف وقد قال - ﷺ -: \"أو يقول أحدهما للآخَرَ: إختَرْ (أي إختَرْ الإمضاء\".\n(٥٨) ذكر القرافي أنها عشرة أجوبة، اقتصَر البقوري على بعضها إيجازًا واختصارا.","vol":"2","page":130},{"text":"قلت: بل هو مَجَازٌ على التبايع ومجاز على الافتراق، كما قلت من حيث إن إطلاق المتبايعيْن على المتساوِمَيْن مجاز، وإطلاقُه على من أبرمَ العقد حقيقة.\nقال شهاب الدين: ومنها قوله ﵇ في بعض الطرق، في أبي داود والدارقطني: \"المتبايعان، كُلُّ واحد منها بالخيار ما لم يتفرقا، إلَّا أن يكون (البيع) صفقةَ خيارٍ، ولا يحِلُّ له أن يفارق صاحبه خشيةَ أن يستقيله\"، ولو كان خيار المجلس مشروعًا ومالَمْ يُحتَجْ للإِقالة. (٥٩).\nومنها عمَلُ أهل المدينة، وهو مقدَّم على خبر الواحد. (٦٠)\nقال شهاب الدين: ونذكر وجْهًا آخر ندعي الدلالة للخبر على بطلان خيار المجلس، (٦١) عكس ما تدعيه الشافعية، وذلك مَبْنيٌّ على ثلاث قواعد (٦٢):\n_________\n(٥٩) قال ابن الشاط هنا معلقا على هذا الكلام عند القرافي: لا دلالة للفظ الإقالة على بطلان خيار المجلس، إنما هي بالضِّمْن لا بالصريح، على تقدير أن لفظ الإقالة حقيقة لامجاز، ويلزم عن ذلك مخالفة آخر الكلام أولَه، فإن أول الكلام يقتضي صريحًا ثبوت خيار المجلس، ويلزم عن ذلك أيضا أن مقتضَى الحديث التاكيدُ لما هو مقرر من أن المتبايعَيْن أو المتساومين بالخيار، وذلك مرجوح، فإن. حمل كلام الشارع على التأسيس إِذا احتمله أولى، ويلزمُ عن ذلك أيضا عدم الفائدة في الاستثناء بقوله: \"إلا أن تكون صفقةَ خيار\"، فإنَّهُ لا شك أن المتساومين أو المعتادين للبيع والابتياع، ما لم يقع العقد بينهما، بالخيار فى كل حال من أحوالهما، وفي صفقة الخيار وغيرها. ثم زاد ابن الشاط فقال: وبالجملة، ففي حمل لفظِ المتبايعَيْن على المجاز وحمل لفظ الإِقالة على الحقيقة، ضروب من ضَعف الكلام وتعارُضِه وعدم الفائدة، وكل ذلك غير لا ئق بفصاحة صاحِبِ الشرع. وفي حمل الاقالة على المجاز وأن المراد با اختيار الفسخ، وحمْل المتبايعين على المتعاقديْن، قوة الكلام واستقامته، وثبوتُ فائدته، والله تعالى أعلمُ.\n(٦٠) علق ابن الشاط على هذا الوجه من وجوه الاحتجاج للمالكية عند القرافي بقوله: ليس للمالكية كلام يقْوىَ، غيرُ هذا، فإذا ثبتَ عملُ أهْلِ المدينة رجَح على خبر الواحد، والله تعالى أعلم.\n(٦١) هكذا في نسختين ع، وت، ندَّعي بالنون، وفي نسخة ح: ويذكر وجها آخر يدعي، بياء المضارعة في الفعلين معا، ولعل ما في العبارة الاولى بالنون أولى وأنسب، كما هو واضح عند القرافي حيث قال: .. ثم نذكر وجها حَادي عشر يقتضي الدلالة بالخبر على بطلان خيار المجلس، عكس ما تدعيه الشافعية، وذلك مبني على ثلاث قواعد ...\n(٦٢) وقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الوجه الحادي عشر وما تفرع عنه من القواعد الثلاث عند شهاب الدين القرافي بقوله: ما قاله في ذلك لا يصح، لأنه مبني على القاعدة الاولى وهي فاسدة، فكل ما بُنيَ عليها فاسد، والله أعلم. =","vol":"2","page":131},{"text":"القاعدة الأولى أن اسم الفاعل حقيقة في الحال، مَجَاز إذا مضى معناه على الأصح.\nالثانية: أن ترتب الحكم على الوصف يقتضى عِلّيةَ ذلك الوصفِ لذلك الحكم، نحو، أُقتُلُوا الكافِرَ.\nالقاعدة الثالثة أن عدم العلة علة لِعَدَم المعلول، فَعَدَمُ الإِسْكَارِ علةٌ لِعَدَمِ التحريم.\nإذا تقررت هذه القواعد، فنقول:\nالحديث يدل على عدم خيار المجلِس لا على ثبوته.\nبيانُه أن المتبايِعيْنِ حقيقةٌ على حالة الملابَسة، عملا بالقاعلة الْأولى، ووصفُ المبايَعة هو علة الحيار، عملًا بالقاعدة الثانية، فإذا انقضت أصواتُ الإِيجاب والقَبُول انقطعَتْ المبايَعَةُ، فتكون العلة قد عُدِمت، فيُعْدم الخيار المرتب عليها، فلا يبقَى خيارٌ بعدُ، عملا يالقاعدة الثالثة، وهذه القواعد كما دلت على عدم خيار المجلس، فهى تدل على أن المتبايعيْن، المرادُ بِهِما المتساومان، فإن الخيار على هذا التقدِير لا يَثبت إلا في هذه الحالة، وينقطع بعدها، وهذا يؤكد ما قلناه أولا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>القاعدة الثالثة عشرة:\nنُقَرر فيها ما يجوز اجتماعه مع البيع وما لا يجوز</span>. (٦٣)\n_________\n= قلت: المعروف لدى علماء الفقه وأصوله أن هذه القواعدة متداولة ومقررة في كتبهم على أنها صحيحة مسَلَّمة في حد ذاتها، ولوْ عند أكثرهم، فيكون بالتالي ما بُنِيَ عيها مجتمعة صحيحا كذلك، فكيف اعتبرها الشيخ ابن الشاط فاسدة من أساسها، وبنى على ذلك فساد ما انبنى عليها من ذلك الوجه الذي يقتضي الدلالة بالخبر على بطلان خيار المجلس، عكس ما تدعيه الشافعية، فَقدَ يكون في ذلك مبالغة، فَليُنظُر ذلك ولْيُحَقَّقْ، والله أعلم بالصواب.\n(٦٣) هي موضوع الفرق السادسِ والخمسين والمائة بين القاعدتين المذكورتين، في ٣ - ص ١٤٢ ولم يعلِّق عليه الشيخ ابن الشاط بشيء من تعليقاته وتعقيياته وتحقيقاته المعررفة في جُلَ الفروق، مما يدل على أنَّهُ مسلَّمُ عنده كبعض الفروق التي لا يعلق عليها بشيء، والله أعلم.","vol":"2","page":132},{"text":"إعلم أن الفقهاء جمعوا أسماء العقود التي لا يجوز اجتماعها مع البيع في قولك جِصٌّ مُشَنَّق، فالجيم للجَعَالة، والصاد للصرف، والميم للمساقاة، والشين للشركة، والنون للنكاح، والقاف للقراض.\nوالسِرُّ في عدم اجتماع هذه، التضادُّ الواقعُ بينهَا. ولمّا كانتْ العقود أسبابا، كانت - ولابدَّ - مناسبة لمسبَّباتها. والشيء الواحدُ لا يناسبُ متضاديْن، وما لا تَضادَّ فيه يجوز اجتماعهما كالبيع مع الاجارة، ولم يَجُزْ مع الجعالة، للزوم الجهالة في عمل الجعالة. كذلك النكاح لا يجتمع مع البيع لتضادِّهما من حيث المكايسةُ في البيع والمسامحةُ في النكاح، وكذلك الصرف مبنى على التشديد وامتناع الخيار والتأخر، وأمور كثيرة هي منتفية في البيع، والمساقاةُ والقِراضُ فيهما الغررُ والجهالة كالجعالة، والشركةُ فها صَرْف أحدِ النقدين بالآخر من غير قبض، فظهر التضادُّ فيما لا يجتمع، وما لا تضادَّ فيه جازَ اجتماعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>القاعدة الرابعة عشرة:\nأقررُ فيها ما يتعين من الأَشياءوما ل يتعين في البيع ونحوه</span>. (٦٤)\nإعْلَم أن العقود ثلاثة أقسام:\nالأول: يَرِدُ على الذمم، فمُتَعَلَّقه الأجناسُ الكُلّية دون أشخاصها، فيحصل الوفاء بمقتضاها بأي فرد كان من ذلك الجنس، إذا كان ذلك الفرد مطابقا بَرئ به، وإلا فلا. (٦٥)\n_________\n(٦٤) هي موضوع الفرق التاسع والثمانين والمائة (١٨٩) بين قاعدة ما يتعيَّن من الاشياء وما لا يتعيَّنُ في البيع ونحوه. جـ ٣. ص ٢٥٣.\n(٦٥) علق الشيخ ابن الشاط على هذا القسم الأول عند القرافي بقوله: ما قاله في ذلك صحيح، إلَّا قَوْله \"فيكون متعلَّقُهُ الاجناسِ الكُليةَ دون أشخاصها\"، فإنه إن أراد ظاهر لفظه فليس بصحيح، يل متعلَّقُهُ أشخاص غير معيَّنة، مما يدخل تحت الكلي، ولذلك صح الوفاء بأي فرد كان إذا وافق الصفاتِ المشترطة.","vol":"2","page":133},{"text":"القسم الثاني مبِيع مشخَّص، فهذا معَيَّن، وخاصَّتُهُ أنه إذا فات ذلك المشخص قبْلَ القبض انفسخ العقد اتفاقا. واستُثنِي من المشخَّصَات صورتان: النقْدَانِ إذا شخِّصَا وتعيَّنا للحِس، هل تَتَعَيَّنُ أمْ لَا (٦٦)؟ ثلاثة أقوال:\nأحدها تتعَيَّنُ بالشخْصِ على قاعدة المشخَّصَاتِ، قاله الشافعي وابن حنبل.\nوثانيها أنَّها لا تتعين، وهو مشهور مذهب مالك، وقال به أبو حنيفة.\nوثالثها تتعيَّن إن شاءَ بائعها، لأنه أمْلكُ لَها، ولا مشيئةَ لقابضها، فإن اختص النقد بصفةٍ كالحِلْي تعينت اتفاقا.\nواحتجّ الشافعي بأمور:\nمنها أن الدَّين يتعين فلا يجوز نقله إلى ذِمة أخْرى، فوجب أن يتعين النقدان بالقياس على الدَّين.\nومنها أنَّ ذواتِ الامثالِ كأرطال الزيت من خابية واحدة، وأقفزة القمح من صُبْرة واحدة، لا يتعلق بخصوصية، بل كلُّ قَفيزٍ منها يسُدُّ مسد الآخر عند العقلاء، ومع ذلك فلو باعه قفيزًا من ذلك أو رِطْلًا من ذلك، وجعَلَه مَوْردَ العقدِ وعيِّنَه لم يكن له إبدالُه بِغيره، بَلْ يتعيَّن بالتعْيين مع عدم الغرض، فكذلك النقدانِ.\nوالجوابُ أن الدَّين إِنما يتَعيَّن ولم يَجُزْ نَقْلُهُ، لأن الذمة تختلف باللَّدَدِ وَقُرْبِ الإِعْسار (٦٧)، فلذلك تَعيَّن، ولو حصل في النقدين اختلافٌ لتعيَّن أيضا ذلك اتفاقا، وإنما الكلام عند عدم الاختلاف.\n_________\n(٦٦) كذا في نسختي ع، وح. وفي نسخة ت: إذا شخصت وتعينت، وفي النسخ الثلاث حصل اختلاف بين إيراد لفظ المثَنى وإعادة الضمير عليه في الفعلين الماضيين، أو الفعل المضارع بعدهما بما يفيد ويناسب الجمع. ولذلك فإن عبارة القرافي أوضح، وهي قوله: النقود إذا شخصت وتعينت للحس، هل تتعيَّنُ أمْ لَا؟\n(٦٧) كذا في نسخة ع. وفي نسخة ح: لأن الدَّين يختلف بالرّد وقُرْبِ الاعتبار، وفي نسخة ت. لأن الدين يختلف بالرَّدِ وقَربْ الإِعسار. فالنَسَخ تختلف مع بعضها، في كلمات الدين بدل الذمة، والرد بدل اللدَدِ، وفي كلمة الاعتبار بدل الإِعسار. ولعل الصواب هو: لأن الذمة تخلف باللدد وقرِب الإِعسار، وهو ما في هذا الجواب الثاني عند القرافي ﵀ فليُتأمل ذلك ولْيُصَّحح.","vol":"2","page":134},{"text":"وعن الثاني أن السِلَع وإن كانت ذواتِ أمثالٍ فهي مقاصِدُ، والنقدانِ وسيلتان لتحصيل المُثمَّنات، والمقاصدُ أشرف من الوسائل إجماعا، فبِشَرَفِهَا اعتُبِر تشخُّصُها (٦٨).\nفي القاعدة - لمالك على مذهبه - ثلاثُ مسائل:\nالمسألة الأولى: على مقتضَى مذهب مالك، أن خصوصَ النقدين لا يُمْلَكان البتَّةَ، بخلاف خصوصيات المثليات، ولهذا منْ غَصَب دينارا لآخَر، فليس يَسْتَحِقُّ عندهُ إلا دينارا. وأمّا خصوص ذلك الدينار فَلا، إلا أن يكون الدينار الذي أخِذ له حلالًا فأعطاه حراما، أو كان من ذهب طيّب \"فأعطاه ذهبا لطيفا\"، (٦٩) وإلا فالمستحَقُّ دائما هو الجِنس والمقدار دون خصوص ذلك الفرد. (٧٠)\nالمسألة الثانية: قال بعض الفقهاء: لا تتعين الدنانير والدراهم في مذهب مالك إلا في مسألتين: الصرف والكراء، وقال الشيخ أبو الوليد في المقدِّمات: النقدان يتعينان بالتعْيِين في الصرف عند مالك وجُمهور أصحابه، وإن لم تُعَيَّن تعينَت بالقبض وبالمفارقة، ولذلك جاز الرضا بالزائِف في الصرف. (٧١)\nواعلَمْ أن استثناء هاتين المسألتين يُحْوِج لذكر الفرق بينهما وبين سائر المسائِل.\nأما الصرف فيُمْكن أن يقال: إن قال مالك فيه بالتَّعْيين فلِضَيْقِ بَابِه وأمْر الشرع بسُرْعة القبضِ، وذلك مناسب للتعْيين، فيحْصُل مقصود القبْضِ ناجزًا،\n_________\n(٦٨) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا القسم الثاني إلى هنا بقوله: قلت: الذي يقْوى عندي مذهبُ الشافعي، وأقوى حججه قياس. اهـ.\n(٦٩) هذه الجملة بين مزدوجتين موجودة في نسختى ع، ح، ناقصة في نسخة ت، وهي أظهر وأنسبُ، وأوضح في المعنى.\n(٧٠) عقب الفقيه المحقق ابن الشاط على ذلك بقوله. ما قاله القرافي في ذلك ضعيف، والصحيح في النظر لزوم رد الدينار المغصوب بعينه مادام قائما، أما إذا فات فله ردُّ غيره.\n(٧١) عقب الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة الثانية إلى آخرها بقوله. قلت: المسألة مبنية على عدم تعيين النقدين بالتعيين، فلذك أشكل الفرق بين مسألتي الصرف والكراء، والصحيحُ أن ذلك الاصل غير صحيح، فلا إشكال، والله أعلم.","vol":"2","page":135},{"text":"بخلاف ما إذَا قلنا: إن الصرْفَ إنما ورد على الذمة. وأمّا الكراءُ فصعْبُ الفرقِ بينه وبين غيره. وغايته أن يُقَال فيه: إن الكراء يِرِدُ على المنافع المعدومة، فلو كان النقدانِ لا يتعينان لكان الكِراء أيضا في الذمة، فيشبه بيعَ الدين بالدين، وهو حرام. غير أن هذا الفرق مشكل بأنه يُجَوِّزُ الكراء على الذمة تصريحا، وتَعَيُّنْهُ بعد ذلك.\nالمسألة الثالثة: إذا جرى غيرُ النقدين مَجراهما كالفلوس وغيرها، قال سَنَدٌ: مَن أجْرى الفلوس مَجْرى النقدين في تحريم الربا جعلها كالنقدين، ومَنَعَ البدلَ في الصرف إذا وُجد بعضها رديئًا، وفيها ثلاثة أقوال: التحريم، والاباحة، والكراهة.\nالصورة الثانية المستثْناةُ من المُشخَّصات: ما قاله ابن القاسم في المدونة، إذا كان الدينُ لأحَد فلا يجوز أن ياخذ فيه سكنى دارٍ، أو خدمةَ عبدٍ، أو ثمرةً يتأخر قبضها، وإن عَيَّن جميع ذلك، وأجْرَاه مَجْرى فسخ الدين في الدين، وهو أوْجَهُ. (٧٢) وقال أشهب: يجوز ذلك لأجْل التعيينِ، والمعيَّنُ لا يكون في الذمة (٧٣)، وما لا يكون في الذمة لا يكون دَيْنا، فليس ها هنا فسخُ الدين فيِ الدين، وهو أوْجَهُ.\n_________\n(٧٢) وهو أوجه: ناقص في نسخة ع، ثابت في نسختي ح، وت.\n(٧٣) هذه الفقرة، ابتداءً من قَوْلِ أشهب، ثابتة في نسختَي ع، وح، ناقصة في نسخة ت.\nوهذه العبارة في النسختين ثابتة بالنفي هكذا: \"والمعَيَّن لا يكون في الذمة\". وعند القرافي بالنفى والإِثبات هكذا، بصيغة الحصر: \"والْمُعيَّنُ لا يكون إلَّا في الذمة\"، فهي تفيد الاثبات المؤكَدَ بالْحَصِر.\nولَعَلَّ الصواب على ما يظهر ما في نسختي الترتيب، بدليل العبارة الآتية بعدها، سواء عند البقوري أو القرافي، وهي \"وما لا يكون في الذمة لا يكون ديْنًا\".\nعلى أن عبارة: \"والمعيّن لا يكون في الذمة\" بالنفي تقدمت في القاعدة الثامنة من هذا الباب، والمقابِلة للفرق السابع والثمانين والمائة في الجواب الثاني عن حجة الشافعي في منْع البيع على الصفَة، على أساس القياس على السَّلَم في المعَيَّن وإن وُصف، وعلى أساس نهيه ﵇ عن بيع المجهول. فلْيُتأمل ذلك وليُصَحَّحْ، والله الموفق للسداد والصواب.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على نقل القرافي لكلام أشهب بقوله: قول أشهبَ في سكنى الدار الماخوذة في الديْن أوْجَهُ كما قال الشهاب (شهاب الدين القرافي) رحمهما الله جميعا.","vol":"2","page":136},{"text":"القسم الثالث من أصل التقسيم، الآخِذُ شَبَهًا من الطرفين، وهو بيْعُ الغائب على الصِفة. فَمِنْ جهةِ أنهُ غير مَرْئي أشْبهَ ما في الذمة، ولذلك قُبِلَ ضمانهُ من البائع، ومن جهة أن العقد لم يقع على جنس، بلْ على شخص، أشبه المعَيَّن، ولهذا قبِل ضمانه من المشترِي. (٧٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>القاعدة الخامسة عشرة:\nأقرر فيها ما يجوز بيعه قبل قبضه وما لا يجوز </span>(٧٥).\nقال صاحب الجواهر: لا يمتنع شيء من التصرفات قبْل القبض إلا البيعَ، فيُمْنَع (٧٦). وقال الشافعي وأبو حنيفة: يمتنع التَّصرفُ قبل قبض المبيع مطلقا. ثم هل هذا خاص بالطعام أولا؟، مالك يجعله خاصا به، وأبو حنيفة والشافعي يجعله عاما في كل شيء، غيرَ أن أبا حنيفة يستثني العقار، فإنه يجَوِّزُ بيعه عنده قبل قبضه، ولم يستثن الشافعي شيئا. فمالكٌ أخذ بقول الصحابي: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن بَيْع الطعام قبل قبضه، \" (٧٧)، والشافعي أخذ بالحديث الذي فيه النهي عن ربْح ما لم يُضْمَن (٧٨) وبحديث آخر، فيه النهي عن بيع ما لم يقبض (٧٩)، وبالقياس على الطعام\n_________\n(٧٤) عَقْبَ الشيخ ابن الشاط على هذا بقوله: ما قاله القرافي في بيع الغائب أنه أخذَ شبهًا مما فَي الذمة ضعيف، بل هو معيَّن، وأما كون ضمانه من البائع أو من المبتاع فلأِمور غيْر كونه معَيَّنًا أو غير مُعَيَّن، والله أعلم.\n(٧٥) هي موضوع الفرق الثامن والتسعين والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه قبل قبضه، وقاعدة ما لا يجوز بيعه قبل قبضه. جـ ٣. ص ٢٧٩. ولم يُعلق الشيخ ابن الشاط بشيء على هذا الفرق، على ما فيه من طول ممَّا يدل على تسليمه لما جاء فيه من مسائل وفروع.\n(٧٦) كذا في ع. وفي ح: فيمتنع، وفي نسخة ت: \"إلّا البيعَ في الطعام فَيُمْنع\". وعبارة القرافي: \"فيتنِع بيْعُ الطعام قبل قبضه، بقوله ﵇ في الصحيح: \"من ابتاع طعامًا فلا يَبِعْهُ حتى يَسْتوفيهُ\".\n(٧٧) ففى الحديث الصحيح المتفق عليه: عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"\"من ابتاع طعاما فلا يَبعْهُ حتى يستوفيه\".\n(٧٨) ونصُّه: نهى رسول الله - ﷺ - عنَ بيَّع ربح ما لمْ يُضْمَنْ \"رواه أصحاب السنن\".\n(٧٩) وعن حكيم بن حزَام قال: يا رسول الله، إِني أشتري بيوعا، فما يحِل لي منها وما يحرم؟ قال: إذا اشتريت شيئا فلا تبِعه حتى تقبضه\". رواه الائمة احمد والبيهقي وابن حبان بإسناد حسن.","vol":"2","page":137},{"text":"قلت: قد مضى في تقييد المطلق ما تقرر معه أن مَذْهَبَ الشافعي أقوى في هذه المسألة من مذهب مالك، واللهُ أعْلَمُ.\nقال شهاب الدين (٨٠): يجوز بيع الطعام قبل قبضه في خمسةِ مواضع: الهِبةِ، والميراثِ على اختلاف، والاستهلاكِ، والقَرض، والصكوك، وهي أْعطَيَاتُ الناس من بيت المال. ووقعت الرخصة في الشركة في الطعام قبل قبضه، وفي الإِقالة، والتوليةِ، تنْزيلا للثاني منزلة الاول، بِشرطِ ألَّا يفترق العقدانِ في أصلٍ أو مقدار أو غيرهما، ومنعَ الشافعي وأبو حنيفة وأحمد جميعَ ذلك، نظرًا للنقل والمعاوضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>القاعدة السادسة عشرة:\nأقرر فيها ما يتْبَعُ العقدَ عُرفا ومالَا</span>، (٨١) فأقول:\n_________\n(٨٠) إختصر البقوري هنا أجوبة للإِمام القرافي عما احتج به الإِمام الشافعي من الحديثين السابقين ومن القياس على الطعام في منع بيع الشيء قبل قبضه مطلقا، طعاما كان او غيره. فقال القرافي:\n\"والجواب عن الاول والثاني أن هذه الاحاديث، المراد بها نهيُه ﵇ عن بيع ما ليس عندك، فيُنهَى الانسانُ عن بيع ملك غيره، ويضمن تخليصه لأنه غرر، ودليله قوله ﵇: \"الخراج بالضمان والغلَّةُ للمشترى\"، فيكون الضمان منه، فما باع إلَّا مضمونًا، فما يتناول الحديث محل النزاع.\nوالجواب عن الثالث. الفرق بأن الطعام أشرف من غيره، لكونه سببَ قيام البِّنية وعماد الحياة، فشدَّد الشرعُ على عادته في تكثير الشروط فيما عظُم شرفُه، كاشتراط الولي والصداق في عقد النكاح دون عقد البيع، وشَرَطَ في القضاءِ ما لم يشترطه في مَنْصِبِ الشهادة. ثم يتأكد ما ذكزناه بمفهوِم نهيه ﵇ عن بيع الطعام حتى يُسْتوْفَى، ومفْهُومه أنَ غيْرَ الطعام يجوز بيعه قبل أن يُستوفَى، وقولِهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.\nفإن قلت: أدلة الخصوم عامة في الطعام وغيره، والقاعدة الأصولية أن اللفظ العام لا يُخَصَّصُ بذكر بعضه، فالحديث الخاص بالطعام لا يُخَصِّصُ تلكَ العمومات، فإن من شرط المخصِص أن يكون منافيا، ولا منافاة بين الجزء والكل، والقاعدة أيضا أن الخاص مقدَّمٌ على العام عند التعارض، وقولُه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ عامٌّ، وتلك الاحاديث خاصة، فتُقدَّم على الآية، والاعتماد في تخصيص تلك الأدلة على عمل أهْل المدينة لا يستقيم، لأن الخصم لا يُسَلم أنه حجة، فضلا عن تخصيص الأدلة.\nقلت: أسئلة صحيحة متجهة الإِيرادِ، لا يحضرني عنها جواب نظائر. قال العبْدَ لِي: يجوز بيْعُ الطعام قبل قبضه في. خمسة مواضح. الخ.\n(٨١) هي موضوع الفرق التاسع والتسعين والمائة بين قاعدة ما يتْبعُ العقد عرفا وما لا يتبعه\". جـ ٣. ص ٢٨٣. ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":138},{"text":"قال صاحب الجواهر وغيره: إذا قال: أشركتُكَ معي في السلعة يُحْمَل على النِصْف.\nثم الأرضُ يندرج في بيعها الأشجارُ والبناءُ والحجارةُ المخلوقةُ فيها دون المدفونة. وكذلك يندرج في بيعها الزرعُ الكامن، بخلاف الزرع الذي ظهرَ. ويندرج أيضا في الارضِ المعدنُ، بخلاف الكنْز. وقال الشافعي: لا يندرج في الارض البناءُ الكثِيرُ ولا الغرس، وكذلك الدار يندرج فيها المعدِنُ دون الكنز، والأحجار الخلوقة دون المدفونة، والأبوابُ، والخوابي المدفونة، والرفوف المسمَّرة، والسُّلَّم المتنقل. وقال ابن حنبل كقولنا. وعندنا أيضا إذا باعه البناءَ يندرج فيه الارضُ والتوابيتُ ومرافق البناء كالأبواب والرفوف والسُّلم المثبوتِ دون المنقول. ولفظ الشجر تَتْبَعُهُ الارض. وقال ابن حنبل: لا تندرج الارض في لفظ الشجر.\nولفْظُ المرابحة (٨٢) عندنا يقتضي أن كل صنعة قائمهَ كالصبغ والخياطة والكماد (٨٣) والطرز والغَسْل يُحسَبُ، ويحسَبُ له ربح. (وما ليس عينا قائمة ولا\n_________\n(٨٢) المرابحة مصطلح فقهى لنوع من أنواع البيوع الجائزة، وبيانه بايجاز واختصار هو كما جاء عند العلامة ابن جُزَي ﵀ في كتابه الملخص الشهير: القوانين الفقهية: \"فأما المرابحة فهي أن يُعَرِّف صاحبُ السلعة المشتريَ بكم اشتراها وياخذ منه ربحا. إما على الجملة، مثل أن يقول: إشريتُها بعشرة وتُربحُني دينارا أو دينارين، وإما على التفصيل وهو أن يقول: تُرْبِحُنِي درهما لكل دينار أو غير ذلكَ.\nوبعبارة اخرى: بيع المرابحة هو البيع بالثمن الذي اشتُريتْ به السلعة مع ربح معلوم، وهو- كما قلتُ - من البيوع الجائزة المشروعة، وفق شروطها المطلوبة، والمنصوص عليها بتفصيل في الكتب الفقهية، مثل التولية، وهي البيع برأس المال دون زيادة أو نقص، والوضِيعة، وهي البيع بأقَلَّ من الثمن (ثمن الشراء)، وكالمساومة، وهي أن يتفاوض المشتري مع البائع في الثمن حتى يتفقا عليه من غير تعريف بكم اشتراها، وكالمزايدة، وهي المناداة على السلعة، وزيادةُ الناس فيها بعضِهم على بعض حتى تقف على آخِر زائد فيها فياخذها. وليس هذا مما نُهِيَ عنه من مساومة الرجل على سوم أخيه، ومِن بَيْعه على بيع أْخِيهِ.\n(٨٣) الكِمَاد: تَسْخين العُضو بِخرَقٍ ونحْوها، يقالُ: أكْمدَ العضوَ سَخَّنَه بِوضعِ الكمادة عليه، وهي خرقة تسخَّنُ وتوضع على العضو الموجوع ليذهب ألمُهُ. والكمادة بهذا المعْنى تُعتَبَرُ حِرْفَةً من الحِرف لمنٍ يتعاطاها، والكِمَادُ بهذا المعنى دخل في مجال الحرفة والصناعة لمن يتعاطاها أوْ يَكُونُ معْروفا بها.","vol":"2","page":139},{"text":"يُنَمي السلعة في نفسها كنفقة الرقيق يحسَب ولا يُحسَبُ له ربحٌ)، (٨٤) وما ليس له عين قائمة ولا يُنْمي السلعة ذاتا ولا سوقا لا يحسب ولا يحسبُ له ربح، لأنه لم ينتقل للمشتري، فلا يقابَلُ بشيء، وهذِه الاحكام تتبع قوله: بعتك هذه السلعة مرابَحةً، للعشرة أحَدَ عشر، وما أشبهَ هذا القولَ، ولفظ العبد تتبعه ثيابه التي عليه إذا أشبهت مهنته دون ماله، وهذه الامور مبنية على العوائد، ولولاها لكان ما ذكرناه تحكما.\nوممَّا يُشْبِهُ هذه الاشياءَ وليس مبنيا على العوائد، بل مُسْتَنَدُه النص، قوله ﵊: \"من باع نخلا قد أبِّرَتْ فثمرتها للبائع، إلَّا أن يشترطها المبتاع\". (٨٥) ومفهومُه يقتضي أنها - إذا لم تؤَبَّرْ فللمبتاع، لأنه ﵇ جعلها للبائع بشرط الإِبَّار، فإذا انتفَى الشرط انتفى المشروط، فالأول مفهوم الصفة، والثاني مفهوم الشرط. والحنفية يقولون: هي للبائع مطلقا، (أَيْ كانتْ مُؤبَّرَةً أم لَا)، ولا يصح الاحتجاج عليهم بالمفهوم فإنهم لا يقولون به، ويقيسون الثمرة على الجنين إذا خرج لم يَتْبَع، وإلَّا تَبِعَ، (٨٦) وكذلك على الَّلبَن في الضرع.\n_________\n(٨٤) هذه العبارة المثبتة بين قوسين: ثابتة في ع، وح، ناقصة في ت، وعند القرافي هنا.\n(٨٥) أخرجه الإِمام مالك ﵀ في الموطأ: ترجمة ٤٢٧: ما جاء في ثمر المال يباع أصله. ومَعْنَى أُبّرتُ بضم الهمزة وتشديد الباء المكسورة وتخفيفها لُقحتْ، فتابيرُ النخل تلقيحه، وهو - كما جاء في شرح العلامة الزرقاني ﵀ على الموطأ- أن يُشَقَّ طلع الإناث ويوخذَ من طلع الذكر فيذَرُّ فيه ليكون بذلك بإذن الله أجودَ مما لم يؤبَّر، وهو خاص بالنخل، وألحق به ما انعقد من ثَمَرِ غيرها.\nوبعبارة أخرى: الإبَّارُ عند العلماء أن يُجعلَ طلعِ ذَكر النخل في طلع إناثها، وفي سائر الشجر أن تنوَّر وتعقد، والتذكير في شجر التين التي تُذكّرُ، في معنى الإِبار.\n(٨٦) كذا في جميع النسخ الثلاث المعتمدة في التحقيق والتصحيح لهذا الكتاب: ترتيب الفروق واختصارها. \"ويقيسون (أيْ الحنفيةُ) - الثمرةَ على الجنين، إذا خرج لم يتبع، والا أتْبع\". فالحنفية هُمْ الذين يقيسون ذلك كما هو واضح من نص العبارة والجملة. وعبارة القرافي هنا تفيد بأن المالكية هم الذين يقيسون تلك الأقيسة حيث قال: \"وهذا ضعيف (أيْ الاحتجاج عليهم بمفهوم الصفة ومفهوم الشرط) من جهة أن الحنفية لا يرون المفهومَ حجة، فلا يُحْتَجُّ علهم به، بل نقيس الثمرة في الجنين، إذا خرج لم يُتْبع والا أتْبع، أو نقيسها على اللبن قبل الحِلَاب، واستتار الثمار في الأكمام كاستتار الأجنة في الأرحام واللبن في الضرع، أو نقيسها على الاغصان والورق =","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>القاعدة السابعةَ عشْرةَ:\nأقرر فيها ما يجوز به السَّلَمُ ويصح</span>، (٨٧) فأقول:\n_________\n= ونَوَى التَّمْر، وهذه الأقيسةُ أقوى من قيَاسهم بكثير، لقوة جامعها، وأما قياسهم غيرَ المؤبَّرِ على المؤبَّر ففارقه ظاهر. ولفظ إطلاق \"الثمار في رؤوس النخل\" يقتضِي عندنا التَّبْقَيةَ بعد الزهو، وقاله الشافعي.\nوقال أبو حنيفة: يقتضِي القطع كسائر المبيعات، ولما فيه من الجهالة\".\nوعبارة الشيخ: محمد على ﵀ في كتابه تهذيب الفروق، المطبوع معها، مماثِلَة لعبارة القرافي حيث جاء فها: وهذا ضعيف من جهة أن الحنفيةَ لا يرون المفهوم حجة، فلا تُحْتَجُّ عليهم به، بل نحتج عليهم أولًا بقياس الثمرة على الجنين، إذا خرج لم يتبع، والا أتبْع، وثانيا بقياس الثمرة على اللبن قبل الحِلاب، وثالثا بقياس اثمرة على الاغصان والورق ونَوى التمر، إلى آخر ما جاء عند القرافي من أن قياس الحنفية غيرَ المؤبَّر على المؤبَّر، فارقُة ظاهر، وجامعُهُ ضعيف.\nثم زاد صاحب التهذيب قوله: \"وفي بداية الحفيد (اي بداية المجتهد لابن رشد الحفيد) قوله: \"جمهور الفقهاء على أن من باع نخلا فيها ثمر قبل أن يؤبَّرَ فإن التمر للمشتري، واذا كان البيعُ بعد الإِبَّار فالثمر للبائع إلَّا أن يشترطه المبتاع والثمار كلها في هذا المعنَى في معنى النخيل. قال الشيخ علي: وسببُ هذا الخلاف معارضَةُ دليل الخطاب لدليل مفهوم الأحْرى والأَوْلى، وهو الذي يسمَّى فحْوى الخطاب، في حديث الموضوع. فقال الائمة الثلاثة: لما حكم - ﷺ - بالتمر للبائع بعدَ الإبار، علمنا بدليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة أنها للمشترى قبل الإبار بلا شرط، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا وجبت للبائع بعد الإِبار، فهي بالأحرى أن تجب له قبل الإِبار، وشبَّهوا خروج التمر بالولادة، قالوا: فكما أن من باع أمَةً لها ولد فولدُها للبائع إلا ان يشترطه المبتاع، كذلك الامر في التمر، لكن مفهوم الأَحْرى ها هنا ضعيف وإن كان في الاصل أقوى من دليل الخطاب.\nوبنقل ما عند القرافي، وما عند البقوري هنا في ترتيب الفروق، وما عند الشيخ علي في تهذيبها يمكن للفقيه أن يوازن بين هذه النقول في هذه المسألة، ويتوصل من خلالها إلى فهم كلام كل منهم في هذا الموضوع، والوصول إلى الصواب على ضوئها وعلى ضوء ما في الكتُبِ الفقهية التي تناولت الفروع الجزئية بتفصيل.\n(٨٧) هي موضوع الفرق المائتين بين قاعدة ما يجوز من السَّلَمَ وبين قاعدة ما لا يجوز منه، وهو آخِر فرق في الجزء الثالث من كتاب الفروق، ص ٢٨٩.\nوالسّلَم بفتح السين واللام هو بيْعُ شيء موصوف في الذمة بثمن معَجَّلٍ، يتسلَّمُهُ البائعُ، ويسمَّى السلَفَ، وهو من البيوع المشروعة الجائزة، وأصْلُهُ الحديث المتفَقُ عليه عند الشيخين: البخاري ومسلم رحمهما الله أن النبي - ﷺ - قدِمَ المدينة وهم يُسْلِفُون في الثمار السنةَ والسنتين، فقال: \"من أسلَفَ فليُسْلِفْ في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم\"، وهو مستثنى من النَّهي عن بيع الانسان ما ليس عنده، فإن المراد بهذا النهي أن يبيع الانسان ما ليس في ملكه وما ليس له قدرة على تسليمه. كما تقدم.","vol":"2","page":141},{"text":"السَّلَمُ الجائز ما اجتهح فيه أربعةَ عَشَرَ شرطا:\nالأول: تسليمُ جميع رأس المال، حِذارًا من الدَّين بالدين.\nالثاني: السلامةُ من السلف بزيادة، فلا يُسْلِم شاةً في شاتين متقاربَتَيْ المنفعة.\nالثالث: السلامة من الضمان بِجُعْلٍ، فلا يُسْلَم جِذعٌ في نصف جذع من جنسه. (٨٨).\nالرابع: السلامة من النَّسَأ في الربوى، فلا يُسْلِم النقدين في تراب المعدن.\nالخامس أن يكون المسلَمُ فيه يمكن ضبطه بالصِفات، فيمتنع سَلَمُ خشبَة في تُراب المعادن.\nالسادس أن يَقبل النقلَ حتى يكونَ في الذمة، فلا يجوز السَّلَمُ في الدُّور.\nالسابع أن يكون معلومَ المقدار، فلا يُسْلَمُ في الجزاف.\nالثامن: ضبط الأوصاف التي تختلف الماليةُ باختلافها، نفْيًا للغرر.\nالتَّاسِعُ أن يكون مؤجَّلا، فيمتنع السَّلَم الحَالُّ.\nالعاشر أن يكون الأجل معلوما، نفيا للغرَر.\nالحادي عشر، أن يكون الاجل زمان وجود المسْلَم فيه، فلا يُسلِمُ في فاكهة الصيف لياخذها في الشتاء.\nالثاني عشر: أن يكون مامونَ التسليم عند الأجل، نفْيًا للغرر، فلا يُسلم في البستان الصغير.\nالثالثَ عشر أن يكون دينا في الذمة، فلا يُسْلِمُ في مُعَيَّن، لأنه متعين يتأخر قبضه وهو غرَرٌ.\n_________\n(٨٨) الجذع بكسْر الجيم وبالذال المعجمة يطلق على ساق النخلة، ويجمع على جذوع وأجْذاع، ومنه الآية الكريمة في سورة مريمَ خطابا لها، وقد وضَعَتْ ولدها عيسى ﵇ وانحازت إلى جذع النخْلة، فأمرها الحق سبحانه أن تحركةُ لتسقط عليها ثمارها الطيبة. فقال تعالى في شأنها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ الآية ٢٥.","vol":"2","page":142},{"text":"الرابعَ عشرَ تَعيين مكان القبض باللفظ أو العادة، نفْيا للغرر، فمتى انخرَم شرط من هذه، فهو السَّلَمُ الممنوع.\nقال شهاب الدين: ولَمْ أر واحدًا وصَّلها لعشرة، وهي أربعة عشر كما ترى، وفروع المدونة شاهدة لها، وفي الشروط ست مسائل (٨٩):\nالمسألة الأولى (٩٠): الحَذَرُ من بيع الدين بالدين، أصلُه نهيه ﵇ عن بيع الكالئ بالكالئ (٩١) وكان هذا، لأن صاحب الشرع ما جاء إلا برفع الشغب وتقليلِ النزاع إن لم يستطح على رفعه، والكالئ بالكالئ مما يقَوِّي النزاع ويثيره، إذْ هُو طلَبٌ من الجهتين.\nثم الكالئُ قد يكون من الكلاءة التي هي الحفظ والحراسة، وكل واحد من المتداينين وُراقب صاحبه ويحفظه لأجْل دَينه الذي له قِبَلَه، فهو اسم فاعل، وفي الكلام حذف، تقديره: النهي عن بيع مالِ الكالئ بمال الكالئ، لأن الرجلين لا يباع أحدما بالآخر، ويكون بمعنى اسم المفعول كالماء الدافق (٩٢)، ويُسْتَغْنَى عن الحذف، وقد يكون اسما للدينين ويُسْتَغْنى أيضا عن الحذف.\n_________\n(٨٩) علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي في اول هذا الفرق إلى هنا فقال: ما قاله في ذلك صحيح.\n(٩٠) علق ابن الشاط على هنا المسألة عند القرافي بقوله: ما قاله في ذلك صحيح.\n(٩١) الكالئ: اسم فاعل من الفعل الثلاثي كلَأ، وهو يستعمل لازما، فيقال: كلَأ الدَّينُ أي تأخر، ويقال في أداء الصداق عند عقد الزواج: بعضه معجَّلٌ، وبعضه كالئ (أىّ مؤجَّلٌ ودَيْن في ذمة الزوج حتى يؤديه لزوجته). ويستعمل متعديا في معان، منها الحفظ، ومنها الانتظار، يقال: كلأه الله بمعنى حفظه، ويقال: كلَأ النجمَ، يكلأه بمعنى رعى طلوعه وانتظر ظهور في السماء، وعن معنى الحفظ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. سورة الأنبياء. الآية ٤٢.\n(٩٢) ومنه الآيةُ الكريمة في سورة الطارق، وهي تَلفِت نظر الانسان وتذَكِرُهُ وتُثير انتباهه إلى عظمة الله وقدرته ﷻ في أصل تكوين الانسان وخلْقه، ممّا يدل دلالة قاطعة وأضحة على قدرة الله تعالى على بعث الانسان وإحيائه بعد مماته: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. والصلب بالنسبة للرجل، والترائب (اي الصدر) بالنسبة للمرأة.","vol":"2","page":143},{"text":"المسألة الثانية في بيان عِلة تحريم جَرِّ السلف للنفع للمُسْلِف، وذلك أن الله ﷿ شرعَ السلف قَرْيَةً للمعروف، ولذلك استثناه من الربا المحرَّم، فيجوز دفع دِينارٍ لياخذ عوضه دينارًا إلى أجل قرضا، ترجيحا لمصلحة الإِحسان على مفْسدة الربا، (٩٣)، وهذا من الصور التي قدَّم الشرع فيها المندوبات على المحرَّمات، وهي من الصور التي تقتضي مصلحتها ترتيب الإِيجاب، لكن ترك الشرع ترتيب الإِيجاب عليها، رفقا بالعباد (٩٤). ويدلك على أن مصلحة السلف تقتضي الايجابَ معارضتُها للمحرم، بل أعظم من الايجاب لو كان، فإن المحرم يقدم على الواجب عند التعارض على الصحيح (٩٥)، فإذا وقع القرض ليجُرَّ نفعا، بطلت مصلحة\n_________\n(٩٣) علق الشيخ ابن الشاط على هذه المسألة الثانية عند القرافي بقوله: \"ما قاله من أن القرض مستثنىً من الربا المحرم ليس مسَلَّم لا صحيح، فإن الرببا لغةً، الزيادة، ولا زيادةَ في المثال الذي ذكره، والربا ممنوع شرعا، والقرض ليس بممنوع، وإنما وقع الخللُ من جهة اعتقادِ أن دينارا بدينارٍ إلى أجلٍ، ممنوع مطلقا، والأمر ليس كذلك، بل ذلك ممنوع على وجه البيع الذي شأنه عادةً، المكايَسة والمغابنَة، وليس بممنوع كل وجه القرض الذي شأنه المسامحة والمكارَمة، فهما أصلان، كل واحد منهما قائم بنفسه، وليس أحدما أصلا للآخر. وهو تعقيب هام، وجيه.\n(٩٤) مثَّل لها شهاب الدين القراففي بمصلحة السّواك، قول النبي ﵊: \"لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسِّواكِ مع كل صلاة\"، وهو حديث صحيح عن أبي هريرة ﵁، وذَكَرَ أنَّه بسط الكلام على هذه المسألة في كتابه \"المواقِيتُ في أحكام المواقيت\".\nوقد علق عليها الشيخ ابن الشاط بقوله: ما قاله من أن مصلحة السواك تقتضي الإِيجاب مُشْعِرٌ بأن المصالح والمفاسد أوصاف ذاتة للموصوف بها، وذلك رأي الفلاسفة والمتعزلة، وليس رأيَ الاشعرية أهل السنة، فإن أراد ذلكم فهو خطأ، وإن كان أراد غير ذلك فلفظه غير موفٍ لمراده\". فلْيُنْظَر ذاك ولْيَتَأمَّل، والله أعلم،\n(٩٥) قال ابن الشاط هنا: قد تبَيَّن أنه لا مُعارَضَة، لانهما أصلانِ متغايران، وعلى تقدير المعارضة، فقَولُه: \"إنَّ المعارضة هنا تدل على أن مصلحة السلف تقتضي الوجوب\" دَعوى، ولا حجة عليها إلا فحش الخطأ، وياليتَ شِعْرى، ما تقتضي المصلحة التي هي فوق ما يقضِي الايجاب؟، وهل فوق الايجاب رتْبةٌ أعلى منه؟ هذا كله تخليط وفي مهواة الاعتزال والتفلسف توريطٌ\" أقول: رحم الله الشيخ ابن الشاط، وجزاه خيرًا على تعليقاته وتحقيقاته الهامة والمفيدة في كثير من فروف القرافي وقواعده ومسائله المتفرعة، فإنَّه بتلك التحقيقات يوضح الغموض ويُبَيِّن الإِشكال في كثير من المسائل، ويزيل ما يكون في النفس ويَعْلَق بالذهن والفكر احيانا من غموض واستشكال. وفي نفس الوقت سامحه الله عما يكون منه ويَصْدُرُ عنه في عبارته أحيانًا قليلة من شددة وقسوة تجاه الإِمام القرافي الذي له فضل السبق فيما كتبه وأصلَّه في هذا الكتاب من قواعد وفروع. =","vol":"2","page":144},{"text":"الإِحسان بالمكايَسة، فتبقى مفسدة الربا سليمة عن العارِض، فيترتَّب عليها التحريمُ.\n_________\n= فله فضل السبق على ابن الشاط رحمهما الله، فكل منهما باحث عن الحق والسداد والصواب في المسائل، هادف وقاصد إلى الوصول اليه من خلال ما علمه الله. وفوقَ كل ذي علم عليم. والكمال لله وحده.\nوتحضرني هنا الابيات الأولى في مقدمة ألفية محمد ابن مالك الجياني، في ألفيته النحوية، حينما ذكر أنها ستفوق ألفية ابن مُعْطٍ قَبْلَهُ، فلم يلبث أن تذكر واستعاد رشده، فاستدركَ واعترَفَ لسابقه بفضل السبق والجميل، واستوجب منه الثناء الجزيل، والدعاء له بالمغفرة والرحمة من الله الرحمان الرحيم، فقال في ذلك:\nوأستعينُ اللهَ في ألفيةْ ... مقاصِدُ النحْو بها مَحوية\nتُقَرّب الاقصى بلفظٍ موجَز ... وتَبسُط البذْلَ بوعْدٍ مُنْجَز\nوتقتضِى رضَى بغير سُخْط ... فائقةً ألفيةَ ابن مُعْطٍ\nوهو بسبق حائزٌ تفضيلا ... مستوجبٌ ثنائي الجميلا\nواللهُ يقضي بهباتِ وافرة ... لي وله في درجات الآخرة\nوهو ملحظ نجده كذلك عند الدكتور عبد الله إبراهيم صلاح في كتابه (الاطروحة) \"الإِمام شهاب الدين القرافي، واثرُه في الفقه الإسلامى\" المبحث العاشر، ص ٢٩٠ حيث جاء في قوله، وهو يتحدث عن حاشية ابن الشاط وقيمتها العلمية:\n\"والحقيقة أن بهذه الحاشية القيمة كثيرا من الفوائد الفقهية العظيمة أجاد فيها ابن الشاط وابتكر، مما يدل. على علو مكانه وتَمَكَّنِهِ من كثير من العلوم المختلفة، وبها تفريعات وتقسيمات قيمة كثيرة النفع، عظيمة الفائدة، مما جعل بعض الفقهاء الكبار يثْنون عيها ويعتبرونها في القمة ... \" إلا أنه من جهة أخرى يجب أن يُعْلَمَ أن العلامة ابن الشاط قد أسرَف في القول في هذه الحاشية على الإِمام القرافي، فإن الإِمام القرافي رجل مجتهد في المذهب، مثله مثل ابن الشاط، ان لم يكن اكثر منه ويزيد عليه كثيرًا في هذا الشأن.\nثم إن الإِمام القرافي ما دام أنه رجل مجتهد في تخريج مذهب إمامه، ومحققُه فقد أدَّاه اجتهاده إلى القول ببعض الاحكام في بعض المسائل الفقهية التي اندرجت ح نظيرتها تحت قاعدة كلية تشملها، فاعتُبِرتْ كذلك، وما لم يُصبْ فيه الإِمام القرافي في نظر ابن الشاط، فما ذلك الا لاجتهاد الإِمام القرافي في تلك المسائل، ولم يوافقه اجتهاد ابن الشاط فيها.\nثم إنه من جهة يجب أن يقال: إن منهج الشيخين في الاجتهاد قد اختلف، لأن لكل منهما طريقته الخاصة في الاجهاد، ولهذا، إختلفتْ طريقةُ كل منهما في الاستنباط الاحكام الفقهية، وجآت على هذه الصورة التي توحى بالاختلاف المتباعد.\nومهما يكن من أمر، فما كان للعلامة ابن الشاط -رحمه الله تعالى- أن يتحامل هذا التحامل الكبير، وخاصة على رجل إمام كالقرافي، له مكانته العالية بين علماء عصره الكِبار، سامحَنا الله واياهم. جميعًا\".","vol":"2","page":145},{"text":"المسألة الثالثة في الشرط الثاني.\nقال أبو الطاهر في ضبط هذا الشرط: المُسْلَم فيه إن خالف الثَّمَنَ جنسا ومنفعةً جاز لبُعْد التهمة (٩٦)، أو نفعا، امتنع، إلا أن يُسْلِم الشيءَ في مثله، فيكون قرضا بلفظ السَّلم فيجوز، واذا كانت المنفعة للدافع امتنع اتفاقا، وإذا دارتْ بين الاحتماليْن .. فكذلك، لعدم تَعَيُّنِ مقصود الشارع، فإن تمحّضَتْ للقابض فالجوازُ وهو ظاهرٌ، والمنع لصورة المبايعة، وللمسلفِ ردُّ العَيْن. وها هنا اشترط الدافع ردّ المِثل، فهو غرَضٌ له، وإن في اختلف الجنس دون المنفعة فقولان: الجوازُ، للاختلاف، والمنعُ، لأن مقصَود الأعْيان (٩٧) منافعها، وإن اختلفتْ دون الجنس، جاز لِتحقق المبَايَعَةِ.\nالمسألة الرابعة في الشرط الثالث وهو الضمان بجُعْل: في بيان سره، وذلك ببيان قاعدةٍ، وهي أن الأشياء ثلاثة أقسام:\nقسم اتفق الناسُ على أنَه قابل للمعاوضة، وقسم اتفق الناس على عدم قبوله للمعاوضة كالدَّم والخنزير ونحوهما من الأعيان، والقُبَل والعِناق من المنافع. ويدل على ذلك أنه لا قيمة لها عند الجناية عليها، ومنها ما اختُلِفَ فيه هل يَقبل المعاوضة أم لا كالأزبال وأرْواث الحيوان من الأعيان، والأذان والإِمامة من المنافع، فقيل بالجواز، وقيل بالمنع (٩٨).\nإذا تقررت هذه القاعدة فالضمان في الذم من قَبيل ما منع الشرعُ المعاوضة فيه، وإن كان منفعة مقصودة للعقل كالقُبَلِ، وأنواع الاستمتاع مقصودة\n_________\n(٩٦) كذا في ع. وهو ما عند القرافي. وفي ح: \"التعذّر الشبهة\" وفي ت: لتعَذَّر التهمة. وما في ع وعند القرافي أظهرُ، فليَتَأمَّل وليُحقَّق.\n(٩٧) كذا في نسخة ع، وت، وهو ما عند القرافي. وفي نسخة ح: الأثمان. وما في النسختين الأوليين، وعند القرافي هو الظاهر والصواب. فلْيُتَأمَّل، ولْيُحَقَّق، والله أعلمُ.\n(٩٨) علق ابن الشاط على المسألة الثالثة فقال: ما قاله القرافي فيها حكاية أقوال، وتقسيمٌ لا كلام معه فيه، وما قاله بعدها (من المسألة الرابعة) التي آخر الفرق صحيح.\nومعنى كون القُبَل والعِناق والنظر إلى المحاسن لا قيمة لها عند الجناية عليها، أنها غير متقوِّمة شرعا، ولو كانت تقبل القيمة الشرعية لوجبتْ عند الجناية عليها كسائر المنافع الشرعية.","vol":"2","page":146},{"text":"للعقلاء ولا تصح المعاوضة عليها، فإن صحة المعاوضة حكمٌ شرعي، يتوقف على دليل شرعي، ولم يدل دليل عليه يوجب نفيه.\nالمسألة الخامسة في الشرط التاسع، وهو منع السَّلَم الحَالِّ. وجوزه الشافعي وجعله من باب الأحْرَى والأوْلى، ولكنه لا يصح مع قوله ﵇: \"مَن أسْلَمَ فليُسْلِم إلى أجل معلوم\".\nالمسألة السادسة في الشرط الثاني عشر.\nيجوز السَّلَمُ فيما ينقطع في بعض الأجل، ومنعه أبو حنيفة، واشترط استمرار وُجُودِ المُسْلَمِ فيه من حين العقد إلى حين القبْضِ محتجا بوجوهٍ.\nالأول احتمال موْتِ البائع فيحُل السّلَم بموته فلا يوجَدُ المسلَم فيه.\nالثاني، إذا كان معدُومًا قبل الأجل وجبَ أن يكون معدوما عنده، عملا بالاستصحاب فيكون غَررا، فيمتنع إجماعا.\nالثالث أنه معدوم عند العقد فيمتنع في المعدوم كبيع الغائب على الصفة إذا كان معدومًا\nالرابع أن العدم أبْلغُ من الجهالة فيبطل، قياسا عليها بطريق الأولى، لأن مجهول الوجود هو نفيٌ مَحْضٌ.\nالخامس أن ابتداء العقودِ آكدُ من انتهائها، بدليل اشتراط أجل معلوم فيه وهو المنفعة، فينافي التحديدُ أولَهُ دون آخره، وكذلك البيعُ يُشترط فيه أن يكون المبيع معلوما مع شروط كثيرة، ولا يشترط ذلك بعْدُ، فكل ما ينافي آخر العقل ينافي أولَهُ من غير عكس، والعدم ينافي آخر الأجلُ فينافي أول العقد بطريق الأولى.\nوالجواب عن الأول أنه لو اعتُبِر لكان الأجلُ في السَّلَم مجهولا، لاحتمال الموتَ، فيلزم بطلان كل سَلمٍ، وكذلك ابيح بثمن إلى أجل، بل الأصل عدم تغير ما كان عند العقد، وبقاءُ الانسان إلى حين التسليم، فإن وقع الموت وُقِفَتْ التَّركةُ إلى الإبَّانِ، فإن الموتَ لا يُفسد البيع.","vol":"2","page":147},{"text":"وعن الثاني أن الاستصحاب معارَض بالغالب، فإن الغالب وجودُ الأعيان في إبانها.\nوعن الثالث أن الحاجة إلى العدم في السَّلم بخلاف الغالب لا ضرورة تدْعو إلى ادعاء وجوده بل تجعله سَلَمًا.\nوعن الرابع أن المالية منضبطة مع العدم بالصفات، وهي مقصودُ عقود السَّلم (٩٩)، بخلاف الجهالة، ثم ينتقض ما ذكرتمْ بالاجارة تمنعها الجهالة دون العدم.\nوعن الخامس أنا نُسلم أن ابتداء العقود آكَدُ في نظر الشارع، لكن آكد من استمرار آثارها، ونظَرُهُ (١٠٠) ها هنا بعد القبض، وإلا فكلُّ ما يُشترَط من أسباب المالية عند العقد يشترط في المعقود عليه عند التسليم، وعدم المعقود عليه عند العقد مع وجود المعقود عليه عند التسليم لا مدخل له في المالية البتة، بل المالية مصونة بوجود المعقود عليه عند التسليم، فهذا العدم - حينئذ - طردي، فلا يُعتَبر في الابتداء ولا في الانتهاء، بل يتأكد مذهبنا بالحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قدِمَ المدينة ووجدهم يُسْلِمون في الثمار السنةَ والسنتين والثلاث، فقال ﵇: \"من أسلَف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم\" (١٠١)، وهو يدل من حيث إن ثَمَرَ السنتين معدوم، ومن حيث إِنهَ أطلق ولم يفرق، ومن حيث إن الوجود لو كان شرطا لبَيَّنه ﵇، لأن تأخر البيان عن وقت الحاجة ممنوع.\nواعْلم أن القرض خالف القواعد الشرعية من ثلاثة أوجه:\n١) قاعدة الربا إن كان في الربويات كالنقدين والطعام، ٢) وقاعدة المزابنة،\n_________\n(٩٩) كذا في نسخة ح. وفي ع، وت: التنمية، وعند القرافي: عقود التهمة، والأولى أظهرُ وأصْوبُ، والله أعْلَمُ، فليتأمَّل وليصحح ذلك، وليحقِّقْ.\n(١٠٠) كذا في جميع نسخ ترتيب الفروق، وعند القرافي: \"ونظيره هنا\" ولعل ما في الترتيب أظهر وأ وب حيث سبقت كلمة نظر في قوله: آكَدُ في نظر الشارع، فليتأمل ذلك.\n(١٠١) سبق تخرجه عند الكلام على أول قاعدة السَّلم.","vol":"2","page":148},{"text":"وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه إن كان من الحيوان ونحوه من غير المثليَّات، ٣) وقاعدة ما ليس عندك في المِثليات. وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف للعباد، فلذلك متى خرج عن المعروف امتنع.\nسؤال: العارية معروفٌ (١٠٢) كالقرض، وإذا وقعت إلى أجل بعوض، جازت وإن خرجت بذلك عن المعروف فلم لا يكون القرض كذلك إذا خرج بالقصد إلى نفع المقرض عن المعروف يجوز؟\nجوابه: إذا وقعت العارية بعوض صارت إجارة، والاجارة لا يُتصوَّر فيها الربا ولا المفاسد المذكورة في القرض، والقرض بالعوض بيعٌ فيُتصَوَّر فيه، وكذلك إذا وقع القرض في العروض هو ربًا، فلا يجوز، للآية، إلا ما خصَّهُ الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>القاعدة الثامنة عشرة في الصلح </span>(١٠٣)\nإعلَمْ أن الصلْحَ في الأموال دائر بين خمسة أمور: البيع إن كانت المعاوضة\n_________\n(١٠٢) العارية كما عرفها الفقهاء: هي اباحة المالك منافع مِلكه لغيره بلا عوض. وهي عَمَلٌ من أعمال البر والمعروف، ومن أنواع الأعمال الخيِّرة، التي ندَب إليها الاسلام، وحثَّهُمْ عليها في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وعن أنس ﵁ قال: كان فَزَعٌ بالمدينةِ (اي خَوْفٌ) لأمْرٍ بعث عليه، فاستعار النبي - ﷺ - فرسًا من أبي طلحة يقال له المندوب فرَكبه، فلما رجع قال \"ما رأينا من شئٍ، وأن وجدْناه لبحرًا\"، أي ما كان هناك شيء يدعو إلى الخوف ولقد وجدنا هذا الفرس قويًا واسع الجري سريعه بعد ما كان بطئه. وهذا السؤال والجواب عنه حول العارية هو من اضافة الشيخ البقوري لما في كتاب شيخه القرافي رحمهما الله.\n(١٠٣) هي موضوع الفرق الثاني والمائتين بين قاعدة الصلح وغيره من العقود. جـ ٤. ص ٢. وقد علَّق عليه الشيخ ابن الشاط رحمه الله تعالى بقوله: ما قاله فيه غير صحيح، لأنه لم يُبْدٍ فرقًا بين الصلح وغيره، ولكنه تكلم على حكم الصلح، وكلامُه في ذلك صحيح.\nوالصُّلحُ عقد يُنهى الخصومة والخلاف بين المتخاصمين والمتنازعين في أمر يجوز فيه الصلح.\nوأصْلُ مشروعيته الكتابُ والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى في سورة النساءَ الآية ١١٤ ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ \"، وقوله سبحانه: في سورة الحجُرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. ومن السنة الحديثُ الآتي، والذي أورده الشيخ البقوري هنا، وهو حديث مروي عن عمرو بن عوف ﵁، وأخرجه الائمة: (أبو داود والترمذى وابن ماجة، وغيرهما من مؤلفي كتب الحديث والسنة، وأجْمع المسلمون على مشروعيته\".","vol":"2","page":149},{"text":"عن أعيانٍ، والصَّرْفِ إن كان فيه أخْذُ أحَدِ النقديْنِ عن الآخَرِ، والإِجارةِ إن كان عن منَافع، ودَفع الخصومة إن لم يتعيَّن شيءٌ من ذلك، والإحسانِ وهو ما يعطيه المُصَالِح من غيْر الجاني، (١٠٤)، ومتى تعيَّن أحدُ هذه الأبواب رُوعيت فيه شروط ذلك الباب، لقوله ﵇: \"الصلح جائز بين المسلمين إلا صُلْحا أحلَّ حراما أو حرَّم حلالا\"\nويجوز عندنا وعند أبي حنيفة على الإقرار والإِنكار، وقال الشافعي: لا يجوز على الإِنكار (١٠٥). والعجَب منه أنه يقول: للمدعي أن يدخل دار المدعَى عليه بالليل وياخذَ قدْر حقه، فكيف يمنع مع الموافقة من الخصم على الأخذ.\nنعَمْ، إن كان يعلم أنه ما طلبَ إلا باطلا فلا يحل له الأخذُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>القاعدة التاسِعة عشرة:\nفي تقرير حكم الأهوية وتقرير حكم ما تحت الأبنيَّة</span>. (١٠٦).\n_________\n(١٠٤) كذا في نسخة ع، وفي نسخة ت: الحاجة، والذي في هذا الفرق عند القرافي هو ما في النسخة الأولى ع: (أي من غير الجاني) وهو أبين وأظهر، فلْيُصَحَّحْ ذلك ولْيُحَقَّقْ.\n(١٠٥) ذكر شهاب الدين القرافي ﵀ ثلاثةَ أوْجُه لقول الإِمام الشافعى ﵁ في عدم جواز الصلح على الإِنكار، وهي:\n١) الاول أنه أكل المال بالباطل، لأنه ليس عن مال، لعدم ثبوته، ولا عن اليمين، وإلَّا لجازت إقامة البينة بعده، ولجاز أخذ العقار بالشفعة، لأنه انتقل بغير مال، ولا عن الخصومة، وإلَّا لجاز عن النكاح والقذف.\n٢) الثاني أنه عاوَضَ عن مِلكه فيمتنع، كشراء ماله من وكيله.\n٣) الثالث أنه معاوضة فلا تصح مع الجهل كالبيع.\nوأجاب القرافي عن كل وجه منها، مؤيدا بذلك قول الإمامين: مالك وأبي حنيفة في جواز الصلح على الانكار كما يجوز على الإقرار. فليرجع إليها في هذا الفرق (٢٠٢) من أراد الاطلاع عليها والتوسع في معرفة تلك الاجوبة عند الإِمام القرافي ﵀.\n(١٠٦) هي موضوع الفرق الثاني عشر والمائتين بين قاعدة الأهوية وبين قاعدة ما تحت الأبنية\" جـ ٤ ص ١٥. قال القرافي في أوله:\nإعلم أن حكم الأهوية تابع لحكم الأبنية، فهواء الوقف وقْفٌ، وهواءُ الطلق طلق، وهواء المواتِ مَوَاتٌ، وهواء المملوك مملوكٌ، وهواء المسجد له حكم المسجد.\nوقد عقب العلامة ابن الشاط على ما جاء في أول هذا الفرق فقال: ما قاله القرافي في ذلك حكاية للمذهب، فلا كلام معه فيه.\nوقد أشار الشيخ خليل ﵀ إلى موضوع البناء فوق الاهوية المملوكة وغرز الجِذْع أو العمود في حائط الجار بشروط فقال: \"وجاز بيعُ هواءٍ فوق هواء إن وُصِف البناءُ، وغرْزُ","vol":"2","page":150},{"text":"إعلم أن الأهْوِية يجرى عليها ما يجري على الأبنية، فالملوك لشخص معَيَّنِ، هواؤه كذلك، والمسجدُ هواؤه للمسجد، والوقْفُ هواؤه كذلك، فلا سبيل لأحدٍ أن يتعدى على شيء من ذلك بالبناء عليه، ولم يخرج عن هذه القاعدة إلَّا فرعٌ واحد. قال صاحب الجواهر: يجوز إخراج الرواشن (١٠٧) والأجنحة على الحيطان إلى طريق المسلمين إذا لم تكن مستندة، فإذا كانت مستنِدة لم يَجُزْ إلا برضا أهلها كلهم.\nوسبب خروج الرواشن عن هذه القاعدة أن الابنية هي بقية المواتِ الذي كان قابلا للإحياء، مُنعَ الإحياء فيه لضرورة السلُوكِ ورَبْطِ الدوابِّ وغير ذلك، ولا ضرورة في الهواء، فبقي على حاله مباحا في السكة (١٠٨) النافذة، وأما المستندة فلا، لحصول الاختصاص، وتعيُّن الضرر عليهم. (١٠٩)\nوأما ما تحت الأبنية الذي هو عكس الأهوية التي جهة السفل فظاهر المذهب أنه مخالف لحكم الابنية، ولهذا قال صاحِبُ الطراز: إنَّ المسجد إذا حُفِرَ تَحتَه مطمورة يجوز أن يَعبُرَهَا الجنُبُ والحائض. وقال: لو أجزْنا الصلاة في الكعبة وعلى ظهرها لم نُجزْها في مطمورة تحتها، فهذا تصريح بمخالفة الأهوية لما تحت الأبنية، إذْ لا يجيزون أن يَمرّ الجنب في أهوية المساجد، ولهذا اختلفوا، مَن ملك أرْضًا هل يملك ما فيها وما تحتها أوْ لا، ولم يختلفوا في ملك ما فوق البناء في الهواء (١١٠).\n_________\nجِذع في حائط الخ .. قال الفقيه ابن عاصم في منظومته التحفة:\nوجائزٌ أن يُشترَى الْهَواءُ ... لأنْ يقَامَ مَعه البِنَاء\n(١٠٧) الرواشِن: جمعُ رَوْشَن وهي الكوة أو النافذة.\n(١٠٨) السِّكة هي الطريق المستوية.\n(١٠٩) قال ابن الشاط هنا: تعليل القرافي بقاء أهْوية الطرق غير المستندة على حالها مِن قبولها للإِحياء، بعَدَم الضرورة المُلْجئة اليها، مشْعِرٌ بنقيض ما حكاه عن المذهب من أن حكم الهواء إلى عنان السماء حكم البناء، فإنه لا ضرورة تلجئ إلى ذلك، فمقتضى ذلك، الاقتصارُ على ما تُلْجئ الضرورة إليه، والمحَكَّم في ذلك العادةُ، فهذا موضع نَظر\".\n(١١٠) قال ابن الشاط: \"ما قاله القرافي هنا حكاية أقوال لا كلام فيه\".\nيقال: قرٌ في المكان يَقَر بفتح القاف كسرها سكن فيه، وقر على الامر ثبت عليه.","vol":"2","page":151},{"text":"والفرق كان، (١١١) لأن الناس تتوفر دواعيهم على العلو لأجل النظر إلى المواضع البعيدة من الأنهارِ وغيرها، ولمقاصد جمَّةٍ، ولا يتشوفون في السفل إلا إلى الأساس فقط. وقاعدة الشرع أنه إنما يُمَلِّك لأجل الحاجة، وما لا حاجة فيه لا يشرَعُ فيه المِلك، فلهذا لم يُمَلِّك ما تحت الأبنية، (١١٢) ومن رأي تملك ما تحت الارض فقد استدل بقوله ﵇: \"من غصَب شبرًا من ارض طوِّقَه يوم القيامة إلى سبع أرَضِين\" (١١٣).\n_________\n(١١١) عبارة القرافِي: وسرُّ الفرق بين القاعدتين أن الناس شأنهم توفر دواعيهم على العلو ... الخ. وقد علق الشيخ ابن الشاط على ذلك بقوله: ما قاله من أنه لا تتوفر الدواعي في باطن الارض على أكثر مما يتمسك به البناء من الأساسات، ليس بصحيح، كيف وقد توفرت عليه دواعي كثير من الناس كحفر الارض للجبوب (جمع جُبِّ بضم الجيم وهو البئر)، ومنه الآية الكريمة في قصة يوسف ﵇: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾، والمصانع وحفر الابار العميقة، هذه غفلة شديده، يقول ابن الشاط، ثم قال: والذي يقتضيه النظر الصحيح أن حكم ما تحت الابنية كحكم الأهوية. ومما يدل على ذلك أن من أراد أن يحفر مطمورة تحت ملك غيرَه يتوصل إليها من مِلْك نفسه، يُمنع من ذلك بلا ريب ولا خلاف، فلو كان ما تحت الأبنية ليس له حكم الأبنية بل هو باقٍ على حكم قبول للإحياء لما منع من ذلك، والله أعلم.\nأقول: ولعلَ الامر والنظر هنا يحتاج إلى التفريق بين الارض وأبنيتها في البادية وبينها في الحاضرة، حيث تتأتى بعض تلك الامور وتظهر أهميتها وقيمتها في البادية أكثرَ مما تتأتى في غيرها، ولو بصفة نسبية، مثل حفر الآبار والمطامير العتيقة، وبذلك يبقى كلام الإِمام القرافي سليمًا وبعيدًا إلى حد ما عن الغفلة الشديدة، بل يبقى بعيدا عن الغفلة من أساسها بالمرة، فلْيتأمل ذلك، وليُحَقَّق من طرف العلماء المتخصصين والفقهاء المتمكنين جزاهم الله خيرا، والله أعلم.\n(١١٢) عقب ابن الشاط على هذه القاعدة بقوله: إذا كانت القاعدة الشرعية ألَّا يُملك الشرع إلا ما فيه الحاجة، وأيْ حاجة في البلوغ إلى عَنان السماء؟، وإذا كانتْ القاعدة أنه يُمَلِّك مما فيه الحاجة فما المانعُ من مِلْك ما تحت البناء لحفر بئر يعمقها حافرها ما شاء. فما ذَكَرَ من سر الفرق لم يظهر وبقى سرا كما كان، فالصحيح أنه لا فرق بين الامريْن. ومن الدليل على ذلك ما هو معلوم لاشك فيه من أن مَن مَلَك موضعًا، له أن يبني فيه ويرفع فيه البناءَ ما شاء، ما لم يضرَّ بغيره، ولَه أن يحفر فيه ما شاء وُيعَمِّق ما شاء، ما لم يَضُرّ بغيره ...\n(١١٣) حديث صحيح متفق عليه عن عائشة ام المومنين ﵂ بلفظ: \"من ظَلَمَ شبرا من الارض طَوَّقه الله في سبع أرضِينَ\".","vol":"2","page":152},{"text":"وأجاب شهاب الدين عن هذا بأن قال: تطْويقه إنما كان عقوبة، لَا لأجل مِلك صاحب الشِّبرِ فيه، ولا يلزم من العقوبة بالشيء أن يكون مملوكا لغير الله تعالى. (١١٤)\nقلت: لا يتحقق العدل الَّا على ما قاله المستدل، وقاعدة العَدْل تُنقَض على شهاب الدين، ﵀ تعالي، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>القاعدة العشرون:\nأقرر فيها ما معنى الذمة وما معْنَى أهلية المعاملة </span>(١١٥) فأقول:\nمن الناس من يعتقد أنهما بمعنى واحد وليس كذلك، بل كل واحد منهما أعم من الآخر بوجه وأخص بوجه، إذ قد يوجدان معا، وقد يوجد أحدهما دون الآخر كالحيوان والأبيض، فالصبيان المميِزُون يصح بيعهم وشراؤهم، ويقف اللزوم على إجازة الولي. والشافعي يقول: لا يجوز ولا ينعقد أصلا. وابن حنبل يقول: ان أذن له الولي ثم عقَدَهُ صح، وإلَّا فلا. واتفق الجميع على عدم الذمة في حقه،\n_________\n(١١٤) قال ابن الشاط معلّقا على هذا الجواب عن الحديث عند القرافي: لا شك أن في الحديث إشعارًا بملك ما تحت الشبر من الأرضينَ من جهة أن القاعدة أن العقوبة تكون بقدر الجناية. وما قاله من أنه لا يلزمُ من العقوبة بأن يكون مملوكا لغير الله تعالى، لا يدفع ذلك الإشعار، والله أعلمُ.\n(١١٥) هي موضوع الفرق الثالث والثمانين والمائة بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٣. ص ٢٢٦. قال في أوله الإِمام القرافي ﵀: إعلم أن الذمة قد أشكَلَتْ معرفتها على كثير من الفقهاء، وجماعة يُعتقدون أنها أهلية المعاملَة، فإذا قلنا: زيْدٌ له ذمة، معناه أنه أهْل لأن يعامَلَ، وهُما حقيقتان متباينتان، بمعنى أنهما متغايرتان، وتحقيق ذلك التغاير بينهما أن كلّ واحدة منهما أعم من الاخرى بوجهٍ، وأخصُّ من وجه، فإن التصرف يوجد بدون الذمة، والذمة توجد بدون أهليةِ التصرف، ويجتمعان معًا كالحيوان والأبيض ... الخ\nوقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء في أول هذا الفرق فقال: ما قاله في ذلك صحيح، وما قاله بعدُ من حكاية أقوال لا كلامَ فيه. وما قاله من أن الصبي لا ذمة له، فيه نظر، فإن كانت الذمة كون الانسان قابلا للزوم الحقوق والتزامها شرعا فالصبي لاذمة له، وإن كانت الذمة كونَه قابلا للزوم الحقوق دون التزامها، فالصبي له ذمة، للزوم أرش الجنايات وقيم المتلَفات له، والله أعلم.","vol":"2","page":153},{"text":"فهذا قد وجد فيه عندنا وعند أبي حنيفة وابن حنبل أهليَّة التصرف ولم توجد فيه الذمة، وتوجد الذمة بدون أهلية التصرف، كالعبيد، فإنهم محجور عليهم لحَق السادات، وإن قلنا: إنهم يملكون، فلا يجوز لهم التصرف إلا بإذن السيد، سَدًّا لذريعة إفساد مالِهِم، ولَوْ جنَوْا جناية ولم يقع الحديث فيها ولا الحكم كانت متعلقة بذمتهم، إذا عَتَقُوا طولبوا بها، بحلاف الصبي إذا بلغ، لا يطالَب بما تقرر في ذمته قبل البلوغ، لكن بما تقدم سببُه قبل البلوغ يطالَبُ به الان، والعبدُ يُطالَب بما تعلقَ بذمته قَبل العِتْق، فيكون قد تقدم في حق العبد السببُ واللزوم، وفي حق الصبي السبب دون اللزوم. وتوجد أهلية التصرف والذمة معا في حق الحر البالغ الرشيد، فظهر ما قلناه من أنهما متغايران، وأن أحدهما أعمُّ من الآخَر بوجهٍ وأخصُّ منه بوجهٍ آخَرَ.\nفإن قلت: قولك أعمُّ وأخص حكْمٌ على الذمة والأهلية، والحكم عليهما ثانٍ عن معرفتهما، إذْ الرَّدُّ والقَبول فرعٌ عن كون الشيء معقولا. (١١٦).\nقلت: العبارة الكاشفة عن الذمة أنها معنى شرعي مقدر في المكلف، قابلٌ للالتزام واللزوم، وهذا المعنى جعله الشرع مستتبعا أشياء خاصة:\n_________\n(١١٦) عبارة القرافي هنا أظهر وأوضح حيث قال: فإن قلت: الحكم على الشيء بالرد والقَبول فرع عن كونه معقولا، ومعنى الذمة تَعَمُّدٌ غيرُ معقول، فكيف يُقْضَى عليها بالعموم أو الخصوص أو غيرها، فلابدَّ من بيان الحقيقتين، وإلا فلا يتحصل من هذه العمومات والخصوصات مقصود. قلت: العبارة الكاشفة عن الذمة أنها معنى شرعي مقدَّر في المكلف، قابلٌ للالتزام واللزوم\".\nقال في هذا المعنى القاضي أبو بكر محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي ﵀. في فصل السَّلَم من باب البيوع، في منظومته التحفة (في فقه القضاء) وهو يشرح معنى الذمة،\nفِيمَا عدا الأصول جوز السَّلَمْ ... وليس في المال ولكنْ في الذِّمَمْ\nوالشرْحُ للذّمة وصفٌ قاما ... يقبل الِالتزام والإِلزَاما.","vol":"2","page":154},{"text":"منها البلوغ)، ومنها الرشد، فمن بلغ سفيهًا لا ذمَّةَ له، ومنها ترْك الحِجر، فمنْ اجتمعتْ له هذه الشروط رتَّب الشرعُ عليها تقديرا في المكلف، (١١٧)، يَقبَلُ إلزامُه أرُوشَ الجنايات وأجْر الاجارات وأثمانَ المعاملات ونحو ذلك من التصرفات، ويَقبَل التزامَه إذا التزم شيئا اختيارا من قِبَلِ نفسه لزمه، واذا فُقِد شرط من هذه الشروط لم يقدّر الشرع هذا المعنى القابل لما ذُكر، وبهذا المعنى المقدَّر في الانسان يصح سائر الالتزامات والإِلزامات، وبِعَدَمه لا يصح شيء من ذلك.\nوأما أهلية التصرف فحقيقتها عندنا قَبولٌ يقدره صاحب الشرع في المحل. وسبَبُ هذا القبولِ المقدَّرِ، التمييزُ عندنا، وعند الشافعي التمييز مع التكليف. وهذا القَبولُ الذي هو أهلية التصرف لا يُشترطَ فيه عندنا الإِباحة، فإن الفضولي، عندنا له أهلية التصرف، وتصرُّفه حرام، وللمالك عندنا إمضاء ذلك التصرفِ من غير تجديد عقد آخر.\nثم إن أهلية التصرف قد توجد في النكاح الذي لا يثبت في الذم كتصرف الأولياء فيما لهم عليه الولاية. (١١٨).\n_________\n(١١٧) عبارة القرافي: رتّب الشرع عليها تقدر معنى فيه، وهي أظهر وأنسب مع ما ياتي من عدم تقدير الشرع لهذا المعنى عند فقد شرط من شروطه.\nقال ابن الشاط هنا: والأولى عندي أن يقال: إن الذمة قَبول الانسان شرعا للزوم الحقوق دون التزامها، وعلى هذا نكون للصبى ذمة، أو يقال: هي قبول الانسان شرعا للزوم الحقوق والتزامها، فعلى هذا لا تكون للصبي ذمة.\n(١١٨) فأهلية التصرفات كما قال القرافي، أهلية وقَبولٌ خاصُّ كما تقدم ليس فيه إلزام والتزام، والذمة معنى مقدَّر في المحل، قابلٌ لهما، فهذا هو نفس الفرق بينهما مع أن كليهما معنى مقدر في المَحَلِّ.","vol":"2","page":155},{"text":"وأنواع التصرفات كثيرة مما لا يثبت في الذمة، فالفرق بينهما من حيث إن التكليف شرط في الذمة بلا خلاف، وفيه الخلاف في الأهلية، والأهلية قبول بلا إلزام ولا التزام، والذمة فيها الإِلزام والالتزام. (١١٩)\nفإن قلت: هُما من خطاب الوضح أو من خطاب التكليف (١٢٠)؟\nقلت: الذي يظهر أنهما من خطاب الوضع، ويرجعان إلى التقادير الشرعية، وهي إعطاءُ الموجود حكمَ المعدوم، أو إعطاء المعدوم حكم الموجود، وأهلية التصرف من القسم الثاني، وهُوَ إعطاء المعدوم حكمَ الموجود، لأن النسبة لا وجود لها، وهي قدَّرها صاحب الشرعِ موجودةً عند وجود سببها.\n_________\n(١١٩) قال ابن الشاط معلقا على ما جاء عند القرافي هنا في أهلية التصرف، إلي قوله ح أن كليهما معنى مقدر\": ما قاله في ذلك ظاهر.\nقلت: وقد تكلم علماء الاصول في مختلف مُؤلفاتهم على أهلية التكليف وشروطها وقسموها قسمين:\nاهلية الوجوب (وهي ما عبَّر عنها القراقي بأهلية الذمة)، وهي تعنِي صلاحية الانسان لوجوب وثبوت الحقوق المشروعة له أو عليه، وهي قسمان: ناقصة وكاملة.\nوأهلية الأداء (أهلية التصرفات)، وهي ما عبر عنه القرافي بأهلية المعاملة)، فهي صلاحية الانسان لأن تصدر منه أفعال يُعتدُّ بها شرعا، وهي كذلك قسمان: ناقصة وكاملة، فليرجع إلى تلك المباحث من أراد التوسع فيها في أصول الفقه.\n(١٢٠) ومعلومٌ أن خطاب التكليف يعنى إلزام المكلف بالاحكام الشرعية الخمسة، وهي الوجوب، والاستحباب، والحِرمة، والكراهة، والاباحة، وخطاب الوضع هو جعل الشيء، أو كونه سببا لشئ آخر، أوَ شرطا له، أو مانعا منه. وقد فصَّلَ الكلامَ فيه كذلك علماءُ اصول الفقه، كما سياتي في القاعدة بعد هذه، وكما سبقت الاشارة إِليه في موضعه من الجزء الاول من هذا الكتاب الذي هو ترتيب الفروق واختصارها لمؤلفه البقوري، فرحمه الله، ورحم شيخه القرافي، ورحم كافة اهل العلم والفقه في الدين، ورحم كافة المسلمين، بمنه وفضله وكرمه، آمين.","vol":"2","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>القاعدة الحادية والعشرون:\nأقرر فيها ما معنى المِلْكِ وما معْنَى التصرف</span>، (١٢١) ويَظْهَرُ الفرق أيضًا بذلك بينهما، وهُمَا غيرانِ، لأن المحجور يَملِك ولا يتصرف، والولى يتصرف ولا يملك. وقَد يوجدانِ كالحر البالغ الرشيد يملك ويتصرف.\nوحقيقة المِلْكِ أنه حُكْم شرعي مقدَّر في العَيْن أو المنفَعةِ يقتضي تمكينَ من يضاف إليه مِن انتفاعه بالمملوك، والعِوَض عَنْه من حيث هذا كذلك. (١٢٢).\nأما قولنا: هو حكم شرعي فبالاجماع، ولأنه يتبع الأسباب الشرعية (١٢٣). وأما أنه مقدرَّ فلأنه يرجع إلي تعلُّقِ إذنِ الشرع، والمُعَلَّقُ عَدَمِيٌّ ليس وصفًا حقيقيا بل يقدَّر في العين أو المنفعة عند تحقيق الاسباب المفيدة للمِلْك. (١٢٤).\n_________\n(١٢١) هي موضوع الفرق الثمانين والمائة بين قاعدة المِلك وقاعدة التصرف جـ ٣. ص ٢٠٨. وهو من الفروق الطويلة عند القرافي ﵀، قال في أوله: إعْلَمْ أن المِلْكَ أشكَلَ ضبطُه على كثير من الفقهاء، فإنه عامٌّ يترتب على أسباب مختلفة: البيع، والهِبةِ، والصدقةِ، والارث وغيرِ ذلك، فهو غيْرُها، ولا يمكن أن يقال: هو التصرف، لأن المحجور عليه يملِكُ ولا يتصرف، فهو حينئذ غير التصرف، فالمِلك والتصرفُ، كل واحد منهما أعمُّ من الآخر من وجهٍ وأخصُّ من وجه .. الخ.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على هذا الكلام، فقال: ما قاله في ذلك صحيح.\n(١٢٢) قال ابن الشاط: هذا الحد فاسد من وجوه: أحدُها أن المِلك من أوصاف المالِكِ لا المملوك، لكنه وصفٌ متعلق، والمملوك متعَلِّقُهُ. وثانيها أنه ليس مقتضيا للتمكين من الانتفاع، بل المقتضي لذلك كلامُ الشارع، ثالثها أنه لا يقتضي الانتفاع بالمملوك، وبالعَرَض، بل بأحدهما. رابعها أن المملوك مشتق من الملك فلا يُعْرف إلا بعد معرفته، فليزم الدَّورُ.\nوالصحيحُ في حد الملك أنه تمكُّن الانسان شرعا بنفسه أو بنيابةٍ من الانتفاع بالعيْن أو المنفعة، ومنْ أخذِ العِوض عن العين أو المنفعة. وإن قلنا: إن الضيافة يملكها من سُوِّغَتْ له، زدنا في هذا الحد والتعريفِ للملك: أو تمكُّن الانسان من الانتفاع خاصة، ولا حاجة بنا إلى بيان صحة هذا الحد فإنه لا يخفى ذلك على المتأمل المنصف\". اهـ.\n(١٢٣) قال ابن الشاط: ما قاله من أن الملك حكم شرعي، إنْ أراد أنه أحدُ الاحكام الخمسة ففيه نظر، وإن أراد أنه أمر شرعي على الجملة فذلك صحيح.\n(١٢٤) قال ابن الشاط: قوله إنهُ عدَمي، بناءً على أن النِّسَبَ أمورٌ عدمية، وفيه نظر، وأما قوله إنه مقدَّر في العيْن أو المنفعة فقد سبق أنه وصفٌ للمالك، متعلق بالعين أو المنفعة.","vol":"2","page":157},{"text":"وقولنا: في العين أو المنفعة فإن الأعيان تُمْلَكُ كالبيع، والمنافع كالإجارة. (١٢٥)\nوقولنا: يقتضي انتفاعه بالمملوك، ليخرج التصرف بالوصيةِ. والوكالة، وتَصَرُّفُ. القضاةِ في أموال الغائبين والمجانينِ (١٢٦).\nوقولُنَا: والعوض عنه، يخرج عنه الإباحات في الضيافات، فإن الضيافة مأذونٌ فيها وليست مملوكة على الصحيح.\nوكذلك يخرج الاختصاصات بالمساجد والاوقاف وما أشبه ذلك، فإنه لا مِلك فيها لأحَدٍ، مع المُكْنة الشرعية من التصرف في هذه الامور (١٢٧).\nوقولنا: من حيث هو كذلك، هو إشارة إلي أنه قد يتعذر ذلك لعارض كالمحجور عليه، ولا تَنَافىَ بين القَبول الذاتي والاستحالةِ من خارج، فالمِلْكُ يقتضِى التصرفَ، والحِجْر يقتضي المنع منه. (١٢٨)\n_________\n(١٢٥) قال ابن الشاط: ما قاله في ذلك صحيح، على ما في قوله: \"فإن الاعيان تُمْلكُ\" من المسامحة على ما ذكره هو بعد هذا عن المازري.\n(١٢٦) قال ابن الشاط: هذا التحرز صحيح على تقدير صحة حده.\n(١٢٧) قال ابن الشاط: جعَلَ القرافي التصرف بَدَل الانتفاع وهو: أعمُّ منه، بدليل ما ذكره هو قبل هذا من تصرف الأوصياء والحاكم، حيث لهم التصرف دون الانتفاع، وكلَّ ما ذكره هنا من ضيف وشبهه ليس له مطلق التصرف، بل له التصرف بالانتفاع خاصة\".\n(١٢٨) قال ابن الشاط هنا: \"كلامه يُشعِرُ بأن التصرف هو موجِب المِلْك، وليس الامر كذلك، بل موجبه الانتفاع.\nثم الانتفَاع يكون بوجهيْن: انتفاعِ يتولاه المالك بنفسه، واننفاع يتولاه النائبُ عنه. ثم النائب قد يكون باستنابة المالك، وقد يكون بغير استنابته، فغيْرُ المحجْور عليه يتوصل إِلى الانتفاع بملكه بنفسه ونيابته، والمحجور عليه لا يتوصل الي الانتفاع بملكه إلا بنيابته، ونائبُه لا يكون إلا باستنابته\".","vol":"2","page":158},{"text":"ثم المِلْك، الظاهرُ أنه من خطاب التكليف، فإنه، إباحةٌ خاصةٌ في تصرُّفات خاصة، وأخذُ العوض عن ذلك المملوك على وجه خاص، (١٢٩) وخطاب الوضع هو نَصْبُ الأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية.\n_________\n(١٢٩) عبارة القراقي هنا هي قوله: \"فإن قلت: إذا اتضح حَدُّ الملك، فهل هو من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف الذي هو الأحكام الخمسة؟ قلت: الذي يظهر لي أنه من أحد الاحكام، وهو إباحةٌ خاصة في تصرفات خاصة، وأخْذُ العوض عن ذلك المملوك على وجه خاص، كما تقررت قواعدُ المعاوضات في الشريعة، وشروطها وأركانها، وخصوصيات هذه الإباحة هي الموجبة للفرق بين المالك وغيره من جميع الحقائق، فلذلك قلنا: إنه معنى شرعي مقدر، نريد أنه متعَلّق الإباحة، والتعلُّق عَدَمي من باب النِّسَبِ والاضافات التي لا وجود لها في الأعيان بل في الأذهان، فهي أمرٌ يفرضه العقل كسائر النِسَب والاضافات كالأبوة والبنوة، والتقدم والتأخر.\nولأجل ذلك لنا أن نغير عبارة الحد فنغول: إن المِلك إباحة شرعيةٌ في عيْن أو منفعة، تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بتلك العين أو المنفعة أوْ أخْذِ العوض عنهما من حيث هي كذلك، ويستقيم الحدُّ بهذا اللفظ أيضا، ويكون المِلْك من خطاب التكليف، لأن الاصطلاح أن خطاب التكليف هو الأحكام الخمسة المشهورة، وخطاب الوضع هو نصْبُ الأسباب والشروطِ والموانع والتقادير الشرعية، وليس هذا منها، بل هو إباحة خاصة، ومنهم من قال: إنه من خطاب الوضع وهو بعيد ... \"\nثم قال القرافي: فإن قلت: المِلك سببُ الانتفاع فيكون سببا، فيكون من خطاب الوضع، قلت: وكذلك كل حكم شرعِي سببٌ لمسبِّباتٍ تترتب عليه من مثوبات وتعزيراتٍ ومواخَذَات وكفارات وغيرها، وليس المراد بخطاب الوضع مطلقَ الترتب، بل نقول: الزوال سبب لوجوب الظهر، ووجوب الظهر سبب لأن يكون فعله سببَ الثواب، وترْكُه سببَ العقابِ، ووجوبُهُ سببٌ لتقديمه على غيْره من المندوبات مما ترتب على الوجوب مع أنَّهُ لا يسمَّى سببا، ولا يقال إنه من خطاب الوضع\".\nوقد عقبَ الشيخ ابن الشاط على ما جاء هنا عند القرافي فقال:\nما قاله من أنه إباحة، ليس بصحيح، فإن الإباحة هي حكم الله تعالى، والحكم عند أهْل الأصول خطاب الله تعالى، وخطابُهُ كلامُه، فكيف يكون المِلك الذي هو صفة للمالك على ما ارتضيتُهُ، أو صفةٌ للمملوك على ما ارتضاه، هو كلام الله تعالى، هذا ما لا يصح بوجه أصلا. فالصحيح أن مُسَبَّبَ الاباحة هو التمكن، والاباحة هي التمكين، والله أعلم.\nثم قال في قول القرافي: \"وليس المراد بخطاب الوضع مطلقَ الترتب الي آخر ما قاله المازري في كتاب التلقين\": ما قالَه في ذلك صحيح، وكذلك ما قاله عن المازري، ماعدا قولَه إن المِلك هو التصرف فإنه غير صحيح على ما قرر المؤلف قبل هذا، انتهى الكلام على هذا التحقيق الطويل، النفيس الممتع بين هذين العالمين الجليلين، فلذلك نقلت كلامهما بأتَمِّهِ في هذا الموضوع، لماله من بيان وتوضيح من طرفيهما ومن جانيهما في هذا الفرق الدقيق. فرحمهما الله وجزاهما خيرا عن العلم والعلماء والمسلمين.","vol":"2","page":159},{"text":"وقال المازري: قول الفقهاء: المِلْكُ يحصل في الأعيان وفي المنافع ليس على ظاهره، بل الأعيانُ لا يملكها إلا الله تعالى، لأن المِلك هو التصرف، ولا يَتصرف في الاعيان بالايجاد والإعدام الا اللهُ تعالى، وتصرُّفُ الخلْق إنما هو في المنافع فقط.\n\nالقاعدة الثانية والعشرون (١٣٠)\nرجّحَ مالِكٌ - ﵀ - مُعامَلَة المسلمين على معاملة الكفار وقال: أكْرَهُ الصرف من صيارفة أهل الذمة، وجوَّز أبو حنيفة الرِّبا الحربيِّ، لقوله ﵇: \"لَا رِبَا إلَّا بين المسلمين\" (١٣٠ م)، والحرْبِىُّ ليس بِمُسْلمٍ - وقال اللخمي وغيرُهُ: إذا ظهر الربا بين المسلمين فمعاملة الذمي أولى، لوجهين:\nالأول أنهم ليسوا بمخاطَبين بالفروع على قول، ولم يَقَعْ خلاف في أن المسلِمَ مخاطَب بالفروع.\nالوجه الثاني أن الكافر إذا أسلم ثبتَ مِلْكُه على ما كسب بالربا والغصب وغيره، وإذا تابَ المسلم لا يثبت مِلْكُه على شيء من ذلك، لقوله تعالى:\n﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، (١٣١)، وما هو بصدد الثبوت أولى مما ليس كذلك.\n_________\n(١٣٠) هي موضوع الفرق التاسع والسبعين والمائة بين قاعدة معاملة أهل الكفر وقاعدة معاملة المسلمين جـ ٣. ص ٢٠٧، ولم يعلق عليه الشيخ ابن الشاط بشيء.\n(١٣٠ م) أخرجه الامام الزيْلِعي ﵀ في نصْب الراية بلفظ: \"لا رِبا بين المسلم والحربي في دار الحرب\" فليُصَحَّحْ.\n(١٣١) وأولها قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>القاعدة الثالثة: والعشرون:\nأقرر فيها ما مصلحته من العقود في اللزوم وما مصلحته عدم اللزوم</span>، (١٣٢) فأقول:\nإعلَمْ أن الأصل في العقود اللزومُ، لأن العقد إنما شُرِع ليحصُلَ المقصود من المعقود به أو المعقودِ عليه، ودفعُ الحاجات يناسِبُ ذلك اللزوم، دفعًا للحاجة وتحصيلا للمقصد.\nثم ان العقود بعد هذا أنقسمت قسمين: أحدهما كذلك، كالبيع والإجارة والنكاح والهبة والصدقة وعقود الولايات، فإن التصرف المقصود بالعقدِ يحصل عقِب العقد، والقسم الآخَرُ مصلحتُه مع الجواز لا مع اللزوم، وهذه خمسة عقود: الجعالة، والقراضُ، والمغارسة، والوكالة، وتحكيم الحاكم، ما لم يشرعا في الحكومة. فالجعالة لو جُعِلت على اللزوم لكان فيها ضرر عظيم، فإنما بُنيتْ على الجهل، فلو اطَّلعَ على بُعد الآبِقِ مثلا لكنا قد طوَّقناه المضرَّةَ حينئذ، كذلك المقارِض قد يتَّصل به أن السلع متعذرة أو لَا ريح فيها، فلوْ ألزمناه ذلك لأضررنا بالعامل، وكذلك الغارس قد يطلع على تعذر ذلك العمل وأنه لا يفيد فائدة. وكذلك الوكالةُ قدْ يَطلع فيما وُكِّل عليه على تعذرٍ أو ضرَرٍ، فجُعلت على الجواز، وتحكيم الحاكم خطرٌ على المحكوم عليه، (١٣٣) فجُعلت هذه على الجواز لا على اللزوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>القاعدة الرابعة والعشرون:\nأقرِر فيها ما يُمنَع فيه الجهالةُ وما يُشترَطُ فيه الجهالة بحيث لو فقِدت فَسَد</span>. (١٣٤)\n_________\n(١٣٢) هي موضوع الفرق التاسع والمائتين بين القاعدتين الذكورتين جـ ٤ ص ١٣. لم يعلِّقْ عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.\n(١٣٣) زاد القرافي قوله: لما فيه من اللزوم إذا حكَمَ، فقد يطلع الخصمان على سوء العاقبة في ذلك، فلا يشرع اللزوم في حقَّيْهما، نفيا للضرر عنهما، واشترك الجميع (أيْ هذه العقود) في عدم انضباط العقدِ بحصول مقصُود فكان الجميع على الجواز.\n(١٣٤) هي موضوع الفرق الثامن والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: جِ ٤. ص ١٢.","vol":"2","page":161},{"text":"أما ما تُفسده الجهالة فالبياعات وكثيرٌ من الاجارات، ومن الاجارة قسم لا يجوز تعَيُّن الزمان فيه، يل يُترَك مجهولا كخياطة، بأن يقول: اليوم، لأن ذلك موجِب للغرر، يل مصلحته أن يبقى مطلقا. وكذلك الجعالة لا يحوز أن يكون العمل فيها محدودا، لأن ذلك يوجب الغرر، كأنْ لا يجد الآبق في ذلك الوقت، فالجهالة في هذين القسمين شرط، وفي غيرهما هي مانع. وقد نبّهَنا على ما يقال له: جمعُ الفرق، وذلك أن يكون المعنى المناسِبُ يناسب النفىَ والإثبات، ويناسِبُ الضِدَّين فيترتبان عليه في الشريعه، وهو قليل في الفقه. (١٣٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>القاعدة الخامسة والعشرون:\nأقرر فيها ما يَثْبُتُ في الذمم وما لَا</span>، (١٣٦) فأقول:\nإعلم أن المعَيَّنات المشخَّصاتِ في الخارج، المرئية - لا تثبُتُ في الذمم، وكذلك من اشترى سلعةً معه فاستُحِقَّت انفسخ العَقْدُ، ولو كانت متعلقة بالذمة ما انفسخ، وانما يثبت في الذمه الكُلِّيُّ، حتى يسقط بوجود شخص من ذلك الكلي، أن كان المطلوب ثبوتَه لا نفيه ولهذا كان متى استُحِق ذلك المعيَّنُ الذي دُفع فيمَا يتعلق بالذمة لا يُفْسَح العقد، بل يتَعيَّنُ عليه أن يعطي مثل ذلك (١٣٧).\n_________\n(١٣٥) زاد القرافي هنا قوله للبيان: \"فإن الوصف، إذا ناسَبَ حكما نافى ضدَّه، أما اقتضاؤه لهما فبعيد كما تقدم بيانه فى الجعالات والاجارات. ومن ذلك ايضا الحَجر، يقتضي رد التصرفات وإطلاق التصرفات فى حالة الحياة، صونًا لمال المحجور عليه على مصالحه، وتُنفَّذُ وصاياه\" صونا لما لِهِ علَى مصالحه، لأنا لو رَددنا الوصايا لحصل المال لِلوارث ولم ينتفع به المحجور عليه، فصار صونُ المال على المصالح يقتضي تنفيذ التصرفات ورَدَّ التصرفات اهـ\n(١٣٦) هي موضوع الفرق السابع والثمانين بين قاعدة ما يثبُتُ في الذمم قاعدة مالا يثبت فيها، جـ ٢. ص ١٣٣\n(١٣٧) - علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء في أول هذا الفرق عند القرافي ﵀، فقال: ما قاله لنا ذلك صحيح، غير قوله: بل يتعلق الحكم فيه بالامورالكلية والاجناس المشتركة، فإنه إن أراد أن الحكم يتعلق بالأمور الكلية من حيث هي كلية فليس بصحيح، وإن أراد أن الحكم يتعلق بالامور الكلية أيْ بواحدٍ غير معيَّنِ فذلك صحِيح، وقد سبق التنبيه على مثل = هذا.","vol":"2","page":162},{"text":"غير أن المالكية خالفتْ هذا اللفظ في النقود فإنها لا تتعَيَّنُ وإن عينَت، وهي متعلقة بالذم، إلا أن يكون هناك ما يُعَينها كأن يكون حلالا طيبا لا يوجد مثلها، أوْ مِنْ سكَّةٍ طيبة لا يوجَدُ مثْلُها. وكذلك خالفت هذا إذا كان لأحدٍ دَيْنٌ على رجل فأخذ منه ما يتأخر قبضُه كدار يسكنها. قال ابن القاسم: لا يجوز ذلك لأنه فسخ دَين في دَين، وشهاب الدين ﵀ ذكر فرقا بين الفسخ والانفساخ فقال: الفسخ قلبُ كل واحدٍ من العوضين لصاحبه، والانفساخ انقلاب كل واحد من العوضين لصاحبه، فالأول فعل المتعاقدين أو الحكَّام، والثاني صفة العوض. (١٣٨)\n- قلت: ولْنَذْكُرْ مسائلَ هي مشكلة من كتاب البيوع، تكملةً لهذه القواعد (١٣٩):\n_________\n= ثم قال القرافي بعد ذلك: وهذا الفرق بين هاتين القاعدتين يظهر أثره في المعاملات والصلوات والزكوات، فلا ينتقل الأداء إلى الذمة إلا إذا خرج وت، لأنه معَّينٌ بوقته، والقضاء ليس له وقت معيَّن يتعيّن حده بخروجه، فهو في الذمة. والقاعدةُ أن من شرط الانتقال إلى الذمة تعَذُّرَ المعين، كالزكاة مثَلا، ما دامتْ معينة بوجود نصابها لا تكون في الذمة، فإذا تلف النصاب بعذر لا يضمن نصيبَ الفقراء ولا ينتقل الواجبُ إلى الذمة، وكذا الصلاة، إذا تَعذر فيها الأداء بخروج وقتيْها: (الاختياري والضَروري) لعذر، لا يجب القضاء، وإن خرج لغير عذر ترتبتْ في الذمة ووجب القضاء، ولا يُعتَبَرُ في القضاء التمكنُ من الايقاع أولَ الوقت، خلافا للشافعي ﵀، كما لا يعْتَبُر في ضمان الزكاة تأخر الجائحة عنْ الزرع أو الثمرة بعدَ زمن الوجوب.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما قاله هنا ليس بصحيح، فإنه لا فرق بين الأداءِ والقضاء في كون كل فهما في الذمة، فإن الافعال لا تتعيَّن إلا بالوقوع، وكلُّ فعْل لم يقَعْ لا يصح أنْ يكونَ معيَّنًا. وما قاله من أن الفعل الموقَّت تتعيَّنٌ بوقته لا يفيدُ المقصود، فإنه وإن كان معيَّنًا بوقته، (أي وقتهُ معيَّن) فهو غيرُ معيَّن بمكانه وسائر أحواله.\nثم قال ابن الشاط: وتسويته بين الصلاة والزكاة ليست بصحيحة، فإن الزكاة حق واجب في المال المعين، فالحق متعين، بمعنى أنه جزء لِمُعَين، وأما الصلاة فليست كذلك فإنها فعل، والأفعال لا تعيُّنَ لها ما لم تقع.\n(١٣٨) عبارة القرافي: وهذا الفرق قد خالفْناه أيها المالكية في صورتين: فذكر صورة النَّقدين، وصورة الدَّين كما لخصهما البقوري هنا ﵀:\n(١٣٩) هذه المسائل هي مما اضافه الشيخ البقوري إلى كتاب شيخه القرافي في الفروق، رحمهما الله.","vol":"2","page":163},{"text":"المسألة الأولى. قال مالك: لا يجور بيْع الآبق والجمَل الشارد، ويجوز بيْعُ مِلْك الغير، ويُوقَفُ على إجازة ربِّه، وفي كلا الموضِعَيْن الغَررُ، فلم كان ذلك؟\nفالجوابُ أن الآبِق والجمَلَ الشارد غيرُ مقطوع على وجودهما حال العقد، ولا مقدورٍ على تسليمها، فلم يَجُزْ بيعهما، وليس كذلك بيْعُ ملك الغير، لأنه موجود حال العقد، ووقوفُ نفوذ البيع على إجازة ربه لا يمنع جوازه، لأنه كالخيار الذي لا يمنع صحة البيْع، هذا قاله بعض أصحابنا.\nقلت: هذا ضعيف، لأنَّ قوله في ملك الغير إنه موجود، إنْ أراد أنه موجود في نفسه فكذلك الآبقُ، هو موجود نفسه، وليس لهذا الوجود اعتبار، وإنما الاعتبار لوجود ذلك بِيَدِ البائع، وذلك مقصود فى الوجهين فلا فارقَ:\nوقال بعض الفقهاء: الأجْوَدُ أن يقال إن بيع الآبق والجمل الشارد إنما لم يَجُزْ، لأنه على مِلِّكِ ربه فى حكم التلف، وما هذا سبيلُه فلا يصح بيعُه، وليس كذلك بيع ملك الغير، لأن هذا المعنى غيرُ موجود فيه.\nالمسألة الثانية: قال الفقهاء: الأمُر ببيع سلعة من السلع هو أمرٌ بقيضِ ثمنها مع بيعها، وقالوا في المرأة تأذَن لوليها في التزويج: ليس ذلك إذْنًا في قبض صداقها، وكلاهما عقدُ معاوضة، فَلِم كان هذا؟\nفالجواب أن عقد البيع مفتقِر إلى ذكر الثمن، فكانَ الْإذن بالبيع إذنا له بالقبض.\nقلت: وهذا الفرق ليس بظاهرٍ عندي، بل الأوْلى أن يقال:\nعقدة (١٤٠) النكاح تتوقف على الزوج والزوجة والولى، ولم يُجعل الولىُّ نائبا\n_________\n(١٤٠) يقال: عقد النكاح، وعقدة النكاح: ومنه قوله تعالى فى النهي عن عقد النكاح على المرأة المعتدة من طلاق أو وفاة حتى تنتهى العدة: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ سورة البقرة. الآيه ٢٣٥.","vol":"2","page":164},{"text":"عنها مطلقا حتى لا يحتاج إليها كما الأمر في الوكيل في البيع، فكأنها لذلك ما جعَلَتْ، إلا الإِعطاءَ فقط دون القَبْضِ.\nالمسألة الثالثة: قال مالك: إذا بيع مِلْك الغير وقف البيع على إجازة ربه، فإن مات ربُّه فانتقل المبيعُ إلى البائع كان له من الرد والإِمضاء ما كان لمالكه. وإذا باع العبد شيئًا مما يملكه وُقفَ البيعُ على إجازة سيده، فإن أعتقه قيل علمه بذلك لزمه البيع ولم يكن له الخيار، وفي كلا الموضعْين، العقد موقوف على الإِجازة، فلِمَ كان ذلك؟،\nفالجواب أن العبد إنما مُنِع من إمضاء اليبع لِحَقِّ السيد، فإذا أعتِق زال حقه فزال المنْعُ بزواله، وليس كذلك ملك الغير، لأنه موقوف على إذنه، فإذا مات انتقل الإذن إلى مستحق المييع، فيُثبُتُ له من ذلك ما كان ثابتا لمالكه، فكان له أن يجيز أو يرُدَّ، لأنه غير مالكٍ له أولًا، بخلاف العبد، فافترقا.\nالمسألة الرابعة: قال ابن عبد الحكم: من أمَرَ رجلا يقضي عنه نصف دينار لغريم فقضى عنه دراهم كان أمرُه بالخِيار، ان شاءَ دفع اليه نصفَ دينار، وإن شاء دفع اليه دراهمَ، ولو دفع عرضا في نصف الدينار كان على الآمر أن يدفع اليه نصف الدينار، وفي كلا الموضعين قد دفع ما أمر به، فلِمَ كان الفرق؟ .\nفالجواب أن الدراهم والدنانير ينوب بعضها عن بعض، لأنها قِيَمُ المُتلَفات وأروش الجنايات، فكان مخيَّرًا في الدراهم، لأن أحدهما كالآخر، وليس كذلك في العروض، لآنها لا تنوب عن الذهب ولا تقوم مَقامه، فإذا دفع عنه سلعة فكأنه باعه إيَّاها ينصف الدينار الذي أمَرَه بدفعه، فلهذا لم يكن مخَيَّرًا، والله أعلم.\nالمسألة الخامسة قال مالِك: إذا اشترى أحدٌ شِقصًا بعبدٍ فهلَكَ العبدُ ثم قام الشفيع يطلب الشفعة فالقول قول المشتري في قيمة العبد، واذا غاب الرهن الذي يُغابُ عليه عند المرتهن، فاختلف الراهن والمرتهِن في صفته، فإذا وصفه","vol":"2","page":165},{"text":"حلف على تلك الصِفَة ثم لزمه قيمتُها، وفي كِلا الموضعين، المستَحق قيمةٌ. فلِمَ كان ذلك؟ .\nالجواب أن الشفيع مُدعٍ على المشترى، فكان القول قولَ المشترى في قيمة العبد، فإن شاء الشفيع أخذ، وإن شاء تَرَك، وليس كذلك الرهن، لأن القيمة إنما تجب عند ثبوت صفته، لِأن الاختلاف إنما هو في الصفة، فلهذا لم يكن بُدٌّ من وصْفه.\nالمسألة السادسة: إذا وَضع العبد الماذون له في التجارة من الثمن جاز إذا قصد بذلك وجْه التجارة، وكذلك الوكيل المفوّض اليه، وإذا باع الوكيل غيرُ المفوض اليه فوَضع من الثمن لم يَجُزْ، والإذن في البيع موجود في الجميع، فلم كان الفرق؟\nفالجواب أن العَبْدَ الماذون له، والمفوَّضَ اليه، مفوَّضن اليهما التدبير، فكل ما رَأياهُ وجْهَ التدبير جازَ، وليس كذلك غيرُ المفوَّض اليه، لأنه لم يفوَّض إليه التدبيرُ، فَلَمْ يجزْ وضْعُهُ من الثمن.\nفإن قيل: فقد فوض اليه المصلحة في بيع هذه السلعة، فكل ما رآه وجها للبيع والمصلجة فيجب أن يَجُوزَ، قيل لهُ: ما ذكرته غير لازم، لأنه وإن كان مفوَّضًا اليه التدبيرُ في هذه السلعة فليس منها الوضع في الثمن، لأنه لا يرجو بذلك شيئا، وليس كذلك الماذون والمفوَّض اليه، لأنهما يرقبَانِ بالوضع المصلحةَ فيما بعْدُ.\nالمسألة السابعة: قال مالك: تجوز البرآة في الرقيق دون غيره، والجميع برَآة من عيب، فلِمَ كانتْ التفرقة؟ .\nفالجواب أن البرآة إنما جازتْ في الرقيق لأجل الضرورة، وهي أن العيوب في الرقيق تخفَى، وفي غيره لا تخفَى، فلم تكن ضرورة في بيعه بالبرآة.","vol":"2","page":166},{"text":"المسأله الثامنة: روى ابن القاسم عن مالك أن الولد أذا حدَثَ في أيام الخيار كان للمشتري إذا اختار الإمضاء وأذا وهب لها أوْ جُرِحتْ فأخذ عوضا لذلك الجرح لم يكن له إذا اختار الإمضاء، والجميع فيما وُجِدَ في أيام الخِيار، فلم كان ذلك؟ .\nفالجواب أن الولد وقع عليه البيع، فكان له أذا اختار الامضاء، لأنه كعضو منها، ألا ترى أنه لعصى لعتقها، وغيرُ الولد يقع عليه عقد البيع، لأنه منفصل منها.\nالمسأله التاسعة: قال: لا يجوز الخيار في النكاح، ويجوز في البيع، وكلاهما عقد معاوضة، فلِمَ كان هذا الفرق؟\nفالجواب أن الخيار في البيع إنما جُعل لِيُختَبَرَ المبيع، وهذا المعنى غير موجود في النكاح، لأنَّ الاختيار لا يوجد فيه، وذلك لأنه لا يوجَدُ إلا مع رفع الخيار، ولأنَّ البيع مبني على المكايَسة، فيحصل الخيار فيه، لئَلا يدخل الغبن علي أحد المتبايعين، والنكاحُ مبني على الوصلة فلم يُحتَجْ فيه للخيار.\nالمسألة العاشرة: قال مالك: إذا ادَّعى أحد متبايعين في الخيار الإمضاء وإدعَى الآخَر الردَّ كان القول قوْلَ مدَّعي الرَّد، واذا ادَّعى أحدُ المتبايعيْن فساد البيع وادَّعَى الآخَرُ الصحةَ كان القول قولَ مدعي الصحة منهما، وفي الجميع كلُّ واحدٍ مدِّع تقضَ البيع، فلمَ كان ذلك؟\nفالجواب أن في الخيار مدعي الإلزام مدعٍ على مدّعِي الرد، فكان القول قول الذي ادعى الرَّد لأن الأصل برَآة ذمته، ومدّعي الفساد للبيع مدَّع لبراءة ذمته، ولاصل شغْلُها، فلم يكن القولُ قولَه، وكان القول قولَ مدّعي الصحة، لأنهُ مدّعى عليه.\nالمسأله الحادية عشرة: قال مالك فيمن باع دابة واستثنى ركوبها: إن كان يسيرا مثل اليوم واليومين جاز، وإن كان كثيرا لم يَجُز، ولوْ اشترط المشتري ركوبها","vol":"2","page":167},{"text":"جاز، قليلا كان أو كثيرا، وفي كلا الموضعين فهو ركوبٌ مُنْضَمٌّ إلى البيع، فلِمَ كان ذلك؟ .\nفالجواب أنه إذا اشتثنى الركوبَ وكان كثيرا دخل البيعَ الغَرَرُ، لأن المشترى لا يُسَلَّمُ الدابةَ إلا بعْدَ أن تنقضي مدة الركوب فيها فيدخلها التغير، وهي باقية على مِلكه، وليس كذلك إذا اشترط الركوب، لأن المشتري يتسلم الدابة، وانما يجعل ذلك إجارة وبيْعًا، والإجارةُ والبيعُ يجوز اجتماعهما، لأنهما عقدانِ غيرُ متنافييْن.\nالمسألة الثانية عشرة: قال مالك: يجوز ببع الشاة، واستثناءُ أطْرافِها في السفر، ولا يجوز ذلك في الحضَر، وفي كلا الموضعيْن قد وجِدَ الاستثناءُ للأطرف، فلِمَ كان هذا؟ .\nفالجواب أن السفر لا قيمةَ للأطرافِ فيه، فيحصل، كالذى لا حكْم له، وفي الحضر لها قيمةٌ وبَالٌ، فيدخُلُ ذلك المخاطَرَةُ.\nالمسألة الثالثة عشرة: قال مالك: إذا أقرَضَ طعاما أو غيْرَهُ الي أجَلٍ من الآجالِ، فأُتي به قبْل محل الآجال لزِمه أخْذُهُ، ولا يَلْزَمه في السَّلَمِ قبل محل الآجال، وفي كلا الموضعين فالذِّمة تبرأ مما كانتْ مُشْغَلة بِهِ، فلِم كان ذلك؟ .\nفالجواب أن الأجل في القرض حق للمستقرِض دونَ المقْرضِ، فإذا قدّم ذلك قبل مَحَلِّ الأجل فقد رضي بإسقاط حقه، فلزم ربَّ المال أخْذُهُ، لأنه لاحقَّ له في الأجَل، والأجَلُ في السَّلَم حقٌّ للجميع، المسلِم والمسلَمِ إليه، فإذا اختار أحدُهما اسقاط حقه لم يَلزمَ للآخَرِ اسقاطُ حقه، هذا قوْل بعض شيوخِنَا.\nفان قيل: ومنْ أين كان الأجل في المرض للمُقْرَضِ دون المقْرِض، وفي السَّلَم حق للجميع؟ قيل: لأن المنفعة للمقرَض دون المقرِضِ، ألا تَرَى أنه متى حصَلتْ فيه المنفعة للمقْرِض لم يَجُزْ، فلهذا كان الأجل حقا له، والمنفعة في السَّلَم للجميع، لأنه إنما يُسْلِمُ اليه لِمَا يَرْجُوهُ من نَفَاقِ تلك السلعة عند تغيُّر الأسْواق، وينتفعُ المسلِمُ بتقديم المسْلَمِ إليه، للثَّمَن، فكل واحد منهما له منفعة.","vol":"2","page":168},{"text":"وأيضا فإنما قدَّم الثمنَ ليسترخِص تلك السلعةَ إذا أتته عند محل الأجل، فإذا قُدمَتْ قبلَه بطَل هذا الغَرَضُ.\nالمسألة الرابعة عشرة: إذا أقْرض منه شيئا فرد إلَيه أفضلَ منه جَازَ، وإن ردَّ أزيَدَ منه لمْ يَجُزْ، وفي كِلا الموضعيْن فقد وجِدَ الفضلُ، فلِمَ كان ذلك؟\nفالجواب أن الزيادة في المثل تخْرجُ عن حدِّ المثل، وليس كذلك تغيُّرُ الصفة، لأن المماثَلة حاصلة معه، وفَرَّقَ بعض أصحابنا بما رُوِي عن رسول الله - ﷺ - أنه أقْرِضَ بَكْرًا فرَدَّ جَمَلًا رباعيا أفضلَ مما أخذَ، وفي هذا الفَرق نظرٌ، من حيث إنه دليل على المِثلِية دون الفرق، وانما الفرق ما ذَكَرْنا، وهذا دليل عاضِدٌ لما ذكرناه، وأيضا فإن التهمة تَقْوَى في الزيادة في المثْلِ دون الصفة، والله أعلم.\nالمسألة الخامسة عشرة: قال مالك: يجوز بيْعُ تراب المعدنِ، ولا يجوز بيْع تراب الصاغة، وفي كلا الموضعيْن فالعين المشتَرَاةُ مرْئِية، فلِمَ كان هذا؟ .\nفالجواب أن تراب المعدن إنَّما جاز بيعه، لأن ما فيه من الذهب والفضة معروفٌ، (أي عند اهل البَصَرِ)، وتراب الصاغة لا يُعْلمُ ما فيه.\nوفرق بعضُ أصحابنا بأن قال: ترابُ المعدِن لا يَدْخله غِش، لأنه صنعة الخالق تعالى، وتراب الصاغة يدخله الغش لأنه صنعةُ خلوق، وفيه نَظرٌ.\nالمسألة السادسة عشرة: قال مالك: يجوز بيع تراب المعدنِ ولا يجوز بيع الضريية، وهو بْيع ما يُخْرَجُ من المعدن في اليوم، وفي كلا الموضعين هو تراب معدن، فلِم كان هذا؟\nفالجواب أن. الضَّريية مجهولة غيرُ معروفة، لأنه لا يُعْلَمُ ما يخرج في ذلك اليوم، ليس الامر كذلك في التراب لأنه معلوم غير مجهول.\nالمسألة السابعة عشرة: قال مالك ﵀: من دفع إلى مالك غَزْلا، وقال: أنسجْهُ ثوْبا ولك نصْفُ الثوب لم يَجُز، وإن قال له: أنسجه ولك نصف الغزْلِ جاز، وفي كلا الموضعيْن فهو إجارة بنصف ما وقعَ، فلِمَ كان ذلك؟ .","vol":"2","page":169},{"text":"فالجواب أنهُ إذا جعل نصْفَ الثوب أجْرَةً لعمله حصلت الإِجارة بأجرة مجهولة، لأن الثوب في الحال غيرُ معلوم، واذا استاجرَه بنصف الغزْل، حصلَتْ الإِجارة معلومةً.","vol":"2","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>الإِجارة</span>\nوفيه سبع قواعد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>القاعدة الأولى:\nأقرر فيها ما يملك من المنفعة بالاجارة وبيْن (١) ما لا يُملَكُ منها بالإِجارة </span>(٢) فأقولُ:\nمتى اجتمعت في المنفعة ثمانية شروط مُلِكَت بالإجارة، ومتى انخرَمَ شْرط لا تُمْلَكُ:\nالأول الإِباحة، احترازًا من الغِناءِ وآلات الطرب.\nالثاني كون المنفعة للعوض، احترازا من النكاح.\nالثالث كون المنفعة متقَوَّمة، احترازا من التافه الحقير الذي لا يقابَلُ بالعوض، واختُلِف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب، فمنَعَه ابن القاسم.\nالرابع أن تكون مملوكة، احتِرازا من الأوقاف على السكنى كبيوت المدارس.\n_________\n(١) هيِ موضوع الفرق الثالث والمائتين بين قاعدة ما يُمْلَك من المنفعة بالإِجارات وبيْن قاعدة مالا يُمْلكُ منها بالإجارات .. جـ ٤. ص.٣.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء في أوله عند الإِمام القرافي ﵀ من هذه الشروط فقال: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\nوالاجارة ماخوذة ومثشقة من الأجر الذي هو العوض عن الانتفاع وحصولٍ المنفعة بذات الشيء وعَيْنه، ولذلك قيل في تعريفها: إنَّهَا عقد على المنافع بِعوض.\nوأصْل مشروعيتها. ودليلُها الكتاب والسنة والاجماع كما هو مبين ومفصل في كتب فقه الحديث والسنة، وفي مؤلفات الكتب الفقهية على اختلاف مذاهبها.\n(٢) كذا في جميع النسخ. وكان مقتضَ العبارة والسياق أن يقال: أُقرر فيها ما يُملَكُ وما لا يُمْلَك\". ولعل كلمة \"الفرق بين\" سقطت في جميع النسخ، ويؤيد ذلك عبارة القرافي كما هو ظاهر منها.","vol":"2","page":171},{"text":"الخامس أن لا تتضمن استيفاءَ عَيْن، احترازا من إجارَة الاشجار لثمارها أو الغَنَم لنتاجها. واستُثنِيَ من هذه إجارة المرضع للبنها، للضرورة في الحضانة.\nالسادس أن يُقْدرَ على تسليمها، احترازا من استئجار الأخرس للكلام.\nالسابع أن تحصُلَ (٣) للمستاجِر، احترازا من الإِجارة على العبادات كالصوم ونحوه.\nالثامن كونها معلومة، احترازا من المجهولات من المنافع، كمن استاجر آلة لا يَدْري ما يَعمل بها، ودارًا غير معلومة، فهذه الشروط إذا اجتمعت جازت المعاوضة وإلَّا فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>القاعدة الثانية:\nأقرر فيها ما للمستاجِر أخْذُهُ من ماله بعد انقضاء الإجارة مِمّا ليس له أخْذُه </span>(٤)، فأقول:\nهذا يتبين بقاعدة، وهي أن الشرع لا يَعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غَرَضٌ صحيح مُحَصِّلٌ لمصْلحَةٍ، أوْ دارِءٌ لمَفسَدة، ولذلك لا يَسمع الحاكم الدعْوى في الأشياء التافهة الحقيرة التي لا يتشَاحُّ العقلاء فيها عادَة ونحوها، فلهذه القاعدة أيضا لا يُقبَل قولُ المستأجِر في قلع الشجرة التي لا قيَمة لها بعد القلع وإن كانتْ عظيمة المالية قبْل القلع، وكذلك البناء الذِي لا قيمة له\n_________\n(٣) كذا في نسخة ع، وفي نسخة ح: أن تجعل، وفي نسخة ت: أن يحصل للمستأجر نفع إجارة. وهي - كما تبدو كلها - بمعنىً واحد. فَلْيُتَأمَّلْ.\n(٤) هي موضوع الفرق الرابع والمائتين بين القاعدتين المذكورتين، جـ ٤. ص ٧. وهو من الفروق القصيرة عند القرافي. ﵀.\nوقد علق عليه أبو القاسم ابن الشاط بقوله: قلت: فيه نقْل أقوالٍ، ولكن في ذلك كله نظر، فإن تقدير بناءِ أو شجر ونحو ذلك لا تكون له قيمة بعد القلع.\nأقول: لا تكون له نفسُ القيمة، مسَلَّمٌ، وليس: محلَّ إشكال، ولكن قد تكون له ققيمة ننسبية، وتبقى له إذا ما بقى منقوضُهُ بعد الْقلع أو الهدْم سالما أو سليما صالحا لمنفعة اخرى كإدخاله في بناء آخر مثلا، هذا ما يظهر عند التأمل وعند النظر إلى الواقع، واللهُ أعلمُ.","vol":"2","page":172},{"text":"بعْد الهدم وإن عظمتْ قيمتُهُ قبل الهدم، وكذلك المستحَقُّ منه، والغاصب ونحوُهما، الجميع في ذلك سواءٌ، لأن قَلْعَهُ لمُجَرَّدِ الفسادِ لا لحصول مصلحة تحصل للقالع ولا لدرء مفسدة عنه، فيتعين بقاؤه في الارض المستاجَرة، يَنْتَفع به صاحب الارض، لأنها مالية مستهلَكة على وَاضعها شرعا، والمستهلَكُ شرعا لا تجب فيه قيمة، ويؤيد ذلك نهْيُهُ ﵇ عن إضاعة المال (٥)، فوجب المنع منه، ولهذه القاعدة أجَمع الناس على أن العروض تتعين بالتعيين، وكذلك الحيوان والطعام، لأنَّ لهذه الأشياء من الخصوصات والأوصاف ما تتعلق به الأغراض الصحيحة لما في المعيَّنات من الملاذِّ الخاصةِ بتِلْك الأعْيان.\nومقتضى هذه القاعدةِ أنهُ إذا عَيَّن صاعا من صُبْرة وبَاعَه أنه لا يتعين، لأن الاغراض الصحيحة مستوية في الصُّبْرة، غيرَ أني لا أعلم أحدًا قال بعدم التمييز. واختلفوا في الدنانير والدراهم إذا عُينَتْ هل تتعيَّنُ أم لا؟ ثلاثة أقوال:\nثالِثُها إن عيَّنها الدافع تعينت، لأنه أملَكُ بها وهو مالكُها، وإن عيَّنها القابض لا تتعيَّنُ، إلا أن تختص بصفةِ حِلِّ أو سكَّة راجحَةٍ (٦) فإنها تتعيَّن اتفاقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>القاعدة الثالثة:\nأقرر فيها ما يضمنه الأُجَرَاءُ عند الهلاك مما لا يضمنونه</span>. (٧)\nإعْلَمْ أنَّ الهلاك على خمسة أقسام:\n_________\n(٥) نصَّ الحديث عن المغيرة بن شُعبةَ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: إن الله كَرِهَ لكم ثلاثا: قيلَ وقالَ، وإضاعةَ المال، كثرةَ السؤال\" أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم، وكذا أبو داود، وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، ورحم أئمة السنة أجمعين.\n(٦) كذا في ع، وت. وفي ح: بصفة حلال، وعند القرافي: \"إلا أن تختص بصفة حِلي، أو سكةٍ رائجة أو غيرِ ذلك، تعينت اتفاقا. وهو أظهر في المعنى، والله اعلم بالصواب، فليُصَحَّح.\n(٧) هي موضوع الفرق السابع والمائتين بين القاعدتين المذكورتين في هذه القاعدة الثالثة: جـ ٤. ص ١١. وهو من الفروق القصيرة جدا عند القرافي، ولم يعلق عليه بشيء الشيخ أبو القاسم ابن الشاط، فرحمهما الله. جميعًا.","vol":"2","page":173},{"text":"الاول: ما هلك بسبب حامله مِن عِثار أو ضَعْف حَبْلٍ لم يُغَرَّ (٧ م) بِه، أو ذهابٍ دابة أو سفينة بما فيها فلا ضمان ولا أجْرة، ولا عليه أن ياتي بمثله لِحَمْلِهِ، قاله مالك. وقال غيره: ما هلك بعثار كالهلاك بأمر سماوي.\nوقال ابن نافع: لِرَبِّ السفِينَةِ بحسابِ ما بلَغتْ.\nالثاني: ما غُرِّر فيه بِضَعف حَبْل، يَضْمَنُ القيمة بموضوع الهلاك، لأنه موضع أثَرِ التفريط، وله من الكراء بحسابه، وقيل: بموضوع الحمْل منه لأنه منه ابتدأ التعدِي.\nالثالث: ما هلك بأمْرٍ سماوي بالبينة، فله الكراء كُلَّهُ، وعَليْه حمْلُ مثلِه من موضوع الهلاك، لأن أجرة المنفعة مضمونة عليه.\nالرابع: ما هلك بقولهم من الطعام لا يُصَدَّقون فيه لقيام التهمة، ولهم الكرأء كله، لأنَّ شأن الطعام امتداد اليدِ إليه، لأنهم استحقُّوهُ بالعقد.\nالخامس: ما هلَكَ بأيديهم من العروض يُصَدَّقون فيه لبُعْد التهمة، ولهم الكراء كله، وعليهم حمْلُ مثِله من موضع الهلاك، لأنهم لمّا صُدِّقوا أشبهَ ما هلَك بأمر سماوي، وقال ابن حبيب: لهم من الكراء بحساب ما بلغوا، ويُفسَخ الكراء، لأنه لمّا كان لا يُعْلَمُ إلا من قولهم أشبَهَ ما هلك بِعِثار.\nقلت: لم يذكر إجارة الصُّناع على عمَلٍ في السلعة يُغَيّرها كالصَبْغ وأمثالِه، فإنه عند مالك يضمَنُ فيه الأجِيرُ، وهو بمنزلة الطعام الذي تمتد الأيدي إليه (٨).\n_________\n(٧) هي موضوع الفرق الثالث عشر والمائتين بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٤. ص ١٨، قال في أوله القرافي ﵀: \"إعلم أن هذا الموضع مشكل على مذهبنا في ظاهر الأمر، فإن الإحياء عندنا إذا ذهب ذهبَ المِلْكُ، وكان لغيره أن يُحْييَه، ويصيرُ مواتا كما كان الخ ...\n(٧ م) كذا في جميع النسخ. وعند القرافي: لم يغرَّرْ به.\n(٨) قلت: وموضوع تضمينِ الأجَرَاء فيما استؤجروا عليه، كذا والصناعُ فيما وُضع بين أيديهم وائْتُمِنُوا على صنعه أو إصلاحه، موضوع كذلك تناوله الفقهاء ﵏ في مؤلفاتهم الفقهية بشيء من الدقة والتفصيل، ومنهم من أفْرَدَ لَهُ كتابا خاصا بموضوع تضمين الصناع، فليرجع لذلك من أراد التوسع في هذا الموضوع الهام والدقيق من أحكام التشريع وأبواب الفقه الإسلامي.","vol":"2","page":174},{"text":"القاعدة الرابعة:\nأقرِّرُ فيها ما للأجير إذا لم يعمل جميعَ العمل، (٩) فأقولُ:\nبأخذ بنسبةِ ما عَمِل، غيرَ أنه قد يقع الغلط في هذا.\nوبيان ذلك من حيث إنّ من استوجِرَ على خياطة ثوبيْن فخاط ثوبا واحدا وهو نصف ذلك العمل فله نصفُ الأجْرة، وهذا لا كلامَ فيه، ويقع الغلط فيمن استاجر رجُلا على أن يَحْفِر له بئرا: عشرةً في عشرة أذرعٍ، تكون مربَّعة، من كل جهةٍ عشرةٌ، يكون عمقها عشرةً في عشرة، فيعمل خمسةً في خمسة، أو استوجر على أن يعمل صندوقا عشرة في عشرة، فعمل خمسة في خمسة، قد يُظَنُّ هنا أن لهذين نِصفَ الأجرة، ولكن قال الفضلاء: له في مسألة البئِر الثُّمُن، وفي مسألة الصندوق الرُّبعُ، فلم يَجْرُوا على قاعدة الإِجارَة، ولمْ يَجْرُوا أيضا في المخالفة على نمط واحد. (١٠)\n_________\n(٩) هي موضوع الفرق السادس والمائتين بين قاعدة من عملَ من الأجَرَاء النصفَ مما استؤجر عليه يكون له النصف، وبين قاعدة من عمِلَ النصف لا يكون له النصف\" جـ ٤. ص. ١٠.\nقال القرافي ﵀ في أوله:\nإعلم أنه قد وقع في الاجارات أن من استأجر رجلا على أن يخيط له ثوبين أو يبنى له دارين أو نحو ذلك ففعل أحَدَهما وهو النصف استحَق النصف، وهو ظاهر ... الخ ما ذكره القرافي واختصره البقوري هنا رحمهما الله.\n(١٠) وقد علق الشيخ أبو القاسم ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق، فقال: هذا الفرق فاسد الوضع، فاحش الخطأ، فإنه قاعدة واحدة لا غيرُ، وكلُّ من عمل النصف فله النصف لا محالةَ، وانما يجري الوهم على الاغبياء، فيظنون أن من استُؤجِر على عشرة في عشرة فعمل ذلك فقد عمل جميع ما استُؤجر عليه، وذلك صحيح، وأنه متى استُؤجِز على ذلك فعمل خمسة في خمسة أنه عمل النصفَ، وذلِك غير صحيح، بل عَمِل الثُّمُن فيما استُؤجر عليه، كيف وقد بين المؤلف ذلك بعد هذا في أثناء الكلام في هذا الفرق. والعجَب منه كيف ظن أن الترجمة صحيحة مع علمه أنه لم يعمل النصفَ، ولكن الغفلة لازمة لمن لم يُعْصَم من البشر، ولكن هذه الغفلة لا يُعذرُ صاحبها والله أعلم.\nأقول: يلاحَظ أن هذا التعقيب عند ابن الشاط لم يَخْلُ من قسوة وشدة كما يقع له احيانا في بعض التعقييات على كلام القرافي. وقد نبهت على ذلك في تعليقات وملاحظات سابقة. غير أنه لا يظهر بوضوح عند التأمل والتمعن مَلِيًا وجودُ اختلاف أو تناقض جَلِيّ بين الترجمة =","vol":"2","page":175},{"text":"ووَجْهُ صحة ما قالوه أن البئر كلما تَنَزَّلَ فيها ذراعا فقد شَالَ من التراب ما مساحتة عشرة في عشرة، وذلك مائة، فكل ذراع ينزله في البئر - إذَنْ - مائة، والأذرُع عشرة، وعشرة في مائة بألف، والمستاجَرُ علَيه الفُ ذراع، فلمّا عمل خمسة في خمسة شال في الذراع الأول ترابَ خمسة في خمسة، وذلك خمسة وعشرون، فَكلُّ ذراع في هذا المعمول خمسة وعشرون، والأذرع المعمولة خمسة، وخمسة في خمسة وعشرين بمائة وخمس وعشرين، وذلك ما عَمِلَه، ونسْبتُهُ إلى الألف نسبة الثُّمُن، فيستحِق الثُّمُن.\nوأمّا الصندوق فليس فيه قعْر، وإلَّا استوت المسألتان، بل الألواح يُلَفِّقها، فهو استاجره على ستة ألواح، كل ناحية منها عشرة، وذلك دائرُهُ أربعة، وقَعْرُه وغطاؤُه، فكل لوح عشرة في عشرة، فهو مائة ذراع، والألواح ستة، فالمستاجَر عليه ستمائة، عَمِلَ منها خمسة في خمسة، فيكون كل لوح منها خمسة وعشرين المتحصِّلةَ من ضرب خمسة في خمسة، وخمسة وعشرين في ستة، مائة وخمسين، ونسبتُها إلى\nستمائة نسبةُ الربع.\n_________\n= وما بداخلها من الكلام عند القرافي، يمكن أن يقال إنه إنه نتج عن الغفلة، ذلك أن العبرة في كل حديث وكلام بآخره وتمامه. وقد نقل الإِمام القرافي هنا كلام بعض الفضلاء العلماء، وحكاه عنه في مسألتي البئر والصندوق، وتبناه ولم ينقضه ولم يعترض عليه، وهو يفيد أن الاجير كما يكون له النصف من الاجرة بالنسبة لما عمله في بعض الصور والحالات، كذلك يكون له الثمن والربع في صور وحالات اخرى. والترجمة عند القرافي، فيما يظهر، شاملة لجميع تلك الصور والحالات، فلم يْبقَ داع للقول بالغفلة والتعجب من ظنه الترجمة صحيحةً، وبتلك العبارات والصيغة المثيرة، ولعله الاعتداد بالعلم، والمنافسةُ فيه والمعاصَرَةُ والاقترابُ منها يدفع إلى صدور مِثْلِ العباراتِ أحيانا من بعض العلماء تجاه الآخرين، أثناء تقديم للكلامهم، أو تصويب أقوالهم، واللهَ أعلم بالحق والصواب.\nعلى أن من المسلَّم والمقطوع به أن كل مجتهد ومستنبِط وعامل في حقل العلم الاسلامي، والاجهاد والتخريج الفكري، مهما بلغ شأنه في العلم والمعرفة، فإنه مُعَرَّضٌ للخطأ أحيانا، فالعصمة إنما هيَ للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والكمال المطلق إنما هو لله وحده، والخطأ إذا ظهر واتضح في أمر من الأمور، أو مسألةٍ من مسائل العلم، يكون تصويبه بعمل مفيد، وقول سليم لطيف، ويُلْتَمَسُ لصاحبه العذرُ على أنه صدر منه عن علم وفهم وحسن نية، ويَدْعَى له بالرحمة والمغفرة ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ كما قال ربنا العليم الحكيم.","vol":"2","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>القاعدة الخامسة:\nأقرر فيها ما يُضمَن بالطرح من السفن وما لا يُضْمَن</span>. (١١)\nقال مالك: إذا طُرِح المتاعُ رَجاءَ السلامةِ تَشَارَكَ في ذلك جميعُ أهلٍ المركب الذين لهم الأمْتعة، واختُلِف في الذهب إذا كان عند بعضهم، وفي العبيد إذا كانوا نواتيه (١٢) وكانوا للتجارة، هل يدخُلون في حساب ذلك أو لا؟\nفقيل: لا يدخل العبيد ولا الذهب، وقيل بالتفريق، إلا أنْ يكون الذهب للتجارة فيدخل، وكذلك اختُلف في السفينة هل يُعمل حسابُها في المطروح أو لا؟، القولان موجودانِ، فقيل: إن خيف أن يصدم قاع البحر فطُرح لذلك دخلتْ في القيمة، وإلَّا فَلَا، وأهْل العراق يقولون: تدخُلُ، وجميع ما فيها ممّا هو للتجارة أو القِنْية من عبيد وغيرهم، لأنَّ أثر المطروح سلامةُ الجميع.\nوأجيبُوا بأن شأن المركَب أن يصِل برحاله سالِما التي البَرِّ، وإنما يُغْرِقهُ ما فيه عادةً، وإزالةُ السبب المُهلِك لا تُوجب شركة، بل فِعْلُ السَّبَبِ المنْجي، وهو فَرْقٌ حسَنٌ، فإن فاعل الضَّررِ شأنُهُ أن يَضمن، فإذا زال ضررُه نَاسَبَ أنَ لا يضمن، لعدم سَبَبِ الضمان، وفاعل النفع محَصِّل لِعَيْن المال، فناسَبَ أن يستحقه\n_________\n(١١) هي موضوع الفرق الخامس والمائتين بين قاعدة ما يُضْمَنُ بالطرح من السفنَ وبين قاعدة ما لا يضْمَنُ\" جـ ٤. ص ٨. لم يعلق عليه الشيخ أبو القاسم بن الشاط بشيء\nعبارة القرافي في أول هذا الفرق أكثر وضوحًا وبيانا، حيث قال مالك: إذا طُرح بعضُ الحمل للهول شارك أهل المطروح مَن لم يُطرَح لهم شيء في متاعهم، وكان ما طرح وسلم لجميعهم في نمائه ونقصه بثمنه يوم الشراء إن اشتروا من موضع واحد بغير محاباة، لأنهم صانوا بالمطروح مالهم، والعدل عدم اختصاص أحدهم بالمطروح، إذ ليس أحدهم بأولَى من الآخَرِ، وهو سببُ سلامة جميعهم، فإن اشتروا من مواضع، أو اشترى بعض أو طال زمن الشراء حتى تغيرت الاسواق اشتركوا بالقيم يوم الركوب، دون يوم الشراء، لأنه وقت الاختلاط، وسواء طرح الرجل متاعه. أو متاع غيره بإذنه أم لا. قال ابن ابي زيد القيرواني ﵀: ولا يشاركُ من لم يَرْم بعضُهم بعضا، لأنه لم يطرأ سببٌ يوجبُ ذلك، بخلاف المطروح له مع غيره.\n(١٢) النَّواتي: جمع نُوتِّي بضم النون، وهو المَلَّاح في البحر خاصة، كأنه يُميل السفينة من جانب إلى جانب. وقيل هو مُعَّربٌ، ومن الفعل: ناتَ ينوت إذا تمايَل من ضعف.","vol":"2","page":177},{"text":"أو بعضَه، لِأن مُوجِدَ الشَّىْء شأنُه أن يكون له، ويُبْدأ في الطرح بالأمتعة، ثم الْبَهَائِم لشَرَف النفوس.\nقال: والطَّرحُ عند الحاجة واجبٌ لا يجري فيه القولان اللذان للعلماء في دفع الداخل عليك البيتَ لطلَبِ النفس، أو مَن اضْطرَّ إلى أكل الميتة، فَفيهما قولان: أحدُهُما يجب الدفعُ والأكل، وثانيهما لا يجِبَانِ، لقصة ابنْي آدم، (١٣) ولقوله ﵇: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل (١٣ م)، وعليه اعتَمد عُثمان ﵁.\nوالفرق بيِّنٌ، من حيث إن التَّرْك هُنا لاقتناء الأموال، وليس واجبًا، وهنالِك من حيث قتْل النفس، وهذا الترك واجب عليه، لأن القتل محرَّم (١٤).\nوقال أبو حنيفة والشافعي: لا يضمن منِ أهل السفينة أحدٌ، إلا الطارحُ إن طرح مال غيره، وإن طرح مال نفسه فمُصيبته منهُ وإن استدعى غيرُهُ منْه ذلك.\n_________\n(١٣) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧، ٢٨].\n(١٣ م) أورده الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني شارح الموطأ للامام مالك رحمهما الله، وذلك في كتابه: \"مختصَر المقاصدِ الحسنة في بيان كثير من الاحاديث المشتهرة على الألسنة\". وذكره بلفظ \"كن عبد الله المظلوم، ولا تن عبد الله، الظالمَ، وقال فيه: ورد بلفظ \"القاتل\" و\"المقتول\"، ولم يذكر درجته من الصحة والحسن أو الضعف. واكتفى بالاحالة في شأنه على كتاب المقاصد، وكتاب التمييز، وكتاب الكشف، وهي كلها كما ذَكَرَ في مقدمة الكتاب كتب تناولت الاحاديث المشتهرة على الالسنة لتبيين صحيحها من ضعيفها. كما أورده الإِمام السيوطي في كتابه: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، وذلك عند تفسيره للآية المشار إليها.\n(١٤) عبارة القرافي هنا اكثر بيانا ووضوحا حيث قال: والفرق أن التارك للقتل والاكل هنالك تارك لئَلا يفعل محرما، وها هنا لبقاء المال، واقتناؤه ليس واجبا، أكل الميتة وسفكُ الدم، محرم، وما وضع المالُ إلا وسيلةً لبقاء النفس، ولم يوضع قتلُ الغير وأكل الميتة وسيلةً لذلك، ولا يَضمن الطارح ما طرحة هنا اتفاقا، ولمالك في أكل مال الغير للمجاعَة قولان بالضمان وعدمه، ولا يضمن بدفع الفحل إذا قتله، لأنه كان يجب على صاحبه قتله، صوْنا للنفس، فقد قام عن صاحبه بواجب.","vol":"2","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>القاعدة السادسة:\nفي الفرق بين الإِجارة والرزق، (١٤ م) </span>فأقول:\nإنهما اشتركا في أنهما وقع فيهما بذْل مال بإزاءِ منافعَ، غيرَ أنَّ بَاب الأرزاق أدْخَلُ في باب الِإحسان، وبابُ الأجارة أدْخَلُ في باب المكايَسَة. ويظهر تحقيق ذلك بسِتِّ مسائل:\nالمسألة الأولى: القضاة، يجوز أن يكون لهم أرْزاقٌ من بيت المال على القضاء إجماعا، ولا يجوزُ أن يُستَاجَروا على القضاءِ إجماعا، بِسبَب أن الأرزاق إعانةٌ عمَّا وجبَ عليهم من تنفيذ الاحكام عند قيام الحِجاج ونهوضها، ولو اسْتُوجِرُوا على ذلك لدخلت التهمة في الحكم. (١٥) ويجوز في الأرزاق أن تُرْفع وأنْ يُزَادَ فيها وأن يُقلَّل وأن يُقطَع، ولو كان ذلك إجارةً لوجبَ تسليمها نفسِها من غير زيادةٍ ولا نقْصِ، لأن الإِجارةَ عقْدٌ، والوفاء بالعقود واجسب، والأرزاق معروف، والأجرة في الإِجارة تورَث، والْأرزاق لا تُورَث.\nالمسألة الثانية: رزْق المساجد والجوامع يجوز أن يُنقل عن جهاتها إذا انقطعت أوْ وُجدتْ جهة هي أَوْلى لمصلحة المسلمين من الجهة الأوُلى، ولو كان ذلك وقفًا أو إجارة لَتعذَّر ذلك فهِا، لأن الوقف لا يجوز تغييرُه، والوفاء بعقد الإِجارة واجب. وأيضا فللإِمام أن يستنيبَ دائما، وتكونَ له الأرزاق على النظر لا على القيام بالوظيفة، بسبب أن الأرزاق معروف يدُورُ مع المصالح كيف دَارت، والوقْفُ لا يصح فيه شيءٌ من ذلك، بل إذا كان على الإِمامةِ فلا ياخذُه إلَّا مَن يقومُ بها على شرط الواقفِ، فإن استناب غيره دائما في ذلك الأمْر فلا أحدَ يستحق ذلك الوقف، لا الإِمامُ ولا النائبُ عنه، لأن الإِمام لم يَقم بشرط الوقف،\n_________\n(١٤ م) - هي موضوع الفرق الخامس عشر والمائة بين قاعدة الارزاق وبين قاعدة الاجارات. جـ ٣. ص. ٣. ولم يعلق عليه الشيخ ابن الشاط بشيء، على ما فيه من طول نسبي عند القرافِى رحمهما الله.\n(١٥) أي بمعاوضة صاحب العوض، ولذلك تجوز الوكالة بعوض، ويكون الوكيل عاضدًا أو ناصرا لمن بَذلَ له العوض، كما قال القرافي ﵀.","vol":"2","page":179},{"text":"والمستنابُ كذلك، لأن ولايته لم تكن ممن له الولاية، والاستنابة في أيام الأعذار لَا تُسقِطُ حقه في الوقف، وله أن يعطي النائبَ في تلك الأيام ما أحبَّ.\nثم الرزق إذا كان من الإِمام على أشياءَ كالإمامة رالتدريس وغير ذلك فلا يَحِل إلا لمن كان أهْلا للقيام بذلك وقام بها، إلا أن يكون الإِمام قد جعل تلك الأرزاق لأحَدٍ من هؤلاء بعد معْرفته به وعدم قيامه بذلك فإنه ياخذه إن كان أعطاهُ لمصلحة أخرى ظهرت له في ذلك، ولو كَان وقْفًا لم يَجُزْ للإِمام أنْ يُطْلِقَه له لتلك الخطَّة إذا عَلِم أنه لا يقوم بها. (١٦):\nقال شهاب الدين: وكثير من الفقهاء يغلط في مسألة الأرزاق ويقول: إنَما جاز تَنَاوُل الأرزاق على الإِمامة بناءً على القوْلِ بإجازة الإِجارة على الإِمامة في الصلاة، (١٧) ويَتَوزَعُ عن تناول الرزق لأجْل الخلاف في جواز الإجارة، وليس الأمر كما ظنَّه، بل الارزاق مَجمَعٌ على جوازها، لأنما إحسانٌ ومعروف وإعانة لا إجارةٌ، وإنما وقع الخلاف في الإِجارة، لأنها عقدُ مكايَسة ومُغَابَنَة، ومن باب المعاوضَة التي لا يجوز أن يُجعَل العوضانِ فيها لشخص واحد، فإنَّ المعاوضة إنما شُرِعت لينتفع كلُّ واحد من المتعاوضيْن بما بُذِلَ له، وأجْرُ الصلاة له، فلو أخذ العوض عنها\n_________\n(١٦) عبارة القرافي هنا: وِلو كان وقفا ولم يقم بشرطه لم يجز لإمام إطلاقه لمن لم يقم بشرط الواقف في استحقاقه، فهذا أيضا يميز لك الارزاق من باب الاوقاف والاجارات. ويجوز في المدارس الأرزاق والوقف والاجارة، ولا يجوز في إمامة الصلاة الاجارة على المشهور من مذهب مالك ﵀، ويجوز الارزاق والوقف.\n(١٧) سبق الكلام عن موضوع إجارة الإمامة على الصلاة وما فيها من اُقوال ثلاثة: الجواز، والمنع، والتفريق بين ضم الأذان للصلاة فتجوز الاجارة عليها، وعدم ضمه لها فلا تجوز تلك الاجارة، وذلك في القاعدة الأولى من قواعد البيوع، والمتعلقة ببيان أينَ يصحُّ اجتماع العوضين لشخص واحد واينَ لا يصح ذلك، وهي موضوع الفرق الرابع عشر والمائة من فروق القرافي، والذي ذكر فيه القول بجواز الأجرة على الامامة، وأن وجه ذلك القول بالجواز هو كون الأجرة على الامامة بإزاء الملازمة في المكان المعَيَّن، وهو غير الصلاة.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ذلك كما سبقت إليه الإشارة هنا بقوله: لقائل أن يقول: ليس المبذول فيها (أي في إمامة الصلاة) عوضا عن الثواب، بل هو معونة على القيام بتلك الامور، فلِلْقائم بها ثوابه، ولمن تولى الإعانة ثوابه، فلم يجتمع العوضان لشخص بوجه، والله أعلم.","vol":"2","page":180},{"text":"لاجتمع له العوضان، والأرزاق ليست بمعاوَضةٍ الْبتةْ، لجوازها في أضيق المواضع المانِعة من المعاوضة وهو القضاء والحكْمُ بين الناس، فلا ورَعَ حينئذ في تناولِ الرزق على الإمامة من هذا الوجْه، وإنما يقع الورَعُ من جهة قيامه بالوظيفة خاصة، فإن الارزاق لا يجوز تناولها إلا لمن قام بذلك الوجه الذي صرح به الإِمام في إطلاقه.\nالمسألة الثالثة: الإقطاعات التي تُجْعَلُ للأمراء والأجناد، من الأراضي وغيرها، (١٨) هي أرزاق من بيت المال وليست إجارة لهم، ولذلك لا يُشترط فيها عليهم مقدارٌ من العمل، ولا أجَل ينتهِي اليه كالإِجارة. نعَمْ لا يجوز تناولهُ إلّا بما قاله الإِمام من الشرط، وهو التهيُّؤ للحرب ولقاءِ العدو والمناضلَة على الدّين ونَصْر كلمةِ الإسلام، والاستعدادُ بالسلاح والخيْل، ومن لم يفَعَلْ ما شُرِطَ عليه في ذلك فلا شيء له، لأن مال بيت المال لا يُستحَق إلا بإطلاق الإِمام على ذلك الوجه الذي أطلقه.\nالمسألة الرابعة: وقع في كتاب البيانِ والتحصيل لابنِ رشدٍ ما ظاهِرُه أن للامام أن يُوقِفَ وقْفا على جهة من الجهات، ووقع للشافعية مثلُ ذلك، ومقتضَى ذلك\n_________\n(١٨) قطاع الأرض أو الأراضى الموات هو جعلَها من طرف السلطان أو من ينوب عنه من الولاة في يد بعض الافراد والجماعات، وتخصيصهم بها ليقوموا على استصلاحها وخدمتها واستغلالها بالزرع والغرس ما دامت هناك مصلحة في الأقطاع لهم، تتجلى في إحياء تلك الاراضي واستثمارها، على أن تبقى ملكا عاما للدولة، تسترجعها منهم متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.\nوأصل مشروعيته وجوازه السنة النبوية، وفعل الخلفاء الراشدين ﵃.\nفعن علقمة بن وائل عن أبيه أن النبي - ﷺ - أقطعه أرضًا في حضرموت.\nوأحكامه التفصيلية مذكورة في الكتب الفقهية والحديثية، وكتب الاحكام السلطانية، مثل كتاب الماوردى، والفَرَّاء وغيرهما من علماء الفقه والشريعة الاسلامية ومنهم من خصَّها بتأليف صغير تناول فيه ما يتعلق بهذا الموضوع من بيان وتفصيل. قال الفقيه العلامة أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي ﵀، \"إقطاع السلطان مختص بما جاز فيه تَصرُّفهُ، ونفذت فيه أوامِرُهُ، ولا يصح فيما تَعَيَّنَ فيه مالكه وتَمَيز مستحقه، وهو ضربان: إقطاع تمليك وإقطاع استغلال\" ... الخ. للفقيه العلامة العباس بن ابراهيم كتاب في الموضوع، أسماه الإمتاع باحكام الاقطاع بخطوط","vol":"2","page":181},{"text":"أن أوقافهم أعنى الملوَك والخلفاء إذا وقعت على وجه الصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين أنها تنفَّذُ، ولا يجوز لأحد أن يتناول منها شيئا إلا من قام بشرط الواقف، ولا يجوز للإِمام أن يطْلِق ذلك الوقف بعد ذلك لمن لم يَقُمْ بذلك الشرط، إذ قد صار ذلك الشرط لازِمًا للمسلمين والإمام كسائر الأوقاف، ولا يجوز للإِمام تحويلُه عن تلك الجهة، فإنْ وقَفَ الملوكُ على غيْر الأوضاع الشرعية كأن يُوقِفوا على أولادهم وحَرَسِهمْ، حوزا لدنيا لَهم (١٩) لم ينفذ هذا الوقف، وحرم على من وُقِف عليه تناوُله، وللإِمام انتزاعُه وصرْفُه له أو لغيره على حسب ما تقتضيه مصالح المسلمين، وأمّا وقفُ الوالي فباطل (٢٠).\nفإن قلتَ (٢١): فَإنْ وَقَفَ على ولده بعضَ أراضى المسلمين وقُراهم أو على أحد من أقاربه واشترَى ذلك من ماله الذي اكتسبه في زمن مملكته، هل يصح ذلك الوقف أم لا؟\nقلت: أكثرُ الملوك، فقراءُ قَدْ رَكِبَهُم الدَّينُ (٢٢) بسبب ما جَنوْا على المسلمين من تصرفاتهم في بيت مال المسلمين بالهَوى في أبنية الدور العالية والمراكب النفيسة والأطعمة الطيبة وإعطاء الأصدقاء وغير ذلك من التصرفات المنهي عنها شرعا، فهذه ديون عليه، فتكثُر مع طول الأيام، فيتعذر بسببها أمرانِ:\n_________\n(١٩) كذا في نسخة ع، وفي نسخة ح: كأن يوقفوا على اولادهم وحَرَمهم، حوْزا لدنياهم. وفي نسخة ت: كأن يوقفوا على أولادهم وحرمَهم حِرزا لدنياهم، لم ينفذْ، وعبارة القرافي هنا: فإن وَقَفُوا على أولادهم أو جهات أقاربهم لهواهم وحِرصهِم على حَوْزِ الدنيا لهم وذراريهم، واتِّباعًا لغير الأوضاع الشرعية لم يُنَفذْ هذا الوقف.\n(٢٠) كذا في ع، وح. وفي ت: \"وأما الوقف الأول فباطل\"، وهو ما عند القرافي، ولا شك أن المعنى مختلِف باختلاف العبارتين كما هو ظاهر، فليتأمل ذلك وليصحَّح.\n(٢١) هذا التساؤل والتعقيب هنا للقرافي ﵀ في هذه المسألة من هذا الفرق.\n(٢٢) كذا في نسخة ع، وفي ح، أفْقَرَهُمْ الدَّين، وفي ت: قد رَكِبَتْهُمْ الديونُ (بصيغة الجمع).\nوعبارة القرافي هنا: الملوك فقراء مدينون بسبب ما جَنَوْه على المسلمين من تصرفاتهم في أموال بيت المال بالهوى في أبنية الدور الحالية والمراكب النفيسةِ، إلى آخر ما أورده الشيخ البقوري هنا .. وكما ذكره القرافي رحمهما الله.","vol":"2","page":182},{"text":"أحدُهما الأوقافُ والتبرعات على مذهب مالك ومن وافقه، فإن تبرعاتِ المِدْيانِ، المتأخرةَ عن تقرير (٢٣) الدين عليه، باطلة.\nثانيهما الإِرث، لا ميراث مع الدَّين اجماعا، فلا يورَثُ عنهم شيء. وما تركوه من المماليك لا ينفَّذ عتق المالِكِ الوارث فيهم، بل هُمْ أموال بيت المال مستحَقُّون بسبب الدَّين، وإنما يُنَفَّذ عتق المتوَلّى لبيت المال على الوجه الشرعي.\nقال: فإن وقفوا رَبْعا على وجْه البِرِّ والمصالح العامة، ونَسَبُوهُ لأنفسهم فلا، لِأن المال الذي في بيت المال يعتقدون أنه لهم، كما يعتقد في ذلك بعض الملوك من كل وقْف، فلا يصحُّ، الَّا أن يعتقدوا أن المال للمسلمين، والوقف للمسلمين، أمّا أن المال لهم والوقف لهم فَلا، وهو كمَن وقف مال غيره على أنه له، لا يصح ذلك الوقف، كذلك هُنا.\nالمسألة الخامسة: المصْرُوف من الزكاة للمجاهد ليس أجْرةً، بل رزْقٌ خاصٌّ (٢٤) من مالٍ خاص. وهل يتعَيَّن صرفُه لهذه الجهة؟ يُخَرَّجُ على الخلاف بين الشافعية والمالكية، وليس بإجارة، وذالك بَيِّنٌ من حيث انه لا يُشترط فيه مِقدارٌ من العمل، ولا مدةٌ معلومة لتعْيِين العمل، ولا غيرُ ذلك من شروط الاجارة. ويصح الفرق بينه وبيْن أصْلِ الأرزاق أن أصْل الأرزاق يَصح أن يَبقى في بِيت المال\n_________\n(٢٣) كذا في ح. وفي ت: تقرير، وفي ع. تأخر، وما في النسختَيْن الأوليين هو الصواب فيما يظهر ويقتضيه المعنى، والله أعلم. فلْيُتَأمل ذلك.\n(٢٤) فائدة لغوية، يلاحظ أن بعض المتحدثين يخطئون في مثل هذه العبارة، فيأتي من حيث لا يشعر وينتبه، بالاسم الذي بعْدَ بل منصوبا، فيقول مثلا: ليسٍ أجْرَةً بل رزقا خاصا، وهو خطأ نحوى لغوي، لأنه ليس مدخولا للنَّفْي بلَيْسَ حتى يكونَ منصوبًا، وإنما هو كلام مُثْبَتٌ بعد حرف بلْ، وهي حرف للاضراب عما قبلها، وما قبلها كان نفيا، فيتعين أن يكون بعدها اثباتا، فيقال: فلان ليس حاضرا، بل غائب، أي بل هو غائب، لأنه إذا نُصب كان مدخولا للنفي، وكان منفيا كذلك، فينتهى الحضور والغياب، فماذا بقي بحد ذلك، وليست ذلك هو مقصودَ الكاتب أو التكلم، وهو تعبير يجب التنبه إليه حيث يصدر عن بعض الناس من حيث لا يشعرُ وأحيانًا بكفيةٍ متكررة لافتة للانتباه والانظار، مما يدل على أنه غيرُ واع بالقاعدة ولا بالمعنى المستفاد ذلك التعبير.","vol":"2","page":183},{"text":"ولا يُصرَف في هذا الوقف، وهذا يجِبُ صرفه (٢٥) إما في جهة المجاهدين او غيرهم من الجهات الثمانية، لأن جهة هذا المال قد عيَّنها الله تعالى كالخُمُس، فتَتعَيَّنُ المبادرة إلى صرْفه بحسبِ المصلحة. وأمّا ما يورَث عن الموْتى (٢٦) من أموال بيت المال أو يُحازُ عن الغائب المنقطع خبرُه فهذا لا جهة له إلا ما يَعْرِضُ من المصالح.\nالمسألة السادسة: ما يُصرف للْقسام للْعقار بين الخصوم وغير ذلك مما يشبهه كالترجمان بين يدي الحاكم، كلها أرزاق لا إجارة، إذ تجْري عليها احْكام الارزاق لا أحْكامُ الاجارات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>القاعدة السابعة:\nفي الفرق بين تمليك الانتفاع وتمليك المنفعة</span>. (٢٧)\nفاعلم أن تمليك الانتفاع نريد به أن يباشِر هو بنفسه فقط، وتمليكُ المنفعة أعم وأشْمَلُ، فيباشِرُ بنفسه، ويمكن غيرَه من الانتفاع بعوض كالاجارة، وبغير عوض كالعارية.\nمثال الأول سكنى المدارس والرُّبطِ (٢٨) والحبُسِ والجوامع والأسواق ومواضع\nالنُّسُكِ كالمطاف والمسْعى ونحو ذلك، فهذه المواضع ينتفع بها المُمَلَّك بنفسه\nفقط، وليس له أن يواجِر غيرَه أو يعاوِضه بطريق من طرق المعاوضة.\n_________\n(٢٥) كذا في نسخة ع. وهو ما عند القرافي. وفي نسختي ح، وت، وهذا يختص به، والأولى أظهر.\n(٢٦) كذا في نسختي ع، وت. وهُوَ ما عند القرافي، وفي نسخة ح: وأما ما يورث عن الوالي، وما في النسخة الأولى وعند القرافي أظهر.\n(٢٧) هي موضوع الفرق الثلاثين بين القاعدتين المذكورتين\". جـ ١. ص ١٨٧.\nقال عنه أبو القاسم ابن الشاط في أوله: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح ظاهر.\n(٢٨) الربط جمع رباط، ويراد بها هنا: الحصون والأماكن المخصصة لنزول الجيش. ورباطه فيها أثناء تحركه وتنقُله بين مدن واقاليم القطر والبلد، ويطْلَق ويراد به المَعاهِدُ المُعَدَّةُ للطلبة، والاماكنُ المعَدَّة لنزول الفقراء والضعفاء، واجتماعِهم على الذكر فيها مثل الزاوية.","vol":"2","page":184},{"text":"ومثال الثاني كمن استاجر دارًا أو استعارها فله أن يُسكِنَها غيرَه بأي وجهٍ أراد، ويتصرف في هذه المنفعة تصرف المُلَّاك في أملاكهم، وهو تمليكٌ مطلَق، لكنه في زمن خاص، وتمليك هذه المنفعة كتمليك الرقاب.\nوها هنا أربعُ مسائلَ:\nالمسألة الأولى: النكاح من باب تمليك الانتفاع لا تمليكِ المنفعة، إذْ ليسَ له أن يُمَكّن غيره من تلك المنفعة، ولا هو مالك لِلْمنفعة ولا البُضْع، ولكنه ملَك أن ينتفع خاصة.\nالمسألة الثانية: الوكالة بغيرِ عوض، من باب تمليك الانتفاع لا تمليك المنفعة، وأمّا الوكالة بعوض فيمْلِك بها المنفعةَ، إذ هي إجارةٌ، فلهُ بيْعُ ما ملك، ويمكِّنُ منه غيرَه ما لم يكن الموَكَّلُ عليه لا يَقبَل البدَل.\nالمسألة الثالثة: القِرَاضُ يقتضي عقدُهُ أنّ ربَّ المال مَلَك من العامل الانتفاع لا المنفعة، بدليل أنهُ ليس له إلا أن يقتصر على الانتفاع بنفسه على الوجه الذي اقتضاه عند القراض، وكذلك المُساقاة والمغَارسَة، وأمّا مِلْك العامل في القراض والمساقاة فهذا مِلْكُ عيْنٍ لا مِلْكُ منْفَعَة ولا انتفاع، وتلك العَيْنُ هي ما خرج من ثمرهِ أوْ ما يَحْصُلُ من رِبْح في القِراض.\nالمسألة الرابعة: إذا وقف وقْفًا على أن يُسْكَن أو على السُّكنى ولم يزد على ذلك، فظاهر اللفظ أن الواقف إنما ملَّكَ الموقوفَ عليه الانتفاعَ بالسكنى دون المنفعة، فليس له أن يُسكِنُه غيرَه بوجه من الوجوهِ، وهذا من حيث إنه إِذا صدَرَتْ صيغةٌ وشكَكْنا في مقتضاها هل هي تمليك الانتفاع أو المنفعةِ حملناها على أقل الرُّتَبِ (٢٩) وذلك الانتفاعُ، وكان هذا من حيث إن الاصل بقاءُ الاملاك\n_________\n(٢٩) وذلك استصحابا لِلأصْل في الملك السابق، وعلى هذه القاعدة مسائل في المذهب كما قال القرافي ﵀.","vol":"2","page":185},{"text":"على أربابها ولا تنتقل عنهم إلا ببيانٍ، لكنه إذا كانت هناك عادةٌ فيما فيه تمليكُ الانتفاع من حيث اللفظ، عمِلنا أيضا بحسب العادة، وهذا كالمدارس يجوز أن يُسْكِنَ المُمَلَّك إيّاهُ غيرَه المدةَ اليسيرة، ولا يجوز المدةَ الكثيرةَ، فالعادة جرَتْ أن الضيف يَرِدُ على الساكن بالمدرسة ويُنزله في بيت له فيها، وصاحب الوقف يعرف هذا، واستمرت به العادة، فكان ذلك دليلا على سمْح الواقف في مثل هذا لا في أزيَدَ منه، ومثْلُ هذا أن يختزن في البيتِ الشىِء اليسير لا الكثير.\nومِثْلُ هذا، الضيفُ، لَيْس له أن يعْطِىَ غيْرَهُ من ذلك الطعام إلّا ما جرت به العادة مثلُ السَنَّوْر. ومثل هذا حُصُرُ الوقف ليْس له أن يعطيها ولكن يفرشها، وكذلك زيتُ الوقيدِ ليس له أن ياكله، وهذا وإن كان قد مَلك عيْنه لا منفعتَه فهو من الشيء الذي قُصِرَ على شيء خاص، فلا يَخْرُجُ عن ذلك إلا بعادة كانت معروفةً إن كانت، والله أعلمُ.\nقلت: ولْنذْكُرْ مسائل تليق بكتاب الاجارة وهي ثلاث (٣٠):\nالمسألة الأولى. قال مالك: يجوز إجارة المدَبَّرِ ولا يجوز إجارة أم الولد، والكُّلُ ممنوع من بيعه، فلِمَ كان ذلك؟ .\nفالجوابُ أنَّ عِتْق أم الولد أقوى ما بيّنّاه، ويكفى في ذلك أن البطْلان يتوجَّهُ إلى عتق المدَبَّر (٣١) دون أمِّ الولد، وأيضا فعتْقُ أمِّ الولد يتنجَّزُ على الحال، وإنما بقي\n_________\n(٣٠) هذه المسائل الثلاث هي مما أضافهُ الشيخ البقوري إلي كتاب شيخه القرافي رحمهما الله\n(٣١) كذا في نسخة ع، وفي ت: يتوجَّهُ نحوَ المُدَبَّر.\nوالعبْدُ المدَبَّرُ بفتح الدال والباء والمشددة، هو العبد الذي يقول له السيد في عقدٍ معه: أنت حرٌّ عن دُبُر منى (اي أنت حرٌّ عند إدباري عن الدنيا وإقبالي على الآخرة بالوفاة)، ونفس الشيء بالنسبة للمدبَّرة، ولذلك يكون العبد في هذه الحالة فيه شائبة حرية، فالتدبير عقد من العقود بين العبدِ وسيده، يجب الوفاء به كباقي العقود .. الخ\nوأم الولد هي الأمَة يطأهَا سيدها بملك اليمين فَتَلِدُ معه، فيحرم عليه حينئذ بيعُها وهبتُها والمعاوَضَةُ على رقبتها أو على خدمتها، وتكون حرة بعد وفاة سيدها (مالِكِها). أنظر تفاصيل هذهِ الاحكام المتعلقة بالعتق في الكتب الفقهية، ومنها كتاب المقدمات لابن رشد الجد، فإنه اُبان تلك الاحكام بتدقيق وتفصيل، ﵀ وجزاه خيرًا.","vol":"2","page":186},{"text":"له فيها المنفعة، والمدَبَّر (٣٢) خلاف ذلك، فحكمُه حكم الوصية في كثير من أحكامه.\nالمسألة الثانية: قال مالك: إذا أخطأ الدليلُ كان له أجرتُه، وإذا غَرِقت السفينة فلا أجرة، والمقصودُ في الجميع البلوغ، فلِمَ كان هذا الفرق؟ .\nفالجواب أن أجرة الدليل إنما هي أجرة على اجتهاد موجود، والاجتهاد موجود في حال الخطأ كوجوده حالة الإِصابة، إذ ليس عليه أكثر من الاجتهاد، ولهذا كان المُصَلي لغير القِبْلة عن اجتهاد كالمصلي لها، (٣٣)، وأما الأجرة في السفينة فهى على حصول المنفعة، فإذا بطلت المنفعة تعذر استحقاق الأجر، والله أعلم.\nالمسألة، الثالثة. قال مالك: لا بأس بجذاذ النخل على أن لِلعامل رُبعَ الثمرة أو جزءًا منها، قَلَّ أوْ كثُرَ، ولا يجوز ذلك في نفض الزيتون، وفي كلا الموضعيْن هي إجارةٌ بجزءٍ من الثمرة، فلم كان هذا؟\nفالجواب أن ثمرة النخل معروفة، وما يُجَذُّ منها معلوم، فجازتْ الاجارة بجُزْءٍ منها، لأن الاجارة حينئذ تكون معلومة، وليس كذلك الزيتون، فإنه غير معلوم، فتكون الاجرة غير معلومة، فافترقا.\n_________\n(٣٣) أي فصلاتُهُ صحيحة، غير أنه إذا تبين له الخطأ في استقبال القبلة، ولم يخرج الوقت الضروري للصلاة بعد، تستحب له إعادتها، فإن تبين له الخطأ بعد خروج وقتها هذا لا تستحبّ له الاعادة. قال الشيخ خليل هنا ﵀: وإنَ تبَّين خطأ بصلاة، قطَعَ غيرُ أعمَى ومنحرف يسيرًا فيستقبلانها، وبَعْدَها أعاد في الوقت المختار\".","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>الضمان</span>\nوفيه قاعدتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>القاعدة الأولى:\nنقرر فيها ما بِهِ يكون الضمان</span>، (١) فأقول:\nإعْلَمْ أن أسباب الضمان في الشريعة ثلاثة أشياء لا رابعَ لها:\nأحدها العُدْوان، كالقتل والإحراق وهدْم الدُّور وأكل الأطعمةِ، وغيرِ ذلك من الأسباب لِتلَف الأموال الممَوَّلات، فيجبُ الضمانُ بذلك، (٢) والمضمونُ المِثْلُ إن كان مِثْلِيًّا، أو القيمةُ إن كان لا مِثْلَ له، أو غيرُ ذلك من الجوابر على ما تقدم في قاعدةِ الفرق بين الزواجر والجوابر.\nوثانيها التسبُّبُ للإِتلاف، كحفْر بئر في طريق حيوانٍ (٣) يحْفرها غيرُ مالِكِها، أو مالِكُها إذا قصَدَ تلف الحيوان بها.\nوأمثلة السبب كثيرة، ولكنها منها متّفَقٌ عليه، ومنهَا مخَتَلَفٌ فيه كتقْطيع الوثيقة بالحق، مالك يقول بالضمان لمَا فيها، والشافعي لا يَرَى إلا بضمانِ ثمَن الورقة خاصة.\n_________\n(١) هي موضوع الفرق السابع عشر والمائتين بين قاعدة ما يوجب الضمان وقاعدة ما لا يوجبه\". جـ ٤. ص ٢٧. وهذا الفرق مع طوله نسبيا لم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط ﵀.\n(٢) في نسخة ح: يجب بدون الفاء، وفي نسخة ت: فتوجب الضمان لذلك.\n(٣) كذا في نسختى ع، وت، وفي نسخة ح: في طريق الجواز يحفرها غير مالكها.\nوعبارة القرافي هنا ﵀ هي قوله: وثانيها التسَبُّبُ في الإِتلاف كحفر بئر في موضع لم يوذَنْ فيه، ووضْعِ السموم في الاطعمة، ووقود النار بقرب الزرع أو الأندَرِ، ونحو ذلك مما شأنَهُ في العادة أن يُفضىَ غالبا للإتلاف.","vol":"2","page":188},{"text":"وثالِثُها وضعُ الْيَد التي ليست بمؤتَمَنَةٍ. وقَوْلِى: ليست بمؤْتَمَنَة، خيرٌ من قولى: اليدُ العادية (٤) فإن العادية تختص بالسُّرَّاقِ والغُصَّابِ ونحوهم، وتَبقى الموجِبة للضمان بغير عدْوانٍ، بل بإذن المالك، كقبض المشترى للمبيع بيعًا فاسدا فيُتْلِفُهُ أو يَتْلفُ بآفة سماوية عند مالك، أو بحوالَةِ الأسواق. ووضْعُ اليد عند مالكٍ في الاجارة يختلفُ، فهو عنده على الأمانة كالقراض والوديعة والمساقاة، وأيدي الأوصياء على أموال الايتام والحكام على ذلك، وأموال الغائبين والمجانين، فهذه لا ضمان فيها.\nوخرج مِن الإِجارة صورتانِ قال بالضمانِ فيهما:\nالواحدة: الأجِيرُ الذي يؤَثِّر بصنعته في الأعيان كالخَيَّاط والصَّباغ والقصَّارِ، (٥) لأنَّ السلعة إذا تغيَّرت بصنعتها لا يعرفها ربُّها إذا وجَدَها قد بيعت في الأسواق، فكان الأصلحُ للناس تضمينَ الأجراء في ذلك، وهو من باب الاستحسان (٦)، ولم يَرَهُ الشافعى، بل طردَ قاعدة الأمانة في الإجارة.\n_________\n(٤) العادية: الجائرة الظالمة، المعتدية، مِن الفعل، عدا عليه يعْدو إذا جار عليه وطغى واعتدى وتَجَبَّر. ويقال: عَدا في سَيره يعدُو عدْوًا بمعنى أسرع.\nومن الاول قول جعفر بن أبي طالب ﵁ أمام النجاشي ملك الحبشة لما هاجر إليها. جمعٌ من الصحابة رضوان الله عليهم الهجرَة الأولى إلى الحبشة، فرارًا بدينهم وعقيدتهم من تضييق المشركين عليهم وإذايتهم للمسلمين: قال جعفر: فَعَدَا علينا قومُنا وجاروا علينا، فخرجنا مهاجرين الي أرضك\".\nومن المعنى الثاني قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. سورة الأنعام. الآية ١٠٨. فهى تحتمل العدْوَ بمعنى السرعة، وبمعنى الجهل والاعتداء، كما ذكره بعض المفسرين، ﵏.\n(٥) القصار هكذا بصيغة المبالغة يطلق على من يغسل الثياب ويُبَيِّضُهَا، وخاصة ثياب الصوف والأغطية منه، حيث يحررها ويرخيها، كما هو معروف من هذه الحِرفة والصناعة.\n(٦) قال العلامة أبو الوليد ابن رشد ﵀ في كتابه المقدمات:\n\"الأصلُ في الصُّناع ألَّا ضمانَ عليهم وأنهم مؤتمَنون، لأنهم أجراء، وقد أسقط النبيُّ - ﷺ - الضمان عن الأجراء في الائتمان، وضمَّنوهم نظرا واجتهادا، لضرورة الناس إلى استعمالهم. فلو علِموا أنهم يؤتَمنون ولا يضمنون، ويُصَدَّقون فيما يدَّعون من التلف لَتَسَارعوا إلى أخذ أموال الناس واجْتَرأوا على أكلها، فكان ذلك ذريعة إلى إتلاف الأموال وإهلاكها، وللحِقَ أربابَ السلع في\nذلك ضرر شديد، لأنهم بين أن يدفعوها إليهم فيُعَرضوها للهلاك، أو يمسكوها مع حاجتهم إلي استعمالها فيضر ذلك بهم، إذ لا يُحْسِنُ كلُّ أحد أن يخيط ثوبه ويعمل جميع ما يحتاج إلى","vol":"2","page":189},{"text":"الثانية: الأجيرُ على حمْل الطعام الذي تتشوف النفوس إلى تناوله كالفواكه والأشربة والأطعمة المطبوخة، والشافعي طَرَدَ ما قاله في الاجارة كما قلنا قبل هذا، فَلم يقُلْ بالضمان في شيءٍ أصْلًا من هذا الباب، أعنِى بابَ الاجارة، وقد تقدم في الاجارة ذِكْر الصورتيْن، فهذا ما به يقعُ الضمان.\nفإذا اجتمع سَبَبَاَنِ: المباشِرُ والسببُ من جهتينَ غُلِّبَ المباشرُ فكان الضمان به، كَمَنْ حفر بئرًا ليقع فيها حيوان، فجاء آخَرُ وألْقاه فيها (٧)، الضَّمان على الذي ألقاه لا على الحافِرِ، لأن شأن الشريعة تقديمُ الرَّاجح، إلا أن يكون المباشِرُ مامورًا كقْتلِ المكرَه، فإن القصاصَ يجب عليهما، أو يجبُ على المسبِّب وحده دون المباشِر كشهود زور فينَفِّذُ الحاكم الحكومة ثم يعترفون، فالضمانُ على الشهود دون الحاكم، ووقع في الباب مسائلُ كثيرة مختلَفٌ فيها، والقاعدة هي ما قرّرنا في أسباب الضمان وعدمه، والله أعلم.\nقلت: وذَكَرَ شهاب الدين -﵀- فرقا آخَرَ وهو هذا بعينه، لكنه زاد فيه مسألتين، رأيت ذكْرَ المسألتين فقط هنا مع شيء يسير من الخلاف الواقع بين الفقهاء لا غيرُ.\nمن الخلاف أولًا أنّ أبا حنيفة لا يرى أن السبَبَ يوجب الضمان إلّا في الزِّرّ إذا حلّه فيَبْدُو ما فيه، وأمّا غيْرُ هذه الصورة كفتْح قَفَصٍ فيه طائر فيطيرُ، لا ضمان عنده فيه ولا في غيره إلّا ما ذُكر. ومالِكٌ يرى الضمان في هذا وفي\n_________\n= استعماله، فكان هذا من الامور العامة الغالبة التي تجب مراعاتها والنظرُ فيها للفريقين جميعا، فكان الحض في دفعها إليهم على التضمين حتى إذا عُلِمَ إهلاكها بالبينة من غيرِ تضييع، لم يَضمنوا، لإزالة الضرر عنهم، كما إذا لم يُعلم الهلاك والتلف ضمِنوا، لإزالة الضرر عن أهل الاموال، هذا قول مالك ﵀ أنهم ضامنون لِما غابوا عليه وادعَوا تلفه ولم يُعلَم ذلك إلا بقولهم، ولا ضمانَ عليهمِ فيما ثبت ضياعه بالبينة من غير تضييع. وتابَعه على ذلك جميع اصحابه إلا أشهبَ، فإنه ضمنهم وإن قامت البينة على التلف، وكذلك الرهن عنده، قياسا على العارية أنها مؤدّاة، للحديث. وللفقيه العلامة الشهير المالكي الحسن بن رحال المعدني التدلاوي: مخطوط صغير مفيد في موضوع تضمين الصناع، تحت رقم ١٤١٨ د. خ. ع بالرباط.\n(٧) في جميع النسخ أعيد الضمير على البئر بصيغة المذكر، مع أنها مؤنث المعنى، وهو ما عند القرافي، ومنه: \"بئر معطَّلَة\"، في قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥].","vol":"2","page":190},{"text":"غيره، فيقول بالضمان للطائر مطلقا، سواءٌ طار عقب الفتح أو بعْدَ ذلك، والشافعي يقول: إن طَارَ عقِبَ الفتح ضِمنَ وإِلا فَلَا.\nلنا أن هذه الصورة سببُ الإتلاف عادةً فتُوجبُ الضمان كسائر صُوَرِ التسَبُّبِ المجمع عليها (٨).\nاحتجوا بأنها إذا اجتمع المسبِّب والمباشِر اعتُبِرتْ المباشَرَةُ دونه، والطيرُ مباشِرٌ باختياره لحركة نفسِهِ، والحيوان قصْدُه معتبَر، بدليل جوارح الصّيْد، إن أمسكت لنفْسها لَا يُوكَلُ، أو للصائد أُكِلَ.\nوالجواب لا نُسَلِّمُ أن الطير كان مختارًا للطيران، ولعَلَّه كان مختارًا للإقامة، لانتظار العَلف أو خوف الجوارح، وانما طار خوفا من الفاتح، وإذا احتمل هذا والسببُ معلومٌ، فيضاف الضمان إليه، كحافر البئر يقع فيها حيوان مع إمكان اختياره لنزولها. (٩) ولا نسلِّم أن الصيد لا يُوكل إذا أكَل منه الجارحُ، (١٠) سلمناه،\n_________\n(٨) فرق القرافي هنا ﵀ بين السبب والتسبب فقال في حد كل واحد منهما وتعريفه بالسبب ما يقال عادة: حصل الهلاك به من غير توسط، والتسبب ما يحصل الهلاك عندهُ بعلة اخرى إذا كان السببُ هو المقتضيَ لوقوع الفعل تلك العلة، كحفر البئر في محل، عدوانا، فيتردى فيها بهيمة أو غيرها، فإن أرْداها غير الحافر فالضمان عليه دون الحافر، تقديما للمباشِر على التسبب، ثم قال: ويضمن المُكْرَهُ على إتلاف المال، لأن الإكراه سبب وفاتح القفص بغير إذن ربه، فيطير ما فيه حتى لا يُقدَرَ عليه، والذي يحُلَّ دابة من رباطها أو عبدا مقيدا خوف الهرب فيهرب، لأنه متسبب، كان الطيران أو الهرب عقب الفتح والحلّ أم لا.\n(٩) قال القرافي هنا: وأما القاء غير الحافر للبئر انسانا، أو القاؤه هو نفسه في البِئر، فالفرق أنَّ قصد الطائر ونحوه ضعيف، لقوله - ﷺ -: \"جَرْحُ العجماء جُبَارُ\"، والآدميُّ يضمن، قصدَ أو لم يَقصِدْ، فهذا هو تقرير قاعدة ما يوجب الضمان وقاعدة ما لا يوجبه. والعجماء، الحيوان، ويجمع على عجماوات.\n(١٠) الجارح، وجَمْعُه جوارح، المراد به: الكلب أو الصقْر الباز المعَلَّم والمدرَّب على اصطياد الصيد من الطير ونحوه، والإتيان به لصاحبه حين اصطياده، وقد يجرح ذلك الكلبُ المعلَّم والبازي ذلك الصيد المصطادَ وينالُ منه بمخلبه، وظفرْه، فيوكل ذلك الصيد إذا كان مما يباح اكله شرعا، وذكَر صاحِبُه اسمَ الله عليه عند ارسال الكلب (والبازي للصيد والاتيان به). وإلى ذلك تشير الآية الكريمة في قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].\nوأحكام وتفاصيل هذا الموضوع مبسوطة في كتب التفسير وشروح الحديث والمؤلفات الفقهية.","vol":"2","page":191},{"text":"لكن الضمان متعلق بالسبَب الذي تَوَصَّلَ به الطائرُ لقصده، كمن أرسَلَ بازيًا على طائر غيره فقتله البازي باختياره، فإنَّ المُرْسِل يَضْمَنُ. وهذه المسألة تنقض اختيار الحيوان.\nوأيْضا لا نسلِم أن الفتح سببٌ مجردٌ، بل هو في معنى المباشرَة، لِما في طبع الحيوان من النُّفورِ من الآدَمي.\nوها هنا مسألتان: (١١)\nالمسألة الأولى: متى يضمن الغاصب؟\nفعندنا يومَ الغصب، وعند الشافعي يعتبر الأحوال كلها فيضمن أعْلى القيمة.\nوتظهر فائدة الخلاف إذا غصَبها ضعيفة مُشَوَّهَةً معِيبَة بأنواع من العيوب فزالت تلك العيوبُ عنده، فعندنا القيمةَ الأولى، وعنده الثانية، لاعْتِبَارِه الأعلى.\nولنا قاعدة أصولية، وهي أن ترتب الحكم على الوصف يدُلَّ على عِلّية ذلك الوصف لذلك الحكم (١٢)، ورسولُ الله - ﷺ - قد رتَّب الضمانَ على الأخذ باليد، فيكونُ الأخذ هو سببَ الضمانِ، فمن ادَّعى غيرَه سببًا فعليه الدليل. وقوله أيضا ﵇: \"على اليد ما أخذَتْ حتى تردَّه\" (١٣) يدل على سببية الأخذ، وهو في أثناء الغصب لا يصْدُق عليه أنه أخَذَ الآن، بل أخذ فيما مضى، فوجَب أن يختَص السَّبَبُ بما مضى.\n_________\n(١١) هذه الجملة والعبارة ناقصة في جميع النسخ الثلاث المعتمدة في حقيق وتصحيح هذا الكتاب من ترتيب الفروق للبقوري، ع، ح، ت. مذكورة هنا عند القرافي. وهي ضرورية للتمهيد للمسألة الاولى المتفرعة عن المسألتين ولربطها معهما حيث قال: وها هنا مسألتان: المسألة الأولى: إذا قلنا بالضمان فالضمان على الغاصب يوم الغصب دون ما بعده ... الح.\n(١٢) مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، وكذا قوله سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فعِلة الحكم بالقطع هي السرقة، وبالجلد هي الزنى، وهي مستفادة من الوصف بالسارق والزاني.\n(١٣) أخرجه الأئمة: احمد بن حنبل، وأبو داود، والحاكم، وصححه، عن سَمُرة ﵁. وأورَدَه السيد سابق في كتابه (فقه السنة) بلفظ \"حتى تؤديه\"، وهي بمعنى حتى ترده. أي على اليد ضمانُ ما أخذتْ من غيرِها بالغصب والقوة حتى ترده إلى صاحبه كما هو وكما أخَذَتْهُ ..","vol":"2","page":192},{"text":"ولنا قاعدة أخرى أصولية فقهية، وهي أن الأصل توقُّفُ المسبَّبات على أسبابها من غير تراخٍ، فترتَّبَ الضمان حِينَ وضع اليد لا بعد ذلك، والمضمون لا يُضمَن، لأنه تحصيل الحاصل.\nاحتجوا بأن الغاصب في كل وقت مامورٌ بالرَّد، فهو مامورٌ بردّ الزيادة، وما رَدَّها، فيكون غاصِبًا لها فيضمنها. وأيضا فإن الزيادة نشأت على مِلكه وفي مِلكه، فتكون مِلْكَهُ ويدُ العُدْوان عليها، فتكون مغصوبة، فتُضْمَن كالعَيْن المغصوبة، ولأنه في الحمالة الثانية ظالمٌ، والظلْمُ عِلَّة الضمان، فيضمن.\nوالجواب عن الكل أنا لَا نسلم أنها سبب الضمان بل سبَبُه وَضْع اليد. هكا يقتضي لفظ صاحب الشرعِ صلوات الله عليه، وأفْهَمَ أن غيرَ وضع اليد ليس بسبب، فلابُدَّ من دليل على المسألةِ، غَيْرِ ما ذكرناه، وما ذكرتموه لا دليل فيه.\nالمسألة الثانية: إذا ذهب جُلُّ منفعة العين كمن قطع ذَنَب بغلة القاضي ونحو ذلك، فعندنا يضمن الجميع، وهو فرعٌ اختلَفَ فيه المذهب وتشعَّبَت فيه الآراء وطرُق الاجتهاد، فقال أبو حنيفة في الثوب والعبد كقولنا في الأكثر، فإن ذهب الصِف أو الأقَل باعتبار القيمة عادةً فليس له إلا ما نقصَ. وقال الشافعي وابن حنبل: ليس له في الجميع إلّا ما نقصَ، لأن الأصل بقاءُ ما بَقي على مِلكه، فإن قُطِع يَدا العبد أو رِجْلاه، فوافقَنَا أبو حنيفة في تخيير السيد في تسْليم العبد وأخْذِ القيمة كاملةً، وبَيْنَ إمساكه ولا شيء له. وقال الشافعي: تَتَعَينُ القيمة كاملةً، خلاف قوله في المسألة الأولى، وهذا لأن الضمان الذي هو سبب العدوان لا يوجب مِلْكًا، لأنه سببُ التغليظ لا سببُ الرِّفْق. وعندنا المِلكُ يضاف للضمان لا لسببه، وهو قدْرٌ مشتَرَكٌ بين العُدْوان وغيره.\nواعْلَم أن النقص عند العلماء على ثلاثة أقسام: تارةً يُذهب العَيْن بالكُلية، فله طلب القيمة اتفاقا، وتارة يكون النقص يَسيرًا فليس له إلزامُ القيمة اتفاقا، وتارة يكون الذاهب مُخِلا بالمقصود، فهو مَحَل الخلاف. وقال الشيخ أبو الحسنِ اللخمى: التَّعدِّي أقسام: يسِيرٌ لا يُبطل الغرضَ المقصود منه، ويسيرٌ","vol":"2","page":193},{"text":"يبطله، وكذلك كثير لا يُبْطل المقصود، كثيرٌ يُبْطله، فهذه أربعة أقسام متقابلة.\nأمّا القِسْم الأولُ وهو اليسير الذي يبطل المقصود فلا يضمن العين، وكذلك الكبير الذي لا يبطل المقصود وهو القسم الثالث، وأمّا القسْم الرابع فيخَيَّرُ فيه كما تقدم. وعلى القول بتضْمينه القيمةَ إذا أراد ربُّهُ أخْذَهُ وما نقصَه فذلك له عند مالك وابنِ القاسم. وقال محمد: لا شيء له، لأنهُ ملَك أن يضمنه فامتنع بذلك رضًا بنقصه.\nوأمّا القسم الثاني، وهو اليسير الذي يُبطِلُ المقصود عادةً، فذلك يقتضي تضمينه كما تقدم في ذنَبِ بَغْلةِ القاضي، قال: ويستوي في ذلك المركوبات والملبوسات، هذا هو المشهور.\nوعن مالك لا يضمنُ بذلك. وفرَّق ابن حبيب بين الذَنَبِ فيَضمَنُ، وبيْن الأذُنِ فلا يَضمنُ، لاختلاف السببيْن في ذلك. واتفقوا في حوالة الاسواق (١٣ م) على عدم التضمين، لأنها رغَبات الناس، فالنقص في رغبات الناس لا في المقصود.\n_________\n(١٣ م) حوالة الاسواق كَلمة يراد بها في الاصطلاح والتعْبير الفقهي تَحَوُّل أثمان السلع في الأسواق، وتغَيُّرُ قِيمها بالارتفاع والانخفاض، والزيادة والنقصان فيها، تبعا لمرور الوقت وفارِقِ الزمن، وتبعا للجودة والرداءة، وللوفرة والقلة في السلعة، وهو في معْنى ما يُعَبَّرُ عنه في الاصطلاح الاقتصادي والقانون الوضعي بقانون العرض والطلب، أو غير ذلك من العوامل والأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي يكون لها أثر على تغير الاسواق وعلى حوالتها من حال إلى حال، زيادة أو نقصًا.\nويقال: حال بينه وبين الشيء إذا فصَل بينهما، ومنه الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].\nوالكلمة هنا ماخوذة ومشتقة لغويا من مادَّة الفعل الثلاثي اللازم حالَ الشيْء يحوُل إذا تغَير عما كان عليه، وانتقَل من حال إلى حال. ومنه البيت الوارد في قصيدة غزلية للشاعر الاسلامي الشهير عمر بن أبي ربيعة القرشي المخزومي تحمل عنوان أول بيت في مطلعهما: \"أمِنْ آل نُعْمٍ\"، والتي يقول في الابيات الأوائل منها.","vol":"2","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>القاعدة الثانية: فيما يتعلق بالصائِل </span>(١٤) فأقول:\nدفْعهُ إن أدّى إلى هلاكه لا ضمان يتعلق به إذا كان القصد الدفع فقط، والموجِبُ لإِسقاط الضمان، العدوانُ.\nثمّ إن الدافع إن كان قد اختُصَّ بإسقاط الضمان هنا فله أيضا خاصة أخرى، وهي أن الدفع لا يتعيَّن عليه، بل له الخِيَارُ في ترْك الدفع، أو الدفعِ، ولا إثمَ عليه في ترْك الدفع وإن آل إلى قتله، بل هو الأرجح في بعض المواضع، وذلك إذا كان في دفعِهِ بالقتل فتنةٌ عامة وموتُ خَلْقٍ. وهذا المعنى الذي صار إليه عثمانُ ﵁، وإن لم يكن الامرُ كذلك فالامر على السواء، أو يقال: يُؤثر أيضا تركُ الدفع، فهذا الذي اختاره أحدُ ابنَيْ آدم، وهو الظاهر من إطلاق\n_________\nأمنْ آل نُعْمٍ أنتَ غادٍ فَمُبْكِرٌ ... غداةَ غد أم رائِحٌ فَمُهَجِّرُ\nلحاجة نفس لم تَقُلْ في جوابها ... فتُبلِغَ عذْرًا والمقالةُ تُعْذِرُ\nتهيم إلى نُعْمٍ فلا الشمل جامعٌ ... ولا االحبلُ موصول ولا القلب مُقْصِرُ\nقفي فانظُري أسماءُ هل تعرفينه ... أهذا المغيرىُّ الذي كان يُذكَرُ\nأهذا الذي أطريتِ نعْتًا فلم أكن ... وعيشِكِ أنساه إلى يَوْمَ أقْبَرُ\nفقالت: نعَم، لاشَكَّ غَيَّرَ لوْنَهُ ... سُرَي الليل يُحْيي نَصَّهُ والتَّهَجُّرُ\nلئن كان إيّاه لقد حَالَ بَعْدنا ... عن العَهْد، والانسانُ قد يتغَيَّرُ\n(١٤) هي موضوع الفرق السابع والاربعين والمائتين بين قاعدة الإتلاف بالصِّيَال وبرين قاعدة الإتلاف بغيره\" جـ ٤ ص.١٨٣.\nوالصِيَالُ على وزن فِعَال مصدر صال عليه يصول صولا وصيالا، وصُؤولة وصَيلانا، إذا سطا عليه وقهره. والصَّيَّال بفتح الصاد والياء مبالغة وإن كان الاصل والقياس في مثل هذا الفعل الواوي العين أن يقال عند المبالغة منه صَوَّام وقَوَّام، على حدّ قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ولم يعلق الشيخ ابن الشاط بشيء على هذا الفرق عند القرافي. وممّا جاء في أوله قوله: \"إعلم أن الصَّيَّالَ يختص بنوع من إسقاط اعتبار إتلافه، بسبب عداهُ وعدوانه، ويَقوَىَ الضمانُ في غيره على مُتلفه لِعَدم المسْقط، وله خصيصة أخْري، وهي أن الساكت عن الدفع عن نفسه حتي يُقتَلَ لا يُعَدُّ آثما وقاتلا لنفسه، بخلاف ما لو مَنَعَ من نفسه طعامها وشرابها حتى مات فإنه آثم، قاتلٌ لنفسه، ولَوْ لَمْ يمنع عنها الصائلَ من الآدميين لم يأثم بعد ذلك.","vol":"2","page":195},{"text":"النبي - ﷺ - في قوله: \"كُن عبد الله، المقتوَل، ولا تكنْ عبد الله القاتل\" (١٥).\nووافقنَا الشافعيُّ أنه لا يَضمن الفحلَ الصائل، (١٦) والمجنونَ والصغيره وقال أبو حنيفة: يباحُ له الدفعُ ويَضمن، واتفقوا إذا كان ذميًّا بالغا عاقلا أنهُ لا يَضمن.\nلنا وجوه:\nالأول أن الأصل عدم الضمان. الثاني القياس على الآدمي، الثالث القياس على الدابة المعروفة بالأذَى أنها تُقْتَلُ ولا تُضمَنُ إجْماعا.\n_________\n(١٥) عبارة القرافي هنا هي قولُهُ: ومستَنَدُ ترك الدفع عن النفس (أيْ في حالة الصِّيالِ) ما في الصحيح عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فذكر ذلك الحديث، ولقصة ابنيْ آدَمَ إذْ قَرَّبَا قُرْبانًا فتُقُبِّل من أحدهما ولمْ يُتقَبلْ من الآخَر\"، وقد سبقت الإِشارة إلى هذا قريبا. في التعليق ١٣، من القاعده ٥ في الاجارة.\n(١٦) المراد بالفحل -كما هو معروف- الذكرُ من كل حيوان، في مقابلة الآنثى منه، فقد يَحْدُث أن يخرج فحل الحيوان أو أنثاه من الابل أو الخيل أو البقر مثلا عن طوره وحاله المعتاد، فيباغت الانسان ويهاجمه، ويريد أن يؤدي بحياته، كما يقع ذلك من الانسان الصائل البالغ العاقل، أوْ من الصغير والمجنون ومختل العقل، فأذِنَ الشرع للانسان في هذه الحالة: والموقف الصعب بالدفاع عن نفسه وحياته، وعن عِرضه وأهله وماله، بما لديه من قوة ووسائل ممكنة، لما لهذه الاشياء من مكانة كبيرة وحرمة عظيمة في الاسلام، وعند الله تعالى، جعلتها من المقاصد الضرورية التي جآت بحفظها ووقايتها من المَهَالك والاخطار كل ملة وشريعة ربانية، ولذلكم جاء في الحديث الصحيح المشهور: \"مَنْ قُتِلَ دون نفسه (أي دفاعا عنها) فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد\". أورده الامام السيوطي في الجامع الصغير، نقلا له عن الائمة: احمد بن حنبل وبعضِ اصحاب السنن، وروايةً له عن سعيد بن زيد، رحم الله الجميع. وما أَدَقَّ وألْطَفَ قول الإِمام محمد بن سعيد البوصيري الصنهاجي ﵀ في هذا المعني، وهو يتحدَّثُ في قصيدته البُرْدة في مدح خير البرية عن القرآن الكريم، ومعجزته الخالده التي أعجزت بُلَغاء العرب في تحدٍّ لهم بكيفية مستمرة إلى يوم الدين.\nرَدَّتْ بلاغتُها دعوى معارضها ... ردَّ الغَيُور يَدَ الجاني عن الحُرَمِ\nلها معانٍ كموج البَحْر في مَدَدٍ ... وفوق جوهره في الحُسْنِ والقِيَمِ\nفَمَا تُعَدُّو ولا تُحْصَى عجائِبُها ... ولا تُسَامُ على الإِكثار بالسَّأمِ\nقرَّت بها عَيْنُ قاريها فقلت له ... لقد ظفرتَ بحبل الله فاعتصِمِ\nوفي هذه الأبيات إشارة إلى حديث الامام الترمذي عن الحارث ﵁، والذي جاء فيه وصْفٌ جليل وَذكر لفضائلِ القرآن: \"هو حبْل الله، المتينُ، وهو الصراطُ الستقيم، هو الذي لا تَزيغ به الأهواءُ، ولا تلتبس به الألسنةُ، ولا يَشبَع منه العلماءُ، ولا يخلَقُ على كثر الرد، ولا تنقضى عجائبه\". (أي لا يبلى على كثرة تلاوته، ولا تسامه النفوس على كثرة قرآته، بل تزداد شوقا وتأثرا واهتداء به. وإن علماء المسلمين يكتشفون دائما أسراره، ويدركون أحكامه ومقاصده. ويتذوق المومنون حلاوته وطلاوته).","vol":"2","page":196},{"text":"واحتجُّوا بوجوه:\nالأول أن مُدْرَكَ عدَم الضمان، إنَّما هو إذْنُ المالك لَا جوازُ الفعل، لأنه لَوْ أذِن له في قتل عبدهِ لا يضمَن، ولوْ أكلَه لمجاعة ضَمِنَهُ.\nالثاني أن الآدمي له قصد واختيار، فلذلك لم يَضمَنْ، والبهيمة لا اختيار لها.\nالثالث قوله ﵇: \"جَرْحُ العجماء جُبَارٌ\" (١٧)، وذلِكَ يقتضي نفْيَ الضمان فيها.\nالجواب عن الأول أن الضمان يتوقف على عدم جواز الفعل، بدليل أن الصائل (١٨) إذا صال على محرَّم لم يَضمَنْهُ.\nوعن الثاني أنَّ البهِيمة لها اختيار اعتبره الشرع، وذلك ظاهر في باب الصيْد.\nوعن الثالث أن الهدْر (١٩) يقتضي عدم الضمان مُطلقا، وأنتم لا تقولون به.\n_________\n(١٧) عباز القرافي هنا وردتْ بنفس الصيغة، ولمْ يذكر من اخرجه، وهو حديث صحيح أخرجه أئمة الحديث: مالِك في الموطأ والبخاري ومسلم والترمذي ﵏، عن أبي هريرة ﵁. ومعنى الحديث ومدلوُلهُ أن ما ترتكبه الحيواناتُ العجمَاءُ من إفساد وإتلاف للغرس أو الزرع المملوك لغير صاحبها فهو جُبارٌ على وزن غَراب، أيْ هو هدَرٌ لا ضمان فيه على مالكها، مَا لمْ يكن معها ويقصِّرْ في ضبطها ورعْيها، وإلا فعليه الضمان، كما سياتي بعدُ في مسألة الماشية إذا أفسدتْ شيئا من الزرع بالنهار أو بالليل، وانظر هذا الحديث في شروحه الوفيرة.\n(١٨) في نسخة، ع وح: الصيد، وهو ما في كتاب الفروق عند القرافي، ولعله خطأ في النسخ ترك المعنى غامضا وغيرَ واضح، وفي نسخة ت: الصائل وهو الصواب فيما يظهر، بدليل الفعل الآتي بعده من مادته، وهو قوله: إذا صال على: محرَّم. وبهذا التصحيح ينكشف المعنى ويتضح جليا، ويزول الغموض والتوقُّف عنده للاستيضاح، فلِيتأمل ذلك ولْيُحَقَّقْ، والله أعلم.\n(١٩) الهدْر بسكون الدال وفتحها، مصدر هدر الدمَ يهدُره بضم الدال كسرها في المضارع، ويقال أهدره إذا أباحه وأبطل ضمانه والمؤاخذةَ عليه بالقصاص والدية، وهو أمر مشروع في حالة الدفاع عن النفس والعرْض والمال، ومن حق الإِمام السلطان في شأن من ثبت إجرامُه وجنايته على المسلمين، وترويعه لِأمْنِهِمْ وراحتهم واطمئنانهم إذا فرَّ ولم يقع التمكن منه، لإقامة القِصاص عليه، فقد جعل الله القصاص الشرعي وسيلة للْحياة الآمنة للناس، مصداقا لقول الله تعالى: =","vol":"2","page":197},{"text":"مسألة: الماشية إن أفسدتْ شيئا بالنهار حين إرسالها للرَّعي وانفلاتها فلا ضمان في ذلك، إلا أن يكون صاحِبها معها فلا يمنعُها، ويتركُها لذلك الفساد، وما افسدتْه بالليل فيه الضمان. وقال الشافعي: هذا في الزرع، ليْلًا كان أو نهارًا.\nولَنا وجوه:\nالأول أنه قضاء سليمانَ ﵇، إذْ النفْش رَعْيُ الليل (٢٠).\nالثاني أنه فرّط فيضمن كما لو كان حاضرا.\nالثالث أن (٢١) بالنهار يمكن التحفظ دون الليل، فلذلك كان الضمان فيه دون النهار. وقد اعتبرتم ذلك في قولكم: إن رَمتْ الدابة حَصَاةً كبيرة فأصابت\n_________\n= ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وفي الحديث الصحيح عن عمرانَ بن حُصَيْن ﵁ أن رجلا عضَّ يدَ رجُل، فنزع يدَهُ من فمه، فوقعَت ثنِيَّتاه، أي (سقطتا) فاختصَموا إلى النبي - ﷺ -، فقال: يعَض احدُكم أخاه كما يعض الفحْلُ، لا دِيةَ لك\".\nوقد ثبت أن النبي - ﷺ - كان أهدر دم كعب ابن زهير لتجرؤه على هجْو النبي - ﷺ -، فلما علِم كعْبٌ بذلك وأراد الله به خيرا جاء إلى الرسول - ﷺ - معتذرا وتائبا مستغفرا، معلنا اسلامه وإيمانه بالله ورسوله ودين الاسلام، ونظم في ذلك قصيدته المشهورة: \"بانتْ سعاد\"، فعفا عنه النبي - ﷺ - وخلع عليه بردته الشريفة، وكان مما جاء في هذه القصيدة الرائعة قوله:\nأنبِئتُ أن رسول الله أوعَدني ... والعفْو عند رسول الله مأمول\nوقد أتيت رَسُولَ الله معتذرا ... والعذر عند رسول الله مقبول\nمَهْلا هداك الذي اعطاك نافلة الـ ... ـقرآن فيها هو مواعيظ وتفصيل\nلَا تاخُذَنَّي بأقوال الوُشاة ولم ... أذنِبْ وقد كثُرتْ فِيَّ الأقاويلُ\nإلى أن قال:\nإن الرسول لَسَيْفٌ يستضاء به ... مهنَّدٌ من سيوف الله مسْلول ..\n(٢٠) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ (اي رعتْ فيه)، وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ سورة الانبياء الآية ٧٨ - ٧٩.\n(٢١) كذا في نسختي ع، وح. وفي نسخة ت أنه بذكر الضمير، وهو ما عند القرافي. وهو أظهر وأصوبُ، حيث لا تدخل أنَّ على الفعل مباشرة، وانما تدخل على المبتدأ والخبر، وهنا في مثل هذه العبارة تكون مخفَفَةً ويكون ضميرها ضمير الشأن، فيعود على ما بعده ويفسره ما بعده من الجملة والكلام الذي يكون خبرا لها، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ سورة النجم. ٣٩. وكما جاء عند ابن مالك في ألفيته:\n\"وإن تخفَّفْ أن فاسْمُها استكَنْ ... والخبرَ اجْعَلْ جملةً مِن بَعْدَ أنْ =","vol":"2","page":198},{"text":"انسانا، ضَمن الراكب، بخلاف الصغيرة، لأن الصغيرة لا يمكنه التحفظ منها، ويتحفّظ من الكبيرة بالتنكب عنها.\nاحتجوا بوجوه:\nالأول قوله ﵊: \"جَرْحُ العجماء جُبَارٌ\".\nالثاني القياس على النهار. وما ذكرتموه في الفرق بالحراسة باطل، لأنه لا فرق بين من حفِظ ماله فأتلفه إنسان أو أهمله فأتلفه، أنه يضمن في الوجهين.\nالثالث القياس على جناية الانسان على نفسه وماله، وجنايته على أهل الحرب أو مالِهِمْ.\nوالجواب عن الأول أن الجَرْحَ عندنا جُبَارٌ، (أي هَدَرٌ)، وإنما النزاع في غير الجرح. وقد اتفقنا على تضمين السائق والراكب.\nوِعن الثاني الفرق المتقدم. وعن الثالث أنه قياس خَالَف الآية. وأيضا فهو بالليل مفَرّط، وبالنهار ليس مُفرّطًا.\nسؤال في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ يقتضي أن حكمه كان أقربٌ إلى الصواب، مع أن حكم داود ﵇ لو وقع في شرْعنا أمْضيناه، لأن قيمة الزرع يجوز أن تُوخَذ فيها غَنَم، لأن صاحبها مفْلِسٌ مثلا، وغيرُ ذلك، وأمّا حكم سليمان ﵇ لو وقع في شرعنا من بعض القضاة ما أمضيناه، لأنه إيجابٌ لقيمةٍ مؤجَّلَةٍ، ولا يلزم ذلك صاحبَ الحرْثِ، لأن الأصل في القيَم الحلولُ إذا وجبتْ في الاتلافات، ولأنه إحالة على أعيان لا يجوز بيعها، وما لا يُبَاع لا يُعاوَضُ به في القيم، فُلزم أحدُ الأمرين: إما أن لا تكون شريعتنا أعمَّ في المصالح (*)، أو يكون\n_________\n= وهو من الحالات التي يعود فيها الضمير على ما بعده، إذ الاصل في ضمير الغائب أن يعود على ما قبله، كما هو معروف، وإلى تلك الحالات يشير الناظم لها بقوله.\nوعَوْدُ مُضمِرَ على ما بعْدَه .... لفظًا ورتْبةَ فحصِّلْ عَدَّهُ\nفي مضمر الشأن ورُبَّ والبدَل ... نعْمَ وبئسَ وتنَازعِ العَمَلْ\nوأمثلتها تكفّلتْ بها كتب النحو، كما سبقت الإشارة اليه والتذكير به في محله من الجزء الاول من هذا الكتاب، وفي هذه المسألة للمناسَبة.\n(*) كذا في جميع النسخ الثلاث لترتيب الفروق. وعند القرافي هنا: \"إمّا ان تكون شريعتنا أتَمَّ في المصالحِ أكمل الشرائع\" بالإثبات، ولعل ما هنا عند البقوري بالنفي أصْوَبُ وأنْسَب في المعنى المراد، فليتأمل ذلك وليُحَقَّقْ للتاكد من الصواب ووجهه بالنسبة للعبارتيْن معًا، وَلْيُرْجَعْ فيه إلى التفاسير عند هذه الآية الكريمة والتي قبلها من سورة الأنبياء: ٧٩، ٧٨.","vol":"2","page":199},{"text":"داود ﵇ فهِمَ دون سليمان ﵇، وظاهر الآية خلافه، وهذا موضع مشكل.\nووجْهُ الجواب أن المصلحة التي أشار إليها سليمان ﵇ يجوز أن تكون أعمّ باعتبار ذلك الزمن، بأن تكون مصلحة زَمانهم كانت تقتضي ألا تَخْرُجَ عيْنُ مال الانسان من يده، إمّا لقلة الأعيان، وإما لعدم ضرر الحاجة، وتكون المصلحة الأخرى باعتبار زماننا أتَمَّ، فيعْتَبر الحكْم.\nقلت: ولْنَذْكر هنا خمْس مسائل: (٢٢)\nالمسألة الأولى: قال مالك: مَن استهلك شيئا ممّا يكال أو يوزن كان عليه مِثلُه، وإن استَهلك شيئا من العُروض كان عليه قيمتُه، فلِمَ كان هذا التفريق؟\nفالجواب أن ما استُهلك لابد فيه مِن بدَل، فإذا كان ممّا له مِثْلٌ كان أقربَ في معنى البدل الواجب، لأنه أسهَلُ من القيمة، فالقيمة تحتاج إلى اجتهاد، فما صِيرَ إلى القيمة إلَّا لتعذر المِثل الذي هو أسْهَلُ وأحَقُّ في معنى البدلية.\nالمسألة الثانية: قال مالك: إذا جَنى الغاصب على العين المغصوبة جِنايةً، فإن رَّبَّها مَخَيّرٌ بين أخذِها وأخذِ ما نقصَتْهُ بجنايته، وإذا أصابها أمرٌ من السماء أو غيرُ ذلك من غير فعل الغاصب فربُّها مخيَّرٌ، إن شاء أخَذَها ناقِصة، وإن شاء لم يأخذْها، فلم كان هذا؟ .\nفالجواب أنه إذا كانت الجناية من فعل الغاصب فقد تَعدَّى، فوجَبَ أن يوخَذ بتعدِّيه كما لو تعدَّى غيرُ الغاصب، وإذا كانت الجناية من غيرِ فعْله لم يُوجَدْ\n_________\n(٢٢) هذه المسائل الخمسة هي مما أضافه الشيخ البقوري هنا إلى كتاب شيخه القرافي رحمهما الله، ويوجد منها في نسخة الخزانة العامة مسألتان، بينما توجد المسائل الخمس كلها في كل من نسختى الخزانة الحسنية، ح والخزانه التونسية ت.\nوهذه المسائل الاضافية عند البقوري تدل على مدى تمكنه من هذا العلم في القواعد والفروع والاطلاع الواسع على كتبه ومولفاته الوفيرة.","vol":"2","page":200},{"text":"منه تعَدٍّ، والعَينُ المغصوبة قائمةٌ، فوجبَ أن يكون ربّها مخيَّرًا، كما ذَكَرَ مالك ﵀.\nالمسألة الثالثة: إذا غصب دابة فعَجِفتْ (٢٣) كان ذلك فوْتًا، وإذا غصب عبدًا فعَجِفَ لم يكن ذلك فوتا، والكل عَجْفٌ في حيوان، فلِمَ كان ذلك؟ .\nفالجواب أن الدواب إنما ترَادُ للقوة، لأن الغرض منها الحمل، والرقيق ليس كذلك.\n_________\n(٢٣) عجفت الدابة بكسر الجيم وضمها إذا ضعفت وذهب سِمَنها، فهى عجفاء، وعجف الدابة يفتح الجيم، ويعجفها بضمه وكسره، وأعجفها إذا أهْزلَها، وصارت هزيلة في يده بسبب النقص والتفريط في رعيها وإطعامها وعلفها.\nومن المعنى الأول حديث البَرَاء بن عازب أن النبي - ﷺ - سُئِل ماذا يُتَّقَى من الضحايا؟ فقال: أربعٌ: العرجاءُ البيِّن ظَلْعُها، والعوراءُ البيِّن عوَرُها، والمريضة البيِّنُ مرَضُها، والعجفَاءُ التي لا تُنْقِى\" اى الهزيلة التي لا شحم ولا مخ فيها.\nومن ذلك قول الامام شرف الدين: محمد البوصيري في قصيدته الهمزية في مدح خيْر البرية، وهو يتحدث عن رضاع النبي - ﷺ - في آل سعدٍ من حليمة السعدية ﵂، وعما أظهر الله لها من خيرات ومعجزاتِ في شياهها وأرضِها، وما صارت عليه الارض المتصلة بمسكنها من خصْب، والشياهُ من امتلاء ضرع، بفضل ارضاعها للنبي - ﷺ - وبركاته، فقال البوصيري في ذلك ﵀:\nوبَدَتْ في رضاعه معجزات ... ليس فيها عن العيون خَفاءُ\nإذ أبَتْهُ ليُتْمِهِ مِرْضِعات ... قلْنَ ما في اليتيم عَنَّا غَنَاءُ\nفأتتْهُ من آل سعدٍ فَتاةٌ ... قدْ ابَتْها لفقرها الرضعَاء\nأرْضعَتْه لبانها فسَقَتْها ... وبنيهَا ألبانَهُن الشَّاءُ\nاصبحت شُؤالًا عجافًا وأمست ... ماَ بها شائِلٌ ولا عجفاءُ\nأخصَبَ العَيشُ عندها بعْدَ مَحْل ... إذْ غدا للنبي منها غِذَاءُ\nيا لهَا مِنَّةً لقد ضوعفَ الاجْـ ... ـر عليها من جِنْسِهَا والجزَاءُ\nوإذا سخَّرَ الالاهُ أناسًا ... لِسَعيدٍ فإنهمْ سعداءُ،\nحبةٌ أنبَتتْ سنابلَ والعصْـ ... ـفُ لديهِ يستشرفُ الضعفاءُ","vol":"2","page":201},{"text":"المسألة الرابعة: إذا غصَب رجلٌ خلخاليْن فكسرهما فليس عليه إلَّا ما نقص الكسْرُ فقط، سواء كانتْ (٢٤) فضة أو ذهبا، وإذا غصب دنانير أو دراهم فكسَرَهَا، فربُّها مخَّير، إن شاء ألزمه مثلَها، وإن شاء أخذها كذلك، ولا يلزَمُهُ ما نقَصَ الكسرُ، والكلّ ذهبٌ وفضة كُسِرت على وجْهِ التعدي.\nفالجوابْ أن الحَلي يُقتنَى لأجْل منفعته، فإذا اتْلَفَ ذلك الصنعةُ. (٢٥) وجبَ عليه بدلُها ليصِل ربُّها إلى غرضه كما لو أتْلَف عليه طَسْتًا، وليس كذلك الدينار والدراهم، لأنها لا تُتَّخَذُ لصنعتها وإنما تُتخَذُ لأعيانها، فإذا أتلفَ العيْنَ (٢٦) وجب أن يكون على الجاني مثلُها.\nالمسألة الخامسة: مَن غصَبَ دارا أو أرضا فسكن الدارَ وزرع الارض فعليه أجرُ ما انتفع به، وإذا غصَبَ دابة أو عبدًا فاستغل ذلك فلا شيء عليه، فلِم كان هذا؟ .\n_________\n(٢٤) كذا في جميع النسخ، وكان مقتضى قواعد اللغة، ومقتضى التناسب أنَ يقال: سواء كانا بالتثنية، ليعود الضمير على الخصمين، ولعله خطأ في النسخ، أو يراد بالضمير مادَّتهما، التي تكون فضة أو ذهبا، أو يرَاد اعتبارُ أن اقل الجمع اثنان، على رأى من يقول بذلك من النحاة، على حدّ قوله تعالى \"هذان خصمان اختصموا في ربهم\" سورة الحج، الآية ١٩.\n(٢٥) كذا في ح: وفي ت: \"فالجواب أن الحلي، يقتنَى لصنعته، واذا اختلفت تلك الصنعة وجبَ عليه بَدلها.\n(٢٦) كذا في ح، وفي ت: فإذا تلِفتْ عليه العيْنُ\".","vol":"2","page":202},{"text":"فالجواب أن الحيوانَ لا يبقى على حالة واحدة لسرعة التغير إليه، فَجُعِل فيه الخراجُ بالضمان (٢٧)، والدُّور والارضُون (٢٨) لا تكاد تتغيَّر مع القرب، فلم يكن فيها الخراجُ بالضمان، لأن الغالب سقوط الضمان فيها، والله تعالى أعْلَمُ، وبه التوفيق.\n_________\n(٢٧) \"الخراجُ بالضمان\" هو نص حديث أخرجه ائمة السنة والحديث: احمد بن حنبل، واَصحاب السنن، وصححه الترمذي، وهو مروي عن عائشة أم المؤمنين ﵂.\nوفقه الحديث ومعناه أن الفائدة التي تاتي من المبيع، ويستفيذها المشتري لنفسه تكونُ من حقه، بسبب ضمانه لذلك المبيع لو تلِف عنده، ولم يتم البيع، فلَوْ اشترى بهيمة واستغلها أيامًا ثم ظهر بها عيب سابق على البيع بقول أهل الخبرة، فله حق الفسخ، وله الحق في ذلك الاستغلال بالركوب أو الحرث، أو استدرار اللبن ونحو ذلك دون أن يرْجع عليه البائعُ بشيء.\nوجاء في بعض الروايات، بيانا لهذا الامر والمعنى، أن رجلا ابتاع (أي اشترى) غلاما (اي اشترى عبدا مملوكا من مالكه)، ثم وجد به عيبًا فردَّه بالعَيْب، فقال البائع: غَلَّةُ عبدي (اي أعطني ثمن خدمته وأجْرها)، فقال النبي - ﷺ -: \"الغَلَّةُ بالضمان\"، أي غَلَّة العبد وخدمته تلك المدة هي من حق المشتري بسبب أنه ضامن المَبيع لو تلف عنده أوضاع او نحو ذلك.\n(٢٨) الارضون، جمع أرض وهي مثل السماء، كلمة مؤنث المعنى، وفي القرآن الكريم: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ \"والسماءَ رفعَهَا\" وجُمعتْ جمع مذكر سالم، إلحاقا لها بالمفرد المذكر العاقل الذي يُجمَعُ هذا الجمعَ، سواءٌ كان عَلَمَا أو صفةً، كما ألحِقتْ به كلمات أخرىَ، وفي ذلك يقول العلامة: محمد ابن مالك الاندلسى الجيَّانِي ﵀ في الفيته النحوية الشهيرة.\nوارفَعْ بواو، وبيَا اجررْ وانصب ... سَالِمَ جَمْعِ عامِر وَمُذنِب\nوشبْه ذَيْن وبه عشرُونَ ... وبابُهُ ألحِقَ والاهلُونا\nأُملُو، وعالَمُونَ عليُّوِنا ... وأرَضون شَذَّ والسِّنونَا","vol":"2","page":203},{"text":"القسمةُ، والمسَاقاةُ، والقِراضُ، والمرافقُ، والإِحيَاء، والتوكيل، واللّقَطَةُ، والإِقرار، (١) والاستحقاق، وفي ذلك ثمانُ قواعد:\nالقاعدة الأولى في بيان ما يَقْبَلُ القِسْمة: (٢)\nإعْلَمْ أن الذي يقبل القسمة ما عَرِىَ (٣) عن أربعة أشياءَ:\n_________\n(١) كذا في نسخة ح، وت، وفي نسخة ع: الإبراءُ، والصواب الإقرار، لأنه هو الذي وقع الكلام عنه في قاعدة خاصة به ضِمن قواعد هذا الباب.\nوقد تناولت كتب فقه السنة، كتب الفقه والفروع على اختلاف مذاهبها - حدودَ وتعاريف هذه الابواب، وتفصيل أحكامها بتوسع وبيان فَلْيُرْجَع إليها في أبوابها ومظانها.\nومن المعلوم أن اشهر من تناول حدود الأبواب الفقهية، وخَصَّهَا بتعاريف دقيقة جامعة لتعريف الباب، مانعة من دخول غيره معه، هو العلامة الشهير والمحقق الكبير، أحد أعلام المذهب المالكي، أبو عبد الله محمد بن عرفة التونسي، المتوفى سنة ثلاث وثمانمائة (٨٠٣) ﵀، وذلك فى كتابه الذائع الصيت، والمعروف عند الفقهاء بحدود ابن عرفة.\nونظرًا لدقة تعبيرها وصعوبة فهم تعاريفِها غالبا، فقد يسَّر الله وقيضَ لَهَا من يقوم بشرحها نطقا ومفهوما، ذلكم هو العلامة الجليل والفقيه الكبير الإِمام ابو عبد الله، محمد المشهور بالرصاع، فجاء شرحه مفيدا نافعا، مبسِّطا لتلك التعاريف وموضِحا لها لفظا ومعنى، جعل العلماء يقبلون عليه ويعتمدونه فيها.\nولأهميته ونُدْرته فقد طُبع طبعة جديدة مصحَّحة في جزء واحد كبير من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية بالملكة المغربية في رمضان ١٤١٢ هـ موافق ١٩٩٢، ووجَد إقبالا كبيرا عليه من أهل العلم والفقه والقضاء، بالمغرب وغيره من البلاد العربية والاسلامية.\n(٢) هي موضوع \"الفرق الخامسَ عشر والمائتين بين قاعدة ما يَقبل القِسمة وقاعدة مالا يقبلها\". - ٤. ص ٢٦. وهو من الفروق القصيرة عند القرافي، ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط، فربهما الله جميعا.\n(٣) عرِيَ الانسانُ أو المكان عن الشيء يعْرَى كرضي يرضَى إذا تجرد عنه أو نزَعه وخَلا منه، ومن ذلك الآيةُ الكريمة في قوله تعالى خطابا لآدم ﵇، وهو في الجنة قبل أن يوسوس اليه الشيطان فيها، ويُزِلَّه عنها ويخرجَه منها: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. سورة طه. الآية ١١٨ - ١١٩. ويقال: عَرَاه الامْرُ يعروه ويَعريه إذا نزل به وشعُرَ به، ومن ذلك على سبيل المثال قول الشاعر الاسلامي أبي صخْر الهذَلي، من شعراءِ العصر الاموي في قصيدته الغزلية الرائعة اللطيفة الشهيرة الموجودة في الدواوين الأدبية الكبرى والتي يقول في مطلعها:\nلِلَيْلَى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذاتِ البَيْنَ آياتها سطر (سفر)\nإلى أن يقول فيها: =","vol":"2","page":204},{"text":"الغرر كمشروعية (٤) القرعة في المختلفات، فإن الغرَرَ يعْظُمُ.\nالثاني الربا، كقسمة الثمار بشرط التاخير إلى الطِّيبِ، لما يدخله من بيع الطعام بالطعام غيرَ معلوم التماثل، إذْ القسمة بيع، فإنْ تَباينَ الجنس الواحد بالجودةِ والرداءة ففى جوازه بالقرعة قولان، حكاهما اللخمي.\nالثالث إضاعة المال، كالياقوتة.\n_________\nوَاني لتعروني لذكراك هزَّةٌ ... كما انتفضَ العصفورُ بلَّله القَطْرُ\nومن رواية للبيت عند أبي الْفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني: \"وإني لتعروني لذكراك فترة\"، وكذا في شواهد المغْنِي لجلال الدين السيوطي ﵀.\nولكلمة العرو هنا تفسير ومعنى آخر في دواوين الادب والشعر كالاغاني للاصبهاني ﵀.\n(٤) كذا في ع، وفي ح: كشريعة القرعة، وفي المختلفات، بزيادة الواو، وفي كتاب الفروق مثل ما في نسخة ع هكذا \"كمشروعية القرعة في المختلفات\". وهو ما في تهذيب الفروق كذلك للشيخ محمد علي حيث قال ﵀: والمقسوم نوعان: الاول رقاب الاموال، والثاني الرقاب، وهما إما قابلان للقسمة بالقرعة، وإمّا غيْرُ قابليْن لها، فما لا يقبلها أحد امور أربعة: ما في قسْمِه الغرر كمشروعية القرعة في المختلِفات فإن الغرر يَعْظُمُ. والمختلفات إمّا من الرباع، وما في العروض، وإما ممّا يكال أو يوزَنُ، فقال ابن رشد الحفيد ﵀ في بدايته: لا خلاف في انه لا يُجْمَعُ بين أنواع الرباع المختلفة، مثل أن يكون منها دُور، ومنها حوائط، ومنها ارض في القسمة بالسّهمة، وإن كانتْ من العروض، فقال التسولي على العاصمية: \"وليس لهم أن يجعلوا البقر مثلا في ناحية العقار، او الابِل التي تعادلها في القيمة في ناحية ويقترعون، لأن القرعة لا يجمع فيها بين جنسيْن ولا بين نوعيْن مختلفين على المشهور، لما في ذلك من الغرر. اهـ الخ.\nوعلى كل يَبقى شيء من الاستشكال في هذا العبارة يجْعَلُها غير واضحة المعنى، ذلك- والله أعلما بالصواب - أن كلمة مشروعية في النسخ كلها وعند القرافي وفي تهذيب الفروق لا تنسجم ولا تلتقي كونها في سياق التمثيل لما لا يقبل القسمة، فلعلَّ كلمة المشرعية كتبت خطأ في النَّسْخ والطبع محل كلمة قسمة، وإن كان ذلك مزدوجا، لوجودها كذلك في هذا الفرق وفي تهذيب الفروق، بدليل ما ياتي في المثال الثاني الممنوع وهو قوله: كقسمة الثمار بشرط التاخير، فهو تشبيه فيما تمتنع القسمة فيه، لأنه يؤدي إلى الربا ولا يَعْرَى منه. وكذلك قسمة القرعة في المختلفات هي ممتنعة لما تؤدي اليه من الغرر الكبير، فتكون هذه القسمة غير مشروعة، حسبما تبادر إلى الفهم.\nويوضح ذلك ما ذكره الفقهاء ونصوا عليه في الكتب الفقهية، أن القسمة نوعان: قسمة الرقاب وقسمة المنافع. وقسمة الرقاب على ثلاثة اوجه:\nأحَدُهَا قسمة قرْعة بعد تقويم وتعديل (وهي التي تهمنا هنا) وهي قسمة يوجبُها الحَكَم ويجبِرُ عليها من أباها فيما ينقسم، ولا تصح الّا فيما تماثَلَ أو تجانسَ من الاصول والعروض والحيوان لا فيما اختلفَ وتباينَ من ذلك، ولا في شيء من الكيل والموزون. =","vol":"2","page":205},{"text":"الرابع لحق آدمي (٥) كالحمّام والخشبة والثوب، فهذا القَسْمُ يجوز بالتراضي، لأن للآدمي إسقاطَ حقّهِ، بخلاف حق الله وإضاعةِ المال.\nومنع أبُو حنيفة والشافعي وأحمد قسمة ما فيه ضررٌ أو تغيير نوع المقسوم، ومنع أبو حنيفة قَسْم الرقيق، وأجازه الشافعي. واحتج أبو حنيفة بأن منافعه مختلفة بالفعل والشجاعة وغيرهما، فلا يمكن فيه التعْديل.\nجوابه لو امتنع تعديله لامتنع بيعه وتقويمه، لأنهما مبنيان على معرفة القيم، والله تعالى أعلم، وبه التوفيق.\n_________\n= والوجه الثاني قسمة المراضاة بعد التقوم والتعديل، فتصح في الجنس الواحد وفي الاجناس المختلفة المتباينة، وفي المكيل والوزون إلا فيما كان منه صنفا واحدا مدَّخرًا لا يجوز فيه التفاضل.\nوأما قسمة المراضاة بغير تعديل ولا تقويم فلا اختلاف أنها بيع من البيوع في جميع الاحكام. وأما قسمة المنافع فإنها لا تجوز بالقرعة على مذهب ابن القاسم، ولا يجْبَرُ عليها من أباها، ولا تكون الا على المراضاة والمهايَأة، والمهايأة إما بالازمان، كأن يتراضيا على أن يسكن أحدهما الدار او يحرث الارض مدةً من الزمن، والآخَرُ كذلك، وإما بالاعيان كان يسكن احدهما دارًا او يحرث ارضا، ويسكن الآخرُ دارا او يحرث أرضا أخرى.\nوالقسمة تعتبر من العقود اللازمة ان وقعَتْ بوجه صحيح سليم، فلا يكون بعد ذلك لأحد الشركاء المتقاسمين نقضها ولَا الرجوعُ عنها الا بما يقتضي ذلك مما لم يكن معلوما حين القسمة كما نص عليه الفقهاء بتفصيل، في المقدمات لابن رشد الجد، وفي غيره من المؤلفات الفقهية.\n(٥) تأمل الكلام على هذا الشرط الرابع، فلعله يحتاج إلى توقف واستيضاح بالنسبة لما قبله من الشروط.\nوتوضحهُ عبارة تهذيب الفروق حيث جاء فيه قَوْلُهُ: القسم الثالث ما كان في قسْمه إضاعة الْمال، لحق الله تعالى، كقَسْم الياقوتة.\nالرابع: ما كان في قسمه إضاعة المال، لحق آدمي، كقسم الدار اللطيفة، والحمّام والخشبة، والمصراعيْن (البابين). قال الاصل، أي القرافي في كتابه الفروق: ويكون إضاعة المال في هذا الأمر لحق آدمي يجوز عندنا قسمُهُ بالتراضي، لأن للآدمي إسقاط حقه، بخلاف حق الله تعالي في إضاعة المال وغيره. ومنعَ أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل قَسْمَ ما فيه ضرر، أو تغيُّر نوع المقسوم. وانظر منظومة التحفة لابن عاصم فيما يتعلق بأحكام القسمة ومختصر الشيخ خليل وغيْرهما لاستيضاح مسائلها وبيان احكامها التفصيلية.","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>القاعدة الثانية: ما يجوز التوكيل فيه مما لا يجوز</span>. (٦)\nإعْلَمْ أن الأفعال قسمان: منها مالا تحصل مصلحتُه الا بالمباشرةَ، فلا يجوز التوكيل فيها، لفوات المصلحة بالتوكيل، كالعبادة ومصلحة الوطء، ومقصودُ الأيمَان واللعانِ اظهارُ الصِدق في الدعوى، وحَلِفُ زيد ليس دليلا على صدق عَمْرو، وكذلك الشهادة مقصودها الْوُثُوقُ بعدالة المتحمِّلِ، وذلك لا يَحْصُل إذا أدَّى غَيْرُه. ومقصودُ المعاصى إعدامُها فلا يُشرع التوكيل فيها، لأن شرع التوكيل فيها فرْعُ تقريرها شرعا.\nوضابطُ الفرق أن مقصود الفعل متى كان يحْصُلُ من الوكيل كما يحصل من الموّكل، وهو مما يجوزُ الإِقدام عليه، جازتْ الوكالة فيه، وإلَّا فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>القاعدة الثالثة: في الفرق بين الأملاك الناشئة عن الإِحياء وبين الاملاك الناشئة عن غَير الإِحياء</span>. (٧)\nوالمعروفُ عندنا أن المِلكً الناشيء عن الإِحياء إذا مات وذهب الإِحياءُ عنه كان لغيره أن يُحييَه ويَملِكه. وقال سحنون والشافعي: لا يزول الملك للذي أحياه أولا، واستدلوا على هذا بأشياء:\n_________\n(٦) هي موضوع الفرق السادس عشر والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: جـ ٤. ص ٢٦. وهو من أقصر الفروق القصيرة عند الامام القرافي، حيث لم يستغرق الكلامَ فيه أكثرَ من تسعة سطور، ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابو القاسم ابن الشاط ﵀.\nقال القرافي هنا: ومصلحة الوطء الإعفاف وتحصيل ولد يُنسبُ إليه، وذلك لا يحصل للموكل، بخلاف عقد النكاحِ، لأن مقصود تحقيق سبب الاباحة، وهو يتحقق من الوكيل. ومقصود الْأيمان كلها واللعان إظهار الصدق فيما ادَّعى.\n(٧) هي موضوع الفرق الثالث عشر والمائتين بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٤. ص ١٨، قال في أوله القرافي ﵀: \"إعلم أن هذا الموضع مشكل على مذهبنا في ظاهر الامر، فإن الإِحياء عندنا إذا ذهبَ ذهبَ المِلْكُ، وكان لغيره أن يُحْيِيَه، ويصيرُ مواتا كما كان الخ ...","vol":"2","page":207},{"text":"مِنْها قوله - ﷺ -: \"مَنْ أحْيَى أرضا ميتة فهي له\" (٨)، فجَعَل ﵇ المِلْك له، والاصلُ عدمُ إبْطاله، واستصحابُ مِلْكِه. (٩)\nالثاني قياس الإِحياء على البيع والهبةِ وسائر أسباب التمليك.\nالثالث القياس على مَن تَمَلكَ لُقَطةً ثم ضاعت منه، فإنَّ عوْدها إلى حال الإِسقاط لا يُسقِط مِلْكَ متملِّكها.\nوالجواب عن الأول أن الحديث يدل لنا، بسَبب أن القاعدة أن ترتب الحكم على الوصفِ يدل على عِلّيّة ذلك الوصف لذلك الحكم، وقد رتَّب المِلك على وصف الإِحياء، فيكون الإِحياء سببَاَ له وعِلَّتَه، والحكم ينتفي لانتفاء علته، فَيَبْطُلُ المِلْك بهذا الحديث. (١٠)\nقلت: مُطْلُقُ الإِحياء هو عِلَّةُ الحكم لا دَوامِه، وقد حصل وما انتفَى، والذي انتفى دوامُهُ، وليس هو العِلَّه. (١١)\n_________\n(٨) رواه أصحاب السنن: أبو داود والنسائي والترمذى، وقال: إنه حسن. وفي معناه حديث عائشة ﵂: \"من أعْمرَ أرضا ليست لأحد فهو أحقُّ\"، رواهُ الامام البخاري ﵀. والارض الميتة. كما سبق، يراد بها في الحديث والفقه الارضُ التي ليستْ مِلْكا لأحد، ولا حريما لِملك معْمور بالبناء أو الزرع أوْ الغرس، وليست للمنفعة العامة كمحل اجتماع الناس في سُوقٍ ونحوه، والإِحياء او الإِعمار يكون بما جرى به العرف بين الناس من زرع وغرس وتحويط وبناء في الأرض إستصلاحها وتسويتها لذلك .. الخ.\n(٩) قال ابن الشاط هنا: ما قاله القرافي حكاية أقوال واحتجاج، ولا كلام في ذلك.\n(١٠) علق ابن الشاط على هذا الكلام بقوله: \"أما القاعدتان فمسَلّمتان وصحيحتان، ولكن لا يلزَم ما قالهُ من بطلان هذا الحكم، لأن الإِحياء قد ثبت فترتب عليه مسبَّبُه ولم يَرْتفع الإِحياء، ولا يصح ارتفاعُه، لأن ذلك من باب ارتفاع الواقع وهو محال، وإنما مغزاه أن الإِحياء لم يستمرَّ، وذلك غير لازم في الأسباب كلها، فإن المِلْك المرتَّب على الشراء او على الارث او على الهبة لم تستمرَّ أسبابُهُ، فكان يلزم على قياس قوله، متَى غفل الانسان عن تجديد شراءِ مشتراه، أن ييطُل مِلْكُه عليه، وذلك باطل قطعا، فجوابه هذا غير صحيح.\n(١١) قول: هذا التعقيب يبدو متقاربا ومتوافقا مع تعليق ابن الشاط. رحم الله الجميع، فليتأمل في ذلك.","vol":"2","page":208},{"text":"قال شهاب الدين: سلَّمْنا ما قلتم، غيرَ أنَّ قوله ﵇: \"فهي له\" لفظ يقتضي مطلق المِلك، فإن \"لَهُ\" ليس من صِيغ العموم، بل دَليلٌ على أصل ثبوت المِلك، ونحن نقول بموجبه. فإذَن إنما ثَبَت مطلَقُ الملك زمنَ الإِحياء، وإنما يحصل مقصود الخصم أنْ لَوْ اقتضَى الحديثُ المِلكَ على وجْهِ الدوام، وليس كذلك (١٢).\nقلت: إذا ثَبت المِلك له بتثبيتِ الشارع فأصلُهُ أن ييقى له حتى يدل دليل على زواله عنه.\nقال شهاب الدين: وعن الثاني، الفرقُ بأن الإِحياء سبب فِعْل تُمْلَك به المباحاتُ، وهو سببٌ ضعيف لِوُرُودِه على غير ملكٍ سابق (١٣).\nوعن الثالث أن تَملُّكَ الملتقِط ورَد على ما تقدمَ فيه المِلك، وتَقَرر، فكان تأثير السبب فيه أقوى. ويؤكّده أن الاسباب القولية ونحوها تَرفع مِلك الغير كالبيع ونحوه، فهي في غاية القوة. وأما الفعل بمجرده فليس له قوةُ رفع ملك الغير، بل ييْطل ذلك الفعل كمَن بَنَى في ملك غيره (١٤).\nقلت: وكذا من باع مِلك غيره لا أثر له، والأظهر ما قاله سحنون.\n_________\n(١٢) علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام والاستدلال عند القرافي بقوله: ما قاله من أن الحديث لا يقتضي المِلك بِوصْفِ الدَّوام صحيح، ولكن هنا قاعدة شرعية، وهَي أن المِلك يدومُ بعد ثبوت سبَبه إلَا أن يلزمه ما يناقضه\". وهذا التعقيب في مضمونه ومحتواه هو ما نجده كذلك في تعقيب الشيخ البقوري على كلام القرافي وتصويبه، رحم الله الجميع.\n(١٣) قال ابن الشاط معلقا على هذا الجواب: ما قاله دعوى يقابَلُ بمثلها، بأن يقال:\nإن الاسباب القولية هي الضعيفة، لورودها على مِلك سابق، فيتعارض المِلْكان: السابقُ واللاحق، وأما المملوك بالإِحياء فلم يَسْبقه ما يعارِضه فهو أقوى.\n(١٤) زاد القرافي هنا قوله: \"وبذلك ذهب أثره بذهابه، وهذا فقه حسن على القواعد، فلْيُتأمَّلْ، ومذهب الشافعى ﵁ في بادئ الرأي أقوى وأظهر، وبهذه الباحث ظهر الفرق بين القاعدتين من جهة القوة والضعف كما تقدم بسْطُهُ وتقريره\".\nوقد علق المحقق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: جوابُه هنا مبني على دعواهُ قوة الاسباب القولية، فجوابه ما سبَق. وقد تبيَّن أن مذهب الشافعي أقوى على الاطلاق. والله تعالى أعلم\".","vol":"2","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>القاعدة الرابعة:\nفي تقرير ما يوجبُ استحقاقُ بعضه إبطالَ العقد في الكُلِّ ممّا لَا</span>. (١٥)\nإعْلَمْ أنهُ إذا استُحِقَّ بعضُ الشيء فله أحوال، لأنه إما أن يكون مِثْليَا أو مقوّمًا، وإما أن يكون معَيَّنًا أوْ شائعا.\nأما المِثْلى فهُوَ المكيل والموزون. فإن استُحِقَّ قليلُه لزم الباقي، لأنَّ القليل لا يُخِلَّ بمقصود العقد، والأصلُ لزومُ العقد، بخلاف ما إذا استُحِق الأكثرُ، ولذلك يكون له الخيار بَيْن أن يَرُد، لذهاب مقصود العقد، أو يُمسك الباقي بحِصَّتِهِ من الثَّمَن.\nوأمّا المتقَوَّم، فإن استُحق الأقلَّ فَكَما في الثاني، وإن استحِقَّ الاكثرُ - الذي هو وجْهُ الصفقة- اختلّ البيع وانتقض كله، لفوات مقصود البيع. ويَحْرُم التمسكُ بما بقى، ليس كما قلنا في المثلي، وهذا لأن حِصته لا تُعرَف حتي يُقَوَّم، وهذا مما يتعلق بالعين. وأما الشائع إذا استحق جزء منه وهو مما لا يَنقسم فيخَيَّرُ في التمسك بالباقي بحصته مِنْ الثمن، لأن حصته معلومة بغير تقويم.\n\nالقاعدة الخامسة (١٦) في حكم اللُّقَطَة (١٧)\nقال اللخمي: قد يكون الالتقاط واجِبًا ومستحَبا، أو مكروها ومحرَّما، ومباحا بحسب حال الملتقط وحالِ الزمن وأهلِه ومقدار اللّقَطَة. فإن كان الواجد\n_________\n(١٥) هي موضوع الفرق الثامنَ عشَر والمائتين بين قاعدة ما يوجِبُ استحقاقُ بعضه إبطالَ العقد في الكل، وبين قاعدة مالا يقتضي ذلك\" جـ ٤. ص. ٣٢. وهو كذلك من أقصر الفروق عند شهاب الدين القرافي، ولم يعلق عليه بشئِ، العلامة ابن الشاط، رحمهما الله.\n(١٦) هي موضوع الفرق التاسعَ عشَر والمائتين بين قاعدة ما يجبُ التقاطُه، وبين قاعدة ما لا يجب التقاطه\" جـ ٤. ص ٣٣، ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط ﵀.\n(١٧) اللقطة بضم اللام وفتح القاف والطاء، وهي في تعريفها المبَّسطِ: كل مال معصوم معَرَّض للضياع، لا يُعرَف مالِكه، وكثيرا وغالبا ما تُطلَقُ على الأشياء من غير الحيوان، كالمال والمتاع، والحوائج، وغير ذلك مما قد يجده الانسان ويعْثر عليه في طريقه. أما الحيوان فيقال له: ضالَّة \"اي تالفة أو تائهة وغائبة عن صاحبها\". وفي الحديث: الكلمةُ الحكمةُ ضالَّة المومن، فحيث وجدَها","vol":"2","page":210},{"text":"مأمونًا ولا يَخْشى السلطانَ إذا أشهرها، وهي بين قوم أمناءَ لا يُخشى عليها منهم ولها قدْرٌ، فأخْذُها وتعريفُها مستحَبُّ، وإن كانتْ بين قوم غيِر أمناء، والسلطانُ أمينٌ، وجب أخْذُها، وإن كان غيرَ أمين بيْن قوم أمناء، والسلطان غير أمين، حَرُم أخذها. وإن كانت قليلة كُرِه أخذها، لأن الغالبَ عدم المبالغة في تعريف الحقير، وذلك كالدِرْهم ونحوه.\nوقال الشيخ أبو الوليد في المقدمات: في اللَّقَطَة ثلاثة أقوال:\nالأفضل ترْكها من غير تفصيل، والأفضل أخذها، لأن فيه صونَ مالِ الغير، وأخْذُ الجليل أفضل، وترك الحقير أفضل. وهذا إذا كانت بيْن قوم مامونين، والإِمامُ عدْلٌ، أمّا بين الخَوَنة ولَا يُخشَى السلطان إذا عُرِّفَتْ فالأخذ واجب اتفاقا، وبين خَوَنة ويُخشى من الإِمام، يخَيَّرُ بيْن أخذها وترْكِها بحَسَبِ ما يَغلب على ظنه في أي الخَوْفَيْن أشدُّ.\nويُستثنَى لُقَطة الحاج، فلا يجرى هذا الخلاف فيها، فهي بالتّرْك أوْلى، لأن ملبتقطها يدخل قُطرَه وهو بعيد، فلا يحصل التعريف بها.\n_________\n= فهو آحق بها\"، والأصل في مشروعية اللقطة وبيان أحكامها ما أخرجه البخاري ورُوِيَ عن زيد بن خالد ﵁ قال: \"جاءَ رجل إلى رسول اللهﷺ -، فسأله عن اللقَطة، فقال: إعْرف عِفَاصَها ووكاءها (اي وعاءَها وخَيْطَها الذي شُدَّت به)، ثم عرّفها سنة (إي أشْهِرْهَا)، فإن جاءَ صاحبها وإلا فشأنك بها، قال فضَالَّةُ: الغَنَم، (أي ما حكمُها)؟، قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب (اي هي لك إن لم يظهر صاحبها)، بعد التعريف بها، أو لصاحبها إن ظهر)، وكِلَا الامرين خير من الذئب يجدها منفردةً عن القطيع وبعيدة عن الراعي وضالَّة عنه فيفترسها، قال: (أيْ الرجُل) فضَالةُ الابِل؟ أي ما حكْمُها؟ قال: مالَكَ ولها؟، معَها سِقاؤها وحِذاؤها. أي إنها تستطيع الصبرَ على العطَش بما تحمله معها من الماء في بطنها، وتستطيع الدفاع عن نفسها في مواجهة ومقاومة بعض الحيوانات المفترسة) إلى أن يجدها مالكها وتعود اليه وإلى رعايته.","vol":"2","page":211},{"text":"ثم إذا قلنا بالفَرْضية من حيث القاعدةُ التي هي الأمر بحفظ الأموال، فذلك فرض الكفاية.\nوذكر الشافعي أنها تكون واجبة مرّةً، وذلك عند خوْف الضياع، وقد يكون ذلك مندوبا، وكذلك جاء عن أبي حنيفة، وأما ابن حنبل فكَرِه لقْطَها، لما في الالتقاط من التعرضِ لأكْل الحرام، وذلك كتولّي مال اليتيم.\nقال شهاب الدين: ولمْ أرَ أحدًا فصَّل وقسَّم اللقطة إلى الأحكام الخمسة إلّا أصحابَنَا. (١٨)\n_________\n(١٨) ذكر شهاب الدين القرافي ﵀ في وسط هذا الفرق قاعدة تتعلق بالمقاصد الضرورية فِى الملل والأمم فقال:\n(قاعدة): خمْسٌ اجتمعَتْ الأمَمُ مع الأمة المحمدية عليها وهي:\n١ - ٢) وجوبُ حِفظ النُّفُوس والعقول، فتَحْرُمُ المسْكِراتُ بإجماع الشرائع، وإنما اختلفتْ في شرب القدْر الذي لا يُسْكِر، فَحُرِّم في هذه الأمة تحريمَ الوسائلِ، وسَدًا لذريعة تَناوُل القدْر المسكر، وأبيحَ في غَيْرها من الشرائع لعدم المفسدة.\n٣) وحفظ الأعراض، فيَحْرُم القذف وسائر السِّباب.\n٤) ويجب حفظ الأنساب، فيَحْرم الزِنى في جميع الشرائع.\n٥) والاموال يجب حفظها في جميع الشرائع، فتحْرُمُ السرقة ونحوها.\nويجب حفظ اللقطة عن الضياع لهذه القاعدة.\nوقد تقدم بيان قاعدة فرض الكفاية وفرْض الأعيان والفرق بينهما بأن فرض الكفاية مالا تتكرر مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق، فتكرير فعل النزول بعد انتشاله لا تحصل به مصلحة بعد ذلك، وفَرض الأعيان هو ما تتكرر مصلحته بتكرره، كالصلوات الخمس، مصلحتها الإجلال والتعظيم لله تعالى، وهو يتكرر حصوله بتكررها، وحينئذ يظهر أن اللقطة من فروض الكفاية.\nوقال الشافعي ﵀ بالوجوب والندب كما قال بِهما مالكٌ ﵀، قياسا على الوديعة بجامع حفظ المال فيلزم النْدبُ، أوْ قياسا على إنقاذ المال الهالك فيلزم الوجوب. وقال أبو حنيفة: أخْذُها مندوب إلا عند خوف الضياع فيجب. وعند أحمد بن حنبل: الكراهة، لمَا في الالتقاط من تعريض نفسه لأكل الحرام، وتضييىع الواجب من التعريف، فكان تركه أولى كتولي مال اليتيم\". أقول: وتجدر الاشاره والتنبية هنا إلى خطأ مطبعي في عبارة بالمقصد الأول من هذه القاعدة عند القرافي، وهي قوله: \"وسد الذريعة يتناول القدْر المسكر\".\nوالصَّوابُ فيما ظهر لِي بعد التأمل والامعان في العبارة، والله أعلم - أن تكون بصيغة المفعول لأجله هكذا: \"وسدًا لذريعة تناوُل القدر المسكر\"، وبذلك يستقيم اللفظ والمعنى في هذه العبارة ويتناسقُ وينسجم مع ما قبله من الكلام، فياتي التعبير هكذا من أوله: \"فحُرم في الأمَّة المحمدية","vol":"2","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>القاعدة السادسة: لِتمييز ما يُرَدُّ من القراض الفاسد إلى أجْرة المثل ممّا يُرَد إلى قراض المثل</span>، فأقول: (١٩)\nالأصل الرّد إلى قِرَاض المثل كسائر أبواب الفقه، ولكنه (٢٠) قال القاضى عياض في التنبيهات:\nالقراض الفاسد يُرَد إلى أجرة المِثل إلا في تسْع مسائلَ:\nالقِراض بالعُروض، وإلى أجَل، وعلى الضمان، والمُبْهَم، وبِدَين يَقْتضيه من أجبنبي، وعلى شِرْك في المال، وعلى أنه لا يشترى إلا بالدَّيْن فاشتَرَى بالنقْدِ، وعلى أنه لا يشترى إلّا سلعة معَيَّنة ممّا لا يكثُر وجُودُه فاشترى غيرها، وعلى أن يشترِيَ عبْدَ فلان بمالِ القراض ثم يبيعَه ويتَّجر بثمنِه، وألْحِقَ بذلك عاشِرةٌ من غير - الفاسد، وهي في الكتاب: إذا اختلفا وأتيا بما يُشِبِهُ فَله قراض المثل.\n_________\n\"فحُرِّم في الأمَّة المحمدية القليلُ الذي لا يُسْكِر تحريمَ الوسائل، وسَدا لذريعة تناول القدْر المسكر\"، وذلك مصداقا لقول النبي - ﷺ -: \"كل ما أسكرَ كثيرُهُ فقليلُه حرام\".\nومعلوم أن الوسائل تَعطى حكمَ المقاصد، فإذا كان المقصِد مشروعا وجائزا كانت وسيلته كذلك، واذا كان غير مشروع، وكان ممنوعا، فإن الوسيلة اليه كذلك، وسَدُّ الذرائع يعتبر كذلك من أسُس التشريع وحكمته. والشريعة الاسلاميةَ جاَت كاملة تامة، خالدة دائمة، خاتمة للشرائع الالاهية السابقة وناسخة لها، فكانت بذلك شريعة ربانية صالحة لكل زمان ومكان إلى يوم الدين وقيام الناس لرب العالمين.\n(١٩) هي موضوع الفرق العاشِر والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: جـ ٤. ص ١٤، وهو كذلك من الفروق القصيرة عند القرافي، ولم يعلق عليه ابن الشاط بشيء من تعاليقه المعروفة.\nوالقِراض كما سبقت الاشارة إليه مَصْدَرُ قارضَه يقارضه قراضا ومقارضة، إذا اتفق معه علىٍ القراض، وهو عقد يقوم بين صاحب المال والعامل فيه للتجارة، حيث يدفع صاحب المال قدرًا منه لشخص يعمل فيه، أي يتجر فيه على جزء معلوم من الربح للعامل يتفقان عليه، وَلا ضمان على العامل فيه، لأنه أمانة بيده إلا أن يتعدى فيه أو يخالفَ إلى شيء مما نُهِيَ عنه\".\nويُسَمى القِراضُ مُضاربَةً، من الضرب في الأرض، وهو السير فيها للتجارة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. سورة النساء. ١٠١، وقوله سبحانه: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. سورة المزَّمِّلُ، الآية: ٢٠.\n(٢٠) كذا في جميع النسخ، وعند القرافي في هذا الفرق: ولأنه العمل الذي دخل عليه، وهي عبارة أتم وأكمل، وأوضح في المعنى بالتعليل منها بالاستدارك.","vol":"2","page":213},{"text":"والضابط: كلُّ منفعة اشترطها أحدُهما على صاحبهِ ليْسَت خارجة عن المال (٢١) ولا خالصةً لمشترطها فقراض المثل. ومتى كانت خارجة عن المال أو كانت (٢٢) غَرَرًا حرامًا فأجْرَةُ المثل، فعَلى هذه الامور الثلاثة تدور المسائل، وعن مالكٍ قراض المثل مطلقا. وقال الشافعى وأبو حنيفة وعبْد الملك بالإِجارة مطلقا، نظرًا لاستيفاء العَمل بغير عقْدٍ صحيح.\nومنشأ الخلاف أمرانِ:\nأحدهما: المستثنَيات من العقود إذا فسَدت، هل تُرَدُّ إلى صحيح أنفسِها (٢٣) وهو الأصل كفاسِد البيع، أو إلى صحيح أصْلِها؟\nالأمر الثاني: أسْبابُ الفساد إذا تأكدت في القراض أو غيره بطلت حقيقة المستثنى بالكلية فتتعين الإِجارة، وإن لم متأكد اعْتُبر القراض، ثم يبقى النظر بعد ذلك في المُفسِدِ (٢٤)، هل هو متأكد أم لا، نظرًا في تحقيق الْمنَاط (٢٥).\n_________\n(٢١) كذا في ع، وت، وعند القرافي: وفي ح: في المال، والأولى أظهر وأصْوَب. وفي ت ايضا: \"والضابط أن كل منفعة فيها قراض المثل\" بزيادة أنَّ، وفيها.\n(٢٢) في جميع النسخ: \"أو كان\"، وفي الفروق: \"أو كانت\" وهو الاظهر والأصوب.\n(٢٣) كذا في ع. وفي ت وح: نفسها، وعند القرافي: أنفسها بالهمزة، ومعلوم أن المفرد المضافَ يعُمُّ.\n(٢٤) في ح: الفاسد، وفي ت: الفساد، وكتاب الفروق: المفسد، ولعله المناسب مع ما في اول الفقرة وهو كلمة \"أسباب الفساد إذا تأكدت\" وهي في أول الفقرة المتضمنة للأمر الثاني من منشأ الخلاف.\n(٢٥) تحقيق المناط كما سبق ذكره، في: محله من القواعد الأصولية، هو مسلك من مسالك العلة التي هي ركن من اركان القياس، ويرادُ به أنه إذا عُلِّق حكمٌ على وصف اتصلت به عدَّةُ أوصاف لا مدخل لها في علية الحكم، حُذِف ما لا مدخل له في التعليل بالاجتهاد، وبقي الوصف الذي له دخل في تعليل الحكم.","vol":"2","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>القاعدة السابعة:\nفي تقرير ما يُرَدُّ إلى مساقاة المثل ممّا يُرَدُّ إلى أجرة المِثْلِ منها</span>. (٢٦)\nقال أبو الطاهر في كتابِ النظائر: يُرَدَّ العامِل إلى أجْرة المثل، إلّا في خمس مسائل فله مساقاة المثل: إذا ساقاه على حائط فيه تمْر قد أطْعَم، وإذا شرطَ العملَ معه، واجتماعُها مع البيْع، ومساقاةُ سَنَتَيْن على جزءين مختِلفين، ويَلزم عليهِ حائطان على جزءَيْن مختِلفين، واذا اختلفا وأتَيَا بما لا يُشْبِهُ فحلفَا علي دَعْوَاهُما أوْ نَكَلا. وسبب الخلاف ما ذكرناه في القِراض بعَينه، فالقواعد واحدةٌ فيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>القاعدة الثامنة: في تقرير الإِقرار الذي يَقبَل الرجوعَ عنه وتمييزِه عما لا يَقبَل الرجوعَ عنه</span>، (٢٧) فأقول:\nالأصلُ فيه اللزوم. ثم ضابط ما لا يجوز الرجوع عنه هو الرجوع الذي ليس فيه عذر عادى، وما يجوز له الرجوع عنه هو أن يكون له في الرجوع عذر عادى. وهذا كما إذا أقرَّ الوارث للورثة أنّ ما تَركَه أبوه ميراث بينهم على القانون الشرعي، ثم جاء شهود أخبروهُ أن أباهم أشهدَهُمْ أنه تصدق عليه في صغره بهذه الدار وحَازَها له، فإنه إذا رجع عن إقراره يُقبل رجوعه، لِأنه أقرَّ، بناءً على العادة، ولا يكون إقراره السابق مكذِّبًا للبينة، لأن هَذَا عذرٌ عادِي يُسْمَعُ مِثلُهُ.\n_________\n(٢٦) هي موضوع الفرق الحادي عشر ومائتين بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٤. ص ١٥. وهو من أقصر الفروق عند القرافي كما يتجلى ذلك في هذه القاعدة التي هي مضمونه ومحتواه. بحيث لم يتجاوز خمسة أسطر، وأربعة أبيات جمعت تلك المسائل الخمسة لبعض الفقهاء، ولم يعلق عليه بشيء، العلامة المحقق ابو القاسم ابن الشاط ﵀.\n(٢٧) هي موضوع الفرق الثاني والعشرين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين، جـ ٤. صفحة ٣٨. قال في أوله القرافي ﵀: الأصْل في الإقرار اللزوم من البَرّ والفاجر، لأنه على خلاف الطبع كما تقدم. إالى آخر ما هنا عند البقوري. ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط، ﵏ جميعا.","vol":"2","page":215},{"text":"ومثْلُ هذه المسألة أن يقول: له علي مائةُ درهم إن حلف، أو إذا حَلَف، أو متى حلف، أو حتَّي يحلف، أو مع يمينه أوْ بعْدَ يمينه، فحلف المُقَرُّ له فنكَلَ المُقِر وقال: ما ظننت أنه يحلف، لا يَلزَمه شيء.\nومثال ذلك أن يقول: له عندي مائة من ثَمن الخَمْر أو ميتة، فإنه لا يلزمه شيء، لأن الكلام بآخِرِه. (٢٨).\nقلت: ولْنَذْكرْ مسائل وإن كانت الواحدة منها قد ذُكِرتْ، لكني أزيدها بسْطًا. (٢٩):\nالمسألة الأولى، قال مالك: إذا قارَضَهُ على أن يُسلِف أحدُهما الآخَر كان للعامل أجْرَة مِثله، وإذا قارضه إلى أجل أو بشرط الضمان وجب فيه قراض المثل، وفي كلا الموضعيْن قد شرَط كل واحد منهما في القراض ما ليس منه، فلم كان ذلك؟ .\nفالجوابُ أنه اذ اقارضه إلى أجلٍ أو بِشرط الضمان فالقراض لم يَنْضمَّ اليه غيْرُه ولم ينقله عن حكم القِرَاض، وليس ذلك في شرط السَّلف، لأنه من غير\n_________\n(٢٨) زاد القرافي هنا بيانا وتوضيحا لذلك فقال: \"والقاعدةُ أن كّل كلام لا يستقِلُّ بنفسه إذا اتَصَل بكلام مستقل بنفسه صيَّره غيرَ مستقل بنفسه. فقوله: \"من ثمن خمر\" لا يستقل بنفسَه، فيصير الاول المستقِل غيرَ مستقل الصفة والاستثناء، وكذلك الصفة والاستثناء، والغاية والشروط\" ونحوها\". ومعلوم أن الميتة والخمر لا يجوز بيعهما في الإِسلام، فثمنهما حرام، ومن ثَمَّ كان إقراره ساقطا غَيْر لازم.\n(٢٩) هذه المسائل الخمسة هي عند البقوري من إضافات المسائل المناسبة، وإلْحاق الفروع والجزئيات بمثيلاتها في كتاب الفروق لشيخه الامام القرافي رحمهما الله، وهي احدى الأسس والمميزات التي يقوم عليها هذا الكتاب كما سبق ذكره في أوله، وهي مرتكَزات تقوم على الترتيب، والاختصاره والاضافة، والإلحاق، والتنبيه على ما يظهر له خلال ذلك مما لم يذكره القرافي، فيكون جميع ذلك عونا على فهم الفروق وتحصيلها، كما سبَقَ في مقدمة المؤلف في الجزء الأول من هذا الكتاب الذي يدل من خلال ذلك على علو كعب صاحبه البقوري، وعلى تمكنه وطُول باعه وسَعَةِ اطِّلاعِهِ فيما احتواه واشتمل عليه، واستوعَبه من القواعد والفروع والجزئيات وما يتصل بِهَا من المعارف والعلوم الاسلامية المتنوعة كما هو الشأن بالنسبة لشيخه القرافي في كتابه الفروق، نفع الله بِعلْمهما معا، ورحمهما وكافة العلماء المسلمين.","vol":"2","page":216},{"text":"القراض، إِذ هو معنى انضمَّ إِليه من غيره فنَقله عن حكمه. وأيضًا، فالسلف زيادة ازدادها أحدهما على الآخَرَ، والقراض إذا دخلْته الزيادة أفسدتْهُ، وليس كذلك في الأجَل، والضمانُ ليس بزيادة ازدادها أحدهما على الآخر، فلم ينقُل القِراض عن حكمه.\nقلت: وما ذكرناه من الفرق الكلي في القراض كافٍ. (٣٠)\nالمسألة الثانية، قال مالك: لا يجوز أن يدفع إليه مالَيْنِ بِربْحَيْن مختلفَيْن على أن كل واحد على حِدَة، واذا دفع إليه مالًا فاشترَى به سلعة فجائزٌ أن يدفع إليه مالا آخر. ويُشترط ألّا يَخلطه بالأول، سواء اتفق الربحُ أو اختلف، وفي كِلا الموضعين مالَانِ بربْحَيْن مختلفين، فلِمَ وقعَ هذا؟\nفالجواب أنه إذا دفع إليه ماليْن وشرَط أن يخلط أحدَهما بالآخر واختلف الربح فهو غَرَرٌ، لأنه يجوزُ أن يربَحَ في أحدهما ويخسَر في الآخَر، فيكون قد خسر أحدهما فيذهب عمله باطلا فيما لا يربحُ فيه، وياخذ ربح المال الآخر، فدخل الغَبْنُ على رب المال، لأن ربَّ المال دخل على أنه يربح في كل مالٍ، ولا يستبد العامل في منفعة أحد المالَيْن دون الآخَر. وليس كذلك إذا اشترى بالمال الأول السِّلعَ، لأنه قد حصل له حكم نفيسه، امَّا من ربْح أو خسارة، فلا يدخل هاهنا الغرر كما دخل في الأول، إذ قد استحق العامل منفعة المال الأول إن كان فيه منفعة او كان فيه خُسْرانٌ، فهو على رب المال، لا تعلُّق لأحد الماليْن بالآخر، فافترَقا.\nالمسألة الثالثة، لا يجوز للمودَع أن يُودِع الوديعةَ عند غيره إلا من ضرورة، ويجوزُ أن يودِع اللقطة من غير ضرورة إذا كان في مثل أمانته، والكلُّ مالٌ للغير. فلِمَ كان هذا الفرق؟\n_________\n(٣٠) أَيْ في القاعدة السادسة من قواعد هذا الباب المشتمل على ثمانية ابواب، خصَّ كل واحد منها بقاعدة واحدة تتعلق به. اهـ","vol":"2","page":217},{"text":"فالجوابُ أن المودِع إنما رضي بالمودَع، فلم يكن له أن يدفعها لغيره إلا من ضرورة، واللُّقَطة لم يَرْضَ صاحبُها أن تكون عند الملتقِط ولا اختَاره، وإنما الغرض منها الحفظ، فكان له دفْعُها إلى غيره.\nالمسألة الرابعة، إذا تعدَّى المودَعُ على الوديعة فاشترى بها تجارة، فربح فيها، كان له بح، وإذا تعَدَّى المُقَارَض في مال القِراض، فاشترى غير الذي أمره بشرائه كان رب المال مخيَّرًا بين أن يضمنه وبين أن يقره على القراض ويقاسمه الربح، وفي كِلَا الموضعين، فالتعدي موجود.\nفالجواب أن الوديعة لم يقصِد بها رَبُّها التنمية، وإنما قصد بها الحفظ، ولمْ يَزُلْ غرضه بتعَدِي المودَع عليها، لانَّ الحفظ موجود فيها على كل حال، وليس كذلك القراض، لأنَّ رب المال قصد به التنمية، فلو لم يكنْ له الخيَارُ لكان العامل قد منعَه غرضَه، وليس كذلك، فافترقا.\nالمسألة الخامسة، قال مالك: إذا استهلك العبدُ لُقَطَةً قبل عام كانتْ في رقبته، واذا استهلكها بعْد السنة كانتْ في ذمته، واذا استهلك الحر لقطةً كانت في ذمته مطلقا، فلِمَ كان هذا؟\nفالجواب أن الاستهلاك إذا كان للعبد قبل السنة كان تعدِّيا، والعبدُ إِذا تعَدَّى على مال الغير كان ذلك في رقبته، وإذا كان بعدَ السنة لم يكن متعديا، لأنه ماذون له في إنفاقها فكانت في ذمته، دون رقبته، والحرُّ أحوالُه متساوية، فهي في ذمته أبدًا.","vol":"2","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>الدعاوى والشهادات </span>وما ألحِق بذلك، وفيه تسعَ عشرةَ قاعدةً:\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>القاعدة الأولى: في تمييز الدعوى الصحيحة من الدعوى الباطلة</span>. (١)\nإعْلم أن ضابط الدعوى الصحيحة هو أنها طلبُ معَيَّنٍ، أو ما في ذمة معَيَّن، أو ما يترتب عليه أحدهما، معتَبَرٌ (٢) لا تُكَذِبه العادة شرعا.\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الحادي والثلاثين والمائتين بين قاعدة الدعوى الصحيحة وقاعدة الدعوى الباطلة .. جـ ٤. ص ٧٢، لم يعلىق عليه بشيء، العلامة المحقق الشيخ ابن النشاط ﵀، ورحم الشيخ الامام القرافي وأثابهما على ما قدَّماه من خدمة للعلم والدين وللاسلام والمسلمين، ونفع بعلمهما، آمين.\nوَمِمَّنْ بسط الكلام في موضوع الدعاوى والشهادات وتوسع فيه وأجاد، الفقيه العلامة الشهير برهان الدين،، أبو الوفاء ابراهيم بن الإِمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد، المعروف بابن فرحون اليعمرى المالكي، ﵀، وذلك في كتابه: \"تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام\" ومؤلف كتاب: \"الديباجُ المذَهَّب في معرفة أعيان علماء المذهب\". (أي المذهب المالكي) وغيرها من المؤلفات القيمة، وكذا كتاب: \"العِقد المنظّم للحكام فيما يجري بين ايديهم من العقود والأحكام\"، تأليف الشيخ الفقيه أبي محمد عبد الله بن عبد الله، الشهير بابن سلَمون الكناني، والفقيه العلامة أبو بكر بن عاصم ﵀، في منظومته الشهيرة بـ \"تحفة الحكام في نُكَت العقود والأحكام\" وشرحيْها للعالمين الفقهين الجليلين، أبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي، وأبي عبد الله محمد التاودي، وغير هذه من الكتب المتداولة بين العلماء والفقهاء، والتي ظلت مُعتمَدَهم ومرجعهم في فقه القضاء وأبوابه من الأحوال الشخصية والبيوع وما يتصل بها، والدعاوى والشهادات وما يتفرع عها، وأحكام الواريث وجزئياتها ومسائلها، مما يجده فيها الدارس والباحث والراغب في التوسع فيما اشتملت عليه من ابواب وموضوعات واحكام، كما تناولها فقهاء القانون المدني تحت مصطلح \"وسائل الاثبات\". فرحم الله علماءنا الأبرار وفقهاءنا الأعلام، وجزاهم خيرا عن المسلمين والاسلام، ونفع بعلمهم في كل العصور والأجيال، آمين.\n(٢) كذا في جميع النسخ الثلاث: ع، ح، ت. وفي كتاب الفروق: \"معتبرة لا تكذبها العادة شرعا\" بالتأنيث. ويظهر وجه التذكير في كونِ الضمير يعود على تعريف الدعوى، وهو طلبُ مُعَيَّنِ ... الخ، وذلك الطلب يكون معتبرًا، لا تكذبه العادة، بينما وجه التانيث في كونه يعود على الدعوى حيث تكون معتبرةً لا تكذبها العادة شرعا. وتكون الاضافة في كلمة طلب من اضافة المصدر إلى مفعوله كما يضاف إلى فاعله، وذلك ما اشار إليه ابن مالك في ألفيته حيث قال:\nوبَعْدَ جَرّه الذي أضيفَ له ... كَمِّل بنصْب أو بِرفعٍ عَمَلَه","vol":"2","page":219},{"text":"فالأول كدعْوَى أن السلعة المعَيَّنة اشتراها أو غُصبت منه (٣).\nوالثاني كالديون والسَّلَم.\nثم المعَيَّن الذي يُدَّعَى في ذمته قد يكون معَيَّنًا بالشخص كزيد، أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة، (٤) والقتلِ على جماعة، أو أنهم أتلفوا له أموالا.\nوالثالث كدعوى المرأة الطلاقَ أو الرِّدَّةَ على زوجها، وقولنا: معتبر (أو معتبرة) شرعا، احترازا من دعوى عُشُر السمسمة (٥)، فإن الحاكم لا يَسْمَعُ مثل هذه الدعوى، فإنه لا يترتب عليها نفع شرعي،\nولهذه الدعوى (الصحيحة) أربعة شروط:\nأن تكون معلومَة، محقَّقة، لا تُكَذبها العادة، يتعلق بها غرض صحيح.\nوفي الجواهر: لو قال: لي عليه شيء، لم تُسمَع دعواه، لأنها مجهولة، وكذلك: أظن، لي عليه ألف (٦). وقال الشافعى: لا تصح دعوى المجهول إلا في الإِقرار والوصية، لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث المال، والمال غيرُ معلوم، وصحةِ المِلك في الاقرار بالمجهول من غير حكم، ويُلزمه الحاكم التعيين، وقاله أصحابنا، (٧) ويَذكر في غير الأعيانِ الصفاتِ المعتبَرةَ في السَّلَم، وذِكْرُ القيمة\n_________\n(٣) كذا في ع، ر ح، وهو ما في الاصل: الفروق. وفي نسخة ت: وغصبت بالواو التي هي لمطلق الجمع، على خلاف ما تفيده وتقتضيه أو من ادعاء أحد الأمرين، فلْيصحَّحْ.\n(٤) العاقلة مصطلح وتعبير شرعي لعَصَبَةِ مرتكب الجناية بالقتل خطأ، وهم أقاربه الذكور الاغنياء الموسرون من جهة أبيه، الذين يكونون مطالَبين بالتعاون معهُ على أداء الدية الواجبة عليه بسبب تلك الجناية الخاطئة، ومساعدته على عقْلها وتاديتها للمستحقِين لها من اهل المجنى عليه. وأحكامُ الدية مبيَّنة ومفصَلة في كتب التفسير والحديث والفقه. فلْيرجع اليها من أراد التوسع في الموضوع.\n(٥) من اطلاقات السمسم ومدلولاته: حَبُّ الجُلْجلان، وهو معروف عند عامة الناس\n(٦) عبارة القرافي: \"وكذلك أظن أن لي عليك ألفًا، وأظن أني قضيتها، لم تُسْمَعْ، لتعَذر الحكم بالمجهول، إذ ليس بعض المراتب أولى من بعض، ولا ينبغى للحاكم أن يدخل في الخطَر بمجرد الوهم من المدَّعى\". وبذلك تكون أنَّ مع اسمها وخبرها سدَّت مَسَدَّ المفعوليْن وقامت مقامهما.\n(٧) زاد القرافي هنا قوله: وقال الشافعية: إن ادَّعَى بديْن من الأثمان ذكَر الجنس: دنانير أو دراهم، والنوعَ: مصرية او مغربية، والصفةَ: صِحاحا او مكْسورةً، والمقدارَ والسِكة، ويذكر في غير الاثمان الصفات المعتبرةَ في السَّلَمِ ... الخ.","vol":"2","page":220},{"text":"مع الصفات أحْوَطُ. ومالا تضْبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد، ويَذكر في الارض والدراهم (٨) الصُّقْعَ والبلَدَ، وفي السيف المحلَّى بالذهب قيمتَه فضةً، وبالفضة قيمتَه ذهبًا، وإن كان بهما قوَّمَه بما شاء منهما، لأنه موْضع ضرورة، ولا يَلزَم ذِكر سبب مِلْك المالِ، بخلاف سبب القتل والجراح لاختلاف الحكم ها هنا -دون المال- بالعمد والخطأ، وهل قتَله وحدَه أو مع غيره؟، وهذا كله لا يخالفه أصحابنا، غيْرَ أنَّ قولهم وقوْل أصحابنا: إن من شرطها أن تكون معلومة، فيه نظرٌ، فإن الانسان لو وجَد وثيقة في تركةِ موْروثِهِ، أو أخبَرَهُ عدْلٌ بِحَقٍّ له، فالمنقول جوازُ الدعوى بمثل هذا، والحَلفِ بمجرده عندنا وعندهم، مع أن هذه الأسباب لا تُفيدُ إلا الظن.\nوتكميلُ البيان في هذا المقصود بمسألتين. (٩)\nالمسألة الأولى: تُسمَع الدعوى عندنا في النكاح وإن لم يقُل: تزوجْتُها بولي وبرضاها، بل يقول: هي زوجتى، ويكفيه، وقاله أبو حنيفة. وقال الشافعي وابن حنبل: لَا تُسمَعُ حتى يقولَ: بولي وبرضاها وشاهِدَيْ عدْل، بخلاف دعوى المال وغيره.\nلنا القياس على البيع والرِّدّة والعِدَّةِ (١٠)، ولأن ظاهر عقود المسلمين الصحة.\nاحتجوا بوجوه:\n_________\n(٨) كذا في جميع النسخ المعتمدة عندي في التحقيق والتصحيح لهذا الكتاب: ترتيب الفروق، ع. ح. ت. وعند القرافي هنا في هذا الفرق: \"ويذكر في الارض والدار الصُّقْع والبلَد\"، ويظهر أن ما عند القرافي مِن كلمة الدار أظهر وأنسب لِما قبلها من كلمة الارض، فليتأمل ذلك. والله أعلم.\nوالصقع بضم الصاد الناحيةُ والجهة، ويجمع على أصقاع. والصقيع: الجليد، أو ما يسقط من السماء في الليل كأنه ثلج.\n(٩) من كلام القرافي، وعبارتُهُ: \"ويَكْمُلُ البيانُ في ذلك بمسألتَيْن\".\n(١٠) زاد القرافي قوله: فلا يشترط التعرض لهما، فكذلك غيرهما.","vol":"2","page":221},{"text":"الأول أن النكاح خطيرٌ (١١)، والوطء لا يُستدرَك، فأشبه القتل.\nالثاني أن النكاح لمّاَ اختص بشروط زائدة على البيع من صداق وغيره خالفت دعواه الدعاوى، قياسا للدعوى على المدعَى به.\nالوجه الثالث أن المقصودَ من جميع العقود يدخله البدل والإِباحة، بخلافه، فكان خطيرا، فيحتاط فيه.\nوالجواب عن الأول أن غالب دعوى المسلم الصحةُ، فالاستدراك حينئذ نادر، والنادر لا حُرْمَةَ له، والقتل خطرُه أعظم من النكاح، وهو الفرق المانع من القياس.\nوعن الثاني أن دعوَى الشيء تتناول شروطه، بدليل المنع، فلا يحتاج إلى الشروط، كالبيع له شروط لا تُشترَط في دعواه.\nوعن الثالث أن الردة والعِدَّة لا يدخلهما البدَل والإِباحة، ويكفي الإِطلاق فيهما.\nالمسألة الثانية: في بيان قولي: \"لا تكذبها العادة\":\nالدعاوَى ثلاثة أقسام:\nقسم تصدقه العادة كدعوى القريب الوديعَةَ.\nوقِسْم تكذبه العادة كدعوى الحاضِر الأجنبي مِلْكَ دارٍ في يد زيد، وهو حاضر، يراهُ يبنى ويَهْدم ويؤاجِر مع طول الزمان، من غير وازع يزَعه عن الطلب من رغبة أو رهْبة، فلا تُسمع دعواه لظهور كذبها.\n_________\n(١١) كذا في ع، وح. وعند القرافي خطر بالمصدر، سواء في الكلمة الأولى أو الثانية، والمراد من وصف النكاح بركونه خطرا أو خطيرا إبرازُ أهميته الخاصة وشروطه المتميزة على غيره من العقود. لذلك سمى الله عقد النكاحْ ميثاقا غليظًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. سورة النساء، الآية ٢٠ - ٢١.","vol":"2","page":222},{"text":"والقسم الثالث لم تقْضِ العادة بصدقها ولا كذبها، كدعوى المعاملة، وتُشترط فيه الخلْطة يكون بعد هذا -إن شاء الله- في بيان قاعدة من يَحلف ومن لا يحلف.\nوأما ما تُكَذِبُهُ العادة فقال مالك في الأجانب: سنين، ولمْ يَحُدَّه بعَشْر، وقال غيرهُ: عشْرُ سنين تَقْطَعُ دعوى الحاضر، إلا أن يقيم بينة أنه أكْرى أو أسْكن أو أعارَ، ولا حيازة على غائب. وعن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من حَاز شيئًا عشْرَ سنين فهو له\" (١٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، فكلُّ شيء كذبه العرف وجَبَ ألَّا يُومَرَ به، بل يؤمَرُ بالمِلْك لحائزه. وقال ابن القاسم: الْحِيازة من الثمانية إلى العشرة، وقال مالك: مَن أقامتْ بيده دارٌ سنين يُكري ويَهْدِمُ ويبْنى، ثم أقَمْتَ بينةً أنها لك أو لأبيك أو لجدك، وثبتَت المواريث وأنتَ حاضر تَراه يفعل\n_________\n(١٢) \"أخرجه ابن القاسم في المدونة من حديث سعيد بن المسيِب مرْسَلًا، وفي اسناده عبد الجبار بن عمر الأيلى، وهو ضعيف كما في ترجمته من التهذيب لابن حجر. وفي معناه ايضا حديث: \"من احْتازَ شيئا عشر سنين فهو له\". اخرجه ابو داود في المراسيل من حديث زيد بن اسلم مرسلا، وذكره في باب الاقضية.\nقال في التوضيح: وبالعشر سنين أخذ ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ. ولابن القاسم كما في الموازية أن السَّبْعَ والثمانَ وما قارَبَ العَشْرَ مثلُ العشرة.\nويقول ابن رشد في شرحه لكلام المستخرجة: العشر سنين وما قاربها، يريد، والله أعلم، والشهرين والثلاثة، وما قارب منها ثلث العام وأقلَّ. وقد قيل: إن ما قرُبَ من العشرة الاعوام بالعام والعاميْن حيازة.\nقال الحَطاب: فتحَصل في مدة الحيازة ثلاثة أقوال:\nالاول: قول مالك أنها لا تُحَدُّ بسنين مقدَّرة، بل باجتهاد الإِمام.\nالثاني: أن المدة عشر سنين وهو القول المعتمد، بناءً على الحديث، وَوَجَّهَهُ ايضا ابنُ سحنونٍ بأن الله أمر نبيه بالقتال بعد عَشْر سنين فَكان أبْلَغَ في الإِعْذار.\nالثالث: أن مدة الحيازة سبعُ سنين فاكثر، وهو القول الثاني لإبن القاسم.\nومن أدلة اعتبار الحيازة والاخذِ بها وتقديمِ صاحب اليد ببينته عند تَساويها مع بينة المدعى ما رُوِي عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي - ﷺ - اخْتصَمَ إليه رجلان في دابة أو بعير، فأقام كل واحد منهما البينة بأنها له أنتجها، فقضى رسول الله - ﷺ - للذي هي في يده، وأنتجها. اخرجه البيهقي وضعفه ابن حجر في التلخيص\". انظر الكلام على الحيازة واحكامها في كتب الفقه، وفي الموسوعة الفقهية الكويتية بتفصيل.","vol":"2","page":223},{"text":"ذلك فلا حجة لك، فإن كنت غائبا فلك إقامة البينة، والعُروضُ والحيوانَ والرقيق كذلك.\nوأما في الاقارب فقال مالك: الحيازة المكَذِّبة للدَّعوى في العقار نحوُ الخمسين سنة، يتسامحون بيْن القرابة أكثر من الاجانب. وخالفَنَا الشافعي وسمِح الدعوى في جميع هذه الصور، ولنَا ما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>القاعدة الثانية:\nفي تمييز المدَّعي من المدعَى عليه</span>. (١٢)\nإذْ هُمَا مُلْتبسان، لأنه ليس كلُّ طالِبٍ مُدَّعيا، ولا كلّ مطلوب مدّعىً عليه.\nوضابط المدعِي والمدَّعَى عليه، للأصحاب فيه عبارتان: إحداهما أن المدعي هو أبعَدُ المتداعيْين سَبَبًا، والمدَّعَى عليه هو أقرب المتداعيَيْن سببًا، والعبارة الثانية - وهي توَضِحُ الأولى - المدعى مَن كان قولُهُ على خلاف أصْل أو عُرْف، والمُدعَى عليه مَن كان قولُه على وفْق أصْل أو عُرْف.\nوبيَانُ ذلك بالمثال أن اليتيم إذا بَلغ وطلبَ الوصىَّ بماله فإنهُ مدَّعىً عليه، والوصىُّ مدَّعِ، علَيه البينة، لأن الله تعالى أمَرَ الأوصياء بالإِشهاد على اليتامى إذا دفعُوا إليهم أمْوالهم (١٣)، فلم يأتمنهم على الدفع بل على التصرف والإِنفاق خاصة،\n_________\n(١٢) هي موضوع الفرق الثاني والثلاثين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين جـ ٤. ص ٧٤. لم يعلق عليه العلامة ابن الشاط بشيء.\n(١٣) وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ سورة النساء، الآية ٦.\nويُعتبر المدعِى والمدعَى عليه من. جملة أركان القضاء والحكم في الدعوى القضائية، والتي منها: المدَعى فيه، والقاضِي، والمقضى به، وكيفية القضاء، ومسطرته. إذ بمعرفة المدعى والمدعى عليه، وتمييزِ أحدهما من الاخر، يتميز ويتضح وجهُ القضاء، كما قال احد أعلام التابعين: سعيد بن =","vol":"2","page":224},{"text":"وإذا لم يكونوا أمناءَ كان الأصْل عدَمَ الدفع، فهذا طالب واليمين عليه، لأنه مدّعىً عليه، والوصى مطلوبٌ، وهو مدّعِ.\n_________\n= المسيب ﵀: من عرَف المدّعي والمدعى عليه فقد عرف وجْه القضاء. قال العلامة ابن فرحون في كتابه \"التبصرة\" عند كلامه على ما يتعلق ببيان المدعي من المدَعَى عليه.\n\"إعلم أن علم القضاء يدور على معرفة المدعى من المدعى عليه، لانه أصل مشكل، ولم يختلفوا في حكم ما لكل واحد منهما، وأن على المدعى البينةَ إذا أنكر الطلوب، وأن على المدعَى عليه اليمينَ إذا لم تَقُم البينة.\nوقد اختلفت عبارات الفقهاء في تحديد المدعى والمدَّعى عليه.\nفقال القراقي: المدعى من كان قولُه على خلاف أصل أو عُرْفٍ، والمدعى عليه من كان قوله على وفق أصل او عرف.\nقال ابن شاس: المدعى من تجردت دعواه عن أمر يُصَدقه، أو كان أضعف المتداعيين أمرا في الدلالة على الصدق، أو اقترنَ بها ما يوهنها عادة، وذلك كالخارج عن معهود، والخالف لأصل وشبه ذلك. ومَن ترجح جانبه بشيء من ذلك فهو المدعَى عليه، وإذا ادعى أحدهما ما يوافق العرف، وادعى الآخرُ ما يخالفه، فالأول المدعَى عليه، والثاني هو المدعى. وكذلك كل من ادعى وفاء ما عليه، أو ردّ ما عليه من غير أمر يصدق دعواه فإنه مدع.\nواختصر ذلك ابن الحاجب، فقال: المدعى من تجرد قوله عن مصدق، والمدعى عليه من ترجَّح بِمَعْهُودٍ أو أصل. قال ابن عبد السلام: والمعهود هو شهادة العرف، والأصل استصحاب الحال.\nوقال أبو عمر ابن عبد البر: \"إذا أشكل عليك المدعى من المدعَى عليه فواجب الاعتبار. فيه أن يُنظر، هل هو آخِذ أو دافع. وهل يطلُبُ استحقاق شيء على غيره أو ينفيه، فالطالب أبدا مدع، والدافع المنكِر مدعى عليه، فقِف على هذا الأصل\". وقال غيره: \"كل من يريد الأخذ، أو يطلب البراءة من شيء وجب عليه فهو مدع\". وكلامهم وتحويمهم على شيء واحد، وهو أن المتمسك بالأصل هو المدعَى عليه، ومن أرادَ النقل عنه فهو المدعي، غير أنه يتعارض النظر في كثير من المسائل، مَن هو التمسك بالأصل من الخصمين إلى آخر الأمثلة التي ذكرها ابن فرحون لمثل هذا التعارض وأقوال العلماء فيها، فلْيرجع اليها من أراد التوسع أكثر. فقد رأيت أن آتي بهذه النقول وأذكر هذه الأقوال على ما فيها من الطول، لأهميتها في الموضوع، وفائدتها في مجال القضاء، وخاصة في وقتنا الحاضر.\nوإلى ذلك يشير في اختصار وإيجازِ، الفقيهُ الجليل القاضى العلامة أبو بكر: محمد بن عاصم االغرناطي من علماء القرن التاسع الهجري في منظومته الشهيرة في فقه القضاء، والمسماة بـ (تحفة الحكام في نُكَتِ العقود والأحكام)\nتمييزُ حالِ المدّعي والمدَّعى ... عليه جملةَ القضاءِ جمَعَا\nفالمدَّعى مَنْ قَوْلُهُ مجرَّدُ ... من أَصل او عُرْفٍ بصِدْقٍ يَشْهَدُ\nوالمدَّعَى عليه مَن قد عضَدَا ... مَقَالَهُ عُرْف أو أَصْل شَهِدا","vol":"2","page":225},{"text":"وإنما قلنا: اليمين عليه، لقولِهِ ﵇: \"البينةُ على المدعي، واليمين على من أنكرَ\" (١٤). ونظائر هذا كثير، (١٥) فيكون الطالب فيها مدعى عليه، ويعتمدُ -أبدا- الترجيحَ بالعوائد وظواهِر الاحوال والقرائن.\n_________\n= وقيل: من يقولُ قد كان ادّعى ... ولم يكن لمن عليه يُدَّعى\nوالمدَّعى فيه، له شرْطانِ ... تَحَقّقُ الدعوى مع البيانِ\nوالمدّعي مطالَبٌ بالبينة ... وحالةُ العموم فيه بينة\nوالمدّعى عليه باليمين ... في عجز مدَّع عن التبيين\nقال شراح هذه المنظومة هنا ﵏: لابد في تجرد دعوى المدعي من التجردِ من الامرين معا: الأصلِ والعرف، أما إذا تجرد من احدهما فقط ووُجد الآخَر فهو مدَّعىً عليه.\nففي اختلاف الزوجين مثلا في متاع البيت يكون للمرأة المعتادُ للنساء وللرجال ما هو معتاد لهمٍ، لأن العرف يشهد للمرأة فيما هو معتاد للنساء، ويقَوي قولَها، فيكون الزوج مدعيا وهي مدعى عليها، فتاخذه بيمينها وبحَلِفِهَا عليه، وفي دعوى شخص دَينا على آخر فهو مدع، والمنكِر مدعىً عليه، لأن الاصل برآة الَذمة، وكمدعي مِلكية ليست في حوزه فإنه يكون مدعيا، والحائز مدعى عليه، لأن جانبه تقوَّى بالحيازة .. الخ، وهكذا.\nوقيل: المدّعِي هو كلَّ من قال قد كان، فهو مدَّع، وكل من قال: لم يكُن، فهو مدَّعى عليه، وهو تعريف منتقض بدعوى المرأة على زوجها الحاضرِ أنه م ينفق عليها. وقيل: المدعى هو كل طالب، والمدعَى عليه هو كلّ مطلوب، وهو منقوض بكون اليتيم يطلب ماله بعد البلوغ والرشدِ، ويدَّعي الوصى أنه دفعه له، فالقول لليتيم، لأن الاصل، وهو بقاء المال تحت يد الوصى، يشهد له، فهو مدعي عليه، مع أنه طالب والآخر مطلوب، وعليه يبقى التَّعريفُ الاول هو الأسلم، إلى آخر ما قاله الفقهاء هنا. في كتب الفقه، ومؤلفات فقه القضاء.\n(١٤) رواه البيهقي والطبراني بإسناد صحيح، وروى كل من الإِمام أحمد والامام مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لَو يُعْطَى الناسُ بدعواهم لا دَّعَى ناسٌ دماءَ رجال وأموالهم، ولكن اليمينُ على المدَّعَى عليه\".\nقلت: وهذا الحديث هو أصل طلب البينة من المدعى، وأساسُ إيجابها عليه، يورده ويذكره كثير من الفقهاء في مؤلفاتهم، ويعتمدونه في ذلك، وقد ورد لفظ هذا الحديث ونصه في رسالة القضاء المنسوبة للصحابي الجليل أمير المومنين عمر بن الخطاب ﵁، والتي وجَّهها إلي أبي موسى الاشعري ﵁، والتي ذكرها بعض العلماء في كتاباتهم عن حياة واجتهادات هذا الصحابي الجليل، وفي مقدمتهم الامام الجليل ابن قيم الجوزية، ﵀ في كتابه \"أعلام الموقِعين\" والتي كانت موضوع تحقيق ودراسة من طرف أخينا الفقيه الجليل العلامة الفاضل المرحوم بكرم الله، الأستاذ أحمد سحنون، نال بها درجة الدكتورة في العلوم الاسلامية من دار الحديث الحسنية.\n(١٥) كذا في ع، وفي ت: كثيرة بالتاء، والتذكير جاء على حد قوله تعالى في سورة التحريم ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. سورة التحريم. الآية ٤.","vol":"2","page":226},{"text":"ومن هذا الباب إذا تداعي: قزَّازٌ (١٦) ودبَّاغ جِلْدا، كان الدباغ مدَّعىً عليه، أو قاضِ وجُندي رُمْحًا كان الجندي مدَّعىَ عليه. وعلى هذا مسألة الزوجيْن إذا اختلفا في متاع البيت أنَّ القول قَوْلُ الرجل فيما يُشبِه قماش الرجُلِ، والقولُ قولُ المرأة فيما يُشبه قِماش النساء، وقد تقدم هذا وخلاف الشافعي لنا فيه.\nوأما الأصل وحده من غيرِ ظاهر الحال ولا عُرْفٍ، كمن ادَّعَى على شخص دَيْنا أو غصبا أو جناية ونحوَها، فالأصل عدم هذه الأمور، ويكون القولُ في ذلك قول المطلوب، مع يمينه، لأن الأصل يُعَضده ويخالف الطالب، وهذا مجمع عليه، إنما الخلاف فيما قَبْلَه. (١٧)\nوظهر لك، بهذا قولُ الأصحاب: إنَّ المدعِي هو أضعف المتداعيين سببا، والمدّعَى عليه هو أقوى المتداعييْنِ سببًا.\n\"تنبيه\".\nما ذكزناه من ظاهر الحال ينتقض بما اجتمعت عليه الأمَّة، من أن الصالح الْبَرَّ، التَّقي، العظيمَ الشأنِ في العلم والدِين مثلَ أبي بكر وعمرَ بن الخطاب، لو ادعى على أفْسَقِ الناس وأرذَلِهِم لا يُصَدَّقُ فيه، وعليه البينةُ، وهُوَ مدَّعِ، والمطلوبُ مدَّعىً عليه، والقول قولهُ بيمينه، وعكْسُه لو ادعى الطَّالح على الصالح كان الامر كذلك. وبهذا احتج الشافعي علينا، وينقُض علينا الحدود المتقدمة المذكورة. (١٨)\n_________\n(١٦) القزاز بصيغة المبالغة بائع القزِّ أو منتجُهُ، والقز هو الحرير، والصيغة يراد بها النسبة إلى الحرفة كنجار وحدَّاد ودباغ وغيرها. وعند القرافي: بَزازٌ بالباء، من البز وهو الثياب من الكتان أو القطن.\n(١٧) عبارة القرافي أظهر وهي: \"وإنما الخلاف في الظواهر المتقدمة\".\n(١٨) عبارة القرافي هنا أبْين وأوسع وهي: \"وبهذا يحتج الشافعي علينا، ويجيب عما تقدم ذكره بذلك، وكما أن هذه الصور حجة للشافعي فهي نقض على قولنا: المدعي من خالف قولُه أصلا أو عرْفا، والمدعى عليه منِ وافق قوله اصلا أو عُرفا، فإن العرف في هذه الصورة شاهد، وكذلك الظاهر، وقد ألْغِيَا إجماعًا، فكان ذلك مبطلا للحدود المتقدمة ونقضًا على المذهب، فتأمل ذلك.","vol":"2","page":227},{"text":"\"تنبيه\"\nقال بعض القضاة: قول الفقهاء: إذا تعَاَرض الأصل والغالب يكون في المسألة قولانِ، ليسَ على إطلاقه. بل اجتمعت الأمة على اعتبار الأصل وإلْغاء الغالب في دعوى الدَّين ونحوه، فالقول قول المدعي عليه وإن كان الطالبُ أصلَحَ الناسِ وأتقاهم لله. ومن الغالب عليه ألَّا يَدَّعِي إلا مالَهُ، فهذا الغالب مُلْغىً إجماعا. واتفق الناس على تقديم الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهِدَتْ، فإنَّ الغالب صِدْقُها، والأصل برَآة ذمة المشهود عليه، وإلْغاءُ الأصل ها هنا بالاجْماع عكس الأول، فليس الخلاف على الاطلاق.\n\"تنبيه\"\nخولفت قاعدة الدعاوى في خمس مواضع يُقبَل فيها قولُ الطالب:\nأحدُها اللِعانُ يُقْبَل فيه قولُ الزوج، لأن العادة أن الرجل ينْفي عن زوجته الفواحشَ، فحيثُ أقدم على رمْيها بالفاحشة مع إيمانه قدَّمه الشرع. (١٩)\nوثانيها القَسامة، يُقْبَلُ فيها قول الطالب لترجيحه باللَّوث (٢٠).\n_________\n(١٩) وأصْلُ مشروعية اللِعان وأساسُ حكِمه قوُل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦، ٧، ٨].\n(٢٠) القسامة اسم للْأيمان التي يجب حلفها على جماعة إذا وجد بينهم أو في بلدهم قتيل ولم يُعرف قاتله، فيختار ولِىُّ المقتول خمسين رجلا من تلك البَلدة ليحلفوا بالله أنهما ما قتلوه، ولا عرفوا له قاتلا، وحينئذ تبرأ ذمتهم من دمه، وتسقط عنهم ديته، وإن أبوا وامتنعوا من تلك القسامة كانت ديتهُ على جميع اهل البلد الذي وجد فيه المقتول بينهم، وهي كلمة مشتقة من القسَم، وهو اليمين والحلف بالله تعالى، كلمة اللّوث تعني العلَامة والأمارة على ذلك القتْلِ، وعلى احتمال وقوعه من بعض أهل ذلك أو المكان أو المكان أو المجموعة واحكامُهَا التفصيلية مبسوطة في كتب السنة والفقه. فليرجعْ إلَيها من أراد التوسع في ذلك.","vol":"2","page":228},{"text":"وثالثها قول الأمناء في التَّلف، لَئِلَّا يَزْهَدَ الناسُ في قَبول الأمانات، فتفوت مصالحها المرتَّبة على حفظ الامانات.\nورابعها يُقْبَلُ قولُ الحكام في التجريح والتعديل وغيرها من الأحكام، لِئَلَّا تفوتَ المصالح المرتَّبة على الولاية للأحكام.\nوخامسها قَبول قول الغاصِب في التلف ع يمينه لضرورة الحاجة، لِئَلَّا يُخَلَّدَ في الحَبْس.\nقلت: التنبيه الأول قد نُجيبُ عن إشكاله بأن نقول: ظواهر الأحوال التي ذكرناهَا، جليَّةٌ بينةٌ، غير خائفين من تَبَدُّلِها. وما نُقِضَتْ به من دعوى البَرِّ التقى على الفاسق، يَطرُقُنا الشك في هذه الظواهر، فإن القُلوبَ بيَدِ الله يقلِّبها كيف يشاء (٢١)، فيكون تَقِيًا، الزَّمنَ الطويل ثم ينعكس، وبالعكس. ومعرفة هذا من الأمر الخفى، فألْغِى هذا الظاهر هنا ولم يُعتَبَرْ، بخلاف الظواهر التي ذكرناها لا يَطوُقُها ما طرقَ هذا، فاعتُبِرت، وترتَّبَ الحكم عليها.\nقلت: والتنبيه الثاني إنما الغى الغالبَ الذي هو صِدْقُ البرّ التقِي، لِما قلناه من أن القلوب بيد الله يُقَلبُها كيف يشاءُ، فليْسَ هذا الغالبُ بمعتبَر أصْلا كما قلنا في التنبيه الذي قبله. وكلام الفقهاء في الغالب الذي لا يطرقه مثل هذا كجِلدٍ يدعيه قزَازٌ ودَباغ، الغالب أنه للدباغ، ففى مثل هذا الغالب قولان.\n_________\n(٢١) إشارة إلى حديث أخرجه الامام الترمذي ﵀، ونصُّه: قال شهر بن حوشب ﵁ لأم سلمة رضي الله عها: يا أمَّ المومنين: ما - كان - أكثرُ دعاء رسول اللهﷺ - إذا كان عندك؟ قَالت: كان أكثَرَ دعائه: يا مقلبَ القلوب، ثَبّت قلبى على دينك. قلت: (أيْ أمّ سلمة): يا رسولَ الله، ما أكْثَرُ دعاءَكَ بهذا!، قال: يا أمَّ سلَمة، إنه ليس آدميٌّ إلا وقلبه بين أصبعين من اصابع الله (أيْ امْره بين يدي الله)، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ (أيْ من شاء اللهُ ثباته ثبَّته على الدين والايمان حتى في يختم لَه بالايمان والسعادة، وبِالحسْنى والزيادة،) جعلنا الله منهم بفضله وكرمه، آمين.","vol":"2","page":229},{"text":"وما قاله في البينة إذا شهدت، فإن الغالب صدْقها، ما كان هذا من ترجيح الغالب على الاصل، بَلْ من باب العمل بالخبر الذي لا يصحُّ خلافُه، وهو قوله ﵇: \"شاهِداك أو يمينه\". (٢٢)\nقلت: وعَدُّ اللعانِ فيما ذُكر ليسَ بظاهر. لأنه إنما كان يُقبَلُ قولُه لو كان يُقضَى بصحة قوله عند يمينه، وليسَ الأمر كذلك، بل الأمرُ يتوَقَّفُ على يمين المرأة، فإن حلفت بطلت الدعوى، وإن نكلت تحقَّقت الدعوى، وليسَ في اللِّعَان غيرُ ابتِداء الرَّجل باليمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>القاعدة الثالثة: في الفرق بيْن ما يحتاج للدعوى وبين ما لا يحتاج إليها</span>. (٢٣)\nوتلخيص الفرق أن كل أمرٍ مُجْمَعٍ على ثبوته، وتعَيَّنَ الحقُّ فيه، ولا يؤدِى أخذه لفتنةٍ ولا تشاجُرٍ ولا فَسَادٍ، فيجوز أخْذه من غير رفع للحاكم. فمن وجَدَ المغصوبَ أو غيرَه ممّا هو له، وسلِم ممّا ذُكر، فياخذه ولا يحتاج للحاكم.\nوالذي يحتاج إليه خمسة أنواع:\nالنوع الأول، المختلَفُ فيه، هل هو ثابت أم لا؟، لابد في هذا من الرفع للحاكم حتى يَحْكُم فيه بحكم نوع (٢٤) المسائل المختلَف فيها بيْن مالك والشافعي.\n_________\n(٢٢) قاله النبي - ﷺ - للاشعث بن قيس، رواه الشيخان. وهو دليل على قبول شهادة الرجلين والاكتفاءِ بها في جميع الحقوق والحدود، ما عدا الزني فإنه يُشترط فيه أربعةُ شهود. وأصل الاخذ بشهادة رجلين على أنها بينة وحجة قاطعة، قول الله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: البقرة: ٢٨٢. وقوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ سورة الطلاق: الآية. ٢.\n(٢٣) هي موضوع الفرق الثالث والثلاثين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: قاعدة ما يحتاج للدعوى وقاعدة ما لا يحتاج إليها\". جـ ٤. ص. ٧٦. ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.\n(٢٤) كذا في ع، وح. وفي ت: فرع بدل نوع.\nوعبارة القرافي ﵀: \"فلا بد فيه من رفع للحاكم حتى يتوجَّه ثبوته بحكم الحاكم، فهذا النوع من حيث الجملة يفتقر إلى الحاكم في بعض مسائله دون بعض كاستحقاق الغرماء لرد عتق المديان وتبرعاته قبل الحِجر عليه، فإن الشافعي ﵁ لا يُثبتُ لهم حقا في ذلك، ومالك ﵁ يُثبته فيحتاج لقضاء الحاكم بذلك، وقد لا يفتقر هذا النوع للحاكم، كمن وُهِبَ له مشاع في عقار أو غيره، أو اشترَى مبيعا على الصفة، أو أسلَم في حيوان ونحو ذلك، فإن المستحِق المعتقِد لصحة هذه الأسباب يتناول هذه الأمور من غير حاكم، وهو كثير. والمفتقر منه للحاكم قليل، وفي الفرق بين ما يفتقر من هذا النوع ومالا يفتقر عُسْرٌ\".","vol":"2","page":230},{"text":"النوع الثاني: ما يحتاج للاجتهاد كتقويم الرقيق في عتاق (٢٥) البعض، وتقدير النفقات الزوجات والأقارب، والطلاق على المُولي بِعَدم الفَيئة. (٢٦).\nالنوع الثالث، ما يؤدي أخذُه للفتنة، كالقِصاص في النفس، والأعْضاء، فيُرفعُ ذلك للأئمة (٢٧).\nالنوع الرابع ما يؤدي إلى فساد العِرض وسوء العاقبة، كمن ظفِرَ بالعَيْن المغصوبة، (٢٨) فخاف - إن أخذها - أن يُنسَبَ إلى السَّرقة.\nالنوع الخامس ما يؤدي إلى خيانة الأمانة، (٢٩) وقد قال ﵇: \"ادِّ الْأمانة إِلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك\". (٣٠) وأجازه الشافعي، لحديث\n_________\n(٢٥) كذا في ع، وفي ت: إعتاق، وهو ما في الفروق.\n(٢٦) كذا في ع، وهو ما عند القرافي. وفي حِ: لعَدم النفقة، وفي ت: لعدم البينة، والأولى أظهر وأصوب، لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]. وعبارة القرافي هنا أوضح، حيث قال: \"والطلاق على المُولي بعدم الْفَيئة، فإن فيه تحرير عدا فيئته، والمعْسِر بالنفقة لأنه مختلَف فيه، فمنعَه الحنفية، ولأنه يفتقر لتحرير إعساره وتقديره، وما مقدار الإعسار الذي يطلَّق به، فإنه مختلَف فيه، فعند مالك ﵀ لا يطلَّق بالعجز عن اصل النفقة والكسوة اللتين تُفرَضَان، بل بالعجز عن الضروري المقيم للبنْيَة، وإن كنا لا نفرضه ابتداءً.\n(٢٧) زاد القرافي هنا قوله: لئَلَّا يقع بسبب تناوله تمانُعٌ وقتْلٌ وفتنة أَعظم من الأولى، وكذا التعزير، وفيه أيضا الحاجة للاجتهاد في مقداره، بخلاف الحدود في القذف، والقصاص في الأطراف\" (أي فإنه لا اجتهاد فيها لأنها منصوص عليها) ولا اجتهادَ مع وجود النص القطعي الدلالةِ على المسألة كما هو معروف عند علماء هذه الملة المحمدية.\n(٢٨) وكذا \"المشتراة أو الموروثة، لكم يخافُ من أخذها أن يُنسَبَ إلى السرقة، فلا ياخذها بنفسه، ويَرْفعها للحاكم دفعا للمفسدة\".\n(٢٩) عبارة القرافي أوسعُ وأبْيَن، حيث قال، وذلك إذا أوْدَع عندكَ من لك عليه حق وعجزت عن أخذه منه لعدم اعترافه أو عدم البينة عليه، فهل لك جحْدُ وَدِيعته إذا كانت قدْرَ حقك من جنسه أو من غير جنسه؟ فمنعه مالك، للحديث المذكور: وأجازه الشافعي، لحديث هند بنت عتبة.\n(٣٠) أخرجَه عن أبي هريرة كل من الأئمة: أبو داود، والترمذي وصححه، والحاكم وحسنه، رحهم الله.","vol":"2","page":231},{"text":"هند بنت غتبة: امرأةِ أبي سفيان، حيث أجازَ لها أن تاخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وأولادَها. (٣١) ومنهم من فصّلَ بين جنس الحق وغير جنسه. (٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>القاعدة الرابعة: في تقرير اليد المعتبَرة المرجِّحة لقول صاحبها</span>. (٣٣)\nإعْلَمْ أن اليد إنما تكون مرجحَةً إذا جُهِل أصلُها، أو عُلِم أصلها الحَقّ. أمَّا إذا عُلم أخها بِغَصْبٍ أو عارية، أوَ غير ذلك من الطرق المقتضية وضْعَ اليد من غير مِلك، فإنها لا تكون مُرْجِّحَة الْبَتَّةَ.\nتنبيه:\nاليد عبارة عن القرب والاتصال، وأعظمُها ثياب الإِنسان التي عليه، ونعْلُه ومِنطَقَتُه، ويليه البِساط الذي هو جالس عليه، والدابة التي هو راكبُها، ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها، ويليه الدار التي هو ساكنها، فهي دون الدواب لعدم استيلائه على جميعها. قال بعض العلماء:\nوتُقدَّم أقوى اليدين على أضعفهما، والمتساويتَانِ (٣٤) يُقسَم ذلك بينهما بعْدَ أَيْمَانِهما.\n_________\n(٣١) أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، ونصه:\nأن هندًا بنت عتبة، قالت: يارسول اللهﷺ -، إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ ليس يعطيني إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلَم. قال: خُذِي ما يكفيك وَولدَكِ بالمعروف\".\n(٣٢) قال القرافي هنا: ومنشأ الخلاف هل هذا القول منه ﵇ فتْيا فيصحُّ ما قاله الشافعي، أو قضاءٌ فيصح ما قاله مالك. ومنهم من فصّل بين ظَفَرِكَ بجنس حقك فلك اخذه، أو بغير جنسه فليس لك اخذه. فهذا تلخيص الفرق بين القاعدتين.\n(٣٣) هي موضوع الفرق الرابع والثلاثين والمائتين بين قاعدة اليد المعتَبرة المرجِّحة لقول صاحبها، وقاعدة اليد التي لا تُعتبر، جـ ٤. ص ٧٨. وهو من الفروق القصيرة عند الإِمام القرافي ﵀، ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط ﵀.\n(٣٤) كذا في نسخة ع، ونسخة ت، وفي نسخة ح: والمتفاوتان، وهي غير صواب، إذ التساوي هو الذي يقتضي ذلك القسم بينهما لا التفاوت. وعبارة القرافي هنا: فلو تنازع الساكنان الدار سُوِّيَ بينَهما بعْدَ أيمانهما\".","vol":"2","page":232},{"text":"\"فرع\". قال ابن أبي زيد (في النوادر): إذا ادَّعياها في يد ثالث، فقال أحدُهما: أجَرْتهُ إياها، وقال الآخَرُ: أوْدَعْتُه إيّاها، صُدِّق من عُلِمَ أنه أسْبَقُ. (٣٥) ويُستصحبُ الحال له والمِلكُ، إلا أن تشهد بينة الْآخَرِ أنه فَعَل ذلك بحيازة عن الأول وحضوره، ولم ينكر، فيُقضَى له، فإن جُهِل السابق قُسِمَتْ بينهما.\nقال أشهب: فلو شهِدت بينةُ أحدهما بغصْبِ الثالث منه، وبينّةَ الآخَرِ أن الثالث أقر له بالإِيداع قُضِيَ لصاحب الغصْب.\n\"فرع\". قال في النوادر: لو كانتْ دار في يد رَجُلَيْن، وفي يد عَبْدٍ لأحدهما، فادعاها الثالث قُسم ذلك بينهم أثلاثا إن كان العبد تاجرا، وإلا فنصِفين، لأن العبد في يد موْلاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>القاعدة الخامسة: في تقرير ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دُعِي إليه ممّا\nلا تجب </span>(٣٦).\nفاعلم أنه إذا دُعى إليه من مسافة العَدْوَى فما دُونَها وجَبَتْ الاجابة، وإنْ كان أبْعَدَ لا تجب، وإن لم يكن له عليه حقّ لم تجب الاجابة، أوْلَهُ عليه حق ولكن لا يقف على الحاكم لا تجب أيضا.\nثم إن كان قادرًا على أدائه لزِمَهُ أداؤه، ولا يذهبُ إليه، ومتى عَلِمَ خصْمُه إعسارَه حَرُمَ عليه طلبُهُ ودعواه إلى الحاكم، (٣٧)، وإن دعاه وعلم أنه يحكم عليه\n_________\n(٣٥) في الفروق: صُدَّقَ منْ عُلِمَ سبْق كرائه أو إيداعِهِ.\n(٣٦) هي موضوع الفرق الخامس والثلاثين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دعاه إليه، وبين قاعدة ما لا تجب اجابته فيه. جـ ٤. ص ٧٨، وهو كذلك من الفروق القصيرة، ولم يعلق عليه أبو القاسم ابن الشاط بشيء. ﵀.\nقال هنا الفقيه القاضى أبو بكر بن عاصم في منظومته الفقهية الشهيرة بالتحفة\nومعْ مَخِيلَةٍ بِصِدْق الطالبْ ... يُرْفعُ بالإِرسال غيْرُ الغائب\nومن على يسير الأميال يحُلَّ ... فالكَتْبُ كاف فيه مع أمن السُّبُل\nومع بُعدٍ أو مخالفةٍ كُتِبْ ... لأمثَلِ القوم أنْ إفعلْ ما يَجبْ\nومَنْ عصَى الأمر ولم يحضُر طُبِعْ ... عليه ما يهمه كيْ يرتفع\n(٣٧) أي لقوله تعالي: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ سورة البقرة: ٢٨٠.","vol":"2","page":233},{"text":"بجوَر لم تجبْ عليه الإِجابة، وتحرُمُ في الدماء والفروجِ والحدودِ وسائر العقوبات الشرعية. وإن كان الحقُّ موقوفًا على الحاكم وجبتْ عليه الإِجابة، إلا أن يفعل ما يحكم به عليه كأجَلِ العِنِّينِ، يُخيَّرُ الزوجُ بين الطلاق فلا تجبُ عليه الإِجابة، وبيْن الإِجابة فلا يمتنع منها، ومَتى طوُلب في حقٍ مُختَلَفٍ فيه، والخصم يعتقد ثبوته، وجبتْ الإِجابة، فلو اعتقد عدمَ ثبوته لم تجب الإِجابة، ومتى طولب بحقٍ، وجب عليه على الفور، كرد الغُصوب. ولا يحِلُّ له أن يقول: لا أدفعه إلا بالحكم، لأن المطْلَ ظُلْمٌ، (٣٨) ووقوفُ الناس عند الحاكم صعْب.\nوأما النفقات فيجب الحضور فيها عند الحاكم لتقديرها إن كانت للأقارب، وإن كانتْ للزوجة أو الرقيق خُيِّرَ بيْن العتق، والطلاق والاجابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>القاعدة السادسة: في الفرق بين قاعدة ما يُشْرَع فيه الحَبْسُ وبين قاعدة ما لا يُشَرع </span>(٣٩).\nالمشروع من الحبْسِ ثمانية أقسام: (٤٠)\nالأول الجاني، لِغَيبة المجنى عليه، حفظًا لمحل القصاص.\nالثاني حَبْس الآبِق سنةً، حفظًا للمالية، رجاء أن يُعْرَفَ ربُّه.\nالثالث حبْس الممتنع من دفع الحق، إلجاءً إليه.\nالرابع حبس من أشكل أمْرُهُ في العُسْر واليسْر، اختبارا لحاله، فإذا ظهر حاله حُكِم بموجبه عسرًا أو يُسْرا.\n_________\n(٣٨) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللهﷺ - قال: مَطْل الغني ظُلْمٌ، وإذا أحيلَ احدكم على ملئ فلْيَتْبَعْ\". (أي تماطُلُ الغني الموسر، القادرِ على الوفاء بالدين، يُعتبر في نظر الشرع ظلما للمدين، والظلم: محرم في الإسلام على أية كيفية كان، وصاحبُه آثم، والعياذ بالله، وإذا أحيل الدائن على شخص غني ليوفّيَهُ دينه فليقبَل تلك الإحالة وليأخذْ بها، لما فيها من الَتيسير، وتحصيل المقصود باستيفاء الدين من المدين أو غيره.\n(٣٩) هي موضوع الفرق السادس والثلاثين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: جـ ٤. ص. ٧٩.\n(٤٠) قال ابن الشاط هنا: \"ما قاله في هذا الفرق من انحصار الأسباب الموجبة للحَبْسِ في ثمانية أقسام ليسَ كما قال، وفي ذلك نظر\"، وسياتي إتمامها من كلام تهذيب الفروق.","vol":"2","page":234},{"text":"الخامس حبْس الجاني، تعزيرًا ورَدًّا عن معاصي الله.\nالسادس حبْسُ من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة، كحبْس من أسْلَمَ على أختيْن وامتنعَ من التعيين.\nالسابع من أقرَّ بمجهولٍ عُيِّنَ أو في الذمة وامتنع من تعيينه، يُحْبَسُ حتى يعينه، فيقول في المعَيَّن: هذا هو الثوب، ويقول فيما في الذمة: هو دينارٌ مثلا.\nالثامن، يُحبس الممتنع من حق الله تعالى، الذي لا تدخله النيابة عند الشافعي كالصوم، وعندنا يُقْتَل، كالصلاة، وما عدا هذه الثمانيةَ لا يجوز الحبس فيها، ولا يجوز الحبْسُ في الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه. (٤١).\nسؤال: كيف يَخلَّدُ في الحبْس من امتنع من دفع درهم يَقْدِر على دفعِه، وعجْزنَا عن أخذه منه، لأنها عقولة عظيمة في جناية حقيرة، وقواعدَ الشرع تقتضي تقدير العقوبات بقدْر الجنايات؟ .\nجوابه أنها عقولة صغيرة بإزاء جناية صغيرة فلم نُخالفْ القواعدَ، لأنه في كل ساعةٍ يمتنع من أداء الحق، فيعامَلُ في امتناعه بحبْسه. (٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>القاعدة السابعة: في تقرير من يَلْزَمه الحلف</span>. (٤٣)\nإعلم أنَّهُ كل من توجهت عليه دعوى صحيحة مُشْبِهة.\n_________\n(٤١) قال الشيخ على بن الشيخ حسين مفتى المالكية في عصره رحمهما الله في كتابه تهذيب الفروق والقواعد السَّنية، المطبوع بهامش الأصل كتاب الفروق: الحَبْسُ عشرة أقسام بما زاده ابن فرحون علي ما اقتصرِ عليه الأصل، فقال في آخرها: القسم التاسع: من يُحْبَسُ اختبارًا لما نُسِب إليه من السرقة والفساد.\nالعاشر: حبْسُ المتداعى فيه. وانظر تتمة الكلام على هذا القسم في تهذيب الفروق، ناقلا له عن الشيخ التسولي في شرحه للعاصمية.\n(٤٢) هذا السؤال وجوابه من كلام القرافي ﵀ في هذا الفرق، وليسَس من كلام البقوري، كما قد يتبادر إلي الذهن.\n(٤٣) هي موضوع الفرق السابع والثلاثين والمائتين بين قاعدة من يُشرَعُ إلزامه بالحلف وقاعدة من لا يلزمه الحلف\". جـ ٤. ص. ٨٠.\nوتجدر الإِشارة والتنبيه هنا إلى أنه في الطبعة الأولى لكتاب الفروق ١٣٤٦ هـ، والتي نعتمدها ونرجع اليها في تصحيح ترتيبها واختصارها هذا للشيخ البقوري ﵀، وقع تقديم وتاخير في بعض =","vol":"2","page":235},{"text":"فقولنا. \"صحيحة\" تحرزا من الباطلة، وقد تقدم تبْيينُ الدعوى الصحيحة. وقولنا: \"مشبهة\"، احترازا من التي يُكَذبها العرف، وقد تقدم أن الدعوى ثلاثة أقسام: ما يكذبها العرف، وما يشهد بها، وما لم يتعرض لها بكذب ولا غيره. فما شهد بكذبه كدعوى غريبٍ وديعةً عند جاره، فيُشرع التحليف هنا بغير شرْط، وباتفاق بين الأئمة في ذلك، وما شهد بأنها غير مشبهة كدعوى دَيْن لرجُل في حال صحته على من ليس متعَرضا (٤٤) للتجارة ولا للصنعة، فلا يُستحْلَف هذا الا بإثبات الخُلْطة. قال ابن القاسم: وهي أن يُسالفه أَو يبايعه مرارًا وإن تَقَابَضَا من ذلك الثمن والسلعة. وقال سحنون: لا بدّ من البيع والشراء بين المتداعيين. وقال الشيخ أبو بكر الأبهري. هي أن تكون الدعوى تشبه أن يُدَّعى مثلها على المدعى عليه وإلا فلا يحلف، إلا أن يدعي المدعي بلطْخ. (٤٥) وقال الشافعي وأبو حنيفة: يحلف على كل تقدير.\nلنَا ما راه سحنون أن رسول الله - ﷺ - قال: \"البينةُ على من ادعى واليمين على من أنكر\"، إذا كانت بينهما خلطة، وزيادة العدل مقبولة، ولأنه بذلك قضى عليٌّ ﵁، ولم يُعْلم له مخالِفٌ من الصحابة في ذلك، (٤٦)، ولأن عمل أهل المدينة كذلك، ولولا ذلك لتجرأ السفهاء على ذوي الأقدار بتبذيلهم عند الحاكم\n_________\n= الصفحات ما بين صفحة ٨٠ - ٨٩، فليس فيها حذف ونقص بقدر ما فيها زحلقة لبعض الصفحات عن: محلها، فلينتبه إلى ذلك أثناء الرجوع لتلك الطبعة.\n(٤٤) كذا في ع، وفي مع، وت: مُعَرَّضا، وهو بمعنى ليس منتصبا لهما ولا مشتغلا بهما، ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.\n(٤٥) كذا في جميع النسخ الثلاثة المعتمدة في التحقيق والتصحيح. وزاد شهاب الدين القرافي هنا قوله: \"وقال القاضي أبو الحسن بن القصَّار: لا بدَّ أن يكون المدعى عليه يشبه أن يعامل المدعى، فهذه أربعة أقوال في تفسير الخُلطة التي هي شرط في هذا القِسم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: يحلف على كل تقدير. وبذلك يكون القرافي حكى أقوالا أربعة لا ثلاثة في تفسير الخلطة داخل المذهب، ثم ذكر قول الإمامين أبي حنيفة والشافعي فيما شهد العرف أنها دعوىَ غير مشبهة، بأنه يتوجب الحلف على صاحبها مطلقا، سواء على تقدير الخلطة وثبوتها أو عدمه.\n(٤٦) وقال في ذلك: لا يُعْدَى الحاكم على الخصم إلا أن يعلم أن بينهما معاملة، ولم يُرْوَله مخالف، فكان ذلك إجماعًا.","vol":"2","page":236},{"text":"بالتحليف، وذلك شاقٍّ على ذوي الهيآت، ورُبّما التزموا ما لا يَلزمَهم، فرارا من اليمين (٤٧)، وقد يصادفه عقب الحلف مصيبة، فيقال: هي بسبب الحلف. (٤٨).\nاحتجوا بالحديث السابق بدون زيادة، وهو عامٌّ في كل مدعى عليه، فسقط اعتبار ما ذكرتموه من الشروط، ولقوله ﵇: \"شاهداك أو يمينُهُ، (٤٩) ولم يذكر مخالطة، ولأن الحقوق قد تثبت بدون الخلطة، فاشتراطها يؤدي إلى ضياع الحقوق، وتختل حِكمة الحكام.\nوالجواب أن الزيادة جاءت من عدل فوجب العمل بها.\nوعن الثاني أن الحديث بيانُ من عليه البينة ومن عليه اليمين لا بيانُ حال من تَتَوجَّه عليه، والقاعدة أن اللفظ إذا ورد لمعنى، لا يحتج به في غيره، لأن المتكلم مُعْرِض عن ذلك الغير.\nوعن الثالث أنه معارَض بما ذكرناه من تسليط السَّفَلة (٥٠) على الأتقياء الأخيار بالتحليف عند القضاة.\nوهاهنا ثلاث مسائل (*)\n_________\n(٤٧) مثل القرافي لذلك بقوله: كما فعله عثمان ﵁.\n(٤٨) قال القرافي فيتعيَّن حسمُ الباب إلا عند قيام مرجِّح، لأن صيانة الأعراض واجبة، والقواعد تقتضي درء مثل هذه المفسدة.\n(٤٩) سبقت الإشارة إلى هذا الحديث، وحديثِ البينة على المدعي.\n(٥٠) السفلة: (بفتح السين والفاء). جمع قياسي لسافل، مثل فَجرَة، كفَرة، وظَلَمة، وهو الأرذل الساقط الأخلاق والمروءة من الناس. قال تعالى في شأن الكافرين في الدنيا الأشقياء في الآخرة يوم القيامة: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ سورة عبسَ، الآية ٤٢.\nوقال في شأن المومنين الصالحين السعداء في الدنيا والآخرة يوم القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾، السورة السابقة، الآية ٣٩. كما أن قضاة ورماة على وزن فعلة، جمع قياسي لرامٍ وقاضٍ، كما قال ابن مالك في ألفِيَّتِهِ النحوية في باب جمع التكسير:\nفي نحْو رامٍ ذو اطّرَاد فعَلة ... وشاعَ نحوُ كامِل وكمَلَةْ\n(*) هذه المسائل الثلاث ذكرها شهاب الدين القرافي ﵀.","vol":"2","page":237},{"text":"المسألة الأولى:\nأن الخُلطة حيث اشتُرِطت فهي تَثبُت بإقرار الخصم، والشاهديْن، والشاهد واليمين، لأنها أسبَابُ الأموال، فتُلحَقُ بها. (في الحِجَاج). وقال ابن لُبابة: تَثْبُتُ بشهادة رجل واحد وامرأة، وجَعَله من باب الخبَر، وروي عن ابن القاسم.\nالمسألة الثانية:\nإذا دَفع الدعوى بعداوة، المشهور أنه لا يحلف، لأن العدواة مقتضاها الِإضرار بالتحليف، وقيل: يحلف، لظاهر الخبَر.\nالمسألة الثالثِة:\nقال أبو عمران: خمسة مواطن لا تعتبر فيها الخلطة، الصانع، والمتهمَ بالسرقة، والقائل عند موته: لي عند فلان دَيْن، والضيفُ عند الرجل فيدَّعِي عليه، والعاريةُ والوديعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>القاعدة الثامنة\nفي تمييز المعصية التي هي كبيرة مانعةٌ من قَبول الشهادة من التي ليست كذلك</span>. (٥١)\nإعْلَم أن إمام الحَرَمَيْن منع من اطلاق صغيرة على شيء من معاصي الله تعالى، وكذلك قال جماعة من العلماء. وقال غيرُهم: يجوز ذلك. واتفقوا أن العاصى تختلف بالقدْح في العدالة، وأنه ليس كلّ معصية يَسقط بها العدْل عن مرتبة العدالة، فالخلاف على هذا إنما هو في الاطلاق فقط، وقد ورد إلكتاب العزيز بالاشارة إلى الفرق في قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (٥٢)،\n_________\n(٥١) هي موضوع الفرق التاسع والعشرين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٤. ص ٦٥.\n(٥٢) سورة الحُجُرات: الآية ٧. وأوَّلها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ومن الفسق والعصيان الوشايةُ بالناس، ونقلُ الأخبار الكاذبة عنهم، وذلك منهي عنه ومن الانصياع له بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الآية ٦ من نفسِ السورة.","vol":"2","page":238},{"text":"فجعل للمعْصية رُتَبًا: كُفْرًا، وفُسوقا وهو الكبيرة، وعصيانا وهو الصغيرة. ولو كان المعنى واحدًا لكان اللفظ في الآية متكررا، وهو خلاف الأصل.\nإذا تقرر هذا فنقول: الصغيرة والكبيرة في المعاصي ليس من جهة من عصَى، بل من جهة المفْسَدة الكائنة في ذلك الفعل. فالكبيرة ما عظُمَتْ مفسدتها، والصَّغيرة ما قلّتْ مَفْسدَتها، ورُتَبُ المفاسد مختلفة، وأدنى رُتبها يترتب عليها الكراهية، ثم تترقى حتى تكونَ أعظم رَتب الكراهَة دون الأدْنى من رتب المحرَّمات، ثم تترقى حتى تكون أعلى رتَب الكبائر، يليها الكفر.\nإذا تقرر هذا فالكبيرة تُرَدُّ بها الشهادةُ، وهي ما ثَبت أنها كبيرة بالكتاب أو السُّنة أو بالإِجماع، أو كان قد رُبِط بها حدّ من الحدود، كقطع السرقَة وجَلْد الشرُّب ونحوِهما، أو ما كان فيه وعيد صريح من الكتاب أوْ السنة، فإذا كان (٥٣) هكذا نَنْظر ما ليس فيه هذا، فإن تساوى أدناه (مفسدةً) ورجح عليه في المفْسدة ألحقناه به ورددْنا به الشهادة، وما وجدناه قاصرًا عن أدنى الكبائر جعلناه صغيرة لا تَقْدَح. (٥٤) في العدالة، ولا تُوجب فسوقا إلا أن يُصِرّ عليها فتكون كبيرة.\nوهناَ أربعُ مسائل (٥٥):\n_________\n(٥٣) هكذا في ع. وفي ت: فما كان. وفي ح: نُظِرَ ما ليس فيه هذا.\n(٥٤) كذا في ع. وفي ح، وت: لا يقدح، ومرجع الضمير في كلا العبارتين واضح.\n(٥٥) علق ابن الشاط على كلام القرافي هنا فقال: ما قاله في أول الفرق إلى هذه المسائل، ونقله فيه صحيح، إلا ما قاله في ضبط الكبائر والصغائر باننظر إلى مقادير المفاسد فإنه أصل لا يصح، لأنه بناء على قواعد المعتزلة، وعلى تقدير ألا يكون بنى على ذلك بل على أن الشرع فهمنا منه مراعاة المصالح تفضُّلًا، فلا يصح أيضا الفرق بالنظر إلى مقادير المفاسد، لجَهْلنا بذلك وعدم وصولنا إلى العلم بحقيقته. وإنما الضابط لما تُرَدُّ له الشهادة مادل على الجرأة على مخالفته الشارع في أوامره ونواهيه، أو احتمل الجرأة. فمن دلّتْ قرائن حاله على الجرأة رُدَّتْ شهادتُه كمرتكب الكبيرة، المعلوم من دلائل الشرع أنها كبيرة، أو المصرُّ على الصغيرة إصرارا يؤذن بالجرأة.\nومن احتمل حالُهُ أنه إن فعل ما فعلَ من ذلك - جُرْأة أو فلتة - توقف عن قبول شهادته، ومن دَلتْ دلائل حاله أنه فعل ما فعله من ذلك - أعني ما ليس بكبيرة معلومة الكِبَر من الشرع - فلتةً غير متصف بالجرأة قُبلتْ شهادته، والله تعالى أعلم، لأن السبب في رد الشهادة ليس إلا التهمة بالاجتراء على ما ارتَكبه من المخالفة، فإذا عَري من الاتصاف بالجرأة واحتمال الاتصاف بها بظاهر حاله سقطت التهمة، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":239},{"text":"المسألة الأولى.\nما هو الإِصرار الذي يُصَيُرُ الصغيرةَ كبيرةً؟ فقال بعض الناس: هو أن يتكرر الذنبُ منه، كأنَ يَعزم على العَود أم لا؟ وقال بعضهم: إنْ تَكَررَ من غير عزم لم يكن إصرإرًا، وإنما يكون إصرارا إذا فعَل الذنب وهو عازم على معاودته، فيقال: فُلَان مُصِرٌّ على العدواة، أي مصمم عليها بقلبه، وعلى مصاحبتها ومداومتها، وهذا هو المفهوم من عُرف الاستعمال، وهو الأرجَحُ. (٥٦)\nالمسألة الثانية: ما ضابط التكرار في الإصرإر الذي ما يُصَيِّر الصغيرةَ كبيرةً؟\nقال بعض العلماء: يُنظَر إلى ما يحصل من ملابسة أدنى الكبائر من عدم الؤثوق بملابستها في أداء الشهادة، والوقوفِ عند حدود الله تعالى، ثم يُنظَرُ لذلك التكرار في الصغيرة، فإن حصل في النفس من عدم الوثوق به ما حصل من أدنى الكبائر كان هذا الِإصرارُ كبيَرةَ تُخِل بالعدالة، (٥٧) وهذا يؤكد أنه لابد فيه من العزم. (٥٨).\n_________\n(٥٦) كلام القرافي هنا يزيد هذه العبارة بيانا ووضوحا حيث قال: \"ولا يُفهَم في عرف الاستعمال من الإصرار إلا العزمُ والتصميمُ على الشيء، والأصل عدم النقل والتغيير، فوجب أن يكون ذلك معناه لغة وشرعا، هذا هو الذي ترجح عندي\".\nوقد عقب العلامة ابن الشاط على ما جاء عند الإِمام القرافي في هذه المسألة الأولى فقال: \"الإصرار- لغةً- المقام على الشيء، والمعاودة له. سواءٌ أكان ذلك فعلا أو غيره، لا ما قاله المؤلف من انه العزم والتصميم على الشيء، وعلى ذلك، فالإصرار المَصَيِّرُ للصغيرة كبيرةً مانعةً من قبول الشهادة إنما هو المعاودة لها معاودةً تُشعِر بالجرأة على المخالفة، لا المعاودةُ المقترِنة بالعزم عليها، لأن العزم مما لا يتوصَّل إليه، لأنه أمرٌ باطن.\nفإن قيل: الجرأة أمرٌ باطن، قلت: لم أشترط الجرأة بنفسها، وإنما اشترطت الإشعار بها، وهو ما يُدْركه من يتأمل أحوال الْمُواقع للمخالفة، والله أعلم.\n(٥٧) قال ابن الشاط: ما قاله هذا العالم هو الذي أشرت إليه من الإشعار بالجرأة، وهذا كلام صحيح لا ريب فيه.\n(٥٨) عقب ابن الشاط على قول القرافي هنا: \"وهذا يؤكد أن الإِصرار لابد فيه من العزم، فإن الفلتات من غير أن تستمر لا تكاد تخل بالوثوق\"، قال: إن اراد انه لابد من معرفتنا بعزمه فذلك غير صحيح، وكذلك إن أراد أن الحالة الشعرة بالجرأة، وكذلك إن اراد أن الحالة المشعرة بالجرأة لا تخلو عن الإِشعار بالعزم، لأنه ربَّما عاود المخالفة من غير عزم للمعاودة، وتكون حاله هذه مشعرة بجرأته على المخالفة، فالعزم لا حاجة إلى اشتراطه بوجه، والله أعلم.","vol":"2","page":240},{"text":"وبهذا الضابط أيضا، يُعْلَمُ المباح المُخِلُّ بقبول الشهادة، كالأكل في الأسواق، بِأنْ يَصْدُرَ منه صدورًا (٥٩) يوجب عدم الوثوق به في حدود الله تعالى، كان ذلك مُخِلًا. (٦٠) وذلك يختلف بحسب الأحوال المقترنة وصورة الفاعل وهيئة الفعل، والمعتَمَدُ في ذلك على ما يوجَد في القلب السالم عن الأهواء، المعتدِل المزاج والعقل والديانة، العارف بالأوضاع الشرعية، فهذا هو المعنى لوَزْنِ هذه الأمور. (٦١) ومتى تخللت التوبةُ الصَّغَائرَ فلا خلافَ أنها لا تقدحَ في العدالة، وكذلك ينبغى إذا كانت من أنواع مختلفة، وإنما يحصل اللَّبْس إذا كانت متكررة من نوع\nواحد.\n_________\n(٥٩) في ع: بأن تصْدُر منه صُور توجب عدم الوثوق به، وفي ح: بان تصدر منه صورة (بالإفراد)، وفي ت: فإنه تصدر منه صور، وفي نسخة رابعة: \"بأنْ يَصْدُرَ منه صدورًا\"، وعند القَرافي: \"فإن يصْدُر منه صدورا\"، وعبارة القرافي أظهر وأوضح، لأن الكلام يكون فيه شرط وجواب، أحدهما فعل مضارع، والثاني فعل ماض، وينطبق عليه قول ابن مالك.\nوماضِيَيْنِ أو مضارعيْن ... تُلفيهما أو متخالفيْنِ.\n(٦٠) عقب ابن الشاط على هذا الكلام عند القراقي فقال: ما قاله هنا ليس بصحيح، وإن المباح المخل بقبول الشهادة ربَّما لا يُخِل بها من الوجه الذي تُخل به المخالفة، فإن إخلال المخالفة إنما هو بالعدالة التي أحد ركني قَبول الشهادة، فكيف يكون ضابط الأمرين ضابطا واحدا؟ هذا لا يصح، بل الضابط أن: مخالفة العادة الجارية من الشاهد في أموره المباحة ربما أشعرت بخلل في عقله فيتطرق الخلل إِلى ضبطه، وربَّمال تُشْعِرْ، وذلك بحسب قرائن الأحوال، فإن أشعرت بذلك أو احتملت رُدت شهادته في قبولها، أو توقفت، والله أعلم.\n(٦١) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي هنا إلى آخر هذه المسألة الثانية صحيح، وما قاله في المسألتين: الثالثة والرابعة، نقلٌ توجيه، ولا كلام فيه.\nقلت: وتحْضُرني هنا الأبيات المتعلقة بعدالة الشاهد، والتي جاءت في منظومة تحفة الحكام للفقيه الورع الحجة الإِمام في فقه القضاء، أبي بكر محمد بن عاصم ﵀ حيث قال:\nوالعدْل من يجتنب الكبائر ... ويتقى في الغائب الصغائر\nوما ابيح وهو في العيان ... يقدح في مروءة الإنسان\nوقال:\nوفلْتةٌ من ذي مروءة عثر ... في جانب الشاهد مما يغتَفَرْ\nوهو لذلك يذكر بالحديث النبوي الشريف القائل: \"أقيلوا ذي المروءة عثراتهم\".","vol":"2","page":241},{"text":"المسألة الثالثة.\nالمشهور عندنا قَبول شهادة القاذف قبْل الجَلْد وإن كان القذف كبيرة باتفاق، وقال به أبو حنيفة، وردَّها عبد الملك ومطرِّف والشافعي وابن حنبل ﵃.\nلنَا أنه قبل الجَلْد غيرُ فاسق، لأنه ما لم يُفْرَغْ من جَلْده يجوز رجوع البيِّنة، أو تصديقُ المقذوف له، فلا يتحَقق الفِسقُ، إلّا بعْدَ الجَلْد. والأصل استصحاب العدالة، إذ هي الحالة السابقة.\nاحتجوا بوجوهٍ:\nالأول، أن الآية اقتضت ترتيب الفسق على القذف، وقد يتحقق القذف فيتحقق الفسق بتحققه، سواءٌ جُلِد أوْ لا.\nالثاني، أن الجَلْدَ فرع ثبوت الفسق، فلو قلنا: الفسق يتوقف على الجلد لَزِمَ الدَّوْر. (٦٢)\nالثالث، أن الأصل عدم قبول الشهادة إلا حيث تيقَّنَّا العدالة، ولم تُتَيقن، فَتُرَدُّ.\nوالجواب أن الآية اقتضت صحة ما ذكرنا لا ما ذكرتم، لأن الله تعالى قال: \" ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦٢ م) فرَتَّب الشهادة والقَبول على الجلد.\nقلت: هذا بعيد، وليس في الآية ما يدل عليه، بل رتب الجَلْد وعدمَ قبول الشهادة، والفسقَ على القذف، فانه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾، كذا كذا، وهذا لا خفاءَ به.\n_________\n(٦٢) الدَّور بفتح الدال أن يكون الشيء متقدما ومتأخرا في نفس الوقت، بحيث يتوقف على ما قبله ويتوقف ما قبله عليه، وهو محال، كان يتوقف الفسق على الجَلدِ، ويتوقف الجَلْد على الفسق مثلا، وهو من المستحيلات العقلية، مثل التسلسل إلى ما نهاية له، كما يذكره علماء التوحيد والمنطق في الأدلة النظرية والمنطقية.\n(٦٢ م) أولها: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ...﴾، سورة النور، الآية ٤.","vol":"2","page":242},{"text":"قال شهاب الدين: وعن الثاني أن الجَلدَ فرع ترتيب الفسوق، ظاهرٌ ظهورًا ضعيفًا، (٦٣) لجواز رجوع البينة أو تصديق المقذوف، فإذا أقيم الجلد قوِي الظهور، وحينئذ نقول: إنّ مُدْرَكَ رَدِّ الشهادات إنما هو الظهور القوي لأنه المُجْمَعُ عليه، والأصل بقاء العدالة السابقة.\nقلت: الحق أن الجَلْد والفسق ليس أحدهما فرعًا للآخَر، ولا الآخرُ أصْلًا له، بل هما فرعانِ للقذف ولَازِمانِ له، وكذا اقتضت الآية كما تقدم.\nالمسألة الرابعة.\nقال الباجى. قال القاضى أبو إسحاق والشافعي: لابُدّ في توبة القاذف من تكذيبه لنفسه، لأنَّا قضينا بتكذيبه في الظاهر لَمَّا فسَّقْنَاه، فلو لم يُكَذب نفْسه لكان مُصِرًا على الكذب الذي فسَّقناه لأجْله.\nوعليه إشْكالان: أحدهما أنه قد يكون صادقا في قذفه، فتكذيبه لنفسه كذِبٌ، فكيف يُشترَطُ المعصية في التوبة؟ وثانيهما أنه إنا كان كاذبا في قذفه فهو فاسق، أو صادقا فهو عاص، لأن تعيير الزاني بزناه معصية، فكيف ينفعه تكذيبُهُ نفسَه مع كونه عاصيًا بكل حال؟ .\nوالجواب عن الأول أن الكذِبَ للحاجة جائز، ككذِب الرجل لإصلاحه بين الناس، (٦٤) وهذا التكذيب فيه مصلحة السَّترِ على المقذوف، وتقليلُ الأذِيَّة، ورفْعُ الفضيحة، وقَبولُ شهادته في نفسه، وعَوْدُه إلى حالة الكمال.\n_________\n(٦٣) كذا في ع وح. وفي ت: وعن الثاني أنْ الجَلْد فرع، فَتَرْتيب الفسق ظاهر ظهورا ضعيفا، وهذه عبارة أكثر سلامة ووضوحا في الذهن والمعنى، وعند القرافي \"أن الجلد فرع ثبوت الفسقِ ظاهر ظهورا ضعيفا، وتعقيب الشيخ البقوري على شيخه القرافي أوضح هذه المسألة، وزادَها بيانًا ووضوحًا، فليتأمل، والله أعلم.\n(٦٤) من أم كلثوم بنتِ عُقْبة ﵂ قالت: ما سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يرخِص في شيء من الكذب إلا في ثلاث، كان يقول: لا أعُدُّه كاذبا. الرَّجلُ يصلح بين الناس، يقول القوْلَ ولا يُريد به إلا الإِصلاح، والرَّجل يقول في الحرب، والرَّجل يُحَدَّثُ امرأته والمرأة تحدث زوْجَها\". رواه أبو داود وغيره من ائمة الحديث ﵏.","vol":"2","page":243},{"text":"وعن الثاني أن تعْيِير الزاني صغيرةٌ، ولايمنع الزاني (٦٥) شهادته.\nوقال مالك: لا يُشترَطُ في قبول توبته ولا قَبول شهادته تكذيبُهُ لنفسه، بل صلاحُ حاله بالاستغفار والعملِ الصالح كسائر الذنوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>القاعدة التاسعة: في تقرير التهمة التي ترَدُّ بها الشهادة بعد العدالة من التي\nلا تُرَد بها الشهادة</span>. (٦٦)\nإعْلَمْ أن الأمَّةَ مُجْمِعَةٌ على ردِّ الشهادة بالتهمة من حيث الجملة، لكن وقع الخلاف في بعضِ الرُّتَب.\nوتحرير ذلك أن التهمة تنقسم ثلاثة أقسام: مُجْمَعٌ على اعتبارهَا لقُوّتها، ومُجمَعٌ على إلغائها لضَعفها، ومتوسطة بين ذلك، ففيها الخلاف. فأعلاها شهادة الإِنسان لنفسه، وقعَ الإِجماع على ردِّها. وأدناها شهادة الإِنسان لرجل من قبيلته، أجمِعَ على اعتبارها وبطلانِ هذه التهمة. ومن المتوسط بين الرُّتبتين شهادة الانسان لأخيه أو لصديقه الملاطِف، وكذلك أيضا تُعْتَبَرُ تهمةُ العداوة، ولكن في الدنيا لا في الدين، وقال أبو حنيفة: العداوة مطلقا، وكذلك من رُدَّت\n_________\n(٦٥) كلمة الزاني مذكورة في ع، وح، ناقصة في ت، وكذلك عند القرافي حيت جاءت العبارة هكذا: \"والجواب عن الثاني أن تعْييرَ الزاني صغيرة لا تمنع الشهادة\" أي من القاذف، وهذا هو الصواب والمعنى المقصود، لأن الكلام في القاذف، وأنه ينفعه تكذبيه المطلوب منه تجاه نفسه، فزال الإشكال الثاني بجواب القرافي عنه، فليتأمل ذلك وليصحَّحْ، والله أعلما.\n(٦٦) هي موضوع الفرق الثلاثين والمائتين بين قاعدة التهمة التي تُرَدُّ بها الشهادة بعد ثبوت العدالة وبين قاعدة مالا ترَد به\". جـ -٤. ص ٧٠.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الفرق في آخر الكلام عن الذي قبله (٢٢٩)، فقال: ما قاله في الفروق الستة بعده صحيح، أو نقْل وترجيح، والفروق الستة هي: ٢٣٠ - ٢٣٥. فهي كلها مسلمة عند ابن الشاط ﵀، ورحم القرافي، ورحم سائر علماء المسلمين والمؤمنين أجمعين.","vol":"2","page":244},{"text":"شهادته لفسقه أو كُفرهِ أو صِغره، ثم أدَّاها بعد زوال هذه الصفات، فإنه يُتَّهَمُ هنا. وقيل: يُقبَل الكُلُّ إلا الفاسقَ. (٦٧)\nومن المتوسط شهادة أهل البادية - إذا قُصِدوا في التحمل دون أهل الحاضرة - في البيع والنكاح والهبة ونحو ذلك، لأن العدول إليهم مع إمكان غيرهم تهمة. وقال ابنُ حنبَل: لا يُقبَلُ بَدَويٌّ مطلقا على قروي. وقال أبو حنيفة والشافعي: يُقبل مطْلقا، فحملنا الحديث (٦٨) على مَوضىح التهمة، جمْعًا بينه وبين العمومات الدالة على قبول الشهادة. وحملهُ (٦٩) أبو حنيفة والشافعي على الأعراب الذين لا تُعْلمُ عَدالَتُهم. وقولنا نحن أوْلَى، لأنه لو كان ردُّها لأجْل عدم العدالة لم يكن للتخصيص بصَاحب القرية فائدة، بل إنما هو للتهمة، والله أعلم.\nثم ممّا يُقوي ذلك أنّا نَقْبَله في الهِلال (٧٠) لعدم التهمة، وكذلك نقبله في الجراحات، لأن التهمة تضْعُفُ هنالك، والجِراح يُقصَد لها الخلَوات، بخلاف المعاملات.\n_________\n(٦٧) وفي ذاك يقول الفقيه العلامة أبو بكر، محمد بن عاصم في منظومته الفقهية التحفة:\nولأخيه يَشْهَدُ المُبَرِّزُ ... إلا بما التهمة فيه تبْرُزُ\nوالأبُ لابنِه، وعكسُه منَيعْ ... وفي ابن زوجة وعكسِ ذا اتُّبعَ\nووالدَيْ زوجة أو زوجة أبِ ... وحيثما التهمة حالُها غَلَبْ\nكحالة العدُوِّ والظَّنِين ... والخصم والوصي والمدِين\n(٦٨) المراد به الإشارة إلى حديث أبي داود أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تجوز شهادة بدَوي على صاحب قرية\". والمراد بالبدوي ساكن البادية، المكثر للارتحال من مكان إلى آخر. بينما ساكن القرية من سكن فيها، وقد يُسمَّى حضريا.\n(٦٩) كذا في نسختي ع، وح: وحملها، والصواب أن يقال: وحمله أبو حنيفة والشافعي على أن الضمير يعود إلى الحديثِ، فعند القرافي هنا. وحملوا هُمْ (أي الحنيفية والشافعية) الحديث على من لم تُعْلَم عدالته من الأعراب.\n(٧٠) إشارة إلى ما في الصحيحين: البخاري ومسلم، أن أعرابيا شهد عند رسول الله - ﷺ - على رؤية الهلال فقبل شهادته على الناس، ولأن من قُبِلَتْ شهادته في الجراح قُبِلتْ في غَيْرهَا.","vol":"2","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>القاعدة العاشرة: في ذِكر ما يَصْلُحُ أن يكون مستنَدًا للشهادات</span>. (٧١)\nقال صاحب المقَدِّمات: كلُّ مَن عَلِم شيئا بوجهٍ من الوجوه الموجِبةِ للعلم، شهد به، فلذلك شهدتْ هذه الأمة لنوح ﵇ ولغيره، (٧٢) وصحَّت شهادة خُزَيمة ولم يَحْضُرْ شراءَ الفرس.\nوَمَدَارِكُ العلم أربعة: العقل، والحواس، (٧٣) والنقْل المتواتر، والاستدلال، وشهادةُ خُزَيمة كانتْ بالنظر والاستدلال. ومِثْلُهُ أنَّ عُمَرَ لمّا قال لأبِي هُرَيْرَةَ في رجُل شَرِب خَمْرًا شهِدَ أنه شربها، فقال: أشْهَدُ أنه قاءها، فقال عمر ﵁: ما هذا التعمق؟ فَلَا وربّك ما قاءها حتى شرِبها. والشهادة بالتواتر كالنسَب وولايةِ القاضي وعَزْله.\nوالْأصل في الشهادة العِلْمُ، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٤).\n_________\n(٧١) هي موضوع الفرق السادس والعشرين والمائتين بين قاعدة ما يَصْلح أن يكون مستنَدا في التحمل وبين قاعدة مالا يصلحُ أن يكون مستَندا للشهادات. جـ ٤. ص ٥٥.\nوقد علق عليه ابن الشاط بقوله: \"أكثَرُ ما قاله القرافي فيه نقل، وما قاله فيه صحيح\"، كما سبق ذكره وبيانه في هامش قبل هذا.\n(٧٢) أيْ شهِدَتْ هذه الأمة المحمدية لنوح ولغيره من الأنبياء والرسل على أممهم، بإخبار الرسول - ﷺ -، مصداقا لقول الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، سورة البقرة، الآية ١٤٣. وقوله سبحانه في آخر سورة النور مُمْتَنًا على عباده المؤمنين من الأمة المحمدية: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. سورة الحج، الآية ٧٨.\nوتقدمت الإِشارة إلى شهادة خزيمة، ﵁، وأنها تعدل شهادة رجلين، وهي من خصوصية وفضيلة هذا الصحابي الجليل ﵁؟\n(٧٣) المراد بها الحواس الخمس الظاهرة المجموعة في البيت القائل:\nإن الحواس عندهم لخمسٌ ... سمع بصَرٌ شَمٌّ ذَوقٌ لَمْسُ.\n(٧٤) والآية قبلها ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، الآيتان ٨٥ - ٨٦. من سورة الزخرف.","vol":"2","page":246},{"text":"ثم قد تجوز بالظن، والسماع، قال صاحب القَبَسِ: (٧٥) ما اتسع أحدٌ في شهادة السماع اتساعَ المالكية، فهىَ عندهم في مواطنَ كثيرة، الحاضر منها خمسة وعشرون موضعا: الأحباس، المِلْك المتقادِم، الولاء، النَّسَبُ، الموت، الولاية، العَزْل، العدالة، الجرْح، ومنعَ سحنون ذلك فيهما. قال علماؤنا: وذلك إذا لم يدرك زمانَ المجرَّح والمعدَّل، فإن أدرك فلابد من العلم، الإِسلام، الكُفر، الحمْلُ، الولادة، الرُّشد، السَفَه، الصدقة، الهبة، البيع في حالة التقادم، الرضاع، النكاح، الطلاق، الضرر، الوصية، إبَاقُ العبد، وزاد. بعضهم البُنُوة، الأخوّة. فهذه مَوَاطِن رَأى الأصحاب أنها مواضع ضرورة، فيجوز تحمُّل الشهادة فيها بالظن الغالب. وقال صاحبُ الجواهر: الإِعسار يُلغَى فيه الظن القريبُ من اليقين، وليس مُدْرَكًا بالحِسِّ، بل متلقّىً بالقرائن.\nوأمّا اختلاف العلماء في شهادة الأعمى والشهادة على الخط فليس خلافًا في الشهادة بالظن، بل الكلام في ذلك في تحقيق مناط. فالمالكية يقولون: الأعمى قد يحصل له القطع بتمييز بعض الأقوال، ويتحصل القطع للبصير ببعض الخطوط فيشهد بلا، والشافعية يقولون: لا يحصل القطع بذلك، لالتباس الأصوات وكثرة التزوير في الخطوط.\n\"تنبيه\"\nإعلمْ أن قول العلماء: لا تجوز الشهادة إلا بالعلم، ليْسَ على ظاهره، فإن ظاهرَهُ يقتضي أنه لا يجوز أن يؤدِي إلا ما قطع به، وليْس كذلك، بل حالة الأداء دائما عند الشاهد، الظن الضعيف، في كثير من الصور، بل المراد بذلك أن\n_________\n(٧٥) صاحب القبس - كما سبقت الإشارة اليه، هو الفقيه العلامة الموسوعي الكبير القاضي أبو بكر ابن العربي المعافري، ﵀، وكتابه هذا شرح هام وجليل على موطأ الإِمام مالك ﵀، وقد طبع هذا الكتاب حديثا، وأصبح موجودا في المكتبات يَنْتفِعُ به العلماء وأهل العلم والفقه في الدين، كما طبع كتاب المقدمات لأبي الوليد ابن رشد الجد، ﵀، وأصبح كذلك مرجعا هاما للعلماء والفقهاء، والراغبين في التوسع والتمكن من فهم الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية. فجزى الله خيرا كل من سعى في تحقيق مثل هذه الكتب العلمية الفقهية وفي طبعها وإخراجها للاستفادة منها والانتفاع بها من طرف الطلبة والدارسين والباحثين. والفقهاء والعلماء المتمكنين.","vol":"2","page":247},{"text":"يكون أصْل المُدْرَك عِلْمًا فقط، فإنهُ يشهَد بالدّين على مَن عليه الدَّين، ولعلهُ قد دفعه إليه، فما شهد إلا أنه استصْحب الحال الأول، والاستصحابُ لا يفيد إلا الظن الضعيف، وله نظائر كثيرة. (٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>القاعدة الحادية عشرة: في تقرير ما هو حُجَّةٌ عند الحكام</span>. (٧٧)\nقد تقدم الفرق بين الأدِلة والأسباب والحِجَاج. (٧٨) ثم هي سبع عشرة: الشاهدان، والشاهدان واليمين، والأربعة في الزنى، والشاهد واليمين، والمرأتان، واليمين،\n_________\n(٧٦) قال القرافي ممثلا لتلك النظائر: \"وكذلك الثمَنُ في البيع احتمال دفعه، ويَشهَدُ بالمِلك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن وَرِثه، ويشهد بالاجارة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة، بناء على الاستصحاب، والحاصل في هذه الصوَر كلها إنما هو الظن الضعيف، ولا يكاد يبقى ما يوجَدُ فيه العلم إلا القليل من الصور، مثل النَّسَب والولاء، فإنه لا يقبل النقلَ، فيبقى العلم على حاله، وكالشهادة بالإِقرار فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمان الماضي، وذلك لا يرتفع، ومثل الوقف إذا حكم به حاكم، فإذا لم يحكم به حاكم فإن الشهادة إنما يحصل فيها الظن فقط، إذا شهد بأن هذه الدار وقفٌ، لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه. فتأمل هذه المواطن، فأكثرها إنما فيها الظنُّ فقط، وإنما العلم في أصل المدرك لا في دوامه، فقد تلخص الفرق بين ما هو مُدْرَك للتحمل وما ليس بمدرَك مع مسبِّبَاته، والتنبيه على عدده، وأنه لا يُقتصَر فيه على الحواس فقط كما يعتقده كثير من الفقهاء، بل لو أفادت القرائنُ القطعَ جازت الشهادة بها في جميع الصور.\nوقد عقب الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا التنبيه إلى آخر الفرق تعقيبا هاما ودقيقا، فقال ﵀: ما قاله من أن الشاهد في أكثرِ الشهادات لا يشهدُ إلا بالظن الضعيف غيرُ صحيح، وإنما يشهد بأن زيدا ورث الموضع الفلاني مثلا أو اشتراه، جازما بذلك لا ظانا، واحتمالُ كونه باع ذلك الموضع لا تتعرض له شهادة الشاهد بالجزم، لا في نفيه ولا في إثباته، ولكن تتعرض له بنفي العلم ببيعه أو خروجه عن ملكه على الجملة، فما توهم أنه مضَمَّنُ الشهادة ليس كما توهم، فهذا التنبيه غير صحيح. والله أعلم. فلْيتأمل ذلك وليُصَحِحْ وليُحَققْ في مظانه من أمهات كتب القواعد والفقه الطولة والتوسعة في الموضوع، فإنه مبحث هام وتعقيب دقيق يدعو إلى التأمل والنظر العميق.\n(٧٧) هي موضوع الفرق الثامن والثلاثين والمائتين بين قاعدة ما هو حجة عند الحكام وقاعدة ما ليس بحجة عندهم. جـ ٤. ص ٨٢. وهو من الفروق الطويلة عند شهاب الدين القرافي ﵀. ولَمْ يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط ﵀. مِمّا يدل على انه سلّمَهُ.\n(٧٨) هذا السطر يحتاج إلى تبيان ليتضح مرجع الضمير فيما بعدُ، وذلك بقول القرافي: \"وأن الأدلة شأن المجتهدين، والحجاج شأن القضاة والمتحاكمين، والأسباب تعتمدُ المكلَّفين، والمقصود هنا إنما هو الحجاج، فنقول وبالله نستعين: الحجاج التي يقضي بها الحاكم سبعَ عشرةَ حجة ... \" إلى آخر ما قاله القرافي، وأورده البقوري ﵀.","vol":"2","page":248},{"text":"والشاهد والنكول، والمرأتان والنكول، واليمين والنكول، وأربعة أيمان في اللعان، وخمسون يمينا في القَسامة، والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة بالنساء، واليمين وحدها وإن تحالفا، وتُقسم بينهما فَيقضَى لكل واحد منهما بيمينه، والإِقرار، وشهادة الصبْيان، والقافةُ، وقُمُطُ الحيطان، وشواهدها، واليد. فهذه هي الحجاج التي يقضي بها الحكام، وما عداها لا يُقضَى به عندنا، وفيه خلاف أُنَبِهُ عليه،\nفأذْكُرُ ذلك حجةَ حُجّة بانفرادها:\nالحجة الأولى: الشاهدانِ، والعدالة فيهما شرط عندنا وعند الشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: العدالة حق للخصم، فإن طلبها فحص الحاكم عنها وإلا فلا. وعندنا، هي لله تعالى يجب على الحمام ألّا يحكم حتى يحققها. وقال متأخرو الحنَفِية: إنما كان قول المجهول مقبولا في أول الإِسلام، حيث كان الغالب العدالة، فحُكِمَ بالغالب وتُرِك النادر، وأمّا اليومَ فالغالب الفِسق، فلا يحْكُمُ إِلّا بعْدَ البحث عن العدالة. والمعروفُ عن الحنفية القولُ الأول، واستثنُوْا الحدود، فلا يُكْتَفَى فيها بمجرد الإِسلام، بل لابُدَّ من العدالة، لأنها حقٌّ لله (٧٨ م)\nلَنَا إجماع الصحابة على ما قلناه، من حيث إنَّ عُمَرَ طَلَب التعويف برجَليْن مُسْلِميْن، فقال ﵁، لا أعرفكما، ولا يضرُّكما أن لا أعرفكما، وسأل المعروفَ عن سفَره معهما، وعن مجاورته لهما، وعن معاملته لهما، (٧٩) والظاهر أنه ما سأل عن تلك الأسباب إلا بعدَ علمه بإسلامهما، لأنه لم يَسأل عن إسلامهما. ولنا قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٨٠)، إذْ لوْ كان الإِسلام كافِيًا لمْ يَبقَ في تَقييده بِالعدْل فائدة.\n_________\n(٧٨ م) أي فهو ثابت فَتُطْلَبُ العدالة، وإذا كان المحكوم به حقا لآدمي يجْرَحُهَا وجب البحث عنها.\n(٧٩) أوضح القرافي المسألة فقال: \"فجاء رجل، فقال له عمر: أتعرفهما؟ قال: نَعَم، قال له: أكنْتَ معهما في سفَر يتبيَّنُ عن جواهر الناس؟ قال: لا، قال: فأنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما؟، قال: لا، قال: أعاملتَهُما بالدراهم والدنانير التي تُقطعُ بينهما الأرحام؟ قال: لا، فقال عمر: يا ابن أخي، ما تعرفهما، إئتياني بمن يعرفكما، وهذا بحضرة الصحابة، لأنه لم يكن يحكم إلا بحضرتهم، ولم يخالفه أحدٌ، فكان إجماعا\".\n(٨٠) سورة الطلاق، الآية: ٢، بَعْدَها: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.","vol":"2","page":249},{"text":"ولنا قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، (٨١) ورِضَى الحاكِم بهم فرعُ معرفتِهِ بهم، وبالقياس على الحدود، وبالقياس على طلب الخصم للعدالة.\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، ولم تُشترَط العدالة.\nوقَبِلَ رسولُ الله - ﷺ - شهادة الأعرابي بعْدَ أن قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فلم يَعتبر غيْرَ الإِسلام، (٨٢)، ولأنه لَوْ أسلمَ كافر بحضرتنا جاز قَبُوله، مع أنه لا يتحقق منه إلا الإِسلام، ولأن البحث لا يؤدي إلى تيقُّن العدالة، وإذا كان المقصودُ الظاهرَ فالإِسلام كافٍ في ذلك لأنه أتَمُّ وازِعٍ.\n_________\n(٨١) سورة البقرة: الآية ٢٨٢ وهي من أطول الآيات القرآنية، منها قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.\n(٨٢) إشارة إلى حديث ثبوت شهر الصيام برؤية المسلم الواحد، وهو مروي عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: \"جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: إني رأيت الهلال، فقال: \"أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال - ﷺ -: يا بلال: \"أذِن في الناس فليصوموا\". رواه أصحاب السنن والحاكم وابن حبان.\nوهو حديث أخذ به واعتمدَه بعض الصحابة والتابعين وبَعْضُ الائمةِ المجتهدين. وأخذ الإِمام مالك وبعضُ الائمة الأعلام المجتهدين كالليث والثَّورى والاوزاعي باعماد حديث الشاهديْنِ في ثبوتِ الهلال، وهو ما رواه أبو داود، والدارقطني وصححه، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: عهد إلينا رسول الله - ﷺ - أن نَنسُكَ للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدَا عدلٍ نسكْنا بشهادتهما (أي تَعَبَّدْنَا الله وعَبَدْنَاه بالشروع في العبادة عند ثبوت الرؤية بهما) في شهر الصيام والجج، وغيرهما. وكذلك حديث أبي داود، وأحمد بسند صحيح عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: اختلَف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدِمَ أعربيان، فشهِدا عند النبي - ﷺ - بالله لَأهَلَّا الهلال أمسِ عشيَّة، فأمر رسول الله - ﷺ - الناس أن يفطروا ويَرُوحُوا إلى مُصَلَّاهم. فثُبُوتُ الشهر بالشاهدين عند النبي - ﷺ - في حياته أو خليفته الصحابي بعده، أو الإِمام السلطان بعده، يوجب بداية الصيام في رمضان، والإِفطارَ في العيد، وهذا مُعْتَمد الإِمام مالك، ومذهبه في الرؤية، وهو ما عبَّرَ عنه الشيخ أبو الضياء. خليل بن اسحاق المالكي ﵀ حيث قال في مختَصره: \"بابٌ، يثْبتُ رمضانُ بكمالِ شعبانَ أو برؤية عدلين ولَوْ بصَحْوٍ، أو جماعةٍ مستفيضة\" ... الخ. والجماعة المستفيضة هي التي لا يتواطأ أفرادها على الكذب عادة، كل واحد منهم يقول: رأيت الهلال بنفسي ... الخ\".","vol":"2","page":250},{"text":"والجواب عن الأول أنَّهُ مُطْلق، فيُحمَل على قوله تعالى ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ويتقيد به.\nوعن الثاني أن السؤال عن الإِسلام لا يدل على أنه لم يسأل عن غيره، فلعله سأل، أو كان غيرُ هذا الوصف معلوما عنده.\nوعن الثالث أنَّا لا نَقبَله حتى نعلَمَ سَجَاياه.\nوعن الرابع أنّا نكتفي بما ظاهره العدالة.\nمسألة.\nلا تُقْبَلُ عندنا شهادة الكافر على المسلم، ولا في وصيةِ ميتٍ مات في السفر ولم يحضره المسلمون، ولا على غير المسلمين، وتُمْنع شهادةُ نسائهم في الاستِهلال والولادة، ووافقَنَا الشافعي، وقال أحمد بن حنبل: تجوز شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرُهم، وهُم ذِمّة. ويحلفان بعد العصر ما خَلَطَا ولا كَتَما ولا اشتريا به ثمنًا ولو كان ذا قُربَى، ولا نكنم شهادة الله، إنَّا إذنْ لمِن الآثمين، وهذا عملٌ بالآية عنده، ولا يُقبل في غير هذا عند أحمد. (٨٣) وقد اخْتُلِف في فهْم الآية. وقال أبو حنيفة: يُقبَل اليهودي على النصراني، والنصراني على اليهودي مطلقا، لأن الكفر ملة واحدة. وعن قتادة وغيرِهِ، يُقبل على ملته دون غيرها.\n_________\n(٨٣) والآية المشار اليها هي قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾. سورة المائدة الآية ١٠٦.\nوالاستهلال: بكاء المولود حين خروجه من رحم أمه، وهو دليل على اكتماله وحياته، فيقال: استهلَّ الصبي صارخًا، إذا بكَى عند الولادة. واستهلال الكلام: افتتاحه وبدايته، ومنه براعة الاستهلال في الخطبة أو حديث الكلام، وهي أن ياتي المتكلم أو الكاتب أو الخطيب في أول كلامه بما يُشعر بالمقصود، ويفيد بالموضوع الذي يستَحدثُ عنه أو فيه.","vol":"2","page":251},{"text":"لنا قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٨٤).\nوقال ﵇: لا تُقْبَلُ شهادةُ عدُوٍ على عدُوِّه، (٨٥) وقياسا على الفاسق، بل بطريق الأولى، ولقوله تعالى: ﴿وأشهِدوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولأنه جاء في الحديث \"لا تُقبلُ شهادة أهل دِين على غير أهْل دينه إلا المسلمون، فإنهم عدولٌ عليهم وعلى غيرهم\".\nإحتجوا بقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. الآية، وإذا جازت على المسلم جازتْ على الكافر بطريق الأولى، وبأنه رُوي عن الشعبي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن شهد منكم أربعة رجَمْتُهُما\"، وخطابه لأهل الكتاب. (٨٦)\nوالجواب أن الحسَن قال: \"مِن غيْر عَشِيرتكم\"، وأيْضًا فالآيةُ تدل على التخيير بَيْن المسلمين وغيرهم، ولم يَقُلْ به أحَدٌ، فدل على نسخ ذلك.\nوعن الثاني أن الصحيح منهما اعترفا بالزنى، فكان الرجم بالاعتراف، ولمْ يصِحَّ أَمْرُ الشهادة في ذلك.\n_________\n(٨٤) وأولها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. سورة المائدة، الآية ١٤.\n(٨٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولاذي غِمْرٍ على أخيه السلم، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت\" والقانع هو الذي ينفق عليه أهل البيت. والغمرُ بكَسْر الغين: الحاقد، رواه كل من الامامين: احمد بن حنبل، وأبُوداد، وأورد له السيد سابق في كتابه فقه السَّنة صيغة أخرى في هذا المعتى، وهي \"لا تُقَبَل شهادةُ خصم على خصمه\".\n(٨٦) في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن اليهود أتَوْا إلى النبي - ﷺ - برجل وامرأة منهم قد زنيَا، فقال: ما نخِدون في كتابكم؟ (أيْ هل يوجد حكم الرجم في كتابكم التوارة)، فَلَّما وجَدُوا حَدَّ الرجم في كتابهم التوراة أمرَ رسول الله - ﷺ - بهما فرُجما\"، وذلك بناء على شهادتهم هُمْ أهل الكتاب على بعضهم.","vol":"2","page":252},{"text":"\"فرع\"\nقال ابْنُ أبي زيد: لو رضى الخصم بحكم الكافر أو المسخوط لمْ يحْكَمْ له به، لأنه حق لله تعالى.\nالحجة الثانية، الشاهدان واليمين، ما علمتُ عندنا ولا عند غيرنا خلافًا في قبول شاهديْن مسلميْن عدْلين في الدماء والديون.\nوقال مالك ﵀: إنْ شهِدَا لَهُ برِبَاع (٨٧) في يدِ أحَدٍ لا يستحقُّها حتى يَحلف ما باع ولا وهبَ ولا خرجتْ عن يده بطريق من الطُّرُق المُزِيلَةٍ للملْك، وهذا الذي عليه الفُتْيَا والقضاءُ عندنا.\nوعلَّلَهُ الأصحابُ بأنه يجوز أن يكون باعها لهذا المدّعَى عليه، أو لمن اشتراها هذا المدعَى عليه منه. ومع قيام الاحتمال لابُدَّ من اليمين، وهذا مُشْكِلٌ بالديون، فإنه يجوز أن يَكون أبْرأهُ من الديون، أو دفَعَه له وعاوضه عَليه، ومع ذلك فلا اعتبارَ بهذه الاحتمالات، وإذا قبِلْناهُما في القتْل، ويُقتَلُ بهما مع جواز العفو، فلَأنْ يُقْضَى بهما في الأموال أوْلَى.\nوبالجملة، اشتراطُ اليمين مع الشاهديْن حيث ذُكر، صعبٌ (٨٨)، لا سيما وهو يقول ﵇: \"شاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ\" (٨٩) وكذلك ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فالظَّاهرُ أن الشهادة كما ذكر حجَّة تامَّةٌ لا حاجة إلى اليمين مع الشاهِديْن، وكذلك قال الشافعي وغيرُهُ، سوى مالِك، وهو الصحيح.\n_________\n(٨٧) كذا في جميع النسخ ع، ح، ت. بعين، وهو ما في نسخة أخرى رابعة وما عند القرافي، وهي أنسب وأظهر، لأن العين حينئذ أعم وأشمل للرِّباع وغيرها، فلْيُتأمل.\n(٨٨) كذا في جميع النسخ: ع، ح. ت. وعند القرافي: \"وبالجملة فاشتراط اليمين مع الشاهدين ضعيف\"، وهو تعبير أظهر وأوضح.\n(٨٩) عن الأشعث بن قيس قال: \"كان بيني وبين رجُلٍ خصومةٌ في بئر، فاختصمْنَا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: شاهِداك أو يَمينُهُ\"، فقلت: إنه يحلف ولا يبالي، فقال: من حلَف على يمين يقتطع بها مالَ امرئ مسلم لَقِىَ الله وهو عليه غضبان\" اخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله.","vol":"2","page":253},{"text":"الحجة الثالثة: الأربعة في الزنى، لقوده تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ (٩٠).\nقال أبو عُمَر: يُشترط اجتماع الشهود عند الأدَاء في الزنى والسرقة، ولا يُشترط في غيرهما ذلك، ولا أعرف دليلا يدل على ذلك، (٩١) والمناسبات (٩٢) بمجردها لا تكفي في اشتراط الشروط، بل لابدَّ من قياس صحيح أو نص صريح. (٩٣)\nالحجة الرابعة. الشاهدُ واليمين، قال به مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة، ليس بحجة، ويُنقَضُ الحكم إن وقع، وهُوَ بِدْعة، وأول من قضى به معاوية، وليس كما قال. (٩٤)\nلَنَا وجوه: (٩٥)\nالأول ما جاء في الموطأ أن رسول الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد، وقال ابن عباس: ذلك في الأموال.\n_________\n(٩٠) أول الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ...﴾ سورة النور - الآية ٤.\n(٩١) كذا في جميع نسخ التحقيق والتصحيح: ع. ح. ت. وعند القرافي قولهُ:\n\"في نظائر أبي عمران: يشترط اجتماع الشهود عند الأداء في الزنى والسرقة، ولا يشترط ذلك في غيرهما، وصعُب عليَّ دليل يدل على ذلك\" الخ، ففي نسخ الترتيب نسبة القول إلى أبي عمر، وفي الفروق نسبته إلى أبي عمران في كتابه النظائر، فليصَحَّحْ ذلك، والله أعلم.\n(٩٢) كذا في ع، وح، وعند القرافي، وفي نسخة ت: المسبَّبَات (فلْيتأمل وليحقَّقْ).\n(٩٣) زاد القراقي هنا توضيحا في المسألة فقال: \"وأما قولنا: ذالك أبْلغُ في طلب الستر على الزناة وحفظ الأعْضاءِ عن الضياع، فهذا لا يكفي في هذا الشرط، فيمكن ايضا على هذا السياق أن نشترط التبريز في العدالة أو يكون الشاهدُ من اهل العلم والولاية وغير ذلك من المناسبات، وهي على خلاف الاجتماع، فَلَمْ يبقَ إلا اتِّباع موارد النصوص والادلة الصحيحة، وغيرُ ذلك صَعْبٌ جدا\" اهـ.\n(٩٤) قال القرافي: بل أكثرُ العلماء قال به، والفقهاءُ السبعةُ وغيرهم.\n(٩٥) ذكر القرافي أنها ثمانية، وعدَّها، وقد ذكر الشيخ البقوري ستا منها، واقتصَرَ عليها اختصارا.","vol":"2","page":254},{"text":"الثاني إجماع الصحابة على ذلك. وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأُبَيّ ابن كعب، وعددٍ كثير من غير مخالف، قاله النيسابوري وغيره.\nالثالث: ولأن اليمين شُرِعَتْ في حق من ظهر صدقُهُ وقوِيَ جانبه، وقد ظهر ذلك في حقه بشاهده (٩٦)، وقياسا على اليد (٩٧) حيث كان معها اليمين، وقياسا على المرأتين حيث كان الحلف معهما. (٩٨).\nواحتجوا بوجوه: (٩٩)\nالأول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، وهذا يقتضي الحصر في الرجُل والمرأتين حال عدم الرجلين.\nالثاني قوله ﵇: \"البينة على من ادعى واليمين على من أنكر\"، فهذا يبين لنا ألّا يَمِينَ على المدعي، وأن اليمين محصورة في المُنكِرِ.\nوالجواب عن الأول أنّا لا نُسَلِّمُ الحصْرَ، بل أثبَتَ الرجل والمرأتين، وسكَتَ عن غيرِ ذلك، وعن الثاني أنا لا نُسَلمُ الحصر أيضًا.\n_________\n(٩٦) الوجه الرابع اختصره البقوري ولم يذكره، وهو أن الشاهد أحد المتداعيين، فتُشرعُ اليمينُ في حقه إذا رجَعَ جانبه كالمدعى عليه.\n(٩٧) كذا في جميع النسخ، وفي الفروق: \"وقياسا للشاهد على اليد\".\n(٩٨) عبارة القرافي: الوجه السادس: \"ولأن اليمين أقوى من المرأتين\"، لدخولها في اللعان دون المرأتين، وقد حُكِمَ بالمرأتين مع الشاهد، فيُحْكم باليمين.\nالسابع: \"ولقوله ﵊ \"البينة على من ادعى واليمين على من أنكر\"، وهي مشتقة من البيان، والشاهدُ واليمينُ يبين الحق.\nوالثامن قوله تعالى: \"إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا\"، وهذا ليس بفاسق، فوجب أن يُقبل قوله مع اليمين، لأنه لا قائل بالفرق\".\n(٩٩) عدَّها القرافي ستة، وأجاب عنها في الأصل، كتابه الفروق، احتج بها الحنفية، واكتفى البقوري باثنين منها، واقتصر عليهما وعلى الإِجابة عنهما.","vol":"2","page":255},{"text":"\"تنبيه\".\nقال بعض العلماء: يثبت بالشاهد واليمين في مذهب مالكٍ، أربعةُ: الأموالُ، والكفالة، والقِصاص في جِراح العمد، والخُلْطة التي هي شرط في التحليف في بعض الأحوال. (١٠٠) والذي لا يثبت بالشاهد واليمين: النكاح، والطلاق، والعتق، والولاء، والأحبَاس، والوصايا لغير المعَيَّن، وهلال رمضان، وذو الحجة، والموتُ، والقذف، والايصاء، ونقلُ الشهادة، وترشيد السفيه.\nوالمختَلَف فيه هل يَثْبُت أم لا؟ . الوكالة، ونكاح امرأة ماتت، والتجريح، والتعديل.\nتنبيه:\nقول مالك ﵀ بالشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد، اعتمادا على أنها يُصالَحُ عليها بالمال في بعض الأحوال، مشكِل جدّا، فإنه ألغَى الاصل واعتبرَ الطوارئَ البعيدة، (١٠١) وذلك لازم له في النفس أيضًا، وهو خلاف الإِجماع. ويُشكل أيضًا من حيث إنه لم يقل بذلك في الاحباس ح أنها منافع، ولا في الولاء، ومآلهُ إلى الإِرث وغيرِ ذلك ممّا مآله إلى المالِ.\nالحجة الخامسة، المرأتان واليمينُ حجّةٌ في الأموال. وقاله أبو حنيفة، ومنعه الشافعي وابن حنبل.\n_________\n(١٠٠) عبارة \"في بعض الأحوال\"، ثابتة في ع، وح، ناقصة في ت. وعند القرافي: \"في بعض الأموال\"، ولعَلَّ اعتبار \"بعض الأحوال\" أظهر، ويراد بها بعض أحوال الاموال، وتصْدُقُ عليها. كما يأتي في التعليق الآتي بعدُ.\nفيُوَفّقُ بين الكلمتين، ويُجْعل كِلاهما صحيحا وسليما، والله أعلم، فلْيحقَّق ذلك، وليصحَّحْ.\n(١٠١) كذا في ع، وح. وفي ت: قال مالك رحمه الله تعالى: يُعمل بالشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد، وهو مشكل جدا.\nوعند القرافي ﵀: قَبُول مالكٍ للشاهدِ واليمين في القصاص في جراح العمد، اعتمادًا على أنها يصالحُ عليها بالمال في بعض الاحوال، مشكل جدا، فإنه إلغاء الأصْل واعتبارٌ للطوارئ البعيدة ... إلى آخره).","vol":"2","page":256},{"text":"لَنَا أن الله تعالى أقامَ المرأتين مُقامَ الرّجل، فَيُقْضَى بهما مع اليمين كالرجل. (١٠٢) ولنا أنه يحلف مع نكول المدّعْى عليه، فمَعَ المرأتين أوْلَى (١٠٣).\nإحتجوا. بأن الله تعالى إنما شَرَطَ شهادتهن مع الرجل، فإذا عُدِمَ الرجُل ألْغِيتْ.\nالثاني أن شهادة النساء ضعيفة، فتقوى بالرجل، واليمين ضعيفة، فلا يصحُّ ضمُّ ضعيف إلى ضعيف. (١٠٤)\nوالجواب عن الأول، أنهُ تعالى أثبتَ شهادتهما مع الرجل، ولم ينْفِ شهادتهما بذلك مع اليمين، بل كان الأمر في الآية المذكورة قد سُكِتَ عنه، وقد دلَّ على شهادتهما مع اليمين الاعتبارُ الذىَ ذكرناه، فيُعْمَل بذلك.\nوعن الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ ضَعف المرأتين، بل هما كالرَّجل. سلّمناه، لكنا لا نُسلم منْعَ ضم ضعيف إلى ضعيف، بل يصِحُّ أن تحصل القوة من حيث الضم المذكور. (١٠٥)\n_________\n(١٠٢) زاد القرافي هنا قوله: ولمَّا علل ﵇ نقصان عقلهن قال: عدَلَتْ شهادةُ امراتين بشهادةِ رجل، ولم يَخُصَّ موضعا دون موضع.\n(١٠٣) ذَكر القرافي وجْها ثالثا، وهو أن المرأتين أقوى من اليمين، لأنه لا تتوجه عليه يمين معهما، وتتوجه مع الرجل، وإذا لم يعرَّجْ على اليمين إلا عند عدمهما كانتا أقوى، فتكونان كالرجل فيحلف معهما.\n(١٠٤) زاد القرافي وجْها ثالثا مما احتج به الشافعية والحنابلة لقولهم ورأيهم في الموضوع، فقال: \"الوجه الثاني أن البينة في المال إذا خلتْ من رجلٍ لم تُقْبل، كما لو أشهد أربعَ نسوة، فلو أن امرأتين كالرجل لتم الحكم بأربع، ويُقبَلن في غير المال كما يُقبَل الرجل، ويُقْبَلُ في غير المال رجل وامرأتان.\n(١٠٥) جواب القرافي عن الوجه الأول وعبارته فيه أظهر مما عند البقوري حيث قال:\n\"والجواب عن الأول أن النصَّ دل على أنهما يقومان مقام الرجل، ولم يتعرض لكونهما لا يقومان مقامه مع اليمين، وهو مسكوت عنه، وقد دل عليه الاعتبار المتقدم، كما دل الاعتبار على اعتبار القُمُط في البنيان والجذوع وغيرها.\nوالجواب عن الثاني أنا قد بيَّنا أن المرأتين أقوى من اليمين، وإنما لم يستقلَّ النسوة في أحكام الابدان، لأنها لا يدخلها الشاهد واليمين، لأن تخصيص الرجال بموضع لا يدل على قوتهم، لأن النساء قد خُصِّصْنَ بعيوب الفرج وغيرها، ولم يدل ذلك على رجحانهن على الرجال، وهو الجواب عن الوجه الثالث.","vol":"2","page":257},{"text":"الحجة السادسة، النكول والشاهد حجة عندنا، خلافا للشافعي.\nلنا أن النكول سبب مُؤثّرٌ في الحكم يُحْكَم به صح الشاهد، وتاثيره أن يكون المدعَى عليه ينقل اليمين للمدَّعي. (١٠٦)\nاحتجُّوا بوجُوهٍ:\nالأول، أن السنة إنما وردت بالشاهد واليمين، وهو تعظيم الله تعالى، والنكوُل لا تعظيم فيه.\nوثانيها، أن الحِنثَ فيه يوجبُ الكفارة، ويَدَعُ الديار بَلَاقِعَ (١٠٧) إذا أقْدَمَ عليها غَمُوسًا، وليس كذلك النكوُل.\n_________\n(١٠٦) قال القرافي: الوجه الثاني أن الشاهد أقوى من يمين المدعي، بدليل أنه يرجع لليمين عند عدم الشاهد.\nالوجه الثالث أن الشاهد يدخل في الحقوق كلها، بخلاف اليمين.\n(١٠٧) بلاقع: جمع بلْقع وبَلْقَعة، وهي الدار الخرِبَةُ والبقعة المقفرة من مكان خال. وقد وردت هذه الكلمة في البيْتِ الثالث من قصيدة شهيرة لطيفة للشاعر الاسلامي المخضرم لبيد بن ربيعة، يرثي فيها أخاه إربد، وضمنها عواطف انسانية، ومواساة لنفسه ومواعظ مؤثرة، ومما جاء فيها ويحسن ذكره وإيرادُه على سبيل الاستطراد للمناسبة والفائدة، والاستحضار والموعظة، قوله:\nبَلِينا وما تَبْلَى النجومُ الطوالعُ، ... وتبقى الديارُ بعْدَنا والمصانع\nوقدْ كنتُ في أكناف جارٍ مَضِنة، ... ففارقَنَا جارٌ يأربدَ نافع\nوما الناسُ إلا كالديارِ وأهلِها، ... بها يوم خَلَّوْها وراحوا، بلاقِع\nوما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحورُ رمادًا بعد اذ هوَ ساطع\nوما المال والاهلون إلا ودائعٍ ... ولابُدَّ يومًا أن تُردَّ الودائع\nوما الناسُ إلا عامِلان فَعامل ... يُثَبِّرُ ما بينِي وآخَرُ رافع\nفمنهم سعيد آخذ بنصيبه ... ومنهم شقى، بالمعيشة قانِعُ\nلعمرك ما تدْري الضواربُ بالحصى ... ولا زاجراتُ الطير ما الله صانع\nوفي هذا البيت إثارة إلى ما جاء به الإسلام من النهي عن الكهانة، وعن الاعتماد في التفاؤل أو التشاؤم على زجر الطير وإطلاقِها لتذهب ذات اليمين أو ذات الشمال، ودَعَا إليه من وجُوب اعتقاد أن الغيب عِلمُه عند الله تعالى لا يعلمه ألا هو سبحانه، وأن التوكل يجب أن يكون عليه، وذلك من أثر الإسلام وفضله على المسلمين وهدايته في قلب هذا الشاعر ونفسه، ومن ثمرة ايمانه الذي كان يحمدُ الله عليه ويقول في البيت الوحيد الذي روى له بعد اسلامه:\nالحمد لله إذ لم ياتنى أجَلى ... حتى اكتسَيتُ من الإسلام سرِبالا\nوقيل: هو قوله:\n\"ما عاتب الحر الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح. =","vol":"2","page":258},{"text":"الثالث أن النكول لا يكون أقوى من حجة أصل الحق، وَجَحْدُهُ لا يُقضَى به مع الشاهد، فإنه يكون قضاء بالشاهد وحْدَهُ، وهو خلاف الإِجماع.\nوالجواب أن التعظيم لا مدخل له هاهنا، بدليل أنه لو سبَّحَ وهلل ألْفَ مرة لا يكون حجة ح الشاهد، وإِنما الحجة في إقدامه على موجِب العقوبة على تقدير الكذب، وهذا كما هو وازع دينيِ فالنكول فيه وازع طبَعى، لأنه إذا قيل له: إنْ حلفتَ بَرئت، وإن نكلتْ غرِمْتَ، فنَكَل، كان ذلك في خِلاف الطبع، والوازع الطبيعي أقوى من الوازع الشرعي، بدليل أن الإِقرار يُقْبَلُ من البَرِّ والفاجر، لكونه على خلاف الوازع الطبعي، والشهادة لا تُقْبَلُ إلا من العدل، لأن وازعها شرْعي.\nوعن الثاني أن الكفارة قد تكون أوْلى من الْحق المختلَف فيه، وهو الغالب، فيُقْدِمُ على اليمين الكاذبة، فالوازع حينئذ إنما هو الوازع الشرعي، وقد تقدم أنه دون الوازع الطبعي.\n_________\n= فالحمد لله على نعمة الإسلام وهداية الايمان، فهي أعظم نعمة على الانسان إذا عرف ذلك واهتدى اليه بِفضْل الله ورحمته، وتوفيقه وإسعاده لمن هداهم إلى دينه الحنيف من عباده المومنين الصالحين.\nوقد عاش هذا الشاعر المسلم مائة واربعين سنة حتى شعُر بالضعف والملَل من الحياة كما سئمها زهير بن أبي سلمى، فقال في ذلك:\nولقد سئمتُ من الحياةِ وطولها ... وسؤال هذَا الناس كيفَ لبيدُ\nوقال زهيرْ بن أبي سلمى في قصيدته التي هي إحدى القصائد السبع المعروفة بالمعلقات:\nسئمت تكاليف الحياة ومن يعشْ ... ثمانين حولا لا أبا لك يسْأمْ\nأما الاسلامُ فقد علّمنا ان ندعو الله تعالى ونسأله سبحانه الحياة الطيبة، فقال - ﷺ -: \"لا يتمنين أحدُكم الموتَ لضر أصابه، ولكن يقول: اللهمّ أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الممات خيرا لي، كما علَّمنا ان نقول: اللهمّ متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما احييتنا، واجعله الوارث منا، وقال - ﷺ -: \"خيْرُكم من طال عمرُه وحسن عمله\". جعلنا الله منهم بفضله ورحمته وجوده وكرمه، وختم لنا بالإيمان والسعادة التي ختم بها لأوليائه وأصفيائه، ولكافة المومنين الصالحين من عباده. آمين.","vol":"2","page":259},{"text":"وعن الثالث أن: سد الجحْد لا يُقْضَى به عليه، فلا يخافه، والنكول يُقضى به عليه بعدَ تقدُّم اليمين فيخافه، فظهر أن النكول أقوى من اليمين وأقوى من الجحد.\nالحجة السابعة: المرأتان والنكول عندنا، خلافا للشافعي، والمُدْرَك ما تقدم سؤالا وجوابا.\nالحجة الثامنة: النكول واليمين. وصُورَتُهُ أن يطالَب المطلوبُ باليمين الدافعة فينكُل، فيحلِفى الطالبُ، ويَسْتَحِقُّ بالنكول واليمين. فإن جَهِل المطلوبُ ردَّها فعلى الحاكم أن يخبره بذلك، ولا يَقضى حتى يردَّها، فإن نكل الطالب فلا شيء عليه. وقاله الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كانت الدعوى في مالٍ، كُرِّر عليه ثلاثا، فإن لم يحلف لزمه الحق ولا يَرُدُّ اليمينَ، وإن كانتْ في قَوَدٍ، (١٠٨)، فلا يُحْكَم بالنكول، بل يُحْبَسُ حتى يحلف أو يعترفَ، وفي النكاح والطلاق والنَّسَبِ وغيره لا مدخل لليمين فيه. وقال ابن أبي ليلَى: يُحْبَسُ في جميع ذلك حتى يحلف.\nلنا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (١٠٩)، ولا يمينَ بعد يمين إلّا ما ذكرناه. وظاهرُه مردود بالاجماع، فَتَعَيَّنَ حمْلُهُ على يمين بَعْدَ ردِّ يمين، وهو على حذف مضاف وإقامة المضافِ إليه مُقامَه.\n_________\n(١٠٨) القَود بفتح القاف والواو: القصاص، وسمِّي القصاص قوَدًا، لأن الجاني يُقاد إلى أولياء المقتول، فيقتلونه به إن شاءوا، وقيل: معناه المماثلة، حيث يقع القصاص من الجاني بجناية مماثلة. ومعلوم شرعا أن القصاص لا يحكم به وينفذه إلا الإِمام السلطان، ومن ينوب عنه في تنفيذه وإصدار الحكم باسمه من الولاة والقضاة والحكام، وذلك حماية للنفوس والأعراض والأموال، ووقاية لها من الظلم والاعتداء والضياع كما هو ثابت ومنصوص عليه شرعًا.\n(١٠٩) سورة المائدة: الآية ١٠٨.","vol":"2","page":260},{"text":"الثاني أن الأنصَار جآت إلى النبي - ﷺ -، وقالت: إن اليهود قتلت عبْد الله وطرحته في نقير، فقال ﵇: أتحْلِفون وتستحِقُّون دَمَ صاحبكم؟ قالوا: لَا، قال: فتحْلِفُ لكم يهودٌ، قالو: كيف يحلفون وهم كفار؟ (١١٠).\nالثالث ما رُوِي أن المقداد اقترضَ من عثمانَ ﵁ سبعة الآف درهم، فلَمّا كان وقتُ القضاء جآء بأربعةِ آلاف، فقال عثمان: أقرضتُكَ سبعةَ آلاف، فترافعا إلى عمر، فقال المقداد: يحلف وياخُذُ، فقال عمر لعثمان: لقد أنصَفَكَ، فَلَمْ يحلف عثمان، فنقل عمرُ اليمين إلى المدّعي، وتَوَافَقَ ثلاثتُهم على هذا، ولم يخالفهم غيرُهم، فكان إجماعا، ولَنا غيرُ هذه الوجوه، ذكرها الفقهاء (١١١).\n_________\n(١١٠) أي فجعل ﵇ اليمين في جهة الخصم، وهذا إشارة إلى الحديث الصحيح المروى عن رافع بن خديج أن محيِّصَة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قِبَل خيْبَر، أي جهتها، فتفرقا في النخل، فقُتِلَ عبد الله، فاتَّهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمان وابنا عمه حُوَيّصة ومحيِّصة إلى النبي - ﷺ -، فتكلم عبد الرحمان في أمر أخيه وهو أصغر منهم، فقال: كبِّرْ الكُبْر (أي عظم من هو أكبر منك واتْركه يتكلم، أدبا معه)، أو قال: لِيبدأْ الأكبر، فتكلما في أمر صاحبهما فقال النبي - ﷺ - يُقْسِمُ خمسون منكم على رجُل منهم فَيُدْفَعُ بِرمته، (أي يُسَلَّم إليكم مشدودا في الحبل الذي يربط به القاتل الجاني حين يُسلَّمُ إلى اولياء المقتول)، قالوا: أمْرٌ لمْ نَشهَدْه، كيف نحلف؟ ! قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله، قومٌ كفارٌ، فَوَداهُ رسول الله - ﷺ - مِن قِبَله\" أي أدَّى ديته من عنده، وأعطاها لأولياء المقتول، درءا للفتنة والعداوة بين الأنصار واليهود في هذه النازلة وسببها.\n(١١١) أوصلها القرافي إلى ثمانية وجوه:\nمنها القياس على النكول في باب القوَد، والملاعِنة لا تُحَدُّ بنكول الزوج.\nومنها لو نكَل عن الجواب في الدعوى لم يحكم عليه، مع أنه نكول عن اليمين والجواب، فاليمين وحَدها أولىَ بعدم الحكم.\nومنها أن البينة حجة المدعي، واليمين حجة المدعى عليه في النفي، ولو امتنع المدَعي من إقامة البينة لم يُحكَم عليه بشيء، فكذلك المدعى عليه إذا امتنع من اليمين لم يُحْكَمْ عليه. ومنها أن المدعي إذا امتنع من إقامة البينة كان للمدّعى عليه إقاتها، فكذلك المدعى عليه إذا امتنع من اليمين فيكون للآخَر فِعْلُها.\nومنها أن النكول إذا كان حجة تامة كالشاهدين وجبَ القضاء به في الدماء، أو ناقصةً كالشاهد والمرأتين أو يمين، وجب استغناؤه عن التكرار، أو كالاعتراف يُقبَلُ في القود بخلافه، فالاعتراف لا يفتقر إلى تكراره بخلافه.","vol":"2","page":261},{"text":"إحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١١٢)، فمَنَع تَعَالى أن يستحِقَّ بيمينه على غيره حَقًّا، فلا تُرَدُّ اليمين، لئلَّا يَستحق بيمينه مالَ غيره.\nالثاني أن الملاعِنَ إذا نَكَلَ حُدَّ بمجرد النكول من غير يمين، ولهم أيضًا غيْرُ هذه (١١٣).\nوالجوابُ عن الأول أن معْنى الآيةِ ألَّا يتعَمَّدَ (١١٤) اليَمينَ الكاذِبةَ ليقطَعَ بها مال غيره، وهذه ليست كذلك (١١٥).\nوعن الثاني أن اليمين للملاعن إنما كانت مسقطة للْحد الذي ترتَّبَ عليه من القذف، فالقذف موجِبٌ لِلْحَدِّ، فاذا فُقِدَ المانِعُ، وهو اليمين، عُمِل بالمقتضِي الذي هو القذف، والنكول عندهم مقتضىً، فلا جامعَ بينهما.\nوعن الثالث أنهُ لا حُجَّة في رأي أحدٍ من الصحابة. (١١٦)\nالحجة التاسعة: أيْمان اللعان، وهي متفَقٌ عليها من حيث الجملة، وإن اختلفوا من حيث التفاصيل.\nالحجة العاشرة: أيْمان القَسامةِ متفَق عليها أيضًا من حيث الجملة.\nالحجة الحاديةَ عشرة: المرأتان فقط، أمّا شهادةُ النساء فقد وقع الخلاف فيها في ثلاث مسائل:\n_________\n(١١٢) وتمامها: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. سورة آل عِمران، الآية ٧٧.\n(١١٣) أوصلَها القرافي إلى ستة، وأجاب عنها، فانظرها في الأصل: كتابة الفروق.\n(١١٤) كذا في ع. وفي ح، ألا ينفذ اليمين، وفي ت: لا تنفذ اليمين\" وفي الفروق: ألَّا تُنَفَّذَ\". ولعل ما في نسخة ع أنسب وأظهر، فليتأمل.\n(١١٥) زاد القرافي هنا قوله: ومجرَّد الاحتمال لا يمنَع، وإلَّا مُنِع المدعى عليه من اليمين الدافعة لئلا ياخذ بها مال غيره، بل يحكم بالظاهر وهو الصدق\".\n(١١٦) عبارة القرافي: وعن الثالث أنه روي عن ابن أبي مُلَيكة أنه قال: اعترفَتْ فألزمتها ذلك، ولعله برأيه لا برأي ابن عباس، فإن ابن عباس لم يامُرْه بالحكم عليها بذلك، والتابعي لا حجة في فعله.","vol":"2","page":262},{"text":"المسألة الأولى: قال مالك والشافعي وابن حنبل: لا يُقْبَلْنَ في أحكام الأبدان، وقال أبو حنيفة: يُقبَل في أحكام الأبدان شاهدٌ وامرأتان، إلا في الجِراح الموجبة لِلْقَوَدَ في النفس والأطراف.\nلنا وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، (١١٧) ذلك في المدايَنَات، ومفهومه أنه لا يكون في غيرِها.\nقلت: هذا ضعيف، فإنَّ القول بالمفهوم ضعيف. ثمَّ إن كان فحقّه ألَّا يقالَ بشهادتهن إلا في المداينات، ولا يقال في الأموال مطلقا. وأيضا فقد استشهد الخصم بهذه الآية من حيث إنه أقام المرأتين والرجُلَ مُقامَ الشاهدَين، وذلك إمَّا عند عدم الشاهديْن، وهو باطل، لجوازهما إجماعًا، فتعَيَّنَ أنَّهما أقيمَا مَقامَهما في التسميةِ، (١١٨) فيكونان مُرَادَيْن بقوله: \"وشاهِدَيْ عدْل\".\nقال شِهاب الدين: افافي قولُهُ تعالى في الطلاق والرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١١٩)، وهو حُكْم بَدَنِي، فالأحكام البدنية كذلك بأجمعها. وكذلك قوله ﵇: \"لا نكاحَ إلا بوَلي وشاهدَيْ عدْل منكم\" (١٢٠). وللخصم حُجج (١٢١) وأجَلُّها ما ذكرناه في الاعتراض على حُجَّة المالكية.\nالمسألة الثانية: خالفَنا أبو حنيفة في قَبول النساء منْفَرداتٍ في الرَّضاع.\nلنا أن معناها لا يطلع عليه الرجال غالبا، فجاز انفرادُهُنَّ فيه كالاستهلال والولادة.\nالمسألة الثالثة: خالفَنَا الشافعي في قَبول امرأتين فيما ينفردن فيه، وقال: لابُدَّ من أرْبعٍ.\n_________\n(١١٧) سورة البقرة: الآية ١٨٦.\n(١١٨) كذا في ع، وت. وفي ح: في التشبيه.\n(١١٩) سورة الطلاق: الآية: ٢.\n(١٢٠) رواه الأئمة: أبو داود، والترمذي، واحمد والبيهقي ﵏.\n(١٢١) عدَّها القرافي ثمانية أوجُهٍ، وأجاب عنها ﵀، فليرجع اليها من اراد التوسع فيها، والتعرف على وجهة المالكية فيها.","vol":"2","page":263},{"text":"وقال أبو حنيفة إن كانت الشهادة ما بين السُّرَّة والرُّكْبَة قُبِلت فيه واحدةٌ. وقال أحمد بن حنبل: الواحدة مطلقا مما لا يطلع عليه الرجال. وعِنْدَنَا لابُدَّ من اثنتين وتكفيان.\nأمَّا أن الواحدة لا تكفي، فلِأنها لوْ كفَتْ لكان الرجل وحدَه أوْلى بأن يكون كافيا، وليس كذلك باتفاق. أمَّا أن الاثنتين كافيتان فلأِن الاكتفاء بالنساء ما كان إلا لموضع الضرورة، وطلبُ أربِعِ ضد القصد من ذلك.\nواحتجَّ أحمد بأن عُقْبةَ بن الحارث، شهِدتْ امرأةٌ بأنها أرضعتْهُ وأرضعت امرأةً كان قد تزوجها، وأدَّتْ الشهادةَ عند رسول الله - ﷺ -، فَقَبِلَها وقضَى بشهادتها، وهو عُمدة أحمد (١٢٢).\nقلت: الظاهر الرجوع اليه، وترْكُ أدِلتنا في مقابلته.\nالحجة الثانيةَ عشرة: اليمين الواحدة: إذا تنازعا دارا ليست في أيديهما قسمت بينهما بعد يمينهما، فيقضَى لكل واحد بمجرد يمينه، وقاله الشافعي، (١٢٣) وكذلك إذا استوت البينتان والأيْدي، أو البيناتُ من غير يدٍ بأن يكون ذلك في يد ثالثٍ فإنها تُقْسَمُ بينهما (١٢٤).\nقال شهاب الدين: وإن قال الذي المتنازَعُ فيه بيده: لا أعلم أهِي لهما أو لغيرهما؟، فالموضىح موضىح نظرٍ وتَوَقُّفٍ، بخلافِ ما إذا قال: هي لا تَعْدُوهُما، فَهُنَا يحلفان كما مضى، وتُقسَم بينهما.\nقال شهاب الدين: واليمينُ فيما ذُكِر دافعةٌ لا جالبة، قال: وكثير من الفقهاء يَعتقد أنها جالبة، وأنها يُقضَى بالمِلك بها، وليس كذلك.\n_________\n(١٢٢) ومن حججه أيضا، ما روى عن على كرم الله وجهه أنه قَبِل شهادة القابلة وحْدها في الاستهلال، وأن النبي - ﷺ - قال في الرضاع: شهادة امرأة واحدة تجزئ، والقياسُ على الرواية. وقد أجاب القرافي ﵀ عن هذه الوجوه، وأبان عن وجهة نظره ونظر المالكية فيها.\n(١٢٣) وهي أقل حجة في الشريعة بسبب أنَّا لم نجدْ مرجحا عند الاستواء إلا اليمين.\n(١٢٤) بَعْدَ أيمانهما، لوجود الترجيح باليمين، ويدل على ذلك قوله - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أن أحكم بالظاهر، والله يتولَّى السرائر\"، وهذا قد صار ظاهرا باليمين فيُقضى به لصاحبه.","vol":"2","page":264},{"text":"قلت: ما ذكره يصعب، كيف تكون دافعة في الصورة الْأولى وهي إنما كانت في يدِ غيرهما؟، بل الظاهر أنها جالبة، سواء قلنا بأن الذي كانت في يده قال: هي لا تَعْدُوهما، أو قال: لا أدْرى، وهي الصورة التي قال فيها: موضعُ نظر، واللهُ أعلم.\nالحجة الثالثةَ عشْرةَ: الإِقرار. من أقرَّ لغيره بحق أو عَيْنٍ، قُصي عليه بإقراره، كان الغيْرُ بَرأْ أو فاجِرًا، فإن كان الْمُقَرُّ به عيْنًا قضي على المُقِرِ بتسليمها للمُقَرِّ له إن كانت في يد المُقِر، ولا يُقْضَى بالمِلك، بل بالتزام التسليم، لاحتمال أن يكون الثالثُ، وإن كان المقَرُّ به بيد الغير لَمْ يُقْضَ به، وإنَّما يؤثِّر الإِقرارُ فيما بِيَد المُقِر، أو ينتقلُ بيده يومًا من الدهر، فيُقضَى عليه حينئذ بموجِب إقراره.\nالحجة الرابعةَ عشْرةَ: شهادة الصبيان بعضِهِم على بعض في القتل والجراح.\nولقبولها عشرةُ شروط: الأول العقل، ليفهموا ما رَأوْا. الثاني الذكورة، لأن الضرورة لا تحضل في اجتماع الْإِناث. وروي عن مالك: تُقبل شهادتُهُنَّ، اعتبارًا لهُنَّ بالبالغات لوْثًا في القسَامة. الثالث، الحرية، لأن العبد لا يشهد. الرابع الإِسلام، لأن الكافر لا يُقبَلُ في قتل أو جراح، لأن الضرورة إنما دعت لاجتماع الصِّبْيَانِ لأجْل الكفار. وقيل: يُقبَل في الجِراح، لأنها ضعيفة، فاقتُصِرَ بها على أضعَف الأمْريْن. الخامس أن يكون ذلك بينهم، لعدم ضَرورة مخالفة الكبير لهم. السادس أن يُسَمع ذلك فهم قبل التفرق، لئلا يُلَقَّنُوا الكذِب. السابع اتفاق أقوالهم، لأن الاختلاف يُخِلُّ بالثقة. الثامن أن يكونا اثنين فصاعدًا، لأنهم لا يكون حالُهم أتَّمَّ من الكبار. هذا هُو نقْل القاضي في المعُونة. (١٢٥). زاد ابن\n_________\n(١٢٥) المراد به القاضي عبد الوهاب البغدادي، فهو صاحب كتاب المعونة على مذهب عالم المدينة، وهو كتاب فقهى جليل مفيد، كان في عالم المخطوطات. وذَكرتْ مجلة الدعوة الاسلامية الصادرة، بالرياض، عدد ١٤٨٧ أنه طبع مؤخرا، وهو بذلك سيعزز المكتبة الاسلامية في موضوع الفقه الاسلامي، إلى جانب أمهات كتب الفقه على مذهب الإِمام مالك ﵀، ورحم سائر الائمة الأعلام، وفقهاء الاسلام في كل عصر ومكان.","vol":"2","page":265},{"text":"يونس: التاسع أن لا يحضر كِبَارٌ، فَمَتَى حضروا سقطت شهادة الصبيان، رجالا كانوا أو نساء، لأن شهادة النساء تجوز في الخطأ، وعَمْدُ الصبي كالخطأ.\nالعاشر، قال شهاب الدين: رأيت بعضَ المعتَبَرين من المالكية يقول: لابُدَّ من حضور الجسد المشهودِ بقتله، وإلا فلا تُسْمع. ونقله صاحب البيان عن جماعةٍ من الأصحاب. قالوا: لابدَّ من شهادة العدول على رؤية البدن مقتولا، تحقيقا للقتل. ومنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأشهب من أصحابنا، وجماعة من العلماء، شهادةَ الصبيان.\nوقال بقبولهَا عليٌّ وابنُ الزبير، وعمر بن الخطاب ومعاوية، وخالفهم ابن عباس ﵃.\nلَنَا أن اجتماع الصغار، (١٢٦) واللعبَ بينهم بآلات الحرب، وصُنْع كل ما يكون فيه تدريب واستعداد لقتال الكفَرة الأعداء، مندوب ومامور به في الشرع، وقد يُتصور بينَهم قتلٌ أو جرح، فتركُهم دون أن يُقضَى بشهادتهم يؤدِّي إلى هدْر دمائهم، إذ ليس محل لعبهم خلًا يحضُر فيه كبير، فتقبل شهادة بعضهم على بعض بشروط، الغالب مع اعتبار تلك الشروط الصدق في الشهادة، فتُغَلَّبُ المصلحة الغالبةُ على المفسدة النادرة، لأنه دأبُ صاحب الشرع، كما جوَّزَ الشرع شهادة النساء منفرداتٍ حيث لا يكون الرجال بذلك الموضع. (١٢٧)\nثمَّ إن الصحابة ﵃ قضَوا بذلك.\nومن منَعَ احتج بأن العدالة اشتُرطتْ في الشهادة وهي غير موجودة، والنهي قد توجه قِبَلَ الشهود بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، وذلك\n_________\n(١٢٦) عبارة القرافي لنا قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، واجماع الصبيان للتدريب في الحرب من أعظم الاستعداد ليكونوا كبارا أهلا لذلك، ويحتاجون في ذلك لحمل السلاح حيث لا يكون معهم كبير، فلا يجوز هَدْرُ دمائهم، فتدْعوا الضرورة لقُبول شهادتهم على الشروط المتقدمة، والغالب مع تلك الشروط الصدق ونُدْرة الكذب، فتقدَّم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة.\n(١٢٧) عبارة القرافي: \"في الموضح الذي لا يطلع عليه الرجال، للضرورة\".","vol":"2","page":266},{"text":"لا يتوجه إلا على مكلف. قالوا: وأيضا فَهُو لا يُعْتَبَر إقراره، فكذلك شهادته، بل شهادته أحْرى، لأن البَرَّ والفاجر يُقْبَلُ إقراره، بخلاف الشهادة. (١٢٨)\nقلت: الدليلان الأولان يرجعان إلى الاستدلال بالمفهوم، وفيه ما فيه وأمَّا النهي فلا نُسَلِّمُ أن الصغير لا يؤمَر ولا يُنهَى، بل يؤمر ويُنهى. غايةُ ما يقال: أن الأولياءَ يامرونهم وينهَوْنهم، فنقول: هَبْ أن الأمْرَ كذلك فقد أمِرُوا ونُهُوا.\nوأمّا الحمل على الإِقرار، فقد قلنا: إن شهادتهم كانت للضرورة مخافةَ هدْرِ الدّماءِ، والإِقرارُ بقي على أصله، فلا يُحمَل عليه الموضع الذي لحقت الضرورةُ فيه.\nالحجة الخامسة عشرة: القَافة (١٢٩) حُجَّة شرْعية عندنا في القضاء بثبوتِ الأنساب. ووافقَنَا الشافعي، وخالفَنَا أبو حنيفة وقال: الحكْم بها باطل.\n_________\n(١٢٨) كما احتج بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وهو يَمْنَعُ شهادة غير البالغ، وبقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والصَّبي ليس بعدل، وبالقياس على غير الجراح، وبأنَّ الصبَّي لو قُبلت شهادتُه لقُبلت شهادة الصبيَان إذا افترقوا، كالكبار، وليس كذلك، أو لَقبلت في تخريق ثيابهم في الخلوات، أَو لجازت شهادة النساء بعضهن على بعضٍ في الجراحٍ، وهذه الوجوه في احتجاجات منع قبول شهادة الصبيان أجاب عنها القرافي ﵀ واحدًا واحدا، فليرجع إليها من رغب في التوسع فيها في كتاب الأصل. \"الفروق\".\n(١٢٩) القافة والقيافة تتُّبع الأثَرِ، والقائف هو من يتتبع الآثار ويعرفها، ويعْرف شه الرجل بأبيه وجَدِّه وأخيه مثلا.\nوأصل مشروعيتها واعتمادها ما في الصحيحين وغيرِهما عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - ذات يوم مسرورا تبْرُق أسارير وجهه، فقال: يا عائشة: ألمْ تَرَى، أن مجززا المدلجي دخل عليَّ فرأى أسامةَ وزيدا، وعليهما قطيفة قد غطَّيَا رؤوسهما وبدَتْ أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض\".\nوسبب ذلك كما ذكره القرافي وشراح الحديث أن النبي - ﷺ - كان قد تبنَّى زيد بن حارثة، وكان أبيض، وابنه أسامة أسود، فكان المشركون يطعنون في نسبه، فشق ذلك على النبي - ﷺ - لمكانته منه، فلما قال المدلجي ما قال، سُرَّ النبي - ﷺ - بذلك، وهو يَدُل من وجهين:\nأحدهما أنه لو كان الحدْسُ باطلا شرعًا لما سُرَّ رسول الله - ﷺ - لأنه لا يُسَرُّ بالباطل.\nوثانيها أن إقراره ﵇ على الشيء من جملة الأدلة على المشروعية، وقد أقر مجززا على ذلك، فيكون حقا مشروعا .. الخ. وقد سبق هذا في الجزء الأول، اثناء الكلام على قاعدة الفرق بين الرواية والشهادة (من قاعدتَيْ الخبر)، ص ٢٦٧.","vol":"2","page":267},{"text":"قال ابن القصَّار: وإنما يجيزها مالِكٌ في ولد الْأمَةِ، يطؤها رجلانِ في طَهْرٍ، وتاتي بولدٍ يُشبِه أن يكون منهما.\nوالمشهورُ عدم قبوله (١٣٠) في وَلَدِ الزوجة، وعَنْهُ قَبولُه. وأجازه الشافعي فيهما، وقد تقدَّم وجْهُ الدليل لمالك والشافعي وذكْرُ الأدلة على ذلك، وتقدم أيضًا ما لأبي حنيقة في ذلك، والجوابُ عنه، فلا نعيده، وفيما تقدَّم كفاية.\nالحجة السادسةَ عشرة: القُمُطُ وما أشْبَهَهَا، قال بها مالك والشافعي وجماعة من العلماء، وفيها مسألتان:\nالمسألة الأولى: قال ابن أبي زيد في النوادر: قال أشهب: إذا تداعيَا جدارا متصلا ببناء أحدهما وعليه جذوع الآخَر فهو لمن اتصل ببنائه، (١٣١) ولصاحب الجذوع موضع جذوعه، فلو كان لأحدهما عليه عَشْرُ خشبات وللآخَر مِثْلُهَا (١٣٢)، ولا شاهد لأحدهما، أو لا علاقة غيرُ ما ذكر قُضيَ لهما به نصفين.\nولا يحصل لكل واحد منهما من الجدار ما تحت خشبه، بل النصف كما قلنا.\nقال القرافي: ولو كان عقده لأحدهما في ثلاثة مواضع وللآخر في موضع واحد، قُسِم بينهما على عدد العقود. وقال ابن عبد الحكم: إذا لم يكن لأحدهما عقد وللآخر عليه خشب ولو واحدة، فهو له، وإن لم يكن إلَّا كُوىً (١٣٣) غير\n_________\n(١٣٠) كذا في جميع النسخ، وعند القرافي، وكان مقتضى السياق أن يقال: عدم قَبولها (اى القافة). ولعله أعاد الضمير بالمذكر على القائف المفهوم من القافة والقيافة، فليتأمل وليصحح ذلك، وقد توسع القرافي في الكلام هنا على القافة والاستدلال لحجيها في المذهب المالكي والشافعي، فليرجع إليه من رغب في ذلك.\n(١٣١) علَّل القرافي ذلك بأنه حَوْزُهُ.\n(١٣٢) في ع: مثله، وفي ت: مثلها، وفي ح: ثلثها، وعند القرافي \"وللآخر خمس خشبات، ولا ربْط ولا غير ذلك، فهو بينهما نصفان لا على عدد الخشب، وبقيت خشباتهما بحالها ... الخ.\n(١٣٣) كوىً بضم الكاف وفتح الواو، جمعا لكُوة بضم الكاف وهي الخرق في الحائط، نافذا كان أو غير نافذ، وهو جمع قياسي كما قال ابن مالك ﵀: وفعَل، جمعًا لفعلةٍ عُرف\".","vol":"2","page":268},{"text":"منفوذة، أو جبت الملك، وإن لم يكن إلا خُصُّ القصب (١٣٤) لأحدهما، فالقصب والطوب سواء.\nقال شهاب الدين: المُدْرَك في هذه الفتاوى كلها شواهد العادة، فمن ثبتَتْ عنده عادة، قضي بها. وعلى هذا إذا اختلفت العوائد في الأمصار والأعصار تختلف الاحكام، لاختلاف ما ثبتت عليه.\nالمسألة الثانية: قال بعض العلماء: إذا تنازعتما (١٣٥) حائطا مُبَيَّضًا، هل منعطِفٌ لدارك أو لداره، فأمَرَ الحاكم بكشف البياض، ليُنْظرَ (١٣٦)، إن جُعلت الأجرة عليك في الكشف فمشكل، لأن الحق قد يكون لخصْمِك، والأجرة ينبغي أن تكون على منْ يقع لَهُ العمل ونفعه، ولا يمكن أن تقع الإِجارة على من يثبت له المِلك، لأنكما جزمتما بالمِلْكية، فما وقعت الاجارة إلا جازِمةً. قال: ويمكن أن لِقال: يُلزِم الحاكمُ كلَّ واحد منهما باستئجاره، وتَلزمُ الأجرةُ في الآخِر من يَثبُتُ له ذلك الحق، كما يحلف في اللعان وغيره، وأحدُهما كاذب.\nالحجة السابعة عشرة: اليَدُ، وهي ترجِّحُ لا أنَّها يُقضى بها. (١٣٧) فهذه هي الحجاج، وما عداها ليس كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>القاعدة الثانية عشرة: في تقرير ما يقع به الترجيح في البينات عند التعارض</span>. (١٣٨)\n_________\n(١٣٤) والخُصُّ بضم الخاء هو البيت من قصب أو شجر وجمعة أخصاص.\n(١٣٥) كذا في ع، وت. وفي ح: تنازعا بصيغة الغائب، وهو ما هنا عند القرافي ﵀.\n(١٣٦) كذا في ع، وح: وفي ت: ليُبْصِرَ، وكلاهما بمعنى واحد.\n(١٣٧) المراد وضعُ اليد على الشيء، وحيازته في يد المدّعى عليه.\nوعبارة القرافي: لا، اليد، وهي يُرَجَّحُ بها، ويبقى المدعى به لصاحبها، ولا يُقْضَى له بملك، بل يُرجح التعدي فقط، وتُرجَّحُ إحدى البينتين وغيرهما من الحجاج، وهي للترجيح لا للملك، فهذه هي الحجاج التي يقضى بها الحاكم، وما عداها لا يجوز القضاء به في القضاء.\n(١٣٨) هي موضوع الفرق الثامن والعشرين والمائتين بين قاعدة ما يقع به الترجيح من البينات عند التعارض، وقاعدة ما لا يقع به الترجيح. جـ ٤. ص ٦٢ من الطبعة الأولى: ١٣٤٦ هـ. لم يعلق عليه بشيء، العلامة أبو القاسم ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":269},{"text":"إعلم أنه يقع الترجيح بأحد ثمانية أشياء، وقع منها في الجواهر أربعة، فقال: يقع الترجيح بزيادة العدالة، وقوة الحجة كالشاهدين يُقدَّمان على الشاهد واليمين، واليَدِ عند التعادل، وزيادةِ التاريخ، وقال ابن أبي زيد في النوادر: وتُرَجَّحُ البينة المفَصّلة على المجملة، والنظر في التفصيل والإِحمال مقدَّم على النظر في الأعْدلية، فإن استويا في التفصيل والإِجمال نُظِر في الأعْدَليَّة.\nالسادس، قال ابن أبي زيد: أن تختص إحداهما بمزيد اطِّلاع، كشهادة إحداهما بحَوْز الرهن والأخْرى بعدم الحوز، لأنها مثْبتة للحوْز، وهو زيادة اطِّلاع. قاله ابن القاسم وسحنون. (١٣٩) وقال محمد: يُقضَى به لمن هو في يده.\nالسابع استصحاب الحال والغالِبِ، ومنه شهادة إحداهما أنه أوصَى وهو صحيح، وشهِدت الاخرى أنه أَوصَى وهو مريض. قال ابن القاسم: تقدم بينة الصحة، لأنه الأصل والغالب.\nوقال سحنون: إذا شهدتْ بأنه زَنَى عاقِلا، وشهدت الأخرى بأنه كان مجنونا، إنْ كان القيام عليه وهو عاقل قُدِمت بينة العقل، وإن كان القيام عليه وهو مجنون قُدِّمتْ بينة الجنون، وهو ترجيح شهادة الحال، وهو الثامن. وقال ابن اللَّبَّادِ: يعتبر وقت الرؤية لا وقتُ القيام، فلم يَعتبر ظاهر الحال. ونُقِل عن ابن القاسم في إثبات الزيادة: أذا شهدت إحداهما بالقتل أو السرقة أو الزنى، وشهدت الاخرى أنه كان بمكان يَعبُد الله قُدِمت بينة القتل ونحوه، لأنها مُثْبِتةٌ زيادةً، ولا يُدرأ عنه الحد. قال سحنون: إلا أن يشهد الجمع العظيم كالحجيج ونحوهم أنه وقف بهم أو صَلَّى بهم العِيدَ في ذلك اليوم فلا يُحَدُّ، لأن هؤلاء لا يشتبه عليهم أمْرُهُ، بخلاف الشاهدين (١٤٠).\n_________\n(١٣٩) والقاعدة الفقهية تقول: \"المثْبتُ مقدَّمٌ على النافي\".\n(١٤٠) قال القرافي: فهذه الثمانيةُ الأوجُه هي ضابط قاعدة ترجيح البينات، وما خرج عن ذلك لا يقع به الترجيح.","vol":"2","page":270},{"text":"ثم وقع الخلاف في هذه الترجيحات بين العلماء، فعندنا يقدَّم صاحب اليد عند التساوي، أو معَ البينة التي هي أعْدَلُ، كانت الدعوى أو الشهادة بمطلق المِلك أو يضاف إلى سبب، نحو ولدتْ الدابة عندي في مِلْكِي، كان السبب المضاف إليه المِلكُ يتكرر كغرس النخل أو لا. وقال الشافعي به.\nوقال أبو حنيفة: تقدَّمُ بينة الخارج إن ادعى مطلق الملك، فإن كان مضافا إلى سبب يتكرر فادَّعاهُ كلٌّ منهما فكذلك، أو لا يتكرر كالولادة، وادَّعياه وشهدت البينة به، فقالت كلُّ بينة: ولِد عَلَى مِلكه، قدمت بينة صاحب الْيَد. وقال ابن حنبل: الخارج أولى، ولا تُقْبَلُ بينة صاحب اليد أصْلًا.\nلَنا على أحمد ما رُوي عن رسول الله - ﷺ -، أنه تحاكَمَ إليه رجُلَان في دابة، وأقام كل واحد منهما بينةً أنَّها لَه، فقضَى رسول الله - ﷺ - لصاحب اليد، (١٤٠ م) ولأن اليد ترجحه كما لوْ لَمْ تكن بينة. ولنا على أَبي حنيفة ما تقدَّمَ، والقياسُ على المضاف إلى سبب لا يتكرر.\nاحتجوا بوجوه (١٤١): الأول قوله ﵇: \"البينة على من ادَّعى واليمين على من أنْكر\". فالحديث جَعَل للمدَّعي الاحتجاج بالبينة، ولِلمدعَى عليه\n_________\n(١٤٠ م) أورده السيد سابق في كتابه فقه السنة، عَنْ جابرٍ ﵁ وقال: أخرجه البيهقي، ولم يضعِّفْ إسناده.\n(١٤١) عدَّها القرافي أربعة، وأجاب عنها، واقتصر البقوري في هذا الترتيب والاختصار على الأول والثالث منها دون الإجابة عنها.\nواستكمالا لذكر هذه الوجوه أذكر الثاني فها وهو: أنه لما تعارضت البينتان في سبب لا يتكرر كالولادة، شهدت هذه بالولادة والأخرى بالولادة تعيَّن كذبهما فسقطا، فبقيت اليد، فلم يحكم له بالبينة، فأما ما يتكرر ولم يتعيَّن الكذب فلم تفد بينته إلا ما أفادته يدُه فسقطت، لعدم الفائدة.\nوالوجه الرابع أنه إنما أعملنا يينته في صورة النتاج، لأن دعواه أفادت الولادة ولم تُفدها يده، وشهدت البينة بذلك، فأفادت البينة غير ما أفادت اليد فقُبِلتْ. وانظر أجوبتها عند القرافي.","vol":"2","page":271},{"text":"بالإِنكار، ولأن صاحب اليد إذا لم يُقِم الطالبُ ببيِّنةً لا تُسمعُ بينته، وإذا لم تُسْمَعْ\nبينته في هذه الحالة، وهي أحسن حالتيه، ففى الأخْرى أحْرَى وأوْلَى. (١٤٢).\nوأما الأعدلية فمنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد ﵃ الترجيحَ بها.\nلنا أن البينة إِنما اعْتُبِرَت، لما تثيره من الظن، والظن في الأعْدَل أقوى، فيقدَّم كأخبار الآحاد إذا رجَح أحدهما، ولأن الاحتياط في الشهادة مطلوب أكثر مما هو في الرواية، فوجَبَ أن لا يُعْدل عن الأعْدلِ، قياسا على الخبر، وبطريق الأولى والأحْرى.\nإحتجوا بأنّ الشهادة مُقَدَّرَةٌ في الشرع، فلا تختلف بالزيادة، كالدِّية لا تختلف بزيادة الماخوذ فيه، فَدِيَةُ الصغير والحقير كدِية الشريف العالم العظيم.\nوثانيها أن الجَمْعَ العظيم من الفَسَقَة يُحَصِّل الظن أكثر من الشاهدين، وهو غير معتَبر، فَعُلِم أنها تَعَبُّدٌ لا يَدْخلها الاجتهاد.\nوثالثها أنها لو اعْتُبِرَت زيادهَ العدالة لاعتُبِر زيادة العدد، وذلك باطل، فالآخَرُ مثلُه.\nوالجوابُ عن الأول أن وصْفَ العدالة مطلوبٌ في الشهادة، وهو موكولٌ إلى اجتهادنا، وهو يتزايد في نفسه، فما رجَّحْنا إلا في موطن اجتهاد لا موضعِ تقدير.\nوعن الثاني أنَّا لا ندَّعي أن الظن كيف كان يُعتبر، بل نَدَّعي أن مزيد الظن بعد حصول أصْل معتبرِ، معْتَبرٌ، كما أن قرائنَ الأحوالِ لا تثْبُت بهَا الأحكام والفتاوَى، وإن حصَّلَتْ ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد، لأن الشرع لم يجْعَلها مُدْرَكًا للفتيا والقضاء، ولمَّا جعل الأخبارَ والأقْيسة مدْرَكا\n_________\n(١٤٢) عبارة القرافي: (وهو، أي حديث \"البينةُ على المدعي واليمين على من أنكر\")، يقتضي صنفين: مدعيا والبينة حجته، ومدّعى عليه واليمين حجته. فبينته غير مشروعة فلا تُسمع، كما أن اليمين في الجهة الاخرى لا تفيد شيئا.","vol":"2","page":272},{"text":"للفتوى دخلها الترجيح، فكذلك ها هنا، أصل البينة معتبَر بعْد العدالة والشروط الخصوصة، فاعْتُبِر فيها الترجيح.\nوعن الثالث أن الترجيح بكثرة العدد يُفْضِي إلى كثرة النزاع وطول الخصومات، بخلاف مزيد العدالة، وقد قرَّرنا ذلك فيما تقدم. (١٤٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>القاعدة الثالثة عشرة:\nفي تقرير ما اعتُبر من الغالبِ وما أُلغي من الغالب</span>. (١٤٤).\nإعْلَمْ أنه قد يُعتبَر الغالب وقد يُعتبَر النادر، وقد يُلْغَيَان معا.\nثم الأصل اعتبار الغالب وتقديمُهُ على النادر، وهو كثير في الشريعة، كما الامر في طهارة المياه، وعقود المسلمين، والقَصر في السفر، والفِطر فيه، بناء على غالب الأحوال وهو المشقة.\nوالقِسْم الذي يُلغَى فيه الغالب ينقسم قسمين: قسْم يُلْغَيَان معا: النادر والغالب، وقسم يُلغَى الغالب ويُعتَبَر النادر، وأنا أذكر من كل قِسمٍ مُثُلًا، ليتهذب بها الفقيه، ويتنبه إلى وقوعها في الشريعة، فإنه لا يكاد يخطر ذلك بالبال، لا سيما تقديم النادر على الغالب.\nالقسم الأول ما ألغي فيه الغالب وقدِّم النادر عليه، وأُثْبِتَ حكمه دونه، رحمةً بالعباد، فأذكرُ منه عشرين مثالا:\n_________\n(١٤٣) انظر ذلك وَارْجح اليه في القاعدة الاولى من قاعدتي الخبر، وهي الفرق بين الرواية والشهادة تحت عنوان: مسألة (ثانية). جـ ١ المطبوع من هذا الكتاب. ص ٢٧٣، ومعلوم ان هذا الفرق بين الرواية والشهادة هو أول فرق بدأ به القرافي ﵀ كتابه الفروق وأطال فيه، لسبب ذكره عنده.\n(١٤٤) هي موضوع الفرق التاسع والثلاثين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: جـ ٤. ص ١٠٤. ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ أبو القاسم قاسم بن عبد الله ابن الشاط الانصاري ﵀.","vol":"2","page":273},{"text":"فالأول: غالب الولد أن يوضَع لِتِسْعَةِ أشهر، فإذا جاء بعْد عشر سنين من امرأة طلقها زوجها، اعتُبر النادِر، ستْرًا على العِباد، ولمْ يُحكَم بالغالب لمَا في ذلك من إثباتِ الزنى على المرأة.\nالثاني: إذا تزوجت فجاءت بوَلَدٍ لستة أشهُرٍ، احتمل أن يكون للزوج المطَلِّق وللثاني (١٤٥)، والغالب أنه للزوج الأول، ولكنه اعتبَرَ الشارع أيضًا النادر، لحصول الستر وصوْن العِرْض.\nالثالث: نَدَب الشرع للنكاح، رجاءَ أن يَخْرُجَ ولدٌ مسلم صالح من بين الزوجين، والغالبُ: الجهلُ بالله، والإِقدامُ على المعاصي، ومقتضَىْ هذا الغالب أن يُنْهَى عن النكاح، ولا سيما على مذهب من يرى أن من لم يعرف الله بالرهان فهو كافر، ولكنه حُكِمَ بالنادر، وغُلِّب على الغالب. (١٤٦)\n_________\n(١٤٥) عبارة شهاب الدين القرافي ﵀: جاز أن يكونَ مِنْ وطء قبل العقد وهو الغالب أو من وطء بعْده وهو النادر، فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر، وإنما يوضَع في الستة سِقطًا في الغالب، فألغى الشارِعُ حكم الغالب وأثبت حكم النادر، وجعله بعد العقد، لطفا بالعباد، لحصول الستر عليهم وصوْنِ أعراضهم.\n(١٤٦) فألغى الشرع هنا حكم الغالب واعتبر حكم النادر، وترجيحا لقليل الإِيمان على كثير الكفر، والمعاصي، تعظيما لحسنات الخلق على سيئاتهم، رحمةً بهم.\nقلت: وبغض النظر عما لعلماء التوحيد وأصول الفقه من اختلاف وكلام في ايمان المقلد، فلَعلَّ القول باعتماد البرهان المنطقي والدليل العقلى كأساس لكل مسلم في معرفة الله والإِيمان به يكون مبالَغا فيه، فإيمان المسلم المقلد لآبائه وأجداده المسلمين في التمسك بالاسلام، والناشئ على ذلك عقيدة وشريعة، يدخل في إيمان الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والمستنِدة في الإسلام إلى هَدْي القرآن الكريم وسنة النبي محمد خاتم الانبياء والمرسلين، وإلى النظر والتأمل الفطري في الكون والانسان وسائِرِ خلوقات الله رب العالمين، فينشأ عن هذا الإيمان ما ينشأ عنه من المعرفة واليقين بالله، وسلامة التوحيد وصححة الاعتقاد في الله رب العالمين، ومن التزام أحكامه وشرعه الحكيم، والعبادة والطاعة والخضوع لله أرْحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، كما هو شأن عامة المسلمين.\nفقد ثبت أن امرأة سألها النبي - ﷺ - قائلا لها: أين الله؟ فأشارت بأصبعها إلى السماء. ونصُّ الحديث كما جاء في موطأ الإِمام مالك في ترجمة (ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة)، عن عمر بن الحكم أنه قال: أتيتُ رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، إن جارية لي كانت ترعى غنما، فجئتُها وقد فقدتْ شاة من الغَنَم، فسألتها عنها، فقالت: أكلها الذئب فأسِفْتُ عليها، كنتُ من ابن آدم، فلطمت وجهها، وعليَّ رقبةٌ، أفأعتقها؟\nفقال لها رسول الله - ﷺ -: أين الله؟: فقالت: في السماء، فقال: مَنْ أنا؟ فقالت: أنت رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: أعتِقها =","vol":"2","page":274},{"text":"الرابع: طين المطر، الواقعُ في الطرقات، قُضِيَ بطهارته، اعتبارًا للحالة النادرة وإلغاءً للغالب، رفقا بالعباد.\nالخامس: الغالب على النَّعْل إذا أكثر المشي بها أن تتعلق بها النجاسات، ولكنها أجيزت الصلاة بها، اعتبارا للحالة النادرة، وترجيحا لها على الغالبة.\nالسادس: الغالب على ثياب الصبيان النجاسة، لا سيما مع طول لبْسهم لها، والنادرُ سلامتُها، وقد ثبتَ في السنة الصحيحة أنه ﵇ صلَّى بأُمامَة. (١٤٧) فحمَلَها في الصلاة، فالغَى الغالب وعَمِل بالنادر.\n_________\n= وفي الموطأ أيضًا عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود أن رجلا من الانصار جاء إلى رسول الله - ﷺ - بجارية له سوداء، فقال: يا رسول الله، إنَّ علىّ رقبة مومنة، فإن كنت تراها مومنة أعتقها، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أتشهدين أن لا الاه إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أن: محمدًا رسول الله؟ قالت: نعَمْ، قال: أتوقنين بالبعث؟ قالت: نعم، فقال: أعتقها.\nوفي رواية الإِمام مسلم (من كتاب الصلاة) قلت: \"ولكنى صككْتها صَكة، فأتيتُ رسول الله - ﷺ - فعَظَّم ذلك عليّ، قلت: يا رسول الله، أفلا اعتقها؟ قال: ائتنِي بها، فأتيته بها، فقال لها: اين الله؟ قالت: في السماء قال: من انا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: فأعْتِقها فإنها مومنة\".\nقال العلامة الزرقاني نقلا عن الحافظ ابن عبد البر رحمهما الله: هو على حد قولِهِ تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، وقولِهِ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾. وقال الباجي: لعلها تريد وصفه بالعلُوّ، بذلك يوصف من كان شأنه العلو، يقال: مكان فلان في السماء، يعني علوَّ حاله ورفعته وشرفه.\nكما نقل الشيخ الزرقاني تصويب الحافظ ابن عبد البر سند الرواية الاولى في هذا الحديث للموطأ، فقال في رواية عمر بن الحكم: كذا قال مالك، وهو وهَمٌ عند جميع علماء الحديث، وليس في الصحابة عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم، كما قال كلّ من روى هذا الحديث عن هلال أو غيره، ومعاوية بن الحكم معروف في الصحابة، وحديثه هذا معروفا. وأما عمر بن الحكم فتابعي أنصاري مدني معروف، فلا يصح أنه قال: أتيْتُ رسول الله - ﷺ -. ومن هذا المنطلَق والأساس ما يُنسَبُ لِعمر بن الخطاب ويُرْوى عنه ﵁ أنه كان يقول: اللهم إيمانا كإيمان العجائز، والله أعلم. فَلْيُتَأمل في هذا الموضوع ولْيُحَقَّقْ.\n(١٤٧) عن أبي قتادةَ ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يحمل أَمامةَ بنت زينبِ ابنةِ الرسول - ﷺ - على رقبته، فإذا ركع وضعها، وإذا قام من سجود أخذها فأعادها على رقبته. وروي أنها صلاة الصبح. رواه الإِمام أحمد والإِمام النسائي رحمهما الله. والسِّرُ في ذلك هو أن النبي - ﷺ - أراد أن يخالف ما ألفته العرب من كراهة البنات وحملهن، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة، للمبالغة في ردعهم عن تلك الكراهية. =","vol":"2","page":275},{"text":"السابع: ثياب الكُفَّار التي نسجُوها، كذلك ألْغِىَ الغالب واعتُبِر النادر.\nالثامن: مَا يضعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم، الغالب نجاسته، ومع ذلك ألْغِي هذا الغالب.\nالتاسع: ما يصنعه المسلمون الذين لا يُصَلّون ولا يستنجون بالماء من الأطعمة.\nالعاشر: ما ينسجه المسلمون المتقدمُ ذِكرهم، الغالب نجاستها.\nالحادي عشر: ما يصنعه أهل الكتاب، الغالب نجاستهُ كالكَفَرة.\nالثاني عشَر: ما يصنعه العوَام الذين لا يصَلُّون ولا يَحْتَرزون من النجاسات.\nالثالثَ عشر: ما يلبسه الناس ويباع في الأسواق، ولا يُعلمُ لابسه أكَافِرٌ هو أمْ مسلم. (١٤٨)\nالرابع عشر: الحُصُر والبُسُط التي قد اسودَّتْ من طول ما لبثتْ يمشي عليها الحُفاة والصِّبيان، والغالب نجاستها لذلك، ولكنه عُمل بالنادر وألْغِي الغالب.\nالخامسَ عشر: الحُفاة، جوَّز الشرْعُ صلاتهم، وإن لم يغسل (الحافي) رجليه.\n_________\n(١٤٨) اي فالغالب نجاسة هذا الملبوس، والنادر سلامته، فأثبت الشارع حكم النادر، وألغى حكم الغالب، لطفا بالعباد.","vol":"2","page":276},{"text":"السادسَ عشر: دعوى الصالح الولي التقي على الفاجر الشقي الغاصب الظالم دِرهمًا، والغالىُ صِدْقه، والنادر كَذِبُهُ، ومع ذلك قدَّم الشارع حكم النادر، بأن جعل القولَ قولَ الفاجر، لطفا بالعباد، بإسقاط الدعاوى عنهم. (١٤٩)\nالسابع عشر: عقد الجزية لتوَقع إسلام بعضهم وهو نادِرٌ، والغالب استمرارهم على الكفر. (١٥٠)\nالثامن عشر: الاشتغال بالعلم مامور به، مع أن غالب الناس الرياء وعدَمُ الاخلاص، والنادر الإِخلاص، ومقتضَى الغالب النهيُ، ولكنه رُجِّحَ النادر.\nالتاسع عشر: المتداعيان: أحدهما كاذبٌ قطعا، والغالبُ أن أحدهما يُعلَمُ بكذبه، والنادر أن يكون قد وقعتْ لكل منهما شبهة. وعلى التقدير الأول يكون تحليفه سعيًا في وقوع اليمين الفاجرة، فكان حرَاما. غايته أنه يعارضه أخْذُ الحق وإلجاؤه إليه، وذلك إمّا مباح وإمّا واجب، وإذا تعارَضَ المُحَرَّمُ والواجب قدِّم المحرَّم، ومعَ ذلك ألغى الشرعُ حكم الغالب وأثبت حكم النادر، لطْفا بالعباد في تخليص حقوقهم، وكذلك القول في اللعان، الغالبُ أن أحدَهُما كاذب. (١٥١)\n_________\n(١٤٩) وسدًا لباب الفساد والظلم بالدعاوى الكاذبة من أهْل الكذب والباطل.\nقال ابن فرحون ﵀ في كتابه: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام. \"تنبيه\": وأجمعوا على اعتبار الأصل وإلغاء الغالب في دعوى الدَّين ونحوه، فإن القول قول المدعى عليه، وإن كان الطالب أتقىَ الناس، والغالب أنه لا يدعي إلا حقا، وأجمعوا على اعتبار الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهدت، فإن الغالب صدقها، والأصل برآءة ذمة المشهود عليه.\n(١٥٠) مع أن الغالب استمرارهم على الكفر، وموتهم عليه بعد الاستمرار. فألغى الشارع حكم الغالب، وأثبت حكم النادر، رحمة بالعباد في عدم تعجيل القتل عليهم، وحسْمِ مادة الإِيمان عنهم.\n(١٥١) فشهادةُ الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسةُ بالدعاء على نفسه باللعنة عليه إن كان من الكاذبين، بينما الزوجة تشهد أربعَ شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة بالدعاء على نفسِهَا بغضَبِ الله عليها إن كان الزوج من الصادقين فيما قذفها ورماها به من الفسق والزنى والفجور، وذلك ما تدل عليه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ سورة النور الآيات: ٦ - ٩.","vol":"2","page":277},{"text":"العشرون: الموت في الشباب أغلب، ومعَ ذلك شُرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة، إلغاءً لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر، لطفا بالعباد، ونظائر ما ذكرناه في الشرع كثيرة. فعَلى هذا ينْبغي لمن قَصد إثبات حُكْم الغالب دون النادر أن ينظر، هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أو لا؟، وحينئذ يعتمد عليه، وأمّا مطلق الغالب كيف كان في جميع صُوَرِهِ، فخِلافُ الإِجماع.\n\"تنبيه\" (١٥٢)\nليس من باب تقديمِ النادر على الغالب حمْلُ اللفظ على حقيقته دون مجازه، وعلى العموم دون الخصوص، فإنه يُمْكِن أن يقال: إنه منه، لغلبة المجاز على كلام العرب، حتى قال ابنُ جِنِّى: إن كلام العرب كلُّه مجاز، وغَلَبَةُ التخصيص على العمومات، حتى رُوي عن ابن عباس ﵄ قال: ما مِن عَامٍّ إلا وقد خُصَّ، إلا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فنقول: إنه وإن كَانَ كما قلتم، فليس من هذا الباب. وسببُه أن شرط الفَرْدِ المترددِ بين النادر والغالب فيحْمَلُ على الغالب، أن يكون من جنس الغالب، وإلّا فلا يُحْمَل على الغالب.\nبيانه بالمثال، الشَّقة (١٥٣) إذا جآت من القَصَّار، جاز أن تكون طاهرة، وهو الغالب، أو نجسة، وهو نادر، أن يصيبها بول فارِ أو حيوانٍ أو ما أشْبَهَ ذلك، فإنه يحكم بطهارتها، بناءَ على الغالب، لأنّا حكمنا بطهارة الثياب المقصورة، لأنها خرجت من القِصارة، (١٥٤) وهذا الثوب المتردد بين النادر والغالب خرَج من القِصارة، فكان من جنس الغالب يُلحق به. أمّاَ لو كنا لا نقضي بطهارة الثياب\n_________\n(١٥٢) هذا التبيه ومحتواه من كلام القرافي هنا في هذا الفرق.\n(١٥٣) الشِّقة بكسر الشين ما شُقَّ من ثوب ونحوه مستطيلا. والقطعة المشقوقة، ونصف الشيء. والشُّقة بضمِ الشين تطلق على المشقة، وعلى البُعْدِ، وعلى الناحية يقصدها المسافر. ومنه قوله تعالى خِطابًا لنبيه الكريم في شأن بعض المتخلفين عن النفور إلى الجهاد: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. سورة التوبة، الآية ٤٢.\n(١٥٤) القِصارة بالكسر القاف حِرْفةُ القصار ومهنتُهُ، وهو منظِف الثياب ومُبَيّضُها بالغسل والتبخير.","vol":"2","page":278},{"text":"المقصورة لكونها خرجت من القِصارة، بل لأنها تغسل بعد ذلك، وهذا الثوب المتردد بين الغالب والنادر لم يُغسل، فإنا كنا لا نقضى بطهارته لأجل عدم الغسل بعد القِصارة، الذي لأجله حكمنا بالطهارة، فهو حينئذ ليس من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته، لأن ذلك مغسول بعد القصارة، وهذا الثوب غير مغسول. كذلك في الألفاط، فإنا لم نقضِ على لفظ بأنه مجاز أو مخصوص لمجرد كونه لفظًا، بلْ لأجل اقترانه بالقرينة الصارفة عن الحقيقة إلى المجاز، واقترانِ المخصِّص الصارف عن العموم للتخصيصَ، وهذا اللفظُ الواردُ ابتداءً، الذي حملناه على حقيقته دون مجازه، والعموم دون الخصوص، ليس معه صارف من قرينة صارفة عن الحقيقة، ولا مخصِّصٌ صارفٌ عن العموم، فهو حينئذ ليس من جنس ذلك الغالب، فلوْ حَملناهُ على المجاز أو الخصوص لحملناه على غير غالب، فإنه لمْ يوجدْ لفظ من حيث هو لفظ، حُمِل على المجاز ولا الخصوص البتَّة، فضلا عن كونه غالبا، بل هذا اللفظ قاعدة مستقلة بنفسها، ليس فيها غالب ونادر، بل شيء واحدٌ وهو الحقيقة مطلقا، والعمومُ مطلقا، فتأمَّل ذلك (١٥٤ م).\nالقسمُ الثاني: ما ألْغَى الشارع فيه الغالب والنادر معا، وأنا ذاكرٌ منه إن شاء الله عشرين مثالا.\nالأول: شهادة الصبيان في الأموال - إذا كثُرَ عددهم جدًّا - الغالبُ صدْقهم، والنادر كذبهم، ولم يعتبر الشارع صِدقَهم، ولا قضىَ بتكذيبهم، بل أهمَلَهُم.\nالثاني: شهادة الجمع الكثير من. جماعة النسوان في أحكام الأبدان، الغالبُ صِدْقُهُم، والنَّادرُ كذِبهم، لا سيماح العدالة، وقد ألغَى صاحب الشرع صدقهم فلم يحكم به، ولا حكمَ بكذِبِهم، لطفًا بالمدَّعَى عليه.\n_________\n(١٥٤ م) زاد القرافي هنا قوله: \"فهو شرط خفِيَّ في حَمل الشَّيْءِ على غالبه دُون نادِره، وهو أنه من شرطه أن يكون من جنسه كما تقدّم تقريرهُ بالمثال، فظهر أن حمل اللفظ على حقيقتِه دون مجازه ابتداء، والعموم دون الخصوص، ليس من باب الحمل على النادر دون الغالب، ولقد اوردت هذا السؤال على جمع كثير من الفضلاء قديما وحديثا، فلم يحصل عنه جواب، وهو سؤال حسن، وجوابه حسنٌ جدًّا\".","vol":"2","page":279},{"text":"الثالث: الجمع الكثير من الكُفَّارِ والرُّهبان والأحْبَار - إذا شهدوا -، الغالبُ صدقهم، ولمْ يُحْكَم بصدقهم وكذبهم.\nالرابع: شهادة الجمع الكثير من الفَسَقة، الغالبُ صِدْقُهُمْ، ولم يَحْكم الشرع به لطفا بالمدعَى عليه، ولم يحكم بكذبهم.\nالخامس: شهادة ثلاثة عدول في الزنى، أيْضًا لم نقْضِ بصدقهم ولا كذبهم. (١٥٥)\nالسادس: شهادة العدْل الواحد في أحكام الأبدان، الغالب صِدْقُهُ.\nالسابع: حَلِفُ المدّعي الطالبِ، وهو من أهل الخير والصلاح، الغالب صدقه، والنادر كذبه، ولم يقضِ الشارع بصدقه فيُحْكَم له بيمينه، بل لابد من البينة، ولمْ يَحكم بكذبه.\nالثامن: رواية الجمع الكبير لخبر رسول الله - ﷺ -، من الأحبار والرُّهبان المتدينين، المعتقدين تحريمَ الكذب في دينهم، الغالب صدقهم، ولم يعتبره الشارع، لُطفًا بالعباد، وسَدًا لِذَريعة أن يَدْخل عليهم في دينهم ما ليس منه.\nالتاسع: رواية الجمع الكثير من الفسقة بِشرب الخمر وقتل النفس، وهم رؤساء عظماء كالملوك ونحوهم، فالغالبُ عدم اجتماعهم على الكذب، ولكنه لم يُقبل ولمْ يُحْكَم بكذبهم. (١٥٦)\nالعاشر: رواية الجمع الكثير من المجاهيل (١٥٧) للحديث النبوي، كذلك لم يُحكَم بصدقهم ولا كذبهم.\n_________\n(١٥٥) فالغالب صدقهم، ولم يحَكم الشرع به، ستْرا على المدعَى عليه، ولم يحكم بكذبهم، بل أقام الحد عليهم من حيث إنهم قذفوه لا من حيث إنهم شهودُ زُور.\n(١٥٦) فالغالب عند اجتماعهم على الرواية الوحدة عن رسول الله - ﷺ - صِدْقُهُم، فإن أتاهم وازع طبيعي يمنعهم الكذب لا تدينا، ومع ذلك لا تقبل روايته، صونا للعباد عن ان يدخل في دينهم ما ليس منه، بل جعل الضابطْ العدالة ولم يحكم بكذب هؤلاء.\n(١٥٧) كذا في ع، وح، وفي ت: المجاهيل، وعند القرافي الجاهلين للحديث. ولعل التعبير بالمجاهيل. أنسب لأنه جمع مجهول، والمراد به مجهول الحال من حيث الضبط والعدالة في رواية الحديث.","vol":"2","page":280},{"text":"الحادي عشر: أخْذُ السُّرَّاق المتهمين بالتُّهم (١٥٨)، الغالب الصواب في أخذِهم، ولكنه لم يُحْكم بذلك ولا بالكذب أيضًا، بل لا يوخَذون إلا بالبينة على السرقة أنهم سرقوها.\nالثاني عشرَ: أخْذُ الحاكم بقرائنِ الاحوال وكثرة الشكوى والبكاء، مع كون الخصم مشهورا بالفساد، الغالبُ الصدق، ولكنه لم يَعْتبر الشرْع ذلك. (١٥٩)\nالثالثَ عشر: الغالبُ على من وُجِد بين فخذي امرأة، وهو متحرك حركة الواطئ، وطال الزمان في ذلك، أنه أوْلجَ، ولكن الشرع لم يعتبر ذلك أيضًا.\nالرابع عشر: شهادة العدْل المبرز لولده، الغالبُ صدقه، ولكن الشرع لم يعتبْره صدقا ولا كذبا.\nالخامس عشر: شهادته لوالده.\nالسادس عشر: شهادته على عدُوِّه.\nالثامن عشر: حكمه لنفسه، وهو من أهْل العدْل والتقوى. (١٦٠)\nالتاسع عشر: القرْء الواحد في العدد، الغالبُ معه برآة الرحم، والنادر خلافه، وقد ألغاه صاحب الشرع، بحسب الوجهين.\nالعشرون: مَن غاب عن امرأته سنتين ثم طلقها أو مات عنها، الغالب برآة رحمها، والنادر خلافه، وقد ألغاهما صاحب الشرع، وأوجب عليهما استئناف العِدَّة بعد الوفاة والطلاق، لأن وقوع الحكم قبْل سببه غيرُ مُعْتَدٍّ به.\n_________\n(١٥٨) عبارة القرافي: \"أخذُ السراق المتهمين بالتهم وقرائنِ الاحوال كما يفعله الأمراء اليوم دون الإِقرار الصحيح والبينات المعتبرة، الغالب مصادفَتُهُ للصواب، والنادر خطؤه، ومع ذلك أَلغاه الشرع، صونا للأعراض والأطراف عن القطْع.\n(١٥٩) عبارة القرافي: \"ومع ذلك منعه الشارع منهِ وحرّمه، ولا يضُرُّ الحاكِمَ ضياعُ حقٍّ لا بينةَ عليه.\n(١٦٠) عبارة القرافي: \"حكْمُ القاضي لنفسه وهو عدْلٌ مبرز من أهل التقوى والورع، الغالب أنه إنما حكم بالحق، والنادر خلافه، وقد ألغى الشرع ذلك الحكم ببطلانه وصحته معا.","vol":"2","page":281},{"text":"والمقصود من ذكر هذه الأمثلة من أجناس مختلفة أن يظهر لك أن إطلاق القول بترجِيح الغالب على النادر ممَّا لا ينبغي، بل ما يكون ذلك إلّا بعْدَ بحْثٍ شديد، ومعرفة الباحث بالمسائل الفقهية والدلائل الشرعية، واستقرائه لذلك كله، فَبَعْدَهُ يصحُّ أن يحكم بترجيح الغالب. (١٦١)\nوأيضا فلا ينبغي أن يقال: إذا تعارض الأصل والغالب فأيهما يرجَّحُ؟ قولان. فقد ظهر أجناس كثيرة، اتفق الناس فيها على تقديم الاصل وإلغاء الغالب، وذلك في القسم الاول الذي اعتُبِر نادِرُه، وقد اتفق الناس أيضا على تقديم الغالب على الأصل في أمْر البينة، فإن الغالب صدقها، والأصل برَآة الذمة، والتنبيه على هذا الغلط في الاطلاق هو المراد بهذه القاعدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>القاعدة الرابعة عشرة:\nفي تمييز ما يصح الإِقراع فيه ممّا لا</span>. (١٦٢)\n_________\n(١٦١) قال القرافي هنا: فهذه أربعون مثالا قد سَرَدتها في ذلك من أربعين جنسا، فهي اربعون جنسا قد ألغِيتْ.\nثم وضع سؤالاِ عن نفسه وأجاب عنه قائلا:\n\"فإن قلت: أنت تعرضت للفرق بين ما ألغي منه وما لم يُلْغَ، ولم تذكره، بل ذكرت أجناسا ألغيت خاصة، فما الفرق، وكيف الاعتماد على ذلك؟\nقلت: الفرق في ذلك المقام لا يتيسَّر على المبتدئين، ولا على ضَعَفَةِ الفقهاء، وكذلك ينبغى أن يُعلَم أن الاصل اعتبار الغالب، وهذه الاجناس التي ذكرتُ، استثناؤها على خلاف الاصل، وإذا وقع لك غالب، ولا تدرى هل هو من قبيل ما ألغي أو من قبيل ما اعتُبِر، فالطريق في ذلك أن تستقرئ موارد النصوص والفتاوى استقراء حسنا، معَ أنك تكون حينئذ واسع الحفظ، جيد الفهم، فإذا لم يتحقق لك إلغاؤه فاعتقدْ أنه معتَبَر. وهذا الفرق لا يحصل واسع في الفقهيات والموارد الشرعية، وإنما أوردت هذه الاجناس حتى تعتقد أن الغالب وقع معتبرًا شرعا، تجزم أيضًا بشيئين: أحدهما: قول القائل: إذَا دار الشيء بين النادر والغالب فإنه يُلحق بالغالب. ثانيهما: قول الفقهاء إذا اجتمع الاصل والغالب فهل يغَلَّبُ الاصل على الغالب، أو الغالب على الاصل؟ قولان. وقد ظهر لك اجناس كثيرة ... الخ.\n(١٦٢) هي موضوع الفرق الاربعين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: جـ ٤. ص ١١١. لم يعلق عليه العلامة المحقق ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":282},{"text":"إعلَم أنهُ لا يكونُ متى تعَيَّنتْ المصلحةُ أوْ الْحقُّ في جهة، وإنما يكون متى تساوَتْ الحقوق والمصالح، فحينئذ يكون دفعًا للضغائن والأحقاد، ورضًا بما جرتْ به الأقدار،\nوهىَ تُشْرَعُ بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية، وبَيْنَ الأئمة والمؤذِّنين، وفي التقدم للصف الأول عند الزحام، (١٦٣) وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء مع تساويهم، وبين الزوجات في السَّفر، والحاضنات، والقِسمة، والخصوم عند الحكام، وفي عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم في المرض ثم ماتَ ولم يحملهم الثلثُ عُتِقَ مبلغ الثلثِ منهم بالقرعة، وإن لمْ يَدَعْ غيَرهم فثُلثهم أيضًا\nبالقرعة، وقاله الشافعي وابن حنبل ﵃.\nوقال أبو حنيفة ﵁: لا تجوز القرعةَ فيما إذا أوصى بهم، ويُعتَقُ من كل واحد ثلثٌ ويَستسعي (يسعَى) في باقي قيمته للورثة حتى يؤديَها فيَعْتِقَ.\nلنا أن رجُلًا أعتق عبيدًا له عند موته، فأسْهم رسولُ الله - ﷺ - بينهم، وأعتق ثلثَ العبيد، ذكر ذلك في الموطأ، وقال: بلغت، أنه لم يكن لذلك الرَّجُلِ غيرُهُم. (١٦٣ م).\nالثاني أن رجلا أعتق ستة مماليك له في مرضه، لا مالَ له غيرهم، فأقرعَ النبي - ﷺ - بينهم، وعتق. بذلك اثنين، وأقرَّ أربعة في الرِّق، وعلى هذا كان التابعون.\n_________\n(١٦٣) وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"لو يعلَمُ الناس ما في النِداء والصف الاول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لَاسْتَهموا، ولوْ يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمة والصبْح لأتوهما وَلَو حبْوًا\".\nففى الحديث بيان لفضل الأذان والمؤذن، وحضورِ الصف الأول مع الجماعة، ولو أن الانسان يحصلُ على ذلك بالقرعة، وبيَانٌ لفضل الذهاب إلى الصلاة في وقت الهاجرة، وَسط النهار، وحضور الصلاة مع الجماعة في الصبح والعشاء التي هي العتمة.\n(١٦٣ م) انظر كتاب العتق والولاء في الموطأ، ترجمة ٥٤٠ - ٥٤١، من أعتق رقيقا لا يملك غيرهم، وفي الجزء الرابع من شرح الشيخ الزرقاني ﵀ على الموطأ. ترجمة ٥٤٠. (من أعتَقَ رقيقًا لا يملكُ غيْرهم، وكذا ترجمة ٥٤١).","vol":"2","page":283},{"text":"احتج أبو حنيفة بأن قال: إن النبي - ﷺ - قال: \"لا عِتْقَ إلا فيما يملك ابن آدم\" (١٦٤) والمريض مالكٌ لثلث كل عبد، فينفذ عتقه. فيه، والحديث الذي ذكرتُم واقعة عيْنٍ لا عمومٌ فيها، ولأن قوله: \"اثنين\"، يحتمل شائعيْن لا مُعَيَّنَيْن، ويؤكده أن العادة تقتضي اختلافَ قِيم العبيد. وأيضا فالقرعة من الميْسِر، وأيضا فإنه لو أوصى بثلث كل واحد صحَّ، فينفَّذ ها هنا، قياسا على ذلك. وأيضا لو باع ثلث العبيد جاز، فالعتْقُ أوْلى.\nوالجواب أنَّا نقول (١٦٤ م): سلَّمنا أن العتق لا يقع إلا فيما يَملك، ولا حُجَّة لك بالحديث علي المَطْلَب، فإن العتق وقعَ فيما يَمْلك على قوْلنا. وعلىَ صحة قولك: إنها قضية عيْن، قلنا: قال ﵇: \"حكْمي على الواحد حكمي على الجماعة\" (١٦٥)، وما ذكزته من احتمال الشياع باطل، إذْ القرعة لا معنى لها مع الشِّياع، والاتفاق في القيمة شائع كثير، لا سيَمَا وخْشُ الرقيق.\nوعن الثاني أن الميْسِرَ هو القمار، وتمييز الحقوق ليس منه في شيء.\n_________\n(١٦٤) ونصُّه بتمامه: \"ل اطلاق إلا فيما تملك، ولا عِتق إلا فيما تملك، ولا بيْعَ إلا فيما تملك، ولا وفاءَ نذْر إلا فيما تملك\". رواه ابو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده عن النبي - ﷺ -، ونقله عنهم الشيخ منصور كل ناصف في كتابه الشهُير: (التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -). جـ ٢. ص ٣٣٨.\n(١٦٤ م) استدل القرافي هنا لمشروعية القرعة وجوازها عند المالكية بستة وجوه، اقتصر منها البقوري على اثنين، منصوص عليهما في الحديث الصحيح.\nومنها إجماع التابعين ﵃ على ذلك، أمثال عمر بن عبد العزيز، وخارجة بن زيد، أُبانُ بن عثمان وابن سيرين وغيرهُم، ولم يخالفهم من عصرهم أحد.\nومنها أن أبا حنيفة قال بِها في قسمة الارض لعدم المرجح، وفاقا للمالكية، وذلك موجود هنا، فثبت قياسا عليه.\nواحتج الحنفية لقولهم بستة أدلة ووجوه كذلك، أجاب القرافي ﵀ عنها واحدًا واحدا في الأصل كتابه الفروق، كما ذكرها البقوري هنا في هذا الترتيب والاختصار. رحم الله الجميع.\n(١٦٥) اخرجه الإِمام السيوطي في كتابه: الدرر المنتثرة في الأحاديث المشهرة، والعجلوني في كتابه كشف الحفاء. وكذا في كتاب: \"الأسرار المرفوعة\"، لمؤلفه الشيخ علي القاري ﵀. وقال فيه العلامة الزرقاني في كتابه مختصر المقاصد الحسَنة \"لا أصل له، وإن صح معناه\"، فليُصَحَّح وليحقق ذلك.","vol":"2","page":284},{"text":"وأيضا فقد أقرع رسول الله - ﷺ - بين نسائه، والقرعة استعْملها الانبياء قبل نبينا ﵇. قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، (١٦٥ م) وقال: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. (١٦٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>القاعدة الخامسة عشرة:\nفي كيفِيةِ أداء الشاهِدِ شهادتَه عند القاضي</span>. (١٦٧)\n_________\n(١٦٥ م) وقبلها قوله تعالى في شأن يونس ﵇: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ سورة الصافات، الآية ١٤١.\n(١٦٦) وأولها قوله تعالى خطابا لنبيه الكريم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ سورة البقرة، الآية ٤٤.\n(١٦٧) هي موضوع الفرق السابع والعشرين والمائتين بين قاعدة اللفظ الذي يصح أداء الشهادة به، وبين قاعدة ما لا يصح أداؤها به. جـ ٤. ص. ٥٧.\nقال القرافي ﵀ فى أوله:\n\"إعلَمْ أن أداء الشهادة لا يصح بالخبر البتَّة، فلو قال الشاهد للقاضي: أنا أخبرك أيها القاضي بأن لزيد عند عمرو دينارًا عن يقين مني وعِلْمٍ في ذلك لم تكن هذه شهادةً، بل هذا وعْدٌ من الشاهد للقاضي أنه سيخبره بذلك عن يقين، فلا يجوز اعتماد القاضي على هذا الوعد\nولو قال: قد أخبرك أيها القاضي بكذا كان كذبا، لأنَّ مقتضاه الإِخبارُ منه ولم يقع،\nوالاعتماد على الكذب لا يجوز، فالمستقبل وعدٌ، والماضى كذِبٌ\".\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي في اول هذا الفرق فقال: هذا الفرق ليس بجارٍ على مذهب مالك رجمه الله، فإنه لا يشترِط معَيَّنات الالفاظ لا في العقود ولا في غيرها، وإنما ذلك مذهب الشافعي ﵁.\nثم قال معلقا على كلام القرافي بأن أداء الشهادة لا يصح بالخبر البتة: قد تقدم له في أول فرق من الكتاب حكايةٌ عن المازري أن الرواية والشهادة خبرانِ، ولم يُنْكِرْ ذلك ولا ردَّهُ، بل جَرى في مسَاقِ كلامه على قَبول ذلك وصحته.\nثم عقّبَ ابن الشاط كذلك على قول القرافي: \"لو قال الشاهد للقاضي: أنا أخبرك أيها القاضي لم يكن شهادة\" فقال: ذلك لقرينة قوله أخبرك، ولم يقل: أشهد عندك.\nوقول القرافي: \"بل هذا وعد من الشاهد للقاضي أنه سيخبره\"، من أيْنَ يتعَيَّنُ أنه وعْد، ولعله إنشاءُ إخبارٍ، فيكون شهادة، إذْ الشهادة خبرٌ، لا سيما إذا كان هناك قرينة تقتضي ذلك من حضور مطالَب وشبهِ ذلك، فما قاله في ذلك غيرُ صحيح.\nوقوله: \"فالمستقبل وعدٌ، والماضى كذب\"، يقال: إن كان لم يكن تقدَّمَ منه إخبار فذلك كذِبٌ، كما قال.","vol":"2","page":285},{"text":"إعلم أن المتَّبَعَ في هذا، العُرْفُ، فما كان العُرفُ عليه في ذلك الوقت عُمل عليه، ولا يجوز غيره، فإن كان العرف على شيء ثم صار لشيءٍ آخرَ، صِيرَ لِمَا صار إليه، والعُرْف الآن الذي لا يُعْرَف أنه انتقل أن يقول الشاهد: أشهَدُ عندك أيها القاضي بكذا، فهو إنشاء الشهادة، ولو قال: شهدتُّ، كان خبرًا كذبًا، وكذلك لو قال: أنا شاهِدٌ لا يكون إنشاءً للشهادة، فليس في العرف إلا المضارع، بخلاف البيع، فإن الموضوع للانشاء فيه، الماضي لا غيرُ، فلا يكون المضارع ولا اسْمُ الفاعل له، وأمّا االطلاق فيقع بالماضي وباسم الفاعل، ولا يقع بالمضارع، وهذه مُدْرَكُها العُرْفُ كما قدّمنا.\nثم إن الشاهد لو أوْقع لفظ الخبر مكان لفظ أشهدُ، ما صحّ ولا جاز، سواء أتَى بالماضي، كأنْ يقول: اخبرتك، أو بالمضارع كأن يقول: أُخْبُرك بأني أشهد بكذا، فإنه وعْدٌ بأن يشهد، لا أنهُ شهد، وكذلك اسم الفاعل، كأن يقول: أنَا مُخْبِرك أيها القاضي بكذا، وكذلك إذا قال القاضي للشاهد: بأيِّ شئٍ تَشهد؟ قال: حضرت عند فلان فسمعته يُقرُّ بكذا، وأشهدَني على نفسه بكذا، أو شهدت بينهما بصدور البيع، أو غير ذلك من العقود، لا يكون هذا أداءَ شهادةٍ، ولا يجوز للحاكم الاعتمادُ عليه، بسبب أن هذا مخْبِرٌ عن أمْرٍ تقدَّم، فيحتمل أن يكون قد اطلع بعد ذلك على ما منعَ من الشهادة به من فسخ أو إقالة أو حدوث ريبَةٍ للشاهد تمنَعُ الأداء. (١٦٨)\n_________\n(١٦٨) عقب ابن الشاط على كلام القرافي \"في أن القائل أنا مخبرك أيها القاضي بكذا فإنه إخبار عن اتصافه بالخبر للقاضي، وذلك لم يقع في الحال إنما وقع الإِخبار عن هذا الَخبر، فظهر أن الخبر كيفما تصرف لا يجوز الاعتمادُ عليه. وكذلك قول الحاكم للشاهد: بأي شيء تشهد؟، فقال: حضرت عند فلان فسمعته يُقِر بكذا، أو أشهدني على نفسه بكذا\" ... الخ.\nقال ابن الشاط هنا: هذا كلام من لا يفهم مقتضَي الكلام، كيف لا يكون من يقول للقاضي: أنا اخبرك بأن لزيد عند عَمْرٍو دينارا، مخبِرًا للقاضي بذلك، بل يكون مخبرا بأنه مخبر، وهل العبارةُ عن إخباره عن الخبر إلَّا عيْنُ تلك، وهي أنا مخبرك بأني مخبرك لا أنا مخبركَ بكذا، هذا كله تخليط لا يفوه به من يفهم شيئا من مضمنات الالفاظ ومقتضى مَسَاقها. ثم قال ابن الشاط: وقول القرافي: \"فظهر أن الخبَرَ كيفما تصرف لا يجوز الاعتماد عليه\"، لا يصح، فَلَمْ يظهر ما قاله اصلا، ولا يصح بوجه ولا حال. =","vol":"2","page":286},{"text":"وفي القاعدة أربع مسائل: (١٦٩)\n_________\n= ثم قال: \"إذا لم يكن قول الشاهد: حضرت عند فلان فسمعته يقر بكذا، وأشهدني على نفسه بكذا، شهادةً بعد قول القاضي له بأيّ شيء تشهد؟ فلا أدري بأي لفظ تؤدَّى الشهادة؟ وما هذا كله إلا تخليط ووسواس لا يصح منه شيء البتة\".\nثم قال: وقول القرافي \"لابُدَّ من إنشاء الإخبار عن الواقعة المشهود بها): يا للعجب!، وهل إنشاء الإِخبار إلا الإِخبار بعينيه، ثم قال: وقوله: \"والإنشاء ليس بخبر إلى قوله، وقد تقدم الفرق بين البابين\"، ومن هنا دخل الوهم عليه (اي على القرافي)، وهو أنه أطلق لفظ الانشاء على جميع الكلام، ومن جملته الخبرُ، وأطلق لفظ الانشاء على قسِيم الخبر، ثم تخيَّل أنه أطلقهما بمعنى واحد، فحكم بأن الانشاء لا يدخله التصديق والتكذيب. وما قاله من أنه لا يدخله ذلك صحيح في الانشاء الذي هو قسيم الخبر، وغير صحيح في الانشاء الذي هو إنشاء الخبر، وأن يكون وعدًا بأنه يشهد عنده، لا أعلم ما الخبرُ؟ .\nوقوله: \"فإذا قال الشاهد: أشهد عندك ايها القاضي كان إنشاء\" قلت: وما المانع من أن يكون وعدا بأنه سيشهد عنده، لا أعلم له مانعا إلا التحكمَ بالفرق بين لفظ الخبر ولفظ الشهادة، وهذا كله تخليط فاحش.\nثم قال ابن الشاط: معَقِّبًا على قول القرافي: \"ولو قال (الشاهد): شَهِدتُّ، لم يكن إنشاء، عكسه في البيع لو قال: أبيعك لم يكن إنشاء، إلى قوله: أنا شاهد عندك بكذا، أو أنا بائعك بكذا لم يكن انشاء): لقد كلَّف هذا الرجل نفسه شططا، وألزمها ما لم يلزمها، كيف وهو مالكي؟ !، والمالكية يجيزون العقود بغير لفظ أصلا، فضلا عن لفظ معيَّن، وإنما يحتاج إلى ذلك الشافعية حيث يشترطون معينات الالفاظ.\n(١٦٩) قال القرافي هنا قبل الكلام علي هذه المسائل: فتلخص لك أن الفرق بين هذه الالفاظ ناشئ عن القواعد وتابع لها، وأنه يتقلَّبُ وينتسخ بغيرها وانتقالها، فلا يبقى بعد ذلك خفاء في الفرق بين قاعدة ما يصح من تؤدّى به الشهادة، وقاعدة ما لا يصح أن تؤدى به، وفي الفرق أربع مسائل.\nقلت: وهذه الخلاصة التي جآءت هنا عند القرافي هي التي بدأ بها الشيخ البقوري كلامه هنا على هذا الفرق وهذه القاعدة.\nوقد عقب ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي فقال: ما قاله في ذلك مبني على مذهب الشافعي وهو صحيح، إلا قوله: أراد الشهادة بالانشاء لا بالخبر، فإنه قد تقدم أن الشهادة خبر، وهو الصحيح، وتقدم التنبيه على الموضع الذي دخل عليه منه الغلط والوهم، والله تعالى أعلم.\nوما قاله في المسائل الاربع صحيح أو نَقْلٌ لا كلام فيه.\nقلت: وقد رأيت أن أتتبع هذه التعاليق والتعقبيات على كلام الإِمام القرافي هنا عند الشيخ ابن الشاط، لأهمية موضوعها، ولما فيها من تحقيقات وتدقيقات يجدر بالفقيه أن يكون على بينة وبصيرة منها، وذلك بِغض النظر وصرفه عما يكون في هذه التعليقات احيانا من عبارات قاسية وقوية من ابن الشاط تجاه القرافي كما نبهت عليه مرارًا الخ .. فَرَحِمَ الله الجميع، وأثابهم على حسن قصدهم وخدمتهم للعلوم الاسلامية وللدين والمسلمين.","vol":"2","page":287},{"text":"المسألة الأولى:\nالشهادةُ قد يكونُ مقصودُها الإِثبات فقط، فيقْتَصَرُ على اللَّفظ الدال على ذلك، نحو أشهد أنه باع، ونحوه، وقد يكون مقصودها الحَصْرَ، فلا بدَّ من الجمع بين النفي والإِثبات، ويصرح بذلك في العبارة. قال مالك في التهذيب: لا يكفي أنه ابن للميت حتى يقول: لا نعْلَمُ له وارثًا غيره، وكذلك هذه الدار لأبيهِ أو جدِّه، لا يكفي حتى يقول: ولا نَعلم خروجَها عن مِلكه إلى الموت.\nفلَو أن الشهود شهدوا بأنه واحد من ورثته ولا يعلَمون عددَهم لم يُقضَ لهذا بشيء من مِلْك إن كان تركَةَ الميت، لعدم تعْيينه، وتبقى الدار أو غيرها بيدِ من هي بريده حتى يَثْبُتَ الوزنة، لئلا يؤدي لنقض القسمة وتشويش الأحكام.\nالمسألة الثانية.\nقال مالك: إذا قال الشاهد: هذا العبْدُ لفلان، ما بَاعه ولا وهَبه، لا يُجْزئه، لأن جزمه بذلك مِنْ أيْنَ له به، بل يقول: لا أعلَمُ أنه باعه ولا وهبه. وقال عبد الملك: بل يجزم ويقول: ما باعه ولا وَهَبَه، لأن الشهادة بغير جزم لا تجوز. وقال أبو الوليد بن رشد: قول عبد الملك أظهر.\nوفي الجواهر: لو شهد أنه مَلَكَه بالأمس ولم يتعرض للحال لم يُسمَعْ، حتى يقول: لم يَخرُجْ عن ملكه في علمي، ولَوْ شهِدَ أنه أقرّ بالأمس، ثبت الإِقرار واستصحب موجبه، ولو قال المدعي: كان ملكه بالأمس، نزِع من يده، لأنه أخبر عن تحقيق له فيستصحب، كما لو قال الشاهد: هو ملكه بالأمس بشراء من المدّعى عليه بالأمس. ولو شهدوا أنه كان بيد المدعي بالأمس لم يُفِدْ حتى يشهدوا أنه ملكه. ولو شهدت أنه غصَبَه، جُعِل المدّعي صاحب اليد، ولو ادعت مِلكا مطلقا فشهدت بالملك والسبب لم يَضُرَّ، لعدم المنافاة.\nالمسألة الثالثة:\nقال ابن يونس: لَو شهدوا بالأرض ولم يحُدُّوها، وشهد آخَرون بالحدود دُونَ المِلْكِ، قال مالك: تمَّتْ الشهادة، وقُضِيَ بهم، لحصول المقصود من","vol":"2","page":288},{"text":"المجموع. قال ابن حبيب: إنْ شهدتْ بغصْب الارض ولمْ يحدُّوها، قيل للمدّعي: حُدَّ ما غُصِب منك واحْلِفْ عليه. قال مالك: فإن شهدت بالحق وقالت: لا نعرف عدده، قيل للمطلوب: أقِرَّ بحَقٍ واحلِفْ عليه، فتُعْطيه، ولا شيء عليه غيْرُه، فإن جحدَ قيل للطالب: إن عرفْتَه إحلفْ عليه وخُذْه، فإن قال: لا أعرفُهُ، أو أعرفُهُ ولا أحلف عليه، سجِن المطلوبُ حتى يُقِر بشيء ويحلف عليه، وإن كان الحق في دار، حِيلَ بينه وبينها حتى يحلف، ولا يُحْبَسُ، لأن الحق في شيء بعينه: قال الباجي في المنُتَقَى: وعند مالكٍ تُرَدُّ الشهادة بنسيان العدد وجهْلِه، لأنه نقصٌ في الشهادة. قال الباجي: نقصان (١٧٠) بعْض الشهادة يمْنع من أداء ذلك البعض، إلَّا في عقد البيع والنكاح والهبةِ والحُبُسِ والإِقرار ونحوه مما لا يلزمُ الشاهدَ حفظُه.\nالمسألة الرابِعَة:\nجَرَى على ألْسِنَةِ الفقهاء أن الشهادة على النفيْ غيرُ مقبولة، وفيه تفصيل، فإن النفي قد يكون معلوما بالضرورة أو بالظن الغالبِ الناشيءِ عن الفحص، وقد يَعْرَى عنهما، فهذه ثلاثة أقسام:\nأمّا القسْم الأول نجوز به الشهادة اتفاقا، كالشهادة بأنه ليس في البقعة التي بين يديه فرس ونحوه، فإنه يقطع بذلك.\nوالثاني تجوز الشهادة به في صُوَرٍ:\nمنها التفليس وحَصْرُ الورثة، فإن الحاصل فيهِ إنما هو الظن الغالب، لأنه يجوز - عَقلا - حصول المال للمفلس وهو يكتمه، وحصول وارث لا يُطَّلَعُ عليه.\n_________\n(١٧٠) كذا في جميع النسخ. وعند القرافي: نِسيان، والكلمتان متقارِبتَان، ويظهر انهما متلازمتان، فإن النسيان لبعض الشهادة ينشأ عنه نقصانها، ونقصانها قد يكون ناتجا عن نسيان بعضها في الغالب. والله أعلم.","vol":"2","page":289},{"text":"ومنها قول المحَدِّثين: ليس هذا الحديث بصحيح، بناء على الاستقراء.\nومنها قول النحويين: ليس في كلام العرب اسمٌ آخِرُهُ واوٌ قبْلَها ضمَّة، ونحو ذلك.\nالقسم الثالث، نحوُ أن زيدا ما وفَّى الدَّيْن الذي عليه، أو ما باع سلعته أو نحوُ ذلك، فإنه نفْيٌ غيرُ منضبط، وإنما يجوز في النفي المنضبط قطعا أو ظَنًا، وكذلك يجوز أن زيْدًا لمْ يَقتُلْ عمرًا أمسِ، لأنه كان عنده في البيت، أو أنه لم يسافرْ، لأنه رآه في البلد، فهذه كلها شهادة صحيحة بالنفي، وإنما يمتنع غير المنضبط، فظهر أن إطلاق قول الفقهاء ليس بصحيح، (١٧١) والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>القاعدة السادسة عشرة:\nفي الفرق بين الفتوى والحكم</span>. (١٧٢)\nوفائدة معرفة هذا الفرق أنه ينبني عليه تمكين غيره من الحكم بغير ما قال في الفتوى في مواضعِ الخلاف، بخلاف الحكْم.\nثم لِتَعْلَمْ أن العباداتِ كلَّها على الاطلاق، لا يدخلها الحكم، بل الفُتْيا فقط، فكلُّ ما وُجدَ فيها من الإِخبارات فهي فُتْيا فقط، إذ ليْسَ للحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاةَ صحيحة أو باطلة فَيَحْرُمُ بعدَ حكمه مُخَالَفَتُهُ (١٧٣)، ويُلْحَقُ\n_________\n(١٧١) عبارة القرافي: وانما يمتنع غير المنضبط، فاعْلَم ذلك، وبه يظهر أن قولهم: الشهادة على النفي غير مقبولة، ليسَ على عمومه، ويحصل الفرق بين قاعدة ما يجوز أن يشهد به من النفي وقاعدة ما لا يجوز أن يشهدَ به منه.\n(١٧٢) هي موضوع الفرق الرابع والعشرين والمائتين بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم. جـ ٤. ص ٤٨. وقد أفرد القرافي ﵀ لهذا الموضوع كتابا صغير الحجم كبير الفائدة، سماه: \"الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الاحكام، وتصرفات القاضي والإِمام، وهو مطبوع طبعا حديثا بتحقيق الاستاذ أبو بكر عبد الرزاق، ومتداول بين العلماء والفقهاء.\n(١٧٣) زاد القراقي قوله: ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون نجسا، فيحرم على المالكي بعد ذلك استعماله، بل ما يقال في ذلك إنما هو فتْيا، إن كانت مذهبَ السامع عِمل بها، وِإلَّا فله تركها والعمل بمذهبه.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في اول هذا الفرق إلى قوله: فله تركها والعمل، بمذهبه، فقال: ما قاله في ذلك صحيح.","vol":"2","page":290},{"text":"بالعباداتِ أسبابُهَا، فإذا شهد بهلال رمضان شاهدٌ واحدٌ، فأثبتَه حامك شافعي، ونادَى في المدينة بالصوم، لَا يلزَم ذلك المالكيّ، لأن ذلك فتوى، ليس بحكْم. (١٧٤)، وكذلك الأمر في جميع الاسباب للعبادات والعادات، ولا في موانعها ولا في شروطها، فتصح المخالفة بعد ذلك للمخالِفِ. (١٧٥)\nوبهذا يظهر أن الإِمام إو قال: لا تقيموا الجمعة إلا بإذني لم يكن ذلك حكمًا، وإن كانت المسألة قد اختُلِف فيها، هل تفتقر الجمعة إلى إذن السلطان أم لا؟ وللناس أن يقيموها بغير إذن الإِمام، إلا أن يكون في ذلك صورةُ المُشَاقَّة، فيمتنع إقامتها إلا باذنه، لأجْل أنه موطن خلاف اتصل به حكْمُ حاكمٍ، وقد قاله بعض الفقهاء، وإيس بصحيح، (١٧٦) بل حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأه في مسألةِ اجتهادٍ تتقاربُ فيها المَدارك لأجل مصلحة دنيوية. فاشتراطُ قيد الانشاء، احترازٌ من حكمه في مواضع الإجماع، فإن ذلك إخبارٌ وتنفيذٌ مَحْضٌ، (١٧٧) وفي مواضع الخلاف ينشئ حكما، وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة، (١٧٨) ويكون إنشاؤه إخبارًا خاصا عن الله تعالى في تلك الصورة ومن ذلك الباب، (١٧٩)،\n_________\n(١٧٤) قال ابن الشاط هنا: فيما قاله القرافي في ذلك نظرٌ، إذْ لقائل أن يقول: إنه حكْمٌ يلزم جميع أهل البلد.\n(١٧٥) قال ابن الشاط: لقائل أن يقول: إنه يَلزَمُ غيرَ ذلك الحاكم ممن يخالف مذهبه مذهبه ما بُنى على ذلك الثبوت، كما إذا ثبت عنده أن الدَّين لا يُسقط الزكاة، وأراد أخذها ممن يخالف مذهبُه مذهبه، فإنه لا يسوغ له الامتناع من دفعها له، وكذلك ما أشبه ذلك.\n(١٧٦) قال ابن الشاط: بل هو صحيح كما قال ذلك الفقيه، لأنه حكمُ حاكم اتصلَ بأمرٍ مختلَف فيه، فيتعين الوقوف عند حكمه، والله أعلم. قلت: وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في الجزء الاول من هذا الكتاب (ترتيب الفروق).\n(١٧٧) عقب ابن الشاط على هذا بقوله: قلت: ما قاله من أنه إخبار، ليس بصحيح، بل هو تنفيذ محضٌ، وهو الحكمُ بعينه، إذ لا معنى للحكم إلا التنفيذ. وممّا يوضِح ذلك أنه لو أن حاكما ثبت عنده بوجه الثبوت أن لزيد عند عمرو مائةَ دينار، فأمره أن يعطيه إياها، أن ذلك الامر لا يصح بوجهٍ أن يكون إخبارا، وهذا الموضع وما اشبهه، هو من مواقع الإجماع، فلا يصح قوله: \"إن مواقع الاجماع لا يدخلها الحكم، بل الإخبار\" بوجه أصلا.\n(١٧٨) قال ابن الشاط: إلزامه أَحَد القولين هو تنفيذ الحكم، وإمضاؤه بعينه.\n(١٧٩) قال ابن الشاط: كيف يكون إنشاء ومع ذلك يكون خبرا، وقد تقدَّمَ له الفرق بين الانشاء والخبر، هذا ما لا يصح بوجه.","vol":"2","page":291},{"text":"فيكون أخصَّ من الدليل العام المخالف لذلك الحكم، فيرجع إليه، ويخصص ذلك العام به، ويبقى ذلك العام معمولا به في تلك الصورة التي حُكِم بها، وهذا هو معنى الإِنشاء. (١٨٠)\nوقُلْنا في مسألة اجتهادية: احترازًا من مواضع الإِجماع، فإن الحكْم هنالك ثابت بالاجماع، فيتعذر فيه الإِنشاء، لتعينه وثبوتِهِ إجماعا. (١٨١)\nوقولنا: تتفاوت مداركها، احترازًا من الخلاف الشاذ الصادر عن المُدْرَك الضعيف، فإنه لا يرفع الخلاف، بل يُنقَض في نفسِهِ إذا حَكم بالفتوى المبْنيَّة على الضعيف. (١٨٢)\n_________\n(١٨٠) عقب ابن الشاط على كلام القرافي هنا، بأن الله جعل انشاء الحاكم في مواطن الخلاف نصًا ورَدَ من قِبَلِهِ في خصوص تلك الصورة، إِلى قوله: فهذا هو معنى الانشاء\"، فقال (اى ابن الشاط): لا كلام أشدُّ فسادا من كلامه في هذا الفصل، كيف يكون إنشاءُ الحاكم الحكمَ نصا خاصا من قِبَل الله تعالى، وقد قال النبي - ﷺ -: إذا اجتهد أحدكم فاصاب، فله أجَران، وإن اجتهد فأخطأ فله اجر واحد\"، كيف يصح الخطأ فيما فيه النص من قبل الله تعالى؟ ! هذا كلامَ بيّن الخطأ بلا شك فيه، وما تَخيل هو أَو غيره لا يصح، ولا حاجة اليه، وإنما هو يُعَيِّن في القَضية المعيَّنة أَحد القولين أو الاقوال إذا اتصل به حكم الحاكم، لما في ذلك من المصلحة في نفوذ الحُكم وثباته، ولما فيه من المفسدة لو لم ينفذ، لا لما قاله منْ انه إنشاء من الحاكم، موضوع كنص من قِبَل الله تعالى، والله أعلم.\nقلت: يظهر أن ما جاء في آخر كلام ابن الشاط من هذا التعقيب هو الذي قصده القرافي وهدف إليه، من حيث إن حكم الحاكم يرفع الخلاف ويحقق المصلحة ويدفع المفسدة، فيكون كنص لا يبقى معه اجتهاد للمخالف، وبذلك يكون لكلام القرافي وجه من الصواب وحظ من النظر، ولا يكون أشد فسادًا كما جاء عند ابن الشاط، والله أعلم، فلْيتأمَّل في ذلك ولْيُحَقِّقْ.\n(١٨١) قال ابن الشاط هنا: هذا كلام ساقط أيضا. وكما أن الحكم في مواقع الاجماع ثابت بالإجماع فالحكم في مواقع الخلاف ثابت بالخلاف، فعلى القول بالتصويب كلاهما حق وحكمُ الله تعالى، وعلى القول بعدم التصويب أحدهما حق وحكمُ الله تعالى، ولكن ثبت العذر للمكلف في ذلك. وما أوقعه فيما وقع فيه إلا الاشتراك الذي في لفظ الحكم فإنه يقال: الحكم في الطلاق المعلق على النكاح، اللزومُ للمقلد المالكي، ويقال: الحكم الذي حكم به الحاكم الفلاني على فلان معلِّق الطلاق، لزوم الطلاق، والمراد بالحكم الاول لزوم الطلاق لكل معلق للطلاق، من مالكي أو مقلِّدٍ لمالكي، والمراد بالحكم الثاني لزوم الطلاق بالزام الحاكم المحكوم عليه مِنْ مالكي وغير مالكي، والله أعلم:\n(١٨٢) عقب ابن الشاط قائلا: للكلام في القول الشاذ والمدْرَك الضعيف مجال ليس هذا موضعه\".","vol":"2","page":292},{"text":"وقولنا: لأجْل مصالح الدنيا، احترازا من العبادات كالفتوى بتحريم السباع وطَهارة الأواني، وغير ذلك مما يكون اختلافُ المجتهدين فيه لا للدنيا بل للآخرة، بخلاف المنازَعة في العقود: الإِيلاء، والرهون، والاوقاف ونحوها، التي هي لمصالح الدنيا. (١٨٣).\nقال صاحب الجواهر: ما قُضِيَ به من نقل الأملاك وفسْخ العقود هو حُكمٌ، فإن لم يفعل أكثر من تقرير الحادثة لَمَّا رُفعَتْ إليه، كالمرأة زوَّجتْ نفسها بغير إذن وإيها، فأقرَّه وأجازه ثم عُزل، وجاء قاضٍ بعده. قال عبد الملك:\n_________\n(١٨٣) زاد القرافي هنا كلاما مهما ومفيدا فقال: \"وبهذا يظهرْ أن الاحكام الشرعية قسمان: منها ما يقبل حكم الحاكم الفتيا فيجتمع الحكّمان، ومنها مالا يقبل الفتوى.\nويظهر لك بهذا أيضًا أن تصرَّف رسول الله - ﷺ - إذا وقع، هل هو من باب الفتوى، أو من باب القضاء والانشاء.\nوأيضا يظهر أن إخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة، فتوى، وأمّا أَخْذه الزكاةَ في مواطن الخلاف فحكمٌ وفتوى من جهة أنه تَنازُعٌ بين الفقراء والأَغنياء في المال الذي هو مصلحة دنيوية، ولذلك إن تصرف السعاة والجباة (وهم الذين يَجْمعون اموال الزكاة من الناس) أحكام لا ننقضها وإن كانت الفتوى عندنا على خلافها، ويصير حينئذ مذهبنا.\nويظهر بِهذا التقرير ايضا سِرُّ قول الفقهاء: إن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا يُنقَضُ، وأنَّه يَرجع إلى القاعدة الأصولية، وتصير هذه الصورة مستثناة من تلك الادلة العامة، كاستثناء المصَرَّاة (الشاة والبقرة أو الناقة التي يُترك في ضرعها اللبن من طرف البائع ليُظَنَّ عند الشراء انها كثيرة الدَّرّ واللبن)، وكاستثناء العرايا والمساقاة، وغيرها من المستثنيات.\nويظهر بهذا أيضًا أن التقريرات من الحكام ليست أحكاما، فتبقى الصورة قابلة لحكم جميع تلك الاقوال المنقولة منها.\nوقد عقب الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي مسأَلة مسأَلة، فقال:\n١) ما قاله في ذلك صحيح.\n٢) لا يصير تصرف السعاة أو أحكامُهم مذهبنا، ولكننا لا ننقضه، لمصلحة الأحكام. أي لِلابقاء عليها.\n٣) قال ابن الشاط: لا رجوع هنا للقاعدة الاصولية، إن كان (القرافي) يعني قاعدة الخاص والعام، ولكن يرجع إلى قاعدة فقهية وهي أن الحكم إذا نفذ على مذهب مَّا، لا يُنقَض ولا يُرَدُّ، وذإك لمصلحة الاحكام ورفع التشاجر والخصام.\n٤) ثم قال ابن الشاط في تقريرات الحكام وأنها ليست احكاما الخ: ذلك صحيح، وأكثره أو كلّه نقل لا كلام فيه.","vol":"2","page":293},{"text":"ليسَ بحكم، ولغيره فسْخه. \"قال ابن القاسم: (١٨٤) هُوَ حكْمٌ، لِأنه أمضاه، والإِقرار عليه كالحكْم بإجازته فلا يُنْقَضُ. واختاره ابن محرز، وقال: إنه حُكْمٌ في حادثة باجتهاه، ولا فرق بين أن يكون حكمه فيه بإمضائه أو فسخه، أما لو رُفع إليه هذا النكاح، فقال: أنا لا أجيز هذا النكاح بغير وليٍّ، من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بِعَينه، فذلك فتوى وليس بحكم. قال: ولا أعْلمُ في هذا الوجه خلافا.\nقال: وإن حكمَ بالاجتهاد فيما طريقُهُ التحريم والتحليل، وليس نقلَ مِلْك لأحد الخصمين إلى الآخر، مثل رضاع كبير يحكم بأنه رضاعُ تحريمٍ، ويَفسَخ النكاح من أَجْله .. فالفسخ والتحريم في المستقبل لا يثبت بحكمه. وهذه القاعدة تظهر أن الثبوت غير الحكم، وأن الثبوت أعمّ من الحكم، فقد يثبت الشيء ولا يكون حُكْمًا، والأعَمُّ غيرُ الأخص ولا بد، وهذا كما قلنا في الامور التعبدية كالصلاة والطهارة تثبت فيها أحكام، ويقال: إنها ثبوت، ولا يقال: إنها حُكم، (١٨٥) واللهُ أعلم.\n_________\n(١٨٤) قال ابن الشاط: كلام ابن القاسم هو الصحيح عندي، والله أعلم.\n(١٨٥) قال القرافي هنا: فظهر، أيضا من هذه الفتاوى والمباحث أن الفتوى والحكم، كلاهما إخبار عن الله تعالى، ويجب على السامع اعتقادهما، وكلاهما يَلزَم المكلفَ من حيث الجملة، لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة، والحكم إخبار، معناه الانشاء والالزام من قِبَل الله تعالى.\nوبيان ذلك بالتمثيل أن المفتي مع الله تعالى كالمترجم مع القاضي، ينقل ما وجده عن القاضي واستفاده منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك. والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكِم ينشئ الاحكام والإِلزامَ بين الخصوم، وليس بناقِلٍ ذلك عن مستنيبه، بل مستنبيه قال له: أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلتُهُ حكمى، فكلاهما موافق للقاضي ومطيع له وساع في تنفيذ مواده، غير أَن أَحدهما ينشئ والآخَر ينقل نقلا محضا من غير اجتهاد له في الانشاء، كذلك المفتى والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى، قابُلُ لحكمه، غير أن الحاكمَ منشئ، والمفتى مخبرٌ محْض.\nقال القرافي: وقد وضعت في هذا المقصد كتابا سميته: (الإِحْكَام في تمييز الفتاوي والأحكام، وتصرف القاضي والامام)، وفيه اربعون مسأَلة في هذا المعنى، وذكرت فيه نحو ثلاثين نوعا من تصرفات الحكام ليس فيها حكم، ولتقتصر هنا في هذا الفرق على هذا القدر. =","vol":"2","page":294},{"text":"القاعدة السابعة عشرة (١٨٦)\nفي تقرير ما ينفَّذ من تصرفات الوُلَاة والقضاة مِمَّا لا يُنَفَّذُ.\nإعْلَمْ أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية، لا يحل له أن يتصرف إلا بِجلب مصلحة أو دَرْءٍ مفسدة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١٨٧)، ولقوله ﵇: \"مَن وَلي من أمْرِ أمتي شيئا ولم يجهَد لهم، ولم ينصَحْ، فالجنةُ عليه حرام\" (١٨٨)، فالولاةُ معزولون عمّا ليس بأحسنَ.\n_________\n= قلت: وهو كتاب صغير الحجم، عظيم النفع في بابه، مطبوع ومتداول بين الفقهاء والعلماء. وكذلك ممن كتب وألف في موضوع الفتوى والمفتين، والشروط والمواصفات المطلوبة فيها وفي اهلها وذويها، وجميع ما يتصل بموضوعها. كما هو معروف. عند العلماء إمام جليل وفقيه كبير من أعلام وائمة المسلمين، هو الفقيه العلامة ابن قيم الجوزية له ﵀، وذلك في كتابة الشهير الذائع الصيت: \"أعلام الموقعين عن رب العالمين\"، وكذلك كتابه الشهير. كما سبق ذكره. \"الطرق الحكمية\"، فليرجع إلى هذه الكتب والمؤلفات القيمة من اراد التوسع في هذا الوضوع واستيعابه والتدقيق فيه،\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في آخر كلامه عن هذا الفرق فقال: كيف يكون الاخبار انشاء وقد فرق هو قبل هذا في أول كتابه بينهما، (كما سبق بيانه) قريبا، كيف يكون الحكم إِلزاما من قبَلِ الله تعالى، وهو ممكن الخطأ على ما نص عليه النبي ﵊ في الحديث الذي تقدم ذكره، هذا لا يصح، والله أعلم.\nقال ابن الشاط: وقوله: وبيان ذلك بالتمثيل إلى آخره: ما قاله صحيح، وما مثل به كذلك، إن كان يريد بالانشاء التنفيذ والامضاء لما كان قبل الحكيم فتوى، والا فلَا، واللهُ أعلم.\n(١٨٦) هي موضوع الفرق الثالث والعشرين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين، وهو خمسة أقسام: جـ ٤. ص ٣٩. وهو من الفروق الطويلة عند الامام القرافي، ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط، رحمهما الله. على ما فيه من طول وتفصيل، مما يستفاد منه أنه سلَّمه.\nوقد بدأه القرافي بقوله: القسم الاول ما لم تتناوله الولاية بالأصَالَةِ الخ. وختم هذا القسْم بقوله: وفي هذا القسم فروع في كتب الفقه.\n(١٨٧) سورة. الأنعام، الآية: ١٥٢، وسورة الإسراء. الآية ٣٤،\n(١٨٨) دخل عُبَيد الله بن زياد ﵁ على معقل بن يسار ﵁، يعوده في حالة مرض، فقال معقل: أحدثك حديثا سمعتُه من رسول الله - ﷺ - فقال: ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموتُ وهو غاشٌّ لهم إلا حرم الله عليه الجنة\"، رواه الشيخان البخاري ومسلم حمهما الله. وهذُا الحديث في معني الحديث الذي أورده القرافي والبقوري هنا رحمهما الله.","vol":"2","page":295},{"text":"ثمّ عدم تنفيذ الحكم قد يكون لِأسْبَاب:\nالأول من ذلك: أن يحكم الحاكِمُ الذي لمْ يُجعَل له ذلك، ولا ولَايَةَ له، ويلحَق بهذا، القضاءُ من القاضي بغير عَمَلِهِ، فإنه لم تتناوله الولاية. وفي الجواهر: إن شَافَهَ قاض قاضيًا لم يكْفِ في ثبوت ذلك الحكم، لأن أحدهما بغير عمله، فإنه لم تتناوله الولاية، ولا يؤثر إسماعه وسَمَاعُه إلا إذا كانا قاضيَيْن ببلدة واحدة، أو تحادثا ذلك في ولايتهما، فيكون ذلك أقوى من الشهادة على كتاب القاضي، فيُعتمَدُ.\nالقسم الثاني: ما تتناوله الولاية، لكن حَكَم فيه بمستند باطل، فهذا يُنقَض، لفساد المُدْرَك لا لِعَدء الولاية، وهو الحكم الذي خالفَ أحَدَ أربعة أمور\nإذا حَكَمَ على خلافِ الإجماع يُنقَض قضاؤه، أو خلافِ النص السالم عن المعارض، أو القياسِ الجَليّ السالَم عن المُعارِضَ، أو قاعدة من القواعد السالمة عن المعارض. ولابدَّ في الجَمع من اشتراط السلامة عن المعارض.\nونقل ابن يونسَ عن عبْد الملك أنه قال: يُنقَضُ عند مالك قضاءُ القاضي لمخالفة السُّنة، كالقضاء باستسعاء العبد لِعِتْقِ بعضه، فإن الحديث ورَدَ بأنه يستسعي، وكالشفعة للجار أوْ بعدَ القسمة، لقوله ﵇: \"الشفعة فيما لم يُقسَمْ\" (١٨٩)، أو يحكم بشهادة النصراني، لقوله تعالى: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أو بميراث العمة أو الخالة أو المَوْلى الأسْفَل، لقوله ﵇: \"ألحِقُوا الفرائضَ بأهْلِها، فما أبْقَتْ فلأوْلى عَصَبَةٍ ذكَرٍ\". (١٩٠) وخالَفَ ابنُ عبد الحكم، وقالَ: لا تُنقَضُ شفعةُ الجار، وما ذُكِر معَه من الفروع، لضعف موجب النقض عنده، وجمهورُ الأصحاب على خلافه. وفي النوادر لأبي محمد، قال محمد: ممّا يُنقَض\n_________\n(١٨٩) روىَ الإِمام البخاري ﵀، عن جابر ﵁ أن الرسول - ﷺ - قضى بالشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود، وصُرفت الطرق فلا شفعة\".\n(١٩٠) اخرَجه الشيخان: البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ ورحم كافة العلماء وجميع المسلمين.","vol":"2","page":296},{"text":"نَقْضُ ما لا يُنقَض. فإذا قضَى قاض ثان بنقض حُكْم الأول - وهو ممّا لا يُنقَض - نَقَض الثالث حكم الثاني، لأن نقضه خطأ، ويُقِرُّ الأولَ. وكذلك لو تصرَّف الصفيه الذي تحت حِجْر القاضي بالبيع والنكاح وغيرهما فرَدّهُ، فجاء قاض ثانِ فأنفَذَهُ، نقَضَ الثالثُ هذا التنفيذَ وأقَرَّ الأول، وكذلك لو فسخ الثاني الحكم بالشاهد واليمين لَرَدَّه الثالث، لأن النقض في مواطن الاجتهاد خطأ، ونَقضُ الخطأ يتعَيَّنُ.\nالقسم الثالث: ما حَكَمَ به على خلاف السبب، والقسْم الذي قَبْلَهُ على خلاف الدليل، وقد تقدم الفرق بين الأسباب والأدِلة والحِجَانَ، وأن القضاة يعتمدون الحجاج، والمجتهدين يعتمدون الْأدِلة، والمكلَّفين يعتمدون الأسباب، فاذا قضَي القاضي بالقتل على مَن لم يَقْتُلْ، أو بالبيع على من لم يبع، أو بالطلاق على من لم يُطَلِّق، فهذا قضاءُ على خلاف الأسباب، فمتى أطُّلع على ذلك وجَبَ نقضه عند الكل، إلا قِسْمًا (١٩١) منه خالَف فيه أبو حنيفة، وهو ما كان فيه عقدٌ أو فسخ، فيُجْعل (١٩٢) حكم الحاكم كالعقد فيما لا عقد فيه، أو كالفسخ فيما لا فسخ فيه، فإذا شهدَ عنده شاهدَا زُور بطلاق امرأة، فحَكَم بطلاقها، جاز لذلك الشاهِد أن يتزوجْها، مع علمه بكذب نفسِه، لأن حكم الحاكم فسْخٌ لذلك النكاح، وكذلك إذا شهِد عنده ببيع جارية فحَكَم ببيعها، وكذلك كل ما فيه عقد أو فسْخٌ.\n_________\n(١٩١) في ع: إلا قسمٌ منه، وكذاء عند القرافي. وفي ح، وت: إلا قسماَ منه بالنصب، وهو الصواب، تمشيا مع قاعدة الاستثناء بأن المستثنى يكون منصوبًا إذا كان الكلام موِجَبًا، وتاما بأن ذُكِر فيه المستثنى منه، وذلك معنى قول ابن مالك في ألفيته في باب الاستثناء:\nما استثنتْ إلّا مع تمام ينتصبْ ... وبَعد نفي أو كَنَفي انتُخبْ\nإتباعُ ما اتصل وانصِبْ ما انقطع ... وعن تمتم فيه إبدالٌ وقع.\n(١٩٢) كذا في ع، وت، وعند القرافي: وفي نسخة ح. فجعل بصيغة الماضي، فيكون الضمير حينئذ عائدا على أبي حنيفة ﵀. فليحقق ذلك.","vol":"2","page":297},{"text":"وأمّا الدُّيون وما يجري مجراها ممّا لا عقد فيه ولا فسخ، فيوافقنا فيه، وأنه باق على ما كان عليه قبل الحكم، وهذا معنى قول المالكية والشافعية والحنابلة: حكْم الحاكم لا يُحِلُّ حراما ولا يُحِلُّ حلالا في نفس الأمْر، خلافا لأبي حنيفة، ووافقَنا ايو حنيفة - أيضا - فيما إذا قضى بنكاح الأختِ أو ذاتِ مَحْرَمٍ، بأنها لا تَحِلُّ له، لأن المقْضِي له، لو تزوجها لمْ تحِلَّ له، لفوات قَبول المحل. وكذلك وافقنا إذا تبيَّن أن أحد الشهود عبْدٌ، والحُكْم في عقد نكاح (١٩٣).\nلنا قوله ﵊: \"إنما أنا بَشرٌ مثلُكُمْ، وإنكم لتختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أنَ يكون ألْحنَ بحجته من بعص، فأقضىَ له على نحو ما أسْمع، فمن قضَيت له بشيء من حق اخيه فلا يأخذَه، فإنما أقطع له قطعة من نارٍ\" (١٩٤)، وهو عامٌّ في جميع الحقوق. (١٩٥)\nاحتجوا بقضية هِلال بن أمية في الصحيح، أن النبي - ﷺ - فرق بينه وبين امرأته في اللعان، قال: إن جآت به على صفةِ كذا فَهُوَ لشَريك، فجاءت به على تلك الصفة (١٩٦)، وبقي الامر على ما قال هلال، وأن الفُرْقَة لم تكن موجودةً، ومع\n_________\n(١٩٣) عبارة القرافي: وكذلك وافقَنا إذا تبين أن الشهود عبيد، والحكم في عقد النكاح، وفرق بأن الشهادة شرط ولم توجَد في الاموال ولم يحكم الحاكم بالمِلك بل بالتسليم، وهو لا يوجب الملك ... إلى آخر كلامه.\n(١٩٤) حديث صحيح متفق عليه بين الشيخين البخاري ومسلم، واخرجه كذلك أصحاب السنن عن أمّ سَلَمة ﵂. ورحم كافة أهل الحديث والفقه في الدين، وجميع المسلمين.\n(١٩٥) زاد القرافي تعليلا آخر بقوله: وقياسا على الأموال بِطريق الأولى، لأن الأموال اضعف، فإذا لم يؤثر فيها فأولى الفروج والأبضاع.\n(١٩٦) أخرج الإِمام البخاري ﵀ عن ابن عباس ﵄ أن هلال ابن أمية قذف امرأته عند رسول الله - ﷺ - بشريك بن سحماء، فقال الله - ﷺ -: البينة أوحَدُّ في ظهرك، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة؟، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: البينة أوحَد في ظهرك، فأنزل الله في ذلك قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فانصرف النبي - ﷺ - إليها، فجاء هلال فشهد، والنبي يقول: إن الله يعلم أن أحدكما =","vol":"2","page":298},{"text":"ذلك لم تُفسخ تلك الفُرقة وأمْضاها، فَدَلَّ ذلك على أن حُكْم الحاكم يقوم مقام الفَسخ والعقد، وأيضا فجاء عن علي - ﵁ - ما يدل على ذلك. (١٩٧)\nوالجواب عن الأول أن الفُرقة في اللعان ليست بسبب الصدق الذي للزوج، بدليل أنه لو قامت البينة بكذبِه لمْ تَعُدْ إليْه، وإنما كانت بِسَبب أنهما وصَلا إلى أسْوَأ الأحوال في المقابَحَة، فلمْ يَرَ الشارع اجتماعَهما بعد ذلك، وما ذُكرِعن عَليّ لا نُسَلِّمُ صحته.\nالقسم الرابع: ما تناولته الولاية وصادف فيه الحجّة والدليلَ والسبب، غيرَ أنه مُتَّهَمٌ (١٩٨) فيه كفضائه لنفسه، وهو مردود إجماعًا، وأدْني رُتَبِ التُّهَمِ غير مردودٍ إجماعا، كقضائه لأهْل جيرانه وأهلِ صَقْعِهِ وقبيلته، والمتوسط من التهم مختلَف فيه، هل يُلحَقُ بالأول او الثاني.\n_________\n= كاذب، فهل منكما تائب، فشهدتُ .. فمضتْ، فقال النبي - ﷺ -: أبصِروها، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين، فجاءت به كذلك، وقال النبي - ﷺ - لولا ما مضَى من كتاب الله لكان لي ولها شأن\" (اي لولا أن اللعان يرفع الحد لأقامه الرسول - ﷺ - عليها) الخ ..\n(١٩٧) عن ابن عباس ﵄ أن النبي قال: \"المتلاعِنان إذا افترقا لا يجتمعان ابدا\". وعن علي وابن مسعود ﵄ قالا: \"مضت السُّنة ألا يجتمع المتلاعنان\". وهو المعمول المجمع عليه الذي أخذت به جميع المذاهب الفقهية.\nومما ثبت عَنْ عليّ هنا، وأشار إليه البقوري، ما ذكره القرافي من أن رجلا جاء عند علي ضى الله عنه، فادعى نكاح امرأة وشهِدَ له شاهدان، فقضي بينهما بالزوجية، فقالت:\nواللهِ يا اميرَ المؤمنين ما تزوجني، فاعقِدْ بيننا عقدًا حتى أحِل له، فقال: شاهداك زوَّجاك، فدل ذلك على أن النكاح ثبت بحكمه\"\nولأن اللعان يُفسخ به النكاح، وإن كان احدهما كاذبا فالحكم أولى، لأن للحاكم ولاية عامة على الناس في العقود، ولأن الحاكم له أهلية العقد والفسخ، بدليل أنه لو أوقع العقد على وجه لو فعله المالك نَفَذَ، ولأن المحكوم عليه لا تجوز له المخالفة ويجب عليه التسليم، فصار حكم الله في حقه ما حكَم به الحاكم وإن علِم خلافه، فكذلك غيم قياسا عليه.\nوقد أجاب القرافي عنْ هذه الوجوه كلها، وردَّها، ليبقى رأي المالكية فيها سليما وقويا، فليرجع إليه من أراد التوسع في ذلك.\n(١٩٨) كذا في ع، وت، وهو. ما عند القرافي، وفي ح: يُتَّهَمُ.","vol":"2","page":299},{"text":"والأصل في التُّهم قول رسول الله - ﷺ -: \"لا تُقْبَلُ شهادةُ خصم ولا ظنين\" (١٩٩) أي متَّهَم.\nقال ابن يونس في الموازية: كل من لا تجوز شهادته له لا يجوز حكمه له. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل - ﵃ -: لِأن حكم الحاكم لازِمٌ للمقضىّ عليه، فهُوَ أوْلى بالرَّد مِن الشهادة، لأن فوق الشاهِد من ينظر عليه، فيضْعُف معه الاقدام على الباطل، فتَضْعُفُ التهمة، قال: ولاَ لعمِّه، إلَّا أن يكون مبرِّزا. وجَوَّزه أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ﵁، وقال عبد الملك: لا يَحْكُم لولده الصغير ولا ليتيمه ولا لامرأته، ويجوز لغيْرِ هَؤلاء الثلاثة كالأب والابن الكبير. وإن امتنعت الشهادة فإن منصب القضاء أبْعَدُ عن التهم، لعِظم مَنصِبِ القضاء. وقال أصبغ: إن قال: ثبت عندى ولا يَعْلَمُ أثبتَ أم لا؟، ولم يَحضره الشهود، لمْ ينفَّذ، فإن حضر الشهود وكانت شهادة ظاهرة بِحق بيِّنِ جاز فيما عدا الثلاثة المتقدمة، لأن اجتماع هذه الأمور يُضْعف التهمة، وهو الفرق بينه وبين الشهادة. وعن أصبغ، الجواز في الولد والزوجة والأخ والمُكاتب والمدَبَّر. وإن كان من اهل القيام بالحق صَحَّ الحكم. وقد يحكم للخليفة وهو فوقه، وتُهْمَتُهُ أقْوَى. ولا ينبغي له القضاء بيْن أحدٍ من عشيرته وخصْمه وإن رضي الخصْمُ، بخلاف رجُلَيْن رضِيا بحكم رجل أجنبي، فينفَّذ ذلك عليهما. ولا يَقضي بينه وبين غيره وإن رضي الخصْم بذلك، فإن فعل. فليُشهِدْ على رضاه ويجتهد في الحق، وان قضى لنفسه أوْ لمن يمتنع قضاؤه له، فلْيذكر القِصَّة كلَّها، ورِضَى\n_________\n(١٩٩) أورده الإِمام السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: \"لا تجوزُ شهادة ذي الظِنَّة ولا ذي الحِنَة\" نقلا له عن الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن. والظنين هو المتهم في الشيء لسبب يدعو إلى الظّنة والتهمة.\nوقدْ وردت هذه الكلمة في قول الله تعالى في حق نبيه - ﷺ - في القرآن المبين، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي ليس متهما فيما يوحى اليه، بل هو صادق ومبلغ رسالة الله سبحانه إلى الناس كافة. وقرئ: ضنين بالضاد المهملة، ومعناه: أنه - ﷺ - ليس ببخيل في تبليغ وحى الله ودينه إلى الناس، وانما بلغه ويبلغه لكل أحد بدون فرق او تمييز، وكلاهما ومعناهما صحيح متواتر كما قال الحافظ ابن كثير ﵀: سورة التكوير. الآية ٢٤.","vol":"2","page":300},{"text":"خَصْمِه، وشهادةَ من شهِدَ برضى الخصم، واذا فعَلَ ذلك ورَأى أفضلَ منه فالأحسن نسخُه، فإن مات أو عُزِلَ فلا يفسخه غيره إلا في الخطأ البيِّن، فإن اجتهح في القضية حقُّه وحق الله تعالى كالسرقة، قال محمد: يَقطعه. وقال ابن عبد الحكم: يَرفعه لمن فوقه، وأمّا مَالَهُ فلا يحكم فيه.\nالقسم الخامس: ما اجتمع فيه أنه تناولتْه الولاية وصادَف السببَ والدليل والحجة، وانتفتْ التهمة فيه، غير أنه اختلف فيه من جهة الحُجَّة هل هوَ حجة أمْ لا؟ وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى:\nالقضاء بعلم الحاكم، عندنا وِعند ابن حنبل يمتنع. وقال أبو حنيفةْ: لا يحكم في الحدود بما يُشْاهِدُهُ من أسبابها إلا القذف، ولا في حقوق الآدميين فيما (٢٠٠) عِلمَه قبل الولاية دون ما بَعْد الولاية. (٢٠١) ومشهورُ مذهب الشافعي جواز الحكم في الجميع. واتفق الجميع على جوازِ حكمه بعلمه في التعديل والتجريح.\nلَنَا وجوه:\nالأول: قول رسولِ الله - ﷺ -.\"إنما أنا بشرٌ مثلُكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعَلَّ بعضكم أن يكونَ ألْحَنَ بحجته من بعض فأقضيَ له على نحو ما أسمع (٢٠٢) ... الحديث، فدل ذلك على أن القضاء يكون بحسب المسموع لا بحسب المعلوم.\nقلت: صحيح أنه دَلَّ على أنه يكون بحسب المسموع، وأمّا أنه يدل على. أنه لا بحسب المعلوم فغير صحيح.\n_________\n(٢٠٠) كذا في ع، وت. وهو ما في هذا الفرق، وفي ح: مِمَّا\n(٢٠١) كذا في ع، وح. وفي ت: دون مَا علمَه بعدها.\n(٢٠٢) اخرجه الشيخان: البخاري ومسلم، وكذا أصحابُ السنن ابو داود والترمذي ﵏. وتمام الحديث: \"فمن قضيتُ له من حق أخيه شيئا فلا يأخذْه، فإنما أقطع له قطعة من النار\".","vol":"2","page":301},{"text":"قال: الثاني قوله ﵊: \"شاهِدَاك أو يمينه ليس لك إلا ذلك\"، (٢٠٣) فحصَر الحجة في البينة واليمين دون عِلْم الحاكم وهو المطلوب.\nقلت: يقول الخصم: حصْرُ الحجة فيما ذكرتهُ على الإِطلاق ليس يَدُل عليه الحديث، فإنه قال لهذا الرَّجل هَذا، لأنه لم يكن عالِمًا بحاله مع خصمه، ولعله يكون عالِمًا بحال آخَرَ فيكون علمه حجةً له.\nقال: الثالثْ: أنه قال: أخْطُبُ (٢٠٤) وأعْلِمُ الناسَ برضاكم\"، لقوم كان لهم شِجَاجٌ، فأعطاهم النَّبي - ﷺ - الأرْشَ، فقالوا: نعَمْ، فخطَبَ، ثمَّ أعْلَمَ برضاهم، فقالوا: لا، ثم زادهم، وخطب فأعلَمَ برضاهم، بَعْدَ أن قالوا: رضِينا، فقلوا حين أعْلمَ برضاهم: نعَمْ، وذلك دليل على أنه لا يَحكُمُ بعلمه.\nقلت: وهذا الآخِرُ أضعفُ ممَّا قبله في الدلالة على المقصد.\nالرابع قوله ﵇: \"لو كنتُ راجِمًا بغير بينَةٍ أحدًا لرجمتها\" (٢٠٥)، وأمّا غير ذلك وهو العلم فلم يتعرض له بنفي ولا إثبات.\n_________\n(٢٠٣) تقدم تخريجُهُ، وأنه متفق عليه، وأن الخطاب والكلام موجه للاشعث بن قيس.\n(٢٠٤) عبارة القرافي ذكَرَتْ أول هذا الحديث فقال: روى ابو داود أن النبي - ﷺ - بعث أبا جهْم على الصدقة، فلاحاهُ رجل في فريضة، فوقع بينهما شِجاج، فأتوا النبي - ﷺ - فأعطاهم الارش، ثم قال: ..... الحديث الخ، قال القرافي: وهو (أي هذا الحديث) نص في عدم الحكم بالعلم. والشج هو الجرح، يقال مثلا، شجه في رأسه إذا جرحه، ويقال: شاجَّ القومُّ وتشاجوا مشاجة وشجاجا إذا شج بعضهم بعضا اي جرح بعضهم بعضا.\n(٢٠٥) عبارة القرافي قال: جاء في الصحيحين في قِصة هلال وشريك: إن جآت به كذا فهو لهلال، يعني الزوج، وإن جآت به لكذا فهو لشريك بن سمحاء، يعني المقذوف، فجاءت به على النعت المكروه، فقال - ﷺ - \"لو كنت راجما احدا بغير بينة لرجمتها\"، فدل ذلك على أن أنه (اى القاضي لا يقضى في الحدود بعلمه، لأن رسول الله - ﷺ - لا يقول إلا حقا، وقد وقع ما قال. فيكون العلم حاصلا له، ومع ذلك ما رجم، وعلَّل بعدم البينة\". اهـ كلام القرافي ﵀.","vol":"2","page":302},{"text":"قال: الخامس: قَولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾، (٢٠٦) فأمَرَ بجَلدهم عند عدم البينة وإن اعترفت المرأة بالزني، وهذا باطِلٌ، بل لَمْ يتعرض له، وكذلك حال العلم أيضا لم يتعرض له.\nقال: السادس: أن الحاكِمَ غيرُ معصوم، فَيُتَّهَمُ بالقضاء بعلمه على عدُوٍّ أوْ لصديق، ونحن لا نعرف ذلك، فحسَمْنا ذلك، صونًا لمنصب القضاء عن التُّهم.\nالسابع: قال أبو عُمَر بن عبد البَرّ في الاستذكار: إتفقوا على أن القاضي لو قتل أخاه لِعِلْمه بأنه قاتلٌ أو أنه كالقاتل عمدًا لا يرث منه شيئا، للتهمة في الميراث، فنَقيسُ عليه بقيَّةَ الصُّور بجامع التهمة.\nاحتَجُّوا بوجُوهٍ:\nأحَدُها أن رسولَ الله - ﷺ - قضى لزوجة أبي سفيان بعلمة، حيث قال: \"خُذِي لك ولولَدِكِ بِالمعروف\" (٢٠٧).\nقلت: ظاهرٌ أنه ليسَ هذا بحكْم، وإنما هُوَ فتوى أفتاها بها، هل أخْذُها بغَيْرِ إذنه يجوز أم لا لضررها بشُحِّهِ؟ فقال لها - جوابا عن ذلك -: يضرُّكِ الزائد ولا يَحِلُّ لك، وقدْرُ نفقتِك ونفقةِ أولاده لا إثمَ عليك فيه.\nقال: وثانيها أن عُمَرَ ﵁ قضى بعلمه على أبي سفيان في حقٍّ أوصى به، فإنه لمّا شكا إليه المظلومُ قال: إني لَأعْلَمُ ذلك. (٢٠٨)\n_________\n(٢٠٦) سورة النور، الآية ٤: وتمامها، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.\n(٢٠٧) في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة عن عائشة أم المومنين ﵄ أن هندا قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفينى الا ما اخذتُ منْه وهو لا يعلم، فقال لهَا النبي - ﷺ -: \"خذي ما يكفيك وولدَكِ بالمعروف\".\n(٢٠٨) عبارة القرافي هنا ذكرت هذه المسألة بتفصيل، حيث جاء فيه:\n\"وثانيها ما رواه صاحب الاستذكار أن رجلا من بني مخزوم ادَّعى على ابي سفيان عند عمر ﵁ أنه ظلمه حدًّا في موضع، فقال عمر ﵁: إنِّى لأعْلَمُ الناسِ بذلك، فقال عمر: إنهض إلى الموضع، فنظر عمر ﵁ إلى الموضع فقال: يا ابا سفيان، =","vol":"2","page":303},{"text":"قلت: لا أسَلِّم أن حكم عمرَ ضىِ الله كان مرتَّبًا على علم عمَر، فلعل البينةَ كانَتْ، ولكنه ذكر علمه معها، تزكيةً لشهادةِ الشهود.\nقال: وثالثُها قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٢٠٩)، وقد علِمَ القسطَ فيقُومُ به.\nقلت: ليس في الآية تعرضٌ لِمَا يحكم به ولكنه لصفة الحكم، وذلك أن يكون بالعدْل لا بالجَوْر.\nقال: ورابعُها أنه إذا جاز أيضا الحُكْم بالظن الناشئِ عن قول البينة فبالعِلم أوْلى، ومِن العجب جَعْل الظن خيرًا من العِلم.\nقلت: لا عجَبَ فيه من حيث إن ذلك العلم إذا جُعلَ الحكْمُ مستنِدا إليه تطرقتْ التُّهَم للقاضي، فسُدَّ، حسمًا للباب كُلِّه.\nقال: وخامسها أن التهمة قد تدخل عليه من قِبَل البينة فيَقَبْلُ من لا يُقبل.\nقلت: ليست التهمة على الاطلاق بمرعِيَّة، بل هي -كما قلنا- ثلاثة أقسام: قوية، وضعيفة، ومتوسطة، وقد مضَى حكْم الأقسام الثلاثة، فليسَت التهمة اللاحقة له عن العلم كالتهمة الاحقة له في قَبول شهادة الشهود.\n_________\n= خذ هذا الحَجَر من هنا وضعْهُ ها هنا، فقال: واللهِ لا أفعل، فقال عمر، واللهِ لَتَفْعَلَنَّ، فقال: والله لا أفعل، فعلَاه عمرُ بالدِّرة (أي بالعصا الخفيفة التي كان يحملها معه)، وقاْل: خذه لاأمُ لك، فإنك - ما عَلِمتُ، قديمُ الظلم، فأخذه فوضعه حيث قال: فاستقبل عمر ﵁ القِبلة، فقال: اللهم لك الحمد، إذْ لم تُمتنى حتى غلبتُ أبا سفيان على رأْيه، وأذللته بالِإسلام، فاستقبل القبلة أبو سفيان، وقال: اللهم لك الحمد اذ لم نُمِتْنى حتى جعلتَ في قلبي ما ذللتُ به لعمر\".\n(٢٠٩) سورة النساء، الآية ١٣٥، وأولها قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. وفي سورة المائدة: الآية ٩: قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾","vol":"2","page":304},{"text":"قال: وسادسها أن العمل بالمسموع آكَدُ على السامع من العمل بما رُوي (٢١٠).\nثمَّ الأمر في الحكم هل هو أحْرى بذلك من الرواية، لأن الرواية تُثْبت شيئا عامًّا، والقضاء متعلق بشخص خاص، فَخَطَرُهُ أقَلّ.\nقلت: قد مضى في قاعدةِ الخبر والانشاءِ والفرقِ (٢١٠ م) بين الخبر والشهادة، ما يبطِل هذا الأحْرَى، والوجهُ الذي من أجله كانت الشهادة يُشترَط فيها أشياءُ لا تُشْترط في الرواية.\nقال: وساْبعها أنه لَوْ لم يحكم بعلمه لَفُسِّقَ في صُوَر:\nمنها أن يَعلم ولَادة امرأة على فراش رجلٍ، فيُشهَدُ عنده بأنها مملوكته، فإنْ قبِلَ البينة مكَّنَهُ من وطئها وهي ابنته، وهو فاسق، وإلَّا حَكَم بعلمه وهو المطلوب.\nومها أن يَعلم قتل زيد لعمرو، فيشهدُ عنده بأن القاتل غيره، فإن قَبِلَهُ قَتَل البرِيء، وذلك فسق، وإلَّا حكم بعلمه وهو المطلوب.\nومنها لو سَمعه يطِلِّق ثلاثا فأنكر، فشهدت البينة بواحدةٍ، فإن قبل البينة مكَّنَه من الحرام، وإلَّا حكَمَ بعلمه.\nقلت: يَتْرُكُ الحكمَ في الصور كلها، وترْكُ الحكم ليس بحُكْمٍ، ويَخْلُصُ بذلك من الفسق.\nقال: وثامنها أن رسول الله - ﷺ - اشترى فرسا، فجحده البائع، فقال: من يَشهَدُ لي؟ فقال خزيمةُ: أنا يارَسولَ الله، تخبرنا عن خبر السماء فنصدقك،\n_________\n(٢١٠) عبارة القرافي أوسع وأوضح وهي: أن العمل واجب بما نقلته الرواة عن رسول الله - ﷺ -، فَمَا سمعه المكلف أولى أن يعمل به ويحكم به بطريق الأولى، لأن الفُتَيا تُثبتُ شرعا عاما إلى يوم القيامة، والقضاء في فرد لا يتعدى لغيره، فخطره أقل.\n(٢١٠ م) كذا في نسختيْ ع، وح، وفي ت: \"والفرقِ بين الخبر والشهادة\" بزيادة الواو، وهو اظهر واوضح، حيث يكون فاعِل الفعل مضى هو قوله: \"ما يبطل هذا الاحرى\"، فليُتَأمَّل وليصَحَّحْ.","vol":"2","page":305},{"text":"أفلّا نصدِّقك في هذا؟ فسمَّاه رسول الله - ﷺ - ذا الشهادتين. (٢١١)، فهذا - وإن استدل به المالكية على عدم القضاء بالعلم، فهو دليل لنا من جهة حكمه ﵇ لنفسه، فجوَّز أن يحكم لغيره بعلمه، لأنه أبْعَدُ في التهمة من القضاء لنفسه بالإِجماع.\nقلت: لا دلالة في الحديث على أنه أخذ الفرس وحكَم لنفسه، وقد قال الخطابي: سمَّى النبي - ﷺ - خزيمة ذَا الشهادتيْن، مبالغة لا حقيقة، قالوا؟ وبالقياس على التجريح والتعديل.\nقال أبو محمد في المعُونة: ليس هذَا حُكْمًا.\nقلت: ولو سلَّمنا أنه حكْم لكان مستثنىً للضرورة، من حيث إنه يؤدِي إلى التسلسل، لأنَّهُ محتاج لبينة بجرح أوَ تعديل، وكذا الأمر.\nالمسألة الثانية: وهي مرتَّبة على الأولى. قال أبو الحسن اللخمي: إذا حكم بما كان عنده من العلم قبْل الولاية أو بعْدها في غيْر مجلس الحكومة أو فيه، فللقاضى الثاني نقضُهُ، فإن أقرَّ الخصم بعد جُلوسهما للحكومة، أو أقرَّ بشئٍ قبل أن يتقدَّما للحكومة ثم أنكَرَ، قال محمد: يَنقض هو ذلك دون غيره من\n_________\n(٢١١) أخرجه الامام أبو داود في سننه وكذا الامام البَيْهقي رحمهما الله عن خزيمة بن ثابتٍ أن رسول الله - ﷺ - ابتاع من سواءِ بن الحارث المحاربي فَرَسًا، فجحَده المحاربي، فشهد له خزيمة، فقال له رسول الله - ﷺ -، مالك على الشهادة ولم تكن معه؟ فقال: صدَّقتك بما تقول، وعرفت أنك لا تقول إلا حقا، فقال - ﷺ -: \"من شهد له خزيمة أو شهد عليه فهو حسبُهُ\"، أي يكفيه.\nقال الامام الشافعي ﵀: فلو كان الاشهاد حتْمًا (أي واجبا عند التبايع) لم يبايع رسول الله - ﷺ - بِلَا بَيّنةٍ.\nوفي رواية: فطفق الأعرابي يقول: هَلُمَّ شهيدا أني بايعتك (أي بعت لك الفرس)، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك بايعته، فأقبل رسول الله - ﷺ - علي خزيمة، فقال: بمَ تشهد؟ قال: بتصديقك (أي بنبوتك ورسالتك)، فجعل رسول الله - ﷺ - شهادة خزية شهادة رجُلين\"، (تَعْدِلهُمَا وتقوم معهما، وتلك مزية ومكرمة وخصوصية لهذا الصحابي الجليل ﵁ وعن باقي الصحابة أجمعين.","vol":"2","page":306},{"text":"القضاة، لأنه إلزام بالعلم بالإِقرار، إلا أن يكون يقلد من يرى ذلك، أو من أهل\nالاجتهاد. (٢١٢).\nقال شهاب الدين: فقدْ صرَّح بأن القضاء بالعلم يُنقَضُ، وإن كان مُدْرَكا مخْتلَفًا فيه، والذي ينقضُهُ لا يعتقده، فالحكم عنده وقع بغير مُدْرَك، والحكمُ بغيْرِ مُدْرَكٍ يُنقَضُ، ويَلزمُهُ على هذا، نقضُ الحكم إذا وقع بالشاهد واليمين عندَ من لا يعتقده. وقد نصَّ على نقضه أبو حنيفة، وقال: هو بِدْعة، أوَّلُ من قضى به معاوية، وقد تقدَّم أنه ليس كما قال، بل أكثرُ العلماء قضى به. وكذلك الحكمُ بشهادة امرأتين، قال الشافعي: لا يجوز إلا بأربع، لأن الحكم عند المخالف بغير مُدْرَك، وإن كان المستنَدُ في نقض القضاء بالعلم ليس كونه مدركا مختلفا فيه، وأنا لا نعتقده مُدْرَكا، بل مستَنَدُ النقض التهمة كما ينقضه إذا حكم لنفسه، (٢١٣)، فهذه الأقسام الخمسة هي ضابط ما يُنْقَضُ من قضاء القاضي، وما خرج عن هذه الخمسة لا يُنقَض، وهو ما اجتع فيه ثبوت الولاية له، والدليل، والسبب، والحُجّة، وانتفت فيه التهمة، ووقع على الأوضاع الشرعية، كان مُجْمَعًا عليه أو مختلَفًا فيه.\n_________\n(٢١٢) قال القرافي هنا: \"ومعنى قوله ينقضه هو، إذا تبين له خلاف القول الاول من رأيه، وقيل: لا ينقضه، لأنه ينتقل من رأي إلى رأي، فإن كان ليس من أهل الاجتهاد لم يكن حكمه الاول شيئا، وينظر إلى من يقلده، فإن كان ممن يرى الحكم بِمِثْلِ الاول لم ينقضه، إلا أن يتبين له أن مثلَ ذلك يؤدى مع فساد حال القضاء اليوم إلى القضاء بالباطل، لأن كلهم حينئذ يدعي العدالة فينقضه، لما في ذلك من الذريعة، فهذا ضرب من الاجتهاد\".\n(٢١٣) زاد القرافي هنا قوله: \"فلا يشاركه في النقض غيره من المدارك المختلَف فيها من هذا الوجه، لأني قد ترجح عندي فيما وضعتُه في كتاب \"الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام\"، أن القضاء بالمدرَك المختلَف فيه يرفع الخلاف فيه ويُعَيِّنُهُ، لأن الخلاف في ذلك المدرَكِ موطن اجتهاد، فيتعيَّن أحدُ الطرفين بالحكم فيه كما يتعين أحد الطرفين بالاجتهاد في المسألة نفسها المختلَف فيها. فهذه الاقسام هي ضابط ما يُنقَض من قضاء القاضي .. الخ.\nوهذه الفقرة من كلام القرافي ﵀ ضرورية ومفيدة لتوضيح كلام الشيخ البقوري ﵀.","vol":"2","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>القاعدة الثامنة عشرة\nفي تمييز ما تُشترَطُ فيه العدالة مِمَّا لا تُشترَط فيه</span>. (٢١٤)\nإعْلَمْ أنه قد تقرَّر في أصول الفقه أن المصلحة إمَّا في محلِّ الضرورة، وإمَّا في محلّ الحاجة، وإمَّا في مَحَلِّ التَّتمّة، وما عدَا ذلك مستغنىً عنه.\nوالفرق ها هنا بين ما يُشترط فيه العدالة ممّا لا يُشترط مبني على هذه القاعدة، فاشتراطُ العدالة في محل الضرورة كالشهادة، فإن الضرورة تدعو لحِفْظ دماء الناس وأموالهم وأبْضاعهم وأعْرَاضهم عن الضَّيَاعَ، ولو قُبِلَ فيها قوْلُ الفَسَقة ومن لا يوثق به لضاعت، وكذلك الولايات كالإِمامة والقضاء، وغير ذلك من الولايات التي هي في معني ما ذُكر، ولو فُوِّضت لمن لا يُوثَق به لضاعتْ المصالح وكثرت المفاسدُ. ولم يَشترط بعضهم في الإِمامة العُظْمى العدالةَ، لغَلَبةِ الفسوق على وُلاتها. (٢١٥)\n_________\n(٢١٤) هي موضوع الفرق العشرين والمائتين بين قاعدة ما يُشترطَ فيه العدالة، وقاعدةِ ما لا يشرط فيه العدالة\". جـ ٤. ص ٣٤. لم يعلق الشيخ ابن الشاط على هذا الفرق بشيء.\nوأحسنُ من تكلم في المقاصد والمصالح وتوسع فيها، وبحثَها بحثا دقيقا وبسطها واجاد فيها بما لَمْ يُسْبَقْ اليه، هو الامام ابو اسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه الشهير بالموافقات، كما تناولَهُ غيره من الأئمة وعلماء الأصول، سواءٌ القدامى والمحْدَثُون، ومن بينهم الفقيه العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور، وأستاذنا الجليل الفاضل الزعيم العلامة المشارك في ختلف فروع العلم والمعرفة الاسلامية، الأستاذ علال الفاسى ﵀ في كتابه الشهير \"مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها\" وكذا كتابه: \"دفاع عن الشريعة\"، وغيرهما من المؤلفين في هذا العلم من علماء الاسلام المعاصرين، فرحمهم الله برحمته الواسعة، وجزاهم خيرا عن العلم والاسلام والمسلمين، وأسكنهم فسيح جناته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.\n(٢١٥) قلت: يظهر أنه لا ينبغى أن يوخذ هذا التعليل على عِلّاتهِ وظاهره وعمومه، ويكون بمثابة أمرٍ مسلَّم وقاعدة عامة مطردة، فإن الولاية العظمى والإمامة الكبرى في الاسلام وتاريخه الحافل المديد لا تخلو في كل بلد وزمان، من ولاة صالحين مصلحين، يخدمون الاسلام والمسلمين، ويوطدون الامن والاستقرار، ويحققون التقدم والازدهار لشعوبهم، وينفع الله بهم البلاد والعباد، ويعتنون بشؤون الناس وبمصالحهم في كل عصر وجيل، سواء بالنسبة للولاية الكبرى والإمامة العظمى، او بالنسبة للولايات والخطط الشرعية الاخرى المتفرعةِ عنها من قضاءٍ وحِسبة، وولاية أمور المسلمين وشؤونهم الدينية والدنيوية. كما هو مستفاد من كتب التاريخ الاسلامي وتاريخ","vol":"2","page":308},{"text":"فلو اشْتُرِطَتْ لتعطلت التصرفات الموافقة للحق في تَوْليَة من يُوَلونه من القضاة والولاة وغير ذلك، وفيه ضَرَرٌ عظيم أقبحُ من فوات عدالة السلطان، قال: واذا نَفَذتْ تصرفات البغاة بالإِجماع، فأوْلَى نفوذ تصرفات الولاة والائمة مع غلبة الفجور عليهم.\nومحل الحاجة كالإِمامة في الصلاة، فإن الأئمة شفعاء، والحاجة داعية لِإصلاخ حال الشفبع عند المشفوع عنده، (٢١٦) وإلَّا لا تقبل شفاعته، فيشترط فيهم العدالة، وكذلك المؤذِّن الذي يُعْتَمَد على إعلامه بدخول الوقت، ولم يقع خلاف في المؤذن المذكور، بخلاف المؤذن لنفسه، ولا اعتمادَ على أذانه من حيث الغير، فلا يشترط فيه شرط. ووقع الخِلاف في اشتراطها في الامام، فالشافعي لا يشترطها، ومالكٌ يشترطها.\nوسببُ الخلاف أن الشافعي لا يرى بالربط بين الإِمام والمأموم، فصحَّ أن يكون إماما، فإنه لنفسه صلَّى، كما تصح صلاة الفاجر إن أتَى بشروطها، أو تفسد عليه وحده إن أخَلَّ بشئٍ من شروطها وأركانها. ومالك يرى بالربط، فاشترط ذلك، إذْ فساد صلاته يسْري إلى صلاة الماموم.\nوأمّا محَلّ التتمة فكالولاية في النكاح، فلا تُشترط فيها العدالة، لأن الوازع الطبيعي الذي عندَ الولي من الشفقة على وليته ولحَاقِ الضرر به يمنعه من أن لا يوقع بها إلا المصلحة، (٢١٧) فلم يُحْتَج إلى اشتراط العدالة، وهذا كالإِقرار لقيام\n_________\n= امته المجاهدة، وتزخر به وتشهد به كتب التاريخ من أعمالهم الجليلة، العلمية منها والعملية، الدينية منها والدنيوية، تحقيقا لقول النبي - ﷺ -: \"إن الله يبعث على رأس كل مائة من يجدد لهذه الامة أمر دينها\"، وهو في عمومه شامل للولاة والعلماء الصالحين المصلحين في كل مكان وحين. فليتأمل في ذلك.\n(٢١٦) إشارة إلى ما جاء في الحديث والأثر: \"أئمتكم شفعاؤكم، فانظروا بمن تستشفعون\". قال القرافي: والصلاة مقصد، والأذان وسيلة، والعناية بالمقاصد أوْلى، غير أن الفرق عنده (الشافعي) أن الفاسق تصح صلاته في نفسه إجماعا، وكل مصَلٍّ يصلى لنفسه، فلمْ تدْعُهُ الحاجة لصلاح حالَ الامام، ومالك ورى أن صلاة الماموم مرتبِطة بصلاة الامام، وأن فسقه يقدح في صحة الربط، فهذا منشأ الخلاف.\n(٢١٧) كذا في نسخ هذا الترتيب والاختصار، وفي العبارة شيء يجعلها غير سليمة عند التأمل، فإبطال النفي يصير الكلام ويجعله مثبَتًا، فيكون الكلام: يمنعه من أن يوقع بها المصلحة، =","vol":"2","page":309},{"text":"الوازع الطبيعي فيها، غير أن الفاسق قد يوالي أهلَ شيعته، فيؤثرهم بوليته: أختِه أو بنته، فتحصل لها المفسدة العظيمة، فاشتَرِطت العدالة لذلك، وكان اشتراطها تتمة، لا حاجيةً ولا ضروريةً، لأجل تعارُض هاتين الشائبتين، وهذا التعارض بين هاتين الشائبتين هو سبب الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في ولاية النكاح، وهل تصِحُّ ولاية الفاسق أو لا؟ وفي مذهب مالك قولان.\nوكذلك اشتراط العدالة في الأوصياء من باب التَّتمَّةِ أيضا، لأن الغالب على الانسان أنه لا يوصي على ذُريته إلا مَنْ يثِق بشفقته، فوازعه الطبيعي يكفي في تحصيل مصلحة الاولاد. ثم الْأمر فيه كما قلنا في ولي النكاح سواءٌ بسواء، وما عدا ذلك فلا تشترط فيه العدالة، كالإِقرار فإنه يُقْبل فيه قول البَرِّ وَالفاجِر، وهذا لأن الوازع الطبيعي معه، فهو لا يسوقه إلى مضرّة نفسه، وكذلك مسألة الدعاوى يصح فيها البَرُّ والفاجر، والمسلم والكافر، وإنْ كانت عكسَ الإِقرار، فإنه في الإِقرار يعترف بالحق عليه، وهنا يطلب غيره بشيء يقول: هو له، وقامت البينة هنا مَقام الوازع الطبيعي هنالك، بل كَان الرُكُون إليها أوْلى من العدالة، لأن، العدالة قد تتغيَّر في أقربِ وقت، ونحنْ لا نطلع على ذلك، فيوصَل بذلك إلى المضرّة، فاشْتُرطت البينةُ على المدَّعي، وسائرُ ما يقوم مقام البينة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>القاعدة التاسعة عشرة: في ضَمِّ الشهادات </span>(٢١٨).\nقال اللخمي: قيل: تضَم الشهادتان في الأفعال والأقوال، أو إحداهما والأخرى فعلٌ، وقيل: لا يُضَمَّان مطلقا، وقيل: تُضَمان في الأقوال فقط،\n_________\nوهو غير سليم، والمقصود أن تلك الشفقة تمنعه من ألا يوقع بها غير المصلحة، وذلك ما توضحه عبارة القرافي حيث جاء فيها قوله:\nبسبب أن الوِازع الطبيعي في الشفقة على الْمُوَلى عليها يمنع من الوقوع في العار والسَّعي في الِإضرار. فقَرُبَ عدم اشتراط العدالة (في الولاية على النكاح) كالإقرارات، لقيام الوازع الطبيعي فيها.\n(٢١٨) هي موضوع الفرق التاسع والستين والمائتين بين قاعدة ضم الشهادتين في الاقوال، وبين قاعدة عدم ضمها في الافعال، جـ ٣. ص ١٧٧.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء في اول هذا الفرق عند القرافي رحمهما الله، فقال: مما قاله هنا حكايةُ أقوال، ونحو ذلك، ولا كلام فيه.","vol":"2","page":310},{"text":"وقيل: تضمانِ إذا كانتا على فعل، فإن كانت إحداهما على قوْل والأخرى على فعل فَلا، وهذه الأقوالُ كلها لمالك ﵁. واعتمد الأصحاب في الفرق بين الأقوال والافعال أن الأقوال يمكن تكررها، ويكون. الثاني خبرا عن الأول، والأفعال لا يمكن تكرُّرُها إلّا مع التعَدُّد.\nوهذا الفرق فيه بحْث. (٢١٩) وذلك أن الأصل في الاستعمال الانشاءُ، وتعديدُ المعاني بتعدد الاستعمال حتى يدل دليل على التاكيد، ومقتضَى هذه القاعدة عدَمُ ضمِّ الأقوال والأفعال، (٢٢٠) لكن عارَضَ هذه القاعدةَ قاعدةٌ اخرى، وهِيَ أن أصْلَ قولنا: أنتِ طالق، وأنتَ حُرٌّ، الخبرُ عن وقوع الطلاق والعَتاق قبل زمن النطق، وكذلك بعْتُ واشتريتُ وسائر صيغ العقود، وإنما ينصرف لاستحداث هذه المعاني بالقرائن أو النقل العرفي، فحُمِل القول الثاني على الِإخبار في المرَّة الثانية، عملًا بقاعدة ترجيح الاصل الذي هو الخبر، والحَمْلُ على الأصل أوْلى (٢٢١)، ولذلك شبّهَهُ الأَصحاب بما لو أقرَّ بمال فِى مجالسَ فانه لا يتعدد عليه لقربه. (٢٢٢) أمّا لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمَّمَ على الإِنشاء فيما سمِعه كانت الأقوال كالأفعال،\n_________\n(٢١٩) هذا من كلام القرافي ﵀.\n(٢٢٠) كذا في جميع النسخ. ع. ح. ت، وتعديد بالعين، وفي هذا الفرق عند القرافي: وتجديد المعافي بتجدد الاستعمال والتاسيس (بالجيم)، والتعبير بالتجديد أظهر وأوضح، وأن الأول له معنى ووجه آخر مقبول، فلْيتَأمَّل وليحقق، والله أعلم.\n(٢٢١) علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي، فقال: ما قاله صحيح، بناء على ما أصل، الا ما قاله من قوله: انتَ طالق، وانت حرٌّ، الخبر عن وقوع الطلاق والعتاق قبل زمان النطق، فإنه ليس بصحيح. فإن الخبر باسم الفاعل المطلق لا يكون إلا للحال. وقد تقدت الاشارة إلى هذه في تعليق سابق.\n(٢٢٢) قال ابن الشاط هنا: إنما لم يتعدد عليه ما أقر به لاحتمال تكرر الاقرار بمال واحد، مع أن الأصل برآة الذمة من الزائد، وكذلك ما نحن فيه من قوله: عبدي فلان حر، ثم كرر ذلك القول، فإنه يُحملُ على أن الثاني خبر عن الاول، بناء على ما أصل من أصل الخبر، فيكون حينئذ الشاهدان شهِدا على شيء واحد، وهو انشاء العتق في العبد الذي سمَّى.\nثم زاد ابن الشاط قائلا هنا: لا أدري مْا الحامل على تكلف تقديره كون القول الثاني خبرا عن الأول، مع أنه لو بَيَّن بقرينة مقاله او بقرينة حالِهِ أنه يريد بالقول الثاني تاكيد الانشاء لِعتق","vol":"2","page":311},{"text":"وبالجُمْلة، من غلب عليه مُلاحظةُ الانشاء لم يَضُمَّ في الأقوال، ومتى لاحَظَ الانشاءً ولاحظَ الخبر، وأنه الأصْل ضَمَّ في الأقوال. وأمّا الافعالُ فبيَّنَ أنه لا يمكن أن يكون الثاني عَيْنَ الأول. (٢٢٣) لأنه لا يصح أن يكون خبرا عنه، فإن الخبر من خصائص الأقوال، فصار مشهودًا به آخر. وأمّا عدم الضمّ إذا كانت إحداهما قولا والأخرى فعلا، فلأن الضم إنما يكون في جنس واحد، وضمُّ الشيء إلى جنسه أقربُ من ضمِّه إلى غير جنسه (٢٢٤).\n_________\n= ذلك العبدَ، لكملت شهادة الشاهدين بذلك العتق، وكذلك لو تبين بالقرائن أن القول الاول خبر عن أنه كان عقدَ عتقه، والقول الثاني كذلك، لحصلت شهادة شاهدين على إقراره بعتقه، فلا فرق - إذن - بين ما إذا كان القولان إنشاء أو كانا خبرا، أو كان أحدهما خبرا والآخر إنشاء، من حيث ان المقصود وهو وقوع عتقه اياه قد حصل على كل تقدير من تلك التقادير.\nنعم إذا تبيَّن بالقرآئن أو احتمل أن القوَل الثاني تأسيسُ إنشاء كالاول، فها هنا لا يصح ضم الشهادتين المختلفتي التاريخ، لأنه لا يكون على عقد العتق الا شاهد واحد وهو الأول، وأما الثاني، فإنَّما لا يصح عقد العتق به، لأن العقد أو العتق لا ينعقد فيما تقدم عتقه.\n(٢٢٣) كذا في ع، وح. وعند القرافي. وفي نسخة ت: عكس الاول، بدل عين الأول.\n(٢٢٤) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافيِ هنا قوله: \"أما لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمَّم على الانشاء فيما سمعه كانتَ الاقوال كالافعال\" إلى هنا ... الخ\nفقال: لا أحسِبُ ما بنَى عليه الفرقَ من كون القول الثاني خبرا عن الأول صحيحا، بل الذي ينبغي أن يكون أصْلا في هذه المسائل، سواء كانت قولا أو فعلا، أو كيفما كان، أن يُنظر إليها، فإن قبلَتْ الضم ضُمتْ، وإلا فلا.\nففي القول كمسألة الإِقرار بمال، كمن يقول في رمضان: لفلان عندى دينار، فسمعه شاهد، ثم يقول في شوال: لفلان عندى دينار، فسمعه آخر، فلاشك أن المَوْضع يقبل الضم، فتُكَمل الشهادة، ويقضَى عليه بالدينار.\nوفي الفعل، كمن يَشرب الخمر في شوال، فيشاهده شاهد، ثم يشربها في ذى القعدة فيشاهده آخَرُ، فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم، فإن الشاهديْن معًا قدْ اجتمعا معا على مشاهدتهما إياه، يشرب الخمر، فتكمل الشهادة فليزمه الحد.\nوما قاله القرافي بعد ذلك حكاية اقوال ولا كلام فيها. وما قاله من الحمل على الخبر، فهو بناء على أصله، وما قاله فيما إذا شهد له شاهد الانشاء صحيح، والله أعلم.\nوأما القول الذي لا يقبل الضم فكما إذا قال في رمضان: عبدي فلان حرٌّ، على قصد نأسيس الانشاء لعتقه، فشهد عليه بذلك شاهد، ثم قال في شوال: عبدي حر على ذلك القصد بعينه، فيشهد عليه بذاك شاهد آخر، وتعذّر قبول الضم هنا مِن قِبَلِ أن عقد العتق لا يتعدد. =","vol":"2","page":312},{"text":"\"تفريع\". قال اللخمي: لوْ شهِد أحَدُ الشهود بالثلاث قبْلَ أمس، والثاني باثنتين أمْسِ، والثالث بواحدةٍ اليومَ. لزم الثلاثُ، لأن ضمَّ الثاني للأول يوجبُ اثنتين قبل سماع الثالث، فلمَّا سمع الثالث ضُمَّ لهما، فلزمت الثلاث. وكذلك لو شهدَ الثاني بواحدة والآخَرُ باثنتين، لأن الثاني صح الأول طلقتان، فتضم إليهما طلقة الآخَر. وكذلك لو شهِد الأول باثنتين، والثاني بثلاث، والآخر بواحدة. هذا كله إذا عُلِمَت التواريخ، فإن جُهلت فيختلف في لزوم الثلاث او اثنتين، لأن الزائد عليهما من باب الطلاق بالشك. وقال أبو حنيفة: إذا شهِدَ أحدُهما بطلقة والآخَرُ بأكْثر لمْ يحْكَم بشيء، لِعَدَم كمال الشهادة. فلو شهِد أحدُهما ببائنة والآخَرُ برجْعيَّة ضُمَّتْ الشهادتان، لأنَّ الاختلاف ها هنا إنما هو في الصفة. قال مالك في المدَونة: إذا شَهِدَ أحَدهما أنه قال: إن فعلت كذا فامْرأتِي طالق، وشهِد الآخَرُ أنه قالَ ذلك في صَفَر، وشهِدا عليه، أو غيرهما بالفعل بعد صفر طُلِّقتْ، لاتفاقهما على التعليق والمعَلَّقِ والمعلَّقِ عليه، كما لو اتفقا على المُقَرِّ به واختلفا في زمن الاقرار. وإن شهدا في مجلس على التَّعليق، وشهِدَ أحدهما أنه فعل يوم الجمعة الشرْط، والآخرُ أنه فعله يوم السبت طُلِّقتْ، لاتفاقهما على التعليق ووقوع الشرْط، وكذلك لَوْ نَسَبَا قوله إلى مكانيْن، وِهذا بناء على أن القول الثاني خبر لا إنشاء، فلو صمّم كل واحد من الشاهدين على الانشاء لمْ يكنْ ضَم.\n_________\n= وأما الفعل الذي لا يقْبلُ الضم، فكما إذا شهد شاهد أنه شاهد زيدا قتل عمرًا، في شوال، وشهِدَ شاهدٌ آخَر أنه شاهَدَ قتله في ذي القعدة، وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن القتل لا يتعدد.\nوعلى ما تقرر تُشكلُ المسألة التي نُقل عن مالك ﵀ مِن أنه إذا شهِدَ أحد الشاهدين أنه طلقها بمكة في رمضان، وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت من حيث إن المدة التي بيْنَ رمضان وصفر أكثر من مدة العدة، فعلى تقدير قصده تاسيسَ الانشاء، فالقولُ الثافي لا ينعقد به طلاق، لأنها قد انحلت عصمته عنها قبل هذا التاريخ بمقتضى شهادة الاول. وعلى تقدير قصد الخبر فالقولُ الثاني يبعِدُ اطلاع الشاهد على هذا القصد، لاحتمال القول الثاني قصدَ تأسيس الإِنشاء وقصد تاكيده، وقَصْدَ الخبر، وترجيحُ قصد الخبر بأنه الاصل لا يخفى ضعفُه، والله أعلم.\nوما قاله القرافي بعد ذلك حكاية أقوال، ولا كلام فيها. وما قاله من الحمل على الخبر، فهو بناء على اصله، واما قاله فيما إذا شهد له شاهد الانشاء، صحيح، والله أعلم.","vol":"2","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>كتاب الحدود وما في معناها</span>\nوفيه ستُّ قواعد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>القاعدة الأولى:\nفي تقرير (*) ما هو شُبْهةٌ يُدْرَأُ بهَا الحدُّ ممَّا لا </span>(١).\nواعْلَمْ أن الشبهاتِ ثلاث: شهة في الواطيء، وشبْهَةٌ في الموطوءةِ، وشبْهة في الطريق.\nفالشبهة الأولى كاعتقاده أن هذه الأجنبيَّةَ امرأتُهُ، أو مَمْلوكتهُ ونحوُ ذلك، وشبهة الموطوءة كالأمةِ المشتَرَكة إذا وطئها أحد الشريكَيْن (٢)، والشبهة الثالثة كاختلاف العلماء في إباحة الموطوءة بنكاح المتعة، (٣) ثم أمْرُ الكفارات فيما بسقطها كسائر الحدود.\n_________\n(١) هي موضوع الفرق الرابع والأربعين والمائتين بين قاعدة ما هو شبهة تُدْرأ بها الحدود والكفارات، وقاعدة ما ليس كذلك\". جـ ٤. ص ١٧٢.\nولم يعلق الشيخ ابن الشاط بشيء على ما جاء فيه من كلام شهاب الدين القرافي رحمهما الله. كذا في نسخة ع: في تقرير، وفي نسخة ح، وت. نُقَرِّرُ.\n(٢) أيْ، فما فيها من نصيبهِ يقتضِى عدمَ الحد، وما فيها من مِلْك غيره يقتضي الحد، فيحصُل الاشتِباه وهو عينُ الشبهة، كما أن اعتقاد امرأته هو جهلٌ مركَّب وغيرُ مطابِق يقتضي عدم الحدّ من حيثُ إنه معْتقِد الإِباحة، وعدمُ المطابقة في اعتقاده يقتضي الحدّ، فحصلتْ الشبهة من الشبهتين.\n(٣) أيَ فإن قول المُحَرم يقتضي الحدّ، وقوْل المبيح يقتضي عدم الحد، فهذه الثلاثة هي ضابط الشبهة المعتبرة في إسقاط الحدود، والكفاراتِ في شهر رمضان.\nقلت: من المعلوم المسَلَم به شرعًا وإجماعًا أن نكاح المتعة محرم في الإِسلام، وهو النكاح الموقَتُ بأمَد معلوم أو مجهول، حيث ينتهى عقد الزواج وتنفصم عُرْوته عند حلول ذلك الأجل، فهو نكاح أبطلَه دين الإِسلام، ولم يعُدْ له وجودٌ ولا مكان ولا اعتبارٌ في شرعه الحكيم. لأنَّ عقد الزواج يقوم ويتأسس على نية التأييد، وينبني على العزم على استمرار العلاقة ودوام الزوجية بين الزوجين إلى حين التفريق بينهما بالأجل المحتوم على كل إنسان، وهو لقاء الله تعالى. =","vol":"2","page":314},{"text":"ثم إن إسقاطَ الحدودِ وإسقاط الكفارات بما ذُكر يكون مشروطا بشرط هو اعتقاد مقارنة السبب المبيح.\nقال مالك في كتاب الصيامِ من المدونة: إذا جامع في رمضان ناسيا فظن أن ذلك ييطل صومَه، فتعَمَّدَ الفطر ثانيةً، أو امرأةٌ رأتْ الطُّهْر ليلًا في رمضان فلم تغتسل حتى أصبحتْ، فظنَّتْ أنه لا صوم لمن لم يغتسل قبل الفجر فأكلت، أوْ مسَافرٌ قدِمَ إلى أهله ليْلا، فظن أن من لم يدخل نهارا قبل أن يمسي أن صومه لا يُجْزئه، وأن له أن يفطر فأفطر، أوْ عَبْدٌ بعثَهُ سيده في رمضان، يرعى غنما له على مسيرة يوميْن أو ثلاثة، فظن أن ذلك سفرٌ فأفطر، فليس على هؤلاء إلا القضاءُ بِلا كفارةٍ.\nقال ابن القاسمِ: وما رأيتُ مالكا يجعل الكفارة في شيء من هذه الوجوه على التأويل، إلا امرأةَ قالت: اليومَ أحيض، وكان يوم حيضها، فأفطرتْ أوَّل نهارها، وحاضتْ في آخره، والذي يقول: اليومُ يومُ حُمّايَ فياكل في رمضان متعمدا أولَ النهارِ، ثم يَمرض في آخره مرضا لا يقدر على الصوم معه، فقال: عليهما القضاء والكفارة.\n_________\n= فعن سلَمة بن الأكْوع ﵁ قال: رخَّصَ رسول الله - ﷺ - عام أو طاسِ في المتعة ثلاثةَ أيام، ثم نهى عنها\". ثم خرجه الإِمام مسلم ﵀ .. وأوطاس وادٍ بدِيار هوزان وقعت فيه غزوة بعد فتح مكة.\nوأخرج الإِمام البخاري ﵀ عن علي ﵁ قال: نَهى رسول الله ظلاسد عن المتعة (أي عن زواج المتعة) وعن الحمُرِ الأهلية عامَ خيبر، أي عام غزوة خيبر وفتْحها، وذلك في السنة السابعة من الهجرة حين غزا النبي عام مدينة خيبر، وانتصر فيها مع صحابته المجاهدين على اليهود المتواجدين آنذاك بخيبر، وأخرجهم منها ومن حصونها لتصبح بلدًا إسلاميا ولتبقى كذلك إلى يوم الدين.\nوعن سَبْرة ﵁ قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - قائما بين الركن والباب (أي بين ركن الحجر الأسود وباب الكعبة، في حجة الوداع)، وهو يقول: \"يا أيها الناس إني قد كنت أذِنَتُ لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرَّم ذلك، فمن كان عنده مهنَّ شيء فلْيُخَلِّ سبيله، ولا تأخذوا مما آيتموهن شيئا\"، أي لا تاخذوا شيئا مما أعطيتموه لهن صداقا\" رواه الأئمة: مسلم، وأبو داود، وابن ماجة رحهم الله، ورحم كافة أهل الحديث والعلم والفقه في الدين، ورحم كافة المسلمين.","vol":"2","page":315},{"text":"ووجه الفرق بين الصورتين (٤) وسائرِ الصور التي لا كفارة فيها أن تلك المسائلَ اعتقدَ فيها المُقْدِمُ عليها اقترانَ السبب البيح، وفي هاتين اعتقدَ بأنه سيقع، فأوقعت الاباحةً قبل سببها (٥) بِعذر من كان يعتقد مقارنة السبب (٦) وإن كان مخطئا، ولم يُعذَر من لم يعتقد مقارنة السبب، وهذا لأن تقديم الحكم على سببه، بُطْلانه بيِّن، غير ملتبِس في الشريعة، فلا صلاة قبل الزوال، ولا صوم لرمضان قبل الهلال، ولا عقوبة قبل الجناية، وهذا كتير لا يعدُّ، وبيّنٌ لا يخفى، بخلاف اشتباه صور الأسباب المبيحة وتحقّقِ شروطها ومقاديرها لا يعلمه إلا الفقهاء، فكان اللبْسُ فيه عذْرًا. (٧)\nونظير الحائض والمريض المذكورين في الكفارات في الحدود أن يشرب خمرًا يعتقدُ أنه (٨) يصير خَلًا، أو يَطأ امرأة يعْتَقِدُ أنه سيتزوجها فإن الحدّ لا يَسقط،\n_________\n(٤) أيْ صورة المرض، والحيض من جهة، وبقية الصور الأخرى من جهة ثانية.\n(٥) كذا في ع. و. ت. وعبارة القرافي: فأوقعا الإباحة قبل سببه، فهما مصيبان من حيث ان الرض والحيض مبيحان، مُخْطِئانِ في التقديم للحَكم على سببه. والأوَلُ مخطؤون في حصول السبب، مصيبون في اعتقاد المقارنة. ولم يقصدوا تقديم الحكم على سببه، فَعُذروا بالتأويل الفاسد، وله يُعْذَر الآخران بالتاويل الفاسد.\nوسرّ الفرق في ذلك وأضح، وهو أن تقديم الحكم على سَبَبه، بطلانه مشهورٌ غيرُ مُلْتبس في الشريعِة.\n(٦) كذا في ع، وفي ت: بعُذْر من كان سببه مقارنا.\n(٧) عبارة القرافي: \"فلا يعلَمُهُ إلا الفقهاء الفحول، وتحقيقُه عسيرٌ على أكثر الناس، فكان اللبس عذْرا، وما هو مشهور لا يكون اللبس عذرًا\".\n(٨) كذا في جميع النسخ أنه بضمير التذكير، العائد على الخمر، ولعل التأنيث أظهر وأصوب بأن يقال: يعتقد أنها تصير خلا، اذ كلمة الخمر جآءت في النصوص الشرعية مونثة بعود الضمير عليها بالتانيث كما هو واضح من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والعبارات الأدبية: النثرية منها والشعرية.\nومن ذلك قول الله تعالى في وصف نعيم الجنة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥].\nوفي الحديث النبوي الشريف، وهو ينهى عن تعاطى الخمر ويحذّر من شرها ومن سوء عاقبتها في الدنيا والآخرة. \"ومن شرب الخمر في الدنيا، فمات وهو يُدمنها لم يُتب منها، لم يشرَبها في الآخرة\" رواه كثير من أئمة الحديث ﵏.","vol":"2","page":316},{"text":"لعدم مقارنة السبب، بخلاف أن يعتقد أنه في الوقت الحاضر خَلٌ، وأنها امرأته أو جاريته، فهذا لَاحدّ فيه، ثم ما خرج عما ذُكِر، فيه الحدُّ والكفارة.\nقال شهاب الدين ﵀: قلت لبعض الفضلاء:\nالحديث الذي يَستدل به الفقهاء، وهو ما يرْوى: \"إدْرأوا الحدودَ بالشهات\" (٩) لم يصحَّ، واذا لم يكن صحيحا، ما يكونُ معتمَدَنا في هذه الأحكام،؟\nفأجابني بأن قال لي: يَكفينا أن نقول: حيث أجمعنا على إقامة الحد كان سالما عن الشبهة، وما قصَر عن محل الإِجماع لا يُلحق به، عملا بالأصل، حتَّى يدُلَّ الدليل على إقامة الحد في صوَر الشبهات، وهو جوابٌ حسَن.\nقلت: فيَلْزَمُ على هذا أن المسْتنَدَ في الحدودِ الإِجماعُ لا غيْرُهَ من الأدلة، وذلك باطل.\n_________\n(٩) رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: \"إدْفعوا الحدود ما وجدتُم لها مَدفعا\" وهو تفسير وبيان للصيغة الأولى.\nوعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إدْرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخَلوا سبيله، فإن الإِمام لأن يخطيء في العفو خيْرٌ من أن يخطئ في العقوبة\". رواه الامام الترمذي ﵀، وذكر أنه روي موقوفا، وان الوقف أصح. وقد روي عن\nغير واحد من الصحابة ﵃ أنهم قالوا مثل ذلك\".\nقلت: وذلك مما يقوي ورود هذا الحديث، ويؤيد ثبوت لفظه ومعناه، واعتماد العلماء عليه، وأخذَهُم به في موضوعه، ويدل على أن الامام السلطان هو الذي له حق إقامة الحدود والقصاص، أو من ينوب عنه بإذن وتفويض، ويُصْدر الأحكام باسمه من ولاة وقضاة الأحكام. والحديث الموقوف كما هو معروف في مصطلح الحديث وعند أهله من العلماء هو المنسوب إلى الصحابي على أنه من قوله، ودون أن يسنده ويرفعه إلى النبي - ﷺ - على أنه سمعه منه. والموقوف يُعْتَبَر من قبيل الحديث الضعيف لكونه غيرَ متصل السند، وغيرَ مرفوع إلى النبي - ﷺ -. قال الشيخ محمد بن فتوح الدمشقي أحد علماء الشافعية صاحب المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث وألقابه، بعد أن ذكر الحديث الصحيح والحسَن،، شروطَ كل واحد منهما:\nوكُلَّ ما عن رتبة الحسْن قَصُرَّ ... فَهْوَ الضعيف وهو أقساما كَثُر\nوما أضيفَ للنبي، المرفوعُ ... وما لتابع هو المقطوع\nوما أضفتَه إلى الاصحاب مِن ... قولِ وفعل فهو موْقوف زُكِنَ\nوتحرير الكلام في قول الصحابي ومذهبه، وكونه حجة وغير حجة في الاستدلال، تناوله علماء الأصول بتوسع ونفصيل، فليرجع إِليه من رغب في ذلك ومن بينهم أصول الففه للشيخ العربي اللوه ﵀.","vol":"2","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>القاعدة الثانية:\nفي الفرق بين القذف يقع بين الزوجين، وبين الأجانب</span>. (١٠)\nقال مالك وأبو حنيفة: إذا وقع القذف من الزوج للزوجات فاللعان يتعدد بتعددهن، كان ذلك في مجلس واحد أو مجلسيْن، وإذا وقع من أجنب فحَدٌّ واحدٌ يُسقِط كلَّ قذف قبله.\nوقال الشافعي: إنْ عَدَّدهُن بكلمات مفترقات فعليه لكل واحدة حدٌّ. وقال ابن حنبل، وبكلمة واحدةٍ، للشافعي فيها قولان. وكذلك لأحمد.\nفالحَنَفِيَّة قالوا: هو حقٌّ لله تعالى، فتداخل. والشافعية قالوا: هو حقٌّ لآدَمي فيتعدَّد. وَيلزَمنا أن يكون عندنا قولان، بناءً على أن حدَّ القذف لله تعالى أو للادمي، لأن لنا في هذه القاعدة قوْليْن. (١١).\nودليلُنا أن هلال ابن أميَّة رمى امرأته بشَريك، فقال له النبي - ﷺ -: \"حَدٌّ في ظهرك أو تَلْتعن\" (١٢)، ولم يَقُل: حَدَّانِ.\nوأيضا فإن عمر جلَد شهود الغيرة الذين شهِدوا عليه بالزني حدًا واحدًا لا حدَّيْن.\nوأيضا، فحَدَّ رسولُ الله - ﷺ - القاذفين لعائشة حدًا واحدًا، (١٣) ولمْ يحُدَّهم حدَّين، الواحدُ لعائشة، والآخَرُ لصفوانَ.\n_________\n(١٠) هي موضوع الفرق الخامس والآربعين والمائتين بين قاعدة القذْف إذا وقع من الأزواج للزوجات، فإن اللعان يتعدد بتعددهن إذا قَذَفَ الزوجُ زوجاتِه في مجلس أو مجلسيْن، وبين قاعدة الجماعة يقذفهم الواحد فإن الحد يَتَّحِدُ عندنا\". جـ ٤. ص. ١٧٥. ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط ﵀.\n(١١) حكاهما اللخمي والعبدي وغيرهما من العلماء المالكية.\n(١٢) أخرجه كل من الإِمامين: البخاري والترمذي عن ابن عباس ﵄، وانظر الحديث بطوله وتمامه في كتابيهما. وفي بابه.\n(١٣) عن عائشة ﵂، قالت، وقد نزلت آياتُ الإفك من سورة النور تُبَرّئها وتبريء ساحتها مما اتُّهِمت به وخاضَ فيه الخائضون الأفاكون: \"لمَّا نزل عُذْري قام رسول الله - ﷺ - على المنبر، فذكر ذلك (أي تَلا تلك الاياتِ) وتَلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضُربُوا حدَّهُم\".","vol":"2","page":318},{"text":"احتجوا بالقياس علي الزوجات الأربع، فإنه يحتاج لِلعانات أربعٍ.\nالجواب أنها أَيمان، والأَيمان لا تتداخل، بخلاف الحدود، فلوْ وَجَبَ عليه أيْمانٌ لجماعة، لم تتداخَلْ.\nقلت: ظاهر هذا الجواب يخالف ما قرره أولا من الخلاف، إذ يقتضي هذا أنه لا تداخلَ في الأيمان عند أحدٍ، والتداخل فِى الحدودِ عند كل أحد، سواء كان الحدُّ لله او للآدمي، وقد قال: الخلاف فِى ذلك ينبني على أنه حق لله أو حق للآدمي، وقد كان ينبغي أن يكون الخلاف عندنا في المسألة، لأن الخلاف عندنا في القاعدة هذه.\nثم إنه يقال: إمّا أن يكون اختلاف اللعان يوجب اختلاف الحدود أو لا، فإن لم يوجبه فذِكْرُهُ الفرقَ بين اللعان يتكرر ولا يتداخل، وبين الحدِّ يتداخل، عَيٌّ، فإن الفرق ثانٍ عن الجمع، وحيث لا جمع فلا فرقَ، وإن أوجب ذلك اختلاف الحدود صحَّ قياسُهُم، والله أعلم.\nقال شهاب الدين - ﵀: تَخَيَّلَ بعض أصحابنا وجماعةٌ من الفقهاء أن قوله تعالى: \" ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ... الآية، دلَّ على أن القاذف لجماعة يُحَدُّ حدًّا واحدا، قال: وليس كذلك، لأن مقابَلَةَ الجمع بالجمع، تارة تتوزع الأفرادَ على الأفراد، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. (١٤)\n_________\n= رواه الترمذي بسند حسن. قال بعض شراح الحديث: والرجلان هما حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وهو ابن خالة أبي بكر الصديق ﵁، وكان معه ينفق عليه لقرابته منه ولفقره، والمرأة هي حمنة بنت جحش، وكانوا كلهم تكلموا في عائشة بالإِفك (أي الكذب والإثم)، فأمر النبي - ﷺ - بإقامة حد القذف عليهم، فتابوا وكانوا من أحسن المسلمين قولا وعملا، ﵃ اجمعين، وألحقنا بهم مومنين مخلصين.\nوصفوان هو الصحابي الجليل الذي رافق سيدتنا عائشةَ ﵂ من المكان الذي تركها فيه الجيش، وهي تبحث عن عِقْدها الذي سقط لها، إلى أن وجدتْهُ، وَسارَ أمامها إلى أن أوصلها وهي راكبة على ناقة إلى المكان الذي يوجد فيه النبي - ﷺ - مع صحابته الكرام في طريقهم إلى المدينة، بعد رحيلهم وعودتهم من غزوة بني المصطلق. أنظر قصة حديث الإفك بتمامها في كتب التفسير والحديث والسيرة النبوية.\n(١٤) سورة البقرة: الآية ٢٨٣. وأولها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.","vol":"2","page":319},{"text":"فلا يصح إلا التوزيع من كل واحد ممن يومَرُ به، كقولنا: الدنانير للورثة، وتارة يَرِدُ لا على ذلك، ومع الاحتمال المذكور فلا دليل (١٥)، (والله أعلم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>القاعدة الثالثة:\nأقرَرُ فيها الفرقَ بين الحدِّ والتعزيز</span>، (١٦) فأقول:\n_________\n(١٥) عبارة القرافي هنا أوسع وأوَضح. حيث قال: وتارة لا يوزعُ الجمع بل يثبتُ أحدُ الجمعين بكل فرد من الجمع الآخر، نحو الثمانين، جَلْدُ القذف، أوْ جَلدُ القذف ثمانون، وتارة يثبت الجمع الجمع ولا يحكم على الأفراد، نحو الحدود للجنايات إذا قصد أن المجموع للمجموع، وتارة يرد اللفظ محتملا للتوزيع وعدمه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ﴾، يحتمل أن يكون لكل واحد من المومنين عدد جنات، بمعنى بساتين داخل الجنة ومنازل. ويحتمل أن توزع فيكون لبعضهم جنة الفردوس ولبعضهم جنة المأوى، ولبعضهم أهلُ علّيّين، وإذا اختلفت أحوال المقابلة بين الجمع بالجمع، وجب الاعتقاد أنه حقيقة في أحد هذه الاحوال الثلاث، لئلا يلزم الاشتراك أو المجاز فيبطل الاستدلال به على مقابلة الجماعة المقذوفة بحد واحد كما تخيَّله الطرطوشي وغيره.\n(١٦) هي موضوج \"الفرق السادس والاربعين والمائتين بين قاعدة الحدود وقاعدة التعازير من وجوهٍ عشرة\". جـ ٤. ص ١٧٦. وقد علق عليه في أوله الشيخ ابن الشاط ﵀ فقال:\nجميع ما قاله في هذا الفرق صحيح، لكنه أغفل من الأجوبة عن قوله - ﷺ - \"لا تجلدوا فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله\"، وأصحُّها وأقواها هو أن لفظ الحدود ليس مقصورا على الزني وشبهه، بل لفظ الحدود في عرف الشرع متناوِل لكل مامور به ومنهى عنه، فالتعليق على هذا من جملة حدود الله تعالى.\nالتعزير لغةَ، له معنيان: التأديب، وهو جليٌّ واضح، والمعنى الثاني: النصرة والتأييد، ومنه قول الله تعالى في تاييد ونصرة المومنين للنبي - ﷺ -: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله سبحانه خطابا لنبيه الأمين: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩]، وقرأ ابو عمرو بن العلاء، وابن كثير وابو جعفر: ﴿لِيؤْمِنُوا﴾، بالياء، على استمرار الخطاب للنبي - ﷺ -، وكذلك الأفعال الثلاثة بعده. والضمير في الفعل: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ عائد على الله ﷾، كما هو واضح وظاهر.\nأما التعزير شرعا فهو - كما قال العلامة أبو الحسن الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية: \"هو تأديب على ذنوب لم تُشْرع فيها الحدود، ويختلف حكمه باختلاف حاله وحال فاعله، فيوافق الحدود من وجه أنه تأديبُ استصلاح وزجْر يختلف بحسب اختلاف الذنب، ويخالف الحدود من ثلاثة أوجه ... الخ.\nوبعبارة أخرى: التعزير هو تأديب الجاني على جُرمه وجنايته على المجنى عليه، ويكون باجتهاد الإِمام السلطان، أو من ينوب عنه من الولاة، والقضاة في تنفيذ الاحكام الشرعية كما هو واضح في هَذه القاعدة الثالثة من بيان وجوه الفرق بين الحد والتعزير. =","vol":"2","page":320},{"text":"ذلك من وجوه:\nأُحدهما أن التعزير غيرُ مقَدَّر، والحدُّ مقَدَّرٌ.\nثم إنه وقع الاتفاق على عدم تحديد أقَلِّهِ، واختلفوا بحسب أكثره، فعندنا هو غير محدود، بل بحسب الجناية والمجْني عليه. وقال أبو حنيفة: لا يُجاوَز به أقلُّ الحدود، وهو أربعون، حدُّ العبد، بل ينقَصُ منه سَوْط، وللشافعي في ذلك قولان.\nلنا إجماع الصحابة، من حيث إن مَعْنَ بن زائدهَ زوَّرَ كتابًا على عُمَر فجلَدَه مائةً وسجَنَه، فشَفع فيه قوم، فقال: \"أذْكَرُوني الطعْنَ كنتُ ناسيا\"، (١٧)\n_________\n= فإِن قيل: الحديث يقتضي مفهومه أنه يَجلدُ عشرَ جَلَدات فما دونها في غير الحدود، فما المراد بذلك؟ فالجواب أن المراد به جلد غير المكلفيَن كالصبيان والمجانين، والبهائم، والله أعلم.\nوأغفل أيضا التنبيه على ضَعْف قول إمام الحرمين: إن الجناية الحقيرة تسقط عقوبتها.\nوبيانُ ضعف ذلك القول، بل بطلانِهِ، أن قوله: العقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيها ردعًا، قول متنافٍ، من جهةِ أنه لا معْنى لكون العقوبة صالحة للجناية إلا أنها تؤثر فها العادة الجارية ردعا، فإن كانت بحيث لا تؤثر ردعا فليست بصالحة لها، هذا أمر لا خفاء به ولا إشكال، والله أعلم.\nقلت: وقد كنت انتبهت لمثل هذه الملاحظة والتعليق، فأثرت في فرق وتعقيب سابق إلى كلام قريب بما جاء هنا في هذا التعليق عند ابن الشاط ﵀، وهو لا شك أمر ناتج عن استعمال الفكَر والنظر في كلام الفقهاء، ويُعتَبَر من توارد الخواطر على بعض المسائل الفقهية وفروعها عند التآمل فها والامعان في الكلام والتعمق فيه.\n(١٧) هذه الجملة: عبارة عن مثل عربي يقال فيه: \"ذَكرْتَنى الطعنَ وكنتُ ناسيا\".\nوأصْلُ وروده، وسبَبُ مقولته، أن رجلا حَمَل على رجل ليقتله، وكان في يد المحمول عليه، والمجْهز عليه رمح، فانتابه الدهش والخوف والفزَع، فأنساه ما في يده من الرمح، فقال له الذي حمل عليه: ألقِ الرمح (أي إرم به من يدك)، فأجابه قائلا: إن معي رمحًا ولا أشعرُ به!، \"ذكرتني الطعن كنت ناسيا\". (اى ذكرتني شجاعتي وضربي وطعْني بالسيف والرمح في صدور الاعداء ونحورهم، كنت ناسيا لذلك ولأداته الموجودة في يدي، وحمل عليه برمحه فطعنه حتى قتله. والمثل كما قيل في تعريفه: قول سائر شُبِّهَ مَضْرِبهُ بمورده، فصارت هذه القصة والعبارة مثلا يُضرب في تذكير الشيء بشيء آخر غيره، كما قال بعض الشعراء في ذلك.\nتذكرتُ والذكرى تُهَيج للفتَى ... ومن عادة المحزون أن يتذكرا\nتذكرتُ لمّا أن رأيتُ جبينها ... هلَال الدجى، والشئُ بالشيء يذْكَرُ\nوتجدر الإشارة هنا إلى زيادة حرف أن بعد لما الظرفية، كما هي صلة وتوكيد في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦]. وهي إحدى المواضع الثلاثة التي تزاد فيها أن، والمجموعة في البيتين الآتيين:\nتزاد أن عقب لما الظرف ... وبين لو وبين فعل الحلف\nوبين كاف الجر والمجرور ... وحظها التوكيد في المذكور\nولكل مثال وشاهدٌ من الأبيات الشعرية. فزيادتها بعدما بَدَلَ إِنْ خطأ نحوي شائع.","vol":"2","page":321},{"text":"فجلده مائةً أخرى، ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى، ولم يخالفه أحدٌ، فكان ذلك إجماعا، وأيضًا، فالأصل مساواة العقوبات للجنايات.\nإحتجوا بما في الصحِيحَيْن أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تجلِدوا فوق عشْر جلدات في غَيْر حدٍّ من حدود الله\".\nأجاب أصحابنا في هذا بأن قالوا: لا يصح أن يكون دليلا على مذهبهم، فإنهم يروْن بالزيادة على العَشْر.\nوأيضا فلأنه محمول على طباع السلف، ثم حدثت أشياء، فأحدث عمر لهم ما يليق بهم، لا أنه نسْخ، بل تَغَيَّرَ السبب بتغير حكمه، وهذا هو معني قول عمر بن عبد العزيز: \"تُحْدَثُ للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور\". ولا نسخَ وَرَدَ، إذ لا يصحُّ.\nالثاني من الفروق أن الحدود واجبة الِإقامة على الأئمة، واختلفوا في التعازير. فالشافعي يقول: لا تجب عليه، ومالك يقول: لا تَجِبُ عليه إلا أن يكون حقا لله فَتَجبُ إقامتُه كالحدود، ومثلُ هذا قول أبي حنيفة.\nإحتج الشافعي بقضية الزبير مع الرجل الذي قال للنبي - ﷺ -: \"أن كَانَ ابنَ عمتك\"، (١٨) فإنه تركَه النبي - ﷺ -. وأجابَ أصحابُنا بأنه ما تركه إلا لأنه كان حقاّ له، ولو كان حقًا لله لَأقَامَهُ.\n_________\n(١٨) عن عروة ﵁ قال: خاصمَ الزبير رجلًا من الانصار، (أي في السقي) فقال النبي - ﷺ -: يا زبَيرُ، إسْقِ ثم أِرسل الماءَ، (أي أطلقه إلى جارك)، فقال الانصاري: أن كان ابنَ عمتك، أو إنه أبن عمتك\" أي حكمت له لِأنه ابن عمتك، فقال ﵇: إسْق يا زبير حتى يبلغ المَاء الجذْر (أي حتى تمتلئ حُفَرُ الغرس، ويصِل الماء إلى جذر النخلِ)، وفي رواية: فتغيّرَ وجه النبي - ﷺ - قال الزبير: \"فأحْسِبُ هذه الآية نزلتْ في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] =","vol":"2","page":322},{"text":"الثالث من الفروق أن التعزير تأديب يتبع المفاسد، وقد لا يصحبها العصيان في كثير من الصور، كتأديب الصبيان والمجانين استصلاحا لهم مع عدم المعصية.\nقال شهاب الدين: وجاء في هذا الفرق فرع، وهُو أن الحنفي إذا شرب النبيذَ ولم يَسْكَر، قال مالك -﵀-: أحُدُّه ولا أقبل شهادته، لأن تقليده\n_________\n= وتجدر الإشارة والتذكير هنا بالمناسبة إِلى أن موضوع التحكيم في التشريع الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي كان موضوع درس حسني قيم، ألقاه بين يدي حضرة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، معالي وزير الأوقاف والشؤون الاسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري في شهر رمضان المبارك لعام ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، انطلاقا من الآية الكريمة السابقة، وهو مطبوع ضمن مجموعة الدروس الحسنية القيمة التي القيت في ذلكم الشهر المعظم، وصدرت في كتاب خاص في مطلع شهر رمضان المبارك لعام ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م، والمتتبع لتلك الدروس الحسنية التي القاها معاليه بين يدي أمير المؤمنين فى عدة سنوات متتالية، يجدها دروسا حية قيمة، تتميز بالجدة والبيان، وتتسم بالروعة والإِتقان في الانتقاء والتناول، وفي العرض والأسلوب والمنهج الذي يسلكه في تحضيرها وإلقائها، مما يكشف عن ثقافته الواسعة، ويفصح عن معرفته المتنوعة، وينم عن درايته ومشاركته العلمية الكبيرة، ويبرهن عن تمكنه من الجمع بين العلوم الشرعية الاصيلة، والعلوم الانسانية المعاصرة، القانونية منها والأدبية، والاجتماعية والحضارية، كما تشهد بذلك دروسه الحسنية المطبوعة، ومحاضراته المتنوعة الجيدة، وكتاباته وتحقيقاته العلمية، ورسالته وأطروحته الجامعية بدار الحديث الحسنية وغيرها من الأعمال والندوات العلمية الناجحة، الموفقة التي تنال الاعجاب والتقدير من كافة العلماء والاساتذة الاجلاء الذين يسمعونها أو يقرأونها، حتى إن فضيلة الاستاذ الجليل، والأخ الكريم الدكتور محمد يسف، الاستاذ بدار الحديث الحسنية وقيدوم كلية الشريعة بفاس حاليا، كان قد أقترح أثناء مناقشات الدرس الحسني الذي القاه السيد الوزير حرل النسخ في القرآن الكريم في رمضان المبارك لعام ١٤١٤ هـ أن تجمع كل الدروس الحسنية التي ألقاها معاليه، وتطبع في كتاب خاص بها لتكون نماذج رائدة في تلك الدروس، وفي البحوث الاسلامية، والدراسات المقارنة المعمقة، وتبعث الدارسين والباحثين على التوسع في الموضوعات التي تناولتها -، ويعم النفع بها والاستفادة لدى المهتمين بتلك العلوم وتخصصاتها، وهو ما يؤمله ويرجوه كل من استمع لها وقرأها، وأدرك أهميتها وقيمتها العلمية الاكاديمية، كما هو الشأن بالنسبة لكافة الدروس الحسنية القيمة، التي يلقيها صفوة من أجلاء علماء المشرق والمملكة المغربية، والتي تعتبر سنة حميدة من السنن الحسنة التي يرجع الفضل فيها إلى حضرة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله وأدام له النصر والفتح والتمكين، وجعل النفع والخير على يديه للعلم والعلماء، وللإسلام والمسلمين.","vol":"2","page":323},{"text":"في هذه المسألة لأبي حنيفة لا يصِحُّ، ولمنافاتها للقياس الجلِيّ على الخمر، ومخالفةِ النصوص الصحيحة: \"ما أسْكَرَ كثيرُهُ فقليلُه حرام\". (١٩).\nوقال الشافعي ﵁: أحُده وأقْبَلُ شهادته. أما حدُّه فللمفسدة الحاصلة من التوسل لِإفساد العقل، وأما قَبول شهادته فإنه لم يَعْصِ، بناءً على صحة التقليد عنده، قال: والعقوباتُ تتبع المفاسد لا المعاصي، فَلَا تَنَافِيَ بينَ \"عقوبته وقَبول شهادته. ويَيْطُل عليه قولُه من جهةِ أن هذا إنما هو في التعازير.\nأمّا الحدودُ المقدرة فَلمْ توجد في الشرع إلَّا في معصية، عملا بالاستقراء، فالحقَ مع مالك ﵁.\nقلت: هذه مصادره، فمحلُّ النزاع هو، هل هذا في التعزيرات فقط، أوْ فيها وفي الحدود إذا كان فيها مثلُ ما ذكرنا من التقليد، والله أعلم:\nقال: الرابع أن التعزير قد يسقط إن قلنا بوجوبه. قال إمام الحرمَيْن: إذا كان الجاني من الصبيان أوْ المكلفين حِين جنى جناية حقيرة، العقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردْعا، والعظيمة التي تؤثر فيه لا تَصلُح لهذه الجناية، سَقط تادبيه مطلقا، العظيمة لعدم موجبها، والحقيرة لعدم تاثيرها.\nالخامس من الفروق: أن التعزير يسقط بالتوبة بلا خلاف، والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح، إلا الحرابة، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. (٢٠)\n_________\n(١٩) أخرجه كل من الإِمام البخاري والإمام الترمذي رحمهما الله. ورواه أصحاب السنن عن جابر ﵁\n(٢٠) والاستثناء من قوله تعالى في الآية قبلها في عقاب البغاة المحاربين المفسدين في الارض: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة المائدة الآية ٣٤ - ٣٣.","vol":"2","page":324},{"text":"قال شهاب الدين - ﵀: هنا سؤال وهو: مَفْسدة الكفر أعظم المفاسد، والحرابة أعظم المفاسد، وهاتان المفْسدَتان العظمتان تَسْقطان بالتوبة، والمؤثر في سقوط الأعلى أوْلى أن يؤثر في سقوط الأدْنَى، وهو سؤال قوي يقَوِّي قولَ من يقول بسقوط الحدود بالتوبة، قياسا على هذا المُجمع عليه بطريق الأولى.\nوجوابه من جوه:\nأحدُها أن ذلك كان ترغيبا في الاسلام (٢١)، وثانيها أن الكُفْر يقع لِشُبُهَات (٢٢) فيكون فيه عذر عادي، ولا يُؤثِرُ أحدٌ أن يكفر لهواه، ولا يزني أحدٌ إلا لهواه، فناسب التغليظ. وثالثها أن الكفر لا يتكرر غالبا، وجنايات الحدود تتكرر غالبا، فلو أسقطاها بالتوبة لتجرأ الناس عليها أكثر.\nوأما الحِرَابة فلأنا لا نسقطها إلا إذا لم نتحقق المفسدة بالقتل وأخذِ المال، أمَّا متى قَتَلَ قُتِل (٢٣)، وإذا أخذ المال وجَبَ الغُرْم وسقط الحَدُّ، لأنه حدٌّ فيه تخير، بخلاف غيره فإنه محَتَمٌ، والمُحَتَم آكدُ من المخيّر فيه.\nالسادس من الفروق أن التعزير يختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه، والحدُّ ليس كذلك.\nالسابع أن التَّعْزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فَرُبَّ تعزيز في بلد يكون إكراما في آخر، كقطع الطيلسان (٢٤) إكرامٌ في الشام، وتعزيزٌ بمصر.\n_________\n(٢١) عبارة القرافي هي: أن سقوط القتل في الكفر يُرغّب في الاسلام.\nفإن قلت: إنه يبعث على الردة، قلت: الردة قليلة، فاعتُبِر جنس الكفر وغالِبُهُ.\n(٢٢) كذا في جميع النسخ، وعند القرافي: \"للشبهات\" (بالتعريف)، فيكون فيه عذر عادي.\n(٢٣) زاد القرافي قوله: \"الا أن يعفو الاولياءُ عن الدَّم\".\n(٢٤) الطيلسان: كساء أخْضَرُ يلبسه الخواص من بعض العلماء والمشايخ، وهو من لباس العجم، وجمعه طيالس.","vol":"2","page":325},{"text":"الثامن أن التعزير يتنوع إلى حق الله وإلى حق العبد (٢٥)، والحدودُ كلها حق لله إلا القذف، ففيه خلاف. (٢٦).\nولنذْكُرْ هاهُنا أن قتال البُغاة وقتْلَهم، إنما هو زجْرٌ لاحَدٌّ. (٢٧) والبغاة هم الذين يَخرجون على الإِمام ييغون ضَلْعَه أو منع الدخول في طاعته، أومنع حق واجب، بتأويل في ذلك كله، وبه قال الأئمة، وما في اشتراط التاويل خلاف، (٢٨) وبه يمتازون عن المحارِبين. (٢٩).\nقال شهاب الدين: ويَفْتَرق قتالهم من قتال المشركين بأحَدَ عشر وجْها:\nأن يُقصد بالقتال ردْعُهم لا قتْلُهُم، ونكُفُّ عن مُدبرهم، ولا يُجْهَزُ على جَريحهم، ولا تُقْتَل أسْراهم، ولا تُغْنَمُ أموالُهم، ولا تُسْبَى ذَراريهم، ولا يُستعان على\n_________\n(٢٥) مثل القرافي لحق الله، الصرف الخالصِ، بالجناية على كتاب الله العزيز، أو على الصحابة، رضوان الله عليهم.\n(٢٦) الفرق التاسع بين الحد والتعزير أن التخيير بدخل في التعازير مطلقا، ولا يدخل في الحدود إلا في ثلاثة أنواع فقط.\nوالعاشر: أن التعزير على وفْقِ اَلأصل من جهة اختلافه باختلاف الجنايات وهو الأصل، بدليل حَدِّ الزني مائةَ جلدةٍ، وحد القذف ثمانون، وحدُّ السرقة القطع، وحدُّ الحرابة القتل.\nوقد خولفت هذه القاعدة في الحدود دون التعازير، فسوَّى الشرع بين سرقة دينار وألفِ دينار، وشارب قطرة من الخمر وشارب جَرَّة منها في القصاص، مع اختلاف مفاسدها حدا، وعقوبةُ الحر والعبد سواء، مع أن حُرمة الحر أعظم لجلالة مقداره، بدليل رجم المحصَن دون البكر، لِعِظم مقداره، مع أن العبيد إنما ساوت الأحرارَ في السرقة والحرابة لتعذر التجزئة، بخلاف الجلْد، واستوى الجرح اللطيف السارى للنفس، والعظيم في القصاص مع تفاوتهما، وقتل الرجل العالم الصالح التقي الشجاع البطل مع الوضيع. اهـ.\n(٢٧) ما ذكره الشيخ البقوري هنا هو موضوع الفرق الثالث والأربعين والمائتين بين قاعدة قتال البغاة وقاعدة قتال المشركين. جـ ٤. ص ١١١.\n(٢٨) عبارة الامام القرافي: \"وما علمت في ذلك خلافا\".\n(٢٩) فالمحاربون يخرجون على الناس، ويعتدون على حُرُماتهم في الأنفس والأموال والأعراض، وهم بذالك يُحَاربون الله ورسولَه، ويسعون في الأرض فسادًا، وقد أبانت آية الحرابة عن حكمهم في قوله - تعالي: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، وقد سبق ذكرها في الفرق قبل هذا بين الحد والتعزير.","vol":"2","page":326},{"text":"قتالهم بمشرك، ولا تُنصَبُ عليهم الرعادات، (٣٠) ولا تُحْرق عليهم المساكن، ولا يُقطع شجرهم.\nويمتاز قتالهم عن قتال المحارِبين بأن المحارِبين يُقتَلون مدْبِرين، ويجوز تعمد قتلهم، ويطالَبون بما استهْلَكوا من دم أو مال في الحرب وغيرها، ويجوز حبس أسراهُم، لاستبراء حالهم، وما أخذوه من الخَراج والزكوات لا يسقط عمن كان عليه، كالغاصب.\nوذكر صاحب الجواهر في هذا الفرع قولا فقال: إن وَلَّى البغاة قاضيا، وأخذُوا الزكاة، وأقامُوا حدًا، نفذ ذلك كُله، عند عَبْدِ الملك للضرورة مع التاويل، وردَّه ابن القاسم كله لعدم الولاية، وبقَوْل عبد الملك قال الشافعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>القاعدة الرابعة:\nفي الفرق بين الحصانة لا تعود بالعدالة، والفسوقِ يعود بالجناية</span>. (٣١)\nإعْلَمْ أن الانسان، إذا حُكم له بالفسوق ثم تاب، ذهب القضاء عليه بالفسق، فإذا جنَى بعد ذلك كبيرة عاد عليه اسمُ الفسق، ولو كان محْصَنا بعد مباشرة الزني ثم زني، ذهَب الإِحصان الذي هو شرط في حد القذف، فمن قذف من ليس بمحْصَنِ فلا حدَّ عليه، فإذا صار بعد الزني عَدْلًا لمْ تَعُدْ الحصانة بالعدالة كما عاد الفسق بالجناية. وقد وجِد الضدُّ بعْد الضدِ المنافي لحكمه ظاهرا\n_________\n(٣٠) هكذا في النسخ الثلاث المعتمدة في التحقيق، وعند القرافي: \"ولا نوادعهم على ما تُنْصَبُ عليهم الرعادات.\n(٣١) هي موضوع الفرق السابع والأربعين والمائة بين القاعدتين المذكورتين جـ ٣. ص ١٢٠. لم يعلق عليه بشيء، الشيخُ ابن الشاط، رحم الله الجميع.","vol":"2","page":327},{"text":"في الموضعين، (٣٢) فلِم كان الفرق؟ والقياسُ الجَليُّ، يوجب أن العِرْض إذا عاد مثلوما بمعاودة الجناية، أن يصير معصوما بمعاودة العدالة.\nوأيضا ففيه إشكال من حيث إن أذية المومن لا تحِل ولا تُتْرَكُ سُدىً، (٣٣) فلَمَّا لم يُترك عِرْض المحْصَن الذي لم يتقدم له زني، لصفة العدالة التي انطوى عليها فكذلك من كان على تلك الصفة في العدالة وقد تاب عن زنىً سَبَقه،\nفقال شهاب الدين: البحث ها هنا يظهر بقاعدتين:\nالأولى أن الله تعالى إذا نصَبَ سببًا لحكمه عِلَة للحكم، هل يجوز ترتيب الحكم على تلك الحكمة حيث وجِدَتْ، لأنها الأصل في اعتبار ذلك السبب، أو لا يجوز، لأن الله تعالى لم يَنْصِبْها سببا للحكم لعدم المناسبة؟ ألا تَرى أن خوف الزني سبَبُ وجوب الزواج، والزواج سببُ وجوبِ النفقة، ولا يناسِبُ أن يكون خوف الزني سبَبَ وجوب النفقة، ونظائره كثيرة، وَهذا هو الصحيح عند علمائنا. ولهذا يُقْطَع السارق لأجل أخذه للمال، ولا يُقْطعُ كلَّ من أخذ المال لغيره، ونَصَبَ الزني سببا للرجْم، لحكمةِ حِفظ الأنساب، لئلا تلتبس. فمن سعى في التباس الأنساب بغير الزني بأن يجمع الصبيان ويُغَيِّبهم صغارا، وياتي بهم كبارًا فلا يعرفهم آباؤهم، فلا يجوز رجمُهُ لذلك، ولهذا البحث وقع الخلاف في اللبن\n_________\n(٣٢) عبارة القرافي أظهر، وهي: \"وفي القاعدتين قد ورد الضد بعد الضد، المنفِي لحكمه ظاهرا، قال أصحابنا: إذا قذفه بعد أن صار عَدْلًا لم يُحَدَّ، نقلَه صاحب الجواهر (ابني شاس) وصاحب النوادر (أي كتاب النوادر في الفقه) لابن أبي زيد القيرواني ﵀، وجماعة من الأصحاب\".\n(٣٣) سدىً، أي همَلا، ودون تعزير وتأديب على تلك الإذاية. وقد ورت هذه الكلمة في قول الله تعالى، تذكيرا وتنبيها للإنسان: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، (أي أيظُن أنه خُلِقَ عبثًا، ومُهملًا في هذه الحياة دون تكليف بالتكاليف الشرعية، ودون أن يبعَثَ ويحاسبَ يوم القيامة على أعماله في الدنيا)! كلا، إنه سبحانه أوجد الانسان وخلَقَهُ وكرمه ليحمل أمانة ويبلّغ رسالة، وهي رسالة التكاليف الشرعية التي يجب القيام بها، ورسالة الأمانة التي عجزت السماوات والأرض عن حملها، وحَمَلها الانسان.","vol":"2","page":328},{"text":"المستهْلَك هَلْ يؤثر تحْريما أم لا؟ (٣٤)، فمن علّل بالحكمة أوقع به الحِرمة، قاله مطرف من أصحابنا، وقال مالك في المدونة: لا تقع به الحِرمة، إعراضا عن التعليل بالحكمة، وقاله الشافعي وأبو حنيفة: . فمسألتنا، إنْ لاحَظْنا الحِكمة دون السبب حَسُنَ إعادةُ الحدّ، وإن اقتصرنا على حصول السبب فلا يجب الحدُّ، لأنه اشتِرط فيه الاحصان، وَهُوَ يتخفف بعدم مباشرة الزني، فإن النقيضين لا يَصْدُقان، (٣٥) وَالعدالة بعد ذلك لا تُنَافِي كونه مباشِرًا.\n_________\n(٣٤) عبارة القرافي أوسع وأوضح حين قال: \"وكذلك شرِعَ الرّضاع سببا للتحريم، بسبب أن جزء المرضية وهو اللّبَن صار جزءَ الرضيع باغتذائه به وصيرورته من أعضائه، فأشبه مَنيَّها ولحمتها في النَّسب، لأنهما جزء الجنين، ولذلك قال ﵇: \"الرضاع لُحمة كلُحمة النسب\"، فإذا أخذنا نعلل بهذه الحكمة لَزِمَنَا أن من شرب دم امرأة أو أوكل قطعةً لحمها يحرم عليها وتحرم عليه، وليس كذلك، ولأجل ملاحظة التعليل بالحكمة إذا استُهْلِك اللّبَنُ وعُدِم ما يسمَّى رضاعا ولبنا وتناوله الصبى، فمن علَّل بالحكمة أوقع به الحرمة ... الخ.\n(٣٥) التعبير بالنقيضين مصطلح من مصطلحات علم المنطق وألفائظه، وهو أحد الأنواع الأربعة للتقابل بين الألفاظ المفردة، وهذه الأنواع هي:\n١) تقابُلُ النقيضين، وهما الأمران اللذان يكون أحدهما سلبا للآخر ونفيًا له، ولا يجتمعان ولا يرتفعان معا، بل لابد أن يكون أحدهما موجودا، مثل قولك: إنسان، لا إنسان، حيوان، لا حيوان، طائر، لا طائر.\nوالتعبير بالنقيضين يكون في التنافي بين المفردات كما اتضح من خلال التعريف والأمثلة لذلك. وهو بذلك غير التناقض الذي يكون بين جملتين أو قضيتين متناقضين، ولذلك قيل في تعريفه: إنه اختلاف القضيتين في الكيف، اختلافا يقتضي لزوم صدق إحدهما وكذِبَ الأخرى، مثل القول: زبد قائم، زيدْ ليس بقائم، الانسان حيوان، الانسان ليس بحيوان، وهذا ما يُشير إليه الشيخ عبد الرحمان الأخضري ﵀ في منظومته الشهيرة بالسلم في علم المنطق حيث قال في ذلك:\nتناقض خُلْفُ القضيتين في ... كيف، وشرطُ واحدٍ أمر قفِيّ\n٢) وتقابل الضدين، وهما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان، وقد يرتفعان، بحيث تبقى الواسطة بينهما، مثل أبيض وأسود، حيث يكون الشيء بلون آخرَ ثالث، مثل أخضر أو أحمر.\n٣) وتقَابلُ المتضايفين، وهما الأمران اللذان لا يمكن تعتْل أحدِهمَا دون الآخر، مثل فوق، وتحت، وأعلى، وأسفل.\n٤) وتقابل العدَم والملَكَةِ، وهما الأمران اللذان يكون أحدهما وجوديا والآخر عدميا، كالبصر بالنسبة للعمى، وكالسمع بالنسبة للصَّمَم، وهكذا الخ ... ولذلك قيل في تعريف التقابل: هو ألا يجتمع أمران في زمانٍ واحد في ذاتٍ واحدة من جهة واحدة.","vol":"2","page":329},{"text":"ثمّ إن الحدود يغلب عليها التَّعَبُّد من جهة مقاديرها، وإن كانت معقولة المعتى من جهة أصولها. والتعبُّدُ لا يُجيز التصرف، فظهر أنه لا يلوم من الاستواء في الأذية الاستواءُ في الحدِّ، ولكن يعزَّرُ في حق الواحد، ويُحَدُّ في حق الآخر.\nالقاعدة الثانية: قاعدةُ حمْل المطْلَق على المقيَّد، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية، فجاَت هذه مطْلَقَةً، وجآت ايةٌ أخرى مقيَّدةً، وهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾، (٣٦) ومن زَنَى ليس بغافل، فيُرَدُّ المطلق إلى المقيد. ومفهوم هذِه (الآية) المقيَّدة أن من لم يكُن غافلا لاحدّ على الانسان في قذفه، وإن كان التعزير يلحق. بسببه. (٣٧) وأمَّا عَوْد الفسوق بِعَوْدِ الجناية فإن الأمة مجمِعة على أن سبب الفسوق ملابَسة الكبيرة، أو الإِصرار على الصغيرة من غير قيْدٍ ولا شرْط، فحَيْث وُجد، وجبَ القضاء بالفسق من غير استثناء صورةٍ من صورة، عملا بطردِ العلة ووجُوبِ الموجِبِ.\n_________\n(٣٦) سورة النور - الآية ٢٣، ص، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n(٣٧) قال القرافي هنا: والمباشر للزني ليس بغافل عنه، فلا يحدُّ قاذفه، لأنه لَوْ حُدُّ لحصَلَ معنى اللعْن في الدنيا والآخرة، وهو منفيٌّ بهذه الآية من جهة مفهومها الذي هو مفهوم الصفة، لأن مفهومها يُلعن بالتعزو والعقوبة المؤلمة على حسب حال المقذوف، فيبقى مما عداه على مقتضى الدليل.","vol":"2","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>القاعدة الخامسة: في القصاص </span>(٣٨)\nإعْلَمْ أن القصاص أصلُهُ من الْقَص الذي هو المساواة، فهو شرط، إلَّا أن يؤدي إلى تعطيل القصاص قطعا أو غالبا، ولهُ مثُلٌ:\nأحدُها: التساوي في أجزاء الأعضاء، وسَمْكِ اللَّحم في الجاني، لو اشتُرط لما حَصَل إلا نادرًا، بخلاف الجراحات في الجسد.\nوثانيها: تَسَاوي منافع الأعضاء\nوثالثها: العقول.\nالرابع: الحواس.\nالخامس: قتْلُ الجماعة بالواحِدِ، وقطحُ الأيَدي باليد، لو اشتُرِطَ الواحد لتساعَدَ الأعداء (٣٩) وسقط القِصاص.\nالسادس: الحياة، كالشيخ الكبيرء الشاب، ومنْفوذِ المقاتل (٤٠) على الخلاف.\n_________\n(٣٨) هي موضوع الفرق الثامن والأربعين والمائتين بين قاعدة ما خرج عن المساواة والمماثلة في القصاص، وبين قاعدة ما بقي على المساوة، جـ ٤. ص. ١٨٩. ولم بعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀ ورحم الشيخ القرافي، ورحم كافة المسلمين، آمين.\nوأصْلُ مشروعيته في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وكذا قوله تعالى في نفس هذه السورة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. الآية ١٧٩. وكان العرب يقولون في ذلك قبل الاسلام: \"القَتل أنفَى للقتل\"، ولكن أين كلمتُهم هذه من الآية الكريمة وما فيها من إعجاز كبير، باعتبارها وَحْيًا وقرآنا من رب العالمين، كما ذكر ذلك علماء التفسير ﵏. بينوا وجوه الفرق بين الآية القرآنية والعبارة والمقولة العربية من عدة وجوه\n(٣٩) كذا في نسخة ع، وفي نسخة ت: \"لو اشترِط الواحدُ ما عُدَّ إلا عَدْلًا\"وعند القرافي. لو اشتُرِطَت الواحدُ لَتساوىَ الأعداء ببعضهم وسقَط القصاص، وهي عبارة ظاهرة الصواب واضحة المعنى فليتأمل وليصحح، والله أعلم.\n(٤٠) المقاتل بفتح الميم على وزن مفاعل، جمع مقتَل، يفتح الميم والتاء قياسا، وهو المكان أو لعضو الذي إذا أصيب فيه الانسان أو الحيوان من جسمه وبدنه لم تسلم حياته بعد ذلك، وكان عُرْضَة للموت المحقّق =.","vol":"2","page":331},{"text":"السابع تفاوت الصنائع والمهارة فيها، وهاهنا ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: قَتْلُ الجماعة بالواحد إذا قتلوه عمدا، أو تعاونوا على قتله عمدًا بالِحرابَةِ (٤١). وغيرها حتى يُقْتَل، عندنا الناطوَر (٤٢) وغيره، ووافقَنَا الشافعي وأبُو حنيفة في أحد المشهورْين من قوله من حيث الجملة أنه تقتَلُ الجماعة بالواحد. وعند أحمد وجماعة من التابعين والصحابة أن عليهم الدية، وعن الزهري وجماعة أنه يُقتَل منهم واحدٌ، وعلى الباقي حصصهم من الدية، لقوله تعالى:\n_________\n= ويقال: أنفِذت مَقاتِلُهُ، أو أصييت مقاتله، أي ضُرب فيها وأصيب إصابة لا يمكن سلامته وبقاؤُة معها في الحياة.\nوفي باب التنبيه على العلم وعدم التجرؤ على الفتوى فيه بغير علم قيل: \"من كَرِهَ لا أدرى أصيبت مَقاتله، أي إنَ من تجرأ على الافتاء والإجابة في المسائل والاحكام الشرعية دون التثبت فيها ودون التأكد منها ولا يرضى أن يقول أمام الناس لا أدري، حتى يطلع على المسألة ويبحث عنها، عرض نفسه لِلاثم والوِزْر والهلاك في الدنيا والآخرة. وفي الحديث: \"من أفتي بغير علم كان إثمُهُ على من أفتاه\"، ولذلكم كان السلف الصالح من أئمة العلم ومذاهبه الفقهية يتحروْن في الفتوى والإجابة عن الأسئلة الدينية، حتى يتأكدوا ويتثبتوا من حكم الشرع في المسألة النازلة. فرحمهم الله، ورحم كافة المسلمين.\nوقد جاءت هذه الكلمة في بيتين لأبي بكر محمد بن دُريْد، صاحب كتاب الجمهرة في اللغة، نقلها الإِمام على أبو الحسن الماوردي في كتابه الشهير: (أدب الدنيا والدين)، قال فيها:\nجَهِلتَ فعاديت العلومَ وأهلها ... كذلك يعادى العلمَ من هو جاهل\nومن كان يهوى أن يُرى متصدرا ... ويَكْره لا أدرى، أصيبتْ مَقاتله\nأي عرض نفسه للخطأ والزلل والهلاك، ويقال: من جَهِلَ شيئا عاداه.\nكما قيل أيضا:\nإذا لم تستطع شيئا فدَعْه ... وجاوِزْهُ إلى ما تستطيع\n(٤١) كذا في نسخة ت: وفي ع، وح، وبالحراسة، وعند القرافي بالحرابة، وهي أظهر في الموضوع.\n(٤٢) الناظور والناظر بالظاء المشالة، وبالطاء المهملة، هو سيد القوم، المنظور إليه منهم، وطلق على حارس الزرع والكرم وحافظِهِ وراعيه، والعبارة هكذا في جميع النسخ المعتمدة في التحقيق. وفي هذا الفرق عند القرافي قولُه: \"حتى يقتل عندنا الناظور\"، دون ذكر لكلمة غير، ولعل في الكلام نقصا يحتاج إلى تقدير، بحيث يحتاج تمام المعنى ووضوحُه إلى تقدير كلمة أخرى، وهي كلمة سواء، ويكون المعنى: عندنا الناظور وغيره سواء، أي في قتل الجماعة يقتل الواحده خلافا للقول بالدية في هذه الحالة. فليُتأمَّل في ذلك وليصحَّح والله أعلم.","vol":"2","page":332},{"text":"\"النفس بالنفس\" (٤٣)، ولأن تفاوت الأوصاف كالحر والعبد يمنع من القصاص، فالعدَدُ أوْلي بالمنع.\nلنا إجماع الصحابة - ﵃ أجمعين - على قتل عمر ﵁ سبعةً من أهل صنعاء برجُل واحد، وقال: \"لو تمالَأ عليه أهل صنعاءَ لَقتلتهم\"، وقَتَلَ عليٌّ ﵁ ثلاثة ولا يُعرَفُ له مخالِف في ذلك الوقت.\nالمسألة الثانية: وافَقَنَا الشافعي وأحمد بن حنبل افي أنه لا يُقتلُ مسلم بذمى، وقال أبو حنيفة: يُقتل المُسْلِمُ بالذمى.\nلنا ما في البخاري: \"لا يُقتَلُ مسلم بكافر\".\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾، (٤٤) وبقوله تعالى: \"النفسُ بالنفس\". وجوابنا أن دليلنا خاص ودليلهم عالم، فيقدَّم الحاص على العمومات ويخصَّصُ به، جمعًا بين الأدلة.\nالمسألة الثالثة: خَالَفَنَا الشافعي وأبو حنيفة في قتل الممسك وقالا: يُقتل القاتلُ وحده.\nلنا ما تقدم من قضاء عمر وعلي، وقال عمر ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتُهُم، وأيضا فهو مقيس على المُمسك للصيْد المحرَّم، فإن عليه الجزاءَ.\nولنَذكرْ ها هنا خصوصيةَ العينين (٤٥)\n_________\n(٤٣) وأولها قول الحق سبحانه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا (أي كتبنا على بني إسرائيل في التوراة) أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: الآية ٤٥].\nومن المعلوم المقرر في علم أصول الفقه أن شرع من تبلنا شرُع لنا ما لم يرد فيه نسخ أو نص بحلافة.\n(٤٤) وتمامها: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: الآية ٣٣].\n(٤٥) هذه المسائل هنا هي موضوع الفرق التاسع والأربعين بين قاعدة العين، وقاعدة كل اثنين من الجسد فيهما دية واحدة، كالأذنين، ونحوهما، جـ ٤. ص ١٩١، ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط، كما هو شأنه ودأبه في التعليق على أغلب الفروق، ﵀.","vol":"2","page":333},{"text":"فكُلُّ اثنين في الجسد، فيهما دية واحدة كالأذنين وغيرهما إلا العينين، ففي عين الأعور الديةُ كاملةً. ووافقَنا أحمد. وقال الشافعي وأبو حنيفة: نِصف الدّية.\nلنا أن عمرَ وعثمان وعليًا وابنَ عمر - ﵃ - قضَوا بذلك من غير مخالف، فكان إجماعًا.\nالثاني أن الْعينَ الذاهبة يرجع ضوْؤها للعين الباقية، لأن مجْراهُمَا واحد كما شهد به علم التشريح، وكذلك الصحيح إذا أغمض احدى عينيه اتسع ثقب الأخرى بسبب ما اندفع لها من العين الأخرى، ولا يوجد ذلك في غيرهما.\nإحتجوا بقوله ﵇: \"في العين خمسون من الإِبل\"، ولأنه قال: \"في العينين الدية\"، (٤٦) وذلك يقتضي أن الدية كاملةً إنما تكون فيهما، ونحن نقول: ذلك محمول على العيْن غير العوراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>القاعدة السادسة:\nنقرْ الفرق بين المسكرات والمفسدات والمرقِّدات (٤٦ م)، فنقول:</span>\nالمتناوَلُ من هذه إما أن تَغِيب معه الحواس أوْ لَا، فإن غابت معه الحواس فهو المرَقِّدُ، وان لم تغب معه الحواس فلا يخلو، امَّا أن تَحْدُثَ معه نشوْة وسرور وقوةُ نفس أولا، فإن حدث ذلك فهو المسكِر، وإلَّا فهو المفسد.\n_________\n(٤٦) رواه النسائي، في حديث طويل، تضمَّن دية الأطراف، وذكرته عنه كتب أخرى في الحديث.\n(٤٦ م) هي موضوع الفرق الاربعين بين قاعدة المسكرات، وقاعدة المرقدات، وقاعدة المفْسِدات، جـ ١. ص-٢١٧\nلم يُعَلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀ ورحم الشيخ القرافي، ورحم كافة العلماء والمسلمين أجَمعين.\nقال القرافي في أوله: هذه القواعد الثلاث قوعد تلْتبِس على كثير من الفقهاء، والفرقُ بينها أن المتناوَلَ من هذه الاشياء أما أن تغِيب معه الحواس أو لا ... الخ والمراد بالحواس هنا كما ذكره القرافي الظاهرة التي هي السمع، والبصر، واللمس، والشم، والذوق، وهي المجموعة في البيت الشعرى القائل كما سبقت الاشارة اليه.\nأن الحواسَّ عندهم لَخمْسٌ ... سمعٌ بصَرٌ، شَمٌّ ذَوقٌ، لَمْسُ","vol":"2","page":334},{"text":"والمُسكِر هو المغيِّبُ للعقل مع نشوة وسرور وقوة نفْس في الغالب، والمفْسِدُ هو المشَوش للعقل مع عدم السرور في الغالب، وهذا يُظهر أن الحشيشة مفسدة وليست بمسكِرة، لوجهين:\nأحدُهما أنها تثير الخلط السوداوي، فيكون لذلك عند أكلها سُبَاتٌ وصَمْتٌ وجَزَعٌ، وصاحبُ الدم يَحْدُث له سرور ونشوة، وهو بعيدٌ عن البكاء والصمت. (٤٧)\nالثاني أن شُرَّاب الخمر تكثُرُ عرابيدهم، (٤٨) وهذا لقُوّة نفوسهم، وأصحاب الحشيشة ليسَ لهم ذلك، بل لو سُلِبتْ ثيابهم ما تحركوا، قد لزموا الصَّمت والهدوء، فهو لهذا من المفسدات لا من المسكرات، فلا حدّ فيها، ولا تَبطُلُ الصلاة بها.\nوأقول: تنفرد المسكرات عن المفسدات بثلاثة أحكام: الحد، والتنجيس، وتحريم اليسير، والمرقِّدات والمفسدات لَاحدَّ فيها ولا نجاسة، ويجوز تناول اليسير منها.\n_________\n(٤٧) عبارة القرافي أوسع اواضح حيث قال: أحدهما أنا نجدها تثير الخلط الكامن في الجسد كيفما كان، فصاحب الصفراء تُحْدِثُ له حِدة، وصاحب البلغم تحدث له سباتا وصمتا، وصاحب السوداء تُحدث له بكاء وجَزَعا، وصاحبُ الدم تحدث له صرورا بقدر حاله، فتجد فهم من يشتد بكاؤه، ومنهم من يشتد صمته.\nوأما الخمر والمسكرات فلا تكاد تجد أحدًا ممن يشربها إلا وهو نشوان مسرور، بعيد عن صدور البكاء والصمت.\n(٤٨) كذا في ع. وفي ت: تَكْثُرُ عرْبَدتُهمْ، وهو ما في هذا الفرق من كتاب الفروق.\nوالعَربدة: مصدر عربَد يعربد عرْبدَة، فهو عربيذ ومُعَربِد إذا سآه خلقهُ، وساء تصرفه في القول والفعل مع نفسه.\nوعبارة القرافي: أن شراب الخمر تكثر عربدتهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح وبهجمون على الامور العظيمة التي لا يهجمون عليها حالة الصحو.\nفمن صلي بالبنج أو الأفيون لم تبطل صلانه إجماعا، ومن تناول حبة من الأفيون أو البنج أو السكران جاز ما لم يكن ذلك قدرًا يصلُ إلى الثاثير في العقل أو الحواس، أما دون ذلك فجائز. قال القرافي: فهذه الاحكام الثلاثة وقع بها الفرق بين المسكرات والأخرين، فتأمل ذلك واضبِطه، فعليه تتخرج الفتوى والأحكام في هذه الثلاث.","vol":"2","page":335},{"text":"قلت: ولنذكر مسائلَ تتعلق بها الحدود والبابُ الذي قبله، هي لائقة بهذا الكتاب مما يحتاج إلى إبداء الفارق فيها. (٤٩).\nالمسألة الأولى: إذا أمضى الحاكم قضيةً ثم بان له أن الشهود عبيد لَزمه غرم ما أتلف، وإذا بان أنهم من غير أهل العدالة لم يكن عليه غُرْم، وفي كلا الموضعين تَبيَّن أن إمضاء الحكم بتلك الشهادة غير جائز، فلم كان الفرق؟ .\nفالجواب أن أمْر العدالة يخفى، وإنما يُتوصَّل إليه بالاجتهاد على ظاهر الأمْر، فإذا شهد عنده من رأى أنهُ من أهل العدالة فقد عمل ما لزمه من إمضاء الحاكم، والعبودية أمْرٌ ظاهرٌ لا يخفَى، فإذا حكم بشهادتهم فقد فرَّط، ولو اجتهد لبَانَ له ذلك، فلزمه الغرم لتفريطه.\nالمسألة الثانية: إذا شهد شاهدان على رجُلٍ بعتق عبده فرُدَّت شهادتهما، فلا يجوز لواحدٍ منهما أن يملك العَبْد، فإن ملكَه عتَقَ عليه، واذا أعتق المفْلِس عبدًا له، فَرَدَّ الغرماءُ عتقه، فإنه إن إشتراه مِن بَعْدُ لم يلزمه فيه عتق، والعتق من الجميع لم يمْضِ، فلِمَ كان الفرق؟ .\nفالجواب أن عتق المفلس قد بطل ببيع السلطان، وبعد حكمه لم يلزَمه عتق إن عاد إليه، لأنَّ العتق قد بطَل، والشهودُ لم يَيْطلْ العتقُ المشهودُ به عندهم، لأنهم يعتقدون أن ذلك العبْدَ قد صار حُرًّا، وأن تملَّكه لا يجوز، ويعتقدون أن الحاكم غلط في ذلك، وأشْهَبُ لم يفرق بين مسألة الشهود والمفلس، والقياسُ ما قاله ابن\nالقاسم.\nالمسألة الثالثة: إذا قال أحَدُ الخصمين: رضِيتُ بما شهِد علىَّ به فُلان وفلان، فما شهدا به فهو الحق، كان له أن يرجع عن ذلك بعد شهادتهما فلا يلزمه ما شهدا به، وإذا قال: رضِيت يمينَك، وخُذْ ما تَدَّعيه لم يكن له أن يرجع\n_________\n(٤٩) هذه المسائل هي مما اضافه الشيخ البقوري إلى كتاب الفروق لشهاب الدين القرافي رحمهما الله.","vol":"2","page":336},{"text":"عن ذلك، وقد لزمه الحق متَى حلفَ خصْمُه، وفي كِلا الموضعين فهو رِضاَ بما يكون من جهةِ الغَيْر، فلم كان الفرق؟\nفالجواب أنه كان له الرجوع في الشهادة، لأنه يقول: إنما رضيت بشهادتهما، لأنني ظننت أنهما لا يشهدان إلا بالحق، وأمَّا بالباطل فلا أرضَى، فحجته بهذا صحيحة، وليْسَ كذلك في اليمين، لأنه لا يدعى هذا المعنى فيها، ولأنَّ اليمين لا يخلو أن تكون في جهة المدعى عليه أوْ المدعى، فإن كانت في جهة المدعَى عليه، فقال المدعى: أحْلف، كان ذلك نُكولا منه عن اليمين، فلم يكُنْ له الرجوع عن ذلك، لأنه بنكوله قد تزتبت اليمينُ في جهة خصمه، وإن كان اليمين في جهة المدعِى فيقول المدعَى عليه: إحلف، فقد نكل عن اليمين، فيكون كما قلنا في الذي قَبله، وليسَ رضاه بالشهادة نكولا منه عن شيء وجب عليه، فافترقا.\nالمسألة الرابعة: إذا نِسى الحاكم قضية قضاها، فشهد عنده بذلك شاهدان، وجبَ عليه إمضاؤها، واذا شهِد شهود الفرع ونسي الشهادةَ شهودُ الأصل لم تُقبل شهادتهم، وفي كلا الموضعين فهو نقْلٌ عن الغير، فَلِمَ كان ذلك؟\nفالجوابُ أن الشهادة على الْحُكْم شهادةٌ بحقٍ على الحاكم، وليست بنقل شهادتهم، وشهادة الفرع إنما يثبت حكمها بثبوت شهادة الأصل، لأنها نقْلٌ، والنقل مفتقر إِلى صحة المنقول عنه، فإذا نسي شاهدا الأصل الشهادة لم تُقبلْ شهادِةَ الفرْع.\nالمسألة الخامسة: إذا نسى شاهدُ الأصل الشهادة لم تقبل شهادة الفرع، وإذا نسى المخبِر الخبرَ جاز لمن روى عنه أن يخبِر بذلك، وفي كلا الموضعين فهو نقل عن الغير.\nفالجواب أن شهادة الفرع إنما يثبت حكمها بثبوت شهادة الأصل، لأنها فرع له، وليس كذلك الخبرُ، لأن الراوي ليس بفرع للمروي عنه، فلم يفتَقر في ثبوتهِ إلى ثبوته، ولأنَّ المُخْبَرَ لما جاز له أن يُخبِر بذلك الخبر وإن كان المخبِر قد","vol":"2","page":337},{"text":"نسيه، ولَمَّا لم يكن لشاهد الأصل أن يَشهد بتلك الشهادة وإن شهد بها عند شهود الفرع، لم يكُنْ لشهود الفرع أن يَّشْهَدوا بتلك الشهادة إذا نسيها شاهدا الأصل، ولأنه لمَّا لم يَجُزْ أن يشهد شاهدا الفرع مع وجود شاهديْ الأصل لم يَجُزْ أن يشهد حالَ نسيانه بتلك الشهادة، وَلمَّا جاز لِنَاقِلِ الخبر أن يرويه مع وجود راويه كان له أن يرويه مع نسيانه، والله أعلم.\nقلت: هذه الفروق كلها غيرُ بَيّنة، والظاهر أن الفرق هو من حيث إن الخبر خُفِّفَ في أمره من حيث إن متعلقه ليس بمشخَّص، والشهادة يشدَّد فها من حيث إن متعلَّقها شخص بعينه، فكانت التهمة في أحدِ البابيْن دون الآخَر، والله أعلم.\nالمسألة السادسة: قال الفقهاء: يُحْكَمُ بأعدل البينتين فيما عدا النكاحَ، ولا يُحكَم بذلك في النكاح، فلِمَ كان ذلك؟\nفالجواب أن النِكاح لا يصح فيه التداعي، إذْ المرأة لا يصح أن يملكها شخصان، وليس كذلك غير النكاح، لأنَّ التداعي يصِح فيه بصحة ملْكِ الشخص له، لِأنه لمَّا لمْ يجُز أن يَحكم فيه باليمين إذا عُدِمَتْ البينة، فيستحق كل واحد من المتداعيين بينهما من المَحْلوف عليه، المرأة لا تصحُّ قسمتها، فلم يُجْز لذلك أن يُحْكم فيه بأعدل البينّتيْن، وليس كذلك ما عداه، لأنه يحكم فيه بالأيمان عند عدم البينة، ولصحة وقوع القسم فيه، ولأن البُضْع لا يجوز أن يُقَرَّ على الشك، وفي الحكم بأعْدله البينتين إقرارٌ له على الشك.\nالمسألة السابعة: إذا حلف على شْيء - ألَّا يفعلة (٥٠) - بالطلاقِ، فشهدت بينة بأنه قد فعله، (٥١) لزِمه الطلاق، ولوْ شهدتْ بينةٌ أنه فعل شيئًا مَّا،\n_________\n(٥٠) كذا في ع، وت. وفي ح: \"لا يَفعَلهُ\"\n(٥١) كذا في ع، وح: وفي ت: فشهدتْ فِيه البينةُ.","vol":"2","page":338},{"text":"فحلف عليه بالطلاق أنه ما فعله، لمْ يلزمه الطلاق، وفي كلا الموضعين، فالبَيِّنَة قدْ قامت على فعل ما حلف عليه.\nفالجواب أنَّه إذا حلف بالطلاق أنه لا يفعل شيئا فقد ترتبت اليمينُ عليه، فإذا قامت البينة بفعل ذلك الشيء توجَّه عليه الحكم باليمين المرتبة عليه، وليس كذلك إذا حلف بعد الشهادة أنه ما فَعَل مَا شهدا به، لأنه لم يترتب عليه حكمٌ قَبْلَ الشهادة، فحصل بذلك تكْذيبٌ لشهادتهم.\nالمسألة الثامنة: قال مالك: إذا ارتضيا بأنْ حكَّما بينهما رجُلًا، لزمهما ما يَحكم به عليهما، ولم يكن لأحدهما الرجوع عنه، وإذا ارتضيا شهادة شاهدٍ لم يلزمهما ذلك وكان للمشهود عليه الرجوع، وفي الجميع فالحكم موجود.\nفالجواب أن إمضاء الشهادة إنما هو استدعاء لما يَعْلَمانِه (٥٢)، فإذا ادعيا خلاف ذلك كان لهما، ولمن ادعاه منهما الرجوع، لأنه يقول: لمْ يات بما أعْلَمُهُ، وليْس كذلك التحكيم، لأنه استدعاء لما لاْ يعلمانِه، فلم يكن فيه الرجوع، لأنه لا يصح أن يكون فيه تكذيب من المحكوم عليه، والله أعلم.\nالمسألة التاسعة: قال مالك: إذا ادَّعى المرتهن تلَفَ الرَّهن وهو ممّا يغاب عليه لم يُقْبَل قولُهُ، ولزمه الغرم، وإذا ادَّعى المودَع تلَفَ الوديعة. كان القول قوله، وفي كلا الموضعين فالدعوى فيما يغاب عليه موجودةٌ.\nفالجواب أن المرتهن غير أمين، فلم يقَبل قوله فيما يغاب عليه، والمودَعَ مؤتمَن، فيُقبل قوله في التلَف، لأن الأصول مبينة على هذا، إن كان مؤتمنا قبِل قوله فيما يدَّعيه إلا أن يوجَد خلافه.\nوأيضا فإن الرَّهن إذا كانَ مما يغاب عليه حصل في ذمة المرتهِن، لأنه قبضه لحق نفسه، فلم يُقبَل قولُه في تلَفه، لأنه مدّعِ لبرآة ذمته، إذ هي في الأصل\n_________\n(٥٢) كذا هنا في نسخة ع، وفي نسخة ت: إنَّما اسْتَرْعى بما يَعلمانِه.","vol":"2","page":339},{"text":"مشغولة، والوديعة لم تتعلق بذمة المودَع، لأنه قبضها لمنفعة رب المال دون منفعة نفصه، فكان القول قوله في التَّلَف.\nالمسألة العاشرة: قال مالك: إذا قَبَضَ المودَعُ عنده الوديعة ببينةٍ لم يُقبل قوله في ردها إلا ببينة، وإذا ادّعَى تلفها قُبِل قوله في ذلك، سواء كان قبضها ببينة أو بغير بينة، وفي كلا الموضعين هو مدَّع لإِخراجها عن يده.\nفالجواب أنه إذا قبضها بغير بينة قُبِل قوله في ردها، لأنه مؤتمن على الرد، وإذا قبضها ببينة لم يُقبل قوله في ردها، لأنه غيرُ مؤتمن على الرد، وفي التَّلف القول قول لأنه مؤتَمَنٌ عليها، والتَّلفُ لا يمكنه الإِشهاد عليه، ويُمْكِنُه ذلك في الرِّدِّ.\nالمسألة الحادية عشرة: إذا أوصَى لرجُلٍ بحائطه، فأثمر النخل قبل موتِ الموصي، فإنه للموصِي. وكذلك إذا أوصَى بعتق الجارية فولَدَتْ قَبْل موته، فإن الولد للورثة، وإن وَلَدت بعد الموت كات تبعًا، والكلُّ وُجِدَ في الموصَى به.\nفالجواب أنَه قبل الموت جميع ذلك على مِلْك الموصي ثابث لم يَزُل عنه، لأنه له تغييرُ ذلك ونقلُهُ إلى غير من أوصَى له به، (٥٣) فكان له النماء الموجودُ قبل الموتِ، لأنه نماء شيء هو مِلْكُه، وبَعْدَ الموتِ فقد خرج ذلك عن مِلْكِه، وصار للموصَى له بِه، فكان النَّماءُ لِمن له المِلْكُ.\nالمسألة الثانية عشرةَ: قال مالك: لَا يُقْبَلُ دفع الوصي مالَ اليتيم بلا إشهاد، ويُقْبَل قوله في النفقة، وفي الجميع هو مدَّعِ لإِخراج المال عن يده.\n_________\n(٥٣) في نسخة ت: أوصَى، وكلاهما بمعنى واحد، كلاهما وارد في القرآن الكربم: قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾، (أي اوصَاهم بملته والتمسكِ بها) وذلك في رواية ورش، وقرآته، وعلى رواية حفص وقرآته: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾.","vol":"2","page":340},{"text":"فالجواب أن النفقة لا يُمْكنه الإِشهاد علَيها، لأنه لو تكلَّف ذلك لضرَّ به الضررَ الشديدَ، قَقُبِل قوله فيها، والدفع يمُكنه الِإشهادُ عليه، فَلَمْ يكن فيه ضرورةٌ كالنفقة.\nالمسألة الثالثةَ عشرة: إذا شهِد شاهد على قتل الخطأ أقسَمَ معَهُ واستحَقَّ الدِيَة، وإذا شهد شاهدٌ على إقراره بالقتْلِ لم يُقسِمْ معه، والكُلَّ شهادة على قتْلٍ.\nفالجوابُ أنه إذا أَقسَمَ مع الشاهد الواحد فذلك لأنه لوْث، (٥٤) واللوْث يُقبَلُ فيه الشاهد الواحد، وأمَّا الإِقرار فلا يُقبَل منه إلا اثنان كسائر الإِقرارات.\nالمسألة الرابعة عشرة: إذا أقر العبد بالزني أو السرقة قُبِل إقراره وَحُدَّ، وإنْ أكذبه السيد، واذا أقر بدَيْن لِإنسان أو بغصْبٍ لم يُقبَلْ قوله إذا أكذبَهُ السيّد، والكل إقرار، فلم كان الفرق؟ .\nفالجواب أن إقرارَه بالسرقة والزني لا يلحقه فيه تهمة أن يكون أراد الاضرار بسيده، قَقُبِل إقرارُه، وليس كذلك الإِقرار بالدَّين، للتهمة فيه مع إنكار السيِّد.\nالمسألة الخامسةَ عشرةَ: قال مالك: يقيم السيد على عبده حدّ الزني، بخلاف حدّ السرقة، والكُل حدّ لله تعالى، فلِمَ كان التفريق؟،\nفالجواب أنه يُتَّهَم في السرقة أن يُريد به التمثيل، وجَعَل السرقةَ علة لذلك، بخلاف حدّ الزني.\n_________\n(٥٤) اللّوْثُ بفتح اللام والثاء المعجمة: البينة الضعيفة غيرُ الكاملة، وهي كلمة يذكرها المحَدِّثون والفقهاء في باب القَسامة بالأيمان من المدعين للقتْل على شخص لم يثبت عليه ذلك يقينا وقطْعًا. وقد ترجم لها الإِمام مالك رحمه الله تعالى في كتابه الموطأ، في كتاب القسامة، وتبرئة أهل الدم بالقسامة في حَديث طويل، فقال: \"الأمْر المجتمع عليه عندنا، والذي سمعتُ ممن أرْضَى، في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأمة في القديم والحديث، أن يبدأ بِالأيمانِ المدَّعُون في القسامة فيحلفون، وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما أن يقول المقتول: دمي عند فلان (أي هو الذي قتلنى)، أوياتي ولَاة الدم بلوث من بينة وإن لم تكن قاطعة على الذي يُدَّعى عليه الدم (أي القتل)، فهذا يوجب القسامةَ لمدعى الدم على من ادعَوْهُ عليه، ولا تجب القسامة إلا بأحد هذين الوجهين\" ... الخ.","vol":"2","page":341},{"text":"المسألة السادسه عشرة: إذا أقرَّ بقتل الخطأ ثم رجع عن إقراره قُبِل منه، وإذا أقرّ بقتل العَمْد لم يُقبَل منه، وفِى كِلَا الموضعيْن هو رجوعٌ عن إقرار.\nفالجواب أن المستحَقَّ بِقَتْل الخطأ الدِيةُ، وهي إنما تُستَحق على غير المُقِرِّ وهُم العَصَبَة، فإذا أقر بذلك كان إقرارًا على غيره، فكان كالشهادة على الغير، فإذا رجع قُبِل منه، لأنه كالشاهد إذا رجع عن شهادته. وقتْلُ العمدِ، المستَحَقُّ فيه الْقَوَد، (القصاص)، والقود إنما يستحق على القاتِل، فالمُقِرُّ به مقِر على نفْسه، فلمْ يُقْبَل منه الرجوعُ عنه لذلك، إذْ الأصول مبْنيةْ على أنَّ من أقرَّ على نفسه بِحقٍ، فلا يُقبلُ منه الرجوع عنه، إلا أن يكون له وجْهٌ في ذلك.\nالمسألة السابعةَ عشرَةَ: الواجب في شجاج (٥٥) العبد الأرْبع من قيمته بقَدْر ما في الحُرِّ من ديته، وفيما عداها من الجِراح ما نقَصَ من قيمته، وفي كِلَا الموضعين فهى جراح بِعَبْد.\nفالجواب أن هذه الجراح الأربع لمَّا كان فيها شيء مُسَمى في الحُرِّ وجَبَ أن يكون ذلك فيها في العبد، وأيضًا فإنا لو لم نعتَبر ذلك بالحُرِّ لَأدّى إلى هدرها،\n_________\n(٥٥) الشجاج بكسر الشين: جمْعُ شجة بفتحها، وهي الجراحة أيْ الجَرْحُ في بعض الأعضاء، وتُجمع أيضا على لفظها جمع مؤنث سالما، فيقال شجَّات. قال الشيخ الزرقاني رحمه في شرحه على الموطأ في ترجمة ما جاء في عَقْل الشِجاج، أي في ديتها: وإنما تسمّى كذلك إذا كانتْ في الوجه أو الرأس. والمرادُ بالشجاج، الجراحات المصطلح عليها في الحديث والفقه باسم: الموضحة، والمنقلة، والمأمومة، والجائفة.\nففي الموطأ للإِمام مالك، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني رحمهما الله، أن الْمُوضِحَة في الوجه مثْل الموضحة في الرأس، وفيما أوضح العظمَ من الجراحة. والمُنَقِلةُ هي الجراحة التي طار فراشها، بفتح الفاء كسرها، وهو الرقيق من العظم، ولم تصل إلى الدماغ، لأنه مقتل من الرأس.\nوالمامومة هي ما وصل إلى الدماغ، وكذا الجائفة، ليس فيما دون الموضحة عقل (أي دية) إلا الاجتهاد. فالعقل في باب الحدود والقصاص مصطلح شرعي ويراد به الدية، ويجمع على عقول كنفوس. وقد ترجم لها بذلك الإِمام مالك ﵁ في كتاب الموطأ، بعنوان: كتاب العقول، وتوسع في الكلام عليها شراحه، وشراح الأحاديث كعب الفقه المطولة، فليرجع إليها من أراد التوسيع في الموضوع.","vol":"2","page":342},{"text":"لأنها تَبرأ وتزولُ حتى كأنْ لم تكن، وليس كذلك ما عداها من الجراح، لأنها لابدَّ ممَّا تؤثر تاثيرا مَّا (٥٦)\nالمسألة الثامنة عشرَةَ: الواجبُ في عين الأعور الدية كاملة، والواجب في إحدى اليَدَيْن إذا كانت الأخْرى مقطوعة أو شَلَّاءَ (٥٧) نصف الدية.\nفلِمَ كان هذا؟\nفالجواب أن المنفعة توجَدُ بإحدى العينين كوجودها بالجميع، فإذا أتلف عليه منفعتها كأنه أتلف منفعة كاملة توجد بالعينين، فوجبت الدية كاملة، لأن المنفعة كاملة، وليس كذلك في سائر ما بالبدن ممّا فيه شيآن.\nقلت: وقد تقدم وجْة آخرُ من الفرق في القاعدة الأخيرة، فانظره.\nالمسألة التاسعة عشرة: إذا اختلف أولياء المقتول، فقال بعضهم: قُتل خطأ، وقال بعضهم: لا عِلْمَ لنا، كان لِمن ادَّعى قتل الخطأ أن يُقسِم، ويستحقّ نصيبَه من الدية، وإذا قال في العمد بعضهم: لا عِلْم لنا، لم يكن لمن ادعى القتلَ أن يحلف ويستحق الدَّم، وفي الموضعين، فالاختلافُ موجود.\n_________\n(٥٦) كذا في نسختي ع وح. وفي نسخة ت: \"لأنها ولابدّ أن تؤثر أثرًا ما\".\n(٥٧) شلاء بفتح الشين وتشديد اللام على وزن فعلاء، مونث أشلّ. وهو من الفعل الثلاثي الازم، شَلّ يَشَلّ العضوُ من الجسم، من باب فرح يفرح، وتعب يتْعبُ، مبنيا للفاعل، ويقال: شُلّ، مبنيا للمجهول، إذا ييس العضو في الجسم، ولم يعُدْ يستطيع الحركة بكيفية عادية سليمة، ويقال: شلت يدُهُ لا علَى سبيل الإخبار بل على سَبيلِ الدعاء عليه حسب ما يقتضيه قصد المتكلم وسياق الحديث والكلام، ويقال في المثل العربي: \"يدُك منكَ وإن كانت شَلاء\"كما يقال: \"أنفُك منك وان كان أجْدَع\" أي مقطوعًا. وهو مَثل يُضرب لمن يصبر لإنسان ويحافظ على علاقته وموته معه، لكونه أخا له أو قريبا أو صديقا وفيا، بغَضِّ الطرف عما يقع منه من هفوات أو يكون فيه من عيوب أو يصدر عنه من اخطاء، وفي هذا المعنى يقول الشاعر العباسي بشار بن بُرْدٍ.\nإذا كنت في كل الامور معاِتبًا ... صديقكَ لم تلقَ الذي لا تعاتبه\nفعشْ واحدًا أوْ صِلْ أخاك فإنه ... مقارف ذنبٍ مَرَّة ومجانبُه\nإذا أنت لم تشربْ مرارا على القَذَى ... ظمئت وأي الناس تصْفو مشاربُهُ\nومن ذا الذي تُرْضَى سجاياه كلها ... كفى المرءَ نُبلا أن تُعَدَّ معَاييُهُ","vol":"2","page":343},{"text":"فالجواب أن قتْل الخطأ أخْفَضُ رتبةً من قتل العمد، لأنَّ المستحَقّ به مالٌ، والمستحَقُّ بالعمد نفْس، فجاز في الخطأ ما لم يجُزْ في العمد.\nوأيضا فإن المستحًق، بقتل الخطأ الدية دون القَوَد، فكان لكل واحد من الأولياء أن يحلف، ويستحقَّ نصيبه من الدية، لأنه إنما يحلف على مال، فهو بمنزلة جماعة، لهم قِبَلَ إنسَانٍ دَيْنٌ، فتوجهت عليهم اليمين، فلِمَن لم يَنْكُلْ أن يحلف، ويستحقَّ نصيبَه، وليْسَ كذلك العمد لأن الواجب فيه القَود، وِالقودُ لا يُستحَقُّ إلا باجتماع الأولياء. وكان الشيخ الأبْهري يقول: القياسُ ألَّا يفرَّق بينهما.\nالمسألة العشرون: قال مالك: إذا سَرَقَ من متاع أهْل الحرب فلا حدَّ عليه، وإذا وَطئ الحربية فعليه الحد، وفي كلا الموضعين فهُوَ انتفاع بمال الحرب.\nفالجواب أن أموال أهْل الحرب مباحة، فجاز الانتفاع بها، ولا حدَّ في سَرقتها، وليس كذلك الوطء، لأنه لا يَحِل إلا بنكاح أو مِلْكِ يمين، وإذا وطئ الحربيةَ قبل حصول أحَدِ هذين الوجهين فقد زني، وعليه الحَدُّ.\nالمسألة الحادية والعشرون: قال مالك ﵀: إذا وطِئ أحَدُ الشريكين جارية بيْنَه وبيْن غيره فلا حدَّ عليه، وإذا سَرَقَ أحدُهُما من مال الشركة مما قَدْ أحرِزَ عنه فوق حقِه بثلائة دراهم قُطِع، وفي كلا الموضعين فهُوَ حدٌّ تجبُ إقامته، وله شُبْهَة في الماليْن.\nفالجواب أن الوطْء لا يتبعَّض، وله شبهة في الجارية، إذْ هو مالِك لبعضها، فدرأ عنه الحدَّ للشبهة، وليس كذلك السرقة، لأن الحدَّ يجب إذا وُجد القدارُ المحدود، وذلك موجود إذا سرقَ من مال الشركة فوق حقّه بثلاثة دراهم.\nفإن قيل: أليس قد قال مالك: إنه يُقطح إذا سرَق من المغنم، ولمْ يُرَاعِ أن يَسرق فوق حقه بثلائة دراهم في النصاب، فلِمَ رَاعاه ها هنا؟ .\nفالجواب أن حقه في المغْنَم غير معلوم، فلهذا لم يُراعِه، وليس كذلك في مال الشركة، لأن حقه معلوم، فلهذا راعاه، فافترقا.","vol":"2","page":344},{"text":"المسألة الثانية والعشرون: إذا سرق زعفَرانًا فصَبغ به ثوْبا، فإن ربَّه أحَقُّ بالثوب حتى يستوفي حق الزعفران. قال مالك: وإذا أخذ الثوبَ من الصَّبَّاغ قبل أجْرته فباعَهُ، فلا سبيل للصباغ إليه، وفي كلا الموضعين كلّ واحد منهما مستحق فيه الصَّبْغ.\nفالجواب أن السارق مُتَعَدٍّ في صبغه، غيرُ مأذونٍ له، فكان ربُّ الزعفران أحقَّ بالثوب حتى يأخذ منه حقه، وليس كذلك الصَّبَّاغ إذا دفع الثوب قبل أخذ الأجرة، لأنه قد سلَّطهُ وأذِن له في الانتفاع به، فلم يكن له إلى الثوب سبيل.\nالمسألة الثالثة والعشرون: إذا أوصى لرجل بجارية، فوطئها قبل موت الموصِى، قال مالك: عليه الحدُّ، وإن وطئها بعد موته فلا حدَّ عليه، سواء كان له مالٌ مأمون أوْ لَمْ يكن، وفي كِلا الموضعين فقدْ وطئ من أوصِيَ له بها.\nفالجواب أن الوصية إنما يثبت حكمها بالموتِ، إذْ للموصِى أن يرجع فيها، فإذا وطئ قبل الموت فقد وطئ من لا شبهة له في ملكِه، وليس كذلك بَعْد الموت، بل الشبْهة قائمة، فلمْ يكُنْ عَلَيْه حدٌّ، وإن جَازَ ألَّا تكون له.\nالمسألة الرابعة والعشرون: لا تجوز الكفالة في الحدود، وتجوز في سائر الحقوق، والكُلُّ كفالة بحَقٍّ على المكفول.\nفالجوابُ أن موضع الكفالة غيرُ الحدود، لأنها يجوز أخذها من الكَفيل، والحدودُ لا يجوز أخذها من الكفيل، وإنما تؤخذ مِمَّن وجَبَتْ عليه.","vol":"2","page":345},{"text":"المسألة الخامسة والعشرون: لا ينتفى ولَد الحرَّة إلا بلعَانٍ، وينتفى ولدُ الأمَة بلا لعان، والفراشُ في الجميع موجُودٌ، (٥٨) فلِمَ كان هذا الفرق؟\n_________\n(٥٨) كلمة الفراش جاء ذكرها في حديث في كتاب الأقضية في الموطأ، في ترجمة القضاء بإلحاق الولد بأبيه، رواية عن عائشة أم المؤمنين ﵂، كما أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"الولدُ للفراش، وللعاهِر الحجَرُ\".\nقال الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقانى ﵀ في شرحه على الموطأ: أل للعهد، أي الولدُ للحالة التي يمكن فيها الافتِراش (أيْ تَأتى الوطء، فالحرّة فراش بالعقد عليها مع إمكان الوطء والحمل، فلا ينتفي عن زوجها، سواءٌ أشبهه أمْ لا، وتجرى بينهما الأحكام من إرث وغيره، إلَّا بلعان. والأمة إن أقرَّ سيدها بوطئها أو ثبت ببينة عند الحجازيين، وقال الكوفيون: إن أقر بالولد، وقدَّرُوا مضافا (أي صاحب الفراش وهو الزوج)، فلفظُ الفراش يصْدُقُ على الحرة فقط كما تراه الحنفية، فلا عموم عندهم فيه، أو يَصْدق على الحرة والأمة، ويعُمّهما معا كما هو رأى المالكية ومُوافقوهم، فتخَرَّجُ المسألة على أن العِبرة بعموم اللفظ، أو بحصوص السبَب، قال: فليتنبه لهذا البحث، فإنه نفيس جدًا، وبالجملة هذا أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء مُحرَّم.\nومعنى للعاهر الحَجر، أي للزانى الخيبةُ، ولا حقَّ له في الولد، وهو اسم فاعل من عهر الرجل المرأة إذا أتاها للفجور، وعهرت هي وتعهرت، إذا زنتْ، والعهر الزنا، ومنه الحديث: اللهم أبْدل العهر بالعِفة\" قاله عياض: والعرب تقول في حرمان الشخص من الشيء: له الحجر، وبقية التراب، ونحو ذلك، ويريدون ليس له إلا الخيبة، وقيل: هو على ظاهره، أي الرجْم بالحجارة، وضعَّف بأنه ليس كلَّ زان يُرجَم، بل المحْصَن.\nوأيضا فلا يَلزمَ من رجمه نفيُ الولد. والحديث إنما هو في نفيه عنه، وقال الباجي: يريد الرجم، وإن كان لا يُرجَم زاني المشركين، لكن اللفظ خرج على العموم، ولمَّا قصد عيب الزنى أخبر بأشد أحكامه.\nثم ذكر الشيخ الزرقانى هنا ﵀ نكتة فقال:\n\"لطيفة\": كان أبو العيناء الشاعر الأعمى كثير الدعابة وشديد الانتزاع من الآيات والأحاديث (أي الأخذ منها)، فوُلد له ولدٌ، فأتى بعضُ مَن يُريد دعابته فهنأه بالولد، ووضع بين يديه حجرا وذهب، فلما تحرك أبو العيناء وجد الحجر بين رجليه، فقال: مَن وضع هذا؟، فقيل: فلان، فقال: عرَّض بى - واللهِ - ابنُ الفاعلة، قال - ﷺ - \"الولد للفراش وللعاهر الحجر\".\nقال الزرقاني هنا في شرحه على الموطأ: وللحديث سبب آخر غيرُ قصة ابن زمعة، رواه أبو داود وغيره من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. فرحمهم الله ورضي عنهم أجمعين، ورحم كافة المسلمين، آمين.","vol":"2","page":346},{"text":"فالجوابُ أن الحرَّة أعلى مرتبةً من الأمة، فكان حكمها خلاف حكم الأمة.\nالمسألة السادسة والعشرون: إذا أتَتْ المملوكة بولدٍ لم يُلحَق بالسيد، إلا أن يُقِر بالوطء، وإذا أتت الزوجة بولدٍ لَحِقَ بالزوج وإن لم يقر بالوطء، وفي كلا الموضعين فالوطءُ مباح له.\nفالجواب أن الزوجة تصير بالعقدِ فراشا له، فلَحِق ولدُها، لثبوت الفراش، والأمةُ لا تصير فراشا إلا بإقرار السيد بالوطء، لأن المِلْك لا يوجب لها فراشا، إذ الِإنسان يَمْلك من لا يجوز له وطؤها، ولا يجوز له أن يتزوج من لا يجوز له وطْؤُهَا. (٥٩)\n_________\n(٥٩) فهذه المسائل الست والعشرون في آخر الكلام على هذه القاعدة السادسة من قواعد الحدود، هي مما أضافه الشيخ البقوري ﵀، وتدل على مدى تضلعه وسعة اطلاعه وتمكنه من أصول الفقه وقواعده وأحكامه وغيرها، ﵀،ورحم كافة أهل العلم والفقه في الدين، وسائر المسلمين. اهـ.","vol":"2","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>الفرائض</span>\nثلاث قواعد (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>القاعدة الأولى\nفي تقرير ما ينتقل إلى الأقارب من الأحكام</span>. (٢)\nرُوِي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من مات عن حق فلورثته\" (٣). وهذا اللفظ ليس على عمومه، بل من الحقوق ما ينتقل إلى الوارث، ومنها ما لا ينتقل، إذْ مِنْ حقِ الإِنسان أن يُلاعِن عند سبب اللعان، (٤) وأن يفئ بعْدَ\n_________\n(١) كذا في نسختي ع، وح. وفي نسخة ت: قواعد المواريث، وهي ثلاث قواعد:\n(٢) هي موضوع الفرق السابع والتسعين والمائة بين قاعدة ما يَنتقِلُ إلى الاقارب من الأحكام غير الأموال، وبين قاعدة مالا ينتقل من الأحكام. جـ ٣. ص ٢٧٥. ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ العلامة ابن الشاط ﵀.\n(٣) لم يسعف البحث بالعثور على نص هذا الحديث في بعض أمهات الكتب، ووجدنا نص حديث في معناه أخرجه الإِمام ابن ماجة ﵀ عن المقدام أبي كريمة (رجُل من أهل الشام من أصحاب رسول الله - ﷺ -)، وزاد: وربما قال (أي النبي - ﷺ -): فإلى الله ورسوله. وأنا وارث من لا وارث له، أعْقِلُ عنه وأرِثُهُ، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه، وحديث الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كَلًاّ فإلينا\". والكَلُّ بفتح الكاف هم الأهل والعيال، ويطلق الكَل على الضعيف العاجز، كما جاء في قوله تعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n(٤) لقَوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٦ - ٧]","vol":"2","page":348},{"text":"الإِيلاء، (٥) وأن يعُودَ بعد الظِهار، (٥ م) وأن يختار أرْبَعًا من أكثرَ إذا أسلم عليهن (٦)، ومن حقِّهِ ما فُوِّضَ إليه من الولايات والمناصِب. (٧) وجميع هذه الحقوق لا ينتقل إلى الوارث منها شيء وإن كانتْ ثابتة.\nوالضابط لما ينتقل إليه ما كان متعلِّقا بالمال، أو يدْفع ضررًا عن الوارث في عِرضه أو يخفِّفَ ألَمَهُ.\nفَقَوْلي: يدفع ضررًا عن الوارث في عِرضه، أو يخَفِّفَ ألمه، هاتان الصورتان منْتقلتانِ للوارث، وهُما ليستا بماِل: حَدُّ القذف، وقصاص الأطراف والجراح والمنافع في الأعضاء، (٨)، وكان ذلك لأجْل شفاء الغليل للوارث بما دخل على عِرضه من قذْف موروثه أو الجناية عليه.\nوأمّا قصاص النفس فإنه غير موروث، إذ لم يكن للمورِث، وما يَثْبث إلَّا بعد موته، وهو فرع زهوق النفس، وما كان متعِلقا بنفس الموروث وعقله وشهواته لا ينتقل للوارث، وإنما يرثون المتعِلّق بالمال، وهذا لأن الورثة يرثون المال فيرثون ما\n_________\n(٥) لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]\n(٥ م) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]\n(٦) لحديث سالم عن أبيه (عبد الله بن عمر) أنَّ غيلَان بن سَلَمة، أسْلَم وعنده عشْرُ نسوة فأسلمن معه، فأمره النبي - ﷺ - أن يتخير منهن أربعًا\". رواه أئمة الحديث: أحمد، والترمذي وابن حبان، والحاكم ﵏.\n(٧) مثَّل لها القرافي بقوله: كالقصاص، والِإمامة والخطابة، وغيرها، وكالأمانة والوكالة، وقال: فجميع هذه الحقوق لا ينتقل منها شيء للوارث؛ وإن كانت ثابتة للمورِث.\n(٨) وعبارة القرافي هنا أوضح وأظهر حيث قال: \"ولم يخرج عن حقوق الأموال إلا صورتان فيما علمتُ: حد القذف، وقصاص الأطراف والجرح والمنافع في الأعضاء، فإن هاتين الصورتين تنتقلان للوارث، وهما ليستا بمال، لأجل شِفاء غليل الوارث، كما سيأتي:","vol":"2","page":349},{"text":"تعلَّق به تبَعًا له، ولا يرثون عقله ولا شهوته ولا نفسه، فلا يرثون ما يتعلق بذلك. (٩)\nفما يُورَث يورَث ما يتعلق به، وما لا يورث لا يورث ما يتعلق به.\nفينتقل للوارث خيارُ الشرط في البياعات، خلافا لأبى حنيفة وابنِ حنبل، وينتقل له خيار الشفعة عندنا، وخِيار التعْيين إذا اشترى موروثُهُ عَبْدًا من عبدين على أن يعَيّن - باختياره - الذي يريده منهما، وخيارُ الوصية إذا مات الموصَى له بعد موت الموصى، وخيارُ الإِقالة والقَبول إذا أوجبَ البيع لزيد، فلوارثه خيار القَبول والرد، وخيارُ الهبة، وفيه خلاف، ومنع أبو حنيفة خيار الشفعة، وسلّم خيار الرد بالعيب، وخيار نقد في الصفة، (١٠) وحق القصاص وحقّ الرّهْن.\n_________\n(٩) قال القرافي هنا: فاللِّعان يرجع إلى أمْر يعتقده الملاعِن لا يشاركه فيه غيْره، والاعتقادات ليستْ من باب المال، والْفيئةُ (في الإيلاءِ) شهوتهَ، والعَوْدُ (أي في الظهار) إرادته، واختيار إحدى الأختين (إذا أسلم عليهما)، واختيار أربع نسْوة (إذا أسلم على عشر) أرَبُه ومَيْلُهُ، وقضاؤه على المتبايعيْن عقله وفكره ورأيه، ومناصبه وولاياته وآراؤه واجتهاداته وأفعاله الدينية فهو دينه، ولا ينتقل شيء من ذلك للوارث، لأنه لم يرِث مستنده وأصله.\n(١٠) كذا في نسخة ع، وفي ت، وخيار تعدد الصفقة، وهو ما عند القرافي. ولعل الأنسبَ تعدُّد الصفة. فليصحح.\nوسلَّم الشافعي جميع ما سلّمناه، وسلم خيار الإقالة والقبول. ومدَاركُ المسألة على أن الخيار عندنا صفة للعقد فينتقل مع العقد، فإن آثار العقد انتقلت للوارث. وعند أبي حنيفة صفة للعاقد، لأنها مشيئته واختياره فتبطل بموته كما تبطل سائر صفاته، ولأن الأجل في الثَّمَن لا يورث، فكذلك في الخيارِ، ولأن البائع رضى بخيار واحد، وأنتم تثبتونه لجماعة لم يرض بهم وهم الورثة، فَوَجَب ألَّا يتعَدَّى الخِيار ما شُرِط له، كما لا يتعدى الأجلُ من اشتُرط له.\nوأجاب شهاب الدين القرافي ﵀ عن هذه الوجوه عند الحنفية في شأن عدم إرث حق الخيار في البيع للوارث، وردُّها بما يؤيد رأي المالكية في المسألة، وفي القول بأن الوارث يرث حق الخيار في البيع، وانتهى في خلاصة هذا الفرق وختامه بقوله: فهذا تلخيص مدْرَك الخلاف، ويعَضِّدُنا في موطن الخلاف قولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾، وهو عامٌّ في الحقوق، فيتناول صورة النزاع، ولم يخرُجْ عن حقوق الأمور إلا صورتان فيما علِمتُ: حدُّ القذْف، وقصاص الأطراف والجراح والمنافع في الأعضاء، فإن هاتين الصورتين تنتقلان للوارث، وهما ليستا بمال، لأجْل شفاء غليل الوارث بما دخل على عرضه من قذف مورثه والجناية عليه.\nوأما قصاص النفس فإنه لا يورث، فإنه لم يثبتْ للمجنى عليه قبل موته، وإنما ثبت للوارث ابتداء، لأن استحقاقه فرعُ زهوق النفس، فلا يقع إلا اللوثُ بَعْدَ موت الموروث، فهذا تلخيص هذا الفرق ببيان سرّه ومداركه والخِلاف فيه.","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>القاعدة الثانية\nفي تقرير الفرق بين أسباب التوارث وأجزاء أسبابها العامة والخاصة</span>. (١١).\nقال شهاب الدين: إنى رأيت كتب الفرائض، فلم يختلف منهم اثنان أن أسباب التوارث ثلاثة: نسَبٌ، وولاء، ونكاح، وهو في غاية الإِشكال، لأن المراد بالثلاثة: إمَّا الأسباب، وإمَّا أجزاء الأسباب، والكُلُّ غيرُ مستقيم.\nوبيان ذلك أنهم يجعلون أحد الأسباب القرابة، والأم لم ترث الثلث فِى حالة والسدسَ فِى أخرى بمطلق القرابة، وإلَّا لكان ذلك ثابتا للابن والبنت، لوجود القرابة بينهما، بل بخصوص كونها أمًّا مع مطلقِ القرابة، وكذلك البنت ترث النصف ليس بمطلَق القرابة، وإلَّا لثبتَ ذلك للجد أو الأختِ للأم، بل لخصوص كونها بنتًا مع مطلق القرابة، فحينئذ لكل واحد من الورثة سببٌ تامٌّ يخصه، تَرَكَّبَ من جُزْءيْن: من خصوص كونه بنتا أو غيره، وعموم القرَابة، وكذلك للزوج النصف، ليس بمطلق النكاح، وإلَّا لكان للزوجة النصف، لوجود مطلق النكاح فيها، بل\n_________\n(١١) هي موضوع الفرق الخمسين والمائتين بين قاعدة أسباب التوارُثِ، وأجزاء أسبابها العامة والخاصة\". جـ ٤. ص ١٩٣.\nقال الإِمام القرافي ﵀ في أوله: \"إعْلَمْ أنَّ هذا الفرق غريب عجيب نادِرٌ، بسبب أن كتب الفرائض على العموم فيما رأيتُ لم يختلف منهم اثنان في أن أسباب التوارث ثلاثة: نسب، وولاء، ونكاح، وهو في غاية الإشكال ... إلخ.\nوقد علق عليه الشيخ ابن الشاط ﵀، فقال: هذا الفرق ليس بغريب ولا عجيب كما زعم، وما توهمَهُ من الإشكال في كلام الفرضيين ليس كما توَهَّمَ.\nوبيان ذلك أنهم بين أمرين: أحدهما تعبيرهم عن تلك الأسباب بلفظ التنكير، وثانيهما تعبيرهم عنها بلفظ التعريف. فمن عبّر منهم بلفظ التنكير لم يُرد كل نسب ولا كلَّ نكاح ولا كلَّ ولاء، بل أراد نسبا خاصا وولاء خاصا ونكاحا خاصا. ولا نُكر في التعبير بلفظ النكرة عن مخصوص، فإن اللفظ عليه صادق، وله صالح. ومن عَبَّرَ منهم بلفظ التعريف لم يرد أيضا كل نسب ولاَ كلَّ نكاح، ولا كلَّ ولاء، بل أراد ما أراده الأول، وأحال الأولُ فى تقييد ذلك المطلق على تعيين أصناف الوارثين والوارثات، وأحال الثاني فى بيان المعهود بالألف واللام على ما أحاله عليه الأول، والله أعلم.","vol":"2","page":351},{"text":"بخصوص كونه زوجًا مع عموم النكاح كما تقدم، فسببه مركَّبٌ، وكذلك الزوجة. (١٢)\nإذا ظهر ذلك، فإن أرادُوا حَصْر الأسباب التامةِ في ثلاثة فهي أكثر من عَشرة بالإِجماع، أو الناقصة التي هي أجزاء الأسْباب، فالخصوصات - كما رأيت - كثيرة، فلا يستقيم الحصْرُ مطلقا لا في التام ولا في الناقص، فتنبّه لهذا، فهو حسَن لم أر أحدًا لخصَهُ ولا تَعَرَّضَ له. (١٣)\nوحينئذ أقول: إن أسباب القرابة وإن كثرت فنحن لا نريدها، ولا نريد الناقصة التي هي الخصوصات، بل الناقصةَ التي هي المشترَكات، وهي مطلق القرابة، ومطلق النكاح، ومطلق الولاء. (١٤).\n_________\n(١٢) قال ابن الشاط هنا معلقا على هذا الكلام عند القرافي:\nإذا كان سببُ الإرث، الخاصُّ: الوصفَ الخاصُّ فلا معْنى لذكر الوصف العام معه. فقَوله: مع مطلق القرابة، لا حاجة إليه، فمن المعلوم أن الوصف العام صادق على الخاص، لكنه ليس العام سببا من حيث عمومه، بل من حيث اشتمل على الخاص، والخاصُّ سبب، فإذا قال قائل: ما سبب وراثة البنت النصفَ؟ قيل: كوُنها بنتا، وهو جواب مستقيم صادق، وإن قيل: كونها قريبةً لم يكن جوابا مستقيما ولا صحيحا. وإذا قيل: ما سببُ وراثة البنت؟ فقيل: كونها بنتًا، كان جوابا مستقيما وصحيحا أيضا، وإن قيل: كونها قريبة لم يصِح أيضا، لأن القرابة ليست مختصة بالبنت، فالصحيح أن سبب ميراث البنتِ النصف، كونها بنتا على الخصوص، وكذلك سبب ميراث كل صِنْفٍ من أصناف الوارثين والوارثات، أسباب ميراثهم خاصة لا عامة، وما قاله من أن السببَ مركبٌ لا معنى له عند النظر إلى خصوص الميراث كالنصف وشبهه، ولا عند النظر إلى عموم الميراث أيضا، لأنه جعل العموم مطلق القرابة ليس مطْلَقُ القرابة سببا لمطلق الميراث عندنا، نعم، هو سبب عند الحنفية.\n(١٣) علق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي، فقال: قوله: هي أكثرُ من عَشَرَة، إن أراد بذلك ما يخص كلَّ صنف من الوارثين والوارثات - على ما جرتْ به عادة أكثر الفرضيين في عَدِّهم أصْنافَ الوارثين عشرة وأصنافَ الوارثات سبعة فذلك صحيح، وإن أراد بذلك ما يخص كل صنف على ما هو الأولى في ذلك فليس قوله ذلك بصحيح، فإنها أكثر من عشرين لا أكثر من عشرة. وقوله: بالإجماع، ليْسَ بصحيح. وأى إجماع في ذلك مع توريث الحنفية ذوِي الأرْحام. وقوله: أو الناقصة التي هي أجزاء الأسباب، فالخصوصيات - كما رأيت - كثيرة، إن أراد بالخصوصات مطلق القرابة التي كل خصوص منها أعم من الخصوص الذي تحته من الخصوصات التي عدَّها الفرضيون فذلك صحيح، وإلا فلا أدْري ما أراد.\n(١٤) قال ابن الشاط: هذا الكلام الذي ذكره هنا مناقض في ظاهره لقوله: إن أسباب القرابة، وإن كثرتْ، فنحن لا نريدها، لكنه إنما أراد لا نريد مطلق القرابة من حيث هي القرابة لا خصوص كون القرابة بنوَّة مثلا، ولكن نريد ما هو أخص من الأول وأعم من الثاني، وهو قرابةٌ مَّا، ونكاحٌ مَّا، وولاءٌ مَّا. ثم بيّن ذلك بما قرره ضابطا بعد هذا.","vol":"2","page":352},{"text":"والدليل على حصر التامة في هذه الثلاثة أن الأمر العام في جميع الأسباب التامة إما أن يمكن إبْطاله أوْ لا، فإنْ أمْكن إبطاله، فهو النكاح، لأنه يبطل الطلاق، وإنْ لم يمكن إبطاله فإما أن يقتضي التوارث من الجانبين غالبا وهو القرابة، أو لا يقتضي إلا من أحد الجانبين وهو الولاء، يرث الموْلى الأعْلى الأسفلَ، ولا يرث الأسفَلُ الأعلى.\nوقولنا: غالبا، احترازًا من العَمّة ونحوها، فإنها يرثها ابن أخيها ولا تَرثه. (١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>القاعدة الثالثة\nفي تقرير أسباب التوارث وشروطِهِ وموانعه</span>. (١٦).\n_________\n(١٥) قال ابن الشاط: ما ذكره من سبب الحصر للأسباب الثلاثة في ثلاثة، وإن كان مفيدا للحصر، ليس بسديد، فإنَّ ما ذكره في النكاح وهو كونه يمكن إبطاله، أجنبي عن كون النكاح سبَبَ الميراث، فإنه لا يصح أن يكون النكاح اللاحقُ به الإبطالُ سببا، وإنما يكون سببا للنكاح الذي لا يلحقه إبطال، فإذا ثبتت سببيته لم ترتفع الاستحالة رفع الواقع. وما ذكره في القرابة أمرٌ ثانٍ عن كون سبب الِإرث ليس مطلق القرابة، لان السببية ثابتة عنه مع عدم اطراده. وما ذكره في الولاء كذلك أمرٌ ثان عن كون سببيته ليست مطلقةً، والأوْلى أن يقال: إنهم ما حصروها في ثلاثة إلا لكونها أمورًا مختلفة، ثم لم يوجد سبب الميراث سواها. ثم إنها ليسَتْ أسبابًا على الإطلاق، بل مقَيَّدةٌ بتعيين من يَرِثُ بها.\n(١٦) موضوع الفرق الحادي والخمسين والمائتين بين قاعدة أسباب التوارث وقاعدة شروطه وموانعه \". جـ ٤. ص ١٩٨. قال عنه الشيخ ابن الشاط: ما قاله القرافي في صدر هذا الفرق صحيح.\nقال القرافي رحمه الله تعالى في أوله: لَمْ أر أحدًا من الفَرضيين يذكرُ إلا أسباب التوارث وموانعه ولا يذكر أحد منهم شروطه قط، وله شروط قطعا كسائر أبواب الفقه، فإن كانوا قد تركوها لأنها معلومة، فأسباب التوارث معلومة أيضا. فالصواب استيعاب الثلاثة كسائر أبواب الفقه.\nوإن قالوا: لا شروط للتوارث، بل أسباب وموانع فقط، فضوابط الأسباب والموانع تمنع من ذلك، وقد قال بعض الفضلاء: إذا اختلفتم فى الحقائق فحكِّموا الحدود (أي التعاريف)، وقد تقدم في أول الكتاب في الفروق أن السبب يلزم من وجوده الوجودُ، ومن عدمه العدَمُ. والشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزَم من وجوده وجوُدٌ ولا عدمٌ، والمانع ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجودٌ ولا عدم.\nفبهذه الحدود والضوابط يظهر أن للتوارث شروطا، وها أنا أذكرها على هذا الضابط فأقول: شروط التوارث ثلاثة كالأسباب ... إلخ. =","vol":"2","page":353},{"text":"أما الشروط فهى ثلاثة: تقدُّمُ موتِ الموروث على الوارث، واستقرار حَيَاةِ الوارث بعده كالجنين، والعلمُ بالقرب والدرجة التي اجتمعا فيها، احترازا منْ موت رجل من مُضَرٍ أوْ من قريشِ، لا يُعلَم له قريب، فإن ميراثه لبيت المال، معَ أن كل قرشى ابنُ عَمّه، ولا ميراث لبيت المال مع ابن عَمٍّ، لكنه فات شرطهُ الذي هو العلم بدرجته منْه، فما من قُرَشىٍّ إلا ولَعَلَّ غَيْرَه أقربُ منه. (١٧).\nفهذه شروط لا يؤثر وجودُها إلا في نهوض الأسباب لترتب مسبَّباتها عليها، فيلزَم من عدمها العدمُ، ولا يَلزَم من وجودها من حيث هو وُجود ولا عدَمٌ، بل الوجود إن وقع فهو لوجود الأسباب لَا لَها، وإن وقع العدَم عند وجودِها فلعدم السبَبِ أو لوجود المانع (١٨).\nوأما الموانع فغالب الناس ذكروا أنها ثلائة: الكفر، والقتل، والرِّق.\nوزاد بعضهم الشكَّ، احترازا من أهل السفينة أو الرّدْم، واللعانَ، لأنه يمنع من إرث الأب والإِرث منه.\nوالأسباب كما تقدم ثلاثة: نسبٌ، وولاءٌ، ونكاح.\nقلت: ولنذكر هنا مسائل متعلقة بالعتق نختم بها ما تقدم من الكتاب.\nالمسألة الأولى: قال مالك: إذا أعتق العبد قبل أن يوقع شيئا من الطلاق\n_________\n= قال ابن الشاط هنا معلقا على هذا الكلام: لا حاجة إلى ذكر مَوْت الموروث وجعله شرطا، وحياة الوارث بعده شرطًا آخر، ولا يصح أن يكون موت الموروث بنفسه قبل موت الوارث شرطا، لامتناع توريث مَن يتعذر العلم فيهما بالتقدم والتأخر، بل الصحيح أن شرط الإرث واحد، وهو العلم أو الحكم بحياة الوارث بعد موت الموروث وبنسبته ورتبته منه.\n(١٧) قال ابن الشاط هنا: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، غير أنه نقَصَهُ الحكم بالقرب والدرجة إذا لم يكن ذلك معلوما، ولكنه ثبت نسبُه عند الحاكم.\n(١٨) زاد القرافي هنا قوله: \"فهذه حقيقة الشرط، وجدَتْ في هذه الثلاثة فتكون شروطا\".\nوقد علق ابن الشاط على ما تضمنته هذه الفقرة كَلها بقوله: قد ثبت أنه شرط واحد، وهو العلم بحياة الوارث بعد موت المورث، وبقرابته، ورُتْبته منه، أو الحكمُ بذلك.\nفقد ظهر الفرق بين هذه القواعد الثلاثة: (أسباب التوارث، وشروطه، وموانعه)، وهو المقصود. والله الهادي إلى كل خير وصواب، وإلى نهج صراطه المستقيم.","vol":"2","page":354},{"text":"كمل له، وإذَا أوقع بعضَه وعتق بقى على حِسابِ العبد، والحرية قد وجدت في الجميع، فلمَ كان هذا؟\nفالجواب أنه إذا أوقع بعضَه فقد ترتب عليه الحكم بالطلاق الذي هو طلاق عبد، فكان ما بقى على حكم ما تقدم. وليس كذلك إذا لم يوقع شيئا، لأنه لم يترتب عليه حكمٌ من جهة الطلاق، ألَا تَرى أن الحُرَّ إذا طلق زوجته دون الثلاث فتزوجتْ ثمّ عادتْ إليْه، فإنها تعودُ عنده على ما بقي من الطلاق، ولو طلقها ثلاثا لعَادتْ عنده على مِلْكٍ مستأنَف، لزوال حقه في الطلاق الأول.\nالمسألة الثانية: قال مالك: إذا وُطئتْ المعتقَةُ قبل عِلمٍ بالعتق لم يُسقط ذلك خيارَها، وإذا وُطئتْ وقد عَلِمتْ بالعتق، وجَهِلَتْ أن لها الخيار سقَط خيارُها، فلم كان هذا الفرق؟ .\nفالجواب أنها تُعذَرُ بجهلها بالعتق، ولا تُعْذَر بجهلها أن الخيار لها، فإنها لا تقدِرُ أن تحترز من هذا الجهل، وتقْدِرُ أن تحترز من الآخَر بالتعلم.\nالمسألة الثالثة: إذا عتقت الأمَةُ عَتَقَ ما في بطنِها، وإذا عَتَقَ الحملُ لم تَعتِق الأمَةُ بعتقه، فلم كان هذا الفرق؟\nفالجواب أن الحرة لا يَصِح أن تَحمِل بمملوك، فلأجْل ذلك يعتق ما في بطنها بعتقها، والْأمَة يَصِحُّ أن تحمِل بحُرٍّ.\nوأيضا فالحمْل كالعضْو من أمّه، فيكون تابعا في الحرّية لأمِّهِ، وليسَتْ الأمُّ بعضًا منه، فلا تكون تابعة في الحرية.\nالمسألة الرابعة: قال مالك: يجوز إجارة المدَبِّر ولا يجوز إجارة أمّ الوَلَد، والكُلُّ ممنُوعٌ من بيعه، موقوف نفوذُ عتقه على الموت، فلِمَ كان الفرق؟\nفالجواب أن عتق أمّ الولد أقوى، والتدبِيرُ أخفَضُ رتبةً منه.\nألَا تَرَى أن البطلان تَوَجَّه إليه دون أمّ الولد، ولأن عتق أمّ الوَلَد يَتَنَجَّز في الحياة، وإنما تبقى له المنفعة فقط، والمدَبِّر إنما يتم عتقه بالموت.","vol":"2","page":355},{"text":"المسألة الخامسة: إذا باعَ أمَّ الولد فُسِخَ البيع، ورُدَّ الولد، وإن كان المشتري قد أعتقها، وإذا باع المدَبَرّ فَأعتقه المشتري نَفَذَ البيعُ على إحدى الروايات، وكِلاهما ممنوع من بيعه، فلم كان هذا؟،\nفالجواب أن ذلك لتأكّد حرية أمّ الولد وضَعْفِ حرية المدَبِّر.\nالمسألة السادسة: إذا عجَّلَ عتق أمّ الولد على مالٍ تدفعُهُ إليه، فمات السيدُ قَبْل أن يقبضه منها، فعليها دفعه إلى الورثة، وإذا كاتَبَها على مالٍ فمات قبل أن تؤدّي الكتابَة سقَط ذلك وعتقتْ من رأس المال، وفي كلا الموضعين هي أمُّ ولَدٍ تَعْتِق بموته.\nفالجوابُ أنه إذا عجَّل عتقها بِعِوَضٍ في ذمتها فقد حصل العتق قبل موته، وحصلتْ (١٨ م) كاملة الحرية، ولم يستفد ذلك إلّا بذلك العوض، فلزمها دفعه إلى الورثة، لأنه كدَين للميتِ على غريمه، وليس كذلك إذا كاتبها، لأنها لم تعتِق في حياة السيد وإنما تعتق بالأداء، فإذا مات السيد قبْل الأداء مات وهي على مِلْكِه، فعتَقَتْ بموته.\nالمسألة السابعة: إذا كاتَبَ عبْدًا وله أمَةٌ حاملٌ منه لم يدْخُلْ الولَد في الكتابَة إلا أن يشترطه. وكذلك لو كان له ولدٌ منفصل من أمَّهِ، وإذا كانت أمةً وهي حامل، دخل الولد في الكتابة من غير شرط، وفي كلا الموضعين هو وَلدُ مُكَاتَبٍ.\nفالجواب أن ولد العبد منفصل منه، فلم يدخل معه في الكتابة إلا بالشرط، وليس كذلك الأمَةُ مع حملها، إذْ هو كعضوٍ منها.\nالمسألة الثامنة: إذا عتَقَ العبدُ تبِعه ماله إلا أن يستثنيه السيدُ، وإذا بيعَ لم يتبعه ماله إلَّا أن يشترطه السيد المبتاع، والجميعُ انتقال مِلْكٍ إلى غير مالك، فلم يفتقر إلى تعيين المالك.\n_________\n(١٨ م) هكذا في جميع النسخ، ولعل الأنسب والأظْهر أن يقال: وصارتْ كاملة الحرية، فليُتأمل. والله أعلم.","vol":"2","page":356},{"text":"المسألة التاسعة: إذَا أعْتَق عبْدًا في ظِهار كان الوَلَاءُ لهُ، وإذا أعتقه في زكاة ماله كان الولاء للمسلمين، والجميعُ حقّ لله.\nفالجواب أن العتق في الظِهار واجبٌ عليه وجوبًا متعينا، فَحَصَلَ معْتقًا لمالِكه، والولاء تابع للعتق، والزكاة ليس العتقُ فيها متعينا، لأن العتْق في الزكاة إخراج جزء من المال، وذلك الجزء حقٌّ للمساكين. فإذا اشترى به عبْدًا وأعتَقَهُ لم يكن الولاء له، لأن المال لغيره، فهو معتَق بمِلْك غيره.\nقلت: كيْفَ يصحُّ هذا والمساكين أحدُ الاجزاء الثمانية؟، وإنما يصح هذا الذي قاله هنا لو كان الحقُّ لهم بالأصالة، ثم ينصَرِفُ فيما عداهم بطريق العِوض عنهم والنيابة، وليس كذلك، ولكنه لَوْ اقتصَرَ في التعليل على أن يقال بالتعيين في الظهار، وبِعدم التعيين في الزكاة لَكفى، لكنه قد لا ينهض تاماّ، والله أعلَمُ.\nالمسألة العاشرة: جَرُّ الولاء يكون بالجَدِّ دون الأخ، (١٩)، ولو اجتمع جَدٌّ وأخ كان الأخ أحقَّ بالولاء، فلم كان هذا؟\nفالجواب أن طريق جَرِّ الوَلاءِ بالنَّسَب، والنسَبُ بالجد دون الأخِ، واستحقاقُ الولاء، طريقُة قوة التعصيب، والأخ أقوى تعصيبا من الجد، لأن تعصيب الأخ مستفادٌ من جهةِ البنوة، وتعصيب البنوة أقوى من تعصيب الأبُوّة.\nالمسألة الحاديَةَ عشرة: إذا اجتمع جد وأخٌ كان الميراث يُستحق لأنه لا مدخل للرَّحم فيه. ولمَّا كان تعصيب الأخ أقوى من الجَدّ، لِدُنُوه بالبنوة كان أولى من الجد بالولاء.\n_________\n(١٩) هكذا في نسخة ع، وفي نسخة ت: لا يكون بالجد دون الأخ، وفي نسخة ح: حق الولاء يكون بالجدِّ دون الأَخ، وهي عبارات، كما يبدو، مختلفة مع بعضها نفيا وإثباتا، وبالتالي يختلف معناها عند التأمل، ولعل عبارة الإِثبات في نسخة ع أنسب مع العبارة والجملة الآتية بعدها، حيث تفيد أن الولاء يكون للجد في حالة انفراده، لكن في حالة إجتماعه مع الأخ يكون الولاء للأخ (أي أخي الهالك) دون الجد، فأجاب الشيخ البقوري بما يوضح الفرق بين القاعدتين والحالتين. فليتأمل ذلك، وليصَحِّحْ، والله أعلم بالصواب.","vol":"2","page":357},{"text":"المسألة الثانية عشرة: إذا اشترى زوجته وهي حامل منه كانت بذلك أمّ ولد، وإن كانت غير حامل منه لم تكن بذلك أمَّ ولد، (٢٠) وإنما كان ذلك من حيث إنها إنما تكون أمّ ولد من جهة الابن الذي في جوفها، فإن كانتْ حُرِّيةُ الابن من جهة الأب كانت بذلك أم ولد، وإن كانَتْ من جهة غيره لم تكن بذلك أمّ ولد. فإذا ثبت هذا فجارية ابنه (٢١) لمَّا اشتراها وهي حامل منه فالوَلد قد عتق على جدّه وَهو أبُو الأبِ، فلم تكنْ بذلك أمّ ولد، لأن العِتْقَ من غير جهةِ الْأبِ.\nالمسألة الثالثة عشرة: قال مالك: لا يجوز وطء المكاتَبةِ، ويجوز وطء المدَبِّرة، والعتقُ في الجميع إلى أجل، فلِم كان ذلك؟\nفالجواب أن المكاتَبة عاوَضت على نفسها لتمْلِك نفسها دون السيد، فلم يكن له وطؤها، والمدَبَّرَةُ لم تعاوِض على نفسها فكان له وطْؤها. ويصح أن يقال: إن المدبِّرة إنما جاز وطؤها لأنها لا تتعلق بوقتٍ تحرُمُ عنده، لأن عتقَها بعد موت السيد لا يوصَف بأنهُ حَرُمَ عليه شيء ولأجَل، لأن ذلك صفات الحيِّ، والمكاتَبَةُ عِتْقها متعلِق بوقتٍ يَحْرُمُ وطؤها بوجوده.\nالمسألة الرابعة عشرة: إذأ أسْلَمَتْ أمُّ ولدِ الذمى، ثم أسلَمَ بعدها، كان أحقَّ بها، مَا لم يُحْكم ببيعها أو عتقها، على الخلاف، ويعود الولاء إليه، وإذا أسلمت جارية الذمى، فوطئها بعد الإسلام فحملتْ، ثم أسلم، كانت كالتى قبل الإِسلام، ولا يعودُ فيه الولاء، وكلتاهما أم ولد الذمي.\nفالجوابُ أنها إذا حملتْ قبل الإِسلام في الكفر، فقد ثبت له حرْمة الاستيلاد في حالةٍ يثبت له عليها الولاء فيها، فرجع إليه إذا أسلم، وليس كذلك إذا أوْلَدَها بعد الإِسلام، لأن الاستيلادَ حصل منها في حال لا يصح أن يثبت له عليها ولاء، فلذلك لم يثبتْ له عليها ولاء إذا أسْلَمَ.\n_________\n(٢٠) كذا في نسخة ع، وح، وفي نسخة ت: فلم كان ذلك؟\n\"فالجواب إِنما كان ذلك من حيث إِنها إنما تكون أمةٌ ولد من جهة الابن الذي في جوفها\".\n(٢١) كذا في ع، وح، وفي ت: فجاريَةُ أبيه، ولعل ما في النسخة الأخيرة أظهر وأوضح فى المعنى.","vol":"2","page":358},{"text":"المسألة الخامسة عشرةَ: إذا أعتقَ العبدُ عبدًا له فأجاز السيد ذلك له، ثمَّ عَتَقَ العبدُ بعد ذلك، فلا يعود ولاء عبده الذي أعتقهُ وأجازه السيد إليه، وإذا أعتق المكاتَب عبدًا فأجاز سيده العتق، ثمَّ عتَق المكاتَب، فإن ولاء العبد الذي أعتقه يَعُودُ إليه، والكُلُّ عتقٌ صارَ من عبْدٍ، وولاؤه عليه.\nفالجواب أن العبد لمَّا أعْتَقَ عبْدَهُ فعتقُهُ غير نافِذ، فَلمَّا أجازه فكأنه هو المعتِق للعبدِ، لأنهُ لو أراد انتزاع ماله كان له، فصارَ إنفاذُ ذلك منه انتزاعا للعبد، وعتقًا نفذ من جهته، فكان الولاء له، ولم يعد إلى المعتِق لأنه لم يصْدُرْ العتق منه، إذْ عِتْقُهُ له غير نافذ. والمكاتَب لما أعتق عبده، فأجازه السيد، فالعتق لم يصْدُرْ من جهة السيد، لأنه ليس له انتزاع مال المكاتَب، وإنما هو محجورٌ عليه حتى يوفى ما عليه، فإذا وفّى زال الحجْر عنه.\nالمسألة السادسة عشرة: قال مالك: إذا دبَّر في مرضه جماعةَ عبيد في كلمة واحدة لم ييدأ أحدهم على صاحبه، وعتَقَ من كل واحد ثُلُثُهُ إذا لم يَكُنْ مَالٌ غَيْرُهُم، ولا يُقْرَع بينهم، وإذا أوْصى بعتق عبيد له أقرعَ بينهم ورَقَّ باقِيهِمْ، والكل عتْق لا ينفَّذُ إلا بعد الموت، فَلِم كان هذا؟\nفالجواب أن التدبير ليس للمدبَّر إبطالُهُ ولا تغييرُهُ، فكان حكمُه أقوى من غيْره، والوصيَة بالعتقِ، لهُ إبطالُها وتغْيِيرُها، فكان حكْمُها أخْفَضَ من حكم التدبير، ولأن التدبير لا يدخله الِإقراع بوجْه والعتق يدخله. ألَّا تَرى أن المريضَ إذا اَعتَق عدَّة عبيده وليس له مالٌ غيرُهم فإنه يُقْرَع بينهم.\nالمسألة السابعة عشرة: لا يجوز لسيد المدَبَّرِ أن يبيعه ممن يعتقه، ويجوز له أن يأخذ مالًا من رجُل ويُعَجّل بعتقه، والعِتق في الموضعين موجود مع العِوَض.\nفالجواب أن الْبيع في التدبير إنما لم يجُزْ لأنه قد ثبت للسيد عليه الولاء، ونقْلُ الوَلاءِ غيرُ جائز، وإذا أخذ مالًا من رجُلٍ وعجّل عتقه فهو لم ينقل الولاء، فجازَ.","vol":"2","page":359},{"text":"المسألة الثامنة عشرة: قال مالك: يجوز للسفيه أن يوصى بالعتق، ولا يجوز له أن يَعْتِق بتْلًا، والكل عتقٌ.\nفالجواب أن السفيهَ إنَّما حُجِّر عليه لئَلا يضيع ماله ويبقى فقيرا لا مال له، وما خُشى منه يوجد في تبتيل العتق، ولا يوجد في الوصية بالعتق.\nالمسألة التاسعة عشرة: إذا أعتقتْ المرأة ذاتُ الزوج عبدا هو أكثرُ من ثلث ماله فللزوج أن يَرُدَّ الجميع، وإذا أوصى الميتُ بأكثرَ من ثلثه فليس للورثة أن يَرُدوا إلا ما زاد على ثلثِهِ، وكِلاهما له التصرف في ماله.\nفالجواب أن الزوج إنما كان له الرَّدُّ في الكل، لأن المرأة قادرة على أخذ حقها من بعدُ، وهو الثلث، فجُعِلَ ذلك تأديبا لها، لترتدع عن إخراج فوق الثلث مما نفَذَ، وليس كذلك الورثةُ.\nالمسألة العشرون: إذا اشترى بعضَ منْ يَعتِقُ عليه عتقَ عليه كلَّهُ إن كان موسِرًا، وإذا ورِثَ بعضَه لم يكن عليه عتقه، فلم كان هذا الفرق؟\nفالجواب أن في الشراء اختيارَ دخوله في مِلكه، فلزمه التكميل، لأنه بمنزلة من أعتق نصْفَ عبد بينه وبين شريك وهو مُوسِرٌ، وفي الميراث لم يُجبَرْ على ذلك، ففارقَه. والله تعالى أعلم، وبه التوفيق (٢٢).\nتمت قواعد الفرائض وما ناسبها بحمد الله تعالى، يتلوه إن شاءَ الله تعالى قواعد الجامع (٢٣).\n_________\n(٢٢) هذه الجملة والعبارة موجودة في نسخة ت فقط، غير موجودة في نسخة ح.\n(٢٣) هذه الجملة والعبارة كذلك موجودة في نسخة ت، غير موجودة في نسخة ح. فلعلها من زيادة الناسخ.\nفرحم الله الجميع، وأثابهم على الإفادة بعلمهم وورعهم، وعلى حسن نياتهم ومقاصدهم، ورحم كافة المسلمين، وألحقنا بهم مؤمنين مخلصين لله رب العالين، آمين.","vol":"2","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>الجامع </span>(١)\nوفيه تسع وعشرون قاعدة\n_________\n(١) أي قواعد كتاب الجامع أو قواعد الكتاب الجامع.\nوقد جرتْ عادة كثير من علمائنا ﵏ أن يختموا مؤلفاتهم بكتاب أو بابٍ يُسَمونه كتابَ الجامع، (أي الجامع لمسائل متفرقة من أبواب وموضوعات مختلفة).\nومن ذلك كتاب الجامع في خِتام موطأ الإِمام مالك ﵁ وعن سائر الأئمة والعلماء الأعلام، والذي بدأه بباب الدعاء للمدينة وأهلها. قال هنا شارح الموطأ الشيخ العلامة محمد بن عبد الباقي الزرقاني من أهل مصر وعلمائها الأجلاء في القرن الثاني عشر الهجرى، قال ﵀، نقلا عن الحافظ أبي بكر ابن العربي المعافرى ﵀ في شرحه القَبَس على الموطأ: هذا كتاب اخترعه مالك في التصنيف لفائدتين:\nإحداهما أنه خارج عن رسم التكليف المتعلِّق بالأحكام التي صنَّفها أبْوابا، ورتبّهَا أنْواعًا. الثانية أنه لما لحَظ الشريعة وأنواعها، ورآها مقسَّمة إلى أمر ونهيْ، وإلى عبادة ومعاملة، وإلي جنايات وعادات، نظَمها أسلاكا، وربَط كل نوع بجنسه، وشَذَّتْ عنه من الشريعة معانٍ منفردة، لم يتفق نظمها في سلك واحدٍ، لأنها متغايوة المعانى، ولا أمكن أن يجعل لكل واحد منها بابا لصغرها، ولا أراد هو أن يطيل القول فيما يمكن إطالةُ القول فيها، فجعلها أشتاتا، وسمَّى نظامها كتاب الجامع، فطرق للمؤلفين ما لم يكونوا قبلُ به عالمين في هذه الأبواب كلها، ثمَّ بدأ في هذا الكتاب بالقول في المدينة، لأنها أصل الإيمان ومعْدن الدين، ومُستقَرُّ النبوة.\nوقال الشيخ العلامة أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشْدٍ المالكي القرطبي المتوفى سنة ٥٢٠ هـ في خِتام الجزء الثالث في كتابه الشهير: \"المقدِّمات الممهِّدات ... \" بعدما تحدث عن مضمون هذا الكتاب ومحتواه من بيان أسس العقيدة، وأحكام الشريعة، قال ﵀: \"رأيت أن أختمه بجزء جامع يحتوى على ما تَهُم معرفتُه من العلم بنَسَبِ النبي - ﷺ - وأزواجه وأولاده، وعيون سِيَرهِ وأخباره من حين مولده إلى حين وفاته، وعلى جُمَلٍ ممَّا يَحق معْرفتُهُ مما يجب على الانسان في خاصته أو يحْرُمُ عليه أو يستحَبُّ له أو يُكره له أو يباح له في مطعمه ومشربه وملبسه وجميع شأنه، وعلى بيان فضل مكة والمدينة، وبيان فضل مالكٍ إمام دار الهجرة، ومقدار مرتبته في العلم، والله الموفق للصواب، لا ربٌّ غيرُه، ولا معبودَ سواه\".\nوقال الفقيه العلامة أبو القاسم محمد بن أحمد بن جُزَىّ الكلْبي الغرناطي المالكي، المتوفى شهيدا في واقعة طريف سنة ٧٤١ هـ عن عمُر يناهز تسعا وأربعين سنة ﵀، في كتابه الشهير: \"القوانين الفقهية\": \"كتاب الجامع\". \"وهو الضابط لما شذَّ عن الكتب المتقدمة (أي المشتمل على مسائل منفردة ومتنوعة بالنسبة لما ورد في هذا الكتاب من أبواب ومسائل أخرى)، وهذا الكتاب الجامع يشتمل على عِلمٍ وعَمَلٍ\". =","vol":"2","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>القاعدة الأولى:\nفي تقرير ما يحرم من البِدع ويُنْهَى عنها ممَّا ليس كذلك</span>. (٢)\nقال شهاب الدين: إعْلَمْ أن الأصحاب - فيما رأيْتُ - متفقون على إنْكار البِدَع، نصَّ على ذلك ابن أبي زيد وغيرُهُ.\nوالحَقُّ التفصيل، وأنها خمسة أقسام: قِسْم واجب، وهو ما تَنَاولَتْهُ (٣) قواعد الوجوب وأدلتُه من الشرع، كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضَّيَاعُ، فمِثْلُ هذا لا ينبغِي أن يُختلَفَ في وجوبِه.\n_________\n= وقال الشيخ العلامة أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني الذي كان يلقَبُ بمالكٍ الصغير، لكونه أبرَزَ علماء المذهب المالكي، وأشهر فقهائهم في القرن الرابع الهجرى، قال في رسالته الفقهية المباركة: \"باب جُمَل من الفرائض والسنَن الواجبة والرغائب\"، وهو في معنى كتاب الجامع في المؤلفات السابقة التي ذكرنا. وفي غيرها مما لم نذكره من مؤلفات أخرى فرحمه الله.\nومن خلال هذه النقول من كتب هؤلاء الأئمة والفقهاء الأعلام تبدو أهمية كتاب الجامع في ختام المؤلفات الحديثية والفقهية، وتظهر الغاية منه، حيث يشتمل على أبواب ومسائل متنوعة، ويكون بمثابة خلاصة جامعة لما في الكتاب، واستدراك لما لم يذكر فيها من مسائل تتصل بالعقيدة الحقة والشريعة الإِسلامية السمحة، والأخلاق الدينية الفاضلة. فرحمهم الله ورضي عنهم أجمعين، ونفع بعلمهم ومؤلفاتهم، وجزاهم خيرا عن الإسلام والمسلمين، وأبقى الخير والعلمَ والصلاح والنفع في هذه الأمة الإسلامية المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خيْرُ الوارثين.\n(٢) هي موضوع الفرق الثاني والخمسين والمائتين بين قاعدة ما يَحْرُمُ من البدَعِ ويُنهَى عنه وبين قاعدة مالا ينهى عنه منها. جـ ٤. ص ٢٠٢. وقد علق عليه الشيخ ابو القاسم ابن الشاط ﵀ بقوله: \"ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح\".\n(٣) كذا في ع، وت. وفي ت: تناولَه، بدون تاء التأنيث، وحينئذ يحتمل أن يكون فعلا ماضيا مفتوح اللام، أو فعلًا مضارعًا مضمون اللام، أصله تتناولُه (بِتاءيِن) كما عند القرافي: إحداهما تاء الفعل الماضي تناولَ الشيءَ يتناوله، والثانية تاء المضارعة، وفي هذه الحالة عند إجتماع هاتين التاءين تُحْذَف إحداهما تخْفيفا، وفي ذلك يقول العلامة محمد بن عبد الله بن مالك الأندلسي في ألفيته في النحو والصرف:\nومَا بتَاَءيْن ابتدِى قد يُقْتَصَرْ ... فيه على تَا كتَبَيَّنُ العِبَرْ\nوأصلهَ تتبيَّنُ العِبر، فحذِفت إحدى التاءين في الأسلوب العربي للتخفيف على اللسان والنطق بالكلام.","vol":"2","page":362},{"text":"الثاني محرَّم، وهو كل بدْعة تناولتْها قواعد التحريم وأدلتُه من الشريعة، كالمُكُوس (٤) والمُحْدَثاتِ من المظالم.\nالقِسْم الثالث من البِدَع مندوبٌ إليه، وهو ما تناولتْهُ قواعدُ الندب أو أدلَّتُه، كصلاة التراويح (٥)، وإقامةِ صُوَر للأئمة والقُضَاةِ ووُلَاةِ الأمر، على خلاف ما كان عليه الصحابة. فقد جاء عُمَر الشامَ ووجدَ معاويةَ قد اتخذَ الحُجَّاب والمراكبَ النفيسة والثياب العالية، وسَلَك ما سلكه الملوك، فأنكر عليه عُمَرُ، فقال: إنَّا بأرض يحْتاج إلى هذا في سياسة الناس، فقال له عمر بعد ذلك: لا آمرُك ولا أنهَاك، أيْ أنتَ أعْرَفُ بحالك وحالِ هؤلاء الناس، فإن كان كذلك جاز وإلا فلا.\nالقسم الرابع بِدع مكروهة، وهي ما تناولته أدلة الكراهة في الشريعة وقواعِدِها، كتخصيص الأيام الفاضلة أَو غيرها بنوع من العبادة، ففي الصحيح أن رسول الله - ﷺ - نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام، (٦) أو ليلة بقِيَام.\n_________\n(٤) المكوس: جمع مَكس، وهو ما يؤخَذ من نقود كضريبة على السلع الواردة من البادية إلى الحاضرة مثلا، أو الواردة على الأسواق في البادية أو الحاضرة بقصد بيعها، فيؤخذ من صاحبها شيء من النقد يؤديه مقابلَ إدخالها للسوق أو الإتيانِ بها إلى المدينة للبيع، وهو شيء غير مشروع ولا مقبولٍ في الاسلام، كما نص عليه الفقهاء. وذكروه في كتبهم المتعلقة بالأحكام السلطانية وغيرِها من الكتب الفقهية. فليرجع إليها من أراد التوسع في معرفة تلك الأحكام.\n(٥) فصلاة التراويح في رمضان بدأها النبي - ﷺ - وسَنَّها، وشرعها لأمته، فكان يُرغبُ في قيام رمضان من غير أن يأمرَهم فيه بعزيمةٍ، ويقول: \"من قام رمضان إيمانًا واحتِسابًا غفِر له ما تقدم من ذنبه ... \".، ولكنه - ﷺ - لم يداوم عليها، خشيةَ أن تُفرَضَ على أمته، ورحمَة بها، وتخفيفًا عنها.\nوروى الإِمام البخاري عن عبد الرحمان بن عبد القاري ﵁ قال: \"خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرقون، يصلى الرجلُ لنفسه، ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهطُ (أي الجماعةُ)، فقال عمر: \" (إنى أرى لو جمعتُ هؤلاءِ على قارئ واحد لكان أمْثَلَ، ئم عزم فجمعَهُمْ على أبيّ بن كعب، ثمّ خرجْتُ معه ليلة أخرى، والناسُ يصَلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نِعْمَ البدْعة هذه، والتي ينامون عنها أفضلُ من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أولهُ\". اهـ\n(٦) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يَصُمْ أحدُكم يومَ الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصومَ بعْدَه\". رواه الشيخان: البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث ﵏.","vol":"2","page":363},{"text":"ومن هذا البابِ الزيادة في المندوبات المحدودات، كما ورد في التسبيح عقب الصلاة تسعا وتسعين (٧) فيفعل مائةً، ووردَ صاعٌ في زكاة الفطر، (٨)، فيزيد هو في هذا، وذلك استظهارٌ على الشارع، وقلةُ أدَب معه، بل شأنُ العظماءِ من أهل الدنيا إذا حدَّدوا شيئا أن يوقَفَ عنده، والخروج عنه قلة أدب، والزيادة في الواجب أشد في المنع، لأنه سبب لأن يُعتقَدَ أن الواجب الأصْلُ والمزيدُ عليه.\n_________\n(٧) عن كعب بن عُجْرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: مُعَقِّبَاتٌ لا يَخيب قائلهن أو فاعلهنَّ: ثلاث وثلاثون تسبيحةً، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة في دُبُر كل صلاة\". وسُميتْ هذه الكلماتُ معَقباتٍ لأنها تقال عقب الصلاة وإثر الانتهاء منها. رواه كل من الأئمة: مسلمٌ والترمذي والنسائى ﵏.\nوفي معناه حديث أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ذهبَ أهل الدثور (أي الأموال) بالدرجات والنعيم المقيم، يُصَلون كما نُصلى، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعْتقون ولا نَعتق، فقال رسول الله - ﷺ -: أفلا أعَلِّمكم شيئا تدركون به مَن سَبَقكم، وتسبقون به مَنْ بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم، إلا من صنع مثلَ ما صنعتم، قالوا: بلى يا رسوَل الله (أيْ دُلّنَا على ذلك وأرْشِدْنا إليه) لنعمل به، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دُبُرَ كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلْنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله - ﷺ -: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء\". رواه كل من أئمة الحديث: البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي ﵏، وزاد أبو داود: \"وتختمها بلا إلاه إلا الله وحْده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ\".\nقلتُ: ويظهر أنه لا منافاةَ بين ما جاء في الحديث الأول من كون التكبير أربعًا وثلاثين ومن وجه الاستدلال به على عدم الزيادة في عدد هذه الكلمات، ولا بين ما في هذا الحديث الثاني من كون التكبير ثلاثا وثلاثين مرة، لأن الرواية كذلك وردت في الأول، ولأنه يمكن فهم التكبيرة الرابعة والثلاثين، على أن المراد بها كلمة الهيللة، بما يشمل التهليل والتكبير بكلمة لا إلاه إلا الله، والله أكبر. فليتأمل ذلك وليُحقَّق، والله أعلم.\n(٨) عن عبد الله بن عمرَ ﵄ قال: فَرضَ رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد، والحر والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمَر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة، (أي صلاة العيد). حديث صحيح رواه أئمة الحديث ﵏ ورضي عنهم أجمعين.","vol":"2","page":364},{"text":"الحامس: البدع المباحة، وهي ما تناولته أدلة الإِباحة وقواعدُها من الشريعة كاتخاذ المناخِل للدقيق (٩)، لأن ليْن العيْش وإصلاحَه، من المباحات، فما يُوصِلُ إليه مباح.\nفالبِدعة إذا عُرِضَتْ على قواعد الشرع انقسمت إلى الأقسام الخمسة، وإن نُظِر إليها من حيث الجملة مع قطْع النظر عما يتقاضاها وأنها بدعة كُرِهَتْ، فإن الخيْرَ كلَّه في الاتِّباع والشرَّ في الابتداع، ولبعض السلف من أهل الأندلس: ثلاث لوْكُتِبْنَ في ظُفْرٍ لَوَسِعَهُنَّ، وفيهن خير الدنيا والآخرة: اتَّبع لا تبتدعْ، اتَّضع لا ترتفع، مَنْ ورِعَ لا يتَّسِعْ. (١٠)\n_________\n(٩) المناخل: جمع مُنخل بضم الميم والخاء، وهو أداة النخل كالغِربال ونحوه، حيث يُنخَلُ به الدقيق ويُصَفَّى من النُّخالة. واستعماله من الأشياء المباحة شرعًا، وفي عادة الناس ثانيا.\n(١٠) أي إن من كان متحليا بالتقوى والورع لا يتوسع في تعاطى المباحات، ولا يُكْثِرُ من الانتفاع والاستمتاع بها، حَذَرًا من أن يَجُرَّهُ ذلك ويدفع به إلى الوقوع فيما ليس بمباح، وهو أمرٌ لا يجوز شرعا، للمسلم أن يقدم عليه ولا يسوغ له ذلك بحال من الأحوال.\nقلت: وحَبَّذا لو أن بعض الناس الذين يتحدثون في موضوع السنة والبدعة ويتناولون الكلام فيه عن غير معرفة عميقة، ولادراية واعية، يهتدون إلى الاطلاع والتعرف على كلام مثل هؤلاء العلماء الأفاضل الأجلاء. المشهود لهم بالعلم والورع والتقوى على صعيد العالم الإسلامي، ويرجعون إلى قراءة مثل هذه التحقيقات والتدقيقات الموجودة في كتبهم القيمة، ومؤلفاتهم الشهيرة، والاستنارة بعلمهم وفقههم في الدين، وذلك حتى يتسنَّى لمن يتحدث في هذا الموضوع الدينى الدقيق، ويتيسَّر له الاهتداء إلى الصواب فيه، والتمييزُ بين ما هو من قبيل البدعة حقا، وَمُخَالِفٌ كلَّ المخالفة لِنصوص الشرع ومقاصده، ولأصوله وقواعده العامة، ولِما أجمع عليه أئمة وعلماء الأمة الإسلامية، ومتعارضٌ مع كل ذلك، فيرْفضُ من أساسه إجمالا وتفصيلا، وبين ما ليس كذلك، ولا يتعارض في شيء مع تلك المبادئ والأصول والقواعد العامة، فيُقبل ويُوخَذُ بهِ، على اعتبار أن له أصلا من الدين، وأساسًا من شرعه الحكيم، ويمكن اعتباره من السنة الحَسنة ومندرجا فيها، ومشمولا بقول النبي - ﷺ -: \"من سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سَن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء\". وبذلك يكون المقياسُ والميزانُ الشرعي في ذلك هو المعتبر عند النظر في هذا الموضوع بتأمل وتدبر، وبتفهم وتبصر، وبدون تَجَزُّؤٍ وتسَرُّعٍ واعتداد بالرأى، وتعميم الحكم على كل الأمور، فيحصل التمييز ويتضح التفريق بين ما يكون من السنة الحسنة فيُقبل، وبين ما يكون من قبيل السنة السيئة، فيُرفض، ولا يُقبل، مصداقا لقول النبي - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\"، (أي مردود عليه)، لأنه حينئذ ليس من الدين في شيء، ولا يندرج في أصل ئابت من أصوله، ولا في مقصد حكيم من مقاصده، ولا في قاعدة عامة من قواعده، فلا يكون له أساس في الدين لا من قريب ولا من بعيد. =","vol":"2","page":365},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا التمييز والتفريق بين ما أحدِث ويدخل في السنة الحسنة ويكون مشمولا بها ومندرجًا فيها، وبين ما أحدث ويكون خارجًا عنها على ضوء المقياس والميزان الشرعى المذكور هو الذي ارتضاه بعض علماء الإسلام وأخذوا به، وقسموا على أساسه البدعة إلى خمسة أقسام، وهم في نفس الوقت يدركون وجهة نظر العلماء الآخرين القائلين ببدعة كل ما أحدث في الدين بعد عصر النبوة والرسالة، وبَعْدَ عَهْدِ السلف الصالح من الصحابة، ويتفهمون مقصدهم النبيل الهادف إلى الحيلولة دون توسع العامة في إحداث البدع السيئة ونسبَتِهَا إلى الدين وإلصاقها به، وهو منها براء وبعيد.\nعلى أن من المسلَّم به والمفروض المبنى على حسن الظن بالناس أن أي مسلم متبصر في الدين، فضلا عن عالم وفقيه متمكن وعارفٍ بشرعه الحكيم، لا يسمح له إيمانه وتديُّنهُ ويقينه بلقاء ربه أن يتقدم بين يدي الله ورسوله بزيادة قول أو عمل لا أساس له في الإسلام، ولا أن يتجرأ على أن يحدث ويَشْرع مالم يأذن به الله، ولا أن يخالف أمرًا هو طاعةٌ لله ورسوله، وأجمع علماء الإسلام وأمته على الأخذِ والعمل به في كل عصر وجيل. خاصة والعلماء العارفون أعرفُ الناسِ بالحديث والسنة، وأحرص الناس على الاقتداء والِاتِّباعِ، والاهتداء بنور القرآن، وهَدْي الرسول ﵊، وقد زكاهم الله تعالى وأثن عليهم بقوله المبين: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾، وبقوله سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقوله جل علاه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\nومن هذا المنطلَق والأساس، ومن كون الأمر لا يعدو أن يكون اختلافا في فهم بعض النصوص الشرعية ومقاصدها الحكيمة، رأينا الشيخ البقوري ﵀ في هذه القاعدة الأولى من قواعد كتاب الجامع، ورأينا شهاب الدين القرافي قبله ﵀ في الفرق الثاني والخمسين والمائتين، الموازى لتلك القاعدة يقسم البدعة إلى. خمسة أقسام: بدعة واجبة، ومندوبة، ومباحة، ومكروهة، ومحرمة. ورأينا الشيخ العلامة أبا القاسم ابن الشاط، وناهيكم به علما وفقها، وورعا وتحقيقا، وانتقادًا وتصوييا وتصحيحا لكلام القرافي، لدرجة القسوة عليه أحيانا، يوافق على ما جاء في هذا الفرق ويسلِّمهُ ويقول: \"ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح \"، (أيْ: من التقسيم وغيره، ممّا اتصل بالموضوع ...\nعلى أن بعض الأئمة الأعلام من علمائنا الأبرار خصُّوا بعض مؤلفاتهم بهذا الموضوع، وتناولوه فيها بدقة وتوسع، حرصًا على تبيين وتوضيح كل ما يمكن أن يعتبر من قبيل البدعة، مثل كتاب الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبى، والمدخل للعلامة ابن الحاج، وكتاب السنن والمبتدعات، وغيرهم ممن بحثوا هذا الموضوع، بقطع النظر عن وجهة نظرهم فيه واحترامها واعتبارها في الحرص على الِاتّباع، ومخالفة بعض العلماء لهم في جزئياته وبعض مسائله وتعميمه، مما يمكن أن ينطبق عليه قول علمائنا: اختلاف العلماء رحمة، فرحمهم الله. جميعا وأثابهم على حسن صنيعهم وحرصهم على الاتباِع والاقتداء، والتمسك بنصوص ومقاصد الشرع الحكيم. =","vol":"2","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هذا وممن تناول مَبْحث الفرق بين السنة والبدعة، ونقل آراء العلماء واختلاف وجهات نظرهم وفهمهم في الموضوع بأسلوب جلى مشرق واضح، أستاذنا الجليل، العلامة المشارك السيد علال الفاسي ﵀، وذلك في كتابه القيم والذائع الصيت: (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها). وكذا موسوعة الفقه الكويتية في مادة بدعة، حيث نقلت أقوال العلماء في موضوع البدعة والسنة، بشيء من البيان والتفصيل.\nونقل الشيخ الإِمام الحافظ خاتمة المحققين، وعمدة الأتقياء العارفين، وقُدْوة الأولياء الواصلين، العلامة ابن حجر الهيثمي ﵀ في كتابه \"فتح المبين لشرح الأربعين\"، الذي شرح فيه الأربعين حديثا النووية التي جمعها الإِمام النووي ﵀، نَقَلَ كلامَ الإِمام الشافعي ﵀ في هذا الموضوع، أثناء شرحه للحديث الخامس من تلك الأحاديث، وهو الحديث الصحِيح المتفَقُ عليه والمروىُّ عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"منِ أحدث في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو رَدٌ (أي مردود عليه)، وفي رواية أخرى: \"من عمِلَ عملَا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ\".\nقال الإِمامُ الشافعي هنا ﵀، وناهيكم بهِ علما وورَعًا، وخشيةً وتقوى: \"ما أحدِث وخالَفَ كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحْدِثَ من الخيْر ولم يخَالِف شيئا من ذلك فهو البدعة المحمودة\".\nقال ابن حَجَر الهيثمي هنا ﵀: والحاصل أن البدعة الحسنة متفَق على ندْبها، وهي ما وافق شيئا مما مر ولا يَلزَم من فعله محذور (أي ممنوع) شرعي، ومنها ما هو فرضُ كفايةٍ كتصنيف العلوم ونحوها ممّا مر.\nثم زاد قائلا: قال الإِمام أبو شامة شيخُ المصنف (أيْ شيخ الإِمام النووي مصنف هذه الأحاديتْ الأربعين في أصول الدين) رحمهما الله: \"ومِنْ أحْسَنِ ما ابتُدِعَ في زماننا ما يُفْعَلُ كل يوم في اليوم الموافق لمولد النبي - ﷺ - من الصدقات والمعروف وإظهارِ الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسانِ إلى الفقراء مشْعِرٌ بمحبَّة الرسول - ﷺ - وتعظيمه وجلالته في قلب فاعل ذلك، ومُشْعِرٌ بشُكر الله تعالى على ما من به من إيجاد وبعثة رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعَلى آله وسلم تسليما\"، إلى غير ذلك مما ذكره عن البدعة الحسنة، والبدعة السيئة، ومقياس التفريق بينهما وميزان تمييز إحداهما عن الاخرى، واعتبار ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.\nوما من شك في أن هؤلاء الأئمة الأعلام، والعلماء الأتقياء الأبرار كانوا - ﵏ - على معرفة ودراية كاملة بما يقولون، وعلى بينة وبصيرة من أمرهم فيما يكتبون ويوضحون، علما وورعا وتقوى، وخشية، وفِقهًا متينا في الدين.\nومن ثمَّ فإنه لا ينبغي لكل من يتصدر لتوعية الناس وإرشادهم في أمور دينهم أن يتسرع في الحكم على كل قول أو عمل رأى عليه الناس، ويمكن اعتباره من القُرَب التطوعية، فيَصِفَهُ بأنه من قبيل البدعة المنكرة والمحرمة التي لا تَمتُّ إلى الدين بصلة، بل ينبغي له أن يتثبت ويتروَّى، وأنْ يعرضه على ميزان الشرع ويذاكِرَ فيه العلماء المتمكَنين، فيتحرى في إصدار الحكم على =","vol":"2","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>القاعدة الثانية:\nفي الفرق بين ما هو من الدعاء كُفْرٌ وبين ما ليس بكفر</span>. (١١)\nإعْلَمْ أن الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى، لهُ حكْمٌ باعتبار ذاته من حيث هو طلَبٌ من الله تعالى، وهو الندْبُ، (١٢) لخضوعه لرَبه وإظهارِ ذُله وافتقارِه\n_________\n= الأقوال أو الأعمال الخيرة، الفردية أو الجماعية، وأن يحترم رأي الغير المخالِف، ومُستندَهُ في ذلك، دون إنكار بتجهيل ولا تبديع، خاصة إذا لم يكن المرء المتحدث في هذا الموضوع من العلماء المتضلعين والفقهاء المتمكنين والمتخصصين، المستوعبين لنصوص الشريعة السمحة، ومقاصدها الحكيمة، وقواعدها الكلية.\nهذا ما ظهر لي واستخلصته مما جاء عند القرافي والبقوري وغيرهم، ﵏، رأيت الإشارة إليه بهذا التعليق في هذا الموضوع العلمي الدقيق، استنادا إلى أقوال هؤلاء الأئمة الأعلام، واستنارة برأيهم وفهمهم للنصوص والمقاصد، واهتداءً بفقههم في الدين، إن أصبتُ فيما استخلصته واستعرضْتُهُ وذكرته فمِن الله ومن حسن توفيقه، وإن أخطأت فمنى ومن قصوري. والخطأ والقصور في العلم والفهم كالنسيانِ، من شأن الإنسان، والعفوُ عند الله تعالى مرجو ومأمُولُ، واللهُ سبحانه من وراء القصد، وهو يهدِي السبيل، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.\n(١١) هي موضوع الفرق الثاني والسبعين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: جـ ٤. ص ٢٥٩. وقد علق عليه الشيخ بن الشاط ﵀ بقوله: ما قاله القرافي من أن الدعاء طلبٌ، صحيح. وها هنا قاعدة، وهي أن الصحيح أن طلب المستحيل ليس بمستحيل عقلا ولا ممتنع، فإن مَنَعَه الشرعُ امتنع وإلا فلا.\nوما قاله من أن الدعاء بترك تعذيب الكافر، وذلك مما يُعلَم وقوعُه سمعًا، طلبٌ لتكذيب الله تعالى فيما أخبر به، وطلبُ ذَلك كفرٌ، ليس بصحيح، من جهة أن طلب التكذيب ليس بتكذيب، بل هو مستلزِم لتجويز التكذيب عند من لا يُجَوز طلب المستحيل، وأما عند من يُجَوز طلب المستحيل فليس بمستلزم لذلك.\nثم على رأي من لا يُجَوز طلب المستحيل، إنما يكون تكفيرُ مَن يَلزم من دعائه ذلك تكفيرًا بالمآلِ، وقد حكى هو وغيرُه من أهل السنة الخلافَ في ذلك، واختار هو عدم التكفير، فجزْمُهُ بتكفير الداعي بذلك ليس بصحيح، إلا على رأي من يكفّر بالمآلِ، وليس ذلك مذهبَه. اهـ.\n(١٢) وقد أمر الله به عباده في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nوفي قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].","vol":"2","page":368},{"text":"إليه سبحانه. ثم قد يَعْرِضُ له من مُتَعَلّقاته ما يُوجبه أوَ يُحَرِّمه، والمحرَّم قد ينتهى إلِى الكفْر وقد لا ينتهى إليه، والذي ينتهي إلى الكفر أربعةُ أقسام:\nالأول نَفْيُ ما دَلَّ السمعُ القاطع من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وله أمثلة:\nالأول أن يقول: اللهمَّ لا تُعَذِّبْ من كَفَرَ بك، أو إغْفِرْ له. وقد دَلَّتْ القواطع على تعْذيب كل واحد ممّن مات كافرًا بالله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١٣)، فيكون ذلك كُفْرًا، لأنه طلبٌ لتكذيب الله تعالى ممَّا أخْبَرَ به، وطلبُ ذلك كفْرٌ، فهَذا الدُّعاء كُفْرٌ.\nالثاني أن يقول: اللَّهمّ لا تُخلّد فلانا الكافرَ في النار، وقد دلت الأدلة القاطعة على تخليده.\nالثالث أن يسأل الداعى اللهَ تعالى أن يُريحَهُ من التَّعب حتى يستريح من أهوال يوم القيامة، وقد أخبرَ اللهُ عن تعَب كلِّ أحدٍ من الثَّقَلَيْن، (١٤)، فيكون هذا الدُّعاء كفرًا، لأنه طلبٌ لتكذيب الله تعالى في خبره.\nالقسم الثاني أن يطلب الداعى من الله تعالى ثبوتَ ما دلَّ القاطع السمعي على نفيه، وله أمثلة:\nالأول أن يقول: اللهم خلِّد فلانا المسلمَ عَدُوِّي في النار ولَمْ يُرِدْ سُوءَ الخاتمة، وقد أخْبر اللهُ أنه لا يُخلِّد مؤمنا في النار، ولابُدَّ له من الجنة، فيكون مستلِزما للتكذيب، وذلك كفْرٌ.\n_________\n(١٣) سورة النساء الآية ٤٨.\n(١٤) الثَّقلان: بفتح الثاء المعجمة والقاف تثنية ثَقَل بفتحهما، والمراد بهما: الجن والإنس، لكونهما موجوديْن على ظهر الأرض، ويثقلانها بوجودهما عليها. وقد ورد ذكرهما بهذه الكلمة في الآية الواحدة والثلاثين من سورة الرحمان، وهي قوله تعالى في معرض التهديد بالوعيد والحساب يوم القيامة لهذه المخلوقات: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، كما جآء ذكرها في عِدة أحاديث نبوية.","vol":"2","page":369},{"text":"الثاني أن يقول: اللهم أحْيِنِي أبدًا حتى أسْلَمَ من سَكَرات الموت، والله أخبر بأن كل نفسِ ذائقةُ الموت.\nالثالث أن يقول: اللَّهُمَّ اجعل إبليس مُحِبًا لي ناصحا ولبنى آدم أبدَ الدهِر حتى يَقِل الفساد، والله قد قال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (١٥).\nقلت: لِقائل أن يقول: بل هذانِ القسمان من طلبِ ما لا فائدة في طلبه من حيث العلم بعدم حصول ذلك، ولا كفرَ يلزمُ منهما، ولازمٌ لهما أحدُ المعنيَيْنِ، وليس إلزامُ الكفْرِ بأولى من إِلزام الإِلزام الآخَر، بل إلزام ما قلناه أوْلى، استصحابا للإيمان المعلوم منه بأشياء كثيرة وبالصريح.\nالقسم الثالث أن يطلب الداعي من الله تعالى نفْيَ ما دل القطع العقلي على ثبوته ممّا يُخِلّ بإجْلال الرُّبوبية، وله أمثلة:\nمنها أن يسأل اللهَ سلبَ قدرته العظيمة حتى يأمَن المؤاخَذَة، (١٦). ومنها أن يَسأل اللهَ تعالى ارتفاع قضائه وقدَرِه. (١٧)\nالقسْمُ الرابع أن يطلب من الله تعالى ثبوتَ ما دلَّ القاطع العمَلي على نفيه ممَّا يخِل بجلال الربوبية، ولهُ مُثُلٌ:\n_________\n(١٥) وتمامها ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ * الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر: ٦ - ٧].\nوقال ابن الشاط معلِقا على كلام القرافي في هذا القسم الثاني: الكلام على هذا القسم كالكلام على القسم الاول، (أي تعليقه عليه كتعليقه على الأول بما أبداه من ملاحظات وتصحيحات وتصويبات فيه لكلام القرافي).\n(١٦) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في ذلك ليس بصحيح، فإن طلب نفى العلم والقدرة ليس طلبا لضدهما، وهُمَا الجهل والعجز كما قال، لجواز غفلة الداعي وإضرابه عنهما، وعلى تقدير عدم الغفلة والإضراب إنما يكون ذلك بالتكفير بالمآلِ، والله أعلم.\n(١٧) قالَ ابن الشاط: سبق أن كون أمْرٍ ما كفرًا إنما هو وضع شرعي، فإن ثبت أن ذلك كفْر فهو كذلك، وإلَّا فلا، هذا إن أراد أن عين الطلب هو الكفر، وإن أراد أنه يستلزم الكفر وهو الجهل، يكون سلبُ الاستيلاء مما تتعلق به القدرة أو لا تتعلق، فهو من التكفير بالمآلِ، والله أعلم.","vol":"2","page":370},{"text":"منها أن يَعْظُمَ شوق الداعي إلى ربه، يسأله أن يَحُلَّ في بعض مخلوقاته حتى يجتمع به. (١٨)\nومنها أَن يسأل اللهَ تعالى أن يجعل له التصرف في العالم بما أراد. وقد وقع هذا لِجماعةٍ من جُهَّال الصوفية، ويقولون: فُلَانٌ أعْطِى كلمةَ كُنْ، ويَسألونَ أن يُعْطَوْا كَلِمة كُن، التي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١٩). وما يعلمون معْنى هذه الكلمة في كلام الله تعالى، ولا يعلمون ما معنى أعطاها إن صَحّ أنها أعطيتْ، (٢٠) ومُقتضى هذا طلبُ الشركة في المُلْكِ،\n_________\n(١٨) علَّق ابن الشاط على هذا الكلام بقوله: الكلام في هذا القسم كالكلام في الذي قبله، وقولهُ هناك وهنا: \"مما يخِل بجلال الربوبية\"، صوابه بإجلال الربوبية، أمَّا جلال الربوبية فلا يُخل به شيء.\nقلت: وهو تعليق وتصحيح دقيق وهام من ابن الشاط ﵀، يقال فيه وفي مِثله: نِعْمَ التصحيحِ والتصويب.\n(١٩) سورة يس، الآية ٨٢.\n(٢٠) زاد القرافي هنا قوله: \"وهذه أغوار بعيدةُ الرَّوْم على العلماءِ المحصِّلين، فضلًا عن الصوفية المتخرصين، فيَهلكون من حيث لا يَشعرون، ويعتقدون أنهم إلى الله مُتَقربون، وهم عنه متباعدون، عصَمَنَا الله من الفتن وأسبابها، والجهالات وشبهْها\".\nوعلق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بدءا من قوله: \"وقد وقع هذا لِجماعة من جهال الصوفية\" إلى آخر هذه الفقرة فقال: إن كان أولئك القومُ (الصوفية) يعتقدون أن الله يعطى غَيْرَهُ كلمة كن، بمعنى أنه يعطيه الاقتدار، فذلك جهل شنيع إن أرادُوا أنه يعطيه الاستقلال، وإلا فهو مذْهَبُ الاعتزال، وكلاهما كفرٌ بالمآلِ. وإن كانوا يعتقدون أن الله تعالى يعطى كُنْ، بمعنى أن يكون لهذا الشخص الكائناتُ التي يريدها مقْرونة بإرادته، فعبروا عن ذلك بإعطائه، كلمة كن، فلا محذور في ذلك إذا اقترن بقولهم قرينةٌ تُفْهِمُ المقصود\".\nقلت: وعلى مثل هذه الوجوه المعقولة والمقبولة يمكن وينبغى أن يُحمل مثل هذا الكلام عند الصوفية، حتى يتم التوفيق في كلامهم بين الحقيقة والشريعة، ويتأتى إيجاد مخرج سليم له، ما دام ذلك ممكنا. فكرامات الأولياء تبقى في إطارها وفي حدود الكرامات والبشرى التي أثبتها الله لأوليائه المتقين في الدنيا والآخرة، بقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، ولا تصل الكرامة إلى درجة المعجزة التي أعطاها الله للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وخصَّهم بها، فضلا عن أن تفُوقَها أو تفُوتها، فالكرامة تبقى كرامة في اسمها ومضمونها، والمعجزة هي خاصة بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، باعتبارها أمرًا خارقا للعادة على وجه التحدي، كما يعرفها بذلك العلماءُ، وهي تتنزل وتعْتَبَرُ بمنزلة حديث قدسي ناطق بقول الحق سبحانه صدَق عبْدي في كل ما بلغ عني من الْوَحى بالدين وشرعه الرباني الحكيم كما قال العلامة عبد الواحد بن عاشر في نظمه المرشد المعين:\nإذْ مُعْجزاتهم كقَوْلِهِ، وبَرَّ ... صدَقَ هذا العبدُ في كلِّ خَبَر =","vol":"2","page":371},{"text":"وهو كفْرٌ، والحلُوُل كفر. (٢١)\n_________\n= وفى جوهرة التوحيد للعلامة برهان الدين إبراهيم بن هارون اللقاني (ت ١٠٤١ هـ) ﵀، قولهُ:\nوأثبِتَنْ للأوليا الكرامَةْ ... ومن نَفَاها فانْبِذَنْ كلامَه\nوعندنا أن الدعاء ينفعُ ... كما من القرآن وَعْدًا يُسْمَعُ\nوقال فيها الإِمام شرف الدين محمد بن سعيد الصنهاجي البوصيري (ت ٦٠٨ - ٦٩٦ هـ) ﵀، وذلك في قصيدته الشهيرة والذائعة الصيت قصيدة \"الهمزية في مدْح خير البرية\"، حيث جاء في أبيات منها، خطابا للنبي - ﷺ -:\nلمْ نَخَفْ بعْدك الضلال وفينا ... وارثُو نورِ هدْيك العلماءُ\nفانقضَت آيُ الأنبياء وآيا ... تك في الناس مالهُن انقضاء\nوالكراماتُ منهمو معْجزات ... حازها من نوالِك الأولياء\nوقال الإِمام النسفي في العقائدَ النسفية: \"وكرامات الأولياء حق، فيظْهر الله الكرامة على طريق نقض العادة للولي من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، وظهور الطعام والشراب واللباس عند الحاجة ... الخ.\n(٢١) قال الشيخ محمد على ابن الشيخ حسين مفتي المالكية في عصره في كتابه تهذيب الفروق، المطبوع مع كتاب الفروق للقرافي، وهو يتحدث في القسم الثالث مما يوهم ما يستحيل في حق الله تعالى، وهو ما لم يرد هو ولا نظيره في كتاب ولا سنة صحيحة، فقال:\nوإلى مثالِه وحكمه أشار العلامة الأمير في حاشيته على شرْحِ الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد بقوله:\n\"وذهب بعض المتصوفة والفلاسفة إلى أنه تعالى الوجُودُ المطلق، وأن غيره لا يتَصفُ بالوجود أصْلا، حتى إذا قالوا: الإنسان موجود، فمعناه أن له تعلقًا بالوجود وهو الله تعالى، وهو كفْرٌ، ولا حلولَ ولا اتحادَ، فإن وقع من أكابر الأولياء ما يُوهِم ذلك أوِّلَ بما يناسبه كما يقع منهم في وحدة الوجود، كقول بعضهم: (ما في الجُبَّةِ إلا الله)، أراد أن ما في الجبة والكونِ كله لا وجود له إلا بالله. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وذلك اللفظ، وإن كان لا يجوز شرعا لإيهامه، لكن القوم (أي المتصوفة) تارة تغلبهم الأحوال، فإن الإنسان ضعيف إلا من تمكن بإقامة المولى سبحانه.\nقال: ورأيت في مفاتيح الكنوز أن الحلاج قال: أنا، وفيه بقيَّة ما من شعوره بنفسه، ثم فَنِىَ بشهوده، فقال: الله، فهما كلمتان في مقامين مُختلفين.\nقال: ورأيت - وأظنه في كلام ابن وفا - أن من أعظم إشارات وحدة الوجود قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٣ - ٥٤] وصحَّ في الحديث القدسي أن النبي - ﷺ - قال فيما يرويه عن ربه \"لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ... \" إلى آخر هذا الحديث\". انتهى ما نقله الشيخ علي وذكره عن هذا الموضوع في كتابه (تهذيب الفروق)، نقلا عن حاشية الأمير على شرح جوهرة التوحيد للشيخ إبراهيم اللقاني، رحم الله الجميع.","vol":"2","page":372},{"text":"ومنها أن يسأل ربَّه أن يجعل بينه وبينهُ نَسَبًا يكون له به الشرف على الخلائق. وقد قام البرهان القاطع على استحالةِ ذلك عليه، وطالبُ هذا قد طلب الاستيلاد، وَهو كفر. (٢٢)\nقلت: إلزامه الكفر للصوفية من حيث قولهم: \"أعطِىَ فلانٌ كلمةَ كن\"، غيرُ صحيح، فإن هذا الكلام يصدق على من خَرَق الله له العادة مرَّةً أو مرتين، بأن طلب من ربه شيئا، أوْهَمَّ بشيء يُتصَوَّر (٢٣) مطلوبه على وفْق مرادِه بغير تدريج بل دَفعةً، وهذا القدر صحيحٌ وجوده، ولا يلزم منه الشِّركة لله في المُلْك، ولا بأكثر من ذلك.\nقال شهاب الدين ﵀: وقد قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: إِن بناء الكنائس كفر إذا بناها مسلم، ويكون رِدّةً في حقه، لاستلزامِه إرادة الكفر (٢٣)، ولذلك أفتى بأنَّ المسلم إذا قتَل نبيًا يعتقد صحة رسالته كان كافرًا، لِإرادته إماتة شريعته، وإرادةُ إماتة الشريعة كفْرٌ (٢٤)\n_________\nقلت: ولعلَ مثل هذا التوجيه والتصويب بقصد إيجاد مَخْرَج مقْبول وتأويل سليم لا يُنسَب من هذه الكلمة وغيْرها للشيخ المتصوف الحسين بن منصور الحلاج، وكذا لِبَعْض الصوفية في كلامهم من شطحات أحيانا، يبدو تأويلا وتوجيها مقبولا ومعقولا إلى حد ما، ويُعتبر مخرجا لذلك بشيء من التجاوز والتسامح، ويبقى معه التفويض بعد ذلك إلى الله في شأنهم وأمرهم، فقد أفْضَوْا إلى ما أفضوا إليه من حالهم ومآلهم الغائب عنا عند الله تعالى، وهو سبحانه، المطلع على القلوب والأحوال، العليم بالنيات والسَّرائر النفسية، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ويَعْلم المقاصِدَ، والسَّرائر النفسية، يعلم ما توسوس به نفس الإنسان وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وذلك حتى يسلم المرء من الحكم على الناس بما يظنه صوابا، ويكون عند الله وفي علمه سبحانه خطأ يتحمل الإنسان وزره وإثمه يوم لقاء الله والفصل بين العباد. تمشيا مع قول النبي - ﷺ -: \"أمِرْتُ أن أحكُمَ بالظاهِرِ، واللهُ يتولَّى السَّرائر\"، والله أعلم بالحق والصواب، والهادي إليه من أطاعه وأناب.\n(٢٢) علق الشيخ ابن الشاط على هذا المثال بقوله: قلت: الكلام في هذا كالكلام فيما قبله.\n(٢٣) قال ابن الشاط: معنى قول أبي الحسن الأشعري (أن بناء الكنائس كُفْر) أي في الحكم الدنيوي، وأما الأخروي فحَسَبَ النية، والله تعالى أعلم.\n(٢٤) قال ابن الشاط: ما قاله الشيخ أبو الحسن في هذه المسألة ظاهر.","vol":"2","page":373},{"text":"واعْلَمْ أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليسَ عُذْرًا للداعي عند الله تعالى، لأن القاعدة الشرعية دَلَّتْ على أن كُلَّ جهْل يمْكن المكلَّفَ رفْعُهُ، لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسُله إلى خلقه برسائله، وأوْجَبَ عليهم كافةً أن يعْلَموها ثم يعمَلوا بها، فالعلم والعمل واجبان، فمَن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبْين، وإن علم ولم يَعْمَل فقد عصى معصية واحدةً، ومن علم وعمِل فقد نجا. نعَمْ، الجهل الذي لا يمكن المكلَّفَ رفْعُه بمقتضى العادة يكون عذْرًا، كما لو تزوج أختَه يظنها أجنَبِيّةً، إذ لَوْ اشتُرِط اليقينُ في هذه الصورة وشبهِها لشَقّ ذلك على المكلَّفين، وأصْلُ هذا الفسادِ الداخل على الانسان في هذه الأدعية إنما هو الجهل. فاحذَرْ منه واحْرِص على العِلم، فهو النجاة، كما أن الجهل هو الهلاك. (٢٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>القاعدة الثالثة:\nفي انقسام مَا ليس بكفر من الدَّعاءِ إلى مُحرَّم وغيرِ مُحرَّم</span>. (٢٦)\nقال شهابُ الدين: وقد حَضرني من المحرَّم الذي ليس بكفر اثنا عشر قِسما، ثَبتَ الحصر فيها بالاستقراء، وما عداها ليس محرَّما بالاستقراء، فمن ظفِر بقِسْمٍ آخَر أضافه لهذه الأقسام، وأنا أمثل كلَّ قسْم بِمُثلِهِ اللائقة بِهِ.\n_________\n(٢٥) قال الشيخ ابن الشاط معلقا على ما جاء عند الإِمام القرافي في هذا الفصل:\nما قاله القرافي في هذا الفصل، كله صحيح، إلاَ ما قاله من أن الأصل في الدعاء التحريمُ، والاستدلالُ على ذلك بقوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، ففى ذلك نظَرٌ، والأظهر أن الأصل في الدعاء الندب، إلا ما قام الدليل على منعه.\nقلت: وذلك ما سيأتي للشيخ البقوري في أول القاعدة الرابعة هنا.\n(٢٦) هي موضوع الفرق الثالث والسبعين والمائتين بين قاعدة ما هو محرم من الدعاء وليس بكفر، وبين قاعدة ما ليْسَ محرما\". جـ ٤. ص ٢٦٥، وهو من الفروق الطويلة عند القرافي ﵀.","vol":"2","page":374},{"text":"القسم الأول أن يطلب الداعى من الله المستحيلات التي لا تُخِلُّ بجلال الربوبية، كأن يسأله أن يجعله في مكانين متباعدَين في زمن واحد، فهو سوء أدَبٍ مع الله، لأنه لا يُطلَبُ من الملوك إلّا ما يُعْلَم أنهُ في قدرتهم، ومن فعَل غير ذلك فقد عرَّضهم للعجز، (٢٧) وكأن يسأله الاستغناء في ذاته عن الأعْراض ليسْلَم طولَ عمْره من الألم والأسقام، وقد دَلَّتْ العقول على استحالة جميع ذلك. (٢٨)\n_________\n(٢٧) زاد القرافي قوله: ولا سِيَمَا والعبدُ مأمور ألا يَطْلُبَ إلا ما يتصوَّر وقوعه، لئلا يكون متهكما بالربوبية.\nقال ابن الشاط ﵀: ما قاله: (أي القرافي) مِن أن الدعاء بالكَون في مكانين في زمان واحد، حرام، لَمْ يأت عليه بحجةٍ غيرِ ما أشار إليه من القياس على الملوك. وهو قياس فاسد، لجواز العجز عليهم، وامتناعه عليه تعالى. ثم قال ابن الشاط: وما قاله من أن العبد مأمور ألا يطلب إلا ما يتصَوَّرُ وقوعه هو عين الدعوى.\nوما قاله من أنه يلزم أن يكون متهكما بالربوبية ممنوع، ولا وجه لما قاله إلا القياس على الملوك. وما بالُهُ يقيس الله تعالى عليهم في قصد المبالغة والغلو في التعظيم والتفخيم، فقد خوطب الملوك بنسبة المستحيلات العقلية والعادية إليهم على وجه الغلوّ في ترفيعهم لا على قصد تعجيزهم. بل لِقائل أن يقول: مَن خاطَبَ الله بمثل ذلك تعيَّن أن يكون للمبالغة في التعظيم كما هو الواجب في حقه أو قاصدًا للتعجيز أو غيرَ قاصد لهذا ولا لهذا. فعَلى التقدير الأول لا حرج، بل يكون مطيعا مأجورا، وعلى التقدير الثاني يكون عاصيا، وعلى التقدير الثالث يكون مطيعا بصورة الدعاء، مُثَابًا عليه، غيرَ مطيع ولا عاصٍ بالقصد، لعروه عنه.\nوالثاني من أمثلة القسم الأول أن يسأل الله تعالى دوام إصابة كلامه من الحِكَم الدقيقة والعُلُوم الشريفة أبدَ الدهرِ، ولِيفتخرَ بذلك على سائر الفضلاء وينتفع به أكثر من سائر العلماء.\nوقد علق عليه ابن الشاط بقوله: ليس هذا المثال من هذا القسم، بل هو من القسم الثاني الذي هو طَلَب المستحيلات العادية.\n(٢٨) قال ابن الشاط: ما قاله (أيْ القرافي) من أن هذه الأمور مستحيلة عقلا، خطأ، بل هي مستحيلة عادة، إلا الاستغناء عن الأعراض (أي ما يَعْرِض للإنسان من أحوال بشرية لا يَسْلَمُ منها أحد) فهو من المستحيل عقلا، خاصة عند من لا يُجَوِّز العُرُوَّ (أي الخُلُوَّ والنجاة من تلك الأعراض البشرية) لا عند من يجوزه\".\nقلت: وقد قيل في عدم سلامةِ الإنسان من تلك الأعراض كيفما كان شأنه وحاله في هذه الحياة:\nثمانية تجري على المرء دائما ... كل امرئ لابدَّ يلْقَى الثمانية\nسرور وحُزْن واجتماع وفُرقَةٌ ... ويُسْر وعُسْر ثم سُقْمٌ وعافية\nوقد ذكر فضيلة الأستاذ الجليل الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في رسالته الجامعية عن الفقيه الجليل العلامة أبي علي اليوسي، أن هذا الفقيه واجه صعوبات كثيرة في غربته أثناء دراسته، وكان يتأسى بهذين البيتين المذكورين اللذين حفظهما عن شيخه أبي محمد الحسيْن بن أبي بكر، رحمهما الله. ص ١٢٤. من الرسالة المذكورة، طبعة الوزارة.","vol":"2","page":375},{"text":"فإذا كانت هذه الأمور مستحيلة في حقه عقْلا كان طلبها من الله سوءَ أدب، لأن ذلك يُعَدُّ فى العادة تلاعُبًا وضحكا على المطلوب منه، والله تعالى يجبُ له من الإجلال فوق ما يجب لخلقه، فما نافى إِجْلالَ خلقه أوْلى أن ينافي جلاله، تعالى عن كل نقص، (٢٩) بل قد عاب الله تعالى جميعَ خَلْقه بقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٣٠) أي ما عَظَّموه حق تعظيمه. وقال - ﷺ -: \"لا أُحْصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نَفْسك\"، أي ثناؤك المستحَق ئناؤك على نفسك. (٣١).\nالقسم الئاني من المحرَّم الذي لا يكون كفْرًا، أن يسأل المستحيلات العاديةَ، إلا أن يكون نبيا، فإن الله يخرق العوائد لهم، كسؤال نزول المائدة من السماء، (٣٢) وخروج الناقة من الصخرة الصماء، (٣٣)، أو يكون وليًا، لهُ مع الله\n_________\n(٢٩) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي هنا من أن طلب ذلك سُوءُ أدب قد مر جوابه. وما قاله من أنه يجب لله تعالى مِن الإِجلال فوق ما يجب لخلقه، فما نافى إجلال خلقه أولى أن ينافي جلاله من كل نقص، صحيحٌ. غير أن فى كلامه إيهام المشاركة في موجب الِإجلال من جهة اقتضاء أفْعَل، التي هي للمفاضلة.\n(٣٠) وتمامها في سورة الزمر. قوله سبحانه، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] [الزمر: ٦٧].\n(٣١) عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ نائمةً إلى جنْب النبي - ﷺ - ففقَدتُهُ من الليل، فلَمسْتُه، فوقَعَتْ يدي على قدميه وهو ساجد يقول: \"أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، لا أحْصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك\". رواه الترمذي والنسائي رحمهما الله.\nقال ابن الشاط هنا عند هذا الحديث: إن كان الثناء اللائقُ بجلاله تعالى ممَّا يدخل تحت اكتساب البشر ثُم قصَّرُوا فيه، لحِقَهم الذم والعيبُ لأجل ذلك، وإن كان مما لا يدخل فلا يلحقهم ذَمٌّ، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\n(٣٢) إشارة إلى سؤال ذلك من سيدنا عيسى ﵇، حين سأل اللهَ تعالى أن يُنزل على الحَوَارِيَينَ أتباعِهِ المؤمنين به مائدة من السماء، تحقيقًا لسؤالهم وتمنِّيهم ذلك على الله، كما حكاه تعالى في كتابه العزيز بقوله الكريم: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٤ - ١١٥].\n(٣٣) وذلك معنى كونها آية من عند الله، ومعجزة لنبيه ورسوله صالح إلى قومه ثمود، كما ذكره الله تعالى في غير ما آية قرآنية. ومن ذلك قولُه تعالى حكايةً عن نبيه صالح ﵇، وهو يخاطب قومه =","vol":"2","page":376},{"text":"عادةٌ بذلك، فلا يكون هذا سوء أدب من الفريقين، أو يكون يريد بسؤاله ذلك أن\nيجعله وليا، فلا يكون أيضا قلةَ أدب. (٣٤).\nومثال المحرَّم أن يسأَلَ الله تعالى الاستغناءَ عن التنفس ليسلَم من الاختناق، والعادة دلتْ على استحالة ذلك. (٣٥) ومن ذلك أن يسأل الله العافية من المرض أبد الدهر لينتفع بقواه وحواسِّه أبد الدهر، وقد دلت العادة على استحالة ذلك.\nومن ذلك أن يسأل اللهَ الولَد من غير جماع، والثمارَ من غير أشجار.\nومن هذا اللهم أعطنا خيرَ الدنيا وخيرَ الآخرة، واصرِف عنا شر الدنيا وشر الآخرة، فهذا لا يجوز إلا أن يقصد به الخصوص، إذ لابُدَّ أن يدركه بعض الشر ولوْ سَكَراتُ الموت ووحشة القبر، وقِسْ على هذا نظائره. (٣٦) بل يجب على كل عاقلٍ أن يفهم عوائد الله تعالى في تصرفاته في خلقه، ورَبْطَ المسبَّباتِ بالأسباب في الدنيا والآخرة، مع إمكان صدورها عن قدرته بغير تلك الأسباب، فمن سأل غيرَ عادته في مملكته كان مسيئا الأدب عليه. (٣٧) ولذلك عاب العلماء وغلَّطوا\n_________\nويدعوهم إلى الايمان بالله وتوحيده وعبادته ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، وفي آية أخرى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]\n(٣٤) قال ابن الشاط هنا: إجازةُ دعاء من ليس بولي بخرق العادة، إجازة للدعاء بخرق العادة، فكل ما أنكره من ذلك فقد أجازه على الوجه الذي ذكره، وإذا أجازه على ذلك الوجه فقد أجازه على الجملة، فلا يصح له منعه بعد ذلك.\n(٣٥) قال ابن الشاط: قد أجازَ ذلك على وجه القصد لطلب الولاية. وحكمه بأنه إساءة أدب، دعوى عريَّة عن الحجة. وتكثيره الأمثلة لا حاجة إليه.\n(٣٦) قال ابن الشاط هنا: ليس كونُ هذه الأمور واقعةً على وجه الخصوص بموجبِ ألا تُطلَبَ إلا على وجه الخصوص، بل يجوز أن تطلب على وجه العموم، وغايته أن نقول: طَلَب مثل ذلك طلب للممتنع عادة، على معنى أن يقصد الطالب بطلبه أن يصير وليا، فتخْرَقَ له العادة، فقد جَوَّز ما منع.\n(٣٧) قال ابن الشاط: لم يأتِ القرافي على دعواه بحُجَّة. وما قال: مِن أنه سوُء أدب من ذلك، وهو طلب خرق العادة، لم يأت على منعه بحجة أصلا، إلا ما أشار إليه من القياس على الملوك، وهو قياس فاسد لاشك في فساده، وقد سبقَ مثلُ هذا الملحظ والتعقيبُ من ابن الشاط على القرافي رحمهما الله.","vol":"2","page":377},{"text":"جماعة من العُبَّاد، حيث توسطوا القفارَ من غير زادٍ، وركبوا البحار في زمن الهول، طالبين من الله خرْقَ عوائده لهم في هذه الأحوال، وهم يعتقدون أنهم سائرون إلى الله تعالى بهذه الحالة من حيث تحقيق توكلهم عليه، وأن ما عدا هذه الحالة ينافي الاعتماد عليه، وهو غلطٌ. فقد دخل سيد المتوكلين محفوفا بالخيل والرجال والكَراع والسلاح، وكان مدَّخِرًا لعياله قُوتَ سنة. (٣٨).\nوحقيقة التوكل أن يعلم المتوكل اعتماد القلب على الله تعالى فيما يطلبه من خير أو يكرهه من ضرِ، لأجل أنه المستولى بقدرته وإرادته على سائر الكائنات من غير مشارك له في ذلك. (٣٩) ومع ذلك فله عوائد في مُلْكه رَتَّبها بحكمته، فمقتضَى\n_________\n(٣٨) قال أبو القاسم ابن الشاط هنا: تغليط من غلَّطَ من العلماء. جماعةَ العُبَّاد فيما ذكره، غلط من أولئك العلماء، لأنه مبني على إساءتهم الظن بأولئك العُبَّاد، وإساءةُ الظن بعامة المسلمين ممنوعة شرعا، فكيف بالعبَّاد منهم؟ !\nوالعُبَّادُ الذين فعلوا ذلك لا يخلو أن يكونوا ممّن تَعَوَّدَ خرق العادة له أو ممن لم يتعوَّدْ ذلك، فإن كانوا من القسم الأول فلا عَيْبَ عليهم، وإن كانوا من القسم الثاني فلا يخلو أن يكونوا ممن غلب عليهم في ذلك أحوال لا يستطيعون دفعها أو ممن لم يغلب عليهم أحوال كذلك، فإن كانوا من القسم الأول فلا عيبَ عليهم، لعدم استطاعتهم دفع ذلك، وإن كانوا من القسم الثاني يكونو مُرْتكِبِينَ لممنوع فَيَلْحَقُهُمْ العيب، فما بالُ أولئك العلماء حكموا عليهم بأنهم من هذا الأخير دون القسم الأول والثاني، ألَيس إساءةَ ظن في موطن يمكن فيهِ تحسينه؟ ! ولِمَ يساءُ بهم الظَّن، فيُظَنَّ أنهم ظانون أن ذلك حقيقة التوكل، بل الظن بهم أنهم يعلمون حقيقة التوكل، وأنه كما لا ينافي التسبب لا ينافي أيضا عدم السبب.\nوما ذكره من فعل النبي - ﷺ -، لا حجة له فيه على أن التوكل لابد معه من التسبب، إذْ مَسَاقُ كلامه يقتضي أن التوكل مع التسبب يصحُّ، ومع عدم التسبب يصح. وما عدَلَ النبي - ﷺ - إلى التوكل إلا لأنه العَلَم المقتدَى به، والاقتداء به ليس مختصا بالخواص، والجمهورُ قلما تطمئن نفوسهم إلا مع التسبب، والأحكام الشرعية وَاردة على الغالب لا على النادر.\nمع أنه لقائل أن يقول: إن التوكل، وإن صحَّ مع التسبب وعدمه، فالتوكل مع التسبب راجع في حقه للحاجة لتعليم الجمهور كما سبق، ولأمْنِهِ من شائبة مراعاة الأسباب لعصمته - ﷺ -. والتوكل مع عدم التسبب رجع في حق غيره لعدم أمنه من شائبه مراعاة الأسباب لعدم عصمته، واللهُ تعالى أعلم.\nقلْتُ: ودخول سيد المتوكلين، وهو النبي - ﷺ -، محفوفا بالخيل والرجال الخ، يقصد به المؤلف دخوله - ﷺ - إلى مكة فاتحًا لها منتصرا في السَّنَةِ الثامنة من الهجرة، ومُحَاطا بصحابته الأبْرَار.\n(٣٩) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في ذلك صحيح لا ريب فيه.","vol":"2","page":378},{"text":"شمول قدرته انقطاع القلب عن غيره، ومقتضَى عادته التماس فضله في عوائده، فيَحصُلُ الأدَبُ. (٤٠)\nوقد انقسمت الخلائق في هذا الباب ثلاثةَ أقسامْ:\n١) قسم عاملوا الله بمقتضَى شمول القدرة فحصَّلوا على حقيقة التوكل، وأعرضوا عن الأسبابِ ففاتهم الأدب.\nوقسْمٌ لاحظوا الأسبابَ واستولتْ على قلوبهم فحجبَتْهُم عن الله تعالى، وهؤلاء فاتهُمْ التوكل والأدب، وفي هذا هلَكَ أكثر الخلائق.\n٢) وقسمٌ عامَلُوا الله بمقتضى شمول القدرة وعوائده في مُلْكه، فهؤلاء جامعون بين التوكل والأدب، وهذا مَقام الأنبياء وخواصِّ العلماء والأصفياء.\nواعلم أن قليل الأدب خيرٌ من كثير من العمل، ولذلك هلك إبليس، وضاعَ عمله بقلة أدبِهِ. (٤١)\n_________\n(٤٠) قال ابن الشاط: قد اعترف (أي القرافي) هنا بأن حقيقة التوكل، المعامَلَةُ بمُقتضَى شمول القدرة والإرادة مع الإعراض عن الأسباب، وهو عين ما عاب على العُبَّادِ حيث قال: \"ظانين أن هذه الحالة هي حقيقة التوكل\". فقوله هنا مناقِض بظاهره لذلك، وقد تقدم بيان أن التوكل يصح مع التسبب ومع عدمه، وأن الرسل ومن في معناهم من العلماء المقتدَى بهم يترجح في حقهم التوكل مع التسبب لضرورة اقتداء الجمهور بهم، مع ما تَخْتصُّ بِهِ الرسل من العصمة، وأن من عَدَاهم ممن ليس مقتضيا للاقتداء به يترجح في حقه التوكل مع عدم التسبب، لأنه أبعد من شائِبةِ مراعاة الأسباب، واللهُ تعالى أعلم.\n(٤١) زاد القرافي هنا قوله ودُعاءه: \"فنسأل الله تعالى السلامة في الدنيا والآخرة، وقال الرجل الصالح لابنه: \"إعمل عملك مِلْحًا وأدَبَك دقيقا\"، أيْ ليَكُن استكثارك من الأدب أكثر من استكثارك من العمل، لكثرة جدواه ونفاسة معناه، ويَدُل على تحريم طلب خرق العوائد قولُه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أي لا تَركبوا الأخطار التي دلتْ العادة على أنها مهْلِكَة، وقَولُهُ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، أي الوقاية لكم من الحاجة إلى السؤال والسرقة، فإنهم كانوا يسافرون إلى الجهاد والحج بغير زاد، فربما وقع بعضهم في إحدى المفسدَتين المذكورتين، فأمَرَهُم الله بالتزام العوائد، وحرم عليهم تَركَها، فإن المأمور به منهيُّ عن ضده، بل عن أضداده، وقدْ قيل لبعضهم: إن كنت متوكلا على الله ومعتمِدًا عليه وواثقا بقضائه وقَدره فألقِ نفسك من هذا الحائط فإنه لا يصيبُك إلا ما قُدِّر لك، فقال: إن الله تعالى خلَقَ عباده ليجربهم ويمتحنهم لا ليجربوه ويمتحنوه\"، إشارة إلى سلوك الأدب مع الله تعالى.\nجعلنا الله تعالى من أهل الأدب معه سبحانه ومع عباده الصالحين حتى نلقاهُ على ذلك، بمنِّه وكَرَمِهِ. آمين. =","vol":"2","page":379},{"text":"٣) القِسْم الثالث الذي ليس بكفْرٍ، وهو محَرّمٌ، أن يطلب الداعي من الله تعالى نفىَ أمْرٍ دَل السمع على نفيه، وهذا كأن ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. مع أن رسول الله - ﷺ - قال: \"رُفع عن أمتِي الخطأ والنسْيَان\" وما استُكرِهوا عليه\"، فهو سوء أدبٍ مع الله تعالى لأنه طَلَبُ تحصيل الحاصل، وفيه استهزاءٌ. (٤٢).\n_________\n= وقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما ذكره القرافي محتجا به نقول بموجِبِهِ، ولا يلزم منه مقصودُه، فإن كُل ما ذكره ليس فيه دليل على منْع طلب المستحيل، وإنما فيه المنع من ارتكاب العمل على خلاف العادة، والعملُ على خلاف العادة مغاير لطلب خرقها، فلا يلزم من المنع من أحدهما المنعُ من الآخَر. اهـ.\n(٤٢) قال القرافي هنا معلِّلا كون ذلك النوعِ منِ الدعاء محرما: \"لأنه طلبٌ عرِيَ عن الحاجة والافتقار إليه، ولو أن أحدنا سأل بعض الملوكٍ أمرًا فقضاه له، ثمَّ سأله إيَّاه بعد ذلك عالما بقضائه، لَعُدَّ هذا الطلبُ استهزاءٌ بالمَلِك وتلاعُبًا، ولحَسُنَ من ذلك الملِكِ تأدييُهُ، فأولى أن يستحق التأديبَ إذا فعل ذلك مع الله.\nوكذا لو رأينا رجلا يقول: اللهمَّ افرضْ علينا الصلاةَ وأوجب علينا الزكاة، واجعل السماء فوقنا والأرضَ تحتنا لبادَرْنا إلى الإنكار عليه لقُبْحِ ما صدَرَ عنه من التلاعب والاستهزاء في دعائه، إلا أن يريد هذا الداعى بقوله إن نسينا، أي تركناه مع تعمد، كقوله تعالى خطابا للكافرين في عذابهم يوم القيامة: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾، أي تركوا طاعة الله فترك الله الإحسان اليهم، فهذا يجوز، لأنَّهُ طلَبُ العفو عما لم يُعلَمْ العفو فيه.\nقال ابن الشاط هنا معلِقا على هذا الكلام عند القرافي رحمهما الله: لم يأت بحجة على ما ادَّعاه، غيرِ ما عَوَّل عليه من القياس على الملوك، وهو قياس لا يصح، لعدم الجامع، وكيف يقاس المخلوق بالخالق، والربُّ بالمربوب، والخالق يستحيل عليه النقص، والمخلوق يجوز عليه النقص، إلى آخر ما قاله ابن الشاط هنا في هذا الموضوع، فليرجع إليه من أراد التوسع فيه.\nقلت: هذا تعليق وجيه عند الشيخ ابن الشاط. ويمكن أن يضاف إليه أنه يراد بالنسيان في الآية الكريمة لازمُهُ، وهو إعراض الله عنْهم، وعدم مبالاته بهم، وبما هم فيه من العذاب، وأنه يبعد تفسير النسيان عند البشر بالترك مع العمد، ويبعدُ تأويله بذلك، إذْ النسيان حال وأمرٌ غير إرادي، والعمدُ على عكسه إرادي، فكيف يجتمعان، وهما نقيضانِ، فليتأمل ذلك، وليحقق، والله أعلم.\nثم إنه أيضا لا يكاد يتضح ويُفْهَم. المرادُ مِنْ اعتبارِ الدعاءِ بمثل ما ورد في الآية الكريمة المذكورة من قبيل الدعاء المحرَّم، ولا يكاد يُقْبَلُ التمثيلُ به في هذا المقام، فقد ورد به النص في القرآن الكريم، إرشادًا وتعليما في التوجه بذلك الدعاء إلى الحق سبحانه، وذلك كافٍ لجوازه واعتباره من الدعاء الذي هو عبادة، فما قاله القرافي في خصوص الدعاء الوارد في تلك الآية غير مسلم ولا مقبول. واللهُ أعلم، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية الكريمة وبيان معناها: \"أي لا تؤاخذنا إن تركنا فرضًا على وجْه النسيان، أو فعلنا حراما كذلك، أو أخطأنا الصوابَ في العمل، جهلا منا بوجهه الشرعي. =","vol":"2","page":380},{"text":"فإن قيل: يَرِدُ عليك أن الله امتدَح قومًا بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٤٣) قلنا: إنما جاز لهم سؤال ما وعَدهم الله تعالى به، لأن حصوله لهم مشروط بالوفاة على الإِيمان، وهذا شرط مشكوك فيه، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، فما طلَبوا معلومَ الحصولِ، (٤٤) بخلاف مسألتنا، فإنه عُلِمَ في الشريعة ترْكُ المؤاخَذَة بالخطأ والنسيان مُطْلقًا.\n_________\n= كما أنه لا يكاد يتضح وجه تعارض الدعاء بما تضمنته الآية من ذلك الدعاء مع حديث: \"رُفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه\"، وهو حديث أخرجه أئمة الحديث: ابْنُ ماجة، وابن حبَّان، والبيهقي والحاكم، والدراقطني، وأورده السيوطي في الجامع الصغير عن الطبرانى رواية عن ثوبانَ ﵁، ورمز له السيوطي بالصحة (صح)، وأورده الحافظ ابن كثير عند تفسيره لتلك الآية، رواية عن ابن عباس ﵄، قالَ، قال رسول الله - ﷺ -: \"إنَ اللهَ وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه\"، أي إن من رحمة الله بهذه الأمة وفضله عليها ولطفه بها، ومن يُسْرِ دينها وسماحته الرحيمة أن الانسان رُفع عنه الحرج والإثم وعدَمُ المواخَذة فيما يقع له ومنه في تلك الحالات، وذلك في مقابلة المتعمد القاصد للقول والفعل السَّيئ حيث يؤاخذه الله على ذلك، سواء كان فعلا لما يحرم فِعله، أو تركًا لما يجب فعله من الفرائض والواجبات، وغيرها من حقوق الله وحقوق العباد. أما بقية الأمثلة الأخرى غير الآية الكريمة، فيما يتعلق بالتمثيل بها للدعاء المحرم فهى مقبولة ومعقولة، وينطبق عليها تصحيح الفقيه ابن الشاط بقوله: ما قاله القرافي في هذا صحيح، فليتأمل ذلك، وليصحح، والله أعلمُ بالصواب.\n(٤٣) سورة آل عمران، الآية: ١٩٤.\nووجْه الورود، كما جاء عند القرافي ﵀، هو أن وعْد الله سبحانه لابدَّ من وقوعه، فطلبُ ذلك من باب تحصيل الحاصل، وهو عيْنُ ما نحن فيه، ومَدَحهم الله تعالى، فدَل على جواز ذلك، فلا ينبغي منع ذلك الدعاءِ ومنع التوجه بالطلب والسؤال به إلى الله تعالى.\nوقد سبقتْ الإشارة إلى هذا، وتنبيهى إلى أن الدعاء بمضمون الآية الكريمة، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ جائز ومقبول ومشروع، لأنه ورد به النص في هذه الآية مِنَ القرآن الكريم، ولذلك فإنه لا يتعارض مع حديث رفع الخطأ والنسيان والاستكراه عن هذه الأمة، ولا يُعْتَبَرُ الدعاء به من قبيل تحصيل الحاصل، فليتأمل ذلك، والله أعلم.\n(٤٤) قلت: اعتبار الوفاة على الإِيمان أمرا مشكوكا فيه بالنسبة لمجموع المسلمين، هو محل نظر وتأمل وروية، إذْ لو كان كل مسلم ومؤمن بالله واليوم الآخر، يشك في ذلك لاضطربَ حاله وشأنه، وتنغَّصَ عيشه وأمره، وأصبح كلَّ همه منصَبا على التفكير في تلك الحال والخوف من سوء المصير، خاصة وهو أمر غيبى استأثر الله به على الإنسان. ذلك أنه بالرجوع إلى عديد من نصوص القرآن الكريم ونصوص أحاديث نبينا المصطفى الأمين، نجدها تدعو المسلم وتهديه، وترشدهُ إلى أن من شأنه، ومن المفروض فيه والواجب عليه أن يعمل ما أمره به الله ورسولهُ، ويجتنب ما نهاه عنه الله ورسوله، فيقوم بالتكاليف الشرعية والأحكام الدينية المطلوبة منه، ويستغفر الله ويتوب إليه =","vol":"2","page":381},{"text":"فإن قلتَ: فإذا جوزتَ ذلك بناءً على الجهالة بالشرط فجوِّزه ها هنا بناءً على الجهالة بالشرط، فإنّ رسول الله - ﷺ - لم يُخْبِرْ بذلك مطلقًا وإنما أخْبَرَ بالرفع عن أمته، وكون الدّاعي يموت وهو مِن أمته، مجهولٌ، فما طلَبَ إلَّا مجهولًا، بناء على التقدير المتقدِّم.\n_________\n= توبة نصوحا عندما يصْدر شيء عَنْهُ مِن ذنوب وآثام، أو يَقع منه تفريط أو تقصير في حقوق الله. وحقوق العباد، وبعد ذلك يُحْسن الظن بالله تعالى، ويعتمد عَلى فضله وكرمه، ويعَوِّل عَلَى رحمته وجوده في قبولِ العمل الصالح والإثابة عليه، وفي حُسْن المصير والمآلِ، وحسن العاقبة والختام، ويطمئِنُ كل الاطمئنان إلى ربه الذي لا يُخْلِفُ الميعاد. فإن مَنْ أحسَنَ الظن بالله، وأحسَنَ العمل، كان الله عند حسن ظنه.\nففى الحديث القدسي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن الله ﷿ قال: \"أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني ... الخ. وفي حديث آخر صحيح عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل موته بثلاث (أي ليال) يقول: \"لا يموتُ أحدكم إلا وهو يُحْسن الظن بالله \" رواه مسلم وأبو داود رحمهما الله. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: حُسْن الظن مِنْ حُسْن العبادة\".\nوعن عُبادةَ بن الصامتِ ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"من أحَب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كرِهَ لقاء الله كرِه الله لقاءه، فقالت عائشة (أوْ بَعْضُ أزواجه): إنا لَنَكْرَهُ الموت، قال: ليسَ ذاك، ولكن المؤمن إذا حضَره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، وإن الكافِر إذا حضره الموت بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكرهَ إليه ممّا أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه\"، رواه الشيخان وبعض أصحاب السنن ﵏.\nوعن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - دخل على شاب وهو في حال المرض، فقال: كيف تجدُك؟ قال: أرجو الله يا رسُوَل الله، وإني أخاف ذنوبى، فقال - ﷺ -: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاهُ الله ما يرجو وأمَّنَهُ مما يخاف\". رواه الترمذي وحسَّنه.\nومن خلال نصوص هذه الأحاديث النبوية يبدو أنه لا منافاةَ ولا تَعارُضَ بينها وبين أحاديث أخرى يُفهَم منها أن المسلم لا ينبغي له الاعتماد على عمله الصالح في حسن المصير والخاتمة، كحديث: \"لا ينجِي أحدًا منكمِ عملُهُ\" كحديث: \"فوالله الذي لا إلاه غيره، إن أحدكم لَيَعْمَلُ بعمل أهل الجَنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبقُ عليه الكتاب، فيعملَ بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليَعْملُ بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بِعمل أهل الجنة فيدخلها\"، وحديث البخاري عن سهل ﵁ أن النبي - ﷺ - قال في آخر حديث طويل: إن العبدَ لَيَعْمل عملَ أهل النار، وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم\". وقال في حديث أخرجه الإِمام الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ \"فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السَّعير\"، وقال في حديث آخر رواه الترمذي عن أنس ﵁: \"إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله، فقيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت\". =","vol":"2","page":382},{"text":"قلتُ: كونُه من الأمة ليس شرطا في هذا الرَّفع، ولا دلالةَ للخبَر على ذلك، وإنما هو من جهة المفهوم، ونحن نمنع كون المفهوم حجة، لاختلاف العلماء فيه، سلَّمْنا أنه حجة، لكنه مترُوكٌ هنا إجماعًا.\nوتقريرُه أن نقول: الكفارُ إمّا أن نقول: هم مخاطَبُون بفروع الشريعة أوْ لَا، فإن قلنا: ليْسُوا مخاطَبينَ فالرفع حاصل لهم في جميع الفروع: النسيانِ وغَيْرِه، فييْطُلُ المفهومُ، واستوَتْ الخلائق في الرَّفع حينئذ. وإن قلنا إنَّهم مخاطَبُون بالفروع فلا يكون قد شُرِع في حقّهم ما ليس سببًا في حقنا، بل كل ما هو سَبَبُ الوجوب في حقنا فهو سبب الوجوب في حقهم، وكذا الأمْر في جميع\n_________\n= فهى كلها أحاديث نبوية صحيحة، صادرة عمن لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى. والجمع والتوفيق بينها ممكن بوجه صحيح وسليم.\nفهذه الأحاديث الأخيرة وإن كان الخوْض والتعمق فيها أمرًا صعْبا لا يستطيعه إلا العلماء الجهابذة المتمكنون والأتقياء العارفون الواصلون تدُل على أن المؤَمَّل والمعتمد عليه في حسْن الخاتمة هو فضل الله وكرمه، وتفيد أنّ من سَبقت له السعادة في علم الله وأزله، وفيما كتبه على العبد وهو في بطن أمه جعله من أمة الإسلام، وَهداه لصالح الأعمال، وصرف الله قلبه للخير ويَسَّرَهُ لحسن الخاتمة والعاقبة، ولعمل أهل السعادة. ومن سبقت له الشقاوة - والعياذ بالله - كان على عكس ذلك، كما أشار إليه الشيخ العلامة أحمد بن حجر الهيثمى ﵀ في كتابه فتح المبين لشرح الأحاديث الأربعين للإِمام النووى ﵀، فإنّ من أحسَنَ الظن بالله أحسن العمل، وجمع بين الخوف والرجاء، وحَرص على أن يكُونَ ممن قال فيهم الحق سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، ولذلك رُوِى عن بعض العلماء الصالحين أنه قال: \"ما قطَّع أكبادَ العارفين إلا خوفُهم من سوء العاقبة والخاتمة\"، ولكن المؤمن يعمل ويدْعو، ويخاف ويرجُو، ويحسن بالله الظن الجميل، ويسأل الله بكامل اليقين أنْ يُقابِله بعفوه سبحانه وفضله العميم، وأن يتقبل منه عمله بما تقبل به من عباده المتقين، فهو تعالى جواد كريم، وبعباده رؤوف رحيم، لا يضيع أجر من أحسن عملا.\nوالله سبحانه أعلم بالحق والصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المرجو سبحانه بفضله وكرمه لنيل الأجر وحصول المتاب، ولحسن العاقبة والختام.\nفاللهم اجعل آخِر عُمِرنا خيرًا من أوله، وخيرَ أعمالنا خواتِمها، وأسعدَ أيامنا يومَ لقائك، واختِم لنا بالسعادة والحسنى التي ختمتَ بها لأنبِيائك ورسلك، ولأوليائك وأصفيائك، وللصالحين المحسنين المخلصين من عبادك وأتقيائِك، بمنك وفضلك يا ذا الجلال والإكرام، يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين، يا ربَّ العالمين.","vol":"2","page":383},{"text":"الأحكام. (٤٥) فعَلَى هذا لا يكون خصوصُ الأمة شرْطا في الرفع، ولمْ يقل أحدٌ: إن الكفار في الفروع أشدُّ حالا من الأمّة، فظهرَ أن هذا المفهومَ باطل اتفاقا، فليس هنالك في النسيان والخطأ شرط مجهول، فيكون الشارع قد أخبر بالرفع فى هذه الأمور مطلقا، فيحْرُمُ الدعاء به. (٤٦)\nفإن قلتَ: إنَّ الله تعالى قد أخبَرَ عن قَوْم في الدار الآخرة أنهم يقولون إذا صُرِفتْ أبصارهم تلقاءَ أصحابِ النار: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وهؤلاء ليسوا من أهل النار، لقوله تعالى: ﴿صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. (٤٧) وقد قامت الأدِلة على أن من يدخل الجنة أو يكون في الأعراف لا\n_________\n(٤٥) كون الكفار مخاطَبِين بفروع الشريعة من طهارة وصلاة وزكاة وصيام وحج، وغيرها من الأحكام الشرعية المتفرعة عن الإسلام والإيمان بالله ورسوله، أو غيرَ مخاطَبين بها، مسألة خلافية بين علماء الأصول، وفي ذلك يقول العلامة تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي رحمهما الله في كتابه جمع الجوامع في أصول الفقه:\nمسألة: (الأكثر (من العلماء) على أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في صحة التكليف (بمشروطه)، أيْ فيصح التكليف بالمشروط حال عدم الشرط، وقيل: هو شرط فيها (أي في صحة التكليف) فلا يصح ذلك، وإلا فلا يمكن امتثاله لو وقع.\nثم قال ابن السبكي هنا - وهي (أي المسألة) مفروضة (بين العلماء) في تكليف الكافر بالفروع، أي هل يصحُّ تكليفه بها مع انتفاء شرطها في الجملة من الإيمان، لتوقفها على النية التي لم تصح من الكافر. فالأكثر - يقول شارحه المَحَلِّي - على صحته، ويمكن امتثاله بأن يؤتى بها بعد الإيمان، \"والصحيحِ وقوعه أيضا\" فيعاقَب على تركه امتثاله، وإن كان يسقط بالِإيمان، ترغيبًا فيه. قَال تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (أي أصحاب الجنة واليمين) * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.\n(٤٦) عقب ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ليس ما قالَه شهاب الدين في هذا الجواب وأطال فيه بصحيح، لأن مَساق الحديث (أي حديث: رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه) مشعِرٌ بالمدح لهذه الأمة، فيتعين لذلك اختصاصُهَا بذلك الرفع، ويَلْزَمُ القوُل بهذا المفهوم لقرينة المدح، ويكون هنا في هذا المقام شرط مجهول كما قاله السائل، ويبطل جوابه، والله أعلم:\n(٤٧) سورة الأعراف، الآية ٤٧.\nوالأعراف لغة، جمع عُرف، وهو كل مرتفع على الأرض، ومن هنا أطْلِق عَلى عَرف الديك العَرف، لارتفاعه.\nوالمراد بالأعراف في هذه السورة والآيةِ الكريمة، السُّورُ الحائل بين أهل الجنة والنار، والفاصلُ بينهم يوم القيامة، وهو في معنى ما قاله مجاهد: حجاب بين الجنة والنار، سُورٌ له باب.","vol":"2","page":384},{"text":"يدخل النار، فهذا دعاءُ تحصيلِ الحاصل، ولم يذكره الله تعالى في بيان الذَّم لهم، مع أنهم سمعوا بتلك النصوص في الدنيا وعلِموا أن من سلِمَ من النار في أوَّل الأمر لا يدخلها بعد ذلك.\nقلت: (٤٧ م): قال المُفَسِّرون: هؤلَاءِ أصحاب الأعراف، وهُمْ على خوف من سوء العاقبة، وأحوالُ يومِ القيامة توجب الدهش عن المعلومات، فقد قيل للرُّسل ﵈: \"ماذا أجِبتُمْ؟ قالوا: لا عِلْمَ لنا\"، (٤٨) لاستيلاء الخوف من الله تعالى على قلوبهم، مع أن هؤلاء ليسوا مكلفّين، ولا ذمَّ إلَّا مع التكليف. (٤٩)\nقلت: هذا تكلّف بيِّنٌ، وقولٌ غريب بعيد عن المألوف في الشريعة.\nفمن البَيِّن أن هذا الدعاء أثبِت في كتابه العزيز لفوائدَ جمَّةٍ، ومنها أنْ يَدلَّ اللسان به ويُظْهِرَ به عبودية العبدِ لمولاه، فخيْرُ الدعاء ما جاء في القرآن، وهذا من جملته، وطلَبُ الحاصِلِ كثيرٌ مجيئُهُ لفوائد:\nمنها: اللهم صل على محمد، وقد صلى الله عليه.\n_________\n= وأصحاب الأعراف اختلفت فيهم عبارات المفسرين، وكلها - كما قال الحافظ ابن كثير ﵀ - ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعَدَتْ بهم سيئاتهم عن الجنة، وخَلَفَتْ بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هنا لك على السُّور حتى يقرضي الله فيهم، نص على ذلك من الصحابة حُذَيفة، وابن عباس، وابن مسعود ﵃، وغيرُ واحد من السلَف والخلَف ﵏. انظر تفسير الحافظ ابن كثير وغيرَه من التفاسير بِالمأثور في هذا الموضوع، والله سبحانه أعلى وأعلم.\n(٤٧ م) هذا الكلام من أول هذه الفقرة إلى آخرها من كلام القرافي، لا من كلام البقوري كما قد يتبادر من هذه العبارة.\n(٤٨) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩].\n(٤٩) قال ابن الشاط هنا: على تسليم جوابه (أي القرافي) للسائل، يبقى هو مطالَبًا بدليل المنع من مثل ذلك الدعاء، ولَمْ يأتِ بدليل ولا شُبهة. وكذلك جوابه في المثال الخامس، (وهو أن يقول الداعى: اللَهُم لا تغفر لفلان الكافرِ، وقد دل السمع على أن الله لا يغفر أن يُشرَك به، فهذا محرم، لأنه من باب تحصيل الحاصل وقلة الأدب، بخلاف: اللهم اغفر له، فإنه كفرٌ، لأنه من باب تكذيب السمع القاطع).","vol":"2","page":385},{"text":"ومنها: \"اللهمّ أعطه الوسيلة والدرجةَ الرفيعة، وابعثْه المَقامَ المحمود الذي وعدتَّهُ\"، فتحريمه من حيث إن الاستهزاء فيه، لأنه طلب لتحصيل الحاصل، ممنوع، ويتقرر هذا المنع بأن لطلبه فوائد غير التحصيل، فسقط ما قاله، والله أعْلمُ.\nثم القول بأنه حرام، لتحصيل الحاصل، ومن حيث الاستهزاء الذي يلزمه، نمنع أن الاستهزاء يلزمه، ونقول بأنه تحصيل الحاصل، وذلك لا يوجب عليه أن يكُون مُحَرَّمًا. (٥٠)\nالقسم الرابع: أن يسْألَ الداعى من الله تعالى ثبوتَ أمْرٍ دل السمعُ على ثبوته، كأن يقول: جعل الله لكَ موتَ من مات من أولادك حِجابا من النار. (٥١)\n_________\n(٥٠) هذا التعليق من أوله إلى آخره وجيه، وتعقيب سديد من الشيخ البقوري. ﵀.\nذلك أن ما جاء من كلام عند القرافي في هذا القسم الثالث المتعلق بما هو حرام من الدعاء، وبالتمثيل له ببعض آيات القرآن، لما فيه من تحصيل الحاصل، ومن سوء أدب مع الله، ليس بمسلّم ولا مقبول على علاته وعمومه، وخاصة بالنسبة للدعاء الذي ورد به القرآن الكريم. وقد سبق لي إثارة هذا الملحظ والإشارَة إلى صوابه والمرادِ منه، عند التعليق رقم ٤٢.\nوهذا التعقيبُ الذيَ أثاره البقوري، ونبهت على مثله في التعليق السابق، من هذا القسم جاء في محله، حيث لم يستسغ القلبُ ولم يقبل الفكر اعتبار مضمون دعاءٍ ورد في القرآن من باب الدعاء الممنوع، على أساس أنه من باب تحصيل الحاصل، وسوء الأدب مع الله، وهو تعليل لا يَثبت ولا يصمد أمام ثبوته ووروده في نص القرآن الكريم وفي الحديث الشريف، تعليما للأمة المحمدية أن تدعو به، وهذا التعليق عند البقوري يزيد التأمل والتوقف عنده اطمئنانا واقتناعًا بصواب إثارته والتنبيه على مثله، فشفى النفس مما علِقَ بها وكان برْدا وسلاما عليها حين وجدتُّ من يوافقني في هذا التوقف والتعليق والتصحيح والتصويب، وأنا اتابع هذا القسم الثالث المتعلق بالدعاء المحرم وأمثلته، بهدف التأمل جيدا في كلام القرافي هنا، والوصول إلى فهمه على وجه الصواب والمراد منه. وما أبرِئ نفسي، وقد أكون واهما وقاصرًا في فهم مراده ومقصوده، ولذلك التمست العذر فيه لِلقرافي غفر الله له ورحمه، ورحم الشيخ البقوري، ورحم كافة العلماء والمسلمين، وقابلَنَا جميعا بمنه وفضله وكرمه وجوده، آمين.\n(٥١) قال القرافي هنا: قوله: وقد دل الحديث الصحيح على أنّ من مات له اثنان من الولد كانا حجابا له من النار، فيكون هذا الدعاء معصية. ثم أتى بتساؤل في هذا الموضوع، وهو أنَّنا أمِرْنا أن ندعو للنبي - ﷺ - بقوله: \"اللهم آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ والدرجة الرفيعة، وابعَثْهُ اللهم الْمَقام المحمود الذي وعدتَّه، إنك لا تخلف الميعاد\"، والمقام المحمود هو الشفاعة الكبرى في الناس يوم القيامة، وقد أُعطيها - ﷺ -، فيلزم أحدُ الأمرين: إمَّا إباحة الدعاء بما هو ثابت (وهذا الذي ارتآهُ الشيخ البقوري وارتأيتُهُ معه كما سبق)، وإما الإِشكالُ على الإِخبار على كونه ﵇ أعطِيها\".","vol":"2","page":386},{"text":"قلت: القولُ في هذا كالقول في الذي قبله حرْفًا بحرف. وما ذكره شهاب الدين من جواب على قوله: \"وابْعَثْه المقَامَ المحمود\"، لا يَصلُحُ أن يكون جوابا.\nالقسم الخامس أن يطلب الداعى من الله تعالى نفْي ما دلَّ السمعُ الوارد بطريق الآحاد على ثبوته، وهذا كأنْ يقول: اللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم، فقد دلَّتْ الآحاد على دخول طائفة من المسلمين النارَ. (٥٢). قال شهاب الدين: وهذا يخالفه (٥٣) ما عليه الناس في أدعيتهم من قولهم: اللهم اغفر لي ولجميع المسلمين، (٥٤)، فيقال: إنْ قصَدَ مغفرة الذنوب كلها فلا يجوز، وإن أراد لهم\n_________\n(٥٢) ففي الحديث الصحيح عن أبي سعيد ﵁ أن النِساءَ قلن للنبي - ﷺ: إجْعل لنا يومًا (أي خَصِّصْ لنا يوما للتفقيه في الدين، وللتذكير والموعظةِ)، فوعَظهن وقال: \"أيما امرأةٍ مات لها ثلاثةٌ من الولد كانوا لها حجابا من النار. قالت امرأة: واثنان، قال: واثنان\". رواه الشيخان والنسائي. وعن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من الناس من مسلم يُتَوَفى له ثلاثة لم يبلغوا الحِنْث (أي لم يبلغوا سِن التكليف ومبلغ الرجال والنساء) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهُم\"، أي بفضل زيادة رحمة الله لأولئك الأولاد، أو بزيادة رأفة الله بالآباء يدْخلهم الجنة. رواه البخاري والنسائي رحمهمَا الله.\n(٥٣) أي فدخول بعض المسلمين للنار إنما هو بذنوبهم التي لم يغفرها الله لهم، وخروجُهم منها يكون بشفاعة ومغفرة، وفضل من الله ورحمةٍ، فلو غفر لجميع المسلمين ذنوبَهم كلها لم يدخل أحدٌ النار، فيكون هذا الدعاء مستلزِمًا لتكذيب تلك الأحاديثِ الصحيحة، فيكون معصية ولا يكون كفرًا، لأنها أخْبَارُ آحادٍ، والتكفيرُ إنما يكون بجحد ما عُلم ثبوته بالضرورة أو بالتواتر.\nثم طرح القرافي هنا سؤالا على نفسه، وقال: فإن قلت: إن من آداب الدعاء إذا قال الإنسان: اللهم اغفر لي أن يقول: ولجميع المسلمين، وهذا خلاف ما قررتَهُ. وقد أخبر الله تعالى عن الملائكة صلوات الله عليهم أنهم يقولون كما جاء في كتابه العزيز: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، أي تابوا من الكفر واتبعوا الإسلام. ولفْظُ الذين عامٌّ في التائبين من الكفر وهم المؤمنون، فيكون عامًا في المؤمنين، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهو خلاف ما قرَّرتَه. سورة غافر، الآية ٧.\nفأجاب القرافي عن الإشكال الأول بما هو مختصر وملَخَّص عند البقوري بقوله هنا:\nإنْ قَصد مغفرة الذنوب كلها فلا يجوز، وإن أراد لهم المغفرة من حيث الجملة جازَ.\nوأجاب عن الثاني وهو دعاء الملائكة واستغفارُهُم للمؤمنين في الأرض، بأن ذلك الدعاء والاستغفار لا عموم فيه وفي ألفاظه، لكونها أفعالا في سياق الثبوت فلا تَعُمُّ، إجماعا، ولو كانت للعموم لوجبَ أن يُعتقَد أنهم أرادوا بها الخصوص، وهو المغفرة من حيث الجملة، للقواعد الدالة على ذلك.\n(٥٤) كذا في نسختي ع، وح. وفي نسخة ت: بخلاف ما عليه الناس في أدعيتهم، ولا يظهر أثر لاختلاف المعنى بالنسبة للكلمتين: الفعل، والاسم هنا.","vol":"2","page":387},{"text":"المغفرةَ من حيث الجملة ولم يشركهم في جميع ما طلبه لنفسه جاز، وإن أراد. لنفسه المغفرة من حيث الجملة جاز أن يُشركهم أيضا فيها، لأنه يصح أن يغفِر له بعض الذنوب ويَدْخلَ النار ببعضِ آخر هو وغيره. (٥٥)\nقلت: هذا من التكلّف الذي لاخفاءَ به، ومِنْ أبْعدِ شيء في القول.\nثم نقول: الدعاءُ شُرِعَ ليكون سببا لحصول المدعو به، وليَذِلَّ به الإنسان ويُظْهر به عبوديته ويطيع به ربه، فهذه فوائد غيرُ واحدة، فإذا لم يُتصوَّرْ فائدة واحدة تُصُورت الأخرى، فليس هو مما لا فائدة فيه بوجه، ويسقط هذا البحث الذي له في هذه الأقسام المتقدمة كلها، والله أعلم. (٥٦)\n_________\n(٥٥) قول القرافي هنا \"بطريق الأولى\" في هذا القسم الخامس من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر كما يراه، هو احتراز من طلب نفى ما دَلَّ السمع الوارد بطريق التواتر على ثبوته به، فإن طلب نفي ذلك من قبيل الكفر كما تقدم عنده، وقد أتى القرافي لهذا القسم بأمثلة عديدة، اقتصر الشيخ البقوري هنا على بعضها اختصارا.\n(٥٦) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء من هذا الكلام في هذا القسم عند القرافي فقال: لقد كلَّف هذا الإنسان نفسَه شطَطا، وادَّعى دواعى لا دليل عليها، ولا حاجةَ إليها، وهْمًا منه وغَلَطًا، وما المانع من أن يكلف الله تعالى خلقه أن يطلبوا منه المغفرة لذنوب كل واحد من المؤمنين. مع أنه قد قضى بأن منهم من لا يغفر له، ومن أين تلزم المنافاة بين طلب المغفرة ووجوب نقيضها؟\nهذا أمر لا أعرف له وجها إلا مجرد التحكم بمحض التَّوهُّم. وما قالَه من أنه لا عموم في قوله تعالى ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، لكونها أفعالا في سياق الثبوت، خطأ فاحش، لأنه التفت إلى الأفعال دون ما بعدها من معمولاتها، والمعمولات في الآيتين لفْظَا عمومٍ.\nقلت: ومضمُونُ هذا التعقيب والتعليق الوجيه عند ابن الشاط هو الذي نجده كذلك ها هنا للبقوري حيث جاء في عبارته قولُه: هذا من التكلف الذي لا خفاء به، ومن أبعدِ شيء في القول، لينتهيَ إلى قوله عن القرافي: ويسقط هذا البحث الذي له في هذه الأقسام المتقدمة كلها. والحق والصواب إن ظهر أحَقُّ أن يُتَّبَعَ. والله أعلم. اهـ. غير أن أسلوب البقوري في التصويبِ يبقى أخف وألطف من أسلوب ابن الشاط، الذي لا يخلو من تحاملٍ وشدَّةٍ أحيانا، ﵏ جميعًا.","vol":"2","page":388},{"text":"القسم السادس أن يطلب ثبوت أمر دل السمع الوارد بطريق الآحاد على نفيه، وهذا كأن يقول: اللهم اجعلني أوَّل داخلٍ الجنة، وكأن يقول: اللهم اجعلنى أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة، وكأن يقول: اللهم اجعل الأغنياء يدخلون الجنة قبل الفقراء. (٥٧)\nقلت: الرَّد عليه في هذا كالرد عليه في الذي قبله. غيرَ أن طلب مثل هذا لا ينبغي، لعدم التأدُّب الذي فيه مع النبي - ﷺ -، ولِاختياره مطلوبا غير مختار عند الله.\nالقسم السابع. الدعاءُ المعلَّق على مشيئة الله تعالى، فلا يجوز أن يقول: اللهمَّ اغفر لي إنْ شئتَ، وهذا لاستشعاره عدمَ حاجةِ العبد إلى مولاه وَاستغنائه عنه، (٥٨) وفيه تحصيلُ الحاصل. (٥٩)\n_________\n(٥٧) زادَ القرافي في هذا القسم من أمثلة الدعاء المحرم الذي ليس بكفر أمثلة أخرى، كأن يقول الإنسان: \"اللهم اجعلنى أولَ من تنشَق عنه الأرض يوم القيامة لأستريح من غمها ووحشتها مدَّةً من الزمان قبل غيره، وقد ورد في الصحيح قولُ النبي - ﷺ -: \"أنا أول من تَنشق عنه الارض\"، فيكون هذا الدعاءُ ردًا على النبوة، فيكون معصية، وكأن يقول الإنسان: اللهم اجعلني أول داخل للجنة\"، أو يقول: اللهم اجعل الأغنياء يدخلون الجنة قبل الفقراء، لكونه من الأغنياء، وقد ورد في الحديث الصحيح غير ذلك، فيكون معصية .. الخ.\nقال ابن الشاط هنا: لا مضَادة بين التكليف بطلب أمر ونفوذ القضاء بعدم وقوعه، ومدعى ذلك مطالب بالدليل عليه، ولم يأت على ذلك بدليل إلا دعوى المضادة.\nقلت: ومثل هذا التعقبب هو الذي نجده هنا عند البقوري ملَخَّصا، مع ملاحظته أن مثل هذا الدعاء لا ينبغي، لما فيه من عدم التأدب مع النبي - ﷺ -، ومن اختياره أمرًا غير مختارِ اللهِ أحْكمِ الحاكمين، وأسرعِ الحاسبين وأعْدلِ العادلين.\n(٥٨) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذا القسم صحيح.\nقلت: كيف لا يكون هذا القول صحيحًا وسليمًا، وقد أخرج بعض أئمة السنة النبوية حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة ضي الله عنه عن النبي - ﷺ - قال: لا يقولَن أحَدُكُم: اللهم اغفر لى إن شئتَ، اللهم ارحمنى إن شئت، لِيَعْزِمْ المسألةَ، فإنه سبحانه لَا مُكرِهَ له\". (أيْ فليتوجهْ العبد إلى ربه بالدعاء الجازم المتيقن فيه بالإجابة، فإنه سبحانه كريم رحيم، وعَدَ باستجابة دعاء المؤمنين.\n(٥٩) وطَلَبُ تحصيل الحاصل محال كما قال القرافي، فإن ما شاء الله لابد من وقوعه، وذلك كله مناقض لقواعد الشريعة والادب مع الله تعالى.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ليس ما قاله في طلب تحصيل =","vol":"2","page":389},{"text":"القسم الثامن، الدّعاءُ المعلَّق بشأن الله تعالى، وهذا كأن يقول:\nاللهم افعَلْ بي ما أنتَ أهْلُهُ في الدنيا والآخرة. وهذا الدعاء يعتقد جماعة من العقلاء أنه حسنٌ، وليس كذلك.\nوبيان ذلك أن الله سبحانه كما هو أهْلٌ للمغفرة في الذنوب هو أهلٌ للمؤاخَذَة عليها. ونسْبَة الأمرْين إلى جلاله تعالى نسبةٌ واحدة، فمن هلك من الخلق فبِعَدْله هلك، ومن نجا منهم فبفضله نجا، فالخلق بين فضله وعدله يتصرفون (٥٩ م)، فمن دعا بذلك فكأنه قال: إفعل معى الخير إن شئت، أو الشرَّ إن شئتَ، وهو معنى قوله ﵇: \"لا يَقُلْ أحدُكُمْ: \"اللهم اغفر لي إن شئتَ\"، ولأن الدعاء على هذا التقدِير فيه إظهار الاستغناء وعدم الافتقار، (٦٠) إلا أن ينوي الداعى ما أنت له أهل من الخير الجزيل، (٦١) وإنما يستقيم هذا الدعاء، على رأي\n_________\n= الحاصل بصحيح، وقد دعا النبي - ﷺ - لنفسه الكريمة بالمغفرة وهي معلومة الحصول عنده وعندنا، وأمرنا أن ندعو له بإيتائه الوسيلة والفضيلةَ والدرجة الرفيعة، وأن يبعثه الله المقام المحمود، وذلك كله معلوم الحصول عنده وعندنا.\n(٥٩ م) وهذا الموضوع والمعنى أشار له العلامة الشيخ عمر بن محمد النَّسَفي (ت ٥٣٧ هـ) ﵀، وذكره في عقائده النسفية بقوله ردًا على المعتزلة: \"وما هو الأصلحُ للْعبد فليس ذلك بواجب على الله\".\nوقال فيه العلامة الشيخ برهان الدين إبراهيم بن هارون اللقاني ﵀ (ت ١٠٤١) في منظومته جوهرة التوحيد، ردًا على المعتزلة أيضا\nفإن يُثِبْنا فَبمحض الفضْل ... وإن يعَذِبْ فبمحْض العدْل\nوقَولهم إن الصلَاح واجبٌ ... عليه، زُورٌ، ما عليه واجِبُ\nألم يَرَوا إيلَامَهُ الأطْفالا ... وشِبْهَهَا فَحَاذِرْ المحالا\nوقال فيه العلامة أبو البركات الشيخ أحمد الدردير، شارحُ مختصر الشيخ خليل، (ت ١٢٠١) ﵀ في منظومته المسماة بالخريدة البهية في العَقائِدِ التوحيدية.\nومن يقلْ: فعْلُ الصّلاح وجَبَا ... على الإلاهِ قد أساء الأدَبا\n(٦٠) أي فيكون هذا الدعاء معصية، كما قال القرافي ﵀: وقال ابن الشاط هنا: قد تقدم أن ما قاله في مثل ذلك صحيح.\n(٦١) زاد القِرافي هنا قوله: ولا يقتصر في نيته على مطلق الخير، فإن رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا سألتم الله فأعظِموا المسألة، فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء، واذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى\"، فإن عريتْ نفس الداعى عن نية تعظيم المسألة مع القصد إلى الخير في الجملة فقد ذهب التحريم. وعقَّب ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: ما قاله في ذلك صحيح، والله أعلم.","vol":"2","page":390},{"text":"المعتزلة الذين يقولون: إنه أهل للخير فقط، ولَا يُنسَب إلى شأنه إلا ذلك. (٦٢)\nقلت: العُرْف صيَّره إلى أن المراد به الخيرُ حتَّى إنه لا يحتاج إلى نية، ولهذا تجد الداعىَ أبدا يقول: اللهم افعل بي ما أنت أهْلُهُ ولا تفعل بي ما أنا أهْلُهُ، فهو يُريد الفضلَ والإحسانَ حيثُ قابلَه بما هو أهْل له من الإِساءة والنقص، فهو عامٌّ أريدَ به الخصوصُ. (٦٣)\nالقسم التاسع الدعاءُ المحرَّم الذي ليس بكفرٍ، الدعاءُ المرتَّب على استئناف المشيئة، كأن يقول: اللهم قدّر لي الخير، والدعاءُ بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبَل دون الماضي لأنه طلبٌ، والطلبُ للماضي محالٌ، فيكون مقتضى هذا الدعاءِ أن يقع تقدير الله تعالى في المستقبل من الزمان، واللهُ يستحيل عليه استئناف التقدير، بل وقع جميعُه في الأزل. وهذا إنما يصح على مذهب من يرى أن\n_________\n(٦٢) قال القرافي هنا: وإن عَريَتْ نفس الداعى بهذا الدعاء عن النية بالكلية كان عاصيا، وإنما يستقيم على مذهب المعتزلة الذين يعتقدون أن الله تعالى يجب عليه رعاية المصالح وأنه أهل للخير فقط، فهذا هو شأنه عندهم، ومذهب الاعتزال إما كُفرٌ، أو فسوق بالاجماع من أهل السنة، فلا خير في هذا الدعاء على كل تقدير، وهما مذهبان ضالّانِ، يسبقان إلى الطباع البَشَرية، ولا يزال البَشَرُ معها حتى تُرَوِّضَهَا العلوم العقلية والنقلية، وهما الحشوية والاعتزال .. الخ\nوقد عقب ابن الشاط على هذا الكلام بقوله: حكْمه بالمعصية في مثل هذا الدعاء، فيه نظر، فإنه لا يخلو أن يكون الداعى ممَن يعتقد مذهب الاعتزال أوْلا، فإن كان الأول فذلك ضلال كما قال، وهو: مختلَف فيه هل هو كفر أو ضلالٌ غيرُ كفْر، وإن كان لا يعتقد مذهب الاعتزال فقرينةُ الحال في كون الإنسان لا يريد لنفسه إلا الخير مع سلامته من اعتقاد الاعتزال تُقَيِّدُ مطلق دعائه، فلا كفر ولا معصيةَ.\n(٦٣) قلت: وهو تعليق وجيه ولطيف عند الشيخ البقوري ﵀، أظهرَ مَخرجا للإِشكال الواردِ فى مثل هذا الدعاء. كما أورَدَهُ القرافي.","vol":"2","page":391},{"text":"الأمْرَ أنُفٌ، (٦٤) وهو مذهب باطل. وكذلك أيضا: اللهمّ اقضِ، (٦٥) إذ معناهما واحدٌ.\nوأورد شهابُ الدين اعتراضًا على هذا القسم بما جاء في حديث الاستخارة حيث قال: \"واقْدُرْ لي الخيرَ حيث كان\"، فأجاب بأن المراد بهذا اللفظ تيسيرُه، والناطق بهذه الكلمة يريد بها معْنى التيسير، فيجوز له إطلاقها، فإن لم يَنْوِ ذلك فلا يجوز، لِمَا قُلْنا. (٦٦)\n_________\n(٦٤) أُنُفٌ بضم الهمزة والنون، بمعنى مستأنَف، والمراد بذلك في مذهب من وراه ويعتقده- وهُمْ القَدَرية - أنَ أمْرَ الله وعِلمَه وتقديره وتصريفه للأمور مستأنَف، فلا تقدير ولا عِلْمَ سابق في أزله، وقديم قدَمَ ذاته سبحانه، تعالى الله عن ذلك القول علُوًا كبيرًا. وفي حديث لابن عمر ﵄. وقد قيل له: إنَّهُ ظَهر قِبَلَنَا (أي ظهر عندنا وفي جهتنا ببلدنا) ناسٌ يقرأون القرآن ويتقفَّرون العلم (أيْ يطلبونه ويبحثون عن غامضه)، وذكر (أي القائل) من شأنهم: وأنهم يزعمون أنْ لا قدَرَ، وأن الأمر أُنُفٌ، قال (أي ابن عمر): فإذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أني برئ منهم وأنهم بُرآءُ مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر (وهو الله تعالى) لوْ أنَّ لأحدهم مثلَ أحُدٍ ذهبا فأنفقه، ما قَبِل الله منه حتى يُؤمن بالقدَر\". رواه الإِمام مسلم ﵀.\nوالقدَرية - بفتح القاف والدال - هم طائفة وفرقة من المسلمين يعتقدون أنه لا قَدَرَ (يقدِّره الله على الإنسان)، وأن العبد يخلق أفعاله الاختيارية، بقدرة خلقها الله فيه، فالخالق عندهم اثنان: الله، والعبد في أفعاله الاختيارية، وهذا الاعتقاد فاسد وباطل في نظر واعتقاد أهل السنة والجماعة، فإنهم يرون أن الخير والشر من الله تقديرا أزليا في سابق علمه وأزله، ومنه سبحانه خلْقًا وإيجَادا، ولكنهما يُنْسَبَانِ إلى العبد عملا وكسْبا واختيارا، بما أعطاه الله من عقل وإرادة اختيارية، وقدرة بشرية على الفعلِ، والترك. والنصوصُ دالة على ذلك وواضحة فيه، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ انظر كتب المِلَل والنَّحَل، للشهرستاني وابن حزم رحمهما الله.\n(٦٥) عبارة القرافي أتَم وأوضح، وهي: \"اللهم اقض لنا بالخير\"، وقدِّر، واقضِ معناهما واحد في العرف.\n(٦٦) عقب ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: في هذا الكلام نقص فيما أرَى، ومثل ذلك الكلام ليس المراد به استئناف صفتىْ القدرة والإرادة، وإنما المراد استئناف المقدَّر والمراد، لاستحالة الأول وجواز الثاني، ومقتضَيْ استحالة الأول قرينة صارفة للثاني، فلا تحريم ولا معصية، ولا يفتقر مع ذلك إلى نية، والله أعلم.\nوهو تعقيب يبدو دقيقا ووجيها من ابن الشاط، كما هو الشأن في سائر تعقيباته وتصحيحاته التي يأتي بها تعليقا على كلام القرافي رحمهما الله جميعا.\nوصلاة الاستخارة وما فيها من دعاءٍ، شرعها النبي - ﷺ - لمخالفة أهل الجاهلية فيما كانوا عليه من التفاؤل والتشاؤم عند العزم على الأمور بإثارة الطيور وذهابها يمينا وشمالا، ولتصحيح عقيدة المسلم =","vol":"2","page":392},{"text":"قلت: بل الأوْلى أن يقال: لَمَّا كان الداعي لا يعرف ما قدَّره الله، هل إثباتُ ذلك الشيءِ أو نفْيُهُ؟ طلبَ تقديره إن كان مرادَه، بمعنى إبرازِه للوجود، أوْ عدمَ تقديره إن كان لم يُرده، بمعنى أنه لا يبرزه للوجود. وصَحَّ هذا وإن كانت الأشياء كلها قد فَرغ الحق سبحانه منها، فعَلِم ما يقع ولا يتغير، وعَلِم ما لا يقع ولا يتغير أيضا، وليس فيه طلبُ تحصيل الحاصل، ولا طلبُ المحال من حيث غيبته (أيْ عَنْ الداعي) وعدمُ علمه بالمقضيّ.\nالقسم العاشر الدعاءُ بالألفاظ العجمية، لجواز اشتمالها على ما ينافي جلال الله تعالى. ويدل على تحريمه قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. (٦٧)\n_________\nفي الله تعالى بِالتوكل على الله والاعتماد عليه والتوجه إليه سبحانه بالدعاء بالتوفيق وإنجاح العمل والمسعَى عند العزم وإرَادةِ الِإقدام عليه في أي شأن من شؤون الإنسان وحياته العملية.\nفعن جابر ﵁ قال: \"كان النبي - ﷺ - يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: \"إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فلْيركعْ ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقُل: اللهمَّ إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدِر ولا أقدر، وتعْلمُ ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تَعْلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمْري (أو قال: في عاجلِ أمري وآجلِه) فاقْدُره لي ويَسّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وَعاقبة أمري (أو قال في عاجل أمري وآجِلهِ) فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدُرْ لي الخير حيث كان، ثم أرْضِني به، قال (أيْ جابر): ويسَمِّي حاجته\". انتهى الحديث. رواه الإِمام البخاري وأبو داود والترمذي والنَّسائي ﵏.\n(٦٧) وقَبْلَها قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٧].\nووجْه الاستدلال بالآية كما قال القرافي أن معناها أن أسألك ما ليس لي بجَوازِ سؤاله علم، فدل ذلك على أن العلم بالجواز شرط في جواز السؤال، فما لا يُعلَم جوازُه لا يجوز سؤاله، وأكد الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، واللفظ العجمي غير معلوم الجواز، فيكون السؤال به غير جائز، ولذلك منع مالك الرُّقى به\".\nوعقَّب ابن الشاط على كلام القرافي هذا، فقال: ما قاله فى هذا القسم صحيح،\nعلى أن التعقيب الذي أتَى به الشيخ البقوري بعد الآية مباشرةً يفيد أن كلام القرافي غير سليم، وأن الاستدلال بالآية على ما ذكر القرافي ليس بظاهر، فليتأمل ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":393},{"text":"قلت: الاستدلالُ بالآيةِ على ما ذُكِر ليس بظاهر، لأن المراد بالآية إنما هو لا تسألَنى قضيةً تظن أنها مصلحة، وظنُّك ليسَ بصائِبٍ، بل هي مفسدة.\nفنُوحٌ ﵇ توجهَ بلفظه وباطنه نحو قضية معلومة، وانتفى علمه عنها من حيث ما ذكرناه، إلّا أنه أتى بلفظ لم يَعْرف معناه.\nثم هذا القسم العاشر، منه ما يكتبه الناس يوم الجمعة بعد العصر آخرَ جمعة من رمضان من الحفَظة التي فيها (لغسلمون)، وقد كَرِه كثير من الفضلاء كَتْبَهَا، لأجل تلك اللفظة العجمية كما قال شهاب الدين ها هنا ﵀.\nالقسم الحادي عشر: الدعاء على من ليس بظالم، لأنه سعْيٌ في إضرارٍ غير مستحَقٍ، فيكون حراما كسائر المضَرَّاتِ والسَّعْي فيها.\nفإن قيل: اللهُ تعالى عالمٌ بأحوال العباد فيعلَم الظالم والمظلوم، فلا يجيب الدعاء في غير الظالم، قيل: بل يُؤثر الدعاءُ بإرادة الله تعالى وإن كان المدعو عليه غير ظالم، لذُنوب اقترفها من غير جهة الدّاعي، بل لوجوزنا برآته من الذنوب لجوزنا جواز الإِجابة فيه لرفع درجاته. (٦٨) وأما الدعاء على الظالم فجوزه مالك وجماعة من العلماء غيرِهِ، وإن كان الْأحسَنُ الصبر والعفو، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾، (٦٩) ولقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٧٠). وإن زادهُ الإِحسانَ فذلك\n_________\n(٦٨) عقب ابن الشاط على كلام القرافي في هذا القسم والفصل الحادى عشر، فقال: ما قاله في هذا الفصل صحيح، إلا قوله: \"وإظهار صبْر العبد\"، إن كان يريد به اشتراط الصَّبر في رفع الدرجات بالمصائب والآلام وشبه ذلك مما هو غير مكتسب على ما سبق له في الفرق الثالث والستين والمائتين، وسبق القول في مخالفتى إياه في ذلك، وإن كان لم يُرد اشتراط الصبر في ذلك بل أراد أن ما ذكره من إجابة دعوة المظلوم وغير ذلك من المصيبات يكون سببا لرفع الدرجات من غير شرط الصبر، ويكون أيضا سببا لوقوع الصبر من الصابر، فقد خالف قوله هنالك وناقَضه بهذا القول، والله تعالى أعلم.\n(٦٩) و(٧٠) وقَبْلَها قولُ الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠].","vol":"2","page":394},{"text":"أجلّ شيء في مكارم الأخلاق، لقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. (٧١)\nقال شهاب الدين: وينبغي أن يُنظَر لحال الظالم، فإن عُلِمَ منه أنه إذا عَلِمَ أنهُ لا يُدْعَى عليه يزيد طغيانا، فأظهِرْ له ما فيه صلاحُهُ إن كان على ما ذكرنا أو على الضدِ. (٧٢)\n_________\n(٧١) وأولها قول الله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].\nوقد عقب الشيخ ابن الشاط ﵀ على هذه الفقرة الاخيرة وعلى ما جاء عند القرافي في هذه الفقرة من الاستدلال بالآية فقال: ليس في الآية التي استدل بها دليل على جواز الدعاء على الظالم، وإنما فيها الدليل على جواز الانتصار، والانتصارُ هو الانتصاف منه على درجة لا يكون فيها زيادة على قدر الظلم، وبالوجه الذي أبيح الانتصاف به. وجواز الانتصاف لا يستلزِم جواز الدعاء عليه، الا أن يكون الدعاء بتيسير أسباب الانتصاف منه، فقد يسوغ دعوى دلالة الآية على ذلك ضِمْنًا لا صريحا، وأما الدعاء بغير ذلك فلا يدل عليه، لا بِضمن ولا بصرج. وما قاله من م نه إن زاد على ذلك بأن دعا له فقد أحسن إلى نفسه وإلى الجاني، صحيح أيضا. وما عقَبَ به من ذلك الحديث المخبِر عن الملائكة بأن الانسان إذا دعا بمكروهٍ على غيره تقول الملائكة، ولك مثله، إن كان أراد حمله على إطلاقه في الدعاء بالمكروه، وكذلك في الدعاء بالأمر المحبوب فلا أرى ذلك صحيحا، بل إن دعا على ظالم بأن يصاب بمثل ما أصاب به فلا يقول الملك: ولك مثله، وإنما يقول الملك ذلك إذا دعا الداعي على بَرئٍ أو على جان بأزيدَ من جنايته، هذا في جانب المكروه، وأما الدعاء في جانب المحبوب فلا أراه إلا على اطلاقه، والله أعلم.\n(٧٢) قال ابن الشاط هنا: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\nقلت: ومما يُستدَلُّ به على جواز الدعاء على الظالم ما اخرجه الشيخان: البخاري ومسلم وغيرهما. عبد الله بن عباس الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن (ايْ قاضيًا) فقال: \"اتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\".\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله عد: \"ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يُفطر، والإِمام العادل، ودعوةُ المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الربُّ: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين\". رواه كل من الإِمام احمد والامام الترمذي وحسَّنه. وقد أشار بعضهم إلى دعوة الظلوم على الظالم، واستجابتها في بيتين فقال:\nلا تَظْلِمَنَّ إذا ما كنتَ قادرا ... فالظلم ترجِع عقباه إلى النَدَمِ\nتنامُ عيناكَ، والمظلومُ منتِبه ... يدعو عليك، وعينُ الله لم تَنَمِ","vol":"2","page":395},{"text":"ثم إذا كان الدُّعاء عليه فلا يدْعَى عليه بمعصية ولا بكفْرٍ، فإن إرادة المعصية معصية، وإرادة الكفر كُفْر. (٧٣)\nقلت: هذا غيرُ مسلّم، لقول موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. (٧٤)\nالقسم الثاني عشر: ما استفاد التحريمَ من مُتَعَلَّقِهِ، وهو المدعو بهم لكونه طلبا لوقوع المحرمات، كأن يقول: اللهم اسقِه خمرًا أو أعِنْه على المَكْس أوْ وطْء الاجنبية الفلانية، أو يطلب ذإك لغيره، إمّا لعدوِّهِ وإمّا لصديقه، وجميع ذلك محَرَّم تحريم الوسائل.\nوُيروى: \"من دعا لفاسقٍ بالبقاء فقد أحبّ أن يُعْصَى اللهُ تعالى،\nومحبةُ معصية الله تعالى محرَّمة، ودلَّ ذلك على أن الدعاء المحرَّم محرَّم. (٧٥)\n_________\n(٧٣) زاد القرافي هنا قوله: بل تدعو علَيه بنكد الدنيا ولا تدعو عليه بمؤلمة لم تقتضها جنايته عليك، بأن يجنى عليك جناية فتدعو عليه بأعظمَ منها، فهذا حرام عليك، لأنك جانٍ عليه بالمقدار الزائد، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. فتأمل هذه الضوابط ولا نخرج عنها.\nثم عقب ابن الشاط على ما جاء في هذه الفقرة فقال. ليس هذا الاطلاق عندي بصحيح، بل إن اقترن بإرادة المعصية قولٌ في المعصية التي هي قول، أو فعل في المعصية التي هي فعل، فذلك معصية، وإلا فلا، على ما اقتضاه قول النبي - ﷺ -: إن الله تجاوزَ لأمتي ما حدثتْ بها أنفسُهَا ما لم تعمل أو تتكلم\" فإرادة الكفر داخلة تحت عموم الحديث المذكور، ولا أعلم لهذا الحديث الآن معارضا، فلا كفْر، والله تعالى أعلم. هذا في إِرادة الرء أن يعصي أو أن يكفر، فكلا الإرادتين معصية لا كفر، والله تعالى أعلم.\n(٧٤) وأولها قول الله تعَالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: سورة يونس: الآيتان ٨٨ - ٨٩\nوالخطاب لموسى وأخيه هارون في الآية ٨٧، قبل هذه، بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n(٧٥) عقب الشيخ ابن الشاط على ما جاء في هذا القسم الثاني عشر بقوله: ما قاله القرافي في هذا القسم صحيح. فرحمهما الله ورحم كافة العلماء وسائر المسلمين، وأثابهم على ما قدموه وأفادوا به الناس من علم وفقه في الدين، واستنباط من النصوص والأصول لأحكام شرعه الحكيم، ونَفعَنَا بعلمهم، آمين.","vol":"2","page":396},{"text":"قال شهاب الدين: فهذا ما حضرني بنِ الأدعية المنهيّ عنها، وما عداها ليس بمحَرّم، عَمَلا بالاستقراءِ، وهذه الأقسام قلّ أن تُوجد في الكتب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>القاعدة الرابعة:\nفي تمييز ما يُكْره من الدعاء مما ليس بمكروه</span>. (٧٦).\nإعْلَمْ أن أصل الدعاء من حيث هو دعاءٌ، الندبُ. ويَعْرضُ له من جهة متعَلَّقه ما يقتضي التحرينم، وقد تقدَّم، وما يقتضي الكراهة، ولذلك أسباب خمسة:\nالأول الأماكن، كالدعاء في الكنائس والحَمَّامات ومواضع النجاسات والقاذورات، ومواضع اللهو واللعب والمعاصي والخالفات، وكذلك الأسواق الت ى يغلب فيها وقوع العقود الفاسدة والأيمان الحانثة، فكُرِه الدعاءُ فيها من أجل أن القُرْبَ إلى الله ينبغي أن يكون على أحسنِ الهيآت في أحْسن البقاع والأزمان.\nوقد دل على هذا المعنى نهيُهُ ﵇ عن الصلاة في المجزرة والمزبلة وقارِعَة الطريق. (٧٧)\nالسبب الثاني الكراهة، للهيآت، كالدعاء مع النعاس وفرْطِ الشبِع ومدَافعة الأخبَثَيْن. (٧٨)\n_________\n(٧٦) هي موضوع الفرق الرابع والسبعين والمائتين بين قاعدة ما هو مكروهٌ من الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه\". وهو آخر فرق ختَم بِهِ شهابُ الدين احمد بن ادريس القرافي ﵀ كتابه الفروق. جـ ٤. ص ٢٩٨. قال عنه الشيخ أبو القاسم بن الشاط ﵀: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح.\n(٧٧) عن عبد الله بن عمر رضي الله -﵄- أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق (أي وسَطه)، وفي الحمام، ومعاطن الابل، (أي مَبَاركها كما في حديث آخر). وفوق ظهر بيت الله الحرام\". رواه الترمذي ﵀.\n(٧٨) الأخبثين، تثنية أخبث، وهو الخارج من القبل أو الدبر، والمراد أن الصلاة في حالة انحصار البول أو الغائط أو الريح، عند الانسان مكروه، لأنها حالة تحولُ دون أدَاء الصلاة بكافة أركانها وسننها ومستحباتها على أتمها، وربما وقع المصلي في الإِخلال بركن من اركانها فتبطل الصلاة، وهو يظنها كاملة صحيحة، لذلك نُهىَ عن الصلاة في تلك الحالة نهْيَ كراهة، ما لم يصل الأمر بالمصلى في هذه الحالة إلى الإخلال باركان الصلاة كما ذكرت. فعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال \"لا صَلَاة بحضرة الطعام، ولا هو (أي المصلي) يدافعه الاخبثان\". رواه الإِمام مسلم ﵀. =","vol":"2","page":397},{"text":"السبب الثالث كونُه سببا لتوقع فساد القلوب وحصول الكبرباء والخُيَلاء، كما كره مالك وجماعةٌ الدعاءَ لأئمة المساجد عَقِبَ الصلوات المكتوبات جهرا للحاضرين. ولهذا قال عمر ﵁ لمن طلب منه الإِذن في ذلك:\nأخاف عليك أن تبلغ الثُّرَيَا.\nالسبب الرابع أن يكون مكروها، لأن متعلَّقه مكروه، كالدعاء بالإِعانة على اكتساب الرزق بالحجامة والعمل في الحمامات، وغيرِ ذلك ممَّا يُكره.\nالخامس عدمُ تَعيُّنِه قُرْبةً، بل يُطْلَقُ على سبيل العادة والاستراحة في الكلام كما يفعله السماسرة، (٧٩) إلا أن يغلب على ذلك اللفظِ استعمالُهُ في العرْف لغير\n_________\n= وفي معناه أيضا حديث ثوبانَ عن النبي - ﷺ -: ولا يَقومُ (أي الامام أو المصلى) إلى الصلاة وهو حَقِنٌ\"، (أي لا يقوء إليها وهو حَقِن وحصور بأحد الأخبثين من البول أو الغائط حى يتخفف ويجدد الوضوء ليؤدي الصلاة بكامل أركانها واطمئنانها وخشوعها، ويحصل له ثوابها تاما وكاملا غير منقوص. وفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: إذا وُضِعَ العَشاءُ وأقيمت الصلاة فابدأو بالعشاء\" رواه البخاري والترمذي رحمهما الله. والعَشاءُ بفتح العيْن طعام المساء ويقابله طعام الغداء بفتح العين والدال المهمَلة ومنه قوله تعالى في قصة موسى مع فتاه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢].\n(٧٩) قال القرافي: وذلك في الأسواق عند افتتاح النداء على السلع، كقولهم: الصلاة والسلام على خير الانام. قال مالك: كم يقولون هذا على سبيل العادة من غير قصد الدعاء والتقرب إلى الله تعالى، وهو خَبَرٌ، ومعناه الدعاء، كما يقول المتحدثون في مجالسهم: ما أقوى فرسَ فلان أبْلاها الله بدَنية أو سَبُع، ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى ولا يريدون شيئا من حقيقته، فهذا كله مكروه، وقد أَشار بعض العلماء إلى تحريمه وقال: كلّ ما يُشْرع قُربةً لله تعالى لا يجوز أن يقع إلا قُربةً له على وجه التعظيم والإِجلال لا على وجه التلاعب.\nثم قال القرافي: فإن قلت: قد كان رسولُ الله - ﷺ - يقول نحوًا من هذا الدعاء، ومَنصِبُهُ - ﷺ - منزَّهٌ عن المكروهات، بل يجب اتِّباعه في أقواله وأفْعاله، وأقَلَّ الأحوال أن يكون مباحا، كما في قوله لعائشة \"تَرِبَتْ يداكِ ومن أيْن يكونُ الشَّبَه\" لمَّا تَعَجَّبَت ممَّا لم تعلم من كوْن المرأة تُنزِل المني كما يُنزل الرجلُ\". ومعلوم أنه ﵇ ما أراد إذايتها بالدعاء، كقوله لمن أراد التزوج: \"عليك بذات الدِين تَرِبَت يداكَ\"، ليس من الإِرشاد ما يقتضي قصد الإِضرار بالدعاء، فقد استعمل الدعاء لا على وجه الطلب والتقرب، وهو غير ما نحن فيه.\nفأجاب عن ذلك بقوله: \"لفظ الدعاء إذا غلَب استعماله في العرف في غير الدعاء انتسخ منه حكم الدعاء، ولا ينصرف بعد ذلك إلى الدعاء إلا بالقصد والنية، فإذا استعمله مستعمِل في غير الدعاء فقد استعمله فيما هو موضوع له عرفا، ولا حرج في ذلك، وإنما الكلام في الالفاظ التي تتصرف بصراحتها للدعاء، وتستعمل في غيره، فليس ما في الأحاديث من هذا الباب. =","vol":"2","page":398},{"text":"الدعاء فلا يُكرَه، ويصِيرُ مستعمَلا لغير الدعاء، وهذا كقوله ﵇: \"تربَتْ يداكِ\"، (٨٠) ولقوله: \"والله يُغفرُ لك\"، كما جاء في حديث جابر عند تبايُعَه في الجمل الذي اشتراه منه ﵇. وفي الحديث: \"وهي كلمة كانوا يقولون\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>القاعدة الخامسة:\nفي تمييز ما يجب تعلُّمُه من النجوم ممَّا لا يجب</span>. (٨١)\nظاهر كلام أَصحابنا أن التوجّه للكعبة لا يسوغ فيه التقليد مع القدرة على الاجتهاد، ونَصّوا على أن القادر على التعلّم يجب عليه التعلم. ومعْظَم أدلة\n_________\n= وهذه العبارة والفقرة آخر جملة وعبارة استكمل بها الامام شهاب الدين القرافي ﵀ كتابه الفروق، وختمه بقوله: \"وهاهنا انتهى ما جُمع من القواعد والفروق، والله أعلم بالصواب\".\n(٨٠) وردت هذه الكلمة في موضوعين وحديثين فيما يحضرني من الاحاديث النبوية، أشار إلى مضمونهما باختصار شهاب الدين القرافي في هذا المقام:\n١) الاول: عن أم سلمة رضي الله، عنها قالت: جاَت أمُّ سُليم، (هي والدةُ أنس بن مالك ﵁، خادِمِ رسولَ الله - ﷺ -) إلى النبي - ﷺ -: فقالت: يا رسولَ الله، إن الله لا يستحْيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلَمتْ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: نعَمْ، إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة: يا رسولَ الله، وتحتلم المرأة؟ فقال: تَرِبَتْ يداكِ، فبِم يشبهها ولدها\"؟ رواهُ الشيخان: البخاري ومسلم، وأبو داود ﵏.\nالثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"تُنكَح المرأةُ لأربع: لمالها، ولحسَبها، ولجمالها، ولديها، فاظفَرْ بذات الدِين، تربَتْ يداكِ\" رواه الشيخان، وأصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي ﵏.\nوالمعنى الاجمالي. لهذا الحديث أن الباعث الذي يَيْعَثُ الرجل على التزوج بامرأة مَّا، ويُرَغّبُهُ في ذلك أحدُ أمور أربعة: إما المالُ، أو الحسَبُ (وهو الفعل الجميل والخصال الحميدة والسمعة الطيبة لِأسرتها)، وإما الجمالُ، وإما الدِين، وقد يكون هذا الباعث الأخيرُ آخرَ ما يفكر فيه الراغب في الزواج، فأمرَهُ - ﷺ - وأرشده إلى أن يجعله في المرتبة الاولى قبْلَ غيره من الاعتبارات الاخرى، ولذلكم ختم - ﷺ - حديثه بالأمر والإِرشاد إلى الظفَر بذات الدين، فإنَّ مَن لم يظفر بها تربت يداه، أي التصقت بالتراب. والعبارةُ كناية عن المآلِ والمصير إلى افتقار مَنْ لم يظفر بذات الدِين، وعن احتياجه في الحياة. والكلمةُ خرجتْ مَخرج الغالب فيما تَعوَّده العربُ من مثل هذه الكلمات في المخاطَبَات، لا أنه قصَد بها الدعاءَ هنا كما جاء في حديث آخرَ صحيحِ:\n\"الدنيا كلَّها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة\".\n(٨١) هي موضوع الفرق الواحد والسبعين بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٤. ص ٢٥٨.","vol":"2","page":399},{"text":"القبلة في الكواكب يجب تعلّم ما تُعْلَمُ به القِبلة، كالفرقدَيْن والجَدْي (٨٢) وما يجري مجراهما في معرفة القِبلة. وظاهر كلامهم أن تَعلّم هذا فرض عَيْنٍ على كل أحد.\nوقال صَاحب المقدّمات: يتَعَلّم من أحْكام النجوم ما يَستَدِل به على القِبلة وأجزاء الليل وما مضى منه وما يهتَدي به في ظلمات البَرّ والبحر، فيعَرِف مواضعها من الفلك، وأوقات طلوعها وغروبها، وهو مستحَبٌّ، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. (٨٣)\n_________\n(٨٢) الفرقدان: تثنية فرقد، وهو نجم قريب من القطب الشمالي (في الكرة الارضية) يُهتدَى به، وبجانبه نجم آخر أخْفَى منه، فهُما لذلك فرقدان.\nوالجدْي اسم لأحد الابراج السماوية الفلكية الأثنى عشر، وهي الجوزاء - السرطان - الاسد، السنبلة، الميزان - العقرب، القوس - الجدْي، الدَّلو، الحوت، الحمَل، الثَّور. ولكل برج وجْهُ تسميته، كما أن للمنازل الفلكية اسماءها ووجه تسميتها، وهي مباحث ومعلومات يرجع فيها إلى علم الفلك والتوقيت وعلمائه المتخصصين فيه، ﵏.\n(٨٣) وتمامها قول الله سبحانه ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. سورة الأنعام. الآية ٩٧.\n(٨٣ م) صاحب الطراز هو - كما جاَء في الديباج المذهب لابن فرحون: ابو على، سندٌ بن عِنان بن ابراهيم الازدي، سمع من شيخه أبي بكر الطرطوشي، وجلس لإلقاء الدرس بعده، وكان من الفقهاء، وانتفع الناس به، وألَف كتابا حسنا في الفقه سماه \"الطراز، شرح به المدونة في ثلاثين سِفْرًا، وتوفي قبل إكماله، وله تآليف في الجدَل وغيْره، توفي بالاسكندرية سنة إحدى واربعين وخمسمائة هجرية (٥٤١ هـ)، ودفن بجبانة باب الاخضر.\nإءْ يذكر صاحبُ كشف الظنون، ولا ايضاح المكنون كتاب الطراز هذا لسندين عنان. وذكر له صاحب الديياج بيتيْن لطفين في محاورة له ى شعرةٍ شيبة ظهرتْ في لمَّته ولحيته، فبادرها بالنتف خوفا من انتشار الشيب فيها واقتراب اجله، فهدَّدتْهُ بجبش الشعرات البيضاء الأخرى الاتية بعدها، فقال في ذلك:\nوزائرَةٍ للشيب حلّتْ بمفرفى ... فبادرتها بالنتْف خوفًا من الحتف\nفقالت: على ضَعْفى استطلت ووَحْدتي ... رُوَيْدك للجيش الذي جاء من خلفي\nومن خلال هذه الترجمة يظهر أن المراد بصاحب الطراز عند القرافي هو سند بن عنان لا كما ذكزته في تعليق سابق رقم ٢٤، من الجزء الاول من هذا الترتيب، صفحة ١٢٨، حيث ذكرت ان صاحب الطراز هو: محب الدين، الشيخ احمد بن عبد الله الطبري الشافعي المتوفى سنة ستمائة واربع وتسعين هجرية (٦٩٤ هـ)، واسم كتابه \"الطراز الذهب في تلخيص المذْهب\"، كما جاء ذلك في كتاب كشف الظنون لحاجي خليفة، وهو معاصر للقرافي المتوفي قبله بنحو عشر سنوات (اي سنة ٦٨٤ ص). رحم الله الجميع،","vol":"2","page":400},{"text":"يجوز التقليد في أوقات الصلوات إلا الزوالَ، لِأنه ضروري يُستغنَى فيه عن التقليد، ومن جهة أن معرفة الأوقات واجبة يكون ما تعرَفُ به الأوقات فرضَ كفاية، ويَكُونُ قؤاطنُ الاستحباب هو ماِ يُعِين على الأسفار ويُنجي من ظلمات البر والبحر.\nوقال صاحب المقدّمات: وأما ما يُفْضي إِلى معرفة نقصان الشهر ووقت رؤية الهلال فمكروه، لأنه لا يعتمَد عليه في الشرع، وهو اشتغال بما لا فائدة فيه: قال: وكذلك ما يُعْلَمُ به الكسوفات، (٨٤) لأنه لا يغني شيئا، ويُوهِم العامة\n_________\n= وهكذا، يبدو أن الصواب في المراد بصاحب الطرِاز الذي ينقل عنه الامام القرافي في الفروق هو سند بن عنان، لكونه ما لكونا مصريا، ومتقدمًا عليه في السن والتاريخ بنحو قرن من الزمان، خاصة ومثل هذه الكتب القديمة من التراث الفقهي تكون ما زالت في عَالم المخطوطات فليصحح ذلك، وليحقق، والله اعلم بالصواب. ورحم الله الجميع.\n(٨٤) جمع المؤلف الكسوفات باعتبار وقوعها في سنواتٍ: خلفة، أو باعتبار شمولها لخسوف القمر، فإنه يقال: كسفت الشمس وخسف القمر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ سورة القيامة، آلاَيات: ٧ - ١٢: كما يقال أيضا: انكسفت الشمس والقمر، وانخسفت الشمس والقمر، ومنه الحديث الصحيح الآتي:\nعن المغيرة ﵁ قال: \"انكسفت الشمس يوم ماتَ ابراهيم (ابنُ النبي - ﷺ - من مارية القبطية، وذلك بالمدينة المنورة في رمضان من السنة العاشرة للهجرة)، فقال الناس: انكسفت لموت ابراهيم، ففال النبي - ﷺ -: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت احد\nولا لحياته، فاذا رأيتموها فادعو الله حتى تنجلى\".\nوفي رواية، إن اهل الجاهلية كانوا يقوإون: إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلّا لموتِ عظيم عن عظماء اهل الارض، وإنهما لا ينخسفان لوت احد ولا لحياته، ولكنهما خليقتان من خلْق الله، يُحْدِثُ الله في خلقه ما يشاء، فأيهما انخسف فصَلَّوا حتى ينجلي\".\nوهكذا نجد استعمال كل من الكلمتين فيما يقع للشمس من كسوف وللقمر من خسوف، وأن كلا منهما في وجوده وحركته، وفي دورانه وَسبْحه في فلَكه، في تغيره حال كسوفه أو خسوفه، آيةٌ من آيات الله كما قال - ﷺ -. وقد كشف علم الفلك والتوقيت وأبان أن الكسوف للشمس يقع ويحدث حينما يكون القمر حائلا بين الشمس والارض فيغطي جزءا منها ويحجب جزءا من نورها، فلا يصل ضؤوها إلى الارض، بينما الخسوف للقمر يقع حين تكون الارض بين الشمس والقمر وحول دون وصول جزء من نورها إليه. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] وقال سبحانه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].\nوانظر شرح الزرقاني على الموطأ في ترجمة صلاة الكسوف.","vol":"2","page":401},{"text":"أنه يعلم الغيب بالحساب، فيُزْجَر عن الإِخبار بذلك ويؤدَّبُ عليه. (٨٤ م).\nوأما ما يُخْبِرُ به المنجم من الغيب كنزول الأمطار أو غيْر ذلك، فقيل: ذلك كفْرٌ، يُقْتَلُ بغير استتابة، لقوله ﵇: \"أصبَحَ من عبادي\" ... الحديث، (٨٥) وقيل: يستتاب، فإن تاب وإلّا قُتِل، قاله أشهب. وقيل: يُزْجَرُ عن\n_________\n(٨٤ م) قلت: يظهر ان هذا العلم مفيد في حد ذاته وغايته، ومفيد في اشتغال بعض اهل العلم والفقه به، وإلَّا لَمَا اهتم به العلماء المسلمون، ويحثوا فيه، وألْفُوا فيه قديما وحديثا مؤلفات علمية، ونظموا فيه منظومات رجزية للتعرف عليه والتعريف به، وضبط قواعده وأنواع حسابه وتعليمها للناس. ومما يرشد إلى جواز ذلك واباحته وإلى ما فيه من نفع وفائدة للخاص والعام، قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧].\nوخاصة في هذا العصر الذي تقدمت فيه علوم الفلك، والتوقيت والأرصاد الجوية، وعلوم البحار، وأصبح هذا العلم ضروريا أكثر من أي وقت مضى، ومفيدا اكثر بالنسبة للملاحة البحرية والجوية، وغيرها من حساب الاهلة والمواقيت الزمانية، وكما أصبح يصل اليه هذا العلم من دقة في محرفة حركة الكواكب وحساب الشهور والأهلة، ورصد الاجرام السماوية، واكتشاف المجرات السماوية. على أن ذلك كله يبقى داخلا في نطاق ما علمه الله للناس، وسخره لهم وأرشدهم إلى معرفة قوانينهِ، ليزدادوا إيمانًا ويقينا بِريهم وبقدرة الله وعظمته وجلاله، ولا ينبغي اعتباره من باب العلم بالغيب بحال من الأحوال، فإن ذلك مستحيل في حق الانسانْ، وهو ممَّا استأثر الله وحده به، بقدر ما ينبغي اعتبارُهُ من بابِ تعلم العلوم والاستئناس بها، والاهتداء للتوقعات المنتظرة من خلال معرفة تلك العلوم، فإن علم الله تعالى محيط بكل شيء وهو أزلي قديم قدم ذاته سبحانه، وهو العليم بما\nكان وما سيكون قبل خلق الاكوان. وعلِم البشر حادث ومحدود، لا يعلم الا ما علمه الله، ولا يستطيع خرْق حجب الغيب مهما بلغ من المعرفة ووسائلها المادية، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].\n(٨٥) هذا الحديث القدس أررده الإِمام القرافي ﵀، وها أنا أذكر لك نصه بتمامه.\nعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - أنه قال: صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلِ (أي على إثر مطر نزل في الليل)، فلما انصرف النبي - ﷺ - أقبل على الناس فقال: هل تدْرون ماذا قال ربكم؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال، قال: أصبح من عبادي مومن بكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مومن بى، كافر بالكواكب، وأما من قال: بِنَوْءِ كذا وكذا (أي بِنَجْمِ كذا وكذا)، فذلك كافر بي، مومن بالكواكب\". حديث صحيح متفق عليه بين إمامي الحديث: البخاري ومسلم رحمهما الله =","vol":"2","page":402},{"text":"ذلك ويؤدَّب، وليس اختلافا في قول، بل هو اختلاف في حال، (٨٦). فإن قال بأن الكواكب مستقلة بالتاثير قُتل ولم يُستَتَبْ إن كان يسِره لأنه زنديق، وإن أظهره فهو مرتد، يستتاب. وإن اعتقَدَ أن الله تعالى هو الفاعل عندها زُجرَ عن الاعتقاد الكاذب، لأنه بدعة تُسقِط العدالة، فلا يحل للمسلِمِ تصديقُهُ. (٨٧) قال: والذي\n_________\n= والمعنى الاجمالي لهذا الحديث بايجاز واختصار، هو أن من اعتقد أن المطر ينزل بأمر الله وارادته، وقُدْرته، وفضله ورحمته بعباده في الوقت الذي يشاء سبحانه، إنه لا أثر ولا تأثير لشيء من الكواكب والنجوم والتكهنات بها وبحركاتها في نزول المطر أو عدمه، فذلك هو المومن بالله، ومن اعتقد أن لتلك النجوم او الكواكب اثرا وتاثير في نزول المطر وانحباسه فذلكِ كافر بالله، مومن بالكواكب.\nومما يدل على بطلان قول المنجِّمين والعرَّافين والكاهنين، ويحَذرُ المسلمَ عن الذهاب. اليهم والاخذ بأقوالهم ما أخرجه الامام مسلم عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، أمهات المومنين عن النبي - ﷺ - قال: \"من أتى عرافا فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاته أربعين ليلة\"، وفي رواية إلامام احمد بن حنبل من مسنده: \"من أتى عرَّافا أو كاهنا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزِل على محمد\" لأن مما أنزل عليه - ﷺ - أن الغيب لا يعلمه إلا اللهُ، فعمَلُ المنجمين والعرافين والكُهَّان يعتمد على الرجم بالغيب وعلى الخيال والاوهام، ويهدف إلى تضليل السذج من الناس وضِعاف الإِيمان والعقول، فهو عمل حرام. أعاذنا الله من ذلك، وحفظنا منه، وهدى الناس للتمسك باعتقادهم الصحيح فِى الله ﷾.\nومن هنا يظهر الفرق بين عمل علماء الفلك والتوقيت، حيث ينبني على علم دقيق بالحساب ومعرفة علمية وحركات الافلاك، ويتلقاه الناس خلفا عن سلف، وبين عمل المنجمين، القائم على الاوهاء والخيال والضلال المبين، أعاذنا الله من ذلك ووقانا من شره وإثمه، وحفظنا في اخلاص توحيد الله سبحانه وعبادته، فهو سبحانه العليم وحده بالغيب كله، الفاعل لما ويد في كونه وبعباده، إذا اردا شيئا قال له كن فيكون، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، وبقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].\n(٨٦) الاختلاف في حال، هو مصطلح فقهي يراد به أن القائل بقول لو نظر إلى أساس قول خالفه وإلى أصله ردليله ووجهة نظره لقال بقوله ولم يخالفه فيه، الطرف الآخر كذلك.\n(٨٧) السلف الصالح من علماء السنة، ومنهم الاشاعرة في مباحث علم التوحيد، لا يقبلون بالقوْل بتأثير الأشياء بنفسها وذاتها، ولا بطعِها ولا بِعِلتها، ولا بقوة مودَعة فيها، فالنارُ مثلا تحرق وتؤثر بقدرة الله وبأمره، ولذلك لم تحرق نبي الله ابراهيم ﵇، وذلك معجزة له وكرامة له أظهرها الله له، وردَّ لها كيد أعدائه حين قال الحق سبحانه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] والطعام يُشبعُ، والماءُ يُرْوي ويزيل الظمأ والعطش بإذن الله وأمره، وإرادته وقدرته، لا بذات الطعاء والماء نفسه، ولذلك قال صاحب منظومة الخريدة البهية في العقائد التوحيدية لناظمها أبي البركات أحمد بن محمد الدّرْدير ﵀ حين نظم هذه الحقيقة بقوله:","vol":"2","page":403},{"text":"ينبغي أن يُعتَقَدَ فِيمَا يُصيبُونَ فيه أن ذلك على وجه الغالب، لقوله ﵇: \"إذا نشأتْ بحْرِيَّةٌ ثم تشآمت فتلك عينٌ غَدِيقة\"، (٨٨) فهذا يبين ما يجب ويَحرُمُ مِن تَعَلَّمِ أحكامِ النجوم.\n\nالقاعدة السادسة\nفي تمييز الغيبَة التي لا تَحرُمُ من التي تحرم (٨٩)، فأقول أولًا:\nالغيبَةُ أن يُذكَر المرءُ بما يَكْره أن يسمعه، قاله ﵇، فقيل له: يا رسولَ الله، وإن كان حقًا، قال: \"إن قلتَ باطلا فذلِك البتهان\". (٩٠) وأعطانا\n_________\n= ومن يقل بالطبْع أو بالعِلّة ... فذلك كفر عند أهل الملة\nومن يقل بالقوة المودَعة ... فذاك بدْعِيٌ فلا تلتفِتِ\n(٨٨) أخرجه الامام مالك ﵀ في الموطأ في ترجمة الاستمطار بالنجوم. ونقَل فيه الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني شارحُ الموطأ ﵀ قول الحافظ ابن عبد البر ﵀، حيث قال: لا أعرف هذا الحديث بوجه في غير الموطأ، إلا ما ذكره الشافعي في كتابه (الأمّ) عن محمد بن ابراهيم بن ابي يحيي عن اسحاق بن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: إذا نشأت بحرية (اي سحابة بحرية) ثم استحالت شامية فهو امطرُ لها\". قال: وابن أبي يحيى وإسحاق ضعيفان لا يُحتج بهما.\nومعنى تشآمت في رواية الموطأ أخَذَتْ نحو الشام واتجهت إليه كما في رواية الامام الشافعي. والشام من المدينة في ناحية الشمال، أي إذا مالت السحابة من جهة الغرب إلى الشمال دلَّتْ على المطر الغزير. ومعنى كلمة غُديقة بالتصغير كثيرة الماء، ومنه الآية الكريمة في قول الله تعالى من سورة الجن، ١٦: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ وقيل: غديقة بفتح الغين على أصلها\nكلمة مكبَّرة.\n(٨٩) هي موضوع الفرق الثالث والخمسين والمائتين بين قاعدة الغِيبة المحرمة، وقاعدة الغِيبة التي لا تَحْرُمُ\". جـ ٤. ص ٢٠٥. هـ.\n(٩٠) وأصل النهي عنها في القرآن الكريم قولُه تعالى في سورة الحُجُرات، ١٢: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وهذا الحديث الذي أورده الشيخ البقوري هنا نقلا عن كتاب القرافي، ونَصُّهُ بتمامه هو ما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: أتَدْرون ما الغِيبة؟ قالوا: اللهُ ورسوله أعلم، قال: ذِكْرُكَ أخاك بما يَكرَه، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم بكن فيه فقد بهتَه\". أخرجه الائمة مسلم وأبو داود الترمذي. وعنه أيضا عن النبي - ﷺ - قال: \"إنَّ من اكبر الكبائر استطالةَ الرجل في عِرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السَّبَّتانِ بالسَّبَّة\". وما قيل في الرجل يقال في المرأة، فإن النِساء شقائق الرجال في الأحكام.\nوعن عبد الله (ابن مسعود) ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: لا يبلغْنِي أحد مِنْ أصحابي عن أحدِ شيئا، فإني احب إن اخرج إليكم وأنا سليم الصدر\". رواه أبو داود والترمذي رحمهما الله.","vol":"2","page":404},{"text":"هذا أنه لا يكون ذلك غِيبة إلا إذا كان غائبا، لقوله أنْ يسمعه، فدَلّ على أنه ليس بحاضر.\nواستُثتى من الغِيبةِ ستُّ صُورٍ:\nالأولى النصيحة، لقوله ﵇ لفاطمة بنتِ قِيس: \"أما معاويةُ فصعلوك لا مالَ له، وأمّا أبو جَهْم فهو لا يضعُ عصاهُ عن عاتقه. (٩١)\nويُشترَط في هذا القسم أن تكون الحاجة الخاصة ماسة لذلك، وأن يقتصر الناصح من العيوب على ما يُخِل بتلْكَ الصلحة خاصة، التي حصلت المشاورة بها، أو التي يعتقد الناصح. أن المنصوح شَرع فها أو هو على عزم ذلك، فينصحه وإن لم يستشرْه، فإنَّ حفْظ مال الانسان وعرضه ودمِه عليك واجب، وإن لَمْ يَعرض لك بذلك. (٩١ م)\n_________\n(٩١) عن فاطمة بنت قيس ﵂ أن النبي - ﷺ - قال لها: أنكحي أسامةَ\". رواه الامام مسلم. وفاطمة بنت قيس قرشية فهرية، أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأول، وكانت ذات جمالٍ وفضل وكمال.\nوالحديث فيه أنها جآت إلى رسول الله - ﷺ - بعد أن طلقها زوجها أبو عمْرو بنُ حفص بن المغيرة، طلاقا ثلاثا، وانقضت عدتها منه، فأخبرته أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جَهْم خطباها، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه (أي مَنْكِبه)، وذلك كناية عن كونه كثير الإذاية والضرب لنسائه)، كما جاء في رواية أخرى: وأما معاوية فصعلوك لا مال له\" (أيْ فقير)، فكلمَة لا مال له، صفة كاشفة ومُبَيِّنَة لمعنى كونه صعلوكا.\nوفقهُ الحديث أن النبي - ﷺ - أمرَ فاطمة بنتَ قيس بعد بينونتها بينونة كبرى من زوجها وانتهاءِ عدتها منه أن تتزوج أسامة بن زيد، وهو مولاه ابنُ مولاه (أي ابنُ عتيقه زيد بن حارثة)، وهي قرشية، وقدَّمه على أكفائها ممن ذُكِر، ولا يُعلَمُ أنه طلبَ من أحد أوليائها إسقاطَ حقه في الولاية عنها حتى تتزوج بغير كفئها.\n(٩١ م) كذا عند القرافي في هذا الفرق: \"وفي نسخة خ. ع. \"فإن حفظ مَالِ الإنسان وعرضِهِ ودمه عليه واجبٌ حِفظُهُ، وإن لم يتعرض بذلك، وفي ت: فإن حفْظ مال الانسان واجِبٌ، ودَمُهُ وعرْضُه عليه حرام وفي نسخة ت: فإن حفظ حال الانسان واجب، ودَمه وعرضه عليه حرام وإن لم يُعَرض بذلك. وفي نسخة ح: فإن حال الانسان وعرَضُه ودَمه عليه حرام، وواجب حفظه وإن لم يعرض بذلك. وإذا كانت عبارة القرافي أوضح وأسلم، فإن المعنى المقصود من مختلف هذه العبارات هو أن هذه الأمور واجبة الحفظ من الِإنسان تجاه نفسه وتجاه غيره.","vol":"2","page":405},{"text":"الثانية: الجرح والتعديل في الشهود عند الحكام، وأمّا عند غيْر الحكَّام فيحْرُمُ، وكذلك رُواة الحديث يجوز وضع الكتب في ذلك، والإخبارُ به.\nويشترط في هذين القسمين أن تكون النية خالصة لله تعالى في نصيحة المسلمين وعند حكامهم وفي ضبط شرائعهم، وأمّا إذا كان للهوى فذلك حرام، وإن حصلت به المصالح عند الحكام وللرّواة.\nواشتُرِط أيضا في هذا القسم الاقتصارُ على القوادح المخلة بالشهادة أو الرواية، فلا يقول: هو ابن زِنىً، ولا غيرُ ذلك من المؤلمات التي لا تَعَلَّقَ لها بالشهادة والرواية.\nالثالثة: المُعْلِن بالفسوق كقول امرئ القيس:\nفمثلَكِ حُبْلى قد طرَقتُ ومرضعًا، (٩٢) .................\nفلا يضر أن يحكى ذلك عنه، لأنه لا يتآلم إِذا سمعه، كذا من أعلن بالمَكْس، وهكذا كلّ من لا يتألم بمعصية.\n_________\n(٩٢) هذا شطر بيت من قصيدة المعلقة للشاعر الجاهلي المذكور، وهو\nفمِثلك حبلى قد طرقتُ ومرضعٍ ... فألهيتها عن ذي تمائم مُحْولِ\nومعلوم أن امرأ القيس فاحش الغزل في شعره ومكشوف فيه، كما هو واضح من قراءة الابيات الأوَلى الغزلية من قصيدته هذه، فهو ليس بالشاعز الغزلي العفيف، كما نراه عند بعض الشعراء منهم في قصائد المعلقات وغيرها من قصائدهم الأخرى.\nووجه نصب كلمة \"ومرضعا\" على ما هنا عند الشيخ البقوري انها تكون معطوفة على كلمة: \"فمثلك\"، المنصوبة بالفعل طرقتُ، على أن الرواية المحفوظةكما هي في شرح الاديب المحقق ابي عبد الله الزوزني هي أن الكلمتين مجرورتان: الأولى: \"فمثلك\" بحرف الجر رُبَّ المقدَّر، والثانية \"ومرضع\" معطوفة عليها، أي فرَبَّ مثلِكِ حبلى قد طرقت ومرضع\"، وهي الرواية الموجودة عند القرافي في هذا الفرق. ومعلومٌ في علم النحو أن المجرور بحرف رب هو مجرور لفظا، مرفوع تقديرا على أنه مبتدأ، وما بعده من مفرد مرفوع أو جملة تتم بها الفائدة هو الخبر، على حد قول صاحب الالفية النحوية:\n\"والخبرُ: الجزء المتم الفائدة ... كـ اللهُ بَرٌّ والايادي شاهدة،\nومفردًا ياتي وياتي جملة ... حاوية معنى الذي سِبقت له\nوإن تكن إياهُ معنى اكتفَى ... بها، كنطِقي، اللهُ حسبي وكَفَى\n(٩٢ م) في نسخة ت: ويُنْهَى الناسُ عنها\"، وكان مقتضَى انسجام العبارة مع سِياقِ ما قَبْلَهاَ أن يقال: وينفِرُوا\" بالجمع، والامر سهل ما دام المعنى واضحا.\nولا يردُ على هذا الوجه أن حرف الجر رُبّ يدخل على النكرة دون المعرفة، فإِن كلمة مثل، موغلة في التنكير، مثل شيء، فلا تستفيد تعريفا من الإضافة إلى الضمير.","vol":"2","page":406},{"text":"الرابعة: أرْبَاب البدع والتصانيف المضِلة ينبغي أن يُشهَر في انناسِ فسادها وعيبها، وانهم على غير الصواب ليحذرها الضعفاءُ وينفرَ (٩٢ م) عن تلك المفاسد التي فيها، بشرط أن لا يتعدّى فيها الصدقَ ولا يفتري على أهلها من الفسوق ما لم يفعلوه، بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال عن المبتدع: إنه يشرب الخمر ولا إنه زنى، ولا غيرُ ذلك مما ليس فيه.\nومن مات من أهل الضلال ولم يتْرُك شيعة ولا كتبًا، وستَره الله يُسْتَرُ عليه فيتْرَكُ ذِكرُهُ، ولا يذكَرُ لهُ عيبٌ البتَّة. وقد قال ﵇: \"لا تذْكُرُوا أمواتكم إلّا بخير\". (٩٣).\nالخامسة: إذا كنتَ أنت والمغتابُ عنده قد سبق لكما العلم بالمغتاب فيه، فإن ذِكْرَه بعد ذلك لا يحُط قدْرَ المغتاب عند المغتاب عنده، لتقدم علمه بذلك.\nالسادسة: الدعوى عند وُلَاة الامور، يجوز أن فلانًا أخذ مالي وغصَبَني إلى غير ذلك من القوادح، لضرورة دفع الظلم.\nقلت: نَقَصَه أن يكون معروفا بذكر اسم يُكْرَهُ، كالأعمش، والأعرج، ونقَصَه الاستعانة على تغيير المنكر. وحديثُ \"لا غِيبةَ في فاسقٍ\".\n_________\n(٩٣) ورد معنى هذا الحديث بلفظ آخر عن أم سلمة ﵂ قال رسول الله - ﷺ -: إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون. (أي يقولون: آمين). قالت أمُّ سلَمة، فلما مات أبو سلمة أتيت النبي - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات، قال: قُولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقِبني منه عُقْبَى حسنة، فقلت ذلك، فأعقبني الله مَن هو خير (أيْ محمدا - ﷺ -) (أيْ تزوجَها رسول الله - ﷺ -) وكانت بذلك إحدى أمهات المومنين، ﵅ جميعا. رواه ائمة الحديث: مسلم واصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، ونقله عنهم الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري في كتابه: \"الترغيب والترهيب\".\nوعن ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله - ﷺ -: أذْكروا محاسن موتاكم، وكُفوّا عن مساويهم\" رواه الائمة: أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه. فرحم الله ائمة الحديث والسنة، وسائر علماء الامة، وألحقنا بهم مسلمين مومنين، بفضله وكرمه وجوده العميم.","vol":"2","page":407},{"text":"قال شهاب الدين: سألت عن جماعة من المحدثين فقالوا: لم يَصِحَّ. (٩٤)\nقلت والنميمة أيضا محرَّمة، (٩٥) وهي أن تنقل اليه عن غيره أنه يتعرض لأذاه. وحُرِّمَتْ، لقوله ﵇: \"لا يدخل الجنة نمّام\" (٩٦)، ولما فيها من البغضية بين الناس. ويُستثنى منها أيضا النصيحة، كأن يقول له: إن فلانا يقصد قتلك، فهو من النصيحة الواجبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>القاعدة السابعة:\nفي الفرق بين الحسد والغبطة </span>(٩٧)\n_________\n(٩٤) جاء نصه في كتاب: \"الأسرار المرفوعة\" لعلي القارئ، وفي كشف الخفاء ومزيل الإِلباس للمحَدث الشيخ اسماعيل بن محمد العجلوني، وفي الدُّرَرِ المنتثرة في الاحاديث المشتهرة، لمؤلفه جلال الدين السيوطي، ﵏ جميعا، كما جاء ما يستفاد من لفظه معنى هذا الحديث وهو نصُّه: فعن عائشة ﵂ قالت: استاذَنَ رجل على النبي - ﷺ - فقال: إئذَنوا له، بيس أخو العشيرة أو ابنُ العشيرة، فلما دخل ألَان له الكلام، فقلت: يا رسول الله، قلتَ الذي قلتَ، ثم ألَنْتَ له الكلام، قال: أيْ عائشةُ، إنّ شرَّ الناسِ من تركَه الناس أو ودَعَه الناس (بتخفيف الدال) اتقاءَ فحشه\". رواه الشيخان، وأبو داود والترمذي ﵏.\nفالحديثُ يدل على جواز ذِكر حال الفاسق الخارج عن طاعة الله، والمتجاهر بالمعاصي، وذلك ليَحْذَره الناسُ ويتقوا شره وسوءَ أخلاقه، أو ليَبْلُغَهُ حديثُ الناس فيه، فيرتدعَ وينزجر عن فسقه، ويستغفر ويتوب إلى ربه، فيصير صالحا في نفسه، نافعا لنفسه وأهله ومجتمعه.\n(٩٥) هي موضوع الفرق الرابع والخمسين والمائتين بين قاعدة الغيبة، وقاعدة النميمة والهمز واللمز\" جـ ٤. ص. ٢٠٩. وهذا الفرق يُعتَبر من أخصر الفروق عند شهاب الدين القرافي ﵀، بحيثُ لم يتجاوزْ أربَعَة سطور من الكتاب، ولم يعلق عليه الشيخ ابن الشاط ﵀. والهمز تعْييبُ الانسان بحضوره، واللمزُ تعييبه بغَيبته، (حال كونه غائبا).\n(٩٦) أصل النهي عن النميمة، قول الله تعالى، خَطابا لنبيهِ الكريمِ، وتشنيعا على الذي كان من ألد أعداء النبي والمسلمين، وهو الوليد بن المغيرة، الموصوفُ باوصاف دْميمة جمعتها هذه الآية الكريمة، ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. سورة ن، الآية: ١٠ - ١٣، كما نزل في شأنه قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سورة المدثر: الآيات: ١١ - ١٧.\n(٩٧) هي موضوع الفرق الثامن والخمسين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين. جـ ٤، ص ٢٢٤، ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":408},{"text":"فاعلم أنهما اشتركا في أنهما طَلبٌ من القلب، غيرَ أن الحسد تمنِّي زوال النعمة عن الغير، وحصولها للحاسد، والغِبْطَةُ تَمنِّي زَوالِهَا من غير طلبِ حصولها للحاسد. ثم الحسد حسدان: حسد تَمَنى زوال النعمة وحصولها للحاسد، وتمَنَّي زوالها من غير طلب حصولها للحاسد، وهو شرّ الحسَدين، لأنه طلب المفسدة الصِّرفة من غير معارض عادي طبعي (٩٨). ثم حكْمُ الحسد التحريمُ، وأمَّا الغِبطةُ فالاباحة.\nقلت: إلَّا ان يكون في خير فالندْبية، لقوله ﵇: \"لا حسد إلّا في اثنتين: رجُلٍ أعطاه الله قرَانا فهو يقوم به ليلا ونهارا، ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفق منه سرًا وجهارًا\" (٩٩). وأدلة تحريم الحسد كثيرة، فمنها قوله ﵇. \"لا تحاسدوا\" (١٠٠)، والاجماع منعقد على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>القاعدة الثامنة:\nفي الفرق بين التكبر والتجمل بالملابس، وبين الكِبْر والعُجْب </span>(١٠١).\n_________\n(٩٨) نسبة إلى طبيعة، وهو استعمال قياسي في فَعِيله بفتح الفاء، كما أن النسب إلى فُعَيلة بضم الفاء فُعَلى كذلك بضمها وفتح العين كجُهَنى نسبة إلى جُهينة، قال: محمد بن مالك ﵀ في ألْفِيَّته النحوية والصرفية في باب النسب:\nوفَعليٌّ في فَعيلةَ التُزِمْ ... وفُعَليّ في فُعيلَة حُسِم\n(٩٩) رواية أخرى لهذا الحديث: عن ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا حسد الا في اثنتين (أي خصلتين اثنتين): رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلَكته في الحق (أيْ إنْفَاقِهِ فيه)، ورجل آتاه الله الحكمة (أي العلم فهو يقضي بما ويعلمها). رواه البخاري والترمذي ﵏. فالمراد بالحسد في هذا الحديث الغبطة، وهي تَمني ما عند الغير من العلم والمال لفعل الخير ونفع الناس بهما، فهى جائزة ممدوحة ومحمودة بهذا المعنى.\n(١٠٠) عن أبي هريرة ﵁ أن رصول الله - ﷺ - قال: \"إياكم والظَّنِّ، فإنَّ الظن أكذَبُ الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تَنافَسُوا، ولا تحاسدوا ولا تباغَضُوا ولا تدَابروا، وكونوا عِبَاد الله، إخوانا\". متفَقٌ عليه.\nوعنه أيضًا أن الوصول - ﷺ - قال إياكُمْ والحسدَ فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النارُ الحطبَ.\n(١٠١) هي موضوع الفرق التاسع والخمسين والمائتين بين قاعدة الكِبرِ وقاعدة التجمل بالملابس والمراكب، وكذا الفرق الستون والمائتان بين قاعدة الكِبْر والعُجْب\" جـ ٤. ص ٢٢٥ - ٢٢٧، وهما من الفروق القصير عند شهاب الدين القرافي ﵀، وَلم يعلق عليهما بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":409},{"text":"إعلم أن الكِبْر بَطر الخقّ وغَمْطُ الناس، كذا قال - ﷺ - (١٠٢)، ثم يَحْسُنُ على أعداء الله إذا كان لله. ومعتى بطرْ الحق رَدُّه على قائله، وغمْطُ الناس احتقارهم. ويقوّي ما قلناه قولُهُ تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. (١٠٣).\nوالكِبْرُ من الكبائر. يكفي في الدليل على ذلك قوله ﵇: \"لا يدخل الجنةَ كن في قلبه مثقال ذَرّةٍ من كِبْر\" (١٠٣ م).\n_________\n(١٠٢) ونصّ هذا الحديث بتمامه: عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يدخل الجنةَ مَن كان في قلبه مثقال ذَرة من كِبْر، فقال رجل: إن الرجل يحبُّ أن يكون ثوبُه حسَنا، ونعْله حسنةَ، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْر بَطر الحق، وغَمْط الناس\" رواه الإِمامان: مسلم والترمذي، رحمهما الله.\nفالله سبحانه مُتَّصِف بكل كال، ومنزَه عن كل نقص، ويحبُّ أن يرَى أثر نعمته على عبده كما جاء به الحديث. وعن حارثة بنِ وهب ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: ألا أخبركم بأهل الجنة، كلُّ ضعيف متضاعِف، لو أقسم على الله لأبره. ألا اخبركم بأهل النار: كل عُتُل، جَوَّاظ مستكبِر\" رواه الشيخان والترمذي، والعُتُل هو غليظ الطبع الجافي للناس في المعاملة، والجواظ هو المناع للخير، المختال والمستكبر. وفي القرآن الكريم من وصايا لقمان ابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [سورة لقمان الآية ١٨].\n(١٠٣) وأولها قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ سورة المائدة. الآية ٥٤.\n(١٠٣ م) عن عبد الله (بن مسعود) ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: لا يدخل النارَ احدٌ في قلبه مثقال حبة خردل من ايمان، ولا يدخل الجنة احد، في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياءَ\". وعنه أيضا عن النبي - ﷺ - قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذَرة مِن كِبْر، قال رجل: يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعْلة حَسَنًا، قال: ان الله جميل يحب الجمال. الكِبْرُ بطرُ الحق وغَمْطُ الناس\" الإِمام مسلم ﵀.\nفَحُسْنُ اللباس تجَمّلٌ، والله يحب المتجملين. وَالكبر انكار الحق، واحتقار الناس، وهو ما لا يرضاه الله لاحد بن امة الاسلام، فان من تواضحَ لله رفعه، وقد جاَءت كلمة خردل (أي أصغَر شيء مثل الذّرة) في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، سورة الانبياء، الآية ٢٧.","vol":"2","page":410},{"text":"ثم الكِبْرُ قد يكون واجبا على الكفار في الحرب وغيره (١٠٤)، وقد يكون مندوبا كالكبر على المبتدعين، وقد يكون حراما، والاباحة فيه بعيدة.\nوأمَّا التجمل بالملابس فهو من أفعال، لجوارح لا من دعل القلب، فينقسم إلى الأحكام الخمسة بحسب ما. قُصدَ له ذلك التزيين.\nثم ما يقع به الفرق ايضا أن أصْل التجمل الإِباحة، لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ (١٠٥) حتى يوجد ما يدل على التحريم أو غيرِه، وأصل الكبر التحربم حتى يوجد ما يدل على خلاف ذلك.\n_________\n(١٠٤) كذا في جميع النسخ الثلاث على اعتبار أن كلمة الحرب قد تذكر، والأغلب والأفصح استعمالها مونثة، بدليل قول الله تعالى خطابا لعباده المومنين في حالة جهادهم للكافرين: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ سورة محمد. الآية ٤.\nوعن ذلك قول الشاعر الجاهلي الحكيم، زهير بن أبي سلمى في قصيدته المعلقة الشهيرة، وهو يصف فيها الحرب الطويلة التي قامت بين قبيلتي عَبس وذبيان، واستمرتْ سنوات أدت إلى تطاحن كبير، وإلى شَر وَبيل مستطير، ويدعوهما إلى الصلح والتصالح، ويمدح الشخصين والرجليْن اللذين سعيا في ذلك الصلح، وهما هَركما بن سنان، والحارث بن عوف، فقال في ذلك، وهو يخاطب المتحاربين من قبيلتي عبس وذبيان، ويحذرهم من سوء عاقبة الحرب ويدعوهم إلى الصلح والتصالح ويرغبهم فيه.\nوما الحربُ الا ما علمتم وذُقْتمو ... وما هو عنها بالحديث المرجَّم\nمتَى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتَضْرى إذا ضرَّيتموها فتَضْرم\nفَتْعركْكُم عرك الرحى بثِفالها ... وتلْقَحْ كِشافا ثم تُنتِجْ فتُتئم.\nأي إن نتيجة الحرب إفناءُ وإهلاك الطرفين المتحاربيْن، وطحْنُهما مثلما تطحن الرحى خِرقتها المبسوطة تحتها ليقع فيها الطحين، وتتولد عها أصناف الشرور، مثلَما تتولد الاولاد الناشئة من الامهات، وهي كذلك في كل زمان ومكان، ومصائبها وشرورها ومآسيها في هذا العصر والأوان اعظم واكبر، ولذلكم فإن العقلاء من الناس يعملون دائما على تجنبها، اللهم الا ان تكون دفاعا محضا عن عقيدة المسلم ودينه ليوطنه، وإعلاء لكلمة الله، فإن المسلمَ يَستَعْذبها ويتحمس لها حينئذ ويعتبرها ووراها جهادا في سبيل الله، ونصر للحق، ولدينه الحنيف.\nومن الموافقات والفوائد اللغوية أن كلمة السلم، ضد الحرب، هي بدورها تُستعمل كذلك مونثة، ومن ذلك قول الله تعالى خطابا لنبيه الكريم في معاملته للكافرين اثناء الحرب وجهاده لهم إعلاء لكلمة الله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. سورة الأنفال: الآية ٦١. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ سورة البقرة، ٢٠٨.\n(١٠٥) وتمامها من اولها، قول الله نعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. سورة الأعراف، الآية ٣٢.","vol":"2","page":411},{"text":"وحيث علِمتَ الكِبرَ فاعلَم أن العُجْبَ (١٠٦) رؤية العبادة واستعظامُها، فلا تُفسد العبادة، لأنها تقع بعدها، بخلاف الرياء فإنه يقع معها فيفسدها.\nقلت: قد ذكر العلماء أن الرياء إذا طرأ بعد العمل بأن يتكلم بالعبادة الماضية ويتحدث بها رياءً يفسدها.\nقلت: قال أبو حامد في الكِبر: هو رؤية الانسان نفسَه فوق رؤية المتكبِّرَ عليه. قال: والعُجْبُ استعظام النعمة والركونُ إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم.\nقال شهاب الدين: الكِبْر راجع للخلْق (أي للمخلوق) والعباد، والعُجْبُ راجع للِعبادة ...\nقال شهاب الدين: ومن حيث كان العجب عملًا قلبيا ظهر الفرق بَيْنَهُ وبين التسميع فإنه عمل لساني، اممنهما اشترَكا في أَنهما يكونان بعد العبادة لا معها، بخلاف الرياء فإنه يكون مع العبادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>القاعدة التاسعة\nفي تقرير المداهنة الجائزة وتمييزِها عن التي لا تجوز</span>. (١٠٧)\n_________\n(١٠٦) العُجْب بضم العين وسكون الجيم، فسره المؤلف كما فسره القرافي رحمهما الله، والرياء عمَلُ الانسانِ العمل ليراه الناس ويظهر لهم، وهو مُذْهِب بالعمل وحسناتِهِ، لانه غير خالص لوجه الله الكريم، وفي القرآن الكريم آخر سورة الكهف، الآيةُ ١١٠، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.\nوفي الحديث الصحيح عن جندب. ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"مَن سَمَّع سمع الله به، ومن يرائى يرائِى الله به\"، رواه الشيخان والترمذي. ﵏.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول - ﷺ -: قال الله تعالى: \"أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمِل عمَلًا أشرَكَ مَعِي فيه غيري تركته وشِرْكَه\" أي تركته ليأخذ منه الثواب في الآخرة، وهو لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا. رواه الإِمام مسلم ﵀.\n(١٠٧) هي موضوع الفرق الرابع والستين والمائتين بين قاعدة المداهنة المحرمة وقاعدة المداهنة التي لا تحرم وقد تجب\" جـ ٤. ص ٢٣٦\nوهو كذلك من الفروق القصيرة عند القرافي ﵀. ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":412},{"text":"معنى المداهنة معامله الناس بما يحبون من القول (١٠٨).\nواعْلَمْ أنها تختلف بحسب اختلاف الاحكام الخمسة، فقد تكون حرامًا كشكْر الظلَمَةِ، لأنها وسيلة لتكثير الظلم، وقد تكون واجبا إذا توصل به لدفع ظلم حرّم أو محرمّات لا تندفع الا بذلك، وقد تكون مندوبا إن كانت وسيلة لمندوب، وقد تكون مكروهًا، إن كانت عن ضَعف لا لضرورة تتقاضاه، أو تكون وسيلة للوقوع في مكَروه، وقد تكون مباحًا، وذلك بأن يشكَر من يَتقي شرّه بأن يذكر ما فيه من الصفات الحسنة ويُعْرض عن مساوئه (١٠٨ م).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>القاعدة العاشرة:\nفي تمييزِ المعصية التي هي كفر عن المعصية التي ليست كفْرًا</span>.\nإعْلَمْ أن النهي يَعتمد المفاسد كما أنَّ الأوامر تعتمد المصالح.\nفأعْلى رتب المفاسد الكُفْرُ، وأدناها الصغائر، والكبائرُ متوسطة بين المرتبتين (١٠٩).\n_________\n(١٠٨) قال القرافي: ومنه قوله تعالى في سورة ن: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي هُمْ يوَدونَ لو أثنيت على أحوالهم وعباداتهم فيقولون لك مثل ذلك، فهذه مداهنة حرام، وكذلك كل من شكر ظالما على ظلمه، أو مبتدعا على بدعته، أو مبطِلا على ابطاله وباطله فهي مداهنة حرام، للعلة التي ذكرها البقوريِ. وروي عن أبي موسى الاشعرى أنه كان يقول: إنَا لنشكر (أو لنَبشُّ) في وجوه قوم، وإنَ قلوبنا لَتَلعنهم\".\nوختم القرافي كلامه في هذا الفرق بقوله: فانقسمت المداهنة على هذه الاحكام الخمسة الشرعية، وظهر حينئذ الفرق بين المداهنة المحرمة وغيرها. وقد شاع بيْن الناس أن المداهنة كلها محرمة، وليس كذلك، بل كما تَّم تقريره.\nقلت: ولعل من هذا المَعْنى الجائز شرعا في المداهنة ما جَاء في قول زهير ابن أبي سلمى في معلقته.\nومن لم يُصَانع في أمور كثيرةٍ ... يُضَرسْ بأنياب ويُوطأ بِمَنْسِمِ\nومن يجعلَ المعروف من دون عرضه ... يفِرْهُ ومن لا يتّقِ الشتم يُشْتَمِ\n(١٠٨ م) هي موضوع الفرق الواحد والاربعين والمائتين بين قاعدة المعصية التي هي كفر، وقاعدة ماليس بكفر\" جـ ٤. ص ١١٤.\n(١٠٩) قال ابن الشاط هنا إن أراد (أي القرافي) المفاسد بمقتضى الشرع فلا شك أن الكفر أعظم المفاسد، وما عداه تتفاوتُ رُتَبه.","vol":"2","page":413},{"text":"أكثَرُ التباس الكفر بالكبائر، فأعلى رتبةِ الكبائر يليها أدنى رتبة في الكفر (١١٠). والكفرُ انتهاك خاص بحُرمة الربوبية، إمَّا بالجهل بوُجُود الله وصفاته العُلى، (١١١) وإمَّا بِفِعْلٍ، كرمي المصحف في القاذورات، والسجود للصنم، والتردد للكنائس في أعيادهم، وإمّا جحْدُ ما عُلِمَ من الدين بالضرورة.\nفقولنا: انتهاك خاص، احترازًا من الكبائر والصغائر، فإنها انتهاك وليست كفْرا، (١١٢) وسيأتي بيان هذا الخصوص إن شاء الله تعالىِ. وجحدُ ما عُلِمَ\n_________\n(١١٠) عبارة القرافي هكذا: \"وأكثرُ التباس الكفر إنما هو بالكبائر، فأعلَى رتب الكبالًر يليها أدنَى رتب الكفر، وأدنى رتب الكبائر يليها أعلى رتب الصغائر\".\nقال ابن الشاط معقبا على هذا الكلام عند القرافي: ما قاله من أن أكثر التباس الكفر إنما هو بالكبائر ليس بصحيح، كيف يلتبس الكفر بالكبائر، والكفر أمر اعتقادي، والكبائر أعمال وليست باعتقاد، سواء كانت أعمالا قلبية أو بدنيَّة.\nثم قال ابن الشاط: \"رمْىُ الصحف في القاذورات لا يخلو أن يكون خ العلم بالله تعالى أو مع الجهل به، فإن كان مع الجهل فالكفر هو الجهل لا عيْنُ رميه، وان كان مع العلم بالله تعالى فلا يخلو أن يكون مع التكذيب به أو لَا، فإن كان مع التكديب به فهو كفر، وإلا فهو معصية غير كُفْر.\nوأما السجود للصنم إن كان مع اعتقاده إلاهًا فهو كفر وإلا فلا، بل يكون معصية إن كان لغير إكراه، أو جائزا عند الإكراه\".\nقال القرافي: \"والتردد على الَكنائس في أعيادهم بزي النصاري ومباشرة أحوالهم\".\nوعقب عليه ابن الشاط بقوله: \"التردد على الكنائس في أعيادهم، ومباشرة أحوالهم ليس بكفر، إلا أن يعتقدَ معتقدَهم\".\nثم قال ابن الشاط: أما جحْدُ ما عُلِم من الدين بالضرورة، إن كان جحده بعد علمه فيكون تكذيبا، والا فهو جهل، وذلك الجهل معصية، لأنه مطلوب بإزالة مثل هذا الجهل على وجه الوجوب.\n(١١١) قال ابن الشاط: ليس الكفر انتهاك حُرمة الربوبية، ولكنه الجهل بالربوبية فلا يصدر - عادة ممن يَدين بالربوبية.\nثم قال ابن الشاط: الجهل بوجود الصانع أو صفاته العُلَى هو الكفر، خاصة عند من لا يصحح الكفر عنادا، وأما عند من يصححه فالكفر إما الجهل بالله تعالى، وإما جحْدُهُ، وانتهاك الحرمة إنما يكون مع الجهل، أما مع العلم فيتعذر عادة، والله تعالى أعلم.\n(١١٢) قال ابن الشاط: ليست الكبائرُ والصغائر انتهاكا لحرمة الله، وإنما هي جرأة على خالفة تَحْمِل عليها الأغراض والشهوات.","vol":"2","page":414},{"text":"من الدين بالضرورة كجحد الصلاة والصوم، أو جَحْدِ أنّ الله لم يُبحْ التّين والعنب. (١١٣)\nثمّ الجهل بالله تسعة أقسام:\nأحدها لم نومَر بإزالته أصْلا ولا نُواخَذُ ببقائه، لأنه لازم لنا لا يمكن الانفكاك عنه، وهو جلال الله تعالى، وإليه الاشارة بقوله ﵇: \"لَا أحْصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك\"، (١١٤) وقوْلُ الصّديق ﵁: العجْز عن دَرك الإِدراك إدراكُ. (١١٥)\n_________\n(١١٣) قال ابن الشاط هنا: \"ما قاله القرافي في ذلك صحيح، إلا كونَه اقتصر على اشتراط شهرة ذلك الأمر من الدين، بل لابد مع اشتهار ذلك من وصولِ ذلك إلى هذا الشخص وعلمه به، فيكون اذ ذاك مكذبا لله تعالى ولرسوله، فيكون بذلك كافرًا، أما إذا لم يعلم ذلك الأمرَ وكان من معالم الدين المشهرة، فهو عاص بترك التسبب إلى علمه، ليس بكافر بذلك، والله أعلم.\" قال اللقاني في منظومة الجوهرة:\nومَن لمعلومٍ ضرورةً حَجَدَ ... مِن دِيننَا يُقْتَلُ كُفرًا ليس حَد\nوقد اختصر الشيخ البقوري في هذا الفرق كلاما طويلا للقرافي، فليرجع إليه من أراد الاطلاع عليه والتويىح فيه، ربما رأى أنه لا داعي للاتيان به في هذا الترتيب والاختصار.\n(١١٤) سبق تخريج هذا الحديث في قاعدة سابقة.\n(١١٥) قال الشيخ ابن الشاط ﵀، معقبا على ما جاء من هذا الكلام عند القرافي ﵀:\nكلامه هذا يقتضي الجزم بأن هناك صفة زائدة على ما دلت عليه الصنعة لكننا لا نعلمها، فإن كان يريد أنا لا نعلمها لا جملة ولا تفصيلا فقد تناقضَ كلامه، إذ مَسَاقُه يقتضي الجزم بثبوتها على الجملة وإن كنا لا نعلمها على التفصيل، وإن كان يريد أنا لا نعلمها على التفصيل وإن علمناها على الجملة فقوله ذلك دعوى لا دليل عليها.\nوهذا المقام مما اختلف الناس فيه، فمِنْهم من يقتضي كلامُهُ أنه لا صفة وراء ما علمناهْ، ومنهم من يقتضي أن هناك جمفاتٍ لا نعلمها، ومنهم من يقتضي كلامه الوقف في ذلك وهو الصحيح، ويترتب عن ذلك أنه لا تكليف بإزالة هذا الجهل ولا مواخذة ببقائه كما قال. والله تعالى أعلم.\nولا دليل له في قول النبي - ﷺ -، لاحتمال أن يريد لا أستطيع المداومة والاستمرار على الثناء عليك، للقواطع عن ذلك كالنوم وشبهه، ولا في كلام الصِّدِّيق ﵁، لاحتمال أن يريد العجز عن الاطلاع على صحيح معلومات الله تعالى، اطلاع على الفرق بين الرب والمربوب، والمالك والمملوك، والخالق والمخلوق، وذلك صريح الإِيمان وصحيح الإيقان، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":415},{"text":"القسم الثاني أجْمع المسلمون على أنه كُفْر. قال القاضي عياض في كتاب الشفا: (نعقد الاجماع على تكفير من جحَدَ أن الله تعالى عالم أو متكلم وغيرُ ذلك من صفاته الذاتية، فإن، جَهِل الصّفة ولم ينفها كفَّره الطبري وغَيْرُهُ. وقيل: لا يكَفَّرُ، واليه رجع الأشعري. ويعَضَّده حديث السوداء لمّا قال لها رسول الله - ﷺ - أيْن ربّك؟ فقالت: فيِ السَّماء. (١١٥ م)\nقال شهاب الدين: فنَفي الصفات، والجزمُ بنفيها هو المجمع عليه، وليس معناه نفي العلمِ أو الكلام أو الِإدراك ونحو ذلك، بل العالم والمتكلم والمريد هو المجمع على كفره، وهذا هو مذهب جمع، كثير من الفلاسفة والدَّهرية دون أرباب الشرائع. (١١٦)\n_________\n(١١٥ م) فى الموطأ (ترجمة ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة) عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكَم أنه قال: أتيتُ رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، إن لي جارية كانت ترعَى غنما لي، فجئْتُها وقد قُقِدتْ شاة من الغنم فسألتها عنها، فقالت: أكلَها الذِّئب، فأسِفْتُ عليها، وكنتُ من بني آدم فلَطمتُ وجهَها، وعليَّ رقبة، \"أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: أيْن اللهُ، فقالت: في السماءِ فقال: من أنا؟، فقالت: أنت رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: أعتقها\" الخ ..\n(١١٦) قال ابن الشاط هنا: أكثر ذلك كله نقل. لا كلَام فيه، الا الاستدلال بالحديثين، فإنه موضع لا يكفي في مثله الظواهر تعين التاويل في الحديثين من جههّ أن حديث القائل \"لئن قدَرَ الله عليَّ لَيعذبُني\"، ظاهره ينفي أن الله تعالى قادر، واحتمالُ أن يكون تارة قادرا وتارة غير قادر، وليس ظاهره نفى أنه قادر بقدرة، وكذلك حديث السوداء، ظَاهِرُهُ أن الله تعالى مستقر في السماء استقرار الأجسام، وهذا، وإن كان غيرَ مُجْمع على أنه كفر، فإنه باطل قطعا، لقيام الدليل على ذلك، وقد أقرها النبي - ﷺ - على ذلك، ولا يجوز أن يقر على باطل قطعا، فعين التاويل هنا، لأن إقرار النبي - ﷺ - على الباطل لا يجوز، والله تعالى اعلم قلت: ومثل هذه الموضوعات من أدق المباحث عند علماء الأصول والتوحيد والكلام، والأولى والأسلم للمرء المسلم أخذها على ظاهرها، والتسليمُ بها كما جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية، وعدمُ الحوض والتعمقِ في مثل هذه الجزئيات والمفاهيم الغامضة على الحقل أحيانا، والتي لا يستطيع إدراك مدلولَاتها وعبارتها الا خاصةُ العلماء الراسخين، المفتوحُ لهم في العلم والفهم في الدين، خاصة أن مثل هذه الجزئيات والتفسيرات والتأويلات الصعبة الإدراك ليست من ضروريات العلم المطلوب في الدين عن كافة المسلمين، فالتسليم وأخْذُ الأمور على ظاهرها هو المطلوب، والعجْز عن الِإدراك إدراكٌ، كما قال أبو بكر ﵁، والخوض في ذات اشراك كما قال العلماء، (أي قد يؤول بصاحبه إلى الشرك)، والعياذ بالله من ذلك.\nفالأسْلَمُ والأنسب هو التسليم والتفويض فيها لله سبحانه، واخْذُ الأمور على ظاهرها. =","vol":"2","page":416},{"text":"القسم الثالث اختُلِف في التكفير به وهُوَ مَن أثبتَ الأحكام بدون الصفات فقال: الله عالمٌ بغير علم، ومتكلم بغير كلام، ومُريدٌ بغير إرادة، وكذا في بقية الصفات، وهو مذهب المعتزلة، فللأشعري ولمالك والشافعي وأبي حنيفة والقاضي في تكفيرهم قولان. (١١٧)\nالقسم الرابع اختلف أهلُ الحق فيه، هل هو جَهْلٌ تجب إزالته، أمْ هو حقٌّ لا تجبْ ازالته؟\nفعلى القول الأول هو معصية، وما رأيت من يُكَفّر به، وذلك كالقِدم والبَقاء، هل يجب أن يعتقد أن اللهَ باق ببقاء وقديمٌ بقِدَم، ويعْصِي من لم يعتقد ذلك، أوْ يجب ألّا يعتقد ذلك، واعتقادُ خلافِ هذا جهْل، عكس المذهب الأول؟\nوالصحيح أن البقاء والقدم لا وجود لهما في الخارج، بخلاف العِلْم والإرادة وغيرهما من الصفات السبعة التي هي العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر. (١١٨)\nالقسم الخامسُ جهْل يتعلق بمتعَلَّق الصفات لا بالصفات، كتعلق إرادة الله تعالى ببعض الأشياء دون بعض من الكائنات وهو مذهب المعتزلة.\n_________\n(١١٧) قال ابن الشاط: ما قاله (اي القرافي) في ذلك صحيح، وهو نقل لا كلام فيه.\n(١١٨) قال ابن الشاط عن هذا القسم الرابع: ما قاله القرافي فيه صحيح، غير ما في قوله \"باق بغير بقاء\" من (إيهام التناقض، ومرادُ مَن عَبر بهذه العبارة ليس ظاهِرَها، بل مراده أن البقاء ليس بصفة ثبوتية (أي فهو صفة عدمية بمعنى عدم الفناء).\nقلت: وهو ملحظ وجيه وتعقيب دقيق عند ابن الشاط ﵀، اذ لا يكاد الذهن يُسَلم عبارة القرافي ولا يتعقلها، ولا يستسيغها ولا يتصورها، ولا يكاد يدركها ويفهمها، ولذلك اعطاها الشيخ ابن الشاط ذلك المعنى الجليَّ والتوجيه والتفسير السليم لتكون عبارة معقولة وسليمة مقبولة، وقد كرت في تعليق سابق كيف ينبغي التعامل مع مثل هذه المباحث والموضوعات والعبارات العميقة عند بعض العلماء المسلمين ﵏، فالأسلم للعامة ولِضعيف العلم والمعرفة عدم الخوض والتفلسف في مثل هذه الكلمات وعدم التعمق في إدراك دلولاتها العميقة، لأن التعمق فيها بتلك الصورة غير ضروري ولا مطلوب في فهم صفات المعاني، والصفات المعنوية.","vol":"2","page":417},{"text":"والمذهب الحقُّ تَعلَّقُ إرادة الله تعالى بتخصيص جميع الكائنات، وفي تكفير المخالف لهذا قولان، الصحيح عدم تكفيرهم. (١١٩)\nالقسم السادس جهْل يتعلق بالذات لا بصفة من الصفات الاعتراف بوجودها، كالجهل بسلب الجسمِيَّة والجِهة والمكان، وهو مذهب الحشوية.\nومذهب أهل الحق استحالة جميع ذلك على الله تعالى. وفي تكفير الحشوية بذلك قولان، الصحيح عدَمُ التكفير. (١٢٠)\nوأما سَلْبُ البُنُوّة والأبوة والحلول والاتحاد ونحو ذلك مما هو مستحيل على الله تعالى من هذا القبيل، فأجمع المسلمون على تكفير من يجوز ذلك عليه تعالى، بخلاف تجوبز غيره من المستحيلات كالجهة ونحوها ممّا تقدَّم ذكرُه.\nوالفرق بين القسمين أن القِسْم الأول الذي هو الجسمية ونحوها، فيه عذْر عادى، فإن الانسان ينشأ عُمُرَه وهو لا يُدرك موجودًا إلا في جهة وهو جِسْم أو قائم بجسم، فكان هذا عذْرًا، بحلاف ما ذكرنا، فإنه رأى موجودات كثيرة لم تلِد ولم تولد، كالأفلاك والأملاك والارض والجبال والبحار، فلمّا انتفت الشبهة الموجِبة للضلال هنا انتفى العذر فكُفِّرَ هنا، بخلاف ما ذكِرَ من الجسمية وما أشبهها (١٢١).\n_________\n(١١٩) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذا القسم الخامس صحيح.\n(١٢٠) قال ابن الشاط هنا: كان الأولى أن يقول: جهل بالصفات السلبية لا جهل يتعلق بالذات، ولا يحتاج إلى قوله \"مع الاعتراف بوجودها\" فإنه في كلامه كالمتناقض، مع أن الحشوية ليس مذهبهم الجهل بسلب الْجِسْمية، بل مذهبهم إثبات الجسمية وما في معناها، إلا أن يطلق على كل مذهب باطل أنه جهل، فذلك له وجْه.\n(١٢١) عبارة القرافي هنا: فلما انتفت الشبهة الموجبة للضلال هنا انتفى الحذر، فانعقد الإجماع على التكفير، وهذا هو الفرق، وعليه تدور الفتاوى، فمن جوَّز على الله ما هو مستحيل عليه، بَتخرج على هذين القسمين.\nوقد علق ابن الشاط على هذا القسم فقال: ما قاله (اى القرافي) في ذلك نقل وتوجيه، وهو صحيح.","vol":"2","page":418},{"text":"القسم السابع: الجهل بقِدَم الصفات لا بوجودها وتَعَلّقها كقول الكَراميَّة بحدوث الارادة ونحوِها، وفي التكفير أيضا بذلك قولان، الصحيحُ عدم التكفير. (١٢٢)\nالقسم الثامن: الجهل بما وقع أو يقع من متعلَّقات الصفات وهُوَ قسمان: أحدُهما كُفْرٌ إجماعا، وهو المراد هنا كالجهل بأن الله تعالى أراد بعثة الرسل وأرسَلَهُم لحلقه بالرسائل الربانية، وكالجهل ببعثة الخلائق يوم القيامة، وإحيائهم من قبورهم، وجزائهم على أعمالهم، على التفصيل الوارد في كتاب الله تعالى وسُنَّةِ رسولهِ، فالجهل بهذا كفْر اجماعا. (١٢٣)\nالقسم الثامن: الجهل بما وقع من متعَلّقات الصفات وهو تعلقها بإيجاد مالا مصلحة فيه للخلق، هل يجوز هذا على الله تعالى أم لا؟\n_________\n(١٢٢) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذا القسم نقل وترجيح ولا كلام فيه.\n(١٢٣) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في القسم الثامن صحبح أيضا، لكن فيه اطلاق لفظ الجهل على المذهب الباطل، فإن الفلاسفة، مذهبهم الجزم بأن لا بعثة للاجسام.\nقلت: وتلك إحدى المسائل الثلاثة التي ينكرها الفلاسفة غير المسلمين فيما ينكرونه من المسائل الاعتقادية الغيبية، اعتمادا على عقولهم البشرية القاصرة، ويؤدي إنكارها إلى الكفر، والعياذ بالله. وقد نظمها بعضهم فقال:\nبثلاثةٍ كَفَرَ الفلاسفةُ العِدَى ... إذْ أنكروها، وهي -حقًا- مُثْبَتَةٌ\nعِلم بِجُزئيْ، حدوثُ عوالم ... حَشْرٌ لأجسادٍ وكانت ميتة.\nفالعقيدة الإسلامية الحق، التي عليها أهل السنة والجماعة وسائر الأمة الإسلامية، أن الله ﷾ أحاط علمه بكل شيء وأحصى كل شيء عددا، وأنه سبحانه، يعلم الجزئيات كما يعلم كليات الأمور، فهو عالم الغيب والشهادة لا يعزب عنه مثقالُ ذَرة في السموات ولا في الأرض، وأن العالَم حادث مخلوق، فقد كان الله سبحانه في الوجود ولا شيء معهْ، وهو القائل سبحانه في كثير من آيات القرآن الكرم ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾. وهو القائل: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. والخلق يقتضي الايجاد من الحَدَم. وأن الله تعالى يبعث الناس يوم القيامة بأرواحهم وأجسامهم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ وقوله سبحانه ردًا على من ينكِرُ إحياء العظام وهِيَ رميم. قل: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.","vol":"2","page":419},{"text":"فأهل الحق يجوزون ويقولون: كل نعمةٍ منه فضلٌ، وكل نقمَةٍ منه عدل، ولا يُسَأل عَمَّا يَفْعَلُ. وفي تكفير المعتزلة بذلك قولان، والصحيح عدمُ تكْفيرهم. (١٢٤)\nوأمّا ما يتعلق بالجُرأة على الله تعالى فهو المجال الصعب في التحرور، وذلك أن الصغائر والكبائر وجميع المعاصي كلها جُرْأة على الله، لأن مخالفة أمر الملك العظيم جرأة عليه كيف كان، فتمييزُ ما هو منها كفْرٌ مبيح للدم صعْبٌ عسير.\nوالطريق فيه أن يكثر النظر فيما قاله أهْل العِلم والفتوى. فما وجده قد صرح به اهل العلم والأئمة الذين يُقْتدَى جمهم، نَقَله في ذلك، كفرًا أو غيْرَه، ومَا لَمْ يجدْ فيه شيئا وأشكل عليه أمْرُهُ توقَّف فيه ولا يفتي فيه بشيء. (١٢٥)\n_________\n(١٢٤) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذا القسم نقل وترجيح.\nثم زاد القرافي هنا قوله: القسم العاشر ما وقع من متعلًقات الصفات الربانية، أو يقع مما لم يكلفْ به كخلق حيوان في العالَم، او إجراءِ نهر، أو إماتة حيوان ونحو ذلك، فهذا القسم لا خلاف فيه أنه ليس بمعصية، وهو جهْلٌ، بل قد يكلَفُ بمعرفة ذلك من قِبَل الشرائع لأمْرِ يخص تلك الصورة، لا لأن الجهل به في حق الله منهى عنه، وهذا القسم هو أحد القسمين اللذبن في القسم الثامن، فهذه عشرة أقسام في الجهل المتعلِّق بذات الله وصفاته العلَى ومتعلقات الصفاتِ وبيانِ الكفر فيها من غيره، والمجمع عليها منها من المختلَف فيه مفصَّلا، وتبين بذلك ما هو كفر منها مما ليس بكفر، هذا ما يتعلق بالجهل.\nوأما ما يتعلق بالْجُراة على الله فهو المجال الصعب، إلى آخر ما ذكره القرافي والبقوري.\nقلت: ولعل كونَ هذا القسم العاشر أحدَ القسمين اللذين في القسم الثامن هو الذي جعل الشيخ البقوري يختصره، وينتقل مباشرة إلى ما يتعلق بالكلام على الجرأة على الله باعتباره المجال الصعب.\nقال ابن الشاط هنا: إن أراد القرافي بكلامه هذا، الجهلَ بأن الله تعالى خَلق شيئا من الحيوانات الموجودات المعلوم وجودُها فذلك كفر لاشك فيه، وإن أراد الجهل بأن الله تعالى خلق حيوانا لا يُعلَمُ وجوده، فذلك ليس بكفر ولا معصية، لأن ذلك الجهل ليس براجع إلى الجهل بتعلق صفاتِ الله تعالى له، بل بوجود هذا المتعلق\".\n(١٢٥) زاد القرافي هنا قوله: فهذا هو الضابط لهذا الباب، أما عبارة مانعة، جامعةٌ لهذا المعنى فهى من المتعذِرات عند من عرف غور هذا الموضع.\nوعقب عليه ابن الشاط بقوله: ليس ما قاله في ذلك بصحيح، فإن التكفير لا يصح إلا بقاطع سمعي، وما ذكره ليس كذلك، فلا معوَّل عليه ولا مستنَد فيه، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":420},{"text":"مسألة. اتفق الناسُ على كفر إبليس لقضيته مع آدم ﵇، وليس ذلك لكبيرة ولا لمخالفة الامر، وإلّا لزم أن يكون كل من اتصف بشيء من ذلك كافرا، بل لنسبة الله تعالى إلى الجَوْر. قال ذلك في قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. (١٢٦)\nمسألة. أطلَق مالكٌ وجماعةٌ سِواه الكفرَ على الساحر، وأنْ السِّحْر كفْرٌ. (١٢٧) والصواب ألَّا يُقْضَى بهذا حتى يتبين معقولُ السحر، إذْ السحر يقال على معانٍ مختلفة.\n_________\n(١٢٦) سورة الاعراف، الآية ١٢، وسورة ص، الآية ٧٦.\nقال الله تعالى في السورة الأولى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ الآيات: ١١ - ١٥.\nزاد القرافي هنا قولَه: وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء، وينبغي أن تَعلم أن ابليس إنما كفر بنسبةِ الله إلى الجوْر والتصرف الذي ليس بِمَرضي ..\nوقد علق ابن الشاط على هذا الكلام الذي اختصره البقوري في هذه المسألة، فقال: ما قاله (أيْ القرافي) من لزوم الكفر لكل ممتنع من السجود ولكل حاسد لكل عاص، ليس بصحيح، لأنه لا يمتنع في العقل أن يجعل الله حسدًا مَا، وامتناعا ما، وعصيانا ما دون سائر ما هو من جنسه، كفرا، اذ كون أمر ما كُفْراَ أو غيرَ كفر، أمز وضعي، وضعَه الشارع لذلك، فلا مانع أن يكون كفرُهُ لا متناعه أو لحسده\" اهـ.\nثم زاد القرافي قوله: وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك (أي للجور والظلم) فقد كفر، لأنه من الجرأة العظيمة على الله).\nوتعقبه ابن الشاط بقوله: ما قاله من الاجماع صحيح، وما قاله من أن ذلك من الجرأة العظيمة ليس بصحيح، بل إنما كان ذلك لأنه من الجهل العظيم بجلال الله تعالى، وبأنه منزة عن التصرف الرديء والجور والظلم، وأن ذلك ممتنع في حقه سبحانه عقلا وسمعا. وما قاله في المسألة صحيح إن كان ما بَنَى عليه كلامه صحيحا.\n(١٢٧) قال القرافي هنا: ولا شك أن هذا قريب من حيث الجملة، (والاشارة بهذا إلى الحكم على الساحر بالكفر)، غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع يقع فيها الغلط العظيم المؤدي إلى هلاك المفتي مع. والسبب في ذلك أنه إذا قيل للفقيه: ما هو السحر، وما حقيقتُهُ حتى يمَضَيَ بوجوده على كفر فاعليه؟ فإنه يعْسُرُ عليه ذلك جدا، ويحكم على السحر والرقَى والخواص والسميا والهيمياء وقوَى النفوس بأنها كلها سحر ومن باب واحد، والتمييزُ بين خصوص كل واحد منها وبما يمتاز به لا يكاد يعرفه أحد من المتعرضين للفتيا، وأنا طولَ عمرى ما رأيت من يفرق بين هذه الامور، فكيف يفتي أحد بعد هذا بكفر شخص معَيَّن أو بمباشرة شيء معيَّن =","vol":"2","page":421},{"text":"ولْنَذْكر السحر ما هو فأقول:\nقال الإِمام فخر الدين الرَّازى قدّس الله روحه: استحداثُ الحوارق، إن كان لمجرد النفس فهو السحر، وان كان على سبيل الاستعانة بالفلكياتِ فذلك دعوة الكواكب، وإن كان على سبيل تخرج القُوى السماوية بالقوى الأرضية فذلك الطلْسمات، وإن كان ذلك على سبيل اعتبار النِسَبْ الرياضية فذلك الحِيل الهندسية، وان كان على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة فذلك العزيمة، فهذا ما للامام.\nوقال شهاب الدين ﵀:\nالسِحر يقع على حقائق مختلفة (١٢٨)، وهي: السيمياء، والهيميا، وخواص الحقائق من الحيواناتِ وغيرها، والطلسمات، والأوفاق، والرُّقَى، والعزائم، والاستخدامات. (١٢٩)\n_________\n= وهو لا يَعرف السحر، كما أفتى البعض بكفر بعض الطلبة واخراجه من المدرسة حين وجد عنده كُراسةً فيها آيات للمحبة والبغضة والتهييج، على اعتبار أنَ ذلك عملُ سِحرٍ، فهذا جهل عظيم، وإقدام على شريعة الله بجهل، وعلى عباده بالفساد من غير علم، فاحذر هذه الخطة الرديئة المهلكة عند الله، وستقف على الصواب إن شاء الله في الفرق ٢٤٢.\n(١٢٨) هذا البحث هو موضوع الفرق الثاني والاربعين والمائتين بين قاعدة ما هو سِحْر يكفرُ به وبين قاعدة ما ليس كذلك. جـ ٤. ص ١٣٦.\n(١٢٩) قال القرافي هنا: فهذهِ عَشْرُ حقائق:\nالحقيقة الاولى السحر، وقد ورد القرآن العزيز بذمه، في قوله تعالى: \"ولا يفلح الساحر حيث أتى\". سورة طه. الآية ٦٩. وفي السُّنَّة أيضا لما عد ﵊ الكبائر قال: والسحر، (وذلك في الحديث الصحيح: \"اجتنبوا السبْع الموبقات\") الخ.\nغيرَ أنَّ الكتب الموضوعة في السحر وضح فيها هذا الاسم على ما هو كذلك: كفْر ومحرَّم، وعلى ما ليس كذلك، وكذلك السحرة يطلقون لفظ السحر على القسمين، فلابد من التعرض لبيان ذلك فنقول:\nالسحر ثلاثة أنواع، فهو اسم جنس يشتمل عليها:\nالنوع الأول: السيمياء ... إلخ.","vol":"2","page":422},{"text":"فالسيمياء عبارة عما تَركَّب من خواصَّ أرضية كدهن خاص، أو مائعات خاصة، أوْ كلمات خاصة توجب تخيلات خاصة، وإدراكَ الحواس الخمس أو بعضها الحقائق خاصةً من المأكولات والمشمومات والمبصَرات والملموسات والمسموعات. وقد يكون لذلك وجُود يخلقه الله اذ ذاك، وقد يكون لا حقيقة له بل هي تخيُّلاتٌ.\nوالهيمياءُ (١٣٠)، امتيازها عن السيمياء بأن الآثار الصادرة عنها تضاف للآثار السماوية من الاتصالات الفلكية وغيرها من أحوال الأفلاك، فيَحْدُثُ جميع ماتقدم ذكره، فخصَّصوا الواحد بالسيمياء والآخرَ بالهيمياء من حيث هذا الاختلاف.\nوالخواصُّ للحيوانات وغيرها، ذلك كثير: (١٣١)\nفذكروا أنه يوخذ سبعةُ أحجار ويُرْجم. بها كلْبٌ، شأنه إذا رُمي بحجر عضه، فإذا رُمي بسبعة أحجار وعضَّها كلها لُقِطتْ بعد ذلك وطُرحتْ في ماءٍ، فمن شرب منه ظهرت فيه آثار عجيبة خاصة نصَّ عليها السَّحَرة، (ونحو هذا النوع من الخواص المغَيِرة لأحوال النفوس)، فهذا يُنسَبُ للسحر، وليس ما يذكره الأطباء من الخواص للنباتات وغيرها من هذا القبيل. (١٣٢)\n_________\n(١٣٠) هي النوع الثاني من أنواع السحر، . كما سبقت الاشارة إليه من كونه ثلاثةَ أنواع.\n(١٣١) هذا هو النوع الثالث من أنواع السحر، كما قسمه القرافي إلى ذلك.\n(١٣٢) عبارة القرافي هنا أوسع واوضح، وهي: وأما خواص الحقائق المختصة بانفعالات الامزجة، صحةً أو سُقْمًا نحو الأدوية والأغذية من الجماد والنبات والحيَوَانِ، المسطورة في كتب الأطباء والعشابين والطبائعيين، فليس من هذا النوع، بل من علم الطب لا من علم السحر، ويختصُّ بالسحر ما كان سلطانه على النفوس خاصة.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي من الكلام على هذه الأنواع الثلاثة للسحر فقال: ذلك نقل لا كلام فيه، إلا أن السحر على الجملة، منه ما هو خارق للعادة، ومنه غير ذلك، وجميعه من جملة أفعال الله تعالى، الجائزةِ عقلا الخ ...\nقلت: وهذه الجملة والعبارة الاخيرة عند ابن الشاط لا تُعْجِبُ ولا تناسب المقام عند التأمل، فرارًا من نسبة فعل الشِّر إلى الله تعالى، تأدبا معه سبحانه. واهتداءً بقوله تعالى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. فلو قال: ويظهر أثر ذلك من خرق العوائد وغيره، بإرادة الله وقدرته سبحانه، لكان أنسب وأسلم في التعبير، وإن كان","vol":"2","page":423},{"text":"ولاشك في الخواص في هذا العالَم، فمنها ما يُعلَم كاختصاص الماء بالرى والنار بالإحراق، ومنها ما لا يُعلمُ مطلقا، ومنها ما يَعلَمه الأفراد من الناس كالحجر المكرئم وما يُصْنع منه الكيمياء ونحو ذلك، كما يقال: إن في الهند شجرًا إذا عُمل منه دهن ودُهِن به انسان لا يقطع فيه الحديد، وفيه شجر آخَرُ، إذا استُخرِج منه دهن وشُرِبَ على صورة خاصة مذكورة عندهم في العمليات، استُغْنِي عن الغذاء أوْ أمِنَ من الامراض والأسقام، ولا يموتُ بشيء من ذلك، وطالت حياته أبدا حتى يأتي من يقتله، أمّا موته بالاسباب العادية فلا. (١٣٣)\n_________\nمساق العبارة ومعناها منكشفا عِند التأمل والتمعن. إذ من المسلم به اعتقادا جازما في قلب كل مسلم أن الافعال البشرية من هذا النوع الذي هو السحر والطلسمات التي ذمها القرآن لا يكون لها أي أثر أو تأثير خارجي فيما عُمِلَتْ لأجله، أو في خرق عادة من العادات، إلا بارادة الله وقدرته، وإذنه ومشيئته، كما حكاه الله تعالى عمن تعلموا السحر من الشياطين في عهد سليمان ﵇، ومن الملَكَين ببابلَ هاروت وماروت، فقال سبحانه في شأن أهل الكتاب الذيز، كفروا بدين الإسلام وتنكرُوا لرسالته الحق: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (أي من نصيب)، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة: الآية ١٠٢.\nوقديما قال علماؤنا ﵏، كما جاء في باب الاعتقاد من رسالة ابن ابي زيد القيرواني ﵀.\"تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غَنَى، أو يكُونَ خالق لشئ، الا هو ربُّ العباد وربُّ أعمالهم، والمقدِّر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرسلَ اليهم لِإقامة الحجة عليهم، ثم ختم الرسالة والنبوة والنذارة بمحمد نبيه - ﷺ -، فجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرًا\".\n(١٣٣) هذه الفقرة هي موضوع الحقيقة السابعة عند القرافي، المتعلقة بالخواص المنسولة إلى الحقائق. وقد علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه الحقيقة السابعة فقال: ما قاله فيها صحيح، إلا ما قاله من تعيين الآثار التي ذكرها، ونسبَهُ إلى بعض الاحجار فذلك شيء سمعناه ولا نعلم صحته من سقمه.","vol":"2","page":424},{"text":"وخواص النفوس لا شك فيها (١٣٤)، فليس كل أحدٍ يوذِي بالعين، والذين يوذون بها تختلف أحوالهم في ذلك، فمنهم من يعيد بالعين الطير من الهواء، ويُقْلِع الشجر العظيم من الثَّرَى، وآخَرُ إنما يصل للتمريض الضعيف اللطيف. ومن الناس من طبع على صحة الحَزْر (١٣٥) ولا يخطئ في الغالب، ثم نجد واحِدًا له خاصة في علم الكشف، وآخرُ في الرمل، وَآخَرُ في النجْم.\nومن خواص النفوس ما يقتُلُ. في الهند جماعة إذا ركبوا نفوسهم لقتل شخص مات، ثم إنْ شُقَّ صدره في الوقت لا يُوجَدْ، بل انتزعوه من صدره بالهمة والعزم وقرة النفس، ويجرِّبُون بالرُّمان فيجمعون عليه همتهم فلا توجدُ فيه حبة، وخواصُّ النفوس كثيرة. (١٣٦)\n_________\n(١٣٤) هي موضوع الحقيقة الثامنة عند القرافي بالنسبة للامور التي يلتبس بها السحر، قال فيها: وخواص النفوس هي نوع خاص من الخواص المودَعة في العالم، فطبيعة الحيوانات طبائع مختلفة حتى لا تكاد تتفق، بل نقطع أنه لا يستوى اثنان من الاناسي في مزاج واحد. ويدل على ذلك أنك لا تجد أحدا يشبه أحدا من حميع الوجوه ولو عظُمَ الشبَه، لابد من فرق بينهما. ومعلوم أن صفات الصور في الوجود وغيرها تابعة للامزجة، فلما حصل التباين في الصفات على الاطلاق وجب التباين في الامزجة على الاطلاق، فنفس طُبعَتْ على الشجاعة إلى الغاية، وأخرى على الجبن إلى الغاية، وأخرى على الخير إلى الغاية، وأخرى على الشر إلى الغاية، وأخرى أي شيء عظمَتْهُ هلَك، وهذا هو المسمى بالعين ...\nقلت: والإذاية بالعين واقعية ثابتة، كما نصت عليه الاحاديث النبوية الصحيحة.\nفمن ذلك قول النبي - ﷺ - \"العين حق، ولو كان شئً سابق القدرَ لسبقتْه العين\"، \"وإذا استُغسِلم فاغسلوا\". رواه الشيخان، وأبو داود الترمذي ﵏، وقالت عائشة رضى. الله عنها: كان يومَرُ العائن فيتوضأ، ثم يغتسل منه المعين\" رواه أبو داود ﵀.\n(١٣٥) الحزرُ مصدر قياسي للفعل الثلاثي حَزَر الشيء يحزِزه بضم الزاي كسرها في المضارع (إذا قدره بالحدس) أي بالخرْص والتخمين، قال ابن مالك في ألفيتيهِ عن مصدر. الفعل الثلاثي المتعدي\nفَعْل قياسُ مصَدر المعَدَّى ... من ذى ثلاثة كرد ردًا\n(١٣٦) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه الحقيقة الثامنة المتعلقة بخواص النفوس فقال: في كلامه ذلك تسامح في إطلاق لفظ الخاص، وهو يريد مقتضَى الامزجة والطبائع. ولفظ الخواص لا يطلقه أهل علم الخواص -وهم الطبيعيون- على ذلك مطلقا، بل على أمر لا ينسبونه إلى الامزجة والطبائع. وما حكاه عن الهند لا أدرى صحتة من سقمه، وما قاله من أن في الحديث الذي ذَكَرَ، إشارة إلى تبين الأخلاق والخُلُقِ والسجايا، هو الظاهر، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم. =","vol":"2","page":425},{"text":"والطلسمات نفس أسماءٍ، خاصة، لها تعلّق بالافلاك والكواكب على رغم أهل هذا العلم في أجسام من المعادنِ وغيرها، فلا بدَّ في الطلسم مِنْ هذه الاسماءِ الخصوصة، وتعلقِها ببعض أجزاء الفلك، وجَعْلِها في جسم من الاجسمام. ولابد مع ذلك من قوة نفس صالحة لهذه الاعمال، فليس كل النفوس مجبولة على ذلك. (١٣٧)\n_________\nقلت: والحديث الذي أشار إليه ابن الشاط في هذا التعليق ذكره القرافي هنا، واختصره البقوري مع ما يتصل به من بعض الكلام، فلم يورده بتمامه، اختصارا، وهو: قول النبي - ﷺ -: \"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الاسلام إذا فَقهُوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكرَ منها اختلف\". رواه الامام البخاري في بدء الخلق، والامام: محمد بن عبد الباقي الزرقاني في كتابه: (مختصر القاصد الحسنة في بيان كثير من الاحاديث المشتهرة على الاسنة). حيث قال: وكلمة وارد يستعملها الحافظ السخاوي في كتابه: (المقاصد الحسنة) في مقابِل لم يَرِدْ، ويريد بذلك أن الحديث ورد في كتاب من كتب الحديث لكنه (اي السخاوي) لم يصل فيه إلى حكم (اي بالصحة أو الحسْنِ والضعف أوْ غيرها).\nعلى أن تخريج الشيخين له مع أبي داود كاف في الدلالة على صحته والاطمئنان إليه وإلى حسنه.\nوعنه أيضا أن النبي - ﷺ - قال: \"الرجل على دِين خليله، فلينظُر من يخالل\". رواه أبو داود والترمذي رحمهما الله.\nوعَن أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: إنما مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء كحَامِلِ السك ونافخ الكير، (وهو الحدَّاد الذْي ينفخ على النار بِالكِير لصنع ما يصنعه من الحديد)، فحامل المسك إما أن يحذِيَكَ (أي يعطيك) وإمَّا أن تبتاع منه (أي تشتري منه.)، وإما أن تجد منه رائحة طيبة. ونافخ الكر إما أن يحرق ثيابك، وإما إن تجد منه ريحًا خبيثة\". أخرجه الشيخان وأبو داود ﵏. فالناس تختلف طبائعهم وشِيَمُهُمْ وأخلاقهم اختلافَ معادن الارض من ذهب وفضة ونحاس وغيرها، وأرواحُهم أنواع مختلفة، إذا اتفقت صفاتُها وتشابهتْ، اخلاقها ومكارمها ائتلفتْ، وما لم تتفق تناءت وتباعدت، ويقال في المَثَلِ: إن الطيورَ على أشكالها تقع.\nوالانسان يتأثر بطبع صاحبه وسلوك رفيقه، فينبغى أن يختار من يصاحب ويُخالل في الحياة الدنيا، فإن الطباع، تسرق الطباع ولذلك قيل:\nعن المرءِ لا تسأل واسأل عن قرينه ... فكل قرين إلى المقارن يُنسَبُ\n(١٣٧) الكلام على الطلسمات هو موضوع الحقيقة الخامسة عن استعراض هذه الحقائق وترتيبها عند القرافي ﵀، وقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء فيها عند القرافي فقال: ذكَر أوصاف الطلسمات ورسْمَها ولم يذكر حكمها، وهي ممنوعة شرعا، ثم من اعتقد لها فعلا وتأثيرا فذلك كفر، وإلا فعلمها معصية غير كفر، إما مطلقا وإما يؤدي منها إلى مضرة دون ما يؤدي إلى منفعة، والله اعلم.","vol":"2","page":426},{"text":"والأوفاق ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعْلها على شكل مخصوص، وهذا كأن يكون شكل من تسع بيوت يبلغ العددُ في كل جهة خمسة عشر، وهو لتيسير العسير وإخراج المسجون ووضع الجنين وكل ما هو من هذا المعنى.\nوضابطه: (ب. ط. د) (ز. هـ. جـ)، (و. ا. ح). فكل حرف منها، له عدد، إذا جمع ثلاثة منها كان مثل عدد الثلاثة، فالباء باثنين، والطاء بتسعة، والدال بأربعة، صار الجميع خمسة عشر. وكذا تقول: الباء باثنين، والزاي بسبعة، والواو بستة، صار الجمبع خمسة عشر، وكذلكم القُطْرُ من الركن إلى الركن: الباء باثنين، والهاء بخمسة، والحاء بثمانية، الجميع خمسة عشر، وهذه صورته: وكان الغزالي ﵀ يعتني به كثيرا حتي إنه لينسَبُ إليه. (١٣٨)\nب ط د\nز هـ جـ\nوا حـ\nوالرُّقَى ألفاظ خاصة يَحْدُثُ عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة، ولا يقال لفظ الرقى على ما يُحدِث ضررا، بل ذلك يقال له السحر. وهذه الالفاظ (أيْ الرقَى)، منها مشروع كالفاتحة والمعوِّذتين، ومنها غير مشروع\n_________\n(١٣٨) الاوفاق هي موضوع الحقيقة السادسة عند القرافي في استعراضه لهذه الحقائق المتعلقة بالسحر وما يلتبس به من امور مماثلة وحقائق أخرى ينبغي التفريق بينها، ومعرفة مدلول وغاية كل واحد منها.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء فيها بقوله: ما قاله القرافي صحيح، مع أنه تسامح في قوله: إنها ترجع إلى مناسبات الأعداد، فإنها ليست كذلك، بل هي راجعة إلى المساواة بحسب جمْع ما في كل سطر من بيوت مربعات وجميع ما في البيوت الواقعة على القُطْر.","vol":"2","page":427},{"text":"كرقَى الجاهلية والهند وغيرهم، وربَّما كان كفرا، ولذلك نهى مالك ﵀ عن الرقى بالعجمية. (١٣٩)\nوالعزائم كلمات يزعم أهل هذا العلم أن سليمان ﵇، لَمَّا أعطاه الله المُلْكَ وجَدَ الجان يعبثون بالناس في الأسواق ويخطفونهم في الطرقات، فسأل الله تعالى أن يُوَلي على كل قبيل من الجق مَلِكأ يضبطهم عن الفساد، فولَّى الله تعالى الملائكة على قبائل الجان، فمنعوهم من الفساد ومخالطةِ الناس، وألزمهم سليمان ﵇ سكنى القفار والخراب من الارض دون العامر ليسلَمَ الناسُ\n_________\n(١٣٩) الكلام على الرُّقَى هو موضوع الحقيقة التاسعة بين الحقائق العشرة التي تناولها الفراقي في الفرق الثاني والاربعين والمائتين، وأدرجها البقوري في مبحث ضمن القاعدة العاشرة عن الباب الاخير في كتابه، وهو بابُ الجامع، او قواعد الجامع.\nقال ابن الشاط: ما قاله القرافي في الحقيقة التاسعة (المتعلقة بالرقَى) صحيح، والله أعلم. والرُّقَى بضم الراء وفتح القاف، جمع رُقية، بضم الراء وسكون القاف من الفعل رقَى يرْقي كرَمى يرمي، ما يُقرَأ على المصاب بألم أو مرض من آيات من كتاب الله تعالى رجاء الشفاء والتخفيف من الألم ببركة القرآن العظيم، وجمع فُعلةٍ على فُعَل، وكذا فُعْلَى هو جمع تكِسير قياسي، كما قال ابن مالك ﵀ في ألْفيَّتهِ النحوية:\nوفعَلْ جمعًا لفُعْلَه عُرِف ... ونحو كُبْرَى، ولفِعلة فِعَل: وقد يجئ جمعُه على فُعَل.\nقلت: وأصْل مشروعية الرُّقَى ثابت بأحاديث نبوية صحيحة: من ذلك ما رواه عوف بن مالك ﵁ قال: كنا نَرْقِي مع في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: إعرضوا عليَّ رُقاكم، لا باس بالرقى ما لم يكن فيها شِرْك\" (اى ما لم يكن فيها تعَؤُذٌ بؤَثنِ او اسمِ جن أو شيطانٍ ونحو ذلك، فتكون حينئذ محرمة)، أخرجه مسلم وأبو داود رحمهما الله.\nوعن جابر ﵁ قال: لدَغَتْ مِنا رجلًا عقرَبٌ، ونحن مع النبي - ﷺ -، فقال رجل: يا رسول الله، أأرقي؟ قال: \"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل\". رواه الامام مسلم.","vol":"2","page":428},{"text":"من شرهم (١٤٠). فإذا عثا (١٤١) بعضُهُمْ وأفسد، ذكَر المعَزِّم كلماتٍ تعظمها الملائكة، ونرعمون أن لكل نوع من الملائكة أسماءَ أمرت بتعظيمها، ومتى أقسم\n_________\n(١٤٠) ومعلوم أن الله ﷾ أعطى لنبيه سليمان ﵇ مُلكا كبيرا واسعا حين دعا اللهَ بذلك، كما حكاه الله عنه في قوله الكريم: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سورة ص، الآيات: ٣٥ - ٣٩، وقال سبحانه: ﴿وَحُشِرَ (أي جُمِعَ) لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: الآية ١٧].\nوعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - يعود بعض أهله، يمسح بيده اليمنى (أي على المريض لتناله بركتها)، ويقول: اللهم ربَّ الناس، أذهِب البأس، واشفِ، أنت الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سقما. رواه الشيخان: البخاري ومسلم، رحمهما الله.\nوعنها أيضا قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا مرِض أحد من أهله. نَفَثَ بالمعوذات\". رواه الائمة: الشيخان وأبو داود ﵏.\nوعن أبي سعيد ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - يتعَوذُ من الجانِ وعيْنِ الانسان حتى نزلت المعوذتان (أي سورة قل أعوذ برب الفلق)، وسورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.\" فلما نزلتا أخذَ بهما وترك ما سواهما. رواه الامام الترمذي ﵀ بسند حسن.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - يعَوذ الحسَن والحسين، يقول: أعُوذُ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامًة، ومن كل عين لامَّة، ثم يقول: كان أبوكم (إبراهيم يعوذ بهما ابنيه: اسماعيلَ وإسحاق ﵈\" رواه أبو داود والترمذي بسند حسن. والْهَامَّةُ هي كل ذات سُم من الحيوان. والعينُ الامَّة هي كل عين ذاتِ لَمم وذَنْب بحَسَدِها، والعياذ بالله من ذلك.\nفالنبي - ﷺ - كان يقرأ على المريض المعوذتين، ويأذن بقرآتهما وبقرآة الفاتحة، وينفخُ على المريض بقليل من ريقه الشريف، ويمُرُّ بيده اليمني المباركة على المريض، رجآء البركة والاستشفاء بالقرآن العظيم كلام رب العالمين، الحق المبين، الذي جعله شفاءً ورحمة لعباده المومنين، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فهو شفاء للأبدان من الأسقام كما هو شفاء للصدور والنفوس والقلوب من الذنوب والآثام، وهادٍ لها إلى التي هي أقوم. الايمان واليقين وصالح الاعمال، والطاعة بها لله رب العالمين.\n(١٤١) الفعل عثا بالتاء المثلثة مثلث الاستعمال: يقال فيه: عَثَا يعْثو، كدعا يدعو، وعثى يعثي كقضى يقضى، وعثى يعثي، كفَنِيَ يَفْت مع، بمعنى بالغ في الكفر والكِبْر والفساد.\nومن الصيغة الاخيرة قول الله تعالى في أصحاب لَيْكةَ: قوم شعيب ﵇. ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ سورة الشعراء، الآيات: ١٨٤ - ١٨١. ويقال: عتا يعتو، وعتِي يَعتى بالتَّاء المَثَنَّاة، عُتُوا وعُتيا، ومنه قول الله تعالى. =","vol":"2","page":429},{"text":"عليها اطاعت وأجابت، وفعلت ما طُلِب منها. فالمعزم بتلك الاسماء على ذلك القبيل من الجان الذي طلبه او الشخص منهم يحكم بينهم بما يريد، ويزعمون أن هذا الباب إنما دخله الحلل من جهة عدم ضبط تلك الاسماء فإنها عجمية لا يُدْرَى هل هي مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة، وربَّما أسقط النساخ بعض حروفه من غير علم فيختل العمل، فإن المقسَمَ به لفظ آخرُ لا يعظمه ذلك المَلَكُ، فلا يجيبُ ولا يحصُلُ مقصودُ المعزِّم. (١٤٢)\nوالاستخدامات قسمان: الكواكب، والجَانُّ، فيزعمون أن للكواكب إدراكات، فإذا قوبلت الكواكب ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور، وربّما تقدمت منه أفعال خاصة، منها ما هو محرَّم في الشرع كاللواط، ومنها ما هو كفر صريح، يناديه بلفظ الالاهية ونحو ذلك، ومنها ما هو غير محرم. فإذا حصلت تلك الكلماتء البخور مع الهيآت المشروطة كانت روحانية ذلك الكوكب مطيعة له، متى أراد شيئا فعلته له على زعمهم، وكذلك القول في ملوك الجآن على زعمهم إذا عمِلوا لهم تلك الاعمال الخاصة، فهذا هو الاستخدام على زعمهم، والغالب على الَمشتغل بهذا، الكُفرُ، ولا يشتغل بهذا مفْلح ولا مسدَّد النظر وافِرُ العقل. (١٤٣)\n_________\n= في ثمودَ قوم صالح ﵇ حينْ نهاهم عن المساس بناقة صالح فلم ينتهوا، قال تعالى فيهم: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ سورة الاعراف الآية ٧٧ - ٧٩. وقال سبحانه في الكافرين المكذبين بيوم الدين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ سورة الفرقان: الآيات: ٢١ - ٢٤.\n(١٤٢) العزائم هي موضوع الحقيقة العاشرة عند القرافي، ولم يعلق عليها بشيء الشيخ ابن الشاط، ﵀.\n(١٤٣) هي موضوع الحقيقة الحاديَة عشرة عند القرافي ﵀. وقد علق عنيها الشيخ ابن الشاط ﵀ بقوله: لا كلام فى ذلك فإنه حكاية، وقد ذكر حكمها.","vol":"2","page":430},{"text":"قال شهاب الدين: وها هنا اربع مسائل:\nالمسألة الاولى. قال الامام فخر الدين في كتاب الملخص. السحر والعين لا يكونان في فاضلٍ، لأن من شروط السحر الجزَم بصدور الأثر، وكذلك اكثر الاعمال من شرطها الجزم، والفاضل الممتلئ علما يرى وقوع ذلك في الممكنات التي يجوز أن توجد وأن لا توجد، فلا يصح له عمل أصْلا.\nوأمَّا العيْنُ فلابد فيها من شرط التعظيم للمرْمي. والنفس الفاضلة لا تصل في تعظيم ما تَراه إلى هذه الغاية، فلذلك لا يصح السحر إلا من العجائز والتركمان والسودان، ويجوز ذلك من أرباب النفوس الجاهلة. (١٤٤)\nالمسألة الثانية السحر، له حقيقة، وقد يموت المسحور أو يتغير طبعه وإن لم يباشره، وقاله الشافعي وابن حنبل، وقالت الحنفية: إن وصل إلى بدنه كالدُّخان ونحوه جاز أن يؤثر وإلا فلا، وقالت القدَرية: لا حقيقة للسحر، وهذا لا يصح، فإن ما لا حقيقة له لا يؤثر. وقد سُحِر النبيّ - ﷺ -: (١٤٥) وقد سحَرتْ عائشة ﵂ جارية اشترتها، وأطبقت الصحابة على صحة ذلك.\n_________\n(١٤٤) قال ابن الشاط عن هذه المسألة الأولى: لا كلام معه (أي مع القرافي) في ذلك، لأنه نقل، وما قاله الفخر يتوقف على الاختبار والتجربة، ولا يُعلَمُ صحة ذلك من سُقْمه.\n(١٤٥) عن عائشَة ﵂ قالت: \"سَحَرَ رسولَ الله - ﷺ - يهودي من يهود بني زُريق يقال له لَبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله - ﷺ - يخيَّلُ إليه أنه يَفعل الشيءَ وما يفعله ...، وكان قد سُحِرَ في مُشْطٍ ومُشاطة وجُفِّ طلعَةِ ذكر، ورُمىَ بذلك في بئر ذي أروان، فأخبِرَ - ﷺ - بذلك عن طريق الوحى والْإلهام، فأتاها رسول الله - ﷺ - مع ناس من أصحابه، فأخرَجَ ما فيها من تلك الأشياءِ التي سُحِرَ بها، وأمرَ بها فدُفِنَت)، . رواه الشيخان. انتهى بتصرف واختصار. وانظر الحديث بتمامه في أحد الصحيحين، قال بعض العلماء: جمهور الأمة على أن السحر ثابت، وله حقيقة كغيره من الأشياء، وحَسْبُنَا فيه القرآن والحديثُ الصحيح. اهـ.","vol":"2","page":431},{"text":"ومن حجتهم قولُه تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، (١٤٦) ولأنه لو كانت له حقيقةُ لأمكن الساحِرَ أن يدعي النبوة، فإنه ياتي بالخوارق على اختلافها.\nوالجواب أن السحر أنواع: فبعضه هو تخييل، وعن الثاني أن إضلال الخلق ممكن، ولكن الله تعالى أجرى العادة بضبط مصالحهم، فما يسَّر ذلك على الساحر. وكم من ممكن يمنعه الله من الدخول في العالم، لأنواع من الحِكَم، مع أنَّا سنبين الفرق دين السحر والمعحزة من وجوه فلا يحصل اللبسُ.\nالمسألة الثالثة، قال الطرطوشي: قال مالك وأصحابه: الساحر كافر فيُقتَل ولا يستتاب، سَحَر مسلما أو ذمّيا، كالزنديق (١٤٧).\nقال محمد: إن أظهره قُبِلت توبته، قال أصبغ، إن أظهره ولم يتُبْ فقتل، فماله لبيت المال، وان استتر فلورثته من المسلمين، ولا آمرهُم بالصلاة عليه، فإن فعلوا فهم أعلم. قال: ومن قولِ علمائنا القدماء: لا يُقتَل حتى مع يَثْبُتَ أنه من السحر الذي وصفه الله تعالى بأنه كُفْرٌ. قال أصبغ: يكشف عن ذلك من يعرف حقيقته، ولا يلي قتلَهُ إلأ السلطانُ، ولا يُقتل الذميُّ الا أن يَضر المسلمَ بسحره فيكون نقْضًا فيُقتَل،\n_________\n(١٤٦) أي من حجة القدَرية النافين لحقيقة السحر، هذه الآية الكريمة، وهي جآتْ في معرض حوار موسى مع سَحرة فوعون حين دعاهم ليقابلوا سِحْرَهم بمعجزة موسى، فبطل سحرهم ومَا كانوا يعملون، وغُلِبُوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وآمنوا بالله رب موسى وهارون، وعلموا أن الأمر هو محجزة من الله رب العالمين، كما حكى الله ذلك عنهم في كتابه العزيز. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ سورة طه، الايات ٦٣ - ٩٠.\n(١٤٧) عن جُندُبِ ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"حَدُّ الساحر ضَرْبُهُ بالسيف\".\nرواه الإِمامان الترمذي والحاكم، وصحَّحه، رحمهما الله. قال بعض شراح الحديث: فمن سحَر فإنه يُقتل بالسيف، وعليه بعض الصحْب والتابعين ومالكٌ وأحمد، بل قال مالك: إنه كافر بالسحر، فيُقتل، ولا يُستتاب، فإنَّ توبته لا تُقبل، وقال الشافعي: لا يُقتل إلا إذا عمِل في سحره ما ييلغ الكفر، وإلا فلا، وهذا كله إذا لم يَقتُلْ بسحره، وإلا قُتِل بلا خلافٍ، والله أعلم.","vol":"2","page":432},{"text":"ولا يُقبل منه الاسلام، وإن سحر أهل ملته أدّب، إلا أن يقتُلَ أَحدًا فيقتل به، وقال سحنون: يُقتل، إلا أن يسلم، وهو خلاف قول مالك. (١٤٨)\nويؤدَّبَ من تردد إلى السَحرة إذا لم يباشر سحْرًا ولا عَمله، لأنه لم يكفر ولكن ركنَ للكفَرة. قال: وتعلّمه وتعليمه عند مالك كُفْرٌ. وقال الحنفية: إن اعتقد أن الشياطين تفعل به ما يشاء فهو كافر، وإن إعتقد أنه تخيُّلٌ وتمويه لم يكفر. وقال الشافعية: يصفه، فإن وجدنا ما فيه كفرًا كالتقرب للكواكب ويعتقد أنها تفعل ما يُلتمَسُ منها فهو كفر، وان لم نجد فيه كفرًا، فان إعتقد إباحته فهو كفر، قال الطرطوشي: وهذا متفق عليه، لأن القرآن نطق بتحريمه.\nواحتجّ من لا يقول بأن تعلمه كفر أن تعلم الكفر ليس بكفر، فإن الأصولي يتعلم جميع أنواع الكفر ليحذر منه ويقدح في شبهاته ومآخذه، فالسحر أوْلى أن لا يكون كفْرًا.\nقال شهاب الدين: هذه المسألة في غاية الإِشكال على أصولنا، فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشريعة أن. تكفرهم بها كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة، وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأَنهار والآبار، أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق، ويعتقدون أن تلك الآثار تَحدُث عند تلك الامور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم، فلا يمكن تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل، لأنهم جربوا ذلك فوجدوه لا ينخرم عليهم لأجل خواصّ نفوسهم، فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد\n_________\n(١٤٨) قال ابن الشاط هنا: ذلك كله نقْل لا كلام فيه. وإضرارْ الذمي بسحره للمسلم يُعْتبَرُ نقضا لعهده الذي أُخذَ عليهِ ألا يضر بأحدٍ من المسلمين، مقابلَ استئمانه من طرف الدولة المسلمة على نفسه وأمواله، وشؤون حياته التي لا يصل منها ضرر للمسلمين، ولا يكون فيها مساس بمعتقداتهم الدينية ولا نيْلٌ من أحكامهم الشرعية وأخلاقهم الاسلامية.","vol":"2","page":433},{"text":"الأطباء حصول الآثار عند شرب الأدوية. (١٤٩) وخواصُّ النفوس لا يمكن التكفير بها لأنها ليست من كسبهم، ولا كفرَ بغير مُكْتَسَب.\nوأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى فهذا خطأ، لأنها لا تفعل ذلك، وإنما جآت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد، فيكون ذلِك الاعتقاد (١٥٠) في الكواكب، كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودَع في الصِّبْر والسقمونيا عقل البطن وقطْع الإِسهال، وأما تكفيره بذلك فلا. (١٥١) وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطينَ بقدَرها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض علماء الشافعية: هذا مذهب المعتزلة من استقلال الحيوانات بقدرها دون قدرة. الله تعالى، فكما لا نكفر المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء. (١٥٢).\nومنهم من فرَّق بأن الكواكب مَظِنة العبادة، فاذا انضَم إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرا. (١٥٣)\nوأجيب بأن هذا الفرق بأن تاثير الحيوان في القتل والضرر والنفع في مجرى العادة مشاهَدٌ من السباع والآدميين وغيرهم. (١٥٤)\n_________\n(١٤٩) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي من أنه لا يمكن التكفير بجمع العقاقير وغير ذلك من الأفعال، صحيح إذا كان الجمع وسائر تلك الأفعال غيرَ مقصود يه اجتلابُ الآثار المطلولة من ذلك، وأما إذا كان مقصودا بها ذلك فهو السحر الذي هو كُفْرٌ بنفسه، لتضمنه اعتقاد تأثير هذه الأمور، أو دليل الكفر على مذهب المالكية، والله تعالى أعلم.\n(١٥٠) قال ابن الشاط هنا: لا أعْرِف صحة ما قالوه من ربط تِلك الآثارِ بخواص النفوس.\n(١٥١) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\n(١٥٢) علق ابن الشاط على هذه الفقرة بقوله: إن كان المراد أنها تفعل بقدَرها مباشرة مع تعلق قدرة الله تعالى بقَدَرها فهو مذهب المعتزلة.\n(١٥٣) قال ابن الشاط هنا: إن كان ذلك لاعتقاد أن الكواكب مستغنية بقدرتها عنْ قدرة الله تعالى فذلك كفر صريح.\n(١٥٤) قال ابن الشاط: ليس تأثيرُ الحيوان بمشاهَدِ، وإنما التأثير لَا غَيرُ.","vol":"2","page":434},{"text":"وأما كون المشتري أو زُحَلٍ يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حَزْرٌ وتخمين للمنجّمين لا حجة في ذلك (١٥٥). وقد عُبِدت البقر والشجرُ، فصار هذا الشيء مشترَكا بين الكواكب وغيرها. (١٥٦)\nوالذي لا مِرْيةَ فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى، فهذا مذهبُ الصابِئَةِ، وهو كفْرٌ صراح، لا سيما إن صرح بنفي ما عداها. (١٥٧)\nوأما قول الأصحاب: إنه علامة الكفر فمشكل، لأنا نتكلم في هذه المسألة باعتبار الفتيا، ونحن نعلم أن حال الانسان في تصديقه لله تعالى ورسله بعد عمل هذه العقاقير كحاله قبل ذلك. (١٥٨)\nوإذا أرادوا الخاتمة فمشكل، لأنا لا نكَفر في الحال بكفرٍ واقع في المَآل (١٥٩). والذي يستقيم في هذه المسألة ما حكاهُ الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا نكفره حتى يَثْبُتَ أنه من السحر الذي كفَّر اللهُ به، أوْ يكونَ\n_________\n(١٥٥) قال ابن الشاط: ذلك صحيح.\n(١٥٦) زاد القرافي هنا عبارة هي قوله: فهو موضع نظَر، وعلق عليه ابن الشاط بقوله: هو كما قال، موضحُ نظر ..\n(١٥٧) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\n(١٥٨) زاد القرافي هنا قوله: والشرع لا يخبر على خِلاف الواقع.\nوعلق ابن الشاط على هذه الفقرة عند القرافي بقوله: إذا ثبت دليل شرعي على أن السحر كفر، وأنه علامة الكفر فلا إشكال، لأنه يكون حينئذ من شرط المومن ألا يعمل سحرا، وعند ذلك يصح إيمانُهُ امَا ظاهرًا وباطنًا إن كان السحر بنفسه كفرًا، وإما ظاهرا إن كان علامةَ الكفر بحسب الظاهر.\n(١٥٩) زاد القرافي هنا كلاما توضيحيا اختصره البقوري، وينبني عليه تعليق ابن الشاط، فقال: \"كما أنا لا نجعلُهُ مومنا في الحال بإيمان واقع في المآل، وهو يعبُدُ الاصنام الآن، بل الأحكام الشرعية تتبع أسبابها وتحققاتِها لا توَقعَهَا وان قطعْنا بوقوعها، كما أنا لا نقْطَع بغروب الشمس وغير ذلك، ولا نُرَتبُ مسبباتها قبلَهَا.\nثم قال القرافي: وأما قول أصحابنا في التردد إلى الكنائس وفي أكل الخنزير وغيره، فإنما قضينا بكفره (أي المتردد إليها وآكل الخنزير) في القضاء لا في الفتيا، فقد يكون فيما بينه وبين الله مومنا. فالذي يستقيم في هذه المسألة ما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا نكَفّره ...)، إلى آخر ما قاله القرافي وذكره البقوري في هذه الفقرة.\nوقد علق العلامة المحقق ابن الشاط على الفقرة الأولى من هذا الكلام بقوله: إنْ أرادوا ذلك فمشكل كما قاله، وذلك صحيح.","vol":"2","page":435},{"text":"سحرًا مشتملا على كفر كما قاله الشافعي. وقولُ مالك إنَّ تعلمه وتعليمه كفر، في غاية الإِشكال، (١٦٠) إذ هو خلاف القواعد (١٦١).\n_________\n(١٦٠) كما علّق ابن الشاط على ما حكاه القرافي من قول مالك في كفر متعلم السحر ومعلّمه: ليس الأمر كما قال القرافي، فإن قوله مستنِدٌ إلى ظاهر الآية. (والمرادُ بها قول الله تعالى عن أهل الكتاب من بني اسرائيل الذين تنكروا لنبوة النبي محمد - ﷺ -، وبرسالته الاسلامية الخاتمة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [سورة البقرة، الآية ١٠٢] فقد قال القرافي عنها: إن قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، ليس تفسيرًا لقوله: ﴿كَفَرُوا﴾. بل هو اخبار عن حالهم بعد تقرر الكفر بغيْر السِّحر.\nقلت: وهذا يفيدُ أن الجملة الفعلية من المضارع في محل نصب على الحال، وهو الأظهر، ويحتمل أن تكون الجملة في محل رفع على أنها خبر بعد خبر، إذ يجوز تعدَده كما في قوله تعالى في سورة البروج، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ...﴾، وكما قال ابن مالك في منظومته النحوية:\nوأخْبَرُواَ باثنين أو بأكثرا ... عن واحدٍ كهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا\nوالسرإة بفتح السين جمع سَرِيّ، وهو السَّيّدُ في القوم.\n(١٦١) قلت: إختصرَ الشيخ البقوري هنا كلاما هاما للقرافي، نوردُ بعضه ليزداد الموضوع بيانا ووضوحا في هذا المبحث الدقيق:\nقال القرافي: فقد قال الطرطوشي -وهو من سادات العلماء-: إنه إذا وقف من أراد تعلم السحر لبرج الأسد وحكى القضية إلى آخرها، فإن هذا سحر. (والقضية المشار اليها هنا، كما سبق ذكرها عند القرافي، هي قيام متعلم السحر، إذا أراذ سحر سلطان، لبرج الأسد قائلا، خاضعا متقربا، ويناديه، يا سيداه، يا عظيماه، أنت الذي إليك تَدين الملوك والجبابرة والأسودُ، أسألك أن تذَلل لي قلب فلان الجبار)، قال القرافي: فقد تصوره (أي الطرطوشي) وحكم عليه بأنه سحر، فهذا هو تعلَّمُه، فكيف يَتصور شيئا لم يعْلَمْه ..\nقال القرافي: وأما قوله (أي الطرطوشي): لا يُتَصور التعلم إلا بالمباشرة كضرب العود فليس كذلك، بل هو كتعلم أنواع الكفر الذي لا يكفُرُ به الانسان كما نقول: إن النصارى يعتقدون في عيسى مع ﵇ كذا، والصابئة يعتقدون في النجوم كذا، ونتعلم مذاهبهم وما هم عليه على وجهه حتي نرد عليهم ذلك، فهو قربة لا كُفْرْ، وقد قال بعض العلما: إن كان (أي المتعلم للسحر) تعَلمَه ليفرق بينه وبين المعجزات كان ذلك قُرَبة (أيْ طاعةً)، وكذلك نقول: إن عمِل السحرَ بأمْرا مباح ليفرّق بين المجتمعين على الزنا أو قطع الطريق بالبغضاءٍ والشحناء، أو يفعَل ذلك بجيش الكفر، فيقْتُلون به مَلِكَهم، فهذا كله قربة، أو يصنعه محبةً بين الزوجين، أو الملِك مع جيش الاسلام، فتأمل هذه المباحث، فالموضع مشكل جدًا ...)، ثم أخذ القرافي يعقب على كلام الطرطوشي ويجيب عن أقواله وأقوال المالكية في الموضوع. فليرجع اليها من أراد التوسع في ذلك عند الإِمام القرافي ﵀.","vol":"2","page":436},{"text":"المسألة الرابعة في الفرق بين المعجزاتِ للأنبياء وبين السِحر للسحَرة، وغيره مما يُتَوهَّمُ أنه خارق للعادة. (١٦٢)\nهذه مسألة عظيمة الوقع في الدّين، وأشكَلَتْ على جماعة من الأصوليين. (١٦٣).\n_________\n(١٦٢) قال ابن الشاط: إن كان القرافي يريد أن جميع ما يحدث عن السحر فهو معتادٌ ولس فيه ما هو خارق فليس ذلك بصحيح، وأكثرُ الاشعرية أو جميعُهم يجوزون خرق العوائد على يد الساحر، الا أن يقول بالجواز وعدم الوقوع فلا أدرى من يَعْلم ذلك.\n(١٦٣) زاد القرافي هنا قوله: \"والتبَسَتْ على كثير من الفضلاء المحَصِّلين\"، وهي عبارة تُوحِي بأهمية المسألة، ودقة الفروق المتعلقة بها وضرورة استحضارها.\nقلت: وممن تناول الكلام على موضوع السحر والطلسمات وعلومها وأصنافها وحقائقها، وبَسطها بشيء من البيان والتفصيل، المؤرخُ الاجتماعي الكبير، والفقيه المحقق الجليل العلامة الشهير عبد الرحمان بن خمد بن خلدون الحضرمي ﵀، ولك في الفصل الثاني والعشرين من كتابه الذائع الصيت: المقدمة، فقد جاء في أول هذا الفصل قوله عن السحر والطلسمات ما يلي:\n\"وهي علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر، إما بغير مُعِين أو بمعِين من الأمور السماوية، والأول هو السحر، والثاني هو الطلسمات. ولما كانتْ هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لِمَا فيها من الضرر، ولِما يُشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أؤ غيره كانت كتبها كالمفقودة بين الناس، الا ما وجد في كتب الامم الاقدمين فيما قبل نبوة موسى ﵇، مثل النبط والكلدانيين، فإن جميع من تقدمه من الانبياء لم يشرعوا الشرائع ولا جاءوا بالأحكام، إنما كانت كتبهم مواعظ وتوحيدا لله وتذكيرا بالجنة والنار، وكانت هذه العلوم في أهل بابل من السريانِن والكلدانِيين، وفي أهل مصر من القِبط غيرهم، كان لهم فيها التآليف والآثار، ولم يترجَمْ لنا من كتبهم الا القليلُ مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل ابابل، فأخذ الناسُ منها هذا العلم وتفننوا فيه، ووضعت بحد ذلك الأوضاعُ، مثل مصاحف الكواكب السبعة، وكتاب طمطم الهندي في صور الدَّرج والكواكب وغيرها.\nثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة، فتصفح كتب القوم واستخرج الصناعة، وغاص في زبدتها واستخرَجها، ووضع فيها غير من التأليف، أكثر الكلام فيها وفي صناعة السيمياء لأنها من توابعها، لأن إحالة الاجسام النوعية من صورة إلى أخرى إنما يكون بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية، فهو من قبيل السحر كما نذكره في موضعه.\nثم جاء مسلمةُ بن احمد المجريطي إمام أهل الاندلس في التعاليم والسحريات، فلخص جميع تلك الكتب، وهذبها وجمع طرقها في كتابه الذي سماه غاية الحكيم، ولم يكتب أحد في هذا العلم بعده\".\nوكان من جملة ما ذكره ابن خلدون في هذا الفصل ما يتعلق بالفرق بين المعْجزة والسحر، فقال: =","vol":"2","page":437},{"text":"والفرق بينهما من ثلاثة أوجُه: فرْقٌ في نفس الأمر، وفرقان باعتبار الظاهر.\nأما الفرق الواقع في نفس الأمر فهُوَ إن السحر والطلسمات والسيمياء وجميعَ هذه الأمور ليس فيها شيء خارق للعادة، بل هي عادة جرَتْ من الله بِترتب مسبباتٍ على أسبابها، غيرَ أنَّ تلك الاسبابَ لم تحصل لِلْكثير من الناس، بل لِلقليل منهم، كالعقاقير التي تُعْمَلُ منها الكيمياء، والحشائش التي يُستعمل منها النفط الذي يُحرق الحصون، والدهن الذي مَنْ دَهَنَ به لم يقطع فيه حديد، والسمندل الحيوان الذي يأوى إلى النار ولا تعدو عليه، فهذه كلها في العالم أمور غريبة قليلة الوقوع، وإذا وجِدت أسبابها جرتْ على العادة فيها، وكذلك أسْبَابُ\n_________\n= \"والفرق عندهم (أي عند الفلاسفة والحكماء المسلمين) بين المعجزة والسحر أن المعجزة قوة إلهيةْ تبعث النفس على ذلك التاثير، فهو مؤيَّدٌ بِرَوحِ الله على فعل ذلك، والساحر إنما يفعل ذلك من لدن نفسه وبقوته النفسانية، وبإمداد الشياطين في بعض الاحوال، فبينهما الفرق في العقولية والحقيقة والذات في نفس الامر\".\nوانما نستدل نحن على التفرقة بالعلَامات الظاهرة، وهي وجود المعجزة لصاحب الخير وفي مقاصد الخير، وللنفوس المتمحصة للخير والتحدي بها على دعوى النبوة، والسحر إنما يوجد لصاحب الشر وفي أفعال الشر في الغالب من التفريق بين الزوجين وضرر الأعداء وأمثال ذلك، وللنفوس المتمحصة للشر، هذا هو الفرق بينهما عند الحكماء الآلهيين.\nوقد يوجد لبعض المتصوفة وأصحاب الكرامات تاثيرٌ أيضا في أحوال العالم وليس معبودا من جنس السحر، وانما هو بالإمداد الالاهي، لأن طريقتهم ونِحْلتَهم بن آثار النبوة ؤلوابعها، ولهم من المدَد الالاهي حفظ على قدر حالهم وأيمانهم وِتمسكهم بكلمة الله، واذا اقتدر أحد منهم على أفعال الشر لا ياتيها، لأنه متقيد فيما ياتيه ويذرُه بالأمر الالاهى، فما لا يقع لهم فيه الإذن لا ياتونَه بوجه، ومن أتاه منهم فقد عدَل عن طريق الحق، وربَّما سُلِب حاله.\nولما كانت المعجزة بإمداد رُوح الله والقُوَى الالاهية، فلذلك لا يعارضها شيء من السحر. وانظر شأن سحرة فرعون مع موسى في معجزة العصا كيف تلقفت ما كانوا به يافِكون، وذهب سحرهم واضمحَل كأنْ لم يكن، وكذلك لما أنزل الله على النبي - ﷺ - في المعَوذتين: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، قالت عائشة رضي الله عنا، فكان لا يقرأها على عقدة من العُقَد التي سُحِر فيها الا انحلت، فالسِحرُ لا يَثبتُ مع اسم الله وذكره .. \" اهـ.\nهذا، وقد رأيت أن أنقل هذا الكلام من هذا الفصْلِ الطويل عند العلامة ابن خلدون في مقدمته، وذلك لأهميته، ولما يفيده من توضيح لبعض الامور التي وردت عند القرافي في هذا الشأن، فليمح اليه من اردا التوسع في ذلك، والاستيعابَ لما جاء فيه، فرحمهم الله جميعا، وجزاهم عما قدموا من علم وخَيْر للمسلمين في شؤون دينهم ودنياهم.","vol":"2","page":438},{"text":"السِّحر إذا وُجِدَتْ حصلَ، وكذلك السيمياء وغيرها، كلها جارية على أسبابها العادية، غيرَ أن الذي يعرف تلك الأسباب قليل في الناس.\nوأما المعجزات فليس لها سببٌ في العادة أصْلا، فلم يجعل الله في العالَم عَقارًا يَفلِق الْبَحْرَ أو يُسَيِّر الجبَل ونحو ذلك، فنريد بالمعجزة ما خلقه الله في العالم تحَدِّيًا للانبياء ﵈ على هذا الوجه، وهذا فرق غظيم.\nغيرَ أن الجاهل بالأمرين يقول: وما يُدْريني أن هذا له سببٌ والآخَرُ لا سببَ له، فيُذْكَرُ له الفرقان الآخَران:\nأحدهما أن السِحر وما يجري مجراه يختص بمن عُمِلَ له، حتَّى إن أهل هذه الحِرف إذا استدعاهم الملوك ليضعوا لهم هذه الامور يطلبون منهم أن تُكتَبَ أسماء كل من يحضر ذلك المجلس، فيضعون صنعتهم لمن سمِّيَ لهم، فإن حضر غيرهم لا سَرى شيئا ممّا رآهُ الذين سُمُّوا.\nقال العلماءُ: وإليه الاشارة بقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ (١٦٤)، أي لكل ناظر ينظُر اليها، ففارقت بذلك السحرَ والسيمياء.\n_________\n(١٦٤) الآية الكريمة تتحدث عن نبي الله موسى ﵇، وعن بعض معجزاته التي أعطاه الله اياها، وأظهرها على يديه، كالعصا التي تصير ثُعبانا، وكإخراج يده من ثوبه ومن جيبه بيضاء من غير سوء وعلى غير حالها التي كانت علها، تتلألأ كالشمس الساطعة، ولك ما يدل عليه قول الله تعالى في الآية الآتية: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ الآيات ٢٣ - ٣٣ سورة الشعراء، وبعدها آيات أخرى تدل على تغلّب العصا معجزة موسى على حِبال وعصى وسحرة فرعون، وانتهاءِ ذلك بهم إلى الايمان، كما حكاه الله عنهم فط هذه السورة الكريمة بقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. الآيات ٤٨ - ٤٣ من نفس سورة الشعراء.","vol":"2","page":439},{"text":"وهذا فرق عظيم (١٦٥).\nالفرق الثاني في قرائِنِ الأحوال المفيدة للعلم القطعى الضروري، المحْتَفَّة بالانبياء ﵈، المفقودة فى حق غيرهم، فنجد النبي ﵊ أفضلَ الناس نسبًا وموْلدا وشرفا، وخَلْقا وخُلقا، وصدْقا وأدبا، وأمانةً وزهادة واشفاقا ورِفقا، . وبُعْدًا عن الدناءة والكذب والتمويه. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. (١٦٦)\nثم أصحابه يكونون في غاية العنم والنور والبركة والتقوى والديانة، فأصحابُ رَسول الله - ﷺ - كانوا بحرًا فى العلوم على اختلاف أنواعها من الشرعيات والعقليات والجنايات والسياسات والعلوم الباطنة والظاهرة، حتى إنَّهُ رُوِيَ أن عليا جَلَسَ ابن عباس ﵃ في الباء من بسم الله، من العشاء إلى أن طلع الفجر، مع أنهم لم يدرسوا ورقةً ولا قرأوا كتابا ولا تفرغوا من الجهاد (١٦٧).\nولقد قال بعض الأصوليين: لو لم يكن شاهدٌ لرسول الله - ﷺ - إلا أصحابُهُ لكَفَوْا في إثبات نبوته، وكذلك أيضا ما عُلم مِنْ فَرْطِ صدقه حتى يقال: محمد الْأمّي.\n_________\n(١٦٥) قال ابن الشاط: إنما يظهر ذلك لِمَنْ جرَّبه وتكررتْ منه التجربة وقَلَّ مَن يجرّبُهُ.\n(١٦٦) سورة الأنعام: الآية ١٢٤، وأولُها، وهي تتحدث عن المشركين: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الآيات ١٢٤ - ١٢٧.\n(١٦٧) كيف لا، وعبد الله بن عباس ﵄ هو حَبْر هذه الامة وترجمانها في حياة النبي - ﷺ - وبعد مماته، وقد دعا له النبي - ﷺ - بالفقه في الدين ومعرفة التاويل، فقال: اللهم فقه في الدين، وعلمهُ التاويل، ورواية البخاري عنه قال: ضمَّني النبي - ﷺ - إلى صدره، وقال: اللهم علمه الحكمة\"، وهي السنة.","vol":"2","page":440},{"text":"وما مِنْ نبي إلّا وله في هذه القرائن الحالية والمَقاليةِ العجائب، والساحِر على العكس من ذلك كله. (١٦٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>القاعدة الحاديةَ عشرةَ:\nفي تقرير معْنَى الزهد</span>. (١٦٩)\nإعلم أن االزهد ليس عدَمَ المال، بل عَدَمُ احْتفال القلب بالأموال وإن كانت في مِلْكه، وعلى هذا قد يكون أغْنى الناس زاهدًا، ويكونُ أفقرُ الناس عَرِيًا عن ذلك إذا كان حريصا.\n_________\n(١٦٨) للقرافي ﵀ هنا كلام تفصيلي اختصر البقوريِ، وإيرادُه في هذا المقام يزيد هذه الفقرة وضوحا وبيانا حيث قال: وكذلك مَا عُلِمَ مِن فرط صِدْقه الذي جزم به أولياؤه وأعداؤه، (والحقُّ ما شهِدتْ به الأعداء)، وكان يسمَّى في صغره الأمينَ، إلى غير ذلك مما هو مبسوط في موضعه.\nثم قال: \"من وقف على هذه القرائن وعرفها من صاحبها جزم بصدقه فيما يدعيه جزما قاطعا، وجزم بأن هذه الدعوى حقّ، ولذلك لما أخبر رسولُ الله - ﷺ - أبا بكر بنبوته قال له الصديق: صدَقْتَ، من غير احتياج إلى معجزة خارقة، فنزل فيها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. سورة الزُّمَرِ، الآيات ٢ - ٣ - ٣٥) أيْ محمد جاء بالصدق، وأبو بكر صَدق به)، وهذا التفسر اختيار ابن عطية، ﵀. والراجح أن الآية عامة في الرسل والمومنين، فما من نبي الأ ولَهُ من القرائن الحالية والمقالية العجائبُ والغرائب\".\nثم قال:، وأما الساحر فعلى العكس من ذلك كله، لا تجده في موضع إلا ممقوتا حقيرًا بين الناس، وأصحابه وأتباعه، وأتباعُ كل مبطل، عديمون للصلاة، لا بهجة عليهم، والنفوس تنفر منهم، ولا فيهم من نوافل الخير والسعادة أثر.\nفهذه فروق ثلاثة بين البابين (باب المعجزة وباب السحر)، وهي أي هذه الفروق الثلاثة في غاية الظهور، لا يبقى معها -ولله الحمد- لبْسٌ ولا شك لجاهِل أو عالم\". انتهى كلام القرافي ﵀.\n(١٦٩) هي موضوع الفرق الخامس والخمسين والمائتين بين قاعدة الزهد، وقاعدة ذات اليد\" جـ ٤. ص ٢٠٩، وهو من أقصر الفروق عند القرافي، ﵀. ولَمْ يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.","vol":"2","page":441},{"text":"ثم الزهد في المحرَّمات واجب، وفي الواجبات حرامٌ، وفي المندوبات مكروةٌ، وفي المباحات مندوب، لأن الميل إلَيْها يُفْضِي لارتكاب المحرمات أو المكروهات.\nقلت: لا يقال الزهدُ بِحَسَب العُرف على ترْك الواجبات، ولا على ترْك المندوبات، ولا على ترْك المكروهات، ولا على ترْك الحرام، وإنما يُستعمَلُ بحسَب المباح إذا تُرِك، وهذا الزهدُ الذي يُعتبر فيه الترْكُ هُوَ الزهد الظاهر، وللزهد الظاهر زهذ باطن، وهو -كما قلنا- عَدَمُ احتِفال القلب، وبه يقعُ الفرق بين الزهد والورَع، وباعتبار الظاهر يقع اللبْسُ بينهما. (١٧٠)\nوالورَعُ ترك ما لاباس به مخافة ما به بأسٌ، (١٧١)، وهو مندوب إليه. ومنه (أيْ من الورَع) الخروجُ عن خلاف العلماء بحسب الإمكان، كأن يختلف العلماء في شيء هل هو حرام أو مُباح؟ فالورع التركُ، أو هو مباح أو واجب فالورع الفعلُ. وإن اختلفوا هل هو مشروع أو غيرُ مشروع فالورَع الفعل، لأن القائل بالشرعية مثبِتٌ لأمْرٍ لم يطاح عليه النافي، والمثْبِتُ مقدَّمٌ على النافي، كتعارض البينات، وذلك كاختلاف العلماء في شرعية الفاتحة في صلاة الجنازة، وكالبسملة، قال مالك: هي في الصلاة مكروهة، وقال الشافعي: واجبة، فالورعَ\n_________\n(١٧٠) هو موضوع الفرق السادس والخمسين والمائتين بين قاعدة الزهد، وقاعدة الورَع، جـ ٤. ص ٢١٠، وهو على عكس ما قبله - من أطول الفروق عند القرافي، وعلق ابن الشاط على بعض فقراته كما سيتضح بعدُ في هذه التعاليق.\n(١٧١) قال القرافي: وأصله قول النبي - ﷺ -: \"الحلالُ بَيّنٌ، والحرام بَيّنٌ، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهُنَّ كثير من الناس، فمن اتقى الشهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\" وتمام الحديث: \"ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعى يَرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. (والحمى بكسر الحاء وفتح الميم ما يحميه الغير من الأرض ومرعاها، فلا ينبغي الاقترابُ منه تجنبا للوقوع فيه)، ألَا وإن لكلِ مَلِكٍ حِمىً، ألا وإن حِمَى الله مَحارمه، (اي المحرمات التي حرمها على العباد ونهاهم عن الوقوع فيها والاقتراب منها)، ألا وإن في الجسد مُضغةً إذا صلحت صلَح الجسد كله، وإذا فسدَتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\"، رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله عن النعمان بن بشير ﵁. فالقلْبُ إذا صَلَحَ عقيدةً وخشوعا وخشية من الله صلحتْ أعمال الجوارح بفعلِ الطاعات المامور بها، وبالإعراض عن المنهيات المحرّمات.\nقال ابن الشاط هنا: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.","vol":"2","page":442},{"text":"الفعلُ، للخروج عن عُهْدَة ترْك الواجب، (١٧٢). فإنْ اختلَفُوا هل هو حرام أو واجب فالعِقابُ متوقَّعٌ على كل تقدور، فلا ورَع، إلا أن يقال: إن المحرَّم إذا عارضه الواجب قُدِّم على الواجب، لأن رعاية درْء المفسدة أولى من رعاية حصول المصلحة، فيكون الورَع التركَ، وان اختلفوا هل هو مندوب أوْ مكروه فلَا ورَعَ لتساوي الجهتيْن، ويمكن ترجيح المكروهِ بما تقدَّم، في المحرّم، أما إذا كان أحدُ\n_________\n(١٧٢) الخلاف في كون البسملة آية من الفاتحة أو ليست كذلك، وفي قرآتِهَا مع الفاتحة في الصلاة أم لا، خلاف قوى بين ائمة المذاهب الفقهية وعلمائها، وقد بسطه علماء التفسير، وشراح الحديث والفقهاء في محيبهم ومؤلفاتهم في الفقه وأصوله.\nومن ذلك ما قاله الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره: قال: \"البسملة افتتح بها الصحابة كتاب الله، واتفقوا على أنها بعض آية من سورة النمل (أي في قوله تعالى حكاية عن بلقيسَ: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، ثم اختلفو، هل البسملة آية مستقلة في أولِ كل سورة أو من كل سورة كتبت فيها، أو أنها بعض آلةِ من كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية، على أقوال للعلماء خلَفًا وسلفا، وذلك مبسوط في\nمحله\".\nومن أدلة المذهب المالكي في القول بعدم قراتها في الصلاة الفريضة أثناء قرآة الفاتحة ما أخرجه الإِمام مالك ﵀ في الموطأ عن أنس ابن مالك ضي الله عنه أنه قال: قمْتُ (أي صَلَّيتُ) وراءَ أو بكر وعمر وعمان، فكلهم كان لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إذا افتتح الصلاة، وكذلك الحديث القدسي الصحيح الذي جاء في كل من الموطأ وصحيح الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: قال الله تعالى: (أي في هذا الحديث القدسي) \"قسَمْتُ الصلاة بيني مع وبين عبدي نصفين، فنصفُها لي، ونصفها لعبدى، ولعبْدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله حمِدني عبدي ... إلى آخر هذا الحديث. قال الشيخ الزرقاني شارح الموطأ: فيه حجة قوية على أن البسملة ليست من الفاتحة، قال الإِمام النووي ﵀: وهو (أي هذا الحديث القدسي) من أوضح ما احتجوا به (أي الماَلكية)، لأن الفاتحة سبحُ آيات بالإجماع، فثلاث في اولها ثناءً، وثلاث دعاءٌ، والسابعة متوسطة بينها، وهي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nومن ذلك ما ذكره القاضي أبو بكر ابن العربي الْمَعَافِرِي ﵀، في الجزء الأول من كتابه: أحكام القرآنِ، حيث قال: \"فإن قيل: هل تجب قرآتها (البسملة) في الصلاة؟ قلنا: لا نجبُ، فإنَ أنس بن مالك ﵁ روَى أنه صلى خلف رسول الله - ﷺ -، وأبي وعمر، فلم يكن أحدٌ منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ونحوُهُ عن عبد الله بن مُغَفل. فإن قيل: الصحيح من حديث أنس: فكانوا يفْتَتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وقد قال الشافعي: معناه أنهم كانوا لا يقبرأون شيئا قبل الفاتحة. قلنا: هذا يكون تأويلا لا يليق بالشافعي لِعِظَم فقهه، وأنس وابن مُغَفّل إنما قالا هذا، ردًّا على من يَرى قرآة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. =","vol":"2","page":443},{"text":"المذهبين ضعيفَ الدلالة بحيث لو حَكم به حاكم لنقضناه لم يَحْسُن الورع في مثله، وانما يحسن إذا كان يمكن تقرير شرعيته (١٧٣).\n_________\n= فإن قيل: فقد روى جماعة قرآتها، وقد تولّى الدارقطني جمع ذلك في جزء صححه. قلنا: لسنا ننكر الرواية، لكنَّ مذْهَبنَا يترجح بأن أحاديثنا -وإن كانت أقل-، فإنها أصحُّ، بوَجْهٍ عظيم، وهو المعقول في مسائل كثيرة من الشريعة.\nوَذلك أن مسجد رسول الله - ﷺ - بالمدينة انقرضَتْ عليه العصور، ومرَّتْ عليه الأزمنة من لدن زمان الرسول - ﷺ - إلى زمان مالك، ولم يقرأ فيه أحد [قطُّ] بسمِ الله الرحمن الرحيم، اتباعًا للسُّنة، بَيْدَ أن أصحابنا استحبوا قرآتَهَا في النفْل، وعليه تُحْمل الآثار الواردة في قراتَها. ثم أورد القاضي ابن العربي بحد ذلك، الحديثَ القدسي الصحيحَ الثابتَ عن النبي - ﷺ - أن الله تعالى يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدى نصغين، فنِصْفُها لي ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل ... إلى آخر، الحديث أوردهُ كل من القرافي والبقوري هنا، وقال ابن العربي في ختامه:\nفقد تولى سبحانه قسمة القرآن (أي القراءة) بينه وبين العبد بهذه الصفة، فلا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وهذا دليل قوي، (أي من حيث لم يرد فيه ذكر البسملة كما عن النبي - ﷺ -، وأنه قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وثبت عنه أنه قال: من صلى صلاة لم يَقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِدَاج -ثلاثا- غيرُ تمام.\nوبذلك يتضح مستنَد علماء المالكية القائلين بعدَم قراءة البسملة في الصلاة الفريضة، كما هو مبسوط عندهم في كتب الاحكام والتفسير والحديث والفقه.\n(١٧٣) كذا فى نسخة ع. وفي ح: شريعَتِه.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء من هذا الكلام عند القرافي، فقال: لا يصح ما قاله من أن الخروج عن الخلاف يكون وَرَعًا، بناءً على أن الورع في ذلك لِتوقع العقاب، وأيُّ عقاب يُتوقع في ذلك؟ .\nوأما على القول بتصويب أحد القولين أو الأقوال دون غيره، فالإجماع منعقد على عدم تاثيم المخطئ وعدَم تعيينه، فلا يصح دخول الورع في خلاف العلماء على هذا الوجه.\nوأما الدَّليلُ الدال على دخول الورَع في ذلك؛ فهذا أمر لا أعرف له وجها، غيرَ ما يُتَوهَّم من تَوَقع الإثم والعقاب، وذلك منتف بالدليل الاجماعي القطعي.\nكيف يصح ذلك، والنبى - ﷺ - يقول: \"أصحبي كالنجوم بأيهم إقتديتم اهتديتم، فاطلَق القول من غير تقييد ولا تفصيل ولا تنبيه على وجه الورع في ذلك، ثم لم يُحْفظْ التنبيه في ذلك عنِ واحد من أصحابه ولا غيرهم من السلف المتقدم.\nثم الخروج عن الخلاف لا يتأتى في مثل ما مثل به كما في مسألة الخلاف بالتحريم والتحليل في الفعل الواحد، فإنه لابد من الأقدام على ذلك الفحل أو الانكفاف عنه، فإن أقدم عليه المكلف فقد وافَقَ مذْهبَ المحلل، وإن انكف عنه فقد وافق مذهبَ المحَرم، فأين الخروج من الخلاف؟ إنما ذلك عمل على وفق أحد المذهبين لا خروجٌ عن المذهبين.\nومثالُهُ أكل لحوم الخيل، فإنه مباح عند الشافعي، ممنوع أو مكروه عند مالك، فإن أقدم على الأكل فذلك مذهب الشافعي، وان انكفّ عنْهُ فذلك مذهب مالك. =","vol":"2","page":444},{"text":"وها هنا ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: أنكر جماعة من الفقهاء دخولَ الورع في مسح الشافعي - مَثَلًا- جميع رأسِه، لأنه ان اعتقد الوجوبَ فقد ترك الندبَ، فلم يجمع بين المذهبين، بل هذا مذهبُ مالكٍ فقط، وإن لم يعتقد الوجوب لمْ يُجْزِه المسحُ بنيَّة الندْب، فما حصل الجمعُ، وكذلك المالكي إذا بَسْملَ، وكلُّ موْضع اختلف فيه، فعلى هذا النوع يُوردون فيه السؤال، وليس بوارد، بسبب أنا نقول:\nيعتقد في مسح رأسه كله الندب على رأي الشافهي، والوجوبَ على رأي مالك، وليس في ذلك الجمعُ بينَ الضّدَّين، لأن الجهح بين الضدين إنما يمتنع إذا اتحد المتعلَّق مع اتحاد المحلِ، أمّا اتحادُ المحل فقَطْ فلا يمنع الجمعُ، لأن الصداقة ضِدُّ\n_________\n= وما قاله القرافي فيما إذا اختلفوا في المشروعية وعدمها من أن القائل بها مثْبت لأمْرِ لم يطلع عليه النافي، والمثبتُ مقدَّم، كتعارض البينات، ليس بصحيح على الاطلاق، فإنه إن عَنَى بتعارض البيناتَ كما إذا قالت إحدى البينتيْن: لزيد عند عَمْرو دِينارٌ، وقالت الاخرى: ليس عنده شيء، فلا تعارض، لأن البينة النافية معنى نفيها أنَّها لا تعْلَمُ أن له عنده شيئا، أو ليس عنده شيء، فلا تعارُضَ، وليس معنى نفيها أنها تعلم أنه ليس عنده شيء، فإن ذلك أمر يتعذر العلم به عادة، وان عَنى كما إذا قالت إحدى البينتين: رأيناه يومَ عرفةَ من عام سبعمائة بمكة، وقالت الأخرى: رأيناه في ذلك اليوم بعينه بالمدينة فهذا تعارض، ولا يصح تقديم إحداهما على الأخرى إلا بالترجيح. وهذه الصورة التي تشبه مسألة المجتهدين، لا الصورة الأولى.\nفإذا وقع الخلاف في مثل هذا الاجتهاد ثبت الخلاف من غير تقديم لأحد المذهبين على الآخر، إلا عند من رَجَحَ عنده كالمجتهدين، وكلّ من رجح عنده ذلك المذهب لا يسوغ له ترْكُه، وكل من جحَ عنده المذهث الآخَرُ لا يسوغ له تركه، فلا وَرَعَ باعتبار المجتهدين، ولابُدَّ لمن حكمه التقليد أن يحملَ بالتقليد، فإذا قلد أحدَ المجتهدين لا يتمكن له في تلك الحال وفي تلك القضية أن يقلد الآخر، ولا أن ينظر لنفسه، لأنه ليس من أهْل النظر، والمكلَّفون كلهم دائرون بين الاجتهاد والتقليد، والمجتهد ممنوع من الأخذ بغير ما اقتضاه نظره، فلا يصحّ الورع الذي يقتضي خلاف مذهب مقلِده في حد ذاته.\nوإذا كان هذا النوع من الورَع لا يصحُّ في حق المجتهدين ولا في حقِّ المقلِّدين فليس بصحيح، لأنه لا ثالث يصح ذلك الورع في حقه، والله تعالى أعلم\". انتهى كلام ابن الشاط ﵀ في هذا التعليق الطويل الهام المتعلق بالورع في مراعاة الخلاف المذهبي الفقهي، واعتبارِه في الأخذ بما هو أحوَطُ، وبتصحيحه وبتبيان وجهة نظره في الموضوع.","vol":"2","page":445},{"text":"العدواة، والبغضة ضد المحبة، ويُمْكِنُ أن يَجمع في القلب العداوة للكافرين، والصداقةَ للمومنين، كذلك هاهنا اختلفت الاضافة فأقول:\nإعتقدَ هذا الفعلَ واجبا على مذهب مالك، ومندوبا على مذهب الشافعي، فجمعهما في ذهنه باعتبار جهتين، (١٧٤)، وعلى هذا التقدير يُتصوَّرُ الجمعُ بين المذاهب جملى وجْهٍ يحصل الإِجزاءُ والاستيفاء للمقاصد، والورعُ والخروج عن العهدة من غير تناقُضٍ، فتأملْه، قال شهاب الدين بهذا، وقال: ولقد نازعني فيه جمعٌ من الفضلاء. (١٧٥)\n_________\n(١٧٤) عبارة القرافي هنا: \"فيجمعهما في ذهنه باعتبار جهتين وإضافتين، كما يصدق أن زيدًا أبٌ لعَمْرُ، وليس أبا لخالد، فاجتمع فيه النقيضان باعتبار إضافتين. وقد أجمع أرباب المعقول على أن من شروط التناقض والتضاد اتحادَ الإضافة كما تقدم مثالُه في الأبوة، فإذا تعددت الإِضافة اجتمع النقيضان والضِّدَّانِ، وعلى هذا التقديرِ يجتمع في الذهن الواحد في الزمن الواحد في الفعل الواحد، الوجوبُ والتحريمُ والكراهة والندب والإِباحة باعتبار خمسةٍ من العلماء القائلين بتلك الأحكام، فعلى هذا التقدير يُتَصور الجمع بين المذاهب على وجه يَحْصُلُ الإِجزاء والاستيفاءُ للمقاصد ... الخ.\n(١٧٥) عَقّب الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة الاولى من أولها إلى آخرها فقال: قد تقدم أن الورع لا يحصل باعتبار اختلاف المذاهب، للزوم المذهب للمجتهد والمقلِّد جميعا، لا سِيَمَا عند اختلافهما بالايجاب والتحريم، إذْ يتعيَّنُ الفعل في الاول، والترك في الثاني. وأما في الايجاب والندب والتحليل، أو في التحريم والكراهة فقد يتوهم صحة ذلك من يقول: إن الثلاثة الأولى مُشْتركِة في جواز الفعل، والاثنان مشتركِان في رجحان الترك، لكنه فيح من صحة ذلك لزومُ عمل المجهد ومقلِّده على حسب مقتضَى اجتهاد المجتهد، إلا أن يقول قائل في المقلد: إنه يسوغ له تقليد أحد القائلين بالوجوب والندْب مثلا لا بعينه، ويفْعَل الفعْل لا بنيَّة التفويض، لكن لا أعرفه لأحد، ولا أعرف له وجهًا، وما وجه الشهابُ به، بناءً على أن التناقض والتضادَّ إنما يتحققان بشرط اتحاد المحل والمتحفق والإضافة، لا يصح له، وإن كان اشتراط تلك الشروط في التناقض والتضاد صحيحا، لأنه يلزم المجتهدَ ومقَلِّدَه موافقة اجتهادِهِ في عمله واعتقاده، ويحْرُمُ عليه وعلى مقلده مخالفتُهُ، فظهر أن القول الصحيح هو قول منازعي الشهاب في ذلك، واللهُ تعالى أعلم.\nقلت: وَمَا انتهى اليه ابن الشاط في ختام تعقيبه هذا هو ما نجد مضمونه وخلاصته في تعقيب الشيخ البقوري في نهاية كلام القرافي على هذه المسألة الأولى. فرحم الله الجميع. وأثابهم الثواب الجزيل.","vol":"2","page":446},{"text":"قلت: الإِنكار ظاهرٌ، وما قاله خفِيٌّ جدا، فإن الفعل الواحد لا يُتصَورُ أن يُقْصَدَ به الوجوبُ والندبُ معًا لتضَادّهما.\nالمسألة الثانية: كثير من الفقهاء يعتقد أن المالكي يعتقد بطلان مذهب الشافعي إذا لم يدْلُكْ في غسله أو يمسَحْ جميع رأسه ونحوه، وأن الشافعي يعتقد بطور صلاة المالكي إذا لم يُبَسْمِل، وأن الجمع بين المذاهب والورع في ذلك إنما هو لِصَوْن الصلاة ونحوها عن البطلان على قول الخالِف، ليس كذلك، فالورع ليس لتحصيل صحة العِبادة، بل عبادةُ كُلِ مقلّدٍ لإِمام معتبَرٍ، صحيحةٌ بالإِجماع. وأجمعَ كل فريق مع خصمه على صحة تصرفاته وعبادته.\nفإن قلت: فإذا كانتْ العبادةُ صحيحة بالإجاع فما فائدة الورَع؟ كيف يُشْرع الورعُ بعد ذلك؟ . (١٧٦)\nقلتُ: فائدة الورع، وسبَبُ مشروعيته، الجمعُ بين أدلة الختلفِين، والعملُ بمقتضَى كلِ دليل، فلا يبقى في النفس توهُّمُ أنه قد أهمَلَ دليلا يُعمَل بمقتضاه هو الصحيح، فالجمعُ ينفي ذلك بأبر الجى بين المذاهب في جميع مقتضيات الأدلة في صحة العبادة والتصرف (١٧٧)، ولو كان المالكي يعتقد بطلان صحة الشافعي وبالعكس لكانت كل طائفة عند الأخرى من أعظم الناس فسقا، لِترْكها الصلاةَ طولَ عمرها، ولا تُقبَلُ لها شهادةٌ، وهذا ما لم يقُلْ به أحد.\nالمسألة الثالثة: اختلَف الفقهاء هل يَدخلُ الورَعُ والزهد في المباحات أمْ لا؟ فادَّعى ذلك بعضُهم، ومنعه بعضهم، فقال الأبهري (١٧٨): لا يدخل\n_________\n(١٧٦) قال ابن الشاط: السؤال وارد، أي متوقَعٌ ومطروح في محله هذا عند التأمل.\n(١٧٧) زاد القرافي هنا قوله: \"فتأملْ ذلك\"، فحقب عليه في هذه المسألة الثانية ابن الشاط بقوله: لقد تأملت ذلك، فلم أجِدْه صحيحا، كيف يصح الجمع بين مقتضَى دليلين: موجِب ومحَرِّم، وأحدُهما يقتضي لزوم الفعل، والثاني يقتضي لزوم الترْك، والجمع بين الفعل والتَّرْك بالنسبة إلى الامر الواحد محال، ولا يغني في ذلك اعتقاد اختلاف الاضافة بالنسبة إلى الإمامين. وما قاله في بقية المسألة إلى آخرها صحيح.\n(١٧٨) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة بقوله: ما قاله في هذه المسألة صحيح.","vol":"2","page":447},{"text":"الورَع فيها، لأن الله تعالى سوَّى بين طرفيها، والورع مندوبٌ، والندب مع التسوية متعذر. وقال غيرُه: يدخل الورعُ في المباحات، وما زال السَّلف (الصالح) على الزهد في المباح.\nقال شهاب الدين: والفريقان على الصواب، وطريق الجمع بينهم أن المباحات لا زهد فيها ولا ورَع من حيث هي مباحات، وفيها الزهد والورع من حيث ان الاستكثار من المباحات يُحْوجُ إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات، وقد يوقع في المحرَّمات، وهو أيضا يُفْضِي إلى بطْرِ النفوس، فالتوسع في الدنيا سببُ الْمَهْلُكة لِكَثيرٍ من الناس كما اتفق لنمرود وفرعون وغيرهما، مَا جَاءهُما ما جاءهما إلا من تلك الجهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>القاعدة الثانية عشرة: في التوكل </span>(١٧٩)\nفال أبو حامد: هو اعتماد القلب على الوكيل وحده، وهو يحصُلُ لاعتقاد كمال علمه وقدرته. ثم ما لا يحصل له فذلك إمَّا لضعف النفس بهذه الأوصاف، وإما لضعف القلبِ بسبب الأوهام الغالبة عليه، كالذي يييت مع الميت في بيت واحد.\nوذكر شهاب الدين أن قومًا قالوا: لَا يصحُّ التوكلُ إلَّا مع ترك الأسباب، فهو عندهم تركُ الأسباب، والاعتمادُ على الله. وقال آخَرون: لَا ملازمةَ بين التوكل وتركِ الأسباب، بل يصح الأسباب وملابستها، وهو الأحسن لمن قوِي\n_________\n(١٧٩) هي موضوع الفرق السابع والخمسين والمائتين بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب\" جـ ٤. ص ٢٢١. ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط ﵀.\nقال شهاب الدين القرافي ﵀ فَي أوله: إعلم انه قد التبس هاتان القاعدتان على كثير من الفقهاء والمحَدِّثين في علم الرقائق. فقال قوم: \"لا يصحُّ التوكل إلا ترك الاسباب، ومع الاعتمادِ على اللهِ تعالى. قاله الغزالي في إحياء علوم الدين، وغيرُهُ\".","vol":"2","page":448},{"text":"عليه، (١٨٠) لِقوله ﵇: \"إعقِلْها وتوَكلْ\" (١٨١)، ولأنه تعالى أمر بالتوكل والحذَر ممّا ينبغي أن يُحْذَرَ، وكوصية يعقوب لبَنِيه حيث قال: \"لا تَدخلوا مِن باب واحد\"، (١٨٢) ثم قال: \"عليه توكلت\"، ورسولُ الله - ﷺ - سيدُ المتوكلين، وكانَ يطوف على القبائل ويقول: \"مَن يعصمني حتى أُبلِّغَ رسالاتِ ربي\"؟، وكان\n_________\n(١٨٠) عبارة القرافي: \"وقال آخَرون: لا ملازمة بين التوكل وترك الاسباب، ولا هو هو، وهذا هو الصحيح، لأن التوكل هو اعماد القلب على الله تعالى فيما يجلبه من خير ويدفعه من ضر. قال المحققون: والأحسنُ ملابسة الاسباب مع التوكل، للمنقول والمعقول.\nأما المنقول فقوله تعالى، خطابا للمومنين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (سورة الأنفال، الآية ٦٠)، فأمر بالاستعداد مع الامر بالتوكل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (سورة فاطر، الآية ٦)، أي تحرَّزوا منه، فقد أمر الحقُ تعالى باكتساب التحرز من الشيطان كما يُتحرز من الكفار، وأمر تعالى بملابسة أسباب الاحتياط والحذَر من الكفار في غير ما موضح من كتابه العزيز. وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة ولهم عوائد في أيام لا يُحْسِنُ إلا فيها، أو أبواب لا يخرج إلا ففيها، أو أمكنةٍ لا يَدفع إلا فيها، فالأدبُ معه ألا يُطلَب منه فعل إلا حيث عوَّدَهَ، وألا يخالِف عوائدَه بل يجري عليها، والله تعالى مَلِكُ الملوك وأعظمُ العظماء، بل أعظم من ذلك، رتَّب مُلْكَه على عوائدَ أرادها، وأسبابِ قدَّرها، ورَبط بها آثار قدرته، ولو شاء، لم يربطها، فجعل الريَّ بالشرب، والشِّبَعَ بالأكل، والاحتراق بالنار، والحياةَ بالتنفس في الهواء، فمن طلب من الله تعالى خصوصَ هذه الآثار بدون أسبابها فقد أسآء الادب مع الله ﷾، بل يَلتمس فضلَهُ في عوائده ... الخ. \". فالله تعالى يُحدِث هذه الاشياء والمسببَّات، ويوجدها عند وجود أسبابِها لا بِها.\n(١٨١) عن أنس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، أعْقِلُها (أي الناقةَ) وأتوكلُ أوْ أُطْلِقُها وأتوكلُ؟، قال: إعْقِلها وتوكَّلْ\". رواه الامام الترمذي، آخِرَ كتابه.\nوعن عمر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: لو أنكم كنتُم توَكَّلون على الله حق توكله لَرُزقتم كما تُرزَق الطير، تغدو خِماصا وتروح بِطانًا\". رواه الائمة احمد بن حنبل، والحاكم، والترمذي ﵏.\nوالخِماص بكسر الخاء جمع خَميص وهو الجائع، ضامِرُ البطن من الجوع، والبطان كذلك بكسر الباء على وزن فِعال، جمع بَطين هو الشبعان كبير البطن. وفي قوله - ﷺ -: \"تغدو وتروح\" (أي تُصْبحُ وتمسْي، وتتحرك من أعشاشها بين الصباح والعشي)، إشارةٌ إلى أنها تتخذ الاسبابَ المطلوبة ففيها والملهَمَة إليها بتحركها.\n(١٨٢) أول الآية: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. سورة يوسف الآية ٦٧.","vol":"2","page":449},{"text":"ياخذ سلاحه للحرب، وأيضا فلله عادةْ أجراها في خلقه، فالأدب المُضي على تلك العوائد وهي الالتباس بالأسباب، والترْكُ لها سوءُ أدَبٍ.\nثم إن الخلائق انقسَمُوا في هذا المقام ثلاثةَ أقسام، فقِسْمٌ عاملو الله باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع إهمال الأسباب، (١٨٣)، وقسم لَاحظوا الأسباب وانهمكوا فيها، وهؤلاء لا خير فيهم بالنسبة للآخَرين، وقِسْمٌ اعتبروا المسبَّب والاسباب، ولاحظوا البابيْن، وهولاء أفضلُ الناس، وهذا موطن الأنبياء ﵈.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>القاعدة الثالثة عشرة:\nفي الكلام على الرضَى بالقضاء</span>. (١٨٤)\nإعْلَمْ أن شهاب الدين ﵀ بيَّنَ الرضَى بالقضاء وبيَّن الرضا بالمقضي فقال:\n_________\n(١٨٣) قال القرافي: \"فلججُوا في البحار في زمن الهول، وسلَكُوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد، إلى غير ذلك من هذه التصرفات، فهؤلاء حصلَ لهم التوكل، وفاتهم الأدب مع الله تعالى، وهم جماعة العبَّاد، أحوالهم مسطورة في الكتب في الرقائق\".\nقلت: والرقائق: صح رقيقة، وهي كل كلمة وموعظةٍ ترفق القلْب وتُؤثُرُ فيه وتُلَينه لطاعة الله والاقبال عليه والخشية منه، وترشدُهُ لِعدم الركون والاطمئنان للدنيا بكيفية كلية، وذلك بسماع آية من كتاب الله العزيز، أو حديث من أحاديث رسول الله - ﷺ -، أو موعظة من عانم وفقيه، وداع إلى الخير من أهل الفضل والصلاح، والورع والتقوى والفلاح، الذين ينفذ كلامهم الخالصُ لله إلى القلوب والنفوس. قال اللهُ تعالى: \"الله نزَّل أحسن الحديثِ كتابا متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد\". سورة الزُّمَر، الآية ٢٣. ولأهمية هذه الرقائق نجد جميع المؤلفين والمصنفين لكتب السنة النبوية الطاهرة، يفْردُونَ موضوع الزهد والرقائق بكتاب أو بابٍ خاص من مؤلفاتهم، ويوردون فيه الآيات القرآنية والآحاديثَ النبوية المتعلقة بهذا الجانب في حياة المسلمين، مصداقا لقول الله رب العالمين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. سورة يونس، ٥٧ - ٥٨.\n(١٨٤) هي موضوع الفرق الثاني والستين والمائتين بين قاعدة الرضى بالقضاء وعدم الرضى بالمقضي\". جـ ٤. ص ٢٢٨.","vol":"2","page":450},{"text":"والفرق بين القضاء والمقضِيّ أن الطبِيب إذا وصف للعليل دواءً مُرّا أو قطحَ يده المتآكلة، فإن قال المريض: بِيس ترتيبُ الطيب ومعالجتُهُ، وأيسَرُ من هذا يقوم مقام هذا، فهو سُخْط بقضاء الطيب، بحيث لو سمعه الطيب كره ذلك وشق عليه، ولو قال: هذا دواءٌ مرُّ قاسَيتُ منه شديدا، فهذا سخط بالمقضي الذي هو الدواء والقطْعُ، لا بالقضاء الذي هو ترتيب الطبيب، ولا يؤلمه إذا سمع ذلك، بل يقول له: صَدَقت، الأمر كذلك.\nفعلى هذا، المريضُ إذا تألم في المرض بمقتضَى طبعه فهذا عدم رضى بالمقضِي لا بالقضاء، فلو قال: أيُّ شيء عملتُ حتى أصابني مثلُ هذا وما كنت أستاهل هذا فهذا عدم رضا بالقضاء، فنحن مامورون بالرضى بالقضاء، ولا نتعرض لربنا إلَّا بالاجلال والتعظيم، ونحْذَرُ أن نتعرض لربنا إلَّا بالإِجلال والتعظيم، ونَحْذَرُ أن نعترض عليه في ملكه، وما أمِرْنَا أن يطيب لنا البلاء، (١٨٥) فالرضى\n_________\n= ومبحث القضاء والقدر من المباحث الدقيقة التي تناولها علماء التوحيد في الاسلام، وتوسعوا فيها، وبحثُوها بَحْثًا عميقا. والرضى بالقضاء والقدر من عناصر الايمان في الاسلام.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق فقال: ما قاله فيه صحيح، ما عدَا قولَه: \"والرضى بالكفر كفْرٌ\"، فإنه إنْ أرادء علمه بكفره فذلك لا يتأتى إلَّا مِنْ الكافر عِنادا، على القول بجواز ذلك عادة، وأما على القول بامتناع ذلك عادة فلا، وما عدا قولَه: \"فمن قُضيَ عليه بالمعصية أو الكفر فالواجبُ عليه أن يلاحِظ جهة المعصية والكفر فيكرههما، وأما قدَرُ الله تعالى فيهما فالرضى به ليس إلَّا، ومتَى سخِطه وسفَّه الربوبية في ذلك كان ذلك معصية أو كُفرًا منضَمّا إلى معصيته كفره على حسب حاله في ذلك، فتأمل هذه الفروق\". فإن كراهة الكفر - يقول ابن الشاط، لا يتأزَّى إلاء الكفر عنادا، على أن ذلك من البعيد المشبَّه بالمحال، لأنه لا كفر عنادا إلا لحامل يحمله عليه ويرجحه عنده كالمتناقضين. وأما كراهية المعصية فهي ممكنة، لأن كل عاص، عالمٌ بعصيانه، والله أعلم\".\n(١٨٥) عبارة القرافي هنا: \"وأما أنَّا أُمرْنا بأن تطيب لنا البلايا والرزايا ومؤلمات الحوادث فليس كذلك، ولم تَرِدْ الشريعة بتكليف أحد بما ليس في طبعه، فلم يومَر الأرمدُ باستطابة الرمَد المؤلم ولا غيره من المرض (والرمَد مرض يصيب العين)، بل ذَمَّ الله قوما لا يتألمون ولا يجدون لِلْبَأسَاءِ وقعا، فذمَّهم بقوله تعالى في شأن الكافرين المكذبين بيوم الدين، المتنكبين عن الصراط المستقيم: \"ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون\". سورة المومنون الآية ٧٦. فمن لم يستكن ويَدلّ للمؤلمات، ويُظْهرْ الجزعَ منها، ويسألْ ربَّه إقالة العثْرة منها فهو جبار عنيد، بعيد عن طرق الخير، فالمقضِيُّ والقدورُ أثر القضاء والقدر، فالواجبُ هو الرضَى بالقضاء فقط\".","vol":"2","page":451},{"text":"بالقضاء واجب. (١٨٦)\nوأما المقضي فإن كان واجبا وجب الرضى به، وإن كان حراما حَرُمَ الرضي به، وإن كان مندوبا فهو مندوب، أو مكروها فمكروه، فالرضى بالكفر كُفْرٌ. فعلى هذا، العبدُ إذا قدر عليه بالكفر فهو غير راض بالكفر الذي هو المقضي، ولا يحل له الرضَى به، وواجب عليه الرضَى بقدر الله السابق عليه، ومتى سخِط كان ذنبه من جهة الكفر، ومن جهة السخط بالرضَى.\nوعلى هذا الرضَى بالقضاء يحصل من كل مسلم، وليس ممّا يختص به الأولياءُ. (١٨٧). وَمَا سبب هذا إلا أنهم لا يفرقون بين الرضى بالقضاء وبين الرضى بالمقضى. ولاشك أن الرضَى بالمقضي الذي يخالف الطبعَ حتى لا يكون معه خير مِن ألمه، أمْرٌ عزيز، ويكاد أنه ما حصل للانبياء، فكيف يحصل لغيرهمْ، فالصواب التفريق، واللهُ أعلم (١٨٨).\n_________\n(١٨٦) فالرضى بالقضاء والقدر من أسس وعناصر الايمان كما جاء في حديث جبريل ﵇. أن النبي - ﷺ - قال: الايمان أن تومن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدَر: خيره وشر، حُلْوه ومُرّه\".\nوعن أنس رضي الله عن النبِي - ﷺ - قال: ثلاثٌ من أصل الايمان: (١) الكفُّ عمن قال لا الاه إلا اللهُ، ولا نُكَفِرُهُ بذنْب، ولا نُخرجه من الاسلام بعمل، والجهادُ ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتِل آخرُ هذه الأمة الدجالَ، لا ببطله جوْرُ جائِرٍ، ولا عدْلُ عادلٍ، (٣) والايمان بالأقدار\". والأقدار جمع قدَر، وهو ما قدره الله وكتبه على الانسان في سابق العلم والازل). روى هذا الحديثَ أبو داود بسند حسن.\n(١٨٧) عبارة القرافي هنا أوسعُ وأوضحُ حيث قال: \"وإذا وضَحَتْ لك هذه الفروق فاعْلَمْ أن كثيرا من الناس يعتقد أن الرضى بالقضاء إنما يحصل من الاولياء، وخاصة عُبَّاَد الله تعالى، لأنه من العزيز الوجود، وليس كذلك، بل أكثرُ العوام من الومنين إنما يتألمون من المقضى فقط، وأمَّا التوجُّهُ إلى جهة الربوبية بالتجوير والقضاء بغير العدل فهذا لا يكاد يوجد إلا نادرا من الفُجَّار والمرَدَة، وإنما يبعث هؤلاء على قولهم: \"إن الرضى بالقضاءِ إنما يكون من جهة الأولياء خاصة\"، أنهم يعتقدون أن الرضى بالقضاء هو الرضى بالقضى، وعلى هذا التفسير هو عزيز الوجود، بل هو كالمتعذر\" اهـ.\n(١٨٨) قال القرافي هنا تكملةً للموضوع، وزيادةً في الايضاح والبيان: \"فإنَّا نَجْزم بأن رسول الله - ﷺ - تألم لقتل عمه حمزةَ، وموت ولده إبراهيم ورمْي عائشة بما رُمِيَتْ به، لأن ذلك كله من القضى، ونَجْزِم بأن الانبياء ﵈ تتألم طباعهم وتتوجع من المؤلات وتُسَرُّ بالسرات.\nوإذا كان الرضَى بالقضيات غيرَ حاصل في طبائع الانبياء، فغيرهم بطريق الأولى.\nفالرضى بهذا التفسير لا طمعَ فيه، وهذا التفسير غلطٌ، بل الحق ما تقدم، وهو متيسر على أكثرِ العوام من المومنين، فضلا عن الانبياء والصالحين، فاعلَمْ ذلك \".","vol":"2","page":452},{"text":"قلت: ما ذكره شهاب الدين هنا ليس ببيّن، فإن واحدًا من الفضلاء لا يرى الفضيلة أوْ عدمها من حيث الشعور بالألم الطبيعي أو فقْدُهُ، وإنما الفضيلة من حيث غلبة النظر في المسبَّب، وملاحظةُ فِعْله بِعين الكمال، فهو لذلك رَاضٍ، أوْ مِنْ حيث غلبةُ النظر للأسباب، والذهول عن المسبب، فإذا جآءه ما يخالف طبعه لم يكن راضيا، فكان ناقص الدرجة عن الذي قبله، وهذا -والله أعلمُ- هو الحق لا ما ذكره شهاب الدين ورأى أنه أغربَ به، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>القاعدة الرابعة عشرة\nفي تمييز المكَفِّرات عن أسباب المثوبات</span>. (١٨٩)\nفاعْلَم أن المثوبة تُرَتَّبُ على ما هُوَ من كسْب العبد ومقدورة، فما لا كَسْبَ فيه ولا هو من مقدوره لا مثوبةَ فيه، وهذا لقوله تعالى: \"وأن فيس للانسان إلا ما سعى\" (١٩٠)، ولِشَرْطٍ ثانٍ (١٩١) أن يكون المكتسَبُ مامورا به، فما لا آمرَ فيه لا ثواب فيه كالافعال قبل البعثة، وكأفعال الحيوانات التي لا تُقْتَلُ، وكذا الموتى\n_________\n(١٨٩) هي موضوع الفرق الثالث والستين والمائتين بين قاعدة المكفِّرات وقاعدة أسباب المثوبات\" جـ ٤. ص ٢٣١.\nقال القرافي ﵀ في أوله: \"إعْلَمْ أن كثيرا من الناس يعتقدون أن المصائب سبب في رفع الدرجات وحصولِ المثوبات، وليس كذلك، بل تحرير الفرق بينهما أن المثوبات، لها شرطان: أحدهما أن تكون من كسب العبد ومقدوره، وثانيهما أن يكون المكتسَب مامورا به ... الخ \".\n(١٩٠) وبَعْدَها قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ سورة النجم، الآيات ٣٩ - ٤٠ - ٤١ - ٤٢.\n(١٩١) في جميع النسخ الثلاث: ولشرْط ثان، ولعله خطأ من الناسخ، والصواب أن يقال: وشرطٌ ثانٍ أن يكون المكتسَبُ مامورًا به، كما يظهر من عبارة القرافي وعدِّهِ لهذين الشرطين فيما سبق ذكره هنا في أولِّ التعليق ١٨٩. ولعل وجهه أنه معطوف على عبارة: \"وهذا لقوله تعالى\".","vol":"2","page":453},{"text":"يسمَعُون المواعظ والقرآن والذكر ولا ثواب لهم، لأن الأوامر ليسَتْ متعلقةً بهم. (١٩٢)\nوأمّا المكَفِّرات فلا يُشترَط فيها شيء من ذلك، بل قد تكون كذلك وقد لا تكون، كالمصائب التي تصيب الانسان حتى الشوكة، فالمصيبة مكَفِّرةٌ، اقترن بها السخط أوْ الصبر (١٩٣)، فإنْ اقترن بها الصبر فله الثواب من حيث الصبر، وله\n_________\n(١٩٢) علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي من أول هذا الفرف إلى هنا، فقال: \"هذا حديث غيرُ صحيح، بل الصحيح أن رفْعَ الدرجات لا يُشترطَ في أسبابها كونُها مكتسَبَة ولا مامورًا بها، فمنها ما يكون سببه كذلك، ومن ذلك الآلام وجميعُ المصائب، وقد دلت على ذلك كله دلائل، وظواهر الشرع متظاهرة، يعضدها قاعدة رجحان جانب الحسنات المقطوع بها. وما استدل به من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وقولهِ سبحانه: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وما أشْبهَ ذلك من الآي والاخبار ... الخ. يتعيَّن حمله على الخصوص، جمعا بين الأدلة.\nفإن قال قائل: ذلك، وإن كانَ سببًا لرفع الدرجات وزيادةِ النعيم، فلا يسمَّى ثوابا ولا أجْرا ولا جزاءً، فإنها الفاظ مشعِرة بالإِعطاء في مقابلة عوض، فالأمر فيما يقول، قريبٌ، إذ لا مشاحة في الالفاظ. كيف يصح حمله الآيتين وما أشبههما على العموم، مع الإجماع المعلوم المنعقد على صحة النيابة في الاعمال المالية كلها، مع الخلاف في البدنية كلها أو ما عَدَا الصلاة منها، فلابُدَّ من حمل الآيتين وشههما على الإِيمان، أو عليه وعلى سائر الأعمال القليلة\". قلت: \"ومن الأدلة الكثيرة على ثواب الصبر وأجْره حالةَ الشدة والالم، قولُ الله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. سورة البقرة، الآية ١٧٧. وقوله سبحانه ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. سورة الزُّمَرِ. الآية: ١٠ وعن عائشةَ ﵂ قالت: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقول: \"ما مِن مسلمٍ يشاك شوكة فما فوقها (أي يصاب بشوكةٍ وألمها في جسمه) إلا كُتبت له بها درجةٌ، ومُحيَتْ عنه بها خطيئة\" أخرجه الامام مسلم ﵀.\nوعن محمد بن خالد عن أبيه عن جده، وكان له صُحبةٌ من رسول الله - ﷺ - قال، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن العبد إذا سبقتْ له من الله منزلةٌ فلم يَبْلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده أو ماله أو ولده، ثم صبَّره على ذلك حتى يُبْلِّغَهُ المنزلة التي سبقت له عند الله ﷿\" رواه الائمة: أحمد وأبو داود، وأبو يعلى، والطبراني ﵏.\n(١٩٣) عبارة القرافي أوضح وأظهر، وهي قوله: بل قد تكون كذلك مكتسَبَة، مقدورة من باب الحسنات، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. سورة هود، الآية ١١٤. وقد لا تكون (المكَفًرَات) كذلك، كما تكفر التوبة والعقوبات السيئاتِ وتمحو آثارها،\nومن ذلك، المصائبُ المؤلمة. لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ سورة الشورى. ٣٠. =","vol":"2","page":454},{"text":"التكفير من حيث المصيبة بإطلاق، وما كان سببًا للثواب يكون سببا للتكفير، وليس ما كان سببا للتكفير يكون سببا للثواب ولابد، وهذا لِأجْلِ ما شرطنا في سبب المثوبة من الشرطين المذكوريْن. ثم ذلك الشخص الذي يصحب المصيبة قد يكون ما ترتَّب عليه أكثرُ ممّا يترتب على المعصية من التكفير، وقد يكون أقلّ، وقد يكون مساويا.\nوقال شهاب الدين هنا: والتكفيرُ مِن حيث المصيبةُ إنما كان لأجل الألم اللاحق. ولما كان كذلك فالتكفير حسب قدْر الألمِ، فيَعْظُم لعظمته وبالعكس، وكذلك يعظم لعظم الولد وبالعكس، فلو فرضنا ولدًا لا يتألم بفقده والده لما كان له عليه شيء. (١٩٤).\n_________\nقال ابن الشاط معلقا على هذا الكلام عند القرافي: \"ما قاله في ذلك صحيح، إلا قوله \"وتمحو آثارها\"، فإنه إن أراد بذلك محوها من الصحائف فإن ذلك ليس بصحيح، لأنه عيْنُ الإِحباط، وهو باطل عند أهل السنَّة.\nثم زاد ابن الشاط قائلا: وأما قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فليس في هذه الآية دليل للقرافي على كون المصائب مكفرة للذنوب أو غيرَ مكفرة، وإنما فيها أن المصائبَ سببُ الذنوب، وأن من الذنوب ما لا يُقابَلُ بمصيبة يكون سببا لها، بل يسامَحُ فيه ويُعفَى عنه\".\n(١٩٤) قال ابن الشاط هنا: \"ما قاله القرافي من أن المصيبة لا ثوابَ فيها قطعا ليس بصحيح، وقد تبين قبلَ هذا أن ما استدل به من العمومات لا دليل فيه، لتعَيُّن حملها على الخصوص بالإِجماع على صحة النيابة في الامور المالية، وبالظواهر الظاهرة بثبوت الحسنات في الآلام وشبهها.\nثمَّ عقَّب ابن الشاط على ما ذكرَهُ القرافي من أن التكفير في موت الاولاد ونحوهم إنما هو بسبب الالام \"بأنه صحيح، وما قاله من أن الولد إذا كان مكروهًا عند والده، ويُسَرُّ بفقده فلا كفارةَ بفقده البتَّة، وأن الرسول - ﷺ - أطلق التكفير بموت الاولاد، بناءً على الغالب أنه يؤلمه موت الولد، فقال: \"في ذلك تحكم بِتقييد كلام الشارع من غير دليل، وتضييق لباب الرحمة الثابت سعَتُهُ\".\nقلت: والحديث الدال على الثواب العظيم الذي يعطيه الله لمن توفي له بعض أولاده هو ما رواه أنس ﵁ عن النبي طلائه قال: ما مِن الناس من مسلم يُتوفَّى له ثلاثةٌ لم يبلُغُوا الحِنْث (أي لم يبلغوا مبلَغ الرجال والنساء وهو سن التكليف) إلا ادخله الله الجنة بِفضل رحمته إياهم\". رواه البخاري والنسائي ﵏.\nوعن أبي سعيد ﵁ أن النساء قلن للنبي - ﷺ -: إجعل لنا يوما (أي خَصِّصْ لنا يوما","vol":"2","page":455},{"text":"ثم قال: ولما كانَ التكفيرُ مرتَّبا على المصائب لم يَجُزْ أن يقال للمريض: اللهم اجعل له هذا المرض كفارةً، فإنه نخصيل للحاصل، وفيه قلةُ أدب، وهذا لا يجوز كما تقرر في الأدْعية (١٩٥).\nقلت: قد مضى ما في الأدعية من الصواب في ذلك.\nقلت: وهذا الذي قاله في هذه القاعدة يرده الحديث الصحيح،\nقال ﵇: \"ما من مسلم تصيبه شوكة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطِيئَةً\". والحديث أخرجه مسلم، ﵀، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>القاعدة الخامسة عشرة:\nفي تمييز الخوف من غير الله الذي لا يحْرُم من الذي يحرم منه </span>(١٩٦).\nإعلم أنه جاءت المَدْحةُ (١٩٧) بأن يكون العبدُ لا يخشَى إلا اللهَ، وجاء\n_________\n= تعظنا فيه) فوعظهن \"أيُّما امرأةٍ مات لها ثلاث من الولدِ كانوا لها حِجابا من النار، قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان\". رواه الشيخان البخاري ومسلم، والنسائي ﵏. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: من قدَّم ثلاثَةً لم ييلغوا الحُلُمَ (أي البلوغَ) كانوا له حِصنا حصينا من النار، قال أبو ذر: قدَّمتُ اثنين، قال: اثنين، فقال أبيُّ بن كعْب سيدُ القُرَّاء: قدَّمتُ واحدا، قال: وواحدًا، ولكن إنما ذلك عند الصدمة الاولى\" أي يكون الثواب أعظم إذا تحلى الوالد بالصبر عند الصدمة الأولى من المصيبة. رواه الترمذي ﵀.\n(١٩٥) علق الشيخ ابن الشاط على كلام القرافي في هذه الفقرة فقال: \"ما قاله القرافي في هذا الفصل ليس بصحيح، ولا مانِعَ من الدعاء بتحصيل الحاصل، أي المعلومِ الحصول، إذ ذاك مراده هنا، ولا وجه لقوله: إن ذلك قلة أدب ح الله تعالى. كيف وقد ثبت أن النبي - ﷺ - كانَ يدعو لنفسه الكريمة بالمغفرة ح العلم بثبوتها له، وما المانع أن يدعو بذلك غيره أو يدعو له، لعدم علمه بحصول شرط التكفير والغفران، وهو الوفاة على الإيمان، والله أعلم.\n(١٩٦) هي موضوع الفرق الخامس والستين والمائتين بين قاعدة الخوف من غير الله تعالى، المحرم، وقاعدة الخوف من غير الله تعالى، الذي لا تحْرُمُ\" جـ ٤. ص ٢٣٧.\nوقد علق ابن الشاط على ما جاء في هذا الفرق بقوله: ما قاله القرافي فيه صحيح، او نقْلٌ لا كلام فيه.\n(١٩٧) كذا في ع، وح. وفي ت: جاء المدح، وهوَ الانسب ح قوله بعْدُ: وجاءَ النهي عن خشية الناس.\nكذا في ع. وفي ح: لموضع جلالة النبي - ﷺ -، وفي. ت: هذه الفقرة: محذوفة.","vol":"2","page":456},{"text":"النهي عن خشية الناس، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾، (١٩٨) وقال تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، يقال: المراد بهذا الخوفِ المنهي عنه أن يُؤْثَرَ على خوف الله [تعالى] حتى يُترَكَ به واجب أوْ يُفعلَ به حرام.\n_________\n(١٩٨) وأوَّل هذه الآية قول الله تعالى في الامر باستقبال بيت الله الحرام عند الصلاة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: سورة البقرة الآية ١٥٠. وكذا وردت هذه الآية في سورة المائدة، الآية ٣.\nوالآية الاخرى في شأن تزوج النبي - ﷺ - بزوج زيد بن حارثة، وأولُها قول الله تعالى خطابا لنبيه الكريم: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. سورة الاحزاب الآية ٣٧.\nوهذا الموضوع كان مجال درس حسني قيم لمعالي وزير: الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري ألقاه بين يدي امير المومنين في رمضان المبارك لعام ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م بعنوان \"حرية الفكر\"، انطلاقا من حديث الامام أحمد في مسنده، والامام ابن ماجه سننه عن ابي سعيد الخدري ﵁، قال، قال رسول الله - ﷺ -: لا يحقر أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ . قال: يَرَى أمرًا لله، عليه فيه مقال، ثمّ لا يقول فيه: فيقول الله ﷿ له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟، فيقول: خشيةُ الناس، فيقول الله: \"فإيَّايَ كنتَ أحقَّ أن تَخشى\"، وقد طبع هذا الدرس الحسني مع الدروس الحسنية القيمة التي القيت في ذلك الشهر، وصدرت مجموعة في كتاب في شهر رمضان المبارك لعام ١٤١٠ هـ، كما صدر في كتيب خاص به، ومترجم إلى ثلاث لغات اجنبية، بعنوانه السَّابق: \"حرية الفكر\".\nومما قاله القرَافي هنا قوله: ومما ورد في هذا الباب (اى باب الخوف الحرام)، وهو قليل أن يُتفطَّن له، قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾، فمعنى هذا التشبيهِ في هذه الكاف قَلَّ من يحققه، وهو قد ورد في هذا الباب في سياق الذم والإنكار، مع أن فِتنة الناس مؤلمة، وعذابُ الله مؤلم، ومن شبَّه مؤلما بمؤْلمٍ فكيف ينكَر عليه هذا التشبيه، ومُدرَك الإنكار بيّنٌ، وهو أن الله تعالى وضع عذابه حاثًا على طاعته، وزاجرًا عن معصيته، فمن جعل أذِية الناس حاثة على طاعتهم في ارتكاب معصية الله تعالى وزاجرة له عن طاعة الله، فقد سوَّى بين عذاب الله وفتنة الناس في الحث والزجر، وشبه الفتنة بعذاب الله من هذا الوجه، والتشبيهُ من هذا الوجه حرام قطعا، موجب للتحريم واستحقاقِ الذم الشرعي، فأنكر على فاعله ذلك، وهو من باب خوف غير الله، المحرّم، وهو سر التشبيه ها هنا.\nوهذه الآية جآت في سورة العنكبوت. الآية: ١٠ - ١١، وتمامها: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.","vol":"2","page":457},{"text":"قلت: لا يصح حمل الآية الكريمة التي هي ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ على ذلك، لمنصب النبي - ﷺ -. وأما إذا لم يكن سببًا لشيء من هذا، فلا مذمةَ فيمن خاف غير الله كخوف الأسُودِ والحيَّات والعقارب والظَّلَمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>القاعدة السادسة عشرة:\nفي تقرير ما يَلزَم الكفار إذا أسلم وما لا يَلزمه </span>(١٩٩)\nإعلم أن أحوال الكفار مختلفة إذا أسلم، فيلزمه ثمن المبيعات، وأجر الاجارات، ودفع الديون التي اقترضها ونحوُ ذلك، ولا يلزمه من حقوق الآدميين القصاصُ، ولا الغصْبُ والنهب إن كان حربيا، وأما الذِّمي فيلزمه جميعُ المظَالِمِ وردُّها، لأنه عقَدَ الذِمة وهو راض بمقتضى عقد الذمة، وأما الحربي فلم يرض بشيء، فلذلك أسقطْنا عنه الغُصُوبَ والنهوب والغاراتِ ونحوَها. وأما حق الله تعالى فلا يلزمه وإنْ كان ذميا، لقوله ﵇: \"الإِسلام يجُبُّ ما قبله\". (٢٠٠)\nوضابط الفرق أنَّ حقوق العباد قسمان: منها ما رَضِيَ به حالةَ الكفر واطمأنت نفسه بدفعه لستحقه، فهذا لا يسقط بالإِسلام، لأن إلزامه إياه ليس منَفِرًا له عن الإِسلام لرضاه به، وما لم يرضَ بدفعه لمستحقه كالقتل والغصب ونحوه فإن هذه الأمور إنما دخل عليها متعَمِّدا أنه لا يُوفيها أهلَها، فهذا كله يَسقط، لأن\n_________\n(١٩٩) هي موضوع الفرق السبعين والمائة بين القاعدتين المذكورتين، جـ ٣. ص. ١٨٤. وقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء فيه عند الكلام على تعليقه في اخر الفرق التاسع والستين والمائة، فقال: \"ما قاله في الفرق بعده صحيح\"، وبذلك يكون قد سلم ما جاء في هذا الفرق ولم يعقب عليه بشيء.\n(٢٠٠) أورده الإِمام البيهقي ﵀ في كتابه دلائل النبوة، في باب ذكر إسلام خالد بن الوليد ﵁، لمَّا دخل على النبي - ﷺ - في المدينة وأعلن إسلامه وشهادتَه، قال (خاطِبا للنبي ﵊): قد رأيتَ ما كنتُ أشهدُ من تلك المواطن عليك، مُعَانِدًا عن الحق، فادْعُ اللهَ يغفرُ لي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"الاسلام يَجُبُّ ما كان قبله\" (أي يقطع ما كان قبله من الكفر والعصيان)، قلت: يا رسولَ الله، علي ذلك، قال \"اللهمَّ اغفر لخالد بن الوليد كلَّ ما أوضَعَ فيه من صَدّ عن سبيلك\".\nوأخرجه كذلك العلامة علاء الدين الدمشقي بن حسام الدنى الهندي في كتابه الشهير: كنز العمال في سَنَنِ الأقوال والأعمال. جـ ١. ص. ٣٤٣. ط.","vol":"2","page":458},{"text":"في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرًا له عن الإِسلام، فقُدِّمت مصلحة الإِسلام على مصلحة ذوِي الحقوق. وأما حقوق الله تعالى فتسقط مطلقا، رضي بها أم لا.\nوالفرق بين الحقيْن من وجهيْن:\nأحدهما أن الإِسلام حق لله تعالى، والعبادات ونحوها حق الله تعالى، فلما كان الحقان لجهة واحدة ناسَبَ أن يقدّم أحدهما على الآخر، أما حق الآدميين فجهةٌ للآدميين، والِإسلام ليس حقا لهم، فناسب أن لا يُسقِط حقُّهم تحصيلَ حق غيرهم.\nوثانيهما أن حق الله سقط لكرمه، ولا يَسقط للعبد إلا ما تقدم الرضى به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>القاعدة السابعة عشرة:\nفي الكذِب وفي الوعد وفي خُلْف الوعْد</span>. (٢٠١)\nأمّا الوعد فاختلَف الفقهاء، هل يجب الوفاء به شرعا أم لا؟\nفقال مالك: لا يَلزَمُ، وقال سحنون: (٢٠٢) الذي يلزم من الوعد: إهدِمْ دَارَكَ وأنا أسْلفك ما تبني به، أو أخرُجْ إلى الحج وأنا أسلفك، أو إشتر سلعة، أوْ تزوَّجْ، لأنك أدخلته بوعدك في شيء ما كان يدخله، وأما مجرد الوعد فلا يلزم\n_________\n(٢٠١) هي موضوع الفرق الرابع عشر ومائتين بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد، وما يَجبُ الوفاء به منه وما لا يجب\". جـ ٤. ص ٥٢٠.\nبدأه القرافي ﵀ بقول الله تعالى في أول سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ثم قال: \"والوعد إذا أخْلِف، قولٌ لم يُفعَل، فيلزَم أن يكون كذبا حرّما، وأن يُحرَّم إخلاف الوعد مطلقا. وقال ﵊: \"آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب واذا وعدَ أخْلَف، وإذا اوئتمن خان\". فذِكْرُه (أي خُلْفِ الوعد) في سياق الذم دليل على التحريم\".\nوقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جَآءَ في أولِ هذه القاعدة والفرق عند القرافي فقال: \"ما قاله صحيح ولا كلام فيه\" ..\nقلت: والحديث المذكور صحيح مشهور، أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁.\n(٢٠٢) كذا في نسختي ع وت، وهو ما عند القرافي وفي ح: محمد.","vol":"2","page":459},{"text":"الوفاءُ به، بل الوفاء به من مكارم الاخلاق. وقال أصبغ: يُقْضَى عليك به، تزوجَ الموعود أمْ لا. وكذلك؟ أسْلِفني لأشتريَ سلعةَ كذا، لزمك، تسبَّب في ذلك أمْ لَا، وإنما الذي لا يَلزَمُ من ذلك أن يَعِدَه من غير ذكر سبب، كأن يقول: أسلفني كذا، فيقول: نعمْ، (٢٠٣) وإن وعَدتَ غريمك بتاخير الدَّين لزِمَك. (٢٠٤)\nواعْلَمْ أن مِن الفقهاء من قال: الكذِبُ يختص بالماضي والحاضر، والوعْدُ إنما يتعلق بالمستقبل، فلا يدخلُهُ الكذب، (٢٠٥). ومنهم يقول: لَمْ يتعين عدم المطابقة في الستقبَل ولا المطابقَةُ، وانما تتعَّينُ المطابقة أو عدمُها بحسَب الماضي والحاضر، فيكون صدقًا أوْ كذِبا، (٢٠٦) والذي في الوعد قبول المطابقة لا المطابقة، وكذلك قبولُ عدم المطابقة لا عدَمُها، ومنهم من يقول: الكُّلُ يدخله الكذِب، وإنما شُومِحَ في الوعد، تكْثيرًا للعِدَة بالمعروف (أيْ الوعد به)، وعلى هذا القول لا فَرق بين الوعد والكذب، والظاهِرُ الاول، لِعَدَم تعيُّن المطابقة وعدَمها. (٢٠٧)\nوهذا يُعَضِّدُهُ \"أن رجلًا جاءَ لرسول الله - ﷺ - فقال له: الكْذِبُ لامْرَأتِي؟ فقال له: لا خيرَ في الكذب، فقال لرسول الله - ﷺ -: أفَأعِدُها؟\n_________\n(٢٠٣) زاد القرافي قوله: \"بذلك قضَى عمر بن عبد العزيز\".\n(٢٠٤) قال القرافي: \"لأنهَ إسقاط لازم للحق، سواء قلتَ له: أؤخرك أو أخّرْتُك\".\n(٢٠٥) عبارة القرافي هنا بدأها بقوله: \"واعْلم أنّا إذا فسَّرنا الكذب بالخبر الذي لا يطابِق، (أي لا يطابق الواقعَ أو الاعتقادَ، على خلاف في ذلك)، لزم دخول الكذب في الوعد، بالضرورة، مع أن ظاهر الحديث يأباه، وكذلك عدم التأثيم. فمن الفقهاء من قال: الكذبُ يختص بالماضي والحاضر، إلى آخر ما عند القرافي هنا، وأورده البقوري رحمهما الله. والحديث المشار إليه هنا عند القرافي هو ما ياتي للبقوري بعد هذه الفقرة.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على هذأ الكلام عند القرافي بقوله:\n\"ما قاله في ذلك صحيح\"، كما علق على قوله: \"مع أن ظاهر الحديث ياباه، وكذلك عدم التاثيم\" بقوله: يلزم تاويل ذلك.\n(٢٠٦) علق ابن الشاط على هذا الكلام بقوله: هؤلاء الذين قالُوا هذا القولَ لم يخالفوا الأول في كون الكذب لا يدخل الوعدَ، ولكنهم عيَّنوا السبب في ذلك وبسطوه (وهو أن المستقبل زمان يقبل الوجود والعدم، ولم يقع فيه بحدُ وجود ولا عدمٌ، فليس فيه إلا قبولُ المطابقة أو عدمها)، ومَسَاق المؤلف لقول هؤلاء مفصولا عن قوْلِ أولثك يُشعِر باعتقاده أنه قول غيرُ الأول، وليس كذلك، بل هو القول الاول بعينه.\n(٢٠٧) قال ابن الشاط معقبا على هذا الكلام هنا وعند القرافي: الصحيح نقيض مختارِه، وأنه لا فرق هنا، والله أعلم.","vol":"2","page":460},{"text":"فقال: لا جناح عليك\"، (٢٠٨) فمنعه من الكذِب وأذِنَ له في الوعد، وهو يدل على أن خِلاف الوعد لا يُسمَّى كذبا، فجعلهُ قسيم الكذب ولا ذِمة فيه، ولو كان القصود الوَعْدَ الذي يفي به لما كان فيه إشكال ولا احتاج للسؤال عنه.\nوفي كتاب أبي داود: \"إذا وعَدَ أحدم أخاه وفي نيته أن يَفي فلم يف فلا شيء عليه\" (٢٠٩)، فهذا يدل على أن الاذن في خلف الوعد وارد إذا لم يكن بفَى عليه، وأن الكذب لا يُسْمَحُ فيه. (٢١٠)\n_________\n(٢٠٨) أخرجه الإِمام مالك ﵀ في الموطأ مرسلا، وقال فيه الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر كما نقله عنه العلامة محمد الزرقاني في شرحه على الموطأ: \"لا أحفظه مسنَدا بِوَجْهٍ من الوجوه، وقد رواه ابن عُيَيْنَةَ عن صفوان عن عطاء بن يسار مرسَلا.\n(٢٠٩) نَصُّهُ في بعض كتب الحديث: \"إذا وعد الرجل أخاه وفي نيته أن يفيَ فلم يف ولم يَجِئْ للميعاد فلا إثم عليه\". رواه كل من أبي داود والترمذي عن زيد بن أرقم ﵁. وخلاصة معنى الحديث أن الذي لم يف بوعده ولم يجئْ لميعاده لعذر من الاعذار المقبولة كالنسيان والمرض وطرؤ مانع من الموانع، لا إثم عليه، لأنه مغلوب على أمره، أما إذا وعد ونوى عدم الوفاء فإنه يكون آثِما، لأن الوفاء، بالوعد واجب، وخُلفُه حرام.، وقال جمهور العلماء: إن الوفاء بالوعد ليس واجبا، ولكنه أمرٌ مستحب فقط. والخُلْفُ مكروه، إلا إذا قصَد بالخُلْف صاحبُهُ الإذايةَ للغير فإنه يكون حينئذ حراما، وهذا ما لم يكن الوعد على شيء مجرم، وإلا وجب إخلافه، تجنبا للوقوع في الاثم، وابتعادا عنه، وطلبا للسلامة منه.\n(٢١٠) قال القرافي هنا توضيحا وتلخيصا لهذه الاقوال في لزوم الوفاء بالوعد وعدم لزومه:\nوحينئذ نقول: وجْهُ الجمع بين الأدلة المتقدمة التي يفتضى بعضها الوفاءَ بالوعد، وبعضُهَا عدمَ الوفاء به، أنه إن أدخله في سبب يَلزَم بوعده، لزم كما قال مالك وابن القاسم وسحنون، أو كان وعْدُهُ مقرونا بذكر السبب كما قاله أصبغ، لتأكد العزم على الدفع حينئذ، ويُحْمَلُ عدم اللزوم على خلاف ذلك. مع أنه قد قيل في الآية: إنها نزلت في قوم كانوا يقولون: جاهدنا وما جاهدوا، وفعلْنا أنواعا من الخيرات وما فعلوها. ولاشك أن هذا محرّم، لأنه كَذِبٌ، ولأنه تسميع لطاعة الله تعالى، وكلاهما محرَّمٌ ومعصية اتفاقا.\nوأما ما ذُكِر من الإخلاف في صفة المنافق فمعناه أنه سجية له، ومقتضَى حاله الإخلاف، ومثل هذه السجية يحسن الذّم بها كما يقال: سَجِيَّتهُ تقتضي البخل والمنع، فمن كانت صفاته تَحُثُّ على الخير مُدِحَ، أو تحُثُّ على السّر ذَمَّ شرعًا وعرْفا.\nوقد علَّق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي بقوله: \"الصحيح عندي القولُ بلزوم الوفاء بالوعْدِ مطلقا (أي سواء كان واردًا على سبب ومقترنا به أم لا)، فيتعين تأويل ما يناقِض ذلك، ويُجْمَعُ بين الأدلة على خلاف الوجه الذي اختاره المؤلف، والله أعلم\".","vol":"2","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>القاعدة الثامنة عشرة\nفيما يتعلق بالطِيَرة والفال، فأقول: </span>(٢١١)\nيقال: تطيَّر وطيَّره، فالطِّيَرَة. الظن السيء الكامِنُ في القلب، والتَطُّير الفعل المرتَّبُ على سوء الظن من فرار أو غيره.\nوأمّا الفالُ فهو ما يُظَنُّ عنده الخير، عكس الطِيَرة والتطير. غير أنه، تارةً يتعيَّن الخبر للخير، وتارة يكون مترددا بينهما. فالمتعين للخير مثل الكلمة يسمعها الرجل من غير قصد، نحو، يا مسعودُ، ومنه تسبية الولد أو الغلا، بالاسم الحسَن، حتى مه ى سُمِعَ استبشَر القلب، فهذا فالٌ حسن مباح، وعليهما قول ﵇: \"كَان يحِبُّ الفال الحسن\" (٢١٢).\nوأما الفال الحرام فقال الطرطوشي في تعليقه: انَّ أخذ الفال في المصحف، وضَرْبَ الرمَّل والقرعة، والضرب بالشَّعير، حرامٌ جميعُ ذلك، لأنه من باب الاستقسام بالأزلام، فهو مثل الأعْواد التي كانت للجاهلية، مكتوبٌ على أحدها إفْعَلْ، وعلى الآخَر، لا تفعل، وعلى آخَر غفْل، فمتى خرج الذي غُفِلَ أعاد حتى\n_________\n(٢١١) هي موضوع الفرق السابع والستين والمائتين بين قاعدة الطّيَرَة، وقاعدة الفال الحلال المباح، والفالِ الحرام\" جـ ٤. ص ٢٤٠، وهو من الفروق القصيرة عند الامام القرافي، ولم يعلق عليه بشيء الشيخ ابن الشاط، فرحمهما الله جميعا، ورحم كافة علماء المسلمين، وسائر المومنين والمومنات.\n(٢١٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: لا طِيَرةَ، وخيْرُها الفالُ الحسن، قيل: يا رسولَ الله، وما الفال؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم، وفي رواية: لا طِيَرَةَ، ويعجبني الفالُ الصالح: الكلمة الحسنة، رواه الشيخان وأبو داود ﵏.\nوعنه أيضا أن النبي - ﷺ - سمع كلمة فأعجبته، فقال: أخذْنا فالَك مِن فِيكَ\". رواه أبو داود وأبو نُعيم رحمهما الله. وذُكرتْ الطّيَرَة عن النبي - ﷺ -، فقال: أحسَنُها الفال ولا تَرُدُّ مسلما (أيْ لا تردُّهُ عن قصده بدَعوى الطِيَرة، بلْ يمضي في أمره متوكلا على الله ربه)، فإذا رأى أحدكم ما يكْره فليقل:\nاللهم لا ياتي بالحسنات إلا أنتَ، ولا يدفع السيئاتِ إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك\" رواه أبو داود والامام أحمد رحمهما الله.\nوكذا من سمع ما يكره فليقل ذلك، ولْيَمْض في أمره متوكلا على الله ومعتمدا عليه سبحانه، عملا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾.","vol":"2","page":462},{"text":"يخرج الذي عليه افعَلْ، فيمتَثِل، أو لا تفعل، فيفعل على كراهية أو يترك، (٢١٣) فمثله مَنْ أخَذَ الفال في المصحف، وما حهي في ذلك خلافا، وهذا هو المتردِّد بين الخير والشر، والأول يتعين للخير، فالاْول يبعث على حسن الظن بالله، والثاني بصَدَد اْن يكتسب سوء الظن بالله.\nوالطِيَرة والتطير مكروهان: (٢١٤)\nأما الطِيَرة فلأنها من باب سوء الظن بالله. ثمّ المتَطيِّرُ هذا لا يكاد يَسْلمُ مما يتطير منه إذا فعله، وغيرُهُ لا يصيبه شيء من ذلك، وهذا لأنه أساء الظن بالله، وغيرُهُ لم يكن له ذلك. وقال الله تعالى (أيْ في الحديث القدْسي): \"أنا عند ظن عبدي بي فليظُنَّ بي ما شاء\"، وفي بعض الطرق: فلْيظُنَّ بي خيرا. (٢١٥)\nثم ان هذا المَقام يحتاج إلى تفريق فيقال:\nإذا ظن ذلك لغير سَبب يقتضيه عادة فحينئذ يكون الامر كذلك، وإلَّا فَمَنْ خاف مما جرت العادة بأنه مُؤذٍ كالسموم والسباع والولاء ومعاداة الناس، وما هو من هذا النوع لا يكون حراما، لأنه خوْف من سبب محقَّقٍ في مجرى العادة. وقد نقل صاحب القبس عن بعض العلماء أن قول النبي - ﷺ -: \"لا عَدْوى\" ليْس\n_________\n(٢١٣) هذا معنى الأزلام كما ذكر المؤلف، والتي هي عبارة عن أعواد تُكتَبُ عليها تلك الكلماتُ للتفاؤل أو التشاؤم والتطير فها. والاستقسام معناه طلب القَسْم، أي طلب ظهور ما فيه الخير فيتبعه المستقسِمُ، أو ما فيه الشر فيتركه، على زَعْم أهل الجاهلية قبل الاسلامِ. والاستقسامُ\nكالأزلام، والنهيُ عنه، ورَدَ ذكره في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. سورة المائدة. الآيات: ٩٠، ٩١، ٩٢.\n(٢١٤) هذه الفقرة هي بداية الكلام عند الفراق على الفرق السادس والستين والمائتين بين قاعدة التطيُّر وقاعدة الطِيَرة، وما يَحْرمُ منهما وما لا يَحْرُم\". جـ ٤. ص ٢٣٨. ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.\n(٢١٥) أيْ في الحديث القدسي الذي يرويه النبي - ﷺ - ويتحدث فيه عن ربه، أن الله تعالى يقول: \"أنا عند ظن عبدي بي\"، رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة ﵁. وعنه أيضا عن النبي - ﷺ - انه قال: \"حُسْن الظن من حسن العبادة\". رواه أبو داود.","vol":"2","page":463},{"text":"على إطلاقه في بعض الأمراض، لأجْل تحذيره من القُدوم على الوباء، (٢١٦) وهذا هو الشأن في مضي القلب على الحكم بمجْرَى العادات، ومن لم يمض على ذلك آل به الأمرُ إلى أن من لم يُقطع رأسه لا يموت، وما أشبه هذا، وذلك يجرُّ إلى الخروج عن نمط العقلاء، وهذا لأن الأكثريَّ كالمطرد الذي لا ينخرم، يتبعهما العقلاء، ولا مذمة تلحقهم على ذلك شرعا، بَلْ المذمَّة تَلحقهم لمخالفتها. وهذا القسم كشراء الصابون يوم السبت ونحو هذا من هذَيان العوام.\nومن الأشياء ما هو قريب من أحد القسمين ولم يتمحض، كالعدوَى في بعض الأمراض ونحوه، فالورَع ترْك الخوف منه حذرًا من ألطِيرة.\nومن ذلك، الشؤمُ الوارد في الأحاديث، ففي الصحاح أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الشؤم في ثلاث: في الدار والمرأة والفَرَس\" (٢١٧)، وفي بعضها: \"إن\n_________\n(٢١٦) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: لا عدْوَى، ولا طيَرَةَ، ولا هامةَ، ولا صفر، وفِرَّ من المجذوم كما تفِرُّ من الاسد\". رواه البخاري في الجذام. وقال: \"لا تُورِدُوا المُمْرِض على المُصِح\" .. رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة.\nوعنه ايضا عن النبي - ﷺ - قال: لا عدوى ولا صفرَ ولا هامةَ، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بالُ الابل تكون في الرمل كأنها الظاء (أي الغزلانَ في سلامتها وخفة حركتها)، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها كلها، قال - ﷺ -: فَمَنْ أعدَى الأول؟ (أي من أنزل به ما نزل، ومن أصابه بما أصيب به من الجرب؟، فاراد النبي - ﷺ - أن ينبه الاعرابي إلى أن ذلك قدَرٌ من الله، وانَّهُ لا يقعُ ولا يكون في مُلْكِه إلا ما أراده الله سبحانه.\nوالمراد بالعدوى: مريان المرض من المريض، وانتقالُه منه إلى غيره.\nوالهامة طائر من الطيور او طائر البُوم، إذا سقط في مكان أو سُمِع صوته تشاءم منه أهل ذلك المكان، أو غير ذلك من الدواب تصيح فيتشَآمُ الناس منها.\nوصفر، وراد به شهر صفر، حيث كادْ أهل الجاهلية يُحفونه عاما، (فيبيحُون فيه القتال بينهم، ويحرمونه عاما، أي يعتبرونه أحد الاشهر الحرم الاربعة، فيجعلونه في محل رجب أو غيرها، فيحرمون فيه القتال ويمنعونه بينهم، فنفى - ﷺ - تلك الاعتقادات الفاسدةَ، وأرشدَ الناسَ ودعاهم إلى حسن الظن بالله وإلى التوكل والاعتماد عليه سبحانه، وهو المدبّر للأمور، والمصَرِّف للأحوال، ولا تعارضَ بين هده الاحاديث، فلكل فها معنى توجيهٌ يجْعَلُهُ يلتقِي مع الآخر، فنَفْىُ العدوى يعنى أن المرض لا يُعْدِى بطبعه، وإنما يعدي بأمر الله وقدره، والأمر\nبالفِرارِ من المريض مَرَضًا قد يتأذى منهُ الانسان، يعني الارشاد إلى الاحتياط، مع التوكل على الله والتحصن به سبحانه، فهو الحافظ اللطيف الخبيرُ. والفاعل لما يريد ويختار.\n(٢١٧) عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: لا عَدْوَى ولا طِيرَة، إنما الشؤمُ في ثلاث: في الفَرَس، والمرأة والدَّار\" متفق عليه بين البخاري ومسلم. وأخرجه كذلك أبو داود والترمذي، ﵏ جميعا.","vol":"2","page":464},{"text":"كان الشؤم ففي الدار والمرأة والفرس\". قال صاحب المنتهي (٢١٨): يَحتمل أن يكون معناه إن كان الناس يعتقدون الشؤمَ فإنما يعتقدونه في هذه الثلاث، أو إن كان الشؤم واقعًا في نفس الامر ففي هذه الثلاث، وقد قال ﵇: \"لا عدْوَى ولا هامَ ولا صَفَر، ولا يَحُلَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ، ولْيَحُلَّ المُصِحُّ حيث شاء.\nفلا عدوى، معناه لا يتضرر مريض بمريض. وكانت العرب تقول: إذا وقعت هامةٌ على بيت خرجَ منه ميت، وقيل: معناه إن العرب كانت تقول: إذا قُتِل أحَدٌ خرج من رأسه طائر لا يزال يقول: إسقُوني إسقوني حتى يُقتَلَ قاتِلُهُ، ولا صَفَرَ، هو الشهر الذي كانت الجاهلية تحَرِّمُ فيه صفر لتبيح المحرَّم. وقيل: كانت الجاهلية تقول: هو داء في الجوف يقتُلُ. والممْرِض على المصح، قيل: معناه لا يَحُلُّ المجذوم على الصحيح وان كان لا يُعْدي، فالنفس تكرهه، فهو من باب إزالة الضرر لا من العدوى، وقيل: هو ناسخ لقوله ﵇ \"لا عدْوى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>القاعدة التاسعة عشرة\nفي الرؤيا التي تُعْبَرُ من التي لا تُعْبر</span>. (٢١٩)\n_________\n= ومن معاني الشؤم ومَدْلوله في الفَرَسَ، جُمُوحها وعدَمُ انقيادها. ومن معاني الشؤم في المرأة سوء خُلُقها أو عُقْمُها، وفي الدار ما قد تكون عليه من ضيق مرافِقِها ومساكنها، وما يصيب الانسان فيها من ثر أو سوء حالٍ عند حلوله بها وسكناه فيها. فقد روى أبو داود بسند صالح أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال. يا ربسول الله، إنا كنا في دار كثيرٍ فيها عدَدُنا، كثير فيها أموالُنا، فتحولْنَا إلى دار أخرى، فقل فيها عدَدُنا، وقلَّت فيها أموالنا، فقال رسول الله - ﷺ -: ذَروها ذَميمة\" أي اتركوها حال كونها مذمومة. فهذا الحديث يفيد أن النبي - ﷺ - لما أظهر له هذا الرجل تشاؤُمَهُ مع أهله من الدار، أمرهم بالتحول منها ليخلصوا من التشاؤم وليسْلموا من سوء الظن بالله، فإنما الشؤم عند التشاؤم.\n(٢١٩) هي موضوع الفرق الثامن والستين والمائتين بين قاعدة الرؤيا التي يجوز تعبيرها، وقاعدة التي لا يجوز تعبيرها\". جـ ٤. ص ٢١٧.\nوهو من الفروق الطويلة كثيرًا عند الامام القرافي، ومع ذلك لم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀، بل جعله مشمولا بما قاله في آخر تعليقٍ على الفرق الثالث والستين والمائتين حيث قال: جميع ما قاله القرافي في الفرق بعده - وهو الرابع والستون والمائتان إلى آخر الفرق الحادي والسبعين والمائتين صحيح) أو نَقْلٌ لا كلام فيه.","vol":"2","page":465},{"text":"قال صاحب القبَس: (٢٢٠) تقؤل: رأيته رؤية إذا عاينتَه ببصرك، ورأيت رأيًا إذا اعتقدت بقلبك، ورأيت رؤْيا بالقَصْر إذا عاينتَ في منامك. قال الكِرماني في كتابه الكبير: الرؤيا ثمانية أقسام: سبعة منها لا تُعَبَّرُ، وواحدة فقط هي التي تعبَّرُ.\nفأربعة نشأت عن الأخلاط الأربعة، فمن غلب عليه الصفراءُ رأى ما يناشها، وكذا في بقية الأخلاط. (٢٢١)\nالقسم الخامس حديث النفس، ويُعْلم ذلك بكثرة الفكر فيه في اليقظة.\nالقسم السادس من الشيطان، ويُعرَفُ بأن يكون فيه حثٌّ على ما تكرهه الشريعة وتُنكره ولَوْ بالمآل.\nوالقسم السابع ما كان فيه احتلام.\nوالقسم الثامن ما خرج عن هذه، وهو من ملك الرؤيا من اللوح المحفوظ. (٢٢٢)\n_________\n(٢٢٠) صاحب القبَس، هو محمد بن عبد الله بن محمد، أبو بكر المعروف بابن المعروف المعَافري، حافظ متبحر في العلوم الاسلامية، وفقيه متضلّع من ائمة المالكية وأعلام فقهائها. (٤٦٨ هـ - ٥٤٣ هـ) سبقت الاشارة اليه افي الجزء الأول، لأنه ذكر بوصفه ونسبةِ هذا الكتاب اليه.\nوالقبسَ اسم لشرحه على موطأ الامام مالك ﵀، وهو كتاب طبع مؤخرا، وصار متداولا بين العلماء للرجوع اليه والاستفادة منه. فرحم الله علماءنا الأبرار، وألحقنا بهم مسلمين، آمين.\n(٢٢١) الأخلاط الباقية هي: السوداء، والدم، والبلغم، فمن غلب عليه السوداء رأى الألوان السُّود، والأشياء المحرقة، والطموم الحامضة، لأنه طعم السوداء، ومن غلبت عليه الصفراء رأى الألوان الصُّفرْ، والطعوم المُرَّة، والسموم والحرور والصواعق ونحو ذلك، ومن غلب عليه الدم يري الألوانَ الحُمْر والموم الحلوة، وأنواع الطرب، لأن الدم مُفْرح حلو، والصفراء مسخنة مُرَّة، ومن غلب عليه البلغم رأى الالوان البيض، والأمطار والمياه والثلج.\n(٢٢٢) عبارة القرافي: القسم الثامن هو الذي يجوز تعبيره، وهو ما خرجَ عني هذه (الاقسام السابقة)، وهو ما ينقله مَلَكُ الرؤيا من اللوح المحفوظ، فإن الله ﷿ وكل ملْكًا باللوح المحفوظ، ينقل لكل أحد ما يتعلق به من اللوح المحفوظ، من أمْرِ الدنيا والآخرة، من خير أو شر، لا شرك من ذلك شيئا، عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَهُ مَنْ جَهِله، وذكَره من ذكَره، ونَسِيَه مَن نَسِيه، وهذا هو الذي يجوز تعبيره، وما عداه لا يعبَّر، وفي الفرق سبع مسائل. =","vol":"2","page":466},{"text":"وهنا سبع مسائل:\nالمسألة الأولى. قال - ﷺ -: \"الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، (٢٢٣)، فهل هذا التقسيمُ من حيث إنه - ﷺ - بقي ثلاثا\n_________\n= قلت: يقال عَبَرَ الرؤيا بالتخفيف يعْبُرُها من باب نصر ينصر، إذا فسرها وأوَّلها، ويقال: عَبَّر الرؤيا بتشديد الباء فيها يُعَبرها، ومن التعبير بالتخفيف قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. سورة يوسف الآيات ٤٣ - ٤٩.\n(٢٢٣) أخرجه الإِمام مالك في الموطأ عن أنس بن مالك - ﵁ -، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - بمثل ذلك الذي رواه أنس، قال الزرقاني شارح الموطأ: والحديث متواتر جاء عن جمع من الصحابة.\nومن ذلك، الحديثُ المرسَلُ في الموطأ عن زيد بن أسلمَ عن عطاء بن يسَار، والذي وصَلَه البخاري من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشِّرات، فقالوا: وما المبشرات يا رسولَ الله؟ قال: الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح أو تُرَى له، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. قال الزرقاني: مجازا لا حقيقة، لان النبوة انقطعت بموته - ﷺ -، وجزء \"النبوة لا يكون نبوة كما أن جزء الصلاة لا يكون صلاة. نعم، إن وقعت منه - ﷺ - فهى جزء من أجزاء النبوة حقيقة. وقيل: إنْ وقعت من غيره فهي جزء من عِلْم النبوة، لأنها وان انقطعت فعلْمها باق.\nوتُعُقّب بقول مالك كما حكاه ابن عبد البر حين سئل: يُعَبّر الرؤيا كلُّ أحد؟، فقال: أبا النبوة يُلعَبُ؟ !، ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة.\nوأجيبَ بأنه لم يُرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يُتكلمَ فها بلا عِلم، فليس المراد أنها نُبُوة من جهة الاطلاع، لأن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة، وجزء الشي لا يستلزم ثبوتَ وصفه له، كمن قال: أشهد ان لا الاه إلا الله، رافعًا بها صوته لا يُسَمى مؤذِنا. قال أبو عمر: مفهومه أنها من غير الصاع لا يُقْطَعُ بأنها كذلك، ويَحتمل أنه خرَجَ على جواب سائل فلا مفهوم له. ويؤيده قوله في مرسل عطاءٍ السابق الذكر، \"يراها الرجل الصالح أو تُرَى له، فعمَّ قولُه يرَى، الصالحَ وغيرَه.","vol":"2","page":467},{"text":"وعشرين سنة ينزل الوحي إلَيْه فيها، ومن جملتها ستة أشهر، ما كان ياتيه فيهاللا النوم، فكان يَرَى الرؤيا فتخْرُجُ كفلَقِ الصبح، (٢٢٤) ورَدَّ ابن العربي هذا وقال:\nيَرِدُ على هذا القول الاختلاف في العدد، فجاء سبعون، وجاء أقل من ستة وأَربعين، وجاء خمس وستون، وغيرُه هذا، وارتضَى القاضي أبو بكر ما قاله الطَّبري من أن التجربة هي بحسب اختلاف الرائين ومقاماتهم. وكَرِه مالكٌ أن يعْبُرَ الرؤيا من لا عِلْمَ له بها وقال: أيتلاَعب بالنبوة؟ ! لَمَّا قيل له: الرجلُ يَعلَم فيها الشر فيفسرها بالخير. وفي الموطأ: \"الرؤيا الصالحة من الله، والحُلْمُ من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم الشر فلينفِثْ عن يساره ثلاثَ مرات إذا استيقظ، ولْيتعوذْ بالله من شرها فإنها ليست تضره إن شاء الله\". قال الباجي: يحتمل أن يريد بالصالحة المبَشِرةَ، ويحتمل الصادقةَ من الله، ويريد بالحُلْم ما يُحْزِن، ويحتمل أن يريد به الكاذب.\nقال ابن وهب: يقول في الاستعاذة إذا نَفَثَ عن يساره: أعوذ بمن استعاذت به ملائكة الله ورسلُه من شر ما رأيتُ في منامي هذا أن يصيبني منه شيء أكرَهه، ثم يتحول على جانبه الآخَر.\nقال الشيخ أبو الوليد في المقدِّمات: الفرق بين رؤيا الانبياء وغيرهم أن رؤيا غيرهم إذا أخطأ في تَاويلها تَخْرج كما أُوّلَتْ، (٢٢٥) بخلاف رؤيا الانبياء.\n_________\n(٢٢٤) إشارة إلى حديث بدْء نزول الوحي، وهو ما رُوي عن عائشة أم المومنين ﵂ قالت: أؤلُ ما بُدِى به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا الا جآت مِثَل فلَق الصبح ... إلى آخر هذا الحديث الطويل، رواه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله.\nومما جاء في موضوع الرؤيا مارواه البخاري، عن أبي سعيد ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا رأى أحدم رؤيا يُحِبُّها فإنها هي من الله، فلْيَحْمَدْ الله ولْيتحدَّث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يَكرَه، فإنما هي من الشيطان، فليستعِذ من شرها ولا يذْكرْها لأحد، فإنها لا تضُرُّه\". اهـ.\n(٢٢٥) كذا بِالإِثباتِ في جميع النسخ الثلاث العتمَدَة في التحقيق والتصحيح. وعبارة القرافي أن رؤيا غيرهم إذا اخطأ في تاويلها لا تخرج كما أولتْ، فالعبارة عنده بالنفي، ثم قال: ورؤيا غير الصالح لا يقال فيها جزء من النبوة، وإنما يُلْهِمُ الله تعالى الرائي التعوذ إذا كانت من الشيطان، أو قَدَّر أنها لا تصيبه، وإن كانت من الله تعالى فإن شر القدر قد يكون وقوعه موقوفا على عدم الدعاء. =","vol":"2","page":468},{"text":"المسألة الثانية. المعتزلة تقول في الرؤيا: هي تخاييل لا حقيقةَ لها، وأصحابنا لهم ثلاثة أقوال:\nقال القاضي (٢٢٦): هي خواطر واعتقادات، وقال الاستاذ أبو اسحاق: هي إدراك بأجزاءَ لم تحلَّها آفة النوم، وقيل: هي إدراك روحاني، وما يُرى من الصور فهي أمثلة تُضرَب له على ذلك. (٢٢٧)\n_________\n= وعبارة أبي الوليد بن رشد من أولها في كتابه المقدمات، هي كما يلي:\nوالمعنَى في ذلك أن الرؤيا الصالحة، وهي الحسنة التي تبشر بالخير في الدنيا أو في الاخرة، لا مدخل فيها للشيطان، وهي من الله ﷿، ومن ستة وأربعين جزءا إذا رآها الرجل الصالح، والعنى في هذه التجزئة أن ما يصاب في تأويله، من هذه الرؤيا التي على هذه الصفة المايهورة في الحديث، فَتَخْرُجُ على ما تُعَبَّرُ به، فما يُخْطَأ في تأويله فلا يخرج على ما يعبَّرُ، يكون جزءًا من خمسة أو ستة وأربعين أو سبعين جزءا، إذْ لو خرجت كلها على ما تعَبَّرُ لكانت كالنبوة في الإِخبار بالمغيَّبات، وقد قال - ﷺ -: لَن يبقى من بَعْدِي إلا المُبَشِّرَاتُ، وهئ الرؤيا الصالحة، كما سبَق ذكرُه، فالُّرؤيا البشِرة من الله جزء من الأجزاء المذكورة في الحديث إن كانت من الرجل الصالح، وإن لم تكن من الرجل الصالح فلا يقال فيها، وَإنْ كانت من الله تعالى،: إنها جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة ولا من ستة وأربعين ولا من سبعين.\n(٢٢٦) الظاهر أن المراد به القاضي أبو بكر، محمد بن الطيب الباقلَّاني من علماء القرن الرابع الهجري، نسبة إلى بيع الباقلاء، وهي الفول، ويعرف بابن الباقلاني، وبالقاضي أبي بكر، ولد بالبصرة، وسكن بغداد، وهُوَ المتكلم المشهور، والمتضلع المتمكن في علم التوحيد، ردَّ على الرافضة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، كان في العقيدة على مذهب الاشعري، وفي الفروع والفقه على مذهب مالك، وانتهت إليه رئاسة المذهب، توفي ﵀ ببغداد عام ٤٠٤ هـ. كما أن المراد بأبي اسحاق. العلامة الامام ابراهيم بن محمد الاسفرايني من ائمة الشافعية له التصانيف القيمة الجليلة، من اشهرها كتابه الكبير، المسمَّى \"جامع الحلى\" في اصول الدين والرد على الملحدين، ويوصف بالاستاذ في كتب اصول الفقه، . صح الجوامع، وكذا في أصول الدين في كتب التوحيد الخ ... ت. ٤١٨ هـ. فليحقق ذلك.\n(٢٢٧) عبارة القرافي تزيد المسألة وضوحا وبيانا حيث قال: فإذا رأى الرائي أنه بالمشرق، وهو بالمغرب أو نحوه، فهى أمثلة جعلها الله دليلًا على تلك المعاني، كما جُعِلَتْ الحروف والاصوات والرقوم للكتابة دليلا على المعاني.\nقال القرافي: \"فإذا رأى (الرائي في المنام) الله تعالى، أو النبيَّ - ﷺ - فهى أمثلة تُضَرب له بقدر حاله، فإن كان مُوَحِّدًا رآه حسنا، أو مُلْحِدًا رآه قبيحا، وهو أحد التأويلين في قول النبي - ﷺ -: رأيت ربي في أحسنِ صورة\".\nقال بعض العلماء: قال لي بعض الأمراء: رأيت البارحة النبي - ﷺ - في أشد ما يكون من =","vol":"2","page":469},{"text":"قلت: قال الإِمام فخر الدين: إن الحِسّ المشترَك تنطبع فيه الصورة الظاهرة في الخارج والصور الحاصلة في الباطن، فتارةً تَرِد عليه من داخل، وتارة من خارج، وهو قابل لما يَرِد من الموضعين، والادراك لا يتعلق بما في الخارج ولا بما في الباطن، وانما يتعلق بما انطبع في الحس المشترَك من أي جهة كان انطباعه، لكنْ إيرادُ الحواس الظاهرة أقوى من إيراد الأمور الباطنة، ولهذا إذا كان الانسان متيقظا تتعطّلُ عليه الايرادات الباطنة إلا القليلَ من الناس وهُم الفضلاء من الخلْق، حتى إذا كان النَّومُ وُجِدتْ الامورُ الباطنية، للايراد على الحس المشترك لتعطيل الحواس. ومن هذا إيرادُها عند المرض، وهذا لِضَعْف حواس المريض، وكذا الأمْرُ فيما يَرِدُ حال الخوف الشديد.\nثم قال: الصُّوَرُ التي تُرَكِّبها القُوى الخيِّلة قد تكون كاذبة وقد تكون صادقة.\nفالكاذبة لأسباب ثلالة:\nالأول: إذا أحَسَّ الانسان وثبتتْ الصورة المحسوسة في الخيال بعْد النوم ترتسم في الحس المشترك.\n_________\n= السوادِ، فقلتُ. له (أي قال هذا العالم لذلك الأمير الذي رَأى تلك الرؤيا): ظلمت الخَلْقَ وغيرتَ الدين، قال النبي - ﷺ -: \"الظم ظلمات يوم القيامة\" فالتغيير فيك لاشك فيك، وكان متغيرا عليّ، وعنده كاتبه وصِهره وولده، فأما الكاتب فمات، وأما الآخران فتنصَّرَا، وأما هو فكان مستنِدا فجلس على نفسه، وجعل يتعذر، وكان آخر كلامه: وددت أن أكون جميعًا لنخلات أعيش بها بالشغر. قلت له: وما ينفعك أنا أقبلُ عذرك، وخرجتُ، فواللهِ ما توقفتْ لي عنده بعدُ حاجة. اهـ.\nقلت: مما يزيد هذا الوضوع توضيحا وبيانا ما ذكره العالم الفاضل الشيخ محمد على بن الشيخ. حسين مفتي المالكية في كتابه \"تهذيب الفروق والقواعد السَّنيَّة\". المطبوع بهامش كتاب الفروق للقرافي، ﵏، قال:\nالناس في الرؤى ثلاثُ درجات: الانبياءُ: رؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ماب يحتاج إلى تعبير، والصالحون، والغالب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون، والغالب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، وما عداهم يقع في رِؤياهم الصدقُ والأضغاث، وهم ثلاثة: مستُورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسَقَة، والغالب على رؤياهم أضغاث ويقل فيهْا الصدق، وكُفَّار، ويندُرُ فيها الصدق جدًّا، ويرشد لذلك خبر الامام مسلم مرفوعا: \"أصْدقُكُم رؤيا أصدقُكُم حديثا\". اهـ.","vol":"2","page":470},{"text":"الثاني أن القوة المفَكِّرة إذا ألَّفَتْ صورةً حفِظَتْها القوة الخيالية، فعند النوم تَرُدُّها على الحس المشترَك.\nالثالث: تغيُّرُ مِزاجِ الرُّوحِ للقوة التخيلة يوجب تغَير أفعالها بِحسب تلك التغيرات.\nوأمَّا الصَّادقة فتنبَنِي على مقدمتين:\nالواحدة أن جميع ما كان ويكون، معلومٌ للبارى تعالى والعقل والنفوس. (٢٢٨)\nالثانية أن النفوس الناطقة شأنها الاتصال بتلك المبادئ، وانما يعوق ذلك استغراق النفس في تدبير البدن، فإذا حصل لها أدنى فراغ كما يكون في النوْمِ حصل اتصال انطاعها بتلك المبادئ فينقطح فيها من الصور الحاصلة هنالك ما هو أليقُ بتلك النفس من أحْوالها وأحوال ما يَقْرُبُ منها من الأهْلِ والوَلد والْبَلَد.\nثمّ إن المتخيلة تُحَاكِي تلك المعاني الكلية بصور جزئية فتنطبع تلك الصورٍ في الحس المشترك، فيصيرُ مشاهَدَة. ثم إن كانت تلك الصوَرُ الجُزئية مناسبةً للكلية حتى لم يقع الفرق إلّا بما بين الجزئي والكلي لم تحْتَجْ إلى تغيْير، وإلَّا\n_________\n(٢٢٨) قلت: هذه المبارة هكذا على ظاهرها وعمومها لا تكاد تكون مسلَّمة ومقبولة بالنسبة للعقل والنفس، عند التوقف عندها والتأمل، ولذلك أعطاها المؤلف ﵀ شرحا وتفسيرا في المقدّمة الثانية بعدها، بما يجعلها مستساغة ومقبولة، ويفيد بأن المؤلف عارف بما يقول ومدرِك له تمام الإِدراك. ومع ذلك يبقى في النفس والعقل منها شيء، لأن عِلم ما كان وما يكون، محصور في علم الله سبحانه، وإنما هو لله وحده. فكان مقتضَى ذلك أن يقال في المبارة: إن جميع ما كان وما يكون معلوم الباري تعالى وحْدَه، وأنه سبحانه جحل في النفوس والعقل شفافية وروحانية تجعلها مؤهلة ومستعدة لأن تطلّع وتتعرف على ما أراد الله لها تعلَّمَهُ وإدراكه والاطلاع عليه من علم ومعرفة، وغير ذلك من اسرار كونية في الحياة، ومع ذلك فإنه ﷾ جعل للعقل والنفس ولجميع القوى العقلية والنفسية علمًا وإدراكا: محدودًا لا تتجاوزه في إطار استعدادها بوصفها مخلوقات ضعيفة ضمن مكونات الانسان وخصائص جسمه وفكره الضعيف وروحانيته النفسية، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وقوله سبحانه: \"وما أوتيم من العلم إلا قليلا\". وقوله سبحانه في شأن الخضِر مع موسى ﵇: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. فلْيُحَقّق ذلك، ولْيُصَحَّحْ، والله أعلم بالصواب.","vol":"2","page":471},{"text":"احتاجت، فإن كانت المناسَبَة بوجْهٍ ما حاصلةً فهى رؤياه والا فهي أضغاث أحْلامٍ. (٢٢٩)\nالمسألة الثالثة قال الاستاذ أبو اسحاق ﵁: الإِدراك يُضاده النوم اتفاقا، والرؤيا إدراك المِثْلِ، فكيف تجتمع مع النوم؟ .\nوأجاب بأن النفس ذاتُ جواهر، فإنْ عَمّها النومُ فلا إدراك ولا منام، وإن قام عَرَضُ النوم ببعضها أمْكن قيام إدراك المنام بالبعض الآخَرِ، وكذلك اكثر المنامات آخر الليل عند خِفّة النوم.\nالمسألة الرابعة: إذا كان المُدرَك إنما هي المُثُل، وبه خرَجَ الجوابُ عن رسول الله - ﷺ - يُرَى في الآن الواحدِ في مكانين، فإنّ المرئي في مكانين مثالان ولا إشكال حينئذ. وأمّا إشكال أن يكون الواحد في مكانين في زمان واحد فأجاب\n_________\n(٢٢٩) الاضغاث جمع ضِغث بكسر الضاد وسكون الغين والتاء المثلثة هو ما كان مختلطا من الامر، ولا حقيقةَ له، والأحلام. جمع حُلُم بضم الحاء واللام وبإسكانِها، ما يراه النائم في النوم. ويطلق ويراد به بلوع الولد مبلغ التكليف بعلامة البلوغ في الذكر والانثى. ومنه الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. سورة النور، الآية ٥٩ وأضغاث الأحلام هي الأحلام المختلطة الملتبسة التي لا يصح تاويلها وتفسيرها.\nوقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم، في سورة يوسف كما سبقت الاشارة إليها، فيما يتعلق بتعبيره الرؤيا وتأويلها وتفسيرها. وفي أول سورة الانبياء، فيما حكاه الله عن الكافرين من إنكارهم الوحى والقرآن الكريم، وجمعية نبينا المصطفي الامين فقال تعالى حكاية عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ الآيات: ٥ - ٧. من سورة الأنبياء.\nويطلق الضغث ويراد به القَبضة أو الكَمِّية من الحشيش يختلط بها الرطْب باليابس، ومنه الآية الكريمة. خطابا لنبي الله، سيدنا أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤﴾ الآية ٧٧ من سورة ص.\nوكان أيوبُ ﵇ قد لقي من زوجته التي صبرتْ معه على بلائه بالمرض بعض الضجر، فحلف إن برئ لَيَضربنها مائَة سوط، فألهمه الله وأوحى إليه أن ياخذ حَزمة من قصب وأعواد مختلطة، فيها مائة سوْط، فيضربها ضربة واحدة خفيفة، فيَكون كأنه ضربها مائة مرة، فيبَرُّ في يمينه ويَسْلَم مِن حِنثه، وذلك من لطِف الله وسَعَة رحمته بِنبيه أيوب وزوجه التي قامت على رعايته في شدة مرضه الدي طال به، صابرة محتسبة لله تعالى في ذلك، راجية منه سبحانه حسن الأجر والمثوبة، وهو سبحانه لا يضيع أجْر المحسنين.","vol":"2","page":472},{"text":"الصوفيةُ بأنه ﵇ كالشمس يُرَى في أماكن عِدَّةٍ وهي واحدة، وهو باطل، فإنَّ رسول الله - ﷺ - يراه زيدٌ في بيته، ويراه عمْرٌو، كذلك ويراه في بيته بجملتِه، والشمس إنما تُرى من أماكن عِدة وهي بمكان واحد، فلو رِيئَتْ داخل بَيْتٍ بِجِرْمها استحال رؤية جِرمِها داخِل بيتٍ آخر، وهذا هو الذي يوازي رؤية رسول الله عدرو: في بيتين، والاشكال لم يَرِدْ في رؤيته في مواضع عدة، وإنما ورد بحسَب ما قلنا، فلا يتجه الجواب إلا بإثبات المُثُل وتعدادها. (٢٣٠)\nقلت: أبو حامد الغزالي من الصوفية وهو قائل بأن الرؤية تعلَّقت بالمثال، وأنكر غيره، وبَلَّدَ من لَمْ يقل به، وهذا هو معنى قوله ﵇: \"فقد رآني حقًا\"، أي رأى مثالي فإن الشيطان لا يتمثل بي، وأن الخبر شهِد بعصمة المِثال من الشيطان.\nالمسألة الخامسة. قال شهاب الدين: قال العلماء: إنما تصِحُّ رؤية التي - ﷺ - لأحدِ رجلين: أحدُهما صحابي رآه فعلم صفته فانطبع في نفْسِهِ مثالُهُ، وثانيهما رجل تكرر عليه عاع صفاته بالنقل حتى انطبعت في نفسه صفته ﵇ ومثاله المعصوم، كما انطبع لمن رآه، (٢٣١) فهذان ينتفي عنهما اللبْسُ والرّيْبُ،\n_________\n(٢٣٠) عبارة القرافي: فلا يتجه الجواب إلا بان المرئي مثاله ﵇ لا ذاتُهُ. كذلك كل مرئي من بحر أو جبل أو آدمى أو غيره إنما يرى مثالُه لا هو بذاته، وبه يظهر معنى قوله ﵊: \"من رآني فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل به\"، وأن التقدير من رأى مثالي فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل به\". وأن الخبر إنما يشهد بعصمة المثال عن الشيطان ... الخ.\n(٢٣١) عبارة القرافي هنا: \"كما حصل ذلك لمن رآه. فإذا رآه جزم برؤية مثاله ﵇ كما يجزم به من رآه، فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته عليه السلاة والسلام، وأمّا غير هذين فلا يحصل له الجزم، بل يجوز أن يكون رآه، ﵇، بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان، ولا يفيد قول المرئي لمن يراه: أنا رسول الله، ولا قول من يحضر معه: هذا رسول الله، لأن الشيطان يكذب إنفسه ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم.\nإذا تقرر هذا فإنه لابدَّ من رؤية مثاله المخصوص، فيشكل ذلك بما تقرر في كتب التعبير أن الرائي يراه شيخا وشابا وأسْود، وذاهبَ العينين، وذاهبَ اليدين، وعلى أنواع شَتَّى من المُثُلِ التي ليست مثاله ﵇.\nفالجواب عن هذا أن هذه الصفات صفات الرائين وأحوالهم، يظهر فيها ﵊، وهو كالمرآة لهم\". =","vol":"2","page":473},{"text":"وغيرهما لا يحصل له الجزم، بأنه راه ولو وجد في نفسه أن المرئي هو النفس أو يقول له قائل: هذا النبيُّ.\nقلت: لقد ضيَّقت واسعا، وما علَى الذي قلتَه دليل ولا برْهانٌ إلا مجرد دعوى الحق في خلافها. ثم الذي عليه المعَبِّرون خلاف هذا. ثم هذا الاشتراط يُعَطِّلُ زؤية الله ورؤية الملائكة، فإنه يلزمك أن لا تصح رؤية الحق تعالى لأنه لا صورة له، حتى يتمثل لنا صورةً كصورته (٢٣٢).\nوالله أعلم.\nقال شهاب الدين:\n\"فَرْع \" لَو أنَّ رجلا رأى النبي - ﷺ -، وأخبَره بأن امرأته طالقٌ ثلاثا، وهو جازم بأنه لم يُطلّقها، ماذا يصْنَعُ؟\nفقال: يُقدِم حال اليقظة على حال النوْم، فلا تُطَلَّق عليه، وهذا لتَطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال، وتطرّقُ الاحتمال إلى النوم أقربُ من تطرق الاحتمال لِحَال اليقظة. (٢٣٣)\n_________\nفيها شيخ البقوري ﵀ على هذا الكلام عند القرافي، بعد اختصاره كما هو واضح من كلامه فقال: مخاطبا له: لقد ضيقتَ واسعا\" ... الخ. فليتاملْ ذلك، والله أعلم.\n(٢٣٢) كذا في نسخة الخزانة الهامة بالرباط، ونسخة الخزانة الحسنية بالرباط، وفي نسخة ت: لأنه لا صورة له تتمثل لنا صورة، والله أعلم.\n(٢٣٣) عبارة القرافي هنا تزيد المسألة بيانا ووضوحا أكثرَ، حيث قال: \"وقع البحث في هذا مع الفقهاء، واضطربت آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه، لتعارض خبره عليه ﵇ عن تحريمها في النوم مع إخباره في اليقظة في شريعته أنها مباحة له.\nثم قال: والذي يظهر لي أن إخباره ﵊ في اليقظة مقدَّمٌ على الخبر في النوم، لِتطَرُّق الاحتمال للرائي بالغلَط في ضبط المثال، فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طُرُوِّ الطلاق مع الجهل به، واحمالَ طُرُوّ الغلط في النِوم، وجَدْنا الغلط في المِثال أيسَرَ وأرْجحَ. ومن هو من الناس يضبط المثال على النحو المتقدم إلا أفرادٌ قليلة من الحفَاظ لصفته ﵊. وأما ضبط عدم الطلاق فلا في يختل إلَّا على النادر من الناس، والعملُ بالراجح متعَيّن.\nثم قال: وكذلك لو قال له عن حلال: إنه حرام، أو عن حرام: إنهُ حلال، أو عن حكم من أحكام الشريعة، قدَّمْنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم، لما ذكرناه، كما لو تعارض خَبَرَانِ من أخبار اليقظة صحيحان، فإنا نقدم الارجح بالسند أو باللفظ أو بفصاحته أو قلة الاحمال في المجاز أو غيره، فكذلك خبرُ اليقظة وخبَرُ النوم يُخَرًجانِ على هذه القاعدة.\" اهـ =","vol":"2","page":474},{"text":"المسألة السادسة: رؤية الله تعال في النوم تصح، (٢٣٤)، ولذلك أحوال:\n١) أحدها أن يراه في النوم على النحو الذي دل عليه العقل والنقل من صفات الكمال، والسلامة من الصفات الدالة على الحدوث، من الجسمية وغيرها، فهذا نجوّزه في الدنيا كما نجوّزه في الآخرة، ونجزمُ بوقوعه في الدار الآخرة للمومنين، (٢٣٥) ولكن من ادَّعى هذه الحالة وهو من غير أهْلها كالعصاة والمقَصّرين كذَّبناه، أَو من الأولياء المتقين لا نُكذّبه، ونُسَلِّم له حالَهُ.\n_________\n= قلت: والتحقيق في هذا الباب، والتدقيق في موضوعه، والتنبيه إلى مسائله مهم ومفيد جدا، وذلك الوقوف في وجه بعض المدعين والمشعْوذين وللرّد على ادعاَتهم ودحضها وإبطالها حين يدَّعون بين الحين والآخر أنهم رأوا النبي - ﷺ - مناما، وأنه قال لهم كذا وكذا، وأمرهم أن يخبروا به الناس، مما لا يتفق مع نصوص الشريعة الغراء، حين عرْضهِ عيها ومقارنته بظواهِرِهَا وقواطعها من ادلة النصوص والاحكام الشرعية الجليه الواضحة، وهم يريدون بذالك أن تكون لهم مكانة عند الهامة، عصَمنَا الله منهم ومن ادعآتهم التي لا تستند إلى أساس شرعي صحيح.\n(٢٣٤) قلت: وهي بالنسبة للانبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام حق، وأمْر مقبول مسَلَّمٌ به، إذا وقعت لنبي وأخبر بها، كما في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \"رأيتُ ربي في أحْسَنِ صورة\"، أخرجه الامام أحمد في مسنده، والإِمام الترمذي في سننه، والإمام السيوطي في كتابه: الجامع الصغير\". بصيغة: \"رأيتُ ربي ﷿\".\nوهذه الرؤيا المنامية كما تكون وتحصُلُ الأنبياء تكون كذلك العباد الصالحين، والأولياء المتقين كما سبق ذكره عند القرافي، لأنها تدخل في باب الكرامة والبشرَى التي وعد الله بها الاتقياء من عبادِهِ المومنين، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. سورة يونس، الآية ٦٢ - ٦٣.\n(٢٣٥) وذلك مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، سورة القيامة، الآية ٢٣، ولقول النبي - ﷺ - فيما رواه جرير بن عبد الله ﵁ قال: \"كنَّا جلوسا عند النبي - ﷺ -، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سَتعْرضُونَ على ربكم كما تَرون هذا القمر ليلة البَدْر، لا تُضَامُونَ (أي لا يلحقهم ضَيْمٌ برؤية بعضهم دون العض)، أوْ لا تَضَامُّون في رؤيته (اي لا تتزاحمون فيها)، فإن استطعتم ألَّا تُغْلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وصلاةٍ قبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. رواه الائمة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ﵏.","vol":"2","page":475},{"text":"وقَوْلُهُ تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، (٢٣٦) فيه تاويلات، وهو عموم يقبَل التخصيص، وخَبَرُ العدل مقبول في تخصيص العموم، ونحن نقبل خبر الأولياء في خوارق العادات التي هي الكرامات، فكيف لا نَقبَله في تخصيص العمومات.\nوثانيها أن يراه سبحانه في سورة مستحيلة عليه ﷾، كمن يقول: رأيته في سورة رجل ويَفْهَم الرائي من تلك الصورة أنَّها خَلْقٌ من خلق الله تعالى تَرَآءى له الموَلَى فيها، فهذه الحالةُ أيضا صحيحة جائزة.\nالحالة الثالثة أن يَرَى هذه الصورة الجسْمية ويَعتَقِد أنَّها الله حقيقةً، ولا يَخْطرٌ له في النوم معنى المجاز البتَّة، فهذه يحتَمل أن تكون رؤيا صحيحة، وكان الغلط ح ذلك للرائي، ويحتمل أن تكون كذبا، والشيطان خَيَّل له ذلك ليُضلّه، فلو اعتقد في اليقظة أن الذي رآه حق ولا شك فيه أىى من الجسمية المرئية لكان كافرًا، وقد تكون تلك الصورة، فيها من الحقارة ما يكون سببا لأن يكَفره الحَشْويَّةُ الذين يقولون بالجِسْميَّةِ.\nالمسألة السابعة في تحقيق مُثُل الرؤيا.\nإعْلَمْ أن أدلة هذه المُثُل على المعاني كدلالة الألفاظ الصوفية والرقوم الكتابية عليها.\nواعْلَمْ أنه يقع فيها جميع ما يقع في الألفاظ من المشترك. والمتواطِئ، والمترادِف والمتبايِن، والمجاز، والحقيقة، والمفهوم والخصوص، والمقيَّد، والتصحيف،\n_________\n(٢٣٦) تمام هذه الآية الكريمة قول الله سبحانه: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. سورة الأنعام، الآية. ١٠٣ هـ.","vol":"2","page":476},{"text":"والقلب، والجمع بينهما، والصريح والكناية، والمعاريض حتي يقع فيه ما يقع في الألفاظ من قولهم: أبو يوسف أبو حنيفة، (٢٣٧) وزيدٌ زُهيرٌ (٢٣٨) شِعْرًا.\nفالمشترَكُ كالفيل هو مَلِكٌ أعجميٌّ، وهو الطلاق الثلاث.\nلأن عادة أهْل الهند إذا طلّق أحدٌ ثلاثا ألْقوْه على فيل، فلمّا كان من لوازم الطَّلاق عُبِّر به عن الطلاق، والمتواطئ كالشجرة وهي رجلٌ، أيَّ رجُلٍ كان.\nثمّ إن كانتْ تنبت في العجم فهو رجل أعْجَمي، أو عند العرب فهو عربي أو لا ثمر لها فلا خير فيه، أوْلها شَوْك فهو كثير الشر، أوْلها ثمر له قِشر فلهُ خيْرٌ لا يوصل اليه إلا بعْد مشقة، وهذا هو المُطْلَقُ والمقَيَّدُ، فحصلتْ القيود بالأمور الخارجة، كالصَّاعد على المنبر، الصعود ولاية، وهي مشترَكة بين الولايات ومطلقةٌ،\n_________\n(٢٣٧) أبو يوسف: المراد به يعقوب بن ابراهيم بن حبيب، القاضي الامام ﵀. أخذ الفقه عن الإمام أبي حنيفة ﵁، وكان مقَدَّما في أصحابه. صحيحا، ومتفوقا عليهم، بمنزلة الإِمام ابن القاسم من تلاميذ الامام مالك رحمهما الله، ولِيَ القضاء للهادي والمهدِي والرشيد من خِلفاء بئ الباس، وهُوَ أول من سمِّيَ قاضيَ القضاة، وأوَّلُ من اتخذ العلماء زيًّا خاصا، وثّقَهُ ابنُ مَعين وابن المديني، ورُوي عنه أنه قال: \"ما قلت قولا خالفتُ فيه أبا حنيفة إلا وقول قاله ثم رغِبَ عنه\" أي رجع عنه. ولأبي يوسف مؤلفات عديدة، من أشهرها كتاب \"الخراج\"، (في الأموال وتصريفها)، ولمكانته في العلوم الاسلامية وتبحره فيها، وخاصة في الفقه يشبهه العلماء بأبي حنيفة، فيقولون: أبو يوسف أبو حنيفة. وتوفي، سنة ١٨١ هـ. ﵀.\n(٢٣٨) المراد به الشاعر الشهير أحد شعراء العصر الجاهلي أصحاب القصائد الطويلة المشهورة بالمعلقات، يمتاز شعره بالرصانة والجودة والحكم، مِثل الحكم التي ختم بها قصيدته المعلقة التي يقول في مطلعها.\nأمِنْ أمِّ أوفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ ... بِحَومانة الدَّرَّاج فالمتثلَّمِ\nويقول في ختامها هذه الابياتَ الحِكميةَ اللطيفة، التي يقع الاستشهاد ببعضها في مواضع مختلفةٍ، في مواطن مناسبةٍ من طرف النحاة والأدباء، وهي قوله:\nومهْما تكنْ عند امرئ من خليقةٍ ... -وإن خالَفيها تخفَى على الناسِ- تُعْلَمِ\nوكَائِنْ تَرى من صامتٍ لك مُعْجبٍ ... زيادتُه أو نقْصُهُ في التكلم\nلسان الفتَى نصفٌ ونصفٌ فَؤادُه ... فلم يبقَ إلا صورةُ اللحم والدّم\nوإن سَفَاهَ الشيخ لا حِلمَ بعدَه ... وإن الفتَى بعْدَ السَّفَاهة يَحْلُمُ\nسألْنَا فأعْطَيتُمْ وعُدْنَا فعُدتُموا ... ومَنْ أكثرَ التَّسآل يومًا سَيُحْرَمُ\nوالشخص الاديب حين يكون له شعر متين رصين، لغة ومضمونًا وبلاغةً وحكمة، يمكن تَشْبيهُهُ بهذا الشاعر زهير او غيره من الشعراء والادباء المرموقين، فيقال: زيد زهيْرٌ شعْرا، ونحو ذلك. ومنه قيل: المرءُ بأصْغريْهِ: قلبِه ولسانِهِ.","vol":"2","page":477},{"text":"فإن كان الرَّائي فقيها كانت الولاية قضاءً، أو أميرًا فَوالٍ، أو من بيت المُلك فملِكٌ إلى غير ذلك.\nوكذلك ينصرف للخير بقرينة الرائي وحاله، وإن كان ظاهره الشر فينصرف للشر بقرينة الرائي وحاله، كمن رأى أنه مات، فالرجُل الخيِّر ماتت حظوظه وصلحت نفسه، والرَّجُل الشريرُ ماتَ قلبُهُ، والمترادفة كالفاكهة الصَّفراء تدل على الهَمِّ، وحَمْلُ الصغير يدل عليه أيضا. والمتبايِن كالأخذ من الميت والدَّفع له، والمجاز والحقيقة كالبحر هو السلطان حقيقةً، ويعبَّر به عن سَعة العلم مجازا، والعموم كمن رى أن أَسنانه سفطت في التراب فإنه يموت أقاربه، فإن كان في نفس الأمْر إنما يموت بعض أقاربه قبل موته فهو عامّ أريد به الخصوص.\nوأما أبو يوسف أبو حنيفة فالرؤيا تُرَى لشخص، والمراد من يشبهه أوْ مَن يتسمى باسمه، وبَسْطُ هذه التفاصيل في كتب التعبير (أيْ تعبير الرؤيا وتأويلها).\nواعْلمْ أن للعبارة قوةً نفسية يخلقها الله على تلك الحالة، فبها يَقْدِر المعَبِّر على العبارة، فقد يكون ذلك لإِنسان بحسب الرؤيا فقط، وقد يكون ذلك لإِنسان آخرَ بحسب الرؤيا وغيرها، وذَلكَ أكمَلُ، ومن كانتْ له قوةُ نفسِ، ومعرفةٌ بالقواعد، وهو ذو علم، ينتفع بتعابِيره وتظهر منه العجائب في تفسيرها حتى إنه ليقال: إنه حديثٌ أخَذَه من الجن أوْلَهُ مُكاشَفة، والقوة النفسانية لا تُنال بسَعى كسْبٍ، وإنما هي موهبة من الله تعالى يهبها لمن يشاء من عباده (٢٣٨ م).\n_________\n(٢٣٨ م) هذه الفقرة المختصرة الموجَزَةُ هنا عند البقوري، هي موضوع تنبيهٍ مفَصَّل، ومُطَوَّلٍ عند القرافي رحمهما الله جاء فيها قوله:\n\"إعْلَمْ أن تفسير المنامات قد اتسعَتْ تقييداته، وتشعَّبتْ تخصيصاته، وتنوعتْ تعريفاته، بحيث صار الانسان لا يَقْدرُ أن يعتمد فيه على مجرد المنقولات، لكثرة التخصيصات بأحوال الرائين-، بخلاف تفسير القرآن العظيم والتحدث في الفقه والكتاب والسُّنة، وغير ذلك من العلوم، فإنَّ ضوابطها إمّا: خصورةٌ أو قريبة من الحصر.\nوعِلْمُ المنَامَات منتشِر انتشارًا شديدًا لا يدخل تحت ضبط، فلا جَرَم أنْ إحتاجَ الناظر فيه مع ضوابطه وقرائنه إلى قوة من قوى الشفوس المُعِينة على الفراسَةِ والاطلاع على المغيَّبات، بحيث إذا توجَّه الحزْرُ إلى شيء، لا يكاد في يخطئ، بسبب ما يخلقه الله تعالى في تلك النفوس من القوة =","vol":"2","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>القاعدة العشرون:\nفي تقرير ما يباح من عِشْرة الناس من المكارمة وما يُنهَى عنه مِنْ ذلك </span>(٢٣٩)\nإعلَمْ أن الذي فيهاحُ من إكرام الناس قسمان:\nالقسم الأول: ما وردت فيه نصوص الشريعة من إفشاء السلام وإطعام الطعام، وتشميت العاطس، والمصافحة عند اللقاء، والاستئذان عند الدخول،\n_________\n= المعِينة على تقريب الفيب أو تحققه، كما قيل في ابن عباس ﵄: إنه كان ينظر إلى الغيب من وراء سِتْر رقيق، إشارةً إلى قوة أودعَهُ الله إيَّاها، فرأى بما أودعه الله تعالى في نفسه من الصفاء والشفوف والرقة واللطافة\".\nقلت: ويمكن القول بأن ذلك من بركة دعاء النبي - ﷺ - له، ومنٍ ثمرته وسرِّه حين دعا له بقوله: \"اللهم فقهه في الدين وعلِّمْهُ التَّأويلَ\"، فأظهر الله عليه سرًا وفتحا ربانيًا، أنارَ بصيرته وفتح الله قلبه، فهو ينظر ويدرك بنور الله ما قد لا يدركه غيره من الصحابة، والله أعلم. ثم قال القرافي: \"فمن الناس من هو كذلك، وقد يكون عاما في جميع الانواع، وقد يهبه الله تعالى ذلك باعتبار المنامات فقط، أو بحساب علم الرمل. فقط، أو الكتِف الذي للغنم فقط، أو غير ذلك، فلا ينفتح له بصحة القول والنطق في غيره. ومن ليس له قوة نفس في هذا النوع، صالحةٌ لعلم تعبير الرؤيا لا يصح منه تفسيرها. ومن كانت له قوة نفس فهو الذي ينتفع بتفسره ... الخ.\nقلت: أمّا بحساب علم الرمْل والكتف فهو: محل توقف ونظر، كيفما كان الامر، إذْ الاعتماد على ذلك في تعبير الرؤيا يدخل في نظري في باب العِرافة والكهانةِ والرجْم بالغيب، وقد نهى الشرع عن إتيانها وتَعاطيها، وعن التصديق بها كما سبق ذكره وبيانه، فليتأمل في كلام القرافي ﵀، وفي المراد منه، ولْيُحَقَّق ذلك، وليصحَّح، والله أعلم بالصواب.\n(٢٣٩) هي موضوع الفرق التاسع والستين والمائتين بين القاعدتين المذكورتين: جـ ٤. ص ٢٥٠. ولم يعلق عليه ابن الشاط بشيء، فيكون مشمولًا بقوله في بعض الفروق: ما قاله القرافي فيها صحيح أو نقلٌ لا كلام فيه.","vol":"2","page":479},{"text":"وأنْ لَّا يجلسَ على تكرمته إلا بإذنه أيْ على فراشه، ولَا يؤمُّ منزلَه إلا بإذنه، ونحْو ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه (٢٤٠).\n_________\n(٢٤٠) فمن ذلك قول الله تعالى في التحية والسلام: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ سورة النساء. الآية ٨٦.\nوردُّ التحية أن تَرُدَّ بمثلها، وأن تقف عند الكلمة التي سلم عليك بها، بأن تقول له: وعليكم السلام. أمَا الرد بأحسنَ منها، فهو أن تزيد عليها كلمات طيبة، بأن تقول لِمَن بدأك بالتحية والسلام: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وذلك يريدك ثوابا وأجرا عند الله سبحانه. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"والذي نفسى بيده وهو الله تعالى، الذي بيده نفوس العباد، وأرواحُ الخلائق كلها)، لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا، ولا تومنُوا حتَّى تَحابُّوا، أفَلا أدلكم على أمْرٍ إذا فعلتموه تحابَبْتُمْ، أفشُوا السلام بينكم\". رواه ائمة الحديث: مسلم، وأبو داود والترمذي ﵏. وعنه أيضا عن النبي - ﷺ - قال: أُعبُدوا الرحمان، وأطعموا الطعام، وأفشُوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام\"، رواه الترمذي بسند حسن.\nوقال تعالى في وصف عباده المومنين الأبرار: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. سورة الانسان. الآيتان: ٨، ٩.\nوفي مشروعية الاستئذان عند الدخول إلى منزل الخير، وآداب ذلك، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. سورة النور. الآية ٢٧.\nوروى أصحاب السُّنن: أبو داود، والترمذى، والنسائي، وابن ماجة ﵏، أن رجلا استاذَنَ على النبي - ﷺ - وهو في بيته، فقال: أألجُ؟ فقال النبي ﷺ لمن كان حاضِرًا معه: أخْرُجْ إلى هذا، فعلِّمه الاستئذانَ، فقل له: قل السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل، فأذِن له النبي - ﷺ - فدخل.\nوقال عمر بن الخطاب ﵁: \"إستأذنت على النبي - ﷺ - ثلاثا (اي ثلاث مرات)، فأذِنَ لي\". رواه الترمذي.\nوفي مشروعية المصافحة، واستحبابها وتحبيبها للناس، لما تريده من تقوية التعارف والمؤاخاة والودة والمصافاة بين الخاس في أي وقتٍ أو حال كانت، ما أخرجه الامام البخاري والترمذي رحمهما الله عن قتادة ﵁ قال: قلت: لأنَسٍ: أكانت المصافحة في أصحاب النبي - ﷺ -؟ قال: نَعَمْ.\nوعن البَرَاءِ بن عازب ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"\"ما من مسلميْن يلتقيان فيتصافحان إلَّا غُفِر لهما قَبْل أن يتفَرَّقا\". رواه أبو داود والترمذي. وعنه أيضا عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمِدَا الله واستغفراه غُفِرَ لهما\". رواه أبو داود وابن السُّنّي رحمهما الله.","vol":"2","page":480},{"text":"القسم الثاني: ما لم يَرد في النصوص ولا كان في السلف، لأنه لم تكن أسْبابُ اعتباره موجودةً حينئذ، وتحددت في عصرنا، فتعيَّن فعله لتحدُّدِ أسبابه، لَا لأنه شَرْعْ مستأنَفٌ، بل عُلِمَ من القواعد الشرعية أن هذه الاسبابَ لو وُجدتْ في زمنِ الصحابة ﵃ لكانت هذه المسبَّباتُ من فعلهم، فتأَخَّر الحكم لتأخر سببه. (٢٤١) ولا فرقَ بيْنَ أن يُعلَم ذلك بنص أو بقواعدِ الشرع.\nوهذا القِسم هو ما في زماننا من القيام للداخل من الأعيان وإحناء الرأس له، إن عَظُم قدْرُهُ جدًّا، والمخاطبةُ بجمال الدين وغير ذلك من النعوت، والإعراض عن الأعاء والكُنَى، والمكاتبات بالنعوت أيضا، كلَّ أحد على قدره، وتسطير اسم الكاتب بالمملوك ونحوه، والتعبير عن المكتوب إليه بالمجلس الناس في المجالس، والجناب، ونحو ذلك من الأوضاع الغَرِبيةِ، ومن ذلك ترتيب الناس في المجالس، فهذا لم يكن عند السلف، ونحن اليوم نفعله، وهو جائز مامور به مع كونه بدعة. وبهذا أفتى عزّ الدين بن عبد السلام، وكان لا تاخذه في الله لوْمةُ لائمِ، حيث\n_________\n= وعن أبي هريرة ﵁ (وهو من الصحابة المُكْثِريِن الدين رووا أحاديث كثيرة عن النبي - ﷺ - بحكم ملازمته المستمرة له) أن النبي - ﷺ - قال: حق المسلم على المسلم سِتٌّ: \"إذا لقِيتَه فسلِّمْ عليه، وإذا دعاك فأجِبه، وإذا استنصحك فانصَحْ له، وإذا عطس فحمد الله فشِمته (أيْ ادْعُ له وقل له: يرحمُك الله)، وإذا مرضَ فعلْه، وإذا مات فاتَّبِعْهُ\". رواه الشيخان وغيرهما من بعض اصحاب السُّنن ﵏.\nوفي مشروعية تقديم صاحب المنزل على غيم للصلاة بالناس، ما بُىوى عن أبي عطية ﵁ قال: كان مالك بن الحويرث ياتِينا في مصَلَّانا يتحدث، فحضرت الصلاةُ يوما، فقلنا له: تقدَّمْ، فقال: لِيتقَدَّمْ بعضكم حتَّى أحدثكم لم لا أتقدمُ، سَمِعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: من زار قوما فلا يَؤمَّهم، ولْيَؤمَّهُمْ رجلٌ منْهم\". رواه أصحاب السُّنن.\n(٢٤١) زاد القرافي ﵀ هنا قولَه: \"ووقوعُهُ عند وقوع سببه لا يقتضي ذلك تجديد شَرْعٍ ولا عدمَه، كما لو أنزل الله سبحانه حُكْمًا في معصية من لواط وغيره، مِنْ رجم أو غيره من العقوبات، فلم توجد تلك المعصية أو ذلك الفعل زمن الصحابة، وَوُجد في زماننا فرتَّبْنا عليه تلك العقوبة (المشروعة) لم نكن مجَدّدين لشْرع، بل تَقَرر في الشرع\".\nوهو مَلْحَظ وجيه وهام ومفيد جدا، لفَهْمِ ما يستجِد من مثل هذه الامور، ومعرفة حكم الشرع فها ونظره إليها، فليتأمّل ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":481},{"text":"كُتبتْ (وقُدِّمَتْ) إليه في هذا الشأن فُتْيا، فقال: \"قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تَبَاغَضُوا ولا تَحاسَدوا ولا تدَبَروا ولا تقَاطَعوا وكونوا عباد الله إخوانا\" (٢٤٢)، وترْكُ القيام في هذا الوقت يُفضى للمقاطعة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدًا، هذا نصُّ ما كَتَبَ جوابا عن الفتيا، بغير زيادة ولا نقص، وهو معتى قول عمر بن عبد العزيز: \"تُحْدَثُ للناس أقضيةٌ بقَدْر ما أحْدثوا من الفجور\"، أي يُحْدِثون أسبابا فتُرتَّبُ أحكامٌ على نسبة ذلك، الشرعُ يجيزها، لا أنه يُحْدَثُ شرعٌ لم يكن، وهذا بشرط أن لا يستبيحَ محرَّما ولا يتركَ واجبا.\nثم القيام قد يكون محرّمًا إن فُعِلَ تعظيما لمن يحبه تجبرًا من غير ضرورة، ومكروها إذَا فُعِل تعظيما لمن لا يحبه، لأنه يُشبِه فعل الجبابرة ويوقع فساد قلب الذي يقام له، وهو مباح إذا فُعِلَ إجلالا لمن لا ريده، ومندوبٌ للقادم مِنْ السَّفَر. (٢٤٣).\n_________\n(٢٤٢) حديث صحِيح، أخْرجهُ الإِمام مالك في الموطأ، والشيخان وأبو داود والترمذى ﵏، عن أبي هريرة ﵁.\n(٢٤٣) عن أبي سعيد ﵁ \"أن أهل قريظة (وهم قبيلة من اليهود، فإنهم ثلاث فرق وقبائل: بنو قنيقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة) نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إيى النبي - ﷺ -، فجاء فقال: قوومو إلى سيِّدكم، أو قال: خَيْركُم، فقعد مع النبي - ﷺ -، فقال. هؤلاء نزلوا على حُكْمِكَ (اى قَبِلوهُ)، قال (أيْ مُعاذُ: فإق أحْكُم أن تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم، وتُسبَى ذرَاريهم، فقال (أي النبي - ﷺ -): لقد حَكَمت بما حَكَم به الْمَلِكُ\"، وهو الله تعالى. رواه الشيخان: وفي رواية لأبي داود: \"فلما قرب (سعد بن معاذ) من مسجد قال للانصار: \"قومُوا إلى سيدكم\".\nوبيان ذلك أن قبيلة بني النضير من يهو خيْبَرَ كانوا قريبين من المدينة وعلى مسافة ميلين منها (أي نحو ثلاث كلمترات تقريبا)، وكان بنو قريظة وقبيتهم من يهود خيبر كذلك، على مسافة خمسة أمْيال أي ما يقارب خمسَ كلمترات، خرج اليهم النبي - ﷺ - في أواخر شهرٍ ذى الحجة من سنة خمس من الهجرة، وذلك في ثلاثة الاف رجل، وستة وثلاثين فرسًا، فتحصَّنوا في حصونهم، فحاصرهم مُدة تتراوح بين ١٥ و٢٥ يوما وليلة، ثم نزلوا على حكم النبي - ﷺ -، أي رضُوا به واستسلَموا على أساسه، فردَّهُ إلى سَعْد، فحكم فيهم بالأسْرِ، والْقَتْلِ، لأنهم كانوا في معاهدة أمَانٍ مع النبي - ﷺ -، فانتهزوا فرصة غزوة الخندق ونقضوا العهد، واتفقوا مع قريش وغطفان على حرب النبي - ﷺ -، فأخبره جبريل بهذا وأمَرُه بالخروج إقتالهم وإجلائهم عن المدينة المنورة وكانوا غنيمة للمسلمين.\nوكان النبي - ﷺ - إذا دخلت عليه بنتُه فاطمة الزهراء رضي الله عها، قام إليها فأخذ بيدها، فقبَّلها وأجْلَسَها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها النبي - ﷺ - في بيتها فعلت معه مثل ذلك\" =","vol":"2","page":482},{"text":"وها هنا مسائلُ:\nالمسألة الأولى: المصافَحَة:\nففي الحديث عن رسول - ﷺ -: \"إذا تلاقَى الرجلان فتصافَحَا تحاثَّتْ ذنوبُهما، وكان أقربُهما إلى اللهِ أقربَهما بِشْرًا\"، وهذا يقتضي أن المصافحة إنما شُرِعت عند اللقاء لا عند الفراغ من الصلاة، وذُكر عن مالك كراهةُ المصافحة، والمشهور أنها مستَحبة، قاله أبو الوليد بن رشد (٢٤٤).\n_________\n= رواه اصحاب السنن. وهو دليل على جواز القيام للشخص، إجلالا له وتقديرا واحتراما. وعن أبي مجلز ﵁ قال: خرج معاوية على ابن الزبير، وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابنٍ عامر: إجْلس، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: منْ أحَبَّ أن يَمْثَلَ له الرجال قِيَاما فليتبوأ مقعده من النار\"، رواه أبو داود ورواه الترمذي بلفظ: \"من سَرَّه أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار\".\nقال القرافي: وبهذا يُجْمَعُ بين قوله ﵊ عن حب الانسان أن يقومَ له الناس، وبين قيامه - ﷺ - لعكرمة بن أبي جهل لَمَّا قدِمَ من اليمين، فرحا بقدومه، وقيام طلحة بن عبدالله لكعب بن مالك ليهنئه بتوبة الله تعالى عليه بحضور النبي ﵇، ولم ينكر عليه ذلك، فكان كعبٌ يقول: لا أنساها لطلحة\".\n(٢٤٤) قال القرافي ﵀: حجَّة الكراهة (أيْ عند مالك) قوله تعالى حكاية عن الملائكة لما دخلوا على ابراهيم ﵇: \"قالوا سلاما، قال: سلامٌ\"، قال مالك: ولم تُذْكَر المصافحة، ولأنَّ السلام ينتَهِي فيه للبركات، ولا يرادُ فيه قول ولا فِعْلٌ ثم زاد القرافي قائلا: حجة المشهور ما في الموطأ، قال رسول الله - ﷺ - تصافحُوا يذْهَبْ الغِلّ (أي الحِقد)، وتهادَوْا تَحَابُّوا، وتَذهَبْ الشحناء (أيْ البغضاء بينكم). أخرجه الامام مالك في الموطأ، عن عطاء بن أبي مسلم عبد الله الخراساني .. وقال الحافظ المنذِري في كتابه \"الترغيب والترهيب\": رواه مالك هكذا معْضَلا، وقدْ وُصِلَ من طرُق فيهاَ مقال. ومعلُومٌ أن الحديث المعْضَلَ هو الذي سقَط من سنده راويان اثنان في الموضع الواحد، سواءٌ أكان من أول السند أو وسطه او آخره، وإليه الاشارة في شطر بيت من منظومة البيقونية لناظمها الشيخ عمر بن محمد بن فتوح الدمشقي ﵀، حيث قال: والمعْضَلُ الساقِطُ منه اثنانِ\".\nوهو يُعتبر نوْعًا من انواع الحديث الضعيف كما هو مقرر في موضعه.\nقلت: والظاهر من النصوص الواردة في تحبيب المصافحة، مع السلام، أنها مشروعة مطلقا عند اللقاء، أو بعد الصلاة مع الجماعة، وأنها مستحبة عند اللقاء على المشهور وهو محل اتفاق، وبعد الصلاة وغيرها من حالات التقاء المسلم والتقائه بأخيه المسلم، لأنها بعد الفراغ من الصلاة مع الجماعة اشرف حالات التقاء المسلم باخيه المسلم، ليس فيها إلا الخيرُ، وتحقيقُ ما يدعوا إليه الاسلام ويحث عليه من المودة بين المسلم وأخيه المسلم، وهو مقصدٌ شرعي حكيم، يمكن اعتباره من باب السنة الحسنة التي يكون لِمَنْ سَنَّها أجرُهَا وأجْر من عمل بها، والله أعلمُ.","vol":"2","page":483},{"text":"المسألة الثانية: المعَانَقة، كرِهها مالك، لأنها لم تُرْوَ عن رسول الله - ﷺ - إلَّا مع جعفر، ولم يَجْرِ العمل بها من الصحابة بعده. قال أبو الوليد في كتاب البيان: لأن النفوسَ تنفر عنها، لأنها لا تكون إلا لوازع مِن فَرْط ألَم الشوق أو مع الأهل.\nودخل سفيان بن عُيينة على مالك ﵁ فصافحهُ مالك وقال: لولا أن المعانقة بدعة لعانقتُك، فقال سفيان: عانَقَ مَن هو خيرٌ مني ومنك: عانقَ النبيُّ - ﷺ - جعفرًا حين قدِم من الحبشة، قال مالك: ذلك خاص بجعفر، قال سفيان: بل عامٌّ، ما يسعُ جعفرًا يسَعُنا إذا كنا صالحين، أفتأذنُ لي أن أحدِّث في مجلسك؟ قال: نَعم يا أبا محمد، قال: حدَّثني عبد الله بن طاوس عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لَمَّا قدِم جعفر بنُ أبي طالب من أرض الحبشة إعتنقه النبيُّ - ﷺ - وقبَّلَه بيْن عينيه (٢٤٥). وقال: جعفر أشبهُ الناس بنا خَلْقا وخُلُقًا. يا جعفرُ، ما رأيتَ بأرض الحبشة؟ قال: يا رسولَ الله، بَيْنَا أنا أمشِي في بعض أزقتها، إذا سوداء، على رأسها مَكْتَل، فيه بُرٌّ، فصدَمها رجل على دابته، فوخ مكْتَلُها وانتشَر بُرّها، فاقبلَتْ تجمعه من التراب وهي تقول: ويْلٌ للظالم من دَيَّانِ يوم القيامة، ويلٌ للظالم من المظلوم يوم القيامة، ويل للظالم إذا وُضِعَ الكرسي للفصل يوم القيامة، فقال النبي - ﷺ -: لا يُقَدِّس الله أمّة لا تاخذ لضعيفها من قويهاحقَّه غيرَ متعتعٍ\".\n_________\n(٢٤٥) روى الامام أحمد بسند صالح، وأبو داود أنه قيل لأبي ذَر ﵁: هَلْ كان رسول الله - ﷺ - يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لِقيتُه قطّ إلا صافحني. وبعث إليَّ ذاتَ يوم ولم أكُن في أهلي، فلما جئْتُ أُخبِرتُ أنه أرسل إليَّ، فأتيتُه وهو على سريره، فالتزمني (أيْ عانقني، فكانت تلك أجودَ وأجْوَدَ (أي كانت معانقته له أفضلَ أكرم من المصافحة، لِمَا أفاضَه - ﷺ - على جسد أبي ذر من بركة جسمه وروحِه وأسراره الجليلة على جسَد أبي ذَر ﵁. وقالت عائشة ﵂: قدِم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله - ﷺ - في بيتى، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي - ﷺ - يَجُرُّ ثوبَه (أي لبِس ثوبه وهو ذاهب لمقابلته والترحيب به شوقا إليه)، واللهِ ما رأيته عُريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبَّله\" رواه الترمذي بسند حسَنٍ.","vol":"2","page":484},{"text":"ثم قال سفيان: قد قدِمتُ لِأصَلِّيَ في مسجد رسول الله - ﷺ - وأبشرَك برؤيا رأيتها، فقال مالك: نامتْ عينُك (٢٤٦)، خيرًا إن شاء الله، قال سفيان: رأيتُ كأن قبر رسول الله - ﷺ - انشق، فأقبل الناس يهرعون من كل جانب، والنبي - ﷺ - يَرُدّ بأحسنِ ردّ، قال سفيان: فإني بِكَ، واللهِ، أعرفك في منامِي كما أعْرفك في يقظِتي، فسَلَّمْتَ عليه فردَّ عليك السلام، ثم رمَى في حِجْرك بخاتم نزعه منْ أصبعه، فاتقِ الله فيما أعطاك ﵇، فبهي مالك بكاء شديدا. قال سفيان: السلام عليكم، قال (٢٤٧): خارجٌ الساعةَ؟ قال: نعم، فودّعه مالك، وخرج.\nالمسألة الثالثة: تقبِيلُ اليد. قال مالك: إذا قَدِمَ الرجلُ مِنْ سفرِه فلا باس أن يُقَبل بنتَه وأخته في خدها. (٢٤٨)\nقال شهاب الدين: وقول مالك انه يقبل خدَّا بنتِهِ، محمول على ما إذا كان هو وغيره عنده سواء، أمّا متَى حصل الفرق في النفْس صار استمتاعا حراما، والانسان يطالع قلبه ويحَكِّمه في ذلك (٢٤٩).\n_________\n(٢٤٦) عبارة القرافي: رأتْ عيناك خيْرًا إن شاء الله.\n(٢٤٧) عبارة القرافي: قالوا له أخارجٌ الساعة؟ قال: نعَمْ؟\nثم قال القرافي: فيوخَذُ من مجموع هذه النقول أن المعانَقة وردتْ بها السنة، وأن سفيان كان يعتقد عموم مشروعيتها، وأن مالكا كان يَكْرَهُها.\nومن ذلكَ ما أخرجه الحافظ المنذري ﵀ عن أنس ﵁ قال: \"كان أصحابُ النبي - ﷺ - إذا تَلاقَوْا تصافَحُوا، وإذا قَدِموا من سفر تعانقوا، قال المنذرى: رواه الطبراني، ورواتُه محتَجٌّ بهم في الصحيح.\n(٢٤٨) عبارهَ القرافي هنا، قال مالك: إذا قدِمَ الرجل من سفره، فلا باسَ أن تقبله ابنته وأخته، ولَا باسَ أن يقبِل خَدَّ ابنته، وكرِهَ أن تقبله ختَنَتُهُ ومعْتَقَتُه وإن كانت متجالَّة، (أي كبيرة السّن).\nولا بأس أن يقبل رأس أبيه، ولا يُقبِلُ خدَّ أبيه أوْ عمه، لأنه لم يكن من فعل الماضين.\n(٢٤٩) ومن الأدلة على جواز تقبيل اليد والرِجْل، ومشروعية ذلك، ما نقله القرافي عن ابن رشد، ورواه الترمذي وأبو داود من حديث صفوان بن عَسَّال أن بعض اليهود سألوا النبي - ﷺ - عن التسع آيات بينات، الواردة في القران (أي في قوله تعالى من أواخر سورة الإسراء): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، فقال - ﷺ -: لا تتركوا بالله شيئا، ولا تَسْرقوا، ولا تزْنُوا، ولا تقتلوا","vol":"2","page":485},{"text":"المسألة الرابعة: اختلَف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. قال ابن عَطية في تفسيره: قيلَ إنَّ أو للتنويع لا للتخيير، وقيل: للتخيير، ومعناه أنَّ الانسان مخيَّرٌ في أن يَرُدَّ أحسنَ أو يقتصر على لفظ المبتدئ إن كان قد وقف دون البركات، وإلا بطل التخيير، لِتَعَيُّن المساواة. وقيل: لابد من الانتهاء إلى لفظ البركات مطلقا، وحينئذ يتعين تنويع الردّ إلى المثل إن كان المبتدئ انتهى للبركات، وإلى الأحسن إن كان المبتدئ اقتصر دون البركات، فهذا معنى التخيير والتنويع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>القاعدة الحادية والعشرون:\nفي بيان ما يجب النهي عنه من المفاسد وما يَحرُمُ وما يُندَبُ</span>. (٢٥٠)\nقال - ﷺ -: \"لَتامُرُنَّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر أو ليوشكَنَّ أن يبعث الله عقابا منه ثم تدْعونه فلا يستجابُ لكم\" (٢٥١).\n_________\n= النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشُوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا ئقْذفوا: محصنةً، ولا توَلَّوا الفرار يوم الزحف، وعليكم - خاصَّةَ اليهود - ألَّا تَعْلُو في السبت\". قال: فقبَّلا (اليهُوديان) يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي ... إلخ وعن أمّ أبَانٍ، بنْت الوازع بن زارع عن جدها زارع ﵃، وكان في وفد عبد القيس (الذين وفَدُوا على النبي - ﷺ -، وكانوا أربعة عشر رجلا، قال (أي زارع): لمّا قدِمْنا المدينةَ، فجعلنا نتبادر من رواحلنا (أي نَنزل عنها مسرعين)، فنقَبِّل يد رسول الله - ﷺ - ورجْله، وانتظَرَ المنذِرُ الأشجُّ حتَّى أتَى مَجْيتَه (أيْ وِعاءَ ومكانَ الملابس)، ولبسَ ثوبيه، ثمّ أتَى النبيَّ - ﷺ -، فقال له - ﷺ -: إن فيك خَلَّتين يحبهما الله: الحِلْمَ والأناة، قَال: يا رسول الله، أنا أتخلَّقُ بهمِا أم جبلني الله عليهما؟ قال: بل الله جبلك عليهما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خَلَّتيْن يحبهما الله ورسوله\". رواه أبو داود، والترمذي بسند حسن. ففي كل هذا دلالة على جواز تقبيل اليد والرجل لمن كان أهْلا لذلك، لكونه أبًا أو أمًا، أو شيخًا في العلم، أو لفضله وعلمه، ومكانته ومسؤويته التي وضعه الله فيها. والمقام الذي جعله الله فيه، علما وصلاحا، وورعًا وتقوى.\n(٢٥٠) هي موضوع الفرق السبعين والمائتين بين قاعدة ما يجب النهي عنه من المفاسد وما يَحْرُمُ وما يُندَب\". جـ ٤. ص.٢٥٥.\n(٢٥١) رواه الطبراني، والترمذي بسند حسن. وفي أوله: \"والذي نفسي بيده، لَتأمُرنَّ بالمعروف ولَتنْهَوُن عن المنكر ... الخ.\"","vol":"2","page":486},{"text":"ثم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط:\nالأول: أن يَعلَم (الامر والناهي) ما يامُرُ به وينهَى عنه، فالجاهل بالحكم لا يحِل له النهي عمّا يرَاه ولا الأمر به.\nالشرط الثاني: أن يأمَنَ من أن يؤَدي إنكارُهُ إلى منكَر أكثرَ منه، مثل أنْ ينهى عن شرب الخمر فيؤولَ نهيه عنه إلى قتل النفس أو نحوه.\nالشرط الثالث: أن يغلب على ظنه أن إنكاره المنكَرَ مُزِيل له، وأن أمْرَه بالمعروف مؤثِر في تحصيله. فعَدَمُ أحدِ الشرطين الأوليْن يوجب التحريم، وعدم الشرط الثالث يُسقِط الوجوبَ وهي الجواز والندب.\nثم مراتب الإِنكار ثلاثة:\nأقواها أن يغير بيده، وهو واجب عَينًا مع القدرة، فإن لم يَقدر على ذلك انتقل للتعبير بالقول وهي المرتبة الثانية، وليَكُنْ ذلك برفق، لقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (٢٥٢)، فإن عجز عن القول انتقل للمرتبة الثالثة وهي الإِنكار بالقلب، وهي أضعفُها. قال - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرًا فلْيُغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان\". (٢٥٣) الحديث ... الخ.\n_________\n(٢٥٢) الخطاب في هذه الآية الكريمة لنبي الله ورسوله سيدنا موسى ﵇ مع أخيه هارون حين أرسلهما الله تعالى إلى فرعون، لدعوته إلى الإيمان بالله وتوحيده، فقال تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ سورة طه، الآيتان: ٤٣ - ٤٤.\nقال القرافي: ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، سورة العنكبوت، الآية ٤٦.\n(٢٥٣) حديث صحيح أخرجه الأئمة: مسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي، عن أبي سعيد الخدْري ﵁.\nوفي معناه ما رواه أبو داود عن جرير ﵁ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من رجُلٍ يكون في قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، يقْدِرون أن يُغَيِرُوا عليه فلا يُغَيروا، إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا\".\nوفي معناه أيضا من حديث أبي داود عن العِرْسِ الكندي ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا عُمِلَتْ الخطيئةُ في الأرض كان مَن شهِدها فكرِهها كمن غاب عنها، ومن غَابَ عنها فرضِيها كان كمن شهِدَها\".","vol":"2","page":487},{"text":"وقال شهاب الدين: قوله ﵇: \"ليس وراءَ ذلك من الايمان حبَّةُ خردل\" (٢٥٤)، مراده الايمان الفعلي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢٥٥)، فأقوَى الايمان الفعلي ما كان باليد، وبعده ما كان بالقول، وأضعَفُهُ ما كان بالقلب، ولم يتعرض للايمان المطلق.\nوهنا ست مسائل:\nالمسألة الأولى: الوالدان يُومَرَانِ بالمعروف ويُنهَيَانِ عن المنكر، ويُخفَضُ لهما جناحُ الذل من الرحمة (٢٥٦).\n_________\n(٢٥٤) إشارة إلى حديث صحيح أخرجه الإِمام مسلم في كتاب الإيمان عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من نبى بعثه الله في أمّةٍ قَبلي إلا كان له من أمته حواريون (أي أنصار يومنون به ويدافعون عنه، ويناصرونه في دعوته ورسالته)، وأصحاب ياخنون بسنته، ويقتدون بأمره.- ثم إنها (أي الحال التي تأتي بعدهم) ئخْلُفُ من بعدهم خُلُوفْ يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يومَرون، فمن جاهدهم بيده فهو مومن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مومن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مومن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبًةُ خَرْدلٍ \". أي ليس وراء ذلك شيء من الإِيمان.\nوقد وردت هذه الكلمة في قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. سورة الأنبياء، الآية ٤٧.\n(٢٥٥) المراد بالإيمان في الآية الصلاةُ، ذلك أنه لما نزل قولُ الله تعالى من أول هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. سورة البقرة، الآية ١٤٣.\nلما نزلت هنه الآية تسَاَءلَ بعض المسلمين عن إخوانهم الذين ماتوا قبل خويل القبلة بالتوجه في الصلاة إلى الكعبة المشرَّفة، وعن مصير الصلاة التي كانوا يصلونها نحو بيت المقدس، فأنزل الله سبحانه هذه الآية الممريمة تُطَمئْنهم على قَبولها وثُبوت أجرها وثوابها عند الله تعالى، وهو سبحانه ذو الفضل العظيم.\n(٢٥٦) إشارة إلى قوله تعالى إلى الإحسان إلى الوالدين والتواضع لهما: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. الآيتان ٢٣، ٢٤. من سورة الاسْرَاء.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سورة لقمان. الآية ١٣.","vol":"2","page":488},{"text":"المسألة الثانية: قال بعض العلماء: لا يشترط في النهي عن المنكَرِ أن يكون ملابِسًا معصيةً، بل يُشتَرَطُ أن يكون ملابِسا لمفسدة واجبة الدفع، أو تاركا لمصلحةٍ واجبة الحصول، وله أمثلة:\nأحدُهَا: أمْرُ الجاهلِ بمعروف لا يعرفه، ونهْيُهُ عن منكر لا يعرف أنه منكر كنهْي الانبياء ﵈ أمَمَهُم أوّلَ بعثتهم.\nوثانيها: قِتال البغاة وهم على تأويل. (٢٥٧).\nوثالثها: ضرب الصبيان (٢٥٨) على ملابَسة الفواحش، ومنه ضرب البهائم للتعليم والرياضة.\nالمسألة الثالثة: قال العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفور إجماعا، فمن أمكنه أن يامُر بمعروف وجب عليه.\nالمسألة الرابعة: إذا رأينا مَنَ فعَلَ شيئا مختلَفا في تحريمه وتحليله وهو يعتقد تحريمه أنْكرنا عليه، وإن اعتقد تحليله لم يُنكَر عليه، إلا أن يكون مُدْرَك التحليل\n_________\n(٢٥٧) وأساسه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].\n(٢٥٨) وأساس ضرب الصبيان، الحديثُ النبوى الشريف الذي يقول فيه النبي - ﷺ -: \"مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعَشْر، وفرقوا بينهم في المضاجع\".\nوالمراد به ضرب غيرُ مبرح لا يكسر عظما، ولا يَهْشِمُ لحْما، وهو الضرب الخفيف الذي يبعث فيهم شيئا من الخوف، ويحملهم على التزام أحكام الإسلام وآدابه، وأخلاقه وفضائله، حتي ينشأوا عليها وتَرْسخَ فيهم منذ الصغر رسوخا يُلازمهم وينتفعون به في الكِبَر، فإن من نشأ وشَبَّ على شيء شابَ عليه.\nوالأمر كذلك في ضرب الحيوان، وراد به الضرب الخفيف، فإن الرفق به مطلوب شرعا كما هو مستفاد من كثير من الأحاديث النبوية، التي تدل على ذلك، وتفيد حصول الثواب والأجر لمن ترّفقَ بالحيوانات، فيطعمها أو يسمها، عند احتياجها لذلك، ففي كل ذِى كبدٍ رطبة أجر كما قال النبي - ﷺ -.","vol":"2","page":489},{"text":"ضعيفا جدا يُنفَض قضاءُ القاضي بمثله، لبطلانه في الشرْع، كوطء الجارية بالِإباحة، معتقِدًا لِمَذْهب عطاء (٢٥٩).\nالمسألة الخامسة: المندوبات والمكروهات يدخلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل الارشاد للورع ولِما هو أوْلى، من غير تعنيف ولا توبيخ، بل يكون ذلك من باب التعاون على البِّرِ والتقوى (٢٦٠).\nالمسألة السادسة: قولُنَا في شروط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر: ما لَمْ يُؤدّ إلى مفسدة هي أعظم، هذِه المفسدة قسمان:\nتارة تكون إذا نَهَاهُ عن منكَر، فَعَلَ ما هو أعظَمُ منه في غير الناهى، وتارة بفعله في الناهى، بأن ينهاه عن الزنى فيقتله، أعْني، الناهي يقتله الملابس للمنكَر.\nوالقسم الأول اتفق الناس عليه، وأنه يحرم النهي عنه حينئذ. والقسم الثاني اختلفوا فيه، فمنهم من سَوَّى بينهما، ومنهُمْ من فَرَّق وقال: هذا لا يمنع، والتغرير بالنفوس مشروع في طاعة الله، قال - ﷺ -: \"أفضل الجهاد كلمةُ حق عند سلطان جائر\" (٢٦١)، ومعلوم أنه عرّض نفسه للقتل بمجرد هذه الكلمة.\n_________\n(٢٥٩) زاد القرافي قوله: \"وكشارب النبيذ معتقِدا مذهبَ أبي حنيفة. وإن لم يكن معتقدا تحريما ولا تحليلا، والمدارك في التحريم والتحليل متقاربة، أُرْشِدَ للتَّرْك برفق من غير إنكار وتوبيخ، لأنه من باب الورع المندوب، والامر بالمندوبات، والنهْي عن المنكرات هكذا، شأنهما الإرشادُ من غير توبيخ ولا إيلَامٍ بالتقريع والتأنيب، وإنما هو الحكمة الحسنة والموعظة الحسنةَ المؤثرة.\nوقد تقدم في الفرق الثالث والعشرين والمائتين عند القرافي، وجاء فيه أن الحكم الذي يُنقَضُ لفسَاد المدْرَك (أي العلة) التي انبنى عليها) لا لعدم الولاية فيه، هو الحكم الذي خالف أحد أربعة أمور: إذا حكم القاضي على خلاف الإجماع يُنقَضُ قضاؤه، أو خلافِ النص السالم عن المعارض، أو القياس الجَلِيّ السالم عن المُعارِض، أو قاعدة من القواعد السالمة عن المعارض ... إلخ.\n(٢٦٠) وهو شيء مأمور به في قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ سورة المائدة، الآية (٢)، وفي قول النبي - ﷺ -: المومن للمومن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وقوله: الله في عون العبد مادام العبدُ في عون أخيه.\n(٢٦١) أخرجه أصحاب السنن: أبو داود، والترمذي والنسائي وابن ماجة ﵏. وعن أبي بكر ﵁ أنه قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: =","vol":"2","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>القاعدة الثانية والعشرون\nفى الفرق بين الرياء في العبادات وبين التشريك فيها</span>. (٢٦٢)\n_________\n= \" يا ايها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية، وتضعونها في غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ سورة المائدة، الآية ١٠٥)، وإنَّا سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم ياخذوا على يديه، أو شكَ أن يعمهم الله بعقاب\" أخرجه كذلك أصحاب السنن.\nقلت. أورد الإِمام القرافي هنا ﵀ سؤالا هاما أشار اليه البقوري هنا في ايجاز متناهٍ، ويتعلق بالموضوع مع الإجابة عنه فقال القرافي:\nسؤال: قد نجد أعظم الناس إيمانا يعجز عن الإنكار، وعجْزُه لا يُنَافِي تعظيمَهُ لله تعالى وقوةَ الإيمان، لأن الشرع منَعَه أو أسقطه عنه، بسبب عجزه عن الإنكار، لكونه يؤدي لمفسدةٍ أعَظم، أو نَقُولُ: لا يَلْزَمُ من العَجْزِ عن القردة نقصُ الإيمان، فما معني قوله ﵇: \"وذلك أضعفُ الإيمان\".\nجوابه أن المراد بالإيَمان هنا الإِيمان الفعلي الواردُ في قوله تعالى، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أيْ صلاَتكُم لبَيت المقدِس، والصلاة فعل، وقال ﵊: الإيمان بضْعٌ وخمسون شعبة، (أي مظْهَرًا وأمرًا من الأقوال والأعمال يتجلَّى فيها الإِيمان القلبي، أعلاهَا ان لالله إلا الله، وأدناها اماطة الأذى عن الطريق (أي إزالته منها مهما كان بسيطا، فإن ذلك من الإيمان بالله)، والحياءُ شعبة من الايمان\".\n(٢٦٢) هي موضوع الفرق الثاني والعشرين والمائة بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات\". جـ ٣. ص.٢٢.\nوقد ابتدأه الإمام القرافي الله بمقدمة حسنةٍ ممهَّدة، فقال فيها:\n\"إعلم أن الرياء في العبادات شِرك وتشريك مع الله في طاعته، وهو موجِبٌ للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة، كما نصَّ عليه الإِمام المحاسبي وغيرُه. ثم ذكر القرافي الآية التي أوردها الشيخ البقوري، وكذلك الحديث القدسي، وقال: \"وذلك يدل على أن غير المخلصين لله غيرُ مامورك به (أي بالتعبد غير الخالص)، وما هو غير مامور به لا يجزئ عن المامور به، فلا يُعتَدُّ بهذه العبادة (غير الخالصة لله)، وهو المطلوب. وتحقيقُ هذه القاعدة وضابطها أن يعملَ العملَ المامورَ به والمتقرَّبَ به إلى الله تعالى، ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يعظمه الناس، ...) إلى آخر ما عند البقوري هنا.\nقلت: الإنسان مامور بتوحيد الله وعبادته عقيدة وطاعة وعملًا بجميع ما أمره الله به ونهاه عنه، والعبادة مقيدة بالإخلاص، والقيد كما يقول العلماء هو روح الشيء وجوهره، فالأمر بالعبادة حاصل وثابت لا محالة بقيده المذكور. وعدَمُ وجوده ممن طُلِب منه لا ينفي عنه عدمَ الأمر بالشئ من أصله، وانما ينفي عنه القبولَ كما هو مستفاد من كلام القرافي في أول الفرق، ومن نقلِه ذلك عن الإِمام المحاسِبي، لأن العمل المامور به فَقَدَ شَرطَهُ وقَيْدَهُ الأساسيَّ ليكون على مقتضَى الشرع، ويكونَ مقبولا عند الله تعالى، فَليُتَأمَّل ذلك من خلال الآية والحدث المذكورين، ومن خلال غيرهما من الأحاديث الواردة في الموضوع، والله أعلم بالصواب، ويهدي إليه من أنَابَ.","vol":"2","page":491},{"text":"إعلَمْ أن العامل إذا عمِل عمَلًا لا يريد به وجْه الله البتَّة، بل الناسَ، فهذا القِسْم يسمَّى رياءَ الإِخلاص، فإن أراد به وجه الله والناسَ بأن يعظموه فيصِلَ إليه نفعهم، أو يدفعَ عنه ضرَّهم، فهذا. يسمّى رياءَ الشركاء.\nوالاول لا كلام فيه، إذْ ليس له عمل يُنظَر فيه بأنه فسَدَ أم لا، وإنما الكلام في الثاني، وهو باطل لا اعتدادَ به، لقوله تعالى (في الحديث القدسى): \"أنا أغنَى الأغنياء عن الشِرك، فمن عمِل عملا أشركَ فيه غيري تركتُهْ لَه\"، (٢٦٣) ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. (٢٦٤)\nوأغراض الرياء ثلاثة: التعظيم، وجلبُ المصالح، ودفع المضار، والأول هو الاصل، فإذا حصل جاَءتْ المصالح واندفعتْ المضار. (٢٦٥) فأمَّا مطلَقُ التشريك\n_________\n(٢٦٣) هذا حديث قدسي يضاف قولُه إلى الله تعالى، كما يضاف إليه سبحانه القرآن الكريم، تمييزا للحديث القدسى عن الأحاديث النبوية الأخرى.\nومن المعلوم أن القرآن الكريم وحيٌ من الله تعالى باللفظ والمعنى، والحديث القدسى وحيٌ من الله بمعناه، وعَبَّر عنهْ النبي - ﷺ - بلفظه النبوي الشريف.\nفعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله - ﷺ -: قال الله تعالى: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمِل عمَلًا أشركَ فيه معي غيري تركتُه وشِركَهُ\". رواه الإِمام مسلم ﵀.\nويفسره حديث آخرُ بمعناه عن أبي سعد بن أبي فُضالةَ عن النبي - ﷺ - قال: إذا جمع الله الناسَ يوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادَى مناد: من كان أشركَ في عملٍ عمِلَه لله أحَدًا فليطلبْ ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك\". رواه الإِمام الترمذي بسندٍ حسن.\nوعَنْ أبي موسى الأشعري، ﵁ قال: خطبنَا رسولُ الله - ﷺ - ذاتَ يوم فقال: \"يا أيها الناس، إتقوا هذا الشِّرْكَ فإنه أخْفَى من دَبيب النمل، فقال رجل: كيف نتقيه، وهو كذلك يا رسولَ الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نُشْرك بك شيئا نعْلَمه، ونستغفرك لما لا نعلمه\" رواه كذلك الإِمام أحمد، والإِمام الطبراني رحمهما الله.\n(٢٦٤) وقَبْلها قولُه تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. سورة البينة الآية ٥.\n(٢٦٥) فالرياء مما يفسد العمل التعبدي ويبطله، ويذهبُ بثواب أجره، وقد ضرب الله المثل لمن يكون عمله رياءً، وسُمعةً فيكون مردودًا عليه، ولِمنْ يكون عمله خالصًا لله، فيكون مقبولًا منه وماجورًا عليه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ =","vol":"2","page":492},{"text":"فلا يحصُلُ، كمنْ جاهد لتحصل له الغنيمة والأجْر، وهذا جائز بإجماع. وإنما الذي يَحْرم، أن يجاهد للاجر وليقال، أو ليعظمه السلطان ويعطيه أكثر مما يعطي غيره، وهذا بسبب أن الريَاءَ أن يعمل ليراه غيرُ الله تعالى مِنْ خلقِه، والرؤية لَا تصح إلا من الخلق، فمن لا يرى ولا يبصر لا يقال في العمل بالنسبة إليه رياءٌ، والمال الماخوذ من الغنيمة لا تصح منه رؤية.\nوكذلك من حج وشَرَّك في حَجِّهِ المتْجَر، لهذه العلة التي ذكرنا، (٢٦٦) وكذلك من صامَ ليَصحَّ جسَدُهُ أو ليحْصُلَ له زوالُ مرض من الأمراض، فيكون الصوم مقصودًا له مع التداوِي، فقد قال ﵇: \"فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن الصومَ له وجاءٌ\"، (٢٦٧) ولو كان ذلك قادحا لم يامر به ﵇.\n_________\n= ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ (أي شيء قليل من المطر) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. سورة البقرة: الآية ٢٦٤ - ٢٦٥.\nوعن جندب ﵁ قال: \"من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به\". أخرجه الشيخان والترمذي ﵏.\n(٢٦٦) قلت: جاء في القرآن الكريم ما يدل على إباحة تعاطي التجارة بالبىخ والشراء لمن يكونون متواجدين في موسم الحج لاداء فريضته الإسلامية، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. سورة البقرة: الآية ١٩٨. قال عندها الحافظ ابن كثير ﵀: عن ابن عباس ﵄ قال: كان مُتَّجَرُ الناس (أي تجارتُهم) في الجاهلية عكاظ، ومجنَّة، وذو المجاز، أي كانت تجارتهم في هذه الأسواق الموسمية، فلما كان الاسلام كأنهم كرِهوا ذلك، حتى نزلت هذه الآية. وعنه من طريق آخر: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم\nوالحج، يقولون: أيامُ ذِكْرِ، فأنزل الله هذه الآية.\nقال علي بن طلحة عن ابن عباس في تفسيرها: \"لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإِحرام وبعده\"، مما يدل على جواز ذلك للحاج بالقدر الذي لا يشغله عن مناسك الحج وواجباته، ولا عن ذكر الله وطاعته المطلوبة من المسلم في عبادة الحج، والتي من أجل اغتنامها يتجشم المسلم والمسلمة مشقة السفر وعنَاءَهُ، وإنفاق المال في سبيل أداء فريضتها ونيل أجرها عند الله تعالى.\n(٢٦٧) وتمام هذا الحديث من أوله رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعَليْه بالصوم، فإنه له وجاءٌ\" (أي وقاية وحفظ). متفق عليه بين البخاري ومسلم رحمهما الله.","vol":"2","page":493},{"text":"ومن ذلك أن يجدد وضوءه ليحصل له التبربد والتنظيف، فظهر بهذا، الفرقُ بين الرياء والتشريك في العبادات. (٢٦٨)\nنعم، لاشك أن هذه الاغراضَ المخالفة للعبادة قد تنقص الأجر، وأن العبادة إذا تجردتْ عنها زادَ الأجر، أما البطلان والإِثم فلا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>القاعدة الثالثة والعشرون: فِيما به يكون التفضيل</span>. (٢٦٩)\nإعلم أنه يكون بوجوه مختلفة:\n_________\n(٢٦٨) قال الإِمام الصنعاني ﵀ في كتابه: \"سبل السلام على بلوغ المرام من أدلة الأحكام\"، للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀، وذلك فى آخر كلامه على شرح حديث ابن مسعود في الحث على الزواج والترغيب فيه، قال: \"واستدل به العراقي على أن التشريك في العبادة لا يضر، بحلاف الرياء، لكنه يقال: إن كان المُشْرَكُ عبادةً كالمشرَكِ فيه لا يضر، فإنه يحصل بالصوم تحصين الفرج وغض البصر. وأما تشريك المباح كما لو دخل إلى الصلاة لترك خطاب من يُخِل خطابُه فهو محلُّ نظر، يحتمل القياسَ على ما ذُكر، ويحتمل عدم صحة القياس.\nنعم، إن دخل فى الصلاة لترك الخوض في الباطل أو الغِيبة وسماعها كان مقصدًا صحيحا\". قلت: وأختم هذا التعليق والتعقيب على هذه القاعدة بالإِشارة والتذكير في الموضوع إلى أن الله سبحانه أمر عباده بإخلاص العبادة له، ونهَى عن إشراك غيره معه فيها، فقال تعالى، خطابا لنبيه، وتعليما لأمته المحمدية المومنة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ سورة الزُّمَرِ، الآية ٢ .. وقال سبحانه في ختام سورة الكهف: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ الآية ١١٠.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: يارسول الله، الرجل يعمل العملَ فَيُسِرُّهُ، فإذا اطَّلع عليه أعجبه ذلك، قال رسول الله - ﷺ -: له أجْران: أجْرُ السِرّ وأجْر العمَل\"، أي كان له أجر الإِسرار والإِخفاء عن الناس ليكون خالصا لوجه الله الكريم، وكان له أجرُ الاطلاع عليه من الناس فيستبشِر بذلك، ويقتدي به غيره من أهل الخير. رواه الترمذي بسنديْن حسنين ﵀، ورحم سائر ائمة المسلمين وجميع المومنين، ووفقنا للعمل الصالح وجعله خالصا لوجهه الكريم، بمنه وفضله، وجُودِه وكرَمِه، آمين.\n(٢٦٩) هي موضوع الفرق الثالثَ عشَرَ والمائة بين قاعدة التفضيل في المعلومات)، وهي عشرون قاعدة. جـ ٢. ص ٢١١. وهو آخر فرق في الجزء الثاني، ويُعتبر من أطول الفروق عند الإِمام القرافي ﵀، بِسَبب ما اشتمل عليه من عشرين قاعدة مندرجة فيه ومتفرعة عنه.","vol":"2","page":494},{"text":"الأول: تفضيل الشيء على غيره بذاته، وهذا كالواجب لذاته، له الفضل على غيره، وكالعلم يفضُلُ الجهلَ لذاته، وكالحياة تَفضُلُ الموت لذاته. (٢٧٠)\nالثاني: التفضيل بالصفة الحقيقية القائمة بالمفضَّل، وهذا كتفضيل العالِمِ على الجاهل، بالعلم، كتفضيل القادر على العاجز بسبب القدرة القائمة به (٢٧١).\nالثالث: التفضيلُ بطاعة الله تعالى كتفضيل المومن على الكافر، كتفضيل أهل الكتاب على عَبَدة الاوثان، كتفضيل الشاهد على غيره، كتفضيل العالم علَى الشهيد. (٢٧٢)\n_________\n(٢٧٠) قال الشيخ ابن الشاط ﵀: ما قاله (أي القرافي) من أن التفضيل بالذات، له مثُلٌ، ليسَ بصحيح، بل لا مثال له، إلا واحدٌ، وهو ذاتُ الله تعالى وصفاتُهُ، ولَا يسوغُ أن يقال: إنها مُثُل باعتبار الذَّات والصفات، لأنه لا يسوغ أن يقَال: إنها غَيْرُه.\n(٢٧١) قال ابن الشاط: \"أطلقَ القرافي القولَ في التفضيل بالعلم، وذلك غيرُ صحيحٍ، فإنه ربّما كان الجهلُ ببعض الْعُلُوم أفضلَ من ذلك العلم، وقد استعاذ النبي قوله - ﷺ - من عِلمٍ لا ينفع\".\nقلت: فعَنْ زيد بن أرقم ﵁ قال: لا أقول لكم إلَّا كما كان رسول الله - ﷺ - يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجْز والكسل، والجُبْنِ والبُخْلِ والهرَمِ وعذاب القبْر. اللهم آتِ نفسي تقواها وزكّها، أنت خيرُ من زكاها، أنت وليُّها ومولاها. اللَّهمّ إني أعوذُ بك من علم لا ينفع، ومن قَلْبٍ لا يخْشَعُ، ومن نفس لا تَشْبَعُ، ومن دعوة لا يستجاب لها\". رواه الإِمام مسلم، وبعض أصحاب السنن، ﵏.\n(٢٧٢) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذه القاعدة (أو في هذا الوجه كما عبَّر عنه البقوري)، وفي القاعدة الرابعة بعدها، صحيح وعلى الاطلاق، إلا ما قاله في صلاة العصر، فإن فضيلتها مخصَّة بالمذْهَبِ.\nقال القرافي في توجيه تفضيل أهل الكتاب على عبدة الاوثان وبيان ذلك:\nفقد أحل الله ﷿ طعامهم، وأباح التزوج من نسائهمِ دون عبدة الاوثان، لجحدهم لجبح الرسُلِ والرسالات الالهية. بحلاف أهْل الكتاب فإنهم آمنوا ببعضها، فحصل لهم هذا التمييز ... الخ. ما ذكره البقوري هنا.\nثم قال في بيان تفضِيل الشهيد والعالم: فإن الشهيد أطاع الله تعالى ببَذْل نفسه ومالِهِ في نصره دين الله، وأعْظِمْ بذلك من طاعةٍ. وتفضيلُ العلماء بضبط شرائع الله وتعظيم شعائره التي من جملتها الجهادُ، وهدايةُ الخلق إلى الحق، وتوصيلُ معالم الاديان، ولولا سعْيهم في ذلك من فضل الله ﷿ لا نقطع أمر الجهاد وغيرُه، وكل ذلك من نعمة الله تعالى عليهم.","vol":"2","page":495},{"text":"الرابع: التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل المفضَّل، كالإِيمان أفضلُ مِنْ جميعِ الأعمالِ، كصلاةِ الجماعة أفضلُ من صلاة الفذ. (٢٧٣)\nالخامس التفضيل بشرف الوجوب ككلام الله القديم، فهو أشرف من سائر كلام النفوس كشرف موصوفه على كل موصوف. (٢٧٤)\nالسادس: التفضيل بشرف الصدور، كشرف ألفاظ القرآن على غيرها من الألفاظ، لكون الرب تعالى هو المتوفي لِرَصْفه ونظامه في نفس جبريل على وفق إرادته تعالى دون إرادة جبريل. وهذا الذي ذكرناه هنا مما تمتاز به ألفاظ القرآن عَنْ سائر الالفاظ، وامتاز القرآن الكريم أيضا بوجوه أخرى من الإِعجاز على. جميع الكتب المنزلة البيت هي كلام الله تعالى كالتوراة والانجيل. (٢٧٥)\n_________\n(٢٧٣) عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: صلاة الجماعة تفْضُلُ صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة\". رواه الشيخان وبعض أصحاب السنن.\n(٢٧٤) قال ابن الشاط: ما قاله من شرف الصفة بشرف موصوفها صحيح، وما قاله من أن شرف الصفات المذكورات (من وجوهِ صفات الكلام النفسيّ القديم، والارادة والقدرة، وغيرها من جميع الصفات المنسوبة إلى الله تعالى) أو من صفة الرسول - ﷺ - كشجاعته وكرمه، وجميع ما هو صفة لنفسه الكريمة) لم يذكر من تلك الوجوه إلا شَرَفَ الموصوف، ومنها - والله تعالى أعلم - قِدَمُها وبقاؤها، وذلك: مختص بصفات الله تعالى، وأما صِفات الرسول - ﷺ - فلمصاحبتها للنبوة، والله أعلم.\n(٢٧٥) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي من أن المزية للفظ القرآن انفراد إرادة الله تعالى بوضعه (اي في نفس جبريل، كما هو الموضوع) دون إرادة جبريل. دعوى لا أراها تقوم عليها حجة، ولعل جبريل أراد ذلك، فليس ما قاله في ذلك بصحيح، بل المزية التي امتاز بها لفظ القرآن على كلام الناس كونه دالا على كلام الله تعالى، وعِبارةً عنه، وامتيازه عن لفظ التوراة والانجيل وغيرهما من الكتب المنزلة على الرسل، بالإِعجاز وغيره من الاوصاف التي امتاز بها كما قال. قلت: يظْهَرُ أن هذا التعقيب في أوله عند الشيخ ابن الشاط يحتاج إلى تأمل ونظر، فلعل ما قاله \"من أن جبريل لعله أراد ذلك\"، هو الذي ليس بصحيح، وما قاله القرافي هو الصحيح والسليم على ما يظهر، ولا يحتاج إلى برهان وحجة. والله أعلمُ بالصواب.\nوبيان ذلك أن من المعتقد المسَلّم به، أن الوحْيَ بالقرآن البين هو من الله وحده، وأن تأليفه، ونظمه واسلوبه كذلك، وأن وضعه وترتيبه على ما هو عليه في اللوح المحفوظ، وكذا رصفه ونظامه في نفس جبريل للوَحْي بِه على الرسول - ﷺ -، ولحفظه في الصدور ولكتابته بعد ذلك في المصحف الكريم سورًا وآيات، وحروفا وكلمات، ومنقولا الينا يالتواتر، هو من أمر الله تعالى وشأنه وحده، ومن وضعه وارادته وحده، ولا دخل في شيء من ذلك لأمين الوحي وروح القدس جبريل ﵇، وأن شأنَهُ أن يتلَقي القرآن عن الله تعالى كما ألقِي في نفسه، وكما =","vol":"2","page":496},{"text":"السابع: التفضيل بشَرف المدلول، وهذا كتفضيل الأذكار الدالة على ذات الله تعالى وصفاته العلى وأسمائه الحسنى، كتفضيل الآيات الدالة على التوحيد على الآيات المتعلقة بذم أبي لهب وفرعونَ ونحوهما.\nالثامن: التفضيل بشرف الدلالة لا شرف المدلول، كالحروف الدالة علَى الاوصاف الدالة على كلام الله تعالى.\nالتاسع: التفضيلُ بشرف التعلق كتفضيل العلم على الحياة، فإن الحياة لا تتعلق بشيء، بل لها موصوف فقط، والعلم له موصوف ومتعَلَّقٌ، وليس في الصفات السبع ما لا تَعَلَّقَ لها إلَّا الحياةُ. (٢٧٦)\nالعاشر: التفضيلُ بشرف المتعلَّق به، كتفضيل العلم المتعلِّق بذات الله تعالى على غيره. (٢٧٧)\n_________\n= أنزِل وأمِرَ به، وأن يُوحِىَ به إلى النبي - ﷺ - ويقرأه عليه كما تلقاه عن الله تعالى في الملأ الاعلى، من اللوح المحفْوظ، وبالكيفية التي يعلمها الحق سبحانه وحده، وأرادَها جل علاه.\nولذلك لم يتضح لي هذا التعليق والتعقيب في أوله، ولم يظهر جليا وجْه المراد به، والمقصودُ منه عند ابن الشاط ﵀، حيث قال \"ولعل جبريل أراد ذلك\"، اللهم الا أن يكون قصورا مني في فهم عبارته الدقيقة، ومقصده فها، فما أبرئ نفسي من ذلك، فليتَأمَّل ذلك، وليُنْظَر، وليرجع فيه إلى المؤلفات في علوم القرآن، كالبرهان للزركشى، والاتقان للسيوطى، ومناهل العرفان للزرقاني، وعلوم القرآن للشهيد الدكتور صبحي الصالح ﵏، ومقدمة في الدراسات القرآنية للأستاذ الدكتور محمد فاروق النبهان مدير دار الحديث الحسنية بالرباط، وغيرها من مؤلفات القدامى والمعاصرين ومباحثهم القيمة في علوم القرآن، جزاهم الله حيرًا وأثابهم على عملهم المثمر المفيد في خدمة القرآن والسنة وعلومها الاصيلة الراسخة، والله أعلم بالصواب.\nأمَّا ما قاله ابن الشاط في آخر هذا التعقيب، وبيان المزية التي امتاز بها القرآن الكريم على غيره من الكتب الالهية الاخرى فهو صحيح وسليم، ولا يتعارض في نظري على ما يظهر مع ما قاله القرافي في مزية ألفاظ القرآن، فلينظر ذلك ولْيتأمَّل، والله أعلم بالصواب.\n(٢٧٦) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في القاعدة السابعة والثامنة والتاسعة، كلّه صحيح.\n(٢٧٧) قال القرافي: وكتفضيل علم الفقه على علم الطب لتعلقه برسالات الله تعالى وأحكامه، وهذا القسم غير المدلول، فكل مدلول متَعَلِّقٌ، وليس كلّ متعلّقٍ مدلولا، لأن الدلالة والمدلول من باب الالفاظ والحقائق الدالة، كالصنعة على الصانع، فإنها تدل عليه، وأمّا العلم ونحوه فلا يقال له دالٌّ، بل مدلول في نفسه، وليس بدليل على غيره، بل له متعَلّقٌ خاص، وهو معلومه، وكذلك الإِادة المتعلقة بالخيور أفضل من الإِرادة المتعلقة بالشرور، والنيةُ في الصلاة أفضل من النية في الطهارة، لأنها متعلقة بالمقاصد، والثانية متعلقة بالوسائل، والمقاصد أفضل من الوسائل، والمتعلق بالافضل أفضلُ. =","vol":"2","page":497},{"text":"الحادي عشر: التفضيل بكثرة التعلق كتفضيل علم الله على قدرته. (٢٧٨)\n_________\n= قلت: وقد جآت أحاديث نبوية كثو في بيان فضل القرآن المبين، وبيان فضائل سُوَرهِ الكريمة يرجعَ اليها في كتب التفسير والحديث، وفي الكتب اطاصة بفضائل القرآن، وهذا لَا يتنافى مع القداسة والحُرمة التي هي ثابتة لكل سورة وآية، ولكل كلمة وَحَرْفٍ من كتاب الله ﷿ كما هو اعتقاد وشعورُ كل مسلم ومسلمة، فإن القرآن العظيم كله تنزيل من رب العالمين، ولا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهوَ محفوظ بحفظه المبين ولا يمسه إلا المطهرون).\nقال ابن الشاط معلقا على كلام القرافي: ما قاله في هذه القاعدة العاشرة من أن كل مدلول متعلق، ليس بصحيح، فإن المدلول غيرُ المتعلّق في الاصطلاح المعهود، إلا أن يريد أن كل مدْلول يصح أن يكون متعلِّقًا بوجه مَّا، فذلك صحيح، إلا أنه مخالفٌ للاصطلاح.\nوما قاله من أن الارادة المتعلقة بالخيور أفضل من الارادة المتعلقة بالشرور، إنْ أراد بذلك إرادتنا فصحيح، وإن أراد الارادة مطلقة فليس ذلك بصحيح، فإنَّ إرادة الله لا يصح تنوعها إلى نوعين، لاتحادها، ولا يصح ذلك الاطلاق عيها باعتبارين، لأنه لم يَردْ في ذلك من الشرع ما يقتضيه.\nوما قاله في نية الصلاة والطهارة، وما بنَى عليه ذلك، من أن المقاصد أفْضَلُ من الوسائل، إنْ أراد بالأفضلية زيادة الأجور فذلك دعوى لم يات عيها بحجة، وإن أراد بالأفضلية كون المقاصد مفضَّلة بكونها مقاصد، فذلك صحيح.\nوماقاله (أيْ القرافي) في القاعدة الحادية عشرة، والثانية عشرة صحيح، وكذلك ما قاله في الثالثة عشرة، إلّا حَصْرَهُ لوجوه التفضيل في عشرين قاعدة، فإني لا أعرف الآن دليل صحة ذلك الحصر اهـ. كلام ابن الشاط ﵀.\nقلت: تعقيب ابن الشاط على كلام القرافي فيما يتعلق بالارادة وتنوعها وجيه ودقيق في محله، والحق إذا ظهر وانبلج واتَّضح أحقُّ أن يُتَّبعَ، فقديما قيل: الرجال يُعْرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال، لأن الحال الأولى موضوعية جوهرية، والثانية معنوية اعتبارية. ومقام الالوهية وجانِبُها العظيم ينبغي الاحتياط والتثبت فيه أكثر، والتحرزُ والورَع فيه ما أمكن عند تناول الحديث على ما يتعلق بالأسماة والصفاتِ الالهية قبل الحوض في بحرها الواسع العميق، خصوصا على طريقة المتكلمين من علماء التوحيد، مع مراعاة الحدود التي يجب على المرء المسلم والعالم المتبصر الوقوف عندها، حذرًا من الوقوع في مزالق اللسان وطلبا للسلامة والنجاة من خطأ الفكر والتعبير في الجانب الرباني الجليل، إذ من المعلوم المسلَّم به عند علماء المسلمين أن اسماء الله الحسنى، وصفاتِه العلى توقيفيَّة، فلا يوصَف الحقُّ سبحانه إلا بما وصَف به نفسه في كتابه العزيز، أو ووصفه به نبيُّه ورسوله المصطفى الامين فيما صَحَّ مِن حديثه النبوى الشريف، لأنه - ﷺ - لا ينطق عن الهوى، كما قال في حقه ربنا جل وعلا، والله وحده بالصواب عليم، والموفق والهادى إلى صراط المستقيم، ورحم الله علماء المسلمين الذين أبانوا للناس وأوضحوا لهم معالم الدِّين؛ هو مبسوط في مواضعه من الكتب التي ألفها عديد من علماء المسلمين.\n(٢٧٨) قال القرافي هنا: لكون العلم متعلقا بجميع الواجبات والممكنات والمستحيلات، واختصاص =","vol":"2","page":498},{"text":"الثاني عشَرَ: التفضيلُ بالمجاوَرة كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محْدِثٌ، ولا غيرُ ذلك من الأحكام المتعلقة به.\nالثالثَ عشر: التفضيل بالحلول كتفضيل قبره - ﷺ - على جميع بقاع الارض، حكى القاضي أبو الفضلِ الاجماعَ في ذلك في كتاب الشِّفَا له، ولمَّا خَفي هذا المعنى على بعض الفضلاء أنكرَ الاجماع الذي ذكره أبُو الفضل وقال: التفضيل إنما هو بكثرة الثواب على الأعمال، والعملُ على قبر رسول الله - ﷺ - محرَّم، والصوابُ ليس معه، لحصره التفضيلَ وليس بمنحَصِر.\nالرابع عشر: التفضيل بسبب الإضافة، كقوْلهِ تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ (٢٧٩)،؛ أن الإهانةَ بقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾، وممَّا ذكرناه بيتُ الله، وحَرَمُ الله\n_________\n= الارادة بالممكنات: وجودها أو عَدمِها، واختصاص القدرة بوجود الممكنات خاصة، واختصاص السمع ببعض الموجو ات، وهي الاصوات والكلام النفسي، واختصاص البصر ببعض الموجودات الممكنات والواجبات دون المستحيلات والمعدومات الممكنات ... الخ.\n(٢٧٩) سورة المجادلة، الآية ٢٢.\nقال القرافي: \"أضاف الله إليه المومنين وحِزْبهم، ليُشرَفهم بالاضافة إليه، كما أضاف العصاة إلى الشيطان ليهينم بالاضافة إليه ويحقرهم\".\nومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، (سورة الحج، الآية ٢٦)، أضاف البيت إليه تعالى ليشرفه بالاضافة إليه، ومنه قوله تعالى:\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، أضاف الله عبودية النبي - ﷺ - إضافَةَ تشريف\" .. وذلك ما جعل القاضي عياض ﵀ يبهج ويسعد، ويعتز ويفرح بعبوديته كما هو شأن كل مسلم ومسلمة، فقال في ذلك بيتين مشهورين يرددهما بعض العباد الصالحين، وكنت أسمعهما بين الحين والآخر من أحدِ شيوخي الاتقياء في تخفيظ القرآن الكريم، وهو يرتجز بهما ويرددهما احيانا بصوت مرتفع او مع نفسه.\nوممَّا زادني طَرَبًا وتيها ... فكدتُّ بأخمصي أطأ الثرَيَّا\nدخولي تحت قولك يا عبادي .. وأن صيَّرْتَ أحمدَ لي نبيا\nويشير بذلك إلى النداء بالعبودية في كثير من الآيات القرآنية، ومنها قوله تعالى في شأن عباده. المسلمين هوم القيامة، وتبشيرهم بدخول الجنة والتنعم. برضوان الله ونعمِه المقيم: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٧٠]","vol":"2","page":499},{"text":"الخامس عشر: التفضيل بالأنساب والأسباب، كتفضيل ذريته ﵇ على جميع الذراري بسبب نسبهم المتصل برسول الله - ﷺ -.\nالسادس عشر: التفضيل بالجدوَى والثمرة كتفضيل العالم على العابد، لأن العالِم يُفيضُ خيرَه على غيره، والعابدُ قصرَ خيره على نفسه. (٢٨٠).\nالسابع عشر: التفضيل بأعظمِ ثمرة وأكثرِها، وهذا كثمرة النحو واللغة، لكن النحو أعظم فائدة. (٢٨١)\n_________\n(٢٨٠) عن أبي الدرداء ﵁ قال: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من سلك طريقا يبْتَغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لَتضَعُ أجْنجتها رضاءً لطالب العلم (أي تكريما له)، وإن العالم لَيَستغفِرُ له مَن في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء، فضْل العالِم على العابدِ كفضل القمَر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبباء، ان الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا وَلا درهما، إنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به أخَذَ بحظ وافِرٍ\" (أيْ من أخذَ منهُ بقسطٍ وحظٍ أخذَ بنصيب عظيم ومكانةٍ عالية ودرجة رفيعة في الدنيا والاخرة. رواه أبو داود وكذا الترمذي، واللفظ له.\n(٢٨١) قال القرافي هنا ﵀: \"وذلك بأن تكون الحقيقتان، كلّ واحدة منهما لها ثمرة، وهي مثمرة، غيرَ أن إحدى الحقيقتين ثمرتها أعظم، وجدواها أكثْرُ، فتكون أفضل، وله أمثلة: أحدها الفِقه والهندسة، كلاهُمَا مثمر أحكامًا شرعية، لأن الهندسة يستعان بها في الحساب والمساحات، والحساب يدخل في المواريث وغيرها، والمساحات تدخل في الإجارات وغيرها. ثم ذكر القرافي هنا مسألتين، رأيتُ من الأنسب ذكرهما تتميما للفائدة عن ما فيهما من طول، فقال:\n\"ومِن نوادر المسائل الفقهية التي يدخل فيها الحساب، المسألة المحكية عن علي بن أبي طالب ﵁.\n١) رذلك أن رجلين كان مع أحدهما خمسة أرْغفة، ومع الآخَر ثلاثة، فجلسا ياكلان، فجلس معهما ثالثٌ ياكل معهما، ثمّ بعد الفراغ من الاكل دفع لهما الذي أكَلَ معهما ثمانيةَ دراهم، وقال: إقْسِما هذه الدراهمَ على قدر ما أكلتُهُ لكما. فقال صاحب الثلاثة: إنهُ أكلَ نصف أكْلِهِ من أرغفتى ونصفَ أكله من أرغفتك، فأعطني النصفَ أربعةَ دراهم، فقال له الآخر: لا أعطيك إلا ثلاثة دراهم، لأنّ لي خمسة أرغفة، فآخُذُ خمسةَ دراهم، ولك ثلاثة أرغفة تاخذ ثلاثة دراهم، فحلف صاحب الثلاثة لا ياخذ إلا ما حكم به الشرع، فترافعا إلى علي ﵁، فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد، ولصاحب الخمسة بسبعة دراهم، فشكَا من ذلك صاحبُ الثلاثة، فقال له علي كرم الله وجهه: الأرغفة ثمانية، وأنتم ثلاثة، أكَل كلْ واحد منكم ثلاثة أرغفة إلَّا ثلثا، بقي لك ثلث من أرغفتك أكله صاحب الدراهم، وأكل صاحبك من أرغفته ثلاثةً إلَّا ثلثا، وهي. خمسة، يبقَى له رغيفان وثُلُث، وذلك سبعة أثلاث أكلها صاحب الدراهم، فأكل لك ثلثا، وله سبعةَ أثلاث، فيكون لك درهمٌ، وله سبعةُ =","vol":"2","page":500},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= دراهم. فهذه مسألة فقهية يحتاج إليها الفقيه المفتي، والقاضي الملزم، وهي لا تعلم إلا بدقيق الحساب كما ترى.\n٢) ثم قال القرافي: ومن مسائل المساحة الغريبة المتعلقة بالفقه رجل استاجر رجلا يحفر له بئرا، عشرةً في عشرة طولا وعرْضا وعُمقا، جميعُ ذلك عشرة من كل وجه، فحفر له بئرًا: خمسة في خمسة، فاخْتُلِفَ فيما يستحقه من الأجْرَة، فقال ضعاف الفقهاء: يستحِقُّ النِصفَ، لأنه عمل النصف، وقال المحققون: يستحق الثُّمُنَ، لأنه عَمل الثمُنَ. وبيانه أنه استاجره على عشرة في عشرة، وذلك ألفُ ذراع، بسبب أن الذراع الأول من العشرة لو عُمل وبُسط على الارض ومُسِحَ كان حصيرا، طوُله عشرة وعَرْضُهُ عشرة، ومساحته عشرة في عشرة بمائة، فالذراع الأول تُحَصلُ مساحته مائة، وهي عشرة أذرع في عشرة، ومائة في عشرة بألف، وعمل خمسة في خمسة، فالذراع الاول لو بسط على الارض ترابا على وجهه لكان خمسة في خمسة، وخمسةً في خمسة بخمسة وعشرين. فالذِراع مساحته خمسة وعشرون، وهي خمسة أذرع، وخمسة وعشرون في خمسة، بمائة وخمسة وعشرين، ٥ × ١٢٥، ونسبة مائة وخمس وعشرين إلى الألفِ نسبة الثُّمُن، فيستحق الثمُنَ من الأجرة، لأنه قد عمِل ثمن ما استؤجر عليه.\nوهذه الدقائق من المسائل إنما تحصُل من الهندسة، فإن علِم الهندسة شمِل الحساب والمساحة وغيرها.\nوهذه المسائل، وإن كانت كثيرةٌ، غير أنما بالنسبة إلى مسائل الفقه قليلة، فثمرة الفقه أعظم من ثمرة الهندسة، فيكون أعظم منها.\nوثانيها: علم النحو والمنطق، كلاما له ثمرة جليلة، غير أن ثمرة النحو أعظم، بسبب أنه يستعان به على فَهْم كتاب الله تعالى وسنة رسول - ﷺ - وكلام العرب في نطق اللسان وكتابة اليد، فإن اللحن يقع في الكتابة، وفي اللفظ، ويستعان به في الفقه وأصول الفقه، وفي غير ذلك مما عُلِمَ في مواضعه.\nوأما المنطق إنما يُحتاج إليه في ضبط المعاني المتعلقة بالبراهين والحدود خاصة، وقد كفي فيها الطبعُ السليم والعقل المستقيم، ولا يهدى العقل بمجرده لتقويم اللسان وسلامته من اللحن، فإنها أمور سَمْعيِّة، ولا مجالَ للعقل فيها عن سبيل الاستقلال، فلابدَّ من النحو، بالضرورة، فيها، والمنطقُ يُستغنَى عنه بصفاء العقل، فصارت الحاجةُ للنحو أعظمَ، وثمرتُه أكثرُ، فيكون أفضل.\nوثالثها: علم النحو مع أصُول الفقه، كلاهما مثْمِرٌ، غير أن أصول الفقه يثمر الاحكام الشرعية، فإنها مِنه توخذ، فالشريعة من أولها إلى آخرها مبنية على أصول الفقه، والنحوُ إنما أثره في تصحيح الالفاظ وبعض المعاني، والالفاظ إنما هي وسائل، والاحكام الشرعية مقاصد، والمقاصِدُ أفضل من الوسائل.\nقلت: والغاية من ايراد هاتين المسألتين الفقهيتين المتعلقتين بالحساب والمساحة، والهدف من إيراد بعض الامثلة في تفضيل بعض العلوم على بعض، وهي مسائل اختصرها الشيخ البقوري =","vol":"2","page":501},{"text":"الثامن عشر: التفضيل بالتاثير، وهذا كتفضيل قدرة الله تعالى على الْعِلم والكلام. (٢٨٢)\n_________\n= ولم يذكرها، هو التنبيه إلى مدى اهمام علمائنا القدامي ﵏ بالعلوم الرياضية، وعنايتهم بفهمها وتحصيلها الجيّد، وتوظيفُها في مجال علوم الشريعة الاسلامية، وإجادتُهم لأصولها واتقانهِمْ لفروعها. وأنهم ليسوا - كما قد يظن البعض - أنهم لم كونوا يعرفون إلَّا ما يتعلق بالعلوم العربية الآلية والعلوم الدينية الأصيلة من تفسير وحديث وأصول وفقه وما إلَيْها، بل كانوا مشاركين في العلوم النقلية والعقلية، وبعضهم نبغ فها نبوغا عبقريا خاصا كما هو مدون في كتب التاريخ الاسلامي وحضارته وتاريخ العلوم عند العرب المسلمين.\nوكذا التنبيهُ إلى أن بعض المسائل الفقهية تبدو في أول نظرة اليها مسائل واضحة المعالم، فيقع التسرع في الاجابة عها او الحكم بما ظهر فها، كما يؤدي إلى حصول الغلط، والوقوع في الحطأ والزلل، مع أنها عند التامُّل. والتفكر ملِيًّا تبدو على خلاف ذلك، ويهتدي الفقيه المفتي، والقاضي الحاكم، إلى الصواب فيها، وفقا لنصوص الشريعة، واستنباط الأحكام منها.\nومن المسلَّم به أن العلوم كثيرة، والمعارف متنوعة، وفها الأهم والمهم، والأهمُّ بالنسبة للمسلم ما يتعلق بالضروري من علوم الدين في مجال العقيدة والعبادة، والاخلاق والمعاملة، ثم التوسع والتعمق فيها بالنسبة للخاصة، من العلماء وأهل الافتاء والقضاء، وتبقى العلوم الأخرى مطلوبة التعلم على سبيل فرض الكفاية بالنسبة لبعض ابناءِ الأمة ليضطلِعُوا في دراستهم لها، ومعرفتهم لتلك العلوم بشؤون الحياة وتصريفها فيما يعود بالنفع على الناس، ويصلح أحوالهم دينا ودنيا، وينهض بوطنهم المسلم، وأمتهم الاسلامية جمعاء، ويحقق لها التقدم والازهار في كل مجال. وقد لخص بعضهم الاشارة إلى بعض العلوم الاسلامية وأفضليتها وتقديمها على غيرها فقال:\nوقدّم الأهَمّ إن العلمَ جمٌّ ... والعُمْرُ طيفٌ زارَ أو ضيفٌ ألمٌ\nفهمُّه عقائدٌ ثم فروعٌ ... تَصَوُّفٌ وآلةٌ بها الشروع\nكلمة هَمُّهُ في صدر البيت الثاني اسمُ تفضيل، حُذفت همزته لضرورة النظم والوزْن، فأصله أهمُّه، كما يقال - سماعًا مُطردًا: خيرٌ وشرٌّ، بدلَ أخْيَرُ وأشَرُّ، كما قال الناظم لذلك:\n\"وغالبًا أغناهم خيْرٌ وشرٌ ... عن قوله أخْيَرُ منه وأشَرُّ\nفالعلوم الاسلامية والانسانية غزيرة وفيرة، والعمر مهما طال بالانسان وامتد به، فهو بمنزل طيفِ الخيال فيٍ حُلُمِ يَراه الانسان، فلا يلبث أن يختفي عند الاستيقاظ من المنام، وبمنزلة ضيفٍ زار أحدا من الاهل والاخوان، لابد أن يؤول أمْرُه إلى السفر - والارتحال، فالحياة يجب اغتنامها فيما هو أهمّ وأفيَدُ وفيما هُوَ منْ صالح الأقوال والاعمال، كما جاء في الحديث: إغنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قَبْلَ فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل مماتك، وذلك فيما يرضي الله ورسوله، وويعود بالخير والنفع على البلاد والعباد.\n(٢٨٢) قال القرافي مُبَيِّنًا وجه ذلك: \"فإن القدرة مؤثرة في تحصيل وجود الممكنات، والعلم والكَلام تابعان ليسا بمؤثرين، وكذلك السمع والبصر من قبل العلم، ومالَهُ التأثير أفضل مما لا تأثر له، وليس من صفات الله السبعة ما هو مؤثر إلا القدرة والإرادة فقط. =","vol":"2","page":502},{"text":"التاسعَ عشر: التفضيل بجودة البِنْية والتركيب، كتفضيل الملائكة ﵈ على الجَانِّ بسبب جودة أبنيتهم. (٢٨٣)\n_________\n= وكتفضيل الحياءِ على ضده وهو القَحَّة، فإن الحياء خيْرٌ كله، ولا ياتي إلا بالخير، وهو من الايمان، وهو يؤثر الحثِّ على الخيرات، والزَّجْرَ عن المنكرات، وكتفضيل صاحب الشريعة السخاءَ على البخل، لكون السخاء من مكارم الاخلاق.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء في هذه القاعدة بقوله: ما قاله القرافي فيها محل نظر.\n(٢٨٣) قال القرافي مبينا ذلك، فإنهم خُلِقُوا من نور، ويسيرُ جبريلُ ﵇ مسيرة سبعة آلاف سنة في لحظة واحدة، ويحمل مدائن لوط الخمسةَ من تحت الارض على جناحه لا يضطرب منها شيء، بل يقتلعها من تحتها على هذا الوجه، ويصعدُ بها إلى الجوّ ثم يقلبُها، وهذا عظيم ...\nقلت: وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى في شأن إهلاك قوم لوط ومدينتهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. سورة هود. الايتان: ٨٢ - ٨٣.\nوقد علَّق الشيخ ابن الشاط على ما جاء في هذه القاعدة عند القرافي، بقوله:\nما قاله في هذه القاعدة التاسعة عشرة، غيرُ صحيح، لأنه بنَى جميع قوله فيها على نسبة تلك الآثار التي ذكرَها إلى تأثير غير القدرة القديمة على ما ظهر من مساق كلامه، وألله أعلم. قلت: لم يذكر الشيخ البقوري ﵀ القاعدة العشرين كما ذكرَها القرافي، ولم يتعرض لها في قليل ولا كثير، فهي لا توجد في أيّة نسخة من النسخ المعتمدة عندنا في التحقيق والتصحيح، ولعلّه رأى أن يختصرها، نظرا لطولها، واكتفاءً بالقواعِدِ السابقة. ولأهميتها، وتتميما للفائدة رأيت أن أنقلها عن القرافي حيث جاء فيها قوله:\n\"القاعدة العشرون: التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء، ويحكم ما يريد، فيفضِّل أحد المتساويَيْن من كل وجْه على الآخَر، كتفضيل شاة الزكاة على شاة التطوع، وتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاةِ الفرض على الفاتحة خارج الصلاة، فإن والواجب أفضل مما ليس بواجب، وكذلك تفضيل حج الفرض على تطوعه، والأذكار في الصلاة على مثلها خارج الصلاة.\nثم قال: إذا تقررت هذه القواعد لأ أسباب التفضيل فاعلم أن هذه الاسبابَ الموجبة للتفضيل قد تتعارض، فيكون الأفضلُ منْ حازَ أكثره وأفضلها، والتفضيل إنما يقع بين المجموعات، وقد يختص المفضوُل ببعض الصفات الفاضلة، ولا يقدَحُ ذلك في التفضيل عليه، لقوله - ﷺ -: أقضاكمُ عَلِيٌّ، وأفرَضُكُم زيدٌ، وأقْرَؤكم أُبَيٌّ، وأعْلمُكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ﵃ أجمعين، مع أن أبا بكر ﵁ أفضل الجميع، وكاختصاص سليمان ﵇ بالمُلْك العظيم، ونوح ﵇ بالمئين من السنين، (إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. سورة العنكبوت. الآيتان ١٤ - ١٥)، كتفضيل آدم ﵊ بِكونهِ أبا البشر، مع تفضيل محمد - ﷺ - على الجميع، فلولا هذه القاعدة، وهي تجويز اختصاص المفضول بما ليس للفاضل لَلَزِم التناقُضُ. واعلم أن تفضيل الملائكة والانبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما هو بالطاعات =","vol":"2","page":503},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكثرة المثوبات والأحوال السّنِيَّات، وشرَفِ الرسالات والدرجاتِ العليَّاتِ، فمن كان فيها أتمَّ فهو أفضل.\nوكذلك التفضيل بين العبادات إنما هو بمجموع ما فيها، فقد يختص المفضول بما ليس للفاضل، كاختصاص الجهاد بثواب الشهادة، والصلاةُ أفضل منه، وليس فيها ذلك، والحجُّ أفضل من الغزو، وكذلك الجج، فيه تكفير الذنوب كبيرِها وصغيرها. وجاء في الحديث: \"من حج فَلَم يرفث ولم يفسُق خرجَ من ذنوبه كيوم ولدتْه أمه\"، وهو يقتضي الذنوب كلها والتْبعاتِ، لأنه يوْمَ الولادة كان كذلك. وقد ورد في بعض الاحاديث: \"إن الله تجاوز لهم عن الخطيئات، وَضمِن عهم التْبعَات\"، والصلاة ليس فيها ذلك، مع أنما أفضلُ من الحج، وما ذلك إلا لأنه يجوز أن يَختصْ المفضول بما ليس للفاضل، وقد تقدم أن الشيطان يفر من الأذانِ والاقامةِ، ولا يَفِرُّ من الصلاة، مع أنها أفْضَلُ منهما، وقد تقدّم تفضيلُهُ، وأنة يخرَّجُ على هذه القاعدة.\nثم اعلَمْ أن المفضولات، منها ما يُطْلَعُ على سبب تفضيله؛ ومنها ما لا يعلَمُ إلَّا بالسَّمْع المنقول عن صاحب الشريعة، كتفضيل مسجده - ﷺ -، وأن الصلاة فيه خيرٌ من الف صلاة في غيره، وفي المسجد الحرام بألف ومائة، وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة، وهذه أمور لا تُعلَم إلا بالسمعيات، كتفضيل المدينة على مكَة عند مالك ﵀، ومكة على المدينة عند الشافعي ﵁، لا يُعْلَمُ ذلك إلا بالنصوص، وقد ذكرت في مواضعها من الفقه، وانما المقصود ها هنا تحرير القواعد الكليَّة، والتنبيهُ عليها، وأمّا جزئيات المسائل ففي مواضعها تنبيه يطّلعُ منه على تفضيل الصلاة علي سائر العبادات، فنقول:\nتقررَ أن تصرف العباد على أربعة أقسام:\nأحدُها: حقُّ الله تعالى فقط كالمعارف، وكالإيمان بما يجب ويستحيل ويجوز عليه ﷾.\nوثانيها: حقُّ العبادِ فقط، بمعنى أنهم متمكّنون من إسقاطه، وإلا فكُلّ حق للعبد ففيه حق لله تعالى، وهو أمْرُهُ ﷿ بإيصاله إلى مستحِقه، كأداء الديون وردّ الغصوب والودائع.\nوثالثها: حق لله تعالى وحق للعباد، والغالبُ مصلحة العباد كالزكوات والصدقات والكفارات، وكالأموال المنذورات والضحايا، والهدايا والوصايا والأوقاف.\nورابعها: حق لله تعالى وحق لرسوله - ﷺ - وللعباد كالأذان، فحقه تعالى. التكبيراتُ والشهادة بالتوحيد، وحق رسوله - ﷺ - الشهادة له بالرسالة، وحق العباد الإرشاد للاوقات في حق النساء والمنفردِينَ، والدعاء للجماعات في حق المقتدين.\nوالصلاة مشتمِلَة على حق الله تعالى كالنية والتكبير والتسيح والتشهد والركوع والسجود، وما يصحبها من الحركات والترروكِ والكَفِّ عن الكلام كثير الافعال، وعلى حق النبي - ﷺ - كالصلاة عليه والتسليم عليه والشهادةِ له بالرسالة، وعل حق المكلّف، وهو دعاؤه لنفسه بالهداية والاستقامة على العبادة وغيرها، والقنوتُ ودعاؤه في السجود والجلوس لنفسه، وقولُهُ: السلام علينا وعلى عباد الله صالحين، والسلام على رسول الله - ﷺ - والتسليمُ آخرَ الصلاة على الحاضرين. ولهذه الوجوه ونحوها كانت الصلاة أفضل الاعمال بعد الإِيمان. =","vol":"2","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي الحديث: أفضلُ اعمالِكم الصلاةُ، فهي من المفضَّلات التي عُلم سَبَبُ تفضيلها. وأما تفضيل مكة على المدينة أو المدينة على مكة فبأمور نعلمها وأمور لا نعلمها.\nفمنِ المعلوم كونُ المدينة مهاجَرَ سيد المرسلين، ومَوْطِنَ أستقرار الدين، وظهورِ دعوة المومنين، ومَدفنَ سيد الأولين والآخرين، وبها كَمُل الدين واتضح اليقين، وحصل العز والتمكين، وكان النقل من أهلها أفْضَلَ النقول وأصحَّ المعتمَدَات، لأن الابناء فيه ينقلون عن الآباء، والأخلافَ عن الأسلاف، فيخرج النقل عن حيز الظن والتخمين إلى حيز العلم واليقين.\nومن جهة النصوص بوجوه:\nأحدها: قوله - ﷺ -: \"المدينة خيرَ من مكة\"، وهو نص في الباب.\nويَردُ عليه أنه، وإن كان نصا في التفضيل، غيرَ أنه مطلقٌ في المتعلَّق، فيحتَمِل أنها خيرٌ من جهة سَعةِ الرزق والمتاجر، فما تعَيَّنَ محلّ النزاع.\nوثانيها: دعاؤه - ﷺ - بمثل ما دعا به ابراهيمُ - ﷺ - لمكةَ ومثلِهِ معه.\nويردُ عليه أنه مطلق في المدعو به، فيحمَلُ على ما صرح له في الحديث وهو الصاع والمُدُّ.\nوثالثها: قوله - ﷺ -: اللهم إنهم أخرجوني من أحَبِّ البقاع إليَّ، فأسنكِنِّي أحبَّ البقاع اليك، وما هو أحبُّ إلى الله يكون أفضلَ، والظاهرُ استجابة دعائه - ﷺ -، وقد أسكنه المدينة، فتكون أفضل البقاع وهو المطلوب.\nويَردُ عليه أن السياقَ لا يَابَى دخول مكة في المفضل عليه، لإياسه - ﷺ - في ذلك الوقت، فيكون المعنى فأسكِنِّي أحبَّ البقاع إِليك مما عدَاها، واذا لم تدْخل مكة في المفضل عليه احتمل أن تكون أفضل من المدينة فتسقط الحجة، مع أنه لم يصح من جهة النقل، ولو صح فهو من مجاز وصف المكان بصفة ما يقع فيه، كما قال: بلد طيب، أيْ هواؤُها، والارض المقدّسة أيْ قُدّسَ من فيها أو من دَخلها من الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم، لأنهم مقدسون من الذنوب والخطايا، وكذلك الوادى المقدّس، أي قُدّس فيه موسى ﵇، والملائكة- الحالون فيه، وكذلك صفتُهُ البقعةَ بالمحبة، وهو وصف لها بما جعله الله تعالى فيها ممّا يحبه الله تعالى ورسوله، وهُو إقامته - ﷺ - بها، وإرْشَادُ الخلْقِ إلى الحق، وقد اقتضى ذلك التبليغ وتلك القُربات، فبطل الوصف الموجب للتفضيل على هذا التقدير.\nورابعها: قوله - ﷺ -: لا يصبِرُ على لأوائها وشِدَّتها أحدٌ إلا كنتُ له شفيعا وشهيدًا يوم القيامة\".\nويَرِدُ عليه سؤالان: أحَدُهُما أنه يدل على الفضْلِ لا على الأفضلية، وثانهما أنه مطلق في الزمان، فيُحمَلُ على زمانه - ﷺ - والكونِ معه لنصرة الدين. ويعَضِّده. خروجُ الصحابة، رضوان الله عليم بعد وفاته إلى الكوفة والبصرة والشام وغيْر ذلك من البلاد.\nوخامسُها: قوله - ﷺ -: إن الايمان لَيارِزُ إلى المدينة تأرز الحيَّةُ إلى جحرِها، أيْ تاوِى إليه). ويَرِدُ عَليه أن ذلك عبارة عن إتْيان المومنين لها بسبب وجوده - ﷺ - فيها حال حياته، فلا عموم له في الازمان، ولا بقاءَ لهذه الفضيلة بعْدَه، لخروج الصحابة ﵃ إلى العراقّ وغيره، وهمْ أهلُ الايمان، وخبَرُ رسول الله - ﷺ - حق، فيُحْمَلُ على زمانٍ يكون الواقع فيه ذلك، تحقيقا لِصدقه - ﷺ -. =","vol":"2","page":505},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وسادسها: قوله - ﷺ -: إن المدينة تَنفِي خبَثها كما ينفي الكِيرُ خبَثَ الحديد.\nويَرِدُ عليه أنه مطلق في الازمان، فيُحملُ على زمانه - ﷺ - لخروج الصحابة بعده، فيلزم أن يكونوا خَبَثًا، وليس كذلك.\nوسابعها: قوله - ﷺ - \"ما بين قبري ومنبري روضةٌ من رياض الجنة\"\nويَرِدُ عليه أنه يدل على فضل ذلك الموضع لا المدينة.\nوأما مكة شرَّفها الله تعالى ففضِّلتْ بوجوه:\nأحدها: وجوب الحج والعمرة، على الخلاف في وجوب العمرة، والمدينَة يُندَبُ إتيانها ولا يجبُ.\nوثانيها: أنَّ اقامة النبي - ﷺ - كانتْ بمكة بعد النبوة أكثر من المدينة، فأقام بمكة ثلاثَ عشرة سنة، وبالمدينة عَشرًا.\nغيرَ أنه يرد على هذا الوجه أن تلك العشرةَ كان كمالهُ - ﷺ -، وكمالُ الدين فيها أتمّ وأوْفَرَ، فلعَلّ ساعة بالمدينة كانتْ أفضلَ من سنة بمكة أو من جملة الإقامة بها.\nوثالثها: فُضِّلَتْ المدينةُ بكَثْرة الطارئين من عباد الله الصالحين، وفُضِّلت مكة بالطائفين من الانبياء والمرسَلين، فما من نبي إلا حجَّها: آدمُ فمَنْ سِواه، ولو كان لِملكٍ دارانِ فأوجب على رعاياهُ وخدَمِهِ أن ياتوا إحداما، ووعَدَهم على ذلك بمغفرة سيئاتهم ورفع درجاتهم دون الأخرى لَعُلِمَ أنها عنده أفضل.\nورابعها: أن التعْظيم والاستلام نوع من الاحترام، وما خاصان بالكعبة.\nوخامسها: وجوبُ استقبالها يدل على تعظيمها\nوسادسها: تميم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة يدل على تعظيمها، ولم يحصل ذلك لغيرها.\nوسابعها: تحريمها يوم خلَقَ الله السماواتِ والارض، ولم تُحَرَّمْ المدينةُ إلا في زمانه - ﷺ -، وذلك دليل على فضلها.\nوثامنها: كونها مَثْوى إبراهيمَ واسماعيل عليهما الصلاة والسلام.\nوتاسعها: كونها مولدَ سيد المرسلين - ﷺ -\nوعاشرها: كونها لا تُدخَلُ إلا بإحرامٍ، وذلك يدل على تعظيمها.\nوحادي عَشَرها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].\nوثاني عشرها: الاغتسال لدخولها دون المدينة.\nوثالث عشرها: ثناء الله تعالى على البيت الحرام، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ الآية ٩٦. سورة آل عمران.\nثم زاد القرافي قائلا: واعلم أن تفضيل الازمان والبقاع قسمان:\nتفضيل دنيوى كتفضيل الربيع عن غيره كتفضيل بعض البلدان بالثمار والانهار وطيبِ الهواء وموافقة الأهواء، وتفضيل ديني كتفضيل رمضان على الشهور، وعاشوراء على الأيام، وكذلك يوم عرفة، وأيامُ البيض، وعَشْرُ المحرّم، والخميس والاثنين، ونحو ذلك ممّا ورد الشرع بتفضيله =","vol":"2","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>القاعدة الرابعة والعشرون:\nفِيمن يُقَدّم للولاية ومن يتأخر عنها: </span>(٢٨٤)\nإعلم أنه يجب أن يُقَدَّم في كل ولاية من هُو أقْوَمُ بمصالحها على من هو دونه، فيقدَّم في ولاية الحروب من هو أعرفُ بمكايد الحروب وسياسةِ الجيوش\n_________\n= وتعظيمه من الأزمنة. والبقاع نحو مكة والمدينة وبيت المقدس، وعرفة، والمطاف والمسْعَى ومزدلفة ومِنى، ومَرْمَى الجمار، ومن الأقاليم اليمن، لقوله - ﷺ -: الإيمان يماني، والحكمة يمانية، والمغرب، لقوله ﵊: \"لا تزال طائفة من أهل المغرب قائمين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى ياتي أمر الله، وهم كذلك. (أي ظاهرون وقائمون على الحق). وَمن الأزمنة، الثلثُ الاخير من الليل، فضَّله الله تعالى بإجابة الدعوات، ومغفرة الزلَّات، وإعطاء السؤال ونيْل الآمال.\nوأسباب التفضيل كثيرة، لا أقدر على إحصائها خشيةَ الإسهاب، وإنما بعثني على الوصول فيها إلى هذه الغاية ما أنْكَرَهُ بعض الفضلاء الشافعية على القاضي عياض رحمهُ الله تعالى من قوله: إن الأمة أجْمعتْ على أن البقعة التي ضمتْ أعضاءَ رسول الله - ﷺ - أفضَلُ البقاع، فقال: الثَّوابُ هو سببُ التفضيل، والعمل ها هنا متعَذِر، فلا ثواب، فكيف يصح هذا الاجماع، وشنَّعَ عليه كثيرًا، فأردت أن أبيِّن تعدد الأسباب في ذلك، فبطل ما قاله من الرد على القاضي.\nوبلغنى أيضا عن المامون بن الرشيد الخليفة أنه قال: أسباب التفضيل أربعة، وكلها كانت في على ﵁، فهو أفضل الصحابة، وأخَذَ يَرُدُّ بذلك على أهْل السنة، فأردت أيضا أن أبطل ما ادعاه من الحصْر، ومسائل التفضيل كثيرة بين الصحابة، وبين الأنبياء والملائكة، وهي أشبه بأصول الدين. وهذا الكتاب إنما قصدت فيه ما يتعلق بالقواعد الفقهية خاصة، فلذلك اقتصرت على تفضيل الصلاة، ومكة والمدينة، لأنها من المسائل الفقهية، وأحَلْتُ ما عداها على موضعه، واللهُ الموفق\"، انتهى كلام القرافي ﵀ في هذه القاعدة العشرين في الفرق المائة والثالث عشر (١١٣).\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على بعض ما جاء عند القرافي في هذه القاعدة العشرين، فقال: قوله \"وأمّا تفضيل مكة على المدينة أو المدينة على مكة فبأمور نعلمها وأمورٍ لا نعلمها\"، لم يَزدْ على حكاية المذهبيْن، وإيراد الحجج عليهما، ولم يُعَيِّنْ الراجح، وفيه نظرٌ.\nومَا قاله القرافي من أن أسباب التفضيل كثيرة هو كما قال، وقوْلُ من ادعى حصْرَ التفضيل في الثواب غير صحيح كما ذكر، والله أعلم.\nوما قاله من قصْدهِ الاختصار على ما يتعلق بالقواعد الفقهية، إن أراد أنه لم يَذْكر إلا ما هو من الفِقه فليس ما ذكره كذلك، وإن أراد أنه ذكر ما هو من الفقه وما يتعلق به بوجْهٍ مَّا فذلك صحيح، والله أعْلمُ.\n(٢٨٤) هي موضوع الفرق السادس والتسعين بين قاعدة من يتعَيَّنُ تقديمه وبين قاعدة من يتعيّن تاخيره في الولايات والمناصب، والاستحقاقات الشرعية\". جـ ٢. ص.١٩٧.","vol":"2","page":507},{"text":"والصولة على الأعداء، ويقدَّم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشرعية وأشدُّ تفطنا لحِجاج الخصوم وخداعهم، (٢٨٥)، وكذا أيضا يقدَّم على الأيتام من هو\n_________\n(٢٨٥) زاد القرافي هنا قوله: \"وهذا معنى قوله ﵊: أقضاكم عَلِيٌّ، أيْ هو اشد تفطنا لحِجاج الخصوم وخِدَاع المتحاكمين، وبه يظهر الجمع بينه وبين قوله ﵇: أعلَمُكم بالحلال والحرام معاذُ بنُ جبل. فالانساَن قد يكون شديد المعرفة بذلك، وهو يُخْدَع بأيْسَرِ الشبُهات، فالقضاء عبارة عن هذا التفطن، ولهذا قال ﵊: \"إنَّما أنا بَشَر، وإنكم تختَصِمُون إليَّ، ولعَلْ بعضكم كون ألْحنَ بحجته من بعضٍ فأقضيَ له على نحو ما أسمع، فمن قضَيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليَتْركها\"، فدَلّ ذلك على أن القضاء تبعّ الحجاج وأحوالها، فمن كان لها أشَدَّ تفطنا كان أقضى من غيره، ويقدَّم في القضاء. ويقدَّم في أمانة اليتبم من هو أعلم بتنمية أمْوال اليتامى وتقادير أموال النفقات وأحوال الكوافل والمناظرات عند الحكام عن أموال الأيتام، ويقدَّم في جباية الصدقات من هو أعرف بمقادير النُّصُبِ وأحكام الزكاة من الخُلْطة وغيرها\".\nقلت: وقد ذكَرَ الإِمام العلامةُ ابن فرحون في كتابه الشهر: (تبصرةِ الحكام في أصول الاقضية ومناهج الأحكام) المواصفات المطلوبة في القاضي، وأوردَها نقلا عن القاضي عياض في كتابه التنبيهات قائلا: وشروط القضاء التي لا يتم القضاء إلا بها، ولا تنعقد الولاية ولا يستدام عقدها إلَّا بها عشرة:\nالاسلام، والعقل والذكورية، والحرية، والبلوغ، والعدالة، والعلم، وكونه واحدًا، وسلامة حاسة السمع والبصر من العَمى والصَّمَمِ، وسلامةُ اللسانِ من البَكَمِ. فالثمانية الاول هي المشترطَة في صحة الولاية، والثلاثةُ الآخَرُ ليست شرطا في الصحة، لكنْ عَدَمُها يوجب العزل ... \". ومن ثَمَّ قال الشيخ خليل ﵀ في مختصره الفقهي المالكي:\nباب: أهْلُ القضاء عدل، ذَكَر، فَطِنٌ، مجتهدٌ إن وُجدَ، وإلَّا فأمْثلُ مقلِّدٍ (أي أكملُ مقلد\" .... الخ.\nوقد جمَعَ الفقيه العلامة القاضي الشهير أبو بكر بن محمد ابن عاصم الغرناطي المالكي، ﵀ الشروط المطوبة في القاضي، وذلك في منظومته المشهورة والمتداولة بين العلماء في فقه القضاء والمسماة: تحفة الحكام في نُكَتِ العقُودِ والأحكام، فقال:\nمُنَفْذٌ بالشرع للأحكام ... له نيابَةٌ عن الإِمام\nواستُحسِنَتْ في حقه الجزالة ... وشَرْطُه التكليف والعدالة\nوأن يكون ذَكرًا حُرًا سَلِم ... من فقد رؤية وسمْعٍ وكلِمْ\nويستَحبُّ العلم فيه والورَعْ ... مع كونهِ الاصولَ للفقه جَمَعَ\nقال شراحها ﵏: المراد بالجزالةِ أصالَة الرأي، والإِتقانُ والإِحكامُ. والعلم مطلوب فيه لا على سبيل الاستحباب فقط، كما قد بتبادرُ من عبارة الناظم، وكما يراهُ بعض الفقهاء الأعلام ﵏، بل العلمُ بالاحكام الشرعية، والفهمُ الدقيق لها، من الشروط الواجبة في القاضي على ما ذكره بعض مشاهير الفقهاء الاعلام كالقاضي عياض، والقاضي أبي بكر ابن العربي المعافرى، والمازني وغيرهم، ﵏، فليرجع إلى الموضوع في محله ومظانه من رغب في زيادة الاطلاع والتوسع في ذلك.","vol":"2","page":508},{"text":"أعرف بمصالحهم، وعلى الإِمامة في الصلاة، (٢٨٦) وكذا سائر الخُطط، فتقدَّم المرأة في الحضانة على الرجال، لأنها أحسن قياما بالصغير من الرجل. (٢٨٧)\n_________\n(٢٨٦) أيْ مَنْ هو أعرَف بأحكامها، ويُوضح ذلك عبارة القرافي هنا ﵀ حيث قال:\n\"ويقَدَّم في الصلاةِ مَن هو أعرفُ بأحكامها وعوارض سَهوها واستخلافها، وغير ذلك من عوارضها ومصالحها حتى يكون المقدم في بابٍ، ربَّما أخّر في باب آخر، كالنساء مقدَّماتٌ في باب الحضانة على الرجال، لأنهن أصبَرُ على أخلاق الصبيان، وأشد شفقة ورأفة، وأخِّرنَ في الإمامة والحروب وغيرها من المناصب، لأن الرجال أقْوَمُ بمصالح تلك الولايات منهن\". وقد عقب الشيخ ابن الشاط ﵀ على هذا الكلام عند القرافي ففال: إن اراد بقوله من هو أقومُ بمصالحها، مَن هو متصِف بالأهلية لذلك وبمَن هو دونه من ليس متصفا بالاهلية لذلك فلا خفاء أنه يجب تقديم المتصف دون غيْره، وان أراد بمن هو أقْوَم بمصالحها من هو اُتم قيامًا مع أن من هو دونه مِمنْ له أهلية القيام بها، ففى ذلك نظَرٌ، والأظْهرُ عند التأمل في ذلك أنه لا يجبُ وجوبَ حَتم، تقديمُ الأقْوَم بتلك المصالح، بل يجوز تقْديمُ غَيْرِ الأقْوَم بها، وتَقديمُ الأقْومَ أولى. ودليل ذلك أن المقصودَ بن تلك المصالح حاصل بكل واحد منهما، لأنَّه مُتَّصِفٌ بالأهلية لذلك، فلا وجة لتَعيُّن الْأقومَ إلَّا على وجه الأوْلويةِ خاصةً ... الخ.\nقلت: ومما يدُلُّ على تقديمِ الأفقه والأصلح في أُمامة الصلاة، قوْلُ النبي - ﷺ -: \"يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله (أيْ أحفظُهُم له)، فإن كانوا في القرآة سواءً فأعلَمُهم بالسُّنَّةِ، (أيْ بما سَنَّهُ - ﷺ - وبَيَّنَهُ لأمته من أحكام الصلاة قولا وفعلا)، فإن كانوا في السُّنَّةِ سواء فأقْدمُهُم هجرةً (أيْ\nأقدمهم في الانتقال من مكة إلى المدينة)، وهذا خاص بزمان النبي - ﷺ - والصحابة في عهده، اذ لا هجرة بعد فتح مكة)، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقْدَمُهُم سِنًّا (أي أكبَرُهمْ سِنًّا)، ولا يَؤمَّنَّ الرَّجلُ الرجُلَ في سلطانه (أيْ في خل ولايته، حاكما، كانَ أو إماما راتبًا، أو صاحب دار، فلا ينبغي له أن يتقدم للإمامة في الصلاة به أو بمن معه إلا باذنه)، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا باذنه\"، أي لا يقعد على بعض الاشياء والأثاث الخاصة بصاحب المنزل كالسرير والاريكة مثَلًا إلْا بإذنه، لأنه من الأدب الموجِبِ للألفة، والسلوكِ المحافظِ على دوام المودة والمحبة وصفاءِ القلوب): أخرجه عن أبي مسعود ﵁، كل من الايمة: مسلم، وأبُو داود، والترمذي والنَّسائي ﵏.\n(٢٨٧) تقديم النساء في الحضانة للاطفال والاولاد على الرجال هو موضوع الفرق الثامن والسبعين والمائة بين فاعدة الحضانة يقَدَّم فيها النساء على الرجال، بحلاف جميعِ الولايات يقَدَّم فيها الرجال على النساء)، وهو أن قاعدة الشرع أنه يُقدّم في كلّ موطن وكلّ ولاية من هو أقْوَمُ بمصالحها\". جـ ٣. ص ٢٠٥. وهو من الفروق القصيرة عند القرافي، ذكر فيه أمثلة لتلك القاعدة الشرعية، ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.\nونظرا لأهمية هذا الفرق واختصاره رأيت أن أنقله بتمامه وكماله عن القرافي ﵀، كما ذكره، لأنه مما ينير السبيل في تولية الولايات والخُطط الشرعية لمن يولونها، واختيار القائمين عليها، ويوضح أن علماءنا وفقهاءنا كانوا يبينون مقاييسَ شرعية لمن تُسْنَدُ إليهِا وظيفة من الوظائف، يتحقق بما ومن خلالها وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، كما يقال الآن. =","vol":"2","page":509},{"text":"ويقدَّم في الإِمامة الكبرى من كان جامعًا لخصال عظيمة، بها تحصل منه سياسةُ الخَلْق، (٢٨٨)\n_________\n= قال القرافي: \"قاعدة الشرع أنَّهُ يقَدَّم في كل موطن وكُلِّ ولاية مَن هو أقْوَمُ بمصالحها\". فيقدَّم في ولاية الحرب من هو أقوَمُ بمصالح الحروب من سياسة الجيوش ومكايد العدو. ويقدَّم في القضاء من هو أكثر تفطَّنًا لحجاج الخصوم وقواعد الاحكام ووجوه الخداع من الناس.\nويقدَّم في الْفَتْوى من هُوَ أنقَلُ (وأتْقَنُ) للأحكام وأشفَقُ على الأمة، وأحْرَصُهُم على إرشادها لحدود الشريعة.\nويقدم في سعاية الماشيةِ وجباية الزّكاة والعمل عليها مَن هو أعرَفُ بأنصبة الزكوات ومقادير الواجب فيها، وأحكام اختلاطها وافتراقها وضَمّ اجناسها.\nويقدَّم في أمانة الحكم من هو أعرف بمقادير النفقات وأهليات الكفالات، وتنمية أموال الايتام والمناضلة عنهم، وكذلك بقية الولايات.\nويقدَّم في الخلافة من هو كامِلُ العلْم، ولدين، وافِرُ العقل والرأى، قوى النفس، شديد الشجاعة، عارف بأهليات الولايات، حريص على مصالح الامة، قرشي من قبيلة النبوة المعظمَة، كامل الحُرمة والهِبة في نفوس الناس.\nولما كانت الحضانة تفتقر إلى وفور الصبر على الاطفال في كثرة البكاء والتضجر في الهيآت العارضة للصبيان، ومزيِد الشفقة والرِّقة الباعثة على الرفق بالضعفاء والرفق بهم، وكانتْ النسوة أتمَّ من الرجال في ذلك كله، قُدِّمْن عليهم، لأن أنفَاتِ الرجال وإبَايةَ نفوسهم، وعُلُو هممهم تمنعُهم من الانسلاك أطوار الصبيان وما يليق بهم من اللطف والمعاملات، وملابسة القاذورات وتحَمُّلِ الدنآتِ، فهذا هو الفرق بين قاعدة الحضانات وغيرها من قواعد الولايات\". انتهى كلام القرافي ﵀.\n(٢٨٨) عبارة القرافي هنا: ويظهر لك باعتبار هذا التقرير أن التقديم في الصلاة لا يلزم منه، من حيث هو تقديم في الصلاة، التقديمُ في الإِمامة العظمى، لأن الإِمامة العظمى مشتملة على سياسة الأمة ومعرفة معاقد الشريعة، وضَبْطِ الجبوش، وولاية الأكفاء، وعَزلِ الضعفاء، ومكافحة الأضداد والأعداء، وتصريف الاموال وأخذها من مظانها، وصَرفِها في مستحقاتها، إلى غير ذلك مما هو معروف بالامامة الكبرى. ولهذا أوردَ سؤالًا عن قول عمر لأبي بكر ﵄، رضِيَكَ رسول الله - ﷺ - لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا، إشارة لتقديمه في الصلاة، فجعل عمر رضي الله عته ذلك دليلا على تقديمه ﵁ للإمامة الكبرى، وهذا في ظاهر الحال لا يستقيم، لأنه لا يلزم من التقديم في الصلاة، التقديم في الخلافة\".\nوالجواب عن هذا السؤال من وجوه، إلى آخر ما ذكره القرافي هنا، واختصرة في ايجازه الشيخ البقوري، رحمهما الله.\nوقد عقب الشيخ ابن الشاط على هذا بقوله: ما قاله من أنَّ من له أهلية القيام بإمامة الصلاة لا يلزم أن يكون له اهلية القيام بإمامة الخلافة، صحيح\".","vol":"2","page":510},{"text":"وعلى هذا يرِد سؤال على قول عمر ﵁ لأبي بكر ﵁: رسولُ الله - ﷺ - ارتضاك لديننا فكيف لا نرتضيك لدنيانا؟ ! وهذا في ظاهر الحال لا يستقيم، لأنه لا يلزم من التقديم في الصلاة التقديمُ في الخلافة.\nوالجواب عنه بن وجوه:\nالأول ما ذكره بعضُ العلماء أن رسول الله - ﷺ - كان يعلَم أن أبا بكر ﵁ هو المتعيّن للخلافة، ولم يكن أن يفعلَ ذلك من قِبَلِ نفسه، لأنه ﵇ يتبع ما أنزل إليه من ربه، وما أنزل عليه في ذلك وحْيٌ يعتمد عليه، فعند ذلك وُكِل الامر فيه إلى الاجتهاد، فكان - ﷺ - يشير إلى خلافته بالإِيماء والثناء، كقوله ﵇: \"يَأبَى اللهُ والمسلمون إلا أبا بكر\". فمراد عمر ﵁ أن رسُول الله - ﷺ - رضيك لديننا الرضَى الحاضرَ، فيتعين علينا أن نرضاك للخلافة، وليس المراد مطلقَ الرضى.\nالثاني أن عمر قصدَ بذلك تسكين الثائرة وردْعَ الأهواء، فذكرَ حجة ظاهرة ليسكن إليها أكثرَ الناس فيندفع الفساد.\nالثالث أنَّا نحمل قول عمر ﵁: - رضِيَكَ رسولُ الله - ﷺ - لديننا - على ظاهره، ونجعل الإضافة على بابها موجِبةً للعموم، ففهِم عمر ﵁ من إشارته ﵇ أن الصِّديق ﵁ مَرضيٌّ لجميع حُرُمات الدين، ومن جملة ذلك أحوال الأمة، والنظرُ في مصالح الملة، فإنه من أعظم فروض الكفايات، فهو من الدين، ويكون قوله: \"أفلا نرضاك لدنيانا\" أي هؤلاء إنما يتنازعون - يعني الأنصار - في أمر رئاسة وعلو وحصول الامر والنهي من قِبلَهم، وهذا أمر دنيوي لا ديني، يكون خسيسا بالنسبة إلى الدين الذي به مصالح الأمة، والله أعلم. (٢٨٩)\n_________\n(٢٨٩) قال ابن الشاط معقبا على هذه الاجوبة عند القرافي: الجوابات لا باس بها، غير ما تَضَمنَهُ الجواب الاخيرُ من الحمل على الأنصار في قوله: \"إنما قامُوا في منازعته لطلب العُلُو والرئاسة، وأنهم لما رأوا أنَّ الامر لا يصفو لهم طلبوا الشِركة\"، فإن ذلك كله أمر لا يليق بهم، ولا تصح نسبتة لمثلهم، وليس الظن بهم إلا انهم طلبوا ذلك لتحصيل الاجور الحاصلة لمتولى أمر =","vol":"2","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>القاعدة الخامسة والعشرون في الاستغفار</span>. (٢٩٠)\nإعلَمْ أنَّ الاستغفار طلبُ المغفرة، وهذَا إنما يحسُنُ من أسباب العقوبات كترك الواجبات وفِعل المحرمات، أما المكروهات والمندوبات فلا يحسُنُ الاستغفار فيها، لعدم العقوبات في فعلها وترْكها، وهذا أمر ظاهر لاخفاء به، غيرَ أنه وقع لمالك ﵁ فيمن ترك الإقامةَ أنه يستغفر الله تعالى.\nووجْهُ ذلك أن الله تعالى يُعاقِب المذنِبْ بأحدِ ثلاثة أشياءَ:\nأحدها: المؤلمات كالنار وغيرها. (٢٩١)\nوثانيها تيسير المعصية في شيءٍ آخَر. (٢٩٢)\n_________\n= الإمامة على الوجْه الشرعي، فلما لم يساعَدُوا على ذلك طلبوا الشركة، طمعا في تحصيل بعض تلك الاجور، إذْ تَعذْر جميعها، هذا هو الائق، لا ما ذكره من إيثار الرئاسة الدنيوية التي لا تناسِبُ أحوالهم في بذلهم في ذات الله تعالى أنفسَهم واموالَهم، والله أعلم.\nقلت: ولهذا يجبُ الامساك عما شجر بينهم في هذا الامر حين دراسة تلك الفترة من حياة الصحابة رضوان الله عليهم، والتعرض لها بالشرح والتحليل وأخْذ العبرة والفائدة منها، والتماسُ أسْلمِ الوجُوهِ وأحسن المخارج والتاويلات لما وقع بينهم في ذلك، كما قال علماؤنا ﵏ كابن أبي زيد القيراني ﵀،، إذ الصحابة كلهم رضوان الله عليهم كان مجتهدا في رأيه، مستهدفا ومتوخيا المصلحة العليا لأمته ودينه، فإن كان مصيبا في علم الله فله أجران، وان كان مخطئا في علم الله فله أجر واحد، فكلهم اجتهد في المسألة، كلهم في مقام الصحبة التي شرفَهم الله بِها، وقال فيها النبي - ﷺ -: واللهِ لو أنفَقَ أحدكمً ملْءَ الأرض ذهبا ما بلَغ مُدَّ أحدِهم ولا نصِيفه، إلى غير ذلك من فضائلهم رضوان الله عليهم أجمعين.\n(٢٩٠) هي موضوع الفرق الثاني والتسعين بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرمات وبين قاعدة الاستغفار من تزكِ المندوبات\". جـ ٢. ص. ١٤٦.\nوقد علّق عليه الشيخ ابن الشاط رحمه الله تعالى بقوله: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح.\n(٢٩١) زاد الامام القرافي هنا ﵀ قوله: وهذا هو الامر الغالبُ في ذلك.\n(٢٩٢) قال القرافي موضحا ذلك: فيجتمع على العاصي عقوبتانِ: الأولى والثانية، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ سورة الليل، الآيات: ٨ - ٩ - ١٠، فجَعَل العُسْرى مسبَّبَةً عن المعاصي المتقدمة ... الخ.","vol":"2","page":512},{"text":"وثالثها: تفويت الطاعة، لقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. (٢٩٣)\n_________\n(٢٩٣) وتمَامُها قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ سورة الأعراف. الآية ١٤٦\nثم قال القرافي هنا ﵀: وبهذه المباحث أيضا يظهر ما قاله العلماء أن الإِمام إذا وجدَ في هِو أصْلحُ للقضاء ممن هو مُتَوَلٍّ الآن، عَزَلَ الاول وولى الثاني، وكان ذلك واجبا عليه، لئلا يُفَوَّت على المسلمين مصلحة الافضل منْهُما ... الخ.\nوقد عقَّبَ ابن الشاط على هذا الكلام بقوله: ما حكاه القرافي عن العلماء من أن الامام إذا وجد من هو أصلح للقضاء عزل المتولي، ينبغي حملُهُ على أن المتولي مُقَصَّرٌ عن الاهلية. ودليلُ ذلك أن المصلحة المقصودة من القضاء تحصل من المفضول المتصف بالأهلية، كما تحصُل من الفاضل المتصِف بها فلا وجْه لعزله، وقياسُهُ على الوصى فيه نظر، واستدلاله بقوله - ﷺ -: \"من وليَ من أمور أمتى شيئا ثم لم يجهد لهم ولم ينصَحْ فالجنة عليه حرام\"، نقول بموجبه، ولا يتناول محل النزاع، فإن الكلام ليس فيمن لم يجهد ولم ينْصَحَ، وإنما الكلام فيمن يجهد وينصَحُ وهو أهل لذلك، غير أن غيره أمسُّ بالاهلية منه، انتهى كلام ابن الشاط ﵀.\nقلت: وقد تناول علماؤنا ﵏ الكلام على موضوع الخلافة الكبرى والإمامة العظمى، وضرورتها للامة، وشروطها، والولايات والخطط التي تندرج تحتها وتخضع لها، وبَسَطُوا ذلك بسطا شرعيا ما عليه من مَزيدٍ، وفي مقدمتهم الامام العلامة ابو الحسن الماوردي، وابو يعلى الفَرَّاء، وابن تيمية، وابن خلدون ﵏، وغيرهم، في كتب الاحكام السلطانية، والسياسة الشرعية في الاسلام، فكان من ذلك ما قاله الماوردي في هذا الموضوع:\n\"الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وِعقدُها لمن يقوم بها في الامة واجب بالإجماع، واختُلِفَ هل هي واجبة بالعقل وٍ هو قول طائفةٍ من أهل العلم، لأنه لولا الولاية العظمى لكان الناس فوضى مهْمَلين، وهمجًا مضاعين، كما قال الشاعر الجاهلي الأفوه الأوْدِي:\nلا يَصْلُحُ الناس فوْضَى لا سَراةَ لهم ... ولا سَراة إذا جهالهم سادوا\nوالسّراة بفتح السين جمع سَرِى وهو السيد في القوم لمكانته وعلمه ونسبه وغير ذلك.\nوقالت طائفة أخرى: الإمامة واجبة بالشّرع. قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ففرضَ علينا الحق سبحانه طاعةَ اولي الامر فينا، وهم الحلفاء والائمة المتأمرون علينا\". وتعرَّض العلماء لشروط الإمامة العظمى، وهي العدالة، والعلم المؤدى إلى الاجتهاد، وسلامةُ الحواس، وسلامةُ الاعضاء. وحسْن الرأي، والشجاعةُ، والنجدة، والنسبُ، والمرادُ به أن يكون الخليفة من قريش، لورود النصٌ به، وانعقادِ الاجماع عليه، لأن أبا بكر ﵁ احتج به يوم السقيفة على الانصار في دفعهم عَن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة، بِقول النبي - ﷺ -: \"الأئمة من قريْش\"،، فأقلعوا عن =","vol":"2","page":513},{"text":"وكما يعاقب الله تعالى بأحد ثلاثة أشياء يثيب بأحد ثلاثة أشياء:\nأحَدُها الأمور المستلَذَة. (٢٩٤)\nوثانيها تيسيرُ الطاعة. (٢٩٥)\nوثالثها تعْسير المعاصي عليه.\nإذا تقررت هذه القاعدة، فإذا نسيِ قوله الانسان الإِقامة وغيرها من المندوبات دلَّ هذا الحرمان على أنه مسبَّبٌ عن معاصِ سابقةٍ. (٢٩٦)\nوإذا كان ترْك الطاعة مسبَّبًا عن المعاصي المتقدمة، فحينئذ إذا رأى المكلَّفُ ذلك سأل الله المغفرة من تلك المعاصي المتقدمة حتى لا يتكرَّر عليه مثلُ تلك المعصية، فالاستغفار على ترك الإِقامة لأجل غيْرها، لا أنه لها. (٢٩٧)\n_________\n= التقرب بها، ورجعوا عن المشاركة فيها، ورضوا بقوله: \"نحنُ الامراء وأنتم الوزراء\"، وقال النبي - ﷺ -: قَدِّمُوا قريشًا ولا تَقَدَّمُوهم\"، وليس مع هذا النص المسلم به شبهةً لمنازع ولا قول لمخالف لَهُ، وبوجوب الإمامة بالشرع، قال العلامة بُرهان الدين إبراهيم بن هارون اللقافى (ت ١٠٤١ هـ) منظومته جوهرة التوحيد:\nوواجبٌ نصبُ إمام عدْلٍ ... بالشرع فاعلَمْ لا بِحكم العقْل\n(٢٩٤) كما في الجنّاتِ من الماكول والمشروب وغيرهما.\n(٢٩٥) أقوله فيجتمع للعبد مثوبتان، لقوْله تعالى: \" ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] فجعل اليسرى (وهي فعل الخير) مسببة عن الاعطاء وما مَعَه.\n(٢٩٦) أي لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. قال القرافي: وفوات الطَاعة، مصيبتُها أعظم المصائب، فإن كلمات الأذان طيبة مشتملة على الثناء على الله تعالى، توجِبُ لقائِلِها ثوابا سرمديا خيرًا من الدنيا وما فيها ... الخ.\n(٢٩٧) وحُكْم الإقامة للصلاة معروف، وهو السنية مثلُ الأذان، وفضْلُهُما وثوابهما عند الله تعالى كبير وعظيم. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: إن الشيطان إذا سمعَ بالصلاة ذهبَ حتَّى يكون مكانَ الرَّوْحاءِ\". وهو مكان على بعْدِ أرْبعين ميلا من المدينة تقريبا، رواه الامام مسلم ﵀.\nوعن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتِك فأذَّنتَ بالصلاة فارفعْ صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدَى صوتِ المؤذِن جن ولا إنس إلا شهِد له يوم القيامة\". رواه الامام احمد، والامام مسلم رحمهما الله. =","vol":"2","page":514},{"text":"وكذلك سائرُ المندوبات إذا فاتت يتعين على الانسان الاستغفار لأجْل ما دل عليه الترك من ذنوب سابقة، فهذا وجْهُ أمر مالِكٍ بالاستغفار في ترك المندوبات، لا أنه يعتقد أن الاستغفار مشروع في ترْك المندوبات، ولا إشكالَ على هذا، واللهُ أعلم (٢٩٨)\n_________\n= وفي بيان حكم الأذان والإقامة، وهو السنية كما سبق ذكره والإشارة إليه، يقول الشيخ خليل بن اسحاق المالكي ﵀ في مختصرة الفقهي المشهور: \"سُنَّ الأذان لجماعة طلبتْ غيْرها في فرض وقتي ولوْ جُمعةً، وهو مُثنّى \"ولو الصلاةُ خيرٌ من النوم\"، (أي في أذان الفجر خاصة)، مرجع الشهادتين بأرفع من صوته أولا، مجزوم، بلا فضل ولو بإشارة الكلام ... \". وقد جمع ذلك الشيخُ الإِمام العلامة أبو محمد عبد الواحد بن عاشر ﵀ في بيت من منظومته الفقهية الشهيرة والمسمَّاةِ بالمرشد المعين علِى الضوري من علوم الدين فقال:\nسُنَّ الأذَانُ لجماعةٍ اتُتْ ... فرضًا بوقْتِه وغَيْرًا طَلَبَتْ\nثِم قال الشيخ خليل في سُنِّية الإقامة للصلاة. \"وتُسَن إقامة منفردة، وثُنِّيَ تكبيرها لفرض وإنْ قضَاءً، وصحَّتْ (الصلاة) ولَوْ تُرِكَتْ (الإقامة) عمدًا، وإن اقامتْ المرأة فحسنٌ\".\n(٢٩٨) قال القرافي ﵀ في ختام هذا، مبينا الغاية منه:\n\"فقد ظهر الفرق بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرَّمات، وبين قاعدة الاستغفار من ترك المندوبات، وأنَّهُ في فعل المحرمات وتركِ الواجبات، لأجْلِها مطابَقة، وفي تَرْك المندوبات لأجْل ما دلَّتْ عليه بطريق الالتزام، لا أنهُ لها مطابقة.\nوبهذا التقرير تُحَلَّ مواضع كثيرة مما وقع للعلماء من ذكر الاستغفار عن ترك المندوبات، فيُشكِل ذلك على كثير من الناس، وليس فيه كبير إشكال، بسبب ما تقدَّم من الفرق والبيان\".\nقلت: وبقطع النظر عن موقع الاستغفار ومكانه المناسب، وسببه الموجب له كما رأيناه لِائَمتنا وفقهائنا الأعلام، وكما ذكروه ﵃ ورحمهم اجمعين، فإن ذلكْ لا يتنافى ولا يتعارض مع كون الاستغفار مطوبًا من المسلم والمسلمة في كل آن، مستحَبا منه على آية حال كان، من الطاعة والذكر وصالح الأعمال، لنيل فضله وثوابه، وتحصيل أجره وخيره، وادراك المغفرة والرحمة به من الله تعالى، مصداقا لقوله سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ..\nومما يدل على ذلك ويرشد إِليه ما جاء في فضل الاستغفار، وذكَرهُ حجة الإسلام أبو حامد الغزالى ﵀ حيث جاء في كتابه الإِحياء قوله: قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. وقال عبدٌ الله بن مسعود ﵁: في كتاب الله ﷿ آيتان، ما أذنبَ عبدٌ ذنبا فقرأهما واستغفر الله ﷿ إِلا غفر الله له: الأولى هي الآية السابعة من سورة آل عمران: ١٣٥، والثانية قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقال سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] وكان النبي - ﷺ - يكثر مِن قوله: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، إنك أنت التواب","vol":"2","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>القاعدة السادسة والعشرون: في معنى الأفضلية والمزية </span>(٢٩٩)\nإعلم أنه لا يلزَمُ من كون العبادةِ لها مزيةٌ تختصُّ بها أن تكون أرجحَ مما ليس له تلك المزية.\nفقد ورَدَ في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"إذا أذن المؤذن ولى الشيطانُ وله ضُرَاط، وإذا فرغَ المؤذِنُ من الأذان أقبل، فإذا أقيمَتْ الصلاة أدْبَرَ، فإذا أحرمَ العبدُ بالصلاة جاء الشيطان فيقولُ له: أذكُر كذا حتى يضِلَّ الرجُلُ أن يدري (٣٠٠) كمْ صلَّى\"، (٣٠١) فهذا يدل على أن الشيطان يفرُّ من الأذان والاقامة ولا يفرُّ من الصلاة، وليس بأفضلَ من الصلاة ولا بدَّ، لأنهما وسيلتان، والمقصِدُ أعظَمُ من الوسيلة، وقد قال - ﷺ -: \"أفضل أعمالكم الصلاة\". (٣٠٢)\n_________\nالرحيم\". (أخرجه الحاكم من حديث ابن مسعود ﵁، وقال: صحيح. وقال - ﷺ -: مَن أكْثَرَ الاستغفار جعل الله له من كل هم فرَجًا، ومن كل ضيق مَخرَجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب\"، وقال: إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرَّة\"، هذا مع كون النبي - ﷺ - قد غفر الله لَهُ ما تقدم من ذنبه وما تأخر\" اهـ.\nفما أحوجَنا إلى الاقتداء بالنبي - ﷺ - في العبادة والذكر والدعاء وصالح الأقوال والأقوال، عملا يقول الله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.\n(٢٩٩) هي موضوع الفرق الواحد والتسعين بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية والخاصية جـ ٢. ص ١٤٤. علق عليه ابن الشاط ﵀ بقوله: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح\".\n(٣٠٠) كذا في نسخة ع. وفي نسخة ح، وت: لا يدري. وعند القرافي في هذا الفرق: فلا يدري.\n(٣٠١) أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي ﵏.\n(٣٠٢) عن ثوبان ﵁ قال، قال رسول الله. - ﷺ -: إستقيموا ولن تُحصُوا، واعلَموا أن خَير أعمالكم الصلاةُ، ولن يحافظ على الوضوء إلَّا مومن\". رواه الحاكم في كتابه \"المستدرك على الصحِيحَيْن\"، وقال: صحيح على شرطهما. ورواه الإِمام الطبراني ﵀ في كتابه \"الأوسط\" من حديث سلَمة بن الأكوع ﵁، وقال فيه: \"واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة\"، وأورده الحافظ المنذري ﵀ في كتابه \"الترغيب والترهيب\".\nقلت: ويعضِّدُهُ ويقَوِّيه أحاديث اخرى كثيرة وصحيحة في الموضوع، نقتصر منها على حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي - ﷺ -: أيّ العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثمّ أي؟ قال: برّ الوالدين، قلت: ثمّ أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدَّثني بهن رسول الله - ﷺ -، ولو استزدته لزادني\".\nرَوَاهُ الشيخان: البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي ﵏، ورحم سائر الأئمة والعلماء وجميع المسلمين.","vol":"2","page":516},{"text":"فعلى هذا قد يحصل للمفضول مزيَّةٌ ليستْ للأفضل، ولا يلزم بذلك أن يكون أفضلَ، وهذا؛ يقال: أبَيٌّ قوله أقرأ من أبي بكر، ومعاذٌ أعْلمُ منه بالحلال والحرام، وعليٌّ أقضىَ منه. ولنا مع هذا أنْ نقول: أبو بكر أفضلُ من كل واحد واحد من هؤلاء.\nومن هذا الباب قوله - ﷺ - لِعُمَر: ما سلكتَ فجًّا إلَّا سلك الشيطان فجًا غيرَ فجِّك\". (٣٠٣)\nوقال - ﷺ -: \"إن عفريتا جآني ليفسد عليَّ صلاتي، ولولا دعوة أخي سليمانَ لأصبح مُوثَقًا يلعب به ولْدانُ أهلِ المدينة\". (٣٠٤) وجآءه عفريت أيضا بشُعلة من نار، فاستعاذ منه ثلاث مرات حتى مدَّ يده .. \" الحديث.\n_________\n(٣٠٣) نص الحديث بتمامه هو ما روى عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إستأذن عمر على النبي - ﷺ - وعنده نسوة قريش يُكلمنه ويستكْثرنه، عاليةً أصواتُهُن على صوته، فلما استأذن عمرُ قُمنَ فبادرنَ الحِجَابَ (أي ظهر عليهن الخوف وأخذن يتأهبن للخروج)، ورسول الله - ﷺ - يضحك، فقال عمر: أضحك الله صوتك يا رسولَ الله، فقال رسول الله - ﷺ -: عجبتُ من هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي، فلما سمعنَ صوتك ابتَدرنَ الحجاب، قال عمر: أنت أحق أن يهبْنَ يا رسولَ الله، ثم قال لهن عُمَرُ: ياعَدُواتِ أنفسِهن، أتهبْنني ولا تهبنَ رسول الله - ﷺ -، فقلْنَ: نعم، أنتَ أفظ أغْلظُ، فقال رسول الله - ﷺ -: إيهًا يا ابن الخطاب، والذي نفسى بيده، ما لِقيَكَ الشيطان سالكا فجًّا قط، إلا سلك فجا غير فجك\". رواه الشيخان رحمهما الله.\nوالفج هو السبيل والطريق، ومنه قوله تعالى خطابا لنبيه ابراهيم ﵇ حين بني البيت الحرام، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. سورة الحج. الآيات: ٢٧ - ٢٨ - ٢٩.\n(٣٠٤) نصه عند القرافي: \"إنه قد تفَلتَ عليَّ الشيطان ليفسِدَ عليّ صلاتي، فلولا أنني قد تذكرت دعوةَ أخي سليمان لربطته بسارية من سَوَاري المسجد حتى يلعب به صبيان المدينة\". قال القرافي، مبيِّنًا الغاية من إيراده لهذا الحديث: \"فلم ينفِر الشيطان من النبي - ﷺ - كما نفر من عمر ﵁.\nقلت: وهذا الحديث بتمامه أخرجه الإِمام مسلم ﵀ في باب جواز لعن الشيطان أثناء الصلاة، والتعَوُّذِ منه، وجوازِ العمل القليل في الصلاة، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة، فقال: عنِ أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: إن عِفْريتا من الجن جعل يَفتك عليَّ البارحة، لِيقطع عليَّ الصلاةَ، وإن الله أمكنني منه فدعَتُّه، فلقد هممتُ أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا تنظرون إليه أجمَعُكُم، ثم ذكرت قول أخي","vol":"2","page":517},{"text":"وأين عمر من رسول الله - ﷺ -؟ غير أنه يجوز أن يحصل للمفضول مالا يحصل للفاضل، ومثل هذا كثير، حتَّى إنه في الموجودات النباتية، فقد يوجد في الشعير من الفضائل مالا يوجد في البُرِّ، وفي المعدنية كالنحاس ما ليس في الذهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>القاعدة السابعة والعشرون\nفي تمييز حقوق الله تعالى عن حقوق العباد</span>. (٣٠٥)\nفحقُّ الله تعالى أمرُه ونهيْه، (٣٠٦) وحقُّ العباد مصالحهم، (٣٠٧).\nوالتكاليف على ثلاثة أقسام: حق الله تعالى فقط كالإِيمان وتحريمِ الكفر، (٣٠٨) وحقُّ العبيد فقط كالدُّيُون (٣٠٩)، وقسم اختُلِفَ فيه، هل يغلَّبُ فيه\n_________\nسليمان - ﷺ -: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، فرده الله خاسئًا\". قال شارحه الإِمام النووي ﵀: هكذا هو في مسلم، \"يَفْتِكُ، وفي رواية البخاري: \"تَفَلّتَ\"، والفَتْكُ هو الأخْذُ في غفلة وخديعة، والعفريت هو المعاني المار من الجن، ومعتى فدعَتُّه بذال معجمة وخفيف العيْن المهملة أيْ خنَقتُهُ، قال الإِمام مسلم: وفي رواية أبي بكر ابن أبي شيبة: فدَعَتُّه بالدَّال المهملة، وهو صحيح أيضا، ومعناه دفعتُه دفعًا شديدا، والدعتُ والدعُّ الدفع الشديد، وأنكَر الخطّابي المهملة وقال: لا يصح، وصحَّحَها غيرُهُ وصوبوها، وإن كانت المعجمة أوضحَ وأشهر، وفي الحديث دليل علي جواز\nالعمل القليل في الصلاة\".\n(٣٠٥) هي موضوع الفرق الثاني والعشرين بين قاعدة حقوق الله تعالى وقاعدة حقوق العباد\". جـ ١. . ص ١٠٤.\n(٣٠٦) علق الشيخ ابن الشاط على هذه الجملة عند الإِمام القرافي ﵀، فقال: \"قلت: بَل حقُ الله تعالى مُتعلقُ أمره ونهيه، وهو عبادته. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقال رسول الله - ﷺ -: \"حق الله على العبادَ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا\".\n(٣٠٧) قال ابن الشاط: إن أراد حقه (أي العبد) على الله تعالى فإنما ذلك مُلزِم عبادتَه إياه، وهو أن يدخله الجنة ويخلصه من النار، وإن أراد حقَه على الجملة، أي الأمر الذي يستقيم به في أولاه وأخراه، فمصالحه\"، أي فذلك أو فتلك مصالحه، حيث يستقيم العبد في أموره وأحواله، ويسعد بذلك في دنياه ودينه، تفضلا من الله ونعمة منه سبحانه على عبده المومن المطيع.\n(٣٠٨) قال ابن الشاط: قد تقدَّم أن حق الله تعالى على عباده عبادتُهُم إياه، فإن أراد ذلك فصحيح، وإلا فلا.\n(٣٠٩) قال ابن الشاط: تمثيله هذا يُشْعِرُ لأنه يريد حقوق بعضهم على بعض، وقولُه قَبلُ: حقهُ (اي العبد او العباد) مصالحهم، يُشْعِر بأنه يريد حقوقهم على الجملة.","vol":"2","page":518},{"text":"حق الله تعالى أوْ حقُّ العبْدِ كحد القذف. ونعْني بحق العبد، المحضَ الذي لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق الله تعالى، وهو أمرُهُ بإيصال ذلك الحق إلى مستحِقه، فيوجَد حق الله تعالى بدون حق العبد، ولا يوجد حق العبد بدون حق الله تعالى. (٣١٠)\nوكثير من الحقوق التي لله تعالى وليس للعبد إسقاطها هي مصالح للعبد كتحريم الربا، وتحريمِ تضييع المال، (٣١١) وتحريمِ المسْكِرات، وتحريم السرِقَة، وتحريم القتل، وتحريم الغِيبة، فهذه كلها مشتملة على مصالح العبيد. (٣١٢)\n_________\n(٣١٠) قال ابن الشاط، بعْدَ أن قرر القرافي قبلُ، أن حقّ العبد مصالحه على الِإطلاق: قصَر كلامه على بعض ما يتناوله ذلك الإِطلاق من التفاصيل، وهو حَقُّ بعضٍ العباد على بعض، وترك الكلام على غير ذلك من مصالح العباد، فلم يكن كلامه منتظِما كما يجبُ.\n(٣١١) زاد القرافي قوله: ولو رضى العبد بذلك لم يُعْتَبر رضاه.\nوقال ابن الشاط: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.\n(٣١٢) عبارة القرافي ذكرت هذه الحقوق مع بيان حكمتها ومقاصدها، حيث جاء فيها قوله:\n\"وكذلك تحريمه تعالى السكراتِ، صونا لمصلحة عقل العبد عليه، وحرَّم السرقة صونا لماله، والزنى صونا لنسبِه، والقذْفَ صونا لعِرضه، والقتل والجَرح صونا لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يُعتَبر رضاه ولم ينفَّذْ إسقاطه.\nوعقب عليِه ابن الشاط بقوله: أما في القتل والجرح فرضاه معتبَر، وإسقاطه نافذٌ.\nقلت: وبهذه العبارة والفقرة للقرافي يظهر نوع من الاختصار وجانبٌ من الايجاز عند البقوري ﵀، مما سأتناوله في دراسة لاحقة وخاصة بهذا العالم الجليل وكتابهِ هذا إن شاء الله وبعونه وتوفيقه، فقد اختصر فيه الإِشارة إلى القاصد التي لأجلها حرم الشرَع تلك الأمور ونهى عن ارتكابها والوقوع فيها.\nوهي المقاصد الضرورية التي جاءت بها وبحفظها كلَّ ملة، وجمعتها الشريعة الإسلامية، واسْتوعبَتْها الملة المحمدية التي ختم الله بها النبوة والرسالة، وفي ذلك يقول بعضهم:\nالدّين والنفس وعقلٌ ونسَبْ ... والمالُ والعرض فحفظُها وجَبْ\nفي كل ملة لحكمة أتتْ ... حُدُودها من أجْلها قد حُفِظتْ\nوهو مضمون بيت عند الشيخ اللقاني في منظومته جرهرة التوحيد، حيث جاء فيه:\nوحِفْظُ دين ثم نفسِ مالٍ نَسَبٍ ... ومثلُها عَقْلٌ وعِرضْ قد وجَبَ\nوختم القرافي هذه الفقرة بقوله في هذه المسائل المشتملة على مصالح العباد عند التأمل واستعمال النظر، فقال: فتأمل ذلك بها ذكرتهُ لك من النظائر تجده، فتحجير اللهِ على العبد في هذه المواطن لطفا به، ورحمةً من الحق سبحانه.","vol":"2","page":519},{"text":"قال شهاب الدين ﵀: في الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ -: قال: \"حق الله على العبيد أن يعبُدوه ولا يشركوا به شيئا\"، فهذا يقتضي أن حق الله تعالى نفس الفعل لا الأمرُ به، وهو خلاف ما قلناه. والظاهر أن الحديث أوِّلَ، وأنه من باب إطلاق الأمر على متعلّقه، فأطلق الحقَّ على متعلَّقه الذي هو الفعل. (٣١٣)\n_________\n(٣١٣) قلت: أورد القرافي ﵀ هذه الفقرة تحت عنوان \"تنبيه\"، فذكرَ أن ما تقدتم له من أن حق الله تعالى أمرُهُ ونَهْيه، أمر مشكِل، ثم أتي بالحديث المذكور إلى آخِرِ كلامه في هذه الفقرة عند البقوري ﵀.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ذلك بقوله:\nجميع ما قاله القرافي هنا غير صحيح، وهو نقيض الحق وخلاف الصواب، بل الحق والصواب ما اقتضاه ظاهر الحديث من أن الحق هو غير العبادة، لا الأمرُ المتَعلِّق بها.\nثم زاد ابن الشاط قائلا: ومِنْ أعجب الأمور قوله: \"فظاهره (اي الحديث) معارض لما حَرَّره العلماء من حق الله تعالى، كيفَ يحرر العلماء ما يخالف قول الصادق المصْدوق؟ !\nويَاليْتَ شعْرِي، مَنْ هؤلاء العلماء؟ كيف يصح القول بأن حقَّ الله تعالى هو أمرُه ونهْيُهُ، والحَقُّ معناه: اللازم له على عباده، واللازم على العباد لابدَّ أن يكون مكتسَبًا لهم، كيف يصح أن يتعلق الكسْبُ بأمره، وهو كلامُه وصفتُهُ القديمة، وهذا كله كلام من ليس بن التحصيل بسبيل، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.\nقلت: يظهر - والله أعلم - أن كلام كل من هذين العالمين الجليلين، والفقيهين الفاضلين: القرافي وابن الشاط رحمهما الله يحتاج إلى تأمل ونظر، لعله يجد فهما صحيحا ووجهًا سليمًا ومَحْمِلا مقبولا يجعل كلام كل منهما صائبا وسديدا يمكن معه التوفيق بينهما. وبيان ذلك أن يقال: حق الله تعالى على عباده هو أمره نهيه، كما قال القرافي وبعض العلماء، على اعتبار أن ذلك من حق الله سبحانه وأنه أهل له، فهو رب العالمين العليم الحكيم، خالق الكون والناس اجمعين، ومن حقه ﷾ كذلك على عباده أن يعبدوه ويطيعوه بما أمرهم به من الواجبات، وما نهاهم عنه من المنهيات، وأن يخضعوا له بكل ذلك، ويخلصوا له الدين فيه، وكل دلالةٍ منفردةٍ. للحق بهذا المعنى، مُسَلَّمةٌ عند العلماء وغيرهم من كافة المسلمين، وعلى هذا، يصدق حق الله تعالى في دلالته على الأمرين معا وشموليته لهما، ويجمع بين أقوال العلماء في ذلك على هذا الأساس والفهم والتأويل القريب.\nفالتحقيق الذي حرره العلماء في دلالة حق الله على أمره ونهيه سبحانه لعباده، وانتهوْا إليه نظريا، وحكاه القرافي عنهم، لا ينبغي أن يُفهَم على أنهم حرروا ما يخالف قول النبي - ﷺ -، فهُم رضي الله عهم- في مُجْملهم وَجميعهم اكثر الناس ورَعا، وتقوى وخشية من الله، وهم أوسع. الناس وأدقهم فهمًا لكماب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -، وهم لذلك أبعد الناس على المخالفة والابتداع، وأحرصُهم على الموافقة والاتباع، والاقتداء بنبيهم سيدنا محمد ﵊، وهو الأسوة الحسنة لمن كان ورجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. وما قد يصدر =","vol":"2","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>القاعدة الثامنة والعشرون\nفي تمييز حقوق الوالدين عن الأجانب</span>. (٣١٤)\n_________\nعن البعض ويظهر من مخالفة ذلك، فهو نادر في كل عصر وجيل، والنادر لا حكم له كما يقال، والله أعلم بالحق والصواب فيما يكون بين العلماء من اختلاف في وجهات النظر حول بعض المسائل والمفاهيم العلمية، وفوق كل ذي علم عليم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان والترمذي ﵏ عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنتُ رِدف الله قوله - ﷺ - (أقوله راكبًا خلفه) على حمار يقال له عُفَيْر (بالتصغير)، فقال: يا معاذ، هل تدرى ما حقُّ الله على العباد، وما حقُّ العباد على الله؟ قلت: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. قلت: يا رسولَ الله، أفَلَا أبشّرُ الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتَّكلوا\"، أي إذا بشَّرتَهم بذلك اتكَلوا على العقيدة والشهادة والتوحيد بالقلب والفؤاد، وبالقول والألسنة، وتركوا الطاعة بالعبادة والأعمالِ الصالحة، وأداءَها بالاعضاء والجوارح.\nوفي معناه ما رواه معاذ أيضا عن النبي - ﷺ - أنه قال: ما مِن أحدٍ شهِدَ أن لا إلاه إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا حرمه الله علي النار، قال: يارسول الله، أفلا أخبِرُ به الناس فيستبشروا، قال: إذَنْ يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما\". أي تَجنبًا للاثم، وخروجا من الوقوع في ذنب كتمان العلم، لأن الله سبحانه، وكذا رسولُهُ - ﷺ -، أمر بتبلغيه وتعليمه للناس، للانتفاع في دينهم ودنياهم. فرضي الله عن كافة الصحابة ورحم سائر العلماء والمسلمين.\n(٣١٤) هي موضوع الفرق الثالث والعشرين بين قاعدة الواجب للآدميين على الآدميين، وبين قاعدة الواجب للوالدين على الأولاد خاصة، جـ ١. ص ١٤٢.\nوقد بدأه شهاب الدين القرافي ﵀ بقوله: وهذا الموضع مشكل، بسبب أن كل ما وجب للأجانب (وهُم غير الاقارب) وجب للوالدين، وقد يجب للوالدين ما لا يجب للاجانب، فما ضابط ذلك الحق الواجب للوالدين الذي امتازوا به عن الأجانب؟ هذا موضع الإشكال، وأنا أقرب ذلك وألخِصُهُ بأيهر مسائل وفتاوي منقولة عن العلماء تختص بالوالدين، فيظهر بعد ذلك تقريب هذا الموضع إن شاء الله تعالى، وذلك بثمان مسائل: وقد أوردها البقوري كذلك هنا.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على هذا الكلام عند القرافي إلى تمام المسألة الخامسة بقوله: أكثْرُ ذلك نقل لا كلامَ فيه، وما فيه من كلام فهو صحيح، غير قوله: قال الشيخ أبو الوليد الطرطوشي، فإنه ليستْ كنيته (أبو الوليد). وإنما كنيته أبو بكر.\nقلت: وهو كذلك، واسمه محمد بن الوليد بن محمد بن خلَف بن سليمان بن ايوب الفهري، وينسب إلى طرطوشة بضم الطاءيْن: بلد بالاندلس، وكنيته أبو بكر كما ذكره الفقيه العلامة ابراهيم بن فرحون في كتابه الشهير: \"الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب\"، ويُعرف بابْن أبي رُنْدقة، وكما أورده وذكره الفقيه العلامة محمد بن الحسن الحجوى الثعالِبي في كتابه القيم: \"الفكر السامي في تاريخ الفقه الاسلامي\"، نقلا له عن كتب التراجم، كالديباج، =","vol":"2","page":521},{"text":"قال شهاب الدين: الحق الواجب للوالدين الذي امتازوا به عن الاجانب يظهر تقريبه بذكر ثمان مسائل:\nالمسألة الأولى: جاء رجل إلى مالك وقال له: يا أبا عبد الله، لي والدة وأختٌ وزوجة، فكلما رأت لي الوالدة شيئا قالت: أعطِ هذا لأختِك، فإنْ منعتُها سبَّتْتي ودَعتْ عليَّ، فقال له مالك: ما أرى أن تغايِظها. تخلَّصْ منها بما قدَرت عليه، وتخلَّصْ من سخطها بوُسعك.\nالمسألة الثانية: جاَء رجل إلى مالك فقال له: والدي في بلاد السودان كتب إليَّ أقْدَمَ أن أقْدَمَ عليه، وأمّي تمنعني من ذلك، فقال: . أطِع أباك ولا تعص أمّك. ورُوي أن الليث أمَره بطاعة الأمّ، لأن لها ثلُثي قوله البِر كما حكاه الباجي قوله، أن امرأة كان لها حقّ على زوجها، فأفتى بعض الفقهاء ابنَبها بأن يتوكل لها على أبيه وكان يخاصمه، وبعضهم قال له: هو عقوق، والحديث إنما دل على أن بِرَّه أقلّ من بِرّ الأم لا أنه يُعْصَى. (٣١٥)\n_________\n= ووفيات الاعيان لابن خلكان، ونفح الطب للمقري، وغيرهم من المؤلفين في تراجم العلماء والتعريف بمؤلفاتهم واعمالهم العلمية، فرحمهم الله جميعا، وأسكنهم فسيح جناته، واثابهم على ما قدموا من خدمة علمية للاسلام والمسلمين، ورحم كافة العباد المومنين.\n(٣١٥) قلت: البرور بالولدين مطوب شرعا وطبعا، ويعتبرُ أعظمَ أنواع البِر والخير، التي ينال بها العبد المسلم رضي الله ورضي العباد، ويكفى للدلالة على ذلك أن الله تعالى أمر بالإحسان اليهما في غير ما آية، وقرنَهُ بالأمر بتوحيده وعبادته، فقال تعالى في سورة النساء الآية ٣٦: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.\nوقال سبحانه في سورة الإسراء: الآية ٢٣، ٢٤، ٢٥ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾\nكما أن النبي - ﷺ - أخبرنا أن رضَى الله في رضَى الوالدين، وأن سخطه في سخطهما، وقدَّم الرعاية لهما والعناية بهما في حَالة كبرهما ضعفهما وعجزهما على الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، وجعل ذلك البرورَ بمنزلة الجهاد، فقال لأحد الصحابة رضوان الله عليهم وهو يريد الخروج إلى الجهاد: ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِدْ (أي جاهد في سبيلهما =","vol":"2","page":522},{"text":"المسألة الثالثة: قال في \"الموازية (٣١٦) \": إذا منعه أبواه من الحج فلا يحجُّ إلا بإذنهما إلا الفريضةَ، فنصَّ على وجوب طاعتهما في النافلة، وقال في المجموعة:\n_________\n= ومن اجل رعايتهما والبرور بهما، يكنْ لك ثواب الجهاد وفضله عند الله تعالى.\nوالحديث المشار إليه هنا عند الشيخ البقوري ﵀ هو الحديث الصحيحِ المروى عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، مَن أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ أمك، قال: ثم من؟ قال أبوك\". رواه الشيخان رحمهما الله.\n(٣١٦) الموازية أو كتاب الموارية بفتح الميم، هو للففيه الجليل والعلامة الكبير محمد بن ابراهيم بن زياد الاسكندري المعروف بابن المواز، المتوفَّى سنة تسع وستين ومائتين هجرية (٦٢٩ هـ)، وهو من أبرز وجوه المدرسة المالكية، وفي أشهر رجالها وعلمائها الذين تفتخر بهم هذه المدرسة. وكتابه هذا (الموازية) يعتَبَرُ من أجَل كتب المالكية في الفقه، ومن أصحها وأوعبها مسائلَ، وأبْسطها كلاما وتعبيرا. وقد ظل هذا الكتاب عُمدة المالكية زمنا طويلا، واختفَى عن أنظار الدارسين في هذا العصر، ومنذ قرون سلفتْ. حيث لم يبِق منه إلا قطعة رَقية صغيرة من خمس وثلاثين ورقة في خزانة المرحوم الطاهر ابن عاشور، حسب إفادة صاحب كتاب تاريخ التراث (فؤاد سيزكين)، غير أن الجزء الأعظم منه ما زال محفوظا في كتاب النوادر والزيادات لمؤْلفه الشيخ ابن أبي زيد القيرواني ﵀، فقد احتفظ هذا الكتاب بنصوص كثيرة من الموازية لعلها تُشَكِل جُلَّ الكتاب.\nوكان الذي أدخلَهُ إلى بلاد الغرب الاسلامي هو الفقيه العلامة درَّاس بن اسماعيل الفاسي، المتوفى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة (٣٣٧ هـ)، أدخلَهُ أولا إلى تونس ثم أدخلهُ الي المغرب. وعن هذا الكتاب (الموازية) يقول أخونا وصديقنا العزيز الاستاذ الجليل، الدكتور الفاضل عمر الجيدى الذي افتقدناه ﵀، وهو في أوج نضجه وعطائه العلمي واستيعابه للمذهب المالكي ومؤلفاته المخطوطة منها والمطبوعة، وفي دماثة اخلاقه ولطف معاشرته، وكريم تواضعه. قال ﵀ عن كتاب الموازية في كتابه القيم المفيد: \"مباحث في المذهب المالكي بالمغرب\": \"وهو أحد الكتب الاربعة التي درج العلماء والفقهاء المالكية على تسميتها بالأمهات، وهي: المدونة، والواضحة، والعتبية أو المستخرجة، والموازية، وهي الكتب الفقهية التي شكلت الاسس التي قام عيها المذهب المالكي. ولقد وصَلَنَا ين هذه الأمهات كتابان هما: المدونة والعتبية، أما الواضحة والموازية، فلم يصلنا مهما إلا نُتَف يسيرَة موزعة في بعض المكتبات، وبحضها مبثوث في كتب الفروع، وبقدر ما نعتز بوجود المدونة والعتبية بقدر ما نأسف لضياع الواضحة والموازية\". فليرجع إلى تلك المباحث ومَصَادرها من أراد التوسع في الموضوع.","vol":"2","page":523},{"text":"يوافقهما في حجَّة الفريضة العامَ والعامين، وقال الأصحاب: لا يعصيهما في الخروج للغزو إلَّا أن يتَعيَّن بمفاجأة العدُوِّ. (٣١٧)\nالمسألة الرابعة: قال الغزالي في الإِحياء: (٣١٨) أكثرُ العلماءِ على أن طاعة الوالدين واجبة في الشبُهاتِ دون الحرام، وإن كرِها انفراده عنهما في الطعام وجب عليه موافقتهما وياكلُ معهما، لأن ترك الشبهة مندوب، وتركَ طاعتهما حرام، والحرام مقدَّم على المندوب، ولا يسافِرُ في نافلة ومباح إلّا بإذنهما، ولا يبادرُ لحج الاسلام إلا بإذنهما، (٣١٩) ولا يخرجُ لطلب العلم إلا بإذنهما، إلا عِلْمٍ هو فرض عليه متعيَن ولم يكن في بلده من يُعَلِّمه، لأنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق.\nوقال الحسن: إذا منعَتْه أمه عن صلاة العِشاء في الجماعة شفقةً عليه فليعصها. قال الشيخ أبو الوليد الطرطوشي في كتاب بِرّ الوالدَيْن: لا طاعة لهما\n_________\n(٣١٧) فالجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة ونصره دينه الحنيف فرض كفاية على المكلف القادر، إذا دعا داعِيه، ونادَى مناديه لتلك الغاية، وأمر به من تجب طاعته من خليفة المسلمين وإمامهم الاعظم في أي عصر أو مكان كان، وحينئذ إذا قام به البعض سقط عن الباقين.\nويكون فرض عين حالة فَجءِ العدو لبلد من بلاد المسلمين. قال الشيخ خليل - ﵀. في ذلك: \"وتعيَّنَ بِفَجْء العدو وإن على امرأة وصبي، وعلى مَن بقربِهِم إن عجزوا\".\n(٣١٨) المراد به كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي رحمه إليه، وهو من ابرز كتبه القيمة، وأشهر مؤلفاته العلمية الذائعة الصيت، اشتمل على علم غزيز متنوع، من فقه وتصوف وآداب وأخلاق ... الخ، وهو كتاب مبارك نفع الله به المسلمين، ولا يكاد كتاب في العلوم الفقهية والإسلامية بصفة عامة، يخلو من ذكر كتاب الإحياء والإشارة اِليه، كما لا تكاد مكتبة عالمٍ فقيه أو متصوفٍ تخلوٍ من وجود كتاب الاحياء بينها لغزارة مادته وعلمه، ووفرة منفعته وفوائده، وخير وبركته، فقهًا وتصَوفًا، وفكرًا وتوسّعًا، كما لا تكاد مكتبة عالم فقيه او متصوف تخلو من كتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض وغيره من\nالمؤلفات القيمة لعلماء الاسلام ﵏.\n(٣١٩) حجُّ الإسلام أو حَجةُ الإسلام، ويسميها الفقهاء، حجة الصَّرورة (بالصاد) هي الحجة الفريضة الواجبة مرَّة واحدة في العمر علي من توفرت له الاستطاعة المالية من المسلمين، باعتبار الحج ركنا من أركان الدين، وقاعدة من قواعده الخمسة المعلومة من الدين بالضرورة لدى كل مسلم ومسلمة، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. سورة آل عمران، الآية ٩٧.","vol":"2","page":524},{"text":"في ترك سُنةٍ راتبة (٣٢٠) وتركِ ركعتي الفجر والوتْر ونحوِ ذلك إذا سألاهُ ترك ذلك على الدوام، بخلاف ما لو دعواه لترْك أول وقت الصلاة، فإنه تجِبُ طاعتهما وإن فاتته فضيلة أول الوقت. (٣٢١)\nالمسألة الخامسة: في صحيح مسلم، حديث جُريج الراهبِ مع أمّه يدل على قطع النافلة لأجْلِ الأم، ويلزم من ذلك أن لا تكون واجبةً بالشروع، أو يقال: ما وجب بالشروع يُقْطَعُ للأبوين، بخلاف الواجب بالأصالة. (٣٢٢)،\n_________\n(٣٢٠) السنن الراتبة أو الرواتب كما ذكرها علماء الحديث والفقه وعرفوها في كتبهم الفقهية هي: نوافل الصلاة التي كان النبي - ﷺ - يواظب ويداوم على صلاتها، إما قبل أداء الفريضة أو بعدها، ونجد ذكرها وتوضيحها في حديث أم حبيية ﵂ قالت: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتى عَشْرةَ ركعة تطوعًا غيرَ فريضة إلا بَنَى الله له بيتا في الجنة، قالت أم حبيبة: فما برحْتُ أصليهن\". رواه الائمة: مسلم وأكثر أصحاب السنن. وفي رواية الترمذي: يُصَلِّي أرْبعًا قبل الظهر وركعتين بعْدَها، وركعتيْن بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر. وهناك روايات أخرى مقاربة لهذه في موضوع النوافل الرواتب من حيث اللفظ والمعنى، فليرجع إليها من يرغَبُ في استيعابها.\n(٣٢١) عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: الوقت الأول (أي لأداء الصلاة فيه) رضوان الله، والوقت الآخِرُ عفو الله\"، أي إن الصلاة في آخره تقصير، يرجو معه المصلى عفو الله وفضله، وقبوله بالجود والكرم، والاحسان منه سبحانه.\n(٣٢٢) الحديث أورده الامام مسلم ﵀ في باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، من كتاب البرِّ والصلة والادب: قال: حدثنا شيْبان ابن فروخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، وحدثنا أحمد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ قال: كان جُرَيْجٌ يتعبد في صومعة، فجاءت أمه قال حُميد: فوصف لنا أبو رافع صفةَ أبي هريرة لصفةِ رسول الله - ﷺ - أمَّهُ (أي أمَّ جريج) حين دعتْه كيف جعلت كفها فوق حاجها ثم رفعتْ رأسها إليه تدعوه، فقالت: يَا جُريجُ، أنا أمك كلِّمْني، فصادفتهُ يصلي، فقالَ: اللهم أمي وصلاتي، قال: فاختار صلاتَه، فرجعَتْ ثم عادت في الثانية، فقالت: يا جريحُ أنا أمك فكلمني، قال: اللهم أمي وصلاتي، فاختارَ صلاته، فقالت: اللهم إن هذا جريج وهو ابني، وإني كلمته فأبَى أن يكلمني، اللهم فلا تُمِتْه حتي تُريهُ المومسات، قال: ولو دعَت عليه أن يفُتَنَ لفُتِنَ. قال (أي النبي - ﷺ -): وكان راعي ضأن يأوي إلي دِيرهِ (أي مكان تعبُّدِ جُريح)، قال: فخرجت امرأة من القرية، فوقع عيها الراعي، فحملت، فولدت غلاما، فقيل لها: ما هذا؟ قالت من صاحب هذا الدير، قال: فجاءوا بفؤوسهم ومساحيهم، فنادوْه، فصادفوه يصلى فلم يكلمهم، قال: فأخذوا يهدمون دِيره، فلما رأى ذلك نزل اليهم، فقالوا له: سل هذه، فتبسم ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن.\nقال الإِمام النووي ﵀: قال العلماء: فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدَمنَا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا، لكن أعيدوه ترابا كما كان\" اهـ.","vol":"2","page":525},{"text":"غيرَ أن الاستدلال بالحديث فيه نظر، إذ ليس فيه إلا إجابةُ دعائِهِما، وذلك لا يلزم منه وجوبُ حقٌ الداعي وأنه مظلوم، فإن الظالم قد يجاب دعاؤه على المدعو عليه المظلوم، ويكون ذلك بسبب ذنب يسبقُ للمظلوم فعله فيعاقبه الله بهذا.\nوهذا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].\nومما يدل على تقديم طاعتهما على المندوبات ما في مسلم، أن رجلا قال: يارسول الله، أبايِعُك على الهجرة والجهاد، فقال له: هل من والديك أحد؟ قال: نَعَم، كِلَاهما، قال: فتبتغى الأجْرَ من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسِنْ صحتهما\" (٣٢٣). فجعل ﵇ الكونَ مع أبويه أفضلَ من الكون معه ومِنْ الجهاد في أول الاسلام. وَمع. أنه لم يقل في الحديث: إنهما منعاه، بل هما موجودان فقط، فأمَرَهُ ﵇ بالأفضلِ. وهذا الحديث أحسنُ شيء في حَق الوالدين، وإذا قَدَّم ﵇ حقَّهما على فروض الكفايات فأنْ يُقدَّمَ على النفلِ أوْلى وأحق. (٣٢٤) وحديث جُريج يروَى في بعض طرقه أن النبي - ﷺ -: \"لو كان جُريج فقيها لَعَلم أن إجابة أمّه أفضل من صلاته\". وعلى التقدير يكون ذلك دليلا صحيحا.\nومما يدل على تحريم أصل العقوق قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٣٢٥). وإذا حرُمَ هذا حرم ما فوقه بطريق الأولى. ويدل على مخالفتهما (٢٣٢) أخرجه الإِمام مسلم ﵀ في باب البر بالوالدين وأنهما أحق به، (من كتاب البر والصلة والأدب\n_________\n(٣٢٤) وقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء في هذه المسألة الخامسة بقوله:\nجميع ما قاله القرافي في ذلك من نقل وغيره صحيح، غير قوله: \"وإذا قَدَّم خدمتها على فروض الكفايات فعلى النفل بطريق الأولى\"، فإنه لقائل أن يقول: ليس ذلك في النفل أولى، لأن تركه فرضَ الكفاية مع قيام غيره به لا تفُوتُ يه مصلحة، وترك النفل تفوت به مصلحة نك النفل، قال ابن الشاط: ويمكن الجوب بأن مصلحة النفل إنما هي مجرد الثواب، وكذلك مصلحة فرض الكفاية في حق من هو زائد في العدد على ما يحصل به المقصود من ذلك الفرض، لكن ثواب فرض الكفاية أعظم. فتتحققت الأولويَّةُ.\n(٣٢٥) سورة الإسراء، الآية ٢٣، وقد سبق ذكرها والإِشارة إليها.","vol":"2","page":526},{"text":"في الواجبات قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. (٣٢٦).\nوفي الآية فائدتان:\nالفائدة الأولى: أن الأبوين يجب بِرُّهما ويَحرُمُ عقوقهما وإن كانا كافريْن، فإنه لا يامر بالشرك إلا كافرٌ، ومع ذلك فقد صرَّحَتْ الآية بوجوب برهما.\nالفائدة الثانية: أن مخالفتهما واجبة في أمرهما بالمعاصي، ويؤكد ذلك قولُهُ ﵊: \"لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق\". (٣٢٧)\nالمسألة السادسة: قال الطرطوشي ﵁: أمّا مخالفتهما في طلب العلم، فإن كان في بلده يجد ذلك ثم أراد أن يسافر إلى بلد آخر هو مثل بلده، لَمْ يجُزْ له السفر إلا باذنهما، لأن إذنهما لا يجوز إلا لضرورة، ولا ضرورة هنا، وإن أراد الخروج لمعرفة الكتاب والسُّنة والأدلة والنصوص إلى الاجتهاد، وإن لم يكن ذلك في بلده وكان ذلك في البلد الذي أراد السفر إليه خرج، ولا طاعة لهما إذا منعاه، لأن تحصيل درجات المجتهدين فرضُ على الكفاية، قال سحنون: من كان أهْلا للإِمامة ففرضٌ عليه أن يطلبها، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ﴾. (٣٢٨)\n_________\n(٣٢٦) وتمامها قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. سورة لقمان الآية ١٥.\nومثلها قوله تعالى تأكيدا على البرور بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨]\n(٣٢٧) أورده الإِمام السيوطي ﵀ في كتابة الجامع الصغير، رواية ونقلا عن الإِمام أحمد بن حنبل في المسند، والحاكم في كتابه المستدرك، ورمز له بالصحة. وأوردَ له نصا آخر بمعناه عن علي ﵁ وهو \"لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف\" متفق عليه. وفي معناه الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: السمعُ والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ أو كَرِه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أَمِرَ بمعصية فلا سمعَ ولا طاعة\" رواه الشيخان، أكثرُ أصحاب السنن ﵏.\n(٣٢٨) ونصُّ الآية بتمامها: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]","vol":"2","page":527},{"text":"قال شهاب الدين: قد تقدم أن مخالفتهما في الجهاد الذي هو فرض كفاية لا تجوز، لما تبين في الحديث، وهذه الفتوى من أبي الوليد وسحنون بخلاف ذلك، فقال في الجواب: العِلْمُ وضَبْطُ الشريعة وإن كان فرضَ كفايةٍ، غير أنه يتعيَّن له طائفة من الناس، وهم الذينٍ جَادَ حِفْظُهُم، ورَاقَ فهمُهُم، وحسُنَتْ سيرتهُم. وإذا كانت هذه الطائفةُ متعينة بهذه الصفات فطلَبُ العلم عليها فرض عين، فلعل هذا هو معنى كلام سحنون وأبي الوليد. (٣٢٩)\nقلت: هذا تكَلَّفٌ بعيد، فالتصريح قد وقع من أبي الوليد في مخالفتهما في فروض الكفاية، وأيضا فكيف يصيرُ متَعَيّنا على من كانت فيه تلك الصفات التي ذكَر، بل لا يزال فرض كفاية إلا أن يُفرَضَ أنه ليس على وجه الارض أحدٌ هو على ذلك الوصف من التهيؤ غيرُهُ، وهذا لا يتأتى ولا يُتصوَّرُ صحة فرضه، والله أعلم.\nالمسألة السابعة: إن أرادَ سفرًا للتجارة يرجو به ما يستعين به على الاقامة (٣٣٠) فلا يخرج إلا بإذنهما، كان رجا أكثر من ذلك وهو في كفاف، وإنما\n_________\n(٣٢٩) المراد بأبي الوليد هنا هو العلامة الطرطوشي، كما ذكره القرافي، وقد سبق أشرت في تعليق سابق أن ابن الشاط نبه قبل هذه المسألة وعندها، هنا إلى أن الصواب في كنيته هو أبو بكر، وأنه بذلك ذكرته كتب التراجم، وكما صححه ابن الشاط فيما سبق وفي التعليق الآتي: ٣٣٠. ثم قال القرافي، في نهاية هذه الفقرة: والجهادُ يَصلح له عموم الناس فأمرُهُ سهْلٌ، وليس الرَّمْي بالحجَر، والضربُ بالسيف كضبط العلوم، فكل بليد أو ذكي يصلح للاول، ولا يصلح للثاني إلا من تقدم ذكرُه، فافهم ذلك.\nوكلام سحنون كما ذكره القرافي هو قوله: من كان أهلا للإمامة وتقليد العلوم ففرض عليه أن يطلها، لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ومن لا يعرف المعروف كيْفَ يامرُ به، أو لا يعرف المنكر كيف ينهي عنه\" اهـ كلام سحنون كما ذكرِه القرافي ﵏ جميعا\nقلت: ومن ذلك قول إلله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].\n(٣٣٠) كذا في جميع النسخ الثلاث المعتمد في هذا الترتيب والاختصار عند البقوري. وعبارة القرافي: قال أبو الوليد: إن أراد سفرا للتجارة يرجو به ما يحصل له في الاقامة فلا يخرج إلا بإذنهما\". وعقب الشيخ إبن الشاط على ما جاء في هذه المسألة السابعة بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، غير قوله. قال أبو الوليد، فإنه أبو بكر، كما سبق ذكره قربيا التعليق ٣١٤ ص ٥٢٥.","vol":"2","page":528},{"text":"يخرج تكاثرًا، فهذا لو أذِنَا لهُ نهينَاه، وإن كان المقصود منه دفع حاجات نفسه أوْ أهلِه، بحيث لو تركَه تأذَّى بتركه، كان له: مخالفتهما، لقوله ﵇: \"لا ضرَر ولا ضرار\" (٣٣١). وكما نمنعه من أذيتهما نمنعهما من أذيته، بل ضرورته\n_________\n(٣٣١) رواه الإِمام مالك ﵀ في الموطأ مرسَلا في ترجمة القضاء في المرفق من كتاب الأقضية عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه يحيى بن عُمَارة أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"لا ضرر ولا ضِرار\"، أيْ لا يضُرُّ الانسان أخاه فينْقصُه شيئا من حقه، ولا يجازى من ضَرَّه يإدخال الضرر عليه، بل يعفو. فالضرر فعلُ واحد، والضِرَار فعل اثنين. فالاول إلَحاق مفسدة بالغير مطلقا، والثاني الحاقها به على وجه المقابلة، أيْ كل منهما يقصد ضرر صاحبه بغير جهة الاعتداء بالمثل.\nثم زاد الشيخ الزرقاني ﵀ في شرحه على الموطأ قائلا: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث كما في التمهيد، ورواه الداروري عن عمرو بن يحيى عن أبيه في أبي سعيد الخدرى ﵁، موصُولا، بزيادة: \"من ضارَّ أضَرَّ اللهُ به، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه\". أخرجه الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر والحاكم. ورواه الإِمام احمد ﵀ برجال ثِقَاتٍ، وابن ماجةُ ﵀ من حديث ابن عباس وعُبادةَ بن الصامت ﵄. وأخرجه ابن أبي شبية وغيره ﵏، من وجه آخر أقوى منه. وقال فيه الامام النووي ﵀: حديث حسن، وله طرق يُقوي بعضها بعضا، وقال العلائي ﵀: لَهُ شواهد وطُرق يرتقى بمجموعها إلى درجة الصحة، وذكره الامام النووي في أحاديثه المعروفة بالأربعين النووية، وذكر أبو الفتوح الطائي ﵀ في الاربعين أن الفقه يدور على خمسة أحاديث، هذا أحدها.\nقلت: ومن جلتها ما نقله الامام السيوطي ﵀ في أول كتابه: \"الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية\" عن أبي داود ﵁، وهي أحاديث: \"الأعمال بالنيات\" \"والحلال بيين والحرام بين\"، و\"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه\".\nوقال الإِمام احمد: أصول الإسلام تقوم على ثلاثة أحاديث: \"الأعمال بالنية\"، و\"ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ\" أي مردود عليه، وغير مقبول منه، و\"الحلال بين والحرام بين\"، وقال أبو داود: مدار السنة على أربعة أحاديث: \"الأعمال بالنيات\" و\"مِن حُسْن اسلام المرء تركه مالا يَعنيه\"، و\"الحلال بين، والحرام بيين\"، \"وإن الله تعالى طيب لا يقبَلُ إلا طيبا\"وفي لفظ آخر له: \"لا يكون المومن مومنا حتى يرضى لأخيه ما يَرْضى لنفسه\".\nوذكر الإِمام الدارقطني أن الحديث الرابع هو: \"إزهَدْ في الدنيا يحبَّك الله\".\nوذكر الخفافُ من علماء الشافعية أن مدار الأحاديث على أربعة: \"الأعمال بالنيات\"، و\"لا يحِل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث\"، و\"بُني الاسلام على خمس\" و\"البينةُ على المدعى واليمين على من أنكر\"، إلى غير ذلك مما قاله العلماء في هذا الموضوع من أن حديث \"الأعمال بالنيات\" يدخل في ثلاثين بابا من العلم، وقيل في سبعين بابا من العلم والعمل، فلْتُحفَط هذه الأحاديث، ليكن العيلُ بها كلها، فإنها أصول الدين والفقهِ الذي نتَعَبدُ الله به، ونرجو منه القبول بمنه وفضله سبحانه، فهو الجواد الكلام، ذو الفضل العظيم.","vol":"2","page":529},{"text":"تُقَدَّم عليهما. (٣٣٢)\nقال: فإن قلتَ: قد قال مالك: إذا بلغَ الغلامُ ذهبَ حيث شاء، قال: قلتُ: هذا في الحضانة، لأنه قبل البلوغ كان تصرفه بإذن كافله، فإذا بلغ ذهب حِجْر الحضانة ويحَجَّر حَجْر البِّر، (٣٣٣) ويؤكدُ ذلك قولُ مالك في الذي دعاه أبوه من بلاد السودان ومنعتْهُ أمُّه، فمنعه مالك من الخروج بغير إذن الأم، (٣٣٤) فهو بعدَ البلوغ يمشى في البلد حيث شاء دون السَّفَرِ، فإن لحقتْهُما إذايةٌ في تصرفه في البلد منعاه مطلقا. (٣٣٥)\n_________\n(٣٣٢) عبارة القرافي هنا تبدو أظهر وأوضح، حيث مثل لذلك بقوله: \"فإنه لو كان معه طعام إن لم ياكله هلك، وان لم ياكلاه هلكَا، قُدِّمتْ ضرورته عليهما\".\nقلت: ويستحضر المرء هنا ما يمكن أن يوحى بأولوية تقديم الابن للابوين على نفسه وأولاده في مثل هذه الحال ويستفاد منه ذلك، وهُوَ حديث النفَر الثلاث الذين لجأوا إلى غار ودخلوه، فانسدَ عليهم بابه بصخرة عظيمة عجزوا عن إزاحتها وتحريكها، فتوجهوا إلى الله بالدعاء، وتوسلوا إليه سبحانه بأعمالهم الصالحة، الخالصة لوجهه الكريم، وكانوا كما توسل بعضهم بذلك انفرجت فرجة في باب الغار يرون منها النور والسماء، وكان من جملة دعاء أحدهم وتَوَسُلِهِ إلى ربه العلى القدير أنه قال: اللهم إنه كان لي والدانِ شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعَى عليهم، فإذا رحتُ عليهم حلَبتُ، فبدأت بوالدَي أسقيهما قبلَ بَنيّ، وإني استاخرتُ ذاتَ يوم فلم آتِ حتى أمسيْتُ، فوجدتهما نائمين، فحلبت كما كنتُ أحلب، فقمت عند رأسهما أكْرَه أن أوقظهما، وأكرَهُ أن أسْقِي الصبْيَةَ، والمحبيَةُ يتضاغَوْن عند رِجْلي (أي يبكون من الجوع) حتى طلع الفجر، فإن كنتَ تعلم أني فعلته ابتغاءَ وجهك فافرُجْ لنا فُرجة نرى منها، ففرجَ اللهُ، فرأوا السماء ... \". وهذا الحديث صحيح أخرجه الإِمام البخاري عن ابن عمر ﵄، ويذكره العلماء والمحدثُون في فضل إخلاص النية والعبادة لله تعالى، وفي فضل البرور بالولدين.\n(٣٣٣) كذا في نسخة وفي نسخة ح: يجدَّدُ. وفي نسخة ت: وتجرد، وهُوَ تصحيف في الفعل: تجدد، كما تدل عليه عبارة القرافي هنا: وهي قوله: \"وتجدَّد حِجْرُ البِرِّ\" بعنى دام واستمَرَّ.\n(٣٣٤) تمام كلمة الإِمام مالك كما هي عند القرافي: \"أطِع أباك، ولا تعْصِ أمَّك\".\n(٣٣٥) عبارة القرافي: فهو بَغد البلوغ يمشي في البلدِ حيث شاء دُون السفر، إلَّا أن يكون في ربيةٍ وهُما يتَأذيان، فيمنعانه مطقا.\nقَلت: وقد أورد القرافي في آخر هذه المسألة السابعة سؤالا وجوابا اختصرهما الشيخ البقوري، ورأيت أن اذكرهما، نظرًا لاختصارهما وتميمًا للفائدة منهما فقال:\n(سؤال): قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. [سورة البقرة الآية: ٢٣٢)، والنكاح مباح، وقد نهى الأبَ عن منع ابنتِه منه، فلا تجب طاعُتُه في تركِ المباح، وفي تَرك المندوب بطريق الْأولى؟ =","vol":"2","page":530},{"text":"المسألة الثامنة في بيان الواجب من صلة الرحم.\nقال الشيخ أبو الوليد (٣٣٦) الطرطوشي: قال بعض العلماء: إنما تجب صلة الرحم بين كل شخصين لو كان أحدهما ذكرًا والاخَرُ أنثى لم يتناكحا، كالآباء والأمهات، والأخوات والِإخْوة، والأجْداد والجدات وإنْ عَلوْا، والأولادِ وإن سفلوا، والأعمامِ، والعمات، والأخوال والخالات، فأما أولاد هؤلاء فليست الصلة بينهم واجبة لجواز المناكحة بينهم. ويدل على صحة هذا القولِ تحريمُ الجمع بين الأختين، وبين المرأةِ وعمَّتِها، وخالتِها (٣٣٧) لما فيه من قطيعة الرحم، ويجوز الجمع بين بنتي العَمّ، وبنْتي الخال، وإن كُنّ يتغايَرْن ويتقاطعْنَ، وما ذاك إلا أن صلة الرحم بينهم ليست بواجبة.\n_________\n= جوابهُ ان البنتَ لها حق في الإعفاف والتصَونِ ودفع ضرر مواقعَة الشهْوة وسَد ذرائع الشيطان عنها بالتزويج، فإذا كان ذلك حقًا لها، وأداءُ الحقوق. واجبٌ على الآباء للأبناء، ولا يلزم من وجوب الحق عليهم للأبناء جوازُ إذَاية الآباء باستيفاء ذلك الحق. ألا ترى أن مالكًا في المدونة منع من تحليف الاب في حق له، وقال: إن حَلفَهُ كانَ جرحة في حق الوالد، فالآية ما دلَّتْ إلا على الوجُوب على الآباء لا على إباحة إذايتهم بالمخالفة.\n(٣٣٦) سبق تنبيه ابن الشاط إلى أن الصواب هو أبو بكر. وأنه كذلك في كتب التراجم، كالديباج المذهب وكالفكر السامي، وغيْرهما.\n(٣٣٧) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: لَا يُجمعُ بين المرأة وعمتها ولا بيْن المرأة وخالتها\"، رواه الإِمام مالك في الموطأ، وأخرجه الشيخان وأغلبُ أصحاب السنن ﵏، وقد نقل الزرقاني في شرحه على الموطأ أن القاضي عياضا ﵀ قال: أجْمعَ المسلمون على الأخذ بهذا النهي، إلا طائفة من الخوارج لا يُلتَفَتُ إليها، واحتجت هذه الطائفة يقول الله تعالى في المحرمات بالنسَب \"وأن تَجمعُوا بين الأختين\" (أي حُرم عليكم الجمع بين الأختين في عصمة النكاح)، وبقوله سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وقالوا: الحديث خبَرُ واحد، والآحادُ لا تخصّصُ القرآن ولا تنسَخُهُ، وهي مسألة خلاف بين الأصوليين. والصحيح جواز الأمرين، لأن السنة تُبَيِّنُ القرآن الكريم، ولأن علة المنع من الجمع بين الأختين، وهىَ ما تحمل عليه الغيْرَة من التقاطع والتدابُرِ، موجودة في ذلك، وقاسَ بعض أهل السَّلَف عليه جُملة القرابة، فمنع الجمعَ بيْن بنتَيْ، العم وبنتَيْ العمة، والخالَة، والجمهور على خلافه، وعلي قصر التحريم على ما وردَ فيه نص، أو ما ينطلق عليه من لفظه، من العمات والخالات وإن عَلَوْن كما قال ابن شهاب في الصحيحين، فيرى عمةَ أبيها، وخالَة أبيها بتلك المنزلة، وهو صحيح، لأن كلا فهما يطلق عليه اسم عمة وخالة، لأن العمة هي كل امرأة تكون أخْتًا لرجُلٍ، له عليك ولادة، فأختُ الجد للاب عمة، وأختُ الجد للأم خالة. وقال النووى: العمة حقيقة، إنما هي أختُ الأب، وتُطلَقُ مجازًا على أختِ الجد أوْ أبي الجد وإن على، والحالة أخت الأم، وتطلق على أخت أم الأم أو أمَّ الجد، سواء كانتْ الجدة للأب أو الأم. =","vol":"2","page":531},{"text":"\"سؤال\": قوله ﵊: \"صِلُةُ الرحم تزيد في العمر\"، وقد ﵇: \"من سَرَّة السَّعة في الرزق والنَّماء في الأجَل فلْيصِلْ رحمه\" (٣٣٨)، كيف يكون هذا والأمورُ قد فُرِغ منها في الأزل (٣٣٩).؟\nفمن العلماء من قال: إنما ذلك بزيادة البركة. وقال شهاب الدين: هذا لا ينبغي، لأن تلك البَركة داخلة في القَدَر، وهذا الجواب يُوهِمُ أنها ليست داخلة فيه. وأيضا ففيه فساد من حيث إن القصد بالحديث التحريضُ على هذا الخير، والحثُّ على صلة الرحم، فإذا سمع أحدٌ أنه لا رزيد إلا البركةَ كَسَل عن\n_________\n= والمرادُ ببنْتيْ العمة والخالة والعم، كما كره الزرقاني والقرافي هنا هو بنتا العمتين والحالتين المتعددتَيَن، أو العميْن والخاليْنِ كذلك، بحيث تكون كل ينت منْهما بنتا لعمة أخرى أو خالة أخرى، أو لعم آخر وخالٍ آخر، لأن بنتي العمة أو الخالة الواحدة، أو الخال والعم الواحد تكونان أختيْن من النسب، والإختان لا يجوز الجمع بينهما في العصمة الزوجية بحال، وهذه المسألة من البَدَاهة والوضوح بمكان لدى السادة العلماء والفقهاء، وإن المقصود من إيرادها والتنبيه لها هو دفع ما قد يتبادر إلى ذهن البعض من استشكال العبارة عند من تبدو له مشكلة أثناء قراءتها لأول وهلة، وهي في الواقع عند التأمل سليمة واضحة، والأختان من الرضاعة كذلك، حيث إنه يحرمُ من الرضاع ما يحرم من الرحِمِ والنسَب كما هو معلوم شرعا واجماعًا.\n(٣٣٨) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"مَن سَرة أنْ يُبسَطَ له في رزقه، وأنْ يُنْسَأ له في أثَره (أيْ أن يُزَادَ له في أجَله) فليَصِلْ رَحِمَه\" رواه الشيخان وأبو داود ﵏.\n(٣٣٩) عن عبد الله بن مسعود ضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله - ﷺ -، وهو الصادق المصدوق، قال: \"إن أحدكم يُجمعَ خَلقُهُ في بطن أمه أربعين ووما نُطفة، ثم يكون علَقة مثلَ ذلك، ثم يكون مُضغة مثلَ ذلك، ثم يرسَلُ إليه الملَكُ، فينَفخُ فيه الروحَ، ويُومَرُ بأربع كلماتِ: بكَتب رزقهِ، وأجله، وعمَله، وشقيّ أو سعيد، فوا اللهِ الذي لا إلاه غيرُه، إنّ احدَكم لَيعمَلُ بعملَ أهل الجنة حتى ما يكونَ بينه وبيْنها إلا ذِراعٌ، فيسبِقُ عليه الكتاب، فيَعملُ بعمل أهل النار فيدخلُها، وإن احدكم لَيعمَلُ بعمل اهل النارِ حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بحمل أهل الجنة فيدخلها\". متَّفَقٌ عليه بين الشيخين: البخاري ومسلم رحمهما الله.\nوهذا الحديث النبوي الشريف يشير إلى ما تضمنته الآية الكريمة في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦]","vol":"2","page":532},{"text":"ذلك، وإنما الجواب - قال: أن يقال: ان الله قدَّر في الأزل أن يَعيش المرء ثلاثين سنة مرتَّبة على الأسباب العادية من الغِذاء والتنفس في الهواء، ورتَّب له عشرين سنة أخرى على هذه الأسباب، وصلةُ الرحم يجعلها الله تعالى سببا كَما الغِذاءُ سبب للعيْش، ويقال لذلك: إنها تَزيد في العُمُرِ حقيقة كما يقال: الإيمان سببُ الجنة، والكفر سبب النار. وعلى هذا التقديرِ ينبسط السامع لهذا ويسهل عليه صلة الرحم، ويبقى الحديث على ظاهره لا يُتأوَّل ويُخْرَجُ عن ظاهره. وهذا الجواب يجري في الدعاء أنه يرُدُّ القضاءَ ويزيد في العمر والرزقِ وما أشبهَ ذلك (٣٤٠).\nوهنا أيضًا سؤال صعب، وردَ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، (٣٤١) فقال بعضُ الفقهاء: هنا سؤال، وهو أنه ﵇ إذا علِمَ الغيب، والذي في الغيب هو هذا الذي قد قدره الله تعالى من الخير، فكيف يستكثِر من الخير على تقدير الِاطلاع على الغيب.؟\nوالجوابُ أن الله تعالى قدّرَ الخيْر والشر في الدنيا والآخرة، وجعَل لكل مقدور سببًا يترتب عليه ويرتبط به. ومن جملة الأسباب، الأسبابُ التي جرت عادته بها من العلوم والجهالات، فالجهل سببٌ عظيم في العالم لمفاسدَ من أمور الدنيا والاخرة، والعلم سبب عظيم لتحصيل مصالِحَ ودرْء مفاسدَ في الدنيا والآخرة. فالذي دفع إليه الْسُّمُّ فأكلَه فمات إنما قدَّر الله له أن يموت لجهله بتناول السم،\n_________\n(٣٤٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: مَن سَرة أن يستجيبَ الله له عند الشدائدِ والكُرَب، فليكثر الدعاء في الرخاء\"\nوعن ابن عمرَ ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: إن الدعاء ينفعُ مما نَزَل ومما لم يَنْزِل، فعليكم عِبادَ الله، بالدعاء\" هـ\nوعن سلمانَ ﵁ عنِ النبي - ﷺ - قال: لا يَرُدُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيدُ في العُمُرِ إلا البِرُّ\" روى هذه الأحاديث الإمامُ الترمذي ﵀.\n(٣٤١) وأول الآية قولُ الله تعالى خطابا لنبيه الكيم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]","vol":"2","page":533},{"text":"ولو علمه لم يتناوله فلم يمُتْ، فلو قَدَّر الله تعالى نجاته منه قدَّر اطلاعه فسَلِم، فيكون سببَ سلامته عِلْمُهُ، فالمقدَّر على تقدير الجهل نحن نمنع أنه مقدَّر على تقدير العلم، بل ضده، فالرزق الحقيرُ إنما قدره الله لأهله على تقدير جهلهم بالكنوز وعمَلِ الكيمياء وغير ذلك من اسباب الرزق، أما مع العلم بهذه الأسباب العظيمةِ الموجِبةِ في مَجْرَى العاداتِ سَعةَ الارزاق، فلا نُسَلّم أن الله تعالى قدَّر ضيق الرزق على هذا التقدر، كما نقول: ما قدَّر الله دخولَ الجنة إلا على تقدِير الايمان، أما مع عدمه فلا نسَلِّمُ أن الله تعالى قدَّر لهم الجنة، وما قدر للكفار النار إلا على قدر جهلهم با لله تعالى، أما على تقدير علمهم با لله تعالى فلا نسلم أنه قدَّر لهم النارَ، وعلى هذه الطريقة يتضحُ لك أن رسولَ الله - ﷺ - لو اطلع على الغيب كثَرُ عنده مِنْ الخير ما لم يكن عنده الآن، وما مسَّه السوء.\nفائدة: إنَّ ناسا يقولون: الأب ثلثُ البرّ وللام الثلثان، وقيل: الأب الربع، والأم ثلاثة أرباعه، وهذا لقوله ﵇: ثم أبوك في الثالثة في رواية. وفي الرواية الاخرى: ثم أبوك في الرابعة. (٣٤٢)\nقال شهاب الدين: وهذا ليس بصحيح، بل أقلَّ من ذلك بكثير، وهذا من حيثُ ثُمَّ التي التراخي، فهى تُعطى أن الرتبة الثانية أخْفَض رتْبةً من التي قبلها بكثير، ثم الثالثةُ أخفضُ من الثانية كذلك بكثير، فكيف يقال: الثلث، أوْ يقال الربع، وهذا الحرف أعطَى نقصان المرتبة الأخيرة عن التي قبلها بمراتب عديدة، ولابُدَّ، أقلَّ من الثلث ومن الربع قطعًا، وإذا كان الأمر هكذا فلَيس بصحيح ما قاله مَن تقدم، من الثلث والربع.\n_________\n(٣٤٢) إشارة إلى حديث أبي هريرة ﵁ قال: \"جاء رجل إلى رسولِ الله - ﷺ - فقال: يا رسولَ الله، مَنْ أحق الناس بحسْن صحابتي؟ (أيْ من هو أوْلاهم بحسْن معاشرتي وبُروري وإحسان) قال: أمك، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: امك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْأ قال: أبوك\" رواه الشيخان رحمهما الله.\nوعنه أيضا قال رجل: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ الناس يحسْن الصحبة؟ قال أمُّك، ثمّ أمُّك، ثم امُّك، ثم أبوك، ثم أدْناك فأدناك\"، أيْ الأقربُ إليك فالأقرب، رواه الإِمام مسلم رحمه الله تعالى.","vol":"2","page":534},{"text":"ثم قالَ: فإن قلْتَ: هل يتعَيَّنُ ذلك بعد تسليم بطلانِ المقدَّر المذكور؟ فقال: قلتُ: ذلك عسير عليَّ، وإنما الذي يتيسر لي إيراد السؤال، أمَّا تحرير ذلك فلا.\nقلت: بل الظاهر ما قاله مَن تقَدَّم. وهذا كقوله ﵇ لمَّا قيل له: أكْبَرُ الكبائر يا رسولَ الله؟ قال: أن تجعلَ لله ندًّا وهو خلَقَك، قيل: ثم ماذا؟ قال: أن تَقتلَ ولدك خشيةَ أن يَطْعَمَ معك، قيل: ثم ماذا؟ قال: أن تزاني حليلة جارك\". (٣٤٣). فكما أن قتل النفس هنا في الرتبة الثانية والزنى في الرتبة الثالثة، ولا تَوَسُّطَ بين شيئين مما ذُكر، وإن كانت لفظةُ ثُمَّ ثابتةً، وكذا الأمر في قوله: ثمّ من؟ فيقول: أمُّك، في أنه يفيد أن الأم لها من البر التقديم برتبتين أو ثلاثِ رُتب حسبما في الحديث من اختلاف الرواية.\nوأقول: أشار بالرواية الواحدة إلى ما اختصّت به الأم من الحمل والرضاع كما قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، (٣٤٤) فزادت بهذين، واشتركت بعد ذلك مع الأب في القيام به فيما عدا الرضاع، (٣٤٥) وقدَّم الأب بالذكر، وبالرواية الأخرى أشيرَ إلى المختص المذكور، وذلك شاقّ كما تقدم.\n_________\n(٣٤٣) أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله - ﷺ - سئِل: أيّ الذنب أعظمُ؟ فذكر الحديث.\nوفي معناه حديثٌ آخَرُ صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: ألا أخبركم بأكبرِ الكبائر؟ قالوا: بَلَى يا رسول الله، (أيْ أخْبِرنا بها لنتعرَّفها فنجتنِبَها). قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالديْن، وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قُلْنا: لَيْتَهُ سكتَ\".\n(٣٤٤) والآية من أولها هي قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\n(٣٤٥) عدَا أداةُ من أدوات الاستثناء مثل خلا، ويكون ما بعدهما مستثنى مجرورا على اعتبار أنهما حرفان من حروف الجر، أو منصوبا على انهما فعلان، ويتعين نصبُ المستثنى بهما حينئذ، إذا كان مسبوقا بما، كما في هذه العبارة، والى ذلك يشير ابن مالك في ألفيته بقوله:\nواشتثْنِ ناصبًا بـ ليس وخلَا ... وبِعَدَا وبيكونُ بَعدَ لا\nواجرر بسابقَيْ يكونُ إن تُرِد ... وبعدما انصِبْ وانجرارٌ قد يَرِدْ\nوحيث جَرَّا فهُما حرْفانِ ... كما هُما إن نَصَبا فِعْلانِ\nكخلا حاشا، ولا تصحبُ، مَا ... وقيل: حاشَ وحشا فاحفَظْهُمَا","vol":"2","page":535},{"text":"ثم إن المشترَك، وهو إنزال الماء الذي منه تصَوَّر، كان منهما معا، واستقر الابن عندها، فكان لها التقديم أيضا بهذا المشتَرك، فذكرَ ذلك ثلاث مرات، وفي الرابعة يكون الأب، وأظن هذه الرواية هي الثابتة، ومَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ على من لم يَحْفظ، والله أعلم.\nقال شهاب الدين: فإن قلت: ثمّ حرف عطف يقتضي معطوفًا ومعطوفا عليه، وليس معَنَا قبلَها ولا بعدَها إلا الأمُّ، فيَلزَمُ أن تكون معطوفة على نفسها في الرتبة الأولى والثانية، والقاعدةُ العربية أن الشيء لا يُعْطَف على نفسه، ثم قال: قلت: هذا أيضا سؤال مشكل.\nثم إن السائل إنما سأل عن غير الأم المتراخَي عنها في الرتبة، فكيف أجيبَ بالأم، كيف يقال: إن المتراخي عن الأم في البِر هو الأم حتى يحصل الجواب به؟ (٣٤٦) وهذا أيضا إشكال آخر، فقال:\n_________\n= وبالمناسبة أستحضر ذكرى لي مع البيت الثاني من هذه الأبيات:\n\"واجْرُر بسابقي يكون إن تُرد ... وبعد ما انصِبْ وانجرارٌ قد يَرِدْ\nوهي أنه، وأنا أتابع دراستي في السنة الثانية من الطور الابتدائي بجامع ابن يوسف بمراكش، كان أحد أساتذتي وشيوخي الأفاضل الذين كنت أدرس عندهم آنذاك هو الفقيه الصوفي الورع السيد الحاج عبد الرحمان الصويري ﵀، كان يشرح ويقرر البيت الآتي من الخريدة البهية في العقائد التوحيدية لأبي البركات الفقيه العلامة الشيخ أحمد بن محمد الدردير ﵀ في أبيات من صفات المعاني، وهو قوله:\nكلامُه والسمع والإبصار ... فهو الإلاه الفاعل المختار\nوواجبٌ تعليق ذي الصفات ... حتمًا دواما ما عدا الحياة\nوأخذ يقرر القاعدة النحوية المتعلقة بأداة الاستثناء فيه، وأن ضرورة النظم وقافيته هي التي حملت الناظم على أن يأتي بالمستثنَى مكسورًا، مع جوازه لغة وإعرابا، ويبحث عن الاستشهاد لها بالبيت السابق من الألفية، ويحاول استذكاره واستحضاره، فاستحضرته وذكرته له، بنصه: وإذا بي أسمعه يدعو لي ومعي بالخير، فرحمه الله، ورحم كافة علمائنا وشيوخنا الأبرار، وجزاهم عنا وعن المسلمين خيرا إلى يوم الدين\n(٣٤٦) هكذا في جميع النُّسخ. وعبارة القرافي هي قولهُ: كيف يقال: إن التراخي عن الأم في البِر هو للأم حتى يحصل الجواب به؟ ولعل ما عند البقوري تبدو أظهرَ في المعنى باسم الفاعل، عوض المصدر: (التراخي كما هو عند القرافي)، فليتأمل ذلك للتصحيح. والله أعلم.","vol":"2","page":536},{"text":"الجواب أن يقال: هذا عطْفٌ وكلام محمولٌ على المعنى، كأن السائل قيل له: أحقُّ الناس وأولاهم ببِرك أمُّك، قال: فلمن أتوجّهُ بالبر بعدها؟ قيل له: توجَّهْ أيضا لأمك، فقوبل ما فُهِم منه من الإعراض عن الأم بالأمر بالملازَمة، إظهارا لتاكيد حقها، فقال: إذا توجهتُ إليها وفرغت فلمن أتوجه بعد ذلك؟ فقيل له أمك، فقوبل أَيضا ما فهم منه من الإعراض عن الأم بالأمر بالبر والملازمة، إظهارًا لتاكيد حقها، فصارت الأمُّ معطوفة على نفسها بنسبتين مخلفتين إلى رُتْبتين مخلفتين، والشيء الواحد إذا أخِذ مع وصفين مختلِفين كان كشيئين متباينين. فظهرَ لك بهذا أن ضابط ما يختص به الوالدان دون الاجانب، هو اجتناب مطلَق الأذى كيف كان، إذا لم يكن فيه ضرر على الابن، ووجوبُ طاعتهما في ترك النوافل وتركِ تعجيل الفروض الموسَّعة، وتركِ فروض الكفاية إذا كان من يقوم بها، وما عدا ذلك لا تَجبُ طاعتهم فيه وإن نُدِب إلى طاعتهم وبِرّهم مطلقا. (٣٤٧)\n_________\n(٣٤٧) هذه الفقرة عبارة عن فصل عند القرافي في هذه الخلاصة، ومن تمامه قوله: وكذا الأجانب يُندَب برهم مطلقا، والمراد بهم من لا تجمع الانسان بهم صلة رحم ولا علاقة قرابة، غير أن الندب في الأبويْن أقوى في غير القرَبِ والنوافل، ولا نَدبَ في طاعة الأجانب في ترك النوافل، بل الكراهةُ من غير تحريم.\nوأمّا ما يجب لذوى الأرحام من غير الأبوين فلم أظفر فيه بتفصيل، كما وجدتُ تلك المسائل في الأبوين، بل أصل الوجوب من حيث الجملة. فهذا هو الذي قدرتُ عليه في هذا الفرق. وقد رأيت جمعا عظيما على طول الأيام يَعسُرُ عليهم تحرير ذلك.\nوقد علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء في هذه المسألة الثامنة، عند القرافي، وعقب على ذلك بقوله: ما قاله في ذلك كله من الأجوبة وغيرها صحيح، غيرَ قوله: \"وعلى هذه الطريقة يتضح لك أن رسول الله - ﷺ - لو اطلع على الغيب لذهبت عنه جهالات كثيرة، فإن هذا اللفظ مستنكَر مستقْبَح يجب تجنب مثله، ويمنتع إطلاقه في جانب النبي - ﷺ - وفي جانب سائر الرسل والأنبياء صلى الله عليه وعليهم أجمعين.\nقلت: وملاحظة الشيخ ابن الشاط، وتعقيبه على تلك العبارة بيدو تعقيبًا صائبًا في محله. ولعل تلك العبارة صدرت من العلامة القرافي عن سهو وعدم انتباه وتأمل، فكانتْ سبق لسان وقَلَمٍ، وعثرَةَ كلا، من عالم بارز متمكن، ذى معرفة واسعة ودراية كبيرة بعلوم الشريعة وأحكامها وآدابها المرعية، وكلا يقتضيه مقام النبوة من تادب واجلال واحترام، فيلتمس له العذر المقبول والوجه السليم لها كما يلتمس ذلك لغير من بعض اهل العلم والتصوف الذين تصدر عنهم بعض العبارات وتقع فهم بعض الشطحات، فلا يكاد يتضح المراد منها،\nخاصة وأن صدورَ مثل ذلك أمر نادرٌ وقليل الوقوع جدا في اهل العلم والفضل والصلاح والتقوى، لأنهم أعرف الناس بالله، وأكثرهم خشية لله، ولأنهم أعرف بمقام رسول الله، =","vol":"2","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>القاعدة التاسعة والعشرون\nفيما يُترَكُ من الجهل ولا يواخذُ عليه ممَّا لا </span>(٣٤٨)\nإعلم أن الله تعالى عذَرَ الانسان بالنسيان، ولم يَعذُره بالجهل مطلقا، بَلْ سمحَ في بعض الجهالات ولم يسْمح في بعضها.\nوضابط ما يُعفَى عنه مما لا يُعفى عنه هو أن مَا يتعذر الاحتِراز عنه عادة فهو معفو عنه، وما لا يَتعذر الاحتراز عنه عادةً ولا يَشُقُّ فهو غيرُ معفو عنه.\nوللأول صُوَر: أحدها (٣٤٩) مَنْ وطِئ أجنبيةً بالليل فظنَّها امرأتَه أو جاريَتَه، عُفيَ عنه، لأن الفحص عن ذلك مما يشق على الناس،\n_________\n= واكثرهم تواضعا وتقديرا لمقام النبوة والرسالة، ولصاحبها سيدنا محمد ﷺ. وقد يكون مستند القرافي في اطلاقه تلك العبارة - والله اعلم - قول الله تعالى في سورة الانعام: ٣٣، خطابا بالنبيه الكريم، وتخفيفا عنه وتسلية له من إذاية الكافرين، ومن إعراضهم وإصرارهم على العنادِ والضلال المبين: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\nعلى أنه، وكما يقال: لكل جواد كبوة، ولكل فرس عثرة، وسُبْحان الله، فالكمال المطلق إنما هو لله وحده، ومن هو الإِنسان الذي ما ساء وما أخطأ قط، ومن ذا الذي له الحسنى والصواب فقط، إلا من اكرمه الله بالنبوة وختم به الرسالة، وآتاه الوسيلة والدرجة الرفيعة، وخصه بالمقام المحمود يوم البعث والقيامة وهو سيدنا ونبينا ورسولنا سيدنا محمد - ﷺ -، وهو القائل في حديثه الصحيح: \"أقيلوا ذوي الهيآت او المروآت عثراتهم\"، والموصوف بالعفو والصفح عن امته، مما جعل كعب بن زهير ﵁ وقد شرح الله صدرَه للاسلام، ورجا العفو من الرسول ﵊ يقول في قصيدته ولاميتة بانت سعاد: \"والعفو عند رسول الله مامول. والاعمال والاقوال بالنيات، والله اعلم بالحق والصواب\".\n(٣٤٨) هي موضوع الفرق الرابع والتسعين بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وبين قاعدة ما يكون الجهل عذرًا فيه\"، جـ ٢. ص ١٤٩.\nقال في أوله الإِمام شهاب الدين احمد بن ادريس القرافي ﵀:\n\"إعلمْ أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة، فعفا عن مرتكبها، وواخَذَ بجهالات فلم يعْفُ عن مرتكبها\"، ثم عرض لضابط ذلك وبيانِه كما ذكره هنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري ﵀، ورحم كافة العلماء وسائر المسلمين.\n(٣٤٩) كذا في نسخة الخزانة العامة بالرباط، ونسخة الخزانة الحسنية بالرباط، وكذا في كتاب الفروق للقرافي، والأظهر - وهو الصواب - أن يقال: إحداها، بصيغة التانيث، للتناسب مع الموصوف بذلك في التانيث وهو الصورة.","vol":"2","page":538},{"text":"٢) كمن أكل طعاما نجِسًا يظنه طاهرًا.\n٣) كمن قتل مسلما في صفّ الكفار يظنه حربيًا فإنه لا إثم عليه في جَهْلِهِ بذلك، لتعَذّر الاحتراز عن ذلك، (وما يمكن الاحتراز عنه ويقدم على الشيء معه فهو آثم خصوصا في الاعتقاد). (٣٥٠) وإنما كان آثما بالجهل دون النسيان، لما بينهما من الفرق، من حيث إن النسيان لا يُتصَوَّرُ الاحتراز منه، والجهل يُتصوَّرُ الاحتراز منه، (٣٥١) فالنسيان كالجهل الذي يتعذر الاحتراز منه. (٣٥٢)\n_________\n(٣٥٠) ما بين قوسين ناقصٌ في النسخة التونسية، موجود في غيرها من نسخة ع، وحـ.\n(٣٥١) من الأمثلة التي أقى بها القرافي لهذه الصُور: من شرب خمرا يظنه جُلَابًا (وهو عسَلْ أو سُكَرٌ عُقد وخُلِطَ بماء الورب) فإنه لا إثم عليه في جهله بذلك، والحاكمُ يقْضي بشهود الزور مع جهله بحالهم لا إثْم عليه في ذلك، لتعذر الاحتراز من ذلك عليه، وقِسْ على ذلك ما ورد عليك من هذا النحو، وما عداهُ فمكَلَّف به، ومن أقْدَم الجهل فقد أثِم، خصوصا في الاعتقادات، فإن صاحب الشرع قد شددَ فيها تشديدًا عظيما.\nوأما الفروع دون الأصول فقد عفا صاحب الشرع من ذلك، ومن بَذل جهده في الفروع فأخطأ، فله أجر، ومن أصاب فله أجران كما جاء في الحديث، قال أبو الحسين في كتاب (المعتمَد في أصول الفقه): إن أصوِل الفقه اختَصَّ بثلاثة أحكام عن الفقه:\nأن المصيبَ فيه واحِدٌ، والمخطئ فيه آثم، ولا يجوز التقليد فيه، وهذه الثلاثة التي حكاها هي في أصول الدين بعينها، فقد ظهر لك الفرق - يقول القرافي - بين قاعدة ما يكون الجهل فيه عذرًا وبين قاعدة ما لا يكون الجهل فيه عذْرًا\". اهـ.\n(٣٥٢) قلت: ومن البديهي المسلّم به أن الله تعالى أكرم عباده بخاصية العقْل ومزيته، وجعله أساس التكليف ومناطه، وأمرهم بالتعلبم والبحث عن المعرفة، وأرشدهم إلى سؤال أهل العلم والفقه في الدين، حتى يَتَأتَّى للناس رفع الجهل عنهم، ويتسَّر لهم دفعه والتحرز منه، فقال تعالى: خطابا لنبيه الكريم، وتعليما لعباده المومنين: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. سورة طه، الآية ١١٤، وقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. (سورة الأنبياء، الآية ٧).\nوقال النبي - ﷺ -: \"طلب العلم فريضة على كل مسلم\"، أخرجه الحافظ جلال الدين عبد الرحمان السيوطي في كتاب \"الجامع الصغير\"، نقلا عن الحافظ ابن عبده البر ﵀، في كتابه جامع بيان العلم وفضله. ورواية عن أذكره ﵁، وقال - ﷺ -. في العذر بالنسيان: \"رُفع عن امتى الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه\" أورده كذلك الإِمام السيوطي في كتابه المذكور، نقلا عن الإِمام الطبراني ﵀، ورواية عن أنس ﵁، ورمز له السيوطي في كانابه بالصحة هكذا (صح).\nوقد علق الشيخ العلامة المحقق أبو القاسم، قاسم بن عبد الله الأنصاري، المعروف بابن الشاط ﵀ على ما جاء عند الإِمام القرافي ﵀ في هذا الفرق الذي ختم به الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم. البقوري ﵀ كتابه هذا (ترتيب الفروق)، وجعله آخرَ قاعدة من القواعد التي اشتمل عليها هذا الترتيب والاختصار، فقال ابن الشاط في ذلك:","vol":"2","page":539},{"text":"قلت: وهذا هو الفارق الحقيقي، ولهذا يقال: تعلّم العلم الحقيقي الذي يُحتاج إليه في الاعتقادِ وفي الاعمال فرض عين، فمن ترك التعلم لذلك، وكان مما يُعملُ به ولم يعمَل فقد عصى معصيتين: الواحدة من حيث الجهلُ وتركُ العلم، والأخرى من حيث تركُ العمل (٣٥٣)، ومن علِم ولم يعمَلْ فقد عصى معصية واحدة.\nقلت: ولكنه يصعُبُ هذا من حيث أشياءُ في الشريعة تقتضي أن عذاب العالم الذي لا يعمل بعلمه أشدُّ، إذْ الحاجة إليه أقوى. (٣٥٤)\n_________\n= ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، غيْرَ إطلاقه لفظ الظن في وطء الأجنبية وفيما معه (من باقي الأمثلة)، فإنه إن أراد حقيقة الظن الذي يخْطُرُ لصاحبه احتمالُ نقيضه فلا أرى ذلك صوابا، كان أراد بالظن الاعتقادَ الجزمي الذي لا يخطُرُ معه احتمال النقيض فذلك صواب.\nوغيْرَ قوله: تكليف المرأة البلهاء المفسودة المزاج، فإنه إن أراد الفاسدة المزاج بحيث لا تفقه شيئا فلا أرى ذلك صوابا، فإن مثل هذه لا تكليف عليها، وإن أراد أنها تفقه ولكن بعد تعَب ومشقة شديدة فذلك صواب، مع أن قوله \"المفسودة المزاج\" فاسد، وصوابه: الفاسدة المِزاج.\nوغير ما أطلق القولَ فيه من أن اصول الفقه ملحقة بأصول الدين في أن المصيب واحد، والمخطئ آثم، فإن المسألة مختلَف فيها، والمتقدمون من الأصوليين على التخطئة والتاثيم، والمتأخرون على خلاف ذلك.\nومسألة المرأة البلهاء المذكورة هنا عند ابن الشاط. قال عنها القرافي في سياق كلامه هنا: فإن تكليف المرأة البلهاء المفسودة المزاج، الناشئة في الأقاليم المنحرفة عفا يوجب استقامة العقل كأقاصى بلاد السودان، وأقاصى بلاد الأتراك، فإن هذه الأقاليم لا يكون للعقل فيها كبير رونق، ولذلك قال الله تعالى في بلاد الأتراك عند ياجوج وماجوج: وفي شأن ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾. (سورة الكهف، الآية ٩٣). ومن لا يفهم القول وبَعُدَتْ أهليته لهذه الغاية مع أنه مكلَّفٌ بأدلة الوحدانيَّة ودقائق أصول الدين: إنّه تكليف ما لا يطاق، فتكليفُ هذا الجنس كله من هذا النوع ... اهـ.\n(٣٥٣) قلت: وحاله هذه كحال المتجاهر بالذنوب والمعاصي، يرتكب معصيتين: معصية الذنب، ومعصية التجاهر به، فيكون ذنبه أعظم ويكون إثمه أكبر، لما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - إنّه قال: \"كل أمتي معافى إلا المُجَاهِرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد سترَه الله فيقول: يا فلانُ، عمِلتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يسترُه ربه، وبصبح يكشف ستْر الله عنه. رواه الشيخان: البخاري ومسلم، رحمهما الله.\n(٣٥٤) عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"من تعلمَ علما لغيْر الله، أوْ أراد به غيرَ الله فلْيتبوأ مقعده من النار\". رواه الامام الترمذي ﵀. =","vol":"2","page":540},{"text":"ويمكن أن يقالَ: ومن ذلك قوله ﵊:\n\"أوَّلُ الناسِ دخولًا إلى النار ثلاثة: (٣٥٥) رجل آتاه الله عِلمًا، فيقال له: ماذا عمِلتَ فيما عَلِمتَ؟، فيقول: يا ربِّ، أمَّا إني تعلمتُ وعلَّمْتُ فيك، فيقال: ولكن تعلمتَ ليقالَ، وقد قيل، فَأمُرُوا به إلى النار. (٣٥٦)\n_________\n= وفي معناه أيضا حديث أبي هريرة ﵁ عنٍ النبي - ﷺ - قال: \"من تَعلَّم علمًا ممّا يُبتغى به وجْهُ الله، لا يتعلمه إلا ليصيبَ به عَرَضًا من الدنيا (أي مالًا أو جاهًا) لِم يجد عَرف الجنة يوم القيامة\" أيْ لم يجد رائحتها الطيبة، لكونه بعيدَ المسافة عنها، وإن ريحها ليوجَدُ على مسافة سبعين عاما، كما ورد في حديث آخر عن النبي - ﷺ -.\n(٣٥٥) هو طرف من حديث صحيح عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه بعض أئمة الحديث والسنة: مسلم، والترمذي والنسائي ﵏، وهو يتناول من قرأ القرآن لغير الله، ومن تعلم العلم لغير الله، ومَنْ جاهد لغير الله، لأن ذلك يُعتَبَرُ من قبيل العمل رياءً وسمعَة، وهو الشرك الخفي الذي حذر منه النبي - ﷺ - أمته المومنة، لأنه يذهب بثواب الاعمال الصالحة.\nفقد جاء في حديث أخرجه الامام مسلم ﵀ عن ابي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -، قال الله تعالى (أي في الحديث القدصى): \"أنا أغْنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيي تركنه وشِركه\" أي تركتُهُ يطلب ثوابه ممن أشركه معي في العمل التعبدي الذي يجب أن يكون خالصا لوجه الله الكريم، ولذلكم قال تعالى خطابا لنبيه الامين، وتعليما لعباده المومنين: \"إنا انزلنا اليك الكتاب بالحق فاعبد الله مُخْلِصا له الدينَ، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (سورة الزُّمَر، الآية (٢) وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ سورة الكهف. الآية. ١١٠.\n(٣٥٦) كذا في نسخة الخزانة الحسنية بالرباط، والمرموز الها بحرف ح، وفي نسخة الخزانة العامة بالرباط كذلك، والمرموز الها بحرف ع (فأمُرْ به إلى النار)، وفي النسخة التونسية المرموز اليها بحرف ت فيومَر به إلى النار\". أعاذنا الله من ذلك بفضله وجوده، وعصمنا بفضله وكرمه\nحتى تكون كُلَّ الأعمال الصّالحة التي نَتعبَّدُ الله بما وتتَقرَّب بها إليه سبحانه خالصة لوجهه الكريم، ومقبولة منا بفضله وكرَمه العميم.\nومما تجدر الإشارة إليه والتذكير به في هذا التعليق -كما هو معلوم- لدى افاضل العلماء وصفوة الأساتذة الأجلاء، أن الفعل الماضي أمرَ، ومضارعه يامرُ، تحذف همزته الأصلية مع همزة الوصل في صيغة الأمر منه، كما في قول النبي - ﷺ -: \"مروا أودكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع\" أي فرقوا بينهم في فراش النوم عند بلوغهم السنة العاشرة من حياتهم. اللهم إلا إذا كان مسبوقا بالفاء كما هنا في هذا الحديث، أو بالواو كما في قول الله تعالى خطابًا لنبيه الكريم، وتعليما للعباد المومنين الصالحين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقوله خطابا بالنسبة لجميع المسلمين: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] =","vol":"2","page":541},{"text":"ويمكن أن يقال: هذا العالم الذي برزَ وظَهرَ، كان أشدَّ الناس عذابا، لأنه بِفسقه يُضِلّ خَلْقا كثيرا، وأمَّا من لم ييرُز ولكنه علِمَ ولم يعمل، فهو دون الذي ما عَلِم ولا عمِلَ، ففي مثل هذين قيل: الواحد أتى بمعصيتين، والآخر بمعصية واحدة، والله أعلم. (٣٥٧)\n_________\n(٣٥٧) قلت: في آخر هذه الفقرة إشارة إلى بعض ما جاء عند الإِمام القرافي ﵀ في الفرق الثالث والتسعين بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح، وقاعدةِ الجهل يقدح، وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه\" جـ ٢ .. صفحة ١٤٨.\nوقد اختصر الشيخ البقوري ﵀ هذا الفرق من أصله،، ولم يأتِ به ملخصا وموجزا كما هو عنده بالنسبة للفروق والقواعد الأخرى التي اشتمل عليها كتابه هذا.\nوقد رأيت أن أورد هذا الفرق عند القرافي، وأنقله كما هو، تتميما للكتاب والفائدة، وأجعله ختام التعاليق التي أتيت بها في تحقيق هذا الكتاب ومراجعتِه وتصحيحه، وأن يكون استكمالا لموضوع الفرقِ الرابع والتسعين، نظرا لأهميته كباقي الفروق الأخرى، خاصة وأنه من الفروق القصيرة الجامعة في بيان وجوب التعلم والفقه في الدين، واحتسابه لله تعالى، فقال القرافي ﵀ في هذا الفرق ٩٣ من كتابه الجليل (الفروق).\n\"إعلَمْ أن الغزالي ﵀ حكى الإجماع في كتابه (إحياء علوم الدين)، والشافعي ﵀، في رسالته حكاه أيضا في أن المكلف لا يجوز له أن يُقْدِمَ على فِعل حتى يعلَم حكم الله فيه. فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينَّه الله وشرعه في البيع، ومن أجَرَ وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الإِجارة، ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله في القراض، ومن صلَّى وجبَ عليه أن يتعلم حكم الله في تلك الصلاة، وكذلك الطهارة، وجميع الأقوال والأعمال. فمن تعلم وعمِل بمقتضَى ما علِمَ فقد أطاع الله تعالى طاعتين، ومن لم يعلم ولم يعمَلْ فقد عصَى الله معصيتين، ومن عَلِم ولم يَعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه\nمعصية.\nويَدُل لهذه القاعدة أيضا من جهة القرآن قول الله تعالى حكاية عن نوح عليه الصلام والسلام: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ (١)، ومعناه ما ليس في بجواز سؤاله عِلم، فدل ذلك على أنه لا يجوز له أن يقدم على الدعاءِ والسؤال إلا بعدَ علمه بحكم الله تعالى في ذلك السؤال، وأنه جائز، وذلك سبب كَوْن نُوح ﵇ عوتِب على سؤاله الله ﷿ أن يكون معه ابنُهُ في السفينة، لكونه سأل قبل العلم بحال الولد، وأنه مما ينبغي طلبه أم لا. فالعتْبُ والجواب كلاهما يدل على أنه لابد من تقديم العلم بما يريد الإنسان أن يشرع فيه.\nإذا تقرر هذا، فمثله قول الله تعالى (في سورة الاسراء): ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. نهى الله تعالى نبيه ﵊ عن اتباع غيْر العلوم، فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلَمَ، فيكون طلب العلم فريضة على كل مسلم.\nقال الشافعي ﵀: طلبُ العلم قِسمانِ: فرضُ عَيْنٍ، وفرضُ كفاية، ففرضُ العيْن علْمُكَ بحالتك التي أنت فيها، وفَرْضُ الكفاية ما عدا ذلك. فإذا كان العِلم بما يُقْدِم الإِنسانُ =","vol":"2","page":542},{"text":"انتهى كمل كتاب ترتيب الفروق واختصارُها، لأبي عبد الله محمد بن ابراهيم البقوري ﵀.\n_________\n= عليه واجبا كان الجاهل في الصلاة عاصيا بترك العلم، فهو كالمتعمد التَّرْك بعدم العلم بما وجب عليه، فهذا وجه قول الإِمام مالك ﵀: إن الجهل في الصلاة كالعمدِ، والجاهل كالمتعمد لا كالناسي، وأما الناسي فمعفو عنه، لقول النبي ﵊:\n\"رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه\". وأجمعت الأمة على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة، فهذا فرق.\nوفرق ثانٍ، وهو أن النسيان يهجم على العبد قهرًا لا حيلة له في دفعه عنه، والجهل له حيلة في دفعه بالتعلم، وبهذين الفرقين ظهر الفرق بين قاعدة النسيان وقاعدة الجهل\".\nوقد عقب الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء عند الإِمام القرافي ﵀ في هذا الفرق فقال: وما قاله في هذا الفرق، مما وقفْتُ عليه مِنْه، صحيح، ووقع فيه في النسخة التي رأيتها منه نقص دل عليه الكلام، فلهذا قلت: \"مما وقفت عليه\"، والله تعالى أعلم وأحكم، وهو سبحانه ولي الهداية والتوفيق. اهـ.\nقلت: كان ما جاء عند الشيخ البقوري ﵀ في هذه القاعدة الأخير التي ختم بها كتابه هذا \"ترتيب الفروق واختصارها\"، وكذلك ما جاء منها مفصلًا وموسعا في هذين الفرقين: الثالث والتسعين، والرابع والتسعين عند القرافي يدعُو المسلم والمسلمة إلى حُب العلم وطلب المعرفة ويدفعه إلى الاستزادة منه، ويحمله على البحث عن الحكمة التي هي ضالة المومن وغايتُه المنشودة، ولذته وسعادته الروحية والفكرية، كما ذكر الشيخ تاج الدين ابن السبكي رحمه الله تعالى في كتابه بمح الجوامع في أصول الفقه. وحكاه عن والده الشيخ الإِمام في العلوم فقال: \"وحَصَر الشيخ الإِمامُ اللذة في المعارف\".\nكما يحمل القارئَ والمتعلم، والعالم الفقيه في الدين على أن يجعل اهتمامه بالعلم، تَلَقّيا وتلقينا، وتعلَّما وتاليفًا وتدوينا، واشتغاله به كتابة وإفتاءً، خالصًا لله رب العالمين، وابتغاء مرضاته ووجهه الكريم، ورغبة في الاستفادة من العلم ونوره، وتعليم الناس وإفادتهم به وتفقيه المسلمين، وتنوير بصائر المومنين، حتى يكون الفقيه العالم في زمرة أولئك العلماء العاملين، الصالحين المخلصين، الذين أثنى عليهم ربنا العظيم، ووزكاهم بقوله الكريم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال فيهم سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وقال فيهم جل علاه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\nوقال فيهم النبي - ﷺ -: \"من يردْ الله بن خيرا يفقهه في الدين\"، وقال فيهم أيضا:\n\"العلماء ورثة الانبياء، وإن العالم لَيستغفرُ له مَن في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء، وفضْلُ العالم على العابد كفضل القمر علي سائر الكواكب\"، وقال فيهم ايضا رسولنا ﵊: \"يشفعُ يومَ القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء\"، رواه الإِمام ابن ماجة ﵀ عن سيدنا عثمان بن عفان ﵁ وعن سائر الصحابة أجمعين، ورحم الله كافة العلماء والفقهاء وأعلام ملة الاسلام، وسائر المسلمين، فلمثل ذلك فليعمل العاملون، وفي ذلك فلْيتنافس المتنافسون.","vol":"2","page":543},{"text":"والحمد لله الذي وفق وأعان على تحقيقه وإخراجه وإتمام ذلك، فله ﷾ الفضل وله الشكر والمِنَّةُ على ذلك.\nوصلى الله على سيدنا: محمد وَآله وصحبه أحمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ورحم الله علماء المسلمين، وجزاهم خيرا عما قدَّموه من خِدمة لِلعلم والدِين، ولأمَّتِهم الاسلامية في كل مكان وحين. وجعلنا لِهدي النبيِّ قوله - ﷺ -\n_________\n= انتهى كتاب ترتيب الفروق واختصارها وكمُلَ كما هو في نسخه الخطية، لمؤلفه الشيخ أو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري ﵀، وكمل تحقيقه، ومقابلته، وتصحيحه ومراجعتهُ، وتمت تعاليقه وتعقيباته في الهامش ليلة الجمعة ٧ شعبان ١٤١٦ على يد العبد الفقير المتواضع لربه، الراجي منه سبحانه واسع مغفرته ورحمته، وكريمَ عفوه ورضاه، عمر ابن محمد، الملقب بـ (ابنُ عَبَّاد)، كان الله له في حياته وبعد مماته، وقابلَه بمحض جوده وكرمه، وجعلَ هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ونهخ به كما نفع بأصله كافة أهل العلم والفقه في الدين، وجميع المسلمين، وجعلنا ممن هداهم سبحانه ووفقهم لطاعته وطاعة رسوله بتوفيقه، وممن تكرم عليهم بالاقتداءِ بنبيه ورسوله سيدنا: محمد - ﷺ - وجعلنَا مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقا. آمين، آمين، آمين.\nهذا، وعملًا يقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، وعملا كذلك بما جاء في حديث االنبي - ﷺ - من الأمر بالدعاء لمن عمل خيرا الانسان، أو أعانه وساعده على تحقيق وإنجاز عمل من الأعمال الصالحة النافِعة للمسلمين في حياتهم وشؤؤنهم الدينية والدنيوية، حين قال ﵊: \"من لم يشكر الناس لم يشكر الله\". وقال: \"من أسدى إليكم معروفا فكافؤوه، فإن لم تجدوا ما تكافئون به فادْعوا له\".\nفإني أدعو الله تعالى، وأسأله سبحانه بالسبع المثاني والقرآن العظيم أن يثيب ويجزى خيرا كل من أعان على تحقيق هذا الكتاب وساعد على إخراجه للانتفاع به وشجع على ذلك بفائدة علمية أو كلمة طيبة من إخواني أصحاب الفضيلة العلماء، والأساتذة الأجلاء، وأخص بالذكر فضيلة الأستاذ الكبير والعالم الجليل، والفقيه المتضلع، والأديب البارع، معالي وزير الأوقاف والشؤون الإِسلامية الدكتور عبد الكبير المدغري، الذي يرجع إليه الفضل - بعد الله تعالى وعونه وتوفيقه - في تحقيق ونشْر هذا الكتاب الهام في أصله ومحتواه، المتواضح فيما قمت به من تحقيق لفظه ومبناه، وبذلته من مجهود علمي في انجازه وإخراجه للوجود، خدمة للعلم والعلماء، وللدين والمسلمين، آمِلًا، أن ينال القبول والرضى عند إخواني العلماء والأساتذة المحترمين، فما كان من نقص كملوه، ومن خطأ أصلحوه وصوبوه.\nكما أدعوه سبحانه وأسأله أن يرحم المحسنين، وأن يجزل لهم الثواب الكبير والأجر العظيم، وأنْ يغفر لوالدينا ولمشايخنا ولكافة الائمَّة والعلماء والفقهاء المسلمين، ويتغمدهم برحمته الواسعة، ويجزيهم عنا أحسن الجزاء، ويسكنهم فسيح جناته، ويجعلهم في أعلى عليين، مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.","vol":"2","page":544},{"text":"متَّبعين، وعلى سنَنِهم ونهْجهم القويم سائرين، وختم لنا بالسعادة والحسْنى يوم لقاء وجهه الكريم، ونفع بهذا الَكتاب وأصله كافة أهل العلم، والفقه في الدين، وسائر الدارسين من شباب المسلمين آمين، آمين، آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n\nالمحقق: عبد ربه، المفتقر إلى رحمة الله وفضله وعفوه،\nذ. عمر بن محمد (بَنْعَبَّاد) كُنْيةً\n_________\nومسك الختام أنني أحمد الله تعالى وأشكره على فضله ونِعَمِهِ التي لا تعد ولا تحصى. كما أسأل الله تعالى في ختام هذا الكتاب أن يبارك في حياة امير المومنين جلالة الحسن الثاني، الذي يشجع العلم والعلماء، وتطبع هذه الكتب العلمية والتراث الاسلامي بأمره المطاع، وأن يديم اللَه له النصر والفتح والتمكين، ويحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، وأن يقر الله عين جلالته بولي عهده صاحب السمو الملكي الامير الجليل سيدي محمد، وصنوه صاحب السمو الملكي الامير المجيد مولاي رشيد، ويحفظه في كافة اسرته الملكية الشريفة، إنه سبحانه سميع مجيب.\nوالحمد لله أولا أخيرا، والشكر له سبحانه ظاهرا وباطنا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الرسول المصطفى الأمين، وعلى آله وأزواجه وذريته الطبين الطاهرين وصحابته الكرام الأبرار المجاهدين، ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين. صلاة ترضيه وترْضى بها عنا يا رب العالمين، وبجعلنا متشبثين بالقول الثابت في الدنيا وفي الآخرة يوم لقاء وجهك الكريم، ولا ينفع مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم. فاللهم استجب لنا الدعاء، وحقق لنا فيك الامل والرجاء، وتكرم علينا بحسن العاقبة والخاتمة بمنك وففلك، وجودك وكرمك يا اكرم الاكرمين، واغفر لنا ولولدينا ولمشايخنا ولكل من الحق علينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمومنين والمومنات الاحياء منهم والاموات، انه سميع قريب مجيب الدعوات، يا ارحم الراحمين، يا رب العالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"2","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>فهرس المصادر والمراجع</span>\n١ - النُّسخ المخطوطة لكتاب (ترتيب الفروق واختصارها)، لمؤلفه العلامة الشيخ البقوري.\n٢ - كتاب الفروق للإِمام العَلاَّمة شهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، الطبعة الأولى بدار إحياء الكتب العربية عام ١٣٤٤ هـ.\n٣ - تهذيب الفروق والقواعد السَّنِية في الأسرار الفقهية، للعالم الفاضل الشيخ محمد علي ابن الشيخ حُسَينْ مفتي المالكية في وقته، (مطبوع مع كتاب الفروق).\n٤ - حاشية عُمدة المحققين، أبِي القاسم، قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط، (مطبوعة مع كتاب الفروق).\n٥ - تفسير القرآن العظيم، للإِمام الجليل، والمفسِّر الشهير، أبِي الفِداء إسماعيل ابن كثير. ط. دار المعرفة - بيروت.\n٦ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للإِمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمان السيوطي. ط. طهران.\n٧ - الجامع لأحكام القرآن. للإِمام العلامة، أبي عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. ط. دار الكتب.١٩٥٠ مَ.\n٨ - المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للإِمام العلامة، القاضي أبِي محمد عبد الحق بن عطية الأندَلسِي. ط. وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية\nبالمملكة المغربية في ستة عشَر جُزءًا.\n٩ - الكشاف عن حمائق غوامض التنزيل، للإِمام العَلاّة محمود بن عمر الزَّمَخْشَري ط. الأولى.١٣٥٤ هـ.\n١٠ - أحكام القُرآن، لِلإمام العلامة القاضي أبي بكر بن العَربي المَعَافِرِي. ط. الثانية ١٣٨٧ هـ.\n١١ - في ظلال القرآن، للمفسر العلامة الشهيد سيد قطب. ط الثانية ١٩٦١ م.\n١٢ - الناسخ والمنسوخ في القرآن الكرَيم، للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري. دراسة وتحقيق الأستاذ الجليل الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ١٤٠٨ - ١٩٨٨.\n١٣ - صفْوة التفاسير للأستاذ الجليل محمد علي الصابوني، ط. الثانية ١٤٠١ - ١٩٨١.\n١٤ - مختصر تفسير ابن كثير لنفس المؤلف.","vol":"2","page":549},{"text":"١٥ - الموطَّأ لإمام دارِ الهجرة وعالِمِ المدينة، مالك بن أنَس.\n١٦ - صحِيح الإِمام البخاري، لِلمَحدث الحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، البخاري.\n١٧ - صحيح الإِمام مسلم، المحَدِّثِ الحافظ، أبِي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري.\n١٨ - التمهيد لِما في الموطأ من المعاني والأسانيد، للإِمام الحافظ أبي عُمَر، يوسفَ ابن عبد البَر النَّمَري. طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية في ستة وعشرين جزءًا.\n١٩ - شرح الفقيه المحقِق الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني على موطأ الإِمام مالك، ط المصرية.\n٢٠ - شرح الإِمام شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني على صحيح الإِمام البخاري.\n٢١ - شرح الإِمام يحيَى بن شَرَف النووي على صحيح الإِمام مسلم بهامش إرشاد الساري للأمام القسطلاني.\n٢٢ - شرح سبل السلام على بلوغ المَرَام من أدِلة الأحكام، للإِمام محمد بن إسماعيل الصنعاني.\n٢٣ - فتحُ المبين بشرح الأربعين (النووية) للعلامة الحافظ ابن حجَر الهيثمي.\n٢٤ - سنن أبِي داود، للإِمام الحافظ أبِي داودَ سليمان السَّجسْتَانِي (في أربعة أجزاء).\n٢٥ - سُنَن النَّسائي (المجتَبَى)، للإِمام الحافظ أبي عبد الرحمان أحمد بن شعيبْ النَّسائي الخراساني في أربع مجلدات.\n٢٦ - السنن الكبرى للإِمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسيْن البيهقِي (في ١٠ مجلدات).\n٢٧ - الترغيب والترهيب مِن الحديثِ الشريف، للإِمام الحافظِ ابن عبد العظيم المُنذِرِي.\n٢٨ - فقه السنة للسيد السابق.\n٢٩ - التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، للشيخ منصور علي ناصف.\n(٣٠) شرح منظومة البيقونية في مصطلح الحديث وعلومه، للعلامة عمر بن فتوح الدمشقي.\n٣١ - علومُ الحديث ومصطلحه، للدكتور الشهيد صبحي الصالح.","vol":"2","page":550},{"text":"٣٢ - الموافَقَات في أُصول الأحكام للإِمام الحافظ المجتهد أبي إسحاق الشاطبي.\n٣٣ - قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام.\n٣٤ - شرح العلامة المَحَلِّي على متْنِ جمع الجوامع في أصول الفقه، لِتاج الدين عبد الوهاب ابن السبكي.\n٣٥ - شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، للإِمام شهاب الدين القرافي.\n٣٦ - أصول الفقه للفقيه الجليل الشيخ العربي اللُّوهْ.\n٣٧ - أصول الفقه للعلامة الشيخ محمد الخضري.\n٣٨ - أصول الفقيه للأستاذ الجِليل عبد الوهاب خَلاَّف.\n٣٩ - مصادر التشريع فيما لا نصَّ فيه لنفس المؤلف.\n٤٠ - أصول التشريع الإسلامي للأستاذ الجليل عَلِي حَسْب الله.\n٤١ - الأشباهُ والنظائر في قواعدِ وفروع فقه الشافعية، للإِمام جلال الدين السيوطي.\n٤٢ - مقاصد الشريعة الإسلامية ومَكارمُها، لشيخنا الأستاذ الجليل العلامة الكبير علال الفاسي.\n٤٣ - دفاع عن الشريعة لنفْس المؤلف.\n٤٤ - مقاصِد الشريعة للفقيه العلامة، الشيخ الطاهر بن عاشور.\n٤٥ - الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي.\n٤٦ - البرهان في علوم القرآن للعلامة بدر الدين الزركشي.\n٤٧ - منَاهِل العِرفان في علوم القرآن، للعلامة الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني.\n٤٨ - مباحث في علوم القرآن، للأستاذ الشهيد الدكتور صبحي الصالح.\n٤٩ - مقدمة في الدراسات القرآنية، للأستاذ الجليل الدكتور محمد فاروق النبهان.\n٥٠ - المقدمات الممهِدات (في الفقه): تأليف الإِمام أبي الوليد بن رشد الجدّ، بتحقيق الأستاذ الجليل الدكتور محمد حجي.\n٥١ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، للإِمام أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحَفيد.\n٥٢ - المعيار المغرِبُ، والجامع المُغْرب عن فتاوَى أهْل افريقيةَ والأندلس والمغرب، تحقيق جماعة من الأساتذة والفقهاء، بإشراف الدكتور محمد حجي، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، سنة ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م في ١٣ جزءًا.","vol":"2","page":551},{"text":"٥٣ - النوازل الصغرى في أربعة أجزاء، للفقيه العلامة المحقق الشيخ محمد المهدي الوزاني، طبع ونَشْر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.\n٥٤ - الإشراف على مسائل الخلاف، لمؤلفه العلامة القاضي عبد الوهاب البغدادي.\n٥٥ - كتاب (التلقين في الفقه المالكي) لنفس المؤلف قبله.\n٥٦ - القوانين الفقهية، للفقيه الجليل أبي القاسم محمد بن جُزَي الكَلْبي الغرناطي.\n٥٧ - الشرح الكبير، للفقيه العلامة أحمد الدردير على مختصَر الشيخ خليل.\n٥٨ - الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإَمام مالك، لنفْس المؤلف.\n٥٩ - جواهر الإكليل على مختصر خليل في جزءين، للعلامة الشيخ صالح عبد السميع الأبِّي الأزهري.\n٦٠ - كفاية الطالب الرباني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، للشيخ أبي الحسن.\n٦١ - تبصِرة الحكَّام في أصول الأقضية ومناهِج الأحكام، تأليف الفقيه العلامة أبي الوفاء إبراهيم بن محمد بن فرحون اليعمرِي المالكي.\n٦٢ - العقد المنظمُ للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقودِ والأحكام، تأليف\nالفقَيه الشيخ أبي محمد عبد الله بن سلَمون الكِناني، مطبوع بهامش التبصرة.\n٦٣ - من شرح الفقيه العلامة، أبِي عبد الله الشيخ محمد التاودي بن سُودة على منظومة الفقيه الجليل أبي بكر محمد بن عاصم الغرناطي، المسماة: (تحفة\nالحكام في نُكَت العقود والأحكام) في فقه القضاء ومسطرته.\n٦٤ - الإشراف علىَ مسائل الخلاف (في الفقه)، لمؤلفه الفقيه الإِمام أبي محمد القاضي عبلى الوهاب البغدادي المالكي (في جزءين).\n٦٥ - العذْب الزُّلاَل في مباحث رؤية الهلال، تأليف الفقيه العلامة المحقق شيخنا الجليل محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرَازق، المراكشي في جزء واحد،\nطبعَ دولة قَطَر.\n٦٦ - الشرح الكبير للفقيه العلامة الشيخ محمد ميارة على نظْم المرشد المعين على الضروري من علوم الدين.\n٦٧ - أعلام الموقِّعين عن رب العالمين، للإِمام العلامة الشهير، محمد ابن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية (في أربعة أجزاء).","vol":"2","page":552},{"text":"٦٨ - الطُّرُقْ الحُكمية في السياسة الشرعية في جزء واحد لِنفْس المؤلف.\n٦٩ - الأحكام السلطانية والولايات الدينية، للإِمام العلَامة أبي الحسَن عَلي بن محمد البغدادي الماوردي.\n٧٠ - أدَبُ الدنيا والدين، لنفْس المؤلف.\n٧١ - السياسة الشرعية للإِمام العلامة شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية.\n٧٢ - زادُ المعاد في هدْي خير العباد، للفقيه العلامة ابن القيم.\n٧٣ - دلائل النبوة، للإِمام الحافظ أبي بكر البيهقي.\n٧٤ - تهذِيب سيرة ابن هشام، للأستاذ الجليل عبد السلام هارون.\n٧٥ - فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.\n٧٦ - المصنَّفات المغربية في السيرة النبوية، ومصنِّفوها، للأستاذ الجليل الدكتور محمد يسف، قيدوم كلية الشريعة بفاس، حالا، وخريج دار الحديث الحسنية.\n٧٧ - نور اليقين في سيرة خير المرسلين، للشيخ محمد الخُضري.\n٧٨ - إتمام الوفاء في سيرة الخلَفاء لنفس المؤلف.\n٧٩ - أعلامُ السُّنن في شرح صحيح البخاري لأبي سليمان حمد بن محمد الخطَّابي، دراسة وتحقيق الأستاذ الجليل الدكتور يوسف الكتاني، من العلماء خريجي دار الحديث الحسنية.\n٨٠ - كنزُ العمال في سنن الأقوال والأعمال، للعلامة عَلاَء الدين المُتَّقي بن حسام الهندِي.\n٨١ - موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف، تأليف خادم السنة المطهرة أبو هاجر، محمد السعيد بن بيسوني زغلول.\n٨٢ - نصبُ الراية وأحاديث الهِداية، لجمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي.\n٨٣ - الأسرار المرفوعة، للعلامة الشيخ علي القَاري.\n٨٤ - مختصَر المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تأليف العلاَمة محمد بن عبد الباقي الزرقاني.\n٨٥ - الدّرَرُ المُنْتَثِرة في الأحاديث المشتهِرة، لجلال الدين السيوطي.\n٨٦ - اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) لنفس المؤلف (السيوطي).\n٨٧ - كشْف الخفاء، ومُزيل الإلْبَاس عما اشتهر من الأحاديثِ على ألسنة الناس، للعلاَّمة إسماعيل بن محمد العجْلوني.\n٨٨ - الرسالة للفقيه العلامة أبي محمد عبيد الله بن أبِي زيْد القيْرواني.\n٨٩ - التلقين في الفقه المالكي، للفقيه العلامة القاضي عبد الوهاب البغدادي.","vol":"2","page":553},{"text":"٩٠ - فتحُ الرحيم على فقه الإِمام مالك بالأدلة، تأليف الفقيه العلامة محمد بن أحمد، الملقبُ بالدَّاهْ الشنقيطي الموريتاني.\n٩١ - الفتوحات الإلاهية في أحاديث خير البرية، تأليف السلطان سيدي محمد بن عبد الله بن إسماعيل العلوي.\n٩٢ - الموسوعة الفقهية، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية.\n٩٣ - مقدمة ابن خلدون، لمؤلفها العلامة الشهير، والمؤرخ الاجتماعي الكبير عبد الرحمان بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي.\n٩٤ - الفقيه أبو عَلِي الْيوسي: نموذَج من الفكر المغربي في فجر الدولة العلوية: تأليف الأستاذ الجليل، الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n٩٥ - مَبَاحث في المذهب المالكي بالمغرب، تأليف الأستاذ الجليل الدكتور عمر\nالجيدَي من علماء دار الحديث الحسنية، ﵀، ط. الأولى ١٩٩٣ م.\n٩٦ - مقدمة في إحياء علوم الشريعة. د. صبحي محمصاني.\n٩٧ - إحياء علوم الدين، للإِمام أبي حامد الغزالي.\n٩٨ - التصوف الإسلامي: تاريخه، ومدارسه، وطبيعته، وأثرُهُ، تأليف الأستاذ الجليل أحمد توفيق عيَّاد.\n٩٩ - نشأة التصوف الإسلامي، للدكتور إبراهيم بَيْسوني.\n١٠٠ - التصوف الإسلامي الخالص، للعلامة الشيخ محمود أبو الفيض المنوفي.\n١٠١ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تأليف الإِمام الحافظ أبي الفضل، القاضي عياض بن موسى بن عياض اليَخصُبِي السبْتِي. طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإلسلامية بالمملكة المغربية في ثمانية أجزاء.\n١٠٢ - الديباج المذهَّب في معرفة أعيان علماء المذهب، تأليف الإِمام الشهير إبراهيم بن فرحون المالكي، صاحب تبصرة الحُكَّام، وهو في جزءين.\n١٠٣ - نيْل الابتهاج بتطريز الديباج، للعلامة الشيخ أحمد بابا التَّنْبُكْتي.\n١٠٤ - الأعلام، لخير الدين الزركلي.\n١٠٥ - جذوة الإقتباس في ذكر من حَلَّ من الأعلام مدينة فاس، تأليف الفقيه الَمؤرخ أحِمد بن القاَضي المكناسي، (في جزءين).\n١٠٦ - الإعلام بمنْ حلّ مراكش وأغْمات من الأعلام، تأليف الفقيه الجليل قاضي الحضرة المراكشية إلى أوائل عهد الاستقلال، العلامة العباس بن","vol":"2","page":554},{"text":"إبراهيم المراكشي، طبع المطبعة الملكية، وتحقيق مؤرخ الملكية، الأستاذ الجليل عبد الوهاب بمنصور.\n١٠٧ - السعادة الأبدية: للفقيه العلامة الشهير بابن الموقت (من علماء الحضرة المراكشية).\n١٠٨ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفُنون، لمؤلفه العلامة، مصطفى بن عبد الله، المعروف بحَاجِّي خَليفة، وفهارسُ أعلام كشف الظنون لنفس المؤلف.\n١٠٩ - هدية العارفين، أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، لمؤلفه العلامة إسماعيل باشا البغدادي. في جزِءين.\n١١٠ - إيضاح المكنون في الذّيل على كشف الظنون، لنفْس المؤلف: إسماعيل باشا.\n١١١ - الفِكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. في جزءين: تأليف الفقيه الجليل العلامة محمد بن الحسين الحجوي الثعالبي الفاسي.\n١١٢ - شجرة النور التركية للعلامة الشيخ بن مخلوف.\n١١٣ - طبقات الشافعية، لأبي بكر، هداية الله الحسَيْني في جزء واحد.\n١١٤ - النبوغ المغربي في الأدب العربي، تأليف الفقيه الجليل العلامة الشيخ عبد\nالله كنون، المرحوم بكرم الله.\n١١٥ - كتاب الأغاني، للأديب الشهير أبي الفرَج الأصبهاني.\n١١٦ - تاريخ الأدب العربي، للأستاذ الأديب أحمد حسن الزيات.\n١١٧ - المنتخب في الأدب العربي، لمجموعة من الأساتذة.\n١١٨ - من تراث التأليف اللغوي بالمغرب، تأليف الأستاذ أحمد الدَّغرني.\n١١٩ - شرح العلامة أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسينْ الزوزني على المعلقات السبع، وعيون الشعر العربي في العصر الجاهلي.\n١٢٠ - علوم البلاغة، للشيخ المرحوم العلاَّمة أحمد مصطفى المراغي.\n١٢١ - شرح الشيخ العلامة أحمد الدمنهوري على منظومة الجوهر المكنون في الثلاثة فنون. البيان، والمعاني، والبديع، لمحمد بن عبد الرحمان الأخضري، ناظم منظومة \"السُّلَّم في علم المنطق\" التي شرحها الشيخ حسن القوَيسْنِي.\n١٢٢ - شرح التلخيصَ في علوم البلاغة، للإِمام جمال الدين القزويني، وتخريج شواهده، تأليف الأستاذ محمد هاشم دويدري.\n١٢٣ - مُغْنِي اللَّبيب، لجمال الدين بن هشام الأنصاري.","vol":"2","page":555},{"text":"١٢٤ - قَطْرُ النَّدَى وبَلُّ الصَّدَى، لابن هشام أيضا، ومعه سبيل الهُدَى بشَرح قَطْر النَّدَى للأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد.\n١٢٥ - شرح شواهد المغْنِي (مُغْنِي اللَّبيب) للإِمام جلال الدين السيوطي.\n١٢٦ - شرح العلامة ابن عَقِيل على منظومة ألفية ابن مالك في النحو.\n١٢٧ - القاموس المحيط، للعلامة الفيروزبادي.\n١٢٨ - شرحه للشيخ العلامة مرتضى الزَّبيدي.\n١٢٩ - الوسيط في اللغة (في جزءين).\n١٣٠ - مختار الصِّحاح، للشيخ الإِمام محمد ابن أبي بكر بن عبد القادر الرازي.\n١٣١ - منجد الطلاب، ضبطه وراجعه فؤاد أفرام البستاني، رئيس الجامعة اللبنانية.\n١٣٢ - المنجد في اللغة والأدب والعلوم.","vol":"2","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>جدول بتصويب بعض الأخطاء المطبعية التي وقعت في الجزء الأول من هذا الكتاب</span>\nالخطأ ... الصواب ... الصفحة ... السطر\nالفاوي ... الفتاوي ... ٦ ... ١٨\nفي حشوك ... في حشوٍ، كما ... ٥٢ ... ٢٧\nولا تخِيفني ... ولا تخفني ... ٥٢ ... ٣٢\nويتبصر ... وينتَصر ... ٦٥ .. ٢٧\nمانفَدَت ... ما نفِدِتْ ... ٨٢ .. ١٤\nآدمي ... عادِميْ ... ٩٧ ... ١٤\nكمجلود ... كجلمود ... ١٠٤ ... ١٢\nلا في المحاصل ... لا في المَحَامِلِ ١١٣ ... ١٠\nالزمخشي ... الزمخشري ... ١١٣ ... ١٠\nالزاوي ... الزواوي ... ١٣٥ ... ١٣\nتهذيب ... التهذيب ... ١٣٧ ... ١٧\nتشمل ... تشمتل .. ١٤٧ ... ٢٢\nانفقوا ... إتفقوا ... ١٥٠ ... ٢٧\nأو غيرهما ... أو غيرهما ... ١٥٣ ... ٢١\nيكون ... بما يكون .. ١٦٩ ... ٢٦\nفإذا انتهب ... فإذا انتهت ... ١٩٠ ... ٢١\nرافقه ... وافقة ... ٢٠٨ ... ١٦\nلقيه ... يقيه ٢١٢ ... ٢٠\nلا يتشرَّط ... لا يُشْتَرَط ... ٢٣٣ ... ٢١\nالسلع ... البيع ... ٢٣٣ ... ٢١\nإبدال ... إتباع ... ٢٤٨ ... ١٨\nيقبضه ... يبعه ... ٢٥٢ ... ١٧\nبخدق ... بِحِذْق ... ٢٧٦ ... ١٧\nولم يختلفن ... ولم يختلفوا ... ٣٢٥ ... ١٦\nبقَوْلٍ ... يقول ... ٣٣٠ ... ١٦\nالأً كم ... الأعَمِّ ... ٣٤٤ ... ٢١","vol":"2","page":583},{"text":"الخطأ ... الصواب ... الصفحة ... السطر\nخُلِّلُ ... خُلِّلَ ... ٣٢٧ ... ٢٦\nالسيلين ... السبِيلين ... ٣٧٤ ... ٢٣\nإن توِاها ... إن نواها ... ٣٨٦ ... ٢٣\nفلا عيرة به ... فلا عبرة ... ٣٩٠ ... ٢٦\nالمشرقِيُّ ... المشرقِيَّ ... ٣٩١ ... ١٥\nفشفي ... فشفَى ... ٣٩٣ ... ١٣\nولدراريهم ... ولذرايهم ... ٤٢٣ ... ٢٢\nبمفتضى ... بمقتضى ... ٤٣٢ .. ٢٢\nالمتغذي به ... المتغذَّي به ... ٤٣٩ ... ١٩\nيعهدهم ... بِعهدهم ... ٤٤٦ ... ٢٣\nوَالنقيلة ... النقلية ... ٤٦٥ ... ٧\nإلا استمعوة ... إلا استمعوهُ ... ٤٧٧ ... ٨\nالمعبار المعرب ... المعيار المعرب ... ٥١٠ ... ٢٨\nأجر كريم ... أجر كبير ... ١٦٩ ... ٢٨","vol":"2","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>ترجمة محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد بن محمد القوري </span>(١)\nاللخمي المكناسي ثم الفاسي، أندلسي الأصل، شهر بالقوري، بفتح القاف وسكون الواو ثم راء، نسبة لبلدة قريبة من اشبيلية، الإِمام العلامة المحقق.\nقال الونشريسي في تحليته: الفقيه البركة، المعظم المفيد، الصدر الأوحد، العلامة، الجامع، المشار إليه في سماء تحقيق العلوم العقلية والنقلية، الرفيع القدر والشأن، لم يختلف في فضله وسعة علمه اثنان، تاج الأئمة الحفاظ، ممن تكلُّ عن ذكر اوصافه العلمية الألفاظ، السيف الأقطع، والبدر الأسطع، الإِمام القدوة المولى العماد المشاوَر، حامل راية النص والقياس، رأس العلماء والناس، مفتي فاس، العالم العامل، برز في تحقيق العلوم وفاز، وعقد له في قلم الفنون اللواء والحفاز، ابن الشيخ الفاضل، الحسيب الأصيل، الناصح الصالح، الكامل النافع، الخاشع المبرور، أبي الفضل قاسم - اهـ.\nوقال تلميذه ابن غازي في فهرسته: شيخنا الإِمام الفقيه العالم العلم، العلامة المفتي المشاور الحجة الأنوه، الحافظ المكثر أبو عبد الله، كان آية في التبحر في العلم والتصرف فيه، واستحضار نوازل الفقه وقضايا التواريخ، مجلسه كثير الفوائد مليح الحكايات.\nوكان له قوة عارضة ومزيد ذكاء مع نزاهة وديانة وحفظ مروءة لا يأتي الزمان بمثله، لازمته في المدونة أعوامًا ينقل عليها كلام المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء والموثقين، ويطرز ذلك بذكر مواليدهم ووفياتهم وحكاياتهم وضبط أسمائهم، والبحث في الأحاديث المستدل بها في نصر لآرائهم، فمجلسه نزهة السامعين.\nسمعت عليه كثيرًا من الموطأ وبعض سير ابن إسحاق بحثًا وتفقهًا وبعض المدارك، والجوزقي ووثائق الجزيري، ونحتصر خليل، والمدونة، والرسالة، والتفسير والمرادي، أدرك من شيوخ مكناسة أبا موسى عمران الجاناتي راوية أبي عمران العبدوسي الذي جمع عنه التقييد البديع على المدونة، وعليه اعتمد في قراءتها، والشيخ المتفنن أبا الحسن علي بن يوسف التلاجدوتي، أخذ عنه العربية والحساب والعروض والفرائض، وعن الشيخ ابن جابر الغساني القراءات السبع، وعن أبي عبد الله الحاج عزوز الحديث والتاريخ والسير والطب، وعن الشيخ ابن\n_________\n(١) هذه الترجمة منقولة من كتاب نيل الابتهاج بتطريز الديباج، بهدف إزالة اللبس بين اسم الفقيه العلامة البقوري الذي سبقت ترجمته في الجزء الأول وبين الفقيه العلامة محمد القوري رحمهما الله.","vol":"2","page":585},{"text":"غيات السلوي علم الطب، وكان مجيدًا فيه، وبفاس عن الشيخ المتفنن الفقيه العالم المحقق أبي القاسم التارغدري، والشيخ الفقيه المحدث الحافظ أبي محمد العبدوسي، باحثه كثيرًا واستفاد منه مشافهة ومكاتبة، وهو الذي ولاَّه التدريس بفاس، وولي الله الشيخ الصالح الفقيه الزاهد عبد الله بن حمد وغيرهم.\nوإفاداته وإنشاءاته لا ساحل لها، كان لا يتنفس إلا بالفوائد، وكنت بمكناسة لمّا ارتحلت إليه أكاتبه بكل ما يعرض لي فيجيبني بما أحب، وكان لسانه رطبًا بلا إلاه إلا الله تسمعها جارية على لسانه في أثناء حديثه، ﵀، ولد بمكناسة أول القرن، وتوفى عام اثنين وسبعين وثمانمائة بفاس، ودفن بباب الحمراء - اهـ.\nثم ذكر ابن غازي اتصال سنده في الفقه لسحنون. وقال السخاوي في الضوء اللامع: كان متقدمًا في حفظ المتون وفقيهًا، علق شيئًا على المختصر، ولم ينشر، وانتفع به الطلبة، أخذ عنه الفاضل أحمد زروق وقال: إنه مات آخر ذي القعدة عام اثنين وسبعين، أنه سئل عن ابن عربي فقال: اختلف الناس ما بين مكفر ومقطب، والأولى الوقوف اهـ.\nقلت: أخذ عنه جماعة من أهل فاس وغيرهم كالشيخ إبراهيم بن هلال، والشيخ عبد الله الرموري شارح الشفا، وأبي الحسن الزقاق القاضي المكناسي، والمفتي أبي مهدي الأواسي، وابن غازي وغيرهم، وأما شرحه على المختصر فذكر أبو الحسن المنوفي شارح الرسالة في شرح خطبة المختصر أن القوري شرحه في ثمان مجلدات - اهـ.\nولم أره لغيره، ولا ذكر له البتة عند أهل فاس، والله أعلم.\nفائدة:\nقال الشيخ ابن غازي: حدثني صاحب الترجمة عن شيخه أبي عبد الله ابن عبد العزيز إنّه قال: ست العالم المحدث الحافظ الرباني البلالي بمصر يقول: حديث \"الباذنجان لما أكل له\" امثل إسنادًا من حديث \"ماء زمزم لما شرب له\"، قال شيخنا القوري: وهذا عكس المعروف - اهـ.\nقلت: ولعل النقل انقلب على ناقله سهوًا، وإلا فالذي نقل البلالي المذكور في مختصر الإحياء خلافه، بل صرح بأن حديث الباذنجان موضوع وضعته الزنادقة، وأن حديث ماء زمزم صحيح، وقد استوفيت كلامه وكلام غيره في تقييدي على المختصر في كتاب الحج والله أعلم.","vol":"2","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>خاتمة</span>\nأبيات لأبي البركات الشيخ أحمد بن محمد الدردير (١١٢٧ - ١٢٠١)، ﵀، ختم بها منظومته الشهيرة في علم التوحيد، والمسماة:\nبـ (الخريدة البهية في العقائد التوحيدية)، رأيت أن أجعلها مسك ختام صفحات هذا الكتاب، تبركا بإيرادها، وتذكيرا بمضمونها ومحتواها الذي يستحضره المسلم في كل وقت وحين، وهي أبيات تبتدئ من البيت التي يدل على ما تنطوي عليه كلمة الإسلام من معاني التوحيد والإيمان، والهدي إلى صالح الأقوال والأعمال. وهي كلمة لا إلاه إلا الله، محمد رسول الله. وهذه الأبيات هي المذكورة بقوله:\nوينطوي في كلِمةِ الإسلام ... ما قد مضى من سائر الأحكام\nفأكثِرن من ذِكرها بالأدب ... ترقى بهذا الذكر أعلى الرتب\nوغلب الخوف على الرجاء ... وسر لمولاك بلا تناء (بلا تَبَاعُد)\nوجدد التوبة للأوزار ... لا تيأسنْ من رحمة الغفار\nوكُن على الآله شكورا ... وكن على بلائه صبورا\nوكل أمر بالقضاء والقدر ... وكل مقدور، فما عنه مفر\nفكن له مسلِّما كى تسلَما ... واتْبَع سبيل الناسكين العلما","vol":"2","page":587},{"text":"وخلِّص القلب من الأغيار ... بالجد والقيام في الأسحار\nوالفكر والذكر على الدوام ... مجتنبا لسائر الآثام\nمراقبا لله في الأحوال ... لترتقي معالم الكمال\nوقل بذل: رب لا تقطعني ... عنك بقاطع ولا تَحرمني\nمن سرك الأبهى المزيل للعمى ... واختم بخير، يا رحيم الرحما\nوالحمد لله على الإتمام ... وأفضلُ الصلاة والسلام\nعلى النبي الهاشمي الخاتم ... وآله وصحبه الأكارم\nونفس المعنى الذي تضمنه البيت الأول من هذه الأبيات نجده عند الفقيه الجليل والعلامة الإِمام الأبر الكبير، أبي محمد عبد الواحد بن عاشر الأندلسي الفاسي ﵀ في أبياته المتعلقة بعلم التوحيد من منظومته الفقهية في العبادات، والمسماة بـ (المرشد المعين على الضروري من علوم الدين).\nيقول في ثلاثة أبيات منها:","vol":"2","page":588},{"text":"وقول لا إلاه إلا الله ... محمد أرسله الإلاه\nيجمع كل هذه المعاني ... كانت لذا علامة الإيمان\nوهي أفضل وجوه الذكر ... فاشغَلْ بها العمر تفزْ بالذخر\nوفقنا الله لسديد الأقوال وصالح الأعمال، وللتحلي بخلق كتابه القرآن، والاهتداء والاقتداء بنبيه ورسوله سيدنا محمد عليه وعلى آله وصحابته أفضل الصلاة وأزكى السلام. وجعلنا على سنن العلماء العاملين، وعلى نهج العباد الصالحين، وختم لنا بالسعادة التي ختم بها لأنبيائه ورسله، وأصفيائه وأوليائه المتقين، وجعلنا يوم لقائه من الآمنين المطمئنين، وممن ينعمون ويسعدون في الآخرة بنعيمه المقيم، والنظر إلى وجهه الكريم، فهو سبحانه الجواد الكريم، والرحمان الرحيم.\nفاللهم استجب الدعاء، وحقق الأمل والرجاء بفضلك وجودك، وكرمك وإحسانك يا رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، واغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، آمين.\nوصلي الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"2","page":589}]}